اخرجي من هنا، اللي كان ليكي هنا راح، مش عايزه اعرفك تاني. رفعت وشها من بين ايديها اللي دفناه فيه وبت -بكي بحر -قه، وبصتلي بصة وجع، وكسرة، ودارت بعينها حواليها. الستات بدأت تهمس، اللي شمتان فيها، واللي بيضحك بغل عليها زي مرات أبويا. ورجعت بصتلي تاني وبهدوء سحبت نفسها ومشيت. مشيت ورا جنازة رامز. مشيت مكسورة ذليلة. والسبب أنا بنتها. مرت الأيام بطيئة، حزينة. ومن يوم موت رامز وأنا حالتي ساءت.
حتى هي مبقتش أشوفها ولا عادت بتيجي. وأنا تعبت أكتر. وبقيت لا عارفة آكل ولا أنام. ورجعت مرات أبويا تشتغل علينا أكتر. وكل ما الأيام تمر، ولادي الصبيان كانوا بيقووا عليا أكتر وأكتر. حتى حسن بدأ يزهق مني ويهددني إنه هيتجوز عليا. كل حاجة كانت بتتسحب من تحت رجلي. وأنا مش دارية، مش بإرادتي. أهملت جوزي واهتماماته، وإنه راجل وله متطلبات. حتى بدأت أعمل كل حاجة ممكن تضايقه. طبعًا مرات أبويا كان أمنية حياتها تتخلص مني.
عندها بنت عانس وأمنيتها من زمان إنها تجوزها جوزي. بس جوزي كان بيحبني واختارني ورفضها. هي قاصدة تموتني. تموتني بالوسواس اللي ركبني، والمَس اللي مبهدلني، وبتصرفاتي اللي مبقتش قادرة أفرق إن كانت صح ولا غلط. حتى النوم مبنمش، وأهملت بيتي وولادي. فكرة جوازه عليا كانت بتموتني وبتجنني. تعبي وتعب أعصابي والسحر اللي هري جسمي ومعدتي، خلاني بقيت بتصرف تصرفات عجيبة.
أوقات ألاقي نفسي مشتاقة لأمي وندمانة، وأوقات أقعد أدعي عليها وأشتمها، وأتهمها إن هي السبب. سمعت إنها تعبانة أوي، وطلبت إني أزورها وأشوفها. جوزي اتحايل عليا، وقالي حرام عليكي، روحلها. بس أنا مكنش فارق معايا، أو يمكن كنت بدعي وأكذب وأقول كدا. بس كان فيه شيء جوه قلبي بيوجعني. لما بيزول تأثير السحر، بحن ليها وببقى عايزة أجري أحضنها. بس للأسف تأثيره لحظات بسيطة، وبيرجع الحال لسابق عهده. لكوني بنت جاحدة، ومشيت الأيام.
وكل اللي أعرفه عنها إنها مريضة، ونفسها تشوفني بس. كنت بصد أي حد بيوصلي أخبارها. حتى إني أصرت على حسن يوديني بيتنا اللي في القاهرة أغير جو. وللأمانة تحت إصراري مرفضش. وهناك بدأت كل حاجة تخف. ارتحنا وبدأت أرجع لطبيعتي إلى حد ما. بمساعدة حسن وشيخ الجامع بالمنطقة، واتغيرت حياتي ونسيت. ومرت سنين ولما حسن لاحظ حالتي اللي بتتحسن مكنش عايز غير كده. استقرينا، وقفلنا على الماضي بحلوه ومره.
كان حسن بيقولي أنا مش عايز غير راحتك، ومعاها عايز سما اللي حبتها. وعشنا حياتنا. بس فضلت دعوة أمي معلقة في وداني، وبتوجع قلبي بقوة كل ما افتكرها وأخاف تتحقق. مكنتش بجرأ أذكر اسمها، ولا أسأل عليها. حتى أخواتي البنات منعتهم يجيبوا سيرتها، هي ومرات أبويا، ولا حتى سيرة أبويا وأعمامي. كان فيه حاجة دايماً مخوفاني، حاجة مقيداني عن النبش في الماضي، ومعرفة أخبارها والحنين ليها وأرجع هناك. المواجهة نفسها كانت ليها رهبة في قلبي.
دفنت الماضي، وتناسيت. لحد ما الدنيا قررت تمنحني حقي من الدعوة أخيراً. ومات أعز الحبايب. حسن جوزي. مات في حضني، وعلى دراعي، مبتسم. بعد صبر سنين معايا على حالي، واللي جرالي. كان حنين، كان دايماً يقولي اخترتك من البداية وهنكمل للنهاية. انتِ اللي ينفع أعيش معاها، وتعيشي معايا. إحنا اتخلقنا لبعض وعشان بعض، وعشان ربنا ليه حكمة في كده. انتِ مني، واللي مني مينفعش أسيبه أو أتخلى عنه، أو تكون نهاية حكايتنا بالشكل ده.
كان دايم الابتسامة رغم الآلام والتعب. دايماً يعيد ويزيد، ويقول لو رجع بيا العمر لورا، هختارك بردو، وهحبك بردو عشان انتِ أنا، وأنا مينفعش يقسي على أنا. بس الحكايات الجميلة مبدومش، وإن دامت مصيرها معروف. واحد بيدخل قبل التاني المقبرة. ودا اللي كنت دايماً خايفه منه. دايماً أدعي بعد كل سجدة، يارب بلاش، كفاية عليا وجع. يارب الأول أجيلك أنا. بس للأسف.
في حاجات كده في حياتنا مينفعش ننساها، زي الدم بتجري في عروقنا، حاجات اتخلقنا ليها واتخلقت عشانا. الاستسلام موت على الحياة الدنيا، وموت الدنيا أقوى من الموتى الكبرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!