تحميل رواية المعلم بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الفصل الأول أنا آسف يا ليلي أنا آسف يا حبيبتي، بس أنا تعبت. تعبت من المسئولية اللي فوق طاقتي، تعبت من نظرة الشفقة اللي بشوفها في عيون الناس. أنا مش عايز أكون عاجز، مش عايز أكون حمل على حد. كانت الكلمات دي آخر كلمات قالها "آدم" قبل ما ينهي حياته بإيده، ويسيب "ليلى" وحيدة في الدنيا. ليلى اللي كانت بتحبه أكتر من روحها، ليلى اللي كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشانه، ليلى اللي كانت شايفاه بطلها، حبيبها، وسندها في الدنيا. ليلى اللي ما كانتش تعرف إن حبيبها وسندها ده هيتخلى عنها بالسهولة دي. بعد ما آدم مات،...
رواية المعلم الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم تسنيم المرشدي
وقف أسفل صنبور المياه الدافئة التي تنسدل أعلاه بغزارة، يحاول جاهدًا أن يتناسى ما حدث قبل قليل. يشعر بأنه قد خان صغيرته بقربه من دينا، استنكر تفكيره الساذج فهي بالأخير زوجته لكن شعور خيانته لعنود يزداد أكثر.
أغلق المياه وولج سريعًا إلى الخارج، وارتدى ثيابه قبل أن تدلف دنيا من المرحاض الآخر، وهم بالصعود إلى الأعلى. فتح الباب برفق وتوجه مباشرة إلى غرفتهما، كانت لا زالت هي على وضعها كما تركها، غافية لا تشعر بما يدور حولها.
تنهد مستاءً من ذاته وسار نحوها بخطى متمهلة، يريد أن يعتذر منها على ما اقترفه لكن ليس للاعتذار صحة من الأساس فلديه حقوق نحو الأخرى كما عليه حقوق تجاه عنود.
أزفر أنفاسه بضيق شديد ثم اقترب منها، لن يستطيع الصبر لأكثر وحاول إيقاظها بهدوء بتمرير أنامله على وجنتها قائلًا بنبرة حنونة:
حبيبي اصحي.
سرت رجفة قوية في أوصالها الساكنة إثر لمسته على وجهها، استيقظت وهي تتثاءب بكسل، شكلت ابتسامة على ثغرها عندما رأته أمامه. طبع ريان قبلة رقيقة على طرف شفاها وهتف بافتقاد:
مش عايزك تزعلي مني بس أنا كنت هتجنن أنك واقفة مع واحد غيري!
التوى ثغرها بابتسامة خجولة وأردفت متسائلة بفضول أنثوي:
بتغير عليا؟
خفق قلبه بشدة إثر سؤالها ثم ضمها بكل قوته إلى حضنه، دفن رأسه في عنقه وسحب نفسًا عميقًا وهتف بثقة:
ده أنا بموت عليكي من الهوى الطاير.
أخرجت عنود تنهيدة حارة ثم عانقته بقوة، جذب انتباهها ما في عنقه، تراجعت قليلًا لكي تتأكد مما رأته، صعقت عندما رأت ما يغزو عنقه، تعالت وتيرة أنفاسها ولم تستطع السيطرة على وضعها.
خفق قلبها بحزن عارم وشعرت بالنفور الشديد منه، دفعته بعيدًا عنها ثم انتفضت من مكانها وولجت داخل المرحاض تحاول السيطرة على دموعها التي تترقرق في عينيها وتهدد بالنزول.
لم تتمالك دموعها لأكثر وانفجرت باكية عندما أوصدت الباب خلفها، وضعت يديها على فمها لكي تمنع تسلل نبرتها إليه، لكن هيهات لنبرتها التي دوت في المكان بألم شديد، تفاجأ ريان من نفورها المفاجئ منه وركض خلفها لكي يفهم حقيقة الأمر.
طرق الباب بخفة ثم توقف عندما أصغى لبكائها، دنا من الباب ووضع أذنه عليه لكي يتأكد من حدسه، وتفاجأ بصوتها الذي تحاول منعه من الخروج، ازدادت طرقاته بعنف وهتف بنبرة متوجسة:
عنود افتحي الباب ده!
بعد إلحاح كبير منه فتحت هي على مضض وأبت أن يقترب منها، تراجعت للخلف عدة خطوات وأردفت من بين بكائها:
خليك عندك!
سحب ريان نفسًا عميقًا لكي يستطيع مواصلة الحديث معها دون أن يظهر غضبه من نفورها منه وردد بحدة:
انتي بتهربي مني ليه؟
رمقته هي لبرهة وأردفت بفتور:
لما أنت كنت معاها جاي تترمي في حضني ليه؟
حسنًا! لقد استشف الأمر كاملًا، أخرج تنهيدة بطيئة مليئة بالضجر ثم اقترب منها بخطى متريثة ولم يصغِ لهرائاتها السخيفة التي تحثه على التوقف وعدم تقربه منها، انحنى بجسده ومد ذراعه أسفل ركبتيها والآخر خلف خصرها وحملها بين ذراعيه.
وضعها في المغطس الرخامي وقام بفتح صنبور المياه أعلاها، شهقت عنود بصدمة كبيرة ورددت بعدم استيعاب لما يفعله:
انت بتعمل إيه؟
وقف هو الآخر في منتصف المغطس وفك أزرار قميصه سريعًا أسفل أنظارها المثبتة عليه بغرابة من تصرفاته المبهمة، بينما لم يعبأ ريان لنظراتها وواصل ما يفعله في صمت، ألقى القميص بعيدًا عنه ثم اقترب منها وأزاح عنها ثيابها المبللة.
حاولت هي مقاومته لكن قوته مضاعفة لها وفشلت هي بإبعاده عنها، حاوطها هو وباتت هي حبيسة ذراعيه وأردفت بحنق:
ممكن أفهم انت بتعمل إيه؟
انحنى برأسه على عنقها يلثمها بقبلاته التي سببت لها رجفة في جسدها وأجابها بنبرة تائهة:
عايز أشيل أي أثر عليا لواحدة تانية غيرك!
رفعت بصرها عليه وابتلعت ريقها بارتباك خجل وهتفت بعتاب:
بس أنت كنت معاها و..
وضع ريان إصبعه على فمها وتابع هو حديثه بنبرة متحشرجة:
ششش مش عايز أكون غير معاكي أنتي وبس.
لقد تبخرت مقاومتها له تمامًا، حبها له قد غلب ألمها التي شعرت به منذ قليل وتاهت هي بين لمساته وكلماته التي يردفها من حين لآخر كدليل قاطع على عشقه لها وحدها.
حل الليل سريعًا، جلست عنود على قدمه تضع الطعام في فمه بيدها، رفض ريان أن يأكل بيده لكي يتلذذ بالطعام داخل فمه من يدها الناعمة.
طرق الباب فنهضت عنود وولجت داخل الغرفة بينما توجه ريان نحو الباب وفتحه وتفاجأ بتلك اللعينة واقفة أمامه وخلفها زوجها، رمقهم بجمود بينما استشاطت رنا من مظهره، لأول مرة تراه على هذا الوضع لم يكن يرتدي سوى شورت قصير وعاري الصدر.
بربك أيها الرجل، أليس من حقي التمتع بهذا المظهر قليلًا، حاولت السيطرة على نبضات قلبها التي ازدادت عن معدلها الطبيعي وهتفت بنبرة جهورية:
البيت ده بيتي وأنا مش عايزة ناس حثالة زيكم موجودين فيه.
اتسعت حدقتا ريان بصدمة لنبرتها الوقحة معه وصاح بها هادرًا:
ما أنتي لو معاكي راجل كان عرف يلمك.
أجبرها هاني على التنحي جانبًا ووقف عن مقابل ريان يطالعه بنظرات متشفية وأردف بجمود:
اهدى على نفسك لما نشوف في الآخر مين فينا اللي راجل!
رفع هاني أوراقًا عديدة أسفل أنظار ريان المصدومة، لم يستوعب بعد ما قرأه لتوه، تعالت وتيرة أنفاسه بغضب وصاح مندفعًا:
الورق ده مزور أنت متعرفش تعمل كده!
التوى ثغر هاني بابتسامة متهكمة وهتف بتشفٍ:
أثبت أنه مزور وعليّ لما تثبت مش عايز أشوفك جوه بيتي!
انقض عليه ريان وأمسكه من تلابيب قميصه ثم لكمه بقوة وهو يشعر بأنه يحلم، حتمًا أنه كابوس وليس حقيقة، ارتفع صوت ضجيجهم، لم يستطع ريان السيطرة على غضبه الذي تحول إلى صراخ دوى في السلم من شدته.
تجمع من في المنزل إثر صوتهم، حاول يحيى فض اشتباكهم لكنه فشل فريان كان أقوى مما رآه من قبل، صراخه ألم قلوب الجميع وهم غير عالمين بحقيقة الأمر، دوت صرخات عنود ودينا وهن يحاولن مع ريان أن يترك أخيه لكنه يدفعهم بكل قوته ويعود إليه مرة أخرى، لا يكتفي من لكمه.
يشعر بغضب عارم لو خرج منه لحرق الأرض بمن عليها، لا يصغي إلى أصوات الجميع التي تحثه على التوقف والابتعاد، فقط يزداد عنفًا وقسوة ربما يستيقظ من ذاك الكابوس السخيف، لكنه لا يستيقظ لأنه بالفعل في أمر حقيقي وليس حلمًا.
توقف فجأة ووضع يده على قلبه الذي آلمه بشدة، مرر أنظاره على الجميع لا يرى أي ملامح أمامه فلقد تشوشت رؤيته تمامًا إلى أن ارتطم جسده بالأرض وبات في عالم آخر لا يشعر بما يدور حوله.
يركض به فريق من الممرضين مع بعض الأطباء وهو موضوع على النقالة الطبية، كما يركض خلفه يحيى وخالد وعلي من جانب ومن الجانب الآخر تركضن دينا وهاجر وعنود.
صوت بكائهم يدوي في المكان وجذب الأنظار المشفقة عليهم، أغلق أحد الممرضين الباب بعدما ولجوا داخل غرفة الطوارئ بينما وقف الجميع في حالة مزرية غير مصدقين ما يحدث.
وقفت عنود أمام الباب قيد انتظار دلوف أحدهم فقط لتطمئن عليه، لن تتحمل خسارة أخرى ستنهار خلفه، لن يسع قلبها كل تلك الآلام التي تأتي خلف بعضها.
وضعت يدها على قلبها عندما شعرت بوخزة قوية فيه، عليها الصمود إلى أن تطمئن عليه، تشعر بأنها ستنهار من الآن خشية أن تلقى مصرعها، هزت رأسها مستنكرة تفكيرها ولم تستطع الصمود خلف ذلك الباب اللعين لأكثر.
فتحته بكل قوتها وولجت إلى الداخل، ركض نحوها أحد الممرضين وأردف بحدة:
لو سمحتي مينفعش كده اتفضلي بره.
دفعته عنود بعيدًا عنها وتابعت سيرها بالقرب من ريان وهي تجهش باكية، هرول خلفها معترضًا طريقها وردد بنبرة صارمة:
اتفضلي برا!
صاحت به عنود وهي ترمقه بغضب:
مش خارجة.
انتبه الطبيب لصراخها وأشار إلى الممرض أن يتركها وهتف:
مدخلش حد تاني.
أومأ الممرض رأسه بطاعة ثم توجه نحو الباب ورفض دخول أشخاص آخرين وأغلق الباب ثم أوصده لكي يضمن عدم ولوج أحدهم كما فعلت تلك الفتاة، توجهت عنود نحو ريان وأمسكت بيده وظلت تبكي بمرارة.
لقد توقف نبض قلبه!
التفتت عنود إلى الجهاز الطبي الذي يظهر مؤشر نبضات القلب بصدمة عندما أصغت إلى صوته اللعين الذي يدل على توقف نبضات قلبه، واقتربت منه وظلت تلكمه بيدها هاتفة:
"لا لا لا اشتغل تاني عشان خاطري اشتغل تاني."
أسرع الطبيب بوضع جهاز صدمات القلب وقام بأول صدمة لإعادة نبضات قلبه لكن دون جدوى، ازداد نحيب عنود وسقطت على الأرض بإهمال فاقدة الأمل في عودته للحياة مرة أخرى.
ركضت نحوها ممرضة وتساءلت باهتمام:
"أنتِ كويسة؟"
رفعت عنود بندقيتها عليها وهتفت بنبرة موجوعة:
"قولي له يصحي عشان خاطري!"
ترقرقت العبرات في عيني الممرضة وانحنت بجسدها نحوها تربت على ذراعها بقلة حيلة، بينما زاد الطبيب من معدل الجهاز وقام بصدمه مرة ثانية.
هتف أحد الممرضين قائلًا:
"النبض رجع يا دكتور."
أزفر الطبيب أنفاسه براحة ثم أعاد الجهاز مكانه ومسح حبات العرق التي انسدلت من جبينه حامدًا الله على عودة نبضات ريان للحياة.
نهضت عنود بصعوبة بالغة، تعثرت قدماها وسقطت أرضًا، لم تعد لديها القدرة على الوقوف بمفردها من فرط الخوف، ساعدتها الممرضة في الوقوف والتوجه إلى ريان، ثم انحنت هي عليه برفق وقد انسدلت دموعها على صدره العاري وأردفت بألم:
"عشان خاطري متسبنيش."
انسحب الجميع واحدًا تلو الآخر إلى أن باتت الغرفة خالية إلا من ريان وعنود، سحبت مقعدًا، وجلست أعلاه وظلت تطالعه قيد انتظار عودته إليها بفارغ الصبر.
ولج الجميع داخل الغرفة لكي يطمئنوا عليه، جلس كلا منهم في مكان قيد انتظار عودته إليهم، مر ما يقرب من الساعة ثم استعاد ريان وعيه، أول من لاحظت كانت عنود لأنها لم تبعد بصرها عنه قط، نهضت مسرعة وابتسمت بسعادة غامرة وانحنت على يده ووضعت قبلات عديدة عليها وهي تنهمر في البكاء.
اقتربت من وجهه وتحسسته بأناملها وهتفت متسائلة باهتمام:
"أنت كويس؟ في حاجة بتوجعك؟ حاسس بإيه؟"
لم ينبس ريان بشيء فقط كان يطالعها بنظراته لا أكثر، كما انسدلت أسئلة الجميع عليه:
"ريان أنت كويس؟ الحمد لله على سلامتك، خضيتنا عليك" وغيرهم من ذاك القبيل.
مال برأسه إلى الجانب وأوصد عيناه لا يريد التحدث فقط يريد البقاء بمفرده يتحسر على مصيبته التي تسبب بها شقيقه الأكبر، حضر الطبيب عندما قام خالد بندائه لكي يطمئنهم على حالة ريان، طلب الطبيب من الجميع أن يخلوا الغرفة لكي يجيد عمله بإتقان.
أبت عنود ترك يده ووافق الطبيب على مرافقتها لهم دون غيرها، فحص ريان ثم حاول التحدث معه لكن دون جدوى، رفض ريان أن ينبس بشيء، تنهد الطبيب بحزن ودلف إلى الخارج لكي يعلم سبب ما تعرض إليه ريان.
قص يحيى مختصرًا ما حدث سريعًا، هز الطبيب رأسه بإيماءة خفيفة عندما استشف الأمر وأردف موضحًا حالة ريان:
"المريض اتعرض لصدمة شديدة أدت لوقوف قلبه ومن لطف ربنا إننا قدرنا نسيطر على الوضع لكن طبيعي أنه يرفض يتكلم في الفترة دي لأن عقله لسه مستوعبش الصدمة اللي اتعرض لها، طبعًا لازم نوفر له بيئة خالية من التوتر وشد الأعصاب ونحاول نتجنب أي ذكر للموقف اللي حصل، ضروري هو يتأقلم مع الوضع من نفسه، هياخد فترة على لما عقله يستوعب اللي حصل ويبدأ يتأقلم ويرجع طبيعي تاني."
أسرع خالد بالحديث متسائلًا بشفقة:
"الحالة دي ممكن تطول يا دكتور؟"
أجابه الطبيب بعملية:
"حسب البيئة اللي هيكون فيها والدعم اللي هيقابلوه من اللي حواليه ضروري يكون موجود وسط ناس بيحبوهم وبيحبوه ويخافوا عليه ويحاولوا يحسنوا من حالته بكل الطرق الممكنة بس طبعًا بطريقة غير مباشرة."
أومأ خالد رأسه بتفهم بينما تابع الطبيب حديثه متسائلًا:
"هي مين البنت اللي معاه جوه دي؟"
أجابه خالد بتلقائية:
"دي مراته!"
هز الطبيب رأسه متفهمًا وأردف بجدية:
"أنا لاحظت أنه مش بيرفض قربها زي ما رفضني ياريت هي اللي تكون جنبه الفترة دي وأي حد محتاج يوصله حاجة يكون عن طريقها عشان يتقبلها."
غادر الطبيب بعد أن ألقى بتعليماته، جلست دينا على أقرب مقعد قادتها قدماها إليه، شعرت بخيبة أمل كبيرة هي من يجدر بها العناية به وليست تلك الفتاة هي أحق منها بمرافقته وليست هي، لم تشعر بعبراتها التي انسدلت رغماً عنها ألمًا على حالها.
ولجت هاجر برفقة يحيى ثم تبعها خالد وعلي إلى الداخل، تفاجأ الجميع بجلوس عنود على الفراش واضعة رأسها على صدره وتبكي في صمت، تضع قبلاتها الرقيقة على كف يده من حين لآخر.
حمحمت هاجر بحرج واقتربت من ريان ثم قالت بحزن جلي على ملامح وجهها:
"حبيبي أنت كويس طمني عليك يا ريان!"
لم يكترث لها ريان فهو لا يرى سوى الأوراق التي رفعها هاني أمام بصره، أخرجت هاجر تنهيدة بطيئة مليئة بالحزن الشديد وأردفت:
"اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف به ايه يا رب اللي بيحصل ده؟!"
جهشت هاجر باكية بمرارة بينما أسرع علي نحوها وأخرجها إلى الخارج وقال:
"هاجر أنا مقدر زعلك بس أنتِ سمعتي الدكتور قال إيه لازم نبعده عن توتر امسكي نفسك شوية."
ازداد نحيب هاجر بشدة وهتفت بألم:
"غصب عني والله منظره وجع قلبي."
اقترب منها علي وضمها برفق إلى حضنه وربت على ظهرها بقوة ربما يقلل من حزنها قليلًا، بينما فر يحيى هاربًا إلى الخارج لأنه لم يتحمل رؤية شقيقه على تلك الحالة.
وقف خالد يطالع ريان بأسى شديد ثم دلف إلى الخارج بخطى مهرولة قاصدًا الذهاب إلى ذاك اللعين الذي تسبب في فعل ذلك، لابد أن يعلم حقيقة الأمر حتى إن كلف الأمر قتله فلن يتردد.
صف سيارته في منتصف الطريق بإهمال وترجل منها بغضب شديد لدرجة أنه ترك الباب دون أن يغلقه، ولج داخل المعرض مهرولًا بخطى غير مستقيمة، ينطق الغضب من عينيه ولا يريد سوى أن يفتك برأس ذاك المختل.
فتح باب المكتب بعنف واقترب منه وقبل أن يردف هاني بشيء كان قد لكمه خالد بكل ما أوتي من قوة، ظل يلكمه حتى أوسعه ضربًا وسالت الدماء من وجهه بغزارة.
أمسكه خالد من تلابيب ثوبه وصاح به هادرًا:
"أنت عملت كده ازاي؟"
رمقه هاني مستاءً من سذاجته وأردف وهو يبتسم بتهكم:
"أنت اللي ساعدتني، متشكر أنك نسيت التوكيل في المكتب!"
صعق خالد مما وقع على مسامعه وطالعه لبرهة غير مصدق ما سمعه لتوه، تركه ثم نهض وهو يتخبط بين أفكاره، دلف إلى الخارج بخطى هزيلة يجر قدمه بثقل، لم يستمع لأي من أسئلة العمال على صحة ريان، دلف إلى الخارج مطأطئ الرأس إلى أن وصلا إلى منزله سيرًا دون سيارته.
تفاجأت آية بحالته المذرية وركضت نحوه بتوجس شديد وهتفت متسائلة:
"ريان حصله حاجة؟"
ألقى خالد بجسده على أقرب أريكة قادته قدماه إليها، وضع كلتا يديه أمام وجهه وهتف من بين بكائه:
"أنا السبب في اللي حصل!"
قطبت آية جبينها واقتربت منه بخطى متمهلة وجلست القرفصاء مقابله وأردفت بتوجس:
"أنت السبب ازاي؟"
بدأ يقص عليها ما أخبره به هاني، يزداد نحيبه كلما تعمق في الحديث أكثر، ناهيك عن شعوره القوي بأنه المتسبب الأساسي في حالة صديقه.
نهضت دينا عندما رأت العم ماهر يقترب منهم برفقة أحد جيرانهم، أمسكت بيده وأردفت:
"أنت جيت ليه يا عمي حضرتك لسه تعبان."
لم يعبأ ماهر لحديثها وأردف بنبرة حزينة:
"ريان فين أنا عايز أطمن عليه."
سألها معز (جارهم بالمنطقة وأحد عمال ريان) باهتمام:
"المعلم ريان أخباره إيه؟"
جهشت دينا باكية وقالت بأسى:
"حالته صعبة جدًا رافض يتكلم مع أي حد فينا ربنا يعديها على خير."
هز معز رأسه بأسى وحزن وهتف:
"حسبي الله ونعم الوكيل."
غادر معز بينما ولج ماهر إلى غرفة ريان برفقة دينا التي تسانده، صعقت دينا من منظرهم الحميمي ووقفت تطالعهم لبرهة، ابتلعت ريقها مرارًا ثم أجبرت نفسها على السير فقط من أجل ماهر.
"ريان يا بني أنت كويس؟"
هتف بهم ماهر متسائلًا بشجن وهو يتحسس وجهه وذراعه باهتمام كبير، بينما لم يعره ريان أي اهتمام هو لا يشعر بهم من الأساس، أخرج ماهر تنهيدة بطيئة تحمل بين طياتها الأسى على حال والديه، فالكبير قد سرق الصغير والصغير في حالة لا يرثى لها من خلف تصرفات الكبير، يا ويلتاه كيف سيصمد أمام تلك المصائب؟!
جلست دينا على طرف الأريكة الجلدية تطالع عنود التي تبكي بمرارة ولا تكف عن تقبيل يد ريان تارة وتارة تحتضنها، كما لاحظت تحريك ثغرها كأنها تتلو آيات من القرآن، لماذا لم تفعل هي ذلك؟ لقد رفضت تقربه منها كلما كان يحاول معها، كانت تنفر منه دومًا بحجة حيائها، تبًا لها ولحيائها الذي ألقى بها على تلك الأريكة وامرأة أخرى هي من تحظى بقرب زوجها.
عادت هاجر إلى الغرفة عندما شعرت بتحسن قليل بعد سيرها في حديقة المشفى برفقة علي لكي يخفف من حزنها، تفاجأت بوجود والدها وأسرعت نحوه وألقت نفسها بين أحضانه وجهشت باكية وتناست تمامًا كلمات علي التي كان يحثها على الصمود، كما شاركها ماهر البكاء متحسرًا على والديه وكونه لا يملك إصلاح ما حدث.
عاد يحيى هو الآخر حاملًا زجاجات مياه ربما يحتاج أحدهم إلى مياه، ظل الجميع يطالع ريان الهزيل الذي لا يقوى على فعل شيء وهو بين أحضان زوجته التي تبكي وتقبل يديه وجبينه من حين لآخر.
جلس على الأريكة بإهمال وهتف بنبرة محتقنة ممزوجة بالندم:
"أنا حاسس أن اللي عملناه غلط أخويا بسببي في المستشفى الوقتي."
أجابته رنا بجمود وهي مسطحة على الأريكة موصدة العينين تتلذذ بتلك اللحظات الثمينة:
"دي أحلى حاجة عملتها من يوم ما عرفتك حسيت النهاردة أنك راجل يعتمد عليه."
رمقها هاني بغيظ عارم وهتف بحنق:
"يعني أنا قبل كده مكنتش راجل مكنتش مالي عينك!"
فتحت عينيها ورمقته بطرفهما وأردفت بفتور:
"لا مكنتش شيفاك راجل."
صعق هاني لتصريحها الوقح واندفع بها هادرًا:
"اتعدلي يا رنا بدل ما أعدلك."
نهضت وسارت إليه وهي تتغنج، مالت عليه وحاوطت الأريكة بيدها وبات هو حبيس ذراعيها وهتفت بثقة:
"متقدرش يا هاني."
التوى ثغرها على الجانب مشكلًا ابتسامة متهكمة ثم نهضت وأولته ظهرها لكنه لحق بها وجذبها من ذراعها قائلًا:
"أنا هروح أرجع له حقه و...."
صمت هاني عندما قاطعته هي بصراخها في وجهه:
"ده يبقى آخر يوم بيني وبينك لو رجعت له حاجة، مش بقولك مش راجل!"
أزفر هاني أنفاسه بضجر بيّن وهتف بحنق:
"أنا هوريك الراجل اللي مش عاجبك ده هيعمل إيه وأولهم مش هرجع له حاجة عشان بس تعرفي إني راجل أوي."
وقفت في منتصف الردهة وصفقت بيدها ساخرة منه ثم ولجت داخل غرفتها لأنها بلغت ذروة تحملها من ذاك البغيض.
بزغ نور الفجر وارتفعت أصوات تغريد العصافير على الأشجار المحاوطة للمشفى، كانت الغرفة خالية إلا من كليهما بعد أن أمرهم الطبيب بالمغادرة وترك مرافق واحد لريان، استيقظت عنود على ألم شديد في سائر جسدها بسبب غفوها على وضع غير ملائم، أخفضت رأسها لكي تطمئن على ريان وتفاجأت بعينيه تطالعها باهتمام.
تقوس ثغرها بابتسامة عذبة وأردفت:
"أنت كويس يا حبيبي؟"
أشار ريان إليها بأهداب عينيه مؤكدًا سؤالها ثم أشار إليها برأسه نحو الأريكة، نظرت إلى حيث ينظر واستشفت أنه يريدها أن تغفو عليها، عادت ببصرها عليه وأبت أن تنهض من مكانها قائلة:
"أنا مرتاحة كده المهم أنت مرتاح؟"
طالت نظراته عليها وقد لاحظت هي اعوجاجًا في فمه كما لا يستطيع فتح عينه اليسرى أيضًا، اقتربت منه قليلًا وأردفت متسائلة:
"إيه ده؟"
خفق قلبها ألمًا على حالته ثم وضعت رأسه برفق على الوسادة ودلفت إلى الخارج لكي تحضر طبيبًا، عادت إليه بعد دقائق معدودة وبدأ الطبيب بفحص ريان وحاول أن يتحدث معه لكنه واجه صعوبة بالغة معه، تنهد مستاءً ثم دلف إلى الخارج، تبعته عنود لم يكن لديها القدرة حتى تسأله عن وضعه لكن يكفي نظراتها التي تحثه أن يطمئنها على حالته.
حمحم الطبيب وتحدث بجدية:
"للأسف المريض عنده العصب السابع أو بمعنى أدق شلل نصفي في الوجه وده لأنه اتعرض لصدمة شديدة."
فغرت عنود فاها بصدمة كما انقبض قلبها بتوجس شديد حيال ريان وأسرعت بالحديث متسائلة:
"يعني هو هيفضل كده على طول؟"
أومأ الطبيب رأسه نافيًا حديثها وأردف موضحًا:
"لا طبعًا بالأدوية والتمارين اللي هيواظب عليها هتروح هي مسألة وقت مش أكتر بس طبعًا لازم حالته النفسية تتحسن عشان يرجع طبيعي تاني."
أومأت عنود رأسها متفهمة ثم ولجت داخل الغرفة بخطى هزيلة حزينة على حالته التي تسوء عن ذي قبل، سحبت نفسًا عميقًا وسارت نحوه، جلست بجواره على الفراش واحتضنت وجهه بكلتا يديها وهتفت بنبرة متوسلة:
"اتحسن بسرعة عشاني، أنا ماليش حد غيرك بليز ريان!"
انسدلت دموعها بغزارة ألمًا على حالته، رفع ريان يده وكفكف عبراتها بأنامله كما انكمشت ملامحه بغضب، فأسرعت عنود في التوقف عن البكاء، استنشقت أكبر قدر من الأكسجين ثم مالت برأسها بحب على يده الموضوعة على وجنتها وأوصدت عينيها تستمتع بدفء يده.
في تلك الأثناء صدح آذان الفجر، ابتسمت له عنود وعدلت رأسها ثم طبعت قبلة رقيقة داخل كفه وأردفت:
"يلا نصلي، أنا عارفة إنك مش قادر تقوم هساعدك تتوضى وصلي وأنت قاعد تمام!"
عقد ريان حاجبيه بغرابة فاستشفت هي قصده وهتفت موضحة:
"في حديث عن الرسول بيقول (صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب)."
رمش ريان بعينيه متفهمًا ثم ولجت هي داخل مرحاض الغرفة وتوضأت ثم جذبت مياه في زجاجة بلاستيكية كانت موضوعة بالداخل وساعدته أن يتوضأ ويرتدي ثيابه لكي يخفي عورته ثم شرع كلاهما في الصلاة بخشوع.
أنهت صلاتها ثم انتظرت أن ينهي هو الآخر صلاته واقتربت منه وأمسكت يديه وأردفت بنبرة حنونة:
"لعل الخير يكمن في الشر!"
لم يعِ ريان تفسير جملتها فتابعت هي حديثها بتوضيح:
"الله أعلم يمكن اللي حصل ده وراه خير، أهم حاجة عندي أنك تكون كويس مش عايزة غير كده والله."
انسدلت قطرة من عين ريان رغماً عنه فأسرعت هي بمسحها وهتفت متوسلة:
"لا لا عشان خاطري بلاش كده."
يشعر ريان بأسى وحزن شديد لم يسبق له وشعر بهم، تسطح على الفراش ثم أولاها ظهره لكي يعيش حزنه بمفرده، لم تعقب عنود على تصرفه ربما عليها تركه يتعايش مع حزنه قليلًا لكي يخرج من صدمته التي انحشر داخلها.
جلست عنود على الأريكة المقابلة الفراش وقد شعرت بتشنج شديد في رأسها، حاولت التحمل فليس بوقت تعبها الآن، لكن الألم يزداد قسوة لدرجة أنها شعرت وكأنها صعقت بالكهرباء، ضغطت على رأسها بقوة لكي تمنع ذلك الألم إلى أن شعرت بتحسن قليل، أعادت رأسها إلى الخلف وأسندت على حافة الأريكة وأوصدت عينيها بتعب جلي تدعو الله بداخلها بمرور الشدائد عاجلًا.
استيقظت آية على رنين المنبه التي فعلته لكي توقظ خالد ويذهب إلى المشفى كما طلب منها، تفاجأت بعدم وجوده بجوارها، نهضت بذعر وبحثت عنه في المنزل، أزفرت أنفاسها براحة عندما وقع بصرها عليه جالسًا في الشرفة.
اقتربت منه بخطى متمهلة وأردفت متسائلة:
"أنت منمتش يا خالد؟"
أجابها بحزن في نبرته دون أن يرفع بصره عليها:
"لأ هنام إزاي وأنا صاحبي نايم في المستشفى بسببي!"
أخرجت آية تنهيدة بطيئة واقتربت منه، جلست القرفصاء أمامه وهتفت:
"أنت ملكش ذنب يا خالد أخوه هو اللي غدر بيه أنت كنت بتشوف شغلك وسيبت التوكيل في المكتب بحسن نية وأنت هتعرف منين إنه هيسرقه!"
رمقها خالد شزرًا وصاح مندفعًا:
"أنا استهترت وسيبته في المكتب كان لازم أكون حريص أكتر من كده دي مش أملاكي عشان أكون مطمن للدرجة دي أنا غبي ومستاهلش ربع صحوبيته ليا."
ربتت آية على فخذه وأردفت بحنو:
"بدل ما أنت قاعد تلوم نفسك كده قوم روح اطمن عليه وخليك جنبه هو محتاج لك الفترة دي أكتر من أي وقت تاني."
التوى ثغر خالد بابتسامة متهكمة:
"أكون جنبه بأي وش أقوله أنا السبب في اللي حصلك بس جاي أقف جنبك!"
تأففت آية بضجر بيّن وهتفت بحنق:
"ريان عمره ما هيلومك على اللي حصل لكن هيزعل منك فعلًا لو موقفتش جنبه في محنته دي!"
نهض خالد من مقعده وأسند مرفقيه على حافة سور الشرفة وهتف بنبرة محتقنة:
"عارف أنه مش هيلومني وده اللي مضايقني إني هكون قاعد قدامه وشايف كل اللي حصله وبيحصله ومش قادر أعمله أي حاجة وأنا كنت السبب في..."
صمت من تلقاء نفسه وصاح عاليًا بغضب:
"أوووف."
اقتربت منه آية واحتضنته من ظهره ربما تخفف الهموم من على عاتقه قليلًا وأردفت:
"اهدي يا حبيبي إن شاء الله خير."
رواية المعلم الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم تسنيم المرشدي
الفصل السابع
أدهم: إيه يا عم الحاج، مش يلا بينا ولا إيه؟
قالها أدهم وهو يقف أمام والده.
الأب: يلا بينا، بس سيبني ألبس الأول.
أدهم: طب ما تلبس، إيه اللي مخليك قاعد كده؟
الأب: يا ابني، هو أنا كل ما أجي ألبس، أنت تيجي تقاطعني؟
أدهم: خلاص، أنا آسف.
جلس أدهم على الأريكة، وبعد دقائق خرج والده.
أدهم: إيه يا عم، كل ده؟
الأب: ما أنت اللي عمال ترغي.
أدهم: معلش، المرة الجاية مش هرغي.
ضحك الأب.
الأب: ماشي يا سيدي، يلا بينا.
خرجا من المنزل، وركبا السيارة، وذهبا إلى منزل يوسف.
أدهم: يا عمو، يا عمو.
سمعت والدة يوسف صوت أدهم.
والدة يوسف: حاضر يا حبيبي، جاية أهو.
فتحت والدة يوسف الباب.
والدة يوسف: أهلاً يا أبو أدهم، نورتوا.
الأب: أهلاً بيكي يا أم يوسف، ده نورك.
والدة يوسف: اتفضلوا.
دخلوا وجلسوا.
والدة يوسف: عامل إيه يا أدهم؟
أدهم: الحمد لله يا طنط.
والدة يوسف: مالك يا حبيبي وشك أصفر كده؟
أدهم: لا، مفيش حاجة، بس كنت سهران شوية.
والدة يوسف: ليه بس كده يا حبيبي؟ السهر وحش.
أدهم: معلش.
والدة يوسف: طب تشربوا إيه؟
الأب: أي حاجة ساقعة.
والدة يوسف: حاضر.
ذهبت والدة يوسف إلى المطبخ.
أدهم: هو يوسف فين يا طنط؟
والدة يوسف: يوسف نايم يا حبيبي.
أدهم: إيه ده؟ هو لسه نايم؟
والدة يوسف: أيوة.
أدهم: طب صحيهولي.
والدة يوسف: سيبه يا حبيبي ينام، هو بيرجع من الشغل تعبان.
أدهم: معلش يا طنط، صحيهولي.
والدة يوسف: يا حبيبي، هو نايم بالعافية.
أدهم: عشان خاطري يا طنط.
والدة يوسف: ماشي يا أدهم، بس لو صحي متنرفز، أنا ماليش دعوة.
أدهم: ماشي يا طنط، أنا اللي هتصرف.
ذهبت والدة يوسف لتوقظ يوسف.
والدة يوسف: يوسف، يوسف.
يوسف: إيه يا ماما؟
والدة يوسف: قوم يا حبيبي، أدهم هنا.
يوسف: أدهم مين؟
والدة يوسف: أدهم صاحبك.
يوسف: إيه ده؟ هو جه امتى؟
والدة يوسف: لسه جاي.
يوسف: طب أنا مش قايم.
والدة يوسف: قوم يا يوسف، عيب.
يوسف: يا ماما، أنا عايز أنام.
والدة يوسف: يا حبيبي، قوم أدهم مستنيك.
يوسف: مش قايم.
والدة يوسف: طب أنا ماليش دعوة، هو هيطلعلك.
يوسف: هو إيه اللي هيطلعلي؟
والدة يوسف: أدهم هيطلعلك.
يوسف: ماشي، خليه يطلعلي.
ذهبت والدة يوسف إلى الصالون.
والدة يوسف: هو مش عايز يقوم.
أدهم: طب أنا هطلعله.
الأب: استنى يا أدهم، سيبه ينام.
أدهم: لا، أنا هطلعله، أنا جاي مخصوص عشانه.
صعد أدهم إلى غرفة يوسف.
أدهم: يا يوسف، يا يوسف.
يوسف: إيه يا أدهم؟ عايز إيه؟
أدهم: قوم يا عم، أنا جاي مخصوص عشانك.
يوسف: يا أدهم، أنا عايز أنام.
أدهم: قوم يا يوسف، عشان خاطري.
يوسف: يا أدهم، سيبني أنام.
أدهم: خلاص، أنا هعمل فيك حاجة مش هتعجبك.
يوسف: هتعمل إيه؟
أدهم: هجيبلك مياه ساقعة وأدلقها عليك.
يوسف: خلاص، خلاص، قايم أهو.
نهض يوسف من سريره.
يوسف: عايز إيه يا أدهم؟
أدهم: عايزك تقوم معايا.
يوسف: أقوم أروح فين؟
أدهم: هنروح نتفسح.
يوسف: أنا مش قادر أتحرك.
أدهم: قوم يا يوسف، عشان خاطري.
يوسف: ماشي يا أدهم.
ارتدى يوسف ملابسه ونزل هو وأدهم.
والدة يوسف: إيه ده؟ يوسف صحي.
يوسف: أيوة يا ماما، صحيت.
والدة يوسف: طب كويس، يلا عشان تفطر.
يوسف: لا يا ماما، مش عايز أفطر.
والدة يوسف: ليه بس كده يا حبيبي؟
يوسف: عشان أنا مش جعان.
والدة يوسف: طب اشرب اللبن ده.
يوسف: ماشي يا ماما.
شرب يوسف اللبن.
الأب: يلا يا شباب بينا.
أدهم: يلا يا عمو.
خرجوا من المنزل، وركبوا السيارة، وذهبوا إلى الملاهي.
أدهم: إيه رأيك يا يوسف؟
يوسف: حلوة أوي.
أدهم: يلا بينا نلعب.
يوسف: يلا.
لعبوا كثيراً، وبعدها ذهبوا إلى السينما.
أدهم: إيه رأيك في الفيلم؟
يوسف: حلو أوي.
أدهم: الحمد لله إنه عجبك.
يوسف: أيوة، عجبني أوي.
أدهم: طب يلا بينا نروح.
يوسف: يلا.
خرجوا من السينما، وركبوا السيارة، وذهبوا إلى منزل يوسف.
والدة يوسف: إيه ده؟ جيتوا بدري ليه؟
يوسف: عشان تعبنا يا ماما.
والدة يوسف: طب يلا عشان تاكلوا.
يوسف: لا يا ماما، أنا مش جعان.
والدة يوسف: ليه بس كده يا حبيبي؟
يوسف: عشان أنا أكلت بره.
والدة يوسف: طب كويس.
أدهم: يلا يا عمو عشان نمشي.
الأب: يلا يا حبيبي.
ودعوا والدة يوسف ويوسف، وذهبوا إلى منزلهم.
أدهم: أنا تعبان أوي يا بابا.
الأب: وأنا كمان يا حبيبي.
أدهم: أنا هنام.
الأب: ماشي يا حبيبي، تصبح على خير.
أدهم: وأنت من أهله.
ذهب أدهم إلى غرفته، ونام على سريره.
الأب: أنا كمان هنام.
ذهب الأب إلى غرفته، ونام.
في الصباح الباكر، استيقظ أدهم على صوت والدته.
والدة أدهم: أدهم، أدهم، قوم يا حبيبي.
أدهم: إيه يا ماما؟
والدة أدهم: قوم يا حبيبي، عشان المدرسة.
أدهم: يا ماما، أنا عايز أنام.
والدة أدهم: قوم يا حبيبي، عشان متتأخرش.
أدهم: ماشي يا ماما، قايم أهو.
نهض أدهم من سريره، وذهب إلى الحمام، وبعدها ارتدى ملابسه، ونزل إلى الأسفل.
والدة أدهم: يلا يا حبيبي، عشان تفطر.
أدهم: ماشي يا ماما.
أكل أدهم فطوره، وذهب إلى المدرسة، وبعدها ذهب إلى الجامعة.
في الجامعة، قابل أدهم صديقه.
صديق أدهم: إيه يا أدهم؟ عامل إيه؟
أدهم: الحمد لله، أنت عامل إيه؟
صديق أدهم: الحمد لله.
أدهم: يلا بينا نروح المحاضرة.
صديق أدهم: يلا.
ذهبوا إلى المحاضرة، وبعدها ذهبوا إلى الكافيتريا.
صديق أدهم: إيه رأيك في المحاضرة؟
أدهم: حلوة أوي.
صديق أدهم: أيوة، حلوة أوي.
أدهم: طب يلا بينا نروح.
صديق أدهم: يلا.
خرجوا من الجامعة، وذهبا إلى منزل أدهم.
والدة أدهم: إيه ده؟ جيتوا بدري ليه؟
أدهم: عشان خلصنا المحاضرات.
والدة أدهم: طب كويس.
أدهم: يلا يا حبيبي، عشان تاكلوا.
صديق أدهم: لا يا طنط، أنا أكلت بره.
والدة أدهم: طب كويس.
أدهم: يلا يا حبيبي، عشان نمشي.
صديق أدهم: يلا.
ودعوا والدة أدهم، وذهبا إلى منزل صديق أدهم.
صديق أدهم: إيه رأيك في اليوم؟
أدهم: حلو أوي.
صديق أدهم: أيوة، حلو أوي.
أدهم: طب يلا بينا نروح.
صديق أدهم: يلا.
خرجوا من منزل صديق أدهم، وذهبا إلى منزل أدهم.
أدهم: أنا تعبان أوي يا بابا.
الأب: وأنا كمان يا حبيبي.
أدهم: أنا هنام.
الأب: ماشي يا حبيبي، تصبح على خير.
أدهم: وأنت من أهله.
ذهب أدهم إلى غرفته، ونام على سريره.
الأب: أنا كمان هنام.
ذهب الأب إلى غرفته، ونام.
في الصباح الباكر، استيقظ أدهم على صوت والدته.
والدة أدهم: أدهم، أدهم، قوم يا حبيبي.
أدهم: إيه يا ماما؟
والدة أدهم: قوم يا حبيبي، عشان المدرسة.
أدهم: يا ماما، أنا عايز أنام.
والدة أدهم: قوم يا حبيبي، عشان متتأخرش.
أدهم: ماشي يا ماما، قايم أهو.
نهض أدهم من سريره، وذهب إلى الحمام، وبعدها ارتدى ملابسه، ونزل إلى الأسفل.
والدة أدهم: يلا يا حبيبي، عشان تفطر.
أدهم: ماشي يا ماما.
أكل أدهم فطوره، وذهب إلى المدرسة، وبعدها ذهب إلى الجامعة.
في الجامعة، قابل أدهم صديقه.
صديق أدهم: إيه يا أدهم؟ عامل إيه؟
أدهم: الحمد لله، أنت عامل إيه؟
صديق أدهم: الحمد لله.
أدهم: يلا بينا نروح المحاضرة.
صديق أدهم: يلا.
ذهبوا إلى المحاضرة، وبعدها ذهبوا إلى الكافيتريا.
صديق أدهم: إيه رأيك في المحاضرة؟
أدهم: حلوة أوي.
صديق أدهم: أيوة، حلوة أوي.
أدهم: طب يلا بينا نروح.
صديق أدهم: يلا.
خرجوا من الجامعة، وذهبا إلى منزل أدهم.
والدة أدهم: إيه ده؟ جيتوا بدري ليه؟
أدهم: عشان خلصنا المحاضرات.
والدة أدهم: طب كويس.
أدهم: يلا يا حبيبي، عشان تاكلوا.
صديق أدهم: لا يا طنط، أنا أكلت بره.
والدة أدهم: طب كويس.
أدهم: يلا يا حبيبي، عشان نمشي.
صديق أدهم: يلا.
ودعوا والدة أدهم، وذهبا إلى منزل صديق أدهم.
صديق أدهم: إيه رأيك في اليوم؟
أدهم: حلو أوي.
صديق أدهم: أيوة، حلوة أوي.
أدهم: طب يلا بينا نروح.
صديق أدهم: يلا.
خرجوا من منزل صديق أدهم، وذهبا إلى منزل أدهم.
أدهم: أنا تعبان أوي يا بابا.
الأب: وأنا كمان يا حبيبي.
أدهم: أنا هنام.
الأب: ماشي يا حبيبي، تصبح على خير.
أدهم: وأنت من أهله.
ذهب أدهم إلى غرفته، ونام على سريره.
الأب: أنا كمان هنام.
ذهب الأب إلى غرفته، ونام.
يا ترى إيه اللي هيحصل تاني؟
يا ترى أدهم هيعمل إيه؟
يا ترى أدهم هيروح فين؟
رواية المعلم الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الرابع عشر
بصت له بنظرة عمرها ما بصتها لحد في حياتها، نظرة كلها قهر وكسرة قلب وعتاب.
قربت منه خطوتين وهي بتقول:
أنت بتعمل إيه؟
رد عليها ببرود:
إيه اللي بعمله؟
ردت بسرعة:
بتحضنها، بتعمل إيه يعني؟
بص لها من فوق لتحت بضيق وقال:
وانتِ مالك أعمل إيه أو ما أعملش إيه؟
ردت عليه بصوت كله عتاب:
مش إنت اللي قولتلي إنك بتحبني؟ مش إنت اللي قولتلي عمرك ما هتبص لواحدة غيري؟
ضحك بسخرية وقال:
أنا قولت كده بس ده كان زمان.
ردت عليه بقهر:
يعني إيه زمان؟
بص لها ببرود وقال:
يعني خلاص، أنتِ بقيتي مجرد واحدة في حياتي، ووجودك زي عدمه.
ردت عليه بصدمة:
مجرد واحدة؟
ضحك بسخرية وقال:
أيوه، مجرد واحدة.
كلامه جرحها، حست إن قلبها اتكسر. بصت له كتير وهي دموعها بتنزل بصمت.
قربت منه وهي بتقول:
طيب ليه؟ ليه عملت فيا كده؟
رد ببرود:
عشان أنتِ اللي اخترتِ تمشي.
بصت له بصدمة:
أنا اللي اخترت أمشي؟ أنت مجنون؟ أنا سبت أهلي وبيتي وراحتهم عشانك، وأنت جاي دلوقتي تقول لي أنا اللي اخترت أمشي؟
رد ببرود:
كنتِ فاكرة إيه يعني؟ إنك لما تمشي أستناكي؟ أنا مش لعبة في إيدك، لما تزهقي منها ترميها، ولما تحبيها ترجعي تاخديها.
ردت بدموع:
أنا عمري ما زهقت منك، أنت عارف إن عمري ما هزهق منك.
رد بسخرية:
لا واضح أوي.
ردت عليه:
أنت اللي مش واضح، أنت اللي كل يوم بوش، أنت اللي مش عارف أنت عايز إيه.
قربت منه خطوة وقالت:
إيه اللي غيرك كده؟ إيه اللي خلاك قاسي كده؟
رد عليها بضيق:
اللي غيرني واللي خلاني قاسي هو أنتِ، أنتِ اللي دمرتيني، أنتِ اللي خليتيني أكره كل حاجة في حياتي.
ردت عليه بصدمة:
أنا؟ أنا اللي دمرتك؟
رد بضيق:
أيوه أنتِ.
بصت له وهي مش فاهمة أي حاجة.
بعد عنها وهو بيقول:
أنا مش عايز أتكلم معاكي تاني، مش عايز أشوفك، ومش عايز أعرفك.
سابها ومشي، وهي واقفة مكانها مش قادرة تتحرك. دموعها بتنزل بصمت، ومش قادرة تتكلم.
بصت للبنت اللي كانت واقفة جنبهم، لقيتها بتبص لها بشماتة.
مشيت من قدامها وهي دموعها بتنزل.
وصلت البيت وهي مش قادرة تتكلم، دخلت أوضتها وقعدت على الأرض وهي بتعيط.
سمعتها أمها، دخلت عليها وهي بتقول:
مالك يا بنتي؟
ردت عليها وهي بتعيط:
مفيش.
قعدت جنبها أمها وهي بتقول:
إيه اللي حصل؟
ردت عليها وهي بتعيط:
كل حاجة انتهت يا أمي، كل حاجة.
قعدت أمها تطبطب عليها وهي بتقول:
متقوليش كده، ربنا موجود.
ردت عليها وهي بتعيط:
ربنا مش موجود في حياتي، ربنا سايبني لوحدي.
ردت عليها أمها:
لا يا بنتي، ربنا موجود دايماً، هو اللي بيحمينا وبيساعدنا.
ردت عليها وهي بتعيط:
أنا مش عايزة أعيش تاني.
حضنتها أمها وهي بتقول:
بعد الشر عليكي يا بنتي، إيه الكلام ده؟
ردت عليها وهي بتعيط:
أنا تعبت يا أمي، تعبت أوي.
قعدت أمها تطبطب عليها وهي بتقول:
خلاص يا حبيبتي، خلاص.
عدى كام يوم وهي حالتها زي ما هي، قافلة على نفسها الأوضة ومش عايزة تخرج.
أمها كانت بتحاول معاها كتير، بس هي كانت بترفض أي محاولة.
في يوم من الأيام، سمعت صوت خبط على الباب.
قامت تفتح الباب، لقيت أمها واقفة.
قالت أمها:
فيه واحدة عايزة تشوفك.
ردت عليها بضيق:
أنا مش عايزة أشوف حد.
قالت أمها:
دي بنت.
ردت عليها بضيق:
قولي لها إني مش موجودة.
قالت أمها:
ما ينفعش يا بنتي، دي جاية مخصوص.
ردت عليها بضيق:
مين دي؟
قالت أمها:
مش عارفة.
قامت وهي متضايقة، راحت تفتح الباب، لقيت بنت واقفة.
البنت قالت:
أنتِ...
ردت عليها بضيق:
أيوه أنا، عايزة إيه؟
البنت قالت:
أنا آسفة إني جيت في وقت مش مناسب.
ردت عليها بضيق:
مش مناسب إيه؟
البنت قالت:
أنا عارفة إنك زعلانة.
ردت عليها بضيق:
أنتِ عايزة إيه؟
البنت قالت:
أنا...
ردت عليها بضيق:
خلصي، أنا مش فاضية ليكي.
البنت قالت:
أنا آسفة.
ردت عليها بضيق:
على إيه؟
البنت قالت:
على كل حاجة حصلت.
ردت عليها بضيق:
أنتِ عايزة إيه؟
البنت قالت:
أنا عارفة إنك زعلانة مني.
ردت عليها بضيق:
مش زعلانة منك، أنا زعلانة من نفسي إني وثقت فيكوا.
البنت قالت:
أنا...
ردت عليها بضيق:
مش عايزة أسمع منك أي حاجة.
البنت قالت:
أنا عايزة أقولك حاجة.
ردت عليها بضيق:
مش عايزة أسمع.
البنت قالت:
أنا حامل.
بصت لها بصدمة:
أنتِ بتقولي إيه؟
البنت قالت:
أنا حامل من...
ردت عليها بصدمة:
أنتِ مجنونة؟
البنت قالت:
مش مجنونة، أنا بقول الحقيقة.
ردت عليها بصدمة:
أنتِ كدابة.
البنت قالت:
مش كدابة، أنا بقول الحقيقة.
ردت عليها بصدمة:
أنتِ بتقولي إيه؟
البنت قالت:
أنا حامل.
ردت عليها بصدمة:
أنتِ بتقولي إيه؟
البنت قالت:
أنا حامل.
ردت عليها بصدمة:
أنتِ بتقولي إيه؟
البنت قالت:
أنا حامل.
ردت عليها بصدمة:
أنتِ بتقولي إيه؟
البنت قالت:
أنا حامل.
رواية المعلم الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم تسنيم المرشدي
حل الليل سريعًا.
أخفض رأسه لكي يختلس النظر إليها حينما شعر باستكانتها بين ذراعيه، وضع رأسها برفق على الوسادة حينما تأكد من غفوها، دسر الغطاء أعلاها ثم حمل صينية الطعام الذي أعده لها خصيصًا ودلف خارج المنزل دون أن يبدل ثيابه المنزلية.
لا يعلم أين وجهته لكن حتمًا يريد الهروب من كل شيء، قادته قدماه إلى منزل صديقه الذي قرع بابه ووقف أمامه في انتظار ظهوره، فتح خالد الباب وجاب ريان من أسفل إلى أعلى بنظرة متفحصة، خفق قلبه بتوجس شديد وأسرع في سؤاله:
ريان في إيه؟
ألقى ريان نفسه بين ذراعي خالد الذي خفق قلبه من فرط الخوف، جمع قواه وأعاد تكرار سؤاله بقلق أكبر:
حد حصله حاجة يا ريان؟
صغى خالد إلى نحيب ريان، ريان يبكي! أم أنه يهذي؟
أجبر خالد ريان على الابتعاد عنه وصاح فيه:
انطق وقول مالك في إيه؟
لم يتحل ريان بالشجاعة الكافية في تلك اللحظة لقد انهار تمامًا، انحطت قواه ويكاد يستطيع أن يقف على قدميه، يتنفس بصعوبة شديدة ناهيك عن تشوش رؤياه بسبب بكائه الغزير.
على الرغم من الخوف الذي تملك من خالد إلا أنه هدأ من روعه عندما رأى حالة صديقه التي لا يرثى لها، ساعده على الجلوس على الأريكة وجلس بجواره وأردف:
طيب اهدى الأول واحكي لي في إيه؟
مر ما يقرب من ثلاثين دقيقة دون جدوى، بكاء ريان يدوي في المكان، يبكي كمن انفرط قلبه على شيء غالي، يؤازره خالد من حين لآخر بكلماته بينما تقف آية خلف باب غرفتها تتابع ما يحدث بتوجس شديد.
عنود عندها كانسر من الدرجة الأخيرة!
ألقى بهم ريان دفعة واحدة بنبرة مهزوزة لا يأباها عقله ولا قلبه، صعق خالد مما سمعه لتوه وعدل من وضعية جلسته وردد بعدم استيعاب:
إيه؟
سحب خالد نفسًا عميقًا يحاول استيعاب الأمر، تفاجأ بانحناء ريان على كتفه، لم يكن لديه القدرة لنطق حرف واحد، ألجمت الصدمة ألسنة الجميع، أغلقت آية الباب حينما علمت السبب الحقيقي لحالة ريان التي تراه عليها للمرة الأولى، وضعت يدها على فمها في محاولة منها على تصديق ما سمعته بينما رفع خالد يده وربت على كتف ريان وأردف بنبرة مهزوزة:
هو حصل إزاي أقصد يعني عرفت إزاي ولا إيه اللي حصل؟
أجابه ريان بنبرة موجوعة:
مش عايزها تمشي!
لم يستطع خالد تمالك دموعه التي انسدلت رغمًا عنه، أسرع هو بمسحها لكنها تأبى التوقف، بينما واصل ريان حديثه من بين بكائه الموجوع:
كنت فاكر إن الدنيا خدت مني كل حاجة بس طلعت مخبيالي حاجات تانية، لسه هتاخد مني وهتاخد مين، هتاخدني المرة دي هتاخد روحي وتسيب جسمي عايش لوحده ليه بس يارب ليه؟
رد خالد بنبرة سريعة:
أستغفر ربنا يا ريان متقولش كده أنا عارف إن الموضوع صعب بس بلاش قلة الإيمان دي والدنيا اتطورت عن الأول يعني فيه أمل يا صاحبي!
رفع ريان ذراعيه للأعلى بقلة حيلة وهتف متحسرًا:
أمل!
هعالجها بإيه؟ هجيب فلوس منين عشان أخلق لها أمل أعيش أنا عليه قبل منها.
أوصد خالد عينيه وسحق أسنانه بغضب شديد، فهو المتسبب الرئيسي فيما حدث له، لازال يلوم نفسه على ما اقترفه، لم يستطع الصمود لأكثر وهب واقفًا، وهتف بحنق:
ياريتك ما عملتلي توكيل، ياريتني رفضت زي كل مرة، أنا السبب في كل حاجة حصلتلك ولسه هتحصلك، ياريتك ما وثقت فيا ولا عرفتني.
استلقى ريان على الأريكة وطالع سقف المنزل بحزن عارم وردد:
ألوم عليك ولا على أخويا اللي هان عليه أخوه ورماه في الشارع، ألوم عليك ولا على اللي خد شقى عمري من غير ما يفكر أنا ممكن يجرالي إيه من ورا اللي عمله، يا أخي ياريتني ما اتولدت من الأساس ولا عشت الحياة دي كلها.
كز خالد على أسنانه بعنف واقترب من ريان، رفع رأسه وجلس هو ثم وضع رأسه على قدميه، انحنى عليه ووضع قبلة على جبينه وأردف بندم:
حقك عليا يا صاحبي امسح كل اللي حصلك فيا أنا، طلع كل زعلك وضيقتك عليا أنا هستحمل، بس بلاش أشوفك كده، أنت أقوى من كده يا ريان.
أخرج ريان تنهيدة بطيئة مليئة بالهموم وهتف بتجهم:
مش قادر، أنا عايز أمشي.
أسرع خالد في الحديث وأردف موضحًا:
لا لا، مش بقولك كده عشان تمشي، اقعد هنا لحد ما تكون كويس وبعدها أمشي براحتك.
هز ريان رأسه برفض ونهض من مكانه وأردف مختصرًا:
مش عايز أسيبها لوحدها!
ابتلع خالد ريقه وردد:
طيب تعالى هوصلك.
لم يرفض ريان طلبه وغادر المنزل بخطى مهرولة غير مستقيمة، تبعه خالد إلى الخارج دون أن يخبر أية بوجهته بالتأكيد استمعت إلى حديثهم. مرت بضعة دقائق حتى وصل كليهما إلى منزل ريان، صف خالد سيارته أمام المنزل وترجل منها، وقف أمام ريان وربت على كتفه يؤازره بحنو:
إن شاء الله خير، خليك واثق في ربنا وهو هيجبر بخاطرك بس أنت قول يا رب.
ردد ريان بنبرة متعبة حديثه مختصرًا:
يارب.
واصل خالد حديثه مضيفًا:
لو احتجت أي حاجة كلمني على طول بالله عليك، أوعى تعمل حاجة لوحدك، خليني أعمل أي حاجة تريح ضميري من ناحيتك يا ريان.
اكتفى ريان بإيماءة خفيفة من رأسه ثم أولاه ظهره وولج داخل المنزل، أسند مرفقه على باب الغرفة وهو يطالعها بأسى شديد، تنهد بحرارة وعزم أن يصلي لله حتمًا سيطمئنه الله كما يطمئن عنود دائمًا.
خرج من المرحاض بعدما توضأ وشرع في الصلاة في الجزء المخصص الذي صنعته عنود بكل حب، أنهى صلاته بشعور مختلف كليًا، شعور من الإيمان الذي يحثه على الرضا لكن لم يتقبل الأمر بعد.
نهض وأحضر وجبة عشاء خفيفة ثم توجه نحو غرفة صغيرته، جلس بجوارها وتأمل ملامحها الشاحبة وكأنها مريضة منذ أعوام، خرج من شروده على صوتها الخافت وهي تتمتم بلا وعي:
ماما.
اقترب أكثر منها لكي ينصت لما تردده باهتمام فتابعت هي حديثها:
بابا شعري هيقع، متزعلش عارفة إنك بتحبه وأنا كمان بحبه.
صعق ريان مما سمعه ولم يشعر بيده التي هزتها بعنف، انتفضت عنود بذعر ورمقته بعتاب فأسرع هو بالحديث:
كلي عملت لك عشا.
سحبت عنود نفسًا ببطء لكي تهدئ من روعها ثم عاودت النظر إليه وأردفت:
أنا شوفت أهلي.
قاطعها ريان بنبرة صارمة:
كلي يا عنود!
تعجبت من كونه لم يجيبها كأنه لم ينصت إلى ما قالته، تنهدت وأردفت:
بقولك شوفت أهلي.
سحب ريان شطيرة من أمامه وأجبرها على قضم قطعة منها وهتف:
وأنا بقولك كلي.
ترقرقت العبرات من عينيها فأسرع ريان بتقبيل يديها ووضع رأسها على صدره وأطلق العنان لعبراته في الانسدال دون رأفة:
أنا آسف مش قصدي أضايقك بس عشان خاطري بلاش تتكلمي عن أي حاجة ليها علاقة بالموت!
شارك كليهما البكاء وكلما مر الوقت عليهم يشد ريان بقبضته عليها كأنه يريد تخبئتها داخله لكي لا يأخذها الموت منه، شعرت عنود برجفة جسده أسفل رأسها فابتعدت عنه وتفاجأت بتحول لون عينيه وكأنما انفجرت عروقهم، ابتلعت ريقها بتوجس وتساءلت بقلق:
ريان أنت...
صمتت عنود من تلقاء نفسها حينما هرول ريان إلى الخارج، فتح باب المنزل وتفاجأ بوقوف هالة خلفه كادت أن تطرقه لكنه كان أسرع وفتحه هو، خفق قلب هالة بتوجس شديد حينما رأت دموع ريان ناهيك عن حالته المذرية التي تراه عليها لأول مرة وقبل أن تدلي بسؤالها عن عنود كان قد اختفى من أمامها وواصل ركضه بعيدًا عن المنزل.
ازدادت نبضات قلبها متوجسة خيفة من تلك الدموع التي تنهمر بغزارة من عيني ريان، سحبت نفسًا ونظرت أمامها ثم قرعت الجرس وولجت إلى الداخل باحثة عن صديقتها، قابلتها عنود في منتصف الردهة ولم تترك أي مجال لسؤال هالة فقد عانقتها بقوة هزيلة عكس عناقها المعتاد عليه.
لم يكن هناك داعي للسؤال فلقد تأكدت هالة من وجود خطب ما بينهم حتمًا، خطب كارثي حتى يكون كليهما على تلك الحالة المذعورة.
هدأت هالة من روع صديقتها وجلسن على الأريكة وتعمدت هالة ألا تترك يد عنود لكي تكون عون لها فيما تجهله، تنهدت ببطء وأردفت متسائلة بقلق:
اهدي وفهميني حصل إيه لكل العياط ده؟
رفعت عنود عينيها على هالة ولازالت تنسدل القطرات منها ورددت بصوت خافت موجوع:
أنا عندي كانسر.
توقف ريان عن السير عندما عارضت طريقه سيارة أحدهم، رفع بصره عليها ونفخ بضجر بائن حينما وقع بصره على هاجر وزوجها، اقترب كليهما منه وأسرعت هاجر بالقول:
قلبي عندك يا حبيبي.
رمقها ريان بغضب شديد لو كان شخصًا لحرق الأرض بمن عليها، استشفت هاجر غضبه وأسرعت مبررة:
إن شاء الله نلاقي حل.
أضاف علي على حديث هاجر قائلًا بنبرته الهادئة:
واحد صاحبي دكتور ممتاز في معهد الأورام كلمته وقالي هات لي التحاليل أشوفها وهيقولنا نعمل إيه بالظبط.
طالعه ريان لبرهة وكأنه يريد التعلق بأضعف الحبال ربما يوجد بها الشفاء، اكتفى بهز رأسه بإيماءة خفيفة ثم أولاهم ظهره وعاد إلى المنزل بينما عادت هاجر وزوجها إلى السيارة فأسبق ماهر بالسؤال:
وافق يا علي؟
أجابه علي وهو يدعس على محرك السيارة:
وافق يا حج إن شاء الله خير.
عاد ريان إلى المنزل وولج داخله، سمع بكائها الذي يؤلم قلبه بل وكل إنش به يتقطع إربًا كلما تخيل عدم وجودها في حياته، اقترب منها بخطى متمهلة ثم جلس القرفصاء أمامها وأمسك يدها ووضع قبلة داخل كفها وأردف وهو يطالع بندقيتاها اللامعة:
لعل الخير يكمن في الشر.
تفاجأت عنود بجملته وأعادت تفكيرها في كل شيء من بينهما حزنها بدون سبب، هذا قدر الله وقدره لا عليها سوى تقبل الأمر بل وتستقبله بصدر رحب لكي تغادر الدنيا دون تحمل ذنب عدم رضاها عن مرضها، الأمر صعب لا نقاش لكن ربما الخير يكمن في الشر كما سبق وأخبرت ريان.
ابتعدت عن حضن هالة التي التزمت الصمت منذ علمها بمرض صديقتها، فقط تربط على يدها بقوة كأنها تقول لا ترحلي فالوقت باكرًا لازلت أريد خوض المزيد من التجارب معك، بينما عانقت عنود ريان وأردفت بنبرة حنونة:
عندك حق.
قبلها ريان من وجنتها ونهض لكي يجلب التحاليل الخاصة بها كما تعمد إخفائها عن مرأى عينيها وأردف قبل أن يغادر:
هروح مع علي مشوار سريع وهرجع على طول.
هزت عنود رأسها بينما وجه ريان بصره على هالة وهتف:
ممكن تفضلي جنبها على لما أرجع!
اكتفت هالة بإيماءة خفيفة من رأسها فغادر حينها ريان وركب مع علي سيارته بينما فضلت هاجر انتظار عودتهم بصحبة عنود.
عند الطبيب، بعدما فحص التحاليل بعناية وأعاد تكرار قرائتها لأكثر من مرة بأمر من ريان، وضع الأوراق أمامه على طاولة المكتب وأردف بعملية:
أنا متفاجئ يا جماعة إن الحالة دي لسه على قيد الحياة، التحاليل بتأكد إن الكانسر أتمكن من خلايا المخ والمفروض حياتها تكون انتهـ...
هب ريان واقفًا وصاح به هادرًا وهو يضرب المكتب بكل ما أوتي من قوة:
اخرس!
أنت بتقول إيه؟ إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أنت دكتور متخلف وظلمك اللي دخلك طب.
تفاجأ الطبيب من هجومه، ناهيك عن إهانته التي تعدت حدود الوقاحة، ونهض هو الآخر وهتف بعصبية:
"ما اسمحلكش تتكلم معايا بالأسلوب ده أنت فاهم، واحترم نفسك أنت مش بتكلم بلطجي، أنا دكتور محترم وليا اسمي!"
ربت علي على كتف ريان وردد بنبرة خافتة:
"استهدي بالله يا ريان، إحنا عارفين الكلام اللي هو قاله ده، إحنا هنا عشان نشوف لو في حل نعمله."
أسرع الطبيب بالحديث وهو يطالع علي بغيظ:
"مفيش حل للحالة دي، دي خلصانة خالص."
أوصد علي عينيه بعصبية عندما هتف الطبيب بتلك الكلمات، وحاول أن يشد على ذراع ريان لكنه تحرر من بين قبضتيه وأسرع نحو الطبيب، جذبه من تلابيب ثوبه وصاح به بصوت مرتفع ملئ بالغضب الممزوج بالألم:
"أنا اللي هنهي حياتك عشان الناس تعرف إنك دكتور غبي ومش فاهم شغله."
حاول الطبيب أن يحرر نفسه لكنه فشل، حاول علي اختراق يد ريان إلى أن نجح وشكل حاجز بينهم ودفع ريان بعيدًا عن الطبيب وأردف:
"يلا نمشي، هنشوف دكتور تاني."
رد عليه الطبيب بعصبية:
"هتروحوا لأي دكتور هيقول نفس الكلام، الحالة منتهية!"
فغر علي فاهه بصدمة لوقاحته، استدار بجسده إليه وهو يسحق أسنانه بغضب شديد وانقض عليه ولم يشعر بيده التي تتسابق في لكمه بكل قوته وهتف:
"لا ده أنت تستاهل اللي يجرالك بقى."
"كفاية."
صدح صوت ماهر في أرجاء الغرفة فتوقف أثرها علي وطالعه بندم بينما واصل ماهر حديثه حينما شعر بالهدوء قد عم المكان:
"إحنا جايين نضرب الراجل في عيادته، يلا نمشي فضحتونا."
رمق علي الطبيب بنظرة احتقارية مشتعلة ثم بصق على الأرض لعله يفرغ شحنة غضبه التي لازالت تحثه على مواصلة لكمه، لكن حسنًا ليس الآن. التفت بجسده باحثًا عن ريان الذي اختفى صوته وتفاجأ بجلوسه على الأريكة الجلدية واضعًا كفيه أمام وجهه ويبكي في صمت، أسرع نحوه وجلس بجواره وربت على كتفه، حاول أن يهون عليه لكن هربت الكلمات من على لسانه، فأي كلمات ستهون عليه مصيبته؟
"يعني مفيش أي أمل خالص؟"
هتف بهم ريان بنبرة تتشبث بأي أمل يزهر قلبه من جديد، أشفق الطبيب على حالته وأجابه مختصرًا كما حاول انتقاء كلماته بعناية حتى لا يزيد من ألمه:
"في الطب للأسف مفيش، لكن عند ربنا فيه أمل، ادعي لها تحصل معجزة!"
رفع ريان رأسه ورمق الطبيب لبرهة ثم نهض ودلف إلى الخارج بخطى غير مستقيمة، السير يصبح أثقل وأثقل في كل خطوة يخطوها، ماذا يحدث لك أيها الرجل؟
لم يستطع السير لأكثر واستلقى بجسده على الدرج، كاد علي أن يجلس بجواره لكن أسرع ماهر بمسك يده فاستشف علي ما يرمي إليه العم ماهر، ساعده على الجلوس بجانب ريان ووقف هو في الخلف.
ربت ماهر على قدم ريان يؤازره في محنته وأردف:
"مفيش حاجة هتهون عليك أنا عارف، بس الدكتور قال حاجة حلوة أوي يمكن أنت ما ركزتش فيها 'ادعي لها'، الأمل دايماً موجود لأن ربنا موجود، سبحان من أمن موسى في التابوت ونجى يونس في بطن الحوت ورفع السموات بغير عمد، قادر أن يشفي لك مراتك بس أنت قول يا رب."
وضع ريان رأسه على كتف والده وردد بنبرة منكسرة:
"يا رب."
رفع ماهر يده وملس على وجه ريان بحنو وأردف:
"قول يا رب وخليك واثق من جواك إن ربنا قادر على كل شيء، ظن في ربنا خير وهو هيراضيك بإذن الله."
سحب ريان نفسًا عميقًا ثم قبل جبين والده أسفل نظرات علي المشفقة على حالته ثم غادر كلاهما المكان عائدين إلى منزل ريان المستأجر.
دلف إلى منزله مهرولًا يبحث عن زوجته لكي يخبرها بما علمه منذ قليل، وقف أمامها وهي مستلقية على الأريكة تمعن النظر في هاتفها، التقط هاني أنفاسه وألقى حديثه دفعة واحدة:
"مرات ريان عندها سرطان!"
لم تُبدِ رنا أي تأثر لحديثه كأنها لم تنصت لما قاله، واصل هاني حديثه قائلًا بنبرة نادمة:
"بيقولوا حالتها صعبة أوي، أنا لازم أرجع لريان حقه، لازم يلحق يعالجها و..."
صمت هاني حينما اندفعت رنا به وهي تنهض من مكانها:
"فكر مجرد تفكير إنك ترجع له أي حاجة وصدقني هتشوف وش عمرك ما شوفته، أولها أنا هختفي من حياتك وآخرها هلبسك أي تهمة تقضي بيها بقية عمرك في السجن وأخوك يبقى بره بيتمتع بالفلوس وأنت جوه بتتقهر على تفكيرك الغبي ده!"
لوهلة شعر هاني بالخوف يتسلل داخله، لكن شعور قوي يحثه على مواصلة ما نوى فعله فأردف بنبرة متوسلة:
"بس دي ممكن تموت لو ما عرفش يعالجها، ممكن تـ..."
قاطعته رنا بحدة وصاحت به هدرًا:
"ما تموت! أنت مالك بيها، كنت أنت اللي جبت لها المرض؟ ربنا كاتب لها كده، أنت مالك؟ هاني دي آخر مرة تتكلم في الموضوع ده، واه تعملي توكيل عشان مش كل ما هطلب حاجة لازم أرجع لك الأول!"
أنهت كلماتها الآمرة وتركته يقف بمفرده وولجت داخل غرفتها تلعن سذاجته المفرطة، جلست على طرف الفراش وسحبت نفسًا عميقًا لكي تهدأ من روعها ثم فتحت هاتفها وابتسمت بخبث حينما راودتها فكرة شيطانية وبدأت في تنفيذها على الفور.
اهتز هاتفها معلنًا عن وصول رسالة ما، أمسكت عنود بالهاتف بفتور شديد، جحظت عينيها عندما وقع بصرها على الكلمات الفظة المدونة داخلها:
[أنتِ اللي هتموتي وأنا اللي بقاله، ما تقلقيش هاخد بالي عليه كويس جداً، موتي وأنتِ مرتاحة.]
شعرت عنود بغصة مريرة في حلقها فتسببت في سعالها، أسرعت هالة بجذب المياه وساعدتها في ارتشافها إلى أن هدأت قليلًا، لكن لازالت نبضاتها تخفق بشدة كما لم يتوقف صدرها عن الصعود والهبوط بصورة واضحة للجميع.
ضمتها هالة إلى حضنها برفق وظلت تمتم ببعض الكلمات الطيبة:
"اهدي، كل حاجة هتكون كويسة بإذن الله."
طرق ريان الباب ثم ولج إلى الداخل مباشرة، لم يطق الانتظار لرؤيتها، تفاجأ بوضعها الذي لم يفهم سببه، أسرع خطاه نحوها وأردف سؤاله باهتمام:
"إيه اللي حصل؟"
أسرعت عنود بالإجابة عليه لكي لا تخبره هالة عن الرسالة وأردفت:
"أنا كويسة مفيش حاجة بس محتاجة أنام."
أومأ ريان رأسه على الرغم من عدم اقتناعه بالأمر، ساعدها على النهوض ودخول الغرفة، استلقت هي على الفراش بتعب فدسر ريان الغطاء أعلاها ثم أغلق الإضاءة ودلف إلى الخارج، طلب منه والده أن يتحدث معه على انفراد فلبى طلبه وأخذه إلى غرفة الضيافة وجلسا سويًا.
حمحم ماهر بحرج بائن استشفه ريان فتساءل ريان بحرج خشية أن يطلب منه شيئًا ليس في مقدرته فعله:
"محتاج حاجة يا حج؟"
هز ماهر رأسه وأردف:
"أنا عارف إن مش وقته الكلام ده، بس أنا عايز أقعد معاك هنا، وقبل ما تسأل ما حصلش حاجة وعلي شايلني من الأرض شيل، ربنا يكرمه، بس أنا مش مرتاح وحاسس إني ضيف تقيل وجوز بنتي مش ملزوم بيا و..."
قاطعه ريان وردد بحزن رُسم على تعابيره:
"أنا فاهمك يا حج، بس أنا مش هقدر أوفر لك لا أكل ولا شرب والأهم منهم العلاج!"
أجابه ماهر بنبرة حزينة:
"ولا يفرق لي كل دول قصاد إني أكون مرتاح ومش عايش عالة على حد، وبعدين يا ابني لو مش عايزني خلاص."
أسرع ريان في الرد عليه موضحًا طيب نواياه:
"لو ما شالتكش الأرض أشيلك فوق راسي يا حج، بس أنا بتكلم في وضع هيتعبني أنا، لما ما أقدرش أوفر لك علاجك وأقعد أتفرج عليك وأنت تعبان يبقى أنت كده بتموتني بالبطء."
أخرج ماهر تنهيدة بطيئة تحمل الهموم بين طياتها وأردف:
"ربك يدبرها يا ابني، بس أنت وافق وشيل الحِمل ده من على قلبي."
ربت ريان على فخذ والده وأردف بحنو:
"البيت ينور بوجودك يا حج!"
التوى ثغر ماهر بابتسامة عريضة تعبر عن مدى راحته التي شعر بها لتوه على عكس ريان الذي تنهد بعدم راحة لتلك المسؤولية التي وقعت على عاتقه، فلم يحين وقتها بعد؟
صباحًا، استيقظت عنود وهي تتثائب بكسل، بحثت بعينيها عن ريان في الغرفة لكنها لم تجده، كادت أن تدلف إلى الخارج لكن توقفت حينما رأت طيف صورتها في المرآة، توجهت نحوها بخطى متمهلة ووقفت أمامها تطالع خصلاتها بحزن، هل ستقع؟ أم سترحل قبل أن تتحسر حزنًا على خصلاتها التي ستتساقط من رأسها رُغمًا عنها؟
كفكفت عبراتها التي انسدلت واستدارت بجسدها حينما شعرت بدخول ريان، شهقت بصدمة حينما رأته على تلك الحالة، خفق قلبها بحزن عارم لفعلته التي صدمتها، اقترب منها ريان وانحنى ليكون في نفس مستوى طولها ووضع قُبلة على طرف شفاهها وأردف مُشكلًا ابتسامة:
"صباح الخير."
تنهدت بحرارة ورددت معاتبة إياه وهي تطالع رأسه الحليق:
"ليه عملت كده؟"
أجابها ريان مختصرًا:
"أقل حاجة ممكن أقدمها ليكي!"
وضعت عنود كفها على فمها وجهشت في البكاء، أسند ريان جبينه على جبينها وأردف:
"بلاش عياط عشان خاطري!"
رفع يدها الموضوعة على فمها ووضع قبلاته عليها وهو يردد:
"هنعدي كل حاجة مع بعض!"
تعلقت عنود في عنقه وعانقته بكل ما أوتيت من قوة كما حاوط ريان خصرها وشد عليه يريد فقط تخبئتها داخله، سحب نفسًا وأردف بنبرة متحمسة:
"يلا عشان نفطر ونروح الكلية مع بعض!"
ابتعدت عنه وطالعته بغرابة ورددت حديثه بعدم فهم:
"مع بعض!"
أومأ رأسه وأردف:
"كفاية دلع لحد كده ونشوف مستقبلنا بقى."
كادت أن تعارضه لكنه وضع إبهامه على فمها وقال:
"مش عايز أي اعتراض يا باشمهندسة، اتفضلي يلا عشان ما نتأخرش."
تركها ودلف إلى الخارج يلتقط أنفاسه التي انحشرت داخله لكي يقف أمامها صامدًا لا يعبأ لمرضها، أوصد عينيه يحاول جاهدًا الصمود كما كان يلبس ثوبه منذ قليل، ابتلع ريقه وأحضر فطورًا سريعًا ثم أيقظ والده الذي ترأس الطاولة بينما جلس ريان بجواره بعدما وضع المقعد استعدادًا لجلوس صغيرته عليه مباشرة لكي لا تتعب حتى وإن كان التعب بسيط.
دلفت عنود وتفاجأت بوجود العم ماهر، تقوس ثغرها بابتسامة عندما رأته واقتربت منه مرحبة به بحفاوة لم يتوقعها ريان بل ظن أنها ستعترض وجوده أو ربما تُبدي انزعاجها من عدم إخبارها بمكوثه في منزلهم كما كانت ستفعل أي امرأة غيرها.
تنهد ماهر براحة حينما رحبت به عنود وكأن المنزل يعود إليه، شاركتهم تناول الطعام مع بعض الحديث ثم استأذن ريان من والده وهم بمغادرة المنزل لكي يلحقا ميعاد جامعتهم.
فتح باب المنزل وتفاجأ بوجود دينا وصغيرته جني مع بعض الحقائب الضخمة، ألقى ريان نظرة سريعة عليهم ثم ردد بتعجب:
"دينا!"
سحبت دينا نفسًا عميقًا وألقت بالحديث دفعة واحدة قبل أن تتراجع عن ما نوت فعله:
"أنا موافقة أقعد معاك هنا."
لم يدرِ ريان أي مشاعر عليه أن يشعر بها الآن، أعليه أن يشعر بالسعادة لكون عائلته قد تجمع شملها أم عليه الضجر لأنه ليس بحين تجمعهم الآن!
تقوس ثغره بابتسامة لم تتعد شفاه وقبل أن يُبدي رأيه وجه بصره نحو عنود التي لم تدري ما عليها فعله في تلك الأثناء، هل عليها إبداء موافقتها على مشاركة امرأة أخرى بزوجها التي سبق واقترحت هي مشاركتها فيه فعليًا، أم ترفض وليحدث ما يحدث، تريد التراجع عن اقتراحها تريد سحبه وعدم قوله من الأساس.
فقط يجدر عليها الترحيب بها، لا تملك سوى ذلك، هزت رأسها مبدية موافقتها فقال ريان وهو يحك مؤخرة رأسه:
"ادخلي أنا هوصل عنود الجامعة ولما أرجع نشوف الحياة هتمشي إزاي!"
اكتفت دينا بإيماءة خفيفة من رأسها، ساعدها ريان على إدخال الحقائب ثم ودع صغيرته جني وأغلق الباب، ولم يخطُ خطوة بعد إلا ورأى طيف هالة تأتي على مسافة قريبة منهم، أزفر أنفاسه بضجر فهو يريد أن ينفرد بحبيبته قليلًا دون دخلاء، استشفت عنود أن هناك أمرًا يزعجه لكن لم تستطع سؤاله فكان وصول هالة أسرع منها.
"صباح الخير."
ألقت هالة عليهم التحية فأجاباها معًا ثم واصل ريان مضيفًا بضجر بائن عندما رأى سيارة يحيى تقترب منهم:
"يا الله!"
ترجل يحيي وتوجه نحوهم بخطى ثابتة وهو يتعمد عدم النظر إلى عنود، فالأمر قد كشف لهالة ويصعب عليه الآن النظر إلى ما كان يستمتع به.
كانت تتابعه هالة بتفحص واهتمام شديد، وعندما رأته يتجاهل عنود قد طرب قلبها فرحًا، تلك بداية الطريق إلى مساعدته في نسيانها، أو ربما بداية الطريق للانتباه إليها.
قطع ذاك الصمت صوت ريان عندما أردف بنبرة هادئة لكنها صارمة ويكاد تكون آمرة:
وصل هالة يا يحيي في طريقك أنا هتمشي مع عنود.
وقبل أن يعترض أحدهم، أمسك ريان بيد عنود وغادرهم. رفعت هالة بصرها على يحيي بحياء عندما لم يعد هناك سوى كليهما، فتفاجأت به يطالعها. خفق قلبها بشدة وازدردت ريقها بتوتر وهربت بعينيها بعيدًا عنه. تنهد يحيي وردد مختصرًا:
اركبي.
تركها وركب سيارته أولًا، فتبعته هي وركبت بجواره ثم انطلق بسيارته متجهًا إلى الجامعة.
إحنا هنعيش إزاي في بيت واحد؟
تساءلت عنود باهتمام فأجابها ريان بعد مدة:
مش عارف!
توقفت عنود عن سيرها واستدارت بجسدها ورفعت رأسها نحوه وأردفت بنبرة مهزوزة:
دينا لما اتأكدت أنها هترجع تكون الوحيدة اتنازلت وجت تعيش معاك.
حمقاء! لا تعلم ماذا فعلت هي بجملتها تلك. لا تدري أنها حطمت قلبه الذي يحاول هو جاهدًا بألا يتبعثر إلى أشلاء. أوصد ريان عينيه بغضب معانق للألم الذي لم يشعر به من قبل. أخرج تنهيدة بطيئة ثم فتح عينيه واقترب منها، ضمها برفق إلى حضنه ولم يمنع عبراته التي انسدلت رغماً عنه.
اهتزت عنود بشدة حينما شعرت برجفة جسده المحاوط لجسدها ناهيك عن شعورها بالندم لكونها تبادر دومًا في إلقاء الكلمات التي تؤلمه لكن حقاً لا تقصد. إنها فقط تفكر بما يدور في رأسها بصوت عالٍ.
لكن حسنًا، ربما يجب عليها عدم إدلاء كل ما يخطر ببالها فقط من أجله!
ابتعدت عنه وأردفت بنبرة نادمة:
Sorry مش هتكلم كده تاني.
رمقها ريان بنظرات معاتبة يلومها على ما قالته لكن لا يملك حتى معاتبتها الآن، سيتحلى بالصبر إلى أن يربط الله على قلبه. سمح لأصابعه أن تتخلل بين فراغ يدها وتملأها ثم واصل سيره في صمت طال إلى وصولهم إلى الجامعة.
رواية المعلم الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم تسنيم المرشدي
دلف ريان خارج المدرج لكي يقوم بتغيير وضع دراسته ويبدأ على الفور. قابل صديقه إيهاب في منتصف أحد الممرات. تقوّس ثغره بابتسامة متهكمة حينما لم يعلم صديقه بهويته وأردف:
_ أنت مش عارفني؟
فغر إيهاب فاهه بدهشة وردد بعدم استيعاب:
_ ريان! إيه ده يابني أنت عملت في نفسك إيه؟
ازدادت ابتسامة ريان ورفع يديه للأعلى كما رفع كتفيه وردد:
_ حال الدنيا يا صاحبي.
وجه إيهاب بصره على الفتاة الواقفة بجواره وأردف وهو يشير بيده نحوها:
_ سلمى خطيبتي، ريان صاحبي.
رحب ريان بها ثم استأذنت هي وغادرت بينما قال ريان:
_ أخيرًا خطبت!
ارتفعت ضحكات إيهاب وأجابه بمزاح:
_ لو حضرتك كنت بتسأل كنت عرفت وجيت كمان. الموضوع من فترة بسيطة هي طالبة عندي في الجامعة آخر سنة ليها هندسة. أوعى تقولي صغيرة عليك والكلام اللي مش بسمع غيره ده!
قهقه ريان عاليًا وأجابه عندما اقتحمت صغيرته تفكيره:
_ مراتي أصغر منها عادي!
ضيّق إيهاب عينيه على ريان وردد بعدم استيعاب:
_ مراتك أصغر منها إزاي؟
رفع ريان حاجبيه وأردف بتهكم وهو يشير بإصبعيه:
_ الجوازة التانية.
بالتأكيد يمزح. طالعه إيهاب لبرهة في محاولة منه على تصديق الأمر وهتف:
_ أنت تغيب عننا سنة وترجع لنا بجوازة تانية، بتهزر صح؟
_ ريان!
نادت عنود بصوتها الأنثوي الرقيق. استدار ريان إليها وأردف بقلق:
_ أنتِ كويسة؟
أومأت عنود رأسها وأردفت بحرج بائن بسبب نظرات إيهاب المعلقة عليها:
_ قلقت لما لقيتك واقف مكانك مش بتتحرك.
التوى ثغر ريان بابتسامة وعاد ببصره على إيهاب وأردف:
_ إيهاب صاحبي ودكتور هنا في الجامعة، عنود مراتي!
لم يعقب إيهاب على حديث ريان وظل يطالعهم بدهشة فأطلق ريان قهقهته على حالته وأردف موجهًا حديثه إلى عنود التي استشف خجلها بسبب نظرات إيهاب:
_ ارجعي أنتِ مدرجك عشان ما تتأخريش على محاضرتك.
أومأت رأسها بطاعة ثم عادت إلى مدرجها بينما صاح إيهاب:
_ لا أنت تيجي تحكيلي كل اللي فاتني في السنة اللي اختفيت فيها عشان في حوارات كتير عليّ أستوعبها.
ارتفعت ضحكات ريان واصطحبه إلى الخارج ومكث كلاهما في مقهى الجامعة وبدأ ريان يروي سبب اختفائه عن جميع أصدقائه وكم من الأعباء وقعت على عاتقه إلى يومنا هذا.
أنهى ريان حديثه قائلًا:
_ دي كل الحكاية، ها هتساعدني أكمل هنا ولا أروح للمدير لوحدي؟
أجابه إيهاب بصدر رحب:
_ أكيد هاجي معاك.
ابتسم له ريان بامتنان ونهض كلاهما قاصدين مكتب مدير الجامعة.
سحبت نفسًا عميقًا وأردفت وهي ترمقه بغرابة من أمر صمته الذي طال لمدة وصولهم إلى الجامعة:
_ الزعل ده عشان عنود؟
التفت يحيى إليها وأردف بنبرة سريعة:
_ أكيد لأ.
ضاقت عينا هالة عليه متعجبة من إجابته فتابع هو حديثه مبررًا:
_ أكيد يعني زعلان عليها ومش هزعل ليه؟
هزت هالة رأسها ثم ترجلت من السيارة دون أن تردف حرفًا آخر كما ترجل يحيى بعدما صف سيارته واقترب من أصدقائه ورحب بهم بحفاوة ناهيك عن مزاحه الذي وقع على مسامع هالة التي كانت تقف على بعد منه تراقب تصرفاته المبهمة اليوم.
تنهدت بضجر لكونها لم تستطع تفسير أمره وعندما لم تجد هناك أملًا لفهمه غادرت لكي تلتحق بمحاضراتها.
انتهى اليوم الأول لريان بحماس كبير قد شعرت به عنود. بادلته ابتسامة صافية مبدية سعادتها بأول خطوة في مستقبله لطالما حلم به وتمناه كثيرًا. تفاجأ كلاهما بهطول الأمطار التي اشتدت في النزول تدريجيًا إلى أن امتلأت الشوارع بالمياه.
شد ريان على ذراعها لكي يختبئا بعيدًا لكنها أبت ووقفت في منتصف الطريق فاتحة ذراعيها في الهواء وأردفت بسعادة غامرة:
_ المطر ده بركة، ادعي بأي حاجة نفسك فيها.
لم يستطع ريان التحدث فقط ظل يطالعها بنظرات تحمل من الألم قدرًا كبيرًا. خرج من شروده على صوتها وهي تنادي ربها قائلة:
_ يا رب عايزة أعيش يا رب.
ترقرقت العبرات من عيني ريان واقترب منها ورفع يديه إلى الأعلى وهتف بصوت مرتفع:
_ يا رب عايزها تعيش، عايزها جنبي وما تسيبنيش!
جهشت عنود في البكاء وألقت بجسدها بين أحضانه. شاركها ريان البكاء وهو يربت على ظهرها بقوة وهمس قائلًا بنبرة خافتة حنونة:
_ بحبك.
ابتعدت هي عنه وطالعته بأعين لامعة وأردفت وهي تتلمس شفتاه:
_ أنا بحبك قد كل نِعَم ربنا!
التوى ثغره بابتسامة عذبة وأردف:
_ هنبدأ كيماوي من النهاردة.
أخفضت رأسها في حزن وأردفت:
_ الدكتور قال ما فيش فايدة.
وضع ريان يده على ذقنها ورفع وجهها نحوه وتابع حديثه بإصرار:
_ لو في أمل ولو 1% بأنك تكوني كويسة هجبرك تاخديه!
مالت عنود برأسها على يده الموضوعة على وجنتها وأوصدت عينيها مستكينة بلمسته الخشنة أسفل وجهها إلى أن توقفت الأمطار عن الهطول. مرر ريان بصره على الطريق وعندما رأى ظهور البعض ابتعد عن عنود وهتف:
_ يلا نرجع نغير هدومنا اللي غرقت دي ونروح المستشفى.
تعلقت عنود في ذراعيه كالطفلة وعادا إلى المنزل سيرًا مستمتعين بتلك البرودة التي تغلغل ثيابهم المبتلة. بينما وقفت هالة تراقب يحيى بعدما ودعت عنود. عزمت أمرها أن تتحدث معه وتعلم حقيقة اللامبالاة التي يتعامل بها منذ الصباح. أليس عليه الحزن على من زعم بحبه لها؟ إذًا ما الذي يحدث له؟
سارت نحوه بخطى مهرولة والغضب يتملك منها. وقفت أمامه وصاحت به بنبرة محتقنة:
_ ممكن أفهم إيه البرود ده؟ البنت حالتها صعبة وكلنا مهمومين عشانها وأنت قاعد تضحك مع ده وتهزر مع ده كأن مش فارق معاك!
أزفر أنفاسه بضيق شديد وأجابها بفتور:
_ المفروض أكون كده فعلًا بس حاسس إني عادي يعني هو أكيد زعلان بس عادي فاهمة حاجة؟
بعد خمس دقائق من تحديق هالة له أردفت أفكارها بصوت عالٍ:
_ ده مش حب يا يحيى ده تملُّك!
التوى ثغر يحيى على الجانب مبديًا عدم فهمه لحديثها وردد:
_ تملُّك!
أومأت هالة برأسها مؤكدة ما قالته وأضافت:
_ أنت حبيت تتملكها مش أكتر، من الآخر استكثرتها على أخوك.
عقد يحيى حاجبيه بغرابة مستنكرًا حديثها وأسرع بالحديث:
_ أنتِ عبيطة صح!
ده أخويا مينفعش أستكتر حاجة عليه.
أطلقت هالة ضحكات ساخرة وهي تجوب المكان ببصرها ثم رمقته بازدراء:
_ لكن تحبها عادي!
أزفرت أنفاسها بضجر بائن، ابتلعت ريقها وهتفت بحنق:
_ أنت عشان تعرف الفرق بينهم لازم تشغل نفسك، وهما حاجتين مفيش ليهم تالت يا هتكمل في حياتك ومش هتفرق لك، أو هتتأكد من مشاعرك وفي الحالتين لازم تنساها وتبعد عشان دي ملك راجل.
صمتت هالة وهي تطالعه بنظرات تحمل من العتاب واللوم قدرًا، واقتربت بخطاها منه وواصلت حديثها قائلة:
_ والراجل ده أخوك!
ابتلع يحيى ريقه بصعوبة، شعر بحبات عرقه تغزو جبينه على الرغم من برودة الطقس، حسنًا سيعترف بأنها نجحت في إحراجه بل في دفنه تحت الرمال، كم يشعر بعُري أخلاقه الآن، هل يكُن فعلًا مشاعر لامرأة أخيه؟
لم يعقّب أحدهم للحظات، استدارت هالة وأولته ظهرها وسارت بضعة خطوات فأسرع يحيى في مناداتها بنبرة مهزوزة:
_ هالة.
خفق قلبها بشدة وكأنه قال بيتًا من الشعر وليس فقط نطق حروف اسمها، سحبت نفسًا عميقًا واستدارت إليه في انتظار سماع ما يريد إخبارها عنه، اقترب منها يحيى وأردف:
_ ينفع أشغل نفسي معاكي؟
وقعت كلماته على مسامعها فتسببت في حدوث ضجة قوية في ضربات فؤادها من تلك السعادة المتدفقة في الأدرينالين المندفع في شرايينها، صمت ساد للحظات ولم تعقب، ثم رفعت بصرها عليه وابتسمت بعذوبة لطيفة، أراحه تلك الابتسامة، فقط تكفيه وإن لم تفعل سواها.
توقفوا عن السير عندما وقع بصرها على منصور وياسر الواقفين أمام منزلهم، التفتت عنود ونظرت إلى ريان تأخذ إذنًا صريحًا منه على محادثتهم، أبدى ريان موافقته بإيماءة خفيفة من رأسه فعادت هي تنظر إليهم ثم سحبت أكبر قدر من الأكسجين وسارت نحوهم بخطى متمهلة.
لا يوجد شعور أقوى من الارتباك والتوتر الذي تملك منها في تلك الأثناء، ازدادت نبضات قلبها من المجهول الذي ينتظرها من تلك الزيارة المفاجئة، وقفت أمامهم دون أن تردف شيئًا، شعرت بيد ريان تتخلل أصابعها كما يفعل دائمًا، أراحها قربه بعض الشيء لكن لا زال هناك شعور ضئيل من الخوف.
اقترب منها منصور وانسدلت منه بعض القطرات وأردف بندم:
_ سامحيني يا بنتي، حقك عليا.
أخفض رأسه بحزن شديد وواصل حديثه بنبرة متحشرجة:
_ عارف إن غلطي ميتغفرش بس ربنا غفور رحيم، ارحميني أنتِ كمان وسامحيني.
شعر ريان باهتزاز جسدها تأثرًا ببكاء منصور، لم تصمد طويلًا وجهشت باكية هي الأخرى وقالت:
_ عرفت إني هموت فجيتلي!
رفع منصور رأسه وقد چحظت عينيه بصدمة وردد:
_ لا أبدًا أنا ناوي أجيلك من مدة بس ياسر كان تعبان وكنت مشغول معاه وحلفت إن أول ما يكون كويس وقادر يصلب طوله هجيبه وأجي نستسمحك، ابني طيب وملوش يد في اللي حصل كله بسببي أنا لو مش هتقدري تسامحيني على الأقل سامحيه هو، هو تعبان بسبب تأنيب ضميره من ناحيتك، خليكي أحسن مننا يا بنتي!
كفكفت عنود عبراتها بأناملها وسحبت نفسًا لكي تستطيع التحدث دون عرقلة في نبرتها، تقوس ثغرها بابتسامة لطيفة وقالت:
_ محدش أحسن من حد يا عمي، وبعدين أنا مش زعلانة منكم، اللي حصل ده كان سبب إني أرجع ألاقي أماني من جديد، كان سبب إني أعرف أضحك تاني، كان سبب إني ألاقي نفسي، أحلى حاجة عملتها من غير ما تاخد بالك، بسببك أنتَ لقيت مصدر سعادتي، لقيت ريان!
لم يكن هينًا على الجميع ما ألقته عليهم، مشاعر عديدة عصفت بهم لكنها تختلف من شخص لآخر، فريان خفق قلبه من هول المفاجأة الممزوجة بالحماس، حقًا دقت السعادة أسارير قلبه وشعر بالامتنان لها، إنه يريد معانقتها الآن!
على عكس شعور ياسر تمامًا، لقد اهتز كيانه بعدما صغى لاعترافها الصريح بحبها لريان، ربما لم يبلغ ذروة حبه بالنسبة لها لكن ما زال يوجد جزء صغير داخله يردد باسمها وكل حلم قد بناه على أمل أن تكون زوجته، لقد تبخر ذاك الجزء الآن.
مزيج من المشاعر داخل منصور، فالشعور الأول والأقوى من بينهم هو الراحة لكونها لم تبغضه وترفض مسامحته، وشعور آخر يجبره على السعادة لكونه يراها سعيدة في حياتها التي هو سببًا فيها، لكن الشعور الأهم هو حزنه وحسرته على الأمل الذي يشع من بؤبؤتي ولده فلذة كبده طيلة الأيام الماضية، حتمًا تحطم قلبه بعد اعترافها ذاك، لكن ما باليد حيلة إنه قدر محتوم.
ولج ريان داخل منزله بصحبة عنود بعدما غادر منصور وياسر، استقبلتهم دينا بابتسامة لم يستطع ريان تفسيرها على عكس عنود التي استشفت ما يوجد خلفها دون تكلف، ابتسمت بتهكم وأسرعت داخل غرفتها، أوصدت الباب خلفها وحاولت التماسك، لقد وعدت ريان داخلها بألا تؤلمه بحزنها حتى وإن كلف الأمر معاناتها.
تنهدت بحرارة ثم بدلت ثيابها، نظرت إلى باب الغرفة عندما سمعت قرع أحدهم عليه، سمحت له بالدخول فتفاجأت بولوج دينا، كانت آخر شخص قد يخطر على بالها في تلك الأثناء، اقتربت منها دينا وأردفت بنبرة حنونة:
_ أنا جهزت أكل و...
قاطعتها عنود بسؤالها:
_ أنتِ بتعملي كده ليه؟
هزت دينا رأسها متصنعة عدم الفهم ورددت:
_ بعمل إيه؟
التوى ثغر عنود بابتسامة باهتة وهزت رأسها مستنكرة تصرفاتها، أخفضت رأسها وأردفت بأسى شديد:
_ لما عرفتي إنك هترجعي لوحدك في حياة ريان قبلتي تعيشي معايا صح!
اتسعت مقلتي دينا بصدمة، ربما لأن ما قالته صحيح، تنهدت بضجر وقالت بنبرة متلعثمة:
_ لا مش كده بس أنا أأ...
لم تنجح في مجاراتها في الحديث وخلق سببًا تقنعها به، إنها أذكى مما تصورت، بعد صمت للحظات لم تعقب كلتاهما قطعته عنود بقولها:
_ أنا آسفة على أي وجع أنتِ عشتيه بسببي، يمكن أوقات قدرنا بيكون أصعب من إننا حتى نحاول نستوعبه أو نتعايش معاه، بس أنا كنت لوحدي ريان قدر يملأ كل فراغ كان جوايا من بعد وفاة عيلتي المفاجئ ومن بعد رفض عمي ليا، ما كنتش حابة أكون سبب في وجع حد في يوم بس ريان دنيتي كلها، يمكن الفترة اللي قضيناها مع بعض ضعفية مدة وحجمًا بالنسبة للفترة اللي بينكم بس كفيلة تعلقني بيه، أنا حبيته جدًا من قبل ما يقدم لي أي حاجة، أنا بقول لك كده عشان تعرفي على قد ما أنتِ موجوعة بسبب جوازه مني على قد ما أنا موجوعة أكتر على فراقي عنه، فكرة إنه يكون زعلان عليا وجعاني أوي، حبيته لدرجة إني بتمنى أعيش بس عشان ما يتوجعش لحظة!
جهشت عنود في البكاء ولم تعرف طريقًا للتوقف، لم يكن الأمر هينًا تلك المرة، لقد أدلت بما تخفيه داخلها، ازداد ألمها أضعافًا عن ذي قبل، الآن هي صرحت بكامل قواها عن رفضها لمغادرة الحياة فقط من أجل ريان.
كانت تطالعها دينا بشفقة كبيرة، تمنت كذلك أن لا تغادر الحياة حتى وإن لم تحبها يومًا، لكنها لم تكن سيئة من قبل ولا يجدر بها أن تكون سيئة الآن، تريد مداواتها لكن لا تملك سوى أن تآزرها بمشاعرها فقط، فإنها ليست بتلك الشجاعة حتى تحطم الحاجز الذي بينهم فهي بالأخير ضُرَّتها ليست إلا.
ولج ريان داخل غرفته وتفاجأ بوجود دينا ونحيب عنود، كاد أن يفرغ غضبه على دينا بالتأكيد هي من تسببت في حزنها لكن خطوات عنود كانت أسرع منه ولم يشعر بها إلا وهي تحطم أضلاعه بعناقها القوي الذي لم يدرِ من أين جاءت بتلك القوة.
حاوط خصرها بذراعه وبالآخر مسح بنعومة على خصلاتها وردد:
_ في إيه يا حبيبي بتعيطي ليه؟
تراجعت عنود للخلف قليلًا وهي لا زالت في حضنه وقالت:
_ مش عايزة أسيبك أنا عايزة أكون جنبك.
صُعق ريان من جملتها التي ألقتها وطالعها بحزن لا يسعه الكون بأكمله، أعادها في حضنه واجهش هو الآخر في البكاء دون توقف، رأت دينا ما لم تره من قبل، رأت دموع ريان وأي دموع إنه ألم ينسدل من عينيه وليست فقط دموع عادية، رأته ضعيفًا لا يرتدي قناع الحدة التي حفظته، رأت صدق عناقه ومشاعره التي لم تتذوق لذتها يومًا، أهذا هو الحب إذا ما الذي كانت تعيش بين جدرانه الأعوام الماضية؟
داخل المشفى..
أصر خالد على إيصال ريان والانتظار معه لحين انتهائهم من أولى جرعات العلاج الكيميائي، كانت الغرفة مليئة بمحبي عنود وريان، هاجر من جانب ريان وهالة إلى جانب عنود وآية إلى جانب زوجها وأخيرًا منصور الذي حرص على حضوره بجانب ابنة أخيه لكي يشعرها بأنها ليست بمفردها، هو يمثل جميع أفراد عائلتها الآن ولا بد من وجوده.
ولج الطبيب داخل الغرفة بصحبة إحدى الممرضات، تفاجأ بهذا الكم الهائل الذي يملأ الغرفة، صاح بهم بنبرة عملية:
_ لو سمحتوا مش عايز غير المريضة وبس!
دلف الجميع إلى الخارج واحدًا تلو الآخر إلى أن باتت الغرفة خالية إلا من الطبيب وممرضته المساعدة وريان الذي رفض أن يتركها بمفردها، وافق الطبيب بصحبته فقط بشرط أن يتحلى بالهدوء.
بدأت الممرضة في تركيب القُنية الطبية في يد عنود، طُرِق الباب ثم ولج طبيب آخر قائلًا بمزاح:
_ حسام أنا فاضي محتاجني في حاجة؟
أجابه الطبيب (حسام) المتابع لعلاج عنود قائلًا بامتنان:
_ لا يا حبيبي شكرًا أنا تمام.
أومأ الآخر رأسه بتفهم وألقى نظرة سريعة على عنود وتفاجأ بوجودها، تراجع للخلف عدة خطوات لكن لم يستطع الهروب وتركها، عليه أن يدلي بما يعرفه.
اقترب من عنود وأردف متسائلًا:
_ أنتِ البنت اللي كنتِ عندي من كام يوم وقولت لك عندك كانسر من الدرجة الأخيرة صح؟
اعتدلت عنود في جلستها وأجابته بأسى:
_ أيوة أنا.
تردد الطبيب كثيرًا قبل أن يخبرها بما يخفيه، لكن ضميره يحتم عليه الاعتراف بذلك المخطط الدنيء، سحب نفسًا وأردف:
_ بس أنتِ كويسة ومش بتعاني من أي حاجة!
ضيقت عنود عينيها عليه بعدم استيعاب، بينما قال ريان متسائلًا وهو يتعلق بحبال الأمل:
_ يعني هي مش عندها كانسر!
أومأ الطبيب رأسه نافيًا وأضاف:
_ هي كانت بتعاني من تشنجات عصبية بس في مراحلها الأولى وتتعالج بالعلاج وهتختفي مع الوقت بس..
صمت الطبيب وأخفض رأسه بندم شديد فأسرع ريان نحوه وأمسكه من تلابيب ثوبه وصاح به هادرًا:
_ انطق بس إيه؟
أخرج الطبيب تنهيدة بطيئة ثم أردف وهو يبعد يدي ريان عنه:
_ في واحدة اسمها رنا جت لي وقالت لي إنها صاحبتها جدًا ودايمًا بيعملوا مقالب في بعض وقالت لي أكتب التحاليل زي ما عرفت المدام، أنا طبعًا رفضت بس هي اتحايلت عليا كتير، أنا شكيت إن وراها حاجة بس لما فكرت في الموضوع بسبب إصرارها قولت دي حتة ورقة يعني مش هتأذي حد وفعلاً عملت التحاليل زي ما هي طلبت بس أنا لما شوفتها حاليًا اتأكدت إنه ما كانش مقلب وكان لازم أعرفكم الحقيقة.
أوصد ريان عينيه في محاولة منه على استيعاب الأمر، حقًا إن لطف الله كبير وليس له نهاية، حمدًا لله.
تفاجأ جميع من بالغرفة بسجود ريان وعنود دون اتفاق مسبق، ارتفعت أصوات نحيبهم الذي يكسره حمدهم لله، وقف ريان ولم يستطع الصمود لأكثر وألقى بنفسه بين يدي عنود بسعادة غامرة لا تسعه، هو من يحتاج إلى المداواة وليست هي.
ازداد بكاء عنود بسعادة دقت طبول قلبها، سوف تعيش أكبر وقت الآن، ستفعل كل ما في وسعها لكي ترضي الله، ستنعم بدفء عائلة ريان وكذلك بصحبة هالة صديقتها، سوف تستغل جميع الفرص فقط لكي تعيش حياة مليئة بالطمأنينة بين أناس اكتشفت مؤخرًا كم هم رائعون!
أمسك ريان بيدها وشد عليها ونظر إلى الطبيب، تحولت نظراته الحنونة إلى غضب يشع من عينيه ارتعب الطبيب منها، سحق ريان أسنانه المتلاحمة بغضب وصاح به:
_ أنتَ أذيت ريان العراقي عارف مين ريان العراقي، بس أشكر ربنا إن الوقت ده مش عايز أفتكر مين ريان العراقي وإلا كنت دفنتك مكانك.
ألقى ريان تهديده ثم دلف إلى الخارج بخطى مهرولة غير مستقيمة، لا يطيق الانتظار حتى يخبر الجميع بهذا الخبر السعيد، تعجب الجميع من خروجهم بتلك السرعة كما ازدادت حيرتهم من نظرات ريان وعنود عليهم ناهيك عن الابتسامة التي تغزو شفاههم.
اقتربت هالة من عنود وتساءلت باهتمام:
_ في إيه مالكوا؟
سحب كلٌ من ريان وعنود نفسًا عميقًا ثم ألقيا بحديثهم دفعة واحدة:
_ مفيش كانسر.
تبادل الجميع النظرات المبهمة فهم لم يستشفوا الأمر بعد، أتى صوت من خلفهم متسائلًا:
_ قصدكم إيه؟
توجهت أنظارهم مباشرة إلى صوت يحيى الذي يحفظون نبرته فأجابه ريان بسعادة بائنة:
_ الموضوع كان سوء فهم.
دهشة جلية تشكلت على تعابيرهم، ألجمت المفاجأة ألسنة الجميع لكن قلوبهم تخفق بقوة من فرط السعادة، ركض الجميع نحو ريان وعنود وتبادلوا التهنئة التي أسعدت عنود كثيرًا وتأكدت أن عوض الله لها كبير وعظيم، حمدت الله بداخلها، تريد البكاء بين يديه لكن لا يسمح لها المكان، رفعت بصرها على ريان وهمست قائلة:
_ ريان عايزة أرجع البيت.
أومأ ريان رأسه بموافقة ولا زالت ابتسامته مُشكلة على ثغره، تفاجأت عنود بانحناءه لم تستشف ما ينوي فعله، لكنها علمت حينما سبحت قدماها في الهواء، لم تعترض تلك المرة وابتسمت له بعذوبة بالغة أذابت قلبه تريد فقط أن تتدلل لا أكثر، حاوطت عنقه بيديها ولم تبعد بندقيتها عنه إنه فارسها العظيم الذي لم يأتِ على حصان بل جاء بقلب عاشق.
عاد ريان إلى منزله وأخبر والده الذي عانق عنود للمرة الأولى وشد على ظهرها بقوة قائلًا بحنو:
_ الله أكبر، الحمد لله يا بنتي ربنا يبعد عنك أي سوء.
شعرت عنود بحنانه الذي يشبه حنان والدها، لم تستطع تمالك عبراتها التي انسدلت رغمًا عنها، بعد لحظات استعادت قوتها وركضت إلى المرحاض وتوضأت وشرعت في الصلاة مباشرة قبل أن تنشغل مرة أخرى مع أحدهم.
استغل ريان فرصة أداء عنود للصلاة ودلف إلى خارج المنزل، انعكست ملامحه إلى الغضب الذي سيحرق الجميع تلك المرة، لن يكظمه داخله اليوم، سوف يستعيد كل حقوقه ويلقّن كل من تجرأ وتعدى عليه درسًا لن ينساه بحياته.
لحق به يحيى وأردف متسائلًا:
_ إيه حوار سوء الفهم اللي في التحاليل ده لإني ما اقتنعتش أوي.
كز ريان على أسنانه بغضب كما برزت عروق عنقه بشدة ونظر إليه وعيناه تنطق منهم الشرار:
_ أنا هقلب الدنيا عليهم، هخليهم يندموا على اليوم اللي استقلوا بريان العراقي، هندمها على اللحظة اللي فكرت فيها تأذيني في مراتي.
حسنًا استشف يحيى الأمر كاملًا وهتف:
_ وأنا معاك في اللي هتعمله كفاية لحد كده.
ركب يحيى سيارته، جلس ريان بجواره وأفكار عديدة مختلفة تخطر على باله، يرتب انتقامه على طريقته وأسلوبه، لا رأفة بعد الآن حتى وإن لم يستعد أمواله فقط يكفيه أنه يأخذ بثأره لكي يفكروا قبل أن يؤذوه في عنود.
وصلا إلى منطقتهم، صف يحيى سيارته بإهمال أمام البناية، ترجل كليهما وكلٌ منهم ذهب في جهة معاكسة، نهض حارس البناية ورحب بريان بحفاوة:
_ مرحب يا معلم ريان دي الحارة نو.....
لم يكمل جلال حديثه حينما لم يكترث له ريان وواصل صعوده إلى الأعلى بخطى مهرولة، وقف أمام منزل والده الذي يعود لشقيقه الآن، ركل الباب بكل ما أوتي من قوة، دفع به وكأنما قامت القيامة، لم يتحمل لأن يُفتح له الباب ودفع بقوة غضبه الذي يسيطر عليه إلى أن أوقعه أرضًا.
ذعرت رنا من هيئته التي تؤكد سوء نواياه، ناهيك عن طريقة دخوله المنزل التي أرعبتها، وقفت أمامه تطالعه بخضراواتها التي اختفى لونها تمامًا من فرط خوفها، اقترب منها وصفعها بكل ما أوتي من قوة وصاح بها:
_ أنتِ تعيشيني كل الوجع ده، لأ عرفتِ تدخلي صح عرفتِ تعلمي عليا، بس لا عاش ولا كان اللي يفكر مجرد تفكير إنه علم عليا يا *****.
تراجعت رنا إلى الخلف بتوجس، انسدلت دموعها بغزارة وأردفت بنبرة متلعثمة:
_ كل ده عشان بحبك، عايزاك ترجع لي أنا، مش قادر تفهم من كل اللي بعمله إني عايزاك، جاي تلومني عشان وجعتك، ما أنا بتوجع كل يوم وأنا جنب راجل مش بحبه، بتعذب في كل لحظة بشوفك فيها مع واحدة غيري، بموت بالبطء وأنتَ مش شايفني وبتتعمد تقلل مني في كل فرصة تقابلك، لو حد السبب في اللي أنتَ وصلت له يبقى أنتَ مش أنا، أنا بحارب عشان حبي ليك لكن أنتَ أناني ومش بتحب غير نفسك ومش مهم الباقي أنا بكرهك، بكرهك.
_ رنااا!
صدح صوته الغاضب الذي هز أرجاء المنزل من شدته، صُعقت رنا حينما رأته يقترب منها بصياحه الذي لا يبشر بالخير، أسرعت هي بالقول وهي تخفي ذراعيها الظاهرتين متصنعة الخجل على جسدها:
_ هاني، ريان اتهجم عليا، شوف كسر الباب إزاي شوف...
تلقت رنا صفعة قوية دوت على وجهها صمتت على أثرها، رفعت بصرها على هاني بصدمة جلية ورددت:
_ أنتَ بتضربني يا هاني، بقول لك أخوك اتهجم عليا تقوم تضربني أنا!
صرخ هاني بكل قوته فهو لا يتحمل سماع نبرتها التي كان يلهث خلفها سابقًا:
_ شششش اخرسي يا قذرة أنا سمعت كل حاجة.
عودة قبل قليل..
توجه يحيى إلى معرض أخيه، جذبه من بين عماله وولج داخل المكتب ثم سحب يده ورمقه شزرًا:
_ قذارتك أنتَ ومراتك زادت أوي وكفاية كل اللي حصل لريان بسببكم.
ضيق هاني عينيه عليه وصاح به هادرًا:
_ يحيى احترم نفسك وأنتَ بتتكلم معايا وسيرة مراتي ما تجيش تاني مرة على لسانك أنتَ فاهم!
أطلق يحيى ضحكات ساخرة ثم أردف وهو يطالعه بشفقة:
_ مراتك اللي سمعتها وهي بتعترف لريان بحبها؟
صُدم هاني مما وقع على مسامعه ولم يتحمل تلك السخافات، أسرع نحو يحيى ولكمه بقوة وهو يصيح به:
_ أنتَ بتقول إيه يا حيوان أنتَ.
حرر يحيى نفسه من بين قبضتيه وأردف بنبرة حادة:
_ مش مصدقني عشان أنتَ دلدول الست، تعالى معايا وأنتَ هتشوف بنفسك إن اللي أنتَ ماشي وراها قذرة.
صفعه هاني لكن تلك المرة كانت أعنف عن قبلها، لا يستوعب ما تفوه به يحيى ودلف إلى الخارج كالثور الهائج لكي يتحقق من حديث ذاك الشيطان الذي لعب في عقله، عاد إلى المنزل وصُعق حينما وقع على مسامعه اعترافات زوجته بحبها إلى شقيقه والآخر أنها تكرهه وتتمنى الموت بدلًا من قربه.
فارت دماؤه ولم يشعر بيده التي تسابقت في صفعها إلى أن انسدلت الدماء من شفتاها وردد من بين صفعاته المدوية على وجهها دون رأفة:
_ بقى أنتِ مستغفلاني طول السنين اللي فاتت دي، بتتمني الموت عشان هو بيتجاهلك يا قذرة، بتحبي أخويا يا بنت الـ.***
نجحت رنا في الهروب من بين يديه ورمقته بازدراء وهتفت:
_ بقرف منك ومش بحبك ده أنا أطيق العمى ولا أطيقك استحملت بس كل السنين دي عشانه هو مش عشانك أنتَ، عمرك ما كنت راجل في نظري يا هاني.
صمتت تلتقط أنفاسها ثم أضافت بحنق:
_ أيوة أنا منعتك من الخلفه أنا اللي حرمتك منها عشان مش عايزة حاجة تربطني بيك مش ناقصة أجيب عيال شبهك ونفس ضعفك، أنا بكرهك.
مررت رنا بصرها على هاني ومن ثم ريان ويحيى وصاحت بكراهية:
_ بكرهكم كلكم.
رواية المعلم الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الثالث:
في فيلا غيث السيوفي...
كانت والدة غيث تجلس بضيق تتصفح بعض الأوراق، عندما دخل غيث وجلس أمامها.
قالت والدته:
"غيث، لسه عند رأيك؟"
رد غيث ببرود:
"أيوه يا ماما، مش هتجوز غير مها."
نظرت إليه والدته بغضب وقالت:
"مها مين يا بني؟ أنا خطبت لك بنت عمك، بنت عمك وبس."
هتف غيث:
"يا ماما، أنا مش عايز بنت عمي، أنا عايز مها، مها وبس."
قالت والدته:
"وليه مها؟ إيه اللي يميزها عن بنت عمك؟"
غيث:
"مها إنسانة كويسة، وأنا بحبها."
قاطعته والدته:
"بتحبها؟ حب إيه يا بني؟ حب اليومين دول؟ الحب ده كله كدب في كدب."
هتف غيث:
"يا ماما، أنا بتكلم بجد، أنا عايز مها، لو مش هتجوز مها، مش هتجوز خالص."
والدته:
"يعني إيه مش هتتجوز خالص؟ يعني مش هشوف ولادك؟ مش هفرح بيك؟"
غيث:
"يا ماما، إنتي عارفة إني بحبك، بس ده قراري، ومش هرجع فيه."
والدته:
"هترجع فيه غصب عنك، هتتجوز بنت عمك، غصب عنك."
هتف غيث:
"مش هتجوزها، إفهمي بقى."
والدته:
"هتتجوزها، ورجلك فوق رقبتك."
فجأة، دخل والده وسمع كل شيء، فقال:
"في إيه يا غيث؟ صوتك عالي ليه؟"
غيث:
"مفيش يا بابا، بس ماما عايزاني أتجوز بنت عمي، وأنا مش عايزها."
والده:
"وليه مش عايزها؟ دي بنت عمك، لحمك ودمك."
غيث:
"يا بابا، أنا بحب مها، وعايز أتجوزها، لو مش هتجوز مها، مش هتجوز خالص."
والده:
"مها مين دي؟"
والدته:
"دي بنت الشغالة اللي كانت بتشتغل عندنا."
نظر والده إلى غيث بصدمة وقال:
"إيه اللي بتقوله ده يا غيث؟ عايز تتجوز بنت الشغالة؟"
غيث:
"أيوه يا بابا، بحبها وعايز أتجوزها."
والده:
"إنت اتجننت يا ابني؟ هتسود وشنا قدام الناس."
غيث:
"أنا مش هسود وش حد، أنا هتجوز اللي بحبها."
والده:
"مستحيل، مستحيل تتجوزها."
غيث:
"هتجوزها يا بابا، غصب عن أي حد."
والده:
"طيب، لو اتجوزتها، لا إنت ابني ولا أعرفك."
غيث:
"إنت بتقول إيه يا بابا؟"
والده:
"زي ما سمعت، لو اتجوزت بنت الشغالة دي، لا إنت ابني ولا أعرفك، ولا ليك أي حاجة عندي."
ترك غيث والده ووالدته وصعد إلى غرفته، وهو يشعر بالغضب والحزن.
في منزل مها...
كانت مها تجلس على سريرها وهي تبكي، عندما دخلت والدتها وقالت:
"مالك يا بنتي؟ بتعيطي ليه؟"
مها:
"مفيش يا ماما."
والدتها:
"مفيش إزاي؟ إنتي عنيكي حمرا، إيه اللي حصل؟"
مها:
"غيث سابني يا ماما."
والدتها:
"إيه؟ سابك ليه؟"
مها:
"أهله مش موافقين عليا."
والدتها:
"أنا كنت عارفة، كنت عارفة إن ده هيحصل."
مها:
"ماما، أنا بحبه، بحبه أوي."
والدتها:
"يا بنتي، ده نصيب، ومتزعليش نفسك، ربنا هيعوضك بالأحسن."
مها:
"أنا مش عايزة حد غيره يا ماما."
والدتها:
"معلش يا بنتي، ربنا يهديه، وربنا يكتب لك الخير."
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس في غرفته وحيدًا، وهو يفكر في كلام والده، وكلام مها.
"أنا لازم أتصرف، لازم أعمل حاجة، أنا مش هسيب مها."
في منزل مها...
كانت مها تجلس مع والدتها، وقالت:
"ماما، أنا لازم ألاقي شغل، مش هينفع أفضل قاعدة كده."
والدتها:
"يا بنتي، إنتي لسه تعبانة، استريحي شوية."
مها:
"لا يا ماما، أنا كويسة، ولازم أشتغل."
والدتها:
"طيب يا بنتي، اللي تشوفيه."
في اليوم التالي...
ذهبت مها للبحث عن عمل، ووجدت إعلانًا عن وظيفة سكرتيرة في شركة كبيرة.
ذهبت مها إلى الشركة، وتقدمت للوظيفة، وتم قبولها.
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس مع والده، وقال:
"بابا، أنا عايز أسافر."
والده:
"تسافر فين؟ وليه؟"
غيث:
"عايز أسافر بره مصر، عايز أبعد عن كل حاجة."
والده:
"طيب يا ابني، اللي تشوفه."
سافر غيث إلى الخارج، وترك خلفه كل شيء.
في منزل مها...
كانت مها تعمل في الشركة بجد واجتهاد، وكانت تثبت نفسها يومًا بعد يوم.
في يوم من الأيام، جاءت مها إلى الشركة، ورأت رجلًا يجلس في مكتب المدير.
دخلت مها المكتب، وقالت:
"صباح الخير يا فندم، أنا السكرتيرة الجديدة."
رفع الرجل رأسه، ونظر إليها بصدمة، فكان هو غيث.
مها:
"غيث؟"
غيث:
"مها؟"
نظر كل منهما إلى الآخر بصدمة، ووقفا صامتين لدقائق.
ثم قال غيث:
"إيه اللي جابك هنا؟"
مها:
"أنا بشتغل هنا."
غيث:
"بتشتغلي إيه؟"
مها:
"سكرتيرة."
غيث:
"أنا المدير الجديد."
نظرت مها إليه بصدمة، ولم تستطع النطق بكلمة.
غيث:
"إيه، مش هتسلمي عليا؟"
مها:
"أهلاً وسهلاً يا فندم."
غيث:
"إيه فندم دي؟ إنتي بتعملي إيه؟"
مها:
"أنا بشتغل هنا، وإنت المدير بتاعي."
غيث:
"طيب، ممكن نتكلم شوية؟"
مها:
"مفيش حاجة نتكلم فيها."
غيث:
"مها، إنتي لسه زعلانة مني؟"
مها:
"وهل فيه سبب يخليني ما أزعلش؟"
غيث:
"أنا آسف يا مها، أنا عارف إني غلطت في حقك."
مها:
"آسف على إيه بالظبط؟"
غيث:
"على كل حاجة، على إني سيبتك، على إني ما قدرتش أدافع عن حبنا."
مها:
"كان لازم تدافع، كان لازم تتمسك بيا."
غيث:
"أنا عارف، بس الظروف كانت أقوى مني."
مها:
"مفيش ظروف أقوى من الحب يا غيث."
غيث:
"أنا عارف، بس أنا كنت ضعيف، ما قدرتش أواجه أهلي."
مها:
"وإيه اللي اتغير دلوقتي؟"
غيث:
"أنا اتغيرت، أنا بقيت أقوى، ومش هسيبك تاني."
مها:
"فات الأوان يا غيث."
غيث:
"مفيش حاجة اسمها فات الأوان، أنا لسه بحبك يا مها."
مها:
"بس أنا خلاص، مبقتش أحبك."
غيث:
"إنتي بتكدبي يا مها، إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"لا يا غيث، مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، إثبتي لي إنك مبقتيش تحبيني."
مها:
"إزاي؟"
غيث:
"إزاي ما أعرفش، بس إثبتي لي."
مها:
"أنا مش هثبت لك حاجة، أنا خلاص نسيتك."
غيث:
"إنتي بتكدبي، إنتي بتكدبي على نفسك قبل ما تكدبي عليا."
مها:
"أنا مش بكدب، أنا خلاص مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، لو مبقتيش تحبيني، ليه عيونك بتلمع لما بتشوفيني؟"
مها:
"ده طبيعي، ده عشان إنت المدير بتاعي."
غيث:
"لا، ده عشان إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"خلاص يا غيث، كفاية كده، أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده."
غيث:
"لازم نتكلم يا مها، لازم نحل الموضوع ده."
مها:
"مفيش حاجة تتحل، كل حاجة انتهت."
غيث:
"لا، مفيش حاجة انتهت، أنا لسه بحبك، وهفضل أحبك لحد آخر يوم في عمري."
مها:
"أنا مش عايزة أسمع الكلام ده تاني."
غيث:
"هتسمعيه يا مها، هتسمعيه لحد ما تصدقي إن أنا بحبك."
تركته مها وخرجت من المكتب، وهي تشعر بالحيرة والاضطراب.
في مكتب غيث...
كان غيث يجلس وحيدًا، وهو يفكر في كلام مها.
"أنا مش هسيبك يا مها، أنا لازم أرجعك ليا تاني."
في منزل مها...
كانت مها تجلس مع والدتها، وقالت:
"ماما، أنا شفت غيث."
والدتها:
"إيه؟ شفتيه فين؟"
مها:
"في الشغل، هو المدير بتاعي."
والدتها:
"إيه اللي بتقوليه ده؟"
مها:
"زي ما بقولك كده."
والدتها:
"طيب، وإيه اللي حصل؟"
مها:
"حاول يتكلم معايا، بس أنا رفضت."
والدتها:
"أحسن حاجة عملتيها يا بنتي، لازم تنسيه."
مها:
"مش قادرة أنساه يا ماما، لسه بحبه."
والدتها:
"يا بنتي، ده نصيب، ومتعلقيش نفسك بيه أكتر من كده."
مها:
"أنا عارفة يا ماما، بس مش قادرة."
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس مع والده، وقال:
"بابا، أنا عايز أرجع مصر."
والده:
"ترجع ليه؟ إنت مش كنت عايز تسافر؟"
غيث:
"أنا عايز أرجع عشان مها."
والده:
"مها مين دي؟"
غيث:
"البنت اللي بحبها يا بابا."
والده:
"إنت لسه بتحبها؟"
غيث:
"أيوه يا بابا، بحبها أكتر من الأول."
والده:
"طيب يا ابني، اللي تشوفه."
عاد غيث إلى مصر، وبدأ في محاولة استعادة مها.
في الشركة...
كان غيث يحاول التقرب من مها، ولكنها كانت تتجاهله.
في يوم من الأيام، دخل غيث مكتب مها، وقال:
"مها، ممكن نتكلم شوية؟"
مها:
"مفيش حاجة نتكلم فيها يا غيث."
غيث:
"لازم نتكلم يا مها، أنا عايز أرجعلك."
مها:
"بس أنا مش عايزة أرجعلك."
غيث:
"إنتي بتكدبي يا مها، إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"لا يا غيث، مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، إثبتي لي إنك مبقتيش تحبيني."
مها:
"أنا مش هثبت لك حاجة، أنا خلاص نسيتك."
غيث:
"إنتي بتكدبي، إنتي بتكدبي على نفسك قبل ما تكدبي عليا."
مها:
"أنا مش بكدب، أنا خلاص مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، لو مبقتيش تحبيني، ليه عيونك بتلمع لما بتشوفيني؟"
مها:
"ده طبيعي، ده عشان إنت المدير بتاعي."
غيث:
"لا، ده عشان إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"خلاص يا غيث، كفاية كده، أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده."
غيث:
"لازم نتكلم يا مها، لازم نحل الموضوع ده."
مها:
"مفيش حاجة تتحل، كل حاجة انتهت."
غيث:
"لا، مفيش حاجة انتهت، أنا لسه بحبك، وهفضل أحبك لحد آخر يوم في عمري."
مها:
"أنا مش عايزة أسمع الكلام ده تاني."
غيث:
"هتسمعيه يا مها، هتسمعيه لحد ما تصدقي إن أنا بحبك."
تركته مها وخرجت من المكتب، وهي تشعر بالحيرة والاضطراب.
في مكتب غيث...
كان غيث يجلس وحيدًا، وهو يفكر في كلام مها.
"أنا مش هسيبك يا مها، أنا لازم أرجعك ليا تاني."
في منزل مها...
كانت مها تجلس مع والدتها، وقالت:
"ماما، أنا مش قادرة أنساه، لسه بحبه."
والدتها:
"يا بنتي، ده نصيب، ومتعلقيش نفسك بيه أكتر من كده."
مها:
"أنا عارفة يا ماما، بس مش قادرة."
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس مع والده، وقال:
"بابا، أنا عايز أتجوز مها."
والده:
"إيه اللي بتقوله ده يا غيث؟"
غيث:
"أنا هتجوز مها يا بابا، غصب عن أي حد."
والده:
"إنت اتجننت يا ابني؟ أنا مش هسمح لك تتجوز بنت الشغالة."
غيث:
"أنا هتجوزها يا بابا، إنت هتوافق أو مش هتوافق، أنا هتجوزها."
والده:
"طيب، لو اتجوزتها، لا إنت ابني ولا أعرفك."
غيث:
"زي ما سمعت يا بابا، أنا هتجوز مها."
ترك غيث والده وذهب إلى منزل مها.
في منزل مها...
كانت مها تجلس مع والدتها، عندما دخل غيث.
غيث:
"مها، أنا عايز أتجوزك."
نظرت مها إليه بصدمة، وقالت:
"إيه اللي بتقوله ده؟"
غيث:
"زي ما سمعتي، أنا عايز أتجوزك."
مها:
"بس أهلك مش موافقين."
غيث:
"أهلي مش موافقين، بس أنا موافق."
مها:
"بس أنا مش عايزة أتجوزك."
غيث:
"إنتي بتكدبي يا مها، إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"لا يا غيث، مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، إثبتي لي إنك مبقتيش تحبيني."
مها:
"أنا مش هثبت لك حاجة، أنا خلاص نسيتك."
غيث:
"إنتي بتكدبي، إنتي بتكدبي على نفسك قبل ما تكدبي عليا."
مها:
"أنا مش بكدب، أنا خلاص مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، لو مبقتيش تحبيني، ليه عيونك بتلمع لما بتشوفيني؟"
مها:
"ده طبيعي، ده عشان إنت المدير بتاعي."
غيث:
"لا، ده عشان إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"خلاص يا غيث، كفاية كده، أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده."
غيث:
"لازم نتكلم يا مها، لازم نحل الموضوع ده."
مها:
"مفيش حاجة تتحل، كل حاجة انتهت."
غيث:
"لا، مفيش حاجة انتهت، أنا لسه بحبك، وهفضل أحبك لحد آخر يوم في عمري."
مها:
"أنا مش عايزة أسمع الكلام ده تاني."
غيث:
"هتسمعيه يا مها، هتسمعيه لحد ما تصدقي إن أنا بحبك."
تركته مها ودخلت إلى غرفتها، وهي تشعر بالحيرة والاضطراب.
في منزل مها...
كانت مها تجلس في غرفتها، وهي تفكر في كلام غيث.
"أنا لسه بحبه، بس مش عايزة أرجعله، هو سابني في وقت كنت محتاجاه فيه."
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس مع والده، وقال:
"بابا، أنا هتجوز مها."
والده:
"إنت اتجننت يا ابني؟"
غيث:
"أنا مش هتراجع عن قراري."
والده:
"طيب، لو اتجوزتها، لا إنت ابني ولا أعرفك."
غيث:
"زي ما سمعت يا بابا، أنا هتجوز مها."
ذهب غيث إلى منزل مها، وقال لوالدتها:
"يا طنط، أنا عايز أتجوز مها."
والدة مها:
"إنت بتقول إيه يا ابني؟"
غيث:
"زي ما سمعتي، أنا عايز أتجوز مها."
والدة مها:
"بس أهلك مش موافقين."
غيث:
"أهلي مش موافقين، بس أنا موافق، ومها موافقة."
والدة مها:
"مها مش موافقة يا ابني."
غيث:
"مها بتحبني يا طنط."
والدة مها:
"مها بتحبك، بس مش عايزة تتجوزك."
غيث:
"أنا هقنعها يا طنط."
دخل غيث إلى غرفة مها، وقال:
"مها، أنا عايز أتجوزك."
مها:
"أنا مش عايزة أتجوزك يا غيث."
غيث:
"إنتي بتكدبي يا مها، إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"لا يا غيث، مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، إثبتي لي إنك مبقتيش تحبيني."
مها:
"أنا مش هثبت لك حاجة، أنا خلاص نسيتك."
غيث:
"إنتي بتكدبي، إنتي بتكدبي على نفسك قبل ما تكدبي عليا."
مها:
"أنا مش بكدب، أنا خلاص مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، لو مبقتيش تحبيني، ليه عيونك بتلمع لما بتشوفيني؟"
مها:
"ده طبيعي، ده عشان إنت المدير بتاعي."
غيث:
"لا، ده عشان إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"خلاص يا غيث، كفاية كده، أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده."
غيث:
"لازم نتكلم يا مها، لازم نحل الموضوع ده."
مها:
"مفيش حاجة تتحل، كل حاجة انتهت."
غيث:
"لا، مفيش حاجة انتهت، أنا لسه بحبك، وهفضل أحبك لحد آخر يوم في عمري."
مها:
"أنا مش عايزة أسمع الكلام ده تاني."
غيث:
"هتسمعيه يا مها، هتسمعيه لحد ما تصدقي إن أنا بحبك."
ترك غيث منزل مها، وهو يشعر باليأس والإحباط.
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس مع والده، وقال:
"بابا، أنا عايز أسافر."
والده:
"تسافر فين؟ وليه؟"
غيث:
"عايز أسافر بره مصر، عايز أبعد عن كل حاجة."
والده:
"طيب يا ابني، اللي تشوفه."
سافر غيث إلى الخارج، وترك خلفه كل شيء.
في منزل مها...
كانت مها تجلس مع والدتها، وقالت:
"ماما، أنا مش قادرة أنساه، لسه بحبه."
والدتها:
"يا بنتي، ده نصيب، ومتعلقيش نفسك بيه أكتر من كده."
مها:
"أنا عارفة يا ماما، بس مش قادرة."
في يوم من الأيام، جاءت رسالة إلى مها من غيث، مكتوب فيها:
"مها، أنا عارف إني غلطت في حقك، بس أنا لسه بحبك، وهفضل أحبك لحد آخر يوم في عمري، سامحيني."
قرأت مها الرسالة، وبكت بشدة.
في فيلا غيث السيوفي...
كانت والدة غيث تجلس بضيق تتصفح بعض الأوراق، عندما دخل غيث وجلس أمامها.
قالت والدته:
"غيث، لسه عند رأيك؟"
رد غيث ببرود:
"أيوه يا ماما، مش هتجوز غير مها."
نظرت إليه والدته بغضب وقالت:
"مها مين يا بني؟ أنا خطبت لك بنت عمك، بنت عمك وبس."
هتف غيث:
"يا ماما، أنا مش عايز بنت عمي، أنا عايز مها، مها وبس."
قالت والدته:
"وليه مها؟ إيه اللي يميزها عن بنت عمك؟"
غيث:
"مها إنسانة كويسة، وأنا بحبها."
قاطعته والدته:
"بتحبها؟ حب إيه يا بني؟ حب اليومين دول؟ الحب ده كله كدب في كدب."
هتف غيث:
"يا ماما، أنا بتكلم بجد، أنا عايز مها، لو مش هتجوز مها، مش هتجوز خالص."
والدته:
"يعني إيه مش هتتجوز خالص؟ يعني مش هشوف ولادك؟ مش هفرح بيك؟"
غيث:
"يا ماما، إنتي عارفة إني بحبك، بس ده قراري، ومش هرجع فيه."
والدته:
"هترجع فيه غصب عنك، هتتجوز بنت عمك، غصب عنك."
هتف غيث:
"مش هتجوزها، إفهمي بقى."
والدته:
"هتتجوزها، ورجلك فوق رقبتك."
فجأة، دخل والده وسمع كل شيء، فقال:
"في إيه يا غيث؟ صوتك عالي ليه؟"
غيث:
"مفيش يا بابا، بس ماما عايزاني أتجوز بنت عمي، وأنا مش عايزها."
والده:
"وليه مش عايزها؟ دي بنت عمك، لحمك ودمك."
غيث:
"يا بابا، أنا بحب مها، وعايز أتجوزها، لو مش هتجوز مها، مش هتجوز خالص."
والده:
"مها مين دي؟"
والدته:
"دي بنت الشغالة اللي كانت بتشتغل عندنا."
نظر والده إلى غيث بصدمة وقال:
"إيه اللي بتقوله ده يا غيث؟ عايز تتجوز بنت الشغالة؟"
غيث:
"أيوه يا بابا، بحبها وعايز أتجوزها."
والده:
"إنت اتجننت يا ابني؟ هتسود وشنا قدام الناس."
غيث:
"أنا مش هسود وش حد، أنا هتجوز اللي بحبها."
والده:
"مستحيل، مستحيل تتجوزها."
غيث:
"هتجوزها يا بابا، غصب عن أي حد."
والده:
"طيب، لو اتجوزتها، لا إنت ابني ولا أعرفك."
غيث:
"إنت بتقول إيه يا بابا؟"
والده:
"زي ما سمعت، لو اتجوزت بنت الشغالة دي، لا إنت ابني ولا أعرفك، ولا ليك أي حاجة عندي."
ترك غيث والده ووالدته وصعد إلى غرفته، وهو يشعر بالغضب والحزن.
في منزل مها...
كانت مها تجلس على سريرها وهي تبكي، عندما دخلت والدتها وقالت:
"مالك يا بنتي؟ بتعيطي ليه؟"
مها:
"مفيش يا ماما."
والدتها:
"مفيش إزاي؟ إنتي عنيكي حمرا، إيه اللي حصل؟"
مها:
"غيث سابني يا ماما."
والدتها:
"إيه؟ سابك ليه؟"
مها:
"أهله مش موافقين عليا."
والدتها:
"أنا كنت عارفة، كنت عارفة إن ده هيحصل."
مها:
"ماما، أنا بحبه، بحبه أوي."
والدتها:
"يا بنتي، ده نصيب، ومتزعليش نفسك، ربنا هيعوضك بالأحسن."
مها:
"أنا مش عايزة حد غيره يا ماما."
والدتها:
"معلش يا بنتي، ربنا يهديه، وربنا يكتب لك الخير."
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس في غرفته وحيدًا، وهو يفكر في كلام والده، وكلام مها.
"أنا لازم أتصرف، لازم أعمل حاجة، أنا مش هسيب مها."
في منزل مها...
كانت مها تجلس مع والدتها، وقالت:
"ماما، أنا لازم ألاقي شغل، مش هينفع أفضل قاعدة كده."
والدتها:
"يا بنتي، إنتي لسه تعبانة، استريحي شوية."
مها:
"لا يا ماما، أنا كويسة، ولازم أشتغل."
والدتها:
"طيب يا بنتي، اللي تشوفيه."
في اليوم التالي...
ذهبت مها للبحث عن عمل، ووجدت إعلانًا عن وظيفة سكرتيرة في شركة كبيرة.
ذهبت مها إلى الشركة، وتقدمت للوظيفة، وتم قبولها.
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس مع والده، وقال:
"بابا، أنا عايز أسافر."
والده:
"تسافر فين؟ وليه؟"
غيث:
"عايز أسافر بره مصر، عايز أبعد عن كل حاجة."
والده:
"طيب يا ابني، اللي تشوفه."
سافر غيث إلى الخارج، وترك خلفه كل شيء.
في منزل مها...
كانت مها تعمل في الشركة بجد واجتهاد، وكانت تثبت نفسها يومًا بعد يوم.
في يوم من الأيام، جاءت مها إلى الشركة، ورأت رجلًا يجلس في مكتب المدير.
دخلت مها المكتب، وقالت:
"صباح الخير يا فندم، أنا السكرتيرة الجديدة."
رفع الرجل رأسه، ونظر إليها بصدمة، فكان هو غيث.
مها:
"غيث؟"
غيث:
"مها؟"
نظر كل منهما إلى الآخر بصدمة، ووقفا صامتين لدقائق.
ثم قال غيث:
"إيه اللي جابك هنا؟"
مها:
"أنا بشتغل هنا."
غيث:
"بتشتغلي إيه؟"
مها:
"سكرتيرة."
غيث:
"أنا المدير الجديد."
نظرت مها إليه بصدمة، ولم تستطع النطق بكلمة.
غيث:
"إيه، مش هتسلمي عليا؟"
مها:
"أهلاً وسهلاً يا فندم."
غيث:
"إيه فندم دي؟ إنتي بتعملي إيه؟"
مها:
"أنا بشتغل هنا، وإنت المدير بتاعي."
غيث:
"طيب، ممكن نتكلم شوية؟"
مها:
"مفيش حاجة نتكلم فيها."
غيث:
"مها، إنتي لسه زعلانة مني؟"
مها:
"وهل فيه سبب يخليني ما أزعلش؟"
غيث:
"أنا آسف يا مها، أنا عارف إني غلطت في حقك."
مها:
"آسف على إيه بالظبط؟"
غيث:
"على كل حاجة، على إني سيبتك، على إني ما قدرتش أدافع عن حبنا."
مها:
"كان لازم تدافع، كان لازم تتمسك بيا."
غيث:
"أنا عارف، بس الظروف كانت أقوى مني."
مها:
"مفيش ظروف أقوى من الحب يا غيث."
غيث:
"أنا عارف، بس أنا كنت ضعيف، ما قدرتش أواجه أهلي."
مها:
"وإيه اللي اتغير دلوقتي؟"
غيث:
"أنا اتغيرت، أنا بقيت أقوى، ومش هسيبك تاني."
مها:
"فات الأوان يا غيث."
غيث:
"مفيش حاجة اسمها فات الأوان، أنا لسه بحبك يا مها."
مها:
"بس أنا خلاص، مبقتش أحبك."
غيث:
"إنتي بتكدبي يا مها، إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"لا يا غيث، مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، إثبتي لي إنك مبقتيش تحبيني."
مها:
"إزاي؟"
غيث:
"إزاي ما أعرفش، بس إثبتي لي."
مها:
"أنا مش هثبت لك حاجة، أنا خلاص نسيتك."
غيث:
"إنتي بتكدبي، إنتي بتكدبي على نفسك قبل ما تكدبي عليا."
مها:
"أنا مش بكدب، أنا خلاص مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، لو مبقتيش تحبيني، ليه عيونك بتلمع لما بتشوفيني؟"
مها:
"ده طبيعي، ده عشان إنت المدير بتاعي."
غيث:
"لا، ده عشان إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"خلاص يا غيث، كفاية كده، أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده."
غيث:
"لازم نتكلم يا مها، لازم نحل الموضوع ده."
مها:
"مفيش حاجة تتحل، كل حاجة انتهت."
غيث:
"لا، مفيش حاجة انتهت، أنا لسه بحبك، وهفضل أحبك لحد آخر يوم في عمري."
مها:
"أنا مش عايزة أسمع الكلام ده تاني."
غيث:
"هتسمعيه يا مها، هتسمعيه لحد ما تصدقي إن أنا بحبك."
تركته مها وخرجت من المكتب، وهي تشعر بالحيرة والاضطراب.
في مكتب غيث...
كان غيث يجلس وحيدًا، وهو يفكر في كلام مها.
"أنا مش هسيبك يا مها، أنا لازم أرجعك ليا تاني."
في منزل مها...
كانت مها تجلس مع والدتها، وقالت:
"ماما، أنا شفت غيث."
والدتها:
"إيه؟ شفتيه فين؟"
مها:
"في الشغل، هو المدير بتاعي."
والدتها:
"إيه اللي بتقوليه ده؟"
مها:
"زي ما بقولك كده."
والدتها:
"طيب، وإيه اللي حصل؟"
مها:
"حاول يتكلم معايا، بس أنا رفضت."
والدتها:
"أحسن حاجة عملتيها يا بنتي، لازم تنسيه."
مها:
"مش قادرة أنساه يا ماما، لسه بحبه."
والدتها:
"يا بنتي، ده نصيب، ومتعلقيش نفسك بيه أكتر من كده."
مها:
"أنا عارفة يا ماما، بس مش قادرة."
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس مع والده، وقال:
"بابا، أنا عايز أرجع مصر."
والده:
"ترجع ليه؟ إنت مش كنت عايز تسافر؟"
غيث:
"أنا عايز أرجع عشان مها."
والده:
"مها مين دي؟"
غيث:
"البنت اللي بحبها يا بابا."
والده:
"إنت لسه بتحبها؟"
غيث:
"أيوه يا بابا، بحبها أكتر من الأول."
والده:
"طيب يا ابني، اللي تشوفه."
عاد غيث إلى مصر، وبدأ في محاولة استعادة مها.
في الشركة...
كان غيث يحاول التقرب من مها، ولكنها كانت تتجاهله.
في يوم من الأيام، دخل غيث مكتب مها، وقال:
"مها، ممكن نتكلم شوية؟"
مها:
"مفيش حاجة نتكلم فيها يا غيث."
غيث:
"لازم نتكلم يا مها، أنا عايز أرجعلك."
مها:
"بس أنا مش عايزة أرجعلك."
غيث:
"إنتي بتكدبي يا مها، إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"لا يا غيث، مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، إثبتي لي إنك مبقتيش تحبيني."
مها:
"أنا مش هثبت لك حاجة، أنا خلاص نسيتك."
غيث:
"إنتي بتكدبي، إنتي بتكدبي على نفسك قبل ما تكدبي عليا."
مها:
"أنا مش بكدب، أنا خلاص مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، لو مبقتيش تحبيني، ليه عيونك بتلمع لما بتشوفيني؟"
مها:
"ده طبيعي، ده عشان إنت المدير بتاعي."
غيث:
"لا، ده عشان إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"خلاص يا غيث، كفاية كده، أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده."
غيث:
"لازم نتكلم يا مها، لازم نحل الموضوع ده."
مها:
"مفيش حاجة تتحل، كل حاجة انتهت."
غيث:
"لا، مفيش حاجة انتهت، أنا لسه بحبك، وهفضل أحبك لحد آخر يوم في عمري."
مها:
"أنا مش عايزة أسمع الكلام ده تاني."
غيث:
"هتسمعيه يا مها، هتسمعيه لحد ما تصدقي إن أنا بحبك."
تركته مها وخرجت من المكتب، وهي تشعر بالحيرة والاضطراب.
في مكتب غيث...
كان غيث يجلس وحيدًا، وهو يفكر في كلام مها.
"أنا مش هسيبك يا مها، أنا لازم أرجعك ليا تاني."
في منزل مها...
كانت مها تجلس مع والدتها، وقالت:
"ماما، أنا مش قادرة أنساه، لسه بحبه."
والدتها:
"يا بنتي، ده نصيب، ومتعلقيش نفسك بيه أكتر من كده."
مها:
"أنا عارفة يا ماما، بس مش قادرة."
في فيلا غيث السيوفي...
كان غيث يجلس مع والده، وقال:
"بابا، أنا عايز أتجوز مها."
والده:
"إيه اللي بتقوله ده يا غيث؟"
غيث:
"أنا هتجوز مها يا بابا، غصب عن أي حد."
والده:
"إنت اتجننت يا ابني؟ أنا مش هسمح لك تتجوز بنت الشغالة."
غيث:
"أنا هتجوزها يا بابا، إنت هتوافق أو مش هتوافق، أنا هتجوزها."
والده:
"طيب، لو اتجوزتها، لا إنت ابني ولا أعرفك."
غيث:
"زي ما سمعت يا بابا، أنا هتجوز مها."
ذهب غيث إلى منزل مها، وقال لوالدتها:
"يا طنط، أنا عايز أتجوز مها."
والدة مها:
"إنت بتقول إيه يا ابني؟"
غيث:
"زي ما سمعتي، أنا عايز أتجوز مها."
والدة مها:
"بس أهلك مش موافقين."
غيث:
"أهلي مش موافقين، بس أنا موافق، ومها موافقة."
والدة مها:
"مها مش موافقة يا ابني."
غيث:
"مها بتحبني يا طنط."
والدة مها:
"مها بتحبك، بس مش عايزة تتجوزك."
غيث:
"أنا هقنعها يا طنط."
دخل غيث إلى غرفة مها، وقال:
"مها، أنا عايز أتجوزك."
مها:
"أنا مش عايزة أتجوزك يا غيث."
غيث:
"إنتي بتكدبي يا مها، إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"لا يا غيث، مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، إثبتي لي إنك مبقتيش تحبيني."
مها:
"أنا مش هثبت لك حاجة، أنا خلاص نسيتك."
غيث:
"إنتي بتكدبي، إنتي بتكدبي على نفسك قبل ما تكدبي عليا."
مها:
"أنا مش بكدب، أنا خلاص مبقتش أحبك."
غيث:
"طيب، لو مبقتيش تحبيني، ليه عيونك بتلمع لما بتشوفيني؟"
مها:
"ده طبيعي، ده عشان إنت المدير بتاعي."
غيث:
"لا، ده عشان إنتي لسه بتحبيني."
مها:
"خلاص يا غيث، كفاية كده، أنا مش عايزة أتكلم في الموضوع ده."
غيث:
"لازم نتكلم يا مها، لازم نحل الموضوع ده."
مها:
"مفيش حاجة تتحل، كل حاجة انتهت."
غيث:
"لا، مفيش حاجة انتهت، أنا لسه بحبك، وهفضل أحبك لحد آخر يوم في عمري."
مها:
"أنا مش عايزة أسمع الكلام ده تاني."
غيث:
"هتسمعيه يا مها، هتسمعيه لحد ما تصدقي إن أنا بحبك."
ترك غيث منزل مها، وهو يشعر باليأس والإحباط.
رواية المعلم الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم تسنيم المرشدي
رواية المعلم كاملة بقلم تسنيم المرشدي حصريا للقراءة والتحميل
رواية المعلم (حلقات خاصة) الحلقة الاوله 1
صف سيارته أمام الفيلا وترجل منها بخطى ثابتة، تابع سيره للأمام بإتجاه الباب الذي قرعه ووقف في إنتظار فتحه من قِبل الخادمة.
فُتح الباب في ثوانِ معدودة، إستقبلته بعملية:-
أهلاً وسهلاً يا باشمهندس
_ بنبرة تميل إلى الإرهاق البادي على تقاسميه أجابها:-
اللي في البيت فين؟
_ بإبتسامة رقيقة أردفت:-
عنود هانم جوا في المكتب ودينا هانم لسه مرجعتش من الجيم والأولاد بيلعبوا فى الجنينة
أماء لها بتفهم ثم توجه مباشرةً نحو مكتبه التي تشاركه فيه عنود، لم يطرق على الباب وولج دون دون إستئذان، لم تلاحظه عنود فكانت منشغلة أمام الحاسوب المتنقل
أدلف بخطاه منها ثم إنحني عليها وطبع قُبلة على وجنتها، شعرت عنود بالذعر الشديد حيال تصرفه المفاجئ، إنتفضت من مقعدها وطالعته لبرهة تستوعب أنه بالفعل أمامها ناهيك عن يدها التي وُضعت تلقائياً أعلى يسار صدرها من شدة الرعب التي وقعت بين طياته
_ بندم واضح في نبرته إعتذر منها:-
أنا آسف مش قصدي أخضك
حاولت أن تطمئن قلبها ولم تبالغ في الأمر فندمه قد سبب لها الضيق، رسمت إبتسامة عفوية على محياها ثم توجهت نحوه وبدون عناء عانقته فعلى ما يبدوا لن تهدأ نبضاتها قبل أن تحظى بعناق منه..
_ حاوط خِصرها بقوة ورفعها عن الأرضية فكانت سهلة الحمل تلك المرة عن سابق المرات، أنزلها ريان وعاتبها بنبرته الرخيمة:-
أنتِ وزنك في النازل خالص، كل مادا ما بتختفي ليه كده؟
_ رفعت الأخرى كتفيها للأعلى بقلة حيلة وأجابته بكلمات مبهمة:-
أنت مزودها شوية بس
_ أولاته ظهرها لكنه لحق بها قبل أن تغادر، قطب جبينه وهو يقول:-
أنتِ مش شايفة نفسك؟
أنتِ لو إتوزنتي هتلاقيكي بقيتي أقل من ٥٠ كيلوا!
_ أخرجت عنود تنهيدة حارة ثم عادت لمقعدها ورددت وهي تتابع عملها:-
مش فاضية يا ريان!!
الكلية وتميم أخدين كل وقتي حتى أوقات مش بفتكر أصلاً أنا أكلت ولا لأ
رفعت بصرها عليه فتفاجئ ريان بدموعها التي تتلألأ في عينيها وإنتبه على حديثها التي تابعته:-
وأنت طول الوقت ما بين الكلية وشغل المعارض ومعظم الوقت بتقضي الأيام هناك في البيت التاني، معتش بشوفك ونفسيتي وحشة أوي بس بحاول أعافر عشان تميم ملوش ذنب بحالتنا دي
أشفق ريان على حالتها وشعر بالندم الشديد فهو بالفعل منهمر بين أعماله في الفترة الأخيرة وبالكاد يري عائلته، تنهد بضجر ثم توجه نحوها.
_ أغلق الحاسوب التي تنشغل في شاشته ثم جذبها برفق من ذراعها مردداً:-
كفاية شغل النهاردة
_ عارضته هي معللة أسبابها:-
wait,
أنا ورايا تحضير محاضرة محتاجة أخلصها ضروري النهاردة
_ رفض ريان إعطائها أي فرصة لرجوعها للعمل مرة أخرى حاسماً الأمر بقوله:-
مفيش شغل الوقتي إرتاحي شوية
بتوسل نطقت إسمه:-
ريان..
"مفيش ريان، ومسعمش كلمة شغل دي إلا لما تحسي إنك بقيتي كويسة"
حسم الأمر وأنتهي الحديث، صعدت معه إلى الطابق العلوي بمزاج غير سوي، ولجوا معاً لجناحهم ثم أحكم ريان من توصيد الباب وأقترب منها وحدقتاه يشع منهما الرغبة الشديدة
_ رفع وجهها بسبابته فنظرت إليه وعينيها توحي إليه بإشارات معاتبة فلم يسبق له وأن تجاهلها بهذا الشكل، لام ريان مسؤولياته التي شغلته عنها وأراد توطيد علاقتهم بأسلوبه الخاص الذي يتفنن به.
_ إنحني على عنقها ولثمها بقبلاته الرقيقة ومن بينها كان يعتذر منها بندم:-
أنا آسف هحاول منشغلش عنك تاني
_ قشعر بدنها بقوة، لم ترفض قربه فهي اشتاقت إليه وإلى لمساته وكل ما يعيشانه سوياً، تشبثت في عنقه ومن ثم تخللت خصلاته بأناملها فضاعفت رغبته بها ولم يستطيع السيطرة على جوارحه لأكثر وتمكن منها معتذراً عن إنشغاله عنها بتلك الطريقة.
بعد مرور بعضاً من الوقت تملصت عنود من بين ذراعيه بحذر لكنها سببت إيقاظه، أمسك بيدها وسألها مستفسراً:-
راحة فين؟
_ بهدوء أردفت:-
هاخد شاور
أماء لها بقبول ثم ترك يدها فتوجهت هي إلى المرحاض وحظت بإستحمام سريع أعاد انتعاش بدنها المنهمك، خرجت إلى الغرفة فتفاجئت به يغوص في نومه وتقاسيمه مشدودة للغاية.
لم تتردد لحظة وأقتربت منه بخطى ناعمة لكي لا توقظه مرة أخرى، جلست بجواره على الفراش وبهدوء حذِر ملست بيدها على صدره العاري بنعومة مبالغة ولازالت عينيها مثبتة على ملامحه التي بدأت ترتخي رويداً رويداً إلى أن لانت تماماً.
ظهرت إبتسامة عفوية على ثغرها الصغير حين نجحت في تبخر طاقته السلبية، إنحنت برأسها بقرب شفاه ثم هسمت أمامهم:-
_ "بحبك"
تراجعت للخلف فتفاجئت برده عليها:-
مش أكتر مني
برقة مبالغة إبتسمت له ورددت مازحة:-
_ بتشتغلني وبتمثل إنك نايم!!
عدل من وضعية نومه وأجابها وهو يميل بعنقه لليمين تارة واليسار تارة أخرى مصدراً طقطقه قوية:-
_ أنا فعلاً كنت نايم، منمتش بقالى يومين
_ أشفقت عنود على حالته وبتأثر ظاهر في نبرتها قالت:-
ادخل خد شاور ونام شوية على ما أخلص المحاضرة اللي ورايا
هاجمها مستاءً:-
_ شغل تاني!!
وضحت بنبرة متلهفة:-
أنت قولتلي لما أحس إني كويسة أرجع تاني
رفقت من نبرتها وواصلت بلهجة مختلفة:-
وأنا بقيت أحسن كتير
_ مال ريان برأسه غير مصدق ما أردفت فأسرعت هي في تأكيد حديثها:-
والله..
_ لم يكن أمامه سوي الرضوخ، في النهاية هذا عملها ولن يشغلها عنه، نهض من جلسته وتوجه نحوها، أسند رأسه على كتفها فاستشفت هي مدي إرهاقه وحثته على أخذ قسط من الراحة بقولها:-
حبيبي شكلك تعبان أوي نام شوية على ما أخليهم يحضرولك الأكل
_ إعتدل في وقفته معدلاً على حديثها:-
يحضرولنا..
_ لم ترفض فهي تريده أن يتناول شيئاً، أماءت له بقبول ثم طبعت قُبلة على طرف شفاه وتوجهت نحو الباب، كادت أن تهم بالمغادرة إلا أنه أوقفها قائلاً:-
استني لما دينا ترجع وناكل مع بعض
_ حركت رأسها بموافقة ثم تراجعت عن موافقتها موضحة:-
بس أنت عارف إن دينا بتاكل healthy food وليها مواعيد وإحنا عدينا الساعة ٨ يعني مستحيل تاكل
_ لوي ريان شفتيه بتذمر وردد مستاءً:-
نسيت، عموماً استني برده لما تيجي يمكن تغير رأيها النهاردة
_ أنهت عنود الحوار بموافقتها:-
Okay.
_ إنسحبت من الغرفة ثم أمرت خادمتها بتحضير أشهي الأكلات والأطعمة لزوجها الحبيب ثم عادت إلى مكتبها تُكمل ما توقف عنده لحين عودة دينا من الخارج بشعور مختلف عن ذي قبل وهو الراحة التامة.
______________________________________
ترجلت من السيارة حاملة حقيبتها أعلى كتفها وتوجهت إلى الداخل بحيوية، إستقبلتها الخادمة بحفاوة مرحبة بيها وختمت بقولها:-
ريان بيه وصل من ساعة
_ إتسعت حدقتاها بفرحة عارمة ثم ناولتها الحقيبة وأسرعت خطاها إلى الأعلى ومنه إلى غرفتها، حمدت الله أنه لم يكن بها، خلعت عنها ثيابها سريعاً ثم حظت بإستحمام ينعش جسدها ويبدل من رائحة عرقه التي بذلته في صالة الرياضة.
_ خرجت للغرفة ثم وضعت بعضاً من المساحيق التجميلية، كذلك وضعت من أنينة العطر التي جائت مؤخراً من إحدي الدول الأجنبية التي أوصت بها خصيصاً، حررت شعرها البُني التي بدلت لونه في الفترة الأخيرة مما حرصت على وضع الكيمياويات به لتنعم خصلاته.
_ إقتنت من الثياب أجملهم ثم وضعت الروب أعلاها وخرجت لكي تنعم عينيها برؤيته فلقد فاق إشتياقها إليه الوصف.
_ ظهر طيفه من خلف باب غرفته الأخرى، شكلت بسمة عذبة على محياها وهرولت إليه، قابلها ريان بحفاوة وإبتسامة عريضة، توسطت صدره لتحظى بعناق كبير لعله يحتوي شوقها إليه، بادلها ريان العناق ثم وضع قُبلة في منتصف جبينها مرحباً بها:-
حمدالله على السلامه جيتي امتي؟
_ بتلهف شديد أجابته:-
لسه واصلة من نص ساعة
_ أسبلت عينيها في عينيه بحب وواصلت بنبرة مُتيمة:-
حمدالله على سلامتك أنت، يارب تقعد معايا أكتر وقت بقا
_ ضاق ريان بعينيه عليها فعدلت هي من حديثها:-
أقصد معانا..
_ حمحم ريان قبل أن يردف:-
دينا أنا بقضي وقتي معاكي أكتر من أي حد، أنتِ بتيجي تقعدي معايا في البيت هناك لما مش بعرف أرجع الفيلا
_ قلبت عينيأ بتذمر وهي تقول:-
عنود مش بتعرف تيجي عشان شغلها قريب من هنا أنا ذنبي إيه؟
_ أوضح لها ما يقصده دون تجريح:-
يا حبيبتي مش ذنبك حاجة بس أقصد إني تقريباً معاكي طول الوقت سواء هنا أو هناك فمعلش أعطيني فرصة إني أكون معاها شوية، على الأقل أعدل بينكم بس مش طالب أكتر
_ كان حريصاً في كلماته بأن يأخذ موافقتها دون أن يمس مشاعرها بحزن، فكان تعامله معها في الفترة الأخيرة هكذا حتى ينال رضاها ولا يشعر بتأنيب الضمير تجاها في حين أنها تنتهز جميع الفرص لتكون بقربه ولا تترك المجال لعنود في التقرب منه في شتى الأحوال عكسها تماماً هي من تحث ريان دوماً على الإعدال بينهم.
_ لم يكن أمام دينا سوي إظهار إيماءة خفيفة من رأسها مبدية قبولها لطلبه، رافقته إلى الطابق السفلي ونادى ريان بنبرته الجهورية:-
زينب..
_ جائته مهرولة فأمرها قائلاً:-
حضري الاكل يا زينب لو سمحتي ونادي على عنود من المكتب
_ بعملية أردفت:-
أوامرك يا باشمهندس
_ نظر إلى حيث تقف دينا وردد بشوق:-
هروح أشوف العيال أصلهم وحشوني أوي
_ إكتفت بإبتسامة فانسحب هو إلى الحديقة ليري صِغاره، تهللت أساريرهم حين رأوه يطل عليهم وركض ثلاثتهم يتسابقون من يصل أولاً إليه
_ جلس ريان القرفصاء وفرد ذراعيه مرحباً بصغاره بين أحضانه، أختل توازنه وكاد أن يقع من شدة عناقهم له لكنه وازن جسده بمحاوطته لهم فكانوا نجاته من الوقوع
_ قهقه ريان وهلل في سعادة:-
وحشتوني أوي
_ أجابته جني أولاً:-
وأنت كمان يا بابي
_ هللت جويرية بصوت رقيق:-
وأنت كمان يا بابي وحشتني
_ هنا جاء دور الصغير فتلعثم في كلماته:-
وحثتني بابي
_ لم تفارق الإبتسامة وجه ريان ممتناً لكونهم في حياته، قضي وقت قصير معهم لكنه كان بمثابة الدنيا ومافيها، نهض من الأرض حين حثته زينب على المجيء بقولها:-
الأكل جاهز يا باشمهندس
_ نظر ريان إلى صغاره وغمز إليهم متسائلاً بمرح:-
مين شطور هياكل معايا؟
_ رفع ثلاثتهم أيديهم مجيبين إياه في نفسٍ واحد:-
أنا..
_ حمل ريان تميم على كتفه وأحتضن يدي بناته وولج بهم للداخل تحت نظرات دينا السعيدة بهم، ظهرت عنود من خلف الباب فتفاجئت بوضعهم وظهرت إبتسامة عريضة على شفتيها بسعادة، جلس الجميع حول المائدة حيث أسبقت دينا بقولها:-
أنا مش هينفع أكل أنا وقتي عدي خلاص
_ حاول ريان إقناعها لتشاركهم الطعام لكنها أبت مُصرة:-
لأ لأ مضيعليش تعب الـ ٣ شهور
_ تركها ريان على راحتها ثم شرع في تناول الطعام ومن آن لآخر كان يحث عنود على إكمال طعامها التي تود تركه لكفايتها منه لكنه لم يرضي ذلك فشحوب وجهها يزعجه كثيراً ويريد ذهابه في أسرع وقت..
_ إنتهوا من الطعام وجلسوا جميعاً في الردهة يتسامرون في الحديث قبل أن تنهض دينا وتشير إلى بناتها بحزم:-
كفاية كده يا بنات على أوضكم يلا في مدرسة بكرة أنا سيبتكم شوية عشان بابي
_ تذمرت جني معترضة على قرارها:-
يا مامي عايزين نقعد مع بابي شوية كمان
_ حسمت دينا الأمر بلهجة لا تحتمل النقاش:-
في مدرسة وصحيان بدري مينفعش تسهروا أكتر من كدا
_ تدخل ريان ليحل تلك المسألة:-
أنا معاكم كل يوم يا جنجون نامي النهاردة وبكرة نلعب مع بعض
_ وافقته ثم قبلته من جبينه واصطحبت شقيقتها إلى الأعلى لكي يناموا بينما نهضت عنود حين غفي الصغير على ذراعها موضحة سبب نهوضها:-
تميم نام هنيمه في أوضته
_ صعدت للأعلى فاستغلت دينا الفرصة واقتربت منه قبل أن تأتي الآخرى وجلست إلى جواره، أسندت رأسها على كتفه على الرغم من تنبيهات ريان المتكررة لكلاً منهن على أن يحرصن لمشاعر الأخري وما يريدن فعله يمكنهن فعله في الغرفة الخاصة بكلتاهما، لكن هيهات لتصرفات دينا التي دوماً ما تعصيه وتفعل ما يزعجه.
_ لم يعقب على تصرفها وسحب هاتفه يتفقد الإنترنت قليلاً، وبعد منشورات عديدة قرأها لفت انتباهه أحدهم حين وصف مشاعر الزوجة الأولى بالزجاج إذا أكثرت من الضغط عليها سوف تنكسر بسهولة وأن الحل القطعي لحل تلك المسألة هو الطلاق وإعطائها حريتها
_ شعر ريان لوهلة بأنه مستبد من خلف كلمات ذلك المنشور الغبي، أغلق الهاتف وهو يرفض البتة الإقتناع به لكنه شغل حيزاً من تفكيره ولم يعرف الهروب منه بسهولة فكلما حاول إشغال عقله بشيئ آخر تراوده الكلمات مرة ثانية
_ تنهد بضجر بائن استشفته دينا من خلف تنهيداته الحارة وسألته باهتمام:-
مالك يا حبيبي مضايق من حاجة؟
_ رمقها ريان لبرهة وهو يود سؤالها مباشرةً وأخذ منها إجابة صريحة ربما يشعر بالإكتفاء حينذاك، إبتلع ريقه وسألها بتردد:-
شوفت منشور الوقتي بيتكلم عن الزوجة الأولى وأن ظلم ليها تعيش مع راجل متجوز تاني والحل أنها تطلق!!
الفكرة بعيدة وصعبة وعقلي مش راضي يتقبلها بس عندي فضول أسمع ردك
_ صمت لثوانِ قبل أن يواصل إسترساله:-
متفهمنيش غلط بس لو أنتِ شايفة إنك مظلومة في العلاقة دي قولي وأنا أديكي حريتك حتى لو مكنتش موافق على كدا المهم تكوني مرتاحة.
_ تشكلت إبتسامة على شفتي دينا فسببت الفضول لدي ريان حولها وسألها مستفسراً:-
بتضحكي على إيه
_ أجابته بهدوء:-
أصل أنت بتطلب مني حاجة في وقت من الأوقات كانت كل تفكيري، كنت بتمني أنها تحصل وأنت كنت دايما رافض، ولما وافقت على الفكرة أنا اللي هقولك مش موافقة
_ احتضنت يده بحب وتابعت حديثها الناقص:-
معتش أقدر أبعد عنك، أنا اكتشفت إني كنت هندم ندم عمري لو كنت وافقتني قبل كده، أنا بحبك ولا يمكن أبعد عنك أبداً، وأنا مرتاحة متقلقش يكفيني سؤالك ده أصلا وإن راحتي تهمك مش عايزة حاجة تانية
_ شعر ريان بالراحة التي إجتاحته من خلف كلماتها، رفع يدها وطبع قُبلة عليها وأردف:-
ربنا يقدرني وأسعدك
ازدادت الحماسة داخل دينا ونهضت مسرعة، فتحت روبها لتظهر قميصها له مرددة بتلهف لرؤية نظراته:-
شوفت القميص الجديد
_ أسرع هو بالوقوف أمامها وأعاد غلق الروب مرة أخرى معاتباً إياها بلطف:-
إحنا في نص الفيلا إزاي تعملي كده؟
_ بميوعة رددت:-
خلاص تعالي الأوضة شوفه براحتك
_ جذبته من يده وتوجهت إلى الأعلى فتبعها هو لغرفتهم أثناء خروج عنود من غرفة تميم ورأتهم يدلفون لغرفتهم الخاصة بهم، شعرت بالغصة ذاتها من كل مرة تراهم سوياً أو تتخيل ما يحدث ، لا يتقبل عقلها بتاتاً تلك التخيلات التي سببت لها حالة من الإكتئاب التي تعيشه بمفردها فحتماً لن تخبر أحدهم بتلك الحالة التي باتت عليها..
_ عادت إلى غرفتها تجر أذيال خيبتها بثقل، استلقت على الفراش بفتور شديد وحالة سيئة قد انتابتها من بعد رؤيتها لهم على تلك الحالة الخاصة، سحبت وسادتها واحتضنتها بقلة حيلة فكان لها من نصيباً من تلقي حرارة العبرات التي سقطت عليها...
في اليوم التالي،
في تمام الساعة السابعة صباحاً، إستقيظت عنود مبكراً كعادتها من كل يوم لكي تلتحق بالجامعة، أنهت تحضير ثيابها وقامت بإرتدائهم سريعاً ثم خرجت وعينيها مصوبة على الغرفة القاطن بها زوجها وامرأته
_ طالعتها بحسرة ثم إنسحبت مهرولة إلى الطابق السفلي قبل أن تجهش باكية، نادت بنبرة تهدد بالبكاء:-
زينب..
_ جائتها ملبية أمرها فأردفت الأخرى:-
أنا راحة الجامعة و Babysitter كلها نص ساعة وهتيجي لتميم لو ريان سأل عليا قوليله إني مشيت عندي محاضرة بدري.
_ أماءت لها زينب ومن ثم ودعتها وعادت إلى المطبخ بينما استقلت عنود السيارة الخاصة بها وأمرت السائق بالقيادة بأقصي سرعة معللة بأن لديها ميعاد ضروري لكن الحقيقة تريد الهروب من الفيلا وسُكانها.
_ بعد مدة دست يدها في حقيبتها وحملت هاتفها المحمول وقامت بالإتصال على صديقتها، على الرغم من أن الوقت مازال باكراً إلا أنها أجابتها علي الفور بشوق:-
وحشتني ياستي
_ إبتسمت عنود وردت عليها بنبرة غير سوية:-
وأنتِ كمان
_ عقدت الأخرى حاجبيها بغرابة من لهجتها المريبة، وشعرت بأن هناك ثمة أمراً لا تعلمه، حمحمت وسألتها دون تردد:-
ماله صوتك في حاجة؟
_ أخرجت عنود تنهيدة مليئة بالهموم وأردفت بفتور شديد:-
محتاجة أتكلم معاكي يا هالة، لو تعرفي تجيلي الجامعة نتكلم في البريك..
_ رحبت هالة بالفكرة وبتلهف قالت:-
بس كده أنتِ تؤمري ساعة بالكتير وأكون عندك
_ شكرتها عنود وأنهت المكالمة، أعادت الهاتف إلى حقيبتها ثم طالعت الخارج من النافذة بعدم رغبة في مواصلة ما تفعله، تريد هُدنة لمدة لا تعلم كم تحديداً، عام أو أعوام ربما حينذاك تستعيد رونقها من جديد..
***
_ إستيقظ ريان من نومته وتفاجئ بتأخيره عن جامعته، إنتفض من مكانه مهرولاً إلى المرحاض، غسل وجهه ومن ثم بدل ثيابه سريعاً وخرج من غرفته يبحث عن عنود فلم يسبق لها وأن تركته غافياً كل تلك المدة
_ فتح باب جناحها لكنه فوجئ بخلو المكان، قطب جبينه بغرابة وأغلق الباب وتوجه إلى غرفة صغيره "تميم" على أملاً أن يجدها هُناك، فتح الباب دون إستئذان فتفاجي بوجود جليسة "تميم" ترافقه وتطعمه فطوره
_ شعر بالحرج لإقتحامه الغرفة بتلك الطريقة وإعتذر منها بندم:-
أنا آسف كنت فاكر عنود هنا..
_ بحرج شديد أردفت الأخرى:-
لا مدام عنود مش موجودة هنا
_ أعاد ريان تكرار إعتذاره لها ثم أغلق الباب برفق، نظر إلى الطابق السفلي فلم يكن أمامه سواه يبحث عنها فيه، لا يوجد لها أثراً في الأرجاء، تأفف مستاءً ونادي بنبرة غاضبة على الخادمة:-
زينب يا زينب
_ ظهرت أمامه فور سماعها لندائه عليها فأسبق هو بسؤالها:-
عنود فين؟
_ أجابته بعمليه:-
راحت الجامعة قالت إن عندها محاضرة بدري النهاردة
_ عقد ريان ما بين حاجبيه بتعجب من أمرها وقبل أن يبالغ في الأمر رفع يده ونظر إلى ساعة يده الحديثة ليرى ماهو اليوم من أيام الأسبوع، أعاد النظر في الفراغ أمامه مردداً:-
النهاردة التلات محاضرة إيه اللي بدري؟
"هي اللي قالت كدا يا باشمهندس"
أخبرته زينب بهذا فانتبه لها ريان وقال بوجه عابس:-
تمام، روحي أنتِ
_ العشرات من الأسئلة قد راودت أفكاره، ما الذي بدل أحوالها هكذا؟ أهو مقصر لتلك الدرجة؟ لم تعد كما كانت، دوماً ما تشغل نفسها عنه حتى في الأيام التي لا تراها بها، تتحجج بعملها إن سألها عن سبب هذا التغير ناهيك عن فقدانها للشهية حتى كادت أن تختفي تماماً
_ أزفر أنفاسه بضجر وعزم على أن ينفرد بها بعيداً عن أجواء الفيلا لربما يعلم حينها ما سبب تلك التصرفات المريبة، خرج من شروده على صوت صافرة الحافلة التي تأتي لإصطحاب بناته إلى مدارسهم
_ إحتدت ملامح ريان بضيق مبالغ وبنبرة لا تحتمل النقاش نادى مرة أخرى على الخادمة التي جائته راكضة:-
أمرك يا بيه؟
_ من بين أسنانه المتلاحمة صاح بغضب:-
البنات منزلوش كل ده ليه؟ الباص واقف برا!
_ رفعت زينب كتفها للأعلى بقلة حيلة وهتفت موضحة:-
دينا هانم هي اللي بتصحيهم والله يا بيه أنا معرفش حاجة
_ حرك ريان رأسه مستنكراً تلك السخافات وعاد بأدراجه إلى الأعلى ومنه إلى جناحه، طالع دينا بتهكم وبنبرة جهورية إندفع بها:-
إصحي يا دينا الساعة بقت ٨ والبنات لسه مصحوش!!
_ تقلبت على الجهة المقابلة له وأردفت ببرود:-
هقوم أصحيهم الوقتي
_ أغتاظ من ردها البارد وقال:-
الوقتي أمتي بقولك الساعة ٨ معتش الا ربع ساعة على الطابور
_ نهضت متأففة، إلتقطت روبها وخرجت من الغرفة لكي توقظ بناتها، تبعها ريان إلى الخارج وأمر الخادمة قائلاً:-
قولي لسواق الباص يمشي أنا اللي هودي البنات
_ أماءت له بقبول وأسرعت في إمتثال أمره بينما ترجل هو للأسفل لكي يحضر سيارته لحين وصول بناته..
_ إستغل فرصة وجوده بمفرده وهاتف عنود التي أجابته بعد مدة بنبرة خافتة:-
ريان أنا في محاضرة هكلمك بعد ما أخلص
_ أنهت المكالمة قبل أن يقبل أو يرفض هو، طالع الهاتف الذي بيده والشك بدأ يتلاعب داخله، بالتأكيد هناك أمراً ما يجعلها بتلك الغرابة، أوصد عينيه لبرهة وعزم أن يبادر بالحديث معها قبل عودتهم فهو لا يطيق تلك الساعات التي سينتظر محادثته فيها.
_ أنتبه على ركوب جني أولاً ثم ساعدت زينب جويرية على الركوب ومن ثم أنطلق بهم متوجهاً إلى مدرستهم..
***
في الجامعة،
أعادت عنود وضع هاتفها في حقيبتها بعدما أنهت مكالمتها مع ريان بسلام، ابتسمت حين رأت هالة تطل عليها من على بُعد مسافة قريبة منها، نهضت لتستقبلها فكان هناك عناق دافئ حظن بهن كلتهاهن، جلسن مقابل بعضهن البعض وبدأت هالة في سؤالها بإهتمام:-
مالك بقا في إيه؟
_ تجمعت العبرات في عيني عنود وحاولت جاهدة بأن تتماسك أمامها، أشفقت هالة على حالتها وأردفت بحزن:-
للدرجة دي الموضوع كبير؟
_ أخرجت عنود تنهيدة عميقة لكي تضبط من نبرتها وبدأت الحديث بحزن جلي:-
مخنوقة، حاسة إني معتش قادرة أكمل، الحياة اللي بعيشها دي غريبة أوي، صعبة مش قادرة أتخطى اللي بيحصل بسهولة أنا شكلي يبان إني قوية وإتأقلمت بس انا عكس كده خالص أنا جوايا منهار، حرب مش بتهدى نهائي، تعبانة أوي بجد وطاقتي خلصت خلاص، تحملي على السخافة اللي بتحصل دي نفذ
_ فرت دمعة من مقلتيها فأسرعت هي بمسحها لكن هيهات لشلال العبرات الذي لم يتوقف عن الهطول قط، دست هالة يدها في حقيبتها وأخرجت عُلبة المناديل الورقية وأعطتها منها عدة مناديل مرددة:-
كل دا في قلبك ومخبية عني، وأنا اللي كنت بتمني أكون في نفس قوتك وتماسكك، طلعتي ولا قوية ولا حاجة..
_ صمت حل لثوانِ قبل أن تقطعه عنود بمواصلة حديثها:-
كل مشكلة ليها حل إلا المشكلة اللي أنا فيها دي، كل ما بحاول ألاقي لها حل بلاقيني جيت على نفسي أوي أنا عايشة حالة إكتئاب محدش يعرف عنه حاجة، محدش حاسس بيا يمكن لأني مش ظاهرة دا بس بجد I'm very tired
( أنا تعبانة أوي)
_ تحشرجت نبرتها من كثرة البكاء، حمحمت لتعيد رونقة حنجرتها رغم هذا خرجت نبرتها مهزوزة للغاية:-
العلاقة اللي بتحصل بين أي واحد ومراته بحسها علاقة مقدسة لأنهم أكتر وقت بيكونوا على طبيعتهم وعلى فطرتهم، واللي بيحصل ده مش قادرة أتقبل أنه بيحصل مع غيري، الأحساسيس اللي بتتحس والمشاعر المتبادلة مينفعش تتحس مع حد تاني، مينفعش إنبساطي ده حد غيري يتسبط زيه، وغيري دي مراته اللي أنا جيت عليها، اللي مينفعش أبدا أقوله ميعملش كده معاها، أصلاً وقت ما بفكر كدا بحس بتأنيب ضمير وإني أنانية ومش بحب غير نفسي من مجرد تفكير!! وبالتالي باجي على نفسي وأبعد عنه عشان يهتم بيها هي ومحسش بتأنيب ضمير تاني بس خلاص معتش قادرة، تقريباً وقته كله معاها هي وهي بتستغل كل الفرص عشان تاخده ده غير شغله وعيلته وكل دول أخدين من وقتي أنا، أنا مش عارفة أعمل إيه بجد
_ ملامح هالة كانت تعبر عن مدي التأثر والإشفاق على حالة صديقتها، مدت يدها وربتت على يد عنود الموضوعة أعلى الطاولة وبنبرة حنونة أردفت:-
أنتِ مش أنانية يا عنود ده جوزك يعني حقك وطبيعي جدا تغيري عليه، أنا بقلب الدنيا لو يحيي كلم واحدة في شغل ما بالك أنتِ وفيه واحدة مشاركاكي فيه بعيداً عن أنك الأولي ولا التانية، أنتِ في الآخر إنسانة وليها مشاعر وبتحس وطبيعي كل دا بس مش طبيعي أبدا إنك تعيشي حالتك دي لوحدك، زي ما هي بتاخد حقها منه أنتِ كمان خدي حقك لأنه من حقك!! متفكريش فيها استمعتي بوقتك مع جوزك إخرجي إلعبي عيشي حياتك معاه وكأنها مش موجودة، عارفة أن ده صعب شوية بس ده الحل الوحيد قدامك، مينفعش تستسلمي للإكتئاب، أنت بنوتة جميلة وصغيرة وأم حنونة وزوجة وفية ومُحبة لازم تكملي عشان كل دول وأهم من كل دول إن ريان بيحبك
_ لوت عنود شفتيها فأسرعت هالة مؤكدة حديثها:-
أهي دي الحاجة الوحيدة اللي بقولها وأنا واثقة منها
_ رفعت عنود بصرها عليها وأردفت بنفاذ صبر:-
عارفة، وده اللي تاعيني أكتر إني مش قادرة أخد أي خطوة بسببه، هو ملوش ذنب و...
_ قاطعتها هالة معقبة:-
مفيش حاجة إسمها ملوش ذنب، لازم تشاركيه مشاعرك دي، لازم تلاقوا حل مع بعض حل يرضيكم إنما أنك تاخدي جنب وتعيشي حالتك دي لوحدك مينفعش
_ أطالت هالة النظر عليها لربما تأتي برد منها لكن دون جدوى، ترى ملامح شاحبة ومشاعر منطفئة، لا تشعر بالخير حيال تلك التعبيرات المبهمة، تنهدت قبل أن تواصل ما لم تُكمله:-
إوعديني تتكلمي معاه وتلاقوا حل
_ هربت عنود بنظرها بعيداً عنها وعلقت عليها قائلة بهدوء:-
أوعدك، نتكلم.
_ عادت بالنظر إليها وشكلت بسمة لم تتعدي شفتاها وأردفت معتذرة:-
بجد I'm so sorry هالة أنا عكننت عليكي وأنتِ عروسة
_ قابلتها هالة بنظرات مستاءة وأجابتها بحنق:-
تصدقي أنا ناسية أصلاً إني عروسة
_ أشفقت عنود على ما سمعته منها فتابعت الآخرى مازحة:-
مش عارفة ألاقيها منك ولا من يحيي منكدين عليا
_ إنفجرن ضاحكتين فهتفت عنود متسائلة:-
ليه كده؟
_ تحولت تقاسيم هالة إلى الشدة كما تراجعت للخلف وعقدت ذراعيها بتذمر وقالت:-
يا بنتي مضغوط في التجهيزات وخنقته كلها بتطلع عليا أنا لما جبت أخري بصراحة
_ بتأثر شديد رددت عنود:-
ريان قدم له المساعدة وهو اللي رفض.
_ تنهدت هالة وتقدمت للأمام قليلاً، استندت بمرفقيها على الطاولة وبهدوء وضحت لها وجهة نظرها:-
يحيي حابب يتعب في حاجته، بيته يكون من تعبه وشقاه فاهماني
_ أماءت عنود بتفهم لكنها لم تقتنع كثيراً:-
أيوة فاهمة طبعاً بس دول أخوات مفيش فرق بينهم
_ بنبرة سريعة أجابتها:-
ربنا يخليهم لبعض سند يارب، بس كده أحسن مش حابة فكرة إن يحيي يعتمد على حد حتى لو أخوه أنا كده مطمنة أكتر إن مش هيجي يوم وألاقيه رامي كل حاجة عليا لأنه متعود يعتمد على غيره كده أحسن صدقيني
_ صمتت هالة حين سمعت رنين هاتفها، نظرت في شاشته وهو موضوع على الطاولة ثم إبتسمت ببلاهة مرددة:-
لو جبنا في سيرة عشرة جنيه مكنتش هتيجي بالسرعة دي
_ إستشفت عنود هوية المتصل بينما أجابت هالة على المكالمة بلطف:-
صباح الخير يا حبيبي
_ بتذمر سألها:-
إيه الدوشة اللي جنبك دي؟
_ ردت عليه هالة بعفوية عابثة:-
أنا في الكلية عند عنود طل...
_ قاطعها يحيي بثورته عليها:-
عند عنود في الكلية!، والقرطاس اللي أنتِ مخطوباله ده أخر من يعلم بخروج سعاتك؟
_ أوصدت هالة عينيها فور تلقيها ثورة غضبه التي
وصلت إلى آذان عنود وحاولت تبرير موقفها:-
إحنا كنا بدري وأنا عارفة إنك نايم ومحبتش أصحيك لأني عارفة إنك نايم متأخر
_ حديثها لم يجدي نفعاّ في إخماد غضبه، مدت عنود يدها لصديقتها ودقت على الطاولة لتجذب إنتباها، أشارت إليها لتعطيها الهاتف فتنهدت هالة وناولته لها بهدوء
_ تولت عنود تلك المهمة فهي لا تريد لصديقتها أن تعيش في صراع نفسي كما تعيشه هي، حمحمت قبل أن تعلن عن هويتها له:-
يحيي أنا عنود، إزيك الأول
_ ضبط يحيي من نبرته وحاول أن يكبح غضبه ورد عليها:-
الحمد لله أخبارك إيه؟
بإختصار عن نفسها هتفت:-
أنا الحمدلله كويسة، أنا اللي طلبت من هالة تيجي لي عشان كنت مخنوقة ومحتاجة أتكلم معاها فـ بليز متتخانقوش عشان محسش بالذنب
_ بفتور قال:-
لا مفيش حاجة
_ إبتسمت عنود وقبل أن تعيد الهاتف لهالة، تعمدت تنبيه لشيئ لربما يأخذه في عين الإعتبار:-
أنا مش قصدي تدخل يا يحيي بس هي نصيحة ياريت تعمل بيها، شوفت نبرتك هدت معايا إزاي رغم أن في نفس اللحظة كنت بتزعق وصوتك عالي، معني كده إنك بتعرف تسيطر على غضبك، ياريت هالة ميكنش ليها كل النصيب من الغضب ده عشان صدقني ده مش بيحل حاجة بالعكس ده بيعقد الأمور أكتر، وهي ملهاش ذنب تستحمل نوبات غضبك طول الوقت هي بني أدمة وليها مشاعر وبتزعل حتى لو مبينتش ده، وليه بقولك كده عشان حطيت نفسي مكانها لو ريان اتكلم معايا بأسلوب مش لطيف في حين أنه كلم غيري في نفس اللحظة بأسلوب حلو كنت هزعل، لأنه معني كده بيقدر يسيطر على غضبه يبقي إيه المانع إنه يتعامل معايا أنا كمان كده رغم أني أولى بالمعاملة دي عن غيري.
"كلام في محله والله"
تفاجئت عنود بنبرة ريان التي اقتحمت جلستهم، رفعت بصرها عليه من خلفها ثم أعادت الهاتف لهالة ورددت متسائلة:-
ريان، أنت هنا من امتي؟
_ أجابها وهو يعتلي المقعد:-
لسه واصل
_ استأذنت هالة معللة أسبابها:-
أنا همشي أنا بقا
_ غمزت إلى عنود وحثتها على فعل ما أخذت عليه وعداً منها:-
متنسيش اللي اتكلمنا فيه
_ إكتفت عنود بإيماءة من رأسها بينما تدخل ريان موجهاً حديثه لهالة:-
راحة فين ولا إذا حضرت الشياطين..
_ قهقهت هالة على دعابته وأوضحت له سبب ذهابها:-
هروح، كفاية شياطين أخوك اللي طالعة عليا دي
_ تفاجئ الجميع برد يحيي:-
سامعك على فكرة
_ بتهكم معانق للمزاح هتفت هالة بنفس أسلوبه:-
عارفة على فكرة
_ أشارت إليهم مودعة إياهم ثم أولتهم ظهرها وغادرت وهي تعاتب يحيي على تصرفه الوقح معها بينما أعادت عنود النظر إلى ريان فتفاجئت بسوداتاه يرمقانها، إنتهز ريان الفرصة وسألها بلهجة معاتبة:-
مشيتي لوحدك النهاردة ليه؟
_ نهربت بنظرها بعيداً عنه وبتلعثم أجابته:-
قولت لزينب تقولك إني عندي محا...
_ قاطعها مستاءً من كذبها المتكرر:-
النهاردة محاضرتك بتبدأ الساعة ١٠
_ نظر في ساعة يده وتابع:-
ولسه ساعة عليها!
_ سحبت عنود أكبر قدر من الأكسجين فهي غير قادرة على المواجهة، وبالمعني الصحيح لم تصل إلى حل لتلك التعقيدات الحادثة في علاقتهم، أمسكت بيده ورققت من نبرتها لكي تبدوا طبيعية وأردفت بحنو:-
مفيش حاجة يا حبيبي، بس كنت محتاجة أكون لوحدي مش أكتر
_ ضاق بعينيه عليها فلم يعجبه ما أردفته وعاتبها بكلماته:-
أنتِ لوحدك أصلا يا عنود، مش ملاحظة ده؟
إحنا مش بنتقابل ولو اتقابلنا مش بنقعد ساعة مع بعض، إما مشغولة وإما بتتحججي بتميم!!
_ أشار ريان على نفسه وسألها مستفسراً:-
أنا فين من كل ده؟
_ شعرت عنود بؤخزة في صدرها إثر سؤاله، المواجهة باتت أصعب، لا تقدر على التصريح بما يدور داخل عقلها كما أن نظراته التي تنتظر إجابة واضحة منها تزيد من شعورها بالألم
_ تخبطت في أحداث لم ترتب لها بالمرة، ظنت أنه حان الوقت للتحدث معه كما حثتها هالة على ذلك، إبتلعت ريقها ورفعت بصرها عليه ورددت:-
ممكن نشوف اللي ورانا الوقتي وأوعدك نتكلم بعدين، بس بليز متضغطش عليا يعني وقت ما أحس إني جاهزة هتكلم على طول
_ لم يريد ريان الضغط عليها على الرغم من نفاذ صبره على الإنتظار وقت آخر لكي يعلم ما بها، أخرج زفيراً عميق في محاولة منه على التماسك فالعصبية لن تجدي نفعاً في تلك الأوقات
_ أماء لها بقبول ثم نهض كليهما متفرقين في وجهتهم حتى يروا ما لديهم من أعمال وفي النهاية سيجمعهم مكان واحد وسيعلم ريان سبب حالتها..
***
مساءاً،
_ إنتظر ريان على أحر من الجمر نوم من في المنزل حتى ينضم لعنود ربما تدلي بما لديها، تأفف ريان بضجر بائن حين لم تنسحب دينا من المكان وكذلك لم تأمر بناتها للنوم وكأنها متعمدة ذلك..
_ نهضت عنود وأردفت بفتور شديد حين شاركتهم دينا اللحظة على الرغم من علمها بأن تلك الليلة هي ليلتها:-
أنا داخلة المكتب ورايا شغل
_ بربك شغل ماذا الأن؟ هو يريد من الجميع الإنسحاب إلا منها فكانت هي أول من تركته وغادرت، لم يعقب ريان فمعها كل الحق في الذهاب إن لم ترأف دينا بها فما يمكنها أن تفعل؟
_ مرر ريان أنظاره على بناته التي قد تملكهم النعاس ويثائبون من آن لآخر وبين والدتهم التي تتعمد عدم النظر إلى حالتهن
_ لم يستطع الصمود لأكثر من ذلك وخرج عن صمته قائلاً:-
خدي أختك يا جني واطلعوا ناموا الوقت أتأخر
_ نظرت دينا إلى ساعة الحائط وتصنعت جهلها بالوقت ورددت مستاءة:-
ايه ده محستش بالوقت خالص، قوموا يلا يا بنات تصبحوا على خير
_ قبلنها من وجنتها وكذلك قبلن والدهن ثم صعدن إلى غرفتهن ليناموا بينما أطال ريان النظر إلى تلك الباردة التي لا تتحلى ولو مقدار ذرة من المروءة والرحمة، حرك رأسه يمينا ويساراً مستنكراً تصرفاتها التي تزداد سوءاً كلما جاء دور ليلة عنود
_ نهض من مقعده فسألته هي مهتمة لأمره:-
رايح فين؟
_ حدثها دون أن ينظر إليها:-
تصبحي على خير يا دينا
_ تابع سيره إلى المكتب دون أن يلتفت فتسبب في إشعال النيران في قلبها شاعرة بالغيرة القاتلة تجاه تعيسة الحظ التي ستحظى بوجوده إلى جوارها تلك الليلة
_ إنتفضت من مكانها بتذمر وأختلست النظر إلى باب المكتب التي اختفي خلفه ريان وتابعت صعودها إلى غرفتها لاعنة الأخرى مراراً داخلها.
_ تنفس ريان الصعداء حين وصل إلى مكتبه بسلام، لقد فقد الأمل أن تجمعه فرصة معها، توجه نحوها بخطى سريعة ملهوفاً على التقرب منها، أغلق الحاسوب فأردفت هي بجمود:-
لسه مخلصتش
_ جذبها من ذراعها وعاتبها بصوته الأجش:-
طول ما أنا موجود مفيش شغل
_ توجه بها إلى الأريكة التي يعلوها النافذة، أزاح عنها روبها فظهر قميصها الذي ترتديه ، مال بعنود علي الأريكة فلم تعارض تصرفه وتركت له المساحة الكافية لأخذ ما يريده
_ إنحنى على ثغرها ولثمه بقبلاته الرقيقة التي قشعر لها بدنها، حاوطت عنقه وأوصدت جفنيها تعيش معه لحظتهم، شعرت بالسكون يجتاح قلبها ولم تشعر بنفسها سوي وهي تردد هاتفة:-
ريان عايزة أطلق.
رواية المعلم الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم تسنيم المرشدي
رواية المعلم كاملة بقلم تسنيم المرشدي حصريا للقراءة والتحميل
رواية المعلم (حلقات خاصة) الحلقة الثانية 2
توقف عن فك أزرار قميصه فور تلقيه طلبها، لوهلة لم يصدق شحمتي أذنه التي وقع على مسامعهم ذاك الطلب المفاجئ.
_ إزدرد ريقه وهو يطالعها بصدمة مختلطة بالرفض لكونها استطاعت أن تنطقها بتلك السهولة، شعرت عنود بفداحة ما أردفته من خلف نظراته عليها، لازال يعتليها ولم يكف عن رمقها بالتطلعات التي تنتظر تصريحها بالمزاح لكنها لم تفعل!
_ وأخيراً استطاع النطق وأردف بنبرة جامدة:-
يعني اللي سمعته كان بجد!
_ خفق قلبها خوفاً ولم تقدر على إجابته، فقط إكتفت برمقه دون حديث، سحب ريان نفسه من بين ذراعيها التي تتشبث في عنقه ثم أولاها ظهره يريد المغاردة فعقله مازال أسفل تأثير الصدمة لا يريد هضم طلبها بسهولة.
_ أسرعت عنود خلفه وأمسكت بذراعه اليمنى، التفتت هي من خلفه ووقفت مقابله، نظراته تؤلمها وتود الإعتذار عما بدر منها والتراجع عن طلبها فقط لتمتع نظريها بوميض عينيه التي افتقدت إليه في تلك الثوانِ القليلة.
_ أخفضت رأسها تستجمع قوتها التي تبخرت تماماً، رتبت الكلمات في رأسها ومن ثم أعادت النظر إليه وبؤبؤتيها تلمع بالدموع، تنهدت قبل أن توضح له أسبابها:-
مش عارفة اتأقلم!
صدقني الموضوع صعب، أنت مش هتفهم لأنك محدش مشاركك فيا...
_ قاطعها ريان بصياحه:-
أسكتى..
_ لم تصمت واستغلت تلك العصبية لصحالها ورددت:-
شوفت مقدرتش تستحمل إزاي...
_ قاطعها للمرة الثانية على التوالي، اندفع بها بإنفعال شديد وهو يقترب منها حتى إلتصق بها:-
بقالك ٦ سنين معايا وجاية الوقتي تقولي مش عارفة اتأقلم!
ده إستعباط ولا إستهبال؟
_ لم تصمد أمام كلماته المهينة وجهشت باكية وأجابته بتلعثم من بين بكائها:-
لأ، طاقتي خلصت، معتش قادرة أستحمل وأنت في حضن واحدة تانية، بيحصل معاها كل اللي بيحصل معايا!
نظرات الناس على إني زوجة تانية بتقتلني وقد إيه يا حرام أنا جاية على الزوجة الأولى فاضطر أنا أسيبك ليها عشان أحس براحة شوية وتأنيب ضميري يهدى بس بلاقيني غيرت!!
أيوة بغير ما أنا بحبك، أنت مش بس جوزي، سبق وقولتلك إن بحس معاك بالآية اللي ربنا نزلها عن المخزي من الجواز، هو السكن!!
أنا مش قادرة أحس إنك سكني، لأنك ببساطة مش سكني لوحدي، مش بيتي لوحدي، دايما في غيري مشارك كل لحظة معاك، وطبعاً مقدرش أتكلم لأنه مش من حقي
_ صمتت عن الحديث لتضبط من نبرتها التي تحشرجت ولم تعد مفهومة، حمحمت قبل أن تواصل إسترسالها:-
معتش قادرة أجي على نفسي أكتر، أنا مينفعش أهد بيت غيري لأنه مش حقي أهده، بس أقدر أهد بيتي أنا..
أزفرت آخر دمعة بشعور قوي من الألم وهي تعيد طلبها:-
لو بتحبني بجد طلقني
_ الصدمة دوناً عن غيرها كانت مُشكلة على تعابير ريان، قلبه يعتصر حزناً ويزداد ألماً كلما شعر بضياعها، فهي ليست زوجة ثانية كما يراها البعض، هي صديقة روحه ورفيقة دربه وحبيبة فؤاده، فكيف يتقبل منها ذلك الطلب؟
_ لم يطيل التفكير كما أنه فضل السكوت، فالحديث في بعض الأحيان لا يكون سوى ثرثرة فارغة لن يضيف للوضع إلا سوءاً، ذاك الحين بحاجة إلى عناق دافئ يهدئ من ضجيج الحروب الصاخبة بداخلنا..
_ حاوطها بذراعيه بهدوءٍ فلم ترفضه، هي بحاجة إلى ذلك، لربما تشعر بالتحسن يسري داخل قلبها، لم تقدر على مبادلته العناق فكانت قوتها ضعيفة هذيلة، تركت العنان لضعفها في الظهور لكي يشاركها هو فيه ربما يساعدها على ذهابه عنها.
_ صدحت نبرته الهادئة قاطعة صمتهم الذي طال لوقت:-
ده مش مجرد حضن كده عادي، حياتي كلها في الحضن ده، الدنيا كلها أتبدلت بعده، فاكرة؟
_ حركت رأسها بنفي فتابع هو:-
عمري ما أنساه، حضنك اللي جه في ثواني داوى كل حاجة، سبيني أداوي أنا كمان
_ وكأن لكلمته سحراً خاص، تحلت بالقوة حينها وسمحت ليدها في التسلل حتى حاوطت عنقه وجهشت باكية ومن بين بكائها كانت تطلق آنات موجوعة:-
أاه..
_ رجف جسدها من فرط البكاء فلم يتحمل ريان ذلك وحملها بين يديه على الفور، أسندت رأسها على صدره في هدوء بينما خرج هو من المكتب وصعد بها إلى جناحهم.
_ صغي كليهما إلى صوت "تميم" الذي يخرج من اللاسلكي المتصل بغرفته، وضعها "ريان" على الفراش وأردف قبل أن تنهض هي:-
خليكي أنتِ، هروح أشوفه أنا
_ وافقته فصفوها ليس في محله الأن، أولاها ريان ظهره وتوجه نحو غرفة "تميم"، كان الصغير يقف على جدار الفراش الخشبي، مد يده إلى والده بلهفة وردد ببراءة:-
بابي
_ إقترب منه "ريان" ويديه ممدودة له وأردف بنبرة تشبه نبرة "تميم":-
إيه، أنت صحيت ليه مش وقتك خالص
_ رفع "تميم" رأسه للأعلى حين وقف أمامه "ريان" وهتف بتلعثم:-
نود، نود
_ رفع ريان حاجبه الأيسر وقلده:-
نود! لما أنت تقولها نود أنا أقولها إيه؟
_ إنخفض ريان بمستوي طوله لمستوى تميم، أستند بمرفقيه على سور الفراش وواصل دعابه مع الصغير:-
وبعدين عنود دي بتاعتي أنا مش بتاعتك
_ تفاجئ ريان بحرارة الصفعة التي دوت على وجهه من يد تميم متمتماً بعصبية:-
تاعتي
_ جحظت عيني ريان بصدمة وردد:-
يا أبن الـ..
_ لم يكمل سُبابه وتحسس وجنته التي تلقت الصفعة وهو يطالعه بذهول لفعلته ثم أردف بحنق زائف:-
ده أنت مشوفتش بـ ٣ جنيه تربية، بتضرب أبوك طب تعالي بقا
_ حمله ريان فصاح تميم مقهقهاً، نظر إليه ريان بطرف عينيه متعجباً من ضحكاته فهو حمله ليرد له صفعته بمزاح وعليه أن يخشاه لكن ما حدث كان عكس ذلك تماماً فهتف ريان عالياً:-
أنت جامد يعني ومبتخافش!!
_ وضعه على الأريكة التي تبعد الفراش قليلاً وبدأ يدغدغ به حتى إزدادت ضحكات الصغير أضعافاً، شاركه ريان الضحك ثم هدأ وأعدل من جلسته ونظر في الفراغ أمامه.
_ أخرج تنهيده مهمومة وهو يتذكر طلب عنود، خرجت هي في تلك الأثناء من جناحها حين تأخر ريان عن عودته لها وقبل أن تهم بالدخول وقفت تتابع ما يفعلانه.
_ رآها تميم من خلف الباب وردد بإسمها:-
نود
_ ابتسمت له عنود وكادت أن تولج له حين كُشف أمرها من قِبله لكنها تراجعت حين صغت إلى كلمات ريان:-
عنود عايزة تسيبني يا تميم، معرفش فكرت امتي وإزاي قدرت تقول كده!!
_ التفت ريان بجسده حيث الصغير وتابع حديثه:-
أمك متعرفش...
_ صمت حين نطق الإسم ذاته التي دوماً ما يتشاجران عليه وعدله:-
ولا مامتك بدل ما تيجي تعملنا محاضرة الوقتي
_ توقف عن الحديث مشكلاً بسمة عذبة وتابع ترديده:-
وهي بقت شاطرة في تحضير المحاضرات، شوفت أنا بقيت حافظ كل ثغراتها ازاي، تعليماتها وأوامرها وكل كلامها اللى بيتقال عفوي أنا بحفظه، وفي الآخر تقولي طلقني!
_ تأفف بضيق قد تمكن من صدره بسبب الطلب الذي لا يقتلع عن عقله، رفع بصره للأعلى وطالع سقف الغرفة وتابع تمتمته بنبرة متهكمة:-
متعرفش إني بقضي أغلب وقتي في شغلي وبين أخواتي عشان اختبرهم وأشوف مين قد ثقة إني أسيب له ممتلكاتي وافضي لسيادتها
_ بتلقائية عابثة ألقى سؤاله:-
تفتكر مين فينا اللي غبي، أنا عشان مبينتلهاش إهتمام ولا هي عشان طلبت طلب زي دا؟
_ أنهى سؤاله في إنتظار إجابة الصغير لكنه لم يجيبه فواصل قائلاً:-
لا بس مهما يحصل مينفعش تطلب طلب زي ده
_ التفت ريان حيث "تميم" حين لم يأخذ منه رد وهو يقول:-
أنت مبتردش لي..
_ قطع سؤاله حين رآه غافياً، تقوس ثغره بإبتسامة وأردف بحرج:-
الظاهر إني رغيت كتير
_ انسحبت عنود سريعاً وعادت إلى غرفتها، لا تدري أي شعور قد أنتابها لكنها متأكدة أن كلماته أسرت قلبها ومشاعرها تأثرت به وأرادت أن تكافئه لربما تنجح في اقتلاع طلبها من عقله.
_ هرولت نحو الخزانة واختارت من الثياب أجملهم والمحبب لقلب ريان عليها، مشطت خصلاتها المحررة ووضعت عطره المفضل الذي يأتيها به من كل فترة.
_ أخذت شهيقاً عميق ثم أولت صورتها المنعكسة ظهرها وتوجهت إلى الباب لكي تستقبله استقبالاً حار، خرجت من الغرفة ثم تذكرت أنها لم ترتدي روبها، عادت مرة أخرى إلى الداخل لترتديه سريعاً وتعود إلى زوجها
في تلك الأثناء لمحتها دينا التي كانت تتابع ما يحدث من خلفه الباب لتعلم سبب الضجة المحدثة منذ فترة والأبواب تنغلق وتنفتح في نفس اللحظات، كزت أسنانها ببغض حين رأت حالة عنود الخاصة ولم لتكن لتمرق الأمر دون أن تضع بصمتها وتخرب الليلة عليها.
_ تسللت من الغرفة واقتربت من السُلم وانتظرت خروج ريان بفروغ صبر، فُتح باب غرفة تميم فتعمدت هي ثني قدمها اليمنى أسفلها فتأوت بألم زائف
تفاجئ ريان بوجودها في الخارج في تلك الأثناء، كما خفق قلبه رعباً من صرختها، هرول نحوها مذعوراً وهو يتسائل بتوجس:-
إيه اللي حصل مالك؟
_ في تلك الأثناء خرجت عنود من غرفتها وتفاجئت بوجود دينا في الوسط، لم تشعر بالخير خلفها فحتماً تحدث المصائب في وجودها، توجهت نحوهم وصغت إلى شرحها لما حدث لها:-
كنت نازلة أجيب مية ورجلي اتلوت، أه مش قادرة أقف عليها
_ عاتبها ريان بلطف:-
مش تاخدي بالك يا دينا
_ مالت الأخرى عليه مرددة بملامح مشدودة ونبرة متعبة:-
مش قادرة يا ريان من الوجع بجد، مش قادرة أقف على رجلي
_ حرك ريان رأسه مستنكراً قلة وعيها، انحنى عليها وبسهولة حملها بين ذراعيه، إستدار بجسده فتفاجئ بوقوف عنود، لم يقدر على التحدث فليس بحين يمكنهم التحدث فيه
_ توجه نحو جناح دينا ووضعها على الفراش بحذر حتى لا يؤلمها، لكنها ظلت تتأوة بألم شديد وكأنها فعلياً موجوعة، سارت نحوهم عنود لربما يكونوا بحاجة إلى شيئ يمكنها تقديمه لهم لكنها لم تبرح أمام الباب يكفيها الوقوف أمامه ومتابعتهم في صمت.
_ نظر ريان إلى قدمها وسألها مستفسراً:-
فين المكان اللي بيوجعك بالظبط
_ تعمدت دينا الإنحناء على ريان في وضع حميمي للغاية وأجابته وهي تشير إلى منطقةً ما في قدمها:-
هنا..
_ حرك ريان رأسه بتفهم ثم نهض وهو يردف:-
كان في هنا مرهم للكدما....
_ توقف من تلقاء نفسه حين رأي زجاجة المياه ممتلئة على آخرها، ضغط على أسنانه بغضب حين استشف لعبتها الدنيئة، هرب بأنظاره بعيداً لكي لا ينفجر فيها فوقع بصره على عنود الواقفة عند الباب.
"محتاج حاجة يا ريان؟"
أردفتهم متسائلة فور وقوع أنظاره عليها، ابتلع ريقه لتكون نبرته طبيعية ولا يسبب الحرج لدينا أمام عنود، بنبرة هادئة للغاية أخبرها:-
عايز مرهم الكدمات هتلاقيه موجود في الحمام الخارجي لو سمحتي هاتيه
_ أماءت له بقبول وأسرعت في تلبية طلبه، عادت إليه سريعاً وناولته له، بدأ ريان في توزيع المرهم على نفس وضعه دون أن يجلس كما تعمد عدم النظر إلى دينا لكي لا ينفجر بها
_ أنهى ما يفعله ثم أولاها ظهره فلحقت به بمسكها ليده وقالت:-
خليك معايا النهاردة أنا تعبانة..
_ التفت برأسه إليها وببرود شديد أردف كلماته:-
الف سلامة عليكي
_ حرر ذراعه من بين قبضتها ثم تابع سيره للأمام حتى بات خارج الغرفة، طالعتها عنود لبرهة وتمنت لها السلامة العاجلة:-
شفاكِ الله وعفاكِ، متضغطيش عليها عشان تروق أسرع
لم تجيبها دينا بل قابلتها بملامح جامدة فاضطرت الأخرى على الإنسحاب من الغرفة بخجل قد تملك منها إثر جمود دينا في التعامل معها، حركت رأسها مستنكرة تصرفها الوقح ثم عادت إلى غرفتها
_ صدح صوتها في الأرجاء فور توصديها للباب:-
لو حابب تبقى معاها النها...
_ قاطعها ريان بحدة:-
مش حابب..
_ تابعت حديثها وهي تقترب منه:-
بس ده حقها و..
_ بعصبية لم تتصورها عنود صاح بها:-
حقها حقها حقها، كأن أنا من حقها بس ومش حقك أنتِ كمان، نفسي أفهم بتفكري إزاي؟ أنتِ مراتي زيك زيها، ليكي حقوقك زيك زيها افهمي بقا
_ نهض من مكانه ووقف مقابلها وواصل ما يريده أن تتقبل فكرته:-
بطلي تطلبي مني أكون معاها طول الوقت، خدي حقك مني زي ما أنتِ حريصة أوي إنك تديها حقها، حسسيني أنك مراتي أنتِ كمان
_ انحني بوجهه بقرب وجهها وتابع بتجهم:-
خليكي شاطرة في اخد حقك زي ما أنتِ شاطرة تاخدليها حقها!
_ تفاجئ ريان بقُبلتها التي التهمت بها شفتيه، لم تكن بتلك الجرأة مسبقاً، فدوماً ما يمنعها حيائها ناهيك عن الفجوة الحادثة في الآونة الأخيرة بينهم بسبب دينا فكانت باردة المشاعر معه لكنها الأن مختلفة تماماً، يبدوا أنها تأخذ حقوقها منه كما حثها.
_ حاوطها بذراعيه ورفعها عن الأرضية كما ساعدها على أخذ الحقوق كاملة بصدر رحب حتى بات عقله خالياً تماماً من أي مشحنات قد تعكر صفوه.
______________________________________
في الصباح الباكر، استيقظ ريان قبل الجميع، بدل ثيابه سريعاً ثم بهدوءٍ توجه نحو عنود، طبع قُبلة ناعمة على أنفها فرجف جسدها إثرها
فتحت بندقيتاها فتشكلت البسمة تلقائياً فور رؤيته، بادلها ريان الإبتسامة وألقى عليها تحية الصباح:-
صباح الخير
استندت هي بمرفقيها على الفراش فباتت في مستوى أعلى قليلا عن ذي قبل كما سارت أقرب له فكانت ملاصقة لصدره، وبنبرة رقيقة مشحونة بالحيوية أجابته:-
صباح النور يا حبيبي
_ شعر ريان بالراحة تجتاحه من نبرتها لطالما افتقدها كثيراً، فلا يشعر بلذة تلك الكلمة سوى من فمها وحدها، قبلها بحميمية ثم ابتعد عنها معللاً أسبابه:-
أنا كدا مش نازل خالص، قومي كفاية دلع
رفعت عنود حاجبيها ورددت بتعجب وهي تنهض من مقعدها:-
يعني أنت اللي حضرت الدلع والوقتي مش عايزه!!
_ حاوط ريان خِصرها بإحدى ذراعيه وبالأخر دسه في جيبه وبثقة أردف:-
مستغناش عنه أبداً، بس له أوقاته يعني
_ تملصت هي من بين ذراعه وركضت مهرولة إلى المرحاض، مالت برأسها من خلف بابه وقالت له:-
حاسة إني جعانة أوي ما تقولهم يحضروا الفطار
_ أشار ريان على عينيه مرحباً بطلبها:-
من عنيا
_ أرسلت له قُبلة في الهواء بميوعة فضاق ريان بعينيه عليها محذراً إياها:-
مش هتحرمي يعني، أنتِ اللي هتزعلي في الآخر
_ قهقهت عنود بميوعة ثم أغلقت الباب مانعة أى تقرب قد يحدث بينهم بينما خرج ريان ليأمر الخادمة بتحضير الفطور ومن ثم جلس على المائدة في انتظار هطول الجميع
_ ظهرت دينا تمشي بسرعة قسوة حاملة إحدي حقائبها، ابتسمت فور رؤيتها لريان وتوجهت نحوه مباشرةً، طبعت قُبلة على وجنته مرددة بحيوية:-
صباح الخير
"صباح النور"
قالها بفتور فلم يصفوا بعد من تصرفها بالأمس، جلست بجواره فأبدي اهتمامه بسؤاله:-
رجلك عاملة إيه النهاردة؟
_ تذكرت دينا حادثتها المختلقة وصعقت حين تناست الأمر، حمحمت وحاولت ترتيب الكلمات قبل أن تجيبه:-
ها، أحسن من امبارح كتير
_ رفع ريان حاجبه وبجمودٍ قال:-
لحقت! ما شاءالله دي كانت في العضم أكتر مكان بيتأثر وبيطول على لما يروق
_ كانت تطالعه ولا تدري أي من الحديث تجيب، فالخطأ خطأها هي، هي من تناست الأمر والأن عليها مجراته وإلا سيُكشف أمرها إن لم يكن كُشف من الأساس
_ تلعثمت في الحديث فقاطعها بحدة هامساً بقرب أذنها:-
تاني مرة لما تحبي تحوري عليا ابقي خدي بالك كويس وداري الحاجات اللي ممكن تكشف لعبتك
_ تراجع ريان للخلف ليري عينيها فرآى الذهول ليس إلا، نظر أمامه وتابع استرساله:-
نفسي أفهم ليه كل دا؟ ليه مش عايزاني أقل حاجة أعملها إني أعدل بينكم، ليه مش بتحترمي يومها زي ما هي بتحترم يومك؟
أعاد النظر إليها وواصل ما لم يكمله:-
أنا مقصر معاكي في حاجة عشان يصعب عليكي تعملي اللي بطلبه منك؟
كل حاجة بتاخديها وزيادة، طلباتك كلها بتتنفذ، بحاول على قد ما أقدر أعمل اللي عليا مادياً ومعنوياً، ولما اطلب منك طلب واحد مترضيش تحترميه ولا تنفذيه!!
_ بلغت ذروة تحملها، انتفضت من مقعدها وصاحت به غير قابلة ما يحثها عليه:-
عمري ما هنفذ اللي أنت عايزه، انت عايزني أرميك لواحدة تانية بإيدي!
دي واحدة سرقتك مني ولا يمكن اساعدها أنها تاخدك مني انا اللي مراتك إنما هي حرامية وخطافة رجالة
_ انفجر بها ريان فلم يتقبل الإهانة على عنود:-
اتكلمي عنها كويس، والفيلم ده مش هنخلص منه بقا بقالك ٦ سنين متعودتيش؟!
طباعي وتصرفاتي مخلتكيش تقولي ولو مرة واحدة أرضيه زي ماهو بيرضيني ولا أنتِ اتعودتي تاخدي وبس!!
_ دنت منه دينا إلى أن التصقت بإزدراء وهدرت به من بين أسنانها المتلاحمة:-
قول اللي أنت عايز تقوله فكرتي مش هتتغير ولا يمكن أعمل اللي أنت عايزه، أنت حقي أنا لوحدي، فاهم!
_ استدارت بجسدها ولَقِفت حقيبتها من على الطاولة ثم غادرت الفيلا دون أن تخبره بوجهتها، تابعها ريان بملامح مشدودة وهو يكز أسنانه بغضب شديد، لم يتحمل الوقوف مكانه بعد أن تعكر مزاجه وفر هارباً إلى الخارج.
_ لحقته عنود مناديا إياه حين رأته يخرج من الفيلا:-
ريان wait، أنت رايح فين مش هنفطر
_ بعصبية أجابها:-
افطري أنتِ، مليش نفس للأكل
_ أردف كلماته ثم أولاها ظهره وغادر سريعاً قبل أن تحاول الضغط عليه، تعجبت عنود من أمره وشعرت بثمة حدوث شيئاً في غيابها من تسبب في تعكير صفوه.
_ انتبهت لوضع زينب للفطور وقالت:-
تقريباً مفيش حد هيفطر
_ رمقتها زينب مستاءة وأرادت تأكيد ظنونها:-
يعني أشيل الأكل؟
_ مررت عنود أنظارها بينها وبين الطعام فكان الجوع مسيطراً على معدتها، أماءت لها برفض وهتفت:-
لا سبيه أنا هفطر
_ تركته زينب وغادرت بينما جلست عنود وبدأت تتناول كميات كبيرة بشراهة لم تتحلى بها يوماً، تعجبت من تصرفها فلم لتكن لتأكل وريان منزعج مطلقاً ناهيك عن تناولها بتلك الشهية.
_ حركت رأسها يميناً ويساراً طاردة أفكارها التي تلهيها عن الطعام وتابعت تناولها في صمت حتى شعرت بثقل جسدها من كثرة الطعام، نهضت بصعوبة متعجبة من حالتها المريبة، صعدت إلى غرفتها لتأخذ قيلولة هي بحاجة شديدة إليها.
______________________________________
كان على ناصية منطقته الحبيبة، قاد سيارته بسرعة أبطئ عن الأول لضيق شوارعها، صف سيارته أمام المعرض وترجل منها، جائه صديقه خالد مرحباً بحفاوة:-
يا أهلا بالمعلِم
_ تدخل هاني حين انضم إليه بقوله:-
معِلم إيه كان زمان الوقتي دكتور ريان
_ رمقه خالد بتهكم وردد مستاءً:-
لا دكتور ده هناك في جامعته إنما هنا المعلِم
_ تنهد ريان بفتور وردد:-
انتوا شكلكم فاضين وأنا مش رايق
_ عقد خالد حاجبيها وسأله باهتمام:-
في إيه مالك؟
_ في تلك الأثناء ظهرت فتاته التي يراقبها منذ أشهر في نفس الموعد فاضطر إلى الإنسحاب من بينهم معتذراً:-
ورايا شغل كده هخلصه على السريع وأرجع
_ انسحب من أمامهم سريعاً بينما غمز خالد إلى ريان مازحاً:-
بنت عمك منصور باينها شغلت دماغه
_ قطب ريان جبينه بغرابة مردداً بتعجب:-
دعاء!
_ قهقه خالد وتابع مزاحه:-
شكلنا هنبل الشربات قريب
_ ابتهج ريان بهذا الخبر السار وردد متمنياً لأخيه السعادة:-
يارب، حتى تعوضه شوية عن اللي عاشه
_ تنهد بضيق فأعاد خالد تكرار سؤاله حين استشف ضيقه:-
ما تقول يابني مالك؟
_ نفخ ريان بضجر بائن ثم توجه إلى مكتبه، سار خلفه خالد لعله يعلم سبب تبدل أحواله، أغلق خالد الباب وجلس بجوار ريان على الأريكة الجلدية وأردف:-
هما طلعوهم عليك ولا إيه؟
_ تأفف ريان فتأكد خالد من حدسه، حاول ريان إلهائه عن الأمر بقوله:-
ما تخلي عندك دم وترضي بالتوكيل وشيل عني شوية
_ جحظت عيني خالد ونهض عن مقعده رافضاً البتة:-
كل واحد يشيل شلته يا حبيبي توبة من دي النوبة
_ حاول معه ريان لكنه ظل مصراً على رفضه:-
يا ريان لأ لو اتشقلبت كدا مستحيل أوافق على الموضوع ده تاني، بعد اللي حصلك واللي شوفته وعيشه خدت عهد على نفسي إني مكررش الغلط تاني
_ نهض ريان ووقف أمامه يريد تبسيط الأمور له:-
بس الوقتي غير زمان، معتش فيه اللي يتخاف منه ومش هيحصل حاجة متقلقش
_ برزانة وزن خالد الأمور وردد مستاءً:-
وهو وقتها كنا نتوقع إن يحصل حاجة زي اللي حصلت؟ الواحد ماشي في الدنيا دي ميعرفش هيحصل فيها إيه كمان دقيقة وأنا كفاية عليا أوي أشرف لك علي الشغل لكن ورق وتوكيل تاني لأ No
_ سكون حل بينهم لفترة فشل ريان إقناعه كسابق مراته وبات عقله مشغولاً بمن يشاركه الحِمل حتى يعيش حياته أكثر راحة عن ذلك، قطع خالد تفكيره بقوله:-
عارف مين اللي تعمله توكيل؟
_ نظر إليه ريان كالغريق الذي يتعلق بقشة فأوضح خالد ما يقصده:-
أخوك هاني
_ لوهلة لم يستوعب ريان حديثه فتابع خالد ما استشفه في الآونة الأخيرة:-
بصراحة هو اللي شايل الشغل بجد وخايف عليه، انت مبتشوفش بيتابع بنفسه كل ورشة وكل عامل وحاجات إحنا كان أقصي حاجة نعملها فيها نقبض العمال وبس، بيعمل مشكلة لو الطلبية اتاخرت أو فيها خدش، أنا متابعه بقالي فترة يمكن عشان لما تيجي تطلب مني الطلب ده تاني أقولك عليه صدقني هو جدير بيها
_ ربت خالد على كتفه ثم استأذن ليعود إلى عمله وترك ريان منهمراً بين أفكاره، توجه نحو النافذة فرأى شقيقه واقف برفقة دعاء فابتسم لحالهم ثم ردد:-
لما نشوف الواقفة دي آخرتها إيه؟
______________________________________
بعد مرور بعض الساعات، هاتفت عنود ريان لتخبره عن ذهابها:-
ريان أنا راحة لهالة
_ بغرابة سألها:-
ليه؟
_ تشكل التهكم على تقاسيمها وأجابته بحنق:-
النهاردة الحنة يا حبيبي أنت نسيت؟
_ تذكر ريان أنها قد أخبرته من قبل لكن الأمر قد غاب عن ذهنه تماماً، تنهد بحرارة قبل أن يردف:-
خلي بالك على نفسك
_ أنهى المكالمة ثم هاتف دينا على مضضٍ فلم يصفوا من حوارهما في الصباح، انتظر قليلاً فأجابته هي بأنفاس لاهثة:-
أيوة..
_ قطب جبينه بغرابة لنبرتها التي تدل على بذلها مجهود كبير وبفضول سألها:-
أنتِ فين؟
_ هاجمته دينا بإزدراء:-
ما أنت لو اخد بالك مني زي المحاضرات اللي حافظها للهانم هتعرف أنا فين، على العموم أنا في الجيم
"يا صبر أيوب"
_ رددهم داخله لكي يتحلى بالقليل من الصبر وأردف بنبرة حادة:-
جيم سبت وتلات والنهاردة الأربع أعرف أنا منين بقى ثم أنك الصبح مشيتي وحتى الحيوان اللي واقف قدامك مستعنتيش تقولي له أنتِ راحة فين؟
_ أوضحت له بلهجة قاسية مندفعة:-
أنا مروحتش إمبارح فروحت النهاردة مكانه، أنت طالب عايز إيه؟
_ بإختصار أخبرها سبب المكالمة:-
النهاردة حنة هالة قولت أفكرك
_ تأففت دينا بضجر ورددت بحنق:-
إن شاء الله
_ وضعت الهاتف جانباً دون أن تنهي المكالمة وتابعت تمتمتها بضيق:-
معتش في حياتي إلا ست عنود وصاحبتها!
_ وصلت كلماتها إلى أذان ريان الذي لم يغلق بعد، ألقى هاتفه بعيداً بعصبية وأوصد عينيه يستجمع رونقه الذي تعكر بسبب أسلوب دينا الفظ
في مكانٍ آخر
شعرت عنود بشيئ غريب فيها فتوجهت إلى المرآة، وقفت بأكثر من زواية أمامها لتتاكد مما تراه وتمتمت بغرابة:-
البطن دي طلعت امتى؟
_ ظلت مذهولة لبعض الوقت ثم عادت لتكمل ارتدائها لكي لا تتأخر على صديقتها، بعد مرور ساعة قد وصلت إلى وجهتها المقصودة، ترجلت من السيارة وأمرت السائق قائلة:-
تمام يا عم إبراهيم روح أنت وأنا لما اخلص هكلمك
_ توجهت نحو البناية القاطنة بها صديقتها وصعدت الأدراج ومنه إلى باب شقتهم، طرقته وانتظرت أمامه لحين فتح أحدهم لها.
_ هللت هالة في سعادة بالغة وعانقتها بحب، مالت عليها وهمست بقرب أذنها:-
مش هتصدقي مين قاعدة جوا؟
_ تسائلت عنود متعجبة من أمر هالة المبهم:-
مين؟
تراجعت هالة للخلف لتفجر تلك القنبلة في وجهها مردفة:-
دينا..
_ لم تتأثر عنود بعد سماعها الإسم وأردفت ببسمة متهكمة:-
وجودها طبيعي مش هتبقي سلفتها!!
_ لم تتعجب هالة من عقلانية عنود فهي دوماً تقابل الأشياء السخيفة بمبررات حتى وإن كان الأمر لا يستحق، دخلن كلتاهن ورحبت عنود بالجميع ثم توجهت إلى غرفة هالة الخاصة برفقتها.
_ أمسكت هالة اثنين من الثياب المتحررة وهتفت متسائلة:-
ها هتلبسي ده ولا ده وإياكِ تقولي مش هلبس
_ مررت عنود نظريها بينهم ثم اختارت الأكثر احتشاماً من بينهم وتناولته منها، ابتهجت هالة لأنها وافقتها في شيئ تلك المرة وإنسحبت من الغرفة تاركة لها مساحة كافية لتبدل ثيابها
_ بعد مدة قليلة عادت هالة إليها ثم تفاجئت ببطنها التي إرتفعت فلم يسبق لعنود وأن كان لها بطناً فكانت دوماً تحسدها هالة على عودها الممشوق.
بمزاح أردفت:-
هو ده كرش ولا انا بتخيل؟
_ هللت عنود عالياً:-
صح! أنا استغربت برده معرفش طلعت امتي دي أنا شكيت من الفطار اللي فطرته الصبح كلت كميات كبيرة جدا أول مرة اكلها
_ دنت منها هالة وضيقت عينيها عليها مرددة:-
لتكوني حامل!!
_ قابلتها عنود بنظرات جامدة وبتهكم شديد قالت:-
يعني أول ما أحمل يطلعلي بطن!، بطلي هبل وتعالي نخرج جوايا طاقة رقص رهيبة، كبت كده لازم يخرج كله النهاردة
_ قهقهت هالة عالياً ثم لحقت بها قبل أن تخرج من الغرفة قائلة:-
هنرقص بس نتأكد الأول إن مفيش حمل عشان مشيليش ذنبك
_ حركت عنود رأسها بإستنكار لتراهاتها وحاولت أن تنسيها الأمر:-
يا بنتي حمل إيه مفيش الكلام دا
_ بإصرار شديد أردفت هالة:-
افرضي كان فيه وعرفتي بعدين مش هتحسي بتأنيب ضمير أنك مهتمتيش بالموضوع؟
_ صمتت عنود فهالة قد نجحت في تأنيب ضميرها، تنهدت هالة وتابعت حديثها:-
هبعت بنت من البنات اللي برا يجيبوا اختبار حمل من الصيدلية وأجيلك
_ كانت دينا تتابع ما يحدث في صمت والغيظ يتآكلها حين علمت باستدعاء هالة لإحداهن لتشتري اختبار حمل لعنود، وكأن نيران جهنم اشتعلت داخل قلبها، إحتدت تقاسيمها وظلت تردد داخلها بأنها تكون أكذوبة ليست إلا.
_ مر ما يقرب العشر دقائق استعملت عنود الاختبار ثم خرجت لصديقتها التي لم تبرح مكانها لكي تعلم أولاً ما إن كانت حامل أم لا
بحماس ولهفة شديدين سألتها هالة:-
ها؟
_ بفتورٍ وضعت الإختبار أمام عينيها وهتفت:-
negative (سلبي)
_ شعرت هالة ببعض الراحة ثم أمسكت بذراعها بلهفة وهتفت:-
يبقي يلا نرقص
_ أيقنت دينا أنه لا يوجد حمل بسبب رقص عنود مع صديقتها لكنها لم تشعر بالكفاية وأرادت التأكد بنفسها، استأذنت من زوجة عم هالة لتدخل المرحاض ثم تناولت الاختبار الملقي في سلة القمامة وبالفعل رأت علامة واحدة
_ شعرت بالراحة التي انتزعت منها تدريجياً حين بدأت العلامة الثانية في التكوين، طالعته بأعين جاحظة حين اكتملت العلامة، شدت بقبضتها عليه بقوة ناهيك عن أسنانها التي كادت أن تفتك بهم بسبب كزها عليهم بغيظ عارم.
_ ألقته مرة أخرى ثم خرجت وعينيها مصوبتان على تعيسة الحظ التي تتراقص وتتمايل دون علم بما يوجد في أحشائها.
ألا عليها إخبارها؟ مستحيل لن تفعل ذلك أنها تخشى أن ترزق بذكر آخر، حسناً ستتصنع عدم معرفتها بالأمر وتتركها جاهلة به لربما تجهضه من فرط حركتها.
_ ظهرت إبتسامة خبيثة على محياها، عادت إلى مكانها وعينيها لم ترفع من على عنود بتشفي لما تجهله.
رواية المعلم الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الرابع عشر:
ما إن سمعت جملته الأخيرة حتى وجدت نفسي أقفز كالمجنونة من مكاني، ألتقط أي شيء أمامي لأقذفه به، ولكنه كان أسرع مني، فاندفع نحو الباب ليفتحه ويخرج، ثم أغلقه خلفه بقوة.
وقفتُ ألهث من شدة الغضب، ألعن تلك اللحظة التي رأيته فيها، وتلك اللحظة التي أصبحت أراه فيها كل يوم.
صعدتُ إلى غرفتي وأنا أقسم أن هذا الرجل لا يمكن أن يمر يومه دون أن ينغص عليّ حياتي.
مرت الأيام، وكنت أتعمد ألا أراه، حتى أنني لم أعد أذهب إلى الأسفل إلا عندما أتأكد أنه خارج المنزل.
كانت والدتي تسألني عن سبب تصرفي هذا، فكنت أخبرها بأني لا أطيق رؤيته، ولا أتحمل وجوده في نفس المكان الذي أتواجد فيه.
"طب ده يصح يا بنتي؟، هو اللي عامل فينا كده عشان كده بنعامله كده، ما هو لو اتعامل كويس هيتعامل كويس."
"يا ماما أنا مش طايقاه، مش طايقة أسمع صوته، ولا أتحمل وجوده، كل ما بشوفه بيجيب لي الضغط."
"يا بنتي حرام عليكي اللي بتعمليه ده، ده عمّك."
"عمي؟، ده اللي عمل فينا كل ده، ده اللي خلانا نتبهدل البهدلة دي كلها، ده اللي خلانا نشوف الويلات دي كلها، وعايزاني أقول له يا عمي؟، لا يا ماما مش هقدر أقول له يا عمي."
كانت والدتي تحاول أن تهدئني، ولكنها لم تكن تستطيع، فكنت أقسم لها بأنني لن أسامحه أبدًا على ما فعله بنا.
"يا بنتي متزعليش نفسك، هو ربنا اللي هيحاسبه، إحنا ملناش دعوة."
"لا يا ماما، أنا مش هسيب حقي، أنا عمري ما هنسى اللي عمله فينا."
في أحد الأيام، كنت في غرفتي أقرأ كتابًا، فسمعت صوتًا خافتًا يأتي من الأسفل، لم أعر الأمر اهتمامًا في البداية، ولكنه استمر، فنزلت لأرى ما يحدث.
وجدت والدتي تجلس على الأرض، تبكي بشدة، وبجانبها عمي وهو يحاول أن يهدئها.
"إيه اللي حصل يا ماما؟"
نظرت إليّ والدتي بعينين دامعتين.
"عمك تعبان، تعبان أوي يا بنتي."
نظرت إلى عمي، كان وجهه شاحبًا، وعيناه غائرتان، وبدا عليه التعب الشديد.
"إيه اللي مالك يا عمي؟، إيه اللي حصل؟"
"مفيش يا بنتي، شوية تعب بس."
كنت أشعر بالشفقة عليه، ولكن الغضب كان يسيطر عليّ، فقررت أن أتركهما وأصعد إلى غرفتي.
ولكن والدتي أمسكت بيدي.
"رايحة فين يا بنتي؟، سيبيهوش لوحده."
"يا ماما أنا مش طايقاه، مش طايقة أتحمل وجوده."
"يا بنتي ده عمك، ميصحش كده."
لم أستطع أن أتحمل رؤيته في هذه الحالة، فقررت أن أساعده.
"طب إيه اللي حصل يا ماما؟، ماله؟"
"مش عارفة يا بنتي، فجأة كده لقيته تعب."
ساعدت عمي على النهوض، وأجلسته على الأريكة، ثم أحضرت له كوبًا من الماء.
"اشرب يا عمي، يمكن تتحسن."
شرب عمي الماء، ثم نظر إليّ بعينين حزينتين.
"سامحيني يا بنتي على كل اللي عملته فيكي."
نظرت إليه بصدمة، لم أتوقع أن يقول هذا.
"أنا عارف إني غلطت في حقك كتير، وعارف إني ظلمتك، بس صدقيني أنا ندمان على كل اللي عملته."
كانت كلماته صادقة، شعرت بذلك، ولكن قلبي كان لا يزال يحمل الغضب.
"أنا مش عارف أقول إيه يا عمي."
"مش لازم تقولي حاجة يا بنتي، بس سامحيني."
نظرت إلى والدتي، كانت تنظر إليّ بعينين تترجاني أن أسامحه.
"أنا هسامحك يا عمي، بس بشرط."
"إيه هو الشرط؟"
"إنك ترجع كل حاجة زي ما كانت، ترجع الفلوس اللي أخدتها من بابا."
نظرت إليّ عمي بصدمة، ثم نظر إلى والدتي.
"أنا معنديش فلوس يا بنتي، أنا خسرت كل حاجة."
شعرت بخيبة أمل كبيرة، كنت أعتقد أنه سيعيد لنا كل شيء.
"يعني إيه معندكش فلوس؟، يعني كل ده كان كذب؟"
"لا يا بنتي مش كذب، أنا فعلاً خسرت كل حاجة."
كانت والدتي تحاول أن تهدئني.
"يا بنتي كفاية كده، عمك تعبان."
نظرت إلى عمي، كان يبدو عليه التعب الشديد، فقررت أن أتركه وأصعد إلى غرفتي.
"أنا هسيبك دلوقتي يا عمي، بس لسه كلامنا مخلصش."
صعدت إلى غرفتي وأنا أشعر بالضيق الشديد، لم أكن أتوقع أن يكون هذا هو رده.
مرت الأيام، وعمي كان يزداد سوءًا، حتى أنه لم يعد يستطيع أن ينهض من الفراش.
كانت والدتي تعتني به، وكنت أساعدها قدر الإمكان، ولكنني لم أستطع أن أنسى ما فعله بنا.
في أحد الأيام، كنت جالسة بجانب عمي، ففتح عينيه ونظر إليّ.
"سامحيني يا بنتي، أنا عارف إني غلطت في حقك."
"أنا مسامحاك يا عمي، بس نفسي أعرف ليه عملت كده؟"
نظر إليّ عمي بعينين دامعتين.
"أنا كنت طماع يا بنتي، كنت عايز أكون غني، عشان كده عملت كل ده."
شعرت بالشفقة عليه، ولكني لم أستطع أن أنسى ما فعله.
"أنا نفسي ربنا يسامحني على كل اللي عملته."
بعدها بأيام قليلة، توفي عمي، شعرت بالحزن الشديد، ليس لأنه عمي، بل لأنه مات وهو يشعر بالندم على ما فعله.
بعد وفاته، ذهبت إلى غرفته، فوجدت صندوقًا صغيرًا، فتحته، فوجدت فيه رسالة موجهة إليّ.
"يا بنتي، أنا عارف إني غلطت في حقك، وعارف إني ظلمتك، بس صدقيني أنا ندمان على كل اللي عملته، أنا كتبتلك الرسالة دي عشان تعرفي إني ندمت، وعشان تعرفي إني حاولت أصلح غلطي، أنا رجعتلك كل الفلوس اللي أخدتها من أبوكي، أنا حطيتها في حساب باسمك، وأتمنى إنك تسامحيني على كل اللي عملته."
شعرت بالصدمة، لم أكن أتوقع أن يفعل ذلك، نظرت إلى والدتي، كانت تنظر إليّ بعينين دامعتين.
"يا بنتي، عمك كان بيحبك أوي، بس كان غلطان."
شعرت بالندم الشديد، ندمت على كل كلمة قلتها له، ندمت على كل لحظة قضيتها في غضبي منه.
بعدها بأيام قليلة، ذهبت إلى البنك، فوجدت أن عمي قد أودع مبلغًا كبيرًا من المال في حسابي، كان المبلغ أكبر بكثير مما توقعت.
عدت إلى المنزل، وأنا أشعر بمزيج من الفرح والحزن، فرحت لأن عمي قد أصلح خطأه، وحزنت لأنه مات قبل أن أسامحه.
"يا ماما، عمي كان طيب أوي، أنا ندمانة إني زعّلته."
"يا بنتي، هو دلوقتي في مكان أحسن."
بعدها بأيام قليلة، قررت أن أبدأ حياة جديدة، قررت أن أستثمر المال الذي تركه عمي لي في مشروع جديد.
"يا ماما، أنا هفتح مشروع جديد، وهسميه باسم عمي."
"ربنا يوفقك يا بنتي."
بدأت في تنفيذ مشروعي الجديد، وكنت أعمل بجد واجتهاد، حتى أنني حققت نجاحًا كبيرًا.
"يا ماما، أنا نجحت في مشروعي، أنا مبسوطة أوي."
"ألف مبروك يا بنتي، أنا فخورة بيكي."
بعدها بأيام قليلة، كنت في مكتبي، فسمعت صوت طرق على الباب، فتحت الباب، فوجدت رجلًا يقف أمامي.
"أنا جاي أقابلك يا آنسة."
"أهلًا وسهلًا، اتفضل."
دخل الرجل، وجلس على الكرسي.
"أنا اسمي أدهم، وأنا جاي عشان أتقدم ليكي."
نظرت إليه بصدمة، لم أكن أتوقع أن يقول هذا.
"أنا آسفة يا أستاذ أدهم، بس أنا مش بفكر في الارتباط دلوقتي."
"أنا عارف يا آنسة، بس أنا معجب بيكي أوي، ونفسي أديكي فرصة."
نظرت إليه، كان يبدو عليه الجدية، فقررت أن أعطيه فرصة.
"طب ممكن أعرف إيه اللي عجبك فيا؟"
"أنا معجب بشخصيتك القوية، وعزيمتك، وطموحك، ونفسي أكون جزء من حياتك."
شعرت بالخجل، ولكني كنت سعيدة بكلماته.
"طب ممكن تديني فرصة أفكر؟"
"طبعًا يا آنسة، أنا هستناكي."
بعدها بأيام قليلة، قررت أن أوافق على الزواج من أدهم، كان رجلًا طيبًا، ومحترمًا، وكنت أشعر بالراحة معه.
تزوجت من أدهم، وعشت معه حياة سعيدة، أنجبنا طفلين، وكنا أسرة سعيدة.
كنت دائمًا أتذكر عمي، وأدعو له بالرحمة، كنت أعلم أنه كان يحبني، وأنه ندم على كل ما فعله.
كنت أعيش حياة سعيدة، وكنت دائمًا أقول لنفسي، إن الله لا ينسى أحدًا، وإن كل مظلوم سينال حقه.
النهاية.
رواية المعلم الفصل الأربعون 40 - بقلم تسنيم المرشدي
"ولد!"
لم يتوقف ريان عن ترديد تلك الكلمة بسعادة واضحة لعنود التي سألته في فضول من أمره:
"شايفاك مبسوط أوي إنه ولد؟"
"أوي أوي فوق ما تتخيلي."
أجاب بها على سؤالها فقطبت عنود جبينها وهتفت بحنق:
"بس أنا كان نفسي في بنوتة أوي، أنا بحب البنات ا.."
توقفت عن الحديث والتفتت برأسها حيث يجلس هو أمام طارة مقوده وتابعت قائلة:
"إوعى تكون من الناس اللي بتميل للولاد أكتر!"
رمقها ريان بنظرات متهكمة وردد مستاءً:
"لا طبعًا! أنا مش تافه كدا، البنات والولاد رزق وأنا ربنا رزقني بالنوعين، بس فرحتي أن البيبي هيكون ولد له أسباب كتيرة، أولهم إنه هيكون مع تميم سند وضهر لأخواتهم البنات، عندك هاجر مثلًا، حد يقدر يرمش بس بعينه ليها؟"
مستحيل عشان عارفين كويس إحنا ممكن نعمل إيه، فأنا عايز بناتي يتعززوا ويتخاف منهم عشان ليهم ضهر!
لن تنكر أن حبه يزداد داخل قلبها من خلف تصرفاته وأقواله المأثورة، حكمته ووزنه للأمور تثير إعجابها كثيرًا، تقوس ثغرها ببسمة عذبة وهي مازالت تطالعه ثم هتفت متسائلة:
وبقيت الأسباب؟
أخبرها عن بقية أسبابه قائلًا:
مش عايز الاسم والمكانة اللي وصلت ليها في تجارة الخشب تنتهي كدا، عايزها تدوم ودا مش هيحصل غير بيهم، بكرة يكبروا ويديروا كل حاجة ويمكن يكبروا الشغل كمان، حاجات كدا مينفعش ليها غير رجالة، البنات هتدرس ولما تمسك وظيفة تبقي دكتورة أو مهندسة وغيرهم حسب هما حابين إيه لكن أكيد مش هيقفوا وسط ورش وصنايعية يديروا الشغل.
مال برأسه نحوها وسألها بمرح:
فهمتي؟
أومأت له بتفهم ثم انتبهت لوصولهم إلى الفندق، تعجبت من وجودهم هنا وبغرابة ألقت سؤالها:
إحنا جينا هنا ليه؟ مش هناخد تميم وحاجتي من الفيلا الأول.
غمز إليها بخبث وقال:
السواق هيجيب كل حاجة بس فيه حاجة لازم أعملها الأول قبل ما حد يجي.
عقدت ما بين حاجبيها وسألت بفضول أنثوي عن ما يقصده:
حاجة إيه؟
"تعالي معايا وأنتِ تعرفي"
أردفهم ريان بحماس شديد في نبرته ثم ترجل من سيارته وكذلك هي، اصطحبها إلى الداخل ثم وقف يحجز غرفة خاصة لتحظى بليلة زفاف آخر.
أخذ مفتاح الجناح النسوي الذي قام بحجزه من أجل زوجاته وشقيقته وصعد إليه برفقة عنود التي لم ترحب بتصرفه الذي قام به للتو:
يعني إيه تحجز أوضة وأنت مش عارف إذا كان الموضوع هيتم ولا لأ؟
فتح باب الغرفة بالمفتاح وأجابها بثقة:
هيتم وهتشوفي..
توقفت عن السير ووضعت كِلتا يدها في منتصف خِصرها وهتفت بتهكم:
إيه الثقة دي؟ أنت كمان هتدخل في...
صمتت فجأة حين فاجئها ريان بقُبلته، لكزته في صدره بقوة إثر ذعرها من تصرفه فلم يستسلم بسهولة، حاولت التملص من بين يديه بمرح لكنه أغلق جميع السُبل أمامها، ابتعد عنها حين شعر بأنه قد بالغ فيما يفعله..
قابلها بابتسامة عريضة حين رأى احتقان وجهها من الغضب، لم يروق لها تلك الابتسامة المبهمة التي غزت شفتيه فجأة ناهيك عن نظره الذي لم يُرفع عنها، أبعدته عنها بكامل قواها وتوجهت نحو المرآة التي تتوسط الغرفة.
شهقت بصدمة حين رأت بعض العلامات لازال أثرها لم يختفِ، رمقت صورته المنعكسة في المرآة بنظرات مشتعلة ثم استدارت بجسدها وهرولت نحوه لكنه لم يتوقف لها، أسرع نحو هدفه المقصود، شعرت عنود بانتصارها عليه ظنًا منها أنه فشل في مواصلة الهروب.
لكن هيهات لعينين الصقر اللذين يترصدان لوصول فريسته بفارغ صبر، جاءته بقدميها فتفاجئت به يلفها ويعانقها بحُب فأسرعت محذرة:
ريان حد يجي..
"ششش متجبيش سيرة حد"
همس بهم أمام أذنها فسبب لها القشعريرة في سائر بدنها، التفتت بجسدها إليه فأسبل ريان في عينيها موسومًا بها لوقت قبل أن يردف:
وحشتيني
ابتسمت برقة وبدلال قالت:
ما أنا معاك على طول.
بنبرة تائهة أردف:
مبشبعش منك، يا ريت اليوم كله جنبك ومعاكي.
ابتسمت بعذوبة وحلقت معه في سمائهم الخاصة، بعد مرور بعض الوقت كانت تسير بأناملها على صدره بحركات دائرية تسببت في نعاسه.
انتبهت إلى رنين هاتف الغرفة حتمًا موظف الاستقبال، أجابت بنبرة خافتة لكي لا تزعج ريان:
أيوة..
أخبرها العامل بوجود امرأة تُدعى دينا زوجة ريان وتريد الصعود إليهم، لا تعلم أي شعور أصابها لكن فكرة ما راودتها حينها وعزمت على فعلها لربما تشعر بالقليل من التحسُّن.
أخبرته بأن يأذن لصعودها ثم نهضت هي ووقفت أمام المرآة تفسد خصلاتها المرتبة لتكون أكثر إثارة، وضعت قليلًا من أحمر الشفاه ثم مسحت بيدها على فمها فبات فمها ملطخ باللون، مسحت يدها سريعًا لتكتمل خطتها الداهية.
صغت إلى طرقات الباب فأسرعت نحوه، سحبت نفسًا لكي تواصل ما نوت على فعله لكن عقلها يهاجمها فلم تكن بتلك السذاجة من قبل ما الذي حدث الآن، تقدُّم يد وتأخر الأخرى تضاد قوي في عقلها بين مواصلة فكرتها وبين الرجوع عنها.
كادت أن تتراجع إلا أنها تفاجئت بيد ريان التي تبعدها ثم قام هو بفتح الباب، تفاجئ بوجود دينا فلقد أخبر موظف الاستقبال أن عليه إخباره أولًا بالحضور قبل صعودهم، صعقت دينا حين رأته على تلك الحالة الغير مهندمة لكنها لم تعقب، حمحم ريان في حرج واستقبلها بلُطف:
اتفضلي.
وضعت أولى خطواتها في الغرفة فتفاجئت بهرولة عنود من خلف ريان على حالة مريبة، تحكَّم من توصيد روبها جيدًا بيدها وفي ثوانٍ قليلة قد اختفت من أمامهم داخل المرحاض.
حتمًا هناك تصرف دنيء وقح قد حدث هنا بينهما، التفتت برأسها حيث يقف ريان وأردفت بحدة قاسية في نبرتها:
كنت ممكن تتكلم وتقول إن الوقت مش مناسب أجي فيه!!
قطب جبينه بغرابة من أمر حديثها المبهم وسألها مستفسرًا:
إيه اللي مش مناسب؟ مش فاهم.
ابتلعت ريقها وحدقت به لوقت كأنها تشير إلى شيء ما يجهله هو، وأخيرًا انتبه ريان على حالته التي يقف بها، توجه نحو الفراش والتقط بنطاله وقميصه وقام بارتدائهم سريعًا، حمحم ثم حاول الهروب من أمامها بقوله:
هروح أشوف يحيى وصل لإيه.
اختفى من أمامها لكنها لم ترفع بصرها من على نقطة اختفائه، انتبهت على صوت ابنتها الكُبرى وهي تقول:
مامي هنلبس امتى؟
بغضب بالغ صاحت بها باندفاع:
معرفش، ابعدي عني الوقتي.
زمت جنى شفتيها بحزن مصحوب بالحرج من أسلوبها الفظ ثم انسحبت من أمامها وجلست في إحدى زوايا الغرفة كذلك رافقتها جويرية حين رأت مزاج والدتها غير السوي في تلك الأثناء فلا تريد جزءًا هي الأخرى من غضبها.
خرجت عنود من المرحاض محاوطة جسدها بالمنشفة الخاصة للجناح، بحثت عن ريان بعينيها سريعًا فلم تجده، انتابها شعور الخزي حينذاك وكأنه تركها بمفردها في معركة ما، حتمًا معركة ستُخلق إن وقفت أمام دينا ثانية أخرى.
هربت بنظرها بعيدًا فوقع على الفتيات وبتردد سألت:
بابي فين يا جنى؟
أجابتها باختصار:
خرج معرفش راح فين..
أومأت عنود بتفهم ثم بحثت عن هاتفها المحمول وقامت بالاتصال به سريعًا، ارتخت ملامحها بتهكم حين صغت إلى رنين هاتفه في الغرفة.
تأففت بضجر حاولت إخفائه لكنه سرعان ما اختفى من على تقاسيمها حين رأت عودة ريان الذي قال معللًا عودته:
نسيت موبايلي.
بفتور شديد تدخلت دينا قائلة:
أنت فاكر حاجة أصلًا.
لم يعقب على ما قالته وتوجه للداخل ليلتقط هاتفه، غمز إلى صغاره فتبسمن في صمت، لحقت به عنود قبل أن يخرج هامسة:
حاجتي هتيجي امتى أكيد مش هفضل قاعدة بالبرنس كدا كتير.
رد عليها بنبرة سريعة قبل أن يغادر:
هكلم السواق استعجله.
انتهى ريان من حديثه فتلقى مكالمة من السائق، ابتسم فور رؤيته لاسمه الذي أضاء شاشة هاتفه وردد:
هو اللي بيرن، أكيد وصل هنزل أقابله.
تنهدت عنود براحة وعادت للداخل في انتظار عودة ريان بفارغ صبر، بعد قليل انضمت إليهن هاجر وأولادها ثم حضر ريان برفقة جليسة تميم ومستلزمات عنود التي قامت بتحضيرهم البارحة.
انسحبت عنود من بين الجميع وذهبت إلى غرفة هالة لكي ترافقها بقية اليوم حتى تقدم لها المساعدة إن كانت بحاجة إليها.
بعد مرور ساعات قد انتهى الجميع مما يفعلوه وتوجهوا مباشرة إلى غرفة هالة ليكونوا في استقبال يحيى حين يأتي لعروسه، وقفن النساء واحدة تلو الأخرى خلف بعضهن في صف واحد وكذلك صف من الرجال على الجانب المقابل لهم ثم سمحوا ليحيى بالدخول.
ابتسم يحيى للمصور فهو من استقبله بكاميرته وأخبره ماذا يفعل، أومأ له يحيى بتفهم ثم وضع باقة الزهور على كِلتا يديه بطريقة كلاسيكية وتابع سيره للداخل، كان يكتم ضحكاته بصعوبة كلما وقعت عينيه على إخواته الواقفين خلف بعضهم وكذلك خالد.
تنهد براحة حين تخطى أخيرًا ذيل فستان هالة، وقف أمامها فتفاجئ بذاك الجمال الذي ازداد أضعافًا، فلم تكن تضع من المساحيق كثيرًا لذا فكانت لها طلة فريدة من نوعها اليوم.
تقوس ثغره بابتسامة تلقائية واقترب منها وقام بعناقها وهمس لها بهُيام:
إيه الحلاوة دي؟ كلها ليا؟
"لأ نص ليك ونص لينا"
هتف بهم خالد مازحًا فتفاجئ بالنظرات التي صُوبت نحوه فأوضح قصده بارتباك إثر نظراتهم عليه:
مش بيقول حلاوة أصل أنا بحبها أوي.
انفجر جميعهم ضاحكين، شاركهم المصور الضحك على الرغم من تخطيهم لما حثهم على فعله إلا أنه لم يمحِ تلك اللقطة المرحة فسوف تضيف للتصوير بصمة جميلة لعفويتها.
أخذ يحيى يد هالة بين ذراعه الذي قام بثنيه ثم توجه للخارج ومن خلفهما البقية، عادت عنود إلى إحدى الغرف واعتذرت من الجليسة بندم:
I am very sorry,
يا سهى نزلتك يوم إجازتك بس بجد كنت مضطرة أنتِ شايفة الوضع مكنتش هقدر على تميم لوحدي.
ابتسمت لها سهى بحب ومحت أي حرج بينهن قائلة:
مفيش حاجة أنا أصلًا بحبه يا ريت الأيام كلها معاه.
بادلتها عنود الابتسام وردت على حديثها:
وهو كمان بيحبك طول الوقت بيحكيلي عن مغامراتكم مع بعض.
قهقهت سهى ووجهت بصرها على الصغير ثم قامت بتقبيله بشراهة مرددة:
بحبك يا تيمون.
love you too.
قامت سهى بدغدغته فتعالت ضحكات تميم تحت نظرات عنود السعيدة، استأذنت منها لتواصل يومها مع الآخرين وتركت لها حرية الاختيار في بقائها أو نزولها للقاعة..
دخل ريان القاعة أولًا قبل أن يحضُر يحيى برفقة عروسه، توجه مباشرة إلى والده وانحنى بقرب أذنه وهمس له فأومأ له ماهر بالموافقة، توجه ريان حينذاك إلى طاولة أولاد عم أبيه، رحب بجميعهم ثم وجه حديثه إلى أحدهم قائلًا:
أستاذ مؤنس الحاج عايزك.
تعجب مؤنس من تلك المقابلة، لكنه لم يكن أمامه سوى الذهاب ومعرفة ما يريده ماهر، جلس بجواره ورحب كليهما بالآخر ثم بدأ ماهر حديثه بجدية:
أنا طالب إيد دعاء لهاني، أنا مش باخد رأيك على فكرة أنا بعرفك بس.
أردف آخر كلماته مازحًا فضحك مؤنس على دعابته لكنه مازال متفاجئًا من طلبه، لم يخطر على باله مطلقًا أن هذا سيكون حوارهم، حمحم وحاول انتقاء كلماته بعناية قبل أن يقول:
والله يشرفني يا حاج طبعًا، بس نسأل دعاء ومامتها الأول واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
تدخل ريان في الحديث ناهيًا أي تأجيل:
يا ريت تسألهم الوقتي يا أستاذ مؤنس عشان المأذون زهق من القعدة.
قطب مؤنس جبينه بغرابة وردد دون استيعاب:
مأذون!!
أشار له ريان عليه مؤكدًا نواياه:
اللي قاعد هناك دا.
لم يستوعب مؤنس بعد ما يريد ريان فعله وحاول التفكير معهم بصوت عالٍ:
يابني مأذون إيه، لسه هناخد رأيها الأول وفي ترتيبات و...
قاطعه ريان بلطف محاولًا تهوين الأمر عليه:
يا أستاذ مؤنس كل حاجة مترتب لها، شقة هاني وموجودة وجاهزة، شهر العسل اتحجز خلاص، وهما مش محتاجين ترتيبات أكتر من كدا روح أنت اسألها بس وأنا متأكدة أنها هتوافق.
حاول مؤنس الاعتراض فما يقوله ريان يحدث فقط في الروايات والأفلام:
يابني اللي بتقوله دا ااا...
قاطعه ماهر تلك المرة بنبرة غير قابلة للنقاش:
خلينا نفرح بيهم يا مؤنس والفرح يبقى اتنين.
لم يترك له مجالًا للاعتراض، حمحم مؤنس ونهض عن مقعده وعاد إلى طاولة عائلته، جلس على كرسيه وعينيه مصوبتان على ماهر وريان اللذين ينتظران إجابته.
مالت زوجته على أذنه متسائلة بفضول:
كانوا عايزين إيه؟
أخبرها عن مرادهم بنبرة مذهولة:
عايزين دعاء لهاني!!
اتسع ثغرها بسعادة دقت طبول قلبها، لاحظ مؤنس سعادتها التي تشكلت فور إخبارها بالأمر، عقد حاجبيه بغرابة لحالتها المريبة وأردف:
مالك فرحانة كدا ليه؟
أجابته بعفوية:
ما دا اللي كنا مستنينه من زمان.
جحظت عينا مؤنس بدهشة، وبذهول هتف:
كنتوا مين؟
حاولت تلطيف الأمور حين رأت تذمره وعدم تقبله للأمر:
بصراحة بنتك ميالة ليه وحست منه كدا برده عشان كدا كنا متوقعين إن دا يحصل.
"بس دا عايز يكتب الكتاب النهاردة ومظبط الدنيا وإحنا آخر من يعلم!!"
بحنق واستنكار لتصرفهم هتف مؤنس، بينما رددت زوجته قائلة:
والله لو دعاء معندهاش مانع نكتبه إيه المشكلة، بنتك محتاجة راجل يا مؤنس أنت مش شايف كدا ولا إيه؟ محتاجة حد يملى حياتها ويكون أب لبنتها، محتاجة راجل يعوضها عن الواطي اللي بوظ لها حياتها هو وعيلته.
شدت على ذراعه وواصلت استرسالها:
وافق يا مؤنس عشان خاطر دعاء.
حرك مؤنس رأسه مستنكرًا ما يحدث فلم يهضم بعد طلب هاني للزواج من ابنته فما تريده زوجته صعب حدوثه بتلك السرعة، تنهد بحرارة قبل أن يقول:
اسأليها رأيها إيه عشان هما مستنيين الرد.
أومأت له بقبول والسعادة تتجلى في عينيها، مالت على الجانب الآخر حيث تجلس دعاء وأخبرتها بالحوار الذي دار بين والدها والعم ماهر.
شعرت دعاء بالتوتر دون غيره يعصف بخلاياها، رجف جسدها من فرط الارتباك فما يريدانه صعب التصديق، هي أرادت توطيد علاقتهم لكن ليست بتلك السرعة المفاجئة فهي ليست على استعداد كامل لزواجها منه في تلك الدقائق.
"ها، قولتي إيه الفرصة جت لك"
هتفت بهم والدتها فقطعت عنها حبال أفكارها، طالعتها دعاء لبرهة قبل أن تردف بخجل واضح:
مش عارفة..
حسمت والدتها الأمر فلن تفوت عليها تلك الفرصة الثمينة التي طال انتظارها، عادت إلى زوجها وأردفت بسعادة:
موافقة يا مؤنس.
صُوبت عينا مؤنس تلقائيًا على ابنته بعدم تصديق لتلك الموافقة التي أُصدرت سريعًا، فالتفكير لم يأخذ سوى دقائق معدودة، هل حسمت أمرها؟ هل فكرت جيدًا؟ كاد أن يسألها عن رأيها للتأكيد لكن صوت زوجته قطع عليه أي محاولات قد نوى على فعلها:
يلا مؤنس الناس مستنية ردك.
وزع مؤنس أنظاره بين ماهر وريان ثم نهض وتوجه نحوهم بقامة منتصبة، أخبرهم بموافقتهم فابتهج ريان وكذلك والده بتمام الأمر على النهج الذي رسمه ريان، تنهد قبل أن يهتف عاليًا:
على خيرة الله خليها تجهز نفسها على لما أجهز الدنيا.
تركهم ريان وتوجه إلى عاملي القاعة وأمرهم بتوضيب طاولة لعقد القِران ثم خرج باحثًا عن شقيقه ليخبره ما تم فهو ليس على علم بأي شيء مما حدث.
حمحم ريان ليستعد لتلك المواجهة العصيبة ثم جذبه من ذراعه وأبعده عن جميع الواقفين فصاح هاني متسائلًا عن سبب طريقة ريان المريبة:
في إيه ساحبني كدا ليه؟
توقف ريان عن السير حين وصل لنقطة بعيدة تمامًا عن أعين المتطفلين، أزفر أنفاسه مرارًا ثم ألقى ما في جوفه دفعة واحدة:
أنا طلبت إيد دعاء من أبوها والمأذون قاعد جوا مستنيكم.
ضاق هاني بعينيه عليه وبفتور أجابه:
يخربيت هزارك وقعت قلبي فكرت حصل حاجة.
حرك ريان رأسه نافيًا أي مزاح في الأمر:
بس دا مش هزار دا حقيقي!!
بدأ عقل هاني في الاستيعاب تدريجيًا ولم يشعر بنبرته التي تردد صداها في المكان:
إزاي تعمل حاجة زي دي من غير ما ترجع لي؟
حاول ريان إقناعه أن الأمر لا يستحق تلك العصبية وأنه قام بكافة ما سيحتاجه:
كل حاجة جهزت، شقتك وموجودة مفتاحها كمان أهو.
سحب ريان إحدى المفاتيح من جيبه ليؤكد صدق حديثه وتابع قائلًا:
حاجزلك ليلة هنا في الفندق تقضيها وبعد كدا هتطلعوا على سوما باي تقضوا شهر العسل وترجع تلاقي شقتك جهزت من مجاميعه.
لم يصدق هاني سلاسة ريان في الحديث وكأن الأمر هين كما يظن، وضع أصابعه على عينيه في محاولة منه على هضم ما أوقعه فيه شقيقه، أزاح يديه عن وجهه فتفاجئ بخروج دعاء من القاعة، خطواتها مريبة بالتأكيد ليست أقل منه سوءًا.
قطب جبينه حين رآها تجيب الأماكن يمينًا ويسارًا بخطى غير مستقيمة وشقيقتها تركض خلفها تحاول أن تهدئ من روعها، حرك ساقيه نحوها دون أن يُعلِم ريان عن وجهته التي كانت سهلة المعرفة حين رأى وقوف دعاء على نفس الوجهة التي يسير إليها.
"دعاء ممكن نتكلم"
هتف بهم هاني فتراجعت شقيقتها للخلف تاركة لهم مساحة التحدث، طالعته دعاء بأعين يميل لونهما إلى الاحمرار حتمًا من فرط خجلها، تنهد هاني قبل أن يقول:
لو مش جاهزة ممكن...
قاطعته دعاء بقولها:
أنا اتفاجئت ليه مقولتليش قبل كدا؟
التوت شفتا هاني للجانب فهو أيضًا لم يكن لديه علم لكنه بالتأكيد لن يخبرها بذلك فسوف تظن أنه يتراجع وتلك عِلته، حل السكون لبرهة يعيد ترتيب أفكاره، عاد بنظره إليها حين وزن الأمر ولم يجد منه سوى المنفعة لكليهما وأردف بهدوء مصحوب بالحماس:
يمكن كدا الصح، الحاجات اللي بتيجي فجأة دي يمكن لو محصلش كدا مكنتش هتحصل أو على الأقل كنا هنستنى كتير.
شعرت دعاء بالهدوء الداخلي من خلف كلماته التي اطمأنت لأجلها، شهيقًا وزفيرًا فعلت ثم رددت بحياء مفرط:
أنا بس محتاجة...
قاطعها هاني بقوله:
هبعت لك هاجر اطلبي منها كل اللي أنتِ محتاجاه.
أومأت له بقبول ثم أخفضت رأسها في حياء، استأذن منها هاني وأولاها ظهره ليبحث عن شقيقته التي ستقدم لها يد العون في تلك الأثناء لا يوجد غيرها.
في دقائق قليلة قد انتشر الخبر بين جميع الحضور، لحظات من الذهول وعدم الاستيعاب تلاهم فرحة عارمة لذاك الخبر السار، قامت هاجر بمرافقة دعاء إلى إحدى غرف الفندق وقامت بجلب كل ما هي بحاجة إليه، كانت تنضم إليهم عنود من حين لآخر لمساعدتهن لحين انتهاء يحيى وهالة من فقرة التصوير.
بعد مرور بعض الوقت، استغل يحيى انشغال هالة مع زميلاتها وبحث عن أشقائه لكي يتأكد من ذاك الخبر الذي يتنقل بين الجميع، ها هم يقفون برفقة خالد يتسامرون.
حمحم قبل أن يردف في فضول:
اللي أنا سمعته دا صح؟
أومأ له خالد ولم يترك الأمر دون أن يضع بصمة مرحة:
محبش يسيبك تتجوز لوحدك قال يتجوز زيك، شوف يا أخي حتى الغيرة في الحاجات دي يا ساتر.
انفجر يحيى ضاحكًا بينما لكزه هاني بقوة في كتفه وردد مستاءً:
اتلم بقى أنا واقف بالعافية.
صوب بصره نحو ريان وبحَنق صاح به:
كله بسببك أنت.
التوى ثغر ريان بابتسامة عريضة ثم اقترب منه وهمس بخبث:
بمناسبة الكلام دا وكدا أنت تمام جاهز يعني؟
تراجع هاني للخلف ليطالع معالم وجهه حتى يتأكد من حدسه وسأله مستفسرًا:
جاهز إزاي يعني؟
غمز إليه ريان وأعاد تكرار ما قاله:
جاهز يعني جاهز.
لم يرد هاني تصديق وقاحة أخيه وفضل رمقه بنظرات مشتعلة بدلًا عن سَبِّه، تأفف ريان وبنبرة تحثه على الإسراع حدثه:
لا أنجز وعرفني عشان لو مش جاهز نديلك كورس عند يحيى.
رفع ريان من نبرته ليجذب انتباه الآخرين قائلًا:
ولا إيه يا يحيى؟
جاءه على الرحب فتلك هي منطقته:
وأنا جاهز للكورس.
وجه أنظاره على هاني وتابع:
نبدأ؟
شعر يحيى بالألم المفاجئ حين لكمه هاني بكل ما أوتي من قوة، كذلك كان لريان نصيبًا من ضربه المبرح، تابع ضربه لهم تحت ضحكاتهم التي لا تتوقف فصاح بالشباب بغيظ عارم.
تدخل خالد بقوله وهو يسحب من جيب بنطاله قُرصًا:
بص أنت تاخد الحباية دي وهـ....
لم يدعه يُكمل جملته حتى انسدل عليه بالضرب هو الآخر، تركهم هاني وابتعد عنهم وهو يتمتم بازدراء:
أنا اللي غلطان إني واقف مع شوية مراهقين زيكم.
انفجر ثلاثتهم ضاحكين ولم يتوقفوا عنه بسهولة، هتف خالد من بين ضحكات قائلًا:
هو فهم إيه دا برشام صداع.
ازداد الضحك أضعافًا لديهم، حل الهدوء تدريجيًا إلى أن بات المكان أكثر هدوءًا عن ذي قبل، عاد كلٌّ منهما إلى مكانه فخالد قد عاد إلى زوجته وكذلك يحيى الذي اصطحب هالة للقاعة بينما توجه ريان ليتمم بنفسه على ما أمر بتنفيذه.
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير إن شاء الله"
تلقت العائلة خالص التهنيئات والمباركات من الجميع، حظي هاني برقصة معها بمفردهما، تنحى الجميع جانبًا تاركين لهم المساحة الكافية، طلب الشاب من الحضور في نهاية الرقصة أن يأتي كل ثنائي ويشاركون العروسين الرقصة.
نهضت عنود عن مقعدها وتوجهت نحو ريان، مدت له يدها وبرقة قالت:
تسمح لي بالرقصة دي.
ابتسم لها ثم أمسك بيدها ورافقها إلى حيث يرقص الجميع، لم تكن لتفوت دينا الفرصة دون أن تعكر لحظتهم، مالت على ابنتها الكُبرى وهمست لها ببعض الكلمات فامتثلت الفتاة أمر والدتها وتوجهت نحو والدها الذي قابلها بابتسامة فقالت له ببراءة:
عايزة أرقص معاك يا بابي.
كاد ريان أن يبدي موافقته لكن بعد أن ينتهي من رقصته مع عنود أولًا لكنها لحقت به قبل أن يتحدث وتراجعت هي معللة أسبابها:
نرقص بعدين يا حبيبي.
انسحبت من بينهم فوقفت جنى مكانها ورقصت مع والدها بسعادة لا توصف، ابتهج ريان حين استشف مدى سعادتها برقصتهما سويًا، انتهت الأغنية ثم عاد إلى عنود وعاتبها بضيق:
أنتِ مشيتي ليه؟
أخبرته بلطف عن سبب تراجعها:
مكنش ينفع تكسر خاطرها.
بهدوء عدل على تفكيرها:
ومين قالك إني كنت هرفض بس كنت هخلص معاكي الأول، لازم يحترموا خصوصية إني أكون معاكي.
تفهمت عنود الوضع لكنها ليست نادمة على تصرفها وأردفت:
يا حبيبي فاهمة، بس برده مش حابة أكون زوجة الأب اللي أخداك منهم.
كز ريان أسنانه بضيق واضح وردد مستاءً من تلك المسألة التي لن تنتهي:
تاني!!
مش هنخلص بقى؟
حاولت تلطيف الأجواء قبل أن تقع مشادة بينهما:
ريان بليز بلاش كلام من ده النهاردة، خلينا نتبسط.
طالعها لوقت، ثم انسحب من أمامها بهدوء. جلس على كرسيه ثم طالع دينا وسألها مستفسرًا:
محتاجة حاجة؟
بفتور أردفت:
لأ.
لاحظ نبرتها الحادة معه لكنه لم يتعجب، فهي على تلك الحالة طوال الوقت ولا تنظر لتصرفاتها الخرقاء التي تُحدثها. تنهد بضجر فمتى ستنتهي كل تلك الصراعات ويعيش في سلام؟!
***
تفتكروا أنتوا الصراعات دي هتنتهي امتى؟