توقفت لمار بسيارتها أمام إحدى المستشفيات الموجودة في القرية. بدأت الذكريات السيئة تعود إليها. قبل عدة أعوام حينما جاءت إلى هذه المستشفى محمولة بين أحضانه. هنا فقدت جنينها وهنا كانت نهاية قصتها معه. قصة هي اختارت نهايتها بنفسها.
مسحت بكفي يديها على وجهها محاولة السيطرة على تلك الدموع اللعينة التي تكونت في مقلتيها. لا تريد أن تبكي الآن، ولا تريد أن تضعف من جديد. لقد وعدت نفسها بأنها ستكون قوية، وسوف يظل الماضي طي النسيان. لن تفكر به من جديد.
هبطت من سيارتها واتجهت إلى داخل المشفى. اتجهت إلى موظفة الاستعلامات وعرفتها عن نفسها ثم سألتها عن مكان عملها فأخبرتها به. اتجهت مباشرة إلى مكان عملها. باشرت لمار عملها فورًا ولم تفكر فيما ينتظرها هنا، فهي اكتفت من التفكير والانشغال بنفس الموضوع. كانت تعمل بجدية وهمة عالية حينما اقترب منها شاب يرتدي بالطو أبيض اللون وعرفها عن نفسه: "مرحبا. أنا إبراهيم، زميلك في العمل. وماذا عنك؟
تطلعت لمار إلى يده الممدودة بحرج، فهي لا تسلم باليد. ليفهم إبراهيم هذا على الفور، فسحب يده وابتسم بإحراج. منحته لمار ابتسامة متكلفة وقالت معرفة هي الأخرى عن نفسها: "أنا لمار. لقد جئت إلى هنا بتكلفة من وزارة الصحة. أنا خريجة العام السابق." "هذا رائع. العمل هنا مريح كثيرا." تطلعت إليه لمار بنظرات غير مقتنعة ليهز رأسه ويؤكد ما قاله: "صدقيني العمل هنا مريح وممتع. سوف ترين هذا بنفسك." أطرقت لمار برأسها وقالت: "أتمنى هذا."
عاد إبراهيم وسألها: "هل وجدتِ مكانا لتعيشين به هنا؟ إذا أردت أنا بإمكاني مساعدتك." "وجدت." أجابته لمار بإقتضاب ليتوقف إبراهيم عن ما قاله ثم يستأذن منها ويتحرك خارج الغرفة التي تعمل بها. *** كان فارس يتابع عمله في مكتبه الخاص في المصنع الذي يملكه. فوجئ بنسرين تقتحم المكان وهي تحمل بيدها مجموعة ملفات. اقتربت منه ووضعت الملفات أمامه وقالت: "هل بإمكانك أن تراجع هذه الملفات يا فارس؟ "هل توجد بها مشكلة؟ " سألها فارس
بنبرة قوية لتجيب نسرين: "كلا، ولكن أريد التأكد من كل ما فيها لأباشر العمل." أغلق فارس الملف الذي كان يعمل عليه ثم نهض من مكانه وقال: "سوف أراجعها بالتأكيد. ولكن ليس الآن. لقد حان موعد الغداء والسيدة صفية لن ترحمنا إذا تأخرنا عليها." ابتسمت نسرين وقالت: "معك حق. لا يجب أن نتأخر عليها." حمل فارس الملفات وقال مشيرا لها: "سوف أراجعها في المنزل."
ثم سار متجها نحو سيارته تتبعه نسرين. ركب الاثنان السيارة وبدأ فارس في قيادتها. كانت نسرين متحدثة لبقة وأخذت تتحدث في مختلف المواضيع. قاطعها رنين هاتف فارس الذي حمله على الفور وأجاب: "أهلا سيد عادل. كيف حالك؟ أجابه عادل: "بخير. أنت كيف حالك؟ وما أخبار حفيدي؟ "جميعنا بخير." تنحنح عادل ثم قال: "لمار تعمل الآن في قريتك. في مستشفى القرية." "ماذا؟! " قالها فارس بعدم تصديق قبل أن يسأله بغضب: "ولما لم تخبرني من قبل؟
رد عادل بسرعة: "إنها وصلت صباح اليوم إلى القرية." زفر فارس أنفاسه بقوة ثم قال بغيظ: "جيد. سأذهب لأراها وأطمئن عليها." "كما تريد." قالها عادل بإختصار ثم أنهى المكالمة معه ليتطلع فارس إلى هاتفه بشرود قبل أن يفيق من أفكاره على صوت نسرين تسأله: "ماذا حدث؟ "لدي عمل مهم. سوف أوصلك إلى المنزل وأذهب إليه." "ألن تتناول غداءك معنا؟ "كلا. لا أستطيع." قالها وهو يستمر في قيادة سيارته متجها نحو منزله. ***
كانت لمار تمارس عملها بنشاط حينما اقترب إبراهيم منها وهو يحمل كوبين من الشاي. رفعت لمار رأسها نحوه وتطلعت إليه بإستغراب ليمد أحد الكوبين لها وهو يهتف بها: "تفضلي." أخذت لمار كوب الشاي منه ومنحته إبتسامة لطيفة ثم قالت: "أشكرك." بادلها إبراهيم ابتسامتها وأخذ يحاول فتح بعض المواضيع معها. شعرت لمار بالحرج منه كونها سبق وعاملته بإقتضاب وضيق، فبدأت تبادله أحاديثه ووجدت أن صحبته لطيفة وليست سيئة عكس ما ظنت.
كان الاثنان يتحدثان بمرح بينما هناك شخص ما يراقبهما من بعيد. شخص يرغب في خنق كليهما أو ارتكاب أي جريمة بهما. تقدم فارس بخطواته الواثقة والغضب يشع من عينيه نحوهما. رفعت لمار رأسها نحوه لتتفاجئ به أمامها. ارتجف جسدها بالكامل وهي تراه يقترب منها وهو يرسم على شفتيه ابتسامة ساخرة. وجدته يقف أمامها ويمد يده نحوها قائلا: "كيف حالك لمار؟ الحمد لله على سلامتك."
تطلعت لمار إليه بنظرات مصدومة. لم تصدق أن تراه أمامها هنا بعد كل هذه السنوات وبهذه السرعة. من أخبره بوجودها هنا؟ ولما جاء إليها؟ "مالذي جلبك إلى هنا؟ " أخيرا خرجت تلك الكلمات المقتضبة من شفتيها. ليرد فارس ببرود: "جئت لأخذك إلى المنزل." "أي منزل؟ " سألته بعصبية تمكنت منها ليجيبها وهو ما زال محتفظا ببروده: "منزلي. ألم يخبرك والدك بأنك سوف تقضين فترة إقامتك هنا في منزلي؟ إنه يتعمد إثارة جنونها. أي منزل الذي تسكن به؟
"يبدو أنك جننت. هل تظن بأنني سأسكن في منزلك؟ قبض على ذراعها بقسوة وقال بتهديد خفي: "انتبهي على طريقة حديثك." اقترب إبراهيم منه وصرخ به: "ابتعد عنها. بأي حق تلمسها هكذا؟ هدر فارس به: "اخرس أنت ولا تتدخل بيننا. نحن عائلة واحدة. اخرج أنت منها." ثم التفت إلى لمار قائلا بنبرة أمرة: "تعالي معي." "لن آتي." قالتها بعناد وهي تسحب ذراعها من قبضته ثم أكملت بتحذير: "كف عن إفتعال الفضائح." وقف إبراهيم في وجهه وقال:
"اتركها فورا وإلا سأبلغ الحرس عنك." "ًتبلغ من؟ يبدو أنك لا تعرفني. أنا فارس صفوان، شيخ هذه القرية التي تعمل أنت بها. بكلمة واحدة مني أطردك ليس من القرية هذه فقط بل من البلد بأكملها. لذا اخرس واسحب نفسك." تراجع إبراهيم إلى الخلف لا إراديا وأخذ يتطلع إليه بنظرات مترددة. بينما التفت فارس نحو لمار وقال: "أنا لن أتحرك من هنا حتى تجلبي أغراضك وتسكني عندي." "هل تظن أنني ما زلت زوجتك لتتحكم بي؟
" شهق إبراهيم بصدمة مما سمعه. بينما أكمل فارس بلا مبالاة: "أنتِ خالة ابني ومكانك في منزلي. ليس من عاداتنا أن تبيت امرأة تخصنا خارج منزلنا." "أنا لا أخصك أيها اللعين." صرخت به بغضب منه ومن استبداده. ليقول منهيا الموضوع: "سوف نتحدث مع والدك وهو سيقرر." ثم حمل هاتفه واتصل بوالدها الذي حدثها قائلا: "لمار ابنتي اذهبي مع فارس. الأوضاع ليست أمان هناك. وأنا لن أرتاح إذا بقيتي لوحدك." "بابا أرجوك. سوف أستأجر بيت وأسكن به."
"وهل يجوز هذا يا ابنتي؟ تسكنين في منزل لوحدك." لمعت عينا لمار بالدموع وقالت: "بابا أرجوك." الا أن الأب أصر على موقفه: "أرجوكِ ابنتي. لا تثيري المشاكل. اذهبي مع فارس من فضلك." أعطت لمار الهاتف إلى فارس بغضب ثم أشاحت بوجهها بعيدا عنه. ليغلق فارس الخط مع عادل بعدما طمأنه بأنها في أمانته.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!