هبطت لمار من السيارة واتجهت خلف فارس. تأملت المكان بعينين غائمتين، وأخذت الذكريات تتدفق إليها، ذكريات عاشتها في هذا المنزل. أغلبها كانت مرة، فحتى تلك اللحظات السعيدة التي عاشتها لم تكن كاملة، دوماً كان هناك ما يعكرها. أفاقت من شرودها وأفكارها على صوت فارس يطلب منها أن تدلف إلى الداخل. دلفت بخطوات مترددة لتجد صفية وامرأة أخرى لا تعرفها. نقلت لمار بصرها بين المرأتين بحيرة، قبل أن يلكزها فارس من ذراعها. اتجهت
نحو صفية وحيتها قائلة: "مرحبا… كيف حالك خالتي؟ أجابتها صفية على مضض: "بخير الحمد لله…" تحدث فارس مشيراً إلى نسرين: "هذه نسرين… ابنة عمتي." منحتها نسرين ابتسامة مصطنعة. بادلتها لمار المثل وهي تحييها ببرود. جلس الجميع في صالة الجلوس في صمت قطعه فارس وهو يقول: "لمار ستبقى هنا طوال فترة تدريبها." تطلعت صفية إليه بنظرات صامتة لكنها تحمل في طياتها الكثير. لم يبال فارس بنظراتها وهو يحدث لمار: "هل تريدين أن تصعدي إلى غرفتك؟
"نعم… بالتأكيد…" نهض فارس من مكانه وأشار لها قائلاً: "اتبعيني." فعلت لمار ما أمر به، بينما اقتربت نسرين من صفية وجلست بجانبها بعدما رحلوا وقالت: "هذه هي زوجته السابقة أليس كذلك؟ أومأت صفية برأسها وأجابت: "نعم… زوجة الشؤم. لم نرَ منها يوماً جيداً منذ أن وطأت أرضنا هذه." "لماذا تقولين هذا خالتي؟ "سأخبرك بكل شيء… لكن ليس الآن." أومأت نسرين برأسها، ثم ما لبثت أن سألت بتردد: "خالتي… هل يفكر فارس في إعادتها إلى عصمته؟
نهرتها صفية بسرعة: "فال الله ولا فالك. لا تقولي هذا." اعتذرت نسرين بخجل، ثم استأذنت منها أن تذهب إلى غرفتها. *** كانت لمار تسير خلف فارس بينما هو يقودها إلى غرفتها التي خصصها لها. في أثناء سيرهما سوياً، فوجئت بطفل صغير يجري نحو فارس وهو يصرخ بسعادة جلية: "بابا لقد عدت! تلقفه الأب بين أحضانه بلهفة، بينما أخذت لمار تتطلع إليه بحذر. قبله فارس على وجنتيه، ثم التفت نحو لمار وهو يحمله وقال: "دعني أعرفك على خالتك لمار."
كان الخجل واضحاً على الطفل، فهو لا يعرفها ولم يرها من قبل. ابتسمت لمار بحنو ومدت يدها نحوه وقالت بلطف: "كيف حالك يا سيف؟ أنا لمار… خالتك." مد الطفل يده الصغيرة نحوها، لتحتضن لمار يده ثم تحمله من فارس وتقبله على وجنتيه بحب، بشكل فاجأ فارس شخصياً. "اشتقت إليك كثيراً." قالتها بنبرة صادقة وهي تتذكر ذلك الرضيع الذي قضت معه أياماً طويلة. حررته لمار من بين أحضانه ليقف الطفل أرضاً، فتنزل لمار على قدميها إلى مستواه
وتقول مكملة تعريف نفسها: "أنا خالتك… أخت والدتك." "خالتي…" قال الصغير محاولاً استيعاب ما تقوله. لتهز رأسها نفياً وهي تقول: "بل قل لمار… لا تقل خالتي." نقل فارس بصره بين الاثنين بتعجب من هذا التناغم اللطيف الذي جرى بينهما، ثم ما لبث أن قال مشيراً إلى لمار: "ألن نذهب إلى غرفتك؟ نهضت لمار وقالت: "تمام… لنذهب." أشار فارس للصغير: "عزيزي اذهب إلى جدتك… فهي تريدك في أمر هام." أومأ الطفل برأسه متفهماً، ثم ما لبث أن قال:
"لا تتأخر علي." "لن أتأخر بكل تأكيد." تحرك الطفل بعيداً عنه بخطوات راكضة متجهاً نحو جدته، بينما اتجه كلا من فارس ولمار نحو غرفتها. *** دلفت لمار إلى الغرفة خاصتها يتبعها فارس الذي أغلق الباب خلفه. التفتت نحوه تسأله بتوتر: "لماذا أغلقت الباب؟ منحها ابتسامة خفيفة وهو يرد: "لا تقلقي… لن أفعل شيئاً يؤذيك. أنا فقط أريد الحديث معك." ابتلعت لمار ريقها وقالت بإباء: "بل أنا من تريد الحديث معك." رد فارس بتسلية: "تحدثي إذا."
بللت لمار شفتيها بلسانها، ثم قالت بجدية: "لماذا تفعل هذا بي؟ ما غايتك من كل هذا؟ سألها مصطنعاً عدم الفهم: "ماذا أفعل أنا؟ ماذا تقصدين؟ صرخت به بنفاذ: "لا تمثل علي الغباء الآن… ولا تستفزني وتختبر صبري." إلا أنه كان مستمتعاً للغاية بإثارة غضبها فقال: "أنا حقاً لا أفهم أي شيء مما تقولينه." اقتربت منه وقالت: "لماذا أجبرتني على المجيء معك والسكن في منزلك؟ ألم تخطط بالضبط؟ رد ببرود أعصاب يحسد عليها:
"أنا لا أخطط لأي شيء… كونك زوجتي فهذا مكانك الطبيعي يا لمار." صرخت بعنف: "أنا لست زوجتك… لقد طلقت منذ سنوات." "كلا أنتِ مخطئة… أنت زوجتي بالفعل. صحيح أنا طلقتك… لكنني رددتك إلى عصمتي في نفس اليوم." تراجعت لمار إلى الخلف لا إرادياً، بينما اتسعت عيناها محاولة استيعاب ما يحدث. "أنت تمزح معي بكل تأكيد." قالتها بذهول غير مصدق، ليهز فارس رأسه نفياً ويجيب:
"أنا لا أمزح معك يا لمار… أنت كنت زوجتي طوال تلك الفترة… أنا لم أستطع أن أطلقك فعلياً." "ولكن كيف…؟! كيف تركتني هكذا طوال السنوات الماضية؟! تنهد فارس بصوتاً مسموعاً، ثم ما لبث أن قال: "لأنني لم أكن أريد ظلمك أكثر من هذا… أردت أن أعطيك فرصة لتستعيدي بها نفسك وصحتك… أنتِ كنتِ بحاجة للابتعاد… البدء من جديد… وأنا قررت أن أمنحك كل هذا… ولكن وأنت على ذمتي… منحتك حريتك وأنتِ زوجتي."
"لا أصدق… لقد كنت ضحيتكما… كنت لعبة في يدكما أنت وأبي الذي كان يعرف بكل تأكيد." علا صوتها وهي تردد بصراخ بينما تضربه بقبضتي يديها على صدره بعنف: "لقد كنت ضحيتكما من جديد… خدعتماني… استغللتم غبائي." "لمار اهدئي…" قالها وهو يحاول أن يوقفها عما تفعله، لتنهار هي على أرضية الغرفة باكية. اقترب فارس منها وانحنى بجوارها محتضناً إياها بقوة. أخذ يهمس لها: "اهدئي لمار… أنا فعلت هذا من أجلك… كونني أحبك."
رفعت لمار بصرها نحوه تتطلع إليه بصدمة، قبل أن تهمس بذهول: "تحبني…!!! أومأ برأسه وأكمل: "نعم أحبك… لقد علمت بهذا ذلك اليوم الذي فقدتي به طفلك… كنت سأموت من الخوف عليك… أدركت حينها أن خسارتي لكِ لن أتحملها أبداً… أدركت وقتها أنني أعشقك… لمار أنتِ لا تعرفين كم تحملت وانتظرت طويلاً حتى تكبري وتفهمي." مسحت لمار دموعها بعنف، ثم نهضت من مكانها لينهض هو بدوره. قالت بنبرة مريرة:
"معك حق… أنت تحملت الكثير بسببي. أشكرك كثيراً سيد فارس. لقد طلقتني ورميتني لأبي… وتقول أنك تحملت الكثير." صمت فارس ولم يتحدث، بينما هي أكملت: "وأنا ماذا تحملت…؟! تحملت كل شيء… تحملت قسوتك وبرودك… رغبتك في الزواج من أخرى… فوق هذا كله طلقتني… هكذا بدون تفسير… والآن تخبرني بأنك أعدتني إلى عصمتك في نفس اليوم… حقك شكراً لك." "لمار أنا…" قاطعته بحدة:
"لا تقل شيئاً… لكن عليك أن تعلم بأنني كبرت وتغيرت. لم أعد كالسابق… لمار التي تعرفها تغيرت كثيراً. أصبحت واحدة أخرى… لذا فأنا لن أبقى على ذمتك بعد الآن… أنت ستطلقني." "مستحيل… انسي أمر الطلاق اطلاقاً." قالها منهياً الموضوع وتحرك خارج المكان تاركاً إياها تبكي بصمت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!