وصل فارس إلى القرية. تأملت لمار شوارع القرية من خلال النافذة. الأراضي الزراعية الشاسعة الكبيرة المليئة بالأشجار العالية والحشائش ومختلف أصناف النباتات، إضافة إلى الحيوانات والماشية المنتشرة في أرجاء المكان. وصلت السيارة إلى منزل كبير للغاية، أقرب بحجمه إلى قصر أو فيلا. اتسعت عينا لمار وهي ترى الأراضي الواسعة المحيطة بالمنزل من الجهتين. كان منظراً رائعاً مريحاً للنفس.
توقفت السيارة أمام الباب الرئيسي للمنزل. فتح فارس سيارته وهبط منها، وكذلك فعل عمه. وجدت لمار فارس يقترب من جهتها ويفتح الباب لها لتهبط من السيارة وهي ما زالت مخفضة رأسها أرضاً. فُتح باب المنزل وخرجت منه صفية وهي تستند على عكازتها، تجاورها نورا ابنتها، وخلفهما خادمتان تطرقان الزغاريد. سارت لمار برأس منخفض نحو الباب، تتبع فارس الذي انحنى مقبلاً رأس والدته، ثم همس لها بنبرة آمرة: "قبلي رأس ويد صفية هانم."
توقفت لمار للحظات تحاول استيعاب ما سمعته. ثم اضطرت في النهاية إلى تنفيذ ما قاله، فقبلت يدها، ثم رفعت وجهها وقبلت رأسها. رفعت صفية وجه لمار وأخذت تتأمله ببطء قبل أن تهمس بنبرة غير راضية: "جميلة." لم تهتم لمار لنبرتها ولا لكونها لم تعجب صفية هانم، التي أكملت قائلة: "هيا يا ولدي، خذها إلى غرفتكما. لقد جهزنا لكما الغداء وأخذناه إلى غرفتكما." أومأ فارس برأسه متفهماً قبل أن يهمس للمار: "اتبعيني."
سارت لمار أمامه، بينما مسكت صفية فارس من ذراعه وقالت له بنبرة سريعة: "لا تنسى أن تطمئني." تحرك فارس تابعاً لمار وهو يزفر أنفاسه بغيظ من والدته وما قالته. *** دخلت لمار الغرفة يتبعها فارس. أغلق فارس الباب خلفه ثم توقف في منتصف الغرفة يتطلع إلى لمار التي أخذت تتفحص الغرفة ببصرها.
تطلعت لمار بنظرات ذاهلة إلى الغرفة الواسعة وأثاثها الفخم. كانت تناقض غرفتها الصغيرة الضيقة بأثاثها القديم البالي. لم تشعر بنفسها وحجابها ينسدل من فوق رأسها ويقع على أرضية الغرفة ليظهر شعرها الطويل.
تأمل فارس شعرها بلونه الغريب بإعجاب واضح. كان بنياً مائلاً إلى اللون الأحمر قليلاً. شعر برغبة في رؤية وجهها، ولم تبخل لمار عليه حيث استدارت نحوه أخيراً ليحبس فارس أنفاسه للحظات يحاول استيعاب الكائن الطفولي الماثل أمامه. كانت لمار طفلة بحق ببشرتها البيضاء الناعمة كالقطن، وفمها وأنفه الصغيرين، وعينيها الخضراوتين. كانت تشبه الدمية. الأمر الذي صدم فارس بشدة، فهو لم يتخيل أنه سيتزوج بطفلة صغيرة ولم ينتبه إلى مواليدها حينما تم عقد القران.
لمار الأخرى أخذت تتأمل فارس بدهشة حقيقية. لم تتخيل أن يكون فارس بهذه الوسامة الرجولية الخشنة. كان طويلاً ذو جسد متناسق، ذو بشرة حنطية يزينها لحية خفيفة، يرتدي بنطالاً أسود اللون مع قميص أبيض. "رباه، إنها طفلة." همسها فارس بفتور قبل أن يتحرك نحوها ويمسك ذقنها بأنامله رافعاً إياه متأملاً وجهها الطفولي بتمعن. شعر بأنه وقع بالفخ، لقد تورط وانتهى أمره. هل سيدخل بها الآن؟ هل سيجعلها زوجة حقيقية له؟
المنطق يقول لا، والعادات تقول نعم، وهو يقف محتاراً بين اللا والنعم. ابتلع ريقه للحظات قبل أن يقول بنبرة باردة: "لمار." "نعم." قالتها لمار بخفوت ليتنحنح فارس متسائلاً بتردد: "هل أخبرتك والدتك بما سيحدث الآن؟ احمرت وجنتاها خجلاً وهي تتذكر حديث والدتها ونصائحها لها. لقد ترجتها والدتها أن تنفذ ما قالته وألا تفتعل المشاكل، وهي وعدتها بهذا. أخفضت لمار بصرها أرضاً بينما أومأت برأسها كرد على جوابه. "كم عمرك؟
" سألها فارس محاولاً استيعاب الوضع الذي وضع به لترد لمار بخجل: "16 عاماً." زفر فارس نفسه بإحباط قبل أن يسمع طرقات على باب غرفته، فاتجه نحو الباب وفتحه ليتأمل والدته التي جاءت بنفسها إليه، والتي قالت بسرعة: "أريد البشارة يا بني والآن." ثم التفتت مبتعدة عن الغرفة ليفهم فارس أن والدته شعرت بتردده من إتمام تلك الزيجة. عاد فارس نحو لمار واقترب منها. رفع ذقنها بأناملها ليتأمل عينيها الدامعتين وجسدها المرتعش من شدة الخوف.
"لا تخافي، أنا لن أؤذيكِ أبداً." قالها ثم سحبها من يدها وأجلسها على السرير. مسك كفي يديها المرتعشين واحتضنهما بين كفي يده. ثم أحاط وجنتها بكف يده قبل أن ينحني صوب شفتها ويطبع قبلة خفيفة عليها.
أغمضت لمار عينيها تستقبل قبلته الخفيفة. حاولت أن تستقبلها بروح خفيفة وأن تزيل الأفكار السلبية من رأسها. بعد أن طبع فارس قبلة خفيفة على شفتيها، أخذ يعمق قبلته، وبالرغم من جهلها لكل ما يحدث، إلا أن لمار حاولت أن تبادله قبلته بشكل صحيح. *** كانت لمار تبكي بين أحضان فارس الذي أخذ يحتضنها بشدة مواسياً إياها.
"حسناً يا لمار، اهدئي. أنا آسف عزيزتي." قالها فارس معتذراً، بينما أخذت لمار تمسح دموعها بأناملها كالاطفال وهي تشعر بأنها أعطت الموضوع حجماً أكبر منه، فهي صحيح شعرت بالألم، لكنه كان ألماً خفيفاً ولم يستمر طويلاً. "هل أصبحت أفضل الآن؟ " سألها فارس بقلق لتومئ برأسها دون أن ترد، فيشدد فارس من احتضانها ويقول وهو يقبل رأسها: "لن تشعري بالألم بعد الآن، أعدك بهذا." رفعت لمار رأسها نحو فارس وأخذت تتأمله بخجل قبل أن تهمس بأسف:
"آسفة." "لماذا تعتذرين؟ " سألها مستغرباً لترد بخجل: "لأنني أفسدت الليلة. لقد حذرتني والدتي من أن أزعجك أو... قاطعها وهو يضع كف يده على فمها: "لا داعي لأن تعتذري، كما أنك لم تفسدي الليلة أبداً." صمتت لمار بينما أردف فارس: "هل أنت جائعة؟
أومأت برأسها ليبتسم فارس قبل أن ينهض من مكانه ويرتدي سرواله. حمل صينية الطعام ووضعها أمامها لتتطلع لمار بلهفة إلى الطعام وتبدأ في تناوله بنهم وسرعة كبيرتين دون أن تنتبه لفارس الذي يتابعها باستمتاع. رفعت وجهها بوجنتيها المنفوختين نحوه لتبلع الطعام أخيراً وتهتف بارتباك: "لماذا تتطلع إلي هكذا؟ أجابها: "هل تعلمين بأنك جميلة للغاية؟ ابتسمت لمار قبل أن تقول بوجنتين غزاهما الاحمرار: "حقاً؟
"حقاً." قالها فارس وهو ينحني نحوها مرة أخرى قبل أن يلتقط شفتيها بقبلة عميقة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!