المساء … وقفت لمار أمام المرأة تتأمل ثوبها الطويل بملامح فخورة. لقد اختارت فستانًا مناسبًا ويليق بها لتخرج به أمام حماتها وابنة عمة زوجها. نعم، حماتها، فيبدو أن صفية تلك باتت أمرًا واقعًا في حياتها. كان فستانها زهري اللون، طويل يصل إلى كاحلها، ذو أكمام قصيرة تصل إلى منتصف ذراعيها. ارتدت معه حذاءً ذا كعب عالٍ قليلًا. ولم تنس أن ترتدي قلادة ناعمة مع الفستان.
رفعت خصلات شعرها من الجانبين وجمعتهما إلى الخلف مع ترك خصلات شعرها الخلفية حرة، بتسريحة أبرزت ملامح وجهها الناعم بسخاء.
تنهدت براحة ثم خطت أولى خطواتها خارج الغرفة. اتجهت أولًا إلى غرفة الصغير فوجدتها خالية. زفرت بضيق، فهي كانت تريد التحدث معه قليلًا. قد لا يصدقها أحد إذا قالت أنها كانت تفكر دائمًا به، بوضعه وحياته بلا أم. كانت تتمنى أن تكون بجانبه، لكنها لم تكن مذنبًة يومًا بحقه. فصغر سنها وقلة خبرتها لم يسمحا لها برعايته كما يحب.
سارت لمار بخطوات متزنة نحو الطابق السفلي، وتحديدًا نحو صالة الجلوس، لتجد صفية هناك تتحدث مع نسرين بصوت خافت قليلًا، وبجانبهما سيف الصغير يلعب في ألعابه. ألقت التحية باقتضاب، ثم جلست بجانب الصغير وبدأت تشاركه لعبه. توقفت عما تفعله حينما سألتها صفية: ” لمار… هل والدتك تعلم بأمر إقامتك هنا؟! التفتت لمار نحوها وأجابتها على مضض: ” لقد أخبرتها قبل قليل…” ” جيد… وهل هي موافقة…؟! أجابتها لمار ببديهية: ” بالطبع ستوافق…”
منحتها صفية ابتسامة باردة قبل أن تعاود استكمال حديثها مع نسرين بصوت أكثر خفوتًا. بينما هزت لمار كتفيها بلا مبالاة وعادت تشارك الصغير فيما يفعله. دلف فارس بعد لحظات إلى المكان ليتفاجأ بلمار أمامه. آخر ما توقعه أن تهبط من غرفتها وتأتي إلى هنا دون أن يطلب منها هذا. شعر بالراحة، فيبدو أنها بالفعل كبرت وباتت تفهم ما عليها وما يجب أن تتصرف به. ” السلام عليكم…”
رفعت لمار رأسها ما إن سمعت صوته لترد تحيته بخفوت، كما رد كلا من صفية ونسرين تحيته. جلس فارس بجانب ابنه وأخذ يتابع لمار وهي تلعب مع الصغير بعفوية وراحة غريبة عليها. ابتسم لا إراديًا وهو يراها تشاكس الصغير. هو يعرف لمار جيدًا ويثق بكونها ستكون أمًا جيدة لابنه. سترعاه وتهتم به جيدًا وتحبه من أعماق قلبها. نهض الجميع من أماكنهم بعدما جاءت الخادمة تخبرهم أن الطعام جاهز. اتجه الجميع إلى غرفة الطعام.
جلست صفية في مقدمة السفرة، بينما اختارت نسرين أن تجلس بجانب فارس، الأمر الذي أغاظ لمار بشدة، لكنها لم تظهر هذا، بل جلست على الجهة الأخرى بجانب الصغير. كانت نسرين متحدثة لبقة بشكل أثار غيرة لمار. كانت تتحدث بثقة وبشكل يثير البهجة في نفوس من حولها. حديثها كان ممتعًا. اعترفت لمار لنفسها بهذا. ورغمًا عنه اندمج فارس معها في حديثها، وبالطبع صفية. إلا لمار كانت صامتة طوال الوقت.
بعدما انتهوا من تناول الطعام، نهضت نسرين من مكانها وقالت موجهة حديثها لفارس: ” فارس… أريد الحديث معك في أمور تخص العمل… ما رأيك أن نذهب إلى غرفة مكتبك…؟! ” حسنًا… لنذهب…” قالها فارس بإذعان، ثم ما لبث أن نهض من مكانه واتجه خلف نسرين إلى مكتبه، لتجد لمار صفية تقول بنبرة ذات مغزى: ” يليقان ببعضيهما كثيرًا… أليس كذلك…؟! تطلعت إليها لمار بدهشة قبل أن تبتسم مجاملة وترد بذقن مرفوعة: ” كثيرًا… كثيرًا…”
ابتسمت صفية ببرود، بينما نهضت لمار من مكانها وأخذت الصغير معها واتجهت به إلى غرفته. *** انتهى فارس من حديثه مع نسرين ليخرج بسرعة من مكتبه ويتجه إلى غرفة لمار. بحث بعينيه عنها ليجدها فارغة. عقد حاجبيه بتفكير قبل أن يسير متجهًا نحو غرفة ابنه ليجدها بالفعل هناك تهم بالخروج منها. ” ماذا تفعلين هنا…؟! سألها مستغربًا لتجيبه بلا مبالاة: ” كنت أساعد سيف لينام…” ” هل نتحدث سويًا…؟!
قالها بجدية لتومئ برأسها موافقة، فيأخذها فارس ويتجه بها نحو غرفتها. دلت لمار إلى غرفتها ودلف فارس خلفها بعدما أغلق الباب جيدًا. توترت لمار لا إراديًا من وجودهما سويًا في هذا المكان المغلق، لكنها حاولت ألا تظهر هذا له، فأدعت القوة أمامه. اقترب فارس منها وقال متسائلًا: ” هل ما زلت متضايقة كونني رددتك إلى عصمتي دون إخبارك..؟! أجابته لمار بسخرية: ” وكأن ضيقي سوف يفرق معك…” زفر فارس أنفاسه بقوة ثم قال:
” لمار… أنت كنت صغيرة… وأنا لم أشأ أن أزعجك…” ” فارس أنت قيدتني بك دون أن تأخذ رأيي حتى… ووالدي ساعدك بهذا…” أومأ فارس برأسه وأكمل: ” معك حق… أنا أخطأت بما فعلته… لكن لم يكن أمامي خيار آخر لأحافظ عليك…” لمعت عينا لمار بالدموع وقالت: ” ولماذا طلقتني من الأساس طالما أنك تريد الحفاظ علي؟! أخذ فارس نفسًا عميقًا وقال: ” وهل ما فعلتيه هيّن يا لمار؟! لقد قتلتِ ابني…”
هطلت دموعها من مقلتيها لا إراديًا وهي تتذكر ما فعلته. هي لن تسامح نفسها مطلقًا على جريمتها تلك. طوال السنين الفائتة كانت تؤنب نفسها وتحاسبها على فعلتها تلك. لكنها كانت صغيرة ومجروحة، غير واعية لحجم فعلتها. ” لمار أنا لم أقصد أن…” قاطعتها بنبرة باكية:
” أنا عاقبت نفسي يا فارس… عاقبت نفسي كثيرًا… مرارًا… اعترف بمدى حجم خطئي… لكنني كنت صغيرة… تصرفت بطفولية رعناء… والنتيجة أنني خسرت ابني… هل تظن بأن الأمر كان سهلًا علي…؟! وفوق هذا جئت أنت وتخليت عني…” ” كنت بحاجة لأجعلك تعيدين حساباتك من جديد… كان يجب أن تعرفي مدى خطأك… لم يكن من السهل علي أن أتخلى عنك لكني فعلتها من أجلك وليس من أجلي…” ” لكن هذا لا يعطيك الحق أن تعيدني إلى عصمتك ثم تخبئ الأمر عني…”
قالتها بحرقة حقيقية ليرد فارس معتذرًا: ” أنا آسف لمار… أعترف بأنني أخطأت هنا… لكن رغبتي المتملكة نحوك هي من جعلتني أفعل هذا…” منحته ابتسامة ساخرة من بين دموعها وقالت بألم: ” نعم فأنا يجب أن أكون دائمًا ملك لك…” ” أنت ملك لي بالفعل مثلما أنا ملك لك…” هزت رأسها نفيًا بسرعة وقالت بوجع: ” أنت لم تكن يومًا ملك لي… أنت ملك نفسك… أنت لست لي يا فارس… دوما لم تكن لي…” مسك يديها الاثنتين بيديه وقال بحزم:
” انظري إلي… أنا فارس صفوان… أقر وأعترف بأنني ملك لك… وأنت ملك لي…” ” فارس…” ابتلعت كلماتها الأخيرة حينما وجدته ينحني نحوها ويعانقها بقوة، بينما شفاهه تهمس لها: ” اشتقت إليك يا لمار… اشتقت إليك يا صغيرتي…” شعرت بنفسها تكاد تذوب بين يديه. ابتعدت عن أحضانه بعد لحظات لتلتقي عيناها بعينيه. كانت رغبته بها واضحة وضوح الشمس، وهي كانت تريده وبشدة.
شعر فارس بها فانحنى نحوها بنية تقبيلها، وبالرغم من خجلها استجابت له وبادلته قبلته بشكل أثار جنونه. لحظات قليلة وفتحت الباب، ثم ما لبثا أن سمعا صوت صفية يصرخ بعدم تصديق: ” أنتما ماذا تفعلان…؟!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!