تحميل رواية «الشيطان وقع اسيرها» PDF
بقلم سولييه نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1بعد مرور خمسة عشر عاماً-جاية ليه تاني ؟!! أنتِ مبتفهميش قولتلك مش عايز اشوف وشك تاني ابدا ؟!!قالها الرجل الخمسيني بقسو.ة وهو ينظر لتلك الشابة التي تنظر إليه بذهول ...نظرت إليه بدهشة وقالت:-ايه هو اللي جاية ليه ؟!انت ابويا !!!-اخر.سي ...اخر.سي اياكِ تنطقي الكلمة دي ...أنا خلاص طلعتك من حياتي أنتِ وأمك ...واديت لأمك تعويض مناسب ليها ..عايزين ايه تاني ؟!!هزت جواهر رأسها وهي تحارب دموعها ...كانت لا تصدق أن والدها بتلك القسوة معاها....كيف يقسو عليها بتلك الدرجة ....أليس والدها ؟!...-انا مش جاية اخ...
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سولييه نصار
صرخت ليان بقوة وهي تغمض عينيها.
للحظات شعرت أن الرصاصة أصابتها، ولكن مرت لحظات وهي لا تشعر بأي شيء.
لا تسمع سوى صوت أنين قوي.
فجأة، الأصوات اخترقت الفراغ.
سمعت صوت عدي وهو يقترب منها:
"ليان... ليان، حصلك حاجة؟"
قالها عدي وهو يجذبها إليه ويضمها.
ارتعشت ليان وهي تضمه وما زالت مغلقة عينيها.
لا تريد أن تفتح عينيها وترى ماذا حدث.
لا يمكنها تقبل الأمر.
لا يمكنها تقبل أن موسى قد حدث له شيء.
فتحت عينيها بعد ثوانٍ لتجد عوض ساقطًا على الأرض يمسك ساقه التي أُصيبت بطلق ناري.
ثم وجدت موسى فاقد الوعي.
انفجرت الدموع من عينيها وهي تقول بتلعثم وقلبها ينسحق داخل صدرها:
"موسى... موسى..."
"الإسعاف جاي في الطريق."
وبالفعل، قبل أن ينتهي من كلماته، دوى صوت صفارات الإسعاف والشرطة.
وتم القبض على عوض والثلاثة رجال الذين معه.
وحملت سيارة الإسعاف موسى المصاب.
في المشفى، وفي غرفة الطوارئ، كانت نسرين تضم ليان التي ترتعش بينما الطبيبة تخيط لها الجرح الذي بجبهتها.
كانت دموعها لا تتوقف عن الانسياب.
القلق ينهش قلبها.
عقلها مشغول بموسى.
تُرى ماذا حدث له.
كانت تفكر باحتمالات كثيرة.
الخوف تمكن من قلبها أكثر وأكثر وهي ترى أنه ليس هناك أي خبر عنه.
"نسرين!!"
قالتها نهى وهي تلج غرفة الطوارئ، ومعها كريم.
اقتربت نهى وعانقتها أولًا، ثم اقترب كريم وربت على كتفها وقال:
"أنتِ كويسة."
ابتسمت بمسحة من الحزن وقالت:
"أنا كويسة... كويسة أوي يا بابا. شكرًا."
أمام غرفة العمليات، كان يجلس عدي على المقعد الحديدي.
لقد وفى موسى بوعده.
ضحى بحياته من أجل ليان.
عندما أخبره موسى منذ فترة أن لو شعر أن ليان في خطر سيموت هو ولن يسمح لأحد أن يمس شعرة من رأسها.
حقا، في تلك اللحظة ظن أنه يبالغ، ولكنه كان محقًا.
كان يتكلم بكل جدية.
هو أخذ الرصاصة بدلاً منها.
استطاع حمايتها.
هو لن يخاف عليها بعد الآن طالما هي مع موسى.
لقد أثبت له موسى ولاءه.
أثبت شجاعته ورجولته، وهو سوف يفعل المستحيل كي ينقذه.
فرك عدي كفه وهو يتذكر ما حدث وأن موسى بعث له رسالة أن سيارة كبيرة كانت تتعقبهم واختفت فجأة.
بعد آخر مرة رأى موسى عوض يتعقبه، وأصبح عدي أكثر حذرًا وكان ينتظر الغدر منه في أي لحظة.
لهذا، عندما بعث له تلك الرسالة، بلغ الشرطة وتحرك مسرعًا بعدة سيارات لينقذ شقيقته.
وبالفعل، تم إنقاذ ليان، وأصبح عدي هو من في خطر.
تألم قلب عدي.
إنها من المرات النادرة التي يشعر فيها بالألم.
صديقه نفذ وعده، ولكنه الآن هو من في خطر.
دعا الله من كل قلبه أن يكون بخير.
أن يقاوم ويعيش.
لو حدث له شيء، لن يسامح نفسه أبدًا.
نهض فجأة والدكتور يحيى يخرج من غرفة العمليات.
"طمني يا يحيى."
قالها عدي بتوتر.
ليبتسم يحيى ويقول:
"الحمدلله يا عدي، اتكتب له عمر جديد. الرصاصة الحمدلله مجتش في مكان حيوي وقدرنا نطلعها. شوية كده وهندخله أوضة عادية وتقدر تيجي تزوره الصبح. وعلى حسب حالته هنقرر يخرج إمتى."
زفر عدي براحة وهو يضع كفه على قلبه ويتمتم:
"الحمدلله... الحمدلله. شكرا أوي يا يحيى. شكرا أوي."
ابتسم له يحيى وقال:
"العفو، ده واجبي. ربنا يتم شفاؤه على خير يا رب. عن إذنك."
ثم تركه وغادر.
ليتنهد عدي براحة ويذهب إلى ليان ليطمئنها.
هي كانت قلقة عليه للغاية، فهي لم تكن لتسامح نفسها لو كان حدث له شيء.
"أنا بحبك أوي يا طنط ورد."
قالتها ياسمين فجأة وهي متسطحة على فراشها تحارب النوم كي لا يتمكن منها، ولكنها تغلق عينيها بنعاس ثم تفتحهم مرة أخرى.
وضعت ورد كفها على قلبها بتأثر وقالت:
"يا حبيبة قلبي وأنا كمان بحبك. بحبك أوي يا ياسمينتي."
ثم انحنت وقبلتها على رأسها.
أغمضت ياسمين عينيها لتنام وهمهمت بنبرة خافتة:
"يا ريتك أنتِ كنتِ ماما. يا ريتك... ماما مكانتش بتحبني. كانت بت..."
قطعت كلماتها وهي تغرق بنوم عميق.
نظرت إليها ورد وهي تشعر بالشفقة على حال تلك المسكينة.
هي متأكدة أن والدتها قد آذتها بطريقة ما.
حاولت أن تستفسر من ياسين عما فعلته، ولكنها تراجعت في آخر لحظة.
فهي لا تريد إفساد كل شيء.
هي حقًا أصبحت تهتم به.
أغمضت عينيها وهي تتذكر حديثها مع والدتها بالنهار اليوم.
"لسه بتحبيه يا بنتي. لسه بتحبي علي، لسه بتفكري فيه؟"
تنهدت ورد وقالت:
"صدقيني برضه مش عارفة يا ماما. ومش عايزة أفكر في الموضوع ده. أنا بقالي حياتي وخلاص. وعلي بقاله حياة وخلاص. والمهم أني من وقت ما اتجوزت ياسين وأنا شيلته من بالي وده أهم حاجة بالنسبالي."
تنهدت والدتها براحة وقالت:
"مدام شيلتيه من بالك يبقى خلاص بطلتي تحبيه وبتحبي جوزك."
أطرقت ورد برأسها ثم هزت كتفها وقالت:
"صدقيني معرفش يا أمي. معرفش. خلي الأمور تمشي زي ما هي كده. واللي كاتبه ربنا هيكون. المهم أن حياتي دلوقتي معاه مستقرة واني مبسوطة معاه ومع ياسمين. أنتِ متقلقيش عليا يا ست الكل."
ثم قبلت رأسها وربتت على كفها بحب وهي تتنهد.
عادت من شرودها وابتسمت وهي تضع كفها على قلبها وتفكر.
هل حقًا أحبت ياسين؟
هي منذ زواجها من ياسين فعلاً لم تعد تفكر بعلي.
مشاعرها نحوه والتي كانت متأكدة منها أصبحت الآن مشوشة ولا تعرف من تحب أو بماذا تشعر.
لكن جل ما تعرفه أنها سعيدة للغاية مع ياسين.
وهذا هو الأهم.
هذا ما تريده.
تريد أن تكون سعيدة مع عائلتها الجديدة.
لا تريد أي مشاعر غير مرغوب فيها.
منذ الليلة ستسمح لنفسها أن تحب ياسين.
لن تقاوم مشاعرها أكثر من هذا.
ستعطيه كل شيء الليلة.
ابتسمت بحماس ثم قبلت رأس ياسمين ودثرتها جيدًا ثم أطفأت الإضاءة الجانبية وخرجت.
في الصالة، كان ياسين جالسًا على الأريكة وأمامه التلفاز يعرض أحد الأفلام العربية القديمة.
ولكنه لا يرى شيئًا.
لا يسمع شيئًا.
كل ما كان يدور بعقله هي كلمة حماته الأخيرة.
ورد.
كانت تحب آخر.
أعطته كامل مشاعرها في الوقت الذي تبخل عليه بها.
عندما سألها هل تحبه، لم تجب.
هل لأنها ما زالت تحب هذا المدعو علي؟
كاد أن يجن فعليًا.
هو لم يتحمل حتى أن يسمع إجابتها عندما سألتها والدتها، بل ابتعد خوفًا من أن يسمع موافقتها على كلام حماته وخرج من البيت بكل هدوء.
تنهد ياسين وهو يشعر وللمرة الأولى أنه مشتت وغاضب كثيرًا.
يرغب في هزها بقوة حتى تخبره الحقيقة.
ولكن رُغم ذلك، هو لا يقوى على الاستماع إلى الحقيقة.
ماذا إن كان الحقيقة لن تعجبه؟
ماذا سيفعل حينها؟
تيبس جسده وعطرها الجذاب يخترق أنفه بينما كفها الناعم يحط على كتفه ثم بدأت تدلك له كتفه بكلا كفيها.
أغمض عينيه وهو يستشعر تأثيرها القوي عليه.
وهذا أغضبه أكثر.
كيف سمع لامرأة أن تؤثر عليه بكل تلك القوة؟
كيف!
فجأة، تخلص من تأثيرها ثم أبعد كفيها ببرود.
نظرت إليه بحيرة وقالت:
"فيه إيه يا ياسين؟"
"تعبان شوية."
قالها بجمود.
لتجلس بجواره وتضمه قائلة:
"تحب أعملك مساج؟"
"لا شكرا."
قالها بنفس الجمود.
فقالت وهي تشاكـسه بينما تضع قبلة لطيفة على خده:
"رجعت اللي الوش الخشب تاني. مش مهم، أنا هعرف أخرجك منه إزاي."
ثم بدأت تدغدغه وهي تضحك.
"يووه، إيه القرف ده! ابعدي عني!"
صرخ بها ياسين ثم نهض متجهًا إلى غرفته.
لتنظر ورد إلى أثره بذهول وقد ترطبت عينيها بفعل الدموع.
ماذا فعلت ليعاملها بهذا الشكل؟
لماذا كلما حاولت الاقتراب منه، يلفظها من حياته بتلك القسوة؟
إلى متى سوف تتحمل قسوته وعجرفته وتعامله السيء معها؟
إلى متى!
انسابت دموعها ثم رفعت كفيها وغطت وجهها وهي تبكي كالأطفال.
في قصر رشيد، في تراس غرفتها الجديدة، كانت تجلس على المقعد المبطن بالقطن تريح ظهرها وهي تستمتع بكل تلك الرفاهية التي حصلت عليها فجأة.
تدخن سيجارتها بإستمتاع وهي تستمع لأحد المهرجانات القديمة والتي تحبها.
ارتفع حماسها مع الأغنية التي تصدح من هاتفها الجديد الذي أحضره شريف لها.
نهضت وهي ترقص وتغني مع الأغنية بينما تضع سيجارتها بفمها:
وشربت حجرين على الشيشة
مع توتو والسبع وويشا
ويانى يانى يانى
مش هعمل كده تانى
وخدنى جعران والكابتن وروحنا عن عماد فيشا
ونزلت وأنا ماشى فى الشارع
شوفت اللي نازل للطالع
فضلت ماشى مع نفسي وقولت أشوف اللي في نفسي.
أوقفها عما تفعله، طرق خفيف على الباب.
أطفأت سيجارتها بسرعة ثم وضعت لبانا بالنعناع بفمها واتجهت إلى باب الغرفة.
فتحته لتجد الخادمة اليافعة تقول بصوت مهذب وهي تحمل صينية على بعض الشطائر التي طلبتها:
"يا هانم، دي ساندويتشات الكفتة اللي طلبتيها."
أعطتها ابتسامة واسعة وقالت:
"أوه، ميرسي أوي يا لارا. أنا كنت فعلاً جعانة."
أخذتهم منها ثم قالت:
"لو مش هتعبك، ممكن تعمليلي عصير مانجا فريش؟"
"حاضر يا هانم."
ثم ذهبت من فورها.
لتغلق جواهر الباب وتأخذ الصينية للتراس ثم تبدأ في الأكل وهي تفكر أنها قد استطاعت خداع عدي لبضعة أيام، ولكن ماذا تفعل عندما ينتهي ظرفها الكاذب؟
ماذا ستقول له؟
وكيف ستمنعه عن لمسها؟
ربما تبدأ خطتها الآن لكي تجعله يطلقها.
فهي يمكنها أن تحول حياته إلى جحيم.
تستطيع فعل هذا.
أخذت قطمة كبيرة من الشطيرة وهي تغمض عينيها.
يجب أن تعترف أن تلك الحياة راقتها قليلاً، فلما لا تلعب مع عدي رشيد قليلاً.
هو رجل صعب صحيح، ولكنه يظل رجل تستطيع امرأة خداعه.
لما لا تستغله؟
لوهلة، راقتها الفكرة، ولكن ضميرها اعترض عليها بشدة لتخرسه جواهر بعنف.
عدي رشيد يستحق أن يُخدع.
لقد أخبرته أنها لا تريده.
لا تحبه، وهو أصر على الزواج منها.
إذن، لما لا تخدعه؟
تكسر قلبه ثم تتركه وتخرج من تلك التجربة رابحة كل شيء.
ابتسمت جواهر وهي تغلق عينيها وتستمتع بالطعام.
صوت قدوم سيارة جعلها تفتح عينيها.
نهضت ونظرت لتعرف من أتى، ووجدته عدي.
"أهو القرد جه. اللهم طولك يا روح."
خرج عدي من سيارته وهو يسير نحو القصر.
لقد اطمئن على موسى وأخبره يحيى أنه سوف يستيقظ صباحًا، لذلك لا داعي أن يبيت معه.
وهذا ما حاول أن يقنع به ليان، ولكنها رفضت تمامًا الإصغاء إليه.
أصرت بعناد أن تبقى مع موسى.
حقا، كان تصرفها غريبًا، ولكنه أرجع الأمر أن ربما تكون شقيقته تشعر بالذنب بسبب ما أصاب موسى.
فموسى تلقى رصاصة عنها، لذلك ربما هذا سبب قرارها أن تبقى رغم محاولات عدي الكثيرة معها.
حسنًا، ماذا توقع؟
شقيقته عنيدة للغاية.
هي تشبه والده!
ابتسم عدي فجأة وهو يتذكر والده.
كم يشتاق إليه.
ويشتاق لوالدته أيضًا.
صعد إلى غرفته وهو يفرغ عقله.
فتح الباب ليجدها تجلس على الفراش تضع سماعات الأذن في أذنها وتدمدم مع الأغنية وهي تأكل رقائق البطاطس.
لقد رأته يأتي، لذلك قررت أن تتصرف ببرود معه وكأنه طيف غير موجود.
"القصر مقلوب لأن البودي جارد بتاع ليان اتضرب بالنار، وحضرتك بتاكلي شيبسي!!!"
تركت جواهر الطعام وشعرت بالشفقة على الحارس المسكين وقالت:
"مكنتش أعرف. بس إيه اللي حصل فجأة كده؟"
ابتسم بسخرية وقال:
"قدمك حلو يا عروسة."
نظرت إليه وقالت بنبرة مستفزة:
"وليه متقولش ربنا بيخلصك من ذنوب كتيرة؟ ممكن تكون المشاكل اللي بتحصلك تكفير عن الذنوب الكتيرة اللي عملتها في حياتك!!!"
في اليوم التالي.
"روان، ممكن تسمعيني؟"
قالها موسى وهو يقترب منها بينما تبتعد هي عنه بخوف وتقول:
"لا لا... ابعد عني. أنت مجرم. أنا بكرهك... بكرهك."
كانت تبكي وفي عينيها رعب كبير منه.
ابتلع ريقه وهو ينظر إلى تباعدها عنه.
يؤلمه هذا الابتعاد.
يشعر أنه يختنق.
لا لا، يمكنها أن تكرهه هي بالذات.
لقد فعل هذا من أجلها.
"حبيبتي... حبيبتي، اديني فرصة أشرح لك. أبوس إيديكي اديني أي فرصة. متنهيش كل حاجة بينا بالشكل ده."
تراجعت للخلف وهي تصرخ:
"لا... اطلع برا. برا. أنت كذاب. خدعتني. أنا مستحيل أسامحك. أنا هطلق منك وهبعد. هختفي من حياتك. حتى..."
وضعت كفها على بطنها البارز قليلاً وأكملت:
"حتى ابني هبعده عنك. هربيه وأخليه سوي نفسيًا مش إنسان مختل زيك."
كانت دموعه تتساقط من عينيه بشدة.
كانت الإهانة منها أشد ألمًا.
لقد ظن أنها سوف تتقبله، ولكنه نسي أي وحش هو، وأن لا أحد سوف يتقبله.
سيظل حتى موته وحش.
لا يحق له حياة سعيدة ولا يحق له أن يحب.
فقط كُتب عليه أن يموت وحيدًا.
ويبدو أن هذا سوف يكون مصيره.
نظر إلى روان التي تنظر إليه بكره.
لم يتخيل حتى في أسوأ أحلامه أنها ستكرهه بتلك الطريقة.
عينيها التي كانت دومًا تفيضان بالعشق له، أصبحت الآن لا يسكن بهما إلا الكره.
الكره فقط.
سقط ذراعيه بيأس وقال بنبرة ثقيلة وهو يطرق برأسه أرضًا:
"أنا آسف... آسف يا روان، سامحيني."
هزت رأسها وهي تبكي وقالت:
"عمري ما هسامحك. أنت كنت السبب في موتي."
رفع موسى رأسه عندما سمع صوت ليان بدلاً من روان.
ليصرخ فجأة وهو يرى رأس ليان أضحى مكان رأس روان وساقطًا على الأرض بينما جسدها معلق في السقف!!!
"ليان... ليان."
صرخ ببكاء.
ثم انهار على الأرض.
انتفض موسى من نومه وفتح عينيه وهو يشعر بشيء ثقيل على صدره.
أنزل رأسه قليلاً ليرى ليان تنام على صدره وتضمه بقوة.
أغمض عينيه مجددًا وهو يقبل شعرها.
هي بخير الحمدلله.
ظن أنها ماتت.
حقا، لو كان حدث لها شيء، كان سيموت بكل تأكيد.
في لحظة، كانت ليان ستتسرب من بين يديه، كان سيخسرها.
شعر بها تستيقظ وتنهض من على صدره.
تلاحمت نظراتهما لتبتسم بسعادة وتقول:
"موسى... موسى، أنت كويس!!!"
كان موسي ينظر إليها.
استطاع إخفاء لهفته بسرعة وحل محلها الجمود.
ما زال الحلم يسيطر عليه.
تُرى، هل ستكون ليان ضحيته كما كانت روان؟
هل سيسمح بهذا؟
هل سيخسر من يحب مجددًا؟
لا... لن يفعل.
لن يحمل ضميره ذنب آخر.
لن يرتكب جريمة أخرى.
هو لن يتمسك بليان.
سيبعدها عنه مهما كلفه الأمر!!!
"موسى... حبيبي، أنت كويس."
قالتها بلهفة وهي تلمس وجنته.
ثم أكملت:
"تحب أنادي للدكتور يشوفك؟ فيه حاجة وجعاك؟ اتكلم يا موسى، متقلقنيش عليك."
"شيلي إيدك عني!!"
قالها بخفوت، ولكن عينيه كانت تبرق بغضب فاجأها.
"مش فاهمة... مالك يا موسى؟"
بصعوبة، رفع يده وأزاح كفها وصرخ بها:
"قولت لك شيلي إيدك عني. أنتِ مبتفهميش!!! كام مرة قولت لك متقربيش مني. لكن مصممة تلزقي فيا."
تساقطت دموعها وغار قلبها داخل صدرها وهي تقول بنبرة مختنقة:
"موسى، أنا عملت لك إيه؟ ليه بتعاملني بالشكل ده؟"
"لأني تعبت. تعبت من كتر ما بقولك ابعدي عني. من كتر ما بقولك اللي في بالك مش هيحصل. ليان، أنا مكنتش حابب أجرحك أكتر من كده، بس أنا فعلاً بحب واحدة تانية. واحدة للأسف مش هتكون ليا وأنا مقدرش أنساها. فمتقربيش مني عشان لو حصل وارتبطنا، هيكون بس عشان أنسى حبي القديم. وأنتِ أغلى من أنك تبقي وسيلة عشان أنسي بيها حبي القديم. أنا آسف يا ليان."
وقفت على ساقيها وقالت وهي تمسح دموعها:
"أنا آسفة... بس أنا مجيتش عشان أعرض حبي غير المرغوب فيه ولا عشان أضغط عليك. أنا هنا من امبارح لأني مكنتش هقدر أرتاح وأنا عارفة أنك في المستشفى بسببي. مكنتش هرتاح إلا لما تقوم بالسلامة وشكلك دلوقتي كويس. أنا هنادي الدكتور يكشف عليك وأتصل بعدي. آسفة لو أزعجتك مرة تانية."
ثم خرجت من غرفته وهي تمسك دموعها قسرًا.
توقفت وهي ترى الطبيب الشاب يقترب منها وعلى وجهه ابتسامة لطيفة وقال:
"آنسة ليان، مش كده. حضرتك أخت عدي."
هزت ليان رأسها ليمد يحيى كفه ويقول:
"أنا يحيى خطاب."
صافحته ليان وقالت برقة:
"طبعًا عارفك يا دكتور، عدي دايما بيمدح فيك. وقالي إنك كمان اللي عملت العملية لموسى. أنا بجد مش عارفة أشكرك إزاي. شكرا جدا."
"العفو يا آنسة، ده شغلي. أستاذ موسى فاق مش كده؟"
هزت ليان رأسها وقالت:
"أيوه، ياريت حضرتك تشوفه وأنا هتصل بعدي."
هز رأسه لتتجاوزه ليان وتخرج هاتفها لكي تتصل بعدي.
بينما نظر يحيى إلى أثرها بإعجاب.
لقد أخبرته والدته عن جمال ليان رشيد، ولكنه لم يتوقع أن تكون بهذا الجمال فعلاً.
والجمال ليس في ملامحها فقط، بل يوجد بها شيء خلاف.
شيء يجذبك رغما عنك.
هز رأسه ليطرد أفكاره تلك ثم ولج لغرفة موسى.
"أنا مش مصدق إنك أغمى عليك لما شوفت الدم."
قالها أمير وهو يضحك لنوح الذي يطعمه حساء الدجاج.
نظرت إليه عبير وقالت وهي تخشن صوتها:
"أنا افتكرت حصلك حاجة، بس الحمدلله أن الموضوع جه في إيدك. ده يعلمك إن متتورطش نفسك في أي مشكلة تاني لو سمحت."
تكلم أمير وقال:
"مينفعش يا نوح أشوف واحد بيتحرش بطفلة وأسكت. ضميري ميسمحش إني أسكت عن حاجة زي كده عشان لما أتعرض لمشكلة بكرة ربنا يساعدني."
أطرقت عبير رأسها وهي تشعر بالخجل من تفكيرها.
لكن خوفها على أمير جعلها تتكلم دون أي تفكير.
شهامة تفكير ذكرتها بجواهر.
جواهر التي فعلت المستحيل لتساعدها.
أمير مثل جواهر تمامًا، يساعد دون أن يفكر.
نظرت مرة أخرى إلى أمير وقالت:
"بس أنا زعلان على الرز اللي اتحرق. تعبت فيه."
ضحك أمير وقال:
"معلش يا باشا نعمل غيره. يوم امبارح كان فعلاً صعب."
هزت عبير رأسها موافقة.
فهي بعد أن فقدت الوعي، فاقت على قطرات الماء التي نثرها أمير عليها ثم نهضت برعب لأنها ظنت أن أمرها قد تم اكتشافه، ولكن الحمدلله لم يُكتشف أمرها.
وبعدها عرفت أن أمير قد أُصيب في يده وأن الرجل الذي أصابه ذهب إلى السجن.
وشيخ الجامع هو من أخذ أمير إلى العيادة وخيط له جرحه ثم أتى أمير إلى المنزل ورآها فاقدة للوعي.
"أنا خوفت عليك بجد."
قالتها عبير وقد تصاعدت الدموع لعينيها.
ليقول أمير بتوجس:
"جرا إيه يا نوح؟ اجمد شوية يا عم، ما أنا زي الجندي أهو وجرحي بسيط. لا يا باشا خليك جامد، اومال. أنت ياما هتشوف ناس معندهاش دم ولا دين. ناس فاكرين العالم تحت رجليهم وللأسف لو فضلت خايف كده ممكن ياكلوك فعلاً. فعشان كده لازم تجمد شوية ومتبقاش خرع. انسي موضوع بابا وماما والحوارات دي، أنت لازم تبقى ابن الحتة عشان تعرف تاخد حقك."
هزت عبير رأسها وكادت أن تتكلم إلا أن جرس الباب رن.
ذهبت عبير كي تفتح لتري أمامها شابة ومعها طفلة وطفل لديه عشر سنوات تقريبًا.
"انتوا مين؟"
سألت عبير لتزيحها الشابة وتقول:
"فسح يا جدع كده خليني أشوف ابن الحتة!!"
دخلت الفتاة وهي تتهادى بخطواتها.
احمر وجه عبير وذهبت خلفها.
"ازيك يا اسطا امير."
قالتها الفتاة بخجل.
لينظر أمير إليها بحيرة فتقول بضيق:
"أنا اخت منار البنت اللي وقفت جنبها لما اللي ما يتسمي حاول يتحرش بيها. واسمي لمياء."
"أهلا يا آنسة."
ابتسمت بسعادة وهي تقترب أكثر منه وتمد كفها لكي تلمسه.
إلا أن عبير ركضت ووقفت أمامها وهي تقول بصوت خشن:
"معلش يا آنسة، أصله لسه متوضي، مينفعش تلمسيه."
"أنا حابة أشكرة."
نفخت عبير بضيق وقالت:
"شكرك وصل خلاص، يالا لو سمحتي روحي من هنا. وجودك هنا ميصحش."
ثم دفعتها قليلاً نحو الباب حتى أخرجتها.
وكم تمنت وقتها أن تقتلها.
لقد شعرت بالغيرة على أمير!!!
في منزل رانيا،
"برضه بتتجاهلي أمك يا رانيا ومش عايزة تكلميها؟"
قالتها رابحة بحزن وهي تنظر إلى ابنتها التي ترتب البيت.
رغم أنها عادت من عملها للتو، إلا أنها لم ترتاح وأخذت ترتب المنزل.
تركت رانيا المكنسة بتعب ونظرت إلى والدتها وقالت:
"العفو يا أما، بس زي ما أنتِ شايفة الشغل فوق راسي وأنا بحاول أوفق بين شغل برا وشغل البيت والطبيخ والغسيل. أنا حاسة إن طاقتي بتخلص يا أما."
"تعالي يا بنتي... تعالي."
قالتها رابحة وهي تفتح ذراعيها لكي تأتي إليها ابنتها.
أطاعتها رانيا وذهبت إليها ثم جلست بجوارها ووضعت رأسها على ساقيها وقالت بتعب:
"أنا تعبانة أوي يا أما. تعبانة أوي."
ربتت والدتها على شعرها وقالت:
"وإيه اللي تاعبك؟"
ازدردت هي ريقها وقالت:
"حاسة إن مفيش حاجة معايا ماشية مظبوط يا أما. حاسة الدنيا كلها ضدي. حاسة اللي بحلم بيه مش هحققه. وعندي أحاسيس عايزة أتخلص منها. قلبي واجعني أوي يا أما. وحاسة إني هفضل أتوجع لحد آخر يوم في عمري."
نظرت رابحة إلى ابنتها بحزن.
ليتها تستطيع أن تمحو الحزن عن وجهها.
ابنتها تستحق أن تكون سعيدة.
قلبها يعتصر من الألم وهي تراها في تلك الحالة.
صحيح، الأيام السابقة تصرفت بشكل بشع معها، ولكنها ندمت على الأمر.
كانت رانيا محقة.
ابنتها الصغيرة استطاعت أن تقف في وجه عمها.
استطاعت أن تقول ما عجزت هي عن قوله.
ما خافت هي أن تقوله.
ابنتها كانت أكثر شجاعة منها.
وهي حقًا فخورة جدًا بها.
ربتت رابحة على شعر ابنتها وقالت:
"ليه حاسة إنك هتتوجعي؟ كل ده عشان الدكتور؟"
رفعت رانيا وجهها وتصاعدت الدموع لعينيها البنية.
"بحبه... بحبه يا أما. مش بإيدي والله."
قالتها وعينيها البنية تلمع بشدة بفعل الدموع.
"انسيه يا قلب أمك. ده مش من توبنا. ده دكتور متعلم وصاحب مستشفى. وأنتِ... أنتِ عاملة نظافة في المستشفى بتاعته. ده لما يتجوز هيتجوز دكتورة مش عاملة نظافة. فوقي يا بنتي أبوس إيديكي. انسيه يا رانيا."
تحررت دموعها وشهقت قائلة:
"صدقيني بحاول أنساه، مش قادرة. بحاول أقول إنه مش ليا، مش من توبي، لكن مش عايزة أستوعب ده. مش قادرة أبطل أحبه. وبفكر أسيب الشغل."
ضربت والدتها صدرها قائلة:
"شغل إيه اللي هتسبيه يا بت انتِ. رانيا يا بنتي، إحنا ظروفنا زي الزفت. لو سبتي شغلك مش هنلاقي نأكل. وهنطرد من البيت ده. يا بنتي أنا واحدة صاحبة مرض مش هقدر حتى أشتغل وأنتِ بتفكري بالأنانية دي. مفيش مجال تسيبي الشغل. مفيش إلا حل واحد بس إنك تنسيه وتعرفي إنه عمره... عمره ما هيبص لكِ أبدًا!"
ابتلعت رانيا ريقها وهي تسمع القسوة بنبرة والدتها.
صحيح أن والدتها محقة، ولكنها قاسية للغاية عليها.
تلقي الحقيقة بوجهها دون الاهتمام بمشاعرها التي تتحطم.
انسابت دموعها أكثر.
مهما فعلت، لا يمكنها أن تخرج يحيى خطاب من عقلها وكأنها ملعونة به.
مريضة، وهو علاجها الوحيد.
هي تحفظ كل تفصيلة صغيرة منه.
سواء عينيه الزرقاء الرائعة أو شعره المائل للون الأشقر.
ابتسامته المهلكة.
وصوته اللطيف.
تلك التفاصيل تجعلها تغرق به أكثر.
رباه، إلى متى سوف تعاني من حب لا أمل فيه؟
كانت رابحة تنظر إلى ابنتها بحزن.
لقد تصرفت بأنانية مرة أخرى.
لقد داست على قلب ابنتها وكانت أنانية للمرة الثانية.
متى ستتغير وتنظر لمصلحة ابنتها؟
متى!
بلعت رابحة ريقها وقالت وهي تربت على وجنة ابنتها:
"سيبي الشغل يا رانيا مادام بتتعذبي. مش هكون أنانية وأقول لك ابقي. سيبيه مادام شايفة مشاعرك ليه بتأذيكي."
في المساء.
وقف بسيارته أمام المبنى التي تقطن به.
كان مترددًا للصعود رغم أنها اتصلت به وترجته أن يأتي.
ظل ياسين بسيارته للحظات وهو متردد، هل يصعد أم لا.
جذب انتباهه طوق زواجه الذي يلتف حول إصبعه ولمعت عيناه وهو يتذكر كلمات حماته.
تلك الكلمات التي لم تغادر عقله أبدًا.
لدرجة أنه أصبح يحلم بكوابيس بسببها.
يرى زوجته بين ذراعي آخر ثم ينهض ويستغفر الله بسبب كوابيسه العجيبة تلك.
صحيح أنه غاضب، مشتعل، وكل ما يريده هو أن يخنق ورد، ولكنه متيقن أنها ليست من هذا النوع من النساء.
هي لا تخون أبدًا.
ولكن هل أنت متأكد؟
كان شيطانه هو من يهمس بأذنه.
يبخسه، يشجعه على أن يصعد.
ينتقم من ورد التي جرحته.
هو لم يكن يريد فعل هذا، ولكنه كان غاضبًا.
غاضبًا بقوة.
يرغب بتحطيم كل ما يراه أمامه.
غاضب ومتألم.
فتح ياسين باب سيارته وخرج منها وهو يسير بخطوات متعبة إلى البناية.
كاد عدة مرات أن يعود، ولكن شيطانه كان يدفعه نحوها.
أخيرًا وصل لشقتها السكنية ثم بهدوء ضغط على الجرس.
لحظات وفتحت هي الباب بينما تبتسم له بإغواء.
ترتدي فستانًا أبيض منقطًا بالأسود.
كان الفستان قصيرًا وأنيقًا وبه فتحة واسعة من جهة الصدر.
كانت تغويه.
لا شك أبدًا في هذا.
"اتفضل يا ياسين."
قالتها مبتسمة.
ليلج هو ويتجه إلى الأريكة ثم يجلس عليها بتعب ويقول:
"خير يا جوري، طلبتيني ليه؟"
جلست على الأريكة المقابلة له وهي تتصنع نبرة الحزن وتقول:
"أنا وحيدة... وحيدة أوي يا ياسين وحاسة بالحزن. حاسة إن حياتي فاضية ومفيهاش حاجة عدلة. مش حاسة بالسعادة خالص. وكمان خائفة أدخل في اكتئاب."
نظر إليها بدون مبالاة وقال:
"طيب ما تتجوزي. حل سهل وبسيط عشان متدخليش في حالة اكتئاب لا قدر الله."
حاصرت نظراته وقالت بإغواء أجادته:
"مقدرش أتجوز. لأني أخيرًا عرفت قلبي مع مين."
نهضت مقتربة منه أيضًا، ناظرًا إليها ببرود.
"أنا بحبك يا ياسين. بحبك أوي."
قالتها جوري وهي تجلس بجواره على الأريكة.
تتلمس ذقنه بينما تقترب بفمها منه.
أشاح بوجهه عنها وقال بجمود:
"أنا رايح."
ثم نهض لكي يذهب، ولكن هي تعلقت بكفه ونهضت وهي تقترب منه.
تعانق وجهه وهي تنظر لعينيه الخضراء الفارغة وتقول بلوعة:
"ردني ليك يا ياسين. خلينا نرجع وأنا مش مانعة تكون لي ضرة. معنديش مانع تكون ورد مراتك. والله ما عندي مانع بس اديني فرصة. فرصة نعيش أنا وأنت وبنتنا يا ياسين. فرصة أصلح غلطي معاها. أنا محتاجالك أوي... أوي."
لم يتحرك، بل ظل مكانه وهي تتلمسه بتلك الطريقة.
كان داخله مبعثر.
متألم.
لقد عرف أن زوجته تحب آخر.
يشعر بالخيانة، لهذا أراد أن يؤلمها.
أراد أن يؤلم ورد كما ألمته.
"أنا بحبك بجد يا ياسين."
قالتها جوري بإختناق.
ثم اقتربت منه لتقبله وهو لم يمانع أبداً.
وما كادت أن تمس شفتيها شفتيه حتى انتفض بعنف وأبعدها عنه بحدة حتى سقطت على الأرض وصرخ بها:
"أنتِ مش هتبطلي الرخص بتاعك ده!! هتفضلي طول عمرك رخيصة بالشكل ده يا جوري. عمرك ما هتتعلمي."
"أنا بحبك... بحبك."
صرخت بإختناق.
ليقترب منها ثم ينحني وكفه تمتد لعنقها الناعم ثم يضغط على قصبتها الهوائية حتى جحظت عينيها ويقول:
"وأنا بكرهك... بكرهك أوي... وبكره اليوم اللي شوفتك فيه وأتجوزتك فيه. أسوأ قرار أخدته إني اتجوزتك وأنا عمري ما هعيد الغلطة دي تاني يا جوري. ولو متلمتيش وبعدتي عني أنا هكسرك فعلاً!!!"
ثم تركها وذهب.
لتبرق عينيها بخبث وهي تنظر إلى الهاتف.
نظرت إلى الساعة مجددًا لتجدها اقتربت من العاشرة مساءً.
توترت ورد.
ياسين لم يعتاد أبدًا على التأخر إلى ذلك الوقت.
فماذا حدث معه يا تُرى.
هي حقًا لا تفهمه، فهو منذ الأمس يتعامل معها بكل برود.
حتى اليوم لم ينظر إليها حتى.
كل ما في عينيه لها هو الجمود.
الجمود فحسب.
عصرت عقلها لتتذكر ما الذي فعلته ليكون بتلك القسوة معها.
هو يقهرها بفعله ذاك.
لا يمكنه أن يعطيها السعادة ثم يسلبها منها هكذا دون أي مقدمات.
لا يمكنه أن يهدمها بتلك الطريقة.
خرجت من غرفة ياسمين واتجهت إلى الأريكة وهي تجلس عليها.
عقلها لا يتوقف عن التفكير.
انتهى الأمر.
هي يجب أن تتكلم معه اليوم.
يجب أن تعرف ما الذي فعلته ليتعامل معها بكل هذا البرود.
من حقها أن تعرف.
هي لن تظل تتكهن وتفكر كثيرًا، هذا خطر على أعصابها.
تنهدت بألم وقالت:
"آه يا ياسين... أنت ليه إنسان معقد بالشكل ده. ليه متقدرش تكون إنسان بسيط ومفهوم؟ ليه بتحب تبقى غامض وتتعب قلبي معاك؟ أنا تعبت... تعبت من برودك، غموضك وتعقيدك."
انسابت دموعها وهي تنظر للأعلى وكأنها تخاطب ربها:
"يارب، أنا كل اللي اتمنيته إن أبني حياة جديدة مع إنسان بحبه. ولما خسرت علي للأبد قررت إني أبدأ من جديد. ومع ياسين حسيت إن الحياة بتضحكلي تاني. حسيت إن السعادة دي حاجة حقيقية مش خيال وكنت سعيدة ومبسوطة معاه. لكن اللي بيعمله ده بيقهرني. بيقهرني أوي. أعمل إيه وأرضيه إزاي بس؟ يارب ساعدني، مليش غيرك."
ثم كفكفت دموعها وكادت أن تنهض لتأكل شيئًا ما، إلا أن رنين الهاتف الأرضي صدح في المكان جاعلاً إياها تنتفض بشدة.
وضعت كفها على صدرها وهي تتجه للهاتف وترد:
"ألو..."
"ورد، أزيك."
صوت أنثوي متشفي كان يخترق أذنها.
شعرت ورد أن الصوت مألوف، ولكن حقًا لم تكن تتذكر لمن هذا الصوت بالضبط.
"أيوة، أنا ورد. مين؟"
شهقة مصطنعة صدرت من فم جوري وقالت:
"أخص عليكي يا غريمتي. أنتِ معرفتنيش. أنا جوري."
"آسفة، مكنتش واخدة بالي. حضرتك بتتصلي ليه؟"
"بتصل بيكي عشان أقولك خبر هيفرحك أوي أوي."
كانت الأخرى لا تستطيع السيطرة على سعادتها وأكملت:
"ياسين حبيب قلبي هيردني لعصمته وهنتجوز قريب. هو لسه ماشي من عندي ومبلغني الخبر السعيد ده، قولت والله لازم أشاركك بيه. عيب، متعرفيش إن جوزك هيتجوز!!!"
تساقطت الدموع من عيني ورد وقالت بإنفعال:
"أنتِ كذابة."
ضحكت الأخرى بتشفي وقالت:
"الله يسامحك يا ستي. أبقي اسألي ياسين حبيب قلبي إن كنت كذابة ولا صادقة."
ثم أغلقت الهاتف بوجهها.
لنصف ساعة وهي تدور في المنزل وهي تمسك شعرها بقوة.
تشعر أنها سوف تجن حقًا إن لم ينفِ ياسين ذلك الكلام التي قالته تلك المجنونة.
هل هي جادة بكلامها أم تخبرها هذا لكي تقهرها؟
رباه، هي سوف تجن.
هي تحتاج أن تتحدث مع ياسين الآن.
تحتاج أن تتحدث معه فورًا لكي ينفي لها هذا الكلام السخيف.
فُتح باب المنزل ليلج ياسين داخله ووجهه متعب.
اقتربت منه وهي تقول:
"أنا عايزة أتكلم معاك."
نظر إليها بجمود وقال:
"أجليها، أنا تعبان ومش حابب أتكلم مع أي حد."
ثم تجاوزها لكي يلج إلى غرفته.
"طليقتك كلمتني وقالت إنك هتردها لعصمتك، صحيح الكلام ده؟!"
صرخت بها بقهر.
أرادت فعلاً أن ينفي هذا الكلام، وإلا كانت ستقـتله الآن.
ولكنه نظر إليها بكل برود وقال وهو يهز كتفه:
"صح ولا غلط، أنتِ يخصك في إيه. أردها ولا لا، أنا حر."
شدت على شعرها وهي تكاد تصاب بالجنون بسبب بروده وصرخت به:
"إزاي أنت حر!!! إزاي؟ أنا مراتك! مراتك!"
"أنتِ مراتي صحيح، بس مش اشتريتيني يعني أنا حر أعمل اللي أنا عايزه، إن كان عاجبك."
عصف الألم بها.
لم تشعر بهذا الألم من قبل.
كانت غاضبة، متألمة ومنهارة بينما هو يتكلم ببرود غير مكترث بها.
رفعت رأسها وقالت وهي تضغط عليه:
"لو رديتها، يبقى تطلقني. أنا مقبلش بضرة."
ابتسم بسخرية وقال:
"بالسلامة، الباب يفوت جمل!"
تراجعت للخلف ودموعها لا تتوقف عن التدفق وقالت:
"ياااه، بالسهولة دي أمشي يا ياسين. للدرجادي أنا رخيصة عندك. للدرجادي مليش أي قيمة عندك. أنا افتكرت إني قدرت أفوز بمكانة عندك. قدرت أكون جزء من حياتك. بس أنت بتقولي بكل بساطة، الباب يفوت جمل. أنا عندك إيه يا ياسين؟ أنا بمثلك إيه؟ انطق وقول أنا بمثل إيه في حياتك. مجرد مربية بتربي بنتك وزوجة بالليل تأخد منها حقوقك. هي دي مكانتي صح يا ياسين؟ مفيش أي مشاعر ولا مودة بيننا!!"
ابتسم بسخرية وقال:
"ليه محسساني إن اللي بيننا حب يا ورد. جوازنا تقليدي، فمتعيشيش جو المسلسلات التركية الحمضانة دي. طبعًا أنتِ مش غالية عندي لأني عمري ما حبيتك!"
كانت تلك طعنة قوية لقلبها فمسحت دموعها وقالت ببرود يوازي بروده:
"أول ما النهار يطلع هاخد شنطة هدومي وهمشي من هنا. ويا ريت ورقة طلاقي توصلني في أقرب وقت!!"
نظر فؤاد إلى ساعته بحيرة.
الساعة تجاوزت العاشرة وكريم أتى إليه فجأة ولا يعلم لماذا.
هو فقط صامت بشكل مريب وينظر إلى الفراغ.
"عمي، قولي فيه حاجة مضايقاك. أنت ساكت بشكل غريب وباين عليك متضايق. قولي إيه اللي زعلك بالظبط."
تكلم فؤاد بلطف محاولاً معرفة ما الذي شتت كريم لتلك الدرجة.
فهو يبدو متضايقًا بشدة، وهذا يقلقه، وحتى يقلق والدته التي اتصلت به وسألته على كريم.
فهو لم يجد إلا أن يطمئنها عليه.
فهو لا يريدها أن تقلق.
"فؤاد..."
أخيرًا تكلم كريم ليرد فؤاد من فوره:
"نعم يا عمي."
"نسرين عاجباك. صح؟"
ارتبك فؤاد ولم يعرف بما يرد.
ليبتسم كريم ابتسامة غريبة ويقول:
"رد يا فؤاد. نسرين عاجباك صح؟"
هز فؤاد رأسه بالإيجاب.
فقال كريم:
"خلاص اتجوزها."
"بتقول إيه؟!"
قالها فؤاد مشدوهاً.
ليرد كريم وهو يشدد على حروف كلماته:
"أنا عايزك تتجوز بنتي يا فؤاد. اتجوز نسرين!!"
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سولييه نصار
تجمد فؤاد وهو ينظر إليه. ظن للحظات أنه لم يسمع كلامه جيدا. لابد أن الأمر مزحة!
"معلش حضرتك بتقول أيه؟!"
تنهد كريم وقال: "بقول اللي سمعته يا فؤاد. عايزك تتجوز نسرين. موافق تتجوزها؟!"
"عمي المواضيع مبتتاخدش بالطريقة دي!" قالها فؤاد مصدوما.
لن يكذب تعجبه نسرين كثيرا. جمالها جذبه منذ مراهقته. وعندما عرفها جيدا زاد إعجابه بها. عرف أنها مميزة عن أي امرأة عرفها. ولكن، لا يمكنه أن يتزوجها بتلك الطريقة بالتأكيد لا.
عقد كريم حاجبيه وقال: "يعني ايه يا فؤاد انت بترفض نسرين؟!"
هز فؤاد رأسه وقال بهدوء: "لا طبعًا يا عمي، بس مسألة الجواز دي مبتتاخدش بالسرعة دي... ولا بالطريقة دي. أنا لازم أعرف هل نسرين عارفة بعرضك ده؟ هل هي موافقة؟!"
"مش مهم توافق... المهم أن أنت توافق!" قالها كريم بغلظة.
ليهز فؤاد رأسه ويقول: "لا يا عمي، مفيش أي شرع ولا دين بيقول إن البنت تتجوز غصب عنها. وأنا عمري ما أقبل أني أتزوج واحدة غصب عنها يا عمي. أنا آسف، اتأكد الأول إن نسرين عايزاني وموافقة على الجواز ده من غير أي ضغط وهتجوزها، ماشي؟ لكن غير كده لا."
نظر كريم بقلة حيلة إلى فؤاد وشعر أنه تسرع بعرض الأمر عليه. لقد شعر بالإحراج. أحس فؤاد بأنه أحرج كريم، فأمسك كفه وشد عليه قائلا: "يا عمي أنا مش قاصد خالص أزعلك... ولا أحرجك، بس حرام تجبر نسرين على حاجة. دي بنتك، احتويها واتكلم معاها وشوف هي عايزة أيه. أنا حاسس بالفجوة اللي بينكم. بصراحة ماما كلمتني في الموضوع ده وأنا ملقيتش فرصة ألفت انتباهك أن مفروض تعاملك مع نسرين يتغير. بنتك محتاجة حنانك وحبك أنت. حاول تهتم بيها شوية بدل ما تحاول تتخلص من مشكلتها."
تجمد وجه كريم ونظر إلى فؤاد وهو ينطق ببرود: "مش أنت اللي هتعلمني إزاي أتعامل مع بنتي يا فؤاد. وإن كنت أنت رفضتها، غيرك يتمنى يناسبني ويتجوزها. وأنا عارف أتعامل مع بنتي كويس."
ابتسم فؤاد بحزن وقال: "أتمنى فعلا إنك تكون عارف تتعامل معاها كويس، لأن بنتك تستاهل إنك تحبها وتهتم بيها. هي خسرت والدتها وفقدت الأمان. بلاش تفقد وجودك كمان. زي ما بيقولوا، ضربتين في الرأس توجع."
لم يعيره كريم أي اهتمام، بل غادر منزله بخطوات غاضبة. تنهد فؤاد بتعب وهو يدعك عينيه بتعب. يتمنى أن يستمع كريم لنصيحته. ما يفعله مع ابنته غير صحيح بالمرة. هو حقا يُشفق على نسرين. هي رغم برودها التي تدعيه، وقلة ذوقها، إلا أنها متعطشة لحب والدها. لقد رأى هذا في نظراتها. المسكينة تريد لوالدها أن يحبها. وبالفعل كريم يحبها، ولكن لا يستطيع أن يبرز هذا الحب. لا يستطيع أن يريها مشاعره له. هو عاجز عن إظهار العاطفة لابنته، وهو من سوف يندم في النهاية عندما يفقد حب واحترام نسرين.
نهض فؤاد بتعب وقرر أن يتحدث مع والدته على الهاتف.
"- أيوه يا حبيبي."
أتاه صوت والدته من الطرف الآخر ليقول فؤاد دون مقدمات: "ماما، عم كريم جه هنا وعرض عليا اتجوز نسرين. هو فيه إيه؟"
تنهدت نهى وقالت: "والله يا بني ما أعرف. بس هو فجأة كده اتغير معاها. حتى بقا يعاملها ببرود أكتر والبنت بدأت تدبل. يا فؤاد أنا خايفة لاحسن البنت تدخل في مرحلة اكتئاب بسبب اللي بيعمله كريم. بحاول أفهمه إن اللي بيعمله مش صح، بس هو مش راضي يسمع الكلام. أنا مش فاهماه يا فؤاد، بيعمل كده ليه؟!"
تنهد فؤاد وقال: "للأسف باللي بيعمله ده هيعقد البنت أكتر يا ماما. أنا بجد نسرين بدأت تصعب عليا أووي وزعلان عليها."
"- وأنا كمان يا بني والله، بس هنعمل أيه."
"أتكلمي معاه يا ماما. حاولي تقربيه من بنته بدل ما يخسرها للأبد."
تنهدت نهى بتعب وقالت: "حاضر يا فؤاد، هعمل اللي أقدر عليه."
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
لقد صمم أن يخرج اليوم رغم نصائح الطبيب له، إلا أنه لم يستمع. أراد الخروج. هو يكره أجواء المستشفى كثيرا، لا يطيقها. كان عدي بجانبه يمسك ذراعه. ما إن اتصلت به ليان حتى أتى سريعا، وعلي حسب رغبته أعطاه الطبيب إذن بالخروج بالليل.
"أنا كويس يا عدي. روح أنت، أنا هرتاح في أوضتي."
هز عدي رأسه وقال: "لا يا باشا، انسى. أنا هساعدك عشان تتسطح على السرير. ما كنت بات النهاردة كمان في المستشفى يا بني. لازم الفرده دي. يخربيت عنادك."
"معلش يا عدي، أنا مرتاح كده." قالها موسى بتعب.
ليتجه عدي به إلى الفراش ويساعده على التسطح. تسطح موسى على فراشه بتعب وهو يضع كفه على بطنه ويتنفس بألم.
"تحب أتصل بالدكتور؟ تعبان ولا حاجة."
هز موسى رأسه وقال: "لا لا، أنا كويس. هأخد المسكن وأنام."
عارضه عدي بقوة وقال: "لا أنت هخليهم يحضرولك أكل وبعدين خد المسكن، لكن مش هتأخده وانت مش واكل." ثم اختفى من أمامه بسرعة.
تنهد موسى وهو يشعر بالألم، ولكن الألم في قلبه كان أقوى بكثير. لقد أبعدها عنه مرة أخرى. عندما رآها صباحا نائمة على صدره، جل ما أراده أن يوقظها ويخبرها أنه يحبها، وأنه يريدها بحياته، يحتاجها بقوة. أراد إخبارها أنها أضحت حياته، وأن أسوأ لحظة في حياته لحظة أن كانت بخطر، ولكنه عرف أن بوجودها معه سوف تكون دائما في خطر. لقد ماتت روان بسببه، ولن يسمح أن تموت ليان بسببه. لن يتحمل ذنب آخر. لن يعيش الجحيم نفسه. ولكن، هو أيضا لن يبتعد. يكفيه أن يراها كل يوم. يكفيه أن يرى أنها بخير، أن يتأكد أنها سوف تكون دوما بخير.
أغمض عينيه وهو يتذكر نظراتها الجريحة. لقد جرحها مجددا. ولكن فعل هذا لكي يحميها. بوجودها معه لن تكون بخير أبدا.
"- جبتلك شوربة."
قالها عدي وهو يلج إلى الغرفة بينما يمسك صينية عليها طبق حساء كبير وكوب من عصير البرتقال. نظر إليه موسى ميهوتا وقال: "متقوليش إنك عملت الشوربة بنفسك يا عدي."
ضحك عدي وقال: "لأ طبعًا، وصيتهم يعملوها وجبتها لك بنفسي."
ابتسم موسى بتعب وقال: "مين يصدق صاحب أكبر شركة عربيات في مصر جايب الشوربة لواحد شغال عنده."
وضع عدي الصينية على الطاولة بجانبه، ثم ساعد موسى لكي ينهض وعدل من وضع الوسائد من خلفه وقال مبتسما: "أنت صاحبي يا موسى. أنت عملتلي حاجات كتير وآخرها أنقذت أختي من الموت، وأنا عمري ما هنسالك المعروف ده."
"- وأنت كمان ساعدتني كتير يا عدي."
أمسك عدي طبق الحساء وبدأ بإطعامه بنفسه ليقول موسى: "لا ده انت مدلعني آخر دلع."
"- أي خدمة يا عم، عشان تعرف مكانتك في قلبي إيه."
تنهد موسى وقال: "هتعمل أيه عشان ليان. صحيح قبضوا على عوض بس الموضوع لسه مخلصش يا عدي. أكيد اللي ما يتسمى هيحاول يعمل حاجة تاني. وأنا حاليا مصاب. وهي عندها كلية." صمت قليلا وقال: "شوف، أنا بقترح تجيب بودي جارد تاني، يكون أحسن مني ويقدر يحميها. أنا للأسف مقدرتش أحميها."
رفع عدي حاجبيه وقال: "إيه اللي أنت بتقوله ده يا عم؟ مقدرتش تحميها إيه؟ ده أنت أخدت رصاصة بدالها. وهي دلوقتي بعد فضل ربنا طبعا عايشة بفضلك أنت. إزاي مقدرتش تحميها يعني؟ وبعدين أنا هلاقي واحد يضحي بنفسه عشان يحمي أختي فين بس؟ لا أنت هتفضل مع لي لي للأبد وهتحميها. حتى لو أنا مت هتبقى أنت مسؤول عنها. أما بالنسبة لكليتها، فأنت لحد ما تتعافى هي مش هتخرج من البيت أبدا. متقلقش عليها!"
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
"أنت بتعمل إيه هنا؟!"
قالتها جواهر وهي ترى عدي يلج للغرفة. نظر إليها بجمود وقال: "هاخد شاور وأنام. هكون بعمل إيه يعني؟"
ربعت ذراعيها وقالت بقوة: "وأنت تنام هنا ليه؟ روح نام في أوضة تانية، متنامش في الأوضة دي."
رفع حاجبيه بدهشة وقال: "أنتِ كمان هتقولي أنام فين ومنامش فين؟ اصحي يا ماما. دي أوضتي وده بيتي."
"خلاص أنا هروح أنام في أوضة تاني." قالتها ثم اتجهت لتخرج من الغرفة، ولكنه أمسك ذراعها وقال: "رايحة فين يا حبيبتي؟"
حاولت جواهر أن تحرر ذراعها فلم تستطع، فقالت بإنفعال: "سيب أيدي يا بني آدم أنت. أنا رايحة أنام في أوضة تانية."
جذبها عدي إليه وهو يحاوط خصرها ويجعلها تلتصق به. نظرت إليه برعب واستطاعت أن تسمع دوي قلبها داخل صدرها. ازدردت ريقها برعب وقالت: "أنت... أنت بتعمل إيه؟ سيبني. خليني أروح أوضة تانية!"
"أنا حابب أفهم، أنتِ عبيطة ولا مبتفهميش؟ رايحة فين يا ماما؟ أنا جوزك. مينفعش تسيبي أوضة جوزك وتروحي أوضة تانية. الناس اللي في القصر تقول عليا إيه؟ بت أنتِ مش عشان أنا سايبك بمزاجي هتتعوجي عليا. اتعدلي كده بدل ما أزعلك. أنتِ فاهمة ولا لا؟!"
دفعته عنها وصرخت قائلة: "متلمسنيش كده يا حيوان أنت!"
احمر وجهه من الغضب ورفع كفه ليصفعها، ولكنها أمسكت كفه فجأة. وقالت بقوة: "متفتكرش نفسك بطل من الروايات الهابطة اللي هتشتم وتضرب وتبهدل البطلة وهي يا عيني هتسامحك عشان مامتك محضنتكش وأنت صغير أو باباك كان بيطفي السجاير في رقبتك. ولا هكون أنا البطلة اللي هتسمح ليك إنك تقلل مني أو تهينها. في اليوم اللي هتحاول تمد إيدك عليا تاني هكسرها لك." ثم دفعت يديه بقوة ورفعت رأسها وعينيها تبرق بتحدي، بينما تُكمل: "عدي بيه، أنا مليش دعوة باللي مريت بيه وخلاك غير سوي. مش مضطرة أستحمل جنانك!"
ابتسم بإعجاب وتشدق ساخرا: "من فين حكمتي إنّي متحضنتش أو أبويا كان قاسي؟ أبويا كان راجل طيب، حنين معايا. صحيح حازم بس كان بيعاملني كويس وأمي ست مشوفتش أطيب منها. يعني أنا معانتش من طفولة قاسية ولا حاجة. بالعكس، كنت متدلع أووي."
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت: "أومال لما طفولتك كانت عادية ليه طالع كده؟"
"كده زيك يعني؟" سألها متسلية لتجيب: "قاسي... مختل... ومجنون."
أفلتت ضحكة من فمه وقال بفخر: "تقدري تقولي اجتهاد شخصي."
"- وده الاجتهاد اللي ربنا يحرمنا منه!"
ضحك عدي وقال: "كان نفسي أكمل الحوار المسلي ده، بس للأسف ورايا شغل بكرة يا مهلبية ومش فاضي. بس أوعدك نكمله قريب." اتجه إلى الحمام ليستحم.
لتجلس جواهر على الفراش وتقول: "إيه يا مراري الطافح يا ناس. منك لله يا شريف. منك لله على الورطة دي. الهي ما تشوف يوم عدل في حياتك!!!"
..... بعد عشر دقائق .....
خرج عدي من الحمام وهو يلف منشفة حول خصره بينما جذعه عاري، فغرت جواهر فمها وهي تتأمل جسده الرياضي الأسمر وصدره الواسع. شعره الذي يتساقط منه الماء ليجعله أكثر وسامة. رمشت بعينيها وهي تحاول التخلص من تأثيره وحاولت أن تبعد عينيها عنه، إلا أنها فشلت تماما.
"إيه يا عروسة، عجبتك؟"
صوت عدي الساخر جعلها تنتفض حرفيا. زمت شفتيها وقالت بغضب وهي تداري إحراجها: "أنت إزاي تخرج بالشكل ده؟ إيه خلاص مفيش دم خالص كده؟ طيب قول إن فيه واحدة معاك في الأوضة يا بني آدم أنت، فمتخرجش بالمنظر ده."
ضحك وقال وهو يغمز لها: "بس أنتِ عجبك المنظر ده."
احمر وجهها أكثر وهي عاجزة عن الرد عليه. لأول مرة تكون عاجزة عن الرد، وهذا أخافها. أشاحت بوجهها وهي يرتدي بنطال بيجامته ثم يقترب من الفراش.
"أنت... أنت.. بتعمل إيه؟"
"هنام، هكون بعمل إيه يعني؟"
"هتنام هنا على السرير؟!"
"أومال أنام على الأرض مثلا؟ بتقولي حاجات غريبة يا مهلبية."
زمت شفتيها بغضب وقالت: "طيب ممكن تلبس تي شيرت على الأقل. شكلك كده مش لطيف."
"لا مش هلبس واتخمدي بقا صدعتيني!!" ثم تسطح على الفراش.
فقالت أخيرا: "على فكرة أنت اللي هتندم عشان نومت جنبي. أنا بتقلب وأنا نايمة."
لم يعرها أي انتباه لتنام هي على الحرف.
مرت ساعة تقريبا، كان قد غرق بالنوم. فجأة شعر بأحدهما يصفعه على وجهه. فتح عينيه ورأى أن جواهر نائمة وتتمتم بشيء في نومها. اقترب منها قليلا لتصفعه مرة أخرى على عينيه.
"آه يا بنت المجنونة!!!" صرخ وهو يغطي عينه.
لترفع ساقها فجأة بطريقة غريبة وتضرب وجهه بساقها حتى وقع أرضا.
"آه... آه يخربيتك... يخربيتك يا بنت المجانين أنتِ." قالها عدي بتألم وهو يضع كفه على عينه التي كادت أن تضيع اليوم بسببها.
نهض عدي ونظر إليها. لا، هو لن يجعلها تربح اليوم. سحب وسادة واتجه إلى الأرض. ألقى الوسادة على الأرض ثم اتجه لجواهر التي تنام بطريقة مضحكة. أمسكها من ملابسها وحملها ثم وضعها على الأرض وذهب لينام على سريره وعلى وجهه ابتسامة رائعة.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في اليوم التالي. لقد جافاها النوم منذ الليلة السابقة. لم تتوقف أبدا عن البكاء حتى تورمت عينيها. لقد حبست نفسها بالغرفة مع ياسمين. وبركن ما في الغرفة وضعت كفها على شفتيها ثم بدأت تبكي.
نهضت من فراش ياسمين الصغير قبل أن تستيقظ الفتاة، ثم اتجهت إلى الحمام بسرعة وغسلت وجهها. هالها ما رأته في المرآة. لقد رأت امرأة محطمة. بائسة. الألم رسم خطوطه على وجهها. لقد حطمها ياسين. وقلبها الآن هو من تضرر. صحيح أنها رأت قسوته من قبل، ولكن الأمر لم يكن مؤذيا لتلك الدرجة لأن قلبها لم يتورط. ولكنها الآن تشعر أن قلبها محطم. لا تصدق أنه سوف يعود لزوجته ويتخلى عنها بتلك السهولة. ولكن ماذا فعلت ليعاملها بتلك الطريقة!!
أمسكت المنشفة وجففت وجهها وقررت أن تنفذ قرارها. ستتركه. لن تبقى مع شخص مثله. هي ليست مضطرة لتحمل قسوته تلك. غير مضطرة أبدا!!
خرجت من الحمام واتجهت إلى غرفتها لتجده جالسا على الفراش بوجه متجهم. لم تعيره أي انتباه واتجهت بآلية إلى خزانة الملابس وأخرجت حقيبتها ثم بدأت بحزم ثيابها بملامح جامدة.
كان ياسين يفرك كفيه بقوة بينما يجز على أسنانه. كل ما يرغبه الآن أن يحطم الحقيبة على رأسها. هي تريد تركه. تلك غبية. من تظن نفسها؟ هل تظن أنه سوف يركع على ركبتيه ويترجاها كي تبقى؟ لا، هو لن يفعل هذا أبدا. فلتذهب. هو لن يتمسك بها.
انتهت من حزم أمتعتها وأمسكت فستانها البني وحجابها ثم اتجهت لترتدي ثيابها في غرفة الضيوف!!
ابتلع ياسين ريقه وهو يشعر بالاختناق. هو حتى لم يذهب إلى الشغل اليوم. أراد أن يراها وهي تنفذ تهديدها، ولكنه الآن يشعر بالرعب. يشعر أن حياته المستقرة مهددة، وكأن الخراب سوف يجتاحه.
انتظر بصبر وهي ترتدي ثيابها. فجأة طرأ بعقله فكرة. نهض بسرعة إلى غرفة ابنته وأيقظها من نومها. لحسن الحظ اليوم لم تذهب إلى المدرسة. لقد قرر استغلال ابنته كي تبقى ورد ولا تذهب.
"ياسمين... ياسمين حبيبتي اصحي."
فتحت ياسمين عينيها وهي تنظر إلى والدها. ابتسمت له وقالت: "صباح الخير يا بابا."
"مش وقته الكلام ده يا ياسمين. قومي وفوقي معايا."
جلست ياسمين على الفراش وهي تنظر إلى والدها بتوجس. ابتلع ياسين ريقه. لا يصدق أنه يتصرف بتلك الطريقة، ولكن احتاج أن يضغط على ورد لكي لا تذهب.
"ياسمين. حبيبتي.. طنط ورد عايزة تمشي وتسيب البيت."
شحب وجه ياسمين وقالت بنبرة يشوبها البكاء: "ليه. هتمشي ليه هتمشي يا بابا."
"مش وقته تسألي. روحي متخليهاش تمشي. يالا روحي بسرعة."
هزت ياسمين رأسها ثم نهضت من الفراش وخرجت من الغرفة مسرعة.
كانت ورد كانت انتهت من ارتداء ملابسها وعدلت حجابها وامسكت حقيبتها لكي تخرج.
"طنط ورد!"
انتفضت ورد عندما سمعت صوت ياسمين المخننق بفعل البكاء. نظرت ورد إلى الفتاة الصغيرة والتي كانت الدموع تغرق عينيها وقالت: "ياسمين.. حبيبتي." ثم تركت حقيبتها واقتربت منه وهي تنزل لمستوى طولها. اخذت تربت على شعرها وتمسح دموعها لتقول ياسمين ببكاء: "طنط ورد أنتِ عايزة تسيبيني. أنا زعلتك في حاجة؟"
هزت ورد رأسها بقوة لتكمل ياسمين وهي تمسك كفها: "أومال ليه عايزة تسيبيني ليه؟ متسبنيش يا طنط ورد. عشان خاطري أنا بحبك أووي وهزعل لو مشيتي وهفضل أبكي. أنتِ كنتي بتقولي إن أنا بنتك. ينفع تسيبي بنتك وتمشي."
انفجرت ورد بالبكاء وشدت ياسمين وهي تعانقها بقوة وتقول: "أنا آسفة... آسفة يا ياسمين بس لازم أمشي. سامحيني مش هقدر أقعد."
ابتعدت ياسمين وقالت: "لو بتحبيني متمشيش. متمشيش يا طنط ورد." ثم بدأت الفتاة تبكي بعنف لتنظر إليها ورد بعجز. كيف تبقى هنا؟ كيف؟ ولكن لم تستطع أن تذهب وياسمين تبكي بهذا العنف. تنهدت وهي تقبل رأس ياسمين وقالت: "خلاص مش همشي. أنا قاعدة معاكي... للأبد!"
ضمتها ياسمين وهي سعيدة لتعانقها ورد بدورها وهي تربت على شعرها، بينما كان ياسين ينظر إلى الموقف المؤثر وعلى وجهه ابتسامة رائقة!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
"اهلا اهلا يا شريف بيه نورت البيت."
قالها عدي مبتسما وهو يقترب من شريف ويعانقه، بينما يبتسم له بـخبث. ابتسم شريف له بإيجاز وقال: "شكرا يا عدي بيه، ده نورك. أنا آسف إني جيت من غير ميعاد و..."
"يا راجل متقولش كده، البيت بيتك ومتنساش إننا نسايب يا شريف بيه. ده أنا جوز بنتك وزي ابنك صحيح."
ابتلع شريف ريقه وهز رأسه وقال بتوتر: "كنت عايز أشوف بيري بنتي."
"هي نايمة دلوقتي فوق، هبعت الخدامة تصحيها وانت أشرب حاجة عقبال ما تنزل البرينسس. عروسة بقا وبتصحي متأخر." قال كلمته الأخيرة وهو يغمز له.
ليتنهد شريف براحة لأن جواهر سمحت لعدي أن يلمسها، وبهذا ستحضر له الوريث الذي يريده. عدل عدي من وضع سترته وقال: "عن إذنك بقا يا شريف بيه، أنا رايح الشركة. البيت بيتك، خد راحتك تماما." ثم خرج من القصر.
استقل عدي سيارته الفارهة وهو يستعد للانطلاق. وضع نظارة الشمس على عينيه وهو يبتسم بشرود. لقد استطاع بث الرعب في قلب شريف. يعجبه الأمر. فشريف يستحق تلك المعاملة وأكثر!!!
......
طرقات متتالية على الباب أيقظتها من نومها. فتحت جواهر عينيها بصعوبة بالغة وهي تشعر أنها تنام على شيء قاس. نهضت لتجد نفسها تنام على الأرض. حكت شعرها بحيرة وقالت: "أنا نايمة على الأرض ليه؟ مش كنت نايمة على السرير. إيه اللي جابني هنا؟ هو أنا بقيت بمشي وأنا نايمة ولا إيه؟!"
نهضت متجهة إلى الباب وتمتمت: "أكيد ما دام عايشة مع المجنون ابن المجنونة ده هتجيلي أمراض الدنيا."
فتحت الباب لتتراجع الخادمة الصغيرة للوراء وهي تنظر لشعر سيدتها المنبعثر بقوة وكأنها خرجت من إحدى أفلام الرعب.
"مالك خوفتي ليه؟"
ابتلعت الخادمة ريقها وقالت: "م.. مفيش حاجة يا هانم. بس شريف بيه مستنيكي تحت."
"عشر دقايق ونازلة ولو سمحتي تعمليلي ساندويتشات كفتة أفطر بيهم."
هزت الخادمة رأسها وذهبت من أمامها مسرعة. لتغلق جواهر الباب وتذهب كي تستحم وترى هذا الرجل. صرخت فجأة وهي تنظر إلى انعكاسها في المرآة. لا عجب أن الخادمة شعرت بالرعب. المسكينة لو فقدت القدرة على الإنجاب بسببها لن تلومها!!
...... بعد ثلث ساعة تقريبا .....
خرجت جواهر من غرفتها. اقتربت منها الخادمة بطبق شطائر الكفتة. فأخذته منها جواهر شاكرة وقالت: "شكرا يا بنتي." ثم اقتربت بالطبق من شريف وهي تأكل وتقول: "خير، عايز إيه؟" ثم جلست على الأريكة بأريحية وهي تلتهم الطعام.
ضغط شريف على أسنانه بغضب ثم اقترب منها وهو يجذبها من يدها ويقول: "بت أنتِ اتلمي وأنا بكلمك متعصبنيش عليكي. وسيبي الأكل ده من إيدك خلينا نتكلم كلمتين مع بعض عشان هنشوف نحل المشكلة دي إزاي!"
نظرت إليه بحيرة وقالت: "هببت إيه تاني؟"
تنهد وقال: "للأسف عدي مدانيش كل الشبكات. عدي خد عني أدداني نص الشبكات بس والباقي مرضيش يدهولي."
ابتسمت جواهر بتشفٍّ وقالت: "من أعمالكم سُلط عليكم يا باشا. أهو شوف بعد التعب والروحة والجاية والتزوير هتتحبس برضه. أنا بقول تقول ليه الحقيقة."
"بس آخر سي.. هو قال هيديني باقي الشبكات بعد ما يجيله وريث منك."
"نعم يا روح أمك!!" صرخت بها جواهر ليضع شريف كفه على فمها ويقول: "بس اسكتي بطلي تبقي عرجبجية. انضفي شوية، ده أنتِ بقيتي عايشة دلوقتي في قصر."
أبعدت جواهر كفه بحدة وقالت: "وريث إيه اللي أجبهوله؟ انسى إن العبيط ده يلمسني يا شريف، فاهم؟!"
عقد حاجبيه بحيرة وقال: "هو لحد دلوقتي ملمسكيش؟ معقول؟"
"ومش هلمسني ولو حاول هقتله!!! بقولك إيه يا باشا، أنا قولت أوك على موضوع الجواز وجاريتك، لكن زنا لا وألف لا، أنت فاهم؟ أنا عندي أتسجن ولا أعمل كده. وكلمة تانية في الموضوع ده أنا هبلغ عنك وعن نفسي ونشرف أنا وأنت في السجن عادي بالنسبالي. أكون ردي سجـون أحسن ما أكون زانية!!!"
وضع شريف كفه على فمها مرة أخرى وقال من بين أسنانه: "ممكن تخرسي شوية؟ هتخلي اللي ما يعرفش يعرف وهتفضحنا. خلاص مش هتكلم في أم الموضوع، بس عايزك تعمليلي حاجة. خدمة كده وأعتبريها آخر خدمة وأنا هخلصك من بين إيدين عدي."
ابتعدت عنه وهي تقول بتوجس: "خدمة إيه؟"
"تسرقي منه الشيكات وتقطعيها!"
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في منزل عائلة خطاب.
"أكيد شوفت ليان رشيد أخيرا. إيه رأيك فيها؟"
قالتها والدة يحيى على طاولة الطعام بينما يحيى يتناول طعام الإفطار. وضع يحيى قطعة خبز بفمه وقال: "جميلة أووي يا ماما. عجبتني."
ابتهج وجه والدته ونظرت إلى والد يحيى بسعادة لا مثيل لها، فأن تناسب عدي رشيد هو حلم حلمت به منذ زمن. قالت بلهفة ليحيى: "يعني حبتها بجد؟ نروح نتقدم."
وضع كوب العصير ونظر لوالدته بحيرة وقال: "على مهلك يا ماما. إيه دخل الحب في الموضوع؟ هي مبدئيا عجبتني. يعني مناسبة ليا وجمالها عجبني وأسلوبها لطيف، بس ده جواز مش بيتاخد خبط لزق كده. لا لازم أتكلم معاها وأشوف تفكيرها إيه، لكن متجوزهاش كده على طول."
"- ما فيه خطوبة يا بني!"
"معنديش مانع يا ماما، بس أتكلم معاها الأول يمكن منتفقش."
"- يعني أتكلم مع عدي يا يحيى."
شرب كوب عصيره دفعة واحدة ومسح فمه بمحرمة ورقية وقال: "تمام يا ماما، اتكلمي معاه. يالا أنا ماشي دلوقتي." ثم قبل رأس والدته ووالده ورحل.
ابتسمت والدته بسعادة وهي تقول: "الحمدلله... الحمدلله أخيرا عقدة الولد هتتفك وهيتجوز. الحمدلله يارب. الحمدلله."
"- يحيى قال إنه مجرد هيقابل البنت. جبت من فين أنه هيتجوزها يا حبيبتي؟ ده مجرد مقابلة وهيشوفها بس. ده طبعًا لو عدي وافق."
عقدت حاجبيها وقالت: "وميوافقش ليه يا حبيبي؟ هو هيلاقي زي يحيى مين؟ دكتور وصاحب مستشفى ومحترم ومرتاح ماديا ومتدين وأخلاقه عالية ومبيحطش السيجارة في بوقه ولا عمره عمل مشاكل. ده بالعكس، هيفرح أووي لأن عدي بيعز يحيى جدا. متنساش إنهم كانوا صحاب وحتي لما لمحت له قبل كده رحب أووي. بس كنت مستنية يحيى يشوف ليان والحمد لله شافها وعجبته. أنا كنت واثقة من كده على فكرة."
"- طيب يا حبيبتي ربنا يتمم لهم بخير." قالها وهو يكمل إفطاره.
..........
كان يحيى يقود سيارته وهو يصفر، بينما باله رائق للغاية. لن يكذب، لقد أعجبته الفتاة. رغم أنه سخر من والدته عندما أخبرته أنها سوف تعجبه، ولكنها فعلا نالت إعجابه. لن يكذب. ولكن قلبه لم يدق لها. وهو لم يهتم لأنه لا يرى أن الحب مهم لتلك الدرجة. فالزواج الناجح ليس بالضرورة أن يكون أساسه الحب. من رأيه، الدين والأخلاق ثم التوافق الاجتماعي والقبول هم أساس الزواج الناجح. وبعد لقاؤه مع ليان سوف يحدد هذا.
وصل يحيى إلى المستشفى الخاص به وهو معتدل المزاج كالعادة. يحي موظفينه بطريقة جيدة. يبتسم بوجههم. ولج لمكتبه وجلس على المقعد وهو يتصل بالعامل لكي يحضر له قهوته.
في المنزل.
امسكت والدة يحيى الهاتف لكي تتصل بعدي رشيد. تلك الفرصة لن تضيعها من بين يديها أبدا. أخيرا ابنها قرر أن يتزوج. حلمها يتحقق وهي يجب أن تستغل تلك الفرصة بسرعة وتطلب يد ليان من عدي. وتعرف أن عدي لن يرفض أبدا. فهي تكون صديقة المرحومة والدته وعدي ويحيى كانا أصدقاء مقربين في صغرهما، ولكن مشاغل الحياة فرقتهما. ورغم ذلك، لم يرى يحيى ليان إلا في المستشفى، وهذا طبعًا بعد أن عرضت عليه الفكرة وكلمته كثيرا عن ليان التي رأتها في عيد ميلادها العشرين. فعدي كان حذر جدا بشأن شقيقته، لا يسمح لأحد أن يصورها ولا يسمح لها أن تضع صورها على وسائل الاتصال الاجتماعي. وهي حقا لا تدري ما السبب الذي جعله يفعل هذا. اتصلت به وانتظرت بصبر أن يرد. وأخيرا رد وقال: "مدام ليلي، إزاي حضرتك."
"حبيبي يا عدي، وحشتني. أخبارك إيه؟"
"الحمد لله."
ابتسمت ليلي وقالت: "بقولك إيه يا عدي، أنا عايزة ليان أختك ليحيى ابني!"
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
مر يومان. يومان وهي تحاول أن تنسى أنه خذلها مجددا. هو لم يتعاف بعد، بالتالي شقيقها منعها من الذهاب للجامعة. حتى نسرين إن أرادت أن تراها تأتي إلى القصر. لم يسمح لها عدي أبدا بمغادرة القصر. كان ما يزال خائفا عليها، وقد تأكدت ليان أن هناك شيئا ما يخفيه شقيقها. محاولة قتلها تلك خلفها قصة، ولكن شقيقها يرفض إخبارها بالأمر. لا بأس، هي لن تستسلم حتى تعرف من يريد رؤيتها ميتة. هي لن تسمح أن يتعرض الجميع من حولها للخطر. ضميرها لن يتحمل أن تعرض حياة إنسان للخطر بسببها.
"هاااي يا لي لي، روحت فين؟"
قالتها نسرين وهي تمسك كفها لتنظر إليها ليان بتعب وتقول: "أنا خايفة يا نسرين. خايفة أووي. موسى كان هيموت بسببي."
شدت نسرين على كفها وقالت: "متقلقيش يا بيبي، الحمد لله جات سليمة وأهم قبضوا على اللي عمل كده. صحيح، متعرفيش هما مين ولا حصل معاهم إيه؟"
هزت ليان رأسها بالنفي وقالت: "عدي هو اللي مهتم بالموضوع ده وبعدني خالص عن الحوار ده. أنا معرفش. أنا حاسة أن عدي مخبي عليا حاجة خطيرة. هو غامض أووي ومش راضي يتكلم ويقول حاجة."
"ممكن يكون مش عايز يقلقك مثلا. عدي خايف عليكي."
"عارفة." قالتها ليان وهي تتنهد. ولكن هذا الغموض منه يقلقها جدا.
"المهم، فكك من ده كله. قوليلي بقا، أكيد بقيتوا سمنة على عسل دلوقتي أنتِ وموسى."
حاولت ليان السيطرة على نفسها وهي تبكي وقالت بصوت مختنق: "لا، الوضع ساء للأسف. مفيش فرصة أن تكون فيه حاجة بينا يا نسرين. موسى خلاني أفقد الأمل تماما وأنا مش هتنازل أكتر من كده."
"عمل إيه تاني؟" قالتها نسرين بغضب.
لتتنهد ليان وتقص لها ما حدث.
بعد أن انتهت، صرخت نسرين بغضب وقالت: "الحيوان الواطي. هو فاكر نفسه مين!!! منه لله. متزعليش يا بيبي، أنا هشوفلك بكرة شاب أحسن منه ترتبطى بيه. أنا مش عارفة عاجبك على إيه ده، حتى شبه سمكة أبو سفيان. لا جمال ولا أسلوب كويس. كويس إنك مرتبطيش بيه، أنا أصلا مش موافقة على العلاقة دي."
ضحكت ليان أخيرا وقالت: "اسمها سمكة أبو سيف يا نسرين."
"أيوه أيوه، سمكة أبو سيف. هو شبه السمكة دي. لا بيضحك ودايما مكشر. يا بنتي ده ممكن يجيبلك اكتئاب. ابعدي عنه واسمعي كلامي."
تنهدت ليان بحزن وقالت: "ما خلاص، هو بعد عني. ومش عايزني أقرب منه وبيحب واحدة تانية. فأنا مش هأهين كرامتي أكتر من كده."
نظرت ليان إلى صديقتها بألم وقالت: "أنا قلبي واجعني أووي يا نسرين. حاسة إني اهنت نفسي أووي وأنا برمي نفسي عليه. أنا قولت آخر مرة مش هقرب منه تاني. قولت هبعد وأتجاهله، بس لما أخد الرصاصة بدالي مقدرتش ألتزم بقراري. لقيت نفسي خايفة عليه. ملهوفة عليه. أنا بحبه يا نسرين. بحبه ونفسي أنساه. قلبي بيوجعني أووي. حاسة إن حبه بقى لعنة عليا. بقيت تعيسة بعد ما كان حبه مخليني عايشة، دلوقتي بقيت ميتة."
انفجرت دموع نسرين وبكت وهي تضم صديقتها وقالت: "إحنا الاتنين حظنا وحش في الحب يا لي لي. أنا اللي بحبه سابني وقرر يتجوز، وأنتِ اللي بتحبيه جلنف ومعندوش دم ولا إحساس. بجد أنا حاسة إن المشكلة فينا إحنا الاتنين. إحنا ملناش نصيب نحب."
ابتعدت ليان وهي تمسح دموعها وقالت: "الظاهر عندك حق!"
امسكت نسرين كفها وقالت: "بت يا لي لي، أنا حاسة إن موسى كدب عليكي ومفيش واحدة في حياته ولا حاجة. إيه رأيك تعاقبيه على رفضه ليكي."
"أعمل إيه يعني؟"
"مش بتقولي دكتور يحيى اتقدملك و..."
هزت ليان رأسها وقالت بنبرة قاطعة: "انسى الموضوع. أنا مش هستغل حد!!"
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
"لا ممنوع تطلع الشغل دلوقتي. خلاص يا أمير، قولتلك مستحيل أسيبك تطلع. أنت لسه إيدك وجعاك. مترهقش نفسك وارتاح النهاردة!!"
قالتها عبير وهي تقف على الباب تمنعه من الخروج.
"يا نوح اسمعني بس، أنا كويس. وبقالي يومين مفتحتش الورشة كده أنا وأنت هنموت من الجوع."
هزت رأسها بالنفي بإصرار. كانت عنيدة. هي لن تسمح له أن يخرج من هذا المنزل. يجب أن تتعافى يده كليا حتى تسمح له بالخروج.
"بص طيب، خد النهاردة بس إجازة وبكرة هسيبك، وده وعد مني. بس ارتاح النهاردة لو سمحت."
حاول أمير أن يعترض، إلا أن عبير أمسكت ذراعه وقالت: "أمير، يالا تعالى، أنا عملتلك الفطار اللي بتحبه. بطاطس محمرة وبتنجان وبيض بالطماطم. متزعلنيش بقا."
"حاضر يا باشا. حاضر." ثم سحبته عبير خلفها واجلسته على الكنبة الخشبية ثم أحضرت له صينية الطعام والخبز الساخن.
"وأنت نايم، أخدت بطاقة العيش وروحت الفرن اشتريت. متتخيلش كنت مبسوط بنفسي قد إيه. كنت حاسس إني عملت إنجاز. رغم أن دي حاجة بسيطة. بس أنا لما كنت عايش مع بابا مكنتش شايل هم الحاجات دي. بس معرفش ليه حبيت إني أجيب حاجتي بنفسي. فيها متعة غريبة."
ابتسم أمير وقال: "أنت طيب وابن حلال يا نوح. يعني أنا كنت فاكر الأول إنك شاب متدلع ومش هتقدر على الحياة دي، بس اتأقلمت بسرعة."
ابتسمت عبير بخجل وقالت: "وبصراحة أنت استحملتني وأنا زودتها وأنا قاعدة عندك كده. أنا بس..."
قاطعه أمير وقال: "يا سيدي، حد كلمك ولا طلب منك تمشي. أنا عايزك تبقي معايا. ده أنا لقيت الونس أخيرا. أنا قبل ما تيجي كنت بفضل أكلم الحيطان وأعدهم. فعلا كنت أعد الحيطان من الفراغ. كنت من البيت للشغل للجامع وبعدين أقرأ شوية قرآن وأحط راسي على المخدة وأحاول أنام. الإنسان مينفعش يعيش وحيد يا نوح. الوحدة صعبة أووي. فلو فكرت شوية هتلاقي إنك بوجودك عملت فيا معروف."
ابتسمت عبير بسعادة وشعرت بقلبها يخفق بقوة. كانت تشعر وكأن العالم لا يسعها بسبب فرط سعادتها. لا تصدق أن كلمات بسيطة كتلك تُسعدها لتلك الدرجة. أنها تشعر أنها تطير. تشعر بالفراشات تداعب معدتها. كانت تنظر إليه بهيام. فجأة أطرقت برأسها وتجهمت وهي تفكر. ماذا إن عرف أمير الحقيقة يوما؟ هل سيسامحها على خداعها؟ حسنا، هي تشك بالأمر. أمير أبدا لن يسامحها. لقد كذبت عليه كثيرا، وخدعته وهو لم يقدم لها إلا الاحتواء والمساعدة. هو فعل الكثير من أجلها. إذن، هل يستحق أن يعامل بتلك الطريقة؟ هل يستحق أن يخدع؟ تنهدت بحزن وهي تفكر أن أمير لا يستحق هذا منها أبدا. يجب أن تخبره الحقيقة. ولكنها خائفة. خائفة من أن تخسره، فهي إذا خسرته ستعود وحيدة. أمير أصبح يعني لها الكثير.
"مالك زعلت فجأة كده؟ أنا ضايقتك بكلامي؟"
هزت عبير رأسها وقالت: "لا، بس افتكرت بابا."
تنهد أمير وقال: "كل حاجة هتتحل يا نوح متقلقش. والدك أكيد هيعرف غلطه. خلي عندك ثقة بربنا وادعيه. اللي عند ربنا مش بعيد وربنا سبحانه وتعالى قال ادعوني أستجب لكم." صمت قليلا وأكمل: "+ نوح، أنا ملاحظ إنك مش بتصلي ولما بطلب منك تروح الجامع بتتهرب مني. أنا مش عايز أضغط عليك طبعًا، بس اعتبرها نصيحة من أخ. أوعي تهمل في الصلاة. ابدأ صلي وادعي ربنا وقرب منه يا نوح وصدقني هتلاقي كل مشاكلك بدأت تتحل."
هزت عبير رأسها وداخلها يرتعش وقالت: "أدعيلي بالهداية."
هز أمير رأسه وقال: "أنا بدعيلك دايما يا نوح. ربنا يهديك ليه يا حبيبي."
..............
"فهمتي هتعملي إيه؟"
قالها يوسف للمرأة الثلاثينية التي تبتسم له وتقول: "فهمت يا دكتور. أنا هعمل إني خطيبتك وأننا هنتجوز قريب. خلاص والله حفظت، مش لازم كل شوية تأكد عليا، أنا حفظت خلاص."
تنهد يوسف وقال: "ربنا يستر. أنا مش عايز أي غباء منك، لازم الكل يصدق الحوار ده. عارفة لو غلطتي هد بحك."
"- جرا إيه يا دكتور هتخوفني ليه؟ قولتلك حاضر خلاص. أنا لولا إنك دكتوري في الدراسات العليا مكنتش سمعت كلامك."
"- متنسيش إنّي هنجحك في مادتي، لكن لو عملتي أي غلطة هسقطك كل سنة."
"- أووف خلاص فهمنا. إيه المرار ده ياربي. كان عندي حق لما قررت متجوزش. الرجالة كلها مجنونة!!"
..............
في منزل كريم.
تم عمل احتفال بسيط بمناسبة عيد ميلاد كريم حضره أصدقاؤه المقربون منير ويوسف وفؤاد. كانت نسرين تنظر إلى يوسف وهي تشعر بأن قلبها يتمزق من الألم. لا تصدق أنه جلب خطيبته إلى هنا. لا تصدق أنه يحرق قلبها بتلك الطريقة. سيطرت على دموعها بقوة وعضت شفتيها كي لا تنفلت شهقاتها من بين شفتيها. نظرت إلى والدها المشغول بنهى. يضحك معها وهو يضمها وشعرت في تلك اللحظة أنها وحيدة للغاية.
"- قاعدة بعيد كده ليه؟"
قالها فؤاد وهو يقترب منه. هزت نسرين رأسها وهي تعطيه ابتسامة مصطنعة لا تشبه ابتسامتها الحقيقية في شيء وتقول: "مفيش حاجة يا فؤاد."
امسك ذراعها برفق وقال: "طيب تعالي عشان هيطفوا الشمع." ثم سار بها إلى الطاولة العريضة التي عليها كعكة عيد الميلاد.
لم تنتبه نسرين لنظرات يوسف الغاضبة.
"نسرين حبيبتي، خدي البسبوسة أنتِ بتحبيها." قالتها نهى وهي تقدم الطبق لها بكل حب.
"- لا شكرا، مش عايزة." قالتها نسرين بنبرة باهتة.
"أنت مش هتبطلي قلة ذوقك!!!" صرخ كريم بنسرين لتتراجع نسرين وتقول: "أنا عملت إيه يا بابا؟ فيه إيه؟"
"فيه إنك قليلة الذوق بطريقة مستفزة. معاملتك مع مراتي زي الزفت. فيه إنك متربتيش."
"- كريم!!"
"محصلش حاجة لده كله." قالتها نهى بصدمة.
لتصرخ نسرين فجأة: "أنا عملت إيه لده كله؟ أنت بتتلككلي. إيه مش عاجبك وجودي في البيت؟ قولها بصراحة بدل ما تحاول تطفشني."
"أنتِ فعلا قليلة الأدب." صرخ كريم ثم صفعها بقوة.
"- عم كريم!!!"
زعق فؤاد وهو يمسك نسرين ويبعدها عنه، ولكن كريم كان غاضبا. اقترب منها ورفع كفه ليضربها مرة أخرى، ولكن كفه تعلق في الهواء. نظر ليجد أن يوسف يمسك كفه ووجه تلون بلون الغضب. رفع يوسف كفه الآخر، لكمه بقوة حتى سقط أرضا!!!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سولييه نصار
وقع كريم على الأرض وانفـ جرت الد ماء من شفتيه. كانت اللكمة قوية لدرجة أن سنًا من أسنانه قد انكـ سر.
صرخت نهى ثم وضعت كفها على فمها وهي مصدومة، بينما بهت كلا من منير ونسرين. فؤاد وحده من تحرك محاولًا إبعاد يوسف كي لا تتفاقم المشـ كلة.
نهض كريم وصرخ وهو يمسح الد.ماء من فمه:
- أنت اتجنـ نت يا يوسف... اتجننت.
ثم اقترب من يوسف الذي حاول لكمه مرة أخرى إلا أن فؤاد وقف في المنتصف وهو يحاول أن يهدئ الوضع، ولكن يوسف دفعه بعنـ ف ثم اقترب من كريم ولكمه مرة أخرى. وقبل أن يقع أمسكه من قميصه وصرخ:
- بتضر ب بنتك... بتضر ب نسرين يا كريم!
- نسرين... هي دي وصية مراتك الله يرحمها... هي دي الأمانة اللي قدرت تحافظ عليها.
دفعه كريم وصرخ بعنـ ف:
- وأنت مالك... أنت مالك دي بنتي أنا... بنتي وأنا بربيها وعارف أنا بعمل إيه... أنت عمرك ما هتفهم لأن معندكش عيال... سيبني أنا أربي بنتي بطريقتي!
- واتفضل اطلع برا بيتي يا يوسف مش عايز أشوف وشك هنا تاني. لولا صداقتنا كنت عرفتك إزاي تمد إيدك عليا في بيتي ووسط مراتي وبنتي... لكن من النهاردة انسى إنك تدخل البيت ده... انسى.
هز يوسف رأسه وقال:
- لا لا مستحيل مش هسيبك تمد إيديك عليها تاني... نسرين هتيجي معايا... مادام مش قادر تشيل مسؤولية بنتك يبقى تروح معايا.
ثم بالفعل وفي لحظة جنان منه اتجه إلى نسرين المصدومة لكي يمسك يدها، ولكن كريم تدخل ودفعه بعنـ ف وصرخ:
- أنت أكيد مجـ نون... دي بنتي أنا... أنا... أنت نسيت نفسك عشان دخلتك بيتي وعاملتك كأنك أخويا ولا إيه... فوق لنفسك يا يوسف.
ولكن يوسف كان فاقد السيطرة على نفسه، لا يتقبل حقيقة أن يؤ ذيها أحد حتى لو كان والدها. لذلك اشتبك معه مرة أخرى وتفاقمت المشكلة. كان فؤاد ومنير يحاولان فض النزاع، بينما نهى كانت تبكي وتصر.خ، والمرأة التي أتت مع يوسف تجلس في ركن وهي خائفة. بينما نسرين تنظر إلى ما يحدث من حولها ودموعها تتساقط.
اتجهت إلى الطاولة وأمسكت السـ كين وبأعلى صوت لديها قالت:
- أنا همو ت نفسي... همو ت نفسي.
توقف الجميع فجأة. اتسعت عينا كريم وهو يرى ابنته تضع السكين على رسغها بينما الدموع تغرق وجهها. كانت منهارة بالفعل.
- نسرين متعمليش كده!
صرخ فؤاد، بينما أخذ يوسف يحدق بها برعب وقد تجمدت كل أطرافه.
- اهدي يا نسرين!
قالها كريم بحذر وهو يقترب منها، ولكنها تراجعت وهي تقول:
- أنا هريحك مني عشان تعرف تعيش حياتك مبسوط من غير ما أنغص عليك حياتك يا بابا... متقلقش أخيراً هترتاح من همي... مش ده اللي أنت عاوزه أنا هحقق أمنيتك.
- نسرين سيبي السكينة أبوس إيديكي.
أكمل كريم وقد تشبعت عيناه بالدموع وهو ينظر إلى السـ كين وقد لامست جلدها. شعر بالر عب للحظات لتقول هي:
- أنت عمرك ما حبيبتني... عمرك ما اهتممت بيا... أنا عبء عليك صح؟! عايز تخلص مني بأي طريقة وأنا أهو هريحك... أنت حتى لما ناس هاجمونا أنا وليان محضنتنيش كأنك كنت متضايق إني ممو تش وخلصت مني.
- بطلي كلام فارغ وسيبي السكـ ينة أبوس إيديكي!
قالها كريم برعب وهو يرى حالتها تلك. كانت هستيريا ويعرف أنها قد تنفذ تهد يدها.
- أنا خلاص هخلصك مني.
ثم ضغطت السـ كين على جلدها أكثر لتصرخ نهى بقوة، ولكن فجأة أحدهم أنُتزع السكين من يدها. نظرت لتجده فؤاد الذي ألقى السكين بعيدًا.
- ابعد سيبني... سيبني.
أخذت تدفعه وهي تصرخ بقوة.
- اهدي يا نسرين!
ولكن نسرين لم تهدأ، بل أخذت تصرخ بهيستيريا وتضر.ب نفسها. حاول فؤاد ويوسف السيطرة عليها ولكنهما فشلوا. كانت مُصرة على إيذ اء نفسها وكأنها ممسو سة.
أخيرًا تمكن فؤاد من جذبها واحتضانها ليهدئ روعها. قاومت وقاومت وهي تصرخ من أعماق روحها، ولكن فؤاد لم يفلتها. فجأة تمكن الإرهاق منها وشعرت أنها عاجزة عن الصراخ تمامًا. عصف بها التعب وشعرت أنها تنسحب داخل دوامة مظـ لمة. حاولت التمسك بفؤاد ولكنها كانت تسقط رويدًا رويدًا. كان شعور مخـ.يف لكنه رائع للغاية. فكرت نسرين بينما تفقد الوعي بين ذراعي فؤاد!
***
- عدي لازم أروح بقولك نسرين في المستشفى!
قالتها ليان والدموع تغرق وجهها. شعرت بالإختنا.ق، ببقلة الحيلة وشقيقها يرفض بهذا الإصرار بسبب خوفه عليها. ولكن، لا يمكن أن يمنعها عن نسرين. ألا يكفي أنه لا يسمح لها بالذهاب إلى الجامعة حتى بتعافي موسى. صحيح أنها تحب عدي كثيرًا ولكنه يخنـ قها باهتمامه!
تنهد عدي وهو يحاول ترتيب كلماته. لا يريد أن يغضبها أو يجعلها تشعر بالحزن. يجب أن تعرف أن ما يفعله عدي يفعله من أجلها هي، لأنه خائف عليها وليس لأنه شقيق متسلط. فليان هي أهم شخص لديه، وهو سيضحي بحياته من أجلها فهي وصية والده قبل موته. ولن يُسامح نفسه لو حدث لها شيء.
- عدي عشان خاطري خليني أروح!
قالتها بصوت مخـ تنق بفعل الدموع. كان عدي في ورطة. لا يمكنه تجاهل حزنها بتلك الطريقة. هز رأسه وقال:
- طيب يا ليان بس بشرط أنا هوصلك وأجيبك كمان، اتفقنا.
هزت رأسها بسرعة ثم ضمته إليها وهي تتمتم:
- شكرًا أوي يا عدي... شكرًا.
أبعدها وقال:
- يلا روحي اجهزي هنمشي دلوقتي عشان منتأخرش.
هزت رأسها موافقة ثم صعدت لغرفتها.
تنهد عدي واتجه إلى مكتبه لأخذ سلاحه، فهو لا يعرف ما سوف يواجهه. فبعد القبض على عوض ستكون الأمور أسوأ الآن.
ولج عدي إلى المكتب وتجمد وهو يرى زوجته تفتش بجارور المكتب. رفع حاجبيه وابتسامة خبـ يثة برزت على شفتيه واقترب منها بهدوء وهي منهمكة فيما تفعله.
- بتعملي إيه في مكتبي؟
قالها عدي فجأة لتقفز جواهر وتنظر إليه برعب بينما ممسكة بالجارور التي فتحته للتو بحثًا عن الشيكات.
ازدردت جواهر ريقها وهي تحاول اختراع كذ بة ما، ولكن عقلها توقف الآن. شتـ مت نفسها في سرها. ابتسم عدي واقترب منها قائلاً:
- وصلي رسالة لشريف بيه إني مبحطش الحاجات المهمة في درج مكتبي، دي تصرفات الناس اللي مستواها ذكائها اتنين ونص زيك كده مش تصرفاتي أنا.
قضمت شفتيها بغيظ وهي تنظر إليه بإ شتعال. كان ذكي للغاية. شخص مثله سوف تعاني معه الكثير. اللعـ نة على شريف هو من ورطها معه! كان عدي يبتسم بخـ بث وهو يرى غضبها. مد كفه وأزاحها قليلاً ثم اتجه لخزنته الصغيرة الموجودة بجوار المكتب. اتسعت عيناها وهي تلعن غباءها. بالطبع الشيكات سوف تكون هنا. وكأنه قرأ أفكارها قال بصوت متسلي:
- ولا بشيلهم في الخزنة دي كمان.
فتح الخزنة بالرقم السري الذي دونه بسرعة ليخرج سلاحًا ناريًا. شهقت وتراجعت قليلاً بخوف ليأخذ عدي السلاح النا ري ثم ينهض ويشد جواهر بغتة نحوه ويطوق خصرها ثم يقربها منه أكثر حتى تلاشت المسافة بينهما ولم يبق للهواء حتى منفذ ليمر. ابتسم ساخرًا وهو يرى الرعب الطفيف الذي سكن عينيها وقال وهو يغرس السلاح بعنقها ويقول بينما يراها ترتعش:
- ده مسد س مرخص... بستخدمه مع الخا ينين واللي بيكذبوا واللي بيحاولوا يسرقوني... أنا مبسامحش في حقي يا بيري فخدي بالك.
- أنا مبخافش منك.
قالتها بنبرة جاهدت لإخراجها ثابتة بينما حدقتاها تهتزان قليلاً. ابتسم وهو يتأملها. فجأة انمحت الابتسامة من على شفتيه وعيناه تطوف على ملامحها الجميلة. تمتلك ملامح جذابة كثيرًا ولكن أكثر ما يميزها هي تلك القوة التي تحاول إبرازها في أسو أ لحظاتها. يجب أن يعترف أنها تعجبه كثيرًا. هو لا يحب المرأة الخا نعة الضعـ يفة. ذلك النوع من النساء لسن نوعه المفضل أبدًا. انتقل بالسلاح من عنقها لفكها وقال:
- لا لازم تخافي مني... عشان لو حصل أي خيانة منك هقتـ لك فعلاً.
ظلت تنظر إليه، لا ترف جفنيها حتى. ابتلع ريقه وتوقفت نظراته على شفتيها. أغمض عينيه واقترب بفمه منها ليقبلها. كان يجب أن تصرخ به وتدفعه ولكنها شعرت بالخدر في جميع أنحاء جسدها. شعرت أنها مغيبة، لذلك أغمضت هي الأخرى عينيها. وقبل أن تلامس شفتيه شفتيها انفتح الباب فجأة.
- عدي... أووه... أنا آسفة.
قالتها ليان بحرج وهي تتراجع. وجهها أحمر بقوة وهي ترى شقيقها وزوجته بهذا القرب. ثم بسرعة قالت:
- أنا مستنياك برا.
ثم أغلقت الباب بسرعة. كان وجه جواهر محمرًا بفعل الخجل والغضب. نظرت إلى عدي لتجده مبتسمًا بخبث. رفعت قدمها ثم ضربت قدمه بقوة ليتأوه وهو يتراجع بينما تستغل هي تلك الفرصة لتلوذ بالفرار بينما الدموع تحتشد بعينيها. لقد كادت أن تُخطئ اليوم!
***
في المشفى... كان كريم يذرع رواق المشفى بقلق. القلق ينـ هش في قلبه بسبب ابنته. لم يفكر بأي شيء، كل ما يريده أن يطمئن عليها. بينما يوسف كان يرتكز على الحائط وهو ينظر إلى كريم بغيظ. عيناه العسلية كانت تشتعلا ن بالنيران. وود لو يـ قتله. لكمتان لم تكفيا لتهدئة غضبه من كريم الذي ضر ب حبيبته أمامه. نظر إلى الأرض وهو يتمنى من كل قلبه أن تخرج سالمة وبعدها سوف يتصرف مع كريم.
خرج الطبيب من غرفتها ليقترب فؤاد وكريم منه.
- بنتي عاملة إيه يا دكتور؟
- إنهيار عصبي.
وضعت نهى كفها على فاها بينما أطرق كريم برأسه والذنب ينـ هش قلبه ليكمل الطبيب:
- أنا بقترح تعرضوها على طبيب نفسي.
هز كريم رأسه وقال:
- حاضر يا دكتور.
***
كانت جالسة على الفراش، شعرها الذهبي متساقط على وجهها. دموعها لا تتوقف عن التدفق، والألم في قلبها لا يُوصف. تمنت وقتها أن تموت وترتاح، أن تلحق بوالدتها. لقد فهمت الأمر. لم تكن محبوبة يومًا من قبله. والدها لا يحبها. يفعل المستحيل كي يؤ لمها. وربما يريد تزويجها بسرعة كي يتخلص منها. ولكنها قريبًا سوف تريحه من مسؤولياتها، ثم تغادر وهو لن يعرف مكانها أبداً.
- نسرين!
صوت والدها اخترق أذنيها بقوة. رفعت عينيها إليها وسرعان ما نشجت بقوة وهي تقول:
- امشي... امشي.
نظرت نهى بقلق إلى حالتها. كانت نسرين على وشك الإنهيار مجددًا.
- اهدي يا بنتي مش هاذيكي والله.
- لا لا امشي... مش عايزة أنت... أنا عايزة ليان... فين ليان... ليان!
كانت تتكلم دون توقف لتقترب نهى من كريم وتقول:
- كريم اطلع دلوقتي معلش... اطلع من هنا!
كاد أن يعارضها ولكن حالة ابنته أخافته. لم يكن يريد أن يراها تعاني بهذا الشكل. لـ عن نفسه لأنها وصلت لتلك الحالة بسبب قسوته الشديدة عليها.
- هطلع حاضر.
قالها كريم بحزن ثم خرج.
بعد أن خرج اقتربت نهى بحذر من الفتاة ثم أخذت تربت على كتفها وقالت:
- ليان زمانها جاية يا نسرين أنا اتصلت بيها. بس أهدي يا حبيبتي... أهدي ممكن.
حدقت بها ثم بدأت بالبكاء مجددًا. جذبتها نهى ثم عانقتها وهي تقول:
- يا حبيبتي... يا حبيبتي.
- أنا عايزة أموت... نفسي أموت.
- بعيد الشـ ر عنك يا حبيتي متقوليش كده. ربنا يسعدك ويديلك العمر الطويل.
- بابا مبيحبنيش... محدش بيحبني.
هزت نهى رأسها وهي تربت على شعرها وتقول:
- لا يا بنتي لا... أنتِ غلطانة أووي. باباكي بيحبك وبيحبك أووي كمان. أيوة صحيح هو غلطان مش هدافع عنه ولا أبرر لكن والله بيحبك. وأنا كمان بحبك يا نسرين وليان كمان. ليان صاحبتك لما عرفت إنك في المستشفى قالت إنها هتيجي علطول. كلنا هنا بنحبك يا بنتي.
- نسرين!
قالتها ليان بقلق وهي تلج غرفتها. ابتعدت نسرين عن نهى. كانت الدموع تغرق وجهها بالفعل. الألم يشع من عينيها. اقتربت ليان ثم عانقت نسرين بقوة لتنفـ جر نسرين بالبكاء مجددًا وقد شعرت أخيرًا بالأمان.
- بس... بس اهدي يا حبيبتي... اهدي.
ولكن نسرين لم تتوقف عن البكاء. كانت تتألم وكأن كل ما أخفته في قلبها من ألم ظهر الآن. لم تخفي شيئًا ولما تخجل من بكائها بتلك الطريقة. كل ما تبغيه هو الراحة. لقد تألمت كثيرًا. خذلها الجميع وأولهم والدها. شددت من احتضان ليان وقالت بإختناق:
- ليان... خديني من هنا... خديني من هنا يا ليان لو سمحتي.
تنهدت ليان وهي تنظر إلى نهى فقالت نهى:
- هكلم باباها وأقنعه يروح معاكي يا ليان. كده كده هي هتخرج دلوقتي.
***
في اليوم التالي. في حديقة قصر عائلة رشيد. كانت تجلس جواهر على إحدى المقاعد الخشبية البيضاء بينما تضع سماعات الأذن المتصلة بهاتفها النقال تستمع لإحدى أغاني أمير عيد. وبجوارها صينية بها شطائر الكفتة مع عصير مانجو طازج. مزاجها رائق اليوم وقد قررت أن تبدأ بالبحث في محاولة إيجاد الشيكات مجددًا كي تتحرر من هذا الزواج المزيف التعـ يس!
أطفأت الأغنية فجأة وأغمضت عينيها وهي تستمتع بهذا الهدوء المحبب للقلب. فجأة ازدردت ريقها وهي تتذكر تلك القبلة التي كادت أن تتشاركها مع عدي. لا تصدق أنها ضعفت أمامه. زفرت بضيق وقد تعكر مزاجها.
خرجت ليان من القصر لتسقي الورود الخاصة بها وسوف توصي الخادمة لتحضير طعام الإفطار لها ولنسرين. توقفت قليلاً وهي تجدها تجلس على المقعد الخشبي. وضعت إناء الري جانباً ثم اقتربت منها مبتسمة.
- صباح الخير.
قالتها ليان بابتسامة لطيفة لزوجة أخيها. تلك المرأة الجميلة والتي دومًا وجهها متجمد لا تبتسم عندما تراها. حاولت أن تتكلم بلطف كي لا تشعر جواهر بالإحراج بعد ما حدث بالأمس. من الأساس قررت ألا تتكلم عنه أبدًا. قررت تجاهله. نظرت جواهر بنفس البرود إلى ليان وهي تتفحصها جيدًا ثم ردت ببرود وهي تتناول شطائرها المفضلة:
- صباح النور.
اقتربت ليان وجلست بجوارها بعفوية تامة ثم أمسكت إحدى الشطائر وهي تلتهما وتقول:
- صحيح الأيام اللي فاتت كان فيه شوية توتر في حياتنا ومقدرتش اتعرف عليكي كويس.
نظرت إليها جواهر بضيق. كانت لا تريد أي صحبة الآن. تريد أن تبقى لوحدها وتفكر. وآخر ما تريده هو التحدث مع أحدهم وخاصة شقيقة عدي بعدما حدث بالأمس.
- اسمك بيري صح. عدي قالي. هو حقيقة اتصدمت لما عدي اتجوز كده فجأة بس لما شوفتك عرفت إن ليه حق. أنتِ جميلة وفي وشك قبول غريب. أنا بجد حبيتك.
ارتبكت جواهر ولم تعرف بماذا ترد على هذا الكلام اللطيف والذي بدا صادقًا للغاية. أرادت أن ترد بوقـاحة ولكنها عجزت تمامًا. كيف تقابل هذا اللطف بالقسا وة. كيف. ابتسمت جواهر ابتسامة حقيقية وقالت:
- وأنتِ كمان جميلة يا ليان وأنا حبيتك.
- بجد أنتِ حبيبتيني. شكرًا ليكي أووي.
ثم حاوطت جواهر بذراعيها وهي سعيدة. توجست جواهر من رد فعل الفتاة المفاجئ فابتعدت ليان قليلاً وقالت بإحراج:
- آسفة رد فعلي كان ويرد شوية بس أنا كان نفسي أصاحبك من أول ما جيتي. أنا كان دائمًا عندي حلم وخيالات إني أنا ومرات عدي نبقى أصحاب ونخرج مع بعض.
ضحكت قليلاً وأكملت:
- ده غير إني قولت دائمًا إني هقف في صف مرات أخويا ضد عدي.
ابتسمت جواهر لها وقالت:
- متقلقيش هحققلك حلمك بإذن الله.
ابتسمت ليان ثم ضمتها مرة أخرى لتبتسم جواهر بغرابة. كيف يمتلك عدي شقيقة لطيفة مثلها.
- شكلكم انسجمتوا سوا!
قالها عدي مبتسمًا وهو يقترب منهما لتبتعد ليان عن جواهر بينما تجهم وجه جواهر المبتسم. ابتسمت ليان وهي تنهض وتعانقه وقالت:
- بيري عسولة أووي يا عدي. أنا حبيتها.
ابتسم عدي بسخرية وقال:
- شايفة إنك انسجمتي مع أختي خالص يا بيري عقبال ما تنسجمي معايا كده.
ثم غمز لها.
- على جثـ تي الكلام ده.
تمتمت بغيظ لنفسها ليقول عدي:
- بتقولي حاجة يا عروسة.
- لا مبقولش.
قالتها بفظا ظة لتضحك ليان وتقول:
- شكلكم كيوت مع بعض زي Tom and Jerry دايما بتضايقوا بعض بس بتحبوا بعض.
ثم تركتهم وذهبت ليجلس عدي بجوار جواهر ويقول:
- إيه رأيك يا بيري تفتكري هنحب بعض في يوم من الأيام؟
- لا مظنش. أختك بتحلم زيادة عن اللزوم أنا مش بطيقك أصلًا.
- غريبة ده مكانش رأيك امبارح يعني!
احمر وجهها ليقترب أكثر وأصابعه تتلمس وجهها ويقول:
- امبارح لولا دخول ليان كُنت ه....
نهضت بسرعة وقالت بتوتر:
- أنا رايحة الحمام.
ثم ركضت نحو القصر يتبعها ضحكات عدي الساخرة. تنهد وهو ينظر إلى طبق الشطائر. أمسك شطيرة منها ثم بدأ يتناولها وهو يصفر ويقول:
- الصبر... الصبر يا بيري بس... اصبري عليا أخلص اللي ورايا وهفضالك ووقتها هاخد كل حقوقي منك. ونشوف كلمة مش بتطقيني دي هتطلع من بوقك إزاي تاني!
ضحك بإستمتاع وهو يكمل تناول الشطيرة. فريسته على وشك الوقوع في المصيدة. وكم سيكون رائعًا عندما ينالها!
***
في منزل أمير. قضمت شفتيها بضيق وهي ترى تلك المائعة قد أعاقت طريق أمير. تلك الفتاة التي أنقذ أمير شقيقتها من ذلك الـمتحرش وهي من وقتها تتحجج لكي تتكلم وهذا أزعج عبير كثيرا. تمنت في تلك اللحظة أن تنزل إليها وتجذبها من شعرها وتجمع عليها أمة لا إله إلا الله. أرادت لها فضـ يحة واسعة عديمة التربية تلك! ولكنها شعرت بقليل من الرضا وهي ترى أمير ينظر إلى الأرض وهو يتحدث معها. لا يرفع وجهه حتى لكي ينظر إليها بينما هي تبتسم له بهيام وتضحك دون توقف.
- إيه قلة الذوق دي... سيبيه يا باردة مش عايز يتكلم معاكي... فين كرامتك!
همست عبير بغضب وهي تضرب على حاجز التراس بغضب.
***
- أنا حاسة إن مهما عملت مش هقدر أشكرك على وقفة جمب أختي الصغيرة.
كان أمير مطرق برأسه يشعر بالحرج بسبب تحدثها معه بتلك الأريحية. أراد أن يذهب إلى منزله بسرعة ولكنه شعر أنه سيكون قليل الذوق. لم ينظر حتى إلى تلك الفتاة التي تبادله بهيام واضح. ليكون صريحًا هو لا يعرف التعامل مع الفتيات ولا يهتم. آخر امرأة عرفها هي والدته ونورهان ابنة خالته. ولكنه حقًا لم يحتك بأي فتاة أخرى ولا حتى أقرباؤه من الفتيات.
- هو أنت مبتبصليش ليه هو أنا و حشة؟
قالتها الفتاة بعتاب مائع ليخرج صوته باردًا ويقول:
- وأنا هبصلك ليه يعني! وبما إنك خلصت شكر ليا للمرة العاشرة تقريبًا أنا دلوقتي هروح بيتي عن إذنك!
ثم تركها وذهب وهو تضع كفها على وجنتها وتنطق هائمة:
- وتقيل كمان... نوعي المفضل... عمومًا ماشي يا ابن الحتة هنشوف لحد أمتي هتفضل تقاوم بس اللي ميقعش في الآخر!
ثم غادرت نحو منزلها وهي تصفر بسعادة ولم تلاحظ عبير التي كانت تستـ شيط من الغضب.
- قليلة ذوق فعلاً!
***
ولج أمير إلى المنزل ورأى نوح أمامه ابتسم وقال:
- أزيك يا نوح.
ثم أغمض عينيه وهو يتشمم الرائحة الشهية المنبعثة من المطبخ وقال وعيناه تتسع بذهول:
- مش معقول عملتلي الكبدة بالطريقة اللي أنا بحبها... إيه الدلع ده بس.
ولكن عبير لم تبادله ابتسامته ونظرت إليه بحدة لم ينتبه هو لها بسبب إرهاقه الواضح.
- البنت دي كانت بتقولك إيه؟
قالتها عبير بنبرة هجومية لم تقصدها ولكن شعورها بالضيق جعلها تكاد تفقد أعصابها. رفع أمير حاجبيه وقال:
- كانت بتشكرني يا نوح مالك متضايق ليه؟
ثم ولج إلى غرفته بإرهاق ليجهز له ملابس كي يتحمم بينما عبير كانت تشتـ عل غضبًا. إلى متى ستظل تشكره! تلك الوقحة. اتجه أمير بخطوات متعبة إلى الحمام بينما جلست عبير وهي تقضم أصابعها بغيظ. ودت لو تخـ نقه على بروده هذا. انتظرت بصبر حتى خرج من الحمام. شعره مبتل. ما زالت غاضبة. ما زالت مشـ.تعلة. ترغب بخنقه وهو يرد عليها بهذا البرود.
- مالك يا نوح شكلك متضايق؟
رفعت عينيها ونظرت له ليتراجع للخلف وقال بتوجس:
- أنا عملت إيه بس عشان تضايق؟
- أنا عايز أفهم البنت دي هتفضل تشكر فيك لحد أمتى؟
ضحك أمير وقال:
- إيه يا نوح مالك بتتصرف كأنك مراتي كده ليه،؟! إيه الغيرة دي؟
شحبَت فجأة وهي تنظر إليه بإرتباك. هل فعلاً تغار؟ هل تصرفاتها توحي بهذا؟ هو محق. ما سبب هذا الغضب الذي يعصف بها؟ هي لم تشعر بهذا الغضب من قبل أبدًا. لماذا هي تشعر بكل ذلك الضيق من اقتراب تلك الفتاة منه؟ هل تغار؟ فكرت بصدمة وهي تغطي فمها بقوة. رباه لا بماذا تفكر هي! هي أبدًا لم تؤمن بالحب فكيف تغار عليه؟ لابد أنها جنت. هي بالتأكيد جنت. كان أمير يراقب انفعالاته بقلق. لا يعرف ماذا حل به فجأة فهو يرى نوح يشحب ثم يهز رأسه ويضع كفه على فمه. ماذا يحدث معه؟ رفع حاجبيه وقال بتوجس:
- أوعى بتكون يا نوح بتغير عليا فعلاً؟
نظرت إليه بصدمة ثم سرعان ما انفـ جر أمير بالضحك وقال:
- يا باشا متقلقش فهمتك صح مش غلط. أنت غيران وغيران جدًا كمان.
خافت عبير أكثر وفكرت. تُرى هل اكتشف أنها فتاة!!! يا الله ما تلك الكارثة التي حلت على رأسها! أكمل أمير قائلًا وهو يغمز:
- أنت أكيد حبيت البنت اللي بتشكرني دي دايما وبقيت بتغير عليها. أي يا باشا قلبك وقع خلاص.
انتشرت الراحة بداخل عبير وهزت رأسها. فهي قد وجدت مخرجًا لتلك الكارثة. كان أمير محقًا جدًا. فهي قد وقعت بالحب. ولكن حبه هو. ما تلك الكارثة!!!
***
إن أكثر شيء يمـ قته هو أن يتم تجاهله. وورد بارعة جدًا في هذا الأمر. لديها قدرة جبارة على تجاهله بل وتعامله كأنه شبح أو غير موجود. لكن رُغم هذا تصنع طعامه، ترتب منزله وتهتم بياسمين كأنها ابنتها. الواجب الوحيد الذي لا تفعله هو إعطاؤه حقوقه الشرعية فهي تنام بغرفة ياسمين ما إن يأتي حتى تختفي بالغرفة ولا يراها إلا نادرًا. ولكن اليوم بشكل مفاجئ رآها تجلس بالصالة ترسم مع ياسمين وضحكاتها الناعمة تنطلق في المنزل. ابتسامة لطيفة ونادرة تكونت على شفتيه وهو يراها تضحك بتلك الطريقة. هو يحب النظر إليها وهي تضحك. يشعر حينها أن وجهها يشرق، وكأنها زهرة تتفتح. لقد اشتاق إليها. يعترف بهذا. فجأة تجهم وجهه وهو يتذكر حديث والدتها وبدأ الشيطا ن يتلاعب به مجددًا. يغضب كلما يتذكر الأمر. لا يتقبل فكرة أنها أحبت أحدًا من قبل أن تتزوجه. وتؤلمه فكرة أنها ربما ما زالت تحبه. هل يومًا ما تخيلته حبيبها وهي بين ذراعيه؟ هنا هز رأسه بقوة. لا هو لن يسمح لأفكاره أن تتمادى بشأنها. يثق تمام الثقة أن هي ليست من هذا النوع. أغمض عينيه بقوة وهو يفكر بقـهر إلى متى سوف يظل في تلك الدوامة. إلى متى سيظل الشك ينهـ ش قلبه. يعـ كر حياته ويجـ لد روحه. الشك مرض قا.تل ينتشر بقوة في جسده وهو يجب أن يضع له حد. ولكن كيف؟ هل يسألها؟ يواجهها! ولكن هل ستخبره الحقيقة أم ستكذ ب؟ هو لا يعلم ولا....
أخرجه من شروده صوت ابنته وهي تقول:
- بابي أنت جيت.
تجهمت ورد واختفت ضحكاتها كعادتها عندما تراه أن تشعر بوجوده. ضم ياسين ياسمين التي اندفعت لأحضانه وابتسم وهو يقبلها قائلًا:
- وحشتيني يا حبيبتي.
- وأنت كمان يا بابي.
نهضت ورد واتجهت مسرعة إلى المطبخ لتعد طعام الغداء.
***
بعد نصف ساعة تقريبًا كانت قد جهزت طاولة الطعام. وبالتأكيد لم تجلس معهما كالعادة. نظرت ياسمين إلى مكانها الفارغ بحزن وقالت:
- أنا رايحة أناديها تأكل معانا.
ثم اتجهت للغرفة دون أن تنتظر رده.
***
ولجت ياسمين لغرفتها لتجد ورد تجلس على الفراش ووجهها متجهم. اقتربت منها أكثر. فجأة رفعت وجهها ونظرت إلى ياسمين مُبتسمة وقالت:
- عايزة حاجة يا حبيبتي؟
- تعالي كلي معانا يا طنط ورد.
قالتها ياسمين برجاء ولكن ورد ابتسمت لها وقبلت رأسها قائلة:
- أنا مش جعانة دلوقتي يا ياسمين. روحي أنتِ كلي لما أجوع هاكل إن شاء الله.
نظرت إليها الفتاة بحزن. قد تكون صغيرة ولكنها تفهم ما يحدث. ورد ووالدها لا يتحدثان سويًا بالطبع هناك شيء بينهما. فهي لن تنسى أن ورد كانت تريد أن تذهب ولولاها كانت ذهبت فعلاً.
- طنط ورد لو أنتِ مأكلتيش أنا مش هاكل.
قالتها ياسمين بعناد فقبلتها ورد على رأسها وقالت:
- ياسمين حبيبتي أنتِ عايزاني أزعل منك ولا إيه؟ لا لو سمحتي روحي كلي وقولتلك لما أجوع هاكل.
كادت ياسمين أن تعترض ولكن صوت ياسين أوقفها:
- ياسمين حبيبتي روحي كلي أنا هاجيب طنط ورد وأجي.
هزت ياسمين رأسها بطاعة ثم خرجت من الغرفة. اقترب ياسين من ورد التي كانت تنظر إليه بجمود.
- يلا قومي عشان تأكلي.
قالها ياسين وهو يجذب ذراعها ولكنها حاولت دفع ذراعه وهي تقول بنبرة باردة:
- مش عايزة أكل.
ولكنه لم يهتم برأيها بل جذبها بالفعل ليخرجها من الغرفة ولكنه ا حاولت دفعه وهي تقول:
- خلاص أبعد... ابعد عني.
نجحت بالفعل بدفعه وابتعدت بعدة خطوات وهي تنظر إليه وقد ترطبت عينيها بفعل الدموع. كانت على وشك الإنهيار بالفعل. حاولت التماسك بينما ينظر إليها هو بغضب ولكن ما حدث فجأة كان سـ ئ لكليهما فقد فقدت سيطرتها وأنفجرت بالبكاء كالأطفال. ارتبك ياسين وحاول الإقتراب منها لتهدئتها ولكنها صرخت به:
- متقربش مني... ابعد عني! يالا روح لمراتك التانية وسيبني في حالي أنا مبقتش طايقاك... مش عايزة أبقى معاك ثانية واحدة... عايزة أطلق!
كانت كلمة الطلاق التي خرجت منها للمرة الثانية كالفتيل الذي جعله يشـ تعل من الداخل. اقترب منها ثم جذبها إليه. عيناه الخضراء كانت تشتعلان بطريقة أخافتها وابتسامة و حشية برزت على شفتيه وقال:
- عايزة تطلقي!!! تطلقي... وده ليه عشان مقدرتيش تحبيني... عشان لسه بتحبي علي!
نظرت إليه بصدمة ليبعدها عنه ويقول:
- سمعت والدتك وهي بتقول كده. للأسف شكلك مقدرتيش تنسيه. مقدرتيش تحبيني يا ورد. يبقى مين اللي يزعل من مين!
وكعادته خرج من الغرفة دون أن يعطيها حق الدفاع عن نفسها!
***
بعد أسبوع.
- يعني أنا معرفش أعتمد عليكي خالص كده! أي حاجة أطلبها منك بتفشـ لي تعمليها!
زجر شريف بها بعنـ ف وهو يشعر بالغضب. كل خططه فشلت. عدي أذكى منه بكثير وبالطبع أذكى من تلك الـغـ بية!
- فعلًا غبـ ية... ملكيش أي فايدة... غبـ ية ومبعرفيش تتصرفي أبدًا!
- أيوه أنا فعلًا غبـ ية لأني سايرتك وسمعت كلامك!
صاحت جواهر بإنفعال والدموع ملء عينيها. كان الألم داخله يتفاقم. تشعر بالإ ختناق بسبب كل شيء. هذه ليست هي. تلك ليست أساليبها. الكذ.ب والخد اع ليسا من أساليبها. تدفقت دموعها بقوة وأكملت:
- حرام عليك اللي أنت عملته فيا ده... خليتني أتزوج بإسم مزيف وعشت حياة مزيفة مع إنسان الله وأعلم لو عرف الحقيقة هيعمل فيا إيه. بعدتني عن أمي ودمرت حياتي. ليه ده كله.
اعتـ صر ذراعها وصرخ:
- أنتِ السبب في ده كله يا هانم. أنتِ اللي هربتي بيري بنتي. أنتِ اللي كنتي هتضيعيني. متلومنيش أنا يا حبيبتي. لومي نفسك لأنك بتتدخلي في اللي ملكيش فيه!
- لأن اللي كنت هتعمله حرام. حرام تبيع بنتك عشان تنقذ نفسك ولو رجع بيا الزمن هعمل كده برضه. وأنت هتندم. هتندم لما في النهاية تخـ سر كل حاجة!
دفعت يده بغلظة ومسحت دموعها وهي ترفع رأسها وتقول بقوة:
- أنا هقول لعدي على كل حاجة. هحكيله على كذ.بك وخداعك واخليه يوديك السـ جن.
ثم استدارت لتذهب ولكنه قال:
- فاكرة عدي هيساعدك. بتحلمي يا جواهر. عدي أسو أ مني بكتير. عمره ما يسامح حد كذب عليه أو خدعه. أنا هروح السجـ ن صحيح بس أنتِ كمان هتروحي معايا بتهمة الـنـ صب والتزوير وطبعًا الشيكات وبما إنك خريجة حقوق احسبي هتفضلي كام سنة.
شحب وجهها بقوة لتتكون على شفتيه ابتسامة خبيـ.ثة وأقترب وهو يضع كفيه بجيبه مكملًا حديثه السا م:
- ووقتها أنا هبطل أعالج أمك وهتطلع من المستشفى الخاص اللي حطيتها فيها. تخيلي حالتها وقتها. بنتها في السجن ومفيش حد يصرف عليها. وقتها أمك هتروح تشحت وفي الأخر هتمو.ت أما بسبب الجوع أو المرض!
- أنت معندكش قلب. مش بتحس!
صرخت به وهي ترتجف من رأسها إلى أخمص قدميها. للأسف هي متورطة بشدة. وشريف لديه حق. سوف تُسـجن معه. وحينها سوف تتدمر حياتها وحياة والدتها. رباه ماذا تفعل؟ هز شريف رأسه بقوة وقال:
- لو كان عندي قلب وسيبتك في حالك كنت هتحـ.بس يا جواهر. عشان كده كان لازم أشيل قلبي. وأسكت ضميري. كان ممكن حياتك تبقى أحسن لو مكنتيش هربتي بيري اللي والله بدور عليها وبس أقدر ألاقيها هحاسبها كويس.
نظرت إليه جواهر بإشمئزاز. ظنت أن والدها هو الأسو أ. ولكن شريف حقًا يتفوق عليه بمراحل. فهذا الرجل ليس لديه قلب. فعليًا ليس لديه قلب. وهي وقعت في شباكه وانتهي الأمر. هي لا تهتم بنفسها. لا تخاف على نفسها أبدًا. جل ما تفكر به هو والدتها العزيزة. لن تتحمل أن يحدث لوالدتها شيء بسببها. لا هي لن تتحمل لذلك ستسايره!
- عايزني أعمل إيه؟
قالتها بنبرة جامدة وقد استسلمت للواقع. لن تقاوم. من أجل والدتها على الأقل لن تُخا طر. ابتسم شريف بإنتصار وقال:
- اهو هو ده الكلام المضبوط يا جواهر. أصل مفيش فايدة. لو دخلت أنا السـ جن هتدخلي ورايا وتسيبي أمك المسكـ ينة لمين.
لم ترد عليه ولكن عيناها كانت تنطق بالكره الواضح له. ولكنها لم تبالي بل اتسعت ابتسامته أكثر وقال:
- عايزني أحررك من الجوازة دي جيبي باقي الشيكات. اتصرفي وجيبيها.
- طيب أجيبها إزاي. دلني كده. أنا دورت في مكتبه حتى أوضة النوم بتاعته. عاملة زي الحرامية بفتش في كل حتة وهو قفشني مرة وعارف أنا عايزة إيه!
- خلاص غيري الخطة. أكسبيه. خليه هو يسلمك الشيكات بنفسه.
ضحكت بسخرية وقالت:
- أفندم وهو هيسلمني الشيكات بمناسبة إيه!
ابتسم شريف وقال:
- لو حبك هيسلمك روحه مش الشيكات بس. وقعي عدي رشيد في حبك يا جواهر. خلي عدي رشيد يحبك ووقتها أحنا الاتنين هنكسب!
***
وقفت أمام غرفته بتردد. لقد اشتاقت إليه بقوة. كيف لم تنساه بعد كل ما فعله بها. وبعد أن حطم قلبها مرارًا وتكرارًا بسبب كلماته السامة التي لا يتوانى عن طعـ نها بها. ولكن رغم قسوته، بروده ما زالت تعشقه. كم تمنت لو تقتلع قلبها من صدرها وتدوس عليه بقوة. تمزقه بشراسة لأنه أحب بتلك الطريقة رجلاً لا يراها من الأساس. لا يدري أحدهما العذاب الذي تعيش به. أن تعشق المستحيل. لا يعرف أحد ما تعيشه غير نسرين. نسرين التي أصبحت تعيش معها مؤقتًا. الاثنان يواسيان بعضهما وربما هذا الشيء جعلها تشعر بالراحة قليلاً فقد قاومت الذهاب لموسى عدة مرات بفضلها. ولكن الآن هي تموت لتراه. تصاعدت الدموع لعينيها وبلحظة تهور فتحت الباب. كانت تريد أن تراه بأي طريقة. لقد مر أسبوع منذ آخر مرة رأته بها. منذ إصابته وهو يُلازم غرفته لا يخرج منها إلا نادرًا. عدي أخبرها أنه على وشك التماثل للشفاء وهذا أراحها نسبيًا. ولجت للغرفة وهي ترتعش بقوة. لم يكن بغرفته وقبل أن تفكر بمكانه الآن سمعت صوت المياه بالحمام. لابد أنه يستحم. فكرت ثم اتجهت إلى فراشه وجلست عليه تنتظره. كانت إحدى قمصانه ملقية بإهمال على الأرض. انحنت والتقطه ثم ضمته إليها وهي تغمض عينيها بينما الدموع تنسكب دون توقف من عينيها. كم بدت مثيرة للشفقة وقتها. ولكن هذا هو العشق. عشقها لموسى كان لعـ نـة حياتها بأكملها! تركت القميص على الفراش ثم اتجهت لتنام على وسادته. فجأة وجدت شيئًا تحت الوسادة امسكته لتجده صورة لامرأة جميلة للغاية. تألم قلبها ونهضت وهي تتأمل صورة تلك المرأة. لابد أنها هي من سرقت قلب موسى. كم هي محظوظة! خرج موسى من الحمام فجأة وتجمد وهو يراها. قلبه غار في صدره وكل ما أراده هو الذهاب إليها وضمها بقوة. ولكن ههز رأسه مزيحًا تلك الأفكار وهو يراها تمسك صورة روان.
- أنتِ بتعملي إيه هنا؟
زعق بها موسى لتنتفض بقوة وتنظر إليه وهي ما زالت تمسك الصورة. كان يلف منشفة حول خصره بينما جذعه عاري. احمر وجهها بخجل و تنفست ليان بتثاقل ووضعت عينيها في الأرض. أرادت أن تهرب قبل أن يقتـ لها بكلماته كالعادة. اقترب هو منها وعيناه الزرقاء تشـ تعلان بقوة. إنها مصرة على اختراق حصونه. والمشكلة أنها تنجح. فجل ما يريده الآن أن يجذبها إليه ويعانقها بقوة. يقبلها ربما. يطلب منها ألا تُغادر حياته. يتصرف بأنانية مرة أخرى كما تصرف مع روان ولكنه يعرف نتيجة هذا التصرف جيدًا. وقف أمامها وانتزع الصورة منها لتشهق بخوف وتقول والدموع على أعتاب عينيها:
- أنا... أنا آسفة.
- أعمل إيه بأسفك. أعمل إيه بيه. ليه كل شوية تدخلي أوضتي من غير إذن. ليه مش عايزة تسيبيني في حالي يا ليان الحب مش...
كان يصرخ بوجهها لتنفـ جر هي:
- خلاص... خلاص عرفت مش لازم كل شوية تسمعني الكلمتين دول يا موسى. أنا مش جاية أطلب حبك. كنت جايه أطمئن عليك ويظهر أنك كويس أوووي وأنا آسفة لو أزعجتك. وعد مني هخلي اللي بينا شغل وبس.
ثم كادت أن تذهب إلا أنها توقفت وهي تنظر إليه بينما تمسح دموعها بإنفعال:
- صحيح حابة أشكرك عشان أنقذت حياتي. صحيح بتقول ده شغلك بس واجبي برضه أشكرك. شكرا أووي ليك.
ثم تركته وغادرت ليجلس على الفراش بإنهيار وهو يفكر أنه ربما أبعدها عنه للأبد!
***
أتجهت ليان بسرعة إلى مكتب شقيقها ثم طرقت الباب ودخلت وقالت دون إنتظار:
- عدي أنا موافقة أتزوج دكتور يحيى!
***
في اليوم التالي.
- سمعت دكتور يحيى خلاص هيخطب. النهاردة الخبر انتشر في المستشفى. البت ميار قالتلي إنها سمعته بيقول هيروح يقابل النهاردة العروسة اللي جابتهاله أمه.
قالتها إحدى الممرضات وهي تضحك بينما ابتسمت الممرضة المسنة الأخرى بحنان وقالت:
- الحمدلله عقدته هتتفك. الدكتور يستاهل كل خير ربنا يسعده دائمًا.
تلك الكلمات وقعت عليها كالصاعقة. تجمدت الممسحة في يديها وتصاعدت الدموع بعينيها. شفتيها ارتعتشت. أرادت أن تهرب ولكن إلى أين. شعرت بالإختناق. رباه تشعر أنها سوف تموت. العالم يضيق بها. أغمضت عينيها وهي تتنفس بقوة. تحاول السيطرة على نفسها ولكنها تشعر أنها ستنهار في أي وقت. أمسكت الممسحة وهي تعمل بيد مرتعشة. تنفلت شهقات من شفتيها تحاول كتمها بقدر الإمكان. تنجح تارة. وتفـ شل تارة. ماذا توقعت. حقًا ماذا توقعت. أن يحيى سوف ينظر إليها هي. كيف ينظر إليها ولماذا. هل نست نفسها. هذا هو المتوقع. هو بالطبع لن ينظر إلى من في مستواها. إذًا لماذا الصدمة. هل ظنت أنها سندريلا التي سوف ينتشلها الأمير من العامة ويجعلها أميرته. هذا يحدث في القصص الخيالية فقط. الأمير لا يحب الفقيرة إلا في قصص الأطفال أما الواقع فهو شيء آخر تمامًا. الواقع لن يتغير. الطبيب ليس من حقها. عقلها كان مقتنعًا تمامًا بتلك الفكرة ولكن قلبها الـغـ بي لا. لم يكن يجب أن تنظر إلى ما ليس لها. هي من عانت بالنهاية. دموعها تسابقت على وجهها وهي تثبت وجهها على الأرض. لم ترغب أن تكون عِرضة للتسلية. كان يجب أن تغادر منذ زمن. منذ أن تاقت لما ليس لها. منذ فشلت في الحفاظ على نظراتها. منذ أن غرقت في عينيه ولم تستطيع النجاة. ومنذ أن خسـ رت قلبها أمامه. كان يجدر بها الذهاب. الهرب ولكن بكل غباء قررت البقاء. خافت ألا تراه مجددًا لذلك تراجعت عن القرار الذي اتخذته منذ أيام. قررت أن تبقى. قررت أن تستأنس برؤيته يوميًا ولكنها دفعت ثمن هذا القرار غاليًا. فقلبها الآن تحطم.
- رانيا.
قالتها منى بتوجس وهي تقترب منها. رفعت رانيا وجهها.
- مالك يا بت فيه إيه بقالك فترة مش عجباني. معقول فسخ خطوبتك يعمل فيكي كده!!!
قالتها منى لرانيا بقلق بعد أن رأت وجهها الشاحب والدموع التي تلطخ وجنتها. ضمت رانيا شفتيها وحاولت أن تسيطر على نفسها كي لا تنفـ جر بالبكاء. كانت مظهرها مثيرًا للشفقة. يرسم البؤس خطوطه على وجهها. الأمر ليس قصة خطبة يحيى فحسب. بل لأنها اكتشفت أن ممنوع أن تحلم فأمثالها لا يحق لهم الحلم. ربما نصيبها سيكون بالنهاية مع رجل كابن عمتها وخطيبها السابق.
- أنا كويسة يا مدام منى. كويسة.
قالتها بنبرة مرتعشة. لترد منى:
- لا مش كويسة وباين عليكي يا رانيا. قوليلي يا بنتي مالك وإيه الحالة اللي أنتِ فيها دي!!!
- يا مدام قولتلك كويسة. عن إذنك رايحة الحمام.
قالتها بإنفعال وهي تتركها متجهة إلى الحمام.
***
وفي رواق المشفى وقبل الوصول للحمام وجدت يحيى أمامها. كان مبتسمًا وقد اختفت ابتسامته ونظر إليها بتوجس وقال:
- آنسة رانيا أنتِ كويسة.
انسكبت دموعها من وجهها مرة أخرى وهي تتكلم بصعوبة بسبب شهقاتها:
- لا أنا مش كويسة... مش كويسة خالص. أنا عايزة أمشي من هنا... مش عايزة أقعد هنا. غلطت لما جيت... غلطت لما قررت أفضل... كان مفروض أهرب.
نظر إليها بتوجس وقال:
- اهدي بس يا آنسة وقوليلي إيه المشكلة. مين زعلك هنا!
انفجرت بوجهه وقالت:
- المشكلة إني حبيتك... عشقتك زي الـغـ بية فهمت!!!!!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سولييه نصار
الفصل الرابع عشر(الجميلة والوحش !)
اخترقت الكلمات أذنه بشدة ...للوهلة الأولى شعر أنه أخطأ الفهم ...ولكن دموعها كانت حقيقية ...ما تقوله كان حقيقي تماما ...نظر حوله وجد أنه لفت إنتباه الأطباء والعاملين بالمشفى ...ازدرد ريقه وهمس:
-قدامي علي مكتبي لو سمحتي ...
وبالفعل قادها الى المكتب وعقله لا يتوقف عن التفكير أبدا !!
....
فُتح الباب ليدخل يحيى ومن خلفه رانيا الذي أخذت تسب نفسها عدة مرات لأنها أخرجت ما في قلبها ...كم هذا مُحرج ...بالتأكيد سوف يفكر أنها بلا أخلاق والأسو أ أنه قد يعتقد أنها باحثة عن المال ...أنها لا تحبه شخصيا بل تريده لماله...رباه ماذا فعلت بنفسها ...كيف تكون بهذا الغبا ء ...لا تصدق أن الكلمات انزلقت من شفتيها بتلك السهولة ...أغمضت عينيها وهي تتنهد بقوة ثم بدأت بمسح الدموع التي لطخت وجهها ...أتخذ يحيى مكانه على مقعده المتحرك ...كان بحاجة إلي أن يجلس ...ما قالته زلزله...فعليا ..هل فعل شئ يوحي لها أنه معجب بها !!هو لا يتذكر ابدا أنه أعطاها اي أمل إذن كيف تفكر به بتلك الطريقة ...كان يعيش الصر اع بين أن يكون حازم معها لكي تفيق من اوهامها أو أن يكون لطيف ويقنعها ان ما تشعر به قد يكون إفتتان فهو ابدا لم يفكر بها بتلك الطريقة ولن يفعل ...
نظر إليها ووجدها تطرق برأسها على الأرض وقال بهدوء:
-أقعدي يا آنسة .
هزت رانيا رأسها وقالت بصوت مبحوح من أثر البكاء
-شكرا أنا مرتاحة كده ...
نهض بضيق ...وهو يشعر بالإختنا ق ...كان ينتقي كلماته بعناية شديدة لا يريد أن يجرحها...
-ايه اللي أنتِ قولتيه من شوية !!
ثبتت عينيها على الأرض وأخذت تفرك كفيها بتوتر بينما الدموع تتساقط تباعا من عينيها ...
-انسه رانيا ردي عليا لو سمحتي ...حب أيه اللي بتتكلمي عليه ...ازاي تحبيني أنا !!!
نشجت وهي تنظر إليه وقالت:
-مش بإيدي ...
-اومال بإيد مين !!!احنا حتي مبنتكلمش سوا عشان تحبيني ...ده أنتِ بتشوفيني صدفة في المستشفي !!...ده أكيد مش حب افتتان ..مش حب ابدا أنتِ متهيألك !!!
-لا أنا متأكدة من مشاعري !
- بس أنا عمري ما لمحتلك من بعيد أو قريب اني بحبك أو حتي معجب بيكي ...أنا حتي نادرا ما بتكلم معاكي فحب ايه اللي حبتهولي بسرعة ده ...وبعدين أنا مفيش اي حاجة من ناحيتي ليكي ابدا ...
قالها يحيى بنبرة هادئة بينما يضيق عينيه وهو يراقب دموعها التي تتساقط دون توقف ...اخـ تنق صوتها وقالت:
-عشان أنا بشتغل في المستشفى بتاعتك ...عشان عاملة نظافة صح !!
-متلعبيش دور الضحـ ية !!أنا يا بنتي وعدتك بحاجة ...لمحتلك بحاجة...ما هو الحب مش عافية ..بغض النظر عن مكانتك الإجتماعية بس أنا مفكرتش فيكي بالطريقة دي ولا هفكر!!...
هزت رأسها وهي تمسح دموعها قائلة :
-أنا اسفة ...أسفة أنت عندك حق ..بس في حاجات قولتها مش صح ...أنا فعلا حبيتك رغم أنك مستحيل وده مش ذنبك أنا اللي بصيت للسما ونسيت نفسي ...يعني مش متهيألي ولا حاجة ..أنا مش عايزة منك حاجة ..أنا خلاص هسيب الشغل هنا وهمشي ..
-يكون ده أفضل ولو حابة اشوفلك شغل تاني عشان ...
قاطعته مبتسمة بينما دموعها لا تتوقف عن التدفق ...بدت حزينة بشكل مثير للشفقة :
-لا شكرا يا دكتور أنا هتصرف....سلام ...
ثم أنسحبت من مكتبه ومن حياته بالكامل !!
جلس على مكتبه بضيق وهو ينظر الي أثرها ..هل كان قاسي معها ...هل ضغط عليها ...أغمض عينيه بتعب وقال:
-يارب أعمل ايه انا دلوقتي ...يارب ساعدها ....ساعدها تلاقي شغل بعيد عن هنا
........
خرجت من المشفى بأكملها ودموعها تتسابق على وجهها ...كانت قد بدلت ملابس العمل وارتدت قميصها الابيض وتنورتها السوداء ...لم تهتم بإخفاء دموعها أو كتم شهقاتها ...كانت متأ لمة لدرجة أنها لم تلاحظ نظرات الناس الغريبة لها....وضعت كفها على قلبها وهي تكمل سيرها ...كيف فعلت هذا بنفسها ...كيف اها نت نفسها بتلك الطريقة الر.خيصة ...لقد ألقت قلبها وكبرياؤها وكرامتها تحت قدميه ...لم تهتم بأي شئ وهي تعترف بحبها له ...ماذا ظنت ؟!! ظنت أنه سوف يبادلها الحب ...هي واهمة...واهمة وغـ بية !!
جلست على أحد الأرصفة وهي تنظر إلى الأرض وتبكي ...تشعر أن الحياة قد لفظتها بالكامل ...تمنت في تلك اللحظة أن تمو ت بالفعل ...كانت تشعر بالخجل من نفسها ...ليتها لم تتحدث ...ليتها لم تعترف ...رغم لطفه البالغ معها إلا أنها شعرت بالخجل وهو يخبرها أنه لم يشعر نحوها بأي شئ ...وأنه لم يعدها ولم يعطيها ولو تلميح واحد ..هو محق وهي فقط المخطئة ...هي فقط ...لقد.مدت كفها للسماء تحاول امساك القمر ولكنها وقعت بنجمة ملتهبة أحر قتها وهي سوف تعاني طوال حياتها من جُر ح لن يندمل أبدا!!!
-أنتِ كويسة يا بنتي ؟!
قالتها سيدة ما وهي تنظر الى رانيا الباكية بقلق ...
نظرت إليها رانيا ومسحت دموعها وقالت :
-مش كويسة .. مش كويسة خالص ... بس هكون كويسة ...هكون كويسة بإذن الله ...
ثم نهضت مسرعة وهي تتجه الي الشارع العمومي لتستقل وسيلة النقل العمومية
.....
في العربة...
كانت تسند رأسها على النافذة الزجاجية ودموعها تتساقط بتتابع ...لا يمكنها أن تنسى ما فعلته ...كان غضبها من فعلتها المشـ ينة أكبر من ألـ م رفضها من قبله ....لقد ر خصت نفسها ...كيف يفكر بها الآن ...هو حتى لو كان بقلبه إعجاب طفيف نحوها الآن سوف يتلاشى بسبب وقا حتها وإعترافها الصريح .....
-مين يا بشوات مدفعش الأجرة ..
قالها السائق بضيق ولكن لم يرد أحد ...نفخ بضيق وصوته أرتفع الآن:
-مين يا بشوات مدفعش أم الأجرة ...ايه الاصطباحة دي ما تخلصوني يا اخوانا ولا أرجع الفلوس لأصحابها ونقف ونشوف مين اللي مدفعش ...
هنا فاقت رانيا من شرودها وتلون وجهها بحمرة الإحراج والخجل وقالت:
-أنا مدفعتش ...معلش كنت سرحانة ...
ثم أعطت للرجل الذي أمامها النقود ...فز عق السائق بها :
-ما أنا من الصبح يا آنسة شغال اقول مين مدفعش أم الأجرة ..على الأقل ردي ...
اطرقت رانيا برأسها وهي تمسح دموعها ليتدخل رجل مسن نوعا ما يجلس بجانبها ويقول:
-ما خلاص يسطا أُجرتك وأخدتها ...البنت كانت سرحانة وسرع شوية الله يخليك ورانا شغل ...
-حاضر يا عمنا ..
قالها السائق ثم بدأ يقود في صمت...
نظرت رانيا الى الراجل بإمتنان ليعطيها منديل ورقي ويقول بصوت منخفض:
-أمسحي دموعك يا بنتي وسبيها على الله
-ونعم بالله..
تمتمت رانيا وبدأت بمسح دموعها
.....
وصلت رانيا الى منزلها الصغير ...كانت والدتها جالسة على كرسيها المتحرك تتابع أحد الأفلام القديمة على التلفاز الصغير ...ولكنها تجمدت وهي ترى رانيا بهذا الشكل ...
-مالك يا بت يا رانيا فيه ايه ؟!
قالتها والدتها بخوف لتقترب رانيا منها وتجلس علي الأرض امامها ثم تسقط رأسها على ساقي والدتها وهي تجهش بالبكاء ...شعرت ان قلبها سوف يخرج من صدرها من شدة الأ لم ...تشعر بالإ ختناق!!!رباه هي تشعر انها سوف تمو ت ...
-مالك يا حبيبتي ...مالك !!
قالتها رابحة وقد أحر قت الدموع عينيها لترد رانيا:
-قلبي واجعني اووي يا أما ...حاسة اني همو.ت ..همو ت يا أما ..همو ت مش قادرة استحمل ...
-اسم الله عليكي يا بنتي ايه اللي حصل يا رانيا بس ...
ولكن رانيا لم ترد وأخذت تبكي بعنـ ف لتربت والدتها على رأسها وتقول:
-ربنا هيحلها من عنده يا بنتي متيأسيش ...اللي عند ربنا مش بعيد
...........
اليوم أتت سماح والدة ياسين والتي كانت في غاية اللطف معها عكس أبنها قليل الذوق الغبي ..ثم أخذت ياسمين معها وكم كانت ممتنة لها ...فيجب أن تذهب ياسمين لكي تستطيع ورد أن تتحدث مع ياسين ...يجب أن تضع النقاط على الحروف ..هي لن تتحمل بروده أكثر من هذا ...يجب أن يسمعها والا يكون بهذا الغبا ء ...
..
كانت جالسة على الأريكة وهي تنتظره ...ترتب في عقلها ما سوف تقوله له ...يجب أن تواجهه اليوم...ان تكون ضعيفة...لن تخاف ابدا ...وهو يجب أن يستمع إليها ...يُعطيها حق التبرير ...لا يحكم عليها بتلك القسو ة دون ان يستمع لها ...هذا ظلـ م كبير منه هي لن تتحمله!!
فُتح الباب ليدخل هو وتظهر عليه علامات الإرهاق ...نظر حوله ثم قال :
-فين ياسمين .
-مامتك أخدتها ...
-من غير اذني !!
قالها وهو ينظر الى عينيها وقد أظلـ مت عينيه
ارتعشت عندما تلاحمت نظراتهما ...نظراته المظلمة جعلتها ترتعش من الداخل ...ولكن لا هي لن تسمح له بإرهابها ابدا ...لذلك رفعت راسها وقالت:
-مامتك كانت عايزة البنت والبنت كان نفسها تروح مع جدتها وكده كده بكرة أجازة فقولت تقضيه عند جدتها وابقى أنت روح جيبها ..وقولت ان دي فرصة لينا عشان نتكلم أنا وأنت في اللي حضرتك قولته قبل كده ...
ارتدى قناعه الجليدي وقال؛
-مفيش حاجة نتكلم فيها ...أنا جاي من الشغل تعبان وهنام علطول حتى مش هأكل....
ثم كاد بالفعل ام يذهب من امامها الا انها توقفت امامه وقالت بقوة :
-وأنا أصلا معملتلكش أي أكل ...بس لا يا ياسين هنتكلم يعني هنتكلم ...مش بمزاجك ...زي ما اتهـ.متني تسمع تبريري ولا أنت حابب تصدق اني واحدة خا ينة وخلاص ..متجوزاك وقلبي مع غيرك ...!!
ذلك الحديث اشـ عله بقوة ...اراد ان ينهيه لانه يعرف أنه ان فقد اعصابه لن يكون الأمر جيدا ...هو عندما يتذكر كلام والدتها يغضب كثيراً!!
أغمض عينيه وزفر بقوة قائلا:
-يا بنت الحلال خليني أروح وارتاح شوية الكلام ده مش هيجيب نتيجة ...
ثم بالفعل كاد ان يغادر من امامها
الا انها أمسكت ذراعه وصرخت :
-لا هنتكلم الأول ....
د فعها بخشونة ثم القى حقيبته أرضا ليجذبها إليه بقوة حتى التصقت به واختلطت انفاسهما وقال وعينيه تشـ تعل ؛
-تمام خلينا نتكلم على اللي سمعته من والدتك اللي قالت أنك بتحبي علي ...ها برري ...برري اللي سمعته!!!
ارتعش صوته وبان الضعف في نظراته وقال:
-بتحبيه ...بتحبيه يا ورد ..ومقدرتيش تحبيني ...تخيلي أنا حاسس بإيه الأيام اللي فاتت ...حاسس بنا ر جوايا...الشيطا ن بيلعب بعقلي وانا همو ت من قهـ رتي..!!
د فعته وصر خت وقد فقدت سيطرتها على نفسها ؛
-أيوة حبيت وكان حب من طرف واحد ...ايه ارتكبت جر يمة ...ورغم اني حبيته بس معملتش حاجة غلط ولما خطبني برضه معملتش حاجة غلط ...ولما سابني فجأة من غير ما يهتم بأي حاجة برضه موقفتش في طريقه ولا ضايقته وقررت أنساه وفعلا خرجته من بالي ....
أغمضت عينيها وهي تفرغ دموعها ثم قالت بصوت مختنق :
-بعدين دخلت أنت حياتي ...رغم اني مكنتش مستعدة لخطوة الجواز دي ابدا بس حصل وأتجوزتك ...وقررت اخليك كل حياتي ...بقا بيتك بيتي ...وبقت بنتك بنتي وعمري ما فكرت أقصر معاك ولا معاها ...ورغم أنك مغـ فل وغبـ ي وجلنـ ف وكل مرة تكـ سر قلبي الا أني بكل آسف حبيتك ...للأسف حبيتك ...
أشرق وجه ياسين وهو ينظر إليها ونبض قلبه بقوة ...ظن في البداية انه قد سمع خطأ ولكن لا هذا صحيح ...لقد أعترفت أخيرا بحبها له ...اراحته أخيرا بكلماتها تلك ...حاول الإقتراب منها ولكنها ابتعدت وقالت:
-أنت عمرك ما هتتغير هتفضل طول عمرك كده...مبتسمعش حد مبتديش لحد يبرر بتحكم على الناس من غير ما تسمعهم ...وانا خلاص بطلت احاول معاك ...مش هقدر امشي المركب لوحدي يا ياسين ...انا هسيبلك المركب وانت ارجع لجوري اما أنا هنا هكون عشان خاطر ياسمين وبس وفي اليوم اللي مش هتحتاجني فيه ياسمين همشي من هنا !!!
......................
في المساء
خرج من الحمام وهو متكدر المزاج حتى الحمام البارد الطويل لم ينعشه ...ظل يفكر بكلماته التي قالها لرانيا ...هل بالفعل حـ طم.قلبها وهو يخبرها انه لم يفكر بها بتلك الطريقة ...ولكن تلك هي الحقيقة ...لا يمكنه أن يدعي أنه يحبها فقط لانها احبته يجب هي ان تفهم هذا ...
أغمض يحيى عينيه بتعب ...كان يريد التركيز علي موعده اليوم مع ليان ولكنه كان مشتت جدا ...ضميره يعذ به رغم انه كان في غاية اللطف معها صحيح كان حازم.قليلا ولكنه كان يجب أن يفعل هذا كي لا تتأمل منه أي شئ ...حك رأسه وأخذ يفكر كيف أحبته تلك بتلك السرعة ...متى من الأساس تحدث معها لتحبه كما تدعي...ربما الأمر ليس حب ...ربما هو مجرد افتتان قد تكون أحبت شكله الوسيم ... مركزة الإجتماعي ولكنه لا يظن انها احبته لشخصه ...ولكن ...لكن دموعها كانت حقيقية بالفعل لن يُنكر الأمر بدت حقا محـ طمة وهذا أكثر ما يزعجه ...فهو لم يتمني أبدا ان يؤ ذي أحد وبالطبع لم يرد ان يؤ ذي تلك الفتاة المسكينة ...
تنهد وهو يستند على طاولة الزينة ويحاول اقناع نفسه إنه ليس السبب في الذي حدث ...هو لم يقترب منها من الاساس لم يغازلها حتى فليس ذ نبه انها رسمت احلام بشأنه ...غير ذلك كانت يجب أن تفكر بالفروق الإجتماعية بينهما قبل تم تسلم قلبها بتلك البساطة...هز رأسه بقوة وهو يقرر انه لن يفكر بها بعد الآن هو عرض عليها المساعدة وهي رفضت وهذا ليس ذ نبه ابدا ...وبهذة الكلمات اراح ضميره ...ثم اتجه الى الخزانة وأخرج منها الحلة السوداء الخاصة به ...يجب أن تكون صورته حسنة اليوم ...حسنا إن تم ر فضه سيشعر بالإ هانة..وهنا تذكر انه رفض رانيا يا تُري بماذا شعرت ...عاد تأنيب الضمير ينهشه من الداخل ...يشعر انه سوف يجن لم يعد يحتمل أفكاره ابدا ...
هز رأسه بقوة ثم وضع حافظة الحلة على الفراش ....
اخرج حلته السوداء من الحافظة ثم خلع مئزر الحمام وبدأ بإرتداء ملابسه ...
خمس دقائق وكان قد انتهي تماما....وقف أمام المرآة وهو يمشط شعره الأشقر الناعم ثم أمسك زجاجه عطره ورشها عليه ثم تراجع وهو ينظر الي انعكاسه بشرود...يبحث عن الفرحة بعينيه فلا يجدها ...يبدو ان السعادة قد هجرته!!!
تنهد يحيى بحزن وجلس على الفراش ...ضميره لا يتركه وشأنه ...رغم كل المبررات التي وضعها لنفسه والتي بدت حقا مقنعة الا انه لا يمكنه دفع هذا الشعور البغيض بعيدا ...هو ما زال يشعر بالحزن عليها...بالشفقة على حالها ...ربما يستطيع أن يتواصل معها ويجد لها عمل بمكان آخر وقتها سوف يرتاح بكل تأكيد !
........
نزل يحيى من غرفته ليجد والده ووالدته ينتظرانه ...ما أن رأته والدته حتى أشرق وجهها وابتسمت بسعادة وقالت بلهفة ؛
-بسم الله ما شاء الله ...اللهم بارك ...ايه الحلوى دي يا يحيى والله عريس...بإذن الله لما تتجوز انت وليان هجيبلك بدلة زي دي لايقة عليك أووي ...
ابتسم يحيى على والدته وقال :
-ياااه جواز مرة واحدة يا ست الكل ؟!ده أنا رايح اشوف البنت واعرف تفكيرها وهل هتناسبني ولا لا ...وأنتِ جوزتينا وأكيد دلوقتي بتفكري هتسمي ولادنا ايه ...
ضحكت والدته وقالت:
-بصراحة كده أيوة ...يا عدي يا بني ده يوم المنى أنت أخيرا هتتجوز وتستقر وتجيبلي حفيد قبل ما أمو ت وبعدين ليان بنت قمر وانت هتحبها أنا متأكدة ...ربنا يهنيك يا بني ويجعلها من نصيبك ويفرحك دايما ..انت أبن حلال وتستاهل.
-أمين يا أمي ..ادعيلي دايما...
ابتسمت وأمسكت كفه قائلة:
-هدعيلك يا حبيبي هدعيلك هو أنا ليا مين أغلي منك
..............
-شايفك بقيت أحسن بكتير لدرجة نزلت من أوضتك ...
قالها عدي بإبتسامة وهو يقترب من موسى ويربت على كتفه برفق ...ابتسم موسى وقال :
-مليت من قعدة الأوضة والله وبعدين حاسس نفسي بقيت احسن ...شكرا يا عدي ..
-بطل عبط ياض ده أنت أنقذت اختي
ابتسم موسى ولم يرد ...ثم نظر حوله ليتستشعر شئ غريب في القصر ...ضيق عينيه وقال:
-في حركة غريبة في القصر النهاردة خير ؟!
ابتسم عدي بسعادة وقال:
-الدكتور يحيى ...صاحبي القديم جاي يزورنا هو وعيلته زمانه على وصول ...
-يحيى اللي عملي العملية صح ..
هز عدي رأسه وقال:
-هو شاف ليان في المستشفي وعجبته وأتقدملها ...
أختفت الإبتسامة من على وجه موسى وشعر فجأة وكأن أحدهما ألقاه بالنير ان...شعر فعليا كأن روحه تنسل ببطء مميـ ت من جسده فقد وقع عليه هذا الخبر كالصا عقة ...
رسم الابتسامة بصعوبة على شفتيه وقال بصوت خافت :
-وليان وافقت عليه ..
-اكيد يا موسى ..مش هجوز البنت بالغصب يعني ...صحيح لما عرضت عليها أول مرة رفضت بس أمبارح جاتلي فجأة وقالتلي موافقة ...
أطرق موسى برأسه وهو يخفي الأ لم الذي برز بوجهه...انه يخسـ رها ..ولكنه السبب ...هو السبب !!
-عدي أنا رايح اوضتي تعبت شوية .
-اكيد.يا موسى روح ارتاح...
......
ولج غرفته وهو يشعر بالإختنا ق....شعر وكأن أحدهم يعتصـ ر قلبه بقوة ....رمش بسرعة وهو يشعر بالدموع تحر ق عينيه...إن أ لم خسا رتها قا تل ولكن ماذا يفعل ؟!ماذا يفعل ...
اتجه الى فراشه وتسطح عليه هبطت دمعة من عينيه وهو يقر ان ذلك هو الأفضل لها لن يربطها بها وهو لديه كل تلك التعقيدات ...لقد كان انا ني يوما ولن يفعل هذا مرة آخرى...
نهض مرة آخرى والتقط هاتفه وهو يبحث في الصور حتى وجد صورة لها ...صورة التقطها خلسة في يوم عيد ميلاد صديقتها ...ذلك اليوم الذي حدث الهجو م به...كانت تضحك في الصورة ...ضحكتها فقط قادرة على إسعاده ...هو يريدها هكذا دوما سعيدة ...يريدها تضحك....يحب أن يذهب معها لحفلاتها المجنونة تلك ...انه المكان الوحيد الذي تضحك فيه بإنطلاق ...تكون مشاكسة بطريقة هو يعشقها ...
تنهد موسى بحزن وهو يفكر إن كان سعادتها مع يحيى فلا بأس ...ليتها فقط تكون سعيدة للأبد ...
ثم قرب الهاتف منه وقبل صورتها
........
كانت تقف أمام المرآة وهى تضع الماسكرا بينما نسرين تجلس خلفها ...تنظر إليها بحزن ...صحيح ليان تدعي انها سعيدة بقرارها ولكن نسرين تعرفها جيدا ...تعرف ان السعادة التي علي وجه ليان كا ذبة تماما...ليان عندما تضحك عينيها تبرق بقوة ...ولكن هذا البريق اختفي الآن ...ابتسامتها تزين وجهها فقط وليس عينيها ...
_أنتِ متأكدة من قرارك ده يا لي لي ..
قالتها نسرين بحزن لتهز ليان رأسها وتقول:
-يحيى إنسان كويس وانا مرتاحة من ناحيته...
-بتخد عي مين يا ليان ...أنا نسرين صاحبتك ...أنا اكتر واحدة فاهماكي ...
تركت ليان الماسكرا وقالت بنبرة قاطعة:
-لا المرة دي اقتنعي يا نسرين ...خلاص فعليا موسى أنتهي من حياتي ...وانا هبدأ من جديد مع يحيى
-بس أنتِ مبتحبهوش !!!
اعترضت نسرين بقوة لتبتسم ليان بحزن وتقول :
-الحب مبقاش مهم يا نسرين...أنا وانتِ حبينا وايه اللي حصل بعدين ...احنا الاتنين قلبنا أتـ كسر الحب مبيعملش حاجة الا انه بيكـ سر قلوبنا ...أنا مش عايزة قلبي يتكـ سر تاني يا نسرين أنا تعبت ...والله تعبت ...
أحر قت الدموع عينيها لتنهض نسرين وتقترب منها ثم تعانقها بقوة بينما تقول بصدق بالغ :
-أعملي اللي يخليكي سعيدة وبس ...لو خطوبتك من يحيى هتريحك ماشي...أنا حابة اشوفك مبسوطة ...
ابتسمت ليان وقالت:
-وانا هكون.مبسوطة أوعدك....
ثم استمعت.لصوت سيارات ونظرت لنسرين وقالت؛
-يحيى جه.
...... .
نزلت الادراج بحذر وهي تتوازن على كعبها العالي تحاول ان ترسم ابتسامة على شفتيها وهي تنظر الى الأدراج بحذر ...فجأة رفعت وجهها لتتجمد وهي تراه يقف أسفل الدرج...ابتلعت ريقها بتوتر ثم أكملت نزولها....
بينما هو كان بعالم آخر ...كان فاغر فمه وهو ينظر إليها ...منبهر بجمالها وبفستانها الأبيض الرائع ...كانت دوما ترتدي الأسود من اجله ...وكانت حقا تعجبه بكل حالاتها ...ولكن اللون الابيض يلائمها أكثر ...فهي بدت كالملاك به ....ابتسم بحزن وهو يفكر ..ملاك لن يكون ملكه أبدا!!..فهي يبدو انها سترتبط بهذا الطبيب الذي بالخارج...رجل من مستواها ...طبيب محترم وانسان راقي ...والأهم من هذا لا يمتلك ماضي يقيد حياته ولا كوابيس تحيل حياته لجـ حيم ...رجل سوي نفسيا ...رجل يستطيع إسعادها . .ابتسم ابتسامة حقيقية الآن وان كانت حزينة ...على الأقل ستكون ليان سعيدة ...سعيدة وآمنة ...وهذا كل ما يريده.سعادة ليان لا يريد أي شئ آخر!!!
وصلت هي الى الأسفل ولكنها تجاهلته تماما وأتجهت الى الصالة الواسعة حيث الجميع هناك يضحكون ...
كانت نسرين خلف ليان وقد وقفت أمام موسى ورفعت حاجبيها وقالت؛
-هتضيع من إيديك على فكرة ...ايه هتفضل ساكت!!! أنا عارفة أنك بتحبها ...باين على وشك على فكرة ...دي حاجة متقدرش تخبيها يا موسى ...فكر شوية مستعد ليان تضيع من إيديك...مستعد تشوفها بتتجوز واحد غيرك!!...قولي هتكون مبسوط لما تبقي ملك لغيرك!!!رد عليا متبقاش بارد كده وغامض...أنت اللي هتخسر في النهاية !!!
ثم تركته وذهبت ليتنهد هو بحزن وكأنه لا يُدرك.هذا ...هو يعرف جيدا الجحـ يم الذي ينتظره!!!
.............
-مساء الخير ...
قالتها ليان برقة وهي تقف بفستانها الأبيض الطويل والتي بدت فيه كالملاك...
-أهلا أهلا بعروسة ابني ...
قالتها ليلى وهي تنهض لتذهب ليان إليها فتضمها ليلى برفق وتقول :
-ايه الحلاوة دي بس يا عروسة شكلك قمر وتجنني...
-ميرسي ..
قالتها مبتسمة ثم بدأت تحي الجميع....
كان يحيى جالس متباعدا على الأريكة ..عقله مشغول للغاية ...ما زال يتذكر ما حدث ...رباه متى سوف ينسى ...متى!!!...هو حتى لم ينتبه لليان عندما خرجت وبالطبع لم ينتبه لها وهي تمد كفها بلطف لتصافحه...بل كان غارقا في افكاره عندما ربتت والدته على كتفه وهي تقول بغيظ:
-سلم على ليان يا حبيبتي ...
وقتها أرتفعت عينيه ليجدها أمامه تمد كفها.بينما تنظر إليه بتعجب وحيرة نهض بإحراج وقال وهو يرسم ابتسامة معتذرة على شفتيه ؛
-اسف جدا ...
ثم صافحها بسرعة وجلس ....ذهبت ليان وجلست بجوار شقيقها وهي ترسم ابتسامة لطيفة على وجهها رغم ان داخلها تحتر ق بالفعل ...تريد حقا أن تصر خ أن ترفض كل هذا ولكنها أعطت كلمتها لشقيقها وهي لن تتراجع عن وعدها...
......
بعد قليل ..
جلسا كلا من يحيى وليان في الحديقة ليتعرفا على بعضهما ويتحدثان ...
-ممكن اعرف اتقدمتلي ليه ...متقولش الحب.
قالتها ليان بعفوية ليبتسم يحيى ويقول:
-لا يا ستي مش حب ولا حاجة ...ومش شايف ان الحب مهم في الجواز ...يعني في جوازات عن حب كتير فشـ لت عادي ...بشوف اختيار القلب لشريك الحياة بيكون فاشل...وانك تشغل عقلك يكون أفضل بكتير وانا لما أتقدمتلك.شغلت عقلي..
-ازاي بقا ؟!
تساءلت بفضول فقال هو :
-يعني يا ليان أنتِ متعلمة...مستواكي الاجتماعي قريب من المستوي بتاعي ...مثقفة وذكية وأخت صاحبي والاهم أنك شكليا عجبتيني ...غير أني بسمع عنك كل خير ... يعني العروسة المناسبة ليا واللي أنا اتمناها..... اتمني يكون أجابتي وافية ليكي ولا عندك أي سؤال اتفضلي أسألي
ابتسمت وقالت:
-انا مبسوطة لأنك خرجت الحب برا المعادلة عشان أنا كمان مش شايفة الحب مهم ..
رفع كوب القهوة لفمه وقال بإبتسانة رائعة:
-ممتاز يبقي أحنا متفقين ...الحب مقر.ف بكل الأحوال ...
-فعلا
قالتها ثم ضحكت برقة ...وهي تشرب قهوتها هي الآخري ...بينما من الشرفة كان يراقبهما موسى والحزن يسيطر على ملامحه!!
..................
استغلت فرصة إنشغال عدي مع ضيوفه وانسلت الى غرفة النوم واغلقتها جيدا ثم جلست. هي تشـ عل سيجارتها وتتذكر حديثها مع شريف..
.....
-لا معلش عيد تاني مين ده اللي أخليه يحبني ؟!!
قالتها وعينيها متسعة على آخرها...لابد انه يمزح !!
هو كتفه وقال:
-عدي خليه يحبك ...
انفـ جرت بالضحك وقالت:
-أنت بتهزر صح ...أكيد بتهزر ...مين ده اللي يحبني ...وبعدين أخليه يحبني أزاي ؟!اعمله سـ حر مثلا!!!ولا اروح ابوس رجليه واقوله حبني يا سعادة البيه وثق فيا ووريني مكان الشيكات . .بقولك ايه يا راجل انت شكلك راجل لاسع وهتودينا في د.اهية الله يخربيتك ...
اعتصر شريف ذراعها وقال بغضب :
-متعرفيش تتكلمي بإحترام ...هتبقي طول عمرك سوقية كده حتى بعد ما نضفتك ودخلتك قصر .
نفضت هي ذراعيه وقالت:
-خد يا عم القصر بتاعك ورجعني لأمي ...انت كل افكارك ما شاء الله عليها...كل فكرة أعبط من التانية وانا زي البهـ يمة ماشية وراك ...
-طيب أسكتي يا بهمية وخليني أتكلم
زعق بها لتنفخ بضيق وتقول:
-اتفضل اشجيني ...ربنا يستر من افكارك العبقرية بس يارب اخلص من أم الجوازة دي ومنك كمان!!
-لو سمعتي كلامي هتخلصي ...عاندتي هتلبسي في عدي رشيد طول حياتك وصدقيني وقتها هتمو تي عشان تتحرري منه ...
وضعت كفها على وجهها وهي تفكر انها هي من وضعت نفسها في تلك الوزرطة العظيمة ...ولكنها هزت رأسها وهي تفكر انها ليست نادمة بالمرة على ما فعلته ...لقد ساعدت صديقتها وان عاد الزمن ستساعد عبير مرة آخري ...هي لم تعتاد على التصرف بأنا نية ..خاصة مع عبير التي اعتبرتها شقيقتها يوما !!!
-أجذبيه ليكي يا جواهر ...اجذبيه عشان يحبك....
قالها شريف لتعقد ما بين حاجبيها وتقول :
-أجذبه ازاي يعني هو أنا مغناطيس..
-أنا هفهمك.يا جاموسة بس أسكتي ...
ابتلع ريقه وهو يرتب كلماته كي تقتنع.بها...فهو لن يترك فرصة نجاته تنفلت من بين يديه بتلك.السهولة ابدا..
-أنتِ ست يا جواهر يعني هتقدري بسهولة تجذبيه ليكي...وعدي مهما كان ذكي بس هو راجل ومش هيرفض واحدة بجمالك ...
قالها شريف بهدوء ليتلون وجهها بحمرة الغضب ...ماذا يقول هذا المجنو ن ...هل هو واعي بما يقوله !!!كيف تجذبه ...وبأي طريقة ...فجأة اتسعت عينيها وقد نفضت الغباء عنها و ادركت أخيرا ماذا يقصد ...هذا المعتو ه المنحر ف...
-نعم بتقول ايه ؟!!انت اتجننت يا عم أنا مستحيل اخلي العبيط ده يلمسني ...
-ممكن.تخرسي محدش جاب سيرة انه هيلمسك أصلا ...أنتِ ايه مفيش في دماغك الا الحاجات دي !!! استخدمي ذكاءك كأثني واجذبيه ليكي ...
ربعت يديها وهي تقول:
-لا مش فاهمة فهمني ...
-يخربيت اللي ربط الحمار وسابك والله ...أنا اصلا نسيت أنك متعرفيش حاجة عن الانوثة ...
رفعت حاجبيها وقالت:
-هتتكلم ولا أمشي !!
-خلاص هتكلم...القصد أنك تقوليله كلام حلو تحاولي تجذبيه بكلامك ...بإهتمامك....أنتِ ست وهتفهمي أكتر ازاي توقعيه ..عدي لازم يقع علي جدوره في حبك عشان يسلملك ..
-والله شكلنا أنا وانت اللي هنقع على جدور رقبتنا وهنروح السجـ ن ..من أول ما عرفتك وانا النحـ س مش سايبني في حالي ...
-نفسي في مرة تتكلمي بإحترام معايا...لكن لا لسانك عايز بـ تره ...ما هو بسبب عبطك ده اتورطي معايا ..أسمعي الكلام واعملي اللي بقولك عليه ..عدي لو حبك هيجبلك العالم كله تحت رجليكي....خليه. يحبك يا جواهر عشان تتحرري من الجوازة دي !!!
....
خرجت من شرودها وهي تخرج دخان سيجارتها ...شريف يظن ان الأمر سهل ..كيف سيحبها ..كيف تجعله ينظر إليها .....شريف متفائل للغاية وهي تعرف ان الأمر سينتهي بكارثة بكل تأكيد !!
............
اخذ ينظر يمينا ويسارا ليتأكد ان لا أحد في الممر وعندما اطمأن مد كفه وفتح باب غرفتها براحة ثم ولج للغرفة بينما أغنية "past lives "تنتشر في غرفتها كالسحر ...تنهد براحة وهو يجدها نائمة بمفردها ..لا يعرف أين ذهبت نسرين ولا يهتم ابدا....
اقترب منها وهي نائمة بهذا الشكل الساحر ...تمسك هاتفها التي تسطح منه تلك الأغنية الساحرة والتي هي أغنيته المفضلة...اغنية حزينة قليلا ولكن جميلة للغاية .. ...لطالما عرفت ما يحبه وجاهدت لتجعل الاشياء المفضلة لديه مفضلة لديها أيضاً ...لونه المفضل اصبح لونها...ذوقه بالموسيقي اصبح ذوقها ...هو لا يستحق هذا الحب منها ...هو وحش وهي ملاك ....هي الجميلة...ولكن الجميلة يجب أن تبتعد عن الوحش كي لا تُصاب بالأ ذي ...لانه سيمو.ت خلفها إن حدث لها أي شئ ..حبيبته الصغيرة ...سعادته وشقاءه
سحب مقعد وجلس امامها وهو يتأملها وعلى شفتيه ابتسامة كم تبدو مبهجة للنظر...كم تبدو مريحة للقلب...وكم تبدو بعيدة عنه ...بعيد بُعد النجوم...يعرف انه لن يستطيع الوصول إليها ابدا ...ستبقي بعيدة عنه دائما وإن حاول الأقتراب سوف يؤ ذيها وهو ابدا لا يريد هذا ...يريدها دائما سعيدة ...آمنة ...يريدها دائما ضاحكة ...على الرغم ان قلبه يتأ لم لإبتعادها عنه ...ولكنها بتلك الطريقة ستكون آمنه وهذا ما يهم...أليس العشق يعني ان تفضل من تحبه على نفسك ...تتأكد من أنه آمن وسعيد ...يكفيه ان يتأكد من هذا ولن يشتكي أبدا سيتحمل النير ان التي تشتغل بقلبه عن طيب خاطر طالما هي بخير ....
وضع رأسه علي الفراش جانبها وهو يتأمل ملامحها المحببة لقلبه ..
مد كفه ليلمس شعرها ولكن كفه توقف فجأة وهو يدرك ان هذا ليس ابدا من حقه ...ليس من حقه ان يلمسها...
ابعد كفه والدموع تحر ق عينيه ...أن تجد احلامك امامك ولا تلمسها هذا يُؤ لم كالجحيم ...ليته لم يعشق مجددا...ليته.قتـ ل قلبه ...
انسابت الدموع من عينيه وهو يفكر انها ستذهب لآخر ...أمير يليق.بها ...فالجميلة تستحق أمير وليس وحشاً مثله ...ليان تستحق السعادة والسعادة ليست معه ...
مسح دموعه وقرر ان يحقق حلمه ... ربما هي المرة الأخيرة التي سوف يكون فيها بهذا القرب منها ...اقترب وهو يضع شفتيه على جبهتها ويقبله برفق بينما دموعه تلامس جبينها ..ثم ابتعد.بسرعة وقال بصوت مختنق:
-ياريتني قابلتك وانا نضيف ...ياريتني قابلتك وانا في ظرف غير ده خالص يا ليان ..ياريتني قابلتك قبل ما اتكـ سر...ياريت اقدر احبك من غير خوف أني أذ يكي ....
أطرق وهو يحاول السيطرة على نفسه ...الأغنية الحزينة التي تنبعث مرارا وتكرارا من هاتفها لا تساعد بالمرة بل جعلت قلبه يتحـ طم...رباه كيف سيعيش بدونها ..كيف سيراها ترتبط بغيره ...مسح دموعه وقال بصوت منخفض.:
-تعرفي لولا اللي عيشته ولولا الماضي مكنتش سيبتك تروحي لغيري ...لو كنت موسى بتاع زمان كنت هحبك بحرية ..كنت هكون.أمانك وأنتِ كنتي هتكوني حياتي يا ليان ..بس للأسف مش كل اللي بنتمناه بناخده صح ...هي دي الحياة ...أنت هتفضلي بالنسبالي حلم جميل وهتفضلي حلمي...حلمي أني في يوم من الأيام اقدر أتجوزك ..ولو حتي مقدرتش أتجوزك ..هيبقي حلمي أني أحميكي ..هيبقي أني اشوفك سعيدة دايما وبتضحكي ...اشوفك حابة الحياة ..اشوفك دايما في النور وانا هفضل.دايما اراقبك من الضلمة اللي أنا عايش فيها ...بحبك يا ليان وهفضل احبك للأبد ..حتى تحتر ق النجوم ..
ثم أغلق الأغنية ووضع الهاتف بجوارها ..سحب الغطاء عليها أكثر ثم انسحب ليخرج من غرفتها ولكن فجأة وجد امامه نسرين وهي تبتسم بخـ بث وتقول:
-بتعملي ايه هنا يا بيضة ؟!
-ملكيش دعوة ...
قالها ببرود ثم دفعها وخرج لتقول بغيظ ؛
-فعلا جلنف وقليل الذوق !
..........
وقف امام منزل صديقه وهو يتنهد بقوة ...لن ينسى الشجار الكبير الذي حدث بينهما بسبب نسرين ...وبعد التفكير وجد ان يوسف محق جدا ...هو لم يجب أن يعامل ابنته بتلك الطريقة ...لم يكن يجب أن يضر بها أمام الجميع ...هو اخطـ أ كثيرا وكم.نادم على هذا ...فبعد ان ذهبت نسرين لتمكث مع ليان رفضت ان تأتي للمنزل وهو لم يضغط عليها كي تنها ر أكثر من هذا ....
ابتلع ريقه وهو يضغط على جرس المنزل ليُفتح الباب بعد لحظات ويظهر يوسف الذي تلون وجهه بالغضب عندما رأه وما كاد ان يصر خ به الا أن كريم تكلم بإنهيا ر وقال:
-أنا محتاجك يا يوسف...مش محتاج حد يتخانق معايا او يلومني ...محتاج حد يسمعني...محتاج حد يفهمني !!!
لم يشعر يوسف بالشفقة نحوه ...فهو لن ينسى ابدا انه ضر ب نسرين أمام الجميع ...لن ينسى انه جعل نسرين تنها ر بتلك الطريقة السيـ ئة...تأ لم قلب يوسف وهو يتذكر نسرين التي قررت ان تبتعد عن الجميع وتحتمي بوجود صديقتها ...حتى انها ترفض الرد على مكالماته بإصرار غريب ...وكأنها قررت البدء من جديد وقطع علاقاتها بالجميع ...لن ينكر يوسف الأمر ...الجميع خذ لها بطريقة ما حتى هو ...لقد عا.قبها بشدة ولم يرأف بها ...لم يراعي صغر سنها ولا تشتتها وهو الذي وعد نفسه انه لن يكون نسخة آخرى من والدها ...وعد نفسه ان يتفهمها...يسمعها ويتجاوز عن اخطائها ويحتضنها ...وعد نفسه انه لن يتركها ابدا ...وماذا فعل ؟!تركها بالفعل في منتصف الطريق وعلى الرغم من توسلاتها لم يعود ...لقد تصرف بقسوة غريبة معها ...لن يُنكر الأمر ويبدو انها الآن قررت ان تبتعد عن كل من يؤذيها
-يوسف أنا محتاج اتكلم معاك ....لو سمحت أنا محتاجك !!!
زفر يوسف وهو يفسح له الطريق...وولج كريم بسرعة الى المنزل وارتمي على الأريكة بتعب ...جلس يوسف مقابلا له وهو يشعر بالضيق ...
-أنا عارف أنك متضايق مني ...وعارف أني زودتها ..
قالها كريم بحزن وهو ينظر ليوسف ..صديق عمره ...هو ابدا غير قادر على خسا رته ..هو نادم على ما تفوه به له وكيف أنه اها نه ....
كان يوسف ينظر إليه بضيق ...يربع ذراعيه ويرفع حاجبيه ويقول:
-على ما أظن مش أنا اللي محتاج الاعتذار ده ...بنتك اللي أنت ضر بتها قدامنا محتاجاه أكتر مني !!!
ازدرد كريم ريقه وقال:
-عندك حق أنا غلطت غلطة كبيرة في حق نسرين ...معرفش عملت كده ازاي ..موعيتش على اللي عملته الا لما بنتي أنها رت وكانت هتضيع من بين إيديا يا يوسف...ودلوقتي هي فاكرة اني مبحبهاش !!
-طيب ما عندها حق !!
اردف يوسف ببرود ثم أكمل :
-طبيعي مادام معاملتك ليها كده هتفتكر انها مبتحبهاش !!!أنا مش قادر اصدق أنك مديت إيدك عليها ...على نسرين يا كريم ...نسيت ان أمها ماتت...المسكينة يتيمة الأم ومحتاجة حنان منك مش عصبية وضر ب وقلة قيمة!!أنا بجد اتصدمت منك ...افتكرتك هتقدر تشيل الأمانة بس فـ شلت يا كريم ...فشـ لت تشيل أمانة بنتك ...ايه شايفها حمل عليك للدرجادي ...مش قادر تتحملها الشوية دوول ...
-لا والله يا يوسف...أنا بحب نسرين ...دي بنتي يا يوسف ..بنتي.!!
-الحب مش أقوال الحب أفعال ...قولي امتي آخر مرة حضنت بنتك ...أمتى آخر مرة اتكلمت معاها حرام عليك انت كده بتكـ سرها يا كريم وانا مش هتحمل اشوف نسرين بتتعذ ب معاك ...
أطرق كريم راسه بحزن وقال:
-يمكن عندك حق أنا اللي قصرت ويمكن ده اللي خلاها تمشي في طريق مش كويس ...
نظر إليه يوسف بحيرة وقال:
-قصدك ايه ؟!
ابتلع كريم ريقه وقال:
-انا عرفت ان نسرين مرتبطة عشان كده كنت بعاملها وحش!!
...........
فتحت باب الحمام وهي تخرج بينما تشعر بالإنتعاش ...اليوم سوف ينام أمير في ورشته لان لديه أعمال كثيرة وهي ستمكث في المنزل على راحتها ...كانت مرتدية قميص أمير الذي لا يصل الي ركبتيها حتى كانت تضم القميص إليها وهي تشعر بالسعادة ...لقد أعترفت أخيرا لنفسها ...هي تعشقه ...تعشقه بقوة ...
ثم بدأت تعني وهي ترقص
مخصماك وابعد عني أنا مش طيقاك
أيوة مش عايزة أبقى معاك
متورنيش وشك ثاني
مخصماك مجنون بجد أنا مش فهماك
مش عايز عيني تشوف شكلك
ولا أسمع صوتك في وداني...آه ...
صرخت فجأة وهي تجد أمير في منتصف الصالة ينظر إليها بصدمة وهو يقول :
-نسوان في بيتي !!!
.........
ولجت للغرفة وهي تحمل صينية عليها طبقين من الارز بلبن...اتبعت طريقة ان اقرب طريق لقلب الرجل هو معدته ...لا تعرف إن كان طبق الأرز الذي صنعته لعدي سيصل لقلبه ام لا ..
-ربنا يستر يارب الافكار دي تنجح والله حاسة اني عبـ يطة وشريف ده أعـ بط مني وهيودينا احنا الاتنين في ستين دا هية ربنا يستر يارب ... يارب أنا غلبانة يارب استرها معايا
-ايه ده ؟!
قالها عدي وهو يخرج من الحمام ويجفف شعره بينما كان عاري الجذع كالعادة ...لا يرتدي الا بنطال رمادي ...
حاولت جواهر ان تتصرف بشكل طبيعي والا تشعر بالهـ لع وقالت؛
-دي زي ما بتقول طلب لبداية جديدة لينا أحنا الأتنين ...
ابتسم عدي واقترب وهو يمسك المعلقة ولكنه توقف فجأة وهو ينظر إليها قائلا:
-شكلك حطالي سـ م في الرز .
غمزت له وقالت:
-ونوع فاخر كمان هيمو تك من غير ما تحس ...يدوب شكة دبوس . .
ضحك عدي ثم تناول قليلا وبعد ان انتهي وضعت جواهر الصينية على الطاولة التي بجوار الفراش وقالت:
-انا حابة ابدأ من جديد معاك ...ايه رأيك نعتبر دي فترة خطوبتنا ونتعرف على بعض...
اقترب منها وجلس على الفراش بجانبها وقال:
-فكرة حلوة اووي بس عندي فكرة احسن ..ايه رأيك تديني حقوقي الزوجية اللي أنتِ مانعاها عني يا بيري ...
اتسعت عينيها بر عب ونهضت لكي تركض الا أنه امسكها من معصمها وأسقطها على الفراش بينما المياة تقطر من شعره على وجهها التي أُرتسمت عليه إمارات الر عب ...عينيه أظلمت وقال بنبرة ثقيلة وهو يمسك يديها ويثبتهما على الفراش ..
-آن الاوان اخد حقي الشرعي يا بيري!!!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سولييه نصار
الفصل الخامس عشر(لن تكوني ملكي )
"أنت لست لي ولكني أحبك .. ما زلت أحبك .. وحنيني إليك يقتلني وكرامتي تمنعني وكل شيء يحول بيني وبينك. "
محمود درويش.
تجمدت عبير وهي تنظر إليه بينما قلبها يخفق بقوة ...رباه ماذا سيحدث الآن!!! بالتأكيد سوف تكون فضـ يحة كبيرة ...كان أمير ينظر إليها بحد.ة ...وجهه اصبح مصبوغ بحمرة الغضب ...عينيه الذهبية تشـ.تعل بها النير ان ...ازدردت عبير ريقها وتراجعت قليلا للخلف وتصاعدت دموع الر عب بعينيها
-نسوان !!نوح جايب في البيت نسوان !!!
صرخ بها امير بغضب وهو يجد تلك الفتاة التي تنظر إليه برعب والتي كانت خارجة من حمام منزله ..كان مصدوم من نوح الذي استغل غيابه وأتي بنساء الي المنزل !!...
-اسمعني بس ...
قالتها بر عب ليصر خ امير وهو يستدير :
-نوح ...نوح انت فين يا أحقـ ر خلق الله بقا تجيب نسوان في بيتي الطاهر الا مدخلتهوش واحدة ست غير امي الله يرحمها ...ده جزاتي اني لميتك من الشوارع ودخلتك بيتي الطاهر ..عايز تنجـ سه...
ضربت عبير علي وجهها برعب وهي تقول:
-ياربي هنتفـ ضح ...يا أمير اسمعني ...
قالتها وهي تركض وتقف أمامه...اشاح بوجهه وهو يقول بضيق :
-لو سمحتي يا ست انتِ البسي عباية ولا اي حاجة وروحي من هنا وربنا يستر علي ولايانا ...أما ابن الكلـ ب اللي اسمه نوح أنا هوريه ..
-احترم نفسك متشتمش بابا !
صرخت به بإنفعال ليرد هو :
-ليه هو نوح اخوكي ؟!!
-لا نوح يبقي أنا وانا ابقي نوح !!!
تراجع للخلف وهو ينظر إليها ...وبدأت الاحداث تترابط بعقله...لقد عرف الآن ..عرف انه تعرض للخدا.ع من قبلها ...لقد كان غبي ليقع في فخها وصدقها بكل بساطة!!!!...
ذهبت عبير من أمامه وتركته مذهولا لترتدي شئ محتشم ...بعد قليل خرجت من الغرفة لتجده ما زال يقف متصنما ..لم يتحرك حسنا شعرت بالتوتر الآن اقتربت منه وقالت بهدوء :
-أنا هحكيلك عن كل حاجة ...
ثم بدأت تقص عليه كل شئ
وبعد أن انتهت نظرت إليه وتمنت أن يكون قد فهمها ولكن للاسف نظراته ما زالت مشتعلة ...ما زال الغضب يسيطر عليه ..
-أنتِ كد بتي عليا !!!عشتي معايا كأنك راجل !!!
كانت نبرته مصدومة وهو ينظر إليها بينما بدأت الدموع تحتشد أكثر بعينيها
-أنتِ كد.بتي عليا خد.عتيني؟ !!يا ترى كنتي فرحانة وأنتِ بتستغفليني؟!فرحانة وأنتِ شايفاني كأني حمـ ار!!.. انطقي..
صرخ بها لتتراجع للخلف والدموع تطفر من عينيها ..بعينيه الذهبية كان يشع الأ.لم ...لقد جرحته..أ.لمته تعترف بهذا !!
هزت رأسها وهي تبكي وقالت:
-لا يا أمير أنا عمري ما شوفتك كده أبداً ... بالعكس انت انسان شهم وجدع ساعدتني كتير ...
دفع المقعد الخشبي أرضا لتصرخ هي بر.عب بينما يزعق هو :
-وده جزائي بعد ما كنت شهم وجدع معاكي !!جزائي تستغفليني وتعيشي في بيتي كأنك راجل ...اكيد كنتي بتضحكي عليا لأن كنت مصدقك زي العبـ يط ...كان الموضوع مسلي صح ..مسلي اني أكون المغفل اللي دايما يصدق كدبك ...
-يا امير اسمعني ...
-أخر سي...اخر سي...متجبيش سيرتي علي لسانك ..مش عايز اشوفك هنا ...اطلعي برا ...اطلعي برا بيتي !!!
-ممكن بس ..
قالتها وهي تبكي ولكنه قاطعها وهو يعتصر ذراعها بعـ نف بينما الأ.لم يشع من عينيه :
-أنا عمري ما فكرت أمد إيدي علي ست فبلاش تكوني أنت الأولي ...قولتلك امشي من هنا !!
ثم دفعها نحو الباب وقال:
-مش عايز اشوفك ولو حتي صدفة ..عمري ما هسامحك علي خدا عك ليا وانك عاملتيني كأني مغفل استغليتي طيبتي وضحكتي عليا ..اطلعي برا يالا ...برا بيتي وبرا حياتي !....
اخذت تبكي وهي تنظر إليه وقالت بصوت مختنق :
-أمير متتخلاش عني ...أنا مليش حد ...
-وانا مالي...أنا مالي ...انتِ واحدة كد ابة تستاهلي اللي هيجرالك ...أنا بكر هك...بكر هك ..ومش طا يقك...ومش مصدق انك خلتيني لعبة في إيديكي ...أنا ابقي لعبة !!!!
ابتلعت ريقها ودموعها ما زالت تتساقط ثم استدارت وفتحت الباب وخرجت دون أي محاولة آخرى ...حسنا هي المخطئة وليس هو ...
بينما تنزل السلالم المتهالكة قليلا شهقت وأحدهما يمسك ذراعها نظرت لتجده أمير يضغط على أسنانه بقوة وقال:
-رايحة فين ؟!
-أنت اللي قولت ...
ولكنه قاطعها وقال:
-يالا على فوق ...يالا ...
ثم جذبها خلفه ...
....
ادخلها للمنزل وقال:
-هتنامي في الاوضة وتقفلي على نفسك الباب ...مش عايز المحك قدامي ...لما اكون برا البيت اقعدي في الصالة براحتك واتمشي في البيت براحتك ...لكن طالما أنا في البيت تلزمي الاوضة دي مفهوم !!!
هزت رأسها بطاعة وهي تتجه الى الغرفة وتغلقها عليها جيدا...
تنهد أمير وقال:
-ايه المصـ يبة دي ياربي ...لو حد عرف انها عايشة معايا هتبقي فضـ يحة...ربنا يستر !
..........
-أنت...أنت بتعمل ايه ؟!!
قالتها بتلعثم وهي تنظر إليها بر عب ...كان يشرف عليها من الاعلى ..كم ارتعبت وقتها ...شعرت أنها ضئيلة مقارنة بحجمه الضخم ...
ابتسم عدي بمـ كر وقال:
-ايه عايز اخد حقي الشرعي مش آن الأوان تديهولي يا عروسة ...ولا هنفضل أخوات كده علطول ...
ازدردت ريقها بر عب ثم بدأت الدموع تتصاعد لعينيها واستخدمت سلاحها الاقوي الآن ...وكان السلاح الأقوي هو دموعها ...إذ انفـ جرت بشكل مفاجئ بالبكاء مما جعله يرتبك ويبتعد عنها ويقول:
-بتعيطي ليه ؟!
-عشان أنت هتاخد حقك مني بالعافية !! ...هتعتدي عليا !!اتفضل يالا ...كلكم كده ...كلكم !!!
-اعتدي عليكي ايه ...أنا جوزك يا هانم !!!
زعق بها وقد اغضبته كلماتها لتنهض من الفراش وتقول وهي ما تزال تبكي بشكل يمزق القلب وتتقطع كلماتها من شدة شهقاتها:
-ما هو ده المبرر اللي بتستخدموه عشان تأخدوا اللي أنتوا عايزينه ...اتفضل يالا خد حقوقك بالعافية مني ...اعمل زيه !!
-زي مين بالضبط !!
قالها بعصبية وهو ينظر إليها ...لن ينكر بكاؤها كان صادق ...كان يتأثر بها. ....وهو لم يكن يريد هذا ابدا ...لا يريدها أن تسيطر عليه بتلك الطريقة !!!
مسحت دموعها وقالت:
- مش مهم تعرف ...بس مش عايز حقوقك ...يالا تعالي خدها وأغو ر أنا في ستين دا هية ...خليك نسخة منه وزي ما اتجوزتني غصب المسني بالغصب ...
غضب...لقد استطاعت إشعا ل غضبه ...لم يتحمل وهو يقترب منه ...يجذبها ثم يدفعها نحو الحائط ...يحاصرها هناك بينما يتصاعد التوتر داخلها ولكنها يجب أن تُكمل ما بدأته ...حتي لو ستكذ ب مليون مرة ..ولكن لن تدعه يلمسها ...
-أنا ملمستش غصب عنها يا عبير ...لا عمرها حصلت. لا هتحصل ...
-بس بتتجوزهم غصب عنهم.صح !!
قالتها وهي ترفع رأسها بقوة ...لا يبدو أنها خائفة منه ابدا ...ولكن داخلها كانت حقا ترتعش ...هي تعرف أن هذة حر بها ...حر بها لتُحافظ على نفسها ...يجب أن تخرج من تلك الزيجة المز يفة سلمية ولا تخسر أي شئ !!
-ابوكي اللي عرضك للبيع!!
رفعت رأسها وقالت:
-عشان حضرتك كنت هتحبسه بالشيكات دي يعني هددته وبقيت أنا كبش الفدا بتاعكم ...فمش هتفرق اتفضل يالا المسني بالغصب ...اعتد ي عليا...الحاجات دي مبتفرقش معاكم ...
-عبير متعصبنيش !!!
زعق بها وهو يضغط على ذراعها بشكل اقوي ولكنها لم تستسلم ...ستغضبه حتى يبتعد عنها ...
-أنا بقول الحقيقة ...
خنـ قها فجأة وقال بصوت مشتعل:
-اقولك انا الحقيقة بقا ...ابوكي هو اللي واطي ...هو اللي عرضك عليا عشان محبـ سهوش قالي لو عجبتك بنتي خدها...دي حقيقة ابوكي ..فلو شايفاني بشـ ع فأبوكي أبشـ ع مني !!!
ثم افلتها لتسعل بقوة ....فابتعد عنها وغضبه ما زال مشـ تعل ...عرف أنه لو مكث في الغرفة معها أكثر من هذا بالتأكيد سوف يحـ طم رأسها ...وهو لا يريد أن يصل لتلك الدرجة معها ...العنـ ف ليس من شيمه وخاصة مع النساء ....
اخرج ملابس بيتيه له من الخزانة ثم بدأ يرتديها وخرج مسرعا من الغرفة ...جلست جواهر على الفراش وهي تضع كفها على عنقها وتقول:
-الحمدلله ...الحمدلله ...أنا النهاردة كنت هخسر كل حاجة بسبب ابن المجنونة ده ..بس الحمدلله اتسترت لازم اخلي بالي بعد كده
تنهدت وقررت أن تنام وحتى لو أتى يجدها نائمة فلا يقترب منها ولكنها توقفت فجأة وهي تري طبق الأرز وقالت:
-يالا هو فقـ ري ملهوش في الطيب نصيب ..
ثم اتجهت الى الصينية وبدأت بإلتهام الأرز وهي تستمتع بطعمه اللذيذ وتقول:
-يمكن الميزة الوحيدة اللي اخدتها من جوازي منه أن الاكل هنا حلو اووي
..............
في اليوم التالي
اشاحت بوجهها عندما تسللت أشعة الشمس من نافذة الغرفة التي تنام به ...شعرت بأ لم شديد بعينيها المنتفخة ...ولكن هذا الأ لم لم يُقارن بالأ لم الشديد الذي في قلبها ...لا يُقارن بإحترا ق روحها ...قلبها يضج بالمشاعر المختلفة ...هي حزينة ...متألمة وغاضبة ..وكرامتها مجرو حة!!!
والاسوأ من هذا انها منهكة...فاقدة الشغف لتعيش...لا تريد أن تخرج وتواجه العالم ...يغريها ان تضع وسادتها على وجهها وتختبئ بغرفتها ولكنها لا تمتلك تلك الرفاهية أبداً ..هي المعيلة الوحيدة لوالدتها ...لا يجب أن تكون انانية بذلك الشكل ... والدتها تحتاج الطعام والدواء ...
استغفرت ربها ثم نهضت وهي تقرر بدء صفحة جديدة بحياتها اولها ان تتقرب من ربها...عسى هذا يُعطيها السلام ...
اتجهت لخزانتها الصغيرة وأخرجت منها قميص أزرق وتنورة من القماش لونها أسود وقررت ان تستحم وتخرج ...
...
خرجت من الغرفة حيث والدتها نائمة ثم اتجهت الى الحمام
وقفت تحت الصنبور والمياه تندفع عليها بقوة ...كانت تغمض عينيها وهي تسمح للمياه بغسل همومها ....كانت في عقلها قررت أن تغير من حياتها ...لا تريد أن تكون بلا فائدة ...لا تريد أن تبقى في نفس المكان ...وان لا تحقق أي إنجاز بحياتها ...لا تريد أن تكون مثيرة للشفقة ...هي سوف تنهض وترتب حياتها ...ربما ما حدث ..حدث ليجعلها تفيق لذاتها ...قصتها مع الطبيب كان محكوم عليها بالفشل ...ربما ستقابل أحداً ما يحبها لذاتها ...أحداً سيمسك يديها ويكون أميرها ...هذا ليس مستحيل ابدا ...
.....
خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها ترتدي قميص قطني دون أكمام وسروال قصير بينما شعرها الطويل نوعا ما يلتصق بوجهها ....الدوش ساعدها لتصفي عقلها تماما وهي الآن تشعر براحة نوعا ما ...صحيح قلبها ما زال متأ لما ولكنها اعتادت على الألم هي لن تمو ت بسبب العشق الا اذا كانت ضعيفة وهي لن تكون ضعيفة بعد الآن
-حموم الهنا يا بنتي ..
قالتها والدتها مبتسمة لتبادلها رانيا ابتسامتها وتقول:
-صباح الخير يا أما ...ازيك النهاردة ...
ثم اتجهت إليها وهي تقبل رأسها وما زالت محافظة على ابتسامتها وإن كانت لا تصل لعينيها ..
تمعنت فيها والدتها بقلق ...أرادت أن تسألها عما حدث بالأمس رغم أنها شبه متأكده أن الأمر خاص بالطبيب ولكنها فضلت الصمت ...لم ترد أن تحزنها أكثر ...
جثت رانيا أمام والدتها وامسكت كفها وهي تقبله وتقول:
-أما أنا سيبت الشغل ..عرفت أني لو فضلت اكتر من كده هتورط ...هتجر ح أكتر بس متقلقيش هشوف غيره مش هخليكي تحتاجي اي حاجة ..ههتم بيكي وصدقيني احنا من النهاردة مش محتاجين حد ...ربنا معانا وانا هشتغل وهتحمل المسؤولية ...مش هبص تاني للسما هعيش على الأرض ...أنا اتعلمت الدرس كويس ...مش هحلم تاني هعيش في الواقع وده احسن بالنسبالي ..
تصاعدت الدموع بعيني والدتها لتشد رانيا على كفها وتقول مبتسمة :
-متخافيش كل حاجة هتبقي كويسة وانا هبقى كويسة ...هنسى ...ربنا ادانا نعمة أننا ننسى ...ربنا لطيف بعباده ...أنا هكلم أبلة ماجدة تشوفلي شغل تاني وهشتغل واجتهد عشان مخلكيش محتاجة أي حاجة ...
انسابت الدموع من عيني والدتها لتمسح رانيا دموعها...ربتت والدتها على رأسها وقالت:
-سامحيني يا بنتي ...سامحيني اني ضغطت عليكي بالشكل ده ..سامحيني اني مكنتش ام صالحة ليكي ...كنت أنا نية وما زلت ...سامحيني يا بنتي ..ابوس ايديكي...
قبلت رانيا رأسها وقالت:
-لا أنتِ سامحيني عشان مكنتش بسمع كلامك ...كنت عنيدة بس كلامك اللي طلع صح وانا اتعلمت الدرس كويس ..واوعدك من النهاردة ..ده
وأشارت إلى قلبها واكملت :
-مش هديه لحد بسهولة خالص
.......
-بقولك يا بنتي كان في أوضتك امبارح ...يا ليان صدقيني موسى بيحبك ...لو شوفتي شكله امبارح ...صعب عليا بجد ..
قالتها نسرين محاولة إقناع ليان بما رأته ولكن ليان لم تكن تريد أن تهتم ...لن تعيش باقي حياتها على أمل أنه يحبها ...يكفي ما نالته منه من عذا ب ...هي لن تسمح لموسى أن يجر حها مرة آخري ...ستحافظ على البقية من قلبها ولن تجعله يحـ طمه ...
تنفست بعمق وقالت :
-نسرين خلاص موضوع موسي انتهي نهائيا وانا مش عايزة افكر فيه ابدا ...موسي خرج من حياتي لازم تفهمي كده ومش هيرجعلها تاني انا مش هفضل طول حياتي استني أنه يحبني أو يبين مشاعره ...أنا مش هضـ يع حياتي عشانه ...وحتى لو كان بيحبني وبيخبي يبقي دي مشكلته هو ...هو اللي جبان مش أنا ...
-بس يا لي لي ...
-من غير بس يا نسرين ..كفاية كده انا برضه انسانة وبحس ومش كل شوية همد إيدي ليه وهو يبعد مش كل شوية أسلمله قلبي وهو يدوس عليه ويجر حني ويكـ سرني...أنا هحافظ على قلبي وهبقى سعيدة ...مش هفكر الا في نفسي وبس ...هتبقى سعادتي من ضمن أولوياتي ...مش هفضل حد على نفسي ولا هتمسك بحد مش متمسك بيا ...
-وأنتِ كده هتبقي سعيدة يا لي لي ...لما تبعدي عن الشخص اللي بتحبيه ...
-إذا كان الشخص اللي بحبه كل شوية يكـ.سرني ...كل شوية يزعلني يبقى أقرب منه ليه ؟!..بعادي عنه أفضل بكتير على الأقل بالطريقة دي بحافظ على نفسي عشان متجر حش تاني...ولو سمحتي يا نسرين متجبيش سيرة موسى تاني ..أنا بعد اسبوع هتخطب ليحيى وعايزة ابدأ حياتي وانا شايلة موسى من راسي ...
-وهتعرفي تشيليه...
-أيوة هعرف !
قالتها بتحدي وهي كانت تنوي ذلك بالفعل. .. مهما حدث هي لن تفرض نفسها عليه مرة آخرى ..لن تسمح أن تريق كرامتها أكثر من هذا ..
هزت نسرين رأسها بيأس ثم خرجت من الغرفة وهي تبحث عن موسى ...اخيرا وجدته في الرواق المؤدي لغرفته ...
-موسى ...
هتفت بإسمي لتتجمد يديه على مقبض الباب ويغمض عينيه بغضب وهو يقول :
-الصبر من عندك يارب !!!
ثم نظر إليها وهو يبتسم بلطف مفتعل؛
-أخبارك يا أنسة نسرين ...
اقتربت منه نسرين بغضب ...كانت ترغب بلكـ مه !!
-البنت هتضيع من إيديك يا غبي اتصرف...خطوبتها بعد اسبوع !!
قالتها نسرين لهذا الغـ بي..ولكن وجه موسى كان متجمد بمهارة رغم الأعاصير التي بداخله ...ودت نسرين حقا أن تلكمه ...كيف يدعي ذلك البرود وهي رأت حقيقته بالأمس وعرفت كم هو في يريد ليان ...
-عن اذنك رايح انام ..
قالها ببرود وهو يحاول الدخول لغرفته الا ان نسرين شدت مقبض الباب لتنغلق غرفته مجددا و وقفت بوجهه وقالت:
-أنت هتفضل عبيط لحد امتي ...بقولك البت هتضيع من إيديك بطل غباء ...وبعدين انت بتحبها ومتنكرش أنا شوفتك في اوضتها امبارح...شوفت نظراتك ازاي كانت ليها ..وحاسة بالغيرة اللي في قلبك ...يبقي متقنعنيش ان مفيش مشاعر جواك ليها !!لأن واضحة جدا مشاعرك ليها ....فمتتغابش لو سمحت ...البنت حرام بتحبك وعانت كتير بسببك وانت وصلتها لمرحلة أنها هتتخطب لواحد تاني عشان تهرب منك ...ليه كده يا موسى ...ليه قافل قلبك بالشكل ده ...ليه خايف تحب ليه ؟!!...انت مش هتلاقي زي ليان تحبك...انت مش هتلاقي زي ليان في العموم ...أنت محظوظ أنها حبتك أنت ...عارف كام واحد يتمني بس يتكلم معاها في الكلية بتاعتنا
-لا مش عارف ومش حابب اعرف لاني مش مهتم ...وهقولك يا آنسة نسرين اللي قولته لصاحبتك الحب مش عافية ...وانا مبحبهاش!!
ثم ولج لغرفته وأغلق الباب بوجهها !!
.............
بعد أسبوع
خرجت من جامعتها وهي تشعر بالتعب والاكتئاب ..لم ترغب أن تترك بيت ليان فكم شعرت بالراحة مع صديقتها ...عندما أخرجت الجميع من حياتها ...رفضت أن ترد على مكالماتهما شعرت حقا براحة كبيرة...وكأنها تخلصت من حمل يثقل قلبها ...شعرت أنها حرة ..لا والدها ولا يوسف ولا فؤاد كانوا بحياتها ...لم تشعر أبدا بالضغط وكأنها طائر حر يطير في سماء الأحلام ...ولكن للأسف سقطت على أرض الواقع بقسو ة عندما أتي والدها بنفسه كي يأخذها ورغم توسل ليان له لتبقي قليلا إلا أن كريم رفض بإصرار وأخذها معه وهي ذهبت ولكنها أصرت أن تتفاداهم ...لم تأكل معهما وظلت طوال اليوم بغرفتها ...لم تأكل الا عندما توسلت نهى لها واحضرت صينية الطعام لغرفتها ...لولا نهى لم تكن لتأكل حقا ...توقفت مكانها وهي ترى يوسف يقترب منها ...أرادت أن تهرب ...لم تذهب من أمامه ولكنها اختارت أن تواجه .....
اقترب يوسف وهو ينظر إليها بغضب
-مبترديش علي مكالماتي ليه ؟!ليه متجاهلاني بالطريقة دي يا نسرين ...أنا عملت ايه لده كله ؟!!
قالها يوسف بإنفعال ...صحيح كان يريد أن يكون هادئ معها بسبب ظروفها ولكن نسرين قد بالغت برد فعلها فهو اتصل بها مئات المرات وهي كانت مصرة على رفض اتصالاته ...
-مكنتش فاضية !!
قالتها نسرين ببرود ثم كادت أن تذهب إلا أن يوسف امسك ذراعها وقال:
-لا نسرين أنا مش هقبل المعاملة دي منك ابدا ...أنتِ لازم تتكلمي معايا عدل والا ....
-والا ايه ؟!هتعا قبني وتنفصل عني وبعدين تجيب واحدة تمثل انها خطيبتك عشان تقهـ رني ...اتفضل اعمل اللي انت عايزه يا يوسف أنا مبقتش عايزة حاجة ...أنا اللي فيا مكفيني...ياريت فؤاد كان سابني انتحر واخلص
اشتعل بنيران الغيرة وهو يسمعها تنطق بإسمه ولكنه قال وهو يحاول تهدئة أعصابه ...لا يريد أن يخسرها ...سيتنازل قليلا...
- أنا بحبك يا نسرين ...بحبك أو ي وأنتِ بتبعديني عنك !!
هزت نسرين رأسها وقالت الدموع تطفر من عينيها:
-مظنش ..مظنش انك حبتني خالص ...انت زيه ...زي بابا ...كلكم بس بتقولوا بتحبوني...بس تصرفاتكم غير كده خالص ...بتتفننوني تعذبوني وتقهروني ...قولي حب ايه ده يا يوسف اللي بتتكلموا عليه ...انتوا دمرتوا حياتي!!!أنا مش محتاجاكم من النهاردة...
ثم كادت أن تذهب ليقول يوسف فجأة:
-ابوكي عرف انك.مرتبطة ....بس ميعرفش مين اللي أنتِ مرتبطة بيه !!!!
..................
-ماجدة كلمتني عليكي وقالت شغلك حلو ...بس اعرفي انك هتشتغلي هنا مؤقتا يعني حسبة تلات اسابيع كده عقبال ما ناريمان تقوم بالسلامة وترجع الشغل ...
قالتها السيدة المسنة والتي تكون رئيسة الخدم لي قصر رشيد
ابتسمت رانيا وقالت:
-قالتلي أبلة ماجدة الكلام ده يا ست هانم صدقيني بس تقوم ناريمان بالسلامة أنا همشي من هنا
ابتسمت السيدة اخيرا وقالت :
-متقوليليش يا ست هانم قوليلي يا أم رأفت أو يا أبلة لطيفة ...
هزت رانيا رأسها بطاعة لتقول لطيفة :
-يالا دلوقتي نبدأ شغل عشان النهاردة خطوبة الهانم الصغيرة وقدامنا حاجات كتير نعملها ...
-ماشي يا أبلة ..
قالتها رانيا ثم بدأت العمل بهمة ....كانت تريد إثبات ذاتها ...لا بأس سوف تعمل مؤقتا وفي تلك الأثناء سوف تبحث عن عمل آخر ...بالإضافة إلى أن قررت أن تُكمل تعليمها...قررت أن تكون شخص تفتخر هي به ...قررت أن تُرضي ذاتها ...ستظل دائما مشغولة كي تنساه ...تلك هي الطريقة الوحيدة لكي تخرجه من عقلها!!
..........
-ازاي يعني يا نسرين مش هتيجي دلوقتي ...النهاردة خطوبتي وانتِ البيست بتاعتي لازم تبقي معايا من أول اليوم ...
قالتها ليان بتذمر وهي تدور بصالة القصر ...كان الجميع يعمل بهمة لجعل هذا اليوم يوما لا يُنسي
تنهدت ليان وهي تستمع لمبررات صديقتها ...لقد كانت تشع من السعادة عندما كانت هنا ولكن منذ أن أخذها والدها أول أمس وهي بهذا الحُزن ...
-لا يا نسرين هتيجي وتبقي معايا وتنسي الزعل وكل حاجة النهاردة ...أنتِ أقرب حد ليا يرضيكي ازعل منك يعني ...
ابتسمت ليان اخيرا وقد استطاعت إقناع صديقتها أن تأتي وقالت:
-ماشي يا بيبي باي ...
ثم جلست على الأريكة براحة ..سترتاح قليلا حتي تأتي خبيرة التجميل ...اغمضت عينيها واختفت الابتسامة المزيفة من على وجهها وهي تتنهد ...
كانت رانيا بجوارها تنظف بجوارها بهمة ونشاط ..تريد أن تنهي كل العمل كي تنال إعجابهم ...فتحت ليان عينيها ثم التقطت شوكولاتة من الأنية التي أمامها وفتحتها ثم وضعت ورقتها بإهمال على الأرض أمامها وهي تتناول الشوكولاتة بهدوء مزيف ولكن الصراع داخلها كان شديد ..عكس هدوئها كانت هناك عاصفة بداخلها...
نظرت رانيا الى الورقة ثم ذهبت لتزيلها ...في تلك الأثناء ظهرت جواهر التي تجمدت وهي ترى الخادمة الجديدة تزيل تلك الورقة ...وهذا جلب لها ذكرى سيـ.ئة للغاية...
....
اقتربت مايا منها وهي تتهادي ببطء ثم أوقعت عبوة العصير التي كانت تشربها وقالت وهي تضع كفها علي فاها وتقول:
-أوبس معلش يا جوجو يا حبيبتي ابقي لميها..
نظرت إليها جواهر بغضب ..ودت لو تخنقها تلك الحقـ.يرة المزعجة ...المدللة الفا.سدة ولكنها لن تجعلها تنال ما تريد بإشعال غضبها...أهدتها جواهر ابتسامة باردة وهي تقول:
-هلمها أكيد ....
كتمت مايا غيظها وثم خرجت من المكتب وهي تطرق كعب حذائها بغضب ...افلتت من فم جواهر ضحكة متشفية وقالت :
-روحي يا شيخة يارب تتقلبي من علي السلم وأنتِ شبه عود القصب كده ...داهية تأخدك من هنا وتخلصني منك .
خرجت من شرودها واقتربت من ليان وقالت هامسة:
-ممكن لما تأكلي حاجة تحطي ورقتها في الباسكيت عشان متحطيش شغل زيادة على الناس اللي هنا ...
رمشت ليان بصدمة ولكنها تخلت عن صدمتها وابتسمت بلطف وقالت:
-حاضر يا بيري مش هعملها تاني ..
ابتسمت جواهر لها ولكن الالم في قلبها لم يتوقف...لقد عاشت الكثير بالفعل ليأتي الان موضوع زيجتها المز يفة ...تجهم وجهها أكثر وهي تنظر أرضا وهي تتذكر شئ مهم ..لقد أشتاقت لوالدتها...يجب أن ترتب زيارة سريعة لها
.................
يشعر أنهما يلعبان سويا لعبة المطاردة ...فأسبوع هي تطارده والان هو من يطاردها ...يحاول التحدث معها ولكنها ترفض بكل إصرار ...يريد أن يخبرها أن كذ ب بشأن طليقته وأنه ابدا لن يرجعها لعصمته ولكن كيف يقنعها وهي تتباعد عنه بتلك الطريقة ...لقد أصبح تجاهلها أسوأ له ...هي لا تنعزل عنه وتهرب ...بل تتواجد حوله ولكن تعامله كأنه غير موجود حتى لو تكلم معها لا ترد عليه ...هل يقول إنه غاضب ؟!لا ..لن يقول هذا ..هو المخطئ ويجب أن يعتذر حتى تسامحه ...حقا لو جرحها مرارا وهي دوما تسامحه يجب أن يفعل المستحيل الآن كي يطيب جرحها ...
..
كان يتخد الأريكة مقعده كعادته ...بينما يمسك هاتفه يتصفح قليلا على الانترنت ...ولكن اهتمامه كان منصب على ورد التي تلعب مع ابنته بالعرائس ...
انحدرت عينيه على الفستان البيتي القصير الذي ترتديه ...كان فستان لطيف يغطيه الأزهار ..ولكنه قصير للغاية ...وحسنا هذا يعجبه فهو لا يكف عن اختلاس النظرات إليها ....فهذا ما يصبره بعد أن منعت عنه حقوقه الشرعية وأصبحت تنام بغرفة ياسمين
-طنط ورد أنا رايحة الحمام ..
أخرجه من شروده صوت ابنته لتهز ورد رأسها فتذهب بسرعة ياسمين الى الحمام ...نهضت ورد وهى تمسك سلة الألعاب لتضع بها العرائس ..انحنت قليلا وهى تجذب العرائس لينحسر فستانها عن جسدها فيميل هو رأسه وهو ينظر إليها نظرة صريحة ...لم يكن يختلس النظرات الآن ...صفر بخفوت لتمسكه بالجرم المشهود وهو ينظر إليها ...اعتدلت بسرعة وهي تنظر إليه بنظرات مشتعلة وتقول :
-أنت كنت بتبص عليا !!
-أنا !!
قالها وهو يشير إلى نفسه ببراءة وقال:
-وانا هبص عليكي ليه يعني ؟!انا كنت ببص على التليفون بتاعي ...بتابع المباراة ...اقتربت ورد بغضب ونظرت إلى الهاتف المغلق وصرخت به بجنون:
-بطل كد ب بقا ...اهو التليفون بتاع مقفول. ..يبقى كنت بتبص عليا !! اعترف كنت بتبص عليا ...
نهض وقال:
-ايوة ببص عليكي ...هو انا حد غريب يا ورد ...ده انا جوزك .....وبعدين أنا لو مبصتش عليكي أنتِ هبص على مين مثلا ..اروح ابص على البنات برا والبس قضية تحر ش واجيبلك مصـ يبة ولا أبص عليكي أنتِ ونتلاشي المصايب ....
قضمت شفتيها بغضب ...هذا الرجل المستفز البارد ...لا تستطيع أن تهزمه في الكلام ...
-فعلا قليل الأدب ...
قالت بضيق وهي تتجه نحو غرفة ياسمين إلا أنه بسرعة أمسكها وحملها بسهولة من خصرها
-ابعد ..ابعد يا ياسين ...بكل قلة أدب !!!
صرخت به وهو يجذبها نحو الأريكة ويقول :
-استني بس هقولك حاجة ...
-مش عايزة اسمع حاجة ...ابعد يا ياسين...بنتك هتيجي.في أي وقف ...ابعد يخربيتك ...
قالتها وقد شعرت بالر عب أن تأتي الفتاة فجأة وترى هذا المنظر ...لم تكن ورد تريد ذلك ابدا ...بالتأكيد سوف تخجل. ..ولكن ياسين يبدو أنه لا يعرف ما هو الخجل من الأساس !!!
-أنت ايه مش مكسوف من نفسك !!!
قالتها بغضب بينما هو يجعلها تتسطح على الأريكة ...شعرت بر عب بالغ وهي تنظر إلي محل وجود ياسمين وبيديها تدفع ياسين وتحاول أن تبعده عنها ...
-خلي عندك دم وابعد
قالتها بغضب ليرد بإستفزاز:
-تؤ...أنتِ وقعتي في فخي خلاص ...
ثم ثبت يديها على الأريكة وهو يقترب منها ...اهتزت عينيها برعب وقالت:
-ياسين....ياسين اعقل يخربيتك ..
قالتها برعب وهي تحاول التحرر منه ولكنه كان مكبل حركتها بالكامل ...كان حقا غارقا بها... بجمالها ....اقترب بغرض تقبيلها...أراد أن يفعل ما حُرم منه طويلا إلا أن صوت قدوم ياسمين جعله يفيق لتدفع ورد بعيدا عنها وتنهض وهي ترتب فستانها قبل أن تمسكهم ياسمين بالجرم المشهود ...
ظهرت ياسمين ثم اتجهت للعرائس لتلعب بها بينما نظرت ورد إلي ياسين بغضب ليعطيها قبلة في الهواء
.........
في المساء
- يالا يا ياسمين وقت النوم ...
قالتها ورد مبتسمة لياسمين لتهز هي رأسها وتنهض ثم تنهض معها ورد وتمسك كفها وهم يتجهان إلى غرفة ياسمين ...نهض ياسين مبتسما بخبث وذهب خلفهما وقال:
-ممكن أنام على السرير جمبكم ؟!
كان يقولها بوداعة شديدة وهو ينظر إلى ورد وعينيه بهما بريق شيطا ني ...قضمت ورد شفتيها بضيق وقالت بفظا ظة :
-مفيش مكان ليك ...
هنا اعترضت ياسمين وقالت:
-بس السرير بتاعي واسع يا طنط ورد ..خلي بابا ينام معانا عشان خاطري ...
نظرت ورد إليها وقد شعرت أنها في ورطة ...كادت أن تعترض ولكن أمام نظرات ياسمين البريئة رضخت وزفرت بضيق قائلة :
-طيب خلاص ..
-هاي ...تعالي يا بابا ..
قالتها ياسمين ثم أمسكت كف والدها واتجهت به نحو الفراش ...
-تعالي يا طنط ورد ...
قالتها ياسمين وهي ترى أن ورد بعيدة عنهما ...لتبتسم ورد وتقترب منهما ثم تتسطح على الفراش ...كانت ياسمين بالمنتصف...ورد على يمينها ...وياسين على يسارها ...
-احكيلي.قصة يا طنط ورد بليز ...
-اه ياريت يا طنط ورد تحكيلنا قصة
قالها ياسين وهو يشاكسها ...نظرت إليه بضيق ولكنها أمسكت أحدي القصص وبدأت تحكي لياسمين بصوتها الهادئ ...كان ياسين ينظر إليها مبتسما ...يتذكر بسعادة أنها اعترفت بحبها له ...هو لن يتركها بعد هذا الإعتراف ...هي تحلم لو فكرت أنه سوف يجعلها تنسل من بين يديه ...سيقيدها به بقوة ...لن يسمح لها بالذهاب. حبيبة قلبه ...
افاق من شروده عندما شعر أن ياسمين غطت بالنوم ...أغلقت ورد القصة وقالت:
-البنت نامت اهي ...يالا روح اوضتك عشان أنا اللي بنام هنا
-تؤ مش هروح حتة أبدا هفضل هنا ...ولو سمحتي متعمليش اي صوت عشان ياسمين متصحاش ...نامي يا ورد ...
عرفت أن أي نقاش معه ستكون هي الخاسرة لذلك سلمت أمرها لله وقررت أن تنام ...هو لن يستطيع أن يتحرش بها هنا وابنته موجودة...ليس قليل التربية لهذة الدرجة ...ذهبت في النوم وهي مرتاحة لتلك الفكرة...هي بأمان الان وهي بجوار ياسمين ...لن يستطع ياسين لمسها...غطت بالنوم أكثر وأكثر
...
رفع ياسين رأسه وابتسم بخبـ ث وهو يراها قد ذهبت بالنوم ...نهضت بخفوت لكي لا يوقظ الصغيرة فهو يجب أن يصالح الكبيرة ....
اتجه الي الناحية الآخري من الفراش ثم حمل ورد برفق....
-يالهوووي يخربيتك انت بتعمل ايه !!!
قالتها ورد وهي تجد نفسها محمولة بين ذراعي ياسين
-ششش مش عايزين البنت تصحي ..خلينا نطلع بكل هدوء ...
-نطلع فين يا جدع انت نزلني ...بقولك نزلني ...
قالت بخفوت ولكن نبرتها كانت حادة وعينيها تشتعلان بنيران الغضب ....
تكونت ابتسامة خبيثة على شفتيه وقال:
-بتبقي قمر لما تتعصبي ..خدودك بتحمر أووي ...زي الطماطم الطازة...
ثم اقترب ولثم وجنتها برفق لتغضب أكثر وهي تحاول دفعه ...لا هي لن تستلم له بتلك السهولة ...لا ..هو لن يصالحها ببضعة كلمات أو قبلات ...هو يحب أن يعرف خطأه جيدا كي لا يكررها ...يجب أن يعرف أنها امرأة لديها كرامة ولم تسمح له أن يمس كرامتها بسوء ...ولكنه كان اقوي منها استطاع أن يكبل حركتها حتى خرج من غرفة الصغيرة ... اتجه بها الى الأريكة لتفتح فمها وتشاجره ولكنه اوقف تدفق حروف كلماتها بشفتيه وهو يقبلها بجنون ...يحقق ما أراده منذ أكثر من أسبوع ...كان يشدها إليه وكأنها سوف تهرب ...اخيرا ابتعد عنها وهو ينهت قليلا واضعا جبينه على جبينها ويقول :
-أنا اسف...اسف يا ورد ...
-لحد امتى هتكـ سر قلبي وانا مفروض اسامحك علطول يا ياسين !!لأمتي
امسك كفيها وقال:
-المرة دي وبس سامحيني مش هعمل كده تاني ..
تنهدت بتعب وقالت:
-طيب وجوري هترجعها لعصمتك ...
هز رأسه بقوة وقال:
-مستحيل ...أنا كد بت عليكي لكن مش هرجع المخـ.تلة دي حياتي تاني ...كفاية أنها حر قت بنتي ود مرت نفسيتها !!
........
في قصر رشيد ....
وضع يحيى الخاتم بإصبع ليان ...نظرت ليان الى الخاتم بشرود ...حاولت استحضار ابتسامة على شفتيها ولكنها فشلت ...جل ما شعرت به هو الإنهيا.ر...أرادت أن تبكي وان تصر خ ...أن تنهي هذا الأمر ولكنها شعرت ان الامر لا عودة منه ..هي يجب أن تفعل هذا لتحمي قلبها...لتحميه من الذي حطـ.مها...
رفعت عينيها لتبحث عن معذ ب قلبها لتجده يقف بعيدا ... عينيه مثبتة عليها كالعادة ...وجهه متجمد وعينيه فارغة تماما ...لم ترى الغيرة أو الندم أو الحسرة ...لم ترى اي شىء ...وقتها عرفت أن نسرين بالتأكيد مخطئة ...موسى لا يحبها ...ولم يحبها أبدا ...عندما توصلت إلى هذا الاستنتاج وضعت ابتسامة رائعة على شفتيها وهي تنظر ليحيى بينما تدس طوق الزواج حول أصبعه ... نظر يحيى الي كفه ولم يبتسم هو الآخر...هل هذا من المفترض أن يكون شعور رجل خطبته اليوم ...ماذا به ..حقا ما به ...منذ أن فشل في التواصل مع رانيا وهو بحالة سيـ ئة لقد أخبرته منى أن جارتها أخبرته أنها وجدت عمل آخر وان ليس عليه أن يقلق ولكنه حقا أراد التحدث معها ولكن حتي تلك الفرصة ضا عت من بين يديه...ولكن ربما هذا أفضل ...أفضل كي لا تتعلق به أكثر ...هو فقط يتمني أن تنساه للأبد !!!
.........
الغيرة ...الغضب ...والحسرة ..كل تلك المشاعر كانت تنفـ جر داخله ولكنه بمهارة شديدة استطاع اخفائها وحافظ على جمود وجهه وهو يراقب ما يحدث...يراقب ليان وهي تصبح لشخص أخر ...شخص غيره ...جميلته ستبتعد عنه ...ستبتعد عن الوحش وتكون ملك لأمير يعاملها جيدا ويكون مناسب لها ...هو غير مناسب أبدا ...ضغط على كفه وهو يراها تمسك كفه وترقص معه وهنا تذكر رقصتهما الأولي
.......
بتغير ؟!
قالتها ليان وهي تنظر إليه بينما عينيها تتألقان بعشق وهما يرقصان ...نظر إليها ببرود وقال :
-وأغير ليه يعني ؟!
رفعت حاجبها الأيمن وقالت :
-يا سلام يعني مغرتش عليا لما عماد كان بيرقص معايا ...
ابتسم بسخرية وقال:
-شكلك مش فاهمة يا ليان أنا دروي احميكي من أي خـ.طر علي حياتك ...او أي حد ممكن يأذ.يكي وبعمل شغلي اللي بقبض عليه فلوس ...
مطت شفتيها بضيق وقالت:
-يعني مش ناوي تعترف أنك غيرت عليا!!!
-لا مش ناوي لاني مغيرتش ولا حاجة ..قولتلك أنا دوري أحميكي ...
أغمضت عينيها بأ.لم ثم وضعت رأسها علي صدره وهي تضمه بقوة إليها ...
-ليان!!
قالها بصوت مهتز ...كانت تلك أول مرة يفقد السيطرة علي نبرة صوته امامها ولكنها كانت اكثر احباطا من ان تنتبه ....اكثر أ.لما من أن تشعر به ...
-خلينا كده يا موسي ...ليوم واحد بس خلينا نمثل أنك بتحبني.....
كاد يبعدها عنه ولكن كلماتها تلك بنبرتها المختنقة أوقفتها فبدل من ذلك ضمها أكثر وهو يرقص معها بينما يضع شفتيه علي شعرها ويغمض عينيه ...كانت الكيمياء بينهما مذهلة ...كانا منسجمان بطريقة لا تُصدق ...وكانت أعين الجميع عليهما ...الحب يكتنفهما معا...
-ياريت تعرف قد ايه بحبك يا موسي مكنتش جر.حتني بالشكل ده ياريت تعرف !
كانت ليان تقولها بنبرة متأ.لمة ولم تري ملامح موسي التي تقلصت من الأ.لم !!
.....
عاد من شروده وهو يطرق برأسه يحاول يسيطر على تلك النير ان التي تشتعل داخله ...لو فقط الأ لم داخله يخفت قليلا ...كل ما يريده هو الراحة ...الراحة فحسب...
-مرتاح انت كده ؟!!
قالتها نسرين وهي تنظر إليه ...كانت نبرتها جدية ويبدو على ملامحها الحزن ...أكملت وقالت:
-مبسوط وهي ملك حد تاني غيرك ....
-ليان عمرها ما كانت ملكي يا نسرين ...ولا هتكون !!!
ثم تركها وذهب ..
....................
بعد انتهاء الخطبة .....
اختفي موسى تماما !!
..... .
خارج إحدي الحانات المشهورة ...
كان يجلس بجوار سيارته وهو ثمل وممسكا بسيجارته ...عينيه حمراء بفعل البكاء وجسده كله يهتز ...لقد أسرف في الشرب اليوم رغم أنه وعد روان أنه لن يشرب مجددا ولكن الأ لم في قلبه كان كبير ...كان يريد اي شئ لتهدئة أ لمه ...لهذا شرب ...
اخرج هاتفه وهو يفتح صورة ليان مرة آخري ويقول ودموعه تتساقط :
-أنتِ مش ملكي أنا ...ليه ...ليه بيحصل معايا كده يا ليان ...ليه حبيت تاني ليه العقا ب ده !!
ثم أخذ يضرب على السيارة ويصرخ بأ لم :
-كان لازم امشي ...كان لازم أبعد ...بس انا فضلت لحد ما اتكـ سرت...فضلت لحد ما غر قت ومفيش حد يساعدني...هفضل غر قان طول حياتي !!!
-موسى !!!
قالها عدي وهو يقترب منه ...لينهض موسي والدموع تغرق وجهه ..اقترب من عدي ثم عانقه وقال:
-أنا خسـ رت مرة تانية يا عدي ...أنا اتكتب عليا أكون مكـ سور طول عمري. .
قال كلماته غير المفهومة ثم فقد الوعي !!!
............
في اليوم التالي ...
امسكت الهاتف الذي جلبه لها أمير وقررت أن تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي ...سيطر عليها الفضول لتري ما كان مصير والدها مع هذا الرجل ...فجأة اتسعت عينيها وهي تضع كفها على فاها...ثم أبعدت كفها وقرأت الخبر المكتوب ..
خطبة ليان رشيد شقيقة عدي رشيد والذي تزوج منذ فترة من عبير صديق!!!!
وفي الصورة كان هناك فتاة مجهولة ورجل ومعهما جواهر!!!!!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل السادس عشر 16 - بقلم سولييه نصار
يا دي المصيبة... يا دي المصيبة...
قالتها عبير والدموع تحتشد بعينيها. لا تصدق، جواهر من تورطت بدلاً منها. لقد استغل والدها جواهر. هي نجت ولكن جواهر من عانت.
جلست على الأرض ودموعها تنفجر من عينيها. شعرت بالفعل أنها كانت أنانية. هي لم تحاول التواصل بجواهر لتعرف ماذا حل بها. هي حقاً أنانية.
ارتفع نشيجها وهي تحاوط نفسها بذراعيها. ماذا تفعل؟ ماذا تفعل؟
شعرت أن عقلها توقف تماماً عن التفكير. الآن كيف ستتصرف؟
عرفت بسرعة أن والدها تورط في تزوير أوراق هوية جواهر ليجعلها عبير. والمشكلة أن جواهر أصبحت شريكته. والدها لم يكتفِ بكل ما فعله، ورط المسكينة أيضاً معه. ولكن لماذا وافقت جواهر على هذا؟ لماذا؟
فتحت الهاتف وقررت أن تتصل بأمير. لا تملك حل غير هذا. ليس لديها سواه ليساعدها الآن.
***
عندما رن هاتفه، مسح كفه المتسخ بالزيوت ونظر إلى هاتفه ليجدها عبير. أغمض عينيه وهو يسيطر على قلبه الذي بدأ يتحرك. لقد أحضر لها هاتفاً بالأمس حتى يتواصل معها ويخبرها أنه قادم فتلزم غرفتها. وجودها معه لا يصح أبداً. هو رجل أيضاً وأحياناً الشيطان يتلاعب بعقله. ولكن، هو أيضاً لا يمكنه طردها. أين ستذهب؟ هو ليس لئيماً أبداً ولن يترك امرأة بدون مأوى. سيحاول أن يساعدها كي تسافر وطنها ويرتاح. ولكن هل لو تركته سيرتاح؟ لن ينكر، هو يشتاق لصحبته. يشتاق لنوح! ولكن هل هذا معقول أنه يشتاق لشخص غير موجود من الأساس؟ شخص اتضح أنه فتاة وقد خدعه. ولولا أخلاقه لم يكن ليجعلها تمكث معه ثانية واحدة. حسناً، هو يعلم أن وجودها معه أكبر خطأ. صحيح أنه شاب متدين ويعرف الله، ولكنه رجل وهي امرأة، وامرأة جميلة جداً. لن ينكر الأمر ولن يكذب على نفسه ويقول إنه لم يختلس نظرات لها أو لم يتحرك شيء بداخله من ناحيتها. ولأجل هذا يجب أن تبتعد عنه.
زفر بضيق وقرر أن يرد على الهاتف.
"ألو..."
عقد حاجبيه بقوة وهو يسمع صوت بكاؤها الناعم وقال: "أنا جاي."
أغلق الهاتف وهو يقول: "حسن، استلم أنت الشغل عقبال ما أجي. مش هطول."
"أمرك يا سطا." قالها الشاب الصغير ليخرج أمير من مكان عمله ويتجه إلى المنزل.
***
"أمير، ازيك..." قالتها تلك الفتاة التي تلاحقه. ثم كادت أن تسترسل في كلامها ولكنه قال وهو يتجاوزها: "مش وقتك خالص."
عضت شفتيها بغضب وقالت بإنفعال: "فعلاً قليل الذوق. أنا غلطانة إني عبرتك يا قليل الذوق أنت. فاكر نفسه إيه يعني ولا مين؟ هو عشان حلو شوية هيتكبر علينا. بس ماشي، برضه مش هعتقك!"
ثم ذهبت إلى منزلها.
***
أمام منزل أمير...
طرق الباب ولم يستخدم مفتاحه. في نفس اللحظة فُتح الباب لتظهر أمامه عبير. وجهها الدائري الجميل أحمر من البكاء وعينيها الواسعة ذبلت. توتر ونظر إلى الأرض وهو يستغفر. إنها فتنة عليه بالفعل!
"ادخلي لو سمحتي." قالها بهدوء لتهز هي رأسها وتلج للداخل وهي ما زالت تبكي.
أعطته الهاتف ما إن جلس ثم بدأت تقص عليه ما حدث.
***
بعد أن انتهت، انفجرت في البكاء بعنف وهي تقول: "البنت اتورطت بسببي. بسببي أنا اتورطت. أنا السبب... أنا السبب. ده غير أني دلوقتي مبقاش ليا وجود ولو ظهرت جواهر هتتحبس. أنا ضيعت البنت. مني لله... مني لله."
ثم غطت وجهها وهي تبكي بعنف.
توتر أمير وهو لا يعرف ماذا يفعل وهي تبكي بتلك الطريقة. أراد أن يواسيها ولكن لم يستطع أن يقترب منها، لذلك قال: "إن شاء الله كل حاجة هتكون تمام. بس أنتِ متزعليش نفسك ولا تبكي."
ولكنها لم تستمع إليه بل أخذت تبكي بعنف.
أخرج من جيبه عبوة محارم وقرب العبوة منها وقال: "اتفضلي يا آنسة عبير امسحي دموعك. العياط مش هيحل حاجة. إحنا لازم نقعد ونفكر نعمل إيه. أنا هساعدك!"
نظرت إليه وأمسكت عبوة المحارم الورقية ليبتسم بإيجاز ويقول: "أنا هتصل بحسن يمسك الشغل النهاردة وهدخل الحمام آخد دش سريع كده وبعدين نفكر هنعمل إيه وهنلاقي حل إن شاء الله. متقلقيش."
هزت رأسها وقالت: "ماشي."
***
"آه..." قالها بألم وهو يضع يده على رأسه. شعر أن رأسه سينشطر لنصفين. الألم كان رهيب. لم يكن عليه الشرب. لقد وعد روان أنه لن يشرب مجدداً. أقسم على هذا وبالفعل لم يشرب مجدداً. ولكن الأمس... الأمس كان يموت وليس يتألم فقط. فما كان يعيش من أجله انسَل من بين يديه. عصفورته غادرت قفصه وهو من دفعها لهذا. فعل هذا لكي يحميها.
***
"أخيراً صحيت." خرج صوت عدي المتعب ليحرك موسى رأسه ويجد عدي جالساً على المقعد بجواره ويبدو أنه مكث هنا طوال الليل وهذا واضح من وجهه الشاحب قليلاً وعينيه الحمراء.
"سهرت طول الليل جمبي." قالها موسى وهو يضحك بتعب.
نهض عدي وهو يفرك رقبته بتعب: "حالتك كانت صعبة امبارح. طول الليل كنت بتبكي وبتتكلم."
اتسعت عينا موسى وتوتر. يتمنى أنه لم يقل شيئاً عن ليان.
"كنت بقول إيه؟" قالها بتوتر ليضحك عدي ويقول: "متقلقش مفهمتش حاجة من كلامك. كان ملخبط وأنا أصلاً كنت تعبان ومش مركز."
تنهد عدي ثم أكمل وهو يجلس على الفراش بجانبه: "ليه كده يا موسى؟"
"ليه إيه؟" قالها موسى وقد بدأت عيناه تلمع بالدموع مجدداً.
"ليه مش قادر تنسى؟ ليه مش قادر تسامح نفسك وتعيش؟ أنا دلوقتي افتكرت أن امبارح فكرك بموتها لأنها ماتت زي اليوم ده. وطبيعي تزعل بس مش لازم تتحرك في حياتك شوية. هتفضل طول عمرك وحيد وحزين!"
ابتسم موسى بحزن وقال: "أنسى إيه يا عدي؟ إنها ماتت بسببي أنا. ماتت عشان أخطائي أنا. وبعدين لو دخلت واحدة تانية حياتي هتموت. صموئيل لسه عايش ومستني يخلص عليا."
انسابت دموعه وقال بحقد: "وأنا كمان مستني الفرصة اللي هخلص عليه فيها!"
"مش ناوي تنسى." قالها عدي بتعب، فهز موسى رأسه بإصرار وهو يمسح دموعه ويردد: "مستحيل يا عدي... مستحيل!!!"
"دم روان مش هيروح هدر. أنا هنـتقم منه. هحرّق قلبه زي ما حرّق قلبي على مراتي وابني. مستحيل أسامحه. مستحيل!!!"
تنهد عدي وربت على ذراعه وقال: "طيب اهدى وارتاح النهاردة. لي لي مراحتش الكلية النهاردة كمان. ومش هتخرج النهاردة تقريباً عشان خطيبها وأهله جايين."
ازدرد موسى ريقه بألم وأشاح بوجهه وهو يشعر بقلبه يصرخ داخل صدره وقال: "عدي، لحد أمتى هتفضل مانع ليان ما تروح كليتها؟ أنتَ كده هتضيع سنة من حياتها."
"مش مهم. طالما هتكون بخير مش مهم." قالها عدي ثم نهض وقال: "هسيبك دلوقتي وأنتَ ارتاح وأنا رايح ارتاح. كده كده مش رايح الشركة النهاردة."
ثم تركه وغادر.
ليتنهد موسى بتعب ويغمض عينيه ولكنه قرر النهوض لن يبقى في الفراش طيلة اليوم!
نهض ثم وقف أمام المرآة وهو ينظر إلى انعكاسه. استطاع رؤية رجل تعيس. رجل لديه ماضٍ مظلم. رجل ميت وهو على قيد الحياة. نظر إلى كله وتذكر الظلام الذي كان يعيش به. تذكر كيف من أجل الانتقام تحول لوحش.
أغمض موسى عينيه وصور من ماضيه تهاجم عقله.
***
في مستودع قديم ملك لأحد الشركات.
كان جالس على مقعد. شعره الطويل يغطي رقبته التي عليها وشم أفعى في وضع الاستعداد تشبه وضعه دائماً. يحمل سلاح ناري وفي فمه سيجار يدخنها بإستمتاع بينما هذا الرجل يتمسك بساقه ويبكي.
"أبوس إيديك ارحمني. أنا عندي عيال. أبوس إيديك متقتلنيش. ارحمني... ارحمني يا قيصر أبوس إيديك متقتلنيش!"
كان يبكي بعنف. صراخه ومعاناته تذيب الحجر ولكن ليس قلبه. قلبه كان مظلم. قاسي. لا يعرف الشفقة.
ضحك قيصر وهو يخرج السيجار من فمه وقال: "خلاص اهرب. هديك فرصة."
"إيه اللي بتقوله ده يا قيصر؟" تدخل أحدهما ليرد قيصر: "شششش. محدش يتدخل لو سمحتوا."
حاوط وجنة الرجل وصرخ به وهو يضحك بجنون: "اهرب يا عماد. اهرب!"
نهض الرجل برعب وهو يتألم لأن قدمه مصابة. يطلق ناري بصعوبة. أخذ يمشي وهو يبكي من الألم. جل ما يريده هو الوصول للباب والخروج من هذا المكان المقيت قبل أن يقتله هذا المجنون.
ابتسم قيصر وهو يضع سيجارته في المنفضة ويرفع سلاحه ثم يطلقه لتصيب الرصاصة رأس الرجل من الخلف ويسقط ميتاً.
ابتسم ابتسامة خالية من المشاعر وقال: "الغبـي مكانش سريع كفاية!!"
خرج موسى من شروده واعتصر جفنيه ودموعه تلطخ وجهه. ويقول: "مفيش فرصة بينا."
***
كانت جالسة بأحد المقاهي. عقلها لا يتوقف عن التفكير بما قاله يوسف أمس. لقد عرف والدها بإرتباطها. ما تلك الكارثة! كيف عرف؟ كيف؟ هي لا تفهم. ولكن الأكيد أنه لا يعرف أن حبيبها هو يوسف، فلو عرف سيكون الوضع أسوأ. الآن ستُفتح عليهما أبواب الجحيم. والدها لن يسامحها أو يسامح يوسف. سيعتبر أنهم خدعوه. ولكنها تركت يوسف الآن. انفصلت عنه للأبد. عرفت أن علاقتها به لن تنجح. ولم يكن هذا هو السبب الوحيد، ولكنها فقدت الأمان قليلاً من ناحية يوسف. ظنت أنه مختلف عن والدها ولن يؤذيها، ولكنه هو أيضاً آذاها وهي لن تتحمل أن يتم إيذاؤها مراراً وتكراراً بهذا الشكل. ستتخلى عن أي شخص سام بحياتها.
***
"قاعدة لوحدك ليه؟" قالها صوت مميز منتزعاً إياها من شرودها.
رفعت نسرين عينيها له وابتلعت ريقها وقالت وهي ترى فؤاد: "عادي خرجت من الكلية قولت أقعد في الكافيه شوية وبعدين هروح البيت."
جلس فؤاد وقال: "معندكيش مانع أقعد صح؟"
ابتسمت له وهزت رأسها بالنفي وهي تتلاعب بكوب القهوة الخاص بها بينما الألم يشع من عينيها.
كان فؤاد حقاً يشفق على تلك الفتاة لأنها وقعت بين يدي رجل لا يفهم كيف يتعامل مع ابنته. رجل جعل ابنته التي كانت كالزهرة تذبل.
تأمل فؤاد نسرين جيداً ليجدها ليست كالسابق. شيء بداخلها انطفأ.
كانت نسرين تنظر إليه بحيرة وهي تجده ينظر إليها بتلك الطريقة.
ابتلعت ريقها واحمرت قليلاً وقالت: "هو أنت بتبصلي كده ليه؟ أنا خوفت."
ضحك عليها. حقاً ضحك حتى بانت غمازاته الرائعة وقال وهو يقترب قليلاً بوجهه: "بحللك نفسياً."
عبست بوجهه وقالت: "بس أنت مش دكتور نفسي."
"بس درست علم النفس على فكرة يعني قريت عنه كتير سواء كتب أو مقالات وكمان شفت فيديوهات لمعالجين نفسيين كتير. يعني خبير. أنا بعشق علم النفس أووي على فكرة. ممتع أووي."
ابتسمت وقالت: "طيب بما أنك خبير تقدر بقا تقولي تحليل شخصيتي إيه؟"
"هحتفظ بيه لنفسي." قالها بمشاكسة فردت ضاحكة: "يبقى أنت معرفتش تحلل شخصيتي. أنا غامضة للدرجادي؟"
"بالعكس أنتِ شفافة أوووي ورقيقة."
أجفلت واحمرت بقوة ليكمل هو: "أنتِ أجمل وأرق بنت شفتها في حياتي. مشوفتش في جمالك."
نهضت وقالت بإرتباك: "أنا ماشية عن إذنك."
ولكنه وقف أمامها وقال: "نسرين... أنا معجب بيكي... وأنتِ عارفة كده كويس وم..."
شهقت وعينيها ترطبت بفعل الدموع وقالت: "معلش بعدين نتكلم... بعدين..."
ثم هربت من أمامه بسرعة بينما ظل هو ينظر إليها بحزن.
***
كانت تسير في الشارع وهي تشعر وكأن العالم الرحب يضيق بها. لا تريد أن تفكر بإعتراف فؤاد. لا تريد أن تفكر به.
رن هاتفها فجأة، أخرجته لتجده يوسف. فتحت الهاتف وردت عليه لتقول بعد لحظات: "إيه أنت تعبان؟ طيب أنا جاية في الطريق."
***
بعد نصف ساعة.
كانت قد وصلت لمنزل يوسف.
"أنت كويس أهو يا يوسف. اومال خضتني ليه؟ أنت بتهزر!!!" قالتها بضيق ليبتسم هو بمشاكسة ويقول: "حبيت أشوف غلاوتي عندك إيه وعرفت أنك لسه بتحبيني."
تنهدت بتعب وقالت: "أنا مش هنكر حبي ليك. بس الحب مش كفاية يا يوسف. علاقتنا خلاص انتهت. اتقبل الموضوع."
احمر وجهه وهو يقترب منها، فخافت هي منه وتراجعت قليلاً.
"أنتِ ملكي. ملكي أنا وبس فاهمة؟ مش هسمحلك تبعدي عني!!!" قالها بعنف عاطفي وهو يجذبها إليه.
اتسعت عيناها وهي تنظر إليه برعب. وللوهلة الأولى شعرت بالرعب منه. ولكن، هو يوسف أمانها. كيف تخاف منه؟
"يوسف.. أنت بتخوفني منك!!" قالتها والدموع تطفر من عينيها.
أخذ يهزها بعنف وهو يقول: "عشان عايزة تسيبيني. مش هسمحلك تبعدي عني أنتِ فاهمة. أنتِ ملكي ومحدش هياخدك مني."
ثم أمسك وجهها وهو يقبلها رغماً عنها بينما هي تصرخ وتحاول إبعاده عنها. تحرر شفتيها منه وتصرخ متوسلة بينما الدموع تُغرق وجهها: "يوسف فوق ابوس إيديك."
ولكنه لم يسمع. لم يشفق. فكرة خسارتها تدمره. هو لن يخسر مجدداً!
دفعها فجأة لتسقط على الأريكة ثم اتجهت يديه لقميصه وهو يحله ثم قال وعيناه تشتعل: "أنتِ ملكي. وهتفضلي ملكي يا نسرين!!!"
اتسعت عيناها برعب وهي تدرك ما سوف يقدم على فعله!
خلع قميصه ثم هجم عليها وهو يقبلها على وجهها. لتستمر هي في الصراخ.
كانت تصرخ دون توقف وتبكي. كتم يوسف صرخاتها بيده ونظر إلى عينيها وهاله ما رآه. كان الرعب يسكن بهما. لقد شعر أنه لم يعد أمانها بعد!
نهض عنها وهو يمسك قميصه ويقول: "أنا آسف... آسف..."
نهضت نسرين بهدوء ودموعها لا تتوقف عن الإنسياب وركضت نحو الحمام.
جلس يوسف بإنهيار على الأريكة. لم يصدق أنه كان على وشك اغتصابها!!!!!
بعد دقائق خرجت نسرين من الحمام وقد عدلت من وضع ثيابها واتجهت إلى الباب. اقترب يوسف منها وكاد أن يمسكها إلا أنها دفعته وقالت بتهديد: "أقسم بالله لو فكرت تلمسني أو تيجي ورايا هقتل نفسي وأرتاح منك ومن بابا والحياة دي!!!"
ثم تركته وذهبت غارقة في ندمه.
***
لمعت عيناه بشدة وهو يجدها تنزل الدرج. ترتدي فستاناً أبيض أنيقاً يلائمها جداً وكأن الأبيض خُلق من أجلها. ابتسامة تكونت على شفتيه. لم يهتم أن يمحوها عندما نظرت إليه. لقد أصبحت لغيره وانتهى الأمر. كل ما يملكه الآن هو النظر إليها والابتسام فقط.
عرف أن ما يفعله لا يصح. لا يصح أن ينظر إلى ما ليس له، ولكنه ببساطة لم يهتم.
اهتزت حدقتا ليان وهي تراه ينظر إليها بتلك الطريقة. أمكنها سماع ضجيج قلبها. نظرت للأسفل إلى طوق خطبتها. إلى القيد الذي يحميها منه ووضعت في بالها أن قصتها مع موسى قد انتهت تماماً.
نزلت للأسفل وكادت أن تتجاوزه ليقول هو: "آسف مباركتش ليكي امبارح."
تجمدت وابتلعت ريقها وهي تستمع لنبرته المميزة. لطالما عشقت صوته. أغمضت عينيها بتعب وهي تفكر أن هذا خطأ. خطأ ما تفعله. خطأ ما تشعر به.
استطاعت الحفاظ على البرود بوجهها ونظرت إليه وقالت بإيجاز: "مفيش مشكلة."
"بس رغم كده لازم أباركلك." ثم مد كفه وقال: "مبروك يا ليان. مبسوط أووي عشانك. بتمنى تكوني سعيدة ومبسوطة دايماً."
ازدردت ريقها وهي تنظر إلى كفه. كانت خائفة لو لمسته ولو حتى عرضياً ستعصف بها المشاعر مجدداً. وأيضاً إن لم تصافحه ستكون تلك قلة ذوق منها. لذلك قررت أن تمد كفها وتصافحه ثم تسحبها بسرعة.
مدت يدها فاحتوى هو كفها بعمق وضغط عليها فلم تستطع أن تبعدها. ابتسم لها وقال: "خليكي سعيدة دايماً."
سحبت كفها بحدة نوعاً ما وقالت وهي تخفي غضبها بشق الأنفس: "هبقى سعيدة مع يحيى متقلقش. هو إنسان كويس وسوي نفسياً وهيسعدني."
"أتمنى كده." قالها وهو ما زال محتفظاً بابتسامته وإن كان من داخله منكسر.
"عن إذنك عشان هو زمانه جاي. تقدر تستريح النهاردة كمان. أنا هخرج مع يحيى."
اختفت ابتسامته وقال بإستياء: "مينفعش."
"إيه هو اللي مينفعش؟" قالتها بإنفعال ليحاول أن يتكلم بلطف: "ليان لازم أكون معاكي حد يحميكي. الوضع لسه..."
رفعت رأسها وقالت بجفاف: "ما أنت كنت آخر مرة معايا ومقدرتش تعمل حاجة وكنت بالفعل هموت!!"
أجفل وهو يسمع لتلك الكلمات. وكم تألم. هو كان مستعد أن يموت من أجلها!!
عرفت أنها جرحته. وكم ندمت على هذا لأن بالفعل موسى فعل المستحيل لينقذها. لطالما فعل وهو لم يقصر أبداً ولكنها حقاً متألمة. هي تشعر أنها تموت وهي تبتعد عنه بتلك الطريقة. غاضبة لأنه دمر أي فرصة بينهما. غاضبة لأنه لم يحبها ولأنها تحبه بينما مرتبطة بآخر. حياتها في فوضى بسببه هو.
رفعت رأسها وهي تمحي عنها الشعور بالذنب وقالت: "عن إذنك دلوقتي عشان خطيبي جاي."
هز هو رأسه وهو يبتعد عن طريقها وتتجاوزه.
***
ولج لغرفته بسرعة وهو يشعر بالغليان. كان كلامها كسـكين بقلبه. لقد اتهمته بأنه فشل في حمايتها. ولكن أليس هذا صحيح؟ نعم، هو فشل في أن يحميها. لقد كادت بالفعل أن تموت لولا قدوم عدي.
أغمض عينيه وهو يشعر أنه عديم القيمة للمرة الثانية. ألم يفشل من قبل في حماية زوجته؟ زوجته التي ماتت بأبشع طريقة وهي تحمل ابنه؟ لن ينسى هذا أبداً.
جلس على الفراش وهو يشعر بالإنهيار. إن الأرض تهتز تحته. قد لا تعلم، ولكن كلمتها تلك فعلت به الأفاعيل. ذكرته بما فشل في حمايته من قبل. ذكرته أنه شخص فاشل.
نهض اقترب من المرآة وهو ينظر إلى انعكاسه وهو يضرب على طاولة الزينة بغضب. نعم، هو فاشل. فشل في حماية زوجته وابنه. فشل في الحصول على حبه. فشل في كل شيء!
***
"معلش يا رانيا قبل ما تمشي حاجة أخيرة هتعمليها. ودي العصير والجاتوه ده للضيوف اللي برا. خطيب أنسة ليان ومامته وأبوه جم."
ابتسمت رانيا وقالت: "عيوني يا أبلة حاضر."
ثم أمسكت الصينية ووضعتها على الطاولة المتحركة وهي تدفعها برفق مبتسمة. لقد أحبت العمل هنا. الجميع هنا ظريف.
كانت مطرقة برأسها ما إن دخلت. أمسكت أول صينية والتي عليها العصير الطازج وقالب الكيك وذهبت لتعطيه للسيدة التي تجلس ولم ترفع رأسها لترى يحيى الذي ينظر إليها بصدمة بالغة.
"اتفضلي يا هانم." قالتها رانيا مبتسمة ورفعت رأسها إلا أنها شحبت وهي ترى يحيى أمامها. توقفت الكلمات في حلقها واتسعت عينيها بشدة. ولم تسيطر على نفسها وأمالت الصينية قليلاً حتى انسكب بعض العصير على السيدة ليلى.
شهقت ليلى ونهضت وهي تمسح فستانها الثمين. نظرت إليها رانيا بخوف وابتعـدت قليلاً وهي تقول: "أنا آسفة... آسفة أووي يا هانم..."
"خلاص يا رانيا حصل." قالتها ليان ولكن ليلى تدخلت وصرخت: "هو إيه اللي خلاص يا ليان؟ الغبية دي بوظت فستان غالي. يشتري عيلتها كلها وأنتِ تقوليلي حصل خير."
أطرقت رانيا برأسها ودموعها تتساقط. لينهض يحيى ويقول بإستياء: "خلاص يا ماما كفاية لو سمحتي!!"
"لا مش كفاية. أنا مش عارفة مادام مش عارفة تتنيل تشتغل بتخدم في قصر محترم زي كده إزاي. دي واحدة غبية وحمارة. مش عارفة تشوف شغلها كويس!!"
نظر يحيى متسع العينين إلى رانيا التي ثبتت عينيها على الأرض بينما يرى الدموع تتساقط منهما.
"ردي عليا يا غبية هتعرفي تجيبي حق الفستان اللي بوظتيه!!"
"مدام ليلى مش من حقك تهيني حد وأنتِ في بيتي!!" قالتها جواهر وهي تظهر بجوار عدي الذي كان ينظر بضيق إلى ليلى. وقد حضر الموقف من أوله.
نظرت ليلى إلى زوجة عدي وقالت: "الغبـية دي..." ولكن جواهر قاطعتها بقوة وهي تقول: "رانيا اسمها رانيا. مليكيش حق تهيني حد في بيتي سواء ضيف أو حد بيشتغل هنا يا هانم. متنسيش أنك ضيفة هنا كمان ومش من حق الضيفة تهيني حد من اللي شغالين هنا."
"وأنتِ مين عشان تقولي أعمل إيه ومعملش إيه!!!" زعقت بها ليلى لترفع جواهر رأسها وتقول: "أنا مرات عدي رشيد. عبير صديق وصاحبة البيت ده. وأنا اللي كلمتي تمشي هنا. وأنا اللي بقولك إن التصرفات دي غير مقبولة أبداً هنا. لو زعلانة على الفستان أنا أديكي حقه وأعوضك لكن مهينيش أي حد شغال في بيتي. أي حد!!"
قضمت ليلى شفتيها بغيظ وقالت: "لا ميرسي أنا مش هقبل تعويض عن فستاني."
رفعت جواهر حاجبها الأيمن وقالت: "ومادام مبتقبليش أي عوض ليه شغالة تهيني المسكينة دي من الصبح؟"
صمتت ليلى وتجهمت ملامحها ثم نظرت عدي ليتدخل. ولكن عدي أخرج هاتفه وقال: "أنا افتكرت أني لازم أعمل مكالمة مهمة دلوقتي عن إذنكم."
ثم ذهب على الفور وهو يبتسم بإعجاب. فهو كره تصرفات ليلى المتغطرسة ولكن عبير استطاعت أن ترد عليها جيداً!!
نظرت ليلى بغضب إلى زوجها الذي كان مبتسماً ولكن ابتسامته اختفت عندما رآها تنظر إليه. نظر إلى الجهة الأخرى وابتسم مرة ثانية. فجلست ليلى عندما رأت أن لا أحد سوف يساعدها ولا يتكلم أمام تلك المتسلطة!!
"تقدري تروحي دلوقتي يا رانيا وأنا هتصرف."
هزت رانيا رأسها وهي تمسح دموعها وتختفي على الفور.
كانت عينا يحيى مثبتة عليها. كان يجب أن يتحدث معها لذلك اخترع حجة أنه سوف يتكلم مع أحد على الهاتف وخرج من القصر. وبالفعل رآها وهي تتجه إلى بوابة القصر الكبيرة لتذهب. ذهب خلفها وقال: "رانيا..."
انتفضت ونظرت إليه بسرعة لحظات وأطرقت برأسها وهي تثبت نظراتها على الأرض. فقال هو: "آسف بالنيابة عن أمي متزعليش."
هزت رأسها وقالت: "حصل خير يا بيه عن إذن حضرتك."
لم تدعه يكمل كلماته حتى وذهبت من أمامه. بينما ظلت عينيه معلقة بها.
***
نظرت إلى طاولة الطعام برضا تام. لقد صنعت كل الأصناف التي يريدها. وجعلت ياسمين تذهب إلى جدتها كي تحظى ببعض الوقت مع زوجها. وما أعطاها الوقت أنه بعد عمله ذهب ليجلس مع أصدقائه قليلاً وهذا أعطاها الحرية في الإبداع أكثر لإبهاره. أرادت أن تكسب قلبه. مثلما كسب هو قلبها.
تنفست بعمق وهي تضع كفها على قلبها الذي ينبض بقوة ونظرت إلى الساعة وقدرت أنه في أي لحظة قد يصل.
فجأة استمعت صوته يفتح الباب. دوى قلبها بشدة وابتسمت بحماس وهي تقف أمام الطاولة ترتدي غلالتها الزرقاء القصيرة المفضلة لديه بينما تركت شعرها الأسود المسترسل حراً. أحمر شفاه يزين شفتيها وعطر ناعم ينبعث من جسدها.
توقف ياسين وأمتص أنفاسه بصدمة وهو ينظر إليها. بدت كأميرة خرجت من عالم الخيال. عجز عن النطق للحظات وعيناه ترمقها بإعجاب بدءاً من وجهها الجميل حتى ساقيها الناعمتين. صفر بإعجاب وقال: "هي فين ورد مراتي؟"
ضحكت بذهول وقالت وهي تقترب منه: "يا سلام يا أستاذ ياسين... على أساس إني مش بدلعك مثلا؟"
جذبها إليه وبدأ بتقبيل وجهها وقال: "يارب ما حد يدلعني غيرك."
ثم حملها. فهمت نيته وأبعدته بقوة وهي تنزل على قدمها وقالت: "لا كل الأول."
"مش مهم الأكل." قالها وهو يجذبها إليه مرة أخرى لتبعده مجدداً: "ياسين لو سمحت متبوظش الليلة اللي أنا راسماها في خيالي. روح خد شاور وتعالى كل!"
هز رأسه واتجه إلى الحمام ليستحم.
***
انتهى من الاستحمام وانتهى من الطعام. لا يعرف كيف صبر وأكل أولاً وهي أمامه بكل هذا الإغراء ولكنه فعلها بالفعل مستخدماً جميع قدراته في ضبط النفس. وفي غرفتهما بينما الشمس تحتضن السماء وتودعها كان هو يحتضن ورد بقوة. يقبلها يحقق كل خيالاته عنها منذ أن رآها أمامه بكل هذا الإغراء وهي لم تتردد تماماً بل أعطته كل ما تملك. ألم تعطيه قلبها بالفعل؟
***
فتح عينيه مبتسماً برضا. لقد عاش لحظات لا تُنسى حقاً معها. مع زوجته الرائعة. نظر بجواره فلم يجدها. عقد حاجبيه بحيرة ونظر إلى الساعة ليجدها لم تتجاوز العاشرة مساءً بعد.
نهض من فراشه. مبعثر الشعر. لا يرتدي سوى بنطاله.
"ورد فينك؟" قالها بصوت خافت وهو يسير حافي القدمين خارج الغرفة. اتجه إلى المطبخ عندما سمع به صوت. ابتسم وتوقف وهو يراها تأكل بشراهة وتعطيه ظهره. ترتدي قميصه القطني الأبيض وقد ابتل بسبب شعرها الذي يتساقط منه المياه دليل على أنها أخذت دوش. أمال رأسه وهو ينظر لساقيها بحرية. لن يخفي نظراته الآن.
اقترب منه بخفوت ثم حاصر خصرها مباغتاً وهو يقول: "بخ!"
شهقت ورد وسعلت وهي تترك شطيرة الجبن بالطماطم من يديها وقالت بغضب: "خضتني يا عم."
قبل وجنتها وقال: "صحيت ملقتكيش جمبي."
أمسكت شطيرة الجبن وبدأت تتناولها وقالت: "عشان جوعت."
ابتسم وهو يسند رأسه على كتفها. أخيراً انتهت ونظرت إليه ووجهها محمر. لمس وجهها وقال: "أنتِ جميلة أووي."
ضحكت بخجل ليقربها منه وهو يقبل وجهها لتتنهد وهي تقول: "أنا بحبك."
"وأنا كمان."
دوى قلبها داخل صدرها وتصاعدت السعادة داخلها ليوأد هو سعادتها ويقول وهو يحاصر عينيها: "وأنا كمان بحب نفسي أووي. يعني مهندس وذكي ودمي خفيف ووسيم وعيوني خضرة. لازم تحبيني طبعاً."
احمر وجهها بغضب وضربته على كتفه ثم كادت أن تذهب من أمامه إلا أنه أمسكها من خصرها جاذباً إليها حيث أصبح ظهرها يواجه بطنه وقال: "اهدي يا وحش أنت عصبي كده ليه؟"
"أنت بارد." قالتها بتذمر ولكنها لم تخبره كم ألمها لأنه لم يخبرها أنه يحبها أيضاً. هل فشلت في امتلاك قلبه؟
بينما كانت هي شاردة انفصل ياسين عنها وقال: "تعالي يا ورد."
ثم جذبها من يديها ودخل بها إلى الغرفة. احمر وجهها ليجلسها هو على الفراش يذهب إلى طاولة الزينة ويحضر فرشاة الشعر ويقترب منها.
"أنت بتعمل إيه؟" قالتها بحيرة ليبتسم ويقول: "بصراحة نفسي أسرح شعرك. شعرك جميل أووي وحابب أسرحه. أنا على فكرة كنت بسرح شعر ياسمين يعني خبير."
قال جملته الأخيرة وهو يغمز لتضحك هي وتهز رأسها.
اقترب وجلس بجوارها ثم طبع قبلة على عنقها الناعم وبدأ بتمشيط شعرها برفق.
***
في غرفة ليان.
كانت متسطحة على فراشها. دموعها تتساقط من عينيها وقلبها يؤلمها. لقد ظنت أنها ستستطيع أن تنساه. ولكن، هو ينغرس في عقلها أكثر. يأخذ مساحة أكبر في قلبها. وهي... هي من تعاني بشدة. رباه، كم تتمنى أن تنساه. تمحيه من قلبها وعقلها. تلفظه خارج حياتها بالكامل ولكنها عاجزة. عاجزة تماماً. كلما حاولت الهروب منه وجدت نفسه تغرق أكثر بحبه. أي لعنة تلك وكيف سمحت لنفسها أن تحبه بتلك الطريقة المجنونة. ليتها تنساه. تنساه للأبد!
غرست وجهها في وسادتها وهي تكتم بها شهقاتها. عينيه تلاحقها. تشعر أنها خائنة. مرتبطة بشخص وقلبها ملك آخر. روحها تهفو لآخر. أليس تلك خيانة! هي تشعر أنها رخيصة. تشعر أنها مقرفة.
"أنا بكرهك. بكرهك يا موسى. يا ريتني ما حبيتك. يا ريت مكانش عندي قلب عشان معرفش أحبك. يا ريت أفقد الذاكرة عشان أنسى إني حبيتك في يوم من الأيام. يا ريت أموت عشان أبعد عنك للأبد!!"
رنين هاتفها جعلها ترفع وجهها الأحمر. عقدت حاجبيها بحيرة وهي تتناول هاتفها وتنظر للمتصل لتجده نسرين. ابتسمت بلهفة. فها هي صديقتها تتصل في الوقت الذي هي بحاجة لصحبة. لأحد تتحدث معه.
فتحت الهاتف وقالت بسرعة: "نسرين..." ولكن قلبها وقع بقدمها وهي تسمع صوت نسرين المنهمر يقول: "ليان.. ليان الحقيني ابوس إيديكي!!"
"إيه اللي حصل يا نسرين؟" قالتها ليان بقلق وهي تقفز من فراشها. قلبها يدوي بعنف في صدرها ومئات الأفكار البشعة تملأ رأسها.
"ليان تعالي بس. عشان خاطري تعاليلي بس أنا حاسة إني بموت."
انسابت دموع ليان وقالت: "أنتِ فين؟"
ما إن أخبرتها نسرين بمكانها حتى التقطت ليان ملابسها وبدأت ترتديها مسرعة.
***
فُتح باب المكتب لتدخل ليان ووجهها يغطيه علامات الهلع. نهض عدي بقلق وقال: "خير يا لي لي فيه إيه؟"
اندفعت ليان إليه وأمسكت كفه وقالت: "عدي... عدي لازم أطلع دلوقتي. نسرين اتصلت بيا. وواضح إنها واقعة في مشكلة كبيرة أووي."
هز عدي رأسه وقال: "طيب أهدي. أهدي وخدي نفس."
هزت ليان رأسها وهي تمسح الدموع من عينيها وتنظر لعدي برجاء.
"طيب موسى هيروح معاكي ويجيبها تمام."
هزت رأسها. لم تعترض أبداً.
***
بعد قليل.
كان موسى يقود السيارة خارجاً من القصر. كان على وشك النوم من شدة التعب ولكن خوف ليان على صديقتها جعله ينهض. هو لم يكن أبداً ليتركها تذهب من دونه. هذا مستحيل.
"آسفة عشان خرجتك في الوقت ده." قالتها ليان بنبرة باردة نوعاً ما ليقول موسى بسخرية: "لا ولا يهمك. بما إني فشلت أكون البودي جارد بتاعك اللي يحميكي على الأقل أنا ناجح في إني أكون سواقك."
ابتلعت ريقها وقد شعرت بالدموع تحرق عينيها وقالت: "مكانش قصدي أقلل منك وأنت عارف."
"بس أنتِ عندك حق. أنا معرفتش أحميكي. لولا أخوكي كان ممكن يحصلك حاجة. أنا واحد ملوش لازم. وعموماً أنا كلمت عدي يشوفلك واحد غيري يقدر يحميكي قبل كده بس هو كالعادة رفض. ممكن تحاولي معاه أنتِ."
أرادت أن تنهره. تعترض بشدة وتخبره أنها لا تريد غيره ولكنها صمتت. يجب أن تنتهي تلك المشاعر التي في قلبها نحوه. ولكن رغم ذلك كانت متألمة لأنها ألمته.
***
وصلا أخيراً إلى إحدى الحدائق العامة وخرجت ليان وسارت بجوار موسى داخل الحديقة حتى وجدا نسرين التي ما إن رأت ليان حتى اندفعت بين ذراعيها وأخذت تبكي بعنف.
"حصل إيه؟ حصل إيه؟" قالتها ليان برعب ولهفة ولكن نسرين ثبتت عينيها على الأرض ورفضت أن تتكلم.
فهم موسى الأمر وقال: "أنا هستناكم هناك." ثم أشار لبقعة ليست بقريبة ولكنه سيستطيع رؤيتهما جيداً.
هزت ليان رأسها ليتحرك موسى ويذهب.
"قوليلي إيه اللي حصل؟ أنا هموت من الرعب عليكي."
انفجرت نسرين بالبكاء بينما تقص على ليان ما حدث.
***
بعد أن انتهت نسرين قالت ليان بغضب: "ده مريض نفسي. مريض فعلاً."
"أنا اتصدمت فيه يا لي لي. قلبي واجعني بجد. مفتكرتش إن يوسف يعمل فيا كده. أنا كنت بثق فيه وهو خذلني!"
جذبتها ليان وضمتها وقالت: "قولتلك قبل كده إنه مش كويس وعلاقتكم دي مش هتنجح يا نسرين. اقطعي علاقتك بيه."
هزت نسرين رأسها وقالت: "أنا فعلاً عملت كده يا لي لي. قطعت علاقتي بيه!!"
ابتعدت ليان ومسحت دموع صديقتها وقالت: "الوقت اتأخر وأكيد عمو كريم قلقان عليكي."
ابتسمت هي بسخرية وقالت: "مظنش إنه مهتم أصلاً. كلمت خالو نهى وقولتلها هبات عندك وهو مفكرش يتصل."
"طيب كويس يالا عشان نروح."
هزت نسرين رأسها بتعب.
***
كان يجلس بمكتبه وهو يدخن سيجارته بهدوء يفكر في القادم. ليان تشغل عقله كثيراً. يخاف عليها بقوة بالكاد تذهب إلى جامعتها بسبب خوفه عليها. حسناً، هي تجاريه ولا تخالف أمره. ولكن سيأتي يوماً وتكره تلك الحماية التي يفرضها عليه. الذي يطمئنه قليلاً هو وجود موسى معها. عدي يعرف أن موسى لن يدع أي مكروه يحدث لليان وسيفديها بحياته دون أي تردد وهو فعل هذا بالفعل. ولكن ماذا إن حدث مثلما المرة السابقة وهو لم يصل في الوقت المناسب وخسر كلا من موسى وشقيقته؟ الأثنان لهما أهمية كبيرة لديه. صحيح يحب شقيقته أكثر ولكن موسى أيضاً صديقه المقرب. لا يمكنه أن يفقده.
ترك عدي عينيه وهو يشعر بالتعب من التفكير. ربما المواجهة أفضل. فهي سوف توفر عنه الكثير. نهض من مكتبه وهو يفرك رقبته بتعب ثم أخرج هاتفه وخرج من المكتب ليتصل بموسى.
ترك هاتفه وهو يرى أنهم هنا. موسى الذي حياه وذهب إلى غرفته مباشرة. وليان التي تمسك نسرين التي تنظر إلى الأرض ويظهر عليها الإنهيار. ابتسم عدي بلطف وقال: "اطلعوا فوق يا لي لي بس المهم اتصلي بأستاذ كريم عشان ميقلقش عليها."
"اتصلت وبلغتهم يا عدي." قالتها ليان ليقول هو: "طيب كويس أووي. يالا اطلعي أنتِ ونسرين لفوق وارتاحوا."
هزت ليان رأسها وسحبت نسرين وصعدوا.
تنهد عدي وهو يخرج من القصر متجهاً إلى المسبح. خلع حذائه وجلس وهو يُدخل قدميه في المياه. لا يعلم لماذا في تلك اللحظة هاجمت هي تفكيره. فجأة أصبح بالفعل يفكر بها. بجمالها وقوتها وعنادها وجدالها معه. كل ما بها مميز. كل ما بها يسلب القلب. ولكن بالتأكيد ليس قلبه هو. هو لن يقع في فخ جمالها.
أخرج عبوة سجائره من جيبه ثم بدأ يدخن سيجارته بهدوء وتذكر ما فعلته مع ليلى. أفلتت من بين شفتيه ضحكة وهو يتذكر قوتها وكيف أنها أوقفت ليلى عند حدها. تصرفت كزوجته حقاً. كملكة للمنزل. هل أخطأ يا تُرى عندما أدخلها لعبته مع شريف؟ الحقيقة أنه بدأ يقتنع أن عبير تختلف تماماً عن والدها. هي النقيض منه. فوالدها شيطان كبير. صمم على تدمير حياته وبالفعل تمكن منه في وقت ما وكسره. ولكن عدي عاد ليأخذ جميع حقوقه منه. ولكن الآن هو أصبح متردداً.
"بس بس." صوت لطيف اخترق أذنه ليرفع رأسه ويقول لعبير التي تقترب منه وهي تحمل صينية ما بينما تبتسم بلطف. أطفأ سيجارته.
"ربنا يستر مش بطمن للإبتسامة دي." قالها وهو ينظر إليها. يتفحصها بنظراته. كانت ترتدي بنطالاً من القماش واسع أسود وقميصاً قطنياً وردياً. جلست بجواره وهي تضع الصينية بجواره وتقول: "لا اطمن أنا جاية أعرض عليك نبدأ من جديد."
رفع حاجبيه بحيرة وقال: "ليه؟"
هزت كتفها وقالت: "حاسة إنك مختلف. مش بالسوء اللي بتحاول تظهره ده. يعني من أول ما اتجوزنا مأجبرتنيش أعمل حاجة أنا مش عايزها. صحيح حاولت بس وقفت لما شفت رفضي وده يدل إنك إنسان كويس غيره خالص."
عقد حاجبيه وقال: "أنتِ بتتكلمي عن مين بالطريقة دي يا بيري؟ أنا لسه فاكر كلامك اللي قولتيه.... إن كلنا زي بعض وإني شبهه. مش فاهم شبه مين بالظبط."
أحضرت الدموع لعينيها بمهارة وقالت: "شبه بابي. شريف صديق. عدي متتخيلش هو وحش قد إيه. إنسان أناني مبيفكرش إلا في نفسه وبس ده غير إنه... إنه..." ثم أسقطت رأسها ودموعها تتساقط.
ليقول بتوجس فهو يعرف حقاً خبث شريف. ويبدو أن ابنته ضمن ضحاياه. نظرت إليه وقالت: "تعرف ليه ماما انفصلت عنه لأنه كان إنسان مش طبيعي. كان بياخد حقوقه منها بالعافية حتى لو كانت تعبانة وبتموت. كان بيعذبها أوووي حبيبتي لحد ما قررت تسيبه وتاخدني على فرنسا بس للأسف هي سابتني وأنا بقيت لوحدي معاه."
نظر إليه بتشوش. لا يصدق أنه فعل هذا. كم هو مريض.
مسحت جواهر دموعها وتكونت ابتسامة خفية على شفتيها فهو قد بدأ يقتنع بكذبتها الرائعة وقالت: "عشان كده طالبة تكون فرصة لينا مع بعض يا عالم ممكن نتفق وتقدر تبعدني عنه."
مد كفه ومسح بقايا دموعه وقال مازحاً: "وأنتِ جايبالي طبق الكيك ده عشان أقرب طريق لقلب الراجل معدته. فاكرة إن ممكن تقدري تسرقي قلبي."
ضحكت بدلال وقالت: "أنا متأكدة إني هقدر أسرق قلبك يا عدي رشيد."
ثم دفعته ليسقط في المسبح بينما هي تضحك بقوة. جذبها هو لتسقط معه ثم انفجرا بالضحك. كان عدي ينظر إليها وهي تضحك. بدت وكأنها أجمل شيء يراه في حياته!!
***
في اليوم التالي.
"شيكاتك قريب هتكون عندك. أعتقد إنه بدأ يثق فيا!" قالتها جواهر بنبرة متصلبة وهي تمسك سيجارتها وتنفخها بهدوء.
ابتسم شريف وقال وهو يفتح ذراعيه: "هايل أوووي يا جواهر. اثبتي فعلاً إنك ذكية ويُعتمد عليكي. أيوه خليكي كده دايماً. اعرفي إزاي تستغـليه لمصلحتك."
نهض وقال: "أقولك حاجة... عدي بالونة على الفاضي صدقيني هتعرفي توقعيه بسهولة أوووي بس أنتِ شدي حيلك واستمري في اللي بتعمليه!!"
ابتلعت ريقها وشعرت بالذنب ينهشها من الداخل. هي لا تريد أن تكون مخادعة بتلك الطريقة. لا تريد أن تؤذي أحداً. ولا حتى عدي. هو وثق بها!!! ولكن فجأة هزت رأسها وهي تخرج تلك الفكرة السخيفة من رأسها. عدي شخص سيء مثل شريف تماماً. هي لن تثق به أبداً. يجب أن تحذر. شريف محق هي يجب أن تستمر في استغلاله حتى تستطيع الإيقاع به بسهولة تامة.
"هشد حيلي بس متنساش وعدك يا شريف بيه أنا عايزة أشوف أمي."
"بكرة هتروحي تشوفيها وتطمني عليها كمان." قالها شريف بهدوء.
***
خرجت جواهر من فيلا شريف وهي تتنفس بعمق ثم أخذت تتمشى قليلاً لتصفي ذهنها.
"جواهر!" صوت مألوف اخترق أذنها لتنظر إلى مصدر الصوت وتري رجلاً. لا ليس رجلاً. يا كانت عبير متنكرة في هيئة رجل!!!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل السابع عشر 17 - بقلم سولييه نصار
الفصل السابع عشر(ولكنه قلبي!)
""ربما لم يكن شيئا مهما بالنسبة لك يا ريتا لكنه كان قلبي""
محمود درويش
-بيري !!!
قالتها جواهر بصدمة ثم نظرت حولها وعندما لم تجد احد اقتربت من عبير وأمسكت ذراعها وهي تبتعد بها من المكان بينما الرعب يتصاعد داخلها ...
ظلت تسير وتسير بها وقلبها يدوي داخل صدرها ...تخاف ان يقبض عليها شريف ...
واخيرا وقفت في مكان بعيد عن فيلته وهي تنهت بعنـ ف ثم نظرت الى عبير وقالت بغضب :
-ايه اللي جابك هنا يا بيري افرض اتمسكتي ؟! ايه مفكرتيش أن ده ممكن يحصل ؟!!!...
كانت جواهر تتكلم وهي تنظر حولها تخاف ان يراها أحد ....
-جواهر ...جواهر !!
قالتها عبير بلوعة ثم اندفعت تضمها بقوة وهي تبكي بعنـ ف ...كانت دموعها تنفـ جر من عينيها دون توقف ...تشعر بقلبها ينسـ حق داخل صدرها ...لا تصدق ان صديقتها تورطت من اجلها وهي السبب في كل شئ...
-انا السبب يا جواهر أنا السبب ...أنا اللي سلمتك لبابا...هر بت ومفكرتش فيكي ...
احتشدت الدموع بعيني جواهر ...كان الأ لم يعصف بها ...نعم لقد تد مرت حياتها لانها ساعدت عبير ..ابتعدت عن والدتها وتزوجت بالبا طل وهي الآن تكذ ب وتخد ع وتستـ غل عدي وأسرته كي تنجو ...ولكن رُغم.ذلك هي لن تتخلى عن عبير ...لن تضـ حي بها ولن تسلمها لوالدها ...ضمت عبير بدورها وهي تقول بنبرة مختـ نقة :
-بس خلاص ...اهدي أنا كويسة محصلش حاجة ...
ابتعدت عبير وقالت والدموع تغرق وجهها:
-ازاي يعني يا جواهر محصلش حاجة ...قوليلي !!!بابا استـ غلك وخلاكي تتجوزي عدي على أساس أنك أنا ...أنتِ اتورطتي في مشكلة بسببي أنا ...بس ليه ؟!!ليه يا جواهر وافقتي ليه ؟!
أطرقت جواهر برأسها وقالت بتعب :
-لأن أبوكي ماسك عليا شيكات يا بيري....للأسف من فترة استلفت منه عشان علاج ماما واخدت منه فلوس كتير ومضيت شيكات بيهم وهو استغل الموضوع ده ..مكانش قدامي غير كده...اما. اسمع كلامه او اتحبـ س وأسيب أمي ..وانا مقدرتش أعمل كده يا بيري ..مقدرتش احر ق قلب أمي واسيبها اللي فيها مكفيها ...
-أنا السبب...أنا السبب
قالتها عبير وهي تبكي لتمسك جواهر كفها وتقول:
-لا انتِ معملتيش حاجة ...أبوكي هو السبب هو اللي كان هيبيعك ...أنتِ عملتي الصح وأنا لو رجع بيا الزمن هعمل كده برضه صحيح اتمنيت للحظة أنك ترجعي وتخلصيني بس دلوقتي خلاص اللي حصل حصل وانا بعد ما اخلص شغلي مع عدي هتطلق منه وأتحرر وبكدة بإذن الله ارجع لحياتي عادي
-ايه رأيك نقول لعدي الحقيقية يمكن ...
هزت جواهر رأسها وقالت :
-للاسف عدي مش سهل يا بيري ..عدي مش هيساعدنا بالعكس ممكن يحبـ سني أنا وأبوكي ويد.مر حياتنا ...مظنش أنه هيسامح في حقه...هو مش هيسامح ابدا ...
-مينفعش نجرب حتى...
-الموضوع في خطو رة ...منقدرش نخا طر لاني للاسف متورطة مع ابوكي يا بيري ...الله يسامحه بقا د مر كل حاجة ...
ارتفع نشيج عبير وقالت:
-انا اسفة ...اسفة أووي يا جواهر ... قوليلي اساعدك ازاي ...قوليلي اعمل ايه وانا أعمله ...اطلعك ازاي من الورطة دي ..
ابتسمت جواهر بحزن وشدت على كفها وقالت:
-تساعديني انك تهربي ..تختفي دلوقتي لحد ما اقدر اخد الشيكات واتحرر من الجوازة دي وبعدها هخليكي تروحي فرنسا ومترجعيش هنا تاني ...تبعدي عن ابوكي خالص وتعيشي حياتك ...ابعدي دلوقتي يا بيري أنا هعرف اتصرف معاهم...
أخرجت من حقيبتها ورقة وامسكت القلم ثم سجلت رقمها بسرعة وقالت:
-اتواصلي معايا على الرقم ده يا بيري ...كلميني كل يوم وطمنيني عليكي ...
بكت عبير وهي تنظر أرضا وقالت :
-مش مضطرة تتورطي تاني بسببي ...
دمعت عيني جواهر وقالت:
-أنتِ صاحبتي واختي وانا مش هسلمك لأبوكي يا بيري ...قولتلك أنا مش ندمانة عشان ساعدتك ...ولا هندم...روحي يا بيري ...روحي وعيشي حياتك بعيد عن ابوكي وطمنيني عليكي دايما...
أخرجت من حقيبتها مبلغ من المال وأعطته إياها وقالت:
-دبري نفسك بدوول ولو عوزتي اي حاجة تاني اتصلي بيا ...
ضمتها عبير مرة آخري وهي تبكي وقالت:.
-هنلاقي حل متقلقيش ..
ثم ابتعدت عنها وهي تمسح دموعها لتقول جواهر :.
-يالا روحي ...بسرعة ...
لتهز عبير رأسها وتنطلق
.....تنهدت جواهر وهي تجدها تبتعد ...تحلق وتكون حرة وابتسمت على الأقل ضميرها مرتاح من ناحية عبير. ..هي لن تسلمها لوالدها أبدا ...هي لا تستحق هذا ..هي فقدت والدتها واكتشفت ان والدها حقير...حسنا يكفيها ما عاشته ...مسحت دموعها وهي تقنع نفسها انها بالتأكيد سوف تنجو .. ستستطيع الخروج من هذا الزواج دون أي خسا.ئر ...بالعكس هي الرابحة فشريف سوف يدفع تكاليف علاج والدتها ...يجب أن يفعل هذا ...
ارتدت نظاراتها تخفي عينيها التي احمرت قليلا بسبب البكاء وذهبت
................
كان أمير يقف على الشارع العمومي وهو ينتظرها....كان القلق ينهـ شه بقوة وقد شتـ م نفسه عدة مرات لانه لم يذهب معها واستمع لكلامها ومكث هنا ...رباه ماذا سيحدث إن قُبض عليها ...هو لن يسامح نفسه ابدا ....
حك.شعره بتوتر وهو يضع يده في جيبه وقرر ان يتقدم قليلا عله يجدها وان لم تظهر سوف يذهب لمنزل والدها ولن يهتم لأي شئ ....
كان ان يتقدم ولكن ظهورها المفاجئ جعله يتنهد براحة وابتسامة رائعة احتلت وجهه الذي أشرق ...وصلت عبير إليه وهي تنهت بينما تمسح باقي دموعها ...
-قلقتيني عليكي...
قالها بصدق لتقول عبير وهي تلهث قليلا :
-خلينا نمشي من هنا وأنا هقولك على كل حاجة !
هز رأسه وهو يسير أمامها ...اراد ان يفهم كل شئ ولكنه قرر الإنتظار
.................
أخيرا وصلا الى منزل أمير ...
ولجت عبير وهي تخلع شاربها ولحيتها والشعر المستعار وتزفر براحة وهي تحرر شعرها الناعم ...ظل أمير ينظر إليها للحظات وقد فقد سيطرته على عينيه ولكنه استغفر وثبت عينيه على الأرض ...
جلست عبير على الأريكة وهي تغمض عينيها تتذكر كلمات جواهر لها ...لقد فضلتها جواهر على نفسها ...سمحت لها بالهروب ...تلك المسكينة وقعت بفخ والدها وللمرة الثانية عبير تهرب وتترك جواهر ولكن ماذا تفعل ؟!كيف تحل تلك المشكلة ؟!
فركت عينيها بتعب ليخرجها من شرودها صوت أمير وهو يقول :
-ممكن تفهميني اللي حصل وأنتِ وصاحبتك رسيتوا على أيه ؟!
أغمضت عبير عينيها بتعب وقد شعرت بالأ لم يتصاعد داخلها للمرة الثانية...كل الطرق أمامها مغلقة...ماذا تفعل ...ماذا تفعل!!
نظرت إلي أمير وبدأت تقص عليه ما حدث وكيف تورطت جواهر بعمق ..
..
بعد ان انتهت بدا على أمير الذهول وقال:
-يعني لو عدي رشيد ده اكتشف اللي باباكي عمله هو وصاحبتك هيروحوا السـ جن وسمعتهم هتتد مر ده غير أنك بتقولي انه مش سهل يعني مش هيعدي الموقف ده بسهولة ...
انسابت دموع عبير مرة آخرى وقالت :
-أنا السبب يا أمير أنا السبب لو كنت سمعت الكلام واتجوزته مكانش ده هيحصل ولا كانت جواهر هتتورط في جواز با طل...
-وحتى لو أتجوزتيه ..جوازك.منه هيكون باطل لانه غصب عنك !!متحسيش بالذنب انتِ عملتي الصح ...ومتقلقيش صاحبتك هنحاول نشوفلها مخرج..
هزت عبير راسها وقالت بصوت مختنق:
-مفيش أي مخرج يا أمير ...مفيش للأسف ..
-ايه السلبية اللي أنتِ فيها دي ...أكيد فيه مخرج متفقديش الامل كده.بسرعة ولا تيأسي ...ربنا مبيسبش عباده ...
مسحت دموعها وقالت :
-ونعم بالله ونعم بالله ...بس أنا مش لاقية اي حل ...مخي هينفـ جر من التفكير يا أمير ...مش عارفة أعمل ايه ؟!...مش عارفة ..
-بس احنا لازم نساعدها!! مش هنسيبها كده هي اللي ساعدتك يا عبير .
-أنت فاكر أني عايزة اسيبها !!!مش حاسس بيا يا أمير ...أنا الذ نب هيمو تني...صاحبتي هربتني وتورطت هي ومش عارفة أنقذها ..مش عارفة أعمل أيه ؟!!
قالتها وهي تبكي بعنـ ف ...تنهد وتأ لم .قلبه وهو يراها تبكي بتلك الطريقة ....كان يختنق لأنها حزينة ...اعطاها محرمة وقال:
-أنا آسف ممكن تهدي...
جلس بعيدا عنها نوعا ما وهو يثبت عينيه على الأرض وقال ؛
-يعني مفيش أمل أننا نقول لعدي ده الحقيقة يمكن يسامح ؟!
هزت رأسها وهي تبكي وقالت:.
-للاسف الموضوع فيه خطورة يا أمير ...عدي ممكن يبلغ ويحبسها ...ده هد د بابا وكان هيحبسه عشان شيكات ما بالك لو عرف أنه اتخدع ..
تنهد أمير وعقله متوقف تماما عن التفكير بينما وضعت عبير كفها على وجهها وأنفجـ رت بالبكاء مرة آخري ...وتلك المرة تركها أمير تفرغ حزنها!!
.........
-انا حاسة أنك فرحان اووي يا بني...ورد قدرت تسعدك . صح ؟!
قالتها والدة ياسين وهي تربت على كتفه بينما ورد كانت بالمطبخ تجهز العصائر وياسمين تلعب بجوارهما ...
كانت صفية ترى السعادة بوضوح في عيني ابنها ...كان يبدو مُشرق...وعرفت ان اختيارها كان صائب للغاية فها هي ورد استطاعت جلب السعادة لوجهه...ابتسم ياسين بإتساع وهو ينظر اليها بشرود ...حقا هو سعيد ...لم يظن ان ورد سوف تحتله لتلك الدرجة ولكنها فعلت ..حقا غيرت من حياته ...وهو يريد أن يتغير من أجلها ...يريد ان يسعدها كما اسعدته ...يتنهد وهو يتذكر انها تفعل المستحيل لإسعاده هو وابنته وكم يتمنى ان يسعدها أيضا ...يتمنى أن تضحك دوما ...يتمناها ان تحبه بحرية ويتمنى ألا يؤ ذيها أبدا ...
-ايه سؤالي صعب؟!
قالتها والدته برقة وهي تبتسم ثم تمعنت فيه بقلق تنتظر أجابته ليشد ياسين كفها ويقبلها وه
على وجهه ابتسامة رائعة تنافس في جمالها لمعان عينيه وقال :
-أنا مبسوط ...مبسوط أووي يا أم الباشمهندس ياسين ...
ضحكت صفية برقة وضمته إليها وهي تقول:
-الحمدلله ...الحمدلله يا بني انا كدة اقدر ارتاح ...أخيرا فرحت في حياتك
ابتسم ياسين أكثر وهو يربت على كتفها ثم ابتعد وقال :
-طيب عن إذنك يا ماما هشوف ورد جهزت ولا لأ..
هزت صفية رأسها وقالت:
-روح يا ابني ربنا يهدي سركم يارب ويبعد عنكم.العين ويرزقكم بالذرية الصالحة
نهض ياسين مبتسما وهو يلج للمطبخ ..
توقف وهو يراها تضع قالب الكيك على الحاجز الرخامي ...عبس وهو ينظر إلى فستانها البيتي الطويل ....هو يحبها في الفساتين القصيرة أكثر...بالطبع في المنزل فقط ...ولكن والدته هنا ولا يصح أن ترتدي شيئا قصير ...
ابتسم بشقاوة وابتسم وهو يقترب منها ....
شهقت ورد بقوة وهي تشعر به يحاصر خصرها ويجذبها إليه ...
-ياسين بتعمل ايه ؟!
قالتها وقد بدأ وجهها يتخضب بحمرة الخجل بينما يسند هو رأسه على كتفها ويقول :
-لسه مخلصتيش ؟!
زفرت بحنق وقالت:
-خلاص هقطع الكيك اطلع برا واقعد مع طنط عيب كده افرض.دخلت دلوقتي تقول علينا ايه ؟!.
-لا عادي أمي متعودة على كده منه ...دايماً بتقول عليا متربتش !!!
استدارت لكي تدفعه ولكن من سوء حظها ضمها إليه بقوة حتى أصبح وجهها يقابل وجهه ...وضعت كفها بينهما وهي تحاول دفعه الا انها فشلت تماما ...
-ياسين احترم نفسك وابعد ..افرض حد دخل دلوقتي هيقول علينا ايه
-ميهمنيش..
قالها بتسلية وهو يقترب بشفتيه من وجهها الا انها ابعدت وجهها وقالت :
-بالله عليك ابعد وبطل اساليبك دي مامتك برا ..ياسين .. ياسين...
هتفت بإعتراض وهو يضع شفتيه على وجنتها ويقبلها بتتابع على وجهها ...تنهدت وهي تستلم له وتبتسم ثم وضعت كفيها على جذعه وهي تسمح لنفسها بالإنقياد خلف جنونه
-آه ...
كانت تلك صرخة انفلتت من بين شفتي صفية ...
ابعدت ورد ياسين بعـ نف وقد أحمرت بشدة وهي تنظر لحماتها بخجل ...أرادت في تلك اللحظة فعلا ان تختفي تماما ...شعرت بخجل كبير وكم أرادت ان تقتـ ل ياسين الذي وضعها في هذا الموقف المحرج ...نظرت إليه وعينيها البنية تشتعل بغضب لتجده غير مبالي ...غير محرج حتى ينظر الى والدته بإبتسامته المستفزة....
ضحكت صفية وقالت:
-معلش يا بنتي يا ورد ..اصل ياسين ابني مترباش ...
ضحك ياسين وقال وهو يشد ورد إليه :
-انا قولتلها كده مصدقتش ...
كادت ورد أن تبكي من شدة خجلها ونظرت أرضا بتوتر وخجل ...
ضحك عليها ياسين لتقول صفية فجأة :
-صحيح يا بني رافت كلمني وقال إنه جاي هنا للدكتور هو ومراته ...وانا بصراحة بستأذنك أعزمه عندك ...
-اووف يا أمي انا مبطقش الراجل ده !!!
قالها ياسين بغضب ...لتحاول صفية تهدئته وتقول:
-معلش يا ابني ...ابن خالتك وهو جاي على العشا وهيمشي علطول على بلده .
نفخ ياسين بضيق وهو يفكر أن غدا سوف يكون الأسوأ بالتأكيد !!
.......
في المساء
جالس على مقعده المهتز بينما يدخن سيجارته ...قلبه مُتألم ...لقد خـ سر ...خسر مجددا !!!
كانت عينيه ملبدة بالدموع ...لقد تحطـ م قلبه للمرة الثانية ...الالم كان شديد ..لن ينكر أنه تصرف بحقا.رة ولكن فكرة أنها سوف تتركه تقتـ له ...
انسابت دموعه وهو يعود برأسه على المقعد ...يتنفس بسرعة والذكريات تجتاح عقله ...ذكريات تمنى دوما أن يتخلص منها ...ذكريات تمنى أن تختفي دون رجعة ...ولكن الذكريات تلك مصممة على اختراق عقله من وقت لآخر ...دعك عينيه وجسده يهتز ..أنه يبكي ...يعود للماضي ...خمسة عشر عاماً ...خمسة عشر عاماً منذ أن انكسر...منذ أن حطمت قلبه تلك !!كان عمره ست وعشرون عاما وقتها ...كان شاب مفعم بالنشاط ...محب ومخلص ...صحيح أحواله المادية سيـ ئة قليلا ولكنه دوما كان متفائل ولكنه أرتكب اكبر خطأ قد يرتكبه شاب مثله ...أحب ...عشق بجنون ...أعطى قلبه ومشاعره وحياته كلها لفتاه هواها من النظرة الأولى ...لقد عشق تلك الفتاة ...أثرت به حقا...وعلى قدر عشقه لها ..تحطـ م بعنف على يدها ....انسابت دموعه أكثر وهو يتذكر ما حدث بالماضي...يتذكر كيف تحطـ م بعـ نف على يد من عشق أكثر من الحياة
..............
في الماضي ..
-انا اتعينت خلاص رسمي في الكلية وأحوالي هتتحسن مع المحاضرات وشغلي الإضافي بإذن الله واقدر اجي لوالدك واطلبك ...
قالها يوسف وعينيه العسلية تبرق بحب ...ملامحه الفتية كانت تفيض بالعشق لها ..لرقية حبيبته ...لقد وقع في غرامها من أول يوم رأها فيه في الجامعة حيث كانت هي في الفرقة الأولى من كلية العلوم وهو في الفرقة الثانية وبما أنه كان الطالب الاكثر اجتهادا في دفعته كان دوماً يأتيه الطلاب من دفعته والدفعات الأصغر منه ليساعدهم ...وهي من لفتت نظره فأعطاها اهتمام أكبر وبعد محاضراته الطويلة والمنهكة كان يجلس معها ويشرح لها ما عجزت عن فهمه... كان مفتون بها حقا ...قصة حبهما كانت عنيفة للغاية ...كان ينتظر بلهفة حتى يعدل من أحواله المالية ويطلبها للزواج. ..
على الرغم من العشق الذي كان يفيض من وجهه كانت ملامح رُقية باردة للغاية تشعر بأن مشاعرها تبهت نحوه ...لا تنكر أنه مر بظروف صعبة للغاية خاصة بعد مر ض والدته وهو من تكفل بعلاجها بالكامل حتي أخذ الله أمانته وهو إنها ر لفترة ولكنه عاد مجددا ليحاول الزواج منها ... ولكن يوسف لن يحقق أحلامها أبدا !!!
تنهدت وهي تنظر إليه وقد اكتست ملامحها بالغضب ...
-بس أنا تعبت يا يوسف ...احنا بقالنا كتير مرتبطين وأنت توي هتبدأ تجهز نفسك ...
قالتها رُقية بغضب ...ليرتبك ويقول :
-حبيبتي اصبري سنة بس ...صدقيني هشتغل بإيديا وسناني لحد ما اكون مبلغ محترم ونتجوز
ضحكة ساخرة أفلتت من بين شفتيها وقالت:
-طيب وبعد ما نتجوز يا أستاذ يوسف هتصرف عليا كويس. هتحقق كل احلامي ولا هعيش معاك في الفقر ...اطلع من المرار اللي في بيت بابا وادخل بيتك وأشوف مرار تاني ...هو انا مش مكتوب عليا أرتاح أبداً !!!
ضيق عينيه وهو ينظر إليها وقال:
-ايه اللي أنتِ بتقوليه ده يا رُقية ...مرار ايه اللي هتعيشيه في بيتي . أنا هكون دكتور يعني هيكون ليه مرتبي ووضعي وهعيشك كويس ...هتكون أحوالنا مرتاحة يعني متخافيش . .أنا مش هخليكي تحتاجي حاجة ابدا ..ابدا ..
رفعت رأسها ونظرت إليه وهي تقول :
-يعني هتجيبلي العربية اللي وريتهالك على الواتس من يومين ...
ضحك ..حقا ضحك وقال:
-حبيبي ..عربية ايه دلوقتي ...يعني استني واحدة واحدة وهنشتري عربية واللي أنتِ عايزاه ...
-هتكتب الشقة اللي هتشتريها بإسمي ...
هز رأسه وقال؛
-عيوني يا ستي لما الأحوال تتضبط هعملك اللي عايزاه...بس حاليا هنعيش في شقة إيجار ..
كانت خيبة الأمل تكسي وجهها ...كانت غاضبة بشدة من سلبيته...هي لا تريد تلك الحياة ...لا تريد أن تعيش هكذا دون أي رفاهية ...هي تريد أن تخرج ...ترى العالم ...ترتدي كما تحب ...تكون لها سيارات ملكها ...قصر يكون ملكها ...صحيح انها كانت تحبه ولكن الحب أبداً لا يكفي ...
-للاسف يا يوسف مينفعش ...
-ايه هو اللي مينفعش يا حبيبتي ؟!
قالها بحيرة ولكن بدأ الخوف يتسلل بخبث لقلبه ..لتُعيد خصلات شعرها للخلف وتقول :
-أنت مش هتقدر تحقق احلامي خالص ...أنا مش عايزة واحد ياكلني وبس ..أنا عايزة أخرج وأشوف العالم ...عايزة اللي أطلبه الاقاه فورا ..مش تقولي اصبر ومصبرش ...أنا صبرت كتير عليك ومش ذنبي ان والدتك تعبت ...
-رُقية !!
قالها بصدمة وقد شعر بالدموع تلسع عينيه...
امسكت حقيبتها ونهضت وقالت؛
-أنا متقدملي صاحب الشركة اللي بابا شغال فيها وكنت مترددة بس شايفة ان هو ده اللي هيحققلي أحلامي ...آسفة يا يوسف !!!
ثم ذهبت وخرجت من المقهي بكل بساطة ...خرجت بعد أن فتتت قلبه ...لا يظن أبدا أنه سيحب مرة آخري !!!
.....
-آه ...
خرج من شروده وهو يصرخ بينما الدموع تغرق وجهه كم يتأ لم ...أنه يمو ت ...يمو ت بالفعل ...لقد أحب مجددا ...وخسر مجددا. ..ولكن لا نسرين ستعود له ...ستعود له برغبتها أو رغما عنها حتى ...هي لن تتسرب من بين يديه !!!
....................
-مبقتش حابب أنك كل شوية تروحي تباتي عند ليان يا نسرين أنتِ ليكي بيت وانا مش حابب شغل السرمحة ده !
تكلم كريم على طاولة العشاء وقد نفذ صبره بسبب تصرفات ابنته الطائشة ...
لم تنظر إليه حتى ولم ترد بل أخذت تأكل بدون مبالاة...
-انا مش بكلمك !!!ايه طرشة !!
زعق بها لتتدخل نهى وتقول :
-كريم لو سمحت كفاية كده وبعدين احنا عارفين ليان ومفيهاش حاجة لما تروح عندها ...
-وليه هي معندهاش بيت ...
-بتريح أعصابها ...
نهض كريم بغضب وقال؛
-تريح أعصابها من مين ..حد كلمها ...
تنهدت نهى بتعب وقالت:
-كفاية لو سمحت ...كفاية دي مش طريقة تعامل بيها نسرين وانا مش هسمحلك كل شوية تكلمها كده.
نهضت وقالت بغضب :
-بنتك من فترة جالها إنهيار عصبي وكانت هتروح مننا ...هو ده اللي عايزه يا كريم ...اتعامل معاها كويس لو سمحت !!!
ضرب على طاولة الطعام بعنف وقال:
-متتدخليش بيني وبين بنتي يا نهى ...أنتِ مش امها عشان تعلميني ازاي اتعامل مع بنتي ...
-خلاص خلاص كفاية ...
صرخت نسرين وهي تنهض وقد فقدت السيطرة على دموعها ...وأكملت :
-هو اي تلكيكة وخلاص عشان تنكد عليا ...عايز تعمل اي حاجة عشان تتخانق معايا ...أنا عملتلك ايه ...عملتلك ايه لده كله ....
اقترب منها بنية ضر بها إلا أن نهى وقفت بينهما وصرخت :
-كفاية يا كريم ...كفاية ....
حاول كريم إبعاد نهى وزعق:
-عشان متربتيش ...عايزة تمشي على حل شعرك وخلاص ..
-كريم كفاية ...كفاية !!!
اخذت نهى تصرخ به لتقول نسرين بنبرة باردة:
-يمكن فعلا بمشي على حل شعري عشان حضرتك مش فاضي تربيني...
-والنعمة لاوريكي يا نسرين !
قالها كريم بغضب ثم دفع نهى بعيدا حتى وقعت على الأرض وصفـ ع نسرين بقوة ....لم يجعلها تبتعد بل امسك شعرها وعينيه الزرقاء كعينيها تشتعل :
-قوليها تاني...قوليها تاني ..أنا مربتكيش صح ؟!!طيب يا نسرين أنا دلوقتي هربيكي ...هربيكي يا نسرين من اول وجديد عشان تحترمي نفسك !!!وعشان تحترمي ابوكي ..لاني للاسف سيبتلك الحبل على الغارب وكنت موافق على كل تصرفاتك....
صفـ عها مرة آخرى وآخرى ثم بدأ يخنـ قها بقوة ...كانت نهى تصرخ وتحاول أبعادها عنه بينما نسرين تنظر إلى والدها بذهول وقد تحطـ م شئ داخلها...تحطـ م للأبد ..لا الضر ب ولا الخنـ ق كانا يؤثران بها مثل الكر ه الذي تراه بعينيه....
-كفاية بقا ...كفاية يخربيتك!!
صرخت نهى ليدفع كريم نسرين فتقع على الأرض ...نظر كريم وقال ببرود:
-ياريتك كنتِ مو تي مع أمك ...ياريت ...
-كفاية ..كفاية ...اسكت يا مر يض دي بنتك !!!!
وكأن تلك الجملة كانت بمثابة مياه باردة انسكبت على وجه كريم ليفيق مما يفعله !!
كانت واقعة على الأرض...عينيها باردة لا أثر فيها للدموع ولكن فمها ينز ف قليلا من أثر ضربه ...تراجع كريم وهو يعود لوعيه ويرى ماذا فعل بإبنته ...شعر حقا بالخجل من نفسه ...
-نسرين !!
قالها بتردد وعينيه تلمع بفعل الدموع ...
بينما جلست نهى بجانبها وكانت تبكي بعنف ...ضمتها نهى إليها وقالت:
-نسرين حبيبتي ...
-انا كويسة يا خالتو...
قالتها نسرين ثم نهضت ونظر إليه بثبات وقالت:
-ياريت فعلا كنت مُـ ت ورا ماما مكنتش هسببلك الإزعاج ده كله...
-نسرين أنا ...
كان يتكلم بصعوبة ...يشعر بأ لم كبير في قلبه ...كيف فعل هذا ...كيف ضر ب ابنته بتلك الطريقة ...ولكن ما ارعبه فعلا هو رد فعلها ...فرد فعلها غريب للغاية...خاف أن تنها ر كما حدث من قبل ....
-نسرين ...أنا ...
قالها مجددا وهو يقترب منها ليلمسها ولكنها ابتعدت وقالت :
-انا هسيبلك البيت ...مش هقعد هنا تاني ...
ثم ذهبت من أمامه وولجت إلى غرفتها ...بينما نهضت نهى وهي تلج خلفها لغرفتها وتقول :
-استني يا نسرين ...
هزت نسرين رأسها وهي تحزم حقيبتها :
-لا يا خالتو مش هقعد في البيت ده تاني ...
تنهدت نهى وقالت:
-طيب استنيني هلم هدومي واجي معاكي ...هنروح نعيش في بيت فؤاد!!
.......
في اليوم التالي ..
-يا أبلة معلش خرجي أنتِ الحاجة أنا هقف وأعمل الأكل ...
قالتها رانيا بإرتباك ...كانت تحاول ان تخفي إنفعالها ولكن مشاعرها كانت تنفلت منها وتظهر على وجهها...نظرت إليها السيدة بحيرة وارادت ان تعترض ولكنها تنهدت بإستسلام وهي تمسك الصينية وقالت:
-حاضر يا رانيا هطلعها ...
-شكرا ...شكرا اوي يا أبلة ...
هزت رأسها وتمتمت :
-ربنا يصبرني عليكي ...
بعد ان خرجت وضعت رانيا كفها على قلبها الذي يدوي بعنـ ف داخل صدرها ....كانت عينيها ملبدة بالدموع ...كانت لا تصدق حظها السئ الذي جعلها تعمل هنا ولكن الأمر الجيد أنها لن تعمل هنا لمدة طويلة ...سوف تذهب قريبا وبالتالي سوف تبتعد عن يحيى وخطيبته وحياتهم تلك !!!..ستحمي قلبها من أن ينكـ سر مرة آخري ...لقد تغيرت ...نعم قد نحتاج احيانا إلى ضر بة قوية لنتغير ...لنودع احلامنا الطفولية الغبـ ية ...هي عرفت أن حبها ليحيى حلم طفولي غبـ ي ...لقد ظنت أنها سندريلا ويحيى الأمير الذي سوف ينتشلها من حياتها المظـ لمة....يأخذها إلى حصانه ويطير بها بعيدا...
ابتسمت بحزن وهي تنظر إلى نفسها وتفكر أنها ليست سندريلا ....ولكن يحيى أمير ووجد أميرته ...أميرة من عائلة مرفهة تليق تماما بالطبيب ...هزت رأسها وهي تبعد تلك الأفكار عن رأسها فالبكاء على الماضي لن يفيد أبدا ...هي الان يجب أن تُركز في حياتها الجديدة ...تُريد فعل الكثير...وأول شئ تريد فعله هو أن تكمل دراستها ...تريد أن تُحسن حياتها وتفتخر بنفسها
.........
-أنا حابب اعتذر مرة تانية عن اللي عملته ماما مع ر..البنت اللي بتساعدكم هنا .
قالها يحيى لليان بينما عينيه تدور خلسه وتبحث عنها ....
تنهدت ليان وقالت بصراحة:
-مامتك صعبة شوية دي بهدلت البنت ...صعبت عليا اووي ...
أطرق يحيى وقال :
-كل أنسان وعنده صفات مش مقبولة أنا كلمتها وأنا بعتذرلك بالنيابة عنها
ابتسمت ليان وقالت:
-مفيش مشكلة يا يحيى حصل خير .
هز يحيى رأسه واطرق متوترا بينما يحل صمت ثقيل على المكان ...الأثنان يشعران ان هذا الإرتباط لن يستمر ...نظر يحيى الى ليان فجأة وهو يتساءل ماذا حل بإعجابه بها وأين ذهب ...لماذا هو ليس سعيد ...رفع رأسه عندما شعر بأحد ما قد أتى ..ووجدها خادمة مُسنة تقدم له العصير ...
.......نظر إلى السيدة المسنة بخيبة أمل ...لقد ظن أن رانيا من ستخرج ...تنهد وهو يبتسم لها بشكر ويمسك كوب العصير الخاص به ويشربه بهدوء ...نظر إلى ليان وقال بتردد :
-هي البنت اللي ماما اتخانقت معاها سابت الشغل صح ؟!هي ماما جر حتها للدرجادي ...
هزت ليان رأسها وقالت:
-لا موجودة عادى متقلقش ومتحملش نفسك ذنب مامتك اللي غلطت من انت وبيري اعتذرت منها كذا مرة ..
ابتسمت ليان وقالت :
-بيري إنسانة مشوفتش زيها بصراحة ...أنا نفسي اكون زيها ..
-بس أنتِ مميزة زي ما أنتِ يا ليان... أنتِ إنسانة طيبة وقلبك أبيض ..
ابتسمت ليان وقد احمر وجهها بإحراج ..وهناك من هنا يراقب احمرارها من بعيد وهو يطحن أسنانه بغضب ...لم يظن أبدا أن رؤيته معها سوف تجر حه لتلك الدرجة ...فها هي ليان بدأت تنسجم مع خطيبها الجديد ويبدو أنها قد نسيته تماما !!!
تنهد موسى وهو يغمض عينيه بغضب ...هو غاضب...غاضب بشدة ...ويغار...نعم يغار ولن ينكر الأمر ..هذا الإهتمام له ...هذا الحب له .. قلبها له ...
انطفأ غضبه فجأة وهو يفكر أنه هو من فعل هذا ..فعل هذا ليحميها من نفسه ...من ماضيه ...فليان تحب موسى ...ولكن إن عرفته كقيصر أكيد سوف تشمئز منه ...هو ابدا لن ينسى الماضي ...ابدا
........
في المساء ...
-طيب أقولكم نكتة تاني ...
قالها رأفت ابن خالة ياسين وهو يضحك بهيستريا شديدة ...أدار ياسين عينيه بملل وتمتم بصوت منخفض :
-يا مصبر الوحش على الجحش يارب اليوم ده يخلص بسرعة أنا عندي مرارة واحدة ....
كانت صفية تنظر إلى ياسين بقلق ثم تنظر إلى ورد التي اخفت ابتسامتها بسرعة ...ولكن رأفت لم ينتبه لياسين الممتعض وقال:
-واحد غبـ ي راح عند دكتور أسنان، وقاله أنت محتاج تقويم.. فقاله ويا ترى هيكون هجري ولا ميلادي.
ثم أخذ يضحك بقوة هو وزوجته ...وورد ابتسمت مجاملة بينما نظرت صفية إلى ابنها الذي زم شفتيه بضيق
تدخلت سارة زوجة رأفت وقالت:
-الله نكتة حلوة ...ما تقولنا نكتة تاني ...
-حاضر حاضر ..
قالها رأفت لاهثا من بين ضحكاته الشديدة ثم أردف :
-طيب تعرفوا ليه الفراولة هتدخل الجنة ؟! تعرف ليه يا ياسين ..
نفخ ياسين وقال:
-لا والله محصليش الشرف اني اعرف ...
-عشان فيها حسنات كتير ..
ثم ضحك هو وزوجته ...دعك ياسين عينيه بتعب وهو يحاول السيطرة على غضبه ...نظر إلى والدته بغيظ وكأنه يخبرها أنها هي السبب ...أطرقت صفية بوجهها ليعلو صوت رأفت المرح مرة آخري ويقول:
-طيب تعرفوا ليه الطماطم هتروح النار؟!
صمت الجميع بينما غطي ياسين وجهه بكفيه ليكمل رأفت :
-عشان بترقص في الخلاط..
انفجـ رت زوجته بالضحك وقالت:
-أنت دمك خفيف أوووي ...
نظر رأفت إلى ياسين وتراجع مرحه قليلا ...
-طيب أنا خلاص هبطل اقول نكت واكل شكله أستاذ ياسين اتضايق. ..
قالها رأفت وهو يضحك ليقول ياسين بنبرة متصلبة :
-باشمهندس ياسين ...
-نعم ؟!
قالها رأفت بحيرة ليرد ياسين :
-باشمهندس ياسين مش أستاذ ...
ضحك رأفت وقال:
-يا سيدي متدقش ده احنا قرايب ...وخلاص مش هقول نكت تاني شكلي ضايقتك ...
-كويس لاني معدتي قلبت وثانية وهرجع على الترابيزة.... مستوي خفة دمك في النكت سالب تمنتاشر
تركت ورد المعلقة ونظرت إليه بغضب ثم ضر بته من تحت الطاولة عندما رأت أن رأفت وجهه أصبح أحمر من الإحراج ...
ابتسم ياسين وقال :
-انا كنت بهزر معاك ...يظهر أن مستوانا احنا الاتنين في الكوميديا محتاج تعديل ....سبحان الله يعني احنا الاتنين مهندسين ومستوانا بشـ ع في الكوميديا ..كان مفروض نتجوز هنعمل ثنائي هايل ...
سعلت صفية وهي تتمني أن يتوقف ابنها الغبـ ي عن مزاحه الثقيل ولكن رأفت ضحك وقال:
-لا حلوة والله ..دمك خفيف ..
ثم أخذ يضحك بقوة ليضحك الجميع معه ليتمتم ياسين ويقول وهو يشرب :
-عقبال ما يبقى دمك خفيف زيي إن شاء الله
كانت ورد تنظر إلى ياسين والغضب يتصاعد داخلها ...لقد كر هت قلة ذوقه فعلا !!!
...........
-عيب ..عيب اللي أنت. عملته ده يا ياسين ..مهما كان ده كان ضيفك ومفروض تعامله كويس مش تهيـ.نه!!!
صرخت به ورد بعد أن ذهب رأفت وزوجته ...كانت والدته تنظر إليه بخيبة أمل ...لقد أحرجها ابنها اليوم ...لا تصدق أن ياسين يتصرف بتلك الطريقة الو قحة مع ضيوفه ولكن ابنها هكذا بالفعل ...و قح لا يهمه أي شخص ...يجر ح الناس دون الإهتمام بمشاعرهم....
نهضت صفية وقالت:
-انا ماشية يا بنتي ...
نظرت إليها ورد وقالت:
-وده ينفع يا طنط ...لا هتباتي هنا ...مش هتمشي دلوقتي ...
هزت صفية رأسها وقالت:
-معلش أنا همشي...
ثم أتجهت إلى الباب لكي تذهب اقترب منها ياسين وقال:
-ايه اللي بتقوليه.ده يا ماما ..مش هتمشي طبعا ه...
ولكن والدته نظرت إليه بغضب وقالت:
-لما تتعلم تحترم ضيوفك هقعد ...لما تتعلم مترميش دبش وتجر ح اللي قدامك هقعد يا أستاذ ياسين ...ده ابن اختي اللي انتَ جر حته ده واستهزأت بيه ...ده ضيفك ....أنت بتعامل ضيوفك كده ...أنا فعلا معرفتش اربيك ...
نظرت إليه نظرة أخيرة ووجهها يكسوه خيبة الأمل ثم غادرت ...
تنهد ياسين بتعب لتقترب منه ورد وتصرخ ؛
-عجبك كده!!!حلو انك تبقي قليل الذوق ...بتحب دايما تجر ح اللي قدامك ومش قادر تصون لسانك ...اهي طنط زعلت ..غير انك كسفتني قدام الضيوف ...
-يوووه خلاص انا مش ناقصك أنتِ كمان ...هو انا عيل صغير عشان اتهز ق!!!
-ايوة عيل صغير ...لما متعرفش تحترم ضيوفك وتسيطر على نفسك يبقى عيل صغير ...انت عمرك ما هتتغير ..هتفضل كده بتجر ح في الناس ..عارف ليه ..لانك عندك عقدة نقص بتطلعها على اللي حواليك ...
-ورد أخرسي ...
رفع كفه ليصـ فعها ولكنه توقف في اللحظة الأخيرة لتبتسم ورد بحزن وتقول :
-جوازي منك كان أكبر غلطة عملتها في حياتي !!!
............
في اليوم التالي ....
وقفت أمام غرفة والدتها تنظر إليها بينما الدموع تحتشد بعينيها ...كانت تبدو حقا مرتاحة ترتدي زي المشفي ....غرفتها واسعة ومنظمة ..حتى المشفي التي تتعالج به كبير ..ولجت للغرفة وهي تقول بصوت مُختنق:.
-ماما!!
نظرت سوسن الى صوت ابنتها وقالت بلهفة :
-جواهر ...جواهر بنتي ...
اندفعت جواهر إليها وعانقتها بقوة والدموع تطفر من عينيها ...كانت تشعر بوجع لا يُصدق في قلبها ...لقد أشتاقت لوالدتها ...اشتاقت لها كثيرا ...
-وحشتيني يا ماما ...وحشتيني اووي..
قالتها جواهر بصوت مختنق وهي عاجزة عن السيطرة على دموعها...هي تختنق وهي بعيدة عن والدتها ...منذ أن عرفت بمر ضها وهي أقسمت أن تقضي معها كل وقتها ولكن الآن هي اخلفت بهذا الوعد !!
ابتعدت سوسن وهي تنظر إلى ورد بعتاب
-نستيني يا جواهر ..أخص عليكي ...أخص ...ليه مبتجيش تزوريني ؟!!
قالتها والدتها بعتاب لتمسك جواهر كفها تقبله وهي تقول :
-سامحيني يا ماما ..سامحيني ....الشغل واخد كل وقتي ...
-الشغل واخدك.مني معقول ؟!
قالتها بعتاب سافر لتهز جواهر رأسها وهي تبكي وتقول :
-لا طبعا بس لازم اشتغل عشان تبقي هنا وتتعالجي ...المكان حلو هنا صح ...
شدت والدتها على كفها وقالت:
-يا بنتي أنا خلاص نهايتي معروفة...مهما تعملي ..أنا عارفة وأنتِ عارفة يبقي لزومه ايه المصاريف ...خديني البيت خليني أعيش باقي أيام حياتي معاكي يا جواهر يا بنتي ...عايزة أبقى معاكي ...
ارتفع نشيج جواهر وانفجرت دموعها وقالت:
-لا لا أنتِ هتخفي و ..
قاطعتها والدتها وقالت وهي تمسك وجهها وتقول :
-جواهر أنا علمتك ايه ؟!أننا مش بنكد ب على نفسنا وأننا نتقبل القدر مهما كان ونقول. ..
بكت جواهر وهي تقول :
-نقول الحمدلله ...
ابتسمت والدتها بحب وقبلت رأسها فقالت جواهر :
-بس كمان قولتيلي أننا منيأسش من رحمة ربنا ...وان دايما فيه امل وان المعجزات بتحصل ...يبقي ليه منجربش ...عشان خاطري يا ماما .. عشان خاطري ابقي هنا واتعالجي وعلى فكرة...
تنهدت وهي تصطنع كذبتها بمهارة وقالت:
-انا كلمت الدكتور وقالي انك بتتحسني...عشان خاطري يا ماما خليكي هنا ...عشان خاطري متستسلميش ...عشاني أنا ...أنا مقدرش اعيش من غيرك !!!
هزت والدتها رأسها وهي تبتسم لها ثم بظأت تمسح دموع جواهر ...امسكت جواهر كف والدتها وبدأت تقبله بحب شديد ...
ثم قالت ببهجة :
-شوفي جيبتلك أيه ..
ثم أخرجت من الحقيبة الكبيرة ..شعر مستعار باللون الأحمر ...كان يبدو بالفعل رائع ...
ضحكت سوسن وقالت ؛
-احمر يا ورد ...
-ايوة احمر يا سوسن ..ثم البستها إياه وهي تضحك بينما ترى والدتها سعيدة ..هي تفعل كل هذا من أجلها !!
............
-أبوس ايديك ..خليني ادخله ...عايزة أكلمه !!
قالتها تلك الفتاة السمراء الجميلة دموعها تنفجر من عينيها السوداء ...كانت شفتيها ترتعش وهي تتوسل حارس القصر أن يُدخلها ...ولكن الرجل قال :
-أسف يا كارمن هانم عدي بيه أمر مدخلكيش ...لو سمحتي روحي ومتعمليش مشاكل ...
-طيب روح قوله ...قوله مش همشي من هنا الا لما أكلمه ...ابوس ايديك روحله قوله كارمن هتفضل برا لحد اخر يوم في حياتي ...لحد ما يقرر يكلمني ...
نفخ الحارس بضيق وقال:
-يا ست أبوس ايديكي امشي من هنا ...لو سمحتي متعملليش مشاكل هنا !!لو دخلتك عدي بيه هيطر دني!! ...
اخذت كارمن تبكي وهي تنظر إليه. ..تستعطفه لكي يدخلها ولكنه كان عنيد ...هو لن يعرض عمله للخطر من أجلها هي
خرجت من سيارة الأجرة وهي تنظر إلى تلك التي تبكي بعنـ ف أمام بوابة القصر .. كانت تصر خ ببكاء عنـ يف:
-بقولك عايزة اشوفه ....حرام عليك عايزة اشوف عدي ...
ولكن الحارس كان وجهه متصلب. ..لا يظهر عليه أي نوع من المشاعر !!!
-ايه اللي بيحصل؟!
قالتها جواهر وهي تقترب منها وتنظر إليها بصدمة ...
-عبير هانم ..
قالها الحارس ثم بدأ بفتح البوابة الإلكترونية لها وقال:
-اسفين على الفوضي دي ...
كادت عبير أن ترد إلا أن كارمن تلك الفتاة اندفعت بعنف داخل القصر ...
-امسكوها!!!
صرخ الحارس وهو يركض خلفها ...كانت جواهر لا تفهم ما بها .. ولماذا تريد أن ترى عدي ...وضعت كفها على فاها عندما أمسكوا بها وهي تصرخ ...أحد الحراس جرها بحزم نوعا ما ثم اقترب من البوابة ودفعها للخارج بينما انغلقت البوابة من تلقاء نفسها ...وقعت كارمن على الأرض وهي تبكي بعنـ ف وتصرخ:
-عدي ...عايزة اكلم عدي حرام عليك ...
-هو فيه ايه ..مالها دي ؟!
ولكن الحارس أطرق برأسه وقال:
-متهتميش بيها يا هانم واحنا اسفين مرة تانية....
نظرت جواهر إلى الفتاة بشفقة ورفعت رأسها جهة القصر لتجد عدي ينظر اليهما...وكم بدت نظراته قاسية وقتها ...
......
دقيقتين ووصلت للغرفة التي يقبع بها عدي دخلت لتجده يقف أمام النافذة الكبيرة ...اقتربت منه بهدوء لتجده يراقب تلك الفتاة التي تبكي بعـ.نف شديد :
-مين دي ؟!
قالتها ثم أكملت :
-دي هتمو ت عشان تقابلك ..
ابتسم عدي ابتسامة غريبة وقال:
-وهو ده عقا بها ...أنها هتمو ت عشان تشوفني ومش هتقدر تشوف طيفي حتي ...
اهتزت جواهر من الداخل وقالت:
-هي عملت ايه لده كله ؟!
-كذبت ..خد عتني والغلط الأكبر أنها حبتني عشان كده هي بالحالة دي
اولى عدي اهتمامه ببيري وقال وهو يتلمس وجنتها الناعمة :
-اللي يفكر يكذب ويخدعني هيعاني يا بيري ...هيعاني طول حياته ...فاحسنلك متفكريش تعمليها والا هيبقى حالك زيها !!!هتعاني عشان بس تشوفي طيفي ومش هتقدري كمان ..أنا عقابي وحش اووي يا بيري. ..
ازدردت جواهر ريقها برعب ...كم بدأ مخيف في تلك اللحظة..
......
استيقظت بصعوبة وفجأة اتسعت عينيها وهي تراه أمامها ...يقف ويتأملها مبتسما
-موسى بتعمل أيه هنا ؟!
-انا بحبك يا ليان !!
-ايه.؟؟
قالتها بصدمة ليكمل
-تتجوزيني !!!!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سولييه نصار
الفصل الثامن عشر (أنا اغرق فيكِ)
وإنِّي أُحبُّكِ..
لكنْ أخافْ التورُّطَ فيكِ،
أخافُ التوحُّدَ فيكِ،
أخافُ التقمُّصَ فيكِ،
فقد علَّمتْني التجاربُ أن أتجنَّب عشقَ النساء
نزار قباني
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-حاولت اهرب من حبك ...حاولت أقنع نفسي ان مفيش في قلبي حاجة ليكي بس اكتشفت أن قلبي اصلا مش ملكي ...قلبي ملكك ومن زمان ...هو طوع أمرك .
اتسعت عيني ليان واستطاع سماع لهاثها المصدوم ...اقترب منه وجلس على الفراش وهو يجذب وجهها ويقبلها على جبهتها ...أغمضت هي عينيها وقد أحضرت كلماته الدموع لعينيها...شعرت بقلبها يقفز داخل صدرها....
-موسى ...
قالتها بشوق وهي تضع كفها على وجهه ...
-موسى. .
كررتها مرة آخري والدموع تنفـ جر من عينيها ثم أكملت:
-وأنا كمان بحبك...بحبك أووي ....
تنفس براحه وقبلاته تزيد عنـ فاً على جبهتها بينما الدموع تملأ عينيه ...قلبه يخفق بقوة في صدره ..وقلبها أيضا ...انه العشق ...العشق يسكن قلب كلا منهما...لعـ نة العشق الذي ليس منه نجاه ...وهو قرر ان يغر ق بها ...بدلا من أن يحتر ق بنيران بُعدها !!
فُتح الباب فجأة ...
-موسى !!!!
كان هذا صوت عدي المصدوم...ابتعد موسى عن ليان بسرعة ...بينما بهتت هي الأخرى وهي تنظر الى النيران المشتعلة بعيني أخيها ...كان غاضب ...غاضب بشدة وهي كانت خائفة ...قلبها أصبح يدوي بخوف بدلا من العشق ...
-عدي ...
قالتها ليان بصوت ضعيف وقد احتشدت الدموع بعينيها ...ولكن عدي لم يكن ينظر إليها من الأساس...كانت نظراته موجهة نحوه...نحو صديقه!!!صديقه الذي خا نه للتو!!
ازدرد موسى ريقه وهو يرى الجر ح بنظرات عدي ...كان مصدوم...مجرو ح وخائب الأمل منه ...لقد تحطـ مت ثقته به ....لم يتخيل أبدا ان يقوم موسى بخيا نته....أطرق موسى وجهه أرضا ...كان عاجز عن مواجهته ...يزدرد ريقه بعـ نف وهو ينتظر التوبيخ منه ...ينتظر الاها نات التي سوف يتلقاها منه ...وهو لن يتكلم ...يستحق هذا ...يستحقه.....لو ضر به حتي يستحق هذا. ..هو يستحق كل ما سيفعله عدي به !!!
-ليان يا موسى !!!
خرج صوت عدي المصدوم ..
كان لا يصدق ان يقدم صديقه على هذا ...لقد وثق به ...ادخله منزله ...عامله كأنه شقيقه ...هل يكافئه بتلك الطريقة ...شعر بالدموع تلسع عينيه بالفعل..لم يتوقع ابدا الخيا نة من موسى كان يثق به كثيرا ...
-عدي اسمعني !!
حاول موسى أن يبرر بصوت محطـ م وهو يقترب من صديقه...ولكن عدي امسكه من قميصه وهو يصرخ بقوة :
-ليان يا موسى ...ليان!!!ليه...اختي ليه!!؟
-بحبها .
قال بنبرة مخنوقة ...ثم نظر الى عدي وكانت عينيه الزرقاء صافية تماما...تفيض بالصدق وأكمل :
-انا بحب ليان يا عدي ...بحبها أووي ..وعايز اتجوزها وصدقني هحميها دايما وههتم بيها ..وعمري ما هزعلها ابدا !
-أنت أكيد اتجننت ...اكيد اتجننت !!!
زعق به عدي وهو يهزه بقوة ...كان لا يصدق ان موسى يفعل هذا ...ما زال لم يستوعب الأمر ..
رفع كفه ولكمه بعنـ ف لتصرخ ليان وهي تقول :
-عدي اسمع !!
ولكن النير ان كانت تشتـ عل داخل عدي بقوة ...مرارة الخيا نة كان تقـ تله !!!
-لو أنت آخر راجل في الدنيا أنا مش هجوزك أختي ولا هأمن عليها معاك ...انت خا ين ..خا ين يا موسي ...دخلت بيتي وأغويت أختي الصغيرة...عملت نفسك بتحميها وانا كان مفروض احميها منك ...احميها منك أنت !!!!
-عدي اسمعني ابوس ايديك ..
كان موسى يتحدث بنبرة مختنقة ...يحاول أن يفهمه ...يعطيه فرصة لكي يشرح ولكن الغضب كان قد أعمي عيني عدي وقال وهو يهزه بقوة ...
-أخرج ...اخرج من بيتي من النهاردة انسى انك تقرب من ليان ...أنا هبعدك للأبد عن ليان ...للأبد!!
....
نهض من نومه مفزوعا وقلبه يخفق بقوة ...رباه ما هذا الكابوس...دعك موسى عينيه وهو يتنهد بقوة ...شكرا الله ان الحلم ليس حقيقي ...فخيبة الامل التي رأها بعيني عدي لم يتحملها ابدا ...وبالطبع عدي محق ...فحتى لو اعترف موسى بحبه لليان وفسخت خطبتها من اجله...عدي لن يقبل به أبدا لانه يعرف جيدا ماضيه ...يعرف من كان بالماضي ويعرف الخطر المحدق بكل من يقترب منه ...
تنهد موسى ونهض من فراشه بكسل اليوم عليه ايصال ليان الى جامعتها ثم في المساء سيوصلها هي وخطيبها الى حفل عيد ميلاد أحد اصدقاؤها ...
زفر بحنق وهو يفكر ان لديها ساعات طويلة سيشعر فيها بالغيرة وقد لا ينام بسبب قهـ ره وغيرته !!
...........
نص ساعة وكان جاهز تماماً يقف أمام السيارة منتظرا ليان التي خرجت من القصر ترتدي نظاراتها ...فتح موسى لها الباب لتستقل السيارة بهدوء.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
خرجت من غرفتها وتوقفت مكانها وهي تجده نائم على الأريكة ...يغطي وجهه بذراعه ...كان يبدو غير مرتاحا بالمرة ...أطرقت برأسها وهي تتذكر كلامها السام له ...لقد أخطأت لن تنكر.هذا ولكن تصرفاته جعلتها تغضب كثيرا ...لا يمكنه أن يُعامل ضيوفه بتلك الطريقة المهـ ينة ....زفرت ورد بضيق وقررت ان تذهب لإيقاظه قبل ان تراه ياسمين ...فاليوم هو عطلتها من المدرسة لان امتحاناتها قد أقتربت وعطلته من العمل وقد قررت بعد تدريس ياسمين ان تُخرجها معها لكي ترفه عنها قليلا ...
اقتربت منه وهي تربت على كتفه بلطف وتقول :
-ياسين ...ياسين اصحي ...
فتح عينيه ببطء ...لحظات وأحتل الجليد عينيه ازدردت ورد ريقها وهي تتراجع قليلا...نهض هو دون ان يكلمها او ينظر إليها حتى ..ولج لغرفته ثم أحضر ملابسه لكي يستحم...
......
بعد ثلث ساعة كان قد انتهى..خرج من الحمام وهو يمشط شعره المبتل بيديه بينما ترطب قميصه الزيتي قليلا بالمياه التي تسقط من شعره ...كانت ورد تراقبه ...تنتظر الفرصة لتتحدث إليه ولكنه للمرة الثانية يتجاهلها ويخرج من الغرفة متجها الى المطبخ ...زفرت بضيق وهي تذهب خلفه ...صحيح انها مخطئة ...ولكنه هو أيضا أخطأ فلماذا يرمي كل اللوم عليها !!! ألن يتغير أبداً!!!
ولجت الى المطبخ لتجده يصنع له فنجان من القهوة بكل هدوء ...رفعت حاجبيها وهي تزم.شفتيها بضيق ..حسنا هو يريد هذا ...يريد ان يتجاهلها وهي تتجاهله ..حسنا له ما يريد ..
فكرت وكادت بالفعل ان تذهب ولكنها توقفت مكانها ما زالت تشعر بالسوء فعلا ...هي بالكاد نامت الليلة الماضية لانها تشعر بالذ نب .. ستعتذر وأمرها لله...فهي قد أخطأت أيضا ...تلك ليست كلمة مناسبة لتقولها لزوجها ....
-مينفعش تشرب قهوة على الريق كده ...استني احضرلك فطار...
قالتها ورد وهي تقترب منه ولكنه تجاهلها ...مجددا !!
رفعت حاجبيها بضيق وهي تراه يرفع الفنان ليشربه ولكنها أمسكت كفه وأخذت منه الفنجان وقالت:
-انا قولت مينفعش !!!هعملك ساندويتش تاكله ...
نفخ بضيق وقال:
- مش عايز ...
ثم كاد ان يأخذ منها القهوة الا انها ابعدت الفنجان وذهبت وسكبت محتواه في الحوض...
ربع ياسين ذراعيه وهو يشعر بالغضب وقال:
-هعمل واحد تاني ...
ثم اتجهت يده لعبوة القهوة ولكنها أمسكت كفه وبيدها الحرة أخذت عبوة القهوة وقالت بحزم:
-بطل عناد...القهوة غلط على الريق ...لازم تأكل حاجة يا باشمهندس ياسين ولو سمحت متعاندش عشان صوتنا ميعلاش وياسمين تصحى ..
ولكن العناد ما زال متأصلا في عينه في عينيه فقالت:
-انا أسفة يا ياسين بس انت زودتها بجد
-جوازك مني غلطة يا ورد !!
قالها ياسين بنبرة باردة لتحتشد الدموع بعينيها وتهز رأسها بالنفي بسرعة وتقول:
-بالعكس يمكن كان احسن حاجة حصلت في حياتي ...
رغم البرود الذي كان يدعيه الا انها استطاعت رؤية الضعف بعينيه ...اعجبها ان يكون لديها هذا التأثير عليه ..حقا اعجبها...
-ده مكانش كلامك امبارح يا ورد ...فاكر كلمتك امبارح ...قولتيلي ان أكبر غلطة عملتيها في حياتك هي جوازك مني ...
انسابت دموعها وهي تنفي مرة آخرى ما قالته وقالت :
-كنت متعصبة منك ...مجرو حة أنك كنت هتمد إيديك عليا يا ياسين ...حبيت اجر حك وانا اسفة بجد ...اسفة ....
أرتفع صوته وقال بإنفعال :
-تتخانقي معايا مش تقولي ان جوازك مني أكبر غلطة يا ورد...عارفة قد ايه كلمة زي دي أثرت فيا...
ارتفع كفيها وعانقت وجهها ثم رفعت نفسها إليه وهي تقبل صفحة وجهه بتتابع وتقول بنبرة مختنقة :
-انا اسفة ...أنا اسفة ...اسفة يا ياسين ...
رفعها إليه وهو يعانقها بقوة ...كانت تقف بقدميها على قدميه ثم قال:
-متقولهاش تاني. ..مفهوم ...
-مفهوم ...وانت متفكرش تمد ايديك عليا تاني ...
-ولا عمري هعملها !!
رنين الهاتف اجفلهما سويا ...اخرج ياسين هاتفه لتنظر إليه ورد ويرتفع حاجبيها وهي تقول :
-مين الحرباية ام سحلول دي ...
تنهد قائلا وهو يفتح الهاتف:
-دي جوري.
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
وقف امام منزلها وهو يحافظ على قناعه الجليدي ...زفر بضيق لم يكن يريد ان يأتي بأي حال لولا توسلاتها وإخباره انها تريده لموضوع طارئ للغاية ...ما هو الموضوع الطارئ يا تُري .؟!هل اكتشفت انها ستموت قريبا !!..رن جرس المنزل وانتظر بصبر لتفتح هي الباب وهي تضم روبها الأزرق الطويل الى جسدها ...
أشرق وجهها ما ان رأته وأخذت عينيها العسلية تتأملانه بلهفة وقالت:
-ياسين ..الحمدلله أنك جيت.
-خير كنتِ عايزة ايه ؟!
قالها بنبرته الباردة للغاية وهي تلك النبرة التي يختصها بها ...فدوما جليده من نصيبها هي !!
افسحت الطريق وقالت:
-طيب أتفضل ..أتفضل يا ياسين متقفش هنا ...مينفعش نتكلم على الباب ...
-اللهم طولك.يا روح ...صبرني يارب على المرار اللي في حياتي !!
تمتم بها ثم ولج للمنزل فأغلقت هي الباب ...
اقتربت منه وهي تقول :
-ثواني وقهوتك المفضلة تكون جاهزة . .
ربع ذراعيه وهو يهز رأسه بضيق. ..لقد خدعته ...يبدو ان ليس هناك أمرا هام أبدا ...قرر ان يذهب ما ان تأتي ولكن ليس قبل ان يوبخها !!
..
دقيقتين وقد ظهرت وهي تضع القهوة على الطاولة أمامه وقالت:
-أتفضل قهوتك ...
كان ما زال واقفا ينظر إليها ببرود ... تراجعت قليلاً ثم اسقطت روبها أرضا وفي عينيها نية واضحة جداً
-أنتِ كده يعني بتغريني ؟!
قالها بسخرية وهو ينظر إليها كانت ترتدي غلالة زرقاء قصيرة للغاية...كما يحب تماما ...هي تحفظ التفاصيل التي يعشقها في إمرأته ...وهي تريد أن تكون أمرأته ...
ابتسمت جوري بإرتجاف وقالت:
-يمكن ...
جلس على الأريكة وهو يمسك كوب القهوة الخاص به ويقول :
-ها قوليلي كنتِ عايزة أيه؟!
اقتربت منه وقلبها يدوي في صدرها ثم جلست بجواره والتصقت به وهي تضع كفها على قلبه وقالت :
-ردني يا ياسين.
نظر إليها وهو يشعر بالملل وقال:
-وأيه كمان ..
-خلينا نعيش سوا ...نرجع سوا أنا وأنت وبنتنا ...
ابتسم بسخرية وقال:
-ومش عايزة شيكوبون لأمك بالمرة ؟!
اقتربت أكثر وقالت بجراءة:
-ياسين اديني فرصة تانية ...وافتكر ايامنا مع بعض
ثم أضافت وعينيها تبرق بإغواء :
-يعني عمرك ما افتكرت ليالينا سوا ...
ابتسم لها وقال:
-هو بصراحة الأيام اللي فاتت مفتكرتهاش عشان اكون صادق ....بس دلوقتي افتكرتها كلها ...
ابتسمت بإنتصار وقالت بلهفة وهي تتلمس وجهه:
-وحاسس بإيه لما افتكرتها ..ها يا ياسين قولي ..
-حاسس ان معدتي قلبت...
عبست بشدة ليكمل :
-بكلمك بجد يا جوري حاسس اني قرفان وهرجع...
ثم دفعها عنه وقال:
-فأبعدي بقا لأحسن أرجع في وشك ..
ثم نهض ونظر الى وجهها الشاحب بقوة وعينيها المحتشد بها الدموع وقال :
-شكرا على القهوة يا جوري ..وبما أنك مش عايزة مني حاجة تاني أنا همشي دلوقتي ..سلام ...
فتح الباب ليخرج ولكنه توقف فجأة وهو ينظر إليه وقد ابتسم بأسف وقال وعينيه تمر عليها :
-قدراتك كأنثى في الإغراء قلت بنسبة سبعين في المية ياريت تحاولي تصلحي المشكلة كده...مجرد نصيحة ..
ثم ذهب بعد ان كادت أن تُصاب بجلطة بسببه!!...تساقطت الدموع تباعا من عينيها وهي تضر.ب بقدمها على الأرض وتصرخ...لا لما يقاومها ...هو لا يمكن أن يقاومها...لقد كانت تسيطر عليه في الماضي فما الذي حدث ...انفجـ رت الدموع من عينيها أكثر وهي تشد خصلات شعرها وتقول:
-ياسين ...ياسين ليه بتعمل كده أنا بحبك ...بحبك ...بس لا انت هترجعلي...هترجعلي وتطلق خطا فة الرجالة دي ...أنا اتطلقت من كل اللي اتجوزتهم عشان مقدرتش احب غيرك ...مقدرتش اتقبل غيرك ...وده مش جزائي يا ياسين ...انت هترجعلي ...برضاك غصب عنك هترجعلي !!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في المساء ...
للغيرة أ لم لا يشعر به الا عاشق مثله ...أ لم الأحتر.اق ..وكأن قلبه يحتر ق وغير مسموح له لا بالصراخ أو البكاء ...كل ما عليه ان يظل متصلبا الآن وهو يراقبها معه ....يتأمل شعرها الأسود الذي يتطاير بنعومة ويداعب وجهها فتبعده هي متذمرة...وشفتيها التي تبتسم لغريمه ...يتأملها ويتذكر قبلتهما الاولى التي لم ينساها يوما ....يرتفع ضجيج نبضاته ويبعد عينيه قليلا وهو يتنهد للسيطرة على نفسه ...
عاد ينظر إليها مرة آخري يكمل تأمله الذي لا ينتهي لوجهها ...ملامحها الجميلة ...تلك الملامح التي اجتاحت أحلامه ...تتوقف نظراته على عينيها..عينيها التي تلمع بلطف وهي تتحدث ويتذكر هو هاتين العينين تتطلعان إليه بلهفة شديدة ..ويفيض منهما العشق الصافي ...فستانها الكريمي الواسع كان يتطاير حولها ويحرك قلبه بقوة ...
تقابلت أعينهما للحظات وابتلعت ريقها وهي ترى نظرات غريبة بعينيه بدت وكأنها غيرة!!!موسى يغار عليها!!لابد انها فقدت عقلها تماما. .ولكن رغم ذلك كانت النظرات واضحة جدا لا ...حاولت انكارها ...حاولت الهروب من تأثير نظراته عليها ولكنها شعرت بالضعف يغزوها وهو ينظر إليها بتلك الطريقة ...لم يزيح وجهه ولا هي ظلا هكذا ينظران الى بعضهما من بعيد ...تجمعت الدموع بعينيها وكادت أن تبكي ...لماذا يحدث معها هذا ...هي مرتبطة بيحيى فلا يجب أن تفكر به ...ولكن الأمر ليس بيدها...هي عاجزة عن إخراجه من عقلها ..عاجزة عن انتزاع حبه من قلبها ...عاجزة عن كل شئ الا حبه ...هي تحبه بمهارة عاشقة عرفت العشق جيدا وحفظته بسببه ...ولكن على قدر حبها احتر قت هي ...احتر قت بقوة ...فكرت بحسرة!!
-ليان...ليان !!
كان هذا صوت يحيى الذي أخرجها من شرودها ..شهقة خافتة خرجت من شفتيها وأطرقت برأسها قليلا وهي تحاول السيطرة على نفسها وعلى دموعها التي تهد دها بالتساقط في أي وقت ...تُرى هل شعر يحيى بشئ ...هل رأها تُحدق به ...رباه...كيف تبرر له الآن ...تلوت معدتها وهي تشعر بالقر ف من نفسها ...تشعر انها خا ئنة بشـ.عة !!!
ابتلعت ريقها وهي تنظر الى يحيى بإبتسامة لطيفة بينما كان ينظر إليها بحيرة شديدة ...
-معاك يا يحيى...
هز يحيى رأسه وقال:
-مظنش يا ليان باين عليكي أنك بعيدة ...بعيدة أووي عني أنا بقالي نص ساعة بكلمك وانتِ مش هنا خالص ...مالك فيه حاجة ؟!
هزت رأسها بإرتباك وقالت بإبتسامة وهي تريد أن تمحو أي شك لديه
-لا يا يحيى مفيش حاجة بجد ...
-هتخبي عليا ..أنا عايز قبل ما نكون كابل نكون أصحاب يا ليان وتقوليلي كل اللي مضايقك ...
-صدقني مفيش حاجة مضايقاني ...أنا كويسة يا يحيى ...
-رغم اني مش مصدقك بس مش هضغط عليكي برضه ..براحتك يا ليان ...
وبالفعل قرر الا يضغط عليها ويركز في الحفل بدل من أن تتجه افكاره الى وجهة لا يحبذها أبدا!!!....
.....
بعد قليل ...
آني ليحيى اتصال مستعجل من المشفى وعرض عليها ان يوصلها ولكنها رفضت وقررت ان تبقى في الحفل...
في الحفل....
كانت تقف وهي تتطلع للأزواج الذين يرقصون مع بعضهما وتنهدت بعمق ...
-ترقصي معايا...
كادت أن تصرخ من الفز ع عندما سمعت صوت موسى قريب منها ......
-لا شكرا مش عايزة ارقص...
قالتها بإقتضاب ...
ولكنه ابتسم وهو يمسك يدها ويجذيها الى ساحة الرقص وقال :
-لا هترقصي عشان أنتِ بتحبي الأغنية دي....
ابتسم بلطف وهو يجذبها إليه ارتعشت أنفاسها وهو يضمها إليه ...رأسها على كتفه ويده تحاوط خصرها ...كان يعانقها ويرقص معها في ذات الوقت ...اغنية ويتني التي كانت تصدح في المكان جلبت الدموع لعينيها...أغنيتها المفضلة والتي حلمت التي ترقص معه على أنغامها في يوم زفافها ...اغنية )I will always love you )
ولكن للاسف ..ها هي ترقص معه ولكن وهي مخطوبة لآخر ...ملك لآخر ..انسابت الدموع من عينيها وهي تشد على ذراعه وتضمه بشكل أقوي بينما تتنفس رائحته بعمق ...أغمض موسى عينيه وهو يضع شفتيه على شعرها الناعم ويقبله بلطف ....هذا خطأ ..نعم خطأ كبير أنه يتصرف بخسـ.ة ونذالة ...ولكنه لم يهتم ...لم يهتم أبدا ...في تلك اللحظة هي ملكه ...في تلك اللحظة سينسى كل شئ ...سينسى أنها مخطوبة لآخر ...سينسى ماضيه المظلم كقيصر ...سينسى خوفه ...وحتي عدي ...لن يفكر الا بها هي ...
انسابت دموعها بغزارة أكبر من عينيها وقالت بصوت مبحوح:
-ابعد يا موسى سيبني !!!
ولكن موسى لم يتركها بل انتقلت شفته الى جبهتها وقبلها برفق شديد ...
شهقت وهي تتحرر منه ثم غادرت ساحة الرقص مسرعة ...
. .... ..
بعد قليل ..
كانت في السيارة تبكي بخفوت بينما هو يقود وكان يشعر بالإختناق ..الوضع يخرج عن السيطرة !!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-عم كريم كلمني يا ماما...واضح أنه ندمان يا ماما ..
قالها فؤاد وهو ينظر لوالدته ...تنهدت نهى وقالت :
-مش هرجع يا فؤاد...مش هرجع الا لما يعرف يتعامل مع بنته كويس ..
نسرين منها رة ...من أول ما جات هنا وهي نايمة على السرير وتعبانة ....مش عايزة ترد على حد ولا تكلم.حد.كنت هكلم ليان عشان تجيلها بس هي رافضة...مش عايزة تشوف حد أنا خايفة عليها أووي يا فؤاد ...
تنهد فؤاد بعمق ومن داخله يشفق على تلك الفتاة ...
-انا هتكلم معاه يا ماما مينفعش يعاملها بالطريقة دي أبدا ...ده مش مقبول ..هو ليه كار هها بالشكل ده ..أنا نفسي أعرف ...
هزت نهى رأسها وهي تشعر بالحيرة...بالتأكيد هناك شئ لا تعرفه هى...فكريم غاضب بشكل غامض على نسرين ...تعامله معها جاف للغاية والفتاة تنهار شيئا فشئ ...وهي تخشى عليها ان تفقد عقلها وتتصرف بتهو ر ...أ لمها قلبها على تلك المسكينة ...
نهض فؤاد وقال:
-طيب يا ماما أنا همشي دلوقتي خليكي أنتِ مع نسرين حاولي تخففي عنها شوية وحتي كلمي ليان تجيلها ...هي الوحيدة اللي بتعرف تخرجها برا الحزن اللي هي فيه وانا هكلم عم كريم وأفهمه وبإذن الله خير ...
ابتسمت نهى وأمسكت كفه وهي تقول :
-أسفة يا حبيبي كركبنا حياتك ..خرجناك من بيتك وبتروح تبات في فندق بسببنا
-ولا يهمك يا ماما المهم هي تكون كويسة ...
-يارب يا فؤاد ..أنا بجد.زعلانة عليها...
صمتت ثم نظرت إليه برجاء وأكملت :
-بقولك يا فؤاد يا بني ...ممكن تفضي نفسك بكرة وتخرجها ...عايزاك تحاول تخرجها من اللي هي فيه .
ابتسم فؤاد وقال :
-حاضر يا ماما بكره هفضي نفسي مخصوص عشان خاطركم.
ثم قبل رأسها وخرج ...
.....
تنهدت نهى وهي تنهض ...تلك المسكينة لم تأكل حتى الآن الا قليلا ...ستمو ت لو استمرت بهذا...ابتسمت نهى فجأة وهي تتذكر ان نسرين تحب الارز باللبن ثم ذهبت إلى المطبخ لكي تحضره لها بهمة ونشاط ...
.....
بعد ان انتهت ...ولجت الى غرفتها لتجدها جالسة على الفراش تنظر إلى الحائط بشرود ...وجهها شاحب قليلا ..وشعرها مربوط بقوة ومرفوع للأعلى بواسطة طوق شعر أزرق يلائم منامتها الزرقاء ...كانت لا تبكي. ..لا تظهر أي مشاعر ..فقط مثبته عينيها على الحائط وشاردة بعمق ...اقتربت منها نهى وجلست بجوارها قائلة :
-نسرين بنتي ..
ازاحت نسرين عينيها من الحائط ونظرت لنهى بنظرات فارغة ...وقالت وهي تعطيها ابتسامة شاحبة :
-نعم يا خالتو ...
تأ لم قلب نهى عليها وقالت:
-يا بنتي أنت مأكلتيش حاجة من أول ما جيتي هنا وحده مينفعش أنا عملتلك رز باللبن اللي أنتِ بتحبيه وحطيتلك عليه زبيب وجوز هند عشان خاطري كليه ومتزعلنيش منك ...
كادت نسرين ان ترفض ولكن نظرات خالتها الحزينة منعتها فوجدت نفسها تهز رأسها وتقول :
-ماشي يا خالتو قايمة معاكي ...
ثم نهضت من الفراش مرة واحدة وشعرت بالدوران بسبب إضرابها عن الطعام وعدم تناوله الا نادرا ...
-نسرين أنتِ كويسة !!!
قالتها نهى بفزع وهي تمسك كف نسرين التي مالت عليها قليلا ...
وقفت نسرين على قدمها وهي تثبت قدمها على الأرض جيدا ...لم تكن تريد أن تقلقها اكثر من هذا وقالت وهي تشد على كفها :
-انا كويسة يا خالتو متقلقيش عليا ...
ولكن نهى امسكتها من خصرها وقالت:
-انا هسندك.يالا....
ثم أخرجتها ببطء إلى الصالة ...جعلتها تجلس على الطاولة ثم اعطتها طبق الأرز الكبير ...نظرت إليه نسرين وعينيها ملبدة بالدموع ونظرت الى نهى وقالت بنبرة باكية ؛
-انا اسفة ...اسفة ...
-بتعتذري ليه ؟!
تساءلت نهى بحيرة لترد نسرين :
-أسفة اني كنت بعاملك بطريقة و حشة ...اسفة لاني كنت بغير منك دايما...
قاطعتها نهى وهي تضمها وتقبلها على رأسها وتقول :
-الام مبتزعلش من عيالها يا نسرين ...أنا عمري ما زعلت منك .
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في اليوم التالي ...
كانت نسرين تتناول طعام إفطارها بينما نهى تبتسم بسعادة ...أخيرا قررت ان تخرج من غرفتها وتتصرف بطبيعتها ..حتى انها أخبرتها انها سوف تذهب الى الجامعة في الغد واتصلت بليان ...حالتها الآن افضل من البارحة بكثير ...
-شكرا أنك عملتي رز باللبن مرة تانية عشاني. .
قالتها نسرين بلطف ...ابتسمت نهى وأمسكت كفها وهي تقول بإبتسامة حلوة :
-بالهنا على قلبك يا حبيبتي ...ايوة كده افرحي وابتسمي ...الحياة مش مستاهلة حرقة الدم دي كلها ...
احتشدت الدموع فجأة في عيني نسرين لتقول نهى بسرعة:
-لا لا يا حبيبتي متعيطيش تاني والا والله أعيط معاكي ...
ابتسمت نسرين من بين دموعها لتلمس نهى خدها وتقول :
-أيوة كده أضحكي ...شكلك حلو أووي لما بتضحكي يا نسرين ...أضحكي دايما ...ضحكتك حلوة أووي ...من النهاردة ممنوع تبكي مفهوم ؟!
ابتسمت نسرين وهزت رأسها ليرتفع رنين جرس الباب فجأة...نهضت نهى واتجهت نحو الباب وفتحته لتجده فؤاد ...
-صباح الورد عليكم ...
قالها فؤاد مبتسما وهو يلج للمنزل ممسكا دُب زهري كبير نسبياً ...
أغلقت والدته الباب وهي مبتسمة بحيرة وقالت:
-ايه ده يا بني؟!
نظر فؤاد الى نسرين التي وقفت وهي تنظر إليه بخجل نوعاً ما وقال:
-دي منار يبقى صاحبة نسرين الجديد ...
ثم أقترب فؤاد من نسرين وقال وهو يقدم لها الدُب :
-ياريت تقبلي الهدية الصغيرة دي مني يا نسرين .
ضحكت نسرين برقة وهي تتناول الدُب الكبير الذي كان في طولها تقريبا ...كان دُب زهري اللون بطريقة محببة الى النفس ...
-ميرسي ..
قالتها برقة وهي تنظر الى الدُب ..ليرد هو :
-العفو يا ست الكل ....
ثم أكمل وهو ينظر الى طاولة الطعام وقال:
-الله رز باللبن ..ايه الدلع ده بس ...
اخذ الدُب مرة آخرى من نسرين ثم وضعه على الأريكة وجذب نسرين وقال:
-على فكرة أمي اكتر واحدة تعمل رز باللبن يجنن ..تعالي كلي..
-أنا أكلت...
هتفت بإعتراض وهي تحاول جذب كفها الا انه قال بتسلية :
-تأكلي تاني ...
ثم جعلها تجلس على المقعد الخشبي وناولها الطبق وقال :
-أتفضلي يا ست البنات ..واعملي حسابك بعد الفطار تجهزي ...أنا عاملك خروجة رايقة...
ثم نظر الى والدته وقال:
-وانتِ كمان يا ماما هتيجي.معانا ...
هزت نهى رأسها وقالت:
-لا يا ابني أنا مش قادرة بجد ...خد نسرين وخرجها...
.............
-ملاهي ...بجد !!
قالتها نسرين وهي تنظر الى مدينة الألعاب امامها...
شدها فؤاد نحو الداخل وقال:
-أيوة ملاهي يا ست البنات ..
أتجه بها أولا الى منزل الر عب ...
وقفت نسرين مبتسمة بينما يحجز فؤاد التذاكر ...قرر أن يجعل اليوم مميزاً بالنسبة لها ...قرر ان يُنسيها كل ما عاشته مع والدها ...
وقف بجانبها وقال مبتسما حتى بانت غمازاته الساحرة ...بينما عينيه تفيض بالشقاوة:
-هندخل الأول بيت الرعب ...بتخافي من العفا ريت ولا حاجة ...
هزت رأسها وقالت:
-لا مبخافش ..
-جميل ...
قالها مبتسما وهو يجعلها تتقدمه ليستقلا المركبة المزدوجة ...
......
أصوات مفز عة تنطلق من كل مكان ...وجوه مُر عبة تخرج من الحوائط ...كان نسرين ترى هذا وتضحك على شكل فؤاد الذي بدا عليه التوتر لدرجة انه عندما خرج شكل مهرج من الحائط اطلق صرخة صغيرة لتضحك هي أكثر عليه ...
....
بعد ان خرجا كان وجه فؤاد أحمر قليلا من الإنفعال بينما كانت نسرين تضحك بالفعل من قلبها ..نظر فؤاد إليها وقال بغيظ:
-شكلك فرحانة فيا !!
هزت رأسها موافقة وقالت:
-بصراحة كده آه
نظر فؤاد الى بائع حلوى القطن وقال:
-تحبي تأكلي غزل بنات أجيبلك ...
هزت رأسها بسرعة ...
....
بعد قليل كانا يأكلان حلوى القطن بهدوء وهنا جالسان على المقعد الخشبي ...
-آخر مرة مردتيش عليا .
قالها فؤاد فجأة لتنظر إليه نسرين فيكمل :
-قولتلك اني معجب بيكي ...
اتسعت عينيها وأحمرت بخجل شديد فنظر إليها وهو يبتسم بلطف ويقول:
-ممكن نقول ان الموضوع تخطى الإعجاب من زمان ...
-ده ..
قالها وهو يشير الى قلبه ثم أكمل :
-ده مش عايز يشوف غيرك ...الموضوع من زمان يا نسرين ...من قبل ما حتى ماما تتجوز باباكي ...حاولت انكر ..حاولت اهرب بس أنا دايما كنت سجـ ينك أنتِ ...أنا مش بحبك وبس ..أنا بغرق فيكي...في عيونك ...
نهضت بإرتباك وهي تبعث بعنف ...نهض هو معها لتقول هي :
-بس اسكت...اسكت متتكلمش ..ازاي تفكر في كده ...
اطرقت وهي تقول :
-انا مش بحبك ...انت زي أخويا !!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في المساء
-طيب يا جواهر طمنيني هتعملي ايه ؟!!قوليلي في بالك ايه !!!
قالتها عبير وهي تقضم اظافرها بتوتر بينما تتحدث مع جواهر على الهاتف وهي تذرع صالة المنزل الصغيرة وهي تشد احيانا شعرها بتوتر ...
كان امير جالس على الأريكة وهو مثبت عينيه على الأرض ...يقاوم بضراوة رغبته أن يستل النظرات اليها ...يحا رب نفسه بقوة....لهاث قوي تسرب من شفتيه نتيجة المجهود المضني الذي يبذله .....أنه هو من يدفع ثمن وجودها هنا ... يدفعه في المجهود الهائل الذي يبذله لكي لا ينظر إليها ...لا يخطئ معها ...يريد أن يحافظ عليها حتى تذهب من هنا ...
نهض مسرعا وهو ما زال ينظر للأرض وهرع إلى المطبخ ...
...
ولج أمير للمطبخ سريعا وهو يلهث ويضع كفه على قلبه ...
-البنت دي وجودها هنا خطـ ر !!
قالها بلهاث ثم فتح الثلاجة وأخرج زجاجة المياه وشرب وهو يفكر انه يجب أن يحذر من وجودها معه ...لن يأتي للمنزل الا في منتصف الليل ...لن يبقى معها في مكان واحد...الأمر ليس فقط انجذابه كرجل نحو أمرأة جميلة ولكنه يشعر أنه بدأ يميل لها ...يميل لها بقوة وهذا خطأ ...خطأ كبير يجب ألا يرتكبه !!...فهي ليست من عالمه ...هي من عالم مختلف تماما وكل ما يجب فعله هو مساعدتها فقط ...وان يحافظ عليها سليمة...الا يمسها أبدا والا يقلل من احترامها....عبير يجب أن تظل هنا معززة مكرمة حتي تحل مشكلتها !!...شرب كوب المياة بسرعة وهو يهدأ من قلبه الذي يدوي بعنـ ف داخل صدره. ...
..........
-اهدي يا بيري ..متخافيش عليا أنا مش هيحصلي حاجة متقلقيش ...أنا ماشية على خطة معينة ...ومتقلقيش إن شاء الله هتنجح اووي ..بس ادعيلي ...
قالتها جواهر وهي تشرب سيجارتها وعينيها تلمع بطريقة غريبة ...
من الناحية الآخرى كانت عبير تمسك الهاتف وتقول بتوجس :
-يعني هتعملي يا جواهر...طمنيني بدأت اخاف والله ...
ضحكت جواهر وقالت :
-متخافيش يا بيري ...صدقيني هما اللي لازم يخافوا من اللي هعمله فيهم...
-ناوية على ايه حابة أفهم ؟!
ضحكت جواهر وقالت:
-ناوية انفذ خطة ابوكي ...اكسب ثقة عدي رشيد عشان الشيكات...
توترت عبير وقالت:
-بس يا جواهر كده هتتورطي معاه ...أنتِ بتقولي مش سهل ...صدقيني الحل الأمثل أنه نقوله الحقيقة ...
-لا يا بيري مش ده الحل الأنسب ...الحل الأنسب اني اخليه يثق فيا عشان اخد الشيكات وبعدين هساوم ابوكي أنه يطلقني منه وهما يتصرفوا مع بعض ...
-انا خايفة عليكي يا جواهر ...
ابتسمت جواهر بتأثر وقالت؛
-متخافيش عليا ...صاحبتك مبتوقعش بسهولة ...
...
أفلتت من بين شفتي عبير ضحكة رقيقة جعلت أمير يتجمد مكانه وهو ينظر إليها مبتسما وقد خسر معركته ...خسر ضميره وربحت اهواءه ...سيطرت رغبته عليه وهو يتأمل ملامحها الرائعة!!...ضحكتها التي تشع من وجهها وغمازاتها الساحرة ...كيف يمكنها أن تكون جميلة بذلك القدر...كيف لأحد أن يمتلك هذا الجمال الآخاذ...كانت عينيه الذهبية تلمع بقوة رهيبة ..ويده تحتر ق للمسها ...هذا خطـ.أ ...محر م ...شئ خسـ يس ليفعله ولكنه لا يستطيع السيطرة على نفسه ...هو محق ...وجودها هنا خطيـ ر للغاية على قلبه ...
بصعوبة ثبت عينيه على الأرض واتجه خارجا من المنزل ...تركت عبير الهاتف فجأة وقالت بخفوت :
-رايح فين يا أمير ...
-طالع اقعد علي السطح شوية ...
ثم فتح الباب وخرج ...تنهدت عبير بعمق ..كانت حائرة ... لماذا يبتعد عنها بتلك الطريقة الغريبة ...هو حتى نادرا ما ينظر الى عينيها ...ينظر أرضا دوما...لقد افتقدت كونها نوح لان أمير وقتها كان قريب منها ...يتحدث معها ...
تنهدت مرة آخري ولكن بحزن وأكملت حديثها مع جواهر
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
كانت تجلس مطرقة رأسها وهي تفرك كفيها...تقابل هذا العريس الذي أتى ليتقدم لها ...رجل بسيط من حارتها ولكنه مرتاح ماديا نوعاً ما ..لديه ورشة نجارة وهو في منتصف الثلاثين من عمره ...ابتلعت رانيا ريقها وهي تشعر بقلبها يدوي في صدرها وتتساءل هل فعلت الشئ الصحيح ...ولكنها نهرت نفسها بسرعة وهي تفكر ان هذا هو الشئ الصحيح بكل تأكيد ...من تنتظر ؟!هل تنتظر يحيى الذي خطب ليان رشيد وسيتزوج منها قريباً ...هي لن تكون له ..لن تدخل حياته الا بشكل واحد فقط ان تكون عشيقته او زوجة بالسر وهي أبداً لن تقبل هذا لنفسها ...ستتحكم في قلبها ولن تجعل قلبها هو من يقودها...لقد فعلتها مرة واعترفت بحبها له ولم تسبب لنفسها الا الإحراج ...بالإضافة الى انه حتي لو احبها وهذا مستحيل بالطبع والدته لن تتركها وشأنها ...ما زالت تتذكر اها نتها لها ...ولولا تدخل السيدة عبير كانت قد استمرت في وصلة اها ناتها التي لا تنتهي ..
-سرحانة في أيه ؟!
قالها سامي بنبرة لطيفة نوعا ما وهو ينظر إليه ...رفعت عينيها البنية إليه ثم اخفضتهما مرة آخري وهزت رأسها وهي تقول :
-مفيش ...لو حضرتك حابب تسألني او تتكلم أتفضل ..
-طيب وأنتِ مش عايزة تسألني ؟!
-بعد ما حضرتك تتكلم ...
ابتسم سامي وقال:
-بصي يا ستي ..أنا سامي رياض...دبلوم تجارة وعندي ورشة وارثها عن ابويا أنا اللي كبرتها وعملتها ...معايا شقة ملكي برا الحارة دي لو حابة تعيشي فيها او تعيشي في بيت العيلة اللي في الحارة هنا ..ده حاجة ترجعلك يعني. ..الحمدلله اموري تمام وحالتي مرتاحة شوية ...كنت بشوفك من زمان في الحارة وحبيت ادبك وأخلاقك وانك متحملة مسؤولية والدتك ومش بتمدي ايديكي لحد ولقيت اني مش هلاقي زيك ...
فركت كفيها بتوتر شديد ليكمل هو :
-بس فيه حاجة حابب اقولها ...أنا مش عايزك تشتغلي بعد جوازنا ...وان كان على أمك انت هخصصلها مبلغ شهري....
صمت قليلا ثم أكمل ..
-حابة تسأليني عن حاجة ...يالا ..
هزت رأسها بالنفي وهي مثبتة عينيها على الأرض ...فأكمل هو :
-لا لازم تسألي ده حقك ...اتكلمي يا أنسة رانيا وقوليلي عايزة حياتنا تمشي ازاي ...لازم اعرف احنا شبه بعض ولا لا....
-بتصلي ؟!
سألته بإيجاز فرد مبتسما:
-ايوة الحمدلله ربنا يديم علينا نعمة الصلاة ونعمة الإسلام ...
-هتخليني أزور أمي واخدمها ...مش هتمنعني يوم عنها حتى لو كان بيننا مشاكل...
هز رأسه وقال:
-مستحيل امنعك عن والدتك ...مش هشيل ذ نب قطـ ع صلة الرحم .
ابتسمت رانيا براحة وأكملت بتردد:
-طيب انا حابة اكمل دراستي ...يعني أنا سيبت المدرسة في الاعدادية وحابة ارجع أكمل ..
ابتسمت بحماس وأكملت:
-حابة ادخل معهد التمريض وبعدين اكمل كلية
أختفت الإبتسامة عن وجهه وقال بجدية :
-ليه ؟!
-ايه هو اللي ليه ؟!
-ليه حابه تتبهدلي أنا هصرف عليكي مفيش داعي تدخلي معهد وبعدين كلية وبعدين تشتغلي ...يعني الموضوع ملهوش لازم يا آنسة رانيا .. أنا الحمدلله قادر افتح بيت وأصرف عليكي ومش هخليكي تحتاجي حاجة. ..
ابتلعت ريقها وقالت:
-عشان انا حابة كده ...حابة أفرح بنفسي ..
-آه الكلام الفاضي اللي بنشوفه على الفيس ...شوفي يا آنسة رانيا مش هزوق في الكلام ...أنا هصرف عليكي بما يرضي الله وهخليكي تزوري اهلك وليكي شقة منفصلة او لو حابة تسكني في بيت عيلة وبرضه مش هخليكي تخدمي أهلي يعني متقلقيش ده مش واجب عليكي ....وهديكي الآمان وههتم بيكي ..لكن معلش موضوع تعليمك ده أنا مش موافق عليه من دلوقتي ...أنا مقدرش اشوف مراتي اعلي مني ...مش غرور ولا حقـ د بس ده هيضايقني غير كده هتهـ ملي بيتك عشان الدراسة اللي أنتِ اصلا مش هتشتغلي بيها فأنتِ قرري الاستقرار والجواز غير ان والدتك هتبقى مبسوطة وهخصصلها راتب قصاد دراستك اللي عايزة تكمليها...ده هيكون اختيارك !!!
............
في مكتبه ..
كان يجلس وهو يتأمل صورة ما ...صورة له هو وفتاة سمراء رائعة الجمال ....فتاة عشقها يوما أكثر من الحياة...كارمن ..كارمن كانت يوما كل حياته ...ولكنها خا نته ...طعـ نته في صدره ...وهو لا يسامح من يخو نه ...لا يسامح من يكذ ب عليه ...ورغم انه عشقها حد الجـ نون الا انه اخرجها من حياته دون تردد ورغم توسلاتها...رغم ندمها وعشقها الذي يفيض من عينيها الا انه لم يسامح ...تلك هي طبيعته لا يمكن تغييرها ..هو لا يمتلك صفة التسامح ...لا يمتلك قلب متسامح ...ولا يمكنه أن يغير من طبعه او صفاته الآن ...
اخرج قداحته الفضية واشعل النيران بالصورة ثم وضعها في المنفضة الكريستالية امامه وهو ينظر الى الصورة وهي تحتر ق بنظرات قاتمة للغاية ...لقد انها.ها للتو من حياته باكملها ...لن يفكر بها مرة آخري ...لن ينبض قلبه لأجلها مرة آخري...هو يستطيع ذلك وسيفعل ...
تنهد وهو يخرج عبوة سجائره ليدخن ....
بينما كان يمسك سيجارته ويدخنها ...لا يعلم لماذا اقتحمت عبير فجأة عقله...دون سابق انذار ...ابتسامة تشكلت على شفتيه وهو يتذكر جدالهما الذي لا ينتهي ....
........
وقفت امام المرآة ونظرت الى نفسها نظرة آخيرة ...فستانها الأسود المكسو بأزهار صغيرة بيضاء بدا رائع للغاية عليها ...حقا بدت في تلك اللحظة جميلة للغاية ...تركت شعرها منسدلا ولم تضع الا أحمر شفاه فاتح...
-انا حاسة اني بغر ي الراجل ....
قالتها جواهر بحنق ...ثم أغمضت عينيها وهي تتنفس بعمق وتقول :
-ركزي يا جواهر لازم تكسبه ثقته وتعرفيه أنك واثقة فيه ...لازم تعملي كده عشان تقدري تاخدي الشيكات ...
ابتسمت بثقة وقالت:
-هتقدري عليه بإذن الله ...كل اللي عليكي تعرفي ايه هي نقاط ضعفه وتحاولي تستغـ ليها والموضوع هيبقى بسيط ....
عدلت من وضع شعرها والقت نظرة آخيرة على شكلها ثم خرجت !!
.....
طرقت الباب ثم دخلت لمكتبه
-ياريتني كُنت افتكرت مليون جنيه!!!
قالها عدي بسخرية فقالت ضاحكة :
-يعني بتفكر فيا ؟!
صمت وهو جالسا على المقعد ...كان يبدو مختلفا الآن ...كان يبدو رجلاً حزيناً ....
-كنت حابة اتكلم معاك ..رايق ولا لا ....
-ولو مش رايق اروقلك يا مهلبية ...
قالها بهدوء لتبتسم هي وتقترب منه ...تقف بجواره وتنظر إليه بعينيه السوداء ...تحاصره وهي تحاول القاء سحرها عليه وتقول:
-انا حابة نبدأ من جديد يا عدي ...عايزاك تبقي أماني وتحميني من بابا ...عايزاك تبقى أقرب ما ليا وعايزة أكون أقرب ما ليك ...
كان ما زال ينظر إليها...كان التشويش ظاهراً على وجهه ...ليس السخرية او البرود بل كان مشوشاً ...لا يريد ان يثق بها ...هي ابنة الرجل الذي ساهم بتحـ.طيم قلبه...قد يكون والدها هو من دفعها إليه ...كيف يثق بإبنة شريف...كيف يمنحها ثقته الكاملة ...لقد فعل هذا مرة وتحـ طم بقوة....هل يكون بهذا الغبا ء مرة آخري ...
رفعت جواهر حاجبيها وقالت:
-ايه هو الموضوع محتاج التفكير ده كله يا عدي ؟!واضح.انك اتأذ يت من بابا وانا كمان اتأذ يت منه كتير ...يعني احنا الاتنين ضحا ياه ...وانا حابة أبقى في حمايتك ...
نهض ليشرف عليها من علو ...نظراته القاتمة تحاصر نظراتها ...لم تظهر جواهر توترها بل كانت تنظر إليه بإبتسامة صافية وقالت وهي تمد كفها:
-نبدأ من جديد ...
ظل يفكر للحظات ثم احتوي كفها وقال :
-بس خلي بالك أنا مبسامحش الخا ين ولا الكد اب يا بيري...مش هسامحك ابدا لو خو نتيني !!
ولكن جواهر كانت قد.حسمت أمرها ...إن كان الكذ.ب او الخد اع سيخرجانها من هذا الجـ حيم فلا بأس لتكون مخاد عة !!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-صورتها أهي ...
قالها الرجل المسن وهو يعطيه صورة ليان وقال:
-بعد ما تقـ تلها هتأخد باقي حقك ...هي ليها بودي جارد ..اقتـ له هو الأول واقتـ لها بعديه!!!مش عايز أي غلط يا جلال ..متبقاش غبـ ي زي عوض ..
ابتسم جلال وهو ينظر لصورة الفتاة وقال :
-قريب أووي هتسمع خبرها !!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سولييه نصار
هل أُحدثك عن شعور الغيرة؟
إنه لعنة، كلعنة عشقك تماماً... واللعنتان أنا مُصاب بهما.
***
"يعني إيه عايزة ترفضيه؟ يعني إيه يا رانيا؟!"
صرخت رابحة بوجهها وهي تشعر بنار الغضب تتصاعد داخلها. لابد أن ابنتها قد فقدت عقلها تماماً، أين ستجد فرصة مثل هذه؟
ربعت رانيا ذراعيها وهي تقول:
"أيوه رفضته يا أما... أنا مش قليلة عشان أقبل بأي حد. رفضته لأن دي حياتي وأنا حرة أختار اللي يريحني، مش اللي يطلب مني تنازلات من أول مرة يشوفني فيها!"
رفعت والدتها حاجبيها وقالت بتوجس:
"تنازلات إيه يا بت اللي طلبها منك؟ سامي راجل كويس ومحترم، ملوش في الحوارات دي."
هزت رانيا رأسها وقالت:
"مش اللي في بالك يا أما... هو إنسان محترم فعلاً، مقدرش أنكر ولا أقول غير كده. مش هفترى عليه، بس يا أما ده مش عايزني أكمل تعليمي. وأنا عايزة أتعلم... عايزة يبقى لي قيمة يا أما... عايزة أعرف ده وده وأدخل الكلية. أبويا الله يرحمه كان نفسه في كده برضه."
لطمت رابحة على وجهها وصرخت بها قائلة:
"تعليم إيه يا موكوسة؟ أنتِ عبيطة يا بت... عبيطة ولا بتستهبلي يا روح أمك؟ تعليم إيه ده اللي عايزة تتعلميه؟ وقيمة إيه اللي بتتكلمي عليها؟ يا بت قيمة الست إنها تعملها بيت وتجيب عيال ويبقالها راجل... مش الكلام الفاضي بتاعك اللي اتعلمتيه من الدكتور اللي هتموتي عليه!"
نظرت إلى والدتها بضيق وقالت وهي ترفع وجهها:
"لا يا أما... أنا متعلمتش الكلام ده من دكتور يحيى. أنا اتعلمته من أبويا الله يرحمه. هو دايماً كان يقولي العلم نور... وهو بيدي قيمة لصاحبه. وحلم أبويا كان إنه يدخلني الجامعة... كان عايز يفتخر بيا وأنا هحققله الحلم ده."
تراجع غضب رابحة منها ونظرت إليها وقالت:
"ومين هيصرف علينا بس يا بنتي؟ هنشحت يا رانيا؟"
هزت رانيا رأسها بقوة وقالت:
"مستحيل يا أما... مادام أنا عايشة مش هنمد إيدينا لمخلوق خلقه ربنا. أنا هشتغل وأدرس... هعمل المستحيل عشان منحتاجش لحد. متقلقيش يا أما."
رغم خوف رابحة من المستقبل، إلا أنها اختارت الوثوق بابنتها للمرة الأولى. تعترف أنها ليست الأم المثالية لها، نعم هي لديها أخطاء، ولكن الله وحده يعلم أنها تحب ابنتها الوحيدة وتعتز بها كثيراً.
تنهدت والدتها وسألت بإستياء:
"وأنتِ ناوية تدرسي إيه يا حيلتها؟ ها. اتكلمي."
ابتسمت رانيا بحماس وجلست أسفل قدميها وهي تضع رأسها عليهما، ثم قالت وهي شاردة بحالمية:
"هدرس التمريض... نفسي أدخل كلية التمريض. أنا بكرة هروح لصاحبتي منار... دي اللي كانت معايا في إعدادي. إحنا لسه بنود بعض يعني، وهي ممكن تسألني. تعرفي يا أما دي دخلت تمريض وبتقول عليه إن مجاله حلو أوي... مش بيقولوا إن الممرضين ملائكة الرحمة؟"
نظرت إليها والدتها وقالت بخبث:
"عايزة تدخلي تمريض عشان صاحبتك برضه، ولا عشان الدكتور يحيى لسه مأثر عليكي؟"
رفعت رانيا رأسها ونظرت لوالدتها وقالت بتأفف:
"يووه يا أما... قولتلك أنا خلاص بطلت أفكر في الموضوع ده. أنا عايزة أشوف حياتي... من النهاردة ههتم بمستقبلي."
تسطحت على فراشها الأرضي والابتسامة تضئ وجهها. كانت تشعر بالراحة والرضا والسعادة. قد تكون المرة الأولى التي تشعر فيه بتلك السعادة، لأن لأول مرة قالت "لأ" بقوة. لأول مرة لم تختر التنازل عن أحلامها. هي قررت أن تلاحق أحلامها، أما الزواج فهو نصيب من رب العالمين. تثق أن الله سبحانه اختار لها الشخص المناسب، وهي لن تخاف الآن مادام المستقبل بيد الله. أغمضت عينيها وهي تنام وتحلم بمستقبل مشرق أمامها. لم يمنعها فقرها أن تحلم، بل كان دافعاً لديها، دافع أن تُغير من حياتهما بأكملها وأن تُحسن من وضعهما المالي. هي لا تريد لوالدتها أن تتذمر منها بعد الآن. ذهبت إلى النوم وهي سعيدة كطفلة حصلت على لعبتها المفضلة.
***
في اليوم التالي... متى استيقظت؟ لا تعرف بالضبط. هي حتى تشك أنها لم تنام أبداً. كلام فؤاد ما زال يدوي في عقلها. لقد اعترف بها بصراحة أنه عشقها مُنذ زمن، وهذا جعلها ترتبك وتتشوش أكثر. فحياتها بها العديد من المشاكل وهي لا تريد مشكلة أخرى. فهي ما زالت تحب يوسف ولا تريد الدخول في مثلث العشق هذا.
تنهدت نسرين وهي تمسك هاتفها. وجدت مكالمة فائتة من ليان. تنهدت مبتسمة وهي تفكر أن ليان هي أفضل شيء حدث في حياتها. صداقتها بها بمثابة المسكن من كل تلك الآلام التي تعانيها بحياتها. اتصلت بها ورفعت الهاتف على أذنها وهي تتنهد بعمق.
"نسرين..." قالتها ليان بلهفة ثم أكملت: "أخبارك إيه؟"
تنهدت نسرين وردت:
"تايهة وحزينة. وأنتِ..."
ابتسمت ليان بحزن وقالت:
"زيك يا نسرين... نفس حالك."
كتمت نسرين دموعها بقوة وقالت:
"لي لي عايزة أقابلك... عايزة أتكلم معاكي... وحشتيني أوي أوي، محتاجاكي."
أطرقت ليان قائلة:
"أسفة يا نسرين، قصرت معاكي. أسفة."
"مش مهم... متعتذريش. مفيش بينا أسف. بس أنا عايزة أقابلك، ممكن؟ عايزة أقابلك يا لي لي."
دعكت ليان عينيها وقالت:
"النهاردة مش علينا محاضرات، بس أنا رايحة فرح صاحب يحيى. إيه رأيك نتقابل بكرة بالليل في الكافيه بتاعنا؟"
هزت نسرين رأسها وقالت:
"ماشي يا حبيبتي... نتقابل بكرة."
ثم أغلقت الهاتف بإرتياح وهي تنهض وتنشط نفسها. قررت أن تستحم أولاً. أخرجت ثيابها وخرجت من الغرفة.
"صباح الخير يا حبيبتي." قالتها نهى بود وهي ترى نسرين تخرج من غرفتها.
ابتسمت نسرين وقالت:
"صباح الخير يا خالتو."
"يالا يا روحي استحمي عشان نفطر سوا."
هزت رأسها وأسرعت إلى الحمام.
***
بعد ثلث ساعة كانت تقف أمام المرآة تمشط شعرها الذهبي عندما رن هاتفها لتجده يوسف. أغمضت عينيها بتعب وفتحت الهاتف قائلة:
"نعم يا يوسف."
"نسرين... نسرين أنا محتاجك."
كان صوت يوسف مختنقاً، بدا وكأنه يبكي.
"يوسف فيه إيه؟" قالتها نسرين بفزع ليردد يوسف أنه يريدها. وهكذا نست ما فعله آخر مرة وأخذت ثياباً لتخرج بها، ثم اتجهت خارجاً وهي تخبر نهى أن ليان تريد أن تراها ضروري.
***
في منزل يوسف:
"مينفعش كل شوية تجيبني بالطريقة دي عندك يا يوسف... أنا تعبت."
"نسرين متسبنيش." قالها والدموع تنساب من عينيه.
تألم قلبها وقالت:
"مبقاش ينفع يا يوسف."
اقترب منها:
"حتى أنتِ هتسبيني يا نسرين؟" قالها بنبرة مختنقة وهو يتمسك بكفها. كاد يُصاب بالجنون وهي تنسل من بين يديه بتلك الطريقة.
تدفقت الدموع من عينيها وشفتيها ترتعشان بقوة وتقول:
"لو سمحت... لو سمحت خليني أمشي يا يوسف وربنا يوفقك مع غيري."
ولكنه شدها إليها وهو يضع جبينه على جبينها ويقول:
"وأنا مش عايز غيرك... مش عايز... أنا عايزك أنتِ... بحبك أنتِ."
أرادت أن تبتعد ولكنه أمسكها جيداً. هو يحتاجها كالهواء. لقد أصلحت قلبه المعطوب ولن يسمح لها أن تبتعد عنه.
"خلينا نبدأ من جديد يا نسرين... أنا وأنتِ... خلينا نتجوز ونبعد عن الكل. هبعدك عن أبوكي اللي بيأذيكي."
دفعته عنها وهي تمسح دموعها وتقول:
"وأنت كمان آذيتني يا يوسف... أنت زي بابا... أنتوا الاتنين آذيتوني."
هز رأسه بصدمة وقال وهو يشير إلى نفسه:
"أنا أمانك؟!"
هزت رأسها وقالت ودموعها تحتشد بعينيها:
"فقدت الأمان معاك من وقت ما حاولت تعتدي عليا... فبدل ما تكون الأمان ليا زرعت جوايا عدم الثقة... وأنا دلوقتي خايفة منك يا يوسف... سيبني يا يوسف... سيبني عشان مبقاش ينفع نبقى سوا. معنديش حاجة أقدمها ليك ولا أقدمها لغيرك. كل اللي عايزاه إني أموت عشان بابا يرتاح مني وأنت كمان ترتاح وأنا أرتاح... يمكن موتي هو الحل."
ابتعدت عنها ودموعها تنفجر من عينيها. كانت دموعه أيضاً تُغرق عينيه. هل تلك هي نهاية علاقتهما؟ لا... مستحيل لن يسمح بهذا أبداً!
***
كانت تسير في الشارع وهي شاردة، تضع كفيها في في بنطالها المصنوع من الجينز، تشعر بقبضة باردة تعتصر قلبها. لقد أنهت كل شيء معه، لقد كسرته وكسرت قلبها.
"نسرين... بتعملي إيه هنا؟" قالها أحدهم وهو يمسك ذراعها لتلتفت وتجده فؤاد.
ازدادت وتيرة نبضات قلبها وهي تنظر إليه. أطرقت برأسها بتوتر وقد شعرت بالحرارة تتصاعد بداخله. أرادت الهروب من أمامه ولكن ردد مرة ثانية:
"بتعملي إيه هنا؟"
قالت بإرتباك:
"كنت هقابل ليان في الكافيه بس مقدرتش تيجي فقولت أتمشى لحد البيت."
ابتسم وقال:
"ودي تيجي؟ تعالي أنا هوصلك."
"لا لا... أنا..."
ولكن أمسك ذراعها بلطف وقال:
"يالا يا نسرين مش هسيبك هنا."
تورد وجهها بحمرة الخجل وذهبت بطاعة خلفه. فتح لها باب سيارته وهو يمنحها ابتسامة ساحرة لتدخل هي.
أثناء قيادته كان تختلس النظرات إليه بينما تشعر بقلبها سوف ينفجر. كان هو واعياً لنظراتها ولكنه لم يفعل أي شيء غير الابتسام.
أخيراً وصلا إلى البناية. وقبل أن تترجل من السيارة قال:
"إيه رأيك نتعشى مع بعض النهاردة؟ أنا وأنتِ وماما وتغيري جو."
نظرت إليه بإرتباك وقالت:
"فؤاد... مينفعش."
"ليه مينفعش؟ عشان رفضتيني يعني؟!"
ارتبكت أكثر فقال:
"تسمعي عن الـ Unconditional love... الحب غير المشروط؟ ده اللي بحسه ناحيتك. أنا بحبك بس مش مستني منك أي حاجة. كل اللي عايزه تبقي كويسة وتفرحي... هو ده اللي أنا عايزه... فافرحي يا نسرين ومتفكريش في حاجة تاني."
***
في المساء.
"الغيرة لعنة... مرض... أسوأ شعور قد يحسه رجل عاشق بجنون مثله هو الغيرة من رجل امتلك ما كان يعتبر له من قبل."
ضغط على عجلة القيادة بعنف وهو ينظر من مرآة السيارة عليهما. ليان وخطيبها، يجلسان بجانب بعضهما. كان قد أوصلهم بسبب رغبة عدي إلى زفاف أحد أصدقاء يحيى وجعل يحيى يترك سيارته بمرآب السيارات بالقصر وهو من تحمل مسؤولية نقلهما. وكم كان صعباً عليه أن ينظر إليهما. بدا متناسبان تماماً، هي فتاة جميلة مثقفة وثرية، وهو طبيب وسيم وناجح، لا يعاني من ماضي مظلم أو مستقبل مجهول. رجل مناسب لها تماماً. ولكن، هو لا يحبها. لا يحبها أبداً. فليس هناك رجل يعشق امرأة يشيح بوجهه عنها وينظر إلى النافذة. لو كان هو محل يحيى، لكان سيتأملها حتى الموت.
تنهد ودخل بالسيارة القصر ليخرج يحيى ويفتح الباب لليان ويتحدث معها قليلاً. ضغط على كفيه بقوة وهو يراها تتحدث معه بكل أريحية، تضحك برقة وعينيها تلمع. أطرق بوجهه وهو يضغط على أسنانه بقوة. ثم رفعها مرة أخرى وتصاعدت النيران في عينيه وهو يراه يقترب من وجنتها ويقبلها بلطف. اشتعلت النيران بقلبه. أراد أن يذهب ويحطم فكه. الشياطين أخذت تعبث بعقله، واحتاج كامل إرادته كي لا يتهور. غادر يحيى ليتنفس هو براحة لأنه غادر قبل أن يحطم فكه.
تنهدت ليان وهي تستدير عائدة إلى القصر متجاهلة تماماً النيران التي تشتعل بعيني موسى. توقف موسى أمامها يسد طريقها فقالت بنبرة جليدية:
"أبعد... متنساش نفسك!"
تأملها لبرهة. النيران بداخله لا تهدأ. ود ضربها... قتلها... تقبيلها... أفكار عنيفة كانت تهاجم عقله. ولكن بدلاً من ذلك ابتعد وتركها تتجاوزه. وبعد أن ذهبت بفترة ذهب هو إلى غرفته. نظر إلى انعكاسه في المرآة ثم حطم المرآة بكفه وأصبحت الدماء تنفجر من يده! عشقها لعنة... والغيرة عليها أيضاً. هي امرأة أحاطته باللعنات من كل جانب!
***
ولجت لغرفتها وهي تبكي بعنف. لا تصدق أنها فعلت هذا بيحيى. لقد استغلتُه. نعم، لن تنكر الأمر. تقربت منه لتثير غيرة موسى. وكم شعرت بالتقرف من نفسها. نظرت إلى المرآة ورأت كم هي مقرفة مستغلة. استغلت رجلاً لتثير غيرة آخر، وكم أعجبها الأمر. ولكن لا... هي لن تكمل هذا الأمر. أن تظلم يحيى أكثر من هذا. هي ستفسخ الخطبة! ستكلم يحيى غداً!
***
"كده خلصنا مذاكرة... تقدري دلوقتي تروحي وتأخدي راحة شوية وممكن لو قادرة نذاكر مادة تاني."
قالتها ورد وهي تقرص وجنتها برفق. ابتسمت ياسمين وهي تنهض بحماس لتدخل كتبها في الغرفة وتخرج الدمى الخاصة بها لتلعب. ابتسمت ورد وهي تنهض وتلملم بعض الأشياء المبعثرة بصالة المنزل من أكواب قهوة وأطباق الوجبات الخفيفة التي أحضرتها لياسمين. أخذتها للمطبخ مباشرة ثم بدأت بتنظيفها. كانت منهمكة بالتنظيف فلم تشعر بذلك الذي يتأملها وهو يستند على الحائط بينما عينيه الخضراء تمر عليها في تقييم عاطفي. ابتسم وتركزت نظراته على فستانها البيتي الأزرق القصير. هي نفذت ما يقوله. ارتدت الفستان الأزرق الذي يحبه. تركزت عينيه على ساقيها وابتسم وهو يتأملها بعمق.
استدارت ورد فجأة:
"آه!"
أطلقت ورد صرخة فزع وهي تجده واقف يراقبها. رفعت ورد حاجبيها وقالت بغضب:
"ياسين أنت كنت بتبص عليا."
"أيوه." قالها بتسلية وهو يقترب منها ثم يجذبها إليه ويطبع قبلة على رأسها. ابتسمت وهي تتمسك بكتفيه وتقول:
"أمتى جيت؟"
"من ثواني كده."
ابتعد قليلاً وقال وهو يمسك كفها:
"يالا تعالي حابب أقولكم حاجة."
"طيب استني أغسل الكام طبق دول."
هز رأسه وقال:
"مش لازم يا حبيبي نتكلم الأول وبعدين اغسلي براحتك."
هزت ورد رأسها وذهبت خلفه.
***
"ياسمين... تعالي هنا."
فعلها ياسين وهو يجلس على الأريكة ويجذب ورد لكي تجلس معه. ابتعدت ورد قليلاً بعد أن كانت ملتصقة به. نظر إليها بتذمر ولكنها قالت بهمس:
"بنتك موجودة هنا عيب."
ابتسم وهو ينظر إلى ابنته التي أتت وجلست بجواره على الأريكة.
"مستعدين تسمعوا الخبر السعيد؟"
نظرت إليه ورد بترقب ليقول وهو يخرج مفتاحاً من جيبه ويقول:
"مفاجأة."
"إيه ده؟" قالتها ورد بحيرة وهي تنظر للمفتاح الذي بيد زوجها.
ابتسم ياسين وهو يضم ياسمين إليه ويقول:
"ده شاليه اشتريته في الساحل الشمالي. فكرت بعد امتحانات ياسمين نروح نصيف هناك."
صرخت ياسمين بحماس وهي تقبل وجنة والدها وتقول:
"شكراً... شكراً... شكراً يا بابي."
ابتسمت ورد ليكمل ياسين وهو ينظر إليها ويقول:
"نعتبر ده شهر عسل لينا يا ورد. ابسطي يا ستي هفسحك."
ضحكت ورد واقتربت منه وهي تقول:
"ربنا يخليك لينا يارب."
"ويخليكي ليا يا روحي."
ثم شدها إليه وضمها وهو يقبل رأسها.
"ياسين بنتك هنا." قالتها بخجل ولكنه لم يهتم بل ضم ابنته بيده الأخرى وهو يفكر أنه سعيد. سعيد للغاية الآن. فهنا عائلته الصغيرة التي تمناها دائماً معه وهو سوف يحمي عائلته دوماً ويحافظ عليها.
***
بعد قليل... خرج من الحمام وهو يمسك المنشفة وولج للغرفة. كانت ورد تفرش السرير له وعندما رأته اقتربت منه وهي تمسك المنشفة وتجفف شعره. كان في عينيها سؤال ولكنها ترددت في أن تقوله.
"اتكلمي يا ورد... فيه إيه؟"
نظرت إليه بصدمة وقالت:
"أنا... أنا مش عايزة أقولك حاجة."
ضحك ياسين وقال:
"حبيبة قلبي أنا مهندس... يعني معدل ذكائي عالي أوي... فأكيد هفهم لما تكوني عايزة تقولي حاجة... فقولي عايزة إيه؟"
ابتلعت ريقها وقالت:
"جوري... لما روحتلها هي كانت عايزة إيه؟"
أمسك المنشفة من يدها ووضعها جانباً وهو يشدها من خصرها إليه ويضع شفتيه على جبينها قائلاً:
"كانت بتحاول تغريني!"
شعر بتيبس جسدها تحت ذراعيه ليقول وهو يقبل جبهتها وأكمل:
"بس اكتشفت إن محدش يقدر يغريني غيرك أنتِ... محدش ليه سيطرة عليا غيرك يا ورد... مهما حاولت أنكر وأكابر بس في النهاية خسرت وعرفت إنك العيلة اللي كنا بندور عليها... الحضن الدافي اللي كان نفسي أرمي فيه بعد حضن أمي."
ابتسمت وهي تشعر بقلبها يدوي داخل صدرها. أغمضت عينيها براحة وهي ترفع كفيها وتضعهما على كتفه وتقول برقة:
"بحبك."
"وأنا كمان."
أطلقت ضحكة قصيرة وقالت:
"وأنت كمان إيه؟ بتحب نفسك عشان مهندس وعيونك خضرا؟"
أبعدها عنه قليلاً وهو يعانق وجهها ويقول:
"لا أنا كمان بحبك... بحبك أوي يا ورد."
ارتعش جسدها واحتشدت الدموع بعينيها بسرعة رهيبة ثم انسابت ملطخة وجهها. نظر إليها بحيرة وقال:
"بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا قولت حاجة غلط؟"
هزت رأسها وقالت:
"دي دموع السعادة."
مسح دموعها برقة وقال:
"أنا كمان مش عايزك تبكي من السعادة... أنا عايزك تضحكي... تضحكي وبس... ضحكتك حلوة أوي يا ورد... يالا أضحكي."
ثم بدأ يدغدغها ويقول:
"اضحكي... اضحكي."
انفجرت ورد بالضحك وهي تحاول الابتعاد عنه. ولكنه حملها وألقاها على الفراش ثم بدأ يدغدغها بينما هي تضحك وتصرخ.
"ششش بس وطي صوتك ياسمين هتسمع." قالها ياسين وهو يضحك أيضاً ولكن رغم هذا لم يتوقف عما يفعله. أرادها سعيدة وسيراها سعيدة دوماً.
***
"كده خلصنا مذاكرة... تقدري دلوقتي تروحي وتأخدي راحة شوية وممكن لو قادرة نذاكر مادة تاني."
قالتها ورد وهي تقرص وجنتها برفق. ابتسمت ياسمين وهي تنهض بحماس لتدخل كتبها في الغرفة وتخرج الدمى الخاصة بها لتلعب. ابتسمت ورد وهي تنهض وتلملم بعض الأشياء المبعثرة بصالة المنزل من أكواب قهوة وأطباق الوجبات الخفيفة التي أحضرتها لياسمين. أخذتها للمطبخ مباشرة ثم بدأت بتنظيفها. كانت منهمكة بالتنظيف فلم تشعر بذلك الذي يتأملها وهو يستند على الحائط بينما عينيه الخضراء تمر عليها في تقييم عاطفي. ابتسم وتركزت نظراته على فستانها البيتي الأزرق القصير. هي نفذت ما يقوله. ارتدت الفستان الأزرق الذي يحبه. تركزت عينيه على ساقيها وابتسم وهو يتأملها بعمق.
استدارت ورد فجأة:
"آه!"
أطلقت ورد صرخة فزع وهي تجده واقف يراقبها. رفعت ورد حاجبيها وقالت بغضب:
"ياسين أنت كنت بتبص عليا."
"أيوه." قالها بتسلية وهو يقترب منها ثم يجذبها إليه ويطبع قبلة على رأسها. ابتسمت وهي تتمسك بكتفيه وتقول:
"أمتى جيت؟"
"من ثواني كده."
ابتعد قليلاً وقال وهو يمسك كفها:
"يالا تعالي حابب أقولكم حاجة."
"طيب استني أغسل الكام طبق دول."
هز رأسه وقال:
"مش لازم يا حبيبي نتكلم الأول وبعدين اغسلي براحتك."
هزت ورد رأسها وذهبت خلفه.
***
"ياسمين... تعالي هنا."
فعلها ياسين وهو يجلس على الأريكة ويجذب ورد لكي تجلس معه. ابتعدت ورد قليلاً بعد أن كانت ملتصقة به. نظر إليها بتذمر ولكنها قالت بهمس:
"بنتك موجودة هنا عيب."
ابتسم وهو ينظر إلى ابنته التي أتت وجلست بجواره على الأريكة.
"مستعدين تسمعوا الخبر السعيد؟"
نظرت إليه ورد بترقب ليقول وهو يخرج مفتاحاً من جيبه ويقول:
"مفاجأة."
"إيه ده؟" قالتها ورد بحيرة وهي تنظر للمفتاح الذي بيد زوجها.
ابتسم ياسين وهو يضم ياسمين إليه ويقول:
"ده شاليه اشتريته في الساحل الشمالي. فكرت بعد امتحانات ياسمين نروح نصيف هناك."
صرخت ياسمين بحماس وهي تقبل وجنة والدها وتقول:
"شكراً... شكراً... شكراً يا بابي."
ابتسمت ورد ليكمل ياسين وهو ينظر إليها ويقول:
"نعتبر ده شهر عسل لينا يا ورد. ابسطي يا ستي هفسحك."
ضحكت ورد واقتربت منه وهي تقول:
"ربنا يخليك لينا يارب."
"ويخليكي ليا يا روحي."
ثم شدها إليه وضمها وهو يقبل رأسها.
"ياسين بنتك هنا." قالتها بخجل ولكنه لم يهتم بل ضم ابنته بيده الأخرى وهو يفكر أنه سعيد. سعيد للغاية الآن. فهنا عائلته الصغيرة التي تمناها دائماً معه وهو سوف يحمي عائلته دوماً ويحافظ عليها.
***
بعد قليل... خرج من الحمام وهو يمسك المنشفة وولج للغرفة. كانت ورد تفرش السرير له وعندما رأته اقتربت منه وهي تمسك المنشفة وتجفف شعره. كان في عينيها سؤال ولكنها ترددت في أن تقوله.
"اتكلمي يا ورد... فيه إيه؟"
نظرت إليه بصدمة وقالت:
"أنا... أنا مش عايزة أقولك حاجة."
ضحك ياسين وقال:
"حبيبة قلبي أنا مهندس... يعني معدل ذكائي عالي أوي... فأكيد هفهم لما تكوني عايزة تقولي حاجة... فقولي عايزة إيه؟"
ابتلعت ريقها وقالت:
"جوري... لما روحتلها هي كانت عايزة إيه؟"
أمسك المنشفة من يدها ووضعها جانباً وهو يشدها من خصرها إليه ويضع شفتيه على جبينها قائلاً:
"كانت بتحاول تغريني!"
شعر بتيبس جسدها تحت ذراعيه ليقول وهو يقبل جبهتها وأكمل:
"بس اكتشفت إن محدش يقدر يغريني غيرك أنتِ... محدش ليه سيطرة عليا غيرك يا ورد... مهما حاولت أنكر وأكابر بس في النهاية خسرت وعرفت إنك العيلة اللي كنا بندور عليها... الحضن الدافي اللي كان نفسي أرمي فيه بعد حضن أمي."
ابتسمت وهي تشعر بقلبها يدوي داخل صدرها. أغمضت عينيها براحة وهي ترفع كفيها وتضعهما على كتفه وتقول برقة:
"بحبك."
"وأنا كمان."
أطلقت ضحكة قصيرة وقالت:
"وأنت كمان إيه؟ بتحب نفسك عشان مهندس وعيونك خضرا؟"
أبعدها عنه قليلاً وهو يعانق وجهها ويقول:
"لا أنا كمان بحبك... بحبك أوي يا ورد."
ارتعش جسدها واحتشدت الدموع بعينيها بسرعة رهيبة ثم انسابت ملطخة وجهها. نظر إليها بحيرة وقال:
"بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا قولت حاجة غلط؟"
هزت رأسها وقالت:
"دي دموع السعادة."
مسح دموعها برقة وقال:
"أنا كمان مش عايزك تبكي من السعادة... أنا عايزك تضحكي... تضحكي وبس... ضحكتك حلوة أوي يا ورد... يالا أضحكي."
ثم بدأ يدغدغها ويقول:
"اضحكي... اضحكي."
انفجرت ورد بالضحك وهي تحاول الابتعاد عنه. ولكنه حملها وألقاها على الفراش ثم بدأ يدغدغها بينما هي تضحك وتصرخ.
"ششش بس وطي صوتك ياسمين هتسمع." قالها ياسين وهو يضحك أيضاً ولكن رغم هذا لم يتوقف عما يفعله. أرادها سعيدة وسيراها سعيدة دوماً.
***
"كنت مع خطيبتك صح؟" قالتها ليلى بسعادة وهي تراه يلج إلى المنزل ليهز يحيى رأسه مبتسماً. فرحت ليلى من قلبها واقتربت منه وقالت:
"مبسوط يا يحيى؟ مبسوط مع ليان؟"
صمت يحيى مرتبكاً ثم تجاوزها وجلس على الأريكة بتعب وهو يفكر في إجابة سؤال والدته. هل هو سعيد بتلك الخطبة؟ هل ليان المرأة التي يريد البقاء معها إلى آخر يوم في حياته؟ هل يريدها بالفعل تكون أم لأولاده؟ يراها كلما أتى من العمل، يرمي بين ذراعيها وتكون سكنه ويكون هو أمانها. هل بالفعل يريد هذا؟
كانت ليلى تنظر إلى ابنها بحيرة. كان يبدو غريباً، شارداً بعمق. اقتربت منه وجلست بجواره وهي تقول:
"إيه سؤالي صعب للدرجة دي يا يحيى لدرجة إنك مش عارف تجاوب عليه؟"
نظر يحيى إلى والدته وقال:
"مش عارف."
رفعت حاجبيها وقالت:
"مش عارف إيه يا بني؟ أنت قلقتني!"
كان ينظر إلى والدته، يحاول إيجاد إجابة لها وله. هذا هو نفس السؤال الذي يدور في عقله. هل هو سعيد؟
ابتلع ريقه وهو يرد على والدته بحيرة:
"مش عارف أنا سعيد ولا لا يا ماما... معرفش إذا كان قرار إني أتجوز ليان صح ولا هندم عليه بعدين... أنا مش حاسس ناحيتها بأي مشاعر... بحاول أحبها مش قادر."
شحب وجه والدته وقالت بتوتر:
"حب... حب إيه يا بني اللي بتتكلم عليه ده؟ أنت أساساً مش بتعترف بحاجة اسمها حب ولا مشاعر وشايف دي حاجات بيضحك بيها على المراهقين... مش ده تفكيرك يا يحيى؟"
"أيوه يا ماما بس قصدي التقبل... أنا مش متقبلها."
"يحيى... يحيى خليك صريح معايا فيه إيه؟ أنت بتلمح إنك عايز تسيب ليان؟ حرام عليك يا يحيى، هو أنت هتلاقي زي ليان فين؟"
أغمض يحيى عينيه بتعب وقال:
"أنا عارف إن ليان مفيش أحسن منها... بنت جميلة ومثقفة ولطيفة بس بقولك مش حاسس بأي حاجة من ناحيتها يا ماما... أنا معرفش إيه اللي حصلي. حتى إني بطلت أنبهر بجمالها."
ضغطت والدته على أسنانها وقالت:
"في حد تاني في حياتك يا يحيى؟ بتحب حد تاني؟"
ارتبك وهو ينظر لوالدته وقال بسرعة:
"لا مفيش طبعاً يا ماما... مفيش حد خالص."
ابتسمت والدته وهي تمسك كفه وتقول بلطف وحنان:
"خلاص يا حبيبي يبقى الموضوع سهل أوي... مرة في مرة هتتقبل ليان وهتحبها أوي أنا أضمنلك كده... أنت هتلاقي زيها فين؟ أخلاق وجمال ومستوى كويس... دي كفاية إنها أخت عدي رشيد. أنت أخو عدي رشيد... أنا مش عايزك تتجوز أي بنت... ومش عايزة تتجوز واحدة أقل منك... أنت دكتور ولازم تتجوز واحدة في مستواك الثقافي والاجتماعي... صحيح ليان مش دكتورة بس أخت عدي رشيد... عدي رشيد عارف تقُل الاسم ده... متضيعش النسب ده من إيدينا يا يحيى يا ابني... لو سمحت... وأنت أكيد مع العشرة هتحبها. متضيعهاش من إيديك يا حبيبي."
هز رأسه وهو يشعر بالإختناق وقال:
"طيب يا ماما حاضر... حاضر."
ثم نهض وقال:
"أنا رايح لاوضتي... تصبحي على خير."
ولج لغرفته وأتجه إلى فراشه ليتسطح عليه دون أن يبدل ثيابه. كانت كلمات والدته تدور بعقله. تُرى هل هي محقة؟ هل سيأتي يوم ويحب ليان؟ هل سيتقبلها يوماً ما أم سينبذها ويظلمها معه؟ دعك عينيه بقوة وعقله لا يتوقف عن التفكير. كانت مشكلة كبيرة. هذا الإختناق الذي يشعر به. ولكن، اتخذ قراره الآن. هو لن يفعل شيئاً لا يريده. هو سيكلم ليان غداً!
***
"أنت هتنام هنا؟" قالتها جواهر بتوتر وهي ترى عدي يلج للغرفة ليتوقف وهو ينظر إليها ويقول:
"أيوه أكيد... دي أوضتي... ومن النهاردة مش هنام إلا هنا... وبالمناسبة أنتِ كمان هتنامي هنا."
ارتفع ضجيج قلبها وهي تزدرد ريقها بصعوبة. بينما ابتسم هو بخبث. وأخذ ملابسه ليستحم.
***
بعد قليل... كانت جالسة على الفراش وهي تفرك كفيها بتوتر. هل سيلمسها؟ هل سيطالب بحقوقه اليوم؟ الأسوأ أنه قد يجبرها على فعل ما لا تريد. كان الرعب فعلاً يستوطن قلبها وقد لعنت نفسها مائة مرة لأنها وضعت نفسها في هذا الموقف. أغمضت عينيها وقالت بصوت منخفض:
"إيه اللي أنا عملته في نفسي ده ياربي... يارب ساعدني أطلع من المصيبة دي... يارب أقدر آخد الشيكات وأطلع سليمة من الجوازة دي... أووف بقى."
خرجت من الفراش وقررت أن تدخن، قد ترتاح قليلاً.
وقفت في التراس وهي تشرب سيجارتها بهدوء بينما داخلها ضجيج لا ينتهي أبداً. أنهت سيجارتها سريعاً وأخرجت علكة النعناع ومضغتها لكي تضيع رائحة الدخان. ثم اتجهت للفراش وهي تلقي العلكة.
***
بعد قليل خرج من الحمام يرتدي بنطال منامته الزرقاء بينما جذعه عاري. كانت المياه تغطي صدره العريض. احمر وجهها بشكل كثيف ونظراتها تتعلق بخاصته. ابتسم ابتسامة ساحرة حتى بانت غمازاته الجانبية فازدردت ريقها وهي تنظر إلى كفها وتفركه بتوتر.
ترك عدي المنشفة جانباً ثم اتجه إلى الفراش ونام بجوارها. وأغمض عينيه لكي ينام. بينما هي كان دقات قلبها تدوي داخل صدرها. بدأ جبينها يندي بالعرق. وأرادت أن تنهض وبالفعل حاولت إلا أنه جذبها لتصرخ هي بفزع. ضحك بعمق وهو يكتم فمها بكفه ويقول:
"ششش يخربيتك... اللي في القصر هيقولوا بعمل فيكي إيه؟"
كانت حدقتاها تهتز ان برعب. فجأة تعانقا جفنيها في خوف. أبعد كفه ومرره على وجهها وهو يقول بنبرة متثاقلة:
"خايفة مني؟"
فتحت عينيها وحاصرت نظراته نظراتها. لم يبدو فيهما القسوة كما كانت تعتقد. عدي رشيد ليس شيطاناً كما كانت تتشدق دوماً. ربما لو أخبرته الحقيقة سيسامحها ويساعدها. ربما... ولكن صوت آخر بعقلها سخر منها وأخبرها أنه رجل لا يسامح. وأنها يجب أن تتذكر كارمن وما فعله معها. هي لا يجب أن تعطيه كامل ثقتها كي لا تتورط مرة ثانية. والآن يجب أن تسير حسب الخطة التي رسمتها. ابتسمت بثقة وقالت بصدق صنعته بمهارة:
"لا... أنا حاسة معاك بالأمان."
ابتسمت داخلها بثقة وهي تشعر أنها أثرت به. حررت كفها ووضعتها على وجنته وقالت:
"أنت لحد دلوقتي سايبني على راحتي فشكراً ليك يا عدي... مش هنسالك المعروف ده أبداً."
ابتسم بشقاوة وقال:
"طيب افرض كنت عايز آخد حقي دلوقتي وفوراً..."
سيطرت على نفسها كي لا يظهر الرعب على وجهها وقالت:
"حقك طبعاً أنا ملكك بس أنت مش هتعمل كده... أنت هتسبني على راحتي."
ظل للحظات ينظر إليها. كانت تعطيه ثقتها وهو ليس برجل يحطم ثقة امرأة به. حتى لو كانت تلك المرأة ابنة عدوه. ابتعد عنها وتسطح وهو ينظر إليها وقال:
"عيونك حلوة أوي... حلوة أوي بجد."
ابتسمت وهي تزيح عينيها عنه بخجل حقيقي.
"بتتكسفي معقولة؟ سبحان الله."
نظرت إليه وقد تلون وجهها بحمرة الغضب وقالت:
"متكسفش ليه يعني... هو أنا مش بنت؟"
ضحك وقال:
"بصراحة الأمر مشكوك فيه يا بيري... بس فيه حاجة مش فاهمها."
"إيه هي..." ردت عليه وهي تتثاءب وقد بدأ يغلبها النعاس فقال:
"أنتِ بنت رجل أعمال كبير وعيشتي في باريس... يعني مفروض تكوني أرق من كده... لكن أنا بحسك بلطجية."
ضحكت وهي تزيح توترها بعيداً وقالت:
"عادي يعني مش لازم أتكلم بمياعة عشان أبقى كلاس... أنا أقدر أعمل الاتنين بالمناسبة بس بحب شخصيتي دي... إيه مش عاجباك؟"
أمسك كفها وقبله قائلاً:
"عاجباني طبعاً يا مهلبية."
ثم حاصر كفها بين رأسه والوسادة وغرق بالنوم. وغرقت هي أيضاً.
***
نظرت إلى الساعة بحيرة لتجدها تقترب من منتصف الليل. لم يعتاد على التأخير أبداً، وهو لا يعمل لهذة الساعة. حتى أنه لم يأت لساعة الغداء وعندما اتصلت به أخبرها أن تأكل هي وأنه سيأكل في الخارج. كم افتقدته اليوم. شعرت أن يومها ناقص بدونه. لقد اعتادت عليه. لن تنكر مشاعرها بعد الآن، ولن تقاوم. وربما يكون لهما فرصة سوياً. وهي تعلم أيضاً أنه لديه مشاعر نحوها. فقد ضبطته أكثر من مرة وهو ينظر إليها. ونظراته ليست نظرات رجل اشتهى امرأة... أي امرأة... بل نظرات خاصة للغاية تجعل المشاعر تعصف بها بقوة. وضعت كفها على قلبها وهي لا تصدق. فبعد سنوات طويلة تهرب فيها من الحب، رفضت كل من حاول الاقتراب. كانت تغلق قلبها بإصرار، ولكن معه... معه هي تخلت عن حذرها. سلمته مقاليد قلبها رويداً رويداً حتى أصبح بالكامل له. والآن هي تعاني... تعاني وهي تشتاق له. قلبها يهفو لكي يقترب منها. لقد اشتاقت إليه. اشتاقت إلى تعامله عندما كانت متنكرة في هيئة نوح. اشتاقت لضحكاته معها. مشاكساته لها. قلبها يؤلمها وهو بعيد عنها بتلك الطريقة. تنهدت وهي تضع كفها على قلبها وهي تتمنى أن تعود بالزمن إلى وقت التي كانت فيه نوح لكي تنعم بقربه مجدداً!
أخرجت هاتفها وقررت أن تتصل به.
***
كان جالس شارد. ينظر إلى السماء والنجوم ويشعر بألم في قلبه. عندما رن هاتفه. أخرجه ليرى أن المتصلة هي عبير! تنهد ورد على الهاتف وقلبها يدور داخل صدره.
"الو يا أمير ليه اتأخرت كده؟"
كان صوت عبير متلهفاً... متشوقاً ومرتجفاً. فما أدركته الآن جعلها المشاعر تعصف بها. أغمض أمير عينيه وصوتها العذب ينساب لروحه. كان لا يريد ترك نفسه لأهوائه. تلك أمانته وهو يجب أن يساعدها لا أن يستغلها بهذا الشكل المريع. لذلك قرر البقاء بعيداً عنها حتى تذهب من هنا. لأنه يعرف أنه سيضعف أمامها يوماً ما.
"مش جاي النهاردة البيت."
"إيه... ليه طيب؟" قالتها وقد ظهر الحزن في نبرتها.
زم شفتيه ثم قال بنبرة متصلبة:
"هبات عند صاحبي النهاردة... سهرانين شوية أنا والشباب عند عماد وهبات عنده. كلي أنتِ واقفلي الباب كويس خالص ونامي. ومتقلقيش عليا."
اكتسى وجهها بخيبة الأمل. حاولت السيطرة على دموعها السخيفة التي بدأت تحتشد بعينيها وقالت بنبرة مختنقة:
"ماشي... باي."
ثم أغلقت الهاتف سريعاً ودموعها تنفجر من عينيها!
***
أغلق أمير الهاتف وهو يتنهد بعمق بينما يضم ساقيه إليه وهو ينظر إلى الحي الذي يسكن به من علو. فقد كان على السطح! وليس عند أصدقاؤه كما ادعى. هو أتى هنا إلى السطح الذي يعلو شقته السكنية. حتى لو حدث شيء معها يكون قريباً منها. أغمض أمير عينيه وهو يتراجع حتى تسطح على الأرض. لو ظروفه مختلفة فقط لم يكن ليتركها. كان ليتزوجها ويجعلها ملكه. ولكنها أميرة أتت من عالم غير عالمه. أميرة لا تنتمي له.
***
كانت جالسة على المقعد وهي شاردة وقد فهمت الأمر. أنه يتجنبها الآن. يبتعد عنها ويرفض تلك المشاعر التي تنتابه نحوها. هو يرفض حبها ولا يريده. انسابت الدموع من عينيها وتشعر بألم في قلبها. هي تشتاق إليه. رباه كم تشتاق إليه! إنها المرة الأولى التي تشعر فيها بهذا الشعور. الشعور أن الحياة مظلمة للغاية بدون وجود الشخص الذي تحب. البيت يبدو موحشاً للغاية بدونه. فجأة انتفضت من مكانها عندما رن جرس المنزل. قامت هي واقتربت من الباب وهي تنظر من العين السحرية لتجده أمير. فتحت الباب بلهفة دون الاهتمام بمسح دموعها التي تغرق وجنتيها. كانت يائسة حقاً لرؤيته. فهي تشعر بالأمان في وجوده ولا تريد أي أحد آخر غيره.
"أمير..." عينيه الذهبية لمعت عندما رأى دموعها. كل ما أراده الآن أن يضمها إليه بقوة. يمسح دموعها ويخبرها أنه أبداً... أبداً لن يتركها. ولكن، أطرق برأسه وقال:
"روحي اقفلي على نفسك باب الأوضة ونامي واطمني أنا جيت. ومش همشي ولا هسيبك."
ابتسمت وهي تهرول إلى غرفتها وتغلق الباب وهي تضع كفها على قلبها بينما تستند على الباب. إنها تعشقه. رباه كم تعشقه! بينما هو في الخارج كانت الابتسامة الحزينة تزين وجهه.
***
في مكان ما.
"رجعت ليه تاني مش كفاية اللي حصل؟"
"راجع عشان أقتل موسى!"
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل العشرون 20 - بقلم سولييه نصار
ظننت أن عشقك هو العذاب ...
كُنت مخطئاً تماماً ...
لأن فقدانك هو العذاب ...
بل الموت !!
-أنا عايزاه يا ماما عايزاه والا هموت والله هموت ...
قالتها جوري وهي تجثو على الأرض تتمسك بساق والدتها بينما أصبحت عينيها حمراء كالدماء.
شعرها مشعث ... والدموع تغرق وجهها ...
شفتيها ترتجف بقوة ....
قلبها يعتصر من الألم ....
لا تتقبل فكرة أنه لفظها من حياته ...
مهما فعلت لا يضعف ...
لقد كرهها بالفعل ....
أصبحت هي فريسة لبروده وقسوته!!
نظرت إليها والدتها بشفقة...
ابنتها من دمرت حياتها بيدها ...
لقد أحبت هي ياسين ...
رغم بروده إلا أنه كان مثال للزوج المثالي ....
فعل الكثير من أجل ابنتها رغم غياب الحب إلا أنه كان يعاملها بما يُرضي الله ...
كما انه كان لطيف معها هي ...
يعاملها كوالدته ...
من بين كل أزواج ابنتها كان هو الأفضل ....
الأكثر رقيا ولطفاً كان يتقي الله في معاملته ...
ولكن ابنتها الغبية هي من أضاعته من يدها ...
هي من دمرت حياتها بيدها والآن تطلب المساعدة لعودته ...
بعد أن تزوج من غيرها ...
لابد أنها فقدت عقلها تماما ...
ماذا من الأساس تفعل وكيف تساعدها؟!!
هي كوالدتها عاجزة تماما عن المساعدة ...
ولا تريد من الأساس أن تساعدها....
ابنتها بغباؤها هي من دمرت حياتها ...
ودمرت حياة ابنتها البريئة ...
هي تشعر بالخجل لأنها أنجبتها ...
ولكن في نفس الوقت تشفق عليها ....
تتألم وهي تراها تبكي بتلك الطريقة ....
تعلم أن ابنتها عانت مع والدها المريض نفسيا ...
وهي تلوم نفسها على هذا ...
لأن بطريقة ما هي لها يد في هذا ..
هي لم تساعد ابنتها كي تتخطى الماضي ...
لم تختر لها الاب المناسب لها ...
ابنتها تدفع ثمن أخطائها هي ...
زمت شفتيها وهي تقرر أن تكون حازمة معها
-أساعدك ازاي يا جوري ...قوليلي اساعدك ازاي بعد اللي عملتيه ؟!!
قالتها ميادة بلوم لتغص جوري ببكاء وتقول:
-ندمت يا ماما ...صدقيني ندمت ومحتاجة ياسين في حياتي والا هموت ...
أنا كنت فاكرة اني مبحبهوش ...بس انا بحبه ...بحبه اووي يا ماما ...بحبه وهموت من غيره !!!
نهضت ميادة وقالت:
-مش هتموتي...متخافيش عشان أنتِ عمرك ما حبيتي ياسين ...
أنتِ بس صعبان عليكي أن واحدة تاني تاخده منك ...
اكيد لما شوفتي حبه لمراته النار أكلت قلبك وعايزة تخربي بيت الراجل ...
اساعدك في ايه يا جوري...اساعدك تد مري حياة عيلة كاملة...
حرام عليكي كفاية ...سيبي ياسين في حاله ...
سيبي بنتك في حالها والمسكينة اللي متجوزها ياسين دي ذنبها ايه !!
-لا يا ماما أنا بحب ياسين ...والله بحبه وهموت من غيره ...ابوس ايديكي ساعديني اتجوزه ...والله هموت بقولك...
أنا هتجنن ..هو مش عايز يستسلم ليا...بيبعد عني ...
أنا عايزاه يرجعلي هو وبنتي وصدقيني أنا المرة دي هتصلح ..
المرة دي هحافظ على بيتي ...
ازاي يا ماما واحدة تاني تربي بنتي وانا موجودة ...
-بس أنتِ عمرك ما حبيتي ياسمين يا جوري ...نسيتي كنتِ بتعملي فيها ايه ؟!!
نسيتي جنانك ...بس غلطتي أنا ...
كان مفروض اعرضك على دكتور نفسي يعالجك من العقد اللي في حياتك ...
بسببي أنتِ أذيتي بنتك...
متعرفيش قد ايه مشاعري ملخبطة ...
متضايقة منك وشفقانة عليكي في نفس الوقت ...
أمسكت جوري كف والدتها وقالت بلهفة:
-والله يا ماما أنا كويسة ...مبقتش زي الأول ...
أنا اتعلمت الدرس كويس ..ومستعدة اروح معاكي لدكتور كمان ..
بس رجع ي ليا ياسين ...
هزت ميادة رأسها وقالت:
-للاسف يا بنتي انا مقدرش أساعدك ...
حتى لو عايزة مش هقدر...
بصي على حياتك يا بنتي ...
خلاص طليقك عاش حياته فعيشي أنتِ كمان حياتك وانسيه ..
انسيه يا بنتي ومتتعبيش قلبي ...
تنهدت ميادة واقتربت من ابنتها وقبلت رأسها وقالت:
-اسيبك دلوقتي وانتِ فكري في اللي قولته وبطلي جنان ...
ثم ذهبت وتركتها لتقضم شفتيها بقوة وهي تتمتم:
-مستحيل يا ماما ...ياسين ملكي ...ملكي أنا وبس ومش هخلي واحدة زيها تأخده مني ...
بعينيها ..مش هتأخده ..هو هيرجعلي برضاه او غصب عنه !!
أخرجت هاتفها واتصلت برقم ما وهي تتفق مع هذا الشخص انها سوف تقابله في الغد ..
ابتسمت وقالت:
-استعد يا ياسين لأنك هتكون ملكي وبس !!
-بابا ...
قالتها ياسمين وهي تندفع بين ذراعي والدها ليضمها والدها ويقبلها ثم يضعها على الأرض ويخرج الشوكولاتة من جيبه ويعطيها لابنته ثم يقبلها على رأسها بلطف ...
كانت ورد تقف وهي مبتسمة ...تنتظره لكي ينظر إليها ...
بالفعل نظر إليها وقال:
-أزيك يا ورد ...
ثم اتجه لغرفته ...
اختفت الإبتسامة من وجهها ...
شعرت بخيبة الأمل ...
لقد ظنت انه عندما يعترف بحبها له سوف يتغير...
سوف يكون أكثر شاعرية ....
هي امرأة تعشق الاهتمام ...
متيمة بالتفاصيل ...
وتطرب لسماع الغزل...
ارادته ان يُغازلها ...
يضمها إليه ...
يعاملها كما يعامل أبطال الروايات زوجاتهم ...
ولكنه جاف ...
لن يتعلم بسهولة أبداً...
مطت شفتيها بضيق وهي تفكر فيما تفعله ...
هل تلفت انتباهه لكي يهتم بها ؟!
ولكن منذ متى الإهتمام يُطلب ...
الاهتمام لا يُطلب أبداً!!
خرج ياسين من الحمام والماء يقطر من شعره ...
نظر الى ورد الواجمة وقال مبتسما:
-عملتي غدا يا ورد ؟!
-هو ده اللي مهتم بيه ؟!
الغدا!!!
قالتها والدموع تحتشد بعينيها فقال بصدمة:
-ليه زعلانة أنا عملت ايه ؟!
-أنت عمرك ما بينت أنك بتحبني يا ياسين ...
أنا تحصيل حاصل في حياتك ...
مش مهتم أبدا بمشاعري ...
قالتها والدموع ملء عينيها ليقترب بلهفة ويقول:
-ايه اللي يخليكي تقولي كده...
أعمل ايه عشان اثبتلك طيب ...
نظرت إليه بعتاب وقالت بدلال وهي تمسح دموعها:
-يعني مثلا عمرك ما غازلتني ولا قولتلي شعر ..
-شعر ..قالها وهو يرفع حاجبيه ثم أكمل:
-اقولك شعر ازاي يعني؟! ...
نفخت بضيق وقالت:
-هعلمك وأمري لله...
اقتربت بدلال ثم أمسكت كفه وهي تأسر عينيه وتقول:
-يعني زي ما قال محمود درويش "حبيبان إلى ان ينام القمر ..
ونعلم أن العناق...
وأن القبل طعام ليالي الغزل ."-
-صحيح بمناسبة الطعام عملتي غدا أنا هموت من الجوع ...
-ياسين !!
صرخت بعصبية وهي تضرب قدمها على الأرض بغضب ليقول بخوف:
-حاضر خلينا في الشعر نأجل الغدا...
أنتِ عايزاني اقولك شعر يعني ..
هزت رأسها بلهفة ليبتسم ويقول:
-عيوني ...
ثم أخرج هاتفه وفتح الانترنت وهو يتصفحه
-أنت بتعمل ايه !!
قالتها بصدمة ليرد:
-ببحثلك على قصيدة لمحمود درويش اقولهالك ...
صدمتها كانت أكبر الآن ليقول هو مبتسما:
-بس أهي ...
اسمعي يا ستي..."ربما لم يكن شيئاً مهماً بالنسبة لكِ يا ريتا ولكنه كان قلبي "...
مين ريتا دي يا ورد ؟!
تبقى خالته ؟!
كانت ورد تنظر إليه بخيبة أمل وقالت:
-بالذمة مش مكسوف من نفسك ...
-ايه معجبكيش الشعر ؟!
هزت رأسها بيأس وذهبت من أمامه ليقول هو:
-طب الغدا فين معملتيش غدا ولا ايه ؟!
مط شفتيه وقال:
-فعلا الستات زي القطط تأكل وتنكر قولتلها شعر وسابتني من غير غدا!!...........
كانت في المطبخ تضع له الغداء وهي واجمة ...
تشعر بالغضب الشديد ...
وستار رقيق من الدموع يحتل عينيها..
كانت تعض شفتيها كي لا تنفجر بالبكاء ...
لا تعرف ما بها ...
هي تعرف كم ان ياسين جاف وغير رومانسي تماماً ...
يجب أن تعتاد وتخرج هراء الروايات من عقلها تماما!!!
ولج ياسين الى المطبخ ليجدها تعد الغداء بغضب ...
اقترب منها ولمس كتفها لتنظر إليه ...
ابتلعت ريقها وقالت:
-الغدا قرب يخلص متقلقش ...
امسك كفها وابعدها عما تفعله وصب نظراته في نظراتها ...
لم تتحمل وانفجرت بالبكاء ...
جذبها إليه وضمها وقال:
-معقول كل ده عشان معرفتش أقول شعر ...
يا ستي هتعلم اقول شعر واقولك بس متعيطيش ..
أنا بزعل لما تعيطي ...
ابتعدت عنه قليلا وقالت:
-هتقولي شعر بجد...
ابتسم ومسح دموعها وقال:
-حاضر يا ستي هتعلم واقولك هتعب شوية بس متعيطيش ممكن ...
مشاعري كمهندس مبتستحملش دموع الستات ...
ضحكت وقالت:
-بس أنت بكيت طليقتك قبل كده وكنت فرحان بكده ..
قبل رأسها وقال:
-بقول الستات ايه جاب سيرة الحر باية ام سحلول دلوقتي ..
متجييش سيرتها تاني عشان بتسد نفسي عن الاكل لو سمحتي ..
ويالا بطلي دلع واعملي الغدا...
-عيوني ..
قالتها مبتسمة لتبدأ بهمة في إعداد الطعام وقد تغير مزاجها كثيراً
في المساء ...
فتحت نسرين الباب لتجد أمامه فؤاد ...
ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه بتوتر ..
ابتسم بلطف وقال:
-هي ماما فين ؟!
-راحت تشتري شوية حاجات ..
أتفضل يا فؤاد .
ثم افسحت له الطريق وهي ترجع شعرها الذهبي للخلف بينما قلبها يدوي داخل صدرها ...
لما تشعر بكل تلك المشاعر القوية من ناحيته ...
ما الذي يمتلكه ليجعل قلبها ينبض بتلك الطريقة ...
ولج فؤاد للمنزل وهو يبتسم بنعومة لها ....
فركت نسرين عنقها بتوتر وقالت:
-وأنا كمان كنت خارجة دلوقتي وحتى حضرت الشنطة بتاعتي ...
ثم اشارت الى حقيبتها وأكملت:
-هقابل ليان ...
هز رأسه وقال:
-جميل ...
لازم تخرجي شوية ...
انبسطي يا نسرين ...
اطرقت وهي تبتسم ثم نظرت إليه ليمتص انفاسه بقوة ...
عينيها ساحرة للغاية يشعر انه يغرق بهما...
انها اجمل شئ رأته عيناه ...
ضغط على كفه بقوة لان كل ما اراد فعله الآن ان يلامس وجنتها والغرق بعينيها .....
تخضبت وجنتي نسرين وهي تجد نظراته مركزة عليها ...
هذا لا يصح أبداً...
ابتلعت ريقها وقالت لدرء التوتر:
-وأنت ...
أنت هتعمل ايه النهاردة؟!
ابتسم وقال:
-هقابل صديقة ليا ..
هنتعشى مع بعض ...
أجفلت قليلا وشعرت بالإختناق فجأة ...
كان هو ينظر إليها بخبث وقد اعجبه التعبير الذي سيطر على وجهها ...
نظرت إليه وقالت بنبرة طفولية:
-مين دي اللي هتتعشى معاها ؟!
أنت ليك اصحاب بنات ؟!
-ايه بتغيري ؟!
قالها بتسلية ولكن نظراته لم تكن كذلك ...
كان ينظر إليها بحب ...
العشق يفيض من عينيه فعليا ...
حب أخا فها حقا ...
لم تكن تريد أن تحطم قلبه ...
ارتعبت حقاً...
ابتلعت ريقها واحمرت بقوة وهي تقول بنبرة متلعثمة:
-أنا...
أنا مبغيرش ...
مجرد فضول بس ...
أنا...
-أنتِ كذابة!!
القى الكلمة بوجهها...
دون تردد.
دون مراعاه ...
هو تعب من محاولاتها لإخفاء مشاعرها...
تعب كثيراً ويجب أن يواجهها بمشاعرها ...
يجب أن يجعلها تعترف ...
ان تتخلص من خوفها وتحبه بحرية ...
دون خوف ....
دون خجل ...
-فؤاد ..
همست بصدمة ليكمل هو:
-أنتِ بتغيري عليا ..
واحنا مبنغيرش الا على اللي بيحبنا
حاولت الابتعاد عنه ...
ولكنه اقترب أكثر ...
كان يحاصرها ...
يتحداها ان تنكر ما تفضحها عينيها ...
عينيها الزرقاء التي كانت متشوشة من قبل ظهر بها أمل ..
أمل ليكون محبوباً من قبلها ولم يكن فؤاد ليضيع تلك الفرصة من يده أبداً ...
فهو يحبها ...
يريدها...
وسيستغل أي فرصة الظهر فيها حبه ....
-أنا مش غيرانة ..
مش غيرانة...
قالتها بصوت مرتفع محاولة ان تغطي على دقات قلبها التي بدأت بالأرتفاع حتى صمت أذنيها ليرد هو بثقة:
-لا غيرانة عارفة ليه ؟!
عشان بتحبيني ...
اعترفي بده
-أنا مش ...
مش بحبك !
قالتها بتلعثم وهي تثبت عينيها علي الأرض ...
تحارب دموعها كي لا تنفجر من عينيها ...
أمسكها من ذراعها وقربها منه ثم رفع وجهها كي تنظر إليه:
-تمام هصدقك لو قولتي أنك مش بتحبيني وأنتِ باصة في عيوني ...
يالا قوليها...
قولي انك مبتحبنيش وأنت بصالي وأنا هصدق...
خانكها دموعها وقالت بنبرة مختنقة:
-شيل إيدك عني ...
ابعد ..
ابعد ...
ولكنه لم يفلتها ...
لن يسمح لها أن تبتعد ...
هي ملكه وأنتهي الأمر ...
شدها أكثر إليه ووضع جبينه علي جبينها وهو يقول بنبرة مهتزة:
-أنتِ بتحبيني ودي الحقيقة ...
مهما حاولتي تنكري عيونك فضحتكي ..
غيرتك فضحتكي ..
قلبك ليا !!!
..
تعالى نشيجها...
ما تفعله خطأ ...
هي يجب أن تبتعد عنه ....
يجب أن تنساه والا لن تسامح نفسها أبدا ...
دفعته بغتة وهي تحمل حقيبتها من الطاولة وتركض خارج منزله كاتمة شهقاتها بكفها ..
نظر إلي أثرها ورغم شعوره بالحزن من رفضها الا أنه تولد لديه أمل ..
هي تحبه ..
تحبه وهو لن يتخلي عنها أبداً!!!
في اليوم التالي ...
ارتجف جسدها وهي تمسك كف صديقتها وتنظر إليها والرعب يسيطر عليها وهي تنظر الى هذا المكان الغريب ...
تجمعت الدموع بعينيها وهي تنظر الى ذلك الرجل المخيف أمامها ...
كان رجل مسن بلحية مشعثة ...
وجلباب اسود تفوح منه رائحة كريهة وقبعه زرقاء متسخة قليلا ..
كان يجلس أمام مبخرة ويضع بها بعض الأشياء التي تزيد من اشتعالها بينما يتمتم بكلام غريب...
أمالت على صديقتها وقالت بصوت مرتعب:
-نوال ..
نوال أنا خايفة خلينا نمشى من هنا ...
أنا ...
ولكن نوال وكزتها بقوة وهي تهمس:
-بس أسكتي ...
أنتِ مش عايزة ياسين يرجعلك ..
هي دي الحاجة الوحيدة اللي هتساعدك ...
ما أنا قولتلك وفهمتك لما اتصلتي بيا...
فجمدي قلبك يا جوري عشان تقدري ترجعي جوزك من خطافة الرجالة دي !!
-ايه خايفة ؟!
قالها الشيخ بمكر شديد لتهز رأسها بالنفي وتقول وهي ترتعش ...
-لا لا مش خايفة بس هو جوزي هيرجعلي ...
ابتسم وقال:
-والله يا ست اعملي كل اللي هقولك عليه وهيرجعلك ويبقى خاتم في صباعك كمان بس مستعدة تعملي اللي هقولك عليه والمهم ...
صمت وهو يضم اصباعيه في علامة مميزة وأكمل:
-وجاهزة تدفعي فلوس ...
هزت جوري رأسها بقوة وهي تمسح الدموع التي أغرقت وجنتيها فضحك الرجل وقال:
-أنا هعملك عمل لمرات جوزك وأجننها لك ..
بس ساعديني ...
-اساعدك ازاي ..
قالتها وصوتها يرتعش فقال بفحيح كالافاعي وهو يقترب منها:
-هاتيلي حاجة من قطرها..
هاتي حاجة ليها وسيبي الباقي عليا !!
في المساء ....
في منزل يوسف مالك ....
جالس على مقعده ..
يدخن السيجار ...
بعينيه ستار رقيق من الدموع ...
يشعر بالإختناق تماما ...
وعقله يعود رغماً عنه لذلك الوقت الذي أقسم ان ينساه للأبد...
ولكن الذكريات تأبى ان تتركه وخاصة بعد انفصال نسرين عنه ...
هو يُترك للمرة الثانية ...
يتحطم قلبه للمرة الثانية ...
نسرين من كانت أمانه....
كانت نجاته ..
ودواءه...
الآن هي تركته يعاني!!!
انسابت الدموع من عينيه وهو يشعر بقلبه ينسحق داخل صدره ...
الألم يتصاعد داخله ...
يقتله ...
انه يعاني ...
سيموت تلك المرة لو خسرها للأبد ...
يكفيه خسارته الأولى. .
يكفيه أنه عاش سنوات ليبرأ من جرحه من رقية ..
ثم تأتي نسرين الآن وتفتح تلك الجروح ليعاني مجدداً...
ماذا يفعل ؟!
هل يتوسل لها لتعود ..
هل يجبرها ام يتركها ...
يتركها ...
لا لن يتركها ...
لن يفعل ...
لن يعاني مرة آخرى...
لن ينكسر مرة آخرى ...
مسح دموعه بقوة وهو يتنفس بعنف ...
كان يشعر بألم شديد والذكريان العنيفة تندفع لعقله ...
ذكريات تمنى لو يفقد ذاكرته كي لا تهاجمه !!
عض شفتيه وهو يتذكر ليلة ان توسل فيها لحب حياته ...
توسل لرقية كي تبقى معه !!....
-متسبنيش ...
متسبنيش يا رُقية !!!
قالها متوسلا وهو يمسك كفها...
الدموع تحتشد بعينيه ...
كان يتوسل فعليا لها ...
فكرة ان تتركه ...
فكرة أن تنتمي لآخر كانت مرعبة ...
شدت رقية كفها وهي تقول من بين أسنانها:
-ايه اللي أنت بتعمله يا بني آدم أنت !!!
ايه الهبل ده ازاي تيجي لحد هنا وفي شارعنا وتقولي الكلام الفارغ ده...
لو حد شافنا انا ايه هيكون وضعي!!!...
أنا ماشية وأنت روح وأنسى كل اللي بيننا ...
وبالفعل كادت أن تذهب الا انه امسك كفها وقربها منه حتى التصقت به ...
من حُسن حظهما الحي كان فارغ نوعا ما ...
-يوسف بتعمل ايه ؟!
قالتها بحدّة وغضب ...
انسابت دموعه وقال:
-رُقية عشان خاطري متسبينش ...
صدقيني هموت لو عملتيها ...
أنا مستعد اشتغل ومش هخليكي تحتاجي لحاجة أبداً ...
ده وعد مني ...
بس خليكي معايا !
...
حركت حدقتيها بملل وهي تزفر بضيق وقالت:
-هو أنت ليه مبتفهمش ...
قولتلك خلاص يا بابا ..
اللي بيننا أنتهى ...
خلص خلاص !!
مش عايزاك ..
مبقتش أحبك ايه اغنيها ...
أنت ايه معندكش كرامة...
مش بتحس ..
مش عايزاك ...
هو عافية !...
أنا خلاص هتخطب وهتجوز وأنت ملكش أي مكان في حياتي ...
اتقبل الحقيقة بقا ومتقرفنيش ممكن !!!
ثم تركته وذهبت ..
تركته منها ر!!!..........
عاد من شروده ودموعه تنفجر اكثر من عينيه...
شعر للحظات انه عاجز تماما عن التنفس ...
اطفأ سيجارته ونهض وهو يدعك عينيه بعنف ...
هل سيتركها تبتعد عنه ..
هل سيتركها تنسل من بين يديه مثل رقية !!
لا ..
لا هي حياته ..
لا يمكنها أن تتركه بتلك السهولة ...
رباه هو سوف يموت لو فعلت هذا...
يجب أن يتصرف...
يجب أن يعيدها بأي ثمن !!!
ولج للحمام واخذ دوشاً سريعا ثم ارتدى ثيابه ...
كانت ثيابه السوداء تُلائم مزاجه السوداوي للغاية ...
خرج من منزله وهو يتصل به ...
لقد حزم أمره...
ربما نسرين لن تسامحه ..
ولكنه سيتبع اكثر الطرق خبثاً لكي يعيدها مجدداً لحياته!...........
كان يقف أمام النهر يمسك الحاجز الحديدي ويمكنه سماع ضجيج قلبه ...
اراد التراجع ولكن لا هو يريد نسرين وسينالها بأي طريقة .....
لفت انتباهه اقتراب كريم منه ..
ابتسم يوسف بتوتر
-ازيك يا كريم ...
-عايش اهو ..
مراتي سابتني وبنتي كمان وبحاول ارجعهم .
قالها كريم بحزن ليرد يوسف ويقول:
-ولو قدرت ارجع نسرين يا كريم ...
هرجعلك نسرين بس بشرط...
نظر كريم الى يوسف بحيرة ليكمل يوسف:
-أنا عايز أتجوز نسرين يا كريم ...
عايزها في الحلال ...
وقعت الكلمة كالصاعقة على كريم وقال:
-انت بتقول ايه ؟!
دي نسرين ...
نسرين اللي لو اتجوزت هتيجيب قدها...
ابتلع ريقه وقال:
-عارف يا كريم بس أنا بحبها ...
وهي كمان بتحبني
حج من كل ...
-ايه؟!
قالها كريم بصدمة ليكمل يوسف ويقول:
-اللي كانت مرتبطة بيه نسرين هو أنا يا كريم ...
أنا حبيب نسرين !!
فستانها الرمادي كمزاجها كان ينسدل برقة على جسدها ...
تركت شعرها الأسود منسدلا ...
لم تضع أي مساحيق تجميل الا ماسكرا ابرزت كثافة رموشها ...
أخذت حقيبتها وخرجت من غرفتها متجهة الى مكتب شقيقها ...
كانت لا تريد الذهاب مع موسى الآن ...
يكفيها انها سوف تفسخ خطبتها بسببه !!.....
كان عدي جالس بمكتبه يتحدث مع موسى قليلاً عندما طُرق الباب ...
-أدخل ..
قالها عدي بصوته الرخيم لتلج ليان ...
تعلقت عيني موسى بليان وهو يشعر بإزدياد وتيرة دقات قلبه....
ازدرد ريقه بصعوبة ...
انها تزداد جمالاً كل يوم ...
كل يوم يمر تتملكه أكثر حتى أصبح شعوره نحوها أشبه بالهوس ...
من الجانب الآخر لم تُعيره ليان أي اهتمام ...
ولم تنظر إليه حتى بل استطاعت الحفاظ على ثبات عينيه نحو شقيقها تُجهز كلماتها لتخبره ما يريد وكم تمنت ان يُساعدها وينفذ طلبها ولا يعارض ويجبرها أن تذهب مع موسى ...
فهي لن تمنحه تلك اللذة...
لذة أن يراها تنفصل عن يحيى بسببه هو ....
لن تمنحه تلك الفرصة ...
لن تفضح مشاعرها مجددا
-فيه حاجة يا ليان؟!
انتزعها عدي مش شرودها ..
-يحيى عازمني على العشا...
قالتها ليان وهي تنظر مباشرة الى عدي ...
لم تهتم بموسى الذي رمقها بغيرة واضحة ..
أطرق موسى برأسه كي لا يرى عدي نظراته ويفهم شيئا...
اخذ يضغط على فكيه بشدة...
كل ما اراده الآن ان يمنعها من الخروج معه ...
لقد تجاوزت غيرته الحد حتى اصبحت كالنيران التي تنهش روحه ...
-طيب تمام موسى هيروح معاكم .
أخرجه من عمق أفكاره صوت عدي ورفع وجهه نحو ليان التي لم تنظر إليه حتى وبقت تنظر إلى عدي بوجوم ثم قالت فجأة:
-معلش يا عدي بس حابة نروح أنا ويحيى لوحدنا!!!
رفع موسى حاجبيه وشعر بالضيق منها ...
هي تحلم هو لن يتركها تذهب بمفردها معه ...
بينما كان عدي حائر وقال:
-لي لي ده مش طلب...
ده أمر ...
لازم موسى يروح معاكي ...
هو بيحميكي ...
-معايا يحيى يا عدي بعدين انا حابة احس بشوية حرية ...
خليني المرة دي أروح معايا لوحدي وهو معايا ومش هيحصلي حاجة ...
-لي لي ..
هتف عدي بإعتراض لتقاطعه ليان بتوسل:
-عشان خاطري يا ابيه أنا ويحيى هنروح مطعم ونتعشى ونرجع علطول ...
عايزة شوية خصوصية مع خطيبي !!!
نيران شديدة كانت تندلع داخل روحه ...
الشعور بالغيرة كان يقتلـ.ه ...
عشقها لعـ.نة..
ولكن الغيرة عليها هي الموت ...
الموت حرفيا ...
اراد ان يعترض ..
ان يسحبها من ذراعها ويسجنها بالمنزل ...
يصرخ بها انه عاشق لها وان لا أحد سوف يعشقها مثله ولكن كالعادة لم يمتلك الشجاعة ...
كان جبان!!
-ليان مينفعش ...
لازم موسى يروح معاكي ...
أنا مش هطمن الا بالشكل ده ...
قضمت شفتيها بغيظ ثم قالت بإندفاع:
-طيب ما هو كان معايا المرة اللي فاتت وكنت هموت !!
اشتعلت النيران بعيني موسى بينما نظر إليها عدي بخيبة أمل وقال:
-لا غلط ...
موسى هو اللي انقذك ...
هو اللي أتصل بيا في الوقت المناسب وعشان كده قدرنا ننقذك ...
موسى هو اللي اخد الرصاصة بدالك فمينفعش تقللي منه بالشكل ده ..
عيب يا ليان ...
صمتت وهي عاجزة عن الرد...
لثاني مرة تُقلل مما يفعله ...
لثاني مرة لا تعترف انه نجح في إنقاذها هي أرادت ان تؤلمه ..
نعم أرادت هذا وتعترف لن تنكر ...
ظلت عيني موسى متعلقتين بها كان حقا خائب الأمل بينما هي غيرت الموضوع وقالت:
-يا ابيه لو سمحت خليني اطلع مع يحيى النهاردة لوحدي ومش هنتأخر ...
عشان خاطري خلينا احس اني حرة لمرة واحدة في حياتي ...
لو سمحت !!!
زفر عدي بضيق وقال:
-دي آخر مرة يا ليان ...
-آخر مرة وعد !
نظر الى الساعة ليجدها قاربت التاسعة مساءا ...
ما زال جالس بورشته لا يريد العودة ...
سيعود اليوم متأخراً مرة آخرى وقد نبه عليها اليوم الا تنتظره وتلج الى غرفتها وتنام...
فالأنجذاب إليها يصبح أقوى كل يوم وهو ليس بقديساً ليقاومها هو بشر ويضعف امام جمالها ورقتها....
هو يقود معركة خاسرة أمام عينيها...
جمالها وبراءتها ...
وهو الخاسر بالنهاية فليس كل مرة سيستطيع المقاومة ...
قلبه يصبح اضعف يوما بعد يوم وسيأتي يوما وينفجر ولن يرتاح الا عندما يعانقها وضميره لن يتحمل أثم كهذا
تنهد وهو يغمض عينيه بتعب بينما يستحضر ملامحها الرائعة أمامه ...
هي جميلة ..
بل اجمل شئ رآه طوال حياته ...
ولكن المعضلة ليست جمالها فحسب ..
بل تلك البراءة التي تشع منها ...
الطيبة التي تغلف قلبها ...
والحزن الذي يكسو وجهها ..
وملامح الضعف التي تظهر عليها من حين لآخر ..
كل تلك الأشياء تجذبه نحوها بقوة ....
رن هاتفه فجأة فرفعه ليدوى قلبه بعنف وهو يرى أسمها يشع على شاشته ...
ابتلع ريقه وقرر ان يرد لينساب إليه صوتها المرتعب ..
لم يفكر لثانيتين وهو ينهض من المقعد الخاص به ويغلق الورشة بسرعة ثم يتجه الى المنزل مهرولاً ...
دون الاهتمام بنظرات المارة المتعجبة ...............
-فيه أيه ...
فيه أيه ؟!
قالها متلفحا وهو يلج الى المنزل لتجمده ضحكة ناعمة منها ...
وقف وهو ينظر بصدمة إليها تقف امام الطاولة الصغيرة بالصالة والتي عليها قالب كيك بالشوكولاتة مزين .....
نظر الى وجهها مرة آخرى ليراها تعطيه ابتسامة رائعة للغاية وهي تقترب وتقول:
-كل سنة وأنت طيب يا أمير .
لم تتبدد صدمته فقالت وهي تفرك رقبتها بتوتر بينما لم تتخلى عن اللطف بنظراتها وقالت:
-أنا بصراحة شوفت شهادة ميلادك عشان كده عرفت ...
يعني تميت.
دلوقتي تلاتين سنة مبروك ...
كان ما زال ينظر إليها ببلاهة شديدة وهي تهذي بالكلام...
بينما شعرت عبير بالتوتر الشديد وهي تنظر الى صدمته وبلاهته ....
ابتلعت ريقها وقالت:
-امير ممكن تقول حاجة ...
انت بتوترني بالشكل ده ..
أنا عملت حاجة غلط ؟!...
اصطبغ وجهه بحمرة الغضب وقال:
-أنتِ جايباني عشان كده ؟!!!
-أنتِ جايباني على ملا وشي عشان عيد ميلادي !!!
كرر بصدمة لترد بتوتر:
-أنا ...
-أنتِ ايه ...
أنتِ أيه !!
زعق بها ثم أكمل بعصبية شديدة:
-أنتِ واحدة مش مسؤولة يا عبير ...
قلقتيني عليكي ...
خلتيني اجري زي المجنون في الشارع لما قولتيلي الحقيني ...
هو ده تصرف ناس عاقلين!!!
أختنق صوتها وقالت وقد احتشدت الدموع بعينيها:
-أنا بس حبيت أعملك مفاجأة ...
حبيت أفرحك ...
-تفرحيني ازاي؟!!
أنتِ رعبتيني ...
عارفة كام فكرة وحشة جات في بالي ...
ايه التصرف الغبي ده..
ايه الغباؤ ده !!!
ممكن تفكري قبل ما تعمل اي حاجة لو سمحتي ...
ممكن ...
يعني ده مش تصرف ناس عاقلين يا آنسة عبير ...
متعمليهاش تاني عشان أنا اتضايقت وبصراحة شوفتك طفلة أوووي!
انفجرت فجأة بالبكاء بسبب توبيخه الشديد لها ليبتلع هو باقي توبيخه ويرتبك ...
لم يكن يريدها أبدا ان تبكي ...
هو من الأساس ينزعج بشدة عندما تحزن ...
اقترب منها وقال:
-أنا آسف حقك على راسي متزعليش...
أنا آسف يا عبير ...
ولكن دموعها لم تتوقف عن التدفق فخبت وجهها عنه ...
تشجع وتقرب أكثر وهو يُزيح كفها عن وجهها ويقول:
-أسف ..
حقك على راسي ...
حقك على راسي ...
ثم رفع كفه وبدأ يمسح دموعها بحنان ويكرر بلطف:
-حقك على رأسي أنا متزعليش ...
حقك عليا ...
ابتسمت له من بين دموعها ليتلمس بكفه غمازاتها الساحرة ...
يمرر ظهر كفه على بشرة وجنتها الناعمة فتتثاقل أنفاسه ...
أغمضت هي عينيها ولم تبتعد ...
شهق هو عندما عاد لوعيه وابتعد كالملسوع وكاد أن يخرج ...
وقفت هي امامه وقالت:
-ليه بتهرب مني...
ليه كل ما تقرب تبعد ...
ليه؟
-ابعدي لو سمحتي .
قالها وهو ينظر أيضا ...
قلبه يدوي بعنف ...
الغبـ.ية لا تعرف انه لو ظل هنا اكثر من هذا سيفقد السيطرة على نفسه وهي من ستندم !!!
-لا مش هبعد ولو سمحت بصلي يا أمير ..
بصلي ...
لم ينظر إليها بل حاول ان يتجاوزها ولكن هي لم تسمح له وأمسكت بكفه ولكن بغتة دفعها هو الى الجدار لتتسع عينيها بصدمة وتتعلق بعينيه الذهبية التي كانت تشتعل بالنيران ...
كان يلهث بعنف وقد فقد السيطرة تماما على نفسه اقترب بشفتيه من خاصتها و ....
يقف أمام النافذة ينظر إليها تقف بجوار خطيبها يمسك كفها وهو يساعدها لتستقل السيارة وشعر هنا أن قلبه يعتصر من الألم ....
الغيرة كانت تقتـ.له ...
الحزن تملك من جميع خلايا جسده ...
تنهد وهو يشعر بالدموع تلسع عينيه وابتعد عن النافذة وهو يجلس على الفراش في الظلام ...
الظلام الذي يشبه روحه الي حد كبير !!!.
فرك رقبته بتعب وهو ينهض ...
كم هي عنيدة ليان !!
لم تسمح لموسى ان يذهب معها ...
الفتاة أهانته حرفيا رغم انه فعل المستحيل لينقذها ...
حتى أنه كاد أن يموت ...
أهكذا تجازيه وترد له المعروف ....
دعك عينيه بقوة يفرد عضلاته المتيبسة من العمل المستمر ...
صعد لغرفته مبتسما ومحضراً نفسه لجدال ممتع مع زوجته الشر سة التي تشبه القطط البرية .......
في الغرفة ...
كانت جواهر تدخن سيجارتها بهدوء كي تحصل على بعض الراحة ...
صفت عقلها تماما من أي فكرة قد تزعجها ...
فقط وقفت تستمتع بسكون الليل ...
قلبها يتوجع قليلا وهي تتذكر والدتها ..
تتمنى ان تُنهي مهمتها سريعاً كي تعود الى والدتها....
اشتاقت لأحضانها ..
لكلماتها التي تخفف عنها ...
كم هي بحاجة إليها الآن ...
يؤلمها انها ليست بجانبها.
ويؤلمها أيضا انها خيبت أملها بها ...
فلو عرفت والدتها ان ابنتها مخادعة..
كاذبة بالتأكيد سوف تغضب عليها ....
انتفضت فجأة وخرجت من أفكارها بقوة على صوت عدي يقول:
-سجاير بتشربي سجاير يا عبير !!!
ازدردت ريقها وهي تنظر إليه ...
رباه متى جاء ؟!
لم تشعر بقدومه ..
فقد كانت غارقة بأفكارها ولم تشعر بقدومه!!..
حاولت السيطرة على دقات قلبها المتسارعة ورفعت وجهها وهي تقول بقوة مزيفة:
-وفيها أيه عادي !!!
اتجه اليها بغضب وأمسك السيجار من يدها ثم وضعه بالمنفضة التي على الطاولة وهدر بغضب:
-لا مش عادي ..
مينفعش بنت من عيلة راقية زيك تشرب سجاير ..
عيب يا هانم...
عيب !!!
نظرت إليه بحنق وقالت:
-لا مش عيب ....
وبعدين أنا حرة...
ثم أخرجت سيجار مرة آخرى من جيب بيجامتها ووضعتها بين شفتيها
-أنا مراتي متشربش سجاير !!
قالها عدي بتسلط وهو ينتزع السيجار من بين شفتيها ...
رفعت حاجبيها وهي تنظر إليه بغيظ ولكن الجليد في عينيه كان لا يذوب أبداً...
لقد كان جاداً للغاية ...
ليس في وجهه أي أثر للمزاح...
-ملكش دعوة ..
قالتها بإندفاع وهو تحاول أخذ السيجار من يده الا انه ابعد يده وقال:
-قولتلك مرات عدي رشيد ممنوع تتصرف بالطريقة دي ...
ممنوع تشرب سجاير او تتصرف بطريقة تسببلي إحراج ...
قضمت شفتيها بغيظ ليبتسم بإستفزاز وهو يضع السيجار في فمه ويخرج قداحته ليشعلها الا أنها سحبت السيجار وقالت:
-جوز عبير صديق ميشربش سجاير !!!
أخذها منها مرة آخرى وقال:
-متقارنيش نفسك بيا يا حلوة ...
وضعت كفيها على خصرها وقالت:
-اشمعنا انت تشرب سجاير وأنا لا ...
اشمعنا...
أشعل السيجار ودخنها بإستمتاع وقال:
-أنا راجل وانتِ ست ...
أنا أشرب وأنتِ لا ...
-ده اللي أسمه التسلط الذكوري ؟!
-بالضبط ..
قالها مبتسماً دون خجل وأكمل:
-أنا متسلط ذكوري ومش هسمح لمراتي تدخن ...
ولو شوفتك بتدخني تاني يا بيري هكسرلك أسنانك .
مفهوم!!
ضربت بقدميها على الأرض وقالت:
-بطل غرور وتجبر وهات السيجارة ..
مينفعش انت تدخن وتمنعني...
اشمعنا ...
نفخ الدخان بوجهها وقال:
-أنا جوزك ولازم تسمعي كلامي يا بيري...
هزت رأسها بعناد وقالت:
-لا مادام أنا مش هدخن....
أنت كمان مش هتدخن ...
ثم حاولت اخذ السيجار منه الا انه ابتعد وهو يحاول تدخينها ولكنها نجحت أخيرا بأخذها ثم اطفأتها وقالت:
-كده يبقى أحنا متساويين ..
-بقا كده يا مهلبية ...
-ايوة...
ردت بإستفزاز ليقول هو:
-ماشي ..
أنا هوريكي !!
ثم حاول الامساك بها الا انها صرخت وهربت منه ولكنه امسكها ودفعها الى الفراش ثم أقترب منها بدأ يدغدغها ...
-لا لا خلاص يا عدي أنا اسفة ...
قالتها جواهر وهي تضحك ...
تحاول الهروب من بين يديه ولكنه كان يثبتها جيداً ...
يُعاقبها بطريقته....
-عدي خلاص !!
قالتها مرة آخري لاهثة من بين ضحكاتها بينما هو مستمر في دغدغتها ...
كان يضحك وهي تضحك بتلك القوة ...
فجأة توقف وهو ينظر إليها ..
الى عينيها تحديداً....
كانت عينيها بريئة بشكل لا يُصدق ...
لا يصدق ان شريف لديه ابنة بكل تلك البراءة ...
بكل ذلك اللطف ...
صحيح انها عنيدة...
متهورة ولكن براءتها وجمالها يغطيان على عيوبها الضئيلة بالنسبة له ...
لاحظت جواهر توقفه عن دغدغتها ووجدت انه ينظر إليها من علو ..
شعره يتساقط على جبينه برقة شديدة ...
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تشعر بنظراته تشمل أنحاء وجهها ...
كانت نظراته خطيرة وقاتمة وقد شعرت ان قلبها يرتجف ...
-عدي
قالتها بتوتر ثم حاولت ان تنهض ولكنه ثبتها على الفراش ولم يسمح لها بأن تنهض....
استوطن الرعب بعينيها فقال يُطمئنها:
-أنتِ واثقة فيا يا بيري ؟!
هزت رأسها دون تردد فابتسم وأكمل:
-طيب خايفة ليه ؟!
لم ترد فأقترب من وجهها ولكنها ازاحت وجهها وقلبها يدوي بعنف ...
ازدردت ريقها وأخذت تتنفس بعنف ...
كانت متعبة..
حقاً متعبة. .
وتوقف عقلها تماماً عن التفكير...
لا تعرف كيفية الخروج من هذا المأزق ...
شعرت بقبلة خفيفة على شعرها وقال:
-ليه خايفة مني.
ليه ؟؟؟!!
لم تجيب فقال:
-بيري ردي عليا لو سمحتي ..
ليه خايفة بالشكل ده ...
مش أنتِ اللي طلبتي نبدأ من جديد ؟!
اغمضت عينيها وقالت بنبرة مرتجفة:
-أنا بس عايزة وقت ...
وقت اتعود عليك فيه يا عدي لو سمحت ....
-هتتعودي ازاي وانتِ مش قريبة مني ...
هتتعودي ازاي وانتِ بتبعديني عنك ؟!
لم ترد فتنهد وقال:
-ممكن تقوليلي ايه اللي حصل في حياتك خلاكي تخافي كده...
اتعرضتي لحاجة مش كويسة ...
هزت رأسها بالإيجاب لينهض هو ويساعدها على النهوض
وقفت أمامه وهي ترتجف وقالت:
-بابا ..
أجفل وقال:
-شريف
كان بيعتدي عليكي !!!
هزت رأسها بسرعة وقالت:
-لا لا مش أنا خالص ...
كان بيعتدي على ماما وانا كنت بشوفه كل يوم بيضر بها ...
ثم احضرت الدموع لعينيها بمهارة وقالت:
-كنت كل يوم بستخبى في اوضتي وانا سامعاه بيضر بها ويعذ بها ومكنتش عارفة أساعدها يا عدي ...
كنت بسكت وببكي وخلاص ...
هو كان عامل زي الوحش في حياتنا يا عدي ..
دمر حياتي وحياة ماما ...
خلاني فقدت الثقة في أي راجل ..
بقيت أهرب من الحب والجواز ...
كنت مبسوطة ان ماما انفصلت عنه ورجعت فرنسا بس للأسف ماما لما ماتت هو جه وأخدني...
والباقي أنت تعرفه هو جوزني ليك غصب ...
كان بيضر بني عشان أوافق ...
أغمضت عينيها ونشيجها يرتفع بقوة وبدت وكأنها تفاعلت من القصة التي اخترعتها بسرعة من خيالها...
ودت لو تصفق لنفسه
كان عدي ينظر الى انهيارها وقلبه يؤلمه ...
لم يصدق كم ان هذا الرجل حقير ...
لقد حطم زوجته وابنته وحطم قلبه هو أيضا ...
شريف بالفعل شيطان ...
حطم حياة كل شخص يعرفه بسبب غروره وتجبره !..
هو أبداً لن يسامحه !!!
-مش هيقدر يأذيكي طول ما أنتِ معايا ...
متخافيش..
وعد هحميكي منه ...
ثم أقترب منها وقبل جبينها وقال:
-أنتِ في أمان معايا
لا تصدق...
هي فعليا لا تصدق انها اقنعت شقيقها أن يتركها تذهب بمفردها مع يحيى ولكنها بالفعل أحتاجت لهذا ...
أحتاجت ان تكون بمفردها عندما تنفصل عن يحيى. ..
لم تكن تريد أحد بجوارها وخاصة موسى ..
موسى الذي جعلها تنفر من أي رجل غيره !!
من الناحية الأخرى كان يحيى شاردا يفكر في طريقة كي يخبر ليان بخبر انفصاله عنها بطريقة لا تجرحها ...
هي اخبرته من قبل أن الحب ليس له دور في علاقتهما ولكن ماذا إن وقعت بحبه ؟!
ماذا إن تعلقت به ؟!
تلك ستكون كارثة آخرى لانه سوف يتحمل تأنيب الضمير بسبب قراراته المتهورة ...
ولكنه لم يرى أبداً في عينيها أنها احبته وهو يتمنى حقا ألا تكون تعلقت به!..........
كان المطعم بسيط ولكنه أنيق ونظيف...
كانت أجزاء المطعم مريحة مما ساعد على التخفيف من توترها واستمتعت بالطعام...
نظرت الى يحيى ونظرت إليه بأبتسامة وهي تحاول فتح مجال للحديث معه:
-الأكل هنا حلو اووي .
ابتسم يحيى وهو يحاول التخفيف من حدة توتره ورد:
-مبسوط انه عجبك اووي...
أنا كنت هعزمك هنا أمبارح بس أنتِ قولتي مش فاضية ..
هزت رأسها وهي تتناول قطعة لحم وتقول:
-كنت ناسية ان كان عندي ميعاد مع نسرين ..
عشان كده أجلت ميعادنا لبكرة ..
بس شكرا أنك جيبتني هنا ...
المكان هنا مريح وهقدر أتكلم براحتي خالص ...
هز يحيى رأسه وهو يستعد للكلام ولكن هي سبقته..
-أنا مش عايزة أكمل يا يحيى ..
قالتها ليان فجأة وكتمت أنفاسها وهي تنظر إليه لترى ردة فعله ولكن ما صدمها هو الأرتياح الذي كسا وجهه ....
شعر يحيى وكأن شئ ثقيل أنزاح من قلبه عندما قالت هذا ....
-بصراحة يا ليان وأنا كمان مش عايزة أكمل ...
يعني مش حاسس أننا هنبقي مبسوطين من بعض بس مرضتش أقولك كده عشان متزعليش ...
ابتسمت ليان وردت:
-بصراحة وأنا كنت خايفة أنك تزعل مني عشان كده كنت مترددة ...
بس متعرفش أنا مرتاحة دلوقتي قد أيه عشان احنا متفقين ....
أنا خوفت لتكون اتعلقت بيا ولا حاجة ...
ضحك دون تصديق وقال:
-تصدقي ده نفس اللي كنت خايف منه ..
ثم انفجرا بالضحك سويا ....................
في سيارة يحيى ...
كان يقود سيارته بينما هي تجلس بجانبه وهي تشعر بالسعادة والراحة ...
نظر إليها يحيى مبتسما وقال:
-هنقول لعدي أيه ؟!
أغمضت عينيها وقالت:
-متقلقش خالص أنا هتكلم معاه المهم أن مفيش حد زعلان مننا ...
وافقها قائلا:
-فعلا الحمدلله ..
وصدقيني علاقتنا كده منتهتش ...
أحنا هنفضل أصحاب ...
-اكيد .
قالتها وهي تنظر إليه ليبادلها هو ابتسامتها الواسعة ويعيد تركيزه للقيادة...
بعد دقائق ...
عقد حاجبيه وهو ينظر من مرآة السيارة ويرى سيارة تسير خلفهما وتذكر ان تلك السيارة كانت تسير خلفهما من بداية تركهما لقصر عدي ولكن لم يُعيرها أي اهتمام ..
ولكن الآن شعر بالقلق ...
زود من سرعة السيارة لتنظر إليه ليان بحيرة ولكن فجأة سيارة آخرى اتت من جانب الطريق وسدت الطريق ....
-متنزليش ...
قالها يحيى وهو يترجل من السيارة ...
نظرت ليان بخوف لما يحدث وصرخت فجأة عندما وجدت ان بضعة رجال اجتمعوا على يحيى استعدادا لضر به...
بحثت على هاتفها ثم اخرجته ولكنها شتمت نفسها وهي تجد ان البطارية قد فرغت !!!
عند يحيى
كان ينظر الرجال بعينين مشتعلتين ورفع كفه ليضربهم ولكن احدهما امسكه بينما الآخر اقترب منه ...
ثم لكمـ.ـه الرجل عدة مرات حتى فقد الوعي !!!
بعد دقائق عدة تأوه يحيى وهو يستعيد وعيه ونظر امامه وشعر بالصدمة وهو يرى ليان واقعة على الأرض وغارقة في دمائها !!!
-ليان!!!