تحميل رواية «الشيطان وقع اسيرها» PDF
بقلم سولييه نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1بعد مرور خمسة عشر عاماً-جاية ليه تاني ؟!! أنتِ مبتفهميش قولتلك مش عايز اشوف وشك تاني ابدا ؟!!قالها الرجل الخمسيني بقسو.ة وهو ينظر لتلك الشابة التي تنظر إليه بذهول ...نظرت إليه بدهشة وقالت:-ايه هو اللي جاية ليه ؟!انت ابويا !!!-اخر.سي ...اخر.سي اياكِ تنطقي الكلمة دي ...أنا خلاص طلعتك من حياتي أنتِ وأمك ...واديت لأمك تعويض مناسب ليها ..عايزين ايه تاني ؟!!هزت جواهر رأسها وهي تحارب دموعها ...كانت لا تصدق أن والدها بتلك القسوة معاها....كيف يقسو عليها بتلك الدرجة ....أليس والدها ؟!...-انا مش جاية اخ...
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سولييه نصار
في سيارة الأجرة، كانت الدموع تنساب من عيني عبير وهي تقول بإختناق:
"يا حبيبتي يا حبيبتي، اتصلت بيا كتير وأنا كنت قافلة الموبايل... المسكينة كانت لوحدها، واحتاجتني وأنا ما كنتش موجودة."
كان أمير ينظر إلى عبير وهو يشعر بالذنب. فهو من طلب منها أن تغلق الهاتف كي لا يزعجهم أحد. ليته لم يفعل هذا. الذنب كان يقتله حرفياً بسبب ما حدث مع جواهر. المسكينة اضطرت أن تواجه موت والدتها بمفردها. اضطرت أن تعيش تلك اللحظات المروعة بمفردها. اضطرت أن تعيش حزنها بمفردها. لن تسامح عبير نفسها على هذا.
أخيراً، وصلا إلى الحي التي تسكن به. ترجلت عبير من السيارة مسرعة وهي تضع كفها على قلبها بينما ترى صوان العزاء. انفجرت الدموع أكثر من عينيها. صحيح هي لم ترى سوسن منذ زمن طويل، ولكنها تتذكر كم كانت سيدة طيبة وجميلة.
أسرعت للمنزل ورأت العديد من الناس التي لا تعرفهم، ومن بينهم كان عدي. اقتربت منه لاهثة وهي تقول:
"جواهر..."
نظر عدي إليها بحزن وقال:
"قاعدة في الأوضة، مش عايزة تخرج ولو حد دخل بتمشيه. أنا مش قادر أشوفها في الحالة دي. عايز أساعدها بأي طريقة ومش قادر يا عبير. ومش عارف أعمل إيه."
مسحت عبير دموعها وقالت بإختناق:
"أنا هشوفها، متقلقش."
ثم ولجت للغرفة. صوبت نظراتها إلى جواهر الجالسة على الفراش وهي ترتعش بقوة. لا أثر للدموع بعينيها، فقط شاخصة عينيها في الفراغ. عضت عبير على شفتيها بإنفعال وهي تحاول ألا تبكي، ولكنها فشلت، إذ خرجت شهقتها بقوة من شفتيها بينما الدموع تنفجر من عينيها أكثر وهي ترى صديقتها القوية في تلك الحالة.
اقتربت عبير من صديقتها وضمتها بقوة وهي تقول من بين شهقاتها:
"أنا آسفة... آسفة يا جواهر... آسفة..."
لم تصدر جواهر أي رد فعل، بل ظلت شاخصة بعينيها.
"جواهر... جواهر ردي عليا أرجوكي."
كانت تتكلم عبير وهي تبكي، ولكن جواهر ترفض الكلام.
"جواهر أنا آسفة... آسفة إني اتأخرت، سامحيني... بس ردي عليا، أنتِ بتقلقيني كده."
"ماما ماتت..." خرجت تلك الكلمات من فمها بنبرة تائهة. نظرت جواهر بشرود إلى عبير وقالت:
"ماما ماتت... أنا كنت فاكرة إن ده كابوس، بس طلع حقيقة. أنا نمت على أمل أصحى وألاقيها موجودة، بس لا، ما كانتش موجودة. عدي حاول يفهمني، حاول يرجعني لعقلي، بس أنا رفضت. قولت مستحيل تسيبني. إزاي تسيبني وأنا ماليش غيرها؟! مش ممكن يكون ده كله كابوس."
شهقت عبير وهي تبكي وتضمها أكثر، لتكمل جواهر:
"أنا مودعتهاش حتى، ما حضنتهاش آخر مرة. افتكرت إن ده كابوس ونمت. الناس حاولت تصحيني عشان أودعها وأنا رفضت. أنا اخترت أهرب. أنا مش كويسة. ما كنتش جنب أمي لا في تعبها ولا حتى لما ماتت. أنا بختار الهروب دايماً، أنا مش إنسانة كويسة يا عبير."
"ششش... اهدي... اهدي."
هزت رأسها وقالت:
"أنا نفسي أشوفها يا عبير... عايزة أشوف ماما... عايزة أحضنها لثواني بس... عايزة..."
نهضت فجأة وقالت وهي تضع كفيها على أذنيها ثم أصبحت تصرخ بعنف.
"جواهر!" قالتها عبير برعب وهي تراها منهارة بتلك الطريقة. ولكن جواهر سقطت على الأرض وهي تصرخ وتبكي وكأنها أدركت أخيراً حجم خسارتها. اقتربت عبير بهلع وهي تحاول ضمها، ولكن فشلت. فشلت في السيطرة على انفعالاتها.
"جواهر... اهدي... اهدي..." صرخت عبير وهي تبكي. وعندها دخل عدي وأمير الغرفة. بهت عدي وهو يرى انهيار جواهر. اقترب منها وعانقها بقوة وهو يحاول تهدئتها. سكنت بين ذراعيه قليلاً ونظرت إليه والدموع تغرق وجهها:
"ماما راحت من غير ما أودعها يا عدي... هاتها بس أبوسها وأحضنها، عشان خاطري يا عدي احضنها بس رجعها أبوسها وأدفنها تاني."
كانت عبير تضع كفها على فمها والدموع تجري على وجنتيها بدون توقف. ألم شديد في قلبها. حالة جواهر الآن ذكرتها بحالتها عندما توفت والدتها. هي تعرف شعور فقد أهم شخص في حياتك. أغمض عدي عينيه محاولاً السيطرة على نفسه إذ شعر بالدموع تلسع عينيه. ضممها بقوة أكبر وقال بنبرة مرتعشة:
"آسف... آسف يا جواهر."
"عشان خاطري رجعهالي يا عدي، هبوسها بس والله هبوسها وأحضنها بس مش هعمل حاجة تاني. عايزة أودعها يا عدي... عشان خاطري جيبها أبوس إيديك." ثم أخذت تضربه على صدره وتصرخ:
"بقولك جيبهالي... جيبها عايزة أشوفها... عايزة أشوفها يا عدي!!! ماما جيبلي أمي يا عدي... جيبها."
"جواهر!!!" قالها عدي مصدوماً وهو يحاول تهدئتها، ولكن عبثاً. كانت تتصرف بجنون تام. تصرخ بقوة وتضربه ثم تتجه يديها إلى وجهها وتضرب نفسها. كان الأمر جنونياً للغاية. هي منهارة ولا تهدأ. تهذي بكلمات غير معقولة والدموع تطفر من عينيها بشدة. كان عدي يلهث من فرط الجهد الذي يبذله لكي يسيطر عليها. ولكنها لم تهدأ. لم تهدأ واستمرت بالصراخ. ولكن فجأة بدأ صراخها يخفت. أغمضت عينيها بتعب وقالت:
"أنا عايزة أنام... عايزة أرتاح يا عدي."
قبلها عدي على رأسها وقال بإختناق:
"ارتاحي يا حبيبتي ارتاحي."
بعد عدة دقائق، وهو ما زال يضمها، غرقت بالنوم. حملها عدي بين ذراعيه وهو يتنهد بتعب ثم وضعها على الفراش وجلس بجوارها. كان قلبه يتمزق وهي بتلك الحالة المريعة. لقد لاقى ألمها صدى كبير في قلبه. كم تمنى أن يخفف عنها. يعتذر منها ويخبرها أنه آسف. آسف لأنه لم يكن بجانبها. آسف لأنها تتألم وهو عاجز عن فعل أي شيء لها.
كانت عبير تبكي بين ذراعي أمير. قلبها يعتصر من الألم وهي ترى رفيقتها في تلك الحالة. لا تشعر لماذا، ولكن ضميرها أيضاً يؤنبها. تشعر أنها ابتعدت عن جواهر، لم تكن الصديقة الجيدة لها. مهما حاولت إقناع نفسها بالعكس، تفشل تماماً في هذا. كل المبررات التي يقدمها عقلها لا يقبله ضميرها الذي ما زال يجلدها.
نهض عدي وهو يشعر بالإنهاك وقال:
"أنا بقول نسيبها ترتاح شوية."
ابتعدت عبير عن أمير وهي تمسح دموعها وتقول بصوت خافت:
"مش مفروض نعرضها على دكتور؟ حالتها صعبة أوي يا عدي، أنا خايفة تأذي نفسها."
احتل الرعب قلبه وهو يفكر بالأمر. صحيح، ماذا إن حاولت إيذاء نفسها؟ فحالة جواهر تقلقه. هو يريد أن يضعها تحت عينيه، يراقبها ويهتم بها، وهذا لن يحدث إلا بزواجها منه. يجب أن يتزوجها بسرعة ويذهب بها من هنا. يحاول أن يساعدها. لن يتركها تعاني بمفردها.
"إحنا هنفضل معاها، مش هنسيبها. هي محتاجة حد جنبها يا عبير. أنا هفضل معاها وأنتِ كمان افضلي معاها."
هزت عبير رأسها وقالت بقوة:
"أكيد هفضل معاها، مش هسيبها أبداً. مش هعمل كده."
ثم اتجهت إلى الفراش وجلست بجوارها وهي تمسك كفها بقوة والدموع تطفر من عينيها. تذكرت كل تلك الأشياء التي فعلتها جواهر من أجلها. كل تلك المشاكل التي واجهتها فقط من أجلها. جواهر فعلت الكثير من أجلها وهي يجب أن ترد لها المعروف. يجب أن تقف بجوارها الآن. قبلت رأسها وهي تربت على كتفها بينما الألم داخلها يتفاقم.
"ليان... ليان كفاية!!!" قالتها نسرين والدموع تطفر من عينيها بينما ليان تبكي بهذا العنف. كانت ليان تضم نسرين بقوة وهي تبكي. قلبها يحترق كلما تذكرت ما فعله وما قاله. كيف يكون بتلك القسوة معها؟ كيف؟ كيف يكسر قلبها بتلك الطريقة؟ لا تصدق أن من أحبته يفعل هذا بها.
"هموت يا نسرين، هموت. روحتله ولقيت عنده واحدة. قالي مرة تانية إنه مبيحبنيش وطردني من بيته. شوفته معاها يا نسرين. حضنها قدامي. كنت بموت يا نسرين وأنا بشوفه. ليه بيعمل فيا كده؟ ليه؟ أنا عملتله إيه يا نسرين؟"
تنهدت نسرين وهي تربت على ظهرها. قلبها يتمزق بسبب ما تعانيه صديقتها. حقاً قد كرهت موسى. كرهته كثيراً، كيف يفعل هذا بها؟ لقد أحبته، فعلت من أجله الكثير. ليان أبداً لا تستحق تلك المعاملة. هي تستحق أن تعامل جيداً، فيكفي أنها أعطته قلبها. قبلت نسرين رأس ليان وقالت:
"والله ما يستاهل ولا دمعة من عينيكي يا لي لي. هو واحد حقير. خلاص انسيه."
"مقدرش أنساه يا نسرين، مقدرش. ده أول حب في حياتي. مش سهل الموضوع زي ما أنتِ فاكرة. أنا بحبه أوي يا نسرين. بحبه حتى أكتر من حياتي، ورغم اللي عمله بحبه برضه. مش قادرة أبطل أحبه يا نسرين. حاسة إني هموت. حاجة جوايا اتكسرت وعمرها ما هتتصلح. أنا هتجنن. كنا كويسين وكان فرحان أوي، ليه يحصل ده فجأة؟ ليه؟!"
"متفكريش كتير يا ليان، فكري إزاي تنسيه. شيليه من حياتك زي ما شالك من حياته. خلاص بطلي تفكري فيه."
"ياريت أقدر يا نسرين، ياريت." قالتها والدموع تنفجر من عينيها. لتبتعد نسرين قليلاً وتعانق وجهها وتقول:
"لا هتقدري يا ليان. هتقدري تنسيه. لو حطيتي في بالك إنك هتنسيه، هتنسيه. أنتِ بس حاولي. طلعيه من دماغك، ولا أنتِ اللي هتعاني بعد كده."
"هعاني أكتر من كده؟!" قالتها بقهر لتهز هي رأسها وتقول بتأكيد:
"أيوه هتعاني أكتر من كده يا ليان. هتضيعي عمرك على واحد ميستاهلش. موسى ميستاهلش دموعك دي أبداً ولا تروحيله تاني. ده ترميه من حياتك على طول. سمعتيني؟ متفكريش فيه تاني."
ازداد انسياب دموعها وقالت بصوت مختنق:
"ياريت الموضوع بالسهولة دي."
شدت نسرين على كف ليان وقالت بقوة:
"عارفة إنه صعب عليكي. صعب جداً كمان. بس مش مستحيل يا لي لي. لازم تنسي وتتخطي عشان تعيشي."
"أنا... نفسي... أعرف عمل فيا كده ليه؟ أنا عملتله إيه؟"
"متفكريش كتير. فكري إنه إنسان ميتساهلش. إنه خدعك. إن دموعك أغلى ما تنزل على حد غيره. ليان حبيبتي والله ما يستاهل."
ضمت ليان صديقتها وهي تبكي. وقالت:
"شكراً... شكراً يا نسرين... شكراً إنك جنبي... شكراً..."
"أنتِ أختي، متقوليش كده. وأنا معاكي دايماً يا ليان. معاكي دايماً."
.......
بعد ساعة تقريباً. ابتعدت نسرين عن ليان التي نامت بهدوء كي لا تزعجها. دثرتها بغطاء خفيف ثم قبلت رأسها ومسحت تلك الدموع التي تلطخ وجنتيها. ثم خرجت بهدوء من الغرفة واتصلت بفؤاد:
"أيوة يا حبيبي." قالتها نسرين بنبرة خافتة ليرد فؤاد:
"أيوة يا حبيبتي... إيه أجي آخدك دلوقتي ولا إيه؟"
عضت نسرين شفتيها بإحراج منه، فهي قد وعدته أنهما سيحتفلان بمناسبة زفافهما الذي بعد يومين، ولكن تراجع حالة ليان جعلها تلغي الفكرة.
"حبيبي معلش أنا النهاردة هبات مع ليان المسكينة، حالتها صعبة." كتمت أنفاسها وهي في انتظار رده. توقعت الغضب أو التأفف، ولكن فؤاد دوماً ما يفاجئها إذ قال بكل بساطة:
"ماشي يا حبيبتي خليكي النهاردة معاها ولو احتاجتي أي حاجة اتصلي بيا، هكون عندك فوراً."
تألقت عينيها بسعادة وقالت:
"فؤاد أنا بحبك أوي، فعلاً بحبك."
ابتسم وقال:
"وأنا كمان بحبك أوي يا نسرين، خلي بالك من نفسك."
"ماشي يا حبيبي سلام."
أغلقت نسرين الهاتف براحة وقررت أن تدخل الغرفة لليان وتنام عندها. أرسلت رسالة لنهى تخبرها أنها سوف تنام عند ليان وقد أخبرت فؤاد بذلك.
"معرفش يعني إيه نسرين هتبات عند ليان وأنا أكون آخر من يعلم." هدر بها فؤاد بغضب لتنظر إليه نهى بدهشة وتقول:
"استأذنت من جوزها يا كريم، ولا أنت نسيت؟"
"طيب وأنا... أنا فين من حياتها يا هانم؟"
نظرت إليه نهى ببرود وقالت:
"والله يا كريم أنت اللي عملت كده. أنت اللي بعدت البنت عنك، فمتجيش تتضايق دلوقتي!! أنت اللي بإيدك رميت كل المسؤولية على فؤاد وقررت إنك ملكش دعوة بيها. إزاي دلوقتي جاي تطالب بحقوقك كأب ليها إزاي؟!"
امتقع وجه كريم وهو عاجز تماماً عن التحدث. إنها محقة. هو من أبعد ابنته عنه. هو من دمرها. هو يستحق. ولكن هل سيستطيع أن يصلح الوضع أم أن الأوان قد فات؟ ذلك السؤال كان يؤرقه كثيراً.
في منزل موسى، كان جالس على الأريكة بإنهاك. يشعر أنه كمن فقد روحه. دموعها لا تتركه وشأنه. أخرج هاتفه وهو ينظر إلى صورهما سوياً. يتأمل ابتسامتها وابتسامة حزينة ترتسم على شفتيه. قلبه يتمزق بسببها. ليته يستطيع قتل صاموئيل والذهاب إليه والاعتذار منها. كل ما يريده هو أن يبقى معها للأبد. هو لا يخاف الموت، ولكنه يخاف الحياة دونها، فالحياة دونها مرعبة. لا تحتمل ببساطة. قرب الهاتف من وجهه ثم قبل صورتها وقال:
"حقك عليا يا حبيبتي، حقك عليا أخلص من صاموئيل وأعوضك عن كل حاجة. هعتذر منك على أي حاجة غلط قولتها. هفضل وراكي لحد ما تسامحيني. ده وعد."
"بتحبها أوي كده؟" قالتها مايا وهي تقترب منه. إنها تعرف ألم العشق جيداً. ألم تحب صاموئيل، ولكن هذا الحب كان من طرف واحد، فهو دوماً اعتبرها عشيقته. لم يهتم بها أبداً. كسرها مراراً، حتى أنه حاول قتلها مرة ولم يساعدها إلا قيصر.
"هي روحي!" قالها موسى بنبرة مختنقة لتتنهد مايا وهي تذهب وتجلس بجواره. كم هذا مؤلم. مؤلم عندما تدفع حبك الحقيقي بيدك. كانت تشفق كثيراً على موسى، هو لا يستحق هذا. كم تتمنى أن تساعده، ولكن كيف؟ موسى لن يتحرر من مخاوفه إلا بموت صاموئيل.
"أنت لازم تقتل صاموئيل يا قيصر. لازم تقتله." نظر إليها موسى بصدمة لتهز له رأسها وتقول:
"هو واحد لا عنده قلب ولا ضمير. مش هيسيبك في حالك ولا هيسبني أنا كمان. صحيح أنا بحبه، بس بحب نفسي أكتر. وخايفة ليقتلني. عشان كده يا قيصر لازم نتخلص منه. لازم!!!"
"الموضوع مش سهل خالص يا مايا. وأنتِ عارفة. صاموئيل مش سهل وأنتِ عارفة كده. ممكن ببساطة يقتلنا إحنا الاتنين." هزت مايا رأسها مؤكدة على كلامه وقالت:
"عندك حق. بس لحد إمتى هنفضل خايفين ومستخبين منه. قيصر أنت الوحيد اللي وقفت في وشه. أنت الوحيد اللي قدرت تكسره وتقدر تقتله كمان. أنا هساعدك بس خلينا نتخلص منه. أنا مش عايزة أعيش في الرعب ده أكتر من كده. لو سمحت حط إيدك في إيدي عشان أنا أعيش حياتي. وأنت تعيش حياتك مع حبيبتك من غير خوف."
كلماتها القوية بدأت تنفذ لعقله. كل مشاكله سوف تحل لو قتله. وسوف يأخذ بثأر روان.
في اليوم التالي. خرج من الحمام وهو يرتدي المئزر بينما يجفف شعره الذهبي جيداً. ذهب ووقف أمام المرآة وهو ينظر إلى انعكاسه ويتنهد بقوة. ما زال يتذكر كلامها له. لقد وافقت عليه، ولكنها لن تكون معه الآن. طلبت منه أن ينتظرها، فهل هو قادر على هذا؟ دعك عينيه بتعب وهو يتذكر كلامها له.
"أنا عايزة أغير حياتي. عايزة أفتخر بنفسي وأليق بيك عشان أقدر ارتبط بيك. مش هسمح لأي حد إنه يشاور عليا ويقول إنها الخادمة أغرت الدكتور. لازم يكون ليا مكانة في المجتمع." قالتها رانيا بقوة وعينيها تلمع بتصميم. ليهز يحيى رأسه بإستنكار ويقول:
"ما طز في المجتمع يا رانيا، أنتِ ليه شاغلة بالك بيه؟ أنا ميهمنيش كلام المجتمع. كدا كدا هيتكلموا. لو متكلموش عليكي هيتكلموا عليا. هيلاقوا أي حاجة يتكلموا عنها لأن دي شغلتهم الكلام والتنظير بس. المشكلة إنهم بيسيبوا مشاكلهم وعيوبهم ويركزوا في عيوب الناس التانيين. جيبيلي حاجة واحدة تمنع إننا نتجوز غير كلام الناس. جيبلي حاجة واحدة في الدين تمنع جوازنا. قولي."
"مفيش تكافؤ بيننا يا دكتور."
"الجواز من النوع ده بيفشل."
هز رأسه بإستنكار وقال:
"إزاي بتحكمي على علاقتنا بالفشل قبل ما تبدأ؟ ليه متفكريش في الخير بس."
أغمضت عينيها بتعب وقالت:
"عشان للأسف ده اللي هيحصل. والدتك مش هتقبل بيا، وهتحصل مشاكل كتير. مشاكل كتير أوي. لازم على الأقل أليق بيك عشان المشاكل دي تقل شوية يا دكتور."
"أنا هتصرف مع أمي. هي..." هزت رأسها وعينيها تلمع بفعل الدموع وقالت:
"مظنش يا دكتور. الفرق اللي بينا صعب أوي. والدتك عندها حق تشوفك مع واحدة تليق بيك. واحدة تقدر تمسك إيديها وسط الناس وتقول إنها مراتك."
اقترب أكثر منها وقال وعينيه الزرقاء تلمع بقوة:
"أنا همسك إيديكي أنتِ وهقول بفخر إنك مراتي. أنا ميهمنيش الناس!!!"
"بس أنا يهمني." قالتها بإنفعال والدموع تنسكب من عينيها ثم أكملت:
"ليه مش قادر تفهم؟ أنا اللي هواجه لوحدي كل الإهانة يا يحيى. أنا اللي هيشاور عليا ويقولوا الجاهلة أخدت دكتور. أنت مش هتقعد أربعة وعشرين ساعة معايا عشان تحميني. أنا اللي هبقى في وش المدفع. أنا اللي هتحمل كل الإهانة يا يحيى وصدقني مش هتحمل. أنا مش عايزة أتهان. أنا عايزة أليق بيك."
"مستعد تستناني؟" هز رأسه بيأس وقال:
"أنتِ عنيدة أوي تعرفي كده؟ إيه العناد ده يا بنتي؟ بقولك بحبك وعايز اتجوزك. همسك إيديك قدام الناس كلها وميهمنيش وهبعدك عن ماما. ليه الخوف ده كله؟ أنتِ مبتثقيش فيا؟"
مسحت دموعها وقالت:
"بثق فيك بس أنا عايزة كده. عايزة أتعلم و..."
"ومحدش قالك متتعلميش يا رانيا. نتجوز وأنا بنفسي هساعدك، ده وعدي ليكي." هزت رأسها بالنفي. كان الإصرار يلمع بعينيها، إصرار لم يراه من قبل. كانت مصرة لتكون إنسانة أفضل. كانت تريد التفاخر بنفسها.
"مش هتتراجعي عن قرارك؟" قالها بيأس فهزت رأسها وقالت:
"مستحيل. أنا عايزة أشوف نفسي في مكانة عالية، مش عايزة حد يقول عني جاهلة. أيوه أنا بهتم بكلام الناس، صحيح هما مش هيسكتوا ويتكلموا على طول، بس على الأقل وقتها أكون عملت اللي عليا وضميري مرتاح. حتى لما أكون ماشية جنبك محسش إني قليلة وأقدر أطلع معاك من غير ما أتحرج. أنا جاتلي فرصة أتعلم ومش هسيبها. أنت حابب تستنى، ماشي، مش حابب ده حقك."
أغمض عينيه بتعب وقال:
"هستنى قد إيه بالظبط؟ معهد تمريض خمس سنين وكلية تلات سنين، تمن سنين. أنا هكون عجّزت فيهم."
نظرت إليه بيأس وشعرت أن الأمر صعب، ليتنهد هو ويقول:
"إيه رأيك في حاجة؟ تدخلي المعهد براحتك وبعدها نتجوز وأنا هدعمك يا رانيا. مش هخلي حد يأذيكي، ده حل مناسب. نتجوز بعد ما تبدأي دراسة في المعهد وأنا يا ستي هدربك في المستشفى بتاعتي."
"طيب ممكن بس أعدي أول سنة فيه وبعدها نتجوز، مش هخليك تستنى ده كله، بس على الأقل أتزوجك وأنا حاسة إني لايقة عليك."
"يعني هستنى سنة؟" أطرقت برأسها فقال:
"طيب بس تسمحيلي أشوفك، ولو حتى من بعيد."
رفعت عينيها البنية ونظرت إليه. إنه محاصر من قبلها. هالك لا محالة. ابتسامة حزينة ارتسمت على وجهه وهو يدرك أنها لن تتنازل عن شروطها وسوف هو يكتوي بنار الانتظار لمدة سنة!
عاد من شروده وهو يتنهد. كيف يمكنها أن تكون عنيدة لتلك الدرجة؟ لقد قدم لها قلبه وروحه. ولكن داخله كان يعرف أنها محقة للغاية، فوالدته لن تتركها وشأنها، وربما في تلك السنة يستطيع إقناع والدته بها. يستطيع أن يخبرها أن حبه نحو رانيا حقيقي. ليس شفقة. والأمر بالفعل صادم له ولها. فهو حتى لا يدرك متى أحبها. لقد احتلته رويداً حتى رأى أن الحياة دونها لا تطاق. أغمض عينيه وهو يضع كفه على قلبه. لو فقط ترفق بقلبه!
وقفت أمام المرأة وهي تلف خمارها بالطريقة التي تعلمتها من الخالة ماجدة. خطوة جديدة اتخذتها في حياتها. أرادت أن تكون قريبة من الله. لقد عرفت أن السعادة في قربه فقط. هي لن تكون سعيدة إلا عندما تطرق بابه وتطلب عفوه ورحمته. فهي لم تحصل أبداً على السلام إلا عندما بدأت بالإلتزام بتعاليم دينها، ووقتها عرفت أنها أضاعت حياتها عبثاً. عرفت أنها بحاجة لله، بحاجة للاقتراب منه. حتى موضوعها مع يحيى تركته لله. فقط دعت أن يصلحه لها ويصلحها له، أو يعطيها من ترضى به ويملأ قلبها وروحها إن لم يكن يحيى من نصيبها.
تنهدت بسعادة وهي تتراجع قليلاً وترى انعكاسها في المرآة الكبيرة التي اشترتها بالأمس وابتسامة سعيدة تزين ثغرها. صفرت وهي ترى نفسها أكثر جمالاً. فعينيها البنية كانتا تتألقان بسعادة كبيرة. نظرت إلى ساعتها. آن الأوان لتذهب للعمل الآن. تحركت خارجة من غرفتها ووجدت والدتها قد أنهت إفطارها:
"بالهنا والشفا يا أما." قالتها رانيا مبتسمة وهي تقبل رأسها ثم أحضرت أدويتها وقالت:
"ودلوقتي هتأخدي أدويتك وتقعدي عند خالتي ماجدة شوية لحد ما أنا أجي."
ضحكت رابحة وقالت:
"يا بنتي يعني خايفة عليا، ما أقعد لوحدي؟ أنا كتير قعدت لوحدي ومخوفتش."
ابتسمت رانيا وقالت:
"معلش يا ست الكل عشان أكون متطمنة على الأقل."
تنهدت رابحة وقالت:
"ماشي يا بنتي على راحتك. أنا عارفة إني مش هقدر أغير رأيك."
"صحيح، ويلا دلوقتي عشان تأخدي الدوا." وبالفعل أعطتها الدواء ليرن جرس المنزل وتقول:
"واهي خالتي ماجدة جات."
ثم اندفعت لتفتح الباب لتتجمد وهي تجد أمامها آخر شخص توقعت أن يأتي الآن وهو عمها!
"أنت!!! إيه، إحنا مش هنخلص ولا إيه؟ جاي ليه؟"
"ممكن تدخليني يا بنتي؟" قالها بإنكسار لتنظر إليه بدهشة وقد بدت عليها الحيرة.
بعد قليل كانت قد أدخلته وجلست تستمع إليه.
"أنا هرجعلك حقك في الورث يا رانيا." قالها بتعب وهو يطرق رأسه بالأرض. رفعت حاجبيها وقالت:
"وأكيد ده هيكون بشروط."
هو رأسه ودموعه تتساقط على وجنتيه وقال:
"لا يا بنتي... من غير أي حاجة أنا هرجعلك حقك. أنا عرفت إن كل اللي حصلي ده بسبب اللي عملته فيكي أنتِ وأمك. خليتكم تحتاجوا وتعيشوا في الفقر وأنا أخدت ورث أبوكي منك. سامحيني يا رانيا... سامحيني... أنا والله اتعلمت الدرس. ابني عمل حادثة وفي المستشفى بين الحياة والموت وبنتي اتطلقت واتخرب بيتها."
"لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يصلح الحال." قالتها بتأثر. رغم أنه آذاها كثيراً، ولكنها لم تتمنى أن يعاني أي من أولاده.
"يعني أنتِ مسامحاني يا رانيا... مسامحاني يا بنتي!!" قالها بلهفة لتزدرد ريقها وتقول:
"مقدرش أقول كده. مقدرش أسامح. بكل بساطة لأني إنسانة مش ملاك. واللي عملته صعب، بس عمري ما هدعي عليك ولا على أولادك. هدعيلك دايماً ربنا يصلح حالهم."
هز عمها رأسه بتعب وقال:
"بكرة بإذن الله حقك في ورث أبوكي هيوصلك كاش. مبلغ كويس أوي يا رانيا هتقدري تعيشي بيه مرتاحة من غير ما تشتغلي تاني. خلاص أخيراً هترتاحي."
"أنا حاولت كتير أعوضك عن اللي عمله أبوكي فيكي. حاولت كتير أكفّر عن غلطي في حقك لما سمحت ليه يأذيكي. حاولت كتير أخليكي إنسانة كويسة. واحدة محترمة وبنت ناس. حاولت كتير عشان ما تبقيش رخيصة زي أبوكي وللأسف الرخص بيجري في دمكم انتوا الاتنين. جوزتك لواحد البنات كلها بتتمنى نظرة من عينيه. مهندس ومحترم وكان بيحترمك وربنا رزقك ببنت زي السكر ولكن رغم ده مش شكرتي ربك على نعمه وصممتي على جنانك وهوسك."
كانت والدة جوري تتكلم وهي جالسة بجوار باب الغرفة التي حبست به جوري. كان قلبها يحترق. شعرت أن كل ما فعلته قد انهدم. ابنتها دمرت كل شيء. لقد ظنت أنها سوف تحاول ملاحقة ياسين كي يعود إليها. لم يخطر حتى في أحلامها أنها سوف تستخدم السحر لتجعل ياسين يعود إليها. كيف أصبحت ابنتها بهذا الاختلال؟ كيف؟ كانت العديد من الأفكار تدوي في رأسها. العديد من الأسئلة التي ليست لها أي إجابة.
من الناحية الأخرى، كانت جوري تجلس على الأرض والدموع تنفجر من عينيها وتقول:
"أنا آسفة يا ماما... آسفة على كل اللي عملته... سامحيني أرجوكِ. أنا بس حبيت ياسين وكان نفسي يرجعلي، لكن هو دايماً كان بيصدني. بيعاملني كأني رخيصة ومليش لازمة. قولتله كتير إني هتغير بس يرجع، بس هو رفض وأنا بحبه يا ماما. بحبه أوي. أنتِ فاكرة إني عايزة أرجعله عشان شايفاه سعيد مع مراته. بس لا، أنا والله بحبه. بحبه أوي وعايزة أعيش معاه هو وبنتي. أنا عايزة أتغير يا ماما... مش عايزة أبقى وحشة ولا عايزة أكون زي بابا. أنا عايزة أكون إنسانة كويسة. زوجة كويسة لياسين وأم كويسة لبنتي. أنا آذيت ياسمين أوي يا ماما. آذيتها زي ما بابا آذاني وندمانة على اللي عملته وعايزة أبدأ من جديد يا ماما. عايزة أكون إنسانة كويسة. ساعديني أبقى إنسانة كويسة يا ماما."
هزت والدتها رأسها وقالت بنبرة مخنوقة:
"لا يا جوري أنتِ عمرك ما هتتغيري. هتفضلي كده دايماً زي أبوكي بالظبط. عمرك ما هتتغيري. هو زيك وعدني كتير إنه يتغير بس متغيرش. وأنتِ هتبقي زيه كده. هتوعديني مليون مرة إنك هتتغيري بس أنتِ عمرك ما هتتغيري يا جوري، هتفضلي كده دايماً. دايماً إنسانة حقودة عايزة تدمرى حياة الناس اللي حواليكي. ياسين كان جوزك. كان ملكك وبين إيديكي، أنتِ اللي ضيعتيه من إيديكِ. الراجل عانى معاكي وعمل المستحيل عشان يساعدك. بس أنتِ كنتِ مصرة تبقي وحشة، مصرة تهدي كل حاجة. لحد ما كل حاجة تتهد على دماغك. سحر... بتلجأي للسحر وتكفري... وبتبيعي جسمك. تخلي واحد رخيص يلمسك ويوصلك. يا خسارة تربيتي فيكي. يا خسارة... مكنتش أتوقع إنك تطلعي بالرخص ده. بس أنا اللي غلطانة. أنا يا جوري كان مفروض أجيبك من شعرك وأوديكي دكتور نفسي يعالج جنانك ده. بس أنا دلوقتي اللي هعالجك بنفسي يا جوري. أنتِ هتتحبسي هنا. مش هتشوفي الشارع أبداً. أنا مش هطلعك من هنا أبداً. مفيش حرية ليكي تاني وبعدها بعد ما تتأدبي تروحي معايا للدكتور النفسي يصلح الكلاكيع اللي جواكي اللي بسبب أبوكي دي."
احمر عيني جوري من فرط الانفعال وصرخت:
"الكلاكيع دي أنتِ اللي عملتيها فيا مش بابا أبداً. صحيح آذاني كتير بس أنتِ آذيتيني أكتر منه. أنتِ اللي كل ما أعمل حاجة غلط مهما كانت صغيرة تفكريني بيه وتقولي إني هطلع زيه. زرعتي الفكرة دي في راسي. فهمتيني إن عمري ما هبقى سوية بسببه. أنتِ السبب يا ماما أنتِ السبب. أنتِ اللي دايماً بتفكريني بيه. دايماً بتقوليلي إني شبهه. محاولتيش حتى تخليني أنساه. دايماً حاطاه بيننا."
"أنا... أنا حاولت كتير إني أعالجك من جنانك زي أبوكي." صرخت والدتها وهي تضرب الباب بقوة لتصرخ جوري بقوتها وقد شعرت بأن جوفها يحترق:
"أنا مكنتش عايزة دكتور... أنا كنت عايزة إيه تحبيني."
"أنا مكنتش بحبك يا جوري. بعد اللي عملته ده كله طلعت مبحبكيش؟" بكت جوري وقالت:
"لا محبتنيش... دايماً بتفكريني بيه. حاطاه بيننا وبتقارنيه بيا أنا. أنا ذنبي إيه أتحمل ده كله ولا عشان أنا بنته. ليه تحمليني نتيجة غلطتك أنتِ. أنتِ اللي اخترتيه مش أنا. مش أنا خالص."
"بس... بس اخرسي. متبرريش فشلك وجنانك. أنا مش مسؤولة على حاجة. أنتِ السبب يا جوري. أنتِ السبب. و..." فجأة توقفت عن الكلام وهي تسمع صرخة جوري والزجاج ينكسر.
"جوري!!!" قالتها هي برعب ثم نهضت وفتحت الباب بسرعة لتصرخ وجوري تضربها بالمقعد الخشبي على وجهها. وقعت والدتها أرضاً وهي غارقة في دمائها لتهرب هي متجهة إلى المكان الذي برأسها!!!
كان جالس على الأريكة وهو يضمها إليه ويقبل رأسها.
"إيه رأيك نجيب ياسمين بكرة من عند حماتي؟ أصلها وحشتني أوي." قالتها ورد وهي تنام على صدره وتنظر للتلفاز.
"ماشي نجيبها يا حبيبي."
"بحبك وأنت رايق كده." ضحك ياسين وقال:
"محسساني إني أربعة وعشرين ساعة مجنون."
ضحكت هي وقالت:
"لا العفو يا أخويا. أنت سيد العاقلين."
نظر إليها ورفع وجهها وقال:
"أنا مجنون بيكي وبس." ثم اقترب ليقبلها ولكن رنين جرس المنزل أوقفه. ابتعد عنها بضيق وقال:
"مين الغلس ده بس؟"
نهض وفتح الباب ليتراجع قليلاً وهو يرى جوري، هي ترتعش وكفها مخضب بالدماء:
"أنا قتلت ماما... قتلت ماما يا ياسين!!" قالتها وهي تضحك بجنون!!
في المساء. في عيادة الطبيب النفسي. كان جالس وهو يشعر بالضياع. عينيه لامعة بالدموع بينما يقول:
"حضنتها يا دكتور. قولتله إني آسف بس هي مشيت وسابتني. قلبي اتكسر وأنا شايف بنتي بتبعد عني بالشكل ده. بس قلبي واجعني أكتر وأنا عارف ومتأكد إني أنا السبب في كل ده. أنا اللي بعدتها عني بالشكل ده. أنا السبب في كل ده يا دكتور. أنا السبب."
"طيب حابب تتكلم عن السبب الأساسي اللي خلاك تعامل بنتك بالشكل ده؟ مستعد تتكلم عن الموضوع؟" نظر كريم إلى الطبيب وهو يزدرد ريقه بصعوبة ولكنه قال:
"أيوه يا دكتور مستعد. أنا عايز أتكلم عن الموضوع."
ابتسم الطبيب وقال:
"جميل. اتكلم يا كريم." نظر كريم إلى الطبيب وداخله يرتعش بشدة.
"مراتي خانتني.... خانتني." قالها بصعوبة شديدة كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. ثم نظر إلى الطبيب ليرى رد فعله، ولكن ملامح الطبيب كانت غير مقروءة، فقط ينظر إليه ويحثه على أن يكمل كلامه. فرك كريم كفيه ببعض والتوتر ارتفع بداخله. شعر أن دقات قلبه تتسارع. والألم يعصف به من الداخل. إنه من المؤلم أن يتذكر ما حدث مجدداً. مؤلم جداً أن يعيش نفس الشعور!
تنهد بقوة وهو يكمل:
"كانت بتجيبهم البيت عندي وأنا كنت زي العبيط مش عارف أي حاجة. كانت بتستغفلني. كنت بثق فيها أكتر من نفسي. وبحبها أكتر من نفسي. عشان كده كانت صدمتي كبيرة لما اكتشفت خيانتها."
صمت قليلاً وقد مسح الدموع التي انسابت من عينيه وأكمل بإختناق:
"في يوم رجعت البيت وعرفت إن بنتي عند الجيران ومراتي قالت إنها رايحة مشوار. كنت مش فاهم حاجة وحاولت أتصل بيها بس تليفونها كان مقفول. وبعدين قريت رسالة منها بتقول إنها مبقتش تحبني وإنها عايزة تتطلق. مكنتش فاهم أي حاجة. وليه هي عملت كده؟ اتصلت بأهلها اللي برضه مكانوش فاهمين أي حاجة. قعدت يومين وأنا مصدوم ومنهار. بدور عليها زي المجنون وأنا نفسي أسألها هي ليه عملت كده؟ ليه؟ كنت مصدوم ومش فاهم أي حاجة. أنا وهي كنا مبسوطين أوي مع بعض. محرمتهاش من حاجة ولا خنقتها بزيادة ومعانا بنت زي القمر. حياتنا كانت حلوة أوي وفكرت أنا عملت إيه عشان تقول كده أو تهرب مني. لحد ما في يوم جالي اتصال من الشرطة إنهم لقوا مراتي. وأنها ماتت في حادثة. لسه فاكر اليوم ده. اليوم ده كان أسوأ يوم في حياتي يا دكتور. حسيت الأرض بتتهز تحتي. اتصدمت وقلبي وقع في رجلي من الخوف. بس الصدمة الأكبر لما اكتشفت إنها لما ماتت في حادثة كانت في عربية عشيقها وكانوا هربانين مع بعض. عرفت ده من موبايلها والرسايل اللي قريتها ما بينهم. أنا يا دكتور لسه محتفظ بالموبايل ده عشان كل أما افتكر إني كنت بحبها أشوف الرسايل وأفتكر إنها خانتني مع كلب ميسواش. كنت بقسي قلبي عشان متوحشنيش. كنت بعلم نفسي أكرهها زي ما حبيتها. لدرجة... لدرجة إني كرهت بنتي بسببها."
دموعه انفجرت من عينيه وهو يكمل بإختناق:
"الكل بيقول إن نسرين شبهي. بس أنا طول عمري بشوفها شبهها هي. نفس النظرات... نفس الحركات ونفس الجمال والرقة. عشان كده بعدت عن نسرين. أنا عاقبت بنتي عشان مقدرتش أعاقب الخاينة على خيانتها. أنا بشع يا دكتور. أنا مش أب كويس."
ثم انفجر بالبكاء. كان يبكي بمرارة وهو يتذكر كيف أنه أذى ابنته. كيف أبعدها عنه.
"أنا عايز بنتي ترجع تحبني يا دكتور. عايزها تشوفني أمانها من جديد. مش عايز أشوف الكره في عينيها تاني عشان ده بيعذبني. ممكن ده يحصل ولا أفقد الأمل خلاص؟"
تنهد الطبيب وهو ينظر إليه وقال:
"مفيش حاجة مستحيل. بس أنت مستعد تعمل إيه عشان تخليها تثق فيك تاني ده اللي هيحدد. بس المهم متبقاش شايفها زي مراتك. تكون شايفها كبنتك. بنتك اللي ملهاش أي ذنب. مشكلتك يا كريم هي الغضب. أنت غضبان عشان مقدرتش تعاتب مراتك أو تعاقبها فشوفت إنك تعمل كده مع النسخة الأصغر منها وهي بنتك. ورغم إنك اتجوزت اخت مراتك إلا إنك فضيت غضبك على بنتك."
قاطعه كريم وقال:
"نهى مختلفة عنها خالص. مكانتش شبهها. كأنهم مش أخوات."
هز الطبيب رأسه وقال:
"فهمت. أنت لسه عايش في الماضي يا كريم. مش سامح لنفسك إنك تنسى وتتعافى واعتقد دي مشكلتك وده اللي هنحاول نحله سوا. كل حاجة هتكون بخير متقلقش."
في اليوم التالي. فتحت جواهر عينيها لتجد عبير نائمة بجوارها. عبير منذ أتت وهي لا تتركها أبداً مهما حاولت جواهر معها لكي تذهب. ولكنها عنيدة. حتى عدي لا يتركها إلا فقط عندما يذهب لعمله. نهضت جواهر وخرجت من الغرفة وهي تتجه إلى الأريكة التي اعتادت أن تجلس عليها والدتها. وقالت:
"ليه ميكونش ده حلم؟ ليه ميكونش كابوس؟ أنا محتاجالك يا ماما."
"وأنا دايماً معاكي يا جوهرتي." نظرت جواهر بجانبها لتجد والدتها تجلس بجانبها.
"ماما..." قالتها والدموع تطفر من عينيها ثم أكملت:
"ماما أنا مش قادرة أعيش من غيرك... تعالي خديني."
ابتسمت سوسن وقالت:
"هتقدري وهيخف الألم اللي في قلبك يا جواهر وهتفرحي."
هزت جواهر رأسها وقالت:
"الحياة مبقتش ليها قيمة من بعدك... اكتشفت إني مش قادرة أعيش. مفيش حاجة مفرحاني ولا حد قادر يملى مكانك يا امي. عبير مش سايباني ورغم كده حاسة إني وحيدة. بقول ياريت أموت وأرتاح عشان أشوفك. نفسي أروحلك يا ماما. نفسي حتى أحضنك أو أبوسك."
اقتربت سوسن من ابنتها لتغمض جواهر عينيها وهي تشعر بقبلة والدتها الحنونة على جبينها. ثم فتحت عينيها لتجد والدتها اختفت. نظرت حولها بجنون. معقول؟ هل كانت تتخيلها؟ رنين الجرس جعلها تنتفض من مكانها. نهضت وذهبت لتفتح الباب. نظرت من العين السحرية لتجده والدها. فتحت الباب بسرعة بلهفة واندفعت بين أحضانه تبكي بعنف. ربّت عامر على ظهرها برفق وقال:
"شدي حيلك يا بنتي... شدي حيلك."
"أنا بقيت لوحدي... ماما سابتني ومشيت."
ابتعد عامر عنها وأمسك كفها وقال:
"اهدي يا بنتي... خليني بس أدخل عشان هقولك كلمتين وأمشي."
نظرت إليه بدهشة ومسحت دموعها بينما يدخل المنزل ويجلس على الأريكة. ذهبت هي وجلست بجواره وقالت:
"تمشي... تمشي ليه... خليك معايا شوية. أنا... أنا..."
"جواهر اسمعيني وبس ومن غير ما تقاطعيني. ربنا يعلم إن اللي هقوله ده صعب عليا قد ما هيبقى صعب عليكي."
"انت بتقول إيه يا بابا؟" قالتها ببلاهة وهي لا تفهم شيئاً.
تنهد عامر وهو يتذكر وعده لسوسن ثم نظر إلى جواهر وقال:
"أنا مش أبوكي الحقيقي يا جواهر!!"
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سولييه نصار
في سيارة الأجرة، كانت الدموع تنساب من عيني عبير وهي تقول بإختناق:
"يا حبيبتي يا حبيبتي اتصلت بيا كتير وأنا كنت قافلة الموبايل. المسكينة كانت لوحدها. واحتاجتني وأنا مكنتش موجودة."
كان أمير ينظر إلى عبير وهو يشعر بالذنب. فهو من طلب منها أن تغلق الهاتف كي لا يزعجهم أحد. ليته لم يفعل هذا. الذنب كان يقتله حرفياً بسبب ما حدث مع جواهر. المسكينة اضطرت أن تواجه موت والدتها بمفردها. اضطرت أن تعيش تلك اللحظات المروعة بمفردها. اضطرت أن تعيش حزنها بمفردها. لن تسامح عبير نفسها على هذا.
أخيراً وصلا إلى الحي التي تسكن به. ترجلت عبير من السيارة مسرعة وهي تضع كفها على قلبها بينما ترى صوان العزاء. انفجرت الدموع أكثر من عينيها. صحيح هي لم ترى سوسن منذ زمن طويل ولكنها تتذكر كم كانت سيدة طيبة وجميلة.
أسرعت للمنزل ورأت العديد من الناس التي لا تعرفهم، ومن بينهم كان عدي. اقتربت منه لاهثة وهي تقول:
"جواهر..."
نظر عدي إليها بحزن وقال:
"قاعدة في الأوضة، مش عايزة تخرج ولو حد دخل بتمشيه. أنا مش قادر أشوفها في الحالة دي. عايز أساعدها بأي طريقة ومش قادر يا عبير. ومش عارف أعمل إيه."
مسحت عبير دموعها وقالت بإختناق:
"أنا هشوفها، متقلقش."
ثم ولجت للغرفة. صوبت نظراتها إلى جواهر الجالسة على الفراش وهي ترتعش بقوة. لا أثر للدموع بعينيها، فقط شاخصة عينيها في الفراغ. عضت عبير على شفتيها بإنفعال وهي تحاول ألا تبكي ولكنها فشلت، إذ خرجت شهقتها بقوة من شفتيها بينما الدموع تنفجر من عينيها أكثر وهي ترى صديقتها القوية في تلك الحالة.
اقتربت عبير من صديقتها وضمتها بقوة وهي تقول من بين شهقاتها:
"أنا آسفة... آسفة يا جواهر... آسفة..."
لم تصدر جواهر أي رد فعل، بل ظلت شاخصة بعينيها.
"جواهر... جواهر ردي عليا أرجوكي."
كانت تتكلم عبير وهي تبكي ولكن جواهر ترفض الكلام.
"جواهر أنا آسفة... آسفة إني اتأخرت سامحيني... بس ردي عليا. أنتِ بتقلقيني كده."
"ماما ماتت." خرجت تلك الكلمات من فمها بنبرة تائهة. نظرت جواهر بشرود إلى عبير وقالت:
"ماما ماتت. أنا كنت فاكرة إن ده كابوس، بس طلع حقيقة. أنا نمت على أمل أصحى وألاقيها موجودة، بس لا مكنتش موجودة. عدي حاول يفهمني، حاول يرجعني لعقلي بس أنا رفضت. قولت مستحيل تسيبني. إزاي تسيبني وأنا مليش غيرها؟ مش ممكن يكون ده كله كابوس."
شهقت عبير وهي تبكي وتضمها أكثر لتكمل جواهر:
"أنا مودعتهاش حتى. محضنتهاش آخر مرة. افتكرت إن ده كابوس ونمت. الناس حاولت تصحيني عشان أودعها وأنا رفضت. أنا اخترت أهرب. أنا مش كويسة. مكنتش جمب أمي لا في تعبها ولا حتى لما ماتت. أنا بختار الهروب دايماً. أنا مش إنسانة كويسة يا عبير. أنا أذيت ماما."
"ششش... أهدي... أهدي."
هزت رأسها وقالت:
"أنا نفسي أشوفها يا عبير. عايزة أشوف ماما. عايزة أحضنها لثواني بس. عايزة... عايزة..."
نهضت فجأة وقالت وهي تضع كفيها على أذنيها ثم أصبحت تصرخ بعنف.
"جواهر!" قالتها عبير برعب وهي تراها تنهار بتلك الطريقة. ولكن جواهر سقطت على الأرض وهي تصرخ وتبكي وكأنها أدركت أخيراً حجم خسارتها. اقتربت عبير بهلع وهي تحاول ضمها ولكن فشلت. فشلت في السيطرة على انفعالاتها.
"جواهر... أهدي... أهدي..." صرخت عبير وهي تبكي وعندها دخل عدي وأمير الغرفة. بهت عدي وهو يرى انهيار جواهر. اقترب منها وعانقها بقوة وهو يحاول تهدئتها. سكنت بين ذراعيه قليلاً ونظرت إليه والدموع تغرق وجهها:
"ماما راحت من غير ما أودعها يا عدي. هاتها بس أبوسها وأحضنها. عشان خاطري يا عدي احضنها بس رجعها أبوسها وأدفنها تاني."
كانت عبير تضع كفها على فمها والدموع تجري على وجنتيها بدون توقف. ألم شديد في قلبها. حالة جواهر الآن فكرتها بحالتها عندما توفت والدتها. هي تعرف شعور فقد أهم شخص في حياتك. أغمض عدي عينيه محاولاً السيطرة على نفسه إذ شعر بالدموع تلسع عينيه. ضمه بقوة أكبر وقال بنبرة مرتعشة:
"آسف... آسف يا جواهر."
"عشان خاطري رجعهالي يا عدي. هبوسها بس والله هبوسها وأحضنها بس مش هعمل حاجة تاني. عايزة أودعها يا عدي. عشان خاطري جيبها أبوس إيديك." ثم أخذت تضربه على صدره وتصرخ:
"بقولك جيبهالي. جيبها عايزة أشوفها. عايزة أشوفها يا عدي!!! ماما جيبلي أمي يا عدي. جيبها."
"جواهر!!!" قالها عدي مصدوماً وهو يحاول تهدئتها ولكن عبثاً. كانت تتصرف بجنون تام. تصرخ بقوة وتضربه ثم تتجه يديها إلى وجهها وتضرب نفسها. كان الأمر جنونياً للغاية. هي منهارة ولا تهدأ. تهذي بكلمات غير معقولة والدموع تطفر من عينيها بشدة. كان عدي يلهث من فرط الجهد الذي يبذله لكي يسيطر عليها، ولكنها لم تهدأ. لم تهدأ واستمرت بالصراخ. ولكن فجأة بدأ صراخها يخفت. أغمضت عينيها بتعب وقالت:
"أنا عايزة أنام. عايزة أرتاح يا عدي."
قبّلها عدي على رأسها وقال بإختناق:
"ارتاحي يا حبيبتي ارتاحي."
بعد عدة دقائق وهو ما زال يضمها غرقت بالنوم. حملها عدي بين ذراعيه وهو يتنهد بتعب ثم وضعها على الفراش وجلس بجوارها. كان قلبه يتمزق وهي بتلك الحالة المريعة. لقد لاقى ألمها صدى كبير في قلبه. كم تمنى أن يخفف عنها. يعتذر منها ويخبرها أنه آسف. آسف لأنه لم يكن بجانبها. آسف لأنها تتألم وهو عاجز عن فعل أي شيء لها.
كانت عبير تبكي بين ذراعي أمير. قلبها يعتصر من الألم وهي ترى رفيقتها في تلك الحالة. لا تشعر لماذا ولكن ضميرها أيضاً يؤنبها. تشعر أنها ابتعدت عن جواهر، لم تكن الصديقة الجيدة لها. مهما حاولت إقناع نفسها بالعكس تفشل تماماً في هذا. كل المبررات التي يقدمها عقلها لا يقبله ضميرها الذي ما زال يجلدها.
نهض عدي وهو يشعر بالإنهاك وقال:
"أنا بقول نسيبها ترتاح شوية."
ابتعدت عبير عن أمير وهي تمسح دموعها وتقول بصوت خافت:
"مش مفروض نعرضها على دكتور؟ حالتها صعبة قوي يا عدي أنا خايفة تأذي نفسها."
احتل الرعب قلبه وهو يفكر بالأمر. صحيح ماذا إن حاولت إيذاء نفسها؟! فحالة جواهر تقلقه. هو يريد أن يضعها تحت عينيه، يراقبها ويهتم بها وهذا لن يحدث إلا بزواجها منه. يجب أن يتزوجها بسرعة ويذهب بها من هنا. يحاول أن يساعدها. لن يتركها تعاني بمفردها.
"إحنا هنفضل معاها مش هنسيبها. هي محتاجة حد جمبها يا عبير. أنا هفضل معاها وانتِ كمان افضلي معاها."
هزت عبير رأسها وقالت بقوة:
"أكيد هفضل معاها مش هسيبها أبداً. مش هعمل كده."
ثم اتجهت إلى الفراش وجلست بجوارها وهي تمسك كفها بقوة والدموع تطفر من عينيها. تذكرت كل تلك الأشياء التي فعلتها جواهر من أجلها. كل تلك المشاكل التي واجهتها فقط من أجلها. جواهر فعلت الكثير من أجلها وهي يجب أن ترد لها المعروف. يجب أن تقف بجوارها الآن. قبلت رأسها وهي تربت على كتفها بينما الألم داخلها يتفاقم.
"ليان... ليان كفاية!!!" قالتها نسرين والدموع تطفر من عينيها بينما ليان تبكي بهذا العنف. كانت ليان تضم نسرين بقوة وهي تبكي. قلبها يحترق كلما تذكرت ما فعله وما قاله. كيف يكون بتلك القسوة معها كيف؟ كيف يكسر قلبها بتلك الطريقة؟ لا تصدق أن من أحبته يفعل هذا بها.
"هموت يا نسرين هموت. روحتله ولقيت عنده واحدة. قالي مرة تانية إنه مبيحبنيش وطردني من بيته. شوفته معاها يا نسرين. حضنها قدامي. كنت بموت يا نسرين وأنا بشوفه. ليه بيعمل فيا كده ليه؟ أنا عملتله إيه يا نسرين؟"
تنهدت نسرين وهي تربت على ظهرها. قلبها يتمزق بسبب ما تعانيه صديقتها. حقاً قد كرهت موسى. كرهته كثيراً. كيف يفعل هذا بها؟ لقد أحبته. فعلت من أجله الكثير. ليان أبداً لا تستحق تلك المعاملة. هي تستحق أن تعامل جيداً. فيكفي أنها أعطته قلبها. قبلت نسرين رأس ليان وقالت:
"والله ميستاهلش ولا دمعة من عينيكي يا لي لي. هو واحد حقير. خلاص انسيه."
"مقدرش أنساه يا نسرين مقدرش. ده أول حب في حياتي. مش سهل الموضوع زي ما أنتِ فاكرة. أنا بحبه أوي يا نسرين. بحبه حتى أكتر من حياتي ورغم اللي عمله بحبه برضه. مش قادرة أبطل أحبه يا نسرين. حاسة إني هموت. حاجة جوايا اتكسرت وعمرها ما هتتصلح. أنا هتجنن. كنا كويسين وكان فرحان أوي ليه يحصل ده فجأة ليه؟!"
"متفكريش كتير يا ليان فكري إزاي تنسيه. شيليه من حياتك زي ما شالك من حياته. خلاص بطلي تفكري فيه."
"ياريت أقدر يا نسرين ياريت." قالتها والدموع تنفجر من عينيها لتبتعد نسرين قليلاً وتعانق وجهها وتقول:
"لا هتقدري يا ليان. هتقدري تنسيه. لو حطيتي في بالك إنك هتنسيه. هتنسيه. أنتِ بس حاولي. طلعيه من دماغك ولا أنتِ اللي هتعاني بعد كده."
"هعاني أكتر من كده؟" قالتها بقهر لتهز هي رأسها وتقول بتأكيد:
"أيوه هتعاني أكتر من كده يا ليان. هتضيعي عمرك على واحد ميستاهلش. موسى ميستاهلش دموعك دي أبداً ولا تروحيله تاني. ده ترميه من حياتك علطول. سمعتيني. متفكريش فيه تاني."
ازداد انسياب دموعها وقالت بصوت مختنق:
"ياريت الموضوع بالسهولة دي."
شدت نسرين على كف ليان وقالت بقوة:
"عارفة إنه صعب عليكي. صعب جداً كمان. بس مش مستحيل يا لي لي. لازم تنسي وتتخطي عشان تعيشي."
"أنا... نفسي... أعرف عمل فيا كده ليه؟ أنا عملتله إيه؟"
"متفكريش كتير. فكري إنه إنسان ميتساهلش. إنه خدعك. إن دموعك أغلى ما تنزل على حد غيره. ليان حبيبتي والله ما يستاهل."
ضمت ليان صديقتها وهي تبكي. وقالت:
"شكراً... شكراً يا نسرين... شكراً إنك جمبي. شكراً."
"أنتِ أختي متقوليش كده. وأنا معاكي دايماً يا ليان. معاكي دايماً."
بعد ساعة تقريباً. ابتعدت نسرين عن ليان التي نامت بهدوء كي لا تزعجها. دثرتها بغطاء خفيف ثم قبلت رأسها ومسحت تلك الدموع التي تلطخ وجنتيها. ثم خرجت بهدوء من الغرفة واتصلت بفؤاد:
"أيوة يا حبيبي." قالتها نسرين بنبرة خافتة ليرد فؤاد:
"أيوة يا حبيبتي. إيه أجي آخدك دلوقتي ولا إيه؟"
عضت نسرين شفتيها بإحراج منه فهي قد وعدته أنهما سيحتفلان بمناسبة زفافهما الذي بعد يومين ولكن تراجع حالة ليان جعلها تلغي الفكرة.
"حبيبي معلش أنا النهاردة هبات مع ليان المسكينة حالتها صعبة." كتمت أنفاسها وهي في انتظار رده. توقّعت الغضب أو التأفف ولكن فؤاد دوماً ما يفاجئها إذ قال بكل بساطة:
"ماشي يا حبيبتي خليكي النهاردة معاها ولو احتاجتي أي حاجة اتصلي بيا هكون عندك فوراً."
تألقت عينيها بسعادة وقالت:
"فؤاد أنا بحبك أوي فعلاً بحبك."
ابتسم وقال:
"وأنا كمان بحبك أوي يا نسرين خلي بالك من نفسك."
"ماشي يا حبيبي سلام."
أغلقت نسرين الهاتف براحة وقررت أن تدخل الغرفة لليان وتنام عندها. أرسلت رسالة لنهى تخبرها أنها سوف تنام عند ليان وقد أخبرت فؤاد بذلك.
"معرفش يعني إيه نسرين هتبات عند ليان وأنا أكون آخر من يعلم." هدر بها فؤاد بغضب لتنظر إليه نهى بدهشة وتقول:
"استأذنت من جوزها يا كريم ولا أنت نسيت."
"طيب وأنا... أنا فين من حياتها يا هانم؟"
نظرت إليه نهى ببرود وقالت:
"والله يا كريم أنت اللي عملت كده. أنت اللي بعدت البنت عنك فمتجيش تتضايق دلوقتي!! أنت اللي بإيدك رميت كل المسؤولية على فؤاد وقررت إنك ملكش دعوة بيها. إزاي دلوقتي جاي تطالب بحقوقك كأب ليها إزاي!!!!"
امتقع وجه كريم وهو عاجز تماماً عن التحدث. إنها محقة. هو من أبعد ابنته عنه. هو من دمرها. هو يستحق. ولكن هل سيستطيع أن يصلح الوضع أم أن الأوان قد فات؟ ذلك السؤال كان يؤرقه كثيراً.
في منزل موسى كان جالس على الأريكة بإنهاك. يشعر أنه كمن فقد روحه. دموعها لا تتركه وشأنه. أخرج هاتفه وهو ينظر إلى صورهما سوياً. يتأمل ابتسامتها وابتسامة حزينة ترتسم على شفتيه. قلبه يتمزق بسببها. ليته يستطيع قتل صاموئيل والذهاب إليه والاعتذار منها. كل ما يريده هو أن يبقى معها للأبد. هو لا يخاف الموت ولكنه يخاف الحياة دونها. فالحياة دونها مرعبة. لا تحتمل ببساطة. قرب الهاتف من وجهه ثم قبل صورته وقال:
"حقك عليا يا حبيبتي. حقك عليا أخلص من صاموئيل وأعوضك عن كل حاجة. هعتذر منك على أي حاجة غلط قولتها. هفضل وراكي لحد ما تسامحيني. ده وعد."
"بتحبها أوي كده؟" قالتها مايا وهي تقترب منه. إنها تعرف ألم العشق جيداً. ألم تحب صاموئيل ولكن هذا الحب كان من طرف واحد. فهو دوماً اعتبرها عشيقته. لم يهتم بها أبداً. كسرها مراراً حتى أنه حاول قتلها مرة ولم يساعدها إلا قيصر.
"هي روحي!" قالها موسى بنبرة مختنقة لتتنهد مايا وهي تذهب وتجلس بجواره. كم هذا مؤلم. مؤلم عندما تدفع حبك الحقيقي بيدك. كانت تشفق كثيراً على موسى. هو لا يستحق هذا. كم تتمنى أن تساعده ولكن كيف؟ موسى لن يتحرر من مخاوفه إلا بموت صاموئيل.
"أنت لازم تقتل صاموئيل يا قيصر. لازم تقتله."
نظر إليها موسى بصدمة لتهز له رأسها وتقول:
"هو واحد لا عنده قلب ولا ضمير. مش هيسيبك في حالك ولا هيسبني أنا كمان. صحيح أنا بحبه بس بحب نفسي أكتر. وخايفة ليقتلني. عشان كده يا قيصر لازم نتخلص منه. لازم!!!"
"الموضوع مش سهل خالص يا مايا. وانتِ عارفة. صاموئيل مش سهل وانتِ عارفة كده. ممكن ببساطة يقتلنا احنا الاتنين."
هزت مايا رأسها مؤكدة على كلامه وقالت:
"عندك حق. بس لحد إمتى هنفضل خايفين ومستخبيين منه. قيصر انت الوحيد اللي وقفت في وشه. انت الوحيد اللي قدرت تكسره وتقدر تقتله كمان. أنا هساعدك بس خلينا نتخلص منه. أنا مش عايزة أعيش في الرعب ده أكتر من كده لو سمحت حط إيدك في إيدي عشان أنا أعيش حياتي. وأنت تعيش حياتك مع حبيبتك من غير خوف."
كلماتها القوية بدأت تنفذ لعقله. كل مشاكله سوف تحل لو قتله. وسوف يأخذ بثأر روان.
في اليوم التالي. خرج من الحمام وهو يرتدي المئزر بينما يجفف شعره الذهبي جيداً. ذهب ووقف أمام المرآة وهو ينظر إلى انعكاسه ويتنهد بقوة. ما زال يتذكر كلامها له. لقد وافقت عليه ولكنها لن تكون معه الآن. طلبت منه أن ينتظرها. فهل هو قادر على هذا؟ دعك عينيه بتعب وهو يتذكر كلامها له.
"أنا عايزة أغير حياتي. عايزة أفتخر بنفسي وأليق بيك عشان أقدر ارتبط بيك. مش هسمح لأي حد إنه يشاور عليا ويقول إنّي الخدامة أغرت الدكتور. لازم يكون ليا مكانة في المجتمع." قالتها رانيا بقوة وعينيها تلمع بتصميم. ليهز يحيى رأسه بإستنكار ويقول:
"ما طز في المجتمع يا رانيا أنتِ ليه شاغلة بالك بيه؟ أنا ميهمنيش كلام المجتمع. كدا كدا هيتكلموا. لو متكلموش عليكي هيتكلموا عليا. هيلاقوا أي حاجة يتكلموا عنها لأن دي شغلتهم الكلام والتنظير بس. المشكلة إنهم بيسيبوا مشاكلهم وعيوبهم ويركزوا في عيوب الناس التانيين. جيبيلي حاجة واحدة تمنع أننا نتجوز غير كلام الناس. جيبلي حاجة واحدة في الدين تمنع جوازنا. قولي."
"مفيش تكافؤ بيننا يا دكتور. الجواز من النوع ده بيفشل."
هز رأسه بإستنكار وقال:
"إزاي بتحكمي على علاقتنا بالفشل قبل ما تبدأ. ليه متفكريش في الخير بس."
أغمضت عينيها بتعب وقالت:
"عشان للأسف ده اللي هيحصل. والدتك مش هتقبل بيا. وهتحصل مشاكل كتير. مشاكل كتير أوي. لازم على الأقل أليق بيك عشان المشاكل دي تقل شوية يا دكتور."
"أنا هتصرف مع أمي. هي..." هزت رأسها وعينيها تلمع بفعل الدموع وقالت:
"مظنش يا دكتور. الفرق اللي بينا صعب أوي. والدتك عندها حق تشوفك مع واحدة تليق بيك. واحدة تقدر تمسك إيديها وسط الناس وتقول إنها مراتك."
اقترب أكثر منها وقال وعينيه الزرقاء تلمع بقوة:
"أنا همسك إيديكي انتِ وهقول بفخر إنك مراتي. أنا ميهمنيش الناس."
"بس أنا يهمني." قالتها بإنفعال والدموع تنسكب من عينيها ثم أكملت:
"ليه مش قادر تفهم أنا اللي هواجه لوحدي كل الإهانة يا يحيى. أنا اللي هيشاور عليا ويقولوا الجاهلة أخدت دكتور. أنت مش هتقعد أربعة وعشرين ساعة معايا عشان تحميني. أنا اللي هبقى في وش المدفع. أنا اللي هتحمل كل الإهانة يا يحيى وصدقني مش هتحمل. أنا مش عايزة أتهان. أنا عايزة أليق بيك."
"مستعد تستناني؟" هز رأسه بيأس وقال:
"أنتِ عنيدة أوي تعرفي كده؟ إيه العناد ده يا بنتي بقولك بحبك وعايز اتجوزك. همسك إيديك قدام الناس كلها وميهمنيش وهبعدك عن ماما. ليه الخوف ده كله. أنتِ مبتثقيش فيا؟"
مسحت دموعها وقالت:
"بثق فيك بس أنا عايزة كده. عايزة أتعلم و..."
"ومحدش قالك متتعلميش يا رانيا. نتجوز وأنا بنفسي هساعدك ده وعدي ليكِ." هزت رأسها بالنفي. كان الإصرار يلمع بعينيها إصرار لم يراه من قبل. كانت مصرة لتكون إنسانة أفضل. كانت تريد التفاخر بنفسها.
"مش هتتراجعي عن قرارك؟" قالها بيأس فهزت رأسها وقالت:
"مستحيل. أنا عايزة أشوف نفسي في مكانة عالية مش عايزة حد يقول عني جاهلة. أيوه أنا بهتم بكلام الناس صحيح هما مش هيسكتوا ويتكلموا طول الوقت بس على الأقل وقتها أكون عملت اللي عليا وضميري مرتاح. حتى لما أكون ماشية جمبك محسش إني قليلة وأقدر أطلع معاك من غير ما أتكسف. أنا جالي فرصة أتعلم ومش هسيبها. أنت حابب تستنى ماشي مش حابب ده حقك."
أغمض عينيه بتعب وقال:
"هستنى قد إيه بالظبط؟ معهد تمريض خمس سنين وكلية تلات سنين. تمن سنين أنا هكون عجزت فيهم."
نظرت إليه بيأس وشعرت أن الأمر صعب ليتنهد هو ويقول:
"إيه رأيك في حاجة. تدخلي المعهد براحتك وبعدها نتجوز وأنا هدعمك يا رانيا. مش هخلي حد يأذيكي ده حل مناسب. نتجوز بعد ما تبدأي دراسة في المعهد وأنا يا ستي هدربك في المستشفى بتاعتي."
"طيب ممكن بس أعدي أول سنة فيه وبعدها نتجوز مش هخليك تستنى ده كله بس على الأقل أتجوزك وأنا حاسة إني لايقة عليك."
"يعني هستنى سنة؟" أطرقت برأسها فقال:
"طيب بس تسمحيلي أشوفك ولو حتى من بعيد."
رفعت عينيها البنية ونظرت إليه. أنه محاصر من قبلها. هالك لا محالة. ابتسامة حزينة ارتسمت على وجهه وهو يدرك أنها لن تتنازل عن شروطها وسوف هو يكتوي بنار الانتظار لمدة سنة.
عاد من شروده وهو يتنهد. كيف يمكنها أن تكون عنيدة لتلك الدرجة؟ لقد قدم لها قلبه وروحه. ولكن داخله كان يعرف أنها محقة للغاية. فوالدته لن تتركها وشأنها وربما في تلك السنة يستطيع إقناع والدته بها. يستطيع أن يخبرها أن حبه نحو رانيا حقيقي. ليس شفقة والأمر بالفعل صادم له ولها. فهو حتى لا يدرك متى أحبها. لقد احتلته رويداً حتى رأى أن الحياة دونها لا تطاق. أغمض عينيه وهو يضع كفه على قلبه. لو فقط ترفق بقلبه.
وقفت أمام المرآة وهي تلف خمارها بالطريقة التي تعلمتها من الخالة ماجدة. خطوة جديدة اتخذتها في حياتها. أرادت أن تكون قريبة من الله. لقد عرفت أن السعادة في قربه فقط. هي لن تكون سعيدة إلا عندما تطرق بابه وتطلب عفوه ورحمته. فهي لم تحصل أبداً على السلام إلا عندما بدأت بالإلتزام بتعاليم دينها ووقتها عرفت أنها أضاعت حياتها عبثاً. عرفت أنها بحاجة لله، بحاجة للاقتراب منه. حتى موضوعها مع يحيى تركته لله. فقط دعت أن يصلحه لها ويصلحها له أو يعطيها من ترضى به ويملأ قلبها وروحها إن لم يكن يحيى من نصيبها.
تنهدت بسعادة وهي تتراجع قليلاً وترى انعكاسها في المرآة الكبيرة التي اشترتها بالأمس وابتسامة سعيدة تزين ثغرها. صفرت وهي ترى نفسها أكثر جمالاً. فعينيها البنية كانتا تتألقان بسعادة كبيرة. نظرت إلى ساعتها، آن الأوان لتذهب للعمل الآن. تحركت خارجة من غرفتها ووجدت والدتها قد أنهت إفطارها:
"بالهنا والشفا يا أما." قالتها رانيا مبتسمة وهي تقبل رأسها ثم أحضرت أدويتها وقالت:
"ودلوقتي هتأخدي أدويتك وتقعدي عند خالتي ماجدة شوية لحد ما أنا أجي."
ضحكت رابحة وقالت:
"يا بنتي يعني خايفة عليا ما أقعد لوحدي. أنا كتير قعدت لوحدي ومخوفتش."
ابتسمت رانيا وقالت:
"معلش يا ست الكل عشان أكون متطمنة على الأقل."
تنهدت رابحة وقالت:
"ماشي يا بنتي على راحتك. أنا عارفة إنّي مش هقدر أغير رأيك."
"صحيح ويالا دلوقتي عشان تأخدي الدوا." وبالفعل أعطتها الدواء ليرن جرس المنزل وتقول:
"واهي خالتي ماجدة جات." ثم اندفعت لتفتح الباب لتتجمد وهي تجد أمامها آخر شخص توقعت أن يأتي الآن وهو عمها.
"أنت!!! هو إحنا مش هنخلص ولا إيه؟ جاي ليه؟"
"ممكن تدخليني يا بنتي؟" قالها بإنكسار لتنظر إليه بدهشة وقد بدت عليها الحيرة.
بعد قليل كانت قد أدخلته وجلست تستمع إليه.
"أنا هرجعلك حقك في الورث يا رانيا." قالها بتعب وهو يطرق رأسه بالأرض. رفعت حاجبيها وقالت:
"وأكيد ده هيكون بشروط."
هو رأسه ودموعه تتساقط على وجنتيه وقال:
"لا يا بنتي. من غير أي حاجة أنا هرجعلك حقك. أنا عرفت إن كل اللي حصلي ده بسبب اللي عملته فيكي انتِ وأمك. خلتكم تحتاجوا وتعيشوا في الفقر وأنا أخدت ورث أبوكي منك. سامحيني يا رانيا. سامحيني. أنا والله اتعلمت الدرس. ابني عمل حادثة وفي المستشفى بين الحياة والموت وبنتي اتطلقت واتخرب بيتها."
"لا حول ولا قوة إلا بالله ربنا يصلح الحال." قالتها بتأثر. رغم أنه إذاها كثيراً ولكنها لم تتمنى أن يعاني أي من أولاده.
"يعني انتِ مسامحاني يا رانيا. مسامحاني يا بنتي!!" قالها بلهفة لتزدرد ريقها وتقول:
"مقدرش أقول كده. مقدرش أسامح. بكل بساطة لأني إنسانة مش ملاك. واللي عملته صعب بس عمري ما هدعي عليك ولا على أولادك هدعيلك دايماً ربنا يصلح حالهم."
هز عمها رأسه بتعب وقال:
"بكرة بإذن الله حقك في ورث أبوكي هيوصلك كاش. مبلغ كويس أوي يا رانيا هتقدري تعيشي بيه مرتاحة من غير ما تشتغلي تاني. خلاص أخيراً هترتاحي."
"أنا حاولت كتير أعوضك عن اللي عمله أبوكي فيكي. حاولت كتير أكفّر عن غلطي في حقك لما سمحت ليه يأذيكي. حاولت كتير أخليكي إنسانة كويسة. واحدة محترمة وبنت ناس. حاولت كتير عشان متبقيش رخيصة زي أبوكي وللأسف الرخص بيجري في دمكم انتوا الاتنين. جوزتك لواحد البنات كلها بتتمنى نظرة من عينيه. مهندس ومحترم وكان بيحترمك وربنا رزقك ببنت زي السكر ولكن رغم ده مش شكرتي ربك على نعمه وصممتي على جنانك وهوسك."
كانت والدة جوري تتكلم وهي جالسة بجوار باب الغرفة التي حبست به جوري. كان قلبها يحترق. شعرت أن كل ما فعلته قد انهدَم. ابنتها دمرت كل شيء. لقد ظنت أنها سوف تحاول ملاحقة ياسين كي يعود إليها. لم يخطر حتى في أحلامها أنها سوف تستخدم السحر لتجعل ياسين يعود إليها. كيف أصبحت ابنتها بهذا الاختلال كيف؟ كانت العديد من الأفكار تدوي في رأسها. العديد من الأسئلة التي ليست لها أي إجابة.
من الناحية الأخرى كانت جوري تجلس على الأرض والدموع تنفجر من عينيها وتقول:
"أنا آسفة يا ماما. آسفة على كل اللي عملته. سامحيني أرجوكِ. أنا بس حبيت ياسين وكان نفسي يرجعلي لكن هو دايماً كان بيصدني. بيعاملني كإني رخيصة ومليش لازمة. قولتله كتير إني هتغير بس يرجع بس هو رفض وأنا بحبه يا ماما. بحبه أوي. أنتِ فاكرة إني عايزة أرجعله عشان شايفاه سعيد مع مراته. بس لا أنا والله بحبه. بحبه أوي وعايزة أعيش معاه هو وبنتي. أنا عايزة أتغير يا ماما. مش عايزة أبقى وحشة ولا عايزة أكون زي بابا. أنا عايزة أكون إنسانة كويسة. زوجة كويسة لياسين وأم كويسة لبنتي. أنا أذيت ياسمين أوي يا ماما. أذيتها زي ما بابا آذاني وندمانة على اللي عملته وعايزة أبدأ من جديد يا ماما. عايزة أكون إنسانة كويسة. ساعديني أبقى إنسانة كويسة يا ماما."
هزت والدتها رأسها وقالت بنبرة مخنوقة:
"لا يا جوري أنتِ عمرك ما هتتغيري. هتفضلي كده دايماً زي أبوكي بالظبط. عمرك ما هتتغيري. هو زيك وعدني كتير إنه يتغير بس متغيرش. وأنتِ هتبقي زيه كده. هتوعديني مليون مرة إنك هتتغيري بس أنتِ عمرك ما هتتغيري يا جوري هتفضلي كده دايماً. دايماً إنسانة حقودة عايزة تدمر حياتي حياة الناس اللي حواليكي. ياسين كان جوزك. كان ملكك وبين إيديكي أنتِ اللي ضيعتيه من إيديكِ. الراجل عانى معاكي وعمل المستحيل عشان يساعدك. بس أنتِ كنتِ مصرة تبقي وحشة مصرة تهدي كل حاجة. لحد ما كل حاجة تتهد على دماغك. سحر. بتلجأي للسحر وتكفري. وبتبيعي جسمك. تخلي واحد رخيص يلمسك ويوصلك. يا خسارة تربيتي فيكي. يا خسارة. مكنتش أتوقع إنك تطلعي بالرخص ده. بس أنا اللي غلطانة. أنا يا جوري كان مفروض أجيبك من شعرك وأوديكي دكتور نفسي يعالج جنانك ده. بس أنا دلوقتي اللي هعالجك بنفسي يا جوري. أنتِ هتتحبسي هنا. مش هتشوفي الشارع أبداً. أنا مش هطلعك من هنا أبداً. مفيش حرية ليكي تاني وبعدها بعد ما تتأدبي تروحي معايا للدكتور النفسي يصلح الكلاكيع اللي جواكي اللي بسبب أبوكي ديا."
حمر عين جوري من فرط الانفعال وصرخت:
"الكلاكيع دي أنتِ اللي عملتيها فيا مش بابا أبداً. صحيح آذاني كتير بس أنتِ أذيتيني أكتر منه. أنتِ اللي كل ما أعمل حاجة غلط مهما كانت صغيرة تفكريني بيه وتقولي إنّي هطلع زيه. زرعتي الفكرة دي في راسي. فهمتيني إن عمري ما هبقى سوية بسببه. أنتِ السبب يا ماما أنتِ السبب. أنتِ اللي دايماً بتفكريني بيه. دايماً بتقوليلي إنّي شبهه. محاولتيش حتى تخليني أنساه. دايماً حاطاه بيننا."
"أنا... أنا حاولت كتير إني أعالجك من جنانك زي أبوكي." صرخت والدتها وهي تضرب الباب بقوة لتصرخ جوري بقوتها وقد شعرت بأن جوفها يحترق.
"أنا مكنتش عايزة دكتور. أنا كنت عايزاكي تحبيني."
"أنا مكنتش بحبك يا جوري. بعد اللي عملته ده كله طلعت مبحبكيش؟" بكت جوري وقالت:
"لا محبتنيش. دايماً بتفكريني بيه. حاطاه بيننا وبتقارنيه بيا أنا. أنا ذنبي إيه أتحمل ده كله ولا عشان أنا بنته. ليه تحمليني نتيجة غلطتك انتِ انتِ اللي اخترتيه مش أنا. مش أنا خالص."
"بس... بس اخرسي. متبرريش فشلك وجنانك. أنا مش مسئولة على حاجة. أنتِ السبب يا جوري. أنتِ السبب." و... فجأة توقفت عن الكلام وهي تسمع صرخة جوري والزجاج. ينكسر.
"جوري!!!" قالتها هي برعب ثم نهضت وفتحت الباب بسرعة لتصرخ وجوري تضربها بالمقعد الخشبي على وجهها. وقعت والدتها أرضاً وهي غارقة في دمائها لتهرب هي متجهة إلى المكان الذي برأسها.
كان جالس على الأريكة وهو يضمها إليه ويقبل رأسها.
"إيه رأيك نجيب ياسمين بكرة من عند حماتي. أصلها وحشتني أوي." قالتها ورد وهي تنام على صدره وتنظر للتلفاز.
"ماشي نجيبها يا حبيبي."
"بحبك وانت رايق كده." ضحك ياسين وقال:
"محسساني إنّي أربعة وعشرين ساعة مجنون."
ضحكت هي وقالت:
"لا العفو يا أخويا. أنت سيد العاقلين."
نظر إليها ورفع وجهها وقال:
"أنا مجنون بيكي وبس." ثم اقترب ليقبلها ولكن رنين جرس المنزل أوقفه. ابتعد عنها بضيق وقال:
"مين الغلس ده بس؟"
نهض وفتح الباب ليتراجع قليلاً وهو يرى جوري هي ترتعش وكفها مخضب بالدماء:
"أنا قتلت ماما. قتلت ماما يا ياسين!!" قالتها وهي تضحك بجنون.
في المساء. في عيادة الطبيب النفسي. كان جالس وهو يشعر بالضياع. عينيه لامعة بالدموع بينما يقول:
"حضنتها يا دكتور. قولتلها إني آسف بس هي مشيت وسابتني. قلبي اتكسر وأنا شايف بنتي بتبعد عني بالشكل ده. بس قلبي واجعني أكتر وأنا عارف ومتأكد إني أنا السبب في كل ده. أنا اللي بعدتها عني بالشكل ده. أنا السبب في كل ده يا دكتور. أنا السبب."
"طيب حابب تتكلم عن السبب الأساسي اللي خلاك تعامل بنتك بالشكل ده؟ مستعد تتكلم عن الموضوع؟"
نظر كريم إلى الطبيب وهو يزدرد ريقه بصعوبة ولكنه قال:
"أيوه يا دكتور مستعد أنا عايز أتكلم عن الموضوع."
ابتسم الطبيب وقال:
"جميل اتكلم يا كريم."
نظر كريم إلى الطبيب وداخله يرتعش بشدة.
"مراتي خانتني. خانتني." قالها بصعوبة شديدة كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة ثم نظر إلى الطبيب ليرى رد فعله ولكن ملامح الطبيب كانت غير مقروءة فقط ينظر إليه ويحثه على أن يكمل كلامه. فرك كريم كفيه ببعض والتوتر ارتفع داخله. شعر أن دقات قلبه تتسارع. والألم يعصف به من الداخل. إنه من المؤلم أن يتذكر ما حدث مجدداً. مؤلم جداً أن يعيش نفس الشعور.
تنهد بقوة وهو يكمل:
"كانت بتجيبهم البيت عندي وأنا كنت زي العبيط مش عارف أي حاجة. كانت بتستغفلني. كنت بثق فيها أكتر من نفسي. وبحبها أكتر من نفسي. عشان كده كانت صدمتي كبيرة لما اكتشفت خيانتها."
صمت قليلاً وقد مسح الدموع التي انسابت من عينيه وأكمل بإختناق:
"في يوم رجعت البيت وعرفت أن بنتي عند الجيران ومراتي قالت إنها رايحة مشوار. كنت مش فاهم حاجة وحاولت أتصل بيها بس تليفونها كان مقفول وبعدين قريت رسالة منها بتقول إنها مبقتش تحبني وإنها عايزة تتطلق. مكنتش فاهم أي حاجة. وليه هي عملت كده. اتصلت بأهلها اللي برضه مكنوش فاهمين أي حاجة. قعدت يومين وأنا مصدوم ومنهار. بدور عليها زي المجنون وأنا نفسي أسألها هي ليه عملت كده ليه؟ كنت مصدوم ومش فاهم أي حاجة. أنا وهي كنا مبسوطين أوي مع بعض. محرمتهاش من حاجة ولا خنقتها بزيادة ومعانا بنت زي القمر. حياتنا كانت حلوة أوي وفكرت أنا عملت إيه عشان تقول كده أو تهرب مني. لحد ما في يوم جالي اتصال من الشرطة إنهم لقوا مراتي. وأنها ماتت في حادثة. لسه فاكر اليوم ده. اليوم ده كان أسوأ يوم في حياتي يا دكتور. حسيت الأرض بتتهز تحتي. اتصدمت وقلبي وقع في رجلي من الخوف. بس الصدمة الأكبر لما اكتشفت إنها لما ماتت في حادثة كانت في عربية عشيقها وكانوا هربانين مع بعض. عرفت ده من موبايلها والرسايل اللي قريتها ما بينهم. أنا يا دكتور لسه محتفظ بالموبايل ده عشان كل أما افتكر إني كنت بحبها أشوف الرسايل وأفتكر إنها خانتني مع كلب ميسواش. كنت بقسي قلبي عشان متوحشنيش. كنت بعلم نفسي أكرهها زي ما حبيتها. لدرجة... لدرجة إني كرهت بنتي بسببها."
دموعه انفجرت من عينيه وهو يكمل بإختناق:
"الكل بيقول إن نسرين شبهي. بس أنا طول عمري بشوفها شبهها هي. نفس النظرات. نفس الحركات ونفس الجمال والرقة. عشان كده بعدت عن نسرين. أنا عاقبت بنتي عشان مقدرتش أعاقب الخاينة على خيانتها. أنا بشع يا دكتور. أنا مش أب كويس."
ثم انفجر بالبكاء. كان يبكي بمرارة وهو يتذكر كيف أنه أذى ابنته. كيف أبعدها عنه.
"أنا عايز بنتي ترجع تحبني يا دكتور. عايزها تشوفني أمانها من جديد. مش عايز أشوف الكره في عينيها تاني عشان ده بيعذبني. ممكن ده يحصل ولا أفقد الأمل خلاص؟"
تنهد الطبيب وهو ينظر إليه وقال:
"مفيش حاجة مستحيل. بس أنت مستعد تعمل إيه عشان تخليها تثق فيك تاني ده اللي هيحدد. بس المهم متبقاش شايفها زي مراتك. تكون شايفها كبنتك. بنتك اللي ملهاش أي ذنب. مشكلتك يا كريم هي الغضب. أنت غضبان عشان مقدرتش تعاتب مراتك أو تعاقبها فشوفت إنك تعمل كده مع النسخة الأصغر منها وهي بنتك ورغم أنك اتجوزت اخت مراتك إلا أنك فضيت غضبك على بنتك."
قاطعه كريم وقال:
"نهى مختلفة عنها خالص. مكانتش شبهها. كأنهم مش أخوات."
هز الطبيب رأسه وقال:
"فهمت. أنت لسه عايش في الماضي يا كريم. مش سامح لنفسك إنك تنسى وتتعافى واعتقد دي مشكلتك وده اللي هنحاول نحله سوا. كل حاجة هتكون بخير متقلقش."
في اليوم التالي. فتحت جواهر عينيها لتجد عبير نائمة بجوارها. عبير منذ أتت وهي لا تتركها أبداً مهما حاولت جواهر معها لكي تذهب. ولكنها عنيدة. حتى عدي لا يتركها إلا فقط عندما يذهب لعمله.
نهضت جواهر وخرجت من الغرفة وهي تتجه إلى الأريكة التي اعتادت أن تجلس عليها والدتها. وقالت:
"ليه ميكونش ده حلم. ليه ميكونش كابوس. أنا محتاجالك يا ماما."
"وأنا دايماً معاكي يا جوهرتي." نظرت جواهر بجانبها لتجد والدتها تجلس بجانبها.
"ماما..." قالتها والدموع تطفر من عينيها ثم أكملت:
"ماما أنا مش قادرة أعيش من غيرك. تعالي خديني."
ابتسمت سوسن وقالت:
"هتقدري وهيخف الألم اللي في قلبك يا جواهر وهتفرحي."
هزت جواهر رأسها وقالت:
"الحياة مبقتش ليها قيمة من بعدك. اكتشفت إنّي مش قادرة أعيش. مفيش حاجة مفرحاني ولا حد قادر يملى مكانك يا أمي. عبير مش سايباني ورغم كده حاسة إني وحيدة بقول ياريت أموت وأرتاح عشان أشوفك. نفسي أروحلك يا ماما. نفسي حتى أحضنك أو أبوسك."
اقتربت سوسن من ابنتها لتغمض جواهر عينيها وهي تشعر بقبلة والدتها الحنونة على جبينها. ثم فتحت عينيها لتجد والدتها اختفت. نظرت حولها بجنون. هل كانت تتخيلها معقول؟ رنين الجرس جعلها تنتفض من مكانها. نهضت وذهبت لتفتح الباب. نظرت من العين السحرية لتجده والدها. فتحت الباب بسرعة بلهفة واندفعت بين أحضانه تبكي بعنف. ربّت عامر على ضهرها برفق وقال:
"شدي حيلك يا بنتي. شدي حيلك."
"أنا بقيت لوحدي. ماما سابتني ومشيت." ابتعد عامر عنها وأمسك كفها وقال:
"اهدي يا بنتي. خليني بس أدخل عشان هقولك كلمتين وأمشي."
نظرت إليه بدهشة ومسحت دموعها بينما يدخل المنزل ويجلس على الأريكة. ذهبت هي وجلست بجواره وقالت:
"تمشي. تمشي ليه. خليك معايا شوية. أنا... أنا..."
"جواهر اسمعيني وبس ومن غير ما تقاطعيني. ربنا يعلم إن اللي هقوله ده صعب عليا قد ما هيبقى صعب عليكي."
"انت بتقول إيه يا بابا؟" قالتها ببلاهة وهي لا تفهم شيئاً. تنهد عامر وهو يتذكر وعده لسوسن ثم نظر إلى جواهر وقال:
"أنا مش أبوكي الحقيقي يا جواهر!!"
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سولييه نصار
بيننا رابط قوي هل تشعرين به؟!
أنا شعرت به عندما أمسكت كفك!!
- أنا مش بنتك...
- مش بنتك ازاي؟!
قالتها جواهر بصدمة وهي تنظر إليه. شعرت أن أحد لكمها في وجهها. أو ربما والدها قد فقد عقله. أو هي سمعت خطأ.
- بابا انت بتقول اني مش بنتك ازاي؟! ازاي أنت مش أبويا... هو ده هزار صح!! أنت بتهزر معايا او بتحاول تهرب من مسؤوليتك ناحيتي... اطمن أنا مطلبتش منك حاجة... ولا عايزة منك حاجة... لا عايزة فلوس ولا أي حاجة... حتى وقفتك جمبي مش عايزاها بس بلاش تكدب.
نظر إليها عامر بشفقة. الأمر صعب عليه. لا يستطيع أن يفعل هذا. ولكنه وعد سوسن أن يفعلها. ما ذنبها تلك المسكينة أن تكتشف أنها عاشت كذبة كبيرة. رد فعل جواهر أقلقه. فهي تنظر إليه الآن كأنه مجنون. كأنه يقول كلام غير معقول.
ازدرد ريقه ولمس كتفها وقال:
- ممكن تهدي. بس وتسمعيني.
ولكنها أبعدت كفه وقالت بعصبية:
- أسمع ايه؟! قول لي اسمع ايه؟! أنت عايز تتخلى عن مسئوليتك وبتقول من بنتك... ليه بتعمل كده؟
- عشان أنتِ فعلا مش بنتي... أمك...
- بس.. بس اسكت مش هسمح لك تغلط فيها... اياك تجيب سيرتها على لسانك!!!
صرخت جواهر بقوة وهي تمسك من ثيابه وتهزه. كانت النيران تندلع من عينيها. كانت مستعدة لقتله لو تكلم بكلمة سيئة عن والدتها.
- ممكن تسمعيني. بس.... متهربيش من الحقيقة!!!!
- بس بس... خلاص اسكت... اطلع برا... اطلع برا!!!!
صرخت بقوة وهي تضع كفها على أذنها. استمرت بالصراخ حتى انتفضت عبير من نومها ونهضت مسرعة من الفراش وارتدت اسدالها سريعا وهي تخرج من الغرفة.
أمسك عامر كفي جواهر وصرخ:
- هروبك من الحقيقة مش هيفيدك يا جواهر... أنا مش أبوكي... مش أبوكي... أبوكي هو شريف صديق!!!!!
شحبت جواهر كالاموات وهي تنظر إليه. شعرت أن الكلمات وقفت في حلقها. وأن العالم يميد بها. تراجعت وكادت أن تسقط من فرط الصدمة الا ان عامر أمسك ذراعها وهو يقول بشفقة:
- اهدي يا بنتي... اهدي...
هزت جواهر رأسها ودموعها تنفجر من عينيها وقالت:
- لا لا... ده مستحيل... أنت كداب... حرام عليك ليه بتكدب... أنا مش عايزة منك حاجة ولا...
- جواهر!!!
كان هذا صوت عبير المصدوم. نظرت جواهر خلفها لتجد عبير تنظر إليها بصدمة كبيرة بينما الدموع تنهمر من عينيها.
هزت جواهر رأسها وقالت:
- لا لا يا عبير متصدقيش... أمي متعملش كده... ده كذاب... عايز يهرب من المسؤولية.
نظرت إليه مرة أخرى وقالت:
- حرام عليك... أمي ماتت... ازاي عايز تشوه سمعتها بالشكل ده. منك لله... منك لله...
- يا بنتي اسمعيني...
- اخرس... اخرس مش هسمعك... أمي اشرف منك ومن عيلتك كلها... أطلع برا مش عايزة اشوف وشك... يالا اطلع.
اقتربت عبير من جواهر التي بدت منهارة. كانت الدموع تطرف من عينيها دون توقف. اعتصر قلبها من الألم وهي ترى صديقتها في تلك الحالة المريعة. والتي ربما تكون شقيقتها!!!
- جواهر اهدي لو سمحتي.
هزت جواهر رأسها بجنون وقالت:
- لا يا عبير مش ههدى... ده بيتبلى على أمي... بيقول انها... انها... يا اخي حسبي الله ونعم الوكيل فيك. حسبي الله ونعم الوكيل فيك. آه.
صرخت وهي تضع كفها على رأسها وشعرت انها سوف تفقد الوعي بسبب الإنفعال.
أمسكتها عبير وأجلستها على الأريكة وهي تقول لعامر بغضب:
- خلاص لو سمحت روح... أنت مش شايف حالتها عاملة ازاي.... روح!!!!
ابتلع عامر ريقه. ولكن لا. هو يجب أن يخبرها كل الحقيقة. هي يجب أن تعرف. تلك كانت وصية سوسن قبل وفاتها. لذلك قال بقوة:
- أنا روحت لوالدتك المركز الطبي اللي كانت بتتعالج فيه من الكانسر. وقابلتها وهي اللي وصتني أقولك الكلام ده. انهيارك وانكارك الحقيقة مش هيفيد يا جواهر.
جلس عامر بكل هدوء وهو ينظر إليها بقوة وتذكر ما طلبته منه سوسن ثم بدأ يتكلم.
- أنت بتقول ايه؟! شريف زور أوراق جواهر؟! يا دي المصيبة.
قالتها سوسن بصدمة ليتنهد عامر ويقول:
- على الأغلب هو مهددها.
فركت سوسن كفيها بتوتر وقالت:
- بس تعرف يمكن ده أحسن يا عامر. يمكن قلبه يحن على بنته ويديها حقها في الورث.
- شريف وقلبه يحن؟! مظنش يا سوسن.
قالها عامر بسخرية. لترد سوسن بلهفة:
- لا يا عامر أنا حاسة ان شريف أخيرا هيحن على جواهر. دي بنته من دمه و...
- سوسن فوقي أنا وأنتِ عارفين حقيقة شريف. ده استغلك ورماكي ومرضيش يعترف ببنته. خان مراته وبعد بنته ازاي فاكرة أنه ممكن يحن على بنته ويديلها حقها.
- بس الصراحة الفترة اللي فاتت هو ساعدنا يا عامر في الوقت اللي انت مشيت.
قالتها بعتاب ليزفر بضيق ويقول:
- مكنتش هقدر أصرف على بنت مش من صلبي يا سوسن. الاتفاق اللي كان بيني وبين شريف اني اتجوزك وانسب جواهر ليا لكن مش مجبر اشيل. مسؤوليتها دايما دي مش بنتي يا سوسن!!
أطرقت سوسن برأسها ودمعة ساخنة تنساب من عينيها. ليتنهد عامر ويقول:
- سامحيني يا سوسن. أنا عملت اللي عليا. بس كان لازم اشوف حياتي كمان وأنا عشانك استحملت غلط جواهر فيا ورغم كل ده كنت ببعتلكم فلوس يعني عملت معاكم الصح.
تنهدت سوسن وقالت:
- عندك حق يا عامر. حقك عليا أنا.
أغمضت عينيها وهي ترتاح على الوسادة. كانت الدموع تحتشد حتى انسابت من بين عينيها المغلقة.
- عامر ممكن اطلب منك آخر طلب. آخر طلب بس نفذه ومش هطلب منك حاجة تاني.
- قولي يا سوسن.
قالها عامر بحيرة فقالت:
- بعد ما أموت ممكن تقول لجواهر على كل الحقيقة. قولها عن أبوها الحقيقي.
- ربنا يديكي....
ولكن سوسن قاطعته بإبتسامة حزينة:
- أنا حاسة اني خلاص هموت. دي وصيتي ليك يا عامر لما اموت قولها الحقيقة ممكن.
انتهى عامر من سرد ما حدث لتضع جواهر كفها على فاها وتبكي بعنف. كانت لا تصدق ما حدث وقد اهتزت صورة والدتها أمامها. لهذا تركت والدة عبير شريف وذهبت!!! لأنه خائن؟
- ازاي ده حصل؟! بين طنط وبابا؟!
قالتها عبير بصوت محطم لعامر الذي نظر إليها بحزن.
تنهد وقال:
- للأسف أبوكي استغل أم جواهر.
صوبت جواهر نظراتها الى عامر وقالت بنبرة مرتجفة:
- اغتصبها؟!
هز عامر رأسه وقال:
- لا مش اغتصاب. شريف استغلها. كان سن والدتك وقتها سبعتاشر سنة وكانت شغالة في بيت شريف. الحقيقة أنا وهي كنا شغالين مع بعض ونعرف بعض كويس بحكم الجيرة. شريف في الوقت ده كانت متجوز مدام لانا ومكانوش لسه خلفوا. شريف بدأ يتحرش بيها وبسبب خوف والدتك سابته لحد ما اقنعها أنه هيتجوزها ورسم عليها الحب لحد ما سلمتله نفسها واكتشفت بعدها أنها حامل. منه. شريف بيه رفض يعترف بالطفل وعشان الموضوع ما يكبرش اداني أنا فلوس عشان اتجوزها واكتبك على اسمي وبعدنا عن فيلته سنة ونص لحد ما اتجوزنا وخلفتي وبعدين سوسن رجعت بيكي للفيلا كان نفسها تتربي معاه وتبقي قريبة من أبوكي يمكن قلبه يحن عليكي. ووعدت شريف أنها مش هتتكلم وفعلا مقالتش حاجة وانتِ كبرتي مع عبير في بيت شريف.
كانت الدموع تنفجر من عيني جواهر. لا تصدق ما تسمعه. هل عاشت حياتها كلها في كذبة. هل تم خداعها من تلك التي اعتبرتها حياتها. لا هي لا تصدق هذا أبداً.
- انتوا لعبتوا بحياتي.... عملتوني لعبة؟!
قالتها جواهر مصدومة والدموع تطفر من عينيها.
أطرق عامر برأسه لتتدخل عبير وتقول بذهول وهي تبكي هي الآخرى:
- يعني... يعني.. ماما سابت بابا عشان خاين... هو خانها!!!
هز عامر رأسه لتنهض جواهر وتصرخ به:
- أنا عمري ما هسامحكم... عمري.. أنا بكرهكم كلكم... كلكم.
- جواهر اهدي!!
صرخت عبير بخوف وهي تراها في تلك الحالة المرعبة ولكن جواهر أخذت تصرخ وهي تحطم كل شئ أمامها وتصرخ حتى أنها حطمت بيدها الكأس الزجاجي الذي بالصالة.
- جواهر خلاص كفاية أنتِ جرحتي نفسك.
قالتها عبير وهي تحاول ضمها الا ان جواهر دفعتها بقوة ثم ركضت الى الغرفة وأغلقت الباب ثم جلست على الأرض ودموعها تنفجر كإنفجار الدماء من يدها.
- يا خبر.
قالتها عبير بإنهيار وهي تركض نحو الباب وتطرقه بقوة.
- جواهر... جواهر افتحي الباب!!!
قالتها عبير وهي تبكي بعنف. ولكن لا رد من جواهر. نظرت الى عامر وقالت:
- ساعدني اكسر الباب.
وبالفعل حاول عامر مساعدتها في كسر الباب ولكنه فشل. فقال وهو يلهث:
- هروح أجيب حد يساعدني اكسر الباب متقلقيش.
وبالفعل ذهب مسرعا خارج المنزل لتطرق عبير الباب وتقول وهي تبكي:
- جواهر افتحي الباب عشان خاطري. جواهر متسبنيش زي الباقي.
- أمشي يا عبير. امشي لو سمحتِ.
قالتها جواهر بنبرة مختنقة وهي تضرب على الباب بقوة لتهز عبير رأسها وتقول:
- لا لا مش همشي. مش هسيبك. اللي سمعته ده مش غير أي حاجة من مشاعري ناحيتك. بالعكس حبيتك اكتر.
جلست عبير على الأرض وقالت بإبتسامة حزينة:
- من زمان وانا بحس فيه رابط بيننا من صغرنا. أنتِ دايما كنتِ بتحميني زي ما اكون اختك الصغيرة. دايما كنت بحس اني مسؤوليتك. حتى أنك مفكرتيش مرتين لما هربتيني من عند بابا. أنقذتيني من جواز انا مش عايزاه. بفضل ربنا وبعدها أنت لقيت حب حياتي. وقفتي دايما جمبي. أنت فاكرة أن اللي سمعته ده خلاني أكرهك أو ألوم طنط سوسن. أنا لو هلوم هلوم بابا بس هو اللي انسان مش كويس. دمر حياتي ودمر حياتك وحياة ماما وطنط سوسن ولكن والله اني اسمع اني اختك دي حاجة فرحتني مزعلتنيش. أنا مليش بعد ربنا الا أنتِ وأمير وتحية. وأنت اقربلي كمان. أنتِ أختي من دمي. مستحيل اكرهك. مستحيل. افتحي يا جواهر عايزة احضنك. افتحي ابوس ايديكي.
انتفضت عبير وهي تشعر بالباب يفتح. نهضت عبير وهي تنظر الى جواهر التي كفها ينزف والدموع تغرق وجنتيها. اندفعت عبير وعانقتها بقوة وهي تبكي. كانت تعانقها بلهفة وكأنها وجدت شئ كانت تبحث عنه لسنوات. ابتعدت عبير عن جواهر وهي تمسك كفها وتسحبها نحو الأريكة وتقول:
- الحمدلله الجرح مش عميق.
وبعدها دخل عامر هو ورجل لكسر الباب فقالت عبير:
- عم عامر روح جيب قطن وشاش عشان الجرح بتاعها.
هز عامر رأسه وذهب.
بعد قليل. ساعدت عبير جواهر على الاستلقاء بعد ان ضمدت جرحها وذهب عامر وقررت ان تتسطح بجوارها. ابتسمت عبير وهي تنظر إليها وتقول:
- حاسة ان بقالي عيلة. لو أمير زعلني هجيلك انتِ واخليكِ تدافعي عني زي ما دايما بتدافعي.
ابتسمت جواهر وهي تنظر إليها. رغم الاختناق التي كانت تشعر به ولكن سعادة طفيفة طغت داخلها. أمسكت عبير كفها وقالت وهي تضحك بخفوت:
- وأنتِ كمان لما تتجوزي عدي ويزعلك تعاليلي وأنا هقف معاكي. هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليه.
تجهم وجه جواهر وقالت بصوت ضعيف:
- معتقدش أنا وعدي لينا فرصة مع بعض.
عبست عبير وقالت:
- ازاي ملكومش فرصة مع بعض. أنتِ بتهزري. الواد بيموت فيكي. ده مسابكيش ثانية الا للشغل بتاعه وعشان يشوف اخته. مكانش بينام كويس ولا ياكل كويس. مكانش بيعمل حاجة الا يبص عليكي وانتِ نايمة وبس. عمل اللي ميتعملش عشانك. رغم اني أنا كنت موجودة بس رفض يمشي. حتى أنه قال لكل اللي هنا انه خطيبك وهتتجوزوا قريب.
- هو عايز يتجوزني شفقة و...
ضربتها عبير على كتفها وقالت:
- شفقة ايه يا بنت أنتِ متبقيش عبيطة كده. الراجل بيحبك اتلمي. اياكي يا جواهر لما يطلب منك الجواز تتقلي. توافقي علطول. لا تفكري ولا بتاع أول ما يقولك تتجوزين. قبل ما يكمل الكلمة قوليله موافقة علطول.
عبست جواهر وقالت:
- مش هيقول عليا كده اني واقعة.
- طيب ما أنتِ واقعة فيه ليه الكدب؟ هنخدع الراجل يعني ونتقل. اسمعي كلامي بس واعملي اللي بقولك عليه.
هزت جواهر رأسها وقالت:
- حاضر.
ابتسمت عبير وعانقتها وهي تربت على ظهرها.
بعد ساعة تقريبا. كانت جواهر أخيرا خلدت للنوم. نهضت عبير وهي تتنفس براحة. ما عرفته اليوم صدمها حرفيا. لم تتخيل أن يكون والدها بتلك الحقارة. بدأت بترتيب الصالة التي دمرتها جواهر في ثورة غضبها. فجأة جرس الباب رن. اتجهت للباب وهي تنظر الى العين السحرية لتجده عدي وأمير. لفت حجابها جيدا وفتحت الباب وهي تنظر إليهما واليأس يحفر آثاره العميقة بوجهها.
بعد قليل.
- بتقولي ايه؟
قالها عدي بصدمة بعد ان قصت عليه كل شيء.
مسحت عبير دموعها وقالت:
- أنا دلوقتي ميهمنيش الا جواهر وبس. المسكينة مكسورة رغم اني بحاول اخرجها من اللي هي فيه بس هي مكسورة. اللي عرفناه النهاردة كارثة كبيرة. بابا دمر الكل. دمرني أنا وجواهر وأمي وأمها.
- لا حول ولا قوة الا بالله. خلاص يا عبير اللي حصل حصل المهم دلوقتي أنك تبقي معاها.
قالها أمير ثم أكمل:
- أنتِ الوحيدة اللي ممكن تخرجيها من الحالة دي. صدمتين في وقت واحد صعب عليها.
هزت عبير رأسها وقالت:
- أنا مش هسيبها ابدا.
ظل عدي صامتاً. كان في باله حل واحد الآن ان يتزوج من جواهر. لن يتركها تواجه كل هذا لوحدها أبدا.
بعد ان ذهبا عدي وأمير. ذهبت عبير لتطمئن على جواهر لتجدها نائمة بهدوء. تنهدت وهي تتجه الى المطبخ لتصنع لها الطعام. أمسكت البصل وبدأت بتقطيعه ولكن فجأة صرخت عندما جُرحت يدها. ألقت السكين على الأرض بإنفعال وهي تبكي بعنف وتضرب على الرخام الخاص بالمطبخ بإنفعال وهي تقول:
- أنا بكرهك... بكرهك... بكرهك!!!
ثم جلست على الأرض وهي تضع كفها على وجهها وبكاءها يزداد. كان قلبها يتمزق بفعل الألم. تشعر أنها تختنق. تموت وكل شئ حولها يقتلها. الحقيقة كانت صعبة عليها. هي لم تنهار رأفة بجواهر ولكنها الآن أعطت لنفسها الحرية ان تنهار وتبكي. انتفضت عبير وهي تشعر بكفي جواهر تحاوط جسدها. نظرت إليها عبير وهي تشهق بقوة. ضمتها جواهر إليها من غير كلام. وكأن هذا ما كانت تحتاجه العناق دون كلام. ظلت عبير تبكي بين ذراعي جواهر وقد أتى دورها الآن لتنهار. قبلت جواهر رأسها مرارا وهي تربت على كتفها. في ذلك الوقت كلاهما فهم الرابط الكبير الذي يربطهم سويا. انه رابط الأخوة.
في المساء. في المشفى. كان ياسين جالس على المقعد. يتذكر بذهول ما حدث.
- أنا قتلت ماما. قتلت ماما يا ياسين.
قالتها جوري بعيني متسعة وهي تضحك. كان ياسين ينظر إليها وكأنها جُنت أخيرا وقال:
- بتقولي ايه؟
ضحكت جوري وهي تظهر له كفها المخضب بالدماء وقالت:
- بقولك قتلت ماما. أنا قتلت ماما يا ياسين!
نهضت ورد من مكانها وهي تقترب منهما والرعب يطل من عينيها. أمسكت ورد بذراع ياسين وهي تنظر إليه بصدمة. صدمها حالة جوري التي تضحك بكل جنون. اقترب ياسين من جوري التي تضحك بقوة واخذ يهزها وقال:
- قتلتيها ازاي يعني؟ انطقي.
- قتلتها. ضربتها على وشها بالكرسي. خلاص هي ماتت. محدش هيعايرني تاني بأبويا. محدش.
ثم أخذت تضحك بقوة.
أمسك ياسين بذراعها وهو يعتصرها ثم ارتدي حذاؤه وهو يوجه كلامه لورد:
- خليكي هنا عشان اشوف الهانم عملت ايه!!!
ثم خرج وهو يجر جوري خلفه.
خرج من شروده وهو يضع كفيه على وجهه. تذكر أنه ما ان ذهب هناك حتى صُدم بفقدان والدة جوري للوعي وهي في حالة سيئة جدا. حيث ان وجهها مخضب بالدماء. وعلى الفور أبلغ الشرطة والاسعاف وجلس بجواره السيدة عفاف وقلبه ينبض بخوف. وفي تلك الاثناء كانت جوري اختفت من جانبه. وهكذا ظل طوال الليل في مركز الشرطة يدلي بإفادته التي اثبتتها الكاميرات المثبتة في المتجر المقابل للبناية السكنية المقيمة بها السيدة عفاف. وحتى ان الشرطة حتى الآن يبحثون عن جورى التي اختفت تماماً. كان سيقول أنها ذهبت للدجال الذي تعرفه ولكن حتى هو تم حبسه بعد أن اتهمته احداهما بإغتصاب ابنتها بالإضافة الى ممارسة الشعر الشعوذة. الآن هو يتعفن بالسجن. ولكن المشكلة الآن اين جوري.
في مكان ما مظلم. وقفت جوري وهي تقول بإبتسامة غريبة:
- أنا أهو جيتلك يا بابا.
في اليوم التالي مساءا.
- ايه اللي بتقوليه ده لا مش همشي واسيبك. أمير ممكن يستنى.
قالتها عبير بعناد لجواهر لتبتسم جواهر وتقول:
- أنتِ هتعصي كلام اختك الكبيرة معقول؟ لا متوقعتش منك كده أبدا يا عبير. أنا زعلانة منك.
- يا جواهر اسمعيني بس و...
أمسكت جواهر كف عبير وقالت:
- لا يا بيري. روحي لجوزك يالا انا كويسة والله. روحي بس. أنا هكون كويسة وأبقي تعالي بكرة ماشي.
كانت عبير تهز رأسها برفض. كانت ترفض الأمر برمته ولكن جواهر أصرت عليها أن تذهب وبالفعل رضخت عبير على مضض لطلبها. دقائق وارتدت ثيابها ثم ودعتها وغادرت. ولكن قبل أن تخرج حتى من البناية اخبرت عدي بما حدث والذي أخبرها انه سوف يأتي إليها بعد ما ينتهي عمله.
بعد أن غادرت عبير شعرت جواهر بفراغ موحش في قلبها. جلست على الأريكة بتعب بينما الدموع تنفجر من عينيها. كانت تتألم حقا. قلبها يتمزق. روحها تحترق. ما عرفته دمرها نهائيا. الأحداث المؤسفة التي توالت عليها مؤخرا أسقطتها. جعلت من تلك الفتاة التي تشدقت دوما بقوتها فتاة هشة للغاية. ضمت جواهر جسدها بذراعيها وهي تهتز وتبكي حتى شعرت أن عينيها تحرقها بسبب بكاؤها العنيف. رنين جرس الباب جعلها تنتفض من مكانها. خفق قلبها. ربما يكون هذا عدي او عبير عادت مرة آخرى. لقد اكتشفت أنها لا تريد البقاء بمفردها. هي تخاف من تفكيرها. تخاف ان تنشز بتفكيرها. لا تريد أن تكون هي وعقلها بمفردهما الآن. أسرعت لتفتح الباب وابتسامة متلهفة على فمها بينما الدموع تتساقط بالتتابع من عينيها. تيبست الابتسامة على شفتيها وهي تجده أمامها. آخر من تريد رؤيته الآن. الذي تسبب في كل الجحيم الذي تعيشه الآن.
- أنت!!! أنت بتعمل ايه هنا؟
قالتها جواهر بقسوة وهي تمسح دموعها بعنف حتى كادت أن تؤذي عينيها. لم يظهر شريف أي انفعال بل قال وهو يرفع رأسه كالعادة:
- ممكن أدخل؟!
طحنت جواهر أسنانها وقالت:
- لا مش هتدخل واتفضل أمشي من هنا!!!
ثم كادت أن تغلق الباب الا انه امسك الباب وقال بهدوء:
- لا أنا هدخل!!!
وبالفعل أمام عينيها المصدومة ولج للمنزل. أغلقت هي الباب بكل عنف واقتربت منه صارخة والكره تندلع من عينيها كنيران لاهبة.
- عامر قالك على كل حاجة صح.؟!
قالها شريف لترد بعنف:
- أيوه قالي. وده مش هيغير حاجة أنا عمري ما هعتبرك ابويا. انت رفضت تعترف بيا زمان وانا دلوقتي مش هعترف بيك.
- عيب تتكلمي بالطريقة دي معايا يا جواهر أنا جاي أقف معاكي في محنتك و...
- انت آخر واحد عايزاه يقف جمبي. انت آخر واحد عايزة اشوفه دلوقتي. أنا مش عايزاك في حياتي. اطلع برا بيتي. اطلع برا.!!!
- يا بنتي بس...
وضعت كفها على أذنها وقالت:
- أسكت. أسكت متجيبش سيرة اني بنتك على لسانك.
نظرت إليه وقالت بقوة:
- متعرفش أنا قد ايه قر فانة من نفسي لاني بنتك. متعرفش أنا كارهة نفسي قد ايه. حاسة بالعار ان دمك بيمشي في دمي و.... آه.
صرخت بصدمة وكفه تنطبع بعنف على وجهها. نظرت إليه بغضب ليقول:
- لما تيجي تتكلمي مع أبوكي اتكلمي بأدب يا جواهر. في المرة اللي هتقلي أدبك عليا تاني هتأخدي قلم زيه!!!
- أطلع برا بيتي حالا. عدي جاي دلوقتي.
ابتسمت بسخرية وهي ترى شحوب وجهه فأكملت بإستفزاز:
- وطبعا مش عايزة افكرك عدي عمل فيك أيه آخر مرة. أنت خسرت كل حاجة. هو مش هيتردد يحبسك المرة دي لو سمع أنك مديت ايديك عليا.
- مش هيعمل حاجة.
قالها بنبرة حاول إخراجها ثابتة ولكنها ابتسمت وقالت:
- لا هيعمل وهيعمل كتير اووي. عدي بيعمل أي حاجة عشان اللي بيحبهم وهو بيحبني. إذا كان لما كان زعلان مني لما خدعته اخد منك الشيكات عشان يحميني. دلوقتي هو مش زعلان مني وكمان قال للكل انه خطيبي. عدي مش هيخليك تقرب مني ولا تأذيني ولو عرف أنك دلوقتي ضربتني بالقلم هيأخد روحك.
- أنتِ بتهدديني بعدي بتاعك ده؟
قالها شريف بغضب لتهز جواهر رأسها وتقول:
- بالضبط كده أنا بهددك بيه وبقولك احسنلك تمشي دلوقتي اللي قاله عامر مش هيغير حاجة. أنا عمري. عمري ما هعتبرك ابويا. وحتى لو مت من همشي في جنازتك يا شريف صديق.
الكره الذي يندلع من عينيها أحر ق روحه. رغم البرود الذي يدعيه الا انه محطم من الداخل. ابنته تكره وعبير أيضا. لقد خسر كل شيء. اتجهت جواهر الى الباب وفتحته وقالت:
- اطلع برا بيت أنا أهلي ماتوا لما ماتت أمي. بالنسبالي انت وعامر نفس الحقارة.
طحن اسنانه وسيطر على نفسه كي لا يضر بها مجددا واقترب منها وقال:
- كان عندي بعد نظر لما رفضت اعترف بيكي. أنتِ فعلا واحدة متربتيش.
ابتسمت بسخرية مريرة وقالت:
- معلش بقا يا شريف بيه محدش كان فاضي يربيني ابويا الحقيقي رماني انا وأمي بعد ما أخد اللي عايزه وأبويا اللي مكتوبة على اسمه سابنا واتجوز وأمي كانت تعبانة فتلاقيني في الأدب مش قد كده عشان كده بنصحك تمشي من هنا والا ورحمة أمي اللي في قبرها هسمعك شتايم يتكسف خريجين السجون يقولوها. يالا برا.
بخطوات غاضبة خرج من المنزل لتغلق الباب بعنف ثم تسقط على الأرض وتنفجر بالبكاء. خلعت ثوب القوة لتظهر كم هي ضعيفة.
- ماما أنا محتاجالك. محتاجالك أووي.
قالتها جواهر ودموعها تطفر بقوة من عينيها.
بعد عشر دقائق. كان البكاء قد أنهكها بالفعل. نهضت واتجهت المطبخ وأخرجت منه شئ ثم ذهبت الى غرفة والدتها فتحت الخزانة لتخرج فستان والدتها المفضل. كان ترتديه في شبابها. كان فستان أحمر بلا أكمام. كان ترتديه والدتها دوما في عيد ميلادها. كانت تحب أن تكون جميلة في هذا اليوم فتتزين كإحدى سيدات المجتمع الراقي وترتدي هذا الفستان الثمين الوحيد الذي لديها والذي يبدو أنها دفعت فيه الكثير. خلعت جواهر ملابسها وارتدت هذا الفستان. ثم اتجهت الى طاولة الزينة واخرجت عطر والدتها المفضل. عطر الياسمين. رغم مرضها لم تتخلى والدتها عن عطرها المفضل. حتى أنها أخذته للمركز الذي كانت تتعالج به. رشّت منه القليل على رقبتها ثم وضعته وقامت بإسدال شعرها الأسود الطويل ومشطته. بعدها أمسكت احمر الشفاه القاني ووضعته على شفتيها. وأخيرا انتهت وابتعدت قليلا وهي تنظر لنفسها. إنها تشبه والدتها كثيرا. والدتها الحبيبة. هي تحتاجها وستذهب إليها. خرجت من الغرفة وجلست بالصالة أرضا وهي تمسك السكين التي أحضرتها من المطبخ سابقا وأمسكت صورة والدتها ووضعتها جانبا وهي تخط شيئا على ورقة وكتبت:
- أسفة. بجد اسفة.
ثم وضعت الورقة جانباً. ووضعت السكين على رسغها. توقفت قليلا وهي تشعر بوجود أحدهما. رفعت رأسها ليخفق قلبها وتدمع عينيها وهي ترى والدتها تنظر إليها بدون رضا. تساقطت دموعها وقالت:
- ملقيتش طريقة أسهل أموت بيها. بس الأكيد أن الموت أحسن بالنسبالي من أني أعيش من غيرك يا ماما.
ثم عقدت عزمها. هي لن تتوقف.
في إحدى قاعات الزفاف الكبيرة. كانت نسرين تتأبط ذراعي فؤاد وتسير معه في الرواق الطويل المزين بالورود بالقاعة. وعندما وصلا إلى نصف القاعة جذبها اليه وهو يرقص معها بنعومة. كانت عيني نسرين متعلقة به. السعادة تتألق في عينيها وقلبها يخفق بسعادة كبيرة. تشعر أنها تطير من السعادة. إنها غارقة في السعادة حتى اذنيها وكأنها نست كل ما تعرضت له. وكان الحياة لم تكن يوما سيئة معها.
- أنا مبسوطة أووي يا فؤاد. مبسوطة أووي يا حبيبي.
قالتها نسرين وعينيها تتألقان بقوة. تجمعت دموع السعادة بعينيها وقالت:
- أنا عمري ما توقعت اني هفرح كده يا فؤاد وده بسببك أنت. شكرا يا حبيبي. شكرا.
ضمها إليه أقرب وقال بصدق:
- وأوعدك اللي جاي هيبقى سعادة وبس. أنتِ مش هتبكي تاني ابدا يا روحي.
ابتعد عنها وذهب لمنسق الموسيقى وطلب منه شئ. لحظات قليلة وتم تغيير الموسيقى وأمسك فؤاد مكبر الصوت (ميكرفون) وبدأ يغني.
- وإنت معايا ميشغلنيش الناس
فرق الإحساس أجمل بكثير
وإنت معايا بشوفك أحلى الناس
دي حقيقة خلاص ما فيهاش تغيير
باين حبيت أيوه أنا حبيت
اقترب منها وهو يكمل بينما يرقص معها:
- حبيت الدنيا اللي بتضحك لي معاك على طول
باين حبيت أيوه أنا حبيت
وبشوف في عينيك الفرحة اللي تخليني بقول
إتأكدت إن أنا ما اقدرش أعيش
غير وأنا وياك وهقول لك إيه
ده مفيش ثانية تعدي ماتوحشنيش
وإرتحت معاك طب أسمي ده إيه
باين حبيت أيوه أنا حبيت
حبيت الدنيا اللي بتضحك لي معاك على طول
باين حبيت أيوه أنا حبيت
انتهت الأغنية ليصفق الجميع بينما يضم فؤاد نسرين ويحملها وهو يدور بها بقوة. كانت هي تضحك بسعادة وهي تشعر صدرها لا يسع قلبها من فرط السعادة.
بعد أن انتهى حفل الزفاف. كان فؤاد يمسك كف نسرين وهو يقف أمام السيارة التي سوف تقلهم للفندق حيث سيقضون ليلة الزفاف بأحد أكبر الفنادق بالبلدة ثم غدا يسافران الى إيطاليا الدولة التي تتيم بها نسرين لكي يقضوا شهر العسل بها. وبعد ان ودعوا نهى اقترب كريم منهما.
- خلي بالك منها يا فؤاد. رغم اني عارف أنك هتاخد بالك منها اكتر مني بس برضه خلى بالك منها.
قالها كريم بصوت متهدج وهو ينظر الى نسرين ابنته التي تتجنب النظر إليه حيث انها تطرق برأسها للأسفل تنظر الى تعانق كفها مع كف فؤاد. ابتسم فؤاد بسماحة حتى بانت نواجذه وقال:
- في عيوني يا عمي متقلقش.
هز كريم رأسه وقد انهمرت دموعه وهو يجذبه معانقاً إياه. ربت فؤاد على كتفه مبتسما. ابتعد كريم واقترب من ابنته مترددا ثم عانقها. تجمدت نسرين بين ذراعيه. ولم تشاركه عناقه. بدأ وكأن شوقها ناحيته قد خمد أخيراً. لقد فات الأوان على عاطفته تلك فلم تعد تريدها. ابتعد كريم والحزن يسيطر على قلبه بينما يرى ابنته بهذا الجمود. كان يتمزق حقاً ولكنه لم يدع حزنه يمنعه من رسم ابتسامة سعيدة على وجهه مع نظرات دامعة شكلت بمهارة وجه والد سعيد حتى البكاء من أجل ابنته ولكن لم يخفى الانكسار من عينيه وهو يقول:
- ربنا يجعل حياتك سعيدة دايما يا بنتي. ربنا يكرمك يارب.
هزت نسرين رأسها وهي تبتعد قليلا لكى تودع صديقتها المقربة ليان والتى لم تترك نسرين رغم الحالة النفسية السيئة التى تمر بها. ابتسمت ليان في وجه صديقتها وهي تخفي دموعها بمهارة وقالت:
- هتوحشيني يا نسرين.
أمسكت نسرين كف ليان وقالت:
- ما تيجي معايا يا لي لي هننبسط اووي.
ضحكت ليان وقالت:
- أنتِ مجنونة؟ عايزاني اجي شهر العسل. ده فؤاد يأكلني. لا انبسطي انتِ ونبقى نتكلم ماسنجر.
عانقت نسرين صديقتها بقوة وقالت بنبرة مختنقة:
- هتكوني كويسة؟
سيطرت ليان على نفسها بقوة وقالت:
- اكيد. هكون كويسة. يالا روحي لعريسك. يالا.
ابتعد نسرين عن ليان صديقتها وهي تقترب من فؤاد ليستقلا السيارة وينطلقان بها. تنهدت ليان وهي تقرر الانسحاب والذهاب لمنزلها. استقلت سيارتها ليوصلها السائق الى المنزل. رن هاتفها لتجده عدي.
- أيوة يا حبيبي.
قالتها ليان بتعب.
- أيوه يا لي لي. خلاص الفرح خلص.
- آه خلص. أنت جاي البيت النهاردة ولا.
- أيوه بس اطمن على جواهر وأكد على عبير تبقى معاها وبعدين جاي.
تنهدت ليان وهي تضع كفها على قلبها وتقول:
- مسكينة جواهر أنا عايزة اعزيها يا عدي. عايزة اشوفها.
هز عدي رأسه موافقا وقال:
- ماشي يا حبيبتي. بإذن الله بكرة نروح أنا وأنتِ لعندها اتفقنا.
- ماشي يا حبيبي اتفقنا. يلا سلام.
ثم ودعت شقيقها وأغلقت الهاتف وهي تتنهد بقوة. أسندت رأسها على نافذة السيارة ودموعها تتدفق من عينيها. تخبر الجميع انها بخير ولكنها ليست هكذا أبداً. هي تعاني. هي محطمة. تشعر بنيران تلتهمها. تتخبط ولا تدري لماذا تركها. وضعت كفها على قلبها وهي تربت عليه. لعلها تمنحه الراحة من تلك الآلام التي تنخر به. فجأة توقف السيارة بدوي مرتفع. شهقت ليان وهي ترتد للأمام. تراجعت للخلف وهي تتأوه وتضع كفها على جبينها. فجأة نظرت بصدمة الى السيارة السوداء الكبيرة التي خرج منها أربعة رجال أقوياء يرتدون الأسود وعلى ملابسهم صورة للأفعى. خرج السائق ليتكلم ولكن دون أي تردد صوب أحدهما السلاح على رأسه وأردأه قتيلاً. صرخت ليان برعب وهي تخرج من السيارة بقوة لا تعرف كيف امتلكتها وركضت من الناحية المقابلة وهي تطلب المساعدة ولكن هذا الطريق كان مهجور. لقد اخبرت السائق الا يسلك هذا الطريق ولكنه لم يأخذ برأيها. صرخت بقوة والرصاصة تصيب قدمها. وقعت على الأرض وهي تبكي بينما تزحف على بطنها وهي تحاول ان تنهض فتفشل. توقفت فجأة وهي ترى أحدهما يقف أمامها. رفعت رأسها بتعب لتجده رجل غزا الشيب رأسه. ينظر إليها بسخرية وعينيه السوداء تبرق بشكل مخيف.
- أنتِ بقا حبيبة القيصر الجديدة. طول عمره ذوقه هايل في النسوان. هازعل جدا لما اقتلك زي ما قتلت روان.
بهت وجهها وهي تنظر إليه. شعرت بالإختناق. هل هذا هو الذي دمر حياة موسى. كانت ترتجف بقوة والدموع تنفجر من عينيها. شعرت أنها سوف تموت بالفعل. هذا الرجل لا يعرف الرحمة. أخبرها موسى عنه بكل تفصيل. حاولت ليان تنهض وهي تبكي بينما صاموئيل ينظر إليها ويضحك بقوة. أخيرا وقفت على قدميها وهي تصرخ من الألم وبشجاعة لا تناسب الوضع الذي هي به بالمرة رفعت كفها وكادت أن تصفعه الا أن صاموئيل أمسك كفها وقال لرجاله وهو يضحك:
- الله ده القيصر طلع جامد مبيقعش الا مع الجامدين. حتى روان قبل ما اقطع رأسها عملت الحركة الغبية دي.
ثني ذراعها بقوة خلف ظهرها حتى انكسر. صرخت بقوة وكادت أن تسقط الا ان كفه اتجه الى شعرها وهو يمزقه في كفه. صرخت وهي تبكي. كان الألم فوق احتمالها. تمنت أن تموت وينتهي الأمر فهذا الرجل يبدو انه لن يقتلها بطريقة سهلة. جذبها صاموئيل من شعرها وهو يجرها خلفه. يجبرها ان تسير على قدمها المصابة ثم اتجه بها الى السيارة وصدم وجهها بباب السيارة حتى سقطت فاقدة للوعي ووجهها غارق بدماؤه. ابتسم صاموئيل بشراسة وهو يراها وقال:
- خدوه عشان نلفها ونبعتها هدية للقيصر.
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سولييه نصار
للأبد؟
-ماذا؟
– ستظل تحبني للأبد؟
– حتى تحترق النجوم وحتى تفنى العوالم، حتى تتصادم الكواكب وتذبل الشموس وينطفئ القمر، حتى أشيخ فتتآكل ذكرياتي، وحتى يعجز لساني عن لفظ اسمك، حتى ينبض قلبي للمرة الأخيرة، فقط عند ذلك ربما أتوقف، ربما.
– احمد خالد توفيق.
رنين جرس المنزل أوقفها عما بدأت بفعله.
فجأة رمت جواهر السكين والدموع تنفجر من عينيها.
لا تصدق أنها بهذا الضعف.
لا تصدق أنها كانت ستقوم بهذا.
لقد خذلت الجميع، أولهما والدتها.
غطت وجهها بكفيها ثم انفجرت ببكاء مرير وارتفع صوتها.
كان عدي يقف خارج المنزل وهو يرن الجرس.
أنها لا ترد.
أخذ القلق ينهش في قلبه.
رباه أن عبير ليست هنا.
جواهر بمفردها، ماذا إن فعلت بنفسها شئ.
كانت الأفكار السيئة تمزقه من كل اتجاه.
-جواهر… جواهر افتحي الباب!!
قالها عدي وهو يطرق الباب بكل قوته.
ولكن لا مجيب أبدًا.
-يا ربي… يا ربي أعمل إيه؟
قالها بنبرة مرتعشة بفعل الخوف.
يحاول أن يوقف تسرب الأفكار السيئة في عقله ولكنه لا يستطيع.
-جواهر افتحي الباب!!!
قالها وهو يطرق الباب بقوة أكبر.
ثم أخرج هاتفه وهو يرن عليها بينما يضع أذنه على الباب لعله يلتقط أي صوت.
ولكن لا شيء.
لا شيء على الإطلاق.
لم يفكر مرتين وهو يتراجع ليدفع الباب ويكسره.
ولكنه فجأة توقف وهو يرى الباب يُفتح وجواهر تكل عليه وهي ترتدي فستان أحمر.
بهت للحظات ولكن سرعان من اندفع وهو يعانقها بخوف ويقول:
-موتيني من الخوف عليكي، ينفع كده.
أغمضت جواهر عينيها المغمورة بالدموع وقالت بنبرة مختنقة:
-كويس إنك جيت… كويس.
ابتعد عدي عنها وقال:
-خلينا ندخل جوا نتكلم.
هزت رأسها ودخلت هي وهو للمنزل.
نظر عدي إلى الصالة وعبس وهو يجد سكين على الأرض.
ورسالة.
اقترب بتوجس من الرسالة ثم قرأها وعينيه تتسع بفزع.
نظر إليها لتهز رأسها وتقول بخجل:
-حتى في دي فشلت… مقدرتش أنتحر.
ألقى عدي الرسالة أرضًا واقترب منها وهو يهزها بعنف:
-إنتِ اتجننتي، عايزة تموتي نفسك. مفكرتيش فيا، ده أنا كنت أروح وراكِ.
طفرت الدموع غزيرًا من عينيها وقالت:
-أسفة… أسفة. أنا معرفش أنا بعمل إيه يا عدي. حاسة إني بموت، مش قادرة أستحمل غياب ماما. مش قادرة أستحمل اللي سمعته. اللي حصلي كتير… كتير أوي. حاسة إن طاقتي خلصت. وفكرت… فكرت إن ده الحل الوحيد عشان أرتاح. أنا… أنا…
تقطع صوتها وهي تبكي ليضمها إليه مجددًا ويقول:
-بس بس اهدي… اهدي أنا دايما معاكي يا جواهر وهنعدي ده سوا.
ابتعد عنها وأمسك كفها وقال:
-أنا عمري ما هسيبك. عمري ما هبعد عنك. هفضل طول عمري معاكي يا جواهر. هنعدي ده سوا.
هزت رأسها وهي تقول:
-عمري ما هقدر أتجاوز اللي حصل يا عدي. عمري مش هقدر أتجاوز اللي حصل. أنا مش هقدر يا عدي. مش هقدر.
-هنقدر نعدي ده سوا. ساعديني يا جواهر عشان نعديه سوا. إنتِ أقوى من كده.
هزت رأسها وقالت بإختناق:
-مبقتش قوية خلاص. صدقني يا عدي مش هقدر أتجاوز. اللي حصل ده كسرني. موت أمي وحقيقة إني عشت كذبة كبيرة. شريف طلع أبويا الحقيقي. ده كسرني يا عدي. ليه بيحصل معايا أنا كده. طول حياتي مرتحتش. عمري ما فرحت. أمي هي الوحيدة اللي كانت بتفرحني وماما راحت. أحيانًا بتمنى إن ده يكون مجرد كابوس وحش وإن لما أصحى هلاقيها قدامي. أحيانًا بضرب نفسي وأغسل وشي يمكن أفوق بس ده مبيحصلش يا عدي. أنا… أنا اتكسرت ومفيش حاجة هتتصلح.
نظر إليها بحزن وهو يراها بتلك الحالة.
حالتها تلك تقتله. تعذبه.
طفرت دموع جواهر أكثر وقالت:
-أنا بتمنى إني أموت. نفسي أموت يا عدي. أنا مش هقدر أعيش. مش هقدر.
هو لن يتركها بتلك الحالة. لن يجعلها تتعذب بتلك الطريقة. هو سوف يساعدها. سوف يفعل المستحيل كي يبرأ جرحها. سوف يصلح الضرر بقلبها. سوف يجعل أيامها أكثر سعادة. سيفعل المستحيل كي يسعدها.
-خلينا نتجوز!!
قالها عدي بعنف عاطفي وهو يعانق وجهها.
دموعها كانت تقتله. الألم الظاهر على وجهها كان يمزق قلبه.
هزت رأسها وكادت أن ترفض الا انه وضع كفه على شفتيها وقال:
-لا هتتجوزيني والا هأخدك معايا المأذون بالغصب وأتجوزك. تحت تهديد السلاح. أنا مجنون وأعملها على فكرة يا جواهر. ممنوع ترفضي الجواز مني.
-إيه هتجبرني؟
قالتها وهي تضحك بينما الدموع تطفر من عينيها.
مسح دموعها بحنان وقال وهو يقبل رأسها ويقول:
-أيوة هجبرك تتجوزيني. هجيب مسدس وأحطه في راسك وأخليكي تتجوزيني بالعافية.
ابتسمت وتألقت عينيها المغمورة بالدموع وقالت:
-تعرف يا عدي عبير قالتلي إيه؟
-قالتلك إيه؟
قالها وهو يربت على شعرها بكل حنان لترد هي وضحكة صغيرة تنفلت منها بينما دموعها ما زالت تنساب على وجهها:
-قالت إن أوافق علطول لو عرضت عليا الجواز. قالتلي أوافق قبل حتى ما أكمل الكلمة.
ضحكت مجددًا بينما هو يمسح دموعها التي لا تتوقف عن الإنهمار وأكملت:
-قولتلها يعني كده مش هبان إني واقعة. قالتلي عادي عشان أنا واقعة فعلاً.
ضحك عدي وقال:
-أنا واقع أكتر منك. بس أنتِ مسموح ليكي تدلعي عليا براحتك أوي. لو عايزاني أترجاكي أكتر عشان تتجوزيني. أنا معنديش أي مانع.
هزت رأسها بالنفي وقالت:
-لا.
ولكنه كان بالفعل جثا إلى ركبتيه وأمسك كفها.
-عدي. بتعمل إيه؟
قالتها جواهر وهي تحاول سحبه لينهض إلا أنه قال:
-اصبري يا ست عشان أطلب إيديكي بطريقة رومانسية بدل ما تروحي تقولي لعيالنا بكرة إن أبوكم مش رومانسي وكروت عرض الجواز بتاعه.
ضحكت هي بعيني دامعة.
أخرج عدي صندوق صغير مخملي من جيبه وفتح ليلمع خاتم ماسي أمام عينيها الذاهلتين.
تنهد عدي وأغمض عينيه ثم بدأ يتكلم وقال:
-جواهر أنا افتكرت إني عمري ما هحب مرة تانية ولا هثق في أي ست تاني. كنت خايف أسلم قلبي لأي واحدة وقولت إن لو واحدة حاولت معايا هصدها. بس. أنتِ كنتِ مختلفة. أنتِ محاولتيش تأخدي قلبي. أنا اللي كنت ملهوف عشان أسلمك قلبي. كنت ملهوف إني أحبك. وتحبيني. جواهر أنا بحبك. بحبك رغم كل اللي حصل بيننا. بحبك أكتر من أي ست دخلت حياتي. بالنسـبة لي حياتي مفيهاش إلا اتنين في قلبي. اتنين مستعد أموت عشانهم والاتنين دول هما ليان وأنتِ. عشان كده ممكن تفرحي واحد مسكين زيي وتقبلي تتجوزيه. تقبلي تعيشي باقي أيام حياتك معايا. تقبلي تمسكي إيدي للأبد ونتجاوز أي لحظة صعبة سوا؟ ها تقبلي يا جواهر.
هزت رأسها عدة مرات وهي تبكي.
ابتسم عدي براحة وهو يضع الخاتم في إصبعها ثم نهض وقبل رأسها قائلاً:
-أنا هظبط كل حاجة عشان نتجوز. يناسبك إن نتجوز بعد أسبوع.
-لا يا عدي ماما لس…
قاطعها وهو يشد على كفها وقال:
-خلينا نكتب بس الكتاب وتبقي معايا وبعدها بسنة هعملك فرح كبير أوي. فرح كل الناس تتكلم عنه. بس يا جواهر أنا مش هسيبك لوحدك أبدًا. يالا قولي موافقة.
تنهدت وهي تقول:
-موافقة يا عدي.
ابتسم بسعادة وهو يقبل كفها ويقول:
-بحبك.
-وأنا كمان.
في غرفة الفندق.
كانت نسرين تجلس على الطاولة وهي تأكل.
نظر فؤاد إلى الساعة ثم نظر إليها وهو يفكر بحيرة أنها تأكل منذ أكثر من ساعة ونصف.
ماذا بها؟
-إيه يا روحي احنا هنقضي ليلة الدخلة كلها بناكل ولا إيه؟ مفيش حاجة نعملها غير الأكل؟
ارتبكت نسرين وهي تنظر إليه.
النية في عينيه واضحة تمامًا.
شعرت باللون الأحمر يزحف إلى بشرتها وقالت بتلعثم:
-جرا إيه يا فؤاد إنت بتعد عليا الأكل ولا إيه؟ هو أنا مينفعش آكل يعني براحتي؟
ابتسم فؤاد ونهض وهو يقترب منها قائلاً:
-لا طبعًا يا حبيبتي بالهنا والشفا ولو عايزة أجيبلك أكل تاني أنا معنديش أي مانع.
-وده العشم برضه بس إنت ليه بتقرب مني بالشكل ده؟ روح اقعد هنا لحد ما أخلص أكل.
قالتها نسرين ليعبس فؤاد ولكنه لم يجادلها بل استدار وجلس على الفراش المقابل لها.
ظل ينظر إليها مطولاً وقد لاحظ أنها تتجنب النظر في عينيه.
قال فجأة وهو يفهم الأمر:
-نسرين إنتِ مكسوفة مني معقول؟ بتتكسفي؟
بدا مصدومًا وهو ينظر إليها فعبست وقالت بإنفعال:
-وليه متكسفش يعني. هو أنا مش زي البنات اللي خدودهم بتحمر من الكسوف ولا إيه؟ أيوة أنا مكسوفة منك. خليني آخد عليك الأول وبعدين أعمل اللي إنت عايزه.
ضحك فؤاد ونهض مجددًا متجها إليها لتقول بتلعثم:
-أن… إنت ليه بتقرب تاني. ارجع.
ولكنه قاطعها وهو يقول:
-بس يا هبلة. بطلي عبط.
جلس بجوارها على المقعد وسحب كفها قائلاً:
-إنتِ مكسوفة مني أنا. أنا فؤاد؟
أطرقت برأسها ووجنتيها تحمران خجلًا.
ابتسم بذهول ثم قبلها على وجنتها ثم وجنتها الأخرى.
ثم اتجه إلى شفتيها لتدفعه فجأة وتنهض قائلة:
-أنا رايحة أغسل إيدي. ثم.
ركضت نحو الحمام ليزفر فؤاد بضيق ويقول:
-يا مصبر الوحش على الجحش يا ربي اديني الصبر من عندك.
بعد عشر دقائق كاملة خرجت نسرين من الحمام وهي تطرق برأسها أرضًا.
-أخيرًا طلعتي.
قالها فؤاد بسعادة ثم اقترب منها.
رفعت نسرين عينيها ونظرت إليه بصدمة.
-إنت… إنت بتقرب مني ليه؟
قالتها نسرين بتوتر وهي ترى فؤاد يقترب منه.
ابتسم فؤاد في وجهها وقال:
-حبيبة قلبي الليلة ليلة دخلتنا. فكري شوية أنا بقرب منك ليه؟ أكيد مش عشان أتكلم على فوائد التوت البري مثلا. تعالي هنا.
قال كلمته الأخيرة وهو يحاول إمساكها الا انها صرخت وهي تركض بعيدًا عنه وتصرخ:
-يا نسرين بس هتفضحينا هيقولوا بعمل فيكي إيه؟
-أسألي نفسك. إنت ليه بتجري ورايا؟ براحة يا فؤاد عليا أنا بصراحة خايفة منك.
أشار إلى نفسه وقال:
-خايفة مني أنا يا نسرين؟ ليه هاكلك.
-أيوة بصراحة باين عليك إنك هتعمل كده. اومال ليه بتجري ورايا بالشكل ده. فؤاد أنا خايفة منك. إيه رأيك تخلي الأمور تمشي براحة.
ابتسم لها وقال:
-طيب طيب تعالي بس وهنتفاهم.
-مش هتعمل أي حركات مجنونة؟
-لا مش هعمل حاجة وعد. تعالي بقا.
قالها وهو يشير لها لكي تأتي.
هزت رأسها واقتربت منه وهي تضع كفها في كفه فجأة جذبها نحوه وهو يحملها.
-إنت كدبت عليا أهو.
صرخت بها نسرين وهي تضربه على صدره وتحاول أن تتحرر من قبضتيه ليرد فؤاد وهو يضحك:
-في الحب والحرب كل شئ متاح يا مزة.
ثم اتجه بها إلى الفراش وأسقطها عليه.
كادت أن تنهض إلا أنه امسك كفها وقال:
-لا لا خلاص مفيش هروب.
ثم ثبتها جيدًا على الفراش وقال وهو ينظر إلى عينيها الزرقاء وقال:
-تعرفي إن عيونك بيدوبوني.
ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت:
-قولتلي قبل كده.
-نسرين إنتِ بتثقي فيا؟
سألها فجأة لتهز هي رأسها وتقول:
-أكتر من نفسي. أنا بثق فيك أكتر من أي حد.
ابتسم بسعادة وقال:
-يبقى خلاص متخافيش. أنا مش هأذيكي ولا عمري أفكر أعمل كده. إنتِ روحي يا نسرين. من النهاردة سعادتك هتبقى مسؤوليتي. أي حاجة تبسطك أنا هعملها حتى لو عايزة نأجل الليلة دي ونتعامل زي الإخوات أنا معنديش مشكلة.
وبالفعل كاد أن ينهض الا أنها أمسكت كفه.
نظر إليها ليجد عينيها تتألقان كما تتألق عينيه.
هي ترغبه كما هو يرغبها.
لذلك لم يفكر لحظة وهو يقترب منها يضع شفتيه على شفتيها ويقبلها لكي يجعلها له.
في غرفة يحيى.
كان جالس في غرفته ينظر إلى الفراغ بشرود.
أنه ينزلق أكثر وأكثر في حبها.
يشتاق إليها بجنون.
ولولا وعده لها لكان ذهب إليها ليراها.
أنه يريد أن يراها. روحه تهفو إليها.
متى تملكته بتلك القوة حتى صار لا يقوى عن الابتعاد عنها.
هذا السؤال الذي سأله لنفسه عدة مرات ولكن لم يجد له أي جواب.
طُرق باب غرفته ليخرج من شروده ويقول:
-اتفضل.
دخلت والدة يحيى ليلى إلى الغرفة ونظرت إليه قائلة:
-أنا رايحة أنام يا حبيبي عايز حاجة؟
هز يحيى رأسه دون أن ينظر إليها وقال:
-لا يا ماما تصبحي على خير.
تنهدت ليلى وهي ترى ابنها بتلك الحالة.
منذ أيام وهو بهذا الوضع.
حاولت أن تعرف ما به ولكنها لن تصل لأي إجابة.
أغلقت الباب وتقدمت نحوه ثم وضعت كفها على كتفه وقالت:
-ممكن أعرف مالك يا بني. بقالك فترة مش مضبوط. دايما ساكت وهادي. حتى بطلت تبتسم أو تكلمنا. ممكن تقولي مالك يا يحيى طمني عليك يا بني.
ربت يحيى على كف والدته وقال:
-أنا كويس يا أمي متخافيش روحي ارتاحي أنتِ.
لم تسمع كلامه بل جذبت مقعد وجلست بجواره وهي تقول:
-لا يا يحيي. متضحكش عليا إنت مش كويس. مش كويس أبدًا. قوللي فيه إيه؟ يا بني ريحني وقولي مالك؟
نهض يحيى وقال:
-عايزة تعرفي مالي يا ماما ماشي هقولك. أنا مش كويس يا أمي. مش قادر أنساها. مش قادر. مش قادر أخرجها من بالي.
نظرت إليه والدته بحزن.
كان يؤلمها حال ابنها. ولكنها لا يمكن أن تقبل بتلك كنة لها. لا يمكن. كيف يفكر يحيى.
-يا ابني شوف الفرق بينك وبينها مينفعش فين التوافق الاجتماعي والمادي ما بينكم. ليه مبتفكرش في الناس ممكن تقول إيه؟
-ناس… ناس… ناس. ما طز في الناس يا ماما هو أنا هعيش على مزاجهم. بقولك أنا بتعذب تقولي ناس. الناس هينفعوني بإيه يعني. من الآخر ده قراري يا أمي أما رانيا أو مش هتجوز غيرها أبدًا.
في منزل موسى.
كان يقف أمام النافذة في شقته السكنية.
يضع كفه على قلبه وهو يشعر بالانزعاج.
لا يعرف لماذا يشعر بهذا الشعور اليوم.
يشعر بالاختناق. بالخوف. والقلق ينهشه نهشًا.
يشعر أن شئ ما سوف يحدث. شئ سئ للغاية.
أغمض عينيه وقال:
-ربنا يستر. إن شاء الله ميكونش فيه حاجة.
-مالك يا قيصر.
قالتها مايا وهي تقترب منه وتقف أمام النافذة.
كانت محتارة من حالته. فهو يبدو مبعثر.
نظر موسى إلى مايا وقال:
-معرفش يا مايا قلبي مش مطمن. حاسس إن فيه حاجة وحشة أوي هتحصل. معرفش ليه حاسس الإحساس ده.
ربتت مايا على كتفه وقالت:
-متقلقش يا قيصر مش هيحصل حاجة بإذن الله. إنت خايف على حبيبتك؟
هز موسى رأسه وقال:
-أنا مبخافش إلا عليها. معنديش مانع أموت بس هي ميحصلش ليها أي حاجة. لو حصلها حاجة اللي هيحصلي هيبقى أبشع من الموت يا مايا.
نظرت إليه مايا بشفقة وقالت:
-هانت يا قيصر قريب هينتهي صاموئيل ومش هتخاف عليها تاني. وهتفضل معاها للأبد.
ابتسم موسى بشرود وقال:
-ياريت. وقتها عمري. عمري ما هسيبها. يارب الكابوس ده ينتهي يا مايا. أنا عمري ما جربت الخوف ده في حياتي. أنا حتى بطلت أراقب ليان خوفت يكون صاموئيل بيراقبني.
نظر إليها وقال:
-إنتِ متأكدة إنه ميعرفش حاجة عن ليان يا مايا؟
-أيوة هو قال إنه عايز يراقبك ويعرف إيه نقاط ضعفك الحديدة وفعلاً حصل بس معرفش عن ليان والا كان قاللي متقلقش.
نظر موسى إلى النافذة وهو يتنهد ويقول:
-أتمنى إنه ميكونش يعرف عنها حاجة. مش عايز كل اللي عملته يروح هدر!
في مستودع مهجور.
وضع أحد الرجال ليان الغارقة بدماءها على الأرض وقال لصاموئيل الذي كان جالس براحة على المقعد:
-نقتلها دلوقتي يا بوص. هي لسه بتتنفس.
-اصبر يا مؤيد. الصبر حلو. أنا عايز المرة دي أعمل حاجة مختلفة. عايز أجيب القيصر تحت رجلي وأخليه يشوف حبيبته وهي بتموت. أهي الحاجة دي هتموته ميت مرة!
-هنجيبه إزاي يا بوص.
-أنا عارف هجيبه إزاي.
قالها صاموئيل مبتسماً ثم أخرج هاتفه وصور ليان صورة واضحة وبحث عن رقم موسى الذي حصل عليه ثم بعث بتلك الرسالة على تطبيق الواتس آب.
عند موسى.
صوت رسالة قادمة على هاتفه جذب انتباهه.
اتجه إلى هاتفه الذي على الطاولة وأمسكه ليرى من بعث له تلك الرسالة.
عبس بحيرة وهو يجد إن رقم غريب بعث له رسالة على الواتس آب.
فتح الرسالة ليشحب وجهه كالأموات وتهتز كفه فيسقط الهاتف من يده.
نظرت إليه مايا بحيرة واقتربت منه وهي تقول:
-موسى فيه إيه؟
ولكنها لم تحصل على رد بل وجدت دموعه تنفجر من عينيه وهو يرتعش بقوة.
أمسكت الهاتف لترى ماذا به.
كتمت صرختها في الوقت المناسب وهي ترى تلك الرسالة:
-دي… دي ليان.
هز موسى رأسه وهو يبكي ويقول:
-هي كمان ماتت. ماتت… ماتت. أنا السبب أنا السبب.
أخذ يصرخ وهو يضرب نفسه:
-أنا السبب أنا السبب.
-قيصر.. اهدي أبوس إيديك.
قالتها مايا وهي تحاول إمساك كفه والسيطرة عليه ولكنه كان يبدو منهار للغاية.
كان صعب السيطرة عليه.
رن هاتفه فجأة لتقول مايا بسرعة:
-ده هو. هو الرقم اللي بعتلك الرسالة.
خطف موسى منها الهاتف وفتحه ثم صرخ وهو يبكي:
-هقتلك. هقتلك يا صاموئيل!
ضحكته البغيضة تسللت لأذن موسى وقال:
-لا لا يا قيصر دي مش طريقة تكلم بيها صاحبك القديم وخصوصًا إننا دلوقتي معانا حبيبتك وكل حياتك. ولا عايزني أقتلها.
-ليان عايشة؟
قالها موسى بلهفة ليسمع رد صاموئيل بهدوء.
قال أخيرًا بعد لحظات:
-أنا جايلك قولي العنوان.
بعد أن أغلق الهاتف قالت مايا:
-جه الوقت ننفذ اللي اتفقنا عليه. روح وأنا هتصرف.
هز موسى رأسه وهو يخرج من منزله بسرعة.
بعد ساعة ونصف.
كانت قد وصل أخيرًا إلى المستودع المهجور ثم خرج من السيارة وهو يلهث ويصرخ قائلاً:
-صاموئيل إنت فين؟
-امشي قدامي.
قالها صوت خشن من خلفه وهو يضع السلاح على رأسه ثم أكمل:
-البوص مستنيك جوا يا قيصر.
-مؤيد.
قالها موسى ليرد مؤيد مبتسماً:
-كويس إنك فاكر صحابك اللي خنتهم يا قيصر. يالا قدامي.
لم يجادله موسى أكثر من هذا وسار بهدوء.
ولج إلى المستودع ونظر إلى ليان الملقاه على الأرض كاد أن يركض نحوها إلا أن صاموئيل ضرب رصاصة في الهواء وقال:
-متحاولش يا قيصر لآني والله الرصاصة التانية هتكون في راس حبيبتك.
ابتلع موسى ريقه وهو ينظر إلى صاموئيل الذي بدا أكبر بكثير منذ آخر مرة رآه فيها.
اقترب صاموئيل وقال:
-ياااه يا موسى. اتمنيت كتير إني أشوف اللي أتجرأ وقتل ابني عشان أحرق قلبه كمان.
-صاموئيل هي.. هي ملهاش دعوة. ابوس إيديك اقتلني أنا.
أشار صاموئيل لمؤيد ليقترب مؤيد بسرعة من ليان ويضع السلاح على رأسها.
-لا لا يا مؤيد.
صرخ موسى وهو يقترب إلا أن صاموئيل ضرب رصاصة مرة أخرى وقال:
-مكانك يا قيصر.
نظر موسى إليه وقال:
-أنا قدامك أهو اقتلني. اقتلني.
-تؤ. مش عايز أقتل غيرها.
-يا صاموئيل ابوس إيديك هعمل اللي إنت عايزه بس سيبها. ابوس إيديك سيبها.
-اركع على رجليك يالا.
قالها صاموئيل وابتسامة نصر تزين وجهه.
انفجرت الدموع من عيني موسى ونظر إلى ليان التي السلاح مصوب على رأسها.
لم يفكر مرتين وهو يجثو على ركبتيه ويقول:
-أبوس إيديك اقتلني أنا. اقتلني أنا. هي لا.
ضحك صاموئيل وقال:
-ياااه مش متخيل فرحان قد إيه وأنا شايفك مذلول كده. بس لا يا قيصر أنا دلوقتي هحرق قلبك أكتر وأقتلها قدامك وافتكر إنها ماتت بسببك زي روان وعيش في جحيم الذنب يا قيصر.
-مؤيد يالا.
-لااااا.
صرخ بها موسى وهو ينهض فجأة وينجح في أخذ السلاح من صاموئيل ويجذبه وهو يضع السلاح برأسه ويصرخ بمؤيد:
-والله هقتله. ابعد عنها يا مؤيد. ابعد. هقتله.
-خلاص. خلاص. هبعد عنها.
قالها مؤيد وهو يشير بعينيه لباقي الرجال لكي يمسكوه إلا أن موسى صرخ وقال:
-الحركات دي أنا عارفها يا مؤيد. لو حسيت بأي حركة منكم هقتـ لكم البوص بتاعكم.
قاطع كلام موسى صوت قدوم سيارات الشرطة.
ابتسم موسى وقال:
-وأهو مشهد النهاية اتكتب. نهايتك اتكتبت يا صاموئيل.
وبالفعل اقتحم رجال الشرطة المكان وتتبعهم مايا وهي تبتسم لصاموئيل بإنتصار.
بعد قليل.
تم القبض على صاموئيل ورجاله وهذا بفضل الأدلة التي جمعتها مايا ضدهم.
وتم إحضار عربة إسعاف لإنقاذ ليان التي ما زالت فاقدة للوعي.
في سيارة الإسعاف.
كان موسى يمسك كف ليان ودموعه تسير على وجنتيه ويقول:
-حقك عليا. حقك عليا أنا يا ليان. محدش هيأذيكي بعد النهاردة. محدش هيلمس منك شعرة تاني. وأنا عمري عمري ما هبعد عنك يا حبيبتي بس ابوس إيديكي خليكي معايا. خليكي معايا.
-المهم جواهر دلوقتي كويسة؟
قالها أمير وهو ينظر إلى عبير التي تمشط شعرها أمام المرآة فترد هي:
-أيوة اتحسنت. حتى من شوية قبل ما نيجي هنا اتصلت وأصرت إني أبقى معاك النهاردة وبكرة أروح لها.
قالت إنها هتقولي على خبر حلو.
كان باين من صوتها إنها مبسوطة أوي.
ابتسم أمير وقال:
-كويس ربنا يسعدها ويجبر بخاطرها.
تنهدت عبير وقالت:
-يسمع من بوقك ربنا يا أمير. ربنا يسعدها يارب. جواهر أطيب بنت شوفتها في حياتي وتستاهل السعادة.
تركت المشط ثم اتجهت إلى أمير وجلست على الفراش وهي تقول بشرود:
-تعرف على قد إن اللي عرفته صعب بس أنا فرحانة أوي إن جواهر طلعت أختي. دايما كنت بحس إن في رابط بيننا. دايما لما أكون في مشكلة هي اللي بتساعدني من غير ما تفكر مرتين حتى. لما بابا كان عايز يجوزني لعدي بالعافية مفكرتش مرتين وهي بتساعدني على الهروب رغم إنها عارفة إنها هتقع في مشكلة مع بابا بس مهمهاش. حتى لما بابا ورطها وخلاها تتجوز عدي مفكرتش تقول على مكاني بعد ما عرفته. دايما جواهر كانت حاسة إني مسؤوليتها. شكل في عقلها الباطن كانت عارفة إني أختها.
تسطحت على الفراش وتنهدت قائلة:
-حاسة إن بقالي عيلة جديدة. عيلة تعوضني عن اللي شوفته من بابا.
نظرت إليه وابتسمت بينما تظهر نواجزها الساحرة وقالت وهي تتلمس وجنته:
-بقى معايا زوج زي القمر. حنين وطيب وبيحبني. راجل مثالي من الآخر.
ابتسم أمير وهو يقبل كفها لتكمل هي:
-وبقى معايا أخت زي تحية بتحبني وتقدرني وجواهر كمان. أنا دلوقتي في قمة سعادتي يا أمير بجد. حاسة إني طايرة من كتر السعادة.
-حبيبتي ربنا يسعدك دايما يارب.
قالها أمير وهو يضمها إليه بقوة ويقبل رأسها ويكمل:
-إنتِ أجمل هدية في حياتي. أحيانًا مبقدرش أصدق إني اتجوزتك.
تألقت عيني عبير وقالت:
-ولا أنا بصراحة.
صمتا قليلاً ليتنهد أمير بعمق.
-إيه فيه إيه؟
سألته عبير.
-أنا حاسس إني وشي فقري عليكي.
قالها أمير بتعب لتعبس عبير وتقول:
-ليه بتقول كده؟
هز كتفه وقال:
-من أول ما اتجوزتك وإنتِ المصايب بترقص على راسك زي الرز.
ضحكت عبير بقوة وضربته على كتفه وقالت:
-بطل بواخة إيه وشك فقر دي.
امسك كفها وقال:
-يا بنتي افتكري إحنا ليلة دخلتنا بيت تحية ولع وجات عندنا. أنا واحد فقري أمي الله يرحمها، كانت بتقول عليا كده.
انطلقت ضحكات عبير أكثر وهي تمسك وجهه وتقبله قائلة:
-إنت اجمل إنسان شوفته في حياتي. متقولش على نفسك كده.
ثم اقتربت ثانية وهي تقبله مرارًا على وجنته.
ضحك أمير وهو يضمها.
اتجهت يديه بخبث إلى بطنها وبدأ يدغدغها.
صرخت عبير فجأة وهي تدفعه وتقول:
-لا لا يا أمير بطل بواخة بقا.
وكادت أن تهرب الا أن أمير امسكها وثبتها على الفراش بيد واليد الأخرى استخدمها لكي يدغدغها.
-يا أمير لا. لا يا أمير بغير خلي عندك دم.
قالتها عبير وهي تضحك وتصرخ في آن واحد ولكنه لم يرحمها ابدًا وهو مستمر في فعلته.
طفرت الدموع من عينيها بسبب إفراطها في الضحك وقالت:
-خلاص عشان خاطري يا أمير هموت. خلاص عشان خاطري. لو بتحبني.
توقف فجأة وقال:
-بحبك طبعًا.
ابتسمت بهيام وقالت:
-وأنا كمان.
في اليوم السابق.
جلست جوري أمام القبر وقالت ودموعها تتساقط:
-أنا لقيتك يا بابا. جيت ولقيتك.
كانت تضحك بطريقة غريبة.
دموعها تنهمر تباعًا وتقول:
-إنت آذيتني كتير بس أنا جيتلك. جيتلك رغم إنك آذيتني كتير. ليه كنت بتعمل فيا كده؟ أنا بسبب طلعت إنسانة وحشة. أمي بتقول إني مجنونة. بتقول إني مش متزنة نفسيًا يا بابا. حتى ياسين سابني. حتى ياسين بيقول إني مش متزنة نفسيًا. هو طلقني وسابني وراح اتجوز. اتجوز واحدة غيري وحرق قلبي. ومهما أعمل رافض يرجعني. أنا عملت سحر عشان يرجعلي برضه مرجعش يا بابا. مرجعش. أنا زعلانة أوي. أنا خسرت كل حاجة. كل حاجة خسرتها يا بابا. ياسين وبنتي. حتى نفسي خسرتها.
انفجرت الدموع من عينيها وقالت:
-تعرف أنا ضربت ماما وشكلها ماتت. ماما أكيد سابتني ومشيت وأنا دلوقتي لوحدي مليش أي حد. مليش حد. وده كل بسببك. بسببك.
ثم أخذت تضرب على الأرض وتصرخ:
-إنت السبب في ده كله. إنت السبب. إنت اللي خلتني إنسانة مش متزنة نفسيًا. أمي كانت كل شوية بتقول إني شبهك. بتقول إني مجنونة زيك. وأنا تعبت. أنا ذنبي إيه أتحمل ده كله. قولي ذنبي إيه؟
انفجرت الدموع من عينيها غزيراً وهي تشعر بألم كبير في قلبها وقالت:
-ليه عملت كده فيا. ليه دمرت حياتي يا بابا. ليه؟ أنا كان نفسي أعيش كويس. كان نفسي ياسين يكون معايا. بس إنت كنت واقف في طريقي. كنت بأذي بنتي بنفس الطريقة اللي إنت كنت بتأذيني بيها. كنت بحرقها.
ضحكت ودموعها تنهمر أكثر وأكملت:
-أيوة. أيوة كنت بحرقها بالنار يا بابا. فاكر إنت برضه كنت بتعمل فيا كده. كنت بحرقني بالنار. فاكر على أقل غلطة كنت بعملها كنت بحرقني بالنار. وكنت بتضربني وبتحبسني. فاكر لما حبستني في الأوضة الضلمة. إنت كنت عارف إني بخاف من الفيران بس دخلت فيها فأر. كنت بتسمعني بصرخ ومحاولتش تساعدني. سيبتني كده.
قلبك طاوعك إنك تسيبني أصرخ. أنا بكرهك. وبكره أمي وبكره ياسين. سمعتني يا بابا. بكرهك. بكرهك. وبتمنى إنك تكون بتتعذب دلوقتي إنت وماما. أنا برضه قتلتها. هي حصلتك. بتمنى إنتوا الاتنين تتحرقوا في نار جهنم.
ابتلعت ريقها وهي تخرج السكين التي معها وقالت:
-خلاص دي النهاية المناسبة لعيلة توكسيك زينا. إنت موت وماما ماتت وفاضل أنا أموت. نهاية سعيدة. هنجتمع سوا أخيرًا. صح؟
ثم دون أي تردد مررت السكين على رسغها حتى انفجرت الدماء منه ملطخة القبر.
استلقت بجوار القبر وهو تنزف بقوة.
تشعر أن قواها تغور.
ابتسمت بوهن وقالت:
-تعرف رغم إنك آذيتني كتير إلا إني حبيتك يا بابا. أنا حبيتك حتى أكتر من أمي. وانهارت يوم وفاتك. أحيانًا بسأل نفسي ليه زعلت عليك وليه بحبك رغم كل اللي عملته فيا بس صدقني مش لاقية أي إجابة.
أغمضت عينيها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.
في الوقت الحالي.
في المشفى.
فتحت عفاف عينيها لتجد ياسين بجوارها.
كان يبدو عليه التعب.
-ياسين.
قالتها عفاف بتعب لينتبه لها ياسين ويمسك كفها ويقول بلهفة:
-إنتِ كويسة.
هزت رأسها وقالت بتعب:
-إيه اللي حصل مخي مش مجمع.
ابتلع ياسين ريقه.
الطبيب بالفعل أخبره عن هذا. أخبره أن السيدة عفاف قد تتشوش ذكرياتها بسبب ارتجاج في الدماغ تسببت به ضربة جوري.
وجد ياسين نفسه عاجزًا عن الشرح ونظر إلى عفاف بيأس فقالت عفاف:
-ياسين قولي حصل إيه؟ وفين جوري. آه.
فجأة تأوهت وهي تضع كفها على رأسها والصور تندفع إلى عقلها بشكل مؤلم.
أنها تتذكر. نعم تتذكر.
تتذكر كل شئ.
جوري. لقد ضربتها ابنتها.
-ياسين جوري ضربتني هي اللي.
-عارف. عارف.
قالها ياسين بتعب وقد ارتاح قليلاً لأنها تذكرت بنفسها.
-إزاي عرفت؟
سألته بفضول ليسرد عليها ما حدث بكل تفاصيله.
كما أخبرها أنها نائمة منذ أمس بالمشفى ولم تستيقظ حتى الآن.
-طيب هي فين يا ياسين. فين جوري؟
-هربت.
قالها بيأس وهو يفرك عنقه ثم أكمل:
-بعد ما روحت عشان أشوف فيكي إيه واتصدمت باللي بنتك عملته انشغلت معاكي واتصلت بالإسعاف كان وقتها هي هربت.
وضعت هي كفها على رأسها والدم يتطاير من عينيها وقالت:
-جوري بقت خطر على نفسها وعلى اللي حواليها يا ياسين. ساعدني قولي أعمل إيه؟
زفر ياسين بضيق وهو ينظر إليها وقال بإنفعال:
-أنا قولتلك قبل كده أعملي إيه صح ولا لا. نبهت عليكي تاخديها لدكتور نفسي لأن بنتك مش سليمة نفسيًا. قولتلك قربي منها. بس يا مدام إنتِ مسمعتيش كلامي و.
صمت ياسين فجأة وهو يتذكر الوضع الذي هي به.
ليس وقت اللوم الآن.
نظر إلى عفاف ليجد الدموع تطفر من عينيها والذنب يطل منهما.
-أنا آسف ده مش وقته.
تنهد وأكمل:
-بس متقلقيش هيلاقوا جوري بإذن الله. البوليس بيدور عليها ولما يلاقيها هنتصرف أنا مش هسيبك لوحدك.
ابتسمت عفاف بإطمئنان وقالت:
-شكرًا. شكرًا أوي يا ياسين.
هز رأسه وقال:
-ارتاحي دلوقتي هجيبلي قهوة وأجيلك تاني.
هزت رأسها وقالت:
-لا لا خلاص كتر خيرك على كده روح بيتك شكلك تعبان وأنا.
-لا مستحيل مش هروح وأسيبك. خلاص أنا هجيب قهوة وهفضل هنا انتهى الكلام.
وبالفعل خرج من الغرفة ليجلب قهوة له.
توقف فجأة وهو يرى ورد تقترب منه ثم تعانقه بقوة.
أبعدها قليلاً وقال:
-إيه اللي جابك هنا؟ أنا اتصلت بأمي عشان تروحلك يا ورد. ليه تتعبي نفسك وتيجي. الدكتور منبه و.
-بس بس اهدى شوية.
قالتها ورد وهي تضع كفها على شفتيه ثم تكمل بابتسامة:
-يا حبيبي أنا والله كويسة متبقاش أوفر لو سمحت. المهم قولي دلوقتي إيه اللي حصل. أنا قلقت. فين جوري.
هز ياسين رأسه وقال:
-للأسف معرفش هربت مني ومدام عفاف بس اللي موجودة جوا.
فركت ورد كفيها وقالت:
-طيب إيه. هي كويسة دلوقتي؟
-أيوة كويسة. جالها ارتجاج بسيط في المخ بس الدكاترة قالوا مفيش أي خطر بس هي هتفضل تحت الملاحظة يومين وأنا لازم أفضل معاها.
ابتسمت ورد وهي تمسك كفه وتقول:
-أكيد يا حبيبي لازم تفضل معاها. ربنا يصبرها ويقويها. بجد صعبان عليا أوي. حتى جوري صعبانة عليا.
نظر ياسين عليها ببرود وقال:
-ميصعبش عليكي غالي يا أختي.
ضربته ورد على كتفه وقالت:
-يا أخي بطل قسوتك دي. جوري واضح إنها غير متزنة نفسيًا.
-ورد أنا بطلت أشفق عليها بسبب اللي عملته أنا مستحيل أنسى إنك كنتِ هتضيعي مني بسببها هي.
شدت على كفه وقالت:
-بس أنا دلوقتي كويسة الحمدلله يبقى مفيش داعي للقلق والخوف ده يا حبيبي. ولا فيه داعي إنك تحقد على جوري المسكينة برضه بتعاني وإنت لازم تساعدها دي أم بنتك مهما كانت.
زفر ياسين بضيق وقال:
-ما هو ده من سوء حظي إنها أم بنتي. من سوء حظي والله.
قاطع كلامه رنين الهاتف. رد سريعًا عندما رأى أن المحقق هو من يتصل به.
-أيوة يا فندم.
قالها ياسين بلهفة متمنيًا الحصول على بعض معلومات عن جوري.
فجأة شحب وجه ياسين وقال:
-بتقول إيه؟
توقف قليلاً وهو يسمعه فرد بتعب:
-حاضر. حاضر يا فندم.
ثم أغلق الهاتف لتقول ورد:
-فيه إيه يا ياسين قلقتني؟
-ما تت. جوري ماتت.
قالها ياسين بصدمة لتضع ورد كفها على فاها بصدمة.
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سولييه نصار
للأبد؟
-ماذا؟
- ستظل تحبني للأبد؟
- حتى تحترق النجوم وحتى تفنى العوالم، حتى تتصادم الكواكب وتذبل الشموس وينطفئ القمر، حتى أشيخ فتتآكل ذكرياتي، وحتى يعجز لساني عن لفظ اسمك، حتى ينبض قلبي للمرة الأخيرة، فقط عند ذلك ربما أتوقف، ربما.
رنين جرس المنزل أوقفها عما بدأت بفعله.
فجأة رمت جواهر السكين والدموع تنفجر من عينيها.
لا تصدق أنها بهذا الضعف.
لا تصدق أنها كانت ستقوم بهذا.
لقد خذلت الجميع، أولهم والدتها.
غطت وجهها بكفيها ثم انفجرت ببكاء مرير وارتفع صوتها.
كان عدي يقف خارج المنزل وهو يرن الجرس.
إنها لا ترد.
أخذ القلق ينهش في قلبه.
"رباه أن عبير ليست هنا، جواهر بمفردها، ماذا إن فعلت بنفسها شئ؟"
كانت الأفكار السيئة تمزقه من كل اتجاه.
- جواهر، جواهر افتحي الباب!
قالها عدي وهو يطرق الباب بكل قوته.
ولكن لا مجيب أبداً.
- يا ربي.. يا ربي أعمل إيه؟
قالها بنبرة مرتعشة بفعل الخوف.
يحاول أن يوقف تسرب الأفكار السيئة في عقله ولكنه لا يستطيع.
- جواهر افتحي الباب!
قالها وهو يطرق الباب بقوة أكبر.
ثم أخرج هاتفه وهو يرن عليها بينما يضع أذنه على الباب لعله يلتقط أي صوت.
ولكن لا شيء.
لا شيء على الإطلاق.
لم يفكر مرتين وهو يتراجع ليدفع الباب ويكسره.
ولكنه فجأة توقف وهو يرى الباب يُفتح وجواهر تتكئ عليه وهي ترتدي فستان أحمر.
بهت للحظات ولكن سرعان ما اندفع وهو يعانقها بخوف ويقول:
- موتيني من الخوف عليكي. ينفع كده؟
أغمضت جواهر عينيها المغمورة بالدموع وقالت بنبرة مختنقة:
- كويس إنك جيت. كويس.
ابتعد عدي عنها وقال:
- خلينا ندخل جوا نتكلم.
هزت رأسها ودخلت هي وهو للمنزل.
نظر عدي إلى الصالة وعبس وهو يجد سكين على الأرض.
ورسالة.
اقترب بتوجس من الرسالة ثم قرأها وعيناه تتسع بفزع.
نظر إليها لتهز رأسها وتقول بخجل:
- حتى في دي فشلت. مقدرتش أنتحر.
ألقى عدي الرسالة أرضاً واقترب منها وهو يهزها بعنف:
- إنتِ اتجننتي؟ عايزة تموتي نفسك؟ مفكرتيش فيا؟ ده أنا كنت أروح وراكِ.
تطفرت الدموع غزيرة من عينيها وقالت:
- آسفة. آسفة. أنا معرفش أنا بعمل إيه يا عدي. حاسة إني بموت. مش قادرة أستحمل غياب ماما. مش قادرة أستحمل اللي سمعته. اللي حصلي كتير. كتير أوي. حاسة إن طاقتي خلصت. وفكرت. فكرت إن ده الحل الوحيد عشان أرتاح. أنا... أنا...
تقطع صوتها وهي تبكي ليضمها إليه مجدداً ويقول:
- بس بس اهدى. اهدى. أنا دايماً معاكي يا جواهر وهنعدي ده سوا.
ابتعد عنها وأمسك كفها وقال:
- أنا عمري ما هسيبك. عمري ما هبعد عنك. هفضل طول عمري معاكي يا جواهر. هنعدي ده سوا.
هزت رأسها وهي تقول:
- عمري ما هقدر أتجاوز اللي حصل يا عدي. عمري مش هقدر أتجاوز اللي حصل. أنا مش هقدر يا عدي. مش هقدر.
- هنقدر نعدي ده سوا. ساعديني يا جواهر عشان نعديه سوا. إنتِ أقوى من كده.
هزت رأسها وقالت بإختناق:
- مبقتش قوية خلاص. صدقني يا عدي مش هقدر أتجاوز. اللي حصل ده كسرني. موت أمي وحقيقة إني عشت كذبة كبيرة. شريف طلع أبويا الحقيقي. ده كسرني يا عدي. ليه بيحصل معايا أنا كده؟ طول حياتي مرتحتش. عمري ما فرحت. أمي هي الوحيدة اللي كانت بتفرحني وماما راحت. أحياناً بتمنى إن ده يكون مجرد كابوس وحش وإن لما أصحى هلاقيها قدامي. أحياناً بضرب نفسي وأغسل وشي يمكن أفوق بس ده مبيحصلش يا عدي. أنا... أنا اتكسرت ومفيش حاجة هتتصلح.
نظر إليها بحزن وهو يراها بتلك الحالة.
حالتها تلك تقتله. تعذبه.
تطفرت دموع جواهر أكثر وقالت:
- أنا بتمنى إني أموت. نفسي أموت يا عدي. أنا مش هقدر أعيش. مش هقدر.
هو لن يتركها بتلك الحالة. لن يجعلها تتعذب بتلك الطريقة. هو سوف يساعدها. سوف يفعل المستحيل كي يبرأ جرحها. سوف يصلح الضرر بقلبها. سوف يجعل أيامها أكثر سعادة. سيفعل المستحيل كي يسعدها.
- خلينا نتجوز!
قالها عدي بعنف عاطفي وهو يعانق وجهها.
دموعها كانت تقتله. الألم الظاهر على وجهها كان يمزق قلبه.
هزت رأسها وكادت أن ترفض إلا أنه وضع كفه على شفتيها وقال:
- لا هتتجوزيني وإلا هاخدك معايا المأذون بالغصب وأتجوزك. تحت تهديد السلاح. أنا مجنون وأعملها على فكرة يا جواهر. ممنوع ترفضي الجواز مني.
- إيه؟ هتجبرني؟
قالتها وهي تضحك بينما الدموع تطفر من عينيها.
مسح دموعها بحنان وقال وهو يقبل رأسها ويقول:
- أيوه هجبرك تتجوزيني. هاجيب مسدس وأحطه في راسك وأخليكي تتجوزيني بالعافية.
ابتسمت وتألقت عيناها المغمورة بالدموع وقالت:
- تعرف يا عدي عبير قالتلي إيه؟
- قالتلك إيه؟
قالها وهو يربت على شعرها بكل حنان لترد هي وضحكة صغيرة تنفلت منها بينما دموعها ما زالت تنساب على وجهها:
- قالت إن أوافق طول ما عرضت عليا الجواز. قالتلي أوافق قبل حتى ما أكمل الكلمة.
ضحكت مجدداً بينما هو يمسح دموعها التي لا تتوقف عن الإنهمار وأكملت:
- قولتلها يعني كده مش هبين إني واقعة؟ قالتلي عادي عشان أنا واقعة فعلاً.
ضحك عدي وقال:
- أنا واقع أكتر منك. بس إنتِ مسموح لكِ تدلعي عليا براحتك أووي. لو عايزاني أترجاكي أكتر عشان تتجوزيني. أنا معنديش أي مانع.
هزت رأسها بالنفي وقالت:
- لا.
ولكنه كان بالفعل جثا إلى ركبتيه وأمسك كفها.
- عدي. بتعمل إيه؟
قالتها جواهر وهي تحاول سحبه لينـهض إلا أنه قال:
- اصبري يا ست عشان أطلب إيديكي بطريقة رومانسية بدل ما تروحي تقولي لعيالنا بكرة إن أبوكم مش رومانسي وكروت عرض الجواز بتاعه.
ضحكت هي بعيني دامعة.
أخرج عدي صندوقاً صغيراً مخملياً من جيبه وفتح ليلمع خاتم ماسي أمام عينيها الذاهلتين.
تنهد عدي وأغمض عينيه ثم بدأ يتكلم وقال:
- جواهر أنا افتكرت إني عمري ما هحب مرة تانية ولا هثق في أي ست تاني. كنت خايف أسلم قلبي لأي واحدة وقولت إن لو واحدة حاولت معايا هصدها. بس. إنتِ كنتِ مختلفة. إنتِ محاولتيش تاخدي قلبي. أنا اللي كنت ملهوف عشان أسلمك قلبي. كنت ملهوف إني أحبك. وتحبيني. جواهر أنا بحبك. بحبك رغم كل اللي حصل بيننا. بحبك أكتر من أي ست دخلت حياتي. بالـنسبة لي حياتي مفيهاش إلا اتنين في قلبي. اتنين مستعد أموت عشانهم والاتنين دول هما ليان وإنتِ. عشان كده ممكن تفرحي واحد مسكين زيي وتقبلي تتجوزيه. تقبلي تعيشي باقي أيام حياتك معايا. تقبلي تمسكي إيدي للأبد ونتجاوز أي لحظة صعبة سوا؟ ها تقبلي يا جواهر.
هزت رأسها عدة مرات وهي تبكي.
ابتسم عدي براحة وهو يضع الخاتم في إصبعها ثم نهض وقبل رأسها قائلاً:
- أنا هظبط كل حاجة عشان نتجوز. يناسبك إن نتجوز بعد أسبوع.
- لا يا عدي ماما لس...
قاطعها وهو يشد على كفها وقال:
- خلينا نكتب بس الكتاب وتبقي معايا وبعدها بسنة هعملك فرح كبير أووي. فرح كل الناس تتكلم عنه. بس يا جواهر أنا مش هسيبك لوحدك أبداً. يلا قولي موافقة.
تنهدت وهي تقول:
- موافقة يا عدي.
ابتسم بسعادة وهو يقبل كفها ويقول:
- بحبك.
- وأنا كمان.
في غرفة الفندق.
كانت نسرين تجلس على الطاولة وهي تأكل.
نظر فؤاد إلى الساعة ثم نظر إليها وهو يفكر بحيرة أنها تأكل منذ أكثر من ساعة ونصف.
ماذا بها؟
- إيه يا روحي؟ إحنا هنقضي ليلة الدخلة كلها بناكل ولا إيه؟ مفيش حاجة نعملها غير الأكل؟
مـ ارتبكت نسرين وهي تنظر إليه.
النية في عينيه واضحة تماماً.
شعرت باللون الأحمر يزحف إلى بشرتها وقالت بتلعثم:
- جرا إيه يا فؤاد؟ إنت بتعد عليا الأكل ولا إيه؟ هو أنا مينفعش آكل يعني براحتي؟
ابتسم فؤاد ونهض وهو يقترب منها قائلاً:
- لا طبعاً يا حبيبتي بالهنا والشفا ولو عايزة أجيب لك أكل تاني أنا معنديش أي مانع.
- وده العشم برضه. بس إنت ليه بتقرب مني بالشكل ده؟ روح اقعد هنا لحد ما أخلص أكل!
قالتها نسرين ليعبس فؤاد ولكنه لم يجادلها بل استدار وجلس على الفراش المقابل لها.
ظل ينظر إليها مطولاً وقد لاحظ أنها تتجنب النظر في عينيه.
قال فجأة وهو يفهم الأمر:
- نسرين إنتِ مكسوفة مني؟ معقول؟ بتتكسفي؟
بدأ مصدوماً وهو ينظر إليها فعبست وقالت بإنفعال:
- وليه متكسفش يعني. هو أنا مش زي البنات اللي خدودهم بتحمر من الكسوف ولا إيه؟ أيوه أنا مكسوفة منك. خليني آخد عليك الأول وبعدين أعمل اللي إنت عايزه.
ضحك فؤاد ونهض مجدداً متجهاً إليها لتقول بتلعثم:
- إنت... إنت ليه بتقرب تاني؟ ارجع...
ولكنه قاطعها وهو يقول:
- بس يا هبلة. بطلي عبط.
جلس بجوارها على المقعد وسحب كفها قائلاً:
- إنتِ مكسوفة مني أنا؟ أنا فؤاد؟
أطرقت برأسها ووجنتاها تحمران خجلاً.
ابتسم بذهول ثم قبلها على وجنتها ثم وجنتها الأخرى.
ثم اتجه إلى شفتيها لتدفعه فجأة وتنهض قائلة:
- أنا رايحة أغسل إيدي.
ثم ركضت نحو الحمام ليزفر فؤاد بضيق ويقول:
- يا مصبر الوحش على الجحش يا ربي. اديني الصبر من عندك.
بعد عشر دقائق كاملة خرجت نسرين من الحمام وهي تطرق برأسها أرضاً.
- أخيراً طلعتي.
قالها فؤاد بسعادة ثم اقترب منها.
رفعت نسرين عينيها ونظرت إليه بصدمة.
- إنت... إنت بتقرب مني ليه؟
قالتها نسرين بتوتر وهي ترى فؤاد يقترب منه.
ابتسم فؤاد في وجهها وقال:
- حبيبة قلبي الليلة ليلة دخلتنا. فكري شوية أنا بقرب منك ليه؟ أكيد مش عشان أتكلم على فوائد التوت البري مثلاً. تعالي هنا.
قال كلمته الأخيرة وهو يحاول إمساكها إلا أنها صرخت وهي تركض بعيداً عنه وتصرخ:
- يا نسرين بس هتفضحـينا. هيقولوا بعمل فيكي إيه؟
- اسألي نفسك. إنت ليه بتجري ورايا؟ براحة يا فؤاد عليا أنا بصراحة خايفة منك.
أشار إلى نفسه وقال:
- خايفة مني أنا يا نسرين؟ ليه هاكلك.
- أيوه بصراحة باين عليك إنك هتعمل كده. اومال ليه بتجري ورايا بالشكل ده. فؤاد أنا خايفة منك. إيه رأيك تخلي الأمور تمشي براحة.
ابتسم لها وقال:
- طيب طيب تعالي بس وهنتفاهم.
- مش هتعمل أي حركات مجنونة؟
- لا مش هعمل حاجة وعد. تعالي بقا.
قالها وهو يشير لها لكي تأتي.
هزت رأسها واقتربت منه وهي تضع كفها في كفه.
فجأة جذبها نحوه وهو يحملها.
- إنت كدبت عليا أهو.
صرخت بها نسرين وهي تضربه على صدره وتحاول أن تتحرر من قبضتيه ليرد فؤاد وهو يضحك:
- في الحب والحرب كل شيء متاح يا مزة.
ثم اتجه بها إلى الفراش وأسقطها عليه.
كادت أن تنهض إلا أنه أمسك كفها وقال:
- لا لا خلاص مفيش هروب.
ثم ثبتها جيداً على الفراش وقال وهو ينظر إلى عينيها الزرقاء وقال:
- تعرفي إن عيونك بيدوبوني.
ابتلعت ريقها وقالت بصوت خافت:
- قولتلي قبل كده.
- نسرين إنتِ بتثقي فيا؟
سألها فجأة لتهز هي رأسها وتقول:
- أكتر من نفسي. أنا بثق فيك أكتر من أي حد.
ابتسم بسعادة وقال:
- يبقى خلاص متخافيش. أنا مش هاذيكي ولا عمري أفكر أعمل كده. إنتِ روحي يا نسرين. من النهاردة سعادتك هتبقى مسؤوليتي. أي حاجة تبسطك أنا هعملها حتى لو عايزة نأجل الليلة دي ونتعامل زي الإخوات أنا معنديش مشكلة.
وبالفعل كاد أن ينهض إلا أنها أمسكت كفه.
نظر إليها ليجد عينيها تتألقان كما تتألق عينيه.
هي ترغبه كما هو يرغبها.
لذلك لم يفكر لحظة وهو يقترب منها يضع شفتيه على شفتيها ويقبلها لكي يجعلها له.
في غرفة يحيى.
كان جالساً في غرفته ينظر إلى الفراغ بشرود.
إنه ينزلق أكثر وأكثر في حبها.
يشتاق إليها بجنون.
ولولا وعده لها لكان ذهب إليها ليراها.
إنه يريد أن يراها. روحه تهفو إليها.
متى تملكتـ ه بتلك القوة حتى صار لا يقوى عن الابتعاد عنها؟
هذا السؤال الذي سأله لنفسه عدة مرات ولكن لم يجد له أي جواب.
طُرق باب غرفته ليخرج من شروده ويقول:
- اتفضل.
دخلت والدة يحيى ليلى إلى الغرفة ونظرت إليه قائلة:
- أنا رايحة أنام يا حبيبي عايز حاجة؟
هز يحيى رأسه دون أن ينظر إليها وقال:
- لا يا ماما تصبحي على خير.
تنهدت ليلى وهي ترى ابنها بتلك الحالة.
منذ أيام وهو بهذا الوضع.
حاولت أن تعرف ما به ولكنها لن تصل لأي إجابة.
أغلقت الباب وتقدمت نحوه ثم وضعت كفها على كتفه وقالت:
- ممكن أعرف مالك يا بني؟ بقالك فترة مش مظبوط. دايماً ساكت وهادي. حتى بطلت تبتسم أو تكلمنا. ممكن تقولي مالك يا يحيى طمني عليك يا بني.
ربت يحيى على كف والدته وقال:
- أنا كويس يا أمي متخافيش روحي ارتاحي إنتِ.
لم تسمع كلامه بل جذبت مقعداً وجلست بجواره وهي تقول:
- لا يا يحيى. متضحكش عليا إنت مش كويس. مش كويس أبداً. قولي فيه إيه؟ يا بني ريحني وقولي مالك؟
نهض يحيى وقال:
- عايزة تعرفي مالي يا ماما ماشي هقولك. أنا مش كويس يا أمي. مش قادر أنساها. مش قادر. مش قادر أخرجها من بالي.
نظرت إليه والدته بحزن.
كان يؤلمها حال ابنها.
ولكنها لا يمكن أن تقبل بتلك كنة لها. لا يمكن.
كيف يفكر يحيى.
- يا ابني شوف الفرق بينك وبينها. مينفعش. فين التوافق الاجتماعي والمادي ما بينكم؟ ليه مبتفكرش في الناس ممكن تقول إيه؟
- ناس.. ناس.. ناس. ما طز في الناس يا ماما هو أنا هعيش على مزاجهم. بقولك أنا بتعذب تقولي ناس. الناس هينفعوني بإيه يعني. من الآخر ده قراري يا أمي. أما رانيا أو مش هتجوز غيرها أبداً!
في منزل موسى.
كان يقف أمام النافذة في شقته السكنية.
يضع كفه على قلبه وهو يشعر بالانزعاج.
لا يعرف لماذا يشعر بهذا الشعور اليوم.
يشعر بالاختناق. بالخوف. والقلق ينهشه نهشاً.
يشعر أن شيئاً ما سوف يحدث. شيئ سيء للغاية.
أغمض عينيه وقال:
- ربنا يستر. إن شاء الله ميكونش فيه حاجة.
- مالك يا قيصر؟
قالتها مايا وهي تقترب منه وتقف أمام النافذة.
كانت محتارة من حالته. فهو يبدو مبعثراً.
نظر موسى إلى مايا وقال:
- معرفش يا مايا قلبي مش مطمن. حاسس إن فيه حاجة وحشة أوي هتحصل. معرفش ليه حاسس الإحساس ده.
ربتت مايا على كتفه وقالت:
- متقلقش يا قيصر مش هيحصل حاجة بإذن الله. إنت خايف على حبيبتك؟
هز موسى رأسه وقال:
- أنا مبخافش إلا عليها. معنديش مانع أموت بس هي ميحصلش ليها أي حاجة. لو حصلها حاجة اللي هيحصلي هيبقى أبشع من الموت يا مايا.
نظرت إليه مايا بشفقة وقالت:
- هانت يا قيصر قريب هينتهي صاموئيل ومش هتخاف عليها تاني. وهتفضل معاها للأبد.
ابتسم موسى بشرود وقال:
- ياريت. وقتها عمري. عمري ما هسيبها. ياريت الكابوس ده ينتهي يا مايا. أنا عمري ما جربت الخوف ده في حياتي. أنا حتى بطلت أراقب ليان خوفت يكون صاموئيل بيراقبني.
نظر إليها وقال:
- إنتِ متأكدة إنه ميعرفش حاجة عن ليان يا مايا؟
- أيوه هو قال إنه عايز يراقبك ويعرف إيه نقاط ضعفك الحديدة وفعلاً حصل بس معرفش عن ليان والا كان قال لي متقلقش.
نظر موسى إلى النافذة وهو يتنهد ويقول:
- أتمنى إنه ميكونش يعرف عنها حاجة. مش عايز كل اللي عملته يروح هدر!
في مستودع مهجور.
وضع أحد الرجال ليان الغارقة بدماءها على الأرض وقال لصاموئيل الذي كان جالساً براحة على المقعد:
- نقتلها دلوقتي يا بوص. هي لسه بتتنفس.
- اصبر يا مؤيد. الصبر حلو. أنا عايز المرة دي أعمل حاجة مختلفة. عايز أجيب القيصر تحت رجلي وأخليه يشوف حبيبته وهي بتموت. أهي الحاجة دي هتموته ميت مرة!
- هنجيبه إزاي يا بوص؟
- أنا عارف هجيبه إزاي.
قالها صاموئيل مبتسماً ثم أخرج هاتفه وصور ليان صورة واضحة وبحث عن رقم موسى الذي حصل عليه ثم بعث بتلك الرسالة على تطبيق الواتس آب.
عند موسى.
صوت رسالة قادمة على هاتفه جذب انتباهه.
اتجه إلى هاتفه الذي على الطاولة وأمسكه ليرى من بعث له تلك الرسالة.
عبس بحيرة وهو يجد إن رقم غريب بعث له رسالة على الواتس آب.
فتح الرسالة ليشحب وجهه كالأموات وتهتز كفه فيسقط الهاتف من يده.
نظرت إليه مايا بحيرة واقتربت منه وهي تقول:
- موسى فيه إيه؟
ولكنها لم تحصل على رد بل وجدت دموعه تنفجر من عينيه وهو يرتعش بقوة.
أمسكت الهاتف لترى ماذا به.
كتمت صرختها في الوقت المناسب وهي ترى تلك الرسالة.
- دي... دي ليان.
هز موسى رأسه وهو يبكي ويقول:
- هي كمان ماتت. ماتت. ماتت. أنا السبب. أنا السبب.
أخذ يصرخ وهو يضرب نفسه:
- أنا السبب. أنا السبب.
- قيصر.. اهدى أبوس إيديك.
قالتها مايا وهي تحاول إمساك كفه والسيطرة عليه ولكنه كان يبدو منهاراً للغاية.
كان صعب السيطرة عليه.
رن هاتفه فجأة لتقول مايا بسرعة:
- ده هو. هو الرقم اللي بعتلك الرسالة.
خطف موسى منها الهاتف وفتحه ثم صرخ وهو يبكي:
- هقتلك. هقتلك يا صاموئيل!
ضحكته البغيضة تسللت لأذن موسى وقال:
- لا لا يا قيصر دي مش طريقة تكلم بيها صاحبك القديم وخصوصاً إننا دلوقتي معانا حبيبتك وكل حياتك. ولا عايزني أقتلها.
- ليان عايشة؟
قالها موسى بلهفة ليسمع رد صاموئيل بهدوء.
قال أخيراً بعد لحظات:
- أنا جايلك. قولي العنوان.
بعد أن أغلق الهاتف قالت مايا:
- جه الوقت ننفذ اللي اتفقنا عليه. روح وأنا هتصرف.
هز موسى رأسه وهو يخرج من منزله بسرعة.
بعد ساعة ونصف.
كان قد وصل أخيراً إلى المستودع المهجور ثم خرج من السيارة وهو يلهث ويصرخ قائلاً:
- صاموئيل إنت فين؟
- امشي قدامي.
قالها صوت خشن من خلفه وهو يضع السلاح على رأسه ثم أكمل:
- البوص مستنيك جوا يا قيصر.
- مؤيد.
قالها موسى ليرد مؤيد مبتسماً:
- كويس إنك فاكر صحابك اللي خنتهم يا قيصر. يلا قدامي.
لم يجادله موسى أكثر من هذا وسار بهدوء.
ولج إلى المستودع ونظر إلى ليان الملقاة على الأرض.
كاد أن يركض نحوها إلا أن صاموئيل ضرب رصاصة في الهواء وقال:
- متحاولش يا قيصر لإن والله الرصاصة التانية هتكون في راس حبيبتك.
ابتلع موسى ريقه وهو ينظر إلى صاموئيل الذي بدا أكبر بكثير منذ آخر مرة رآه فيها.
اقترب صاموئيل وقال:
- ياااه يا موسى. اتمنيت كتير إني أشوف اللي اتجرأ وقتل ابني عشان أحرق قلبه كمان.
- صاموئيل هي... هي ملهاش دعوة. ابوس إيديك اقتلني أنا.
أشار صاموئيل لمؤيد ليقترب مؤيد بسرعة من ليان ويضع السلاح على رأسها.
- لا لا يا مؤيد.
صرخ موسى وهو يقترب إلا أن صاموئيل ضرب رصاصة مرة أخرى وقال:
- مكانك يا قيصر.
نظر موسى إليه وقال:
- أنا قدامك أهو اقتلني. اقتلني!
- تؤ. مش عايز أقتل غيرها.
- يا صاموئيل ابوس إيديك هعمل اللي إنت عايزه بس سيبها. ابوس إيديك سيبها.
أركع على رجليك يالا!
قالها صاموئيل وابتسامة نصر تزين وجهه.
انفجرت الدموع من عيني موسى ونظر إلى ليان التي السلاح مصوب على رأسها.
لم يفكر مرتين وهو يجثو على ركبتيه ويقول:
- أبوس إيديك اقتلني أنا. اقتلني أنا. هي لأ.
ضحك صاموئيل وقال:
- ياااه مش متخيل فرحان قد إيه وأنا شايفك مذلول كده. بس لا يا قيصر أنا دلوقتي هحرق قلبك أكتر وأقتلها قدامك وأفتكر إنها ماتت بسببك زي روان وعيش في جحيم الذنب يا قيصر.
- مؤيد يلا.
- لااااا.
صرخ بها موسى وهو ينهض فجأة وينجح في أخذ السلاح من صاموئيل ويجذبه وهو يضع السلاح برأسه ويصرخ بمؤيد:
- والله هقتله. ابعد عنها يا مؤيد. ابعد. هقتله!
- خلاص. خلاص. هبعد عنها.
قالها مؤيد وهو يشير بعينيه لباقي الرجال لكي يمسكوه إلا أن موسى صرخ وقال:
- الحركات دي أنا عارفها يا مؤيد. لو حسيت بأي حركة منكم هقتلكم البوص بتاعكم.
قاطع كلام موسى صوت قدوم سيارات الشرطة.
ابتسم موسى وقال:
- وأهو مشهد النهاية اتكتب. نهايتك اتكتبت يا صاموئيل.
وبالفعل اقتحم رجال الشرطة المكان وتتبعهم مايا وهي تبتسم لصاموئيل بانتصار.
بعد قليل.
تم القبض على صاموئيل ورجاله وهذا بفضل الأدلة التي جمعتها مايا ضدهم.
وتم إحضار عربة إسعاف لإنقاذ ليان التي ما زالت فاقدة للوعي.
في سيارة الإسعاف.
كان موسى يمسك كف ليان ودموعه تسير على وجنتيه ويقول:
- حقك عليا. حقك عليا أنا يا ليان. محدش هيأذيكي بعد النهاردة. محدش هيلمس منك شعرة تاني. وأنا عمري عمري ما هبعد عنك يا حبيبتي بس ابوس إيديكي خليكي معايا. خليكي معايا.
- المهم جواهر دلوقتي كويسة؟
قالها أمير وهو ينظر إلى عبير التي تمشط شعرها أمام المرآة فترد هي:
- أيوه اتحسنت. حتى من شوية قبل ما نيجي هنا اتصلت وأصرت إني أبقى معاك النهاردة وبكرة أروح لها.
قالت إنها هتقولي على خبر حلو.
كان باين من صوتها إنها مبسوطة أوي.
ابتسم أمير وقال:
- كويس ربنا يسعدها ويجبر بخاطرها.
تنهدت عبير وقالت:
- يسمع من بوقك ربنا يا أمير. ربنا يسعدها يارب. جواهر أطيب بنت شوفتها في حياتي وتستاهل السعادة.
تركت المشط ثم اتجهت إلى أمير وجلست على الفراش وهي تقول بشرود:
- تعرف على قد إن اللي عرفته صعب بس أنا فرحانة أوي إن جواهر طلعت أختي. دايماً كنت بحس إن في رابط بيننا. دايماً لما أكون في مشكلة هي اللي بتساعدني من غير ما تفكر مرتين حتى. لما بابا كان عايز يجوزني لعدي بالعافية مفكرتش مرتين وهي بتساعدني على الهروب رغم إنها عارفة إنها هتقع في مشكلة مع بابا بس مهمهاش. حتى لما بابا ورطها وخلاها تتجوز عدي مفكرتش تقول على مكاني بعد ما عرفته. دايماً جواهر كانت حاسة إني مسؤوليتها. شكل في عقلها الباطن كانت عارفة إني أختها.
تسطحت على الفراش وتنهدت قائلة:
- حاسة إن بقالي عيلة جديدة. عيلة تعوضني عن اللي شوفته من بابا.
نظرت إليه وابتسمت بينما تظهر نواجزها الساحرة وقالت وهي تتلمس وجنته:
- بقى معايا زوج زي القمر. حنين وطيب وبيحبني. راجل مثالي من الآخر.
ابتسم أمير وهو يقبل كفها لتكمل هي:
- وبقى معايا أخت زي تحية بتحبني وتقدرني وجواهر كمان. أنا دلوقتي في قمة سعادتي يا أمير بجد. حاسة إني طايرة من كتر السعادة.
- حبيبتي ربنا يسعدك دايماً يارب.
قالها أمير وهو يضمها إليه بقوة ويقبل رأسها ويكمل:
- إنتِ أجمل هدية في حياتي. أحياناً مبقدرش أصدق إني اتجوزتك.
تألقت عيني عبير وقالت:
- ولا أنا بصراحة.
صمتا قليلاً ليتنهد أمير بعمق.
- إيه فيه إيه؟
سألته عبير.
- أنا حاسس إني وشي فقري عليكي.
قالها أمير بتعب لتعبس عبير وتقول:
- ليه بتقول كده؟
هز كتفه وقال:
- من أول ما اتجوزتك وإنتِ المصايب بتررف على رأسك زي الرز.
ضحكت عبير بقوة وضربته على كتفه وقالت:
- بطل بواخة إيه وشك فقر دي.
امسك كفها وقال:
- يا بنتي افتكري إحنا ليلة دخلتنا بيت تحية ولع وجات عندنا. أنا واحد فقري أمي الله يرحمها، كانت بتقول عليا كده.
انطلقت ضحكات عبير أكثر وهي تمسك وجهه وتقبله قائلة:
- إنت أجمل إنسان شوفتـ ه في حياتي. متقولش على نفسك كده.
ثم اقتربت ثانية وهي تقبله مراراً على وجنته.
ضحك أمير وهو يضمها.
اتجهت يديه بخبث إلى بطنها وبدأ يدغدغها.
صرخت عبير فجأة وهي تدفعه وتقول:
- لا لا يا أمير بطل بواخة بقا.
وكادت أن تهرب إلا أن أمير امسكها وثبتها على الفراش بيد واليد الأخرى استخدمها لكي يدغدغها.
- يا أمير لا. لا يا أمير بغير خلي عندك دم.
قالتها عبير وهي تضحك وتصرخ في آن واحد ولكنه لم يرحمها أبداً وهو مستمر في فعلته.
تطفرت الدموع من عينيها بسبب إفراطها في الضحك وقالت:
- خلاص عشان خاطري يا أمير هموت. خلاص عشان خاطري. لو بتحبني.
توقف فجأة وقال:
- بحبك طبعاً.
ابتسمت بهيام وقالت:
- وأنا كمان.
في اليوم السابق.
جلست جوري أمام القبر وقالت ودموعها تتساقط:
- أنا لقيتك يا بابا. جيت ولقيتك. كانت تضحك بطريقة غريبة. دموعها تنهمر تباعاً وتقول:
- إنت آذيتني كتير بس أنا جيتلك. جيتلك رغم إنك آذيتني كتير. ليه كنت بتعمل فيا كده؟ أنا بسببك طلعت إنسانة وحشة. أمي بتقول إني مجنونة. بتقول إني مش متزنة نفسياً يا بابا. حتى ياسين سابني. حتى ياسين بيقول إني مش متزنة نفسياً. هو طلقني وسابني وراح اتجوز. اتجوز واحدة غيري وحرق قلبي. ومهما أعمل رافض يرجعني. أنا عملت سحر عشان يرجعلي برضه مرجعش يا بابا. مرجعش. أنا زعلانة أوي. أنا خسرت كل حاجة. كل حاجة خسرتها يا بابا. ياسين وبنتي. حتى نفسي خسرتها.
انفجرت الدموع من عينيها وقالت:
- تعرف أنا ضربت ماما وشكلها ماتت. ماما أكيد سابتني ومشيت وأنا دلوقتي لوحدي مليش أي حد. مليش حد. وده كل بسببك. بسببك.
ثم أخذت تضرب على الأرض وتصرخ:
- إنت السبب في ده كله. إنت السبب. إنت اللي خليتني إنسانة مش متزنة نفسياً. أمي كانت كل شوية بتقول إني شبهك. بتقول إني مجنونة زيك. وأنا تعبت. أنا ذنبي إيه أتحمل ده كله. قولي ذنبي إيه؟
انفجرت الدموع من عينيها غزيراً وهي تشعر بألم كبير في قلبها وقالت:
- ليه عملت كده فيا؟ ليه دمرت حياتي يا بابا؟ ليه؟ أنا كان نفسي أعيش كويس. كان نفسي ياسين يكون معايا. بس إنت كنت واقف في طريقي. كنت بأذي بنتي بنفس الطريقة اللي إنت كنت بتأذيني بيها. كنت بحرقها.
ضحكت ودموعها تنهمر أكثر وأكملت:
- أيوه. أيوه كنت بحرقها بالنار يا بابا. فاكر إنت برضه كنت بتعمل فيا كده. كنت بتحرقني بالنار. وكنت بتضربني وبتحبسني. فاكر لما حبستني في الأوضة الضلمة. إنت كنت عارف إني بخاف من الفيران بس دخلت فيها فأر. كنت بتسمعني بصرخ ومحاولتش تساعدني. سبتني كده.
قلبك طاوعك إنك تسيبني أصرخ. أنا بكرهك. وبكره أمي وبكره ياسين. سمعتني يا بابا. بكرهك. بكرهك. وبتمنى إنك تكون بتتعذب دلوقتي إنت وماما. أنا برضو قتلتها. هي حصلتك. بتمنى إنتوا الاتنين تتحرقوا في نار جهنم!
ابتلعت ريقها وهي تخرج السكين التي معها وقالت:
- خلاص دي النهاية المناسبة لعيلة توكسيك زينا. إنت موت وماما ماتت وفاضل أنا أموت. نهاية سعيدة. هنجتمع سوا أخيراً. صح؟
ثم دون أي تردد مرت السكين على رسغها حتى انفجرت الدماء منه ملطخة القبر.
استلقت بجوار القبر وهي تنزف بقوة.
تشعر أن قواها تغور.
ابتسمت بوهن وقالت:
- تعرف رغم إنك آذيتني كتير إلا إني حبيتك يا بابا. أنا حبيتك حتى أكتر من أمي. وانهارت يوم وفاتك. أحياناً بسأل نفسي ليه زعلت عليك وليه بحبك رغم كل اللي عملته فيا بس صدقني مش لاقية أي إجابة!
أغمضت عينيها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة!
في الوقت الحالي.
في المشفى.
فتحت عفاف عينيها لتجد ياسين بجوارها.
كان يبدو عليه التعب.
- ياسين.
قالتها عفاف بتعب لينتبه لها ياسين ويمسك كفها ويقول بلهفة:
- إنتِ كويسة؟
هزت رأسها وقالت بتعب:
- إيه اللي حصل مخي مش مجمع.
ابتلع ياسين ريقه.
الطبيب بالفعل أخبره عن هذا. أخبره أن السيدة عفاف قد تتشوش ذكرياتها بسبب ارتجاج في الدماغ تسببت به ضربة جوري.
وجد ياسين نفسه عاجزاً عن الشرح ونظر إلى عفاف بيأس فقالت عفاف:
- ياسين قولي حصل إيه؟ وفين جوري؟ آه.
فجأة تأوهت وهي تضع كفها على رأسها والصور تندفع إلى عقلها بشكل مؤلم.
إنها تتذكر. نعم تتذكر!
تتذكر كل شيء. جوري. لقد ضربتها ابنتها.
- ياسين جوري ضربتني هي اللي.
- عارف. عارف.
قالها ياسين بتعب وقد ارتاح قليلاً لأنها تذكرت بنفسها.
- إزاي عرفت؟
سألته بفضول ليسرد عليها ما حدث بكل تفاصيل.
كما أخبرها أنها نائمة منذ أمس بالمشفى ولم تستيقظ حتى الآن.
- طيب هي فين يا ياسين؟ فين جوري؟
- هربت.
قالها بيأس وهو يفرك عنقه ثم أكمل:
- بعد ما روحت عشان أشوف فيكي إيه واتصدمت باللي بنتك عملته انشغلت معاكي واتصلت بالإسعاف كان وقتها هي هربت.
وضعت هي كفها على رأسها والدم يتطفر من عينيها وقالت:
- جوري بقت خطر على نفسها وعلى اللي حواليها يا ياسين. ساعدني قولي أعمل إيه؟
زفر ياسين بضيق وهو ينظر إليها وقال بإنفعال:
- أنا قولتلك قبل كده أعملي إيه صح ولا لا. نبهت عليكي تاخديها لدكتور نفسي لأن بنتك مش سليمة نفسياً. قولـ ت لك قربي منها. بس يا مدام إنتِ مسمعتيش كلامي و.
صمت ياسين فجأة وهو يتذكر الوضع الذي هي به.
ليس وقت اللوم الآن.
نظر إلى عفاف ليجد الدموع تطفر من عينيها والذنب يطل منهما.
- أنا آسف ده مش وقته.
تنهد وأكمل:
- بس متقلقيش هيلاقوا جوري بإذن الله البوليس بيدور عليها ولما يلاقيها هنتصرف أنا مش هسيبك لوحدك.
ابتسمت عفاف بإطمئنان وقالت:
- شكراً. شكراً أوي يا ياسين.
هز رأسه وقال:
- ارتاحي دلوقتي هجيب لي قهوة وأجيلك تاني.
هزت رأسها وقالت:
- لا لا خلاص كتر خيرك على كده روح بيتك شكلك تعبان وأنا.
- لا مستحيل مش هروح وأسيبك. خلاص أنا هجيب قهوة وهفضل هنا.
انتهى الكلام ووبالفعل خرج من الغرفة ليجلب قهوة له.
توقف فجأة وهو يرى ورد تقترب منه ثم تعانقه بقوة.
أبعدها قليلاً وقال:
- إيه اللي جابك هنا؟ أنا اتصلت بأمي عشان تروح لك يا ورد. ليه تتعبي نفسك وتيجي. الدكتور منبه و.
- بس بس اهدى شوية!
قالتها ورد وهي تضع كفها على شفتيه ثم تكمل بابتسامة:
- يا حبيبي أنا والله كويسة متبقاش أوفر لو سمحت. المهم قولي دلوقتي إيه اللي حصل. أنا قلقت. فين جوري؟
هز ياسين رأسه وقال:
- للأسف معرفش هربت مني ومدام عفاف بس اللي موجودة جوا.
فركت ورد كفيها وقالت:
- طيب إيه. هي كويسة دلوقتي؟
- أيوه كويسة. جالها ارتجاج بسيط في المخ بس الدكاترة قالوا مفيش أي خطر بس هي هتفضل تحت الملاحظة يومين وأنا لازم أفضل معاها.
ابتسمت ورد وهي تمسك كفه وتقول:
- أكيد يا حبيبي لازم تفضل معاها. ربنا يصبرها ويقويها. بجد صعبان عليا أوي. حتى جوري صعبانة عليا.
نظر ياسين عليها ببرود وقال:
- ميصعبش عليكي غالي يا أختي.
ضربته ورد على كتفه وقالت:
- يا أخي بطل قسوتك دي. جوري واضح إنها غير متزنة نفسياً.
- ورد أنا بطلت أشفق عليها بسبب اللي عملته أنا مستحيل أنسى إنك كنتِ هتضيعي مني بسببها هي.
شدت على كفه وقالت:
- بس أنا دلوقتي كويسة الحمد لله يبقى مفيش داعي للقلق والخوف ده يا حبيبي. ولا فيه داعي إنك تحقد على جوري المسكينة برضه بتعاني وإنت لازم تساعدها دي أم بنتك مهما كانت.
زفر ياسين بضيق وقال:
- ما هو ده من سوء حظي إنها أم بنتي. من سوء حظي والله.
قاطع كلامه رنين الهاتف. رد سريعاً عندما رأى أن المحقق هو من يتصل به.
- أيوه يا فندم.
قالها ياسين بلهفة متمنياً الحصول على بعض معلومات عن جوري.
فجأة شحب وجه ياسين وقال:
- بتقول إيه؟
توقف قليلاً وهو يسمعه فرد بتعب:
- حاضر. حاضر يا فندم.
ثم أغلق الهاتف لتقول ورد:
- فيه إيه يا ياسين قلقتني؟
- ما تت. جوري ما تت!
قالها ياسين بصدمة لتضع ورد كفها على فاها بصدمة.
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سولييه نصار
أنتِ لي …
بالأمس واليوم وغداً وإلي الأبد …
إن كنت سأطلق على الحب أسماً آخر سيكون أسمك
في اليوم التالي ….
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:(إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”) رواه مسلم.
كان الشيخ يردد الحديث بينما يتم دفن جوري.
استخدم ياسين معارفه لإنهاء إجراءات الدفن سريعا بعد أن تم إثبات أن سبب الموت هو الإنتحار …
كانت عيني ياسين الخضراء مشبعة بالدموع.
صحيح جوري أذتهم كثيرا ولكنه أبداً لم يتمنى لها تلك النهاية … مهما كانت هي أم ابنته.
تم دفن جوري وبدأ الشيخ يقرأ القرآن …
بعد عدة دقائق ذهب الجميع وبقي هو واقفاً أمام قبرها وهو يجفف دموعه …
قرأ لها الفاتحة … ثم قال:
- ربنا يرحمك ويسامحك يا جوري … ربنا يسامحك …
أنا هقول لأمي إيه دلوقتي … هقولها إيه؟!
أنا مقولتلهاش الحقيقة … مقولتلهاش أن بنتها ماتت … مش عارف هجيبهالها إزاي … مش عارف إزاي هقولها …
دماغي بتودي وتجيب ومش لاقي أي بداية مناسبة عشان أقدر أقولها الخبر …
دعك عينيه بتعب ليرن هاتفه فجأة.
أخرج هو هاتفه ليجد زوجته تتصل به … فتح الهاتف ورد عليها …
- أيوة يا ورد …
- أيوة يا حبيبي طمنّي دفنتوها ؟!
قالتها ورد بهمس وهي تبتعد عن حماتها وياسمين التي لم تعرف حتى الآن أن والدتها قد ماتت …
هز ياسين رأسه وقال:
- أيوة يا حبيبتي دفناها.
- الحمدلله … الله يرحمها …
- مامتها عرفت يا ياسين ؟!
أغمض ياسين عينيه بتعب وقال:
- للأسف لسه يا جوري… مقدرتش أقولها … مقدرتش للأسف …
- لازم تقولها يا حبيبي.
قالتها ورد بحزن على الحالة التي وصلت إليها جوري … على الرغم أنها آذتها كثيراً ولكن موتها بتلك الطريقة أحدث شرخاً في قلبها …
مسحت الدموع التي انسابت من عينيها وقالت بإختناق:
- حبيبي لازم تقولها … لازم …
تنهد ياسين وقال:
- حاضر يا ورد هقولها وربنا يستر …
اديني أمي أكلمها لو سمحتي …
هزت رأسها وقالت:
- حاضر يا ياسين …
ثم اتجهت لحماتها وهي تشير إليها لكي تكلم ياسين … هزت حماتها رأسها وهي تقترب منها وتمسك الهاتف وتبتعد كي لا تسمع ياسمين شئ بينما اتجهت ورد وهي ترسم ابتسامة على شفتيها إلى ياسمين وجلست لتلعب معها ………
- أيوة يا حبيبي.
قالتها والدة ياسين ليرد ياسين:
- ازيك يا ماما ..
- ازيك يا حبيبي … طمني عليك يا ياسين … انت منمتش من يومين يا حبيبي … أكلت ..
ابتسم ياسين وقال:
- أمي متقلقيش عليا أنا كويس أوي. المهم اسمعيني أنتِ … خلي بالك من ورد لحد ما أرجع يا أمي خليها ترتاح بالله عليكي …
ابتسمت والدته وقالت:
- حاضر يا بني متقلقش .. خلي بالك من نفسك …
- بإذن الله خير …
ثم أغلق الهاتف متجهاً إلى المشفى حيث تقبع السيدة عفاف ….
في المشفى …..
وأمام غرفتها كان متردداً … لا يريد الدخول ويخبرها بما قد يقتلها …
أغمض عينيه بقوة وهو يتمنى أن ينتهي هذا بسرعة … يتمنى أن يخبرها وينتهي ….
تنهد ياسين وقرر الدخول …
كانت عفاف جالسة على فراشها بالمشفى تبدو أنها تحسنت قليلاً.
ما أن رأته حتى ابتسمت بلهفة وقالت:
- ياسين ابني لقيت أي خبر عن جوري … طمنّي يا ابني قلبي واكلني عليها … متخلّيهم يحبسوها يا ياسين أنا مسامحاها بس ارجوك بلاش تخليهم يحبسوها عشان خاطري …
ابتلع ياسين ريقه وهو ينظر إليها وعادت الدموع لتتجمع في عينيه … أمسك كفها وقال:
- أنتِ مؤمنة بالله يا ست عفاف صح ؟!
هزت عفاف رأسها بحيرة ليكمل بينما الدموع تطفر عينيه:
- وعارفة أننا لازم نتقبل قدره مهما كان …
هنا شعرت بالرعب يحتل عقلها وقالت بنبرة مرتعشة:
- ياسين … ياسين فيه إيه … انت بتقول إيه ؟!
- البقاء لله يا ست عفاف جوري ماتت!!!
- لااااااا
صراخها ملأ غرفة المشفى.
بعد أسبوعان …..
كانت جالسة على الفراش الصغير بالمشفى تنتظر أخاها ليأتي كي يأخذها إلى المنزل.
تتذكر ما حدث الأيام السابقة.
لقد كادت أن تموت ومات بالفعل السائق الخاص بها بسببها هي.
تمزق قلبها من الألم … لم تكن تريد أبداً أن يموت أحد بسببها.
حاول عدي كثيراً أن يخبرها أن هذا ليس ذنبها ولكنها رفضت تصديقه.
كانت تحمل نفسها الذنب.
تمنت أن تموت ولكن للأسف تم إنقاذها.
صحيح ستواجه صعوبة لفترة في السير على قدمها المصابة ويدها ستكون مجبرة لفترة.
وجهها الجميل أصبح مكدوداً قليلاً ولكن الطبيب طمأنها أن الأثر سوف يزول بسرعة.
أغمضت عينيها بتعب وهي تصل لنتيجة أن مجدداً موسى قد أنقذها وقد حكى لشقيقها كل الحقيقة.
ولكن هذا لن يغير أي شيء أبداً.
لن تسامحه عما فعله.
أخرجها من شرودها طرقة خافتة على الباب.
- أكيد ده عدي…
باقي الكلمات تجمدت على لسانها وهي تراه أمامها.
بهيئته المهلكة المعتادة.
نظراته التي كانت باردة آخر مرة رأيته بها الآن تحترق بالعشق.
ابتسامة متوترة تزين شفتيه.
كان خائف … خائف أن يتم رفضه.
تبدلت الأدوار الآن نظراتها هي من كانت باردة وهي تنظر إليه من أسفل لأعلى وقالت:
- خير عايز إيه ؟!
- ليان أنا …
- اطلع برا أنا مش عايزة أشوفك … يالا امشي …
- ليان تتجوزيني ؟!
قالها فجأة وهو يحبس أنفاسه.
أدرك بغباء أن عرضه الآن غير مناسب أبداً.
صوبت نظراتها الباردة إليه:
- عرضك مرفوض.
- أنتِ بقيتي عارفة دلوقتي أنا عملت كده ليه يا ليان.
قالها موسى وهو يقترب منها.
عينيه تفيض منهما العشق.
كل ما يرغب به هو أن يصل إليها بسرعة ويضمها بقوة بين ذراعيه ولكن نبرتها الباردة جمدته تماماً.
- أيوه عرفت عشان تحميني … وأنا مفروض أعمل إيه دلوقتي ؟!
- ليان !!!
قالها بصدمة ثم أكمل:
- أنا كنت خايف عليكي … كنت خايف صاموئيل يأذيكي عشان كده عملت اللي عملته…
ضحكت ليان بسخرية وقالت:
- أنت عارف يا موسى إيه مشكلتك بالضبط؟!
إنك بتعاملني كأني فاقدة الأهلية … تعمل فيا اللي انت عايزة من غير ما تفكر تسألني أو تاخد رأيي… شايف خطر عليا يبقى خلاص تبعد وتكسر قلبي … واهو قلبها اتكسر بس مش مهم هي عايشة ومفروض تشكرني على اللي عملته ولما يخلص الخطر تقرب تاني وعايزنا نرجع.
انت فاكرني إيه بالضبط ؟! هو أنا لعبة في إيديك.
لا يا موسى المرة دي القرار قراري أنا مش قرارك وأنا أهو بقولك عرض زواجك مرفوض وأنا مش هرجعلك أبداً!!!!
اقترب أكثر منها فحاولت الابتعاد إلا أنه أمسك ذراعها بلطف وقال:
- ليان أنا كنت خايف عليكي … أنا كنت بتعذب أكتر منك … كنت بموت وانتِ بعيدة عني … كنت مرعوب عليكي و …
- كل ده ميهمنيش … خلاص اللي بيننا انتهى يا موسى.
ثم دفعت ذراعه وقالت:
- لو سمحت امشي من هنا أنا صدعت ومش عايزة أسمع.
ثم كادت أن تتجاوزه إلا أن ساقها خانتها وكادت أن تسقط إلا أنه أمسكها بسرعة ثم حملها بين ذراعيه.
أغمضت عينيها والدموع تتسرب بغزارة من بين عينيها المغلقة وقالت وصوتها يخرج في هيئة شهقات متقطعة:
- لو …. لو سمحت امشي … امشي … ابعد عني … كفاية اللي عملته فيا …
اتجه ووضعها على الفراش ثم جثى على ركبتيه وهو يمسك كفها ويقول بينما الدموع تحتشد بعينيه:
- أنا بحبك …
هزت رأسها وهي ما زالت مغمضة عينيها وقالت:
- معتقدش انك بتحبني … اللي بيحب مبيجرحش يا موسى.
قبل كفها وقال بصوت أجش:
- هرجعك … هعرف إزاي أرجعك.
ثم نهض وهو يقبل رأسها وذهب.
تاركا إياها تنفجر من البكاء.
خرج موسى من غرفتها بالمشفى وهو يترنح من الألم.
- موسى !!
صوت عدي انتشله من تفكيره ونظر إليه.
مسح دموعه بسرعة وقال:
- ازيك يا عدي … جيت أشوف ليان .. بس الظاهر لسه زعلانة.
ابتسم عدي له بحزن وقال:
- هتنسى متقلقش. لما غضبها يهدى شوية هتفكر إنك عملت المستحيل عشان تنقذها وهتقدر.
ابتسم موسى له فاقترب عدي وضمه بقوة إليه وقال:
- هتسامح يا موسى متقلقش. هتسامحك!
في إحدى المناطق الراقية نوعاً ما…
- أنا مش مصدقة أن عمك المخفي كان عايش في العز ده من فلوسنا اللي لهفها مننا … أخد البيت اللي أبوكي عمله لينا عشان نعيش عيشة كويسة وخلانا نحتاج للي يسوى واللي ميسواش.
قالتها رابحة وهي تجلس على الأريكة الفاخرة براحة شديدة.
ابتسمت رانيا وهي تضع الطعام على الطاولة وتقول:
- خلاص يا أما اخد اللي يستحقه ربنا يصلح حاله خلينا منفكرش فيه. يالا عشان نفكر هنعمل إيه بالمبلغ اللي حطينه في البنك.
اتجهت رانيا إلى رابحة وحرّكت المقعد المتحرك الخاص بها حتى وضعته أمام طاولة الطعام ثم بدأت تأكل.
حياتهما تغيرت كثيراً.
فبعد أن أعاد لهما أخ زوجها ورث زوجها الراحل والذي كان كبير وأيضاً أعطاها المنزل الذي بناه زوجها بعرق جبينه.
كل تلك الأشياء غيرت حياتهما للأحسن.
الآن هي لا تحتاج لأي أحد إلا الله.
لا هي ولا ابنتها.
- أنا بقول يا رانيا يا بتي كفاية شغل وتعب بقا. الحمدلله إحنا دلوقتي معانا فلوس ونقدر نصرف براحتنا.
هزت رانيا رأسها وقالت:
- لا يا أما … أنا عايزة أشتغل عشان يبقالي خبرة وأتعلم. بس كمان عايزة أعمل مشروع بالفلوس دي. مشروع يسندنا.
- مشروع إيه يا رانيا ؟!
هزت رانيا رأسها وهي تأكل وقالت:
- أنا لحد دلوقتي فيه كذا مشروع في بالي هفكر وأشوف إيه الأحسن ونعمله إيه رأيك ؟!
- أنتِ أدرى يا بتي.
يالا كُلي عشان تلحقي شغلك.
هزت رانيا وبدأت تأكل.
فجأة رن جرس المنزل.
عبست رانيا وهي تنظر لوالدتها من يمكن أن يكون على الباب.
نهضت رانيا لتفتح الباب.
وقفت متجمدة وهي تنظر إلى آخر شخص توقعت وجوده أمام منزلها.
- ليلى هانم ؟!
قالتها رانيا ببهوت.
رفعت ليلى رأسها وقالت:
- ممكن أدخل.
هزت رانيا رأسها وافسحت لها الطريق.
- روحت حارتكم القديمة وملقتكيش لحد ما جارتك ادتني العنوان. مبروك البيت الجديد.
- الله يبارك في حضرتك.
قالتها رانيا بتوتر وهي تنظر إلى والدتها ثم أكملت:
- اتفضلي يا هانم الأكل جاهز.
تنهدت ليلى واتجهت إلى الطاولة وجلست عليها.
أسرعت رانيا واحضرت لها طبق ثم وضعت به الطعام.
بدأت ليلى تأكل بهدوء بينما رانيا كانت مصدومة من تصرف ليلى معها.
لقد اعتقدت أنها سترفض أن تأكل معهما أو تظهر نفورها ولكن هذا لم يحدث للدهشة.
نظرت ليلى إلى والدة رانيا وقالت:
- أنا جاية أطلب إيد بنتك رانيا ليحيى ابني. بطلب منك كأم إنك تديني بنتك.
اتسعت عيني رانيا بصدمة لتكمل ليلى وهي تنظر إليها:
- ابني مش سعيد. أنا حاسة بيه. يحيى مطفي. يحيى عمره ما كان باليأس ده. وأنا مش هستحمل أشوف ابني بالشكل ده. أنا أهم حاجة عندي سعادته. وسعادته معاكي يا رانيا. ممكن توافقي عليه ؟!
في اليوم التالي.
في المساء.
وقفت أمام المرآة وهي تتنهد بعمق بينما تنظر إلى نفسها.
فستانها الكريمي الطويل كان يلتصق بجسدها.
شعرها الأسود الطويل كان يرتاح على كتفها.
أحمر الشفاه القاني كان يليق على بشرتها البيضاء.
ابتسمت لتظهر نواجذها الرائعة.
الليلة هي ليلة عقد قرانها على عدي.
عدي الذي لم يدعها أبداً الأيام السابقة.
كان دوماً معها رغم تعرض شقيقته للهجوم إلا أنه لم يتركها أبداً.
حتى عندما كان يذهب للمشفى يأخذها معه ثم يجعل عبير تقضي الليلة في منزلها.
كان حريصاً ألا يتركها بمفردها أبداً كي لا تعيد التفكير في الانتحار مجدداً.
ابتسمت وهي تفكر أنها ممنونة له للغاية.
لكل تلك الأشياء التي يفعلها من أجلها.
وضعت كفها على قلبها وهي تفكر أنها تعشقه.
طرقة على الباب أخرجتها من شرودها.
- أدخل.
قالتها برقة لتدخل عبير وتصفر قائلة:
- إيه الجمال ده بس.
ابتسمت لها جواهر وهي تطرق برأسها أرضاً.
وجنتيها احمرت من الخجل.
اقتربت عبير وقبلتها على وجنتها قائلة:
- يالا عشان عريسك مستنيكي يا عروسة.
هزت جواهر رأسها وهي تمسك كف شقيقتها وتخرج.
أطلق الجميع تصفيقاً حاراً بينما تخرج جواهر كأميرة من باب القصر.
كان الطريق إلى الطاولة التي سوف يعقد عليها حفل الزفاف مزيناً بالورود البيضاء.
وكانت البالونات الزاهية تحيطها من كل اتجاه والفقعات الملونة تنطلق نحوها.
أحست أنها أميرة.
كل شيء كان مثالياً للغاية.
كل شيء كان جميلاً.
تجمعت الدموع في عينيها وهي ترى عدي ينتظرها على الطاولة.
يقف ويرتدي حلة باللون الكريمي كما ترتدي هي.
نظرت إليه بدهشة وهي تضحك ليغمز لها.
أخيراً وصلت إليه وجلست على الطاولة.
نظر شريف إلى ابنته الكبيرة التي كانت متألقة كعروس جميلة.
كان قلبه يؤلمه.
لقد أخبره عدي أن يأتي لكي يكون وكيل جواهر وذلك بعد أن كتب شريف جواهر على اسمه.
ومنع منعه منعاً باتاً من محاولة التحدث معها.
لقد أصبح عدي يقف بوجهه الآن وأن حاول فقط التحدث مع جواهر عدي لن يرحمه.
تمنى شريف أن يتحدث فقط مع ابنته.
يعتذر منها ويعانقها ولكن خوفه من عدي منعه.
ومن جهة أخرى جواهر عاملته وكأنه غير موجود.
لم تنظر إليه حتى.
حتى عبير تعامله كالغريب.
لقد خسر بناته.
خسر كل شيء.
جلس عدي وبجانبه الشيخ ومن الناحية الأخرى شريف ليتم عقد القرآن.
بعد قليل.
تم الانتهاء من عقد القرآن وأصبحت جواهر رسمياً زوجة عدي.
لم ينتظر عدي مباركات المدعوين سحب جواهر خلفه وهرب بها وسط ضحكات المدعوين.
ابتسمت عبير وهي تشاهد السعادة التي على وجه جواهر وهي تستقل السيارة مع عدي.
وضعت رأسها على كتف زوجها وأمسكت كفه وهي تقول:
- أنا فرحانة أوي النهاردة يا أمير. فرحانة أوي.
قبل أمير كفها وقال:
- وأنا مبسوط طول ما أنتِ مبسوطة يا حبيبتي.
اقترب شريف منهما وقال:
- ممكن نتكلم يا بنتي شوية ؟!
تلاشت الابتسامة من وجه عبير ونظرت إلى والدها بقسوة وقالت:
- أظن مفيش حاجة نتكلم فيها يا شريف بيه. أنا علاقتي بيك خلاص انتهت !!!
بهت وجه شريف وهو يرى القسوة على وجه ابنته وقال:
- يا بنتي …
- متقولش يا بنتي. أنا مش بنتك ولا جواهر خلاص. من سوء حظنا أننا أخذنا اسمك. بس خلاص الحمدلله من النهاردة ربنا عوضنا عنك خير. عوضنا عن أب معندوش مانع يبيع بناته. كفاية اللي عملته فيا أنا وجواهر. ياريت متقربش مننا تاني !!
تصاعدت الدموع لعينيه بينما تذهب عبير من أمامه.
نظر أمير بأسف إليه ثم لحق بزوجته.
لقد كان هو الخاسر الوحيد.
تنهدت ليان وهي ترى المدعوين بدأوا بالذهاب فقررت أن تذهب إلى غرفتها.
يبدو أن شقيقها لن يعود اليوم.
ابتسمت بسعادة وهي تتذكر السعادة على وجه شقيقها.
أنها لم تراه سعيداً لهذا الحد من قبل.
تتمنى من كل قلبها أن يكون سعيداً دوماً.
فتحت باب غرفتها ثم أشعلت الضوء لتصرخ فجأة وهي تجد موسى أمامها.
كادت أن تصرخ إلا أنه جذبها وهو يكتم فمها بكفه ويقول:
- أنا جهزت كل حاجة عشان تسمعيني.
وبالفعل وضعها على المقعد ثم قيدها بالحبال القوية التي أحضرها.
- موسى بتعمل إيه ؟!.
صرخت به عندما تملكت نفسها وخرجت من صدمتها إلا أن موسى كمم فمها بلاصق وقال:
- اهو بالطريقة دي هتمسعييني للآخر !!.
ولج لغرفته بخطوات متعبة.
الاسبوعان السابقان كانا كالجحيم.
انهارت عفاف تماماً ورفضت تقبل موت ابنتها.
صرخت وبكت وشتمته وضربته أيضاً لينفي ما قاله.
ثم بعدها لجأت للصمت.
مهما حاول أحد أن يتحدث معها لا ترد.
لذلك تم تحويلها للطبيب النفسي الذي أخبره أن الصدمة أفقدتها النطق وطلب منه أن تبقى بالمصح كي يتابع حالتها ووافق ياسين ومنذ ذلك اليوم وهو يزورها يومياً وذلك بسبب معرفته الوثيقة بالدكتور المعالج.
ولكن للأسف هي ترفض أبداً التحدث أو إظهار رد فعل.
العلاج لا يأتي بأي نتيجة وهذا أحزنه.
- حبيبي ..
صوت ورد الرقيق أخرجه من شروده.
نظر إليها وعينيه لامعة بالدموع كانت جالسة على الفراش تبتسم له برقة فتحت هي ذراعيها وقالت:
- تعالي يا ياسين.
اندفع هو إليها وضمها بقوة إليها ودموعه الساخنة تهبط على وجنتيه.
- حبيبي كله هيكون تمام متقلقش.
قالتها وهي تربت على شعره برفق وتقبله.
- الست عفاف مش راضية تدي أي رد فعل يا ورد. أنا خايف عليها أوي. هي متستحقش ده.
قبلت ورد رأسه وقالت:
- ربك كبير يا حبيبي. ربك كبير.
نظر إليها ياسين لتمسح دموعه.
امسك كفها وقبله قائلاً:
- أنا بحبك أوي يا ورد. وبحب وجودك في حياتي.
- وأنا كمان يا حبيبي.
قالتها بلطف.
سحبها على صدره وتسطح وهو يعبث بشعرها وقال:
- ممكن متقوليش لحد إني بكيت في حضنك. سمعتي كمهندس هتتدمر.
ضحكت ورد بقوة وقالت:
- حاضر يا باشمهندس مش هقول.
ابتسم ياسين وقال:
- ما تقوليلي شعر.
- أقولك شعر ؟!
قالتها ورد عابسة ليرد ياسين:
- أيوة قوليلي شعر. اشمعنا أنا بس اللي بقولك شعر. مرة من نفسي يا ستي. يالا قولي.
- حاضر يا عم هقول.
ثم أغمضت عينيها وهي تتذكر أحدى قصائدها المفضلة.
قبلت رأسه ثم بدأت تقول:
يا حُبًّا لم يُخْلَقْ بَعدْ
يا شَوْقًا كالمَوْجِ بِصدري
يا عِشْقًا يَجْتاحُ كِياني
يا أجْمَلَ رَعْشاتِ اليَدْ
يا صُبْحًا يُشْرِقُ في وَجْهي
يا فَجْرَ الغَدْ
يا جُزُرًا تَمتدُّ بعَيني ، وبُحورًا أغْرَقَها المَدْ
الحُبُّ كموْجٍ يُغرِقُني
والشَّوْقُ الجارفُ يَشتدْ
والعِشْقُ يَجيءُ كتَيَّارٍ
يَجرِفُني مِنْ خلْفِ السَّدْ
(2)
يا أجْمَلَ عِشْقٍ
جرَّبْتُ .. أنْ أعشَقَ حُبًّا لا يُوجَدْ
أنْ أعشَقَ حُلْمًا يَتَبَدَّدْ
أنْ يُصبِحَ حُبِّي نافِذَةً
أفتحُها .. عُمري يَتجَدَّدْ
أنْ أَبقَى العُمْرَ على مَوْعِدْ
مُنتظِرًا عَودَةَ أحبابي
مُنتظرًا شَمسًا لا تأتي
لَيدُقَّ الضَّوءُ على بابي
(3)
يا حُبًّا لنْ يُخلَقَ أَبَدا
أشواقي نارٌ لا تَهْدا
قد تَبقَى الأحلامُ بَعيدَةْ
قد يبقَى وَجهُكِ في نَظري
شَيئًا لا أُتْقِنُ تَحديدَهْ
أحيانًا أجْمَعُهُ خَيْطًا
أغْزِلُهُ وَجْهًا من نُورْ
أحيانًا ألقاكِ رَحيقًا ،
ألقاكِ عَبيرًا ، وزُهُورْ
أحيانًا يُصبحُ شلاَّلاً ، وبُحَيرةَ ضَوءْ
أحيانًا يُصبحُ لا شَيءْ
أحيانًا وَجْهُكِ يَتَحدَّدْ ..
يَكْبُرُ في عيني ، يَتمدَّدْ ،
يَتجمَّعُ كالطَّيفِ قَليلاً
وأراهُ سَرابًا يَتبدَّدْ
معَ أنِّي دَومًا أتَأكَّدْ
أنَّي لنْ أجِدَكْ .. في يومٍ
لكنِّي أحْلُمُ باللُّقيا
فأرانا الآنَ على مَوْعِدْ
وسأبقى العُمْرَ .. على مَوْعِدْ
(عبد العزيز جويدة)
نظر إليها ياسين مبتسماً وقال:
- عيناكِ آخر ما تبقى من مكاتيب الغرام
( نزار قباني )
تألقت عيني ورد واقتربت منه وهي تقبله على وجنته بكثافة وتضمه.
وهي تشكر الله الذي جمعها بحب حياتها.
فهو الحقيقي وما قبله كان مجرد وهم !!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سولييه نصار
عودي إلى الحياة، دونك جحيم لا يُطاق!!
كانت ليان تحاول أن تفك الحصار عنها بإنفعال، بينما تنظر إلى موسى الذي يبتسم لها بسماجة ويقول:
– فكرة حلوة إني أكتم بوقك يا ليان، كده هعرف أتكلم معاكي براحتي.
اندلعت النيران في عينيها، وهي تنظر إليه. ليجثو فجأة على الأرض. تنهد وأمسك كفيها بقوة وقال وعيناه تلمع:
– أنا عملت كتير عشان نتجمع سوا، ومش هسمحلك تهدي كل ده يا ليان، حتى لو اتجوزتك بالغصب. عارف إني غلطان، بس أنا عملت كل ده عشان خاطرك أنتِ، عشان خايف عليكي، عشان الموت عندي أهون من إني أخسرك.
ما زالت مكمم فمها، ولكن من نظراتها الباردة عرف أن كلماته لم تؤثر بها. تنهد بتعب وقال:
– اعمل إيه عشان تسامحيني وعشان ترجعيلي؟ ليان، أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني، اطلبي بس.
ثم أبعد اللاصق عن فمها، لتقول هي ببرود:
– متعملش حاجة، لأن اللي بينا انتهى يا موسى، خلاص انساه زي ما أنا نسيته.
هز رأسه برفض وقال:
– لا لا مستحيل أنسى، مستحيل أبعد، أنا هحارب للنهاية، هحارب عشان تسامحيني يا ليان، هحارب عشان تعرفي إنك الوحيدة اللي في قلبي، وإني عملت كده بس عشانك، عشان مرعوب عليكي، عشان الحياة من غيرك متسواش، أنا مش هقدر أعيش من غيرك يا ليان، افهميني يا حبيبتي.
– متقولش الكلمة دي تاني. قالتها بإختناق، تكره أن تسمع الكلمة تلك منه، فهي لا تريد تصديقه. رغم أن قلبها يحترق لهذا، ولكنها تختنق وهي تتذكر أنه خذلها، حطم قلبها، وتركها ليلة خطبتهما، دمر حبهما. هي لن تغفر، لن تغفر.
هز موسى رأسه وهو يقول بصوت قوي ينتشلها من أفكارها:
– لا أنتِ حبيبتي، أنا محبتش قدك يا ليان، حبيتك لدرجة إني لما عرفت إن صاموئيل بيراقبني وممكن يعرف بوجودك، كنت مستعد أكسر قلبي ولا إني أعرض حياتك للخطر.
نظرت إليه بكره وقالت من بين أسنانها:
– أنت كسرت قلبي أنا كمان، فضلت تكسر فيا لحد ما خلاص حبك اختفى من قلبي.
– مستحيل ده يحصل، أنتِ هتفضلي تحبيني طول الوقت زي ما أنا هفضل أحبك لحد آخر نفس في حياتي.
هزت رأسها وقالت:
– تبقى مغرور لو افتكرت إني لسه بحبك، خلاص يا موسى، انتهى اللي بينا انتهى للأبد، متحاولش. ويلا اطلع برا بدل ما أصرخ وألم عليك الخدم. بس الحق مش عليك، الحق على أخويا اللي بيدخلك بيته من غير حساب بعد ما كسرت فرحة أخته.
أغمض عينيه بعصبية ورفع كفيه يبتغي خنقها، ولكنه سيطر على نفسه في آخر لحظة وصرخ بها حتى انتفضت:
– أنتِ مجنونة يا بنتي، قوليلى انتِ عبيطة، بتفكري إزاي يا ليان؟ قولتلك الراجل كان مراقبني، لو كان عرف عنك كان مش هيتردد يقتلك، أنا اترعبت عليكي، أنا كنت بموت وأنا بعيد عنك، وكنت بصبر نفسي إن ده الأحسن ليكي.
صرخت به بقوة وقالت:
– كنت قادر تيجي تصارحني وأنا هتفهمك وهبعد لحد ما تشوف حل معاه، لكن إزاي لازم تعمل نفسك بطل وتضحي عشان تطلع الراجل الواو اللي مفيش منه. خلاص يا موسى مبقتش تبهرني، حبك خلاص انتهى من قلبي، امشي لو سمحت، امشي عشان لو حصل وعدي جه وشافك عامل فيا كده هيقتلك.
ابتسم بسخرية وقال:
– إحنا الاتنين نعرف إن عدي مستحيل يجي دلوقتي، الليلة ليلة كتب كتابه يا حبيبتي، عقبالنا كده.
– ده في أحلامك إن شاء الله، أنا مش هتجوزك، خلاص مش عايزة أتجوزك هي عافية.
وضع كفيه بغتة على حاجزي المقعد لتنتفض هي. اقترب منها وعيناه الزرقاء تندلع منه النيران وقال:
– أيوه عافية، هتتجوزيني ولو غصب عنك، أنا مش هستسلم يا ليان، خلاص مبقاش فيه اللي يبعدني عنك. أنا مبقتش خايف إن حد يأذيكي لأني اكتشفت إني الوحيد بعد ربنا اللي أقدر أحميكي، أنا الوحيد اللي هقدم حياتي فداكي من غير ما أفكر ثانيتين. أنا هسيبك تفكري في كلامي بس لسه موضوعنا مخلصش، هتلاقيني في وشك فجأة، وساعتها مضمنش أعمل إيه عشان أخليكي تتجوزيني بالغصب.
ثم ابتعد عنها وشعر بالرضا وهو يرى الضعف الذي غزا ملامحها بسبب قربه منها. ثم استدار ليذهب، ولكنه توقف فجأة ونظر إليها وقال بصوت مرتجف بينما عيناه رطبة بفعل الدموع:
– أنا اتذليت لصاموئيل عشان خاطرك، ركعت على رجلي عشان ميأذيكي، عملت المستحيل عشان تكوني بخير، ده جزاتي يا ليان؟
لم ترد عليه، بل أشاحت وجهها من الناحية الأخرى، ليفكر هو بيأس كم هي قاسية. ثم كاد أن يذهب إلا أنها أوقفته وقالت:
– إيه ده استنى شوية، مش هتفكني، هتسيبني مربوطة كده يا بني آدم أنت؟ اتفضل يالا فكني زي ما ربطتني.
نظر إليها ببرود وقال:
– خلي اللي شغالين عندك يفكوكِ، أنا مش هفكك. ثم تركها وذهب تاركًا إياها تغلي من الغضب.
– الحيوان! صرخت ليان بغضب. أغمضت عينيها وأكملت:
– وأنا للأسف بحب الحيوان ده. ثم شبح ابتسامة احتلت محياها وهي تتذكر الأشياء التي فعلها لكي يحميها و… ولكن فجأة أخرجت تلك الذكريات من عقلها. هو يجب أن يسعى إلى غفرانها، لن تغفر بكل سهولة، هذا لن يحدث.
***
بعد ثلاث ساعات تقريبًا.
كان الجميع في القصر نيام. كانا ممسكين كفي بعضهما، السعادة تشع من محياهما.
– انبسطتي النهاردة يا حبيبي؟ قالها عدي وهو يجذب كفها ويقبله بلطف، بينما عيناه تمر عليها كأنها شيء خيالي حصل عليه. إنها تحب نظراته لها، تشعر أنها أجمل امرأة في العالم عندما ينظر إليها بتلك الطريقة التي توقف أنفاسها.
أعطته ابتسامة رائعة وقالت:
– أيوه انبسطت أوووي، ربنا يخليك ليا.
قبل كفها مرة أخرى وقال:
– ويخليكي ليا.
صعدا للأعلى عند غرفتهما سويا. وقف عدي أمام الباب من الخارج، بينما كانت جواهر ممسكة باب الغرفة مستعدة لإغلاقه. فقال عدي:
– هو أنا هقعد في العذاب ده سنة كاملة ولا إيه؟
ضحكت جواهر وهزت رأسها قائلة:
– مضطر، أنت اللي وعدتني بكده.
– معرفش إيه مخك ده مبيفكرش إلا الحاجات اللي مش حابب افتكرها دلوقتي. عمومًا يا ستي أنا هلتزم بوعدي للآخر.
ابتسمت وقالت:
– جدع، أهو كده تعجبني.
– بس برضه مفيش مانع من تصبيرة كده يا جوجو. ثم جذبها إليه ليقبلها، إلا أنها وضعت كفها على شفتيه، ثم انحرف وجهها قليلًا وقبلته على وجنتها، ثم ابتعدت وقالت:
– تصبح على خير يا عدي.
ثم أغلقت الباب. فقال هو بصوت مرتفع:
– بتهربي مني يا مهلبية؟ بس عادي، مسيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة.
كانت جواهر تقف على الباب وهي تكتم ضحكاتها بقوة، ثم تغمض عينيها وتفكر أنها سعيدة الآن. رغم قلبها الذي تضرر، ولكن عدي يفعل المستحيل لكي يسعدها. إنها تطير، لقد بدأت تعيش أيامها. بدأت تعود الابتسامة لثغرها. وبعد الله عدي وعبير السبب في هذا، فهما لا يتركانها أبدًا. عدي هو من وقف بوجه شريف من أجلها، يمنعه من التواصل معها كي لا يضايقها، وهي حقًا لا تريد أن تراه مجددًا، لا تريد أن تحتك به، يكفي ما فعله بها، وهي أبدًا لن تسامح ولن تغفر.
تنهدت وهي تقترب من خزانتها وتفتحها على آخرها. اتسعت عيناها بدهشة وهي تطالع الملابس الفاخرة التي بها. كلها من ألوانها المفضلة. استلت منامة حريرية منهما ونظرت إليها بإعجاب. كانت المنامة زهرية اللون، بدون أكمام والبنطال طويل. أحبت تلك المنامة على الفور وقررت ارتدائها.
بعد نصف ساعة.
كانت قد تسطحت على الفراش وهي تضع كفها على قلبها وتفكر في القادم، وكم تتمنى أن يكون أفضل لها.
***
في اليوم التالي.
– صباح الخير يا جوزي. قالتها جواهر بنبرة سعيدة وهي تلج إلى غرفة المكتب الخاص بعدي لتراه جالسًا على الأريكة وأمامه الحاسوب، بينما ينصب تركيزه على شيء معين ولم يرد عليها.
عبست جواهر واقتربت منه وهي تقول:
– بقولك صباح الخير يا زوجي العزيز، رد علينا متتقلش.
نظر إليها عدي وقال:
– آسف يا حبيبتي، بس مش عارف ليه الأكونت بتاعي مش راضي يشتغل على اللاب. فيه حد بعتلي حاجة عليه وعايزة أشوفه ضروري.
ابتسمت جواهر وقالت:
– طيب هو شغال على الفون؟
– أيوه شغال، بس أنا عايز أشغله على اللاب، فاهمني.
هزت هي رأسها وجلست بجواره، ثم أخذت هاتفه وقد أصلحت المشكلة البسيطة وهي تقول براحة:
– أهو يا عم، مشكلتك اتحلت.
نظر إليها بدهشة، لتضحك وتقول:
– عشان يكون عندك حماية أكتر للأكونت بتاعك، متقدرش تفتحه من جهازين الأول ما تعمل مصادقة ثنائية، ولما بيحاول حد يفتحه من مكان تاني لو كان معاه مثلاً، فمش هيقدر.
مط شفتيه بإعجاب، لتنهض وتتمشى بدلال، ثم تضع كفيها على حاجز الأريكة الجالس عليها:
– على فكرة أنا عفريتة في السوشيال ميديا من أنا وبنت خمسة عشر. قالتها جواهر بفخر، ليرفع عدي حاجبيه ويقول:
– لا؟
– أيوه والله. قالتها وهي تجلس بجواره وأكملت:
– بنت جارتنا أول ناس دخلوا نت عندهم وعملت أكونت على الفيس وكانت بتلعب لعبة المزرعة السعيدة وعلمتني ألعبها، وأنا من كتر ما كنت مهووسة بيها عملت أكونت عشان ألعبها وسميته البقرة الجميلة في المزرعة السعيدة.
ضحك وهو ينظر إليها، لتضحك هي أيضًا وتقول:
– والله زي ما بقولك كده.
– بجد أنا فخور بذكائك يا جواهر. اختارتي اسم لايق جدًا على واحدة عندها جينات العبط زيك، بجد برافو.
– تقصد إيه يعني؟ أنا بقرة يا عدي؟
ضحك عدي وقال:
– أنتِ اللي بتقولي عن نفسك كده يا حبيبتي مش أنا خالص، بس بالنسبالي أنتِ ملاكي. بس أنتِ شايفة نفسك بقرة، دي حرية شخصية بقى.
– أووف أنت بارد. صرخت به وهي تضربه بقوة على كتفه وتشتمه. وضع الحاسوب على جانب، ثم أمسك كفيها ودفعها نحو الأريكة لتتسطح عليها، ثم انطلقت يديه بسرعة لتدغدغها، بينما هي تضحك بقوة وتقول من بين أنفاسها:
– عدي، عدي خلاص، أبوس إيديك، عدي خلاص.
– هأوقف بس بشرط. قالها بمشاغبة، ثم أشار لشفتيه لتبتسم وهي تفهم قصده. جذبته إليها وهي تقبله بلطف على شفتيه. ثم أبعدته بعد برهة وقالت:
– يلا ابعد يالا.
– تؤ، البوسة دي معجبتنيش، أنتِ كروتيني. ثم بعدها بدأ يدغدغها مجددًا وهي تضحك بقوة وتصرخ. فجأة انتفضا، وطرق على الباب يخترق أذنيهما وصوت ليان الذي يبدو عليه التسلية يقول:
– لا لا يا ولاد ميصحش، لاحظوا إن معاكم واحدة مدخلتش دنيا حتى وخطر على أخلاقها تسمع الحاجات دي، وإلا هنحرف وأجيب لك العار وأنت حر.
– بنت ال…. توقف عدي عن السب ونهض ليفتح الباب. وما كاد أن يفتح الباب حتى ركضت ليان من أمامه بخوف وهو تضحك بقوة.
– ماشي يا ليان، أنا هوريكي. توعدها عدي لتضحك هي مجددًا ثم تخرج لسانها له وقالت:
– مش هتقدر.
ثم ذهبت إلى غرفتها، ليهز رأسه بيأس ويتساءل متى سوف تعقل. ولكن ليكون صريحًا، هو بعد الحادث الأخير افتقد شقاوتها، وها هي قد عادت إليهم ولن يتركوها أبدًا.
***
– يا بنتي بقالك نص ساعة شغالة تقولي عايزة أقولك حاجة مهمة، عايزة أقولكم حاجة مهمة ولطحتاني هنا جمب جوزك ومخليني سايبة بيتي وجوزي. ما تنطقي يا عبير ومتعصبنيش. فيه إيه يا حبيبتي؟
فركت عبير كفيها من التوتر، وكانت ابتسامة مترددة تزين شفتيها، وقالت وقد كان بإمكانها سماع ضجيج قلبها:
– بصراحة كده أنا حامل.
– يا خبر زي العسل، دي أخبار عسل والله. قالتها تحية وهي تنهض، ثم سرعان ما أطلقت الزغاريد واقتربت من عبير وهي تعانقها، ثم أخذت تقبلها على وجنتيها بالتتابع وهي تقول:
– مبروك، مبروك، يعني هبقى عمتو خلاص، والله دي أخبار عسل.
ضحكت عبير وهي تضم تحية. كانت حقًا تحب تلك المرأة. ابتعدت تحية ونظرت إلى أمير الذي كان مصدومًا قليلًا وقال:
– مالك يا واد ما تقوم تبارك لمراتك بدل ما أنت عامل زي اللطخ كده؟
– أه أكيد. قالها أمير وهو ينهض مقتربًا من زوجته وقال بإبتسامة حقيقية:
– مبروك يا بيري.
– يا ميلة بختك يا عبير، خيبة الناس السبت والأحد وأنتِ خيبتك موردتش على حد يا عبير. مراتك بتقول إنها حامل وأنت بكل برود بتقولها مبروك. أنت ناوي تموتني ناقصة عمر يا واد انت. صرخت تحية في أمير الذي ارتبك وقال بتوتر:
– طيب أعمل إيه؟ أنا والله فرحان.
نظر إلى عبير وقال:
– أنا فرحان أووي يا عبير والله بحملك.
تدخلت تحية ساخرة وقالت:
– مش باين يا حبيب اختك، مش باين.
– يعني مفروض أعمل إيه يا تحية؟ قالها أمير بحيرة، لترد تحية:
– يا واد احضنها، بوس راسها، أعمل أي حاجة رومانسية كده بدل ما أنت واقف زي اللطخ كده. إيه يا شيخ أمير أنت مكسوف مني؟ هأغمض عيني عادي. وبعدين يا أخويا، متعملش نفسك بريء أووي، كل فضايحك معايا.
ثم وجهت كلامها لعبير وقالت:
– تعرفي يا بت يا بيري في تالتة إعدادي أمير….
أسرع أمير وكمم فمها وقال مبتسمًا:
– الله حليم ستار يا أختي، خلاص هبوس راسها. ثم اقترب من عبير وهو يجذبها إليه ويقبل رأسها بلطف ويقول:
– مبروك يا كل حياتي.
ثم ضمها بلطف إليه، لتقترب تحية وتعانقهما سويا وتقول:
– بحبكم أووي يا ولاد والله.
وضع أمير ذراعيه حولها حتى أصبح العناق جماعي وقال:
– واحنا بنحبك يا تحية.
***
مساءً.
لا يصدق أنها تجرأت وفعلتها وآتت. هو حتى لم يحل مشاكله مع ليان بعد وها هو أتى ليطلبها من أخاها. كيف تجرأت على هذا؟ هو شخصيًا لا يعرف كيف.
كان عدي جالسًا على الأريكة بصالة المنزل بجواره جواهر التي تبتسم له وتقول:
– يعني يا عدي معقول مش عارف موسى جاي هنا ليه؟
– هيكون جاي ليه يعني، جاي عشان يطلب إيد ليان بنتنا وخلاص ابننا عرف غلطه ومش هيكرره تاني. صح يا موسى؟ سألته جواهر، ليهز موسى رأسه بقوة ويقول:
– عمري، عمري ما هزعلها تاني، ده وعدي ليك يا عدي.
ابتسم عدي وكاد أن يوافق، إلا أنه قرر أن يلعب مع موسى قليلًا، فمط شفتيه وقال:
– يا خسارة يا موسى، كان نفسي أجوزهالك، مش هلاقي أحسن منك، ده اللي أنا متأكد منه. بس ليان دلوقتي في حكم المخطوبة، في حد سبق وكلمني عليها، وهي وافقت مبدئيًا.
شعر موسى أن قلبه ينشطر لنصفين، شحب كالأموات وهو ينظر إليه. لا يصدق، ليان ستكون لغيره، ستحب غيره، تلك الفكرة أشعلت النيران داخله. كيف يمكن أن يحدث هذا، كيف؟
– عدي أنت بتهزر صح؟ قول إنك بتهزر. قالها موسى وهو يشعر بغصة في حلقه.
– عدي بس كفاية. همست جواهر بصوت منخفض وهي تضحك، بينما ترى وجه موسى الذي شحب كالأموات. كانت حقًا تشفق عليه، فهي تعرف كيف يمكن أن يكون عدي ثقيل الدم.
نظر موسى إلى جواهر وقال:
– جواهر هو بيكذب عليا صح؟ ليان مستحيل تكون لحد غيري.
نهض بغضب وهو يدفع الطاولة ويصرخ:
– ليان مش هتكون لحد غيري، سامعين!
ثم استدار ليخرج. عدي أوقفه وهو يضحك حتى تقطعت أنفاسه وقال لاهثًا:
– استنى يا مجنون انت، هتكون ليك أكيد، أنا كنت بهزر معاك، بس هزار رخم حبتين.
نظر موسى إلى عدي بغضب وقال:
– احمد ربنا إن مراتك قاعدة معانا النهاردة.
أكمل عدي ضحكاته وهو يدعوه ليجلس مجددًا. جلس موسى براحة وابتسم وهو ينظر إلى عدي لكي يتفق معه وقال:
– الجواز الأسبوع اللي جاي، أنا جاهز وشقتي جاهزة، وكمان فلوسي جاهزة وعربيتي و…
– بس بس على مهلك، أنت ليه محسسني إننا بنخلص في جاموسة؟ دي اختي! لا يا عم، أنا متعجبنيش الكروتة دي، اختي لازم تتجوز على راحتها.
– على راحتها إزاي يعني يا عدي؟
– يعني الفرح بإذن الله بعد سنتين.
– نعم يا أخويا، إيه هو أنا هأعنس جمبك أنت واختك؟ صرخ به موسى وهو ينهض. لتمسك جواهر كف عدي وتقول:
– حبيبي خف عليه شوية.
أكمل موسى حديثه وقال:
– جرا إيه يا عدي أنت بتطفشني ولا إيه؟ لا مينفعنيش الكلام ده، إيه سنتين دي؟
– خلاص اقعد هرضيك. قالها عدي وهو يخفي ضحكته ليجلس موسى، فيقترح عدي:
– خلاص تتجوزوا بعد سنة.
كاد موسى أن يعترض، ولكن عدي رد وقال:
– ومش هغير رأيي ده أبدًا، أصلي أنا كمان هتجوز بعد سنة وميصحش أنت تتجوز قبلي.
– يا بني أنت اتجوزت امبارح، وعملت حفلة، عايز تتجوز إزاي تاني؟
– أقصد أعمل فرح كبير يا موسى، مش كتب كتاب وبس، فهنعمله سوا.
– صبرني يا رب، طيب نكتب الكتاب على الأقل زيكم. قالها موسى وهو يتأمل أن يوافق عدي، ولكن عدي رفض بإصرار وقال:
– لا.
– أنت رخيم يا عدي. ضحك عدي وقال:
– عارف الكلام ده.
دخلت ليان إلى صالة القصر لتتجمد وهي تجد موسى جالسًا مع أخاها.
– بيعمل إيه ده هنا؟ قالتها ليان بغضب.
ابتسم عدي وقال:
– جاي طالب القرب مني.
ابتسمت ليان بإستفزاز وقالت:
– إيه هتتجوزوا؟ مبروك ليكم.
ضحك عدي وقال:
– لا يا روحي، إنتوا اللي هتتجوزوا، موسى طلب إيديكي وأنا وافقت.
ألقت ليان حقيبتها أرضًا بغضب وقالت:
– وأنت توافق على أساس إيه يا عدي؟ مش لازم تاخد رأيي الأول ولا أنا مش مهم رأيي؟
– عندها حق بصراحة. قالها عدي لجواهر التي هزت رأسها وهي تبتسم، ليكمل عدي حديثه قائلًا لليان:
– ليان موافقة تتجوزي موسى؟
– لا. قالتها بسرعة، ثم أكملت وهي تنظر إليه بطريقة زادت من وتيرة دقات قلبه:
– لو اتقلب قرد مش هتجوزه.
نظر عدي له وصافحه قائلًا:
– مبروك يا موسى، ليان موافقة.
– إيه اللي أنت بتقوله ده يا عدي؟ قولتلك مش هتجوزه، مش هتجوزه، ووروني هتجبروني إزاي؟ ثم ذهبت من أمامهم متجهة إلى غرفتها.
نهضت جواهر وقالت بلطف:
– أنا هكلمها.
نظر موسى إليها بإمتنان وقال:
– ياريت يا جواهر.
***
في غرفة ليان.
كانت جالسة على فراشها وهي تربع ذراعيها بغضب شديد. لا تصدق أن عدي يفعل معها هذا. وهذا الحقير موسى لديه الجرأة ليطلب يدها بعد كل ما فعله، بعد ما حطم قلبها. هي لن تسامحه أبدًا.
– ممكن أدخل؟ كان هذا صوت جواهر الرقيق. كانت مبتسمة لها بلطف. تنهدت ليان وقالت:
– اتفضلي يا جواهر.
اقتربت جواهر وجلست على الفراش بجوارها وقالت:
– الحياة صعبة أووي يا ليان، ولو كان فيه فرصة عشان نبقى فرحانين يبقى نستغل الفرصة دي. لو السعادة بتمد إيديها لينا منبعدهاش. وسعادتك مع موسى كلنا عارفين كده.
– بس يا جواهر ده… اعترضت ليان، ولكن جواهر قاطعتها وقالت:
– عمل كده عشانك. صحيح اللي عمله غلط كبير، بس موسى مفكرش إلا فيكي. اترعب عليكي وكان عنده استعداد يموت عشانك. عدي قالي على اللي عمله. ليان عمر ما موسى يتذل لصاموئيل إلا إذا كان بيحبك فعلًا. متركبيش دماغك واستغلي الفرصة، مش هتلاقي حد يحبك قده.
تنهدت ليان ولكنها قالت:
– موافقة بس هعذبه الأول.
ابتسمت جواهر وقالت:
– يا ستي لسه على فرحك أنتِ وإياه سنة. ذليه براحتك.
ضحكا سويًا وتعانقا بسعادة.
***
– نامت؟ قالها ياسين لورد بقلق، لتبتسم له ورد وتطمئنه قائلة:
– أيوه الحمدلله.
– تعالي يا ورد. قالها ياسين وهو يفتح ذراعيه لتقترب ورد من الفراش وتندفع إلى ذراعيه وتضع رأسها على صدره وهي تتنهد وتقول:
– لسه برضه الست عفاف متحسنتش.
– للأسف لا. قالها ياسين بتعب. ثم قبل رأس ورد وقال:
– النهاردة كان يوم صعب أووي، إني أواجه ياسمين بموت والدتها كان صعب بالنسبالي. متوقعتش أبدًا أنها تزعل عليها بالشكل ده.
– يا حبيبي دي مامتها، مهما عملت هتزعل عليها ومش هي بس، كلنا زعلنا عليها الله يرحمها يارب.
شدد ياسين من احتضانها وقال:
– شكرًا يا ورد، شكرًا إنك معايا دايما. وأنتِ موجودة بحس إني أقوى بكتير عشان أواجه اللي بيحصل.
– وهفضل معاك دايما يا حبيبي، دايما.
– حتى تحترق النجوم يعني. ضحكت برقة وقالت:
– حتى تحترق النجوم يا سيدي.
ابتسم بحب واقترب منها وهو يقبلها بلطف، سرعان ما تحول إلى شغف وهو يهمس بحبه لها من بين طوفان قبلاته.
***
– أول عيد ميلاد ليا وأنا سوا. قالتها نسرين بالمئة وهي تمسك كف فؤاد الذي شد كفها وقبله وقال:
– عقبال عيد ميلادك المية وأنتِ معايا وتحبيني بنفس الشغف ده.
– وأنت هتحبني بنفس الشغف؟
قبّلها بلطف على فمها وقال:
– دائمًا، حبي ليك مش هيقل. المهم يلا أطفي الشمع عشان أوريكي هديتك.
هزت نسرين رأسها ثم نفخت وأطفأت الشمع. نهض فؤاد وقد كان معه عصابة حريرية وقال:
– يلا عشان هوريكي المفاجأة بتاعتي.
ثم وضع العصابة على عينيها وأمسكها ليخرجا من منزلهما سويا.
– أنا معرفش جاررني زي الجاموسة كده ومغمض عيني وموديني على فين يا فؤاد. أنت ناوي تخطفني ولا إيه؟ قالتها نسرين وهي تضحك وتتمسك بقميصه كي لا تقع.
هز فؤاد رأسه وقال:
– أيوه هخطفك، أصل أنا تاجر أعضاء. امشي يا بت من سكات وبطلي غلبة.
فجأة أوقفها وهمس بأذنها:
– واهي مفاجأتي ليكِ. ثم نزع العصابة عن عينيها لتتسع عينيها بشدة وهي ترى الهدية التي طالما أرادتها. نظرت إليه فابتسم وقال:
– كل طلباتك أوامر يا حبيبي.
نظرت نسرين بذهول إلى الدراجة البخارية الصغيرة وقالت بسعادة والدموع تتجمع في عينيها:
– إيه ده جيبتلي الاسكوتر اللي كان نفسي فيه؟
– وباللون الأزرق كمان، لونك المفضل، ولون عيونك.
– حبيبي شكرًا بجد. قالتها وهي ترفع نفسها وتقبله على وجنتها وتقول:
– يلا نطلع بيه مشوار.
هز رأسه ضاحكًا وقال:
– يلا.
ثم استقلت الدراجة البخارية وأتى هو خلفها وانطلقت به بسهولة وهي تشعر أنها سعيدة كما لم تكن من قبل.
***
بعد شهر.
في منزل رانيا.
أطلقت رابحة الزغاريد وهي تلج لغرفة رانيا بينما تدفع الكرسي المتحرك. كانت سعيدة بشكل لا يُصدق. فها هي ابنتها أصبحت عروسًا جميلة. كتب كتابها سوف يتم بعد قليل. ستتزوج من رجل كثير من الفتيات تحلم به، وسيم ومتعلم ومرتاح ماديًا أيضًا. لقد استجاب الله لدعائها، وها هي ستشهد زواج ابنتها وهي على قيد الحياة.
جثّت رانيا على ركبتيها وهي تمسك كف والدتها وتقبله برقة. مسحت والدتها على شعرها بالكف الأخرى وقالت والدموع تطفر من عينيها:
– ربنا يتمملك بخير يا حبيبتي، ربنا يتمملك بخير.
– أما بتعيطي ليه دلوقتي، مش ده اللي نفسك فيه إني أتزوج؟
– دي دموع الفرح يا بنتي، مش مصدقة نفسي. أخيرًا هترتاحي يا رانيا، أخيرًا.
ابتسمت رانيا وقالت:
– أيوه يا أما أخيرًا هرتاح. رغم إني كنت عايزة أتزوج لما أبدأ في خطوة التعليم دي، لكن أنتِ ويحيى فضلتوا فوق راسي لحد ما استسلمت خلاص.
ابتسمت والدتها وقالت:
– يا حبيبتي اتعلمي في بيت جوزك براحتك، خلينا أطمن عليكي قبل ما أموت.
– بعيد الشر عنك يا ست الكل، ربنا يديكي العمر الطويل يارب.
– يلا يا بنتي شكلهم وصلوا. رغم إني متضايقة منك عشان طلبتي من عمك يكون وكيلك.
– معلش يا ماما، المسامح كريم. المهم دلوقتي إن ربنا جبر بخاطرنا، وبعدين هو بعد كله ملهوش علاقة بينا، أنا شرطت عليه كده وهو وافق. كان لازم أعمل كده يا ماما، عشان أهل جوزي يشوفوا إن ليا أهل ومينفعش هما يعرفوا بالمشاكل اللي في العيلة عندنا والحمدلله يا ستي ربنا كرمنا.
– الحمدلله يا بنتي، يلا بقا عشان نفرح بيكي يا عروسة.
– يلا يا ماما.
خرجت رانيا مع والدتها.
……
انحبست أنفاس يحيى وهو ينظر لرانيا التي خرجت إليه. كانت أجمل ما رآه عيناه. الفستان الأزرق الذي اشتراه لها زادها جمالًا على جمالها بشكل لن يستطيع قلبه الضعيف تحمله. مساحيق التجميل البسيطة على وجهها أبرزت جمالها النادر. في تلك اللحظة لم يرغب إلا في الاقتراب منها وضمها إلى صدره، ولكن الصبر، هو سوف يصبر حتى يعقد القرآن، ثم ستكون ملكه، ملكه هو فقط.
– المأذون جه يا جماعة، يلا عشان كتب الكتاب. قالها عم رانيا وهو يجلس على الأريكة.
……
بعد ربع ساعة.
تم كتب الكتاب. أصبحت رانيا رسميًا زوجته، ملكه.
في غرفتها الخاصة انفرد بها وبعد أن أُغلق الباب عليهما كان يقترب منها.
– أنت… أنت بتقرب ليه؟ قالتها رانيا بتوتر وهي تتراجع للخلف، بينما ترى بعيني يحيى نظرات غريبة، مخيفة، وفي نفس الوقت نظرات عززت من ثقتها في أنوثتها.
– اتكتب كتابنا خلاص. قالها يحيى وعيناه الزرقاء تبرق، بينما يقترب أكثر منها.
ازدردت ريقها وقالت:
– أيوه عارفة، بس برضه ليه بتقرب مني؟ أنا بدأت أخاف منك. فيه إيه يا دكتور؟
– ما بلاش الرسميات دي، ده أنا زي جوزك. قوليلي بحبك أحسن.
احمر وجهها بخجل وشعرت بالحرارة تدب بها. لا تعرف ماذا بها، لقد قالتها مرة له، ولكن لا تعرف لماذا هي عاجزة عن قولها الآن. تشعر أنها غير قادرة نهائيًا على التعبير عن الحب الكبير الذي يعتمل قلبها نحوه.
في لحظة شرودها اقترب منه هو وعانقها قائلًا:
– خلاص مش مشكلة تقوليلي بحبك، فيه طرق تاني ممكن تعبري عن حبك بيها.
ثم غمز لها بخبث، بينما تنظر هي إليه برعب.
– يحيى، ابعد. قالتها بإرتباك، ليبتسم هو وعيناه تلمع بشدة، ثم ينحني ويضع قبلة خفيفة على وجنتها. أغمضت عينيها والضعف يغزوها. ليقبل هو وجنتها الأخرى بلطف جعل الدموع تحتشد بعينيها. ثم انحنى أخيرًا وقبلها على فمها وهو يجذبها إليه.
فجأة تجمد وهو يتذوق دموعها. ابتعد عنها ونظر إليها بحيرة وقال:
– فيه إيه يا رانيا؟
كانت الدموع تلطخ وجهها وهي تنظر إليه. كرر سؤاله وهو يمسح دموعها. كان يشعر بالفزع بسبب بكاؤها المفاجئ.
– أنا بس مش مصدقة اللي بيحصل، مش مصدقة إن اللي اتمنيته من ربنا أخدته. حاسة إني فرحانة لدرجة إني عايزة أبكي. أمي بتقول إن أحيانًا من كتر السعادة وإنك مش مصدق إنك فرحان للدرجة دي بتبكي.
ابتسم يحيى لها ومسح دموعها وقال:
– بس أنا مش عايز أشوف دموعك دي تاني، عايز أشوفك فرحانة دايما، بتضحكي دايما. اتفقنا.
– اتفقنا. قالتها وهي تبتسم له وعينيها البنية تتألقان بسعادة لا حدود لها.
– بحبك.
– وأنا كمان بحبك. قالتها بصدق، ثم عانقها وقد شعر أخيرًا أنه ينتمي لشخص ما وشخص ما ينتمي إليه. هو ينتمي إليها وهي تنتمي إليه، حبهما صادق ونقي.
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سولييه نصار
تذكرتي قديمة
ومعايا حكاية
نفسي اغيرها
وانا مين يديني فرصة تخليني
ادخل لو مرة واعيشها بتفاصيلها
ايدي في ايديها وعينيا عليها
سامع ضحكتها واحنا بنتفرج
خلصت حكايتنا والدنيا خدتنا
لا انا عارف ابعد ولا قادر اقرب
بعد مرور سنة …
فؤاد … فؤاد … قوم بولد !!
صرخت بها نسرين وهي تضع كفها على بطنها المنتفخ.
كانت تشعر بالألم الشديد. تشعر أنها روحها تنساب من جسدها.
نظرت بغيظ وبألم إلى فؤاد الذي ما زال نائماً.
ثم رفعت كفها وضربته على صدره بقوة وهي تصرخ بصوت مرتفع.
قولتلك قوم … قوم بولد يا بني آدم أنت … قوم !!
نهض فؤاد بفزع وهو ينظر إليها دون فهم وقال ببلاهة:
أنتِ مين ؟!
نظرت إلى الاعلى بعجز. فالوقت غير مناسب الآن له.
لدى فؤاد مشكلة جدية أنه عندما يستيقظ أحياناً لا يتذكر الذي أمامه.
يكون النعاس ما زال مسيطراً عليه.
نظرت إليه نسرين وصرخت بوجهه:
أنا مراتك … مراتك وحامل وهولد وبموت من الألم وانت بتهزر يا استاذ.
أخيراً عاد لوعيه ونهض بفزع وهو يقول:
نسرين أنتِ بتولدي بجد … بجد بتولدي.
كانت نسرين تبكي وهي تضع كفها على بطنها وتصرخ به:
أيوة أنا بولد … بولد وهموت ناقصة عمر بسببك.
وديني المستشفي بسرعة. بسرعة يالا !!
هز فؤاد رأسه بتوتر ثم ذهب وأحضر الحقيبة الصغيرة التي قام بتجهيزها لها.
ثم أحضر ملابسها وساعدها لكي ترتديها بينما هي تصرخ بوجهه.
كان كفيه يرتعشان بينما يراها تتألم بتلك الطريقة.
حبيبتي اهدي شوية خليني اقدر اجهزك عشان نمشي.
أنا هموت يا فؤاد. اتصل بطنط نهى يالا.
انتهى من مساعدتها وساعدها لكي تنهض وقال:
هتصل بيها واحنا في الطريق. يالا يا حبيبتي.
في المشفى.
كانت نهى تركض بخوف في الرواق وقلبها يخفق بجنون.
يتبعها كريم الذي كان يرتدي قميصه البني على سروال منامته القطنية.
نظرت إليه نهى بضيق وقالت:
مش كنت غيرت البنطلون بالمر. ايه المنظر ده يا كريم.
يا حبيبتي البنت بتولد وأنتِ بتتكلمي في البنطلون. ما يولع مش مشكلة.
اهو فؤاد اهو.
صرخت نهى وهي تركض نحو فؤاد وتقول:
طمني يا واد اخبار نسرين ايه ؟!
دخلت يا أمي من ثانيتين كده. و…
قاطع كلام فؤاد خروج الممرضة التي قالت:
المريضة عايزة جوزها. فينه.
انا اهو.
قالها فؤاد بخوف لترد الممرضة:
يالا عشان نجهزك وتدخل عندها.
بعد قليل.
ولج فؤاد وهو يرتدي الثياب الخاصة بغرفة العمليات ووجد نسرين تصرخ بقوة.
أمسك كفها وقال:
حبيبتي أنا معاكي اهو.
نظرت إليه شزراً وقالت:
أنت السبب. عمري ما هسامحك.
ارتبك فؤاد وقال:
انا عملت ايه بس.
أنت مش وعدتني اني عمري ما هتألم تاني ولا هزعل. وعدتني ولا لا.
حصل. بس محلفتش.
أنت جاي تهزر هنا.
صرخت بوجهه وهي تشعر بألم شديد بينما الدموع تطفر من عينيها.
ليشدد هو على كفها. يقول:
حبيبتي بصيلي.
نظرت إليه ليمسح دموعها برقة وقال:
الالم هيمر وهيخرج ابننا. كنتِ عايزة تسميه مالك صح.
هزت رأسها وقالت:
وأنت عايز تسميه جلال.
هز رأسه وقال:
انا غيرت رأيي هنسميه مالك. مالك فؤاد. ايه رأيك.
ابتسمت وتألقت عينيها بسعادة وهي تهز رأسها وتقول:
أيوة هنسميه مالك. مالك.
بعد مدة ليست بقليل كانت قد أنجبت الطفل بسلامة.
وكان طفل صحيح جسدياً. جميل يمتلك عيني والدته.
كان فؤاد يحمله بسعادة وقد أذن بأذنه. ثم قبله على وجنته الصغيرة وقال:
زي القمر. زي القمر يا حبيبي. طالع شبه ماما.
عايزة اشوفه يا فؤاد.
قالتها نسرين بتعب ليقترب فؤاد منها ويعطيها الطفل.
طفرت دموع السعادة من عينيها وهي تنحني وتقبله.
ثم بدأت بإرضاعه.
بعد أن انتهت ولجت نهى وكريم ليباركا لها.
أخذ فؤاد الطفل لتعانقها نهى بحب وهي تقول:
مبروك يا روح قلبي.
كانت نسرين تتقبل عناقها بكل حب.
ولكن عندما عانقها والدها تجمدت بين ذراعيه.
رغم مرور عام كامل حاول هو فيها أن يصلح الوضع معها.
إلا أن نسرين عجزت تماماً عن الصفح.
كلما اقترب هو منها كانت تبتعد.
ولكنه لم يستسلم وهو يحاول أن يعوضها عن كل ما فعله.
قبل رأسها وقال:
مبروك يا حبيبتي يتربى في عزك أنتِ وأبوه.
ثم ابتعد واتجه إلى فؤاد وحمل الطفل وهو يقول لزوجته:
على فكرة مناخيره زي مناخيري بالضبط.
ضحكت نهى وقالت:
بعيد الشر الولد مناخيره صغيرة وانت مناخيرك شبه البطاطس.
ما تبطلي تنمر بقا.
قالها بضيق لتضحك هي برقة.
ضحك هو أيضاً وهو ينظر إليها بإمتنان.
في أحلك فترات حياته وعندما كان يتعالج نفسياً طيلة تلك الشهور.
لم تتخلى هي عنه وأعطته فرصة أخرى.
وتبقى الآن ابنته لتغفر له وهو واثق أنها سوف تغفر بالتأكيد.
اقترب فؤاد من نسرين وجلس بجوارها على الفراش وهو يعانقها بحب وقال:
اتصلت بليان دلوقتي وزمانها جاية هي وموسى.
ابتسمت له وقبلت وجنته وقالت:
انا بحبك.
وأنا كمان يا سر سعادتي.
بعد شهر.
مر سنة. سنة وانا بحاول اصلح الوضع معاكم.
اعتذرتلكم مليون مرة. اعمل ايه اكتر من كده.
قالها شريف بيأس وهو ينظر إلى ابنتيه.
اليوم زفاف ابنته الكبرى. وبعد كلام كثير وتوسلات كثيرة لعدي وافق أن يأتي ويرى ابنته.
ولكن القسوة في عينيها لم تقل أبداً.
ما زال الجفاء بينهما.
نظر إلى عبير وقال:
بيري قولي حاجة.
اقول ايه يا شريف بيه. اللي عملته مستحيل يتنسي.
اسفة عمري ما هنسى انك بعتني وبعت اختي.
ازاي عايزنا نسامحك.
انا ابوكم وانا محتاجكم وانتوا محتاجيني.
احنا مش محتاجينك في حياتنا يا شريف بيه.
ولا معترفين بالحاجة اللي بتربطنا.
الحمدلله أنا وعبير اختارنا طريقنا بعيد عنك.
بنشتغل ومتجوزين وزي الفل.
ابعد انت بقا عننا عشان تبقى زي الفل علطول.
كانت تقولها جواهر بقسوة بينما الجفاء في نظراتها قتله.
كان يشعر وكأن أحدهما سحق قلبه.
احتشدت الدموع في عينيه وانسابت دون أي مقاومة منه وقال:
ادوني فرصة بس اكون معاكم.
ادوني فرصة اصلح غلطي و.
تدخلت عبير وقالت:
ونديك فرصة ليه يا شريف بيه.
أيه الحاجة اللي عملتها كويسة عشان نديك فرصة.
أنا في يوم عشان تنقذ نفسك اختارت تبيعني.
ازاي عايز فرصة وانت مقدمتش ابسط حقوقنا عليك كأب.
انت بدل ما تحمينا رمتنا في النار.
فلا يا شريف بيه. أنت ملكش أي فرص عندنا.
لو سمحت امشي من هنا. النهاردة فرح اختي وانت مش مرحب بيك هنا.
ممكن أدخل يا جوزي.
قالتها رانيا وهي تلج إلى مكتب يحيى بالمشفى.
فهي أصبحت الآن تدرس بمدرسة التمريض.
وقد قرر يحيى أن يساعدها لذلك جعلها تتدرب في مشفاه وقد وفر لها كل شيء.
اتفضلي يا مراتي.
اقتربت منه بسعادة وقالت:
ماريانا عزمانا النهاردة على العشا.
وانا بصراحة وافقت.
مفيش مشكلة يا حبيبي نروح العشا.
قالها وهو ينهض ويقترب منها ثم جذبها إليه حتى الصقها به وهو يضع شفتيه على وجنتها.
حاولت رانيا دفعه وهي تقول:
يحيى. عيب كده مش هتبطل قلة ادبك دي.
بعدين ابعد مش فاضيالك حماتي عايزاني اروح معاها النهاردة ونختار فساتين عشان ذكرى جوازها هي وباباك.
ابتسم يحيى بذهول وهو ما زال يقبلها وقال:
شايف انك وماما بقيتوا أصحاب. برافو عليكم. ريحتوا قلبي.
ابتعدت رانيا قليلاً وقالت:
ده كله بفضلك. انت اتمسكت بيا وهي لما شافت حبك ليا استسلمت.
يحيى انت احسن حاجة حصلت لي في حياتي كلها.
ادتني السعادة. حققتلي كل اللي بتمناه.
خلتني اكمل دراستي وسكنتني جمب ماما عشان اراعيها.
أنا معرفش عملت ايه في حياتي حلو عشان استحقك.
أنا بسأل نفسي نفس السؤال برضه.
قبل رأسها وقال:
أنا بحبك.
وأنا كمان.
قالتها بلطف.
ليقترب هو منها ليقبلها وهي لم تمانع أبداً.
في المساء.
ممكن نتكلم يا ماريانا.
قالها جورج وهو يقترب منها.
بينما كانت هي بالمطبخ تضع لمساتها الأخيرة على الطعام قبل وضعه على الطاولة.
ولكنها ابتعدت عنه بجمود وقالت:
مفيش حاجة نتكلم عنها يا جورج بعد ما شوفتها معاك في العيادة. خليني ساكتة احسن.
ماريانا محصلش حاجة وأنتِ شوفتي بعينك.
و.
قاطعته بإنفعال وقد ترطبت عينيها بفعل الدموع.
لا حصل وحصل كتير.
اقولك ايه حصل.
حصل اني شوفت في عينيك ليها حب أنا كان نفسي اشوفه ليا.
فيه أنها لما كانت قدامك أنا كنت عاملة زي الهوا.
بتبص عليها زي ما تكون حلمك.
انت فاكر أن الخيانة جسدية وبس.
انت خونتني يا جورج بروحك وبقلبك. خونتني.
فشل في الرد عليها. كانت كل ما تقوله صحيح.
طفرت الدموع من عينيها.
مش قادرة انسى الطريقة اللي كنت بتبصلها بيها.
والله حسيت انك ضربت سكينة في قلبي وانت بتبصلها كده.
أنا اكتر حاجة ندمانة عليها اني اتجوزتك يا جورج.
لو رجع بيا الزمن لورا مكنتش قبلت بيك.
ثم مسحت دموعها وحملت الأطباق وغادرت تاركة إياه يشعر بألم يعتصر قلبه.
بس يا ابني كفاية فرك.
قالتها ورد وهي تحاول تهدئة ابنها الذي يتحرك كثيرا ويبكي.
لقد اضطرت أن تأتي وتحضر فرح عمار صديق زوجها.
ماما ورد هاتي اشيل مراد.
قالتها ياسمين بإبتسامة.
ابتسمت ورد لها وقالت:
خدي شيليه. أنا عارفة أنه مش هيهدي الا معاكي انتِ.
وبالفعل أعطت ورد لياسمين مراد وما أن أتى بين ذراعيها حتى هدأ قليلاً.
ابتسمت ورد بسعادة وقالت:
حبايبي ربنا يخليكم لبعض.
قبلت ياسمين وجنة شقيقها وهي تلاعبه بسعادة.
بينما هو يبتسم لها وعينيه الخضراء كعيني والده تبرق بسعادة.
عند عمار.
اقترب منه ياسين وقال:
مبروك يا هندسة فرحتلك والله.
ثم عانقه بحب.
زفر عمار بضيق وهو ينظر إلى مريم التي تشيح بوجهها عنه وقال:
متفرحش اووي انت مش شايف بوزها ازاي مترين.
عمار حبيبي هتنسى متقلقش وهتسامح.
تنهد عمار وقال:
اتمنى.
ثم ابتعد ياسين ليجلس عمار ويقول:
ما تفردي بوزك شوية يا عروسة هيقولوا متجوزك غصب عنك.
ما هو ده اللي حصل. ولا انت عندك راي تاني.
هز عمار رأسه بيأس وهو يقر أن الطريق إلى غفرانها شائك.
عند ورد.
كانت تبتسم وهي تنظر إلى ابنها الذي يغفو بين ذراعيه شقيقته.
أنها تتمنى أن يكونا بهذا الترابط دائما.
أخرجها من شرودها صوت خشن يقول:
مساء الورد.
نظرت هي لتجد شاب في أواخر العشرينات تقريباً بعيني عسلية ينظر إليها.
نعم.
قالتها بحيرة ليقول هو:
أنا براقبك من بعيد من أول الفرح. أنا ابن عم العريس. تسمحيلي اقولك انك جميلة أوووي و.
فجأة انتفض وهو يشعر بيد قوية تحط على كتفه وصوت ياسين الغاضب يقول:
تسمحلي اكسرلك. صف اسنانك. صدقني هيليق جدا انك تكون انسان من غير اسنان وعقل.
نظر امجد إلى ياسين وقال بإرتباك:
اوعى تفهمني غلط أنا مش بعاكس. انت اخوها صح. شبهها اووي. أنا بس غرضي شريف وممكن اتقدملها يا استاذ. حضرتك اسمك ايه.
وضعت ورد كفها على فاها برعب بينما ابتسم ياسين بخطورة وقال:
اخوها وتتقدملها واستاذ في جملة واحدة. ده انت بايع حياتك بقا.
أنا قولت حاجة غلط.
قالها امجد بتوتر فردت ورد بسرعة:
امشي. امشي بسرعة.
نظر امجد بحيرة إليهما ليمسك ياسين ذراعه وقال:
تعالى بس بعيد عن الفرح مش عايز ابوظه. أنا هفهمك ايه الغلط.
ياسين.
هتفت ورد إلا أن ياسين قال:
أسكتي أنتِ.
ثم سحب امجد خلفه خارج الحفل.
وما أن خرجا حتى لكمه ياسين بقوة فقال امجد:
ايه يا أستاذ انت مالك.
أستاذ تاني. أنا باشمهندس. باشمهندس ياسين. دي غلطتك الأولى.
التانية انك جاي تتقدم لمراتي. لمراتى أنا. مرات الباشمندس ياسين.
ثم لكمه مرة أخرى. وامسكه من قميصه ليقول امجد:
والله يا استاذ.
أستاذ تاني.
صرخ به ياسين ليصحح امجد ويقول:
اقصد والله يا باشمهندس مكنتش اعرف انها مراتك. اصل هي مش لابسة دبلة.
أنا آسف. اسف والله يا باشمهندس.
عند ورد.
مر عشر دقائق منذ أن خرج ياسين وهي تخاف أن يكون قد افتعل مشكلة كبيرة.
تنهدت براحة اخيراً وهي تراه يقترب منها.
ابتسمت بسعادة.
خدي اهو البسي دبلتك. في ايديكي يا أختي مش كل شوية حد يجي يتقدملك عشان بيفتكرني اخوكي.
كنتِ ناسياها في الحمام.
قالها ياسين بضيق وهو يعطي طوق الزفاف لورد التي ضحكت وقالت بصدق:
صدقني يا حبيبي بنسى ابنك. مجنني مش مخليني عندي مخ افكر. بس حاضر هلبسها.
ياريت مش كل يوم هضرب واحد انا عشان خاطرك. مبحبش العنف.
ابتسم ورد بهيام واقتربت منه قائلة:
بتغير عليا يا يويو.
نظر ياسين إليها بضيق وقال:
ما بلاش يويو دي يا ورد. حاسس ان قيمتي كمهندس بتقل. لما تقوليها.
ابتسمت بنعومة وقالت:
خلاص يا حضرة المهندس احنا اسفين. مش هقولها تاني.
امسك كفها وشد عليها قائلاً:
ممكن تقوليهالي في البيت معنديش اي مانع يا فراولة.
ضحكت هي برقة وهي تضع رأسها على كتفه وقالت:
بحبك يا باشمهندس.
وأنا كمان بحبك يا مرات الباشمندس.
وللأسف مش حافظ شعر دلوقتي عشان أقولهولك.
ابتسمت وقالت:
كلمة بحبك منك تغنيني عن أي حاجة.
يبقى هقولها. لحد ما أموت. هفضل اقولك دايما اني محبيتش قبلك ولا هحب بعدك.
وأنا كمان محبيتش قبلك ولا بعدك.
في قصر عائلة رشيد.
كان يُقام اكبر زفافين شهده البلدة.
زفاف عدي رشيد وشقيقته ليان رشيد.
ليان التي تألقت بفستان أبيض بأكمام طويلة ذو تصميم بسيط ولكن أنيق.
وكانت ترقص مع زوجها موسى.
موسى الذي تزوجته بعد عذاب.
طيلة عام وهي تعذبه بشتى الطرق وهو يتحملها.
فقط لأنه يحبها.
إلا أنها قررت منذ أسبوعين أن هذا يكفي.
وقد استسلمت لحبه يوم عقد قرانهما.
نست كل شيء عندما رأت حبه الحقيقي.
كانت عينيها تتألقان بسعادة وهي تنظر إليه.
وهو يراقصها كما يراقص الأمير أميرته.
بينما هو عينيه تحصرانها بقوة.
لا يصدق أنها بين ذراعيه أخيراً ولن يفرقهما سوى الموت.
أنا فرحانة اووي يا موسى. فرحانة اووي.
قالتها ليان بسعادة ليبتسم موسى ويقول:
ومن النهاردة هتبقي سعيدة دايما. ربنا يقدرني عشان اسعدك دايما.
تنهدت وهي تضع رأسها على كتفه وتغمض عينيها.
تتذكر بسعادة رقصتهما الأولى سوياً.
يوماً عانقته بتلك الطريقة.
استمعت دقات قلبه التي تهتف بإسمه.
من الناحية الأخيرة.
كان عدي يجذب جواهر بين ذراعيه وهو يرقص معها.
بينما هي تنظر إليه ولا تصدق كيف يمكن للسعادة أن تتمثل في شخص.
كيف يمكن لشخص أن يقلب حياتها بتلك الطريقة.
أن يعطيها السعادة التي لم تختبرها يوماً.
كيف للحب أن يكون جميلاً بهذا الشكل.
كيف لقلبها أن يصرخ بإسم واحد فقط.
لقد كان عشقها لعدي نعمة.
أنه العوض الذي انتظرته منذ زمن طويل.
جلسا الأزواج كلا منهما على مقعدهما الخاص.
ليان بجوار موسى وعدي بجوار جواهر.
أتت عبير وهي تحمل طفلتها الصغيرة التي اسميتها جواهر وعانقت شقيقتها.
العام الذي مر كان شاهد على توطيد علاقتهما أكثر.
كانت جواهر عائلتها. توأم روحها. صديقتها في المحن.
وبالمثل كانت عبير لها.
لم يحتاجا أبداً لوالدهما وقررا الاكتفاء بنفسهما وعائلتهما وعملهما الجديد.
حيث أن جواهر نجحت في افتتاح مكتب محاماة وعبير أصبحت تعمل كمترجمة لأحد مواقع المشهورة على الانترنت.
بيري هتوحشيني.
قالتها جواهر وقد ترطبت عينيها بالدموع لتهز عبير رأسها وتضحك قائلة:
يا بنتي أنتِ هتهاجري. أنتِ رايحة تقضي شهر العسل في المالديف.
وهتقعدي اسبوعين بس يعني مش طول حياتك يعني.
بس برضه هتوحشيني.
قالتها بتبرم لتقبل عبير رأسها وتقول:
وأنتِ كمان هتوحشيني والله.
عند ليان.
كانت تزفر بحنق وتقول:
نسرين مجتش لحد دلوقتي. أنا هوريها لما تيجي.
ضحك موسى وأمسك كفها وقال:
حبيبتي أنتِ عارفة أنها يا عيني مالك مطلع عينيها.
فمعلش اعذريها و.
قاطع كلامه تغيير الموسيقى الهادئة للزفاف بموسيقى مألوفة.
كانت الأغنية المفضلة لنسرين وليان.
اتسعت عيني ليان ونهضت وهي ترى نسرين تتقدم بفستان أزرق جميل.
تمسك مكبر الصوت وتغني اغنيتهما المفضلة لعمرو دياب.
في لحظة عايزة اللي يعدل ميلك
ويسند يشيلكو
وسط زحمة حياته يجيلك
بيوصل في ثانية يسبق بخطوة
يحميك بقوة ملكش الا هو
في حد لما تخبط هيفتح يقابلك ويفرح
من قلبه عايز يشوفك بتنجح
يساعدك بفكرة معاك خطوة خطوة
دا ما سبكش مرة امبارح وبكرة
في حياتنا ناس هما الاساس
في حياتنا ناس هما الاساس
حقيقي شكرا من هنا لبكره
في حياتنا ناس هما الاساس
ثابتين معانا مهما ايه يجرى
في حياتنا ناس هما الاساس
حقيقي شكرا من هنا لبكره
دايما في ظهري دا صاحب عمري
ده كنز ده رزق ده طوق نجاة
بيرد غيبتي لو جابوا سيرتي
ومفيش حد بيفرق معاه
بتجيلي فكرة بطق فجأة
هي المكالمة فايقولي يلا
في حياتنا ناس هما الاساس
ثابتين معانا مهما ايه يجرى
حقيقي شكرا من هنا لبكره
أنا في الدلع دايما سايقها
بقلقها ياما نشفت ريقها
طلعت عينها الله يعينه
ده مفيش كلام يوصف حنانها
اقتربت نسرين أكثر من ليان وقبلتها على وجنتيها وأكملتا سوياً:
واقفة دايما جنب مني شجعتني صدقتني
سندتني موقعتش في يوم
دي اللي جنبي من البداية
خطوة خطوة كانت معايادي
في سمايا ولا النجوم
في حياتنا ناس هما الاساس
ثابتين معانا مهما ايه يجرى
في حياتنا ناس هما الاساس
حقيقي شكرا من هنا لبكره.
ثم عانقا بعضهما وقالت ليان وقد تجمعت الدموع في عينيها:
عارفة لو مكنتيش جيتي كنت هقتلك.
وأنا اقدر برضه. أنتِ اختي.
ثم ابتعدت عنها وقالت:
اومال فين مالك حبيب أخته.
أشارت نسرين إلى فؤاد الذي يحمل مالك وهو يداعبه.
أمسكت نسرين كف ليان مجدداً وقالت:
اتشجعي بقا وجيبي بنت عشان اجوزها لمالك ابني.
هجيب بنت واسميها نسرين عشان تطلع جميلة زيك.
مفيش اجمل منك يا ليان.
قالتها نسرين ثم عانقتها مجدداً.
كانا عدي وجواهر يراقبان نسرين وليان وعلى شفتيهما ابتسامة سعيدة.
فجأة قبل عدي وجنة جواهر وقال:
بحبك بكل لغات العالم.
وأنا كمان.
قالتها وهي تسند رأسها على كتفه.
انتهى الزفاف وأخذ موسى زوجته ليان وهرب بها إلى منزله لينفرد بها أخيراً بعد تحكمات عدي التي لا تطاق.
في منزل موسى.
ايه فيه ايه يا موسى بتجري ورايا ليه.
صرخت بها ليان وهي تركض حول طاولة الطعام بينما موسى يركض خلفها.
أنا حابب افهم ده يا ليان. أنتِ بتجري مني ليه. تعالى هنا.
لا مش جاية. انت نيتك مش سليمة. هتعمل فيا ايه.
ما طبيعي نيتي متكونش سليمة في ليلة دخلتنا. دي لو نيتي سليمة ابقى عبيط.
تعالى بس اقولك ده اخوكي شربني المرار في السنة دي.
طب. طب. ممكن تهدى شوية. خلينا نتكلم ونتعرف شوية على بعض و.
آه.
صرخت فجأة عندما نجح في امساكها وحملها بين ذراعيه وقال:
خلاص وقعتي بين ايديا.
موسى. موسى. اسمعني بس.
قالتها بخوف ولكنه قاطعها وهو يضع شفتيه على خاصتها ويقبلها بعاطفة تخصها وحدها.
عاطفة قوية جعلتها تستسلم لطوفان عشقه وتسلم له مقاليدها.
عند عدي وجواهر.
كانا يقفا على الشرفة عدي يضم جواهر إليه بحب ويقول:
النهاردة اسعد ايام حياتي. مكنتش اتوقع اني افرح بالشكل ده يا جواهر.
متخيلتش أن ست تخليني طاير من السعادة بالشكل ده.
ابتسم جواهر وقالت:
غريبة قصتنا صح. مكنتش اتوقع اني هحبك بالشكل ده. هحبك لدرجة أن العالم هيبقى من غيرك باهت وملوش قيمة يا عدي.
ابتعد قليلاً وجعلها تستدير ثم عانق وجهها وهو يقول:
بحبك يا مهلبية.
وأنا كمان بحبك يا قلب المهلبية.
اقترب منها وقبلها بلطف سرعان ما تحول لشغف.
عاطفته نحوها جعلتها تستسلم كلياً لطوفان قبلاته.
أخيراً ابتعد عنها وهو يلهث.
يضع جبينه على جبينها لثواني ويغمض عينيه.
فجأة ابتعد وقام بحملها وهو يقول:
قولتلك يا ملوخية هتيجي تحت المخرطة.
ضحكت هي برقة بينما يتجه بها إلى فراشهما الرحب لجعلها ملكه.
اليوم التالي.
في مطار القاهرة الدولي.
اقترب يوسف من صديقه منير الذي كان في استقباله ليصدمه الآخر.
ايه بس اللي رجعك يا يوسف كنت.
كان يقولها منير ليقاطعه يوسف وهو ينظر إليه بقوة ويقول:
فيه ايه يا منير راجع لبلدي.
ايوة بس نسرين.
قاطعه مرة أخرى وقال:
وأنا مالي بنسرين ربنا يهنيها يارب. أنا خلاص طلعتها من دماغي.
أنت متأكد.
مية في المية.
قالها يوسف وهو يجر حقيبته خلفه.
بعد أسبوع.
في منزل أمير.
بابا رجع من الشغل.
قالها أمير بسعادة لتقترب عبير وهي تحمل طفلتها الصغيرة جواهر.
امسك أمير جواهر وقبلها بلطف ثم جذب زوجته وهو يقبلها عدة مرات على وجنتها ويقول:
ليا عندكم خبر هايل.
ايه هو.
قدرت اشتري ورشة جديدة وشغلي هيكبر اخيرا.
هييه.
صرخت عبير بحماسة وهي تعانقه بحب وتقول:
مبروك يا حبيبي فرحتلك اووي.
ضمها وأكمل:
وكمان فيه حاجة هتفرحك اووي.
ابتعدت قليلاً ليقول:
هنعمل عمرة أنا وأنتِ وجواهر وتحية وجوزها وعيالها.
طفرت دموع السعادة من عينيها وقالت:
بجد يا امير. بجد.
بجد. كان نفسك في ده صح.
هزت رأسها وقالت:
كان نفسي فيه من زمان يا أمير. شكرا يا حبيبي. شكرا اووي. أنا بحبك.
وأنا كمان.
ثم قبلها برفق وهو يحمل ابنته شاعراً أن الحياة تضحك له.
فبوجود عبير وابنته كل شيء بخير.
بس أنتِ اخر مرة كنتِ هتوقعينا أنا ومالك من الاسكوتر. أنا بقيت اخاف منك.
قالها فؤاد وهو يضحك بينما يحمل ابنه متجها به إلى السيارة لكي يذهبا إلى منزل والد نسرين.
زفرت نسرين بضيق وقالت:
خلاص يا فؤاد ذلتني بأم الغلطة اللي عملتها. مبتقرفش تستر ابدا.
ضحك فؤاد وقال:
بصراحة لا.
ثم أعطاها الطفل ليستقل هو السيارة جالسا أمام عجلة القيادة بينما تجلس بجواره وهي تحمل ابنها.
كانت تنظر إليه بغضب فضحك هو وقال:
بتبقي عايزة تتاكلي وأنتِ زعلانة.
متكلمنيش تاني انا مخاصماك.
امسك كفها وقبله وقال:
حقك عليا يا ست الكل والله أنا بهزر معاكي وادي خدك أبوسه.
وبالفعل قبل وجنتها لتضربه هي على كتفه وتقول:
ايه اللي أنت بتعمله ده. اطلع يا فؤاد الله يصلح حالك احنا في الشارع.
تؤ مش همشي الا لما تقولي بحبك.
ضحكت على سلوكه الطفولي وقالت:
بحبك يا عمنا يالا امشي.
وأنا كمان بحبك يا نوتيلا.
قالها بحب ثم انطلق بسيارته بسرعة متوسطة من أجل سلامتهما وسلامة طفله.
وفي السيارة التي خلفهما كان يوسف جالس وهو يراقب ابتعاد العائلة السعيدة عنه.
بينما دمعة ساخنة تهبط على عينيه.
لماذا اتى. هل أتى ليقهر نفسه.
فكر بغضب.
ثم أدار الراديو بسيارته وهو يستمع لأغنية أمير عيد وهو يغني معه.
على باب السيماتذكرتي قديمة
ومعايا حكاية
نفسي اغيرها
وانا مين يديني فرصة تخليني
ادخل لو مرة واعيشها بتفاصيلها
ايدي في ايديها وعينيا عليها
سامع ضحكتها واحنا بنتفرج
خلصت حكايتنا والدنيا خدتنا
لا انا عارف ابعد ولا قادر اقرب
ايدي في ايديها وعينيا عليها
سامع ضحكتها واحنا بنتفرج
خلصت حكايتنا والدنيا خدتنا
لا انا عارف ابعد ولا قادر اقرب.
أغلق الراديو وهو يشعر بالاختناق ومسح دموعه وهو يقول:
خلصت حكايتنا يا نسرين.
ثم انطلق بسيارته بعيداً.
في منزل موسى.
نظرت إلى أصناف الطعام الموضوعة على الطاولة بحب.
صحيح أنها طلبت معظمهم من المطعم إلا أنها صنعت بعض الأشياء البسيطة وزينت المنزل مستغلة خروج موسى ليتمم على شركة الأمن الصغيرة انشأها قبل الافتتاح.
ابتسمت بحب وهي تتذكر أنها عاشت أجمل أيام حياتها معه.
لقد داوى جميع جروحها.
نست كل شيء وهي بين ذراعيه.
فجأة خرجت من شرودها عندما فُتح الباب ودخل هو.
اندفعت هي بسعادة وضمته بقوة قائلة:
وحشتني.
أبعدها عنه قليلاً وهو ينظر إليها بإعجاب فقد كانت ترتدي قميصه الأزرق.
تلاعب بأزرار القميص الذي ترتديه وقال:
مش هتبطلي تلبسي هدومي.
فهزت رأسها ضاحكة وقالت:
تؤ. هدومك هي هدومي. وعربيتك هي عربيتي وفلوسك هي فلوسي.
يا سلام.
أيوة.
ضحك بقوة وهو يحملها ويقول:
طب كنسلي العشا الحلو ده بقا انا عايز.
ولكنها قاطعته وهي تبعده وتنزل على قدميها وتقول:
لا يا موسى أنا عايزة ارقص. بطل رخامة بقا وارقص معايا.
زفر بضيق وقال:
طيب ماشي هنرقص.
قبلته على وجنته بسرعة وقالت:
بحبك.
ثم اتجهت إلى هاتفها وادارت إحدى أغانيها المفضلة لعمرو دياب وأصبحت تغني معها.
والله ما كان على بالي يا هوى
والله ما كان على بالي يا هوى
والله ما كان على بالي يا هوى
والله ما كان على بالي يا هوى
قمرين، قمرين دول ولا عينيك
قلبي بيسألني عليك
أتاريني بافكر فيك
يا قلبي يانا من حبه يانا
يا شوق أمانة تملى الليالي غرام
آهين يا عمري يا كل عمري
سلمته أمري وعينيه قالت لي كلام
والله ما كان على بالي يا هوى
والله ما كان على بالي يا هوى
والله ما كان على بالي يا هوى
والله ما كان على بالي يا هوى
قمرين، قمرين دول ولا عينيك
قلبي بيسألني عليك
أتاريني بافكر فيك
طال إنشغالي وياك يا غالي
وأنا إيه جرالي خلاني أذوب في هواك
إش معنى إنت حبيتك إنت
إزاي وإمتى شغلت روحي معاك
ضمها إليه عندما انتهت الأغنية ثم حملها فجأة وقال:
نكنسل العشا بقا.
صرخت وضحكت بمفاجأة وهو يتجه بها إلى غرفتهما فقال هو:
مكانش يومك يا شابة.
لتضحك هي بشكل أقوى.
ويبتسم هو.
هو يعشقها حين تضحك.
وحين تبكي وتغضب وتغار.
يحبها في كل أحوالها.
عاقلة كانت أم مجنونة.
حب غير مشروط.
في منزل ياسين.
يا حبيبي حرام عليك أنا عايزة انام ما صدق القرد بتاعنا نام اخيرا.
كانت تقولها ورد بتوسل ثم أكملت:
وكمان متنساش انك هتروح تزور الست عفاف في المصح بكرة و.
طيب خلاص هسيبك تنامي بس بشرط هقولك شعر الاول وتنامي.
زفرت ورد بضيق ثم نهضت جالسة وقالت:
اتفضل اشجيني.
ابتسم ياسين وهو يمسك كفها ويقول:
سَأقولُ لكِ “أُحِبُّكِ”.. حينَ تنتهي كلُّ لُغَاتِ العشق القديمَه فلا يبقى للعُشَّاقِ شيءٌ يقولونَهُ.. أو يفعلونَهْ.. عندئذ ستبدأ مُهِمَّتي في تغيير حجارة هذا العالمْ وفي تغيير هَنْدَسَتِهْ شجرةً بعد شَجَرَة وكوكباً بعد كوكبْ وقصيدةً بعد قصيدَة سأقولُ لكِ “أُحِبُّكِ”.. وتضيقُ المسافةُ بين عينيكِ وبين دفاتري ويصبحُ الهواءُ الذي تتنفَّسينه يمرُّ برئتيَّ أنا وتصبحُ اليدُ التي تضعينَها على مقعد السيّارة هي يدي أنا.. سأقولها، عندما أصبح قادراً، على استحضار طفولتي، وخُيُولي، وعَسَاكري، ومراكبي الورقيَّهْ….
صفقت ورد وقالت:
برافو يا باشمهندس ياسين. زي العسل والله تسمحلي أنام بقا.
قالتها وهي تستعد مجدداً للنوم إلا أن ياسين صرخ بها وقال:
تصدقي انك معندكيش دم. أنتِ عارفة انا حفظت القصيدة دي في قد ايه عشان اقولها لك. قعدت ساعتين.
ابتسمت ورد بحب وقالت:
طيب قولي اعمل ايه عشان اكافأ زوجي العزيز.
يعني مفيش ضرر من بوسة صغيرة كده للمسكين اللي بيفرحك ده وبيشيل عنك.
ضحكت ورد برقة ثم جذبته إليه وهي تقبله بلطف وعندما حاول أن يتمادى أبعدته وقالت:
أنت قولت بوسة بس. بطل غلبة بقا ونام.
ضمها إليه وقال:
طيب خلاص هننام.
وبالفعل أغمض عينيه وقال قبل أن يغرق بالنوم:
بحبك يا فراولة.
وأنا كمان.
في اليوم التالي.
كان يقف أمام سيارته وهو ينتظرها لتخرج من مدرسة التمريض.
اليوم كان أول اختبار لها وكانت متوترة.
رغم أنها درست جيداً ولكن هذا لم يقلل من توترها.
تمنى يحيى من داخل قلبه أن تكون قد اجادت في الاختبار وتفوقت.
انتبه عندما خرجت وهي تطرق برأسها.
علت الخيبة وجهه ولكنه ابتسم بسرعة.
لن يجعلها تستسلم أبداً.
سيدرس لها باقي المواد وستتفوق بالتأكيد.
اول ما وصلت عنده قال بلطف:
مش مشكلة يا حبيبي تتعوض و.
ولكنه توقف وهو يسمع صوت ضحكاتها.
نظر إليها ليجدها مشعة بالسعادة فقالت:
وضحكت عليك. ضحكت عليك. أنا حليت كويس.
ضحك على أسلوبها الطفولي وأمسك اذنها وقال:
أنا هعرف اعاقبك كويس على اللي عملتيه في البيت. المهم دلوقتي يا هانم خلينا نروح نحتفل بيكي. أنا عازمك على ساندويتشات كبدة من على عربية أصيلة.
ثم فتح لها باب السيارة لتلج إليها وتقول:
شكرا يا حبيبي.
ثم اراحت رأسها على مقعد السيارة وهي تبتسم بسعادة.
لقد لون يحيى حياتها.
قيل عن الحب الصادق. هو أن تقدم لهم دعوة إلى الحياة حين يفقدون شهية الحياة. وتقدم لهم دعوة للحلم حين يفقدون المعنى الجميل للحلم. وتقدم لهم دعوة اللجوء إلى قلبك حين تغلق القلوب في وجوههم. ثم لا تنتظر المقابل.
وهذا هو حب عدي لها. حب صادق.
فهي عندما فقدت الرغبة في الحياة. تمنت الموت بكل صدق.
كان هو معها. يعيد رغبتها في الحياة. يجعلها ترى جمالها مجدداً.
يخبرها أنها لم تفقد كل شيء وأنه معها حتى النهاية.
سيمسك كفها إلى آخر الطريق.
استقبلها هو في قلبه عندما شعرت أن جميع الأبواب أغلقت في وجهها.
كان لا ينتظر مقابل. فقط يحبها ويعطيها.
صحيح في وقت ما اذوا بعضهما كثيراً ولكن الحب الذي بينهما كان أقوى من نيران الكراهية. أقوى من الرغبة في الانتقام. وأقوى من سياط الكبرياء الأعمى.
الحب هو من انقذهما من الدمار.
فها هي العابثة الكاذبة تخلصت من جميع صفاتها السيئة.
وها هو الشيطان أصبح ملاكها بفعل العشق.
وعلى جزر المالديف الرائعة ذاقت معه الغرام.
شهقت فجأة وهي تعود للأرض عندما عانقها عدي من الخلف.
وقال:
بتفكري في ايه يا ملاكي.
بفكر فيك.
قبلها على عنقها الناعم وقال:
كويس مش عايزك تفكري في حاجة الأ فيا مفهوم.
مفهوم يا باشا.
ثم استدارت وهي تنظر إليه.
كتم أنفاسه وهو ينظر إليها بإنبهار وهذا كان يعجبها به.
أنه ينبهر في كل مرة يراها.
وكأنها كائن خرافي.
وبالفعل في تلك اللحظة. لحظة معانقة مياه البحر اللامعة للشمس كانت هي تقف.
مرتدية فستانها الأبيض الطويل. تبدو كملاك هبط على الأرض.
ملاكه هو.
مد كفه وقال:
تسمحيلي بالرقصة دي.
ابتسمت ووضعت كفها بكفه وقالت:
هتغنيلي.
هز رأسه وقال:
أيوة. تحبي اغنيلك لمين. بس متتضايقيش عشان صوتي وحش.
ضحكت وقالت:
لا مش هتضايق. عادي متعودة وأنا عايزاك تغني لأمير عيد.
اغنيله ايه.
ساموراي.
امرك يا مهلبية.
ثم جذبها إليه وهو يراقصها ويبدأ بالغناء:
ساموراي رحّال وقالولي “محال”
دي الدنيا في حال وحبيبتي في حال
عندها جناحات أمسكها تطير
غاوية الترْحال وأنا نفسي طويل
جمالها رهيب، ولمّا تغيب
تسونامي، رعد وبرق وجو بيبقى غريب
بس أنا مش خايف، أنا ساموراي
بدل السيف، أنا بعزف ناي
راكب أوبر من طوكيو وجاي
ترفضني إزاي وأنا الساموراي!
ثم أمسك ذراعها وأخذ يدور بها ويكمل:
وهفْضل ألف، ألف، ألف، وراكي ألف، ألف، ألف
والدنيا تاخدني تلف، تلف، تلف
لحد ما أشيب أو عقلي يخف
وهفضل ألف، ألف، ألف، وراكي ألف، ألف، ألف
مهما الدنيا تاخدني هلف
أنا مجنون، مش عايز أخف.
قربها منه مرة أخرى وهو يكمل:
هفْضل رحّال معرفش محال
وراكي لو حتى في آخر الدنيا في وسط جبال
في الأصل محارب، بس بغني
ويمكن صوتي بيوصلك أسرع مني
والسكه تهون، ويكون ما يكون
لو مية فيضان، أنا هعرف عادي أجيلك عوم
بس أنا مش خايف، أنا ساموراي
بدل السيف، أنا بعزف ناي
راكب أوبر من طوكيو وجاي
ترفضني إزاي وأنا الساموراي!
أخذ يدور بها مرة أخرى وهو يكرر بشغف:
وهفْضل ألف، ألف، ألف، وراكي ألف، ألف، ألف
والدنيا تاخدني تلف، تلف، تلف
لحد ما أشيب أو عقلي يخف
وهفضل ألف، ألف، ألف، وراكي ألف، ألف، ألف
مهما الدنيا تاخدني هلف
أنا مجنون، مش عايز أخف.
ثم توقف وهو يضع جبينها على جبينها ويقول:
أنا مجنون بيكي.
وأنا كمان.
ومع غروب الشمس كانت قبلتهما التي تشاركاها أروع ما يكون.
تمت.