تحميل رواية «الشيطان وقع اسيرها» PDF
بقلم سولييه نصار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1بعد مرور خمسة عشر عاماً-جاية ليه تاني ؟!! أنتِ مبتفهميش قولتلك مش عايز اشوف وشك تاني ابدا ؟!!قالها الرجل الخمسيني بقسو.ة وهو ينظر لتلك الشابة التي تنظر إليه بذهول ...نظرت إليه بدهشة وقالت:-ايه هو اللي جاية ليه ؟!انت ابويا !!!-اخر.سي ...اخر.سي اياكِ تنطقي الكلمة دي ...أنا خلاص طلعتك من حياتي أنتِ وأمك ...واديت لأمك تعويض مناسب ليها ..عايزين ايه تاني ؟!!هزت جواهر رأسها وهي تحارب دموعها ...كانت لا تصدق أن والدها بتلك القسوة معاها....كيف يقسو عليها بتلك الدرجة ....أليس والدها ؟!...-انا مش جاية اخ...
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سولييه نصار
الفصل الواحد والثلاثون(لكل فعل رد فعل )
ألم تختاري الخداع ...انتظري لتري العقاب !!..
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
نهضت ليان مسرعة وهي تنظر إلى زوجة شقيقها بصدمة ...شعرت بأن الأرض تميد بها وأنها سوف تقع في أي لحظة ...نهض موسى أيضا وأمسك ذراع ليان يدعمها لكي لا تسقط ....
كانت جواهر تنظر إليهما كأنهما متهمين أمسكت بهما.. تصاعد الغضب داخلها واقتربت منهما ولكن الغضب كله كان موجه لموسى ....نظرت إليه بغضب ...بقر ف بينما النيران تندلع من عينيها السوداء وقالت:
-انا مش قادرة اصدق الإنحطا ط اللي وصلتله...بتغري اخت اللي مفروض بيكون صاحبك ...اللي فتحلك بيته وأمنك على أخته بدل ما تحميها بتسـ تغلها !!!
هز موسى رأسه ينفي عنه هذا الإتها م البـ شع و لكن جواهر أكملت بحدة :
-أنت انسان كدا ب ...بتخدع اللي حواليك ...كذبت على عدي اللي دخلك بيته وأمنك.على أخته ...ازاي تعمل كده ازاي !!!
كانت تتكلم والدموع تنفجر من عينيها ولكنها استمرت بالكلام والصراخ بوجهه وقالت:
-أزاي تطلع بالرخص ده ازاي ...
-بيري لو سمحتي كفاية ...ازاي تكلميه بالطريقة دي ؟!
توسعت عيني جواهر وقالت وهي تمسح دموعها :.
-يا ليان ده بيستغلك ...ده مجرد عامل عندكم ازاي تحبيه ...هو يعني عشان صاحب اخوكي تحبي واحد أقل منك ...ده اكيد مش بيحبك ..اكيد بيستغلك !!!
-بيري لو سمحتي انتِ متعرفيش حاجة ...متهينيش موسى لو سمحتي ..ازاي تحكمي عليه بالشكل ده ؟!معقول يكون تفكيرك كده ؟!
بهتت جواهر قليلا وهي تدرك الأشياء البشعة التي قالتها للتو...هي لا تعرف ما بها حقاً ولماذا هذا الانفعال ...ولكنها رأت في موسى نفسها ...هو يخدع عدي كما هي تخدعه أيضاً!!!
اعتصر قلبها أ لماً ورمشت عدة مرات عندما شعرت بالدموع توخز عينيها . .هي في الواقع لم تكن تهين موسى. بل كانت تهين نفسها ...تخبر نفسها كم هي حقيرة لا تستحق اي شئ جيد ...وان عدي لا يستحق هذا ابدا منها ...
-اخوكي ميستاهلش يتخدع.منك يا ليان ...ميتساهلش كده ابداً!!!
قالتها وهي تختنق وتنظر إلى ليان التي تصاعدت الدموع لعينيها وقالت بصوت مختنق:
-عارفة والله عارفة وانا مقصدش اخدعه يا بيري ...على فكرة احنا ناويين نقوله...
-تقولوله ؟!ناويين تقولوله امتى ...يالا انطقي ...ناوية تخدعي اخوكي لحد امتى يا ليان ؟!...اتكلمي يالا ...
اقترب موسى أكثر منها وقال بهدوء:
-ممكن تهدي أنا مستحيل استغل لا ليان ولا عدي
ابتسمت جواهر بسخرية وقالت:
-بس أنت عملتها يا اخويا ...استغليتهم والاسوأ من كده استغليت عدي اللي طول عمره اعتبرك صاحبه !!!
شعر موسى أنه يختنق بالفعل ...أنها تضرب على وتر حساس...تأنيب الضمير أنه خذل صديقه ...أنه خانه ...هو لم يقصد أن يفعل هذا ولكنه لا يمكنه أن يبتعد عن ليان ...أنها الحياة!!!هو يعيش فقط من أجلها...يعيش لانه يحبها ...لا يمكن لأي أحد أن يبعدها عنه....لذلك قال ؛
-بكرة ...بكرة هكلم عدي في الموضوع واوضحله اني عايز اتجوز أخته ... صدقيني يا هانم أنا عمري ما استغل ليان ...ليان اغلى من حياتي ...هي كل حاجة بالنسبالي ...
نظرت إليه جواهر بدون رضا لتمسك ليان كفها وتقول بتوسل:
-بيري عشان خاطر بلاش تقولي لاخويا على اللي شوفتيه لحد ما موسى يفاتحه في الموضوع ممكن ؟!بليز ..
تنهدت جواهر وهي تهز رأسها ...ها هي تحمل ضميرها المزيد من تأنيب الضمير ...
..
ذهبت جواهر من أمامهما لتتنهد ليان براحة ...
امسك موسى كف ليان وقال:
-انا اسف اووي على الموقف اللي حطيتك فيه ؟!
ابتسمت وقالت:
-حبيبي خلاص حصل خير مفيش مشكلة و .
ولكنه قاطعها قائلا':
-بكرة فعلا هتقدم لأخوكي واتجوزك ووقتها محدش هيكون ليه كلمة علينا ...وقتها أنتِ هتبقي ملكي وبس ...
لمعت عينيها بقوة وهي تسمع الوعد الصادق في نبرتها ثم ارتمت عليه وعانقته بقوة قائلة:
-بحبك يا موسى ..بحبك
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-بتقول ايه يا دكتور؟!
قالتها رانيا والدموع تنفـ جر من عينيها ...شعرت أن الأرض تميد بها وبالفعل تمايلت قليلا ولكن السيدة ماجدة دعمتها بذراعها ....بدأت الدموع تنفجر من عيني رانيا وهي تنظر إلى الطبيب بعجز الذي كرر ما قاله موضحاً بالتفصيل حالة والدتها الحرجة ونصحها أن تجري الجراحة على وجه السرعة ...
ثم ذهب ...
جلست رانيا بإنهيار على الكرسي وارتفع نشيجها الحار بينما تجلس بجوارها السيدة ماجدة ...كانت تفرك كفيها بإرتباك وكلام الطبيب يدوى في عقلها ..ماذا تفعل ...ماذا تفعل ؟!!كيف, ستجري جراحة كبيرة كهذة...هي لا تملك المال الكافي وبالطبع لن تنتظر إجراءات التأمين الصحي التي لا تنتهي ... ووالدتها قد لا تتحمل ...قد تخسرها ...
وضعت كفها على فاها وهي تنفجر بالبكاء ...شعرت وكأن قلبها سوف يخرج من صدرها ....
ضمتها السيدة ماجدة إليها. قالت:
-أبوس ايديك.خلاص اهدي يا رانيا ...اهدي يا حبيبتي .
كل حاجة وليها حل ...هنفكر مع بعض ونلاقي حل بس العياط مش هو الحل دلوقتي ...يا بنتي كفاية قطعتي قلبي !!
نظرت رانيا بعيني حمراء إلى السيدة ماجدة وقالت:
-هو فين الحل يا خالتي ماجدة ..خلاص كل الابواب اتقفلت في وشي وانا مش عارفة اعمل ايه ...قوليلي يا خالتي اعمل ايه ؟!أنا اجيب فلوس من فين عشان اعملها العملية يا خالتي ...أنا عايزة اعملها العملية في مكان.نضيف مكان اكون قادرة اطمن عليها فيه ودكاترة كويسين...دي عملية صعبة يا خالتي ...عملية صعبة وانا مش هقدر اجيب حقها ...
شدت ماجدة على كفها وقالت :
-يا بت ربك كريم ...
-ونعم بالله يا خالتي ..بس انا خايفة ..خايفة أمي تضيع مني ..أنا مليش غيرها يا خالتي أنا ممكن أموت فيها .....
ربتت ماجدة على ظهرها وقالت:
- طيب بطلي تفولي على الولية يا بت ...
تنهدت وهي تضمها وتربت على شعرها :
-اهدي يا بنتي عشان صحتك من كذا ......صلي على النبي ..
-عليه افضل والسلام......يارب ملناش غيرك يا رب ساعدنا ..
قالتها رانيا وهي تضم السيدة ماجدة بقوة وهي تبكي ...كانت منكسرة ..جميع الأبواب موصدة بوجهها ولا تعرف ماذا تفعل ..
ابتعدت عن السيدة ماجدة وقالت:
-هنعمل ايه دلوقتي يا خالتي ...انصحيني...
صمتت السيدة ماجدة بإحباط ...فهي من الأساس لا تعرف ماذا تفعل وكيف تساعدها ...هى الأخرى كانت عاجزة. ..لو فقط تمتلك المال كانت ستساعدها دون تردد لكن هي للاسف لا تمتلك اي شئ لتساعدها به ...وكم كان هذا مؤسف ...ولكن لا تعرف لماذا أتى ببالها يحيى ...ذلك الطبيب التي كانت تعمل لديه رانيا والذي ساعدها لإيجاد عمل ...حتى أنه يتصل بها احيانا ليطمئن على رانيا ..ذلك الشاب قد يكون لديه الحل ..فهو يمكن أن يساعد رانيا وبالفعل كادت أن تتكلم وتعرض تلك الفكرة الا ان صوت خشن أوقفها عما أرادت أن تقترحه للتو...
-بنت اخوي الغالي ..مش كنتي تقوليلي طب وكنا نعمل الواجب ... مهما حصل بيننا احنا دم واحد..
كان هذا صوت عمها الذي اقترب منها هو وابن عمتها محسن ...نهضت رانيا ونظرت إليه بهجوم وقالت:
-عايز ايه ؟!
-أخص عليكي يا بنت اخوي انا كنت جاي اعمل الواجب ...ادفع فلوس عملية امك اللي بقالك ساعة بتولولي مش عارفة تعملي فيها ايه ...
نظرت إليه بحيرة ليكمل :
-بس طبعاً كل حاجة وليها تمن يا حلوة...
ربعت ذراعيها وقالت:
-ايه اتجوز محسن في المقابل !!
ضحك عمها وقال:
-لا خلاص محسن اتجوز واحدة تاني وخلف منها ...عايزك تتجوزي الحاج توفيق اللي ساكن في حارتكم..جه وطلبك مني ...
اتسعت عينيها وقالت:
-عايز تجوزني واحد عنده خمسة وخمسين سنة يا راجل يا عر ة!!!!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-يوسف !!!
قالتها نسرين وشفتيها ترتجف بقوة ليقول يوسف وقد لمعت عينيه العسلية واحتشدت بها الدموع :
-ايوة يوسف ...يوسف اللي خلتيه يحبك وسبتيه ...رمتيني ورا ضهرك ولا كأني حبيتك ....مهتمتيش بقلبي اللي كسرتيه وروحتي تحبي وتتجوزي وانا اولع صح ؟!!
انسابت الدموع من عينيها وهي تشعر بالإختناق ورغم أنه هو المخطئ بقوة إلا أنه استطاع إثقال قلبها بالذنب ...شعرت بذنب رهيب نحوه وخاصة بعد تلك المشاعر التي تكونت داخلها نحو فؤاد والتي باتت مكشوفة له ...
-يوسف ..
قالتها بإختناق ...إلا أنه حاوط رقبتها وضغط عليها بقوة بينما دموعه تنساب على وجنته وقال:
-حرام عليكي أنا عملت ايه ..ده انا حبيتك اكتر من حياتي ...كنت مستعد أضحي بحياتي عشانك ..ليه تعملي فيا كده...ليه يا نسرين!!!...
ابعد كفه بسرعة وهو يطالعها بتحطم وهي تسعل ثم بدأ يرتفع نشيجها و تبكي بعنف ...أطرقت برأسها وهي تقول بإعتذار حار :
-اسفة ...أنا اسفة يا يوسف..
-أعمل بأسفك ايه انا ؟!اسفك هيرجع قلبي اللي اتكسر على ايديك ...كنت فاكرك غيرها يا نسرين لكن طلعتي زيها ...لما شوفتي فرصة احسن مني روحتي ليها ...عملتي نفس اللي عملته رقية بالضبط ...
هزت رأسها بقوة ...أنها المرة الأولى التي يتكلم معها عن حبه الأول بهذا الوضوح ...لقد عرفت دوما أنه عشق قبلها ولكنه رفض اطلاعها بأي تفاصيل ولكن الآن بدأت الرؤية تتضح لها ...هل حطمت قلبه تلك المرأة ...هل ادعت أنها تحبه ثم غادرت حياته وذهبت لآخر ...هل فعلت هذا به ؟!وهل حقا هي تشببها...هل تسببت بنفس الاذي ليوسف ...
كان الشعور بالذنب يقتلها ..استطاع يوسف رؤية هذا وشعر بالإنتصار ...هو لم يحب أن يتبع الطرق الملتوية ولكن يبدو أن تلك الطريقة الوحيدة لإرجاعها !!
بكت نسرين وقالت:
-صدقني يا يوسف أنا مش زيها. .مكانتش قصدي آذيك ..سامحني ..سامحني ...
-عمري ما هسامحك ..عمري ما هنسى انك عملتي زيها ...هي عملت كده برضه ...هي سابتني عشان واحد عنده فلوس ...رمتني ورا ضهرها...وأنتِ سبتيني عشان واحد اصغر مني واوسم مني ...أنا شوفتك معاه يا نسرين ...شوفته وهو بيبوس إيديكي ...شوفت الحب اللي في عينيكي ليه...الحب اللي كان ليا يا نسرين !!!...
انفجرت بالبكاء وامسكت كفه وقالت :
-ربنا هيكرمك بالأحسن مني ...صدقني ...
ولكنه قاطعها وهو يشدها إليه بحرارة :
-بس أنا مش عايز غيرك يا حبيبتي ...مش عايز غيرك ...خلينا نهرب يا نسرين ...متتجوزيش فؤاد ..خلينا نروح بعيد ...وانا هحميكي من كريم ..مش هسمح لحد يأذيكي ...و...
ولكن نسرين دفعته وقالت:
-لا لا انت مجنون ...مجنون أنا مستحيل أعمل كده في بابا ..مستحيل اعمل كده في فؤا...آه
صرخت بعنف عندما شد شعرها وقال بغيظ:
-ايه حبتيه...حبيب القلب اللي وراكي زي الكلب في كل حتة ...قدر يغويكي وينسيكي يوسف ...
-آه يوسف انت بتوجعني ...
قالتها ببكاء ليبتسم بشر ويقول:
-احسن عشان تحسي بالوجع اللي جوايا يا نسرين ...تحسي قد ايه أنتِ جرحتيني ...
ثم ضغط على رقبتها وقال:
-لو مش هتكوني ليا مش هتكوني لغيري ...
ثم ثبتها وهو يقرب فمه منه إلا أنها رفعت قدمها وانزلتها على قدمه ليتأوه ويحررها...استغلت هي تلك الفرصة وركضت بقوة لترى أمامها فؤاد ينظر إليها بحيرة ...لم تتوقف بل انطلقت نحوه وعانقته بقوة قائلة ؛
-فؤاد ..متسبنيش ..اوعى تسيبني ...
وعلى الرغم أنه لم يفهم شئ ...هو حتى لم يرى يوسف ..ولكنه حاوطها بذراعيه وقال:
-عمري ما اسيبك ..أنا هفضل معاكي دايما يا حبيبتي ...
ومن بعيد كان ينظر اليهما يوسف وهو يشعر بالقهر الشديد ...وكم أراد قتـ ل فؤاد في تلك اللحظة !!!استدار وذهب مسرعا الى سيارته ...هو لن يستسلم أبداً ..
....
انفصل فؤاد عن نسرين وأخذ يرتب شعرها المبعثر ويمسح دموعها ويقول:
-ايه اللي حصل ومخلي شكلك كده ...وليه كنتِ بتجري بالطريقة دي ؟!
صمتت نسرين ولم ترد ويبدو أن فؤاد قد فهم فقال من بين أسنانه :
-يوسف صح ...يوسف اتعرضلك تاني ...
ثم حاول تجاوزها ليبحث عنه إلا أنها أمسكت كفه وقالت:
-عشان خاطري يا فؤاد سيبه ...سيبه خلاص خلينا ننبسط النهاردة ..مش عايزة أي مشاكل ممكن ...
تنهد فؤاد وهز رأسه ...ثم قبل رأسها ...هو لن يترك الموضوع ..ولكنه لن يتشاجر معه ونسرين هنا ...لن يسمح.لنفسيتها أن تتضرر أكثر من هذا ....
-ربت على شعرها وقال:
-عندك حق يا حبيبتي ...يالا بينا ...
ثم جذبها من كفها وأدخلها سيارته وانطلق بها .....
....
بعد قليل
وصلا لحفل الزفاف والذي كان في قاعة فارهة...
اتسعت عيني نسرين وقالت:
-دوول جايبين فرقة نوبية هو العريس من اسوان ...
ابتسم فؤاد ونظر إليها قائلا :
-ايوة العروسة والعريس من أسوان بس ناويين يعيشوا في القاهرة...تعرفي يا نسرين ..هنا وسليم قصة حبهم ملهمة جدا...مثالية اووي الاتنين اولا عم اتربوا سوا وحبوا بعض من صغرهم...من زمان وعيلتهم بتقول هنا لسليم وسليم لهنا ..واتخطبوا بس للأسف حصلت مشكلة بين الاخوات ابو سليم وأبو هنا حصلت بينهم مشكلة كبيرة جداً وقاطعوا بعض ورغم محاولات سليم وهنا عشان يصلحوا الوضع فشلوا واتفشكلت الخطوبة وسليم سافر معايا ولما رجع وأبوه شاف أن ابنه مش راضي يكمل حياته مع واحدة غيرها وحتى هنا رفضت كل العرسان رضخوا واتصالحوا وجوزوهم ...
ابتسمت نسرين وقالت:
-ملهمة فعلا ...اللي بيحب فعلا بيحارب ..
هز فؤاد رأسه وقال :
-انا اتعلمت اني احارب عشان اللي بحبه من سليم ...علمني مستسلمش ..وانا عشانك مستعد أعمل اي حاجة ...
-أنت عايز تخلينا نسخة تانية من سليم وهنا ...قصة حبهم مأثرة عليك...
شد كفها وبدأ يرقص معها ويقول بصوت مرتفع نسبيا :
-يمكن أنا فعلا واقع في حب قصة حبهم ...
تنهدت نسرين وقالت ؛
-بس أنا مش مثالية ليك يا فؤاد انت تستاهل ...
وضع كفه على شفتيها وقال:
-مين قالك اني بدور على المثالية ؟!ومين قالك أن فيه حد مثالي في العالم ده ...أنا ذات نفسي مش مثالي يا نسرين !!،ولا هنا مثالية ولا سليم ...اكيد في عيوب فيهم وكل واحد متقبل التاني بعيوبه ...أنا متقبلك بكل عيوبك يا نسرين وبعرض حبي للمرة الألف ...لو مكنتش شايف حب في عينيكي كنت هبعد فوراً بس انا شايف مشاعر في عينيكي ومستعد استناكي لحد ما تتعاملي مع مشاعرك دي وتعترفي ...أنا عارف اللي مريتي بيه مش سهل بس انا عايز أحميكي ..
-تحميني من أيه ؟!
-من اي حاجة تأذ يكي يا نسرين ...من اي حد يفكر يزعلك ...مش عايز جوازنا يكون مؤقت ..أنا عايزك معايا لآخر العمر. ..عايزك تكوني أخر ايد امسكها قبل ما أموت...
ظلت تنظر إليه بدهشة وقالت:
-ليه بتحبني الحب ده كله ؟!
-مش عارف ..صدقيني مش عارف ..مش كل حاجة لازم تكون ليها إجابة يا نسرين ..
تنهدت وهي تضع كفها على كفته وتضم نفسها إليه وتقول :
-خلينا كده يا فؤاد ...بلاش نفكر كتير ...
تنهد وهو يقبل رأسها وقال :
-حاضر
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-ازاي كنت غبي بالشكل ده ...ازاي مدورتش على الموضوع من الاول ...ازاي شكيت فيها متأخر ...؟!واحد خبيث زي شريف اكيد مش هيسلملي بنته بالسهولة دي !!
شد عدي خصلات شعره ثم أخذ يضحك مجدداً...لا يصدق ...حقاً لا يصدق ...هل هو احمق ليخدعه الجميع من حوله ؟!!هل يروه انسان ليس لديه قيمة ...من يريد شئ يخدعه ببساطة وهو الغبي يصدق الجميع ...يثق بالجميع!!!
نهض وهو يمسح دموع ...اطلت القسوة من عينيه ..لا لا ..هو لن يسامح تلك المرة ...لن يعفو ويتركها تذهب بسهولة ...سينتقم منها بقسوة ...سيحطمها كما حطمته...لقد جرحته ..جرحته حتى أكثر من كارمن ..لانه احبها أكثر من كارمن. .وثق بها أكثر من كارمن ..وهو غبي عندما يعشق ...يسلم كل حياته بكل سهولة !!
أخرج هاتفه واتصل بذلك المحقق الذي عينه منذ اسبوع ليتحرى عن شريف وابنته عبير ...والغريب أنه لم يجد أي معلومات عن عبير وجل ما أتى به هو ملف جواهر ...
-ها يا سيف لقيت حاجة عن عبير دي ...
سمع تنهيدة طويلة من الجانب الآخر وقال:
-مش كتير يا عدي بيه الموضوع غريب ...البنت ملهاش اي صورة ليها وهي كبيرة وده لأنها سافرت فرنسا من صغرها واستقرت هناك ...حاولت اعرف حتى الجامعة بتاعتها ملقيتش ...وحتى ملهاش اكونت على الفيس ولا حاجة ولا اعرف هي فين لحد دلوقتي ... كأنها سراب ..كأنها مش موجودة لولا أني وصلت للملف بتاعها لما كانت في الابتدائي كنت هشك فعلا انها وهم...
نفخ عدي بضيق وقال:
-طيب شكرا اووي يا سيف ..لو لقيت حاجة اتصل بيا .سلام ...
ثم أغلق الهاتف بسرعة وخرج من غرفة المكتب متجهاً للأعلى ...
...
وقف امام الغرفة وهي يشعر بالغضب يتصاعد داخله ...ود لو يدخل ثم يجذبها من شعرها ثم يضر بها بقوة ...لقد خد عته...تلك الكا ذبة تلاعبت به وهو وقع في فخها لانه احبها ...كم أراد ضرب نفسه بالنا ر لانه سمح لنفسه أن يُخدع للمرة الثانية !!
اتخذ قراره وفتح باب الغرفة ثم ولج لداخل الغرفة وجدها في التراس تقف وجسدها يرتعش قليلا ...اقترب منها ليجدها تشرب سيجارتها..
-بتشربي سجاير تاني ...
قالها عدي وهو يقف بجوار جواهر على التراس ...انتفضت جواهر بقوة وهي تراه ثم اطفأت السيجار بسرعة وقالت بإرتباك:
-صدقني يا عدي أنا خففتها.خالص وهبطلها قريب ...
ابتسم لها وهو يتلمس وجنتها وقال:
-شكلك متضايقة النهاردة فيه حاجة حصلت؟!
ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه...الا يكفي كذبها المستمر عليه ...هل ستخفي عنه أيضاً ما رأته بين موسى وليان ...ولكن ليان ترجتها الا تتكلم وموسى وعدها أنه سيفاتح موسى غدا في موضوع زواجه من ليان ...وللمرة الأولى تشعر بالشفقة نحو عدي ...الرجل تقريبا يُخدع من الجميع ...الجميع حرفيا ...وخزت الدموع عينيها وانسابت على وجنتيها ليديرها.عدي إليه وهو يري دموعها ويقول :
-فيه ايه يا بيري بتعيطي ليه؟!...
هزت رأسها وقالت بإختناق :
-مفيش يا عدي مخنوقة شوية ...
ربت على وجنتيها وقال:
-لا انا مش هصدقك كلامك ده ..فين حاجة مضايقاكي يا بيري وانا يهمني أعرفها ...ها قوليلي فيه ايه ...مين زعلك ...أنا بتضايق لما اشوفك متضايقة. ..
ضغطت كفيه على وجهها وقالت:
-انا اسفة يا عدي ..اسفة ...
ارتجف قلبه داخل صدره وقال:
-اسفة على ايه ...ايه اللي حصل لده كله ؟!
أغمضت عينيها ودموعها تنساب بقوة وقالت ؛
-اسفة على معاملتي ليك اخر مرة انت متستاهلش كده ...بس انا فعلا اعصابي تعبانة ...
ابتسم لها بحلاوة ثم جذب كفها وأجلسها على الفراش وقال:
-انا اللي اسف اني بضغط عليكي ...مفروض لما احب حد محاولش ابتزه بالشكل ده او اضغط عليه ...مفروض اتفهمه...وانا متفهمك جدا يا بيري وعارف أن ظروف جوازنا صعبة هحاول مضغطش عليكي تاني ...بس أنتِ متبكيش مبتستحملش اشوف دموعك ...
ابتسمت له وهي تمسح دموعها وقالت:
-أنت مفيش منك يا عدي ..
ثم صمتت وتجهمت وتأنيب الضمير يقتلها ...بينما عدي كان يراقب تعاقب المشاعر على وجهها...كانت تشعر بالذنب وكان هذا يريحه قليلا ...سوف يتلاعب بها قبل أن يكشفها نهائيا ثم يطردها من حياته!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في اليوم التالي
-يا مري هيطلقك؟!هيطلقك ازاي يا بت !!!!
لطمت والدة ورد على وجهها بينما وجه ورد كان بارد لا توجد به أي مشاعر ...ولا انفعالات ...كان متجمد بالفعل. ...هزت كتفيها بلامبالاة وقالت:
-هو لما جه قالي خليكي جمب امك وقال مش عايزك فخلاص اعمله ايه يعني ...عن إذنك دلوقتي أنا رايحة انام ...
ثم كادت أن تتجاوز والدتها لتلوذ بغرفتها ...هي لا تريد التفكير في أي شئ ...ولكن والدتها أمسكت كفها وقالت بغضب :
-أنتِ عبيطة يا بت ؟!قوليلي ايه اللي حصلك ؟!يا بت ده ياسين ...ياسين !! جوزك وأبو اللي في بطنك وبيقولك أنه هيطلقك ...ايه البرود اللي فيكي ده؟!
نفضت ورد كف والدتها وزفرت بحنق قائلة :
-يوووه وأنا اعمله ايه يعني ها قوليلي ؟!!اروح ابوس رجله عشان يرجعني ...لا يا أمي ده مش هيحصل ...عمري ما هترجاه ..هو عايز يطلق يطلق...كده كده انا مبقتش طايقاه ...مش عايزاه ...انتوا ليه بتضغطوا عليا !!!أنتِ كده دايما يا ماما عايزة تمشيني على مزاجك ولو معملتش اللي أنتِ عايزاه ابقى فيا كل العبر الزفت!!!
نظرت والدتها إليها بصدمة وقالت:
-ايه اللي بتقوليه.ده يا ورد ...ايه الكلام اللي بتقوليه ده ؟!!،
-بقول الحقيقة يا ماما ...الحقيقة!!!
صرخت بوجهها بإنهيار تام ثم أكملت :
-انا اتجوزت واحد مبحبهوش بسببك أنتِ ...لانك كل شوية تفكريني بفشلي مع علي !!!حتى لما علي خطبني مكنتيش سايباني في حالي ...كنتِ علطول بتسمي بدني بالكلام لحد ما سابني ...وزي ما تكوني لقتيها.حجة عشان تذليني مرة تانية ...
كانت تنظر الى ابنتها بصدمة ...لا تصدق ما تقوله ...تشعر وكأن ورد قد تبدلت تماماً...تلك ليست ابنتها ...تلك ليست نظرات ابنتها ... اقتربت من ورد وامسكت ذراعيها وأخذت تهزها بقوة وقالت:
-فوقي يا ورد فوقي ...ايه اللي أنتِ بتقوليه ده ؟!!!ازاي بتتكلمي عني بالشكل ده ...أنا في اي حاجة كنت بعملها كنت عايزة مصلحتك ...مصلحتك وبس ...وبعد ده كله تقوليلي كده ...اخص عليكي ...حقيقي اخص عليكي ... وبعدين ماله ياسين ...ياسين حبك ومتمسك بيكي ..زعلانة على علي ..علي اللي فسخ الخطوبة من غير تردد ورجع لمراته وهو دلوقتي سعيد ومبسوط وأنتِ بغباءك عايزة تدمري حياتك يا غبية !!!
ابتعدت ورد وقالت بجمود:
-لاني مش عايزة الحياة دي مش عايزاه ...اتخنقت ...معرفش أنا ازاي في يوم افتكرت نفسي بحب ياسين ...أنا مش طايقاه...ولا طايقة ريحته ولا صوته ...حتى ابنه اللي في بطني مش طايقاه ...انا بموت يا ماما ...حاسة اني هتخنق ...حاسة اني هموت فعليا ...أنتِ ليه مش حاسة بيا ...
-انا ...انا ...
أغمضت ورد عينيها وهي تشعر بالتعب ثم فجأة سقطت فاقدة الوعي وآخر ما سمعته هي صرخة والدتها الملتاعة!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-طلاق!!!طلاق ايه يا بني استهدى بالله !!!
قالتها والدة ياسين بصدمة ...لقد أتى لها بالأمس وطلب منها أن تستقبل ياسمين لديها لبضعة أيام ...كانت تشعر أن هناك شئ ما حدث معه ولكنها لم ترغب بالضغط عليه لذلك التزمت الصمت ولكن في اليوم الثاني وبعد تناول الإفطار تأملت أن تكون نفسيته قد تحسنت قليلا وحاولت الحديث معه ليخبرها بالخبر الذي صدمها أنه سيطلق ورد!!!كيف يقول هذا ...وكيف يرغب في تطليق زوجته التي تحمل طفله...هي حقا لا تفهم ابنها ...شعرت بأ لم في رأسها ...فضغطت على جبينها بقوة وهي تحاول استيعاب كلام ابنها الاحمق ...
نظرت إليه لتجد عينيه فارغة تماماً ...لا يوجد بها أي مشاعر ...
-يعني ايه هتطلق مراتك وهي حامل يا ياسين انت اتجننت!!!
صرخه أمه في وجهه جعلته يعبس بشده ويقول بنبرة حادة :
-هي اللي عايزة كده انا اعملها ايه يعني!!
-عشان حضرتك اكيد عملت للبنت حاجة خلتها تنفر منك ...اكيد بتسمعها كلام يرفع ضغطها زي ما انت رافع ضغطي دايما ...
اتهمته والدته ليضحك بدهشة ويقول:
-أنا بجد مش مصدق انك واقفة ضدي عشانها ...عايز اعرف هو انا فعلا ابنك ولا أنتِ اتبنتيني !!!
-انا مع الحق يا ابني ...اكيد عملت حاجة للبنت وخلتها مش طايقاك...للاسف انا أمك وعارفاك كويس !!!
أغمض ياسين عينيه بانفعال...والدته كانت تغضبه بالفعل ...شعر بنيران الغضب تندلع داخله بسبب تلك الاتهامات التي توجهها والدته نحوه ...كيف يجعلها تصدق أنه لم يفعل أي شئ لورد ...وأنه حائر مثلها ...ولكن نفور ورد منه مؤخراً جعله حزين للغاية ...يشعر بقلبه يتفتت من الأ لم ...لا أحد يشعر به ...ولا احد يريد أن يتفهم معاناته ...فقط الجميع يلومه هو ...هو فقط . .
-انطق يا واد ...عملت لورد ايه ؟!!
-معلمتش حاجة يا امي والله ما عملت !!
رد ياسين وهو يركز نظراته على والدته ورأت الآن الالم بعيني ابنها ... ياسين كان يعاني ... ابنها الذي ظنه الجميع مجرد رجل من الجليد لا يحمل أي مشاعر ...فقط هي تعرف ما بداخله...هي تحفظه عن ظهر قلب ...تعرف أنه بارع للغاية في إخفاء مشاعره...ولكنه لم يخفيها الآن ...رأت عينيه التي تشبعت بالدموع ...احست بالانكسار الذي يحاوط روحه. ..لقد شعرت والدته به ...
-انطق يا بني متتعبش قلبي ...قولي يا ياسين ايه اللي حصل ؟!
أطرق برأسه ونشيج خافت ينسل من بين شفتيه....
شهقت والدته مصدومة ثم بسرعة اقتربت منه وقالت:
-مالك يا واد ايه اللي حصل ؟!هو الموضوع خطير للدرجادي ...
لحظات وكان ياسين يندفع بين ذراعي والدته ويقول بإختناق بينما دموعه الحارة تنسكب على وجهه:
-أنا بحبها يا امي ...بحبها أووي...
-ودي حاجة تخليك تبكي يا موكوس...روح قولها كده وهي هتفرح ...
هز رأسه وقال :
-هي مبتحبنيش يا أمي ...
أبعدته والدته عن أحضانها ونظرت إليه بإستنكار وقالت :
-مين دي اللي مبتحبكش يا اخويا ؟!دي ورد بتموت في التراب اللي أنت بتمشي عليه !!انت مجنون يا ياسين يا ابني !!!
تنهد ياسين وقرر أن يحكي كل شئ لوالدته ...
......
بعد قليل ...
كانت والدته متسعة العينين مصدومة ...لا تصدق ما تسمعه ..وكيف تحولت حالة ورد بتلك الطريقة ...ما الذي حدث؟!
نظرت إلى ابنها الذي يدعك عينيه بتعب وقالت بشك:
-ليكون يا واد خو نتها عشان كده هي مش طايقاك ؟!!..
زفر ياسين بحنق وقال:
-يا أمي أنتِ عارفة اني مليش في المشي البطال ..طول عمري يمين إذا كنت مخونتش الحرباية اللي كنت متجوزها هخو ن ورد؟!
هز رأسه وأكمل:
-يمكن هي عرفت أن مشاعرها ناحيتي مكانتش حقيقية ...هي مقدرتش تحبني ...
-طيب ما في تفسير تاني ..ليه متفكرش فيه ؟!
نظر إليها بحيرة وقال:
-تفسير ايه بقا ؟!
-انا يكون معمولها عمل مثلا ؟!
ضحك ياسين وقال:
-ليكي نفس تهزري يا أمي ؟!
امسكت والدته كفه وقالت:
-والله العظيم ما بهزر يا ياسين ...أنا بتكلم بجد ...تحول مراتك الغريب ده بين يوم وليلة ملهوش الا تفسير واحد بس أن هي معملولها سحر ...
هز ياسين رأسه بيأس وقال:
-خلاص يا أمي بطلي كلامك ده !!
-كلام ايه يا موكوس ...دي حقيقة ...يا حبيبي السحر مذكور في القرآن ...لو فكرت شوية هتلاقي كلامي صح ...انت مش مؤمن بكده ولا ايه ؟!
-لا طبعا يا أمي انا مسلم الحمدلله وعارف ..بس الفكرة أن مين هيأ ذي ورد ويعملها سحر ..
-جوري ...
قالتها والدته دون تفكير ثم أكملت:
-الست دي عايزة ترجعك وانت عارف ان جوري مجنونة ممكن تعمل اي حاجة .
هز ياسين رأسه وقال :
-لا يا ست الكل هي صحيح مجنونة بس موصلتش للمرحلة المأسوف عليها دي ..
-وأنت ايه اللي عرفك يا فالح ؟!
ابتسم هو وقال:
-عشان أنا مهندس وذكي وبفهم وبقولك جوري صحيح فيها عبر الدنيا بس مستحيل تلجأ للسحر
..............
في منزل الدجال ...
-أنت مش قولت أنها هتتعب وهتمو ت ؟!
قالتها جوري وهي تجلس بجوار الدجال ...نظر إليها بخبث وقال:
-سبحانه...في البداية كنتِ بتقوليلي بلاش امو تها و....
تنهدت جوري ونظرت إليه قائلة:
-بعد تفكير عرفت أن ده الصح اصلا ...عشان ارجع لجوزي لازم هي تمو ت ....
ضحك الدجال ووضع كفه على ساقها وقال:
-قريب ...قريب اووي يا جميل ..بس التمن هيكون كبير شوية ...
نهضت جوري وهمت بخلع بلوزتها وهي تقول:
-وانا مستعدة ادفع
إلا أنه قال:
-لا أنا مش عايزك النهاردة ..ومقصدتش كده يا مزة ...قصدي الفلوس يا قمر. ..الفلوس هتزيد حبتين...
أعادت جوري ارتداء ملابسها وقالت بجمود:
-بس كده حاضر ..اعمل اللي أنا عايزة وهراضيك ...
ثم سحبت حقيبتها وغادرت
......
-أمي أنا رايح الشغل خلي بالك من ياسمين ...
قالها ياسين وهو يخرج من غرفته يكمل ارتداء ساعته الجلدية ولكن فجأة هاتفه رن ...اتجه له وامسكه ثم عبس بحيرة وهو يجد المتصل هو حماته !!
وضع دهشته جانباً ثم رد عليها وما هي إلا لحظات حتى قال:
-بتقولي ايه !!
...............
بعد قليل ...
في المشفى ...
كان ياسين يقف مع والدته وحماته بينما ياسمين تجلس على كرسي برواق المشفى وهي تشعر بالتوتر ...
جميعهم كانوا بإنتظار ورد التى ولجت لغرفة الطوارئ...
-قوليلي بس ايه اللي حصل يا حماتي ووصلها للحالة دي ؟!
سألها ياسين بتعب لتجيب هي :
-والله يا بني ما أعرف اتجادلنا شوية وفجأة وقعت ولقيتها بتنزف....أنا خايفة اووي يا ياسين ...
ربت ياسين على كتفها وقال:
-خلاص اهدي بإذن الله هتكون بخير ..
..
خرج فجأة الطبيب من الغرفة ليقترب منه ياسين وقلبه يهدر داخل صدره ...ابتسم الطبيب بلطف وقال :
-الحمدلله قدرنا نسيطر على النزيف والبيبي والام بخير بس فيه حاجات لازم نراعيها أنها ترتاح على قد ما تقدر ..وتبعدوها عن أي مصدر للتوتر والقلق ...
هز ياسين رأسه بقوة وقال:
-اقدر اشوفها يا دكتور ..
-اكيد اتفضل
......
كانت ورد متسطحة على الفراش شاخصة عينيها للأعلى ...
ولج ياسين الى الغرفة واقترب منها بينما قلبه يخفق داخل صدره ...لقد اشتاق اليها بقوة ...كم هي قا سية حبيبته !!
اقترب اكثر ثم هبط بشفتيه لكي يقبل رأسها إلا أنها أبعدت وجهها عنه وقالت:
-ابعد عني ...مش طايقة اشوف شكلك ...
تراجع بصدمة لتكمل هي :
-ليه جبتني المستشفى...أنا كنت أتمنى أن العيل ينزل وميربطنيش بيك اي حاجة !!!
....
كانتا كلا من والدة ياسين وورد واقفان أمام الغرفة وانتفضا سويا وهما يستمعان لصراخ ياسين ...ولجا بسرعة إلى الغرفة ليجدا ياسين يصرخ بورد :
-أنتِ معندكيش احساس ولا دم ...أنا مش قادر اصدق انك بالجحود ده ...أنت...
-ياسين حصل ايه ؟
قالتها والدته بصدمة ليزعق ياسين :
-الهانم كانت تتمنى أن ابني ينزل ...الهانم دي اتجننت على الآخر ..بس هي تولد ابني هاخده منها وهي تغور زي ما عايزة تغور و...
امسكت والدته ذراعه وهي تقول :
-ياسين ابني خلاص كفاية عشان خاطري...تعالى معايا ...
ثم جذبته معها للخارج بينما هو ينهت بقوة ...لا يصدق أن ورد تتصرف بتلك الطريقة ..
بعد أن خرج ياسين مع والدته اقتربت والدة ورد منها وقالت:
-انا مش مصدقة اللي بتعمليه يا ورد...صدقيني هتندمي ...
ولكن ورد لم تعطيها اي رد فعل بل ظلت شاخصة عينيها للأعلى !!!
......
-خلينا نمشي يا امي ولا وديني هدخل اقتـ لها!!
قالها ياسين بغضب بعد أن أخرجته والدته ...تنهدت والدته وهي ترى النير ان تشتعل بعينيه وقالت :
-ممكن تهدى ...
اختنق صوت ياسين وتجمعت الدموع بعينيه :
-اهدى...اهدى ازاي يا امي ...الهانم عايزة تنزل ابننا ...مش عايزة أي حاجة تربطنا مع بعض ...بتكر هني لدرجة أن عندها استعداد تقتل ابنها ...اهدى ازاي ...
ضمته والدته بقوة وقالت:
-اسمع مني دي مش ورد ...مراتك مسحو رة يا ياسين ... اسمع مني المرة دي وحاول تبدأ من الخيط ده ...
ابتعد وكاد أن يعترض إلا أن والدته أمسكت كفه وقالت::
-أنت مش هتخسر حاجة يا ياسين ..ليه متجريش ؟!يا سيدي نروح لشيخ موثوق ويقولنا ويقرا عليها شوية قرآن لعل وعسى ربنا يهديكم على بعض وورد ترجع وتنور بيتها...اسمع كلامي المرة دي يا بني ...
وعلى الرغم أن ياسين لم يكن مقتنع ابداً بما تقوله إلا أنه وافق على مضض كي لا يحزنها ..
-طيب يا ماما طيب ..
قالها مستسلماً ...
تنهدت ولاء براحة وقالت:
-الحمدلله أخيراً سمعت الكلام ..
ثم جذبته إليها وعانقته بحب
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-الوقت بيمر وحضرتك بتلعبي ولحد دلوقتي مش قادرة تجيبي الشيكات ...هو فيه ايه يا حبيبتي؟!ايه الفشل ده يا جوجو...جيبي الشيكات والا هقطع العلاج على امك !!!
كان هذا صوت شريف القاسي عبر الهاتف...
دعكت. جواهر عينيها بتعب ...هذا الرجل حقـ.ير ...أنه أحـ قر رجل رأته في حياتها كلها ...لا تصدق كم هو وضيع ....حكت جبينها بتعب وقالت:
-بلاش شغل الابتزاز ده يا شريف انت عارف أنه مبياكلش معايا خالص !!أنا ممكن اجي واخد امي من المستشفي اللي بتقول عليها دي ولا يهمني ...
ضغط شريف على كفيه وقال:
-جواهر انجزي أنا مش ناقص حر قة اعصاب ...أنا عايز أعرف أنتِ ليه لحد دلوقتي مجيبتيش الشيكات ؟!!
-يمكن عشان ملقيتهاش !!!هيكون عشان ايه مثلا ؟؛
قالتها ببرود بينما هو كاد أن يشتعل ...لا يصدق أنها بكل هذا البرود معه....
-يعني حضرتك فشـ لتي في المهمة بتاعتك وكمان بتهزري ؟!
-والله مهمتي كانت اتجوز عدي مش اسر قه يا شريف بيه وبعدين اعمل ايه ..هو خافي الشيكات بعيد عني...اعرف مكانها ازاي وبعدين لو فضلت ادور كتير ممكن. ممكن عدي يشـ ك فيا !!
ضر ب شريف المكتب أمامه وقال بغضب مكتوم:.
-ما هو لو حضرتك قدرتي تكسبي ثقته كان زمان معاكي الشيكات بس أنتِ غبـ ية معرفتيش تجريه لصفك...كان مفروض اختار واحدة اذكى من كده ...
ردت جواهر بنفس البرود وقالت:
-والله هتكون فكرة حلوة واهو تعتقني من المسرحية اللي شكلها هتتكشف قريب دي وترحمني من عتهك....
تصاعدت النيران لعينيه وقال:
-بنت احترمي نفسك ايه الإسلوب اللي بتكلميني بيه ده ...نسيتي أنا مين ولا ايه ؟
-للاسف منستش ....
قالتها ببرود قم أغلقت الهاتف بوجهه...
نظر شريف إلى الهاتف بصدمة وقال:
-مش قادر اصدقك ..هي فعلا اتجرأت وقفلت التليفون في وشي ...بنت فعلا متربتش!!!...ماشي يا جواهر ..بس اخد الشيكات منك وبعدين أنا هعلمك الادب فعلا !!!
............
طرقة خفيفة على الباب جعلتها تنتفض قليلا ...
-ادخل .
قالتها بصوت باهت لتفتح الخادمة الباب وتقول بأدب :
-عبير هانم ..عدي بيه عايزك في المكتب . .
عبست وهي تتسائل داخلها بتوتر ماذا يريد منها ؟!هل اكتشف الحقيقة؟!
لا لا هي تتمنى الا يكون هذا قد حدث والا هي انتهت تماما وقتها
.......
أمام مكتبه كانت تجهز نفسها لتلج للمكتب بينما قلبها يهدر داخل صدرها ....
طرقت برفق على الباب وعندما سمعت الاذن بصوته الاجش ولجت للداخل لتجده واقف وكأنه يستقبلها ...
-تعالي يا بيري ...
قالها بلطف لتقترب منه فيقول وهو يمد.كفه:
-خدي ..
-ايه ده ؟!
قالتها وهي تنظر للأوراق التي بيده...كان قلبها يخفق بقوة ويبدو انها عرفت ما الذي يحمله ...ابتسم عدي وهو يسحب كفها ويعطيها الشيكات ويقول :
-دي باقي الشيكات اللي كنت ماسكها على والدك ...أنا خلاص مش عايز اضيع حياتي في الإنتقا م يا عبير ...أنا مش عايز غيرك أنتِ ....
نظرت إليه بصدمة بينما احتشدت الدموع بعينيها ليقول مبتسما:
-فكرت كتير وعرفت أنك اغلى من أي انتقا م مش مهم أنتِ مين ..المهم أن قلبي حبك ومش عارف اشيلك منه ..مهما حاولت افهم.نفسي ان الحب ده ممكن يكـ سرني...ايوة أنا عارف أنك ممكن تكـ.سريني بس أنا مش هكون جبان ...هخاطر وأنا هو بمد إيدي ليكي ..
مد كفه وأكمل:
-خلينا نبدأ من جديد انسى اللي عمله والدك وتنسي اللي عملته..ننسى.الانتقا م والكر ه ونبدأ مع بعض وتفضلي ملكي طول العمر ...ها قولتي ايه يا بيري ..دي آخر مرة همد إيدي او هفهم أنك عايزة الطلاق وبرضه هديكي الشيكات وحريتك مش هجبرك على حاجة ...ها تختاري ايه؟! ...
تبتلعتف ريقها ليقول بلطف :
-طيب تحبي تأخدي وقت عشان تفكري فيه؟!
هزت رأسها بإمتنان ..ثم ذهبت من أمامه مسرعة....
.....
فتحت بابا غرفتها واول ما فعلته هو الاتصال بشريف وقالت ؛
-شريف الشيكات بتاعتك معايا ...معايا و ...
-احر قيها بسرعة ...احر قيها بسرعة يا جواهر...يالا ..
رمت الهاتف على الطاولة وأخرجت القداحة وهي ترفع الشيكات وتضع تحتهما اللهب !!!
........
كان يقف أمام مكتب صديقه والتوتر يتصاعد داخله ...ولكن كان لابد أن يفعلها....هو يجب أن يخبر عدي بكل الحقيقة ....
طرق بخفوت على الباب ثم ولج للداخل ...
كان عدي جالس على المكتب ووجهه متجهم...يظهر عليه البؤس وموسى لم يفهم لماذا وهذا جعله متردد قليلا أن يتكلم في صديقه في أمر زواجه من ليان ولكنه نفض كل تلك الأفكار من رأسه وقرر أن يتحلى بالشجاعة وقال:
-عدي ممكن اكلمك في موضوع مهم ؟!
نظر إليه عدي بحيرة وقال:
-اكيد اتفضل يا موسى ...
ابتلع موسى ريقه وقال:
-عدي أنا بحب ليان وعايز اتجوزها!!!
.♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-أسطى امير في واحد عايزة برا الورشة ...
قالها ذلك الصبي الذي يعمل مع أمير..
ترك أمير السيارة التي كان يعمل بها وخرج من ورشته ليرى من يريده...توقف برهة وهو يراه ...
-باشمهندس ياسين !!!
قالها بدهشة ...ابتسم ياسين بإيجاز وقال:
-أسطى امير أنا محتاجك ضروري ممكن تساعدني!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سولييه نصار
(سأعود من أجلك حبيبتي )
ألم أخبرك أني ملعون بحبك ...لا مفرار من حبك أينما ذهبت...سولييه نصار
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
نظر أمير إليه بحيرة وقال:
-اتفضل قول محتاجني في ايه وانا لو أقدر عيوني ليك يا باشمهندس ... ....
ابتسم ياسين وقال:
-ده العشم برضه يا أسطى أمير...أنا كنت متأكد انك هتقف جنبي...معلش الموضوع مطول ممكن نتكلم في مكان بعيد عن هنا ...
هز أمير رأسه وقال:
-اكيد...
ثم قال للفتى الذي يعمل معه:
-عبده خلي بالك من الورشة عقبال ما اجي ...
-حاضر يا أسطى ..
ثم سار أمير بجوار ياسين وقال:
-تعالى نتكلم في البيت يا باشمهندس ..
هز ياسين رأسه واتجها الى المنزل ....
............
فتح أمير باب منزله ودخل ثم دعا ياسين للدخول ...
-اتفضل اقعد هنا يا باشمهندس هتشطف واغير هدومي وأجيبلك حاجة تشربها ...
هز ياسين رأسه بهدوء تام وجلس على الأريكة وهو غارق بتفكيره ...لا يعرف هل الذي يفعله صواب ام لا...هو ابدا لا يصدق أن جوري تتبع هذا الطريق الملتوي...صحيح هي مجنو نة ...مخـ تلة وخبيـ ثة ولكنها لن تصل لهذا المستوى ابدا ...ولكن من ناحية أخرى تغير ورد معه غريب ...وبدأ جزء منه يقتنع ان شئ خارق زرع الكرا.هية في قلبها من ناحيته ..ولكن جزء اكبر غير مقتنع بالأمر بتاتا ولولا توسل والدته له لكي يتحرك لم يكن ليأتي هنا ...فهو لم يجد غير أمير ليثق به...ذلك الشاب الطيب الذي ساعده منذ عامين عندما أُصيب في حادث وهو من نقله للمشفى وتبرع بالدم أيضاً ...ومنذ ذلك اليوم وهم اصدقاء لا يلتقون كثيراً ولكن ياسين يعرف أنه إذا أراد شئ وطلبه من أمير لن يتأخر وهو كذلك لن يتأخر عنه ...
-اتفضل يا باشمهندس ...
قالها أمير منتزعا ياسين من شروده وهو يقدم له كوب العصير ...
نظر ياسين الى امير الذي بدل ثيابه ويحمل عصير الموز باللبن المفضل لديه ...ابتسم ياسين وقال:
-لسه فاكر مشروبي المفضل ...
ابتسم أمير وهو يجلس مقابله على الأريكة وقال :
-أكيد.يا باشمهندس ...
-تقدر تقولي يا ياسين ياأمير بلاش الرسميات ما بيننا مفروض أننا أصحاب يا راجل ...
ابتسم أمير وقال :
-انا عارف قد ايه بتحب لقبك وبتعتز بيه عشان كده بحب أناديك بيه ...
ضحك ياسين وهو يهز رأسه موافقاً وقال:
-عندك حق أنا بحب لقبي جداً....
ولكنه تجهم مرة آخرى وهو يفكر بعمق ...ليعبس أمير فجأة وهو يرى شروده فقال:
-فيه حاجة يا باشمهندس. ..قولي ...
تنهد ياسين وقرر أن يحكي له كل شئ...لن يخفي عنه شيئا ...بدأ يسرد ما حدث معه وكيف تغيرت حالة زوجته معه للنقيض تماماً....فبعد أن كانت تعشقه أصبحت تمقته الان وهذا حقاً يجر حه لانه بالفعل يحبها ...لا يريدها أن تبعده عنها بتلك الطريقة ....
....
بعد أن انتهى ياسين من السرد نظر أرضا لكي لا يرى أمير الإنكسا ر الذي يسيطر على ملامح وجهه وقال وهو يفرك كفيه :
-أنا يا أمير مش عارف أعمل ايه ؟!ولا عارف السبب اللي مخليها كده ؟!!أمي قالت ممكن يكون معمول ليها سحر ....أنا بصراحة مش بصدق في الكلام ده ...عشان كده عايز اخد رايك في الموضوع ده ..تفتكر ممكن يكون معمول ليها سحر فعلا ؟!أنا بصراحة مش مصدق ...بس أمي مقتنعة أن فيه حد عمل لمراتي.سحر ...وانا دلوقتي مشتت ...مش عارف اصدق ايه ...وحاسس اني تعبان ...أنا بس عايز مراتي تبقى كويسة ...عايزها ترجع بيتها ...مش عايزها تبعد عني أنا بحبها !!!
تنهد أمير وهو ينظر إليه بشفقة كان يهذي بقوة ....يشعر أنه على حافة الإنهيار فقال:
-اهدا يا باشمهندس بإذن الله هنلاقي حل ...متقلقش وهنعرف ايه السبب ...ولازم تعرف أن السحر مذكور في القرآن وان فيه ناس معندهاش دين بتلجأ للطريق ده والحل بيكون بالدعاء لربنا وتحصين نفسك بالقرآن ..عموما أنا أعرف حد ممكن يساعدك...ولو حابب نروح دلوقتي أنا وأنت سوا معنديش اي مانع ...
لم يكن ياسين يريد الدخول في تلك المتاهات ولكنه بدا الحل الوحيد !!!
هز ياسين رأسه.بالإيجاب لينهض أمير وهو يمسك هاتفه المحمول ويقول :
-هتصل بيه دلوقتي ونشوف يا باشمهندس ...
ثم أتصل بالرجل المطلوب ...وما هي لا بضعة دقائق الا وكان ياسين وأمير يسيران سوياً خارج المنزل متجهان إلى منزل هذا الرجل
.............
وصلا إلى المنزل البسيط نسبيا والذي كان قريب نوعا ما من بيت أمير ...
رن أمير جرس المنزل ليخرج لهما شاب يافع في الخامس عشر من عمره ...ابتسم الشاب وقال:
-ازيك يا أسطي أمير وحشتني...
-وأنت كمان يا عمرو ازيك ...
-الحمدلله يا أسطى ...
وما كاد أمير يسأله عن شقيقه حتى خرج شاب في أواخر العشرينات تقريبا ....وسيم الشكل ...عينيه عسلية ووجهه مزين بلحية سوداء خفيفة بشوش الوجه ...مبتسم دائما ...
-شيخ أمجد ..
قالها أمير وهو يصافحه ..ابتسم امجد وقال:
-عاش من شافك يا أمير ..اخبارك يا راجل وحشتني ...
ثم صافح.ياسين أيضا وقال:
-اتفضلوا على أوضة الجلوس وانا دقيقتين وهلحقكم بإذن الله ...
ثم وجه كلامه لشقيقه :
-عمرو دخلهم اوضة الجلوس وقول للجماعة يعملوا ليهم حاجة يشربوها بسرعة يالا ...
هز عمرو رأسه وقال:
-حاضر ...
ثم وجههم لغرفة الضيوف ....
تطلع ياسين الى الغرفة ذات التصميم البسيط بإعجاب ...كان المنزل بسيط صحيح ولكنه دافئ ...تشعر فيه بالسكون...جلس ياسين على الاريكة وانتظر هو وأمير بصبر خروج الشيخ أمجد ...نظر ياسين الى امير وقال:
-متأكد أنه هيقدر يساعدني يا أمير ...
هز أمير رأسه وقال:
-اكيد يا باشمهندس ... الشيخ أمجد بإذن الله هيحل مشكلتك ...
-اتمنى كده ..
قالها ياسين ولكن داخلها لم يكن مقتنعاً أيضا ...أنه يجد ان الأمر يصعب تصديقه ...جوري لا تفعل هذا ...هي ليست من هذا النوع ....
قاطع أفكاره دخول الشيخ أمجد مرتدياً قميصاً أزرق وبنطال جينز وبيده مسبحة إلكترونية ...
نظر إليه ياسين بغرابة ثم أمال على أمير وقال:.
-متأكد أن ده شيخ يا عم الحاج ..ولا أنت جايبني عند دكتور نفسي ...ده مش شكل شيخ ...اومال فين الجلابية والسبحة الطويلة ...
-أسكت يا باشمهندس الله يكرمك ....
صمت ياسين كما أخبره ليجلس امجد على الأريكة مقابلهم ويقول بوجه بشوش لياسين :
-اتفضل يا أستاذ ياسين كنت حابب تسأل عن ايه ؟!
-معلش يا شيخ بس عشان نعمر مع بعض يفضل تقولي يا باشمهندس ..معلش اللقب بتاعي مهم جداً بالنسبالي ...
ضحك امجد وقال:
-سامحني يا باشمهندس ..طبعا عارف أننا كمهندسين متمسكين باللقب اووي ...
توسعت عيني ياسين ليتمتم أمير له :
-الشيخ أمجد يبقى مهندس برضه يا باشمهندس
كان ياسين حقاً مندهش ولكنه لم يعقب وصمت قليلا بينما أردف امجد :
-ها يا باشمهندس ممكن تقولي ايه المشكلة اللي عندك؟!
تنهد ياسين وبدأ بقص له ما حدث بينه وبين زوجته ....
بعد أن انتهى ياسين من الكلام نظر إلي الشيخ أمجد ليرى رد فعله ...كان الشيخ ملامحه منغلقة لا توضح أي شئ بينما كان ياسين يفرك كفه وهو ينتظر اي رد فعل منه ...فالقلق أصبح يملأ قلبه ...
-ها يا شيخ أمجد ايه رايك في الكلام ده تفتكر أن ده سحر ؟!
تدخل أمير ليقول أمجد :
-بصراحة الموضوع واضح جداً أنه سحر بس حابب اسألك شوية اسئلة كده هل انت بتعاني من نفس النفور اللي بتعاني منه زوجة حضرتك ؟!
هز رأسه وقال:
-لا أبداً ..
-طيب بتحس ان أحياناً بتحصل مشاكل من مفيش ...
هز ياسين رأسه وقال:
-ايوة يا شيخ ..يعني صحيت من النوم فجأة مش طايقاني ومهما احاول اعرف ايه اللي مزعلها مني مترضاش تتكلم وكانت بتتعصب عليا ...حصلت منها حاجات كتير اووي ...مكنتش مصدق ان دي مراتي ...
-طيب أنا هقرأ عليك وأشوف عندك حاجة ولا لا ...
قرب يا باشمهندس ...
اقترب ياسين من أمجد وجلس بجواره ...وضع أمجد كفه على رأس ياسين وأغمض عينيه ثم بدأ يقرأ القرآن ....
بعد دقائق عديدة أنتهى من قراءة القرآن ثم قام بتحصينه ثم فتح عينيه وقال:
-الحمدلله أنت سليم مفيش حاجة فيك ...بس محتاج كمان اشوف المدام بتاعة حضرتك ....
-هي سايبة البيت حاليا يا شيخ مينفعش تعرف من غير ما تشوفها ...
ابتسم أمجد وقال :
-أنا بعالج بس بالقرآن يا باشمهندس ومقدرش اعرف ان كان فيها حاجة الا لما اشوف ...حاول ترجعها بيتك ...المهم تكون في بيتك عشان اعرف اذا كان البيت فيه مشكلة ولا لا واللي فيه الخير يقدمه ربنا ...
نهض ياسين وقال:
-شكرا أووي يا شيخ ..
-العفو يا باشهمندس ...
تردد ياسين قليلاً ثم قال :
-طيب يا شيخ انت اتعابك كام ..يعني عايز كام ....
-اتعابي انك تدعيلي دايما بصلاح الحال يا باشمهندس....أمير هيديكي نمرتي وابقى كلمني لما تجيب زوجة حضرتك للبيت ونحدد موعد نتقابل فيه ...
-حاضر يا شيخ ...
قالها ياسين ..ثم نهض أمير وهو يقول :
-السلام عليكم يا شيخ أمجد ..
-وعليكم السلام يا حبيبي ربنا يحفظكم ...
ثم أوصلهما لباب المنزل .....
.....
-ها دلوقتي صدقت ولا لسه ؟!
قالها أمير وهو ينظر إليه فتنهد ياسين وقال:
-مش هصدق الا لما مراتي ترجع زي الأول واحسن يا أمير ...الموضوع ده خانقني .
وضع أمير كفه على كتفه وقال :
-متخافش يا باشمهندس كل حاجة هتكون بخير بإذن الله ...الشيخ أمجد انسان تقي وهيعرف يحل مشكلتك بأمر الله ...متقلقش ده مضمون ...
هز ياسين رأسه ثم قال فجأة:
-صحيح يا أمير هو ليه مبياخدش فلوس على الحاجة دي ..ده ممكن يحسن مستواه شوية ..
-هو بيعمل الحاجة دي لله وعمره ما بيطلب حاجة ...حتى والده الشيخ منصور...كان شيخ كبير في الحارة دي وكان بيعالج بالقرآن ومكانش بياخد ولا مليم وبعدين الشيخ مش محتاج هو شغال مهندس في شركة مصر للطيران يعني اللهم بارك حالته مرتاحة ...
عبس ياسين وقال:
-يعني مستواه ماديا كويس ...طيب مفكرش ينقل لمكان أحسن من ده شوية...
عض ياسين لسانه بغيظ بسبب اندافاعه الغريب في الكلام إلا أن يبدو أن أمير لم يغضب منه بل ابتسم بلطف وقال:
-هو متعلق بالبيت ده ..ومتعلق بالحارة دي أووي فتلاقي أنه صعب يسيب بيته وحارته ويروح.بعيد ...هو مرتاح هنا ...
ابتسم ياسين وقال:
-فهمتك ...
-مبسوط انك فهمت ...المهم دلوقتي اعمل اللي قالك عليه وربنا يقدملكم الخير يارب ..
-يارب
............
ودع ياسين أمير ثم استقل سيارته وانطلق بها وشعور بالإرتياح يتسلل إليه ...يشعر أنه أخيراً سوف تنحل جميع مشاكله ...صحيح لا يصدق الأمر بعد ولكنه شعر بالإرتياح عندما رأى هذا الشاب ...فوجهه يوحي أنه رجل صالح ...وجه بشوش ...لا يعرف تقريباً العبوس ...مبتسم بلطف ..كلامه يريح.القلب ...يتمنى من كل قلبه ان يستطيع حل المشكلة ...بتردد أخرج هاتفه من جيبه ...لقد عرف أن ورد خرجت من المشفى ...لقد خرجت وهو لم يفكر من الأساس أن يذهب إليها ..أو يطمئن عليها ...فبعد ما قالته بالمشفى جعله يشعر بالنفور منها ...لقد جرحت مشاعره حقاً ....تنهد وهو يفكر أن يتنازل تلك المرة من أجل إنجاح حياتهما سوياً ...هو غير مستعد أبدا على التخلى عنها ...لا يستطيع!!!
اتصل بهاتفها وهو يضع الهاتف على أذنه بينما قلبه يرتعش بقوة ....
......
في منزل ورد ...
نظرت ورد إلى هاتفها ثم تأففت ...هي لا تريد أن تتكلم معه الآن ... لماذا يتمسك بها وهي لا تطيقه لتلك الدرجة ؟!
دعكت عينيها بتعب عندما أتت والدتها وقالت:
-تليفونك بيرن يا ورد ...
-ايوة سامعاه ...اعمله ايه يعني ؟!
نظرت إليها بصدمة ثم رأت هاتفها لتجد أن المتصل هو ياسين :
-ده ياسين يا بنتي ردي عليه !!
زفرت هي بضيق وقالت:
-معلش يا ماما مش عايزة ارد عليه ...ممكن تردي عليه أنتِ وتقوليله اني نايمة ...عشان خاطري مليش مزاج أكلمه ...
نظرت إليها والدتها بعجز ولم تستطع أن تجادلها فالطبيب حذرها من ان يجهدها أحد ...
امسكت الهاتف وردت عليه ...
.....
ما أن انفتح الخط حتى قال دون أي مقدمات:
-ورد اجهزي يالا هعدي عليكي عشان نروح بيتنا ...
حل صمت مرتبك من الجانب الآخر فعبس وقال بصوت جاد :
-ورد أنتِ سامعاني ؟!!
-أنا مش ورد يا بني ...
كان هذا صوت حماته المرتبك ...وأكملت بنبرة أكثر ارتباكاً :
-ورد نايمة يا بني ...
ابتسم بسخرية وقال:
-انا عارف انها صاحية ومش عايزة تكلمني يا حماتي ...بس عموما قوليلها تجهز عشان هترجع معايا النهاردة على البيت ...ياريت يا حماتي تبلغيها بكده ..
-أمرك يا بني ...
قالتها المرأة بلطف ثم أغلقت الهاتف ...
أسرع ياسين من قيادته وقال:
-بس اشوف مشكلتك ايه يا ورد وأحلها وانا والله هرنك علقة كل يوم على اللي بتعمليه ده ...ماشي اصبري ....
......
-رجوع ايه انا مش راجعة!!!
صرخت ورد بوجه والدتها بإهتياج وهي لا تصدق غروره ...كيف ظن أنها ستعود معه؟!!!!ها وصل غروره لهذة الدرجة ؟!
-يا بنتي بس اسمعيني !
قالتها والدتها بتعب لترد ورد بعناد :
-لا قولت مش هرجع ويوريني هيجبرني أروح معاه ازاي !!
ثم جلست على فراشها وقالت:
-وانا اهو مستنياه اللي عامل نفسه فاندام ...
هزت والدتها رأسها بيأس وقالت:
-ربنا يهديكي يا بنتي عشان شكلك هتجننيني معاكي !!!
............
بعد قليل دق جرس المنزل ...
-ياسين جه ..
قالتها والدتها بقلق لتهز ورد رأسها وتقول :
-اهلا بيه ...اعمل ايه يعني ؟!
ثم أكملت العبث بهاتفها ...
-ربنا يستر يارب ..
قالتها والدتها بنبرة مرتعشة ثم ذهبت نحو الباب وفتحته لتجد أمامها ياسين مبتسم بلطف وقال:
-ازيك يا حماتي ..
-ازيك يا بني اتفضل ..
قالتها بإرتباك فنظر إليها بإشفاق ...فهي مجرد أم تريد أن تطمئن على ابنتها مع زوج جيد وأسرة دافئة ولكن ورد تتصرف وكأنها فقدت صوابها !!!
ابتعدت هي قليلا لكي تسمح.له بالمرور وقالت بصوت خافت :
-ورد جوا في اوضتها يا بني ...
هز رأسه ثم اتجه لغرفة ورد وهو مستعد للغاية...سوف تعود معه اليوم ... برضاها أو رغماً عنها!!!
....
شهقت ورد بقوة عندما اندفع ياسين إلى غرفتها وقال بصوت قوي:
-انا مش قولتلك تجهزي؟!
نهضت من فراشها بقوة وصرخت:
-أنت ازاي تدخل اوضتي بالطريقة دي ؟!هي زريبة يا بيه ..
-باشمهندس لو سمحتي ...
قالها ببرود ولكن عينيه كانت ابعد عن البرود تماماً فنظراته الحارة مرت عليها في تقييم سريع...كانت ترتدي قميص قطني قصير بلا أكمام وسروال قصير لا يكاد يصل إلى ركبتيها ...توقفت نظراته على ساقيها كالعادة ووقف لعده لحظات يتأملها ...
-أنت بتبص على ايه يا بني آدم أنت !!!
صرخت بها وهي تجذب إسدال والدتها الكحلي الذي كان ملقي على المقعد بجانبها وارتدته...ثم أكملت :
-أنت فعلا إنسان مش متربي ..وبصاص ...
ثم خرجت من الغرفة بأكملها غاضبة ...
فقال بحيرة:
-وفيها أيه لما أبص على مراتي ؟!مش فاهم يعني !!!
ثم خرج من الغرفة وقال لورد الغاضبة :
-يالا عشان نمشي !!!هترجعي معايا يا ورد وده قرار نهائي ....يالا !!!
هزت رأسها وقالت:
-قولتلك قبل كده خلاص علاقتنا انتهت. .. طلقني يا ياسين ...
شهقت والدتها وهي تضرب على صدرها وقالت:
-الشر برا وبعيد يا بت متقوليش كده ...
ثم نظرت إلى ياسين وقالت:
-اعذرها يا بني ..بنتي عبيطة مش عارفة مصلحتها ...سامحها على هبلها يا ياسين ...هي هتروح معاك
-أمي أنا مش مجنونة !!!
صرخت ورد بإهتياج لترد والدتها وتقول:
-لا أنتِ مجنونة وعبيطة كمان روحي مع جوزك يالا ...
-يالا يا ورد البسي عشان نروح !!ياسمين مستنيانا في بيت ماما !!
-مش راجعة ...مش راجعة معاك يا ياسين أنا حرة ..خلاص مبقتش عاوزاك ...
صرخت ورد في وجهه لينفخ هو ويقول بضيق:
-يا مصبر الوحش على الجحش يارب ...يارب صبرني بدل ما أجيب طقم سنانها الأرض ...
نظرت والدة ورد إليهما بتوتر وقالت:
-يا بنتي روحي مع جوزك بلاش غلبة ...
-لا يا أمي مش هروح وخليه يمشي وجوده بيجيبلي ضيق تنفس ...
ضغط على كفه وهو يحارب الرغبة في لكمها...لن يكون جيد أن يحـ طم فك زوجته ....
-يالا يا ورد ربنا يهديكي هنروح البيت ...
-لا مش هروح ومش هتجبرني على حاجة يا أستاذ ياسين ...
-باشمهندس ياسين لو سمحتي ...
ثم اقترب منها وحملها بين ذراعيه ...
-ياسين ...
صرخت وهي تضربه على صدره إلا أنه قال وهو يتجه بها لباب المنزل قائلاً:
- لو كنتِ عنيدة فأنا أعند منك ....
ثم وجه كلامه لحماته:
هاجي اخد حاجاتها بعدين ....
-حاضر يا بني ...
قالتها حماته ثم أسرعت إلى الباب وفتحته وسط جدال ورد مع ياسين ...
خرج ياسين من المنزل ليجد جارة حماته الفضولية تخرج ...تلك المرأة التي يبغضها كثيرا رغم أنه رأها مرتين فقط ولكن في تلك المرتين سألته حتى عن نوع سرواله !!
-ايه ده يا ياسين يا بني ؟!خلاص رجعت مراتك؟!
قالتها السيدة بفضول ..
-خلى مناخيرك في وشك يا حاجة !
قالها بإقتضاب ثم استمر في سيره غير عابئ بها أو بورد التي تضربه على صدره
....
بينما يقود السيارة كان يصفر وهو يشعر بالإنتصار بينما وجهها كان أحمر من شدة الغضب...الغبي اخذها من المنزل وهي ترتدي اسداا والدتها !! ...نظرت إليه وجل ما أرادت فعله الآن ان تضربه...كيف يمكنه أن يكون مزاجه رائق بينما هي غاضبة ....
نفخت بضيق وقالت:
-ممكن تبطل تصفير صوتك وحش أووي ...
هز كتفه وقال:
-حاصر هغني بدل.ما أصفر
وبالفعل بدأ الغناء بصوته النشاز ...
انت لو كنت بتهتم
انت لو كان عندك دم
انت لو بتحس ياعم
هتعرف ايه اللى مزعلنى
م انت لو كنت بتهتم
وماليه عنيك كنت هتتلم
ده انت لو كنت بتفهم
متزعلنييش وتدلعنى
مخصماك
وابعد عنى انا مش طيقاك
سيبنى مش عايزه ابقا معاك
متورينيش وشك تانى
كان يغني وهو ينحني إليها فدفعته وقالت:
-ازاي حد بتفاهتك.يدخل كلية هندسة ...ازاي ...
رفع كفه له وقال:
-خمسة ..الله أكبر ...
ثم ضحك تاركاـ اياها تشتعل من الغيظ!؟
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡.
عبس عدي للحظات وشعر أنه سمع بشكل خاطئ .. بالتأكيد هو سمع بشكل خاطئ. ..هذا لا يمكن أن يحدث ولكن بالنظر لملامح وجه موسى المتوترة عرف عدي أنه سمع بشكل صحيح فقال بصدمة:
-بتقول ايه يا موسى ؟!
ثم نهض وملامح وجهه تعصف بالغضب ...ولكن موسى لم يتراجع بل قال بنبرة هادئة رغم الضجيج داخله':
-قولتلك أنا بحب ليان ...بحبها وعايز اتجوزها يا عدي !!!
-أنت اكيد مجنون ... مجنون...انت ازاي تفكر في كده ازاي ؟؟!!دي اختي ...اختي انت سامع !!!..
ابتلع موسى ريقه وانحفر التوتر على وجهه وقال:
-بحبها يا عدي ...بحبها !!
-انا مش مصدق انك خنت ثقتي وحبيت اختي. مش مصدقك انك بصيت لها في يوم من الايام ..كان مفروض تعتبرها اختك وتحميها مش تحبها؟! وبعدين ليان مستحيل تقبل ولا أنا كمان ...
-ليان بتحبني ...
قالها موسى بقوة ليصرخ عدي وهو يضرب الطاولة بقوة :
-أخري ...اخرس ...بطل كدب ..ليان مبتحبكش !!!
-تقدر تسألها يا عدي ...ليان بتحبني وانا بحبها ...وكمان موافقة على الجواز
-أنت ...إنت بتقول ايه ؟!
ردد عدي بذهول ليقول موسى بقوة :
-ليان بتحبني يا عدي ...هي قالتلي انها بتحبني زي ما أنا بحبها !!!
-أنتوا ارتبطوا؟!
قالها بصوت مخيف...بينما النيران تندلع من عينيه...أراد موسى أن يكذب ولكن نظرات عدي كانت تلاحقه ...هو لن يستطيع أن يكذب عليها بعد الآن...
-انطق يا موسى انتوا ارتبطوا...اتكلم ومتجننيش ...قول أن ده محصلش ...قول أني مكنتش غلطان لما حطيت ثقتي فيك !!!
أطرق موسى برأسه وقال:
-حاولت اقتل الحب اللي جوايا ليها ...حاولت ابعد أو أنكر الموضوع ...صدقني يا عدي حاولت كتير أبعد...حاولت مخونكش بس مقدرتش ...مقدرتش يا عدي ...أنا حبيتها ...حبيتها اكتر من حياتي...حبيتها اكتر من اي حاجة في الدنيا دي كلها ...أنا عايزها يا عدي ...عايز اتجوزها!!
ضم عدي كفيه بقوة ليكمل موسى برجاء :
-شوف أنا عارف ان الماضي بتاعي مش مشرف ...عارف ومتأكد من كده يا عدي ...وطبعا ليك حق تخاف على اختك وانا مش بلومك...بس أنت صاحبي ...صاحبي وعارف أنا بحب ازاي ...وعارف اني مستحيل ازيف مشاعري....مشاعري ناحية أختك حقيقية وقوية ...أنا مش ههرب من الحقيقة ...كفاية هروب ...أنا بطلبها منك في الحلال ...
اقترب عدي من موسى....عينيه تندلع منها النيران ...وفكه يهتز بإنفعال ...كان في حالة غريبة ..ولثواني خاف موسى أن يقتله ...فهو بدا مختلف تماماً عن ذلك الصديق الذي ساعده دوما !!!
-مردتش على سؤالي يا موسى انتوا ارتبطوا!!!
كرر مجدداً ...نبرته باردة ولكن عينيه كانت رهيبة ...الغضب الذي يسكن في عينيه اخاف موسى حقاً ...
-ايوة يا عدي ..ارتبطنا بس والله ...آه...
صرخ بقوة وهو يتلقى لكمة قوية من عدي
-أختي يا موسى ...اختي !!!
صرخ عدي وهو يلكـ م موسى بقوة...أرجع موسى كفيه خلف ظهره وشبكهما ببعض كي لا يتهور ويدافع عن نفسه ضد عدي ...
-ماشي مع أختي من ورايا وأنا اللي دخلتك بيتي !!!
صرخ عدي مرة آخرى وهو يلكـ مه بقوة أكبر ...تراجع موسى للخلف من قوة الضر بة ولكنه ما زال محافظ على تشابك كفيه ...
-أنا عايز أتجوزها يا عدي ...أنا بحبها !!!
قالها موسى وهو ينظر إليه الد ماء تسيل من أنفه فلا يهتم بها ...
أقترب عدي وامسكه من قميصه وصرخ:
-أخرس ..اخرس ...انت ازاي تفكر اني هجوزك أختي ازاي !!! اختي لو اتجوزتك هتمو ت يا قيصر ...ايه نسيت نفسك؟! ....
أغمض موسى عينيه بتعب ثم فتحهما مرة آخرى وقال:
-أنا هحميها...أوعدك هحميها بس متبعدهاش عني أنا مليش غيرها ...
دفعه عدي وقال ببرود:
-كنت عرفت تحمى الأولى يا موسى ...أنت فشلت ومحميتش مراتك أم ابنك وما تت هي وابنك بسببك ...وأختي مش هخليها تواجه نفس المصير .. اطلع برا بيتي من النهاردة مش هخليك حتى تشوف ليان...وأنا قريب هجوزها للي يستحقها ...برا يا موسى !!! ...
-عدي متعملش كده ...مدمرش احلامنا ...أنا هحمي اختك ...أنا عارف انك خايف عليها ...عارف ان حياتي اللي فاتت مكانتش مشرفة بس انت اكتر واحد عارف قد ايه انا اتعذبت ...وعارف اني حاولت احمي مراتي منهم ومقدرتش وعشت سنين شايل الذنب ده ...فمش عدل انك كل شوية تفكرني بيه يا عدي ...
لم يتراجع عدي ....صحيح موسى كان صديقه ولكن ليان اهم من اي شخص آخر ...هي عائلته ...من دمه ...اخر ما تبقى له ...هو ليس لديه احد سواها ولا يمكن أن يجازف بحياتها ...
-أنت لو مكنتش بتثق فيا يا عدي مكنتش خلتني ابقى البودي جارد بتاعها ...عدي متبعدش ليان عني وانا أوعدك اني هعمل المستحيل عشان أسعدها ...وهعمل اللي هي عايزاه ...عشان خاطري يا عدي ...لو في يوم صداقتنا كان ليها معنى عندك وافق ...
دفعه عدي وقال بقوة :
-صداقتنا انتهت من النهاردة يا موسى ...أنت خاين ..خنتني في بيتي ...ارتبطت بأختي من ورايا ومحترمتنيش وكدبت عليا ...كل الحاجات دي يا موسى بتخليني اقولك. صداقتك دي واطلع من هنا أنا مش عايز اشوف وشك تاني هنا أبداً...قدامك عشر دقايق عشان تحضر شنطتك وهخلي الآم يوصلوك لحد بوابة القصر وطبعا هديك مكافأة آخر الخدمة ...أنت برضه أنقذت اختي كتير وانا مش واطي عشان أنسى اللي عملته !
نظر موسى إلى صديقه بصدمة ...لا يصدق أن عدي يفعل هذا ...عدي يطرده.من منزله!!!لابد أن هذا حلم سئ ...كابوس ربما ... شعر موسى العالم يضيق به ...أكثر ما كان يخشاه أن يبعده أحد عن ليان ...فهو لن يستطيع أن يبتعد عنها أبداً...ولكن ماذا ظن ؟!هل ظن أن عدي سوف يوافق عليه ...هذا مستحيل ...هذا حلم بعيد المنال!!!
-يالا يا موسى امشي من هنا ...ايه مسمعتنيش ؟!
قالها عدي بصوت بارد بينما يصوب نظراته النارية إليه ...ابتلع موسى ريقه وهو عاجز تماماً عن اتخاذ أي رد فعل... لذلك انسحب بسرعة من الغرفة ...وما أن ذهب موسى حتى جلس عدي على المقعد بينما يشعر الدموع توخز عينيها كان قلبه يعتصر من الألم ؛
-حتى انت يا موسى ...حتى انت...الكل خدعني وأنت معاهم ...يا خسارة فعلا !!
.....
وقفت ليان امام الغرفة بتردد. ..لا تعرف ماذا فعل موسى وماذا قال...ترى هل وافق ام غضب واعتبر أنهم خدعوه ...تتمنى الا يكون شقيقها قد فعل شئ من شأنه يدمر سعادتها ...
طرقت الباب بلطف لتسمع بعد برهة صوت موسى وهو يقول :
-أدخل..
دخلت بإشتياق لتراه ولكنها تجمدت فجأة وهي تجده يضع اشياؤه في الحقيبة ...رمشت عدة مرات وهي لا تفهم ماذا حدث ولكن موسى كان مشغول ولا يبدو أنه سيجيب على اي سؤال الآن أغلقت الباب وولجت للغرفة وهي تقول :
-ايه اللي بيحصل يا موسى ...بتلم هدومك ليه ؟!ايه اللي حصل ؟....
كانت تتكلم بسرعة ...الخوف يعصف بها.....لا يمكن أن يفعل شقيقها هذا ...لا يمكن أن يدمر سعادتها....اقتربت هي أكثر من موسى وأمسكت وجهه بين كفيها وهي تقول بينما الدموع تطرف من عينيها:
-موسى ابوس ايديك قولي ايه اللي حصل ...ليه بتلم هدومك ؟!انت قولت رايح تطلبني من اخويا فأيه اللي حصل !!
أمسك كفيها وابعدهما عن وجهه ثم قبلهما بالتتابع ...كان يغمض عينيه وهو يقبل كفيها بعاطفة شديدة ...سوف يبتعد عنها وهذا الشعور قاسي ...انه يشعر وكأن قلبه سوف يخرج من صدره...يشعر بالإختناق ...الموت !!!مشاعر سلبية للغاية تعصف به ...تمنى ان يتفهمه عدي ...ان يثق به ..ويعرف كم هو يحب ليان حتى اكثر من حياته ولكن رد فعل عدي كان قاسي وهو لن يلومه فهو أخطأ أيضا بحقه ...
كان يودعها ..انها تشعر بهذا وبينما يقبلها بتلك الرقة كانت الدموع تطرف من عينيها بقوة فاندفعت بين ذراعيه وعانقته بقوة وهي تبكي بصوت مرتفع ...تبكي وهي تتمسك به وتقول :
-متسبنيش يا موسى ...ابوس إيديك متسبنيش أنا ممكن أموت فيها ...
احتشدت الدموع بعينيها وهو يشدد من احتضانها ...انها حياته فكيف يتركها ...سوف يموت في اليوم مائة مرة بدونها ...حبيبته الصغيرة من ادخلت الحياة لقلبه المظلم...
ابتعد عنها وهو يحاصر وجهه ..دموعه تكسر حاجز تماسكه وتنساب على وجنته القاسية ويقول :
-بتثقي فيا يا ليان ؟!
هزت ليان رأسها بقوة وقالت بصوت مختنق :
-اكتر مما تتخيل ...بثق فيك جدا ...
ابتسم بحب وقال :
-يبقى خليكي واثقة اني هرجع قريب وهتجوزك ومفيش حد هيقدر يفرق بيننا ...ده وعدي ليكي ...
-متمشيش يا موسى ...خليك هنا ونفذ وعدك ...قلبي واجعني اووي وانا شايفاك سايب وماشى ...أنا هكلم اخويا متقلقش...اخويا مش هيستحمل يشوفني زعلانة ...اكيد هيرجعك لما يشوف قد ايه انا بحبك وانت بتحبني ...بس متمشيش يا موسى ...عشان خاطري متمشيش !!
تنهد موسى وهو ينظر إليها ثم قبل رأسها وقال بأسف :
:ياريت اقدر يا ليان ..بس مقدرش...مقدرش ابقى وعدي مش عاوزني ...ليان أنا هرجع وهقنع اخوكي متصعبيش الموضوع عليا ....
كادت أن تقاطعه ولكن طرقة خافتة على الباب اوقفتها ...اقترب موسى من الباب وفتحه قليلا وهو ينظر إلى أحد أفراد الأمن المنتشرين على بوابة القصر وقال:
-أستاذ موسى يالا عدي بيه قالي اوصلك لحد بوابة القصر وادالك دوول ...ثم مده بظرف د به مال ...
-ثواني وهحصلك حاضر ..
قالها موسى مبتسما فهز الرجل رأسه وغادر بينما اقترب موسى من ليان وجذبها ليقبلها بقوة على رأسها ودموعه تنساب من عينيه بالتوازي مع دموعها وقال بصوت أجش:
-هتوحشيني يا ليان...هتوحشيني اووي ....
نشيج حار هرب من بين شفتيها ...أرادت التمسك به وإن تتوسل إليه ألا يتركها ولكنها عجزت عن هذا .....
ابتعد موسى عنها ومسح دموعها ثم أسند الظرف الملئ بالمال على منضدة الزينة الخاصة به وغادر الغرفة ...جلست ليان على الأرض وهي تبكي بعنف ...تشعر وكأن أحدهما اقتلع قلبها من صدرها والشعور كان قاسي ...قاسي للغاية !!!
.....
بعد قليل ...كانت تنزل الدرج بغضب ...بسببه خسرت من تحب ...ولجت الى مكتب شقيقها من دون إذن ...نظر إليه عدي بدون اهتمام وقال :
-عايزة ايه يا ليان ؟!
-انا اللي عايزة اعرف انت عايز ايه مني ؟!ليه الإنسان اللي بحبه طردته من البيت ...انت مين عشان تقرر أنا اتجوز مين أو متجوزش مين ...انت انسان متسلط وانا بكرهك وهتفضل كده دايما يا عدي لوحدك مش معاك حد ....انبسط بعزلتك وأبعد كل الناس عند وبعدين عيش حياتك وحيد من غير ما يكون جمبك أي حد ..وانت اللي هتندم في الآخر
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-لا !!!
صرخت بقوة وهى تلقي القداحة بعيداً ...وقعت على الأرض وهي تمسك الشيكات بقوة ...لا تستطيع أن تفعل هذا ...تلك ستكون خيانة كبيرة له ستشمئز من نفسها إن فعلت هذا ....
-يارب اعمل ايه يارب ...اعمل ايه ؟؟!أنا عايزة ارجع لحياتي ...عايزة ابطل كدب ...ساعدني يارب ...ساعدني ..أنا مقدرش اعمل في عدي كده ..هو اداني ثقته مقدرش اخونها بالشكل ده ...اعمل ايه عشان اريح ضميري من ناحيته ...اعمل ايه .....
نهضت وهي تمسح دموعها بقوة ....هي لن تخونه مرة آخرى ...لن تكسره أكثر من هذا ..ستخبره الحقيقة ..حتى لو طردها ...حتى لو سجنها ...لن تتراجع الآن ...ستحذره من شريف ...وستطلب منه الغفران .....
اغلقت هاتفها نهائيا ثم مسحت دموعها وخرجت من الغرفة متجهة الى مكتب عدي وفي خلال اقترابها من المكتب سمعت صراخ ليان به ...أغمضت عينيها بتعب يبدو أن الوقت غير مناسب أبداً لإخباره بالحقيقة ...كادت أن تتراجع كالجبانة مثل كل مرة ولكنها صممت الآن أن تنتظر للآخر ...ستخبره الحقيقة اليوم ولن تتراجع ابدا ....هو يستحق أن يعرف حقيقتها ...يستحق أن يعيش حياة بدون كذب !!!
بعد دقيقتين ...
خرجت ليان وهي تمسح دموعها بينما الغضب يعصف بها...شعرت جواهر بالخوف ...واحست بقدميها ترتجفان بقوة لدرجة أن كل واحدة منهما تصطدم بالآخرى ....
-يخربيت الهيبة اللي عنده مخلياني خايفة زي الصرصار....
حسمت أمرها وهي تدخل للمكتب ....كان هو جالس على مكتبه...يدعك عينيه بتعب ...كان يظهر عليه البؤس...شعرت بالحزن وهي تراه بتلك الطريقة ...هو أبداً لا يستحق تلك المعاملة ...لا يستحق أن يخدع!!!
-عدي؟!
قالتها جواهر بلطف ...رفع عدي رأسه ونظر إليها بنظرات فارغة بينما الألم يعصف به...ها قد أتت الكاذبة الكبرى ...تلك التي حطمت قلبه وأحرقت روحه ...لن يسامحها أبداً ...
-أنت كويس يا عدي ...
ابتسم بسخرية مريرة وقال:
-مالي يعني شايفاني مجنون!! أنا كويس الحمدلله...
-صوت ليان كان عالي ليه ؟!حصل حاجة ؟!
-اكتشفت أنها مرتبطة بموسى ....
توسعت عيني جواهر بقوة وارتبكت ....كان عدي ينظر إليها جيداً ...ينتبه لكل حركة من حركاتها ...نظرت جواهر إلى عدي بثبات تُحسد عليه وقالت :
-وعملت ايه ؟!
مط شفتيه وقال:
-عملت ايه يعني؟!طردته من هنا ولما ليان عرفت زعلت ...
-أنت طبعا مش هتتقبل أن اختك ترتبط بالبودي جارد بتاعها ...
نهض من مكتبه واقترب منها وقال:
-لا الموضوع مش كده ...لو جه من البداية وكلمني كنت هوافق ... موسى صديق ليا مش مجرد عامل عندي...بس انا بكره الكذب والخيانة يا عبير بقرف منهم ...والإنسان اللي يخوني بطرده من حياتي من غير رجعة ..زي موسى كده ...وزي كارمن قبله ...أنا للاسف مبعرفش اسامح ...
-ليه بس ده المسامح كريم ...
قالتها والخوف داخلها يتصاعد إلا أنه ضحك وهو يلعب بشعرها وقال :
-للاسف أنا معنديش الصفة الكريمة دي ...أنا مبعرفش اسامح أبداً...أنا طيب يا عبير ...وممكن اكون ساذج شوية وبثق في الناس بسرعة بس غضبي وحش ومبعرفش اسامح أبداً...وللاسف كل اللي حواليا دلوقتي بعدوا عني ...موسى خانني وطردته واختي قالتلي في وشي أنها بتكرهني واني انسان متسلط ووحيد وعايز الكل يبقى زيي ..وتتمنى انها تمشي من هنا عشان متشوفش وشي تاني ...يعني قالتلي شوية كلام صعب بصراحة ...يظهر اني رقم اتنين في حياتها أو ممكن مكونش في حياتها أصلا !!!..يظهر اني مش مهم في حياة اي حد !!!
-أنت مهم في حياتي !
قالتها بسرعة ...بلهفة ..وبنبرة صادقة تماماً!!
نظر عدي الى عينيها ..تلك العينين السوداء التي تحمل براءة لا تصدق ....بينما شفتيها ترتجفان بإبتسامة رائعة
مد كفه ومرره على وجنتها وقال:
-بجد يا بيري ...أنا مهم في حياتك للدرجادي ولا بتقولي كده عشان اديتلك الشيكات ...
هزت رأسها بقوة وقالت:
-لا والله مهم...
ابتسم عدي ثم قبل رأسها وقال :
-وانتِ مهمة عندي اووي يا بيري ...أنا بحبك ...
اهتزت دقات قلبها وهي تنظر إليه بحب ...فقط ليظل هكذا عندما يكتشف أمرها ...عندما تخبره بكل شئ!! هل سيظل يحبها حتى ذلك الوقت !!....
انسابت الدموع من عينيها وهي ترى الحب الصافي في عينيه...هي لا تستحق هذا الحب لا تستحقه أبداً ...يجب أن تخبره الحقيقة ...صوف تكون ملعونة لو تراجعت اليوم !!
ابتعدت قليلا ثم أخرجت من جيبها شئ ما وأعطته لعدي ....نظر عدي الى الشبكات وهو يصطنع الحيرة وقال:
-ايه ده يا بيري ؟!
-دي الشيكات اللي كنت ماسكها على شريف ..خدها يا عدي أنا مش محتاجاها ....
نظر إليه بجمود وقال:
-ليه؟!دي شيكات والدك...ده اللي كنتِ مستنياه يا بيري .. ازاي عايزة تتخلي عنه ...فيه حاجة حصلت ...؟!
-انا فيه حاجة عايزة اعترفلك بيها !!
قالتها جواهر وهي تفرك كفيها بتوتر ليرد هو :
-ها قولي اعترفي يالا ...
انسابت دموعها وشهقت وهي تكتم شهقاتها من بين شفتيها ..
-انا مستني !!!
قالها هو ببرود لتنظر إلى عينيه وتقررر أن
طرفت الدموع من عينيها وهي تنظر إليه ...لو استمرت هكذا سوف تبكي وان تستطيع الكلام أو أخباره الحقيقة. .حاولت تهدئة نفسها وهي تنظر إليه وتجده متحفز لشئ .....
-عايز اعرف ايه المشكلة يا بيري ...ليه مش عايزة تقبلي الشبكات ...دي حرية أبوكي ...هيزعل اووي لو عرف اني عرضتهم عليكي وأنتِ رفضتي تاخديه ...ابوكي عمل المستحيل عشان ياخد الشيكات دي ودلوقتي حايلاك على طبق من دهب ومش عايزة تاخديهم ...ممكن افهم ايه السبب لاني بدأت تجيلي افكار غريبة ...
ابتلعت ريقها ليقول بصوت مرتفع نسبياً:
انطقي يا بيري ليه مش عايزة تاخدي الشيكات. .. انطقي!!!
أجفلت وهي تتراجع للخلف ..قلبها يدوي داخل صدرها ...هو لا يعرف الآن كم يخيفها!!!...هي ترتعب منه الآن ...انطقي يا عبير فيه ايه ؟!!
-انا مش عبير !!!
صرخت بها فجأة ...ثم.كتمت انفاسها وهي تراقب رد فعل لتنصدم بالفراغ ...لا شئ ...لا يبدو. عليه الصدمة ولا أي. شئ...ولكن هذا لم يمنعها من ان تكمل اعترافها فقالت:
-انا مبقاش عبير شريف ...أنا ابقى جواهر...جواهر رشوان ...أنا اتجوزتك مكان عبير ....
ثم بدأت تقص عليه كل ما حدث !!!
....
بعد قليل ..
-ألف ولا الفين ولا عشرة ..
قالها بصوت متجمد لتقترب منه وتمسك كفه وهي تبكي بعنـ ف :
-عدي ارجوك اسمعني .
ولكنه شد كفه ومرره على وجنتها وقال:
-قوليلي يا جواهر شريف بيه اداكي كام عشان تخد عيني ؟!أكيد المبلغ كبير شامل طبعا أجرة انك تبقي عشيقته !!!
بهتت جواهر بقوة وقالت:
-حرام عليك بتقول ايه ؟! ...
ابتسم ببرود ...عينيه كانت فارغة ..لم يكن هناك أي مشاعر بها وهي اختنقت ...اختنقت بقوة وهي تبحث عن حبه المزعوم لها ولا تجده
-قوليلي دفعلك كام عشان تبقي عشيقته مستعد ادفعلك الضعف وتبسطيني شوية ...
تراجعت للخلف وهى تتلقى الطعنة بقلبها إلا أنه نظر إليه بإشمئزاز وقال:
-بس بصراحة انتِ أرخص من أن ادفعلك حتى ربع جنيه....أر خص من اني اضيع معاكي وقتي اصلا فيالا يا حلوة اطلعي برا وقولي لعشيقك ان أبواب جهنـ م اتفتحت في وشه ..يالا ...
-عدي ابوس ايديك اسمعني بس هو هد د....
-بقولك يالا ...
صرخ بقوة في وجهها ثم اقترب منها وهو يمسكها من ذراعها ويجذبها خلفه ....خرج من باب القصر وأخذ يجرها حتى انفتحت بوابة القصر آليا ثم دفعها للخارج وقال:
-روحي لعشيقك يا ر خيصة !!
ثم انغلقت البوابة ومن حسن حظه لم ترى تلك الدمعة التي تساقطت من عينيه ...لقد قتلته بالفعل !!
...
كانت جواهر جالسة على الأرض عينيها متوسعة بقوة والدموع تنزل تباعاً ..لقد تدمر كل شئ...لقد طردها من حياته...طردها للأبد ...شعرت ان قلبها ينسحق داخل صدرها ...أرادت البكاء ...الصراخ ...أرادت ان تصرخ بإسمه لكي يدخلها هي لن تستطيع أن تعيش بدونه ..ستموت ..انها تحبه كما لم تحب أي احد من قبل ...
-عدي ...عدي سامحني يا عدي ...
أخذت تكررها وهي تبكي بعنف ...ليتها لم تفعل هذا ...ليتها اخبرته الحقيقة من البداية ...ان ما يؤلمها اكثر من خسارته انه قد تحطم قلبه على يدها ورغم ادعاؤه البرود كان يمكنها رؤية التحطم بداخله !!!..
نهضت وهي تبكي بعنف وتستدير ذاهبة الى منزلها...لقد خسرت المعركة والآن هي في انتظار حكم الإعدام على يد من احبته بقوة ...ولكن لن تلومه أبداً...فما يفعله هو رد فعل لما فعلته هي ....
أخذت جواهر تسير في الطرقات بينما تشعر ان الأرض تميد بها وسوف تقع في أي وقت ...وبالفعل اثناء سيرها تعثرت في حجر كبير ووقعت ....أمسكت ساقها المصابة وانفجرت مرة آخرى في البكاء ...اقترب منها شاب يافع وهو يقول بخوف :
-يا آنسة ..أنتِ كويسة تحبي اوديكي المستشفي ؟!
هزت جواهر رأسها دون ان تنظر إليه وقالت:
-مش عايزة شكرا أنا كويسة ...
لم يعقب الشاب بعد ذلك واستدار ذاهباً...بينما بقت هي تكمل بكاؤها !!...أخرجت هاتفها لكي تتصل بها ...تريد ام تتكلم مع أحد والا سوف تموت ...نهضت من وسط الشارع وجلست على احدى المصاطب ...اتصلت بها ثم وضعت الهاتف على اذنها وهي تمسح الدموع التي تلطخ.وجهها ...تتمنى أن ترد عبير عليها ولا تخذلها ...حقاً قلبها لن يتحمل خذلان أكثر من هذا ...
ردت اخيراً عبير على الهاتف لتبتسم جواهر ابتسامة خفيفة وصوتها يتسرب لأذنيها ..
-جواهر ازيك ؟!
قالتها عبير بلطف ليختنق صوت جواهر وهي تقول:
-انا مش كويسة خالص ...مش كويسة خالص يا عبير !!
-جواهر ...جواهر مالك يا حبيبتي ..
قالتها عبير بصدمة وهي تسمع نبرة صديقتها بذلك اليأس ....
-عدي ..عدي عرف كل حاجة يا بيري...أنا اتدمرت !!عدي رماني في الشارع يا بيري ..مبقاش يحبني ...شايفني .دلوقتي واحدة رخيصة خدعته ...مش هيسامحني أبداً على اللي عملته يا عبير ...ده.كمان ممكن يحبسني ...عدي رشيد مستحيل يسامح اللي خدعه ...وانا من ضمن اللي خدعوه ...
كانت دموع عبير تنساب من عينيها وهي تسمع صديقتها تهذى...قلبها يؤلمها عليها ...المسكينة أحبت عدي ...أحبت المستحيل ...
-جواهر ...
قالتها عبير بنبرة مختنقة ثم أكملت :
-أنا اسفة يا جواهر اسفة اني لخبطلك.حياتك بالشكل ده ...أنا اسفة سامحيني جواهر ....
لم ترد جواهر بل زلت تبكي ...قلبها يؤلمها ...ليس بسبب الخوف على نفسها بل هي تخاف ان ينفيها عدي للأبد خارج حياته ويرفض ان تقابله...يفعل معها كنا فعل مع كارمن ...هذا التفكير يرعبها بقوة....
-عبير أعمل ايه ...أنا مش عايزة اخسره ...وهو أكيد هيبلغ عني البوليس. لو هو معملهاش أبوكي هيعملها ...أنا خايفة اووي يا عبير ..قوليلي أعمل ايه ؟!أنا تايهة...لأول مرة مش عارفة أعمل ايه !!!لأول مرة احس اني فاشلة مش عارفة أتخذ ولا ابسط قرار ...قوليلي أعمل ايه يا عبير أنا ضعت خلاص!!...
-انا هتصرف يا جواهر ...هتصرف
وكان هذا وعد من صديقتها
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
كان يجلس على مكتبه بتوتر ...منذ أن اتصلت به السيدة ماجدة بالأمس وأخبرته أنها تريده في أمر هام يخص رانيا وهو يشعر أنه مبعثر للغاية ...ترى ماذا تريد منه وما بها رانيا ؟!!
طرقة خفيفة على مكتبه أخرجته بقوة من شروده فهو أخبر العاملين بالمشفى أن يدخلوا السيدة ماجدة بسرعة ما أن تأتي ...
-اتفضل .
قالها بتوتر وهو يقف ...ولجت ماجدة للمكتب وهي تبتسم ابتسامة ودودة ليحيى ...لا تعرف كيف تجرأت وأتت ولكنها لن تقف مكتوفة اليدين وهي تراقب انهيار رانيا وسوف تصمت ...هي يجب أن تساعدها حتى لو كانت رانيا سوف تغضب منها لاحقاً!!
-ازيك يا دكتور يحيى ...
قالتها ماجدة بلطف ...
-اهلا يا استاذة ماجدة ...اتفضلي ارتاحي.
جلست ماجدة على المقعد المريح وهي تفرك كفيها بإرتباك شديد ...لا تعرف من اين تبدأ كلامها ...هل لو طلبت مساعدته سيفهم الموضوع بشكل خاطئ تماماً ...أم هل سيظن أن رانيا فتاة سيئة تريد استغلال حالتها ...كانت ماجدة مرتبكة وحائرة ولكنها لا تستطيع أن ترى رانيا محطمة دون أن تفعل أي شئ لتساعدها!!
-اتكلمي يا استاذة ماجدة .
قالها يحيى بلطف وهو يبتسم ...لا يعرف لماذا ولكنه شعر أن الموضوع خاص برانيا تلك المرة ...
خفق قلبه بقوة من تلك الفكرة ...عبس وهو يفكر أن مرور اسمها فقط على عقله يتسبب في خفقان قلبه بشكل لا يصدق ....
-اسناذة ماجدة اتكلمي كنتِ عايزة تقولي أيه ؟!...
ابتلع ريقها وقالت:
-الموضوع بخصوص رانيا يا بني ..
كتم أنفاسه بصعوبة وازداد معدل خفقان قلبه وهو يسمع إلى الاسم الذي تاق إليه ...الاسم الذي أصبح يفكر فيه بطريقة غريبة....
سيطر على نفسه وعلى انفعالاته وقال :
-خير مالها انسة رانيا ...فيها حاجة ...
تنهدت السيدة ماجدة وقالت:
-من يومين امها دخلت المستشفي يا دكتور وللاسف الدكتور قال لازم يتعملها عملية فوري ..وطبعا هي مش عندها الأمكانيات المادية اللي تخليها تعمل العملية دي ... وطبعا عشان كده عمها جالها المستشفي وعرض عليها انها لو عايزة تعالج أمها وتأخد فلوس منه تتجوز راجل عنده خمسة وخمسين سنة !!!
اتسعت عيني يحيى بصدمة بينما شعر بالغضب يتصاعد داخله ...كان لا يصدق حقارة عمها ...كل ما أراد فعله أن أن يحطم وجهه ..لكنه تمالك نفسه وهو يوجه اهتمامه للسيدة ماجدة فهي التي تعرف اخبار رانيا بعد ما منعته بنفسها من أن يتتبعها لأن هذا يضايقها وهو احترم قرارها لم يرغب أبداً بالضغط عليها ،
-خمسة وخمسين سنة ؟!ده مجنون ده ولا ايه ؟!وازاي يعمل في بنت اخوه كده ؟!فين الشهامة والمرؤة بتاعته؟!وبعدين دي من دمه ...ايه هو مش راجل خالص كده ...
هزت السيدة ماجدة رأسها بأسف وقالت:
-للاسف يا بيه هو مش راجل أبداً ...انسان معندوش احساس ولا دم ...عايز يدمر حياة البنت المسكينة وخلاص ...بس رانيا جدعة وقفته عند حده ...لحد دلوقتي فاكره هي عملت فيه ايه كويس ...
........
-عايز تجوزني راجل عنده خمسة وخمسين سنة يا راجل يا عرة...انت فاكر نفسك مين يا عرة الرجالة انت ؛!!
صرخت بها رانيا بوجهه ليزعق هو بها :
-ما تحترمي نفسك يا بت انتِ...فاكرة نفسك مين ...فعلا متربتيش...اخويا مات قبل ما يربيكي وامك ...
-بس أخرس اخرس ...أنا برضه اللي متربيتش يا راجل يا عرة ...باللي كل شوية تذلني بورث ابويا ومش عايز تدهوني الا لما اتنازل واتجوز العرسان العرة اللي شبهك اللي انت بتجيبهم ....
رفع عمها رأسه عاليا وقال:
-أنتِ فعلا متربتيش ...اخص على تربيتك ...خليكي كده يا أختي ...شوفيها. هي بتموت وحطي جذمة في بوقك ...ومتجيش تترجيني عشان ادفع.فلوس العملية لاني وقتها هضربك بالجزمة!!
ثم تركها وذهب لتجلس رانيا على المقعد بإنهيار ودموعها تنسكب على وجهها ...شدت السيدة ماجدة على كتفها وقالت :
-بإذن الله تتيسر يا بنتي ربنا مبيسيبش حق حد ابداً....ربنا هيقف معاكي وبإذن الله أنك تقوم بالسلامة بس انتِ متعيطيش ...متستسلميش يا بنتي ...أوعي تستسلمي !!
نظرت رانيا الى السيدة ماجدة بتعب وقالت:
-مش قادرة يا خالتي ..حاسة نفسي تعبانة ...حاسة ان خلاص كل الابواب اتقفلت في وشي ...أنا تعبت !!
- باب ربنا دايما مفتوح ليكي ...بس أنتِ قولي دايما يارب ...
هزت هي رأسها وقالت
يارب...يارب يا خالتي ...
......
انتهت السيدة ماجدة من قص ما حدث لتجد.يحيى ينظر إليها بتركيز...تنحنحت وقالت بإحراج؛
-انا محرجة منك وانا بطلب الطلب.ده ...بس ممكن تساعد رانيا تعمل عملية امها ان شالله حتى على نفقة الدولة البنت منهارة خالص يا دكتور ...بقت صعبانة عليا ...
هز يحيى رأسه وقال :
-اكيد هساعدها ..متقلقيش يا أستاذة ماجدة أنا هتصرف في الموضوع ده ...وانتِ ارتاحي ...
...........
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سولييه نصار
إيه اللي حصل يا تحية؟
قالها أمير وقلبه يخفق بقوة بينما يلج إلى المنزل.
فقالت تحية بتوتر:
والله ما أعرف يا أخويا. جالها اتصال ومن وقته وهي في الحالة الغريبة دي. شغالة تعيط وأنا حاولت أهديها ومش قادرة خالص. وآخر حاجة دخلت الأوضة وقفلت عليها الباب. اتصرف يا أمير، البنت قطعت قلبي. شوف مالها.
هز أمير رأسه وهو يطرق باب الغرفة الموجودة بها عبير. انتظر بصبر حتى تفتح له. وعندما لم تفتح، طرق الباب مرة أخرى وانتظرها تفتحه. لم يفقد أعصابه عليها ولم يأمرها أن تفتح الباب بالفور، بل ظل منتظرًا بلطف أن تفتح له الباب.
وبالفعل بعد لحظات فتحت له عبير الباب.
تجمد أمير مكانه وهو ينظر إليها بصدمة. كان وجهها أحمر والدموع تلطخ وجهها. شهقاتها تمزق قلبها.
في ذلك الوقت أراد حقاً أن يضمها كي يخفف عنها، ولكنه أطرق برأسه واستغفر ربه وهو يقول بينما نظره مثبت على الأرض:
إيه اللي حصل يا عبير؟ مالك؟ إيه اللي قلب حالك بالشكل ده؟ ممكن أعرف؟
انفجرت الدموع من عينيها مرة أخرى ليرتبك هو ويتوقف عقله عن العمل. ماذا يفعل لكي يخفف عنها قليلاً؟ هو حقاً لا يعرف. يؤلمه أن تكون في تلك الحالة ويكون هو عاجزًا عن مساعدتها. فقط لو تخبره بالذي حدث لعله يساعدها.
عبير، طيب قوليلي إيه اللي حصل عشان نعرف نساعد بعض ونحل المشكلة؟ ممكن؟
نظرت عبير إليه وهي تشعر أن قلبها يتمزق من الألم وقالت:
جواهر.
مالها جواهر؟
قالها أمير بتوجس.
لترد عبير:
عدي كشف الحقيقة والمسكينة اتطردت واحتمال كمان تتحبس. أعمل إيه يا أمير؟ أساعدها إزاي؟ أنا عقلي واقف وهي صعبانة عليا. دبت اتصلت بيا وفضلت تعيط. جواهر دي هي اللي ساعدتني عشان أهرب من جحيم بابا. مفكرتش في نفسها وساعدتني كتير وأنا لازم أساعدها يا أمير. لازم بس مش عارفة أساعدها إزاي. أساعدها إزاي؟
طيب يا عبير ممكن تهدي؟
قالها أمير برفق. يؤلمه أن يراها بتلك الطريقة.
نظرت عبير إلى أمير وقالت:
مش قادرة أهدى يا أمير. مش قادرة. قولي أعمل إيه في المصيبة دي؟
تنهد هو وقال:
مفيش إلا حل واحد.
في عيادة الدكتور جورج.
كانت رانيا على وشك الانتهاء من عملها وسوف تسلم العمل لصديقتها.
فجأة ولجت السيدة ماريانا زوجة الطبيب جورج.
أعطتها رانيا ابتسامة واسعة وقالت:
أهلاً بيكي يا مدام ماريانا. اتفضلي على طول.
ابتسمت ماريانا لها ثم ولجت إلى مكتب زوجها.
كان جورج مشغولًا في مراجعة بعض الملفات عندما أوقفه عما يفعله صوت زوجته.
إزيك يا حبيبي.
صوتها الرقيق اخترق مسامعه ولكن قلبه كان محصنًا. لم ينظر إليها حتى وقال:
عايزة إيه يا ماريانا؟ إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟
وحشتني وكان نفسي أشوفك.
قالتها بنبرة منكسرة.
ليزفر بضيق ويقول:
ماريانا، ممكن تبطلي اللي بتعمليه ده؟ الحاجات دي مش هتخليني أحبك. ونصيحة مني، اقبلي حياتنا زي ما هي كده. واقبلي اللي بدهولك عشان الحب مش عافية. مفهوم؟
وقفت تنظر إليه. الدموع تنفجر من عينيها. لا تصدق أنه يتفنن في تحطيم قلبها. اللعنة على قلبها الذي أحب شخص مثله. رفعت رأسها بكبرياء وقالت:
صح، عندك حق. هقبل اللي بتدهوني. بس أنت كمان اقبل اللي بدهولك من غير أي نقاش. سلام.
ثم خرجت من غرفته وهي ترفع رأسها للأعلى، تحجب عن الآخرين دموعها. لا أحد يستحق أن تبقي عليه. لن تحاول مع جورج مرة أخرى. قلبها أغلى من تلك المحاولات. لن تحاول مجددًا كي لا تنكسر.
نظرت رانيا إلى السيدة ماريانا التي خرجت والحزن يبدو عليها حتى أنها تحجب دموعها بشق الأنفس. هزت رأسها بقوة وهي تشفق على تلك المرأة الرائعة. رغم أنها تعترف بفضل دكتور جورج عليها، إلا أنها ترى أنه لا يستحق امرأة رائعة كالسيدة ماريانا.
خرجت أخيرًا من عملها وما زال يشغل بالها جراحة والدتها. الأيام تمر وهي لا تتحرك والسيدة ماجدة تمكث مع والدتها يوميًا. فكرت في طلب سلفة من دكتور جورج ولكنها خجلت. الرجل ساعدها بما فيه الكفاية وهي لا تريد أن تثقل كاهله. تنهدت بتعب وهي تدعو الله أن يحلها من عنده.
ولكن فجأة تجمدت وهي ترى يحيى أمامها. كان بالطبع ينتظرها.
بغضب اقتربت منه وكادت أن تتكلم إلا أنه قال:
يالا اركبي، عايزك في موضوع مهم.
لا طبعًا. وحضرتك بطل تراقبني، أنا خلاص زهقت.
نظر إليها بملل وقال:
رانيا، هتركبي بالذوق ولا أركبك بطريقتي؟
احمر وجهها من الخجل والغضب وهي تتذكر اليوم الذي حملها فيه. نفخت بغضب ثم استقلت سيارته.
في أحد المقاهي.
كانت تجلس بغير راحة وتقول:
مينفعش كده يا دكتور يحيى. يالا قول اللي انت عايزه. أنا مش عايزة حد يشوفني.
زي مين يعني؟
قالها بفضول.
فنظرت إليه وقالت بإنفعال:
زي والدتك أو عمي أو عيال عمي. حد من الحارة. وجودي هنا غلط. قول لو سمحت عايز إيه وخليني أمشي.
عايز أنا اللي أعمل العملية لوالدتك في المستشفى بتاعتي وهتكون بدون مقابل.
في المساء.
كادت أن تنام بعد يوم طويل قضته في المذاكرة تجهيزًا لإمتحاناتها. كان مزاجها مضطربًا بسبب اتصال ليان بها وإخبارها بما حدث بينها وبين شقيقها وموسى. شعرت نسرين بالحزن على صديقتها. فليان انتظرت كثيرًا حتى استسلم موسى لها. انتظرت كثيرًا كي يخبرها بحبه وأرادت العيش بسعادة ولكن كل هذا تحطم الآن.
ربنا يصبرك يا ليان على المشكلة دي.
قالتها وهي تتقلب بضيق تريد أن تنام بسرعة فجسدها منهك وعقلها أيضًا وهي لا تريد أن تنهك عقلها أكثر بالتفكير بما يحدث معها مؤخرًا من جنون يوسف والحصار العاطفي لفؤاد لها. لم ترغب التفكير في فؤاد الآن. لا تريد أن تحلل مشاعرها الواضحة الآن وكأنها تنكر مشاعرها تلك تمامًا.
أغمضت عينيها وهي تغلق عقلها تمامًا عن التفكير.
فجأة انفتح الباب وولج والدها. نهضت نسرين وهي تنظر إليه بقلق. كان شكله غريب. جلست في فراشها وهي تنظر إليه برعب. عينيها الزرقاء تجمعت فيهما الدموع. كانت تنهار بالفعل.
ليه خايفة مني بالشكل ده؟
قالها والدها من بين أسنانه. لا يصدق أنه أبعد ابنته عنه لدرجة أصبحت تخاف منه.
أنا عايزة أنام.
قالتها بنبرة مرتعشة.
ليرد هو بهدوء:
اخرجي، عايز أتكلم معاكي شوية.
ابتلعت ريقها وارتعش قلبها وكررت بصوت ضعيف:
أنا عايزة أنام.
اقترب من فراشها بغضب وأمسك ذراعها وهو يصرخ بها:
قولتلك هتكلم معاكي شوية. قومي يا نسرين.
أتت نهى مسرعة للغرفة واقتربت من كريم وهي تبعده عن ابنته وتقول:
كفاية كده يا كريم. كفاية بطل جنان.
ابعدي، سيبيني. أنا عايز أقعد مع بنتي شوية. عايزة أقعد معاها شوية.
انفجرت دموع نسرين من عينيها وقالت:
أنا مش عايزة أقعد معاك. أنا عايزة أنام. افهمني. عايزة أنام. مش عايزة أقعد مع حد. خلاص أرجوك سيبني في حالي.
احمر وجه كريم من الغضب ودفع نهى عنه ثم اقترب من نسرين وأمسكها من شعرها بعنف وصرخ:
مش عايزة تقعدي معايا بس عادي. كنتِ بتقعدي مع يوسف بالساعات. يا ترى كنتِ بتهربي من محاضراتك وتروحي تقابليه صح؟ ولا كنتِ بتجيبيه البيت زي ما أمك كانت بتعمل؟
كفاية يا كريم بس.
كانت نهى تصرخ والدموع تنفجر من عينيها بينما تنظر إلى وجه نسرين الذي شحب بقوة. ماذا يريد أن يفعل بابنته؟ هل يريد أن يقتلها؟ هي حقًا لا تفهم مدى اختلاله العقلي. هو يتصرف بجنون تام.
هز كريم نسرين وهو يمسك شعرها وقال:
انطقي. كنتوا بتتقابلوا فين؟
سيبني أنام لو سمحت. لو سمحت عايزة أنام.
قالتها نسرين ودموعها الحارة تتحرر من سجن عينيها. الألم يعصف بها. أنها تتمنى الموت ألف مرة في اليوم. شعور أنك مكروه من أقرب الناس على قلبك شعور بشع للغاية.
ردي الأول عليا. ردي.
صرخ بها وهو يحاوط عنقها بكفيه. جذبته نهى بقوة عنها وبالفعل ابتعد عنها وصرخت:
إنت إنسان مختل. مختل. روح اتعالج.
ولم يكن الجواب إلا صفعة قوية من يده جعلت نسرين تشهق بقوة. نظرت إليه نهى بكره شديد وقالت:
أنا هاخد نسرين وهمشي من هنا. إنت مستحيل تكون إنسان طبيعي. إنت في يوم من الأيام ممكن تموتنا أنا وهي. والله لو فكرت تمنعنا يا كريم لأبلغ عنك وأحبسك.
لو عايزة تمشي أمشي. بنتي هتفضل هنا.
أنا مش عايزة أبقى معاك. أنا عايزة أروح مع طنط نهى.
قالتها نسرين بنبرة مرتعشة.
لتقول نهى:
أهو سمعتها. أنا هتصل بفؤاد دلوقتي عشان يجي ياخدنا من هنا و... آه.
صرخت بعنف وهو يعتصر فكها بين كفه الغليظ بينما النيران تتصاعد بعينيه.
كفاية سيبها. سيبها.
صرخت نسرين وهي تبعد والدها ثم أكملت بإنهمار:
إنت عايزني أموت نفسي يعني؟ قولي هترتاح لما أموت نفسي؟ حاضر أنا هريحك مني خالص.
ثم اندفعت نحو المطبخ ليركضا كريم ونهى خلفها.
بينما تمسك السكين وتقول وهي تبكي:
أنا هريحك مني خالص يمكن لما أموت تعيش حياتك كويس وتبطل تفتكر ماما واللي عملته فيك. هموت نفسي يمكن ترتاح وأنا أرتاح. أنا تعبت من إني أتحمل نتيجة غلط ماما في حقك. هي غلطت في حقك أنا مالي. أنا ذنبي إيه؟ أنا عملت إيه؟ كل اللي كنت عايزاه منك إن إني أتحب. كنت عايزك تحبني يا بابا. بس أنت حتى الحب استخسرته فيا. حتى الحب شوفته كتير عليا. وأنا... أنا دلوقتي عايزة أرتاح. أرتاح.
يا بنتي أبوس إيديكي لا. نسرين، أنا وأنتِ هنمشي دلوقتي ومحدش هيقدر يأذينا خالص متخافيش. متخافيش يا حبيبتي.
قالتها نهى ودموعها تنساب من عينيها. كان قلبها يعتصر من الألم على حال تلك الفتاة المسكينة. هي لا تستحق أبدًا تلك المعاملة السيئة من والدها.
وعلى بغته اقترب والدها منها دون أن تنتبه وأخذ منها السكين. نظراته الغاضبة كانت تحاصرها. ابتعدت عنه وركضت خارج المطبخ ثم خارج المنزل.
نسرين.
صرخت نهى بخوف ثم ركضت خلفها خارج المنزل.
بالأسفل.
استقلت نسرين سيارة الأجرة وانطلقت بها.
بينما نهى نظرت إلى أثرها بذهول. أين تذهب الآن؟
في سيارة الأجرة كانت نسرين تبكي دون توقف. قلبها ينفطر من الألم. ماذا فعلت ليتم معاملتها بتلك المعاملة السيئة؟ لماذا يكرهها والدها بهذا الشكل؟ نظر إليها صاحب السيارة بشفقة ولكنه فضل عدم التدخل. وكل ما فعله هو أن أعطاها منديلًا.
بعد قليل وصلا إلى المكان الذي تريده. خرجت هي من سيارة الأجرة وقالت بارتباك وهي تمسح دموعها:
أنا معييش فلوس. بس ممكن تستني هجيب فلوس من فوق. ولو عايز ضمان خد الموبايل بتاعي لحد ما أجيبلك الفلوس.
ابتسم الرجل المسن بلطف وقال:
خلاص يا بنتي اطلعي فوق وخليها عليا المرة دي. بس متنزليش في آخر الليل مرة كده تاني. ولاد الحرام كتير. ربنا يحفظك ويصونك يا قمر.
ابتسمت نسرين له ثم شكرته بصوت ضعيف وولجت إلى البناية السكنية.
ما هي إلا لحظات ووقفت أمام باب المنزل بتوتر. ثم رنت الجرس ليفتح فؤاد بسرعة الباب وهو يمسك الهاتف ويضعه على أذنه. ما إن رآها حتى تدفق الارتياح إلى وجهه وقال:
خلاص يا ماما، أهي جات عندي. متقلقيش إنتِ. سلام يا حبيبتي.
وقف فؤاد ينظر إلى نسرين التي يعصف بها الألم. كان في عينيها انكسار كبير. تلك الفتاة تعاني. تعاني كثيرًا.
نسرين.
قال اسمها بلطف لتندفع إلى ذراعيه وتبكي بعنف وهي تضمه بقوة. وقف للحظات مبهوتًا وهو يشهد انهيارها الكبير. بدت وكأنها تحطمت نهائيًا. وهذا أوجعه من الداخل. فهو يحبها ولا يتحمل أن يراها بهذا الشكل.
نسرين حبيبتي، اهدي وقوليلي إيه اللي حصل؟
ولكن نسرين لم ترد وظلت تبكي بطريقة تحطم القلب. وهو لم يضغط عليها. بل انتظرها لتخرج كل ما في قلبها من حزن.
بعد قليل.
كانت تجلس على الأريكة وهي ترتجف بقوة ودموعها لا تكف عن الإنهمار. تشعر أنها سوف تفقد عقلها بكل تأكيد إن استمر والدها في معاملتها بهذا الشكل. لقد ابتعدت عنه. تجنبته نهائيًا فلماذا يصر على أذيتها؟ أغمضت عينيها ونشيجها يرتفع بينما تشعر بالاختناق. كل ما أرادته أن يحبها والدها. أرادت العيش في سلام ولكن أبسط الأحلام مستحيلة بالنسبة إليها.
لسه بتعيطي؟
قالها فؤاد بلوم وهو يقدم لها عصير الليمون بالنعناع الذي تحبه. نظرت إليه بعينين حمرا كالدماء وقالت:
مش قادرة يا فؤاد. حاسة إني هموت. ليه بيحصل معايا أنا كده؟ ليه بابا بيكرهني بالشكل ده يا فؤاد؟ ليه أنا؟
كانت تتكلم وهي تبكي. جلس هو بجوارها وأمسك كفها وشد عليه لتنظر إليه وتقول:
أنا عشان ميحصلش مشاكل بينا بقيت أبعد خالص عنه. مبقتش حتى أكلمه. قولي يا فؤاد أعمل إيه تاني؟ أعمل إيه تاني عشان ميعاملنيش المعاملة دي؟
ربت فؤاد على كتفها وهو يشعر بالغيظ من والدها. لا يفهم كيف يفعل أب هذا بإبنته. كيف يوصلها لتلك المرحلة. كان الغضب يعصف بفؤاد. لقد تجاوز كريم حده. وإن استمر هكذا ستسوء حالة نسرين النفسية. لا هو لن يسمح له أن يؤذيها بعد الآن.
نسرين ممكن تبصيلي؟
قالها فؤاد بلطف لتنظر إليه نسرين. كانت عينيها الجميلة بلون الدماء بسبب كثرة البكاء وتوجع قلبه عليها. مسح دموعها وقال:
مش هسمح لأي حد تاني إنه يأذيكي يا نسرين. مش هخلي حد يلمس شعرة منك حتى لو كان أبوكي. عشان كده محتاج موافقتك على حاجة.
نظرت إليه بحيرة وقالت:
عايز موافقتي على إيه؟
شد على كفها وقال:
أنا عايز أقدم ميعاد الفرح.
حاولت سحب كفها بينما التوتر يزداد داخلها ولكنه لم يسمح لها أن تبتعد وشد على كفها بقوة وهو يقول:
وافقي يا نسرين. وافقي نقدم الجواز. خلينا نتجوز وتبقي في بيتي وتحت حمايتي.
بابا.
قالتها بخوف. ما زال الأمر صادمًا لها. أن تتزوج فجأة وتتحمل مسؤولية منزل. كان الموضوع صعب عليها. ولكنها تفتقد الأمان الذي تشعره مع فؤاد. هي تريد أن تبقى معه. وجودها معه يسعدها بشدة.
ابتسم فؤاد وهو يرى الخوف بعينيها وقال مطمئنًا:
متخافيش من أبوكي يا نسرين. أنا هقدر أقنعه. وزي ما قولتلك لما تبقي مراتي محدش هيقدر يأذيكي. هحميكي دائمًا. ومش هخليكي تعيطي أبدًا.
الوعد في كلماته جعلها ترتاح. هي تتمنى أن يكون أمانها. أنها تفتقد الأمان. تريد أن تشعر به. تريد أن تمحي الخوف من حياتها. تريد أن تزداد ثقتها بنفسها.
كادت أن ترد عليه إلا أن رنين جرس المنزل جعلها تقفز من مكانها.
متخافيش. أنا هنا.
ثم نهض ليفتح الباب. تحجر وجهه تمامًا وهو يرى كريم ووالدته. ولجت نهى إلى المنزل بلهفة واقتربت من نسرين ثم ضمتها وقالت:
إيه يا حبيبتي اللي أنتِ عملتيه ده؟ أنا كنت هموت من الرعب عليكي. متعمليش كده تاني.
هزت نسرين رأسها وهي تمسح باقي الدموع من عينيها بينما تتجنب النظر لعيني والدها.
تعالى يالا عشان نروح البيت.
قالها كريم بنبرة متصلبة.
إلا أن نسرين وقفت خلف فؤاد وجسدها يرتجف بخوف.
نسرين هتبقى هنا.
قالها فؤاد بنبرة قاطعة. اتسعت عيني كريم وقال:
تبقى هنا إزاي وعلى أساس إيه؟ ما تشغل مخك شوية يا فؤاد. مينفعش.
تنهد فؤاد وقال:
أنا هروح أبّات عند أي حد من أصحابي وماما ونسرين هيقعدوا هنا. وفيه حاجة كمان.
صمت قليلاً وقال وهو ينظر لعيني كريم:
أنا عايز أقدم ميعاد الفرح بتاعي على نسرين. عايز أتزوجها قبل امتحاناتها.
في اليوم التالي.
في قصر رشيد.
وقفت هي في الصالة الفارهة بالأثاث الكلاسيكي الخاص بها وهي تفرك كفيها بتوتر.
فجأة قفزت من مكانها وصوته القوي يقول:
عبير، صديق الحقيقة. أهلاً بيكي يا آنسة.
قالها عدي وهو يقترب منها بينما يبتسم لها بشر. شر يخبر أنها هذا الرجل سيعاقبها على ما فعلت.
أنا جاية أقولك كل الحقيقة يا عدي بيه. الحقيقة كاملة.
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سولييه نصار
ظل ينظر إليها مطولاً...
حاجباه معقودان في عبوس... عقله يترجم كلماتها... ما هي الحقيقة التي تريد إخباره بها؟ وهل هي حقيقة مختلفة عن تلك التي أخبرته بها جواهر؟ هل سيثق بهما مرة أخرى؟
ربع ذراعيه وقال:
"ويا ترى إيه الحقيقة اللي تديكم حق إنكم تخدعوني وتستغلوني؟ انتِ وجواهر... إيه المبرر القوي اللي يخليكم تعملوا كده؟"
"أنا عن نفسي مش شايف أي مبرر للكدب والخداع."
ازدردت عبير ريقها وهي ترتعش بقوة، بينما ترى هذا الرجل والنيران تندلع من عينيه. أرادت التراجع... أرادت الهروب ومئات الأفكار تسيطر على عقلها... أفكار سيئة وجنونية، ولكنها قررت التحلي بالشجاعة... فصديقتها جواهر تستحق هذا... تستحق أن تدافع عنها.
"ممكن تسمعني وبعدين تقرر؟ صدقني جواهر عملت اللي عملته عشان مجبورة."
"مجبورة على إيه؟" صرخ وهو يقترب منها بخطوات واسعة... عيناه تندلع منها النيران. تراجعت هي بخوف بينما تصاعدت دموع الرعب بعينيها.
ازدردت ريقها وهي تقول:
"أنا طالبة بس فرصة تسمعني وبعدين تقرر."
ظل ينظر إليها بغضب وداخله صراع بين أن يسمعها وأن يطردها كصديقتها. أخيراً أغمض عينيه بتعب وقد قرر أن يسمعها. في داخله أراد إيجاد أي مبرر لجواهر لخداعه... لقد عاش الجحيم منذ أن طردها... يشعر بفراغ قاتل... لقد عرف أن مشاعره نحو جواهر أقوى بكثير من مشاعره نحو كارمن. الألم الذي شعر به عندما ابتعدت عنه لم يشعره من قبل. وهنا أخذت تسخر منه شياطينه... تذكره أنه غبي... حقاً غبي للغاية... لم يتغير... سيظل ساذج... الجميع يستطيع خداعه... الجميع يستطيع أن يستفيد منه... ولكن قلبه أراد أن يسمع... أراد أن يبرر... فالقلب في محنة أساسها العشق... وهو يريد التبرير لمعشوقته.
ولقد انتصر قلبه أخيراً وقال بصوت جامد:
"اتفضلي اتكلمي... قولي كل اللي عندك يالا!"
ابتلعت عبير ريقها وهي تستعد لقول كل شيء... لن تخفي عنه أي شيء. جلست على الأريكة وهي تتمالك نفسها لتستعد للتكلم. نظرت إلى عدي الذي كان ينظر إليها بملامح جامدة وقالت:
"من أنا وصغيرة وماما انفصلت عن بابا وأخدتني وعشنا في فرنسا. نسيت كل حاجة عن مصر وعشت أنا هناك بس كنت أكتر حاجة بفتكرها وبزعل هي جواهر صاحبتي. ومرت السنين وكبرت وماما ماتت وقتها بابا جه وقالي: 'هتنزلّي معايا'. أنا مكنتش عارفة إنه هيخونني... أنا افتكرت إنه عايز ياخدني لمصر لإني وحشـته وعايزني أعيش معاه. وأنا بعد موت ماما الله يرحمها كنت محتاجاه أوي... محتاجة لحضنه ومترددتش أنزل معاه. بس بعد ما جيت مصر اكتشفت السبب اللي خلاه يجي فرنسا مخصوص عشانه. عرفت إنه عايز يجوزني عشان ينقذ نفسه. كان عايز يضحي بيا عشان نفسه... مفكرش في بنته... فكر في نفسه بس. انـهارت وبكيت وحاولت أمي بس هو حبسني... حتى إنه مد إيديه عليا ووقتها أقنعته إني موافقة وهربت بمساعدة جواهر. بس اللي مكنتش عاملة حسابه إنه يبتز جواهر عشان تتجوزك ويزوّر الورق بتاعها."
نظر إليها بشك وقال:
"وهيزتز جواهر ليه؟ وهي توافق ليه؟"
نظرت إليه وعيناها رطبة بفعل الدموع وقالت:
"والدة جواهر عندها كانسر وجواهر استلفت من بابا مبلغ وكتبت على نفسها شيكات وكان بيهددها بالشيكات دي."
بهت عدي وهو يسمع ما قالته ثم أكملت عبير بسرعة:
"والله يا أستاذ عدي جواهر ما كان نفسها تكذب وتخدع بس بابا استغلها وهددها. هي اضطرت... هي عملت كده عشاني... عشان تساعدني. هي الوحيدة اللي ساعدتني لما بابا كان عايز يرميني وميسألش فيا. ودلوقتي بابا لو عرف إنها قالتلك الحقيقة هيقلب الدنيا عليها. وهي أصلاً ملهاش حد إلا والدتها اللي تعبانة. أنا عارفة إننا غلطنا في حقك بس عشان أكون صريحة معاك ده برضه كان بسببك انت... انت صممت تتجوز واحدة متعرفهاش عشان تنتقم من أبويا. كنت قادر تنتقم منه من غير ما تدخلني في اللعبة دي. فمعلش انت كمان ليك يد في اللي حصل."
ظل ينظر إليها بجمود... نظراته كانت فارغة تماماً كأنها لم تتكلم ولم تخبره كل الحقيقة للتو. شعرت عبير باليأس قليلاً ولكنها فكرت أنها قالت كل الحقيقة لعدي والآن هي يمكنها أن تريح ضميرها. ولكن قبل هذا يجب أن تبحث عن جواهر التي اختفت تماماً!
أخرجت عبير من حقيبتها قلماً وورقة ثم دونت رقمها وقالت:
"حضرتك لو حابب تتواصل معايا ده رقمي الشخصي. اتصل بيا وبتمنى تسامحنا على اللي حصل. بس عندي طلب أخير... بلاش تتكلم على قصة التزوير قدام حد. لو البوليس عرف جواهر للأسف هي اللي هتتحبس مع بابا وأنا مش عايزة إنها تتدمّر بسببي. فده طلب مني. لو سمحت يعني!"
هز رأسه وهو يأخذ رقم الهاتف منها لتذهب هي من أمامه. جلس هو على الأريكة بإنهيار. ما سمعه غير تفكيره تماماً أنها ضحية مثله تماماً. ولكنـه أعطاها العديد من الفرص كي تتحدث. لماذا صمتت؟ لماذا لم تتكلم؟ هل أصبحت تخاف منه لتلك الدرجة؟
دلك عينيه بتعب وهو يفكر أين هي الآن ولماذا لم تأتِ مع عبير لتشرح له الأمر؟ لماذا اختفت من محيطه ولم تحاول مجدداً أن توضح له الأمر؟ تنهد بتعب وهو يفكر أنها حتى لو تعرضت للظلم هذا لا يبرر كذبها عليه. لقد أعطاها العديد من الفرصة لتتحدث وتولى هو حمايتها!! أعطاها قلبه ومشاعره... كان مستعداً لجعل العالم تحت قدميها ولكنها لم تعترف. فضلت أن تكون جبانة!!! أم أعجبها أن تخدعه؟ هل كانت ستشعر بالتميز؟
وضع كفيه على رأسه وهو يشعر أنه سوف يجن. لا لا يجب أن يفكر أكثر من هذا. يجب أن يعرف أن شخصاً واحداً هو السبب في تلك الفوضى وهو شريف. شريف الذي اعتقد أنه يمكنه خداعه. لقد عفا عن شريف من قبل ولكن ليس هذه المرة. شريف سوف يدفع الثمن غالياً. هو سوف يعاقبه على ما فعله. فقط ليفكر في العقاب المناسب له. شريف يجب أن يعاقب بسبب ما فعله له. يجب أن يعاقب لأنه خدعه مرتين!!!
***
في مركز التجميل...
"اصحي يا جواهر اصحي يا حبيبتي..." قالتها ميريهان وهي تحاول أن تجعل جواهر تستيقظ. كانت جواهر نائمة على الكرسي المتحرك الخاص بمركز التجميل... متدثرة بلحاف خفيف... يوجد على وجنتها أثر للدموع وكأنها بكت لمدة طويلة. نظرت إليها ميريهان بشفقة وهي تحاول أن تجعلها تنهض مجدداً.
أخيراً استجابت لها جواهر ونهضت وهي تنظر لميريهان وتقول بلطف بالغ وصوت مبحوح:
"صباح الخير يا مدام ميريهان."
ثم نهضت من الكرسي وهي تشعر أن عضلات جسدها قد انكسرت.
"صباح النور يا جواهر... أخبارك النهاردة؟"
"الحمد لله يا مدام ميريهان أنا كويسة."
"قومي يا حبيبتي اغسلي وشك في الحمام وتعالي عشان تفطري يالا بسرعة."
هزت جواهر رأسها وهي تتجه نحو الحمام. دخلته وفتحت صنبور المياه وغسلت وجهها جيداً ثم جففته وخرجت لتجلس مع السيدة ميريهان.
ذهبت وجلست مقابلها وهي تتناول طعامها بهدوء. فجأة نظرت إلى ميريهان وقالت:
"شكراً يا مدام ميريهان... شكراً لأنك ساعدتيني. أنا مش عارفة من غيرك كنت عملت إيه... شكراً بجد!"
***
خرجت من القصر الخاص به وهي تتنهد بتعب. رغم أن هذا كان صعباً ولكنها على الأقل ربحت ضميرها من جهة جواهر. المسكينة تعذبت كثيراً بسببها. جواهر خسرت حب حياتها لتنقذها هي وهذا أقل ما تفعله لها. ولكن الأمر لم ينتهِ بعد يجب أن تثبت أنها هي عبير صديق... فهي الآن زوجة عدي حسب الأوراق التي زورها والدها. وعدي لم يعرض مساعدته في هذا الأمر. الحقيقة أنه لم يتكلم من الأساس. فبعد أن أخبرته كل الحقيقة كاملة ظل صامتاً... ينظر إليها بعينين فارغتين ووجه جامد. وهي من الأساس لم تتوقع منه شيئاً بل أرادت إخباره حتى تبرئ جواهر أمامه لكي يعرف أن جواهر لم تقصد خداعه بل ضحت بنفسها من أجلها هي.
دعكت عينيها بتعب وهي تكمل سيرها ورأت على مقربة منها أمير. أمير الذي رفض أن تأتي بمفردها بل أتى معها. أعطته ابتسامة قصيرة لتجد على وجهه إمارات الراحة واقترب منها بسرعة وهو يزفر براحة ويقول:
"الحمد لله افتكرت إنه ممكن يحبسك عنده عشان كده كنت عايز أدخل معاكي!"
ابتسمت عبير له وقالت:
"مظنش إنه شيطان زي ما بيقولوا يا أمير... هو معملش أي حاجة تزعجني بالعكس سابني بهدوء وأنا قدامك أهو متقلقش. بس بتمنى يقدر يساعد جواهر المسكينة... البنت منهارة أوي. وأبويا لو عرف إنها اعترفت لعدي هيقلب الدنيا فوق دماغها. أنا خايفة أوي يا أمير..... خايفة لأبويا يعمل حاجة لجواهر... أنا لازم أدور على جواهر وألاقيها بس المشكلة تليفونها مقفول وأنا مش عارفة أتواصل بيها إزاي... أنا خايفة يا أمير."
"متقلقيش بإذن الله... هنلاقيها بأمر الله. المهم أنتِ متخافيش." قالها بصوته المطمئن لها فابتسمت له. ماذا كانت ستفعل لو هو غير موجود في حياتها؟ بالتأكيد كانت ستجن. إنه حقاً مهم لها..... مهم جداً. هو من يدعمها... يقف بجانبها... لا يجعلها تشعر بالهلع. إنها تعشقه كل يوم أكثر من اليوم الذي قبله. وهي تشكر الله يومياً لأنها حصلت عليه وتتمنى أن تتزوج به هو... فقط هو.
"روحتي فين مني؟" قالها أمير بحيرة لتهز رأسها بالنفي وتقول:
"مفيش حاجة يالا نمشي من هنا."
وبالفعل ذهبوا مسرعين واستقلوا سيارة الأجرة.
***
في مركز التجميل...
انتهت جواهر أخيراً من تناول إفطارها ونظرت إلى ميريهان بإمتنان وقالت:
"أوعدك بس تتسهل الظروف همشي من هنا. أنا عارفة أمي متقلة عليكي."
"إيه يا بت مالك... ده أنتِ لسه جاية امبارح يا بت وبعدين يا أختي أنا عملت إيه يعني؟ متبقيش أوفر يا جواهر."
أطرقت جواهر برأسها فأكملت ميريهان وهي تشد على كفها:
"اقعدي هنا قد ما تحبي... محدش هيكلمك ومحدش هيسألك. ووقت ما تكوني مستعدة تمشي امشي. بس متحسيش بالكسوف. واشتغلي هنا معانا وباتي هنا كمان."
تنهدت جواهر وهي تنظر إليها. فها هي قد خلت لها مشكلة كبيرة. ولكن إلى متى سوف تهرب؟ شريف سوف يحضرها عاجلاً أم آجلاً وحينها سوف يدمرها. يمحيها من على وجه الأرض. وأيضاً عدي... عدي لن يمرر لها ما فعلته. بالتأكيد سوف يعاقبها على ما فعلته. لأنها خدعته!!!
"جواهر روحتي فين؟" قالتها ميريهان بصوت مرتفع نسبياً لتخرج جواهر من شرودها وتقول:
"أنا هنا يا مدام. ماشي موافقة وهشتغل هنا. ينفع أبدأ من دلوقتي."
ابتسمت ميريهان وقالت:
"أكيد طبعاً."
هزت جواهر رأسها وهي تمسك ثياب العمل وتذهب للحمام كي ترتديها. بعد قليل خرجت وهي ترتدي ثياب عملها وتمسك المكنسة وتبدأ في تنظيف مركز التجميل وهي تغلق عقلها عن التفكير في أي شيء. لو ظلت تشكر السيدة ميريهان عشر أعوام على ما فعلته معها لن يكفي أبداً. هي لن تنسى أنها احتضنتها في الوقت الذي لفظها فيه العالم. تذكرت كيف أتت لهنا بعد أن طردها عدي. كانت تبكي بقوة... كانت مقهورة ويبدو عليها البؤس. لم تفكر ودخلت مركز التجميل وكان أول من استقبلها السيدة ميريهان التي لم تسأل عن أي شيء ولم تعاتبها بسبب اختفائها المفاجئ. ويبدو أن لا أحد يعرف بقصتها مع عدي... ولا أحد رأى تلك الصور التي تم نشرها على الإنترنت. وهذا جيد. ربما يمكنها نسيان كل شيء والبدء من جديد!!
***
"عايزة أفهم حضرتك جايبني وحابـسـني هنا على أساس إيه؟" صرخت ورد بياسين الجالس على أريكته بارتياح يمسك طبق كبير به فشار بينما يتابع إحدى المسرحيات التي يحبها. ولم يعطيها أي انتباه. شدّت ورد على أسنانها وودت لو تلطم وجهه. الوغد يتجاهلها.
"بقولك رد عليا يا ياسين." صرخت وهي تطيح طبق الفشار من بين يديه لينسكب على الأرض بينما يتحطم الطبق بدوي مرتفع. تصاعدت النيران في عينيه وشعر بغضب لا يمكن السيطرة عليه. شيطانه أخبره أن يضر بها... يضر بها ويفرغ غضبه بها. ولكنـه بشق الأنفس سيطر على نفسه ونهض وهو ينظر إليها بدون رضا ويقول بصوت جامد:
"ورد أنا بحبك ومتمسك بيكي وبعمل المستحيل عشان أحافظ على جوازنا. أنا عارف إن فيه مشاكل بيننا يمكن أنا مش قادر تلمس إيه المشكلة بالضبط... وبحاول أعدي تجاوزاتك معايا... بحاول افتكر الحلو اللي عشته معاكي وبصبر... بس أنا مش هصبر كتير يا ورد على تصرفاتك دي. زي ما بيقولوا إنما للصبر حدود وأنا صبري ليه حدود برضه ياريت تحترميه."
"طيب وليه جاي على نفسك كده؟ ما قولتلك طلقني وارتاح يا ياسين. طلقني."
زفر بضيق وقال:
"اللهم طولك يا روح... يا بنتي الله يهديكي بطلي استفزاز. أنا مش هصبر عليكي كتير."
"محدش قالك اصبر." قالتها وهي ترفع وجهها له. عيناها البنيتان تبرقان بعداء.
تنهد ياسين وهو ينظر إليها. إنها مختلفة عن المرأة التي عشقها وبدأ يقتنع أكثر بكلام أمجد ووالدته. ربما ورد الآن ليست بوعيها بالفعل. ربما يكون كلامه عن السحر صحيح. ربما هي تعاني بطريقتها. تنهد هو بتعب وقال:
"صابر عشان بحبك."
"محدش قالك تحبني." قالتها بفظاظة شديدة. كانت مصرة على إخراج أسوأ ما به ولكنه لم ينقاد لاستفزازها. قرر أن يصبر. ورد تستحق أن يصبر من أجلها. ابتسم ابتسامة ساحرة واقترب منها ثم قبلها على وجنتها وقال بلطف:
"للأسف يا ورد الحب مش بإيدينا... قلبي بيحبك وأنا مليش على قلبي سلطان. مفيش سلطان على القلوب إلا ربنا."
تراجع غضبها قليلاً واكتسى وجهها بالشعور بالذنب. هي لا تعرف لماذا تعامله بتلك الطريقة السيئة. هي تعرف أنه لا يستحق أبداً أن يعامل بتلك الطريقة. ولكن لديها كره غريب نحوه. كره لا تعرف سببه. دعت عينيها وهي تشعر بالتعب. إنها تمر بضغط عصبي تتمنى أن ينتهي قريباً. كان ينظر إليها بشفقة. شفقة عليها وشفقة على الحال الذي وصلا إليه. كانت حياتهما مثالية. صحيح لا تخلو من بعض الجدال ولكن الجدال معها كان يجعله عاشقاً لها أكثر. ولكن الآن كل شيء تغير. إنه يبحث بجنون عن الحب بعينيها ولكنه لا يجده. وهذا نوعاً ما يهدم قلبه. ولكن إن أتى أمجد وأثبت أنها مسحورة وأن جوري هي السبب سوف يمسك برأس جوري ويقتلعها من مكانها. تلك المجنونة المختلة!!!
"متفكريش كتير!" قالها بلطف شديد ثم أمسك كفها وجذبها لغرفة النوم. اتسعت عيناها بحذر وقالت بهجوم:
"أنت جايبني هنا ليه؟ ها قولي بتفكر فيه إيه؟"
نظر إليها ببلاهة وقال:
"أنتِ ليه محسساني إني شاقطك وجايبتك البيت عندي وقولتلك أمي تعبانة وبعدين تكتشفي إني خدعتك عشان أسلب منك أعز ما تملكي... فوقي يا ماما انتِ مراتي... مراتي وحامل بإبني. فلو عايز حاجة كدا ولا كدا هتكون حقي يا غبية."
نظرت إليه بضيق فاكمل بعبوس:
"عموماً يا أختي أنا مش بفكر في اللي بالك ده أبداً. أنا راجل محترم... انتِ بقا اللي مخك كده دايماً حادف شمال وبتظني فيا أوحش ظن وأنا مفيش حد مؤدب قدي."
رفعت حاجبيها باستنكار ليبتسم ويقول:
"أنا جايبك الأوضة عشان ترتاحي شوية بدل ما أنتِ عاملة زي فرق لوز كده... متنسيش إنك حامل في ابني وعايزين الواد يجي سليم ويطلع عاقل زي أبوه مش مخه ضارب زي أمه."
لم تجادله أكثر من هذا فهي بالفعل كان لديها صداع شديد بسبب الجدال معه. هو حقاً عنيد وهي لن تستطيع أن تتفوق عليه بأي نقاش.
"رايحة ارتاح أهو... ما أنا مش هاخد من الجدال معاك إلا وجع الدماغ."
ابتسم بانتصار وقال:
"نصيحة من مهندس ذكي متجادليش مهندس لأنه أذكى منك وهيـعرف يغلبك في الكلام. العبد لله عشان متواضع مبيحبش يتكلم عن نفسه كتير وقد إيه هو ذكي ومفيش منه."
"آه فعلاً انت متواضع جداً... باين وواضح. أوووي للأعمى."
"صحيح يا قلبي واضح جداً. المهم يا مزة أنا رايح دلوقتي أسخنلك الشوربة اللي أمي بعتتها لينا عشان تتغذي وتعرفي تجادلي بدل ما انتِ بتجادلي على معدة فاضية."
ثم تركها وخرج من الغرفة. بينما هي اتجهت إلى الفراش وتسطحت عليه وهي غارقة في تفكيرها... تشعر بالدموع تلسع عينيها... تشعر أنها تختنق بالفعل وكأن شيئاً بغيضاً يجثم على قلبها. هي تشعر بالضيق لأنها موجودة هنا. عندما كانت عند والدتها كانت مرتاحة قليلاً ولكن الآن تشعر أن جدران الغرفة الواسعة تضيق عليها فتخنقها. انسابت دموعها وهي تغمض عينيها بتعب. ترغب أن تنام... ترغب أن تهرب من كل شيء. وبالفعل غرقت بالنوم.
***
في غرفتها...
كانت تمشط شعرها الطويل وهي تغني إحدى أغاني أم كلثوم. بينما ابتسامة رائعة تحتل شفتيها. تشعر بالسعادة والراحة وكأن لا شيء يشغل بالها. فجأة شعرت بذراعين تحيطان بخصرها وأحدهما يضع شفتيه على وجنتيها. ابتسمت بسعادة وأغمضت عينيها وهي تقول:
"ياسين..."
ثم استدارت لتتسع عيناها بصدمة وهي تجد علي الذي أخذ يقترب منها ويقول:
"علي مش ياسين."
ثم لمس وجنتها وهو يقترب بشفتيه منها.
"لااااا..." انفلتت تلك الصرخة من بين شفتيها وهي تفتح عينيها ليتراجع ياسين بتوتر وهو يراها تنهض بتلك الطريقة. عندما دخل ووجدها نائمة بسلام وضع
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سولييه نصار
صرخت بها ليان بحماس عند خروجهم من الجامعة.
"ششش يخربيتك هتفضحينا!" قالتها نسرين وهي تضع كفها على فم ليان وتضحك.
شتان ما بين حالها بالأمس وحالها اليوم. فؤاد استطاع محو التعاسة من قلبها ولو للحظات. لم يسمح لوالدها أن يأخذها معه بل صمم أن تمكث بمنزله هي ووالدته حتى زواجهما. وفي الصباح الباكر أتى ليقلها إلى الجامعة وفطرا سويا، وهنا يتحدثان في ترتيبات زفافهما. وقد أخبرها اليوم بشكل مفاجئ أن زواجهما بعد أسبوع. لقد صدمها. كادت بالفعل أن تصاب بنوبة هلع بسبب ما فجره بوجهها. ما زالت تتذكر رد فعلها الهستيرية.
في مطعم صغير تنبعث منه أحد أغاني أم كلثوم، كانا جالسان يتناولان فطورهما وهم يتحدثان بحماس عن ترتيبات الزفاف. ولكن فؤاد قال فجأة:
"كلمت عمي وطلبت أن الفرح يكون بعد أسبوع!"
توسعت عينيها وهي تنظر إليه فقال مبتسماً:
"متبصليش بعينيكي بالشكل ده تاني؟"
"ليه..." قالتها بحيرة ليرد:
"عشان بيدوبوني..."
احمر وجهها بقوة وتبعثرت الكلمات من على شفتيها وهي تشعر بالخجل الشديد بينما يغازلها بتلك الطريقة. أغمضت عينيها وهي تحاول تهدئة ضربات قلبها ومعدل تنفسها. ثم فتحت عينيها وهي تنظر إليه بعتاب وتقول:
"متحاولش تغير الموضوع وتضيعني يا فؤاد... جواز ايه ده اللي بعد أسبوع... أيوه اتفقنا نقدم الفرح بس مش بالطريقة دي يعني!"
"متقلقيش هنخلص كل حاجة قبل ميعاد الفرح. الفستان جاهز وهحجز النهاردة القاعة... والبيت جاهز... إيه تاني ناقص؟" قالها فؤاد ببساطة لتتنهد وتقول بصراحة تامة:
"أنا يا فؤاد... أنا مش جاهزة خالص... مش جاهز اتجوز... أنا خايفة... أنا بحاول أبينلك اني مبسوطة بالقرار ده... بس لا أنا مش مبسوطة خالص... مش جاهزة وحاسة بالخوف... خايفة أظلمك وعشان أهرب من ظلم بابا ليا اتجوزك... وأظلمك معايا أو أقصر في حقوقك... أنا خائفة يا فؤاد خايفة اووي..."
ابتسم فؤاد بلطف ومد يده ثم شد على كفها وقال:
"خدي الوقت اللي أنتِ عايزاه في بيتي يا نسرين. أنا مش هضغط عليكي... اعتبري أننا لسه مخطوبين... واتعرفي عليا براحتك... هنتجوز ونعمل كل حاجة سوا يا نسرين... أوعدك هخليكي أسعد إنسانة في العالم..."
الوعد في كلماته جعل قلبها يذوب بشدة. لمعت عينيها بالدموع وقالت:
"أنا مستاهلش الحب ده كله..."
"لا أنتِ تستاهلي كل الحب اللي في العالم وأنا هديكي الحب ده يا نسرين بس خليكي معايا متبعديش عني... اديني فرصة أسعدك..."
هزت رأسها وهي تبتسم له فجذب كفها وقبله.
عادت من شرودها وهي تبتسم بحالمية بينما ليان تنظر إليها بخبث وتقول:
"يا سيدي يا سيدي شكل الحب ولع في الدرة زي ما بيقولوا... شكلك وقعتي يا نسرين على جدور رقبتك في حب فؤاد..."
احمر وجه نسرين بقوة. وضحكت بإرتباك لتكمل ليان:
"أنا مرتاحة اووي انك لقيتِ حبك الحقيقي... كنت واثقة ان يوسف من الترو لاف بتاعك..."
بهت وجه نسرين لتعض ليان لسانها. لما هي بهذا الغباء ولا تنتقي كلماتها بعناية. تنهدت وقالت بأسف:
"أنا اسفة يا نسرين... أنا بجد غبية لما بتكلم مش بقف... سامحيني..."
تنهدت نسرين وأغمضت عينيها قائلة:
"أنا مش زعلانة منك يا ليان... بس كنت بفكر في حاجة..."
"كنتِ بتفكري في ايه؟!" قالتها ليان بفضول لترد عليها نسرين:
"كنت بفكر هو أنا فعلا ظلمت يوسف... هو حبني اووي وأنا نسيته وروحت لغيره... أنا حتى بطلت أفكر فيه... وحاسة بالذنب لأنه مش قادر يتخطاني يا ليان... حاسة اني وحشة اووي... حاسة اني لعبت بيه زي حبيبته الأولى!!!"
تنهدت ليان ووضعت ذراعيها حول كتف نسرين وهي تقول بهدوء:
"مفيش داعي تحسي بالذنب ولا حاجة... انتِ مش غلطانة بالعكس هو اللي غلطان... هو اللي راح قال لعمو على علاقتكم وحطك في موقف صعب خلى باباكي يضربك وورطك قدامه... وبسبب اللي حصل فؤاد قرر يتجوزك عشان يحميكي... بس أنا شايفة أنك مبسوطة دلوقتي يا نسرين فمش مهم الباقي..."
"انتِ شايفة كده؟!"
"أنا مش شايفة غير كده..." قالتها ليان ببساطة وهي تبتسم لرفيقتها. نسرين تستحق كل السعادة. في الحقيقة هي لم تحب أبدا علاقتها مع يوسف. شعرت في كثير من الأحيان أن يوسف يبتزها عاطفيا. يستغلها لتكون جانبه ولكن حمدلله أنها ارتبطت بفؤاد. ربما فؤاد سوف يكون الشخص الأمثل لها.
نظرت ليان لنسرين التي تبتسم بينما تقف أمام الجامعة وتنتظر فؤاد كعادتها. قالت نسرين فجأة:
"أحيانا بحس ان فؤاد كائن مش طبيعي... أحيانا بحسه ملاك... طيب بطريقة غريبة..."
"اه والله يا نسرين الواحد حاسس انه طيب لدرجة هيكون بيخدعنا في الاخر ويطلع سيريال كيلر..."
انفجرت نسرين في الضحك بسبب كلمات ليان وقالت:
"اسكتي يا ستي هتشككيني في الراجل ليه؟"
قطعت كلامها وقالت فجأة بفرحة طفولية:
"اهو فؤاد جه..."
"تعالى نوصلك معانا بدل ما تستني السواق..." عرضت نسرين بينما فؤاد يوقف سيارته. ولكن ليان قالت:
"لا روحوا انتوا..."
هزت نسرين رأسها ولم ترغب أن تضغط عليها وقالت:
"تمام يا بيبي هكلمك لما أوصل. سلام..."
"سلام..." قالتها ببسمة ثم غادرت نسرين متجهة إلى فؤاد والإبتسامة تشرق على وجهها. وما أن رآها فؤاد حتى أعطاها ابتسامة أكبر.
"ازيك..." قالتها نسرين بوجه محمر من الخجل وهي تقترب منه بينما هو اخذ يتأمل ملامحها المتناسقة في انبهار ويبتسم ويقول:
"أنا زي الفل ما دام شوفتك يا ست هانم... يالا عشان أغديكي وبعدين اروحك. أنا قولت لماما..."
"أنا مفلساك اول بأول على فكرة..." قالتها وهي تستقل السيارة وتضحك. ليركب هو بجوارها ويقول:
"يا ستي تعيشي وتفلسيني يا غالية..."
ثم انطلق بهما مبتسما وهو يخلل أصابعه بين أصابعها ويشد على كفها. وهنا شعر أنه ملك العالم بأكمله.
وصلا إلى مطعم الشاورما المفضل لهما. أجلسها على الطاولة بلطف ثم جلس أمامها وهو يبتسم ويتأملها. أتى العامل وأخذ طلبهما وغادر. ثم عاد فؤاد لتأمل نسرين وكأنها متعته الوحيدة. تضررت وجنتيها بدماء الخجل بينما يرمقها بتلك الطريقة وقالت في سبيل تشتيت انتباهه عنها قليلا:
"ايه حجزت القاعة اللي هنعمل فيها الفرح؟"
هز رأسه وقال:
"لا بس شوف كام قاعة حلوة بكرة اخدك نتفرج عليهم واللي تعجبك نحجزها علطول..."
"تمام ماشي..." قالتها بلطف وهي تنظر إلى النافذة.
بعد قليل أتى الطعام وأصر فؤاد أن يطعم نسرين بنفسه. كان يطعمها ويشاكسها وصوت ضحكاتهما تسيطر على المكان. كانا مشغولين للغاية لدرجة أنهم لم يلاحظوا وجود يوسف بالمطعم. كان ينظر إلى نسرين وفؤاد وقلبه يتمزق من الألم. لا يصدق أن من أحبه تجرحه بتلك الطريقة. هي أحبت فؤاد. أحبت فؤاد ونسيته هو. هو لم يكن أبدا مهم لديها. بتعب نهض من الطاولة ودفع الحساب وغادر. أسرع إلى سيارته بينما الدموع تطرف من عينيه. كم هي قاسية! لقد نسيته بتلك البساطة. ابن حبها المزعوم له! أي وعودها بأنها سوف تبقى معه للأبد. أين كل تلك الوعود؟ هل نستها؟
جلس بسيارته وهو يمسك المقود بقوة بينما الدموع تنفجر من عينيه أكثر فأكثر. انطلق بها ثم أخذ يضرب على المقود بغضب.
"اللعنة على الحب... اللعنة عليه!!!"
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
بعد أن ذهبا نسرين وفؤاد. ظلت واقفة أمام باب الجامعة تشعر بألم في قلبها. أغمضت عينيها وقالت:
"وحشتني يا موسى... وحشتني اووي..."
ثم فتحت عينيها وهي تسمع صوت لقدوم سيارة أمامها. توسعت عينيها بصدمة وهي ترى أن تلك سيارة موسى. وهذا هو موسى. موسى. حبيبها!
"موسى!!!" قالتها ليان وقلبها يرتعش داخل صدرها. كانت لا تصدق أنه أمامها. فمنذ الأمس وهي في حالة سيئة بسبب ما حدث. ولكن برؤيته اليوم تشعر أن الألم الذي في قلبها تراجع.
"أركبي يالا..." قالها مبتسما لتهز رأسها وهي تنظر حولها خوفا من أن يأتي السائق ويراها معه. وهي لا تريد هذا. استقلت السيارة سريعا لينطلق موسى بهما.
في السيارة. كانت ليان تنظر إلى موسى وعينيها مشبعة بالدموع. تشعر وكأن أحدهما يعتصر قلبها بقوة. لقد اشتاقت له ولا تصدق أنه ابتعد عنها.
"وحشتني اووي يا موسى..."
جذب كفها وهو يقبله وقال:
"وأنتِ وحشتيني اكتر يا حبيبي..."
"هنعمل ايه في..."
"شششش مش عايزك تفكري في أي حاجة دلوقتي يا ليان. أنا هتصرف مع عدي... أنا لما جيت عشان اشوفك عشان بس وحشتيني وكنت ناوي اشوفك وأمشي بس مقدرتش بصراحة... كنت عايز اقعد معاكي واتكلم معاكي واشبع منك... وأنا هكلم عدي تاني... اطمني انتِ مش هتكوني لحد غيري زي ما أنا مش هكون لغيرك... مرضية يا ملكة قلبي..."
هزت رأسها وهي تمسح دموعها التي انسابت على وجنتيها. لن تنكر أن كلماته جعلتها تهدأ قليلا. هي الآن ليست خائفة. فهي تثق بموسى.
بعد قليل توقفا أمام مقهى يطل على النهر. خرج موسى من السيارة وجذب كف ليان وسحبها خلفه نحو المقهى. اجلسها بلطف على المقعد وقال وهو ينظر إليها وقال:
"تشربي ايه يا ست هانم..."
"انت هتشرب ايه؟!" قالتها وهي تنظر إليه بحب فرد ببساطة:
"هشرب شاي بالنعناع..."
"خلاص أنا كمان هشرب شاي بالنعناع..."
رفع حاجبيه بحيرة وقال:
"من امتى بتحبي الشاي..."
"من دلوقتي عشان أنت بتحبه..."
ضحك وقال:
"طيب يا نصابة..."
ثم استدعى النادل ليأخذ طلبهما. وبعد ان ذهب وضعت ليان كفها على وجنتها وبدأت تراقب موسى بحب.
"وحشتني اووي بجد... متعرفش أنا عملت ايه لما اخويا طردك اتخانقت معاه وحتى مش بكلمه من الصبح... حتى لما قالي أنه جابلي سواق جديد معملتش اي رد فعل وتجاهلته و...."
قاطع كلماتها المتحمسة وجوم موسى وهو يقول:
"ليان مفروض متعامليش اخوكي بالشكل ده... مهما كان غلط ومهما كان اختلافنا معاه ده برضه اخوكي... بس انا وأنتِ لازم نعترف بحاجة!!!"
صمت قليلا وأكمل:
"لازم نعترف أننا غلطنا في حق اخوكي لما ارتبطنا من وراه... احنا كسرنا ثقة عدي وهو ميستاهلش ده مننا أبداً... في الوقت اللي كنت لوحدي مفيش حد يساعدني كان هو الوحيد اللي مد أيده وساعدني... دخلني بيته وأمني على أخته وبدل ما احميها... حبيتها... حاولت أنكر مشاعري دي... حاولت اقضي عليها بس مقدرتش... هي كانت محاصراني من كل مكان... حبيتها اكتر من نفسي حتى وكنت مستعد أعمل ايه حاجة عشان احميها حتى لو كنت هموت مش مشكلة المهم تبقى هي بخير... وعلى قد ما كنت بحبها... على قد ما حاولت اقتل الحب ده من جوايا... مكونتش حابب اخون صاحبي بس للاسف فشلت بقوة كمان... فشلت قدامك يا ليان... فشلت وبعترف... بس برضه أنا خونت صاحبي وكنت مستعد لأي عقاب يقوله ومفروض متعاملهوش كده... عدي عمل المستحيل عشان يحميكي... وقف في وش عمه وخسره... حبس عمه وكان هيقتله في مرة عشانك... معقول نسيتي كل اللي عمله عشانك يا ليان..."
أطرقت ليان برأسها. عضت شفتيها وهي تمنع شهقاتها من التسلل من بين شفتيها. تعترف أنها قد عاملت عدي بأسلوب بشع. رفعت رأسها ونظرت إلى موسى وعينيها رطبة بفعل الدموع وقالت:
"أنا كنت زعلانة أنه طردك يا موسى... كنت حاسة أنه طرد روحي متعرفش لنا عيشت ايه امبارح... أنا كنت هتجنن لولا أنك كلمتني اخر الليل ووعدتني أنك هترجعلي قريب... صحيغ غلطت بحق عدي... مكنتش في وعي... كنت هتجنن عشان اعرف روحت فين..."
ابتسم موسى وشد على كفها وقال:
"احنا مع بعض اهو... ومستحيل اي حاجة تفرقنا..."
تنهد وقال:
"أنا هكلم عدي تاني يا ليان... مش هستسلم ابدا غير لما تكوني ليا يا ليان... ده وعدي ليكي..."
ابتسمت له ابتسامة رائعة. كلماته تلك أطلقت العديد من الفراشات بمعدتها. شعرت بقلبها يخفق بقوة وعينيه تحاصرها بقوة. وكفه تشد على كفها. كان كل شئ مثالي للغاية بينهما. الحب داخل قلب كل منهما. نقي وحقيقي.
فجأة أتى النادل بأكواب الشاي ليشرعا في تناوله. وبعد أن انتهيا جلسا قليلا يتكلمان. كانت تتكلم معه دون توقف وهي سعيدة. كانت تريد أن تشبع منه قبل أن تعود للمنزل. ولكن كان قد أتى ميعاد ذهابها للمنزل. كما أن السائق اتصل بها.
"معلش يا حبيبي لازم امشى دلوقتي..." قالتها ليان وهي تنهض لينهض موسى ويقول:
"يالا هوصلك..."
"لا لا مفيش داعي أنا هروح لوحدي..."
"لا يا ليان قولت هوصلك خلاص متناقشنيش لو سمحتي..."
وبالفعل لم تجادل بل أتبعته إلى سيارته وركبتها بهدوء وهي تبتسم. ها هي سوف تنال بضع دقائق معه ولكن الخوف أن يراها السائق ويخبر عدي.
ما أن جلس وانطلق بها حتى قالت بتوتر:
"أنا خايفة السواق يشوفك ويقول لأخويا... خايفة خالص يا موسى..."
"متخافيش يا حبيبتي مش هيحصل ده... أنا عامل حسابي..."
..... وبعد بضعة دقائق كان قد اوصلها بعيد عن جامعتها نسبيا وقال:
"انزلي هنا وروحي الخطوتين دوول وبعد ما توصلي اتصلي بيا عشان اطمن عليكي..."
هزت رأسها وقالت وهي تنظر إليه:
"امتى هتكلم عدي؟!"
"قريب جداً بإذن الله..." قالها بثقة لتبتسم وتترجل من سيارته وهي تشعر وكأنها ولدت من جديد. الدقائق التي قضتها مع موسى كانت اجمل دقائق قضتها في حياتها كلها. اقتربت من السيارة الخاصة بهما لترى السائق. استقلت بهدوء السيارة لينطلق بها بسرعة.
قاد موسى سيارته عائداً الى منزله. كانت الابتسامة تملأ شفتيه. كم هو سعيد لانه رآها. لقد اشتاق اليها بجنون. حبيبته الصغيرة. كان يحتاج ليراها كي يخطو الخطوة الثانية. سوف يكلم عدي. لا أحد سوف يمنعه عن حب حياته. وعدي عندما يرى كم يحب هو شقيقته هو متأكد أن الجليد الذي في قلبه سوف يذوب وسوف يعطيه ليان. هو يعرف أن عدي طيب للغاية ولن يتحمل رؤية لا شقيقته تعيسة ولا صديقه. تنهد وهو يوقف السيارة أمام العمارة السكنية وخرج من السيارة وهو يصفر بسعادة ثم بخطوات واسعة ولج للعمارة. غير منتبه للسيارة السوداء الجيب الواقفة أمام العمارة والتي كان لها عدوه الأوحد. الرجل الذي قلب حياته منذ سنوات. دمرها تماماً. هل هو يعود لكي يدمرها مرة آخرى؟ كان مصر على هذا. فموسى سوف يعيش اتعس أيام حياته. نظر صموئيل الى الرجل الذي يعمل معه وقال:
"قولي بقا نقطة ضعفه الجديد..."
"ليان رشيد هو كان البودي جارد بتاعها وحبيبته في نفس الوقت..."
ابتسم صموئيل وقال:
"خلينا نعيشه الكابوس مرتين!!!"
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
"يا بنتي متبقيش عنيدة... الدكتور يحيى عرض المساعدة عليكي.. ده هيعمل العملية لأمك بنفسه يا رانيا وفي المستشفى بتاعته الخاصة." قالتها ماجدة. لا تصدق عناد تلك الفتاة. إنها تعرض حياة والدتها للخطر بسبب غبائها.
كانت رانيا جالسة على الأريكة بمنزل ماجدة ترمش بعينيها لكي تبعد الدموع عن عينيها. لم تكن تريد البكاء أمامها. كانت مقهورة على حالها. لقد أيقنت الآن أنها مثيرة للشفقة. فيحيى لم ينجذب إليها بل يشفق عليها كحالة انسانية. يبحث لها عن عمل ويريد إجراء جراحة لوالدتها. شعور أنها بائسة وتثير شفقة الجميع جعل معدتها تتلوى. أغمضت عينيها وهي تتذكر ما قاله لها.
"عايز أنا اللي أعمل العملية لوالدتك في المستشفى بتاعتي وبدون أي مقابل..."
هكذا قالها صادما اياها. ظنت أنها سمعت بشكل خاطئ ولكن ملامحه كانت جادة. عينيه الزرقاء كانت ترمقها بإنتظار ليسمع ردها. هزت رأسها وقالت بذهول:
"انت ايه اللي عرفك اللي حصل لأمي يا دكتور؟! مين قالك انها محتاجة عملية؟!"
"مش مهم مين قال يا رانيا... المهم دلوقتي ان والدتك محتاجة عملية وأنا اللي عايز اعملهالها..."
"خالتي ماجدة هي اللي قالتلك صح؟!" قالتها وقد ظهر في صوتها الجرح. أحست رانيا في هذا الوقت أنها مثيرة للشفقة. شعرت بنيران الغضب ترتفع داخلها. لقد فعلت المستحيل لكي لا يشفق عليها أحد ولكن عبثاً. فها هو يحيى يشفق عليها. ها هو يريد مساعدتها بالتأكيد هو يراها كحالة إنسانية.
"انطق خالتي ماجدة اللي قالتلك صح؟!" قالتها بإنفعال وقد حاربت ظهور الدموع بعينيها إلا أنه قال:
"قولتلك مش مهم مين اللي قال المهم ان والدتك محتاجة عملية وأنا بعرض أن أنا اللي اعملها!!!!"
"ليه؟!" قالتها بنبرة حاربت لإخراجها ثابتة ولكنها خرجت مرتعشة بينما تسللت دمعة من سجن عينيها لتفضح ما بداخلها من حزن وبؤس شديد. نظر يحيى إليها بحزن. كان قلبه يؤلمه عليها وهو يفعل ما بوسعه الآن لزرع الابتسامة على وجهها مجددا.
"قولي يا دكتور ليه عايز تساعدني... ليه؟ ايه شفقان عليا صح؟ اكيد أنا حالة إنسانية بالنسبالك صح؟"
نظر إليها يحيى بصبر. كان يعرف أنها تعاني لذلك تركها تهذي ولم يفقد أعصابه معها فقال أخيراً:
"لا يا رانيا مش حالة إنسانية ولا حاجة... أنا عايزة اساعدك عشان أنتِ ليه مكانة عندي..."
نظرت إليه بصدمة وقالت:
"مكانة ايه حضرتك؟!"
قالتها ليرتبك هو ويقول:
"خلينا في المهم يا آنسة رانيا... فكري في والدتك التعبانة ومش مهم أنا دلوقتي..."
"طيب ما أنا فعلا بفكر في والدتي... ومش هفكر الا فيها وهي أهم..." قالتها بإندفاع ليبتسم بلطف ويقول:
"كويس اووي.. يبقى ليه مش عايزة تعملي العملية لمامتك عندي... الانتظار في الحالات دي مش بيفيد... متبقيش عنيدة يا رانيا واسمعي الكلام..."
نهضت بضيق وقالت:
"وانا قولتلك شكرا مش عايزة... مش عايزة يا بيه... مش عافية هي..."
ثم تركته وغادرت تاركة إياه ينظر إليها بيأس.
عادت رانيا من شرودها ودموعها تتساقط تباعاً بينما ما زالت ماجدة توبخها.
"خلاص كفاية يا خالتي كفاية..." قالتها رانيا وهي تبكي لتزعق بها ماجدة:
"لا مش كفاية... مش كفاية يا أستاذة رانيا... متبقيش أنانية وفكري في مصلحة امك... قولولي هتكوني مبسوطة لو أمك حصلها حاجة... ها.. هتكوني مبسوطة!!! لو ماتت لا قد الله هتندمي على اللي عملتيه... يا بنتي متبقيش غبية الراجل مادد أيده وعايز يساعد فأقبلي المساعدة عشان خاطر امك على الأقل..."
بعد قليل. كان يحيى يخرج من سيارته وقلبه يخفق. منذ أخبرته أنها تريد التحدث معه لم يفكر مرتين وأتى إلى هنا. استقبلته السيدة ماجدة في منزلها بترحاب شديد وذهبت لتحضر له شئ كي يشربه. بينما ظل هو مع رانيا بصالة المنزل. كانت رانيا تفرك كفيها بينما هو يتأملها بعمق. الاحاسيس التي تفجرها تلك الفتاة داخله عجيبة. لم يفعل أحد هذا به. وأصبح الإنكار حماقة الآن. هو يعترف أن لديه مشاعر قوية بداخله من ناحيتها. يعترف أنه يعشقها!!!
"انا موافقة انك تعمل العملية لأمي!!" قالتها بهدوء.
♡♡♡♡♡♡♡♡
في اليوم التالي.
"ورد..." قالها ياسين بتردد وهو يقترب من ورد. لا يعرف ماذا يتكون رد فعلها على ما سيقوله الآن لها. هي بالتأكيد سوف تغضب منه ولكنه لا يهتم. هو سوف يحاول امتصاص فغضبها وسيتحمل أي شئ منها. رفعت ورد رأسها وهي تنظر إليه. كانت جالسة على الأريكة براحة فهو بعيداً عنها منذ الصباح وهذا اراحها نسبيا ولكن الآن هو قرر اقتحام مساحتها الخاصة. تأففت وظهر الضيق على وجهها وقالت بفظاظة:
"نعم؟!"
ابتلع ريقه وقال وهو يمد لها حقيبة ورقية كبيرة بعض الشئ موقع عليها اسم محل لأحد المحجبات وقال:
"ممكن تلبسي ده؟"
نظرت إليه وكأنه فقد عقله وقالت:
"ليه؟"
ثم أخرجت محتوى الحقيبة الورقية والذي لم يكن سوى عباءة سوداء واسعة قليلاً وحجاب معها. يبدو بالفعل انه فقد عقله. نظرت إليه وقالت بسخرية:
"هي هدية جميلة بس حضرتك انا مش محجبة فمش فاهمة الهدية دي عشان ايه؟ حضرتك ناوي تحجبني؟"
ربع ذراعيه وقال بهدوء:
"أنتِ مش عايزة تتحجبي يا ورد؟"
أنمحت السخرية من وجهها وقالت بجدية:
"نفسي جدا وعايزة اخد الخطوة دي بس القصة أنك عمري ما قولتلي اتحجب فمستغربة دلوقتي... وكمان أنا في البيت ليه هلبس دوول..."
تنهد وقال:
"عشان جايلنا ضيوف يا ورد بطلب منك البيئة دوول لو سمحتي..."
نظرت إليه دون فهم وقالت:
"ضيوف مين اللي عايزني اقابلهم بعباية... عندي فضول شديد!"
انتهى الأمر. يجب أن يعترف لها. لن يكون جبان ويخفي عنها الحقيقة. هي يجب أن تعرفها. قال فجأة بثبات وهو ينظر الى عينيها بعمق:
"شيخ.. اللي هيجي هنا بعد ربع ساعة شيخ عشان يقرأ عليكي ويقرا على البيت ويشوف ايه المشكلة وليه التوتر ده بيننا..."
قال كلماته بكل هدوء. لم يتوتر أو تظهر على ملامحة أي لحظة ضعف او ارتباك بينما ظل ينظر الى وجهها المصدوم بصبر. أخذت المشاعر تتعاقب على وجهها. حيرة وذهول وصدمة ثم غضب. غضب شديد سيطر على ملامحها وهي تنظر إليه. كانت لا تصدق انه يقول بوجهها هذا!! انتظر ياسين انفجارها وبالفعل صرخت به!
"أنت ازاي عايز تجبلي شيخ هنا يقرأ عليا؟ أنت شايفني مجنونة!!!"
صرخت ورد وهي تسمع قراره المفاجئ بأن شيخ سوف يأتي للمنزل بعد ربع ساعة. ابتسم ببرود وقال:
"يا ورد يا حبيبتي... الشيخ بيعالج الملبوسين مش المجانين فلا أنتِ ست العاقلين بس شاكين أنك ملبوسة!!!"
"أنا ملبوسة يا ياسين..." ضربت على الأرض بغيظ وهي تصرخ به قال وهو يقترب منها ويحملها:
"اولا بلاش حركة كتيرة عشان البيبي... وبعدين مش احسن ما تكوني مجنونة رغم ان الاتنين بالنسبالي واحد..."
اجلسها على الأريكة برفق ثم جلس بجوارها وهو يتكلم بنبرة جادة للغاية بينما يشد على كفها:
"بصي يا ورد أنا وانتِ واخدين بالنا اووي ان فيه توتر بيننا وفيه نفور جواكي من ناحيتي غريب ودي حاجة صدمتني عشان أنتِ دايما كنتِ بتقولي أنك بتحبيني... فالنفور المفاجئ ده صدمني وجرحني خاصة اني حبيتك... أنا أول مرة احب بالشكل ده... أول مرة اتعلق بحد بالشكل ده واخاف اخسره أنا عايزك في حياتي يا ورد... يمكن أنا جلنف زي ما بتقولي ومبعرفش اعبر عن مشاعري كويس بس صدقيني لما اقولك اني عايزك تكوني في حياتي لحد آخر ثانية في عمري.... عايز نكبر مع بعض ونجوز ياسمين والبيبي اللي جاي نربيه سوا ونجوزه كمان ونشوف احفادنا ونفرح بيهم واحكيلهم على جدتهم اللي استحملت جدهم الجلنف عشان بتحبه.... عايز حياتنا ترجع حلوة زي الأول يا ورد... حطي ايدك في ايدي وساعديني... خليكي أنتِ أقوى... لو سمحتي يا ورد..."
تنهدت وقالت:
"اعمل ايه؟"
ابتسم براحة أخيرا وقال:
"البسي دوول وقابلي الشيخ..."
"حاضر..." قالتها بوداعة.
بعد ربع ساعة بالضبط. كان أمجد يلج الى المنزل وهو مثبت عينيه على الأرض و يقول:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا شيخ اتفضل..." قالها ياسين بإحترام شديد وهو يدله على طريق غرفة الضيوف. جلس أمجد براحة على الأريكة. بدأ يتحدث مع ياسين قليلا عندما دخلت ورد وهي تحمل العصير بينما ترتدي العباءة والحجاب الذي يغطي شعرها بالكامل. ثبت أمجد عينيه على الأرض وقال:
"اقعدي جنب زوجك..."
فعلت ورد ما أمر به ثم قال أمجد:
"ودلوقتي أنا هقرأ وأنت يا باشمهندس راقب تصرفات زوجتك..."
"ماشي..." قالها ياسين. أغمض أمجد عينيه وبدأ يقرأ.
« قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لّهُ كُفُوًا أَحَدٌ » .... بسم الله الرحمن الرحيم « قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ * مِن شَرّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرّ النّفّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ»
بسم الله الرحمن الرحيم
فَلَمّا أَلقَوا قالَ موسى ما جِئتُم بِهِ السِّحرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصلِحُ عَمَلَ المُفسِدينَ»، بسم الله الرحمن الرحيم
وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ»
كان أمجد يقرأ دون توقف بينما ياسين يراقب زوجته التي أخذت تهتز ودموعها تنفجر من عينيها. فجأة نهضت وهي تصرخ وقالت:
"كفاية... كفاية كفاية!!"
ثم وضعت كفيها على أذنها وهي لا تريد أن تسمع الباقي.
"امسكها يا باشمهندس كويس..." قالها أمجد بصرامة لياسين الذي بهتت ملامحه وهو يرى زوجته في تلك الحالة.
"باشمهندس ياسين فوق معايا!!!" قالها أمجد بنبرة مرتفعة لينهض ياسين بسرعة ويمسك زوجته. يبعد كفيها عن اذنيها بينما أكمل امجد القراءة.
"بسم الله الرحمن الرحيم
الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم..."
ثم أتبعها بسورة الفاتحة بينما بدأت ورد بالصراخ حتى فقدت وعيها.
"ورد ورد...." صرخ ياسين بخوف ولهفة ليقول أمجد:
"متخافش عليها ورح وديها على اوضتها وتعالى يا باشمهندس..."
هز ياسين رأسه وهو يحمل زوجته بينما أخذ أمجد يسبح ويستغفر ويصلي على الرسول.
بعد قليل جاء ياسين إليه وجلس بجواره وقال:
"ايه يا شيخ.. انت شايف ايه..."
"سحر قوي يا باشمهندس..."
"مين اللي عمله..." قالها ياسين والنيران تندلع بعينيه فابتسم أمجد بسماحة وقال:
"مهما كان اللي عمله ربنا يجازيه على عمله يا باشمهندس خلينا في المهم دلوقتي احنا هنكمل قراءة مع زوجتك أنا هرتب ايام واجيلك فيها وأنت مطلوب منك شوية حاجات مستعد تعملها..."
"-مستعد يا شيخ..." قالها دون تردد فقال أمجد بجدية شديدة:
"قولي يا باشمهندس انت بتصلي؟"
تصاعدت حمرة الخجل لوجنتي ياسين وقال:
"بصراحة لا..."
"-طب والمدام..."
"-برضه لا... هي كانت ساعات تصلي وساعات تقطع وانا كمان نفس النظام..."
ابتسم بلطف وقال:
"طيب وده ينفع يا باشمهندس الصلاة عماد الدين ده ربنا بيقول في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى)لا يا باشمهندس ابدأ صلي... صلي عشان أنت محتاج لربنا مش العكس... وخلى المدام تصلي كمان وواظبوا على الرقية الشرعية والمعوذتين وآية الكرسي والفاتحة ويوميا حصن نفسك أنت وزوجتك..."
"-احصن نفسي ازاي..." سأله ياسين ليرد:
"ردد ورايا يا باشمهندس (حصنتك برب العزة والجبروت حصنتك بالحي الذي لا يموت حصنتك بالواحد الاحد حصنتك بالفرد الصمد حصنتك بالذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد)"
اخذ ياسين يردد خلفه وعندما انتهى نهض أمجد وقال:
"لينا لقاء قريب بأمر الله يا باشمهندس... في حفظ الله بإذن الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..."
ودعه ياسين واوصله لباب المنزل والنيران تتصاعد بعينيه. إنها هي. هي من فعلت هذا وسوف تندم على ما فعلته!!!
♡♡♡♡♡♡♡♡
كان جالس على الأريكة. يرجع رأسه للخلف ويبدو عليه الراحة. ابتسامة خفيفة تزين وجهه. فأخيراً بعد يومين. قرر الخروج من عزلته وتواصل مع عبير بالرقم الذي اعطته اياه وقرر ان ينتقم من كل من خدعه.
كان شريف يجلس على فراشه ويهز قدميه بتوتر. عدي رشيد هنا. ترى ماذا يريد منه؟ هل اكتشف ما فعله؟ هل أتى للإنتقام؟ دعك عينيه بتعب. الغبية جواهر لا ترد عليه. وبعث رجاله يبحثون عنها بكل مكان ولكن لم يجدها. هل يمكن أن يكون عدي اكتشف كل شئ وحبسها في قصره؟ هل فعلها معقول؟
تنهد وهو يعترف داخله أن وجوده هنا لن يساعد وأنه يجب أن يرى عدي. نهض وهو يعدل من سترته ويخرج من الغرفة بينما قلبه يدوي داخل صدره.
"شريف بيه كل ده عشان تقابلني..." كان عدي ينظر إليه بخبث لا يخلو من الغضب.
"خلينا نتكلم في المكتب ارجوك..." قالها شريف بنبرة ترتعش فقال عدي:
"معنديش اي مانع يا شريف بيه......."
بعد قليل في المكتب.
"انا عرفت كل حاجة يا شريف... بدءا من التزوير والشيكات اللي ماسكها علي جواهر وكل حاجة..."
بهت شريف ليقترب عدي ويقول:
"ايه رايك يا شريف تهمة تزوير مع الشيكات... يا سلام ده انا هتعفن في السجن...."
لم يتردد شريف وهو يجلس على الأرض أمامه ويمسك كفه ويقبله قائلا:
"أبوس ايديك يا عدي بيه... أبوس ايديك ارحمني... هعمل اللي انت عايزة...... قول لي عايز ايه..."
ابتسم عدي بشر وقال:
"تجوزيني عبير الحقيقية وتكتبلي تنازل بالبيت ده!!!"
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سولييه نصار
بتقول إيه؟
قالها شريف بنبرة مرتفعة وهو ينظر لعدي الذي ارتدى على وجهه قناعًا من الجليد.
هز عدي كتفه وقال:
إيه بقول إيه غريب؟ بقولك تجوزني عبير وتكتب البيت ده بإسمي. إيه ده، أنا هكون صهرك حتى. مفروض متستخسرش فيا حاجة.
إنت مجنون... مجنون!
ابتسم عدي باستفزاز وقال:
أنا فعلًا مجنون. وممكن بسبب جناني ده أقول للشرطة كل حاجة وتتحبس إنت والحلوة اللي خدعتني. ووريني بقا إيه هيحصل فيك في السجن يا شريف بيه.
هتحبس البنت اللي حبيتها؟
قالها شريف بخبث. كان يريد أن يلعب على الوتر الحساس بداخل عدي، ولكن عدي ابتسم في وجهه ببساطة وقال:
مشكلتك إنت والنصابة اللي افتكرت إنها ممكن تخدع عدي رشيد إنكم فاكرين إني غبي لدرجة أحب واحدة زيها. لا يا شريف، هي اللي كانت غبية وحبتني وعشان كده وقعت في الفخ وقالت على كل حاجة.
ابتسم باتساع وقال:
ببساطة يا شريف، إنت صباعك تحت ضِرسِي دلوقتي. لو منفذتش اللي أنا عايزه هتتسجن.
إنت عايزني أديلك بيتي؟
ابتسم عدي بدهشة وقال:
لازم أعترف إن من بين كل الناس اللي قابلتها، إنت الأسوأ والأحقر. بقا يا راجل مش خايف على بنتك مني وخايف على بيتك؟ يعني دي المشكلة إنك مش عايز تديني البيت اللي إنت عايش فيه. بس بنتك عادي صح؟
احمر وجه شريف من الانفعال وشعر أنه عاجز عن التكلم تمامًا.
كان عدي يتأمله بتشفى. هذا الرجل يستحق كل ما يفعله به. إنه حقير من الدرجة الأولى.
موافق أجوزك بنتي وأديلك البيت بس بشرط. بما إن بنتي عبير هتكون مراتك، تكتب البيت بإسمها هي.
ابتسم عدي وقال بدون تردد:
موافق جدًا. لما نتجوز أنا وهي، هكتب البيت بإسمها ومتقلقش يا شريف، أنا بحافظ على كلمتي كويس. رجّع بنتك البيت وصلّح الهبل اللي إنت عملته فيها وفي جواهر. ولما تتنازل عن البيت، كلمني عشان أديك الشيكات.
ابتلع شريف ريقه وهو يسمع نبرة عدي المتسلطة. كان هو في موقف لا يُحسد عليه. كل شيء انهدَم على رأسه.
انسحب عدي من أمامه وذهب وابتسامة شريرة للغاية تجمل شفتيه.
بينما جلس شريف وهو يشعر بالدوار. يا رب، ما تلك الكارثة؟ هل ستخلى عن منزله؟
تنهد وهو يفكر أن ليس أمامه إلا هذا الحل. ولكن على الأقل هو لديه بديل آخر. المهم أن يحصل على الشيكات من عدي ويزوجه ابنته، وبهذا سوف يرتاح ويبدأ من جديد.
خرج عدي من منزل شريف وأجرى اتصالًا بأحدهما، ثم انطلق مسرعًا بسيارته.
بعد نصف ساعة تقريبًا.
كان قد وصل إلى قصره. وأمام البوابة كانت تقف جواهر تنتظره.
خفق قلبه بقوة وهو يراها. شعر وكأن العالم يدور به وشكر ربه كثيرًا أنه يرتدي نظارة ليخفي مشاعره نحوها.
خرج من السيارة وهو يسير نحوها بخطوات ثابتة. توقف أمامها ولم ينزع نظاراته، وترك لنظراته حرية التجول على ملامح وجهها باشتياق. لقد اشتاق إليها. كل ما أراد فعله الآن هو أن يجذبها إليه ثم يعانقها ويقبلها. أراد أن يعاتبها، يصرخ بها. الغضب والاشتياق كانا يمتزجان معًا بداخله.
خير، عايزة إيه؟
كلماته كانت جافة بطريقة أفزعتها. تصاعدت الدموع لعينيها وهي تنظر إليه باشتياق. لقد أخبرت نفسها أنها ستتركه وشأنه وتلتفت لحياتها. حتى أنها رفضت الرد على اتصالات عبير وشريف. ولكنها فشلت في أن تقاوم الحضور إليه وإخباره الحقيقة، لعله يتفهم، لعله يغفر. ولكن يبدو من نبرته الجافة أن تلك كانت فكرة سيئة للغاية.
ابتلعت ريقها وهي تحاول أن تجمع الكلمات، ولكنها كانت تشعر أن الكلمات تتناثر من فمها. كانت تهابه الآن. تخاف أن تقول شيئًا خاطئًا فينْفَجِر بوجهها. سمعت قلبها يدوي داخل صدرها وهي تنظر إليه بعجز. ترغب في الكلام فلا تستطيع. تمنت أن ترى عينيه الآن لتعرف هل أثرت به أم لا، ولكن للأسف كانت عيناه متوارية خلف نظاراته القاتمة.
كان يصعب عليها التواصل معه وهو متباعد بتلك الطريقة.
ها، كنتِ حابة تقولي إيه؟ أكيد مش جاية عشان تتأملي جمال!
نبرته كانت ساخرة، واستطاعت سماع المرارة بصوته. أطرقت وهي تقول بخفوت أخيرًا، بينما تشعر بقلبها يعتصر من الألم:
كنت جاية أتكلم معاك؟ ممكن تديني دقيقة من وقتك؟
ما زال محافظًا على جموده رغم الضجيج الذي بداخله بسببها، إلا أنه رفض تمامًا أن يجعلها تعرف أنها تؤثر عليه بتلك القوة.
ليه؟ حابة تتكلمي معايا ليه يا آنسة جواهر؟ إيه في كذبة جديدة من كذباتك اللي مبتخلصش نسيتي ما تقوليها وجاية تقوليها دلوقتي؟ إيه، عايزة تخدعيني تاني؟
شريف باعتك المرة دي ولا قررتي تمشي من دماغك؟ عندي فضول شديد أعرف يا آنسة جواهر.
كانت الدموع تتساقط من عينيها وهو يكلمها بتلك الحدة. أرادت منه أن يتوقف الآن، فالألم كان يعصف بها. إنها تشعر بالذنب بسببه. لم ترغب أن تجرحه بتلك الطريقة. ولكنها أحبته ولا يمكنها أن تنسحب من حياته بتلك البساطة دون أن تحارب قليلًا ليسمعها. يجب أن يسمعها. يعرف لماذا فعلت هذا.
مش جاية أخدعك. أنا لو كنت حابة أخدعك يا عدي، ما كنتش بنفسي قلتلك الحقيقة اللي إنت بنفسك مخلتنيش أكمل باقي الحقيقة. مدتنيش فرصة أقولك ليه أنا عملت كده، واستنتجت فورًا إني عاشقة شريف. أنا عايزاك تسمعني يا عدي. صدقني أنا عملت كده عشان...
ولكنه قاطعها ببرود وقال:
مش مهتم أسمع حاجة. ولا عايز أسمع أي تبرير منك. كان عندك بدل الفرصة عشرة عشان تقوليلي الحقيقة، بس إنتِ اخترتي تبقي كدابة. اخترتي الخداع، فمستنيش مني إني أثق فيكي وأسمعك تاني. ولا أرجعك لحياتي. إنتِ زي كارمن، طردك برا حياتي ومستحيل أرجعك. اتفضلي امشي من هنا بدل ما أهينك. مش حابب أعمل كده. امشي لو سمحتي.
عدي... عدي بس اسمعني.
قالتها بنبرة مختنقة ودموعها تنسكب من عينيها دون توقف، ليصرخ بها:
قولتلك امشي من هنا. امشي يالا. مش عايز أشوف وشك تاني. مش طايقك. يالا روحي.
تراجعت بصدمة وهي تشهق. تشعر بألم كبير في قلبها. كانت أن تأتي لهنا فكرة سيئة للغاية، فعدي لن يصدقها. لن يعطيها فرصة أبدًا. هي بالنسبة له مثل كارمن، لا تختلف عنها بشيء. نفس الخداع عبر نفس الرجل. ليتها لم تفعل هذا. ليتها لم تحطم قلبه.
أنا آسفة يا عدي. آسفة.
قالتها وهي تهم بالذهاب، ليقول هو بنبرة قوية:
بالمناسبة، جوازي على عبير الحقيقية قريب أوي. لو حابة تيجي تعالي.
وكانت تلك ضربة موفقة منه لقلبها، فهي شعرت أن قلبها يتفتت لمائة قطعة.
عايز أشوف بنتي.
قالها شريف بنبرة جافة لتحية التي تنظر إليه باشمئزاز. كان متضايقًا من نظرات تلك المرأة، إنها دائمًا تشعره أنه ندل.
اتفضل يا بابا.
كان هذا صوت عبير الهادئ، تسمح له بالدخول. نظر شريف إليها ودخل مقتربًا منها وهو يقول:
حابب أتكلم معاكي. لوحدنا يا عبير لو سمحتي.
رفعت تحية حاجبيها ولكنها لم تعلق، بل ولجت هي وطفليها إلى الغرفة غير مهتمة أبدًا بأن تضايفه، فهو رجل فظ لا يستحق أي شيء.
بعد أن ولجت تحية لغرفتها هي وأطفالها، جلس شريف على الأريكة وقال:
اقعدي يا عبير. كلامنا هيطول.
جلست عبير بالفعل على الأريكة ونظرت إليه بحيرة وقالت:
اهو قعدت. حضرتك عايز إيه؟
حاسبي على طريقة كلامك معايا يا بيري.
ضغطت على أسنانها بغضب. لن يتغير. حقًا لن يتغير.
تنهد وهو يبدأ الكلام:
على العموم، مش موضوعنا خالص طريقة الكلام. خلينا منشتتش نفسنا أكتر من كده، عشان في مصيبة مستنياني ومستنية حضرتك والعبقرية جواهر اللي بس لما أشوف وشها هعرف أتصرف معاها على اللي هببته ده.
ارتبكت عبير وهي تنظر إليه. تصاعد التوتر داخلها، بينما هو ينظر إليها بتوتر مماثل ويقول:
آنسة جواهر قالت لعدي الحقيقة. قالتله كل حاجة يا عبير. أنا في ورطة وهي كمان في ورطة.
تصنعت عبير الصدمة بمهارة على ملامح وجهها. وضعت كفها على فاها وهي تنظر إلى والدها.
تنهد شريف طاردًا توتره وقال:
عارفة ده معناه إيه يا بيري؟ معناه إني أنا هتحبس ومش بس أنا، دي جواهر كمان هتشرف معايا في السجن. يعني أنا وهي هنبقى رد سجون. وكله بسبب تخلفها. أنا معرفش كان عقلها فين لما قالتله الحقيقة. البنت دي طلعت غبية أوي. أكيد حبته بدل ما تخدعه. نفس غباء كارمن. مكتوب عليا إني كل ما أبعت واحدة لعدي رشيد عشان تخدعه، بدل ما تخدعه تحبه.
كان يتكلم بنزق وهو يشعر بالغضب الشديد من فشله المتكرر. فلولا أن كارمن انكشفت أمام عدي واعترفت له بكل شيء لأنها تحبه، لكان الآن عدي تدمر. وجواهر ارتكبت نفس الخطأ الشنيع. في المرة القادمة سوف يبعث رجلًا له ليتأكد أنه لن يقع بحبه.
وهتعمل إيه دلوقتي؟
قالتها عبير بقلق، ليرد شريف بسرعة:
عدي جالي النهارده يا عبير. جالي وهددني وباين إنه ناوي على شر. بس أنا مش خايف على نفسي المرة دي يا بنتي. أنا خلاص تبت وعايز أصلح غلطي حتى لو هتحبس.
صمت قليلًا ونظر إليها ليرى تأثير كلماته عليها، ولكنه وجدها شاردة، فأكمل بوداعة أكثر:
أنا خايف المرة دي على جواهر. صحيح هي غبية أوووي، بس مش هيهون عليا أنها تتحبس. المسكينة أمها تعبانة ولو عرفت إن بنتها هتتحبس في قضية تزوير، ممكن تموت فيها وكده جواهر هتخسر كل حاجة يا بنتي. خسارة والله.
عندما رأى الخوف في عيني عبير، ابتسم داخله بانتصار وقال:
بس عدي بيه قالي حل تاني يا بيري. حل ممكن ينقذ المسكينة جواهر من اللي هيحصلها وينقذني كمان.
إيه هو الحل؟
أجاب على سؤالها بسرعة وقال:
هو عايز يتجوزك لسه. أنا حاولت أفهمه إن ده مينفعش وإنك مش عايزاه وأنا مش هرتكب الغلط ده تاني. كفاية العك اللي حصل والمشاكل الكتير اللي إنتِ واجهتيها بسببي. مكنتش مستعد أضحي بيكي لأني فهمت إن اللي عملته أكبر غلط. بس هو قالي ده الحل الوحيد قبل ما يبلغ الشرطة عني ويقول إن عبير صديقة اللي اتجوزها أصلها جواهر، وإن دلوقتي متجوزك قانوني بس واحدة تانية كانت عايشة معاه في البيت.
عدي عشان اتخدع من جواهر دلوقتي متعصب ومستعد يعمل أي حاجة عشان ينتقم منها. وأنا بحاول أوقفه. لدرجة إني اترجيته. ولما قال إنه عايز يتجوزك، اترجيته أكتر عشان يبعد عنك. أنا عارف قد إيه عدي إنسان مش كويس. وهو قالي كده عشان لما أرفض يحبسني. وأنا والله يا بيري مش مشكلتي أبدًا إني أتحبس. أنا خايف على المسكينة جواهر.
طيب لو حصل واتجوزت عدي، إيه اللي هيحصل؟
قالتها عبير فجأة بنبرة شاردة، لينظر إليها والدها بسرعة ولهفة.
كان قلبه يدوي داخل صدره من الحماس. هل سينجح في مهمته أخيرًا! كاد يرقص طربًا لأنه أخيرًا استطاع إقناعها، ولكنه يجب أن يكمل مسرحيته للآخر. فها هي ابنته تلين وقد توافق بالفعل على إنقاذه.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
مش هيبلغ لا عني ولا على جواهر. قال إن الأول هيفسخ عقد الجواز اللي بينك وبينه لما أتزوج جواهر على أساس إنه إنتِ. وهنعمل كتب كتاب جديد. وبعدين هيسامحني أنا وجواهر، مش هيبلغ عنا يعني. ووقتها جواهر هتكون في أمان يا بيري ومحدش تاني هيقدر يأذيها.
شردت عبير قليلًا، ليقول شريف بسرعة:
لو مش حابة تتجوزيه براحتك يا عبير. أنا مش هضغط عليكي زي ما عملت قبل كده وندمت. وأنا اللي خسرت في الآخر. متضحيش بنفسك لا عشاني ولا عشان جواهر. دي مشكلتنا إحنا الاتنين. هي صحيح جواهر ضحت عشانك ورضيت إنها تتجوز غصب عنها عشانك إنت. وعملت المستحيل عشان تحميكي. بس برضه هي اللي اتغاظت وأنا كمان. ودي مشكلتنا. مش مشكلتك خالص. مفيش داعي أبدًا إنك تتحملي نتيجة اللي عملناه أنا وهي. يعني إحنا اللي غلطانين. متشيليش هم. إحنا لينا ربنا كبير. وبتمنى من ربنا يساعدنا أنا والمسكينة جواهر. هحاول أتكلم معاه يطلع جواهر من الموضوع، رغم إن...
صمت قليلًا وهو يراقب انفعالاتها. يرى تأثير كلامه. يتمنى أن يؤثر بها هذا الابتزاز العاطفي الذي يمارسه عليها. فهو عرف أن ابنته لن ينجح معها العنف أو الإجبار. الابتزاز العاطفي سوف يحدث تأثيرًا فعالًا معها، وبالفعل ظهر التأثير جليًا على وجهها. كان هذا واضحًا.
تنحنح قليلًا وأكمل:
بصراحة يا بنتي، هو غضبه كله من جواهر. تقدري تقولي اتجرح لما واحدة ست خدعته، فعشان كده متضايق منها. بس يظهر إن رغبته إنه يتجوزك أكبر من أنه ينتقم من جواهر. بس أقولك، إن في الأول والآخر القرار قرارك يا بنتي. اعملي اللي إنتِ عايزاه. أنا مش هضغط عليكي خالص.
أنا موافقة.
قالتها بهدوء، لتتوسع عينا والدها ويقول:
بتقولي إيه؟
قولتلك إني موافقة يا بابا. موافقة أتجوز عدي رشيد. أنا مش هسمح إن جواهر تتحبس بسببي. هي ملهاش أي ذنب. حدد ميعاد كتب الكتاب وأنا جاهزة.
ابتسم شريف وقال:
ربنا يسعدك يا بنتي. أنا مش عارف أقولك إيه. إنتِ أنقذتي حياتي وحياة جواهر. شكرًا يا بيري.
تنهد ونهض وقال:
يالا يا بنتي نمشي من هنا. يالا.
نظرت إليه عبير وهزت رأسها بالإيجاب، ليبتسم هو بارتياح.
أنا خايفة أوي يا رانيا. خايفة أدخل ومطلعش تاني. أمانة يا بنتي لو مت سامحيني على أي غلطة عملتها في حقك.
كانت رانيا تكتم دموعها بشق الأنفس، لدرجة أن عينيها أصبحت حمراء بسبب الجهد الذي تبذله لكي لا تنهار أمام والدتها. ابتسمت وقالت بنبرة مرتعشة:
موت إيه يا أما؟ بعيد الشر عليكي. ده اللي هيعملك العملية الدكتور يحيى بنفسه. ده شاطر أوي وهتطلعي بالسلامة وهتفرحي بيا وتشيل عيالي. ولا إنتِ مش عايزة تفرحي بيا يا أما؟ مش عايزة تربي معايا عيالي؟
قبلت رابحة كفها وقالت والدموع تنفجر من عينيها:
طبعًا يا بت عايزة أفرح بيكي وأشيل عيالك. وأشوفك مبسوطة ومستورة في بيت جوزك. نفسي ترتاحي من الشغل والتعب يا رانيا وتقعدي في بيتك معززة مكرمة يا بنتي.
ابتسمت رانيا وقبلت كف والدتها بقوة وقالت:
هيحصل يا أما هيحصل. بس إنتِ تخرجيلي بالسلامة كده وأطمن عليكي و...
قاطع كلام رانيا دخول الممرضة الشابة وهي تقول بلطف بالغ:
عن إذنك يا آنسة رانيا عشان أجهز الحاجة للعملية.
هزت رانيا رأسها ونهضت وهي تقول:
ربنا يحفظك بحفظه يا أما.
ثم قبلت رأسها وخرجت. وكم كانت محظوظة أنها سيطرت على دموعها حتى خرجت من الغرفة التي تقبع فيها والدتها. وما إن خرجت حتى ارتفع نشيجها وانفجرت الدموع من عينيها بشكل لم تختبره من قبل. كتمت فمها وهي تبكي دون صوت، لا تريد أن يسمعها والدتها وتقلق أكثر. لا تريد أن تشغل بالها. يكفي أنها سوف تجري جراحة خطيرة كهذه.
هتكون كويسة. بإذن الله هتكون كويسة وترجعلي بإذن الله. كل حاجة هتكون تمام.
أخذت تكررها والدموع تتساقط من عينيها بينما تشعر بالألم يسحق قلبها.
رانيا يا بنتي؟
كان هذا صوت ماجدة وهي تقف بجوارها تضع كفها على كتف رانيا وتنظر إليها بحزن. تلك المسكينة لقد عانت الكثير. تتمنى أن تجد العوض المناسب لها.
نظرت رانيا إلى السيدة ماجدة وقالت بصوت مختنق:
خايفة عليها أوي يا خالتي. خايفة تروح مني.
بس يا بت الشر برا وبعيد. بإذن الله هتكون زي الفل. متخافيش عليها.
تنهدت رانيا وقالت:
يارب تقوملي بالسلامة يا خالتي.
هتقوملك بالسلامة بإذن الله. إنتِ بس امسحي دموعك دي ومتفوليش على الست.
هزت رانيا رأسها وهي تمسح دموعها بالفعل.
رأت يحيى فجأة وهو يتجه إلى غرفة العمليات، فذهبت إليه وأوقفته. نظر إليها يحيى وقلبه يخفق بقوة. مشاعره الجديدة التي اكتشفها نحوها جعلت دقات قلبه تتسارع أكثر من قبل. ابتسم بلطف لها، لتنظر إليه وتقول بتوسل:
خلي بالك من أمي يا دكتور. أنا مليش غيرها.
هز رأسه وقال:
في عينيّا. متقلقيش يا رانيا. هتقوملك بالسلامة بإذن الله.
ثم تركها وذهب.
ولجت والدتها لغرفة العمليات وانتظرت رانيا وقتًا طويلاً. رفضت أن تأكل أو تشرب، بل ظلت عيناها معلقة بغرفة العمليات. وأحست بالدموع تلسع عينيها. كانت تختنق كلما شعرت أن جراحة والدتها استغرقت وقتًا.
فجأة كتمت أنفاسها وهي ترى يحيى يخرج. اقتربت منه بلهفة وقالت والدموع تنفجر من عينيها:
أمي كويسة. قولي يا دكتور هي كويسة؟
ابتسم يحيى وهز رأسه وقال:
الحمد لله، العملية عدت على خير. هننقلها غرفة الإفاقة وبعدين هننقلها أوضة عادية.
أطلقت أنفاسها بارتياح وابتسمت بحلاوة لأول مرة قائلة:
شكرًا. شكرًا أوي يا دكتور.
ثم استدارت وعانقت ماجدة والسعادة تشع بعينيها. وكان هو أكثر سعادة منها. نسي كل شيء وأصلح يتأملها، وبداخله سؤال يؤرقه: هل ستكون لهما فرصة؟
في اليوم التالي.
في مكتب شريف، كان عدي يجلس براحة وهو ينظر إلى أوراق التنازل بابتسامة صافية.
بجد فاجئتني يا شريف. خطوة حلوة منك دي.
قالها عدي بتسلية. فزفر شريف وقال:
وكتب كتابك على عبير بنتي بكرة.
كتب الكتاب هيكون في القصر بتاعي.
قالها عدي، ليرد شريف بسرعة ويقول:
موافق. بس المهم فين الشيكات بتاعتي؟ أنا نفذت كل وعودي. نفذ إنت بقا وعدك. ومتقوليش لما نكتب الكتاب وكده، عشان مش موافق. أنا عايز الشيكات بتاعتي دلوقتي يا عدي.
ابتسم عدي وقال:
ده إنت مستعجل أوي يا شريف بيه.
تجمد وجه شريف وقال:
إنت ذلتني كتير بسبب الشيكات دي يا عدي. فلو سمحت هاتها. كفاية اللي عملته فيا لحد دلوقتي.
أنا اللي عملت برضه، ولا إنت اللي بدأت بالكدب والخداع؟
خلينا ننسى الموضوع. إحنا بدأنا صفحة جديدة.
ابتسم له عدي وقال:
في دي عندك حق تمامًا يا شريف بيه. عمومًا يا سيدي.
أدخل عدي يده في جيب سترته وأخرج الشيكات.
شيكاتك أهي.
قالها عدي وهو يلوح بالشيكات وملامح وجهه جادة للغاية. توسعت عينا شريف بصدمة وكاد أن يمد يده لكي يأخذ الشيكات، إلا أن عدي أبعد كفه قليلًا وقال:
أنا مخلصتش شروطي يا شريف بيه. بجانب تنازلك عن البيت وأنك هتكون الولي بتاع عبير في كتب الكتاب، فأنا كمان عايز الشيكات اللي ماسكها على جواهر.
بهت شريف قليلًا وقال:
هتعمل بيها إيه؟
دي حاجة متخصكش.
قالها بنبرة قاطعة وهو يتمسك بقناعه الجليدي بكل ما يملك من قوة.
ابتلع شريف ريقه وهو يفكر أن عدي قد يدمره الآن إن لم يفعل ما يطلبه. لذلك نهض بهدوء وفتح خزنته وهو يخرج الشيكات ثم يسلمها لعدي.
والأوراق اللي زورتها لجواهر عشان تبقي عبير كمان.
تنهد شريف وهو يحضر الأوراق معه ويسلمها لعدي.
نظر عدي إلى الأوراق والشيكات وقال مبتسمًا بسخرية:
كنت عارف إنك واطي، بس متخيلتش تستغل المرض عشان توصل للي إنت عايزه.
نهض عدي ووضع كل الأوراق بسلة المهملات المصنوعة من الحديد ثم أشعل بها النيران ونظر لشريف قائلاً:
متنساش تيجي عشان كتب كتاب بنتك بكرة. أخيرًا يا سيدي هنبقى نسايب وهننسى كل العداوة اللي بيننا. حلمك يا شريف بيتحقق أهو.
ابتسم شريف ابتسامة صفراء له وقال:
طبعًا طبعًا. إنت هتقولي. مع السلامة.
هز عدي رأسه وكاد أن يخرج من المكتب، ولكنه رأى عبير أمامه فابتسم لها وقال:
فرصة سعيدة يا مراتي المستقبلية. متنسيش بكرة فرحنا. هعد الساعات بفارغ الصبر عشان نكون مع بعض.
أشاحت بوجهها عنه، ليضحك باستفزاز ويخرج.
الحمد لله. الحمد لله.
كان شريف يتمتم بخفوت وهو يمسك الشيكات. نظرت إليه عبير وقالت بنبرة صلبة:
دلوقتي فهمت. طلبك إني أتجوز عدي مش بس عشان جواهر. ده كمان بسبب الشيكات اللي ماسكها عليك. أخدتها خلاص.
نظر شريف إلى ابنته ولكنه لم يهتم بالرد عليها، بل مزق الشيكات وألقاها بسلة القمامة وهو يشعر أنه يتحرر من شيء بغيض كان يجثم على قلبه. أخيرًا هو حر. أخيرًا لن يؤذيه عدي بعد الآن. أراد الصراخ بسعادة، ولكن وجود ابنته الآن وكم التبريرات التي مضطر لتقديمها عكرت مزاجه، ولكنه يجب أن يكمل اللعبة للآخر. فبالإضافة إلى أن عدي يهدده بجريمته كمزور، عدي الآن يمتلك منزله وقادر في أي وقت على طرده، ويجب أن تتزوجه عبير لكي يكتب المنزل باسم عبير ويستعيده.
ممكن ترد عليا وأنا بكلمك يا بابا؟ طلبك مني إني أتجوز عدي عشان الشيكات مش عشان خايف على جواهر، صح؟ معقول إنت أناني للدرجادي؟
تنهد شريف ونظر إليها بوداعة وقال:
عشان الاتنين يا بيري. ما هو أنا لازم أستفيد. أنا خايف على جواهر واتفقت مع عدي إنه يتجوزك ويسامح جواهر ويسامحني. وأخد كمان الشيكات. يعني إحنا اللي كسبانين يا عبير. وبعدين عدي راجل غني. إنتِ ممكن تستفادي منه.
أشاحت عبير وجهها بقرف عنه وقالت:
أنا مش عايزة أناقش معاك تاني يا بابا. خلاص الموضوع انتهى كده. أنا كده كده عايشة معاك في جحيم. حياتي مع عدي مش هتكون أسوأ من حياتي معاك. أنا هتجوزه عشان أبعد عنك.
ثم تركته وغادرت.
ولجت عبير لغرفتها وتسطحت على الفراش والدموع تتجمع بعينيها. لقد اشتاقت لأمير. لقد رأت الانكسار في عينيه عندما أخبرته أنها سوف تغادر مع والدها. قلبها يتألم بشدة وهي بعيدة عنه. كم ترغب أن تذهب إليه الآن وتعانقه وتخبره أنها لن تحب غيره أبدًا.
أغمضت عينيها محاولة النوم والهروب من أفكارها ومن كل ما يدور حولها، ولكن رنين هاتفها جعلها تنتفض من مكانها. نظرت للهاتف لتجد المتصلة جواهر.
فتحت الهاتف بسرعة وقالت بلهفة:
جواهر، جواهر فينك؟ قلقتيني عليكي.
أنا عمري ما شوفت أحقر منك. إنتِ إنسانة ناكرة للجميل!
صرخت بها جواهر بقوة عبر الهاتف.
جواهر!
رددت عبير بصدمة، لتصرخ بها جواهر:
اخرسي. اخرسي. متتكلميش. إياكِ تبرري حقارتك وندالتك معايا.
اختنق صوتها وقالت:
هتتجوزي عدي؟
انسكبت دموع جواهر الحارة على وجنتيها وأكملت وهي تبكي:
أنا بحبه. محبتش غيره. وإنتِ رايحة تتجوزيه. وإنتِ عارفة إني بحبه. هو ده جزائي إني ساعدت واحدة زيك؟ اتحملت كتير عشاني. دي مكافأتي يا عبير؟
ممكن بس تسمعيني. اسمعيني يا جواهر صدقيني أنا عملت ده.
أسكتي. أسكتي. متبرريش حاجة. هتبرري إيه؟ خلاص هتتجوزي عدي. هتسرقي مني الراجل اللي بحبه. اتجوزيه وابني حياتك على تعاستي. بس اعرفي إن من اليوم ده ملناش أي علاقة ببعض. أنا مش عايزة أشوف وشك تاني أبدًا. وبتمنى إنك تبقي تعيسة طول حياتك. سلام يا بيري.
ثم أغلقت الهاتف بوجهها، لتنظر عبير إلى الهاتف بذهول ودموعها تتساقط.
من الناحية الأخرى.
بعد أن أغلقت جواهر الهاتف، سقطت على أرضية مركز التجميل الأنيقة وانفجرت بالبكاء. كانت تبكي بطريقة هستيرية وهي تشعر أن قلبها ينزف. لماذا فعلت بها هذا؟ لماذا؟ هل هذا جزاؤها لأنها ساعدتها؟ هل هكذا تكافئها؟ تتزوج ممن تحب هي.
هموت. هموت.
قالتها جواهر وهي تضع كفها على قلبها، بينما تشعر بألم شديد به. كانت بحمام مركز التجميل وهي جالسة وتبكي. فجأة فتحت ميريهان الباب وتجمدت وهي ترى جواهر تبكي بتلك الطريقة. شهقت وهي تضع كفها على صدرها وتقول:
جواهر مالك؟
ولكن جواهر لم تنظر إليها واستمرت في البكاء بطريقة تكسر القلب. اقتربت منها ميريهان وضمتها وهي تقول:
مالك بس يا حبيبتي مالك؟
ولكن جواهر لم ترد واستمرت تبكي بعنف.
يوم كتب الكتاب.
وقفت السيارة الخاصة التي بعثها عدي ليحضر عبير ووالدها إلى القصر لكتب الكتاب. كان شريف يمسك كف ابنته وهو يمشي بينما ينظر حوله بذهول. من هؤلاء؟ وكيف سمح لهم عدي بالحضور؟ كان عدد المدعوين كثيرًا نوعًا ما، ولكن يبدو أن معظمهم من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة. لم يكن هناك أي أحد واضح عليه الثراء. نظر شريف إلى ابنته بذهول وقال:
هو إيه اللي بيحصل ده؟
لم ترد عليه عبير وراحت تنظر حولها بتوتر. شعر شريف بأن هناك شيئًا خاطئًا. ربما الأمر خدعة من عدي. لقد أخذ منزله ولن يتزوج ابنته. يا رب، هل معنى هذا أن عدي قد يطرد شريف من المنزل هو وابنته؟ هل سيفعلها؟ هل تمكن منه الحقد لتلك الدرجة!
العديد من الأفكار السيئة كانت تعصف بعقل شريف. أخذ قلبه يدوي داخل صدره وهو يدعو ألا يتصرف عدي بشكل خسيس.
أنا حاسس إن فيه حاجة غلط.
قالها شريف باختناق. شعر أن العالم يدور به وهو يرى الناس في قصر عدي. لماذا أحضرهم إلى هنا؟ أما أنه يريد إهانتهم أو هو كريم إلى حد الغباء!
ولكن تنهد بارتياح وهو يجد في منتصف الحديقة طاولة كبيرة. عليها مفرش أبيض مثبت به زهور بيضاء صغيرة، والشيخ يجلس على المقعد وعدي يجلس على المقعد بجواره. ابتسم عدي ما إن رآهم وقال:
تعالوا يا جماعة. تعالوا.
جذب شريف كف ابنته وهو يجلسها على مقعد بعيد نسبيًا ويجلس هو بجوار الشيخ. ابتسامة سعيدة تزين شفتيه. سوف يتزوج عدي ابنته أخيرًا. هذا كان حلمًا سعى كثيرًا لتحقيقه.
لما دخلت وشوفت الناس حسيت إن فيه حاجة غلط يا عدي. بس الحمد لله إنت اهو.
شعر على ملامح شريف الانزعاج لبرهة وقال باستياء:
ليه عزمت الناس دي يا عدي يا بني؟ دوول مش من مستواك.
كان عدي ينظر إليه مبتسمًا وقال:
بس إنت بقيت من مستواهم يا شريف. إنت دلوقتي مفلس على الآخر.
تجهم شريف ليكمل عدي:
الناس دول يبقوا أهل وجيران العريس ولازم يحضروا كتب كتابه.
تجهم شريف أكثر وقال:
أهلك إزاي يعني؟ أنا اللي أعرفه إنك من عيلة غنية أبا عن جد.
ضحك عدي وقال بتشفّي:
هو أنا مقلتلكش؟ مش أنا العريس يا شريف. أنا مجرد شاهد مسكين. العريس أهو.
ثم أشار إلى أمير الذي ظهر مرتديًا حلة رمادية. وعيناه الذهبية تلمع بشدة وهو ينظر إلى عبير، بينما خلفه تحية مع أبنائها الاثنين ورجل يبدو أنه زوجها.
نهض شريف وقال:
إيه الهزار ده يا عدي؟ مين ده اللي هيبقى جوز بنتي؟ ده ميكانيكي.
ابتسم عدي بخبث وقال:
حاسب يا شريف بيه. الميكانيكي اللي مش عاجبك ده بقا البيت اللي إنت عايش فيه ملكه. أنا كتبت البيت بإسمه خلاص وهو اللي هيسمح إذا كنت هتعيش فيه ولا لا. يعني لو متجوزش بنتك هيطردكم الاتنين من البيت. وطبعًا أنا مش هتردد أبلغ عن التزوير بتاعك وتبقى اتقفلت من كل الجهات يا شريف. ها هتكتب الكتاب ولا لا؟ كل حاجة جاهزة. المأذون والشهود والعريس. وإذا كان على كون إن عبير مراتي قانونًا، أنا فسخت العقد خلاص. يعني مفيش أي مانع عشان يتجوزوا.
لم يكن لدى شريف أي حل آخر. لقد شعر أنه محاصر. لقد استطاع عدي أن يحاصره. خدعه وانتقم منه جيدًا.
اتجه بخطوات ضعيفة إلى الطاولة ثم بدأ المأذون بكتب الكتاب.
انتهى كتب الكتاب وأصبحت ابنته زوجة هذا الميكانيكي رسميًا. فكر بانزعاج. شعر بالاختناق. كان صدره يضيق والنيران تشتعل بصدره. كل ما أراده أن يحطم فك عدي الذي كان يبتسم له بتشفّ.
نهض ليغادر قبل أن ينفجر، إلا أن عدي أوقفه وقال:
صحيح يا شريف. شركة العدل للمقاولات اللي إنت شريك فيها بنسبة عشرة في المية من الأسهم أنا اشتريتها. يعني أنا اللي دلوقتي شريكك بنسبة تسعين في المية وليا حق التصرف في الشركة وقررت أبيعها خلاص وأديلك حقك. الفلوس اللي استلفتها من عواد السيد فالح، رجعهاله قبل ما الفلوس تتصرف وعواد مش هيقبل تسوية معاك ده هيحبسك طول.
احتشدت الدموع بعيني شريف وقال بصوت ضعيف:
ليه... ليه عملت كده؟ ليه تأذيني؟
ابتسم عدي وقال:
العين بالعين والسن بالسن والبادئ هو الأظلم يا شريف. مادام لعبت مع عدي رشيد يبقى تستحمل اللي يحصلك.
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سولييه نصار
عيناك آخر ما تبقى من مكاتيب الغرام
نزار قباني
♡♡♡♡♡♡♡♡
-يعني أنا ضعت …أنا دلوقتي مبقاش معايا حاجة …حتى بيتي اخدته مني !!!!
صرخ شريف به ….ثم اتجه بخطوات حا قدة حتى يلكمه بوجهه ولكن عدي ابتعد وقال بسخرية:
-لا لا يا باشا عيب تعمل الحركات دي في كتب كتاب بنتك …الناس تقول عليك ايه …مفروض تكون محترم اكتر من كده !!!!
-انا محترم غصباً عنك!!
صرخ شريف بجنو ن …كان يشعر ان كل ما سعى إليه تد مر الآن …رباه .
لقد انتهى تماماً…هو مفلس وبدون منزل الآن …
نظر الى عدي بكر ه وقال:
-أنت انسان و اطي …جبا ن وكد اب ….
ضحك عدي بتسلية وقال:
-هو أنت ليه بتقولي الصفات اللي فيك …أنا لعبت بطريقتك يا شريف بيه فمتزعلش …أنا كنت في حالي وانت اللي قررت تبدأ الحر ب لما بعتلي كارمن وبعدها جواهر فاستحمل بقا …ده جزاء اللي عملته انا مليش دعوة خالص !!!
لمعت عيني شريف بالدموع واقترب من ابنته وقال:
-أنتِ كنتِ عارفة ان ده اللي هيحصل …ردي عليا يا عبير …كنتِ عارفة !!!!
اطرقت عبير برأسها وهي تتذكر ما حدث !!
….
في المقهى …
كانت عدى يجلس يتناول قهوته بهدوء ….السواد يحيط.بعينيه بسبب قلة النوم والتفكير الزائد …منذ ان اخبرته عبير بالحقيقة كاملة باليوم السابق وهو مشتت تماماً….لا يعرف ماذا يفعل …هل يدير ظهره لجواهر ويتركها تواجه مصيرها؟!هل يفعل هذا ؟! ….صحيح انه غاضب للغاية منها ولن يسامحها أبداً ولكنه احبها ولن يسمح لأي أحد أن يؤ ذيها ….
رفع نظراته عندما احس بقدومها …عبس وهو يجد شخص آخر معها …مع عبير …فهو قد اتصل بها وطلب منها القدوم ليتفقا على ما سوف يفعلانه….
نظرت عبير الى عدي بتوتر وقالت:
-خير حضرتك ليه.جبتني هنا ؟!
-اقعدي يا آنسة متقلقيش الكافية ده هادئ خالص محدش يعرفك هيشوفك هنا بإذن الله متقلقيش …
هزت رأسها بإرتباك ونظرت الى أمير الذي كان وجهه متجمد …وداخله يغلي من الغيرة وهو ينظر لهذا الرجل …رجل وسيم …وغني يليق بعبير تماما ..عكسه هو …وعند تلك الفكرة تجهم وجهه واختفى الغضب تماماً من داخله وجل ما شعر به هو الأ لم …الأ لم فحسب !!
…..
-ممكن اعرف مين الاستاذ ؟!
قالها عدي بلباقة لترد عبير :
-ده أمير اللي وقف جمبي من وقت ما هربت من البيت …بعد ربنا هو وجواهر اللي ساعدوني…
ابتسم عدي وقال:
-طيب اتفضلوا اقعدوا عشان نتكلم ونتفاهم ونتفق …
تبادلا أمير وعبير النظرات القلقة فيما بينهما …فإبتسامة عدي لم تكن بريئة أبداً … ولكن لم يكن لديهما حل الا هذا فجلسا بهدوء …
بدأ عدي بالكلام وقال:
-آنسة عبير …انتِ لما قولتيلي الحقيقة كاملة وليه جواهر كده ..فكرت كتير وقررت اني اساعد جواهر !!
أشرق وجه عبير ونظرت إليه بلهفة ثم قالت:
-شكرا …بجد شكرا يا عدي بيه …شكرا اوووي …
-على مهلك شوية أنا مبعملش حاجة لله وللوطن يا آنسة عبير …أنا كمان لازم استفاد …
-تستفاد ازاي يعني ؟!
قالتها عبير بتوجس فابتسم عدي وقال:
-انا هاخد شيكات جواهر من شريف واديله الشيكات بتاعته بس هقوله شرط كمان عشان مبلغش على التزوير اللي عمله …
-ايه الشرط؟!
قالتها عبير بحيرة
-اننا نتجوز …
هكذا القى عدي قنبلته بكل سهولة !!!
كور أمير كفه بغضب بينما شحبت عبير …ظلت ترمقه دون تصديق …نظر إليهما عدي بتسلية ثم أنفجر بالضحك وقال:
-اهدوا مش هيكون فيه جواز ولا حاجة …أنا هخدعه هفهمه اني هتجوز بنته وهشرط عليه يكتب البيت بتاعه بإسمي وطبعا عشان صباعه تحت ضرسي هيعمل كده من غير أي تردد ووقتها أنا هتنازل عن البيت واديه لاستاذ أمير اللي هيكون جوزك…..
بهتت عبير وهي تنظر إليه وقالت:
-هساعدك عشان تأذ ي بابا …
مط عدي شفتيه وقال:
-مفيش اذية ولا حاجة …جوزك لو عايز يعيش معاكم يخليه في البيت عادي … وصدقيني شريف يستحق أي حاجة بسبب اللي هببه ده …ها قولتي ايه ؟!
ظلت عبير صامتة …تشعر بالدوار ولا تعرف ماذا تفعل …هل تضع يده في يديه او تذهب وتخاطر بوضع صديقتها في السجن …لا لا لن تفعل هذا …لهذا وجدت نفسها تهز رأسها موافقة على كل ما يقوله !!!…
…….
عادت عبير من شرودها وهي تنظر الى والدها وتقول :
-للاسف يا بابا انت اللي عملت في نفسك كده مش انا …أنت ضيعت جواهر وضيعتني عشان مصالحك …وانا اسفة بس متقلقش أنا وجوزي عمرنا ما نمشيك من البيت انت هتفضل فيه…حتى أن أمير عايز يعيش في الحارة بتاعته وانت تفضل في البيت عادي ومحدش هيضايقك …..
-أنت مستحيل تكوني بنتي !!!أنتِ خو نتيني !!!!
صرخ بها بقوة لتتراجع قليلا وتقول وقد تجمعت الدموع بعينيها :
-أنت اللي بدأت الخيا نة يا بابا …بدأتها لما خد.عتني وجبتني من فرنسا عشان تجوزني واحد أنا مش عايزاه …انت كنت عايز تتاجر ببنتك ولما هربت استغـ ليت جواهر المسكينة وهددتها …للاسف ده نتيجة اللي انت عملته بس يا بابا …لازم تعرف أن اللي بتزرعه بتحصده …أنا عملت كده عشان انقذ جواهر عشان عارفة انك هتحاول تأذيها بالشيكات اللي معاك بس حضرتك ناس انك كمان متورط في تزوير فأنا كمان انقذتك والفضل لعدي …
نظر شريف إلى عدي وقال :
-ده مخلصش يا عدي بيه أنا هدفعك تمن اللي عملته غالي !!!
-وأنا مستنيك !
قالها عدي بإستفزاز
ثم ترك شريف المكان وذهب !!!
……..
بعد قليل …
كان عدي جالس على الأريكة بإرتياح.شديد …كان الكل قد ذهب …كان مبتسماً بإنتصار …لقد استطاع أن يد مر شريف …استطاع أن يأخذ بثأره منه …
نهض بتعب ليذهب لغرفته الا أنه فجأة وجد موسى أمامه …
عقد حاجبيه بغضب وقال :
-أنت ايه اللي بتعمله هنا ؟!وازاي هما يدخلوك ؟!
-أنت متدهمش أوامر اني مدخلش يا عدي …اكيد انا صاحبك ومش ههون عليك تعمل كده !!!
نظر إليه عدي بجرح وقال:
-كويس انك فاكر اني صاحبك …والصاحب الحقيقي ميرتبطش بأخت صاحبه …يجي يكلمه هو الأول …مش اكون مأمنك عليها وانت تخو ن الأمانة!!!
أطرق موسى وجهه بخجل وقال :
-عارف وانا ندمان على اللي عملته يا عدي …بس انا بحبها …بحبها اكتر من اي حاجة في العالم …وحاولت كتير اقاوم بس معرفتش …يا عدي صدقني محدش هيخاف على ليان قدي …صدقني أنا ممكن أموت عشانها…عشان خاطري متبعدناش عن بعض …أنا جاي اطلب أيديها منك …وعايزها ومستعد اعمل اي حاجة عشان خاطرها….مستعد أعمل اي حاجة …قول انت اعمل ايه عشان ترضى تجوزهاني….
نظر إليه عدي بتفكير وقال:
-اي حاجة يعني؟!
-اي حاجة !!
قالها موسى بدون تردد بالفعل هو مستعد أن يفعل أي شئ
-ماشي..
قالها عدي ثم اقترب منه وأكمل :
-أنا موافق اجوزهالك وطلبي الوحيد منك واللي لازم تنفذه انك تحميها ..متبكهاش ولا تزعلها تحطها دايما في عينيك ..عايز ليان تفضل علطول فرحانة مفهوم ..
-اكيد يا عدي …اكيد ..شكرا ليك …
قالها موسى ثم عانقه بقوة وهو يضحك ….
بينما ليان كانت تقف على الإدراج وهي تبتسم بسعادة …كانت سعيدة الآن لدرجة أن قلبها شوف يخرج من صدرها من فرط السعادة !!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
عادا الى الحي وأمير يمسك كف زوجته لا بقوة على تركها …كان ينظر إليها ويبتسم فتحمر هي بقوة وتبتسم أيضاً…
-روميو وجولييت خلاص ودعوا بعضكم عشان انتِ يا عبير هتيجي تنامي عندي لحد يا اختي يوم الفرح وبعدين روحي مع جوزك براحتك …حسين كدا كدا هينام عند جوزك وهنضحي عشانكم ونبعد عن بعض لحد ما تتجوزوا
ضحكت عبير ليقترب أمير من تحية ويقول :
-طيب يا تحية اقعد معاها شوية أنا ملحقتش اقعد
-بعد الفرح اقعد يا عريس ..
قالتها ببرود ثم اتجهت لعبير لتأخذها ولكن هو وقف بوجهها وقال:
-يا تحية عشان خاطري …عشان خاطري.
زفرت بضيق وقالت:
-حاضر خلاص …هنطلع البيت عندك ونقعد فيه عشر دقايق …يالا …
ابتسم أمير بسعادة وهو يسحب زوجته خلفه …
……
بعد قليل …
كان أمير وزوجته بالغرفة …كان ينظر إليها بشغف بينما تفرك هي كفيها بتوتر …قبض على كفها فجأة واقترب منها …
-ايه فيه ايه يا أمير ؟!
قالتها بخوف وهي تنهض…فنهض أيضا وقال:
-متخافيش مش هعمل حاجة …
ثم اقترب منها فابتعدت لآخر الغرفة وهي تكرر ؛
-أمير مالك انت اتغيرت ليه بالشكل ده ؟!انت عايز ايه ؟!
-والله ما هعمل حاجة أنا هحضنك وبس …
ثم اقترب ليضمها الا انها صرخت بقوة وهي تقول:
-تحية …تحية الحقيني !!!!
-بس يا عبير هتفـ ضحينا …
قالها وقد وصل إليها ثم كتم فمها وقال :
– والله هحضنك بس و …
ولكن قاطع كلامه دخول تحية وهي تنظر إليهما بنظرات قلقة وما أن رأتهما بهذا الوضع حتى عبست وقالت:
-أنت بتعمل ايه يا أمير ؟!
ابعد أمير كفه عن فم عبير وقال:
-والله يا تحية مبعملش حاجة ..أنا بس كنت بتكلم معاها وهي اللي خافت …
ركضت عبير وبقت بجوار تحية وامسكت ذراعها وقالت:
-أمير اتغير كده ليه ؟!هو مكانش كده ؟!
-يمكن عشان دلوقتي أنتِ مراته يا هبلة ..متخافيش منه هو خشيم شوية المسكين اخر تاء مربوطة في حياته كانت أمه وانا والبنت اللي اتمسك بيشرب معاها سجاير في حمام البنات !
فشلت عبير في أن تمسك ضحكتها وضحكت بقوة ليرتبك أمير ويقول :
-أنتِ طول عمرك كده عايزة تحر جيني يا تحية …خلاص ممكن تقعدي برا شوية هقول حاجة لمراتي!!
-ماشي دقيقتين مش اكتر أنا عايزة انام بكرة الحنة وورايا شغل كتير ..أنجز …
هز أمير رأسه لتقول تحية لعبير بصوت خافت :
-متخافيش منه مش بيعض …
ثم ضحكت وخرجت …
ما أن أغلقت الباب حتى شهقت عبير وهي تجد أمير أمامها …كيف اتى بتلك السرعة …ارتبكت وهي تنظر إلى عينيه الذهبية…شعرت أنها محاصرة تماما …رجعت للخلف بإرتباك وقالت:
-ايه فيه ايه ؟!
اقترب اكثر وقال:
-ممكن احضنك…والله هحضنك بس …
هزت رأسها بتوتر بالغ وهي تشعر ان قلبها سوف يخرج من صدرها …ابتسم هو لها ثم عانقها …شهق بخفوت وهو يشعر بقلبه يدوي داخل صدره بينما يشدد من احتضانها ..كأنه يريد أن يزرعها داخلها…كان أول عناق لهما صادم للغاية لكلاهما …المشاعر التي عصفت بهما قوية للغاية…
ابتعد عنها أخيراً وهو يعانق وجهها يقترب بشفتيه منها ليعطيها قبلتها الأول ولكن فجأة انتفض عندما طرقت تحية الباب وقالت:
-يالا يا عرسان كلها بكرة وبعده ومحدش هيضايقكم … الدقيقتين خلصوا !!
ضحك أمير وقال وهو يبتعد عن عبير التي التهب وجهها بفعل الخجل:
-بت فصيلة !!
♡♡♡♡♡♡♡
-مش قادرة …مش قادرة خلاص…
قالتها ورد بتعب وهي تضع كفها على اذنها…كان سماع الرقية الشرعية مهلك لأعصابها …كانت تريد أن تمتنع عن سماعها بشكل غريب ….
ولكن ياسين لم يستجيب لها بل قال بحزم:
-لازم تسمعي الرقية الشرعية كاملة الشيخ أمجد نبه عليا …استحملي يا ورد خليكي أنتِ، أقوى…حاربي …
انفجرت الدموع من عينيها وقالت بإختناق:
-حاسة ان صدري بيضيق …حاسة اني مخنوقة يا ياسين خلاص ابعده عني ابوس إيديك …ابعده عني
ولكن ياسين جلس بحوارها وشدها إليه وهو يقول بهدوء:
-ششش اهدي …اهدي ..استحملي
كان ياسين يغمض عينيه ومن داخله يعترف ان له يد في الأمر …هو لم يكن يوماً قريبا من ربه …كان كل ما يفعله هو صوم شهر رمضان وصلاة الجمعة …وكم هو نادم على هذا …نادم لانه ابتعد عن طريق الله لتلك الدرجة …ولكن ها هي أتته الفرصة ليصلح حياته …لم يتخيل ابدا انه عندما يصلي فروضه في اوقاتها ….ويخصص له وِرد يوميا انه سوف يحصل على كل تلك الراحة …عندما ينتهي من فروضه ويضغ رأسه على الوسادة ينام بعمق وكل الأفكار التي في عقله تختفي تماما لا يفكر بأي شئ…ويشعر ان مشكلة ورد قريبا سوف تحل …فمنذ ان بدأ يمشي على العلاج الذي قاله الشيخ أمجد وهي تتحسن حتى انها بدأت تتقبله …اليوم جعلته يقترب منها ويعانقها حتى انها لم تمانع عندما اخبرها انه سوف ينام بجوارها على الفراش وهذا كان مذهل للغاية …لقد شعر بالراحة وهي تتقبله مجددا ….فهي لا تدرك أثر رفضها له مرارا وتكرارا ..لقد شعر بالجر ح …ولكن الاهم من هذا شعر انه منبوذ …انه بلا ملجأ ..وعندما بدأت تتقلبه احس انه عاد الى وطنه بعد ان طُرد منه بدون رحمة وبعد ان ذاق مر ارة الغربة !!!
أنتهت الرقية الشرعية وبدأ ياسين يقرأ دعاء التحصين .
-حَصنتك برب العزة والجبروت ..حصنتك بالحي الذي….. لا يموت حصنتك بالواحد الأحد …حصنتك بالفرد الصمد ..حصنتك بالذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد )….
كانت الدموع تنهمر من عيني ورد …كانت تفعل كل شئ بصعوبة …تشعر أن الأمر ثقيل على قلبها ولكن نفورها من ياسين بدأ يتراجع …وبدأت تتأكد انها مسحورة بالفعل …فكرت كثيراً من من الممكن ان يؤذيها وحقا لم تجد الا هي …هي الوحيدة التي تريد أن تؤذيها وتدمرها …تلك التي تدعى جوري …لا تصدق غباءها عندما تعاطفت معها وعندما تكلمت مع ياسين في هذا الموضوع تهرب منها بمهارة …..
-يالا يا غالية عشان تنامي بس قبل النوم هنقرأ آية الكرسي والمعوذتين …
وبالفعل بدأ الاثنين في ترديد آية الكرسي
-بسم الله الرحمن الرحيم (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم)
وبعد ان انتهوا.بدؤا بقراءة المعوذتين ثم نهض ياسين وسحب زوجته لكي يناما….تسطح على الفراش وفتح ذراعيه لكي تأتي وحبس أنفاسه وهو ينتظرها بينما الصراع بادي بوضوح على وجهها ولكن أخيراً تنهدت وما هي الا لحظات حتى كانت لين ذراعيه …تنهد ياسين براحة وهو يضمعا أقرب إليه ويقبل رأسها…حاول بقدر الامكان الا يتجاوز معها كي لا تغضب او تنفر منه وأغمض عينيه مبتسماً بسبب وجودهت بين ذراعيه وأغمض عينيه وهو يذهب في النوم ….لحظات ونامت هي بين ذراعيه …آمنة …مطمئنة !!
……. .. .
مرت ساعتين وهما غارقين تماماً في النوم ولكن بالنظر عن قرب كان ياسين هو من ينام بعمق وبراحة أما ورد فهى كانت تهز رأسها يميناً ويساراً بينما العرق بتصبب من جبينها …كانت الدموع تنفجر من عينيها وهي نائمة بينما تزوم بصوت مكتوم …أخيراً تحرر صراخها من فمها على هيئة كلمة !!
-لاا…
صرخت وهي تنهض من نومها بفزع مما تسبب بإزعاج ياسين أيضاً…نهض ياسين بفز ع ونظر إليها …كان تشهق بعنـ ف …الدموع لا تتوقف عن الانهمار…رفعت كفها ووضعته على وجهها ثم انفجـ.رت بالبكاء …
أجفل ياسين وهو ينظر إليها …شعر بالإرتباك وهو لا يدري لما تبكي ….أمسك كتفيها وضمها إليه بحرص وهو يقول بلطف :
-حبيبتي ايه اللي حصل بس ؟!…
ولكن لا رد …كانت مستمرة في البكاء ….قلبها يؤ.لمها…هذا الكابوس المزعج لماذا يستمر في تد.مير حياتها …لماذا …ولماذا تحلم به دوماً…والمشكلة انها لا تستطيع اخبار ياسين عنه بالطبع سوف يتضايق كثيراً وسوف يتهمها بأنها تفكر في خطيبها السابق وهي لا تريد تعقيد الأمور …شهقت بقوة وهي تشعر ان ياسين يزيح كفيها عن وجهها …نظر ياسين الى وجه ورد المصبوغ بالأحمر من شدة البكاء وأعاد سؤاله مرة آخرى :
-اتكلمي يا حبيبتي وقوليلي ايه اللي مضايقك …حلمتي بكابوس
-أيوة ..
قالتها وصدرها بضيق حتى شعرت أنها سوف تموت الآن ثم أكملت :
-كابوس وحش اووي يا ياسين وعلطول بيتكرر معايا …وانا متضايقة …
ربما ياسين بلطف على شعرها وقال:
-معلش يا حبيبتي دي من آثار السحر أكيد …أقرب دعاء التحصين تاني وآية الكرسي والمعوذتين وبإذن الله مشو هتشوفيه تاني …
هنا ورد رأسها وتسطحت على الفراش وهي تقرأ ما قاله ياسين وقد شعرت ان السكينة حلت على قلبها قليلا وأغمضت عينيها لكي تنام…نام ياسين بجوارها وضمها بلطف وهو يغمض عينيه لكي ينام ….
-ياسين …
قالتها ورد بتردد …ليفتح ياسين عينيه ويقول:
-عيون ياسين …
تنهدت بعمق وقالت:
-أنت ليه مستحملني؟!يعني أنا سخيفة معاك ويعمل حاجات صحيح غصب عني بس برضه بجر.حك وبأذ يك فليه رغم ده كله مستحملني ومش عايز تتخلى عني …مش شايف ان ده غريب شوية ….
تنهد هو الآخر ونظر إليها …حاصر نظراتها بنظراته المحبة ….العشق كان واضح بعينيه …تنهد هو وقال :
-عشان مقدرش اعيش من غيرك …صحيح بتجر.حيني ولو من غير قصد بس بعدك عني هيجرحني أكتر …بعدك عني ممكن يقتلني !!!وأنا مش مستعد أمو ت من غيرك …أنا بحبك يا ورد …صدقي ده او متصدقوش بس أنا بحبك فعلا …بحبك لدرجة أنتِ متتخيلهاش …بحبك ومش مستعد اسيبك او اتخلى عنك…أنا هفضل متمسك بيكي للنهاية …مش هفقد الأمل فيكي أبدا …
كانت الدموع تنفـ جر من عينيها …لا تصدق انه يحبها لهذا الحد …رباه ماذا تريد اكثر من هذا …لماذا تعامله بتلك الطريقة ولما تأتي عليها اوقات لا تطيق حتى النظر الى وجهه….الخجل كان يقتلها من الداخل …أرادت ان تعتذر منه عن معاملتها السيـ ئة تلك.فقالت:
-أنا اسفة يا ياسين …اسفة على كل اللي بعمله فيك …وشكراً عشان مستحملني …
جذب كفها ثم قبله برقة شديدة قائلا:
-أنتِ مراتي …ولو مستحملتش مراتي هستحمل مين ؟!ثم اني مستحملك عشاني مش عشانك…أنا بخاف اعيش من غيرك يا ورد …أنا عايز أعيش معاكِ طول حياتي …عايز أمسك ايديكِ للنهاية…
ابتسمت ودموعها تنهمر ثم عانقت وجهه وهي تقترب منه بشفتيها فتقبله برفق …لحظات وتحول الرفق لحماس ولهفة منه …كان يشتاق إليها وقد اعطته الأذن ليقترب قمت هو ليرفض هذا الإغراء الذي لا يُقاوم !!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في اليوم التالي ….
في المشفى …
كانت رابحة جالسة على فراش المشفى بينما يفحصها الدكتور يحيى …انتهى أخيراً من الفحص وقال بإبتسامة رائعة:
-لا احنا بقينا كويسين اووي النهاردة بالشكل ده أنا هكتبلك خروج بس بشرط نلتزم بالعلاج اتفقنا ؟!
هزت رابحة رأسها وقالت:
-هلتزم يا بني حاضر …
ابتسم بإيجاز لها ثم رفع عينيه لرانيا التي كانت تجلس على المقعد المجاور …وقال؛
-انسة رانيا معلش عايزك برا في حاجة …
ارتعش قلبها وظنت ان يوجد في والدتها شئ خاطئ ….تصاعد الخوف داخلها وشعرت بالدموع تلسع عينيها ولكن كل ما فعلته انها أومأت له ونهضت لتخرج خلفه …
نظرت رابحة بقلق الى ماجدة الجالسة وقالت:
-يا ترى عاوز البت في ايه ؟!معقول يكون عندي حاجة خطيرة ومش عايز يقول …معقول هموت يا ست ماجدة …
-يا ولية بطلي تفولي على نفسك …انتِ وبنتك فقر مفيش سيرة على لسانكم الا الموت !!
رفعت رابحة حاجبيها وقالت :
-اومال هو عايز من البنت ايه ؟!وليه طلبها بالطريقة دي مش كفاية اللي حصل للبنت.بسببه !!!
عبست ماجدة وقالت بفضول :
-وهو ايه اللي حصل ليها يا رابحة ؟!دكتور يحيى عمل لرانيا ايه ؟!
تلعثمت رابحة وقالت:
-ل ا لا معملش حاجة …معملش حاجة …
ولكنها فشلت تماما في اقناع ماجدة التي بدأ فضولها يزداد …هي تشك بالفعل ان هناك شئ مريب بين الطبيب وبين رانيا …فنظراته لها غريبة …اهتمامه بها غريب أيضاً …ولقد ظنت ان الاهتمام من ناحية واحدة ولكنها اكتشفت ان حتى رانيا مهتمة به …هل من المعقول ان يكون يحيى يحبها وهي تحبه…ولكن لماذا هي تبتعد عنه بتلك الطريقة …ماجدة لم تفهم ابدا سبب تصرف رانيا !!
…….
وقفت رانيا امام يحيى وهي ترتجف وتفرك كفيها بتوتر …نظرت إليه والدموع محتشدة بعينيها …كانت تشعر انها سوف تنها ر في أي وقت ولكن يجب ان تتماسك وتسمع الخبر الذي سوف يقوله مهما كان …ارتعشت شفتيها وجذب هذا انتباهه هو فابتسم ابتسامة بسيطة وهو يتأملها بإنبهار …انها اجمل من أي وقت راها فيه …بسيطة ..خائفة وجميلة…كم ود ان يعانقها الآن ويهدأ من روعها ….
عندما رأت رانيا ان يحيى لا يتكلم ولا يبدو عليه انه سيفعل قررت هي ان تتخذ تلك الخطوة وقالت بتوتر:
-أمي مالها يا دكتور …قولي حصلها أي حاجة …فيه حاجة عندها …لتكون العملية فشلت وانت كدبت عليا عشان مزعلش امي…أمي..
-شششش ..
قالها ضاحكا وهو يضع كفه على شفتيها وأكمل :
-ايه يا بنتي كمية الكلام دي خلاص ..بنيتي سيناريو من مفيش !!!حاليا قررتي ان أمك تعبانة والعملية فشلت والحاجات دي …لا طبعا حاجة رابحة كويسة دلوقتي وصحتها احسن مني ومنك عشان ترتاحي خالص يا ستي …
تنهدت رانيا بإرتياح وهي تبعد كفه بإرتباك لذيذ ولكنها عادت تعبس في وجهه. قالت :
-اومال حضرتك جايبني هنا ليه؟!
ارتبك.يحيى امام نظراتها الفضولية …لم يعرف ماذا يقول الآن …لقد اراد رؤيتها على انفراد والاعتراف لها بمشاعره ولكنه يجد نفسه عاجز عن التكلم الآن بينما قلبه لا يتوقف عن الخفقان …انتظرته رانيا بصبر ليتكلم ولكنه ظل صامتاً فقالت رانيا ؛
-دكتور يحيى احنا هنفضل كده كتير …ممكن حضرتك تقول عايزني في ايه عشان عايزة تروح اشوف أمي!
والواقع رؤية والدتها اتخذتها حجة فهي توترت منه بشدة عندما راته ينظر إليها بتلك الطريقة …ارتفع ضجيج قلبها وازدردت ريقها وهي تنتظر ان يتكلم …
-رانيا أنا …
-يحيى ..
قاطعه الصوت القوي لوالدته ليغلق عينيه بتعب بينما ارتعشت رانيا وهي ترى تلك السيدة التي اهانتها يوما وهي تتقدم منهما وبعينيها قسوة مرعبة !!
ازدردت رانيا ريقها بصعوبة وشعرت بالخوف بعصف بها…فبعد آخر مرة لم تريد أبداً ان تحتك.بتلك المرأة فهي تذكرت اخر مرة تكلمت معها وكيف اها نتها بشكل حطـ م قلبها …
أطرقت برأسها وهي تمنع الدموع التحرر من سجن عينيها ….
بينما تحفزت ملامح يحيى وهو ينظر إلى والدته عينيه تبرق بشدة ….
-نعم يا أمي …
رمقت ليلى رانيا بنظرات حادة لترتعش رانيا أكثر فتقول ليلى :
-عايزة اتكلم معاك يا دكتور …تسمحلي دقيقة من وقتك !!!
تنهد يحيى وقال:
-أكيد يا أمي …تعالي على المكتب …
ثم.نظر لرانيا وقال:
-هنكمل كلامنا بعدين …
ثم ذهب مع والدته …وما أن ذهب حتى حررت رانيا دموعها وكتمت فمها كي لا تتحرر شهقاتها أيضا …اخيرا سيطرت على نفسها ومسحت دموعها وهي ترسم ابتسامة رائعة على شفتيها وتلج إلى غرفة والدتها ….
نظرت إليها رابحة بقلق وقالت:
-ها يا بت قالك ايه ؟!أنا هتحصلي حاجة ؟!أو. .
ضحكت رانيا وقالت:
-لا يا أمي ده كان بيقولي أن صحتك زي الفل كان بس بيوصيني على الأدوية اللي هتاخديها …
ثم اقتربت من والدتها وضمتها وقالت:
-أنت بقيتي زي الفل يا أما متقلقيش على نفسك …الحمدلله …
ابتسمت رابحة براحة وهي تضم ابنتها …
-السلام عليكم !
جمد كلاهما صوت خشن وقوي …
ابتعدت رانيا عن والدتها لتنظر إلى مصدر الصوت فتجده عمها …تحفزت ملامحها وكورت كفها في غضب …بينما ابتسم عمها في وجهها بإستفزاز وقال :
-ازيك يا أم رانيا ..ايه اخبارك يا ست الكل أنا جاي اتطمن عليكي …رغم الخلا فات اللي بيننا الا اننا أهل …
احمر وجه رابحة من الغضب وقالت:
-أهل ايه يا راجل يا عر ة ياللي كنت عايز تجوز بنتي لراجل عنده خمسين سنة. ..غور يا راجل من هنا بدل ما اخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك …غور من هنا !!
ربتت رانيا على كتف والدتها بقلق .. خافت أن تنفعل والدتها أكثر وتسوء حالتها …
-أهدي يا أما ابوس ايديكي…سيبك منه ده انسان واطي ….
ثم وجهت كلامه لها ..كانت ملامحه غاضبة …وجهه مصبوغ باللون الأحمر من الغضب وقالت:
-يالا روح من هنا بدل ما ننادي الآمن …مش هيبقي كويس لراجل كبير زيك أن الأمن يرموه برا المستشفى. .
-ماشي يا بنت اخوي براحتك … هيجي في يوم وتحتاجيني ..
ثم تركها وغادر لتتنهد وهي تضم والدتها براحة…
…..
في مكتب الدكتور يحيى كانت والدته تقف بإنفعال وتقول :
-ليه كل مرة اشوفك مع البنت دي يا يحيى …ليه …ليه متبعدش عنها ؟!!
-أمي البنت والدتها تعبانة وانا عملتلها العملية!!
-هو مفيش دكتور غيرك في مصر يا أستاذ !!…ما مصر مليانة دكاترة …دي لعبة ر خيصة منها عشان تشفق عليها …..
احمر وجهه من الغضب وقال :
-أمي لو سمحتي رانيا ملهاش دعوة انا اللي طلبت منها اعمل العملية لوالدتها …مش هي خالص …
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت :
-نعم وانت تطلب ليه …هو من أمتى الدكتور هو اللي بيطلب يعمل العملية ؟!….
شحب وجهها وهي تفهم أخيراً وقالت بصراخ:
-أنت عملتلها العملية ببلاش!!!!
-لا محصلش هي دفعت ولو سمحت يا أمي دي حاجة خاصة بشغلي …لو سمحتي يعني متتدخليش فيها ….
-يحيى البنت دي بتسـ تغلك …بتلعب على عواطفك وانت عشان شفقان عليها بتقع في الفخ …
-يا أمي لو سمحتي متتكلميش عليها كده !!؟رانيا مش كده خالص ..
قالها يحيى بإنفعال …هزت ليلى رأسها وهي تكاد أن تفقد عقلها وقالت:
-انا مش قادرة اصدق …مش قادرة اصدق الطريقة اللي انت بتدافع عليها بيها …انت ليه بتدافع عليها كده ؟!انت بتحبها ؟!!انطق بتحبها
صرخت في الكلمة الآخرى ليصرخ هو بدوره:
-أيوة بحبها …بحبها ارتاحتي …
والإجابة حطـ متها…لقد وقع ابنها في الفخ !!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
يوم الحناء ….
لقد صممت على إقامة زفافها في الحي الذي يسكن به …شعرت ان هذا سوف يسعده وهي لن تتردد في فعل اي شئ يسعده …هي تريد أن تراه سعيد ولا يهم أي شئ آخر ….
…..
في مركز التجميل البسيط الذي يوجد بالحارة …
رضت ان يكون فستانها بسيط ومساحيق التجميل البسيطة كانت تليق بوجهها الدائري الجميل ….نواجزها كانت بارزة بقوة …عينيها البنية كانت تلمع بشدة وحجابها كانت يحيط بوجهها …لقد أرادت مفاجأة حبيبها اليوم والذي اخبرها برغبته سابقاً انه يريدها ام ترتدي حجاب وها هي فعلت هذا في اجمل يوم في حياتهما.سويا ….
دخلت تحية المركز وهي تطلق الزغاريد …ثم اتسعت عينيها وقالت بإنبهار:
-بت يا عبير …انتِ حلوة اوووي يا بت….ايه الجمال ده.كله ..ده.اكيد.امير ممكن.يطير عقله بسببك …ممكن يتجنن والله ..
ابتسمت عبير بخجل ولم ترد …كان قلبها يدوى داخل صدرها بقوة …تشعر انها سوف تموت من شدة الخجل …
-يالا اجهزي عريسك جاي يا بطة…
قالتها تحية وهي تغمز لها …فساعدتها صاحبة المركز لتنهض ثم جعلتها تقف وهي تعطيهم ظهرها كي لا يراها أمير عندما يدخل …كانت احدى عادات الزفاف لديهم….
ولج أمير الى المركز بقلب خافق عينيه الذهبية مركزة على حبيبته….حبيبته التى نالها أخيراً …كانت تقف بعيداً…تعطيه ظهرها وتضع حجاب سميك على رأسها يغطي كامل جسدها كي لا يراها جيداً…ابتسم وتقدم.وهو يحاول أن يراها فتدور هي حول نفسها وهي تكتم ضحكاتها بصعوبة ولكن تنفلت منها احيانا بعض الضحكات …أخيراً امسكها وجعلها تواجهه …كتم أنفاسه وهو ينظر إليها ….لقد أرتدت الحجاب …وكم.بدت رائعة الجمال …بدت.كالملاك …انها اجمل شئ راه في حياته !!!
وضع شفتيه على جبينها وقبلها برفق …ثم ابتعد وهو يبتسم.لها بينما احمرت وجنتيها بقوة …تأبط ذراعها. هو يخرج من مركز التجميل بينما تنطلق من خلفهما الزغاريد …الفرحة كانت عارمة للغاية … شعر وقتها انه امتلك العالم كله !!!
..
سحبها واجلسها على المقعد المخصص للعروسين والذي قام بصنعه أولاد الحي الذي يسكن به من الورود.بطريقة بهية بينما تنطلق الأغاني الهادئة ….
كانت عبير تنظر الى أمير بسعادة …أخيراً اجتمعت مع حبيبها …تشعر الآن بالسعادة …صحيح انه يؤلم قلبها ان والدها رفض أن يحضر زفافها …وجواهر لم تأتي أيضاً…رغم سعادتها الا انها شعرت بالنقص الشديد …
-ألف مبروك …
كان هذا صوت عدي القوي الذي صعد المنصة …وقف أمير وهو مبتسماً وهو يصافحه ويقول :
-الله يبارك فيك يا عدي …كنت خايف متجيش …
-عيب يا راجل انت عزمتني بنفسك وأنا وعدتك خلاص …
ثم نظر الى عبير وقال :
-مبروك يا عروسة …اتفضلي هدية بسيطة …
ثم.قدم.لها عبوة صغيرة مغلفة …
-تعبت نفسك ..
قالتها عبير بإبتسامة فقال :
-لا تعب ولا حاجة …مبروك ..ألف مبروك فرحت عشانكم …
-الله يبارك فيك يا سيدي بس خليك شوية متمشيش علطول ممكن وخلي بالك فيه ليلة تانية بكرة ابقى تعالي ….
طالبه أمير ليرد عليه عدي ضاحكاً
-عيوني حاضر ..
ثم نزل من المنصة متجهاً لأحدى الطاولات الصغيرة الموضوعة بالحي ولكنه تجمد فجأة وهو يرى جواهر أمامه …وجهها باهت والدموع تحتشد بعينيها …رمقها ببرود لتقترب هي منه وتقول :
-عبير قالتلي على اللي حصل …وانك عملت كده عشان تاخد من شريف الشيكات بتاعتي …
لم يرد عليها لتكمل هي :
-انا مش عارفة اشكرك ازاي يا عدي ..أنت انقذتني من ورطة كبيرة …لولاك معرفش ايه كان ممكن يحصل ليا …شكرا اووي يا عدي
تكلم أخيراً بنبرة باردة :
-لو كنتِ حضرتك قولتيلي الموضوع قبل ما اكتشفه بنفسي كنت هساعدك برضه …وانا عملت كده عشان والدتك المر يضة أكيد مش هتستحمل ان بنتها تدخل السـ جن فمتفتكريش أن عملت كده عشانك …أنتِ مبقتيش تهميني. خالص يا آنسة جواهر !!…
انسابت دموعها على وجنتيها وقالت بصوت مختنق:
-عدي ..عدي سامحني عشان خاطري ..أنا عرفت غلطي ..أنا بتعذب بسببك ومش هرتاح الا لما تسامحني ….سامحني ارجوك …
-خلاص يا آنسة جواهر انسي الموضوع ده وطلعيه من دماغك …أنا مستحيل اسامح …أنتِ برا حياتي من أول ما عرفت حقيقتك وهتفضلي برا حياتي للأبد …مفيش أي فرصة …
-عدي أنا بحبك !!
قالتها بإ نكسار فرد سريعا:
-وأنا كر.هتك …كر هتك…مبقاش في قلبي مشاعر ليكي خلاص …أنا حبيت انسانة مزيفة …وبالنسبالي هي ما تت وانتهت …فمتحاوليش ولا تقللي من نفسك اكتر من كده …عن إذنك !!!
ثم تركها وذهب …تركها تبكي !!!
جلس عدي على أحدى الطاولات وهو ينظر إليها …كانت ما زالت تقف وهي تبكي …قلبه تألم لأنها تتألم ولكنه ضغط على نفسه لكي لا يذهب إليها …هي خدعته وهو لن يثق بها مجدداً …لن يدخلها حياته مرة آخرى …جواهر مثل كارمن …الاثنان حطـ موا قلبه…
..
عند جواهر …
مسحت دموعها عندما رأت الناس ينظرون إليها بحيرة ….
أغمضت عينيها وهي تحاول السيطرة على نفسها قبل أن تذهب وتبارك لعبير …عبير صديقتها من ظلمتها وهي فعلت كل هذا من أجلها …وقفت بوجه والدها فقط من أجلها …كم تشعر بالخجل لأنها تصرف بتلك الطريقة السيئة معها …تتمنى أن تسامحها على حماقتها….
نظرت نظرة أخيرة إلى عدي لتجده يتكلم مع أحد الحضور والذي كان زوج تحية شقيقة أمير…تنهدت واتجهت إلى عبير التي كانت تشع من السعادة وتكلم أمير …
-بيري …
قالتها جواهر بصوت خافت …نظرت إليها عبير وابتسمت بسعادة وهي تنهض لتندفع جواهر وتضمها بقوة وتقول:
-ألف مبروك يا حبيبتي …الف مبروك فرحتلك اووي يا عبير …
-حبيبتي يا جواهر عقبالك يارب …ربنا يسعدك دايما …
ثم ابتعدت عنها وهي تبتسم وتمسك.كفها ناظرة إليها …السعادة كانت واضحة على وجهها…نظرت جواهر إلى فستان عبير وقالت:
-اللون الروز لايق عليكي اووي والحجاب كمان يجنن …طالعة تجنني يا حبيبتي …اللهم بارك ربنا يحميكي من الحسد …
ابتسمت لها عبير وقالت وهي تنظر إلى عدي :
-وعقبالك أن شاء الله قريب كده …
نظرت إلى صديقتها بحزن وقالت:
-مظنش …اللي بيننا معقد اووي يا عبير …مظنش أنه هيسامح …
-اللي بيحب بيسامح يا جواهر وانا متأكدة مليون في المية أن هو بيحبك …وبيحبك اووي كمان وهيسامحك متقلقيش ..
تنهدت جواهر وقالت بتعب:
-اتمنى ده يا عبير …اتمنى أنه يسامح !!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
في اليوم التالي …
-خطوبتنا أنا وموسى بعد يومين يا نسرين …متقوليش انك في شهر العسل ومش هتحضري هقتـ لك والله وقتها !!
قالتها ليان مهد دة صديقتها بينما يستقلا السيارة …ضحكت نسرين وقالت:
-وهو ده برضه كلام اكيد يا بيبي هحضر خطوبتك اصلا فؤاد قالي أننا هنروح شهر العسل بعد ما تخلص الامتحانات بتاعتي عشان اقدر استمتع براحتى…
-ايه هياخدك فين ؟!
قالتها ليان بفضول لتمط نسرين شفتيها دليل على عدم درايتها وقالت:
-صدقيني يا لي لي معرفش حاولت كتير أن أعرف منه هو هياخدني فين بالضبط بس هو رافض خالص يقول …بيقول عاملها ليا مفاجأة !!!
ضحكت ليان وقالت:
-يا سيدي يا سيدي على الحب …الواد واقع لشوشته يا نسرين خلاص ده شكله بيموت فيكي !
أطرقت نسرين برأسها وقالت بخجل :
-وأنا كمان بحبه …
-أيه !!!
صرخت ليان بحماس لتمسكها نسرين بخجل وهي تنظر إلى السائق الذي أحضره لها فؤاد لكي يوصلها لمركز التجميل وقالت:
-بس يخربيتك …
-أنتِ مكسوفة ليه يا نسرين ؟!ده هيكون جوزك !!…بجد فرحت اووي…اعترفتيله ولا لسه ؟!.
-النهاردة بعد الفرح هقوله …عايزة ابدأ معاه حياة جديدة يا ليان ..
وضعت ليان كفها على قلبها وقالت ؛
-آه يا قلبي على الجمال عقبالي أنا وموسى …
ضحكت نسرين وقالت :
-هو صحيح موسى هيجي النهاردة الفرح….
هزت ليان رأسها وقالت ؛
-ده اكيد هو قالي أنه هيروح اي مكان أنا اروح فيه
رن هاتفها فجأة لتقول وهي تمسك الهاتف :
-اهو حبيبي بيتصل ..
ثم ردت على الهاتف بلهفة وهي تكلم موسى :
-موسى ازيك ..
قالتها وهي تذوب من الخجل … بشرتها اصطبغت بحمرة الخجل ..ليبتسم موسى من الناحية الآخرى ويقول وهو ينظر إلى خزانته …
-بقولك.يا حبيبي ألبس ايه النهاردة؟! …
ابتسمت وقالت :
-ألبس القميص الأزرق والجاكيت الاسود بيليقوا عليك أوووي …عشان أنا كمان هلبس الفستان الازرق ولازم نطلع شبه بعض …
ضحك موسى وقال:
-عيوني يا خطيبتي …
عبست وقالت بإستفزاز:
-لسه مبقتش خطيبتك …
-هتبقي إن شاء الله انسي انك تهربي مني …
-ولو حاولت اهرب؟!
قالتها بمشاكسة لتضحك نسرين فرد موسى عليها ؛
-هاجي وراكِ لحد اخر الدنيا واخطـ فك وأحبسك…
ابتسمت بخجل ليقول هو :
-سلام يا حبيبي اشوفك النهاردة وهرقص معاكي…
-سلام ..
ثم أغلقت الهاتف وعينيها تتألقان بسعادة …كم تتمنى أن تدوم تلك السعادة …كم تتمنى أن يكون ملكها للأبد !!!!
-يا سيدي يا سيدي على الحب ..
قالتها نسرين وهي تشاكسها ثم ضمتها ليان وقالت:
-انا فرحانة عشاننا احنا الاتنين يا نسرين …بجد فرحانة اووي …
ابتسمت نسرين وهي تشعر بالراحة …شعرت أنها وجدت ملاذها الأخير أخيراً وملاذها كان فؤاد ….
وصلت السيارة اخيرا إلى إحدى أشهر مراكز التجميل بالقاهرة …
وترجلت ليان هي ونسرين بينما ادخل السائق الأغراض …ولجا إلى المركز لتستقبلهما صاحبة المركز بإبتسامة سعيدة وتقول :
-اهلا بيكي يا آنسة نسرين ده فؤاد بقاله يومين بيوصيني عليكِ اووي …
ابتسمت نسرين بخجل وسعادة لتكمل ماريانا بإبتسامة وتقول :
-انا اعرف فؤاد من الثانوية واول مرة اشوفه متحمس بالطريقة دي باين عليه بيحبك اووي …
-يوووه يا مدام ده بيموت فيها …
قالتها ليان بمشاكسة ابتسمت ماريانا وقد ضر بتها الغيرة ….الغيرة التي تشعر بها كلما رأت رجل يحب زوجته …وتتمنى يوما ان يحبها جورج ولكن للأسف …أبعدت هذا الشعور بالقوة ..هي رضت بحالها وانتهى الأمر …ابتسمت لنسرين وقالت بود :
-يالا يا عروسة عشان تجهزي لعريسك ..
…
خارج المركز التجميلي …
كان يوسف يقف بسيارته وفكيه ينقبضان بشدة ….لن يسمح لها أن تتزوجه …هي له وانتهى الأمر …
رن هاتفه ليرد عليه ويقول:
-ايوة يا عادل جهزت كل حاجة عشان اسافر أنا ومراتي…جميل اووي فلوسك هتوصلك قريب !
ثم أغلق الهاتف وهو يسند رأسه على مقعد السيارة بينما يبتسم …نسرين ستعود له ..ستغفر له بالتأكيد …هو فقط يخرجها من هنا ويبعدها عن الجميع وسوف تغفر له بكل تأكيد فهي تحبه …تحبه كثيراً …كما هو يحبها بجنون …
رفع صورتها التي بيده ثم قبل الصورة وقال:
-بحبك ..بحبك اووي
♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-حاضر ياللي بتخبط !!
قالتها رانيا وهي تركض نحو باب المنزل فتحته لتتجمد وهي ترى أمامها السيدة ليلى والدة يحيى تنظر إليها بترفع وتقول بنبرة جامدة :
-عايزة اتكلم معاكي …ممكن !!!
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
-يعني ايه يا دكتور الكلام ده ؟!انت بنفسك قولتيلي أن أمي بتتحسن ؟!ازاي دلوقتي بتقول أن حالتها ساءت !!!
صرخت به جواهر والدموع تحتشد بعينيها …تنهد الطبيب وقال ؛
-شريف بيه اللي قالي اعمل كده !!هو قالي اقولك كده يا آنسة جواهر بس للاسف والدتك بتحتضر !!!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سولييه نصار
كان يصفر بسعادة وهو يعد الإفطار لها. اليومين السابقين سمحت له أن يقترب منها أكثر وأكثر. شعر أن حبيبته وزوجته قد عادت أخيراً، وكم هذا أسعده. كان قلبه يخفق من فرط سعادته. بدأ يغني بسعادة وهو يشعر أنه امتلك العالم بأكمله.
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
ولا قلبي قد عذابه، عذابه
طول عمري بقول
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
لا أنا قد الشوق وليالي الشوق
ولا قلبي قد عذابه
وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي
ما عرفش إزاي حبيتك
ما عرفش إزاي يا حياتي
وقابلتك إنت لقيتك بتغير كل حياتي
قاطعه غناؤه ورد التي ولجت للمطبخ، ثم حاوطت خصره بذراعيها وهي تسند رأسها على ظهره وتقول:
"مين اللي غير حياتك؟"
"يعني مش عارفة مين؟"
"تؤ مش عارفة، ممكن تقولي أنت."
قالتها بتسلية وابتسامة رائعة على شفتيها. تشعر أنها تحسنت كثيراً عن السابق، وخاصة عندما بدأت تلتزم بشكل جدي بالصلاة وتقرأ القرآن بكثافة. صحيح ما زالت الكوابيس تهاجمها، ولكنها تتجاهلها تماماً. وصحيح أن النفور تجاه ياسين لم يختف تماماً، ولكنها قررت أن تحارب هذا الإحساس وتعطي لزوجها كل الحب الذي يستحقه، فهو أثبت أنه يستحقها، أثبت أنه يحبها بجدارة.
استدار ياسين ونظر إلى ورد بابتسامة صافية. عينيه الخضراء كانت تلمع بشدة، تلمع بالعشق لها. عانقت كفيه وجهها وابتسم وقال:
"أنتِ اللي غيرتي حياتي يا ورد، أنتِ وبس. أنا عمري ما كنت اتخيل إني أتعلق بحد للدرجة دي. معرفتش يعني إيه يكون حد معين عامل زي الوطن وغيابه عننا بيكون معناه ضياع. أنا كنت ضايع وأنتِ بعيدة. صحيح كنت بكابر وكنت بقول لنفسي إني مش مهتم، بس بجد كنت ضايع. كنت ضايع أوي وأنا شايفك بعيدة ومش عايزة تقربي مني. حسيت إني منبوذ من وطني. أماني… بس بعد ما رجعتي حسيت إني رجعت لبلدي تاني. حاسس دلوقتي بالأمان، حاسس إني في بيتي."
ابتسمت له بحب ليقترب منها ويقبل جبهتها بلطف ويقول:
"عملتي إيه فيا يا ورد؟ بقيت مش عارف أعيش من غيرك."
ابتسمت بخجل ثم ابتعدت قليلاً وقالت وهي تشاكسه:
"معقول الرومانسية دي طالعة من ياسين؟ أنا مش قادرة أصدق."
نظر إليها ياسين بضيق وقال:
"تصدقي يا بنت، أنتِ واحدة نكارة الجميل. بقا أنا مش رومانسي؟ مين يا بت اللي كان بيقولك شعر؟ ده أنا كنت بقعد ساعتين في قصيدة عشان أقولها لك."
"وسبحان الله عمر ما في قصيدة معاك ظبطت للآخر، كنتي على طول بتقولهم غلط!!"
"فعلاً خيراً تعمل شراً تلقى." قالها ياسين بتذمر ثم أكمل: "يعني بعد كل اللي عملته والتعب اللي تعبته ده مفيش تقدير خالص للي بعمله؟"
ضحكت ورد على شكله الطفولي ليكمل هو:
"مسيرك يا جميل تندم لما تلاقي حد تاني بيقدرني."
حاوطت بذراعيها عنقه وقالت بثقة:
"مستحيل تحب غيري، قلبك ليا أنا وبس، زي ما أنا ليكي وبس يا ياسين."
ثم عانقته وقالت:
"بحبك."
تنهد وهو يقبل رأسها ويقول بصوت أجش:
"أحبك في كل يوم ثلاثين عاماً.. وأشعر أني أسابق عمري.. وأشعر أن الزمان قليل عليك.. وأن الدقائق تجري.. وأني وراء الدقائق أجري.. وأشعر أني أؤسس شيئاً.. وأزرع في رحم الأرض شيئاً.. وأشعر حين أحبك أني أغير عصري."
تنهدت وقالت:
"حفظتها لوحدك؟"
"قعدت يومين أحفظها بس ياريت تعجب الهانم."
ضحكت وهي تقبل ذقنه وتقول:
"بصراحة عجبتني."
ثم ضحكا سوياً، ولكن فجأة توقف هو عن الضحك وأمسك كفها وقبله وقال:
"ممكن متبعديش عني تاني، لأن الحياة من غيرك متتعاشش. ممكن؟"
هزت رأسها بقوة وقالت:
"مش هبعد، وعد."
***
"أمي بتحتضر… بتحتضر إزاي؟ أنت بتقول إيه؟"
قالتها جواهر والدموع تحتشد بعينيها. كانت تشعر أنها سوف تُصاب بالجنون، تشعر أن الطبيب يهذي أو يمزح. تتمنى من كل قلبها أن يكون هكذا، تتمنى ألا يكون ما قاله صحيح. انفجرت الدموع من عينيها وقالت:
"أنت قلت… أنت قلت…"
ثم ترنحت قليلاً إلا أن الطبيب أمسك كفها وقال:
"اهدي شوية يا آنسة وتعالي اقعدي."
ثم سحبها بلطف لتجلس على المقعد بينما ما زالت تبكي. تشعر أنها في حلم سيئ تريد الاستيقاظ منه. جلس عمرو على المقعد المجاور وقال بهدوء شديد:
"والدة حضرتك لما جات هنا وبدأنا العلاج كانت كل حاجة ماشية تماما، بس بعد كده بقى العلاج مش جايب أي نتيجة معاها والورم بينتشر بشكل جنوني، وأنا كلمت شريف بيه وحبيت أبلغك بس هو قالي مقولكيش عشان مش هتستحملي وأنا أكذب عليكي."
توسعت عيني جواهر وأصبحت الدموع تنهمر من عينيها دون توقف. وضعت كفها على صدرها وهي تشعر بالاختناق. شعرت بالفعل أنها سوف تموت. تشعر وكأنها انفصلت تماماً عن العالم. أكمل عمرو وهو يشعر بالذنب:
"أنا آسف جداً جداً يا آنسة جواهر، مكنتش عايز أكذب على حضرتك بس شريف بيه فهمك إنك هتنهاري لو عرفتي الخبر ده وهو اترجاني مقولكيش. أنا آسف!"
نهضت وهي تصرخ:
"آسف بكل بساطة! أصرف من فين آسف حضرتك؟ قول لي في أنهي مكان أقدر أصرف الآسف بتاعك؟ أنت دكتور؟ أنت مستحيل تكون دكتور أو إنسان حتى. أنت وشريف نسخة واحدة. مجرمين. أنا هاخد أمي من المخروبة دي! بس مش قبل ما أروح أشوف ابن الجذمة اللي بيلعب بيا ولا كأني عروسة ماريونت."
ثم ذهبت غاضبة. كانت مصممة على هدم العالم على رأسه هذا الحقير عديم الإنسانية. لم تتخيل أبداً أنه مختل لتلك الدرجة. رباه كيف يتلاعب بها بتلك الطريقة.
بعد ساعة إلا ربع تقريباً، وصلت إلى منزله ثم اندفعت إليه ودخلت كالعادة وهي تصرخ:
"يا شريف بيه اطلع! اطلع يا حيلتها! ده أنا هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليك!"
خرج شريف من مكتبه بهدوء وقال:
"كان مفروض أنبه على الأمن اللي برا ميدخلوش الأشكال دي. للأسف نسيت ودخلوكي."
اقتربت منه جواهر وعينيها تبرق بغضب ثم أمسكته من قميصه القطني وصرخت:
"وليك عين تتكلم؟ أنت كدبت عليا! كدبت عليا وخدعتني! فهمتني إن أمي بتتحسن وأتاري هي بتحتضر. أمي بتموت وأنا مكنتش جنبها!"
بهت قليلاً وهو ينظر… وابتلع ريقه وهو عاجز عن الكلام. احتشدت الدموع بعيني جواهر وقالت بنبرة مختنقة:
"ليه… ليه تعمل فيا كده يا شيخ ليه؟ دي أمي… أمي… عايز تحرق قلبي على أمي؟ أنت فاكر نفسك مين ها!"
انفجرت الدموع أكثر من عينيها وقالت:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا شيخ. أنا عمري عمري ما هسامحك. ربنا يجازيك على عملك. ربنا ينتقم منك. يارب يحرق قلبك زي ما حرقت قلبي."
ثم تركته وغادرت وقد حفرت كلماتها جرحاً عميقاً بقلبه. ترنح وجلس على الأريكة وهو يضع كفيه على وجهه مخفياً دموعه التي بدأت تنساب من عينيه.
عادت جواهر مرة أخرى إلى المركز لتعيد والدتها إلى المنزل. ولجت بخطوات ضعيفة إلى غرفة والدتها التي يظهر بوضوح الإعياء عليها. اعتصر قلبها من الألم وهي تراها بهذا الشكل. هي السبب، هي من ابتعدت عنها. ليتها لم تتدخل بشؤون عبير. ليتها… نعم هي الآن ندمت لأن بسبب عبير ووالدها هي ابتعدت عن والدتها بسبب شجاعتها التي تتشدق بها خسرت كل شيء. آخر شيء جميل في حياتها سوف يتركها ويذهب.
حبت أنفاسها عندما نظرت إليها والدتها فجأة وابتسمت بإعياء وقالت:
"جواهر بنتي أنتِ هنا؟ وحشتيني يا جواهر. كده متسأليش عليا؟ نسيتيني!"
انفجرت هي بالبكاء واقتربت من والدتها وهي تمسك كفها وتقبله بعنف وتقول من بين دموعها:
"سامحيني… سامحيني أبوس إيديكي يا أمي. حقك عليا… حقك عليا."
شدتها والدتها وعانقتها، والاثنان انفجرا بالبكاء. بعد لحظات طويلة من الدموع والاشتياق، أبعدتها والدتها عنها قليلاً وأخذت تقبل رأسها وتقول:
"أنا عمري ما أزعل منك يا جواهر. أنا عارفة إنك بتعملي كده عشاني… عشاني وبس. أنا مش زعلانة يا بنتي. حقك عليا أنا… أنا بتعبك."
كادت أن تنهار بالفعل بسبب كلمات والدتها، ولكنه سيطرت على نفسها وامسكت كفها وقالت وهي تقبله:
"يالا يا أمي هنمشي من هنا. هترجعي معايا البيت."
هزت والدتها رأسها.
مرت نصف ساعة تقريباً. خرجت جواهر من المشفى وهي تمسك ذراع والدتها. عينيها حمراء بفعل البكاء والجهد الذي تبذله كي لا تنهار مجدداً. لقد أخبرها الطبيب بصراحة تامة أن حالة والدتها أصبحت سيئة للغاية وأن العلاج لا يأتي بأي نتيجة. لقد أخبرها بالشئ الذي قادر على تدميرها بكل بساطة. أوقفت سيارة أجرة ثم ساعدت والدتها على ركوبها وركبت بجوارها لتنطلق السيارة مسرعة.
وصلا إلى المنزل. أخرجت حقيبة والدتها من السيارة وامسكت كف والدتها باليد الأخرى وهي تذهب لمنزلها الصغير. هذا المنزل الذي سوف تقضي به آخر أيامها مع والدتها. الفكرة نفسها جعلت شهقة مؤلمة تنفلت من بين شفتيها.
"مالك يا بنتي فيه إيه؟"
قالتها سوسن بحيرة لتهز هي رأسها وتقول:
"مفيش يا ماما أنا كويسة. كويسة أوي. مبسوطة إنك خرجتي وهتقعدي معايا."
ابتسمت سوسن في وجهها ومن الداخل تشعر بالشفقة على ابنتها المسكينة. هي ليست حمقاء وتعرف الحقيقة. تعرف أن العلاج فشل معها وهي الآن في آخر أيام حياتها. الموت قريب. هي تشعر به!
أخيراً هما في المنزل. نظرت جواهر إلى أركان المنزل بإشتياق. كان كل شيء على ما يرام. كانت تعيش مع والدتها بسعادة شديدة لولا أنها قررت أن تتدخل في أشياء لا تعنيها. قررت أن تساعد عبير وها هي قد تدمرت حياتها تماماً. عدي تركها ووالدتها سوف تموت. بينما عبير… عبير سعيدة وسوف تتزوج من رجل أحلامها. أصبحت هي الخاسرة الوحيدة بسبب تضحيتها الغبية. ابتسمت جواهر في وجه والدتها وهي تضع أفكارها على جنب. قررت منذ اليوم أنها لن تفكر إلا بوالدتها. سوف تقطع علاقتها بالجميع حتى عبير. لا تريد أن ترى عبير ولا أي شيء يخصها. ستعيش لوالدتها فقط.
"إيه رأيك يا سوسو تأكلي مكرونة بالبشاميل من إيدي؟ أنا جبت حاجاتها وهعملهالك النهاردة وأنتِ هتاكلي منها."
"معدتي وجعاني يا بنتي خلينا في حاجة خفيفة."
ابتسمت جواهر بإشفاق وقالت:
"معلش يا ست الكل كلي على قد نفسك. أنتِ بتحبي الأكلة دي وأنا هعملهالك."
"اللي تشوفيه يا بنتي."
"يالا ارتاحي يا ماما وأنا هغير هدومي وهبدأ أجهز الأكل."
ثم اقتربت من والدتها وجعلتها تجلس على الأريكة بالصالة وفتحت لها التلفاز، ثم اتجهت إلى غرفتها وخلعت ملابسها وارتدت عباءة بيتية قصيرة وربطت شعرها الطويل، ثم اتجهت للمطبخ. فتحت الثلاجة لتخرج اللحم إلا أن رنين هاتفها أوقفها عما تفعل. أغلقت الثلاجة مرة أخرى وأخرجت هاتفها من جيبها وهي ترى من المتصل. عينيها لمعت بالغضب وهي ترى عبير تتصل بها. ألغت اتصالها ثم بسرعة أضافتها لقائمة الحظر.
في مركز التجميل البسيط، كانت عبير جالسة على الأريكة تنتظر دورها ليتم تجهيزها. وتضع الهاتف على أذنها لكي تكلم جواهر. فجأة عبست وهي تنظر للهاتف وقالت:
"هي جواهر بتكنسل عليا ليه؟"
***
ارتعش قلب رانيا وهي تراها أمامها تنظر إليها بترفع وابتلعت ريقها لتتأفف ليلى بضيق وتكرر طلبها:
"ممكن أتكلم معاكي؟"
هزت رانيا رأسها بسرعة وقالت:
"أكيد. اتفضلي يا هانم."
ثم أفسحت لها الطريق لتدخل ليلى وهي ترفع رأسها بكبرياء. تنظر إلى المنزل البسيط بنفور وهي لا تصدق أن ابنها الطبيب وقع في حب فتاة بهذا المستوى. يجب أن تنقذ ابنها الغبي من صائدة الأموال تلك!
"تحبي تشربي إيه يا هانم؟"
قالتها رانيا بأدب لتنظر إليها ليلى وتقول بقرف:
"لا ميرسي مش عايزة أشرب حاجة. عايزة أتكلم معاكي بس."
ثم نظرت حولها وقالت:
"أومال فين والدتك؟"
"أمي نايمة يا هانم."
هزت رأسها وقالت:
"كويس أوي مش هيبقى حلو إنها تسمع كلامي ليكي. وأنا مش عايزة أحرجك قدامها عشان عاملة اعتبار إنها تعبانة ومش هتتحمل الحقيقة."
عبست رانيا في وجهها وقالت:
"حقيقة إيه يا هانم أنا مش فاهمة حاجة."
ابتسمت ليلى ببرود وقالت:
"يعني أنتِ مش عارفة أنا جاية هنا أتكلم معاكي ليه؟"
"لا مش عارفة." قالتها رانيا بتوتر بينما عقلها يعمل بسرعة. تحاول أن تفهم… ماذا ستقول؟ هل ستتهمها مجدداً أنها تغوي ابنها؟ ألن تنتهي من تلك الاتهامات الباطلة أبداً! فكرت بتعب.
"عايزة إيه من ابني يا رانيا؟"
قالتها ليلى دون مقدمات وهي تنظر إلى رانيا وعينيها تبرق بشكل مخيف. نظرت إليها رانيا بحيرة وقالت:
"مش عايزة منه أي حاجة يا ست هانم. هكون عايزة إيه منه يعني؟ حضرتك فاهمة الموضوع غلط مفيش بيني وبين يحيى أي حاجة. هو دكتور وعمل عملية لأمي وقبل كده كنت بشتغل عنده وبس ده كل حاجة. لكن حضرتك فهمتي غلط خالص."
"أنتِ هتستهبلي يا بنت!"
رفعت ليلى صوتها وقد احمر وجهها من الغضب. تنهدت رانيا محاولة السيطرة على غضبها وقالت:
"لو سمحتي يا هانم مينفعش كده. أمي تعبانة مينفعش تعلي صوتك بالشكل ده. أنا بقولك الحقيقة. مفيش أي حاجة بيني وبين ابن حضرتك. حضرتك اللي فهمتي غلط وحتى تقدري تسأليه."
ابتسمت ليلى بسخرية وقالت:
"ما أنا سألته يا حبيبتي وحزري فزري قال إيه؟"
صمتت ليلى قليلاً وهي ترمق رانيا بنظرات كارهة وأكملت:
"قال إنه للأسف بيحبك!"
بهت وجه رانيا كالأموات ونظرت إليها وهي لا تصدق. أكيد هي تمزح أو تهذي. لا يمكنها أن تكون جدية. أي حب هذا؟ يحيى بالتأكيد لا يحبها. أخذت قلبها يدوي داخل صدرها وقد احمرت وجنتيها بقوة. تلك الخفقات القوية عادت لتهزها من الداخل. هل قالتها بالفعل أم هي سمعت خطأ؟ هل يحبها؟ يحبها معقول!
"يا مدام أكيد حضرتك فاهمة غلط… دكتور يحيى…"
ولكن ليلى قاطعتها وهي تنهض وقالت:
"بصي يا حبيبتي الكلام ده ميخش عليا أنا. أنا فاهماكي وفاهمة تفكيرك. بتوقعي واحد غني في حبك عشان تاخدي فلوسه وتعيشي في مكان أرقى من كده وحياة أحسن من كده. لا يا حبيبتي… إن كان يحيى ابني كان غبي ووقع فأنا مش هقع خالص في فخك. أنتِ مستحيل تدخلي بيتي كعروسة ليحيى. فوّفري على نفسك اللي بتعمليه."
نهضت رانيا بغضب قالت:
"لو سمحتي يا هانم كفاية إهانات لحد كده. أنا عملتلك إيه عشان تهنيني بالشكل ده… أنا والله العظيم مليش أي دعوة بابنك ولا حاولت أغويه ولا أي حاجة وأنا…"
ولكن ليلى قاطعتها بإشارة من يدها وقالت وهي تقترب منها بصوت خافت:
"صوتك العالي ده مش هيخوفني… ولا هيخليني أقتنع إنك بريئة يا آنسة رانيا. أنتِ هتفضلي بالنسبالي واحدة رخيصة عايزة تغوي ابني وأنا هحاول أحمي ابني منك."
شهقت رانيا وقد انفجرت الدموع من عينيها وقالت:
"حرام عليكي إيه اللي بتقوليه ده… أنا مليش دعوة بابنك."
"اومال بتقربي منه ليه؟ ليه بشوفه دايماً معاكي؟ ليه ابني يعمل عملية لوالدتك ببلاش؟"
بهتت رانيا وقالت:
"هو قالك؟"
"يعني عملك العملية ببلاش!"
صرخت ليلى بغضب. ثم وضعت كفها على شعرها وقالت:
"الغبي المتخلف… أي حد يقدر يضحك عليه بسهولة."
"لا يا مدام أنا مضحكتش على حد. ابنك اللي عرض يعملها العملية مشكور. وأنا هفضل شايلة له الجميل ده طول عمري. ومتقلقيش أنا عمري ما هقرب منه تاني."
تنهدت ليلى وهي تحاول أن تستعيد سيطرتها وقالت بنبرة طف:
"شوفي أنا مش عايزة أضايقك. أنتِ برضه بنت مسكينة. عشان كده إيه رأيك أديكي قرشين ومشي بيهم حالك و…"
"لا يا هانم كتر خيرك. أنا هبعد عن ابنك من غير أي فلوس. شكراً ليكي يا هانم… شرفتيني."
رفعت ليلى حاجبيها بدهشة. الفتاة كانت تطردها بالفعل من المنزل. كيف تجرؤ على هذا! فكرت بغضب ولكن أخيراً ابتسمت لها ببرود وقالت:
"يفضل فعلاً تبعدي عنه؟ مش عايزة أزعجك يا رانيا. فكري في حالة والدتك على الأقل. ماشى يا حبيبتي."
ثم تركتها وغادرت لتسقط رانيا على الأرض ودموعها تنهمر من عينيها. لماذا يحدث هذا معها؟ لماذا؟ لماذا هي من تتحمل كل هذا؟ تتحمل الإهانة وكل شيء آخر؟ متى سوف تصلح حياتها؟ كلما أملت أن تصلح حياتها يتدمر كل شيء.
"رانيا يا بنتي…"
صوت والدتها جعلها تنتفض بقوة. مسحت دموعها وهي تنهض مسرعة وتقول:
"جاية أهو يا أما…"
لقد تدهور الوضع. فهو بعد اعترافه لوالدته أنه يحب رانيا بدأت تتصرف بجنون ويخاف أن تؤذيها مرة ثانية. هو يخاف على رانيا منها، يكفي المرة الأولى التي ذهبت فيها للفتاة وأهانتها بشدة. لن يسامح نفسه بسبب هذا الموقف. توقف فجأة وهو يرى والده جالس بهدوء يطالع الجريدة. كم أراد التكلم معه. إخباره بمشاعره. ولكنه خشي أنه هو أيضاً ينقلب عليه. ماذا إن لم يفهم واتهمه بالجنون مثل والده؟ ماذا لو سخر منه وهو لن يتحمل هذا؟ بالتأكيد سيغضب. مشكلة والده أنه ليس له كلمة صارمة في البيت. يجعل كل شيء تحت تصرف والدته. والدته هي من ربته. هي من اختارت له المدرسة التي سوف يدرس بها. حتى أنها اختارت تخصصه وجعلته يحبه منذ صغره. لا يتذكر يوماً أن والده كان له دور في حياته. دوماً كان متباعداً. لا يعرف إلا العمل. حتى بعد أن قرر أن يبقى في البيت ويدير أمور الشركة من هنا. علاقتهما سوياً ليست قوية لتلك الدرجة.
"بابا…"
قالها يحيى بتردد وهو يقف أمام والده بتردد. نظر إليه والده وقال بحيرة:
"خير يا ابني؟"
جلس يحيى وقال:
"بابا أنا عايز أقولك حاجة؟"
"اتفضل يا بني قول؟"
جلس بجواره وقال بسرعة:
"بابا أنا حبيت…"
رفع والده حاجبيه بدهشة ليكمل يحيى:
"معرفش ده حصل إزاي بس أنا حبيتها."
ترك الجريدة بيده وقال مبتسماً:
"جميل أوي. ومين سعيدة الحظ اللي قدرت توقع الدكتور يحيى؟"
كاد يحيى أن يرد إلا أن دخول والدته جمّده وهي تقول:
"أنا هقولك يا حبيبي ابنك بيحب مين. ابنك بيحب حتة خدامة لا راحت ولا جات. بنت رخيصة كده واحدة…"
"ماما لو سمحتي كفاية. دي حياتي أنا. ومش هسمحلك تتحكمي فيها ولا تهيني البنت اللي بحبها!"
زعق يحيى وعينيه الزرقاء تبرق بشكل مخيف. فردت ليلى:
"خلاص يا حبيبي لو عايز تتجوزها اتجوزها بس اتجوزها بعيد عن البيت ده. البنت دي مش هتدخل البيت ده. وأنت يا يحيى هتطلع برا بيتي و…"
تدخل زوجها وقال:
"معلش يا ليلى. ده يبقى بيتي أنا. أنا وبس. وأنا اللي أقرر مين يقعد ومين يمشي. وحاجة تانية… يحيى ليه كامل الحق يختار حياته لا أنا ولا أنتِ لينا حق نمنعه."
"يعني إيه؟"
قالتها ليلى بجنون ليرفع هو رأسه ويقول:
"يعني يحيى راجل وهو حر يختار حياته زي ما هو عايز. لا أنا ولا أنتِ هنمنعه!"
***
"يعني إيه الكلام ده… يعني إيه؟ قول لي إزاي السحر اتفك؟ أومال أنا بديك فلوس ليه؟ ما أنا مش مقصرة معاك! ليه بقا فشلت يا أستاذ!"
صرخت جوري بالدجال. كانت تشعر بالجنون. لقد عرفت أن ورد عادت لمنزل ياسين والآن هو يخبرها أن مفعول السحر انتهى. هذا كاد يصيبها بذبحة صدرية. إنها ستموت بالفعل إن لم يصحح الموقف.
"يا جوري أنا…"
قالها محاولاً تهدئتها. يخاف أن يخسرها. فهي تعطيه مبالغ كثيرة وكما أنها تعجبه. ما زال يريدها. هو لا يشبع منها إطلاقاً. ولكنها صرخت به بإهتياج:
"أنت إيه؟ قول لي أنت إيه يا أستاذ؟ أنت فشلت تفرقهم؟ فشلت!"
أمسك ذراعها واعتصرها بعنف وقال:
"لا حاسبي على كلامك وإلا أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه كويس!"
دفعها حتى وقعت على الأرض وقال:
"أنا مخدعتكيش ولا حاجة يا جوري أنا عملت السحر وهي فعلاً سابته بس هما فكوه. أعمل إيه أنا؟ هعمل سحر تاني بس المبلغ هيزيد لأنه هيكون أقوى."
"لا يا حبيبي بطلناها الشغلانة. أنت مش هتخدعني تاني. أنت فشلت. فشلت ترجعي لي جوزي."
ثم كادت أن تذهب إلا أنه جذبها إليه وقال:
"لا يا حبيبتي… ما هو دخول الحمام مش زي خروجه. لو مشيتي بالشكل ده تاني أنا هاذيكي واظنك فاكرة الأسبوع اللي فات لما عاندتيني أنا عملت إيه فيكي!"
ابتلعت ريقها وهي تنظر إليه وتتذكر كيف أنه مارس عليها السحر وبسببه لم تنم الليل كله وهي تشعر أنها محاطة بكائنات غريبة مرعبة. ما زال قلبها يخفق بوجل عندما تذكرت ما فعله. والآن هي غير قادرة أبداً على أن تعارضه. حتى لو أرادت لا يمكنها الذهاب. فهو رجل خبيث يعرف كيف يدمرها.
"عايز مني إيه؟"
قالتها وهي تحاول أن تحافظ على ثبات صوتها إلا أن صوتها خرج ضعيفاً مرتعشاً. ابتسم هو وقال وهو يمرر أصابعه على وجنتيها الناعمة ويقول:
"أيوه أنا كده أحبك يا فراولة. وبعدين يا ستي مش عايزة جوزك أنا هرجعهولك متخافيش. أنا هعملها سحر المرة دي إنما إيه مش هتقوم منه تاني. اتأكدي إنها هتموت ومحدش هيعرف ينقذها. أنا متأكد."
نظرت إليه بتوتر وقالت:
"أنا أخدت وعود كتير منك وأنت منفذتش ولا وعد فيهم. عمال تاخد مني فلوس وبس وتخليني أجيب لك زباين. حتى إنك… إنك…"
أغمضت عينيها وهي لا تجرؤ على نطقها. هي بالأساس مشمئزة من نفسها بسبب ما تفعله معه. لأنها تعطيه نفسها وأصبح هو يستبيح جسدها متى أراد. تشعر بالرخص والمهانة وهو يأخذها هنا في هذه الغرفة المقرفة ويمتلكها ثم ينهض عنها وهو يبتسم بانتصار بينما هي تموت في اليوم ألف مرة.
"أنا إيه يا فراولة؟"
قالها بخبث وهو يقترب منها. ذراعه طوّق خصرها النحيل فأشاحت بوجهها مشمئزة بسبب رائحة نفسه الكريهة.
"ابعد لو سمحت!"
قالتها وهي تكاد أن تتقيأ إلا أنه رد وقال:
"لا… مش هبعد إلا لما نتفق يا فراولة على كل حاجة."
"نتفق على إيه؟"
قالتها بغضب. ليضع شفتيه على وجنتها ويقول بصوت جعل معدتها تتلوى من القرف:
"نتفق على كل حاجة يا مزة. أنا هعملك سحر جديد والسحر ده هيتجدد كل فترة. صدقيني السحر ده هيكون نهاية مرات طليقك للأبد بس خليكي معايا. بس كل حاجة وليها تمن يا مزة!"
دفعته وقالت وهي تنظر إليه بضيق:
"عايز إيه؟"
"عشرة… عايز عشرة آلاف… وليلة من اياهم… ووقتها جهزي أحلى طقم أسود عندك عشان تحضري عزاها!"
***
في المساء. وقفت وهي تنظر إلى نفسها بإنبهار. كانت جميلة… حقاً. بمساحيق التجميل الخفيفة التي تزين وجهها وخمارها الأبيض الذي يغطي رأسها وفستانها البسيط الذي يضيق من الخصر ثم يتسع. دارت حول نفسها وهي تضحك بسعادة. بالتأكيد أمير سوف يفقد عقله عندما يراها. أمسكت باقة الزهور البيضاء وضغطت عليها وهي تنتظر قدومه وقد أولته ظهرها. ارتعتشت وهي تشعر بخطواته بينما تسمع تحية تطلق الزغاريد السعيدة. ارتجف جسدها بقوة وابتسمت بسعادة. بينما أمير يحاول رؤيتها ولكنها تتمنع عنه وهي تبتسم برقة. أخيراً نجح وأدارها له. وما أن رآها حتى حبس أنفاسه بقوة وهو يراها. كانت تبدو كأميرة خرجت من إحدى قصص الخيال. كانت تبدو رائعة للغاية. أجمل امرأة رآها في حياته. ابتسم لها وقال بصوت أجش:
"طالعة زي القمر."
ثم طبع قبلة طويلة على جبينها لدرجة أن تحية قالت:
"ما تخلصنا بقا يا عريس هتفضل هنا لحد إمتى؟ يالا عشان الفرح."
هز أمير رأسه وهو يتأبط ذراع زوجته ويخرج من مركز التجميل.
كانا يتقدمان ببطء وسط أهل الحي الذين كانوا سعداء للغاية من أجل أمير فهو أخيراً قد تزوج ووجد امرأة رائعة له. نظرات السعادة والغيرة كانت تلاحقهما. السعادة من أجل أمير وغيرة الفتيات من عبير لأنها حصلت على الأمير الوسيم. من بينهن تلك الفتاة التي كانت تطارد أمير بدون ملل. تنظر إليهما بضيق وكراهية. ابتسمت عبير بإستفزاز وهي تتمسك أكثر بذراع أمير بينما هو يقودها إلى المقعدين المخصصين للعروسين. أجلسها هي ثم جلس هو وأمسك كفها وقال بنبرة عابثة:
"إمتى هيخلص الفرح عشان أستفرد بيكي."
نظرت إليه بتوجس وقالت قلقة:
"إيه… إيه هتعمل فيا إيه؟"
ابتسم بتسلية وقال:
"هاكلك… بجد هاكلك!"
ابتلعت ريقها وهي تسمع كلماته غير المطمئنة تلك. ولكن مع مرور الوقت بحفل الزفاف كانت قد نست تماماً ما قاله حتى أنه سحبها ليرقص معها على المنصة وهي لم تمانع بل رفضت معه بنعومة. انتهى الرقص وجلسا مرة أخرى. فجأة ابتسم زوجها ونهض قائلاً:
"كنت عارف، إنك هتيجي يا عدي وبجد شكراً إنك جيت."
ابتسم عدي وهو يصافح أمير وقال:
"مقدرش مجيش مادام وعدتك يا أمير. مبروك يا عم ربنا يسعدك يارب."
"حبيبي يا عدي ربنا يخليك."
ثم نظر إلى عبير وقال:
"مبروك يا عروسة."
"الله يبارك فيك."
قالتها برقة. ثم وجه عدي كلامه مرة أخرى لأمير وأخذا يتحدثان قليلاً قبل أن يغادر عدي وينضم لأهل الحي.
جلس عدي على إحدى الطاولات براحة وعينيه تبحثان عن المكان. رفض الاعتراف بهذا ولكنه كان يبحث عنها. لقد اشتاق إليها ومنع نفسه قصراً بالأمس أن يتكلم معها في يوم الحناء. ولكن لماذا لم تأتي اليوم؟ فكر وقد تعكر مزاجه قليلاً. أراد أن يذهب إليها ولكن كبرياؤها منعه. لن ينسى أبداً أنها ذات المرأة التي خدعته وتلاعبت به. زفر بضيق وهو يوبخ نفسه مخبراً إياها أنه سوف يذهب من هنا بعد دقائق وينسى أمر تلك الفتاة كلياً. ولكن رغم أنه قد اتخذ قراره إلا أنه فشل في الحفاظ على عينيه بعيداً فأخذ يختلس النظرات ربما تكون قد أتت ولكنه أيضاً لم يلمحه. نَهَشَه القلق من الداخل. ما السبب الذي يجعلها تتخلف عن حضور حفل زفاف صديقتها المقربة؟ لماذا لم تأتي؟ وعلى الرغم أنه أخبر نفسه أنه أبداً لن يشفق عليها ولن يسامحها أو يهتم بها إلا أنه فشل في منع قلبه من الاهتمام بها. فشل من منع نفسه من القلق عليها!
"ياريتني ما حبيتك يا جواهر!"
قالها بتعب شديد.
***
صفرت ليان وهي ترى صديقتها بفستان الزفاف. كانت نسرين جميلة للغاية… كالأميرات. فستانها الرائع جعلها تبدو وكأنها خرجت من إحدى القصص الأسطورية. بدت غير حقيقية بالفعل.
"اللهم بارك. شكلك قمر أوي يا نسرين."
قالتها ليان وهي تعانق صديقتها بقوة.
ابتسمت نسرين وهي تنظر إلى نفسها بالمرآة. كانت راضية تماماً عن نفسها وقالت:
"بجد شكلي حلو أوي يا لي لي. أنا فرحانة أوي… أوي."
"حبيبتي ربنا يسعدك دايماً. بصراحة مدام ماريانا عملت شغل هايل معاكي وكويس إن البيوتي سنتر النهاردة مكنش زحمة أوي فقدرت تديلك حقك."
"وحتى لو زحمة كنت هفضي نفسي مخصوص عشان نسرين. ده فؤاد ممكن يزعل مني لو مقدرتش أرضيها."
ضحكت نسرين وقالت:
"لا يا مدام ماريانا بصراحة محدش يقدر يتكلم. بجد أنا عمري ما كنت أتخيل إني حلوة للدرجة دي."
"أنتِ من الأساس حلوة يا بيبي مدام ماريانا وضحت جمالك بس."
"مش صحيح يا مدام."
هزت ماريانا رأسها وهي تبتسم. لتكمل ليان:
"مدام أنا كمان خطوبتي قريبة وبعدها فرحي مش هوصيكي عليا ماشي."
ضحكت ماريانا وقالت:
"عيوني يا ستي أنا بنفسي هجهزك لسعيد الحظ."
ثم وجهت كلامها لنسرين وقالت:
"ارتاحي أنتِ يا نسرين عقبال ما يجي فؤاد."
هزت نسرين رأسها وجلست ثم جلست بجوارها ليان. خرجت ماريانا للحظات ثم فجأة سمعت كلا من ليان ونسرين ضجة بالداخل. نهضت ليان وخرجت لترى ماذا حدث ولكن عينيها اتسعت بقوة وهي تجد يوسف أمامها. وما كادت أن تصرخ حتى صفعها بقوة وأمسك رأسها وضربها بالحائط حتى فقدت الوعي بجوار ماريانا.
"يوسف!"
صرخت نسرين بصدمة وهي تراه يدخل وتراجعت بصعوبة وكادت أن تتكلم إلا أن الكلمات كلها تبعثرت من فمها.
"طالعة زي القمر يا حبيبتي… زي القمر يا نسرين."
وقبل أن تصرخ كتم فمها بالمنديل الذي به مخدر.
بعد قليل.
"ليان… ليان فيقي يا ليان!"
قالها فؤاد وهو يضرب وجه ليان برفق. قلبه يقصف داخل صدره وهو لا يفهم أي شيء. ماذا حدث هنا؟ وأين نسرين؟ فتحت ليان عينيها بفزع ليساعدها فؤاد على النهوض وهو يخبرها أن تهدأ. نظرت ليان حولها لتجد ماريانا تضع ثلج على جبهتها وتغمض عينيها بتعب.
"ليان فين نسرين؟"
سألها فؤاد بنفاذ صبر لتقول ليان بسرعة:
"يوسف… يوسف خطفها!"
***
انتهى حفل الزفاف. وبقيت هي على الفراش ترتدي فستانها الأبيض الرائع بينما تفرك كفيها بتوتر وهي تنتظره. وأخيراً قد دخل وهو يرتدي منامة قطنية وشعره رطب قليلاً. عبس ونظر إليها وقال:
"الله أنتِ لسه مغيرتيش هدومك يا بيري. يالا يا بنتي عشان نصلي. عايزين نبدأ حياتنا وربنا يكون راضي علينا."
هزت رأسها وقالت بخفوت:
"بس ممكن تفتح لي سوسة الفستان؟ لو مش هأزعجك يعني."
ابتسم وقال:
"أكيد يا حبيبتي."
ثم بالفعل اقترب منها وفتح الجرار بسرعة ثم غادر قبل أن يتهور.
انتظر خارج الغرفة دقائق عديدة لكي تخرج ولكنها تأخرت. زفر أمير بضيق وقال:
"اتأخرت ليه دي؟ إيه اللي حصل يا ترى؟"
ولكن فجأة فُتح الباب وخرجت وهي ترتدي إسدال للصلاة لونه أزرق. حبس أنفاسه للمرة الثانية اليوم. كيف يمكنها أن تكون جميلة عندما ترتدي أي شيء. أي شيء يليق بها يجعلها جميلة. كتم أشواقه في قلبه وحارب لكي يتكلم وقال:
"يالا عشان نصلي يا حبيبتي."
هزت عبير رأسها لتقف على سجادة الصلاة بينما يبدأ أمير في الصلاة وهي خلفه.
انتهيا أخيراً من الصلاة وجلس أمير وهو يضع كفه على رأس عبير ويقول:
"اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه. آمين يارب العالمين."
ثم نهضا سوياً وهو يسحبها خلفه إلى غرفة النوم. انتفض قلبها بقوة داخل صدرها وقالت بسرعة:
"لحظة… لحظة يا أمير لو سمحت… لو سمحت استني شوية… استني."
نظر إليها بحيرة وقال:
"فيه إيه يا حبيبتي؟"
صمتت وهي تبحث عن مهرب لها ثم قالت فجأة:
"أنا جعانة… ممكن آكل."
ضحك على رقتها وقال:
"طيب حاضر هجيبلك."
وبالفعل بعد قليل. كانت على الطاولة أصناف عديدة من الطعام أعدتها تحية بذات نفسها. كانت عبير تأكل ببطء وهي تشعر بالخوف مما ينتظرها بعد أن تنتهي من الأكل. هل سيكون رقيقاً معها؟ ولكنها تعرف أمير بالتأكيد سوف يكون رقيق معها. هي واثقة من هذا. طردت الخوف من قلبها ونظرت إليه وهي تعطيه ابتسامة رائعة. ابتسم لها وهو يقول بلطف:
"كلي براحتك."
وبالفعل استمرت في الأكل ببطء شديد. مرت نصف ساعة وهو ما زال صابراً عليها. لم يتأفف أو يتضجر. انتهت هي أخيراً وبدأت بحمل الأطباق وحملهم هو معها. غسلت يديها وفمها جيداً وفرشت أسنانها وتنهدت وهي تخرج. ذهبت إلى غرفة النوم لتجد زوجها جالس على الفراش ينتظرها. خفق قلبها داخل صدرها وهي تراه. أرادت أن تركض إليه وتعانقه بكل قوتها. مشت في الغرفة واتجهت إليه. رفع عينيه ليجدها أمامه. ما زالت ترتدي إسدال الصلاة ولكن بدون حجاب. شعرها الرائع منسدل ونواجزها أكثر بروزاً. نهض أمير وهو يمرر عينيه الذهبية عليها. امسك كفها وقبله بلطف ثم جعلها تجلس على الفراش بجواره وهو ينظر إليها. عينيه تشعان حب ورغبة. أصطبغت وجنتيها بحمرة الخجل وابتلعت ريقها وهو ينظر إليها بتلك الطريقة.
"حاسس إني بحلم."
قالها أمير بابتسامة ثم أكمل:
"أنتِ جميلة أوي من قريب. مش مصدق إن ليا حق أبص عليكي من غير ما أخاف آخد ذنب. أنتِ كنتِ تهديد عليا يا عبير والتهديد خلص بجوازي منك."
رفع أمير وجهها إليه ثم اتجهت أصابعه إلى شفتيها واقترب منهما بهدوء إلا أنه انتفض وأحدهم يطرق الباب بقوة. صوت شاب يصرخ:
"الحقنا يا أسطى أمير… بيت أختك تحية وجوزها ولع!"
فتحت نسرين عينيها لتجد نفسها في منزل غريب. نهضت وهي تترنح بينما قلبها يخفق برعب داخل صدرها.
"أنا فين؟"
صرخت وهي تقف وتمسك رأسها.
"أنتِ في بيتك يا حبيبتي."
قالها يوسف وهو يدخل الغرفة. ابتسم لها وقال:
"طالعة حلوة أوي زي ما تخيلتك يوم فرحنا يا نسرين."
"يوسف بلاش جنان رجعني. يوسف النهاردة فرحي!"
قالتها نسرين وهي تتراجع للخلف وترفع فستان زفافها قليلاً. كانت مرعبة. الدموع تطفر من عينيها. المجنون اختطفها من زفافها!
"اخرسي… اخرسي يا نسرين أنتِ مش هتتجوزي غيري. مش هتتجوزي غيري."
أخذت تبكي وتقول:
"يوسف أنا خايفة منك. رجعني أبوس إيديك. رجعني!"
صرخت في جملتها الأخيرة ليقترب منه ويحاصر وجهها ثم يضغط بكفيه على وجنتيها ويقول وقد استحالت عينيه العسلية للون الأحمر:
"مستحيل أرجعك يا نسرين. مستحيل أنتِ ملكي أنا وبس. محدش تاني هيتجوزك. محدش هيلمسك غيري. أنا عندي تموتي وأحزن عليكي العمر كله إلا أن حد يلمس شعرة منك."
"أنت مجنون!"
قالتها وهي تبكي ليرد بإبتسامة مختلة:
"مجنون بيكي أنتِ يا نسرين. أنتِ خلتيني أحبك. اتحملي النتيجة بقا!"
ثم بدأ يقبلها رغماً عنها وهي تدفعه ولكن الدوار الذي تشعر به وفستان الزفاف وقوته كانوا عائق كبير بالنسبة لها. أخذت هي تبكي وتتوسل إليه أن يبتعد ولكن دون أي فائدة. دفعها على الفراش وهو يكمل فعلته للآخر. سوف يضمن أنها لن ترفض الزواج منه. سوف يمتلكها الآن!
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سولييه نصار
نسرين: يوسف لا… يوسف لا!!!
صرخت نسرين بقوة وهي تحاول تدفعه بينما الدموع تنفجر من عينيها. كانت دموعها لا تتوقف، صراخها لا يتوقف ولا حتى مقاومتها. كانت تقاوم بكل ما تستطيع لكي يبتعد عنها ولكنه كان أقوى بكثير. كان يسيطر بجسده عليها، يثبت كفيها بيد واحدة واليد الأخرى يثبت بها وجهها. كان ينظر إليها مطولاً. عينيها أصبحت بلون الدم من شدة البكاء ووجهها يكاد تنفجر منه الدماء.
يوسف: أنا حبيتك.
قالها والدموع تنساب من عينيه.
يوسف: حبيتك.
كررها مرة أخرى بإختناق وأكمل: حبيتك زي ما حبيتها وأنتِ كسرتيني زيها. أنا عمري ما خدعتك ولا أجبرتك تحبيني يا نسرين. عمر ما ده حصل. أنتِ حبتيني بإرادتك. وعدتيني انك هتفضلي معايا طول حياتي يا نسرين. قولتي انك عمرك ما هتكسريني وكسرتيني. كسرتيني يا نسرين!!!
نسرين: وأنت وعدتني انك هتحميني دايما يا يوسف وخلفت بوعدك. روحت لأبويا وقولت على علاقتنا. افتكرتك أماني وانت اللي رمتني في النار بنفسك. أنت اللي خليت بابا يأذيني. كنت بقولك أنه بيأذيني وانت وعدتني انك مش هتخليه يقربلي تاني. بس انت بنفسك سلمتني ليه. أنت بنفسك خليته يأذيني يا يوسف.
يوسف: اتجننت وقتها لما حسيت انك هتبقي لحد تاني يا نسرين.
نسرين: أنا آسفة. محبتش اجرحك زيها. بس خلاص يا يوسف اللي بيننا انتهى. رجعني فرحي. رجعني لو سمحت.
هز يوسف رأسه بالنفي وقال: مستحيل. أنتِ بتحبيني أنا! أنا وبس!!!
هزت رأسها وهي تبكي وقالت: آسفة. آسفة بس مبقتش احبك. مبقتش يا يوسف. أنا بحب فؤاد. فؤاد وبس.
يوسف: اخرسي. اخرسي.
صرخ فيها بشراسة وصفعها بقوة. بكت هي وحاولت دفعه عنها ولكنها فشلت في هذا. انحنى هو وانتهك شفتيها بينما شعرت هي بالقرف من نفسها. حاولت الصراخ ولكنه كان يكتم فمها بشفتيه بينما تمزق يديه فستانها.
نسرين: هقتل نفسي. والله هقتل نفسي لو كملت يا يوسف. ولا انت ولا غيرك هيمنعوني أعمل كده. هقتل نفسي!!!
كانت تصرخ بها. وكانت كلماتها صادقة للغاية.
نسرين: أبوس ايديك سيبني امشى يا يوسف. ابوس ايديك عايزة افرح في حياتي. أنا لقيت اخيرا الإنسان اللي بحبه. الإنسان اللي هيعوضني عن قسوة بابا عليا. الإنسان اللي أنا عايزة اعيش معاه باقي حياتي.
كلماتها قتلته. وجد نفسه يقول ببشرة شاحبة كالأموات: طب وأنا… أنا ايه… فين حبك ليا؟ أنا حبيتك. حبيتك ده جزائي!!!
نسرين: أنا آسفة. آسفة.
يوسف: مش عايز اسفك. مش عايزه. اعمل بيه ايه؟!!! قوليلي اعمل بيه ايه.
نهض من عليها وهو يشد شعره بينما الجنون يعصف به. لقد انتهى الأمر. انتهى. هو لا يمكنه أن يؤذيها. فكر حقا في فعل هذا. فكر أن يكون أناني لمرة واحدة فقط ويعتدي عليها وحينها ستعيش معه مجبرة ولكن هل يريد ذلك؟ هل يريد أن يمتلك جسدا قلبه ملك لآخر؟ هل يريد أن يتزوجها وقلبها مع آخر ويعيش تعيسا للمتبقي من حياته؟ كانت الأسئلة تعصف بعقله والجواب لا يجرؤ على قوله. لأن فكرة أن تبتعد عنه للأبد تقتله. تحطمه بقوة ولكن العلة ليست به العلة بها. هو يكره رؤيتها تعيسة. كان منير دوما يخبره ان ما يشعر به نحو نسرين ليس حباً بل احتياج. فهي كانت بديل لرقية ولكن منير كان مخطئ. هو أحب نسرين. أحبها حقاً وان كان إذاها وإن كانت علاقتهما سامة. هو أحبها. أحبها ويؤذيه أنها لم تعد تحبه بعد الآن. نظر إليها بتعب. كانت متسطحة على الفراش تبكي بعنف بينما فستانها الجميل ممزق. نهضت بتعب واستطاعت أن تجلس على الفراش وهي مستمرة في البكاء. تغطي عينيها كي لا تراه.
يوسف: بتحبيه يا نسرين. بتحبي فؤاد؟
أبعدت كفها ونظرت إليه ثم هزت رأسها بالإيجاب وقالت: هو الإنسان اللي أنا بتمناه.
أغمض عينيه بألم. رباه هذا يحطمه. تنفس بسرعة وقال بينما الدموع بدأت تحتشد في عينيه: طب وأنا… فين حبك ليا؟
نسرين: مكانش حب يا يوسف. أنا آسفة. أنا عرفت أن مشاعري ناحيتك مكانتش حب. أنا آسفة يا يوسف. آسفة!!
انسابت دموعه وقال: آسفة. آسفة بكل بساطة. بتقولي أن مشاعرك ليا مكانتش حب. اومال ايه كمية الوعود اللي اخدتها منك دي يا نسرين؟ ايه؟ كل ده مش حب معقول. اومال ايه انت أماني وهفضل طول حياتي معاك.
ضرب صدره وقال: أنا حبيتك. حبيتك. مشاعري كانت حقيقية. كنت خايف من الحب بس عشان خاطرك. حاربت خوفي وحبيتك. وانت كسرتيني زيها. صحيح أنا أذيتك وبعترف بغلطي الكبير في حقك. بس صدقيني غلطك أنتِ اكبر.
ضحك مرة أخرى بقهر وقال: أنا جيبتك هنا عشان اكسرك. جيبتك عشان متقدريش تقوليلي لا. جيت عشان احرق قلبك زي ما حرقتي قلبي. بس فشلت يا نسرين. فشلت. عارفة ليه؟ عشان حبيتك. الإنسان مش بيأذي اللي بيحبه يا نسرين.
نسرين: بس أنت أذتني.
قالتها بنبرة مختنقة ليرد: صدقيني مش أكتر من أذيتك ليا!! أنا هرجعك لعريسك وهسافر برا مصر. أنتِ مش هتشوفي وشي تاني.
فؤاد: ما توطي صوتك. متنساش انت فين؟
قالها ضابط الشرطة لفؤاد الذي كان غاضب بشدة وكان يصرخ في مركز الشرطة، بينما نهى خلفه ودموعها تنفجر من عينيها. فبعد أن عرفت من ليان أن يوسف قد أخذ نسرين والقلق ينهش بها. ماذا لو أذاها؟ الفتاة المسكينة متى ستجد الراحة؟
فؤاد: يا فندم حط نفسك مكاني. ممكن؟ بقولك البنت اللي هتجوزها اتخطفت. راجل مجنون خطفها من الكوافير وحضراتكم شفتوا الكاميرات بتاعة الكوافير. ليه لحد دلوقتي محدش قدر يجيب خطيبتي؟
الضابط: يا دكتور. احنا بندور عليها فعلاً وبعتنا إخبارية لكل المطارات ومحطات الاتوبيس والسكة الحديد وحتى مواقف العربيات. وشغالين مش نايمين يعني تصرفك مش مقبول بالمرة.
كريم: اهدى يا فؤاد يا ابني. اهدى شوية.
قالها كريم وهو يشد على كتفه ليزفر فؤاد بضيق. يشعر أنه عاجز عن أي شئ. قرر الخروج والبحث عنها بمفرده. لن يترك الأمر هكذا.
خرجت نهى وكريم خلفه ولكنه كان قد غادر.
نهى: يارب سلم. يارب سلم.
قالتها نهى وهي تبكي. فهي تخاف أن يتورط ابنها بشئ. أنها لم ترى فؤاد غاضب بتلك الطريقة أبداً. ولكنها محق. فيوسف قد تجاوز كل الحدود.
شدت على ذراع كريم وقالت بتوسل: كريم اعمل حاجة. ابوس ايديك.
هز كريم رأسه وأخرج هاتفه ليتصل بمنير ويعرف إذا كان قد عرف مكان يوسف ولا لا. فمنير أيضا يبحث عن يوسف قبل أن تمسكه الشرطة لكي يقنعه أن يعيد نسرين. كان كريم يعترف أنه لديه يد في تلك المشكلة الكبيرة. فلو اهتم بإبنته قليلا لم تكن لتنظر إلى صديقه أبداً.
كريم: أيوه يا منير لقيت حاجة؟
قالها كريم بلهفة ما أن رد عليه منير. فتننهد منير وقال: للأسف لا ملقيتش حاجة يا كريم. اختفى. روحت كل الاماكن اللي ممكن يبقى فيها ملقيتهوش.
فؤاد: الحيوان ابن الـ... وديني لما أشوفه لأقتله!!!
في سيارة فؤاد. كان يقود السيارة بسرعة كبيرة. تندلع من عينيه النيران.
وود لو رأى يوسف الآن لكان قتله على الفور. غضب شديد يعصف به. عينيه حمراء من فرط الغضب. يشد على المقود بقوة. رن هاتفه فجأة ليجدها ليان. كاد ألا يرد ولكنه تذكر أنها الآخر تشعر بالرعب الشديد. فبعد أن ضربها يوسف أتى شقيقها وأخذها عنوة لترتاح بالمنزل. امسك هاتفه ورد عليها.
ليان: ها وصلتوا لحاجة؟
قالتها ليان بلهفة ليرد فؤاد بإقتضاب: لا يا ليان. لسه معرفناش حاجة.
شهقة ضعيفة انفلتت من بين شفتيها وقالت بإختناق: أنت لسه في القسم صح؟ أنا جاية.
فؤاد: لا يا ليان. أنا سيبت القسم بلف بعربيتي وبدور عليها. ويارب نلاقيها.
انسابت دموع ليان وقالت: أنت فين يا فؤاد حاليا؟ أنا عايزة ادور عليها معاك. مكانش لازم اسمع كلام اخويا وارجع معاه. قوللي انت فين.؟
تنهد وقال: ليان ارتاحي أنتِ وانا هلاقيها. اصل مفيش حاجة هتقدري تعمليها. هتتعبي نفسك على الفاضي. ارتاحي في البيت أنتِ بس وانا لما الاقيها هتصل بيكي.
ليان: ياريت يا فؤاد. ياريت.
فؤاد: متقلقيش بإذن الله خير. يالا سلام.
ليان: سلام.
ثم أغلقت الهاتف. مرة أخرى رن هاتفه ولكن برقم غريب. فتحه بسرعة فقد تكون هناك معلومة ما عن نسرين. والصوت الذي سمعه جعله قلبه يسقط بقدميه.
صوت غير معروف: فؤاد… فؤاد…
أوقف السيارة فجأة وهو يسمع صوت نسرين الباكي.
فؤاد: نسرين. أنتِ فين يا حبيبتي. قوليلي أنتِ فين؟
ولكن فجأة سمع أحد ما يأخذ الهاتف منها وصوت يوسف اخترق روحه الغاضبة بشدة.
يوسف: أيوه يا فؤاد.
فؤاد: وديني لأقتـ لك يا يوسف. هقتـ لك يا أحقر خلق الله. انت ازاي…
كان فؤاد يصرخ وهو يشتمه ويتوعد له.
يوسف: ايه رايك تبطل شتايم عشان متفق اجيبلك نسرين فين؟
فؤاد: هي فين؟
تنهد يوسف وهو يخبره بالمكان بالضبط وينبه عليه ألا يدخل الشرطة في الموضوع فهو لا يريد أي مشاكل.
بعد نصف ساعة. وصل فؤاد للمكان البعيد نوعا ما بسبب قيادته السريعة. كان حي راقي ولكنه هادئ جداً. ترجل من سيارته وهو ينظر حوله وكاد أن يتصل بيوسف إلا أن صوت نسرين أوقفه.
نسرين: فؤاد.
قالتها نسرين بصوت باكي ليستدير ويراها تقف خلفه بمسافة وخلفها يوسف. توسعت عيني فؤاد بصدمة وهو يطالع فستانها الممزق قليلا ولكنه لم يجد وقت ليسأل إذ أن نسرين اندفعت إليه وعانقته بقوة وهي تبكي.
فؤاد: حبيبتي. حبيبتي.
كان يقولها وهو يضمها بقوة ويقبل رأسها. أبعدها قليلا وعانق وجهها وهو يقول: عمل فيكي ايه؟ قولي. انطقي عمل ايه؟
كان يشير إلى فستانها الممزق. وفعلا ابتعد عن نسرين متجها ليوسف والنيران تندلع من عينيه بقوة وقال: أنا هوريك يا جبا ن يا حقيـ ر!!!
ولكن نسرين ركضت وامسكت كف فؤاد ثم عانقته وهي تقول: معملش حاجة. معملش حاجة. سيبه يروح يا فؤاد عشان خاطري.
ولكن فؤاد أبعدها مرة أخرى لكي يذهب إليه. لتمسكه نسرين من كفه بقوة وتعانق وجهه وتقول بعاطفة: سيبه يا فؤاد. سيبه يروح. خلينا نرجع ونبدأ حياتنا من جديد أنا وانت. أنا بحبك. بحبك!!!
بهت وهو ينظر إليها. شعر بدقات قلبه تتسارع. ابتسم لها وعينيه تبرق بشدة. فعانقته هي بقوة وهي تقول: بحبك يا فؤاد.
وظلا متعانقين لفترة طويلة بينما يوسف ينظر إليهما وقلبه يتمزق. كان الألم رهيب. مسح الدموع التي أغرقت وجنتيه ثم استدار وذهب. قد انتهت قصته مع نسرين كما انتهت مع رقية. وأصبح هو الخاسر الوحيد. لقد ظن أنه عندما يعطي قلبه لشخص آخر سوف يحافظ عليه ولكن هذا لم يحدث. لقد أعطى قلبه لرقية وحطمته ونسرين فعلت المثل. والآن أن أفضل ما يفعله أن يترك تلك البلاد ويذهب. لا يريد أن يبقى هنا بعد الآن.
أمير: ربنا يعوض عليك يا حسين.
قالها أمير بشفقة وهو يربت على كتف حسين بينما يقف الجميع أمام المنزل المتفحم.
حسين: الحمدلله على كل حال يا أمير. الحمدلله على الأقل خرجنا بالسلامة ومفيش حد. حصله أي حاجة. الحمدلله كل حاجة تتعوض الا صحة تحية والاولاد.
قالها حسين برضا غريب ولكن لم يخفى عن أمير لمعة الدموع بعينيه.
تحية: أنا السبب. أنا السبب. أنا اللي نسيت طاسة الزيت على النار ونومت. أنا اللي ضيعت كل حاجة. أنا السبب. أنا….
ضمتها عبير وقالت برفق: قولي الحمدلله اللي قدرتي تطلعي انتِ وجوزك وعيالك من غير ما تحصلكم حاجة. احمدي ربنا يا تحية.
تحية: الحمدلله. الحمدلله.
قالتها تحية بنبرة مختنقة وهي تمسح دموعها.
أمير: يالا يا حسين عشان تروح ترتاح.
قالها أمير وهو يجذب حسين الا انه قال له بإحراج: ايه اللي أنت بتقوله ده يا أمير؟ انت عريس جديد والنهاردة دخلتك. اجي فين بس؟ روح فين وانا هتصرف.
أمير: بس يا راجل عيب الكلام ده. يالا هتفضلوا معايا لحد ما تحلوا المشكلة دي.
وقبل أن يعترض حسين مرة أخرى جذبه أمير وجذبت عبير تحية والأولاد متجهين جميعاً إلى منزل أمير الصغير.
في بيت أمير. في التراس. كان يقف حسين وهو شارد ويقف بجواره أمير لحين انتهاء تحية وعبير من اعداد مكان للنوم بصالة المنزل.
تحية: والله أنا مكسوفة منك اووي يا عبير. احنا زاحمناكم في ليلة دخلتكم. بقولك ايه يا اختي أنا هنام أنا هنا في الصالة أنا والعيال وحسين وناموا أنتوا في اوضتكم. يعني مش كفاية تطفلنا وجينا هنا كمان. أنا هنام في الأوضة وأمير يطلع برا اوضته. ميصحش.
ابتسمت عبير وقالت: لا تطفل ولا حاجة. متقوليش كده. انت اخت أمير يعني زي اختي وربنا يعلم بحبك قد ايه. أنا عمري ما هنسى أنك وقفتي جمبي في أسوأ ايامي. جه وقتي اقف معاكي. ربنا يعوضكم يارب. وبعدين أمير مش هيرضى أنك تنامي في الصالة. هو قال أنا وانتِ والعيال هنام في الأوضة وهو وحسين هيناموا في الصالة. وأنا مقدرش أكسر كلمة جوزي.
ضحكت تحية وقالت: ربنا يخليلك جوزك يا اختي.
عبير: امين يارب.
قالتها عبير مبتسمة.
في التراس. كان ما زال حسين واقفا ينظر الى الفراغ وهو يتنهد بتعب. كل شئ ضاع والآن لم يبقى معه سوى الاموال التي في حسابه. صحيح مبلغ جيد جدا ولكنه لم يكفي لإعادة بيته مثلما كان. لا يكفي ابدا. هربت تنهيدة متعبة من بين شفتيه ليضع أمير كفه على كتفه ويقول بهدوء: هتتحل يا حسين. هتتحل بإذن الله.
هز حسين رأسه وقال بيأس: صعب. صعب اوووي يا أمير. صعب اووي.
ثم أطرق رأسه بيأس. ابتسم أمير بلطف وقال: مفيش حاجة بعيدة عن ربنا. ربنا كريم يا حسين وهيعوضك خير. يالا عشان ترتاح ومتفكرش كتير وتحمد ربنا ان مفيش حد فيكم حصله حاجة.
في المطبخ. كانت عبير تمسك كوب الماء لتضعه في الغرفة التي تنام هي وتحية بها كي لا تخرج كثيراً عندما ولج أمير وابتسم لها. بادلته ابتسامته بإبتسامة رائعة للغاية. كانت عينيها تبرق بشدة. رفع أمير كفه ومررها على وجنتيها وهو يقول: حقك عليا. هبقى اعوضك بعدين.
قبلت كفه وقالت برقة: أنا متأكدة من كده.
ازدادت ابتسامته اتساعا وهو يقترب بشفتيه منها. أغمضت عبير عينيها ولم تمتنع أبدا. ولكنهم فجأة انتفضا سويا عندما ولجت تحية للمطبخ.
تحية: أنا آسفة والله.
قالتها تحية بإحراج ووجنتيها ملتهبة من شدة الخجل. أطرقت عبير برأسها وهي تتمنى ان تنشق الأرض وتبلعها بينما خرج أمير مسرعا. اقتربت تحية من عبير وهي تقول بإحراج: حقك عليا والله. حقك علينا.
ابتسمت عبير وقالت: محصلش حاجة. لده كله يا تحية. أنا مش زعلانة. يالا عشان نروح ننام.
هزت تحية رأسها وذهبت مع عبير للنوم.
في الغرفة. كانت عبير تنام على ناحيتها بالفراش والاطفال بالمنتصف وتحية من الناحية الآخرى. كانت لا تكف عبير عن الابتسام بسعادة. إنها تشعر بالراحة الآن. لقد تحقق حلمها واصبح حبيبها هو زوجها. شعرت أنها في غاية السعادة. وبعد الله عز وجل يجب أن تعترف أن جواهر ساعدتها كثيرا في هذا الآمر. لن تنسى أبدا أن جواهر ساعدتها وانقذتها من زواج لا تريده لتقابل حبها الحقيقي. الحب الذي تاقت دوما إليه. فجأة تجهمت وهي تتذكر أن جواهر لم ترد على اتصالاتها حتى أنها لم تحضر زفافها. تتمنى أن تكون بخير. قررت أن تذهب إليها غداً. فهي تعرف أن جواهر تعاني الان خاصة مع غضب عدي منها. هي تعرف الحب وتعرف ألمه جيدا. لذلك فهي تشعر بجواهر. ولتكن صريحة هي أهملت صديقتها قليلا. صديقتها التي فعلت كل شئ لتحميها من والدها. لن تنسى أبدا أن جواهر ضحت بالكثير من أجلها. أغمضت عبير عينيها وهي تغرق بالنوم.
في اليوم التالي. في قصر رشيد. كانت ليان جالسة مع شقيقها تأكل طعام افطارها بكل هدوء. كانت مبتسمة براحة لأن نسرين أخيراً عادت للمنزل.
ليان: عدي أنا طالعة النهاردة مع نسرين عشان نجيب فستان الفرح مرة تانية.
ضحك عدي وقال: أنا خايف تتخطف مرة تانية ونعيد نفس الحوار.
ليان: لا متقلقش يا عدي. خلاص يوسف هيسافر وهيبعد عنهم.
هز رأسه موافقاً وقال: بصراحة هو ده الصح. البنت قد عياله ومش هتنجح علاقتهم أبداً. مش عارف هو كان بيفكر في ايه لما حبها.
هزت ليان كتفها وقالت: احنا مبنقدرش لا نتحكم في مشاعرنا ولا قلبنا يا عدي. مبنفكرش ليه ممكن نحب ده. بنحبه وخلاص. زي ما انت لحد دلوقتي بتحب جواهر.
نظر إليه عدي ببرود وقال: ممكن متجبيش سيرتها؟ لو سمحتي يعني. أنا مش عايز اسمع اسمها هنا خالص. كلامي مفهوم؟
هزت ليان رأسها وقالت: أنا بجد مش قادرة افهمك. رغم أن عبير جات وقالتلك الحقيقة كلها ومخبيتش حاجة عنك. وعرفت هي عملت كده ليه؟ البنت برضه معذورة. كان مفروض تسامحها.
عدي: هو احنا مش هنخلص من الحوار ده يا ليان؟ كل يوم لازم تتكلمي في ام الموضوع ده. هو مفيش تغيير خالص؟
ليان: أيوه يا عدي. مفيش تغيير عشان شايفة انك قاسي عليها أوووي. انت عرفت الدافع بتاعها. هي مكانتش عايزة تخدعك بس حط نفسك مكانها. واحدة ممسوك عليها شيكات ووالدتها تعبانة أوووي والحياة متقفلة في وشها. هي مش هتختار طبعا تتحبس. ومعلش يا عدي انت كمان مش برئ. انت اتجوزتها وعارف انها مش عايزاك.
عدي: كان عندها كذا فرصة عشان تقولي الحقيقة. لكن هي اختارت تخدعني.
قالها عدي بغضب. ما زال الأمر يؤلمه. هو يتساءل في اليوم ألف مرة عن السبب الذي جعلها تخاف أن تحكي له الحقيقة. لقد سنحت لها العديد من الفرص. كان يمكنها أن تخبره وقتها يقسم أنه سوف يساعدها ولن يغضب منها ولكنها اختارت أن تخفي عنه الحقيقة. اختارت أن تعامله معاملة الأحمق. اختارت الكذب. فلا يحق لأحد أن يلومه على كذبه.
ليان: بس هي قالتلك الحقيقة في الآخر.
عدي: بعد ما كشفتها.
ليان: لا وقتها مكانتش تعرف انك كشفتها. بالعكس أنا وقتها اديتلها الشيكات ولو كانت حرقتهم كانت هترتاح من تهديد شريف. لكن هي اختارت تخاطر وتقولك الحقيقة وتديك الشيكات. يعني جواهر مش كانت حابة تخدعك بس احيانا بتحطنا الحياة في مواقف وحشة اووي. وهي الموقف اللي اتحطت فيه لا تحسد عليه.
تنهد عدي وقال: كفاية كلام في الموضوع لو سمحتي يا ليان. أنا قولت نقفل عليه. مش عايز اسمع سيرة جواهر هنا. هي خلاص انتهت من حياتي ومستحيل ترجع.
ليان: اللي بيحب بيسامح يا عدي؟
قالتها ليان بحزن وهي ترى أن اخيها ما زال مصرا على رأيه.
عدي: مش أنا صدقيني. مش أنا يا ليان. أنا مبعرفش اسامح اللي خدعني. وجواهر كسرتني لما كدبت عليا. وخلاص طرقنا مع بعض اتقطعت ومستحيل نرجع زي الأول.
هزت ليان رأسها وقالت: انت بجد قاسي اووي يا عدي. متخيلتش تك تكون بالقسوة دي. انت اللي هتندم يا عدي لما حب حياتك يروح منك. احسنلك سامح دلوقتي وعيش حياتك. بلاش تخلي الحقد يسيطر عليك. جواهر لو مكانش غرضها شريف وحاولت تساعد عبير مكانش اتحطت في الموقف ده. هي بنت طيبة اووي.
عدي: ليان خلاص لو سمحتي. قولتلك مش عايز اسمع سيرتها في البيت ده. ممكن؟
تنهدت ليان وقالت: اللي تشوفه يا عدي. أنا مش هضغط عليك. بس خلي بالك انت اللي هتخسر حب حياتك لو استمريت في عنادك.
ثم نهضت وتركته غارق في تفكيره.
جواهر: جواهر؟
أخرجها من شرودها العميق صوت والدتها فأخفت الصورة مسرعة في خزانتها. ثم مسحت دموعها ورسمت ابتسامة رائعة على شفتيها وخرجت. اتجهت لصالة المنزل حيث والدتها تجلس وقالت: نعم يا ست الكل.
فتحت والدتها ذراعيها وقالت: تعالي يا بنتي اقعدي معايا بدل ما أنا قاعدة لوحدي كده. تعالي يا بنتي.
هذا كل ما كانت تريده في هذة اللحظة. أرادت أن تندفع إلى أحضان والدتها وتضمها بقوة ثم تبكي وتبكي. تفرغ كل احباطها. غضبها وانهيارها بين احضان والدتها ولكنها لن تفعل هذا. لن تحمل والدتها عبأ آخر. يكفيها معاناتها مع مرضها. تنهدت جواهر وهي تضمها بقوة وتبتسم ببهوت.
قبلت سوسن رأس جواهر وقالت: وحشتيني يا بنت. لما قطعتي بيا حسيت اني وحيدة وضعيفة يا جواهر. عرفت أن وجودك هو اللي بيقويني يا بنتي. متبعديش عني تاني.
احتشدت الدموع بعيني جواهر وقالت بصوت مختنق: اوعدك مش هبعد تاني ابدا يا ماما. هفضل هنا معاكي. حتي شغل مش هروحه. هفضل معاكي وبس. الفترة دي بالذات هقضيها معاكي يا ماما. مش هنشغل بحد ولا هستقبل حد. هبقى معاكي. هنعمل كل حاجة سوا. هعوض الايام اللي غبتها عندك. وعد يا ماما. ده وعدي ليكي.
أبعدتها سوسن قليلا ثم قبلت رأسها وقالت: ياريت يا جواهر. اصلك وحشتيني اووي. عايزة اقضي الباقي من حياتي معاكي يا بنتي. ويا ريت لو تتجوزي عشان عايزة اشوفك بفتسان الفرح قبل ما أموت.
احتشدت الدموع بعيني جواهر وقالت: بعيد الشر عنك يا ماما. ايه اللي أنتِ بتقوليه ده؟ ربنا يديكي العمر الطويل.
ابتسمت سوسن وقالت: خلاص يا بنتي هناخد زمننا وزمن غيرنا. احنا كبرنا وعيشنا وفرحنا ووقعنا وكوننا ذكريات واتعلمنا دروسنا كويس. خلاص بقا عايزين ايه من الحياة تاني. الوقت ده وقتكم.
قالتها وهي تشد على كفها واكملت بصوت قوي: عيشي حياتك يا جواهر. عيشها يا بنتي. الحياة مبتتعاشش الا مرة واحدة بس. افرحي وانبسطي وحبي وعيشي اللي مقدرتيش تعيشيه قبل كده. روحي عيشى حياتك بالطريقة اللي متاحة ليكي. دي نصيحة مني.
ابتسمت جواهر وقالت: الطريقة الوحيدة اللي نفسي اعيش حياتي بيها اني ابقى معاكي يا ماما. ابقى معاكي. للأبد. خليكي معايا متسبنيش يا ماما.
ابتسمت سوسن وضمتها لتنفجر جواهر بالبكاء فتقول سوسن بحيرة: الله. بتبكي ليه يا بنت. أنتِ فيه ايه؟
ضمت جواهر والدتها بشكل أقوى وقالت: ماما خليكي معايا. متسبنيش. صدقيني أنا مش هقدر اعيش من غيرك. أنا مليش اي حد في الحياة دي غيرك أنتِ. عشان خاطري خليكي معايا.
انسابت دموع سوسن حزنا على ابنتها المسكينة. لو كان الأمر بيدها لبقت ولكنها أقدار وهي راضية بقدرها ولا تتذمر منه أبدا. تنهدت سوسن وقالت: أنا معاكي يا حبيبتي. معاكي اهو ومش رايحة حتة.
تمسكت جواهر بتلك الكذبة. تلك الكذبة الجميلة هدأت من روعها قليلا.
أمير وعبير: أمير وعبير.
وقفا كل من أمير وعبير أمام البناية التي تسكن بها جواهر. نظر أمير الى زوجته وقال: بعد ما تخلصي رني عليا عشان اجيلك وأخدك ماشي.
هزت رأسها مبتسمة فأكمل وهو يلمس كفها خلسة: رايح احجز النهاردة في فندق. هنقضي الليلة هناك ونحتفل براحتنا.
احمر وجهها بقوة ولكنها لم تمسح ابدا ابتسامتها بل ازدادت ابتسامتها تألقاً وقالت: تمام ماشي.
أمير: يالا سلام.
عبير: سلام يا حبيبي.
أمير: حلوة اووي حبيبي منك.
قالها مشاكسا إياها لتبتسم بحب. ذهب هو وظلت تتبعه بعينيها حتى ذهب. تنهدت بسعادة وهى تستدير وتدخل بناية جواهر.
وقفت أمام باب المنزل وهي تتنهد ثم طرقت على الباب. فُتح الباب لتظهر جواهر. لم يبدو عليها انها تفاجأت بها أو حتى أنها سررت برؤيتها بل تجهمت جواهر عند رؤيتها وشدت على الباب.
عبير: جواهر انتِ كويسة؟
جواهر: جاية ليه؟
قالتها جواهر ببرود وهي تمسك باب المنزل ولا تسمح لها بالدخول. عقدت عبير حاجبيها بدهشة وقالت: جواهر مالك فيه ايه؟ فيه مشكلة معاكي؟
جواهر: قولي مشاكل. من اول ما عرفتك وعرفت ابوكي وانا المشاكل مش سايباني في حالي أبداً. أنا بسببك وبسبب ابوكي بعيش اسوأ ايام حياتي. أنا عملت معاكي خير ملقيتش الا الشر.
احتشدت الدموع بعيني عبير وقالت بإختناق: أنا آسفة. آسفة عشان بتعاني بسببي و…
جواهر: وانا اصرف اسفك من فين؟ ها. قوليلي من انهي بنك اصرفه. اي حد يغلط في حقي يقولي آسف. كلمة تافهة وباردة.
صرخت بها لتتراجع عبير بتوتر فتكمل جواهر: أنتِ وابوكي دمرتوا حياتي. أنا ضحيت بنفسي عشان اهربك وانا اللي خسرت في الآخر. أنتِ اهو اتجوزتي اللي بتحبيه وعايشة مبسوطة وانا اللي بعاني.
عبير: جواهر…
جواهر: خلاص اخرسي. اخرسي. مش عايزة اسمع كلمة ولا عايزة اشوف وشك. من اليوم انسيني خالص واياكي تقربي مني أو تحاولي تتصلي بيا. خليكي في حياتك وسيبيني في حالي.
ثم أغلقت الباب في وجهها لتنساب دموع عبير وتقول بخفوت: آسفة يا جواهر. آسفة.
خرجت عبير من البناية واتصلت بأمير وهي تخبره ألا يذهبا اليوم إلى الفندق فمزاجها كان مضطرب بسبب ما حدث مع جواهر وهو لم يزيد في استجوابها فعندما سمع نبرتها المختنقة احترم قرارها.
بعد مرور يومين. خرجت من عيادة الطبيب جورج وهي تشعر بالتعب. تفرك عنقها لتزيل التيبس قليلا وتحاول الإسراع كي تلحق بوالدتها التي تركتها مع ماجدة. لقد عادت للعمل مرة أخرى وبصراحة جور كان متفهم حالة والدتها بشكل كبير ولم يطلبها مباشرة بعد جراحة والدتها بل سمح لها أن تداويها وتراعيها حتي تنهض ثم تتكلم معها. وهي ابدا لن تنسى له هذا المعروف الكبيرة. فجأة تجهز وجهها وهي تتذكر لقاءها بوالدة يحيى منذ ثلاث ايام وكيف أنها اهانتها واتهمتها مجددا أنها اغوت ابنها وأنها تلاحقه. صرت على أسنانها بقوة وهي تفكر أن تلك المرأة تتهم دون أن تفكر حتى. تظن أن والدها أحمق لتغويه أي أمرأة. ودائما تسئ الظن بها لأنها كانت خادمة يوما ما. فهي مهما فعلت ومهما تعلمت لن لن تتغير نظرتها أبداً. ستظل ليلى تنظر إليها بتلك الطريقة. ستظل تحتقرها دوما. تنهدت بحسرة وهي تسرع خطواتها قليلاً كس تلحق بسيارة النقل العام من الشارع الرئيسى. ولكن فجأة توقفت وهي ترى يحيى يقترب منها. تسارعت دقات قلبها وشعرت بالإختناق. ماذا يريد منها بعد؟ هل يريدها أن تموت؟ الا يكفي إهانات والدته لها ليأتي هو أيضا؟ ام يريد أن تراه والدته معها فتكمل وصلة اهاناتها التي لا تنتهي. تضخم صدرها ولمعت عينيها البنية بغضب وهي تنظر إليه. كم ودت ام تقتله الآن فهي بسببه أُريقت كرامتها. وإن كان ساعدها وهي ممتنة له ولكنها ابدا لن تسمح أن يهينها اي احد. هي أيضا إنسانة ولها كرامة وشعور.
كان يحيى ينظر إلى وجه رانيا المشتعل غضبا وهو متوتر. لا يعرف ماذا يقول بالضبط. يحاول ترتيب الكلمات داخله لكي يقولها ويرتاح. يريدها أن تعرف الحقيقة. أن تعرف أنه يحبها. لا يريد أن يخفي مشاعره بعد الآن. لا يريد أن يكون جبان. هو يريد الحصول على حبه. يريد الحصول على المرأة التي يريد كي لا يندم لاحقا. صحيح أن والدتها غاضبة بشدة وخاصة بعد كلمات والده لها. والده الذي سمح له بحرية الاختيار ولم يجبره على شئ. وما أن أخبر ليلى على قراره حتى صارت وأقسمت أن رانيا لن تكون لها كنة. وإن أن فعل يحيى هذا وتزوجها سوف تترك البيت وتذهب. حسنا يحيى يعرف والدته هي فقط تهدد وهو يعرف كيف يمتص غضبها. ولكن اولا عليه أن يعرض الأمر على رانيا. من حقها أن تعرف أنه أصبح يبادلها بالحب اخيرا. لقد عرف اخيرا قسوة الحب. أن تراقب أحد ويظل في قلبك وليس هناك أي أمل لجمعكما. تذوق مرارة العشق. ولكن هناك جانب آخر من العشق تذوقه. تذوق حلاوة العشق. أن تتسارع دقات قلبه ويبتسم بهيام عندما يتذكر أحدهما. أن يتخيل أن يوما ما سيجمعهما منزل. وأن وقتها يمكنه التعبير عن حبه كما يريد. تلك الخيالات جعلت السعادة تسكن قلبه. هو اليوم سوف يعترف لها. لن يتركها تذهب حتى تعرف مشاعره نحوها. انتبه عندما كادت أن تتجاوزه الا أنه وقف بوجهها. رفعت عينيه ونظرت إليه ببرود وقالت: ممكن تبعد؟ لو سمحت يعني؟
يحيى: عايزة اتكلم معاكي.
قالها وعينيه الزرقاء تركزان عليها. شعرت رانيا أنها محاصرة من قبل عينيه وأنها عاجزة حتى عن الرد ليس الرفض. أخيرا لملمت شتات نفسها ورفعت رأسها وقالت بقوة: لا أنا مش عايزة اتكلم معاك. وعن إذنك خليني اعدي. ومش كل شوية تيجي هنا. الناس ممكن تقول علينا ايه؟
يحيى: ميهمنيش كلام الناس.
قالها بهدوء لترد بإنفعال: بس أنا يهمني. مش عايزة حد يطلع ويقول اللي أنا بحاول اغوي الدكتور المحترم الغني عشان اخد فلوسه.
عقد يحيى حاجبيه وقال: هي امي جاتلك تاني وقالتلك كده؟
نظرت إليه مطولا ثم أخيرا تكلمت بهدوء وقالت: ميهمش جات ولا لا. بس ده اللي هيتقال يا دكتور. مقابلاتك الكتير دي ليا ميصحش. شوف أنا مقدرة انك ساعدتني كتير ومهما عملت هيكون قليل قصاد اللي عملته. كفاية انك كنت سبب انك تنقذ حياة أمي. بعد ربنا امي عايشة بفضلك انت. مش هنسى ده ابدا. ولا هنسى انك جيبتلي شغل. بس الصح صح يا دكتور. وقفتنا وكلامنا مع بعض ميصحش خالص. لو حد شافنا هيقول ايه؟ اقل حاجة هيقولها ان البنت الخدامة بتحاول تغوي الدكتور المحترم عشان فلوسه وسمعتي تتبهدل وانا مش عايزة كده. أنا عايزة اعيش حياتي في سلام. أنا ورايا مسئوليات كتير اووي ومعنديش طاقة اني احارب كمان الناس اللي بتتكلم عليا. عشان كده يا دكتور لو سمحت متقربش مني تاني. ده احسن ليا وليك و…
يحيى: أنا بحبك يا رانيا!!!
قاطع كلماتها بقنبلته التي ألقاها بوجهها. اتسعت عينيها بقوة وشعرت أن أنفاسها انحبست في صدرها. حاولت أن تتكلم عدو مرات ولكن الكلمات كانت تتبعثر من فمها. ماذا قال؟ هل قالها حقا؟ هي لا تصدق.
رانيا: بتقول ايه؟
قالتها بصدمة. فأعاد هو كلمته بكل ثقة وعينيه تتألقان بالسعادة: أنا بحبك. بحبك يا رانيا.
شحبت وهي تنظر إليه. ماذا يقول هو؟ كيف يحبها؟ ومتى حدث هذا؟ كانت مشوشة ومصدومة.
رانيا: ازاي؟ وامتى…
كانت تردد بغباء وعينيها متشبعة بالغيرة. هز كتفه بهدوء وقال: صدقيني معرفش. أنا لقيت نفسي بحبك. قاومت كتير اعترف بده بس فشلت. فشلت واهو أنا بعترف. أنا بحبك يا رانيا ومحبتش غيرك وعايزك في حياتي. عايزك رغم كل حاجة. رغم الاختلاف ورغم أمي. ورغم الكلام اللي هنواجه. بس انا مش خايف مادام مش هعمل حاجة غلط. أنا عايز اتجوزك على سنة الله ورسوله. وقتها هتبقي مراتي ومحدش هيقدر يمس شعرة منك.
بدت تلك الكلمات منه رائعة. كلمات أذابت قلبها وجعلتها تفكر في مستقبل فعلي لهما. ولكن فجأة سيطرت كلمات والدته عليها. والدته التي لن تقبل ابدا أن تكون رانيا كنتها وسوف تتعذب معها. وهي لا تريد هذا. هي تبغى الراحة في حياتها. لا تريد أن تتصارع مع احد. ثم أنها تشك بمشاعر يحيى الحقيقية. يستحيل أن يكون هذا حب! متى احبها؟ الم يرفضها من قبل ويحطم قلبها؟ إذن متى دق قلبه لها؟ هل يمكن أن تكون مشاعره لها مجرد شفقة لحالها؟ قد يكون اختلط عليه الأمر وظن أن الشفقة هي حب.
يحيى: رانيا ردي عليا بقولك بحبك وعايز اتجوزك!
رانيا: ليه؟
سألت ببهوت فقال بحيرة: ايه هو اللي ليه؟ بقولك بحبك.
رانيا: أنت رفضتني قبل كده.
قالتها بنبرة مرتعشة فقال مبررا: مكنتش بحبك وقتها. بس دلوقتي حبيتك.
هزت رأسها بأسف وقالت: مش مصدقة ده حب. ممكن اكون انا صعبانة عليك فبتقول كده. ده مش حب يا دكتور. انصحك تدور على الناس اللي شبهك.
ثم كادت أن تتجاوزه الا أنه امسك ذراعها وقربها منه دون اهتمام بمكان وجودهما.
رانيا: دكتور انت بتعمل ايه؟
قالتها وجنتيها اصطبغا باللون الأحمر من شدة الخجل. هدر فيها يحيى بإنفعال عاطفي: أنا بقولك بحبك. بحبك. أنتِ مبتفهميش. شفقة ايه اللي بتتكلمي عليها. مش هتعرفي مشاعري اكتر مني. أنا بحبك وهتجوزك. انسي تكوني لغيري.
دفعته بغتة وهي تهرب من أمامه وقلبها يقفز داخل صدرها. لابد أنه فقد عقله تماما. لا يمكن أن يكون قد احبها. هذا مستحيل.
في المساء. في مركز التحميل.
نسرين: أنا مش مصدقة أن خطوبتك قبل فرحي. ده انا افتكرت أني هحضر خطوبتك وانا متجوزة فؤاد وفي شهر العسل.
قالتها نسرين وهي تضحك بينما تنظر إلى ليان التي تجلس على المقعد بينما ماريانا تضع لها مساحيق التجميل.
ليان: معلش يا بيبي نصيب. وبعدين فرحك بعد يومين وأنتِ اللي طلبتي تأجليه. مش فؤاد. الراجل كان مستعد يتجوزك في الليلة اللي رجعك فيها يوسف.
ابتسمت ماريانا وقالت: يووه متجبوش سيرة اليوم ده. كل أما افتكره جسمي بيترعش من الخوف.
ضحكت ليان وقالت: شكلك مش متعودة على الاكشن يا ماريانا. شكل حياتك هادية شوية.
ماريانا: تقصدي مملة.
قالتها ماريانا وهي تضحك. وخلف ضحكتها كان ألم كبير لم يلاحظه أحد منهما.
تدخلت نسرين وقالت: لا بصراحة يا ماريانا. احنا حياتنا كلها اكشن وضرب ومسدسات وخناقات. مش مملة ابدا.
ماريانا: يعني اقول يا بختكم.
قالتها ماريانا ضاحكة لتهز نسرين كتفيها وتقول: هي حاجة حلوة وحاجة وحشة في نفس الوقت يا ماريانا. يعني الملل الأوفر مش كويس والاكشن الأوفر برضه مش كويس. أنا بقا حياتي اكشن اوفر.
ليان: يعني اقول يا بختكم.
قالتها ليان وهي تضع كفها على قلبها لينفجرا الثلاثة من الضحك فتقول ماريانا: أنتِ مصيبة يا ليان.
ليان: عارفة.
قالتها بغرور مصطنع. حل الصمت قليلا في المكان وماريانا تؤدي عملها بمهارة ولكن قاطع هذا الهدوء رنين هاتف نسرين. نظرت إليه لتراه فؤاد. تألقت عينيها وأشرق وجهها. أمسكت الهاتف ونهضت بلهفة كي ترد عليه في الخارج.
بعد أن خرجت من الغرفة التي بها ليان ردت نسرين وقالت: أيوه يا حبيبي.
ابتسم فؤاد وهو يقود سيارته ويقول: وحشتيني اووي يا نسرين.
نسرين: وأنت كمان يا حبيبتي وحشتني.
ضحك وقال: لو كنت اعرف اني هسمع الكلام الحلو ده بعد كتب الكتاب كنت كتبته من بدري. مش امبارح. عموما يا حبيبي كنت متصل اقولك أن بعد خطوبة ليان أنا وأنتِ هنتعشى سوا. حابب اتكلم معاكي شوية.
نسرين: ماشي عيوني.
فؤاد: تسلم عيونك يا حبيبي. يالا سلام.
نسرين: سلام.
اغلقت الهاتف وهي تضمه لقلبها. كم هي سعيدة. سعيدة للغاية. عندما اعترفت بالحب لفؤاد والحياة ابتسمت لها. فهو يعاملها كالأميرات. يغازلها بطريقة تذيب القلب. إنها بكل تأكيد تحب فؤاد. ولكن تحب غيره؟ ومشاعرها نحو يوسف كان وهم. احتياج ربما. ولكن حب لا. لا تعتقد فالحب اقوى. المشاعر التي تحسها نحو فؤاد اقوى من اي شئ شعرته من قبل. تنهدت أخيرا وهي تتذكر أن يوسف قد ترك البلاد بالأمس وغادر. كان يخطط قبل مدة بالرحيل من البلاد معها ولكنه تراجع وتركها وهذا جعل فؤاد يتنازل عن المحضر الذي حرره ضده لكي يسافر دون أن يوقفه أحد. وبالفعل ذهب وخرج من حياتهما للأبد. وهي مرتاحة لقراره هذا. على الأقل سوف يبدأ من جديد بعيدا عنها. وضعت هاتفها في جيبها وهي تستعد للدخول إلى الغرفة الموجودة بها ليان. لابد أن ماريانا كادت أن تنتهي وهي تريد أن ترى ليان وهي عروس. كم هي متحمسة لهذا. ولكن فجأة توقفت وباب المركز يُفتح ويدخل موسى.
موسى: أنت بتعمل ايه هنا؟ مفروض تيجي بعد ساعتين تاخدها مش دلوقتي خالص.
كان وجه موسى متجهك وهو ينظر إلى نسرين ويقول لها: عايز اشوف ليان. عايز اكلمها ضروري.
بعد قليل. في الغرفة التي كانت تجهز فيها ليان وجهها كانت تقف أمام موسى. تبتسم له وتقول بمشاكسة: ايه مش قادر تصبر ساعتين اخلص وبعدين اجي معاك. معنديش مانع اني اهرب معاك دلوقتي. ايه رايك.
نظر موسى إليها وقال بنبرة مرتعشة: ليان أنا مش هقدر اتجوزك. أنا هلغي الخطوبة.
تشعر بضيق غريب اليوم وهي تعرف السبب. فهي لم تلتزم بما قاله الشيخ أمجد. لم تسمع الرقية الشرعية. حتى أنها لم تقول وردها ولم تصلي صلاة العشاء. رغم أن ياسين بنفسه كان يتأكد من أنها تفعل كل تلك الأشياء. ولكنه يبدو أنه عندما رآها تتحسن تجاهل الموضوع تماما حتى أنه بدأ يقصر في الصلاة. تنهدت بتعب وهي تسير بصعوبة خارج المطبخ وتترك ما بيدها. كان الألم يعصف بها إضافة إلى ذلك الشعور الغريب الذي تشعر به. تشعر وكأن المنزل يضيق بها. تريد أن تصرخ وتهتف بإسم ياسين ولكنها غير قادرة على هذا بالمرة. اخيرا وصلت إلى صالة المنزل ووجدت ياسين جالس على الأريكة يتابع التلفاز بهدوء.
ورد: ياسين.
قالتها ورد بنبرة ضعيفة لينظر إليها ياسين بقلق وينهض وهو يراها في تلك الحالة.
ياسين: مالك يا حبيبتي. فيه ايه؟
قالها بهلع وهو يقترب منها ويمسكها من كتفها لترد هي بتعب: ياسين الحقني. حاسة بخنقة شديدة اووي. وألم شديد في معدتي. حاسة اني هموت.
ياسين: يا خير. طيب ارتاحي يا حبيبتي هنا.
ثم جعلها تتسطح على الأريكة وذهب بسرعة وأحضر كوبا من الماء وهو يقول بينما يساعدها كي تشربه: اشربي شوية ماية طيب.
هزت رأسها وقالت: حاضر.
ثم بدأت بشرب المياه ولكن فجأة أبعدت كفه وهي تتقئ على الأرضية بشكل كثيف.
ياسين: ورد.
قالها ياسين بهلع لتقع هي على الأرض وتمسك بطنها وتصرخ بألم. توسعت عيني ياسين برعب وهو يجد ان فستانها البيتي تلوث بالدماء.
ورد: ياسين أنا بجهض.
قالتها ورد برعب.
رواية الشيطان وقع اسيرها الفصل الأربعون 40 - بقلم سولييه نصار
دعيني أؤسس دولة أعشقك تكوني أنتِ الملكة فيها، وأصبح فيها أنا أعظم العاشقين.
دعيني أقود انقلاباً يوطد سلطة عينيكِ بين الشعوب.
دعيني أغير بالحب وجه الحضارة.
أنتِ التراث الذي يشكل في باطن الأرض منذ آلاف السنين.
أحبك... كيف تريدين أن أبرهن أن حضوركِ في الكون مثل حضور المياه، ومثل حضور الشجر؟
وأنكِ زهرة دوار شمس، وبستان نخل، وأغنية أبحرت من وتر.
دعيني أقولكِ بالصمت حين تضيق العبارة عما أعاني، وحين يصير الكلام مؤامرة أتورط فيها، وتُقدم القصيدة أنية من حجر.
دعيني أقولكِ ما بين نفسي وبينكِ، وما بين أهداب عيني وعيني.
دعيني أقولكِ بالرمز إن كنتِ لا تثقين بضوء القمر.
دعيني أقولكِ بالبرق أو برزاز المطر.
دعيني أقدم للبحر عنوان عينيكِ إن تقبلتِ دعوتي للسفر.
لماذا أحبكِ؟ إن السفينة في البحر لا تتذكر كيف أحاط بها الماء، لا تتذكر كيف اعتراها الدوار.
نزار قباني
"إيه الهزار البايخ ده يا موسى؟ بطل تهزر بالرخامة دي!"
قالتها وهي تضربه على كتفه بينما تضحك بمرح، ولكن لم يخفَ عنه نظرات القلق بعينيها.
نظر إليها والشعور بالذنب يمزقه. ما ذنبها أن يكسرها الآن في أهم يوم في حياتها؟
ازدرد ريقه وقال:
"آسف يا ليان، بس مفيش خطوبة. أنا آسف، سامحيني. ربنا بإذن الله يعوضك بالأحسن مني بكتير. أنا مش مناسب ليكي، وعرفت إنكِ مش مناسبة ليا. مفيش خطوبة يا ليان. ده قراري النهائي."
"يعني إيه مفيش خطوبة؟!"
قالتها ليان بنبرة مرتعشة، ثم أمسكت ياقتي قميصه وأخذت تهزه بقوة والدموع تنهمر من عينيها.
"انطق يا موسى، يعني إيه مفيش خطوبة؟ إيه اللي أنت بتقوله ده؟ حرام عليك، أنت كده بتدمرني."
تجمعت الدموع بعينيه وقال:
"آسف... آسف."
دفعته وصرخت وهي تضربه على صدره:
"آسف!!! ببساطة كده؟ هو أنت دوست على رجلي؟ أنت كسرت قلبي؟ جاي عشان تشوه صورتي وتخلي الناس تقول عليا إن الراجل اللي بحبه سابني قبل خطوبتي بدقايق؟ ده قلبي يا موسى، قلبي اللي اتكسر وانت بتقول آسف."
دعك عينيه بتعب وألم يعصف به، ثم نظر إليها وقال بأسف شديد:
"أنا مبحبكيش يا ليان. اكتشفت إن طول حياتي محبتش إلا روان، وأنا مقدرش أربط نفسي بواحدة مبحبهاش. أنا آسف!"
نظرت إليه بذهول. رباه، لابد أنه يمزح، لا يمكنه أن يكون جاداً. كيف يمكنه فعل هذا بها؟ كيف؟
رباه، إنها تختنق، إنها تموت بالفعل وهو ينظر إليها بتلك الطريقة. بحثت عن الحب بعينيه ولم تجده. الشعور بالذنب في عينيه كان يطغي على كل شيء.
وضعت كفها على قلبها وهي تتنفس بصعوبة، تشعر أن العالم يضيق بها.
فجأة ضحكت بقوة ودموعها تنهمر من عينيها.
أمسكته من قميصه وقالت:
"أنت بتكدب عليا، أنت بتخدعني، بتحاول تخوفني صح؟ عايز تخضني صح؟ أنت متعملش فيا كده يا موسى، أنت بتحبني أنا، بتحبني ومستحيل تجرحني بالشكل ده، حرام عليك. أنا كده ممكن أموت فيها."
"آسف... آسف."
كانت دموعه تنهمر وهو يقولها.
نظرت إليه وكأنها فقدت عقلها وصرخت:
"بطل تقولي آسف، بطل... أعمل إيه أنا بأسفك؟ انطق؟ أنت جاي دلوقتي تقولي مبحبكيش؟ مكتشفتش ليه من بدري؟ هو أنا لعبة في إيديك يا موسى عشان مرة تحبني وتقرب ومرة تبعدني عنك؟ حرام عليك، أنا هموت دلوقتي، حرام."
كانت تصرخ وهي تبكي.
"ربنا هيعوضك خير."
قالها موسى وهو يهرب سريعاً خارج الغرفة، لتركض خلفه وهي تقول ببكاء:
"لا يا موسى، متسبنيش... حرام عليك، متسبنيش."
"ليان..."
قالتها نسرين بصدمة وهي ترى صديقتها تخرج من الغرفة وتركض خلف موسى.
خرج موسى مسرعاً من مركز التجميل واستقل سيارته سريعاً وذهب.
خرجت ليان أيضاً، وما أن رأته غادر حتى سقطت أرضاً وارتفع حدة صراخها.
"موسى... موسى!"
"ليان، فيه إيه يا حبيبتي؟ فيه إيه؟"
قالتها نسرين وهي تقترب من ليان وتضمها بفزع، بينما كانت تقف ماريانا خلفهما وهي تضع كفها على فمها وعينيها تدمعان.
"موسى سابني يا نسرين... سابني. قالي إنه مبيحبنيش... جاي يكتشف دلوقتي إنه مبيحبنيش... دلوقتي."
طفرت الدموع من عيني نسرين وهي تضمها أكثر، بينما ليان تبكي وتصرخ. تشعر أن قلبها ينفطر من الألم.
ضمتها نسرين أكثر وهي تقول:
"اهدي... اهدي يا ليان."
بعد قليل...
وصل عدي إلى مركز التجميل وهو يلهث بقوة. يتذكر اتصال نسرين به وقد أخبرته بإختصار ما حدث.
"ليان... فين ليان؟"
قالها ما أن دخل المركز لماريانا التي تجلس بالخارج.
"في الأوضة اللي جوه. اتفضل حضرتك."
هز رأسه وهو يلج إلى الغرفة، بينما جلست ماريانا مكانها وهي تتنهد بقوة.
تلك المسكينة، إنها محطمة. أن تعشق من يحطمك هو الهلاك بعينه. هي تعرف هذا الشعور جيداً.
مسحت الدموع التي انسابت من عينيها، ثم نظرت إلى خلفية هاتفها والتي كانت صورة لجورج أخذتها خلسة. كان يبتسم بسعادة. نادراً ما يبتسم عندما تكون موجودة.
يستغل أي فرصة ليخبرها أنه تزوجها رغماً عنه وأنه لا يحبها، وآخر مواجهة بينهما قررت أنها لن تحاول مجدداً، وبالفعل الفترة الأخيرة تجاهلته، ولكن حتى التجاهل لم يأتِ بفائدة.
تنهدت بتعب، إنها تعيش مع رجل الثلج حرفياً.
"ليان!"
قالها عدي بفزع وهو يجد شقيقته تبكي بين ذراعي صديقتها.
ابتعدت نسرين عن ليان قليلاً، ثم قررت الخروج لتتركهما بمفردهما.
ما أن خرجت نسرين، حتى نهضت ليان واتجهت إلى عدي وهي تندفع بين ذراعيه وتقول:
"سابني يا عدي... سابني في يوم خطوبتي... سابني... بيقول إنه مش بيحبني... بيقول إنه محبش غير روان... طيب وأنا إيه؟ ليه يوهمني بالحب وبعدين يكسرني يا عدي، ليه؟"
"ليان..."
قالها عدي بإختناق وهو يضم شقيقته الصغيرة. كم يؤلمه قلبه لأنها تتألم بتلك الطريقة. لقد فعل المستحيل كي تظل سعيدة دوماً، ولكنه فشل. لقد تحطم قلب شقيقته الصغيرة.
"أنا آسف يا ليان... آسف، حقك عليا أنا."
"أنا هموت يا عدي... أنا عايزة أموت، مش عايزة أعيش تاني خلاص."
أبعدها قليلاً وعانق وجهها وقال:
"وتسبيني؟ يعني موسى أهم مني؟ سابك يبقى هو حقير وأنتِ هتنسيه وهتتجوزي اللي أحسن منه، بس متجيبيش سيرة الموت على لسانك، متوجعيش قلبي."
"أنا قلبي واجعني أوي يا عدي... بفكر أنا عملتله إيه عشان يعمل معايا كده، بس مش لاقية أي تفسير. ده أنا حبيته أكتر من حياتي، كنت مستعدة أعمل أي حاجة تسعده. ليه الناس اللي بنحبها بتعمل فينا كده يا عدي؟ هو ده غلطنا إننا بنحبهم؟ غلطنا إننا بنخلي سعادتهم مسؤوليتنا؟ ليه عمل فيا كده؟ ليه مفتكرش إنه بيحب مراته بس قبل خطوبتنا؟ ليه يكسر فرحتي في اليوم اللي حلمت بيه كتير يا عدي؟ أنا عمري... عمري ما هسامحه. أنا هكرهه يا عدي... زي ما حبيته في يوم من الأيام هكرهه. زي ما حبيته أكتر من حياتي هكرهه قد الحب اللي حبتهوله. هو ميستاهلش أبداً قلبي، ميستاهلهوش."
"فعلاً هو ميستاهلش لا حبك ولا دموعك يا ليان."
ثم مسح دموعها وقال:
"يلا نروح البيت."
انهمرت دموعها مجدداً وقالت:
"عدي، الضيوف اللي في القصر عشان الخطوبة هنقولهم إيه؟ أنا مش عارفة هروح هناك إزاي وأقولهم إن موسى سابني قبل الخطوبة... أنا..."
"ششش..."
قالها عدي وهو يملس على شعرها ثم أكمل:
"أنا هتصرف مع الضيوف دول، أنتِ متقلقيش، بس تعالي معايا يلا عشان نروح البيت، مينفعش نقعد هنا أكتر من كده."
هزت رأسها ثم قالت وهي تنظر إليه:
"آسفة يا عدي..."
عقد حاجبيه بحيرة وقال:
"بتعتذري ليه؟"
بكت وهي تقول:
"آسفة إني وقفت قصادك عشانه هو... قلت كلام صعب عشانه... هو طلع ميستحقش... سامحني يا عدي."
قبل عدي رأسها وقال:
"أنا عمري ما أزعل منك يا ليان... أنتِ حتة مني... أنتِ أختي يا مهلبية... أغلى حد في حياتي كلها ومستحيل أزعل منك أبداً. يلا على بيتنا دلوقتي... يلا يا حبيبتي."
هزت ليان رأسها واتكأت على عدي وخرجت لتذهب لمنزلها، ولكن الألم الذي في قلبها لم يقل، بل أخذ يزداد مع مرور الوقت.
كان يقف أمام غرفة العمليات. القلق ينهش قلبه. ما زال يتذكر كيف أنها سقطت بين ذراعيه كالورقة البالية. لقد شعر بالهلع. لم يفكر في الطفل حينها، كانت هي تشغل باله. يخاف الحياة بدونها.
"ياسين..."
كان هذا صوت والدته المضطرب. نظر ياسين إلى والدته بعينين حمراوين من فرط الجهد الذي يبذله لكي لا ينهار. وما أن اقتربت منه حتى ارتمى بين ذراعيها وأجهش بالبكاء وهو يقول:
"ورد يا ماما... ورد هتضيع مني!"
ضمته والدته أكثر بهلع وهي تقول:
"إيه اللي حصل طيب؟"
ولكنه لم يرد، بل استمر في البكاء كالأطفال. فكرة أنه يخسرها تقتله. أنه يحبها، أنها أهم شخص لديه، كيف يمكن أن يخسرها؟ يخسر حبيبته.
"ياسين... ياسين يا بني أنت بتخوفني. أنا مرضتش أتصل بوالدة ورد زي ما قولتيلي، هو الوضع خطير كده يا ابني ولا إيه؟"
ابتعد ياسين قليلاً وهو يمسح دموعه وقال بصوت مرتعش:
"معرفش إيه اللي حصل يا أمي. فجأة وقعت بين إيديا ولقيتها بتنزف. قالت إنها بتجهض. جبتها هنا ودخلوها عمليات مستعجل. أنا مرعوب يا أمي، حاسس إن الحياة ضيقة قوي، مش عارف أعمل إيه... هي بتضيع من بين إيديا... أنا..."
"أنت كملت اللي طلبه منك الشيخ أمجد؟"
سألته والدته فجأة. كانت لهجتها صارمة ولا تتوافق مع الموقف الحالي.
أطرق ياسين برأسه وقال:
"لا... أنا حسيت إنها بقت كويسة ف..."
"فقررت تبطل من نفسك؟ وطبعاً بعد ما التزمت في الصلاة رجعت تقطع فيها تاني. ليه يا ابني؟ يكون الحل في إيديك وتضيعه منك ليه يا ياسين؟"
شعر ياسين بالإختناق. نعم، هو السبب. هو من أهمل رغم تحذيرات الشيخ أمجد له، ولكنه المخطئ الآن.
دعك عينيه بتعب لتحاول والدته أن تهدأ من نفسها قليلاً، وربتت على كتفه وتقول:
"ورد هتبقى كويسة بإذن الله يا ابني، متخافش عليها. ربنا يحميها هي وابنك."
"هي السبب... هي السبب."
قالها ياسين بحقد وغضب. لتنظر إليه والدته، فيكمل وهو يطحن أسنانه:
"جوري هي السبب في كل حاجة. هي اللي عايزة تدمر حياتي مع مراتي. هي اللي بتعمل السحر ده عشان تفرقني عن ورد. أنا فعلاً مصدقتش قبل كده إن ممكن جوري تكون بالرخص والجنان ده، بس فعلاً طلعت مجنونة ومختلة ورخيصة. كل اللي نفسي أعمله دلوقتي إني أروح أخنقها. نفسي أقتلها وأخلص منها. نفسي..."
"لا يا ابني لا."
قالتها والدته بخوف. كانت مرتعبة من أن يتهور ويفعل أي شيء يورطه بالمشاكل. فهي لا تريد أن يتورط ابنها بسبب تلك المرأة. لقد شكرت الله لأنه طلقها وابتعد عنها هو وابنته، وهي غير مستعدة أبداً أن تخسره.
"لا يا أمي مش هنرتاح إلا لما تموت. لا أنا ولا أنتِ ولا ورد ولا حتى ياسمين. محدش فينا هيرتاح إلا لما جوري تموت!"
وضعت والدته كفها على قلبها بفزع وهي تنظر إلى الغضب والحقد بعيني ابنها، وعرفت إنه يفكر في هذا بالفعل. إنه ليس مجرد مزاح أو تهديد فارغ. ياسين يفكر في فعل هذا بالفعل.
أدارته إليها وقالت بصرامة:
"ياسين اسمعني وبصلي كويس. حط كلامي ده حلقة في ودنك يا ابني. ابعد عن جوري. متفكرش تقرب أو تأذيها. يا ابني متتورطش نفسك بسببها ومتوجعش قلبي عليك ولا توجع قلب مراتك. فاكر يعني لما تأذي جوري وتدخل السجن إحنا كده هنرتاح؟ بنتك هترتاح ولا مراتك المسكينة دي؟ فكر في عيلتك يا ياسين قبل ما تفكر تعمل أي حاجة ممكن تأذيك وتضيع كل حاجة. بلاش تخلي الشيطان يسيطر عليك. حكم عقلك واعرف إن اللي مع ربنا محدش هيقدر يأذيه. حافظ على صلاتك واعمل اللي قاله الشيخ أمجد ومحدش هيقدر يأذيك. يا حبيبي اللي معاه ربنا ميخافش. خليك مع ربنا يا ياسين متبعدش عنه، أنت محتاجه. دايماً محتاجه. متضيعش نفسك بإيدك."
هز ياسين رأسه وهو يمسح بقايا الدموع من على وجهه. فجأة خرج الطبيب من غرفة العمليات ليقترب منها بلهفة وقلبه يدوي داخل صدره.
"مراتي يا دكتور."
قالها ياسين والدموع تلسع عينيه. ابتسم الطبيب في وجهه وقال:
"الحمدلله، وقفنا النزيف والأم والجنين بخير. بس تحذير، لازم لحد الولادة ترتاح راحة تامة وتبعد عن أي ضغط. تفضل نايمة على ضهرها علطول ومتقومش إلا للضرورة القصوى، وتتغذى كويس، وطبعاً أي سفر ممنوع لحد ما تولد بالسلامة بإذن الله. كمان شوية هننقلها أوضة عادية وبعدين تقدر تزورها وبكرة تخرج للبيت."
أطلق ياسين أنفاسه براحة وابتسم للدكتور وهو يصافحه وقال:
"شكراً... شكراً أوي يا دكتور."
"العفو يا أستاذ ياسين، سلامة المدام."
ثم تركه وغادر، ليستند ياسين على الحائط وهو يغمض عينيه براحة ويقول وهو يضع كفه على صدره:
"الحمدلله... الحمدلله يارب."
بعد قليل...
تم نقل ورد إلى الغرفة وذهب ياسين إليها.
دخل بقلب مرتجف إلى غرفتها بالمشفى. كانت نائمة على الفراش الأبيض. لم يرغب بإيقاظها، ولكنه أراد البقاء معها قليلاً. الخوف من خسارتها جعله يفكر بأشياء غير معقولة.
ابتلع ريقه وهو يقترب أكثر، ثم جذب كفها إليه وقبله برفق شديد، ثم اتجه إلى جبهتها ووضع قبلة لطيفة عليها، ولم يسيطر على الدموع التي تحررت من عينيه وسقطت على وجهها.
فتحت ورد عينيها وهي تشعر بوجوده. ابتعد ياسين قليلاً وهو ينظر إليها بلهفة. عقدت حاجبيها بحيرة ومدت كفها وهي تمسح دموعه وقالت:
"بتبكي ليه؟"
"عشان افتكرت إني خسرتك يا ورد. كنت خايف مشوفكيش تاني."
ابتسمت ورد وقالت:
"أنا هنا يا ياسين، مش هبعد عنك. هفضل طول عمري معاك."
"ده وعد."
قالها وهو يشد على كفها بيد ويمسح دموعه باليد الأخرى.
هزت رأسها بتعب وقالت:
"وعد يا ياسين. عمري... عمري ما هبعد عنك. هبقى معاك دايماً. أنت حب حياتي. مستحيل أبعد عنك."
ضحك ودموعه ما زالت تطرف من عينيه:
"أنا همضيكي على إقرار بالكلام ده عشان لو فكرتي تبعدي عني وتمشي هحبسك. حتى لو اتصرفت بسخافة كالعادة متمشيش عشان بعدها هاجي أعتذر منك. وحتى لو زعلتك برضه متمشيش عشان هعرف أصلحك برضه. أنا هصلح نفسي أكتر عشان مزعلكيش تاني وتمشي، بس تبقي معايا. مش عايز نفترق أبداً."
"حاضر... عيوني."
ابتسم لها وقال:
"أقولك..."
"قول يا باشمهندس."
قالتها مبتسمة ليقول هو:
"دعيني أؤسس دولة أعشقك تكوني أنتِ الملكة فيها، وأصبح فيها أنا أعظم العاشقين. دعيني أقود انقلاباً يوطد سلطة عينيكِ بين الشعوب. دعيني أغير بالحب وجه الحضارة. أنتِ التراث الذي يشكل في باطن الأرض منذ آلاف السنين. أحبك... كيف تريدين أن أبرهن أن حضوركِ في الكون مثل حضور المياه، ومثل حضور الشجر؟ وأنكِ زهرة دوار شمس، وبستان نخل، وأغنية أبحرت من وتر. دعيني أقولكِ بالصمت حين تضيق العبارة عما أعاني، وحين يصير الكلام مؤامرة أتورط فيها، وتُقدم القصيدة أنية من حجر. دعيني أقولكِ ما بين نفسي وبينكِ، وما بين أهداب عيني وعيني. دعيني أقولكِ بالرمز إن كنتِ لا تثقين بضوء القمر. دعيني أقولكِ بالبرق أو برزاز المطر. دعيني أقدم للبحر عنوان عينيكِ إن تقبلتِ دعوتي للسفر. لماذا أحبكِ؟ إن السفينة في البحر لا تتذكر كيف أحاط بها الماء، لا تتذكر كيف اعتراها الدوار. نزار قباني."
"واو قصيدة طويلة حفظتها لوحدك ومن غير ما تغلط؟ دي معجزة تستحق الاحتفال."
"أنتِ المعجزة الوحيدة في حياتي اللي تستحق الاحتفال يا ورد."
ابتسمت له وفتحت يديها لينهض هو ويضمها بقوة... ويقول:
"بحبك يا ورد."
"وأنا كمان يا حبيب ورد."
في اليوم التالي...
كانت ما زالت تجلس على فراشها بتعب وهي تفرك عينيها الحمراوين من قلة النوم. ما أخبرها به يحيى بالأمس جعل النوم يطير من عينيها وجعلها تتقلب الليل كله.
تنهدت بتعب وهي تتراجع على الوسادة محاولة النوم، إلا أن كلمات يحيى ما زالت تدوي في عقلها. كيف يحبها؟ كيف؟ ومتى حدث هذا؟ عندما سألته لم تقتنع بجوابه وأخبرته بصراحة أن تلك ليست إلا مجرد شفقة، ولكن عينيه كانت تكذب كل كلامها. المشاعر في عينيها جعلت قلبها يصرخ داخل صدرها، وجزء ضئيل داخلها شعر بالسعادة، ولكن عقلها أخبرها ألا تصدق هذا. أخبرها ألا تحيد عن طريقها بعد أن وجدته.
هي وجدت طريقها، فقد قدمت في مدرسة التمريض وتعمل الآن لدى جورج الذي يساعدها ووالدتها تتحسن. حياتها تستقر، فهي ليست محتاجة الآن لعمها أو لأموال عمها. فكيف تضحي بكل هذا وتعرض حياتها للتشتت مرة أخرى؟ كيف تضحي بكل هذا بغباء من أجله؟ فهي بعد أن وجدت أرضاً ثابتة تقف عليها، تعرض نفسها لخطر أن تقع في الهاوية مرة أخرى. إن وافقت على يحيى ستضطر لمواجهة والدته وسوف تكون هي الخاسرة في تلك الحرب، فهو بكل تأكيد لن يفضلها على والدته، ولا يجب أن يفعل هذا. ستحدث الكثير من المشاكل وهي لا تريد هذا بكل بساطة. تريد أن تعيش حياتها في هدوء دون صراع أو حرب، ولا تريد أن تعرض والدتها للإهانة. ومشاعرها هي سوف تتعامل معها، فليست هي أول فتاة ينكسر قلبها، ولا أحد يموت بسبب أن قلبه تحطم، سوف تكون بخير.
تنهدت بضيق والنوم يرفض القدوم، لذلك نهضت وقررت أن تستحم وتنجز بعض الأعمال المنزلية بما أن اليوم هو إجازتها.
بعد قليل...
خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها جيداً، ثم اتجهت للمرآة الصغيرة وقامت بتمشيطه وربطه في هيئة كعكة، وذهبت إلى المطبخ لتعد لها الإفطار، فالساعة ما زالت السابعة والنصف صباحاً ولا تظن أن والدتها سوف تستيقظ الآن.
بعد قليل...
كانت جالسة على المقعد بالصالة تمسك شطيرة الجبن وكوب الشاي. لقد نفذ الخبز، لذلك سوف تذهب للمخبز لإحضاره، والحمدلله أنها استيقظت مبكراً.
انتهت من الإفطار وارتدت العباءة السوداء ومشطت شعرها في ذيل حصان وخرجت.
بعد نصف ساعة تقريباً...
كانت قد أحضرت الخبز واتجهت عائدة إلى المنزل، ولكن تجمدت فجأة وهي تراه يقف أمام منزلها. اتسعت عينيها بقوة وهي تنظر إلى هاتفها الصغير لتجد أن الساعة الثامنة والنصف. ما الذي أتى به في هذا الوقت؟ تساءلت بصدمة، ثم اقتربت منه بخطوات مسرعة وقالت وهي تتنفس بضيق:
"أنت... أنت بتعمل إيه هنا؟ جيت ليه؟ افرض حد شافك يقول إيه دلوقتي؟"
كانت غاضبة بشدة، وجهها محمر من الغضب وهي تنظر إليه بدون رضا. المجنون، كيف يأتي إلى هنا؟ كيف يورطها ويعرضها للقيل والقال؟ ففي هذا الحي إن رأى أحدهم يحيى هنا يقف بجوارها لن تنجو من كلماتهم السامة. بالتأكيد سوف يتبلون عليها، وآخر ما تريده الآن هو أن يتحدث أحد هنا، فوالدتها مريضة ولن تتحمل أن يتكلم أحد في عرض ابنتها.
من ناحية أخرى كان يحيى يقف وهو ينظر إليها. يعرف أن ما يفعله هو الجنون نفسه، ولكنه لا يسيطر على تصرفاته مؤخراً، وهذه ليست عادته. لطالما كان رزيناً، يعرف ما يفعله، ولكن هي تجبره على فعل أمور جنونية. فهو من المفترض أن يكون بالمشفى الآن، ولكن رغم ذلك وجد نفسه يتجه نحو منزلها، وهو لا يعرف من الأساس لماذا أتى إلى هنا. لقد قرر الوقوف قليلاً ليراها ثم يذهب، ولكن هي رأته، ماذا الآن وكيف سيبرر موقفه؟ هل يقول لها إنه لم ينم بالأمس وهو حائر ورفضها له جعله يختنق أكثر؟ لقد أخبرته أن حبه مجرد شفقة منه، ولكنه متأكد أن الأمر ليس شفقة أبداً. الشفقة هي آخر شيء قد يشعر به نحوها. لا يجب أن يشفق أحد على امرأة قوية مثلها، امرأة مصممة على الاعتماد على نفسها. رفضت عرض عمها في أحلك ظروفها ولم ترضخ لعرضه الدنيء، بل قاومت وحاربت وما زالت تقاوم لتكون الأفضل. فكيف يشعر بالشفقة على امرأة مثلها؟ هي تستحق الإعجاب وليس الشفقة.
"دكتور يحيى!"
أخرجته من شروده وهي تهتف باسمه بنفاذ صبر، وعينيها البنيتان تتحركان بإضطراب خوفاً من أن يراهما أحد معاً. نظرت إليه والنيران تندلع من عينيها وقالت:
"دكتور يحيى، إيه اللي حضرتك بتعمله ده؟ ها، قولي؟"
"أنا عايز أتكلم معاكي."
قالها بهدوء، ولكن داخله كان أبعد بكثير عن الهدوء.
كادت أن تجن وهي تنظر إليه فقالت:
"دكتور يحيى، مين..."
ولكنه قاطعها وهو يقول بهدوء:
"جنب عيادة جورج فيه كافيه، هستناكي فيه الساعة 11 الضهر عشان نتكلم. مش هضيع من وقتك كتير. أنتِ لازم تسمعيني للآخر لأني مش هسيبك إلا لما تسمعيني."
ثم بهدوء، وبعد أن زلزلها، استقل سيارته وأنطلق بها.
هزت رأسها وقال بغضب:
"ده أكيد مجنون... أعمل إيه دلوقتي أنا ياربي!!!"
ثم دخلت منزلها وهي تهز رأسها بيأس منه.
الساعة الحادية عشر...
كان يجلس على المقهى وهو ينتظرها. ينظر لساعته كل ثانية وهو يهز ساقه بتوتر. معقول أنها لن تأتي؟ هل تجاوز حدوده معها بالشكل الذي جعلها غاضبة منه ولا تريد أن تأتي وتراه؟ هل فعل هذا بالفعل؟
دعك يحيى عينيه وهو يعترف أنه بالفعل تجاوز حدوده معها، ولكنه يريد أن يتكلم معها بشكل عاجل. يجب أن تسمعه وتفهمه أيضاً.
فجأة تجمد وهو يراها تدلف للمقهى تنظر حولها بإرتباك. بشرتها مصطبغة باللون الأحمر وتبدو في غاية الجمال. ذاب قلبه وهو يراها. متى أصبح مهووساً؟ هو حقاً لا يعلم، ولكن إصرار تلك الفتاة لتكون في أفضل حال يعجبه كثيراً.
نهض وهي تقترب منه لتقول:
"اتفضل، يلا قول اللي عايزه عشان أمشي. لو حد شافني هنا معاك مش هيبقى لا كويس ليك ولا كويس ليا."
"ممكن تقعدي؟"
"دكتور يحيى، حضرتك ليه مش فاهمني؟ مينفعش اللي بتعمله ده وإنك كل شوية تظهر في طريقي وإنك تقولي الكلام ده وتديني أمل وعايزني أقلب حياتي كلها عشانك!!!"
"طيب ممكن تهدي وتقعدي؟"
قالها بنبرة هادئة، بينما هي بهذا الإنفعال.
تنهدت هي بتعب وجلست، ليجلس هو براحة، فتكمل هي بإنفعال شديد:
"يلا لو سمحت. أنا سايبة أمي مع الست ماجدة واخترعت حجة عبيطة عشان أطلع. اتفضل قول اللي عايزه."
"أنا بحبك."
غار قلبها داخل صدرها وأغمضت عينيها وهي تشعر بالدموع تلسع عينيها وقالت بنبرة مرتعشة:
"متقولش... متقولش كده لو سمحت."
"مقولش إيه؟"
"إني بحبك يعني."
"ما دي الحقيقة."
"ده مش..."
كادت أن تتكلم ولكنه قاطعها بقوة وهو يقول:
"أنا الوحيد اللي عارف مشاعري كويس يا رانيا. أنا عارفة إذا كان ده حب ولا لا. وبقولك بحبك وعايزك في الحلال، إيه المانع؟"
نظرت إليه بتعب وقالت:
"نسيت والدتك يا دكتور يحيى. هي هتوافق على واحدة زيي. إيه؟ هتخسر والدتك عشاني؟ وصدقني لو كان جوابك أه، أنا عمري ما هوافق على كده عشان اللي ملوش خير في أهله ملوش خير في حد."
"أمي أنا هتصرف معاها."
"هيجي في يوم وتضطر تيجي على حد عشان التاني وهتبقى معادلة صعبة يا دكتور."
نهضت رانيا وقالت:
"صدقني ملناش فرصة. أنا لما اعترفت ليك قبل كده كنت شايفة الحياة وردية، كنت شايفاك الأمير اللي هياخد سندريلا لبعيد. بس الواقع إن الناس اللي زيي مينفعوش للي زيك. اتجوز واحدة من مستواك يا دكتور، على الأقل تكون والدتك راضية عنها. آسفة، مش هحط نفسي في موضع إني أتهان كل شوية عشان بحبك. آسفة."
ثم تركته وغادرت وهي تمسح الدموع التي تطفر من عينيها. لقد رفضت السعادة للتو، ولكنها تعلم أن الطريق إلى سعادتها تلك ملئ بالشوك، وأنها قد تموت قبل أن تنال السعادة وتخسر كل شيء.
في المساء...
وقفت أمام المرآة وهي تعدل من وضع فستانها الأزرق الطويل كما يحبه هو. لطالما أخبرها أنه يعشق الأزرق عليها لأنه كان دوماً هائماً بعينيها، لذلك عندما أخبرها أنهما سيحضران حفل زفاف لصديق له مقرب، قررت أن ترتدي هذا الفستان. وأخبرها أنه بعد هذا سوف يأخذها ويتعشيا سوياً في المقهى المفضل لهما.
قررت ألا تضع أي مساحيق تجميل سوى أحمر شفاه وماسكرا، وها هي أخيراً قد أصبحت جاهزة وكانت راضية للغاية عن شكلها. بالتأكيد سوف يفقد عقله عندما يراها.
رنين هاتفها أخرجها من شرودها اللحظي وابتسمت وهي ترى أنه هو المتصل. ردت سريعاً بحماس وهي تقول:
"أيوه يا حبيبي."
"ها يا نسرين جهزتي؟"
قالها فؤاد لتقول:
"أيوه يا حبيبي جهزت."
ابتسم فؤاد:
"طيب يا حبيبي أنا كمان قربت أوصلكم. يلا مسافة السكة وأجيلك. باي."
"باي."
قالتها مبتسمة ثم أغلقت الهاتف وهي تتنهد بسعادة. هي سعيدة الآن ولا يزعجها سوى حالة ليان المسكينة. كم تكره موسى لأنه وضعها في تلك الحالة. لقد قضت الليلة معها بالأمس، وحتى طيلة النهار لم تتركها وبقت معها، وكادت أن ترفض الذهاب مع فؤاد، ولكن ليان أصرت عليها أن تذهب وأنها بخير وأنها ستتجاوز الأمر. هي تعرف أن ليان قوية، ولكنها تعرف أيضاً أنها تعشق موسى فسيكون تجاوز موسى صعباً للغاية.
تنهدت وهي تقرر الاتصال بليان لتطمئن عليها. وعندما ردت عليها ليان بصوت مخنوق قالت نسرين بلوم:
"لسه بتبكي يا ليان؟"
"الموضوع صعب يا نسرين... صعب أوي. أنا عايزة أعرف هو عمل فيا كده ليه؟"
"ما طز فيه يا ليان، طز خلاص انسيه. هو واحد حقير ميستاهلش إنك تفكري فيه خلاص. طلعيه من دماغك بقى وعيشي حياتك. يا حبيبتي حرام تزعلي عشانه، هو اللي خسران مش أنتِ، بالعكس أنتِ اللي كسبانة."
"بحاول يا نسرين."
قالتها ليان بإنكسار لترد نسرين بصرامة:
"حاولي أكتر يا ليان. عموماً هعدي عليكي أنا وفؤاد وتيجي معانا وتغيري جو و..."
ولكن ليان قاطعتها بسرعة:
"لا لا يا نسرين عشان خاطري متعمليش كده، أنا مش عايزة أخرج. مش عايزة... معلش سيبيني نخرج يوم تاني، أنا عايزة أبقى لوحدي شوية."
"ليان..."
"عشان خاطري يا نسرين سيبيني لوحدي شوية، محتاجة أقعد لوحدي شوية."
أغمضت نسرين عينيها بتعب وقالت:
"ماشي موافقة، بس بشرط بكرة هاجي وأخدك بالعافية من البيت وهخرجك اليوم كله وأنتِ مش هتعترضي. مفهوم؟"
ابتسمت ليان بإنكسار وقالت:
"حاضر."
"ماشي يا حبيبتي، هقفل دلوقتي. عايزة أي حاجة؟"
هزت ليان رأسها ومسحت دموعها وهي تحاول ألا تنهار بالبكاء، فنسرين قد تأتي لمنزلها الآن وتخرجها من المنزل رغماً عنها. هي تعرف صديقتها وتعرف أنها لن تتركها بمفردها تعاني وتبكي.
"مش عايزة حاجة يا حبيبتي، عايزة سلامتك. انبسطي أنتِ."
ثم أغلقت نسرين الهاتف لتنفجر ليان بالبكاء وهي تلقي الهاتف جانباً وهي تنام على الفراش الذي كان ينام به موسى عندما كان في منزلهما. فبعد أن طرده عدي كانت تأتي هنا خلسة وتنام في غرفته، وبتلك الطريقة تشعر أنها قريبة منه. واليوم أرادت أن تشعر أنها ما زالت قريبة منه بتلك الطريقة. يا لها من مثيرة للشفقة، فرغم ما فعله بها هي ما زالت تريد أن تكون قريبة منه. لقد اعترفت لنفسها أنها حطمت كبرياءها مراراً وتكراراً من أجله. نعم، هي فعلت هذا وهو لم يقدر، وما زالت تريق كرامتها الآن ولا تهتم، فالألم في قلبها كان أقوى من أن يُحتمل.
ضمت وسادته بقوة وأغمضت عينيها لتنام ويكون بطل أحلامها فقط هو.
جهزت نسرين حقيبتها وكادت أن تخرج من الغرفة لتنتظر فؤاد أسفل البناية، ولكن دخول والدها المفاجئ أوقفها. تراجعت قليلاً وهي تنظر إليه بينما تزدرد ريقها. كانت ما زالت تخاف منه. نظر إليها كريم بحزن. كم أبعد ابنته عنه بسبب اضطراباته. هذا بسببه... لا يمكنه لوم أحد. يعترف الآن أن خيانة زوجته جعلت نفسيته تتدمر، وقبل أن يعاقب زوجته على فعلتها عندما اكتشف خيانتها ماتت بحادث سيارة وأفرغ هو إحباطه في ابنته المسكينة. لقد حذرته نهى مراراً ألا يفعل هذا وأن ابنته لا تستحق تلك المعاملة، ولكنه لم يستمع وها هو خسر ابنته وزوجة تحبه.
"نسرين بنتي ممكن نتكلم."
قالها بهدوء.
"فؤاد جاي ياخدني دلوقتي ومفيش."
ولكنه قاطعها وهو يقترب منها ويقول:
"نسرين، أنا بروح لدكتور نفسي."
توسعت عينيها وهي تنظر إليه بصدمة، فأكمل هو بإرتباك:
"إحنا عايزين وقت طويل عشان نتكلم أنا وأنتِ وهنتكلم، بس مش دلوقتي. بس اعرفي إني آسف على كل حاجة عملتها معاكي. آسف إني آذيتك يا بنتي، آسف أوي. أنا فضيت كل غضبي وإحباطي وأنتِ ملكيش أي ذنب. حاولت كتير أعدل من نفسي بس مقدرتش وكنت كل مرة ببوظ الوضع أكتر. مديت إيدي عليكِ واهنتك وأنتِ متستاهليش كده. أنا آسف يا بنتي... آسف!!!"
وخزت الدموع عينيها، ولكنها أطرقَت برأسها وقالت بصوت ضعيف:
"فؤاد أكيد وصل، أنا هنزل أشوفه."
ثم كادت أن تتجاوزه إلا أنه اعترض طريقها وضمها بقوة إليه وهو يبكي بقوة.
توسعت عينيها وهي تراه يضمها بتلك القوة. كم تمنت أن يعانقها بهذا الشكل. تمنت كثيراً هذا. تمنت أن يعطيها ولو جزءاً بسيطة من حنانه، ولكن كل ما كانت تتلقاه منه هو الجفاء والمعاملة السيئة. لسعت الدموع عينيها وهي تشعر أن رغبتها دوماً بأن يعانقها قد اختفت، فبعض الأشياء عندما تأتي بعد طول انتظار لا يكون لها معنى كعناقه المتأخر، كحبه المتأخر، كـ ندمه المتأخر.
أبعدته عنها عندما رن هاتفها وقالت وهي تشير إلى الهاتف:
"جوزي جه، عن إذنك."
ثم تركته وغادرت الغرفة مسرعة.
"حبيبتي مالك؟"
قالها فؤاد بصدمة وهو يراها تدخل للسيارة، الدموع تغرق وجهها. كان الحزن يحفر آثاره على وجهها. عانق وجهها وهو يمسح دموعها بحنان وقال:
"نسرين حبيبتي قوليلي إيه اللي حصل، متقلقيش عليكي، فيه إيه؟"
"بابا... بابا..."
توحشت عينا فؤاد وقال بإنفعال:
"هو عمل حاجة تاني؟"
"حضنني!"
عبس في وجهها بدون فهم لتكمل وهي تبكي:
"تعرف أنا قد إيه استنيت الحضن ده يا فؤاد؟ عارف كان نفسي أوي إنه يحبني، يهتم بيا، كان نفسي أحس بحبه، أحس بندمه إنه بيعاملني وحش. والنهاردة حضنني وهو ندمان، بس محستش بالفرحة ولا أي حاجة. كانت مشاعري باهتة وكل اللي حسيت بيه الخنقة. كنت عايزة أبعد عنه بأي طريقة. كنت مخنوقة أوي يا فؤاد، مكنتش عايزاه يلمسني. أنا حاسة إني مبقتش أحبه ولا بقيت مستنية منه أي حاجة. حاسة إني مبقتش متقبلة منه أي حاجة مهما قال وبرر، لأن اللي عمله كسرني يا فؤاد."
تنهد فؤاد وهو ينظر إليها. إنها صغيرة جداً على أن تحمل كل تلك الآلام. جذبه إليه وضمها بقوة وهو يقول:
"كل حاجة هتكون تمام يا نسرين... هنسيكي أي ألم حسيتي بيه قبل كده. من النهاردة مش هيكون في حياتك غير السعادة وبس."
ثم أبعدها عنه ومسح دموعها وقال:
"وعد مني هخليكي دايماً تضحكي يا فراولة."
ضحكت بخفوت ليقول:
"أيوه كده أضحكي، يلعن أبو اللي يزعلك يا شيخة. يلا نلحق فرح منصور ده ممكن يقتلني لو محضرتش."
في أحد الفنادق البسيطة نوعاً ما...
وقفت بجوار زوجها وهي تبتسم بخجل. لقد قرر أمير إنهاء انتظاره وإتمام زواجه منها اليوم. فبعد أن احترق منزل تحية وحسين وهما يعيشان بالمنزل معها إلى حين إعادة المنزل المحترق كما كان، أخبرت عبير أمير أن يذهبا إلى المنزل الذي يسكن به شريف فهو يمتلكه الآن، ولكن أمير رفض بإصرار. وأتى بها إلى الفندق.
ابتسم بلطف وهو يأخذ المفاتيح من موظف الاستقبال، ثم أمسك كف زوجته والحقيبة الصغيرة التي يحملها وصعد للأعلى.
فتح الباب وجعل عبير تتقدمه لتفحص المكان جيداً. كانت تبتسم وهي تتأمل المكان وقالت:
"المكان لطيف هنا. صحيح الأوضة ضيقة بس حلوة أوي."
ثم نظرت إلى الفراش المزين بالورود وضحكت بمرح قائلة:
"معقول أنت اللي عملت كده؟"
اقترب منها وأمسك كفيها وقال:
"صاحبي شغال في الفندق ده وهو يعني ساعدني كتير. حبيت أول ليلة لينا تبقى مميزة يا بيري. آسف إني مش قادر أقدم لك أكتر من كده."
عانقته وقالت:
"كفاية إنك جوزي، أنا مش عايزة أكتر من كده. كفاية إني عايشة معاك وهفضل معاك طول حياتي."
ازدادت ابتسامته اتساعاً، ثم ابتعدت عنه قليلاً وهي تقترب منه لتقبله، ولكنه قال فجأة:
"لأ!!!"
عبست بدون فهم ليبرر هو:
"الليلة دي عايز كل حاجة تكون مثالية يا بيري. كل حاجة تمشي على مهلها، وأولها تلبسي اللي أنا أنا جبتهولك ده."
ثم أخرج من الحقيبة الصغيرة حقيبة بلاستيكية أخرى ولكن أصغر وأعطاها إياها، ثم أخبرها أن تتجهز، ثم أخرج هو منامته من الحقيبة وعطره المعتاد، ثم بدأ بتغيير ملابسه ورش العطر عليه، ثم رشه في أرجاء الغرفة. كان يريد أن تكون هذه الليلة مميزة للغاية. أراد أن تتذكرها طوال حياتها.
بعد قليل...
خرجت من الحمام وهي ترتدي غلالة سوداء قصيرة بعض الشيء. كان وجهها محمر من الخجل وهي تخبي جسدها شبه المكشوف بيديها، ولكنها تفشل.
ازدرد ريقه وهو ينظر إليها وقد أدرك أنها أجمل ما رآه في حياته. إنها لم تفشل يوماً في جعل دقات قلبه تتسارع بقوة.
نهض وتقدم منه ثم جذبها إليه حتى اختلطت أنفاسهما وقال:
"خايفة مني؟"
هزت رأسها بالنفي وعينيها متعلقة بعينيه الذهبيتين. كانت مبهورة بوعد السعادة في عينيه، وقد قررت أن تسعده بدونها. لن تمنع عنه أي شيء.
ابتسم وهو يمرر أصابعه على وجهها وقال:
"طيب واثقة فيا؟"
"أكتر ما بثق في نفسي."
قالتها مبتسمة فقال:
"حلو... حلو أوي."
عانق وجهها وما هي إلا لحظات حتى شهقت وشفتاه تحط على شفتيها يمنحها قبلتها الأولى. تمسكت به بخوف امرأة لم تعتاد تلك المشاعر العاصفة بعد، ليتباعد عنها ويضمها بقوة وهو يقول:
"اهدي... اهدي متخافيش."
ولكنها كانت ترتعش. ظل يضمها إليه لفترة طويلة كي يخفف من ذعرها، وما أن شعر أنها سكنت بين ذراعيه حتى حملها متجهاً بها إلى الفراش. أسندها برفق وهو يقترب منها فقالت وهي تضحك بتوتر:
"أنا خايفة دلوقتي حد يتصل علينا أو يكسر علينا الباب."
ابتسم وقال:
"متخافيش، أنا قفلت الموبايلات بنفسي ومقولتش لحد إني هنا غير صاحبي ده. يعني الليلة دي بتاعتنا وبس يا بيري."
احمر وجهها واتسعت ابتسامتها وقد برزت نواجذها بشكل أكبر، فقال متنهداً:
"بحب ابتسامتك أوي... بتدوب قلبي."
وهي من ذابت من مغازلته البسيطة. اقترب هو