تحميل رواية امنيات اضاعها الهوى بقلم اسما السيد pdf
بقلم اسما السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ارتفع صوت المأذون يردد لثالث مرة دون أن تنتبه هيّ: _ رُبى منير راشد هل تقبلين الزواج يا ابنتي؟ _ أجل أقبل. لا تعي كيف نطقتها لكنها ليست مخيرة، هي مجبرة كما العادة، ولا عزاء لها، ولا لأمانيها، فها هي الآن تدعسها بأكملها تحت أقدامها مجددًا، والسبب هذه المرة لم يكن إلا سذاجتها، وثقتها المفرطة بمن هم ليسوا أهلًا لها. رَنا إليها بنظرة طالت عن الحد، كان بإمكانه فعل الكثير غير ذلك، لكنه هو من آثر الغرق معها وبها. نظراتها التي رنت إليه برجاء موجع جعلته طوع بنانها، علم حينها أنه غرق بلا عزاء. علّمته سذاج...
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الأول 1 - بقلم اسما السيد
ارتفع صوت المأذون يردد لثالث مرة دون أن تنتبه هيّ:
_ رُبى منير راشد هل تقبلين الزواج يا ابنتي؟
_ أجل أقبل.
لا تعي كيف نطقتها لكنها ليست مخيرة، هي مجبرة كما العادة، ولا عزاء لها، ولا لأمانيها، فها هي الآن تدعسها بأكملها تحت أقدامها مجددًا، والسبب هذه المرة لم يكن إلا سذاجتها، وثقتها المفرطة بمن هم ليسوا أهلًا لها.
رَنا إليها بنظرة طالت عن الحد، كان بإمكانه فعل الكثير غير ذلك، لكنه هو من آثر الغرق معها وبها. نظراتها التي رنت إليه برجاء موجع جعلته طوع بنانها، علم حينها أنه غرق بلا عزاء. علّمته سذاجتها في العطاء أن كل الجروح جميعها قد تلتئم، إلا جرح يصيبنا من فرط ثقة أو صدمة فيما نحب أعطيناه كل الحلو بحياتنا. لا يعلم بعد أين سترسو سفينتهم معًا، لكنه لن يسمح لمخلوق بإيذائها بعد الآن.
قبل أربعة أشهر:
تطلعت صوب السماء، يداها مبسوطتان تتأرجح يمينًا ويسارًا، شاردة تمامًا. أرادت أن تسرق بضع لحظات من السعادة بمفردها، بعيدًا عن ضجيج العالم والمسؤولية الكبيرة التي ستقع على عاتقها منذ الآن. لحظة جنون بمفردها لا بأس بها، ستعوض طفلها بغيرها فيما بعد، لكن الآن عليها أن تختلي بنفسها حقًا، بعيدًا عن كل الضغوطات التي تؤثر بها.
كم تعشق "السكيتنج" وتعشق ممارسته بهذا الوقت، حيث لا أحد يتطلع إليها باشمئزاز ونفور، أو بالأصح لا أحد يعكر صفو مزاجها.
مجتمع عقيم لديه القدرة على قتل كل شيء من فرح ونجاح. نُدر هم من يفرحون لفرحك حقًا بتلك الحياة.
ومع أن عقلها يؤنبها الآن، وينكر عليها خروجها بمفردها، وحدها تمامًا، لكن ما باليد حيلة، التمرد يجري بدمائها، والحرية مسعاها الوحيد التي خسرت من أجلها الكثير. لقد خاطرت من أجلها بسمعتها وحياتها؛ لتنالها بعد سنوات من طوق قيدٍ أتعبها واستنزف طاقتها، وها هي الآن تخلصت منه، والعاقبة لما بعد ذلك من أشياء تَسرها إن شاء الله.
فكرة أنها لا تخضع لأحد الآن تسعدها، وتجعلها تشعر أنها حرة طليقة كطائر حبسه صاحبه والآن فر هاربًا صوب السماء. لطالما عشقت الحرية، والفكره هذه بحد ذاتها تجعلها بأقصى لحظاتها سعادة إذ تخلصت من أكبر وأصعب طوق قيدوها به بالماضي.
أصبحت حرة طليقة، وإن أطلقوا عليها صفة مطلقة لا يهم. تشعر وكأن كل شيء من حولها له نكهة أخرى كنكهة الفانيلا التي تعشقها، لا يشوبها شائبة.
مازال صوت القاضي الذي نطق بحكم خلاصها قبل ثلاثة أشهر من ذلك الرجل الذي قتل فيها كل شيء، حتى ظنت أنها نست أنها أنثى، يتردد بأذنيها كترنيمة عذبة تسري بأوردتها فتنتشي، وتطلق قدميها صوب الحرية أقوى من ذي قبل.
اليوم استجاب الله لكل دعواتها، وهي كانت موقنة بإجابة دعواتها من كثرة الظلم التي تلقته على يديه، ويد الجميع من أهلها.
دومًا ما كانت تدعي الله بأن لا يحوجها لغيره، وأن لا يجعلها تفني عمرها بما لا يجدي نفعًا، وها هو الله استجاب لها، وكان الخلاص على هيئة ثمرة حرية صبرت كثيرًا من أجل أن تنضج وتقطفها ليكن لها نكهة مميزة.
_ يا إلهي لقد أصبحت حرة، شكرًا لك، شكرًا لك ياربي.
الشعور بالسعادة نادر كندرة زارعه بطريقنا، لذا قررت أن تتمسك بسعادتها هذه، وتحتفل بها بشكل خاص جدًا حتى تظل تتذكر احتفالها هذا دومًا.
لكن ما أن تذكرت طفلها وذلك الأمر الذي يؤرقها ولم تستطع إخبار أحد عنه، ينتابها الشعور بالندم لخروجها بمفردها، وعدم اصطحابها له معها.
لقد وعدته ووعدت نفسها بألا يفترقا، وأن تعوضه عن كل يوم سجنته به بتلك البلدة اللعينة الظالم أهلها جميعًا الذين لا يعرفون معنى الرحمة.
أسرعت بالدوران حينما وقفت لدقائق؛ لتلتقط هاتفها الذي يدق برسالة، ظنته طفلها، لكن توقف كل شيء من حولها، وشعرت بالبرودة تجتاح جسدها، وبدأ قلبها كجسدها بالارتجاف، شعور مهما وصفته لأحد لن يشعر به إلا هي.
مررت عينيها على الرسالة مجددًا: "هنيئًا على الخلاص الأبدي، مازال عرضي قائمًا.. آااهٍ كم أعشق تمردك وأعشق جموحك هذا".
لم تمر الثواني حتى تبع رسالته بصورة لها الآن، وكأنه يراقبها، ابتلعت ريقها وهي تنظر يمينًا ويسارًا فلم تجد أحد.
حاولت عدم الالتفات والتظاهر بالقوة كما تفعل دائمًا، لكنها فشلت. لقد سئمت الحقير هذا، وأفعاله المتسلطة التي تمقتها. اللعنة على تلك اللحظة التي التَقته بها، عجوز خَرف.
التفتت؛ لتعود أدراجها بعدما عاد لها بعض التعقل، وهي تنهر نفسها أن ما تفعله الخطأ بعينه. لم يكن عليها حقًا الخروج وحدها، لكن ضاع كل شيء هباءًا منثورًا ما إن هبت نسمات الرياح العليلة هنا بتلك المنطقة، وهذا شيء نادر بذلك الوقت من العام تحديدًا منتصف أغسطس.
لقد بلغ الحر مبلغه هنا بتلك المنطقة الراقية على حد قولهم. لم تؤمن برقي أصحابها إلا ندر. هي مؤمنه أن الرقي بعقول البشر لا أماكن إقامتهم.
منذ انتقلت لهنا، وهي تعقد المقارنات العقيمة بين القرى بسلبياتها وعقول أهاليها، والمدن بتحضرها على حد قولهم، وللحقيقة كان النجاح دائمًا على حسب ما رأت بحياتها كان للمدن بكل شيء.
بأقصى أحلامها لم تكن تتخيل ما وصلت إليه، وما أقدمت هي بنفسها عليه غصبًا عنها؛ كي تنجو من جروح الماضي، وتحكمات الأهل، وظنون البشر، ومن أجل مستقبل أفضل لها ولطفلها.
لقد أرهقها البشر هناك وتفكيرهم، ولم يرحمها القريب ولا الغريب، الجميع ينهش بعرضها، لذا أنصتت للعقل، ولنصح من حولها، وهربت بما تبقى لها من الدنيا "طفلها".
لقد أتعبها التبرير لهذا وذاك، ويأست من أن تنل حب من هم منها ومن دمها، ففعلت بلا تردد.
أرادت النسيان، لكن ها هي تغرق بالماضي وذكراه كما كل ليلة، لكن اليوم مميزًا حقًا لأنها تتذكر وهي تتسابق مع الريح، واللعنة على عقلها الذي مازال عاكفًا على تدمير لحظاتها المميزة.
حاولت أن تشتت ذهنها، لكن وجدت نفسها شاردة بعقلها بجروح الماضي وما حدث به. ماضي لطالما أرادت أن تمحوه، ولا تتذكره أبدًا، ولو ستدفع الباقي من عمرها من أجل أن لا تتذكره. عقلها أعادها حيث نقطة البداية، حيث الندبة الأولى. أعادها لما قبل تسع سنوات تقريبًا.
_ لن أتزوجه يا أمي، أرجوكِ لا تفعلي.
اغتُصبت "زهرة" ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت على وجهها، وجاهدت لتحافظ على طريقتها التي انتهجتها معها، ولم تكترث لتلك الكلمات التي ترددها ابنتها باكيةً كلما فتحت معها ذلك الحوار.
أجلّت حنجرتها، وخففت من حدة صوتها للحد الذي ظهر طبيعيًا نوعًا ما، وسألتها:
_ حسنًا، دعينا من كل ذلك، وأخبريني عن ذلك الشاب، هل تحبينه؟ ومن هو؟
ابتسمت بخجل، وأومأت برأسها بعدما جففت بكف يدها دموعها كالأطفال، وهتفت بخجل تجيب والدتها:
_ نعم يا أمي، أحبه كثيرًا جدًا؟ وأنتِ تعرفينه جيدًا، إنه عمار ابن عمي..
إجابتها أصابت والدتها بلكمة قوية في قلبها، لكنها آثرت أن تصل إلى إجابات شافية لتلك الفوضى التي خلفتها الظنون:
_ وماذا عنه هو؟ هل يحبك؟
اتسعت ابتسامة ابنتها وزاد احمرار خديها:
_ نعم يا أمي، يحبني أيضًا جدًا جدًا.
ابتلعت الأم غضبها بصعوبة، وأردفت:
_ أواثقة أنتِ؟
_ نعم بالطبع، لقد اعترف لي بذلك، كما أني ألمح ذلك بين عينيه.
نبرة الفخر التي اعتلت حديث ابنتها جعلت دماؤها تفور، لكنها أيضًا حاولت التماسك، ولكن سؤالها تلك المرة خرج محتقنًا:
_ يبدو أنكِ تجيدين فهمه أيضًا؟
نبرة والدتها أثارت بنفسها بعضًا من القلق، وعقلها بدأ بتوبيخها ونهرها؛ لثقتها بالشخص الخطأ بالوقت الخطأ على ما يبدو.
يحدثها ها هي نفس اليد التي طالما نهرتها وعنفتها ولم تتمسك بها، عدتِ تتمسكين بها، لكنها نفضت عنها كل ذلك بعدما انتبهت والدتها أنها انتبهت أن نواياها غير طيبة.
ابنتها تمتلك سرعة بديهة وفطنة ربانية على ما تعتقد، تجعلها تشك كثيرًا، وكل ما تتوصل له يكون حقيقيًا طيلة الوقت.
لقد عانت الأمرين؛ لتثق بها، فلن تضحي بتلك الثقة هباءًا منثورًا أبدًا.
عاودت سؤالها مردفة بصوتٍ أكثر تماسكًا:
_ فيما شردت يا ابنتي الحبيبة؟ أجيبني سؤالي، هل هناك خطب ما؟ أجيبيني أنا والدتك، وأكثر من يخاف على مصلحتك!
ما أن انتبهت لحديث والدتها الحنون، نفضت عنها الوساوس، وهتفت:
_ أعلم يا أمي أنكِ أكثر من يحبني، ويحب لي الخير، لذا قررت أن أحكي لكِ. أتعلمين يا أمي أحيانًا أشعر وكأنه أنا، وكأني هو، أتتخيلين أننا نفكر بالشيء ذاته بالطريقة عينها، نحن متفقون بكل الأشياء يا أمي.
ابنتها تحكي بحماس مراهقة يجعلها تجن أكثر. لم تتخيل بأقصى أحلامها أن تشهد على حديث كهذا أبدًا.
بإبتسامة صفراء لم تستطع الأم إخفاؤها هذه المرة أردفت:
_ حقًا.. رائع، رائع. أخبريني إذًا على أي شيء اتفقتما أيضًا يا ربى؟!
بدأ القلق يسري بأوردتها، وترددت في الرد، ولكنها أجابتها بشيء من الثبات مكذبة كل مخاوفها:
_ علي أن أنتظره وينتظرني، ونكمل دراستنا، ونحقق أحلامنا، ومن ثم يتم الزواج بعد رضاكما.
ضحكت والدتها بخفة، بينما تكاد تختنق بما تسمعه، ولا أحد يدري عنها.
سحقت أسنانها تستجدي الصبر، وهتفت:
_ لهذا السبب ترفضين الزواج من "ظافر" ابن صديقتي، وتبكين ليل نهار؟!
ابتلعت ابنتها ريقها، وهتفت بتردد:
_ نعم يا أمي، فأنا أحب "عمار"، وهو أيضًا يحبني. أرجوكِ ساعدينا؛ لنحقق ما تمنيناه، وتصحيحًا لحديثك عن ذلك الشاب "ظافر"، هو ليس شاب، لقد خالط الشيب شعر رأسه.
صمتت قليلًا تلتقط أنفاسها، ثم هتفت:
_ أنه بعمر الخامسة والثلاثون، أي يكبرني بسبعة عشر عام يا أمي، أي عدل هذا؟!
_ نعم، نعم، دعك من أمر ظافر الآن، والخلاف العقيم على عمره وشبابه، وأخبريني أولًا هل يعلم والديه بذلك؟ هل عمار أخبر والديه برغبته بالزواج من ابنة عمه؟
خرجت كلماتها الأخيرة غصبًا عنها بتهكم واضح، أدركته ربى، وفهمت أن والدتها تضمر شيئًا بداخلها لا محال، لكنها أكملت بثبات:
_ لا يا أمي، لقد كنا حريصين على ألا ينكشف ما بيننا لأي منكما، لكني لم أستطع الصمود بعد إصرارك عليّ الزواج من ظافر ابن صديقتك سميرة، كما أنني أثق بكِ يا أمي أنكِ ستساعدينا كما أخبرتني.
ضحكت الأم بخفوت، بينما داخلها يحترق، وودت لو أطاحت بها أرضًا وهشمت وجهها على أمر الثقة هذا!
عينيها لمعت ببريق قرأته ابنتها، لكنها ما زالت تكذب نفسها، حتى باغتتها الأم بسؤال آخر:
_ وهل هذه فكرته أم فكرتك بعدم إخبار أحد؟
_ فكرته أولًا، وأنا اقتنعت بها لاحقًا. كنت خائفة من العقاب ومنك أنتِ خصيصًا يا أمي؛ لأني أعرف الخلاف بينك وبين زوجة عمي.
جزت الأم على أسنانها، وهي تلعن ابنتها وغبائها وما تتلفظ به.
الغيظ والغضب يكاد يحرقها، لكنها صمدت، وهتفت بشيء من الحدة:
_ وهل يعاقب المرء إلا بسبب ارتكاب الأخطاء يا ابنتي؟!
_ ليس بكل الأحوال يا أمي، فقد يعاقب الأبرياء ويقتل الضعفاء، وتضيع آمال الكثير، وتطير في الهواء، وأنا معتادة على العقاب، وبلا أسباب منكِ.
فلسفة زائدة كالعادة، ابنتها تجيد الحديث، وتبرير كل شيء، وهذا سبب من أسباب غضبها منها على الدوام، لكل فعل عندها تبرير، وتبريرها يعجب والدها. هتفت بحده:
_ لقد صرتِ قليلة الحياء، يبدو أن عليّ أن أصحح كثيرًا من الأخطاء مجددًا.
انتفضت الابنة وداخلها يرتجف:
_ كيف ولماذا يا أمي؟ لا أفهم!
كان هذا آخر حوار دار بينها وبين والدتها قبل أن تتركها والدتها، وتذهب لغرفة نومها بلا جواب.
_ أمي.. انتظري.. أمي أرجوكِ افتحي هذا الباب، ألم تخبريني أننا أصبحنا أصدقاء! ها أنا أخبرتك ما بقلبي، هل ستساعدني حقًا كما وعدتني أم لا؟!
أغلقت والدتها التي تشتعل غضبًا وكرهًا لها ومن أجلها ومن أجل كل ما يخصها باب غرفتها، وعقلها يعمل بلا توقف بعدما نالت ما خططت له تمامًا من إجابات لأسئلة أقلقت مضجعها الأيام السابقة، باتت على علم بالسبب الآن.
لقد كانت متأكدة أن من لا يأتي بالطرق الطبيعية التقليدية يأتي معها بالحنية، وهذا كان سبيلها المتبقي الوحيد مع ابنتها بعدما يأست من إقناعها بالزواج من ابن صديقتها المغترب "ظافر" لتسيطر عليها وتعلم ما تخفيه عنها يجعلها متمسكة برأيها بتلك الطريقة الصلدة، ويوافقها أبوها.
لو لم تفعل الآن، ولم تنظم تلك الحبكة على ابنتها، كانت ستضيع تلك الفرصة الذهبية التي طالما تمنيتها لها، بل وسعت من أجلها كثيرًا.
كلما نظرت لمن هن في مثل عمرها وهن يتزوجن، يغمر قلبها أمنية واحدة أن تتزوج ابنتها بشخصٍ مثل من هن بعمرها.
تمنت لو تزوجها لرجل قادر غني يرفعها، ويرفع من قدرها، وتتباهى به بكل القرية كما فعلت جيرانها؛ لتغيظ به أعدائها، لكن بأقصى أحلامها لم تكن تتوقع ما أخبرتها به ابنتها. هل كانت غافلة لتلك الدرجة؟!
دارت حول نفسها غافلة عن عيون زوجها التي انتبهت لوجهها الذي يهب حريقًا وغضبًا، حتى سؤاله عن سبب حالتها لم تنتبه إليه، فلم تهتم لإجابته.
كانت تفكر بشيء واحد، وهو كيف تنهي هذه المهزلة، وبأقل الخسائر حتى لا تعلم صديقتها أمر ابنتها، وتنهي أمر الزواج؟ كيف تحرق قلب ابن أخو زوجها، وتبعده عن ابنتها وللأبد؟
صفعة قوية تلقتها على وجهها على حين غرة بعدما خلا البيت إلا منها ومن والدتها، وشقيقتها الصغرى التي غابت عن مدرستها بفعل المرض. نظرة والدتها السوداوية جعلت أطرافها ترتجف، وداخلها كمثل ما أن ثبتت والدتها عينيها عليها بتلك النظرة السوداوية الغاضبة، أتاها يقين بأن الأمر به شيء مما كذبته من قبل، وسرعان ما هتفت بذعر ملأ قلبها:
_ أمي.. لما تصفعيني؟
سالت دموعها بصمت، بينما تماسكت بقوة تحسد عليها، وسألتها:
لما طلبتِ مني الغياب اليوم من المدرسة؟
صفعة أخرى تلقتها من والدتها، وسباب لم تتوقع سماعه جعلوها تبكي بحرقة. لطالما عز عليها الإهانة ولو بكلمة.
كان سؤالها يحمل بين طياته شك أكل ما تبقى منها من أمل، تحول ليقين ما أن طال خدها صفعة خلف أخرى إلى أن انهالت عليها والدتها بالصفعات، ولم تعطها الفرصة للهرب، بينما تجاهد ربي حتى لا تصرخ كما أمرتها والدتها:
_ إياكِ والصراخ، وإلا قتلتك. أتحبين ابن الساحرة العاهرة هذا، ابن تلك السيدة التي دفعت بزوجها ليُعادينا ويأكل ورث أبوكِ يا لعينة. ألم تجدي إلا ابن فتنة وراجي سارق أموالنا؟!
انهار عالم ربى، وقد علمت أنها وقعت بالفخ، لكنها آثرت الدفاع لآخر رمق، إذ أنها بكلتا الحالتين ميتة لا محال:
_ لكن عمار ليس له ذنب، ما ذنبنا نحن فيما بينكم يا أمي؟!
كما أن أبي أخبرني أنكِ كاذبة، وأنه أعطاه ورثه كاملاً.
جن جنون والدتها، وانهالت عليها بالسب والصفع، تسبها وتدعي عليها هي ووالدها، لم يكن ما تسمعه غريبًا عليها، لطالما استمعوا لإهانة والدها من قبل والدتها.
_ أرجوكِ يا أمي اتركيني، لا تفعلي؟
ارتجف جسد ربى بذعر ما أن رأت والدتها تقترب لتحرق جسدها بتلك الملعقة التي قامت بتسخينها أمامها.
صرخت وصرخت، إلا أنها لم ترحمها، وهي تضغط الملعقة بقوة على فخذها بأماكن متفرقة.
لم تشعر والدتها إلا بنار الغيرة والحقد والغضب منها ومن والدها الذي طالما كان ندًا لها، ما زال يخبر أبناءه بالترهات عن تلك الفتاتيت التي ألقاها لهم شقيقه كإرث له، بينما هو ينعم بالخير والخيرات.
بكاء ابنتها وتوسلها لم يشفع لها عندها. بالنسبة لها الأمر كالحياة والموت.
لقد أقسمت أن تجعل "فتنة" تتحسر على نسب بناتها وابنها، ولن تجعل ابنها ينال مراده أبدًا بزواجه من ابنتها.
صرخت بابنتها بحده أكبر:
_ ها أخبريني الآن يا حقيرة، ابن فتنة أم ابن نعمات صديقتي؟!
انكمشت ربى على نفسها بركن الغرفة، تقسم أنها تشعر بسيلان الدماء من كامل جسدها، ناهيك عن الحروق العميقة التي أحدثتها والدتها بفخذيها للتو، انخرست تمامًا، بينما والدتها تصيح بها أن تجيبها. لم يعد بوسعها البكاء ولا الصراخ، كل ما جال بخاطرها أن الموت راحة، فياليتها تقتلها وتنتهي.
انْهار العالم من حولها، هكذا ظنت. لم تلحظ كلتاهما الصغيرة الباكية التي أصابتها الحمى صباحًا، واضطرت والدتها لأن تبقيها اليوم بالمنزل، وهي تخرج مسرعة تجاه والدها الذي وبالصدفة كان يقف معه ابن أخيه عمار الذي بدأ بتحسين علاقته بعمه في الآونة الأخيرة، غير مكترثًا بما تلقيه والدته هو الآخر على مسامعه، يكفيه أن أبيه لا يهتم لما تقوله والدته.
_ أبي.. أبي.. أنقذ ربى، أمي تريد أن تقتلها.
هكذا هتفت ريم شقيقتها برجاء، بينما تسيل دموعها بغزارة بعدما وصلت أخيرًا للسوبر ماركت الخاص بأبيها وشقيقها الأكبر "محمود".
انتفضت بهلع على صوت صاحب سيارة تخطتها للتو:
_ انتبهي.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثاني 2 - بقلم اسما السيد
أراح جسده للخلف بعدما رفع قدمه التي تأن بوجع بهدوء على الفراش الخاص بابنه الوحيد الذي منعه من الفرار من جهنم تلك العائلة، والنجاة من شرورها الذي يظهر جليًا ما أن تتأمله.
كم يكره القيود، ويعشق الحرية، ويعشق الترحال بلا وجهه. عشق يبدو طبيعيًا للجميع لكن لا أحد يستشعر طعمه كما يستشعره هو.
عاد ينظر لابنه الذي ازدان ثغرة بإبتسامة طفوليه أراحت قلبه عليه. إنه على الأقل قادر على منحه بعض السعادة التي لم يستطع هو الحصول عليها إلا بالبعد عن هنا.
مال برأسه قليلًا حتى أصبح مقابلًا لابنه، ووضع قبله حانيه عليه تبعه بتقبيل رأسه ثم يديه وخديه، رائحته كالمسك لا أحد يِقدر قيمته إلا هو، ابنه قطعه من الجنه سقطت له من السماء للأرض.
زفر بغبطة، وهو يلعن بداخله:
"اللعنة على من يعشقك يا بني، وليسامحها الله ويرحمها والدتك التي كانت جزء بما أنت عليه بسبب ثقتها المفرطة وطيبتها."
أغمض عينيه يحاول منع الغصة التي تحكمت بحلقة، والذكريات تتدفق إليه كشلال لكنه آثر ألا يستسلم لها أبدًا.
انتفض من فراشه وهو يمسح وجهه مرارًا بعصبية، وهو يصرح بصدق لنفسه أنه لم يعد بقادر على شيء.
لم يعد بقادر على العطاء أكثر لأولئك القوم الظالمون يريد الراحه، ولو قليلا بعد.
مسؤولية العائلة، وتمرد أفرادها، وتهور نسائها الذين يمقتهم كل هذا كله يقع على عاتقه لم يعد بقادر على العطاء أكثر في خضم مسؤوليته الكبيرة تجاه الفرد الأغلى على قلبه بينهم.
ألقي نظرة أخيرة عليه قبل أن يحمل أغراضه، ويخرج من الغرفه يتسند على عكازة بتعب من وجع قدمة المبتورة؛ ليوقفه صوت إحداهن:
"بيجاد إلى أين؟"
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يلتفت لشقيقته الأحب إلى قلبه هنا، والأنثى الوحيدة على وجه الأرض من بعد والدته التي يعشقها.
ابتسم لها بينما اقتربت فيروز تندس تحت ذراعه هامسة بحب:
"ستهرب مجددًا أليس كذلك؟"
ابتسم بيجاد بخفةٍ قبل أن يميل مقبلًا رأسها بحنو:
"أعتقد ذلك! أنت تعرفين مهمتك صحيح؟"
ابتسمت بينما شددت من احتضانه، وهتفت:
"بالطبع أعرف إنها المهمة الأحب إلى قلبي أن اهتم بحبيب قلبي "عدي" لا عليك اطمئن مادامت عمته حبيبته هنا لكن بيجاد لما أشعر أن هروبك زاد عن الحد هذة الأيام؟!"
كان سؤالها يشوبه بعض المكر جعلتة ينظر لها بحيرة فهو دائم الهروب هل جُنت هذة؟!
تبادلا النظر بهدوء قبل أن يميل مقبلًا جبهتها بحنو هامسًا:
"اهتمي بعُدي من أجلي، ولا تشغلي فكرك وعقلك هذا بأمر هروبي ها، لا شيء مما تفكري به."
لا ينكر الراحة التي تسللت إليه من حديثها، بالنهاية لا يستطيع ائتمان أحد علي طفله غيرها فلا أحد يستطيع التعامل معه إلا هو وشقيقتة أو بالأحرى لم يتقبل أحد منهم ما عليه عدي إلا هما.
هتفت فيروز ما أن طال شرودة:
"ارح قلبك يا بيجاد، ولا تقلق سأوافيك بالاخبار الجديدة دائما."
ضربة خفيفة على رأسها جاءتها منه قبل أن يقبل رأسها، ويتركها ويترك عدي باماناتها لكن قبل أن يخرج من باب القصر نادت علية مجددًا بشيء من الهمس:
"بيجاد."
"ماذا عزيزتي؟"
عضت أصابعها خوفًا من أن يستمع إليها الجد أو أبيها فينتهي بها الأمر نادمه، واقتربت منه، وترددت في إخباره قبل أن يسألها هو مجددًا بقلق من صمتها:
"فيروز انتِ بخير عزيزتي أخبريني ما بكِ؟"
"أنا بخير لا تقلق لكن هناك شيء لابد لك أن تعرفه قبل أن يقع الأمر بيد والدتي، وتفتعل فضيحة أخري للعائلة أو كارثة من كوارثها."
هتف بقلق:
"ماذا يحدث لا تقلقيني؟"
"لقد استمعت قبل أيام لأبي ونيرة و.."
هتفت بتلك الكلمات، وهي متردده اتخبره أم تصمت ولكل وقت آذان لكنها تذكرت أن ربما بيجاد ينقذ ما يمكن إنقاذه.
"أنت تعرف أني من مدمني السوشيال ميديا صحيح؟!"
"نعم أعرف عزيزتي أكملي."
للحظة عز علي قلبها قلق أخيها، وهو يهرب من ضجيج العائله ومشاكلها التي لا تنتهي؛ لتأتيه بأخرى لكن نظرته الثاقبة لها جعلتها تخشى أن يعرف من غيرها وصدق حدسها بمسعى أبيها وراء كارثة مادام الأمر به امرأه وبه أيضًا نيره، وتلك المرة لن تتحمل والدتها الأمر يكفي ما حدث من قبل.
"هناك برنامجًا اذاعيًا علي أشهر محطه اذاعيه بالشرق الأوسط لمذيعه ذاع صيتها بالأعوام القليلة الماضية، وأظن أن إعلان الأسبوع فيه خبرًا يخص مصانعنا."
"هناك شيء خطأ يا بيجاد أظن أنهم ينوهون عن الحادثة إياها التي تسبب بها والدنا وفيصل."
"وبعد..!" أكملي لما صمتِ.
"سأخبرك."
لم يجيبها بيجاد لبضع ثواني بعدما قصت عليه كل شيء قبل أن يهتف بعدما أخذ نفسًا عميقًا، وهو ينفض عن عقله تلك الكارثة إن صدق حدس شقيقته:
"حسنا اهدأي سأجعل أحدهم يتولى الأمر."
اطمأن قلبها قليلًا، وآثرت عدم قول شيء آخر ليست متأكده منه بعد، وودعها بيجاد بينما قلبها يدعو له بالراحة، وأن يجد من تحتوي قلبه ومصابه العظيم بالأخير مثلما يحتوي مشاكلهم الدائمه.
"يالروعة حبكما انت وهو."
انتفضت علي صوت احداهن المتهكم، والتي لم تكن إلا نيره ابنة عمها وشقيقة زوجها:
"يالروعه سماجتك، وعقلك الفارغ نيره."
ألقت فيروز عليها تلك الكلمات بينما تركتها تقف تنظر عليها بنظرة حاقدة.
فيروز جميله؛ لدرجة أن أوقعت أخيها بعشقها كالمجنون بينما هي لم تفلح في أن تجعل بيجاد يلتفت لها يومًا، وهي العاشقة له حد الوله ما جعلها تفعل الأفاعيل من أجل أن يلتفت لها منذ الصغر، وحتى أصبحت يافعه لقد فعلت المستحيل لينظر إليها لكنه لم يراها يوم إلا ابنة عمه المتكبرة حتى لما حكم الجد عليه بالزواج تزوج بشقيقتها ورفضها هي وهي الأجمل والأذكى منها.
وعلى ذكر شقيقتها اشتعل جسدها كلما تذكرت انه ارتضى بها زوجه بينما عرضت نفسها عليه داعسه بقدميها كرامتها بل كادت تتوسله فلم يقبل بها حتى بعد الحادث الذي فقد فيها قدمه اليمنى عادت؛ لتعرض نفسها عليه فلم يقبل بها.
هتفت بحقد:
"حسنا بيجاد سنرى للنهاية من سينتصر سأجعلك تخر راكعًا لارضى أنا بك أيها الوسيم الأعرج."
******
شرد بيجاد بعالم آخر بينما يقود سيارته بنفسه بعدما منع سائقه من القدوم معه على أن يأتيه لمكانه الخاص الذي لا يعلمه إلا هما.
لم يدع عقله يفكر كثيرًا بما ترنو فيروز إليه بحديثها. تظنه يواعد إحداهن وهو شيء غير مقبول أبدًا عنده.
كان وما زال كاره للعشق وأهله وكاره لنساء الطبقة المخملية التي هو منها، والتي لا يسمح الجد إلا بارتباط منها.
هو لا يخشى الجد لطالما كرة محدودية عقلة التي لا تسري إلا علي احفاده أما أبية ليفعل ما يحلو له.
وهو حر بما يريد لكن العشق هو ليس منه أهله يكفيه ما آلت حياتة إليه. لقد أصبح مُنهك الروح وما عاد بالقلب متسع لتجربة أخرى تضيع هباءًا منثورًا، وتعود بالخسائر إلية.
أمس دار شجار لا بأس به بينه وبين الجد وأبية بسبب زواجة من نيرة.
نيرة التي اهون عليه الموت ولا تكتب على إسمه.
نفض عنه التفكير العقيم بحوارات العائلة التي لا تنتهي، وعاد يفكر بما أخبرته به فيروز عن تلك المحطة وما يعلنون عنه لكنه لم يعطيها اهتمامًا أكبر من حجمها أو هكذا أراد أن يُهيأ لهم.
هو يواجه ألف اشاعه يوميًا علي كل حال وبالنهاية تنتهي كما بدأت بلا اثباتات على مخالفة وحيدة بِصناعاته.
على الرغم من أنه لو حدث، وانتشرت تلك الحادثة التي حدثت بِمصانعه كما تعتقد فيروز على السوشيال ميديا سيصبح الأمر كارثة لهم خصيصًا لو تدخل والده وجِدة بالأمر.
والدة يستطيع تحويل الأمر لكارثة حقيقية وتصب بالنهاية لصفة مادام داخل الأمر هاء تأنيث وأموال.
بعرف والدة الأموال تحل كل شيء، وهو محق فعلًا فالمال هو مفتاح الكنز الذي يرنو إليه الجميع، ولطالما حل أزماتهم الإعلامية بالمال والوعود المزيفة.
بالنسبه لهم كأصحاب صناعة رائده في الشرق الأوسط الأخبار لا تنفك تلاحقهم من مكان لمكان فهذا مقدر لهم.
هم ليسوا ملائكه، ووالده خصيصًا شيطان متنكر يستطيع تحويل الأخضر إلى يابس بغمضة عين.
وجدهُ الغصب والمال هو وسيلته الوحيدة لحل كل شيء أخلاق توارثوها على ما يبدو من الجد للأب لكن يحمد الله أنه لم يرث جزءًا ولو بسيط منهما.
لعن بداخله فكلما استقام الأمر وظن أن الحال تَعدل عاد يتعقد من جديد.
لكنه آثر الصمت مؤقتًا فوالده يبدو مُسالمًا، ومادام الأمر لم يصل إليه هذا معناه أن مهما إدعوا يستطيع إحتواء الأمر بلا مشاكل تُذكر.
كما أن والده مشغولًا بإحداهن هذه الأيام رغم أنه لم يعلن عن من هي بعد!
تهكم على ما يفكر به، ولتلك القيم والمبادئ التي ينادي بها أبيه ووالدته سيدة المجتمع الراقي " مؤمنه هانم" بينما زوجها منغمس بوكر الملذات التي لا تنتهي، وهي أبسط شيء قد تفعله أن تشوة سمعة احداهن أو تسلط عليها من لا يرحم إذا وصل الأمر إلي تهديد مكانتها بين نساء الطبقة المخملية، اللعنة على المجتمع المخملي بأكملهِ، وما ينتج منه.
كم يكره كونه منهم، ويكره كل ما يجعلة منتميًا له!
تناقضات مبغضة ما يعيشونها، وهذا الأمر ما عاد يليق به لكن ما يقيده عن الرحيل هو طفله" عدي" الذي يحتاج إلى معامله خاصة، وصدر حنون بغيابه لا يجده إلا من فيروز شقيقته، كما أن فيروز، وتعلقها به كأنه طفلها يريحه على وضعه.
ركز نظراته علي الطريق بعدما هاتف مساعدة الخاص يملي عليه مهمة جلب كل شيء يخص البرنامج ومُعديه بأسرع وقت عله يستطيع احتواء الكارثة.
انتصف الليل، وخلت الشوارع إلا منه، وبعض الفارين من أنين العالم وضجيجة من أمثاله بتلك المناطق الراقية.
كلما ابتعد عن القصر كلما قل البشر، وأصابه الخَدر من نسمة الهواء العليلة التي لا يحظى بها إلا نُدر.
انغمس بالتفكير غير مكترثًا بشيء فهو من كارهي استباق الأحداث دائمًا.
أراد أن يهنأ بلحظته هذه كما لو لن تكون هناك غيرها.
لكن فجأه وبدون سابق إنذار اتسعت عينيه، وهو يجاهد كي يتحكم بمسار سيارته حينما خرجت احداهن أمامه تلعب "اسكيتنج" غير مكترثة بمن حولها لعن وهو يفكر من أين خرجت هذه؟!
كانت منغمسه بعالم منفصل يستطيع أن يلمح ذلك جيدًا من حركة يداها التي تلوح بها يمينًا ويسارًا، وكأنها تعيش بعالم آخر لا وجود لغيرها به، ولا وجود للحياة كلها ومتاعبها، وكأنها نفضت عن كاهِلها غُبار الحياة المنهك، وتحررت.
لِلحظةٍ تأملها، وتذكر نفسه وهو يسير على قدمين سليمتين بلا عرج، ولا أجهزة متعبة.
رأى نفسه مكانها قبل سنوات.
بيديهِ كمانه الذي يعشق العزف عليه بدون بشر، مُغمض العينين، ويعزف لعمر خيرت، ويميل يمينًا ويسارًا مثلها.
اللعنة كانت كلوحة خرجت من إطارها؛ لِتتحَرر من قيودها، وتُحرر ذكرياته معها التي ظلت حبيسة لِأعوام
بِداخل عقلة الذي روضَهُ بضراوة حتى لا يحن لما مضى.
شرد هو الآخر، أخذه الحنين لما مضى بعالم وَد دوما البقاء به لكن قدرهُ منعه من التمسك به، ومنعته إصابته من كل تمرد على ما يحيا به الآن، حياة روتينية بَحته.
لولا زامور تلك السيارة المقابلة له من الجهة الأخرى؛ لما انتبه أنه بمنتصف الليل وبمنتصف الطريق حيث لا قوانين تحكم المرور، ولا قيود تفرض عليهم الاستمتاع بِلحظاتهم الخاصة فالجميع يسير على جهة واحدة فإما الانتباه أو الندم للأبد كما جرى له.
لعن تحت أنفاسه، واتسعت عينيه وهو يرى ما حدث له قبل سنوات؛ لَيسرع من خطواته ويعلو صراخه على تلك التي يبدو خرجت من عالم المجانين حقًا، ولم تكترث لا به ولا بغيره.
كانت تعيش بعالم منفصل وتتسبب لنفسها بكارثة حقًا.
لم يشعر إلا وصوته يخونه صارخًا بها:
"أنت ِ أيتها المجنونه، انتبهي."
اتسعت عينيها ما إن وعت لما يحدث معها لم تعد تسيطر على شيء يدها امتدت تلقائيًا لِفخذيها تشعر بحرقة بهم غير طبيعية، وكأنها لم تتعافى من قَيحهم بعد، وبقيّ فقط مكان نَدباتهم.
لقد أعادها عقلها للماضي اللعين.
صورهِ المتدفقة على عقلها، ومع تلك الأغنية التي صادفت حالتها على إحدى محطات الراديو عادت للماضي مجبرة.
كانت أغنية لفضل شاكر الحب القديم.
لعنت نفسها ألف مرة لعدم انتباهها، وشرودها بماضي لا حلو به إطلاقًا إلا طفلها التي تهورت وخرجت بدونة.
لكن قبل أن يفلت زمام الأمر منها، ولم تعد تسيطر على عجلاتها، وَعت على تلك السيارة القادمة باتجاهها مقابلةً لها تمامًا، وأخرى قائدها تنحي علي جانب الطريق، وخرج منها صارخًا عليها ينهرها أن تنتبه.
الآن انتبهت أنها خرجت من منطقتها أيضًا، وربما هيّ الآن هالكة لا محالة.
"يارب رحمتك أرجو فلا تخذلني."
هكذا تمتمت برجاء قبل أن تغمض عينيها مستسلمة لقدرها، وهي تمارس على نفسها أقصى درجات ضبط النفس بينما انتفض قلبها بذعر، وهي تفكر بشيء واحد، وهو من سيهتم بطفلها من بعدها.
هنا بتلك اللحظه ناجت ربها بقلبها بهمسٍ وتضرع ألا تمتد أيدي إحداهن غيرها لترعَى طفلها، وهي تعده أنها لن تتمرد مجددًا ستتوب والله، وتفكر به.
بلمح البصر استجاب الرب لدعائها، ويد أحدهم ترفعها من على الأرض كطفلة ٍ صغيرةٍ دافعًا إياها بجانب سيارته الذي أسرع بصفها ليمنع ارتكاب الحادث صارخًا بها:
"اللعنة على غبائك، وانفلات أخلاقك هذا كدت تتسببين لنفسك وللرجل بمشكلةٍ، وَتقتلين نفسك بغباءٍ منك."
اتسعت عيناها ما أن وعت لما يحدث معها لم تكن يومًا من محبى الإهانات، ولا تقوى على ردها، ولا الدفاع عن نفسها تتوتر دائمًا من المواجهةِ على حين غرة.
هي أضعف من القوة التي تتظاهر بها.
لقد صنعت المواقف المخزية وخذلان الجميع لها منها شخصًا لا يقوى على المواجهه بلا تخطيط مسبق.
وهذا الرجل الصارخ عليها عينيه تناظرها كَذئبٍ مفترس.
رجفة يدها كانت كفيلة بجعلهِ ينفض يديه عن يدها ويرأف بها.
كانت لديها التقطتها كي يلحق بها ومازال يمسك بها مبتلعًا ريقه.
شعر أنه يتحامل عليها عكس نظراتها التي اشتعلت، وصَدرت له إحساسًا آخر من التمرد والقوة.
تمسكت لآخر لحظه ببعض من التعقل، وعدم التهور فهي المخطئة على كل حالٍ هكذا كانت تُحدث نفسها وتجلدها، وتأمرها بالهدوء.
نظرت لنفسها الآن وهي تذكرها بأين هي؟ على ما يبدو أن من شدة فرحتها نسيت أنها تعيش في بلد لا وجود فيه لِممارسة شتى أنواع الحرية بل لا مكان فيه لشيء يدعي حرية من الأساس خصيصًا للمرأة.
هنا فقط الجميع يَرفع شعارًا تقليديًا " سِر مستقيمًا واحترم العادات، وإلا ارتكبت من الحوادث الآلاف، وافتضحت، وانتهى أمرك".
انهار عالمها ومبادئها، وكادت تصرخ؛ لتنتقم منه لولا نداء أحدهم عليها:
"ربى هيا اصعدي نحن متأسفين شكرًا لإنقاذك لها."
"رامي..!"
هكذا ردت عليه باستنكار قبل أن يردف بنبرة زاجرة لها:
"ربى هيا الرجل محق أنتِ المخطئة."
هتفت باستنكار قبل أن يزجرها رامي بعينه؛ لِتتأفف كالأطفال:
"اللعنه ماذا أتوقع منكم معشر الرجال مستبدون."
"عفوا ماذا؟!"
كاد يضحك؛ لتهتف بتمرد كطفلة:
"هاا، وما شأنك أنت؟!"
دفعها رامي بخفه اغاظتها بعدما خرج من سيارته؛ لفض الشجار بعدما يئسوا من انتظارها، وحمدًا لله أن المجنونه كانت تُفعل خاصية "الجي بي أس " الذي مكنته من تتبعها.
عاود رامي شكره له؛ ليجيبه الأخير بـ هدوء ونظرهِ مثبت عليها:
"لا مشكلة."
لا يعلم لما تعصب عليها ونال غضبة منها لكن ذكري مشابة تسللت لعقلة كانت سببًا بما هو به الآن فلم يشعر بنفسهِ إلا وهو صارخًا بها.
زفر بيجاد بحنق، وهو يغض الطرف عنها مستغفرًا الله.
حاول ابتلاع بُغضه الغير مبرر لأفعالِ السيدات، وكاد ينجح لولا حانت منه التفاته تلقائية تلك المرة حينما وصل إليه صوت الرجل ينهَرها:
"أيتها المجنونة تفعليها وحدك مجددًا ألم تعدينا بالاحتفال معًا قبل أشهر."
اتسعت عيناه دهشةً من ضحكتها التي دوى صداها بالأرجاء، وهي تردد:
"رامي لقد أصبحت حره يا إلهي لقد تحررت، وأصبحت كطائر العنقاء ولدت من جديد لِأحلق بالسماء."
"لقد جُننتِ تمامًا أقسم لكِ! هل الآن استوعبت؟!"
"لقد كدنا نشك بقواكِ العقلية بعدما صَمتِ طيلة هذه الفترة، واغلقتِ على نفسك."
اكفهر وجهه وقد فهم ما ترنو إليه، وهو يلعن بداخلة النساء وأفعالهم، وانقاذه لها، فماذا يتوقع أكثر من ذلك منهن؟!
دلف للسيارة وهو يميل؛ لِيدلك قدمه بتعب، ويعاود السير لوجهته.
ما أن دلفت من باب المبني أصابها هجوم عنيف لم تعمل حسابًا له من طفلها الباكي لرحيلها، وصديقتها وابنها؛ لتتسع عيناها بدهشة مصطنعة:
"هل قلقتم عليّ آسفه حقًا؟!"
"أيتها البارده بئسًا لكِ. لقد قلقنا عليك حينما تسللتِ متعللةٌ بالنوم، وصعد الأطفال، ولم يجدوكِ."
هكذا هتفت هبة التي دفعتها بحنق، اجابتها ربى بغمزة:
"هل خفت عليَّ حقًا يا عزيزتي؟!"
رفعت هبه إحدى حاجبيها قبل أن تهتف بحنق قائله:
"لا بل اغتظت؛ لأني أردت الهروب معك يا مجرمه."
"كنت أعلم أقسم لك أن هذا ما يزعجك."
انفجر الجميع بالضحك، وانغمسوا معًا غير مكترثين بما قد يحدث غدًا يثرثرون بلا صمت مطلق إلى أن أخذهم الحديث عن العمل، وهم يخططون لمجرى حلقاتهم الإذاعية التي يعلنون عنها منذ أسبوعًا قاصدين رفع الظلم عن احداهن لجأت إليهم.
"لا أعلم أنا خائفة يا ربى عليكِ، لم أرتاح لأمر تلك السيدة بها شيئًا مُبهمًا."
هكذا هتفت هبه قبل أن تهتف ربى بشيء من الحزن على المرأة:
"لقد لجأت إلينا يا هبة، ومعها كل ما يثبت صدق حديثها ثم أننا عرضنا الأمر علي صاحب القناة، واقتنع بعد رؤيتة لكل الأدلة التي تثبت حديثها بالنهاية نحن برنامج؛ لكشف الحقائق لا برنامجًا ترفيهيًا، وهذه مهمتنا."
زفرت هبة بِهَم:
"لا أعلم هناك شيء في المرأة هذة لا يريحني. لو كنت مكانك لن أتدخل بأمر هكذا. تلك العائلة معروف عنها فِسقها وقوتها. النوايا أصبحت خبيثة في هذا الزمن يارُبى أنتِ تفهمينني علي كل حال، كما أنكِ لستِ بحاجة للمشاكل يكفي ما بكِ؟"
نظرتا لبعضهما بشيء من الخوف لدقائقٍ قبل أن تنفض ربى عنها خوفها من ما ترنو هبة إليه مردفة:
"لا تقلقي وتُقلقيني معك يا هبة الله يعلم بنوايّانا الطيبة، ويعلم أني لا أهتم إلا بأطفال تلك المرأة التي ظلموها هؤلاء القوم، وتسببوا بقتل زوجها."
"أعلم عزيزتي أعلم."
"ما دمت تعلمين إذا ادعي لي فقط؛ فأنا أتفاءل بدعواتك دائمًا."
احتضنتها ربى بحب، هبة ليست صديقة فقط بل هي كأخت لها.
"الله ينصركم دائمًا."
"هذه هي صديقتي الغالية."
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثالث 3 - بقلم اسما السيد
بعالم المال والأعمال والشهرة لا مجال للخطأ، ولا للتراجع عن قرار اتخذته أنت بكامل إرادتك وإن كان على عجل، ولا حتى هناك وقت لتصحيح الخطأ بدون أن تحصد من الخسائر ما يزعجك.
داخل دائرة العمل لا وقت لِلالتفات لترهات القلوب، ولا السير وراء شهوات المرء المبغضة، ولا شفقة على من ارتكب الخطأ عن عمد.
كانت ومازالت هذه مبادئه التي طالما سار على نهجها.
كان شعاره دومًا: مهما وضعت عليك أعباء، عليك أن تكون ذا أثر.
وهو يعلم نفسه جيدًا، يشبه سيفًا حادًا، إن غرز نصله بأحدٍ عمدًا أو بغير عمد يجرح ولا يلتفت. المهم أن ينتقم!
بداخلة جينات العائلة تسري، وإن استطاع إخفاء ذلك جيدًا.
أحيانًا يخشى من نفسه، ما أن يفقد السيطرة على نفسه ويندفع بالغضب؛ لذا لا يدع أحدًا يعبث معه، ولا يعبث هو مع أحد.
صامت دائمًا، ينتقي كل شيء قبل أن يخطو خطوة واحدة.
كان ينصت جيدًا للحوار التي تلقيه تلك المذيعة التي جَنَت على نفسها بلعبها مع الشخص الخطأ بكل تلك المعلومات التي صرحت بها عنه وعن عائلته.
مهما تخيل، لم يتخيل أن تكون المعلومات بتلك الدقة، وكأنها عاصرت ما حدث.
هناك شيء مبهم لابد أن يعرفه، أو هو يعرفه ويتجاهله قصدًا.
لقد ذكرت أن زوجة الرجل من اشتكت، لكن بحديثها هناك أشياء لم تكن زوجة الرجل على دراية بها، كما أنه واثق بأنها بعد ما فعله معها لن تستطيع أن تفتح فمها أبدًا، وإن فتحت فليس بكل تلك الأشياء الخطرة التي تخص عائلته.
لقد أرسلت إليه فيروز شقيقته رابط الحلقة، وشددت عليه أن يستمع إليها، لكنه بالبداية لم يكترث.
لقد نسيّ ذلك الأمر تمامًا من الأصل، وكان يريد أن يريح فكره ولو قليلًا قبل أن يعود لدائرة العمل التي لا تنتهي.
لكن بالنهاية قاده فضوله لمعرفة ما يقلق الجميع من الحلقة.
"كانت معكم على مدار ساعتين ربي راشد من برنامجكم الأسبوعي خلف الواجهة بقضية شائكة جدًا وجديدة من نوعها.
ونختتم حلقتنا كما عودناكم بالصلاة على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم.
واستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، أراكم الحلقة القادمة، وحقائق جديدة إن شاء الله رب العالمين لقضيتنا إلى أن تنتهي.
كما نوعدكم بأن تكون معنا صاحبة المشكلة نفسها بالحلقة القادمة.
لا تنسوا مشاركة رابط الحلقة على حساباتكم، وتفعيل الهاشتاج الخاص بالحلقة لتأخذ المرأة حقها."
انتهت الحلقة التي ينتظرها الجميع منذ أعلنت عنها.
بالحقيقة هو ليس من عبيد السوشيال ميديا، ولا يلتفت إلى ما يقدم عليها.
باختصار، حياته عملية بحتة، لكن ذكر اسم عائلته والتشكيك بصناعته بهذه الطريقة غير مسموح المساس بها، لقد تعدت حدودها.
هو لا يتهاون مع من يقترب منه، حتى لو كان يعلم حقيقة ما يحدث بأكمله.
لقد كان بوسعه أن يوقف تلك المهزلة قبل بدايتها لو اهتم بكلمات شقيقته آنذاك، وما وصل إليه من منذر مساعده ومصادر أخرى تخصه وحده، لكنه لم يهتم؛ ليقينه بأن لا غبار على صناعاته.
كما أنه لم يتوقع تلك الضجة التي خلفتها تلك المذيعة بشعبيتها، بل أخبر نفسه حتى وإن افتعلت، فهو قادر أيضًا على إخماد ثورتها.
مازالت أذنيه مزينة بسماعاته، بينما يمارس روتينه الصباحي بالسير، وإن كان بعرجٍ بتلك المنطقة الجبلية بين الوديان التي اختارها بكامل قواه العقلية بالجنوب، لتكون مكان راحته وابتعاده عن صخب الحياة العملية ومشاكل العائلة التي لا تنتهي أبدًا.
للوهلة الأولى حين تتمعن النظر على المكان تقول أن قاطنها إما جُن أو يسعى لشيء خطأ يخفيه عن الأعين، لكن الحقيقة أنه يعشق هذا الجو، ويعشق التنقل بين الوديان هنا ليلًا ليعزف الكمان بحرية.
قبل إصابته كان أكثر جرأة وأكثر غضبًا، لكن بعد إصابته وتلك الحادثة أصبح أكثر نضجًا، لا يحكم على أحد قبل سماعه، ولا يندفع خلف قرارات العواطف التي ما تكون متهورة دومًا.
باختصار، أصبح يرى العالم بنظرة أخرى، ويرى المال على حقيقته، وأنه لا يساوي شيئًا، ولا يستطيع فعل معجزة.
لو كان ينفع، لنفعه هو، واستطاع أشهر أطباء العالم التي أتى أبيه بهم من أجله أن ينقذوا قدمه، ولا تُبتر.
كلما اختنق صدره من ضجيج المدن جاء لهنا.
للراحة، والسكن، والتأمل، لكن يبدو أن حلمه بالراحة ذهب سدًا، وهو يستمع لكلمات واتهامات تلك المذيعة التي نزلت على مسامعه كصاعقة، بتلك الاتهامات التي نالت من سمعته، وتلاه هجوم مريب على صناعاته التي يشهد الله أنه يحاول قدر الإمكان منذ ترأسها أن يتقي الله بالبشر.
وكأن هناك من كان يتهيأ الفرص للإيقاع بهم، وهذا صدمة حقًا لوجود ذاك الكم الهائل من متابعي العته التي تقوله.
الغضب تملك منه، ولم يعد قادرًا على أن يسيطر على نوبة غضبه التي ما أن تصعد للسطح لا يوقفها أحد.
طيلة مسيرته العملية والمهنية منذ أن ترأس تلك الصناعة وأصبح رائدها بالشرق الأوسط، ولم يجرؤ أحد على تحديه.
سيرته المهنية لا يشوبها شائبة عدا تلك الحادثة التي خلفها ابن عمه وزوج شقيقته بأمر من والده المبجل، وظن أنها انتهت.
توالت الاتصالات عليه، لكنه لم يكن بوضع يسمح له، فلم يلتفت للرد على أحد.
أسوأ ما به يخرج حينما يتملكه الغضب، لا يرى أمامه.
إن لم يفرغ تلك الشحنات الآن بأي طريقة، ستتسبب تلك الشحنات بالمزيد من الأخطاء، وهذا ما لم يسمح به.
عليه التروي.. التروي لأن خصمه هذه المرة ليس رجلًا، وهو لم يعتد على معاداة النساء، لذا عليه الهدوء ليرد الصاع صاعين، وبمنتهى الأدب.
حينما توصل عقله لهنا، انفرجت شفتاه عن ابتسامة تشبه ابتسامة ذئب مفترس ينتظر ويتربص لضحيته.
أغلق هاتفه ووظف طاقته في التأمل والمشي مسرعًا حتى نال التعب منه، وانقطعت أنفاسه وخارت قواه، وهدأت مشاعره الثائرة بفضل تلك المرأة.
عاد أدراجه تجاه بيته الجبلي، عيناه غائمة وفكره شارد، وهو يفكر كيف يتفنن في رد لها ما فعلته؟!
هو لم يكن يومًا من هواة أخذ الحقوق من امرأة.
لو كان يهوى أخذ الحقوق، لأخذ حقه وحق زوجته الراحلة ممن هو على يقين بمن تسببت بما حدث لهم.
لكن تلك المرأة ووصولها لهكذا معلومات جعلته يقسم أنه سيجعلها تعض أناملها من الندم إن كانت قاصدة حقًا التشهير بهم.
سيجعلها تتوسله ليرحمها إن لزم!
لطالما تساهل بكل شيء إلا سمعته.
دخل حديقة منزله الجبلي.
اقترب ليجلس على الأريكة، ما أن أراح جسده حتى اندفع قطه العزيز الذي أودعه بأمانة عم محمدي مدبر المنزل هنا، ليعتلي قدمه.
ابتسم، وامتدت يده تتحسس ظهره بحنو قبل أن يهمس به: بيبرس هل أكلت طعامك؟
وكأن القط يفهم عليه، أصدر صوت مواء لذيذ فهمه بيجاد على الفور أن معدته قد امتلأت.
ابتسم بسعادة وأخذ يداعبه ويهمس له كما لو كان رجلًا أمامه، إلى أن قاطع خلوته صوت سائقه الخاص الذي اقترب منه بحذر: دكتور بيجاد، دكتور فيصل يريد أن يحادثك على وجه السرعة، لقد هاتفك مرارًا، لكن يبدو أن هاتفك مغلقًا، لقد أمرني أن أبلغك بهذا.
_ حسنًا، أخبره إن هاتفك مجددًا أني سأهاتفه بعد قليل.
_ أوامرك دكتور.
راقب بيجاد رحيل سائقه بصمت، وقد عادت له مشاعر الغضب من تلك السيدة.
على ما يبدو، حلقتها لن تنتهي أثرها إلا بشيء سيندم عليه كلاهما، إن كانت هي أو هو؛ لأنه هبط بمستواه ليعادي امرأة، ويبدو أن فيصل قد يأس من إجابته عليه، لذا هاتف سائقه.
حمل قطه ودلف للداخل بعد أن فتح هاتفه ليراسله، وأرسل له رسالة مفادها أنه قادم، وانتهى.
قبل دخوله للقاهرة، كان منذر أرسل له سيرتها الذاتية كاملة هي وإعدادها مرفقة بكل شيء يخصها، حتى صورتها التي ما أن رآها تذكرها وصُدم.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الرابع 4 - بقلم اسما السيد
الحياة لا تبقى على وتيرةٍ واحدة، تتقاذفنا من اليمين لليسار بلا شفقة منها. إن كنت أنت لا تعي قيمتك وقيمة ما تمتلك، فلا تلومن الزمن، ولا الحياة، ولا المواقف التي ستظهر لك حقيقتك، وحقيقة ما فرطت به بلا وعي منك. كل شيء ياعزيزي له نهاية كما البداية التي ظننتها أنت بلا أهمية فلا تلومن إلا نفسك وتوقف عن نعت الزمن، والحياة بما ليس بهم.
مازالت تنظر لصورة ابنتيها بحسرةٍ يشوبها الغضب. لقد أحنت ابنتها الأولى رأسها أمام الجميع، وجعلت من سيرتها علكةً لكل البلد. ليتها قتلتها تلك الليلة، ولم تزوجها أبدًا وأبْقتها بجانبها تتحسر على شبابها، وتنظر لصديقاتها بعين التمني لما يمتلكن.
وتلك الأخرى التي كبرت كارهةً لها، وحينما أرادت تزويجها من ابن شقيقتها فضلت الانتحار على أن تتزوج وتُرضيها، وبسببها قضت ليلة كاملة متهمة بالإهمال والتسبب بقتلها إلى أن فاقت ابنتها، وأخبرتهم الحقيقة، وأنه لا ذنب لها؛ لتصبح كلتاهما مصدر خزيها وعارها، ولولا شقيقتها التي أنقذت ريم منها؛ لقتلتها وانتهت حقًا حينها.
أمسكت بصورتهم الأخرى هي وهما ووالدهم وشقيقهم، والأخرى كانت لربى وطفلها، وأخرى بزفافها وهي بيد زوجها. وعلى ذكر زوجها فكرت بذعر: ماذا لو عاد ظافر باحثًا عن طفلهِ وزوجته اللعينة التي أحنت رأسها وهربت؟! ماذا لو فُضحت، وانكشف ما تخفيه عن العالم أجمع؟!
كلما رأت سعادة أهل ذلك الحقير التي عاقبت ابنتها ومنعتها من الزواج منه تتحسر أكثر. تراهم سعداء، يملكون كل شيء فقدته الراحة، والمال، وكل شيء تمنته لأولادها صار من نصيبهم، وهي الخراب، والحزن دومًا ما تؤول إليه حياتها. لقد سمعت بأنه صار يملك أموالًا لا حصر لها، ويرسل أموالًا كثيرة لوالديه بعدما حدث ما حدث، واضطر والده أن يبعده عن ابنتها بعد تلك الفضيحة التي أحدثها ومعارضته لأهله حينها، وتوسله لهم من أجل الزواج من ابنتها.
ليست وحدها من كانت معترضة لكن والديه أيضًا، فاستحال عليهم مجابهتهم، ومجابهتها هي بالأخص. بل وأسرعت هيّ بتزويج ابنتها ولم ترأف بها، ولم تكترث لحرمة موت زوجها التي لم يتحمل الأمر، ورحل تاركًا غصة من هذا الأمر لم تزل، ويبدو لن تزول طيلة حياتهم.
دلف ابنها الأكبر "محمود" الذي ما إن رأى تلك الصور بيد والدته أسرع؛ ليقطعها أربًا بعصبية وغضب، ومن ثم قذفها؛ فتناثرت بكل مكان، وهو ينعت شقيقاته بأبشع الصفات، ويتهمها بالتقصير بتربيتهن.
ارتفع صوته فاستقامت والدته سريعًا قبل أن تستيقظ زوجته تشمت بها، وتعرف ما يخفونه عنها، مردفةً بذعر:
"اصمت ستستيقظ زوجتك، وتسمعنا لا تتسبب بفضحنا أكثر!"
اغتاظ محمود من والدته، ونهرها صارخًا:
"هذا كل ما يهمك أن تسمع زوجتي! ألم تهتمي بِفضيحتنا بالبلدة إن عرف أحد بأمر ابنتك المبجلة التي نهبت مال زوجها وهربت..!"
"ليتك تركتني اقتلهما، ولم تتركيهما بلا تربية!"
"الأولى التي فضحتنا حتى تزوجت "ظافر" ومات أبي بسببها، بل وتَركتِها تعيش بمفردها بعد وفاة حموَيها؛ لتفعل ما فعلت."
"والأخرى التي كادت تقتل نفسها، ولا تتزوج برجل لو عاشت عمرها كله تتمنى مثله لن تجد مثله، وبالأخير تدافع عنها شقيقتك، وكأننا من أخطأنا بحقها بل ومنعتها من زيارتنا وقاطعتكِ بكل أريحية، وصممت أن تكمل تعليمها كأننا المخطئون بكل شيء."
خرست تمامًا، وهي تعي صدق كلامه. ليتها لم تتركهما وخاصة ربى لأحضان شقيقتها التي كان لها الفضل الأكبر بتحرر بناتها هي ووالدهم رحمه الله. ليتها ما فعلت وتركت ربى وحدها. بالنهاية ريم بعصمة رجل حقيقي، وما تلي ذلك لا يخصهم مادامت بعيدةً عنها، ولها رجل يحكمها.
همت بالحديث لكنها آثرت الصمت ما إن رأت زوجة ابنها قادمة باتجاههم يعلو صفحة وجهها ابتسامة ساخرة كأنها استمعت لهم، وتريد إيصال لها أنها تعلم كل شيء.
لم تستطع الانتظار، هتفت بغضب بعدما نظرت لزوجته بحقد:
"تصبحون على خير."
لكن دينا زوجة ابنها لم تستطع الصمت هتفت بينما هبطت بجذعها الأعلى يقودها فضولها تلملم بقايا صور ابنتيها، وخاصة ربي وطفلها:
"أمي لقد نسيتِ هذه يا الله هذه ربى! لطالما سمعت عن جمالها، ولكني لم أكن أعلم أنها فاتنة هي وطفلها هكذا. إنها تفوق ريم جمالًا رغم أنهم يمتلكون لون العين ذاته العسلي الفاتح."
لم تكن دينا تكذب بحديثها الأخير. لطالما استمعت عن حكاية ربى مع ابن عمها التي هزت البلدة، وعن قسم الأخير بعدم عودته لهنا بعد رفض الأهل زواجه من ابنة عمه. كانت صغيرة بعمر الرابعة عشر آنذاك، وكانت تستمع لحكاوي شقيقها الأكبر عن جمال ربى، وإعجابه بها بينما هي غارقة بعشق ابن عمها عمار صديقه آنذاك لكنها لم تكن رأتها من قبل، وحتى بعد زواجها انتابها الفضول؛ لتراها لكنها قد رحلت مع زوجها هكذا أخبروها هم. لكنها كانت تتلصص على الأحاديث الدائرة بينهم، وبعض الإشاعات فتأكدت أن زوجها يخفي أمر هروبها من بعد موت والدة زوجها التي كتبت لها كل شيء هي وطفلها، وأنها باعتهم وهربت، ولم يعودوا يعلموا عنها شيء.
اتسعت عيناها ذعرًا، وسقطت قطع الصورة من يدها ما أن استمعت لصوت زوجها الآمر:
"دينا هيا بنا، واتركي كيد النساء هذا على جنب."
لعنته بسرها. لطالما كان بالمرصاد لها. اقتربت من حماتها، وفتحت كف يدها، ووضعت باقي الصورة بها بعدما التقت أعينهم معًا بتحدٍ، ومن ثم هرولت خلف زوجها. هتفت الأم بحقد:
"أيتها الحقيرة الماكرة أستفق لكِ فقط، وأريكِ كيف يكون اللعب معي فقط لأفق لك؟!"
***
يجلس على تلك الأريكة بذلك القصر الذي خصصه لملذاتهِ وسهراته التي لا تخلو من النساء كعادته.
لم يتخطى الخمسين بعد! لما يتهمونه إذًا بـ العجوز الخرف خصيصًا هي تلك الغزال التي نهرته، ورفضته، ولم تكترث!
اشتعلت عينيه بنار الانتقام منها كلما تذكر رفضها له. لم ترفضه إحداهن من قبل أبدًا إلا هي بل وتجرأت لتنعته بـ العجوز الخرف، وهو من يراه لا يميز عمره عن عمر ابنه الأكبر.
لطالما كانت النساء عبيد تحت قدميه يفعل ما يفعله بهن، وينتهي حالهن جميعًا مكان ما يريد لهن.
هو ليس فاسقًا، إنه فقط عاشق للنساء الجميلات المتمردة. يعشق كسر أنفهن، ويتمتع بترويضهم ليضعهم بعد ذلك كما قدر هو لهم.
لا يهتم أن كان مرضًا ما يعاني منه أو عرضًا لكن لا امرأة ترفضه.
لقد قيده والده العزيز بزواجه المبكر من ابنة عمه المبجلة. كان، ولا يزال زواج مصلحة لا يمت للود بصلة، ورغم تفاني زوجته بالبدء في جعله يلتفت لها إلا أنه لم يحبها يومًا واعترف لها. جمعهما فقط حب الطبقة المخملية والمال، والسلطة، ومن ثم فسوقها وقوتها غير ذلك لم ولن يجمعهم شيء أبدًا، ولا حتى أولادهم.
لم تعد تهتم وهو كمثل في حين وقع قلبه أسيرًا للنساء جميعهن، وتأتي بالنهاية أنثى وترفضه، ولم تلتفت له ولا لمغرياته كلها.
لقد سلك معها كل الطرق حتى طريق الزواج التي تعشقه الطبقة الكادحة منهن لكنها لم تلتفت أيضًا؛ لذا سيفعل المستحيل لتكن له، وتأتيه أسفل قدميه تتوسله أن يرحمها، ويرأف بها.
رفع هاتفه ينظر لصورتها التي تزين هاتفه، ولعابه يسيل كالعادة؛ ليتذوق فاكهته المحرمة قبل أن يعاقبه أحدهم باختطافها منه.
شرد بوقاحةٍ بها إلى أن اقتربت إحداهن تنظر لصورتها بحقد وغضب، وهي تفكر أنها ستبتلع كل تلك الأمور بأكملها منه حتى تنتقم منها، وتراها ذليلة أمامها شبيهةً بها، وهتفت:
"لتلك الدرجة تعجبك؟!"
خرج حديثها باستنكار قبل أن يلتفت "فريد الزيني" ناظرًا لها بحده:
"أنا لا أُرفض يا حلوة أنتِ تعلمين ذلك جيدًا، وتلك المرأة ستأتيني راكعة ذليلة، وبعدها سأريها من هو "فريد الزيني"، وما هو بقادر أن يفعله ليصل لها، وتأتيه طواعية."
انتشت فرحة وهي تراها مكانها تتفنن لإرضاء رغباته المريضة. لما عليها وحدها أن تقع فريسة لأمثاله لتكن هي مثله.
انتبهت لحديثه:
"الآن دعكِ من حديثك هذا، وأخبريني بالجديد معك فأنت تعرفين على كل حال ما أريده تمامًا منكِ، كيف تسير الخطة معك؟"
ابتلعت ريقها بخوف منه، ومن غدره التي تعرفه لو قلب عليها ستخسر الكثير، وهذا ما لا تريده.
عدلت من نبرتها بينما تميل؛ لتلتصق به بعهر مقزز كما يعشق هو:
"فعلت كما أمرت لقد بلعت الطعم، واقتنعت بكل ما قيل لها هي، وإعدادها والمالكي أيضًا، والآن الصنارة تنتظر أن نرفعها، ونبتسم."
ابتسم معجبًا بتشبيهاتها التي لا مثيل لها حقًا بينما شرد عقله بسمكته العنيدة التي يئس من اصطيادها بطرقه المشروعة التي يعرفها؛ ليتفنن بأخرى يغامر فيها بسمعة صناعاتهم، يدعو فقط أن لا ينتبه أحد لخطته من العائلة وخاصةً أبيه وابنه عقبة حياته كلها. هو سيفعل المستحيل من أجل كسر أنفها؛ لتخضع له على كل حال.
لمعت عيناه بالحقد حينما تذكر آخر لقاء بينهم قبل شهرًا كاملًا حينما بصقت عليه، وتركته ممزقة منه ناعتة إياه بـ العجوز الخرف حينما عرض عليها المال مقابل ليلة واحدة؛ ليتوالى حصارهِ لها بكل جرأة مغريًا إياها بالمال والشهرة التي تريدها لكنها لم تلتفت لشيء أبدًا حتى عرضة الزواج الشرعي كي تقتنع رفضتهُ. لقد فعل المستحيل من أجلها لكن رأسها كصخرٍ متحجرٍ لا يلين أبدًا.
"ما بك يا باشا أين سرحت؟!"
انتبه على لمستها الجريئة التي أدخلته في عالم الملذات الذي يهواه، ويهوى قذارته بينما عقله يفكر كيف يتفنن بإذلالها حينما تأتيه، ويثأر لنفسه حتى أنه بدأ يمارس عنفه وقذارته على تلك التي بين يديه يناديها ويبصق عليها كما فعلت معه. يتخيلها تمامًا وكأنها هي بل وصل الأمر ليناديها باسمها.
صفعها بقوة مرددًا: "قبلي قدم سيدك الآن يا ربى"
لتتوالى صفعاته حتى صرخت الأخيرة: "لست ربى أنا مني يا باشا.. مني.. ارحمني"
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الخامس 5 - بقلم اسما السيد
الكثير ينساق خلف أهوائه التي لا تنتهي، ويلهث وراء رغباته التي قد تعود بالنهاية عليه بكارثة.
والبعض الآخر يندفع وراء أمنية مستحيلة ليخسر في سبيل تحقيقها ما يملكه.
وآخر يجري خلف حلم لا يمت للواقع بصلة.
كلنا واقعون في شرك صغير قد لا نراه طوال عمرنا.
جميعنا نجري خلف وهم صنعناه بمخيلتنا حتى نبرر ما ستقترفه فيما بعد كفوفنا.
وهي رفعت حنجرتها لمكانة عالية حتى أصبحت قدوة للكثير، وإن لم تكن تنتبه.
وهذا يضعها في مكانة مسؤولة عن كل ما تتلفظ به.
عليها أن تكون قدوة صالحة.
كانت رؤيتها مطلب الجميع من متابعيها، لكنها كانت كفاكهة محرمة.
وهي بطبيعتها لا تهتم بالظهور بوجهها.
كانت تريد فقط أن تفعل الخير وتزيح الظلم عن أحدهم ولو بأبسط الطرق.
أرادت أن تكون مؤثرة لكن بطريقة مميزة.
كانت تنشد الراحة بعد بث حلقتها الاستثنائية كما أعلنت عنها قبل أسبوع.
حلقتها نالت استحسان العديد من متابعيها، واحتلت بها المرتبة الأولى على محركات البحث الإلكترونية.
وصل إعلان الحلقة إلى ما يقرب من ثلاثة ملايين مشاهدة على قناتها باليوتيوب، وقناة البرنامج الخاصة.
الفخر تملك منها بعدما وصل صدى حلقاتها للمسؤولين.
توالت اتصالاتهم على هاتف البرنامج، ووعود كثيرة برفع الظلم عن المرأة وأبنائها إن ثبت صدق ما ادعت.
وعود بالبحث وراء تلك المعلومات التي أعلنت عنها بالحلقة.
يبدو أن كثيرًا من الأعداء كانوا يتربصون لتلك الشركة وأصحابها.
ولذلك وجدت حلقتها الانتشار الواسع حتى تصبح هي واسمها رائجة على محركات البحث.
لقد أخبرها رامي مخرج البرنامج أن تلك العائلة هي الرائدة في تلك الصناعة، ويعانون من مرض التكبر والغرور جميعًا.
حتى أنه حذرها من معاداتها، وما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك.
استمعت إليه وكأنها لم تكن تعلم من هما!
هي خير من يعلم حيث وقعت في فخ حقير منهما.
لذا ما أن علمت أنه منهم آثرت أن تكمل طريقها علها تخلص منه للأبد.
لم تحسب حساب له ولم تخف، ولم يقلب أحد معها.
يكفيها أن تكون على حق.
كان الجميع متوجسًا، لكنها بأسلوبها، وتلك المعلومات التي بيدها استطاعت إقناعهم.
لذا لم يجد رامي إلا أن يؤازرها.
نجاحهم هو ما يريده حقًا، خصوصًا بعد دعم عادل المالكي مالك القناة لهم.
بالنهاية هو لا يريد إلا أن يعلو من شأن عمله.
لكن بقى الخوف عليها بقلبه لم ينته، وخصوصًا بعد معاداة تلك العائلة.
هي لم تهتم بالشهرة ولا انتقامها قدر رفع الظلم عن تلك المرأة التي لجأت إليها هي خصيصًا عن سائر البشر باكية راجية.
تقسم أنها لا تهتم إلا بأخذ حق تلك السيدة هي وأبنائها.
لا أحد يعلم كم سعادتها بكشف ستار حقائق ظن أصحابها أنها اندثرت ولن تطفو للسطح أبدًا!
يقولون أن من يعاني من ويلات الظلم وحده هو القادر على إزاحته عمن يتجرعه ولو فقط بكلمة.
وهي عاهدت نفسها على مناصرة الصدق، ورد الحقوق لأصحابها.
هكذا تربت على يد والدها رحمه الله.
وهكذا أرادت أن تدافع عن الحق، وتحارب من هم ليسوا من أنصاره ومن أجل المظلومين مثلها.
ظلت طوال عامين منذ اعتلت تلك المنصة، وهي ثابتة على مبادئها، ومعتقداتها، وعلى رفع شعار "لا للظلم" ولو ستفنى من أجله حياتها في الدفاع عنه.
لذا كانت دومًا مواضيعها شائكة تمكنت من خلالها اعتلاء المنصة كلما صدقت في مسعاها مع من يلجأ لها.
من وجهة نظرها السعادة الحقيقية تولد من إسعاد الغير، ومن دعوة صادقة بعد مد يد العون لهم.
لقد خلقنا الله أحرارًا نتعاون، ونتشارك الخير قبل الشر.
لا نتعارك ونظلم، ونسمم حياة بعضنا البعض.
بالسلام حلمت، وأرادت العيش دومًا كما مدينة فاضلة.
هي موقنة بأن السعادة فقط هنا.
وهي تمارس هوايتها المفضلة بحنجرتها المميزة التي طالما حسدها الجميع عليها وأبهرت كل من استمع لها.
كم تعشق العمل من خلف تلك الواجهة الزجاجية، وعلى أذنيها تسترح تلك السماعات التي دونت عليها اسمها.
تنقلها معها من مكان لمكان لتبث به حلقاتها.
كم تعتز بتلك السماعات الخاصة بها، والتي تعتبرها وجه الخير عليها.
ما أن تضعها على أذنيها حتى تسبح منفصلة في عالم آخر لا يوجد به غيرها هي وأدواتها، وأخبارها الحصرية التي تنتقيها بعناية من مصادرها المتعددة.
هي "ربي راشد" مذيعة الراديو الأشهر على الإطلاق بالشرق الأوسط.
تعمل بإحدى محطات الراديو المصنفة الأولى في بث الأخبار وحصرية الحدث.
ومن عندها تخرج اللقطة الأولى دائمًا.
ما هي عليه الآن كان دومًا وجهتها الوحيدة، وحلمها التي عانت من أجله الأمرين، وواجهت في سبيل تحقيقه ظروف الحياة القاسية بأكملها.
لا أحد يعلم كم العذاب، والصعوبات التي واجهتها حتى وصلت لهنا، وأصبحت من أشهر الإذاعيين بالشرق الأوسط.
انتهت الحلقة ببثها لذلك الخبر التي تعمل على التحري عن صدقه منذ قرابة شهرين.
وترددت كثيرًا في بثه لئلا تتأكد من مصدره.
كان خبر عن إحدى الشركات الرائدة في صناعة الأدوية في الشرق الأوسط، وعن ما يدور خلف كواليس صناعة الأدوية.
كانت تتوقع أن ما بثته عنهم كفيل بأن يجعل منها الترند الأول في محركات البحث كما اعتادت منذ عامين.
وبالفعل حدث.
عداوة جديدة بدأت بها، وقد تعود عليها بخسارة فادحة كما يخبرونها.
لكن حق ذلك الرجل المسكين الذي راح ضحية تجاربهم السريرية عليه يستحق.
ذلك الرجل الذي فقد حياته نتيجة تجربتهم عليه إحدى العقاقير من أجل حفنة أموال لا تذكر أقنعوه بها.
يجب أن يعود حقه لأطفاله الأبرياء فهم يستحقون التعويض.
فإن حقًا ثبت المنتج عدم صلاحيته للاستخدام الآدمي، فلما طرحوه في السوق ومازال متوفرًا بهم.
وإن كان غير ذلك فعليهم أيضًا إثبات الأمر.
اللعنة على موت الضمير، فكم روح زهقت الآن؟!
لقد حذرها الجميع من سطوة صاحب الصرح العظيم التي لم تهتم حتى أن تعرف عنه شيئًا.
يكفيها ما عرفته، وما تعرفه عن ذلك الذي يلاحقها مؤكد باقي العائلة مثله.
فماذا سينجل الذئب مثلًا؟!
كل ما يهمها هو أن يصل صوت زوجة الرجل التي لجأت إليها للمسؤولين، ورفع ذلك السم من الأسواق.
وكل ما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك لن تلتفت له.
هي اعتادت الكوارث والصدمات، والله خير حافظ لها بكل وقت وحين.
عدلت من وضع حجابها، وتأكدت من أناقة هيئتها.
حجابها التي مازالت تتمسك به في ظل فتن كثيرة في مجالها تعصف بها.
ولكنها ما يريحها أنها على ثقة برب العالمين، وأنها ذات نفس قنوعة ليست من هواة الظهور ولا محبي الشاشة الصغيرة، ولا الكبيرة.
حتى أنها لا تزال تحتفظ بحق الظهور بوجهها لها لنفسها.
لذا كانت وجهتها وحلمها الأوحد هو إذاعة الراديو، وما يقدمونه على شاشة التليفزيون، ومنصات التواصل بوجوههم تفعل هي أضعافه من وراء الزجاج بالإذاعة، ومن وراء شاشة هاتفها.
دق هاتفها فحملته، وما أن أجابت عليه أتاها صوت طفلها "عز الدين" ذو الثماني سنوات الذي يتابع برنامجها بشغف:
"أمي لقد كنتِ رائعة حقًا، أنا فخور بك جدًا."
همت أن تجيب عليه بذات السعادة التي حدثها بها، إلا أن صوت آخر قاطعها، وهو يشتكي لها من أفعال "عز الدين".
ولم يكن إلا "عمر" ابن هبة صديقتها يشتكي منعه له من محادثتها أولًا، وها قد بدأ شجارهم اليومي على من يحدثها أولًا.
انغمست بفض الشجار بينهم، وهي في حالة من الرضا والسعادة لوجودهم بحياتها.
تحمد الله دومًا على ما وصلت إليه، وأن دعوات والدها الراحل ما زالت ملازمة لها بالراحة، وتيسير أمور حياتها.
الآن فقط علمت معنى أن تثمر تضحياتك، ويصبح مر الماضي حلواه الوحيدة.
والحلوى التي حصدتها من جراح الماضي ومرارته كانت طفلها، ومن حولها الآن من داعمين.
تلك المغامرة الكبرى التي غامرتها من أجله وأجل نفسها كانت تستحق فعلًا.
لقد تحسنت حالتها النفسية وحالتهم، صدقًا النجاح قوة، والسعي في سبيله، وإن كان متعبًا هو راحة لا يمكن وصفها.
ابتسمت براحة عجيبة، غافلة عن كل ما قد يحدث لها.
افترضت الخير، وأسرعت بقدميها لترحل.
اقترب أحد العمال ناحيتها يهنئها، وانغمست بالحديث معه، غافلة عن تلك التي انتهى أمر سيدها منها وجلست تلملم شظايا كرامتها وشرفها المبعثر أرضًا وهي تتمتم بغل:
"لن تهنئي يا ربي بذاك النصر، افرحي الآن، ولنرى يا ربي."
ابتسمت بسخرية قبل أن تمتد يد فريد الزيني لتمسك بشعرها مردفًا بنصر:
"لقد نجحت أولى مخططاتنا، هنيئًا لك، قريبًا ستحلين محلها قريبًا أعدك."
لمعت عيناها بالتمني، وعادت مرغمة تنفذ طلباته المقززة على أمل أن يثأر ممن فضلها عادل المالكي عليها، لتعتلي منصة هذا البرنامج تحديدًا، والذي كان حلم الكثير مثلها.
***
بعد ساعة من عرض الحلقة التي أعدوا لها جميعًا، وكانوا متأكدين من نجاحها، وقد حدث بالفعل.
جلس عادل المالكي، وقد تبدلت حالته من السعادة للصدمة من الهجوم المضاد الذي حدث بعد الحلقة.
الصدمة وما يحدث، بل الأصح إصابة بمقتل ما أن استوعب ما حدث الآن من هجوم غير متوقع بعد الحلقة، ومن تحول شريكه من داعم للحلقة ومحتواها الذي نوهت عنه لآخر يتهمه بالتقصير، وكأنه لم يكن على علم مسبق بما سيعرضونه.
لقد حرص طيلة أعوام أن يكونوا منظومة واحدة الجميع يتشارك بنجاحها.
إذًا هل وقع بفخ "عصام السكري" شريكه بالأخير؟
لما يشعر وكأن هناك لغزًا عليه حله، وأنه وإعداده وقع بفخ.
لعن بداخله غباءه الذي جعله يثق بعصام السكري الذي لطالما علم عنه الغدر والقذارة، لكن مع ابتعاده عن الوسط وسفره ظن أنه ربما تغير.
لذا عند بداية إنشاء المحطة وطلب شريك معه، واقترح السكري عليه أن يشاركه، وافق على الرحب والسعة.
لم يتوقع منه صدقًا ذلك أبدًا، لكنه ليس بأقل منه ذكاء، ليعلم أن وراء مسعاه شيء آخر، ربما ليقنعه ويضغط عليه ليبيع نصيبه بالمحطة له.
لكنه لم يتوقع أن يكون شريكًا بتلك الكارثة.
زفر بغم، وعاد ليفكر أنه على يبدو قد يئس من إقناعه بالحسنى فاختار نهجًا آخر يؤثر عليه من خلاله.
لكن سيرى من هو أكثر ذكاء من الآخر، فقط لتنتهي هذه المسألة، ويخرجون منها بلا خسائر.
وإن كان عليه حقًا التنازل عن نصيبه، وترك المحطة سيعطيها لمن يقدرها.
زفر بحنق، وقد تذكر ربي ومشاكلها التي بالكاد ظنوا أنها انتهت لتأتيها مشكلة أخرى.
صدقًا يشفق عليها، ليته لم يوافقها، وظل بعيدًا عن السياسة ومشاكلها.
لقد حذرها من قبل البدء أنه سيعرض الحلقة التي هي متحمسة لها أكثر منه، لكن عليها أن تقف على قاعدة ثابتة قبل نسج اتهاماتها.
عليها أن تتحرى الدقة.
الآن قد تنتهي حياة إذاعته إن أثبتوا كذب ما ادعت، ويبدو من سحب الدعم هذا أن هذا ما سيحدث بالفعل حتى لو بالكذب.
إن لم يسرع بالتصرف، ويجد حلًا سريعًا ليعزز موقفه أو لينسحبوا.
***
الطرق قد تتشابه، إلا طريقته هو بأخذ الحق.
لا يهين امرأة ولا يتحامل على طفل، وهذا ما حرص عليه وهو يحل بالماضي تلك الأزمة التي عادت لتطفو للسطح من جديد.
لا ينكر خطأ والده وابن عمه الفادح في جعل إنسان فأر تجارب.
لكن بالنهاية الرجل انتهى عمره وانتهى الأمر.
لو يستطيع إعادة الماضي لأعاده بلا تردد وأنقذ الرجل من براثنهم، لكن الماضي لا يعود كأيامنا جميعًا لا تعود.
ما يمضي من العمر لا يعود، ولو بكينا أبد الدهر ندمًا للرب.
شق هنا روتيني بحت مجددًا.
هتف منذر مساعده الخاص، وصديق عمره، ومدير مكتبه، وشريكه بالخير والشر، وهو يجاوره يقود عنه سيارته:
"إلى أين يا بيجاد؟"
نظر له بيجاد بصمت قليلًا قبل أن يهتف:
"إلى منزل أم سلوان زوجة الرجل ذاك."
"متأكد! لقد أخبرتك أنها لا أثر لها."
"جدًا.. أنت تعلم أني لن أرتاح إلا بالاطمئنان بنفسي."
أراد أن يتأكد بنفسه أنها ليست في مكانها بعد بث الحلقة.
أرسل منذر لها لكنه لم يجد أثرًا لها كإبرة اختفت في كومة قش، مع ذلك لا ضيم من التأكد.
أراد أن يواجهها، ويسألها لما فعلت بعد كل ما فعله من أجلها، وأجل أبنائها.
لو كانت تريد أموالًا أكثر لما لم تخبره، وكان سيتكفل بها ويعطيها كما كل مرة بكل رحب وسعة.
بعد ساعة كان يعاود الرحيل، وبالفعل لم يجدوها، لكن قبل أن يعاود ركوب سيارته وقعت عينه على أحدهم يتقدم مهرولًا إلى باب بيت المرأة، ولم تكن إلا تلك المذيعة إياها، وذلك الرجل مجددًا.
تنحى جانبًا بسيارته التي يقودها منذر يراقب بهدوء ما يحدث.
كان البيت متطرفًا عن العمران، بيت أشبه ببيوت الريف.
اشتراه لها قبل عامين ببلدتها التي كانت تسكن بها، ليتسنى لها العيش بكرامة بعدما كانت تسكن إحدى العشش كحال أهل البلدة هنا.
وحال الكثير من العشوائيات بالبلد.
كان حلمه الأكبر تحويل تلك المنطقة لمنطقة صناعية، ويتكفل ببيوت أهاليها كعمل خيري خاص به، يدرسه منذ عامين منذ أتى لهنا أثناء زيارة أم سلوان بعد تلك الحادثة، حتى يتسنى للجميع العمل بكرامة، وكان على وشك البدء به.
لكن الآن عليه الانتظار حتى ينتهي من تلك الأزمة أيضًا.
لم يخطئ يومًا بقراءة الوجوه، ولم يخطئ إحساسه بوجود شيء خطأ.
استمع لصوتها المختنق:
"ليست هنا يا رامي، هل اختفت؟!"
"سأجن، لقد كانت تحدثنا كل ساعة قبل الحلقة تقريبًا. يا إلهي أم حدث لها شيئًا، هل آذوها؟!"
كاد يسب تفكيرها، وصوتها الجمهور التي لا تجهد نفسها وتكلفها عناء أن تخفضه.
لكن حديثها دب الرعب بقلبه على المرأة وأولادها، وهو يتساءل بقلق:
"هل من الممكن أن يكون آذاها أحد بعينه هو متأكد منه؟!"
ابتعد الرجل، وهو يدفعها بهدوء ليّرحلا.
"ستظهر مؤكد لا تقلقي."
"لكن...!"
"لا لكن، هيا بنا، نحن فعلنا كل ذلك من أجلها، مؤكد خافت من آل الزيني، لتذهب للجحيم، هيا بنا لتنهي تلك المسألة التي أوقعتنا بها."
"لا مؤكد هم آذوها، يا إلهي، وماذا عن أطفالها؟ هل آذوهم أيضًا؟"
رأى حيرتها جليًا على وجهها قبل أن تجاور رامي صامتة بعدما نهرها، لتكف عن تفكيرها، فمؤكد لن يفعلوا بعد الفضيحة التي تسببوا بها، لكن مؤكد اشتروا ثمن سكوتها.
"ربي، هم ليسوا بتلك الغباء ليضعوا أنفسهم بمكانة شك بعد اختفاء المرأة. مؤكد هذه المرأة هي من خافت من تلقاء نفسها. أو بمكان ما وستظهر بعد برهة أو..."
"أو ماذا؟"
"شربت شاي بالياسمين، عجبها."
"يا إلهي لا، مؤكد لا."
"أنتِ طيبة جدًا ربي."
اختفت سيارتهم من أمامه قبل أن يطلب من منذر الرحيل أيضًا، ليسأله منذر:
"ما رأيك يا بيجاد بما حدث؟"
"هناك شيء خطأ، لكن ابقِ رجالنا خلفهما."
"حسنًا لا تقلق، لكن إن كانت أم سلوان ليست معهم، ولا يعرفون عنها شيئًا، فأين رحلت؟"
أجاب بيجاد بغموض:
"ستظهر وسنعلن كل شيء."
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل السادس 6 - بقلم اسما السيد
اتسعت أعين منى، سكرتيرة "عادل المالكي" مالك القناة، التي أتت مسرعة على صوته الجهوري. ورأت مكتبه بحالة فوضوية، وهو نفسه لم يعد بقادر على تمالك نفسه من كثرة المصائب التي حلت عليه بعد الحلقة.
ابتسامة مكر ممزوجة بفرحة عارمة على وجهها، أسرعت لمحوها قبل أن تهتف بصدمة مصطنعة:
"ماذا حدث أستاذ عادل؟ يا إلهي ماذا يحدث هنا؟"
صوته الغاصب، تقسم أنه أفزعها حقًا، وهو يصيح بها:
"احضري ربى لهنا هي وإعدادها الآن يا منى، وأمري مدير الإعلانات بوقف إعلان برنامجها نهائيًا، وامسح كل شيء يخص تلك الكارثة حالًا."
"هل سحب الدعم من ربى حقًا؟ هل سقطت أخيرًا عقدة حياتها؟"
كانت تفكر بفرحة وشماتة. لقد كانت تتمنى من قبل مكانها، لكن المالكي فضلها عنها. كل ما فعلته وما تفعله كان انتقامًا ليس إلا.
لقد أوصلوها أن تتحالف مع الشيطان نفسه لكي تكسر أنفها المرتفع، وليست نادمة.
خرجت مسرعة، ولكنها جلست على مكتبها بدلًا من منادتها. أغلقت الباب وصارت تراقبه، تراقبه وهي تستمع لصوته المرتفع وهو يحادث أحدهم. يبدو من حديثه أنه محاميًا. يخبره أن آل الزيني رفعوا قضية ضدهم، وطلبوا شهادة تلك المرأة. الأمور تعقدت وهي أكثر من سعيدة لذلك.
أضحت ترسل الرسائل الواحدة تلو الأخرى بفرحة لنجاح مخططهم. وهو يأمرها بأن توافيه بالأخبار عاجلها وآجلها.
استقامت بعد برهة بعد أن تلكأت بما يكفي لرحيل ربى، التي أتت اليوم هي وإعدادها من أجل مناقشة ما يحدث. وأردفت:
"أستاذ عادل لم ألحق بهم."
***
تقدمت للخارج بعدما اطمأنت على أم سلوان وأنها بخير بعدما عادت لتراسلها، لتخبرها أنها كانت بمكان ما عند أحد أقاربها حتى لا يصلوا آل الزيني لها.
طمأنت شقيقتها التي أعربت عن فخرها بها، وقلقها عليها من انقلاب السوشيال ميديا بين مؤيد ومعارض معها وعليها.
كانت تخشى أن يصل الخبر لوالدتها وأخيها، ويصلوا لمكانها، لكنها طمأنتها وهي ترجوها أن تدعو لها.
كالعادة، ريم داعمها الأكبر بكل خطوة من حياتها، ولا تخفي عنها شيئًا. وهي الجزء المتبقي لها هناك بتلك البلدة الظالم أهلها جميعًا، هي وخالتها التي لها الفضل الأكبر بما هن عليه الآن. لطالما تمنت لو كانت هي حقًا والدتهما، فهم يليقون بطيبتها، ومن ثم تليق هي بحسنها ورقيها بهم، لا والدتها التي تنتهز الفرص لتلقي باللوم والصفعات عليهما.
لكن بهتت ملامحها ما أن وصل إليها رسالة بتهديد من فريد الزيني. لكنها لم تكترث. حاولت تخطي الأمر كما العادة، فنهايته على كل حال قد اقتربت.
رغم أنها تشعر بريبة من الأمر، لكنها حاولت التماسك حتى أمر اختفاء المرأة وعودتها. لم ترتح له، لكنها بالنهاية لا تريد إلا أن تشهد بالحق، وتنتهي مهمتها هي.
قطع شرودها صوت أحدهم:
"إلى أين يا بليتي؟ أنتِ هاربة. ألم أخبركِ أن تنتظريني وأن تتجنبي الذهاب والإياب وحدك هذه الأيام؟"
ابتسمت لا إراديًا، واستدارت ما أن تعرفت على الصوت الساخر من خلفها، والذي لم يكن غير رامي، مخرج برنامجها. وأردفت بقلة حيلة:
"نعم اتفقنا، لكن هناك حرب ضروس بالبيت، وعليّ أن ألحق بها الآن وإلا قتلتهم زوجتك المصون. لقد تركناها وحدها وأم رضوان بالبلد."
صمتت بحسرة من أفعال أطفالهما الكارثية التي تفوق الحد، قبل أن ينفجر رامي بالضحك عليها وعلى طفلها وطفله أيضًا، وكوارثهم التي لا تنتهي.
نظرت له بحدة، لكنه لم يصمت. فاندفعت بغيظ تجاه سيارتها تلعن تلك الظروف التي جمعتهما بمبنى واحد، ليصبحا جيرانًا، ويتفق الأطفال على كوّارثهم معًا.
لمحها تهرول وتتركه، فصاح بها وهو يندفع تجاهها:
"انتظري ربى! ها قد صَمت. انتظري أوصليني معك. سيارتي معطلة. لقد دمرتها صديقتك واللعنة على من يأمن لكما."
ضحكت هي تلك المرة عليه بضحكتها التي ما أن تخرج تصبح كارثة. لكنها ما أن تذكرت ما فعلته هبه البارحة بسيارته، لم تستطع أن تتمالك نفسها من الضحك.
"حلال عليك والله. أنت تستحقها."
كادت أن تفر من أمامه قبل أن يندفع هو، رامقًا إياها بغيظ مرافقًا لها:
"لقد كنت أشك أنكِ على دراية بما حدث، لكن الآن بت متأكدًا!"
نظرت له باستعلاء مصطنع، وهتفت:
"وما دخلي أنا؟ يا الله إلى متى ستلصق بي وبطفلي أفعالكم الكارثية، أنت وزوجتك وطفلك المبجل!"
نظر لها رامي برهة بصمت متعجبًا، قبل أن ينفجر كلاهما بالضحك على حالهما.
"اعترفي ربى، الكذب لا يليق بكِ أبدًا. أنتِ وطفلك كارثة متنقلة."
انغمسوا معًا بالضحك، متناسين مخاوفهم من الآتي. بالرغم أن القلق والخوف بدأ حقًا يتسلل للجميع، وخصوصًا هما.
أرسل إليه واحد من أعداده يخبره بما حدث بعد خروجهم، لكنه آثر ألا يخبرها.
آثر عدم إخبار ربى حتى لا تتوتر أو تقلق، حتى وصل كلاهما للبناية الراقية التي انتقلت منذ عامين لها، منذ تلك الليلة التي قررت فيها ترك الماضي وآلامه، وترك العائلة، والمضي قدمًا بمشوارها الذي بنته لنفسها دون الحاجة لأحد.
هبط كلاهما من السيارة، غافلين عن أولئك الذين اقتربوا منهما، ليهتف أبو رضوان، حارس عقارهم:
"ها هما يا بيك، أستاذ رامي، وأستاذة ربى."
انتبه كلاهما لما يحدث، قبل أن يباغته أحدهم:
"أستاذ رامي، أتمنى أن تأتوا معنا بلا شوشرة."
"من أنتم؟ ولما؟"
"معنا أمر ضبط وإحضار لكليكما."
"بمناسبة؟"
"تلك الحلقة وما ذُكر بها."
***
بجناح مساحته كشقة كاملة، غرفة ملوكية كما يطلقون عليها أصحاب الطبقة المتوسطة وما هم أسفلها. يجلس "عبدالعزيز الزيني"، المؤسس الحقيقي لذلك الصرح العظيم، صرح الزيني للأدوية والمستلزمات الطبية بأكملها، بعد أن أورثها لابنه فريد الزيني لكي يترأس الصرح بعد أن فارق أخيه الأكبر الحياة بحادث سير مدبر لم يصلوا لفاعله بعد.
ليظل فريد يخرب به، ويختلق المشاكل، حتى أورثها لأحفاده الذي حرص على أن يكونوا شبيهون به بكل شيء، حتى طباعهم.
ليختار منهم بالنهاية من يترأس الإدارة التي انتزعها من فريد بعد كوارثه وفضائحه التي انتشرت بالبلد كالنار في الهشيم.
أوكل مسؤولية الإدارة للحفيد الأكبر، متجاهلًا أبيه فريد الزيني، لتزداد الفجوة بين كليهما.
لقد تسبب فريد له بكوارث حقيقية، ناهيك عن آخر حادثة التي هددت بانهيار صناعاتهم.
لقد وثق بأحفاده، ولكن يبدو أنه كان مخطئًا أيضًا بعد ما حدث، ويجب عليه أن يعود ليحكم بالحديد والنار كما فعل من قبل.
دق بعصاه على الأرض برتابة، بعدما أوصلت إليه "مشيرة"، زوجة ابنه محمود الأكبر رحمه الله، ما يجري. هو ليس بغافل عن ما تريده. جل ما تريده هو أن تظهر حفيده الأكبر "بيجاد" بمظهر المستهتر، بعدما جعله صاحب الكلمة العليا بالإدارة من بعد إزاحة فريد، وليس ولدها فيصل، الذي كان السبب الأول واليد المساعدة لعمه بكارثتهم هذه، هو ونيرة ابنتها. هو ليس بغافل، هو فقط تنحى ليرى كيف يسير الأمر من بعده.
كظم غيظه مجبرًا حتى يصل له الحقيقة كاملة.
دق خافت على باب جناحه، جعله ينتبه من شروده، ويسمح للطارق.
دلف محاميه الخاص الذي هاتفه قبل ساعة، طالبًا منه كافة المعلومات حول ما يحدث.
"السلام عليكم يا دكتور عبدالعزيز."
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. تفضل يا محسن."
بالكاد جلس، ومن ثم أسرع بسؤاله عن ما وصل إليه، فأخبره بالتفصيل كل ما جرى.
صمت عبدالعزيز الزيني لبرهة، قبل أن يلتفت للمحامي هاتفًا بصوت آمر محتقن من الغضب:
"آتني بكل المعلومات الخاصة بتلك المذيعة، وإعدادها، ومن وراءها."
قاطعه محسن بابتسامة نصر. لقد كان يعلم أن "عبد العزيز الزيني" سيطلب ذلك. محامي مخضرم مثله بعمره الستين، على دراية تامة بما قد يطلبه موكله، خصوصًا أنه يقابل مثل هذه الحوادث الرائجة بين صناع المال والأعمال تقريبًا كل يوم.
مد محسن يده بذلك الملف الذي أعده مسبقًا، ووضعه بيد عبدالعزيز الزيني، الذي بادله ذات الابتسامة وذات النظرة، هاتفًا برضا:
"من يومك سريع البديهة يا محسن. لم تخيب ظني بك يوم."
أومأ محسن بابتسامة زهو بنفسه:
"مثل تلك الحالات منتشرة بين صناع المال والأعمال والطبقات المخملية يا دكتور. كل يوم، وبعون الله قادر على نسف تلك المدعوة، ومن ورائها برمشة عين. هنالك العديد من الثغرات بملفها التي قد تسقطها بلا رجعة، وإلى الأبد. لا تقلق، أنا أنتظر أوامرك فقط."
صمت عبدالعزيز، بينما عينيه تجوب الملف بسرعة على تلك المعلومات التي أتى بها لتلك المدعوة ربى راشد ومن يعمل معها. لكن محسن بادر بسرد كل شيء علمه عنها وعن مالك الإذاعة وشريكه، قبل أن يصدم بهوية كليهما، وأن شركات ومصانع الزيني الراعي الرسمي لتلك الإذاعة. إذا ما هو السبب الذي دفعهم ليخسروهم بتلك الطريقة؟
عاود سؤال محسن، الذي تعجب هو الآخر من سؤاله:
"قلت ما اسم شريكه؟ أخبرني مجددًا، ما اسم صاحب الإذاعة هذه؟!"
نظر له محسن محاولًا استشفاف نوع الصدمة التي تلقاها من ذكر اسم المالك. لكن كالعادة، عبدالعزيز الزيني بئر عميق، ثعلب ماكر يجيد إخفاء ما لا يريد أن يظهره.
أعاد عليه اسم المالكين، ليتفاجأ بابتسامة مبهمة متوعدة على وجهه، لم يستطع أن يفهم مغزاها أبدًا، ولا استشفاف ما يفكر به، قبل أن ينهي عبدالعزيز المقابلة برقي كعادته، شاكرًا له.
بعدما أوصل له محسن كل خطوات ابنه فريد وأحفاده جميعهم، والإجراءات التي اتخذوها حيال تلك الكارثة.
انصرف محسن، متجاهلًا تلك التساؤلات التي بادرت بها السيدة مشيرة، التي كانت بانتظار خروجه من جناح الزيني.
لم تستطع أخذ حرف منه، وهو لا يستطيع أن يغامر بعداوة عبدالعزيز الزيني. فطيلة عمله معه، تشرب خصاله جيدًا، وعشرته كانت كفيلة بمعرفة طباعه، ومدى صرامته، حتى بقواعد هذا البيت.
نظرت مشيرة للمحامي بغيظ وغضب، وهي تسب وتلعن به، قبل أن يقترب منها السيدة "مؤمنه"، والدة بيجاد، هاتفه بها بتهكم:
"لن تتغيري أبدًا يا مشيرة. دائمًا متعجلة على معرفة كل شيء! متى ستتعلمين الصمت والانتظار؟ أفعالك هذه لا تنفك تضعكِ في كوارث مع الجد."
التفت لها "مشيرة"، وهتفت بسخط:
"لا وقت لترهاتك "مؤمنه". لن تنطلي عليّ والله! نحن بمأزق الآن، وعلينا جميعًا أن نتكاتف لسحق تلك الحشرة التي تجرأت علينا وشوهت سمعة العائلة. أنتِ لا تعلمين ما سمعته أنا؟!"
"ماذا سمعتِ؟"
اقتربت مشيرة تثرثر كالعادة بما هي متأكدة منه، فابنتها لا تخفي حرفًا عنها.
"لقد علمت أن ما يحدث من تدبير زوجك المصون ليصل للمذيعه بعدما رفضته. منه يصل إليها، ومنه تشتهر شركات الزيني كدعاية رخيصة. أراد أن يغلق عليها جميع المنافذ، ويجعلها تقع بفخه كالأخريات."
"ماذا؟ هل جننتي! مؤكد لن يصل الأمر لهذا الحد. أنتِ سرحتِ مجددًا يا مشيرة بعقلك أنتِ وابنتك. لن يصل الأمر لهكذا أبدًا. فريد ليس بهذا الغباء."
"أنتِ حرة إن لم تصدقي وتتدخلي لإنهاء تلك المهزلة قبل فوات الأوان. الأمر من مصدر موثوق كالعادة، وأنتِ تعلمينه بالتأكيد."
أنهت مشيرة حديثها بغمزة لها، لتفهم مؤمنه أنها صادقة على الفور، وأن نيرة سر زوجها المصون مؤكد من أخبرها.
"ها.. هل مازلتي متمسكة بمبادئك مؤمنه، أم ماذا؟"
"أقسم أن كان الأمر هكذا لاجعله وأجعلها يتجرعون المرارة والندم بطريقتي."
"لكن ما سمعته أنها لا ذنب لها. زوجك هو من يلاحقها، وهو من أفصح عن أسرار العائلة وعن المعلومات المخفية لتلك الكارثة بالتحديد."
"يا إلهي لا أعرف أي عقل يفكر به زوجك المصون. لقد افتضحنا، ولو علم الجد بما يحدث ستكون نهايته هذه المرة، ناهيك عن بيجاد وغضبه. إنه كالجد لا يرحم."
زفرت بغضب من مشيرة وثرثرتها التي لا تنتهي. منذ استمعت لهذا الخبر الذي صار حديث السوشيال ميديا، وتصدر عناوين الصحف والمجلات، وهي تشعر بفوران حاد داخل أوردتها. لأول مرة منذ التصق اسمها بتلك العائلة، حتى أفعال زوجها ومغامراته النسائية لم تكن بحدة الأزمة هذه. يكفيها ما به، هي ليست متفرغة لترهات مشيرة، لكنها بالنهاية عليها أن تبتلع الأمر كله، فهي بحاجة لها.
بالنهاية مشيرة على حق، فزوجها تصرفاته فاقت الحد. لم تعاصر شيئًا مماثل، ولا فضيحة مماثلة. ورغم علمها أن ما يحدث من كوارث وفضائح الآن سببه الأول زوجها وزوج ابنتها، ابن مشيرة، التي تقف على صفيح ساخن الآن، إلا أنها لا تمتلك إلا حق مساندة زوجها وزوج ابنتها، فهو بالنهاية أولى بدعمها.
ابتلعت ريقها ما أن لمحت ابنتها تهبط الدرج وتتقدم إليهم، مردفة بلهفة ظهرت جليًا بنبرة صوتها وعلى وجهها:
"ماذا فعل جدي؟ هل قرر معاقبة فيصل من جديد؟"
نهرتها والدة زوجها مشيرة، صائحة بغضب:
"اخفضي صوتك فيروز! سيستمع إليكِ الخدم! أي عقاب هذا؟ لقد انتهى هذا الفصل، وما دخله ابني هذه المرة! هذه المرة أبيكِ هو السبب."
"عاقبوه إن أردتم أو عالجوه من مرضه النفسي الذي لا ينفك يظهر لنا ما أن ترفضه إحداهن."
نهرتها والدتها بلطف مخافة أن يستمع الخدم لصياح مشيرة الشامته، ورغم علمهم بإخلاصهم لهم، لكن لا ضرر من الحذر.
"أبي السبب.. كيف لا أفهم؟"
حكت لها زوجة عمها بعجالة، وهي تعي أنها ستخبر أخاها، وهذا ما تريده حقًا. ومن ثم هتفت فيروز بقلة حيلة منهم، فجل ما يهمهم دائمًا مظهر العائلة، والفصل بين الصح والخطأ، ما يجوز فعله وما لا يجوز. حياة رتيبة كرهتها كما باتت تكره كل شيء من حولها.
"ولكني لا أهتم بكل ذلك، ولم أقصد ما وصل إليكما. لما لا تفهموني؟!"
"أنا فقط خائفة على فيصل من عواقب قد تعود عليه بعدها، وأنتم تعرفون أن جدي بالنهاية لن يرحمه، ولن يعاقب أبي."
نظرت مشيرة لها، وهتفت بصوت متوعد:
"لا تقلقي فيروز، وإن انتهت هذه المشكلة مع المدعوة ربى، وفلتت من الرجال، وأصاب فيصل مكروه، أقسم لن تفلت من عقابي أبدًا، فأولادي خط أحمر، ولا أحد يستطيع المساس بهم."
"نانانا.."
استدار الجميع على صوت تمتمة طفولية غير متزنة، قبل أن يلتقط عُدي قدم جدته مشيرة، ومازال يطلق بصاقًا من فمه بعفوية على تلك المربية الخاصة به وبحالته.
اتسعت أعين مشيرة ما أن لمحته، وسرعان ما نفضت قدمها التي أمسك بها، وصرخت بالمربية بهستيريا أن تحمله وتذهب به من هنا:
"أنتِ أيتها المهملة! خذيه من هنا، هيااا!"
"آسفة، أقسم هو من هرب مني."
"نا نا."
"قلت خذيه من هنا."
ارتفع صراخ الطفل، وهو يمد يده لجدته مرة أخرى كي تحملة، لكن يد أكثر حنوًا عليه اندفعت لتحمله، وهي تعنف بكلتا السيدتين ذات القلب المتحجر. وكانت يد فيروز:
"يا إلهي! أي قلب تملكون أنتم! ألستم بشر؟ ما ذنبه إن ولد من ذوي الاحتياجات الخاصة؟! لما كل ذلك الجفاء؟ بالنهاية السبب بما به هي ابنتك يا زوجة عمي، ليس هو فقط."
"تعالي يا حبيبي. اللعنة على من يحزنك، أنا هنا دائمًا من أجلك. لا تبكي. عمتك هنا.. يا إلهي كم أحبك يا عدي!"
شدت فيروز من احتضان ابن أخيها الذي سال دمع عينيه، وهو يتمتم بكلمات لم تستطع فهمها. يبدو أنه يشكي لها معاملتهم القاسية.
شدت فيروز من احتضانه، وقد أخذها الحنين لطفلٍ من رحمها. كلما نظرت لعدي، تمنت لو كانت هي والدته حقًا. رغم أنها أكثر من يعتني به هنا، هي ووالده، إلا أنها دومًا تلمح حاجته للتواصل مع الجميع.
تذكرت والده الذي طالت غيبته، ولأول مرة منذ ولادة عدي وموت والدته.
لم يفعلها أبدًا ويبعد لتلك المدة، فهو لا يقدر على فراق عدي أبدًا، كما أنه يعلم أن الجميع هنا لا يتقبل عدي بحالته هذه.
همست، وهي تقبل كل شبر بوجه عدي:
"أين أنت يا بيجاد؟ أين أنت؟"
خرج اسم بيجاد بصوت استمع له عدي، الذي هتف بوجه تهلل فرحًا:
"بابا جاي؟!"
ابتسمت فيروز بسعادة، واستقامت تدور به وهو يضحك لها بسعادة. إلا أنها توقفت فجأة ما أن تذكرت حالته الصحية التي لا تسمح له بكل ذلك المجهود. فعدي لديه مشكلة بالقلب، كما أنه يخاف من الصخب، وينتابه حالة من هستيريا البكاء من الصعب السيطرة عليها.
هتفت بحنو:
"بابا هل تريد بابا؟"
"اممم بابا."
"يا عمري أنت تريد بابا، سيأتي بعد قليل لا تقلق. ما رأيك أن نتصل به؟"
"نعم.. نعم."
***
لم يشأ أن يعود للقصر. أراد أن يمكث بعيدًا عنه لكي يراقب الجميع جيدًا.
بقي بتلك الشقة الفاخرة التي اشتراها لنفسه قبل فترة، حينما قرر البعد هو وطفله على إثر مشكلةٍ ما أيضًا بسبب عدم تقبلهم لحالته.
ليتفاجأ بعدها ببكاء فيروز التي أصرت على أن تبقى بجانبها، ناهيك عن عدي نفسه الذي يتشبث بها، فظل يهرب وحده من العائلة، ويأتي لهنا.
اقترب من النافذة التي تطل على النيل، وكأنها تحتضنه بين ذراعيه.
ألقى بسيجارته الفاخرة جانبًا، ثم دعسها بقدمه السليمة، وأخرج كمانه ليسرق بضع لحظاتٍ من العمر، ربما لن يستطع عيشها مجددًا.
شرد بعالم لا أحد فيه من البشر غيره هو وطفله. عالم ود لو يعيش به دوما بلا صخب، ولا مشاكل للطبقة المخملية المقززة التي ينتمي لها.
أغمض عينيه، وراح بعالم آخر، ليبقى هو وكمانه وعزفه.
(عارفة مش عارف ليه بتونس بيكي، وكأنك من دمي. على راحتي معاكِ، وكأنك أمي.. مش عارف ليه)
***
"ارجوكِ يا أمي لا تفعلي بي هكذا. لن أكمل تعليمي، وسأسمع كلمتك، لكن لا تزوجيني بهذا الرجل. إنه رجل كريه. الجميع يعلم أنه نجس."
هتفت بتلك الكلمات بينما تبكي بحرقة. صوت بكائها، تقسم أن الجميع بالشارع استمع إليه.
دفعتها والدتها بقوة حتى سقطت أرضًا على ركبتيها التي سالت دماؤهما على الفور، تغرق أرض الغرفة الأسمنتية، صائحة بغضب:
"اخرسي يا عاهرة! ستتزوجيه غصبًا عنكِ. أنتِ لا رأي لكِ من بعدي."
"لكن يا أمي، أبي لم يمر شهرين بعد على وفاته."
"إياكِ وقول كلمة أخرى."
"أمي أرجوكِ. أنتِ فهمتِ الحكاية بأكملها خطأ. لقد أتى عمار وأخبركِ، وتقدم لخطبتي. أرجوكِ وافقي يا أمي. لقد وثقت بك."
"أي خطأ؟ لقد اعترفتِ لي بنفسك يا عاهرة."
"أنا لم أفعل شيء خطأ. أنا لست عاهرة. ألا تثقين بي؟ أنا ابنتك، تربيتك!"
"اخرسي. أنا لا أثق بك. اللعنة على الرحم الذي حملك. ليتكِ متِ قبل أن ألدك، وارتحت من قذارتك."
انزوت بآخر الغرفة تستقبل ضربات والدتها وسبابها عليها بشهقات مكتومة. يئست من إقناعها، ويئست من إقناعها أنها ليست عاهرة. هي ابنتها، كيف لا تثق بها؟!
دفنت رأسها بين قدميها، تحمي وجهها من اعتداء والدتها الوحشي بمعني الكلمة. لا تعلم أي جرم افتعلت حتى تسبها هكذا، كما لو كانت حقًا كما تنعتها "عاهرة".
ما أن تتوقف عن ضربها، يعلو صراخها، وتلطم خديها كمن جُنّت. الندم يكوي قلبها، ليتها لم تحكي لها شيئًا. إنها لا تعرف معنى الرحمة.
لقد تقدم لخطبتها شاب مغترب، وهو ابن صديقتها ذو سمعة فاسدة. البلدة بأكملها على دراية به، ورفضته بتاتًا. ضُربت، وسُحلت، وسُجنت، لكنها لم تخضع لهم. حتى قررت والدتها تغيير سياستها معها، واتباع أخرى جديدة ستجعلها تأمن لها وتحدثها بما يحدث معها. وقد كان. ظلت وراءها بالحنية حتى حكت لها ما بقلبها، وياليتها لم تفعل! ياليت!
"ماذا يحدث هنا؟"
هذا كان صوت زوج خالتها وخالتها، الذي بلغ منه التعب بالفترة الأخيرة، لكنه يكابر فقط. قبل أن تجيبه والدتها، وهي تلوي شفتيها وتلطم خديها:
"ماذا فعلت؟!"
هتفت باستنكار، بينما عاودت إمساك شعرها بقوة، وتخبط رأسها بالحائط من خلفها بقوة وجنون:
"لم أفعل شيئًا بعد. أقسم أني سأقتلها بيدي. لقد دعست ابنتي المدللة الغالية بشرفي بالأرض."
اقترب زوج خالتها منها يحاول تخليصها من يد والدتها التي تبدو جُنّت تمامًا، قبل أن تهذي بتلك الكلمات المقززة عنها، فيتركها ناظرًا بوجهها يبحث عن صدق حديثها.
أردف بصوت يقطر رعبًا:
"ماذا فعلت يا ابنتي؟"
انتحبت وزحفت بجسدها الذي لم يعد به مكان لا يؤلمها، وامسكت بساقه تتوسله بعينيها أن يصدقها:
"أقسم يا عمي لم أفعل شيء. اسأل خالتي!"
"فقط أخبرت أمي أني لا أريد الزواج من هذا المدعو "ظافر". إنها حتى لا تريد أن ننتظر أن يكمل أبي العام على وفاته."
عاودت أمها صفعها على وجهها على حين غرة، وهي تصيح بغضب، بينما انزوت هي بأحضان خالتها التي بدأت بالصراخ على شقيقتها، لِتتركها:
"فقط هذا فقط يا حقيرة! أخبريه عن عشقك لابن فتنة، وما خفي كان أعظم…!"
"ابن فتنة من؟"
لمعت عينا "نعمه" بحقد وغضب لا مثيل له، وهتفت بغل:
"ومن غيرها زوجة عمها الشريفة؟"
"نعمه… الزمي حدك، واتركي البنت. هي لا ذنب لها بما بينكما."
صرخت شقيقتها بها بتلك الكلمات، وهي تسب وتلعن بها، فلم تسيطر نعمه على حالة الكره والغضب التي تصبح بها ما أن يُذكر اسم تلك المرأة وابنها.
اسميهما يجعلها تجن. لم تتوقع بأقصى أحلامها ما يحدث الآن. هتفت بغضب:
"أي حد هذا يا شهيرة؟ ما تريديني أن ألتزم به؟ ألم تسمعي ما قلت! أم تتجاهليه لِتدافعي عنها كالعادة."
همت أن تصفع ابنتها مجددًا، لكن يد قوية أبعدتها عنها. كانت يد زوج خالتها، صارخًا:
"ابتعدي عنها يا أم محمود. كفي فضائح، الشارع كله يستمع لكِ. أقلهُ احترمي موت زوجك!"
لم تصدق نعمه وقاحة زوج شقيقتها. هل أتى ليدافع عنها، ويعلمها كيف تتصرف؟! ومن أخبرهم؟
ألقت نظرة خاطفة على ابنتها الصغرى، تتوعدها. مؤكد هي من فعلت. فانكمشت ريم بخوف على نفسها، قبل أن تتسع عيناها بقوة، وهو يقترب من ابنتها التي ازدادت نحيبًا، وهي تنظر له بنظرة تتوسله فيها أن ينقذها.
هم بالحديث، لكن نعمه صرخت، وهي تلطم خديها وتحاول بكل الطرق أن تصل لابنتها، لكن وقف الرجل كسد منيع، في حين ابتعدت خالتها. لتمسك بعدها نعمة قلبها تمسده بقوة، ومن ثم تسقط أرضًا:
"أمي.. سقطت أمي."
انتفضت ربى كالملسوعة من شرودها الذي يداهمها بأوقات لا يجب عليها أن تشرد.
كمثل غفوة داهمتها كالعادة، وهي تتصبب عرقًا. اللعنة، كيف شردت هنا؟ ولم تشعر بنفسها بقسم الشرطة.
انتهت من الإدلاء بأقوالها، وخرجت كما دخلت، بعد أن صدر أمر بعدم مغادرتها للبلاد حتى ينتهي التحقيق بأكمله.
بعد ساعة كانت ببيتها. خلعت عنها حجابها، ودلفت لتغتسل بعدما عادت للمنزل، ولم تجد طفلها. فقد اصطحبته هبه مع ابنها لتمريِن الرماية بالنادي القريب الذي اشتركت لهم به هنا.
حمدت الله أن أبو رضوان تكتم على أمر ذهابهم لقسم الشرطة، ولم يثرثر هو وزوجته كالعادة.
بالنهاية، أمر روتيني كما أخبرهم المحامي الذي أتى به رامي ليلحق بهم. فقط لتأتي أم سلوان، وتشهد بالحق، وينتهي حكايتها مع تلك القضية.
كانت تصبر نفسها حتى لا تتوتر، وهذا جل ما تستطيع فعله.
شردت بالماضي، بينما ألقت بنفسها داخل حوض الاستحمام المليء بالماء الدافئ.
مازالت كلمات والدتها وسبابها لها يدوي بأذنيها كأنه حدث الآن.
للآن لم تعرف لما كانت تتفنن والدتها باهانتها. هل ليست ابنتها؟ أم هي عادة توارثتها من والدتها حقًا كما كانت تخبرها خالتها؟
تذكرت حديث خالتها بعد سقوط والدتها وانهيارها، بعدما ظنت أن والدتها سترحل كما فعل والدها حينما سقط حينها. وسألت خالتها:
"هل ستموت أمي يا خالتي كما أبي، وأكون أنا السبب؟ أقسم سأتزوج وترتاح مني فقط لتنجو."
قبلتها خالتها واحتوتها بين ذراعيها مردفة:
"لا لن تمت. فقط اهدئي، لقد حدث لها هبوط حاد فقط."
حينها صمتت، وسألتها مجددًا:
"لما تكرهنا والدتي أنا وشقيقتي، وتحب محمود فقط؟"
صمتت خالتها، وهتفت بعد قليل بنبرة حزينة:
"هي لا تكرهك يا ربى، هي فقط تربت على تمييز الولد عن البنت. لقد كانت تفعل والدتنا معنا المثل."
"لكن لما لا تفعلِ أنتِ كما فعلت أمكما؟ وما ذنبنا نحن؟"
ابتسمت خالتها، وهتفت بحنو:
"جميعنا لسنا متشابهون يا ربى. أنا أكملت تعليمي، قرأت، وفهمت، وتخطيت. أما والدتك فكانت فاشلة. هي نسخة مصغرة من والدتها رحمها الله. عليكِ أن تتفهمي موقفها ياربى."
"أنا بحياتي لن أسامحها، لن أغفر لها حتى لو كانت ميتة على الغسل."
"يا إلهي.. لا يا ربى، لا.."
"أتعلمين خالتَي أنا سأتزوج لأرتاح منها، وسأوافق على ظافر بالنهاية. خالتي أم ظافر أحن منها والله، كما أن زوجها طيب القلب."
"وهل ستتزوجين الرجل وزوجته أم ابنهما يا خائبة الرجا؟!"
"سأتحمله وأجري على الله بالنهاية. أخبرتني أمي يومًا أنه شهر وحيد سيأتي به ليتزوج ويرحل."
"يعني؟"
"يعني سأتزوجه."
"ربى لا تضيعي نفسك."
"لا يا خالتي، سأفعل حتى ترضي أمي."
كانت تتحدث وتبكي، فاحتوتها خالتها وهي تبكي مثلها وتدعو على شقيقتها وظلمها لبناتها.
انتفضت من الحوض، وجففت وجهها، وهي تحاول التقاط أنفاسها من محاصرة الماضي لها.
صمتت قليلاً، وهي تسترجع أحداث اليوم، وشرودها الدائم الذي لم يكن إلا حقيقة مفرغة.
كم تستنكر شرودها، وتلك الغفوات التي تأتيها على حين غرة، وكأنها تريد دوماً أن تذكرها بماضيها التي تركته خلف ظهرها.
الجميع يحلم ويشرد بما سيحدث أو بأحلام تدل على إشارات معينة، ربما فرح أو حزن. إلا هي، ما أن يخلو المنزل عليها تغفو لِيحاصرها الماضي كأنه حقيقة حدثت بالأمس، وما أدراك ما الماضي، وما عانت به!
تهكمت على حالها، وقد بدأت بارتداء ثيابها، وهي تلعن بهبة للذهاب بدونها، وتركها هنا تصارع جراح الماضي داخل أحلامها.
أغمضت عينيها، وهي تصارع الحنين الذي دب بقلبها له، وهي تتحسس سلسالها الذي لم تخلعه من عنقها منذ أن أعطاه لها، رغم أنه لم يعد يعني لها شيء.
نهرت نفسها بعدما امتدت يدها تجاه هاتفها، لتتعثث عن أخباره، وهي تذكر نفسها: (أيتها الغبية لم يعُد لكِ، ولم تعودي له، ولو علموا مكانك لقتلوكِ وانتهيتِ).
مازالت بعد خذلانه لها تبحث عنه، وتحتفظ بسلسلته.
(آه يا عمار لما فعلت؟)
ما أن هداها عقلها للصواب، عادت لرشدها، وهي تعاهد نفسها على الثبات على موقفها.
ألقت بهاتفها على الفراش، واستقامت لتؤدي فرضها. توضأت وزينت وجهها بحجابها، ووقفت تناجي ربها وتتضرع إليه بالدعاء ألا يخيب مسعاها، ولا يشمت بها أعداؤها، وأن يحفظ لها طفلها وينسيها مر ما مضى. آمين.
أنهت صلاتها، ومن ثم لملمت حاجيتها الأساسية لتهبط للدور الأول حيث مجلسهم معًا. حملت حاسوبها وهبطت للأسفل بمكان تجمعهم بالمبنى الذي حولوه لمجلس ومقهى، تتصفح حساباتها الشخصية، وتتابع عملها بصمت مطبق، بينما تحاول أن تهاتف تلك المرأة التي عادت لتختفي مجددًا. لقد سئمت الأمر كله.
تلك المرأة لم تعد مريحة بالنسبة لها، تشعر وكأن شيئًا بها غير طبيعي.
حاولت مرارًا أن تطمئن منها على سير التحقيق، مؤكد أدلت الآن بشهادتها، لكنها لم تفلح في الوصول إليها.
عاودت تفقد حساباتها بقلة وعي، إلى أن انتفضت فجأة صارخة ما أن وقعت عينيها على ما لم تتوقعه:
"لا.. لا ما هذا! لا يمكن."
***
اتسعت أعين "فريد الزيني" وهو ينظر للصور التي أرسلتها ابنة شقيقة بفخر. خطة محكمة هو ما يصنعها عليها. سيريها الآن من هو فريد الزيني، وكيف يكون انتقامه لمن يتجرأ عليه؟
هتف بانبهار:
"يا إلهي يا نيرة! أنتِ تذهليني حقًا. من أين لكِ كل هذا التفكير يا ابنتي؟"
ابتسمت نيرة بزهو، قبل أن تهتف بجدية ونبرة تهديد خفية، وهي تمسح أنفها مرارًا:
"لقد وعدت ونفذت، وها هي خطتك تسير بسلاسة نحو الهدف. أين وعدك لي؟! أتذكر بما وعدتني!"
ابتسم فريد، وهتف بذات النبرة اللعوبة التي يتقنها، وهو يستمع وينظر لعلامات إدمانها عليها بظفر عبر مكالمة الفيديو التي تظهر وجهها:
"منذ متى وأنا أخلف وعدي معك يا نيرة؟ لا داعي لتلك النبرة التي تتحدثين بها معي. بيجاد لن يتزوج مجددًا إلا بكِ فقط. انتظري فقط لانتهي من أمري، وننظر لأمرك حتى لا يشك أحد بنا."
انشرح قلبها، وأغلقت الهاتف على وعد باللقاء، قبل أن تسأله متى سيعود للقصر، ليجيبها اليوم أو غدًا.
ما أن انتهى فريد من حديثه مع ابنة أخيه، التف ذلك الذي يجلس خلفه، وبجواره احداهن تتلمس صدره بعهر:
"لقد سقط حبيبك المالكي هذه المرة، وأظن أنه سيبيع لك ولن يقف على قدميه مجددًا."
هكذا هتف فريد، قبل أن يجيبه "عصام السكري"، شريك عادل المالكي بالإذاعة، والذي يطمح منذ زمن، بعدما حققت المحطة أرباحًا هائلة، أن يمتلكها وحده:
"أتظن أنه سيستلم بتلك السهولة؟ أم سيفلت منا كما كل مرة؟!"
تذكر السكري المحاولات المتعددة التي فشل مسعاها جميعًا من أجل النيل من المالكي وإجباره على البيع، لكنه بكل مرةٍ يجد مخرجًا جديدًا يجعلهم بحالة صدمة.
عاود فريد النظر للصور مجددًا، مردفًا برغبة قاتلة بصاحبتها:
"سنظل وراءه حتى يسقط، لا تقلق."
"أتمنى."
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل السابع 7 - بقلم اسما السيد
حاليا لا تملك إلا أن تعاود صُلح شقيقتها.
قلبها يحدثها أنها تعلم عن ربى شيء.
لكن عليها أن تنسج خطة محكمة؛ لتستطيع أن تثير شفقتها أو ربما خوفها، وتوصل عقلها لشيء ما لن تستطيع أن تكذبها شقيقتها ما أن تخبرها به.
لقد كانت دائمًا بئر أسرارها وتدفعها على ما لا ترضي هي بها، تشجعها وتحثها على الدوام.
ستضغط علي حالها حتي تصل لمرادها قبل أن يفتضح أمر ابنتها، وتشمت بها فتنة، وعائلة زوجها.
يكفيها زوجة ابنها تلك العلكة التي باتت متأكدة أنها تعلم كل شيء وتتفنن بإلقاء الكلمات الشَّامته بها.
مؤكد استمعت لهما تلك الليلة أو ربما ولدها الذي يسير خلفها كظلها من أخبرها، وهذا هو الاحتمال الأرجح.
ارتدت عباءتها، وخرجت غير مكترثة بتساؤلات زوجة ابنها، وخرجت متوجهه لبيت شقيقتها، وهي تلعن تحت انفاسها ابنتيها اللتان دفعتاها؛ لتنحني ولأول مره بحياتها.
ما أن فتحت شقيقتها لها ورأتها الا وكادت تغلقه بوجهها لكنها، هتفت بغضب:
_ أين ريم ؟
_ لا ابنة لكِ عندي هيا يا نعمه لا أريد أن تحدثِ فضيحة هنا.
ارتفع صوتها، وهي تنادي ابنتها الصغرى لكنها لم تجيبها.
تعلم أنها هنا لقد رأتها بشرفة المنزل قبل دلوفها تنشر الثياب.
تملكها الغضب لكنها هتفت بصياح:
_ على كل حال لست هنا من أجل الحقودة التي بالداخل، انا هنا من أجل ربى أخبريني أين هي؟
لم يترك محمود مكان إلا وبحث عنها به.
لقد هَاتفنا زوجها أمس يسأل عنها وعن طفلهِ.
اتسعت إبتسامة شقيقتها بل فلتت منها ضحكة صاخبه وهي تنظر إليها مردفة باستنكار من كذبات شقيقتها التي لا تنتهي:
_ لا تمثلي تلك التمثيلية مجددًا !
أي زوج من يسأل عنها يا نعمة؟!
يا الهي أي أم أنتِ..!
أما زلتِ تختلقين الكذبات انا وأنتِ والبلدة بمن فيها يعلمون أنه غارق بالعهر والفاحشة خارج البلاد.
دعكِ من هذا ألا ترين صورة على الانترنت هو وتلك الحقيرة التي يعيش عالة عليها.
ألا تحزني علي ابنتك التي أَلقيتِ بها للهلاك من أجل حقير مثله؟!
أي قلب تملكين انتي؟
مما أنت مصنوعة؟
حجر!
_ لا دخل لكِ بصناعتي يا شهيرة.
أتعلمين كانت غلطة عمري حينما استأمنتك عليهن لقد افسَدتهن بدلالك، وتلك الأفكار المتحررة، ألا ترين كيف ينظر الناس لكِ؟!
أرادت نعمة أن تحرقها كما احرقتها بالكلمات، تعلم أن شقيقتها ضعيفة الشخصية، وان أظهرت عكس ذلك وأن زوجها رحمه الله من كان كسد منيع يواجه عنها كل شيء أما الآن فلا أحد سيرد عنها.
لكنها تفاجأت بتلك التي خرجت مندفعة تحارب عنها ولم تكن إلا ابنتها:
_ نعم نري يا أمي ، نري كم يعقدون المقارنات بينك وبينها بكل شيء!
فهي عكسك تماما على كل حالٍ .
يكفي حنو قلبها واحتوائها لأبنائها، وبنات شقيقتها ذو القلب المتحجر.
_ ريم اخرسي
_ لن أخرس ياامي ..إلي متى تريدين اخراسي بعد.
لن ادعك تبخين سِمك بخالتي؟
ماذا تريدين منا بعد؟!
زواج…تزوجنا..أموال وورث ..تركناه لابنك المبجل..ماذا بعد؟
اتركونا بحالنا يكفي ما حدث لربى التي لا نعلم عنها شيء!
يكفي لهنا.
خرجت بُخفي حنين، لم يوجعها قدر أن ابنتها انحازت لشقيقتها التي طالما فضلها الجميع عليها.
ما بها شقيقتها زيادةً عنها، قبل أن تدلف لشارعها اتسعت عيناها بصدمة.
صدمة من صدفة لم تكن تتوقعها بأقصي أحلامها..
لقد عاد ابن فتنة!
عيناه جابت صورها من جديد ومنذر يحدثة عنها وعن كل ما توصل له عن حياتها.
عن تلك التي تحدت آل الزينى، ولم تكترث واشترت عداوتهم.
قبل أن ينتفض ليخرج من الشقة ليلحق بالعشاء المقدس..ببيت الزيني.
منظومة أخري لا يسمح باختراقها أحد تسير حياتهم كما يسير العمل بآلية، ونظام غير مسموح لأحدهم أن يخترقة ويتخلف عنه مخافة من ثورة الجد الذي لا يرحم أحد.
وحده بيجاد دومًا ما كان خارج المنظومة دائمًا، ولا يعبأ لأحد بعدما يأس الجد من إخضاعه له، وأن يجعله يسير تحت كنفه لكن ما أن لمح تمرد بيجاد عليه، وعلم أنه قادر علي التخلي عنه، وعلي أن ينجح وحده قرر الخضوع له؛ لعلمه أن وحده بيجاد بشخصيته الجاده التي لا ترحم قادر على علو شأن صناعتهم.
ناهيك عن والده الذي أسقط إسم الزيني أرضًا بنزواته وعهرة وتلك الاشاعات التي طالت اسمه.
لذا لم يرد أن يخسره، ويخسر باقي أحفاده الذي زرع فيهم قيمًا ومبادئ لا عبث فِيها لكن خير من ورثها كان بيجاد.
فصارت كلمته وحكمه يوازي حكم الجد إن لم يكن يسبقه.
الآن بعد كبره، وبعد تلك الحادثة التي أودت بما تبقي من رحمة بقلب بيجاد بات الجد يهابه، ويهاب كل ما يخصة.
حان وقت العشاء، واجتمعت الأسرة جميعها عداه هو.
اقترب الجد يتسند علي عصاة بوجه صارم كما اعتادوا منه.
كان يستمع لِثرثرتهم، وهو يهبط الدرج، وإلى شجارهم المبطن بشأن ما حدث.
لمعت عيناه بالغضب، وهو يتوعد كل من تسبب بتلك الحادثة ما أن اقترب خنست الألسنة، واحتل الصمت مائدتهم.
حياهم الجد باماءةٍ من رأسه، وعينيه تحوم بحثًا عنه كبيرهم من بعده هكذا فكر بتهكم.
لقد أرسل له أن يأتيه فورًا لكن كالعاده لا يلتزم أبدًا يأخذ اوامره هباءً اللعنة على تمرده.
فاض الكيل بالجد فدق عصاة بالأرض، مردفًا بغضب:
_ فادي أين إبن عمك إلى الآن؟ ألم تخبروه بطلب حضوره على الفور أم ماذا؟
ابتلع فادي ريقه، ومسح على وجهه بغضب مكتوم يقاوم بضراوة ألا يظهر للعلن، وهتف بهدوء عكس التوتر الذي احتل داخله:
_ أخبرته يا جدي وهو الآن بطريق العوده لا تقلق أبدًا
_ لا اقلق، وكيف لا أقلق، وكل تلك المصائب فوق رأسنا برأيك يا دكتور فادي؟!
إلى متى سأظل ألملم من خلفكم مصائبكم الواحد تلو الآخر؟!
ابتلع فادي ريقه بصعوبه لم يعد بقادر على تحمل المزيد يعلم أن جده لا يرحم بالخطأ.
كم يخنقه الروتين ويخنقه الضغط النفسي الذي دائما ما يعيشون به منذ ولادتهم!
ليته يستطيع التمرد والرحيل وإلى الأبد، واللعنة على المال وما صنع منهم.
واجهت عيناه عينا جدة، وهالهُ نظرته السوداوية التي دفعته ليقول:
_ ياجدي الجميع يعلم من نحن، وما نستطيع أن نفعل للرد على تلك المرأة إن كان هي أو من حولها لكن ليس نحن من اعتدنا اهانه النساء سنرد عليها لكن بطريقتنا الخاصة كما أننا سحبنا كافة الإعلانات الداعمة لمحطتها، وقمنا بالاجراءات القانونية اللازمة، وهذا كفيل بردنا عليها أنها القاضية لهم.
على كل حال لن يصمدوا كثيرًا فجميع شركاؤنا فعلوا المثل تضامنا معنا.
لقد علمنا من مصادرنا مدى صدمتهم وتوترهم.
لا يعلم كيف خرجت منه تلك الكلمات لم يكن من محبي الحديث عن العمل يوما لكن حينما وقعت عينه على نيره شقيقته وبعيونها نظرة سخرية ازعجته، هتف بغيظ ولم يكترث.
نظرتها تشبه نظرة عمه فريد بل هي نفسها.
جن جنونه من غطرستها وحقدها التي لا تكافح ولو قليلًا؛ لتخفيه فنيره هي الأقرب شكلًا ومضمونًا من عمه فريد و طباعه الحادة الهدامة لكل ما هو جميل؛ لذا لم يرد أن يصمت، وهي تتلمس الأخطاء لسياسة بيجاد وسياستهم.
بادلها بأخري لا مبالية جعلتها تهتف بغيظ:
_ أي اهانه يا دكتور فادي ما تتحدث عنها تلك المرأة تستحق القتل بل تستحق فضيحه لا مثيل لها كما فعلت لنا، وعلى كل حال إن كان هذا رأيكم.. دعني أنا أرد عليها، ومنها أكون امرأه تجاه أخرى لكن أن نصمت هكذا لا يمكن.
لقد أصبح إسم الزيني علكة على كل الألسنة والفضل لها، ولتلك المرأة اللعينة زوجة الرجل التي ادعيتم أنه أنتهي أمرها، ولن تفتح فمها أبدًا مجددًا.
بتلك اللحظة دلف فريد الزيني بهيبته وغطرسته الواضحة التي لم يمحها الزمن غير مكترثًا بالأعين التي احتدت ما أن دلف.
حياهم ببساطة، وجلس أمام ابنة شقيقة، ولمعت أعينه بالشر والظفر من كلامها، مهما ادعي فريد الزيني الطيبه دواخله ونواياه خطرة.
_ ما هذا الهراء نيره ماذا تريدين ان تفعلي ؟
_ ما سمعته لا تتدخلي انت يكفيك شغل البيبي ستر التي تجيدين فعله حتى طفل صغير معافي لاخي لم تستطيعي انجابه له!
_ نيره !
_ نيره اخرسي!
وازي صوت فادي صوت فيصل الصارخ على شقيقته؛ ليصمت فادي احترامًا لشقيقه الأكبر ما إن أردفت بتلك الكلماتخفضت فيروز رأسها بصمت موجع حتى أنها كادت تترك المائدة بأكملها لولا يد فيصل التي تمسكت بها من أسفل المائده؛ لتجلس.
ألقى عليها نظره حنونه بينما شرع يمسد كف يدها بحنوكم يعشقها ويعشق تفاصيلها !
هي نقطة ضعفه الوحيدة كما يعرف الكل.
يعشقها بجنون وهذا سبب خلافاته معها بسبب غيرته المجنونه عليها لكن عدا ذلك لا يهتم ابدا لا بِطفل ولا طفلة.
ابتلعت نيره ريقها بذعر داخلي بينما تحاول الثبات أمام غضب شقيقها الذي يشبه العاصفه ما أن يمس زوجته المصون.
اللعنة عليها دائما لا تستطع الصمت!
عليها الثبات الآن حتى لا تظهر بمظهر حَرج أمامهم من رعبها منه لكنها التفتت لتنظر لعمها الحبيب الذى حضر أخيرًا بنظره استنجاد فهمها الجد، وهو يراقب كليهما.
_ اياكِ والحديث مع زوجتي هكذا مرة أخرى، وإلا كسرت عظامك، وقطعت لسانك السليط هذا.
كم مرة أخبرتك من قبل لا تتدخلي بما لا يعنيكِ، وبالأخص وضعي أنا وزوجتي.
_ فيصل هي لم تقصد اهدأ.
هكذا هتفت والدته بعدما توسلته بعيناها ألا يتهور أمام الجميع لكنه لم يهدأ بالعكس نظرة والدته، ودفاعها عن شقيقته بالخير والشر يجعله بأقصى درجات جنونه منها لكن ارتفع صوت مستنكر آخر علي صوته جبره أن يصمت:
_ فيصل اترفع صوتك وأنا هنا بينكم!
اخرسه صوت الجد مؤقتًا ناويًا معاقبتها فيما بعد.
حاولت فيروز تحرير يدها من يده لكنه أبى أن يفعل بل رفعها مقبلًا إياها بعشق لا خلاص لها منه، وهو يحرك شفتيه يذكرها بشيء خاص جدًا بينهم وينهىهِ بقبلة على يديها، وهو يهمس:" أحبك يا فزورتي"؛ لتبتسم جبرًا عليه، وعلى أفعاله الطفولية التي لا تنتهي.
ازداد سخط نيره ومشيرة؛ لتردف نيره بحقد، وهي تنقل نظرها بين العم والجد لاسيما عمها الذي يستمع لها بنشوه نصر.
وهي تحكي خطتها التي اقترحتها له من قبل للخلاص من المذيعة لكن باختصار واقتصاص المثير منها، وكل ما يخصها لكنها لم تزيد الطين إلا بلل بسبب صرخة فيصل عليها الذي اتسعت عيناه صدمةً مما تحكيه بأريحية:
_ نيره اصمتي أفضل لكِ منذ متي والنساء تتدخل بأعمالنا؟!
ثم ما كمية الشر التي تتمتعين بها هذة!
من أين لكِ كل هذا؟!
الأمر لا يستدعي كل ذلك سنتدخل قانونيًا ونحلها لا داعي لعك النساء ومكرهم.
علي الرغم من أن "فيصل" هو أساس الكارثه هو وعمِها وهما من افتعَلوها بمصنعهِم الذي جعلهم الجد مسؤولان عنه إلا أنه كان ذو لسان سليط دائمًا بالحق، غيورًا متملك على ما يخصة من النساء.
لا يخشى أحد ولا حتى الجد نفسه فحينما فعل صرح بفعلته، ولم يكترث بغضب عمه منه، ورغم أن الجد مازال غير راضيًا عنه إلا أنه لم يعترض فيكفيه فخرًا اعترافه بفعلها عكس ابنه الذي أنكر تمامًا علاقته بما حدث ولصقها بابن أخيه الشاب.
هتفت نيره ببرود:
_ أنا أقول الصدق يا فيصل لقد أصبحنا علكه، والصحافة والإعلام يلاحقوننا من هنا لهنا تلك المرأة عليها دفع ثمن ما فعلته.
ليتها تحترق في الجحيم إلى الأبد!
_ وماذا تقترحين يا سيدة نيره؟
كان هذا صوت فادي الساخر الذي خرج عن صمته أخيرًا.
لطالما كان يتجنب الحديث خصيصًا بوجود الجد لكن تلك المرة صرح بتهكم متجاهلًا صوت الجد الذي اخترق آذانهم بأن يصمتوا، ويكملوا طعامهم، وهو سيتكفل بالأمر لكنها لم تستمع كانت بحرب نظرات بينها وبين فادي الذي اشمئز منها ما أن لفظت ما لفظته:
_ لا وقت لاقتراح يا دكتور فادي لقد بدأت بالفعل.
انتفض فيصل من مكانه صارخًا بها بقوة أكبر:
_ ماذا فعلتي يا نيره؟ اللعنة عليك؟
لمعت عينا فريد الزيني بمكر ونصر.
كم يتفاخر بتلك الفتاه فلم تخيب له ظنًا أبدًا هي الوحيدة من بينهم تماثلة بكل شيء حتى بسرعتها واندفاعها.
عينا فريد التي لمعت بانتظار حديثها كانت كفيلة بزيادة ثقتها بنفسها، وبما فعلته لكنها لم تُخفي عن الجد المراقب له تمامًا.
فريد ابنه كان خارج دائرته دومًا حضر أم لم يحضر لم يكن يكترث له، وفي الأغلب لا يأتي أبدًا، ومجيئه بهذا الوقت تحديدًا أثبت له ما يشك به تمامًا، وأن ما يحدث على هواه جدًا، وربما ما وصلة من معلومات عنه هذه الآونة هي حقيقية جدًا.
لمعت عينا الجد بغضب آثر أن يبقي كامنًا فربما قد كبر ونالت الشيخوخة منه لكنه مازال فطنًا، ويشم رائحة الغدر والخسة من على بعد أميال، وما يحدث الآن هو حملة ممنهجة ضد أسمه الذي نحت في الصخر ليصل إلى ما هو عليه الآن هو وأجداده.
جففت فمها برقة غير مكترثة لصراخ أخويها، وهتفت بثقة:
_ العين بالعين والبادي أظلم يا فيصل.
_ ماذا تعنين لا افهم عليكِ؟
ألقى الجد بمعلقته على الطاولة صارخًا:
_ ألم يعد لوجودي احترام بينكم، تصرخون أمامي هكذا.
_ لكن يا جدي الم تستمع لما تقوله، دعني أربيها كما يجب.
هكذا هتف فيصل بغضب قبل أن تهتف نيرة:
_ قم بتربية نفسك أولًا، الست من افتعل تلك الكارثة.
أجابها ببرود تلك المرة وهو ينظر لعمه الجالس كالاخرس لكنه منتشي:
_ لست وحدي من افتعلها، اقلة انا اعترفت بخطأي أما الآخرين..
صمت بمغزي قبل أن يصرخ الجد:
_ قلت اصمتوا.
ولكن صوت جهور آتٍ من خلفهم قطع شجارهم:
_ ولما يا جدي دعنا نستمع، ونصفق لما فعلته ابنة الزيني المحترمه، لقد جعلت الجميع يبصق علينا، ويشير علينا أننا بلا شرف.
اتسعت عينا نيرة بخوف حقيقي من وجودة، ومن إمكانية أن يكتشف حقيقة الأمر:
_ ماذا تقول أنت؟
مال برأسه ناظرًا لها بنظرة سوداوية:
_ لم يتجرأ أحد علي خرق قوانين العائلة مثلك، لقد افتضحنا بسبب فعلتك، وإن كان لنا حق واحد بما حدث فقد ضاع بسبب غبائك، لقد اشتكت المذيعة وتقدمت بكل ما يحدث معها من تهديدات للنيابة وجاري البحث عن من فعل.
_ ها، لا لا لم يحدث.
صاح الجد بغضب:
_ اللعنه عليكم جميعًا، بيجاد ألحق بي.
اجتمعوا جميعًا بالطابق الأسفل حيث اختاره قاطني الكومباوند المكون من ستة أدوار ليكون مكان مجلسهم.
الكومباوند لا يسكنه إلا ثلاث سكان فقط "رامي الريس" وزوجته "هبة"وطفله "عمر" و "ربي راشد " وطفلها "عزالدين" والأخرى كانت دكتورة أثير التي سافرت لانتداب طبي لأحد البلاد منذ شهرين، ولم تعد بعد، وباقي الأدوار كانت ملكًا لصاحب البناية وأولاده القانطين بإحدى دول الخليج العربي.
والدور الأول كان فارغًا لذا استأذنوا؛ ليسْتغلوه ليكون مكان اجتماع لهم.
قرروا استغلاله ليكون كاستراحةٍ لهم ليِسهرا معًا دون حرج، وليلعب أطفالهم معًا، ويستطيعون تركهم مع حارس العقار وزوجته دون الاضطرار لِدلوف شققهم.
خصصوا لكل شقة غرفة بالدور الأول بها بعض من أساسيات الأطفال التي قد يحتاجونها إن لم يكونوا هم معهم.
لقد وضعت ربي كل ما تملك في تلك الشقة بعد عام من محاولة إقناع هبة ورامي لها بعدما عرفها رامي على زوجته وأثير بعد عملها معَه "كَفويس أوفر " على المنصات الاجتماعية.
احبُوها ودَعموها حتى تخلصت من الكثير من العراقيل بحياتها.
بالبداية كم تمنت لو تستمع حقًا لهم، ولكن المال والخوف كان عاقبتها الوحيده.
ظلت تعمل بجد حتى استطاعت أخيرًا شراؤها والانتقال لهنا هربًا بعدما استطاع رامي مساعدتها في بيع الممتلكات التي كتبتها لها والدة زوجها رحمها الله.
لا أحد يعلم أنها أفنت معظم مدخراتها التي كانت تدخرها للزمن، وتلك الأموال التي تأتيها من عملها، ومنصات التواصل، وعملها كَفويس أوفر التي مازالت تعمل به بالكاد يكفي مصاريف دراسة طفلها، ودراسة الدكتوراة التي عكفت على تكميلها.
مازال لديها الكثير؛ لتحققه لكن يبدو أنها انتهت وانتهى مسيرتها.
لو انتشر هذا الفيديو لها بتلك الهيئة المقززة كما يُهددوها ستنتهي حياتها، وسيصل إليها من تركتهم، وهربت وستنتهي حتمًا.
اقتربت هبه منها، واحتضنتها بحنو وخوف حقيقي عليها فربي من النوع الذي يدخل القلب على عجل.
فتاة هادئة ووجهها يبعث بالنفس الرضا والراحة، ورغم أنها كانت بالبداية غير راضية عنها، ولا عن عملها مع زوجها ودبت الغيرة بقلبها كأي أنثى بمكانها الإ أنها ما أن صرحت له بذلك إلا وضحك وأصر أن يريها من هي تلك الفتاة التي تغار منها صاحبة الحنجرة المميزة التي تمتلك ملايين المعجبين على منصات التواصل الإجتماعي، وبالفعل اصطحبها معه للإذاعة.
كانت بدأت هي للتو العمل بها، وعرفها على ربى التي صعقت ما أن رأتها بذلك الجمال والبراءة لم تتحرك شعرة غيره واحده منها آنذاك كل ما شعرت به هو الشفقة عليها.
علي طفله وبجوارها طفل مثلها.
كانت تصطحبه معها بِبداية برنامجها حتى لا يشك بها أحد من البلدة.
لقد تفاجأت بصغر سنها.
كانت بالخامسة والعشرين من عمرها آنذاك بعد بينما هبة بالَسابع والثلاثون ورامي بالخَامسة والأربعون ،وطفلها بالصف الأول الإبتدائي.
رأتها طفلة بجوار طفلها تصارع الحياة كأم وأب له.
شعرت بالأسى عليها وحمدت الله علي حالها التي كانت تتذمر عليه، وتشكو منه.
لقد كانت دومًا حزينة؛ لأنها لم تستطع إنجاب إلا طفلها "عمر" بعد العديد من المحاولات الفاشلة لعمليات الحقن المجهري.
حمدت الله وشعرت بالفخر من زواجها برجل كرامي الذي آثر مساعدة ربى حينما أخبرته حكايتها قبل عملها بالإذاعة معه.
كانت رافضة بالبداية لصعوبة التنقل لكن ما أن علم رامي ظروفها، وطموحها أصر عليها وحمسها؛ لتحقيق ذاتها..عملها كفويس أوفر لإعلانات السوشيال ميديا كان ناجح جدًا، وهذا ما جعل عادل المالكي يهرول للتعاقد معها.
رغم فرق السن بينها وبين ربى إلا أنها لم تهتم له، وكذلك ربى حتى أنها بعدها عرفتها بأثير جارتها التي كان لها الفضل الأكبر بإقناع ربى بأن تنفض الماضي عنها وعن رأسها وتأتي لتعيش معهم.
احتضنتها بحنو أشبه بالاحتواء ربى ليست صديقة فقط بل تشعر بأنها ابنة لها هي وأثير، وهي والدتهم حقًا،
اردفت بحنو بعدما انتهت من الهمس لها ببعض الآيات القرآنية بأذنها:
_ اهدأي ربى مؤكد الجميع الآن يعلم بعد البث الذي بثه رامي أن من فعل تلك الأفعال، وينشر عنك تلك المنشورات الإباحيه ليس أنتِ بل من فعل آل الزيني العظماء كما أن الجميع أصبح علي دراية جيدة بمن هي ربي راشد، وكيف هي أخلاقها ثم أننا بموقف قانوني الآن جيد.
ألم تري بعينك كم التعليقات التي تدافع عنك قبل حتي البث المباشر؟!
هكذا هتفت هبة التي هالها انهيار ربى ما أن دخلت عليها بعد عودتها هي والأطفال.
الحمدلله الذي هداها لتعود في ذلك الوقت بعدما كان الأطفال يتمسكون بالبقاء أكثر بعد فربى تصاب بنوبات هلع، وبكاء خارجة عن إرادتها ما أن تقع تحت ضغط.
اقترب عزالدين الذي يبكي كأمه منذ عادوا، واحتضنها بحماية هامسًا لها بأذنيها بحنو:
_ لا تبكي يا أمي ستمرضِ.
لطالما انهارت ربى مع كل نوبة حزن وتوتر.
تتحول للنقيض وتصاب بحالة من اللاوعي والبكاء ولطالما شهد طفلها على ذلك.
لقد ظنت أن بانتقالها وهروبها من ذكريات الماضي ومآسيه أن الأمر سينتهي لكن يبدو أنها كانت مخطئة فحينما رأت تلك الصور المقززة المرفقة بصورتها الشخصية علي الواتس، واسفلها تهديد خالص لها إن لم تنهي المهزلة هذه أصابها التوتر وشعرت أنها ستنهار، ولن تجد من يسعفها، و تماسكت بأقصى قوةٍ لها.
الحمدلله أنها هبطت للأسفل حتى تسعفها أم رضوان زوجة حارس العقار التي أسرعت تنادي رامي لكي تخبره.
مازالت لم تصدق تلك المصيبة التي حلت فوق رأسها وألف احتمال يدور برأسها، والخوف الأكبر من ظهور صورتها هذه علي السوشيال ميديا لكن سرعان ما انهار عالمها ما أن عاود الرقم أرسال فيديو لها يهددها إن لم تتنازل عن سكوتها التي قدمتها، وإلا لا تلوم الا نفسها.
صدمت ما أن فتحته، وهي تكافح لتمسك نفسها وصراخها ، وهي ترى تلك الفتاة بالفيديو نسخة طبق الأصل منها بل من يراها يقسم أنها هي، هي تمامًا..!
تقسم أنها كادت تصدق من شدة الشبه بها لولا ثقتها بنفسها أنها لم ولن تفعل هكذا أبدًا.
غيامة سوداء غشت عيناها ما أن تبع هذا كله اختراق حساباتها الشخصية على السوشيال ميديا.
وقلب السوشيال ميديا جميعها عليها بل وصل الأمر لتهديدها باختطاف طفلِها، وهذا ما لن تتحملة.
خارت قواها، ولم تعد ترى أمامها لولا يد أم رضوان التي صرخت علي زوجها كي ينادي رامي مجددًا؛ ليلحقها ما أن رأتها تترنح باكية لكن سرعان ما تلقفتها يد هبة التي دلفت للتو مع الأطفال، وهالها منظر ربى.
احتوت هبه حالتها بخوف وحنو كما تفعل دائمًا.
عادت من شرودها وأجابتها بابتسامة متعبة نوعًا ما على طفلها الذي عاود سؤاله لها على حالتها:
_ أنا بخير يا عمري لا تقلق.
_ حقا يا أمي ؟
_ بالطبع.. أمك قوية لا تخف.
ابتسم عزالدين بسعاده ما أن اطمأن قلبه البريء، وهتف بسعاده:
_ أن كنتِ كذلك فهيا لقد دلف الجميع لبيوتهم دعينا نخرج نمرح، ونلعب سكيتنج.
فرح الأطفال، واقتربوا يتوسلون ربى حتى كادت تستسلم:
_ حسنا دعوني أستعيد قوتي أولًا، وأعدكما بذلك ربما غدًا لكن ليس اليوم أرجوكم.
صفق الجميع بمرح كالاطفال، بينما هز رامي رأسه مردفًا بقلة حيلة منهما:
_ الله يرزقني الصبر ورجل معي ليحكموكما لقد سئمت جنانكم.
اتسعت أعين هبه، وهتفت بسخط:
_ ماذا تقول يا أبا عمر؟!
انفرجت شفتاه عن ابتسامة مصطنعة:
_ لا شيء ياروح أبا عمر.
رفعت ربى حاجبها، ومالت تهمس بأذن هبه:
_ الرجل محق نحن ننسى مآسينا بلمح البصر.
أَجابتها هبه بجديه مصطنعه:
_ نعم علينا فعل ذلك دائمًا.
الحياه يا عزيزتي لا تبقي كما هي أبدًا تتغير بلمح البصر أيضًا لذا لنستمتع بعمرنا.
ضحكت ربى مؤيدة إياها:
_ كلامك صحيح هبه علينا أن نمضي ركضًا فعجلة الحياة لن تنتظرنا.
شردت مجددًا قليلًا قبل أن تهتف هبه بها بقلة حيلة:
_ هيا لنصعد حتى نرتاح لما هو آت، و دعيها للخالق عزيزتي.
تشجعت ربَى ووافقتها، وهي تشجع نفسها بألا تنهار مجددًا.
هي لا وقت لها لتفعل حياتها ومسؤلياتها لا وقت فيها لذلك، وبعدما وصلت الحقارة بتلك العائلة لهنا فعليها أن تواجه بكل قوتها.
_ أنت ِ محقة هبه الحياه لا تقف على أوجاع أحد لكن..!
صمتت ربى، وألف سؤال، وعلامة استفهام عاد لعقلها جعلها تشرد قليًلا إلى أن دفعتها هبه:
_ ما بك بماذا شردت مجددًا؟!
التفت؛ لتنظر لرامي الذي اكفهر وجهه، وهتفت:
_ رامي تلك المرأة ( أم سلوان) زوجة العامل الذي من المفترض أن تكون أدلت بشهادته بالنيابة، لا تجيبني هل علمت ما قالته بالنيابة؟
_ ها ..
_ ها ماذا؟ أشعر بأنك تخفي عني شيئًا ما.
ازداد صمت رامي، وما عاد بقادر على الصمت أكثر لكن ما أن تأمل شحوب وجهها، وتلك النظرة التي طلت من أعين زوجته كي لا يُصرح بما يزعجها الآن صمت.
كيف يخبرها أن الأمر ازداد عن الحد؛ ليصبح كمعركة حقيقة، وأن حياتها الشخصية صارت علكة بين رواد السوشيال ميديا لكنه آثر الصمت رأفةً بها خصيصًا بعد شهادة تلك المرأة.
_ لا تقلقي يا ربى سنصل إليها، لم تدلي بشهادتها بعد.
_ لكن رامي !
_ لا لكن هيا اجمعي فقط شتات نفسك، وأنا سأخرج الآن.
_ ماذا إلى أين؟
هكذا هتفت هبه معترضة لقد قضوا اليوم كلة بالخارج وللان لم تستطع أن تلتم عليه، تريد أن تعلم منه بالأعلى كل شيء يخفيه عن ربى لكنه أردف بنبرة ذات معنى فهمتها هي:
_ لدي عمل لا يمكن تأخيره يا هبة، هيا سآتي بعد قليل.
اتسعت أعين هبه، وهتفت:
_ أشم رائحة خيانة أقسم لأمسك بك ذات يوم.
ابتسمت ربى ابتسامة متعبة حقًا على جنان هبة، ومن ثم صعدت كل واحدة لشقتها.
ما إن خرج رامي من المبنى وجد صديقه ينتظره.
القلق ينهش به وبعد ما أخبره به المالكي عن شهادة تلك المرأة وإنكارها لمعرفة ربى من الأساس أصابة بمقتل، ومع وقف إعلان برنامجهم ومحو كل شيء يخصهم من القناة ضعف موقفهم، ويشعر وكأن المعبد تهدم من فوقة.
لم يعد يعلم أي شيء لذا عليه أن يفهم.
_ ما بك لما تأخرت هكذا؟ ولما كل هذه العجلة هل هناك خطب ما ؟
هكذا هتف معاذ صديقه، والذي يعمل بجهة أمنية سرية بالبلد هو نفسه لا يعلم غير أنه يعمل لدى الداخلية وفقط.
زفر رامي بصوت مختنق، وهتف:
_ دعنا نجلس بمقهى أولًا، وبعدها نتحدث.
_ حسنا هيا بنا.
بعد برهة كانوا يجلسان سويًا، ورامي يحكي له بعجالة عن ما حدث.
_ يا الهي ألم تجدوا إلا عائلة الزيني؛ لتشتبكون معها رامي ألم تسمع عن فريد الزيني وقذارته؟!
وما هو بقادر على فعله.
لقد وصل الأمر لما قد لا تتخيله يا رامي نحن بالأساس نتعسس عليه منذ فترة، أنه رائد الدعارة الأول بالشرق الأوسط، ورغم أننا متأكدون من ذلك إلا أننا لم نستطع للآن أن نمسك علية شيئًا يدينه، وحتى أن توصلنا يجد مخرجًا ينفذ منه، أنه كالثعبان يلسع بلا رحمة.
لما لم تتصل بي قبل بث الحلقة وتخبرني واللعنة عليك أنتم الإعلام دائما ما تفسدون مخططاتنا؟!
صراخ، وانفعال معاذ لم يزده إلا خوفًا لكن ليس عليه إنما على ربى، وطفلها.
_ ليست المشكلة بالزيني وعائلته الآن أنت تعي انني قادر بعون الله علي قلب السوشيال ميديا بأكملها عليه رجلاً لرجل لكن تلك المرأة قد غيرت شهادتها تمامًا كما أن عادل المالكي أخبرني أن شربكه خلع يده منا تمامًا؛ ولان نسبته قليله بالمحطه أمره بتحمل المسؤولية كاملة، وأنه سيثبت أنه لا علاقة له بما يدور بالإذاعة هو من الأساس ليس له علاقة بالإدارة كما أن سحب الزيني إعلاناته من المحطة دمر الميزانية، وهدد بانهيارها.
هَتف معاذ بتهكم، وهو يزفر دخان سيجارته:
_ كل ما تقولة متوقع يؤسفني يا صديقي أن أخبرك أن موقفك حرج جدًا.
_ وبماذا تنصحني؟!
_ انسحب ودع لنا الأمر.
_ لكن هذا جبن، ولست من أهلة!
انفعل معاذ عليه، وهتف صارخًا:
_ ليس جبنًا يا رامي افهمني كل ما أخبرتني به من تهديدات هو نقطة من بحر لم يبدأ بعد.
_ هل تخيفني؟
_ أنا أقول الحقيقة يا رامي، ابتعد من أجل النساء.
_ وماذا عن الشكوى التي تقدمنا بها والتهديدات التي نتلقاها، وقد أثبتنا حالةً بها.
نظر له معاذ بصمت، وهتف متهكمًا:
_ للآن لم تفهم، المال أقوى من الشهرة، والسوشيال ميديا وَهم كبير، وكما رفَعوكم الآن مجرد خبر يتسرب لهم، ولو كذبًا عنكم سَيصدقونه و يرجموكم بالحجار.
اسمع مني يا رامي، ولملم ما تبقى، ودع الأمر يجري كما خطط له من قبل الأمن.
_ لكن!
_ ماذا؟
_ لن أسحب الدعوى المؤخرة يا معاذ التي قدمتها بذلك الرقم الذي يرسل تهديدات لنا ولربى.
_ انت لا فائدة منك.
_ قلت لك لست جبانًا! كيف لي أن أصمت، وهم يتهمون امرأة بتلك الإتهامات الشنيعة.
_ إذن استعد للحرب التي سَتفتعلها بيدك.
لم يزد كلام معاذ له إلا هم فوق همه جل ما يخشى عليه الآن هو ربى وطفلها وطفلة أيضًا وزوجته، وما قد ينالهم إن حدث وانتشرت صورتها، وفعل آل الزينى ما يهدْدوها به ستواجه حينها ما سعوا إخفائه طيلة الوقت.
تأمل معاذ وجه صديقه، وهتف بمغزي:
_ أخبرني ماذا تخفي بعد؟
صمت رامي قليلًا ثم هتف محاولًا إيجاد حل عنده:
_ ربى
_ مابها؟!
_ سأخبرك لقد وعدت ربي أن أتكتم على الخبر لكن لابد أن أخبرك لتفكر معي.
_ أعدك أن أفعل ما بوسعي.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثامن 8 - بقلم اسما السيد
بالبلدة:
لا يعلم لما أخذه الحنين لهنا، ولتلك الديار التي أقسم أن لا يعود إليها يومًا بعد خسارتها، وما صار بها.
لقد ظن أنه نسي، ومع احترام أهله له بعدم النبش بالماضي ظن أنه تعافى ونسي. لقد فعلوا تمامًا كما رغب.
اليوم عاد بعد عشرة سنوات بعد أن خالط الشيب شعر رأسه، وصنع ثروة لا بأس بها مكنته من رفع رأسه هنا.
الغريب بالأمر أنه لم يستطع تقبل هنا بأي شكل بلا وجودها، وبلا تذكر لخَذلانه لها.
لم يشعر بفرحة للعودة كما كان يسمع من أصدقائه طيلة أعوام.
المكان هنا تلخص بوجودها حتى لو نسيته هي ولم تعد تتذكره، هو يتذكرها طيلة الوقت.
هي معه أينما رحل وذهب.
سمع أنها أصبحت أمًا من غيرة، وكل ما يسمعه عنها يجعله يتجرع الألم والندم.
الندم ما يحركه الآن، ويتمنى لو لم يعد.
اقترب من مقهى البلدة بعدما يأست والدته من جعله يعدل عن فكرة خروجه.
إنه يقدر مشاعر اشتياقها له لكن أن تصل لحد الخوف الذي يراه في عيونها هذا لن يحدث.
كلما نظر إليها يشعر بخوفها من شيء ربما تخشى أن يكتشف كذبها عليه قبل سنوات، ولا تعي أنه بالفعل يعلم وانصدم.
لقد أخطأت الليلة زوجة أخيه، وصرحت بشيء عن ربى، وهي أنها لم تعد تعيش هنا.
سافرت لزوجها ومعها طفلهم بعد موت حمويها، ولا يعلم لما آلمه قلبه ولكنه آثر الصمت والوجع.
ما زالت ذكرى الماضي تعكر صفو حاضره، وهذا ما تيقنه بعد عودته.
_ عمار هذا أنت؟ يالهي حمدًا لله على سلامتك يا رجل.
اتسعت أعين عمار بفرحة حينما وقعت عيناه على صديق طفولته "وحيد الدقن".
_ وحيد هذا أنت يا إلهي لقد ظننتك ما زلت بالخارج.
التحم جسد الصديقان بعناق حار جدًا قبل أن يجلس كل واحد منهما على كرسي بعيدًا عن التجمهر الناتج عن مشاهدة إحدى المباريات.
_ لقد عدت منذ أشهر بأجازة أنت تعلم أنا لا أطيق الغربة بعيدًا عن أبنائي.
_ لما لم تأخذهم معك كما فعل الكثير؟!
_ البلد هناك ذات قوانين صارمة لا تسمح باصطحاب الأهل إلا للزيارة لشهرًا واحدًا، وذلك سيكلفني وقت ومال، فبدلاً من كل ذلك العناء، وبدل من عنائهم بالذهاب والإياب آتي أنا.
_ شهرًا واحدًا..؟!
_ نعم لما أنت متعجب هكذا لو كان الأمر سهلًا لفعلتها منذ زمن كما أنها بلد ليست آمنة يا صديقي جميعها عصابات أنت تعرف حال الدول الأفريقية.
لقد أُصبت بحادث كدت أموت به من قبل لكن الحمد لله كتب الله عمرًا جديدًا لي.
اتركك مني أخبرني ماذا عنك أنت؟ هل قررت إكمال نصف دينك أم لن تريح قلوبنا، وتفرحنا فيك وبك يا رجل؟
استطاع وحيد بخفة دمه اقتلاع عمار من شروده بحديث والدته وشقيقته عن رحيلها هي وطفلها للعيش مع زوجها، وحديث وحيد عن عدم إمكانية تأسيس عائلة بتلك البلد الذي من المفترض زوج ربى يعمل بها.
لطالما استمع لذلك الحديث من أصدقائه لكنه لم يصدقهم.
_ ما بك يا عمار شارد هكذا هل نسيت التحدث بالعربية؟ لا تقلق سأعيد عليك تعليمها، فأنا كما تعلم لا أصمت أبدًا.
ضحك عمار على صديقه، وانخرط معه بالحديث إلى أن تطرق وحيد لأمر المباني والعقارات، وعن شرائه لبيت ما زال يؤسس به؛ لينتقل من بيت العائلة.
_ بيت من اشتريت؟
_ بيت أبو ظافر الدُوعمه.
_ نعم.. بيت من؟!
_ ظافر ألا تعرفه! زوجة ابنة عمك ربى!
لم يكن وحيد يعلم عن قصة عمار شيء لطالما اكتفى به بالماضي جليس وصديق فلم يكن من محبي الاختلاط إلا بأمور الدراسة والعمل، وكل خصوصياته كان يحتفظ بها لنفسه.
_ نعم، نعم أعرفه لكن من باعه لك. لقد علمت أن والده ووالدته قد توفيا، هل هو ظافر نفسه أم من؟
هكذا هتف عمار، وهو يلعن قلبه الذي ما زال يريد الوجع من تعسُّسه على أخبارها.
صمت وحيد لوهلة يراجع نفسه، ويسألها هل يقول له أم لا؟!
لكن لو علمت زوجته أنه أفشى سر صديقتها ربما قتلته.
لكن كل اللعنة على لسانه هو الذي لا يصمت ولا يعرف.
_ ما بك يا وحيد هل أكل القط لسانك أيعقل أنك صمت؟!
حاول عمار إخفاء توتره، ولهفته لمعرفة أخبارها قبل أن يضع يده بحيبة، ويخرج سيجارة الفخار، ويمد يده بواحدة له بينما أشعل هو أخرى.
لمعت عينا وحيد وهتف بضحك:
_ مالبورو يا وعدي هكذا يحلو السهر.
ضحك عمار بخفة، وكل نبض به يهدد بفضحه.
استقام وحيد ليقرب مقعده من مقعد عمار هامسًا بجدية:
_ ظافر من يا رجل؟! الذي تتحدث عنه ظافر هذا يطوف سكيرًا بالبلد من محل لآخر؛ ليستقر الحال به عند امرأة عجوز لا تساوي إنشًا جانب زوجته.
أكمل وحيد غير واعٍ لحالة عمار الذي ارتجف كل شيء به بينما يبصق على يمينه:
_ اللعنة عليه لقد مات والديه، وهم غاضبون عنه.
أنت تعلم أنه يعيش بذات البلد التي أعيش أنا بها، وكان والده دومًا يهاتفني ليطمئن عنه قبل موته، وفعلت والدته المثل بعد موت زوجها لكن ما أن استمعت لعلاقته الأخيرة بتلك المرأة ورفضه العودة لزوجته لم تعد تسأل عنه.
لقد كتبت والدته كل شبر من ثروة زوجها، وثروة عائلتها هنا لربى وطفلها، ومن بعد موتها باعت ربى كل شيء هنا لي، ورحلت عن البلدة.
_ ماذا؟ ماذا تقول؟ رحلت إلى أين؟
انتفض عمار غير مكترثًا بمن حوله لكن لحسن الحظ أنهم جميعًا ملهون بالمباراة.
انتفض وحيد ممسكًا بيده؛ ليجلسه مكانه:
_ اصمت عمار ستفضحنا اقسم لو علمت منال ما أخبرتك به الآن ستقطعني إربًا هذا سر صديقتها، واللعنة!
حاول عمار تهدئة حاله، واردف بصوت منخفض نوعًا ما:
_ ألم ترحل ربى لزوجها هي وطفلها؟!
_ انظروا لما يقول ما زال يقول ذهبت لزوجها، ماذا أخبرتك أنا قبل قليل.
جميع المغتربون هنا بنفس البلد يعلمون قصة ذلك الخنزير النجس.
أنه يعيش عالة على تلك المرأة، فكيف سيصطحب عائلته.
لقد مرت سنوات هنا ولم يأتي منذ زواجه من ربى بقى معها فقط شهرًا واحدًا، ورحل ولم يعد نهائيًا بعدها.
_ يا إلهي! لكن أين رحلت ربى؟ وهل يعلم أخوها مكانها؟ وكيف يسمح لها وهي على ذمة رجل؟!
الكثير من التساؤلات حامت برأسه.
لقد عاد الماضي كله بلحظة، وعاد القلب العليل بها يدق بأمل من جديد واللعنة عليه.
إنه ما زال مولعًا بها.
_ أي عائلة يا عمار؟! أنت تعرف مدى جبروت زوجة عمك.
ما أعلمه جيدًا من زوجتي أن ربى هربت، وهناك من ساعدها على ذلك، وكان معها لحظة بلحظة وهي تبتاع لي كل شيء.
لقد اخترعت زوجة عمك هذا الحديث حتى لا تُفضح، وتصبح سيرتها علكة لكن أنت تعلم معظم البلد هنا بالخارج، وعلى علم بقصة ظافر والجميع يعلم أن ربى ليست معه.
عاد عمار شارد الذهن، كاره لكل العائلة وتحكماتهم الذي فرقت بينهم، وخصيصًا والدته ووالدتها.
تُرى أي نوع من العذاب تلقت على يد والدتها مجددًا دفعها لتفضل الهرب على أن تقضي باقي عمرها معها.
أخبره وحيد أنها كبرت، ونضجت أنهت دراستها وسعت لتصبح أعلى مكانة.
تبسم، وارتاح قلبه يكفي أنها لم تترك دراستها مثله، وهذا ما أراح قلبه.
أصبحت أمًا لطفل يفوقها جمالاً لقد رأى صورتهم برفقة أطفال وحيد بآخر عيد ميلاد لابن وحيد.
كانت هي به.
كانت جميلة بجواره كما كانت دومًا بل أصبحت أجمل من ذي قبل.
تذكر مقابلته لأخيها بالمقهى.
أخيها الذي لم يكلف نفسه حتى بضع كلمات وإلقاء السلام عليهم ما زال الحقد يملأ قلبه وعينيه كوالدته ووالدته هو الآخر.
أراد أن يفتك به ما أن تذكر توسلاته له من قبل أن يتوسط له عند أمه حتى تقبل به لكنه كان نسخة من والدته الحقد يملأ قلبه، وآثر وجع قلبه وقلب شقيقته على مساعدته.
تذكر آخر كلمات لفظها عمه بعدما سقط وذهبوا به للمشفى بعد شجار لا بأس به بين والدته وزوجة عمه واتهامات من الطرفين:
"لو كان بالعمر بقية يا عمار ما زوجتها إلا لك لكن سامحني أعلم أن النساء ستفرق بينكم، أن سنحت لك الفرصة كن بجوارها دومًا يا ولدي فَوالدتها تفضل محمود عليهن".
انزوى عمار بغرفته وبكى.
بكى كما لو كانت الذكرى أمس، وهو يدعو على حاله كما يفعل دومًا ليته مات لحظة خذلانه لها، ولم يفعل ما فعله.
عاد لأكثر من عشر سنوات:
والدته بصراخ:
_ كيف ستتزوج ابنة العاهرة هذه ألا تعلم ما فعلته لتوقع بين أبيك وزوجها؟
_ ماذا فعلت هي يكفي افتراءات ارجوك اصمتي يا أمي؟
_ لا لن أصمت تلك الحية أرادت أبيك، وادعت بأنه أراد اغتصابها.
لقد تسببت بطردنا من بيت العائلة، وما أن علم جدك الحقيقة كتب لنا كل شيء، وحرم عمك وزوجته من الميراث لكن أبيك ذو قلب طيب، وأعطاه حقه، وما زالوا يقولون أننا سرقناهم!
لم يقتنع بكلمة واحدة لكن والدته استطاعت بسم بأذنه:
_ الإبنة لوالدتها، والإبنة المحترمة لا تحادث رجلًا أبدًا وإن كان ابن عمها!
كيف تأمنها على عرضك وشرفك بعد ذلك؟
لقد رأتها شقيقتك تحدث أحدهم بطرف البلدة و..
_ و.. ماذا يا أمي ربى لا تفعل هذا أبدًا أنا أثق بها.
_ حسنًا إن كنت لا تصدقني نادي شقيقتك واسألها، كوثر يا كوثر.
_ كفي يا أمي كفي أخرجي من هنا.
جن جنونه، ولكنها لم ترحمه.
أتت بشقيقته التي صدقت على حديثها، ولم يرحموا ضعفه، وقلة حيلته، وهو صدقهم.
أفاق من شروده يبكي قاذفًا بما أمامه بقوة، وقد قررت الذكرى ألا ترحمه.
بعد منتصف ذلك اليوم و بعد موت عمه.
دق ضعيف على شباك غرفته التي تقع بالطابق الأسفل من خلف المنزل الذي يقع أمام قطعة زراعية يمتلكها والده.
انتفض ما أن استمع لهمسها باسمه، واقترب يفتح شباكه:
_ أنتِ.
لم يكن بقادر على مواجهتها يشمئز منها، ومن كل شيء يخصها عيونه حمراء كالدماء من شدة البكاء، وهي كمثل كانت بهيئة يُرثى لها تلهث، وتنظر يمينًا ويسارًا بترقب:
_ عمار لا وقت لنا هيا نهرب من هنا.
اتسعت عيناه، وما إن هم بالحديث أتتها يد والدته التي ظهرت فجأة، وأمسكت بشعرها على حين غرة جعلتها ترتجف وتتوسلها أن تتركها:
_ يهرب إلى أين يا قليلة الحياء! أتظنين أن ابني لم يتربى مثلك! لقد علم ابني مدى رخصك وعهرك إن لم تبتعدي عنه سأصرخ وأفضحك الآن.
_ عمار.. عيناها كانت تلمع بتوسل حينما سقطت على خاصتيه بينما يد والدته ما زالت تدفعها يمينًا ويسارًا.
_ ألم تسمعي ما قالته أمي ارحلي من هنا هيا قبل أن يراكِ أحد هنا؟
دفعتها والدته بحقد سقطت على إثره.
من نظراتها علم أنها لن تسامحه يومًا على ما فعله.
حينها استقامت، وبكل ما فيها من قوة استدارت وبصقت عليه، وأردفت باشمئزاز:
_ لقد صدقت أمي أنك ابن والدتك لست رجلاً.
قالت كلماتها هذه ورحلت من حيث أتت، ولم تلتفت حتى لسباب والدته لها، وكان هذا آخر لقاء لهما ليكتشف بعد عامين خطة والدته، وشقيقته ليفرقونه عنها، ويجعلونه يكرهها حينما استمع إليهم، وهم يتعَسسون على أخبارها؛ ليشمتوا بها.
كان حينها قد ترك البلد؛ ليكمل دراسته بالمدينة، ولا يأتي إلا نادرًا، ومن حسن حظه أنه أتى ذاك اليوم ليعرف حقيقتهم.
حينها لملم ما تبقى بعدما امتنع عن مواجهتهم.
هرب بعدما أقنع والده بالسفر، وأقسم أن لا يعود أبدًا للبلدة.
اشتعل جسده بالحنين، والندم، وكلا الشعورين قاتلان معًا بلا رحمة.
_ آه يا ربى ليتني مت قبل هذا.
***
يتآكلها الغيظ كلما تذكرت معاملة شقيقتها لها بل ومنع ابنتها من مقابلتها، ونكرانها لوجودها في الأول.
لقد مسحت شقيقتها بها الأرض، وطردتها شر طردة.
الغيظ والغيرة تملكوا منها، ولم تعد تشعر بما تخرجه من فمها، وانهالت على شقيقتها بالسباب وهي تذكرها بضعفها لتطردها شقيقتها بالنهاية، وتعيرها بابنتيها، وتخبرها بكل وضوح أنها تكره نفسها؛ لأنها شقيقتها.
بل واكتمل الأمر بمقابلتها لابن فتنة لقد عاد للبلدة، وعاد بكل بجاحة مشمئزًا منها.
تذكرت نظراته لها، وعدم اكتراثه حتى لإلقاء السلام عليها، هتفت بغل:
_ الله يحرق قلبك يا ابن فتنة كما أحرقت قلبي.
***
"كلٌ يرى الحقيقة بعين طبعه" هكذا أخبرها أبوها ذات يوم حينما سألته عن أصل الخلاف بينه وبين عمها، وإن كان أبوها أخذ ورثه كما يقول.
حينها قال لها تلك الكلمات، وزاد عليها أن النساء التي لا يخشون الله هم كثر يا ابنتي وزوجة عمك وأمك من هذا النوع.
لقد أقر بأن النساء وغيرتهم المبغضة من فرقت بينهم، وأن كل واحدةٍ منهما ترى الحقيقة كما خُيل لها، وكما تطبعن عليه.
كلتاهما يكرهان بعضهما البعض منذ الصغر حيث كانتا زميلتان بالمدرسة، والغيرة دفعتهما لعداء لا أصل له إلا بعقولهم.
الغيرة طبع متأصل بالنساء، وقد تقتل من أجلها يا ابنتي.
كلما نظرت لتلك الكلمات المدونة أسفل فيديو آخر أرسله لها فريد الزيني، وتهديده لها بوضوح لخطف طفلها إن لم تتنازل عن شكواها، ونفي ما تقدمت به علمت أنها وقعت مع مريض نفسي لا تعرف كيف ستتخلص منه؟
(سنلتقي قريبًا يا حلوتي)
لقد أعطاها مهلة محددة لكنها خائفة جدًا.
خافت أن تعاود اللجوء للقضاء فيتأذى طفلها فعلًا كما يهددها وكل شيء بالنهاية يصف بصفه هذا استطاعت إثبات شيء عليه.
بالنهاية قررت غلق هاتفها مجددًا لكن قبل إغلاقه أتتها مكالمة من إحداهن دمرت كل ما تبقى بقلبها من قوة كانت أم سلوان التي تأسفت لها عما أدلت به وأخبرتها أنها فعلت ما فعلت غصبًا عنها، وكلام كثير لم تفهم منه شيء، ما فهمته هو أن تلك المرأة لم تشهد معها، بل أنكرت كل شيء، وقررت الهرب.
انهارت وتشعر بأن عالمها يتحطم، استقامت تناجي ربها وقد وعت تمامًا لما يحدث معها، خصوصًا بعد حديث تلك المرأة التي وضعت نفسها وسمعتها وحياتها على المحك من أجل رفع الظلم عنها.
غريب أمر هذا الحياة حقًا، وغريب أمر الإنسان كيف يعض تلك الأيدي التي امتدت لتدافع عنه؟ وكيف يكون جزاء الإحسان كل ذلك الغدر والقسوة؟!
بعد ساعة من البكاء والتضرع لله فتحت هاتفها لتتفاجأ بتلك الفيديوهات التي انتشرت من جهة غير معلومة من حساب باسمها لفريد الزيني مع إحدى العاهرات، ولزوجته برفقة نساء العائلة بإحدى حفلات الطبقة المخملية الفاضحةِ، ورواد السوشيال ميديا ما بين داعم ورافض.
لقد تحولت الساحة لحرب بينهما تمامًا.
_ لا.. لا ماذا يحدث مجددًا؟
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل التاسع 9 - بقلم اسما السيد
اتسعت أعين عبدالعزيز الزيني حينما أخبرته نيرة قاصدة ما حدث.
وسرعان ما صرخ صرخة استمع الجميع إليها:
_ بيجاد.
كان بجناحه الخاص مازال يتآكله الغيظ مما فعلته ابنة عمه المبجلة.
لو ظل دقيقة أخرى لارتكب إثمًا بقتلها.
تلك الفتاة تخرج أسوأ ما به فعلًا.
ما أن وصله ما فعلت بل وجرأتها بالحديث عنه هكذا جن جنونه.
لم يتوقع بأقصى أحلامه أن تفعل ما فعلت حقًا.
لم تكن صدمته وحده بل اتسعت أعين الجميع بصدمة من فعلة نيرة عدا أبيه الصامت صمتًا مريبًا، وهو يعي لما؟
مازال لا يستوعب جرأتها في قص ما فعلته بلا أدنى شعور بالذنب.
بل واعترفت بأفعالها بهدوء مريب.
مازالت جرأتها ووقاحتها تبهره حقًا، وهي تخبر شقيقها بكل جرأة:
_ أنا لا حدود لي يا فيصل.
أنا امرأة راشدة أفعل ما أراه مناسبًا، ويعود عليّ بالنفع.
من أنت كي تحاسبني؟
مازال يشعر بالاشمئزاز من موقف أبيه، وتأييده لها.
كان يعلم أن أبيه فاسق غير متزن ما أن يتعلق الأمر بالنساء.
لكن أن يصل فسوقه لهذا الحد هذا ما لم يتوقعه أبدًا.
أبيه كان ومازال زير نساء بالمعنى الحقيقي، يسيل لعابه على أي أنثى حتى لو كانت بعمر ابنته.
اتسعت أعين بيجاد، وهو يشعر بالصدمة والنفور يحتلان كيانه، وهو يحاول فهم ما يحدث من حوله.
والشك بدأ يملأ قلبه من ناحية والده أكثر من ذي قبل بعدما صاح بهم حتى يتركوا له هذا الأمر بعد أمر الجد له بأن يأتي خلفه.
صراخه ارتفع مردفًا أنه سينهي الأمر كما تسبب به، جعل الشك يتسلل لقلبه.
تُرى هل هذه لعبه محكمة من والده؛ ليصل لشيء ما أو صدقًا لا دخل له بما يحدث؟
نفض عنه تفكيره هذا، وهو يؤنب نفسه لتفكيره السلبي بأبيه دومًا.
لما لا يفترض الخير هذه المرة؟
بالنهاية هو لا يهمه إلا أن تنتهي تلك المهزلة، ولأول مرة يريد أن يرتاح، ويزيح من على قلبه حمل هذه المسألة تمامًا الذي كلما تذكرها يشعر بشيء غامض يدفعه للتروي.
لكن سرعان ما عادت الوساوس له ما أن تذكر ما افتعله أبيه مع الإعلام من كارثة العام الماضي وصلت لحد اتهام والدته بالرشوة حينما كانت تقدمها لإحدى القنوات حتى تغلق أفواههم.
ولم تنتهي إلا بتدخله هو بالأخير ناهيك عن كثير من الأشياء التي لا تنسى له.
ليعترف بيجاد أن أبيه لا يستطيع التصرف بالأزمات بل يزيدها اشتعالًا ليس إلا.
مسح بيجاد على وجهه بقوةٍ، وشعور بالاشمئزاز والتعب أصابه قبل أن يتكئ على عصاه من وجع قدمه، ويخرج من ذلك الجناح الذي يجمعه بهم هنا، وبالماضي بأكمله ناشدًا مكان راحته.
لكن ما أن خرج من جناحه اتسعت عيناه ما أن استمع لصراخ جده الآتي من مكتبه.
رؤيته لنيرة تخرج بأعين لامعة بالنصر جعله يعلم أن هناك كارثة لا محال.
دلف بتعب مردفًا:
_ جدي ماذا حدث؟ لما تصرخ؟
ألقى الجد إليه ذلك الهاتف بغضب ليلتقطه بيجاد، وينظر لما به بصدمة وأعين محتقنة بالدماء، وهو يفكر أوصل الأمر لهذا الحد!
دخول والدته باكية، ومن خلفها زوجة عمه جعل دمائه تفور قبل أن يأمره الجد بالتدخل الفوري؛ لإنهاء الأمر أو تركه برمته له ولأبيه.
_ بيجاد أنهي هذا الأمر على الفور، أخرس الألسنة وَلقن تلك المذيعة، وإعدادها درسًا قبل انهائه أتفهم؟
زفر بتعب، وأجابه بغموض:
_ حسنًا..
ليخرج مسرعًا بعدما أودع ابنته بعهدة شقيقته ورحل كعادته.
________
نحن لن نصمت على تلك المهزلة بالتأكيد..
كانت هذه كلمات نيرة المتوعدة، وهي تجلس مع زوجة عمها ووالدتها بغرفتها بعدما جمعتهم بها.
بالنهاية الأمر يخص ثلاثتهم، فهما الثلاثة من عشاق تلك الحفلات السرية.
أما فيروز فهي بعيدة كل البعد عنهما أو بالأحرى فيصل لا يسمح لها أبدًا.
_ بالتأكيد لن نصمت بعد تلك المهزلة!
أجابتها زوجة عمها بحقد، كانت تعلم أن زوجة عمها خير من يدعمها خصيصًا بعدما نال الأمر منها.
ظاهريًا الجميع يظن والدتها الأكثر شرًا، لكن زوجة عمها هي أصل الشر؛ لذا هي تستغل هذه النقطة جيدًا.
_ حسنًا هذا ما أريده دعمكم فقط.
********
أقسم لست أنا من فعلت؟
بكت ربى هذه المرة بحق حينما وصلتها رسالة تهديد مسموعة صريحة هذه المرة من فريد الزيني صارخًا عليها بجعلها تتجرع الندم.
انكمشت بأحضان هبة، وهي تشعر بأن المعبد تهشم عليها.
_ ربي اهدأي من أجل عز الدين فهو لا يجب أن يراكِ هكذا.
رفعت رأسها، وهي تشعر بالخوف يسيطر عليها:
_ بالأساس كل خوفي عليه.
لقد هددوني به، وظننت أنهم يهددون فقط، لكن أن يصلوا لتلك الحقارة!
_ يا إلهي إن شاء الله خير ياربي.
_ يارب خيرًا.
*******
نظرت فيروز لساعتها التي تخطت منتصف الليل.
اطمأن قلبها على عدي بعدما أودعه بيجاد في عهدتها مجددًا قبل هروبه من القصر.
هبطت الدرج بهدوء؛ لتصل للأسفل تجلب كوبًا من الماء؛ لتضعه بغرفة عدي قبل نومها.
زفرت براحة فالقصر غارق بالصمت أخيرًا بلا مشاكل تذكر.
كم تعشق الهدوء هذا، لكن تيبست قدميها ما أن استمعت لصوت نيرة الآتي من غرفة مكتب أبيها، وكأنها تتشاجر معه، وهم يعتقدون أن لا أحد هنا فالخدم بالنهاية يرحلون إلى بيوتهم قبل الثانية عشر.
ما أن التقطت أذنيها صوتهما، وما يتحدثون، ويخططون له ارتجف جسدها من هول ما تستمع له.
كادت تسقط كوب المياه الذي بيدها لولا تحكمها بآخر لحظة بنفسها، وبارتجافتها.
عادت للخلف مسرعة ما إن اقتربت أصواتهم من باب الغرفة.
أسرعت للصعود إلى غرفة ابن شقيقها، وهي بحالة صدمة لا مثيل لها لا تعي ما تفعل.
تسأل نفسها بصدمة كيف هذا؟ وكيف يفعل أبيها هذا من أجل أن يصل لأحداهن؟
_ أوصلت بهم الحقارة لهنا؟
لم تستطع إلا الهروب لجناح أخيها، وطفلته، وقد عقدت عزمها هذه المرة أنها لن تدعهم ينالون ما خططوا له.
رفعت هاتفها، واتصلت بأخيها الذي أجابها على الفور:
_ فيروز حبيبتي أنتِ بخير!
_ أخي أنصت لي جيدًا، وأتوسل إليك أن تنقذ هذه الفتاة من براثن أبيك.
_ اهدئي فيروز، وأخبريني ما يحدث؟
قصت عليه ما استمعت له ليجيبها بهدوء:
_ حسنًا اهدئي سأتصرف، وأنت تصرفي، وكأنك لم تعرفي شيء.
_ حسنًا.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل العاشر 10 - بقلم اسما السيد
الحياة لن تقف على أوجاعنا، ستمر بحلوها ومرها، لطالما كانت مؤمنة بذلك، وبأن لا أحد سيرأف بها، ولن يرحمها الغريب ما دام القريب نهش منها وخاض بعرضها.
الحياة ستمر، ولن تمتد يد أحد لتراعي طفلها ومطالبه، ولن يعمل أحدهم على الإتيان لها بمتطلباتها.
لذا عليها أن تُنحي ذلك الخوف والقلق من الآتي جانبًا.
أن تعمل على جفاف دموعها على الفراش، ولا تأخذه معها لغرفة معيشتها حتى لا يراها طفلها.
تذكرت فراشها التي ظلت طيلة الليل ترتجف وتبكي أسفله، ولم تمتد يد أحد كي تمسح دموعها وتسحبها لأحضانها.
هنا تذكرت زوجها التي تخلصت من رابطة الأبدي حينما أقامت عليه دعوى طلاق للضرر، وتخلصت منه حينما حكمت المحكمة بطلاقها منه.
تخلصت من تلك الليالي الطوال التي ظلت تشكي حالها لحالها، وتبكي وهو مغترب يلهو مع العاهرات كما كان يصلها دومًا.
هو دائمًا ما كان بعيدًا عنها، لا يكترث حتى لمعرفة ما إذا كان طفلها بخير أم لا!
لا تعرف كيف كان يغفو وهناك بآخر بقاع الأرض قطعة منه لا يعرف عنها شيئًا؟!
لكنها توصلت بالنهاية أن هناك آباء قادرون حقًا على قتل كل شيء حلو بداخل أطفالهم، وزرع الندم والوجع بداخل زوجاتهم، وهذا إن كانوا يعدونهم زوجات لهم.
هناك من هم قادرون على لفظهم بعيدًا، وتحطيمهم، وتحطيم آمالهم.
إنها الحقيقة الوحيدة التي توصلت إليها، والتي عاصرتها بمشكلاتها معه.
فبئسًا لأولئك.. صدقًا بئسًا لهم!
تذكرت تلك الأيام التي كانت تقضيها تفكر هل سيكفيها مصروفها للغد أم لا؟
لم يختلف الأمر عليها كثيرًا، إلا أنها تخلصت منه ومن رباطه، بينما دعاؤها عليه وعلى من بلاها به لازال قائمًا.
لقد كانت الوحدة دومًا حالها.
لم تشعر يومًا بالحنين لزوجها، ولا لوجوده بينهم.
لم يحبها وهي كمثل.
زيجة مصلحة، كلٌ منهما وجد مبتغاه من الآخر كما كان يخبرها هو.
أرضى والديه، وهي كمثل رضت والدتها التي لا ترضى أبدًا مهما فعلت لها.
لطالما قرأت عن الأمان، وعن جمال الشعور بوجود ذراعين تتلقفك وقت الحاجة والمرض، لكنها لم تكن ممن أنعم الله عليهم به، وهي حامدة شاكرة.
الآن عليها أن تُذكر نفسها جيدًا دائمًا أنها لا تمتلك رفاهية الانهيار التام، ولا وقت كافٍ لديها لكي تأخذ وقتها وتتأقلم وتحزن.
وهذا كان أكثر شيء متعب عليها في كونها أمًا وأبًا.
أن تحنو وتقسو بذات الوقت أمر مزعج ومؤلم.
الشعور بالتناقض طيلة الوقت، أن تكون أمًا وأبًا، وصديقًا وصديقته بذات الوقت، إنه لأمر مرهق حقًا.
لملمت كل شيء من خلف طفلها بعد أن ودعته للمدرسة.
ارتدت ثيابها، ولأول مرة لم تستطع أن تقف أمام مرآتها تتأكد من هيئتها.
مازال عقلها يدور بداخله حرب ضروس، لا تعرف كيف ستنجو منها.
اليوم تشعر أنها ودعت ابتسامتها بلا رجعة، خصوصًا مع الأمر الذي صدر بوقف برنامجها، وإعدادها، وتلك الأمور الكارثية التي التصقت بها، ناهيك عن خذلان المرأة التي كانت على استعداد أن تضحي بحياتها من أجل حقها.
ذلك الأمر كسرها فعلًا.
تعلم أن رامي يخفي عنها الكثير، لكنها آثرت أن لا تسأله، يكفيها ما عرفته للآن.
هي لن تستطيع أن تحمل كل ذلك على عاتقها.
قررت اليوم أن تتحدى خوفها، وتذهب لجامعتها حتى لا تودع كافة أحلامها دفعة واحدة.
بالأمس ودعت حلمًا تعبت من أجله، وباتت موقنة باستحالة عودته مرة أخرى.
واليوم هي عاكفة على الاستمرار بما تبقى لها.
لكن ما أن دلفت لسيارتها حتى ترحل لجامعتها التي سجلت بها من أجل الدكتوراه، تذكرت أنها لم تفتح هاتفها منذ أمس بعدما استحال عليها النوم.
مدت يدها وجلبته من حقيبتها وفتحته.
حانت منها التفاته، فوقعت عينها على مرآة السيارة الجانبية.
لوهلة انتبهت لهيئتها الشاحبة، ولعينيها التي مازالت تغشاها الدموع.
لكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح ما أن سارت قليلاً والهواء الطلق تسلل لها من نافذة السيارة، فتناست ما ألم بها وأوجعها.
حانت منها التفاتة أخرى، فلمحت تلك السيارة التي كانت مصطفة خلف سيارتها قبل سيرها.
لفتت انتباهها مجددًا لتكتشف بالنهاية أنها تسير خلفها تمامًا، وكأنها ظلها.
هتفت بغضب:
_ مؤكد هو العجوز الخرف، اللعنة عليه، لن يخيفني.
أغمضت عيناها تتذكر اليوم المشؤوم التي التقت به، قبل أشهر بتلك الحفلة التي أعدها الشريك الثاني للمالكي، والذي لم تراه إلا ليلتها.
قبل أشهر:
_ لن أذهب يا رامي، أرجوك لا تضغط عليّ.
انتفضت هبة مردفة بغيظ:
_ إلى متى ستبقين هكذا جبانة؟ تشجعي يا ربى، برنامجك هو الأفضل بالقناة، وأنتِ ملكة الليلة، لا يجوز أن لا تأتي!
_ أنتِ لا تعرفين شيئًا عن مدى قلقي، ماذا إن التقط أحد لي صورة أو فيديو ونشرها ووصلت لعائلتي؟ حينها سيذهب كل شيء أدراج الرياح، ولن أكون أي شيء بعد الآن! أنا خائفة، ثم كيف سنترك الأطفال وحدهم؟!
نهرتها هبة مجددًا:
_ هذه جميعها حجج واهية، الأولاد ستهتم بهم أم رضوان وزوجها، هم من الأساس غارقون باللعب، انظري لهم.
نظرت لطفلها وابن هبة الغارقين حقًا باللعب على جهاز البلايستيشن غير مكترثين بما يدور من خلفهم.
ثم هتفت مصرحة بخوفها الأكبر:
_ وماذا إن التقط أحد لي صورة ما يا هبة؟
_ لن يحدث، لا تقلقي، الحفلة مؤمنة تمامًا، المالكي وشريكه حرصا على عدم وجود الصحافة ولا الإعلام لوجود الكثير من المهمين هناك.
بصعوبة رحلت معهم وعلى مضض أيضًا.
كانت تشعر بأنها مختلفة عن هذا العالم تمامًا.
حرصت على ارتدائها لفستان مناسب تمامًا لحجابها الذي تراه ما يميزها.
بأقصى أحلامها لم تفكر بلفت انتباه أحد، ولا أن تكون محط أنظار أحد.
لكن ما أن دلفت ورأت رُقي الحفلة صدقًا ورقيها، وخصوصيتها، نست نفسها بينهم.
أكثرهم كان من العاملين معهم، بينما تنحى رجال الأعمال والمستثمرون بجانب بعيدون بمجلس ممل لم يروقها مطلقًا.
بينما انغمس رامي بينهم، وظلت هي وهبة منفصلين بعالم آخر يثرثرون كعادتهم، وعادة النساء جميعهم.
إلى أن اقترب رامي يمد يده؛ ليرقص مع زوجته على تلك الموسيقى التي صدحت من خلفهم.
لم تنتبه بعدها لشيء إذ انغمست بالحديث مع شقيقتها على الواتس تحكي لها بالتفاصيل المملة التي تراه بالحفل.
لم تنتبه إلا على تلك اليد الممدودة لها، وصاحبها يعرف نفسه عليها، ولم يكن إلا "فريد الزيني".
رفعت وجهها تلقائيًا تنظر له، فوقعت على عينيه التي قرأت ما بداخلها بسهولة.
نظرة ذئب مفترس لم ترتح لها أبدًا، ناهيك عن رؤيتها لالتصاق تلك المرأة به قبل قليل بطريقة تبعث الغثيان بالنفس.
_ أتسمحين لي سيدتي؟
لم تستطع أن تمحي نظرة الاشمئزاز من على وجهها، ولم تكن على دراية بعد بمن هو هذا.
أجابته بصوت متهكم واثق:
_ لا بالطبع، أنا لا أرقص يا سيد.
لم تنتبه لنظراته الغاضبة النرجسية التي علت من عينيه ما أن أشاحت بوجهها عنه.
النار اشتعلت بجسده، وهو يفكر بحقد، ليس هو من يرفض هكذا، والنساء جميعًا يلقين بأنفسهن أسفل قدميه.
أنقذت الموقف منى التي لمحتها تقترب، واضعة يدها بكف يده التي مازالت ممدودة لها، وكأن الصدمة ألجمته، مردفة بخبث لم تنتبه له:
_ أنا أرقص معك أيها الوسيم.
ما تلى ذلك من مقابلات كانت على ثقة أنها مدبرة، حتى تلك الليلة المشؤومة التي تجرأ بها عليها وما حدث بها.
حينما تفاجأت به خلفها بالنادي المشترك به هي وهبة، والذي اكتشفت فيما بعد أنه شريك به.
حينها تجرأ ليحاول التعدي عليها بالغرفة التي كانت تبدل ثيابها بها، والتي صدمت من خلو المكان آنذاك، وهي وحدها معه.
حينها استطاعت تخليص نفسها منه حينما هجمت عليه بجرأة، وأصابته بضربة مميتة بين فخذيه.
فاقت من شرودها على صوت زامور السيارات من خلفها؛ لتنتبه قبل ارتكابها حادثًا آخر، هاتفة بأعين متسعة:
_ يا إلهي، الصبر، ألا يكفي تلك المصائب لتأتيني أخرى.
يدية امتدت لمكان ضربتها من قبل.
هي لا تعي حجم الكارثة التي كادت تتسبب بها له، لولا تدخل الأطباء لإنقاذه.
لقد كاد يلقى حتفه بسببها.
اشتعلت عينا فريد الزيني بالغضب، والرغبة المجنونة بها أكثر من ذي قبل.
هو يحب هذا النوع، يحبه جدًا ويعشقه.
رفع يده الممسكة بعصا غليظة للأعلى بقوة.
تشبه عصا البهائم التي يسوقها بها أصحابها، ومن ثم هبط بقوته على ظهر العاهرة التي أمامه؛ لتصرخ منتشية:
_ مرارًا يا سيدي.
_ هل أعجبتكِ يا مومس؟
_ جدًا يا سيدي، مرارًا، مرارًا.
_ لكِ هذا يا عاهرة.
ماذا حدث يا معاذ؟ لما طلبتني على وجه السرعة هكذا؟
كان هذا صوت رامي المضطرب، قبل جلوسه أمام معاذ الذي هاتفه صباحًا طالبًا منه أن يقابله على وجه السرعة بذلك المقهى خلف الكومباوند الذي يعيش به.
زفر معاذ دخان سيجارته هاتفًا به بغضب مستتر:
_ اهدأ والتقط أنفاسك أولًا.
كاد رامي يجن من برودة الذي يتمتع به، وما إن هم بالصياح عليه، هتف معاذ:
_ تمام، اهدأ، الأمر بخصوص موضوع ربى، اهدأ، وانصت لي جيدًا، فقد اكتشفت كارثة، وعلينا أن نتصرف بهدوء.
_ يا إلهي، أنت تخيفني، تحدث، معاذ لم يعد بي أي أعصاب.
الحقائق التي سمعها من معاذ أخرسته.
أيعقل أن تخفي ربى عنهم شيئًا كهذا، أو هناك شيء آخر لا يعلمه هو؟
تُرى هل تعلم زوجته بالأمر، وأخفوا عنه اثنان شيئًا كهذا.
_ أنت متأكد يا معاذ مما تقول؟ ألا يوجد احتمال للخطأ؟
_ أي خطأ وأنت بنفسك قلت أنه كان بالفعل بتلك الحفلة. أنت تعي جيدًا أني أقول الصدق. ربى بقائمة فريد الزيني. أراد أن يتمتع بها ويضمها بعد ذلك له.
_ لا تكمل.. على جثتي.. إن لم تتصرف أنت، أقسم أقتله وأخلص منه، وأخلص البشرية منه أيضًا.
_ اهدأ يا رامي، الأمر ليس بتلك البساطة، ولسنا بحاجة لتهورك.
_ أي تهور يا هذا؟ إنها كشقيقتي، لن أسمح له بذلك، وتلك المرأة التي تسببت لنا بالكارثة لن أرحمها.
_ هي أيضًا لا ذنب لها، لا تظلمها.
_ ومن المذنب إذًا؟ لا تجنني.
_ دعك من كل هذا واستمع جيدًا لي حتى نخلص ربى أولًا من شر هذا النجس.
_ دلني أرجوك على طريق، حتى لو كان سفرها خارج البلاد، أنا لن أستطيع تحمل ذنب أذيتها.
_ اهدأ يا رامي، سفرها للخارج ليس حلًا، كما أن هذا النجس بعلاقاته سيصل لها على كل حال.
_ يا إلهي.
شرد رامي تمامًا خائفًا، حتى أنه نسي وجود معاذ الذي استقام مجيبًا على هاتفه، كان يفكر بما يقوله.
حتى حينما عاد ليودعه على وعد قريبًا باللقاء، لم ينتبه له.
للآن لم يصدق أن لقاء عابر بين فريد الزيني وربى قد يدفعه لفعل ما فعله.
لكن ما علاقة ذلك كله ببرنامجهم وتلك المرأة الذي يقسم أنه هو نفسه صدقها؟
ما الذي دفعها لتكذب هكذا؟
استقام سريعًا قاصدًا عادل المالكي ليجلسوا ويفكروا، ويعود بعدها للمنزل.
ما أن واجه هبة.
لم تستطع إخفاء الأمر أكثر.
لقد حذرت ربى أنها غير مطمئنة للأمر كله، ولم تكترث.
ناهيك عن أنهم حزنوا حقًا، وتأثروا بحديث المرأة وقرروا مساعدتها بجانب صمت الزيني طيلة شهرين كاملين، مما جعلهم يظنوا أنه صرف نظر.
_ كيف لم تخبريني بهذا الأمر من قبل؟ كيف استطعتِ إخفاء أمر ملاحقة ذاك النذل الحقير لربى منذ يوم الحفل؟
كيف تخبره أن ربى عزيزة النفس، وتوسلتها باكية ألا تدخله بالأمر مخافةً أن يلحقه الزيني بالأذى المعروف عنه، وأنها لم تكن تريد أن تحمل نفسها ذنب إصابته مكروه.
يكفيه مساعدته لها، وهي كزوجة له شعرت أن ربى محقة، وأن إصابته بالأذى هو ما لن تصمت عليه.
لقد تصرفت بأنانية مفرطة واستعملت حقها كزوجة له، فكرت بعائلتها فقط كما ذكرتها ربى.
لا تنكر مدى حزنها، خصوصًا بعد تلك الليلة التي هاجمها بها ذاك النذل، وما حدث.
_ أجيب سؤالي هبة؟
انتفضت على صوته مجيبة إياه بصوت مختنق:
_ كان هذا مطلبها، لقد ترجتني ألا أخبرك. أنت تعرف مدى تحسس ربى من مساعدتك لها، قالت: يكفيه ما فعله من أجلي، لا أريد أن يتأذى بسببي.
_ يا إلهي، يا لغبائكما! ألم تفكروا للحظة بأن ما يحدث الآن، واختفاء تلك المرأة، وظهورها، وشهادتها الكاذبة، وامتدادها لنا بكل المعلومات هذه، هو فخ أوقعنا به الزيني ليصل لها.
ابتلعت هبة ريقها، وهي تفكر حقًا منذ الصباح بذلك.
لم تستطع أن تبعد فكرها عنه.
لقد بحثتا هي وربى عن كل الأسباب التي قد تدفع أحداهن للكذب هكذا، ولم تجد سببًا.
_ هذا ما أخشاه حقًا.
_ يا إلهي، ماذا أفعل بكما؟ هل أقتلكم أم ماذا؟
قطع صوت شجارهم جرس الشقة، التي أسرعت هبة لتفتحه حينما بدأ القادم بالنقر على باب الشقة بنقرته المميزة.
صرخت فرحة ما أن فتحت بابها:
_ أثير، هذا أنت أخيرًا.
جلس بيجاد على مكتبه بعد ليلة عاصفة عصفت به، وبكل ما توقعه بعدما أخبرته شقيقته بما استمعت إليه.
من البداية كان متأكدًا بأمر والده، وبتلك المعلومات التي لا تخرج إلا من بين العائلة.
كان يشك بالبداية بأن أحدهم سرب معلوماتهم هذه.
شك بالجميع، لكن لم يخطر لعقله أن الأمر قد يصل به لهذا الحد أبدًا، وأن والده بنفسه هو من خطط لكل ما يحدث معهم ليصل لامرأة.
الغضب تملك منه ما أن وصل تفكيره لهنا مجددًا، قبل أن يدق باب مكتبه آمرًا منذر بتنفيذ ما خططوا له مسبقًا بلقاء عاجل مع تلك المدعوة وإعدادها.
رحل مساعده، وبقي هو ينظر أمامه بصمت، قبل أن تدلف سكرتيرته بعدما سمح لها:
_ دكتور بيجاد، هناك شخص بالخارج يريد مقابلتك؟
_ هل لديه موعد مسبق؟
_ لا، لكنه يقول أن الأمر هام لا يحتمل التأجيل.
كاد ينهرهَا صارخًا، لولا جرأة الرجل ودلُوفه خلفها:
_ آسف على ذلك، واعتذر، لكن لم أجد طريقة أخرى أراك بها غير هذه.
مد يده معرفًا عن نفسه:
_ معك "عادل المالكي".
عرفه على الفور، أشار للسكريتيرة أن تخرج، وأشار له بالجلوس، قبل أن يهتف المالكي مجددًا:
_ أعلم أن زيارتي متأخرة، ولكن!
صمت المالكي يشعر بالتعب الشديد، وضع يده على قلبه بوجع، لاحظه بيجاد الذي انتفض مردفًا:
_ أنت بخير.
_ نعم.. نعم.
اتسعت أعين أثير بصدمة بعدما أخبرتها هبه بما حدث.
انتفضت كالملسوعة مردفة بصدمة حقيقية:
_ يا إلهي، فريد الزيني!
_ نعم.
_ لما لم تخبروني هبة؟
_ لم أرد أن أزعجك أثير، لست غبية لأعلم أنك تهربين من أحزانك.
_ اف، وما العمل الآن؟
_ علينا أن نجد تلك السيدة ونقنعها بأن تقول الصدق، فهي مؤكد لديها سبب لما فعلت، وهي من ستخلص ربى من ورطتها.
_ أنتِ طيبة جدًا يا هبة، أظن أن فريد الزيني أخبث من ذلك.
_ ماذا تعنين أثير؟
_ ما فهمته، تلك المرأة أصبحت كَرتا محترقًا، والخلاص ليس معها.
_ مع من إذا؟
_ بيجاد الزيني.
_ هل تعرفينه؟ هذا.. من هو؟
_ ابن فريد الزيني.
_ يا إلهي، أنتِ متأكدة.
_ بالطبع.
بدأت نيرة بتنفيذ أولى مخططاتها وحدها بدون تدخل من أحد.
الغيرة ما تتحكم بها بعدما هددها فريد علانية أمس بالبعد عن المذيعة هذه.
بدأت بتسريب ذاك الخبر الصغير عن حياتها الشخصية جدًا بعد فضيحة تهكير الصفحات، وما حدث عليها وبها.
ما دامت لم تلن بعد، وتخضع لعمها، ستجعلها تتجرع الندم.
تصدر الخبر صفحات السوشيال ميديا حتى أصبح الترند الأول، وتصبح ربى راشد رائجة على محركات البحث مجددًا بسؤال استخدمته المواقع الإخبارية ليتصدر الترند: هل ربى راشد طلقت زوجها حقًا أم خلعته؟
ضحك بصخب، وهو ينفث دخان سيجارته منتشيًا بما يحدث.
أمس بعد لقاء مدبر بينه وبين المالكي وشريكه.
صرح له بأن نسبته بالمحطة تلزمه، رغم صدمة "عصام السكري"، لكنه لم يكترث لصدمته.
كان عصام يظن أنه سيتركه ينفرد بنصيب المالكي، لكنه أراد أن يقدم نصيب المالكي كهدية لها بعدما ترضخ وتلين له.
هو لن يتركها بالتأكيد، سيداوي جراحها بالتأكيد الذي افتعله بيده فقط؛ لتلين رأسها.
لقد وضعه على مفترق طرق، إما القبول أو تنفيذ تهديده له، والذي لم يكن غير العبث بابنته الأحب على قلبه.
المالكي له ابنة جميلة، مثقفة تدرس بالخارج.
بلحظة واحدة يستطيع أن يحولها من ابنة مثالية لآخرى مدنسة عاهرة.
هو لا حدود له، والجميع يعلم بذلك.
تركه؛ ليراجع عقله، وهو يعلم أن لا مجال للرفض، سيوافق لينقذ ابنته قبل أن تتحول لخِرقة بالية.
_ أنت داهية حقًا، كيف خططت لكل ذلك؟
_ وكأنك لم تكن معي!
هكذا أجاب فريد عصام، الذي مازال ينكر عليه فعلته، والذي كان يظن أن الزيني سيتركه يستولي على المحطة وحده.
كان يعتقد أنه المستفيد الأول من بيع المالكي، ولكن اعتقادهِ لم يكن بمحله.
_ أنت داهية حقيقية، أتفعل كل ذلك من أجل امرأة؟
اتسعت أعين الزيني، وهم بدفعه، لولا بعض الصبر حتى لا يتعرض للخيانة منه.
_ أنا لا أُرفض! سأجعلها تندم، كما أنها ليست أي امرأة، إنها ربى راشد.
_ وماذا عن الإذاعة، وما اتفقنا عليه؟
_ انس أمر الإذاعة هذه خصيصًا، فهي تلزمني، ربما ساعدتك بفتح أخرى تنافسها فيما بعد.
زفر السكري محاولًا كظم غيظه منه، بالنهاية لا يستطيع العبث معه لأمور كثر يخشى افتضاحها.
إنه شيطان متنكر، ولا يريد أن يتأذى منه.
_ حسنًا.
اتسعت أعين بيجاد ما أن استمع لما يقوله المالكي، الذي اقتحم مكتبه بعدما استطاع تمالك نفسه.
كل ما سمعه منه لم يزده إلا إصرارًا على مساعدة تلك المذيعة، وما قرره سينهي تلك المهزلة، وبأسرع وقت، وإن كان عليه أن يخرج عن مبادئه.
أجاب بيجاد بغموض طلب الرجل:
_ حسنًا، أنا موافق على ما قلت، لكن قبل ذلك، لقد طلبت اجتماعًا مع المذيعة، وإعدادها، وللأسف رُفِض الطلب قبل قليل.
زفر المالكي بتعب:
_ لا عليك من ربى، أنا سأجمعك بها. إنها صاحبة رأس يابس لا يلين. الآن فقط لننهي ما جئتك من أجله.
أومأ بيجاد برأسه قبل أن ينظر لمنذر، الذي عاد بعد استدعاء بيجاد له، وهتف:
_ حسنًا، منذر يتولى الأمر الآن.
لم تشعر بأقدامها التي سارت كالهلام ما أن قرأت الخبر الذي تصدر الترند.
لقد فعلها ذلك القذر مجددًا حقًا، ومازال يتعسس خلف حياتها.
لقد كشف الستار عن كل شيء ظننته سيظل مختبئًا إلى الأبد.
مالت برأسها تستند على مقود سيارتها.
لم تستطع البقاء أكثر بالجامعة، بل لم تتذكر بالأساس لما أتت.
لملمت متعلقاتها، واختفت خلف زجاج سيارتها محاولة جمع شتات نفسها المحطمة.
كل شيء حولها يدفعها للإنهيار، بينما تحاول أن لا تفعل.
هاتفها الذي رن بإلحاح لم تهتم به.
لم يعد هناك شيء بعد لتقوله، ولا لتجيب عليه.
حتى طلب رامي الذي أتى به من أجل اجتماع بينهم، وبين آل الزيني؛ لإنهاء الأمر، رفضته تمامًا.
تشعر بأن أحلامها وأمنياتها ضاعت بالهواء.
ضاعت جميعًا هباءً منثورًا.
عادت لتسأل نفسها بحيرة: هل أخطأت بتصديقها للبشر؟!
هل بالغت بمساعدتها لهم؟
كيف تتحول مساعدتها لتلك المرأة لسلاح ضدها يفقدها أعز ما تملك؟
تقاوم ربى ألا تبكي، وهي تستمع لحديث رامي بعدما انتهى اليوم وتجمعوا معًا، خصيصًا بعد اجتماعه مع بيجاد الزيني، ورفضها الاجتماع معه.
تراه متفائلًا على عكسها تمامًا.
أخذتها أثير بأحضانها وهي تهدهد بها كطفلة.
تحاول إلهائها عن ذرف الدموع التي تراها بعيونها.
تخشى هي الأخرى حقًا ما قد يحدث مع ربى، لعلمها مدى بشاعة ذلك الرجل وقذارته.
لا يروقها أن يثق رامي بتلك العائلة، رغم أنها موقنة أن فريد الزيني هو النبتة الفاسدة الوحيدة بتلك العائلة.
قذارته فاقت الحد، لكن لم يكن عليها إلا أن تثق برامي وتؤازره بإقناع ربى بمقابلة بيجاد الزيني، لكنها رفضت كليًا.
نظرت لربى بحزن، وهي تعلم أن ربى تؤنب نفسها على ما يحدث، فهي لم تضيع نفسها فقط، بل ضيعت رامي وإعداده والمحطة ومالكها الذين ناصروها من أول يوم عملت به معهم.
لو لم تتمسك بمساعدة تلك المرأة لما انتهى المطاف بها لهنا.
_ يا إلهي، كيف يتغير أولئك الفانز بلحظة. لقد كانوا بالأمس داعمون جدًا.
هتفت هبة بصدمة، وهي تقرأ التعليقات المقززة التي نالت من ربى بسبب تسريب خبر طلاقها الغيابي من زوجها، حتى وصل الأمر؛ لاتهامها بخلع زوجها، وأشياء شنيعة لن تستطيع قولها لربى.
هتف رامي بتهكم:
_ إنه حال السوشيال ميديا جميعًا يا عزيزتي، لا تهتمي، سرعان ما سيصدر خبر جديد يلهيهم عنا. ولو كنت بحال أفضل لجعلتهم ينسون بلحظة، بالنهاية السوشيال ميديا لعبتنا.
عادت ربى تخفي وجهها بين كفيها، قبل أن تنظر أثير لهم بغضب حتى يصمتوا.
دفعت أثير ربى لتنظر لها:
_ كفي ربى، أنتِ أقوى من هذا، لا تلتفتي لهذا الأمر.
بالنهاية أنتِ لم تفعلي شيئًا لتخجلي من معرفة الناس به، أنتِ سعيتِ لتكوني حرة من رجل لا يؤتمن عليكِ. لابد أن تكوني نموذجًا يحتذى به ليس إلا!
حاولت أثير أن تهدأ بها، وتجعلها تفكر بالأمر بطريقة أخرى، نجحت نوعًا ما، خصوصًا بعد حديث المالكي لها قبل ساعات يخبرها أنه معها دائمًا، ويدعمها، وكل ما حدث ليس ذنبها وحدها.
صدقًا لم تتوقع هذا منه.
فكرت بوجع أنها لم تكن لتكون هنا لو كان والدها مازال هنا، ولم يفارق الحياة بوجع آخر، ليبقى ذكرى رحيله كارثة حقيقية لها.
كلما تذكرته شعرت بالذنب وأنها هي السبب بموته، لو لم تتمسك بالزواج من ابن عمها النذل هذا.
ولم تكن لتكون بذلك الخوف لو كانت اختارت رجلًا ليكمل معها دربها، كان سيقف كدرع حامٍ لها.
لو وجدت أخًا داعمًا ووالدة مهما افتعلت من كوارث بصفها.
تأملت حالها بوجع، وهي تسأل نفسها: "لما عليها أن تكون بذلك البؤس؟! ومما هي خائفة بعد؟ ولما تشعر بأن هناك خطب ما بها؟ كلما تقدمت خطوة تتراجع الأخرى وتحدث فشلًا ذريعًا بها..
ما يطمئنها أن الله يزرع الطيبين بطريقها، وهذا كفيل بإراحة قلبها، هي موقنة تمامًا أن ما قُدّر لها آتٍ، ولو مرغمة.
بعد أيام:
هدوء تام من الطرفين، ناهيك عن بعض الأحاديث على السوشيال ميديا، ومن عليها.
أولئك الذين لم يتركوا شيئًا يخصها لم يتحدثون به، لكنها آثرت ألا تهتم، ولا تكترث بما يقال.
بعد اجتماعهم مع عادل المالكي وإعداده كما أخبروها، وطلب المالكي منهم الهدوء؛ ليستطيع التوصل لحل يرضي الطرفين، ويخرجوا من مأزقهم هذا بأقل الخسائر.
كان هادئًا واثقًا، وثقته تسللت لها.
ناهيك عن رفع الحرج عنها حينما أخبرها أن الجميع قد يقع بذات الفخ.
قد تُحكى لنا قصصًا كثيرة نتأثر بها، وتؤثر علينا بالمثل، لكن علينا أن نتحرى الدقة بعد ذلك حتى لا نقع بذات الخطأ.
كان حديثه كبلسم نزل على جراحها، وخوفها، لكن مازال بالقلب خوف من شيء مجهول، ومن ذلك الحقير فريد الزيني الذي يلاحقها كظلها.
ليلا:
_ سنخرج يا ربى، لا محال، لما لا تريدين؟ أخبريني.
_ لا أريد، بالله عليكِ اتركيني يا أثير.
_ وإن توسلت لكِ؟!
_ اوف، حسنًا، أين سنذهب؟ وماذا عن عز الدين؟ لن أتركه وحده بالتأكيد مع كل هذه التهديدات التي تُرسل لي؟
كانت أثير أكثر من تعلم أنها تعاني خطبًا ما، تعبًا نفسيًا يجعلها تنكمش على نفسها منذ الحادثة، خصوصًا بعدما وصل الأمر لتهديدها بطفلها، وأشياء حرصت هي ألا تخرج للعلن، لكنها بالنهاية لا تستطيع إخفاء الأمر عنها.
هناك أشياء لا يحتمل الصبر عليها، وهذا ما دفعها؛ لتفعل ما ستفعله.
لذا اتفقت مع هبة على أن تبقى بجانب الأطفال الليلة حتى لا يتسنى لأحد المساس بعز الدين، وستتولى هي أمر الترفيه عنها.
هتفت أَثير بسعادة حقيقية، فهي الأخرى كانت بحاجة للخروج، ولتلك النزهة:
_ لا تقلقي، فهبة تبرعت أن تعتني بهما الليلة. أقسم أنها مجرد خروجة لا أكثر، كما أن هناك أشياء حدثت معي بالرحلة أريد أن أخبرك بها.
_ حسنًا، اوف، أعلم أني لا خلاص لي منك، ومن إلحاحك يا أثير.
ضحكت كلتاهما وجهزوا أنفسهم وخرجوا بعد اطمئنانهم على عز الدين.
بعد ساعة كانت أثير استطاعت أن تدخلها بمودٍ آخر، وادخلتها بأحاديثها التي لا تستطيع أن تحكيها لأحد غيرها لعالم آخر من الضحك عليها، وعلى كوارثها.
استطاعت أن تجعل ربى تندمج معها كليًا.
_ يا إلهي! وماذا فعلتِ بعد؟ يا خائنه، لما لم تخبريني بذلك الأمر من قبل؟!
ضحكت أثير على ربى التي انغمست كليًا بحكايتها مع خالد، ذلك الزميل الذي كان معها بالبعثة، وما فعلته به:
_ يا إلهي، ربى، مهما أخبرتك لن تتخيلي وجهه كيف أصبح بعدما مارست عليه بعض حركات الكاراتيه التي أجيدها.
اصطفت سيارة أثير أمام مطعم راقٍ بمنطقة تخص الطبقة الراقية؛ لتهتف ربى بضحك:
_ يا إلهي، أين جئت بنا يا ابنتي؟ يبدو باهظ الثمن، وأنا للتو فقدت عملي.
_ لا تقلقي، لقد أرسل لي أبي اليوم راتبي الشهري، عامرة يا ابنتي، عامرة.
اتسعت أعين ربى بصدمة من حديث أثير العفوي، وهي تفعل كمثل أولئك أصحاب محلات الجزارة، ضاربة على صدرها:
_ يا إلهي منكِ، ثم ماذا، أما زلتِ تأخذين راتبك منه؟
_ نعم بالطبع، ولما سأتركه بينما ينعم أبناء زوجته بخيره كله؟
كانت أثير ابنة لأحد الأطباء الأثرياء يعمل بالخليج، ماتت والدتها فتزوج أبوها أخرى خليجية، وعاش معها ببلدها، لتعود أثير لتعيش مع جدتها التي فارقتها قبل سنوات، حينها عادت أثير لأبيها لمدة سنة، ومن ثم عادت لهنا مجددًا تعمل بإحدى المستشفيات الكبرى.
دلفتا كلتاهما يثرثرون غير منتبهين لشيء أبدًا.
كانت كلتاهما جميلتان بدرجة مبهرة، ملفتة، لفتت انتباه الجميع من حولهما.
هتفت ربى بقلق:
_ أتظنين أثير أن ذلك الحقير مازال يتتبعني؟
_ لا تهتمي ربي، إن كنت تخشين منه مرة، فهو يخشى منكِ ألف مرة الآن، خصيصًا بعد تلك الكوارث التي حدثت. أنتِ قادرة على ما لا يقدر هو عليه.
_ ماذا تعنين؟
_ أنتِ قادرة على قلب السوشيال ميديا عليه يا ربى. افهمي يا ربى. لقد خلع السوشيال ميديا رؤساء العالم العربي، ألن تسقط الزيني؟
_ لكن.
_ لا لكن.. اهدئي، ولا تفكري بالأمر، واعلمي أن مادام الأمر هدأ، أنه قد يأس، وأن هناك شيئًا يخشى منه.
ما بك لما صمت يا عمي؟
هكذا هتفت نيرة بغضب، قبل أن يجيبها فريد بنبرة مبهمة لم تستطع أن تستشف منها شيء:
_ يجب أن نهدأ من لعبنا يا نيرة.
_ لكن.
_ لا لكن، أغلقي الآن وابقي عينك مفتوحة لما يجري من حولك.
_ حسنًا.
حاليا هي لا تملك شيئًا من المستقبل، ولا تعرف كيف ستنتهي لحظتها هذه، والماضي لن تستطيع أن تمحو كل ما حدث به، ولا أن تمنع ما جرى به.
عليها فقط أن تتعلم الدرس جيدًا.
عليها أن تتعلم أنها ستصادف الكثير ممن يستطيعون البكاء، وذرف الدموع بغزارة، وستشعر بالشفقة عليهم، وربما تبكي لبكائهم، لكن القليل منهم فقط من يستحقون أن تقف بجانبهم، وتصدقهم، وأن الكثير منهم لا يستحق أن تسمعهم، ولا أن تلتفت لهم حتى.
غرقت بالحديث مع أثير، ولم تنتبه إلا على صوت أحدهم تعرفه جيدًا:
_ ربى، هذه أنتِ؟ ثم ماذا، الدكتورة أثير؟
_ يا إلهي، هذا أنت عمو عادل.
هكذا هتفت أثير بسعادة حقيقية حينما وقعت عيناها على عادل المالكي برفقة أحدهم عرفته على الفور.
اقترب المالكي ملقيًا التحية عليهم بحب أبوي، قبل أن يبدأ بتعريفهم:
_ ربى عزيزتي، دعيني أعرفك برجل سيصدمك معرفته حقًا، لكن له الفضل بحل أزمتنا الأخيرة.
كانت شاردة بهاتفها تراسل هبة كل دقيقة تقريبًا.
انتبهت على صوت أثير لتتفاجيء بمن أمامها.
ابتسمت بهدوء، ابتسامة زينت وجهها صدقًا جعلته يشع راحة، تسللت إلى الواقف يراقب كل هفوة تصدر منها.
_ دكتور بيجاد فريد الزيني، هذه ربى راشد، صاحبة الضجة الإعلامية على مصانعكم.
اتسعت عيناها من اللقاء التي لم تحسب له حساب، وهي تفكر أن ذلك الواقف أمامها هو ابن لذلك العجوز الخرف.
لم تنتبه لرد فعلها الصادم إلا عندما دفعتها أثير بخفة من أسفل المائدة.
تفكر بامتعاض أنها لم تنتهي من الأب بعد ليأتيها ابنه.
كادت تود لو تفر هاربة لولا احترامها للرجل الذي مازال داعمًا لها.
بهدوء مد بيجاد يده لها، وعيناه عليها، وعلى تعبيراتها يحاول استشفاف ما تفكر به، قبل أن تلحق الموقف أثير مردفة بذات الابتسامة، وهي تقوم بالسلام بدلًا عنها:
_ بالطبع غني عن التعريف دكتور بيجاد، نحن نعرف بعض مسبقًا، أليس كذلك.
لم تنتبه أثير لما تلفظت به وهما كذلك، لكنها بالفعل لها حكاية معه من قبل، لكنها آثرت أن تحتفظ بها لذاتها.
هي تعي جيدًا أن الماثل أمامها هذا رجل مثالي لولا تلك الحادثة التي شهدت عليها من قبل وفقدانه لقدمه.
لقد كانت ضمن الطاقم الطبي التي عالجته آنذاك.
كانت عيناه مازالت مثبتة على تلك التي مازالت ثابتة بمكانها، وهو يفكر هل أحرجته للتو، قبل أن تردف أثير بابتسامة حرجة:
_ آسفة بدلًا عنها، ربى لا تسلم على الغرباء.
هز رأسه بتفهم.
ابتسامة عادل المالكي، واسترساله بالحديث بما يخص الأزمة بينهم جعله يبدو كمن نسي الموقف:
_ نحن هنا من أجل حل الخلاف نهائيًا بين إذاعتنا وبين آل الزيني يا ربى. وبما أنك رفضتِ من قبل الانضمام، ما رأيك بالانضمام لنا الآن بما أنكِ هنا؟
كانت سترفض لولا اندفاع أثير مردفة بنبرة معاتبة ومتعبة مما يحدث:
_ ياريت تنتهي. لقد سئمنا المعارك والله. تفضلوا ارجوكم.
نبرة أثير لم تريحها، وكأنها كانت تعلم بهذا اللقاء، وهي من دبرت أمره مع عادل المالكي، وذلك الرجل إذ عرض عليها من قبل، ورفضت رفضًا قاطعًا حقًا.
الآن باتت متأكدة أن أثير لها دخل باللقاء، وخصوصًا بعد مجيئها بها لهنا.
جلست على مضض، وهي تؤجل حساب أثير فيما بعد، متوعدة لها، لكن على رأيها لينتهوا من هذا الأمر.
نظرتها لِأثير دفعتها للقلق من ما قد يحدث بينها من خلافات بالمنزل أن فطنت لشيء.
نظرت أثير للمالكي بخوف قبل أن يطمئنها هو بعينه، ويبدأ بالحديث معها، لكن ذهب كل شيء أدراج الرياح ما أن رن هاتف أثير باسم هبة، فاستأذنت منهم حتى تجيبها.
_ صدفة رائعة على ما أعتقد.
لم يستطع إبعاد نظره عنها.
لقد تأكد أنها هي منذ أن وقعت عينه على صورتها داخل الملف الذي آتاه به مساعده الخاص.
تلك الفتاة التي كادت تُدعس تحت أقدام تلك السيارة لولا يديه التي تلقفتها، وكأنها صورة أخرى لفنان أجاد رسم تعبيراتها كما الحقيقة.
كانت غاضبة متوترة، لم يكن بحسبانه أنه سيلقاها الليلة، وأن الأمر سينتهي بهما جالسين أمام بعضهما هنا بعدما رفضت كليًا مقابلته من قبل.
هو لا مشكلة لديه بفض الخلاف بينهما، بالنهاية هي أكثر من تضررت.
حينما اقتحم المالكي قبل أيام مكتبه، كان يركز كل اهتمامه عليها.
ناهيك عن ابنته التي كان يعتقد أنها تستطيع حماية نفسها جيدًا، أما ربى وطفلها فلا.
أصابه الفضول أكثر من ذي قبل لرؤية تلك التي يندفع الجميع لحمايتها، ويشعر أن وراءها قصة ما يحاول الجميع أن يحميها من أجلها.
أصابه الفضول حقًا لرؤية تلك التي يتقاتل عليها والده، ليعود عقله لتوازنه، وهو يخبر نفسه أنها بالنهاية امرأة، وعلى حد معرفته هي بمفردها.
كان يريد بالبداية أن يلقنها درسًا قاسيًا، لكن احترامًا للرجل الذي وثق به، وقدم اعتذاره له، ناهيك عن المخطط القذر الذي اكتشف أنها وقعت به، التمس العذر لها، وله، وأراد إنهاء المسألة بلا خسائر أخرى، ويبقى أمر والده عليه.
نظر لها ولتركيزها الذي انصب على هاتفها تارة، وعلى مراقبة صديقتها تارة أخرى، قبل أن تقترب أثير مردفة بصوت مختنق، وكأن أصابها أمر ما؛ لتنتفض ربى مردفة بخوف:
_ ما بكِ؟
كلاهما نظر لأثير باهتمام، قبل أن ينتفض المالكي مردفًا:
_ أثير ابنتي، هل حدث شيء؟
اقتربت ربى منها مردفة بذعر:
_ تحدثي أثير، هل حدث شيء لعز؟
قبل أن تجيبها أثير، كان هاتفها يرن برسالة من رقم آخر، كان ذلك العجوز الخرف كما تنعته، يخبرها بخطف ابنها متوعدًا لها أن علم أحد بالأمر؛ لتطلق بعدها آاهٍ مزقت قلوبهم، وتغيب بعدها عن الوعي غير مدركة ما يحدث معها.