تحميل رواية امنيات اضاعها الهوى بقلم اسما السيد pdf
بقلم اسما السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ارتفع صوت المأذون يردد لثالث مرة دون أن تنتبه هيّ: _ رُبى منير راشد هل تقبلين الزواج يا ابنتي؟ _ أجل أقبل. لا تعي كيف نطقتها لكنها ليست مخيرة، هي مجبرة كما العادة، ولا عزاء لها، ولا لأمانيها، فها هي الآن تدعسها بأكملها تحت أقدامها مجددًا، والسبب هذه المرة لم يكن إلا سذاجتها، وثقتها المفرطة بمن هم ليسوا أهلًا لها. رَنا إليها بنظرة طالت عن الحد، كان بإمكانه فعل الكثير غير ذلك، لكنه هو من آثر الغرق معها وبها. نظراتها التي رنت إليه برجاء موجع جعلته طوع بنانها، علم حينها أنه غرق بلا عزاء. علّمته سذاج...
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسما السيد
أمنيات أضاعها الهوى
الفصل الواحد والعشرون:
_ أنا لن آتي مجددًا هنا يا عصام عمي صار يشك بي.
_ وما دفعه ليشك بكِ؟
_ لا أعلم.
_ انسي أمرة الآن ماذا فعلت بالأمر الذي تحدثنا به؟
زفرت بحنق :
_ لم استطيع تدبر إلا أَمر مجوهراتي بيجاد ضيق الخناق على نساء العائلة جميعًا، وسحب منا بطاقتِنا الائتمانية وأعطانا أموالًا تكفي لنا بالمنزل بحجة أن هناك من يتلاعب بالحسابات. كما أنه سَيّقوم بجرد السنة المالية تلك الأيام أنت تعلم نحن بنهاية السنة.
لَعن بِسرة بيجاد ومكرة ذلك الشاب يفوق جده مكرًا مؤكد أكتشف أمرًا ما لذا عليه أن يسرع بتنفيذ مخططه ليعوض خسارته، ويلْحق بعائلته.
_ حسنا كم جمعت مجوهراتك من مال؟
_ ليست مجوهراتي فحسب بل مجوهرات فيروز معي أيضًا وقد بلغت عشرة ملايين.
_ فقط.
_ هذه جزء منها أما موروثات العائلة بخزنة الجد والمسؤولة عنها مشيرة، وانت تعرف مشيرة وقوانينها الصارمة .
_ نعم نعم أعلم لا مدخل لها .
_ لقد سئمت من تدخلاتها لا أعلم كم مرة سأحرق قلبها إنها لا تهدأ أبدًا.
تذكرت زوج مشيرة الذي اكتشف علاقتها بالسكري قبل سنوات، وهدد بفضحها؛ ليتدبر السكري أمرة ويدبر له تلك الحادثة التى لم يكتشف أحد بعد من ارتكبها. لاحظ شرودها فامتدت يده تقربها منه مردفًا برغبة:
_ دعينا من كل ذلك لقد اشتقت لكِ.
_ وأنا..
غرقت مؤمنه باللذة المحرمة، ولم تشعر بما يضمرة لها، ولما قد تشعر بشيء لقد خانت صديقتها الأقرب لها والتي لم تكن غير زوجته والتي كانت صديقتها المقربة ومازالت. لقد فعلت من أجله، ومن أجل الرغبة المحرمة ما لا يتخيله عقل بشر.
يده تسللت من خلف ظهرها لِيرسل رسالة لذلك الذي ينتظر إشارة منه. كانت رسالة معينة اتفقا كليهما عليها قبل أن يندفع الأخير لرب عمله قائلًا:
_ فريد بيه هناك أمرًا عليّ أن أخبرك به لقد اكتشفناه مؤخرًا، وكنت أنتظر لحظة سقوطهما.
_ ما هو الأمر هل علمت أين ربى وبيجاد ؟
_ لالا ليسوا هما .
_ من إذًا؟
صمت ماجد بخبث يتطلع الى ما ستؤول إليه الحكاية بالنهاية كما خططوا لها. قبل أن يهتف بخبث:
_ زوجتك السيدة مؤمنه وعصام السكري.
صاح فريد بصدمة، ويد ترتجف:
_ هل جننت أنت ؟!
_ لا يا باشا معي ما يثبت لك.
_ أَريني .
_ أخرج ماجد هاتفة، وفتحة على ذلك الفيديو الذي يجمع زوجته بأحضان عصام السكري؛ ليندفع الأخير صارخًا :
_ الكلب النجس أين هو الآن؟ سَأقتلهما.
_ معها بالفيلا الخاص التي كنت تسْتخدموها معًا لِسهراتكما.
_ سَأقتلهما.
قهقه ماجد عليه، وهو يراه يخرج مندفعًا يهدد بقتلهما.
_ رحمة الله عليكما جميعًا.
أرسل رسالة لأحدهم كان ينتظرها بلهفة طيلة الأيام السابقة مكتفيًا بما يعلمه وما لا يعلمه سيصير مفاجأة مدوية، وخرج خلفة حينما صرخ عليه، وهو يفكر أنه أخيرًا ستنال نوار انتقامها ومن الجميع.
*********
بالبلدة:
دق عنيف على باب البيت قبل أن تنتفض نعمة والدة ربى يتبعها ابنها محمود صارخًا:
_ قادمون هل قامت القيامة؟
_ استرها يا ربنا
هكذا هتفت نعمة قبل أن يفتح محمود الباب بغضب لكنه سرعان ما عاد للخلف بصدمةٍ ما أن أبصر الماثل أمامة.
_ ظافر!
_ نعم أنا كيف حالك يا أخو زوجتي؟!
نظرة عينيه السوداوية دبت الرعب بأوصالِهم. صمتهم طال بصدمة حينما سألهم عن ربى.
ليهتف ظافر صارخًا باسمها:
_ ربى، ربى أين زوجتي هل هي هنا؟ لقد عدت للبيت ولم أجدها، أين زوجتي وطفلي يا رجل؟!
لاحقة محمود بذعر:
_ اصمت ستَفضحنا ادخل؛ لنتحدث.
امسكت نعمة يده، وهتفت بذعر حقيقي، وهي تكاد تتوسله؛ ليدفع ظافر يدها ساخرًا:
_ أنت ِ لم تري فضيحةً بعد ! لقد جئت خصيصًا لفضح ابنتك العاهرة التي طَلقتني بالمحكمة، وسَرقت أموالي وورثي، والآن تعيش كفتاة ليل تلقي بنفسها بأحضان ِ من يدفع أكثر ومعها طفلي، أنا أريد طفلي الآن أقسم سأجعلكم علكة بكل الألسنة، وسأرفع عليها قضية زنا.
_ اخرس يا حقير .
_ محمود إلزم حدك وإلا.
ما تلى ذلك من شجار بينهم استمع أهل البلدة جميعًا إلية فضحها ظافر كما يجب، وصارت كما أراد لها سيرتها علكة بكل الألسنة.
ورغم أنه لن يُقدم على فعل شيء قانونيًا وان قام بوزهِ أحد لأنه لا يريد طفلة بالأصل لكنه هددهم بذلك ولا ضرر من وضعهم تحت ضغط وخوف.
بعد ساعتين انفرد ظافر بنفسة بعدما رفض تدخل أحد لحل المسألة يهاتف فريد الزيني يخبره بالتفصيل ما يحدث معه لكنه لم يجيبه بل أجابة مساعدة الذي
انفجر بالضحك منتشيًا من غباء ظافر وخبثه ليخبره أن يلاقيه على عجل خارج البلدة ليأخذ ما تبقى له، غافلًا عن نبرة الخبث التى يتحدث بها ماجد فقط ما يهمه هو المال واللذة. قبل أن يغلق ظافر معه سأله على فريد؛ لكنه تجاهله وأمرة بالرحيل والا لن يأخذ فلسًا واحدًا لكن ظافر أراد أن يحرق قلب محمود الذي لم يستطع مجابهته بالشجار فأَصابة بإصاباتٍ بليغة بكل جسده ليقرر إِلقاء آخر شيء يعلمه، ويختفي.
اتسعت أعين نعمة من الحشد المجتمع حولها فضيحة على حين غرة لم تتوقعها. أنها الآن بأسود لحظاتها وايامها على الإطلاق، وهي تري شماتة الجميع بها وبما فيهم زوجة ابنها.
هتفت ببكاء وكسرة:
_ ماذا سنفعل الآن يا محمود؟
_ الآن تسألينني ماذا سنفعل؟ الشرف لا يغسله إلا الدم يا أمي.
صرخت برعب:
_ لالا شقيقتك لن تفعل أبدًا هكذا. ربى لن تفعل ظافر كاذب، والجميع يعلم مدى نجاسته.
_ لا تضحكِ على نفسك يا أمي أنا وأنت نعلم جيدًا أن ابنتك هاربة منذ زمن. انتهى الأمر وحتى وإن لم تكن يكفي أنها فضحتنا من الآن ابنتك توفيت.
نظرت نعمة لشقيقتها التي تحتضن ريم الباكيه بخوف على شقيقتها ربى تتوسلها بعينيها أن تفعل شيئًا لتقابلها شقيقتها بأخرى لائمة قبل أن تردف بعتاب:
_ الآن واثقه انها لم تفعل شيء! كم مرة أخبرتك أن بناتك أهم من المال والولد. لو كنتِ استمعتِ لي من قبل واخذتِ ابنتك بأحضانك وتفهمتي مصابها لم تكن لتهرب منك. ها هو ظافر الذي كسرتِ قلب ابنتك من أجله فضحها، وكأنها لم تكن عرضة ذات يوم. هذا من اردتِ لها أن تظل تنتظره طيلة عمرها. الله لا يأخذهم بذنب انانيتك.
لم تستطع نعمة أن تجيبها بحرف تشعر بالندم والخزي لتدفع شقيقتها ريم : هيا يا ريم منذ الآن والدتك توفيت واقسمت بالله أن أصاب ربى مكروه وعلمت به لاكون واشيه بكِ وبابنك أنكما من فعلتما.
ألقت نظره أخيره على زوجة محمود التي تقف تمضغ علكتها بشماته، واردفت:
_ أنتِ تستحقي يا نعمه ما أنتِ به حقًا الله يقتص منك ما تسببتِ به لابنتك.
********
وصل ظافر للمكان الذي اتفقوا عليه متحمسًا للمال الذي حظيّ به بكل يسر لا يصدق للآن مدى السهولة في الحصول عليه لكن ذهب كل شيء أدراج الرياح حينما وجد نفسة محاصرًا من كل اتجاه برجال غير رجال المدعو ماجد وفريد الزيني، هتف بهم ببرود:
_ من أنتم؟أين ماجد؟! ليأتيه صوت أحدهم من خلفه:
_ لا ماجد بعد الآن.
_ ماذا تعني؟أين رحل؟ أريد مالي منه لأعود من حيث أتيت لا وقت عندي!
_ لخبر كان هل تعرفه؟!
_ هل مكان قريب من هنا؟
_ قريب جدًا!
هيا يا شباب رحبوا بالضيف على طريقتنا، وحيوه بتِحيتنا الخاصة تحية آل الزينى العظيمة.
دقائق، وكان صراخهِ يعلو المكان:
_ اتركوني أتوسل إليكم.
_ كيف يا رجل ألا تريد مالك؟
_ لا ..لا أريد اتركوني.
_________
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسما السيد
وإنك تسكن الروح، وهذا مكان خاص جدًا بك، هو أعمق من الروح بين الوتين والنبض، وإن الروح تألف من تحب، والروح للروح دوما ما تحن. قد يستطيع المرء أن يلمس القلب بيديه لكن الروح لا تُمس لكنك وحدك دونًا عن سائر الخلق قد فعلت.
بعدما غاب بيجاد لساعةٍ يتحدث بهاتفه جُن جنونها وهي تنتظره فقررت حاسمة أمرها أن لا هاتف اليوم ولا الغد ولا طيلة مكُوثهما معًا. بالنهاية الهاتف لا يجلب الا المشاكل.
تأففت من اتساع ابتِسامته بعد إنهاء المكالمة، وكأنها ضحكة نصر. مازالت تشعر، وأن هناك شئ يخفيه عنها لكنها صدقًا لم تعد تهتم. اقتربت منه وألقت بهاتفها بعيدًا بعدما أغلقته، وأمسكت بهاتفه وفعلت به كمثل. ضحك وأمسك بهاتفه؛ فغضبت فعاد يسلم أمره إليها وهو يعطيها هاتفه. أرادت أن تسرق معه بضع لحظاتٍ من العمر. بالأمس فتح لها قلبه، وحكى الكثير مما كان يخفيه عنها.
فتح لها قلبه طواعيةً؛ لتدلِف إليه. تشعر بأنه يشبهها وهي تشبهه. تشعر بشيء بدأ يتسلل إليها بجواره أو هو بدأ بالفعل وهي تنكره وهو كمثل.
لا تعلم لما أرادت أن تستمع لنُصح أثير، وتنتهز فرصة العمر بجواره. الله يعلم أنها لا تكترث إلا لذلك الدفء الذي يتسلل إليها بجواره، والله يعلم أيضًا متى ستسنح لهما الفرصة مجددًا؛ ليكونوا معًا بهذا القرب.
ليلة أخري بجواره، ومازالت تمطر بغزارة؛ ليستحيل عليهم الخروج من البيت إذ أغرقت الأمطار الوديان من كل اتجاه.
إنه الجو الأحب لقلبها كم تعشق فصل الشتاء، وتعشق كل ما به حتى أزمة الطرقات، وحتى غرقها بالمياه ببلدتها كانت تعشقها. إنه فصل الحنين والأشواق والأمنيات.
لقد باتت تنتظر ساعات الليل؛ لتقضيها بالثرثرة معه لكنها اليوم أرادت أن تكون هيَّ، وهو، ولا أحاديث جانبية على الهاتف تشتتهما. فعلى كل حالٍ هاتفها ما أن يرن يشتعل بالغضب.
عمار لا يتوقف من إرسال الرسائل لها، وهي صدقًا سئمت من اتهامات عينيه حتى بعدما قصت له كل شيء لا تزال تشعر بأنه لا يصدقها.
وقفت أمام الشرفة مجددًا لم يرى أنثى مثلها تعشق مشاهدة الأمطار إلا هي وطفلها ومؤخرًا عدي الذي صار يقلدهما بكل شيء. كلما رأى سعادة ابنته التي يراها لأول مرة منذ ولادته يشعر بالامتنان لوجودهما بحياته يشعر وكأن الله يكافئه بهما. كلما ازدادت سعادتهم تمنى لو يظلوا هنا بقية العمر هو وهي وطفليهما؛ وليذهب العالم أجمع للجحيم لن يكترث إليه.
إغلاقها للهواتف كان مبتغاهُ منذ أتوا لهنا لكنه مقيد بعمله، وعليه متابعة ما يدور بعيدًا عنه كما أنه لا يجرؤ على اقتحام مساحتها الخاصة يشعر بألف قيد يقيده عنها أولهم رد فعلها.
اقترب؛ لينتشلها من شرودها هامسًا بصوت أجش:
_ بت أحسد المطر.
استدارت تنظر له متعجبه، ولم يصلها مغزى حديثه بعد:
_ ولما؟
_ لأنكِ تعشقين تأمله.
_ أتعلم! أراه كلوحة فنية متكاملة.
_ كما أراكِ أنا.
_ تراني أنا؟
_ نعم، أتتذكرين ذلك اليوم الذي التقيت بكِ به أول مرة؟
_ أجل بالطبع، فأنا لم أنساه قط لقد كان يومًا مميزًا لي.
_ وما المميز به؟
_ كنت قد أتممت عدتي، وتخلصت من كل ما يربطني بالماضي.
_ نعم تذكرت صياحك حينها كنت حانقًا جدًا عليك.
_ ولما؟
_ ربما غِرت منكِ مثلًا.
_ غرت مني!
_ لكني كنت أراكِ كجنية خرجت لي من العدم.
_ أنا!
_ نعم أنتِ بل أكثر من ذلك. كنتِ أشبة بلوحة فنية خرجت عن إطارها؛ لتزين الطرقات بصخبها، وضحكتها المميزة.
_ لا تكذب يا بيجاد عليَّ، هل تراني بذلك الجمال؟!
_ أنا لا أكذب عليك أبدًا أنتِ أجمل امرأة رأتها عيناي.
كانت تخشى أن يكون كاذبًا عليها رغم أنها تود لو كان صادقًا لكنها آثرت الصمت، واكتفت بالقاء نظرة ماكرة عليه جعلته يشك بأمرها. لكنها سرعان ماضحكت وعاودت النظر للخارج، وهو بجوارها يرمقها كل حين بنظراته العاشقة بتلك العينين الزيتونيه التي تزيد من وسامته المفرطة نظراته التي لم يعد يكافح كي يخفيها، وهيَّ كمثل إلى أن شعرت باحتمالية تعب قدمه فجلست، وهي تشير له أن يجاورها لكنه بدلًا من ذلك أمسك يدها وسحبها خلفه بهدوء، فهتفت بدهشة:
_ إلى أين يا بيجاد؟!
سحبها حيث الدرج؛ ليصعدوا معًا الدرجات الفاصلة بحماسٍ غير مكترثًا بإصابته:
_ بيجاد اهدأ قدمك ستتأذى.
_ لا تقلقي عليّ.
اتسعت عيناها ما أن وجدت نفسها على السطح، والمطر يهطل بغزارة بلا توقف. دفعها بخفة لتستمتع بالمطر وتنحى هو جانبًا. دارت بسعادة حول نفسها تشعر وكأن المطر ينهمر؛ ليغسل كل ما مضى من حياتها بعيدًا عنه.
ووقف هو ينظر إليها بشغف. رؤيتها بهذه السعادة كان أقصى أمانيه منذ كُتبت على اسمه وصارت ملكًا له. كل شيء يحدث لهما معًا الآن كان أمنيته الوحيدة. هي لا تعلم ماذا يفعل من أجلها؟ ومن يحارب؟
لا تعلم أنه يقضي الليل ينظر لوجهها. لم يكن من قبل هكذا مع امرأة غيرها حتى مع زوجته الراحلة وهذا سبب كافي ليعلم منه أن الحب دق أبواب قلبه التي كفرت بالعشق دائمًا. لطالما سخر من الحب والمحبين لكنها أتت وغيرت كل ما به. انتبه لها، ولِنبرة صوتها التي تغويه. كل ما بها يغويه لِيسقط كل ثانية بعشقها:
_ أقسم بيجاد أني أردت الصعود منذ الصباح لكن كنت خائفة منك.
ضحك بسعادة، وهو يشاهدها تدور كفراشة بالهواء إلى أن توقفت، واقتربت منه تخفي نفسها أسفل معطفه الطويل؛ ليهتف بضحك عليها، وهو يخفيها بداخله:
_ بهذة السرعة انتهى شغفك.
_ لا بل؛ لأبللك معي ليس عدلًا أن اتبلل وحدي.
ضحك من قلبه عليها معها يشعر، وكأنه يستعيد حياته الماضية. تحقيق أمنياتها أمر يسعده حقًا كما تحقيق انتقامه ممن آذاها وآذاه غايته الكبرى.
هتفت بدهشة بينما مد يده؛ ليجذبها حتى ترقص معه بهدوء وخطوات متباطئة أذابتهما معًا؛ لتهمس بصوت مغري:
_ هل انت الفانوس السحري؟ من أين خرجت لي يا إلهي؟ قد تكون جنيًا يارجل لست بشري! لطالما كانت خالتي تخبرني بيقين أن بي مس من الجان؛ لذلك كنت أحتفظ بذلك السلسال؛ ليحميني منه.
لم يستطع تمالك ضحكته. ضحك كما لم يضحك من قبل ثم مال هامسًا لها بحنو:
_ إذا أنا جني الفانوس السحري خاصتك هيا أخبريني عن أمنياتك الثلاث أسرعي قبل الهرب.
أغمضت عيناها بطفولة قبل أن تهتف بعفوية:
_ يا إلهي أخشى أن تفهمني خطأ.
_ لا لن أفعل بالتأكيد.
ضحك بينما هي انتابها شك من نبرته لكنها لم تكترث منذ وثقا معًا عهد الصداقة، وهي أصبحت أكثر تقبلًا للحديث معه، لا تُخفي عليه شيئًا، وهو كمثل:
_ هيا ربى أسرعي.
ضحكت، واقتربت منه هامسة بطفولة:
_ أخبرك سرًا، وليكن بيننا؟
_ أخبريني كل أسرارك يا ربى ولا تخجلي.
_ حسنا سأخبرك أتعلم؟! لقد كانت أمنيتي دائمًا هو أن أصبح راقصة.
_ ماذا.. ماذا تقولين أنتِ؟
كاد يضحك حقًا على وجهها الذي رحلت عنه كل ملامح البهجة، وحل محلها حزن حقيقي:
_ هذه كانت ردة فعل والدتي حينما استمعت لي وأنا أحدث خالتي عنها. يا إلهي أذكر حينما تمردت في مرة، وصعدت مسرح المدرسة كراقصة بإحدى المناسبات دون إخبار أحد ليكتشف أخي الأمر، ويخبر والدتي؛ وتقوم القيامة بعدها.
_ ماذا فعلوا بك؟!
مالت تتحسس قدميها تلقائيًا فهي تشعر بحكة بأقدامها كلما تذكرت:
_ لقد أَكلت ليلتها عشرون ضربة على قدمي التي رقصت بها بعد جلسة حكم دامت لمنتصف الليل، وأنا أبكي؛ لترحمني والدتي من العقاب فتقترح خالتي مشكورة ضربي عشرون ضربة على قدماي التي رقصت بهما حتى ينتهي عقابي، وأعود للمدرسة صباحًا.
كانت تتحدث غير واعية على الشماتةِ التي ارتسمت بعينه؛ ليهتف بسعادة داخلية:
_ من أقام الحد؟
_ أخي بالطبع.
_ رجل والله، وقليل عليك عشرون ضربة.
_ نعم! ماذا تقول أنت؟!
_ أقول الصدق لو كنت مكانهم لفعلت أكثر.
اغتاظت، وضربت الأرض بأقدامها كالأطفال:
_ لم يطلب أحد رأيك! أنت الآن جني الفانوس، وعليك أن تُنفذ رغبتي فقط.
هتف باستنكار:
_ وما هي رغبتك سيدة ربى خانو؟
_ الرقص.
_ علي جثتي.
_ بيجاد أتوسل إليك.
_ انسِي ربى وتأدبي وإلا...
_ وإلا ماذا؟
_ اقتلعت عقلك اللعين هذا من مطرحه.
_ ولكنها مجرد أمنية.
_ أن ترقصي هنا على السطح تبًا لأمانيكِ هذه التي تأتي بغير أماكنها.
تأففت مردفة:
_ أين أرقص إذًا؟!
اقترب منها هامسًا بأذنها برغبة:
_ ربما لي مثلًا، لزوجك بغرفة نومنا، وأنا أعدك أني سأشاهد بأدب.
_ وقح.. أريد الرقص تحت المطر ليس كما فهمت أنت.
_ دعك من تذمرك هذا الذي سَيدفعني لِفعل شيء لن يروقك الآن إن فعلتِ، وأخبريني ما هي أمنيتك الثانية؟
_ امم، حسنا ولكنك سَتنفذ الآن بلا جدال.
_ على حسب عزيزتي، هل أمنية مشروعة أم مجنونة بلا أدب كسابقتها؟
_ اصمت أنت لا فائدة منك، واستمع لي. أمنيتي أن تعزف لي تلك المعزوفة التي شاهدتها على هاتفك، وكنت تُريها للأولاد.
كانت قد شاهدت فيديو له وهو يعزف الكمان. معزوفة بإحدى الحفلات تُرجح أنها كانت قبل إصابته لكنها بالفعل أَخذت قلبها، وهالها جمال عَزفه.
_ أمم حسنًا هذا شيء أقبل به.
لو كان أحد غيرها طلب منه ذلك لم يكن ليقبل أبدًا لكنها استثناء بكل شيء.
لمعت عيونها، وهمست من أين لنا بكمان الآن؟
اقترب من الغرفة المغلقة ودفعها؛ ليدلفْ لغرفة مرتبة مبهجة جدًا بها كل ما يحتاجه المرء للعيش وحده بهكذا مكان على السطح. اقترب يمد يده لكِمانه المعلق على الحائط، فهتفت بسعادة:
_ انت رائع حقًا!
لمحت التردد بعينيه، فهمت ما يعانيه فبدأت بِتشجيعه؛ ليهتف:
_ أنتِ متأكدة مما ستجعليني أقدم علية!
_ نعم؛هذه أمنيتي.
_ أنتِ مزعجة حقًا!
_ من أجلي بيجاد.
_ حسنا.. لا أعلم أين كنتِ تخبئين كل هذه الثرثرة وكل هذا الجنون لكن من أجلك سأفعل.
_ أنا هكذا دائمًا مع من أرتاح لهم.
_ هل ارتحت لي؟
_ جدًا، جدًا حتى أني قررت أن التصق بكَ دائمًا هيا لا تطل بالأمر.
ضحك بسعادة حقيقية. الوقت الذي يقضيه معها بمثابة نعيم خالص لا يود الخروج منه. أكثر ما كان يخشاه أن تبتعد عنه يوم أو ترغب بالفراق. إن كانت تود الالتصاق به؛ لتلصق أكثر، وهو سيكون أكثر من سعيد بِالتصاقها.
كان المطر قد بدأ يتوقف، واحتل الصمت المكان. نظر لها فَشجعته بعينيها؛ ليغرق بعدها بالعزف.
كان بالفيديو يعزف معزوفة عمر خيرت الشهيرة التي تعشقها هي أيضًا "عارفة" بدأ يغرق بعزفه لكنها فاجأته بصوتها الذي شدت به من خلفه كَكروان.
(عارفة..مش عارف ليه..بتونس بيكِ، وكأنك من دمي..على راحتي معاكِ وكأنك أمي..مش عارف ليه؟!)
انتهي وصمت وصمت كل شيء من حولهما إلا من نظرات العينين. كل شيء هنا يحث المرء على التمرد، الحنين، والرغبة وهو بشر ضعيف.
يقولون أن العمر يمر. هو صدقًا يمر. يمر بكل ما به إن كان خيرًا أم شر، وأنا أعترف أني عشقت حُنوة عليّ. لم أصرخ يومًا ونَهرني، ولم أغضب وتَركني. كان مزيج عجيب الشكل. يعلم متى يكون حازمًا، ومتى يرخي الحبل؟ من قال أن الرجل يكن رجلًا فقط بالصفع والصراخ طيلة الوقت! الرجل الحقيقي هو من يحتوي من هم أدنى منه. وهو كان هادئًا منذ عرفته إلا من نظرات العينين التي كانت تُوشي لها بكل شيء يخفيه القلب.
انتهي العزف، ومعه بدأ كل شيء. عيناه التي تعامدت على عيني كانت تحكي ما لم نستطع البوح به. أراد القرب، وأردت أنا العيش دومًا بين كلتا الذراعين.
اقتربت بإرادتي ولم يجبرني عليه. أردت أن يعاملني كزوجة ولو لليلة واحدة فقدت تعقلي. لقد أهلكني هذا الكبرياء اللعين الذي يطل من عينيه. أنا الآن أعترف أنا أرغب به، وهو أمنيتي الثالثة التي لن أستطيع أن أصرح بها أبدًا إليه ولو هرمت.
الحياة بين ذراعيهِ كانت كالنعيم الذي تمنيت يومًا أن أحيا به طيلة العمر. همس بصوت أجش قبل أن يأسر شفتيها، ويغمرها بعاطفة أطاحت بما تبقى لديهم من عقل:
_ رُبى أشعر برغبة قوية بك. إما أن تهربي الآن من أمامي أو لتقتربي ولا تلوميني فيما بعد!
ولم تكن هي بحالٍ أفضل منه لم تتحدث لكنها كانت أكثر من مُرحبةٍ به. إذ شعرت وكأن هناك بين أحضانه مغناطيس قوي يجذبها إليه.
نار الشوق أحرقت كليهما، وكلاهما آثرا الغرق حتى تنطفئ؛ لتنتهي الليلة بها غافية بين ذراعيه طواعية. وباعتراف صادق بالعشق اعترفوا به كلاهما بعد ما حدث؛ لترحل الصداقة للأبد، وتبدأ مرحلة العشق والوله.
همس وهو يشعر بلمسة من يديها:
_ يا إلهي أنا أعشقك يا رُبى منذ الليلة لا خلاص لكِ مني.
همست بذات الشعور:
_ وأنا لكَ بكلِ الحب.
إنه الحب من يجعلنا لا نسيطر على أي شيء. يصنع من كَذِباتنا عَالمٌ من الصدق، ومن خيباتنا ينسج خيط أملٍ عجيب الشكل. إنه الحب بكل تخبطاته من يجعل الكافرين به يسخرون منا بكل قبح.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسما السيد
اتسعت أعين عمار بصدمة ما أن أخبره وحيد بما حدث بالبلدة. عاد حديثه مع أمه يؤكد الأمر عليه، وزادت من عندها بعض التحابيش؛ لتزيد من كرهه لها.
النار تأكل دواخله، والشك تسرب إليه مجددًا. لا يصدق جُرأتها بما فعلت، وتطليقها لظافر.
عقله بدأ يجمع الخيوط مع بعضها البعض. إلى أن توصل أنه إن كان حديث ظافر كذبًا فأين هي للآن؟ لما لم تظهر إليه؟!
النار اشتعلت بجسدهِ، ولم يشعر بأنه يعيد الكرة بِشكة بها مجددًا وربما سيخسرها للأبد. يسأل نفسه بجنون هل هي معه الآن أم تختبئ منه؟!
حفنة من الأموال لا بأس بها ألقاها بيد حارس العقار خاصته قبل أن يحكي حكايتها كاملة مع ابن الزيني الذي أخفاها عنه بالبدء خوفًا من أبو رضوان صديقه الذي شدد عليه بألا يخبر أحد، وما حدث معه؟!
لكن الرجل نفي زواجها أو لأنه لا يعلم بعد لأن الأمر مخفي بالفعل. فقط أخبره بالأقاويل التي يستمع إليها من سكان الكومباوند الذي يسكن به من تردد ابن الزيني على المبنى الخاص بها، ودخوله وخروجه ليلًا بكل أريحية.
لِيأجج النار بقلبه، وتثور ثورته قبل أن يقرر فعل شيء لم يفكر أنه قد يندم عليه، وهو يرسل لشقيقها عنوانها وكل شيء توصل إليه بالفعل، لتمت أو لتذهب للجحيم هو لا يهتم. دفعته الغيرة لفعل ما لم يحسب حسابًا له.
صرخ وحيد به بصدمة بعد أن أخبره:
_ يا غبي لما فعلت؟ غبي أنت لا تستحقها أقسم أني نادم؛ لأني ساعدتك. الله يلعنك يا عمار.
نظرت زوجة وحيد له بندم، وهتفت ببكاء:
_ قلت لك أن عمار ليس برجلًا، وقلت لي أنه تغير ونادم، ها هو يفعل مجددًا ذات الشيء، اللعنه علي أنا، أنا من وثقت بكما، ماذا سنفعل الآن؟
_ هاتفي ربى، واخبريها ولا تخفي عنها شيء.
_ لقد فعلت ولكن هاتفها مغلق طيلة الوقت.
زفر وحيد بحزن حقيقي، وهو يفكر بأمر قبل أن يهتف:
_ قبل ركوبِ الطائرة بالغد سأذهب لعنوانها التي أعطته لكِ، واخبرها بكل شيء.
_ هل ستفعل يا وحيد حقًا؟
_ أقسم سأفعل لا تبكي بعد كانت نيتي فعل الخير.
_ اعلم.
تجاهل عمار صياح وحيد، واغلق بوجهه؛ ليهاتف والدته يخبرها بقرارٍ طال انتظاره:
_ أمي أنا موافق على خطبة نهلة ابنة خالتي كما رغبتِ.
لتطلق والدته زغرودة طويلة وصل صداها لكل البلدة بما فيهم بيت عمه، للبلدة الظالم أهلها.
***
الدماء جفت بأعين مؤمنه، وارتجفت أوصالها حينما وجدت فريد أمامها، ولم يكن عصام السكري أقل خوفًا منها وهو يسب ويلعن بماجد الذي خدعه. لقد اتفق على إرسال فيديو لها معه فقط. فيديو من فيديوهات عدة مازال يحتفظ بها. لم يأخذ وقت بالتفكير؛ ليعلم أن ذلك القذر ماجد قد خانه، وباعه، ووشي عن مكانه.
همست مؤمنه برجاء، وهي تلملم شرشف الفراش حول جسدها العاري.
_ فريد أرجوك اسمعني أنا..
_ اسمع ماذا بعد يا عاهرة، سَأقتلكما.
جن جنون فريد، ولم يعد يشعر بشيء، وكأنه واقع تحت تأثير قوةٍ ما. النار تتأجج بعروقه ويرى ما يحدث، وكأنه داخل فيلم سينما قذر. بأقصي أحلامه لم يتوقع منها ذلك. ما يراه الآن لا يغسله إلا الدم.
وبلحظة كان يخرج سلاحه، ويطلق النار صارخًا غافلاً عن ذلك الذي أسرع خلفه، ووقف يصور ما يحدث معهما لحظة بلحظة، ويضحك بالخفاء.
أغلق ماجد الفيديو ما أن لمح فريد يخرج من المبنى مهرولاً؛ ليتبعه بصمت ويسأله ما أن دلف للسيارة وكأنه لم يرى شيء.
_ هل تأكدت من كلامي يا باشا؟!
كانت أطراف فريد ترتجف يحمد الله أن ماجد لم يلحق به مباشرةً حتى لا يعلم ما فعله. لا يصدق أنه قتلهما. حاول تخطي الأمر بالنهاية لم يستمع أحد لصوت إطلاق النار فمَسدسه كاتم للصوت.
أردف بتوتر:
_ ماجد أعطني من هذا الدواء سريعًا.
_ أمرك يا باشا.
ولم يكن غير جرعة من نفس المخدر التي أدمنتهُ نوار على هيئة قرص دواء؛ ليصبح كالسم في العسل، ويحلو الانتقام.
***
تدور نيرة حول نفسها تفكر بأمر اختفاء زوجة عمها مؤمنه تُري أين رحلت؟
لقد اختفت من ليلة أمس، ولا أثر لها. القصر علي قدم وساق يبحثون عنها بكل مكان لذا لم تستطع الخروج لتأتي بمزاجها الذي نفذ ليلة أمس.
انتهت أمس جرعة المخدرات التي كانت بحوزتها ولم تستطيع الوصول لماجد حتى يدبر لها أمرها بأي شيء.
لم تعد قادرة على تحمل الألم. اقتربت من الخزانة وشرعت بضرْب رٱسها بقوة من الألم.
_ سأموت..سأموت.
الخيالات تملكت منها تري الخيال كحقيقة مفرغة. لكن فجأة ظهر أمامها شبح نوار وهي تقف أمامها، وتضحك كما كانت هي تراها تفعل المثل، وتقف شامته بها قبل أن تقترب منها، وتلقي محتويات الكيس على الأرض؛ لتهبط نووار تستنشقه، ومن ثم تبكي بنحيب من الندم وهي تتحسس جنينها بخوف.
الآن هي بذات الوضع لكن لا أحد يُلقي لها أي شيء.
_ ارحميني ارحميني، واخرجي من عقلي لقد سئمت.
***
صباحًا فعل وحيد ما خطط له لكن أمن الكومباوند لم يسمح له بالدخول بتعليمات مشددة من بيجاد الزيني. حاول ولكن بلا فائدة، وبالنهاية استسلم ورحل.
أخبر زوجته التي بكت بحرقة، وهي تدعو الله أن لا تخسر صديقتها وللابد.
***
الحياة تغيرت كليًا للنقيض. توقف المطر، وجفت الأرض، وتلونت الحياة بلون الورد. كل دقيقة تمر عليهم يزداد القرب بينهم، تشعر وكأنه خُلق لها، وخلقت له حتى ندوبها وجروحها التي كانت تشعر بالخزي من رؤيته لها استطاع بِحنوة أن يجعلها تتحدث عنها بلا خوف. أسقطت من علي كاهلها كل شيء يؤرقها، والقتة بين ذراعية.
حاوط خصرها بيديه بعد ليلة حب عاصفة بينهم ككل ليلة معهم منذ اعترفا بالعشق، شفتيه التهمت ندوبها ككل ليلة، وهو يقسم أنه سيفعل المثل بذلك القذر الذي أتى له بقدمية. أول مرة يود لو يشكر والدة علي فعله لشيء، وإن كانت نواياه قذرة فهو كفيل بكل شيء. أظهرت شفتيه ابتسامة خطرة ما أن تذكر والده الذي يظنه غافيًا عما يفعله لكنه فقط ينتظر الوقت المناسب؛ لإنهاء كل شيء كما خطط له.
استدارت لتنظر له، وهالها شرودة، ونظرة عينية، وهتفت:
_ بيجاد أنت بخير؟!
انتبة لها ولِيدها التي تسللت تحاوط عنقه:
_ لم أكن بخير يومًا كما أنا الآن بين ذراعيكِ.
_ حقا يا بيجاد؟
_ ألا ترين بعينيك؟
_ أشعر بالخوف.
_ وأنا معكِ.
_ لا يأتيني إلا معك، وأنا بين ذراعيك.
_ هل تعي ما تقولين؟!
_ أخشى فراقك؛ لنبقي هنا للأبد لا ترحل عني ولا أرحل عنك هكذا أنا وأنت وطفلينا.
ابتسم وحاوطها بحب يقربها منه بتملك. شفتيه عرفت طريقها لخاصتَيها. هو أكثر منها يتمنى لو يظل هكذا بين ذراعيها للأبد عاشق، زاهد، ناسك في محراب عينيها لكن إلى متى؟! الحياة لا تستمر هكذا عليهما المواجهة. يؤجل رحيلهم كل يوم. حائر هو بين قلبه وعقله. يعلم أن برحيله عن هنا لن يجد الراحة بمكان هي ليست به ناهيك عن الأمور العالقة التي مازال عليه انهاؤها؛ ليجمعهما مكان واحد للأبد.
غفت بعد ساعات؛ ليتسلل هو من جوارها ككل ليلة يتابع ما يحدث عن كثب؛ ليصدم بما أخبره منذر به ويقرر الرحيل بالغد.
_ بيجاد يجب أن تعود على وجة السرعة لقد تعقدت الأمور هنا جدك على وشك الإنفجار لم يعد الوضع يحتمل الصبر.
زفر منذر بحزن على صديق العمر هو خير من يشعر به صديقة سقط بالعشق، ولا عزاء علية لكن الأمر لم يعد يُحتمل لقد أخفى عنه أمر والدته حتى يأتي لا يستطيع أن يخبره أكثر من ذلك.
أخذ بيجاد نفسًا عميقًا يستجدي الصبر قبل أن يهتف:
_ حسنا سنعود بالغد.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسما السيد
تبدو هادئة جدًا إليّة، وهدوءها يقلقه أكثر من أي وقت. يشعر أن بها خطب ما لدرجة أنها لم تعترض على العودة. لقد كانت بالأمس متمسكة بألا ترحل، عاكفة أن تبقى هنا أبد الدهر بين ذراعيه. كانت متوترة، يشعر بذلك، وإن استطاعت إخفاء الأمر كليًا عنه.
اقترب منها يهمس لها:
_ ربى ما بك؟
لم تتحدث، فقط اكتفت بأن تقترب منه، وتمسك بيديه. زفر بحزن، يعلم ما تفكر به، بأنهما سيبتعدا وسيعود ليتسلل لها كما السارقون ككل ليلة، ولكنه سيحاول إنهاء كل شيء، ويعلن زواجهما غير مكترثًا لشيء.
وصلا معًا حيث محطتهما الأخيرة، ودعها بنظرة عينيه. أما هي، فكانت تتحاشى النظر إليه لئلا تبكي. حتى عدي لم تستطع أن توقظه وتودعه، تشعر وكأن قطعة منها تفارقها. بحياتها لم تتوقع أن تحب شخص كل هذا الحب، لم يتوقع أن يعوضها الله هكذا بعد كل ذلك البؤس. نظرة عيناها كانت كفيلة بقول كل شيء. اقتربت، وقبلت عدي الغافي بسلام مرة بعد مرة، واستودعته عند الله وتركته.
ود لو يعودوا ادراجهم، يخطفها لأحضانه ضاربًا بكل التعقل عرض الحائط، لكنها لم تلتفت إليه.
تلقفتها أيدي هبة، وربي ما أن دخلت عليهما، لكنها لم تكن بحالتها المعتادة، لا غاضبة ولا مستكينة، بها شيء غير طبيعي، لاحظه الكل.
_ ربى أنتِ بخير.
هتفت أثير بتلك الكلمات حينما لاحظوا شرودها الغير طبيعي، حتى أنها لم تثور من تلميحاتهم المخجلة كما كانت تفعل كل مرة.
_ نعم، فقط متعبة من طول المسافة. لقد أتينا بالسيارة؛ لأن عدي يخشي الطائرة، لذا طال الوقت بنا وسئمت.
_ هكذا فقط.
_ نعم، هذا ما بالأمر.
نظرت لها هبة بصمت، كانت تعلم أنها تخفي شيئًا. نظرت هبة وأثير لبعضهما البعض، وآثروا الصمت.
***
ضرب أبو رضوان كفًا على كف من أمر ذلك الرجل الذي يصول ويجول خلف المبنى كمن به مس.
قبل أن يقترب منه صارخًا عليه:
_ ماذا تفعل هنا؟ من سمح لك بالدخول؟ ارحل من هنا قبل مجيء الأمن، فهم لن يرحموك.
لم يجبه محمود، ابتعد بصمت كحالته منذ أمس. لقد أخبره ذلك النجس شامتا أنها تمكث هنا بطبقة الصفوة والأغنياء مع ذلك النجس التي على علاقة به. كلما نظر للمكان سأل نفسه: من أين لها كل هذا المال إن كانت شريفة بحق؟ مؤكد ما يقال عنها حقيقيًا؛ لذا سينفذ ما خطط له بلا تأنيب ضمير، سيغسل عاره بيديه.
خرج من الكومباوند بأكمله، سيعود فيما بعد حتى لا يثير الانتباه حوله، وسينتهي الأمر ويعود أدراجه.
***
ما أن دلف بيجاد للقصر وجد منذر أمامه، وأول ما سأل عنه كان على سير خطتهما وعن ذلك المدعو طليقها.
_ لا تقلق، كل شيء يسير كما نرغب.
_ حسنًا، لا تنسَ محاوطة المبنى الخاص بربى، لا أريد ذبابة تدلف إليه بلا هوية.
_ حسنًا.
تفاجأ بفيروز تهرول إليه، فصمت منذر ولم يخبره بأمر والدته. ابتسم بيجاد عليها، كانت دائمًا وأبدًا مدللته. ابتسم بسعادة، ورغم الحزن والقلق المتملك منه على تلك التي تركها خلفه، إلا أنه لا ينكر سعادته بلقائه بفيروز التي بكت بحرقة أقلقته عليها.
_ بيجاد، أخيرًا اشتقت لكما.
_ وأنا أيضًا اشتقت لكِ يا صغيرتي. ما بكِ، لما تبكين؟
اقترب فيصل يحتوي الأمر حتى لا يفتعل بيجاد فضيحة بعد علمه، ويسمع الجد الذي ما زال لا يعلم عن اختفاء مؤمنه شيء.
_ لا تناديها بذلك الاسم، إنها صغيرتي أنا. ألستِ كذلك يا روحي؟
استنكر بيجاد حديث فيصل الذي أبعدها عنه وعن أحضانه؛ ليسكنها بين ذراعيه؛ ليهتف فيصل بتملك:
_ آسف، لم تعد لك، هي ملكي أنا.
نظرت فيروز لكليهما بفرحة قبل أن تميل رافعة عدي الذي يمسك بقدم بيجاد، وعيناه تذرف الدموع، ويتمتم باسم عز التي باتت على دراية كاملة بمن هو، لكنها آثرت تجاهل الأمر.
_ لما تبكي يا عدي؟ ألم تشتق إليّ؟
نظر بيجاد لحالة عدي بعدما رفض رجاء ربي بالأمس بأن يبقى معها. هو واثق بأنها خير من يعتمد عليه، لكن لم يحن الوقت بعد لكشف بعض الأمور، وأولها علاقته بها. لأول مرة يشعر بأنه أخطأ بتوطيد علاقة طفله وعز، وأخيرًا علاقته بربى التي صار تعلق عدي بها تعلقًا مرضيًا، حتى صار يناديها بـ "ماما" كما يفعل عز.
صدم حينما بكى عدي بأحضان فيروز رافضًا بقاءها بين ذراعيه، يتمتم باسم ربى تارة، وتارة باسم عز. حاول بشتى الطرق احتواء الأمر؛ ليصل الأمر بابنته لحد الصراخ، وأنتابته نوبة من البكاء الهستيري، التي أتى على إثرها الجميع، حتى الجد الذي ينظر له بنظرة مبهمة غامضة؛ لينتهي الأمر بفيروز باكية، وهي تلوم شقيقها بهمس:
_ يا إلهي، لما جلبته للقصر إن كان متعلقًا بهما لهذا الحد؟ لقد نساني عدى.
الندم يعصف به، حائر هو بين الأمرين، ولكنه يشعر بشيء غير طبيعي، خصوصًا بعد سؤاله عن والدته التي تجاهله الكل.
بعد ساعة كان بجناحه، تجاوره شقيقته تنظر لعدي الذي اندمج كليًا مع عز الذي يحدثه بمكالمة فيديو. كانت فيروز تتأمله بحنو ممزوج براحة أن عدي أخيرًا استطاع أن يجد من يتقبله بحالته هذه. لن تكون أنانية لتلك الدرجة، وتحزن وتحزن شقيقها التي تشعر وكأنه يحمل جبالًا من الهم على عاتقه.
كانت عيناه حائرة وهو ينظر تارة لابنه، وتارة لمن يحدثه، وكأنه يبحث عن أحدهم خلف شاشة الفيديو، وهي ليست غبية حتى لا تعلم على من يبحث.
أرادت أن تخرجه مما هو به، اقتربت منه، وهمست بشيء من السعادة لم تستطع إخفائها:
_ بيجاد، أريد أن أخبرك بشيء ما.
اعتدل ناظرًا لها باهتمام، يلمح بعينيها فرحة لم تستطع إخفائها.
_ أنتِ ثاني أحد أخبره هنا من بعد فيصل.
هتف بحماس حينما امتدت يدها تتحسس بطنها:
_ لا تقل، أخمن أنا، تنتظرين طفلًا!
أومأت بسعادة، وألقت بنفسها بين ذراعي بيجاد الذي تلقفها على الفور.
_ أخيرًا يا صغيرة، هنيئًا لكِ.
_ أخيرًا يا بيجاد، لقد عوض الله صبري خيرًا. لقد أخذني فيصل للطبيبة وأخبرتنا أنني حامل بتوأم منذ شهرين.
هتف بسعادة، وهو يحتضنها بحنو:
_ ألم أخبرك من قبل (ما أجمل عوض الله!).
_ نعم، أنت دومًا على حق. حمدًا لله.
كان بيجاد الأقرب إليها على الدوام، وكأنه الأب والأم والصديق والأخ. عالمها دائمًا ما كان يتلخص بشقيقها وفيصل وعدي. لم تكن مقربة يومًا من نساء العائلة، حتى والدتها لم تكن مقربة منها لذلك الحد الذي يدفعها لتجري، وتلقي بنفسها بين ذراعيها تحكي لها عن أي شيء. احتوى فرحة شقيقته كما يفعل على الدوام، صدقًا هو سعيد من أجلها، وبتلك اللحظة تمنى لو يحظى يومًا بطفل مثلها ممن عشق.
لكن كل سعادتهما وأمانيهما ذهبت ما أن صرخت شريفة صرخة مدوية جعلت الدماء تجف بأوصالهما، لتهتف فيروز بذعر:
_ أمي يا بيجاد.
_ ما بها والدتك؟
_ متغيبة، مؤكد حدث لها شيء.
أسرع بيجاد حيث صوت الصراخ، وتبعته فيروز ليقفا كلاهما أمام ضابط المباحث الذي هتف بصبر مجددًا:
_ لقد عثرنا على جثتها بفيلا ما، وبعد تبين وضع الجثة تبين أنها فارقت الحياة ضربًا بالرصاص منذ يومين، وبعد البحث خلف هويتها علمنا أنها السيدة مؤمنه.
صرخت فيروز باكية، بينما شلت الصدمة بيجاد الذي هتف:
_ ماذا تقول أنت؟ هل جُننت!
_ أنا مقدر بصدمتك دكتور بيجاد، لكن هذه الحقيقة. لقد وجدنا والدتك مقتولة بجوار جثة رجل الأعمال عصام السكري بوضع...
صمت الضابط بحرج، ليأتيه صوت الجد من خلفهم هاتفًا بأمر:
_ وضع ماذا؟
_ وكأنها كانت بعلاقة ما مع المدعو عصام السكري.
صرخ بيجاد، وكاد يدفعه صارخًا لولا يد منذر التي أبعدته عنه بآخر لحظة، معتذرًا للضابط.
_ يا إلهي، ماذا تقول أنت؟
أكمل الجد ولم يكترث بصراخ حفيده وجنونه:
_ من قتلهم؟ هل وصلتم لشيء؟
_ للآن لا.
لم يتمالك الجد نفسه، سقط مغشيًا عليه، وسقط معه كل كبرياء تمسك به، ومن ثم مفارقًا للحياة. ليتحول القصر بعد ساعات لساحة عزاء وحرب من الصحافة والإعلام، لتصبح فضيحتهم على الملأ بظرف ساعتين.
***
_ ارجوك يا ماجد رشفة واحدة، سأموت، ارحمني.
صفعها ماجد بقسوة، ومال ممسكًا بشعرها:
_ ولما لم ترحميها؟
_ آسفة، آسفة أقسم لك، لم أكن أقصد.
_ كاذبة، عاهرة لعينة، أي شقيقة أنتِ! كيف فعلت ذلك بها؟
هتفت نيرة بصوت ممزق من البكاء والرجاء:
_ لقد انتقمت لها على كل حال، وصرت مثلها. أرجوك أعطني الجرعة الآن.
_ لا بعينيك.
لم تصدق أنه هاتفها صباحًا؛ لتخرج مهرولة إليه، ولم تكترث بأحد وتأتي هنا تتوسله ولا يرأف بها. تتلوى في الأرض تارة، وتارة أخرى تدق رأسها بالحائط من الألم الذي يفتك بكل خلية بها؛ ليقرر بعد برهة بعدما اكتفى من رؤية ذلها أسفل قدميه، رفعها من شعرها بقوة هامسًا بخبث:
_ تريدين الخلاص؟
_ أجل.
_ أخبريني من أنتِ الآن؟
_ عاهرة.
_ لا، قاتلة.
_ نعم، نعم، أنا قاتلة.
_ قتلتِ من؟
_ نوار.. قتلتها.
_ بماذا؟
_ جعلتها تدمن أخطر أنواع المخدرات.
_ لما؟
_ لأني أكرهها، أخذت ما لي، أخذت بيجاد، وحب كل من حولها.
صفعها بقوة، وبقسوة مرة بعد مرة حتى اقترب منها، وألقى لها جرعتها أرضًا؛ لتستنشقها دفعة واحدة، ومن ثم تخطف ما تبقى بيده وتعاود استنشاقه دفعة واحدة. حاول ماجد إبعاده عنها، لكنها كانت أسرع منه، ولم تعِ أن الأمر زاد معها عن الحد؛ لتمر الثانية وتبدأ بالتعرق، ويزداد نبض قلبها، وما هي إلا دقائق وفارقت الحياة.
لم يرأف ماجد بها ولم يحزن لحظة عليها. بصق عليها وخرج قاصدًا المطار راحلًا عن البلاد كلها، تاركًا أمر فريد الزيني لأهله والشرطة، لقد اكتفى. قبل إغلاقه لهاتفه، أرسل كل شيء يعرفه لبيجاد، وكل الفيديوهات ليخبره برسالة كشفت كل شيء، أنه قد وفى بالوعد ويرحل على وعد باللقاء.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسما السيد
لم تستطع أن تدير لكل ما يحدث معه ظهرها، وتكتفي ببضع كلماتٍ عبر الهاتف لا تثمن ولا تغني من جوع.
تمردت كما حالها على الدوام وهي تلقي بكل تحذيراته لها عرض الحائط بعدم الخروج تلك الفتره خوفًا عليها.
لم يستطع بيجاد للان أن يخبرها أن شقيقها حلل دمها. وأنه حلل دمه مقابل لِدمها إن آذاها بخدشٍ واحد.
عدم ظهوره للآن يقلقه لقد بعث أحدهم خلفه لكنه للآن لم يصل إليه.
يقسم أنه سيجعل كل من آذاها يدفع الثمن حتى لو كان شقيقها.
لقد جعل جسد ظافر قطعة لحم بلا جلد، يوميًا يرحل ليخرج به غضبه من كل شيء.
كلما تذكر ندوبها ودموعها وهي تقص عليه ما كان يفعله يجن جنونه، بآخر مرة يد منذر هي من أنقذته منه لولا ذلك لكان جسدة يأكلهُ الكلاب بلا شفقة.
أبت أن تستمع لهبة وأثير، أودعت عدي وعز بُعهدتهما ورحلت اليه منذ استمعت لما حدث، وكل الكوارث التي حدثت معه، وهي قلبها ملتاع عليه، تريد فقط لو تبصِره بعينيها؛ لتطمئن عليه.
طيلة ليالٍ وهيّ بوَضع لا تحسد عليه.
حائرة بين عقلها الذي ينهرَها على ما هي مقدمة عليه، وخوفها من الظهور بجانبه الآن وما قد تلقاه أن ذهبت إليه، وقلبها العليل الذي لن يشفي إلا بعد اطمئنانها عليه.
بالنهاية بعد إصرارها شجعتها هبه وأثير وهما يخبروها على كل حال لم يعد بالقصر ما قد تخشى منه.
لقد رحل الزيني، وسقط امبراطوريه الظالمة التي كان يحكمها بالحديد والنار، وصار إسم فريد الزيني علكة بكل الالسنه بعد كشف الأجهزة الأمنية مخططاته القذرة وأنه هو من قام بقتل زوجته وصديقة، والآن جاري البحث عنه، فبالتأكيد لن يخاطر بإيذائها.
فما عليها أن تخاف لكنها كانت خائفة ولا تعلم لما؟
شجعت نفسها، وأمرت الحارس باصطحابها للقصر؛ لتصل بعد برهة للقصر الذي يعج برجال الأمن.
استقبلتها فيروز بحب، وأشارت لها على جناحه الذي احتجز نفسه به، لم تلتفت لمشيرة ولا صياحها وغضبها الذي سيطر عليه فيصل وفادي بنظرة واحدة من عيناهما.
ترددت قبل الدخول لكنها شجعت نفسها أن خلف الباب مؤكد ذراعيه سَتلقفها فدفعته بهدوء لم يلحظه هو؛ لتقع عينها عليه كان شاردًا غارقًا بالفكر استطالت لحيته، والألم ارتسم جليًا على صفحة وجهه.
لم ينتبه لها إلى أن وقفت أمامه مباشرة، وهمست:
بيجاد.
انتفض هامسًا، يفتح عيناه ويغلقها لا يصدق أنها بالفعل:
ربي!
هتفت بصوتٍ متوترًا بعض الشيء:
اشتقت لك، ولم استطع أن أصبر أكثر.
لم يصدق أنها هنا همس مجددًا:
ربى هذه أنتِ حقًا.
أومأت برأسها ليخطفها هو بين ذراعيه ويبكي.
يبكي بحرقة كطفلٍ صغير يشكي لوالدته من كل شيء؛ ليغفو بعد برهة غافًلا عن هاتفه الذي دق برسالة ما على تطبيق الواتساب، لتحْمله هي بفضول تنظر إليه؛ لتتسع عيناها ما أن وقعت على ما كتب به ومن ثم تستقم كالملسوعةِ حينما فطنت لكل شيء.
عادت للخلف كالملسوع جسدها يرتجف، عيناها تذرف الدمع كان هو انتفض على نفضتها.
ربى ما بكِ؟ حبيبتي أنتِ بخير!
لا يمكن ..لا..
وقعت عيناه على هاتفه المفتوح على ما قرأته ومازالت عيناها تنظر له؛ ليسب بداخله، ويلعن كل شيء مردفًا بحنو:
اهدأي ربى الأمر ليس كما فهمت، كنت على كل حالٍ سأحكي لك كل شيء.
أنت َ من خططت لكل شيء أنت..من أنت ؟؟
ربى اسمعيني أتوسل اليكِ، لا تحكمي على شيء قبل سماعي.
انت من قتلت والدتك أنت.
لالا..أقسم لك الموضوع هذا ليس لي دخل به.
بكت، بكت بحرقة، فمد يديه ليحْتويها قبل أن تبعدها هي عنها، وتلتقط حقيبتها، وتخرج سريعًا من القصر يلاحقها هو بِنادئه عليها.
كانت تشعر وكأن العالم انهار من حولها، حاوطها الأمن فصرخت بهم أن يتركوها، عقلها تدور بداخلة حرب ضروس بين الصدق والرياء.
أخيرًا خرجت من القصر غافيةً عن أعين شقيقها الذي تربص بها، وتتبعها لهنا مذهولًا من المكان التي دلفت شقيقته إليه؛ ليصل لحقيقة الأمر بعد تمعن فيه، وهو أن ذلك الرجل التي ألقت بنفسها بين ذراعيه يمكث هنا.
النار اشتعلت بقلبه، وقرر أن ينتقم من كلاهما، ويغسل عاره بيديه بأرضه، انزوي خلف أحد الأشجار التي تحيط بالقصر ينتظر خروجها ليتفاجأ بها بعد بعض الوقت تخرج وحدها باكية مؤكد طردها شر طردة بعد أن أخذ ما يريد منها.
كل الأمور من حوله تؤكد له حقيقة واحده أن شقيقته أصبحت عاهرة.
قاطع طريقها، وظهر لها من العدم صدمت به، وهتفت:
محمود!
نعم يا حقيرة.
الأمن حاوطها من كل مكان قبل وصوله إليها، أخذوا منه سلاحة الذي دفع فيه مبلغ لا بأس به كي لا يكتشف أحد فعلته، سلاحًا كاتمًا للصوت.
نداء بيجاد الذي يلاحقها، وصياحه أن تحترس جعلتها تنتبه.
اتسعت عيناها الآن، وقد وعت لما يحدث معها.
امتدت يد بيجاد لِجيب سترته ليّستل سلاحه فلم يجده ليلعن تحت أنفاسه حينما تذكر أنها ألقت به بغضب حينما كان بأحضانها قبل قليل، لأول مرة يلعن إصابته ويجزع من تقبل البلاء الذي يؤخر خطواته عنها.
محمود هل ستقتلني؟! هل جئت خلفي لتقتلني؟
هتفت بصوت لم يصل إليه خرج من الصدمةِ همسًا.
كادت تقترب منه لكن يد بيجاد تلقفتها صارخًا:
ربى ابتعدي عنه.
لِتنزوي بخوف داخل أحضان بيجاد التي استقبلها بخوف حقيقي عليها.
استطاع أخيرًا أن يتحرر من الحرس، وسرعان ما أخرج خنجرًا من أسفل سترته، يهددهم به.
سأقتلك يا حقيرة انت وذلك الكلب التي دعستي بشرفنا أسفل قدميه.
كاد يصيبها لولا ابعاد بيجاد لها للخلف، صارخًا عليها أن تحترس ممسكًا بالخنجر الذي آدمي يده.
ليسحب الخنجر من يد بيجاد الذي سالت دماؤه بغزارةٍ.
اقترب الأمن منه وامسكوا به مجددًا لكن تلك المره فر منهم، وظن أنه صاب الهدف؛ لتصرخ ربى بصوت يقطر ألمًا:
بيجاد لا، كاد الخنجر يغرز بقلبها حينما اقتربت تتفحص يده بلا اكتراث لصراخه عليها لكن يد أخرى دفعتها للخلف مسرعه؛ ليستقر الخنجر بصدرة بدلًا عنها.
بيجاد لا تتركني.
حاوط الحراس محمود من كل جانب يكيلون له الضربات لكنه كان يضحك بجنون.
رن هاتفه باسم والدته، فاستطاع تخليص يده، ليرفعه بنصر يجيبها أنه ثأر لشرفهم لكن صراخ والدته عليه الجمه:
زوجته، شقيقتك زوجة الرجل لقد كذب ابن فتنة خالتك اعترفت بكل شيء، إنها زوجته علي سنة الله ورسوله ابتعد عنها وإلا بلغت عنك إياك أن تلمسها.
سقط الهاتف من يده، لِيتلقى الضربات وعينيه تلمح شقيقته التي تبكي وتحتضن زوجها؛ ليهتف بصدمة:
فعلتها يا ابن فتنه.
غاب بيجاد عن الوعي لكن قبل غيابه همس:
عدي، اهتمي به.
بيجاد لا تتركني أتوسل اليك.
حاوطت الشرطة المكان الذي يختبأ به من كل جانب لم يجد مفر للهرب منهم.
هو هالك لا محال لقد تخلى عنه الجميع، وافتضحت كل جرائمه، البلد بأكملها تتحدث عنه، ويعلمون أنه هارب من العداله.
كان يصبو للهرب لكن لم يجد مخرج ليفر هاربًا.
ارتجف جسده، وبات مسخًا يمشي على قدمين، نفذ كل شيء معه، وجُمدت أمواله.
جسده يأن يطالبه بِجرعتة اليوميه من ذلك القرص الذي دفعه ماجد لإدمانه بجهلٍ منه، لا يعلم علته بعد لكنه لم يعد بقادر على تحمل الألم.
عاد ينظر من شباكه فوقعت عينه على رجال الأمن الذين حاوطوا المبنى بأكمله؛ ليطلق صرخة مكتومة وهو يخبط رأسه بالحائط من شدة الألم كمن جن صارخًا:
لا يمكن أن تكون نهايتي هكذا. لا يمكن أبدًا أنا فريد الزيني يا أغبياء.
فريد الزيني!
الألم والخيبة نالت منه ليمد يده لمسدسة الذي قتل به زوجته وشريكة، ويضعه على رأسه الصارخ بالألم وينهي حياته بكل جُبن.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسما السيد
الأمر كان جللًا من البداية. حدث مؤلم لم أستطع تقبله. أن تودع حلمًا وتبدأ بتأسيس آخر مشابه للواقع الحالي، وتكتب بيدك نهاية حلمك الأول. إنه لمثابة حريق داخلي. أن تدفن بيدك حلمًا سهرت ليالٍ طوال بتأسيس بِنايته بنفسٍ راضية سعيدة؛ ليأتي العالم يظنه خيالي لا يمت للواقع بصلة فتُحطمه بيدك. إنه لمؤلم جدًا. يحطمونك كما يحطمون الحِجَار بلا شفقة، يَقذفونك بتهمٍ مبغضة لا أساس لها من الصحة. حينها ستعلم أنك انتقلت لمرحلة من البؤس لا رجوع فيها لما فات، حتى أنك لا تملك رفاهية البكاء؛ لتخفف عما بداخلك.
حينها فقط ستعلم أن كل ما يحدث لنا لا ينتمي لأحلامنا بصلة، إنما هو واقع مرير يدفن فيه الأحلام والأمنيات. بل ستتعلم بعدها كيف تدفن كل ما تصبو إليه بداخلك جيدًا، وستوقن أننا نعيش ببلاد تقتل الروح والحلم ولا عزاء فيها على ما مضى.
ستعلم جيدًا أن الألم الحقيقي هو تلك الحقائق التي اخفيناها حتى عن أنفسنا مخافةً من التمني والحنين وشفقة النفس المؤلمة.
مع الكثير من الأوجاع والجراح ستعلم أنك إن رفعت يدك لغير الله من بشرٍ وآلهة لن تنفعك إلا يدًا في جوف الليل رفعتها تنهيها بيقين. آمين لكل رغبة بداخلك.
غريب أمر قلبها هذا! لما لا يكرهه بعد كل ذلك الخداع منه؟ لما لا تستطيع أن تغفو إلا عندما تطمئن عليه.
انتصف الليل هنا عليها مجددًا داخل المشفى التي نُقل إليها، استطاع الأطباء إنقاذه واستقر وضعه لكنه دخل بغيبوبة بإرادته.
سالت دموعها بصمت كما كل ليلة. تشعر بشعور مرهق، مزيج من الألم والندم والخوف والوحدة.
رفضت تفسيرات منذر لها جميعًا، تريد تفسير منه هو؟
سَتنتظره ولو مر العمر، أم قصرت غيبوبته ستظل بانتظاره للأبد.
اقتربت منه حتى التصق كرسيها بفراشه، يدها امتدت لشعره الكثيف تتغلغله بأصابعها كما يحب.
رغم صدمتها به لم تستطع أن تقسو عليه، وكيف تقسو وهو يختارها مره بعد مره، ويفضلها عليهِ بذات اللحظة التي حكم عليها شقيقها، واتهامها لها بالعهر. لم تستغرب أبدًا موقف شقيقها وأمها، لطالما نعتوها بذات الاسم، وهي تنام على فراشهم كل ليلة. الغريب بالأمر أنها لم تكترث بكل هذا، هي فقط تكترث به.
همست: بيجاد عد لي.
فكرة أنه قد يفارقها، ولن يكون بجوارها تقتلها، حتى لو كان قاتلًا هي تريده حي. يتنفس.
عد لي ابقي بجانبي حتى لو كنت أسوء رجل على الأرض فقط كن بجواري احتاج إليك.
تناقضات مبغضة ما تعيش بها، وهي تسأل نفسها مرارًا كلما تذكرت ما قرأته، ماذا يختلف عن والده، وظافر وكل من آذوها لتَتمسك به؟ لِيجيبها قلبها اللعين: أنا قد عشقت.
بكت بكت بحرقة، وهي تدفن رأسها بصدره. للان لم تصدق حرف مما قرأت، تخبره برجاء أن يستفيق ويكذب عليها، وهي ستصدقه وينتهي الأمر.
الحقيقة أن الأمر بالبعد والغياب مختلف، وبالقرب والمواجهة أيضًا مختلف، كلاهما وجهان لحقيقةٍ قد تسعد القلب أو ربما تدميها وتصفع وجهها بلا رحمه، لكنها بالنهاية تريده حي.
استقامت وبسطت سجادتها؛ لتقيم الليل باكيه بتضرع وتنهيها بدعاء ورجاء وأمنية طال انتظارها بأن يفتح عينيه.
طوت سجادتها بعدما أنهت صلاتها. بالسراء والضراء تلجأ إليه وما لها غير الله من ملجأ ونصير.
تشكي له حالها، وخذلانها من البشر، وصدماتها المتكررة بهم. عيناها مازالت تذرف دموع الألم والوجع، لا تعلم صدقًا ماذا فعلت ليكن نصيبها من أَحبتها كل هذا الألم والوجع؟
جلست بجواره مجددًا، وتبدأ ككل ليلة لهما معا ترتل ما تيسر من القرآن حتى تغفو على مقعدها بجانبه.
احتضنته والدته باكية تدعو على من تسبب بمصاب ابنها الوحيد، فكرها كله انصب به، ونست تمامًا أمر ابنتيها كالعادة.
الله ينتقم منك يا ابن فتنة.
فقط اخرج من هنا وأريكِ مقامه الحقيقي أقسم لاقتله بيداي.
إن شاء الله يا ولدي تخرج من هنا سالمًا، فقط ليستفيق زوج شقيقتك، واذهب بنفسي أتوسل إليه ليعفو عنك بالنهاية أنت لم تكن تقصده.
ابنتك شهدت ضدي يا أمي.
الله يحرق قلبها يا بني.
صرخت زوجته بها وقد فاض الكيل بها حقًا: أنتِ الي أين تريدين أن تجعليه يصل بعد؟ اتقي الله، نحن لدينا طفل قادم بالطريق. لم ننتهي من قضية لتُحرضيه على الأخرى.
اخرسي يا دِينا.
هدر محمود بجنون بها. انتبه له زوار المساجين من خلفه، قبل أن يقترب إليه أحد الحراس يحذره من الصوت وإلا منعوه من الزيارة بعد الآن.
لا لن أخرس، والدتك شر، وتحَرضك على الشر.
أنا يا قليلة الحيا!
لست قليلة الحياء، أنا احافظ على زوجي، كما أن ربى لم تدلي بشهادتها بعد، ثم أي شهادة ستدلي بها قد تنفعك يا محمود؟ أنت أضعت َ نفسك بغبائك، وتهورك. لقد أمسك الأمن بك بمسرح الجريمة. زوج شقيقتك بسببك بين الحياة والموت. اسمع انت وهي، إن كنت ستظل هكذا أنا سَأحرر نفسي منك.
هل وصل بكِ الأمر لذلك؟
نعم يا محمود، أنا لن أضيع عمري مع رجل متهور مثلك، بالنهاية من لا خير فيه لأهله لن يكون فيه خيرا لي.
استقامت، وتركته بعدما ألقت عليه نظرة عتاب. دارت حربا ضروس بعقله حتى أنه استقام ليّدلف لسجنه مجددًا ولم يلتفت لنداءات والدته عليه.
حرب بين الصدق والكذب، وبين ما فات وما هو آتٍ، ليخرج بالنهاية بحقيقة مفرغة من الرياء، أنه أخطأ بكل شيء.
ليلة أخري بنفس الروتين تجلس بجواره، تصلي، تتضرع لله وتبكي وتتوسلهُ أن يعيده لها، وتجلس بجواره ترتل القرآن بصوتها العذب وتغفو.
ربى.
يديه امتدت تتحسس رأسها بحنو بعدما استمع لترتيلها بين صحوته و غفوته، وكأنه بحرب لِيستفيق من نومته الاضطرارية هذه. ذكرى ما مضى، وما حدث معهم عاد جميعًا لعقله. الذكريات تندفع كالشلال له. واحدة تلو الأخرى حتى أتت آخر لحظه بينهم، وهو يسقط بين ذراعيها بعد إصابته. حتى سبب خلافهما تذكره.
تململت قليلًا قبل أن تنتبه ليديهِ التي تتحسس رأسها بحنو، انتفضت من مكانها؛ لتتفاجيء بعينيه التي تنظر لها بحب، همس: ربى.
فبكت بحرقةٍ؛ ليفتح لها ذراعيه لتسرع، وتخفي وجهها بعنقه، وهي لا تصدق أن الله أعاده إليها.
بيجاد أنت حي أخيرًا، الحمد والشكر لك يا رب.
همس بحنو: هل كنت على وشك الموت؟
بل كدت تموت بسببي.
أنا عمري كله فداءً لك يا ربى، فقط لتكوني أنتِ بخير.
طالت نظراتهما حتى تذكرت أمر الطبيب التي سمح لها بالمكوث معه بعد ضغط ليلًا فقط لِتهرول إليه، وتخبره أن فاق من غيبوبته.
هتف بها: ربى.
قادمة انتظر.
بعد ساعة كانت الغرفه خلت من كل شيء إلا هما ونظرات العينين، وأسئلة حائره جدًا لا إجابة عليها إلا منه.
كانت تقف بالزاويه تنظر إليه، وقد حل محل فرحة اللقاء شيء من التوتر والخوف.
كان يرى صراعها داخل عينيها؛ ليقرر إنهاء الأمر بأسرع وقت.
أجلى حنجرته المتعبه، وهتف بشيء من الهمس، وهو يشير بيده لتجَاوره: اقتربي مني يا ربى، ألم تشتاقي إليّ كما اشتقت إليكِ.
اقتربت بصمت وهمت أن تجلس على مقعدها؛ ليمسك بيدها بضعف، ويسحبها لتجاوره مردفًا: ابقي بجواري ولو قليلاً، ودعي أصابعك تتغلغل شعر رأسي، احتاج هذا الشيء جدًا.
فعلت كما رغب؛ ليهتف بعد دقائق: رضيت بزواجي من ابنة عمي، كان زواجًا تقليديًا بحت، لم أكن أعلم بعشقها لأخي، لكني كنت أعلم بعشق نيره لي. حاولت أن أجمع بين اخي ونوار زوجتي قبل الزواج حينما علمت الأمر، لكن أخي بايرام رفض كليًا؛ لأنه لا يحبها، كانت نوار شخصيه محبوبه بيننا هادئه، وكانت نيرة كتلة خبث وشر تشبه أبي تمامًا! لذلك حينما خيرني الجد اخترت نوار ورفضت نيره. قوانين العائلة صارمة، الإبنة لابن عمها والعكس، لا مجال لخلْط الأنساب حتى لا تخرج الثروة للغريب. قانون وضعه الأجداد لا دخل لنا به، لكن نيره كانت خبيثة، لم أكن أعلم أنها قد تفعل بشقيقتها ذلك الأمر. دفعت شقيقتها للإدمان، وحينما اكتشفت الأمر احتجزتها بالمصحه، لكنها لم تتعافي ولم تتقبل الأمر. حاولت قتل نفسها مرارًا؛ لذا جلبتها للقصر، حينها اكتشفنا حملها. واحتمالية طفل معاق أو مشوهًا كان كبيرًا، لكني لم أفقد الأمل، كنت أظن أنها تتعافى، لكن شقيقتها كانت تعطيها المخدرات من وراء الكل إلى أن أصبحت مسخًا، وبيوم نفذت جرعتها ولم تعطيها نيره جرعتها المعتادة ليومين. أرادت موتها بالبطيء، لكن نوار خرجت مهرولة من القصر، لمحتها أنا، وأسرعت خلفها، كانت على وشك الاصطدام بسيارة ما. لحقت بها لانقذها وصار الحادث وفقدت قدمي، وفقدتها هي، واستطاعوا إنقاذ عدي. بعد موتها لم تنتهي الحكايه، نيرة صارت تخطط وتنفذ، حتى أنا لم أسلم منها ومن خططها. كنت بالبداية أشك أنها هي من فعلت بشقيقتها ذلك، إلى أن تأكدت.
وكيف تاكدت؟
من ماجد ذلك التي قرأت رسالته.
لذا خططت للانتقام.
كان عاشقًا لنوار. بالنهاية قد بدأ انتقامه من نيره بالفعل. استطاع بعد تعافيه من الإدمان أن يجعلها مدمنة، واستطاع معرفة كل شيء منها، حتى أنها من توسطت له ليعمل مع والدي. والدي الذي كان شريكًا بالأمر، وبكل شيء خططت له.
أمر موت زوجتك؟
نعم.
يا الهي كيف استطاع؟
من أجل مصلحته، نيره كانت جزءًا من ألاعيبهِ، كانت على دراية بكل شيء، وكان يخشى أن تُفضح أمره للجد؛ لذا ساعدها على قتل نوار، وهو من دبر أمر الحادث بعد خروجها، لكنه لم يحسب حساب أن أتدخل بالأمر.
يا الهي أكمل.
كانت قد ابتعدت عنه، نظر لها بنظرة رجاء مردفًا: احتضنيني أولا، لست بخير.
لا تكن متطلبًا، فلم أسامحك بعد.
ربى لُطفًا.
حسنًا تعال.
كان يشعر بأنها ليست على ما يرام، وان الفراق آتٍ لا محال.
اتفقَت معه على الإنتقام لزوجتي، ولي، لكنه لم يخبرني بأمر أمي، أقسم لم أكن أعلم.
ولو كنت علمت؟!
لا أعلم، لكن الأمر يخص شرفي يا ربى.
وماذا عني؟
حكايتك سارت بحكم القدر لأقع أنا عاشقًا لكِ.
انت لم توضح شيء.
لانك تعلمين كل شيء.
بيجاد!
الأمر صعبًا عليً، تفهمي الأمر.
ولما أنا لا أفهم شيء.
زفر بحنق قبل أن يجيبها بصوت متألم: والدي رجل سادي يا ربى وقواد، كنت قد اكتشفت ذلك قبل سنوات طوال. رأيته بوضع مخزي مقرف.
يا الهي.
وضعت يدها على فمها من شدة الخجل؛ ليكمل بيجاد بلا اهتمام: أخبرني ماجد بجنونه بكِ، وأخبرني ما يخطط له، طلبت منه معرفة كل شيء يخصك، لكني لم أكن رأيت صورتك بعد. قررت الصمت والانتظار والتدخل بالوقت المناسب، لكني صدقًا لم أتوقع ضجتك الإعلامية.
كنت تعلم مكان طفلي وأمر خطفه؟
لست بهذا السوء. لم أكن أعلم، لقد أخفي الأمر حتى عن ماجد، لكني كنت على دراية بتلك الرسائل التي تصلك منه، وأنه يفعل ذلك من أجل...
صمت ففهمت.
يا الهي بمن وقعت أنا؟
ربى لا تظلميني!
كنت تستطيع إنهاء الأمر بلا زواج بالتأكيد.
كنت أستطيع، لكني عشقت.
لا تضحك علي.
أحببتك منذ النظرة الأولي.
بيجاد؟
أعشقك أقسم لكِ.
لكن!
ماذا تريدين يا ربى لتسامحيني؟
أنتِ جُننت بالتأكيد، أي فراق ما تبغينه بعد؟
صرختا أثير وهبه بها بذات الوقت بربى التي انزوت على نفسها منذ اطمأنت على بيجاد، وخرج بالفعل من المشفى، وأخبرته أنها بحاجة للتفكير بالقادم لبعض الوقت.
لا تضغطوا علي.
أنتِ ظالمة يا ربي.
حتي انتَ يا رامي!
لأنكِ لم تُقدري عشق بيجاد بعد، لقد تخلى عن انتقامه من شقيقك، ولم يوشي به من أجلك أنتِ.
حتى طفلة بعد قرارك لم يأمن أحد عليه غيرك.
كانت تعلم كل ذلك، وتعلم أن والدتها ما أن علمت بأن بيجاد فاق من غيبوبته ذهبت إليه، وتوسلتهُ ألا يتهم ابنها؛ ليخبرها أنه سيفعل من أجل زوجته لا من أجلها هي، لتهم بالرحيل بعدها، ولم تكلف نفسها عناء أن تلتفت إليها، بل اكتفت بنظره ساخطه كارهه لها، وهي تخبرها أمام زوجها بكل كُره: انظري ماذا فعل بأخيكِ ابن فتنة التي كنتِ تتحديني من أجله، الله ينتقم منه ومن تسبب بسجن ابني ليوم واحد. حينها خانتها دموعها، وشعرت بالخزي من كلماتها لتَتلقفها ذراعيه أمام والدتها التي ألقَت عليها نظرة حانقَة، ورحلت. لم تشعر بالخزي منه يوم قدر خزيها من فعلة والدتها، لكنه كما العادة أجاد احتوائها، لذا هي بحاجة لبعض الوقت لتنسى كل خذلانها من الجميع.
بعد شهر:
تلاقيا معًا محمود وابن فتنة أخيرًا بمقهى البلدة بعدما خرج من السجن قبل أيام. كان عمار يجلس يمثل الفرحة جيدًا بعدما قام بتوزيع بطاقات عُرسه على ابنة خالتة الذي سيقام ليلة غد.
عيناه تلمع بالشماته، ولم ينسى دعوة إبن عمه على كل حالٍ.
استقام عمار، واقترب من محمود يعطيه بطاقة عرسه الفاخرة، ليضحك محمود بخفوت على الحقد الذي يطل من عينيه، ويأخذها منه، ويحتضنه مردفًا: مبارك يا ابن العم.
الغيظ تملك من عمار؛ لأنه لم يستطع استفزازه ليخرج بطاقتين، ويعطيهم له مردفًا: واحدة لربى، وأخري لريم.
لتمتد يد محمود أيضًا، لتأخذها منه مردفًا: سنحضر جميعًا بالتأكيد أليس الفرح بقاعة.
نظر للبطاقة، وهَتف بنبرة مبهمة: بقاعة الفورسيزون بالقاهرة، سنأتي بالتأكيد، سأخبر ربى ونأتي.
سيجن عمار أنه يتحدث عن ربى كما لم يكن هناك شيئًا بينهم، لقد فعل كل ذلك لِيثير غضبها وندمها عليه، ويشعرهَا بمَدى رخصها. لقد آثر السكن بالقاهرة بجوارها حتى يجعلها تتجرع الندم كلما رأته.
باليوم التالي وقف عمار غارقًا بفكرة يلتفت كل دقيقة ينظر على مدخل القاعة. عقله توقف تمامًا عن التفكير إلا باحتمالية حضورها. لم يلتفت لحظه لتلك التي تجلس بجانبه بحسرةٍ بعدما أخطأ باسمها للمرة الخامسة منذ دلفوا القاعة، وناداها ربى.
هتفت: عمار.
نعم يا ربى.
لست ربى، أنا نهله زوجتك.
لن أذهب معك بالتأكيد.
هذا آخر طلب أطلبه منك يا حبيبتي، وبعدها سأختفي كما تريدين.
ستجن ومتعبة، وبها شيء غير طبيعي، تريده وتنهره.
تناقضات كريهة بشخصيتها باتت عليها بالآونه الأخيره، تود لو تصفعه، وتخبره أي رحيل تبغاه بعيدًا عني! وتعود؛ لتحضنهُ تنشد الراحة بين ذراعيه.
الآن أي مناسبة يريدها أن تحضرها معه!
كادت تبكي حينما خرج من الغرفة بعدما دلفت الخادمة، ومعها صندوقًا كبيرًا؛ لترتدي ما به.
أغمضت عينيها، وهمست تنشد الصبر من الخالق، لتستسلم بالأخير، وترتدي ما به، لتتفاجئ من جماله، كأنه فصل من أجلها.
اتسعت عيناها بانبهار، كان فستانًا بلون الكشمير يناسب حجابها تمامًا، لم يشف ولم يصف، وحجاب بذات اللون، لتقترب الخادمة، وتعاونها بأمر زينة وجهها؛ لتصبح مذهلة بحق.
ما أن خرجت من غرفتها صُدم بها، وبجمالها الذي خطفه من النظرة الأولى.
اقترب منها، ورفع كف يدها، وأخرج من جيب سترته خاتمًا من الألماس الحر، وألبسها إياه، ومال مقبلًا يدها بحنو، ليهمس بالقرب من أذنها: مذهلة.
بعد ساعة اتسعت عيناها ما أن انتبهت أين هما؟
عينا عمار التي تعامدت عليها أربكته، قبل أن يقترب محمود يهمس بأذن الدي جي، ليصمت ويعم السكون القاعة، ويقترب منهما هاتفًا بفرحة، وفخر وبجواره والدتهما: أعرفكم بزوج شقيقتي ربى الدكتور بيجاد فريد الزيني.
ليهوي قلب عمار أرضًا، ويعي ما اقترف مجددًا.
اقترب بيجاد من عمار؛ ليسلم عليه قبل أن يميل ويهمس بأذنه: وقعت مع الشخص الخطأ تمامًا، وكما جعلت زوجتي علكة بفمك، وبفم أهل البلدة أنتَ وذاك النجس طليقها سأجعلك الآن مثل ما فعلت بل أسوء.
ماذا تقصد؟ هل تهددني؟!
قبل أن يكمل عمار حديثه كانت الشرطة تحاوط عمار، الذي هتف بوجة شاحب: ماذا يحدث؟
أنتَ عمار راشد.
نعم أنا.
هيا خذوه.
صرخت والدته، وارتفع صراخها ما أن وضع الشرطي الأساور الحديديه، ويجره من خلفه.
انا لم أفعل شيء.
سنعلم بالتأكيد.
أخبرني ماذا فعل ولدي؟
هكذا هتف والده ليجيبه الضابط، وهو يأخذه معه: ابنك تاجر عملة يا حاج وتاجر خطر جدًا.
بعد ساعة أخرى بسيارتهم بعدما انقلب الفرح لمأتم بعد أن سقطت زوجة عمها من الصدمة مغشيًا عليها، كانت تصرخ به: لما فعلت أنت؟ ستجنني؟ ألم تنتهي من ذلك الأمر، وانتقامك اللعين!
لم أنتقم منه بعد.
بيجاد أتوسل اليك.
تتوسلينني من أجله؟ بئسًا لكِ. اهبطي يا ربى، واغربي عن وجهي.
بيجاد!
قلت اهبطي.
جُن تمامًا، واشتعلت غيرته لتخرج غير مكترثةً به! ليبدأ بسباب كل شيء، وينتهي الأمر بإلقاء السباب واللعنات لبعضهما البعض.
اندفعت تجاه شقتها، ولم تلتفت لنداء أثير وهبه اللتان شاهدوهمَا بأعين متسعه، هتف عز بصدمةٍ الذي كان يشاهد هو وعدي أيضًا معهما: ماذا حدث مجددًا؟ ألن ينتهي خصامهما أبدًا؟!
انفجروا جميعًا بالضحك قبل أن يهتف رامي بقلة حيلة: له الجنة ابن الزيني والله وأنا كمثل.
هتفت هبة بوعيد: رامي.
ياقلبه.
بعد شهر آخر، لم تعد قادرة على إخفاء الأمر. كل يوم يمر يزداد معه أعراض الحمل التي تخفيه عن الجميع إلا عن أعين الخادمة التي بدأت تشك بأمر غثيانها الدائم وكبر حجم بطنها.
انتهت من تقيؤها، وجلست علي أرضية الحمام بتعب، دلف طفليها يحتضنُوها خائفون عليها لتُطمئنهم بهمس: أنا بخير، فقط برد بمعدتي، لا تخبرا والدكما، وإلا حزنت منكما.
كما كل يوم نفس الحديث، فيصمُتوا خوفًا عليها.
لم يعد بيجاد بقادر على الهروب أكثر، سأم كل شيء. هرب عند شقيقه لأسابيع حتى لا يحن لها ويذهب مهرولًا لأحضانها؛ ليعود هائمًا بعد ثلاث أسابيع غير قادرًا على الفراق أكثر ليذهب كبرياؤه للجحيم.
انتصف الليل، واشتعل الحنين بقلبه لها، ولم يشعر بنفسه إلا وهو أمام غرفتها الفارغة منها، أصابه القلق؛ لتظهر الخادمة له من العدم، وتشير له على مكانها، ولم يكن غير الحمام التي تتقيأ به، وتبدأ بقص كل شيء عن تعبها الدائم له وشكلها بالأمر.
أسرع حيث هي، ليتفاجأ بهيئتها الشاحبة، هتف بخوف عليها: ربى.
بيجاد أنت.
اقترب يلِحاوطها من الخلف حيث كانت تستند على الحوض بتعب، رفع يديه يتحسس وجهها الشاحب المتعرق بشدة ليصاب بالهلع عليها: يا الهي جسدك كالثلج، اللعنة على عنادك يا ربى، إلى متى تريدين أن تخفي عني الأمر بعد؟
زفرت بغيظ، وهمست: الخادمة اللعينة، لن تبقى معي بعد اليوم.
ألقت بثقل جسدها الذي خف جدًا إلا من انتفاخ بطنها عليه، لِيحاوطها بتملك، يدفن رأسه بعنقها يقبله بعشق، بينما تسللت يده لِتتحسس بطنها بسعادة حقيقية: اََاخبروكِ أني بائع خضار يا ربى أم طبيب؟
يا لغرورك يا بيجاد.
يا لسعادتي يا ربى.
لا تتأمل، لن أعود لك.
ستعودين رغمًا عن أنفك، لست حرة بعد الآن.
بئسًا لك.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسما السيد
بعد عام وبضعة أشهر:
بالقصر:
_ لن أرتدي ذلك الثوب!
_ بل سترتديه.
_ واسع يا بيجاد ألا ترى؟
_ بل مذهل عليكِ.
زفرت بحنق، منذ تلك الليلة التي اكتشف فيها أمر حملها وأخذها عنوة ليعيشون هنا بالقصر؛ لتتوالى أخبارهما على السوشيال ميديا، ويبدأون كما العادة الثرثرة على كل شيء، ويصبح أمر زواجها بين مؤيد ومعارض، وأحكام مسبقة، وكأنهم أولياء أمورهم؛ لتقرر هي ترك كل شيء طواعيةً، حتى مفاجأته لها بشرائه المحطة بأكملها لها يوم مناقشتها وحصولها على الدكتوراه لم يثنيها عن قرارها بالبعد عن السوشيال ميديا تمامًا وما تقدمه من تفاهات كما يخبرها هو.
وحينما سألها لائمًا لها على عدم قبولها لهديته، ومعاودة العمل أخبرته أنها اكتفت، وكانت صادقة. كانت الإذاعة حلمها من قبل حينما كانت تراها من خلف الواجهة، لكن ما أن دلفت لأعماقها وعلمت سوءاتها تركتها برغبتها، اكتفت به وبمعرفته من ورائها كمكافأة نهاية الخدمة.
لم يستطع أن يخفي فرحته آنذاك، وهي تختاره ضاربة بكل أحلامها وأمنياتها عرض الحائط. بالنهاية كم من أمنياتٍ تمنتها ضاعت بالهوى من أجل لا شيء، إلا تلك الأمنية أثمرت عشقًا وحياة كالجنة على الأرض، فماذا تريد بعد؟
أصبحت أمًا مرة أخرى بطفلةٍ منه هو، مزيج عجيب الشكل من كلاهما، لكن أكثر ما يميزها كانت عينيه الزيتونية التي ورثتها "بيرول" من والدها.
هتفت بتعب منها، وهي تلبسها فستانها الذي يشبه خلقتها بلون الكشمير الذي يعشقه بيجاد عليهما:
_ بيرول هيا يا ابنتي لقد تعبت والله!
لتِهرول بيرول، وتتَلقفها يد عمتها فيروز:
_ أمسكت بها عمتها.
فرت منها مجددًا لتَتلقفها يد مشيرة التي تفهمت الأمر ورحبت بهما بعد ضغط كبير من أولادها، لِتتفهم الأمر:
_ لا.
أمسكت جدتها بها.
عاودت الإفلات منهما؛ لتستقر بالنهاية بأحضان والدها متمتمه:
_ بابا.
قبلها بجنون مرة بعد مرة هاتفًا بسعادة:
_ كل عام وانتِ بخير يا مدللتي.
هتفت ربى بغيظ:
_ لقد أفسدتها بدلالك.
اقترب منها هامسًا بأذنها:
_ هل تغارين من ابنتك؟
_ لا بالطبع.
وقد كانت بالفعل، لقد حظيت بدلاله كله حتى ثرثرتها ليلا معه، حلت ابنتها بتَمتمتها وتملكها الغير طبيعي من طفلة بعمرها مكانها، فلم لا تغار؟
ضحك بسعادة، وشاركه الكل بالضحك؛ ليضع بيرول بين يدي عز وعدي، ويرحل خلفها.
كانت تقف أمام مرآتها تنظر لنفسها شاردة؛ ليأتي من خلفها محاوطًا خصرها بيده، هتفت:
_ لم تعد تهتم بى.
_ أنا لا أهتم إلا بكِ يا ربى.
_ كاذب يا بيجاد.
_ بل أنتِ الظالمة أقسم لكِ.
أدارها بيده، فتحت فمها لتتحدث لِيغلقها هو بطريقته المحببة لقلبها، وهو يأسر خاصتيها بقبلة طالت عن الحد قبل أن تبتعد عنه؛ ليهتف باستنكار:
_ كل ذلك لأني لم انتبه لثرثرتكِ بالأمس.
_ ليس بالأمس فقط.
_ حسنا أمس وقبله.
أبرمت شفتيها بحزن؛ ليهتف بعشق:
_ أحبك يا مذهلة، واشتقت لِصوت ثرثرتك.
_ بيجاد لا.
قاطعها وهو يعاود غزوة عليها لتِستسلم طواعيةً.
ليلًا:
امتلأ القصر بالمدعوين، بحثت بعينيها عنه فلم تجد أثرًا له. دب القلق بقلبها لتتفاجأ به بعد دقائق أمامها بعدما أغلقت الإضاءة، وتعامد الضوء عليهما؛ لتتسع عيناها بالفرح، وهي تراه أمامها بيده كَمانهِ، ويستعد ليبدأ بالعزف.
كان يخاطبها بصوت عزفه، عيناه ونظراتها التي تركت الحضور، وَتعامدت على عينيها أَخذتها لِعالم الضياع. الحياة بين غابات عينيه الزيتونية التي أوقعتها بعشقٍ بائس من قبل لا أمل فيه، ولا آمال كانت أشبه بحياة الجِنان على الأرض، جَنة كان فارسها هو، حاضرها، وماضيها، ومستقبل وَدت دومًا أن تحيا معه فيه.
ازدادت حدة عزفه، وهو يقترب. يقترب حيث هيّ، حيث الأنات والعذاب، ووجدت قلبها يردد وتترجم له عيناها بما تبغاه: هل تعي كمَ عشقي لك يا بيجاد؟! وهل ستكتفي بي دومًا عن كل النساء؟
لينتشلها كما عادته من عالم الضياع، وهو ينحني أمامها على ركبتيه، وقد توقفت من حولهما كل الألحان إلا لحنه هو، لحن قلبه العليل بعشقها، وهو يردد بتملك:
" أحبك يا مذهله"
لتجيبه هيّ بلا خوف:
" وأنا أعشقك يا بيجاد"