تحميل رواية امنيات اضاعها الهوى بقلم اسما السيد pdf
بقلم اسما السيد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ارتفع صوت المأذون يردد لثالث مرة دون أن تنتبه هيّ: _ رُبى منير راشد هل تقبلين الزواج يا ابنتي؟ _ أجل أقبل. لا تعي كيف نطقتها لكنها ليست مخيرة، هي مجبرة كما العادة، ولا عزاء لها، ولا لأمانيها، فها هي الآن تدعسها بأكملها تحت أقدامها مجددًا، والسبب هذه المرة لم يكن إلا سذاجتها، وثقتها المفرطة بمن هم ليسوا أهلًا لها. رَنا إليها بنظرة طالت عن الحد، كان بإمكانه فعل الكثير غير ذلك، لكنه هو من آثر الغرق معها وبها. نظراتها التي رنت إليه برجاء موجع جعلته طوع بنانها، علم حينها أنه غرق بلا عزاء. علّمته سذاج...
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسما السيد
قلت لكِ لن أتزوج يا أمي ألا تفهمي كلامي؟
إلى متى يا عمار؟ لقد تعدى عمرك الثلاثون عامًا.
كاد يضحك على نبرتها الحنون التي خدعته بها من قبل، وتخدع الجميع أيضًا بها، ومنهم والده العزيز الذي عاد ليجده مسخًا تتحكم به والدته. كل شيء أصبحت مسؤولة عنه حتى تجارتهم أصبحت المتحكمة بها.
حينما أريد الزواج سأتزوج لا داعي لقلقك يا أمي.
ستجن من كل شيء. أعوام مرت بغربته، وهو لا يحدثها إلا حينما تطلبه هي وتبكي إلى أن اكتفى بحديث أسبوعي فقط متعللًا بانشغاله، وصدقته لكن مع عودته عادت شكوكها لها، ويقينها أن ابنها متغير تمامًا معها هي وشقيقته.
ما بك يا عمار هل أنا فعلت لك شيئًا؟
لما تقولين ذلك؟
أفضت ما بجوفها من مخاوف أمامه؛ ليهتف عمار متهكمًا:
لا شئ من هذا القبيل يا أمي، لا تقلقي أنا فقط منهك من طيلة سنوات الغياب والغربة.
لهذا أخبرك أن الزواج هو الحل سيصبح لك عائلة، وستنسي يا ولدي.
نظر لها بصمت يفكر هل يستطيع الإنسان أن يدمر ويخرب ويكذب ولا يشعر بالذنب مثلها؟
لو لم تكذب من قبل عليه، وتجعله يشك بربى لكان الآن بين عائلته كما تخبره الآن، وكل شيء بعد ذلك كان هان على قلبه.
كيف تستطيع أن تغفو ليلًا، وهي تعلم أنها السبب بتعاسته، وتحطيم قلبه.
أخذ نفسًا طويلًا من ثم رحل من أمامها ناشدًا وحيد الذي يتمنى أن يجد عنده إجابة لما أراده منه.
فتحت عيناها أخيرًا تذرف دموعًا غزيرة بصمت. خائفة، خائفة جدًا، وكل عالمها انهار من حولها فجأة.
كانت تعلم أنها وقعت مع مريض نفسي. ما ذنبها هي أن كانت تملك قلبًا أهوجًا يصدق علي الفور كل ما يقال له؟ ما ذنبها في أنها صدقتها، وودت لو تساعدها، وترفع عنها الظلم؟
كل ما يحدث الآن معها يعلمها درسًا قاسيًا بأن لا تثق مجددًا أبدًا بأحد.
عادت تفكر بقلب متألم أن طفلها الآن بقبضة ذلك الوحش لتنهار باكية ترتجف كطفلة لتتلقفها يد أثير التي أسرعت للدخول إليها ما أن استمعت لصوت بكائها يعلو.
اتركيني أثير لقد وثقت بكِ ليتني لم أتركه! ليتني لم أتركه أبدًا.
أريد طفلي الآن. لقد اختطفهُ ذلك العجوز الخرف يساومني علي ليلة معه مقابل ألا يتأذى طفلي. إنه يهددني به.
بكت بحرقة صوت بكائها اخترق أذنية جيدًا. صوت دعائها على والده كان أشبه بسوطٍ نزل على قلبه ليدميه.
حينما سقطت بالمطعم سقط قلبه معها. لم يكن يتوقع أن يتهور والدة، ويفعل ما فعل الآن بدون أن يصله خبر.
الآن تأكد أن والدة فقد عقلة، فقدة كليا، وهو يجري خلف الشهوة المحرمة، شهوته اللعينة التي لا تهدأ أبدًا. الآن يقسم أنه لن يرحم أحد ولو حتى والدة.
دكتور بيجاد أرجوك حل هذا الأمر لقد وثقت بك.
كان هذا صوت المالكي الذي يقطر حزنًا وألمًا حقيقي قبل أن يجيبه بيجاد:
سأنهي هذا الأمر لا تقلق لكن.
لكن ماذا؟
سأحتاجك معي لكن ليس الأن فيما بعد.
سأفعل أي شيء مقابل ألا يتأذى ابن ربى إلا الطفل أرجوك يا بُني.
لا يعلم لما تذكر ابنة عدي؟ وماذا لو وضع مكانها؟ وابنة كان مكان ابن ربى؟ الفكرة نفسها جعلت قلبه يرتجف فماذا عنها هي؟
اشتعلت عيناه بالغضب من كل شيء، وهو يقسم أنه سيجعل والدة هذة المرة يتجرع الندم.
أعدك أن أعيد طفلها لاحضانها بلا خدش واحد. بالنهاية الأطفال ليس لهم ذنب بتلك الحكاية. هي محقة لقد عجز أبي، وأصبح يُخرف، ومكانة ليس هنا.
ماذا تقصد؟
تساءل عادل المالكي بعدم فهم؛ ليجيبه بيجاد وهو يربت على كتفه، ويلتفت راحلًا بعدما هدأ بكاء ربى وانهيارها:
فيما بعد ستعرف. الآن عليّ الرحيل لأجد حلًا لأبي.
دلف بيجاد للقصر قاصدًا جدة. قدمه تؤلمة بل هو متأكد أنها تنزف الآن لكن لا يهم.
لأول مرة أراد أن يستشير جده الذي اتسعت عيناه صدمةً هو الآخر قبل أن يقترب جدة منه مربتًا على كتفة مردفًا بغضب:
أفعل اللازم يا بيجاد، وانهي هذا الأمر، وتلك المهزلة أما عن كل من ساعد أبيك هنا دعه لي.
جدي أنا.
هتف جدة بإصرار أكبر:
أفعل اللازم، ولا تلتفت لرأيي الآن. أنقذ الطفل ولكل حادثٍ حديث.
أغمض بيجاد عينية ينشد الراحة قبل أن يلتفت مودعًا جده الذي ناداه مرةً أخري قائلًا بفخر:
أنا أثق بك يا بيجاد. سامحني يا بني أعي قدر تعبك لكني بالنهاية أعلم أنك وحدك قادر على حمل تلك المسؤولية من بعدي.
بعد ليلة قضتها بالمشفى عادت لمنزلها وحيدة ضائعة بعدما انهارت مجددًا، واضطرت أثير أن تحقنها بمهدئ لتستطيع السيطرة عليها.
سَتفقد أعصابها كليًا، وهي من قبل ما حدث لعز، وهي منهارة.
لم تستطع أثير، ولا هبة تركها بقيا معها بالأسفل، وصعد رامي مع طفلة نادمًا أنة اصطحب الطفلين معا للعب كرة القدم بالحديقة لو كان يعلم ما سيحدث لما خرج من المنزل أبدًا.
هو أكثر من يشعر بالذنب وبأنه السبب حتى عينا ربى لم يستطع النظر إليهما. ليته استمع لهبة، ولم يخرج بهما لكن إصرار عز الدين عليه دفعه ليخرج ولا يكسر بخاطرة.
لطالما كان مُراعيًا له يحاول تعويضة ولو بالقليل عن عدم وجود أبية معه. كان يفعل كل شيء بحب له، وكأنه طفلة الآخر. يتمنى فقط أن ترأف به ربى، ويرأف بهم المولى معًا، ولا يصيبه شيء.
بعد أيام:
ألقى بيجاد كل ما علي المكتب أرضًا بغضب:
كيف لم تصلوا لمكان الولد؟ هل انشقت الأرض، وابتلعته كيف يا منذر؟
اهدأ يا بيجاد سنصل إليه لا تقلق انت تعرف أن ابيكَ لن يؤذي الطفل؟
هَتف فيصل بتلك الكلمات محاوًلا تخفيف الغضب الذي استحوذ على بيجاد كليًا بعدما علم ما يحدث وصدم.
كيف اهدأ لقد انهيت الأمر، واعتذر الرجل بالنهاية؟
انتهى كل شيء كأنه لم يكن، وعلمنا أنها كانت لعبة حقيرة يا فيصل؛ ليصل لإمرأة، واشتركت معه فيها شقيقتك لكن ما ذنب الطفل؟ أقسم أني لن ارحمه؟
صاح بيجاد بغضب؛ لينكس فيصل رأسة بخزي من فعلة شقيقته قبل أن يندفع بيجاد يريد مواجهة والدة لكن يد منذر هي من أمسكت به:
إياك أن تفعل؟
اتركني يا منذر لم يعد هناك متسع من الوقت للصمت أكثر؟
أهدأ لدي خطة محكمه لن يفلت منا بعدها.
ما هي؟
أهدأ وسأخبرك.
بعد دقائق انتفض صارخا:
أجننت أنت، كيف تريدني أن أفعل ذلك؟ أتريدني أن استغل الأمر هكذا، وكيف ستفكر هي؟
ليس استغلالًا، ولا وقت للتفكير أبيك شرة سابقة ورغبته المريضة ما تُحركة الآن، وهذا أنسب حل لنصل للطفل بلا تدخل من الشرطة التي سَتدفعه لفعل ما قد يؤذي الطفل.
صمت بيجاد بحزن حقيقي قبل أن يردف فيصل مؤيدًا حديث منذر:
منذر محق هذا هو الحل لإيجاد الطفل، وان تتأكد أنه لن يقترب منها مجددًا مهما حدث.
يا الهي أَتعون لِما تقولون؟! ماذا عن الجد؟
جدي أوكل لنا مهمة إنهاء الأمر، وهذا هو الحل الأمثل حتى نلتفت لما بعد ذلك، وهو كيف نقضي على عُهر والدك وشرة؟
نظر منذر له بعتب لما يقول لكن فيصل لم يهتم أردف بتصميم:
لقد مر ثلاث أيام يا بيجاد، ولا أثر للطفل أبيك يتصرف ببرود ، وأن واجهته الآن كما تريد، وفعلت ما برأسك سيكتشف أننا على علم بالأمر، و ستضيع مخططاتنا التي خططنا لها هباءًا منثورًا وأنت تعي ما أقول، وربما عاند وتسبب بأذي للطفل. يا الهي انت تعي مدى نرجسيته، أنه لم يتقبل طفلك بعد!
صاح بيجاد بتعب:
ياالهي فيصل لا تصعب الأمر عليّ؛ ليذهب أبي للجحيم، ليذهب للجحيم اللعنة علية.
هتف منذر:
اهْدأ دعني أتولى الأمر عنك.
كيف لقد سئمت الانتظار؟
سأخبرك..لكن عليك أن تقتنع أولًا.
بعد ساعتين كانت تقف تنظر لمْنذر بهدوء الذي شرح لها كل شيء بطريقة الهادئة الرزينة.
بطبيعة منذر هو شخص واعي متفهم يستطيع المرء أن يشعر بالراحة ما أن ينظر إليه.
أعدك أني سأنهي كل شيء كما سأبدأة فقط ثقي بي هذا أقصر طريق للوصول لابنك بعدها لكل حادث حديث، وهذا وعد مني.
بعد برهة من التفكير، وعيناها مازالت تذرف دموع الندم والفقد، هتفت:
أي طريق يصلني بابني أنا موافقة عليه حتى لو تحتم عليّ الزواج من ذاك النذل نفسة يا سيد.
لم يصدق أنها وافقت بسهولة نظر لها بصمت قبل أن يجلي حنجرته.
ربي أنا أعدك.
قاطعته برجاء موجع بينما تسيل دموعها.
لا تتحدث أرجوك فقط أعد لي طفلي ..أعده لي بلا أذى، وأنا راضية.
أعدك.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسما السيد
لا أحد يعرف معنى أن تفقد كل ما لديك دفعة واحدة وتبقى فقط على واحدة. لا أحد يعرف كم هو موجع أن تلقي بكل أحلامك وامنياتك من أجل أحدهم، وأن تدفعك الحياة لتفعل من أجله ما لا تطيق.
كان هذا حالها لأسبوع كان كفيلًا بأن يجعلها تجن. انهارت كل أحلامها وأمنياتها جميعًا، ولم تعد تفرق بين الحقيقي والخيال. تشعر بأنها فقدت لذة الحياة. بداخلها ندم لو وزع على العالم كله سيكفيه. يكفي روحها المعذبة.
لا أحد يعلم ماذا فعلت لتصل هنا؟ ولا يعلمون كم تخطت من صعاب؛ لتعيش مع طفلها حياة سعيدة بلا ضغط نفسي، ولا قيل وقال؟ الندم يأكل قلبها، وما أقسى الندم على أشياء ارتكبتها أنت بمحض إرادتك!
تسير الخطة كما خططوا لها، والآن ينتظرها مصير لا تعلم عنه شيئًا. لم تلتفت لتلك الأيادي التي امتدت لها لتحتضنها، والتي كانت يدا هبة وأثير تودعانها. لم تستطع أن تمد يدها لهم تشعر بالسخط والحزن منهم وعليهم.
أما عنه كان يراقبها من بعيد، عيناه تلمع بالشر حينما دلفت لتلك السيارة التي أرسلها والده لأخذها. كم يشعر بالخزي منه والقرف!
ما زال يتذكر حديثه معها بعد تنفيذ أول جزء من خطته حينما واجهته بحقيقة كان يتجاهلها طيلة الوقت.
حينما انفرد بها للحديث معًا قبل خطوتهم الثانية، بثاني حديث لهما معًا بعد مقابلتهم الكارثية بالمطعم حينما أخبرته:
"لا تقنعني أنك لست مثل والدك. شخص مثلك وُلد لأبوين هما أصل الشر. يسير الأذى والخراب بأوردتهم كالدماء، ماذا سيكون هو؟ أنت جزء منهما، دماؤهم اللعينة تسري بأوردتك. أتعلم شيئًا! أنا وافقت ليس ثقة بك بل لأني قد أفعل المستحيل من أجل طفلي؛ ليعود لاحضاني سالمًا ولو كان هذا سيكلفني أن أندم على ما فعلت طول العمر."
هي محقة، عيناه التي تلمع بالشر الآن خير دليل. هو مثلهم ليس مختلفًا عنهم. لو كانت غيرها قالت ما قالته له لكانت بخبر كان، لكنه مكبلٌ. مقيد بقيدٍ خاص جدًا لا يعلم متى سينزعه.
نظر لها بهدوء، يتبعها بصمت. لو عليه هو لواجه أبيه منذ لحظة اختطاف الطفل، لكن تلك الكوارث التي اكتشفها عنه تدفعه للصبر، خصيصًا من أجل ربى وطفلها. لقد أدخلت نفسها في لعبة أكبر منها، ولولا أنه علم أنها كانت خطة محكمة عليها لما ساعدها ولا التفت لها لحظة واحدة.
ضرب بيده على المقود بقوة، وهو يسب ويلعن أبيه حينما تذكر حديثها له قبل خروجها:
"لو دعتك الظروف لإنقاذ واحد منا أتوسل إليك أن تنقذ طفلي."
لم يستطع الحديث بعدها إذ رحلت ولم تجب على هاتفها مجددًا.
لم تقف يومًا على أعتاب أحد حتى لو كان أهلها لتمد يدها، ولم تنحني، ولم تُهزم مرة حتى وهي تصارع الحياة كأب له بعدما تخلى عنه والده، ولا كأم بينما كانت هي بحاجة لوالدتها.
وحدها كانت سيدة قراراتها حتى في وجود حموييها من قبل، وأصدقائها من بعد. منذ موت والدها، وهي تحمل كل شيء على كاهلها من أجل نفسها وطفلها.
كانت تعيش معه طفولته كما كان يتمتع هو. هي طفلة بالنهاية تعيش طفولة متأخرة معه. ضحت بكل شيء من أجله، والآن ستضحي بأكثر شيء ضحت من أجله مجددًا حتى يبقى آمنًا، ويعود لها سالمًا.
فجأة وجدت نفسها هنا أمام "العجوز الخرف" الذي يبدو أعد العدة من أجل أن يوقع بها. تراه كوّحشٍ بشع لم تستطع يومًا تقبله.
"لن أكون لك بالحرام أبدًا، أتفهم؟!"
هتفت بغضب؛ ليضحك هو ضحكة ذئب أوقع بفريسته قبل أن يقترب منها مردفًا بأعين تلمع بالرغبة المقززة:
"لو كنتِ قلتِ من قبل وصرحتِ برغبتك هذه لكنا وفرنا على أنفسنا عناء التخطيط، يا ربى، لقد كلفنا الأمر كثيرًا أليس كذلك؟!"
كادت تبصق بوجهه الذي يقربه منها بطريقة تبعث بالغثيان:
"أنت محق. لو كنت أعلم بمخططك القذر هذا لم أكن لأقع به، كنت دعست تلك المرأة الخائنة بسيارتي وفضلت السجن أو أن أُعدم ولا أكن لك."
ضحك بفظاظة. غضبها هذا يعجبه، يسيل لعابه على فريسته. سيروض كل هذا فيما بعد وستقول له سيدي قبل بيعها بسوق النساء، ويُسعد وهي تبكي ندمًا على قلة حيائها معه.
امتدت يده لتحسس خدها قبل أن تدفعه مردفة بغضب:
"أين ابني؟!"
كان بيجاد يستمع لما يدور وهو جالسًا بسيارته بانتظار إشارة البدء. يشعر بفوران بدمه وفكرة أن يلمس والده شيئًا صار ملكًا له يجعله يستشيط غضبًا.
"صبرًا، لننفذ رغبتك بالحلال أولًا قبل رؤيته يا حلوة."
نظرت لمن دلفوا، يبدو شهودًا، ورجل يبدو من هيئته كمحامٍ أكثر من مأذون. فهتفت بغضب وقد نفذ صبرها بعد ثلاث ساعات قضتها بالسيارة لتجد هذا المكان النائي بعيدًا عن العمران ليقول لها أن تصبر. هتفت بغضب:
"أقسم أن لم أرى ابني الآن لن أمضي على شيء أبدًا."
عاد يضحك ضحكته السمجة التي تقتلها. لم تتحدث بكلمة بعد ذلك. أمرته برؤية طفلها وصمتت.
ليجعلها تراه بعد ذلك من خلف شاشة عريضة أمامها وهو غارق في النعاس؛ ليهتف:
"هل اطمأن قلبك يا حلوة؟!"
لم يطمئن قلبها، فعاودت سؤاله:
"هل هو هنا بالقصر؟"
"لم تصدقيني بعد، أقسم أنه هنا."
"وأين إثباتك على ذلك؟"
كان معها خطوة بخطوة، يخبرها بما ستقول. لو كانت هي وحدها تقسم لكانت ترتجف الآن.
استمعت لهمسة بتلك السماعة المخفية التي أوصلها لها منذر قبل رحيلها معهم، وكأنه شعر بتخبطها من صمتها:
"ربى اهدئي، نحن هنا."
لا تعلم لما شعرت بالأمان حينما تسلل لها صوت بيجاد بتلك الكلمات البسيطة. شعرت بحرقة بعينيها من حبسها لدموعها، وودت لو تجيبه صارخة "أنا خائفة".
التقطت عيناها صوت فريد الزيني غارقًا بنشوة انتصار أنه هنا؛ لتمتد يده بالريموت، ليعاود فتح الشاشة مرة أخرى، وهو يعرض لها مشاهد من القصر هنا وطفلها حر طليق يلهو مع الخيل الذي يحبه بجوار الحرس.
صارت تماطل بالحديث تستمع لصوت بيجاد الذي يهمس لها، وهي تفعل ما يقول إلى أن مرت الدقائق أشبه بعمر كامل قبل أن تستمع لصوت زفرته المرتاحة بأذنها مرددًا بحنو:
"طفلك بأمان الآن.. اهدأي، إنه معنا."
كادت تصرخ من الفرح، وحمدت الله أن ذلك النجس غارق مع المحامي الذي بدأ بكتابة العقد الخاص بزواجهم على ما يعتقد. كانت الشاشة المثبتة على طفلها قد انطفأت قبل دقيقة فلم تعد ترى طفلها. حينها نظرت لفريد الزيني بهلع؛ ليهتف مطمئنًا لها:
"لا تقلقي يا حلوة، كله تحت السيطرة، سأرسل أحدًا له يأتي به على كل حال أو لتصعدي أنتِ بعد توقيعك على عقد زواجنا."
كانت عيناه تلمع بخبث يخيفها. حتى هتف مجددًا، وهو يشير لها أن تأتي وتجاوره:
"ألم يحن الوقت بعد يا حلوة لتقتربي، ها أنا وفيت بوعدي؟"
اقتربت وجلست بالقرب منه بينما عينا ذلك النجس عليها. على فريسته التي سينالها بعد قليل. مد المحامي لها بالأوراق؛ لتنظر لها قبل أن يهتف هو ملاحقًا لها بعدما لاحظ صمتها:
"عقد شرعي سَنوثقه بالمحكمة. أنا لن أستطيع أن أغامر بسمعتي، أنتِ تعرفين ذلك؟!"
لم تكترث بما يقوله. مسكت بالقلم ومدت يدها لتمضي، لكن بلمح البصر كان رجال بيجاد يحاوطون القصر داخلًا وخارجًا، ويد بيجاد تقتلع القلم من يدها، وتمسك بها من خصرها بتملك؛ ليصرخ فريد الزيني بابنه صرخة لم تطل قبل أن يكمم فاهه أحدهم، ويقترب بيجاد منه مردفًا بنبرة خطر أخافتها حقًا جعلتها تشعر وكأنها وقعت بحق بوادي ذئاب خطر يتناقلوها من فم لآخر.
"كيف ستتزوج بزوجة ابنك يا والدي العزيز؟"
"ماذا؟"
نظر له بنظرة سوداوية مردفًا بتملك:
"ما سمعته من أمامك الآن هي ربى بيجاد فريد الزيني."
حاوط خصرها بتملك أزعجها حقًا، وهو يقربها منه بينما يلقي بتلك الكلمات لوالده.
عادت بذاكرتها لقبل أيام حينما وقعت بنفسها على قسيمة زواجهما حتى تنقذ طفلها ونفسها من العجوز الخرف بعدما استحال عليهم الوصول له بطرقهم الطبيعية والبحث.
ارتفع صوت المأذون يردد لثالث مرة دون أن تنتبه:
"ربى منير راشد هل تقبلين الزواج من بيجاد فريد الزيني؟"
لم تنظر له. شردت بطفلها. أرادت أن يمر الوقت فقط. هتفت:
"نعم أقبل به."
لا تعي كيف نطقتها، لكنها ليست مخيرة، هي مجبرة كما العادة ولا عزاء لها ولا لأمنياتها. فها هي الآن تدعسها بأكملها تحت أقدامها مجددًا، والسبب هذه المرة لم يكن إلا بسبب سذاجتها وثقتها المفرطة.
نظر إليها بنظرة طالت عن الحد. كان بإمكانه فعل الكثير غير ذلك، لكنه هو من آثر الغرق معها. لا يعلم أين سترسو سفينتهم معًا، لكنه لن يسمح لمخلوق بإيذائها.
انتفضت مجددًا على صوته المرتفع. لم تفكر للحظة واحدة بما قد يحدث، ولا لما، ولا إن كانت هناك حلول أخرى. لقد توقف عقلها حينها عن العمل. امتدت يدها تزيح يده التي أمسك بخصرها بها بقوة آلمتها، لكنه لم يسمح لها فاستسلمت.
"هيا منذر، لملم هذه المزة اللعينة، لقد انتهت الليلة هنا."
الصدمة تملكت من فريد التي اهتزت حدقتاه، وارتجفت أوصاله قبل أن يميل بيجاد هامسًا بأذنه:
"أنت لا تريد أن يعرف جدي بما حدث الآن صحيح! أتمنى أن تحفظ سري كما سأحفظ سرك أنا.. لست وحدك من تملك الأسرار يا أبي..منذ الليلة زوجتي خط أحمر ولكن…"
صمت قليلًا قبل أن يهتف مجددًا:
"لا عليك، ستعرف فيما بعد."
أشار بيجاد لمنذر برأسه قبل أن يسحبها من يدها غير مكترث بدفعها له حتى تصرخ قائلة:
"أين طفلي؟"
"اهدئي، ربى، قد أخرجته من هنا."
"أريد رؤيته؟"
"حسنًا، دقائق وترينه."
دفعته مجددًا بكل ما أوتيت من قوة، ولم تعِ لقدمه التي يسير بها بعرجٍ خفيف. فأتت دفعتها قوية عن الحد فصرخ بوجع. اتسعت عيناه وهو يتركها ليميل على قدمه المبتورة، والتي عوض فقدها بجهاز اصطناعي يحاول كتم أناته، لكن ألمه فاق الحد؛ ليأتيه منذر مسرعًا:
"بيجاد أنت بخير؟ ماذا حدث؟"
قبل أن يجيبه كانت ربى تجلس أمامه بموازاة قدمه بفطرتها الأنثوية، مردفة بصدمة حقيقية:
"يا إلهي، قدمك تنزف، أنها تنزف بغزارة."
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسما السيد
- كيف حالك؟
- أعافر، أحيا داخل صراع أنا من خلقته بيدي، أقاوم كل ليلة حتى أنجو، وهذا أقصى ما أستطيع أن أخبرك به، وأنت كيف حالك؟
- إنها تنزف.
- اهدئي، أنا بخير.
لم تشعر بنفسها، صُدمت حينما رأت الدماء. ما فكرت به، وهيأ لها عقلها أنه أصيب بطلق ناري، ولم تستمع له.
لم يصل فكرها لأن يكون مصابًا إصابة أخرى. امتدت يدها لتستكشف مكان دمائه بعدما أسنده منذر ليدلف لسيارته، وأمره بيجاد ليعود حتى يتمم على كل شيء. بالنهاية لا يثق بأحد غيره.
حاول دفع يدها لكنها لم تكترث.
- رُبى، أنا بخير، ابعدي يدك.
هتفت باستنكار.
- يا إلهي، أي خير؟ إنها تنزف، دعني أراها.
كان بوضع حرج للغاية، ومتعب بذات الوقت. التعب نال منه على كل حال وأهمل علاجه بالآونة الأخيرة يأسًا من كل شيء.
ما أن مالت لتراها اتسعت عيناها ما أن استمعت لصوت إطلاق النار.
صرخت مجددًا باسم طفلها قبل أن يسحبها هو وقد نسي ألم قدمه؛ لتقف خلفه بينما امتدت يده لأسفل سترته مخرجًا سلاحه.
- عزالدين أين هو؟
- اهدئي، هو بأمان الآن.
لمحت الرجال بالخارج كأنهم خلية نحل، منظر مهيب تراه بالأفلام فقط، لم تتخيله أنها ستعيشه ذات يوم. تبادل لإطلاق النار بين رجال بيجاد، وآخرين دلفوا للتو. أين كان كل هؤلاء لما لم ترهم حينما كانت آتية لهنا؟!
عاودت سؤاله عن طفلها والخوف يملأ قلبها ليجيبها.
- حسنا، اهدئي.
أدخلها لسيارته، واستدار ليجاورها. نفذ صبرها وهمت بالصراخ عليه لكن خرست تمامًا حينما مد يده لها بهاتفه الذي كان مفتوحًا على مكالمة مرئية من رامي وطفلها.
- عز، بُني.
- أمي، أنا بخير، لا تقلقي.
انفجرت بالبكاء بعدما أخذ بيجاد الهاتف منها بعدما اطمأنت على طفلها أنه بخير. لم تنتبه أنه بداخل السيارة. لقد ظنت أنه ما زال بالخارج. لم تستطع إلا أن تبكي. لتمتد يده لها ببعض المناديل الورقية، وتنتبه بعدها على وجوده، وأنها نسيت أمر إصابته.
- أريد الرحيل من هنا، أريد طفلي، ثم هل أنت بخير؟
هتفت ببكاء بينما انتزعت منه المناديل بغضب حارق، وقد تحولت نبرتها كليًا من الحزن للغضب.
زفر بحنق محترمًا رغبتها قبل أن يشير لمنذر بيده بشيء فهمه على الفور، وعاد ليقود سيارته.
- انتظر.
- ماذا بعد؟
هتف بتأفف قبل أن تمتد يدها لذلك المقص التي لمحته على التابلوه أمامها، ومن ثم تمد يدها لتفك حجابها الطويل بنية أن تقصه.
اتسعت عيناه، وهو ينظر يمينًا ويسارًا يرى أن كان أحد يتطلع إليهم؛ ليصرخ عليها بغضب.
- ماذا تفعلين؟ أجننتِ؟ ألا ترين كم من رجل أمامك؟
لم تكترث له. بالنهاية لم تخلعه كليًا، قصت نصفه سريعًا ومالت تمسك بقدمه التي صرخ من مجرد لمستها.
اتسعت عيناها ما أن وعَت لما هي عليه؛ لتستقيم وتلعن غباءها قبل أن تقوم بلف حجابها على الجزء النازف.
- آسفة، ظننتها طلق ناري، آسفة حقًا.
- لا عليكِ.
لمحت وجومة قبل أن تهتف بعد برهة مجددًا.
- إلى أين نحن ذاهبون؟ هذا ليس طريق المنزل، ثم يجب أن يرى طبيب قدمك، إنها تنزف بغزارة.
- أعلم، شكرًا لكِ.
زفرت بغيظ وغضب ثم صاحت.
- ماذا تعلم؟ ثم أين أنت ذاهب بي؟!
أجابها بنبرة حاول أن لا تخرج غاضبة.
- اف، اصمتي لدقائق فقط! اصمتي رُبى!
لم يزد غضبه إلا من غضبها، لينتهي الأمر بعد دقائق بوقوفه على جانب الطريق، وتندفع يد أحدهم لتضع طفلها بالسيارة من الخلف قبل أن تهتف بفرحة جعلته يبتسم.
- عز.
- ماما.
- افتح الباب اللعين؛ لأجاور طفلي.
كاد ينهَرها لكنه آثر الصمت قبل أن يفتح لها الباب؛ لتجاور طفلها بالخلف، وتسرع لتحتضنه باكية.
لتبدأ هي وطفلها بثرثرة لعينة صدمته حقًا، وطفلها يحكي لها بالتفصيل الممل ماذا حدث معه؟ وهي غير منتبهة تمامًا لما حولها، ولا للطريق الذي طال عن الحد، ولا حتى تذكرت نزف قدمه.
ساعة وكان عزالدين غارقًا بالنوم، وهي تقاوم النوم لتهتف قبل أن تغرق به.
- أما زالت قدمك تنزف؟
- لا، أصبحت بخير.
أشارت لحقيبتها التي وضعها أحدهم بجواره، ولم تنتبه متى، وهتفت.
- بحقيبتي مسكن قوي للآلام وماء. يمكنك أن تأخذ منه حتى ينتهي طريقك اللعين هذا.
- لسانك سليط جدًا، لم أتوقعه.
- أعلم.
زفر براحة حينما غرقت بالنوم، وكأنها لم تحظ به لليالٍ طوال.
امتدت يده؛ لتفتح حقيبتها، كان بحاجة ماسة لذلك المسكن، يشعر وكأن قدمه مشتعلة بالنيران.
لكن ذهب أمل الراحة من قلبه حينما دخلت يده لمغارة، وليس حقيبة. ابتسم بقلة حيلة، وأوقف سيارته حتى يتسنى له الوصول إليه. كان سيناديها لتستيقظ لكنه آثر تركها غافية.
أخيرًا وصل له وابتلع قرصًا، ومال برأسه بتعب للخلف قبل أن تقع عيناه على هاتفها المزين بصورتها بلا حجاب بعدما يئس أحدهم على ما يبدو من إجابتها؛ ليخطر على باله أغنية عشق عزفها على كمانه تصفها تمامًا.
- مذهلة.
*******
- كيف تحتجزني هنا؟! هل جننت؟ أتعي من أنا؟!
هذا كان صراخ فريد الزيني الذي دوى بالقصر الخاص بملذاته قبل أن يجيبه منذر بثبات انفعالي رهيب.
- هذه أوامر دكتور بيجاد فريد الزيني، ولا أستطيع أن أخالفها.
صرخ فريد برجاله خصوصًا ماجد ذراعه الأيمن الذي تذكر أنه أخفى ذلك الأمر عنه؛ ليهتف منذر بهدوء أكبر.
- صدقني لا داعي لكل هذا، ولا لانفعالك هذا. لم يعد هنا رجال غيرنا. القصر قصرك. افعل به ما شئت داخله إلى أن تأتينا الأوامر بتركك أو شيء آخر.
الرعب تملك منه، قبل أن يردف.
- شيء مثل ماذا؟
- لا أعلم، نحن ننتظر الأوامر.
- لن تفلت بفعلتك هذه أنت وهو، وسترى، ليس أنا من أسجن؟!
- تمام.. لنرى.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسما السيد
فاقت من شرودها على ما حدث قبل أربعة أشهر.
أربعة أشهر مرت، ولم تلمح طيفه إلا وتشاجرا معًا يحاصرها، وكأنها ملك يمينه حقًا، وكأن زواجها منه لم يكن لمهمةٍ ما، وانتهت الآن.
ستجن! لقد سئمت الأمر كله، ولم تعد تتحمل الأمر.
لم تنسى ما فعله معها، ولا أمر احتجازه لها لمدة أسبوعين بتلك المنطقة الجبلية داخل الوديان، ولا برودة التعامل معه ناهيك عن أوامره التي لا تنتهي في فعل هذا وذاك، وعدم فعل هذا وذاك.
حتى أغضابه لها كان يسيطر عليه ببرودة.
كانت ترى غضبه بعينيه، لكنه كان باردًا جدًا معها.
لم ترَ صمته إلا برودًا.
لا تصدق تبرير الجميع له أنه متفهم يعي ما تمر به!
ورغم أنه أعادها لمنزلها كما أرادت حينما انتهى الأمر برمته، وهدأت السوشيال ميديا، وانتهى الأمر تمامًا كما لو كان لم يكن، إلا أنها لم تسلم منه.
بعد أسبوعين من المكوث معه كان هذا الوقت كفيلًا بأن يتعلق طفلها به.
حتى صار تعلقًا مرضيًا لم تعد تسيطر عليه.
وكلما حاولت بشتي الطرق إبعاده عنه يجد طفلها ألف طريقة ليتواصل معه.
كيف يفكر هذا الرجل؟ وماذا يريد منها بعد؟
لم تسامح بعد، لكنها لم تتحدث بما فات.
مازالت تتحسس عن أمر تلك المرأة التي خدعتها، وأودت بها لطريق لم تجد مفرًا للخلاص منه بعد.
حتى بعدما أخبرها رامي بأن آل الزيني سحبوا الشكوى، وهم فعلوا المثل، وعادت إعلاناتهم تغزو المحطة، وعاد فانزها يطالبها بالظهور، لكنها لم تنسى لهم بعد اتهامها بما ليس بها.
لم تصفُ بعد.
لقد صُدمت بالوجه الحقيقي للسوشيال ميديا حتى كرهته.
وتلك المرأة خصيصًا، وما فعلته معها تسبب بجرح لن يمحى أثره بقلبها أبدًا.
فقط تريد أن تعلم لما فعلت ما فعلت وجهًا لوجه!
تأففت بصوت استمعت له هبة وأثير، وهي تغدو ذهابًا وإيابًا أمامهم كالتي تقف على صفيح ساخن لا تهدأ أبدًا.
هتفت هبة باستنكار:
ربى ما بكِ لقد تعبنا من أجلك والله.. اهدأي ألم يخبرك أنه مع بيجاد وعدي؟!
لا تعلم من أين ظهر لها هذا عدي هو الآخر.
لم تكن تعلم أن لديه ابن.
ها هي خدعة أخرى تتلقاها على يديه، ستجن حتمًا.
إنه يتفنن بغضبها، لكنها لما تهتم أن كان متزوجًا ولديه ابن أم لا؟!
بالنهاية هي حالة خيرية بالنسبة له، وستنتهي على كل حال.
لمحتهما يضحكان بخبث عليها.
لتهتف هبة بخبث:
زوجته ميتة، وهذا طفله منها. لقد تحسست عن الأمر لا تقلقي.
فرامي بات يعرف عنه كل شيء منذ تلك الحادثة، وهما صديقان مقربان جدًا حتى أن رامي يشكر به وبأخلاقه.
اتسعت عيناها قبل أن تنفجر بهما:
لا تضحكا لقد سئمت منكما والله، وخصيصًا أنتِ أثير أنتِ من خدعتني لولاكِ ما خُطف عز، وما اضطررت لفعل ما لم أحسب حسابًا له.
تأففت أثير.
إنه ذات الحوار اللعين مجددًا، وذاك اللوم، لكنها لم تعد تكترث به!
نظرت لها باستنكار، وهتفت:
اطلبي الطلاق إذًا لما تصمتين؟
جذبت شعرها التي تعقده بقوة حتى استرسل صارخة:
لقد فعلت.. فعلت والله، ولم يجيبني بإجابة تثلج قلبي.
سأجن من أفعال هذا الرجل والله.
الله يريحني من هذا العالم بأكمله، إنه بارد كالجليد.
لا تدعي على نفسك يا ابنتي الله.
هتفت هبة باستنكار ضاحكة عليها.
لتنظر لها بغيظ قبل أن ينفجروا بالضحك عليها.
لتهتف أم رضوان بينما تمصمص شفتيها بصوت وصل لهما:
دلع نساء والله!
ماذا يفعل الرجل بعد؟ لقد اشترى باقي البيت بأكمله لها بعد إصرارها على ترك الفيلا التي اشتراها لها، ويدفع برجلين كلٌ منهما يشبه الفيل خلفها حمايةً لها ولطفلها ناهيك عن الحراسة المشددة للمبنى بأكمله.
نحن ننام بأمان بفضله والله!
يصرف أموالًا طائلة عليها، وعلى طفلها، ولا فائدة منها.
ليست وجه نعمة هذه والله!
لو كنت مكانها لارتميت أسفل قدميه كل يوم أغسلها وأدلكها بحب كما كانت تفعل أمينة لسِي السيد.
ليته ينظر لي، وكنت تركت أبا الهم والغم زوجي، وقلت له مرحبًا يا قلبي.
ماذا؟
ماذا تقولين أنت؟
هل تتغزلين به يا امرأة؟
هتفت ربى بصدمة بتلك الكلمات.
لينفجر الجميع بالضحك.
وتردف مجددًا قائلة:
أم رضوان هل أنتِ مدركة لما قلتِ؟
كان صوت همس أم رضوان عاليًا وصل إليهم.
لينفجر كلًا من هبة وأثير بالضحك غير مكترثين لما قد تلقاه أم رضوان على يد ربى.
هتفت أم رضوان تلك المرة بلا تردد بينما تعتدل، وتلملم بواقي قشر حبات البطاطس قائلة:
لا تزعلي مني يا أستاذة ربى فيما قلت وسأقول والله..
إنه شاب مثل الورد خسارة بكِ، لكن خذي مني هذا الكلام.
هذا الرجل لن يتركك للأسف، إنه هائم بكِ.
صرخت ربى:
اخرسي يا أم رضوان.
لا لن أخرس.
ألم تتساءلي من قبل لما لا يتركك رغم أنكِ تتفننين بإغضابه؟!
أجيبك أنا.
الرجل لا يتحمل كل هذا التحمل إلا إذا كان عاشقًا، والدكتور بيجاد يبدو هكذا.
اسمعي مني، ولا تدعيه يفلت من يدك.
اتسعت أعين ربى من حديثها، بينما هبة وأثير مازالوا يضحكون عليها.
أردفت أم رضوان بهيام:
إنه يشبه الممثلين الأتراك.
يا إلهي إنه يشبه كمال بمسلسل الحب الأعمى!
أتعلمين شيئًا؟
وأنتِ تشبهين البطلة بأفعالها الكارثية، لستِ وجه خير مثلها.
صرخت ربى عليها:
يا إلهي اصمتي اصمتي..
نظرت لهبة وأثير، وهتفت:
أنا صاعدة أنتن.. أنتن ستدفعاني للجنون والله.
هتفت أم رضوان من خلفها:
هكذا لقد تعديت العيل.
لقد نصحتها وهي حرة!
الساعة الثانية عشر.
الجو بارد، والسماء صافية.
كم تعشق هذا الجو رغم أنها تعاني طيلة فصل الشتاء من نزلات البرد بأنواعها.
لا تمتلك مناعة كافية لتصد هجمات البرد القارصة، كما لم يعد لديها قوة لتواجه أحد.
تشعر بفقدان شغف لكل شيء، متعبة، مثقلة.
جل ما تريد هو أن تبتعد من هنا.. تبتعد كثيرًا وإلى الأبد.
زفرت بتعب، وعادت للغرفة تنظر لطفلها الذي لم يصمت لثانية منذ عاد من لقائه مع بيجاد وعدي.
لا تعرف ماذا تفعل بعد لتبعده عنه؟!
كم صرخت به أن يبتعد عن طفلها، لكنه لم يكترث لها.
آخر مواجهة بينهما كانت قبل أيام ليصرخ عليها بطريقة صدمتها لأول مرة منذ عرفته قائلًا إنه حتى إن طلقها هو لن يفترق عن عز الدين، لذا عليها أن تفصل بين علاقتها وعلاقته مع طفلها.
ستجن.
قبل أن يغفو طفلها هتف بما جعلها في حيرة من أمرها، وهي أنه سيقضي الإجازة مع بيجاد وعدي بالبيت الجبلي.
الآن تتمالك أعصابها ألا تتهور، وتفعل ما قد يعود عليها بالسلب.
يوافقها الجميع، لكنها لم تعد مرتاحة لأي شيء.
تشعر بالحصار منه لكل شيء بحياتها.
هبطت الدرج الفاصل بين شقتها وشقة رامي.
لتفتح لها هبة بقلق:
ربى ما بكِ هل أنتِ بخير؟
أين رامي أريده هبه؟
استمع رامي لصوتها، وخرج مسرعًا:
ما بكِ ربى؟ هل حدث شيء لعز؟
لا عز بخير، أريدك أن تتدخل لإنهاء ذلك الأمر بيني، وبين بيجاد الزيني.
أريد الطلاق بأسرع وقت.
اتسعت أعين كلا من هبة ورامي.
ليزفر رامي بالأخير قبل أن يجيبها بما صدمها:
لا ربى لن أفعل.
نعم، ولما؟!
صمت رامي، ثم هتف:
هذا الموضوع مرة أخرى يا ربى.
إلى متى سأظل أخبرك أن عليكِ الصبر قليلًا بعد؟
إلى متى لقد سئمت، أريد حريتي.
كلما طال الوقت كلما تعلق عز به، وهذا سيصعب عليّ أمر الفراق.
زفر رامي، يعلم أنها لو صممت على شيء، ولم يفسر لها الأمر ستتسبب بكارثة.
اسمعيني ربى.
طالما اسمك على اسم بيجاد الزيني فأنتِ بأمان.
أنتِ لا تعلمين شيئًا.
هدرت بجنون:
لا تجنني!
ما هذا الشيء الذي لا أعلمه؟
أخبروني سأجن؟!
اهدئي ربى، واسمعيني.
لقد هرب فريد الزيني وللان لم يستطيعوا الوصول إليه، كما أن هناك خطر منه مازال قائمًا عليكِ.
يا إلهي! هرب!
لكن أي خطر سيعود عليّ مجددًا؟
الرجل كان يريدني، وها قد أصبحت زوجة لابنه، حتى وإن تطلقنا الأمر بالنسبة له قد انتهى.
بالنسبة لك نعم انتهى، لكن للأسف.
لقد أخبرني معاذ أن فريد الزيني متورط بقضية اتجار بالبشر، وأعضاء بشرية، وبلاوي وقذارات اكتشفها آل الزيني أيضًا مؤخرًا.
وهم بنفسهم يتعاونون مع الشرطة لحل الأمر وإنهاء مهزلة فريد الزيني، لكن إياكِ أن يعرف أحد بهذا!
وماذا يخصني أنا بكل ذلك؟
صمت قليلًا قبل أن يردف بنبرة هادئة:
أنتِ على رأس القائمة ربى.
أنتِ كنتِ ومازلتِ دجاجته الرابحة التي يريدها.
أنا.. لا.. لا أصدق.. كيف...!
اهدئي ربى.
فريد الزيني كان خطته هي أنتِ منذ البداية.
لما.. لما.. سأجن..!
لا أعلم، لكن أظن ليس لأنه يريد عضوًا من جسدك، هو يريدك كغانية أو..
صمت ولم يستطع أن يكمل ليهتف مجددًا:
الأمر معقد صدقيني.
أتريدني أن أأمن على نفسي مع ولد الشيطان؟
هتفت باستنكار قبل أن يجيبها رامي بصدق:
أنتِ لا تعلمين ماذا يفعل بيجاد؛ لحمايتك!
صدقيني ربى لن يحميكِ إلا ولد الشيطان كما تقولين.
لا تظلميه فهو مثلنا صُدم بوالده.
خرجت بلا حديث، لم تلتفت لنداءات هبة، وهي تكافح ألا تبكي حقًا قبل أن تدلف لشقتها، وتغلقها بقوة.
أرادت البكاء حقًا، والصراخ، لكن وقعت عينيها على تلك الخادمة التي تلازمها منذ التصق اسمه باسمها، تعلم أنها بالتأكيد تنقل له كل شيء عنها أولًا بأول.
دلفت لغرفتها تاركة غرفة طفلها التي كانت تغفو بها، وسرعان ما انهارت تمامًا.
صوت بكائها كان مرتفعًا.
تلك المرة استمعت له الخادمة التي أسرعت تهاتف رب عملها.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسما السيد
بيجاد:
لم أتغنى يومًا بعشق امرأة، ولم أكن كشباب جيلي، ولم ألتفت يومًا لفسوق الطبقة المخملية التي أنتمي إليها.
بعد أزمة زواجي الأول، وتهديدات الجد التي لا حصر لها كي أتزوج من نيرة ابنة عمي التي كنت على دراية كاملة بفسوقها وأنها تتشابه كليًا مع نساء الطبقة المخملية بل تكاد تفوقهم نرجسية وشر، اخترت شقيقتها الصغرى "نوار" نكاية بها.
بُعرفنا الثروة لا تخرج للغريب. الإرث يتناقله الأبناء من دمٍ واحد، وابنة العم لا يأخذها إلا ولد عمها؛ لينتهي الأمر بالثروة فيما بينهم، ولا تخرج للغريب. أحكام قديمة وضعوها ونقلوها أبًا عن جد.
لم أكن أعلم أن "نوار" عاشقة لأخي من والدي الذي يأتي لنا بزيارات فقط، إذ كان أخي غارقًا هو الآخر بحياته الخاصة، هو لم يكترث لها كما لم أكترث أنا بنيرة ولا أكترث لها.
دائرة مفرغة من العلاقات السامة التي تحتم علينا.
لم يكن اختياري لها عن حب، إنما لعلمي أنها قد تكون زوجة صالحة. لطالما كانت منكمشة على نفسها هادئة. حينما علمت بأمر عشقها لأخي الذي أخبرتني به نيرة، واجهتها بالأمر فلم تنكر. صارحتُ أخي الذي رفض رفضًا قاطعًا الارتباط بها.
أخي عاشق للحرية ويكره العائلة بأكملها. يعيش بعالمه الخاص لا دخل له بعالمنا. لطالما كان على خلاف واضح مع الجد، فالجد لا يعترف إلا بصناعة الأدوية، ناهيك عن رفضه له ناعتًا إياه بابن زنا لأن والدي أتى به من علاقة عابرة لليلة واحدة. والدة الفاسق ذو النزوات الكارثية. بايرام رفض رفضًا تامًا الدخول لكلية الصيدلة، وتحرر برحيله عن البلد.
بشماتة أخبرت نيرة شقيقتها؛ لتنهار الأخيرة، ويعلم الجد بالأمر، ويأمر الجد بزواجي من نوار التي استسلمت، ورضت بالأمر كما رضيت أنا. زواجنا كان اتفاقًا فيما بيننا لنتزوج، وننشئ عائلة. زواج مصلحة من الدرجة الأولى.
كان زواجًا روتينيًا مفرغًا من العاطفة. بعد أشهر حملت نوار ولكن كنت منغمسًا بالعمل. لم ألتفت لها إلا حينما لاحظت فيروز تبدل حالها، وهنا اكتشفنا الكارثة أن زوجتي متعاطية. متى وأين؟ ومن ساعدها؟ لا إجابة عندها.
حاولتُ بكل السبل أن أعالجها وأرفع من روحها المعنوية. تركت كل العمل من أجلها، ومن أجل طفلي.
رفضت إخباري من فعل بها هذا، وسحبها لذلك الطريق لكن لم أفلح حتى وصل الأمر لانتحارها مرة بعد مرة، وبكل مرة كان الله ينجي طفلهما.
الأمر بدأ يتسرب للإعلام، وكان علي دراية كاملة بأن نيرة من تفعل بل شك بأنها السبب بتعاطيها لكن لا دليل عليها.
ضيقت الخناق عليها حتى أصبحت بشهرها السابع، وهناك احتمالات قوية بولادة طفل معاق أو مشوه. لم تستطع أموال الكون علاجها. وضعتها تحت الإقامة الجبرية، ولم أفلح بحبسها.
أتذكر جيدًا ذلك اليوم الذي أودى بحياتها، ومعه فقدت قدمي حينما استطاعت نوار الخروج بحثًا عن السم، وهي بآخر أيام حملها، وهرولت للخارج بجنون، وأسرعت أنا خلفها حينها أتت سيارة مسرعة. كانت على وشك اصطدامها، لأسرع لإنقاذها لكن للأسف لم أستطع. رحلت هي واستطاعوا إنقاذ الطفل، وفقدت ساقي، وتشتت العائلة.
رحل الكثير من الآمال والأمنيات معها، وما أن تعافيت هُزم الجد وانحنى، وبقيت أنا، وأحزاني، وطفلي الذي ولد من ذوي الاحتياجات الخاصة الذي لم يتقبله أحد إلا أنا وشقيقتي وشقيقي الذي نذهب لنزوره كل عام رافضًا العودة.
يد حانية يعرف صاحبتها تمسكت بذراعه بينما يقف شاردًا بشرفة جناحه بعد يوم مميز كما أيامه التي تغير روتينها كليًا منذ دخولها هي وطفلها لحياته.
لا ينكر أن هذا الطفل حرك به شيئًا كامنًا، وجعله يقع بعشقه ليعترف صدقًا إن كان ابنه ملك قلبه كاملاً من قبل فأصبح الآن مناصفة بينهما.
كان يخشى الخطوة التي اتخذها اليوم بالقرب بينه وبين عدي لكن انسجامهم معًا، وتقبلهم لبعضهم البعض جعله بقمة سعادته. جل ما يخشاه هو خروج والده بكارثة حقيقية يدمر بها كل شيء. اختفاؤه يقلقه لكن إلى متى سيختفي؟!
هتفت فيروز بمكر:
_ لقد أصبحت شاردًا طيلة الوقت. لو لم تكن بيجاد الزيني العملي البحت الذي لا يعترف بالعشق والغزل لقلت أنك واقعًا بالعشق لا محالة.
ضحك بخفوت، واستدار مواجهًا لها:
_ لقد تركت أمر العشق لكِ. خذي نصيبي لكِ أنت وفيصل. أنا لم أولد للعشق.
أجابته باستنكار:
_ ما هذا الكلام! لقد خُلقنا لنحب لا لنعمل فقط. لن أقول للكرة لأني على علم أن قلبك لا يكره أحد. أنت على رغم ما تفعله نيرة بك وبنا من مصائب، وكوارث أعلم أنك لا تكرهها.
كانت تتحدث بضحك لتغيظه؛ ليلكذها هو بخفة:
_ لقد فقدت صوابك. أقسم لك أنا لا أكره بحياتي إلا نيرة.
انفجروا بالضحك لتهتف هي:
_ ليست على حالتها الطبيعية منذ سفر أبي. لا أعلم أشعر أن هناك ما تخشى أن يظهر للعلن أو ربما أبي وهي متورطان بمصيبة جديدة، وخائفون من معرفة الجد بها بعد كارثة ربى.
_ ربما توقع كل شيء.
_ أتعلم الشخص الأسعد على الإطلاق من رحيل أبي هو والدتك وجدي. ليتك سمعته يصرخ صباحًا حينما سأل فادي عنه قائلًا: "لا أحد يسألني عنه، ليته يبقى حيث هو للأبد حتى لا يتسبب بفضيحتنا أكثر من ذلك".
_ لقد باتت عادة استراق السمع لديك سهلة ما شاء الله.
أمسك بأذنها قبل أن تهتف بضحك:
_ يا إلهي يا أخي أنت تعرف أني أعشق الثرثرة والقيل والقال. ثم أني لا أفعل شيء طيلة اليوم غير الاهتمام بعدي، والتسوق. تعرف أن فيصل لا يتركني!
تركها، وهو يضحك عليها، ويتذكر أخرى وطفلها يعشقون الثرثرة، وأردف:
_ حسنًا عفوت عنك.
ليصمت قليلًا قبل أن يردف:
_ سأهرب قريبًا لأسبوع أو أكثر مع عدي. أخبرك حتى لا تقلقي أن استيقظت يومًا، ولم تجدي أحدًا منا هنا.
_ إلى أين؟
_ سر يا صغيرتي سر.. لا تكوني فضولية.
أمسك بأذنها، وهي تضحك بسعادة، وهي تتمنى لو تهرب معه؛ ليعدها أن رضى زوجها ذات يوم سيأخذها معه.
كانت نيرة تراقبه حينما خرج على عجلٍ بعدما ودع شقيقته متعللًا بوجود عمل مهم، وهو يهاتف أحدهم باهتمام. لم يلتفت خلفه ليتمالكها الغضب:
_ حسنًا يا بيجاد لنرى ماذا تخفي بعد؟!
ستجن، كل ما خططت له ذهب أدراج الرياح مع غياب عمها التي لم تستطع الوصول إليه للآن، ولا هو تواصل معها، ومع تضييق فيصل الخناق حولها، وسحب الجد منها إدارة شركتها لأدوات التجميل لم تعد تأخذ حريتها محاصرة طيلة اليوم بعد الفضيحة الأخيرة التي وصل صداها للجد. الجد الذي أصدر قرارات حاسمة بشأن السيدات، وأولها منعها من العمل والسهر والحفلات بعد الفضيحة التي حدثت لهم. ستجن وتتمنى فقط لو يظهر عمها.
***
بالبلدة
اتسعت عينا عمار بفرحة حقيقية حينما استطاعت زوجة وحيد أن تحادث ربى أخيرًا، وتطلب منها زيارتها؛ لتوافق ربى بطيب قلب حتى أنها رحبت بها.
أخبرتها أن الأطفال يستمعون كثيرًا عن الأهرامات، والقاهرة، ويتمنون زيارتها لكنها لا تعلم أين تمكث ليومين فقط. رحبت بها ربى بمنزلها، واعطتها عنوانها على أن تبقي الأمر سرًا بينهم، ولا تخبر أحد عن مكانها.
خطة محكمة من عمار قد اتفقوا عليها من قبل. لقد ظلت لأربعة أشهر لا تجيبها حتى يئسوا من ردها عليهم. أجابتها قبل أيام متعللة أن هاتفها القديم قد كسر وجلبت غيره، ولم تكن تعلم من يتصل؟
لقد قرر وحيد مساعدته بعدما أفضى بكل ما في قلبه لصديقه باكيًا. صديقه الذي أصر أن يساعده ما أن تأكد من زوجته صدق قصته مع ربى.
لقد كانت زوجته على دراية تامة بها بل معظم البلد على علم بقصتهم معًا.
_ يا إلهي أخيرًا مازلت لا أصدق.
_ أخيرًا يا عمار سيجمعك الله بها لكن.
_ لكن ماذا؟
_ أخشي أن يعرف أخوها بالأمر.
_ ومن سيخبره؟ فقط أعطني العنوان التي أعطته لزوجتك و أخرجوا أنفسكم من الحكاية. سأتعامل أنا.
_ لكن كن عاقلاً ولا تتهور، ولا تفكر أن الأمر بهذه السهولة. لا تنسى أنها هاربة منهم، وأنها لازالت زوجة لذلك القذر.
_ لا تقلق.
رحل وحيد ليجلس عمار شاردًا بلقائها.
_ أخيرا يا ربى.
***
لا أحد يلتفت لحالتها النفسية والروحية. تشعر وكأنها ممزقة داخليًا بين الماضي التي انتزعت حقها منه عنوة، والحاضر التي أوقعت نفسها به بغباء. تريد الهرب من كل شيء لكن لا أحد يساعدها أبدًا.
لا أحد يعلم ما عانته إلا هي، وما دفعها للهرب من ذلك المكان المسمى قرية؟ وما هي إلا قرية كل من بها وعليها ظالم.
لا أحد يرى تلك الندوب التي تزين جسدها من كثرة العنف الزوجي التي تلقتها على يد زوجها طيلة الشهر الوحيد من زواجهم. كان شخصًا مقززًا لأقصى درجة كم كانت تشعر بالرهبة منه!
لم تكره بحياتها غيره حتى بلحظاتهما الحميمية كان عنيفًا مقرفًا.
الآن، وبتلك اللحظة تتمنى لو كان لديها أحد تحكي له. الآن فقط تشعر، وكأنها بحاجة حقيقية لطبيبة نفسية. لطالما نصحتها أثير بذلك لكنها لم تكترث. أثير ترى أشياء ظاهرية فقط، فماذا لو رأت ندوب جروحها، وآثار الجلد التي تعبت من معالجة أثره؟
لا أحد لها بعد الآن حتى شقيقتها ابتعدت عنها، ولا تلومها هي خير من يعلم أنها تكافح هي الأخرى في حياة فُرضت عليها. تكافح حياة قاسية بالقرية. نظرت للأعلى تناجي ربها كما اعتادت دائمًا. تدعو بتضرع وكسرة أن يرحمها الله. يخفف عنها، وأن لا يريها قيمة الأشياء بعد زوالها، وأن لا يجعل يديها ترتفع لغيره بالرجاء.
فجأة تملك منها خوف لا إرادي كما يحدث كلما انهارت.
انكمشت على نفسها بفراشها تحاول ألا تخرج صوت بكائها حتى لا يسمعه أحد ويشفق عليها. تحاول قدر المستطاع أن تكتم أنفاسها حتى لا يستمع أحد لها كما كانت من قبل. عقلها صور لها أن والدتها هنا تقف بالزاوية تنظر لها بحدة ووعيد كما كانت دائمًا تفعل معها حينما كانت تفعل أي شيء يثير غضبها. كانت تأمرها بعدم إخراج صوتها بل تجبرها على كتم أنفاسها بقوة حتى لا يستمع لها والدها؛ فتفعل إلى أن ينتهي عقابها وتغفو.
هي الآن تراها بكل مكان بالغرفة. الآن تجردت من كل قوة اصطنعتها خلف مكانتها المزيفة التي أعطتها لها الشهرة والسوشيال ميديا.
بداخلنا الكثير من الأسرار، والمواقف المؤلمة لو اطلع حاقدونا عليها؛ لأشفقوا على جراحنا. لو يعلمون كم من الأميال سرنا، وكم من الصعاب تخطينا لنخرج بتلك الهيئة المبهرة لما أقبلوا على أذيتنا! العجيب بالأمر أن كل جراح الكون تهون إلا الجراح التي طالتنا على أيدي من نحب.
شرد عقلها بالماضي، ولم تعد تشعر أن كانت بالماضي أم بالحاضر. عادت للطفلة التي تركتها خلفها بالقرية، ولتلك المواقف التي ظنت أنها استطاعت تخطيها. عادت لأيام مضت جل ما كانت تريد بها أن تغفو مطمئنة. تهيأ لها من بين عتمتها صورة والدها يرنو إليها؛ فهتفت بابتسامة:
_ بابا هل عدت أخيرًا.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسما السيد
لم يستطع تجاهل رسالة الخادمة، ولا تجاهل ذلك الشعور الذي انتابه بالقلق عليها. مهما أنكر، هي تؤثر به. لم يتحمل فظاظة مخلوق غيرها، وبكل الأحوال باتت هي مسؤوليته، اسمها يلي اسمه.
لقد فرض الخادمة عليها فرضًا بعد شجار معها على وجودها دام لأيام. هي تعلم أنها تنقل له كل تحركاتها، لذا كانت دومًا تحرص أن تبدو طبيعية أمامها حتى لو كانت غير ذلك، لكن فكرة انهيارها هكذا أمامها هذا ما يرعبه عليها حقًا.
خائف هو عليها، ومنها طيلة الوقت. الأربعة أشهر السابقة لم يلتقوا يومًا إلا بخلاف جديد، وبكل مرة يظهر بوجهها تصرخ به طالبة للطلاق.
بالبداية كان الأمر عنده عاديًا جدًا، هي زيجة مصلحة ستنتهي بأي وقت، لكن قربه من طفلها، وارتباطه به هو ما لم يكن يعمل حسابًا له. بات كل موقف محسوبًا لديه حتى لا يؤذي الطفل الذي يعي تمامًا أنه فاقد لحنان الأب.
لم يتردد في اقتحام مساحتها الآمنة كما تعتقد، ولم يكترث لنظرات أم رضوان وزوجها الفضولية الذين يجلسون كعادتهم يثرثرون بالأسفل.
علي كل حال، الكل يعلم من هو، ومن هي له؟!
فتحت له الخادِمة التي أشارت له على الغرفة، ليَّدلف مباشرةً تجاهها.
وصلة صوت بكائها المكتوم كما تلك المرة بالمشفى، ولا يعلم لما آلمه قلبه؛ ليعترف أنها باتت تؤثر به، كل شيء يخصها يثير فضوله. قلبة يشعر وكأنه سينفجر خوفًا عليها.
ظل لدقيقة مترددًا حتى حسم أمره حينما حل الصمت المكان. أشار للخادمة أن تبقى بجوار عز ففعلت بهدوء. أخذ نفسًا عميقًا، ودلف للغرفة التي تفاجئ بأنها غارقة بالظلام إلا من ضوء القمر المتعامد علي فراشها. اتسعت عيناه ما أن وقعت عينيه عليها، وهي منكمشة على نفسها كطفلةٍ.
اقترب منها كالمسحور يدفعه فضوله؛ ليرى لوحته الفنية المخفية تمامًا أسفل شعرها المسترسل بتموجات مصطنعه بلونة العسلي الذي يلمع مع ضوء القمر الناصع.
رفعت رأسها ونظرت له قبل أن تنادية بما صدمة.
"بابا هل عدت؟"
جلس بالقرب منها حينما لمح صوت شهقاتها المكتومة. يديه امتدت؛ لتزيح شعرها هامسًا بحنو.
"ربى ما بكِ؟"
ناداها مره بعد مره حتى تغلغل الصوت لأعماقها؛ لتعلم أنه ليس والدها، ففتحت عيناها ببطيء، وتعب قبل أن تتسع بذعر ما أن اعتدلت بخوف ووجدته أمامها.
"انت!"
صرخت بفزع، وعادت للخلف لا تصدق أنه تجرأ وأتى لهنا، اقتحم عزلتها، ودلف للغرفة قبل أن يقترب منها جاذبًا إياها بقوة؛ لتستقر بين ذراعيه.
"اششش اهدأي أنا بيجاد.."
"كيف كيف دخلت لهنا؟"
"سأخبرك فقط اهدأي ولا تبكي."
نظرت له بصدمه، عيناها مازالت تذرف الدموع، وتحاول أن تنتزع نفسها منه لكنها لم تفلح إذ حاوطها بقوة هامسًا بحنو بأذنها لم تستطع مقاومته.
"ابكي يا ربى، وأخبريني ما بك لما تبكين هكذا؟"
لم يكن يومًا فظًا معها لكنه لا يستلذ أفعال النساء، لكن معها كان مختلفا بكل شيء. منذ التقاها نسى نفسه معها، كيف كان؟ وما أصبح عليه؟
يديه التي أحكمت وثاقها، وذاك الدفء اللعين أنساها من هو وأين هو وهي؟ لتخُونها دموعها بين ذراعيه. دفنت رأسها بصدره، وانهارت كليًا، تلك المرة كانت أقوي من ذي قبل؛ ليسقط الكبرياء اللعين الذي يتشبث به كليهما ويحتويها بين ذراعية؛ ليقضيا طيلة الليل معًا يتحدثان كصديقين أو هكذا أعطوا مسمي لعلاقتهم التي بدأت معًا للتو.
بحياتة لم يتوقع أن يصل به الأمر لهنا. لم تهدأ وتغفو إلا حينما وعدها بإطلاق سراحها بعد أن يطمئن عليها. ويزول الخطر عنها كليًا. لم تشأ أن تخبره أن رامي أخبرها شيئًا، وهو لم يخبرها بعد.
صدقًا ارتاحت حينما انتهت الخلافات بينهم، واتخذت علاقتهم منحنًا آخر.
قُبيل الفجر هتفت بينما تتناول شطِيرتها التي اعددتها الخادمة لها وله.
"شكرًا يا دكتور."
ابتسم، وهو يمد قدمه المصابة على الفراش بينما ارتسمت ملامح التعب على وجهه.
"على ماذا؟ ثم دكتور من؟"
خجلت منه فهتف هو بحسم.
"أناديك ِ ربى، ناديني بيجاد لا تتفزلكِ."
اتسعت عيناها بصدمة من حديثه، وهتفت بتقزز مصطننع.
"ما هذه الألفاظ السوقية ياااي؟"
"أنتِ لا تعرفينني بعد أنا أعشق الألفاظ السوقية لا تنخدعي بالمظاهر عزيزتي."
ضحكا كلاهما؛ لتمتد يدها تمسك بكوب الشاي الأحمر المطعم بالقرنفل والمرمرية التي لا تشرب غيره طيلة الشتاء، وتشرب منه بتلذذ بينما تأكل شَطيرتها.
كان يراقبها باستمتاع قبل أن ينظر لكوب القهوة بضجر ويهتف.
"القهوة بردت أعطيني هذا الكوب يا ربى."
"أي كوب؟"
"خاصتك."
"لا.."
"بخيلة."
"انت لا تحبه."
"ممن علمتِ؟"
"من الخادمة ؟"
"تتعَسسين على أخباري؟"
"لا لكني سألتها بالمطبخ اتصنعين قهوة الآن، قالت دكتور بيجاد لا يحب الشاي."
كانت تقلدها باستنكار؛ ليضحك ويصمم على شرب كوبها.
"حسنا خذهُ لم يعد به الكثير."
"مفجوعه."
عند آذان الفجر رحل وتركها بعدما وعدته أنها ستعود لحياتها، ودراستها، وتهتم بحياتها. لا أحد يستحق. لم يسترسل كلاهما بحكايا الماضي، وهو أخبرها ما أراد لها أن تعلمة.
غفت واستيقظت بنشاط عجيب أذهل الجميع، وذهبت لجامعتها التي أهملتها وتغير مزاجها كليًا حتى أمر الحارسين، والخادمة لم يعد يزعجها، ولم تسلم من القيل والقال الخاص بهبة وأثير، ولا حتى أم رضوان التي أخبرتهم بتسلل بيجاد لها ليلًا.
ومرت الأيام، وبدأت تعتاد أمر إقامته ليلًا معها. إما يتسامروا بالأسفل مع الجميع أو معها بالأعلى.
كان الجميع يرى ما تحويه الأعين من تغيير ومشاعر إلا هما.
بعد أيام.
وقفت تنتظره ليلًا قلقة عليه. هاتفه مغلق، ولم تستطع الوصول إليه. تغدو ذهابًا وإيابًا.
انتصف الليل، ولم يأتي حتى يأست وغفت.
تلك الليلة كان عدي مريضًا، ونسيَّ أمر هاتفة اطمأن على حرارته، وأودعه بعهدة شقيقته وخرج، ورغم أن الشك بدأ يتسلل لقلب شقيقته إلا أنها لم تواجهه. اكتفت بالصمت إذ تري أن أخيها به شيء مختلف وربما قد عشق.
دلف للشقة بعد دقائق قضاها مع رامي بالأسفل. التعب تملك منه طيلة الليل وقدمه لو شخصًا أمَامه لنهرته عما يفعل بها.
وجدها غافية فاقترب منها بهدوء. منع يديه التي تخونه دومًا لِتحاوطها كما يرغب.
منذ أصبحوا أصدقاء، وهي تضع حدود فاصلة للصداقة بينهما حتى حجابها كانت تضعه طيلة مكوثه معه.
ابتسم على حالهما معًا لا يعلم أي طريق سيقودهم معًا لكن ما بات متأكدًا منه أنه لن يستطيع تركها مهما حدث مجددًا.
ولما عليه أن يخسر صديقًا ثرثارًا مثلها، وابنا قد يكون عونًا لطفله مدي الحياة ومحبًا له.
الحياة خارج عائلة الزيني، وبعيدًا عن رائحة الأدوية مبهجة. خصيصًا رائحتها هيّ، رائحة الفانيليا التي تملأ حياتها بأكملها.
مال برأسه على الفراش بعد أن ناداها ولم تجبه لتمر ثواني فقط، ويغفو بمكانة خالعًا نعل قدَمة ولأول مرة.
بعد ساعه تململت لِتجده بجوارها بهيئته هذه، ورغم الحزن الذي ملأ قلبها علية لكن قلبها انشرح أنه لم ينساها، همست.
"بيجاد."
فتح عيناه هامسًا.
"ربى."
"متي جئت؟"
اعتدل بتعب قبل أن يميل بحنو مقبلًا جبهتها عنوة كما يفعل كل مرة ضاربًا ببنود الصداقة التي بينهما عرض الحائط.
"كم الساعه ؟"
"لا أعلم ؟"
اعتدل يبحث عن هاتفه؛ ليتفاجأ بقدمة ليلعن داخلة ذلك الوجع الذي عصف به؛ ليدفعه لخلع نعلة أمامها كان يظن أنها ستظل غافية للصباح.
هتفت بهدوء، وهي تحاول رفع الحرج عنه.
"هل تؤلمك؟"
أغمض عينيه بتعب حقيقي قبل أن يردف.
"قليلًا هل أجد عندك مثل ذاك المسكن مجددًا."
تذكرت أمر المسكن التي تشاجرت معه ما أن استيقظت بالسيارة وَوجدت حاجيتها مبعثرة، ولم تتذكر أمر أنها أخبرته بأن يتناول قرصًا من حقيبتها الا بعدما تشاجرت معه.
شعرت بالخجل واستقامت سريعًا لتَجلبه له. لم يجد مفر من تركها بالنهاية لن يجعلها تشفق علية أكثر.
اقتربت ووضعت القرص بفمه ثم تبعته بالمياة. ضحك مردفًا.
"يا الهي هل وضعت بفمي قرص غلال لتتخلصي مني يا ربى!"
اتسعت عيناها بصدمه قبل أن ينفجر هو بالضحك عليها وعلى هيئتها التي شحبت.
"غليظ أقسم لك ثم لما عليّ قتلك الآن لقد صرنا صديقين، وبالنهاية انا مستفيدة من صداقتك."
أمسك بقلبه يمثل الصدمة.
"يا الهي لم أكن أعلم انكِ تستغليني ظننت ما بيننا صداقة بريئة."
"لا بريئة هذة تكون خالتك عليك أن تعي الآن حجم استغلالي لك."
"يا الهي لقد خيبتي آمالي كلها عليّ أن اصرف نظر الآن عن هذه الصداقة برمتها."
"لن تستطع."
"ولما."
"لن أسمح لك فأنا التصق بأصدقائي كالعلكة."
"وهذا جيد أم سيء."
"كلاهما معا."
ضحك بيجاد، وتناسي أمر تعبة إلى أن ذكرته هي.
"هل ارتحت قليلًا ؟!"
"نعم."
صمتت، والحيرة تملؤها تريد أن تسألة لكنها مترددة، هتف هو بهدوء.
"ماذا تريدين أن تقولي؟"
"دائما تفهم حاجتي الثرثرة."
"وهذا جيد أم لا."
"جيد جدًا."
"إذن ثرثري يا ربى كلي آذان صاغية."
عضت شفتيها قبل أن تهتف بخجل.
"أريد أن أسألك عن هذه؟"
أشارت على قدمهِ، وهي تشعر بالخجل، ليجِيبها باختصار.
"كانت حادثًا."
"منذ متي؟"
"من عمر عدي ماتت والدته، وهي حامل به وولد هو من رحم ميته، وفقدت قدمي كما ترين."
"يا إلهي أنا آسفة."
"لا تتأسفي لقد مر وانتهى."
"كم عمر عدي؟"
"خمس سنوات."
"لكنك لا تهتم براحتك الحياة ليست عمل فقط."
يدها امتدت لمقدمة الجهاز تريد نزعه عنه لكنه أبعدها بلطف لكنها عاودت الأمر غير مكترثة به.
"ربى رجاءًا."
"اصمت بيجاد، وارحم نفسك من ذلك الجدال."
"ربى."
كان يتوسلها بعينيه ألا تفعل هو نفسه يكره رؤية قدمه بلا جهاز، وهذا سبب تعبه على الدوام.
وكأنها قرأت دواخله هتفت بمغزي بعدما استطاعت نزعه أخيرًا ليَّتأوة هو براحة ممزوجة بالتعب.
"هكذا حب نفسك هكذا بلا جهاز لعين."
"يا الهي."
ألقى بجسدة على الفراش بتعب قبل أن يدفع يدها مرددًا.
"ايقظيني بعد ساعة يا ربى."
هتفت باستنكار.
"هل سَتنم حقًا؟"
"نعم متعب يا ربى."
"وماذا عن الثرثرة؟"
"فيما بعد أعدك."
"يا الهي دعني أري قدمك أولًا."
"اتركيني يا ربى واخرجي."
خرجت تتمتم بِغيظ لتبتسم براحة وتقترب من هاتفَها الذي يرن بإلحاح لتصدم بكم الإتصالات من ذات الرقم ولا تعرف رقم من هو ؟
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسما السيد
كيف تغيرت كل تلك الأشياء والثوابت والمعتقدات التي كنا موقنين بدوامه، وبإيماننا الكامل بوجودها.
كيف مر العمر هكذا هباءًا، ونحن مازلنا ننتظر تلك الراحة التي دومًا ما كنا نحلم بها.
كيف لم تأتي للآن، وكيف صبر القلب، وكيف كنا ومازلنا نختلق لهؤلاء الذين دمرونا ببرود كل العذر.
كيف لم نعترض، ولم نصرخ، كيف مازلنا واقفون ثابتون وكأننا مقيدون، معقودون بعقود لا حل لها.
كيف، ومتى، وأين صارت كل شواغلنا لكل ما يشكلنا، ويشكل هويتنا، فارغًا، وكأننا ما عانينا وما اجتهدنا من أجل تشكيل هويتنا، وتثبيت أقدامنا.
كيف، ومتى، وجهان لعملةٍ نادرة، عملة لا يملكها إلا أولئك المحاربون أمثالنا.
فيا يا وطني، ومَوطني، وكل خطوةٍ في طريقي مشيتها رفقًا بي، وبعذاباتي، وبمعاناتي التي لا يشعر بها إلا من خلقنا.
إلهي أنت تعلم بأحوالنا أكثر منا فلا تخيب رجائي، ولا تشمت أعدائنا بدائنا.
أنهت صلاة الفجر وشرعت بدعائها الصامت الذي لا يتردد دائمًا على لسانها، ولم تنتبه لذلك الذي اعتدل قبل قليل ينظر لها.
لم يبق يومًا لذلك الوقت، ولم يرها تصلي أبدًا.
ترك لنفسه حرية تأملها بلا شعور بالذنب لأول مرة.
كانت جميلة للحد الذي لا يجعله يمل من تأملها أبدًا، بشرتها بيضاء ليس ذلك البياض الساطع لكنه يليق بها، وذو وجه مستدير، وفم صغير شفتيها منتفختين كنقش تفاحة، عيناها حكايةً أخرى تحكي أسطورة عن الحنان العظيم.
مهما افتعلت من خلافات معه لا تقسو أبدًا.
شعرها التي صارت تخفيه عنه كان يصل لمنتصف ظهرها أشبه بشعر الغجر بتمويجاته التي تصنعها بنفسها هو متأكد من ذلك ليس تموجًا طبيعيًا، لونه كلون عيناها لون العسل الصافي ما أن يتعامد النور عليه أو بالشمس تلمع كالذهب.
جسدها كان حكايةً أخرى من صنع الخالق جسد مثالي ذو انحناءات خطرة كانت مذهلة.
مذهلة حقًا.
أنهت صلاتها ليعود هو ليغفو سريعًا فلم تلتقطه عيناها.
اقتربت منه لقد مرت أكثر من ساعة لا تعلم هل توقظه أم تتركه للصباح.
فكرت أنها لو لم تفعل الآن، وتوقظه لن تسلم من تهكمات هبة وأثير، ولا أم رضوان التي لا تصمت أبدًا.
لكنها ما أن نظرت لقدمه عز عليها أن توقظه.
اقتربت منه وشردت بتأمله تذكرت وصف أم رضوان له صدقًا كانت على حق، وكأنه خرج من مسلسل تركي.
كان وسيمًا لدرجة مهلكة لقلب أي أنثى، ببشرة حنطية وحاجبان ممتلئان، متوسط الطول وبوجه يبعث الراحة للنفس مهما غضب لا تخشى منه.
شعره أسود غزير ناعم كالحرير لا عيب به حقًا حتى لو يرى هو أن قدمه عيب.
فهي تراه مكتملًا بها أو بدونها.
خانتها يدها لتمسح على شعره، وتهمس بالقرب من أذنه:
_ بيجاد هيا لقد مرت الساعة.
كانت قريبة منه حد الخطر، دق قلبه بعنف.
أصابعها التي تغلغلت شعره سربت الراحة له، همسها كان كسيمفونية عذبة ود لو يستيقظ وينام عليها.
_ بيجاد.
فتح عينيه بهدوء، عيناه تعامدت على خاصتيها جعلتها ترتجف، وتبعد يدها عنه ليعود هو ويمسك بها مردفًا بصوتٍ أجش:
_ لا تتوقفي.
استلقى على ظهره، ووضع رأسه على فخذها مردفًا بهمس:
_ أين توقفنا قبل نومي؟
ابتسمت، وأصابعها تتغلغل شعره تُمسد فروة رأسه بحنو أذابته:
_ أمم لا أتذكر، لكن أخبرني لما تأخرت الليلة؟
_ عدي مريض لم أستطع تركه قبل الاطمئنان عليه.
_ ما به؟
_ حرارته مرتفعة تركته بعهدة شقيقتي.
_ متى تعرفني عليه عز طيلة الوقت يتحدث عنه؟
ابتسم وفتح عينيه:
_ حتى عدي يفعل المثل لم أعد أعلم كيف أختلق كذبات من أجل أن أخبر فيروز بها.
طيلة الوقت عدي يتمتم باسم عز.
_ يتمتم!
تجاهل استنكارها، قبل يدها بحنو أذابها وهمس:
_ شكرًا على الليلة الرائعة كليالينا معًا لكن الليلة كانت الأروع.
إن كان هناك داعي شكر فدعني أشكرك لأنك بجواري دائمًا حتى، وأنا غاضبة عليك.
استقام ليرتدي جهاز قدمه؛ لتقترب وتساعده؛ ليهتف متعجبًا:
_ على حد ما أرى أنكِ تعلمين كيف تستخدمينه؟
ابتسمت، وقد انتهت من الباسه له، وهتفت وهي تنظر له:
_ لقد كان والد طليقي يرتدي مثله، وكنت أعتني به أعلم كل شيء عنه حتى ذلك المسكن كان الطبيب هو من وصفه له عندما تشتد عليه الآلام، وأنا كنت أستعيره منه حينما يشتد عليّ وجع ظهري.
_ وهل يؤلمك ظهرك دائمًا وتسكتين عنه بلا علاج؟
هتف باستنكار وغضب غير مبرر لها:
_ غدًا سأصطحبك للطبيب.
_ يا إلهي لا أنا بخير ظهري يؤلمني لأني ولدت قيصرية وازداد وزني كثيرًا بعدها لكن ما أن نزل وزني لم أعد أشعر به إلا نادرًا لا تهتم.
هتف مغيظًا لها:
_ هل كنتِ سمينة لهذا الحد؟
_ لا تتغالظ معي أنا أتحسس من هذا الأمر.
عبثت بوجهه، فكاد ينفجر بالضحك عليها لولا يدها التي دفعته بخفة.
_ غليظ.
كان يود لو يخبرها أنه يراها جميلة بكل الحالات لكنه آثر الصمت ليستقيم ناويًا الرحيل.
رأته يتجهز للرحيل.
كانت تود لو يبقى معها لكنها لن تكون أنانية لتلك الدرجة.
استقامت، وهي تعدل من وضع حجابها، وسارت خلفه كي تودعه.
اقتربت منه فمال مقبلًا جبهتها بحنو.
_ لا تفعل.
هتفت بحنق لكنه لم يكترث إذ امتدت يده تنزع حجابها بسرعة، وتلقيه أرضًا.
_ نحن ظاهريًا أصدقاء لكن بالأصل أنتِ زوجتي لا تنسي ذلك أبدًا.
أنهى حديثه محاوطًا خصرها فشهقت بخجلٍ متمتمة باسمه:
_ بيجاد.
نظر إليها طويلًا شاردًا بها.
أراد أن يتلاقيا بالنظر.
الكلمات دومًا لا تسعفه ربما تصل النظرات ما قد قُطع.
وجدتْ في نظراته الصامتة خير معبر عما يعتلج في صدريهما معًا.
عيناه التي تعامدت على عسليتيها جعلتها ترتجف؛ لينتهي بهما الأمر هاربون من بعضهما هي تقاوم السقوط بطريقٍ قد لا تعود منه أبدًا إلا بقلبٍ منكسر، وهو يذكر نفسه بالوعد الذي صكه بحماقةٍ لها ليكونا صديقين للأبد ولا شيء آخر بينهما، ولتبقى أماني قلوبهم كأمنياتٍ كُثر أضاعها الهوى.
******
انتهى من أمر إقامته هنا بالقاهرة.
وضع مبلغ كبير جدًا مما ادخره لأعوام بتلك الشقة الفاخرة القريبة من بنايتها.
كان يود شراء شقة بالمبنى التي تسكن به لكنه لم يجد شقة فارغة.
للآن لم يراها بعينيه لكنه علم كل شيء عنها تقريبًا من حارس العقار الذي يسكن به حينما سأله عنها واقر أنه يعرفها بل الجميع هنا يعرفون ربى راشد مذيعة الراديو الأشهر على الإطلاق.
وللصدفة فإن حارس العقار الذي يسكن به هو أيضًا صديق مقرب لصاحب العقار التي تسكن به ربى.
بالنهاية بعد أخذه مبلغًا من المال لا بأس به أخبره بما يريد معرفته.
هناك تساؤلات كثر بداخلة إجابتها جميعها عندها هي لذلك هو يتهيأ الفرصة المناسبة فقط.
فتح هاتفه مجددًا ليستمع لإحدى المقاطع المسجلة على حسابها بصوتها.
حسابها الذي وصل إليه ببساطة بعدما أخبره حارس العقار به.
كان مقطعًا مؤثرًا لا ينفك يستمع إليه بصوتها الذي يأسر النفس وبكل مرة يستمع لصوتها الذي يتغلغل بداخله يشعر بالحنين إليها يأسر:
"بعض الخيبات تأتي لتخبرك كم كنت ساذجًا، وأنت تعطى لهم الحرية الكاملة لهم؛ ليشَكلوك كيفما شاءوا، يصنعوا منك مسخًا يشبه هواهم. بعض المصائب كنز، وبعض الصعاب جواهر؛ فتعلم أن تصنع من مواجعك عقد وجواهر تكن ذخيرتك في وقت الشدائد؛ لتذكرك بما مضى، وكيف كنت تظن أنك على مواجهتها لست بقادر. تعلم أن تبتسم، تضحك بصخب، توقن بأمر الله، ومعجزاته؛ فَيقينك به يهزم الشدائد"
ربى راشد.
آه متعبة زفرها بوجع من الفراق ومن اشتياقه لها ومن غبائه الذي أوصلهم لهنا.
لم يعد بقادر على الصبر أكثر.
صباحًا سيذهب لها ويواجهها بعلمه كل شيء حتى أن وصل للغصب سيغصبها عليه.
******
_ أنت متأكد مما تقول؟
_ بالطبع يا فريد بيه لقد توصلت له أخيرًا، وأنتظر أوامرك.
تمدد فريد الزيني علي الشاطيء بسعادة بعدما توصل لمراده أخيرًا بعد أشهر من البحث عنه.
الجميع يظنه خارج البلاد، وبعيدًا عنهم لكنه قريب، قريب جدًا، ويخطط لـ انتقام لا مثيل له من كل من تسبب بخسارة فريسته، وأوله ابنه المبجل، وقد بدأ بالفعل.
غبي هو ابنه!
دائمًا ما يسير خلف العاطفة الهوجاء يعامل الناس بمثالية ستودي به ذات يوم!
دائمًا ما كان درع حامي لمن يخصه، ومن لا يخصه يظن أن بفعلته وزواجه منها قد كسره، ولن يقترب منها أبدًا.
غبي بالنهاية لم يكن ليتزوجها كان سيقضي ليلة معها، ومن ثم ترحل حيث قُدر لها، وأراد هو أن تكون عليه.
هي ليست أكثر من عاهرة كما كل النساء بالنسبة إليه، خاضعة لعينه، وهو سيدها، ولن يرتاح إلا وهي أسفله.
ما يزعجه حقًا هو أنه للآن لم يستطع أن يعلم يقينًا من خانه؟ وكيف توصل لكل ما خطط له؟ هل كان يراقبه أم الحقيرة الصغيرة نيرة من خانته؟
مؤكد هي نيرة الغبية الغارقة بعشقه؛ لينتهي فقط مما هو مقدم عليه، ويلتفت لها.
التفت لذلك الذي يقف ينتظر أوامره مردفًا:
_ أريد هذا المدعو ظافر أمامي بأسرع وقت.
تكفل بأمر عودته للبلاد يا ماجد حتى لو ستأتي به مجبرًا لهنا لا يهم.
_ أوامرك سيدي.
_ سأجعل فضيحتك مدوية ياربي ببلدتك، وبالبلد بأكملها.
أما عن بيجاد فيكفيه ما سيحل بك وبه من فضيحة، وما سيفعله الجد به ما أن يعلم كيف حل حفيده الأمر؟
هدر بجنون غير مكترثًا لشيء، وهو يتخيل ربى أمامه تهتف سيدي.
ليميل لتلك التي ما زالت تلصق به كالعلكة، ولم تكن غير منى ويصفعها بقوة على وجهها صارخًا:
_ اخفضي عينيك.
_ أمرك سيدي.
_ فتاة مطيعة.
******
تسللت نيرة من الباب الخلفي مرتدية ثياب الخادمة استعارته من إحداهن.
تشعر بالتعب يتملك منها.
لقد نفذ مزاجها ونفذت كل التذكار التي كانت معها.
جسدها يئن طالبًا جرعته المعتادة لكن مع تضييق الخناق عليها لم تعد تخرج.
الآن بعدما نفذ كل شيء معها كان عليها أن تخاطر من أجلها.
بعد ساعة كانت وصلت لوجهتها لاهثة بأعين غائرة ووجه شاحب ليهتف الأخير شامتًا بها:
_ ألم أقل لكِ أنكِ ستأتين؟!
ألقت الأموال بوجهه وهي تمد يدها لتلتقط حاجيتها وترحل حيث أتت لكنه فاجأها بسحبها للداخل.
_ ماذا تفعل يا ماجد اتركني؟
_ ماذا أفعل؟ ألم تشتاقي لي يا حلوه؟
_ قلت ابتعد عني ليس لدي وقت كافي. إن علم الجد بخروجي سيقتلني.
_ ولكنك تثيرني بهذا اللبس.
نظرت لثيابها بسخط:
_ لم أكن أعلم أن مستواك انحدر لذلك الحد.
_ ها قد علمتِ.
عاود التحرش بها لكنها لم تكن معه صرخت، ودفعته:
_ أريد جرعتي واللعنة.
نظر لها بسخط من ثم ألقي لها جرعتها التي هرولت لِتشتمها.
ما أن سارت الجرعة بدمائها انتشت بطريقة غريبة، ولم تكن تعي لشيء ليهتف ماجد:
_ هل أعجبتكِ؟
_ يا إلهي لا أشعر بنفسي.
كان ماجد ينظر لها، ولما أصبحت عليه بنصر.
لا يكره إنسان بحياته قدر كرهه لها.
لا أحد يعلم حجم القذارة التي وصلت إليها إلا هو.
كان عاشقًا لشقيقتها الهادئة على الدوام.
كانت نوار عكسها بكل شيء، وهو كان شابًا وقورًا ليس بأقل مكانةً منهما لكنه صادق الأشخاص الخطأ.
مات أبواه غاضبين عنه ما أن علما بأمر تعاطيه، ويئسوا من علاجه.
حينها كان غارقًا بعشق نوار الذي طلبها من أبيها مرارًا ورفضه ليعلم أنها فضلت بيجاد الزيني عليه.
توسل لها كي تتزوجه لكنها رفضت، ونهرته؛ ليأتي دور شقيقتها التي كانت تحوي بقلبها حقد العالم أجمع، وما زالت لتتفق معه عليها.
ليقرر عقابها بسخط على كل شيء.
لم تكن نيرة متعاطية ولا نوار لكن خطتها هو انهيار نوار لتلجأ إليه، وبالفعل تم الأمر.
استغلت نيرة جرح قلب نوار، وبدأت بتعريفها على أول طريق للهلاك؛ لتنغرس نوار به وتفر نيرة ونتركها كما لم تكن هي السبب.
بمنتصف الطريق أصبحوا أصدقاء هو ونوار، وانتابه ندم العمر لأنه آذاها بينما هي مغصوبة على بيجاد.
حاول معها ويشهد الله لكنها لم تهتم له.
لم يستطع لمسها بالحرام كان هناك دوما شيئا يقيده عنها حتى تفاجيء بموتها المأساوي، وهنا استفاق وقرر البعد.
ماذا تساوي الحياة بدون من نحب؟ لا شيء.
سلم نفسه للمصحة، وبدأ بالعلاج لكنه كان عاكفًا على الانتقام، وها هي من تسببت بكل آلامه ملقية أسفل قدميه.
اليوم بدل لها الجرعة بأخرى تشبه جرعة نوار التي لم تتحملها كثيرًا لتنتهي حياتها بمأساة.
غابت بعالم من اللاوعي؛ ليستقيم ويبصق عليها قبل أن يفتح باب الشقة، ويدخل أحد غيره؛ ليتمتع بها ويمتعها كما يجب.
فعل كما كل مرة بها، وهناك أمامها بالضبط كانت الكاميرا تصورها ليخرج المشهد أفضل مئة مرة من الأفلام، وهي تصيح.
_ ما رأيك يا باشا؟
_ تعجبني دماغك يا ماجد. تعجبني جدًا.
_ تلميذك يا فريد بك.
وضع ماجد الكاميرا أمام فريد الزيني، وخرج يشعر بالتقزز من كل شيء، ومن ذلك الرجل المريض الذي يقبل على أهله هكذا شيء.
راقبه من بعيد ليجده قد فتح الفيديو يشاهد ابنة شقيقه بهذه الوضع برغبة مقززة قبل أن يقضي رغباته وهو يتمتم باسم ربى.
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسما السيد
دلف بيجاد لجناح جدته بعدما أرسل بطلبه. اقترب من جده وانحنى مقبلًا جبهته، مردفًا باحترام:
_ صباح الخير يا جدي.
_ صباح الخير يا ولدي.
_ أخبروني بأنك تريدني؟
_ نعم، اجلس يا بيجاد.
جلس بهدوء يستمع إليه، ليهتف الجد بعد برهة من الصمت:
_ هل علمت مكان أبيك؟
صمت بيجاد قليلًا، ليحسم أمره أخيرًا مجيبًا عليه:
_ لا يا جدي، لم أصل إليه بعد.
نظر الجد إليه مجددًا، يعلم أنه يخفي أمرًا عليه، لكنه آثر الصمت. ظل شاردًا يتأمل التغيير الذي صار عليه، قبل أن يهتف مجددًا بما صدمه:
_ بيجاد، إلى متى ستظل بلا زواج؟ العمر يمر وابنة عمك ما زالت تنتظر.
_ ها..
الصدمة جمته حقًا، أما زال جده يفكر بنيرة زوجة له.
_ ها ماذا يا بُني؟ لقد صبرت عليك لخمسِ سنوات حتى تلملم جراحك، لكن لن أصبر أكثر من ذلك.
_ أنا لا أفكر بالزواج يا جدي، ونيرة تحديدًا لن تكون زوجتي يومًا.
_ بيجاد، لا تنسى من أنا.
_ أنا أعي جيدًا من أنت يا جدي، لذلك أخبرك لا للمرة الألف.
_ لكني أريد حفيدًا.
أجابه باستنكار:
_ ها نحن أحفادك أمامك.
_ لا تكن لئيمًا يا بيجاد، أنت تعي ما أقصده.
_ هل تري يا جدي أن هذا هو الوقت المناسب لذلك الأمر؟ نحن غارقون بالمشاكل.
_ ولما لا يكون مناسبًا؟ ابسَبب أبيك، اللعنة عليه أينما حل، وكان! دعك من أمره الآن، لم يعد ابني بعد كل ما افتعله من سوءات.
انفعال الجد أصابه بالقلق عليه. اقترب منه، ونظر بعينيه برجاء:
_ لا تضغط عليَّ مجددًا يا جدي، يكفي ما حدث. إن أردت الزواج سأتزوج بمن يدق قلبي لها. دعك مما أفكر به؛ لأني لن أفعلها لو مت.
_ لكنك أولي بها، وهي أولي بك.
_ أمن أجل الثروة؟! اللعنة على هكذا ثروة، سأدعسها بقدمي، ولا أتزوج بها نهائيًا، ولو مت. وأنت تعي جيدًا لماذا؟
_ إذا ما سمعته صحيح؟!
_ ماذا سمعت؟
_ اغرب عن وجهي يا بيجاد، اغرب. أنتَ لا فائدة من الحديث معك، لقد سئمت.
_ أخبرني ماذا سمعت؟
_ قلت اغرب عن وجهي.
زفر بيجاد بغضب قبل أن يخرج من الجناح، ومن القصر بأكمله قاصدًا وجهة أخرى.
دق هاتفها باسمه، فَتنحت جانبًا بعيدًا عنهن، وعن أعينهم التي تتابعها بفضول، وأجابته:
_ بيجاد.
ود لو يصرخ قائلًا يا قلبه، لكنه بالنهاية صمت وهتف بشيء آخر:
_ أين أنتِ؟
_ بالأسفل أتناول الإفطار، وأثرثر.
ابتسم تلقائيًا عليها قبل أن يسألها بصوت أجش:
_ هل تحبين الثرثرة لهذا الحد؟
_ نعم جدًا، كل النساء تحبها.
_ وماذا عن المغامرات؟
أجابته بحماس:
_ أحبها جدًا، أنا أعشقها، ألا تتذكر؟
تذكر أول لقاء لهما حينما كانت تتسكع على الطريق تلعب اسكيتنج. هتف مستنكرًا:
_ لا تُذكريني مجددًا به.
_ ولما؟
_ أغ.. ار..
صمت قبل أن يكملها، ساببًا نفسه المندفعة، من ثم هتف:
_ هكذا.. أمامك نصف ساعة، إن لم تَتجهزي سيتركك صديقك، ويذهب للمغامرة وحدك.
_ يا إلهي، اقتلك والله! أقل من نصف ساعة، وأكون جاهزة.
استدارت بسعادة لتتفاجئ بأثير وهبة أمامها يستمعون باهتمام. هتفت هبة ببلاهة:
_ يا إلهي، أترين كيف يغير الحب المرء يا أثير؟
_ أري.. أري..
_ هل تتجسسون عليّ؟
_ حاشا لله، لقد استمعنا صدفة حينما مررنا من هنا.
هتفت أثير بِضحك بتلك الكلمات؛ لتَدفعهما ربى وتهتف بحنق:
_ ٱنتما لا حل لكما.
استنكرت ربى حديثها، وهتفت:
_ لا تنكري ربى، لقد استمعنا لكل شيء.
اجابتها ربى بغيظ:
_ أنكر ماذا يا متخلفة؟
_ أن الوسيم أوقعك بالعشق.
_ نحن صديقان..!
صديقان، ألا تعرفين معنى الصداقة؟
_ أعرف بالطبع معنى الصداقة الحقيقية، لكن صداقتكما من نوع مختلف، ليس لها إلا معنى واحد.
_ إذا أخبريني ما هو معناها يا فيلسوفة العصر؟
_ أنها صفة لعينة وضعتموها بغباء؛ لتغطي على مشاعر أخرى كلاكما يخشى أن تظهر للعلن.
_ أنتِ جننتِ تمامًا.
_ لست أنا من جُننتِ! أنتِ من جُننتِ به، وانت عاشقة يا ربى.
تركتها، وصعدت، لم تدع عقلها يفكر بشيء، لن تشوه الصداقة بينهما أبدًا. هي موقنة أن الصداقة تدوم عن الحب. ارتدت ثيابها، وحملت حقيبتها، وهبطت مسرعة ما أن استمعت لِصوت زامور سيارته التي باتت تميزه جيدًا، وخرجت مسرعة:
_ لقد أتى بيجاد.
ابتسمت ما أن جاورته، وهتفت بصوت يملؤه الشغف:
_ ظننتك ذهبت للعمل، ماذا حل معك حتى تقرر الهرب؟
_ تعكر مزاجي كثيرًا، فقلت بعض الجنون لا يضر.
_ أنت محق، ولكن ماذا عن الأطفال؟
_ لا تقلقي عليهما، سيلحقون بنا.
_ حسنًا، لِنأخذهما معنا.
تجاهل حديثها متعمدًا، وأردف بحماس:
_ ننطلق؟
_ سريعًا.
بعد دقائق، اتسعت عيناها من الصدمة، بينما امتدت يده حتى تمسك بيدها:
_ إلى أين سنذهب بتلك الطائرة؟
_ سر يا صديقتي، سر.
هتفت بوعيد:
_ بيجاد.
لِيجيبها بذات النبرة:
_ ربى، قلت لا تقلقي.
_ أفوض أمري إلى الله.
*****
عادت تتمايل كالسكيرة، لقد زاد الأمر عن الحد، وتشعر بجسدها يأن. فاقت كما العادة نادمة على هوانها، وتشعر بأن الله اقتص منها ما فعلته بشقيقتها نوار عن عمد. ليتها تمتلك حق تكرار الأيام، وكانت عدلت عن ما فعلته بها. روح نوار تلاحقها بالصحوة والمنام تسألها لما فعلت؟ إنها الآن تشعر وكأنها تنظر لها، وتضحك شامتة بها كما كانت تضحك عليها، ونوار تمسك بأقدامها تتوسلها أن ترأف بها، وتعطيها جرعتها اليومية من ذاك السم التي جعلتها تدمن عليه.
اصطدمت باحداهن، ولم تعي بمن اصطدمت. كانت بعالم آخر تمامًا، وهي تصعد الدرجات الفاصلة لغرفتها كالمغيبة. اتسعت أعين فيروز من هيئتها المزرية. كادت تكذب عيناها، وتنكر أنها ليست نيرة الأنيقة المتكبرة التي تصيح من مجرد كلمات بسيطة فقط. لكنها وجدتها تدلف لغرفتها بلا انتباه لها. انتابها الشك فتسللت من خلفها لتتأكد من ما خلفته ظنونها، وهي تشعر بأن بها شيء غير طبيعي؛ لتتسع عيناها ما أن خلعت نيرة ثيابها الرثة وتتفاجيء بجسدها الدامي، وأثر جلدات على جسدها مستحدثة.
عادت للخلف قليلًا بصدمة، تكافح ألا يخرج صوتها مصدومًا من فعلتها؛ لتصطدم بإحدى التحف الموضوعة بالزاوية. انتبهت نيرة، وخرجت مسرعة تحاول أن تختفي من نيرة. اختفت على الفور داخل الغرفة المجاورة.
_ يا إلهي.. أنقذني.
لكن نيرة لم تكن بحالتها المعتادة، وكأنها ليست بعقلها. عادت للغرفة، وكأن شيئًا لم يكن.
________
اتسعت أعين أثير ما أن عَرف عمار عن نفسه لها طالبًا مقابلة ربى. نظرت لهبة التي لم تكن بأقل صدمةٍ منها حتى تمالكت نفسها، وهيَّ تفكر سريعًا أنه لن يصدقها إن كذبت وانكرت وجودها، وقالت إنها ليست هنا. كان عَمار ينظر لها بأعيُن متفحصة، يشعر بِربكتهم، وحيرتهم، والحقيقة هو يعلم لما. هتف بهدوء:
_ أعلم القصة كاملة، وأعلم أن ربى هاربة من والدتها وأخيها..! اهدأوا، أنا هنا من أجل دعمها فقط.
كانت عيناه تحوي قصة أخرى من العشق، والأمل في أن يلقاها أمامه مجددًا. هو بالفعل لن يوشي بها مهما حدث، وهل يوشي المرء على نفسه مجددًا بعدما وجدها؟
هتفت هبة بعد صمتٍ دام لدقيقة:
_ ربى ليست هنا.
تملك الغضب منه قبل أن تهتف هبة مجددًا حينما لمحت الغضب بعيونه:
_ اهدأ أرجوك، ولا تثير المشاكل. صدقًا ربى ليست هنا اليوم كاملًا، وربما لفترة ليست قصيرة. لقد ذهبت برحلةٍ خاصة بعملها. يمكنك الرحيل الآن، وأنا أخبرها بمجيئك.
بعد دقائق، ألقى السلام ورحل. على كل حال هو لن يتركها مجددًا؛ لينتظر بضع ساعات أخرى، لا مانع لديه من انتظارها ما تبقى لديه من عمر.
لقد هوى قلب هبة بأقدامها ما أن علمت هويته، وتنفست الصعداء بعدما رحل بلا مشاكل تذكر. لقد علمت من هو، وتذكرت حكايته التي حكتها لهما ربى ذات يوم.
هتفت أثير بصدمة:
_ يا إلهي، لا أصدق وقاحة هذة العائلة! كيف وصل لها؟ وكيف يعود بعد كل خذلانه لها؟
_ ماذا سنفعل الآن؟ هل نخبرها؟
_ بالطبع سنخبرها، يجب أن تعرف، لكن بعد عودتها. دعيها لا تقلق وتستمع برحلتها قبل مجيئها.
_ لكن أنا خائفة حقًا يا هبة عليها، ومن أن يكون ذلك الشاب عائدًا من أجل أمر ما. إنها الفتاة الأتعس حظًا بالوجود.
لمعت عينا هبة بشيء ما قبل أن تهتف:
_ أتعلمين شيئًا؟ هذا الشاب ظهر بوقته.
_ يا إلهي، هل جننتِ؟
_ بالطبع لا!
_ بماذا تفكرين يا مصيبة؟
_ بِشعللة نار الغيرة بالوسط. ربما هذا الشاب وظهوره الآن يصيب ابن الزيني بغيرة حارقة، وهلع، ويجعله يعترف بعشقه لها.
_ أنتِ داهية.
_ أعلم.
_ والآن؟
_ الآن، دعي الأمور تجري بأعنتها.
_ وأصبحتِ شاعرة أيضًا.
_ نحن نختلف عن الآخرون يا عزيزتي، فقط انظري وتعلمي.
_ حسنًا، الله يجيرنا من تفكيرك الجهنمي.
_______
اتسعت عيناها ما أن استقل هو مكان كابتن الطائرة؛ لتهتف بذعر:
_ بيجاد، لا أرجوك! أنا لدي طفل لا أريد أن يربيه غيري.
ابتسم قائلًا:
_ لا تقلقي عزيزتي، صديقك كابتن طائرة ماهر.
_ لكن بيجاد.
_ ألا تثقين بي؟
_ بالطبع أثق بك!
_ إذا تنفسي بهدوء، واستعدي كما أخبرتك.
_ حسنا، أمري إلى الله، لكن..
_ لكن ماذا؟
_ صدقًا أنا خائفة.
بدقائق كانت تحلق بالفضاء؛ ليصلا بعد نصف ساعة وجهتهم؛ لتصرخ فرحة:
_ بيت الجبل، لقد اشتقت له حقًا.
_ ظننتك كارهةٍ له.
_ بالطبع لا!
تذكرت وجودها هنا من قبل، ومشاجراتها معه. كانت مضطربة ليس إلا، لكنها كانت صدقًا مستمتعة، خصوصًا بلون الرمال وتناسقها الإلهي البديع.
_ بالعكس، كنت مستمتعة، لكن مضطربة.
أمسك بيدها ورفعها بالقرب من فمه وطبع قبلة حانية عليها هامسًا بها:
_ أعلم عزيزتي.
همست:
_ بيجاد.
_ نعم.
_ لا تفعل هذا مجددًا.
_ أفعل ماذا؟
_ لا تدع شفتيك تلمس يدي.
_ ولما؟
_ أتحسس من لحيتك.
صوت ضحكته أحدث صدى قبل أن تدفعه هي بخفة مردفة:
_ لا تضحك.
احتضن خصرها بتملك ما أن فتح باب القصر لهم، هامسًا بأذنها:
_ ظننتك تعترضين علي قُبلتي.
_ بالطبع أعترض.
_ اصمتي ربى، وإلا قبلتك أمام الرجل.
_ لا تتواقح.
قطع شِجارهم صوت أحدهم:
_ أهلًا يا دكتور بيجاد، أنرت الجبل. أهلًا يا سيدتي.
_ ناديني ربى يا عم محمدي، كم مرة سأخبرك؟
ضحك الرجل العجوز، وهتف بشوق:
_ أين "عزالدين"؟ لما لم تجلبوه معكما؟ لقد اشتقت له.
_ سيلحقون بنا بعد ساعات مع منذر.
_ سيلحقون بنا؟!
_ نعم، منذر سيأتي بعدي وعز بعد انتهاء دوامهم.
_ يا إلهي، ألم أخبرك أن نتظرهم؟
تجاهل حديثها، وهمس بوقاحة:
_ أردت أن أنفرد بزوجتي قليلاً بعيدًا عنهم، ثم عدي يخشى ركوب الطائرة، ووجوده مع عز يجعله مشتت الفكر على الطريق، ملهيًا ولا يبكي.
اتسعت عيناها خجلًا، فما زال الرجل يقف أمامهم. لينظر محمدي لهما معًا بسعادة، يتأمل بحالة الدكتور التي تغيرت للنقيض تمامًا عن آخر مرة كانوا بها معًا. كان يستمع لشجارهم يوميًا، ويحسد نفسه على زوجته التي لا تتشاجر إلا نادرًا. ضحك الرجل وهتف بسعادة:
_ الله لا يفرقكم أبدًا، ويديم تفاهمكما.
اتسعت عينا بيجاد الذي فهم ما يرمي محمدي إليه؛ ليدفعها بخفة وهو يلعن صوتها الجهور بشجارها من قبل الذي فضحه.
بعد نصف ساعة:
كان يلقي بنفسه على الفراش قبل أن يهتف بتعب:
_ أشعر بالنعاس حقًا.
اقتربت منه، وهتفت بضجر:
_ هل أتينا للنوم؟
اعتدل وسحبها من يدها على حين غرة؛ لتسقط عليه وبين ذراعيه تمامًا، لتصرخ به:
_ بيجاد، هل جننت؟
مد يده، وخلع عنها حجابها، والقاه بعيدًا، وأردف بصوت أجش، ويده تحرر شعرها من عقدته التي تخنقه بها:
_ ستدخلين جهنم يا ربى!
اتسعت عيناها، وسألته:
_ أنا.. لما؟
_ بسبب ظلمك البَين لشعرك هذا.
_ وما به شعري؟
_ لا تدعيه يتنفس أمامي!
_ لا يحل لك رؤيته!
ارتسمت على وجهه نظرة مستنكرة؛ ليهتف بوقاحة بينما يده تفعل المثل، حيث امتدت تتحسس خصرها الذي يقيده به؛ لتنتفض بخجل:
_ بل كلك تحلين لي! أنتِ زوجتي يا ربى، كلما أدخلت هذا الأمر لعقلك سريعًا صار الأمر أسهل على كلينا.
ارتجف جسدها، وهي تدفع به؛ كي يتركها، لكن ازدادت يديه جرأة، حيث امتدت لأعلى فخذها يتحسسهُ بوقاحةٍ:
_ بيجاد، أبعد يدك، هل جننت؟
رفع يده ضاحكًا عليها؛ لتنتفض مبتعدة عنه، ليهمس هو برغبة "مذهلة".
أغمض عينيه بتعب، وعادت كلمات منذر تدوي بأذنه مجددًا بعد حواره معه صباحًا:
_ أنت عشقتها يا بيجاد، لا تنكر.
زفر بيجاد بغيظ من منذر وحديثه:
_ أنت لا تفهم شيئًا.
_ بل أنت من لا تفهم شيئًا يا صديقي، كليكما غارقون والجميع من حولكما يرى ذلك. يا إلهي، لقد استمعت لأم رضوان وزوجها يثرثرون عليكم بالكلام ذاته، أي نوع صداقة لعين ما تنشدونه؟
_ أوصل بنا الحال لهنا، لا تكمل يا منذر.
_ لا، لن أصمت. بيجاد، لا تضيع عمرك هباءًا. الله له حكمة بِجمعكما، لا تترك فرصة لها للهرب؛ فالنساء تعشق الهجوم. أَانا من سيخبرك؟
_ أخرس يا منذر.
_ اسمع مني فقط، وخذ خط الهجوم، لا تدع فرصة لها؛ لتهرب منك، وإن لزم الأمر قل أحبك.
فاق على صوتها تناديه:
_ تضحك وحدك أيضًا! لا، أنت جننت كليًا. أنا سأذهب لغرفتي.
انتفض صارخًا بها:
_ ربى، تعالي لهنا. أي غرفة؟
_ غرفتي!
_ تعالي يا ربى، زوجة محمدي هنا، إنها امرأة ثرثارة، ولن نسلم من لسانها. الجميع هنا يعلم أنك زوجتي.
_ ثم ماذا؟
_ ثم اقتربي وتأدبي لنتصرف كمتزوجين لأسبوع فقط.
_ نعم، أسبوع..! أنت قلت يومًا واحدًا.
_ لا، غيرت خطتي، أنا متعب، وقدمي تؤلمني، اقتربي وساعديني بفك هذا الجهاز يا ربى.
اقتربت منه، وبدأت بخلع نعلة ومن ثم جهازه؛ لتردف بحيرة:
_ يا إلهي، لما أشعر أنك تستغل طيبتي؟
_ وان يكن، أنتِ أيضًا اعترفتي لي باستغلالي.
_ ليست هذه كهذه!
انتهت، فأمسك بيدها قبل هروبها، وأردف برجاء أذابها:
_ اغلقي باب الغرفة، وستائرها، واقتربي ياربى، أريدك بشيء جاد.
دب القلق بقلبها من نبرته الجادة:
_ هل حدث شيء لا أعرفه؟
_ سأخبرك، لكن افعلي أولًا. أشعر بثقل بجفوني كلما نظرت للضوء.
همست وهي تهم؛ لتفعل:
_ يا إلهي، أنت متطلب، ليتني لم أصادقك.
_ سمعتك على كل حال، لا داعي للهمس.
عادت؛ ليخبرها ماذا حدث؛ فأمسك بيدها، وبسرعة البرق كان يجذبها لِتجاوره على الفراش، يحتضنها بتملك، وظهرها مقابل لصدره. صرخت بفزع، ودفعتته بقوة تسب به، فضحك، وهمس بأذنها:
_ اخرسي ربى، وإلا أخرستك بمعرفتي.
_ هل تهددني؟ اتركني بيجاد، لقد تماديت؟
_ أنا لا أهدد، أفعل على الفور.
_ اتركني يا بيجاد.
نظرت له بجنون، تدفعه بقوة؛ ليتركها. تركها بالفعل، لكن؛ ليمسك بوجهها بقوة، وشفتيه تأسر خاصتها، من ثم هتف من بينهما:
_ أحبك ربى.
لتستسلم كليًا له.
_ بيجاد! بيجاد! هل غفوت؟
اتسعت عيناه بصدمة، وكاد يسقط من على الفراش لتتضح الرؤية له، ليعلم أنه كان بحلم ليس إلا. اعتدل قبل أن ينظر لقدمه التي لا جهاز بها، لِيضطرب عقله، وينهره، ويتَشوش بالفعل. هل كان حلمًا أم حقيقة؟ لتهتف ربى ما أن لمحت حيرته تحسم الأمر:
_ لقد ألقيت نفسك على الفراش بتعب ما أن دلفت للغرفة، وأنا خلعتُه عنك لتغفو براحة، ودهنتُ مكان الجهاز الملتهب جدًا هذا، أنت تهمله، وهذا ليس جيد لك. هيا اعتدل كي أساعدك بارتدائه. لقد اتصل منذر قبل قليل، وقال أنه على وصول بالأطفال.
_ حسنا.
لاحظت وُجومه، فهتف بتساؤل:
_ ما بك؟
_ لا شيء.
_ هل حزنت لأني خلعت جهازك بلا إذن؟
_ بالطبع لا.
_ إذا لما يعلو الغضب قسمات وجهك؟
_ كنت بحلم، وددت لو كان حقيقة.
_ يا إلهي، أنت تتصرف كطفل حقًا! بماذا كنت تحلم؟
_ لا تضحكي.. لن أخبرك أنتِ تحديدًا به.
_ ولما؟ هل كنت تحلم بي؟
هتفت بخبث، لِيصدمها هو مردفًا بخبث أكبر:
_ يا إلهي، كيف عرفتِ؟
_ كنت تحلم بي!
_ نعم.
_ بما حلمت؟!
_ لن يروقك معرفته.
_ أخبرني لُطفًا.
_ كان حلم وقح بعض الشيء.
احمرت وجنتاها، وصمتت، بينما أكمل هو بلا خجل:
_ كنت بين ذراعي و..
_ لا تكمل أرجوك.
_ حسنا، على راحتك.
_ يا إلهي، صرت وقحًا.
_ أنتِ لا تعرفينني بعد.
_ يبدو ذلك.
شرد هو يرتدي نعلة الآخر، فصاحت:
_ بيجاد.
_ يا إلهي، صوتك يا ربى، صوتك.
_ بما شردت مجددًا؟
_ ماذا تريدين؟
_ أسرع.
_ حسنا.
_ انتهيت؟
_ نعم.
_ إذًا هيا.
_ ارتدي حجابك.
_ لكن لا أحد هنا!
_ وماذا عن منذر القادم، ومحمدي؟ هل يبدوان كامرأة لكِ أم ماذا؟
_ حسنًا، نسيت، سأرتديه، لا تصرخ هكذا!
********
لا تعلم أَتخبر بيجاد بالأمر أم شقيقها أم تصمت، وهي حرة. لقد صدمت بأمر نيرة الذي وصل لحد لم تتوقعه. كانت تقف شاردة بالقرب من الشرفة، ولم تنتبه إلا حينما اقتربت منها نيرة تبخ سمها بها كعادتها. لمعت أعين فيروز بالغضب. كانت تعايرها بأنها لم تستطع الإنجاب للان؛ فهتفت فيروز بقرف حقيقي منها:
_ أنتِ مقرفة مريضة يا نيره، وتستحقي كل ما يجري معكِ.
ألقت بحديثها هذا، وتركتها، وقد اتخذت قرارها لتذهب نيرة للجحيم، هي لا تهتم. مريضة مثلها تستحق ما يحدث معها، كما مؤكد فعلت بشقيقتها، الآن تأكدت أنها السبب.
________
أخبرني يا محسن كل شيء علمته؟
اقترب محسن من عبدالعزيز الزيني، وبدأ يسرد عليه كل شيء؛ ليصبح الأمر الذي كان يشك به يقينًا.
_ هل تزوجها حقًا؟
_ نعم، وهي معه الآن، لكن أين لا أعلم.
_ حسنا.
_ هل ستترك الأمر أم تريد تلقينهم درسًا؟
نظر الزيني له بصمت، من ثم هتف بحسم:
_ لا.. اترك الأمر لي.
_____
جاءها اتصال من هبة فابتعدت قليلًا عنه. لم تستطع أثير الصمت، فلمحت للأمر، فَألحت ربى عليها حتى عرفت ما يجري. أخبرتها هبه ما حدث بعجالة؛ لتعلو الصدمة وجهها، وترتجف أوصالها. مزيج عجيب ما بين الصدمة والحنين والخوف حل بها. هتفت بلا شعور بالذي اقترب منها، وأصبح خلفها حينما أتى بحثًا عنها:
_ هبة، أنتِ متأكدة مما تقولين؟ يا إلهي، هل عاد عمار حقًا؟ وكيف عرف عنواني؟
بعد تفكير دام لثوانٍ، هتفت هبة:
_ لا أعلم. لقد أخبرني أنه يعلم أنكِ هاربة من البلدة، وهو لن يوشي عنكِ بالتأكيد.
_ يعرف ماذا؟ يا إلهي، من أين علم بكل ذلك؟
امتدت يدها تلقائيًا لِسلسالها المعلق بعنقها التي ما زالت ترتديه، ليس حبًا بمن أتى لها به. إنما لأنها كانت عبارة عن آية قرآنية ترتديها لتحميها من نوبات هلعها التي كانت خالتها تخبرها أنها ربما مس من الجن. لا تنكر أنها كانت تتعسس عن اخباره بعض المرات حينما ينتابها الحنين، لكنها كانت تنساه مع أول حوار لها مع هبه وأثير، كأن شيئًا لم يكن. كانت ترجع الأمر لِفضولها ليس إلا. هو ماضيها البائس جدًا، ولم تكن تريد أن يعود يوم. الحيرة تملكت منها، ناهيك عن أنها تشعر بأنها محاصرة والمشاكل لا تنفك تحاصرها.
هتفت بحيرة:
_ يا إلهي، من أَخبره عني؟ سأجن؟ كيف سأتصرف معه الآن؟
ارتفع صوت أثير الجهوري كعادتها ليصل صوتها للواقف خلفها مباشرة:
_ يا إلهي، أثير الشاب وسيم لدرجة مهلكة، لو رأيته كيف كان سيأكلنا، ويود لو يفتك بنا ليصل لكِ؟ أقسم أنه ما زال غارقًا بعشقك، وأظن أنكِ كذلك، وسلساله الذي يزين رقبتك شاهدًا.
الصدمة تملكت منه، عيناه لمعت بشرٍ، وتملك لتقطع هي شروده، وهي تنهر بها:
_ أثير، تأدبي أفضل لك.
عاودت أثير تغزلها به لتأفف ربى من أفعالها وتدور حول نفسها بغضب، تتلقفها بالنهاية يديه؛ لتهمس بتوتر:
_ بيجاد.
___________
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسما السيد
همست باسمه بتوتر. أغلقت الهاتف تلقائيًا، ولم تعد تعلم كيف تغير الأمر؟!
"بيجاد أنا."
لم يكن بحالة تسمح بالحديث، كل ما يعلمه الآن أن حبها القديم قد عاد ولا مجال للمقارنة، وهي ما زالت تحتفظ بما يخصه.
نظرته انتقلت تلقائيًا لعنقها المزين بسلسالٍ من الفضة كان يراه بعنقها على الدوام. الأمر لا يحتاج للتأمل ولا للتبرير، هي ما زالت عاشقة له، وهذا هو التفسير المنطقي.
***
"إلى متى ستظل تماطل معي؟"
هتف عصام السكري بغضب لفريد الزيني الذي وعده بإنشاء محطة معا بعد خسارته الفادحة التي تلقاها على يد بيجاد بعدما احتجزه عنوةً، وأخذ منه نسبته بالإذاعة بعدما ألقي له فتات الأموال. ومن الناحية الأخرى تسبب بخسارته بتجارته، ودمر شركاته التي أوشكت على الإفلاس بعد إعلانه الحرب عليه. وزوجته التي فرت منه بعد الخسارة، وتركته ورحلت بأبنائه للخارج، وهددت برفع قضية خلع عليه إن لم يطلقها. تدمر كليًا والسبب فريد وابنه.
زفر فريد دخان سيجارته، وهو ينظر له باستعلاء: "كيف تتحدث معي هكذا؟ يبدو أنك نسيت من أنا؟"
لمع الشر بعينيه قبل أن يبتلع كل هذا مردفًا: "ألا تفهم؟ أنا على وشك الإفلاس، ودخول السجن. لقد هدم ابنك كل شيء بلحظة. لقد خسرت بسبب مساعدتي لك كل شيء."
"وكأنك ملاك مثلًا؟ لا تدعي المثالية يا رجل، كل ما حدث لك من صنع يديك."
الغضب تملك منه، واقترب ممسكًا بعنقه صارخًا بجنون: "ماذا تقول أنت؟ أقسم لو لم تعد لي ما خسرته بسببك لاجعلك تتجرع الندم أنت وابنك الأعرج."
دفع فريد يده بغضب وحِدة صارخًا به هو الآخر: "ضع يدك بجوارك، ولا تنسَ من أنا! وما أستطيع فعله بك. أنا لا أُهدد. سأعتبر ما حدث الآن لم يكن، وهيا ارحل لا مزاج لي للشجار معك."
"هكذا إذا! أفهم من كل ذلك أنك لن تعوضني خسارتي!"
"لست مسؤولًا عن غبائك."
"أنت محق."
لم يكلف الزيني نفسه عناء البحث خلفه.
كان يعلم أنه لن يقدر على فعل شيء بدونه. هتف ماجد مساعده بمكر: "علينا أن نخرسه يا باشا، صار خطرًا علينا."
"فيما بعد، اتركه. سيعود كالجرو."
خرج السكري عاقدًا العزم قاصدًا وجهة واحدة سيكسر بها أنف الزيني وابنه. هو بالنهاية انتهى أمره، ولم يعد باقيًا على شيء، إذًا ليلقي نفسه للجحيم إذا لزم الأمر كما أخبرته زوجته.
***
عاودت أثير الاتصال بلا توقف؛ لتجيبها ربى بغيظ: "أثير تأدبي أفضل لكِ، لقد استمع بيجاد على ما يبدو."
"كيف؟"
"وجدته خلفي."
ضحكتا أثير وهبه على سير خطتهما بهمس، وهي غافلة عن مرادهما. قبل أن تبدأ أثير بحديثها المعتاد.
عاودت ربى نهرها: "أي عشق تتحدثون عنه؟ ذلك النذل الجبان تخلى عني، وتركني أتزوج برجل سكير خنزير تفنن بإيذائي، ولم يحرك ساكنًا. صدق حديث والدته عني، وتركني ورحل. لقد توسلته للهرب معي، ولكنه خذلني."
"لكن لا تكذبي يا ربى. إن كنتِ تكرهينه حقًا، فلما ما زلتِ ترتدين سلساله بعد؟"
زفرت بغضب، وهي تمسك بسلسالها: "أنت لا تعرفين قصة السلسال، لا تثرثري بأي كلام."
"آه.. ستخبريني أنها تحميكِ إذا من الأشباح؟"
"نعم، هو كذلك."
"صدقًا أنتِ مجنونة."
"هيا أثير، اهبطي من على رأسي."
"ربى."
"هيا دعيني ببلوتي التي بلوتني بها."
أغلقت بوجهها، ولم تعد تجيب عليها. زفرت بغضب وذكريات الماضي تتدفق لعقلها. استدارت لتستقبل الأطفال بعدما ابتعدت عنه لتجده ينظر إليها، وتلك المرة كان بعيدًا عنها. اقتربت منه، وهتفت: "بيجاد، يجب علينا أن نتحدث."
حاول أن يخرج نبرته الشرسة طبيعية، ليهتف بعد ثوانٍ ولم يعد يسيطر على غيرته الحارقة: "لما لم تحكي لي عن عمار هذا؟"
لعنت أثير وهبه، ألم يكن عليهما إخفاء الأمر عنها حتى تعود؟ هتفت بعد ثوانٍ بعدما هدأت، وفكرت: "لأني لا أتذكره أصلًا."
"كاذبة."
"بيجاد!"
زفر، وهتف: "ألسنا صديقين؟"
"نعم، ولكن.."
"لا، ولكن كان عليك إخباري به."
"لم تأتِ مناسبة، صدقني."
"أخبريني إذا، لما ما زلت ترتدين سلساله؟"
لعنت أثير، وصوتها الجهوري، وبتلك اللحظة ودت لو خلعت عنه ذلك السلسال، وألقته بعيدًا.
"بيجاد، الأمر ليس كما تفهم أنت."
الغضب احتل عينيه، وفقد كل تعقله، وهو يمد يده لعنقها، ويجذب ذلك السلسال.
شهقت بفزع: "لا لا.. لا تلقيه، أرجوك."
"ربى، اخرسي."
"اهدأ، الأمر ليس كما تظن. إنه يحوي آيات قرآنية، لا تلقيه أرضًا، حرام عليك."
لعن بِسرة قبل أن يفتح كف يده الممسك بالسلاسل ويتأمله. كان عبارة عن سلسلة من الفضة مدون عليها آية الكرسي فقط.
تأملها من اليمين واليسار بفضول، ولم يجد شيئًا عليها.
"تأكدت الآن، أعطها لي."
"لا، واصمتِ. حديثنا لم ينته بعد."
"لما أنت غاضب هكذا؟"
أجابها باستنكار: "برأيك، لما؟ زوجتي ترتدي سلسال حبيبها القديم."
"لم يعد كذلك، ثم كانت فترة مراهقة."
صمتت تلتقط أنفاسها؛ لتهتف بعد ثوانٍ بغضب: "من زوجتك؟ نحن صديقين!"
أجابها بإصرار، وهو ينظر بعينيها: "أنت زوجتي، ربى زوجتي!"
"كلما ذكرت نفسك بهذا الأمر كان أحسن لي ولكِ. ثم لا تختبري جنوني وغيرتي، لأنها ستحرق الأخضر واليابس بما فيهم صداقتنا لو تعدى أحدهم على ما يخصني."
"ماذا تعني؟ هل تهددني؟"
"ما توصل له عقلك!"
"لم يستطع عقلي التوصل لشيء!"
"إذا، هذه مشكلتك أنتِ."
"بيجاد.."
جذبها من ذراعها صارخًا بجنون: "أنتِ ملكي أنا، وعليكِ تفهم الأمر وتقبله. ملكي بما أنا عليه هكذا."
كان يشير إلى حالته الصحية من بين ثنايا روحه المتعبة خرجت حروفه الموجوعة خير دليل على ما يؤرق مضجعه. وهي كانت على دراية تامة بما يرمي بحديثه، لكنها آثرت ألا تظهر ذلك له.
بالنهاية، إن لم يستطع قراءة أفعالها فلا فائدة من الشرح له.
"يا إلهي، لقد جننت."
صمتت وصمت، وترك ذراعها حينما دلف عز مهرولًا، ومن خلفه منذر حاملاً لطفلًا آخر على يديه. كان عدي يخفي رأسه بصدر منذر حتى وصل عز لهما، ليلقي نفسه بين ذراعي بيجاد متجاهلًا لها تمامًا، هاتفًا بسعادة: "عمو بيجاد، لقد اشتقت إليك، أقسم لك."
"وأنا أيضًا، أقسم لك."
هزت رأسها بيأس من طفلها الذي ينهي كل حديثه بالقسم، ومن بيجاد الذي صار مقلدًا له. بالنهاية صار طفلها يلتصق به كالعلكة. قبل أن يقترب منذر منهما، ويهتف بيجاد بابتسامة، ويده تمتد ليحمل عدي عنه: "عدي حبيبي."
اتسعت عيناها صدمةً ما أن نظرت إليه، وعلمت علته. عقلها أعاد عليها كم مرة سألته عنه، وتجاهل حديثها، وكانت تظن أنه تجاهل عفوي؛ فهل كان يخشى من معرفتها علته؟ لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، وتفهمت الموقف؛ لينظر بيجاد لها بنظرة استشفاف فهمتها بفطنة. واقتربت منه، ومدت يدها له بحنو: "عُدي، أريد أن أتعرف عليك، هل تسمح لي؟"
نظر الطفل بريبةٍ لها، وكاد يبكي لولا تدخل عز مردفًا بحماس طفولي: "عدي، هذه ماما التي أخبرتك عنها. هيا انزل لتتعرف عليها." وكأن طفلها ألقي عليه تعويذة سحرية؛ ليبتسم لها عدي، ويلقي بنفسه بين ذراعيها التي فتحتها ربى له بسعادة حقيقية.
نظر لطفله بعجب، لم يكن يتوقع أن يكون اللقاء هكذا بينهما. عدي لا يتعرف على أحد بسهولة، بل يصرخ ويبكي، وهذا كان سبب خوفه من تعريفه عليها. عدي لا يدخل أحد جديد لمحيطه بسهولة، لكن يبدو أن عز ووالدته استثناء كما هما إليه.
بعد ساعة من رحيل منذر قضاها بغرفة مكتب بيجاد، هتف عز: "أمي، أنا جائع."
"حسنًا، هيا لأطعمكما."
"هل جعت يا عدي؟"
تمتم ببضع كلمات فهمت منها أنه جائع هو الآخر.
"والله، وأنا أيضًا جائعة."
نظرت لذلك الذي يجلس منذ رحل منذر صامتًا ينظر لهم شاردًا، وهتفت بهدوء: "بيجاد، ما بك؟ هيا لقد جُعنا حقًا، ولا أحد هنا ليعد الطعام."
زفر بحنق، لقد أمر محمدي بأن يحضر زوجته، لكنها ببلدة قريبة عند أحد أقاربها ولن تأتي إلا بعد غد، ومع تلك الغيوم يبدو أنها ستمطر، ولن تأتي أبدًا.
"حسنًا."
استقام على مضض، يساعدها. ما زال عقله يفكر بحديث أثير عن ذلك الشاب، ويعقد المقارنات الفاشلة بينه وبينه. فهو وإن كان وسيمًا وغنيًا، فهو يظل عاجزًا، أما الآخر فسليم كليًا، فلمَ ستختاره؟!
كان يُقطع بالخضار، ولم ينتبه فأصابته السكين فأصدر آهٍ مكتومة قبل أن تنتفض هي صارخة به أن ينتبه: "يا إلهي، خذ الأطفال وأخرج. بيجاد، سأتدبر الأمر وحدي. لا أعلم ما بك؟"
زفر بحنق، وهو يحاول كظم غيظه. ألا تعلم ما به حقًا.
"حسنًا."
نظرت له ولا تعلم لما تشعر بأن قلبها سيقفز فرحًا، أم أن ما تشعر به هو فقط غرور أنثوي لعين! هل يغار حقًا كما تخبرها هبة وأثير، التي تنقل لهم كل ما يحدث معها تفصيلًا على الشات اللعين الذي يجمعهم لحظة بلحظة.
زفرت ما أن استمعت لصوت هاتفها يدق برسالةٍ مؤكدة. كلتاهما مدت يدها لتلتقطه، لكن يد بيجاد أسرع خاطفًا إياه من يدها. هتفت باستنكار: "بيجاد، ماذا تفعل؟"
سيجن، ولم يعد يحتمل ذلك الوضع اللعين. إنها لا تترك هاتفها، فهل تراسله؟!
وقعت عينه على تلك الرسالة التي وصلتها للتو؛ ليقرأ ما بها بتحفز: "ربى، هذا أنا عمار راشد، ردي رجاءًا."
اتسعت عيناها ما أن مد يده لها بالهاتف حتى تقرأ رسالته قبل أن يقيم بيجاد الحرب عليها، ويصرخ بها: "لا تعرفي عنه شيء صحيح؟ إذا أخبريني كيف أتت برقم هاتفك؟"
"اهدأ، أرجوك، من أجل الأطفال، ومن أجل عدي. لقد أفزعهم صراخك."
حاول تمالك نفسه وغضبه، لكن بالنهاية خرج اسمها من بين شفتيه متوعدًا قبل أن يختفي من أمامها كالإعصار الذي شب بلحظة، واختفى بلحظة، ليكتفي ببضع كلمات: "ربى، لن أمررها لكِ. سنتحاسب فيما بعد."
اتسعت عيناها من فرط غضبه، وهتفت: "لقد جن تمامًا، يا إلهي، ما به هذا؟"
***
بعد يومين:
ليلًا:
رفع عصام السكري هاتفه يجيب عليه بلهفة: "ماذا فعلت؟"
"الخطة تسير كما اتفقنا، لا تقلق. انتظر فقط إشارة منك."
"حسنًا، كن بالانتظار."
لمعت عينا عصام السكري بمكر من نجاح خطته التي يعتقد أنها ستأتي له بما قد فقد. إن كان عليه أن يخسر ويفتضح أمره، ليكن فريد الزيني مثله. لو كان يظن أنه يجيد اللعب وحده، فهو أيضًا يجيد التخطيط للانتقام.
ما أن تذكر خطته التي ستودي بعائلة الزيني كلها، ويفتضح أمرهم الخفي، بل وستزول قناعات الشرف التي يرتدونها طيلة الوقت، يضحك بهستيريا كمن جن. لم يخرسه إلا صوت الجرس الذي نبهه أن فريسته قد وصلت للتو وعليه أن يستعد.
"سأريكم آل الزيني من هو عصام السكري، وكيف تسير الأمور؟" طواغيةً إليه! نار الانتقام أعمت عينيه تمامًا، ولم يعد يهتم لشيء. كل ما يراه الآن هو كيف ينتقم؟
رواية امنيات اضاعها الهوى الفصل العشرون 20 - بقلم اسما السيد
تطلع عبدالعزيز الزيني صوب الأفق بشرود، كيانه يهتز، وما بناه لأعوام مُهدد بالانهيار. زاد عليه تلك المعلومات التي كان يشك بصدقها من قبل، ليأتي محسن محامية بالخبر اليقين ويتأكد منها.
حفيده الأكبر تزوج من تلك الفتاة.
رفع تلك القسيمة التي تزينت بإسم حفيده. لا ينكر أنه أوكل له مهمة فض الخلاف مخافةً على ما تبقى من سمعة العائلة التي دهسها ولده البكري وأبيه بالأرض. لكنه لم يتوقع أن يختار حفيده هذا الحل، ويقضي على ما تبقى من أحكام للعائلة، ويخلط نسبها بالغريب.
اشتعلت عينيه بالغضب الحارق. يتذكر نيرة التي استمعت لحديثه مع محسن، وانهارت باكية، لتأتيه بعد قليل وتخبره أنها انتظرت بما يكفي ابن عمها لذا ستتزوج بأول من يدق بابها ولن تهتم.
لأول مرة يرفع يده على فتاة من العائلة، كما لم تتجرأ إحداهن عليه من قبل وتخالف أوامره، وتتحداه هكذا. لم يفعلها أحد من أحفاده إلا هما: بيجاد الزيني، وشقيقه العاق الهارب دائمًا، وأبيهما منبع الفساد كله.
يسأل نفسه هل أخطأ بتربيته لابنته حتى يصل به الأمر لهذا الحد؟ هو لن يسمح بتسيبٍ آخر، سيعود ليحكم بالحديد والنار إن لزم الأمر. ورفض بيجاد لابنة عمه مرة بعد مرة سيجعله يدفع ثمنه غاليًا، وبالنهاية سيتزوج بها فقط ليجعله يهنيء قليلًا مع تلك الباغية التي اختارها.
ما أن توصل عقله لذلك شعر بألم حاد اخترق صدره، كذاك الألم الذي أصبح يأتيه كل بعض الوقت لكنه يتجاهله كما سيفعل الآن. دلف للداخل، وهو يشعر أن العمر لم يعد به بقية. فيا ترى هل كان على حق أم لا؟
يتمنى فقط لو يرى الوضع مستقرًا فيما بين عائلته، وينتهي أجله بعدها لا يهم، فلم يعد لديه طاقة لأي شيء حتى ولو ادعى غير ذلك.
جففت نيرة دموع التماسيح التي أطلقتها قبل أن تلقي بنفسها على الفراش. لقد خططت ونفذت كما أرادت تمامًا، وعلم الجد بما يخفيه حفيده المبجل الذي لا يخطئ أبدًا في نظره. وضعت يدها مكان صفعة جدها التي زينت خدها، لكن لا بأس، كل شيء بالنهاية سيؤول إليها.
تذكرت كيف علمت بزواجه، وكيف خططت ليصل الأمر للجد. لقد استمعت لشقيقها الذي كان يواسي زوجته العظيمة في بعد عدي، ويخبرها أنها يجب أن تفرح من أجل شقيقها الذي تبدل حاله كليًا بعد زواجه من ربى. حينها اشتعلت النار بقلبها وجسدها، ولم يطفئها إلا الانتقام منهما، وأخذ ما لها ولو عنوة.
لا تعلم حقًا كيف يتمسك المرء بما هو موقن من زواله يومًا.
ومصير زواج بيجاد من تلك المذيعة هو الزوال لا محال. يبدو أنها لا تعلم للان مع من اشتبكت؟ ومن مَن أخذت بيجاد؟
كلما نظرت لعدي شمّت بداخلها على مصاب الأعرج الوسيم. تشعر بنشوة فرح كلما رأته يمشي متعرجًا بفعل الحادث التي تسببت به قديمًا بعدما جعلت شقيقتها مسخًا يمشي على قدمين بعد دفعها للإدمان. لا أحد يعلم كم من مآسي افتعلت كي تدفعه ثمن رفضه لها من قبل، ولن تتوانى في جعله يدفع الثمن من جديد لارتباطه بتلك المذيعة التي لن تكلف نفسها منذ الآن عناء إبعادها. يكفي ما سيفعله به الجد، ستقف وتنظر بتمعن من بعيد شامتة، والأمور تسير تجاهها طواعيةً.
بعدها ستخبره بكل أريحية أنها هي من أخبرت محسن، وهي من اتفقت معه على كل شيء، وتضحك أيضًا.
جلست أرضًا بموازاة المنضدة الصغيرة، وبدأت بفرد إصطباحتها بمزاج مختلف بعدما استطاعت أخيرًا أن تجعل الجد يتعاطف معها، ويعيد لها كل ما نزعه منها من حرية هي ونساء العائلة المبجلة، واللعنة على قوانين القصر العظيم.
استنشقت بودرتها بتلذذ، وعادت بظهرها للخلف مرددة:
"صبرًا بيجاد لم ننتهي من اللعب بعد."
***
لمعت عينا فريد بالنصر، ها قد أتت اللحظة التي ينتظرها منذ أشهر. اللحظة الفاصلة بين كل شيء، بين الخراب والدمار، ولذة نشوة النصر الذي يصبو إليه بين أحضان فريسته. كلما تذكر أنه ربما امتدت يد ابنته لينال ما ابتغاه منها، تشتعل رغبته المريضة بها. وبركان ثائر يهدد بالعصف بالجميع فيما بعد. لقد انشغل كليًا بانتقامه ولم يعد يهتم بشيء إلا هو، وكيف سينال من فريسته بعد اصطيادها؟
اقترب من ظافر الذي يقف أمامه ناظرًا له بنظرة ساخرة قبيحة، وبجواره عجوز سوداء أفريقية عمرها أوشك على الانتهاء بالسبعين من العمر أو ببدايات الثمانين.
للوهلة الأولى، ولأول مرة أشفق على ربى صدقًا.
اتسعت عيناه بصدمة ما أن علم هوية المرأة، وأنها زوجته. تساءل بصدمة: كيف لذلك المسخ أن يفضل تلك العجوز على فاتنة كالربى؟ هل هو أعمى العين مثلا؟ بينما هو يعادي ولده من أجلها! مع تأمله ذلك المدعو علم علته، وأنه لا يختلف عن متسكعي الشوارع بشيء. يده التي يمدها كل ثانية ليمسح بها أسفل أنفه مصدرًا صوتًا جعله يتأكد أن المسخ هذا متعاطٍ.
أسنانه الصفراء، ورائحة فمه الكريهة التي تصل له من على بعد جعلته يريد أن يتقيأ. كانت رائحة كريهة ممزوجة برائحة التبغ الرديء استطاع تمييزها بسهولة. ثيابه الرثة المهدلة، وتلك الوشوم اللعينة التي طُبعت على كل جسده جعلته يشعر بالتقزز. ابتعد قليلًا للخلف ناظرًا له بقرف واضح قبل أن يهتف فريد بتكبر:
"هل أخبرك مساعدي بما أريده منك؟"
هالة فظاظة هذا المدعو الذي جلس بأريحية على المقعد واضعًا قدمًا على الأخرى مردفًا بخبث:
"نعم أخبرني، لكن..."
"لكن ماذا؟"
"لم يعجبني الاتفاق."
"ماذا تقصد؟!"
دار ظافر بعينيه يمينًا ويسارًا يتأمل القصر الفخم وهيئة الرجل التي تدل على أن الرجل الذي أمامه ثري ثراءً فاحشًا، لديه من المال ما لا يعد. فلما لا يستغل الأمر؟ فهو بحاجة ماسة للأموال هذه، كما أن ربى وطفلها لا يهمونه بشيء حاليًا.
"ألا ترى أن الثمن قليل؟ يعني تأتي بي هكذا بلا مبررات، وتطلب مني أن أفضح أمر زوجتي."
قاطعه فريد هادرًا بجنون بعث الشك به:
"لم تعد زوجتك."
اللمعت عينا ظافر بالحقد من فعلة ربى. لقد أخبره الرجل الذي أتى به هنا كل شيء، لكن بقى شيء ناقص، وهو لا يعلم ماذا يريد ذلك الرجل من ربى؟ وما يدفعه لأن يفعل بها كل ذلك؟
هتف بنظرة سوداوية:
"أعلم."
"وهل تعلم أن والدتك كتبت لها كل شيء، ولم تترك لك فلسًا واحدًا."
"أعلم."
كان فريد يجيد شحن النفوس، وهذا ما يفعله معه حتى يدفعه للانتقام بقسوة.
"إذًا ليس لديك خيار إلا مساعدتي؟"
"بلا مقابل؟!"
"بالطبع لا، كل شيء ستفعله لي سيكون بمقابل. الحق حق، هيا أخبرني ما ثمنك؟!"
"لا تعجبني نبرتك، ولا نظرتك لي، لكن على كل حال أريد عشرة ملايين."
انتفض فريد صارخًا:
"ماذا؟ هل جننت؟ مليون واحد يكفي."
"إذا لا تعطلني أكثر، لدي ما أقوم به، وتأكد أن أمر ربى لا يعنيني كليًا وسأعود من حيث أتيت!"
استقام ظافر ساحبًا العجوز التي تنظر لهم ببلاهة خلفه كالبهيمة، ليهتف فريد بضجر ما أن تأكد أنه لا يهتم:
"خمسة ملايين فقط."
"قلت عشرة ملايين، ومعه أعلم لماذا تريد مني فعل ذلك؟ بالنهاية عليك أن تفهم أنها والدة ابني وتهتم به."
لم يجد بدًا من التبرير بعد إصرار ذلك القذر عليه. كان أذكى مما كان يظن، لكنه لن يقول له الحقيقة بالتأكيد، فأجابه باختصار:
"غوت ولدي حتى صارت على علاقة غير شرعية به، وبسببها ماتت زوجته من الحسرة. أتريد أكثر؟!"
اشتعلت عيناه بالغضب، وثارت ثورته، وأردف بوعيد:
"يكفي."
***
أسدل الليل ستائره ليعم الظلام، ويزين البدر سماء الوادي. وقفت ربى تتأمل المنظر الرائع التي باتت تعشق تأمله كل ليلة. غفى الأطفال، وبقيت هي، والليل، وصراع قلبها، والحنين إلى الثرثرة بين ذراعيه.
وقف يراقبها بعينين تشع غيرة، وغضب، وعشق.
عشق لم يعد بقادر على إخفائه خلف ستار الصداقة اللعين بعد.
ثلاث ليال لم تكفِ ليهدأ غضبه منها، ومن كل شيء. كلما تذكر ذلك المدعو عمار. ما زال غاضبًا منها لأنها أخفت عليه شيئًا كهذا.
متطلب، متملك هو، وللأسف هو يعي ذلك الأمر.
لم يكن بذلك التطلب والتملك من قبل إلا بعد زواجه منها، وكأنها غيرت بدخولها لحياته كل شيء. قلبت موازين قلبه وعقله، وباتت هي بمقدمة كل شيء.
لو كان يعلم أن دخولها لعالمه سيكون بهذا الجنون، وستكون هي الآمرة الناهية على قلبه لما تدخل لمساعدتها أبدًا، ولما أدخلها بوضع قد يخسرها بسببه إن علمت فيما بعد. لكن إلى متى سينكر الأمر؟
إلى متى سيخفي مشاعره بعد ولا يعترف؟ لقد سقط بهواها منذ اللحظة الأولى التي وقعت عيناه عليها بمنتصف الطريق.
لو لم يكن الأمر عشقًا من النظرة الأولى إذا لمَ تمنى لو يراها مرة بعد مرة وشرع بالتجسس عليها، ولما صمت طواعيةً على كل ما اقترفته بيديها بحقه.
زفر بغيظ منها، ومن نفسه. على الرغم أنهم يفعلون كل شيء معًا، لكنه ما زال يعاقبها على غيرته وعلى شيء هو ذاته ما أن يتأمله ينكره عليه. عيناه تتأملها بعشق لا خلاص له منه. كلما مر الوقت ازداد ولهًا بها.
شعرت به ككل ليلة يقف من خلفها، ويراقبها، لكن لا يقترب. يبقى كصنم لا يبدأ بشيء. باتت تشك بأمره صدقًا. أحيانًا تشعر وكأنه طفل صغير، وأحيانًا كثر تلمح الحديث بعينيه، وتشعر وكأنه يخفي عنها أمرًا يؤرق مضجعه ليلاً.
لا تنكر أن غيرته المجنونة هذه تعجبها، وكبريائه اللعين هذا تود لو كان شخصًا أمامها وكانت قتلته بيديها. لقد سئمت من غضبه وتجنبه لها.
تشعر وكأن غضبه كغضب طفله تمامًا، لا تعلم كيف ترضيه؛ ليصدقها، ويعاود الثرثرة معها على كل شيء.
لكن عاد سؤال هبة الأخير لها صباحًا يشغل فكرها.
ما تحاول هي أن تخفيه كالعادة داخل قلبها، تأتي هبة بفطنتها؛ لتعريه ببساطة. ما تحاول نثر تراب النسيان عليه تعود تساؤلاتها؛ لتكشف عنه الستار.
لقد سألتها اليوم سؤالًا لم تجد له إجابة بعد أو تعلمها، لكنها لا تجرؤ أن تصارح حالها بها، وهو: "ماذا لو عاد عمار قبل وجود بيجاد بحياتها؟ كيف سيكون موقفها؟ سعيدة! حزينة! وهل ستتقبله؟"
عمار لا يتركها، ولا يترك لها فرصة للتنفس. يحاصرها برسائله، وآسف على ما فات، يطمئنها أنه معها. لقد علمت من هبة أنه يسكن بجوارهم، ويسأل عنها يوميًا بلا ملل.
فكرت كثيرًا بسؤالها، وعادت ذكراهم معًا تطفو لعقلها ما بين حب، ووعود بالبقاء إلى أن أتت لحظة خذلانه لها، لتكون إجابتها: لا لعمار وللأبد، ولو سيفرش لها الأرض وردًا، ويذرف دموع الندم كشلال. ولا لأي شيء يعيدها للقرية الظالم أهلها، ولا للمقارنة بينهما من الأساس. وهل يقارن من وفى بمن خان؟ من تحمل نوبات جنانها، ولسانها السليط عليه وتفهم الأمر، ومن امتدت يديه لتخفيها عن ظلمات الناس؟ هل يقارن من تخلى بمن بقى؟
رفعت هاتفها، وأجابت هبة بلا تردد. هبة التي أمهلتها للمساء؛ لتفكر، وتأخذ قرارًا حاسمًا بعلاقتها، إما العودة أو المضي قدمًا نحو علاقة جدية تنتهي الليلة بأحضان الأمان، وهي اختارت وانتهى الأمر.
تتذكر كلمات بيجاد لها تلك الليلة التي صاروا فيها أصدقاء: "الحياة يا عزيزتي تهزأ بالضعيف، تقتل آماله، وتصفعه بلا رحمة. إن أظهرتِ ضعفك لها مرة انتظري الآلاف منها فيما بعد. الحياة تميت الضعيف قهرًا يا ربى، فلا تضعفي، وكوني عزيزة النفس."
كلماته ما زالت تتردد بداخلها؛ لتقويها وتدفعها لنيل مطلبها بجرأة. اختارت الأمان. اختارت ذلك الذي يستمع لتُرّهاتها كأنها الحياة، ومن ينظر لها ويميزها عن الجميع، وإن كان أمامه الآلاف من النساء عيناه لا ترى إلا هي.
الحب ليس كلمات تقال، ولا وعود شفوية لا تثمن ولا تغني وقت الخوف والآلام. إنما يدًا حانية تمسك بيدك بالسراء والضراء، بالسلامة والمرض. الحب يشبه حرب البقاء، والبقاء دومًا للأحن، ولصاحب الأفعال لا الأقوال.
لمعت عيناها ما أن قرأت رسالة هبة: "كنت موقنة بإجابتك، نحن نميل لرجل الأفعال أكثر من الأقوال يا ربى. نصيحة مني لا تتركي يد من فعل من أجلك المستحيل، وتحدى عالمك وعالمه وما زال."
كانت تعلم إلى من ترمي هبة، لكن هبة آثرت التوضيح أكثر لها: "اقتنصي بضع لحظات من عمرك إن كانت الأخيرة فستكون الأجمل، وإن سنحت لك الفرصة تمسكي بها بقوتك. يا لغبائك يا ربى! اقتربي منه. أي صداقة لعينه تتغنون بها؟ عيناكما أفصحت عن كل شيء منذ زمن."
ابتسمت وأخذت خطوة للخلف، ومن ثم استدارت لتواجهه؛ لتصدم ما أن وقعت عيناها عليه ينظر لها بتلك النظرة التي طالما كذبتها بداخل عينيه. نظرة عشق خالصة ممزوجة بتملك باتت تصبو إليه. اقتربت حيث هو حيث يقف ينظر لها، وكأنها عالمه الوحيد، لكنه يكابر كما هي.
وقفت أمامه مباشرة، وهمست:
"اشتقت للثرثرة، إلى متى ستظل مجافيني؟!"
تبسم قائلًا:
"يا لكبريائك اللعين يا ربى، اعترفي بالحقيقة."
"أي حقيقة؟"
يود لو يقول لها: قولي أنك اشتقت لي كما اشتاق هو، لكن عاد عقله لتوازنه يوبخه. أي اشتياق هذا، لقد عاد حبيبها القديم، لم تعد بحساباتها.
"بيجاد."
نادته بعد يأس من أن ينجلي صمته اللعين. يدها امتدت تحاوط ذراعه الأيمن الذي يضعه في جيب معطفه الشتوي الثقيل.
"حسنًا اشتقت لك، هل رضيت الآن؟"
"أنا راضي بكل حال معك يا ربى."
اتسعت عيناها ما أن هطلت الأمطار مجددًا، أنها تمطر منذ يومان.
"إنها تمطر مجددًا، ليتنا بالعاصمة كنت..."
صمتت بتردد، لقد وعدت نفسها بألا تتمرد مجددًا، ولا تندفع، يكفيها ما حدث معها حينما انجرفت وراء العاطفة. لقد ضاعت كل أمانيها كلها وانهار عالمها، وخسرت كل ما بنته لأعوام في سبيل تعاطفها. تمردها من أوصلها لهنا، لكنها لم تعد ساخطة، فخلف كل بلاء ظنته لن ينجلي عوض مختلف، ووجوده بجانبها كان أكبر عوض.
سار معها حيث النافذة، هي تتأمل المنظر البديع وهو يتأملها هي. تلاقت نظراتهما معًا لتتحدث العينان بما تخفيه القلوب الهائمة.
"إنها تمطر بغزارة يا بيجاد."
"إنها تمطر من حنين قلبي وعشقي لكِ يا ربى."
طالت نظراتهما معًا ككل مرة، قبل أن تبدأ هي تحكي حكايتها مع ماضيها بالتفصيل له؛ لتروي فضول قلبه العليل بها، وبكل ما يخصها، ومنه تروي ظمأها للثرثرة معه.