الفصل 4 | من 10 فصل

رواية انذار بالحب الفصل الرابع 4 - بقلم نور زيزو

المشاهدات
20
كلمة
3,672
وقت القراءة
19 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

تأفف "سُليمان" غيظًا بعد أن سمع حديث "سميرة" عن هذه الفتاة المتمردة وقال بأغيظ: -يعني إيه؟ اتصرفي يا سميرة خليها تاكل أي حاجة. هتفضل قاطعة الأكل كده لحد امتى؟ فهميها إن طريقتها دي مش هتغير قراري، هي مش هتطلع من هنا يعني مش هتطلع. واللي عايزاه تعمله، فخليها تاكل وتعيش لحد ما يجي ليا مزاجي وأخرجها بدل ما تخرج من هنا جثة. سمعته "نور" من الداخل وأستشاطت غيظًا من حديثه وقسوته، ففتحت باب الغرفة وخرجت إليه غاضبة

وتتحدث بصوت مرتفع قائلة: -مزاجك إيه؟ أنت فاكرني جارية عندك ولا إيه؟ ولا تكون فاكر نفسك اشتريتني بفلوسك.

ألتف "سُليمان" إليها بزمجرة، منفرًا من النظر إليها حتى صوتها يشمئزه. رمقها بنظرات خبيثة ماكرة تحمل الكره والغضب من كل شيء بها وبحياتها الرمادية كما علم. فتاة بحجم عقلة الأصبع، رغم هدوئها حياتها تعيسة كما سمع من "زين"، إلا أنها قوية بقدر ضعفها. فتاة لم يقابل مثلها من قبل، تحمل الشيء ونقيضه في نفس ذات اللحظة، تبكي وتتشاجر في نفس اللحظة، تصرخ وتكتم أوجاعها في نفس البرهة. شعور الذنب يقتله منذ أن رأى صورها الممزقة والتهديد الصريح له بقتلها. ما ذنبها حتى تعيش هذا الحياة، لكنه لا يملك خيارًا آخر سوى تحمل حمايتها حتى يقضي على عدوه.

نظر "سُليمان" إليها بصمت، منتظرًا أن تبوح بما تحمل في طياتها، ربما تهدأ وتتقبل الوضع. نظرت "نور" إليه بضيق من صمته الذي يثير استزفزها أكثر وأكثر، فقالت بضيق: -ما ترد، إيه البرود ده.

عقد حاجبيه بغيظ شديد من كلمتها، بينما أندهشت "سميرة" من طريقته وأتسعت عينيها حين مسكها "سُليمان" بقوة من ذراعها وجذبها إليه غاضبًا، وعينيه يتطاير منها الشر والمكر. فأبتلعت "نور" لعابها من الخوف حين قبض عليها كالأسد الذي حصل على فريسته للتو وعلى وشك ألتهمها بأسنانة ونيران غضبه. تحدث بنبرة مرعبة قائلاً:

-أنا مش هتحملك كتير، وأوعي تفتكري أن لسانك الطويل ده هيأثر فيا ولا هيخليني أرجع في كلامي. أنتِ لسه على نيتك، متعرفيش أنتِ فين ولا واقعة مع مين؟ أنا الحاجة اللي بتجيبلي صداع بدفنها في الأرض، فبلاش تستعجلي على المتر في متر اللي هتتحطي فيها.

فدفعها بقوة بعيدًا عنه، فأمسكت "سميرة" بها قبل أن تسقط. وكانت "نور" ترتجف خوفًا من هذا الرجل الصلب المرعب، جحوده وقسوته تقتل من يقف أمامه. ولو كانت المشاعر تقتل لكانت "نور" للتو جثة هامدة من جحوده. ذهب من أمامها لتبتلع "نور" لعابها وصرخت به حتى يسمع كلماتها: -حسبي الله ونعم الوكيل فيك، أنا بسببك هسقط في الكلية يا ظالم، الله يلعن اليوم اللي قابلتك فيه... ياريتني سبتك تموت.

عادت إلى غرفتها باكية، رغم أنه سمع حديثها وألتف قبل أن يغادر المنزل ليراها تسير إلى غرفتها باكية. خرج بعد تنهيدة قوية من المنزل وسار إلى هذا المخبأ الذي يحمي به رجاله. وفي طريقه ظل يفكر في حديث "زين" عن حياتها وكم تسعى جاهدة للتخرج من الكلية لأجل الحياة والاستقرار. لم تغب للحظة واحدة عن عقله في التفكير، كيف يساعدها ويحميها من أذى هو السبب به بنفس الوقت. ***

خرجت "منه" من المحاضرة عصرًا وذهبت إلى المستشفى مع أصدقائها. وهناك وجدت "زين" يقف ينتظر أحدًا. ذهبت نحوه مسرعة وكان ينظر في الهاتف ومتكئ على سيارته واضعًا نظارته الشمسية على عينيه. وقفت أمامه وقالت ببرود: -كابتن. رفع نظره سريعًا حين سمع صوتها ونزع النظارة عن عينيه قائلاً: -هو أنتِ؟ -آه، فين نور؟ بقالك أكتر من 15 يوم مختفي مع أنك وعدتني تأخدني ليها أو تجيبها. تأفف بهدوء ولم يجيب عليها، فسألته بفضول أكثر:

-طب هي هتيجي الامتحانات ولا لا؟ دي ممكن تعيد السنة كلها لو متجتش. تنهد "زين" بهدوء شديد وهو لا يملك جوابًا، فإذا لم يأذن لها "سُليمان" بنفسه بالحضور لن تستطيع أن تضع قدمًا واحدة خارج منزله. أنتبهت "منه" لشروده فرفعت يدها قليلًا إلى ذراعها لتحركه بلطف قاطعة شروده حين قالت: -أنت سامعني؟ أومأ إليها بنعم عاجزًا عن إفادتها نهائيًا، فقالت: -أنت قلتلي اسمك إيه؟

نظر مطولًا لعينيها، هذه الفتاة الجميلة التي شغلته من أول لحظة رآها بها. فتاة سرقت عقله بعينيها البنية الواسعة وحجابها الذي يزين وجهها الدائري. مرتدية فستان أسود وفوقه سترة جينز وحذاء أبيض رياضي بحقيبة ظهر صغيرة الحجم، وتعلق بذراعها البالطو الأبيض الخاص بها. سألها بحيرة من أمره: -فطرتي؟ تعجبت لسؤاله وأستقامت بظهرها في وقفتها بانتباه لسؤاله، ثم قالت بتردد: -لسه، ليه؟ -تعالي أفطرك.

قالها وألتف لكي يفتح باب سيارته، وأنبأ أنها لم تتحرك خطوة واحدة. فقال: -اركب يا منه. تنحنت بحرج من نظراته وقالت بحدة ووجه عابس: -والله ودا بإمارة إيه؟ أكيد مش هركب ولا هروح أفطر مع حد معرفهوش، أنت مين عشان أفطر معاك ويبقي عيش وملح. -بلاش وأسف ليكِ.

قالها بحدة ثم صعد إلى سيارته وأنطلق في طريقه بعيدًا، مهمومًا بقلب منقبض جعله يأتي إليها، لأجل رؤيته فقط. وهذا ما أصابه بألم، فشخص منبوذ مثله لن يجد منها الحب ولن تقبل به فتاة مثلها في حياته. نظرت إلى سيارته وهي تغادر بأندهاش، فلم يصر على طلبه أو محادثتها. قوست شفتيها للأسفل بحزن شديد فقالت: -في داهية.

دلفت للمستشفى عابسة لتُصدم برؤية "نيللي" فأبتلعت لعابها بقلق وأستعدت لأستقبال حديثها بلا فائدة أو أهمية. أقتربت "نيللي" منها وقالت بقلق مصطنع: -نور فين يا منه؟ تنهدت "منه" بأختناق شديد ثم قالت: -وأنا هعرف منين؟ هو أنا اللي طردتها من البيت؟ ما تروحي تدوري عليها بعيد عني. -نور مالهاش حد غيرك يا منه، متعمليهمش عليا.

قالتها "نيللي" بأختناق، فتأففت "منه" بضيق أكثر من هذه المرأة. ورغم كل شيء، فلعته مع صديقتها، ما زالت تمثل دور الأم والاهتمام الكاذب في عينيها. تنهدت "منه" بأشمئزاز وقالت بحدة: -قلت لحضرتك معرفش، وعن إذنك عشان مش فاضية. ذهبت "منه" خلف أصدقائها تلحق بها. خرجت "نيللي" من المستشفى غاضبة ثم صعدت بسيارة منتظرها على الطريق، وكان بداخلها "عامر". فقالت بضيق: -برضو مصرة أنها متعرفش، هتكون راحت فين نور؟

دي متعرفش حد ولا عندها صحاب غير منه ومعهاش جنيه واحد تأجر به مكان حتى ذهابها وتليفونها في البيت. قولي واحدة مطرودة حافية ومتملكش حاجة غير البيجامة اللي عليها، هتروح فين؟ تأففت بضيق ونظرت من النافذة. ***

جلست "نور" في غرفتها غاضبة وبداخلها نيران تأكل جوارحها. نشبت هذه النيران بين ضلوعها تحول كل ما بداخلها إلى رماد، تبقى من حريقها. الأيام تمر وهي حبيسة هنا بين قبضان منزله. أقتربت الامتحانات ومستقبلها على وشك الدمار. لا تعلم أي دمار واحتلال احتله هذا السليمان لأيامها وحياتها بالإكراه والقوة. لما يمارس قوته وتسلطه عليها؟ قاطع تفكيرها صوت المفتاح بالباب. فتحت "سميرة" الباب ووضعت الطعام أمامها على الفراش ثم قالت:

-كُلي يا بنتي، أنتِ في الأيام اللي قعدتيها هنا خسيتي النص ووشك دبل. -مش هاكل حتى لو وصل الأمر أني أموت من الجوع. قالتها "نور" بنبرة غليظة حادة والتمرد يتملكها الآن. تنهدت "سميرة" بهدوء ثم جلست أمامها على الفراش وقالت بهدوء: -معلش يا بنتي، نصيبك وقدرك، إن شاء الله تتحل من عند ربنا.

تنهدت "نور" بأختناق ودمعت عينيها بحزن على ما يحدث معها. ورغم كل شيء تحملت وقبلت بكل بلاء جاءها، لكن الآن ستخسر حتى كليتها، فأي قدر قاسي هذا كتب لها. تمتمت بحزن شديد: -أنا استحملت كل حاجة حصلت في حياتي عشان الكلية وقولت هستحمل قساوة كل الناس وكل الخسائر عشان أنجح بس، حرام هو يعمل فيا كده، بيردلي جميل أني أنقذته وساعدته بتدمير حياتي، أنا غلطانة يعني أني نجيته وأنقذت حياته بيعاقبني أني السبب في أنه لسه بيتنفس.

جففت "سميرة" دموعها بلطف بأبهامها ثم قالت بلطف: -هتتحل يا حبيبتي، أنتِ بس قدرك اللي جمعك مع سليمان الصياد، والحمد لله أنك مسمعتيش عنه قبل كده. نظرت "نور" إليها بحيرة من كلماتها وهي لا تفهم شيئًا من هذه الكلمات، فماذا به حتى يتحدث الجميع عنه بهذا الخوف ولما دائمًا يصفوه بالرعب كأنه وحش. لتقول: -ماله؟

أبتلعت "سميرة" لعابها بهدوء ثم غادرت الغرفة قبل أن تجيب عليها. لم تتحمل "نور" سجنها في منزله. فتحت شاشة التلفاز على قناة الأغاني ورفعت الصوت لأقصى درجة، ثم مسكت المقعد وكسرت النافذة. ونظرت قليلًا على الباب لتتأكد أن "سميرة" لم تسمع صوت الانكسار، وتسللت من النافذة لتجرح قدمها في أسفل الركبة اليسرى من حافة قطعة الزجاج، لتصرخ بصوت مكتوم. وجلست على الأرض تتألم، لكنها تحملت ووقفت تزحف بصعوبة على الأرض. كان المكان خالي من أي شيء ولا أثر لأي طريق قريب، فظلت تركض رغم جرحها بعيدًا عن منزله.

كان واقفًا في غرفته يفكر في كلماتها وما سمعه من "زين" عن حياتها التي تتوقف على نجاحها في الكلية. فتح باب الدولاب ليغير ملابسه فوجد بها وشاحها الوردي المليئة بدمائه، وكانت ترتديه في هذه الليلة الرعدية وأنقذته به. مسك الوشاح وأخرجه من الدولاب لتسقط منه الوردة الحمراء التي أخذتها من السيدة العجوز الدجالة التي أخبرتها عن الحب وأنذرتها من قدوم حب ملأ بالمخاطر وسيعرضها للوجع والحزن رغم مشاعره الجميلة التي ستملكها بقلبها البريء. تنهد باختناق وحيرة ثم أرتدي قميصه الرمادي وخرج من الغرفة تاركًا الوشاح بوردته على الفراش التي سقط منها ورقة حمراء لم تذبل بعد وتحمل بداخلها كلمات قليلًا "سيطيب القلب بحب الجميلة يا وحش".

ترجل للأسفل ووجد "سميرة" جالسة تشاهد مسلسلها الهندي، فسأل بهدوء: -هي فين؟ -في أوضتها منشفة دماغها زي ما هي، أنا تعبت منها شوفلك حل معاها بقى.

تنهد بهدوء ثم أتجه إلى الغرفة حاسمًا أمره على تركها تذهب للجامعة من أجل مستقبلها. ولأول مرة "سليمان الصياد" يتخلى ويتنازل عن أمر صدره لأجلها هذه الطبيبة. كأنها جاءت لتعالج جرح قلبه وحياته عوضًا عن جرح جسده. دق الباب بلطف بعد تنهيدة يحكم أعصابه عليها حتى لا تبكي كالأطفال كما هي. مرات متتالية ولم يجد جوابًا منها أو صوت، ففتح الباب بضيق ودلف "سليمان" إلى الغرفة الخاصة بها ليُصدم عندما وجد الغرفة فارغة والنافذة مكسورة.

أقترب من النافذة بذعر ليري أثر دمائها وقطعة من فستانها عالقة في قطعة الزجاج. نظر إلى الطريق فرآها بعيدًا وقد أقتربت من وكر رجاله. فتنهد بأختناق وركض للخارج مسرعًا والخوف تملكه في هذه اللحظة من ذهابها إلى هناك. أنتفضت "ميرة" بذعر من جريه بلهفة والخوف يتملكه، متعجبة مما حدث ودخل للغرفة ورآها فارغة. ركض كالمجنون حتى يلحق بها قبل أن تدخل إلى هذا المكان الملغم بالرجال وهو لا يثق بما سيفعلون عندما يرونها. ولأول مرة يعترف

بأنها جميلة وجمالها قد يوقعها في مصائب مع هؤلاء الرجال المحرومين من النظر إلى أي أنثى. فماذا إذا سقطت عليهم فتاة من أجمل مخلوقات الله سبحانه الذي أبدع في خلقها حتى تخطف نظر كل من يراها.

سمعت "نور" صوت من داخل هذا المكان فتمنت أن يساعدها أحد في الهرب من هنا. وجدت الباب مفتوحًا فدلت وهي تتألم من قدمها ودماءها التي تسيل على قدمها بغزارة من الجرح، لكنها صُدمت عندما رأت هذا العدد من الرجال الأقوياء وأجسادهم الضخمة، ولا تُصدق أنها تقف أمام حلبة مصارعة خاصة بالرجال. والجميع يتقاتلون، والقليل يجلسون هناك على الأريكة والمقاعد يتسامرون ويضحكون. أتسعت أعين الجميع عندما رأوا فتاة في هذا المكان المهجور وكيف ظهرت هذه الفتاة هنا؟

أبتلعت "نور" لعابها بخوف وتشبثت بفستانها المقطوع من قدميها تداري جسدها وحجابها الفوضوي. عادت خطوة للخلف لكنها صُدمت بجسد قوي ألتفت إليه بذعر وقالت: -أنا آسفة، جيت غلط. تبسم هذا الشاب بمكر حين رأى ملامحها الجميلة وبراءتها، فقال بمكر: -ولا يهمك، تحبي نساعدك في حاجة. أقترب منها خطوة وهو يتمتم لها بخبث: -إحنا تحت أمرك والله في أي حاجة كدة ولا كدة. قالها وهو يضع يده على ذراعها لتنتفض بذعر وعادت للخلف بخوف

منه وقالت بأرتجاف واضح: -شكرًا. حاولت أن تمر؛ لتخرج من هذا الوكر الذي وقعت به، لكنه منعها وأقترب أكثر لتعود خطوة للخلف مما جعلها تتسلل للداخل رغمًا عنها حتى ألتف القليل حولها والبقية يضحكون متراقبين ما سيفعلون أصدقائهم. حاول أحدهم لمس ذراعها فصرخت بذعر، بينما أقترب نفس الشاب يراوغها حين مسك طرف حجابها بغزل وقال: -استني بس هنتكلم من غير خوف، أنتِ خايفة من إيه يا حلوة؟ يخربيت جمالك.

حاولت دفع يده ليجذب حاجبها بقوة فأنتزع في يده. أرتعبت "نور" منهم وحاولت إخفاء شعرها بيديها. وللحظة شعرت أنها ستموت هنا ولا تملك سواه هذا الوحش، فوحده من يشعر بالأمان الآن. فرغم قسوته ووحشته، لكنه لم يجرأ على لمسها أو إهانتها بهذه الطريقة المرعبة. فقالت بتلعثم ودموعها تتساقط من جفنيها الصغيرين على وجنتيها: -أنا عايزة أروح عند سليمان. أبعد الجميع فور ذكرها لاسمه، وبهذه المنطقة لا يوجد "سليمان" إلا واحد...

رئيسهم المرعب الذي سيقتلهم إذا كانت هذه الفتاة تخصه حقًا. تشنج جسد الشاب وتصلبت يديه الممسكة بحجابها بعد سماع اسمه، وأقترب أكثر منها بنية الاعتذار وتقديم الحجاب لها خوفًا من غضب هذا الرجل الذي سيفصل رأسه عن جسده بعد قطع يده التي لمستها إذا علم بما فعله للتو معها. لكن "نور" أرتعبت أكثر حين تقدم ودفعته بقوة بعيدًا عنها صارخة بها بذعر قائلة: -إياك تلمسني تاني يا حيوان...

بنفس اللحظة التي فُتح بها باب المكان الحديدي، وكان "سليمان" الذي سمع جملتها ورآها تدفع هذا الشاب أرضًا وفي يده حجابها. أستشاط غيظًا من تصرف رجاله وزاد غضبه عندما رأى شعرها الأسود رغم نعومته فوضوي من سحب الحجاب عنه منسدل على الجانبين بعشوائية. أبتلعت لعابها بذعر ورأته هناك، مما جعل قلبها ينتفض بأرتباك وطمأنينة قليلة أنها ستنجو من هؤلاء الذئاب. ودون أن تشعر ركضت إليه مرتعبة من هؤلاء الرجال، وكل من ألتف حولها حاول لمس

جسدها الصغير. أرتطمت بجسده دون وعي فتشنج "سليمان" من فعلتها، لكن سرعان ما أستوعب الأمر بعد أن سمع صوت بكاءها وأنهيارها ويديها تتشبث بملابسه من الخلف بأناملها الصغيرة بأحكام ليدرك قدر الخوف الذي تملكها من رجاله. نزع قميصه عن جسده وعينيه ثابتة على هذا الشاب الذي يمسك حجابها ووضع القميص فوق رأسها يخفي شعرها عن أنظار الجميع لتتشبث به جيدًا. أبعدها عنه بلطف وتقدم للأمام بخطواته لينحني الجميع له، وهي لا تفهم سبب أتصالها

بهذا المكان وكيف علم بوجودها هنا؟

رأته يمر من جانب طاولة مليئة بالأسلحة الحديدية كالسكين والساطور والمطرقة وغيرهم... سحب سكينًا من فوقه وقطع أصابع هذا الشاب بحركة احترافية ليسقط الحجاب منه أرضًا، فصرخت "نور" بذعر، بينما صرخ الشاب بألم. مسك "سليمان" فك وجهه رغم ألمه ولا يبالي بصراخ هذا المختل الذي شجعه عقله على لمسها ومضايقتها، ثم قال بنبرة عالية هزت جدران المكان وجعلت "نور" تنتفض من قوتها: -مين سمحلك تلمسها؟ هاااااا!

أرعب الجميع من صرخته الأخيرة وألقى بالسكين لقائد هؤلاء الشاب وكأنه يخبره برسالته. وقال بحدة: -أنا اللي يخالف أوامري ميت ومالهوش عزاء. ألتف لكي يغادر وعيناه ترمقها، تقف أمامه مصدومة من فعلته وكيف قطع أصابع هذا الرجل بهذه السهولة. ظلت تنظر نحو الشاب وقائده يقترب منه، فأخذ "سليمان" رأسها يدفنها في صدره رغمًا عنها وقال بجدية صارمة هامسًا إليها: -متبصيش.

سكنت بين ذراعيه بخوف وقد ترجم عقلها ما سيحدث الآن. حاولت أن تنظر خلسًا بخوف يقوده الفضول لتري هذا الشاب أصبح جثة على الأرض بعد أن طعن بالسكين في قلبه، فحاولت استيعاب الأمر وأهتز جسدها من هول الصدمة ليتشبث بها "سليمان" جيدًا قبل أن يغلبها الخوف وأثر الصدمة وأنحني قليلًا لكي يحملها. خرج بها وهي على ذراعيه من المكان كالجبل الجليدي لا يشعر بشيء. تطلعت به قليلًا وهي لا تصدق حقيقة هذا الرجل الذي وقعت معه، وقد أدركت للتو معنى تحذير الجميع لها عنه؟

وضعت رأسها على كتفه من التعب مستسلمة للخوف الذي احتلاها وقالت بتلعثم: -أنت هتموتني زيه؟ نظر "سليمان" إليها ورأى وجهها شاحبًا وبدأ جسدها يرتجف، وهذه الرجفة احتلت صدره منها، فقال بهدوء: -سألتي مين بيكون سليمان الصياد؟

أنا قاتل يا دكتورة واسم الصياد دا مش من فراغ، فلو كان شغلك إنقاذ الناس فشغلي أنا قتلهم. ملعون القدر اللي جمعك بيا وأنتِ من عالم غير عالمي ودنيا غير دنيتي، أنا دنيتي مفهاش حد ببراءتك ولا طفولتك، أنا دنيتي فيها وحوش وذئاب. تمتمت بصعوبة في التنفس مما تسمعه وتعيشه الآن وقد رأت بأم عينيها حقيقته المرعبة: -حرام نلعن القدر، ربنا يزعل مننا... اااااه.

أغمضت عينيها بأستسلام للألم الذي يحتلها الآن. نظر إلى وجهها بعد أن فقدت الوعي كليًا ودلف بها إلى المنزل لتراها "سميرة" ففزعت من هيئتها وملابسها الممزقة وقميصه الذي وقع عن رأسها ليظهر خصلات شعرها. فتحت له باب الغرفة ووضعها بالفراش ثم قال: -هاتي الإسعافات الأولية يا سميرة. أومأت إليه بنعم ثم خرجت مسرعة. تطلع بوجه هذه الفتاة ووضع الغطاء عليها يخفي أقدامها العارية من فستانها الممزق ثم غادر الغرفة مسرعًا. قابله "سميرة"

فقال بجدية: -فوقيها عشان تعالج نفسها، أنا مش هجيب دكاترة يا سميرة أو سيبها تموت عشان أخلص من همها. علم "زين" بما حدث وكيف قتل أحد رجاله بسبب طبيبته الصغيرة. سأله "زين" بأندهاش: -أنت فعلًا عملت اللي سمعته؟ صرخ "سليمان" وقد فاض أمره وباح بما يحمله من غضبه تاركًا العنان له قائلًا: -إزاي يتجرأ ويلمسها رغم أنها قالت له عايزة سليمان، عرف أنها تخصني وأتجرأ ولمسها.

تأفف بانفعال مما أدهش "زين" وخصوصًا من كلمته "تخصني"، منذ متى وهذه الفتاة تخصه وهو لم يتعرف بقبولها كطبيبة له حتى؟ للحظة شعر أن صديقه على حافة الوقوع ببئر العشق الذي لا سبيل للخروج منه. لا يعلم كيف جعلته "نور" الفتاة البريئة أن ينطق كلمة "تخصني" بهذه السهولة وهو من حرم الحب على رجاله وأصدر الموت عقوبة للعشق، فمن يعشق هنا يقتل؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...