تحميل رواية «انتقام خاطئ» PDF
بقلم نيفين بكر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حُبُكِ يا عميقةَ العينين تطرفٌ... تصوفٌ..... عبادة حُبُكِ مثلُ الموتِ والولادة صعبٌ بأن يُعادَ مرتين عُدي على اصابعِ اليدينِ ما يأتِ فأولاً، حبيبتي انتي يوثانياً، حبيبتي انتي وثامناً، وتاسعاً، وعاشراً حبيبتي انتي، انتي حبيبتي انتي ياربُ قلبي لم يعد كافياً لأن من أحبها تعادلُ الدنيا فضع بصدري واحداً غيرها يَكُونُ فيه مساحةِ الدنيا بعد ان انتهت الكلمات قبلها فهد عل جبينها والبسها اسوار من الالماس وقبل يدها فهد: كل سنه وانتي طيبه حبيبتي ملك بابتسامه رقيقة: وانت طيب ي حبيبي يارب العمر كله مع بعض تعا...
رواية انتقام خاطئ الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نيفين بكر
بعد أسبوع من الأحداث، أبطالنا على ملك وفهد وغريمتها. لا يزال فهد يهتم بابنته دونا عن غيرها. على وعد وعز، أخبروا الجميع بحمل وعد، ففرحوا جميعًا.
أما أدهم ورحمة، قرروا أن يتموا زواجهم، وقد حدد بعد شهر.
أما آدم وسديل، فكما هما، يجمعهما حب الطفولة ويكبر يومًا بعد يوم.
أما أحمد ومهجة، فكانوا سعداء، فأخيرًا تلاقوا بعد فراق.
أما العاشقان سليم وسيلا، فهي كما هي، تعانده ليس أكثر.
كان موعدها مع الطبيبة في عيادتها. كانت ممددة على السرير، والطبيبة تقوم بوضع الجيل عليها وتمرر ذاك الذراع حتى تتمكن من الكشف على الجنين.
سيلا: .... أي الأخبار يا دكتورة؟
الطبيبة: إحنا كويسين، بس من دلوقتي بقولك الكورسيه ده خطر، ماينفعش يتلبس تاني.
سيلا: (بقلة حيلة) حاضر، بإذن الله.
بعد الكشف عليها، اعتدلت ونهضت من على السرير وجلست على المقعد أمام الطبيبة، وهي تكتب لها في الروشتة بعض الفيتامينات.
الطبيبة: (بعملية) فيه حقنة هتاخديها الشهر ده.
سيلا: أنا أخدت الشهر اللي فات وتعبتني بصراحة.
الطبيبة: معلش استحملي عشان حبيب ماما.
سيلا: (بخوف طفولي) هو مفيش حاجة غير الحقن؟ ممكن يعني كبسولات أو شراب؟
الطبيبة: (وهي تضحك عليها) إنتي بتخافي من الحقن؟ طب أحب أطمنك بقي، مشوارنا طويل لسه.
سيلا: (ابتلعت ريقها وقالت) ربنا يستر.
ثم أردفت دون وعي منها: .... هو اللي كان بيهونها عليا.
الطبيبة: هو مين؟
سيلا: هااا؟ لا مفيش.
أكملت الطبيبة حديثها قائلة: إنتي ليكي أول حمل حقنتين، الأولى في الشهر الخامس والتانية في الشهر السادس، وإحنا بدأنا في أسبوع منه. الأكل تهتمي بيه أكتر من كده.
سيلا: (بضحك) ده أنا مخلصة على الأخضر واليابس.
في البيت.
الطبيبة: (وهي تضحك على كلام سيلا) بطلنا بيكبر ولازم يتغذى.
سيلا: (بفرحة) هو هو ولد؟
الطبيبة: أيوه ولد، فرحانة؟
سيلا: (بسعادة الدنيا) أيوه الحمد لله.
وقالت في نفسها: يا ريت يا سليم كنت معايا عشان تفرح زي ما أنا فرحانة.
رجعت لعقلها مرة أخرى وقالت: لأ مش لازم تعرف، لأنك لو عرفت هترجع وهيبقى عشانه وبس. أنا عاوزاك ترجع لوحدك وتعترف بغلطك معايا.
أخرجتها الطبيبة من شرودها وقالت: الروشتة اهي، وإن شاء الله ماتنسيش معاد الحقنة.
سيلا: (وهي تنهض) بإذن الله.
شكرتها وبعدها استأذنت منها.
في سيارتها، كانت شارده أيضًا. فكيف ستقول لهم؟ وكيف ستتخطى غضبهم منها؟ وإن لم تفعل، فإلى أين تذهب حتى لا تُكتشف؟ فهي تريد أن تلد ولا يعلم بأمرها حتى ترجع له بارادتها، بعد أن يعتذر منها ويعترف بالخطأ الكبير الذي فعله بها.
كان الطريق الذي تسير فيه كان مزدحمًا جدًا، وهي لازالت شارده، حتى سمعت اصطدام سيارتها بسيارة أخرى. كان رجل في أواخر الأربعين تقريبًا. أوقف سيارتها بعدما نزل وظل يهلل عليها ويتكلم معها بصراخ.
الرجل: طالما مابتعرفوش تسوقوا، بتتهببوا وتركبوها ليه؟
سيلا: (بزعر من صراخ الرجل وتجمهر الناس أمام سيارتها) أنا آسفة، ما أخدتش بالي.
الرجل: آسفة آسفة؟ دي تطلع إيه؟ والله ما أنا سايبك، للي في القسم.
سيلا: قسم؟ لأ من فضلك، أنا مش بتاعة الكلام ده. شوف حضرتك عاوز إيه وأنا هعمل اللي تطلبه.
الرجل: العربية اتخبطت ولازم تروح لميكانيكي.
سيلا: (بتوتر) طب والمطلوب مني؟
الرجل: المطلوب منك إنك تيجي معايا للميكانيكي وتدفعي المطلوب.
سيلا: لأ حضرتك، انت شوف هي هتتكلف كام، وده الكارت بتاعي، فيه رقمي ومكان شغلي، وابعت الفاتورة وأنا هتكفل بكل حاجة.
الرجل: (بعدم تصديق، فهو يظنها تتهرب) لأ يا حلوة، هتيجي معايا عند الميكانيكي، لا هسلمك للقسم.
سيلا: من فضلك استنى، هتصل ببابي وهجيبلك الفلوس اللي انت عاوزها.
الرجل: (بقلة صبر) اتفضلي، لما نشوف.
التقطت هاتفها من حقيبتها، ولكنه قد نفذ شحن بطاريته.
سيلا: (بخوف) الفون فصل. ممكن تيجي معايا أديك الفلوس اللي انت عاوزها.
الرجل: (وهو يقبض على المفتاح وينزعه من مكانه) وربنا ما إحنا منقولين من هنا إلا على القسم.
وفعلًا، اتصلوا على الشرطة وأخذوها في البوكس.
دخلت سيلا ببكاء متقطع للضابط وقالت: ممكن فونك أتصل على بابي.
الضابط: (وهو يرى تعبها وتوترها) اتفضلي اقعدي وخذي الفون واتصلي باللي انتي عايزاه.
اتصلت هي على أبيها وأخبرته بما حدث لها، فأغلق الهاتف بعدما طمأنها وأخبرها بقدومه. وأخبر الضابط بكنيتها حتى لا يتعرض لها أحد.
بعد دقائق، دخل هو المكتب كالإعصار وهو يقول بلهفة: سيلا حبيبتي، فيكي إيه؟
سيلا: (وهي تنهض ببكاء وشهقات عالية) سليم، الحقني. وارتمت على صدره.
سليم: (وهو يربت على ظهرها ويهدئها) اهدي بس وكلميني، حد كلمك؟ حد ضايق؟
قالت: لأ.... (من بين شهقاتها) أنا خبطت وواحد وهو جابني على هنا. أنا ما أقصدش والله.
سليم: طيب اهدي ي حبيبتي.
ثم توجه للضابط، الذي أول ما رأى سليم هب واقفًا وأعطاه التحية وقال: سليم بيه، ماتقلقش، محدش ضايق الآنسة.
سليم: دي المدام.
الضابط: أنا آسف، هي ما قالتش كده ليه من الأول.
الرجل: (بصراخ) يعني خلاص العربية اللي حيلتي اتكسرت على إيد مرات حضرة الظابط كده؟ حقي وحق عيالي راح.
سليم: (بغضب) مين قالك إننا هنضيع حقك؟ شوف الخسارة قد إيه وأنا متكفل بكل حاجة.
الرجل: أنا ما أعرفش هتتكلف كام.
تكلم معه الضابط بزعيق وقال: حضرة الظابط قالك خلاص هيعملك اللازم، بلاش كتر كلام.
صمت الرجل بقلة حيلة، فكان يظن بأنه لن يحصل على أي تعويض.
أخذ سليم سيلا وخرج بها من مركز الشرطة وأجلسها في سيارته، وهي لازالت تبكي.
سليم: اهدي بقى، كل حاجة اتحلت.
سيلا: والله ما كان قصدي يا سليم، أنا لقيته فاجأة قدامي. أنا كنت هقتله. (وزادت في البكاء).
سليم: (بحنان) طب خلاص بقى، قدر الله وما شاء فعل. تعالي نقعد في أي حتة نشرب عصير.
لم تتكلم، ولكنه كانت مستكينة على صدره. ابتعد عنها برفق وقاد السيارة إلى الكافيه، ودخلوا وأجلسها وطلب عصير لها حتى تهدأ.
بعد مدة، كفت عن البكاء.
سليم: هديتي؟
أومات هي وقالت: أيوه.
أخذ سليم نفسًا عميقًا براحة وقال: أنا اتصلت على عمي طمنته.
سيلا: شكرًا على اللي عملته.
سليم: (وهو يرفع حاجبًا) شكرًا؟
سيلا: (كي تغيظه) أيوه، شكرًا إنك وقفت معايا.
سليم: (وهو يجاريها) العفو، أنا ما عملتش غير الواجب.
سيلا: (بغيظ) أنا اتصلت على بابي، مش عارفة قالك ليه؟ ما كنتش عاوزة جمايل من حد.
سليم: (ببرود) معلش بقى، هنعمل إيه؟ هي الظروف اللي بتحطنا في المواقف دي، بس مضطرين نسيب أشغالنا والحاجات المهمة عشان نفض خناقة.
سيلا: (بغضب طفولي) تفض خناقات؟ طب متشكرة وعن إذنك، أنا عاوزة أمشي.
قالتها وهي تنهض.
سليم: (بصوت جهوري وهو يبرق لها عينيه) سيلا، اقعدي مكانك، وحسبي عينك تعمليها وانتي قاعدة معايا.
جلست هي برعب منه، وقالت بتلجلج: أنا... أنا اتأخرت ومامي زمانها قلقانة عليا والفون فاصل.
اتصل سليم على جني وأعطى سيلا الفون وقال: كلمي جني وطمني.
أخذت هاتفه، وبعد أن طمأنتها، أعطته الهاتف وشكرته مرة أخرى. فنظر لها نظرة متوعدة أربكتها.
سيلا: مش هنقوم؟
سليم: لما تكملي كوبايتك.
ارتشفت آخر حبة عصير في الكوب ومسحت فمها بالمنديل، وقبل أن تقول شيئًا، نهض هو ووضع نظارته والتقط هاتفه ومفاتيحه وقال لها: تعالي ورايا.
تابعته هي بغيظ على بروده معها.
بعد عدة أيام.
في غرفة مهجة وأحمد، كان نائم مستكين في فراشه، حتى جاءت مهجة وهي تتسحب وتشعل بعض من ألعاب الأطفال النارية (البومب والصواريخ يعني). وألقت بها بجانب سريره. أحدثت الألعاب أصوات فرقعات عالية جعلته ينتفض من مكانه وهو يتلفت، قائلاً: إيه؟ في إيه؟ حصل إيه؟ هي الحرب قامت؟
ضحكت مهجة عليه بكل صوتها.
مسح أحمد على وجهه بكف يده بغيظ من تلك المجنونة التي أرقته في نومه.
أحمد: إنتي إيه ي بنتي؟ في حد يصحي حد كده؟
مهجة: (وهي لازالت تضحك وترتمي على الفراش) هههههههه شكلك يفطس من الضحك.
قال أحمد بتوعد وهو يجز على أسنانه: شكلي يفطس من الضحك؟ طيب.
قالها وهو يحملها على كتفه كالشوال، وتوجه بها صوب الحمام وفتح الدش عليها وهو حاملها، وهي تدبدب على ظهره بقبضة يدها وهي تصرخ وتقول: نزلني ي مجنون!
أحمد: أنا اللي مجنون؟ طيب هوريكي بقى الجنان اللي على أصوله.
أنزلها في حوض الاستحمام وهي تحاول أن تتملص منه وأغرقها بالمياه.
أحمد: عشان تحرمي تعملي كده تاني.
مهجة: (بصراخ من رذاذ الماء) الحق عليا، كنت عاوزاك تقوم تقعد معايا، بس بقى خلاص نام تاني.
توقف أحمد وقال بابتسامة ووله: طب ما كنتي تقولي كده من الأول.
مهجة: (بدلال) لأ، أوعى، إنت غرقتني.
أحمد: (وهو يقربها إليه أكثر) وفيها إيه؟ ما أنا كمان اتغرقت.
قالها وهو يمد يده ليزيح ملابسها عنها.
شهقت مهجة وقالت: إنت بتعمل إيه؟
أحمد: إيه؟ هخليكي تاخدي شاور، مش اتغرقتي؟
مهجة: (بدلال) لأ مش عاوزة، أنا زعلانة منك.
أحمد: (بهمس) طب ما أنا بصالحك أهو.
مهجة: (وهي تتصنع الزعل) ي سلام، عيلة صغيرة، أنا هضحك عليها.
أحمد: طب قولي عاوزة إيه وأنا أعملهولك.
قالها وهو يقبل كل سم ظهر من كتفيها عندما أزاح عنها الروب وظهر له قميصها المبلل الذي يصف جسدها أمامه بسخاء، جعله يرغبها وبشدة.
مهجة: بس بقى، الله. أنا غلطانة، إنت مالكش في الرومانسية.
أحمد: (وبدأت أنفاسه تتثاقل) إيه؟ رومانسية؟ إنتي مفهومك غلط ي حياتي عن الرومانسية. أنا أعرف عن الرومانسية بيصحوا على وردة، بوسة، مش صواريخ وبومب.
مهجة: (ضاحكة) لأ، معلوماتك عن الرومانسية قديمة أوي. يا سلام.
مهجة: (وهي تحاول أن تهرب منه) أحمد، بس بقى، الله.
أحمد: (قالها وهو يمسك بها)ابس إيه بس، تعالي هنا، مش إنتي اللي صحتيني؟ يبقى تستحملي.
قالها وهو يخلع عنه التيشيرت الذي كان يرتديه، ثم قربها منه مرة أخرى. جاءت لتعترض، ولكنه وأد اعتراضها بقبلة محمومة من قبلاته المهلكة تحت رذاذ الماء.
بعد لحظات، ابتعدت عنه قليلاً فوجدته ينظر لها بعينان غائمة، راغبة، متشوقة للقائها، فأخذت علبة الشامبو من خلفه وهو يقبلها، وأفرغت منها الكثير على شعره دون أن يدري، وهو سابح في بحور عشقها.
أفلتها وقال وهو يضع يده على عينيه: آآآه، عيني.
مهجة: (وهي تضحك وتبتعد عنه) ضحكت عليك، وهربت منه.
فقال بعد أن أزاح عنه الرغوة بتوعد: وربنا ما أنا سايبك.
و أسرع خلفها وهي تصرخ وتضحك في آن واحد. حملها هو وألقاها على الفراش وقال: وربنا ما أنا سايبك النهاردة.
فقالت وهي تضحك عليه وهي تتراجع: اعقل ي مجنون!
أحمد: ومين قالك إني عاقل؟ في حد عاقل يتجوزك؟
تحولت ملامحها وقالت وهي تجلس نصف جلسة وتضع يدها بخصرها: نننننننننعم ي أستاذ؟ تقصد إيه؟
أحمد: (في نفسه) شكلها هتقلب نكد. أقصد مفيش واحد يعرفك إلا لما تخطفي فيها قلبه وعقله. ي مهجتي.
مهجة: (أها، بحسب) لأ، وأنا هسيبك تحسب لوحدك.
مهجة: (بدلال) أحمد، بس بقى.
أحمد: (قالها وهو يقربها منه أكثر) ابس إيه، تعالي هنا.
ثم مال عليها ليأخذ شفتيها بين شفتيه بقبلات محمومة متتالية باستسلام تام منها وشغف وهوس منه. ظل يوزع قبلاته عليها بعدما أزاح عنها ملابسها كلها، ليذيقها أشد أنواع الحب قوة ولذة، فقط بين يديه. هو وحده من أدخلها عالم الكبار، أول من صك ملكيته عليها، من ختم اسمه على كل سم في جسدها، دون اعتراض منها أو ملل منه.
على مائدة الطعام، كان الجميع يجلسون على مقاعدهم.
ملك المتغاظة من فهد الذي يحمل طفلته. وعز بجانب وعد الفاقدة للشهية والتي يحاول أن يطعمها.
سديل التي تضع اللحم في طبق أدم. وأدهم الذي يأكل ولا يبالي.
وعمر الذي غمز ل جني على نظرات سليم لابنتهم.
أما هو، فكان يتابع كل تفصيلة بها، وظل يسأل نفسه: أين يذهب كل هذا الطعام؟ نعم، هي امتلأت قليلاً، ولكن... كانت هي تأكل بنهم شديد ولم تأخذ بالها من نظرات الجميع لها.
تركت الشوكة من يدها وقالت: ماما ملك، ممكن كوباية عصير من قدامك.
ملك: ها، حاضر ي حبيبتي.
كان هذا ثالث كوب تطلبه منها.
جني: سيلا حبيبتي، إنتي مليتي بطنك عصير كده؟ هتتعبي.
انتبهت سيلا عليهم وهم ينظرون لها، فقالت بحرج: احم، خلاص، أنا شبعت، هشرب دي وبس. أصل أنا بعمل مجهود كبير في الشغل، فعشان كده بجوع.
ملك: كلي براحتك حبيبتي.
رفعت عيناها له، فوجدته يضيق عينيه ولم يزيحها من عليها، فقالت بارتباك: أنا... أنا شبعت، هطلع أنام شوية.
صعدت هي كي تأخذ حمامًا.
فتح سليم الغرفة، وجدها بداخل الحمام وقد خلعت عنها ملابسها وحقيبتها وألقت بهم على الفراش بإهمال. لاحظ سليم الكورسيه، فاقترب منه وأخذه ليتحقق: ما هذا الشيء؟ ضيق سليم عينيه وهو يفكر: لماذا ترتدي سيلا هذا الكورسيه؟ ثم أخذ الحقيبة وفتحها، وجد بها الكثير من الفيتامينات الخاصة بالحوامل، وروشيتة باسم طبيبة تخصص أمراض النساء والتوليد.
شرد هو وقال في نفسه: إيه اللي هيخلي سيلا تروح عند دكتورة أمراض نساء؟ إلا إذا... اتسعت عيناه وقال: لازم أتأكد.
قفلت هي المياه، فانتبه عليها، فأخفى نفسه خلف الستائر.
خرجت سيلا وهي ترتدي قميص نوم ستان طويل وتلف شعرها بمنشفة صغيرة. وقفت أمام المرآة وهي تجفف شعرها، ثم وضعت يدها على بطنها التي كبرت قليلاً، وقالت في نفسها: يا ترى هيبقي رد فعلهم إيه لو عرفوا بأني خبيت عنهم كل ده؟
كان هو يراقبها من خلف الستائر، واتسعت عيناه عندما لمح بروز بطنها. هي حامل ولم تخبره أو تخبر أحد.
أزاح هو الستارة وتقدم صوبها ببطء وعيناه عليها. فزعت هي عندما رأت تقترب في المرآة والتفتت له بجسدها كله، حتى أصبح هو أمامها تمامًا وهو ينظر إلى بطنها ويقول: إنتي حامل؟
لم تجد سيلا حلًا للهروب منه سوى التظاهر بالإغماء.
التقطها بزعر حتى لا تسقط أرضًا وحملها ووضعها على الفراش. حاول إفاقتها، فضرب على وجنتيها برفق.
سليم: سيلا، سيلا، فوقي.
لم تفق هي ولازالت تتظاهر.
سيلا: مامي، أنا عاوزة مامي.
ابتسم عليها ولوي فمه عندما علم بتمثيلها وقال: لا مش مامي اللي هتفوقك، هديكي حقنة عشان تفوقي.
انتفضت سيلا بزعر وهلع: حقنة؟ لالالا، أنا فوقت خلاص.
اقترب منها سليم جدًا وهو يحاوطها بوضع كفيه على الفراش، وهي تحاول أن تبتعد عنه بتراجعها للخلف، فقال بتهديد: إنتي حامل ومخبية عليا؟
سيلا: (بتلجلج) أنا... أها... لا... أصل.
فقال بصراخ: هاااا؟ قولي مخبية ليه؟ ومحدش يعرف من أهلنا، مش كده؟
سيلا: (بزعر منه وصوت يخنقه البكاء) سليييييييم!
سليم: إيه؟ وهباب إيه بقى؟ حامل وبطنك كده وبتلبسي كورسيه عشان محدش يعرف؟ إنتي غبية صح؟ إنتي مش عارفة إن ده خطر عليكي وعلى اللي في بطنك.
سيلا: (ببكاء) ما كنتش عاوزة حد يعرف.
سليم: (بغيظ منها وبنبرة حادة) ليييييه؟ مش عاوزة حد يعرف ليييييه؟
سيلا: عشان... عشان ما ترجعش عشانه، عشان إنت رفضتني في الأول ولو عرفت هترجع عشانه.
مسح على وجهه وقال حتى يضايقها: لا، ماتخافيش، مش هرجع عشانه أو عشانك.
سيلا: (بغيظ) يكون أحسن.
زمجر هو بغضب، فانكمشت على نفسها وقالت حتى تداري خوفها: لو سمحت اخرج بره، لأن كده ماينفعش، أنا وإنت مطلقين، ووجودك هنا ما يصحش.
سليم: (ببرود كي يغيظها أكثر) لا، ماهو إنتي لحد ما تولدي في حكم مراتي، يعني إنتي في شهور العدة.
قالها ولم يقل لها بأنه أعادها لعصمته قبل أن يغادر للصعيد.
سيلا: (بغيظ) طب لو سمحت اتفضل، عاوزة أغير هدومي ومش هينفع كده قدام الأغراب.
سليم: (كي يغيظها أكثر) أغرااااب؟ أيوه أغراب، حتى لو في شهور العدة.
فقال: مش هشوف حاجة ماشوفتهاش قبل كده.
سيلا: (بصوت منخفض) سافل.
ضيق عينيه وقال: نعم؟ قولتي حاجة؟
سيلا: (أها، لالا، ماقولتش).
فقال: جبانة.
سيلا: (من فضلك بلاش غلط، أنا مش جبانة).
سليم: (بتحدي وهو مازال يؤثرها) طيب لو جدعة كده وشجاعة، قولي كنتي بتقولي إيه.
سيلا: (وهي تضع كف يدها على صدره كي تدفعه بعيدًا عنها) ما... ما بقولش، وحاسب لو سمحت.
نهض من مكانه وقال: شوفي هتعرفيهم إزاي؟
سيلا: (وهي تثير غضبه) هو... هو إنت مش هتكون معايا؟
سليم: لأ، إنتي اللي خبيتي، استلقي وعدك بقى منهم.
سيلا: (بنبرة متوسلة) هو... هو ممكن تكون معايا وأنا بقولهم؟
حك ذقنه هو وقال: أوك، بس هتقوليلهم إيه؟
سيلا: (بعد تفكير) ممكن نقولهم إننا ماكناش عاوزين حد يعرف عشان محدش يغصب علينا نرجع لبعض. إيه رأيك؟
سليم: لأ، شوفي حاجة تانية، أنا مش هكدب.
سيلا: (طب أقول إيه؟ ممكن تمثلي إنك تعبانة ومغمي عليكي ونجيب إيمان، وأكيد بعد الكشف هيعرفوا إنك حامل).
سيلا: (بغيرة) لا، إيمان دي إيه؟ أنا البنت دي مش بستظرفها.
سليم: (وهو يثير غيرتها) ليه؟ دي بنت محترمة ومجتهدة وزي القمر.
سيلا: (بغييرة) أنا مالي؟ محترمة ولا زي القمر؟ أنا هعملها كشف هيئة.
سليم: (والله اللي عندي قولته).
سيلا: لأ، يبقى بلاش إيمان، ممكن أي دكتور تاني.
سليم: (وهو يغمض عينيه بغضب قائلاً لها بصوت عالٍ) وإنتي من إمتى دكاترة رجالة بتكشف عليكي؟
سيلا: (وقد لاحظت غيرته) أحسن من البتاعة دي.
سليم: سيييييييلا! اتعدلي.
سيلا: طب شوف إنت الحل. خلاص ننادي أمي وجني ونعرفهم وهما يشوروا علينا.
سيلا: (بنبرة متوسلة) أوك، هتبقى معايا مش كده؟
قال ببرود: أوك.
ثم نظر إلى جسدها الذي يصفه قميصها، كان منظرها مهلك لحد الفتنة، فبروز بطنها وامتلاء جسدها زادها جمالًا على جمالها. احمر وجهها بخجل من نظراته لها، وهي لم تنتبه على ما ترتديه ودخلت الحمام مسرعة مرة أخرى، ووضعت عليها وأبدلت ملابسها.
بعد مدة، حضرت جني وملك. لم يتكلم أحد منهم، ولكن كانوا ينظرون لبعض فقط.
جني: في إيه ي سليم؟ ماتحكي إنت بدال هي مش عاوزة تحكي.
ملك: (بفرحة وقد ظنت بأنهم عادوا زوج وزوجة) إنت رجعت سيلا ي سليم، صح؟
جني: (بسعادة) ألف مبروك ي حبايبي. أنا هروح أفرح عمر.
ملك: (كذلك قالت) وأنا هروح أفرح فهد.
سليم: (بتكبر وهو ينظر ل سيلا) لأ ي أمي، استني، الحكاية مش كده.
ملك: (اومال الحكاية في إيه؟ فهمونا).
تسرعت سيلا بغيظ من تكبره، قالت: لأ طبعًا، أنا ما بفكرش في الحكاية دي أبدًا.
ألوي فمه بغرور فأغاظها أكثر، وجلس ووضع ساقًا على ساق قائلاً: اتفضلي احكي إنتي.
فقالت بغيظ: أنا... أنا حامل.
ملك: إييييييه؟ حامل؟
جني: حامل ي سيلا؟
ابتلعت ريقها وقالت: أيوه، ومن فضلكم اسمعوني لما أكمل كلامي.
قالت: أنا لما عرفت بحملي، عرفت سليم، وهو اللي قالي ما أقولش عشان محدش يجبرنا إننا نرجع لبعض.
تحولت ملامح وجهه ونظر لها بغيظ وقال: بردوووو؟ أنا؟
فقالت: أيوه، استني ي سليم، خلاص لازم يعرفوا.
أكملت هي قائلة: بيقول إنها غلطة، حتى قالي أنزله، بس أنا قولت حرام.
انتفض من مكانه ثم اتجه صوبها بعنف وقال: أنا قلت كده؟ أنا؟
سيلا: (وهي تهرب بزعر منه خلف ملك) شوفتي ي ماما؟ شوفتي ي مامي؟ شايفين هيضربني وأنا حامل؟ مش هامه اللي في بطني.
ملك: إنت اتجننت ي سليم؟
جني: أخس عليك ي سليم، بقي عاوزها تنزل اللي في بطنها؟ وأنا اللي قولت إنك عقلت وترجعها.
سليم: (وهو يمسح على وجهه) جني، اسمعيني.
ملك: (بصوت عالٍ) إنت اللي اسمعني. إنت هتنزل لعمك دلوقتي ول باباك وتعرفهم بالحمل إنت وسيلا. سااااامع؟ وإلا قسمًا بالله ي سليم، لا أنا اللي هقفلك، ولساني مش هيخاطب لسانك أبدا.
سليم: (بغضب) ي أمي.
ملك: (بحدة) قولت إييييييه؟
سليم: (بقلة حيلة) حاضر ي أمي.
ثم نظر ل سيلا بنظرة توعد وقال: خلاص روحوا، إنتوا عرفوا بابا وعمي إننا عاوزينهم، وأنا وهي هننزل مع بعض بعديكوا.
سيلا: (بزعر منه) لأ، لأ، ماتسبونيش معاه، ده ممكن يضربني ويسقطني.
ملك: (بخوف عليها) هي حصلت؟ طب تعالي معايا ووريني كده هيقرب منك إزاي.
أخذتها ملك معها لغرفتها، وقبل أن تقفل الباب، وهو ينظر إليها بعيون حادة غاضبة.
أخرجت له لسانها بطريقة طفولية.
أغاظته أكثر وجعلته يتوعد لها.
في غرفة المكتب، جني وسيلا وملك وسليم كانوا في انتظار فهد وعمر.
قالت سيلا: مامي، بلاش بابي يعرف باللي حصل كله عشان ما يزعلش من سليم.
ملك: ي حبيبتي ي سيلا، رغم اللي عمله، لسه خايفة عليه.
اتسعت عيناه على طريقتها، فتلك الجنية تكذب والكل يصدقها.
أومات هي بلؤم وقالت: ممكن تجيبوها فيا وتقولوا أنا اللي خبيت.
جني: لأ طبعًا مش هنقول كده، لأن باباك وخالك هيزعلوا منك، إنتي وانتي مالكيش ذنب. قالتها وهي ترمق سليم بنظرة غاضبة على ما فعله بابنتها.
هم سليم كي يتكلم. فتح فهد الباب وهو حامل ابنته، وبعده بثواني دخل عمر.
فهد: خير، في حاجة حصلت؟
عمر: في إيه ي جني؟ طلبتونا ليه؟
جني: (وهي تقترب منه وتطمئنه خوفًا عليه) اطمن ي عمر، مافيش حاجة مقلقة بإذن الله.
ثم نظرت ل ملك كي تدعمها، فقالت ملك وهي تبتسم: عيلة المهدي هتزيد فرد جديد.
فهد: إنتي حامل ي ملك؟
ملك: لأ، حامل إيه؟
عمر: (بسعادة) يبقى جني حامل.
ثم وجه كلامه ل جني وهو يغمز لها، قائلاً: مش قولتلك هنجيب فريد.
جني: (بحرج منهم) لأ، مش أنا، دي سيلا.
تحولت وجوههم صوبها وقالوا في نفس واحد: بجد ي سيلا؟
أومات هي بخجل وقالت: أيوه.
كانت على وجوههم الكثير والكثير من التساؤلات، فأجابتهم ملك قائلة: سيلا تعبت من شوية، وجبتلها دكتورة من غير ما حد يعرف عشان ماتقلقوش. الدكتورة بتقول إنها حامل وفي بداية شهرها السادس.
فهد: (بسعادة) ألف مبروك ي ولاد.
عمر: (لا يقل عنه سعادة بعد أن حمد ربه) وناوين على إيه بإذن الله ي سليم؟
سليم: مش ناويين على حاجة، أنا مش هتخلى عن مسؤوليتي.
سيلا: (مندفعة) ومين قالك إني عاوزة حاجة منك؟
فهد: إنتوا هتزعقوا لبعض في وجودنا.
سليم: لأ ي بابا، أنا آسف، أنا ما أقصدش.
سيلا: (آسفة ي خالو).
عمر: إنتوا الاتنين قدامكم حل مالوش تاني، لازم ترجعوا لبعض.
سيلا: (معترضة) لأ ي بابي، من فضلك، أنا مش عاوزة أرجعله.
سليم: مش بمزاجك.
سيلا: (لا طبعًا، بمزاجي؟ إيه؟ هترجعني بالعافية؟)
سليم: أيوه، لو أنا عاوز هرجعك بالعافية، لكن أنا اللي مش عاوز.
سيلا: (بحزن لم تظهره وغضب) لأ ي أستاذ، لا هرجعلك برضاي ولا غصب عني، ومسؤوليتك أنا بعافيك منها.
سليم: (بغضب منها) يعني إيه؟ يعني اللي في بطني ابني أنا وبس، أنا اللي هصرف عليه وهتكفل بكل حاجة.
سليم: (بغضب منها) لأ ي هانم، ده ابني أنا، وأنا اللي هتكفل بكل حاجة، سواء رضاي أو لأ. يعني إيه؟ يعني طوووووز في كلام حضرتك.
عمر: (بصوت جهوري) إنتوا وهو، مش عاملين حساب لينا وعمالين تناقروا في بعض إييييييه؟
جني: (بقلق عليه) عمر، اهدا، هتتعب تاني. إنتي مش شايفة إزاي.
فهد: (مهدأ للصغيرة التي صرخت على أصواتهم) ملك، فهد هات البنت أوديها للنانى.
فهد: (بعند) لأ، سيبيها.
عمر: (وهو يتظاهر بالتعب) إنتوا الاتنين سمعتوا اللي قولته؟ رايكم إيه؟
سليم: (لم يتكلم) أما سيلا فقالت: لأ ي بابي، أنا وهو مش هينفع نرجع.
عمر: (وهو يتظاهر بالإعياء ويضع كفه على موضع قلبه) اااااه.
جني وفهد وسيلا وملك وسليم: (بزعر عليه) جني، عمر فيك إيه؟
سيلا: (ببكاء) بابي، فيك إيه ي حبيبي؟
فهد: (حاسبي ي جني، إنتي وهو، بيحاول أن يفكك رباطة عنقه) فغمز له عمر، فعلم بأنه يمثل.
عمر: (وهو مازال يتظاهر) هسيبكم 10 دقايق وهطلع أوضتي، ومستنيكم يا توفقوا على قراري، يا أنا لا عمك ولا أنا أبوكي. سااامعين؟
سيلا: (ببكاء) حاضر ي بابي.
سليم: (بقلق عليه) حاضر ي عمي، بس حضرتك هدي نفسك، واللي انت هتطلبه، إحنا هننفذه.
نهض من على كرسيه وجني تسنده هي وفهد، حتى أخرجوه من غرفة المكتب وصعدوا به إلى غرفته، وتركوهما وحدهما.
سليم: (بغضب منها وهو يقترب بشر بصوت أرعبها) بقي أنا كنت عاوزك تنزليه، وأنا اللي قولتلِك خبي حملك؟ مش كده؟
سيلا: (بزعر منه وهي تتراجع) لو سمحت ي سليم، كده كده ما ماينفعش.
سليم: (انطقي ليه قولتي كده؟)
كادت أن تتعثر، فحاوط ذراعه على خصرها جاذبًا إياها حتى لا تسقط.
سيلا: (بتألم) ااااه.
سليم: (بزعر عليها وهو يجذبها أكثر) حصلك حاجة؟ فيكي حاجة بتوجعك؟
سيلا: (وهي رافعة له عيناها بنظرات عاتبة، مشتاقة، محبة، لائمه) لأ، أنا كويسة، كنت هقع بس.
أعدلها سليم بارتباك من قربها وقال وهو يتظاهر بالبرود، وكان قربها لم يؤثر عليه: احم، هتعملي إيه في اللي عمي قاله؟
سيلا: (وهي تحاول أن تلملم شتات نفسها) مش... مش عارفة.
سليم: لأ، لازم تعرفي، الـ 10 دقايق خلصت.
قالت سيلا كي تثير غضبه: أنا موافقة إننا نرجع لبعض، بس طبعًا بيني وبينك لاء.
سليم: (وهو ينظر لها) تقصدي إيه؟
سيلا: أقصد أنا وإنت مش هنرجع زي الأول، في حاجات اتكسرت وصعب إنها تتصلح، وبابي تعبان ورفضنا هيأثر على صحته.
سليم: (كملي).
سيلا: احم... اللي أقصدُه إني هنرجع قدامهم بس عشان خاطر بابي، لكن بيني وبينك لاء.
سليم: (أوك، اقتراح كويس. أنا أصلًا كده كده ماكنتش عاوز أرجع، بس صحة عمي أهم).
سيلا: (بغيظ) أنا بقول كده، ويلا عشان نقولهم.
ذهب من أمامها واتجه صوب الباب وقال ببرود: ورايا.
اغتاظت سيلا من بروده معه، حتى إنه لم يعتذر لها أو يصارحها بحبه، ولكن كان يتعامل معها ببرود وكأنها هي من أخطأت وحدها.
صعدوا وأخبروا الجميع برجوعهم لبعض، فقال سليم حتى لا يغطيها بأنها على ذمته: أنا هروح للمأذون وهرجعها النهاردة.
فرح الجميع لهم، أما هم فكان تجمعهم مشاعر مختلطة: عناد، وفرحة، وشوق، وحزن، وغرور، فكلاهما مشتاق، محب، عاشق، وأيضًا عنيد، فمن الذي سيربح عنادهم أم عشقهم؟
رواية انتقام خاطئ الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نيفين بكر
بعد اسبوع من الاحداث، على ملك وفهد وغريمتهما، لازال فهد يهتم بابنته دون غيرها.
على وعد وعز، أخبروا الجميع بحمل وعد ففرحوا جميعاً.
على ادهم ورحمة، قرروا أن يتموا زواجهم، وقد حدد بعد شهر.
أما علي ادم وسديل، فكما هما، يجمعهم حب الطفولة ويكبر يوماً بعد يوم.
أما علي احمد ومهجة، فكانوا سعداء، فاخيرًا تلاقوا بعد فراق.
أما علي العاشقين سليم وسيلا، فهي كما هي، تعانده ليس أكثر.
كان موعدها مع الطبيبة في عيادتها.
كانت ممددة على السرير، وتقوم الطبيبة بوضع الجيل عليها وتمرر ذاك الذراع حتى تتمكن من الكشف على الجنين.
سيلا: أي الأخبار يا دكتورة؟
الطبيبة: احنا كويسين، بس من دلوقتي بقولك الكورسيه ده خطر، ماينفعش يتلبس تاني.
سيلا: حاضر بإذن الله.
بعد الكشف عليها، اعتدلت ونهضت من على السرير وجلست على المقعد أمام الطبيبة وهي تكتب لها في الروشتة بعض الفيتامينات.
الطبيبة: في حقنة هتاخديها الشهر ده.
سيلا: أنا أخدت الشهر اللي فات وتعبتني بصراحة.
الطبيبة: معلش استحملي عشان حبيب ماما.
سيلا بخوف طفولي: هو مفيش حاجة غير الحقن؟ ممكن يعني كبسولات أو شراب؟
الطبيبة وهي تضحك عليها: انتي بتخافي من الحقن؟ طب أحب أطمنك بقي، مشوارنا طويل لسه.
ابتلعت ريقها وقالت: ربنا يستر.
ثم أردفت دون وعي منها: هو اللي كان بيهونها عليا.
الطبيبة: هو مين؟
سيلا: هااا، لا مفيش.
أكملت الطبيبة حديثها قائلة: انتي ليكي أول حمل حقنتين، الأولى في الشهر الخامس والتانية في الشهر السادس، واحنا بدأنا في أسبوع منه. الأكل تهتمي بيه أكتر من كده.
سيلا بضحك: ده أنا مخلصة على الأخضر واليابس في البيت.
الطبيبة وهي تضحك على كلام سيلا: بطلنا بيكبر ولازم يتغذى.
سيلا بفرحة: هو هو ولد؟
الطبيبة: أيوه ولد، فرحانة؟
سيلا بسعادة: أيوه الحمد لله.
وقالت في نفسها: ياريت يا سليم كنت معايا عشان تفرح زي ما أنا فرحانة.
رجعت لعقلها مرة أخرى وقالت: لأ مش لازم تعرف، لأنك لو عرفت هترجع وهيبقى عشانه وبس، أنا عايزة ترجع لوحدك وتعترف بغلطك معايا.
أخرجتها الطبيبة من شرودها وقالت: الروشتة أهي، وإن شاء الله ماتنسيش معاد الحقنة.
سيلا وهي تنهض: بإذن الله.
شكرتها وبعدها استأذنت منها.
في سيارتها كانت شارده أيضاً، فكيف ستقول لهم؟ وكيف ستتخطى غضبهم منها؟ وإن لم تفعل، فإلى أين تذهب حتى لا تُكتشف؟ فهي تريد أن تلد ولا يعلم بأمرها حتى ترجع له بارادتها بعد أن يعتذر منها ويعترف بالخطأ الكبير الذي فعله بها.
كان الطريق الذي تسير فيه كان مزدحم جداً وهي لازالت شارده، حتى سمعت اصطدام سيارتها بسيارة أخرى.
كان رجل في أواخر الأربعين تقريباً، أوقف سيارتها بعدما نزل وظل يهلل عليها ويتكلم معها بصراخ.
الرجل: طالما مابتعرفوش تسوقوا، بتتهببوا وتركبوها ليه؟
سيلا بزعر من صراخ الرجل وتجمهر الناس أمام سيارتها: أنا آسفة، ما أخدتش بالي.
الرجل: آسفة آسفة دي تطلع إيه؟ والله ما أنا سايبك لغاية القسم.
سيلا: قسم لأ، من فضلك أنا مش بتاعة الكلام ده. شوف حضرتك عايز إيه وأنا هعمل اللي هتطلبه.
الرجل: العربية اتخبطت ولازم تروح لميكانيكي.
سيلا بتوتر: طب والمطلوب مني؟
الرجل: المطلوب منك إنك تيجي معايا للميكانيكي وتدفعي المطلوب.
سيلا: لأ حضرتك، أنت شوف هي هتتكلف كام، وده الكارت بتاعي فيه رقمي ومكان شغلي، وابعت الفاتورة وأنا هتكل بكل حاجة.
الرجل بعدم تصديق، فهو يظنها تتهرب: لأ يا حلوة، هتيجي معايا عند الميكانيكي، لأ هسلمك للقسم.
سيلا: من فضلك استنى، هتصل ببابي وهجيبلك الفلوس اللي أنت عايزها.
الرجل بقله صبر: اتفضلي، لما نشوف.
التقطت هاتفها من حقيبتها ولكنه قد نفذ شحن بطاريته.
سيلا بخوف: الفون فصل. ممكن تيجي معايا أديك الفلوس اللي أنت عايزها.
الرجل وهو يقبض على المفتاح وينزعه من مكانه: والله ما إحنا منقولين من هنا إلا على القسم.
وفعلاً اتصلوا على الشرطة وأخذوها في البوكس.
دخلت سيلا ببكاء متقطع للضابط.
سيلا: ممكن فونك أتصل على بابي.
الضابط وهو يرى تعبها وتوترها: اتفضلي اقعدي وخذي الفون واتصلي باللي انتي عايزاه.
اتصلت هي على أبيها وأخبرته بما حدث لها، فأغلق الهاتف بعدما طمأنها وأخبرها بقدومه. وأخبر الضابط بكنيتها حتى لا يتعرض لها أحد.
بعد دقائق، دخل هو المكتب كالاعصار وهو يقول بلهفة: سيلا حبيبتي، في إيه؟
سيلا وهي تنهض ببكاء وشهقات عالية: سليم، الحقني.
وارتمت على صدره.
سليم وهو يربت على ظهرها ويهدئها: اهدي بس وكلميني، حد كلمك؟ حد ضايق؟
قالت: لأ. من بين شهقاتها: أنا خبطت وواحد وهو جابني على هنا. أنا ما أقصدش والله.
سليم: طيب اهدي يا حبيبتي.
ثم توجه للضابط الذي أول ما رأى سليم هب واقفاً وأعطاه التحية وقال: سليم بيه، ماتقلقش، محدش ضايق الآنسة.
سليم: دي المدام.
الضابط: أنا آسف، هي ما قالتش كده من الأول.
الرجل بصراخ: يعني خلاص العربية اللي حيلتي اتكسرت على إيد مرات حضرتك كدا؟ حقي وحق عيالي راح.
سليم بغضب: مين قالك إننا هنضيع حقك؟ شوف الخسارة قد إيه وأنا متكفل بكل حاجة.
الرجل: أنا ما أعرفش هتتكلف كام.
تكلم معه الضابط بزعيق وقال: حضرتك الظابط قالك خلاص هيعملك اللازم، بلاش كتر كلام.
صمت الرجل بقله حيلة، فكان يظن بأنه لن يحصل على أي تعويض.
أخذ سليم سيلا وخرج بها من مركز الشرطة وأجلسها في سيارته وهي لا تزال تبكي.
سليم: اهدي بقى، كل حاجة اتحلت.
سيلا: والله ما كان قصدي يا سليم، أنا لقيته فجأة قدامي. أنا كنت هقتله.
وزادت في البكاء.
سليم بحنان: طب خلاص بقى، قدر الله وما شاء فعل. تعالي نقعد في أي حتة نشرب عصير.
لم تتكلم ولكنه كانت مستكينة على صدره.
ابتعد عنها برفق وقاد السيارة إلى الكافيه، ودخلوا وأجلسها وطلب عصير لها حتى تهدأ.
بعد مدة، كفت عن البكاء.
سليم: هديتي؟
أومات هي وقالت: أيوه.
أخذ سليم نفس عميق براحة وقال: أنا اتصلت على عمي طمنته.
سيلا: شكراً على اللي عملته.
سليم وهو يرفع حاجة: شكراً.
سيلا كي تغيظه: أيوه شكراً إنك وقفت معايا.
سليم وهو يجاريها: العفو، أنا ما عملتش غير الواجب.
سيلا بغيظ: أنا اتصلت على بابي، مش عارفة قالك ليه. ما كنتش عايزة جمايل من حد.
سليم ببرود: معلش بقى، هنعمل إيه؟ هي الظروف اللي بتحطنا في المواقف دي، بس مضطرين نسيب أشغالنا والحاجات المهمة عشان نفض خناقة.
سيلا بغضب طفولي: تفض خناقات؟ طب متشكرة وعن إذنك أنا عايزة أمشي.
قالتها وهي تنهض.
سليم بصوت جهوري وهو يبرق لها عيناه: سيلا، اقعدي مكانك وحسبي عينك تعمليها.
جلست هي برعب منه وقالت بتلجلج: أنا... أنا اتأخرت ومامي زمانها قلقانة عليا والفون فاصل.
اتصل سليم على جني وأعطى سيلا الفون وقال: كلمي جني وطمنيها.
أخذت هاتفه وبعد أن طمأنتها أعطته الهاتف وشكرته مرة أخرى.
فنظر لها نظرة متوعدة أربكتها.
سيلا: مش هنقوم؟
لما تكملي كوبايتك.
ارتشفت آخر حبة عصير في الكوب ومسحت فمها بالمنديل، وقبل أن تقول شيئاً، نهض هو ووضع نظارته والتقط هاتفه ومفاتيحه وقال لها: تعالي ورايا.
تابعته هي بغيظ على بروده معها.
بعد عدة أيام.
في غرفة مهجة وأحمد، كان نائماً مستكيناً في فراشه حتى جاءت مهجة وهي تتسلل وتشعل بعض من ألعاب الأطفال النارية وألقت بها بجانب سريره.
أحدثت الألعاب أصوات فرقعات عالية جعلته ينتفض من مكانه وهو يتلفت قائلاً في زعر: إيه؟ في إيه؟ حصل إيه؟ هي الحرب قامت؟
ضحكت مهجة عليه بكل صوتها.
مسح أحمد على وجهه بكف يده بغيظ من تلك المجنونة التي أرقته في نومه.
أحمد: انتي إيه يا بنتي؟ في حد يصحي حد كدا؟
مهجة وهي لا تزال تضحك وترتمي على الفراش: هههههههه، شكلك يفطس من الضحك.
قال أحمد بتوعد وهو يجز على أسنانه: شكلي يفطس من الضحك؟ طيب.
قالها وهو يحملها على كتفه كالشوال وتوجه بها صوب الحمام وفتح الدش عليها وهو حاملها، وهي تدبدب على ظهره بقبضة يدها وهي تصرخ وتقول: نزلني يا مجنون.
أحمد: أنا اللي مجنون؟ طيب هوريكي بقى الجنان اللي على أصوله.
أنزلها في حوض الاستحمام وهي تحاول أن تتملص منه وأغرقها بالمياه.
أحمد: عشان تحرمي تعملي كده تاني.
مهجة بصراخ من رذاذ الماء: الحق عليا، كنت عايزك تقوم تقعد معايا، بس بقى خلاص نام تاني.
توقف أحمد وقال بابتسامة ووله: طب ما كنتي تقولي كده من الأول.
مهجة بدلال: لأ، أوعى، أنت غرقتني.
أحمد وهو يقربها إليه أكثر: وفيها إيه؟ ما أنا كمان اتغرقت.
قالها وهو يمد يده ليزيح ملابسها عنها.
شهقت مهجة وقالت: انت بتعمل إيه؟
أحمد: إيه؟ هخليكي تاخدي شاور، مش اتغرقتي.
مهجة بدلال: لأ مش عايزة، أنا زعلانة منك.
أحمد بهمس: طب ما أنا بصالحك أهو.
مهجة وهي تتصنع الزعل: يا سلام، عيلة صغيرة، أنا هضحك عليها.
أحمد: طب قولي عايزة إيه وأنا هعملهولك.
قالها وهو يقبل كل سم ظهر من كتفيها عندما أزاح عنها الروب وظهر له قميصها المبلل الذي يصف جسدها أمامه بسخاء، جعله يرغبها وبشدة.
مهجة: بس بقى الله، أنا غلطانة، أنت مالكش في الرومانسية.
أحمد وبدأت أنفاسه في الثقل: إيه؟ رومانسية؟ انتي مفهومك غلط يا حياتي عن الرومانسية. أنا أعرف عن الرومانسية بيصحوا على وردة، بوسة، مش صواريخ وبومب.
مهجة ضاحكة: لا، معلوماتك عن الرومانسية قديمة أوي.
مهجة وهي تحاول أن تهرب منه: أحمد، بس بقى الله.
أحمد: أبس إيه بس؟ تعالي هنا، مش انتي اللي صحتيني؟ يبقى تستحملي.
قالها وهو يخلع عنه التيشيرت الذي كان يرتديه، ثم قربها منه مرة أخرى. جاءت لتعترض ولكنه وأد اعتراضها بقبلة محمومة من قبلاته المهلكة تحت رذاذ الماء.
بعد لحظات، ابتعدت عنه قليلاً فوجدت أنه ينظر لها بعينان غائمة راغبة متشوقة للقائها، فأخذت علبة الشامبو من خلفه وهو يقبلها وأفرغت منها الكثير على شعره دون أن يدري وهو سابح في بحور عشقها.
أفلتها وقال وهو يضع يده على عيناه بتألم: آآآه، عيني.
مهجة وهي تضحك وتبتعد عنه: ضحكت عليك.
وهربت منه، فقال بعد أن أزاح عنه الرغوة بتوعد: وربنا ما أنا سايبك.
وأسرع خلفها وهي تصرخ وتضحك في آن واحد. حملها هو وألقاها على الفراش وقال: وربنا ما أنا سايبك النهاردة.
فقالت وهي تضحك عليه وهي تتراجع: اعقل يا مجنون.
أحمد: ومين قالك إني عاقل؟ حد عاقل يتجوزك.
تحولت ملامحها وقالت وهي تجلس نصف جلسة وتضع يدها بخصرها: نننننننننعم ي أستاذ؟ تقصد إيه؟
أحمد في نفسه: شكلها هتقلب نكد. أقصد مفيش واحد يعرفك إلا لما تخطفي فيها قلبه وعقله. يا مهجتي.
مهجة: اها، بحسب.
أحمد: لأ، وأنا هسيبك تحسبي لوحدك.
مهجة بدلال: أحمد، بس بقى.
أحمد: أبس إيه؟ تعالي هنا.
قالها وهو يقربها منه أكثر، ثم مال عليها ليأخذ شفتيها بين شفتيه بقبلات محمومة متتالية باستسلام تام منها وشغف وهوس منه. ظل يوزع قبلاته عليها بعدما أزاح عنها ملابسها كلها، ليذيقها أشد أنواع الحب قوة ولذة، فقط بين يديه. هو وحده من أدخلها عالم الكبار، أول من صك ملكيته عليها، من ختم اسمه على كل سم في جسدها دون اعتراض منها أو ملل منه.
على مائدة الطعام كان الجميع يجلسون على مقعدهم.
ملك المتغاظة من فهد الذي يحمل طفلته.
وعز بجانب وعد الفاقدة للشهية والتي يحاول أن يطعمها.
سديل التي تضع اللحم في طبق ادم.
وادهم الذي يأكل ولا يبالي.
وعمر الذي غمز لـ جني على نظرات سليم لابنته.
أما هو، فكان يتابع كل تفصيلة بها، وظل يسأل نفسه: أين يذهب كل هذا الطعام؟
نعم، هي امتلأت قليلاً، ولكن...
كانت هي تأكل بنهم شديد ولم تأخذ بالها من نظرات الجميع لها.
تركت الشوكة من يدها وقالت: ماما ملك، ممكن كوباية عصير من قدامك.
ملك: حاضر يا حبيبتي.
كان هذا ثالث كوب تطلبه منها.
جني: سيلا حبيبتي، انتي مليتي بطنك عصير كده؟ هتتعبي.
انتبهت سيلا عليهم وهم ينظرون لها فقالت بحرج: احم، خلاص أنا شبعت، هشرب دي وبس، أصل أنا بعمل مجهود كبير في الشغل، فعشان كده بجوع.
ملك: كلي براحتك يا حبيبتي.
رفعت عيناها له فوجدت أنه يضيق عيناه ولم يزيحها من عليها، فقالت بارتباك: أنا... أنا شبعت، هطلع أنام شوية.
صعدت هي كي تأخذ حمام.
فتح سليم الغرفة وجدها بداخل الحمام وقد خلعت عنها ملابسها وحقيبتها، ألقتهما على الفراش بإهمال.
لاحظ سليم الكورسيه فاقترب منه وأخذه ليتحقق: ما هذا الشيء؟
ضيق سليم عيناه وهو يفكر: لماذا ترتدي سيلا هذا الكورسيه؟
ثم أخذ الحقيبة وفتحها، وجد بها الكثير من الفيتامينات الخاصة بالحوامل وروشتة باسم طبيبة تخصص أمراض النساء والتوليد.
شرد هو وقال في نفسه: إيه اللي هيخلي سيلا تروح عند دكتورة أمراض نساء؟ إلا إذا...
اتسعت عيناه وقال: لازم أتأكد.
قفلت هي الماء فانتبهت عليه، فاخفى نفسه خلف الستائر.
خرجت سيلا وهي ترتدي قميص نوم ستان طويل وتلف شعرها بمنشفة صغيرة.
وقفت أمام المرآة وهي تجفف شعرها، ثم وضعت يدها على بطنها التي كبرت قليلاً.
وقالت في نفسها: يا ترى هيبقي رد فعلهم إيه لو عرفوا بأني خبيت عنهم كل ده؟
كان هو يراقبها من خلف الستائر واتسعت عيناه عندما لمح بروز بطنها.
هي حامل ولم تخبره أو تخبر أحد.
أزاح هو الستارة وتقدم صوبها ببطء وعيناه عليها.
فزعت هي عندما رأته يقترب في المرآة والتفتت له بجسدها كله حتى أصبح هو أمامها تماماً وهو ينظر إلى بطنها ويقول: انتي حامل.
لم تجد سيلا حل للهروب منه سوى التظاهر بالإغماء.
التقطها بزعر حتى لا تسقط أرضاً وحملها ووضعها على الفراش.
حاول إفاقتها، فضرب على وجنتيها برفق.
سليم: سيلا، سيلا، فوقي.
لم تفق هي ولا تزال تتظاهر.
سيلا: مامي، أنا عايزة مامي.
ابتسم عليها ولوي فمه عندما علم بتمثيلها وقال: لا، مش مامي اللي هتفوقك، هديكي حقنة عشان تفوقي.
انتفضت سيلا بزعر وهلع: حقنة؟ لأ لأ، أنا فوقت خلاص.
اقترب منها سليم جداً وهو يحاوطها بوضع كفيه على الفراش، وهي تحاول أن تبتعد عنه بتراجعها للخلف، فقال بلهجة: انتي حامل ومخبية عليا؟
سيلا بتلجلج: أنا... أها، لأ، أصل...
فقال بصراخ: هااااا؟ قولي مخبية ليه؟
سليم: وما حدش يعرف من أهلنا؟ مش كده؟
سيلا بزعر منه وصوت يخنقه البكاء: سليييييييم.
سليم: إيه؟ وهباب إيه؟ خلاص حامل وبطنك كده وبتلبسي كورسيه عشان محدش يعرف؟ انتي غبية صح؟ انتي مش عارفة إن ده خطر عليكي وعلي اللي في بطنك.
سيلا ببكاء: ما كنتش عايزة حد يعرف.
سليم بغيظ منها وبنبرة حادة: لييييييه؟ مش عايزة حد يعرف؟ لييييييه؟
سيلا: عشان... عشان ما ترجعش عشانه، عشان أنت رفضتني في الأول، ولو عرفت هترجع عشانه.
مسح على وجهه وقال حتى يضايقها: لا، ماتخافيش، مش هرجع عشانه أو عشانك.
سيلا بغيظ: يكون أحسن.
زمجر هو بغضب فانكمشت على نفسها وقالت حتى تداري خوفها: لو سمحت اخرج بره، لأن كده ما ينفعش، أنا وأنت مطلقين، ووجودك هنا ما يصحش.
سليم ببرود كي يغيظها أكثر: لأ، ماهو انتي لحد ما تولدي في حكم مراتي، يعني انتي في شهور العدة.
قالها ولم يقل لها بأنه أعادها لعصمته قبل أن يغادر للصعيد.
سيلا بغيظ: طب لو سمحت اتفضل، عايزة أغير هدومي ومش هينفع كده قدام الغرباء.
سليم: أغراااب؟
سيلا: أيوه أغراب، حتى لو في شهور العدة.
فقال كي يغيظها: مش هشوف حاجة ما شوفتهاش قبل كده.
سيلا: سافل.
ضيق عيناه وقال: نعم؟ قولتي حاجة؟
سيلا: أها، لالا، ما قولتش.
سليم: جبانة.
سيلا: من فضلك بلاش غلط، أنا مش جبانة.
سليم بتحدي وهو مازال يثيرها: طيب لو جدعة كده وشجاعة، قولي كنتي بتقولي إيه.
سيلا وهي تضع كف يدها على صدره كي تدفعه بعيداً عنها: ما... ما بقولش، وحاسب لو سمحت.
نهض من مكانه وقال: شوفي هتعرفيهم إزاي؟
سيلا: هو... هو أنت مش هتكون معايا؟
سليم: لأ، مش انتي اللي خبيتي؟ استلقي وعدك بقى منهم.
سيلا بنبرة متوسلة: هو... هو ممكن تكون معايا وأنا بقولهم؟
حك ذقنه هو وقال: أوك، بس هتقولي لهم إيه؟
سيلا: بعد تفكير... ممكن نقولهم إننا ما كناش عايزين حد يعرف عشان محدش يجبرنا نرجع لبعض. إيه رأيك؟
سليم: لأ، شوفي حاجة تانية، أنا مش هكذب.
سيلا: طب أقول إيه؟ ممكن تمثلي إنك تعبانة ومغمي عليكي ونجيب إيمان. وأكيد بعد الكشف هيعرفوا إنك حامل.
سيلا بغيرة: لأ، إيمان دي إيه؟ أنا البنت دي مش بستظرفها.
سليم وهو يثير غيرتها: ليه؟ دي بنت محترمة ومجتهدة وزي القمر.
سيلا بغيرة: أنا مالي، محترمة ولا زي القمر، أنا هعملها كشف هيئة.
سليم: والله اللي عندي قلته.
سيلا: لأ، يبقى بلاش إيمان، ممكن أي دكتور تاني.
سليم وهو يغمض عيناه بغضب قائلاً لها بصوت عالٍ: وانتي من إمتى دكاترة رجالة بتكشف عليكي؟
سيلا وقد لاحظت غيرته: أحسن من البتاعة دي.
سليم: سيييييييلا.
سيلا: اتعدلي. طب شوف أنت الحل. خلاص ننادي أمي وجني ونعرفهم وهما يشوروا علينا.
سيلا بنبرة متوسلة: أوك، هتبقى معايا مش كده؟
قال ببرود: أوك.
ثم نظر إلى جسدها الذي يصفه قميصها، كان منظرها مهلك حد الفتنة، فبروز بطنها وامتلاء جسدها زادها جمالاً على جمالها. احمر وجهها بخجل من نظراته لها وهي لم تنتبه على ما ترتديه ودخلت الحمام مسرعة مرة أخرى وبدلت ملابسها.
بعد مدة، حضرت جني وملك.
لم يتكلم أحد منهم، ولكن كانوا ينظرون لبعض فقط.
جني: في إيه يا سليم؟ ماتحكي أنت بدال هي مش عايزة تحكي.
ملك بفرحة وقد ظنت بأنهم عادوا زوج وزوجة: انت رجعت سيلا يا سليم؟ صح؟
جني بسعادة: ألف مبروك يا حبايبي، أنا هروح أفرح عمر.
ملك كذلك قالت: وأنا هروح أفرح فهد.
سليم بتكبر وهو ينظر لـ سيلا: لا يا أمي، استني، الحكاية مش كده.
ملك: اومال الحكاية في إيه؟ فهمونا.
تسرعت سيلا بغيظ من تكبره: لأ، طبعاً، أنا ما بفكرش في الحكاية دي أبداً.
ألوي فمه بغرور فاغاظها أكثر، وجلس ووضع ساقاً على ساق قائلاً: اتفضلي احكي أنت بقى.
فقالت بغيظ: أنا... أنا حامل.
ملك: إييييييه؟ حامل؟
جني: حامل يا سيلا؟
ابتلعت ريقها وقالت: أيوه، ومن فضلكم اسمعوني لما أكمل كلامي. أنا لما عرفت بحملي، عرفت سليم وهو اللي قالي ما أقولش عشان محدش يجبرنا إننا نرجع لبعض.
تحولت ملامح وجهه ونظر لها بغيظ وقال: بردوووو، أنا؟
فقالت: أيوه، استني يا سليم، خلاص لازم يعرفوا.
أكملت هي قائلة: بيقول إنها غلطة، حتى قالي أنزله، بس أنا قولت حرام.
انتفض من مكانه ثم اتجه صوبها بعنف وقال: أنا قلت كده؟ أنا؟
سيلا وهي تهرب بزعر منه خلف ملك: شوفتي يا ماما ملك؟ شوفتي يا مامي؟ شايفين هيضربني وأنا حامل؟ مش هامه اللي في بطني.
ملك: انت اتجننت يا سليم؟
جني: اخس عليك يا سليم، بقي عايزها تنزل اللي في بطنها؟ وأنا اللي قلت إنك عقلت وهترجعها.
سليم وهو يمسح على وجهه: جني، اسمعيني.
ملك بصوت عالٍ: انت اللي اسمعني. انت هتنزل لعمك دلوقتي ول باباك وتعرفهم بالحمل انت وسيلا، ساااامع؟ وإلا قسماً بالله يا سليم، لأ أنا اللي هقفلك، ولساني مش هيخاطب لسانك أبداً.
سليم بغضب: ي أمي.
ملك بحدة: قولت إييييييه؟
سليم بقله حيلة: حاضر يا أمي.
ثم نظر لـ سيلا بنظرة توعد وقال: خلاص روحوا انتوا عرفوا بابا وعمي إننا عاوزينهم، وأنا وهي هننزل مع بعض بعديكوا.
سيلا بزعر منه: لأ لأ، ماتسبونيش معاه، ده ممكن يضربني ويسقطني.
ملك بخوف عليها: هي حصلت؟ طب تعالي معايا ووريني كده هيقرب منك إزاي.
أخذتها ملك معها لغرفتها.
وقبل أن تقفل الباب وهو ينظر إليها بعيون حادة غاضبة، أخرجت له لسانها بطريقة طفولية.
أغاظته أكثر وجعلته يتوعد لها.
في غرفة المكتب، جني وسيلا وملك وسليم كانوا في انتظار فهد وعمر.
قالت سيلا: مامي، بلاش بابي يعرف باللي حصل كله عشان ما يزعلش من سليم.
ملك: ي حبيبتي ي سيلا، رغم اللي عمله، لسه خايفة عليه.
اتسعت عيناه على طريقتها، فتلك الجنية تكذب والكل يصدقها.
أومات هي بلؤم وقالت: ممكن تجيبوها فيا وتقولوا أنا اللي خبيت.
جني: لأ طبعاً مش هنقول كده، لأن باباك وخالك هيزعلوا منك أنت، وأنتي مالكيش ذنب. قالتها وهي ترمق سليم بنظرة غاضبة على ما فعله بابنتها.
هم سليم كي يتكلم.
فتح فهد الباب وهو حامل ابنته.
وبعده بثواني دخل عمر.
فهد: خير، في حاجة حصلت؟
عمر: في إيه يا جني؟ طلبتونا ليه؟
جني وهي تقترب منه وتطمئنه خوفاً عليه: اطمن يا عمر، ما فيش حاجة مقلقة بإذن الله.
ثم نظرت لـ ملك كي تدعمها فقالت ملك وهي تبتسم: عيلة المهدي هتزيد فرد جديد.
فهد: سديل حامل؟
ملك: لأ، مش سديل.
عمر بسعادة: يبقى جني هي اللي حامل.
ثم وجه كلامه لـ جني وهو يغمز لها قائلاً: مش قولتلك هنجيب فريد؟
جني بحرج منهم: لأ، مش أنا، دي سيلا.
تحولت وجوههم صوبها وقالوا في نفس واحد: سيلا.
أومات هي بخجل وقالت: أيوه.
كانت على وجوههم الكثير والكثير من التساؤلات، فـ أجابتهم ملك قائلة: سيلا تعبت من شوية وجبتلها دكتورة من غير ما حد يعرف عشان ما تقلقوش. الدكتورة بتقول إنها حامل وفي بداية شهرها السادس.
فهد بسعادة: ألف مبروك يا ولاد.
عمر لا يقل عنه سعادة بعد أن حمد ربه: وناويين على إيه بإذن الله يا سليم؟
سليم: مش ناويين على حاجة، أنا مش هتخلي عن مسؤليتي.
سيلا مندفعة: ومين قالك إني عايزة حاجة منك؟
فهد: انتوا هتزعقوا لبعض في وجودنا.
سليم: لا يا بابا، أنا آسف، أنا ما أقصدش.
سيلا: آسفة يا خالو.
عمر: انتوا الاتنين قدامكم حل مالهوش تاني، لازم ترجعوا لبعض.
سيلا معترضة: لأ ي بابي، من فضلك. أنا مش عايزة أرجعله.
سليم: مش بمزاجك.
سيلا: لأ طبعاً بمزاجي، إيه؟ هترجعني بالعافية؟
سليم: أيوه، لو أنا عايز هرجعك بالعافية، لكن أنا اللي مش عايز.
سيلا بحزن لم تظهره وغضب: لأ ي أستاذ، لأ، هرجعلك برضايا ولا غصب عني، ومسؤوليتك أنا بعافيك منها.
سليم بغضب منها: يعني إيه؟
سيلا: يعني اللي في بطني ابني أنا وبس، أنا اللي هصرف عليه وهتكفل بكل حاجة.
سليم بغضب منها: لأ يا هانم، ده ابني أنا وأنا اللي هتكفل بكل حاجة، سواء رضيت ولا لأ. يعني إيه؟ يعني طوووووز في كلام حضرتك.
عمر بصوت جهوري: انتوا الاتنين مش عاملين حساب لينا وعمالين تناقروا في بعض، إيييييه؟
جني بقلق عليه: عمر، اهدا، هتتعب تاني. انت مش شايفهم عاملين إزاي؟
فهد مهدئاً للصغيرة التي صرخت على أصواتهم: ملك، هات البنت أوديها للناني.
فهد بعند: لأ، سيبيها.
عمر وهو يتظاهر بالتعب: انتوا الاتنين سمعتوا اللي قلته؟ رأيكم إيه؟
سليم لم يتكلم، أما سيلا فقالت: لأ ي بابي، أنا وهو مش هينفع نرجع.
عمر وهو يتظاهر بالإعياء ويضع كفه على موضع قلبه: آآآه.
جني وفهد وسيلا وملك وسليم بزعر عليه: جني، عمر فيك إيه؟
سيلا ببكاء: بابي، فيك إيه يا حبيبي؟
فهد: حاسبي ي جني، انتي وهو، وبيحاول أن يفكك رباطة عنقه. فغمز له عمر فعلم بأنه يتصنع التعب.
عمر وهو مازال يتظاهر: هسيبكم 10 دقايق وهطلع أوضتي ومستنيكم يا توفقوا على قراري، يا أنا لا عمك ولا أنا أبوكي، سااامعين.
سيلا ببكاء: حاضر ي بابي.
سليم بقلق عليه: حاضر يا عمي، بس حضرتك هدي نفسك واللي انت هتطلبه، إحنا هننفذه.
نهض من على كرسيه وجني تسنده هي وفهد حتى أخرجوه من غرفة المكتب وصعدوا به إلى غرفته، وتركوهم وحدهم.
سليم بغضب منها وهو يقترب بشر بصوت أرعبها: بقيت أنا كنت عايزك تنزليه؟ وأنا اللي قولتلك خبي حملك؟ مش كده؟
سيلا بزعر منه وهي تتراجع: لو سمحت يا سليم، كده كده ما ماينفعش.
سليم: انطقي، ليه قولتي كده؟
كادت أن تتعثر فحاوط ذراعه على خصرها جاذباً إياها حتى لا تسقط.
سيلا بتألم: آآآه.
سليم بزعر عليها وهو يجذبها أكثر: حصلك حاجة؟ فيكي حاجة بتوجعك؟
سيلا وهي رافعة له عيناها بنظرات عاتبة، مشتاقة، محبة، لائمه: لأ، أنا كويسة، كنت هقع بس.
أعدلها سليم بارتباك من قربها وقال وهو يتظاهر بالبرود وكأن قربها لم يؤثر عليه: احم، هتعملي إيه في اللي عمي قاله؟
سيلا وهي تحاول أن تلملم شتات نفسها: مش... مش عارفة.
سليم: لأ، لازم تعرفي، الـ 10 دقايق خلصت.
قالت سيلا كي تثير غضبه: أنا موافقة إننا نرجع لبعض، بس طبعاً بيني وبينك لأ.
سليم وهو ينظر لها: تقصدي إيه؟
سيلا: أقصد أنا وأنت مش هنرجع زي الأول، في حاجات اتكسرت وصعب إنها تتصلح، وبابي تعبان ورفضنا هيأثر على صحته.
سليم وهو يربع يديه أمام صدره: كملي.
سيلا: احم، اللي أقصد إنه أنا وإنت هنرجع قدامهم بس عشان خاطر بابي. لكن بيني وبينك لأ.
سليم: أوك، اقتراح كويس. أنا أصلاً كده كده ما كنتش عايز أرجع، بس صحة عمي أهم.
سيلا بغيظ: أنا بقول كده، ويلا عشان نقولهم.
ذهب من أمامها واتجه صوب الباب وقال ببرود: ورايا.
أغاظت سيلا من بروده معه، حتى أنه لم يعتذر لها أو يصارحها بحبه، ولكن كان يتعامل معها ببرود وكأنها هي من أخطأت وحدها.
صعدوا وأخبروا الجميع برجوعهم لبعض، فقال سليم حتى لا يخبرها بأنها على ذمته: أنا هروح للمأذون وهرجعها النهاردة.
فرح الجميع لهم، أما هم فتجمعهم مشاعر مختلطة، عناد وفرحة وشوق وحزن وغرور. فكلاهما مشتاق، محب، عاشق، وأيضاً عنيد. فمن الذي سيربح عنادهم أم عشقهم؟
في مساء هذا اليوم في فيلا فهد، كانوا يضحكون بأصوات عالية.
الثنائي العنيد سيلا وسليم.
سليم الذي يختلس النظرات لـ سيلا بين الحين والآخر، والعنيدة العاشقة التي تتصنع عدم الاهتمام له.
وادهم وادم وسديل وعز ووعد المتعبة.
مالت وعد على عز وقالت: عز، أنا عايزة أطلع أنام.
عز مقبلاً كفها: أوك حبيبتي، تعالي نطلع.
وعد: لأ، خليك معاهم.
عز: لأ يا روحي، هطلع معاكي.
نهض من مكانه وهو ممسك يدها وساندها حتى نهضت.
فقال معتذراً: معلش يا جماعة، هطلع أنا عشان وعد تعبانة شوية وعايزة تنام.
ملك بقلق عليها: حاسة بحاجة حبيبتي؟ اتصل بإيمان.
وعد: لأ يا ماما، ماتقلقيش، أنا عايزة أنام بس.
ملك بابتسامة عذبة: أوك حبيبتي، خدي شاور دافي وأنتي تحسي بتحسن، وأنا هعمل كوباية عصير تشربيها حالا.
وعد: لأ يا ماما، ماتتعبيش نفسك.
ملك: لأ حبيبتي، ما فيهاش تعب ولا حاجة.
استأذن منهم وصعد معها.
جلست على الفراش بعدما أخذت حمام كي ينعشها.
جلس بجانبها وناولها كوب العصير.
بعدما انتهت منه سحبها لحضنه فقالت: عز، أنت مضايق مني؟
عز وهو يقبل أعلى رأسها: لا يا روحي، مش مضايق، ليه بتقولي كده؟
ابتعدت وعد عنه قليلاً وهي رافعة وجهها: يعني حاسك كنت عايز تقعد معاهم، كانت القعدة حلوة.
عز بود: حبيبتي، فعلاً حلوة، بس لو انتي مش قاعدة فيها، مش هيبقى ليها طعم. الحتة اللي انتي بتكوني فيها يا وعد، هي دي راحتي وسعادتي.
وعد: ي حبيبي ي عز، ربنا يخليك ليا، أنا بحبك أوي.
قبلها على شفتيها بقبلة ناعمة وقال: مش قدي ي روح عز، ويلا بقى تعالي نامي في حضني.
مددها وتمدد بجوارها وسحبها لتنام على صدره ككل يوم.
بالأسفل ما زالوا يجلسون ويتسامرون ويضحكون.
بكت ملك الصغيرة التي كانت على يد فهد.
ملك: هاتها عشان آكلها وأغيرلها وأنامها.
فهد: لا، سيبيها شوية.
ملك بغيظ: موال كل يوم، هاتها ي فهد وبطل عند.
فهد: أنا اللي بعند؟ قولي إنك غيرانة منها.
ملك: أنا أغير من المفعوصة دي.
فهد وهو يبتسم كي يغيظها: أيوه، بتغيري منها، اعترفي.
ملك بغضب طفولي: ماشي ي فهد، أنا هنام في أوضة فهد الصغير، وابقى خلي المفعوصة دي تنفعك.
قطع كلامهم عمر حينما نهض وقال: أنا طالع أنام.
قال فهد: لسه بدري، خليك شوية.
عمر: لأ، ورايا شغل بكرة بدري، هطلع أنا عشان ألحق أنام لي ساعتين.
فهد: أوك، أنا كمان طالع.
ثم وجه كلامه لـ سليم وسيلا وقال: يلا يا سليم، اطلع وخد مراتك في إيدك.
ابتلعت سيلا ريقها بتوتر وقالت: لأ، إحنا هنقعد شوية مع ادم وسديل.
نهض هو وقال وهو يمسك يدها: لأ، أنا كمان ورايا شغل بدري، يلا بينا.
قامت معه وصعدوا إلى غرفتهم في توتر منها وترقب منه.
رواية انتقام خاطئ الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نيفين بكر
كانت تلاحظ نظراته لها ولكنها تجاهلتها. انتبه على نفسه فدخل أيضًا وأبدل ملابسه لشورت قصير فقط. اتسعت عيناها عندما رأته هكذا وهو يقترب من الفراش، فقالت:
"إيه ده؟!"
قال وهو يتصنع البراءة:
"إيه؟"
"إيه ده اللي أنت عامله؟ من فضلك البس هدومك، وياريت تراعي إني معاك في الأوضة."
قال بلا مبالاة:
"وأنا عملت إيه حضرتك؟"
"قالع."
"لأ، مهو أنتِ تتعودي على كدا. أنا عاداتنا بنام من غير هدوم خالص. فتحمدي ربنا إني هنام بالشورت ده."
قالها وهو يزيح المفرش ويتمدد على الفراش. فقالت:
"انت بتعمل إيه؟"
"زي ما أنتِ شايفة، هنام وبطلي دوشة واقفلي النور."
هبت واقفة فقالت:
"لأ مش هينفع ننام جمب بعض."
قال ببرود أغاظها:
"أوكي، شوفي هتنامي فين واقفلي النور."
واعتدل ثم وضع ذراعه على عيناه وهو ممدد.
فقالت بحدة:
"أييييه اللي بتقوله ده! أشوف أنام فين؟ هنام على السرير طبعًا."
قال:
"أوكي، نامي من غير صوت."
قالت:
"يووووه، أنت إيه اللي بتعمله ده؟ لو سمحت قوم من هنا، عاوزة أنام."
سليم:
"أقوم من هنا؟!"
سيلا:
"أيوه."
سليم:
"ليه؟"
سيلا:
"عشان أنام."
سليم:
"ماتنامي، حد ماسكك."
"أنا مش هنام جمبك."
"قولتلَك أوكي."
"يعني إيه أنام على الأرض؟"
سليم:
"اللي أنتِ عاوزاه اعمليه."
سيلا:
"يوووه بقى."
وقامت من جانبه وسحبت وسادة وغطاء لها وتوجهت صوب الأريكة ووضعتهم بغيظ وتمددت. تظاهر هو بالنوم وعدم المبالاة. أما هي فكانت تتاكل من الغيظ على بروده معها.
بعد مدة، ذهبت في سبات عميق. فقام من مكانه ووضع يده تحت ركبتيها والأخرى خلف رقبتها وحملها ووضعها على الفراش برفق.
فتحت عيناها بنعاس وهمت للاعتراض. أسكتها هو قائلاً:
"هووووشششش، نامي والصبح اعترضي. أنا تعبان وعاوز أنام."
***
في صباح اليوم التالي.
أفاق قبلها ومارس رياضته ودخل ليأخذ حمامه الصباحي. أما هي فبدأت للتو تستيقظ. تململت بنعاس وهي تتمطى بكسل وفتحت عيناها وجدت نفسها في تلك الغرفة. انتفضت من مكانها وهي تتذكر ذاك الصباح المشؤم. صبحها جنينها بركلة قوية أخرجها من شرودها وذكرياتها الأليمة. وضعت يدها على بطنها بسعادة وهي تبتسم وكأنها ترد له تحية الصباح.
خرج وهو يجفف شعره بمنشفة صغيرة ويلف منشفة ليست كبيرة على خصره وقطرات الماء تتساقط من على شعره وتنساب على عضلات صدره وظهره. شهقت هي وقالت بغضب:
"هو حضرتك هتفضل قلع ليل ونهار كده؟"
سليم:
"براحتي في أوضتي."
سيلا:
"لأ يا سليم، من فضلك احترم وجودي في الأوضة معاك شوية."
قال ببرود:
"وأنا قليت احترامك في إيه؟"
"اللي أنت بتعمله ده بيضايقني."
قال:
"بيضايقك في إيه؟"
لم تعرف ماذا تقول له ولكنها تمتمت بكلمات غير مفهومة ودبدبت على الأرض بطفولية. ودخلت الحمام وقفلت الباب بعنف. جلس هو على الفراش وهو يفكر. هل سيظل الوضع هكذا أم ما الذي عليه أن يفعله؟
مر أسبوع آخر وجاء موعد تطعيم حملها. ذهب سليم لها في العمل. فتح باب مكتبها دون استئذان ودخل. كانت تكتب في مقالة باهتمام دون الانتباه على الذي دخل مكتبها. تنحنح هو فرفعت عيناها وقالت:
"سليم."
سليم:
"خلصتي؟"
قالت:
"خلصت إيه؟"
سليم:
"شغلك."
"لأ، لسه بكتب في مقالة."
سليم:
"أوكي."
ثم فتح زرار الجاكيت وجلس ووضع ساق على ساق.
سيلا:
"هو في حاجة؟"
سليم:
"أيوه، أنا حجزتلك عند الدكتورة بتاعتك معاد تطعيمك النهاردة."
فقالت بدهشة:
"النهاردة؟"
"أيوه، ويلا خلصي عشان مانتأخرش."
بعد ساعة، كان هو وهي في عيادة الطبيبة. كانت ممددة على الفراش والطبيبة تمرر ذراع الأشعة على بطنها. كان هو يقف بجانبها يتابع الشاشة.
فقالت الطبيبة:
"حلو، احنا زي الفل."
ابتسمت سيلا وقالت:
"الحمد لله."
فقالت الطبيبة:
"تمام كده، يلا هحضر الحقنة."
تغيرت ملامح سيلا وقالت:
"هي لازم؟"
الطبيبة:
"أكيد، اتفضلي يلا."
وقف سليم أمامها وساعدها وكشف ذراعها للطبيبة وأسند رأسها على صدره. تألمت سيلا وانفلتت منها تأوه ودفنت رأسها أكثر. فملس سليم على رأسها بحنان. ظلت على صدره مدة وهو يقبل على رأسها بحنان ويقول بنبرته الرجولية وبصوته العميق. ورغم ذلك كانت نبرته حانية تطبطب عليها:
"لسه بتوجعك؟"
قالت وهي مستكينة على صدره:
"شويه."
قال بنفس نبرته:
"شوية، والألم هيخف خالص."
أخرجتهم الطبيبة من حالتهم وقالت:
"الفيتامينات تتاخد في ميعادها والأكل زي ما فهمتك ونشرب سوايل كتير. احنا قربنا على السابع، لسه أسبوع."
سيلا:
"بإذن الله يا دكتورة."
سليم:
"هو ممكن يبان نوعه من الشهر الكام؟"
الطبيبة وهي تنظر لسيلا:
"هو بيبان في أول الخامس. يعني ممكن نعرف نوعه دلوقتي؟"
الطبيبة:
"أكيد طبعًا، هو ولد بإذن الله."
سليم بسعادة الدنيا:
"بجد يا دكتورة؟"
أومأت هي وقالت:
"بجد يا سليم، بيه ولد."
بعدما نزلوا وأوصلها إلى البيت وأخبر الجميع بنوع مولوده، ففرحوا جميعًا.
***
كان في الصباح يأخذها ويوصلها إلى مكان عملها. وعندما يأتِ موعد ذهابها للبيت، يذهب هو أو السائق ليأخذها. كان تعامله معها روتينيًا. استمر هذا الوضع أسبوع آخر.
لاحظت ملك وجني علاقتهما غير الطبيعية، ففكروا بأن يجعلوا سليم وسيلا يذهبا لقضاء عطلة في الشاليه أو في أي أوتيل، لعل هذا البرود الذي بينهم ينصهر. كانوا جميعًا في غرفة الطعام يتناولون عشاءهم. أدم وسديل بجانب بعض، ووعد وعز التي ما زالت متعبة وعز بجانبها يخفف عنها. وأدهم الذي يتكلم مع أبيه في العمل وهو يتناول طعامه. وجني وملك اللتان تتابعان نظرات سليم لسيلا. وعمر الذي يتكلم مع سليم بين الحين والآخر.
غمزت ملك لفهد كي يتكلم مع سليم.
فهد:
"سمعت إنك أخذت إجازة أسبوع."
سليم:
"أيوه يا بوب، بقالي كتير ماجزتش، قولت أريح شوية."
فهد:
"كويس، اهو تاخد سيلا وتروحوا في أي مكان."
سيلا:
"لأ يا خالو، أنا مش هينفع أروح في حتة."
نظر سليم لها دون كلام. تدخلت ملك وقالت:
"ليه يا حبيبتي؟"
فقالت بحرج:
"عشان الحمل و..."
سليم:
"وإيه؟"
ثم وجه كلامه لأبيه:
"أوكي يا بوب، هفكر أنا وسيلا هنروح فين."
قالت مندفعة:
"أنا قولت مش هينفع، ولا ده بالعافية كمان."
انتفض من مكانه وقال بصوت عالٍ:
"قولتلك..."
لهجته تغيرت. ثم نظر فوجدهم ينظرون إليه، فقال:
"مش هحاسبكم دلوقتي."
واستأذن منهم وذهب خارج الفيلا. عمر معنفًا لها:
"دي طريقة تكلمي بيها جوزك؟"
قالت بصوت مختنق:
"يا بابي."
"بابي إيه وزفت! أنا غلبت معاكي."
ثم مسح يده وفمه وقام من مكانه. فأوقفه فهد قائلاً:
"رايح فين يا عمر؟"
عمر:
"بعد ما تخلص، تعالي نتمشى في المكتب."
فهد:
"أوكي، أنا قايم وراك."
ثم نظر فهد لملك ولجني حتى يهدأن منها. وذهب لغرفة المكتب لعمر. أما هي فبكت.
جني وملك كانوا يهدئون بها.
جني:
"باباكي معاه حق، سليم ما قالش حاجة تضايقك ليه؟ الأسلوب ده."
"ي مامي، أنا مخنوقة وتعبانة وكل حاجة ضاغطة عليا ومحدش حاسس بيا."
ملك:
"طب احكي لنا وفضفضي واحنا نلاقي معاكي الحل."
"مفيش أي مشكلة مالهاش حل."
سيلا ببكاء:
"المشكلة جوايا أنا، أنا مجروحة من سليم وهو ما حاولش يعتذر أو يقول إنه غلطان. أنا غلط واعتذرت له كتير ودست على كرامتي أكتر من مرة، رغم رفضه ليا ما يئستش، إنما هو ما بيتعاملش معايا غير بكل برود كأني مش فارقة معاه. أنا بجد تعبت ومش عارفة أعمل إيه."
وانهارت باكية على صدر ملك. ربتت ملك على ظهرها وقالت:
"خلاص، اللي يعاملنا ببرود نعاملوا إحنا تلاجة."
ابتعدت عنها وجففت دموعها بأناملها.
"يعني إيه؟"
ملك:
"يعني اتعاملي زي ما هو بيتعامل بالظبط. صدقيني، ده ابني وأنا عارفاه كويس. مش هقولك بيحبك، لأ يا سيلا، سليم بيعشقك، وأنتي عارفة كده كويس. هو تقيل أوي، بس مش على سيلا بنتي. علميه الأدب ولاعبيه زي ما بيلعبك واطلعي ووضبي شنطتك."
ابتسمت لها سيلا وقالت:
"حاضر يا ماما."
ملك:
"أنا هتصل عليه وهقوله إنك بتوضبي في حاجتك. يلا."
أطاعتها سيلا وصعدت لغرفتها ووضبت حقيبتها وجلست بانتظاره. اتصلت ملك عليه وأخبرته بأنها وافقت وصعدت لتحضير حقيبتها. بعد نصف ساعة، كان هو يفتح باب غرفته. ألقى التحية وردت عليه هي. تنحنح وقال:
"جهزتي حاجتك؟"
سيلا:
"أيوه، بس شنطتك لسه مش عارفة هتحتاج إيه."
سليم:
"لأ، ما تتعبيش نفسك، هجهزها أنا."
وذهب لغرفة ملابسه وأحضر ما يلزمه من ملابس ووضعهم في الحقيبة وقال:
"يلا بينا."
همت لتحمل حقيبتها ولكنه قال:
"سيبيها، أنا هشيلها."
"لأ، الاتنين هيبقوا تقال عليك."
ابتسم عليها وقال:
"يا ستي، هستحمل."
تقدمت أمامه بحرج وفتحت الباب ونزلوا. كانت ملك وجني توصيه عليها، فكان يطيعهم بنفاذ صبر وقال:
"على فكرة، الشاليه هنا في اسكندرية، مش رايحين إحنا الإسكيمو."
ملك:
"ماشي يا حبيبي، حاولوا تتبسطوا."
سليم:
"حاضر."
ثم مالت عليه وقالت:
"خف على البنت يا سليم."
"حاضر يا أمي."
وذهب هو وهي وركب السيارة. وبعد مدة وصلوا أمام الشاليه. نزل هو أولاً وأخذ الحقائب وحملهم.
***
بعدما صعدوا، وقفت أمام غرفة وقالت:
"أنا هاخد الأوضة دي."
سليم:
"أوكي، افتحيها."
فتحتها هي ووضعت حقيبتها وأخذ حقيبته وذهب بها لغرفة أخرى. ظلت في غرفتها حتى أتى المساء. فتح الباب دون استئذان ووجدها تجلس مندمجة في كتابة مقالة ما دون الانتباه عليه. تمطت بتعب. كان يأكلها بعينيه. كانت جميلة ترتدي قميصًا يصف بروز بطنها ومفاتنها. وضعت يدها على بطنها وهي تشعر بالجوع. انتبهت عليه واقفًا خلفها، فقالت:
"سليم، في حاجة؟"
سليم:
"بقالك مدة، قولت أجي أشوفك."
سيلا:
"كنت بكتب حاجة ولسه مخلصة."
سليم:
"أوكي، مش هتاكلي؟"
"أيوه... أقصد لأ، شبعانة."
"أوكي، أنا رايح أتعشى برة، كنت مفكرك تحبي تيجي معايا."
قالت بحزن:
"لأ، اتفضل أنت."
"أوكي."
ذهب هو. أما هي فجلست بحزن، فهو لم يتمسك بها، قالها من باب المجاملة فقط. نزلت هي وتوجهت صوب المطبخ وفتحت الثلاجة فوجدت بها جبنًا فقط. فتحت الدولاب فكانت الأكياس مرتفعة، فاستحضرت كرسيًا وصعدت عليه بصعوبة. وأمسكت بكيس مكرونة، ولكن اختل توازنها ومالت فصرخت هي ووقعت، ليس على الأرض ولكن بين أحضان سليم.
نهرها سليم قائلاً:
"إنتِ كنتِ بتعملي إيه فوق؟"
قالت بتلجلج:
"ك... كنت بجيب كيس مكرونة."
سليم:
"ليه؟"
سيلا:
"عشان أطبخه."
"مش قولتي مش جعانة؟"
"أصل... أصل..."
"أصل إيه؟ قولي إنك جعانة بس بتكابري، مش كده؟"
قالت:
"ممكن تنزلني؟"
أنزلها برفق فسألته:
"أنت رجعت ليه؟"
سليم:
"روحت أجيب معلبات وجبنات وجيت عشان تاكلي."
"شكرًا."
قال:
"على فكرة، مش عشانك، عشان ابني."
فقالت بحزن:
"أوكي، وابنك مش عاوز ياكل، عاوز ينام."
وأسرعت صوب السلم، فالتوت قدمها فتاووهت وجلست على درجة منه. سليم وهو يميل عليها بلهفة:
"فيكي حاجة؟ حصل حاجة؟"
رفعت عيناه الدامعة له.
"ماتقلقش، ابنك بخير."
"أنا اللي رجلي اتلوت وما أظنش إنه يهمك."
وهمت لتقف ولكن قدمها آلمتها فجلست مرة أخرى. مال عليها وهم ليحملها ولكنها اعترضت قائلة:
"من فضلك، أنا هطلع لوحدي. أنا مش مكسورة، رجلي اتلوت بس."
حملها ولم يتكلم ولم يأخذ اعتراضها بعين الاعتبار. صعد بها وتوجه لغرفتها ووضعها على الفراش. ثم أمسك بقدمها وحاول أن يحركها قائلاً:
"كده فيه ألم؟"
قالت:
"لأ."
"طب كده؟"
تألمت بخفوت وقالت:
"أيوه، فيه ألم هنا."
كان سليم متأثرًا من قربه منها. أخذ نفسًا عميقًا بعد أن أجلى صوته وقال:
"مش عارف، في مراهم وكريمات هنا ولا لأ. استنى هشوف."
ذهب وبعد مدة أحضر لها كريمًا مخصصًا للالتواءات. فدهن لها قدمها.
سليم:
"ها؟ أحسن؟"
أومأت رأسها وقالت:
"الحمد لله."
"طب أنا هنزل أجيبلك الأكل."
"شكرًا، هتعبك معايا."
نظر لها وغادر دون كلام. استمروا هكذا عدة أيام يتعاملون بالتصنع، هو بالبرود وهي بعدم المبالاة. حتى جاء ذات يوم كانت هي تتمشى بعد ما تحسنت حالة قدميها وذهبت للمكان الذي جمعهم يوم عقد قرانهم. كان هو في المطبخ يحضر لهم الطعام، كان ينوي بأن يفتح معها صفحة جديدة وأن يغير معاملته معها. أخذ الطعام وذهب به إليها، وجدها شارده. فجلس بجانبها ومد يده لها وقال:
"خدي أكلي ابنك."
أشاحت وجهها للجهة الأخرى حتى لا يلاحظ دموعها المنسابة على وجنتيها. رن هاتفه فكان اتصال من عاصم يخبره بقدومه الإسكندرية ويعلمه بخطوبته على إيمان. بعدما هنأه، أغلق الهاتف وأعاده إلى جيبه.
"ده عاصم خطب إيمان."
"مبروك."
قالتها ووقفت.
"على فين؟"
"على الأوضة، هحضر شنطتي وياريت نرجع النهاردة."
سليم:
"ليه؟ مانقعد شوية."
سيلا:
"لأ، أنا شايفه مالهاش لازمة، بعد إذنك أنا هطلع."
سليم بعد ما وقف أمامها:
"استني."
"في إيه؟"
"هقعد ياسيلا كام يوم لحد ما إجازتي تخلص."
"لأ."
"مش بمزاجك."
"لأ بمزاجي، ومن فضلك ما تخليناش نرجع لوحدنا، شكلنا هيبقى وحش أوي وكفاية بابي زعلان مني للوقت، فارجوك ارجوك بلاش يعرفوا أي حاجة."
ذهبت للغرفة دون الاستماع لردة وفضلت حقيبتها وهمت لتحملها، فوجدته يفتح باب غرفتها قائلاً:
"خلصتي؟"
"أيوه."
حمل الحقيبة ونزل بها ووضعها في السيارة وعاد هو وهي. دخلوا سويًا فوضع يده على خصرها عندما وجد الجميع يجلسون. ألقى السلام وتظاهر بالسعادة.
عمر:
"إيه ي ولاد اتبسطتوا؟"
سليم:
"جدًا ياريتني كنت أخذت الإجازة دي من زمان."
نظرت جني وملك لسيلا.
جني:
"وإنتي حبيبتي مبسوطة؟"
سيلا:
"أيوه يا مامي، جدًا."
ملك بفرحة فهي صدقتهم:
"الحمد لله حبايبي، يارب أشوفكم كده مبسوطين على طول."
قامت سيلا وقالت:
"هطلع أنا أفرد ضهري، لأ أنا تعبانة."
فنهض بقلق وقال:
"فيكي حاجة؟"
ردت سيلا:
"لأ، مفيش حاجة، أنا عاوزة أنام مش أكتر."
"أوكي، أنا طالع معاكي."
وصعدا سويًا. دخلت هي أولاً وتحممت وتوجهت صوب الفراش تمددت. جاء هو بعدها وهو يزيح الفراش قائلاً:
"ده مكاني."
"لأ، أنا عاوزة أنام هنا."
سليم:
"يووووه، أنتِ بتعارضي لمجرد المعارضة وبس."
"أنا هنام هنا."
"سيلا."
"لأ، نام الجانب التاني."
وتشاجرا كالاطفال. فقالت:
"أنت بتعاند وبس، أنا هروح أنام في أوضة تانية."
سليم:
"والناس اللي تحت لو لاحظوا؟"
فقالت بصراخ:
"يلاحظوا! أنا تعبت، كل شوية نقار وزعيق، بجد بقت حاجة تخنق."
"إنتِ اللي بتعاندي وعاوزة تبعدي."
"براحتي."
"لأ طبعًا مش براحتك."
سليم:
"ممكن نتكلم شوية؟"
"اتفضلي."
"هنفضل كده لحد امتى؟"
زم شفتيه قائلاً:
"الله أعلم."
فقالت بكذب:
"بص يا سليم، أنا وأنت..."
"استحالة نرجع زي ما كنا."
أومأ لها وقال:
"هااا، كملي."
"أنا بقول يعني إنك ممكن تشوف حياتك، وأنا كمان."
اقترب منها وتحولت ملامحه ونظر لها نظرة أرعبتها، ورغم ذلك خرج صوته طبيعيًا نوعًا ما:
"هااا، كملي، وأنتي كمان إيه؟!"
ابتعدت عنه قليلاً وقالت وهي تحاول أن تتصنع الشجاعة:
"وأنا كمان بعد ما أولد أشوف حالي."
اقترب منها لحد الهلكة ومال عليها ليصبح وجهه أمام وجهها وهو يتنفس بصعوبة:
"تقصدي إيه؟ بتلمحي لأي؟"
"ما... ما أقصدش حاجة."
آهتأوهت عندما جذبها من خصرها بقوة متناسيًا حملها قائلاً بنبرة أرعبتها:
"الكلام اللي قولته ده لو اتعاد تاني مش هعرف أنا بعمل فيكِ إيه. سااااااااااااااامعة؟"
أومأت هي واجفلت بعينيها عدة مرات.
فاجأتها مغص قوية فوضعت يدها على بطنها وتألمت بصوت عالٍ وهي تتنفس شهيق وزفير.
قال بلهفة:
"سيلا."
"تعالي اقعدي واهدي."
نفضت يدها وقالت رغم تعبها ورعبها منذ قليل:
"ماتخافش، ابنك بخير."
"سيلا، طب اقعدي شكلك تعبان."
"لأ، أنا بخير."
"بقولك ماتكابريش."
"لأ مش بكابر يا سليم، ومن فضلك كفاية عشان أنا تعبت."
وربنا تعبت وانهارت بالبكاء. جذبها على صدره وظل يربت على ظهرها بحنان قائلاً:
"خلاص، ما تبكيش، حقك عليا."
قالت من بين شهقاتها:
"عارفة، عشان خاطر ابنك بس. ابنك بخير، أنا اللي مش بخير يا سليم، أنا تعبت من لعبة القط والفار. عندك وبس."
سليم:
"خلاص، اهدي، مش هضايقك تاني."
ثم قال بحنان هامسًا:
"على فكرة، أنتِ تهميني أكتر منه. أنا بحبك قبل منه، يعني لو مش بحبك مش هحبه."
تركها تبكي على صدره حتى نامت.
***
كانت ملك نائمة في غرفة الصغار عنادًا مع فهد المهتم بابنته الصغيرة فقط غير مهتم بها. قامت وذهبت لغرفته حتى يُقظه. كان نائمًا فهزته من ذراعه قائلة:
"فهد، يلا اصحى."
همهم هو:
"ممممم."
"ي فهد، اصحى هتتأخر وبعدين هتقول سبتيني ليه؟ كل ده."
فهد وهو يتصنع التعب:
"ممممممم، أنا تعبان مش قادر."
قالت ملك بلهفة:
"سلامتك يا حبيبي، فيك إيه؟"
انتفض وقبض على خصرها قائلاً:
"ملوكتي حبيبتي غضبانة مني وسيباني أنام لوحدي."
قالت بدلال:
"ي سلام يا خويا، مش أنت اللي أهملتني من ساعة المفعوصة دي ما جت."
فهد ضاحكًا:
"ي حبيبتي، دي بنتك مش حد غريب."
ملك:
"بردووو، أنا بغير عليك وما أحبش حد ينافسني في حبك، قولت إيه؟"
"قولت حاضر، وأمري لله، اللي أنتِ عاوزاه."
"البنت هتنام في أوضتها."
"حاضر."
"مش تشيله خالص."
قال:
"خالص."
"لأ، تشيله شوية صغيرين."
قال:
"حاضر."
"حاجة تاني؟"
"لأ، خلاص. ويلا قوم بقى، لا هتتأخر."
فهد:
"اااقوم فين؟ تعالي هنا، إنتِ وحشاني."
ملك:
"فهد."
فهد:
"إيه؟"
"وحذبها ليميل عليها ويقبلها على شفتيها بقبلة طويلة عميقة، ليسحبها لعالمه ليبثها شوقه وحبه وجنونه بها. بين يده يشعرها بأنها ملكت الدنيا وما فيها، وحده فهدها من جعلها طفلة لا تكبر ولا تشيخ."
***
في صباح في غرفة سليم وسيلا.
كانت تغط في سبات عميق ولا تدري بذلك الحريق الذي يجيش بصدره من قربها وعدم مقدرته على لمسها. فعنادهم معًا أكبر خطأ. كاد يوسع الفجوة بينهما لولا تدخل أبويهما فهد وعمر. كانت تضع بينه وبينها وسادة، فإذاحها وأبعدها عنه ونظر إليها من علياءه وهو يسند على ذراعه. تململت وتقلبت حتى صار وجهها أمامه. نظر لعيناها المستكينة في وداعه ونزل بعينيه على شفتيها التي كان يتذوقها بعشق ويعشقها. ثم أطلق آه حارقة عندما تنهد واقترب رويدًا رويدًا. بداخله شيء يجذبه لكي يقبله. نعم، هي قبلة واحدة، وبعدها يبتعد. هكذا كان يقنع نفسه. اقترب أكثر فأكثر، هو الآن أمام شفتيها يلمسها بشفتيه. قبلها وكان سيبتعد، ولكن قال لنفسه: "لما لا يأخذ قبلة أخرى أقوى وأعمق؟" وبالفعل قبلها قبله أقوى وأعمق. ابتعد عنها على الفور عندما تململت وبدأت تفتح عيناها ببطء. وجدته نائمًا ويغمض عينيه في استكانة. نظرت له ووضعت يدها على شفتيها. إنها كانت تشعر به. هل كانت تحلم؟ نعم، إنه حلم ليس أكثر. تنهدت هي الأخرى على لوعة قلبها. فحبيبها ينام بجانبها ولكنه كالغريب. ليس من حقها أن تنام في أحضانه، ليس من حقها ملامسته. لعنت غباءها الذي حكم عليه وعليه بهذا الجفاء والبعد. تظاهر هو وكأنه يتململ، فانتبهت على حالها وتصنعت النوم. قام هو ببطء وتوجه صوب الحمام وتحمم وبدل ملابسه وخرج خارج الغرفة. قامت هي ودخلت وتحممت وخرجت بعد دقائق وهي تلف على جسدها منشفة كبيرة. ووقفت أمام المرآة تضع بعض الكريمات على جسدها. فتح الباب فوجدها على هذه الحالة فأغلق الباب وتوجه صوبها ومال عليها وقبلها على رقبتها من خلفها قائلاً:
"صباح الخير."
ارتبكت هي، فهو يعاملها على غير المعتاد، يبتسم ويقبلها ويلقي عليها تحية الصباح.
سيلا بخفوت:
"صباح النور."
قال سليم:
"صباح الخير مرة أخرى."
قالت:
"قولتلك صباح النور."
سليم:
"لأ، الأولى ليكي، التانية لابني."
ابتسمت هي وقالت:
"وهو كمان بيقولك صباح النور."
"فين دا؟ أنا ما سمعتش."
ثم مال على بطنها ووضع أذنه عليها وقال:
"قولت إيه يا لالا."
ضحكت سيلا عليه وقالت:
"بتعمل إيه؟"
"آآآآآييه، بسمعه."
ثم استقام أمامها وهو وينظر إليها قائلاً:
"تعالي ناخد إجازة أنا وأنتِ من كل حاجة. ممكن؟"
سيلا مبتسمة:
"ممكن."
اقترب منها وقال:
"بس أنا عاوز أفطر الأول، ممكن؟"
سيلا بعذوبة:
"أكيد ممكن، ثواني هبدل هدومي وهروح أحضرلك الفطار ورجعه حالا."
وهمت لتذهب، جذبه هو قائلاً:
"رايحة فين؟"
"هعملك الفطار."
سليم:
"وتعمليه وتتعبي نفسك ليه؟ لما أنا ممكن أفطر حاجة تانية."
ثم غمز لها.
قالت بخجل:
"سليم."
"هي لسه فيها سليم سليم؟ راح خلاص."
ومال عليها ملتهما شفتيها بين شفتيه بنهم شديد وهو يحاوطها بذراعيه من خصرها. لم يفصل قبلته بعد. ظل يقبلها ويقبلها وكأنها الترياق والشفاء من كل الجراح من كل العذاب.
أما عنها، فأغمضت عينيها باستسلام تام، مستشعرة لهفته، شغفه، اشتياقه، وجنونه. ترك شفتيها ببطء شديد ونزل على رقبتها التي اشتاق لمساتها، يقبلها بنعومة شديدة وكأنه يعزف مقطوعة موسيقية عليها وهبط على صدرها، تاركًا علامات عشقه بكل سم به. صعد مرة أخرى لشفتيها يلتهمها بشغف وهو يحملها متجها بها صوب الفراش. اعتلاها بعدما وضعها عليه برفق، ثم اختطف أنفاسها بقبلاته الحارة ويده تعبث بجسدها بجرأة حتى جردها من تلك المنشفة.
فقال كي يناغشها:
"إيه داااا؟ كده بكل سهولة؟"
دفست رأسها في عنقه بخجل قائلة:
"سليم، بطل بقى."
سليم بعبث:
"أبطل إيه؟ ده أنا لسه هبتدي."
ثم اقترب منها أكثر لياخذ شفتيها في قبلات متتالية محمومة ويده تعبث بجسدها بجرأة، لتستجيب هي لاشتياقه ولهفته، حتى سحبها في جولة طويلة قوية من جولات عشقه.
***
بعد شهران آخران قد تحدد فيه زفاف أدهم على رحمة بعد ولادة سيلا. أما عن آدم وسديل فلم يحدث تغير بحياتهم. عز ووعد خف التعب عن وعد وعادت حياتهم لطبيعتها. ملك وفهد تصالحا أخيرًا.
***
في غرفة أحمد فجرًا.
كان يقف أمامها وهي خلفه، في صلاة الفجر. بعدما أنهى الصلاة، جلس هو وهي يقرآن ما تيسر لهما من القرآن والذكر. بعد ما انتهوا، تكلمت مهجة ببعض التعب فقالت مهجة:
"- أحمد، ممكن بكرة أروح مشوار؟"
رد عليها يسألها باهتمام:
"- مشوار إيه يا حبيبتي؟"
تهربت بعينيها عن عينيه وأجابت:
"- مشوار كده، هأكد من حاجة، وبعدين أبقى أقولك."
شعر أحمد ببعض القلق عليها، فهي مجهدة وتشعر بالتعب باستمرار، فاقترب منها واحتضن وجهها بين كفيه بحنان وتمتم:
"- في إيه يا مهجة؟ مالك يا حبيبتي؟ بتشتكي من إيه؟"
عضت مهجة على شفتيها وقالت بخجل:
"أبدا، حاسة بشوية تعب وعاوزة أروح أكشف."
أحمد بلهفة:
"سلامتك حبيبتي، تعب إيه؟ قوليلي."
مسكت يده ووضعتها على بطنها وقالت:
"أنا عملت 2 اختبار حمل والاتنين إيجابيين، بس حبيت أروح أتأكد."
أحمد بفرحة:
"إنتِ... إنتِ حامل يا مهجة؟"
هزت رأسها وقالت:
"أيوه يا نور عين مهجة."
احتضنها واعتصرها بين أضلعه بقوة جعلها تتأوه بين يديه.
أحمد:
"أنا... أنا آسف يا حبيبتي، أنتِ تعبانة."
مهجة:
"لأ يا حبيبي، مش تعبانة."
انتصب في وقفته وحملها ووضعها على الفراش. وقال:
"نفسك في إيه؟ عاوزة إيه؟ وأنا أجيبهولك."
وقالت وهي تمسك وجهه بين كفيها:
"نفسي في ولد شبهك ياخد منك طيبة قلبك."
وضع كفه على كفها وأخذه وقبله بنعومة قائلاً:
"القلب ده مبقاش قلب إلا لما عرفك. ي مهجة، أنتِ اللي نورتي العتمة اللي فيه. أنتِ مهجته ونوره يا مهجة فؤادي."
***
كانت على مكتبها وقد انتفخت بطنها، فها هي في شهرها التاسع. كان آخر يوم لها في العمل، فقد أخذت إجازة وضع.
جاء موعد رجوعها للبيت، فنزلت هي والتفتت لتجد السائق، ولكنه غير موجود بالسيارة. ذهبت صوبها والتفتت يمينًا ويسارًا. جاءها رجل في الخمسينات تقريبًا.
"ست سيلا."
سيلا:
"أيوه."
"أنا صالح، بعتني سليم بيه أرجعك على الفيلا."
سيلا:
"أومال فين عم سعيد؟"
الرجل:
"تعب يا هانم واستأذن من البيه، فعشان كده بعتني بداله."
قالت:
"أوكي."
وذهبت صوب السيارة، ولكنه قال:
"لامؤاخذة ي هانم، هنركب العربية دي، لأن دي جيت أشغلها لقيت فيها مشكلة."
قالت في قلق داخلها:
"أوكي."
وذهبت معه وركبت السيارة وأخرجت هاتفها للاتصال على سليم.
أغلق هو السيارة من الداخل والتفت وفاجأها وألقى على وجهها مخدرًا، فتخدّرت على الفور. ثم التقط هاتفه بعد الضغط على عدة أزرار.
"هلال بيه، الأمانة معايا."
جاءه صوت هلال:
"هاتها على المخزن حالًا."
"حاضر ي بيه."
ثم قاد السيارة لمكان الذي قال عليه.
***
كان في مكتبه يتصل عليها ليطمئن بأنها وصلت إلى الفيلا. لم تجب، وكانت هذه هي المرة الرابعة. اتصل على سعيد فلم يجب أيضًا. ثم اتصل على أبيه كي يطمئن، ولكنه جاءه الرد غير مطمئن، فهي لم تصل بعد. بعد دقائق كان يحاول فيها إعادة الاتصال، جاءه الرد من آخر واحد يتوقعه. فتح هاتفه سليم بلهفة:
"سيلا، انتي فين؟"
هلال:
"في الحفظ والصون ي باشا."
سليم:
"مين معايا؟"
هلال ساخرًا:
"إكده ي سليم باشا نسيت صوتي؟ دا إحنا عشرة عمر ي راجل."
سليم:
"هلال؟!"
هلال:
"اسم الله عليك، هلال بنفسه."
سليم:
"مراتي فين يا هلال؟"
"قولتلَك في الحفظ والصون ي باشا."
سليم بتوعد:
"عارف لو مسيت شعراية منها، هعمل فيك إيه."
هلال:
"حتى وانت رقبتك تحت يدي بتهددني. طب بص بقى ي باشا، رجعت مرتك وولدك قصاد شغلي. فيه عربيات محملة ببضاعة جاية من ليبيا. البضاعة دي أنت اللي هتأمنها وكمان هتوصلها. جولْت إيييه؟"
سليم بغضب:
"قولت، ودينا ما هرحمك. أنا عاوز مراتي، وطلعها من لعبتك. حسابك معايا مش معاها."
هلال باستفزاز:
"طب إني هبعتلك فيديو صغير كده لمرت سعادتك وهتشوف بنفسك إحنا قايمين بالواجب كيف وياها."
خبط باب مكتب سليم، ففتح عسكري وكان معه ظرف.
العسكري بعد التحية:
"في واحد جابلك الجواب ده وبيقول إنه حاجة مهمة."
أخذها سليم بلهفة وفتحه ووجد به ميموري، فسرع صوب اللاب ووضعه وشغله. كانت سيلا نائمة وهي مقيدة وتبكي على سرير وبجانبها طبيبة. جاءه هلال وهو يقول:
"شوفت ي باشا، إحنا مهتمين بمرتك كيف. طول ما أنت كويس معانا هنبقى كويسين وياها. لكن بقي منفذتش اللي جولته عليه، يبقوا نريحوها ونولدها قبل أوانها. ماتخافش، الداكتورة شاطرة جدًا."
ثم ضحك ضحكًا استفزازيًا، فركل سليم اللاب وهو يصرخ ويقول:
"هقتلك ي هلال الكلب، هقتلك."
كان يجئ ويذهب كالأسد الجريح. دخل علي وهشام على صوته، بعدما علموا ما حدث، سألوه:
"هتعمل إيه؟"
"هنأمنلهم البضاعة زي ما طلب."
نظر كلا من علي وهاشم لبعض.
"شكلي قوي ي علي. حالًا أنت وهشام، عاوز جهاز تتبع وعاوز حد من شركة الاتصالات يجيبلي المكان اللي حصلت منه المكالمة."
ذهب كلا منهم لتنفيذ ما أمرهم به.
***
علموا جميعًا بما حدث لسيلا. في فيلا فهد، كانوا جميعًا يجلسون بقلق. آدم وسديل الباكية ورحمة وأدهم. وحتى عائلة شريف. جني ببكاء:
"يعني إيه؟ يعني بنتي كده خلاص هتروح فيها؟"
فهد مهدئًا لها:
"اهدي يا جني، اهدي يا حبيبتي. هو قال لك أهو، هيعمل لهم اللي هما عاوزينه وهيرجعها."
جني:
"أنا عاوزة أشوفها، أسمع صوتها."
سليم وهو راكع على ركبتيه أمامها:
"ماتخافيش، سيلا هترجع بإذن الله. ودا وعد يا جني."
جني:
"سليم، بنتي حامل وممكن يؤذوها. أرجوك رجعهالي."
أخذ يدها وقبلها وقال:
"حاضر، اهدي عشان خاطري."
ثم وقف وقال:
"أنا رايح أسلمهم بضاعتهم زي ما اتفقوا معايا."
وقف عز وادم وأدهم وأحمد قائلين:
"مش هنسيبك، إحنا معاك."
ربط على صدر كل منهم قائلاً:
"القوة كلها معايا. أنا حاطط خطة مع القوة، ولو عاوزتكم أكيد هتصل بيكم."
وألقى السلام وهم ليخرجوا، ناداه عمر.
سليم:
"أيوه يا عمي."
عمر:
"بنتي أمانة في رقبتك يا سليم."
"برقبتي يا عمي."
وأسّرع للخارج لينقذ حبيبته وعشق طفولته.
***
اتصل بالقوة وقسمهم حتى يتعقبوه. وانتظر اتصال هلال. بعد دقائق اتصل عليه هلال:
"الوووو! أيوه يا سليم باشاااا! البضاعة تمام، تعالي بقى وخد أمانتك."
"عاوز أسمع صوتها."
"عنيا، اتفضل، بس تحب تسمع صوتها ولا صوت قلب ابنك؟"
ثم وضع الهاتف بجانب الجهاز الذي يكشف عن نبض الجنين واستمع سليم إلى نبضه وهو مغمض العينين. ثم عاد إليه صوت البغيض:
"سمعته ي باشا."
سليم بصوت جهوري:
"هلال، مراتي وابني برة اللعبة. أنت قلت على البضاعة وأنا نفذت."
"تمام ي باشا، تعالي في المكان..."
"وأنا هبعتلك ناس تجيبك ومش عاوز أوصيك، أي حاجة كده ولا كده، رقبة مراتك قصادها."
ذهب سليم بمفرده والقوة تتعقبه من بعيد بجهاز تعقب، ووقف في المكان المحدد، فجاء عليه رجلان يركبان سيارة. نزل منها واقتربوا منه وفتشوه. لم يجدوا معه سلاحًا، فأغمضوا عينيه برباط وكبلوا يداه وسحبوه. بعد مدة وقفت السيارة وفتح باب المخزن. نزلوا وأنزلُوه.
"فين مراتي ي هلال؟"
"مرتك جوه بتولد."
قال منتفضًا:
"بتولد فين؟"
"للا، استنى يا باشا، في بينا حساب لساه ماخلصش."
سليم:
"حساب إيه تاني؟"
هلال:
"أبويا."
سليم:
"ماله؟"
"مات."
"وأنا مالي."
"لأ، مالك ونص. اللي كان السبب في موته عمك وابو مراتك. والنهاردة لازم نصفي كل حاجة."
سليم بغضب:
"قولتلَك مراتي برة أي حساب. عاوز تاخد تارك، خده مني أنا، لكن مراتي لأ."
هلال:
"أوكي ي باشا، هاخد تاري ومنك."
ثم أمر أحد الرجال بقتال مع سليم. تشابكا وتبادلا اللكمات والركلات، ففتح الخصم سلاحًا أبيض على سليم، تفاداها بمهارة شديدة وردها له في قلبه. خارت قواه ووقع جثة هامدة. أمر الثاني والثالث والرابع، فتغلب عليهم سليم جميعًا. أصيب سليم بجرح بذراعه وكان ينزف وينهج. ذهب هلال أثناء قتاله مع الرابع وقبض على شعر سيلا التي كانت تتألم من المخاض. فقد فاجأها الألم. وذهب أحد رجال هلال واختطف طبيبة من عيادتها.
الطبيبة:
"إنت واخدها ورايح فين؟ دي بتولد."
هلال:
"سيبها، عاوزها."
الطبيبة:
"غلط عليها."
هلال بعنف وهو يزيحها من أمامه:
"مالكيش صالح إنتِ."
الطبيبة بصراخ عليه:
"لأ، مش هسيبها. سيبها ي مجرم."
أطلق عليها الرصاص فوقعت مكانها. وسحب سيلا من شعرها وهي تصرخ من الألم وعلى الطبيبة.
...........ووقف بعيدًا عنه وقال بصوته الجهوري:
"مرتك وولدك قصاد رقبتك. جولْت إيييه؟"
قال سليم:
"سيبها وتعالى قاتلني، راجل لراجل."
قال هلال:
"لأ، يا تكون سبب في موتها، يا تكون هي سبب في موتك."
ثم شهر خنجرًا أمام بطن سيلا المنتفخة واليد الأخرى محكم عليها بقبضته على شعرها. وقد وضع مسدسًا به خزنة مليئة بالطلقات. قال لها:
"خدي المسدس ده واضربي على قلبه."
صرخت سيلا وقالت:
"لأ."
شدد على قبضته جعلها تصرخ بألم. فصرخ عليه قائلاً:
"قولتلَك سيبها ي كلب."
"كلب... حسابك كبر وياي ي ابن المهدي."
"هتقتله؟ ي أما هقتلك أنت وولدك."
سيلا بصراخ:
"مش هقتله."
هلال:
"طااااايب، يبقى أنتِ اللي جبتيه لروحك."
ورفع ذراعه الممسك بالسكين وهم ليقتل سيلا، صرخ سليم وجرى عليه بكل قوته. وفوجئ بهجوم الطبيبة عليه من خلفه وضربته على رأسه بآلة حادة جعلته ينزف. التفت إليها وضربها بالخنجر بقلبها ووقعت تلفظ أنفاسها الأخيرة. ترك سيلا من يده وأسرع ليمسك بالسلاح ليضرب به سليم، ولكن تفاجأ بسليم الذي انقض عليه كالأسد يضربه بقسوة وغل بصراخ. ظل يضربه حتى فقد الوعي. التفت لسيلا الواقعة على الأرض بألم.
"سيلا حبيبتي، إنتِ كويسة؟"
ابتلعت ريقها وقالت:
"لأ يا سليم، أنا تعبانة، تعبانة أوي أوي."
"طب اهدي، والتفت صوب الطبيبة وجدها قد فارقت الحياة."
صرخت سيلا وقد انفض من رحمها كيس المياه الخاص بالجنين. فصرخت:
"س... سليم، الحقني، أنا بموت."
ظل يلتفت لعله يجد هاتفه الذي أخذه رجال هلال. فوجده في جيب أحد المجرمين الذي قتلهم. التقطه بلهفة واتصل على أخيه آدم. كانت معهم إيمان، فأخذت منه الهاتف وتكلمت مع سليم، فأخبرها بحالة سيلا.
إيمان:
"سليم، اهدي عشان تعرف تساعدها."
ضمها سليم إلى صدره بقوة ونطق بخوف مميت:
"سيلا هتروح مني، قوليلي أساعدها إزاي؟"
تكلمت إيمان بهدوء قائلة:
"اهدأ من فضلك، إحنا حضرنا عربية إسعاف وأول ما نعرف مكانك هنيجيلك على طول، بس أنت ساعدها لحد ما نيجي."
وضع الهاتف على أذنه وبدأ في تنفيذ ما تقوله له بالحرف. كانت سيلا تصرخ من الألم، فقدت الوعي، لكنه ساعدها على استعادة وعيها. وكان مع إيمان على الهاتف وهي بسيارة الإسعاف، التي اقتربت من المكان الذي حدده جهاز التعقب. حتى استمعوا لبكاء طفل. فحمله بإيدي مرتعشة، ونفذ تعليمات إيمان مع الطفل. وخلع قميصه ولفه به. فقدت سيلا الوعي مرة أخرى، فحاول إفاقتها؛ فلم تستعد وعيها. وبعد محاولات كثرة، صرخ بها:
"سيلا، فوقي، سيلا قومي شوفي ابنك."
هدأته إيمان وأخبرته أنها فاقدة للوعي. في هذه اللحظة كان سيباغته هلال مرة أخرى ويغدر به، ولكن سليم انتبه عليه وكان أسرع منه. فالتقط السلاح وأطلق على رأسه عدة رصاصات، فسقط على آثارها جثة هامدة في التو واللحظة.
وصلت سيارة الإسعاف أخيرًا، وبعد دقائق كانت بسيارة الإسعاف هي وطفلها وسليم. جاءه آدم وقال:
"سليم، بتنزف وجرحك كبير، لازم يتخيط."
سليم:
"مش هعمل حاجة ولا هروح في أي حتة إلا لما تفوق."
آدم:
"ي سليم."
فقال بصوت جهوري:
"آدم، قولتلك مش هبعد عنها ولا هسيبها."
وصعد ورائهم في عربة الإسعاف. وإيمان تحاول إفاقتها، أما الممرضة فكانت تتعامل مع الطفل. وصلت سيارة الإسعاف أخيرًا، فكان الجميع في استقبالهم. دخلو بها مسرعين إلى غرفة العمليات. أصر هو بالدخول معها وكان كل من يعترضه يتعرض لغضب سليم. تم اقتضاب جرحه وهو ممسك بيدها في غرفة العمليات. بعد ساعة في حرب الأعصاب. طمأنته إيمان بعدما أزاحت الكمامة:
"الحمد لله، بقت كويسة. هننقلها أوضة وإن شاء الله خلال ساعة هتفوق."
"حمد لله على سلامتها."
خرجت الممرضة وهي تسحب سرير سيلا النائمة بفعل المخدر وسليم بجانبها يمسك يدها. دخلو بها غرفة مخصصة بها. بدأت تتململ وهو وتخطرف بكلمات غير مفهومة. اقترب منها وهو حامل طفلها بذراعه السليمة. فتحت عيناها وقالت:
"س... سليم."
"إنت بخير."
سليم ببكاء وبفرحة على سلامتها:
"أيوه ي روحي بخير."
سيلا:
"وابني؟"
"وابنك كمان بخير، بصي ولد زي القمر إزاي."
نظرت له بتعب وقالت:
"قربه مني."
قربه منها ووضع الصغير على وجنة أمه، فبكت من الفرحة هي الأخرى. كان يحتضنها ويحتضن ابنه. بكوا جميعًا من الفرحة على سلامة سيلا والطفل. فقال فهد مازحًا حتى يخرجهم من هذه الحالة:
"إيه؟ إنتوا هتعيطوا ولا إيه؟ يلا يا سيلا، شوفي هتسمي الولد إيه."
قالت بخفوت:
"سليم اللي هيسميه."
أخذه منها وتقدم صوب عمه عمر قائلاً:
"هو خلاص اتسمى."
نظروا إليه جميعًا قائلين:
"سميته إيه؟"
سليم وهو يضعه في يد عمر:
"عمر سليم فهد المهدي."
عمر وهو يمسح دموعه ويأخذ منه الصغير ويقبله:
"ربنا يبارك فيه."
ربت سليم على كتفه وقال:
"أمانتك في الحفظ والصون يا عمي."
احتضنه عمر، فتقدم منهم فهد قائلاً:
"يلا كلنا مع سليم وسيلا وعمر الصغير ناخد سيلفي."
اقتربوا جميعًا منهم. فهد وملك وملائكتهم الصغيرة. ومي وشريف. وجني وعمر. وحتى عاصم وإيمان فهم من العائلة الآن. عز ووعد وادم وسديل و ادهم ورحمة. واحمد ومهجته. وسيلا وصغيرها ويحتضنهم أسدها. كل منهم ينظر للآخر بعشق وسعادة.
***
تمت بحمد الله.