تحميل رواية «اطفت شعلة تمردها» PDF
بقلم دعاء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في يوم عيد الفطر المبارك، حيث البهجة على كل الأمة الإسلامية. في بيت جلال الشهاوي، كانت حياء واقفة في المطبخ بتجهز الفطار على ما جلال وصالح يرجعوا من صلاة العيد. ابتسمت بسعادة. دلوقتي ولادها عندهم خمسة وعشرين سنة. ما حصلش حمل تاني بعد ما خلفت إيمان. هما ما كانوش عايزين أكتر من كده، بنت وولد زي القمر. ابتسمت بهدوء وهي بتفكر في معاملة جلال ليها طول السنين دي، وإزاي خلاها أسعد إنسانة على وش الكون بحاجات بسيطة، كلمة طيبة. فتحت شباك المطبخ وبصت للبحر من بعيد. غمضت عينيها وهي بتستقبل نسمات الهواء الخفي...
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم دعاء احمد
جالسه هي تضم ساقيها إلى جسدها تتحدث في هاتفها مع صديقتها.
وقد بدأت الأخرى بسرد ما حدث ولقاءها بوكيل النيابة ذاك.
تتحدث بشغف وحماس، وتيرة نبضاتها تخونها، تتضارب بقوة كلما تذكرت ذلك الاقتراب الضاري بينهما.
تشعر بغمرة قوية، غمرة من المشاعر تجتاح كل أواصالها. هيمنة شخصيته المتغطرسة، وسامته الطاغية. يمتلك شخصية فريدة.
الوحيد الذي أخرج بداخلها الأنثى. تناست تلك الشراسة.
سمحت لدموعها بالهطول أمامه. لم تكن من عاداتها أن تبكي أمام أي شخص، لكن استفزها بقوة عند حديثه عن السجن والعقوبات وما شابه.
تشعر بتناقض غريب بداخلها، رغبة في تحطيم رأس ذلك المغرور. وابتسامة تهاجم شفتيها كلما تذكرته.
برمت زينب شفتيها بعدم اقتناع وضيق:
ااامم.. يعني مش فاهمه.. انتي مقتنعه باللي بتقوليه دا.. أنا قلقت الصراحة يا نور. وبعدين مش عارفة ليه حاسة إنه لعبي.
زمرت نور شفتيها باستياء ولامبالاة:
يا أختي هو أنا مالي بيه.. أنا بس حكيتلك اللي حصل. وبعدين أنا مش بفكر في الموضوع بالشكل دا. أنا فيا اللي مكفيني يا زينب والله العظيم قلبي كان هيتخلع من مكانه عشان أخواتي وأبويا.
زينب:
الحمد لله..
ثم تابعت بخبث أنثوي:
بس والله عنده حق يا أحلى شبح.
نور بغيظ:
وربنا هقفل يا زينب.. شبح لما ياخده يارب.
زينب بمكر:
عليا يا بنت بدرية.. المهم الكلام مينفعش في الموبيل. بكرا كل سنة وإنتي طيبة تجيلي. وأهو بكرا العيد ومفيش وراكي شغل ولا حاجة.
ضغطت على شفتيها السفلية بحرج لترد معتذرة:
والله كان نفسي يا زينب.. بس أنا نازلة شغل بكرة في مصنع الحلويات اللي في (..) انتي عارفة الضغط بيبقى عليه إزاي في العيد، وخصوصاً إنه في مكان راقي والمصنع ده مورد لمجموعة كبيرة من محلات الحلويات.
وأنا يعني كلمت البت نريمان اللي شغالة هنا وهي قالتلي إني ممكن أروح يومين العيد دول وهما مرتباتهم كويسة بعدد الساعات. بدل ما أقعدهم. وأهو أنا كده كده واخده إجازة من مصنع الحج جلال.
زينب بحزن:
حتى يومين العيد يا نور.. طب مش هتفضلي مع أخواتك حتى.. ريحي شوية وريحي نفسك شوية.
ابتسمت نور بلامبالاة وخوف:
زينب انتي عارفة إن حمل البيت كله عليا.. حتى إيجار البيت وصاحب الشقة لو اتأخرت يوم واحد بيعمل فضيحة وبيبقى هاين عليه يطردنا.. عارف لو البيت ده ملك مش إيجار يااااه.. بس الحمد لله على كل حال.
وبعدين أنا اتعودت على الشغل.. والكم يوم اللي أنا سبت المصنع فيهم دول هياثروا معايا في المرتب. وكده كده بابا هيروح يزور ناس قريبنا في القاهرة وأخواتي طبعاً شبطين فهو قالي تعالي معانا بدل ما تفضلي لوحدك بس طبعاً مينفعش..
علشان كده هنزل اليومين دول وأوعدك أفضى وقت قريب أوي ونتقابل ونرغي..
زينب بتفهم:
إن شاء الله يا نور إن شاء الله.. ربنا يرزقك بابن الحلال اللي يشيل عنك.
نور بسخرية:
ابن الحلال ده تقريباً مش موجود.. تعرفي أنا بحمد ربنا إني فسخت خطوبتي من أحمد. عرفت إنه خطب وخطوبته النهارده بس والله ما زعلانة. حاسة كده إنه كلب جربان بيدور على واحدة تصرف عليه هو وأمه.. ياله أخد الشر وراح..
ثم تابعت بمكر وابتسامة خبيثة:
ها يا زوزو الجو عامل إيه؟
زينب بحده:
حر.. الجو حر يا بنت بدرية.
نور بسعادة:
هو حر بس.. ده شوب.. ما تقوليلي إيه الأخبار يا زبدة.. حاسة كده والله أعلم إن في حد قلبه بيرفرف من الحباية. أخبارك الجو بتاعك؟
مش ناوية تطمنيني بقى وتقوليلي هبقى خالتو قريب؟
اخفضت زينب بصرها بخجل وابتسامة خافتة تزين محياها وهي تمرر أصابعها بنعومة على شفتيها بخجل صارخ. تتذكر لحظة الجنون تلك. تشعر لأول مرة بأنوثتها بين يديه.
حتى هجومه الضاري.. غريب!! يعصف بكيانها جاعلاً منها أخرى مستسلمة مبتسمة بخفوت.. تشعر بانتعاش قلبها وروحهابعدما كانت امرأة وحيدة مكسورة.
يهزمها الضعف، عجزها كاد أن يفتك بها.
جاء هو ليُحي بداخلها تلك البسمة المفقودة.
وجودهما بجوار بعض أشبه بأمير وسيم ظل يبحث لسنوات عن الأميرة المفقودة بين النساء.. يعلم أنها تستحق عناء البحث لأن تلك الأميرة بمنتهى البساطة هي من تناسبه.. بل إنها أنسب امرأة له..
قاطع ذلك الصمت صوت نور بهمس وخبث وهي تدلف للشقة تغلق خلفها باب النافذة قائلة بهيام:
سكوتك ده حاجة حلوة صح؟ انتي حبيتيه ولا إيه يا زوزو؟
مش عارفة يا نور.. أنا بحس بالأمان وأنا معه.. بحس بقلبي بيرقص من الفرحة..
وإن كل هموم الدنيا اللي شيلتها طول حياتي كانت مجرد وهم في عالم خياليو دخوله لحياتي نفض كل غبار الوهم.
عارفة أنا كنت متخوفة أوي من فكرة جوازنا بالسرعة دي.. بس بعد جوازنا شفت منه حاجات مكنتش أتخيل إنها لسه موجودة في الدنيا دي.
شفت اهتمام.. ثقة.. ود.. يمكن حب.
ابتسمت الأخرى وهي تجيبها متسائلة بحماس:
يبقى وقعتي ولا حد سم عليكي.. بس بجد مفيش حاجة كده ولا كده يا بت عايزة أبقى خالتو.
زينب بحده:
نور تصبحي على خير ياله روحي نامي.. كل سنة وإنتي طيبة.
***
مر حوالي نصف ساعة.
كانت تشاهد التلفاز مندمجة بمشاهدة أحد أفلام عبد الحليم حافظ.
تشعر مع تلك الأفلام قديمة الطراز بأنها تجد نفسها.. تنغمس مع كلمات العندليب عذوبة صوته.
فاقت من شرودها على رنين جرس الباب.
أخذت الريموت كنترول وأغلقت التلفاز قبل أن تدلف لباب الشقة تفتحه.
ابتسمت وهي ترى أخت زوجها.
زينب:
إيمان ادخلي..
إيمان:
صالح في الشغل صح؟
زينب:
صح.. تعالي.
دلفت معها لغرفة الصالون.
زينب:
تشربي إيه؟
أومأت لها براسها بحيرة لتجيبها بابتسامة:
ممكن ناجل الشرب ده لبعدين.. اقعدي خلينا نتكلم شوية.
حاضر.
إيمان:
ها بقى ياستي قوليلي أخبارك إيه انتي وصالح؟ وإيه اللي حصل في اليومين اللي سافرنا فيهم..
زينب:
يعني عادي مفيش حاجة.
زمت إيمان شفتيها باستنكار قائلة بمرح:
يعني مفيش أي حاجة أي حاجة يا واد فك كدا.
ضحكت زينب بارتياب من تلك الطريقة لتقول بخبث:
هو ماما حياء هي اللي بعتاكي عشان تعرفي علاقتي أنا وصالح واصلة لفين؟
إيمان:
مبعرفش أمثل صح؟ أيوه هي طبعاً. بس والله عايزين نطمن عليكم.
ربتت على كتفها بحب:
متقلقيش علينا والله إحنا كويسين جداً الحمد لله.
إيمان بجراءة تعلمتها من زوجها ذاك:
يعني مفيش قلة أدب؟
نظرت لها زينب بصدمة وخجل احمرت وجنتيها بنيران متوهجة لترى الصدمة الأكبر على وجه إيمان وهي تضع يديها على فمها بخجل مماثل لما تفوهت به.
تكاد تبكي من شدة الخجل قائلة:
وحياة ربنا ماما هي اللي قالتلي أسألك بس بشياكة وأنا معرفش الحاجات دي تيجي بشياكة إزاي يعني..
ضحكت زينب:
ده انتي زيرو تمثيل.
إيمان:
باين عليا للدرجة دي.
زينب:
الصراحة آه.
في ذلك التوقيت استمعا الاثنان إلى أغنية "بنت السلطان" من المسجل في القهوة تحت المنزل.
إيمان بخبث:
بتعرفي ترقصي؟
زينب بدلال:
طبعاً.
إيمان:
طب ياله نرقص.
تركت حقيبتها جانباً وهي تنزع حجابها لينسدل شعرها الأسود بنعومة. يعرف مجراه في الانسدال على ظهرها طويل لكن ليس كطول شعر زينب يبدو أقصر بقليل.
زينب بتعنّج:
إيه الانحراف ده..
إيمان:
أصل الصراحة يوسف كل شوية يقول ارقصي وكده وأنا طبعاً بتكسف أرقص قدامه بس إحنا بنات عادي ومفيش حد.. ياله قومي.
تعالى صوت الموسيقى ابتسمت زينب بحماس وهي تقف بجوارها لتجد إيمان تخرج وشاح ذهبي من حقيبتها (يبدو كحجاب بديل) تربطه على خصر زينب.
أخذ الاثنان يتمايلان بنعومة ومرح واحترافية.
توقفا فجأة مع رنين جرس الباب.
نظرا الاثنان لبعضهم بارتباك قبل أن يخرج صوت إيمان أخيرًا لتقول بحذر:
مين؟
أنا يا إيمان افتحوا.
تنهدت براحة وهي تسمع صوت والدتها على عكس زينب التي مازالت تشعر بالارتباك.
فتحت إيمان الباب.. لتدلف حياء لداخل الشقة.
ابتسمت وهي تنظر لابنتها ولزوجة ابنها.
حياء:
انتوا كنتم بترقصوا؟ ثم تابعت بصدمة: من غيري؟
شعرت زينب بالصدمة لثواني وهي ترى حياء تأخذ وشاح آخر من إيمان تضعه على خصرها وتبدأ بالرقص ليبدو العرض مضحكاً وهي تمسك بيد زينب تشجعها.
مرت ثواني لتندمج زينب بينهم بشكل ملحوظ ترقص باحترافية.
بينما على الجهة الأخرى..
صعد جلال وصالح ويوسف إلى شقة صالح بعد أن دعاهم صالح وأصر على ذلك.
أخرج مفتاح شقته من جيب بنطاله يضعه في مكانه المخصص له ويفتح الباب.
شعرت زينب بانسحاب الدم من جسدها وهي تراهم الثلاثة أمامها.. زوجها.. وابن عمه ووالده.
وقف صالح ينظر للثلاثة بذهول بينما أخذ يوسف يصفق بحماس.
في حين ركضت زينب لغرفتها.
يوسف بسعادة عارمة:
إيه الجمال ده يا حماتي يا قمر انتي..
جلال بغضب وغيره:
اتلم يا روح أمك وخليك مع مراتك.
يوسف بخبث:
عندك حق.
اتجه نحو "إيمان" والتي مازالت تقف وكأن أحدهم سكب عليها دلو ماء بارد ومازال الوشاح على خصرها تبدو في غاية الجمال وخصوصاً مع حمرة خدها وخجلها الواضح. ليهمس لها بنبرة ذكورية مهلكة:
إيه الجمال ده.. لا وكل ما أقولك تقوليلي لأ مبعرفش.. طب أما نرجع بيتنا بس وربنا مزه.
نظرت لأمها قبل أن تبكي من شدة الخجل ليضحك الآخر وكأنه يرى مشهد كوميدي.
إيمان بصوت باكي وهي تفك الوشاح لتحتضن والدتها:
ماااما..
احتضنتها حياء لتقول بصوت حاد:
ولا اتلم وبعدين مالك إنت.. إذا كان أنا أمها و.. و..
جلال بغضب وهمس:
ورحمة أمي لما ننزل شقتنا يا حياء الكلب..
حياء بغضب:
جلال..
جلال بخبث همس بطريقة أنثوية مقلداً لها فيما قبل:
معلش يا جلال أصل ماليش نفس أرقص.. لا عيب إحنا كبرنا على الحاجات دي.. يا جلال اتلم..
ثم تابع بحده:
ماشي يا بنت الهلال لما ننزل شقتنا.
ليتابع بغمزة وقحة كابن أخيها.
أخذ يوسف يصفق ليقول بحماس:
الله عليك يا عمي يا جامد انت.
حياء بضيق:
أما عيلة مسخرة بصحيح..
أم صالح فمازال يقف وهو ينظر لباب غرفتهما المغلق. شعر بالصدمة وهو يراها ترقص بتلك الاحترافية رغم أنها ثواني..
يوسف:
احم طب ياله بينا بقى ننزل ولا إيه يا عمي.
حياء بحرج وخجل من ذلك الموقف:
لا أنا هبات مع مرات ابني ياله خد مراتك وانزل.
إيمان بخجل:
إنتي هتسبيني معه..
حياء بهمس:
اسكتي يا بنت الموكوسة..
جلال بتصميم:
ياله يا حياء قدامي مفيش بيات بره البيت.. قدامي.
حياء:
ياله يا حبيبي ياله.
يوسف:
اتفضلي يا هانم البسي طرحتك لأن أقسم بالله هعمل حاجة هموت وأعملها وتبقى فضيحة قدام العيلة.
شهقت بصدمة وهي تنظر له لتجده يحدج بها بخبث ذكوري.. احتراماً لما تبقى من كرامتها أخذت حجابها ترتديه وخرجت معه بهدوء.
بينما نزل وراءه جلال وهو يبتسم بخبث ممسكاً بيد حياء.
حياء بتلعثم:
جلال انت فاهم غلط.. ده إحنا.. إحنا بس.. كنا.. يعني..
جلال بهمس:
ششش.. ادخلي يا شعلتي.
حياء بقلق:
لما تقول ليا كده ربنا يستر منك.. صحيح انت عندك ستين سنة فاحترم سنك.
جلال بمراوغة:
ده الاحترام بينا قلة أدب أقسم بالله..
تلك الجملة كانت تحمل الكثير لتجعلها تصرخ وهي تدلف لشقتها ومنها للغرفة تغلق الباب بسرعة.
حياء:
شوفي قسما بالله قلة أدب مش عايزة.. ويا حبيبي نام بقى في أوضة ابنك.. بكرا العيد كل سنة وإنت طيب.
جلال بضيق:
افتحي يا بت..
حياء:
على جثتي.. تصبح على خير يا حبيبي..
جلال بخبث:
هتروحي مني فين يا بطل..
***
تجلس زينب على حافة الفراش تكاد تبكي. اليوم حقاً لم يحالفها الحظ أبداً.
في البداية رأتها حياء وصالح يقبلها.
وبعد ذلك رآها وهي ترقص بتلك الطريقة والتي أقل ما يقال عنها بعيدة كل البعد عن الحياء.
تتمنى الآن أن تنشق الأرض وتبتلعها.
ابتسم بخبث وهو يضع يديه على مقبض الباب. ثواني ودلف إلى الغرفة.
ليجدها جالسة على الفراش. تنظر لهاتفها بتركيز لكن في الحقيقة هي تحاول ألا تنظر إليه هو.
تشعر نبضات قلبها تخون ثقتها في كل مرة يقترب منها.. تفضح مشاعرها بضراوة.
أخذ يقترب منها بتسلية وتركيزه مصوب على حركة جفنيها ترمش عدة مرات..
كل إنش بوجهها يبدو عليه الارتباك.
وقف أمامها مباشرة ينحني ببطء بينما يرتكز بيديه الصلبتين بجوارها من الجانبين لترفع عينيها..
تشهقت بخجل وهي تتراجع للخلف قليلاً يحاصرها بين عينيه الزيتونيتين تلك.
هامساً بصوت أجش أثر مشاعره ومراوغة ذكورية بأقرب من أذنها وأنفاسه الساخنة تلفح بشرتها البيضاء.
تتضارب وتيرة النبضات بقوة.
"مكنتش أعرف إنك بتعرفي ترقصي حلو أوي كده.. بس الصراحة ملحقتش يا زبدة.."
عضت على شفتيها بارتباك أمام عينيه المصوبتين على شفتيها المكتنزتين.. أغمض عينيه بتوبيخ لتفكيره المراهق دوماً أمام تلك الفاتنة.
تحشرج صوتها قائلة بضعف:
"على فكرة.. أنا.. أنا مبعرفش أرقص.. أنا بس كنت.. انت مالك.. آه كنت برقص."
ابتسم بمشاكسة لينحني أكثر حيث لا يصبح بينهم مسافة تقريباً.
يضع أصابعه أسفل ذقنها ليرفع رأسها.
"ااممم طب ما تيجي أقيم راقصك؟ .."
بلعت ما بحلقها بارتباك قبل أن تدفعه بقوة لتخرج من الغرفة مسرعة.
ليقهقه الآخر بصخب قبل أن يدلف للحمام.
***
بعد مرور عشر دقائق.
خرج من الحمام وهو يضع منشفة على رقبته يجفف شعره بينما يقف كعادته عارياً الصدر.
لتهمس الأخرى بغيظ:
قليل الأدب.. وقح.. صايع..
ابتسم وهو يقف أمام المرآة يمشط شعره للخلف بينما تختلس النظر إليه بخجل.
صالح بوقاحة:
على فكرة مالوش لازمة الكسوف ده.. أنا يعني في مقام جوزك..
زينب بضيق:
مالكش دعوة بيا..
"ااامم شكلك متضايقة وأنا ميرضنيش أسيبك زعلانة.. لازم تفرفشي ومن الناحية دي جيتي للخبير."
أخذ يقترب وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة تلمع عيناه بشراسة.
زينب بتحذير وارتباك من قربه المبعث لمشاعر الأنثى بداخلها:
"قسماً بالله العظيم.. انت بتقرب كده ليه.. صالح عيب كده بص.."
استلقى بجوارها بينما كانت تجلس القرفصاء وتوسد رأسه فخذها قائلاً بخشونة:
"كفاية هبل يا زينب ويا ريت كفاية كسوف لأن قريب هتتم جوازنا.. وإنجزي بقى ودلكيلي راسي لحسن حاسس بصداع."
نظرت لفعلته بحرج ممزوج بخجل ثم بدأت تضع أصابعها على رأسه لتدلكها ببطء.
بينما ابتسم من نعومة يديها ليمر الوقت يشعر بتلاشي الألم.
نظرت له لتجد يغمض عينيه يبدو قد انغمس في نوم عميق.
ابتسمت بحنو وهي تمرر يديها على ملامح وجهه.
مدت يديها تجلب الوسادة تضع رأسه عليها بينما عدلت وضعيتها لتبقى في مواجهته.
انحنت بتردد ببط تمرر شفتيها على خده.
جذبها بقوة بين ذراعيه يحتضنها بقوة يكتم شهقتها بينما يقبلها بنهم.
بينما وسعت عينيها.. تنساب معه بحب.. ابتسم بخبث وهو ينظر لها مستسلمة احتضانها لتشعر بالذعر من أفكارها والارتباك..
لحظات وكانت ستخبره بما تشعر به نحوه لكن فاقت بعد ابتعاد ذلك.
رغم رغبته القوية في الاقتراب تلك الرغبة تكاد تفتك به يتمنى أن ينهال من شهد شفتيها أكثر.
لكن يخاف أن تشعر بأنها مجبرة في تلك العلاقة.
أخذ يمرر يديه على سلسلة العمود الفقري يهدأ من روعها يضمها بقوة تنام على ذراعه بين أحضانه..
***
اليوم هو أول يوم عيد الأضحى المبارك.
بدأت التكبيرات. أيام الأعياد هي المميزة لجميع المسلمين.. وبذات هذه الأضحية التي تكن سعادة الفقراء والمحتاجين أكثر من فرحة المقتدر بهذا الثواب وسنة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
أيضاً تكن فرحة لجميع الفئات مهما كانت مقدرتهم.
تعالت التكبيرات مداوية كل أنحاء البلدان الإسلامية.
نزل صالح من شقته وهو يرتدي جلباب أبيض جميل.
التقى بوالده على السلم، ابتسم بود وهو ينحني يقبل يديه.
"كل سنة وانت طيب يا حج.."
جلال بود وأيضاً يرتدي جلباب أسود مميز:
"وانت طيب يا حبيبي يارب بقى تفرحنا قريباً.. ياله ننزل نصلي العيد سوا."
صالح:
ياله..
انتهت صلاة العيد.
يقف الأطفال أمام المساجد الضخمة. ثواني وانهالت عليهم البلالين المنتفخة عديدة الألوان مبهجة.
يوسف:
كل سنة وانت طيب يا عمي..
جلال:
وانت طيب.. هنضحي عندنا في مدخل البيت زي كل سنة.. ياله يا يوسف انت اللي هتضحي بالاضحية الصغيرة.
فغر يوسف شفتيه قائلاً بذهول:
أنا اللي هدبح معاك..
رد صالح بتهكم وغيظ:
وهتشوفها معايا كمان وتقطعها يا جوز أختي يا غالي..
يوسف:
بس أنا بقالي سنين من وقت ما سافرت وأنا مدبحتش..
صالح:
مفيش رجالة غريبة بتدخل البيت وأنا وانت اللي هندبح. وبعدين ياسيدي ما انت كنت بتعمل كده زمان وأنا معاك.
ابتسم بود وهو يدلف معه لمنزل الشهاوي.
يوجد إيمان وزينب الاثنان يقفا في ساحة المنزل.
بينما إيمان ماسكة بدلو ماء تسقي الأضحية وزينب تفعل المثل للأخرى.
ابتسم جلال وهو ينظر لابنتيه.
جلال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
زينب بابتسامة:
هتضحوا دلوقتي؟
جلال: أيوه خلينا ندبح بدري عشان يلحقوا يفرقوا الحاجة على الغلابة. هو على مش هيجي ولا إيه يا صالح؟
صالح: مش عارف بس هو قال إنه جاي زي كل سنة.
علي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
علي بحرج:
اتأخرت عليكم..
جلال بود:
كل سنة وانت طيب يا علي. أخبارك إيه؟
علي بسعادة حقيقية:
بخير الحمد لله ادعيلي يا حج..
جلال بجدية:
ربنا يسعدك.. صحيح أنا كلمت الحج نعمان.. تقدر تروح تخلص معاه البيعة بتاع المصنع.
شعر بصدمة ليرد بشك:
بس هو كان رافض السعر وقال إنه..
جلال بمقاطعة:
بس خالص هو موافق على السعر وعلى فكرة أنا مدفعتلوش حاجة عشان أنا عارفك بتتحمق في موضوع الفلوس ده.. أنا بس كلمته وهو وافق و مبارك البيعة كمان.
ابتسم وهو يحتضنه ليستقبله جلال بسعادة:
ربنا يباركلك يا ابني وإن شاء الله المكن يوصل وتشغل المصنع.
علي:
ربنا يبارك فيك ويخليك لينا يا حج.
جلال:
ماشي يا فالح بس على الله تفرحنا وكده. مفضلش إلا العروسة وانت وشطارتك بقيت.
تنهد الآخر بقلة حيلة قائلاً:
ادعيلي يا حج وادعي لبنت الحلال.
جلال:
ربنا يسعدكم. ياله بقى جهزت الحاجة يا صالح.
صالح:
أيوه يا حج.
بدأ الثلاث شباب في ذبح الأضحية مقيمين شعائر عيد الأضحى المبارك.
***
بينما الكل مبتهجون بالعيد توجد تلك البائسة التي تدعي نورهان.
تعمل على ماكينة التعبئة على قدم وساق بحركات مدروسة وكأنها الآلة من حديد.
تعمل بأحد المصانع على أحد مسكينات التعبئة بنظام وسرعة.
بينما يقف وراءهم شخص ما يولي عليهم الأوامر.
تنهدت وهي تشعر بالتعب بينما تقوم بتعبئة الشوكولاتة في العلب المخصصة لها.. وكان السير المتحرك يحمل قطع الشوكولاتة ينقلها لها ولباقي الماكينات.
شعرت بأن قدمها لم تعد تسعفها على الوقوف أكثر من ذلك لكن هناك شخصاً ما يراقب عملهم.
زادت المهمات مع دخول صاحبه يبدو رجل ذو هيبة..
رفعت نور عينيها لترى رجل يبدو في العقد السادس من عمره.
خصلات شعره سوداء مصبوغ بأحد الصبغات لكن مع ذلك تبدو تجاعيد وجهه واضحة.
جسد طويل ممتلئ قليلاً يبدو وكأنه يمارس التمارين ليحافظ على لياقته البدنية رغم سنه.
وقفته وشموخه أمام الجميع يحكي عن سلطة يتمتع بها.
يرتدي حلة سوداء أنيقة.. لكن شعرت بالنفور ما إن رأته.. نفور غريب.
همست الفتاة بجوارها بهدوء:
عارفة مين ده يا نور..
لم تبالي وهي تلتقط قطعة الشوكولاتة تضعها في العلبة بنظام.
"يعني هيكون مين؟ وزير الداخلية."
ردت ساخرة..
نريمان صديقتها:
لا يا أختي أهم من وزير الداخلية ده..
"زيدان العلايلي" صاحب المصنع إنما إيه راجل واصل أوي.. أوي يا نور.
ردت نور بارتياب ونفور:
طب والباشا لو واصل أوي كده ليه جاي بنفسه يبص على العمال ههه ولا مكتبه من كثر النظافة مش قادر يقعد فيه قال ينزل يشوف البني آدمين بيعيشوا إزاي.
زمرت نريمان شفتيها بسخرية:
لا يا أختي جاي يختار عروسة جديدة.
شهقت نور بذهول:
معقول لحد دلوقتي متجوز ده من دور أبويا تقريباً.
ضحكت نريمان بصخب جذب الأنظار لها هامسة لتلك الساذجة:
لا يا أختي ده يمكن في حياته اتجوز بعدد شعر رأسه بس في السر.. في السر بس.. واللي أعرفه إن مراته العلنية اسمهانيرة العلايلي تبقى بنت عمه.
نور:
أما راجل ناقص بصحيح.. متجوز على مراته…. وهو بيختار دايما من هنا.
نريمان:
مش دايماً بس بيجي كل مدة كده…. تبقى أصدمك.. عارفة البت اللي اسمها صفية أخت الواد أحمد خطيبك السابق….
نور:
مالها يا أختي دي سيرة تعر.
نريمان:
أهي بقى البت دي كانت متجوزة من شهر تقريباً وبعد كده قطع الورقة العرفي بس اللي عرفته إن الناقص اللي اسمه أحمد وأمه كانوا عارفين والباشا ده عرفها من هنا.
وطبعاً اتجوزها فترة وفي نهاية الخدمة كتب لها الشقة باسمها ودلعها آخر دلع.. ربنا يوادنا.
نظرت لها نور باشمئزاز واستياء:
يوادك انتي يا أختي…. أنا عايزة واحد من سني ومش عايزاه غني… عايزاه جدع كده أرمي كل حمولي الدنيا وأنا في حضنه إن شاء الله ناكلها دوقة بس يراعي ربنا فيا.
مصمصت نريمان شفتيها قائلة:
بذمتك عجبك العيشة اللي انتي عايشاها دي يا نورهان…. يا بت ده انتي ناقص تشحتي وعمالة تشتغلي دا حتى اليومين الإجازة بتوع العيد جايه عشان تشتغلي فيهم جاتك وكسة.
ابتسمت نور ساخرة:
طب ما انتي كمان جايه؟
نريمان بخبث:
أنا عارفة إن الباشا ده أكيد جاي النهارده فقلت لازم آجي.. جايز يتفك النحس.
نظرت لها نور بصدمة ورمقتها بحدة. منذ البداية كانت تشعر بشيء غير مريح ما إن رأت مكياجها المبالغ فيه وثيابها الضيقة.
هزت رأسها باستياء وهي تنظر لعملها لا تبالي بأي شيء آخر.
رفعت عينيها العسلية تلك لتنظر أمامها لكن وجدت ذلك العجوز يحدج بها.. أبها شعور بالنفور والرغبة في التقيؤ.
لكن لم تبدي أي ردة فعل سوى الاهتمام بعملها.
بينما الطرف الآخر يتفحصها بضراوة!!!
***
وصل باسل العلايلي لشركة العلايلي للاستيراد والتصدير، أكبر صرح في الشركات.
صرح فخم راقٍ منمق ينم عن الغنى العميم لأصحاب المكان.
سار باسل على الأدراج اللامعة كزجاج المرآة لكي يصل إلى مكتبه (مكتب رئيس مجلس الإدارة) مالك هذا الصرح الفخم مع والده وأخته.
هو من أهم أعضاء الشركة رغم أن معظم وقته يقضيه في عمله الأساسي (وكيل نيابة).
لكن بمنتهى الذكاء والمهارة يستطيع أن يعطي شركاته الوقت الكافي ليديرها.
دخل باسل إلى مكتبه وجلس على مقعده خلف المكتب وعيناه على باب المكتب.
يمسك بيديه قلماً يطرق به على سطح المكتب بوتيرة حادة.
دخل (نيروز الألفي) صديقه ومساعده الشخصي أغلق الباب الكبير خلفه وتقدم منه ليجلس أمامه.
أردف باسل بهدوء حاد:
"ها يا نيروز…. آخر الأخبار؟"
صمت قليلاً ليسمع حارسه الشخصي يدوي له بأهم المعلومات التي حدثت مؤخراً.. لم تتأثر ملامح باسل بل عقب بجملة واحدة وعيناه الحادة كنمِر يتربص فريسته:
"مصنع الشوكولاتة؟"
ليتابع بغضب وهو يضغط على القلم بضغب أعمى حتى انكسر:
"تعرف مين البنت اللي اختارها المرة دي.. زيدان باشا أكيد مش هيخرج من هناك إلا لما يختار واحدة رخيصة يتسلى معها…"
نيروز:
باسل باشا في حاجة حصلت بس الحمد لله لحقناها بس أعتقد إنك لازم تاخد خبر بيهارد بجدية. وعينيه متربصة له يحاول استكشاف ما يخفيه.
"حاجة إيه؟"
"في واحد من الصحافة وصل لعقد جواز عرفي كان كتبه زيدان باشا مع بنت اسمها صفية خليل بعد ما مسكنا الصحفي ده قال إن البنت هي اللي سلمتله الورقة العرفي بعد ما والد حضرتك طلقها وكانت ناوية تفضحه."
جز على أسنانه بقوة وهو يضغط على يديه بعنف قائلاً بحده:
"واضح إن زيدان باشا مش هيستريح إلا لما يهد المجموعة بأفعال المراهقين بتاعته دي… بس وحياة أمي لأقف له في الجوازة دي إن حتى اتجوز البنت دي زي التلات المرات اللي فاتوا."
نيروز:
أنا خايف إن الصحافة تاخد خبر بجوازتك التلاتة وخصوصاً بعد ما طلقتك مدام مروة بنت الوزير…. الإشاعات هتكتر والكلام هيبقى كتير أوي على المجموعة.
وضع ساق على الأخرى بغطرسة قائلاً:
"أنا اتجوزت تلات مرات ومحدش قدر يعرف عنهم حاجة وأقدر أعملها المرة دي كمان لأن محدش يقدر يكشفني… إنما زيدان باشا بسم الله ما شاء كل جوازة والتانية بيحصل مصيبة…. وبسبب انشغالي الفترة اللي فاتت في النيابة اتجوز الزبالة اللي كانت هتسلمه الصحافة…. على العموم روح انت دلوقتي يا نيروز وتعرفلي كل الأخبار عن جوازته الجديدة….. على الله بقى يبطل شغل مراهقين لأن الواحد قرف من ذوقه الزبالة."
نيروز:
تمام يا باشا تؤمرني بحاجة تانية؟
حك دقنه قائلاً بحدة:
"عايز كل المعلومات عن المشروع اللي الشركة هتقوم بيه في مرسى علم وابعتلي مدير الحسابات."
"تمام يا باسل باشا بعد إذنك."
انصرف نيروز بينما بقى باسل يفكر في خطواته القادمة وكيفية إنقاذ سمعة شركاته دوماً من أفعال أبيه.
رغم أنه ذكي جداً في إدارة العمل إلا أنه ينشغل دوماً بالجنس الآخر..
حيث يمكنه أن يتزوج كل ثلاث أشهر بامرأة جديدة.
لكن بعد محاولات باسل توقف عن الأمر.
حيث أنه في كل مرة يوقف الزيجة ويقف أمام والده.
وإن لم يستطع إبعاد الفتاة بالتهديد تزوجها بدلاً عن أبيه لمدة قصيرة جداً.
لا يعني ذلك أنه المضحي أبداً هو أيضاً يستمتع قليلاً معهن..!!! ليصبح الآن متزوجاً من ثلاث نسوة "عرفي" ومرة واحدة رسمي وهي ابنة وزير الداخلية "مروة". ولم يدم زواجهم طويلاً.
ترى إلى متى سيبقى في تلك الدوامة.
متى سيجد الحب؟ أو يؤمن به على الأقل!!
لن نكتب فلسفة بل سنكتب واقع.
سلاحك في الحياة عبارة عن نقود تشتري بها الضمائر.
بعدها معك تربح لا تخسر… ولا تأمل بتغيير.
***
بعد أذان الظهر في منزل الشهاوي.
دلف صالح إلى شقته بدل ثيابه بعد أن انتهى من توزيع الأضحية وهو وصديقه وابن عمه.
زينب:
أنا جهزت الغدا.. في أي؟
ابتسم وهو يمسك يديها يتجه نحو الخزانة يفتحه ثم أخرج علبة سوداء من القطيفة تبدو في غاية الأناقة.
وضعها على الطاولة ليخرج منها عقد لامع من الذهب يتدلى بشكل انسيابي رقيق.
زينب:
إيه ده؟
رد عليها مشاغباً وهو ينحني يقبلها:
كل سنة وإنتِ طيبة يا زبدة.. ياله جهزي حاجتك هنسافر.
ابتسم بمراوغة وهو يضعه على عنقها لتبدو في غاية الجمال:
هنسافر فين؟
صالح بخبث:
الساحل كم يوم ياله جهزي نفسك.
زينب:
اشمعنى؟!
مال على أذنها يهمس ببعض الكلمات لتشعر بوجنتيها يكاد يحترقا من شدة الخجل قائلة بارتباك:
"لا أنا مش عايزة أسافر شكر.."
حاوط خصرها بذراعه قائلاً بمكر:
"بصي يا قمر انتي متحاوليش معايا لأن كده كده هنسافر وإلا بقى اللي ناوي أعمله في الساحل هعمله هنا عادي أنا مبتفرقش معايا الأماكن….. ويا سلام بقى لو دلوقتي أنا فعلاً معنديش مشكلة ناجل السفر."
امتعض وجهها بضيق وحنق قائلة:
"هجهز حاجتي."
"ما قولنا كده من الأول يا مزة……"
بعد وقت قصير خرجت معه من المنزل بعد أن ودع والدته وأبيه وألقى التحية الأخيرة على ابن عمه قبل أن يسافر غداً إلى لندن.
بعد مدة طويلة وصلت سيارة صالح إلى حي سكني راقٍ حيث كان مجمع سكني غاية في الرقي والجمال.
معظم المنازل الفخمة على البحر مباشرة فتعطي سحراً خاصاً للمكان.
بإستثناء أشكال المنازل الأنيقة من الخارج وتأسيسها على أعلى مستوى.
ترجلت زينب من السيارة وهي تنظر حولها بانبهار يضج لعينيها الدخانية الداكنة.
اقترب صالح منها وحاوط خصرها بذراعه وهما يسيران معاً حتى يصلا للمنزل الخاص بهما.
سألها وهو يراقب انبهارها:
"إيه رأيك في المكان؟ عجبك؟"
"أه حلو اوي واحلى حاجة البحر…. بس أنا بخاف من الزحمة وشكل فيه ناس كتير."
"متقلقيش أنا هكون دايماً معاكي ومفيش حاجة تخوف ومتخافيش مفيش حد في المكان وقليل جداً اللي بييجوا هنا."
ابتسمت وهي تدلف معه إلى داخل المنزل الشامخ الأنيق.
بداخل أبصرت قطعة من الجنة.. كل شيء أنيق منمق.
الفرش فخم والألوان مذهلة مريحة للعين تليق بمنزل قابع أمام البحر بعيد عن التجمع والزحام…
كل قطعة عصرية وكل قطعة كانت تخشى عليه من أن تفسدها بعينها التي تكاد تخرج من حجرها من شدة الانبهار والذهول.
رغم ذلك لم تعلق على شيء ثابته مكانها بأناقة بعد أن بدلت ثيابها لأخرى تبرز أنوثتها الطاغية وجمالها الخلاب.
إلا أن مشاعرها تفصح عما بداخلها…. بينما هو يتأملها بصمت يود الانقضاض عليها.
ابتسم ليسألها بخبث:
"إيه رأيك في الفيلا اللي هنقضي فيها شهر العسل؟"
ابتسمت بخفوت بعيون متلألئة بالفرح:
"جميلة… جميلة أوي يا صالح… أنا عمري ما حلمت آجي مكان زي ده… معقول هقعد فيه؟!"
تقدم منها بهدوء وقد أثر به نبرتها العفوية والحزينة تلك كما جعله يمسك يديها ويقربها منه وهو يسير بها لغرفة النوم:
"وليه مش مصدقة؟ هما اللي بييجوا هنا أحسن منك؟"
لم تعلق بل شفت ابتسامة حزينة شفتيها.
دلف إلى غرفتهما ثم خرج مجدداً ليجلب الحقائب من الأسفل.
بعد أن جلبها السائق بداخل الفيلا.
وضع الحقائب على الفراش وبدأ يخلع قميصه وهو يخبرها بتعجل به حماس غريب.
وهي من شعرت بذلك مازالت تكتشف كل شيء به وتقترب منه أكثر مع كل يوم يمر.
"ياله عشان هننزل الماية."
نظر لوجهها الذي احمر سريعاً سمعها تعترض بخجل:
"دلوقتي.. العشاء هيأذن.. أنا.. أنا الصراحة مبحبش الماية و مبعرفش أعوم أخاف أغرق والجو ليل…"
عقب صالح بخبث ومراوغة:
"أنا كده بتشتمني…. أومال أنا بعمل إيه… أنا هعلمك العوم ياله البسي غيري على فكرة في هنا في الدولاب كل حاجة تحتاجيها ودي ذوقي الخاص."
أنهى تلك الجملة بغمزة وقحة بينما خلع قميصه وظهر جسده الرياضي الملك.
فاقت من شرودها على صوته الحاد:
"في عندك مايوه ياله عشان ننزل."
انتبهت لما قاله لتشعر بنيران تتوهج بوجهها الأبيض المحمر أثر خجلها الواضح:
"مايوه؟ مايوه إيه؟ أنا مش هلبس حاجة… وبعدين انت… انت بتغير هنا ليه من قلة الأوض وبعدين عندك الحمام هناك أهو…"
ابتسم بمراوغة وخبث وقح:
"لا يا حبيبتي عادي يعني انتي مراتي وبعدين ما انتي كمان هتغيري هنا إيه يعني و عشان متكسفيش هغمض عيني."
"تغمض….. لا متغمضش."
قالتها بحده وغضب ممزوج بخجل بينما ابتسم الآخر بسعادة وهو يقترب منها قائلاً:
"أنا برضو بقول كده…. إحنا برضو مفيش بينا حاجة زي دي."
صاحت زينب بتشنج وغضب:
"لالا شكراً أنا هغير في الحمام."
مسك يديها بقوة وأدارها فتحت عينيها على صدره العريض الذي يضخ عضلات ممشوقة بصلابة مهلكة تأثر عليه بجنون ليهمي بالقرب من أذنها:
"في حد برضو يتكسف من نصه التاني ده حتى تبقى عيبة في حقي يا زوبا… عادي يعني ده أنا حتى جوزك."
فغرت شفتيها وهي تنظر لعينيه الجذاب فأدركت ضعف مشاعرها لتحاول الهرب:
"أنا…. أنا هغير في الحمام لو سمحت بدل كفاية كده أنا مبحبش حد يتفرج عليا وأنا بغير وبطل قلة أدب."
طبع قبلة سطحية على شفتيها وهو يترك ذراعها:
"ماشي يا زبدة ادخلي غيري بس متاخديش على كده ولو احتجتيني أنا موجود ياله ولا أقولك لازم أدخل أساعدك حاسك متوترة."
ركضت بقوة نحو الحمام وأغلقت الباب بقوة خلفها سمعته يقهقه بصخب تشعر بتزعزع كأنها بالكاد وكأنها على وشك الانهيار من ضراوة قربه.
تقف أمام المرآة ترتدي مايوه مكون من قطعتين يبرز أنوثتها وجمالها يلهب القلب تشعر بوجنتيها تكاد تنفجر من الخجل من ثوب السباحة الأزرق الذي ترتديه.
زينب بخجل:
لالالالا أنا لا يمكن أطلع كده أبداً معقول أخليه يشوفني كده لا لا.
أخذت المئزر بسرعة ارتدته وهي تربط عقدته بقوة وتضغط على شفتيها بحرج.
زينب بارتباك:
لالا أنا لازم أغير البتاع ده.. ما هو قليل الأدب يعني من السهل أوي يخليني أقلع الروب لا أنا هطلع أجيب حاجة تانية وأغير.
استرقت السمع على الباب المغلق وهي تبلع ريقها بتوجس… ثم فتحت الباب فتحة صغيرة لتجد الغرفة فارغة.
تنهدت براحة وهي تضع يديه بقوة على المئزر تخاف أن ينفك عقده.
حينما فتحت الباب على مصراعيه وجدته يستلقي على الفراش عاري الصدر كما تركه ممدد الساقين.
حاولت تفادي النظر له وهي تتجه نحو الخزانة تجلب أي شيء آخر.
ما إن استدارت حتى وجدته يقف وراءها انتفضت بذعر وخجل وعلى تمسك بعقدة المئزر بقوة.
"صالح… أنا.. أنا مش عايزة أنزل الماية… هدخل أغير البتاع ده وبعدين بعدين بقى نبقى نشوف موضوع الماية دي أنا أصلاً بخاف منها… و…."
كبح صراخها ذلك وهو يقبلها بشغف. حاولت دفعه كالعادة ولكن لم تنجو من عاصفة مشاعرها تلك لتشعر بيديه تتسلل لعقدة المئزر يحلها.
أغمضت عينيها تاركة له زمام الأمور منسجمة معه ومع عشقه الضاري.
أسند جبهته على خاصتها ولفحت أنفاسه بشرتها فهمست بخجل وارتياع:
"صالح…. أنا..خايفة."
"شش… متخافيش يا زينب أنا عمري ما هاذيكي."
عاد يقبلها من جديد بمنتهى الراحة لا يصدق أنه على أعتاب امتلاكها لعل تنطفئ تلك الرغبة بداخله في الاقتراب منها.
والحقيقة أنه حينما اقترب شعر أنه شرب السحر وبدأ المفعول الحقيقي؟!
=========================
في صباح يوم جديد في الاسكندرية.
يقف جلال أمام المرآة يبدو عليه الارتباك. اليوم هو موعد معرفة نتيجة التحليل الخاص بها. يشعر بارتباك يكاد يقتله و يفتك به.
ابتسمت وهي تنظر له ومن ثم اقتربت منه تضع كفها الصغير على ظهرها.
أغمض عينيه بحرقة ولوعة اشتياق… لكن هل وصل به العشق إلى أن يشتاق لها وهي أمامه وبجواره وبين أحضانه؟!
أي جنون عشق ذاك…..
حياء بهمس:
جلال…. أنا بحبك أوي.
استدار له وعلى وجهه ابتسامة جميلة. نظر لها بقوة كأنه يحتفظ بملامحها في الذاكرة.
ابتسمت هي أيضاً وهي تقف على أصابعها تطبع قبلة سطحية على شفتيها.
خفضت نظرها قائلة بخجل:
"ممكن تبطل تبصلي كده بعد كل مرة أبو**سك فيها عشان بتحسسني بالندم إني عملت كده."
لم يجبها بل ظل ينظر لها بشغف وهو ينحني يقبلها بنهم يدعو الله بداخله أن يخيب ظنونه.
***
وصلت نور إلى مصنع الشوكولاتة ذاك وهي تتصل بزينب لكن حاولت عدة مرات دون أي رد.
لتزم شفتيها بغضب وهي تدلف من بوابة العمال.
لكن وقفت وهي تنظر للحارس الضخم الذي وقف أمامها مباشرة.
الحارس:
زيدان بيه العلايلي صاحب المصنع عايزك في مكتبه.
نور بغضب:
عايزني في إيه؟ وبعدين أنا مبروحش لحد اللي عايزني يجيلي وابعد عن طريقي كده يا لوح…..
وفي حاجة اسمها احترام متجيش فجأة كده تقف في وشي مش هخاف أنا منك بطولك وعرضك اللي ملوش أي تلاتين لازمة دول جاتكم ستين نيلة……
تركته ودلفت إلى مكان عملها بينما شعر الحارس بالذهول وهو يصعد لرب عمله (زيدان العلايلي) والذي شعر بالرغبة الجامحة في تلك الشرسه بعيونها التي تشبه عيناه العسلية.
كما يسميها شخصاً ما (الشبح).
زيدان:
شكلي هجرب صنف جديد.. لا بس مزة وتستاهل.. روح انت يا ابني.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم دعاء احمد
شعور السعادة.. هو الأحساس الذي يغمرك فجأة دون سابق إنذار فتصبح مذبذب بداخلك.
يطوف في ذهنك السؤال المتردد: هل ستدوم تلك السعادة؟ أم أنها مجرد محطة قصيرة وجدتها فقط لتستريح من عناء الطريق الشاق؟ وتكمل الرحلة على أيه حال؟!
فتحت عينيها بتثاقل وتعب. حركت رأسها يمينًا ويسارًا بفزع، لتجد نفسها على فراش ناعم الملمس شاسع. خرجت شهقة مكتومة وهي تجذب الغطاء على جسدها بارتباك. توغل الذعر برماديتيها، ثم فتحت عينيها هذه المرة برعب وهي تنظر لمن ينام بجوارها متسطحًا على بطنه ذاهبًا في سبات عميق. يرتدي برمودا قصيرة، جزءه العلوي عارٍ بظهر ممشوق صلب وذراع ضخمة تضخ بالعضلات القوية.
بلعت ريقها وهي تتأمل قسمات وجهه الوسيمة وهيئته الجذابة نائمًا هكذا مسالمًا للحياة بما فيه. ارتسمت بسمة خجل على محياها وسط تأملها الهائم لهذا الرجل الوسيم. لحظات أمس تلوح على ذاكرتها، كان مراوغًا عابثًا، مبعثرًا لمشاعر الأنثى بداخلها.
همست لنفسها بارتباك ممزوج بخجل:
"إزاي سمحت له يقرب بالشكل دا… أنا… أنا لازم أقوم حالا…".
نظرت حولها بارتباك لعلها تجد شيئًا ترتديه، لكن وجدت ذلك المئزر ملقيًا على الأرض. أخذته بدون تفكير، ارتدته وهي تحكم رباطه جيدًا. كانت تنظر لصالح النائم في ملكوت آخر. لاحت على شفتيها تلك البسمة.
اتجهت نحو الخزانة، وقفت حائرة وهي تنظر لما تحتويه من ثياب قصيرة وفساتين قصيرة جدًا. استدارت تنظر له بغضب وغيظ وهي تربط يديها أمام صدرها عند تذكرها لما قاله:
"تلك الثياب ذوقه الخاص".
زمت شفتيها باستياء تلُوم نفسها:
"غبية… غبية يا زينب، متوقعة منه إيه يعني، واحد قليل الأدب".
نظرت مرة أخرى للخزانة، اختارت فستانًا. خرجت من الحمام بعد قليل بفستان أبيض مزين ببعض اللمسات الذهبية، متلألئ جذاب، يلتف على جسدها بحياء، قصير قليلاً، بالكاد يصل إلى قبل ركبتيها بقليل. كان شعرها مبللًا ووجهها ناضرًا براقًا، شفتيها حمراء، حمرة صارخة أثر عبثه بعد اقتحامه لها بالأمس.
تقدمت من صالح بحرج وهي تنادي عليه برفق:
"صالح… قوم يالا بقى كفاية نوم… صالح".
فتح ناظريه بانزعاج، فظهرت تلك العيون الزيتونية الضاربة القاتلة لأي ثبات بداخله. تردد صوتها وهي تضع يديه على كتفه بحنان:
"يالا قوم…".
اعتدل في جلسته ودعك في عيناه متسائلاً بنبرة ناعسة:
"صباح الخير يا زينب… هي الساعة كم؟".
زينب بفتور:
"صباح النور… الساعة عشرة ونص… أنا هنزل أحضر الفطار…".
كانت ستنهض من مكانها، لكنه أمسك يديها ليجذبها بسرعة له قائلًا بخبث:
"رايحة فين؟ إحنا مش بنتكلم؟".
نظرت له بخجل لتجيب بضيق:
"نازلة أحضر الفطار وبعدين بطل قلة أدب لو سمحت".
مالي عليها وهو يطبع عدة قبلات حانية على وجنتها قائلًا بمراوغة:
"اخص عليك يا زبدة… أنا قليل الأدب برضه… بس قوليلي هو إيه اللي حصل امبارح، لأن حاسس إني مش فاكر أي حاجة".
حاولت دفعه بخجل وضيق من أسلوبه الماكر:
"صالح سيبني أقوم… مينفعش كده… وبعدين أنا جعانة سيبني بقى".
كبل خصرها جعلها تستلقي بجواره. ضحكت بصدمة بها لمحة مرح وهي تحاول دفعه. طُل عليها بهيئته الرجولية التي تزعزع كيانها، مذبذبة ثباتها أمامه:
"والله يا صالح جعانة سيبني بقى أنزل وبطل تحرجني".
نظر لها طويلًا متأملًا بهدوء. سألته زينب بخجل:
"بتبصلي كده ليه؟".
سافرت عيناه على وجهها يخبرها بخفوت:
"إنتي حلوة أوي يا زينب".
ابتسمت بعذوبة وهي تقول برقة:
"بجد ولا بتجبر بخاطري؟".
أكد بنفس الهمس والنظرات:
"بجد حلوة…".
ابتسمت بحماس وهي تلف يديه حول عنقه قائلة بخبث:
"طب إيه أكتر حاجة حلوة فيا؟".
مد يديه يزيح خصلات شعرها عن وجهها وعيناه تأبى ترك رماديتها:
"كل حاجة… عيونك.. شعرك الطويل.. ابتسامتك.. ملامحك.. كل حاجة فيك".
ابتسمت له بحياء معترفة بدون إدراك، مفصحة عن مشاعر مبعثرة:
"وانت كمان حلو أوي".
رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة وهو يسأله بمزاح:
"إيه دا بجد… أنا حلو…".
ردت بعفوية:
"آه والله قمر.. ملامحك مش ملزقة.. عيونك كل حاجة قمر فيك".
تعثر في ضحكة قوية من ردها السريع والعفوي، فسألها بدهشة:
"إنتي بتعاكسيني ولا إيه؟".
أخبرته وهي تضحك على ضحكته:
"إيه يعني ما أنت بقالك ساعة بتعاكس…".
غمز لها وهو يخبرها بغرور:
"أنا أعاكس بس متعاكسش.. دا أنا صالح برضو".
ردت بغيرة وعفوية:
"وعاكس كم واحدة على كدا بقى إن شاء الله يا سي صالح…".
مالي عليها ليهمس برفق مذيبًا لها:
"أنا عاكسك إنتي يا زبدة".
لم تستوعب بعد أن أطبق على شفتيها يقبلها بنهم. لكل قبلة طعم ولكل لمسة معنيان. انتابها الضياع من بين عواصف مشاعره. في كل لمسة يحاول بشتى الطرق أن يطفئ رغبته بها، يكره ذلك الشعور بالضياع والضعف بين يديه، لكن يبدو أنه حينما اقترب منها شعر وكأنه شرب السحر وقد بدأ المفعول الحقيقي. ربما لأن الأمر لا يتعلق بالرغبة في الاقتراب منها، ربما لأن السبب الحقيقي أنه وجد بها شيئًا أقوى، شيئًا أقوى بكثير من الرغبة. هل هو الحب؟! ومتى سيعترف به أو بوجوده؟!
***
نزلت الدرج بخطوات شارده وعقلها لا يستوعب كل ما حدث منذ أتت معه بالأمس لتلك الفيلا الفخمة. تشعر وكأنها فراشة تتمايل بحرية في بستان خاص، في أرض لم يتم استهلكها بعد. قلبها متيم بتلك الأرض، لم تعترف بعد، فقط تنساب بنعومة بين طيات زهور تلك الأرض. تلك الأرض هي قلب حبيب تيمها قلبها بعشقه. ابتسمت وهي تغمض عينيها بسعادة وانتشاء. ما سر تلك الحلاوة الجميلة معه؟ لم تحلم يومًا بتلك المشاعر، لم ينتابها الشوق لحياة مثل تلك. الأمر لا يتعلق بالرفاهية على قدر ما يتعلق بصالح نفسه. زوجها؟! ذلك المراوغ الوسيم القوي، ذلك الحنون، زوجها؟! هذا الذي تشعر به معه… الكمال وسعادة تغمرها معه، زوجها!! يشعرها بأنوثتها التي أهملتها طوال حياتها في الكفاح لأجل حياة مستقرة على الأقل. لكن جاء هو ليغمر كل ذرة من مشاعرها. إلى الآن لا تصدق أنه أصبح زوجها. هل عليها تكرار تلك العبارة كثيرًا حتى تصدق أنه زوجها؟! يا الله.
صعدت بعد قليل لغرفتهما بعد أن حضرت وجبة الإفطار. ذلك المكان لا يوجد به أي شخص آخر غيرهما. لا خدم ولا ضيوف ولا أي شخص سواه.
أخذ حمامًا دافئًا وارتدى طاقمًا مريحًا. صفف شعره الأسود للخلف. دلفت للغرفة وهي تحمل تلك الصينية بين يديها لتضعها بجانبه.
"يالا الفطار جاهز…".
ابتسم وهو يجلس على الأريكة لتتركه ثواني بقا ينتظرها إلى أن أتت. جلست بجواره بخجل وحياء رغم كل ما حدث بينهم.
"مش هتفطري ولا إيه؟".
"لا افطر انت… أنا ماليش نفس و…".
قاطعها وهو يضع قطعة من الخبز في فمها قائلاً بلوم وجرأة:
"معقول مكسوفة… مش معقول بعد كل دا".
رمقته بنظرة حادة غاضبة تبتلع الطعام. ليضحك بخفوت وهو يتناول طعامه ويختلس النظر لوجهها الغاضب.
"صالح هو… هو إيه اللي حصل لمليجي في السجن… معقول فعلًا مات زي ما بيقولوا؟".
جن جنونه في لحظة لفظ اسم ذلك الحقير:
"مليجي".
سحبها بقوة في جلستها المجاورة له لتكن ملصقة به في لحظة. لاحت بوادر الخوف على ملامحها منه.
"بتسألي عليه بتاع إيه… انطقي".
انكمش جسدها بارتياع قائلة:
"أنا مقصدتش حاجة أنا بس…".
هدر صالح بجزع من بين أسنانه المطبقة عليهم:
"أول وآخر مرة اسمه… يجي على لسانك… فاهمة".
تركها بعنف وهو ينهض من مكانه ليقف في الشرفة. شعرت بدموعها تترقرق بعينيها قبل أن تنهض ترتدي المئزر الطويل على فستانها القصير. وضعت حجابًا بسيطًا على شعرها قبل أن تدلف للشرفة لتقف وراءه مباشرة. تجرأت ووضعت يديها على يديه الممسكة بالسياج. اضطرب جسده من تلك اللمسة المباغتة منها، فرفع عيناه الغاضبة عليها. ابتسمت معتذرة وهي تنظر له:
"أنا آسفة والله مقصدتش أي حاجة يا صالح أكيد يعني مش هحب أذكر اسم واحد حاول يعتدي عليا… صدقني أنا مقصدتش أي حاجة من اللي ممكن تفهمها… كان سؤال عادي أنا بس كنت عايزة أعرف لو لك يد في اللي حصل أنا مش عايزة أك تأذي نفسك".
أخبرها بحزم وغضب لا يستهان به:
"لأ يا زينب ماليش زفت يد، وما يتكررش تاني يا زينب… فاهمة".
أومأت له بطاعة وهي تقترب منه بدلال تضع يديها على صدره. رفعت رأسها إليه ببراءة معتذرة:
"مفهوم… والله آسفة… خالص بقى يا صالح".
زمجر بضيق وهو يضغط على ذراعها:
"لأ مخلصناش…".
رفع رأسها بقوة وانحنى عليها منقضًا على شفتيها من جديد بغضب. بادلته بحنان ونوع من الاعتذار ليجن جنونه من جديد، وكأنها أول مرة يقبلها أو يقترب منها. تظن أنك قادر على الابتعاد، وأظن أنا أنني قادرة على امتلاكك.. وما العشق إلا ذنب يطالب بالغفران.
***
في شقة يوسف الصاوي. دلفت إيمان ببطء وعلى محياها ابتسامة جميلة ومع ذلك خوف ينهش بواصلها. آخر ليلة وبعد سيغادر من أجل عمله. يعود مرة أخرى للندن. حاولت التخفيف عن نفسها بقضاء وقت جميل معه في آخر كم ساعة بينهم. جلست على طرف الفراش وهي تنظر له. ابتسمت بخبث وهي ترفع الغطاء لتضع يديها الباردة على صدره. فتح عينيه بانزعاج أثر مشاغبة تلك الفتاة. ابتسم وهو يجذبها تنام في الجهة المقابلة له وهو يحتضنها باشتياق. رد بنبرة ناعسة:
"إيديك ساقعة كده ليه يا إيمان؟".
ابتسمت بينما تمرر أصابعها على صدره بنعومة:
"يوسف أنت خلاص هتسافر؟".
فتح عينيه مرة أخرى بتركيز وهو ينظر لها:
"مش اتفقنا خلاص يا إيمان.. وخلاص الطيارة بتاعتي كمان كام ساعة".
ردت باختصار صادق:
"عارفة بس إنت هتوحشني".
ابتسمت وهو يميل عليها ليصبح وجهه مقابلاً لوجهها قائلاً:
"تعرفي بعد هتوحشني دي أقسم بالله عندي استعداد ألغي السفرية خالص".
وجدته يميل عليها مراوغاً يلثم شفتيها ببطء مذيباً لاعتراضها هامساً:
"لو عليا يا إيمان آخدك ونبعد عن كل حاجة ونفضل أنا وانتي وبس…".
دفعته بعيدًا عنها قائلة:
"خلاص إنت طيارتك بليل…. تحت تتغدى إيه؟ إيه أكتر أكلة بتحبها؟".
ابتسم وهو ينام مرة أخرى جاذبًا إياها:
"مش مهم يا إيمان اعملي أي حاجة مش هراجع وراكي يعني…".
ردت بتصميم:
"لأ طبعًا هيفرق معايا… ها إيه أكتر أكلة بتحبها…".
"طب هقولك أسهل أكلة مش لازم أكتر أكلة يعني.. مش هتعرفي تعمليها صدقيني".
إيمان بحدة:
"إنت مالك قول بس؟ بطل رخامة يا يوسف".
"خلاص يا ستي مش رخامة عليك أكتر أكلة بحبها.. بصي هو ممكن ورق العنب مع كوارع مع طبق صغير بتنجان مخلل…. هتعرفي تعملي كوارع؟! "
زمت شفتيها للأمام باستفزاز:
"بص هجرب بس الصراحة هكلم ماما هي بتعرف تعملها هسألها يعني…. خلاص الساعة أربعة إن شاء الله نتغدى سوا. إنت هتروح فين دلوقتي؟".
"زهقتي مني ولا إيه؟".
"لأ بس أنا أقصد لازم تروح لوالدتك ونيران وتسلم على الجماعة قبل ما تسافر".
"عندك حق هروح أطمن على ماما وأسلم عليها وكمان نيران".
"تمام يا حبيبي اللي تشوفه… يالا أنا مجهزة الفطار بطل كسل……".
نهض من على الفراش قائلاً بمزاح:
"طب مفيش بوسة كدا على الصبح عشان النشاط يحلو والواحد يقوم بنفس مفتوحة".
لكزته بقوة وغضب قائلة:
"احترم نفسك و قوم يالا……".
"يا بت دا أنا مسافر حتى….. افرضي عيني زاغت على واحدة كدا ولا كدا في لندن مش هيبقى بسببك…. آآه هتخنق يا بت المجنونة".
مسكت عنق قميصه بغضب وهي تجز على أسنانها قائلة بنبرة محذرة:
"عينك تزوغ كدا ولا كدا…. ليه إن شاء الله إيه مش كفاياك عشان تبص برا وبعدين لو واحدة من اللي شغال معاهم حاولت كدا ولا كدا…".
قاطعها بغمزة شقية:
"هغض بصري طبعًا يا عيوني".
ضحكة شقية شقت شفتيها بفخر وهي تعيد هندمته:
"برافو عليك…. شاطر يا حبيبي… محترم".
قبّلها من وجنتها ليقول معقباً:
"من يومي… ولا إنتي ليكي رأي تاني؟".
إيمان بحدة:
"رأي إنت تقوم زي الشاطر كده تاخد شاور وتيجي نفطر يالا……".
"ربنا على الظالم".
بعد مدة طويلة. تقف في المطبخ لتبدأ في إعداد الطعام، وعلى الناحية الأخرى تتحدث مع والدتها في الهاتف.
"آه يعني أحط الطاجن كده في الفرن خلاص؟".
"أيوه بس الأول ملح وفلفل أسود والبهارات مظبوطة".
"ثواني كده….. آه آه".
"تمام متنسيش بقى تحطي بمون على ورق العنب زي كل مرة".
"مش لازم تسيحلي يا حاجة خلاص ماشي افتكرت….. حاجة تاني؟".
"مكنتش أعرف إن الجواز هيخليكي تقفي في المطبخ تعملي كوارع لو كنت أعرف كده كنت جوزتك من زمان للواد يوسف ده، طلق ليه تأثير قوي عليكي".
ابتسمت إيمان ليزهر وجهها أصبح أكثر إشراقًا:
"وحضرتك كنتي زمان تتوقعي إنك انتي تتعلمي كل الأكل ده…".
تنهدت براحة قائلة:
"لأ طبعًا بس بحب أشوف نظرة الانبهار في عيون جلال فكنت بتعلم أي أكلة حتى لو حرقتها في الأول كان بياكلها……".
"علشان كده بابا عمره ما بص لواحدة غيرك…. أنا هقفل دلوقتي قوليلي عايزة حاجة أجي أعملها معاكي".
"استنى بس إنتي هتروحي المستشفى امتى أبوكي بيقول إنك خلاص هتبدأي شغل".
"آه بكرة إن شاء الله… بس يعني على خفيف لحد ما المستشفى تثق إن إيدي بقت كويسة وقادرة إني أشتغل بيها بمهارة وإن شاء الله مش هياخد وقت طويل، بصي يوسف يسافر وأنا هجيلك ونرغي براحتنا…".
"أوكي هستناكي سلام".
***
بعد فترة قصيرة. انتهت من إعداد الطعام وتجهيز سفرة مميزة.
"كده كله حاجة ظبطت الحمد لله..".
دَلفت لغرفتها لتأخذ حمام دافئ استعدادًا لمقابلة زوجها بحماس. وقفت بعد قليل ترتدي ثيابها والتي اختارتها بعناية لتبدو في غاية الأناقة. ارتدت فستانًا زهريًا يصل لركبتها ينساب بنعومة ليبرز جمال قوامها الممشوق. أخذت عقد الألماس الذي هداها إياه ترتديه مع بعض لمسات المكياج لتبدو في غاية الجمال. تتمايل بنعومة وحماس.
لو أحببت بصدق لوجدت الحب أمامك. يناديك بلهفة. فلا تكن غبيًا وتقدم.
نظرت لنفسها برضا وهي تخرج من الغرفة، من المؤكد أنه سيأتي بأي لحظة. ما إن فتحت باب غرفتها حتى وجدته يدلف من باب الشقة. نظر لها جمالها الخلاب بغضب وحدة قبل أن يتقدم منها.
"مالك يا يوسف…. "
"فين موبايلك؟…" سألها باختصار حاد.
"هناك أهوه….. حصل إيه؟".
جذب هاتفها يفتحه وهو يزم شفتيه بحنق:
"رنيت عليك كم مرة…. ردي".
نظرت للهاتف أمامها قائلة بارتياع:
"خمسة عشر مرة؟ ليه حصل إيه؟ كنت باخد شاور وسمعته بس…. بس كنت…. مشغولة".
يوسف بصدمة وتهكم:
"يعني عارفة إني بكلمك وطنشتي".
إيمان بسرعة:
"والله أبداً بس أنا آه عارفة إن دي رنتك بس كنت باخد شاور وبعدها قلت لما أخرج هكلمك وخرجت أغير و طبعًا نسيت و…".
جز على أسنانه وهو ينظر له بغضب أكبر:
"نسيتي…. تمام… تمام يا إيمان".
إيمان بدلال:
"خلاص بقى يا جو متكبرش الموضوع والله نسيت…".
ضرب الحائط بجواره قائلاً بغضب:
"بلاش الكلمة دي بتعصبني…. بلاش تيجي تبرري بغباء عشان بتنهيلي الدنيا أكتر".
"إنت مش ملاحظ إنك بتفور يا يوسف في إيه يعني والله مكنتش أقصد".
"عارف إن يمكن بفور…. بس أنا برتاح لما يطمن عليكي وخايف أسافر وأنا عارف إنك هتهملي الرد عليا ساعتها ببقى هاين عليا أرجع. عشان خاطري يا إيمان بلاش تطنشي مكالمتي بعد كده".
ابتسمت بهدوء معتذرة:
"طب والله العظيم أنا آسفة وأوعدك مش هتحصل تاني أبدًا…. خلاص بقى فك إنت خضتني أصلًا وأنت داخل…. ".
مسك خصرها بقوة وقربها منه قائلاً بحدة:
"تردي على طول ولو أي ظروف وما عرفتيش تردي عليا ترني عليا أول ما تشوفي مكالمتي وبلاش كلمة نسيت دي بتعصبني……".
"حاضر يالا بقى عشان نتغدى أنا جهزتلك شنطتك وكل حاجة جاهزة يالا بقى بلاش تضيع وقت في خناقات ملهاش لازمة".
"ماشي يا ستي يالا أم نشوف آخرتها بس إيه الجمال ده… إنتي بتغريني عشان مسافرش ولا إيه…. ".
اكتفت بابتسامة تتمنى لو تخبره ألا يسافر. قاطعها من شرودها صوتها المصدوم:
"إيمان إنتي بجد عملتي الأكل ده…. دا أنا قلت هتكنسلي الموضوع".
إيمان:
"إزاي بقى ومن إمتى بنت الشهاوي بترجع في كلمة قلتها".
"ياواد يا جامد إنت يا واثق من نفسك".
أخبرته بفتور:
"طب دوق الأول بس يمكن متعجبكش".
طبع قبلة على قمة رأسها قائلاً:
"أي متعجبنيش كفاية تعبك…".
ابتسمت وهي تجلس بجواره يبدأ بتناول طعامه بإعجاب وكم سيشتاق لذلك المذاق. مذاق الحب الذي لم يجربه يومًا إلا بقربها وحدها. يبدو وكأن تلك الفتاة جمعت لوعة واشتياق لتلك السنوات الضائعة لتغمره بها الآن. وبين غمرة ضياعك أتفنن بالعشق.
***
خرجت نور من المصنع بعد انتهاء يوم عملها. دلفت من البوابة الكبيرة لتخرج إلى الشارع الرئيسي، لكن انتبهت لوجود "زيدان العلايلي". كان يجلس بداخل سيارته أمام مبنى المصنع وكأنه في انتظار أحد. توترت مما يحدث وهي تنظر له، وخصوصًا بعدما أخبرت نريمان بموقف الحارس الشخصي في الصباح ورغبة صاحب المصنع في رؤيتها بمكتبه الخاص، لتخبرها نريمان بأن تستبشر وأنها محظوظة، ومؤكد أنه اختارها هي لتكون زوجته التالية أو بمعنى أدق (لعبته) يتسلى بها لفترة قصيرة ثم يتركها في النهاية. شعرت بالاشمئزاز كلما فكرت في الأمر. كيف لامرأة أن تبيع جسدها تحت مسمى الزواج المؤقت.
أخذت نفس عميق. تسير ببطء الناحية الأخرى من الطريق. لكن ما إن سارت بجوار السيارة وجدت أنه ينادي عليها بلطف:
"آنسة نور…".
ترجل من سيارته وهو ينظر لها، بينما توقفت بحنق وضيق قائلة بحدة:
"في حاجة يا فندم؟".
ابتسم وهو يلمح نظرة الشراسة تلك بعينيها، ليعرفها بنفسه:
"أهلاً يا آنسة… أنا زيدان العلايلي صاحب المصنع، أظن تعرفيني".
امتعض وجهها بحنق قائلة بحدة:
"آه يعني عايز إيه؟ وإيه اللي يخلي بيه زيك يوقف واحدة زي في نص الشارع كده… إنت صاحب المصنع على عيني ورأسي بس أنا هنا بشتغل بتعبي واللي ليك هو شغلي واللي ليا هو المرتب…. إيه بقى اللي يخلي حضرتك توقفني كده يا زيدان باشا".
أجابها بهدوء وهو ينظر حوله:
"أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع بس أظن إن المكان مش مناسب… تعالي نقعد في أي حتة ونتكلم".
حاولت كبح غضبها بتقول بحدة:
"معلش يا باشا مبروحش مع حد معرفوش وتشكر بعد إذن حضرتك".
كانت ستنهض وتتركه، لكن أمسك يديها قائلاً بفتور:
"مش هاخد من وقتك كتير".
صاحت بغضب وحدة:
"سيب إيدي أحسن لك عشان قسما بالله إن عليا حتة دين صوت ممكن يجيب بوليس النجدة لحد هنا، ولسه فاتحة دماغ واحد من يومين بلاش تكون إنت اللي عليك الدور".
ترك يديها وهو يتجه نحو سيارته، فتح الباب لها. وقفت لثوانٍ تفكر في الأمر، وجدت نريمان وبعض الفتيات يقفن أمام البوابة ينظرون لها بحقد، وكأن طاقة القدر فُتحت لها. غرزت أسنانها بشفتيها السفلية بغضب وهي تدلف إلى داخل السيارة. انطلقت سيارة زيدان، بينما يراقبها سيارة أخرى خاصة بأحد رجال (باسل العلايلي).
بعد حوالي نصف ساعة. في مقهى راقٍ جدًا لا يوجد به الكثير من الأشخاص، أو بالأصح خالٍ تمامًا. أخذت نور تطرق على الطاولة أمامها برفق وهي تستمع لعرضه المغري ذاك. فاقت من شرودها على صوت النادل يقف بجوار الطاولة حيث وضع أمامها كوبًا من الشاي كما طلبت، ووضع أمامه فنجان قهوة.
"حاجة تانية يا فندم؟".
ابتسم زيدان من باب الذوقيات ليسألها برفق مبالغ فيه:
"تحبي تاخدي أي حاجة مع الشاي؟".
همست ببعض الكلمات لنفسها بحنق:
"نفسي عزرائيل يجي ياخد روحك يا بعيد…".
قالت بصوت هادئ:
"شكرًا…. روح إنت دلوقتي".
غادر النادل تاركًا وراءه زيدان يترشف من فنجان القهوة وهو يتفحص ارتباكها الواضح. لأول مرة تتعرض لموقف كهذا:
"ها يا أستاذ زيدان مش فاهمة برضه حضرتك عايز إيه عمال تلف وتدور والصراحة أنا عايزة أمشي".
"بصي يا نور مش هلف وأدور عليك أنا شفتك امبارح في المصنع والصراحة عجبتني.. يعني فيكِ حاجة مميزة عن باقي البنات…. طبعًا بعد كده جبت عنك كل المعلومات اللي تخصك".
ليتابع وهو ينظر لها باهتمام:
"زي مثالًا إنك عايشة مع أبوكي الراجل المتقاعد عن العمل وأخواتك الاتنين أصغر منك… سيف وعبد المنعم… زي مثالًا الشقة اللي بالإيجار اللي إنتي عايشة فيها وممكن في أي لحظة تطردي إنتي وأخواتك في الشارع… خطوبتك اللي اتفسخت من مدة صغيرة وحياتك المتلخبطة دي".
ابتسمت نور بخبث وهي تقرب وجهها للطاولة، بينما تسند ذقنها على كف يديها قائلة بضيق:
"آممم طب وبعدين.. يعني عايز إيه؟ وحضرتك ليه تهتم بكل المعلومات دي عني، ولا يكون المرتب اللي هتدولي هيقصر مع ميزانية شركاتك، لو كده يا عم الله الغني عنك مش عايزة المرتب ده…".
انتهت من كلمتها بغضب وهي تنهض تكاد تغادر المكان، ليأتيها صوت حاد مُهيب:
"لو مشيتي دلوقتي أوعدك هترجعي مش هتلقي مكان تباتي فيه لأن شقتك والعماره أنا اشتريتهم وناوي أهدمها وأبني عمارة تليق باسم شركات العلايلي…".
أخذت نفس عميق قبل أن تستدير لتنظر له بحدة:
"ما تنجز وتقول إنت عايز إيه يا عم إنت؟".
ابتسم بخبث وبدأ بفرض سيطرته عليها:
"طب اقعدي بس اقعدي بلاش الحمقة دي".
جلست مرة أخرى بقلة حيلة:
"كويس قعدتي يبقى نتفق…. شوفي يا نور أنا عايز اتجوزك وقبل ما تفهمي غلط… أنا أقصد جواز عرفي عند مأذون أوكيه، لكن مفيش مخلوق هيعرف حاجة عنه وخصوصًا الصحافة، لأن لو شمت خبر قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم…… هتستفادي إنتي إيه؟ مبلغ محترم هيتحط باسمك في البنك… شقة في مكان راقي… مستقبل متأمن ليكي إنتي وأخواتك…. وبعدين هتنبسطي معايا أوي… كل اللي هتطلبيه هيكون مجاب…. هتكوني ملكة تأمري وتنهي…. مش واحدة الدنيا عمالة تلطش فيها وهي بتنوح عشان في الآخر تترمي مهدودة من شغل طول النهار على كم مليم. واحدة زيك تستاهل باشا ينشلها من الفقر اللي هي فيه……".
لا تعرف هل سحر الكلمات هو من جعلها بذلك الهدوء أمامه…. أم أن تخيلها لما يقول هو من جعلها هادئة…. مهما كانت صلبة من الخارج، لكنها هشة جدًا من الداخل. مرت بالكثير والكثير. لكن هل تلقي بنفسها في النهاية بين يديه؟
نور بحدة وكبرياء أنثى تقبل أن تعيش فقيرة طول حياتها حرة. لا أميرة تعيش في سجن. كلما تفكر بحالها تشمئز من نفسها:
"ولو رفضت؟".
ابتسم وهو يخرج سيجار ينفثه ببطء وهدوء مريب:
"عادي…. إنتي حرة بس شوفي بقى هتروحي فين إنتي وأخواتك لما يجي وقت الإيجار ومتعرفيش تدفعيه بمرتبك ده… هتخليكي زي ما إنتي على فكرة أنا مش هوفر ولا يمكن أذيكي حتى لو رفضتي بس هتكوني خسرتي عرض لا يمكن يتكرر يا نور…. أنا طلبي في الحلال يا نور…. فكري أنا مش عايز ردك دلوقتي، ووقت ما تقرري هستنى مكالمتك…. ".
حاولت ألا تظهر ارتباكها والصراع بين عقلها والواقع. محاولة الهرب من ذلك العرض المغري.
"أنا لازم أمشي بعد إذنك…".
ابتسم بخفوت وكأنه قرأ حيرتها تلك:
"تمام اتفضلي هوصلك…".
"لأ شكراً هاخد أي ميكروباص".
زيدان بهندمة وشياكة:
"لأ طبعًا ميحصلش هوصلك… اتفضلي".
ابتسمت بارتباك وهي تتضبط حجابها، تخرج من ذلك المقهى تصعد معه في سيارته، بينما يتوجه بها إلى منزلها. حيث كانت شارده الذهن. توقفت سيارته أمام الحي التي تسكن به.
"لو سمحت وقف هنا مينفعش تدخل أكتر من كده… أقصد يعني عشان الناس".
أومأ له بتفهم. ترجلت من السيارة بخطوات مرتبكة، بينما زيدان ابتسم لها. يظن أنه قادر على امتلاك أنثى متقلبة كهذه. دلفت نور لشقتها وأخذت تحدث نفسها بالكثير والكثير لتشعر عقلها يكاد يفتك بها ويلعن ضعفها وللحظات أمامه قائلة بعتاب وجلد للذات:
"نور بلاش ترخصي نفسك هتستفادي إيه لما تتجوزي واحد أد أبوكي وبعدها بكم شهر يرميكِ، لأ ولأ، وإن شاء الله أبقى مفلسة أنا مش رخيصة عشان أبيع جسمي للي يدفع، وإن شاء الله ربنا هيفرجها… يارب".
***
في قسم البوليس في (…..) بالتحديد في مكتب وكيل النيابة. يجلس باسل خلف مكتبه ينفث سيجارته ببرود وهو يعمل على تلك الأوراق أمامه، يضع ساقه على الأخرى بغطرسة كعادته. رفع رأسه وهو ينظر لهاتفه الذي صدح للتو معلنًا عن اتصال من مساعده الشخصي. فتح الخط يستمع لأهم المعلومات. أطفأ السيجار وهو ينهض من مكانه، يضع يديه في جيب بنطاله. خرج من المكتب ليقف في الشرفة بينما يستمع لما يدوي عليه. لم يعلق سوى بسؤال واحد:
"اسمها إيه؟".
أجاب نيروز باحترام:
"نورهان سالم……".
عقد ما بين حاجبيه باستنكار وما زال صدى الاسم يرن بأذنيه، قائلاً بارتياب:
"ساكنة في (….)".
نيروز:
"بالظبط يا باشا…. هو حضرتك تعرفها؟".
زفر بشك وارتياب يشعر بثقل على صدره. تلك الفتاة!!! هل رخيصة كذلك؟ هل خدعه عقله عندما شعر للحظات بأنها تختلف عن الأخريات؟ قائلاً بحدة:
"معقول وهي وافقت على عرضه؟".
نيروز:
"البنت دي مش شغالة في المصنع حضرتك عارف الضغط اللي بيكون على مصنع الشكولاتة في فترة العيد وهي من البنات اللي اشتغلوا بعدد الساعات….. زيدان باشا قعد تقريبًا معها نص ساعة في الكافيه".
باسل بسخرية:
"طالما وصلها يبقى وافقت… ماشي يا شبح. خلاص يا نيروز أنا هتصرف اقفل دلوقتي".
نيروز:
"تمام يا باشا حضرتك هتيجي الشركة النهارده".
باسل:
"أنا خلاص هقدم استقالتي… المجموعة محتاجة كل وقتي وأنا مش محتاج إني أفضل وكيل النيابة وفي غيري يستاهلوا المكانة دي…".
أغلق الهاتف وهو ينظر من تلك الشرفة للطريق وذلك الازدحام.
"ماشي يا شبح… ماشي يا بنت ال…".
***
في إحدى العيادات الخاصة. يجلس جلال وبجواره حياء في انتظار الطبيب.
"ممكن تهدأ لو سمحت… التوتر مش كويس عشانك يا جلال".
ابتسم بارتباك يحاول الثبات على قدر المستطاع أمامها، لكن خوفه يغلبه. فردت يديها أمام يديه ليشابك أصابعه بأصابعها مبتسمًا برفق:
"هو أنا باين عليا أوي إني خايف عليك".
حياء بهمس:
"أوي أوي…".
جلال بهدوء:
"تفتكري صالح وزينب فين دلوقتي وليه رفض يقولنا هما سافروا فين؟".
ابتسمت وهي تغمز له بشقاوة:
"يا جدع إنت مالك هو أنت حد كان سألك أنا وانت رحنا فين في شهر العسل بتاعنا؟ فاكر يا جلال قعدنا أسبوع لا بتنزل لا الوكالة ولا الشادر، لدرجة إن نوارة الله يرحمها كانت كل ما تشوفني تقولي أسبوع يا قادرة أسبوع كنت بضحك أوي الصراحة وانت أصلًا مفتري".
جلال بسعادة:
"إن كان عليا مكنتش عايز أنزل خالص بس أعمل إيه بقى… بس أمي قالتلك كده إمتى؟ مش فاكر إنك قولتيلي حاجة زي كده".
حياء:
"كنت بتكسف أقولك عشان عارفة إيه اللي هيحصل بعدها….. كنت قليلة الأدب أوي الصراحة والناس كلها بتشهد باحترامك حكم".
جلال بمراوغة:
"قلة الأدب دي للحبايب بس يا عيوني…. ".
حياء:
"وربنا هسيبك وأمشي وبطل تكسفني ويالا بقى ظبط عشان الدكتور جاي……".
دلف الطبيب إلى المكتب معتذرًا:
"آسف لو اتأخرت عليكم…".
جلال:
"ولا يهمك يا دكتور ها إيه الأخبار؟".
الدكتور بابتسامة:
"الحمد لله نتيجة التحليل كلها بخير الحمد لله بس المشكلة في المعدة. كنت شاكك إن المشكلة في الكبد بسبب الأعراض دي، بس الحمد لله المشكلة طلعت بسيطة في المعدة والألم اللي حصلت دي بسبب لخبطة في الأكل، غير هكتبلها شوية أدوية لازم تلتزم بيهم وبلاش أكل الشارع أو الحلويات أو الآيس كريم والحاجات دي واضح إن حضرتك بتاكليها كتير".
جلال:
"فعلًا يا دكتور".
الدكتور:
"تمام الحاجات دي ممنوعة تمام ولازم نظام غذائي صحي وبلاش أكل في وقت متأخر…".
حياء:
"بس أنا مبحبش الطريقة دي".
جلال بحدة:
"تمام يا دكتور هنعمل اللي بتقوله".
حياء بحنق:
"جلال؟! ".
نظر لها بضيق وحدة قائلاً بصلف:
"اسكتي أحسن لك……".
صمتت للحظات بضيق وهي تربط ذراعها أمام صدرها بحركة طفولية لإغاظته.
"لو مسكتش هتعمل إيه يعني؟".
بعيون مشتعلة من الغضب:
"هكسر راسك……".
هدرت أنفاسها بخشونة قائلة بغضب أحمق لن تتغير أبدًا مهما مرت السنوات. جميلة. أردفت بعند:
"…..تمام يا دكتور أنا بقى مش هاخد الأدوية دي وأبقى وريني شطارتك يا سي جلال".
تركته وغادرت العيادة. أخذ نفس عميق بغضب ليبتسم وكأن تلك المرأة منفصلة عن الواقع، لا تهتم بالعمر ولا السنين، لا تهتم سوى بفعل ما يدور برأسها. بعد مدة دلفت إلى شقتهم، بينما ساد الصمت طول الطريق، لم يريد أن يفرغ طاقة غضبه عليها وهي كذلك. همست لنفسها ببعض الكلمات بحنق:
"كل شوية هكسر راسك هكسر راسك لحد ما في الآخر عايز يخنقني، أكل إيه وأعمل إيه وأدوية إيه…. إيه القرف ده…. وأهو حتى مهنش عليه يجي يكلمني وراح لصاحبه. طب ما يولع……".
دَلفت للحمام لتأخذ حمامًا دافئًا يريح أعصابها المشدودة وكأنها ليست المخطئة أبدًا. خرجت بعد مدة ترتدي ثياب الاستحمام، توجهت وهي تجفف شعرها بالمنشفة إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابها بأخرى مريحة. أغلقت الباب خلفها بدون أن توصد جيدًا. بدأت باختيار الملابس عبارة عن بيجامة سوداء ذات ملمس ناعم. أغلقت الخزانة واستدارت لتصدم جسدها بحائط صلب…. شهقت بصدمة وهي تفقدت ما أمامها لتجده جلال يقف أمامها لا يفصلهم شيء.
"جلال بتعمل إيه هنا؟" سألته وهي تبتلع ما ريقها بغضب وحرج كذلك. تلامس خصلة مبللة من شعرها بأطراف أصابعها:
"كنت جاي أتكلم مع سيادتك… ياريت تفضي شوية وقت من وقت معاليكِ".
نظر لها بوقاحة متفقداً قوامها المغطى بذلك الثوب وكأنه يجرده من عليه. شتت عقلها بتلك المراوغة الواضحة. أشاحت ببنيتها خجولتان قائلة:
"ماشي يا جلال أنا هغير وأجي نتكلم، ممكن بقى تستناني برا".
تنهد بخبث واستدار مبتعدًا عنها. أوتلت له ظهرها عمدًا لحين ذهابه من أمامها سريعًا. هدأ المكان من حولها، فلفتت متفقده الغرفة. شهقت بفزع حين وجدتـه مستندًا بظهره على الحائط يتفقد هاتفه باهتمام.
"بتستهبل يا جلال…. إيه دا؟ معنى إيه مش فاهمة؟ ".
رفع عينيه وتقوّست شفتيه باستمتاع لإغاظتها:
"مش قولتي استناني واديني واقف مستني…".
مسحت على وجهها بنفاذ صبر ومن ثم تمتمت بصوت خافت:
"والله العظيم هيجيلي الضغط…. كدا كتير عليا وأنا واحدة صاحبة مرض مش ناقصة".
ثم تابعت بصوت مرتفع:
"اتفضل يا جلال بيه سمعني إيه الموضوع المهم اللي عايزني فيه ومش قادر يتأخر لدرجة إن حضرتك واقف كده حتى مش عايز تسبني أتنيل أغيري… سمعني".
ابتسم بخبث قائلاً بحدة مريبة وهو يتفقدها مليًا:
"اعتذري……".
رفعت حاجبيها باستنكار قائلة:
"اعتذر…. أنا اللي اعتذر…. اعتذر على إيه إن شاء الله".
حدثها بعتاب:
"لسانك الطويل…. وعلى طول ماشية بدماغك وبتنطحي في الصح و…".
"بتنطحي…. شايفين طور".
"لما تركبي دماغك في الغلط تبقى طور وطور هايج كمان…..".
رفعت سبابتها في وجهه بغضب:
"جلال مسمحلكش تهيني".
"بت.. بت نزلي صباعك إيه قلة الأدب دي.. وبعدين في ست محترمة تسيب جوزها وتقوم تمشي كده…. مش شايفة إنها إهانة ليا ولا نسيتي مين جلال الشهاوي. قسما بالله أكسر دماغك مكانك فاهمة يا حياء، واعقلي ماشي اعقلي…. عشان أنا مش عيل صغير على آخر الزمان تيجي إنتي وتحرجيني… وبعدين إيه شغل المراهقين ده… أنا عارف مصلحتك أكتر منك إنتي شخصيًا فاهمة".
صوته العالي.. غضبه.. حدة نبرتها. شعرها بالفزع متحدثة بعتاب ممزوج بلمعة دموع:
"على فكرة إنت بتخوفني منك… طول عمري بخاف من قلبت وشك بالطريقة دي يا جلال…. طول عمري ما أول يوم شفتك في السوق وأنا بخاف من الوش ده… كنت فاكرة إن حبك ليا هيخفي الشخصية دي لأنها بترعبني لكن كانت موجودة دائمًا بتحاول تداريها…..".
جذبها بقوة لأحضانـه مرتبًا على ظهرها بحنان:
"الشخصية دي موجودة دائمًا عشان تحميكي…. مينفعش يا حياء… الحب مش كده… مينفعش أسكت وأنا شايفك بتأذي نفسك…. ومينفعش تحرجيني جوزك بالشكل ده، إنتي عارفة إن صح بس عمالة تقوحي… بطلي عياط يا هبلة… ".
تحشرج صوتها أثر بكائها:
"على فكرة مش بعيط…. وأنا مش قصدي أحرجك ولا عمري يا جلال فكرت أحرجك طول عمرك بكبر منك وعمري ما قللت منك قدام حد، إنت نفسك متقدرش تنكر ده بس…. بس أنا… مبحبش طريقة الأكل دي والأدوية إنت عارف إنها دائمًا بتتعبني أكتر".
مد أنامله ليرفع رأسها إليه:
"عارف إنك عمرك ما قللتِ مني وعمري ما هنكر ده وعارف إنك ست البنات وهفضل شايلك فوق راسي عشان اللي عيشتيه معايا مفيش واحدة استحملته عشان راجل. عارف إنك بنت أصول وقفتي معايا في شدتي وعمرك ما عيرتيني بضعف ماليش ذنب فيه، ولما كانوا هيجيبوا في سيرتي قلتي إنك إنتي اللي مبتخلفيش ومسلمتش من لسانه. استحملتي حياتنا في الفقر وفي الغنى… واستحملتي أذية أمي ليكي وسامحتي أخويا مع إن كان له يد في موت أبوكي.. ربيتي ولاده وكنتي أمهم… وعمرك ما جرحتيني بكلمة تكسرني….. عشان كده يا حياء مش عايز أخسرك والله العظيم ما هقدر أخسرك….. عارف إنك بتكرهي الطريقة دي في العلاج…. لكن أنا مش هستحمل…. أقسم لك برب الكعبة ما هستحمل يوم واحد…. عارفة زمان لما اتخانقنا وإنتي قلتي إنك سلمتيني نفسك عشان مطلّقكيش رغم إني كنت مقهور وحاسس لأول مرة إن في واحدة جرحت كبريائي ورجولتي إلا إن مكنتش قادر على البعد… مكنش يعدي يومين أرجع من بورسعيد عشان أقعد جنبك ساعة واحدة… ساعة واحدة أملي عيني منك وإنتي نايمة… مبالك دا من بعد حبي ليكي بمدة صغيرة… تفتكري دلوقتي بعد واحد وتلاتين سنة عندي استعداد ولو واحد في المية إني أخسرك".
أجهشت ببكاء ترى عينيه تلمع بدموع مخيفة:
"إنت بتبكي……".
جلال:
"كنت دايمًا بحس إن حبي ليكي ضعف لأنك الوحيدة اللي قادرة تخلي دموعي تنزل".
"هو إنت إزاي بتحبني وأنا بالغباء ده…. فيا إيه يتحب عشان تستحمل غبائي وعصبيتي".
حاوطها أكثر بذراعيه قائلاً ببحة عميقة أثر تلك العاصفة الهوجاء:
"إنك مش زي أي واحدة تانية… أنا معنديش شروط في حبي ليكي… بس كل جروحي اتعافت معاكي… إنتي متهورة آه و عمرك ما هتخلصي من الخصلة دي لكن أنا حتى مش عايزك تسبيها لأن اتعودت عليها وحبيتك كده.. دي ما إنتي بكل خصالك…..".
لفت ذراعيه بقوة مكبلة إياه مغمضة العينين بين أحضانه تخاف أن يبتعد.. تعشق قربه المهلك لروحها… رغم السنين لم تتغير وبقي هو أيضًا كما هو (دافئ.. حنون لأبعد الحدود).
"أنا آسفة".
ابتسم بلطف وهو يبتعد قليلًا عنها يزيح خصلاتها الرمادية عن وجهها (مزيج بين الأبيض والأسود) قائلاً بخبث ومراوغة:
"بس طعم الاعتذار بيكون أحلى كده…".
مالي عليها يقبلها باشتياق وكأن العالم بأسره يقف عند تلك اللحظات. ابتعد بعد مدة وهو ينظر لها بخبث ماكر:
"بس تعرفي أحلى حاجة فيك إنك بتتعصبي وتنزل على مفيش وأنا بعمل اللي أنا عايزه في الآخر…".
حياء بخجل:
"جلال احترم نفسك ويالا اخرج انت صدقت نفسك ولا إيه برا…. ".
نظر لها وهو يعض على شفتيه السفلية بغيظ وهو يقرص وجنتها بلطف:
"لسانك الطويل ده عايز قصة يا بنت الهلالي".
ثم خرج وتركها، لكن استدار قبل أن يغادر الغرفة قائلاً:
"ابقي اقفلي البرنس كويس يا شعلتي عشان متسقعيش".
ثم أنهى جملته بغمزة شقية وهو يخرج من الغرفة. خرج وتركها تنظر إلى فتحة الصدر لتحدها متسعة. شهقت بصدمة وهي تلملم ثوب الاستحمام بسرعة:
"يلهوي.. دا.. يا منحرف".
"بصوت عالٍ غاضب لتسمع صوت ضحكاته الصاخبة من الخارج قائلاً بعتاب:
"بقالنا كل ده متجوزين ولسه واخدة بالك؟ اشكي إليك يا رب…. ".
ضحكت وهي تجلس على أقرب كرسي، تنهدت براحة وهي تحمد الله، كانت على ثقة كبيرة به.
"أنا نازل أصلي المغرب في الجامع عايزه حاجة من برا".
حياء بحماس:
"آه عايزة لب وكاجو".
ودلف مرة أخرى للغرفة وهو يدفع الباب بعنف لتشهق بصدمة:
"استغفر الله العظيم يا بت إنتِ عايزة تشليني، انسى يا ماما كل الحاجات دي لا لب ولا كاجو ولا بتاع ماشي".
حياء بغيظ:
"اومال بتسأل ليه يعني هكون عايزة إيه من برا غير تسلية".
جلال:
"أنا نازل يا حياء أنا اللي غلطان إني سألتك سلام…. ".
حياء:
"متتأخرش هستناك نتفرج على التلفزيون سوا وإلا والله لتيجي تلقيني بأكل إندومي".
انفجرت في الضحك وهي ترى وجهه المحتقن من شدة الغضب قائلة:
"يا عم بهزر معاك انزل يالا صلي متخافش اطمن يا جدع وراك رجالة…".
"على الله يا حياء".
حذرها قبل أن يخرج من الغرفة لتنفجر في الضحك وهي تعض على شفتيها بسعادة عارمة.
وآه من قلب عاشق شاب على العشق. لم تبدله الأيام ولا السنين.
***
دلف إلى منزله بعد يوم عمل طويل ومرهق، وخصوصًا بعد سفر صالح، وإلى جانب ذلك تجهيزاته للمصنع الخاص به، رغم أنه ما زال في البداية وصغير، لكن يحتاج للكثير من العمل.
"يا ست الكل يا أم علي…".
خرجت والدته من المطبخ بوجه بشوش:
"أنا هنا يا حبيبي… أما بقى عملتلك طاجن باميه باللحمة الضاني هتاكل صوابعك وراها يارب أعيش وأعلم مراتك يا واد".
علي بسعادة:
"طب تعالي طالما جبتي سيرة العروسة…".
هدى بحماس:
"إيه يا ولا خلاص نويت تريح قلبي ده يوم المنى".
علي:
"نويت يا حاجة… بس تعالي نقعد برا عشان الموضوع محتاج قعدة".
هدى:
"تعالي قولي مين هي العروسة".
جلست على الأريكة وهي تنظر له بتمعن:
"حبيبة يا أم علي……".
تلك البسمة اختفت بالتدريج مع تشنج ملامحها قليلاً قائلة بحدة:
"حبيبة مين؟ حبيبة مرات شاكر؟!".
ضغط على يديه بغضب، حاول أن يهدئ أعصابه قليلًا يشعر نيران كلما تذكر أنها كانت ملك شخص غيره. ماذا عليه أن يفعل ليخمد تلك النيران التي ستهلكه يومًا ما.
"لأ يا أمي مش مرات شاكر… حبيبة اللي إنتي ربيتيها على إيديك… حبيبة اللي عيشتي طول عمرك بتحلفي بيها وبالأخلاقها وحتى لسانها الطويل".
"معقول عايز تتجوزها…. ليه بتفكر فيها بعد ما اتجوزت غيرك وحرقت قلبك ولا هي عايزة تقوّش على كل حاجة تاخد فلوس شاكر وتتجوزك لما يموت. لأ يا علي مش موافقة يا ابني…".
علي بهدوء:
"يا أمي بلاش تظلميها إنتي متعرفيش حاجة عن اللي عاشته… والله العظيم حبيبة متستاهل كل ده… صدقيني هي دلوقتي مش محتاجة لا فلوس ولا أي حاجة هي بس محتاجة إننا نحن عليها شوية اللي شوفته في حياتها مفيش واحدة عاشته… وافقي عشان خاطري لو عايزاني أبقى مرتاح".
"يا حبيبي أنا عايزك دائمًا مرتاح بس إنت عمرك ما هتلاقي راحة معاها دي اتجوزت مرة وكانت حامل… يعني مفتحة على الدنيا لفة وعارفة يعني عايزة واحدة تمشيه على مزاجها".
علي بعتاب:
"على فكرة يا حاجة إنتي مش بتغلطي في حبيبة بس إنتي كمان بتغلطي فيا هو أنا مش راجل قدامك".
ضربت بخفة على صدره قائلة بسرعة:
"يا ابني إنت سيد الرجالة بس… لأ يا علي لأ وبعدين دي لسه جوزها مات والناس و…".
علي:
"هو إنتِ قلتي هنروح نخطبها دلوقتي اسمعيني بس…. حبيبة طول عمرها بتحبك وهي الأيام دي تعبانة ولازم نكون جنبها إيه رأيك تروحي تزوريها وأقعدي معاها لو حسيتي إن حبيبة اتغيرت عن حبيبة بتاع زمان يبقى ليكِ الحق إنك ترفضي…. أنا لا يمكن أعمل حاجة بدون رضاكي لو عايزة تكسري بخاطري ارفضي".
تنهدت بقلة حيلة وهي تنظر لابنها بحب أبوي:
"ماشي يا علي أنا موافقة عشان عارفة كويس أوي إنك مش صغير وبتعرف توزن الأمور وهاخد زيارة وأروح أشقر عليها دي مهم كانت برضه كنت بعتبرها بنتي في يوم من الأيام…. وربنا يسعدك يا ابني".
ابتسم بسعادة وهو يقبل يدي والدته قائلاً:
"ربنا يحفظك ويخليك ليا يارب يا ست الكل".
"يا بكاش كل ده عشان السنيورة بتاعتك ماشي يا علي".
"متقوليش كده دا إنتي الخير والبركة يا ست الكل".
***
في بيت حبيبة القديم. تجلس في غرفتها ممددة على الفراش وهي تنظر لسقف الغرفة. جذبت الغطاء بقوة وهي تضم جسدها، تشعر بالبرد رغم أن الطقس حار، لكن تشعر ببرودة تسري بجسدها. تلالأت الدموع في خضراوات عينيها. دلفت والدتها لغرفتها، لكن ما إن دخلت حتى شهقت بفزع:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. في إيه يا بنتي مضلمة الأوضة كده ليه…".
اتجهت نحو الستار لتفتحه، انتشر الضوء بأرجاء الغرفة:
"يا حبة عيني يا بنتي مالك يا حبيبة… مش ناوي تخرجي بقى دا حتى إحنا في أيام مفترجة".
اعتدلت في جلستها بارهاق قائلة:
"ماليش نفس أخرج يا ماما حاسة إني مش قادرة أشوف حد ولا أكلم حد".
فاطمة بود:
"وبعدين؟ هتفضلي في الكآبة دي كتير…".
جلست بجوارها بخبث:
"على فكرة… علي اتصل عليا كان بيطمن عليكي وبيقول لازم تاكلي وبلاش الحزن ده.. بيحبك يا حبيبة…. بيحبك أوي….. وعلى فكرة الواد ده ابن أصول حتى لما كنتي على ذمة شاكر كان بيكلمني يطمن عليا دايمًا….. متديله فرصة يا حبيبة… بلاش تضيعيه من إيديك…".
حبيبة:
"أنا خايفة يا ماما…. خايفة أوي… الناس مش هترحمني… وخالتي هدى نفسها مش هتقبل إن ابنها الوحيد يتجوز واحدة أرملة وسبته عشان الفلوس…. غير على نفسه…. علي محتاج واحدة تديله السعادة مش واحدة زي… أنا أصلًا خايفة أديله أمل لأن أنا معنديش أمل في أي حاجة…".
فاطمة:
"اسمعيها مني يا حبيبتي الناس عمرها ما هتسيبك في حالك هيفضلوا كده ينحروا في فروتك… ما هي دي الحاجة اللي في إيديهم يعملوها…. يالا فُوقي كده وتعالي نتمشى على البحر ده الجو النهارده جميل برا وبطلي كسل…".
***
في الساحل الشمالي. سارت زينب على الرمال بصعوبة وهي ترتدي كعب حذاء عالٍ، أصرت أن ترتديه على ثوب السهرة الذي اختاره صالح وأصر أن ترتديه. كانت جميلة جدًا بذلك الثوب المتألق ذات الألوان الأسود طويل مطرز ببعض الورود المتلألئة مع اللون الفضي اللامع. ارتدت حجابها مع بعض لمسات المكياج لتكمل صورتها الجميلة في عيناه. حينما أبصرته وأبصرت ما حوله، وقفت مكانها بعدم استيعاب. كان "صالح" متألقًا جدًا، يرتدي حلة أنيقة، جذاب بها وكأنها صُممت خصيصًا له. فسحر عينيها حينما وقعت عليه. رفع صالح عيناه عليها وتقدم منها وعيناه تطوفان بإعجاب على ذلك الثوب الأنيق الذي يبرز جمال ورشاقة جسدها. فاتنة اليوم كنجمة براقة في السماء. تنورة فستانها تتأرجح حولها مع هواء البحر المنعش. صورتها الآن تشعل صدره كلما تأملها. حاول التقدم منه بخطوات مبعثرة كادت أن تقع بسبب ذلك الحذاء. قائلاً برفق:
"مش تاخدي بالك كنتي هتقعي".
يمسك بذراعها بين يديه بابتسامته المشرقة. حاولت التبرير بلطف وارتباك:
"أصل الجزمة عالية والرمل و…".
انحنى أمامها وجدته يخلع لها حذائها واحدًا تلو الآخر ثم ألقاهم أرضًا بإهمال قائلاً بابتسامة:
"كده أحسن بدل ما تقعي".
زينب بضيق:
"على فكرة شكله حلو والمشكلة بس عشان الرمل وبعدين همشي حافية…".
شهقت بقوة حينما وجدته يحملها بين ذراعيه يتجه نحو البوابة يخرج من الفيلا. قائلة بدهشة:
"خفت أتعود على الدلع ده كله وكده هتتعب معايا".
إعجابها بمكر ذكوري وهو ينظر لسيارته:
"براحتك.. دا شهر عسل برضو… بعد كده بالجزمه".
ضربته بخفة في صدره قائلة بغضب:
"مين دي اللي هتاخد بالجزمه يا سي صالح".
همس بالقرب من أذنها وهو يتركها لتقف أمامه مباشرة:
"أي حد يفكر يزعلك يا زبدة…".
ابتسمت برضا وهو يفتح لها باب السيارة لتصعد. ابتسم وهو يتجه الناحية الأخرى يصعد سيارته لينطلق في طريق طويل. بعد أن دعاها للعشاء في مكان خاص. توقف بعد حوالي نصف ساعة في مكان بعيد عن الفيلا وعن الكمبوند بأكمله…. لمكان آخر خالٍ من البشر والزحام تقريبًا، متلألئ بأنوار خافتة. يوجد ممر طويل بين أمواج البحر الذي ينشر رذاذه. في نهاية الممر طاولة مستديرة عليها عشاء شهي مع الشموع التي تضيء المكان وتعطي له منظرًا ساحرًا. لم تكن الشموع فقط على الطاولة، كان هناك أيضًا شموع ذات الألوان والأشكال ملفته غاية في الجمال تتألق بأناقة على رمال الشاطئ. نظر لها ليرى نظرة الانبهار والسعادة بعينيها. أخذت عيناه تسافر بإعجاب على ملامحها وابتسامتها التي شقت شفتيها لتتسع. شعور جميل يجتاحه كلما وجدها تبتسم أو تضحك بقوة… يشعر بسعادة عارمة وكأنه هو من يشعر بالسعادة وليس هي!
زينب بصدمة وانبهار:
"دا بجد… أنا أول مرة أشوف مكان بالجمال ده".
"إن شاء الله عيونك الجميلة دي متشوفش غير كل حاجة حلوة…".
زينب بضيق:
"طب دلوقتي هعمل إيه الفستان هيبهدل على ما نوصل للترابيزة".
صالح بمراوغة وخبث ذكوري وهو يحملها مجددًا:
"شكل حضني عجبك أوي…. ".
اكتفت بتلك الابتسامة وهي تضع رأسها على صدره يسير بها في ذلك الممر ورذاذ البحر يتلاعب بنعومة مع حركة الهواء المنعش. أنزلها أمام الطاولة، تلك تتلامس قدمها ببرودة المياه المنعشة قبل أن تجلس على المقعد أمامه. تجده يمد يديه يفك حجابها قائلاً:
"مفيش حد معانا".
انسدل شعرها لتكتمل تلك اللوحة، ويا لله من جمالها الخلاب، ولا يليق بعينيها سوى رؤيته. لا تعرف من أين صدرت الموسيقى من مكان بعيد لكن مسموعة جيدًا.
صالح بغمزة:
"تسمحي لي بالراقصة دي".
ردت بحرج قائلة:
"بس أنا مبعرفش أرقص".
صالح:
"هعلمك".
زينب بخبث:
"شكلك بتعرف تعمل حاجات كتير".
رد بخبث أكبر ومراوغة ذكورية يتخللها الجرأة:
"بعرف أعمل حاجات منها اللي حصل امبارح والنهاردة مثالاً".
سعلت بقوة وهي تضع كوب الماء جانبًا ووجهها يشتعل بنيران الخجل. نظرت له بغضب.
صالح:
"يالا".
قامت بمد يديه الكبير لها. ابتسمت وهي تضع يديها بيديه. خطوة بخطوة معه كالفراشة تلتف بين يديه الماهرة. يداه تعانق خصرها ويديها تحيط مؤخرة عنقه بنعومة والموسيقى الناعمة تدور من حولهما بتناغم. ينافس خطوات رقصتهما. مع اقتربها منه ليهمس ببعض الكلمات. احمرت وجنتيها، فأطلق سراحها ممسكًا بيديها يجعلها تلتف حول نفسها، ثم ضمها بقوة وهما يميلان معًا يمينًا ويسارًا. تشعر وكأنها بحلم لا مثيل له، تخاف بشدة أن ينتهي بكابوس. يدللها بطريقة تذيب جليد قلبها ليجعلها تغرف معه في تلك الجنة، تنغمس برفق بها، ومع لمساته.
***
في بيت نور. خرجت من المطبخ تمسك بيديها سندويتش تأكله بنهم ولذة رغم بساطة ما يحويه. تضع على الطاولة أمامها كل النقود التي تمتلكها. قضمت لقمة بجوع لتقول بفتور وهي تضع ساقًا على الأخرى بلامبالاة:
"كده ألف ومية وخمسين جنيه…. والله الواحد حاسس إنه ملك".
لتضحك بسخرية:
"يالا إن شاء الله أقبض اليومين بتوع مصنع الشكولاتة وأنا اشتغلت ست ساعات وقت إضافي…. إن شاء الله خير وبابا كده كده جاي بكرة من القاهرة يارب بس ما يتعب".
في ذلك الوقت سمعت صوت الباب يُفتح. عقدت ما بين حاجبيها بارتياب قائلة:
"بابا إنتوا جيتوا ولا إيه… سيف… عبده".
انتابها الخوف قليلاً، أخذت حجاب خفيف كان موضوعًا على الأريكة القديمة بجانبها، وضعته على شعرها وهي تدلف لترى ما سبب ذلك الصوت. لكن شهقت برعب، وسعت عينيها بفزع وهي تراه أمامها بعسليته الحادة المتربصة وطوله الفارع. وضع يديه على فمها يمنعها من الصراخ قائلاً بحدة:
"هسيبك بس صوتك لو طلع هتزعلي…".
حاولت دفعه بغضب وهي تضربه بعنف في صدره بشراسة، لكن تحكم بقبضة يديه في يديها.
"بطلي بقى…. مش هاكلك يا شبح…".
تركها وابتعد وهو يدلف إلى الصالة البسيطة جدًا. جلس على الأريكة كانت قاسية تبدو قديمة كباقي أثاث المنزل. وضع قدمًا على الأخرى بعنجهية وهو ينظر لها، تقف أمامه ببيجامة قطنية وحجاب بسيط ليظهر له شعرها البني.
ربعت يديها أمام صدرها قائلة من بين أسنانها:
"ممكن أعرف جبت مفتاح بيتي منين؟ وايه قلة الذوق دي… وإزاي تدخل كده ولا كأنه بيت أبوك…. ونزل رجلك متقعدش كده بتعصبني".
ابتسم بخفوت تلك الفتاة رغم أي شيء قادرة بطريقتها تلك أن تثير فضوله و… إعجابه؟! رغم علاقته النسائية المتعددة… ورغم أنها تعتبر أقل جمالًا من أي امرأة رآها… أقل جمالًا من أي واحدة تزوجها. رغم أنه يحب المرأة الهادئة كما يظن، لكن تلك الفاتنة تثير رغباته وبقوة. بها شيء يميزها… عيونها الشرسة تلك….. شفتيها التي تنطق بأبشع الكلمات ليست منمقة أبدًا… نظر لها بعسليته القاسية تلك قائلاً بحدة:
"عندك إيه يتشرب…".
"عندي سم هاري ما تبطل ملعنة يا جدع إنت وقولي بتعمل إيه هنا.. أنا قاعدة لوحدي على فكرة مينفعش كده".
"عندك إيه يتشرب؟ " سألها من بين أسنانها.
أخذت نفس عميق قبل أن تتحرك من أمامه لتجلس على الكرسي المقابل له.
"عندي شاي ومن غير سكر لسه هاجيل التموين آخر الشهر كمان أربع أيام.. معلش بقى يا سعادة البيه مقدرش أضيفك… إلا لو بتشربه من غير سكر".
ابتسم وهو يخرج علبة السجائر الخاصة به لينفث واحدة، بينما تنظر له بضيق تحاول استكشاف ما يخفيه. تشعر وكأنها بحلم. هل حقًا بقلب بيتها الآن؟
"نفث دخان سيجارته بوجهها قائلاً بهدوء سام:
"الموضوع اللي جايلك فيه يخص زيدان العلايلي……".
رفعت حاجبيها الأيسر بشك:
"وإنت مالك بـ زيدان الع…. إنت باسل زيدان… باسل زيدان العلايلي؟! ".
سألته بصدمة وارتباك….
ابتسم ليجيبها:
"باسل زيدان أحمد العلايلي….. المهم خدي دول عشان نعرف نتكلم…. ".
وضع رزمه من المال أمامها على الطاولة بجوار نقودها القديمة.
نور بسخرية:
"إيه دول؟".
باسل:
"شوفي يا نور….. أنا مهما حصل مش هسمح للجواز دي إنها تتم…. أظن عارفة حجم العلايلي جروب واسمها في السوق. تفتكري في النهاية هسمح إن ده كله يتهد عشان أبويا جاي على آخر الزمن عايز يتجوز بنت أصغر من عياله…. عارف إن أكيد عرضه مغري ليكي وإن الفلوس لمعت في عيونك بس مش معقول تكون رخيصة أوي كده… ".
نور بغضب:
"اطلع برا… وعايزة أقولك إن مش كل الناس رخيصة بتجري وراء الفلوس. رفض أنا هوصله لوالدك والفلوس دي متلزمنيش في حاجة…. أنا لا عايزة فلوسكم ولا عايزة منكم حاجة سيبوني في حالي أنا وعيلتي…..".
رمقها بنظرة ساخرة:
"عايزة تفهميني إنك رفضتي عرضه… طب لو رفضتي ليه سمحتي له إنه يوصلك لحد هنا؟".
"إنت مالك…. وبعدين بتحاسبني على إيه؟ على عيون أبوك الزايغة ولا على إن ربنا اداكم من وسعه واحنا لأ…. خد فلوسك وامشي يا حضرة وكيل النيابة".
لا يعرف ما سر تلك السعادة التي غمرته من رفضها القاطع، ربما لأنه شعر بأنه لم يخسر الرهان؟! أي رهان؟! رهان عليها أنها تختلف عن أي امرأة رآها.
استقام وهو يضبط بدلته لتقف هي أيضًا أمامه، تبدو أقصر منه بقليل. نظر لها بعينيه العسلي الضاربة والقاتمة بشدة قائلاً:
"تمام يا نور… يبقى هيحصل تعديل بسيط في عرض والدي وهتوافقي عليه…".
نور بصوت عالٍ:
"يا جدع مش عايزة أتزوجه ده أد أبويا… أنا مش هتجوز واحد عجوز".
شقت شفتيه ابتسامة لعوبة وهو يميل عليها قائلاً:
"التعديل هو إن أنا اللي هتجوزك……".
ابتعد قليلاً ليرى وجهها المتشنج بصدمة واضحة.
***
جزء خاص.
استيقظت ببط لتحسس الفراش بجوارها. اعتدلت في جلستها وهي تضيء نور الأباجورة. تفقدت الغرفة مليًا لم تجده، لكن استمعت لصوت خافت من الصالون. صوت خاشع جميل. عقدت ما بين حاجبيها بارتياب وهي تنهض من الفراش. وضعت حجابها على رأسها وخرجت. خرجت من الغرفة تدلف للصالون، وجدته يجلس في ركن بعيد هادئ يقرأ في كتاب الله العزيز. يتلو القرآن بسلاسة ورفق… غرفة مظلمة لا يوجد بها سوى ضوء خافت. خشوع صوته وهدوءه يجعلك ترى شابًا نشأ على القرآن حفظ وتلاوة. لم تشعر بدموعها التي انسابت من عينيها وهي تستمع له. رفع رأسه وهو ينظر لها بتصدق بهدوء. ابتسم بود.
"تعالي يا زينب…".
اقترب وهي تنظر له بارتياب. يبدو أحيانًا جريء فظ وأحيانًا هادئ هدوء مريح للنفس.
"مالك؟".
"مش عارفة مستغرباك…. صوتك هادي أوي إنت حفظت القرآن فين؟".
"أبويا
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم دعاء احمد
مالي عليها قائلا بجدية يغلب عليها الثقة:
“التعديل على العرض.. هو أن أنا اللي هتجوزك.”
أبتعد قليلا ليرى وجهها المتشنج بصدمة.
نظرت له بارتياب وصدرها يعلو ويهبط، مطولة النظر لتلك العسليتان القاسيتان المتضح بهما الثقة يصحبها الهيمنة الواضحة.
رفعت عينيها البنية وظلت تتابع ما يحدث، إلا أن حركات شفتيهما وعينيهما تحكي نقاشا حادا.
رفض قوي من الجبهتين.
صرخت بوجهه قائلة بتحدي:
“أطلع برا وهات المفتاح اللي دخلت بيه، مش عايزة أشوف وشك تاني، لا أنت ولا أبوك.
وياريت تبلغه رفضي للعرض بتاعه.
شلوني من دماغكم.. يارب ياخدني بقى.. أنتم إيه معندكمش رحمة.. أطلع برا.”
أحتدت عينيه جاذبا إياها من ذراعها بقوة، قربها منه.
وهو يقول بنبرة خطيرة وعيناه العسلي الضاريتان شديدة الاحمرار:
“إنها تشتعل كبركان ثائر.”
وهي ترمقه بنظرات شرسة قائلا بنبرة مبهمة خطرة:
“مش هبعد يا نور.. هتجوزك والأسباب دي تخصني.
وأنا مش هقف أتفرج على تعب سنين وهو بيضيع.”
نور:
“أطلع برا لو سمحت.. أنا مش هتعصب ولا هزعق بس أطلع برا.
أنا مش عايزة أتجوّز لا أنت ولا أبوك.. أنا مش حمل دخول في مشاكل مع ناس زيكم.”
هتف بنفاذ صبر:
“مش هيبقى في مشاكل يا نور لو أنتِ معايا.
لكن أوعدك أنك هتفتحي على نفسك أبواب جهنم لو فضلتِ راكبة دماغك..
أنتي متعرفيش زيدان العلايلي.”
“انت بتهددني وعايزين أوافق على عرضك الغريب دا؟
طب بص يا ابن الحلال أنا واحدة الدنيا عمالة تحط عليا من كل ناحية ومعنديش مشكلة.
لكن إن حد يلوي دراعي يبقى على جثتي.
واتفضل بقى اخرج، أظن دا مش أسلوب، أنا قاعدة لوحدي ولو حد شافك هتبقى مصيبة ترضاها لأختك.”
باسل بجدية:
“تمام، أنا همشي بس هستنى ردك.
فكري يا نور، الفرصة دي مش هتتعوض.”
ربطت يديها أمام صدره قائلة بسخرية:
“و حضرتك بقى يا حضرة ناوي تتجوزني عرفي ولا رسمي؟
وياترى عرضك دا عرضته على كم واحدة..
أنا مش للبيع.. علشان أنا مش زيكم.
ولو مستني ردي فأنا من دلوقتي بكل احترام بقولك إني رافضة.”
وضع يديه بجيب بنطاله قائلا بجدية تليق به:
“بصي يا نور أنا مش هجبرك، لا مش بحب النوع دا.
أنتي عندك مطلق الحرية.
لكن في النهاية اللي عايزة يحصل هيكون وبارادتك.
سلام يا شبح.. هستناكي بكرة في.. الساعة تلاتة.
وأنا مجتشي أنتِ حرة.”
نور بغيظ:
“ما أنا فعلاً حرة، ولا تقدر تجبرني.”
زم شفتيه وهو يقترب بابتسامة مراوغة:
“اااامم جدع يا شبح، بس خليكي فاكرة إن اللي أنا عايزه هعمله حتى لو غصب عنك.”
ضيقت عينيها بارتياب قائلة:
“انت سايكو صح؟!
اطلع برا واختفي من وشي بدل ما أعمل منك بطاطس مقلية.
وأنت شكلك بسكوتايه مش هتستحمل.”
ابتسامة جميلة شقت شفتيه، أخذ يقترب بخطوات ثابتة.
بينما تراجعت للخلف بضيق وعينيها تشتغل بضراوة.
مالي عليها قائلا بنبرة مخدرة حادة:
“دور الشبح دا مش لايق عليك.. عارفة تمثليه لكن مش انتي يا نور.
عيونك رغم الغضب اللي باين فيها إلا إنها أضعف بكتير من احتمالك.”
ابتعد قائلا بتحدي:
“تيجي بكرة يا نور، سلام.”
رغم شعورها بالذهول ومرارة العلقم في حلقها، فهو حقا استكشف ما تخفيه.
إلا أنها أخفت ذلك بمهارة قائلة:
“مش جاية، ويلا امشي بقى.”
اتجه نحو الباب قائلا بحدة:
“هستناكي ولو مجتيش أنتِ حرة.”
“وابقي اقفلي الباب كويس.”
ألقى بالمفتاح على الأريكة قبل أن يغادر شقتها تاركا إياها خلفه.
جلست على الأريكة وهي تضم جسدها بيديها.
تنهدت بإرهاق وهي تتجه نحو الباب تغلقه جيدا.
وصلت سيارة باسل إلى فيلا العلايلي.
تركها للخفير يصفها بالجراج، بينما ترجل إلى داخل القصر.
مميز وأنيق، لا يخلو من التحف النادرة.
إن نظرت له تظن وكأنك بداخل متحف لا منزل عائلي.
يخلو منه روح البهجة، شيء ما يفتقده ذلك المنزل الكئيب.
ابتسم وهو ينظر لتلك الفتاة الجميلة تجلس على أحد المقاعد.
بينما تعمل بجدية وتركيز على أحد المشاريع الهندسية الخاصة بمجموعة العلايلي.
باسل بابتسامة باهتة:
“زينة.. جيتي امتى؟”
زينة:
“باسل وحشتني أوي في الكم يوم اللي فاتوا.
تعالى اقعد، في حاجات كتير في الشغل حابة نتكلم فيها بس مش وقته.
صحيح بابا ومروة قاعدين في المكتب وشكلهم كدا بيخططوا لحاجة كبيرة سوا.
لأن بقاله يجي ساعة ونص.”
وضع يديه بجيب بنطاله وهو يصوب عينيه نحو ذلك الباب المطلي باللون البني اللامع حيث مكتب والده.
قائلا بحده ولامبالاة:
“زيدان بيه ومروة.. تمام.”
استقام تتمسك في ذراعه قائلة بارتياب من أخيها:
“باسل هتعمل إيه؟ بلاش تهور.”
باسل:
“لا متقلقيش، مش أنا اللي مفروض أقلق.
هما اللي لازم يخافوا.”
وضع كف يديه الكبير على يد أخته يبعدها.
بينما يتوجه بخطوات ثابتة وعيناه القاسيتان مصوبتان على الباب كأنه يريد اختراقه.
فتحه ودلف إلى المكتب تحت نظرات زوجته السابقة وأبيه.
وضع زيدان السيجار بفمه ينفثه ببطء وهو ينظر لابنه.
بينما جلس باسل على مقعده يضع قدم فوق أخرى.
عضت مروة على شفتيها بحسرة تلوم نفسها على غبائها الذي جعلها تترك ذلك الوسيم.
لكن لا يتعلق الأمر بوسامة باسل، بل أيضا يتعلق بشخصيته القوية ونفوذه وهيمنة شخصيته.
هو دائمًا يفوق توقعات الجميع ليجعل أي شخص ينبهر منه، حتى هي!
تجزم أنها لم تشعر بأنوثتها إلا بين يديه.
مروة برقة:
“أهلا يا باسل.”
صوت عسليته عليها بلامبالاة.
ثم عاود النظر لوالده:
“في اجتماع من غيري؟
اااممم ياترى أي السبب اللي جايب مروة هانم لحد الساعة اتناشر.
ااامم شكله موضوع مهم أوي.”
زيدان بجدية:
“و حضرتك يهمك في إيه..
مروة كانت هنا معايا أنا متخصكش.”
زم شفتيه بضيق قائلا:
“أوكي كملوا كلام ياله اتفضلوا.”
مروة:
“باسل كنت عايزة أتكلم معاك ممكن.”
“بخصوص إيه؟” سأله بحدة.
مروة بغضب وبجاحة:
“بخصوصنا.. فاضل في شهور العدة أيام إيه؟
هنفضل في لعب العيال دا كتير؟
معقول أنا مروة الخليل بنت وزير ال.. اتطلق..
أنا كنت عارفة علاقاتك وجوازتك بس قلت وماله عدي كله يهون ولا إني يتقال عليا مطلقة بعد بجوازها بكم شهر.
وبعدين انت وحشتني.. وحشتني أوي يا باسل.
أظن كفاية الفترة اللي بعدناها دي وتعالي نرجع لو سمحت.”
زمجر بقسوة وغضب:
“أولا انتي بغبائك وغرورك وصلتينا للمرحلة دي.
وأنا عمري ما حبيتك وأنتي عارفة إنه بيزنس أز بيزنس.
دا كان اتفاقنا من أول يوم اتقابلنا فيه.
وانتي قلتي إنك مش بتدوري على علاقة وجواز والمهم الشغل اللي بينا وخلاص يا مروة.
البزنس بينا انتهى.. سامعة فنش..
وموضوع اردك دا انسيه.”
مروة بغضب:
“فاهمة انت بتعمل إيه يا باسل بيه..
انت فاكر إني همو”ت عليك..
صحيح اللي ذوقه واطي هيفضل واطي، خليك مع اللي شبهك.
بس اللي بينا مخلصش يا باسل، مخلصش.”
“بعد إذنك يا أونكل.”
خرجت من المكتب وعينيها تشتعل بضراوة وقسوة.
رغم دفعه لها وكأنها شيء بلا قيمة، تشتغل بداخلها رغبة قوية فيه.
ليس من السهل أبدا تخطي شخصية مثله.
بينما اشتعلت حر”ب النظرات بين الأب وابنه.
انتهت بمغادرة باسل غرفة المكتب.
في أحد مدن لندن المعروفة بالمعمار.
كما يطلق عليها مدينة الضباب.
دلف تلك الشابة بسيارتها الفارهة إلى جراج الشركة.
بينما ترجلت من السيارة بأناقة.
امرأة في نهاية العشرينات.. أنيقة، ترتدي ثياب كلاسيكية عملية.
تمتاز بشعر أسود قصير يصل بالكاد لرقبتها، عيون بنية واسعة.
تتحدث بحدة في الهاتف.
حنين بضيق:
“اعملي اجتماع مجلس إدارة وعايزة كل المهندسين المشرفين على المشروع يحضروا في أقل من نص ساعة..
المهندس يوسف الصاوي في طريقه بلندن، يمكن يكون في الطيارة دلوقتي.
لازم نعمل اجتماع عشان نتناقش في أهم التفاصيل قبل ما يرجع.
بقاله شهرين في مصر وأخيرا راجع وهو اللي معاه معظم التصاميم.
وهو أهم حد في المشروع.”
دارت من الجهة الأخرى:
“حاضر يا فندم، هبلغ الكل يكونوا في قاعة الاجتماعات.”
صعدت حنين على الأدراج اللامعة، وكأنها مرآة كزجاج الشركة الأزرق.
كل شيء يبدو مميز وكلاسيكي.
فتحت حنين بخبث:
“دلوقتي ابعتيلي البشمهندسة ‘عهد’ على مكتبي.”
البنت على الجهة الأخرى:
“عهد.. حاضر يا بشمهندسة حنين.”
أغلقت هاتفها وهي تقف تستند على حاجز السلم قائلة بضيق:
“للأسف مقدرش استغنى عنك في الشركة.
لا دلوقتي ولا بعد ما المشروع ينتهي.. مينفعش الشركة تخسر مهندس شاطر زيك يا يوسف.
بس طول ما هو مرتبط بمصر هيفضل متمسك بفكرة إنه يرجع لها تاني.
وكمان مراته دي…. بس مفيش حاجة صعبة.”
أنهت جملتها وهي تضع يديها بجيب سترتها.
تدلف بعملية إلى مكتبه.
مر حوالي عشر دقائق.
طرقات مرتجفة على الباب.
دلف إلى المكتب شابة في منتصف العشرينات بثياب أنيقة.
تتكون متوسطة.
عهد:
“حضرتك طلبتي تقابليني يا أستاذة حنين.”
حنين بجدية:
“أيوه يا عهد، ادخلي.”
دخلت بارتباك وخطوات متعثرة، تخشى من الحديث مع مديرتها.
لطالما كانت شخصية حادة متغطرسة.
جلست أمامها على المقعد.
حنين بخبث:
“عرفتي إن البشمهندس يوسف راجع لندن بكرة وهيكون هنا في الشركة.”
ابتسامة واسعة شقت شفتيها قائلة بحماس:
“بجد يوسف راجع.. دا أنا فكرت إنه مش هيرجع تاني.
بجد دا أحسن خبر سمعته.”
صمتت برهة تأنب نفسها على تلك السرعة لتبرر:
“أقصد يعني إن البشمهندس يوسف من أحسن المهندسين اللي اشتغلوا في العشر سنين الآخرين.
ووجوده هيفرق جدا.”
حنين بضيق:
“عهد، أنا عارفة إنك معجبة بيوسف دا إذا ما كنتيش بتحبيه.
أني واي مش بتفرق معايا المسميات.
قد ما يفرق معايا البزنس.”
عهد بارتباك:
“حضرتك تقصدي إيه؟”
حنين:
“مش عايزة يوسف يرجع مصر تاني أو بمعنى أصح لو رجع تبقى إجازة صغيرة.
وهو فكرة إنه يسيب الشركة دي ينساها.”
عهد:
“ياريت يا بشمهندسة بجد.. بس إزاي؟”
حنين:
“شوفي يا عهد، الشركه دي فيها مهندسين كتير جدا عرب وغيرهم كتير من كل الجنسيات.
ورؤساء مجلس الإدارة مش هيفضلوا لكل واحد عشان كدا أنا عايزك تقنعي يوسف إنه يفضل.
يوسف اتجوز من مدة قصيرة بنت عمه على حسب معلوماتي.
وهو هيرجع لوحده من غيرها.”
استقامت تتحرك في أرجاء الغرفة.
بينما نهضت عهد بسرعة.
حنين:
“اقعدي يا عهد.. شوفي أنا وانتي بنات ومش صغيرين وفاهمين دماغ الشباب كويس.
ومفيش راجل يا حبيبتي بيفضل وفي لواحدة.
وخصوصا لو حبها واتجوزها بيبدأ الحب يقل ويختفي.
ومع البُعد بيبدأ يتلاشى الحب.
ولو لاقي واحدة تانية تديله الحب ده والاهتمام بيرجع عيل صغير ممكن يضحي وينسى علاقته الأولى.
يوسف لما رجع مصر كان راجع على أساس إن دي إجازة أسبوعين يعني أكيد مكنش في خططته الجواز ولا فكرة إنه يسيب الشركة.
وواضح إن اللي اختلف هو جوازه مش أكتر، يعني البنت دي هي الرابط اللي مخليه فاضل في مصر.”
عهد بضيق وغصة:
“أيوه فاهمة حضرتك.
نفسي أفهم عملت إيه عشان توقعه في أسبوعين.”
حنين بابتسامة ملتوية:
“كل واحدة وليها سحرها.
وأي شاب بيحب يلاقي حد مهتم بيه وبتفاصيله وحياته.
وانتي يا عهد جميلة ومهندسة ذكية وعندك أهم المميزات اللي تخليه خاتم في صباعك.
إنك بتحبيه وأي واحدة بتحب بتعمل المستحيل عشان حبيبها يكون لها.
وانتي وشطارتك.
المهم يوسف ميسفرش تاني أو على الأقل ما يسبش الشركة.”
عهد بهيام وحيرة:
“تفتكري ممكن يشوفني أصلا؟
دا طول الوقت قال إيه بيغض بصره وبيخلص شغل يرجع شقته أو يخرج مع حد من المهندسين.
حتى مافيش مرة قبل عزومتي.”
حنين:
“بصي يا عهد، أنا ممكن أساعدك وممكن كمان أخليكي في تيم يوسف.
بس اللي قلته يتنفذ.”
عهد بسعادة:
“أنا متشكره جدا، حقيقي متشكرة.”
حنين:
“روحي دلوقتي على مكتبك.”
عهد:
“أوكي.. بعد إذن حضرتك.”
في منزل يوسف الصاوي.
يقف وهو يضع يديه على مقبض حقيبة السفر.
بينما الأخرى تبتسم بود.
إيمان:
“برضو مش عايزني أجي معاك المطار يا جو؟”
ابتسم وهو يقبل قمة رأسها قائلا بجدية:
“معلش يا إيمان، انتي عارفة مبحبش الوداع.
إن شاء الله خير، ادعيلي.
وأوعي تنكسلي على مكالماتي.
ولو حصل أي حاجة كلميني.
وبلاش تفضلي هنا لوحدك، أنا كلمت عمي وهو قال إنه مش هيسيبك.
ارجعي معاه البيت، هكون مطمئن عليكي وانتي معاه.”
إيمان:
“خلي بالك من نفسك يوسف.
أنا بحبك وواثقة فيك، بلاش تخذلني.
وعارفة إنك هتحقق أحلامك.
وإن شاء الله فترة وأجيلك.”
تنهد براحة وهو يحتضنها وكأنه يودعها.
أخذت نفس عميق تحاول الاسترخاء من زوبعة أفكارها.
بينما الآخر مرر يديه على ظهرها بحنان قائلا:
“إن شاء الله، يلا في حفظ الله.”
“في حفظ الله.”
تحرك وهو يسحب حقيبته يخرج من شقته.
بينما يقف في انتظاره تاكسي.
وضع حقيبته في السيارة.
رفع رأسه ينظر لشرفة المنزل، أهدته أجمل ابتسامة لها تدفعه وبقوة لتحقيق أحلامه.
ركب التاكسي في طريقه لمنحنى أخرى في حياته.
منحنى سيغير مسار حياته.
لا تخشى على حبك الحقيقي.
مهما مرت سنوات وطالت المسافات.
لكن أعلم أن نفوس البشر مليئة بالحقد والكراهية.
فقط سيظهر لك الأمر وكأنه انتكاسة قوية من بعدها قضى الأمر.
صعد للطائرة من بوابة الصعود رقم (..) وهو يردد ذلك الدعاء بداخله:
“الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى.
ومن العمل ما ترضى.
اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده.
اللهم أنت الصاحب في السفر.
والخليفة في الأهل.
اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر.
وكآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال.”
استقر في مقعده في الدرجة الأولى يغمض عينيه.
ألقى نظرة بعيدة عبر نافذة الطائرة.
فالفي كتل من السحاب الأبيض على مرمى بصره تلتقي بأفق رمادي ذي تدرج لوني أزرق وبداية يوم جديد.
يشتاق لها وما يفارقهم.
ما هي إلا مسافات، أما القلوب فهي لم تفترق.
وربما تفترق!!
طال الانتظار في أحد الكافيهات في أحد الأماكن الراقية في الإسكندرية.
يجلس على أحد الطاولات المنعزلة وبعيدة عن الأجواء المزدحمة.
بينما ينتظرها بوجه مكفهر.
قد مر على الموعد ساعة وربع.
باسل بغضب:
“يبقى انتي اللي اخترتي يا شبح.”
رفع هاتفه على أذنه يجري اتصالا بمساعده الشخصي.
باسل بجدية:
“نيروز، عايزك تعرفيلي نورهان فين دلوقتي؟”
رد عليها من الجهة الأخرى بهدوء:
“أقل من عشر دقايق هكلم حضرتك.”
أغلق الخط بينما ينفث سيجارته ببرود.
“أيوه يا باسل بيه.. هي حاليا في مصنع القماش اللي في (..) بتاع جلال الشهاوي.”
خرج من الكافيه وقد نوى على فعل شيء ما.
اضطجعت زينب على جانبها تتأمله في نومه وهي تبتسم برقة.
حين عقد حاجبيه يهمهم ببعض الكلمات غير المفهومة.
وذراعه تشد من حولها يجذبها إليه قبل أن يعاود الاسترخاء مرة أخرى.
دافنا وجهه في عنقها مستغرقا في النوم.
بينما رفعت هي أناملها تدسها بين خصلات شعره الأسود تمررها بينهم بحنان هامسة لنفسها أكثر مما يكون له.
تستغل معرفتها لطبيعة نومه العميق قائلة بسعادة:
“أنا شكلي حبيتك.. تعرف نفسي تفضل نايم عشان أفضل أبصلك من غير كسوف.
إزاي قدرتي تخليني أحبك كده..
يمكن مقدرش أقولك الكلام ده وانت صاحي عشان مكسوفة أقولها.
وخايفة يكون اللي جواك ليا مجرد اعتبارك إني مراتك وواجب عليك تعاملها كويس.
بس مش مهم، أنا يكفيني إني أفضل معاك.
كفاية إنك الوحيد اللي عرفت تخليني أفرح بجد.
أوعدك إني أفضل أحبك حتى لو انت محبتنيش.”
تلمعت عينيها بسعادة وهو يضمها بين ذراعيه جاذبا إياها بين أحضانه.
تشعر بأنفاسه الساخنة تلفح بشرتها.
يريح رأسه بين تجويف عنقها.
تنعّم بدفئه الغازي لحواسها قبل أن تستسلم هي الأخرى للنوم.
لا يشغل بالها أي شيء، فقط تستريح بجسدها بين أحضانه.
بعد مرور يومان.
كانت زينب ترتب أغراضها في حقيبة السفر استعداد للعودة للإسكندرية.
بينما صالح يجري عدة اتصالات تخص العمل.
زمت شفتيها بحنق وهي تنظر له يضع كل وقته به.
خرجت تجلس في الصالون بعد أن جهزت كل شيء.
مر حوالي نصف ساعة.
زفر صالح بضيق وهو يتقدم في الغرفة ليجد زينب جالسة باسترخاء تشاهد التلفاز بتركيز.
حتى أنها لم تنتبه لتواجده في الغرفة.
تقدم ببطء منها حتى جلس بجوارها على الأريكة.
لتشهف زينب حين شعرت بيد تلامس شعرها بلطف.
التفت لتجده يجلس بجوارها يداعب شعرها بحنان.
تنهدت بارتياح ويرتسم على وجهها ابتسامة وهي تهتف بحنق وهي تزم شفتيها للأمام بشكل مضحك:
“أخيرا خلصت شغلك.. كل دا في مكالمة.”
أجابها صالح بصوت متحشرج وهو يبعد بحنان خصلات شعرها المتناثرة على وجهها للخلف:
“معلش يا زينب، كان عندي شغل كتير ولازم نرجع النهارده.
عارف إننا مكملناش أسبوع حتى بس إن شاء الله أعوضهالك مرة تانية وهتكون أحسن.
بس معلش استحملي معايا شوية.”
راحت رأسها على ذراعه بابتسامة جميلة:
“أنا يا عم مبسوطة كدا والله مش زعلانة إننا هنرجع، بالعكس أنا مكنتش اتخيل إننا نيجي هنا حتى.
المكان جميل أوي وكفاية إنك معايا.”
طبع قبلة على قمة رأسها بحنان.
أغمضت عينيها بسعادة.
صالح بحنو:
“اجهزي ياله هنتحرك يدوب نوصل إسكندرية على العصر.”
زينب:
“تمام.”
لتجهز الاثنان ويتحركا في طريقهما للعودة.
في بيت حبيبة.
ارتدت فاطمة (والدة حبيبة) حجابها وهي تتجه نحو باب الشقة تسحب خلفها حقيبة التسوق قائلة بصوت عالي نسبياً:
“أنا نازلة السوق يا حبيبة وأخوكي في الكلية.”
خرجت من غرفتها وقد بدلت ثيابها السوداء إلى عباية بيتية زرقاء تصل إلى ما قبل كحلها بقليل.
رفعت شعرها ذيل حصان تعقده بوشاح أصفر.
حبيبة:
“ماشي يا ماما وأنا هنضف البيت وأجهز الغداء يكون زياد جاه من الكلية.”
فاطمة بسعادة:
“أيوه كدا الحمد لله قلعتي الأسود ونورتي تاني البيت.
ماشي يا ضي عيني وأنا جايه هجيبلك الفاكهة اللي بتحبيها.
سلام يا عسل.”
ابتسامة بسيطة شقت شفتيها قائلة:
“ماشي يا أم حبيبة، سلام.”
بدأت بتنظيف المنزل وتجهيز الغداء.
حاولت بجدية الخروج من زوبعة أفكارها التي تهاجمها كلما أغلقت الباب وبقيت وحدها بالغرفة.
جلست على الأريكة في منزلها القديم وهي تستنشق نسمات الهواء الباردة تستشعر الحرية من جديد.
شغلت التلفاز وأتت بأحد المسلسلات التركية والتي كانت تعشقها منذ زمان طويل.
أخذت تقطع الجزر قطع صغيرة لصنع أحد الأطباق المفضلة لدى أخيه.
لكن قاطعها رنين جرس الباب.
نهضت لتفتح باب الشقة دون الالتفات لحالتها.
فتحت الباب لتجده يقف أمامها.
ابتسم وهو يلمحها أخيرا منذ أيام طويلة لم يراها.
رغم ذلك يطمئن عليها عن طريق والدتها.
علي:
“إزيك يا حبيبة؟”
“بخير الحمد لله.. وانت أخبارك إيه؟”
“بخير الحمد لله يعني ماشيه.”
هدى (والدة علي):
“إزيك يا بي.. حبيبة؟”
اقتربت منها وهي تحتضنها بود:
“أنا بخير يا خالتي الحمد لله.. اتفضلي.”
علي بجدية:
“خالص يا أمي أنا هنزل ولما تخلصي كلميني هاجيلك.”
هدى:
“ماشي يا حبيبي روح ربنا يوفقك يا رب.”
حبيبة بحرج:
“ادخلي يا خالتي.”
دلف هدى مع حبيبة.
بينما الأخرى تشعر بالارتباك من تلك المقابلة.
تشعر بالحرج قليلا.
جلست هدى على الأريكة وهي تنظر للتلفاز:
“تصدقي إني بحب المسلسل ده.. اقعدي يا حبيبة.”
جلست بارتباك قائلة:
“وحشتني يا خالتي ساعات كتير أوي كنت ببقى نفسي أشوفك بس الظروف بقى.”
هدى بعتاب وود:
“اديك قولتي ظروف وراحت لحالها يبقى إيه بقى نفضل عايشين في اللي فات ونسيب حياتنا تضيع.
منكرش إني فضلت كتير زعلانة منك ومش طاeقة أبص في وشك.
يمكن لو كنت شفتك كنت هضربك من غيظ.
عشان أنا أم.. أم شافت ابنها وهو موجوع وقلبه مكسور.
بس ليه يا حبيبة دا أنا كنت أمك يا بنتي.
ليه مقولتناش اللي جواكي واللي حصل لزياد.
جايز مكناش وصلنا للمرحلة دي.”
حبيبة بحزن:
“يمكن لأنه مقدر ومكتوبنا أراد إننا نمشي في طريق زحمة وطويل.
الدنيا تخبط فينا ونخبط فيها.
حقك تزعلي وتكرهيني كمان.
أنا لو مكانك كنت ولعت في أي حد يجرح ولادي.”
ابتسمت السيدة بوجهه بشوش.
بينما تمسكت بيد حبيبة بين يديها قائلة بحب:
“يبقى سيبي اللي فات يروح لحاله واحنا نكمل حياتنا.
ربنا رحمك من شاكر وأدالك فرصة جديدة لحياتك.
على فكرة ‘علي’ قالي آخد منك الورق بتاع الكلية اللي انتي كنتي سحبته عشان يقدملك تاني وترجعي كليتك.
فات سنتين يبقى نشد حيلنا كدا ونرجع مع بداية السنة الجديدة كمان شهرين.
حبيبة أنا والله العظيم بعزك وبحبك لأني كنت متأكدة إنك جدعة واستحملتي سنين من بعد ما أبوكي توفى.
وإحنا أهلك يا بنتي لو حصل أي حاجة إحنا جانبك.
على فكرة أنا مش بقولك عشان موضوعك مع علي.
لأ أنا بس مش عايزة تخافي وخليكي عارفة إننا في ضهرك.
قوليلي بقى بتعملي أكل إيه حلو؟”
حبيبة بسعادة:
“بسلة بالجزر ورز وفراخ.”
“لازم نتغدى سوا.
أمي نزلت تجيب شوية حاجات من السوق.
هدخل أحط الجزر وأزودها.. تشربي إيه؟”
هدى بابتسامة:
“وحشني فنجان القهوة من إيدك..
عايزة فنجان يظبط الدماغ لحسان حاسة إني مزاجي مش رايق.”
حبيبة:
“من عيوني.”
في منزل الشهاوي.
دلف إيمان لمنزل والدها وهي تنادي على والدتها بصوت عالي.
حياء:
“إيه يا بنتي في إيه.. صوتك جايب آخر الشارع!”
إيمان بسعادة:
“معلش من فرحتي وحشتني أوي.. أومال فين بابا؟”
زفرت بضيق وهي تنظر لابنتها.
بينما تتجه للمطبخ:
“أبوكي نزل الوكالة مع عمك جمال.
ياله ادخلي غيري وتعالي ساعديني نجهز الغداء.
أخوكي في الطريق هو وزينب ويمكن يوصلوا في أي لحظة.
قوليلي عملتي إيه في المستشفى؟!”
إيمان بحماس:
“ما هو دا اللي مفرحني، اليوم كان حلو أوي والأسبوع الجاي هدخل عمليات مع دكتور.
بس طبعاً هكون مساعد له مش أكتر.”
حياء:
“ألف مبروك يا حبيبة قلبي.
إن شاء الله تدخلي عمليات وتكوني الدكتورة الأساسية وتنجحي يارب دايما.”
إيمان بسعادة:
“يارب.. صحيح معاد مكالمة يوسف هدخل أغير عايز يكلمك.”
حياء:
“والله وحشني أوي كان عامل حث للبيت حلو أوي.
يارب يرجعلك لينا بالسلامة يا ابن الصاوي.”
إيمان باشتياق وحب:
“يارب يا أمي يارب..
تعرفي وحشني أوي، رغم إنه بيكلمني كل شوية بس مش بيكلمني دقيقتين على بعض.
حتى بليل بيرجع من الشغل متأخر بيقول إن طلع في مشكلة وغلطة المهندسين عملوها في غيابه ولازم يصلحوا المشكلة دي في وقت قصير.”
ابتسمت بهدوء وهي تربت على كتفها بحنان:
“معلش يا قلبي بكرة تكونوا سوا وبعدين لازم تعذريه.
يوسف مهندس شاطر وإن شاء الله قريب يفضي وتتكلموا وقت أطول.”
إيمان:
“يارب.”
دخلت لغرفة نومها وبدلت ثيابها لأخرى مريحة.
في ذلك الوقت صدح هاتفها معلنا عن اتصال.
ابتسمت وهي تأخذ هاتفها بلهفة:
“الواي.”
يوسف بهيام:
“مساء الورد يا جميلة.”
عضت على شفتيها باشتياق قائلة بسعادة:
“مساء النور.. بتعمل إيه؟”
يوسف بمراوغة:
“كنت شغال مع واحدة زميلتي، إنما إيه.. آآآه مزة.”
اشتعلت نيران الغيرة بقلبها قائلة بغضب:
“وحياة أمك.. يوسف والله العظيم أنت حيوان وحقير.
طلقني يا ابن إلهام.. طلقني بقولك يا أبو عين زايغة.
أومال لسه في أول يومين.”
تعثر في ضحكة قوية وهو يشير لأحد زملائه على أحد التصاميم.
يخرج من المكتب يتجه نحو كافتيريا الشركة.
يوسف بمرح:
“معقول يا بيبي بتشكي فيا.. دا أنا بريء يا بيه.. وحشتني.”
إيمان بضيق:
“وانت لا.. اقفل بقى فصلتني.”
أغلقت الهاتف بغضب وضيق والغيرة تنهش بقلبها.
يوسف بصدمة:
“يا بنت المجنونة.. طب وربنا بحبك.”
لم يستسلم أبدا في الاتصال بها مرارا وتكرارا.
رغم رفضها الرد عليه في البداية.
حياء:
“هاتي الموبايل يا هبلة أنا عايزة أكلمها.”
إيمان:
“كلميه من موبايلك يا ماما دا واحد رخم مش راضي يرد عليا.”
حياء بعقلانية:
“بلاش تخسري جوزك بغبائك يا إيمان.
بلاش الغيرة تسيطر عليك وانتي عارفة ومتأكدة إن جوزك عمره ما يبص لغيرك.
ردي عليه وبلاش تهور، الخصلة الزفت دي كانت هتخرب بيتنا.
ياله يا حبي روحي كلميها.”
إيمان:
“ماشي يا ماما هكلمه وأمري لله.”
أخذت هاتفها لترد بضيق:
“أيوه عايز إيه؟”
يوسف بحدة:
“افتحي الكاميرا.”
أمثلت لأوامره لترد بعد ثواني.
لكن ما إن رأته حتى ابتسمت.
استند بيديه على حاجز الدرج وهو يمسك الهاتف بيديه الأخرى:
“وحشتني ابتسامتك.”
إيمان:
“وانت كمان وحشني أوي يا يوسف.”
يوسف:
“عندي بريك نص ساعة احكيلي عملتي إيه النهارده؟ و أخبار الشغل إيه؟”
إيمان باهتمام:
“طب المهم الأول انت أكلت.”
يوسف:
“متشغليش بالك، هطلب أي حاجة أو هنزل اتغدى في أي مطعم.”
إيمان بخوف:
“خلي بالك على نفسك.
كان نفسي أقولك بلاش أكل المطاعم بس مفيش غيره.
ياريتني كنت معاك.”
يوسف:
“متقلقيش عليا والله أنا كويس.
صحيح في شوية مشاكل بس بتتصلح وكله ماشي تمام الحمد لله.”
إيمان:
“ماما عايزة تكلمك.
ابقي فكرني أديهالك قبل ما تقفلي.
صحيح حصل حاجات كتير أوي النهارده كان يوم جميل متعب شوية بس كان رائع.”
أخذ الاثنان يتحدثا لوقت طويل وكل واحد يتحدث عما حدث بيومه.
في اليوم التالي.
كانت زينب جالسة مع حياء في ساحة المنزل يتسمران.
نظرت زينب للساعة التي بيديها زافرة بضيق.
قد تعدت الساعة التاسعة مساء.
فقد تأخر صالح هذه الليلة ولم يعود من عمله بعد.
همست حياء بخبث وهي تنظر لها بتفحص:
“ما تهدي يا زينب زمانه جاي.”
تفت زينب بغضب طفيف وعيناه مسلطة فوق الباب:
“اتأخر أوي يا ماما المفروض كان جاه من ساعتين على حسب ما قال.
ودلوقتي عدت تسعة وهو لسه مجاش.
المفروض لما يتأخر يكلمنا نطمن عليه ومقلقش كدا.”
غمزت حياء بعينها بمكر تنكزها في ذراعها بخفة قائلة بمرح:
“ياسيدي ياسيدي على الدلع.. على القلق والحب يا بختك يا صالح.
بس والله يستاهل كل الحب ده.”
اشتعل وجهه زينب بالخجل تمتم بتوتر:
“صالح حنين أوي يا ماما.”
تكمل وهي تتنهد بخفة ضاممة يديها إلى صدرها:
“رغم طريقة جوازنا وكل اللي حصل ربنا عوضني بيه.”
هتفت حياء بمرح وقد لمعت عينيها بسعادة:
“الله الله يا زينب دا انتي وقعتي ولا حد سمى عليك.”
اشتعل وجهه زينب بخجل تمتم بتوتر:
“أنا.. أقصد يعني إنه…”
قاطعتها حياء بحب وهي تربت على كتفها بحنان:
“حاجة واحدة اوعي تفكري تبرريها.
هو الحب يا زينب، على فكرة أنا شايفه في عيونك لصالح.
لأني كمان حبيت وبحب وعارفة الشعور ده.
وأنا أكتر حد في الدنيا يتمنالكم السعادة.
ربنا يسعدكم يا بنتي وتفرحونا كدا بقمر صغير.. يارب.”
في ذلك الانحناء استمعت حياء لجرس الباب.
لتتوجه زينب تفتحه بلهفة على اعتقاد أنه زوجها.
لكن وجدت سيدة تبدو في منتصف العقد الخامس.
بوجه مكفهر يبدو عليها الضيق والاشمئزاز وهي تنظر لزينب.
وراءها فتاة تبدو في العشرينات من عمرها لا تختلف كثيرا عن والدتها في تلك النظرات.
زينب:
“أفندم؟!”
شروق بضيق وتعالي:
“انتي بقى زينب مرات صالح؟!”
زينب بطيبة وود:
“أيوه أنا.”
حياء:
“مين يا زينب؟”
ردت زينب وهي تنظر لهما باستغراب لا يخلو من النفور الغريب:
“مش عارفة يا ماما.”
ثرى لنفسها:
“يا محنو ما انتي أخدتي ابنها من حقك تاكلي بعقولهم حلاوة شكلك مش سهلة.”
ثرى:
“أنا يا مدام حياء مرات الحج عثمان.”
وقفت حياء بجوار زينب وهي تبتسم بود:
“أهلاً مدام ثريا اتفضلوا انستوا ونورتوا.”
ثرى بخبث وطيبة زائفة:
“عثمان قالي إن الحج جلال كان معاكي في العيادة من كم يوم.
الف سلامة عليكي انتي كويسة يا حبيبتي.”
حياء بود:
“الحمد لله شوية تعب وراحوا لحالهم.
ما احنا هنفضل واقفين كدا ولا إيه.
اتفضلوا اتفضلوا.”
صعدت حياء برفقة ثريا وراهم زينب وشروق.
ضغطت شروق على شفتيها بغضب وغيره.
تلك الفتاة اللقيطة هي زوجة ابن أغنى أغنياء الإسكندرية.
حتى إن لم يكن غنيا فهو أكثر شاب معروف بالشهامة تتمناه أي فتاة تبحث عن زواج جيد.
وشروق تعرفه وتعرف أخلاقه.
لا تنكر أنها تمنت أن يتم زواجهما.
ولكن يبدو أن خطتها فشلت بسبب زواجه من تلك الفتاة.
ولأجل تلك الأسباب.
ومع ذلك لم يتوقف عقلها عن التفكير به وتشعر بالغيرة وهي تنظر لزينب وكم هي جميلة.
حتى أنها تفوق جمال شروق بمراحل.
والغريب لا يبدو أنها تستخدم مساحيق التجميل.
يبدو وجهها ناضرا مشرقا حقا، هو أيضا محظوظ.
جلست حياء تتسامر معهم.
بينما دلفت زينب للمطبخ تحضر القهوة والعصير لهما.
استندت بجسدها على الحائط وهي تنظر لساعة يديها بقلق وارتياب من تأخيره ذلك.
تخشى أن يحدث له شيء.
سكبت القهوة باقداح التقديم.
دخلت الصالون على وجهها ابتسامة بسيطة.
ابتسمت شروق بخبث وهي تزيح قدمها للأمام قليلا.
بينما تعثرت زينب في طريقها كادت أن تسقط.
لكن استعدت توازنها في حين وقعت الصينية من يديها.
فزعت حياء بعد سقوط قليل من القهوة على قدمها.
في ذلك الوقت دلف جلال للمنزل برفقة إيمان (أخذها في وقت سابق للتمشية معا).
ثريا بضيق وصراخ بوجهه زينب:
“مش تحسبي يا غبية ولا أمك علمتكيش الأتيكيت.
لا صحيح أمك.. دا لو كان ليك أم.”
جلال بغضب وحدّة من خلفها:
“أطلع برا.. وبلغ جوزك إن الشغل اللي بينا منتهي.
اللي يدخل البيت ده يا يحترم أهله يا ما يدخلش.”
نظرت حياء لزينب التي ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها مقاومة نوبة بكاء أي صعدت بداخلها من جديد.
ترغب كثيرا بأن تشكي لها ما يحزنها ومدى الألم التي تشعر به.
حياء:
“زينب متقلقيش محصلش حاجة.”
لم ترد أن تجرح كرامتها أكثر من ذلك.
ركضت تخرج من شقة جلال.
صعدت لشقتها وهي تبكي وتشعر بألم حقيقي.
إيمان بحزن:
“أنا هطلع.”
جلال بهدوء:
“مالوش داعي يا إيمان.. زينب مش هتسمع منك أي حاجة.”
ليتابع بحدة وقسوة مخيفة ووجهه خالي من الرحمة:
“وأنتم لسه واقفين برا.”
ثريا بسرعة:
“جلال بيه دا.. دا سوء تفاهم.
أنا بس كنت خايفة على مدام حياء.”
اقترب بخطوات مهيبة منها وعيناه الخضراء اشتعلت بنيران الغضب لتصبح بالون أحمر.
قائلا بقسوة:
“لو مخرجتيش من بيتي دلوقتي قسما برب العزة هيكون آخر يوم ليكم في إسكندرية.
برا.”
خرجت بغضب من غبائها.
لو كانت تعرف أنه يوجد بينهم لم نطقت بتلك الكلمة أبدا.
ربما لأنها تشعر وكأنها قادرة على مسايرة حياء.
أم جلال الشهاوي لا يستهان أبدا بغضبه.
المصيبة الآن كيف ستخبر زوجها بما قاله.
بالتأكيد سيطلقها بعد غبائها ذلك.
انفجرت زينب بالبكاء ما إن دخلت غرفتها.
ارتمت فوق الفراش تنتحب بشدة تشعر بألم حاد يعصف بروحها بداخلها.
كلما تتحسن يأتي أحدهم لإشعال النيران مرة أخرى بقلبها.
ظلت تنتحب لم تدرك كم مر من الوقت الذي مر عليها.
ساعات؟ أم دقائق.
لكنها كانت الأسوأ بطيئة جدا.
بعد مرور ساعة ونصف تقريبا.
دخل صالح غرفته بإرهاق ليجد الغرفة سابحة في ظلام دامس.
أشعل نور الغرفة.
يبحث بعينيه عنها.
لكنه زفر بإحباط عندما وقعت عيناه عليها مستلقية فوق الفراش وهي غارقة في النوم.
لم يرد إزعاجها.
بينما اتجه نحو الخزانة يأخذ ثياب أخرى ليبدل ثيابه.
دلف للحمام يأخذ حماما باردا.
بعد إتمامه تبديل الملابس اتجه ببطء نحو الفراش يستلقي فوقه.
لكن سمع صوت شهقات مكتومة.
تتفاجأ بزينب تندس باحضانه فورا.
أن استلقى بجوارها على الفراش محيطة جسده بكلا من ذراعيها وساقيها.
دافنة وجهها بعنقه تفتقده وتفتقد شعور قوي بداخلها.
انسابت دموعها على عنقه قائلة بضعف:
“خليني أنام في حضنك.. أنا خايفة.”
حاول النهوض بعد شعوره بدموعها تلك وصوتها المنتحب.
لكنها تشبثت به بقوة تمنعه من النهوض قائلة بنبرة أشبه للتوسل:
“متسبنيش ياصالح.”
انسابت دموعها مرة أخرى وهي تضع كف يديها حول عنقه تغمض عينيها تشعر بالاحتياج القاتل لاحتضانه.
الشعور بالأمان بين أحضانه يكفيها عن العالم بأكمله.
حاوطها بذراعيه بقوة جاذبا إياها له.
شعر بوخزة ألم قوية في صدره:
“عمري ما هسيبك، محدش بيسيب روحه تبعد عنها.”
أخذ يمرر يديه على ظهرها ببطء.
بينما نامت هي بأمان بين ذراعيه.
رغم أن النوم كان يجافي رماديتيها.
بعد انتظام أنفاسها وسكونها بداخله تحرك قليلا ليضي نور الأباجورة.
نظر لوجهها لكن شعر بذهول وكان البرق صعقه.
وجهها أحمر قاني يبدو وكأنها تبكي منذ وقت طويل.
وأثر الدموع على وجنتيه.
مد أنامله يزيح تلك الدموع.
لكن أقسم بداخله أن يعرف سبب تلك الحالة وحتما لن يقف مقيد الأيدي.
سيجعل المتسبب في دموعها يبكي مثلها.
ضمه بقوة له وهو يبتلع الغصة في حلقه ليجذبها لاحضانه مرة أخرى.
يحاول النوم.
لكن هيهات.. لم يغفي للحظة واحدة.
في أحد معارض السيارات يجلس رشاد يضع قدم فوق الأخرى وهو يرتشف من كأس الخمر.
ينظر لتلك الفتاة بتركيز.
ملامحها عالية ترتدي فستان أزرق طويل.
تضع وشاح أسود على شعرها تبدو في نهاية العشرينات.
قاطع الصمت ذلك مساعد رشاد:
“أهي دي بقى ‘عفت’ لسه جايه من الشرقية.
إنما إيه بت لهلوبة يا سعادة البيه تكنس تمسح تعمل أي حاجة.”
عفت بضحكة أنثوية صاخبة:
“أي حاجة يا سعادة البيه اومرني بس.”
رشاد بتفكير:
“بس انتي مش هتشتغلي عندي.”
ضر”بت الفتاة بخفة على صدرها.
بينما شهقت بذعر:
“ليه يا سعادة البيه والله دا أنا شغلي كله زي الفل واشتغلت في بيوت ياما.
وكلهم بيحلفوا بشغلي.. دا حتى خالد هو اللي قالي إنك عايز خدامة وخلتوني أسيب الشغل اللي كنت فيه.”
رشاد بابتسامة ملتوية:
“ما انتي هتشتغلي بس مش عندي.”
خالد:
“أومال فين؟”
ابتسم بخبث وهو يتنفس ببطء ولذة:
“جلال الشهاوي.”
في صباح يوم جديد.
نهض صالح مبكرا كعادته.
لكن تلك المرة لم ينام ولم تغفى عينيه حتى جلس بجوارها.
فقط الصمت قد خيم على المكان.
بينما يدور عقله في مئة اتجاه.
فتحت زينب عينيها ببطء لتسمع صوت صادر من الحمام.
أغمضت عينيها مرة أخرى بارتباك من فعلتها أمس.
من المؤكد أنه سيأتي الآن ولن يتركها إلا بعد معرفة سبب ما حدث.
سمعت لصوت الباب يفتح.
أغلقت عيناها بقوة محاولة النوم مرة أخرى وهي تسمع صوت الخزانة يفتح.
فتحت عينيها ببطء لتراه يقف يرتدي ثيابه.
خرج من الغرفة دون قول كلمة واحدة.
رغم علمه باستيقاظه ورؤيته لها بالمرآة.
تنهدت زينب بارتياح وهي تحتضن وسادته.
شاعرة ببعض الراحة.
دخل صالح شقة والده وجد إيمان تجلس في الصالون تتطلع على أحد الملفات بانتباه.
صالح بجدية:
“صباح الخير يا إيمان.”
إيمان بارتباك:
“صباح النور.. أنا هدخل.”
صالح بحدة:
“استنى عندك رايحة فين؟”
ابتلعت ريقها بصعوبة تنظر لحالة أخيه وعيناه الحمراء يبدو وكأنه لم ينام جيدا:
“كنت هغير وأجهز أصل لازم أروح المستشفى بدري كنت شاغلة على حاله و.”
قاطعها بحدة وضيق:
“إيمان إيه اللي حصل امبارح وخلى زينب بالشكل دا؟!”
إيمان:
“طب ما تسأل بابا أحسن أنا.”
“ردي يا إيمان وانجزي.”
إيمان بسرعة:
“شروق وأمها كانوا هنا امبارح وحصل موقف بدون قصد زينب والفناجين وقعت.
وثرى قالت إن زينب متعرفش حاجة عن الأصول وإزاي هتعرف وهي معندهاش أم تربيها.
وزينب طلعت على شقتها لكن بابا طردها وقالها إن الشغل اللي بينه وبين جوزها ملغي يعني مالوش داعي تعمل حاجة.”
اضطربت أنفاسه بقوة وكأنها في صراع حاد وهناك حد فاصل بين الفوز والخسارة.
عليه إنقاذ نفسه.
صعد لشقته وعيناه تتطاير منها الشرار.
فتح باب غرفة النوم وجدها تجلس على الفراش يبدو وكأنها تستعد للنهوض.
فزعت حين رأته أمامها.
صالح بحدة:
“قدامك ربع ساعة وتكوني تحت.
أنا في العربية انجزي.”
زينب:
“صالح الموضوع.”
رفع سبابته بوجهها قائلا بحزم:
“ولا كلمة ربع ساعة وتنزلي.”
غرست أسنانها بشفتيها السفلية بضيق قبل أن تنهض وتتوجه للحمام.
بعد مدة.
جلست بجواره في سيارته.
بينما توجه هو إلى منزل عثمان والد شروق.
حاولت التحدث معه لكن لم يقبل أي نقاش.
صف السيارة أمام منزل عثمان.
نزلا الاثنان.
بينما شعرت زينب بالخوف لتجده يقترب منها.
حاوط خصرها بذراعه يحثها على التقدم معه.
صعدا إلى شقة عثمان.
فتحت لهم شروق وكان وجهها متورم وأصابع والدها تاركة أثرها على وجهها.
بعدما حكت له ثريا عما حدث.
شروق بغضب:
“انتي جاية لحد هنا يا بجحتك.”
صالح بغضب وحدّة:
“احترمي نفسك وانجزي.
نادي على أبوكي.”
عثمان:
“أنا هنا اتفضل يا صالح اتفضل.”
دخل وهو يشابك أصابعه معها.
عثمان:
“اتفضل في الصالون لازم نفطر سوا.
الفطار يا ثريا.”
صالح بحدة:
“وأنا مش جاي عشان أضافك يا حج عثمان.
أنا ليا حق وجاي آخده.”
عثمان بارتباك:
“وأنا أدبتها يا صالح لولا البت اللي حليتنا كنت رميت عليها يمين الطلاق بس.”
ثريا بمقاطعة وغضب وتسرع:
“وإحنا غلطانين في إيه بقى يا صالح.
ولا أكون كذبت لما قلت كدا.
إيه ولا هتنكر إن الحلوة دي ملهاش أصل.”
لم تكمل جملتها حيث صفعها زوجها بغضب وغيظ من غبائها الذي يخسره الكثير.
وأهم خسارة هو صالح الشهاوي وأبيه.
“اخرسي بقى يا بنت ال.
أنا مش واقف بينكم.”
تركها تبكي وشفتيها تنز”ف أثر ضربة لها.
عثمان:
“حقك عليا أنا يا صالح.. حقك عليا يا بنتي.”
صالح بحدة:
“وأنا مش مستني اعتذار.
أنا عايز اللي غلطت هي اللي تعتذر.”
عثمان:
“حاضر حاضر.. انطق يا ولية بدل أقسم بالله أرمي عليك يمين الطلاق.”
ثريا بدموع:
“تطلقني؟!”
عثمان:
“اعتذري.”
زينب بحزن واشفاق:
“مالوش لازمة يا.”
بترت جملتها بعد أن رمقها بنظرة حادة قاسية.
ثريا:
“أنا آسفة يا زينب.”
صالح بحدة:
“زينب هانم.”
ضغطت على أسنانها بعنف قائلة بحنق:
“أنا آسفة يا زينب هانم.”
صالح:
“وحاجة لازم تحطيها حلقة في ودنك.”
“زينب مش مراتي وبس دي بنتي واسمها على اسمي زينب صالح الشهاوي.”
“يمكن منصور مش أبوها ويمكن متعرفش مين أهلها.
لكن من يوم ما اتجوزنا وهي بنتي.”
“على الأقل هي رغم ظروفها إلا إنها دايما كرامتها فوق الكل.
مش زي بنتك اللي كل كم يوم تنطلي في الشغل وأنا عامل نفسي مش واخد بالي وبقول عيلة طايشة.
لكن هي معندهاش دم ولا اتربت.”
“أنا لا عمري بصتلك ولا هبصلك ولا حتى تفرقي معايا.
لا قبل ما اتجوز ولا بعد.
وقبل ما تتكلمي على خلق الله بصي لنفسك.”
غادر من منزله بينما دوى صوت صراخ حيث ضربها والدها بغضب.
في سيارة صالح.
أخذت تفرك في يديها بارتباك وهي تنظر لزجاج السيارة تحاول تفادي النظر لها.
ومع ذلك تشعر بسعادة من فعله تلك.
لأول مرة يدافع شخص ما عنها بتلك الطريقة.
صالح بجدية وهدوء:
“إيديك هتوجعك من الفرك بطلي يا بت بقي.”
زينب بضيق وهي تزم شفتيها بحنق:
“أي بت دي كمان يا سي صالح؟!”
صالح بابتسامة جذابة:
“بنتي ومراتي.. إيه رأيك تحبي أروحك ولا نخرج؟”
زينب:
“عادي ممكن أروح عشان تروح أنت الشغل.
على فكرة أنا بقلق لما تتأخر ومتكلمنيش.
مش هيحصل حاجة لو كلمتني مش وزير الداخلية هو يعني أبو شكلك وأنت مز كدا.”
أطلق ضحكة خافتة.
مالي عليها طابعا قبله حانية على وجنتها.
بينما ابتسمت بسعادة:
“تعالي نتمشى على البحر شوية وأبقى أوصلك البيت.”
زينب:
“أوكي.”
في وقت لاحق في منزل نورهان.
صعدت السلم بإرهاق مع تدندن ببعض الكلمات حتى وصلت أمام شقته.
دلف إلى الداخل وهي تخلع حذائها.
بينما صدح صوت ضحكات عالية من الداخل.
ابتسمت وهي تنادي على أخيها.
حتى آت صوت والدها:
“تعالي يا نور.”
نور بحب:
“السلام عليكم ورحمة الله.”
بترت جملتها وهي تنظر له جالس على الأريكة في مقابلة والدها.
ابتلعت ما في حلقها بارتياب وضيق وهو ينظر لها بعسليتان مميزتان.
سالم:
“تعالي يا نور.”
نور بحدة:
“انت بتعمل إيه هنا.. أنا بلغت والدك.”
قاطعها بصرامة وهو ينظر لوالدها قائلا بجدية:
“ممكن تسيبنا نتكلم شوية يا عمي معلش بس حابب أصلح سوء التفاهم اللي بينا.”
سالم بتعب:
“ماشي يا ابني أنا هدخل آخد الدوا تشرب إيه؟”
باسل بابتسامة:
“مالوش داعي تتعب نفسك.”
سالم:
“لا والله ما تحصل.
قولي تشرب إيه؟”
باسل بابتسامة:
“ممكن قهوة.”
سالم:
“من عيوني.”
خرج وتركهما.
بينما شعرت بالذهول وهي تنظر له:
“سوء تفاهم إيه؟
انت قلت لأبويا إيه وبعدين انت بتعمل إيه هنا.
أنا بلغت أبوك برفضي جاي تعمل إيه.”
وضع ساق على الأخرى بغطرسة.
بينما أخرج علبة السجائر لينفث سيجارا ببرود قائلا بحدة:
“مجتيش في المعاد ليه؟!”
مسحت على وجهها بغضب وضيق:
“انت عايز إيه؟
اديني مجتش عايز تعرف ليه عشان عرضك مرفوض وأنا مقبلش أكون زوجة لواحد زيك.
لا وكمان في السرزي الحرامية يعني أقل حقوق أي بنت مش هتكون من حقي.
لا يا باشا تشكر مش أنا.”
رفع عيناه ينظر لها بوجه خالي من التعبير:
“ومين قال إنه في السر.”
صمتت للحظات وهي تستمتع لما يقول:
“أنا طلبت إيدك من والدك وقلتله إني شفت في المصنع مش أكتر من كدا.
وحصل سوء تفاهم بينا واني معجب بيك وعايز اتجوزك.”
ابتلعت الغصة بحلقها قائلة:
“والحقيقة إيه؟
انت عايز تتجوزني عشان تشيل العائق اللي قدامك وتبقى منعت أبوك عني.
لا انت معجب بيا ولا عايز تتجوزني.
أقصدك بيعة وشروة.
إيه يعني لما تعلن جوازك مني بس هل فعلا هيكون جواز طبيعي.
لا يا باشا أنا مش موافقة.”
نفث دخان سيجارته قائلا:
“مين قالك إني مش معجب بيكي.
بالعكس أنا منكرش دا أبدا.
وإنك مختلفة عن الأربعة اللي اتجوزتهم وعن أي واحدة تانية.”
شهقت بصدمة ووسعت عينيها بارتياب:
“أربعة؟!! نهار أسود ومنيل وأنا الخامسة..
اطلع برا.. اطلع برا بقولك.”
وقف أمامها وهو ينظر لها بعينانا جميلتان:
“أظن الأربعة دول كانوا علاقة هشة.
ومفيش واحدة فيهم قدرت تجذب انتباهي حتى.
شوفي يا نور وجودك معايا أمان ليك ولأخواتك وتأمين لمستقبلك ومستقبلهم.”
نور:
“وياترى هتطلقني بعد قد إيه؟ شهر اتنين؟!”
باسل بغرور وهو يميل عليها قليلا:
“مين قال إني هطلقك؟
أقصد يعني إني مش هعمل كدا إلا لما تطلبي دا لو قدرتي تبعدي عني.
أصل أنا برضو مش سهل يا شبح.”
سالم:
“أحسن فنجان قهوة يظبط الدماغ.”
اعتدل سريع وابتسم بود ليجلس بجواره:
“تسلم إيدك يا راجل يا طيب.”
سالم:
“مالك يا نور؟!”
كانت نظراتها مصوبة عليها منذ دخوله لحياتها.
وهناك شيء ما يختلف ببطء وضراوة.
شيء متناقض هو.
نور بخفوت:
“مفيش يا بابا، جاية تعبانة من الشغل هدخل أرتاح شوية بعد إذنك.”
تركتهما ووضعت يديها موضع قلبها تشعر بخفقات قلبها المتسارع.
مر حوالي ربع ساعة غادر باسل وتركها وقد عبث بمشاعرها منذ أول لقاء.
اعتدلت في جلستها وهي ترى والدها يدلف لغرفتها.
سالم:
“كويس إنك لسه صاحية يا قلبي، قوليلي مالك؟”
نور بجدية وكذب:
“مفيش يا بابا بس انت عارف ضغط الشغل.”
طبع قبلة حنونة على قمة رأسها بود:
“عارفه يا نور، انتي ربنا هيرزقك بواحد ابن حلال عشان انتي بميت راجل.
أنا بقيت زي الكرسي في البيت دا حتى مش قادر أصرف عليكي انتي وأخواتك.
وانتي اللي شايلة البيت وكل حاجة على دماغك.
من يوم ما تعبت وانت اللي شايلة كل حاجة.
عشان كدا ربنا هيكرمك وبكرة تقولي ابويا قال.”
نور بحدة:
“أولا انت هنا الكل في الكل وبلاش الطريقة دي يا برنس.
ربنا يحفظك لينا يا بابا هو أنا أسوي من غيرك.
وبعدين ما انت كبرتني وخلتني شاطرة أهو.
ولو على الشغل فأنا اتعودت خالص.”
سالم بود:
“انتي تعرفي الأستاذ دا؟
على فكرة طلب إيديك مني؟”
نور بخفوت:
“دا دا صاحب المصنع اللي اشتغلت فيه أيام العيد شفته كم مرة.
بس موضوع الجواز دا أنا مش بفكر فيه.
وبعدين دا مش شكلنا يا بابا وحياته مش زي حياتي.
تفتكر لو قلتله هات أهلك وتعالى اطلبها مني هيجيبهم.
معتقدش.
أنا حاسة بالضياع يا بابا محتاجة حضنك.”
“شكله شاريكي يا نور.. أنا شايف إنك تفتكري يا بنتي طريقته بتقول إنه ابن عيلة متربية.”
أغمضت عينيها وهي تتشبث في قميص والدها.
بداخلها صراع حاد.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم دعاء احمد
صوت طرقات بسيطة على الباب.
خرجت زينب من المطبخ وهي تضع حجاباً على شعرها قبل أن تدلف إلى الصالون.
فتحت الباب. ارتسم على شفتيها ابتسامة هادئة.
زينب: اتفضلي يا ماما.
دخلت حياء، وأغلقت زينب الباب خلفها.
زينب: كنت لسه هنزل بس كنت بغسل هدوم. معلش والله كنت هغير وأنزل لحضرتك.
حياء بحب: لا متخافيش. أنا مش زي الحموات اللي بيضايقوا لما مرات ابنهم متنزلش ليهم. وبعدين انتي كمان ليكي بيتك، وده لازم دايماً يكون من أولوياتك. تعالي اقعدي. قوليلي لسه زعلانه من اللي حصل امبارح؟ والله جلال طردها وصفى كل شغله مع الحاج سليمان.
جلست بجوارها وهي تتمسك بيد حياء بسعادة.
زينب: والله العظيم ما زعلانه. عارفة لما عمي جلال قال كدا حسسني إني ليا ضهر. بس منكرش الكلمة وجعتني، بس النهاردة الصبح حسيت إني ملكة الدنيا لما صالح ردلي حقي. أول مرة أحس إني فعلاً ليا عيلة، وبحمد ربنا إنه رزقني بصالح.
ثم تابعت جملتها بشجن وتنهيدة: صالح الوحيد اللي يفرق معايا، هو الوحيد اللي يقدر يسعدني أو يكسرني. ده حياتي كلها، ومقدرش أعيش من غيره. أنا بحبه... حتى وأنا عارفة إنه ممكن ميكنش بيحبني.
حياء بود: ومين قال إنه مش بيحبك؟ تعرفي زمان جلال مكنش بيعرف يتكلم عن مشاعره، وأنا فكرت إنه مش بيحبني، وكنت عايزة أسمعها منه. لحد ما حصل شوية ظروف وكنا هنطلق، وأنا جالي اكتئاب وقتها. قعدنا سوا لحد ما عرفت إن الحب مش بالكلام. اهتمامه وخوفه وحفاظه دايماً على كرامتي، وإنه ميجبش حزن...
ثم تابعت بحماس: المهم، سيبك من النكد ده وخذي الشنط دي. قيسي الحاجة اللي فيها.
عقدت ما بين حاجبيها بشك: حاجات إيه؟
لكزتها حياء في كتفها وهي تغمز لها بشقاوة: بصي، لما كنت إيمان اتخطبت ليوسف، أخدتها ونزلت نشتري شوية فساتين وهدوم بيت وكده. والصراحة لما شفت الفساتين دي، قلت هتليق جداً عليك.
فغرت زينب شفتيها بإعجاب: حلوين أوي... بس ليه كلفتي نفسك؟ والله صالح مش مخليني عايزة حاجة.
حياء بابتسامة: ولا كلفت نفسي ولا حاجة. تتهني بيهم يا رب. صحيح، النهاردة كلنا معزومين على سبوع "فرح".
زينب: مين فرح؟
حياء: آه فرح دي تبقي بنت (جميلة)، وجميلة دي بنت أختي شهد. بنتها الصغيرة، ودا أول مولود ليها. عقبالك يا رب لما تفرحي. صحيح، بالليل البسي الفستان الأسود، هيليق أوي عليك بجد. جميل. ادخلي قيسيه دلوقتي، وإن شاء الله يطلع مقاسك.
أخرجت ذلك الفستان لتمسكه بين يديها بإعجاب.
زينب: ده جميل أوي.
حياء: فعلاً هتكوني زي القمر. وبلاش توريه لصالح، ابقي تعالي غيري تحت مع إيمان.
زينب: اشمعنى؟
حياء: علشان أنا عارفة ابني لو شافك بالفستان ده هيحلف عليكي ما انتوا نازلين. المهم ابقي تعالي وانزلوا مع جلال وصالح لما يجي من الشغل، يبقى يجلنا على هناك. أنا هنزل دلوقتي علشان لازم أكون مع شهد، عمالة ترن عليا أصلاً علشان نعبي السبوع.
زينب: تمام، ويا رب تتهني وتبقي أحلى عروسة وبنوتة يا رب.
حياء: يا رب. أنا هنزل دلوقتي، يالا سلام.
زينب: مع السلامة.
ما إن أغلقت الباب حتى ابتسمت بانبهار وهي تنظر لذلك الثوب. دلفت لغرفتها، أسرعت في تبديل ثيابها لترتديه.
نظرت للمرآة بذهول وهي تنظر لذلك الثوب المحكم حول جسدها، يبرز تفاصيلها الخلابة. أسود به خيوط فضة مشغول به. لمعت عينيها بشدة وهي تمر فوق حنايا جسدها، والتي أبرزها الثوب وقماشه اللامع، كأنه مرسوم بدقة عليها. فجسدها هو من يعطيه الروح وتلك الروعة.
زينب بخوف: عندها حق. لو صالح شاف الفستان ده مش هيخليني أعدي برا البيت أصلاً. ده أنا نفسي عيوني بقيت تطلع قلوب عليه. جميل أوي. هاخد رأي إيمان الأول، هي برضو عارفة أخوها. أعتقد صالح زمانه جاي من الوكالة علشان يتغدى. لازم أغير فوراً.
بدلته سريعاً لتضعه في الخزانة. وضعت الحجاب على شعرها باهتمام قبل أن تخرج من الغرفة، تأخذ مفتاح الشقة.
***
جلست زينب بجوار إيمان منذ نزولها. أخذت تقص عليها ما فعله صالح في الصباح، وكيف رد كرامتها أمام تلك المرأة المتكبرة.
حتى جاء على ذكراها ذلك الثوب.
نهضت زينب من فوق الفراش لتقف أمام إيمان بحماس وسعادة، تشير على جسدها. غافلة تماماً عن الذي أتى منذ قليل، يقف مستنداً على إطار الباب، وعيناه تتابع بشغف حركات يديها فوق جسدها وهي تقوم بوصف الثوب بانبهار، وعيناها تكاد تشع بالقلوب أثر سعادتها المطلقة. ليشعر بنبضات قلبه تتعالى وتتسارع، وهو يرى تلك الطفلة بداخلها، وكأنها تصف كنزها الثمين وسعادتها، وكأنه يوم العيد.
زينب بحماس: بصي، كأنه اتصمم مخصوص على جسمي. لونه أسود رقيق جداً، بصي يهبل يا إيمان. هو مش ضيق، بس جميل أوي أوي لدرجة إني لأول مرة أعاكس نفسي بالشكل ده. تفتكري أخوكي هيخليني أروح بيه السبوع؟
اتها صوته من خلفها وهو يدلف إلى الغرفة، يضع يديه بجيب بنطاله قائلاً بحزم: ليه متجوزة سوسن؟ إن شاء الله.
أغمضت عينيها بشدة وهي تضغط على يديها بعنف، بينما إيمان خرجت من الغرفة بوجه متشنج. هي تعرف أخاها جيداً، وغيرته نيران يمكنها أن تحرق الجميع. أغلقت الباب خلفها.
جلس أمامها على الأريكة وهو يضع ساقاً على الأخرى، ونظراته المتفحصة تكاد تحرقها حية.
صالح: ها يا زينب، فين الفستان الرائع ده؟
ابتلعت ما بحلقها بارتباك، قائلة بتعلثم: صالح، مالهوش لازمة يعني. هو فستان عادي زي أي فستان و...
سألها مرة أخرى من بين أسنانه بتحذير: فين الفستان ده يا زينب؟ متعصبنيش.
زينب: فوق في الدولاب. أجابته بحنق وغضب.
استقام مرة أخرى وهو يشبك أصابعه معها، جاذباً إياها نحوه.
صالح: تمام، يبقى نطلع شقتنا ونشوف الموضوع ده.
زينب بخجل، تغرز أسنانها بشفتيها السفلية قائلة بحرج: ممكن تسيب إيدي؟ أصل يعني واضح إن عمي جه، وإيمان. والله ما ههرب، بس سيب إيدي. أنت بتوترني. نطلع شقتنا وأبقى أعمل اللي انت عايزه.
ابتسم بخبث وهو يميل عليها قائلاً بمراوغة: أولاً، انتي مراتي. ثانياً، عندك حق. نطلع شقتنا الأول. انتي اللي حكمتي على نفسك.
زينب بضيق وصراخ بوجهه: على فكرة أنت قليل الأدب. وبعدين بطل توترني لو سمحت. أنا مبقتش عارفة أنت مالك بالظبط. اعقل. افرض حد دخل وشافنا كدا.
ابتسم هامساً بغضب زائف: الله الله يا ست زينب. صوتك بيعلى وإيدك بتطول كمان.
ارتبكت زينب وأخذت تمسد فوق ذراعه قائلة بقلق يتوهج وجهها بخجل: والله ما قصدي يا صالح، بس أنت بتوترني.
قبل خصرها بذراعه، يقف أمامها مباشرة، بينما تحاول الإفلات منه بارتياب.
صالح بخبث: بـ... وترك... أنا فعلاً غلطان، بس الغلط عليك انتي كمان. بذمتك في واحد يشوف الجمال ده كله ووشك بيحمر كدا ويسكت؟ ده حتى يبقى حرام.
ابتسمت بسعادة وهي تضع يديها على عنقه بدلال، قائلة بغيرة: صالح، البنت اللي اسمها شروق دي فعلاً كنت هتتجوزها؟ أصل أكيد مش هتتكلم معايا بالطريقة دي إلا لو كانت غيرانة. انت كنت معجب بيها أو حاجة.
صالح: تفتكري لو معجب بيها هعمل اللي عملته؟ صدقيني، انتي أول واحدة في حياتي.
زينب بثقة وحدة: والأخيرة.
صالح بغمزة: انتي وشطارتك.
قبضت على عنق قميصه بغضب وغيرة.
زينب: والله.
تعثر في ضحكة قوية وهو يمسك يديها بين يديه، قائلاً بخفوت خافضاً صوته: لو جه يوم وانتي مش فيه، اعرفي إن أنا كمان مش عايش.
ابتسمت بخفوت وهي تضغط على يديه بسعادة طفولية رقيقة، هامسة لنفسها: وقتها أنا كمان هكون مش عايشة.
خرجا الاثنان معاً، بينما نظرت إيمان لزينب بارتياب.
جلال: إيه ده؟ انتوا هنا؟
صالح: آه، بس هنطلع.
جلال: استنوا نتغدى سوا.
صالح بخبث وغمزة: معلش يا حج، محتاج زينب في كلمتين.
جلال: والله؟ ماشي يا ابن الشهاوي، اتفضل.
ربت صالح على كتف والده باحترام، بينما صعد لشقتهم.
جلال: طبعاً مفيش إلا أنا وانتي هنا.
إيمان: أيوه، ماما راحت لعمتي.
جلال بحدة: اممم. ماشي يا بنت الهلالي.
***
جلس عاقداً حاجبيه بشدة، بينما يتطلع إليها وهي تقف أمامه تفرك بكلتا يديها بقلق. ليكرر حديثه مرة أخرى، لكن بصوت ثابت بطيء: روحي يا زينب، هاتي الفستان وبطلي حركاتك دي علشان بتعصبيني.
توترت أكثر وهي ترى الجدية على وجهه. لا سبيل للفرار منه الآن.
مشى بعينيه نحو الخزانة الخاصة بها، لتستسلم أخيراً. تتجه ناحية خزانتها، أخرجت ذلك الثوب الأسود، يبدو عادياً. وحده.
رفعته أمامه بيد مرتعشة أمام ناظريه، تقف متوترة في انتظار هبوب العاصفة.
بضيق وغضب، قائلة بحنق: أهوه. ماله ده بقى؟ زي الفل والله. جميل ومقفول وطويل و...
قاطعها بهدوء وهو يهز رأسه بشك: فعلاً جميل وما فيهوش حاجة. اومال خايفة كدا ليه؟
زينب بهدوء زائف: لا أبداً، أنا قلتلك حلو، بس أنت...
قاطعها ببرود وغيرة، وعينيه تمر بإدراك على جسدها، قائلاً بصوت خافت مريب: البسي الفستان يا زينب.
كادت أن تبكي، وحلقها قد جف، تشعر بانعقاد معدتها، تتعلثم بالحديث، قائلة: يا صالح، مالهوش لازمة. وبعدين أنت أكيد راجع الشغل، هحضرلك الغداء.
زفر بغضب يحاول الهدوء، وعينيه على ذلك الثوب: قسمًا بالله يا زينب، لو ما شفت الفستان ده عليكِ، ما انتي خارجة من باب الشقة.
شعرت بالإحباط واليأس، هامسة لنفسها بحزن: يبقى كدا ضمنت إني مش هخرج أصلاً.
أخذت ذلك الثوب، دلفت نحو الحمام تبدله. نظرت مرة أخيرة لنفسها في المرآة وهي ترى روعة الفستان عليها، قائلة بعبث: ضمنت مفيش خروج.
حلت عقدة شعرها الأسود لينسدل بجاذبية يلتف حول جسدها، تكتمل روعة تلك اللوحة الفريدة من نوعها، بينما أخذت نفساً عميقاً ببطء.
فتحت الباب بالتدريج، تخرج أمامه لترى عينيه تمر بدقة عليها.
العيب ليس في تصميم الثوب أبداً، لو كان على أخرى لن يكون بتلك الجمال، يسلب العقول.
استقام واضعاً يديه بجيب بنطاله، أخذ يدور حولها، وعينيه لا تخلو من نظرة الانبهار. رغم طول الفستان واحتشامه، إلا أن ما بداخله مميز... مميز جداً.
تمتم ببعض الكلمات غير المفهومة، ثم أخرج لعنة مخنوقة، قائلاً بحدة غير قابلة للنقاش: لا، استحالة حد يشوفك بالفستان ده. غيريه، وإلا مفيش خروج. جاذباً إياها لصدره، قائلاً بصوت أجش أثر مشاعره: زينب، الفستان ده استحالة حد يشوفك بيه. ده ليا أنا وبس.
زفر صالح بغضب وغيرة من فكرة أنه من الممكن أن يراها شخص آخر، ليشعر برغبة قوية في الانقضاض على أي شخص يقترب منه. مشعلة بداخله مشاعر لم يختبرها من قبل، تقفز في رأسه أفكار سوداء بأن شخصاً آخر يمكن أن يراها كذلك، تتغير تلك المشاعر لنيران محرقة، بينما تنظر له تحاول استكشاف ما سيفعله. لم يمهلها فرصة وهو ينحني مقبلاً إياها بنعومة وضيق حدة.
كل المشاعر المتناقضة، نازعاً منها استجابة خجولة مستسلمة لعاصفة مشاعره الهوجاء، تعصف بها مبعثرة مشاعرها.
***
في المساء.
وقفت أمام المرآة بغضب وهي تنظر له بضيق، وهو يرتدي حلة رسمية سوداء في غاية الأناقة، بينما ارتدت هي ثوباً سماوياً اختاره هو بنفسه مع حجاب أبيض جميل، يرفض رافضاً قطعاً أن تضع أي لمسة من المكياج.
زينب بضيق وخجل ممزوج ببلاهة: على فكرة، ده مش عدل. أنت تلبس وتبقى زي القمر، وأنا ألبس على ذوقك.
ابتسامة جانبية شفت شفتيه، قائلاً بغبث: والله لو عندك اعتراض، ممكن منروحش السبوع خالص، وأقعد أقنعك بنفسي. وأظن إني بعرف أقنع كويس.
لكزته بخجل في كتفه قبل أن تخرج من الغرفة سريعاً، تشعر بسعادة عارمة. شعور بغيرته يجعلها تشعر وكأنها مميزة.
خرج بعد ثوانٍ قائلاً بحدة يملي عليها أوامره: إيديكِ متسبش إيدي طول الليلة، ولا تبعدي عن عيني، فاهمة؟ ضحكة كدا ولا كدا، كلام مع حد غريب، انتي حرة.
لم يستمع لاعتراضها، ممسكاً بيديها يخرج من الشقة، وهي خلفه.
بعد مرور وقت.
صف سيارته أمام منزل عمته. ترجلت إيمان وزينب من السيارة.
إيمان بحماس: هاسابقكم أنا. ياسمينة وحشتني.
ترجلت زينب من السيارة أخيراً، وهي تنظر له بحنق تخفي بمهارة سعادته.
لفت يديها على مرفقه، صعدا الاثنان معاً، يشكلان ثنائياً رائعاً مميزاً.
كانت حياء تقف بجوار جلال، بينما النساء يشكلن دائرة كبيرة يتراقصن. بينما تجلس شهد أرضاً وهي تحمل حفيدة بسعادة، تتغنى الفتيات بمرح.
نظرت حياء نحو الباب لتجد ابنها وزوجته قد وصلا أخيراً. أزمت شفتيها بضيق، قائلة بهمس: شفت يا جلال؟ ابنك عمل اللي في دماغه. والله العظيم أنا هيجرالي حاجة منكم. واخد طباعك. استغفر الله. قالتله بلاش يشوفه، بس إزاي؟ دا أستاذ.
جلال بضحكة خافتة تزيد وسامته رغم الشيب، ما زال وسيم جميل: بذمتك مش كنتي بتفرحي لما بيغير عليكِ؟
أخذت نفساً عميقاً، رافعة رأسها تغمز له بشقاوة.
حياء: منكرش إنها حلوة أوي.
تعثر في ضحكة قوية أثر مشاغبتها وهو يضمها.
وقت طويل.
تقف بجواره، يمسك يديها. لم يتركها للحظة إلا عندما نادته "شهد". ابتسم وهو ينحني، يجلس على ركبتيه، يحمل المولودة برفق. ضحكت بوجهه، تنهد بسعادة وهو يطبع قبلة على قمة رأسها.
صالح: مبارك يا جميلة. تتربى في عزكم.
جميلة: عقبالكم يا صالح.
كانت تنظر له بعيون مشعة بسعادة، قبل أن يقف أمامها ذلك الشاب، يبدو في بداية العشرينات، يرتدي البذلة العسكرية، يبدو عليه الحماس والشياكة.
مد يديه ليصافحها، قائلاً بجدية: الرائد مراد حليم. ممكن نتعرف؟ برنس.
عقدت ما بين حاجبيها وهي تنظر ليديه بحدة، قبل أن يضع صالح يديه بيد ابن عمته، يضغط عليها بقوة.
صالح: زينب الشهاوي، مراتي.
مراد بذهول: مكنتش أعرف إن عروسة صالح حلوة أوي كدا. يا بختك بيها.
ابتسم صالح بحدة وهو يضغط بقوة على يد مراد. اقترب منه قليلاً ليهمس بالقرب من أذنه، قائلاً: لو مش عايز سبوع بنت أختك يبوظ، ابعد عن مراتي أحسنلك يا مراد، وإلا المرة دي مش هترجع على التدريب العسكري. لا يا حبيب أمك. أوعدك هتبات في مستشفى العظام. أول ظابط في الجيش يترنقه قبل ما يخلص كليته.
جف حلق مراد بارتباك، قائلاً بنفس الهمس: ياريتني كنت هنا وقت جوازكم. وقتها صدقني، كنت هنافسك عليها.
كاد أن يصرخ من قبضة صالح وهو يجز على أسنانه بغضب، قبل أن يضربه بقدمه بحركة سريعة وهو يلوي ذراعه، ليسقط مراد أرضاً.
التفت الجميع له، بينما ابتسم صالح وهو يتراجع للخلف خطوتين بمنتهى الثبات، يحيط خصرها بذراعه، يعلن عن ملكيته لزوجته.
بينما نظر الجميع لمراد، ليسمعوا صوت ضحكة فتاة، قائلة بمراوغة وهي تغمز له بشقاوة: الهيبة راحت يا سيادة الرائد. مستحيل.
حياء بغضب: شفت ابنك عمل إيه في ابن عمته؟ والله العظيم نسخة منك. ربنا يستر والليلة دي تعدي على خير.
اكتفى بطبع قبلة حانية على رأسها.
التفت صالح بعدها إلى زينب، يمسك بيدها ويسحبها خلفه متجهاً إلى الخارج بخطوات سريعة. حاولت أن تجاريه فيها، وهي تقول بلهث: على فين يا صالح؟ أنا لسه عايزة أتفرج.
توقفت خطواته بغتة، يلتفت إليها لترتطم بصدره، تنظر إليه مضطربة، وهو يقول بوجوم وحدة: عايزة تتفرجي؟ ده أنا اللي هفرجك دلوقتي. تعالي معايا.
ثم جذبها خلفه مرة أخرى، غير مبالٍ بما قد يحدث أو يقال عن اختفائهم هذا. ربما بدأ جنون الحب. ترى إلى أين سيأخذكم؟
***
في بيت نور.
جلست على الأريكة بعد يوم عمل طويل، وحيدة. فقد خرج والدها وأخواتها.
أخذت ترتشف من كوب الشاي كأنه مشروبها المفضل، تمسك بيديها قلماً رصاصاً، تضع على قدمها دفتر رسم.
تنظر لتلك الرسمة بابتسامة مبهمة، وهي ترسم عيونه الضارية، تسترجع ذاكرتها في رسم ملامحه الوسيمة.
رغم أنها لم توافق على طلبه بعد، أو حتى تفكر بالموافقة، فقط الرسم هوايته المفضلة، وملامحه الجذابة لا تُنسى أبداً.
حمرة بشرته، عيونه القاسية، ابتسامته اللعوبة، غطرسته في جلسته، كبرياؤه.
جميل هو.
رفعت شعرها في كحكة فوضوية، تاركة خصلتين متمردتين على وجهها، ترتسم ابتسامة خبيثة، وتظلل موضع القلب بلون الأسود.
وضعت الرسمة على الطاولة أمامها، وهي تتجه نحو الباب، بعد أن وضعت حجابها، تستمع لصوت طرقات عليه.
نور: ثواني جايه أهو.
فتحت الباب لترى أمامها سيدة أنيقة، تبدو في منتصف العقد الخامس، أنيقة جداً، تبدو راقية.
تتأمل نور بعناية من وجهها حتى أخمص قدميها.
نور بارتياب: أفندم؟ مين حضرتك؟
نيرة بهدوء: نيرة العلايلي... والدة باسل العلايلي.
جزت نور على أسنانها بضيق لمجرد ذكر اسمه. شعور متناقض هو. ربما تكره المشاكل التي أصبحت بها منذ أول لقاء في المشفى.
نيرة بجدية: مش هتقوليلي اتفضلي، ولا إيه؟
نور: لا طبعاً، إزاي. اتفضلي يا مدام نيرة.
دلت تلك السيدة إلى الصالون، لتقف نور وراها، تشعر بصدمة وارتياع. تقدمت للداخل بسرعة، لكن قد فات الأوان.
وجدت والدته ممسكة بالدفتر بين يديها.
التفت لتلقي نظرة على نور، قائلة: ممكن نتكلم شوية.
عضت على شفتيها بحرج، وهي تغلق الباب، لتعود مرة أخرى، تجلس بجوارها، قائلة بتهور: لو جايه علشان تبعديني عن ابنك والجو الهندي ده، أنا أصلاً مش عايزة الجواز دي، وقالتله ألف مرة، بس هو عنيد، مش ذنبي.
وضعت تلك السيدة على كتف نور، تربت عليها بحنان، قائلة: ومين قالك إننا في فيلم هندي. شوفي يا نور، من مدة قصيرة، أنا طلبت من باسل يرد مراته، رغم الخلافات اللي بينهم، بس قلت أكيد هتتحل. أنا أم. نفسي أشوف ابني عايش حياة مستقرة بعيد عن حياة أبوه اللي لو عاشها هو كمان هيبقى بيدمر نفسه.
نور باستغراب: حضرتك تقصدي إيه؟
نظرت لتلك الرسمة بحب، ولتلك البقعة السوداء موضع قلبه، قائلة بمرح طفيف: شكلك معرفتيش باسل يا نور. قلبه مش أسود على فكرة. بس هو اتربى في أسرة مش مستقرة، ويمكن أنا السبب. رغم إني كنت عارفة جواز زيدان المتعدد، لكن كبريائي منعني إني أطلب الطلاق في أول جوازنا. وحصل بعد كدا الحمل، جه للدنيا أجمل طفل ممكن تشوفيه. باسل أكتر إنسان حنين في الكون. كان حابب يبقى وكيل نيابة، وفعلاً بقى. لكن من مدة قصيرة، قدم استقالته على إدارة المجموعة، هو وأخته ووالده.
نور بحزن: ساب النيابة.
نيرة: حصل. دلوقتي تركيزه كله للمجموعة، وخصوصاً إن زيدان بقاله فترة بعيد عن الشغل. هو كان في الأول بيحاول يوفق بين شغله في المجموعة وشغل النيابة، لدرجة إن أيام طويلة ما كنتش بشوفه. هو شايف إن لازم يكون فيه حد أفضل منه في المكان ده، وإلا ميستحقهوش.
نور: طب أنا المفروض أعمل إيه؟ أنا برضه مش فاهمة سر الزيارة دي.
نيرة: أنا يمكن بعيدة عن المجموعة وعن زيدان، لكن ليا عيون في الشركة وعند زيدان. من فترة عرفت طلب زيدان إنه يتجوزك، وبعد كدا طلب باسل. على فكرة، انتي حالة استثنائية في حياته. باسل أي واحدة اتجوزها، كان بيعمل كدا في السر، وبيّقضي كم يوم معاها وبيطلقها. حتى مروة اللي اتجوزها رسمي كان علشان البزنس، وجوازهم مطولش، وهو طلقها. ويمكن لما طلب إيديكِ كان برضه علشان يوقف أبوه عن اللي بيعمله، لكن مع تعديل بسيط، إنه المرة دي ولأول مرة، أعجب بواحدة. علشان كدا طلب إيديكِ رسمي.
نور: على فكرة، أنا بكلامك ده أخاف أكتر، ويمكن أرفض. وأنا عارفة إنه مجرد إعجاب وعناد قدام أبوه. العناد هينتهي مجرد ما يكتب كتابه عليا، دا لو حصل. ولو إعجاب، فأنا آسفة. ابنك عنده تجارب كتير، وأنا مش هكون أول واحدة في حياته، فهماني؟ يعني أكيد أعجب باللي اتجوزهم، يعني في الآخر بعد ما تنطفي شعلة الإعجاب دي، أنا هانكسر على إيد ابنك لما يطلقني ويرميني زيي زي أي واحدة من اللي عرفهم. وأنا زي أي بنت، منكرش إن نفسي أتجوز جوازة كويسة، لكن لو على حساب سعادتي معاه، لا، أنا آسفة، مقدرش.
ابتسمت السيدة بحماس وهي تمسك بيد نور بقوة وسعادة: وده اللي بيميزك يا نور. أنا على فكرة بقالي مدة بتابعك كويس أوي. كنت فاكرة إنك زي الباقين، لكن انتي مختلفة، مميزة. عارفة فين كرامتك، وبتدوري على مكانها. بتروحلها، مش زي أي واحدة هو قابلها. باسل محتاج واحدة تغير حياته. واحدة تُملك قلبه وتسيطر على كل ذرة من تفكيره، بس تكون البنت الصح. البنت اللي تحافظ على كرامته وشرفه، بنت لما يغلط تعاتبه ومتخافش. عاقلة ومتحملة المسؤولية زيك. صدقيني يا نور، البنت دي هتكون محظوظة، لأن باسل قلبه عليه شوائب، لو اتمحت، هيديكي حب العالم ده كله.
نور بحيرة: وإزاي أشيل الشوائب دي؟
نيرة بارتياب: كان في مقولة زمان مقتنعة بيها: "العلاج الوحيد للكراهية هو الحب الصادق". أنا عارفة إن اللي هقوله ده ممكن تعتبريه مخاطرة، بس أنا بطلب منك تدخلي حياته. وافقي وابدأي معاه. صدقيني، زي ما انتي بتغيري فيه، هو هيغير فيكي. الخوف اللي متداري في عيونك ده مش هيبقى موجود. هتحبي الحياة معاه. باسل مش سهل. لكن لو حب، هتكوني ملكة في قلبه. هو هيعمل كل حاجة علشان تكوني سعيدة.
نور بحيرة: لو حضرتك مكاني هتعملي إيه؟
نيرة بارتياب: هخاف أقرب وأجازف. لكن انتي عملتي أول خطوة. باسل عمره ما كان هيطلب إيد أي واحدة من اللي عرفهم عن طريق أبوه. عمره ما هيطلب إيديها رسمي. وانتي قدرتي تخليه يعمل كدا. ممكن تدي نفسك فرصة.
نور بشك: هتواجهني مشاكل؟
نيرة بابتسامة: هنحلها سوا.
نور: ممكن تسبيني أفكر.
تنهدت نيرة بارتياح وهي تربت على كتف نور بحنان، قائلة: طبعاً، وإن شاء الله خير. على باسل ما يعرفش حاجة عن الزيارة دي.
***
تقدمته لداخل الغرفة، تتجه إلى الفراش، تجلس عليه زافرة، ثم تزم شفتيها بحزن، بينما وقف هو يتطلع إليها بهدوء لبضع لحظات، يراها وقد زادت هي من ضم شفتيها، وهي تضع كفها أسفل وجنتها تستند عليه، متنهدة بحزن. فيبتسم بحنان، يتبدد معه غضبه تماماً، وهو يتحرك باتجاهها، يسألها بهدوء: ممكن أعرف انتي زعلانة ليه دلوقتي؟ ده أنا اللي مفروض أقلب الدنيا، مش انتي.
لم تجبه، بل ظلت على وضعها، ليتقدم منها جالساً بجوارها، ملاصقاً لها. فتحركت مبتعدة عنه فوراً بضع إنشات، فضحك صالح عالياً، قائلاً برقة بعدها: لا، ده الموضوع كبير بقى. وأنا لازم أصالحك.
التفتت إليه بوجه حزين، قائلة بتحذير طفولي: ابعد عني لو سمحت يا صالح، علشان أنا زعلانة دلوقتي.
اقترب منها بغتة، يختطف قبلة سريعة، اختطفت معها دقات قلبها، حين همس لها: طيب، مانا بقولك هصالحك يا عيون صالح.
مد أنامله يعبث بخصلات شعرها الثائرة بجمال حول وجهها بعد أن نزعت حجابها، يسألها بجدية واهتمام: زينب، انتي زعلانة ليه دلوقتي؟
رفعت عينيها له، وعلى وجهها يرتسم الحزن بشدة، جعل قلبه يتلهف عليها قلقاً، وهي تجيبه بهمس: أولاً، علشان بتزعقلي، وفجأة مشينا، وكان أنا اللي قلت للشاب ده يجي يكلمني. وثانياً، علشان دي أول مناسبة أحضرها معاك، كان نفسي ألبس الفستان ده. أنا آخر مرة حضرت مناسبة كان من يجي أربع سنين، حتى في جوازنا.
صمتت، في حين أدرك صالح ما تريد قوله ويزعجها، يتذكر جيداً ما تتحدث عنه، حيث كانت ظروف زواجهم خاصة وسريعة، لم تشعر بسعادة كأي فتاة.
يلف كتفها بذراعه، يجذبها إليه، لتستند برأسها فوق كتفه، وأنامله تلامس وجنتها برقة، وهو يهمس لها بحنان، محاولاً الاعتذار والتبرير لها، في سابقة هي الأولى من نوعها: غصب عني يا زينب. الليلة كانت فوق احتمالي. نظرات عيون اللي حواليكي ليكي، وآخرهم الحيوان اللي اتجرأ وجه ووقف جنبك وكلمك. كل ده خلاني مش متحمل أسيبك وسطهم دقيقة واحدة. عارف إنك مفرحتيش زي باقي البنات في الفرح، وخصوصاً كل حاجة جت بسرعة. بس صدقيني، لو رجع بيا الزمن، كنت هعملك كل حاجة زي ما بتتمنى وأحسن من أي بنت.
وضع أنامله أسفل ذقنها، يرفع عينيها إليها، فيرى تبدل حالهم من الحزن إلى السعادة، كانت سببها كلماته، والتي أدفأت قلبها وجعلته يتراقص فرحاً. تتعالى أنفاسها حين اقترب بوجهه منها، مقبلاً إياها برقة.
أمسك بيدها جاذباً إياها معه برفق، لتقف أمام المرآة.
وقف خلفها، بينما يحيطها بذراعه، قائلاً بحنو: بصي في المرايا وقوليلي شايفه إيه يا زينب.
ارتبكت قليلاً قبل أن تنظر لهما في المرآة. ابتسمت. انحنى قليلاً، يختطف قبلة من وجنتها، قائلاً بهمس: بذمتك، كل الجمال ده مش عاجبك. انتي أجمل واحدة من اللي كانوا موجودين في السبوع. مفكيش غلطة. ابن عمتي أنا ضربته علشان محدش غيري يستحق يتقرب منك بالشكل ده. تقومي تقوليلي الفستان ده؟ طب بذمتك مش حرام عليك شاب زي يقضي بقيت عمره في السجن؟
شهقت بخوف وهي تلتف لتصبح أمامه، قائلة بارتباك: سجن؟!
صالح: ما هو ما شاء الله، كل ما واحد يبصلك ببقى عايز أقلع عيونه من مكانه.
لم تعرف كيف تداري ضحكته تلك، وهي تلف ذراعها حول رقبته، وقد استعادت ثقتها بنفسها، مراوغة: واضح إن ليا تأثير قوي.
لف ذراعه حول خصرها، قائلاً بحماس: جداً.
أفاقت من تلك الدوامة على رنة هاتفها.
زينب بهمس: صالح، الموبيل بيرن.
زفر بغضب وهو يبتعد عنها، بينما تعثرت في ضحكة أنثوية جميلة.
أغمض عينيه وهو ينظر لها: عدي ليلتك يا زينب، وروحي شوفي الموبيل، بدل أقسم بالله ما هخليكي تمسكيه، وانتي حرة في اللي هعملها.
اشتعلت وجنتيها بخجل، قبل أن تتركه وتخرج من الغرفة، لتجد "نور" تتصل بها، ردت عليها سريعاً.
نور بغضب: رنيت عليكِ عشر مرات، كنتي فين يا هانم؟ ده كله، ده لو وزير الداخلية مش هيتأخر كدا.
زينب بمرح: اهدي يا وابور جاز. حصل إيه يا بت؟
نور: محتاجاكِ. محتارة ومتوترة، وانتِ الوحيدة اللي عندي، وعايزة تسمعيني.
زينب باهتمام: حابة تتكلمي في الموبيل، ولا أجلك الصبح؟
نور: لا، أنا حابة أحكي دلوقتي، واسمعيني. وراكي حاجة؟
زينب بحب: أفضللك مخصوص. احكي في أي.
نور: ... وبقيا يثرثران في حديث طويل، حيث سردت لها حوارها مع والدته، لتأخذ قرارها بنسبة ثمانين في المئة، وما زال عشرون بالمئة قلق وارتباك. لكن هذه مهمة شخص ما، عليه أن يُلاشي ذلك الخوف.
***
في لندن.
يقف يوسف بجوار أحد أصدقائه، يتحدث الإنجليزية معه بطلاقة. إن رأيته الآن، تجزم أنه شخص آخر غير ذلك المرح.
هناك قاعدة مهمة جداً بالحياة: "وقت الجد جد، ووقت الهزار هزار".
صديقه: أعتقد لازم نبلغ رئيس مجلس الإدارة، وننزل الموقع. قربنا نوصل للمرحلة الأخيرة.
يوسف بابتسامة: الحمد لله. فعلاً في الفترة الأخيرة كان الشغل مكثف، وخصوصاً بعد تعديل الغلطة اللي حصلت. أفضل قرار اتخد إن يتم عمل رقابة مكثفة لمنع الأخطاء.
صديقه (ويليام): فعلاً، لولاك انت والمهندسة عهد، كنا احتمال نكمل مع وجود الغلطة دي.
عقد ما بين حاجبيه باستغراب: عهد؟
ويليام بابتسامة: آه، نسيت أقولك إن عهد كمان بلغت الشركة إن فيه غلطة في التصاميم، ولما انت بلغت الشركة، أخدت موقفه. هي لبنانية تقريباً أو مصرية لبنانية، اللي أعرفه إنها عاشت في لبنان طول عمرها، بس والدها مصري.
يوسف بابتسامة: تعرف مصر وحشتني أوي.
ويليام بغمزة: مصر برضه؟
يوسف بخبث: وأهل مصر يا غتت.
صوت طرقات خافتة على باب المكتب، ليسمع للطارق بالدخول.
عهد بجدية وابتسامة رقيقة: مساء الخير.
التفت يوسف لينظر للملف أمامه، لا يحب فكرة الاختلاط. رد بجدية هو وصديقه، بينما لا ينظر حتى لها: مساء النور.
عهد بحرج باللهجة اللبنانية: بشمهندس يوسف، فينا نحكي شوي؟
ترك الملف من يديه، رفع رأسه وعيناه أرضاً: أنا وحضرتك؟ في إيه؟
التفت عهد نحو ويليام بارتباك، ليتركهما ويخرج من المكتب من باب الذوقيات بالنسبة له.
ابتسمت عهد، بينما وضعت حقيبة على المكتب.
عهد: على فكرة، أنا معاك في التيم بتاعك من النهاردة. أستاذة حنين رشحتني أكون معاك، بتقول إنها شاطرة، وإحنا مصريين زي بعض، هيكون في بينا تفاهم.
يوسف: ربما.
عهد: أكيد حضرتك مصر وحشتك؟ أنا الصراحة كمان وحشتني أوي.
يوسف: بقالك كتير هنا، بس مش انتي عشتي في لبنان أصلاً؟
عهد: آه، عشت بلبنان، بس بتكلم مصري كويس، لأن عشت خمس سنين فيها، بس كنت صغيرة، وبعدها سافرت مع والدتي للبنان. وبقالى في الشركة سنة ونص. لسه جديدة، مش زيك أكيد. حضرتك بقالك كام سنة؟
يوسف: ست سنين تقريباً.
عهد: ياااه، ست سنين. مش باين عليك إنك كبير.
يوسف: اتنين و تلاتين سنة. بس هنا من بعد التخرج بسنتين. الفضل لربنا، و لعمي. ربنا يديه الصحة، هو يبقى والد مراتي و حبيبة عمري.
قالها بجدية وهو يجلس على أحد المقاعد، ينظر لصورة إيمان بهاتفه. ابتسم بخفة واشتياق.
شعرت عهد بالضيق والغيرة للحظات. شعرت وكأنه يندمج معها في الحديث، لكن لا، هناك أخرى ختمت صك ملكيتها على قلبه.
عهد: واضح إنك بتحبها أوي.
يوسف بابتسامة ظهرت وهو ينظر لإيمان عبر الهاتف، وعينيه تمر بدقة على تلك الابتسامة الجميلة: كان عندي سبع سنين لما هي اتولدت. عمي كان ناوي يسميها هدى، لما شفتها قالتله دي إيمان. أنا اتربيت معاهم في نفس البيت بسبب ظروف خاصة. تعرفي هي دكتورة شاطرة وجميلة أوي، رقيقة.
شعرت بالغضب من شدة الغيرة وهي تسمع ما يقوله ومدحه لزوجته، وكأنها فتاة استثنائية.
عهد: آه صحيح، أنا قلت الأكل المصري أكيد وحشك. عملتلك ده بإيدي. حاولت تبرير سريعاً: أقصد يعني إن أكيد... الأكل هنا مش زي أكل مصر، وحضرتك بتتعب طول النهار، انت وباقي المهندسين.
يوسف بحدة وارتياب: معلش يا عهد، بس أنا أكلت مع ويليام من شوية. تقدري تديه لبشمهندس عدنان، هو في المكتب اللي جنبي، ولسه بيشتكي من أكل المطاعم. أعتقد هيحب الهدية دي جداً. أنا الحمد لله أكلت.
عهد بضيق: تمام يا بشمهندس، اتشرفت بمعرفتكم.
مدت يديها لتصافحه.
يوسف: معلش، مش بسلم.
سحبت يديها بحرج، معتذرة، قبل أن تغادر المكان وهي تشعر بالإحباط وخيبة الأمل.
***
بعد مرور ثلاثة أسابيع.
يوسف وإيمان دائماً على تواصل، بعض الدلال مع الحب والمشاكسة، وأحياناً الحزن، بينما تحكي له عن الحالات التي تقابلها بالمشفى، وهو يتفاهمها جيداً. يعرفها جيداً، أرق بكثير مما تبدو.
أما حبيبته، أصبحت أكثر إشراقاً، وكأنها بدأت في استعادة المفقود منها، والفضل يعود له. رغم أنهما لم يلتقيا منذ أن جاءت والدته إلى منزلها، لكن مع ذلك تشعر بسعادة لاهتمامه، حتى بعد كل ما حدث.
نور وافقت على زواجها من باسل، وتم تحديد موعد الخطبة.
أم صالح وزينب، فقد زاد تلهفهم وتقاربهم إلى بعضهم. لا يستطيعا إخفاء مشاعرهم، حتى في حضور أفراد العائلة، وقد لاحظوا جميعاً الحالة العابثة التي أصبح عليها صالح، وكأنه أصبح شخصاً أخرى.
يتابعون بذهول ما يفعله بمجرد حضور زينب معه في مكان واحد، ليصير عاشقا متهوراً في حضوره.
بينما أحضر جلال خادمة لمساعدة حياء في أعمال المنزل بسبب مرضها مؤخراً.
***
يوم خطبة باسل ونور.
جلست زينب بجانب نور التي تجلس أمام المرآة، بينما تقوم إحدى الفتيات بوضع المكياج لها. ترتدي ثوباً أزرق سواريه مطرزاً ببعض الفضة.
زينب بغمزة شقية: وكيل النيابة طلع عنده نظر.
نور بخجل: طب اسكتي بقى، علشان أنا أصلاً متوترة.
زينب: من إيه؟
نور: مش عارفة، بس خايفة. أنا أصرت نعمل الخطوبة على السطح، والجماعة فرشوه وحطوا النور وكل حاجة جاهزة. بس ياترى هو هيجي؟
زينب بخضة: ليه بتقولي كده؟
نور بغضب: ممكن يقول مش مقامي، خطوبتي تبقى على السطح. يا رب يطفش ونخلص.
زينب بحدة: بس يا جزمة، بطلي. إن شاء الله هتكمل على خير. إحنا هنخلص وهتطلعوا على محل الدهب تنقي شبكتك، وتيجي نفرح هنا شوية، وتتعشوا سوا.
نور: آه... آه يا أختي. هو صالح معاك؟
زينب بابتسامة: وصلني وراح الوكالة، وشوية وهيجي.
نور: شكل الصنارة غمّزت.
أشاحت زينب بوجهها عن صديقتها، قائلة بتهرب: هطلع أشوف إذا في حاجة ناقصة.
قبل أن تغادر، تمسكت نور بيديها، قائلة بود: حبيته؟
حاولت التهرب منها، لكن لم يكن لديها أي مفر، لتهز رأسها بإيجاب مع ابتسامة خجولة.
ابتسمت نور بسعادة وتركت يديها.
مر وقت قصير، حيث انتهت، لتنظر للمرآة بابتسامة جميلة.
الفتاة: بسم الله ما شاء الله عليكِ. والله طالعة زي القمر.
نور: بتحللي الفلوس اللي هتاخديها ولا إيه؟
الفتاة: ورحمة أمي... اظبطي يا نور، وبصي في المرايا. طالعة قشطة.
شعرت بارتياب، وهي تنظر في ساعة يديها.
طرقات خفيفة على الباب، فتحت الفتاة.
نهضت نور وهي تنظر لوالدها بابتسامة جميلة.
سالم بمرح: إيه الجمال ده يا بطل؟
نور: لا يا جماعة، أنا بتكسف. في إيه؟ هو أنا كنت وحشة قبل كده ولا إيه؟
سالم: فشر. ده انتي طول عمرك قمر. ألف مبروك يا قلب أبوكي.
نور بحب: الله يبارك فيك يا بابا. بس فين عريس الغفلة؟ مش المفروض يكون هنا دلوقتي؟
سالم: على فكرة، باسل كان هنا من وقت طويل، ورص الفرشة بنفسه. مشي من ساعتين تقريباً عشان يظبط نفسه.
نور بذهول: أفندم؟ باسل رص الفرشة على السطح بنفسه؟ كان هنا؟
سالم بغمزة: على الله تحني عليه شوية.
نور: أبقى أفكر.
"العريس وصل".
صدر ذلك الصوت من أسفل، خرج سالم ليستقبله، بينما خرجت نور للصالون برفقة زينب، والتي ارتدت فستاناً بنفس لون فستان نور، ليبدو الاثنان رائعان.
صعد باسل بخطوات ثابتة، وعيونه الضارية تبحث عنها. بجواره والدته. كان في غاية الأناقة ببذلة كلاسيكية عصرية رفيعة ذات اللون الأسود، كانت رائعة عليه، مميزة، وكأنها صنعت خصيصاً. صفف شعره الأشقر الغزير للخلف، فأصبح جذاباً بدرجة مهلكة.
يحق له الغرور حقاً، فمن بهذا الجمال والوسامة الشديدة التي تكاد تزعزع ثبات أي أنثى تقع عينيها عليه. يحق أن يعجب به الكثيرات ويغرم به الجميلات.
هل ألقى سحره عليها، أم هي من تهوى وجع القلب؟ لتشعر بنبضاتها تتسارع بضراوة.
تقدم نحوها، وعلى وجهه ابتسامة جذابة، وقف أمامها مباشرة، يميل عليها قليلاً، هامساً بغرور: إيه رأيك؟ مش طالع زي القمر؟
لكزته بغضب في جانبه، لم يتأثر، وهو يقف مرة أخرى بجواره.
نور لنفسها: أبو شكلك مغرور صحيح، بس زي القمر.
سالم: مش ننزل بقى علشان ننقي الشبكة؟
باسل: أكيد. يالا العربيات مستنية تحضره.
أومأ له بتفهم، في حين نزل باسل وهو ممسكاً بيديها بين يديه.
أم زينب فقد صعدت منذ قليل بجوار صالح في سيارته، يقودها خلف سيارة باسل، في اتجاه مكان خاص بمحلات الذهب.
بعد مدة قصيرة.
وقفت نور في أحد المحلات، تقف أمام اللوح الزجاجي، ليضع الصائغ أمامها تشكيلة من الخواتم الجميلة. شعرت بالحيرة للحظات، وهي تنظر لباسل الذي يقف بجوارها يتابعها بابتسامة رائعة.
نور بهمس لزينب: إيه رأيك في ده؟
زينب: فعلاً حلو جداً، عجبك؟
نور: أوي.
التفت إليه لتقول هامسة وهي تنظر للدبلة والخاتم التي قامت باختيارهم: حلوين دول.
ابتسم بسعادة ليقول برفق: مبروك عليكي يا نور. اختاري الأسورة اللي تعجبك.
هزت رأسها بإيجاب وهي تنظر لتشكيلة الذي وضعها الصائغ أمامها.
انتهت من اختيار شبكتها، بينما ابتسم باشا وهو يشير للصائغ.
أومأ بتفهم، قبل أن يغادر المكان، ليصعد للدور الثاني الخاص بالألماس وبعض المجوهرات التي لا تُعرض في الطابق الأول لقيمتها الغالية.
نور: إحنا مستنين إيه؟
باسل بجدية: اصبري على رزقك.
لفت يديها ببطء حول مرفقه، ابتسم ولم ينظر له.
مرت لحظات، ليأتي الصائغ مرة أخرى، وهو يمسك بين يديه علبة من القطيفة السوداء أنيقة جداً. ابتسم وهو يعطيها لباسل.
نظر لها وهو يفتح تلك العلبة، لتلمع بشدة بها طقم كامل من الألماس.
نور بضيق وهمس: إيه ده؟ قلتلك إني مش ببيع نفسي، واتفاقنا الشبكة تكون بسيطة.
ابتسم بجدية تليق به، وهو ينحني قليلاً، يطبع قبلة خاطفة على رأسها: بطلي الطريقة دي. دي هديتي ليكي، بعيد عن الشبكة. اعتبريها هدية خطوبتنا، ومتنسيش انتي قريباً هتكوني حرم باسل العلايلي.
جديته، لباقتُه في الحديث، نظراته الضارية، تكاد تفتك بنبضات قلبها، قائلة بهدوء وهي تخفض رأسها: نور: بس ده كتير أوي. يعني الشبكة اللي اخترناها حلوة وكفاية.
باسل: ششش... أهدي. دي حاجة بسيطة، وبعدين بقولك دي هديتي ليكي. هتكسفيني.
مرت لحظات صمت، هيمنة شخصيته طاغية حقاً.
خرجا من المحل بجوار بعضهم، بجوارها نيرة، والتي شعرت بسعادة عارمة، ربما لم تفعل في زواجه الأول، لم يكن للفرح طعم في ذلك اليوم.
بينما يسير خلفهما صالح وزينب، حيث يحيط خصرها، يتحدثان بسعادة وشغف.
حيث تعالت الأغاني الشعبية والطبل البلدي أمام المحل، لتعطي روحاً من البهجة في قلوب أبطالنا.
عاد مرة أخرى لبيتها، لتتم الخطبة، والجميع يقرؤون الفاتحة، مباركين لهم.
مع بعض نظرات الغيرة من بعض فتيات الحي، حاقدين عليها، فهي الآن وقعت على كنز ثمين.
شاب وسيم وغني به كل المواصفات الأسر لقلوب الفتيات، كما يظنون. لكن ربما اختارها هي لأن تفكيرها يختلف عن أي فتاة أخرى.
***
في بيت حبيبة.
جلست في الشرفة القديمة تنظر للشرفة المقابلة، تتذكر أيام قد مضت.
تلك الأيام التي لا تخلو من المرح بينهم.
تنهدت بارتياح وهي تنظر للفراغ، لكن عقدت ما بين حاجبيها حين أضاءت أنوار الشقة المقابلة لشقتها (شقة علي القديمة).
نهضت بسرعة، تقف في الشرفة، تنظر بارتياب، ودقات قلبها تتعالى بقوة، شاعرة بتخبط في مشاعرها.
رائحة عطره تداهم أنفها، وبقوة. لم يغير نوع عطره بعد منذ سنوات طويلة.
وجدت نور غرفته يُضاء. مرت لحظات بطيئة، لتجده يدلف للشرفة.
علي بابتسامة: مساء الخير.
حبيبة: علي؟
علي بهدوء: كنت حاسس إني هشوفك النهاردة، رغم إن الوقت اتأخر.
حبيبة بابتسامة: وانت إيش عرفك إني هبقى قاعدة هنا؟ وإني هكون صاحية دلوقتي؟
علي بثقة: زي ما كنت واثق في حبي ليكي، رغم السنتين دول.
حبيبة: علي، انت فعلاً متمسك بيا؟ يعني مش متضايق إني كنت على ذمة شاكر... وكنت... حامل.
صمتت، عينيها ترقرق بالدموع مجدداً، قائلة بحزن لا يُخفى الحب من خضراوات عينيها: انت لو مكاني كنت قفلت كل بيبان الماضي وركزت في مستقبلي.
علي بحزن: عارفة أكتر حاجة بتوجعني إني أشوف دموعك. بتخليني أتمنى أجي أحضنك، أدخلك جوا صدري وأبعدك عن قسوة الحياة، وأمسح الدموع دي. مش هقولها تاني. ولآخر مرة يا بيبه، أنا عارف إن دي إرادة ربنا، ومش معترض. جايز الأيام الجاية تكون جبر خاطر لينا. أنا شاريك يا حبيبة. واللي بيشتري حد، مبيفكرش في أي أسباب تفرق بينه. بصي بقى، خطتنا للفترة الجاية إن شاء الله. الدراسة هتبدأ كمان كم أسبوع. أنا جبتلك كتب سنة تانية، قلت أكيد هتحبي ترجعي معلومات. وأنا دلوقتي الحمد لله اتفقت على المكن للمصنع، هو صغير، أنا عارف، بس واثق في ربنا. زمان مكنش عندي غير الشقة دي، والحمد لله قدرت أشتري شقة تانية أكبر، وجوزت سلمى أختي، وبجهز المصنع، وإن شاء الله هنكبره سوا.
حبيبة بابتسامة: سوا؟
علي بحب: طبعاً سوا. هو انتي فاكرة إني مستني إيه؟ شهور العدة وأنا حافظهم باليوم والدقيقة. يعدوا، وهتلقيني أنا وأمي عندكم بنكتب الكتاب ونعلي الجواب.
بيبه: وانت مش هتتضايق من كلام الناس؟
علي بتنهيدة: كلام الناس لازم نحطه في اعتبارنا طبعاً، لكن لو هيفرق بينا، يبقى مالهوش لازمة. ده رب الناس، حلالنا نكون مع بعض في الحلال، نقوم إحنا نحرمه على نفسنا عشانهم؟ لا يا حبيبة، ده حتى يبقى حرام.
حبيبة: ربنا يسعدك يا علي.
علي: يارب، وانتِ معايا يا جميل.
حبيبة بغضب زائف: اتلم يا جدع انت، ويالا امشي، مالهاش لازمة وقفتنا هنا.
علي بغمزة: والله العظيم وحشتيني، ووحشني لسانك الطويل. سلام يا بيبه. الكتب هبعتها مع أخوكي الصبح. سلام يا جميل.
حبيبة بتنهيدة سعيدة: سلام يا علي.
عضت على شفتيها، ما تلك السعادة التي تغمرها الآن، وكأنها نالت من الجبر ما يرضى روحها ويشفي جروح الماضي.
دلت لغرفتها وهي تتمتم ببعض الكلمات.
احتضنت الوسادة، هامسة لنفسها بنعومة: يارب، لو ليا نصيب فيه، بلاش تبعدنا تاني يارب.
***
بعد مرور أسبوع آخر.
في الصباح.
استيقظت زينب ببطء وابتسامة ناعمة، تتحسس الفراش بجوارها، مفتقدة دفء احتضانه لها، لكن لم تجده.
نهضت من فوق الفراش تبحث عنه بأرجاء الغرفة، لكن لم تجده.
زينب بكسل: أكيد نزل وأنا نايمة.
صوت طرقات على الباب.
زينب بارتباك: مين؟
عفت (الخادمة): أنا يا مدام زينب. ست حياء قالتلي أطلع أشوف لو محتاجة حاجة.
وضعت الحجاب على شعرها، هندمت ثيابها قبل أن تفتح الباب لها.
عفت بابتسامة خبيثة: صباح الخير يا قمر انتي.
زينب بطيبة: صباح النور. ها، في إيه؟
عفت: تحبي أنضفلك الشقة، ولا أعملك حاجة؟
زينب: لا، أنا هعمل كل حاجة. ممكن تنزلي انتي لماما علشان لو احتاجت حاجة.
عفت بخبث: والله يا هانم، أنا مش عارفة انتي مش راضية أنضف البيت ليه؟ ده لهلوبة، وأعجبك من ساعة ما جيتي، وانتي مش عايزاني أخدمك.
زينب بجدية: معلش يا عفت، أنا بحب أعمل حاجتي بإيدي، وبعدين صالح بيسيب ورق شغله، ومينفعش حاجة تضيع.
عفت: شكلك ست بيت شاطرة والله. صالح بيه محظوظ بيكي. هو معلش، بس ممكن أدخل الحمام قبل ما أنزل لو مش هتضايقي؟
زينب بود: لا أبداً، اتفضل.
دلت إلى الحمام، وقفت قليلاً تفكر فيما ستفعل. اتجهت نحو السلة الموضوع بها بعض الثياب. لا يوجد سوى أشياء قليلة.
ابتسمت بخبث وهي تخرج قميص نوم ذو اللون الأحمر القاني، قصير، يبدو وكأن زينب ارتدته بوقت قريب.
ابتسمت بخبث وانتصار وهي تخرج هاتفها من جيب بنطالها الجينز.
هندمته قبل أن تلتقط له عدة صور.
وضعت في السلة مرة أخرى سريعاً، وضعت هاتفها مرة أخرى في جيبها.
غسلت يديها وخرجت من الحمام.
عفت: تسلمي يا هانم. أنا هنزل بقى علشان أحضر الغداء. لو احتاجت أي حاجة قولي يا عفت، بس وهكون عندك.
زينب: تسلمي يا رب.
غادرت عفت الشقة، بينما أخذت زينب ترتب شقتها، ثم نزلت لشقة حياء لتجلس معها ككل يوم.
***
في الوكالة.
يجلس صالح على مكتب والده وهو يعمل على حاسوبه بجدية، حتى تقدم علي يقف أمامه قائلاً بجدية: صالح، بقولك الحاج سعد طلب شحنة من الحرير، بيقول نقص في الوكالة عنده. تحب أكلم المخزن الكبير يجهزوا الطلبية؟
صالح بتفكير: لا، استنى شوية. لو طلعنا من المخازن حاجة دلوقتي، هيبقى عندنا عجز قدام، وانت عارف إن الحرير السحب عليه عندنا كبير، وخصوصاً لدور الأزياء اللي بنتعامل معاها.
علي: يعني أكنسل معاه؟
صالح بجدية: استنى، أنا هشور الحاج. انت عارف معزة الحاج سعد عند الحاج. يمكن يكون له رأي تاني.
ثم تابع بابتسامة وهو ينظر لصديقه: مالك؟ شكلك فرحان.
علي بسعادة: ولا حاجة، بس يعني اللي فاضل بيني وبين حبيبة تلات شهور في العدة.
نهض صالح بحب وهو يحتضنه: ألف مبروك يا معلم. بس شكلك عرفت تلين دماغها.
علي: الحمد لله، تعبتني أوي.
صالح: ربنا يسعدكم. حبيبة بنت حلال وتستاهل كل خير. على فكرة، فرحكم عليا، متشغلش بالك بالمصاريف والحاجات دي.
علي: بس.
صالح بجدية: خلص الكلام. أه صحيح، المحامي عايز يتواصل مع حبيبة علشان ورثها من شاكر، ده حقها يا علي.
زفر علي بضيق من ذكر اسم ذلك الأفعى، قبل أن يغادر من المكتب قائلاً بحدة.
جلس صالح مرة أخرى على مكتبه، يبدأ بالعمل، حتى وقف أمامه عامل من عمال الوكالة: في واحدة ست عايزة حضرتك يا صالح بيه.
عقد ما بين حاجبيه باستنكار: ست؟ ودي عايزة إيه؟ ما تشوف طلبها، هو أنا هفضي أكل واحدة داخلة تشتري.
العامل: بس دي شكلها هانم أوي، ومش جايه تشتري.
صالح بجدية: طب دخّلها.
مرت ثوانٍ قبل أن تدلف امرأة بابتسامة خبيثة. وجدته يجلس على مقعده خلف المكتب يعمل بمنتهى الجدية. يبدو على ملامحه الحدة، تزيد من وسامته الطاغية.
صالح بجدية: أفندم؟ مين حضرتك؟
"صوفيا نصار... طليقة رشاد الشافعي".
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دعاء احمد
دلفت الى المكتب امرآه انيقه تبدو في نهايه العشرينات، تعلقت عينا صوفيا عليه وسيم سليم البنيه عنفوان شبابه عالي بجاذبيه قا”تله… وسيم جدا عيونه خضراء داكنه تبدو جميلة جدا
لكنه للأسف وقع ضحيه لتلك الخبيثه.. الخائنه
من وجهة نظرها تزوج امرآه تواعد رجلين… زوجها السابق و ذلك الشاب
ابتسمت ببرود معرفه عن نفسها
” صوفيا نصار… طليقة رشاد الشافعي ابن عم زينب ”
هز صالح راسه بتفهم رافعاً عيناه القاتمه نحوها اشارها لها بالجلوس يسالها باستفهام
“اهلا وسهلا اتفضلي…. خير اقدر اساعدك في اي؟”
ابتسمت بصلف و خبث وهي تجلس على المقعد أمامه أنزلت نظارتها السوداء لتضعها على المكتب قائله بمكر
” اعتقد ان انت اللي محتاجني….”
صمتت قليلا لتخرج علبة السجائر من حقيبة يديها، وضعت السيجار بين شفتيها
مدت يديها له بعلبة السجائر تعزم عليه
نظر لها باستحقار لا يحترم ابدا المرأه المدخنه
“شكرا…. ياريت تدخلي في الموضوع على طول اظن انتي شايفه الوكالة عندي شغل و مش عايز عطله”
ابتسمت بخبث الافاعي وهي تحكي له ببطي مشعلة نيران بداخله وهي تنفث سيجارتها ببرود
“انا و رشاد اطلقنا من فتره قصيرة…”
قاطعها بحنق قائلا بذهول و ضيق
“طب وانا مالي انا و مراتي…. اظن دي حاجه تخصكم … ولا حد قالك اني مصلح اجتماعي ما يولع بجاز وبعدين يهمني بيه مشاكلكم انا لا اعرفك ولا اعرف جوزك دا كمان ”
ابتسمت بمنتهى الوقاحه و هو تنفث سيجارتها رفعت حاجبها الأيسر تنظر له و علامات الغضب واضحه على وجهه
لتبدا ببخ سُمها
” بس زينب تعرف رشاد كويس”
نظرت له بعد تلك الجمله لتجد ملامحه سوداويه بتغير ملحوظ تشنج ملامحه و عيناه تزادت في الاحمرار
سالها بعصبية من مجرد ذكر اسم زوجته على لسان تلك الافعي
“تقصدي ايه بكلامك دا… و زينب ايه علاقتها بطليقك”
تابعت بخبث وهي تطفي سيجارتها وضعتها في المنفضه
” يبقى تسمعني للآخر يا بشمهندس و ياريت متقطعنيش لان اللي هقوله ميتحملش مقاطعه”
نظر لها بعيون حاده ثاقبه على أحر من الجمر
“من مده حوالي خمس شهور كدا…
انا قابلت رشاد في مكتب المحامي بتاع عيلتي عرفت بعدها انه شغال هناك موظف كحيان فقير معد”وم…. وقتها كان في ورق يخص الشركة بتاع عيلة الأنصاري و انا المفروض أوقع عليه… المحامي بعت ليا رشاد قابلته و هو الصراحة وسيم و كاريزما و عرف يلف عليا لحد ما اتجوزنا منكرش اني حبيته اوي
لكن اللي أصله واطي بيفضل واطي مهما نضفت فيه…
من شهرين بالظبط رجع اسكندريه و ساب شغل الشركة لان للأسف بعد جوازنا انا عملت له توكيل عام باداره الشركة و اي حاجه باسمي و هو كتب لنفسه كل حاجه
بس لما رجع اسكندريه كان طبيعي مفيش بينا مشاكل لحد ما فجأه بدا يتغير و يبقى عصبي جدا ”
جز على أسنانه بعنف و غضب قائلا
” انتي هتحكيلي قصة حياتكم”
ضحكت بسخرية لتمتم بمنتهى الوقاحه و المكر بخداع كاذب
” من شهرين سمعته بيتكلم في الموبيل و بيزعق و بيكلم و بيقول يا زينب
وبيقول انه خالص بقى معه فلوس و يقدر يرجع و يتجوزها و مبقاش فقير و انها رفضته زمان علشان فقير
و هي مش عايزه تفضل في الفقر دا كتير و
انها شايفه ان الظروف اللي حصلت اقصد ظروف جوازك منها جيت في مصلحتها انها تتجوز واحد زيك من عيله و غني و قالت باي باي لرشاد
رشاد ضحك عليا علشان ياخد فلوسي علشان يتجوزها
و هي سابته لما وقعت على واحد زيك
زينب واحدة خبيثه و خاينه ”
ضرب بيديه بقوة على سطح المكتب وهو ينهض قائلا بعصبيه
” اطلعي برا….. برا لان كلمة زيادة في حق مراتي اقسم برب العزة مهتشوفي النور تاني”
صوفيا بسخريه و حقد
” و لما جوزي ينام في حضني و ينادي عليها باسمها يبقى ايه… فوق يا بشمهندس مراتك مغفلك…. روح اسألها عن رشاد و لو كذبتني يبقى بتخدعك…
اظن عارف يعني ايه يبقى نايم معايا و بينادي على مراتك…..
“تفتكر هيعمل كل دا و يلف عليا و يتجوزني غير لو هي كانت بتشجعه و كانت دايما معه ”
“رشاد جيه مخصوص من القاهرة يوم الصباحيه بعد ما عرف انها اتجوزت كان هيتجنن بعد دا كله تسيبه و تتجوزك اعتقد انك لاحظت وقتها حاجه مش مظبوط و نظراته ليها…. ”
” انا في الأول كنت معتقده انه بيخو”ني عادي مع أي واحدة ر”خيصه و رقبته و عرفت انه دايما بيروح نايت كلاب هنا في اسكندريه و دايما بيحب يقعد مع بنت اسمها ريري”
نظرت له ببرود لتجد وجهه قد تحول للاحمر الحضاري وكأنه على وشك الانفجار عيناه ترى من خلالهما السعير المفجعه حارقه لكل ما حولها
ابتسمت بانتصار لتكمل ببراءه زائفه
” انا روحت للبنت دي و طبعا ر”شيتها بالفلوس
هي قالتلي انه بيروحلها معظم الأوقات لكن دايما بيتقل في الشرب و لما بيكون معها بيناديها زينب و بيكون مبسوط جدا و هو متخيل ان اللي معه زينب و طبعا كل ما ينبسط يدفعلها اكتر و…. ”
” اخرسي زينب اشرف منك انتي و الز”باله طليقك”
صرخ بوجهها وهو ينهض من مكانه يكاد ينفجر من شده الغضب
هبت واقفه هي الأخرى وهي تبخ سمها كالحيه
“لا والله اشرف مني دي بعد دا كله وهي ماشيه مع اتنين.. معاك علشان فلوسك و بتسايره علشان متخسرش ملايين لحد ما تاخد منك اللي يكفيها و بعد كدا تروحله دي… ”
كانت ستسب زينب بافظع الشتا”ئم بحق شرفها لكن
صر”خت بعنف بعد أن صفعها بغضب يجذبها بعنف من شعرها تزادت صراخها و هو يجذبها من شعرها و عيناه قد تحولت للاسود يبدو أن نيران السعير بدأت بحرق الجميع و هي الاول…. هي من أشعلت تلك النيران
بينما نظر العمال لصالح وهو يصرخ بوجه تلك المغرورة يسحبها خلفه خارج الوكاله جاذبا اياها من شعرها يديها تمسك بكف يديه الممسك بشعرها تشعر وكأنه سيقتلعه من شدة قبضه وقد أظلمت عيناه تكاد تكون سوداء من شدة الغضب قائلا بحدة و حذر و هو يدفعها بقوة خارج الوكاله
سقطت أرضا وهي تبكي بعنف تضع يديها على شعرها تبكي بانهيار
تسمع صوته الحاد محذرا اياها بعنف بينما جلسعلي ركبتيه.. قابضا على فكها السفلى بعنف و هو ينظر لها باشمئزاز
:قسما بالله ممكن ادفنك مكانك دلوقتي حيه بس خسارة اضيع نفسي علشان واحدة ز”باله زيك و مراتي دي اشرف منك.. و جوزك الرمه دا حسابه معايا انا…
يوم واحد قسما بالي خلق الخلق يوم واحد زياده في اسكندريه بكرا الصباح هيلقوا جثتك مرميه في البحر بس للاسف مش هيتعرفوا عليها من اللي ممكن اعمله فيك لو اسم زينب جيه على لسانك دا فاهمه!”
اومات براسها برعب و هي تبكي تحاول التملص من قبضته بينما حاول” على”
جذب صديقه عنها
على بخوف:صالح في ايه هتمو”ت في ايدك ابعد عنها….
دفعها باشمئزاز و استحقار قائلا بحدة
“غوري و اللي اتقال دا لو حد سمع بيه انتي حرة يبقى انتي اللي اخترتي و اسألي عن عيلة الشهاوي و اللي بيقف ادامهم بيحصله اي”
حاولت النهوض ببط و ضعف لم تتوقع أن تأتي العاصفه بوجهها هي
غادرت بثابها المتسخه بالطين اثر وقعتها بذلك المكان
على بخوف و عدم فهم
:صالح في ايه؟ حصل ايه لدا كله؟
نظر لصديقه بعيون تتارجح بنيران حارقه
رغم الحب رغم اي شي لكن ما سمعه كان أكبر من تحمله
كل شي سمعه و اكتشفه كان أكبر من طاقته
:لم ينطق بكلمه واحدة وهو يتجه نحو سيارته قادها بأقصى سرعه حتى وصل لشقته
أخبرها منذ البدايه يكر”ه الأسرار…. يكر”ه الكذب…. يبغض الخيا”نه و بشدة….
===================
وصل بعده مدة قصيره الي منزله و عقله يشوبه الشوائب تعميه عما يدور حوله
فورا دخول صالح الي الشقة وقف بدخلها بجسد متشدد بالغضب وعروق عنقه تتنافر بينما يزداد وجهه احتقان من عنف ووحشيه أفكاره السوداء بعد اتهام تلك الافعى زوجته بافظع التهم و ابشعها
ضرخ باسمها بعنف و غضب.. يثق بها و لو قليل لكن ما يصوره له عقله الان بخصوص علاقات ذلك الحقير رشاد و رغبته بزوجته ينهش يعقله و قلبه يفتك به
خرجت زينب من غرفة النوم بارتياب من صوته العالي
ابتسمت بسعاده وهي تنظر له لكن تلاشت تدريجيا قائله بهدوء و ابتسامه
“صالح اتاخرت ليه…. قلقتني
هدخل اجهزلك الحمام علشان تاخد شاور”
تسارعت أنفاس صالح واحتدت نظراته بشده وهو يراقبها دون أن يسمع كلمه واحدة مما تقوله حيث كان السعر الذي بداخله من كلمات تلك المرأه و بشعة تخيل ما قلته يصم اذنه و يكوي اعماقه
يرغب بأن يمز”قه بسكين حاد ليجعله يدفع ثمن ما تسبب له من الالم
اتجه نحوها بخطوات مندفعه غاضبه جاذبا اياها نحوها بقسوة مما جعلها تشهق بقوة و قبضته تزداد قسوة على يديها قائلا بعنف
:اللي اسمه رشاد دا عايز منك ايه؟ و ايه علاقتك بيه….
وقعت تلك الكلمات عليها كالصاعقه جف حلقها شعرت باضطراب أنفاسه بقوة لم تشعر بدموعها التي انسابت على وجهها دون ادراك ليجن جنون منها صرخ بها مره اخرى و هو يضغط على ذراعها
:انطقي ايه اللي بينك و بينه؟!
حاولت التحدث لكن لم تستطع اخباره باي شي بينما ازدادت شهقاتها قائله بارتجاف
:مفيش بينا حاجه والله…..
قاطعها بغضب
:لو كذبتي انتي حره يا زينب من اللي هعمله فيكي و صدقيني هتندمي لو فضلتي ساكته
عضت على شفتيها بندم قائلة بحزن و بكاء
:والله العظيم ما في حاجه من ناحيتي اقسم بالله كل الحكايه انه طلب ايدي قبل كدا من بابا و انا رفضت و بعدها هو حاول يكلمني كذا مره على الموبيل لكن مكنتش برد عليه لكن كان كل شويه يجيب نمره جديدة و يحاول يقنعني ويقولي انه بيحبني
بعدها بطلت ارد على اي نمر غريبه و هو سافر و اللي عرفته انه اتجوز بنت غنيه قلت الحمدلله بعد عني و هرتاح من زنه لكن…..
صمتت للحظات تبكي بحرقه و شهقات مريره
:والله العظيم يا صالح مافي بينا حاجه و يوم الصباحيه هو بعد ما انت نزلت من هنا مع خالتي جرس الباب رن و انا طلعت اشوف مين دخل وقفل الباب و قعد يقول كلام غريب و انه مش هيسبني و لسه عايزني بس والله طردته و من وقتها ماشوفتش تاني
زمجر بقسوه وعنف من بين اسنانه
“و محكتليش ليه …. ولا خايفه على البيه …
رفعت عينيها المليئة بالدموع ناظره اليه بضعف
:لا خفت منك…… اول ما اتجوزنا خفت منك… كنت عارفه انها فتره و احتمال نطلق و منكملش قلت كدا كدا هنسيب بعض مالوش لازمه اتكلم و بعد شويه علاقتنا اتطورت لكن هو مظهرش في حياتي تاني قلت يبقى اكيد نسيني”
همت بمتابعة الحديث لكنه قبض على شفتيها يقبلها بعنف مما جعلها تهمهم محتجه محاوله دفعه بعيداً
أصبحت قبلته اكثر قسوة جاذبا اياها لصدره
نزلت دموعها وهي تتلوي بين ذراعيه فلمس ملح الدموع شفتيه
مجرد التخيل انها يمكن أن تبتعد او تكون لغيره
يقتله شيطانه من الغيرة المُهلكه لروحه و التي لم تعرف طريقها له يوما الا بعد معرفه تلك الفتاة
ابتعد عنها وهو يسمع نحيبها يتزايد من بين شفتيها… حررها تاركا اياها تكاد تنهار، وضعت يديها تلامس شفتيها تبكي بهستريه
تراجع للخلف و شيطانه يامره بابشع ما يمكن تخيله زمجر بشراسه من بين أسنانه المطبقه بقسوة و قد ارعبته أفكاره الوحشية نحوها
:ادخلي اوضتك و مش عايز اشوف وشك ادامي احسنلك”
ارتعشت بارتياع و هي تقترب منه وضعت يديها على كتفه بحنان قائلة بهدوء عكس ما تشعر به
:صالح ارجوك اهدي…. انا عارفه اني غلطت لما محكتلكش بس ارجوك اهد…..
قاطعها و هو يزمجر بشراسه بينما دفع يديها بعنف قائلا بحدة
:عارفه ياللي عملتيه دا وصلنا لايه…. واحد و”سخ زي دا….. ااااهه
اطلق صرخه مدويه تنم عن مدى الغضب و الألم الذي يشعر بداخله لا يعرف كيف يخمد ذلك السعير بداخله
اخذ يدمر و يكسر كل ما تقع يديه عليه محاولاً اخماد غضبه الذي يلتهمه من الداخل وهو يلعن نفسه لضعفه نحوها الذي جعله بهذا الضعف أمامها.. شيطانه يخبره ان ينقض عليها و قلبه يقيده بمنتهى السلاسه هو من قيد نفسه بالاغلال حين سمح لقلبه ان يحبها حتى أن لم يعترف بالكلمات لكن يجزم قلبه الان انه وقع فريسه لرماديتيها منذ البدايه حين انقذته
كانت زينب تنظر له برعب يفترس بقلبها عليه
ظلت تحتضن جسدها حتى انهارت قدميها اسفلها لتجلس على الأرض وهي تضع يديها حول اذنها محاوله حجب صوته المرعب و تدميره للاشياء حولهما
مرت عدة دقائق
حتى حل الصمت بارجاء المكان
نظرت حولها بشهقات مريره فقد دمر المكان باكمله حيث كان شظايا زجاج الزهريات و تحف الزينه المحطمه تملي الارضيه ومقاعد الطاوله ملقيه أرضا الغرفه تبدو و كان هناك صاعقه قويه دمرته
حمدت الله أن والديه و اخته ليس في المنزل بينما قد ذهب إلى منزل شغف الحسيني (والدة حياء) منذ الأمس
نهض من مكانه يخرج من المنزل لكن بتلك الحاله المزريه و عيناه قد زادت احمرار و فقد هندمته
استقامت سريعا و هي تنظر له برعب
ترجلت نحوه بسرعه وهو يضع يديه على مقبض الباب لكن أطلقت صرخه متالمه تشعر ان قدميها لم تعد تسعفاها على الوقوف اكثر تشعر بدوامه تسحبها كانت ستسقط أرضا
حاوط خصرها بخوف قبل أن ينحني قليلا يحملها بينما لفت يديها حول عنقه تستند براسها على صدره تنتحب بصوت خافت
اتجه نحو غرفتهما وضعها برفق فوق الفراش نظر لقدمها وجدها تنز”ف أثر بعض الشظايا التي اخترقت قدمها و هي تحاول منعه من الخروج
اتجه بجسد مرهق نحو الخزانه جلب علبة الاسعافات الاوليه ليجلس بجوارها
وضع قدمها على فخذه يسحب قطع الزجاج الصغيره منها
اغمضت عينيها بقوة وهي تبكي بينما تغرز اظافرها بكتفه
انهي تضميد قدمها مغادرا الغرفه و المنزل لكن أمسكت بيديه بقوه قائله بنبرة شبه رجاء
:بلاش تخرج و انت كدا ارجوك
صالح بحدة :مش انا اللي اسيب حقي و لو ساعة واحده
تركها و غادر المنزل.. تركها تبكي بهستريه
لم تحسب لما قد يفعله الافاعي لم تحسب لتلك نيران الغيرة… و الان تكوي اعماقها خوفا عليه
:يارب…. يارب مش عايزه اخسره يارب
****************
بعد وقت ليس بالقصير ما يقرب ساعتين
فتح رشاد عينيه بصعوبة وهو مازال مقيد الى ذلك المقعد حين شعر بحركة بجواره ليتسلل الذعر اليه حين وجد رجلان شديدان البنيه يقفان أمامه يشعر بالالم في كامل جسده يحاول استعادة الذاكره فيما حدث و كيف جاء الي ذلك المكان
حتى صدح صوت قوى اتى من الظلام شعر وكأنه مألوف لكن لم يستطيع التعرف عليه
:اهلا اهلا منور يا رشاد باشا…. ايه رايك في الضيافة بتاعتنا مش من مقامك بس اوعدك مش هتخرج من هنا الا لما تاخد وجبك
حاول رشاد التعرف على الصوت لكن لم يميزه رد بصوت مذعور خائف
:انت مين؟ وعايز مني ايه؟
اقترب صالح من دائرة الضوء وعلى وجهه ابتسامة ساخرة ولكن عينيه كان بداخلهم شراسة وحدة ارعبت رشاد وجعلته يعلم ان افعاله لم يحصد عواقبها بعد..لتحقق ظنونه حين قال صالح بصوت متهكم ساخر
:معقول مش عارف تميز صوتي…. بس انا عذرك برضو اصل اكيد اللي انت عامل معهم مشاكل نسوان ميعرفوش ياخدوا حقهم لكن حظك وقعك معايا مبعرفش احط راسي على المخدة و انا ليا حق عند حد
جف حلقه و هو ينظر لصالح الذي جلس أمامه على اريكه وضع قدم على الأخرى بينما يقف خلفه على و بعض رجاله
رشاد بخبث:و حقك ايه بقى ان شاء الله
هو انا و انت بينا حاجه مشتركة و لا اقصدك زينب الصراحه هي جامدة و تستاهل يااه كريمة بالقشطه
بس مش شايف انها رجوله على الفاضي
اربعه على واحد… توتو كنت فاكرك ارجل من كدا
ابتسم بمكر و هو ينظر له بخوف يحاول اخفاءه.. محاولا استفزاز صالح
اتجه صالح نحو رشاد مباشرتا ليركله في معدته بغضب لنقلب الكرسي قائلا لعلي
:فكلي الكلب دا و اطلعوا برا
اطاعه على وهو يقوم بفك قيد رشاد الذي كان يتألم من شدة الضربه التي وجهت لمعدته
:اطلعوا برا…مش عايز حد يبقى موجود ولا يتدخل في اللي هعمله
على بشك
:طيب بلاش الحرس بس وانا هفضل موجود مش هتدخل
زمجر بحده و غضب وهو ينظر لرشاد
:قلتلك اطلعوا برا مش عايز حد يتدخل
حاول على امتصاص غضبه قائلا
:وانا مش هتدخل انا بس عايز ابقى جانبك يا صالح
اوما له بغضب ليشير على للحرس بالخروج من المخزن بينما ابتسم صالح بشيطانيه و هو يخلع حزام بنطاله يلفه على يديه كالسوط يجلد به رشاد و الذي انصعق من ضربات صالح القويه على جسده حتى اسالت الدماء من جسده وسط صرخاته القوية ليقول صالح بغضب
:ما تدافع عن نفسك يا ز”باله و لا مبتتشطرش الا على الحريم
تراجع رشاد خطوات للخلف ثم نهض فجأه وحاول مهاجمة صالح الذي تفادى لكماته مره بعد اخرى وهو يرد عليها بلكمات موجعه موجهه للنصف الاسفل من جسد رشاد الذي سالت الدماء من جسده بشده
بعد ان تناول صالح حزام بنطاله وقام بجلده به بقوه حتى كاد يغيب عن الوعي من شدة الالم
ابتسم بخبث وهو يجثو على ركبتيه امام رشاد قائلا بخبث
:اامم دي كانت ذكره بسيطه و هدية مني لك… زينب تخصني حاول بس تقرب منها صدقني وقتها مش هكتفي بضربك ساعتها هسلخ جلدك حي.. و افتكر كويس اوي اللحظه دي… “صالح جلال الشهاوي” مبيسبش حقه و حق أهل بيته و لو اتجرت بس و فكرت فيها صدقني هتندم
و دا كان حساب تهديدك لمراتي في بيتي
على….
علي :نعم
صالح بجديه:الرجاله ياخدو الكلب دا يرموه في اي حته
اوما له بايجاب بينما غادر صالح المخزن ليقسم رشاد بداخله ان يدفع الثمن غالي
ربما لان صالح لا يعلم شي عن خطته بعد يقسم بداخله لو علم بتلك الخطه لكان دفنه حي بمكانه و لن يشفق عليه
*******************
دلف الي منزله بجسد مرهق كان يعتقد انه بعد ما فعله ستخمد النيران بداخله لكن تأبى ليبقى يقود سيارته بلا هدف حوالي ساعة و قد قربت الساعه من الثالثه صباحا
وجدها تجلس على الاريكه يبدو عليها التعب بعدما قامت بتنظيف الفوضى التي افتعلها
كانت شبه مستيقظه بعينانا مغمضتان جلس بجوارها على الاريكه ابتسم بحزن وهو يمد انامله يزيح خصلات شعرها عن وجهها لتشعر بلمساته فتحت عينها سريعا تنظر له بخوف و رغبه قوية في احتضانه قائله بارتجاف
:والله العظيم عمري ما فكرت فيه والله ما بكذب عليك
جذبها بحنان لصدره بينما اخذت شهقاتها تتعالى بين ذراعيه تمسكت به بقوة قائلة بتبرير
:والله ما كدبت عليك…. انا اسفه اني خبيت عليك بس والله ما قصدي اي حاجه وحشه
اخذ يمسد على شعرها بحنان لتمر الدقائق في صمت حتى حملها و دلف لغرفتهما وضعها فوق الفراش برفق كاد ان يغادر حتى هتفت بحدة خوفا عليه
:صالح انت عملت ايه لما خرجت؟ اوعي تكون اذيته….
صالح :اسكتي يا زينب
:بس انا خايفه عليك
جلس بجوارها قائلا بارهاق
:معمتولش حاجه مش هضيع نفسي علشانه
زينب :صالح انت مصدق عليا حاجه وحشه
نظر لها بجدية قائلا ببعض الثقه
:لو مصدق مكنتش هبقي قاعد جانبك دلوقتي…. انا هروح انام في اوضه للأطفال ساعتين و هنزل الوكاله
:أوضة الأطفال؟! ليه معقول مش طايق وجودي معاك…. انا قلتلك اني كنت خايفه بس انت عندك حق.. نام في اوضتك انت اكيد تعبان مش هتعرف تنام هناك
انا هروح انام في الاوضه التانيه
قد ازداد ظلام وعنف عينيه كوحش يستعد لانقضاض على فريسته جاذبا اياها قبل أن تنهض يقبلها بحدة لم تعهدها منه من قبل
————————–
جلس صباحا يرمقها بنظراته يحاول بيأس الالتقاء بعينيها لكنها اخذت تتهرب منه تتصنع الانشغال بترتيب المنزل
تتجاهله تماما فتجعله يشعر فى لحظة بمدى حقارته
فلاول مرة يتعامل معها بكل هذا العنف فى علاقتهم الخاصة لدرجة ادمتها بشدة وقد ظهرت امام عينيه بشرة عنقها وكتفيها المكدومة نتيجة عنف شفتيه فوقهم لايدرى اى جنون قد اصابه ليلة امس فكلما تذكر كلمات تلك الافعى
يجعله كالوحش يرغب بالتنفيس عن غضبه والظلام بداخله وقد حدث وفقد السيطرة لاول مرة وترك لظلامه السيطرة عليه لليلة امس ليصبح عنيفا قاسيا معها وها هى النتيجة امامه تجلس معه في نفس الغرفه بينما تتجنبه تماما كأنه احد الفيروسات لكنه لم يستسلم يمد يده يتلمسها وهو يناديها برقة لكنها اسرعت بسحب ذراعها بعيد عنه
وقد ارتجف جسدها كما ظهر لعينيه بأنه رعب منه وهذا اصابه هذا بمقتل وجعل من ضرورة حديثهم معا الان وفورا قائلا بحنو
:زينب لازم نتكلم….. معليش اسمعيني
ردت بصوت ضعيف باكي
:بس انا مش فاضيه
جعله مظهرها هذا وصوتها مرتجف يشتعل غضبا من نفسه ليأتى رفضه على طلبها غاضب حاد فيجعلها تنتفض فى مكانها تتراجع للخلف خوفا ورعبا منه
وقد ازاد شحوب وجهها حتى اصبح الورقة البيضاء وهى تخفض وجهها تنكمش على نفسها كطفلة صغيرة مرتعبة
زفر بحدة يتشدد فكه هو يراها امامه بتلك الحالة تنتهى قدرة على التحمل لايستطيع تحمل المزيد من هذا لينهض عن مقعده بعنف
يجذبها نحو صدره يحتضنها بقوة اليه وما ان احاطها بذراعيه حتى سقطت جميع الجواجز بينهم تنهار فى البكاء تدفن وجهها فى عنقه وقد تعالت شهقات بكائها تتقطع لها نياط قلبه يهمس لها بأرتجاف وصوت حمل كل اسف وندم العالم
:اسف..والله اسف انا مش عارف حصل لى ايه… حقك عليا مش هتتكرر تانى صدقينى..
ازداد تشبثها به كانها تجد الراحة من المها بين ذراعيه وتنسى بأنه كان المتسبب به ليزيد هو ايضا من احتضانها بحماية يود لو يدسها بين ضلوعه يمتص كل حزنها والمها بداخله يهمس بالمزيد والمزيد من اعتذاره واسفه بصوت متوسل اجش حتى هدئت اخيرا شهقاتها لبيعدها عنه ببطء ينحنى عليها يقبل جفنها بنعومة تزيح بشفتيه دموعها بعيدا ثم ينحدر بهم بقبلات ناعمة وهى تغمض عينيها مستسلمة له تماما حتى شعرت بلهيب انفاسه فوق شفتيها لتفيق من استسلامها هذا تبتعد عنه شاهقة بجزع قائلة
:صالح… موبيلك بيرن اكيد بيستعجلوك في الوكاله… تقدر تنزل على فكره
زفر باحباط وقد تهدجت انفاسه يبتعد عنها قائلا بجدية
:لازم تسمعيني الاول… امبارح في واحدة حق”يرة قالت في حقك كلام مفيش راجل يستحمله على كرامته مش معنى كدا اني كنت مصدقها بالعكس اقسم بالله كنت واثق فيكي
و لما خرجت من هنا جبت الكلب اللي اسمه رشاد دا المخزن شفت في عيونه نظره مستحملتهاش كلامه عنك جنني رغم انه دلوقتي تليقه متلقح في المستشفى مش عارفين يداوا اي جرح فيه لكن مع ذلك كنت حاسس اني بنحرق من جوا كل مما افتكر كلامهم و انك خبيتي عليت حاجه زي دي
لما قلتلك هروح اوضه الأطفال مكنش عشان غضبي منك لا…. كنت خايف عليكي من نفسي و للأسف اللي كنت خايف منه حصل…. معرفش ازاي بس صدقيني الكلام اللي سمعته مفيش راجل يستحمله
التفت اليها مرة اخرى يسألها برجاء وتوسل
: سامحيني يا زينب حقك عليا ؟ والله العظيم غصب عني
هزت رأسها لها بالايجاب تبتسم له برقة و حب
لتشع عينيه بالسعادة يسألها مرة اخرى كانه يحتاج الى تأكيد اخر منها
: يعنى مش زعلانة منى خلاص ؟
اومأت له مرة اخرى ليقوم بوضع كفه خلف رأسها يجذبها نحوه مقبلا جبينها برقة وهو يغمض عينيه براحة واطمئنان للحظات كانت لها كالبلسم يشفى المها قبل ان يبتعد عنها مبتسم بنعومه وعيناه تسترق بنظراته عليها قبل أن يصدح رنين جرس الباب و ينادي عليه لحد عمال الوكاله
:يا بشمهندس صالح مش هفتح النهارده برن عليك مش بترد و العمال واقفين أدام الوكاله
ضحكت زينب بخفه و هي تنظر له يختطف قبله حانيه من وجنتها قائلا
:لازم انزل دلوقتي خالي بالك على نفسك هرن عليك اوعي تكنسلي
ابتسمت له برفق قائلة بحب
:هستناك على الغدا
ارتفعت بسمته تزين ثغره يهز رأسه لها بالموافقة ثم يهمس لها بسلام مودعا يتجه ناحية الباب
لكنه توقف بعد فتحه للباب يلتفت اليها مرة اخرى هامسا بنعومة وصوت اجش
:هتوحشينى لحد ما ارجع
التمعت عينيها يتراقص قلبها بالفرحة تهمس له بخجل وصوت مرتعش رقيق
:وانت كمان هتوحشنى…متتأخرش عليا
هتف العامل من الخارج قاطعا حديث عينيهم بعد ان طال عليها الانتظار قائلا
:ياله يا باشمهندس العمال واقفين عند الوكاله
صدحت ضحكة زينب المرحة فى المكان بعد نظراته الحاده له اخذ مفاتيحه قبل أن يغادر
وقفت تنظر لطيفه ببعض الارتياح و الآن لم يعد هناك أي أسرار بينهم رغم صعوبة ليله أمس باكملها و غضبه و خوفها عليها لكن الآن قد تتحسن الأمور
زينب بهمس لنفسها وهي تدلف لغرفتها تنظر للمرآه:
كدا مفيش حاجه تخافي منها و رشاد شكله اخد جزاته و مش هيقرب مننا الحمد لله
بس لما بيغضب بيكون…..
عضت على شفتيها بضيق و خجل قائله
:دا انا متعلم عليا……
—————————-
في منزل شغف الحسيني
استيقظت حياء تشعر به يحتضنها بقوة كما لو كانت ستهرب من بين ذراعيه ابتسمت بحنان وهي تمرر يديها على خده بحنان مالت عليه تطبع قبله حنونه على خده قائله بهدوء
:جلال اصحى… قوم ياله
همهم ببعض الكلمات الغير مفهوم وهو يجذبها بين ذراعيه دافنا وجهها بتجويف عنقها
حياء:جلال…. قوم ياله
فتح عينيه بتثاقل وهو ينظر لها قائلا بضيق
:نامي يا حياء… نامي انا لسه عايز انام
حياء:بس انا خالص قمت مش عايزه انام تاني
اغمض عينيه قائلا بجديه
:انا لسه عايز انام فاريت تنام بقى لان لو قمتي مش هعرف انام فاسكتي بقي
لم يمهلها الفرصه للاعتراض جاذبا الغطاء عليهما بينما حاولت النوم لكن كان يجافي عينيها…
مر بعض الوقت بينما يوليها ظهره.. اخذت تنظر له بعيون مليئه بالدموع و هي ترى الجرح القديم أثر الر”صاصه الذي أخذها حين سافرا الاثنان لقضاء شهر العسل
تذكرت كيف وقع فوقها و جسده ينزف مررت يديها ببط على أثر ذلك الجرح
شعر بلمساتها الحنونة نظر لها بابتسامه مراوغه
:مش ناويه تنسى و تبطلي عياط بقى
مسحت غيمة الدموع التي تشكلت على وجهها قائله بنبرة ضعيفه
:انسى؟ انسى اني كان ممكن اخسرك بسببي عارف يا جلال في اليوم دا حسيت ان قلبي اتقبض وكأن الرصاصه كانت في صدري انا
قاطعها بضيق و هو يمسد على شعرها الغجري قائلا بحده يغلب عليها العاطفه
“هشش مش عايز اسمع كلام مالوش لازمه علشان بتعصبيني على الفاضي.. ربنا ما يحرمني منك يا حياء… و بعدين بطلي تقولي بسببك دي.. منه لله اللي كان السبب ياله يا ستي اديني قمت مبسوطة كدا”
ابتسمت تحيط عنقه بسعادة قائله
:طبعا مبسوطه
تأمل وجهها مبتسم بهدوء ذات مغزى قائلا بحب
:على فكره في مفاجأة ليك عندي قلتلك عليها قبل جواز صالح لكن مكنتش جهزت و دلوقتي جهزت
حياء بفضول :ايه هي؟! انت بتشوقني و خالص يا جلال
زمجر بضيق قائلا بجديه
:بشوقك و خالص على العموم مفاجاتك عندي بس مش دلوقتي لما ايمان تسافر ليوسف لان مينفعش نسيبها لوحدها
اتسعت ابتسامتها وهي تصفق بحماس قبل أن تميل عليه تقبله
:يبقى هنسافر…..جلال.. انت مصدقت ابعد
غرز انامله في خصلات شعرها يجذبها بينما يقبلها بنهم و اشتياق و كأنهم في بداية زواجهم
لكزته بغضب و خجل في جانبه وهي تدفعه تاوه بالالم زائف وهو يضع يديه على جانبه
انتابها الخوف وهي تضع يديها على كف يديه قائله بارتباك
:اسفه مكنتش اقصد والله… بتوجعك؟
ابتسم بخبث وهو يغمز لها بشقاوة
:اوي….
اشتعل وجهها بالغضب قبل أن تدفعه بقوه تتجه نحو الحمام قائلة بضيق
:تستاهل…..
بعد مرور بعض الوقت
في المطبخ
تقف عفت بارتباك وهي تتحدث في الهاتف بصوت منخفض يبدو عليها الذعر
عفت:يعني ايه؟ الباشا في المستشفى… طب انا اعمل ايه اكمل و لا امشي شكلك هتودينا في داهيه يا خالد
خالد (مساعد رشاد)
:لا متمشيش و خليكي بينهم و حاولي تقربي منها بس متنفذيش اي حاجه الا لما اكلمك… احنا بس هستنا شويه علشان لو عملنا اي حاجه دلوقتي هيشك فينا… المهم تحاولي تقربي منها و تخليها تثق فيك علشان يكون شغلنا متسهل لحد ما الباشا يؤمر
عفت :طب و دا هياخد اد ايه؟
خالد:شهرين تلاته و بعدها نضرب ابن الشهاوي الضربه القاضيه ساعتها يبقى يورينا هيعمل ايه؟
عفت :ماشي يا خويا بس الباشا بتاعك دا شكله هيموت عليها بس الصراحه تستاهل إذ كان انا كانثي و شايفها صاروخ .. من حقه يعمل دا كله علشان يتجوزها ياله ربنا يقدرنا على فعل الخير مدام هنقبض
انهت جملتها بضحكة ساخره
لكن قاطعها صوت حياء الحاد قائله بضيق
:في ايه يا عفت على الصبح…..
انتفضت مكانها و هي تنظر لحياء قائلة بارتباك
:معليش يا ست هانم كنت بكلم محروس جوزي و انتي فاهمه بقى
نظرت لها بغضب و حنق قائلة
:ياريت لما تكلميه تاني يكون في اوضتك و بلاش الضحكه المرقعه دي على الصبح
…. جهزتي الفطار؟
عفت؛ اه اه جهزته
حياء:طب حطيه على السفرة…
تركتها وهي تشعر بعدم الارتياح منذ الوهله الأولى لكن حاولت تمرير الأمر بعد معرفة ظروفها
————————-
في مقر الشركه بلندن
يجلس يوسف علي مقعده العالي أمام احد التصاميم يبدو عليه الضيق الحنق و عدم التركيز حتى التفت اليه صديقه عدنان قائلا بارتياب
:جو…. شو فيك؟
التفت له وهو يزم شفتيه بحنق
:عارف لما حد يبقى وحشك اوي و مفتقده… هو دا بالظبط حالي
ابتسم عدنان قائلا بود بلهجته
:ربما هاد هو الحب…. مشتاق لمين؟
يوسف بضيق
:واحدة كدا مجنونه بس طيبة و جميله عيونها للأسف تسحرك
عدنان:وليش للأسف؟
يوسف :لان البعد اسوء بكتير مما كنا نعتقد
عدنان :يمكن هاد واحد من اختبارات الحب.. بس مبين ان في شي تاني
التف يوسف نحو التصميم وهو يبرك شفتيه بغضب
:الباشمهندسه عهد….. البنت دي انت تعرفها
عدنان:اه بعرفها هي لبنانيه مصريه بس ليش… انا شايف ان العلاقه بينكم منيحه و كمان بالفترة الاخيره بتنزلوا الموقع مع بعض
يوسف بحنق:هو دا السبب…. البشمهندسه حنين حطه وعد معايا في كل مكان من وقت ما دخلت التيم لدرجه اني حاسس ان شويه و هتجيبها المكتب معانا… المشكله مش في كدا عارفه لو هي بتتعامل عادي زيها زي اي واحدة في الشركة كنت هقول اوكي لكن بحس انها عايزه تدخل في حياتي بسبب و من دون سبب تخيل انا و إيمان حصل بينا مشكله بسيطه وانا قفلت معها و انا متعصب لقيت عهد جايه و بتتكلم بطريقه انا نفسي استغربتها و كأنها خطيبتي انت فاهم قصدي…. لا وكمان بتقول
” اكيد مراتك غلطانه انها تزعلك انا لو مكانها مستحيل اعمل كدا… مش هخليك تزعل و لو لحظه واحدة…. و مستحيل اسيبك تسافر اكيد ما بتحبك” لولا اني وقفتها عند حدها بصراحه مش عارفه ايه و باجي اكلم ايمان بلقى نفسي طلعت ارف اليوم عليها
عدنان:عنجد قالت هيك….بس شو هاد… ايش ذنب زوجتك…
يوسف بضيق:ما هو دا اللي مضايقني تعرف نفسي انزل مصر بس انا مبقاليش كم اسبوع هنا
عدنان :خالص كلمها و اعتذرلها مو صعبه
يوسف :هعمل كدا ايمان متستاهلش اني ازعلها
عدنان:الله يسعدك اخي….
ربت على كتفه باهتمام قبل أن يأخذ هاتفه يغادر المكتب
في مصر
تجلس ايمان مع احد المرضى ابتسمت بود للسيدة العجوز قائله بود
:لا دا انتي حالتك النهارده عال اوي يا ام عبدالله…..
أم عبدالله بطيبة: والنبي انتي قمر و قلبي ارتاحلك من اول ما شفتك… الحمد لله احسن وانتي بسم الله ماشاء الله عليك ايدك تتلف في حرير محستش بالحقنه
ايمان بابتسامه جميله :طب الحمد لله…
صدح رنين هاتفه من جيب بالطو الأطباء الخاص بها
اخرجته لترى اسمه أمامها لا تنكر شعورها بالضيق منه لكن تذكرت نصيحة والدتها
“بلاش تخلي جوزة يحس انه بعد ما سافر في حاجه اتغيرت و الا هيتغير و ساعتها يمكن تخسروا بعض”
خرجت من عنبر المرضى فتحت الخط
يوسف بصوت مرهق
:ايمان اسمعيني…. عارف انك زعلانه مني بس صدقيني غص
ايمان بحب و مقاطعه: بحبك
ابتسم بارتياح وسعادة ليستمع لصوتها العقلاني يغلب عليها عاطفتها
ايمان :مش محتاج تبرر يا يوسف… انا عارفه انك مضغوط في الشغل مش زعلانه ها بقى يا سيدي عامل ايه؟
يوسف :ايمان انتي بجد أجمل انسانه عرفتها و حبيتها بصي يا ستي انا الشغل ماشي معايا تماما كم شهر و نبدأ في المرحله الاخيره و دي هتاخد شويه وقت برضو بس ان شاء الله تعدي على خير
ايمان بحماس: يوسف يوسف بقولك الناس في المستشفى بيحبوني اوي و الصراحه الشغل هنا تحفه و دخلت اوضه الجراحه صحيح كنت مساعدة للدكتور مش اكتر لكن عارف والله العظيم حسيت بسعادة كأني ملكت العالم… تعرف نفسي في ايه؟ بجد امنيتي
يوسف :اي….
ايمان بحزن :تكون معايا في أول جراحه ليا… بس غادي يعني احكي لي بقى كل حاجه و بتكلم بابا و لا نسيته
يوسف بتفكير:لا بكلمه و بكلم صالح بيقولولي انك دايما في المستشفى
دار بينهما حديث لا يخلو من الحماس و السعادة الحب الصادق
======================
و تمر الأيام على الجميع بين المشاكل و الحب و أحيانا الحزن و المشاكسه
حتى ثلاث اشهر
بالنسبه لعلاقه صالح و زينب قد تالفت واصبحت أقوى بكثير أصبح تلهف قلوبهم أقوى بكثير لا يوجد حواجز بينهم تتلهف روحها لرؤيته تشتاق له و بشده ان غاب عن عينيها … اما هو فبات التغيير بداخله تغير جذري تام… أصبح يعشقها و بشده وجودها في مكان يعني سعادته لم يعترف بذلك بالكلمات لكن تصرفاته تنم عن غمرة قويه من المشاعر
أم علي و حبيبه
عادت لدراستها مع عودة الدراسه و الآن انتهت عدتها… عادت مشرقه طموحه جميله بوجوده و دعمه لها
أم هو فقد عادت له روحه من جديد و كأنه وجد المفقود منها
يعمل في مصنعه الخاص فقد بدا العمل به منذ شهرين و هي تدعمه
بالنسبة لباسل و نور فهي لم تتغير كثير
أصرت على الاستمرار في عملها رغم طلبه بأن تتوقف و هو ملزم بكل مصاريفها لكنها شعرت بالخوف من أعادت خطئها الاول عندم تركت عملها بعد خطبتها الأولى و لكن لم تبرر له
أما باسل يشعر بالغضب منها أحيانا لكن حاول تهدئة نفسه و الانغماس في العمل
و تم تحديد موعد الزفاف بالنسبه له يشعر بالانتصار عليها و كلما اقترب الموعد يزيد من توترها مشاغبا
يوسف و إيمان لم تتغير علاقتهما كما هي جميله و ناضجه
جلال و حياء علاقتهم مازالت دافئه صادقه لن تغيرها الايام ابدا ستبقى قوية لن يزعزها احد
—————————–
في يوم كتب الكتاب (باسل و نور)
كان صالح يقف امام محل عمله يتابع سير العمل وهو يصرخ فى العمال بعصبية شديدة حتى يسرعوا فى تفريغ الحمولة فكلما اسرعوا بالانتهاء كلما قربت لحظة اجتماعه بها حتى يستطيع اخيرا ان يبثها كل مافى قلبه لها
ولن يخفى عنها شيئ بعد الان ولكن ما باليد فليس امامه الان سوى الانتظار اما انتهاء العمال او حضور أبيه حتى يتابع هو مجريات العمل
لتمر نصف الساعة اخرى على هذا الحال وكأنها مرور دهر عليه حتى تنفس الصعداء حين لمح والده يهل عليه من ناحية المنزل
بوجه بشوش تجتمع فيه القوة و الطيبه
جلال :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صالح بوجه مبتسم :وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… ازايك يا حج؟
جلال :الحمد لله بخير… نزلوا البضاعه
صالح :العربيه التانيه زمانها جايه من المخزن العمال نزلوا شحنة الكتان و بيرتبوها جوا
ابتسم جلال بخبث و هو ينظر لابنه قائلا
:خالص خليك معاهم لحد ما ينزلوها و انا هطلع على عمك جمال بقالي كتير مشوفتوش
شعر صالح بالاحباط و قد ضاعت احلمه قائلا باحترام
:طبعا اتفضل يا حج…..
جلال بهدوء :ايه دا هتقعد؟
صالح :اه طبعا
جلال بحب:طب ياله روح اتغدا و ريح شويه انت من الفجر في الشادر
وانا هخليني معهم لحد ما ينقلوا البضاعه
ضحك صالح بسعاده وهو يحتضن والده قائلا وقد التمعت عيناه
:مش هتاخر ساعتين و راجع
جلال :مع السلامة… ياله اتفضل
=====================
وصل صالح اخيرا لشقته يفتح بابها بسرعة يدلف للداخل ثم يلقى بمفاتيحه باستعجال وعينيه تدور فى ارجاء المكان بحثا عنها
وهو يناديها بصوت عالى ملهوف حتى هلت عليه اخيرا من داخل المطبخ تمسح يديها فى منشفة وقد وقفت امامه تخطف القلب والعين برؤيتها يتأملها ببطء شوق شديد للحظات حتى لم تعد تكفيه المشاهدة فقط يفتح ذراعيه لها على اتساعها فى اشارة فهمتها على الفور فتسرع بألقاء المنشفة ارضا وتجرى نحوه ترتمى عليه تحتضنه بقوة اليها بعد ان احاطها بذراعيه حتى كادت ان تختفى بينهم ثم رفعها اليه وقد تعلقت بعنقه ويدس وجهه فى عنقها يتنفس بعمق رائحتها والتى بات يعشقها هامسا بتحشرج
: وحشتينى اوووى فى الشوية اللى بعدتهم عنك دول
تراجعت للخلف برأسها تنظر اليه بتدلل قائلة بعتب.
: لا انا زعلانة منك.. بقى هما دول الساعتين اللى قلت عليهم من الفجر لحد الساعه دلوقتي تلاته العصر
ابتسم بسعاده قائلا بمرح
: حقك عليا بس الحمد لله الحج قعد في الوكاله شويه…. وحشتيني اوي يا زبدة
ثم انحنى يلثم خدها هامسا برقة
:كان هاين عليا اسيب الشغل و اجيلك اول مره في حياتي يبقى في حاجه عندي اهم من الشغل عملتي فيا ايه
تصنعت الحزن لتنفرج شفتيه عن ابتسامة صغيرة وعينيه تلتمع اكثر
:لااا ده كده الموضوع كبير…مفيش حل تانى ادامى غير كده علشان اصالحك
وبدون ان يمهلها سوى فرصة لالتقاط نفس قصير من الهواء بشهقة منها عالية قد انقض على شفتيها يقبلها قبلة كانت مثل كجرعة من السعادة وهى تزيد من التعلق به تبادله اياها بعاطفة مجنونة وقد اختفى بينهم ولم يعد هناك مجال لاى حديث بعد ان جرفهم سيل المشاعر للحظات طوال اوقفته وهي تبتعد قليلا
همست قائله بارتياب
:صالح الغداء… شكلك هتنزل تاني و بعدين انا عايزه اروح لنور النهارده كتب الكتاب و
سالها صالح بجدية:روحتلها الصبح؟!
زينب: اه لما كلمتك روحتلها مكنتش ينفع اسيبها و جيت من شوية كنت مجهزه الاكل يدوب علقت عليه ياله علشان تتغدا
صالح عايزه اروح كتب الكتاب بس هلبس فستان على ذوقي المرة دي
مالي عليها قليلا وهو يحيط خصرها بخبث
:دا انتي قلبك اسود اوي لسه فاكره
زمت شفتيها بضيق قائله
:بلاش وش الملاك دا علشان بتتحول فجأه… بص هختار فستان و لو معجبكش مش هلبسه بس انا اللي هختار
ظل صالح طوال حديثها شاردا فى حركة شفتيها غير منتبها لاى كلمة منها لترى زينب شروده ذاك مقتربة منه تخفى وجهها فى صدره قائلة بخجل وارتباك
:صالح وحياتي ركز معايا….
ابتسم بخبث قائلا بمراوغه
:طب ما تيجي نختار الفستان سوا…
=====================
في المساء
جلست نور بجوار والدها و بجواره الماذون و باسل يضع يديه بيد والدها انتهى الماذون معلنا عن زواجهم بجملته الشهيرة
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”
خطت بالقلم اسمها على قسيمة الزواج بارتباك
تعالت الزغاريد من حولهما من بعض الجيران و الاصدقاء
جف حلقها للحظات لمجرد تخيل انها الان زوجته
كانت بكامل زينتها ترتدي ثوب أنيق يبدو بدرجه من درجات الابيض أنيق جدا حيث كان من افخم دور الازياء حيث قام باسل باختياره مخصوص لها مطرز ببعض الفضه
ترتدي حجاب من نفس درجه الثوب معه تاج بسيط مميز
وقع باسل أيضا على قسيمة الزواج و قد حضر معه والدته و اخته رغم شعورها بالنفور من المكان لكن أجبرت نفسها حتي لا تحزن أخيها، لم يحضر والده رافضا تلك الزيجه تماما لكنه لم يبالي برفض والده كثير
نظر لها بخبث واضح بين عسليته الجذابه تلك شعرت بالتوتر همسه لزينب
:والله هقوم اضر”به شايفه بيبصلي ازاي…
ضحكت الأخرى بسعادة وهي تربت على كتفها بسعادة
:مش ملاحظه انك مضيتي على قسيمة الجواز يا هبلة خافي على نفسك علشان شكله كدا مستحلفلك من يوم الخطوبه بس الصراحه شكله كاريزما اوي و كل البنات عيونهم هتطلع عليه
نور بخوف:ياخدوه وهما ماشين بالهنا والشفا
زينب :طب اسكتي بقى علشان العيون علينا
مر وقت طويل جاء بعض الضيوف مهنئين العرسان و شرب الشربات و المباركة لهما
في حين غادر الكثيرون حتى زينب اضطرت للمغادرة مع صالح
باسل بخبث:معليش يا عمي عايز نور شويه لوحدنا ينفع اخدها منكم
ابتسم سالم قائلا بود و سعادة
:طبعا يا ابني دي بقيت مراتك ياله يا نور خدي جوزك فرجيه على اوضتك
نور بهمس:ياكشي ربنا ياخدك يا بعيد اوضة ايه اللي افرجه عليها دا انا لو عليا اولع فيه هو و ابوه
دلفت معه لغرفته البسيطه في المنزل يقف بجوارها ببذلته الانيقه السوداء وساعتها الفخمه
وشعره البني المائل للاشقر مصففه للخلف باناقه جذابه عيناه العسليه الضاريه كالنمور تتفحص كل ركن بالغرفه
ملامحه رجوليه وسيمه فارع الطول بذراعين تضخان بالعضلات القوية يبدو وكأنه يمارس التمارين الرياضية يوميا
تنهدت نور بضيق قائله
:ها في ايه؟ شفت الاوضه تمام اتفضل
لم يعتري احتجاجها اي اهتمام وهو يدور في أنحاء الغرفه يتامله بنظرات مبهمه ليقول نبرة غريبه لم تختبرها من قبل
:انتي ليه وفقتي على الجوازه يا نور؟
حاولت تجاهله بارتباك وهي تجلس على المقعد بجوار الفراش قائلة بخفوت
:و انت ليه كنت عايز تتجوزني … اعتبرني يا سيدي عايزه اكوش على فلوسك او زهقت من العيشه دي فقلت عريس مريش
ضحك ساخر و لا يبدو عليه المرح وهو يضع يديه بجيب بنطاله يواليها ظهره ينظر لالبوم الصور الموضوع على الطاوله
:كان ممكن أصدق لو اي واحدة تانيه غيرك لكن انتي تو…. مظنش
نور: مهتم تعرف السبب؟
باسل :لا ابدا انا اتعودت مهتمش بالاسباب مدام وصلت للهدف
نور:و انا كنت هدفك؟!
باسل: و مازلتي…
نور بغصه :يعني اخدت الموضوع تحدي… انك تخليني اوافق
جلس على الفراش بجوارها يضع قدم على الأخرى قائلا بتفهم حزنها
:مش كدا… قلتلك من البدايه انك عجباني و عجبني شخصيتك و بحس بحاجه غريبة معاكي
نور بلهفه و فضول :حاجه ايه؟
ابتسم الأخرى وهو ينظر لصورها قائلا
:الحاجه لما بتيجي في وقتها بتكون احسن…
نور بضيق:تمام…….
هم بمغادرة الغرفه و على وجهه ابتسامة لعوبه وكأنه لم يقدر على الذهاب التف نحوها قائلا بعبث
“مش هتسلمي على جوزك ولا اي يا نور”
توترت حدقتيها واضطرب جسدها وهي تنظر له تمد يديها لها كالبلهاء لتسلم عليه وعند تلك الحركه شعر بالفوران يتناثر في اعماقه مشعل فتيلا الصبر بداخله
سحب يديها برفق كي يحيص خصرها بيديه الأخرى يقربها اكثر واكثر لتكن في لاحضانه ملتصقه بصدره العريض القوي الذي ينبض بقوة بعد أن استشعر حرارة جسدها بقرب منه.. مالي عليها أمام عينيها المذعورتبن من قربه الهالك والمخدر لها بإستثناء قلبها الذي نبض باضطراب مجنون.. لفحت أنفاسه الساخنه بشرتها
ولم تستوعب بعد أن اطبق على شفتيها و داهمها بقبلاته الثائره
حاولت دفعه و التملص من بين ذراعيه لكن حركتها تلك لم تفعل شي الا انها زادت الطين بله يزيد من هجومه الضاري بينما تسللت يديه لحجابها يحاول فكه يشعر وكأنه يقبل امرآه لأول مره حيث كان دائما يسيطيع السيطرة على رغباته لكن لأول مره يضيع بين يد فتاه.. دفعته بقوة بينما صفعته بغضب و ضيق قائلة ببكاء
“انت بجد انسان قليل الادب… وانا مش عايزه اعرفك تاني فاكرني واحدة من اللي اتجوزتهم قبل كدا….”
حاول التحكم في غضبه وهو ينظر لها قائلا من بين اسنانه جاذبا اياها من ذراعها بحده
“اولا انتي مراتي فاهمه يعني اي… ولو كنت فاكرك واحدة من اللي اعرفهم مكنتش اتجوزتك فاهمه…. بس القلم دا ليه تمن مش علشان متساهل معاكي تهب منك فاهمه ”
شعرت بالذعر و الفزع و هي تنظر له بينما نفض ذراعها تاركا اياها مغادرا الغرفه
ارتمت فوق الفراش تبكي وهي تشعر بتخبط في مشاعرها
—————————–
في منزل حبيبة
تقف في المطبخ خلف الستار مبتسمه وهي تراه يجلس بجوار والدته يبدو في غايه الاناقه يرتدي قميص كحلي و بنطال اسود يبدو في غاية الوسامة ملامحه حادة قليلا لتزيد من وسامته.. لحيته تبدو ناعمه و كأنه حلقها مؤخر يضع عطره المفضل عندها
اخذت نفس عميق و بشدة و كأنها الان تملك العالم
على بود وجدية تليق به
:شوفي يا خالتي انا مش هلق و ادور عليك انتي عارفه اني رايد حبيبة و جاي اطلب ايديها منك و انتي عرفاني كويس و مربياني و صدقيني لو وفقتي عهد أدام ربنا هخليها اسعد انسانه و هعمل كل حاجه تسعدها
ابتسمت فاطمة قائلة بسعادة
:طبعا موافقه يا علي و انا عمري ما هلقي لحبيبة حد يحبها ادك و واثق من دا… و عارفه كمان ان هدى بنت أصول و هتعتبر حبيبة بنتها
ابتسمت والدتها تأكيدا على كلامها قائله بحب
:حبيبة فعلا بنتي يا فاطمة قبل ما تكون بنتك…. واللي هي عايزاه هنعمله ان شاء الله و حتى لو عايزه تتجوز في شقة لوحدها
فاطمه:ربنا يتمملهم على خير
خرجت حبيبة من المطبخ و هي تحمل بين يديها صنيه موضوع عليها كاسات العصير ابتسمت وهي تقدم لوالدته ابتسمت هدى لها قائله بسعادة
:بسم الله ماشاء الله… زي القمر يا بيبة ربنا يحرسك من العين يا قمر
:تسلمي يا خالتي
اتجهت نحوه بخضرواتان شغوفتان متالالاتان بسعادة
وقف أمامها مبتسم و كأنه يخبرها ان القدر نصفهم في النهاية تمنى لو يحتضنها بقوةلكن اكتفي بابتسامه وهو ياخذ كاسه
أعطت والدته و أخيها ثم وضعت الصينيه على الطاوله لتجلس بجوار والدتها تبدو في غايه الجمال تاركه لشعرها العنان بتسريحه جميله لم تضع مكياج ترتدي ثوب بني طويل تبدو جميلة للغايه لم يستطيع أن يسلب عينيه عنها طوال الجلسه
هدى بخبث:ما تيجي يا فاطمه نقعد في البلكونه احسن المكان هنا وحشني اوي
اومات لها بسعاده قائله بحدة
:مش ياله يا زياد ولا هتفضل قاعد هنا
زياد بغباوة: بس انا مش عايز اقعد في حته انه مرتاح هنا
لكزته والدته بغضب وهي تشير له بالخروج معهم ليتركا الاثنان معا
على :ها يا بيبة… ساكته يعني؟! بيقولوا السكوت علامة الرضا
حبيبة بخبث :المفروض اقول ايه…. انت مستني حاجه معينه
هز كتفه بلامباله قائلا بخبث مماثل
:ولا حاجه…. بصي بقى احنا مينفعش نتأخر اكتر من كدا ايه رايك الفرح بعد اسبوع من دلوقتي هنروح نختار الفستان مثالا يوم التلات
حبيبة بصدمه :فرح؟! بس يا علي… انا مش عايزه فرح و بعدين مالوش لازمه التكاليف و….
قاطعها بشك قائلا
:خايفه من ايه…. صارحيني يا بيبة
حبيبه ببكاء
:الناس…..مش هيسبونا في حالنا يا علي هيقولوا مصدقت يموت علشان تروح تتجوز و كمان عامله فرح… هيقولوا ليها عين تلبس فستان ابيض و هيقولوا اني مستهلش البسه وان الفستان دا لواحدة مسبقلهاش الجواز
نهض مكانه ليجلس بامامها على ركبتيه قائلا بجديه
:ششش انسى كل دا…. مش مهم الناس هم مش هيبطلوا كلام مهما عملنا
خلينا نبدأ من اول وجديد انسى اللي حصل كله و تعالي نفرح و نفرح قلوبنا
انتي هتكوني عروسه زي القمر بفستان الفرح و انا عريسك واللي فات مش بس ماضي
دا ماضي و هنمحيه من حياتنا سمعاني
هزت راسها بحماس و عينيها تشع سعادة
على بغمزة:انا بقول نكتب الكتاب دلوقتي لان معتقدش اني هقدر استني دقيقة واحدة اكتر من كدا
دفعته بقوة و غضب قائله بحدة
:اتلم يا عمري بدل ما المك
على بخبث:ماشي هنستحمل لحد الفرح
بس في موضوع مهم لازم نتكلم فيه
حبيبه:موضوع اي؟
على :الحمد لله انا دلوقتي عندي شقتي مع والدتي و الدنيا ماشيه معايا تمام بس علشان اشتري شقة جديد الموضوع هيبقى صعب شويه دلوقتي اوعدك فتره بس و اشترلك شقه لوحدك وو
قاطعته بحب و طيبه قائلة
“ومين قالك اني عايزه اعيش لوحدي و ابعدك عن امك مش هيحصل طبعا و بعدين حافظ على فلوسك شويه مالهاش لازم المصاريف دي كلها بص احنا هنتجوز فيها و هي اصلا جديد و يا سيدي انا لو عليا اعيش معاك و لو في اوضه على السطوح هكون راضيه
تنهد بسعادة وهو يمسك يديها طبع قبلة حنونه على باطن يديها قائلا بحب
:ربنا يقدرني واسعدك يا بيبة
حبيبه بضحك:اتلم يا علي انا مش مرتاحلك…
دلف الي داخل الغرفه والدته مع امها و اخيها
هدي:مش نقرأ الفاتحه بقى ولا ايه يا جماعه
علي:ياريت
بدا الجميع في قراءة الفاتحه بحب و سعادة و تحديد موعد الزفاف بعد اسبوع ليس إلا
—————————-
في منزل صالح
جلست على الفراش تشعر ببعض التعب و الدوار بعد أن قامت بتجهيز حقيبة السفر الخاصه به… سيذهب الي القاهرة لمدة أسبوع تقريبا ينهي بعض التراخيص الضروريه بينما سيستغرف منها اسبوع
خرج صالح من الحمام وهو يضع المنشفه على عنقه يقوم بتنشيف شعرها الأسود
حاولت النهوض و النظر له مبتسم قائلا بخوف و تعب و رجاء
:ما تستنا للصبح يا صالح و ابقى سافر اصل الوقت اتأخر و انا بخاف من السفر بليل خليك للصبح
زفر بضيق وهو ينظر لها برغبه قويه في الالغاء تلك السفريه الا انه من الضروري تواجده في القاهره في أسرع وقت ممكن لانهاء بعض الأوراق الضروريه
سار نحوها بخطوات متلهفه يضمها بحنان لصدره قائلا بحنو
:للأسف مينفعش كان مفروض اكون هناك دلوقتي اصلا بس مقدرتش و متخافيش عليا انا متعود على كدا و انا والطريق حبايب
وضعت راسها على صدره باستسلام و تعب ليشعر بالارتياب تأمل وجهها المتعب قائلا بقلق
:مالك يا زينب في ايه… انتي كويسه؟
اومات له بضعف وهي تضع يديها على بطنها تشعر بالالم قبل أن تبكي بشهقات مريره و شعور بالالم عاصف
حملها برفق ليجلس بها فوق السرير وهى مازالت بين ذراعيه يهمس لها بحنان
=اهدى حبيبتى هكلم الدكتورة جاى
بس لو اعرف ف ايه مالك
تلوت بين ذراعيه تدفن وجهها ف عنقه تقول بصوت متالم باكى
=بطنى يا صالح حاسة انها بتتقطع وكل جسمى وجعنى
واخدت تشهق بالبكاء كطفلة صغيرة تنهد بالم من رؤيتها وهى بهذا الضعف فاخذ يتلمس خصلات شعرها محاولا تهدئتها بها لتستمر ع هذا الحال حتى انتفضت من بين ذراعيه تسرع ف اتجاه الحمام لينظر ف اثارها لثوانى ثم يهب للحاق بها ليجدها تنحنى فوق ارضية الحمام تفرغ ما فى جوفها بداخله وصوت تأوهاتها المتألمة تخترق صدره لينحنى بجوارها يلفها بذراعيه مبعدا شعرها عن وجهها المتعرق
يحاول التهوين عنها حتى انتهت فرفعها عن الارضية متجهها بها ناحيه الحوض تقف بين ذراعيه بضعف
وهو يمسح بمنشفة مبللة فوق وجهها ليجعلها هذا تفيق قليلا فحاولت السير باتجاه الباب مستندة عليه ولكنه رفعها من جديد بين ذراعيه ليدخلها الغرفة وضعها على الفراش برفق لاحظها وجهها المتعب ليسمعها تقول بارهاق
:صالح انا كويسه… انا جهزتلك… شنطتك مش لازم تتأخر انا كويسه متقلقش شوية تعب عادي
لم يعير حديثها اهتمام وهو يخرج هاتفه يتصل باخته لتصعد لهم تساعدها و أيضا اتصل بطبيبة مساء متخصصه يشعر بالرعب وهو ينظر لها تتلوي و تبكي من الألم بين ذراعيه
تتشبث به بقوة قائله بضعف من بين دموعها
:متسبنيش يا صالح
جذبها لاحضانه يشعر بالدموع تترقرق في عينياه لأول مره على امرآه ضمها بقوة و كأنه يأبى تركها
مرت لحظات بينهم و الاثنان منفصلان عن العالم باكمله حتى أنه لم يسمع رنين جرس الباب
زينب بضعف:صالح…. الباب
اغمضت عينيها تشعر برغبه قويه في الغثيان
تركها للحظات واتجه نحو باب الشقه يفتحه لتدخل والدته بخوف
حياء:في اي يا صالح؟ و زينب مالها؟
صالح بخوف :جو بس تعبان اوي يا ماما لو سمحتي شوفيها
دخلت حياء لغرفه زينب وجدت الغرفة فارغه اتجهت نحو الحمام لتجد زينب تبكي بعنف ممسكه ببطنه دلف صالح نحوهما حملها برفق ليقف أمام الحوض مساعدا اياها
زينب بدموع:اطلع برا يا صالح…. هتنقرف
حاوط حصرها بيديه قائلا بجديه
:اهدي يا زينب و متخافيش انا معاكي و مش هسيبك
انهت نوبة الغثيان تلك تستند براسها على صدره لا تشعر باي شي حولها…
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دعاء احمد
بعد مرور أسبوعين على تلك الأحداث، وبالتحديد في شقة جلال.
في صباح أحد الأيام، استيقظ جلال من النوم بدري، توضأ وصلى فرضه. ابتسم وهو ينظر إليها، كانت نائمة وحاطة إيديها على وشها متضايقة من أشعة الشمس. قام قفل الستارة، وقعد على طرف السرير. ابتسم وهو يمرر إيديه على ملامحها بهدوء. رجع بذكرياته لأول مرة تقرب منه، لما نسي محفظته في بيت شريف وهي أخدتها.
عرف إنها اللي أخدتها. يومها حياء كانت كاتبة شتايم على صورته، خافت إنه يشوفها ونزلت وراه بسرعة وبدأت تقرب منه.
جلال بابتسامة:
في اليوم دا، كانت أول مرة بنت تحط إيديها على صدري وتقرب مني بالطريقة دي. حسيت وقتها بلخبطة، استغراب، مشاعر غريبة. كان شكلك بريء وجميل. حسيت إني بستسلم لـ"وسوسة الشيطان" إني أحضنك. خفت وبعدت بسرعة عنك وحبستك في البيت. في اليوم دا حسيت بمشاعر مختلفة، رغبة قوية في إني أقرب منك. كنت بحاول أشتغل، لكن صورتك تنط في دماغي وتخليني مش قادر أفكر في أي حاجة غيرك.
حياء بابتسامة:
عشان كده حبستني أسبوع كامل وخلتني أكرهك وأكره اليوم اللي جيت فيه إسكندرية، وأفضل "العن" و"أسـب" فيك.
جلال بضحكة خافتة:
امم، طب بذمتك، في بنت محترمة تقرب من شاب كده؟ وبعدين أنا كنت بحمي نفسي منك ومن أفكاري. مكنتش عايزك تتلوّثي، ولازم تروحي لبيت نصيبك وإنتي زي الوردة اللي محدش لمسها أو أقرب منها.
حياء وهي تقوم وتمسك إيديه:
وإنت نصيبي وحبيبي. وربنا بعتك ليا عشان تحافظ عليا قبل جوازنا وبعده.
جلال وهو يطبع قبلة هادئة على جبينها:
ربنا يقدرني دايماً وأحافظ عليكِ. يالا قومي اتوضي وصلي وتعالي بقى نحضر الفطار سوا عشان هاخدك وننزل مشوار.
حياء والفضل يتاكلها:
مشوار إيه؟
جلال قام وفتح الستارة، حط إيديه في جيبه. ابتسم وخرج من الأوضة وبصوت عالي:
يا خبر بفلوس، بعد كم ساعة ببلاش. يالا قومي، هعمل عصير على ما تفوقي.
حياء ابتسمت ودخلت تاخد شاور وتؤدي فرضها. كانت بتحمد ربنا إن المشاكل انتهت.
***
بعد مدة على السفرة.
حياء:
برضه مش هتقولي مشوار إيه؟
جلال بهدوء وهو باصص في طبقه:
لا مش دلوقتي.
رفع راسه وبصلها.
"مبتأكليش ليه؟"
حياء:
مال...
قبل ما تكمل جملتها، كان حط لقمه من المربى في بوقها.
حياء بتذمر طفولي:
مش بحب المربى يا جلال.
جلال بابتسامة تزيد من وسامته، محببة لقلبها:
عارف. يالا كُلي، عندك أكل كتير أهه. يالا.
حياء:
ماشي، ربنا يصبرني لحد ما أعرف هنروح فين.
جلال بنظرة ذات مغزى:
أوعدك المكان ده هيكون قريب لقلبك وهتحبيه.
حياء بثقة:
عارفة وواثقة من ده.
جلال:
طب يالا كُلي، بطّلي الـ"مياعة" بتاعتك دي في الأكل.
حياء بتنهيدة:
ماشي يا سي جلال.
بعد حوالي ساعة.
نزلوا الاتنين. جلال بيقفل الباب بالمفتاح وبينزل وهو ماسك إيديها. قابلوا شهد ونيران على السلم.
شهد بابتسامة:
صباح الخير.
:صباح النور.
جلال وهو بيشيل نيران:
رايحة فين على الصبح كده يا قمري؟
نيران بابتسامة وهي بتطبع بوسة على خده:
رايحة الحضّانة مع شهد. عمو، هو بابا فين؟
كلهم سكتوا. هيردوا يقولوا إيه؟ أيوب ظلم ولاده باللي عمله. نسي إنه عنده أطفال مسؤولين منه.
جلال بابتسامة:
مسافر يا حبيبتي، متخافيش. هو كويس. إيه رأيك آخدك أنا الحضّانة وأجيبلك شوكولاتة؟
نيران بسعادة:
أوكي، أوكي. شوكولاتة بيضا.
حياء بسعادة:
وأنا كمان.
جلال:
ماشي، يالا بينا... شهد، وراكي حاجة النهارده؟
شهد:
لا أبداً، قاعدة مع إلهام ويوسف.
جلال:
تمام. لو حصل أي حاجة كلميني. يالا يا حياء.
خرجوا من البيت. جلال وصل نيران الحضّانة بتاعتها. رجع ركب العربية، لقى حياء بتاكل الشوكولاتة بسعادة، كأنها طفلة صغيرة.
جلال:
بسم الله ما شاء الله. إيه ده؟ مسبتيش ليا؟
حياء ببراءة مزيفة:
إيه ده؟ إنت عايز؟
جلال بصدمة:
والله!
حياء:
احم احم. بص، فيه اتنين هنا بس، الصراحة أنا هاخدهم ليا لوحدي. إني يدوب في الشوكولاتة البيضا.
جلال بغمزة:
وأنا بدوب فيكي.
قالها وهو بيسوق عربيته. حياء ابتسمت بخجل وهي بترجع شعرها ورا ودنها.
بعد دقايق، وقف عربيته قدام جامع المنطقة الكبير، أكبر جامع في المنطقة.
حياء:
هنا؟
جلال وهو بيخرج من العربية:
آه.
حياء طلعت طرحة وحطيتها على شعرها. لقيته بيمد إيديه يمسك إيديها. دخلت معه وهي مستغربة. دخلوا الجامع، كانوا بيمشوا في زاوية من الجامع ناحية شيخ قاعد على الأرض، وأمامه كتاب الله القرآن الكريم، وبيقرأ منه.
جلال قعد قدامه. حياء فضلت واقفة مستغربة لحد ما الشيخ خلص قراءة وتصدق. ابتسم لجلال بود وبص لحياء.
الشيخ مصطفى بابتسامة ودودة:
اقعدي يا بنتي.
حياء أخدت نفس بتوتر وقعدت جنب جلال.
الشيخ مصطفى بنظرة غريبة:
أخيراً شفتك يا بنت الهلالي.
حياء باستغراب:
هو حضرتك كنت منتظر إنك تشوفني؟
جلال ابتسم وهو بيبص لإيديها وتوترها الواضح.
الشيخ مصطفى:
أكيد منتظرك من زمان عشان أسلم الأمانة اللي ليكي معايا. مش إنتي بنت شريف الهلالي الكبير؟ بنت شغف الحسيني؟
حياء هزت راسها بـ"آه".
الشيخ مصطفى بابتسامة:
مالك متوترة كده ليه؟ متخافيش. أنا بس هسلمك أمانة ليكي معايا من قبل ما والدك يتوفى. الأول، تعرفي أنا مين؟
حياء:
لا.
الشيخ مصطفى:
أنا عمك مصطفى، شيخ الجامع ده، وصديق والدك الله يرحمه. وأنا برضه اللي جوّزت أبوكي لأمك رحمها الله. زمان، من خمسة وعشرين سنة، شريف جالي وهو متوتر. كنا أصحاب. جه قعد قدامي وفضل ساكت، وأنا ساكت. بعد شوية لقيته بيقولي: "أنا بحب بس خايف أظلمها. أنا متجوز نوارة..."
انت عارف يا مصطفى أنا اتجوزت نواره عشان ابنها، وكانت لوحدها. مش رجولة أسيب واحدة تتبهدل كدا وهي معاها أولادها، كان لازم أتجوزها. وسليمان البت الغجرية لحس دماغه، ومكنش راضي يرجع ليها وهي حامل.
بس أنا دلوقتي متلخبط أوي، أنا كل ما أشوف شغف قلبي بيدق أوي. خايف يا مصطفى أحبها وعلاقتنا متنفعش. هي لا يمكن تقبل تتجوز واحد متجوز ومراته معاها طفل. أنا خايف، أنا حبيتها.
وقتها أنا قلتله: "روح يا شريف اطلب إيديها. وفقت، يبقى دي إشارة من ربنا إنه عايزك تبدأ حياتك مع البنت اللي أنت حبيتها."
في نفس اليوم راح أتقدم لوالدتك. بعد أسبوع، جاله الرد إن أهلها موافقين. اتجوزوا بعد كام شهر. شريف كان فرحان أوي لدرجة أنا نفسي استغربتها.
بعد سنتين.
كترت المشاكل وفجأة اتطلقوا، وهي سافرت مع والدتها بعد وفاة والدها.
شريف حاول كتير يوصلها، لكن للأسف معرفش. وبعدين الحاجة اللي كان ممكن تقوي علاقتهم ماتت، وعرف إن والدتك أجهضت. طلقها بعد إصرارها.
لكن فضل يحبها طول السنين دي. كان ييجي الجامع هنا ويفضل بالساعات يتمنى يشوفها ولو لمرة واحدة. يشوفها مرة قبل ما يموت، تكون آخر حاجة يغمض عينيه عليها.
عرف بعد سبع سنين إنها في لندن. وقتها قرر يسافر يشوفها من بعيد، وحتى ميقربش منها، على الأقل يودعها.
حياء بمقاطعة: "ماما، فعلاً وأنا صغيرة كانت بتشتغل في شركة في لندن."
الشيخ مصطفى بابتسامة:
سافر لندن وفضل يدور عليها لحد ما عرف عنوانها. وقتها يمكن كان أسعد إنسان. شريف كان شاب بيعشق مراته، وفجأة حياتهم اتغيرت مية وتمانين درجة، ومراته سابته وطلبت الطلاق.
كان بيرقبها من بعيد، شافها مع بنت صغيرة حوالي خمس سنين أو ستة، وفي شخص معاهم دايماً. شك إنها اتجوزت وخلفت البنت دي.
حياء دموعها نزلت وهي سامعة نبضات قلبها بطيئة وبقهر: "بس البنت دي كانت أنا بنته..."
الشيخ مصطفى:
شريف مسألش مين دي، وهو عارف إن شغف أجهضت الجنين. حس إنه مبقاش ليه مكان معاها. وغير كده، كان خلف من نواره أختك شهد.
حياء لنفسها: "دلوقتي عرفت أنا طلعت متسرعة لمين، ليه كدا يا بابا، ليه؟"
الشيخ مصطفى بهدوء كأنه عارف اللي بيدور في دماغها:
"دا قدرك يا بنتي، وقدر الأب إنه يشوف بنته قدامه ومايعرفش إنها بنته. قدره يرجع مصر وهو حاسس إنه بلا روح أو نبض. دا كله كان مكتوب على جبينك وجبينه."
عدت السنين وفضلت عنده نفس الأمنية إنه يشوفها قبل ما يموت. عمره ما بطل يحبها غصب عنه. لكن ربك أراد إنه يحققله الأمنية دي، وإنه يشوف شغف فيكي لأنك نسخة منها.
شغف فضلت طول السنين دي برا مصر، بعيدة عن بلدها وحبيبها. ولما رجعت، ماتت فيها. وأنتي ظهرتي. تعرفي أول مرة جيتي المنطقة، أنا شفتك وأنتي ماشية في الشارع بتدوري على البيت. وقتها حسيت إني شايف شغف قدامي.
حياء بحسرة: "ويفرق إيه حبه ليها مادام سابني أعيش لوحدي طول السنين دي؟ لو كان قرب منها شوية وسأل، كان هيعرف إني بنته، وساعتها يمكن كنت اتربيت هنا في مصر."
جلال بهدوء:
"محدش يقدر يقف قدام المقدر والمكتوب يا حياء، ودا قدرنا كلنا."
حياء عيونها اتجمعت فيها الدموع، وبصت للشيخ مصطفى وهو بيطلع من جيب عبايتها ورق ومفتاح، واضح إنه قديم وغريب عن المفاتيح العادية. بيمسك إيد حياء وبيحط الورق في إيديها.
حياء: "إيه دول؟"
الشيخ مصطفى: "دي الأمانة اللي ليكي عندي. دا ورق بيت الحسيني القديم، بيت والدتك. لما جدتك جت تسافر برا، كانت محتاجة فلوس. شريف حاول مع والدتك كتير إنهم يتفاهموا ويرجعوا، لكن محصلش نصيب، فقرر يساعدها."
"وبعت شخص يشتري منهم البيت برقم خرافي، لدرجة إن الكل استغرب إنهم باعوا البيت بالسعر دا. بس شريف كان نفسه يساعدها من بعيد. بعد ما أنتي جيتي وقبل وفاته بكم يوم، جالي. وأدالي الورق دا وقالي إنه حاسس إن دي نهايته، حاسس إنه هيروح لها قريب، والبيت دا من حق بنتي. ولو ربنا أراد وأنا روحت لشغف، سلم الورق دا لحياء بنتي. خلي جلال ياخدها للبيت القديم."
حياء باستغراب: "طب ليه استنيت كل الشهور دي عشان تسلمني الورق؟"
الشيخ مصطفى: "عارف إني اتأخرت، بس أنا كنت تعبان وفي المستشفى، وأول ما فوقت كلمت جلال، وهو جالي المستشفى. وقتها قالي إنك لازم تسمعي الكلام دا مني. يالا يا جلال، خدها يا ابني وصلها لبيت أمها. على فكرة البيت قديم أوي زي بيوت العثمانيين، جميل."
جلال: "يالا يا حياء."
قامت معاه، والاتنين راحوا البيت وهي ساكتة وباصة للفراغ.
كانت واقفة في منطقة قديمة، كان فعلاً البيوت بتصميم العثمانيين.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دعاء احمد
في منزل يوسف
دلف يوسف إلى منزله لأول مرة بعد عودته من السفر، نظر للمنزل باشتياق وهو يعيد ذكرياته معها. كان مرتباً، كل شيء فيه أنيق، يعود ذلك لعودتها منذ ساعتين للمنزل بمفردها. بينما طلبت منه أن يفعل أي شيء بالخارج حتى تفعل بعض الأشياء. ورغم إرهاقه منذ يومين لم ينم، لكنه وافق، تاركاً لها الحرية.
دلف إلى المنزل شاعراً بالدفء، وجد السفرة مرتبة بأشهى الأصناف، تضع شموع ليبدو الأمر في غاية الجمال. يشعر بداخله بحلاوة الحلال.
ابتسمت وهي تخرج من غرفتها، تنظر له. كانت جميلة، ربما أجمل امرأة رآها. ترتدي ثوباً أسود يصل لركبتها، ضيق من الخصر قليلاً، متسع بعد ذلك. تضع بعض لمسات المكياج.
تقدمت نحوه مرتبكة من نظراته المتفحصة لها، وكأنه يراها لأول مرة.
إيمان: "چو... بطل تبص لي كدا... ياله، أكيد واقع من الجوع. بصي، هو الصراحة ماما هي اللي عملت الأكل دا، أنا ملحقتش أعمل حاجة ولقيتها بعتت لي الحاجة دي مع عفت. انت بتبص لي كدا ليه؟"
"وحشتيني..."
اتسعت شفتيها، ترتسم بأجمل ابتسامة ورثها من والدتها، قائلة:
"ياله، ادخل اغسل إيديك وتعالى نتعشى. أنا واقعة من الجوع."
اتجه نحو الحمام دون كلمة واحدة.
بعد مدة، تناول الاثنان وجبتهما في حين دلف يوسف للحمام ليأخذ حماماً بارداً يزيل به عناء اليوم، بينما لملمت إيمان السفرة.
ودلفت لغرفتهما لتجد هاتفه يصدح. نظرت نحو الحمام لتستمع لصوت جريان المياه. نظرت للهاتف، عاقدة ما بين حاجبيها من اسم المتصل (قدري الأسود). حاولت أن تكون عقلانية ولا ترد، لكن لم تستطع مقاومة فضولها وهي تفتح الخط لتجد الرد المتلهف.
عهد: "يوسف، انت فين؟ برن عليك من امبارح بليل، ازاي ترجع مصر من غير ما تكلمني."
ثم تابعت (عهد) بحنق وغضب:
"وبعدين انت بتقفل السكة في وشي. انت فكرني برمي نفسي عليك؟ أنا بس كنت عايزة اتكلم معاك عن المشروع."
حاولت السيطرة على أعصابها وهي تستمع لتلك المرأة ولهفتها القوية. ابتسمت إيمان بحدة لترد بصوتها الأنثوي الناعم قائلة بدلال لتسمعه الأخرى لتستشيط من الغضب:
"ياله يا حبيبي، اتأخرت ليه... وحشتني يا چولا. لا عيب يا يوسف... يوسف..."
أنهت المكالمة بدلال وتغنّج، وكأنه تخبر المتصلة بأنه مرتبط بأخرى غيرها. أغلقت الهاتف بوجه عهد، وهي تلقي الهاتف على الفراش.
بينما على الجهة الأخرى، شعرت عهد بالصدمة وعقلها يرسم لها سيناريو له مع زوجته لتشعر بالغيرة والغضب.
بينما وقفت إيمان تود لو تنقض عليه بقوة لمعرفة من هي تلك الغبية. وجدته يخرج من الحمام وهو يرتدي التيشيرت قائلاً بابتسامة:
"أخيراً الواحد حاسس إنه بقاله سنة بعيد عن البيت."
إيمان بحدة وهي تمسك هاتفه:
"مين دي يا يوسف؟ وليه بتتكلم بعشم أوي كدا؟"
دفع رأسها ليرى عهد، قامت بالاتصال عليه. ضغط على شفتيه بغيظ قائلاً بحدة:
"وانتِ ليه بتقلبي في موبايلي؟ إيه مش واثقة فيا للدرجة دي؟"
إيمان بغيرة:
"لا واثقة، بس مش واثقة في الناس. وبعدين بلاش تتهرب وتغير الموضوع. البنت دي بتقول إنها مش بترمي نفسها عليك ومتعصبة... انت في بينك وبينها حاجة؟"
يوسف بضيق:
"إيمان، بلاش تخليني أندم إني نزلت. وبعدين كلامها معناه لو هي بترمي نفسها عليا ومتعصبة كدا يبقى أكيد دا من ناحيتها هي، فبلاش تقلبيها نكد لأن أنا هلكان وربنا."
إيمان:
"عندك حق. اتفضل يا بشمهندس نام، عندك السرير واسع أهوه."
لتقترب من السرير تسحب أحد الوسائد والشراشف لتضعهم على الأرض وتستلقي عليها وهي تتمتم بغضب:
"اشبع به... يارب السرير يقع علشان تبقى تفرح به أوي."
يوسف بضيق:
"بطلي لعب عيال يا إيمان، وقومي ضهرك هيوجعك."
إيمان بحدة طفولية:
"مالكش دعوة بيا..."
ل تتمتم بغضب لنفسها:
"حتى الكنبة يا أخي جايبها مش مريحة. يارب السرير يقع."
وقف ينظر لها ولعنادها. تجاهلته مغمضة عينيها لتستغرق سريعاً في نوم عميق، فقد كانت تشعر بإرهاق شديد بعد عمليتها الأولى.
لينهض يوسف من فوق الفراش بعد تأكده من نومها. لهم برفعها بين ذراعيه ووضعها على الفراش ليتذكر أنها إذا استيقظت ووجدت نفسها على الفراش بجواره سوف تقيم القيامة. ليقرر أنه يجب إيجاد حل آخر.
استلقى يوسف بجوار إيمان على الأرض ليسحبها حتى تستلقي على صدره، محاولاً توفير لها أكبر قدر من الراحة ليحتويها بين ذراعيه، مقبلاً رأسها بحنان وهو يهمس لها:
"أنا محبتش ولا هحب حد في الدنيا قدك."
ليدفن وجهه بعنقها يقبله بشغف وهو يتنفس رائحتها الخلابة، مغمضاً عينيه ليستغرق هو الآخر في نوم عميق.
في الصباح
فتح يوسف عيناه ببطء ليبتسم بسعادة عندما شعر بأنفاس إيمان الدافئة فوق عنقه، حيث كانت تدفن رأسها به. لينحني مقبلاً جبينها برقة، وهو يتنفس بعمق رائحتها التي يعشقها. ليشدد من ذراعيه التي تحيطها مقرباً إياها منه أكثر، ليظل على هذا الحال عدة دقائق.
ليقرر النهوض فقد تجاوز السادسة صباحاً. قد تستيقظ في أي وقت، وإذا رأته بجانبها بهذا الوضع سوف تعلن عليه الحرب، فهو يعلمها جيداً.
لينهض ببطء محاولاً عدم إيقاظها، لكنه تأوه بصوت منخفض عندما شعر بألم شديد في ظهره. ليستلقي على الفراش محاولاً إرخاء ظهره ببطء. فظهره قد تشنج بسبب استلقائه على الأرض وحمله لجسدها فوق صدره طوال الليل في محاولة منه لتوفير لها أكبر قدر من الراحة. تنهد يوسف بألم وهو يغمض عينيه محاولاً النوم قليلاً لعل هذا يخفف من ألم ظهره قليلاً.
استيقظت إيمان من النوم وهي تشعر براحة غريبة، لتنهض ببطء تقف بجوار الفراش وهي تتأمل النائم بعمق، لتهمس بغيظ:
"بارد... سيبني نايمة على الأرض وهو نايم على السرير."
لتتنهد وهي تجلس على عقبيها بجوار الفراش تتأمل بشغف ملامحه الوسيمة المسترخاة بسبب النوم. تتشرب تفاصيله بهيام، فلم تشعر إلا وهي تمد يدها تمررها في خصلات شعره الحريرية بحنان وهي تهمس بصوت متحشرج وكأنها تتحدث معه:
"أنا آسفة يا يوسف، والله ما قصدي أقلبها نكد، بس أنا حسيت في صوتها بحاجة غريبة."
ابتعدت عنه ببطء، لكن عينيها كانت لا تزال منصبة عليه تراقبه بشغف، لكنها شهقت بصوت منخفض عندما شعرت به يستيقظ. لتتجه على الفور نحو المرآة تدير ظهرها له وهي تمسك الفرشاة بين يديها تتصنع بتمشيط شعرها.
لكنها استدارت نحو يوسف سريعاً عندما صدرت عنه شهقة ألم، لتقترب منه قائلة بلهفة:
"مالك يا يوسف؟"
أجابها وهو يحاول النهوض لكنه فشل عندما شعر بالألم يعصف بظهره، ليرجع برأسه إلى الخلف مستنداً على ظهر الفراش:
"مش عارف، حاسس بألم رهيب في ضهري."
إيمان لنفسها:
"شكل الدعوة استجابت ولا إيه..."
لتهتف بجدية:
"ثواني، عندي مرهم كويس. على ما أتذكر كان هنا. استني..."
كان يوسف لا يزال مستلقياً على السرير عندما اقتربت منه وهي تحمل بين يديها إحدى المراهم الطبية قائلة بحزم:
"المرهم ده كويس، هدهنلك ضهرك بيه وهتبقى كويس على طول."
شعر يوسف بالدماء تعصف بداخله عندما تخيل يديها تمر على ظهره، فهو لن يستطيع تحمل ذلك. فهو يجد الصعوبة في السيطرة على ذاته، ليهز رأسه بالرفض قائلاً بحزم:
"لا، مش محتاجة... أنا هبقى كويس."
تجاهلت إيمان اعتراضه لتصعد فوق الفراش بجواره وهي تحاول جعله يستدير حتى تتمكن من وضع العلاج وتدليك ظهره قائلة بتصميم:
"يلا يا يوسف، بلاش شغل العيال ده. ضهرك لو معالجتوش الوجع هيزيد أكتر."
ليزفر باستسلام وهو يستدير ببطء محاولاً نزع قميصه حتى تستطيع تدليك ظهره. لتساعده على الاستلقاء مرة أخرى، لكن هذه المرة على بطنه.
حاولت إيمان نفض جميع الأفكار حتى تستطيع التركيز على ما تقوم به، لتضع القليل من المرهم فوق ظهره وتبدأ بتدليك ظهره تحت يديها المرتجفة بشدة.
بينما كان يوسف مستلقياً وهو يحبس أنفاسه بقوة، فالشعور بيدها فوق ظهره أثاره، مما جعل الدماء تغلي بداخله، ليجز على أسنانه بقوة جاذباً إياها أسفله قائلاً:
"بذمتك دي مقابلة تقابلي بيها جوزك بقاله أربع شهور مسافر؟ طب أنا مبصعبش عليك؟ ولا هو أنتم بتحبوا النكد وخالص؟ أولاً دي واحدة شغالة معايا، لكن أقسم لك بالله ما في حاجة بينا. ثانياً بقى انتي وحشتيني أوي."
إيمان بارتباك:
"يوسف، أنا عندي شغل."
انحنى قليلاً قائلاً بجدية وصوت متحشرج أجش أثر مشاعره:
"كلمتهم في المستشفى وخدت لك إجازة، يعني مفيش حجج."
شهقت إيمان بضيق قائلة:
"حجج..."
لم تكمل جملتها لتجده يحتضنها بقوة، يأخذ نفس عميق قائلاً:
"نامي يا إيمان، لسه بدري، وأنا كمان عايز أرتاح... لأن لو منمتش دلوقتي مش هيحصل. طيب."
ابتسمت بخجل وهي تدس جسدها بداخل أحضانه، تغمض عينيها محاولة النوم.
في وقت سابق (ليلة أمس)
دخل صالح إلى غرفته مع زينب بعد عودته من فحص الطبيبة وشجارهم معاً. ليجدها تجلس فوق الفراش تضم ركبتها إليها تنظر بشرود أمامها، حتى أحست بدخوله، لتسرع في النهوض من الفراش تحاول التقدم منه، ليرفع سبابته يوقفها قائلاً بجمود:
"خليكي مكانك. تقدري تنامي على السرير، أنا هنام هنا على الكنبة."
تحشرج صوتها بالبكاء تحاول التحدث إليه، ليتجاهلها تماماً متجهًا إلى خزانته يخرج منها ملابس نومه يتجه بها إلى الحمام.
لتقف زينب مكانها تنساب دموعها بصمت فوق وجهها، حتى خرج من الحمام لا يرتدي سوى بنطال قطني ليذهب إلى الفراش يسحب من فوقه الأغطية يتجه بها إلى الأريكة متجاهلاً تماماً زينب الواقفة.
يستلقي فوق الأريكة محاولاً النوم، واضعاً يده فوق وجهه ليقول بعد عدة دقائق عندما رآها مازالت واقفة في مكانها دون أن تتحرك قائلاً بجمود:
"هتفضلي واقفة مكانك كتير؟ عايز أقفل النور وأنام."
لينقلب على جنبه معطياً لها ظهره، ليسود الصمت حتى تحركت زينب بخطوات بطيئة تجرجر قدميها حتى الفراش تستلقي هي الأخرى، تغلق الأنوار ليسود الظلام، لكن دون أن يطرق النوم جفونها، ليمر بها الوقت وهي على هذه الحالة.
ساد الصمت المكان لتشعر به وكأنه غرق في نوم عميق. نهضت عن الفراش تتقدم من الأريكة ببطء، جلست بجواره، واضعة يديها على صدره العاري موضع قلبه تستشعر حرارة جسده.
زينب بعتاب:
"صالح، انت قلت مش عايز يجي اليوم اللي أحط فيه راسي على المخدة جانبك وأنا زعلانة. وأنا دلوقتي زعلانة، بس مش منك، من نفسي. أنا آسفة والله العظيم ما كنت أعرف إن ده اللي هيوصلك من تصرفاتي. أنا أكتر واحدة في الدنيا بحبك ونفسي أحس بنبض ابننا جوايا. أوعى تتخيل إني كارهة ده، أنا لو هموت عشان حملي يكمل ويجي للدنيا مش هتستخسر فيه عمري. عشان ده حتة منك انت. أوعدك هصلح اللي عملته، لأن بعدك عني هو فعلاً عقاب ليا. كنت متخيلة إني لما أزعل وأنكد عليك وعلى نفسي هبقى كدا أحسن، بس أنا بتعافى بوجودك جانبي."
انحنت قليلاً لتطبع قبلة بطيئة خجولة على شفتيه، مغمضة العينين.
توجهت للفراش تحمل غطاء خفيفاً وتسللت بهدوء حتى وصلت إلى جانبه وقامت بتغطيته والدماء تضج في وجهها من شدة الخجل وقلبها يقفز في داخل صدرها بعنف شديد كلما تذكرت أنها قبلته. تمنت لو بادلها، لكن كيف وهو نائم؟ وضعت يديها على شفتيها تعنف نفسها على أفكارها المنحرفة ووجهها مشتعل. لم تشاهده وهو يبتسم ويواصل التظاهر بالنوم.
توجهت للفراش وهي مقررة مصارحته والاعتذار منه. غمضت عينيها تحاول النوم، إلا أنها فشلت، وأحداث اليوم تهاجمها بقوة، فشعرت بالبرودة تجتاح جسدها بقوة. فسحبت الغطاء تحاول تدفئة نفسها وهي تشعر بالخوف والوحدة تجتاحها بشدة ودموعها تغرق وجهها وصوت من داخلها يوبخها بشدة على ما فعلت.
فأغمضت عينيها تزرف دموع ندم عما فعلت، والذي أوصلها في النهاية لتلك المرحلة، ليتركها تنام بمفردها، ولأول مرة بعد زواجهم تفتقد دفء احتضانه لها. أسنانها تصطك من شدة الخوف والندم.
فتح عينيه ببطء ينظر بعيون عاشقة لهاتمنى لو تسعفه عنوة مشاعره على الاقتراب منها الآن واحتضانها بقوة والاطمئنان عليها هي وطفلهما. كاد أن يحملها بداخل حضانته مراضياً لها، وصوت بكائها المكتوم يدمي قلبه الغارف في عشقها. ولكن، انتفض ينهر نفسه ويعنفها من ضعفه ذلك. مقرر ألا يقترب لعلها تتعلم الدرس.
>
لكن!! لكنها اعترفت بمشاعرها الآن... أخبرته أنها تحبه... يا الله، لما تأتي أجمل الأشياء بأسوأ الظروف. يا الله، لما يخفق قلبه بكل هذا الجنون. نظر لها سريعاً بداخله بعض المخاوف أن تستمع لدقات قلبه السائرة.
ما هذا الجنون؟ لماذا تستمع لدقات قلبك؟ نظر لها مرة أخرى ليجدها قد غفت، أو كما يبدو أنها تجاهد في سبيل الاستغراق في النوم.
صالح لنفسه:
"يارب تتعلمي تثقي فيا يا زينب، وقبلها تمحي بينا الأسرار والخوف. بس لازم تفوقي وتعرفي إن البُعد بيولد بُعد... وتحكي ليا عن اللي مخبية. بس اصبري عليا عشان شكلك عايزة تتربى على إيدي."
جذب الغطاء عليه يحاول النوم هو أيضاً، ولكن بداخلها سعادة عارمة وبعض الارتياح.
***
گ احتلال دخل قلبي بكامل قوته، فتحول إلى نور بداخله يزيل عتمته.
في الصباح
اقترب صالح بهدوء من زينب المستغرقة بعمق في النوم، وجلس بجانبها يتأملها بعشق، ويده تمر بحنان في خصلات شعرها الأسود الناعم والغزير وهو يتأمل ملامحها الفاتنة بعشق شديد. لترتفع يده بدون إرادته وتتلمس ملامح وجهها بافتتان وولع شديد. فتنهد بألم وهو يشاهد بقايا آثار دموعها على وجنتيها، فحاول الابتعاد عنها وهو يشعر بالندم، تمنى لو آفاق بالأمس يحتضنها بقوة يسمعها للنهاية.
تفاجأ بها تفتح عينيها وتبتسم له بفتنة تهمس باسمه. فلم يعد يستطيع السيطرة على مشاعره الملهوفة إليها، فاقترب منها وهو يهمس بعشق شديد فوق شفتيها يقبلهما برقة شديدة.
فتنهد بألم وهو يحاول الابتعاد عنها، إلا أن مشاعره الغارقة في عشقها والشوق إليها تغلب عليه وهو يقتحم شفتيها ويقبلهما بنهم شديد، وكأن روحه معلقة على شفتيها، خاصة وهو يشعر بها تستجيب بلهفة بين ذراعيه. يده تتشابك في شعرها تضم رأسها بعشق إليه، واليد الأخرى تضمها إليه بقوة ولهفة شديدة، وكأنه يحاول زرعها بين أضلعه.
ليمر بعض الوقت عليه حتى ابتعد عنها على مضض، وهو لا يشعر بالوقت الفعلي الذي مر عليه وهي بين يديه. فمرر يده بحنان على شعرها يعيد ترتيبه برقة خلف أذنيها، في حين ابتسمت وهي تنظر إليه برقة وتعود للنوم مرة أخرى براحة.
نهض صالح من جانبها وهو يمرر يده بتوتر في شعره، وهو يشعر بالارتباك، لتعود النوم مرة أخرى، لم تعِ ما حدث، لكن كانت تتمنى.
دخل إلى الحمام للاستحمام والاستعداد لبدء يوم جديد، ثم خرج وهو يراقب استغراقها الشديد في النوم بدهشة وقلق، فارتدى ثيابه ودخل إلى المطبخ وقام بتحضير طعام الإفطار لها.
اقترب منها بعد أن وضع صينية الطعام بجانبها ومرر يده على شعرها وهو يقول بحنان:
"زينب... زينب، ياله اصحي ياله قومي."
فتحت زينب عينيها ببطء وهي تنظر إليه، لتنهض فوق الفراش سريعاً:
"صالح، لازم نتكلم، والله، أرجوك."
جلس بجوارها ببرود زائف ليقول بجدية وحدة:
"طب ياله افطري الأول عشان تاخدي الدوا."
زينب بضيق:
"صالح، أرجوك."
صالح بحدة:
"هنتكلم يا زينب، بس مش هنا. خلينا نوصل المنصورة الأول وهناك تهدي وأنا كمان أهدي أعصابي. ياله افطري."
حاد... بارد... يستمتع بعذاب قلبها العاشق. قرب من شفتيها كوباً من الحليب الدافئ وهو يقول بحنان:
"يلا يا عشان تاكلي."
زينب بحزن وضيق:
"انت لسه زعلان مني، مش كده؟"
مرر صالح يده في شعرها وهو يقول بجدية:
"أيوه لسه زعلان منك، ومش عارف إزاي هتقدري تخليني أسامحك. المفروض إننا واحد وأي حاجة تزعجك لازم أكون أول واحد يعرفها، لكن حضرتك ماشية بدماغك العبقرية دي لحد ما هتلبسينا في حيط سد. بس دلوقتي مش وقته. المهم دلوقتي تفطري وتاخدي دواك."
هزت زينب رأسها ترفض الطعام وهي تقول ببكاء:
"خلاص مش عاوزة أكل. وبعدين انت مش عايز تسمعني، بتعاقبني وخلاص. واحد بارد."
صالح بتسلية وابتسامة ماكرة:
"والله..."
عقدت ساعديها أمام صدرها بضيق:
"والله..."
تفاجأت به يقترب وعلى شفتيه ابتسامة لعوبة. كادت أن تبعده ظناً منها أنه سيقبلها، لكن وجدت أنه يميل على بطنها يقبلها بحنان وكأنه يحدث طفله:
"عجبك كدا يا أستاذ جلال؟ أمك متعبة أوي الصراحة وتعباني معاها."
زينب بابتسامة:
"جلال؟!"
ابتعد قليلاً ليغمز لها سريعاً بطريقة جعلت عينيها تشع بالقلوب قائلاً:
"ابننا..."
تقسم أنه لو لم يبتعد قليلاً عنها لكن قبلته بترحيب وسعادة. تشعر وكأن أفكارها تنحرف مؤقتاً.
"ياله يا زينب، هو ملوش ذنب بزعلك."
زينب بحزن:
"قصدك إني مش مهتمة بيه؟ على فكرة دي ابني وأنا بحبه أكتر منك، عشان هو جوايا أنا وأنا اللي بحس بيه رغم إنه لسه بيتكون في جسمي وبيكبر. ودا الفرق والسبب اللي يخلي الجنة تحت رجلي أنا الأم، واللي بتحمل كل الوجع. أنا بحس بيه وبأول نبضة وحركته. ربنا لما حب يكرم الست خلاها تحس بابنها جوا بطنها وتحس بنبضه وتتوجع، فاوْعى تتخيل في يوم إني مش عايزاه أو مش بحبه. وعلى فكرة هو مش بيتأذى. متخافش، أنا سألت الدكتورة امبارح وقالتلي حتى لو أنا مكلتش البيبي بياخد اللي هو محتاجه من جسمي، يعني لو مكلتش هو مش هيتأذى من حاجة."
مرر صالح يده على وجنتها بحنان وهو يقول برفق:
"عارف إنه هياخد احتياجه منك، بس أنا كمان خايف عليكي وعاوزك تحافظي على صحتك. إحنا لسه في أول شهرين، لازم تهتمي بنفسك، لأن مش هسامح نفسي لو جرالك حاجة. ياله، بسم الله، خدي بقى اشربي كوباية اللبن دي."
"زمت شفتيها بحنق طفولي قائلة: "مش بحبه."
صالح: "طيب لو قلتلك عشان خاطري وخاطر ابننا."
هزت رأسها بطاعة وهي تأخذ منه الكوب لتضع أصابعها على فتحتي أنفها وهي تتجرع الكوب بسرعة حتى لا تشعر بطعمه في فمها.
ضحك وهو ينظر لتصرفاتها الطفولية والعفوية. ما إن شربت كوب اللبن وجدته ينظر لها ويبتسم برفق، أخذ قطعة من الخبز الشهي وقربها من فمها وهو يقول بحب:
"افتحي الشفايف الحلوين دول عشان حبيبي ياكل."
اصطبغ وجه زينب باللون الأحمر القاني من شدة الخجل، ثم فتحت فمها برقة وتناولت الطعام من يده وهي تكاد تذوب من شدة الخجل. فهمست برقة قائلة:
"طب وانت مش هتفطر؟"
حاول التهرب منها وهو يضع قطعة أخرى في فمها قائلاً:
"ماليش نفس، هعمل فنجان قهوة عشان أفوق قبل ما نتحرك."
زينب بضيق وإصرار:
"لا، وهتفطر معايا ياله."
ابتسم ليجدها تأخذ قطعة من خبز تضع بها الجبنة وقطعة من الزيتون وضعتها في فمه، لم تترك له المجال للاعتراض.
بعد مدة، أخذت حماماً صباحياً دافئاً وارتدت ثيابها، وجدته يقف أمام المرآة يهندم قميصه الأسود الذي يبرز أناقة جسده الرياضي في غاية الوسامة.
غرّزت أسنانها بشفتيها السفليتين بغضب وغيره.
زينب ببلاهة وحنق:
"على فكرة انت متجوز، فتنة. أنا مبقفش كل ده قدام المرايا، مش خايف تتلبس بجنية؟"
لاحت ابتسامة لعوبة على شفتيه وهو يضع زجاج عطره أمام المرآة قائلاً برضا وهو يتفحصه من رأسه حتى أخمص قدمه:
"جنيه... مش كفاية انتي يا مجننتي؟ ياله ننزل لأن مضمنش نفسي."
تقدم وهو يمسك بيديها برفق، تمشي خلفه.
توقف أمام شقة والده وهو يحيط خصرها بحماية، ليجد والدته تقوم بفتح الباب تبتسم لهم.
حياء بحب:
"صباح الخير يا ولاد، تعالوا ياله افطروا قبل ما تنزلوا. زينب عاملة إيه دلوقتي يا بنتي؟"
ابتسمت برقة وهي تحتضن حياء قائلة برفق:
"بخير الحمد لله، أخبارك إيه يا ماما وبابا فين؟"
حياء:
"بيفطر جوا، ياله تعالوا."
دلف الاثنان إلى الصالون برفقتها.
جلال بابتسامة:
"صباح الخير يا ولاد... ازيك يا زوبازينب بود: "بخير الحمد لله."
جلال: "الحمد لله، ياله اقعدوا افطروا."
صالح: "تسلم يا حج، بس فطرنا مش شوية. بالهنا والشفا. ياله، أنا قلت آجي أسلم عليكم قبل ما نمشي. هطلع على إيمان ويوسف قبل ما نتحرك."
جلال بجدية:
"خلي بالك على نفسك وعلى مراتك."
قبل يد والده بتبجيل قائلاً:
"متقلقش علينا يا حج، زينب في عيوني."
حياء: "ربنا يحفظكم يا حبايبي. ياله يا عفت، كل دا بتجهز؟"
عقد صالح ما بين حاجبيه باستنكار قائلاً:
"عفت؟!"
حياء بجدية:
"عارفة إنها رغبة بس لازم تبقى معاكم عشان تخلي بالها على زينب، ولو حصل أي حاجة هي خلفت قبل كدا وعارفة."
لولا أن مينفعش أسيب البيت كنت جيت معاكم.
عفت بسرعة:
"خالص، أنا جهزت يا مدام حياء. هنزل الشنطة أحطها في العربية."
أومأ لها صالح بجدية قبل أن تخرج من الشقة تجر حقيبتها وراها.
صالح: "ياله، في حفظ الله."
جلال وحياء: "في حفظ الله."
بعد عدة ساعات
وقفت زينب أمام باب أحد المنازل الريفية الفاخرة، تنظر بانبهار إلى ما حولها.
لتشهق بصوت منخفض عندما رفعها صالح بين ذراعيه حاملاً إياها إلى الداخل وهو يهمس لها:
"نورتي البيت يا زبدة."
ابتسمت له بخجل وهي تخبئ وجهها بعنقه. ظل صالح حاملاً إياها حتى وصل إلى البهو لينزلها ببطء.
وقد قام صالح بتعريفها بالخدم (كرم وخديجة) الذين قاموا بالترحيب بها بحرارة، وخلفهما عفت. والتي نظرت بجشع وطمع لذلك القصر الريفي، ليس منزلاً عادياً. لم تكن تتوقع أن عائلة الشهاوي تملك قصراً كهذا، ربما لأن جلال وحياء يعيشان في شقة عادية كبيرة ومتسعة، لكن ليست كذلك القصر، والذي أقسمت أنها لم تر مثله من قبل غير ذلك بالأفلام.
خديجة بحب وود:
"نورت يا صالح بيه، بقالي كتير مشفتكش ولا بتيجي البلد."
صالح بابتسامة ودودة:
"معلش بقى ظروف الشغل والجواز."
خديجة بطيبة وهي تتطلع لزينب:
"المنصورة كلها نورت يا قمر، لا والله دي بدر ليلة تمامه. أنا قلت برضو أكيد مرات صالح الشهاوي أكيد زي القمر، بس الصراحة طلعت أجمل ما كنت متخيلة. ألف مبروك يا مرات الغالي. بصي، أنا بقى خديجة، بس أنا أكبر منك بيجي عشر سنين. المهم هنبقى صحاب حلوين أوي."
زينب بود وقد شعرت بالارتياح لتلك الفتاة:
"إن شاء الله يا خديجة."
خديجة: "أنا بقى مجهزة لكم غدا، هتاكلوا صوابعكم وراه، ومتقلقش يا بيه الأكل اللي عملته مظبوط وصحي. مدام حياء اتصلت عليا وقالت لي كل حاجة. صحيح، ست (بيلا هانم) سألت على حضرتك كتير أوي طول ما انت كنت مسافر ونفسها تشوفك."
صالح بجدية وابتسامة:
"بيلا، أنا كمان وحشتني أوي أوي. ماشي يا خديجة، هنطلع نرتاح شوية ونبقى ننزل. بلغيها إني وصلت وهعدي عليها كمان ساعة كدا."
قام كرم (زوج خديجة) بلكزها حتى تكف عن الثرثرة.
كرم بجدية:
"طبعاً يا بيه، اتفضل، وأنا موجود عند البوابة لو احتجت أي حاجة، والغفر موجودين مأمنين البيت."
صالح بجدية وهو يحاوط خصرها مقرباً إياها لصدره، بينما هي أخذت تفكر في اسم بيلا ذلك، شعرت بالغيرة مع نطق اسمها. ليقول صالح:
"ماشي يا كرم... ياله بينا يا زينب."
نظرت خديجة بضيق لتلك المرأة التي تقف وراء زينب، ويبدو الطمع والذهول جلياً على وجهها، في حين صعد صالح وزينب لأحد الغرف بالقصر، وصعد كرم خلفهما يحمل الحقائب.
خديجة: "وانتي اسمك إيه يا شابة؟"
بضيق: "عفت."
خديجة بسخرية أنثوية:
"يا أختي، بطلي تبحلقي في البيت كدا. أعوذ بالله من عينك... قل أعوذ برب الفلق."
عفت بضيق:
"في إيه يا أختي؟ هو أنا هحسدهم؟"
خديجة: "يمكن. ياله بطلي رغي، ورايا على المطبخ."
استغلت زينب انشغال صالح بالعمل على اللاب توب، خرجت من الغرفة بعد أن بدلت ثيابها بأخرى مريحة.
وقفت تتأمل بإعجاب القصر الريفي الرائع الذي يحيط به من كل اتجاه، الأشجار والزهور رائعة الجمال والممتدة على مرمى البصر، والتي أشعرتها أن لا نهاية لها، خصوصاً أنها متداخلة مع حدائق الفاكهة الغناء والتي تمتد لمئات من الأفدنة، مريح للأعصاب حقاً.
ابتسمت بحماس وهي تنظر للمكان بسعادة، حتى توقفت على صوت خديجة.
خديجة: "تؤمريني بحاجة يا زوبا؟ آه، إحنا لازم ناخد على بعض... وبعدين نزلتي ليه؟ كنتي ارتاحي."
زينب بضيق:
"أنا من ساعة ما عرفت إني حامل وأنا معملتش حاجة، وصالح لو شافني بعمل حاجة بيزعل، والصراحة تعبت من النوم على السرير. قوليلي مين بيلا هانم دي؟"
خديجة بحب عفوي:
"ياااه، دي ست طيبة أوي، اسمها بيلا سالم الدمنهوري، صاحبة القصر اللي في الناحية الشرقية، عندها يجي خمسة وأربعين سنة كدا، بس يا حسرة عليها، ربنا مبيديش حد كل حاجة."
زينب بفضول:
"ليه؟"
خديجة: "بيقولوا إنها دخلت مصحة نفسية سبع سنين. كانت أصلاً عايشة في إسكندرية، لكن أختها مريم هانم جابتها المنصورة بعد ما خرجت من المصحة. نفسيتها كانت وحشة أوي، والسبب حاجة حصلت لها في إسكندرية لدرجة إنها بقت تكره تروحها. ومن وقتها وهي جت هنا ودايماً لوحدها. حتى مريم أختها حاولت تخليها تشتغل معاها في أملاكها وترجع لحياتها، لكن هي عمرها ما خرجت. تعرفي دي ملكة جمال، كان بيتخانق عليها رجالة بشنبات وكل واحد يتمنى توافق تتجوزه، لكن الغريب إنها كانت بترفض كل العرسان بطريقة غريبة. أمي الله يرحمها كانت شغالة في قصر سالم بيه أبوها، وبتقول إن أبوها في مرة ضربها لدرجة إنها دخلت المستشفى وكان جسمها كله بينزف وحصل مشكلة كبيرة، وبعدها لما خرجت من المستشفى دخلت المصحة، ومحدش يعرف السبب الحقيقي لحالتها. ودلوقتي عايشة لوحدها في القصر. أبوها مات، وأخوها محمود بيه هو اللي بيدير الشغل بتاع العيلة، والصراحة هو راجل محترم. بس محدش بيجي يزورها إلا كل فين وفين، ومفيش غير مدام حياء اتصاحبت عليها، وكل ما تيجي هنا لازم تروح لها، وإيمان وصالح كانت بتعتبرهم زي ولادها. على فكرة أنا كلمتها وقلت لها إن صالح بيه والمدام بتاعته هنا، وهي قالت نفسها تشوفك."
زينب بحزن:
"ربنا يكون في عونها. إن شاء الله نتقابل بس صالح يوافق."
خديجة: "وهو هيرفض ليه؟ والله العظيم صالح بيه ده ما في منه دلوقتي. بيعتبرها أمه، ربنا يفرحكم يارب بابنكم."
وقفت "عفت" من بعيد تتابع ما يحدث بضيق، كانت تعتقد أنها ستستطيع التقرب من زينب في تلك الفترة، لكن جاءت تلك المرأة ورفقتها.
عفت بضيق:
"أبو شكل دي شغلانة بس خالص، أنا زهقت. الواد ده لازم ينزل... وبعدين الخطّة بتاعة سي زفت بقالنا تلات شهور بنرتب فيها، لولا الحمل الزفت ده كان زمانا خلصنا. بس خالص، أنا جبت آخري. باي باي زوبا."
في وقت لاحق
ترجل صالح من سيارته يدلف إلى قصر ضخم، وبجواره زينب. شعرت بالتوتر قليلاً من رغبته في التعرف عليها.
زينب: "صالح، استنى بس، هي ممكن متبقاش عايزة تشوفني؟ طب انت، وعرفت إنها، إنما أنا..."
طبع قبلة سريعة على وجنتها وهو يحيط خصرها بتملك قائلاً:
"متقلقيش، بيلا مفيش أطيب منها، وبالعكس يمكن تزعل لو مشفتكيش."
ابتعلت ما بحلقها وهي تدلف لذلك القصر الضخم، تنظر للحرس بارتياب وهي تتمسك به بقوة. ليبتسم.
مرت ثوانٍ وهو يدور بعينيه في الحديقة، ليجد امرأة أنيقة في منتصف العقد الرابع من عمرها، جميلة الوجه، شعرها مرتب في كعكة أنيقة. تجلس على أحد المقاعد بجوار شجرة كبيرة وتدون شيئاً ما في مذكراتها، يبدو عليها الحزن جلياً.
صالح بحماس:
"بيلا، وحشتني."
ابتسمت بطيبة وهي تراه يقترب، احتضنها قائلاً:
"القمر عمل إيه؟"
بيلا برفق وحزن مصطنع:
"زعلان منك يا بكاش... مش بتسأل عليا. لا، أنا زعلانة منك."
"وأنا ميرضيني زعلك، أصلحك إزاي؟"
بيلا بطيبة:
"مش محتاجة حاجة غير إنك تطمني عليك دايماً."
رفعت عينيها البنية تنظر لتلك الجميلة بجواره، تمعنت في النظر لها، أسلبت عينيها عنها وعن رماديتها قائلة:
"دي مراتك؟"
أومأ لها بالإيجاب، لتشعر زينب بالحرج قليلاً، لكن فاجأتها بيلا وهي تحضنها. قد شعرت بهالة غريبة من المشاعر، لكنها ابتعدت أيضاً فجأة كما اقتربت قائلة:
"زي القمر يا صالح، ألف مبروك يا زينب، انتي محظوظة. الواد الشقي ده على فكرة مش تربية حياء بس... ده حبيب قلبي."
ابتسم صالح بود قائلاً:
"خالص يا بيلا، يبقى نقضي معاكي اليوم بكرة في البيت عندنا."
بيلا بحزن:
"معلش يا صالح، انت عارف إن أنا مبحبش أخرج."
صمتت للحظات شارده، لتكمل بلا إدراك:
"العالم برا مخيف..."
كادت زينب أن تبكي، وكأن تلك الكلمة لمست صميم أوجاعها. اقتربت منه بضعف وهي تلف يديها حول خصره، ومازالت تنظر لتلك المرأة الجميلة رغم كبر سنها، لكن تبدو جميلة جداً.
صالح بمحاولة وإصرار على خروجها:
"لا طبعاً، لازم نقضي اليوم سوا، انتي وحشتيني، وكمان وحشتني القعدة معاكي، وبعدين زينب حامل ومش هعرف أجيبها ونخرج كل شوية، وانتِ عارفة لازم ترتاح. حاجي بكرة آخدك ونقضي اليوم كله في الفيلا عندي."
بيلا بابتسامة وهي تنظر لزينب:
"تتربى في عزكم يا حبيبي، ماشي يا صالح عشان خاطرك انتي بس يا زينب، إنما أنا أصلاً زعلانة منك."
زينب بسعادة:
"وأنا هكون مبسوطة جداً وانتِ معانا يا مدام بيلا."
بيلا بنظرة حزينة وابتسامة جميلة:
"قوليلي يا بيلا على طول، أو ماما."
زينب بود:
"ماشي يا بيلا، بس هستناكي بكرة، مفيش أعذار."
بيلا: "أكيد طبعاً."
بعد مدة رحل صالح وزينب، أما بيلا فكانت تنظر لطيف زينب بشرود، ولعينه الرماديتين تتذكر رماديتين أخريين قد رأتهما بالماضي.
*** فلاش باك ***
قبل سنوات
في قصر الدمنهوري الريفي، تجلس بيلا بجانب أختها مريم تتمسك بيديها برجاء وحماس:
"مريوم، وافقي بقى، والله ما هتأخري."
مريم بخوف:
"لا يا جميلة، لا، انت اتجننت صح؟ عارفة لو روحتي قصر الرشيدي هيحصل إيه؟ بابا هيضربها فوق دماغنا، وبعدين هو مش قالك اقطعي علاقتك بصفاء بنت الرشيدي."
بيلا برجاء ومحايلة:
"يا مريم، صفاء صحبتي الوحيدة، لو مروحتش الفرح هتزعل مني، لأن أنا معرفتش أروح خطوبتها، ودلوقتي الفرح كمان. والله وافقي بقى عشان أبقى أداري عليكِ لما تحبي تخرجي انتي وعيسى خطيبك. والله ما هتأخر ولا هكلم حد، هسلم على صفاء وأبارك لها."
مريم بقلة حيلة:
"طب هتخرجي إزاي؟ وافرضي حد شافك من عيلة الرشيدي هناك؟ احتمال لأ، دا أكيد إنهم هيضايقوكي."
بيلا بحماس:
"بصي، هطلع من باب الخدمين، وهاخد عباية من بتوع البت نعمة، وهيخليها تلاغي الواد الحارس بتاع البوابة الوراني، وهخرج، وهي صحبتي هتوافق."
مريم باستخفاف:
"دي آخرة صحبة الخدامين، كملي يا أختي."
بيلا بابتسامة رائعة:
"أولاً، أنا لسه جاية من إسكندرية وبقالي هناك أكتر من سنة، ومحدش يعرفني في عيلة الرشيدي، وكمان أنا هبقى داخلة القصر بالعباية، وإن شاء الله أعمل نفسي واحدة من الخدم. بس لازم أبارك لصفا، دي هتسافر بكرة تقضي شهر العسل وبعدها هتستقر في القاهرة، هنشوفها إزاي تاني. انتي مهمتك تداري عليا، وبابا كدا كدا بينام بدري. شوفي بقى أخوكي محمود لو عرف إني برا، قوليله بيلا بتقولك يا بتاع كاملي."
مريم بحماس:
"انتي ماسكة عليه ذلة."
صدحت ضحكتها الجميلة قائلة:
"ذلة واحدة، ده أخوكي عامل بلاوي."
مريم: "ربنا يستر يا بيلا، أنا مش مرتاحة."
نهضت بيلا بحماس وثقة:
"هي موتة ولا أكتر، ياله استعنا على الشقى بالله. سلام يا مريوم."
بعد حوالي ربع ساعة، توقف التاكسي أمام منزل عائلة الرشيدي. نزلت بيلا وهي ترتدي ثوب ريفي قديم أزرق اللون منقوش بورود وردية. ترفع شعرها الأسود لتبدو كفتاة قروية بسيطة، تضع وشاح أسود خفيف على شعرها.
لفت بين المعازيم دون أن يلمحها أي شخص، نظر لتخفيها بينهما، وقصر قامتها بالنسبة للرجال الموجودين.
ابتسمت بحماس وهي تنظر لترتيبات الفرح فائقة الجمال والزينة بكامل القصر. كانت تتحرك بينهم في الخفاء، حتى صعدت الدرج لتصبح بالدور الثاني. تذكرت حديث صديقتها حين أخبرتها (الدور الثاني آخر الممر، الأوضة التالتة).
بيلا بضيق:
"ثواني، دلوقتي فيه ممر على إيدي اليمين وعلى إيدي الشمال، منك لله يا صفاء، حتى وصف الأوضة مش عارفة توصفيه، وأنا اللي عاملة فيها المفتش كرمبو... وخارجة من ورا بابا. بصي، خير الأمور اليمين."
اتجهت في ذلك الممر، وما إن وصلت الغرفة الثالثة شعرت بأحدهم يقترب. دلفت سريعاً لداخل الغرفة دون الاهتمام.
دلفت للغرفة، لكن لم تكن غرفة صديقتها، ولا بها أي صوت. كادت أن تخرج، إلا أنها ابتسمت وهي تنظر للطعام على السفرة.
بيلا: "حتى أنا كمان جعانة. إيه النحس ده؟ كان لازم أمثل على بابا إني تعبانة. طب كنت آكل الأول، وكمان ما أكلتش طول النهار عشان أعرف أمثل الدور. أووف."
بللت شفتيها وهي تقترب من تلك السفرة ببلاهة. انحنت قليلاً تشم رائحة أطيب وألذ الأصناف.
بيلا بحدة:
"بيلا مش من الذوق إنك تاكلي من أكل حد، بس أنا أصلاً قليلة الذوق."
ضحكت وهي تتذكر كلمات والدها وهو يعنفها، لكن هي تضرب تلك الكلمات عرض الحائط.
وضعت الملعقة بفمها وبدأت تأكل بنهم. شعرت بحرارة ودفء غريب، عقدت ما بين حاجبيها بتوتر وفمها ممتلئ بالطعام. استدارت ببطء لتصطدم بحائط بشري.
وسعت عينيها بصدمة وهي تنظر لرماديتيه بذعر. سعلت بقوة وهي تحاول ابتلاع ما في فمها. نظرت له بارتباك قائلة وهي تنظر لذلك الشاب الوسيم ذو الملامح الحادة قوي البنية:
"انت... انت مين؟"
عقد ساعديه أمام صدره بغيظ ووحدة قائلاً:
"أنا اللي مين؟ حضرتك في أوضتي وبتسألِ أنا مين؟ المفروض أنا اللي أسأل، انتي مين."
ثم ألقى نظرة سريعة عليها:
"مع إن مش مستاهلة إني أسألك، انتي من خدم القصر."
بيلا بضيق:
"وانت مالك؟ وبعدين كنت جعانة، ممكن أدفعلك تمن الأكل."
رد عمرو بضيق:
"واضح إنك قليلة الذوق كمان، بس دلوقتي نعرف لما أجيب البهايم اللي واقفين عند البوابة."
فزعت بقوة وهي تقول بجدية:
"هش، خلاص خلاص اسكت، هتودينا في داهية. الله يخربيتك انت وصفاء في يوم واحد. أنا آسفة."
ثم تابعت وهي تكاد تبكي إن انكشف أمرها وأنها ابنة عائلة منافسة لعائلة الرشيدي في السوق الاقتصادي:
"والله لا يسامحك يا صفا... أنا خدامة... خدامة جديدة في القصر، بس وحياة أبوك، وطّي صوتك. أنا همشي، ممكن أدفعلك تمن الأكل اللي أكلته بس، والله كنت جعانة و..."
ابتسم بتسلية ليقول:
"واسمك إيه بقى يا شاطرة؟"
بيلا بضيق وغضب:
"إيه شاطرة دي؟ ما تحترم نفسك."
رفع هاتفه وكأنه يحدث الحرس ليثير خوفها باستمتاع:
"ادخلي هنا يا بهيم منك له..."
جذبت منه الهاتف سريعاً بخوف وارتباك قائلة:
"خلاص يا عم انت، مبتصدق. اسمي بيلا... جميلة."
"بيلا... بيلا." تردد الاسم بتسلية واستمتاع قائلاً بحدة:
"اطلعي بره."
بيلا بضيق: "افندم."
عمرو بخبث وهو يقترب ببطء ليصبح أمامها:
"أظن مش هتحبي تقفي وأنا بغير هدومي يا قطة."
كادت أن تصرخ بوجهه، لكن توجهت نحو الباب تغادر الغرفة وهي تشعر بنبضاتها الخائنة كلما تذكرت اقترابه الضار.
تنفست الصعداء تقسم أن تهورها ذلك سيجعلها تقع بالكثير من المشاكل.
*** نهاية الفلاش باك ***
أفاقت بيلا من شرودها، وكان صالح وزينب قد غادرا.
بيلا: "عمرو الرشيدي..."
في منزل نور
كانت تجلس في غرفتها بذلك الثوب الرائع الجمال ومكياج متقن أنيق يبرز جمالها، تفرك يديها ببعضهما بتوتر.
ابتسمت نيرة وهي تجلس بجوارها قائلة:
"خايفة؟ ده طبيعي."
نور: "لا ابداً، بس ابنك ميضمنش."
نيرة بضحك:
"والله لسانك ده هيوديكي في داهية مع باسل. ربنا يستر عليكم."
نور بارتباك:
"طب بقولك إيه؟ ناجل الفرح لبكرة عادي."
نيرة: "باسل واقف برا لو سمع ممكن يروح فيكي في داهية. ده انتي دوختيه معاكي."
نور: "لازم يدوخ لو عايز حاجة."
نيرة: "وانتي مش أي حاجة يا نور، لازم دايماً وانتي معاه تغلي نفسك. اوعي تقللي منها. أنا عارفة ابني. بلاش الضعف ده."
نور: "هو انتي كدا المفروض بتطمنيني؟"
نيرة: "بصي يا نور، انتي داخلة على مرحلة جديدة، ودلوقتي خالص لازم تثقي في باسل وتديله شوية اهتمام. صدقيني، هو افتقد ده طول عمره. يمكن هو قريب منه، لكن أبوه لأ، ودائماً حاسس بفقد حاجة. دلوقتي انتي دورك تحتويه وتحترميه، وهو هيشيلك فوق راسه. صدقيني، ولو محصلش أنا اللي هقف لها."
احتضنتها بسعادة واطمئنان. لتجد الباب يفتح ويطل منه بهيمته الفاقدة لأي ثبات بداخلها. لا تنكر ذبذبة المشاعر التي تحتل جسدها منذ أول مرة رآها.
ابتسم باعجاب وهو ينظر لتلك الثوب الأنيق والذي يبرز رشاقة جسدها. شعر بالغيرة لأول مرة. هل سيراها الآخرون وهي بكل هذا الجمال؟ يتمنى لو يدفنها بداخل صدره لتصبح ضلعاً من ضلوعه.
نهضت تقف أمامه تنظر بارتباك. ابتسم وهو يقترب منها، طبع قبلة حنونة على قمة رأسها، ثم حاوط خصرها بذراعه، يخرج من الغرفة لتتعالى الزغاريد من حولهم.
بينما تتعالى الأغاني والمباركات لهم. توجه نحو تلك الأريكة المزينة لهما، جلست برفق وهو بجوارها.
يمر الوقت ببطء شديد، تمنى لو ينتهي كل ذلك ويأخذها لعالمه الخاص.
بعد مرور ساعة ونصف، تحركت نور بتمهل وحرص، وهي مرتدية ثوب الزفاف الأبيض الأنيق... والذي كان غاية في الرقي والعصرية عليها... حيث كانت كالأميرة متوجة.
فكانت تسير بجوار الجيران وأبيها وأخيها الصغير (سيف وعبد المنعم). يمسك بيدها برفق، يدفعها للسير بدون خوف أو تردد.
كانت جميلة اليوم، أجمل من أي يوم رآها فيه. فكانت بثوبها الأبيض أجمل نساء العالم في عينيه. وزينة وجهها كانت تلمع بإشراق. من وضعت لها ألوان الزينة أرادت بروز جمالاً. من لفت لها حجابها بهذا الشكل، تبدو محترفة، لتجعلها بهذا الجمال فوق رأسها تاج متلألأ بهذا الشكل البراق. أرادت أن تثبت له أن العروس ملكة تستحقه هو فقط لأنه أميرة.
ترددت نور في رفع عينيها إليه وهي تنظر له في الخفاء، وهو واقف عند الباب ينتظرها حتى ترحل معه. بعد حفل الزفاف البسيط في ذلك الحي البسيط التي تقطن به. أخيراً رفعت عينيها البنية عليه حينما اقتربت منه. وكان هو في غاية الأناقة ببذلة كلاسيكية بعصرية رفيعة... باللون الأسود كانت رائعة عليه، وكأنها صممت إليه خصيصاً. وقد صفف شعره الأشقر الغزير للخلف فأصبح جذاب بدرجة مهلكة. مما جعلها تخفض عينيها وهي تتذكر قبلاته على شفتيها... وجنونه يوم كتب الكتاب، وهو يكاد يبتلعها في تلك الدقائق التي مرت عليها كدَهر.
شعرت بالخوف والتوتر مما هي مقبلة عليه. تشعر بتجمد أطرافها... من مجرد قبلة كان جامحاً، وكاد أن يفقد صوابه وهي في أحضانه. ماذا سيحدث حينما تكون في بيته وفي نفس الغرفة؟
ينبغي عليها... تشعر بالاضطراب، وكأن تلك الدروس التي كانت تحفز نفسها عليها قد تلاشت في لحظة، وحل التردد والخوف من وجودها معه وحدهم. لأول مرة ستكون معه وحدهم!
شعرت بيده توضع خلف ظهرها ودفعها نحوه برفق، لتجده يطبع قبلة فوق رأسها أمام الجميع. وهذا جعل وابل من التهنئة تهبط عليها ودعاء والدته وأبيها وبعض الجيران بسعادة إليهما.
رفعت نور عينيها إليه بخجل، بلمحة من التردد. فوجدته يبتسم بجاذبية تليق بالوسامة الساطعة التي يتمتع بها هذا الرجل، قائلاً بصوت مليء بالمشاعر:
"مبروك يا شبح..."
جف حلقها وما زالت عيناها متعلقة بعينيه بتردد. ثم هتفت باعجوبة من بين هذا الاضطراب:
"الله يبارك فيك..."
تعالت الزغاريد من حولهما، فوجدته يثني ذراعه ويرفع مرفقه لها... كي تتأبط ذراعه.
أحاطت مرفقه بكفها الشبيهة باللوحة الثلجية بسبب ما يحدث لها. أسبلت عينيها بعيداً عنه، وكأنها تطالب بالأمان من خلالهم.
هبط معها على السلالم القديمة والجيران خلفهما، يطلقون الزغاريد وصياح الفرح. تمنت الآن أن تجد زينب بجوارها، لكن من أين تأتي زينب الآن؟
هناك فرقة موسيقية شعبية تحيط بهما تقوم بزفافهما بالعود والطبل البلدي.
بعد أن أنهت الفرقة الزفة التي بدأت من أول درجات السلم حتى أعتاب باب البيت الكبير.
بعد انتهاء الفرقة، علمت أنها على وشك الرحيل. لم تشعر بنفسها إلا وهي تلقي نفسها بأحضان أبيها بحزن على افتراقه. لتجد أخيها عبد المنعم يبكي بعنف.
حاولت الانحناء قليلاً بتعثر من ذلك الثوب، تحتضنه قائلة:
"عبدو، انت بتعيط؟"
"انتي كمان بتعيطي ليه؟"
نور: "عشان هتوحشني يا لمض. خلي بالك من نفسك."
استقامت ترمي بأحضان والدها تبكي بعنف وهستيريا.
سالم يحب:
"نورهان، اهدي يا قلبي، وبعدين أنا هاجي أزورلك، وانتي كمان هتيجي، مش كدا؟"
أومات له برأسها قائلة:
"خالي بالك على نفسك يا بابا، وأنا هكلمك، اوعي متردش عليا، والله هزعل. بلاش تخوفني عليك."
ابتسم بحنان وهو يقبل رأسها بود:
"بطلي يا هبلة، هكلمك."
ثم نظر لباسل بجدية قائلاً وهو يربت على ظهرها بحنان:
"خلي بالك عليها..."
باسل بهدوء: "في عيوني."
"هتوحشني أوي يا بابا..."
رد والدها بحنان:
"وانتي كمان يا حبيبتي. هبقى أجي أشوفك، وانتي كمان تعالي زورينا."
أومات له نور وهي تخرج من أحضانه، وقد تلوث كحل عينيها قليلاً من البكاء، لكنها لم تهتم.
قد أخذت يد والدها وقبلتها، ثم رأسه، وودعته بعدها بقلب ملتاع.
نظرت لباسل بكحلها المنساب وعينيها الحمراء وشفتيها المنتفخة... وثوبها الأبيض يبرز جمالها الفاتن.
سالم بخوف:
"خالي بالك عليها يا مدام نيرة، نور غلبانة والله."
نيرة بود:
"متقلقش يا حج سالم، نور في عيونا وقلوبنا."
فتح لها باب السيارة بصمت، وكان وجهه جامد التعبير.
خطت نور خطوتين نحوه، ثم قبل أن تستلقي السيارة الفارهة، وقفت بجواره، وكان يفصلهما الباب المفتوح بيد باسل، والذي بادلها النظرات بهدوء أقرب للبرود.
بعد لحظات من تبادل النظرات التي تحمل مشاعر عميقة مبهمة... أوقف باسل حرب النظرات وهو يقول:
"ياله يا عروسة..."
بعد جملته، أدارت رأسها عند أبيها تنظر له تودعه. نظروا إليها بابتسامة رغم دموع أشقائها.
عادت عينا نور إليه، ثم للسيارة، وجدته يربت على ظهرها باهتمام قائلاً بابتسامة:
"ياله يا نوري..."
"كلماته حنونة لأبعد الحدود، وكأنه ليس ذلك المنحرف." لفظت تنهدت ببطء وهي تصعد للسيارة، يساعدها برفق، ثم أغلق باب السيارة ليتجه للناحية الأخرى يصعد بجوارها.
وبالسيارة الأخرى خلفهما صعدت نيرة وزينة (أخته). انطلقت السيارة في طريقها للمجهول. التفت تنظر لابيها وأشقائها، هطلت دموعها مرة أخرى، فلاول مرة تشعر بالغربة وهي تبتعد عنهما.
وجدته يحيط خصرها جاذباً إياها بين أحضانه، لتتمسك ببذلة حلته، تبكي.
باسل بنبرة مبهمة:
"كفاية يا نور، كفاية."
رفعت عينيها إليه قائلة بخوف وخجل وهي تبتعد قليلاً:
"هو... هو إحنا هنروح فين دلوقتي؟"
ارتجفت شفتيها من نظرة عينيه، لتخفض رأسها وقد سيطر عليها الارتباك.
"بطل تبصلي كدا..."
ابتسم وهو يرفع رأسها بأنامله، ينحني مقبلاً إياها، بينما حاولت دفعه بغضب وخجل. بينما يوجد ستار فاصل بين الأريكة الخلفية والأمامية لا يراهم السائق.
لكزته بغضب وخبث في صدره، مبتعدة عنه قائلة من بين أسنانها:
"مش ناوي تحترم نفسك؟"
صدح رنين ضحكته الخلابة قائلاً بخبث:
"احترام... مش ملاحظة إن الكلمة دي عيب أوي النهاردة."
شهقت بقوة وهي تبتعد قائلة:
"لا يا شبح، فوق وبلاش ترفع سقف توقعاتك عشان أقسم بالله هتلاقي نفسك متشرح لو حاولت بس تقرب ليا، انت فاهم يا حيلتها؟"
اقترب وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة قائلاً:
"ما بلاش الثقة دي... على العموم، مش ضروري النهاردة، كدا كدا مسافرين، بس ممكن بكرة أو بعده، أنا مش مستعجل."
نور بهمس:
"اللهي وابور جاز يولع في وشك يا بعيد، يخرب بيت جمال أمك."
باسل للسائق:
"على الأوتيل الأول يا ابني."
نور بحماس:
"هنروح فين؟"
باسل بجدية وعيناه الضاريتان مصوبتان على بنيتها:
"هتعرفي بعدين، المهم تثقي فيا."
نور: "هحاول يا باسل، بس أتمنى متخذلنيش."
في المنصورة
دلفت زينب إلى غرفة النوم، بينما خرج من المنزل ليزور بعض الأشخاص كان على صلة جيدة بهما.
زينب بهدوء:
"هو أنا لازم أصلحه وأبطل هبل وخوف؟ أنا بحبه، يمكن مش عارفة أقولها في وجوده، لكن هو عمره ما عمل حاجة تضايقني عشان كدا لازم أصلح اللي حصل."
ابتسمت بحماس وهي تتجه نحو الخزانة، ابتسمت وهي تخرج فستان أحمر اللون، لكن توقفت فجأة وهي تسمع صوت طرقات على الباب.
وضعت الثوب على الفراش لتتوجه نحو الباب تفتحه.
عفت: "مدام زينب، صالح بيه اتصل على تليفون البيت وبيقول إنه احتمال يتأخر شوية، مفيش داعي إنك تستنيه، وبيقول إن موبايلك مقفول."
دلت زينب للغرفة وخلفها عفت وهي تلتقط هاتفها:
"آه صح، ده كان فصل شحن، بس أكمن مش بمسكه كتير نسيت أشحنه. ماشي يا عفت، خالص، روحي انتي نامي، الوقت اتأخر."
عفت بخبث:
"انتي هتلبسي الفستان ده؟ ده حلو أوي، ده يمكن صالح بيه يتجنن لو شافك بيه."
زينب بحدة:
"عفت، بطلي تحشري نفسك في اللي ميخصكيش، فاهمة؟ وياله روحي أوضتك."
عفت بخبث:
"طب هتتعشي؟ أجهزلك العشاء."
زينب: "لا، مش جعانة، ياله أمشي."
عفت: "ماشي يا مدام زينب."
خرجت من الغرفة تاركة خلفها زينب تشعر بالإحباط، تمنت وبشدة أن تلتقي به لتعترف له.
زينب: "هستناه، مش هيحصل حاجة يعني، لازم نتكلم."
بعد حوالي ساعة، دلفت صالح إلى الغرفة بعد أن قام بجولة في الخارج ليعيد الوصال بينه وبين بعض أصدقائه.
يحاول التوقع لما قد يحدث الليلة، متقلبة المزاج، فهي تارة غاضبة، حانقة، لا تتحمل منه حتى الاستماع لكلمة منه، وتارة أخرى باردة، متجاهلة إياه تماماً كما لو كان هواء من حولها لا تراه ولا تسمعه، لتشعره تلك المحاولات بالتسلية. يدخل كل ليلة، مخمناً في أي حالة قد يجدها، متوقعاً لأي شيء، ليصاب بالذهول، ليقف متسمراً مكانه وهو يراها تجلس على الأريكة تضم جسدها بيديه.
ترتدي فستان أحمر اللون ذو حمالات رفيعة وفتحة صدر منخفضة، ينساب فوق خصرها ثم يتسع حتى ركبتيها. شعرها الأسود ينساب حتى أسفل ظهرها، يراها برقتها، بجمالها الخلاب، ليظل متسمراً بذهول، محاولاً الكلام أكثر من مرة دون نجاح، ليتقدم بخطواته منها.
يجلس بجوارها على الأريكة، يقف أمامها، مد أنامله يتلمس وجهها بحنان. فتحت زينب عينيها بابتسامة جميلة، مرددة اسمه بهمست.
أكلتها نظراته، لتخفض رأسها خجلاً وارتباكاً من نظراته تلك، ليضع أنامله أسفل ذقنها يرفع وجهها إليه يقول بصوت متحجر من أثر المشاعر التي تموج بداخله:
"انتي عايزة تجيبلي القلب صح؟ إيه الجمال ده كله؟"
ابتسمت بمرح لتشرق ملامحها كلها بسعادة أمام عينيه، لتتجمد نظراته عليها، يبتلع ريقه بصعوبة، وأنامله تتلمس بشرة وجهها بنعومة، لتتوقف فوق شفتيها متابعاً إياها تتحرك أسفل إصبعه وهي تتحدث بهمس ناعم خجول:
"صالح... أنا... أنا آسفة على اللي حصل الأيام اللي فاتت... و... ممكن متزعلش."
صالح بخبث:
"لا، أنا زعلان الصراحة، ولازم تصلحيني."
زينب بابتسامة:
"وأنا موافقة، ها عايز إيه؟"
صالح... صالح...
أفاق من شروده على همسها الناعم، هامسة باسمه بقلق، لينفض رأسه من أفكاره تلك، ليرفع إصبعه ممرراً إياه فوق ذراعيها بنعومة، ثم ليقوم بإحاطة وجهها الرقيق بكفيه هامساً:
"قلب صالح يا زوبا."
ابتسمت بخجل من كلماته، ليميل يقبلها بشغف وجنون، غير قادر على مقاومتها لثانية أخرى، ليشعر بها، ولأول مرة منذ زواجهم، تبادله شغفه وجنونه دون تردد أو قلق، ليزداد جنوناً بها، مشدداً من احتضانه لها. تمر به الدقائق دون وعي بما حولهم، حتى توقف يهمس:
"زينب، المرة دي مش عايز يبقى في أسرار."
أومأت له بخجل، ليقول بجدية محاولاً السيطرة على نفسه حتى لا يؤذي طفلهما:
"طب ياله ننام، أخدتي دواكي؟"
زينب بضيق:
"آه."
طبع قبلة حنونة على رأسها قائلاً:
"ياله يا زينب، بلاش تفكري كتير، وربنا يعدي الليلة دي على خير، لأن الصراحة شكلك مش ناوية على خير خالص."
زينب بلامبالاة زائفة:
"أنا برضه."
وابتسم صالح قائلاً:
"إن كيدهن عظيم."
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم دعاء احمد
راحت أوضة الأطفال، ولكن وقفت مصدومة.
قالت: سيب اللي في إيدك يا أمين.
وجريت تحوشها منه.
رهف بزعيق: أنت بتعمل إيه دا؟
أمين بخوف: ما عملتش حاجة، كنت بحطلها بودرة بس.
رهف بعصبية: أنت اتجننت؟ بتحطلها على وشها! ياللي مابتفهمش اطلع برا بسرعة.
طلع أمين بضيق.
رهف مسكت منديل مبلل وبدأت تمسح وش نور.
خلصت وطلعت برا لنسرين اللي كانت عينها غفلت من التعب وتأثير البنج.
دخلت المطبخ تعملها أكل.
عند ماجدة قاعدة حزينة.
دخل أكرم بسرعة وقال: نسرين وابني فين؟
مسحت ماجدة دموعها وقالت: هى مش لسه في المستشفى؟
أكرم بقلق: لأ، كنت سايب معها رهف بس رجعت عشان أجيبهم لقيتهم مشيوا قبل ما أوصل.
قالت ماجدة بضيق: يبقى راحت معها البيت.
راح أكرم على بيت رهف بسرعة.
وصل على طول وخبط عليه.
سابَت اللي كانت بتعمله وراحت تفتح.
لقيت أكرم واقف وقال: نسرين فين؟
نايمة جوا.
أكرم بزعيق: إزاي تمشي من المستشفى من غير ما تستناني؟
رهف بهدوء: نفسيتها تعبانة من اللي شافته واللي حصل. ماحبتش أضغط عليها، وجبتها معايا ترتاح. وابقى تعالى اتكلم معها بعد يومين كدا.
أكرم بقلة حيلة: ماشى.
مشي وقفلت وراه.
كانت معدية من قدام أوضة نسرين سمعتها بتنادي عليه.
دخلتلها رهف: نعم يا حبيبتي.
نسرين بتعب: لو جه تاني مادخليهوش عليا عشان مابقتش قادرة أبص في وشه.
رهف: يعني مش هتسامحيه وترجعي معه بعدين؟
نسرين بجمود: لا بعدين ولا قبلين، خلاص كرهته وكرهت العيشة معاه والذل والإهانة يا رهف.
رهف: ماشي براحتك، ربنا يدلك للطريق الصحيح.
بيفوت أسبوعين وأكرم مازال بيحاول معاها ترجع.
وخالتها راحت لها كذا مرة لكن هى مصرة على الانفصال، وباعته عشان كان بايعها من الأول.
الشخص اللي بسببه كانت ضعيفة ومش قادرة تتكلم بنص كلمة ولا تعترض وتقول لأ، خلاص ماتت.
واللي هي كانت أمها.
كانت رجعت نسرين على بيت أمها من أسبوع.
وكانت رهف بتساعدها في كل حاجة.
راحت ماجدة لأختها وقالت بضيق: في إيه يا نسرين؟ الراجل عمال يجي ويروح وأنتِ مش راضية ترجعي. لتكوني مبسوطة بالوضع ده؟
نسرين بضيق: لا مبسوطة ولا بتاع، بس خلاص مش هرجع لو إيه اللي هيحصل. وقفلي بقى عالموضوع دا.
طلعت ماجدة من عندها وهى مضايقة منها.
سمعت حد بيخبط راحت تفتح.
ولقت أكرم.
قالت: اتفضل ادخل.
دخل أكرم وقال: نسرين صاحية ولا نايمة؟
ماجدة: صاحية، ادخلها جوا.
خبط عالباب ودخل.
تفاجئت نسرين من دخوله وقالت: ماستنتش لما أطلع ليه؟ وياريت بقى نخلص الموضوع دا عشان زهقت.
أكرم: بردوا لسه مصرة عالطلاق؟
نسرين بجمود: أيوا ومش هتراجع عنه.
بص على ابنه اللي كان بين إيدها، وقال: أنتِ طالق يا نسرين.
وسابها ومشي بسرعة.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دعاء احمد
بص على ابنه اللي كان بين إيدها، وقال: أنتِ طالق يا نسرين.
وسابها ومشي بسرعة.
خدت نفسها بارتياح وقالت: أخيرا كان هم وانزاح.
ماجدة بصدمة: أنتِ مجنونة؟ مالكيش قعاد في البيت دا تاني.
نسرين ببرود: مش طالعة يا ماجدة.
وياريت بعد كدا ماتدخليش في حياتي.
أنا ماجيتش في يوم واشتكيتلك ولا تقلت عليكي، كنت متحملة وجعي وحياتي اللي كانت كلها ذل وإهانة لوحدي، ماحدش حاول يطبطب عليا ولا يخفف عني.
ماجدة بضيق: ماشي براحتك، كنت عايزة مصلحتك.
نسرين بنفس البرود: وأنا أدرى بمصلحتي.
بصتلها ماجدة بضيق ومشيت على بيت زوجها.
بعد لما مشيت، انهارت في العياط مش لاقية حد يطبطب عليها ولا تعيط في حضنه.
مش لقيت الإيد الحنينة غير من أبوها.
عند رهف، كانت قاعدة بتفكر في تصرفات ابنها.
وإن يوم عن يوم مبقاش يسمع كلامها وبيزعق لها وبيضرب في أخواته.
اتصلت على سلفتها تحكيلها، وكانت حماتها معاها.
سميحة: لسه طفل مش عارف حاجة، ادعيله بالهداية يا حبيبتي.
هما الأطفال كدا وبالذات الولاد يزعقوا ويضربوا، لما يكبر هيبقى كويس وفاهم هو بيعمل إيه.
حماتها: أيوا يا رهف، الولاد بتبقى شقية شوية وربنا يهديه.
رهف: يارب.
حماتها: البنات عاملة إيه، وحشوني أوي.
ابقي تعالي وهاتيهم عشان أشوفهم، أنتِ عارفة مابقتش بقدر أمشي على رجلي زي الأول عشان تعبانة.
رهف: حاضر يا عمتي، هجيبهم بكرة وأجي.
سميحة: تنوروا يا حبيبي.
بيفوت عشر سنين على الأحداث دي.
أمين بقى عنده ١٥ سنة.
منى عندها ١٢.
نور عندها ١٠.
دخل أمين الشقة وماسك كورة في إيده والكوتش متبهدل.
كانت رهف لسه ماسحة الشقة وهو ماقلعهوش.
رهف بزعيق: أمين إزاي تدخل بالكوتش كدا يعني؟
أنا ضهري اتقطم من الكنيس والمسحان وأنت تيجي في لحظة تبهدلها.
كان بيسمع لها بضيق وقال: مش عايز وجع راس.
أنا جاي مضايق، ماحدش قالك اكنسي ولا امسحي.
وسابها ودخل أوضته.
أمين في العشر سنين اللي فاتوا بقى عدواني وقاسي عن الأول.
بقى بيرد على أمه وكمان فاشل في دراسته.
وأخواته البنات اللي بينزلوا يشتغلوا في الأرض الزراعية مع أمهم.
بقى بيغيب من المدرسة ويروح يلعب كورة أو يقعد قدام المدرسة يبص عالبنات ومعه ولدين مصاحبهم.
ومخلص فلوس أمه وتعبها على الفاضي.
جت منى وقالت: أنا خلصت طبيخ يا ماما، أجيب الأكل دلوقتي؟
رهف بقلة حيلة: ماشي هاتيه.
دخلت أختها نور معاها المطبخ تساعدها.
بعد نص ساعة كانوا قاعدين بياكلوا.
أمين خد نص الفرخة وسابلهم نص.
رهف بعصبية: أمين إيه تصرفك دا؟
هو مفيش غيرك اللي بياكل؟
أمين ببرود: لو مش عاجبكم قوموا ومتاكلوش.
اومال لو خدت الفرخة كلها.
رهف بعصبية: أنت إزاي تكلمني كدا يالا.
وكانت رايحة تضربه بالقلم.
مسكها بسرعة وضغط عليها جامد وقال بغضب: إياكي ترفعيها تاني عليا أو تزعقيلي.
وقتها هيبقى ليا تصرف تاني.
كانت منى وأختها قاعدين خايفين وبيعيطوا في صمت.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثلاثون 30 - بقلم دعاء احمد
وقف "صالح" خارج غرفة العنايه المركزه التي ترقد بها "زينب" يتابع بخوف من خلف الزجاج زوجته الغائبه عن الوعي والموصوله بعدة اجهزه ومحاليل تساعدها على البقاء على قيد الحياه.
فقابل الطبيب المعالج لها بعد خروجه من غرفتها وقال بلهفه:
= زينب عامله ايه دلوقتي؟ بقت كويسه مش كده؟
ربت الطبيب على يده بتطمين ثم قال بتعاطف:
= الحمد لله زينب هانم حالتها مستقره جدا، احنا بس دخلناها العنايه علشان نسرع من عملية الشفا ونتابع كل علامتها الحيويه في نفس الوقت، والحمد لله وضع الجنين مستقر دلوقتي بس لسه مفقتش.
أغلق صالح عينيه براحة.
وقف جانبا ينظر الى غرفة زينب بشوق يريد الدخول اليها واشباع روحه المشتاقه والخائفه عليها من رؤيتها.
= انا عايز ادخلها.. عايز اشوفها واطمن عليها بنفسي.
الطبيب باحترام:
= مش هينفع يا فندم.. ممنوع حد يدخل العنايه و..
الا ان صالح قاطعه برجاء:
= انا مش هعمل صوت ولا هضايقها ولا حتى هتنفس.. انا هقف من بعيد اطمن عليها.
حاول الطبيب الرفض مره اخرى، الا ان كرم الذي كان يقف بالقرب منهم يتابع حديث صالح ورجائه بدهشة، فهو يعلم انه ولو كان في حالته الطبيعيه لأقام الدنيا وجعلهم يركضون من حوله ينفذون ما يريده بالامر لا بالرجاء، ليدرك ان صديقه في اشد حالته سوءٍ وضعفا لم يراه من قبل بذلك الضعف.
حقا سؤال يدور ببال الجميع.. ما يفعل الهوي بقلوب العاشقين؟!
تدخل كرم بصرامة اخافت الطبيب:
= الباشا عايز يشوف مراته ويطمن عليها.. يدخل على طول والا فيه حاجه المفروض يعملها قبل ما يدخل؟
الطبيب بارتباك:
= ياريت.. ياريت يتعقم الاول قبل ما يدخل.
صالح بلهفه وهو ما يزال يراقب زينب من خلف الزجاج بلهفه، ولولا القليل من الثبات بداخله لنزفت عينيه دماً وليس دموع، رغم انه لم يبكي ومازال يحتفظ بكبريائه.
= فين.. اتعقم.. فين..
أشار الطبيب لغرفة جانبيه:
= هنا يا فندم.. الاوضه دي.. اتفضل.
ربت كرم على كتف صالح بتعاطف وهو يقول باحترام:
= من هنا يا باشا..
تبع صالح الطبيب بلهفه ينفذ اوامره الخاصه بالتعقيم بدقه، وعقله و قلبه وسائر مشاعره تقوده في اتجاه واحد هو الاطمئنان عليها وعلى عودتها اليه سالمه.
بعد انتهائه دخل صالح الى الغرفه بلهفه يشاهد وجهها الشاحب والاسلاك الموصوله بسائر جسدها والتي تمدها بالحياه وتحافظ على استقرار حالتها.
فاقترب منها بألم و شعور طاغي بالذنب يقتله وهو يسترجع كل ما حدث.. زوجته حبيبته طفلته عشقه تموت وهو السبب، ربما لأنه لم يهتم بها بالقدر الكافي.. كان سيفقدها بمنتهى البساطة ويفقد حياته بفقدها.
فركع بألم على ركبتيه بجوار فراشها وهو يتمسك برفق بيدها الموصول بها الخراطيم التي تمدها بمحاليل مخلوطة بالدواء، وهو يحني رأسه يقبلها بعشق وندم ودموع الخوف من فقدها تغرق يدها وهو يهمس بإسمها مرارا ومرارة الخوف من فقدها تتغلب عليه.
= زينب انتي هتعيشي وهترجعيليه.. هترجعيلي وهعوضك يا حبيبتي عن أي حاجة وحشة بس ارجعيلي….
ثم تابع بيأس:
= ماهو لتعيشي لاما انا اموت وأجي معاكي.. مفيش حل تاني.. طب مش عايزة تعرفي انا بحبك قد ايه…. تصدقي انا نفسي مكنتش اعرف اني بحبك كده ولا عمري تخيلت اني احب حد كده…. انا اول مرة احس بالضعف ده.. قومي يا زينب علشان خاطري..
ابتسم بلهفه وهو يمسك يديها بحنان:
= عارفه اول مرة شفتك فيها وانتي في الشارع وبتعيطي لما روحنا المستشفى لابوكي كان عندي احساس غريب ناحيتك…. كان نفسي أحضنك….. ولما اتجوزنا وقتها مكنتش بفكر في اي حاجة من اللي قولتيها….. الطلاق والهبل ده.. كان عندي احساس قوي اننا هنكون مع بعض طول العمر….. قومي منها يا زينب.
في حين وقف كرم في الخارج يتابعه.
أغلق الستائر الخشبيه على زجاج الغرفه من الخارج حتى لا يشاهد احد ما يجري في داخل الغرفه.
ثم قال للطبيب والممرضه المرافقه له بصرامة وهو يقف على باب الغرفه يعقد ساعديه بقوه وتحذير:
= محدش هايرفع الستاير ولا هايدخل الاوضة الا لما يخلص ويخرج.
في اليوم التالي…
خرج الطبيب من غرفة زينب التي تم نقلها من غرفة العنايه المركزه الى غرفه اخرى بعد تحسن حالتها واستعادة وعيها.
ثم اقترب من صالح الذي قابله بلهفه.
الطبيب بجديه:
= مدام زينب فاقت والحمد لله…. بس برضو مش عايزين اي انفعال.
أومأ له صالح بجديه ليسمح له الطبيب بالدخول.
رسم ابتسامة على شفتيه رغم حزنه بداخله لم يرغب باحزانه.
دلف صالح الي غرفتها بخطوات ثابته وعيناه تبحث بلهفه وشوق لها.
كانت تتسطح على الفراش بجسد متعب مرهق.
اتهجه اليها يحتضنها بحنان. احتضنته زينب هي الاخرى وبدأت بالبكاء بطريقه هستيريه وكأن حزنها وألمها فاض بها فلم تعد تتحمل.
اخذ يمرر يديه على ظهرها بحنان:
= اهدي يا حبيبتي انتي لسه تعبانه.. بس متخافيش الدكتور طمني عليكي وقاله انك هتبقي كويسه وهتبقي كويسه و اقسم لك بالله اللي عمل كدا ليدفع التمن غالي اوي.
وضعت زينب يديها على بطنها تتحسها وهي تبكي بهستريه وهي تدس وجهها بصدره:
= هو ايه اللي حصل يا صالح؟….. ايه اللي حصل؟
ابتسم بحنان وهو يطبع قبلة أعلى رأسها بحنان قائلا:
= خالص يا زينب انسى اللي حصل؟ انتي كويسة و دا الأهم متخافيش.. متخافيش.. علشان خاطري اهدي.
زينب بارتعاش وهي تضع يدها على بطنها بحمايه:
= طيب والبيبي كويس مش كده؟
مرر صالح يده بعشق على بطنها وهو يقول بحنان:
= والله العظيم كويس…. كويس يا زينب.
زينب ببكاء:
= بجد يا صالح؟
مسح صالح دموع زينب باطراف اصابعه وهو يقبل عينيها بعشق جارف:
= بجد يا قلب ودنية صالح……
ابتسم بحنان وهو يضمها اليه ويمسح دموعها وقد شعر بالدموع تملاء عينيه هو الاخر من قوة المشاعر التي يشعرها نحوها.
= طب كفايه بقى دموع يا حبيبتي انا مش قادر اشوفك بتعيطي بالشكل ده وكمان عشان البيبي والا انتي عايزاه يزعل منك..
ابتسمت زينب وهي تمسح دموعها وتقول برقه:
= خلاص مش هاعيط تاني علشان لا انت ولا هو تزعلوا مني …
ثم ارتمت بين زراعيه تنعم بحبه وقربه منها.
***
في قصر الدمنهوري
في وقت متأخر من الليل
كانت بيلا غارقه في النوم والذكريات تتزاحم وبشدة والكوابيس تهاجم نومها مزعجا اياها ترى كل ما هو سئ وكيف تحول إلى الاسوء.
فزعت بقوة وهي تصرخ بفزع مؤلم وعقلها يقف عند نقطه مؤلمه حدثت بالماضي:
= عمر…..
انهارت في بكاء هستيري تبكي بعنف وانهيار وهي تتذكر كلمات والدتها:
= لما تكوني في ظروف صعبة عليكي اوي ومش قادره تتحمليها، تجاهليها واتعاملي معها كأنها فيلماو كانك بتشوفي كابوس مؤلم وهتصحي منه بعد دقايق، مهما كنتي مجروحه او متالمه واللي بيحصك مش قادره تتحمليه.. لازم تحتفظي بمشاعرك لنفسك ألمك حزنك يأسك دموعك لنفسك وبس انتي صديقة نفسك وبس.
ضمت بيلا جسدها برعب وجسدها يرتجف بهستريه وتكتم شهقتها:
= كابوس يا بيلا كابوس مؤلم ده مش حقيقة ده حلم ده كابوس.. مفيش كهربا ولا علاج تاني.. عمر كان حلم… احنا متجوزناش ولا خلفت ولا اي حاجة ده حلم… خالص مفيش كهربا هتدخل جسمك تاني مفيش اي حاجة ده كابوس… كابوس يا بيلا…. بس ازاي كابوس انا كان من حقي اشوف بنتي كان من حقي.. آآآه يا ماما مش قادره مش قادرة يارب خدني بقى انا تعبت والله العظيم تعبت.. ليه كل حاجه ضاعت ليه؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم…..
وحشتني اوي يا عمر ووحشني انك تحضني وتطمني بس خالص خالص كل دا راح.. يا بابا انا محتاجك والله العظيم والله العظيم محتاجك محتاجة حضنك اوي… يارب كان نفسي اشوفها… ياريت سبتني احضنها واشوفها.. آآه يا عمر علي اد الحب اللي ادتهولي علي اد الوجع اللي عشت فيه وحرقت قلبي عليها وعليك.. كان نفسي تحضني ولو لمرة اخيرة…. مكنتش عايزة اخسرها ولا اخسرك.
وجدت طرقات على الباب:
= مدام بيلا حضرتك كويسه؟
مسحت دموعها وهي تسمح للطارق بالدخول.
نعمه وهي تجلس بجوارها على الفراش:
= بسم الله الرحمن الرحيم… مالك يا هانم كويسه؟
بيلا بخوف وانهيار يتقطع له نياط القلب:
= نعمة انتي شغاله هنا من زمان اوي… هو انا وحشة اوي كدا علشان اخسر كل حاجة.. انتي عرفاني كويس يا نعمة.. انا عمري ظلمت حد…. انا غلطت في ايه… غلطت في ايه؟ اني حبيته معقول دا ذنبي… معقول مكنش مكتوبلي الفرح اني اشوف بنتي ليه يا نعمة ليه…. يارب انا عايزة اروحله.
بكت نعمة بحزن لاجلها وهي تحتضنها:
= استغفري الله يا بيلا ده حكمة ربنا وقدره محدش يقدر يغيره…. والله العظيم ربنا هيجبر خاطرك وكل الوجع دا هيجي يوم ربنا يبدله لفرح مالوش اخر.. ياريت كل الناس زيك والله العظيم مافي حد في قلبك وصدقيني ربنا مبيعملش حاجة وحشة والله العظيم.. عارفه والله العظيم حاسة ان قريب هيتزال الغمة دي وهترجعي تفرحي وتنوري القصر زي زمان. وبعدين انتي لسه صغيرة.. اي يعني تلاته واربعين سنه…. والله العظيم لما بشوفك بفتكر ورشة الخزف والخشب اللي بتقعدي تلعبي فيه والرسم ارجعي تاني وانسى اللي فات بقى ضاع من عمرك عشرين سنة.