تحميل رواية «اطفت شعلة تمردها» PDF
بقلم دعاء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في يوم عيد الفطر المبارك، حيث البهجة على كل الأمة الإسلامية. في بيت جلال الشهاوي، كانت حياء واقفة في المطبخ بتجهز الفطار على ما جلال وصالح يرجعوا من صلاة العيد. ابتسمت بسعادة. دلوقتي ولادها عندهم خمسة وعشرين سنة. ما حصلش حمل تاني بعد ما خلفت إيمان. هما ما كانوش عايزين أكتر من كده، بنت وولد زي القمر. ابتسمت بهدوء وهي بتفكر في معاملة جلال ليها طول السنين دي، وإزاي خلاها أسعد إنسانة على وش الكون بحاجات بسيطة، كلمة طيبة. فتحت شباك المطبخ وبصت للبحر من بعيد. غمضت عينيها وهي بتستقبل نسمات الهواء الخفي...
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الحادي والستون 61 - بقلم دعاء احمد
حسنك أغوي تائب عن الحب.. وفي لقاك ينبض القلب
قيل أن أبلغ الأحاديث هو حديث العيون
واعترض أحدهم قائلا: بل القلوب
حتى أتت هي لأعلم أن أبلغ الأحاديث هو حديث روحها الذي لا يسمعه سوي روحي
وصلت سيارة عمر إلى قصر الدمنهوري بعد سنوات طويلة من الفراق والبعد
مازال يذكر آخر مرة دخل إلى ذلك القصر قبل أكثر من عشرين عامًا
قام الحارس بفتح البوابة سامحًا له بالدخول
القى نظرة يأسه إلى جنينة القصر وشريط ذكرياته يمر عليه مرة أخرى
تذكر حينما رآها تجلس في ذلك المكان منشغلة برسم أحد رسوماتها
لأحت ابتسامة بسيطة على شفتيه مزينة وجهه الوسيم
تغير قليلاً زادت ملامحه هيبة ووقار
بعض التجاعيد وشعره الأبيض الممزوج بالأسود لم يقلل من وسامته أبداً
فهو عمر الرشيد...
صف السائق السيارة ليترجل عمر بخطوات ثابتة واثقة رغم رجفة قلبه
سيلتقي بها مرة أخرى
استقبلته فردوس ممرضة أرسلتها مريم لتعني ببيلا منذ أكثر من ثمان سنوات
تبدو في نهاية العقد الثالث من عمرها
ملامحها صارمة
فردوس بلباقة وعملية
عمر بيه الرشيد.. اتفضل معايا
تقدم خلفها وهي تشير لغرفة الصالون
ولج عمر الغرفة الشاسعة والمليئة بالتحف والرسومات القديمة
نظرت له بهدوء قائلة
اتفضل حضرتك ومدام بيلا هتنزل لحضرتك..
وضع ساق على الأخرى وهو يخرج علبة السجائر خاصته
ولكن ما إن وضعها بين شقي شفتيه عادت له إحدى الذكريات
يا عمر أنا مبحبش ريحة السجاير.. وبزعل منك لما بتدخنها لأنها بتاذيك
ابتسم ببرود وهو يشعل سيجارته هامس لنفسه
أعتقد مكنش في حاجة مؤذية قد علاقتنا وحبي ليك...
في الطابق العلوي
كانت تجلس أمام المرآة بقلب منتفض من الخوف والكثير من المشاعر المتناقضة
بعد أن أخبرتها فردوس بوصوله
بيلا بهمس وارتباك
=انزلي ياله قبليه.. هيحصل إيه يعني ولا حاجة
أنتم دلوقتي مش الاتنين اللي قابلوا بعض زمان
في حاجات كتير ماتت واتغيرت
صمتت للحظات لتكمل بخفوت
الا حبك له يا بيلا
نهضت وهي تسير بخطوات مرتجفة لتصل للباب
وضعت يديها على المقبض وهي تأخذ نفس عميق ثم خرجت
نزلت الدرج بهدوء كعادتها
رفع رأسه ينظر لها بينما لاحت ابتسامة جانبية على شفتيه
وعينيه تفترس وجهها وقسماته الرقيقة
شعرها الأسود يتخلله بعض الخصلات البيضاء
رشاقتها في الحركة
ترتدي بلوزة سوداء شتوية وجيب زرقاء واسعة
ترفع شعرها في كعكة فوضوية
وقفت بجواره وهي تتنحنح بحرج
اهلا يا عمر بيه نورت...
استقام ليجيب ساخراً صارم
بيه؟! بخير الحمد لله
فين صفا وإيه اللي حصل؟
ردت بيلا بهدوء زائف
هي في اوضتي فوق.. الدكتور بيقول إنها نسيت تاخد دواها علشان كدا تعبت وخصوصاً إنها ما أكلتش
هي نايمة دلوقتي
وضع السيجار بالمنفضة ليستقيم مرة أخرى قائلاً بتلقائية
تمام يا بيبو
أقصد بيلا هانم بكرا الصبح هاخد صفا بس لما تصحى وهروح قصر الرشيد متشكر لضيافتك لأختي...
جلست على الأريكة بهدوء قائلة حاني
أظن قصر الرشيد مقفول بقاله سنين وتجهيزه هيكون صعب في وقت قصير
الييت هنا في أوض كتير ممكن تستريح في أي غرفة
جلس بهدوء وعينيه تتشرب ملامحها الحزينة قائلاً بنبرة حزينة
بيلا انتي لسه مقتنعة إني السبب في موت ملك..
تجمعت الدموع في مقلتيها لتجده يعقب سريعاً بلهفة مبرراً
بيلا أنا كنت هموت معاها
مفيش أب ممكن يكون سبب في موت بنته
وأنت أكتر واحدة عارفة قد إيه أنا كنت نفسي البنت دي تيجي للدنيا
أنا حكيتلك أحلامي لبيتنا ولبنتنا
انتي أكتر واحدة عارفة إني حبيتها لأنها كانت منك...
تساقطت دموعها وتصاعد الألم لصدرها تشعر بثقل ما تحملته قائلة بحدة
بلاش تفتح في الماضي يا عمر
لو سمحت كفاية أنا تعبت
ماتت عرفت إنها ماتت كفاية بقى حرام عليك
أنا أم مشوفتش بنتي غير مرة واحدة بس وبعدها
بعدها انت عملت إيه؟
أخدتها
رد عمر بانفعال وغضب مكبوت منذ سنوات
كنت واخدها لأبوكي.. كنت عايز لها حياة في النور..
كنت ناوي أعمل أي حاجة، قلت يمكن لما يشوف حفيدته قلبه يحن ويبطل يعند، لكن العربية فجأة انقلبت وأنا دخلت غيبوبة أكتر من ست شهور.
وضعت يديها على عينيها الحمراء أثر بكائها وهي تستمع لمبرراته.
"عمر، مالوش داعي نقلب في اللي فات، الله يرضى عليك. بعد إذنك أنا هطلع أرتاح."
اللمعت الدموع في عينيه ليزفر بغضب وشراسة وهو يخرج من المكان، يشعر وكأنه يختنق ويختنق.
كان يقف في جنينة القصر ينفث سيجارته بغضب يحاول كظم غيظه وغضبه، بينما وقفت "بيلا" تنظر له من وراء زجاج الشرفة. أغمض عينيه قائلاً:
"لا يا عمر، عارفة إن مالكش ذنب في موتها ونفسي أقولك إني مش زعلانه منك، بس للأسف أهلنا زمان عملوا أخطاء، بقيت واقفة بينا زي السور اللي مالهوش نهاية، لا أنت هتقدر تهده ولا أنا هقدر أتخطاه."
أغمضت عينيها تتذكر ما حدث وقلب كل الموازين.
**********فلاش باك**********
قفزت من فوق الفراش بحماس وسعادة قائلة:
"بجد يا تيتة، يعني بابا وافق على عمر؟ بس إزاي ده زعق ليا عشان قابلته؟ معقول وافق كدا بسهولة؟"
ابتسمت "نبيلة" بارتياب قائلة بهدوء حاني:
"مش مهم إزاي، المهم إنه وافق. مبروك يا قلبي، ألف مبروك يا بيلا، أخيرًا هشوفك عروسة."
احتضنتها بفرحة كبيرة قائلة:
"أنا فرحانة أوي يا تيته، كنت أتمنى لو ماما تحية تكون معايا."
ربتت "نبيلة" على ظهرها بحنان قائلة:
"هي أكيد حاسة وفرحانة عشانك. باباك هيكلمه ويحدد معاد معاه، بس مش عايزة مكالمات بينكم يا بيلا، فاهمة؟"
أومأت لها بالإيجاب، وهي تصعد لغرفتها، في حين شعرت نبيلة بالارتياب من تغير "سالم" المفاجئ لتشعر بعدم الارتياح قائلة بهمس:
"ربنا يستر، مش مرتاحة لك يا سالم، حاسة إنك بتفكر في حاجة. ربنا يهديك يارب ومتكسرش بخاطر بنتك."
بعد أسبوعان.
في قصر آل "الرشيدي".
وقفت "عصمت" بغضب وغيرة قاتلة قائلة بشر:
"الخطوبة النهارده يا ماما، هيتجوز بنت الدمنهوري، لا لا دا أكيد حلم مش حقيقة، عمر بتاعي أنا مش هي، لا يمكن أقبل بالمهزلة دي تحصل على جثتي."
جلست "تفيدة" على كرسيها بغضب وهي تنظر لابنها قائلة:
"إنتي اللي خايبة ومعرفتيش توقعيه، أهو راح يخطب بنت سالم الدمنهوري اللي جدك الرشيدي رفض زمان إنه يجوزه لعمتك كوثر الله يرحمها.
ودلوقتي سالم موافق بسهولة يجوز بنته لعمر عشان ينهي العداوة، وإنتي غبية معرفتيش تعملي حاجة. ودلوقتي هتلبسي وتتشيكي عشان تروحي خطوبته."
زفرت بحنق قائلة:
"اصبري عليا يا بيلا الكلب، لو فاكرة إنك هتكوني حرم الرشيدي تبقي بتحلمي. هلبس وأتشيك وهشوف المهزلة دي بتحصل، لكن لا يمكن أوافق بيها أبداً."
في مساء الليلة.
وقف "عمر" بسعادة أمام المرآة يهندم حلته السوداء الأنيقة، فهي ستصبح خطيبته بعد ساعات قليلة. رغم شعوره بوجود شيء مريب سيحدث، لكن حاول تجاهل شعوره.
ارتدى ساعة أنيقة ليضع عطره وهو ينظر للمرآة بثقة. وجد الباب يُفتح لتدخل والدته "مرام" بسعادة وطيبة قائلة:
"أخيرًا هشوفك عريس يا حبيبي. ربنا وحده يعلم دعتلك قد إيه تكون من نصيبك. رغم إني مشوفتهاش، لكن متأكدة إنها مميزة أوي اللي قدرت توقعك، وكماتصفى حكيت لي عنها إنها بنت لطيفة وجميلة أوي."
ابتسم "عمر" وقبل رأس والدته قائلاً:
"هي من ناحية جميلة، فهي زي القمر، حاجة كدا رقة وجمال ومرح وطيبة تخطف القلب."
شعرت "مرام" بالسعادة قائلة:
"ربنا يسعدك يا عمر يا حبيبي يارب. يالا عشان منتأخرش عليهم، وكمان مرات عمك جهزت."
أخذ نفس عميق قبل أن يخرج من غرفته برفقة والدته.
أغلق الباب خلفه ينظر لزوجة عمه وابنتها قد تجهزتا لحضور الحفل.
سأل هو بهدوء قائلاً:
"جاهزين؟"
أومأت له "تفيدة" قائلة بسعادة زائفة:
"آه، ألف مبروك يا عمر، وأخيرًا هشوف البنت اللي قدرت تكسبك. متأكدة إنها جميلة."
ابتسم "عمر" بحماس قائلاً:
"شوية وتشوفيها. لازم نتحرك دلوقتي."
أومأت له بالإيجاب، بينما غادر القصر متجهًا إلى قصر آل "الدمنهوري".
وصل بسيارته إلى القصر، كان مزينًا بأناقة والإضاءة جذابة. شعر بخفقة قوية بقلبه. ابتسم بحماس وعينيه تكاد تخترق كل الحواجز، يتمنى رؤيتها.
ترجلت "عصمت" و"تفيدة" برفقة "عمه" مختار باشا من السيارة الأخرى خلفه.
دخلت إلى القصر بلباقة وثقة حتى التقى بـ "محمود".
ابتسم محمود برفق وهو يصافح عمر قائلاً:
"نورت يا عمر بيه."
ابتسم "عمر" بمرح قائلاً بسعادة:
"دلوقتي نقدر نشيل الألقاب يا محمود."
لاحت بسمة أخيه قائلاً:
"طبعًا. اتفضل. مرام هانم نورتي قصر الدمنهوري."
ابتسمت السيدة بسعادة قائلة:
"البيت منور بأهله."
في غرفة بيلا.
وقفت أمام المرآة بتوتر وهي تنظر لثوبها الأنيق والراقي في اختياره، يناسب أجواء حفل الخطبة، فقد اختارته بعناية هي وجدتها بعدما حدد والدها الموعد معه.
أخذت نفس عميق وهي تنظر لـ "مريم" قائلة:
"شكلي حلو؟"
ابتسمت أختها بسعادة قائلة:
"زي الجمر يا جمر انتي. وبعدين انتي قلقانة كدا ليه؟ يا بنتي إحنا معندناش حد وحش."
أردفت "بيلا" بسعادة:
"ماما أكيد فرحانة أوي مش كدا؟"
أجابتها "مريم" بتأثر عند ذكر والدتها الراحلة:
"متأكدة إنها هتكون فرحانة أوي يا بيلا. يالا عشان وصلوا وبابا أكيد معاهم دلوقتي والضيوف كمان وصلوا."
نظرت هي لنفسها في المرآة لمرة أخيرة قبل أن تخرج برفقة أختها وجدتها.
نزلت الدرج بخطوات ثابتة وابتسامة جميلة تزين ثغرها، وآه من تلك المليحة!
نظرت لها "عصمت" بصدمة قائلة:
"لا لا أكيد مش هي دي اللي عمر جاي يخطبها. مش معقول. لا لا بقى الخدامة دي تبقي اللي عمر عايز يخطبها."
سألت والدتها باستغراب:
"انتي قابلتيها قبل كدا ولا إيه؟"
عصمت بشر:
"هفهمك بعدين يا ماما."
بعد مرور بضع دقائق.
اتجه "عمر" نحو "سالم" قائلاً:
"مش نعلن الخطوبة بقى ولا إيه؟"
ابتسم "سالم" بخبث قائلاً:
"طبعًا يا عمر بيه."
شعر بشيء مخيف في نبرته تزامناً مع سؤال أحد الضيوف قائلاً:
"لسه مش عايز تقولنا أي سر الحفلة دي يا سالم باشا؟"
اتجه سالم نحو الدرج وهو ينظر لـ "عمر" ووالدتها وكل أفراد عائلة الرشيد بكره قائلاً:
"الحفلة دي مهمة جدًا عندي. السنة دي شركات الدمنهوري حققت مستوى أفضل من رائع الحمد لله، وطبعًا قلت لازم نحتفل سوا."
ضيق "عمر" المسافة بين حاجبيه وهو ينظر له بدهشة ليتابع "سالم" بهدوء:
"والنهاردة عيلة الرشيد قررت تحتفل معانا وبيمدوا لينا إيديهم بالصلح، لكن للأسف أنا مش قابله. عمر الرشيد طلب إيدي بنتي بيلا، وأنا وعدته إني هرد عليه. وأمام الضيوف أنا معنديش بنات للجواز يا عمر يا رشيد."
نظرت "بيلا" لجدتها باستغراب وعدم فهم، بينما شعرت نبيلة بالغضب اتجاه "سالم" لتجده يكمل بمنتهى الحقد:
"جدك الرشيد زمان من أكتر من خمسة وعشرين سنة قال لا يمكن يقبل بوجود أي علاقات بين العيلتين، وفعلاً كان عنده حق، وأنا مقبلش بيك زوج لبنتي."
كاد "عمر" أن يتحدث لكن قاطعهم صوت "بيلا" المهزوز:
"بابا إنت بتقول إيه؟ إنت مش هتعمل كدا صح؟"
رد سالم بقوة:
"مريم خدي اختك من هنا."
شعور الصدمة سيطر على كل عائلة الرشيد، وشعور الانتصار سيطر على "سالم" ظناً منه إنه انتصر عليهم وإنه رد لهم ما فعلوه به في الماضي عندما رفضوه. لم يكن يعلم إنه بذلك الكره بداخله دمر ابنته وليست وحدها. بينما ابتسمت "تفيدة" بشماتة وسعادة.
نظر "عمر" لسالم قائلاً:
"من حقك ترفضني، دا طبيعي، ويمكن جدي كمان غلط لما رفضك بنفس الطريقة. يمكن حاسس دلوقتي بالانتصار، بس صدقني دي خسارة لك."
نظر لها مرة أخيرة بسخرية وكره قبل أن يغادر ذلك القصر.
بعد الحفل.
نبيلة:
"ليه يا سالم؟ ليه؟ حرام عليك، ذنبها إيه بنتك اللي كسرت فرحتها دي؟ ها، ذنبها إيه؟"
انت وابوك والرشيد بينكم مشاكل والولد والبنت كانوا نفسهم يكونوا سوا في علاقة هادية ينهوا بيها المشاكل، ليه عملت كدا يا سالم؟
رد سالم بضيق قائلا:
معرفش يا نبيلة، من البداية لا يمكن يبقى في بينهم علاقة.
ردت نبيلة بغضب:
حتى لو ما كانش هيحصل، كان ممكن تبلغه رفضك مش تجيبه وتحدد معاه معاد الخطوبة وبعدها تعمل اللي عملته دا. وصدقني هتتحمل نتيجة أي حاجة تحصل.
تركته وغادرت وهي تصعد لغرفة بيلا.
كانت تضم نائمة وهي تضم جسدها بوضعية الجنين، انسابت دموعها بحزن تشعر الآن بالانكسار وكأنها لعبة يحركها والدها كما يشاء، لكنه لم يحس لقلبها أي حساب.
جلست نبيلة بجوارها على الفراش قائلة:
بيلا أنا عارفة إنك مش نايمة، علشان خاطري قومي بلاش تعملي في نفسك كدا.
وضعت رأسها على فخذ جدتها وهي تبكي بصمت مرير.
نبيلة وهي تمسد بحنان على شعرها:
عارفة إن أبوكي غلط وعمل فيلم عربي وفاكر إن كدا بيرد اللي اتعمل فيه زمان، لكن أوعدك عمر هيكون لك.
همست بيلا ببكاء:
ليه يعمل كدا يا تيته؟ كان ممكن يرفض من الأول وساعتها ما كانش في حد هينجرح، ليه عمل كدا؟
تنهدت نبيلة قائلة برفق:
يمكن فاكر إنه كدا بيرد كرامته، رغم إن الموضوع فات عليه سنين واتنسى، لكن نعمل إيه بقى؟ سالم دماغه ناشفة، بس مش هسيبه يضيعك.
لم تستطع التحدث وهي تحتضنها بوجع، حاولت وحاولت إغواء النوم لكنه كان يجافي عينيها.
في الصباح الباكر.
انسحبت من الفراش بارهاق وعينيها حمراء لتنظر لجدتها النائمة.
أخذت هاتفها، خرجت من الغرفة.
كانت تسير بشرود في الجنينة الواسعة، لتجري اتصال برقمه بتوتر عدة مرات متتالية، لكن في كل مرة لا يرد.
في قصر آل الرشيد.
كان يجلس ينفث سيجارته في مكتبه المظلم، لم يستطع النوم بعد تلك الإهانة، وهو يتذكر كل مقابلة بينهم وكل ضحكة وشجار، الذكريات تداهم عقله بقوة.
نظر لهاتفه بنذق ليجيب تلك المرة قائلا بحده مخيفة:
عايزة إيه؟ مش كفاية اللي أبوكي عمله؟ ياترى كنتم متفقين سوا ولا...
قاطعه صوتها الباكي معتذرة:
أنا آسفة، أنا ما كنتش أعرف اللي بابا ناوي يعمله.
صمت عمر وهو يسمع شهقاتها الممزقة لقلبه قائلا بضعف:
بيلا اهدي، خدي نفسك براحة، اهدي.
حاولت التحدث قائلة بصوت مهزوز من بين شهقاتها:
أنا عارفة إن اللي حصل غلط، وبس مش عايزة إياك تزعل، أنا كدا كدا هسيب المنصورة، مش هتشوفني تاني.
أغلقت الهاتف قبل أن يعترض أو يرد على حديثها، بينما جلست أرضا وهي تنظر لمجرى المياه تلمع عينيها بالدموع.
***عودة للوقت الحالي***
دلفت زينب برفقة صالح.
إلى منزل بيلا بابتسامة جميلة كعادتها.
الآن أصبحت بطنها بارزة بشكل ملحوظ.
ابتسم صالح مداعبا وهو يضع يديه على بطنها:
هو الواد دا هيفضل كتير جوا؟ مش ناوي يجي بقى؟
زينب بسعادة قائلة:
لسه يا بابا، لسه هبدأ في الرابع، بس المشكلة إني تخنت وبقيت مفجوعة أوي.
ضحك بخفة وهو يميل عليها مقبلا رأسها هامسا:
مين دي اللي تخنت يا هبلة؟ دا انتي كدا مهلبية يا مهلبية انتي.
لكزته زينب بخجل في كتفه قائلة:
صالح، إحنا مش في بيتنا، احترم نفسك.
حاوط خصرها قائلا:
بتحسسيني إني شاقطك يا بنتي؟ اجيبلك القسيمة وربنا مراتي.
ابتسمت بسعادة قائلة:
عارفة على فكرة، شكرا على المعلومة الهايلة دي، مش عارفة من غير كنت هعمل إيه يا باشا.
نظرت لترى ذلك الرجل يقف ينفث سيجارته، لم تستطع رؤيته جيدا، لكن كلما اقتربت زادت الرؤية، لتشعر بنبضات قلبها تتعالى وهي تنظر له عن قرب.
رآهما عمر وهما يدلفان إلى داخل القصر يضحكان بمرح، كانت تقترب برقة وهدوء بجمالها السرمدي الناعم وعيونها اللامعة وبشدة وجهها الأبيض وحجابها الأسود.
اقتربت وبدأ يدقق النظر لها وهي تضحك دون النظر له، شعر بالتخبط للحظات وهو يتأمل ملامحها والتي إن تحدث عنها أنها أنثوية طفولية جميلة.
لكن تشبهه!!
عيونها، ضحكتها... بس شيء يجعل قلبه ينتفض كلما اقتربت، لكن ليس انتفاضة مشاعر كتلك التي يشعر بها بجوار بيلا، لا، هي شيء مختلف.
صالح بجدية وهو ينظر لعمر:
مين دا؟
"مش عارفه."
استقبلتهما بيلا بسعادة وهي تنظر لزينب:
وحشتوني أوي؟ ها الجميل عامل إيه؟
ردت زينب بسعادة:
بخير الحمد لله، بس للأسف ماشيين.
تلاشت ابتسامة بيلا بحزن قائلة:
معقول بالسرعة دي؟ دا إنتوا لسه جايين من أسبوعين، ما لحقتش.
ابتسم صالح قائلا بحنان:
معلش بقى، عندي شغل مهم وبعدين بابا لوحده، لازم نرجع.
تنهدت بيلا بحزن قائلة:
هفتقدكم أوي يا صالح...
رد صالح بجدية قائلا:
والله وانتي كمان... بس إن شاء الله نِجي تاني أو تيجي انتي معانا.
بيلا:
أنا؟ إن شاء الله.
نظر صالح لعمر الذي يقف على بعد خطوات وهو ينظر لزينب بطريقة غير طبيعية، ليسألها بخنق وغيرة:
مين الأفندي اللي هناك دا يا بيلا؟
ابتسمت بهدوء قائلة:
دا عمر الرشيد أخو صفا...
ردت زينب بعفوية وسعادة قائلة:
اللي إنت حكيت لي عنه بجد؟ لازم أسلم عليه، إنتوا هترجعوا لبعض؟
تركت صالح لينظر لها بدهشة وهو يراها تقترب من ذاك الرجل مبتسمة بفرحة كبيرة.
وقفت زينب أمامه وعينيها تلتمع بسعادة قائلة:
إنت بقى بطل الحدوته؟ أنا صحيح معرفش باقي الحكاية، لكن فرحانة أوي إني شفتك.. آه، آسفة إني دخلت كدا فجأة، اسمي زينب وبيلا حكت ليا عنكم.
ابتسم عمر تلقائيا وهو ينظر لها:
أهلاً يا زينب، تعرفي إنك جميلة أوي.
هنا لم يستطع صالح الصمت أكثر من ذلك ليصيح بغيرة:
إيه يا جدع إنت؟ أنا محترم بس إنك قد أبويا، غير كدا كنت خزقت عينيك اللي مبحلقة فيها من ساعة ما دخلنا، وإنتي يا هانم تعالي كدا شوية، إيه يا أم الهبل دا؟ حسابنا في البيت.
وضع عمر يديه بجيب بنطاله قائلا بجدية:
حضرتك مين؟ وبعدين إيه الغاغة اللي عملها دي؟ البنت فعلا جميلة وزي القمر كمان.
لم تستطع زينب كتم ضحكتها العفوية وهي تنظر لهما وخصوصا صالح الذي اشتعل من الغضب.
وهو يجذب عمر من ساقه قميصه قائلا بحدة:
إنت بتستهبل يا جدع إنت؟ إنت بتعاكس مراتي وأنا واقف؟ ما تحترم سنك.
ابتعد عمر بهدؤ قائلا بجدية:
أولاً أنا مش بعاكسها، أنا بقول الحقيقة، ثانياً دي من عمر بنتي الله يرحمها، يعني لا يمكن أبصلها بنظرة مش تمام، ثالثاً أنا عذرك لأن عارف معنى إنك تغير على حد بتحبه.
نظر لبيلا التي ابتسمت وكادت أن تضحك وهي تتذكر شيئاً ما، ليقول صالح بحدة:
بيلا شوفي ضيفك دا كمان، أنا لازم أمشي دلوقتي وهكلمك في الموبيل.
أومأت له بالإيجاب، وهي تسلم عليه، بينما احتضنت زينب لتودعهما وهي تغادر معه، بينما علقت نظر عمر بها.
همس عمر بصوت هادئ قائلا:
البنت دي بتشبهني، جميلة أوي.
ردت بيلا بهدوء قائلة:
أنا كمان حسيت كدا أول ما شفتها، سبحان الله.
ابتسم عمر بخبث مراوغا:
بس صحيح، إنتي حكيتها عني ليه؟
احمر وجهها وهي تنظر له بارتباك قائلة بتشتت:
عادي يعني مفيش حاجة، كنا فاضيين وهي... هي سألت و... آه، صحيح، صفا زمانها صحت، لازم نطمن عليها.
غادرت المكان بسرعة، لينظر له بابتسامة واسعة وشعور بالارتياح لم يشعر به منذ سنوات.
______________________
في فيلا رشاد.
جلس على كرسيه بغضب قائلا:
يا ابن الـ... يتصالح يعني هو اللي فضحني في السوق؟ وهو نفسه اللي اشترى أسهم الشركة بالتمن دا... إنت متأكد يا خالد؟
رد خالد بجدية قائلا:
الخبر انتشر إن أسهم الشركة بقت ملك له، وكلمت البت عفت وسألتها، قالت إنه كان بيكلم واحد وقال له إن هو مش عايز يظهر في الصورة غير لما ياخد منك كل حاجة، ما كانش يعرف إنك هتقدر تغطي الخسارة.
رد رشاد بغضب وحدة:
بقى أنا مشغول طول الفترة دي في تغطيت الخساير، ويطلع هو اللي عمل كدا؟ ابن... لا، مش هسيبه.
في الأول ابنه مماتش و دلوقتي بيخسرني كل حاجة.
خالد:
انت تؤمر بأيه؟
ليكمل بخبث وغضب:
"أول ما اتجوزوا عفت كانت بتصور زينب بهدوم البيت والقمصان من غير ما هي تاخد بالها، وعملت أكونت فيك على موبايلها وكلمت شخص على الماسنجر وكانت بتبعتله الصور دي علشان نقول إنها بتخونه، لكن دلوقتي لو وقفنا على صوابعنا لا يمكن يصدق إنها ممكن تخونه."
رد رشاد بسرعة:
"لأ لأ، موضوع الخيانة ده سيبك منه. وتكلم عفت تخليها تاخد الموبيل وتحذف الأكونت ده خالص وتمسح الصور. رغم إنها مفيهمش حاجة مغرية، لكن خليها تمسح كل حاجة. صالح لو شاف الصور دي والأكونت ده هيعرف إننا كنا بنخطط لكده وهيفهم إني حطيته في دماغي. وأنا عايزه يحس بالأمان خالص علشان أقدر أعمل اللي أنا عاوزه. هما هيرجعوا؟ انتي رايحة إسكندرية؟"
رد خالد قائلاً:
"في الطريق دلوقتي."
رشاد:
"عايزك تعرفي كل حاجة عن شغله وكل العمليات الكبيرة اللي بيقوم بيها، لو بيدخل مناقصات في أي حاجة تبع المصانع بتاعته، أي حاجة هيعملها... أنا عايز أحسر قلبه على كل مليم معاه وبعدها هقتله أو أرميه في السجن يعيش فيه زي الكلب. وتخلي البت عفت عينها عليهم وأي معلومة تبع شغله تعرفها لازم تبلغنا بيها، انت فاهم؟ أنا لازم أعوض خسارتي."
رد خالد قائلاً:
"اعتبره حصل يا باشا."
***
في فيلا باسل العلايلي، صباح اليوم التالي.
داعبت الشمس عينيها، زفرت بملل وهي تستلقي على ظهرها. هتفت نور بنوم للخدامة:
"اقفلي البلكونة دي وخرجي."
سمعت صوت خشن يرد قائلاً ببرود:
"أنا شايف إن كفاية عليكي كده، قومي يالا."
انتفضت في نومها بفزع فوجدته يجلس على الأريكة، ينفث سيجاره ويتصفح شيئاً على هاتفه. يبدو من هيئته أنه استيقظ باكراً، فيبدو مرتباً عكسها تماماً. آثار النوم مطبوعة عليها، شعرها مشعث، عينيها حمراء منتفخة بعض الشيء، آثار نومها متأخر ليلة أمس حتى داهمه النوم بعد فترة ليست وجيزة.
لم يرفع عينيه عليها وهو يقول بهدوء:
"صباح الخير."
أشاحت نور بوجهها عنه وهي تنهض بحنق لتدلف للحمام. صفت الباب مرة أخرى بقوة وكأنها الرد على جملته. إنها لا تزال غاضبة ومتمسكة بعنادها.
هز رأسه وهو يعود للهاتف ليرى كم الإشعارات الآتية له. ترك الهاتف بعد فترة، في حين وجد طرقاً على باب غرفتهم. اتجه إليه وفتحه. أخذ صينية الفطور من الخادمة وأغلق الباب بعد أن شكرها بلطف على غير المعتاد.
وضع الطعام على منضدة صغيرة بجوار الأريكة، ثم رفع عينيه على باب الحمام ليجدها تخرج منه كما اعتاد أن يراها مرتبة أنيقة، رذاذ رائحة الورد منبعث بأنفه بلطف واستحياء.
ظل ساعتين يتأملها وهي نائمة. وحين يئس من استيقاظها، داعبها بشعاع الشمس. وكانت هيئتها الطبيعية عند الاستيقاظ أكثر فتنة من الآن. يبدو أنه يفضل رؤيتها بجميع حالاتها، وبذات تلك الحالات التي رآها قبل قليلاً. غريب!! لم يشعر بذلك تجاه أي أنثى رآها.
وقفت تصفف شعرها بالمجفف وهي تتعمد تجاهله تماماً. وجدته بعد مدة يقول بهدوء:
"يلا عشان تفطري."
استدارت له ببرود، ثم لمحت صينية الطعام وأعادت بنيتها عليه وهي تقول بسأم:
"مش عايزة. تقدر تفطر لوحدك."
ردد ما قاله مرة أخرى بهدرء مخيف:
"لازم تفطري معايا."
"لأ."
"نور."
نظرت باتجاهه وهي تقول بعناد:
"قولتلك لأ. إيه مبتفهمش؟"
في لحظة لا تعرف كم أخذت وهي تراه أمامها يلوي ذراعها وهو يعيد كلماتها بعنف غاضباً:
"مين ده اللي مبيفهمش؟"
تلوت بين يديه وهي تئن بوجع:
"سيب إيدي هتكسرها. آآه."
"ياريت أكسرها وأخلص، وبالمرة أقُص لسانك اللي عايز أقطعه ده."
لكزته بيدها الأخرى وهي تقول بوقاحة:
"ملكش دعوة بيه، ابعد عني ياخي. آآه." صرخت بتاوه وهي ترى يديه تزيد الضغط على ذراعها.
"بلاش تتحديني يا نور، وبطلي عناد واسمعي الكلام."
من بين كل الألم المداهم لذراعها هتفت بجزع:
"اسمع الكلام ليه؟ إيه اللي يجبرني أسمع كلامك بعد اللي عملته وبعد إهانتك ليا. انت فاكر إن لما اتكلمنا امبارح ده كان شفاعة لك عندي؟ لأ يا باسل، للأسف انت غلطت في حقي ودي حاجة مقبلهاش على كرامتي."
صمتت للحظات لتتابع بنبرة هادئة مهتمة:
"باسل، انت مبسوط وانت كدا؟ مرتاح وانت بتأذي اللي حواليك؟ حتى والدتك؟"
ترك ذراعها وكاد أن يغادر الغرفة، إلا أنها تمسكت بذراعه بقوة قائلة برجاء:
"باسل، ادي نفسك فرصة أرجوك. وصدقني لو قررت تعمل كدا هتلاقيني معاك بقلبي. يمكن دا مش محفز قوي بالنسبة لك، وإن وجودي من عدمه مش هيفرق معاك، لكن فكر في أمك، هي أكيد نفسها تطمن عليك. عشان خاطرها حاول تدي نفسك فرصة يا باسل."
ابتسم بغموض وهو يمسك يديها الملتفة حول ذراعه، يحرر نفسه منها قائلاً:
"افطري وغيري هدومك، هنخرج بعد شوية."
سألته نور بفضول قائلة:
"هنروح فين؟"
زفر بهدوء قائلاً:
"اعتبرها مفاجأة."
جلست على فراشها تتمنى لو تعرف كيفية التصرف مع شخصيته المعقدة. فهو متناقض، لكن بداخله شيء نقي، تشعر بذلك وكأن قلبها أخبرها بذلك. همست نور لنفسها بهدوء:
"لازم أديله فرصة وأدي لنفسي فرصة. بس قبلها لازم يتعافى من العقدة اللي عنده من أبوه، وإلا هبقى برمي نفسي في النار. الموضوع محتاج تفكير."
زفرت بنذق وهي تنظر للطعام بفتور لتبعد الصنية وتتجه نحو الخزانة. أخذت ثوباً ذا اللون الكستنائي طويل وحجاباً من اللون الفضي، وأخذت تبدل ثيابها. خرجت من الفيلا تبدو في غاية الاحتشام والأناقة. اتجهت نحو مرآب السيارات لتجده يشغل المحرك. رفع عسليته ينظر لجمالها الخلاب. بينما صعدت بجواره بدون حرف واحد. انطلق في طريقه.
بعد مدة، أوقف السيارة أمام مكان سياحي على البحر يحتوي على جسر خشبي تسير من عليه لتصل لعدد كبير وفخم من باخرات الرحلات.
خرجت نور من السيارة وهي تنظر حولها باستغراب قائلة:
"احنا إيه اللي جابنا هنا يا باسل؟"
ابتسم لها بمكر مرح:
"مالك مقلقة كدا ليه؟ خايفة؟"
ابتسمت بخفوت لتطمئنه قائلة بهدوء:
"هخاف إزاي وأنا معاك؟ لأ طبعاً. أنا بس مستغربة."
"متستغربيش، هي دي المفاجأة."
تقدم منها ومسك يدها بين كف يده وهو يسير معها على هذا الجسر الخشبي الأنيق. نظرت حولها مرة أخرى بتأكيد ثم له:
"هي فين المفاجأة دي؟ أنا مش شايفة حاجة على فكرة."
كتم ضحكته قائلاً:
"اصبري شوية، وكفاية فضول."
قابل باسل في طريقه رجلاً ما يبدو أنه يعرفه، فقد أشار له بتهذيب أن يلحق به. سارت نور بجوار باسل ويدها بيده حتى رأت قارب بخاري ينزل إليه. باسل ومن ثم جذب يدها برفق لتصعد عليه لتسأل بارتياب قائلة:
"أنا مش فاهمة حاجة."
أجلسها على أحد المقاعد وهو بجوارها محيطاً بخصرها بحنان، وأمامهم هذا الرجل الذي يقود القارب بصمت. سمعت باسل يرد على حيرتها بهدوء:
"كفاية أسئلة يا نور. واستمتعي بالمنظر اللي قدامك ده."
نظرت بعينيها إلى زُرقة المياه من حولها في بحر عميق صافي اللون ومتقلب المزاج. تبحر معه في هذا القارب الصغير الذي يسير بقوة على سطح المياه، مخرجاً من خلفه رذاذاً بارداً يداهم وجهها وينعش روحها بسحر كل شيء بهذا المكان. ابتسمت بنعومة وهي تنظر لباسل بتسأل:
"هي دي المفاجأة؟"
وضع قبلة على وجنتها وهو يقول بنفي:
"مش بالظبط. شوية وهنوصل."
أشاحت بوجهها وهي تتأمل ذلك السحر من حولها.
وقف القارب تحت عند يخت كبير أنيق عصري الشكل وطراز كذلك. نهض باسل ومسك بيدها وهو يقول:
"يلا يا نور، وصلنا."
لم ترد عليه بل ظلت تتأمل هذا اليخت بفم فاغر، ولم تستوعب أبداً أن تكون المفاجأة في هذا المكان الرائع. أقل كلمة تقال عليه أنه رائع. سارت على متن هذا اليخت لتتأمل كل شبر به بإعجاب أكبر. به مقصورة أنيقة ذات مساحة موزعة بذكاء، حيث يحتوي الطابق السفلي على ثلاثة أجنحة فسيحة، بما في ذلك كابينة رئيسية تتمتع بسرير كبير وحمام داخلي خاص، بالإضافة إلى مطبخ مجهز بشكل جيد. وأيضاً، يتمتع بجاكوزي على سطحه في الهواء الطلق. وهناك في أحد الأركان تجد عدة أرائك بيضاء مستطيلة، ومكان للمشروبات. كل شيء به راقٍ وعصري ومفعم بالجمال.
عقد باسل ساعديه وهو يقف على سطح هذا اليخت عالي الطراز. متأملاً سعادتها وإعجابها بكل شبر بهذا المكان.
"إيه رأيك عجبك يا نور؟"
صاحت بعفوية وهي تقترب منه:
"عجبني، دا تحفة. بجد جنان، يابخت صاحبه."
رد عليها بعبث وسعادة مخفية:
"فعلاً، يابخت صاحبه ومراته."
نظرت له ببراءة متأملة ملامحه لتسأله بفضول:
"هو متجوز؟ ازاي مراته توافق إنه يتاجر؟"
في حد يسيب المكان ده؟ لا وياجره كمان.
أولته ظهرها وهي تنظر للبحر من حولها.
"يسلام لو نعيش في مكان زي ده ونبعد عن كل الناس. آه يا باسل بجد هتبقى حياة أفضل."
قبل باسل خصرها وهو يشاهد معها هذا المنظر الخلاب بطبيعته الطاغية.
"زي ما تحبي، خلينا هنا دايما. على فكرة أنا بتكلم بجد، أنا بحب البحر أوي. تصور تصحى من النوم عليه وتنام وأنت سامع صوته وشامم ريحته. بجد دي متعة تانية."
قبلها باسل من وجنتها وهو يفك ذلك الحجاب، بينما همست بإعجاب:
"تعرف أنا كان حلمي أعيش في مكان زي دا."
"إيه لازمة الحلم يا نور؟ عيشي هنا زي ما تحبي. اليخت بتاعي على فكرة، أنا كل ما أحب أريح أعصابي باجي هنا."
استدارت نور له بصدمة وهي تسأله باستفهام:
"يعني ده ملكك؟ مش ماجره؟"
رد بفتور:
"لا أنا مبأجرش، أنا بشتري على طول."
صاحت بسعادة لم تقدر على كتمانها وهي تسير براحة أكبر بداخله:
"قول إن اليخت ده بتاعك بجد؟"
ضحك على عفويتها وسعادتها الغريبة وهو يصحح الكلمة بحب:
"بتاعنا إحنا الاتنين."
توسعت البسمة على شفتيها وهي تجري عليه لتلقي نفسها بداخل تلك الغرفة وهي تتأمل المكان بانبهار قائلة:
"يخربيت جمالك. يااه إيه الحلوة دي."
ابتسم باسل على عفويتها وهي تتأمل المكان بسعادة طفولية ليقول بمرح:
"نفسك في إيه تاني دلوقتي حالا؟"
ابتسمت نور وهي تقترب منه قائلة بحماس:
"أنزل المياه دلوقتي حالا."
"سهلة."
تقدم من حافة اليخت السفلية القريبة من مياه البحر.
شهقت نور وهي تحاول تحرير يديها من بين يديه محاولة منعه:
"بتعمل إيه يا باسل؟ أنا بهزر على فكرة."
ضيق عينيه وهو بداخله كان لا يود فعلها الآن على الأقل.
"بتهزري بجد؟ ولا..."
مال قليلا بظهره نحو المياه.
أمسكت به وهي تقول بسرعة:
"بهزر يا باسل، أنت مبتصدق."
أخرجت هاتفها من حقيبة اليد وهي تقول بابتسامة ناعمة والحماس بعينيها يشع:
"يلا بقى صورني، المكان هنا حلو أوي."
ضحك بسعادة لأجلها، أخذ منها الهاتف والتقط لها عدة صور بثوبها الناعم الجميل.
أشارت إليه أن يتقدم ويقف بجوارها، وكان ظهرها للبحر مباشرة وقدميها على الحافة السفلية لهذا المكان. اقترب منها وهو يقول:
"عايزة إيه؟"
أحاطت بذراعيها مرفقة وهي ترد عليه بجرأة:
"هكون عايزة إيه؟ نتصور سيلفي سوا. يلا بوسني."
مال على شفتيها ليقبلها بعبث. أبعدته بضيق وهي تقول بجدية:
"لا يا بابا مش هنا. هنا."
أشارت على وجنتها ببساطة.
أغاظته:
"هنا فين؟ أنت بتصور مع ابن أختك؟ أنا جوزك على فكرة، وأصلا مفيش حد هيشوف الصور دي غيرنا."
أدار وجهها بيده بحزم حتى يقبلها من شفتيها. قالت أمامه عينيه بتردد:
"زينب ووالدتك هيشوفوا الصور على فكرة."
"وماله يشوفوها. معاد الصورة دي."
حاوط وجهها بين يديه مقبلاً إياها وتم التقاط الصورة بعد وقت محدد على كاميرا.
ابتعد أخيراً بعد أن شعر ببرود جسده وهي بين أحضانه. فتح عينيه ليفيق سريعاً من تلك الغيبوبة ليجد نفسه بقلب البحر. جذبها من يدها حتى يصعد بها على سطح المياه.
سعلت نور بقوة وهي تحاول أخذ أنفاسها بصعوبة.
اقترب منها باسل وبدأ يمرر يده على ظهرها وهو يقول بقلق:
"خدي نفسك براحة يا نور، على مهلك."
هدأت انفاسها ثم ألقت على وجهه المياه وهي تقول بضيق:
"كل ده بسببك يا باسل. عجبك كده؟ الفستان اتبل حتى التليفون وقع. زمانه وقع في المياة."
نظرت لسطح المياة من حولها وهي تقول بغباء:
"أنا هنزل أجيبه."
ضحك عليها وهو يمنعها بقوة:
"تعالي هنا يامجنونة. تجيب إيه؟ ما فداه التليفون. هجبلك غيره."
قالت بجزع:
"طب والصور اللي اتصورناها."
قربها منه في المياة الباردة وهو يقول ببساطة:
"مش مشكلة نتصور تاني."
حملها على ذراعه متجه بها لإحدى الغرف. صاحت وهي ترى هاتفها ملقياً أرضاً:
"التليفون يا باسل! الحمد لله. استنى أجيبه."
"ادخلي غيري بس هدومك يا نور وأنا هجبهولك."
أومأت له وهو ينزلها في تلك الغرفة الشاسعة والأنيقة.
"غيري هدومك."
ردت بحنق وغضب:
"أغير هدومي؟ بس أنا مجبتش حاجة معايا."
"أنا جبتلك."
سألته بعدم تصديق:
"بجد؟"
أومأ لها بجدية وهو يخرج من الغرفة تاركاً لها بعض المساحة.
ابتسمت بسعادة وتوردت وجنتيها قائلة:
"إيه اللي أنا بهببه ده؟"
بعد قليل.
سارت حافية الأقدام على متن ذلك اليخت وهي تنظر له يجلس على الأريكة يتأمل المكان من حوله. كما هو رائع حقاً.
ترتدي ثوباً بنياً يصل لبعد الركبة يبرز قوامها الرشيق.
ابتسم وهو ينظر لها ليجدها تقترب بخطوات مترقبة.
جلست بجواره في حين ساد الصمت بينهم للحظات وأعينهما تتأمل إبداع الخالق في سماء صافية.
والبحر العميق الصافي صفاء يسحر الأعين، ولكن بداخله لوعة الغدر لا يكتشفها إلا السباح الماهر.
شعرت نور بكف يديه يعانق كتفها جاذباً إياها. ابتسمت برقة وهي تجده يقبل وجنتها قائلاً:
"تحبي نعيش هنا دايما."
تنهدت وهي تقول بتمني:
"ياريت يا باسل، أنا وأنت نفضل هنا ونبعد عن الدنيا كلها."
ابتسم وهو يقول:
"تعرفي يا نور نفسي يجي اليوم اللي يكون عندي فيه مكان خاص في قلب حد. عيلة تفتقد وجودي."
توسعت البسمة بأمل أكبر:
"صدقني تقدر يا باسل. أنت ربنا أدالك حاجات كتير حلوة زي أمك وأبوك اللي مهما عمل هيفضل أبوك. أختك وكمان معاك فلوس يمكن مش أهم حاجة بس تقدر توفر حياة زي دي لنفسك أنت والبنت اللي هتكون معاها. بس صدقني أنت محتاج تدي نفسك فرصة والله العظيم. بلاش تربط نفسك بالماضي لأنه هيوجعك ولما تتوجع هتاذي اللي حواليك."
مال عليها مقبلاً وجنتيها قائلاً:
"وأنا عايزك أنتِ اللي تكوني معايا يا نور، وعايزك أنتِ تساعديني أتعافى من العقد اللي جوايا."
ابتسمت بهدوء قائلة بتحفيز:
"هفضل يا باسل، بس أول خلي في علمك لو جرحتني في يوم همشي وقتها يمكن مرجعش تاني."
ضمها بقوة وهو ينظر للمياه.
قال بعد لحظة:
"كان نفسي نفضل هنا دايما، بس انتي عارفة إن مينفعش. بس أوعدك إن المكان ده هيشهد على أجمل أيام عمرنا، وهنيجي هنا دايما أنا وأنتي بس."
استدارت له وأصبحت أمام وجهه وهي تسأله باستغراب:
"يعني إيه؟ محدش هيدخل المكان ده؟"
قاطعها وهو يكمل جملتها:
"محدش هيدخل المكان ده غيرنا، ولا حد هيعرف بيه. وكل ما أتوحشيني وبقا عايز أستفرد بيكي هجيبك هنا. وأنا لو وحشتك هتعملي إيه؟ هو ممكن أوحشك في يوم؟"
أحاطت بذراعيها مرفقة وهي تقول:
"ليه لا؟ وبعدين مش محتاجة سؤال. لو وحشتني هجيلك أنا."
قربها أكثر منه وهو يقول بجدية:
"معتقدش إن هيجي اليوم اللي أستنى فيه إني أوحشك."
داعب أنفه بأنفها بينما سألته بجدية:
"ليه بقى؟"
قرب وجهه منها أكثر وهو يقول:
"عشان أنا مش هديكي الفرصة دي أبداً."
صمتت للحظات مع ابتسامة بسيطة تزين ثغرها لتجده يقطع الصمت قائلاً:
"على فكرة أنتِ أول واحدة تيجي معايا المكان ده."
نظرت هي له بفضول وكأنه قرأ ما يدور بعقلها قائلة:
"على فكرة مش لازم تكذب يعني. عادي إنك تكون جبت زوجاتك السابقات هنا، على الأقل بنت الوزير."
رد باسل بجدية قائلاً:
"أنا مش مضطر أكذب عليكِ، وأظن مش هيفرق معايا كتير. أنا بس مكنتش بحب حد يشاركني في الأماكن الخاصة."
شعرت بصدق ما تحدثها به. هو حقاً لا يجيد التعامل بالكذب، رغم أنه مستفز إلا أن سبب ذلك هو صراحته المبالغ فيها به بعض المميزات.
________________________
هل يمكن أن تعطينا الحياة ما نريد دون أي مجهود يصدر منا؟ هل كل ما يدور بالعقل من أحلام يتم تحقيقه في الواقع؟
كيف يأتي من يتقبلك كما أنت حتى وإن كان لا يعلم شيئاً عنك؟ كل هذه الأسئلة تدور برأس نور الآن. فهل حقاً يمكن أن يأتي اليوم الذي تشتاق إليه وهل سيأتي يوماً ما ويبتعد؟!!
_________________________
في يوم الجمعة.
في منزل آل الشهاوي خرج جلال من غرفته مبتسماً وهو يستنشق رائحة البخور وصوت القرآن الكريم في كل أنحاء المنزل.
يرتدي جلباباً أسود أنيقاً جداً. رائحة المسك تطيب منه.
أبتسم وهو يرى حياء تخرج من غرفة إيمان. ترتدي ايسدالاً أزرق واسع وخماراً أسود تلفه حول رأسها بأناقة وجمال.
رفعت حياء رأسها ابتسمت برفق قائلة:
"عارفة إني شكلي وحش باللون الأسود، بس أنا جايبه اللون ده من زمان وملبستوش خالص، حرام يعني فلوسك تضيع على الأرض كدا."
أبتسم جلال من ردة فعلها قائلاً:
"على فكرة شكلك مميز. تعرفي إن الأسود لون غالي أوي وأي حاجة بتبان حقيقتها جنبه. لأنه على طول باين ومعروف. وأجمل غزل اتقال فيه."
ضيقت حياء المسافة بين حاجبيها قائلة:
"إيه ده؟ هو في حد بيتغازل في اللون الأسود؟ غريبة!"
طب وقال إيه
نظر هو في عينيها البنيه ثم تتبع قسمات وجهها بخمارها الأسود الذي وضعته بأناقة فوق رأسها تخفي به شعرها عن العيون.
ثم تنهد بعمق، تنهيدة عاشق، تبعها بقوله:
"قل للمليحة بالخمار الأسود
ذات الجمال النادر المتفرد
ماذا فعلت بناسك متعبد
لينال فرد خير باب موصد!
تاهت دروب العالمين.. لتهتدي!
وظفرت وحدك بالجمال السرمدي
ما اخترت غيرك يا فتى من بين من
كانوا على دين النبي محمد
قل للمليحة بالخمار الأسود
ماذا فعلت بناسك متعبد"
كادت أن تبكي من جمال كلماته ومشاعره الفياضة، تتمنى لو تلقي نفسها بداخل أحضانها، تحمد الله ألف مرة في كل لحظة على وجوده بحياتها.
كيف يكون الرجل عندما يعشق؟
مخلصًا، وفيًا، عاشقًا، مؤمنًا بحبه.
وكيف يكون عشق ابن "الشهاوي"؟
ردت بحشرجة متأثرة من فيض عشقه قائلة:
"ربنا يحفظك ليا"
تهرب جلال من فيض المشاعر ذلك قائلاً:
"أنا هدخل أتوّضأ تاني..."
ابتسمت برفق وهي تنظر له يغادر الصالة:
"أي دعوة يا أمي دعوتيها لأحظى برجل مثل هذا..."
بعد صلاة الجمعة، خرج من المسجد الكبير، نظر لمنفذ السيدات وعيناه لا ترى أي امرأة أخرى، وكأنه ينتظرها هي فقط.
خرجت بخطوات بطيئة على استحياء، حقاً تغيرت على يديه.
ترجّل نحو سيارته ليقوم بتشغيل المحرك، يقف ينتظرها.
ألقت "حياء" التحية على رفاقها وهي تخرج من البوابة الجانبية لتصعد بجواره.
لاحت ابتسامتها قائلة بهدوء:
"هنعمل إيه دلوقتي؟"
ابتسم "جلال" مجيباً بحنان:
"شهد وحليم عزمونا على الغدا، هنروح لهم، الولاد وحشوني..."
هزت رأسها بإيماءة بسيطة وهو يتحرك متوجهاً نحو منزل شقيقته...
وصلت سيارته إلى الحي التي تقطن به شهد، صف سيارته بجوار المنزل، ترجل منها وهو يصعد وبجواره "حياء".
استقبلهم "حليم" بود قائلاً:
"نورت يا أبو نسب..."
احتضنه "جلال" وهو يربت على ظهره:
"بنورك يا غالي، أومال فين الولاد وشهد؟"
أجابه "حليم" بهدوء:
"جوا، اتفضلوا، إزيك يا "حياء"؟"
ابتسمت بهدوء قائلة:
"بخير الحمد لله..."
دلفت للمنزل، ساعدت "شهد" في تحضير المائدة، بينما جلس "جلال" برفقة "حليم" في شرفة المنزل المطلة على البحر وأخذ يتحدث في بعض الأشياء.
بعد وقت طويل بين المرح والهدوء، جاءت "ياسمينة" ابنة شهد الكبرى. ابتسم "جلال" قائلاً:
"مالك يا قمري زعلانة ليه؟"
ابتسمت "ياسمينة" بحزن قائلة بنبرة متوترة:
"خالو ممكن تعملي ضفيرة زي اللي كنت بتعملهالي زمان أنا وأيمان، من وقت ما اتجوزت معملتهاش، نفسي تعملهالي"
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقاً، بينما ركضت من أمامه بعدما أدلى بموافقته حتى أتت بفرشاة الشعر.
طالعتهما "مالك" زوجها بتعجب فوجدها تأتي نحوه من جديد ثم أعطت الفرشاة لخالها وهي تقول بنبرة مرحة:
"خد بالك يا خالو علشان شعري طول عن زمان..."
حرك رأسه موافقاً ثم وجه حديثه لزوجها:
"تعالى أعلمك علشان تعمله أنت بعد كده، ياله ما أنا مش هاجي أسرح شعر بنت اختي كل شوية"
رد "مالك" بتعجب وطيبة:
"هو أنا المفروض أسرح لها شعرها؟"
ابتسم "جلال" قائلاً:
"يا ابني مراتك ضلعك التاني ولازم تدللها وتعاملها كأنها بنتك، وافتكر إن ده مش بيقلل منك لا سمح الله، بالعكس بيرفعك في نظرها، ومتنساش إن خير الرفيق سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام موصينا على زوجاتنا"
ابتسم "مالك" ثم جلس بجواره على الأرض وهي أمامه، بينما قام "جلال" بفك شعرها ثم شرع في تنفيذ ما طلبته هي.
وهو يعلم زوجها كيفية صنع جديلة، بينما ابتسمت "حياء" بفرحة، في حين قام "جلال" بصنع الجديلة لمنتصفها ليخبر "مالك" بإكمال هو البقية بعدما تعلمها. وفي النهاية وجد "مالك" يضع الرباط حتى يمسكها بمرح قائلاً:
"اتعلمتها يا ياسمينة"
ركضت هي من أمامهم نحو الخارج.
نظر "مالك" أثرها بدهشة، فوجد "حليم" يقول بنبرة ضحكة:
"راحت تشوفها في المراية وهتيجي تاني"
بعد انتهاء جملته وجدها تأتي إليه تركض لهما تقول بنبرة مختنقة من تأثرها:
"شكلها جميلة أوي، تسلم يا خالو"
نظر لها زوجها عاقداً ساعديه أمام صدره يكظم غيظه قائلاً بمشاكسة:
"وأنا كيس جوافة..."
ابتسمت بخجل قائلة بسعادة:
"لأ طبعاً إزاي تقول كده... متشكرة يا مالك بجد حلوة أوي"
رفع رأسه بحركة مسرحية مرحة قائلاً:
"العفو"
قاطعهم صوت "شهد" وهي تخرج من المطبخ تحمل صينية موضوع عليها عدة أطباق من الحلويات الشرقية:
"ياله الحلو ومتقلقوش سكر مظبوط"
وضعت الصينية على المائدة لتعطي كل فرد طبق قائلة بهدوء:
"صحيح يا حياء كلمتي إيمان النهاردة... عاملين إيه؟"
ابتسمت "حياء" برفق قائلة:
"كلمتها النهاردة الصبح، بتقول إنهم تمام وإن يوسف جابلها شغل كويس قريب من الشركة اللي شغال فيها وهتبدأ من بكرة إن شاء الله"
"شهد"
"إن شاء الله خير"
***
ظفرت بكِ لتصبحين قمري.. فغدوتِ خير ما مر في عمري
في بيت "يوسف" بلندن، جلست "إيمان" على الفراش وحولها صور لها في طفولتها، وقع بصرها على صورة لها مع أخيها وهي تمسك من فروة رأسه وهو يصرخ في وجهها.
ولج "يوسف" إلى الغرفة وهو يسألها بتعجب:
"بتحكي على إيه يا هبلة؟"
انت ملبوسة صح.
ردت عليه بنبرة ضاحكة:
"تعالي يا يوسف، شوف صورنا وإحنا صغيرين، تعالي اتفرج معايا."
أقترب منها يجلس بجانبها، فوجدها تقول بمرح:
"قبل ما نيجي ماما حطت ليا الصور دي وإحنا صغيرين عشان أخدهم معايا."
ابتسم باتساع. خطف صورة من بين الصور الموجودة، طالع الصورة بنظرة هائمة. حركت رأسها وهي تطالعه فوجدته يقول بنبرة خافتة:
"الصورة دي عمري ما هعرف أنساها يا إيمان، هتفضل أقرب صورة ليكي على قلبي. لسه فاكر يومها كنتي منهارة في العياط بعد ما ختمتي القرآن إنتي وصالح. عمي جلال وقتها خدك في حضنه وفضلتوا لوقت طويل."
ابتسمت هي برفق وهي تضع رأسها على كتفه قائلة:
"لسه فاكر يا يوسف؟ دا فات أكتر من عشر سنين عليها."
اخفض رأسه يطالعها وهو يقول بنبرة هامسة:
"كل حاجة خاصة بيكي يا إيمان محفورة في قلبي. أنا كبرت وعشت على أمل إنك تكوني ليا في يوم من الأيام. كفاية وجودك معايا."
اخفضت رأسها بخجل. ثم أخرجت صورة أخرى تجمعها بصالح ويوسف.
"الصورة دي هتفضل قريبة لقلبي عشان كنا فيها إحنا التلاتة."
طبع قبلة على قمة رأسها قائلاً:
"ربنا يحفظك ليا يا رب."
صاح فجأة بمرح قائلاً:
"يالا هفرجك على المدينة. البسي هنخرج سوا بكرة أول يوم شغل لينا بعد الإجازة لازم نستغل الفرصة."
ابتسمت إيمان ونهضت بسعادة قائلة:
"فوريرة وأكون جاهزة."
اتجهت نحو الخزانة بحماس لتأخذ ثيابها تبدل ثيابها.
ابتسم يوسف وهو ينظر للصور الموضوعة على الفراش بفوضوية، وكأن أيام الطفولة تعاد مرة أخرى. وجد صور له برفقة حياء وهي تحمله وهو يحتضنها. وصورة أخرى برفقة جلال وأيوب. تبدلت ملامحه للحزن وهو ينظر لصورة والده الراحل.
خرجت إيمان من الحمام وقد بدلت ثيابها لأخرى. وجدته يجلس كما تركته. نظرت لصورة عمها. انحنت لتجلس أرضاً أمامه تمسكت بيديه بقوة وسعادة قائلة:
"ادعيله يا يوسف، أكيد محتاج دعواتنا."
لاح الحزن على وجهه قائلاً:
"تفتكري كان بيحبني يا إيمان؟ عارفة أنا لولا عمي جلال مكنتش هبقى كدا. تخيلي تتربى في بيت مفيهوش أعمدة أساسية ولا أب ولا أم."
تنهدت إيمان مجيبة برفق:
"أولاً كان هو حبك أكتر من أي حد، لأن مفيش أب بيكره أولاده يا چو. ثانياً عمي الله يرحمه يمكن اختار في بداية حياته غلط لكن اتعلم من تجربته. وبعدين هو ربنا خلقنا ليه؟ مش عشان نتعلم. يمكن جه عليك إنت ونيران شوية لكن حبكم أوي وندم. إنت ونيران كنتم سبب في إنه يفكر يتغير عشانكم ودا معناه إنه بيحبكم أوي كمان."
ابتسم يوسف قائلاً برفق:
"تعرفي أنا نفسي في إيه يا إيمان؟ يكون عندي أولاد منك وتكوني إنتي أمهم وتربيهم على أخلاقك. وقتها هكون مطمن عليهم."
ردت هي بهدوء قائلة:
"إن شاء الله يا حبيبي، إن شاء الله. وبعدين مش يالا بقى العصر المفروض يأذن، عايزة أتفرج على المكان كله."
إيماءة بسيطة ثم استقام تمسك بيديها وهو يخرج من الغرفة والمنزل. بيبدأ يومهم، حيث أخذ جولة في المكان لتشتري بعض الأشياء التي تنقصها وبعض المستلزمات المنزلية.
في بيت علي.
في منتصف اليوم وقبل عودة علي من عمله، كانت حبيبة تجلس في المطبخ برفقة هدى تقوم بتحضير الطعام بينما يتحدثا.
"أنا هطلع لخالتك أم أحمد بيقولوا تعبانة."
أومأت لها حبيبة بهدوء قائلة:
"طب ثواني أنا هحط الأكل على الصينية وخديه معاك، وأنا هجهز باقي الغدا على ما علي يجي من المصنع."
تنهدت هدى وهي تربت على ظهرها بحنان قائلة:
"ماشي يا حبيبتي. ربنا يسعدكم يا حبيبة يارب. هدخل أغير هدومي على ما تحطيه."
أومأت لها حبيبة بالإيجاب. بينما خرجت هي من المطبخ لغرفتها.
بعد مرور دقائق.
سمعت صوت الباب يفتح. انتظرت ثواني ثم رفعت صوتها وهي تقول:
"ماما هدى إنتي جيتي؟"
أشراب هو رأسه وهو على عتبة المطبخ ثم قال بمرح:
"لا مش ماما هدى بس ابنها. ينفع معاكي؟"
ضحكت هي بسعادة بالغة حينما رأته ثم ركضت إليه وهي تقول بهدوء:
"طبعاً ينفع ونص كمان. هو إحنا نطول."
نظر لها متعجباً ثم قال بطريقة مضحكة تشبه طريقتها:
"لمي نفسك يا بيبة. أنا بقولك أهوه عشان متندميش بعد كدا."
شهقت هي بقوة ثم التفتت توليه ظهرها فوجدته يضحك وهو يميل عليها مقبلاً وجنتها وهو يقول بمرح:
"بقالي في البيت دا أربع سنين وأول مرة أشوف كل الحلويات دي. مطبخنا فيه كل الحلويات دي تتأكدي أكل."
التفت إليه تقول بفرحة عارمة:
"أنا وماما اللي عملنا كل دا مع بعض. ها إيه رأيك؟"
تلاشت بسمته شيئاً فشيئاً وهو يقول بحنق من عدم استيعابها لما قاله:
"هي حلويات بس غبية."
ضيق جفنيها وهي تنظر له بشك فوجدته يتابع حديثه قائلاً:
"أنا أقصد إنتي الحلويات يا حلويات قلبي. نو استيعاب خالص كدا."
ابتسمت حبيبة بخجل. وقبل أن ترد معقبه على حديقه، وجدت والدته تمسكه من الخلف وهي تقول بغضب:
"بتعمل إيه في المطبخ يا جزمة؟ لم نفسك وابعد عن المنطقة دي خالص."
رد عليها ببساطة بعدما أبعدت يديها عنه:
"أنا واحد راجع من الشغل تعبان. ببص لقيت المطبخ حلويات من حقي أدوق برضه."
ردت عليه والدته بحنق:
"دا في أوضتكم يا حيوان. لكن المطبخ تقعد بأدبك."
رد عليها هو بضيق قائلاً:
"بس... أنا أروح أوضتي آكل فيها براحتي لحد يطردني من المطبخ ولا حد يقفشني بأكل حلويات. معايا يا حلويات."
قال جملته وهو يمسك يد زوجته يكاد يغادر المطبخ بها إلا أن صوت والدته الحاد قاطعه:
"بتعمل إيه يا معفن؟ جاي من الشغل والشارع وداخل المطبخ بتمسك إيديها. جاتك القرف بصحيح. اطلع برا يا علي وبعدين إحنا لسه مخلصناش. يالا روح غير هدومك على ما نخلص..."
أومأ له ثم غمز لزوجته قائلاً بمرح:
"راجعالك يا حلويات."
اخفضت حبيبة رأسها خجلاً وهي تتهرب من النظر لوالدته. بينما ضربت هدى كفيها ببعض قائلة:
"عوض عليا عوض الصابرين. الواد اتهبل. بس بيحبها."
بعد ربع ساعة.
خرج من غرفته ليجدها تجلس على كرسيها في المطبخ تقوم بعمل السلطة. ابتسم بخبث وهو لا يرى والدته. ليعلم أنها خرجت لتأدية فرضها. دخل المطبخ لتبتسم قائلة بحماس:
"خليك زي ما إنت. متتحركش."
توقف علي بتعجب فوجدها تذهب نحو أحد الصواني الموضوع على الترابيزة.
أخذت ملعقة لتملئها بالطعام وهي تقول بنبرة هادئة:
"دوق كدا وقولي رأيك. استوت ولا لاء."
نظر لها باندهاش حقيقة. فوجدها ترفع نفسها حتى أطعمته وهي تسأله عندما عادت لوضعها من جديد:
"ها حلوة ولألأ. واستوت ولا لاء."
"هي حلوة بس إيه دي أصلاً. مش قادر أحدد."
ردت عليه بنبرة متحمسة قائلة:
"مش مهم اسمها وصفة جديدة اتعلمتها."
ابتسم طابعاً قبلة أعلى رأسها قائلاً:
"تسلم إيدك يا بيبة."
ابتسمت بحب وهو تتجه نحو الفرن بحماس وفرحة كبيرة.
تمنى لو يركع لله فوراً. فالله أعطاه كل ما تمنى.
خرج من المطبخ وتوجه لغرفته وقد شعر في النهاية أن الله أرضى قلبه المتيم بعشقها.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثاني والستون 62 - بقلم دعاء احمد
رواية اطفت شعلة تمردها الجزء(2) الفصل الثالث و الثلاثون 33
و ع&;ذ&;ل&;ت&; أه&;ل&; الع&;ش&;ق&; حتى ذ&;ق&;ت&;ه&;&;
فعجبت&; كيف&; ي&;موت&; م&;ن لا ي&;عش&;ق&;
و&; ع&;ذ&;رته&;م&; و ع&;ر&;ف&;ت&; ذ&;ن&;بي&; أنني&; ع&;ي&;ر&;ت&;هم ف&;ل&;قيت&; منه&;م&; ما ل&;ق&;وا..
بعد يومان بعد عودتهم الي الاسكندريه
دخل صالح شقته بعد يوم طويل من العمل يشعر بالاجهاد و التعب خاصة انه يبحث خلف &;رشاد&; و عن عمليات التزوير الذي يقوم بها من قبل حتى أن يتزوج من صوفيا عندم كان يعمل بمكتب المحاماه فوجد اكثر من عملية تزوير قام بها لبعض الأشخاص و وجد بعض الادله تدينه
ولا يزال يبحث خلفه حتي يتخلص منهاة نهائيا&; فهو لا يرغب بشئ اكثر من ذلك..
اغلق الباب خلفه بهدوء لترتسم فوق وجهه ابتسامه واسعه عندما وقعت عينيه علي تلك الجالسه فوق الفراش تعقد شعرها بكعكه مبعثره فوق رأسها بينما ترتدي بيجامة قطنيه
تظهر استدارة بطنها التي بدأت بالبروز فقد كانت في بداية شهرها الرابع من الحمل لا يعلم كيف مر عليه المدة الماضيه بعد خروجها من المشفى &;
فقد كان يشعر بالرعب و الخوف عليها بسبب توعكها المستمر فقد كانت لا تفارق الفراش الا قليلا&; تتقيأ كل ما تتناوله شاعره بالغثيان و الدوران&;
لكن تلك الاعراض اختفت اخيرا&; منذ ما يزيد من اسبوعين لكن خوفه هو لم يختفي لا يعلم كيف سيستطيع ان يتحمل تلك الشهور الباقيه&;
تقدم لداخل الغرفه لكنه تنهد بحنق عندما لاحظ كم الحلويات المتناثره فوق الفراش
حيث كان هناك العديد والعديد منها بالاضافه الي انواع مختلفه من المقرمشات الغير صحيه بالمره&;التي اصبحت لا تكف عن تناولها منذ ان انتهي موجات غثيانها تلك&;
اقترب منها ببطئ مستغلا&; انشغالها بالتلفاز الذي تشاهده بحماس و تتابع الكرتون كعادتها &; قام بنزع من يدها سريعا&; لوح الشيكولاته
الذي كان بيدها الاخري تتناول منه مما جعلها تشهق بقوه فازعه لكن فور رؤيتها له هدئ فزعها هذا لكنها ادركت من التعبير المرتسم فوق وجهه بانه سيعنفها بسبب تناولها للشيكولاته والمقرمشات فقد اصبحت تأكلها يوميا&; بشكل غير طبيعي و كان هو يمنعها عنها لكنها فور مغادرته للعمل تجلب ما تريده قائله بان هذا وحم و يجب عليها ارضاءه
حتي لا يتأذى طفلها و قد اكدت علي ذلك وكانت &;حياء&; تساعدها في كثير بتهريب القليل منهم الي غرفتها دون علمه..
رسمت ابتسامه جعلتها بريئه قدر الامكان فوق وجهها بينما تمد يدها نحوه تنوي اخذ منه لوح الشيكولاته لكنه زمجر بحده بينما يبعد يده عنها
=لا&;.
تغضن وجهها بينما تهتف بغضب
=علشان خاطري يا صالح..طيب هاكل حته صغيره بس
اقترب منها مما جعلها تبتسم ظنا&; منها بانه سوف يعطيه لها لكنه فاجأها عندما اتجه نحو الفراش وقام بجمع كل تلك الحلويات المتناثره فوق قائلا&; بحزم وغضب
=برضو لأ&;.و اخر مره يا زينب اشوفك بتاكلي القرف ده..
تراجعت فوق الفراش محاوله منعه من اخذ اخر قطعه شيكولاته غفل عنها لكنه انتبه اليها و اسرع ملتقطا&; اياها مما جعلها تهتف بغضب
=علي فكره ده اسمه وحم&;يعني مش بمزاجي
هز كتفيه قائلا&; ببرود
=انتي بقالك اسبوع بتاكلي في شيكولاته و شيبسي و كل الحاجات دي مش صحية
القي ما بيده فوق احدي المقاعد قبل ان يتجه نحوها مره اخري و يجلس بجانبها لكن عند رؤيته للحزن الذي ارتسم فوق وجهها
احاط وجهها بحنان بيديه رافعا&; رأسها اليه
=يا حبيبتي انا خايف عليكي&; كل المواد الحافظة دي غلط عليكي&;
ده غير انها بتسد نفسك عن الاكل&;و المفروض تهتمي باكلك علشان صحتك..و انا مبقاش فيا اعصاب انك تتعبي تاني
اومأت &;زينب&; برأسها بصمت ولا يزال ذات التعبير الحزين مرتسم فوق وجهها مما جعله يزفر باستسلام قبل ان ينهض ويتجه نحو المقعد يلتقط احدي الاكياس من ثم عاد اليها واضعا&; اياه بين يدها قائلا&;
=خلاص..كلي&;بس اعملي حسابك مفيش غيره ده هتاكليه
هزت رأسها رافضه اخذه بصمت و قد ترقرقت الدموع بعينيها &; غمغم بصبر و هدوء فقد كان يعلم بانها منذ حملها و ابسط الاشياء تبكيها..
=لا ليه يا زينب&;! مش انتي بتحبيها&;
همست بصوت مرتجف ضعيف
=خالص ماليش نفس&; متزعلش مني انا عارفه اني بضغط عليك كتير&;..
رد بهدوء قائلا:
=انتي مش بتضغطي عليا و لا حاجه..و عمري ما ازعل منك&; انا عارف و مقدر التعب اللي انتي فيه&;
حركت راسها موافقة لتجده يتحدث بهدوء:
&;طب مدام كدا بقى قومي ياله غيري وتعالي ننزل نتمشى شوية&;
اعتدلت في جلستها بحماس قائلة:
&;بجد بس الوقت اتأخر و الساعة دلوقتي اتنين&;
مال عليها قائلا بخبث:
&;طب و النبي ايه لازمته الجواز لو مش هنخرج في وقت متاخر ياله قومي الجو دلوقتي هادي جدا&;
ردت عليه بنبرة هادئه:
&; هو انا اصلا مش فاهمه حاجه بس ماشي هدخل اغير&;
اومأ لها مواقفها متابعها انسحابها سريعا
استقامت بسرعة وهي تتوجه نحو الخزانه لتأخذ تثيابها تبدلها&; حيث ارتدت هودي ابيض و جيب سوداء وضعت حجاب رمادي فوق شعرها
بعد مدة
كانا يسيران معا في الطرقات استنشقت الهواء باريحيه فكم كانت تحتاج له في ذلك الوقت
في صباح اليوم في منزله
كانت نائمة بارتياح فين حين كان يعمل على حاسوبه باحترافية يضغط على الازرار بحرفيه و مهاراة عاليه&; ابتسم بعبث وهو يضغط على اخر زر بحماس&; تزامنا مع رنين جرس الباب&; وضع الحاسوب على الطاوله أمامه بينما اتجه ليفتح الباب ليجد &;عفت&; تقف أمامه قائله بهدوء و نبرة انكسار زائفة:
&;أستاذ صالح&; حياء هانم قالتلي اطلع اشوفكم لو محتاجين حاجه&;
رد &;صالح&; بجديه قائلا:
&; اه يا عفت تعالي جهزي الفطار&;
اومأت له وهي تدلف للشقة بينما أغلق الباب و جلس مرة أخرى يعمل على حاسوبه
بعد مرور لحظات آتاه اتصال ليجيب قائلا:
&;ايوه يا علي&; المزاد دا لازم يبقى من نصيبنا انت عارف مهم ازاي بالنسبه ليا و مراهن على كل فلوسي قصاده لازم اخده و الا هيبقى في خساير كتير اوي و ساعتها هيبقى تعويض الخساير دي صعبه اوي&; انت عارف الوكاله بتخسر ازاي في الأيام اللي فاتت لازم نعوض الخساير دي&; تمام المهم انك سجلت اسمي فيه و دفعت الفلوس&; تمام نتقابل في الشادر و نتكلم في التفاصيل&;
أغلق الهاتف واضعا اياه جانبا ليعود الي عمله مره اخرى
بعد نصف ساعة
&;هتفت &;عفت&; بجدية قائلة:
&;الفطار جاهز يا بشمهندس تؤمرني بحاجه تانيه&;
رد بينما لا يزال ينظر لحاسوبه:
&;لا يا عفت انزلي انتي دلوقتي يمكن ماما تحتاجك&;
ردت بجديه قائلة:
طب مش عايزني اصحى المدام &;
رفع بصره لها قائلا بحدة:
&;قلتلك لا يا عفت و ياله انزلي و بطلي تحشري نفسك في اللي ميخصكيش&;
حاولت التبرير لكنه قاطعها بنبره مقررة قائلا:
&; مش عايز اسمع حاجه و ياله انزلي ورايا شغل مش فاضيلك&;
اومأت له و هي تتجه نحو الباب مغادرة الشقة&; بينما نظر لها صالح بحنق قائلا:
&;اصبري عليا&;&;. &;
_______________________
في المنصورة
استيقظت &;بيلا&; بكسل لتتجه نحو الحمام ببطي و نوم
خرجت بعد دقائق لتقف تصفف شعرها بالمجفف ارتدت ثيابها و غادرت الغرفه
نزلت الدرج برفق شاعرة بشي بمختلف منذ أن جاء الي المنصورة قبل يومان&; فقد شعرت بأنه أعاد لحياتها رونقها رغم أنهما لا يتحدثا كثيرا و حديثهما يكون بحدود معينه لكن رغم ذلك&; أعطاها مذاق مختلف
دلفت الى المطبخ&; لتنصدم بوجوده يقف يقف أمام الموقد يقوم بصنع فنجان قهوة
يقف يبدو شارد الذهن يرتدي قميص ابيض يشمر كمه &; بنطال كحلي
تنحنحت بحرج قائلة:
&;صباح الخير&;
أبتسم بهدوء قائلا:
&;صباح النور&; اسف لو يقتحم البيت بس كنت محتاج فنجان قهوة&;
ايماءة بسيطه قامت بها قائلة:
&;البيت بيتك يا بشمهندس&;
سكب القهوة بالفنجان و اخذ يرتشف منه وهو ينظر لها تقوم بسكب كأس من العصير ليسالها بهدوء:
&;صحيح يا بيلا انتي اختفيت فين زمان&; قلتي انك هتتجوزي&; اتجوزتي &; و لا سافرتي فرنسا &;
وضعت الكوب جانبا وهي تبتسم بمرارة قائلة بكذب:
&;سافرت&; العريس اللي اتقدملي مكنش مناسب ليا و حسيت اني عايزه اسافر و اخد وقت مع نفسي اسافر و اغير جو&;
رفع حاجبه باستنكار قائلا بحدة:
&; و ياترى غيرتي جو&; &;
في تلك اللحظه تذكرت ادواية الاكتئاب و جلسات الكهربا التي تعرضت لها في المصحه لتجيب بهدوء و لمعة دموع:
&; طبعا يا عمر غيرت جو و انبسطت جدا رميت كل حاجه وراء ضهري &;
تمنى لو يمسكها بعنف يهزها بغضب متذكر كيف تحول بعد افتراقهما و ما عناه&; و كيف تحولت حياته من بعدها ليجيب ببرود:
&;يا بختك يا بيلا&; يا بختك بس ليه مقولتش لحد انك في فرنسا على الاقل صفا&;
حدثته بجدية قائلة:
&; عمر انت عايز ايه&; أجوبة الاسئلة دي هتفرق معاك&; اظن ان الموضوع انتهى بعد اذنك&;
غادرت المطبخ لتصعد لغرفتها مرة أخرى في نفس الوقت نزلت صفا و قد تحسنت حالتها لتجده يقف كما تركته
عمر بجدية:
&; بقيتي احسن دلوقتي&; &;
ابتسمت أخته قائلة:
&;اه الحمد لله بقيت احسن اومال فين بيلا&; &;
زفر هو بحنق قائلا&;
&; طلعت اوضتها&; هنرجع القاهرة النهاردة ياريت تجهزي&;
صفا بحنان:
&;عمر&; خلينا شوية بيلا لوحدها بقالها كتير و محدش بيجي يزورها&;
سالها &;عمر&; بجديه قائلا:
&; لسه و مريم و محمود فين&;&;
أبتسمت بسخرية قائلة:
&; مريم و محمود!! انا هطلع اغير و اسلم على بيلا علشان نمشي &;
لم يهتم كثير او مثل ذلك بمهاراة و هو يرتشف من فنجانه قائلا:
&; ياريت متتاخريش علشان نلحق نرجع عندي شغل مهم في المجموعه&;
زفرت بحنق وهي تصعد الدرج لتقوم بتبديل ثيابها و توديع بيلا للمغادرة
بعد نصف ساعة من مغادرتهم
في سيارة عمر&;
سالها مجددا بهدوء و لهفه قائلا:
&;برضو مقولتليش ليه مريم و محمود مش بيجيوا يزوروها&;
ردت &;صفا&; بحزن قائلة:
&; كل واحد مشغول في حياته و محدش منهم بيسأل فيها الا كل فين و فين البنت اللي اسمها زينب دي هي اللي كانت معها الأسبوعين اللي فاتوا&;&;
همس &;عمر&; قائلا:
&;زينب&;
لتمتزج نبرته بالوحدة و الغضب قائلا:
&; على العموم مش لازم يقلقوا على الهانم هي برضو ميتخافش عليها بتسافر و بتعيش حياتها &;
ضيقت صفا المسافه بين حاجبيها قائلة:
&; مين دي اللي بتسافر&;! بيلا!! &;
&; هو في غيرها&; &;
ردت صفا بغضب و ضيق لتبرأ صديقتها قائلة بغضب :
&;عمر لو سمحت مسمحلكش تتكلم عنها كدا&; و بعيد عن أي حاجه كانت بينكم بيلا صحبتي و مش هسملك تقلل منها يا اخي حرام عليك كفايه اللي هي مرت بيه&;
رد بغضب قائلا:
&;مرت بيه&; هو ايه دا ان شاء الله اللي مرت بيه&; سافرت و بعدت و نسيت اي حاجه&;
احمر وجهها قائلة:
&;كدب و افتراء بلاش انت يا عمر بلاش انت كمان تيجي عليها&; لو انت اتوجعت للحظه فهي عاشت في جحيم و بعدين مين اداك الحق تتكلم عنها كدا&; دي واحدة خسرت كل حاجه&; حياتها و شغلها و ابوها و جدتها و اخوتها و بنتها انت بجد بتفكر ازاي يا عمر&;
سالها باهتمام و خوف قائلا:
&; قصدك ايه يا صفا&; اومال اختفت فين سبع سنين انا دورت عليها في كل حته في مصر و هي فص ملح &;
ردت ببساطه ساخرة:
&; يمكن لان المكان اللي هي كانت فيه حضرتك مدورتش فيه&; دورت في المصحات النفسيه&; دورت في المستشفيات وقت ما كانت بتموت&;
تجمعت الدموع في عينيه قائلا:
&;بتموت&;! &;
ردت صفا بجدية و حزن قائله:
&; هي كانت واخده مني وعد اني مقولش لحد بس خالص انا تعبت و انت لازم تعرف علشان متظلمهاش انت كمان يا عمر&;
في حد وصل قسيمة الجواز لسالم باشا وكمان كان في صور لبيلا و هي حامل طبعا هو كان عارف انها مع جدتها في اسكندريه لكن انصدم من موضوع جوازكم و طبعا سافر اسكندريه فورا&; و راح المستشفى اللي هي ولدت فيها و رجعها معه المنصورة&;
في نفس الوقت اللي انت كنت جايب البنت و جاي المنصورة علشان تحاول ترضيه باي تمن و طبعا عملت الحادثه
لما ابوها جابها اسكندريه مكنش مصدق انها عملت كدا من وراه ضر&;بها و قال كلام وحش اوي في حقها
رغم ان محمود كان شاهد على جوازكم لكن مقدرش يلحقها من ايديه و لا قدر يتكلم و يقول ان هو و جدتها نبيلة كانوا شاهدين على الجواز عند الماذون
فقدت الوعي و خصوصا انها كانت لسه خارجه من عملية الولاده و اخذوها على المستشفى و بعد حوالي تلات ايام فاقت
كانت دايما بتكرر ان انت هتيجي و هتقول لابوها انك اتجوزها علشان بتحبها فعلا&;
مش علشان الخو زعبلات اللي في دماغه اللي تخص الشغل اللي بينكم و جو الانتقام و الكلام دا&; فضلت مستنياك و بتقول عمر هيرجع لكن اللي حصل انك كنت عملت الحادثه و دخلت في غيبوبه و البنت لقوها ميته&; مريم حاولت تبلغها الخبر لكن متقبلتوش و فضلت تقول انك هترجع و انها عايز تشوف بنتها لكن للأسف انت فضلت ست شهور في الغيبوبة
جدتها نبيلة طبعا مسكتتش لابوها على عمله فيها و ضر&;به ليها و قالتله انه السبب في كل حاجه لانه رفض موضوع جوازكم بالشكل اللي حصل في حفلة الخطوبه و رفضه لموضوعكم
و انها هي اللي جابتك اسكندريه و اقنعت بيلا انكم تتجوزوا بالطريقة دي و ان اخوها و اختها كانوا عارفين
لكن نبيلة هانم الله يرحمها كانت متأكدة انه لا يمكن يوافق عليك علشان كدا اقنعت بيلا انكم تتجوزوا من وراه هو
سالم وقتها نشف دماغه و مكنش متقبل انه يسمع من اي حد
بعد شهرين من الحادثه نبيلة تعبت و للأسف ماتت&; بيلا حست انه خسرت كل حاجه و بدأت تدخل في حالة اكتئاب و كانت هتموت و تخرج من القصر علشان تطمن عليك لكن ابوها كان منعها من الخروج
و للأسف وقتها كانت بتاخد أدوية اكتئاب و ادوايه مهدائه
بعد اربع شهور حالتها زادت سوء وخصوصا انها كانت دايما لوحدها و محبوسه في اوضتها.. مريم و محمود حاولوا يخرجوها من حالتها دي لكن كانت بتكرر سؤال واحد
&;هو انا وحشه للدرجه دي علشان ربنا يحرمني من بنتي و مشوفهاش الا مرة واحدة&;
و ساعات كانت بتصحي تصرخ و تعيط بهسترية لدرجه ان الجيران بقوا يستغربوا لان بيلا طول عمرها بنت رقيقة و هاديه مكنش حد بيسمع صوتها الا في الهزار و الضحك
انت وقتها فوقت من الغيبوبة و عرفت اللي حصل
و مريم بلغت بيلا انك فوقت كانت عايزه تخرج بأي شكل و تشوفك لكن مقدرتش
سالم وقتها كان معه الموبيل بتاعها و كان بيشوف اتصالاتك المتكررة
و لما انت روحت قصر الدمنهوري علشان تشوفها كنت لسه انت كمان في حالة الصدمة و مرضك مكنتش اتعافيت منه
وقتها صمتت انك تشوفها و لما سالم رفض بلغت البوليس و قلت انه بيمنعك من رؤيه مراتك بس وقتها دورت على القسيمة و للأسف مكنتش معاك لان زي ما قلتلك في حد وصلها لسالم
و البوليس مفدكش بحاجه و سالم انكر انكم اتجوزتوا اصلا علشان الفضايح
لكن وافق بعد اسبوعين انك تشوفها&;
صمتت للحظات ليتابع عمر بدموع قائلا:
&;وقتها قابلتني وقالت إنها بتكرهي و اني قت&;لت بنتنا علشان اقطع اي علاقة بينا و اني كنت بعمل كل دا علشان اكسر عيلتها و لما حاولت افهمها صرخت و بقيت تقول كلام غريب و انها عايزه تطلق و انها بتكرهني
وقالت إنها هتسافر و تسيب مصر و هتتجوز تاني و تخلف و هتنساني&;
بكت صفا بقهر قائلة:
&;في اليوم دا سالم هو اللي قالها تعمل كدا و قالت في حقك كلام تاني كتير بشع علشان تخليك تطلقها و انت فعلا طلقتها و سافر لندن سنه و نص &;
سالها عمر برعب و دموع قائلا:
&; وهي كانت فين&; و ايه اللي حصل&;
&; في مصحة &;&;.&; بعد ما انت طلقتها تعبت اكتر و بقيت لوحدها و دايما بتقول كلام مش منطقي و مبقتش تقدر تجمع الكلام ودايما تصرخ و تعيط
سالم سافر القاهرة و اخدها معه وقتها الدكتور قاله ان للأسف حالتها اتاخرت اوي و وصلت لمرحلة انها كانت بتتعالج بجلسات كهربا و ادوايه كتير جدا و دايما تكرر نفس السؤال عن بنتها و انها نفسها تشوفها&; و تحضنها ولو لمرة واحدة بس و بعدها مش عايزه حاجه تانيه
في مرة سرقت شريط كامل من ادويه الاكتئاب من الممرض و بعد ما خرجوا اخدتها كلها لكن لحقوا على اخر لحظه و اخوها المستشفى و بعدها لما رجعت المصحه تاني فضلت ساكته و من بعدها مبقتش تتكلم خالص
لدرجة ان سالم نفسه تعب وهو شايف أجمل واحده في اولاده و انقهم بتتعرض لكل دا
وقتها حس انه السبب لما بعدكم اول مره يوم الخطوبة و تاني مرة لما اجبرها تطلب الطلاق منك
مات و وصي أخواتها عليها
عرفت من مريم ان قبل ما يموت بكم يوم راحلها المستشفى وفضل يتكلم معها و هي ساكته و بتعيط لحد ما حضنها
وقتها بقيت منهارة وهي بتحضنه بقوة و بتكرر جمله واحدة
&;انا تعبت يا بابا خليك حضني والنبي&;&;
مريم قالتلي انهم في اليوم دا معرفش يبعد عنها لحد ما نامت فضل بايت معها في المستشفى
و بعدها بكم يوم توفي
بعد سبع سنين في المصحه خرجت من المستشفى بعد ما بانت انها كويسه كان عندها تلاتين سنه.. انا كنت بدور عليها و محدش راضي يقول اي معلومه عن اختفائها الا لما خرجت&;.
وقتها مريم كلمتني وقالتلي بيلا رجعت و محتاجه تتكلم معاكي طبعا سبت كل حاجه و مهتمش اقولك الا لما اقابلها و اعقلها على اختفائها دا
لكن لما رحت القصر شفت بنت تانيه هاديه و مستسلمة اه بتبتسم و هادية جدا لكن مش بيلا اللي بتضحك دايما لدرجة ان كل اللي قالوها كانوا بيقعوا في عشق ضحكتها
قعدت معها و بدأت اتكلم معها و طلبت منها تحكيلي اللي حصل معها لكنها كانت بتعيط و يبان عليها التشنج
وقتها مريم اخدتني و حكيتلي كل اللي حصل بالتفصيل و ازاي اتحولت بالشكل دا
وبعد كم مقابلة بدأت تتكلم معايا و تقولي أن المكان وحشها و بدأت تتكلم بهدوء جدا
وقتها قولتلها انك متجوزتش و انك في القاهرة و نقلت كل حاجه تبع شغلك للقاهرة و من وقت اللي حصل مجتش المنصورة ولا مره قالتلي انها مبسوطه بيك و فرحانه لنجاحك وواضح انها كانت بتابع اخبارك من مريم و الجرايد
لكن طلبت مني اني مقولش اي حاجه عنها خالص و وعدتها اني مش هحكيلك
وفضلت اقابلها كل مده لكن هي للأسف مكنتش اتعافت ولا لحد دلوقتي اتعافت
نعمه الخدامة و فردوس الممرضه بيقولوا انها لسه بتصحي بكوابيس و فزع و خصوصا انها كانت عايشه لوحدها
لكن الكوابيس دي كانت بتقل لما بتقابل ناس زي زينب دي لما كانت بتبات معها كانت بتفضل نايمه وقت طويل براحة
مريم اتجوزت و محمود اتجوز و سافروا القاهرة بقى هو اللي يدير الشغل هو و جوز مريم
وانت سافرت و بدأت تشتغل و تجاهلت كل اللي حصل و قدرت تبني نفسك و تكبر المجموعه
و بيلا خسرت كل حاجه حتى حلمها انها تكون من مصممين اعمال الخزف خسرته كل دا بسبب الحب&;..
تعرف بيلا كانت دايما تقول انها هتبقى افضل مصممة خزف في الشرق الأوسط و هيبقى عندها معارض كتير جدا و تعرض شغلها في كل مكان في العالم
وقتها لما قالت كدا كل الدفعه كانوا واثقين انها هتحقق حلمها لأنها كانت اشطر واحدة في الدفعه و حماسها كان غريب و مميز
لكن اي اللي حصل
خسرت كل حاجه&;.. وانت دلوقتي تقولي بتسافر و تغير جو&; والله يبقى حرام عليك يا عمر &;
كان يستمع لها بقلب منفطر و عيون باكيه يحاول استيعاب كل هذا فكيف هي من تعرضت له
عمر بغضب :
&; غبية غبيه &;
ترجل من السيارة و هو يصفق الباب خلفه بغضب
لتنزل صفا بسرعة قائلة:
&; رايح فين يا عمر مش هنسافر&;
هتف بحدة للسائق قائلا:
&; توصلها للبيت ارجعي معه&;
&; وانت رايح فين&;&;
نظر للطريق الطويل أمامه قائلا بدموع:
&;هلحق اللي ضاع من عمرنا&;
أوقف عربة نقل كبيرة كانت على الطريق ليصعد بها في طريقه لها و آه من لوعة العشق
_____________________
كانت تجلس في جنينه القصر بعدما اجرت اتصال بزينب لتطمئن عليها كعادته منذ أن غادرت
اغمضت عينيها وهي تبتسم بمرارة و تتذكر أجمل لحظه بعمرها
****************عوده لإحدى ذكريات للماضي
خرجت بيلا من القصر بعد حفلة الخطبه المشئومة تلك مع جدتها و هي تنوي ترك المنصورة و السفر للاسكندريه
ابتسمت نبيلة قائلة:
&;ممكن تفكي التكشيرة دي&;
اومأت لها بابتسامه قائلة بطيبة:
&;هدخل اسلم على بابا&;
أبتسمت نبيلة قائلة:
طول عمرك قلبك ابيض يا بيلا ياله سلمي عليه &;
تركت جدتها لتتجه نحو مكتب والدها اطرقت على الباب بخفه ليسمح لها بالدخول
تنحنحت بهدوء قائلة:
&; انا خالص هسافر مع تيته&;
اومأ لها بجديه ولم ينظر لها حتى شاعر بالضيق من نفسه و من رفضه لعمر بتلك الطريقه المهينه و كسر فرحتها
ابتسمت وهي تقترب منه و تجلس أرضا قائلة بلهفه:
&;بابا انا همشي خالص&; معقول مش هتبصلي حتى&;
نظر لها و لعيونها الحمراء أثر البكاء بالمدة السابقة و حزنها بعد ما حدث لكن رغم ذلك كانت تبتسم
احتضنها سالم قائلا:
&;ما بلاش تسافري يا بيلا بلاش علشان خاطري&;
انسابت دموعها لتقول :
&;مش هقدر افضل هنا معليش يا بابا مش هقدر&; هروح مع تيته نبيلة &;
اومأ لها بالموافقة لتغادر القصر بعدها تاركه المنصورة
بعد يومان في الاسكندريه
فغرت بيلا شفتيها بصدمة وهي تستمع لجدتها
بيلا :
انتي بتقولي ايه يا تيته&; انا و عمر نتجوز ازاي يعني و بابا مش موافق وبعدين هو بعد اللي حصل دا عمر هيطيق يبص في وشي بابا اهانه اوي وسط الضيوف
ابتسمت نبيلة بحماس و حب قائلة:
&;بس عمر فعلا بيحبك و بعد ما انتي كلمتيه وقولتيله انك هتسيبي المنصورة انا قابلته و فهمته انك مكنتش تعرفي حاجه عن اللي ابوكي عملها
و هو صدقني بسرعة لان انتي كنتي كلمتيه اصلا و هو تقريبا كدا فهم من نبرة صوتك
و دلوقتي هو فعلا عايز يتجوزك و مفيش غير الحل دا&;
ارتفع حاجب بيلا بحنق و ضيق قائلة:
&; انتي عايزانى اتجوزه عرفي يا تيته لا طبعا لا يمكن اعمل كدا&;
ضربتها على كتفها بخفه:
&; عرفي ايه يا هبلة دا جواز على سنة الله و رسوله و بعدين انا واخوي و اختك هنكون شاهدين عليه و فترة و نقول لابوكي هو طبعا هيتعصب و يرفض لكن هيبقى أدام امر واقع&; فاهمه&;&;
هزت بيلا راسها بالرفض قائله بتوتر:
&; يا تيته بابا هي عل لو عرف&; انا الصراحه خايفه&;
أبتسمت نبيلة قائلة:
&; احنا معاكي يا بيلا خايفه من اي يا حبيبتي&; انتي بتحبيه صح&;
أخفضت رأسها بخجل و ارتباك قائلة:
&; اصل.. يعني.. هو انا &;
أبتسمت وهي تحتضنها قائلة:
&; بلاش الخوف دا انا الصراحه واثقه في عمر وانه راجل بجد و هي حافظ عليك &;
أبتسمت بسعادة قائلة :
&;ربنا يستر يا تيتة&;
بعد مرور وقت
وضع عمر يديه بيدي محمود و بجوارها الماذون ليتم كتب الكتاب
كانت تجلس بجوار مريم بسعادة رغم أنها سعادة ناقصه بعدم وجود والدها
انهي الماذون كتب الكتاب لتطلق مريم زغاريد بسعادة
بينما ابتسم عمر وهو ينظر لها
احتضنها قائلا بهمس:
&; بحبك اوي يا بيلا ربنا يقدرني و اسعدك&;
____________عوده للوقت الحالي
افاقت من شرودها وهي تبتسم برقة لكن ما ان رأته يأتي من الخارج يدلف لداخل القصر
استقامت عاقده ما بين حاجبيها قائلة:
&;بشمهندس عمر نسيت حا&;.&;
قبل أن تكمل جملتها جذبها بالقوة لداخل احضانه قائلا بصوت متحشرج:
&; غبية غبيه غبية يا بيلا وحشتني اوي ليه عملتي كدا ليه حرام عليك&;
حاولت دفعه بارتباك و الإبتعاد عنه قائلة:
&;عمر ابعد مينفعش كدا&;
لكنه لم يبتعد انش واحد بل شدد على احتضانها قائلا:
&;لو عشت عمري كله اعتذرلك على اللي حصل مش هيوفيك حقك&; ياريتك كلمتيني ليه عملتي كدا &;
هدات بداخل احضانه قائلة بخوف:
&; قصدك ايه يا عمر &;
ابتعد وهو يحاوط وجهها بيديه قائلا:
&;اتعرضتي لكل دا لوحدك وانا السبب و طول السنين دي كنت فاكر انك بتكرهيني لكن حقيقي اثبتيلي اني اغبي مخلوق على وش الأرض&;. بس خالص مش هسيبك تاني انتي فاهمه معدش ينفع تبعدي تاني عني يا بيلا&;
ذرفت دموعها بتاثر قائلة:
&; انت تقصد ايه&; مش هتمشي صح مش هتسبني تاني يا عمر&;
جذبها بقوة لداخل احضانه قائلا:
&; كفايه ب&;عد و فراق يا بيلا كفاية مش هعرف ابعد تاني انا عشت عشرين سنه في دوامة حيرة وخوف كنت لوحدي&; انا هكلم الماذون دلوقتي حالا مش هسيبك تاني خالص&;
كاد ان يبتعد لكنها تمسكت به تبكي بهستريه و كم تفتقد الأمان&; حاول تهدئتها لكنها كانت تبكي بعنف شهقات عاليه
&; ياه يا بيلا ازاي سكتي و شتلي كل دا لوحدك ازاي قدرتي تتحملي ازاي يا بيلا &;
لم تستطيع التحدث ليربت على ظهرها بحمايه و حنان :
&; عارفه هنعمل المرة دي هعملك فرح انتي كنتي نفسك في فرح و فستان ابيض هعملك كل اللي اتمنتيه يا بيلا حقك عليا&; حقك عليا&;
تزامنا مع دخول صفا بسعادة:
&; ياااه اخيرا والله لو الواحد يعرف كان تعب لكم مخصوص &;
لم تبتعد عنه و مازالت تبكي لم تتوقع أن يحدث ذلك وتخش ان يكون أحد أحلامها و التي ستيسيقظ منه بعد قليلا لتجده يهمس قائلا:
&; مش حلم يا بيلا صدقيني مش حلم &;
رفعت راسها تنظر له بينما تنساب دموعها تنهد بارتياح وهو يخرج هاتفه يجري اتصال بشخص ما ليجلب الماذون
_____________________
في القاهرة
هبت عصمت بصدمة و هي تبتلع ما بحلقها بصدمه قائلة:
&;يعني ايه بيكتبوا الكتاب دلوقتي انت بتهزر&;
اتاها الرد من شخص ما يراقب عمر ليقول:
&;دا اللي حصل انا شايف الماذون خارج و لما سألته قال انه كتب كتاب عمر الرشيد و بيلا الدمنهوري&;
و كان الصدمه لجمت لسانها حتى انها لم تستطيع التحدث
&;عمر اكيد عرف الحقيقة لو عرف ان انا اللي سرقت قسيمة الجواز منه زمان و ان بابا هو اللي دبرله الحادثه و البنت اللي ماتت يلهوي دا ممكن يمحيني&;
اتاها رد والدتها بحزم قائلة:
&; البت بنته لازم تعرفي مكانها لو حصل اي حاجه هتكون هي الكارت اللي لازم نستخدمه&;
ردت عصمت بخوف قائلة:
&; ملك في واحد زمان هو اللي اخدها بعد ما رميتها جانب سلة الزبالة ياريتني كنت قتلتها لو كنت اعرف ان بابا مخطط انه يفك فرامل عربيته عمري ما كنت هبدل ملك و كنت هسيبها تموت معه &;
ردت تفيدة بشر قائلة:
&; ابوكي زمان كان عايز يخلص من عمر ابن اخوه كان عايز ياخد كل حاجه و لما فشل انك تتجوزيه راح عمل اللي عمله &; بس دلوقتي نحمد ربنا ان البنت لسه عايشه لانها هتكون الكارت الوحيد اللي في ايدينا المهم لازم تعرفي كل المعلومات عنها فاهمه &;
اومات لها بالايجاب قبل أن تخرج من غرفتها
______________________
على متن الطائرة العائدة من روسيا لمطار القاهرة الدولي
كانت نور تجلس بجوار باسل وهي تتحدث عن حياتها باريحيه فقد أصبح الاثنان أصدقاء جدا في الفترة الأخيرة
ابتسم باسل وهو يستمع لها بشغف ليقول بجدية :
&; بس كدا و بعدها بقى اتصاحبت انا وزينب و تقريبا مكنش عندي صحاب غيرها
لأنها طيبة اوي بس للاسف الناس مكنتش بترحمها بس دلوقتي اتجوزت و بتحب جوزها اوي و حامل في الشهر الرابع بس هي أجمل مني بكتير و هاديه إنما أنا بتاع مشاكل&;
أبتسم ليقول بتسلية:
&;من ناحية المشاكل فأنتي أستاذة مشاكل الصراحه &;
&; يا واد يا برئ&; هتفت بتلك الكلمة بمرح لتكمل&; وانت ملاك مبتعملش مشاكل &;
همس برفق قائلا
&; الطيور على أشكالها تقع &;
_______________________
ضلعي الثاني انت يا صديق عمري&; لم تكن رفيق دربي فقط&; لكنك كنت الأخ و السند&; فسلام الي روحك&; الجميلة التي شاركتني ما مر بي في حياتي&; و سلام على صداقتنا&;.
في وقت متأخر من الليل
في منزل آل &;الشهاوي&; صدح رنين الهاتف معلنا&; عن اتصال هام جدا&; عدة مرأت لم يتوقف الهاتف و كأن المتصل لن يبارح مكانه حتى ي&;بلغ رسالته
استيقظت &;حياء&; بفزع لتنظر للجانب الاخر من الفراش لكن وجدته فارغ بينما باب الغرفة مفتوح&; ينبعث اليها أضاة من الصالة&; نهضت من فوق الفراش بكسل وهي تراه يقف في الصالة
نظرت له بينما يتحدث في الهاتف لتساله &;حياء&; بتوتر قائلة:
&;في ايه يا جلال&; مين بيتكلم في الوقت دا&;
لم تتلقى منه إجابة في حين تصاعد الخوف لقلبها&; و هي تنظر لعينيه المتلالاه بالدموع لت&;عيد سؤالها عليه مرة أخرى بتوجس:
&;في اي يا جلال&;&;
حاول جاهدا&; التحدث قائلا بنبرة يتخللها بعض الثبات:
&;جمال نقلوه المستشفى و بيقولوا حالته صعبه&; انا لازم اروحله استر يارب&;
تركها تقف مكانها دون أن ترمش و عينيها مثبته عليه&; تدرك كم ان الامر صعب عليه &;جمال&; هو صديقة المخلص و هي الشاهدة على ذلك منذ زمان طويل&;
منذ بضعة أشهر توفت &;فاطمة&; زوجة &;جمال&; لابد أن الأمر لم يكن هينا&; عليه
خرج بعد دقائق و قد بدل ثيابه و علامات الخوف و الارتباك جاليه على وجهه
هتف بنبرة مهزوزة قائلا بتوتر:
&;لو حصل اي حاجه ابقى كلميني&;لا الاحسن تطلعي تباتي مع زينب لان انا هبات معه في المستشفى&; متستنينش&;
لم ترد عليه وهي تقترب منه تحتضنه وهي تربت على ظهره بخوف بنبرة باكية:
&;هون عليك يا جلال&; ان شاء الله مفيش حاجة بس ارجوك متعملش في نفسك كدا&;
اغمض عينيه وهو ي&;لقي بمخاوفه خلفه اخذ نفس عميق ابتعد قائلا:
&; متخافيش يا حياء ان شاء الله خير&; ياله تعالي اطلعي لزينب&; ياله الله يرضا عليك&;
اومات له بجدية لتراه يخرج من الشقة بسرعة&; جلست على الاريكة وهي تردد آيات من الذكر الحكيم.
__________________
وصل &;جلال&; بسيارته الي المشتشفي المتواجد بها صديقه&; صف سيارته ثم ترجل منها بهدوء عكس ما بداخله.
وصل إلى الغرفة في حين وجد &;غرام&; و &;عائشة&; ابنتا &;جمال&; يقفن أمامها بينما تحتضن &;غرام&; &;عائشه&;&; و هي تبكي بضعف
ما ان رأت &;غرام&; جلال يدلف للمشفى حتى ركضت نحوه بسرعة قائلة:
&;بابا تعبان اوي يا عمي واحنا مش عارفين نعمل ايه&;
ابتلع &;جلال&;الغصه التي تشكلت في حلقه وهو يربت على كتفها باهتمام قائلا:
&;متخافيش يا غرام خدي اختك و اقعدوا بلاش تقفوا كدا ياله و انا هفضل موجود&;
تراكمت الدموع بمقلتيها و هي تنظر له&; في حين اوما له برأسه لتغادر
تركته أمسكت بيد اختها و تغادر ذلك المكان
في حين نظر هو باتجه الباب الذي يرقد صديقه خلفه&; خرجت الطبيبه ليسالها بسرعه و لهفه:
&; جمال حالته ايه يا دكتورة&; &;
هزت الطبيبة راسها بانكسار و صعف:
&; أستاذ جمال عايز يشوفك يا جلال بيه&;
تلك النبرة المنكسرة لم تكن الا إنذار&; دلف الي الغرفة بخطوات ثقال&; وهو ينظر لجمال النائم على فراشه و موصل بجسده عدة أجهزه و جسده في حال من الضعف&; و وجهه شاحب&; بينما يفتح عينيه بضعف.
لم يستطيع &;جلال&; التحمل&; في حين انسابت دموعه بقوة و ضعف
جلس بحواره على الكرسي الموضوع بجانب الفراش&; ليهتف بضعف و بكاء:
&;جمال في اي يا جدع&; بقى شوية تعب يعملوا فيك كدا&; قوم يا جمال الله يرضا عليك&;
أبتسم الاخر بمرارة و هزلان قائلا:
&;خالص يا جلال&; جلال بناتي أمانة في رقبتك هما غلابة و مالهمش حد غيري انا وانت بعد ربنا&;&;&;
زادت ضربات قلبه بعنف&; دموعه تنهمر وهو يهز راسه برفض قائلا:
&; لا مش هيحصل&; انت وعدتني هنفضل مع بعض ضهر في ضهر&; مش هتخون وعدك ليا يا جمال&;
حاول ابتلاع ما بعنقه قائلا باشتياق:
&; امر&; الله&; يا جلال امر الله&; انا مش عارف اعيش من غير فاطمه&; هي اكيد مستنياني&;.وصيتي بناتي يا جلال بناتي أمانة في رقبتك&;
أوما لها جلال بضعف ليضيف بتاكيد:
&; بناتك في الحفظ و الصون&; سلملنا على الحبايب قول لايوب و امي و ابويا ان هنتقابل عن قريب ان شاء الله &;
وضع يديه موضع قلبه وهو يبكي و كأنه طفل فقد أمه ليهتف بصوت اجش:
&; سلام يا اخويا سلام&; متغلش روحنا على اللي خلقنا ارتاح يا جمال &;
غادر الغرفة بقلب منفطر و عيون حمراء&; و هو يحاول تجميع شتات نفسه لاجل الفتاتان
ما ان خرج حتى وجد &;صالح&; يقابله وهو يركض نحوه قائلا:
&;في اي يا بابا&; عمي جمال ماله&;
ربت جلال على كتف ابنه قائلا:
&; أمانة و بترجع لصاحبها&;. &;
جلس على احد المقاعد وهو يشعر بأن قدمه لم تعد تسعفه على الوقوف اكثر من ذلك تنهار حصونه مع كل لحظه تمر&;
بعد عدة ساعات
&;البقاء لله استاذ جلال&; الحج جمال تعيش انت&;
تفوهت الممرضه بتلك الكلمات بانكسار و نبرة مهتزه وهي تنظر لابنتيه مما جعل &;عائشه&; تذرف دموعها عند صراخ &;غرام&; تقول بصوت عال&;:
&;لا لا انتي كدابه&; بابا مش هيسبني لا انت كدابه متصدقيهاش يا غرام و الله بتكدب بابا ب &; &;
عند تلك الكلمات التي خرجت منها بصوت متهدج سقطت مغشيا عليها&; و كأنها ترفض تصديق ذلك الواقع الأليم الذي صدمها بموت اعز الناس على قلوبهم&;
أم &;غرام&; فبعد ما صرخت باسمها مرارا&; ببكاء حملتها على الاريكة بمساعدة الممرضه&;
في حين جلس جلال يشعر و كأن ش&;ل من الصدمة و الألم لتسقط دموعه بمرارة قاتلة
لكن دون جدوى لم ينتبه لايا مما يصير حوله حتى وجد عائلة جمال باجمعها مجتمعه حوله و صرخات النساء تعلو تزامنا مع بكائهم&; فكان المشهد يتقطع له نياط القلوب
ويالها من لحظه تقشعر لها الأبدان
ركضت &;غرام&; الي غرفة حيث يوجد جثمان والدها تزيل الغطاء عن وجهه وهي تقول بصراخ و انهيار&;
&;لا يا بابا بلاش تسيبنا و الله ما هعرف اعيش من غيرك&; ما هو حرام انت و ماما تموتوا و تسبونا بجد حرام.. متمشيش و تسيبني.. والله مش هزعلك تاني والله&; متسبنيش لوحدي&; بلاش تكسرنا بب&;عدك يا بابا..&;
صرخت بجملتها الاخيره فوجدت جلال يحتضنها وهو يبكي أيضا&; فوجدها تتشبث به بقوة و هي تقول ببكاء:
&; سابنا يا عمي&; سابونا بابا و ماما&; طب كان يستنى معانا شويه لحد ما نفوق من وجعنا على ماما&;. هو كان نفسه يشوف عائشة مهندسه و الله قربت يا عمي كان يستنى بس نقوله اننا بنحبه اوي.. يا بابا والنبي&; تقوم ابوس ايدك &;
دلف الي الغرفة زوجها&;نبيل&; ليحملها برفق وهو يخرج من الغرفه بينما انهارت كل حصون &;جلال&; وهو يضع الغطا على وجه صديقه قائلا بابتسامة انكسار:
&; مع السلامة يا اغلى الناس &;
&;في الاستعلامات&;
وقف &;على&; بجوار &;صالح&; يتحدثان مع احد المواظفين
صالح بجديه و لا تخلو نبرته من الحزن:
&;لو سمحت عايزين نبدأ في الإجراءات و عايزين نطلع تصريح بالدفن&;
رد الطبيب بجديه:
&;تمام يا بشمهندس&; البقاء لله&;
تنهد صالح بارهاق قائلا بهدوء:
&; و نعم بالله&;
______________________
بعد مرور وقت
في منزل &;جمال&; كان الوضع صعب للغايه
النساء في العائله يقمن بتجهيز مراسم الدفن&; و الرجال كلا منهم يحاولون ملاجقه الوقت حتى يتم تشييع جثمان الفقيد في الصباح الباكر&;
ابنته &;عائشه&; فقدت الوعي في المستشفى فقامت اختها و زوجها بجلبها للمنزل و هي على نفس الحاله
الكل يبكي لم يكن مجرد صديق&; و لا مجرد اب لابنتان&; و لا مجرد رجل&;
كان كل هذا.. اب و صديق و رجل
حقا يأتي الموت ويأخذ اعز الاشخاص على قلوبنا
اما &;جلال&; فكان مع الرجال يقوم بالترتيبات اللازمه
صعدت &;حياء&; الي النساء بعيون حمراء باكية فوجدتهن في حاله صعبة&; حيث كانت اعينهن منتفخه أثر البكاء
وجدت غرام تخرج من غرفه ابيها و كانت تودعه للمرة الأخيرة&; ارتمت بين ذراعي حياء قائلة بصوت متقطع مهزوز :
&;ليه يارب ليه الاتنين يروحوا مننا&;
بكت برهبه من الموقف حولها لتقول بعقلانية :
&;استغفري يا غرام و ادعيله&; الله يرحمك يا جمال كنت و نعم الأخ&;
ترحل و تغادر المكان لكن يبقى الأثر
اما خير و سيرة طيبه تأتي عند ذكر اسمك او شر و نفور فلعلنا نزرع الخير الان ليكن لنا الشفيع في الاخره
بعد فترة
تجهزوا جميعا حتى يتم تشييع الجثمان&;دلف جلال الي المنزل لياخذوه حتى يتم وضعه في الصندوق الخشبي الذي تنتهي به الحياه&; لكن ما ان دخلوا للغرفة الموجود بها
حتى خرجت &;عائشه&; من غرفة بصراخ و فزع تمسكت بجلال قائله برعب:
&;لا يا عمي و النبي بلاش تاخدوه&; والله ما هعرف اعيش من غيره&; طب غرام و عندها بيتها و ولادها هتلقي الونس&; لكن هو كان ونسي&; يا بابا ليه سبتني&;
رد جلال بتعب و جدية قائلا:
&;اهدي يا بنتي&; خديها يا شهد خديها&;
اومأت له وهي تحاول سحبها من الغرفه&; فوجدها تصرخ به بهياج وهي تقول له:
&; انا هروح معاكم&; مش هسيبها&; فاهم هاجي معاكم &;
تنهد بتعب قائلا:
&; ماشي يا عائشه ياله يا جماعة&;
بعد مدة خرجت من المنزل تلحق بالجميع بعدما خرجوا من الشقه
اما جلال فركب بسيارة&; الجثمان&; و أثر التعب جاليه على وجهه متوجهين الي المدافن حيث اخر مكان تسكن به الجثمان&;..
بعد وقت طويل في منزل &; الشهاوي&;
جلس &;جلال&; على كرسيه&; وهو يغطي وجهه بيديه
جلست حياء أرضا لتمسك بيديه قائلة بحزن:
&;هون عليك يا جلال&; دا ارتاح والله العظيم&; راح للحبايب انت عارف انه كان بيحب فاطمه اد ايه راحلها&;.&;
رد بعد صمت طويل قائلا:
&;سند العمر يا حياء كان اوفي من أيوب جدع و راجل بجد&; ان لله وان اليه راجعون &;.&;
حياء بابتسامه حزينه:
&;الموت لما بيختار بياخد أجمل الناس و اعزهم علينا و ربك اخد أمانته قوم ارتاح يا جلال لسه العزا بليل و صالح و على تحت بيوضبوا كل حاجه ياله&;
ساعدته حتى ينهض لتجده يقول:
ردت&; حياء&; بهدوء &;
&; مع زينب فوق ربنا يكون في عونها كانت قريبه منه&;
هز رأسه قائلا:
&; هتفضل معانا البنت مش هتستحمل ترجع البيت دلوقتي &;
&;حياء&; بجدية:
&; متقلقش انا اصلا مش هسيبها تمشي ياله ادخل ارتاح شوية انت من بليل و انت واقف ياله&;
دلف الي الغرفة بهدوء متجها للحمام توضأ و خرج يصلي ركعتين لله و هنا كان الانهيار لكل الحصون فوالله كان اخا&; و صديقا
و سلام على كل روح طيبه&;&;
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثالث والستون 63 - بقلم دعاء احمد
في منزل "الشهاوي"
دلف "صالح" لشقة والده بجسد مرهق وأمارات الحزن جاليه عليه.
لكن وجد المنزل هادئ تماماً، فكان خالياً. علم أن والدته من المؤكد أنها الآن مع "عائشة"، ليشعر بالأسى اتجاه تلك الفتاة.
اتجه نحو غرفة والده بخطوات بطيئة، متيقناً من حزن والده على شقيق عمره، وكيف لا يحزن عليه وهو الأخ والصديق وضلعه الثاني.
صفق عدة طرقات على الباب ليأتيه الرد بعد لحظات.
"ادخل"
وضع يديه على مقبض الباب وهو يأخذ نفساً عميقاً لتمتلئ رئتاه بالهواء، شاعراً بألم وحزن. لكن حاول رسم ابتسامة صغيرة على ثغره، وهو يدلف للغرفة قائلاً بهدوء:
"عامل إيه يا حج دلوقتي؟"
كان "جلال" يجلس على فراشه ممدد الساقين، الغرفة مظلمة إلا من أشعة الشمس التي تداهم الغرفة، بينما هو يسبح على يديه بهدوء تام.
والأبشع أن الذكريات الجيدة بينه وبين "جمال" تعصف بعقله وقلبه ليجيب:
"بخير الحمد لله"
جلس "صالح" بجواره على الفراش بحزن قائلاً:
"هون عليك يا بابا، ما هي دي النهاية لينا كلنا. مين فينا هيخلد في الأرض؟ أنت نفسك علمتنا إن البقاء لله وحده"
تنهد "جلال" بحزن ولمعة دموع صادقة ليجيب بهدوء:
"ونعم بالله، لكن عارف إيه اللي بيوجع يا ابني؟ إنه فجأة حد بنحبه ينخطف من وسطنا، وعلى قد الحب بيكون الوجع من الفراق. أنا وجمال صحاب من ابتدائي. لسه فاكر إزاي اتصحبنا. في رابعة ابتدائي كانت أمي الله يرحمها اتخانقت مع الحج شريف جدك ربنا يرحم أمواتنا وأموات المسلمين. وقتها جدتك معملتليش سندوتش، ولما الصبح قبل ما أمشي زعقت ليا وأنا زعلت. رحت المدرسة وأنا مضايق، وأي حد يكلمني كان ممكن أتخانق معاه. كنت طفل لسه. في الحصة الرابعة تقريباً قبل الفسحة كان قاعد في نفس التختة جمال. لقيته بيفتح شنطته ومطلع كيس السندوتشات بتاعه، وكان فاضي هو كمان. وقتها ضحكت رغم إني كنت متضايق. اللي هو اتلم المتعوس على خايب الرجا. لكن جمال وقتها اتضايق مني ونزل الفسحة وهو زعلان. كانت أول مرة أعرف يعني إيه كسر الخاطر. روحت أخدت الشنطة بتاعتي ونزلت أنا كمان. لقيته قاعد جانب العلم وزعلان. روحت قعدت جنبه وهو متكلمش. روحت فتحت شنطتي وطلعت كيس السندوتشات بتاعي. وقلتله: أنا كمان مجبتش أكل ومش معايا غير النص جنيه ده. على فكرة العملة وقتها كانت غير دلوقتي. لقيت بيبصلي وقام مطلع من جيبه نص جنيه هو كمان. قالي: إيه رأيك نشتري سندوتش من محل الفول اللي جنب المدرسة ونقسمه سوا، أنا كمان جعان. قلتله: ماشي، بس أنا هنط من على السور وأنت تراقب علشان لو المدرسة شافتنا هتاخدنا للمدير. لقيته ابتسم وقالي: ماشي. وساعدني أنط من على السور وأطلع أجيب سندوتش، وحطيته في كيس وربطته كويس وقمت حدفته لجمال وهو واقف جوا، ونطيت تاني دخلت للمدرسة. كنت شقي برضه. قعدنا كلنا سوا وقسمنا الأكل مع بعض. كانت حياتنا بسيطة أوي. من وقتها وإحنا صحاب وكبرنا سوا، ابتدائي، إعدادي، ثانوي، حتى كلية التجارة جمعتنا سوا. حتى لما أجيب بنت جه وقالي إنه عايز يخطب، كنا لسه متخرجين وبنشتغل، وهو كان بيحب فاطمة بنت شيخ الجامع. وقتها أبوه كان توفاه الله. أنا قلت للحج شريف وروحت أنا وجمال وجدك نخطبهاله."
ابتسم "صالح" بود قائلاً:
"كان بيحبها وهي كمان صبرت معاه سنين في الفقر لحد ما كبروا وربنا رزقهم من الوسع. ولما ماتت مستحملش وراح لها. ودي سنة الحياة ومحدش هيفضل. الذكريات هتتعبنا، لكن ربنا كريم. "واستعينوا بالصبر والصلاة". هون عليك يا حج الله يرضا عنك. أمي مش هتستحمل لو جرالك حاجة."
ابتسم "جلال" برفق قائلاً:
"أمك. تعرف أنا وحياء مع بعض بقالنا واحد وتلاتين سنة، مفيش مرة شفتني زعلان إلا وعيطت. سبحان الله، يزرع الحب في قلوبنا بلا مقابل. علشان كدا يا صالح وصيتي ليك يا ابني. أمك ومراتك وأختك وبناتك في المستقبل إن شاء الله، اوعي يا ابني تكسرهم أو تقلل منهم. علمهم إن الحب الأول الأصدق لله وحده، وإن ربنا بيغير على قلوب عباده. لو حسوا إن في حب دنيوي ملأ قلوبهم، خليهم أول مكان يهربوا ليه هو خلوتهم مع ربهم. يمكن حبيته في أمك، بعد ما خلفنا كانت دايما أنتم الأول عندها، ولما تتعب مكنتش تيجي تشتكيلي. كانت بتدخل أوضتها وتفضل تصلي وتدعي ربنا، وأحياناً كانت بتعيط وأنا بسمعها، لكن عمري ما اتدخلت في اللحظات دي، لأنها كانت بين العبد وربه. كلنا فينا أخطاء وكلنا مقصرين، لكن ربنا بيحب اللي يسعى له ويتلهف على رضاه."
ابتسم "صالح" قائلاً:
"ربنا يحفظكم لينا يارب. أنا هدخل أجهزلك أكل لأن انت من امبارح مأكلتش حاجة، ولسه بليل العزاء مينفعش تفضل من غير أكل."
ابتسم "جلال" بحزن وهو يومئ له بالموافقة ليتركه "صالح" يدلف للمطبخ يقوم بصنع وجبة خفيفة، ثم عاد مرة أخرى للغرفة، حاملاً بين يديه صينية موضوع عليها الأطباق.
ليهتف بمرح:
"عمايل إيديا وحياة عينيا. وتحية لأجدع رجالة، يعني جلال الشهاوي، يعني القماش والمقاسات المظبوطة علشان هو الصح والتمام. يعني عم المحاسبين كلهم."
ابتسم "جلال" وهو يهز رأسه قائلاً:
"بطل صياح يا ابن حياء."
اقترب منه واضعاً الصينية على الفراش ليقبل رأسه:
"ياله يا حجيج خلينا ناكل لقمة سوا، لأن شوية والمغرب يأذن."
__________________
في منزل "صالح" بعد أذان المغرب
كانت الفتيات ترتدي الملابس السوداء، الأجواء كئيبة وحزينة. تجلس زينب على الفراش بجوار "عائشة" النائمة وملامحها متشنجة، وكأنها في كابوس مزعج يداهم عقلها، لا تتقبل الأمر.
وبجوارها غرام التي تقرأ القرآن الكريم من المصحف بيديها.
أخذت "زينب" تمسد بحنان على شعرها، شاعرة بألم طفيف. نهضت من فوق الفراش تتجه نحو الخزانة لعلها تجد دوائها، لكن وجدت الأدوية قد نفذت، تزامناً مع دخول "حياء" الغرفة.
سألتها برفق قائلة:
"نامت؟"
ابتسمت زينب بحزن وهي تنظر لها:
"لسه نايمة حالا، ربنا يكون في عونها."
تنهدت بحزن وظهرت طبقة طفيفة من الدموع بمقلتيها قائلة:
"الله يرحمه، كان الكل كان بيحبه. الجنازة كان فيها ناس من كل حتة، واللي جايين ياخدوا الخاطر من الصعيد. يارب حسن الخاتمة."
التفت تنظر لما بين يديها من أدوية قائلة:
"أنت لسه ماخدتيش الدوا، معقول يا زينب."
زينب بهدوء وابتسامة:
"أنا كويسة الحمد لله، بس انشغلت مع عائشة وغرام، وكنت هاخده دلوقتي، بس شكله خلص."
"لا طبعاً مينفعش يا زينب، لازم تاكلي وتاخدي الدوا. هاتي الروشتة، أنا هنزل أجيبه من الصيدلية."
أعطتها زينب الروشتة الطبية لتنظر حياء نحو غرام الشاحب وجهها قائلة:
"أنتم مينفعش تفضلوا كدا من غير أكل، وعفت مع الحريم اللي بيجهزوا الصواني. هجيب لكم أكل."
ثم اتجهت نحو غرام التي تبكي بصمت قائلة بحنان وهي تربت على كتفها:
"غرام، في حريم عايزين يعزوكي. ياله يا حبيبتي تعالي نروح سوا، وبعدين مينفعش كدا، أنت بترضعي. الزعل وحش عليكي."
أغلقت المصحف لتزداد شهقاتها وعيونها حمراء منتفخة أثر البكاء. تنهدت حياء بحزن وهي تحتضنها:
"يا حبيبتي، أكيد هو في مكان أحسن. ادعيله، عارفة إنه صعب عليكي. أنا كمان جربت الشعور دا وقتها، رغم إني معشتش مدة كبيرة مع أبويا إلا إن اتوجعت أوي. ياله يا حبيبتي لازم تقفي تاخدي العزاء من الحريم. عماتك وخالتك كلهم في البيت من الصبح."
أومأت لها بهدوء وأصابعها تمسح دموعها بحزن قبل أن تخرج مع حياء.
سحبت حياء نفسها من بين النساء ثم نزلت من المنزل لجلب المشتريات. نزلت بهدوء حتى لا يراها أي من الرجال، لكن صالح كان يقف أمام بوابة المنزل بجوار علي ونبيل زوج غرام يستقبلان الناس سوياً.
انتبه صالح لوالدته التي خرجت للتو من المنزل فانسحب من جانب صديقه، بعدما أشار لوالدته حتى تسبقه. أومأت له في هدوء ثم ابتعدت قليلاً عن البيت. وبعد خروجها من مقدمة الشارع وجدته خلفها يقول بهدوء:
"استنى يا ماما، رايحة فين؟ حصل حاجة ولا إيه؟"
التفتت له وهي تقول بجدية حانية:
"رايحة الصيدلية، الدوا بتاع زينب خلص، وكمان مفيش حد في البيت يعمل أكل. كنت هشتري شوية حاجات لزينب وعائشة. غرام أنا خليتها تاكل، مكنش ينفع تقف وهي كدا، كان ممكن تقع من طولها، بس يدوب أخدت معلقتين ومرضتش تاكل."
أومأ لها بتفهم قائلاً:
"ربنا يكون في عونها. خالص، روحي انتي وأنا هروح أجيب الدوا وأجب لهم أكل وهروح أطمن عليهم. صحيح، الحج في العزا، أنا جهزتله لقمة كدا قبل ما نصلي المغرب ونزلنا سوا."
حياء بلهفة وخوف:
"يعني أكل صح؟"
زفر بتعب محاولاً الهدوء:
"أيوه. ياله ادخلي انتي وأنا هروح أجيب الحاجة."
أومأت له بجدية وهي تدخل للحي مرة أخرى، بينما اتجه هو نحو السوبر ماركت يشتري بعض الأغراض ثم توجهه للصيدلية ليبتاع دواءها.
بعد مرور نصف ساعة
دلف صالح إلى منزله بهدوء وجسد منهمك. تنحنح بصوت مسموع وهو يدلف للمنزل.
خرجت زينب من الغرفة مغلقة الباب خلفها برفق حتى لا توقظ عائشة.
ابتسم بحنان وعيناه تفترس ملامحها قائلاً:
"كويس إنك خرجتي. ياله تعالي ناكل لقمة سوا علشان تاخدي دواكي."
استاءت ملامحها بضجر قائلة:
"الصراحة ماليش نفس يا صالح، ممكن آخد الدواء على طول وأنت كل وسيب أكلي لعائشة لما تصحى."
زفر بغضب وهو يتجه نحوها ممسكاً يديها برفق يجذبها لتجلس فوق الأريكة قائلاً:
"لازم تاكلي قبل الدوا، مينفعش تاخدي على معدة فاضية. وبعدين أنا جايب أكل لعائشة لما تصحى وجايب لينا أكل، وأنا أصلاً أكلت مع الحج، بس ياله افتح نفسك."
ابتسمت بينما وضع الطعام على الطاولة، بللت شفتيها بجوع وهي تنظر لعلب الكشري.
زينب بحماس وجوع:
"انت أكلت صح؟ خالص يعني مش لازم تاكل مرتين."
حاول كبح ضحكاته وهو يراها تأخذ الملعقة وتأكل بنهم، بينما تضيف الدقة ليقول بمرح:
"وربنا كنت عارف إنك هتضعفي قدام الكشري. وبعدين استنى استنى، هاتي دا."
ابتلع ما بفمه في حين حاظت عينيها وهي تراه يأخذ العلب الصغيرة الموضوع بها (الدقة والشطة) كادت أن تختطفها من بين يديه لينظر لها محذراً:
"مينفعش كدا، هتبقى حامية أوي عليكي، غلط."
زفرت باستياء قائلة بعفوية وبراءة:
"إزاي آكل من غير الشطة؟ طب حط شوية صغيره قد كده."
أشارت على اصبعها بلطف وهي تنظر له بخبث بريء.
اقترب من وجهها قائلاً بخبث:
"لو عيطتي حتى يا زبدة مش هتدوقيها."
كادت أن تحرقه بتلك النظرة النارية، وهي تأكل بهدوء. مرت دقائق وهو ينظر لها، قبل أن يدلف للحمام تاركاً إياها تكمل وجبتها بنهم.
ما إن غادر حتى التقطت العلبة الصغيرة لتسكب أكثر من نصف محتواها بالعلبة، وضعتها مكانها مرة أخرى قبل أن يخرج. في حين تأكل هي بتلذذ مع شعور بالسخونة أثر كمية الشطة التي وضعتها.
خرج صالح من الحمام بعد أن توضأ. تفتقد الغرفة ملياً، يبحث عنها لكن لم يجدها. سمع صوتاً صاخباً بداخل المطبخ ليتجه نحوه وهو ينادي عليها.
كادت أن تبكس وهي تضع زجاجة المياه على فمها ترتشف منها أكبر قدر ممكن ووجهها أحمر قاني.
نظر لها باندهاش قائلاً:
"أنتِ عملتي إيه يا زينب؟"
وضعت يديها على فمها والأخرى على بطنها: "بوقي آه."
اقترب منها بغضب وهو يمسكها من ذراعها قائلاً بهدوء:
"لو تسمعي الكلام، تعالي."
جذبها خلفه ليجلسها على الأريكة. أخذ أحد الأكياس التي جلبها ليخرج منها علبة من اللبن الرايب، أعطاها لها بجدية حتى أنها كادت أن تعترض، لكن نظراته في تلك اللحظة أخبرتها أنه لا مجال للنقاش.
جلس ينظر لها تأكل بهدوء. ما إن انتهت أعطاها الماء.
أخذت دوائها بهدوء دون التحدث، ليحدثها قائلاً:
"لما عائشة تصحى بلاش تخليها تنزل وخليها تاكل، خالي بالك على نفسك."
انحنى يطبع قبلة على قمة رأسها، أخذ مفاتيحه وولج لخارج المنزل، في حين ابتسمت هي برفق وهي تنظر له.
***
في لندن، وبالتحديد شقة يوسف الصاوي، وفي نهاية اليوم.
ولج يوسف إلى داخل المنزل ليجده هادئاً تماماً. نادى عليها بجدية وهدوء:
"إيمان، يا إيمان."
"أنا هنا يا يوسف، في أوضة النوم."
اتجه نحو مصدر الصوت ليفتح باب الغرفة، ناظراً لها باندهاش حيث كانت تمسك المقص بين يديها تجلس أمام المرآة بحيرة.
وقف خلفها وهو يضع يديه على خصره بارتياب بعد أن وضع حقيبته جانباً، قائلاً بحدة:
"أنتِ بتعملي إيه يا إيمان، ممكن أفهم؟"
نظرت له في المرآة بهدوء قائلة:
"بص، أنا شعري طول أوي ومن زمان عايزة أقصه لأنه بيضايقني و..."
كادت أن تكمل جملتها، لكن لدهشتها وجدته يلتقط المقص منها، قاطعاً إياها بنبرة صارمة:
"تقصي إيه يا حيلتها، أنتِ بتستهبل صح؟ شعرك كدا حلو أوي ولايق لونه وطوله معاكي مخلياكي زي القمر."
كان يعنفها أم يغازلها؟ لم يدرك ذلك إلا عندما اتسعت ابتسامتها قائلة:
"يعني هو حلو كدا؟"
ابتسم بمشاكسة قائلاً:
"حلو أوي أوي، ممكن أعرف إيه اللي خلاكي تحطي فكرة قصه في دماغك؟"
أخفضت رأسها قائلة:
"مش عارفة أعمله ضفيرة وبيضايقني لما برفعه كحكة، وكمان مبحبش ديل الحصان."
صك يوسف على أسنانه قائلاً بحدة:
"تقومي تقصيه يا أذكى أخواتك؟ وبعدين عندك خمسة وعشرين سنة مش عارفة تضفري شعرك؟"
ابتسمت برفق قائلة:
"بابا هو اللي كان بيضفرهولي، باجي أضفره أنا بيطلع مش زي بتاعت بابا."
"طب ومرات عمك ماكنتش بتضفره لك ولا علمتك؟" سألها برفق بينما يديرها نحو المرآة يلتقط المشط بهدوء ليمشط شعرها.
"ماما أصلاً مكنتش بتضفر شعرها لأنه غجري، وبابا هو اللي كان بيعرف يعملهولي ويعملي أنا كمان."
ابتسم يوسف بفخر وإعجاب قائلاً:
"والله الواحد محظوظ إن جلال الشهاوي يبقى عمه."
ردت إيمان بارتياب وطبقة رقيقة من الدموع بنيتيها قائلة:
"هو أنت كلمته؟ آخر مرة أنا كلمته كانت امبارح بليل، وبعدين رنيت عليه كذا مرة، الأول كان مقفول ولما اتفتح مش بيرد عليا. وكلمت ماما يدوب قعدت دقيقة واحدة أطمنا عليا وقفلت، قالت إنها مشغولة وصوتها متغير، حاسة إنها مخبية عليا حاجة."
زفر يوسف بهدوء وهو ينظر لها قائلاً:
"أنا كلمت صالح النهاردة العصر وهو قال إن عمك جمال توفى امبارح في نص الليل."
نهضت بفزع وصدمة لتقف أمامه قائلة بانتفاض:
"عمي جمال؟ لأ هو أكيد كويس، أنا قبل ما نيجي روحتله وهو كان كويس وسلم عليا، دعا ليا. أنت بتهزر يا يوسف صح؟ قول إنك بتهزر وهو كويس."
انصدم من دموعها التي انسابت دون إدراك والتي شوشت الرؤية أمامها. مد أنامله يمسح دموعها برفق وحنان قائلاً:
"اهدي يا إيمان وادعيله ربنا يرحمه ويرحمنا، هو كان غالي علينا كلنا، لكن دي أمانة واتسلمت للي خلقها."
ضمها بين ذراعيه وهو يربت على ظهرها بحنان وهي تبكي ليقول بحنان:
"ادعيله يا إيمان وادعي لأهله ربنا يصبرهم."
ردت إيمان بخوف وبكاء:
"بابا أكيد زعلان أوي، هو كان بيحبه علشان كدا مردش عليا. أنا عايزة أكلمه يا يوسف، والله ما هرتاح إلا لما أشوفه. كلمهولي."
تريث قليلاً في رده قائلاً:
"اهدي يا إيمان دلوقتي أكيد مشغولين، وأكيد أول ما الحركة تهدأ هيرد علينا. وبعدين صالح طمني، فهدي لو سمحتي."
ردت إيمان بعقلانية من بين شهقاتها ودموعها:
"إن لله وإنا إليه راجعون."
***
في فيلا باسل العلايلي.
دلف باسل إلى بهو المنزل برفقة نور، قد خرج من المطار ليعود برفقتها إلى فيلته، لكنه اندهش بوجود جو من الضجة والإضاءة تلمع بالأرجاء في أجواء حفل.
زفر بحدة ليقطعه صوت نور مستفسرة:
"هو إيه يا باسل؟"
أتاها الرد بحدة مخيفة كادت أن تنساها منذ فترة، فتعامله معها مؤخراً كان هادئاً:
"واضح إن زيدان بيه عامل حفلة وبيحتفل."
جف حلقها وهي تمسك بذراعه توقفه:
"باسل... أنا..."
"متخافيش يا نور، زيدان بيه مش هيعمل فيلم هندي وهو أكيد مش بيفكر فيكِ. صحيح هو كان عايز يتجوزك، لكن أنا برضو عارف كويس، وبعدين أنتِ متوترة ليه؟ أولاً دا بيتي وأنتِ مراتي."
عضت على شفتيها بحنق قائلة:
"باسل، متخليني أنا أروح لبابا دلوقتي، وكمان عبد المنعم وسيف وحشوني أوي."
تنهد قائلاً بجدية:
"بكرة ياستي هاخدك ليهم، أنا كدا كدا عندي شغل كتير في الشركة، هوديكِ وابقى أروح شغلي. يلا بقي."
كانت تسير معه، لكن توقفت فجأة ليقول بحنق:
"في إيه يا نور تاني؟"
"لالا اطمن، دا موضوع تاني. ممكن أطلب منك طلب لو سمحت من غير ما تتعصب عليا."
"اتفضلي."
فركت كفيها ببعضهما قائلة:
"والدتك يا باسل، أرجوك ممكن تقولها يا ماما عادي، ولا نيرة هانم دي، علشان خاطري؟ أنا عارفة إنه في مشاكل بينك وبين والدك، لكن والدتك ذنبها إيه؟ دي أم يا باسل، بلاش تتجاهل وجودها، هي استحملت كتير أوي، من حقها دلوقتي إنها تلقى الاهتمام منك على الأقل."
أومأ له بجدية حانية قائلاً برفق:
"ماشي يا نور، يلا بينا بقي."
سارت معه ليدلف لداخل المنزل، يرحب به بعض رجال الأعمال، تزامناً مع نظرات بعض الفتيات لنور بغيرة وهن ينظرن ليد باسل التي تتشبك بيديها بجدية، بينما هي لا تبالي بنظراتهن. في حين أتت والدته، لتبتسم نور بحنان وهي تحتضنها.
ابتسمت نيرة بسعادة قائلة:
"ألف مبروك يا حبايب، يارب تكونوا انبسطتم في شهر العسل. إيه أخبارك يا نور؟"
ابتسمت بود قائلة بهمس:
"هحكيلك لما نبقى لوحدنا، بس في المجمل كانت رحلة لطيفة."
نظرت نيرة لباسل بهدوء حزين قائلة:
"حمدلله على السلامة يا باسل."
تنهد وهو يقترب منها يحتضنها وهو يربت على ظهرها قائلاً:
"بخير الحمد لله، أخبارك إيه يا ماما؟"
ابتسمت نيرة بسعادة، مدت أناملها تلامس ذقنه برفق، ولمعة دموع، ربما منذ عدة سنوات لم يناديها كذلك:
"بخير طول ما أنت بخير."
تهرب باسل من نظراتها تلك بسرعة، يشعر وكأن المشاعر لا تليق به، فهو دائماً ذلك الشخص البارد.
ترك نور برفقة والدته واتجه نحو شقيقته التي تقف بعملية تتحدث مع أحد رجال الأعمال.
نيرة بدموع، ناظرة لنور بسعادة لتحتضنها:
"شكراً يا نور بجد شكراً، أنا بقالي كتير أوي مسمعتش الكلمة دي، أول مرة من سنين يقولها."
ابتسمت نور بسعادة قائلة:
"على فكرة بقى، هو آه بارد ومستفز، بس طيب شوية يعني. باسل عنده عقدة من والده، الموضوع كبير ومحتاج قاعدة طويلة نتكلم سوا."
هزت رأسها موافقة قائلة:
"تعالي بقى أعرفك بزينة أخته والفت."
لوت نور شفتيها يمين ويسار قائلة:
"قصدك أم أربعة وأربعين؟"
بعد مرور وقت.
ولج باسل نحو الجنينة ليجري اتصال، وما إن انتهى وجد إحدى الفتيات التي كان له علاقة بها مسبقاً ومن الحاضرات لتلك الحفلة.
ترتدي ثوب أسود لامع طويل، تقترب منه مستغلة خلو ذلك المكان هامسة:
"وحشتني يا باسل."
انتفض باسل من لمستها وعاد للوراء مجيباً بطريقة سوقية تعلمها من نور مؤخراً:
"وحشتك عقربة يا بعيدة، بتعملي إيه هنا يا بت؟"
عقدت ما بين حاجبيها بنفور قائلة:
"بت وعقربة؟ باسل أنت كويس؟ هكون بعمل إيه يعني، بحضر الحفلة يا خاين.. بقى هو دا اللي مبتحبش الجواز ولسه راجع من شهر العسل.. بذمتك مش أنا أحلى من مراتك دي؟"
رد بصراحة فظة صدمتها:
"وربنا ما حصل.. أنتِ بتقارني نفسك بمراتي؟ بقولك إيه ابعدي عني علشان أنا..."
قاطعته مقتربة منه أكثر ويديه تسير على وجهه مرددة:
"علشان أنت إيه يا حبيبي؟ وبعدين أنت وحشتني أوي..."
ازدرد ريقه وهو يبتعد عنها دافعاً إياها بعنف:
"بقولك إيه يا حيلتها ابعدي عني، أنا حالياً راجل متجوز، فاهمة يعني إيه؟ يا ماما متجوز. وبعدين اتهدي بقى ربنا يهدك، لا هيبقى في حاجة بين لا في الحرام ولا في الحلال يا عنيا."
جاحظت عينيها بصدمة وهي تراه يغادر المكان:
"حيلتها؟!"
في غرفة باسل
تقف على الفراش وهي تصرخ مستغلة الموسيقى العالية تحاول إفراغ طاقة الغضب والغيرة بداخلها تصدح بالارجاء سانحة لنفسها بإخراج شحنة غضبها.
منتشلة ما تقع عيناه عليه وتقوم بتسديده نحو باسل بعد أن دخل الغرفة.
بعدما بحث عنها بالحفل فأخبرته والدته أنها صعدت لغرفتها.
فهل هي الآن على استعداد تام لقتله بعدما رأت تلك الفتاة تتود له وتحتضنه متغزلة له بوقاحة فتركت الحفل بهدوء دون تخريبه بمسك تلك الفتاة من شعرها واتجهت لغرفته متوعدة له.
صرخ باسل بذهول قائلاً:
"ما تهدي يا بت المجنونة هتيجي فيا وتسيحي دمي."
قالها بفزع وهو يتفادى مزهرية متطايرة في الهواء بفضلها.
علقت وهي لا تتوقف بل حان الدور على أغراضه ملتقطة زجاجة عطره تقذفها بقوة جامحة عليه.
"مش أحسن ما دمي أنا يتحرق يا بارد يا عديم الذوق والأدب والأخلاق يا خاين."
حجظت عين باسل وتحرك سريعاً وبخفة ينفذ الزجاجة من التهشم.
صاح بعدم فهم وانفعال قائلاً:
"ما تفهميني حصل إيه يا مجنونة بدل المرمطة دي."
اقتربت منه بشر هاجمة عليه:
"مش فاهم، طبعاً ما أنت متعود على المسخرة وقلة الأدب نقول إيه بقى، تحضن في دي وتبوس في دي."
احتقن وجهه بالدماء مستنكراً كلماتها، زفر بحرارة مقترباً منها، فمنذ أن رآها وهو لم يحدث سواها أو يتغزل بأخرى فقد ملئت عيناه.
"أنت بتخرفي تقولي إيه يا نور، شوفتيني كلمت حد."
توقف عن المتابعة مدركاً مشاهدتها لمحاولة الفتاة في التقرب منه.
أغمض عينيه زافراً بحدة، مقترباً منها في لحظة لم تدركها محتضناً إياها رغم رفضها وغضبها ومحاولتها لصدّه ليقول بهدوء:
"أهدي بقى، والله ما عملت حاجة هي اللي كانت بتحاول تقرب مني وأنا صدتها وده مش كلام وخلاص أنا بجح وممكن أصرحك بأي حاجة عملتها لأن مبحبش الكذب."
هدأت أنفاسها وهي تدفعه لتبتعد عنه قائلة:
"ماشي يا سي باسل أما نشوف آخرتها معاك."
اقترب بخبث هامساً بوقاحة.
"والله العظيم أنتِ بنت حلال أصلاً أنا كنت هموت وأسيب الحفلة الزفت دي، أنا كباسل لازم أستغل الفرصة دي."
نظرت له مدركة نيته بينما صرخت بوجهه قائلة:
"ده أنت بتحلم."
هربت بسرعة من أمامه راكضة نحو الحمام قائلة:
"تصبح على خير يا بيبي."
عض على شفتيه يحاول كظم غيظه منها قائلاً:
"هتباتي في الحمام يعني ولا إيه."
بعد مرور أسبوع في إحدى شركات المعمار بلندن.
في منتصف اليوم دلفت "إيمان" إلى الشركة لمقابلة يوسف وتناول الغداء معه كما اقترح عليها بالأمس فقد قامت بتجهيز الطعام في المنزل وأخذت استراحة صغيرة من عملها بالمشفى وذهبت إليه.
كانت تسير بخطوات هادئة في حين نزلت عهد الدرج بتعب تمسح قطرات العرق عن وجهها بمنديل ورقي تنظر لإيمان بكره وغضب. صمتت للحظات وفكرة شيطانية تهيج برأسها لتغيب لدقائق ثم عادت. اتجهت نحو إيمان بهدوء قائلة:
"أهلاً يا مدام إيمان نورتي الشركة، أنا عهد اللي زورتكم في البيت أول ما جيتوا لندن."
نظرت لها إيمان بجدية وضيق لترد:
"أهلاً يا بشمهندسة..."
ردت عهد بابتسامة:
"بخير الحمد لله، هو حضرتك بتدوري على يوسف.. أقصد بشمهندس يوسف معلش أصلنا قريبين من بعض فواخدين على بعض شوية."
صكت إيمان على أسنانها قائلة:
"آه بسأل عليه هو فين؟"
عهد:
"مكتبه في الدور العاشر الإسانسير عندك على إيديك اليمين."
نظرت لها إيمان بحنق وهي توعد لزوجها ذلك بينما اتجهت نحو المصعد.
صعدت بداخله مرت لحظات وهي تفكر به وبكلمات تلك الحية. في لحظة واحدة نزل المصعد بقوة لتقع أرضاً مرتجفة.
توقف مهتزاً، انطفأت الإضاءة، ابتلعت ما بحلقها بخوف وهي تحاول فتح الباب لكن ابتعدت عنه برعب مدركة أنها بمنتصف الدور.
للحظات سرقت أنفاسها برعب شاعرًة باهتزازه.
أتاها صوت من الخارج قائلاً بالإنجليزية:
"المصعد معطل لماذا صعدتي به ألم تري اللافتة."
هبطت دموعها لتتحدث بتعلثم وصعوبة وجسدها يرتعش برعب:
"لم.. يكن.. هناك أي لافتة.. لو سمحت ساعدني أخرج."
اجتمع بعض الأشخاص في الخارج بينما حاولت استجماع شتات نفسها وهي تخرج هاتفها من حقيبة يديها بيد مرتجفة.
كان يجلس على مكتبه هو وأحد أصدقائه يتناقشان في أمر ما ليقطعه رنين هاتفه ليجيب بعد أن رأى اسمها.
"آيوة يا إيمان بقولك كنسلي الموضوع متجيش أنا هاجيلك ونتغدا بره."
ردت بصعوبة وخوف من بين شهقاتها:
"يوسف الإسانسير عطل أنا خايفة."
لم يدعها تكمل حديثها في حين قطع الخط، اندفع حيث يأخذه قلبه الذي هلع بمجرد سماع أن مكروه قد أصابها.
نزل الدرج ينظر للحشد المجتمع أمام المصعد الذي حدث به العطل.
اخترق صفوف الحشود كان ما بين الطابقين الرابع والخامس ليجعل ذلك استحالة فتحه، فصار صدرها يعلو ويهبط من فرط الصدمة الممزوجة برعب حقيقي شاعرًة بأن نهايتها أصبحت وشيكة أخذت تردد بعض الآيات القرآنية.
فجعل الدمع يتقاذف من مقلتيها.
غير مدركة أن هناك شخصاً آخر يقف يرتجف رعباً من فكرة فقدانها فصار ينزل الدرج بخطوات سريعة.
ليجد صديقه عدنان يقف مع عامل التصليح فتحدث بجدية.
"ماذا حدث."
أتاه رد عامل التصليح بلباقة.
"الآنسة طلعت بالإسانسير وده وقت الصيانة في حبل اتقطع فخلي الإسانسير ينزل بسرعة وأول ما نزل البارشوت تلقائي اشتغل وواقفة بين الدور الرابع والخامس يعني حتى لو فتحناه مش هنعرف نخرجها."
ارتجف بقوة ورعب قائلاً:
"في أي حل نخرجها بيه."
ارتبك العامل قليلاً ليجيب بهدوء:
"هو إحنا ممكن نطلعها من فتحة الإنقاذ بس المشكلة إن دي زي الانتحار وخصوصاً إن هيبقى في ثقل على الإسانسير ومن المستحيل حد يقبل يخاطر لازم نستنى عمال المساعدة وممكن يقع..."
أتاه رد يوسف بحدة قائلاً:
"أخرس... أظن في تليفون في الإسانسير صح."
رد العامل بجدية:
"أيوه يا فندم..."
تركه يوسف واتجه نحو غرفة المراقبة وقام بالتواصل مع الهاتف الموجود بالمصعد بعد أن أعاد الإضاءة مرة أخرى.
في البداية ظنت أنها تتوهم لتتفاجأ بصوته المرتعب عليها.
"إيمان... إيمان أنتِ سمعاني."
حاولت الوقوف لتشعر باهتزازه بسيطة لتجلس مرة أخرى تبكي بفزع.
"يوسف أنا خايفة وحاسة إني مش عارفة أتنفس."
رغم قلبه الذي ينزف ألماً وهو يستمع لصوتها الباكي الممزق له إلا أنه حاول بث الطمأنينة بقلبها قائلاً بهدوء حانٍ:
"أهدي يا إيمان متخافيش، أنا معاكي وعمري ما هسيبك ولا هسمح إن يجرالك أي حاجة وحشة، عشان خاطري أهدي وحاولي تاخدي نفسك."
هدأتها تلك الكلمات فكان مفعولها كالسحر بالفعل بدأت أنفاسها تنتظم بهدوء.
لتردد قليلاً قبل أن تحدثه ببكاء.
"يوسف."
رد بخوف قائلاً:
"عمر يوسف يا إيمان."
"لو جرالي حاجة ابقى سامحني."
رغم عدم فهمه ما تقصد إلا أنه رد بعفوية:
"مش هيحصل حاجة انتِ فاهمة."
أغلق الهاتف وهو ينظر للعامل قائلاً:
"أنت مش قلت في فتحة إنقاذ في الإسانسير للحالات دي."
أومأ العامل بجدية ليجد يوسف يخلع معطفه وساعته.
ليقاطعه بصرامة.
"بشمهندس في خطورة كبيرة."
رد يوسف بحدة قائلاً:
"اسمعني أنا هربط نفسي بالحبل وأنتم هتمسكوه وهتنزلوني بيه لحد ما أفتحه من فوق وبعد كدا هترفعونا لفوق."
رد عدنان بفزع قائلاً:
"يوسف كده ممكن يقع بيكم."
رد بنبرة قاطعة صارمة:
"المهم إنها تخرج سليمة من جوه أنت فاهم وحتى لو حياتي قصاد حياتها، مراتي مش هتخلى عنها."
كل هذا أمام عين عهد والتي بكت مدركة أن لا مكان لها في قلبه العاشق لتلك الفتاة.
غادرت الشركة قبل أن ترى مساعدته لها ومخاطرته بحياته لأجل زوجته وكنزه الثمين.
وبالفعل قاموا بتجهيز الحبال وتعليقها في حزام بنطاله لتحاوط خصره وقاموا بإنزال الحبل خطوة بخطوة.
إلى أن وصل فوق المصعد لتنتفض إيمان من شعورها الغريب بحركة المصعد فقال بصوت مسموع:
"متخافيش يا إيمان أنا جنبك."
"أنت بتعمل إيه يا مجنون."
أتاها صوته مهداً قائلاً بحب يفوق ما كان يتخيله فهو الآن مدرك كم هي غالية جداً على قلبه المتيم بعشقها.
"إيمان أهدي أنا هفتح الإسانسير متخافيش من الصوت اللي هتسمعيه."
إلا أن شهقاتها ازدادت برعب جالي في حين اتبع يوسف تعليمات العامل في إزالة غطاء فتحة الإنقاذ قام بإزالته بعد بضع دقائق ناظراً لها باطمئنان ليقول بصوت جهوري ليسمعه عدنان ورفاقه.
"أنا فتحته هنزل وأدخلها خليكم جاهزين."
أتاه صوت من الأعلى بالموافقة ليقوم بإدخال قدمه أولاً ثم يقوم بهز الحبال بفهم الجميع فوق وقاموا بإنزال الحبل خطوة بخطوة إلى أن لمست قدمه أرضية المصعد.
نهضت برفق وخوف ترمي بين ذراعيه مشددة على احتضانه ليبدلها هذا العناق بقوة وخوف.
"إيمان أهدي أنا معاكي والله ما هسمح إن يحصلك حاجة."
أبعدها عنه وهو يفك الحبال من حول خصره ولفه بإحكام حول خصرها محاولاً تثبيت الجهاز حول خصرها.
لتسأله بجدية وحدة:
"أنت بتعمل إيه..."
انت عايزني اسيبك يوسف، متهزرش. أنا لو على موتي مش هطلع من هنا من غيرك.
رد يوسف محاولاً إقناعها:
"مفيش وقت لكلامك دا يا إيمان. يالا علشان يطلعوكي من هنا وأنا هتصرف، متقلقيش عليا."
"لا يوسف، لو على موتي مش هطلع من غيرك."
تجاهل حديثها صارخاً بحدة:
"اسحبوا الحبل لفوق يالا."
انصدم عدنان وأصدقاؤه، فقال عدنان صارخاً:
"انت مجنون يا يوسف؟ وانت هتعمل إيه؟"
"بقولك اسحبها، مبتسمعش."
عض عدنان على فتيه بغضب، مستجيباً له. لكنه توقف عند صراخ إيمان وهي تحتضنه بقوة تتشبث به:
"لو عرفت تبعدني عنك، ابقى خليهم يطلعوني."
حاول التحدث، لكنها هزت رأسها بنفي قائلة:
"لا مش هسيبك ولا هبعد، ومش هتخلي عنك."
استجاب لحديثها ونظرات عيونها الباكية، ولكنّه استسلم.
وكيف يصمد أمام تلك العينان؟ يا الله، إن عرف الهزيمة يوماً، فسيكون ذلك بسببهما.
"اسحبوا الإسانسير..."
اتجه كلاهما من عدنان ورفاقه نحو مكان الماكينة لتنفيذ التعليمات، وسحبهم وهم يدعون الله أن يمر بسلام.
شعرا باهتزاز المصعد، ونظرات الخوف جالية في عينيها. حاول التخفيف عنها ليحتضنها برفق، متشبثاً به هامساً:
"دايماً واجع قلبي... الحب وجع قلب، وأنتي وجعي وعشقي."
لم تشعر بشيء، تحاول كبت دموعها، إلى أن توقف المصعد أمام الطابق الخامس.
ما أن فتحه، حتى كادت أن تسقط مجدداً، لكن وجدته يحملها ويخرج من بين هذا الحشد.
وضعها بسيارته بهدوء، ليجلس بجوارها محاولاً بث الطمأنينينة في قلبها، لتصرخ بوجهه بغضب:
"انت مجنون صح؟ كانت عايزني أسيبك؟ دا لو فيها موتي مش هسيبك يا يوسف."
"من إمتي يبعد القلب عن الجسد ويفضل ينبض؟"
ربت على ظهرها بحنان قائلاً:
"حمدلله على سلامتك يا إيمان، حمدلله على سلامتك..."
صمتت وهي تنظر للفراغ، ليسألها بفضول:
"صحيح، كنتِ بتقوليلي أسامحك على إيه؟"
صمتت وهي تنظر له، كيف تخبره بذلك الشيء؟ كانت تظن أنها النهاية، فأرادت عفوه عن أمر أخذها لتلك الحبوب المانعة للحمل في فترة ما قبل مجيئهم إلى تلك البلد الغريبة عنها، لكن الآن كيف ستخبره؟
"يوسف، أنا تعبانة، ممكن تروحني؟"
أبتسم قائلاً:
"ماشي، هنعدي على المستشفى نطلب إجازة باقي اليوم وأخدك البيت..."
---
في أحد المباني الراقية حيث تقطن عهد.
كانت تبكي وهي تحتضن والدتها قائلة بانفطار:
"بيحبها يا ماما، بيحبها. بيخاطر بحياته علشان يلحقها. هو ليه بيحبها كدا؟ ليه يا ماما؟"
أبعدتها والدته عنها قائلة:
"لا يا عهد، انتي غلطتي غلط كبير. بتعرفي شو اسمك هالا؟... خاطفة رجال. انت ما بتحبي يوسف أبداً. انتي بس لقيتِ فيه كل المميزات اللي بتتمناها كل بنت."
"شاب ذكي وناجح جداً بمجاله، مرح مع أصدقائه، وفي لحبه ولأهله.. متدين، وسيم، في كل المميزات. اه فيه عيوب متل كل البشر، لكن مميزاته طاغية لأن إيمانه قوي..."
"وهادا مو حب يا بنتي، هادا اسمه إعجاب، مو حب أبداً."
ردت عهد بخوف قائلة:
"أنا مش عايزة أكون وحشة يا ماما. أنا بس عايزة ألاقي الحب... عايزة ألاقي قلب يفهمني."
"أنا خايفة من نفسي. إيمان كان ممكن تموت بسببي. حاسة إني بتغير أوي، مكنتش كدا."
أبتسمت والدتها وهي تربت على كتفها باهتمام:
"حبيبتي، انت مو وحشة أبداً، بس انتي إنسانة غلطتي، وغلطك كبير كان هيتسبب في موت إنسانة مالها ذنب بأي شيء."
"بتعرفي شي؟ روحي واطلبي منها السماح، واخرجي من التيم اللي شاغلة فيه مع المهندس يوسف، وانسيه. وإذا إنسى حنين طلبت منك أي شيء بيخص يوسف، ارفضيه فوراً، وخبريها إنك موجودة في الشركة بس منشان الشغل، مو أكتر من هيك."
"بدوا يضل أو يرحل، منا ها شي بيخصه لواحده، ونحنا مالنا علاقة يا قلبي."
"وخليكِ واثقة برب العالمين، يمكن وقتها يرزقك بشب يعطيك كل الحب اللي بقلبه. المهم قلبك يكون صادق وصافي... فهمتيني؟"
أومأت له عهد وهي تحتضنها بندم وخوف مما كان سيحدث.
---
في مصر، وبالتحديد الإسكندرية.
انتهت زينب من ارتداء ثيابها بعد أن اختارتها بصعوبة، فمعظم ثيابها أصبحت ضيقة بسبب بروز بطنها الواضح على غير المعتاد لأي امرأة في منتصف الشهر الرابع.
نظرت للمرآة بحزن، تشعر وكأن وزنها زاد.
زفرت بحنق، بينما مد يديه يعانق خصرها وهو يقف خلفها مبتسماً:
"الجميل متضايق من إيه؟"
"هو أنا تخنت أوي صح؟ لازم أعمل ريجيم بعد ما أولد." سألته بفضول وخوف.
ابتسم، يميل عليها، يختطف قبلة من وجنتها بحب قائلاً:
"تخنتي إيه يا هبلة؟ والله دا انتي بقيتي ملبن."
ابتسمت زينب برضا وهي تتابعه يتجه نحو زجاجة عطره ليضع منه، قبل أن يمسك يديها ويخرج من الغرفة:
"خالي في علمك، هنروح للدكتورة وعندنا مشوار تاني هنعمل سوا."
سألته بفضول قائلة:
"مشوار إيه؟"
رد باختصار:
"لما يجي وقته هتعرفي."
بعد مرور نصف ساعة.
جلست زينب أمام الطبيبة تفحصها بابتسامة جميلة، بينما يقف صالح خلف تلك الستار بقلق، يتمنى لو يدلف لهم، لتنادي عليه الطبيبة بجدية:
"اتفضل يا بشمهندس صالح."
سار نحوهما، لتجد الطبيبة تحدثه بابتسامة:
"مش عارفه أجبهالكم إزاي، بس ألف مبروك يا مدام زينب، انتي حامل في تؤام ثلاثي ولد وبنتين."
فغرت زينب شفتيها بذهول، بينما اندهش صالح ولم يستطع كبح تلك البسمة الواسعة. أيرزقه الله بثلاثة أطفال؟
بينما نزلت دموع زينب، وكأنها لم تستوعب ما قالته الطبيبة. ستكون أم لثلاثة أطفال! يا الله، أي جمال هذا!!
عانق وجهها بين يديه بسعادة قائلاً:
"شش، متخافيش، هنكون سوا وهنربيهم سوا، متخافيش، هكون معاكي."
لم تشعر بنفسها سوى وهو يحتضنها، بينما زادت شهقاتها ونحيبها. يا الله، يا الله.
ستكون أم لثلاثة أطفال...
ابتسمت الطبيبة بسعادة لهم قائلة:
"مش عايزين تسمعوا نبضهم؟"
أخذت منها السماعة لتضعها على أذنه بهدوء، في حين تزداد ضربات قلبه بعنف.
شعر بها، أقسم أنه سمع نبضهم. للحظات شعر بالخوف والسعادة والقلق. ما هذا؟ ما كل تلك المشاعر المتضاربة الآن؟
أيخاف من فكرة كونه أب؟ لا والله، إن الرجال يتحملون المسؤولية.
لكن خوفه الآن، هل سيسطع أن يربيهم كما ينبغي؟
هل سيعلمهم أصول دينهم؟ هل سيكون قادر على نشأتهم كما يحب ويرضى الله؟
أسئلة كثيرة تدور بعقله، بينما يستمع لنبضات أطفاله...
"أنا كمان عايز أسمعهم يا صالح." نظرت له برماديتها البريئة، ليبتسم برفق وهو يسمح لها بذلك.
أغمضت جفنيها برفق، وهي تضع يديها على موضع قلبها، شاعرة بارتجاف قوي.
عاشت حياتها البائسة، لم تكن تتوقع أن يعطيها الله كل ذلك... يعوضها عن كل ما هو مر ومؤلم. زوج حنون وصالح، وعائلة جميلة. حتى أنها لديها أب، صحيح هو ليس والدها الحقيقي، لكنه كان حنوناً معها. رغم ما رأتها من قسوة بذلك العالم، إلا أنها لديها الآن كل ما تتمناه.
شعرت للحظات بأن نبضاتها امتزجت بنبضاتهم، لتشهق ببكاء.
احتضنها وهو يتنهد بارتياح.
بعد قليلاً.
قامت بتعديل ثيابها وهي تجلس على كرسيها أمام الطبيبة، تبتسم لهم.
"دلوقتي يا أستاذ صالح، المهمة الكبيرة عليك."
انتبه لها جيداً، منصتاً بجدية.
"اتفضلي."
"الحمل في تؤام ثلاثي بيكون صعب شوية، وخصوصاً مع اقتراب فترة الولادة... شوف، أنا هكتبها شوية فيتامينات، ولغي خالص اللي كانت بتاخدها. والأكل مهم جداً جداً جداً."
"مفيش فيها كلام. نبعد عن أكل الشارع، وأنا متأكدة إن مدام حياء بتعمل كدا، بس ارجوك دا ضروري."
"وبلاش أي مواد حافظة ممنوعة. راحة دي من أهم المراحل طبعاً. شوية تمشية هتفرق معانا، بس وقت محدد."
"ولو لاقدر الله حسيت بأي وجع ولو بسيط، لازم تكلمني فوراً، وأنا تحت أمركم في أي وقت. اه صحيح يا زينب، الشطة لا هتتعبك، واحنا بنحاول نتجنب دا علشان تعدي الفترة الجاية على خير."
أومأ لها بجدية قائلاً بصرامة:
"متقلقيش يا دكتورة، هيتم زي ما قلتي."
"تمام، وإن شاء الله معادنا الجاي كمان أسبوعين..."
خرجا معاً من العيادة، في حين عانق خصرها بحماية قائلاً:
"هتيجي معايا مشواري وتقعدي، مش عايز كلمة واحدة، فاهمة؟"
زفرت بحنق قائلة:
"بلاش شغل الأوامر دا يا سي صالح، علشان خلقي بقى بيضيق الفترة دي كتير."
تجاهل تذمرها وهو يساعدها في صعود السيارة.
بعد مرور وقت.
أوقف سيارته أمام مكان كبير يبدو كمصنع أو شيء كذلك.
ترجل من سيارته وهي بجواره، تدلف معه لذلك المكان، بينما تنظر له بدهشة.
حيث يوجد الكثير من الكراسي، وفي المقدمة منضدة عالية.
في ذات الوقت، دلف الكثير من الأشخاص ليحضروا ذلك المزاد العلني.
ومنهم رشاد وجالد مساعده.
ابتسم رشاد بغل وهو ينظر لزينب ولبطنها بغضب، متمنياً لو كانت تنجح خطته.
شعرت زينب بالخوف من نظراته تلك، لتتمسك بيد صالح بقوة.
ابتسم بحنان وهو يساعدها على دخول ذلك المكان، لتجلس على أحد الكراسي وهو بجوارها، في حين انضم لهم "علي".
ابتسم بخبث وهو يغمز لصديقه ليطلق ضحكة خافتة.
مر بعض الوقت، وبدأ المزاد على:
"مجموعة من ماكينات إحدى المصانع القماش."
بدأت الأرقام من مليون ونصف، بينما أخذ الرقم يتصاعد.
صالح بجدية، محاولاً إظهار الاهتمام قائلاً:
"تلاتة مليون."
"تلاتة مليون..."
ها تلاتة مليون عند صالح بيه، مين يزود؟ مين يزود؟
رد رشاد بخبث قائلاً:
تلاتة مليون ونص...
يالا يا جماعة، لسه في الأول، مين يزود؟
رد شخص آخر بهدوء:
تلاتة مليون وتمنيت ألف.
صالح بجدية وهو يمسك بيديها بقوة:
أربعة مليون...
رشاد بسرعة:
ستة مليون...
ابتسم صالح بخبث قائلاً:
سبعة مليون جنيه.
ابتلعت زينب ريقها بصعوبة وهي تتخيل ذلك الرقم قائلة:
صالح، أنت معاك الرقم ده؟ افرض المزاد رسى عليك، ما تيجي نمشي الله يرضى عليك.
غمز لها بشقاوة وقحة قائلاً:
اصبري، دي اللعبة بدأت تسخن.
في ذلك الوقت رد رشاد بتردد:
عشرة مليون.
أظهر صالح وجه عابس حزين قائلاً بحزن واضح وبطريقة متقنة:
عشرة مليون وخمسمية ألف...
ابتسم رشاد بانتصار وهو ينظر لها قائلاً بلهفة غير مدركاً عواقب فعلته:
اتناشر مليون.
نظر له صالح بشماتة وانتصار قبل أن ينحني ليقبل رأس زوجته هامساً:
المكن ده كان هيتباع بتلاتة مليون بمنتهى السهولة، ودلوقتي خليه يشربها الدغف.
همست زينب بارتباك قائلة:
وأنت عرفت منين؟ أنا مش فاهمة حاجة يا صالح.
"الا اونا الا دو الا ترى."
انتهى المزاد عند تلك الكلمات الشهيرة.
في حين نظر خالد لرشاد بصدمة قائلاً:
أنت عملت إيه؟ عمال أقولك بلاش، هتدفع الفلوس دي منين؟ دا إحنا دوب خلصنا من الخساير اللي عليك بالعافية، واللي معاك بالكتير خمسة مليون، دا أنت غبي. أنا ماشي.
خرج من ذلك المكان بغضب، بينما همس صالح لعلي قائلاً:
مش عايزه يمشي، تجيبه على المخزن، خلينا نصفي الحسابات.
***
في سيارة صالح:
زينب بحدة:
ممكن أفهم إيه اللي حصل دلوقتي يا صالح؟ الله يرضى عنك، مش عايزين مشاكل. إحنا هيكون عندنا أولاد ورشاد مؤذي. فهمني، أنت عملت كدا ليه؟ ما كان سبنا في حالنا.
ابتسم برفق وهو يطبع قبلة أعلى رأسها قائلاً بمرح:
تعرفي إنك هطلة، وأنا بقى نقطة ضعفي الهطل.
نظرت باستياء قائلة:
اتكلم بأسلوب أحسن من كدا.
ضحك قائلاً:
طب اسمعي بقى يا هبلة، علشان لما أقولك إنك على نيتك تصدقيني. اللي عامل نفسه ابن عمك ده كان عايز يموت الجنين، وكان عايز يخليني أشك فيك إنك بتخونيني، ومراته السابقة كانت هتشوه وشك. وجيتلي الوكالة وقالت إنك على علاقة بجوزها.
كادت أن تتحدث بصدمة مبراءة نفسها، لكن وجدت أنه يبتسم وهو يربت على يديها باطمئنان:
أنا عمري ما أشك فيك يا زينب... المهم. بعت البنت اللي اسمها عفت دي، وكانت بتلعب بدماغك.
قال تلك الجملة من بين أسنانه بعتاب ليكمل بهدوء وهو يرى صدمتها الواضحة:
عفت كانت بتحاول تصورك صور وأنتِ في البيت وبلبس البيت، وأحياناً كانت بتصور هدومك وقمصان نومك... والهانم حضرتك علشان مغفلة، كنتِ بتسيبي موبايلك قدامها، وهي فتحته بسهولة، وكمان عملت أكونت باسمك، وفتحت كلمت شخص وبعتت الصور، وطبعاً كتبت كلام زبالة، ميخرجش إلا من واحدة مشفتش بربع جنيه تربية. وكأنها بتكلم شاب وبتقول إنك بتحبيه ومستغفلاني وبتصوري هدومك له. وفي صورة ليكِ واضح إنها خدتها وأنتِ تعبانة بعد ما عرفنا خبر الحمل، لما كانت بتطلع تنضف وأنتِ كنتِ بقميص النوم. وبعتت الصورة للاكونت ده. المهم، علشان أنا دمي محروق لوحدي...
انسابت دموعها بخوف وحزن قائلة:
في حد شاف صوري دي يا صالح؟
أغمض عينيه بألم وهو ينظر لدموعها قائلاً:
لا يا قلب صالح. الموبايل اللي اتبعتت له الصور معايا، واتمسحت. وطلع ده اكونت بتاع عفت باسم راجل، وكانت بتبعت الصور لنفسها بس باسم راجل.
صمت لبرهة ليكمل بجدية قائلاً:
لما روحنا المنصورة، حطيت لكِ مادة سامة في العصير تأذي الجنين وتخليه ينزل، لكن أمر الله وإرادته كانت فوق الكل، ودب الروح فيه. وقتها خديجة كانت خايفة، وأنا بثق فيها هي وكرم، لأنهم معانا من زمان أوي. وقتها طلبت من خديجة تراقب عفت، لحد ما مرة سمعته بتكلم رشاد وبيطلب منها تراقبني... وقتها عرفته إنه ورا اللي حصل، فحبيت أرد له اللي عمله. زرعت ناس يشتغلوا في مصنع البسكوت اللي عنده، وعرفت إن فيه مواد منتهية الصلاحية، وطبعاً جبت دليل ونزلت بيه في الأخبار، وأسهم شركات وقعت في الأرض. بعدها اشتريت الأسهم بالسعر اللي يخليه ما يعرفش يعوض الخسارة، لكنه فلت منها، وأنا اشتريت أسهم شركاته. وبعد كدا بعتها بالسعر اللي أنا عايزه، وأعلنت إن أنا اللي اشتريتها. رشاد طبعاً لما عرف حب ينتقم، فخلى عفت تراقبني أنا عن قرب وتنسـاكي شوية. كلمت علي وحطينا كاميرات مراقبة في بيتنا وبيت بابا، علشان اللي اسمها عفت تكون تحت عينينا... عملت تمثيلية كدا وخلّيت علي يقول في السوق إن وكالة الشهاوي بتخسر وفيه مشاكل مالية. بعد كدا خليت عفت تسمعني وأنا بقول إني داخل مزاد مهم هيعوض خسايري، وإن فيه خسارة كبيرة بتتعرض لها. وقتها كنت واثق إن رشاد هيدخل المزاد ده، ولما كنت بعلي عليه، كنت متأكد إن حقده وغله هيخليه يزود لحد ما استوى.
ردت زينب بذهول مستفسرة:
طب لو كان رسى عليك المزاد، كنت هتدفع المبلغ ده كله منين؟
ضحك بخفة زادت وسامته قائلاً:
أولاً الحمد لله، الخير كتير. ثانياً، أنا جدي شريف الهلالي وسليمان الشهاوي، وأبويا جلال الشهاوي، يعني دماغ توزن بلد. وناس يعرفوا يعملوا القرش بتعبهم وشقاهم، ولازم نتعلم منهم. ثالثاً والأهم، حتى لو المزاد رسى عليا، مكنتش هخسر كتير، لأن المكن ده بتاعي أصلاً. والفلوس كنت هبقى بدفعها لنفسي، يعني مخسرتش حاجة.
عقدت ما بين حاجبيها قائلة:
مش فاهمة إزاي يعني.
زفر صالح بجدية قائلاً:
شوفي، ده مكن خردة بتاع مصنع القماش.
"اللي كنت شغالة فيه؟" سألته بفضول، ليومي لها بجدية.
أيوه، هو... المصنع ده كان فيه مكن كتير خردة. جالي فكرة من مدة إني أبيعه في المزاد العلني. مكنش هيتباع بأكتر من تلاتة مليون. لكن اللي حصل إني اتفقت مع واحد اسمه فتحي، وبعتله المكن ده على الورق، وبعدين خليته يعلن إنه بيتباع في المزاد العلني. وخلّيت علي يدفع رسوم المزاد ويدخله، وبعد كدا رشاد يلبس فيها، وأنا أبيع الخردة اللي في المخازن وألبسه في خساير وأحبسه، والمكن يبقى بتاعه وأنا ليا الفلوس.
صمتت زينب محاولة استيعاب كل ما حدث من وراء ظهرها قائلة بذهول:
ده أنت عندك حق، ده أنا طلعت هبلة بجد.
لم يستطع كبح ضحكاته وهي تضع يديها على رأسها ببراءة محاولة استيعاب كل هذا، لتصيح فجأة قائلة:
ده أنت ذكي... يارب يطلعوا ليك.
تنهد قائلاً بحب:
أنا نفسي يبقوا فيهم منك وطيبة قلبك، بس طيبة القلب محتاجة عقل يا زينب يفكر في كل حاجة بتحصل، لأن لو مفكرناش هيتضحك علينا.
ابتسمت براحة، في حين انطلق هو نحو المخزن.
ترجلت معه للداخل، ولكن انصدمت وهي تنظر لرشاد يترنح أرضاً يصرخ من الألم، بينما بجواره عفت وجهها متورم، وبجوارها امرأتان تعرفت على واحدة منهما، حيث كانت تلك المرأة التي ضربتها بالسوق وكادت أن تسكب حمض الهيدروليك (مياه النار) على وجهها. وبجوارها امرأة تبدو أنيقة ثرية، "صوفيا".
صالح بصوت عالٍ:
أهلاً أهلاً بالحبايب.
أمسك بيديها يجلسها على أحد الكراسي قائلاً:
تعالي بقى اعرفك على الحبايب. رشاد بيه الشافعي، اللي حاول يخرب حياتنا علشان هوس جواه وحقد وغِل طمع في كل حاجة... واحد زبالة يفكر في مراتي وهو في حضن أي واحدة من الشمال بتوعه. وده بقى أنا ناويلك على نية سوداء.
أتاها صوت رشاد بضعف قائلاً باستفزاز:
فاكر إن كدا هتقدر تسجني؟ كلها كم سنة وأطلع لك.
في تلك اللحظة صدحت ضحكة صالح قائلاً:
تطلع... تطلع مين يابا... ده على جثتي. أنت فاكر إنك هتدخل السجن علشان الكم مليون دول؟
توتو... انت هتدخل علشان أوراق التزوير والرشاوي والشغل المشبوه والفلوس اللي عليك.
دا أنا مجهزلك حاجات تخليك تقعد في السجن العمر كله.
تيجي بقى لعفت الكلب اللي دخلت بيتنا واعتبرناها واحدة مننا، قامت عضت اليد اللي اتمدت لها وحاولت تقتل ابننا وتشكك في مراتي وتزرع جواها خوف وقلق.
حاولت عفت التبرير لتجد كفًا ينزل على وجهها من تلك المرأة التي تقف وراها.
ابتسم صالح قائلاً:
متقلقيش يا فوفا، هما هيأدبوكي في السجن إن شاء الله.
نيجي لصوفيا هانم بنت الحسب والنسب، والله أنا حزين عليكي، واحدة زيك تؤدي نفسها في داهية علشان ده، يا خسارة بجد.
حاولتي تشوهي سمعة مراتي وتحرقي وشها علشان جوزك النتن ده يبطل يبصلها.
كان أولى إنك تحرقيه، حبيتي وهو سارق فلوسك ومرمطك.
بعتي الستات دول علشان يضربوها، لكن متعرفيش إن بعد الحادثة بأسبوعين الستات دول كانوا مرميين هنا، والكاميرات جابتهم.
نفسي أفهم استفدتوا إيه من شركم ده.
عايزك تروقلي الكلب ده، وعفت دي لازم تتوصي بيها.
ساعدها في النهوض ليغادر المكان، بينما شعرت هي لأول مرة بحجم ما كان يعرض حياتها.
لما كل هذا الشر؟
***
في المنصورة.
فتحت بيلا عينيها بتثاقل لتقع عينيها عليه ينام بجوارها محتضنًا إياها برفق.
ابتسمت بشرود وهي تمرر يديها على ذقنه الخفيفة، معطيه إياه وسامة جذابة.
أحقا هو معها الآن، يحضنها بعد كل تلك السنوات، وبعد كل هذا الألم، هو الآن معها.
انسابت دموعها بخوف متذكرة إحدى الذكريات البشعة التي تعرضت لها في تلك المصحة النفسية.
تشبثت ببجامته بقوة وهي تدس نفسها بداخل أحضانه.
نظر لها بهدوء يمد أنامله يمسح دموعها المنسابة على وجنتيها قائلاً برفق وحزن:
حقك عليَّ يا بيلا، حقك عليا أنا. ياريتني ما كنت طلقتك ولا مشيت في اليوم ده. ياريتني كنت خطفتك منهم وأخذتك بعيد عن الكل.
رفعت عينيها تنظر له عن كثب قائلة بارتباك:
عمر، انت مش هتسبني صح؟ بالله عليك متمشيش تاني. أنا خايفة أوي يكون حلم.
زمان وأنا في المستشفى كنت بحلم دايماً بيك بتيجي تاخدني ونفضل سوا وفجأة يصحوني من النوم. متمشيش علشان خاطري.
قبّل وجنتها بافتتان قائلاً:
مقدرش أمشي المرة دي حقيقي يا بيلا، حتى لو اتأخرت. أنا دلوقتي معاكي. عارفة كل يوم كنت بقعد مع نفسي وأفتكر لحظاتنا سوا، وأول مرة لما شفتك في أوضتي وإنتي بتاكلي من أكل، ولما حدفتيني بالطوب، ومقابلتنا، والـ 1000 جنيه بتاعتك.
اعتدل في جلسته وهي معه ليتجه نحو محفظته يجلبها. جلس بجوارها مخرجًا من المحفظة الـ 1000 جنيه، ذلك المبلغ القديم الذي أعطته له.
كادت أن تبكي وهي تمسك ذلك المبلغ وتبتسم:
لسه معاك؟ كنت وقتها فاكراك بتستغلني علشان الفلوس دي، مكنتش عارفة إنك هتحتفظ بيهم.
ابتسم بسعادة وهو يخرج تلك السلسلة ليضعها بعنقها، فكانت مطبوعًا عليها صورة قديمة لهم بعد زواجهما. كانت تحتضنه وتقبّل خده بينما يحيط خصرها.
مفيش ذكرى كانت بينا نسيتها يا بيلا، لأن محبتش غيرك في حياتي. كنت فاكر إني هقدر أتخطاكي وأتجوز وأخلف، لكن براءتك وضحكتك وشغفك للحياة كان دايماً بيطاردني.
ابتسمت بسعادة قائلة وهي تحاوط وجهه:
أنا بحبك وبموت فيك.
لم تكمل جملتها، بينما انحنى يقبلها بسعادة ولهفة، وقد عاد لروحه ما فقد منها، يبثها عشقه ويعزف ألحانه على أوتار قلبها العاشق له.
***
في القاهرة.
جلست عصمت تتحدث إلى والدتها قائلة:
آهيه يا ماما، دي صورتها. تصدقي شبه عمر. اللي عرفته إن في واحد اسمه منصور أخدها وهي طفلة ورباها، ودلوقتي متجوزة وحامل. بس في مصيبة كدا أنا مش عارفة أفسرها.
ردت تفيدة بتعب قائلة:
مصيبة إيه؟
ردت عصمت وهي تخرج هاتفها تفتح معرض الصور لتعطيه لوالدتها:
شوفي دي صورة عمر وهو في قصر الدمنهوري، وواقف معاه بيلا والشاب ده، ودي... تبقى زينب اللي هي ملك الرشيد.
أنا لحد دلوقتي مش فاهمة زينب إزاي مع عمر وبيلا، وبيتعاملوا معاها عادي. طب هما عارفين إنها بنتهم؟ البت دي لو ظهرت هاتورث عمر بكل ثروته دي. أنا بس مش عارفة إيه اللي جمعهم ببعض، ويترى عمر بيفكر في إيه.
ردت تفيدة قائلة:
الموضوع لازم فيه تفكير بعقل وهدوء ونشوف هنعمل إيه.
***
في إحدى العيادات الخاصة.
كان يجلس باسل أمام الطبيبة يضع ساقًا على الأخرى بتعالٍ بينما ينفث سيجارته.
الطبيبة بحدية:
باسل، إنت ليه عايز تتعالج دلوقتي؟ إيه اللي غير وجهة نظرك وليه شايف إنك مريض نفسي؟
رد بهدوء وحيرة ممزوجة بتنهيدة حزن:
هتصدقي يا هدى إن مش عارف. أنا بس تعبت. عارفة أنا نفسي أكون إنسان عادي.
جايز أنا خايف أكون مؤذي للي حواليا، يمكن عرفت دا لما قابلت نور.
عارفة يا هدى.
أنا بقالي سنين بشوف نفسي بقيت شخص بارد إلا قدام نور، يمكن كل حصوني ضعفت وبقيت أحس. خوف إني أفقدها. إحساس بالذنب تجاه والدتي. رغبة في تغيير حياتي، لكن برضو حاسس إن في شخصية جوايا مسيطرة عليا إن لازم أكون دايماً مستعد لأي خسارة، لأي خيانة، وخايف الشخصية دي تدمر حياتي، علشان كدا أنا هنا. أنا خايف أكون زي أبويا وأخسر كل اللي حواليا، أنا مش عايز أكون زيه.
ابتسمت هدى بلباقة قائلة:
خوفك وإحساسك باللي حواليك دا لوحده إنجاز يا باسل، لأن أهم خطوة في العلاج إنك تكون متصالح مع نفسك. حقيقي أنا فرحانة لك، وواضح إن نور دي ليها تأثير قوي.
ابتسم باسل بهدوء عند تذكره لتلك المجنونة.
في حين نظرت له هدى بجدية قائلة:
شوف يا باسل، كلنا في حياتنا بنمر بنكسات، وقتها بيحصل حاجة من الاتنين: يا بنقوم ونكمل رغم العقبات.
يا بنحبس نفسنا في قوقعة خوف وألم، وإنت للأسف حبست نفسك فيها طول السنين اللي فاتت. عقدتك من أفعال والدك كان ممكن تخسرك نفسك وينتهي عمرك بدون ما تحس، بس دلوقتي لازم يكون عندك دافع.
زي إنك تكون زوج كويس وحبيب ليها، وإن شاء الله في المستقبل أب واخ مقرب من زينة وابن كويس مع أمك.
وأنا واثقة إنك هتقدر تتعافى.
ابتسم باسل بهدوء شاعراً ببعض الراحة النفسية وهو ينظر لها.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الرابع والستون 64 - بقلم دعاء احمد
هل تظن أنك وصلت للنهاية حيث الحياة الوردية التي كنت تتمناها ولطالما حلمت بها؟
يؤسفني أن أتسبب في سقوط آمالك أرضًا، لأن السبيل لتلك الحياة ممزوج بألم ربما لن تتحمله وتتمنى لو تراجعت وكان هذا كله كابوسًا مزعجًا.
في منزل آل "الشهاوي".
ساعدت "حياء" "زينب" في الجلوس على الفراش بعد أن بدلت ثيابها، وما زالت تشعر بالاضطراب بعد كل ما اكتشفته اليوم.
سؤال يدور بعقلها: لما كل هذا الحقد؟!
أغمضت جفونها بينما وضعت يديها على بطنها بخوف على أطفالها من هذا العالم.
ابتسمت "حياء" وهي تربت على كتفها باهتمام قائلة:
"سرحانه في إيه يا زينب؟"
تنهدت بارتياب وخوف قائلة:
"خايفة أوي من وقت ما الدكتورة قالت إني حامل في تلات أطفال، الموضوع مخوفني أوي. أنا أسمع إن الولادة بتكون صعبة في طفل فما بالك بتلاتة.
هو أنا فرحانة بس خايفة. وكمان خايفة معرفش أهتم بيهم، أو أحب واحد أكتر من التاني وساعتها هبقى بظلمه. وكمان ياترى فعلاً هقدر أكون داعم ليهم... خايفة أوي يا ماما."
ابتسمت "حياء" بسعادة ممزوجة بطيبة وهي تقترب من "زينب" تحتضنها بحنان، بينما أغمضت عينيها. شعور جميل هو العائلة. تلقي كل همومك بين أحضانها. شعور بالدفء والأمان.
حياء بحب:
"بصي يا زينب، الخوف بصراحة طبيعي في الحالة اللي زي دي. أنا كنت حامل في صالح وإيمان، والصراحة كنت مرعوبة في فترة الحمل لإن مكنش معايا حد. يعني هو جلال وشهد.
جلال كان مشغول في الوكالة وشهد عندها بيتها، وهي كانت معاها ياسمينة. آه كانت معظم الوقت معايا، لكن مش دايماً، وأنا كنت خايفة أولد في وقت.
جلال كان دايماً بيحاول يخفف عني، والصراحة عشان مظلمهوش هو عمل كل اللي عليه.
بس أنا اللي كنت شايلة هم الولاد والمدرسة ودروس القرآن ومذاكرتهم وشغل المطعم.
لدرجة إن أوقات كنت بعيط لما أحس إني تعبت. بس سبحان الله، كل ده يهون قدام إني أشوف ضحكة أو فرحة أي واحد فيكم. عارفة إنك هتتعبي.
بس أوعدك لو ربنا طوّل في عمري، هكون معاكي خطوة بخطوة.
عارفة يا زينب، أول ما شفتك والله قلبي ارتاح لك وحسيت إنك طيبة وتستاهلي كل خير. كفاية إنك ساعدتي صالح من غير مقابل، وسبحان الله طلع من نصيبك."
تشبثت "زينب" بثوب "حياء" وهي تبتسم برفق قائلة:
"أقولك سر؟ أنا بحبك أوي. يمكن معرفش مين أمي، لكن لما بنتكلم سوا وتحضنيني بحس إني فعلاً في حضنها. بحب اهتمامك بيا وأنك بتيجي كل يوم تحفظيني القرآن. يعني أنا عمري ما كنت اتخيل إني أحفظ عشر أجزاء في فترة الحمل.
سبحان الله، كل كلمة في كتاب الله العزيز فيها راحة نفسية غريبة...
تعرفي صالح وعدني إني لو ختمت القرآن هينفذ لي أي طلب أطلبه منه.
لما حفظت العشر أجزاء، وقتها كان فرحان أوي أكتر مني أنا شخصياً.
هداني السلسلة دي، شكلها حلو صح؟"
كانت تمسك بين يديها سلسلة من الذهب على شكل مجسم صغير لمصحف مكتوب عليه اسم "الله عز وجل".
ابتسمت "حياء" وهي تقبل رأسها بحنان قائلة:
"ربنا يبارك فيك يا زينب يارب. طبعاً جميلة جداً. وبعدين أنتِ عشان شاطرة قدرتي تحفظيهم في الفترة الصغيرة دي، أنا الصراحة قعدت فترة أطول منك.
وكمان صوتك ما شاء الله جميل ومريح للسمع. تعرفي إن جلال بيعرف يقلد بعض الشيوخ، مفيش مرة يقرأ قرآن إلا لو خلاني أعياط، سبحان الله."
ابتسمت "زينب" بخبث وهي تغمز بشقاوة:
"يا وعدي يا وعدي على الحب.
هو صحيح مين اللي حب التاني الأول؟ وإيه حكايتكم وإزاي بدأت؟
وليه دايماً اسم بابا لازم لما ينذكر يتذكر اسمك أنت كمان؟ يعني لما كنت شغالة في المصنع دايماً كنت أسمع الاسمين مربوطين ببعض، اشمعنى؟"
ابتسمت "حياء" وتوردت وجنتيها بحمرة الخجل قائلة بهمس:
"علشان أنا محظوظة وربنا عوضني عن سنين عمري في بلد غريبة بحب جلال ودفء قلبه. الصراحة جلال هو السبب الأهم في نجاح علاقتنا. يمكن لأنه اتمسك بيا رغم عيوبي، دعمني يا زينب وأنا لوحدي، كل الناس كانوا بيشكوا فيا.
أبويا وشهد ونوارة الله يرحمها وأيوب، مفيش حد منهم سمعني إلا جلال.
حتى لو في لحظة اتخلى عني، فهو رجع ورد لي كرامتي...
أقولك سر ومحدش يعرفه؟ أنا عشت عشرين سنة في بلد غريبة. آه كنت متأقلمة فيها، لكن زي أي حد كنت حاسة بالغربة والوحدة، مكنش عندي صحاب في الكلية إلا قليل جداً. عارفة أنا يعتبر كنت من الطبقة الفقيرة، وفي الكلية أحياناً كنت بتعرض للتنمر، مش من الأجانب لا، من بنات مصريين.
افتكر جيس وجميلة.
دول الاتنين كانوا أسوأ بنتين ممكن أي حد يقابلهم، كانوا مؤذيين بكل المعاني، عشان كده مكنش عندي صحاب. هي ماما بس كانت جميلة أوي أوي وكنا صحاب جداً.
لدرجة
إني كنت بكلمها عن كل حاجة ممكن أي بنت تخجل تتكلم فيها مع والدتها، زي مثلاً الكلام عن الحب... موتها وجعني أوي، وخصوصاً إني كنت لوحدي وما كنتش عارفة أعمل إيه.
بس ربنا بيوقف لك ولاد الحلال اللي يساعدوك.
تعرفي أنا مكنتش بطيق جلال، سبحان الله، لكن مع الوقت محبتش غيره وبقى هو كل حياتي."
ابتسمت "زينب" بحماس:
"طب أنا عايزة أشوف صور فرحكم، أصل سمعت إنه كان كبير أوي وفضل تلات أيام في دبايح شغالة والكل حكى إنه مش هيشوفوا فرح زي ده تاني."
تنهدت "حياء" بارتياح وهي تجلب هاتفها:
"تعالي، أنا معايا شوية صور على الموبايل، والألبوم تحت، لما أنزل هجيبه نتفرج عليه سوا. أبويا الله يرحمه هو اللي أصر إنهم يفضلوا تلات أيام فرح، كان أكبر فرح اتعمل في إسكندرية. بصي من الآخر كده، عوض ربنا بيجي حلو أوي أوي أوي كمان."
احتضنت زينب لتجلس بجانبها وهما ينظران للهاتف ويتحدثان عن كل تفصيلة حدثت يوم زفاف "جلال وحياء".
دلف "صالح" إلى شقته بعد يوم عمل مرهق، وخصوصاً بعد تسليمه رشاد للبوليس، وفتح قضايا تزوير قام بها ذلك المدعو رشاد الشافعي.
استمع لصوت ضحكات عالية آتية من غرفة النوم، وصوت والدته وزوجته تتحدثان بمرح. اتسعت ابتسامته وهو يتجه نحو المطبخ. صنع كوباً من القهوة. طرق على الباب عدة طرقات قبل أن تسمح له والدته بالدخول.
"كنتم بتتكلموا في إيه كده وبتضحكوا؟" سأل والدته بفضول وهو يضع الكوب جانباً، بينما تمدد على الفراش.
ليضع رأسه على فخذ "حياء" مغمضاً العينين يستريح من عناء اليوم.
ابتسمت برفق وهي تمرر يديها في خصلات شعره السوداء لتجيب:
"كنت بفرج زينب على صورك أنت وإيمان وأنتم صغيرين."
في لحظة انتفض "صالح" بذعر قائلاً:
"صور إيه؟"
لم تستطع "زينب" كبت ضحكتها، تنظر له بطريقة مغيظة وضحكتها تتعالى وهي تعطيه الهاتف ليرى إحدى الصور له وهو طفل، يبدو حينها كمتشرد وليس طفل أبداً.
كانت "إيمان" تمسكه من شعره وهو يقضم وجنتها بغيظ وأسنانه تكاد تأكل وجنته أخته.
خطف الهاتف من بين يديها بسرعة قائلاً بحرج:
"دي صورة قديمة، مينفعش كده على فكرة، إيه الإحراج يا جماعة، كنت طفل، وهي ما كانتش عاملة الواجب وأنا خفت المدرس يضربها، روحت مديها كراستي، قام المدرس ضربني أنا. لما رجعنا البيت يومها كنت في المطعم يا ماما، وإيمان غظتني بالكلام، روحت ماسكها من خدها وعضيتها، لقيتها بتمسك شعري وبتشدني. يومها بابا زعق لي، ويا أختي على دا يوم منيل بستين نيلة..."
"استنوا أرن عليها، خلينا نطمن عليها، مكلمتنيش النهاردة خالص."
أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليجري اتصالاً بأخته.
في لندن...
كانت تجلس بجوار "يوسف" وذكريات اليوم تعود عليها، أحست بالأمان معه في تلك اللحظات العصيبة التي مرت عليهما في داخل ذلك المصعد.
تنهدت براحة وهي تضع رأسها على كتفه بهدوء.
بينما يشاهدان أحد أفلام ديزني.
"بيتر بان" - بينما يأكل الفشار.
وهو يضحك وهو يرى أفعال "تنة ورنة" أثر غيرتها على "بيتر".
جذبت الغطاء عليها وهي تتمسك بذراعه تستمد منه الأمان.
أيمان:
"غريبة، مكنتش متخيلة إن فيه ولاد بيحبوا الكرتون. كنت فاكرة إن دي حاجات بنات وبس."
رد عليها وهو ما زال ينظر للتلفاز:
"والله يا بنتي مش عارف، بس والدتك كانت دايماً تتفرج عليه. متنسيش إنها هي اللي ربتني، فكنت بحب أتفرج على الحاجات دي."
ابتسمت لتردف بنبرة ممتنة:
"شكراً يا يوسف إنك في حياتي. النهاردة كنت خايفة أوي، لكن لما سمعت صوتك حسيت إني مطمنة، حتى لو كنت مت..."
قاطعها قائلاً بحدة:
"أيمان، ممكن تسكتي وبلاش تعصبيني لو سمحت. أنا لما أبوكِ واقف على جوازنا، أخد مني عهد إني أحفظك، وأنا عمري ما أخلف بعهودي. لأنك مش بس مراتي، أنتِ حبيبي وقلبي وروحي يا جميل أنتِ. بقولك إيه، ما تسيبك من الفيلم وتعالي أقولك كلمة على انفراد."
هزت كتفها قائلة ببراءة مصطنعة:
"أنا شايفة إن الفيلم عجبك."
ابتسم بخبث مقترباً منها، وما كاد أن يقبلها حتى صدح رنين هاتفه ليزفر بغضب قائلاً:
"مين الغتت اللي بيتصل دلوقتي؟"
التقط هاتفه ليرى اسم "صالح" ليجيب قائلاً بتملق:
"حبيبي وأخويا وعم عيالي، عامل إيه يا برنس؟"
رد صالح بمراوغة:
"شكلي عطلتك عن حاجة مهمة يا ابن أيوب. أنت فين..."
زفر "يوسف" بحرارة ينظر لها بغيظ وهي تحاول كبح ضحكتها على تقلبات وجهه ليجيب بحنق:
"مع أختك في الشقة."
عض "صالح" على شفتيه بغضب وغيظ قائلاً:
"عارف إنها مراتك، يا ريت تنقي ألفاظك يا حيوان."
ابتسم "يوسف" بمرح قائلاً:
"هو أنتَ اللي فرصة أستفرد بيها؟ يخربيتك يا جدع. قولي عاملين إيه؟ عرفتم نوع الجنين ولا لسه؟"
ابتسم "صالح" بسعادة ورضا قائلاً:
"آه الحمد لله، الدكتورة بتقول حامل في توأم ولد وبنتين."
فغر "يوسف" شفتيه بصدمة قائلاً بحب:
"تلات أطفال، بسم الله ما شاء الله. يتربوا في عزك يا صالح يارب وتفرح بيهم يارب. مع إن كنت عامل حسابي أجوز ابني لبنتك، بس ياله نعكس الأدوار مش مهم."
رد صالح بتعالٍ زائف:
"وأنتَ فكرك أنا هقبل أجوز بنتي لابنك؟ ده أنا أخاف عليها، ماهو هيطلع لمين؟ لو طلع محترم لأختي، ممكن أفكر، لكن للأسف لو طلع لك هيبقى صايع."
مثل وجه الحزن المصطنع قائلاً:
"لا بجد شكراً يا غالي، شكراً... خد كلم أيمان، البت ناقص تقوم تزرغط من الفرحة."
أخذت الهاتف قائلة بسعادة عارمة:
"ألف مليون مبروك يا صالح، بجد فرحتني بالخبر ده أوي. يتربوا في عزك يا رب يا حبيبي."
"الله يبارك فيكِ يا أيمان، ويرزقك الذرية الصالحة يارب. بس خلي في علمك، إنتي لازم تنزلي وقت الولادة، أنا بقولك اهو، مينفعش عمتهم متكونش موجودة."
تنهدت "أيمان" براحة قائلة:
"طبعاً يا صالح. إن شاء الله هاخد إجازة أنا ويوسف وننزل مصر. حقيقي وحشتني أوي، وبابا كمان وحشني أوي. هو معاك؟"
رد بهدوء قائلاً:
"لا، نزل مع عائشة، كانت عايزة تروح البيت، بس هو رفض وأخدها يتمشوا شوية بره ويتكلموا. ادعي لها يا أيمان. عائشة كانت قريبة أوي من عمك جمال الله يرحمه، ومن وقت الوفاة وبابا مصمم تفضل قاعدة معاهم، والصراحة عنده حق. هترجع البيت تعمل إيه؟ تقعد لوحدها، وأنتِ عارفة غرام عندها بيتها وأولادها، لكن هي معندهاش حد وبتعتبر الحج زي أبوها، ربنا يطولنا في عمره يارب."
"اللهم آمين. طب هو عرف الخبر ده؟ بجد هيفرح، أهي حاجة تخرجه من جو الحزن."
رد بابتسامة صغيرة تشكلت على ثغره قائلاً:
"فرح أوي يا أيمان، وكمان عدينا على الحج منصور وبلغناه الخبر، وهو كمان كان فرحان أوي. ربنا يعدي الأيام الجاية على خير، لأن الدكتورة بتقول هتبقى صعبة شوية."
"إن شاء الله خير، متقلقش، والله ربنا كريم أوي يا صالح، والله العظيم كريم وهيجبر بخاطر زينب، هي طيبة ومتستاهلش غير كل خير."
ابتسم برفق قائلاً:
"طب خديها أهيه معاكي."
تناولت زينب الهاتف لتتحدث مع "أيمان" لوقت طويل، وأيضاً "حياء".
***
في مساء اليوم
جلست "بيلا" بجوار "عمر" في سيارته يقودها السائق في طريقه لفيلا عمر بالقاهرة حيث مقر شركته.
حدقته بنظرات متوترة وهي تفرك يديها ببعضهما بتوتر ورهبة من الابتعاد عن تلك البلدة التي أفنت بها عمرها.
الأمر لا يتعلق بالمكان، لكن منذ وقت طويل أصبح لديها رهاب الخروج من ذلك القصر.
أخذت تتنفس بتوتر، ترتجف جفونها من شدة التوتر.
حدق "عمر" بها ملياً، متفقداً توترها الواضح للعيان، زفر بحرارة مربتاً على كتفها باهتمام. التفتت نحوه ليهديها أجمل وأبسط ابتسامة لديه قائلاً بجدية حانية:
"إيه اللي مخوفك يا بيلا... أنا معاكِ، متخافيش."
أخذت نفس عميق تعد الأرقام بالتصاعد كما اعتادت قبل عدة سنوات في المشفى لتجيب بعد صمت مرير:
"عمر، أنا خايفة، بلاش، أنا أسافر، مش هقدر صدقني. أنا اتعودت على البيت ومن وقت الحادثة وأنا مخرجتش ولا سبت المنصورة، خلينا هنا أحسن."
مد يديه ليغلق تلك الستار الفاصلة بين الأريكة الخلفية والأمامية حتى لا يراهم السائق، جاذباً إياها ليستكين جسدها بين ذراعيه قائلاً:
"بيلا، عارف إنك عديتي بحاجات كتير بشعة، خوف وقلق ووجع، لكن خلاص يا حبيبي، كل ده انتهى ومش هيتكرر تاني. خلينا نعيش اللي فاضل من عمرنا بعيد عن الخوف والقلق. وأنا معاكي يا بيلا، هترجعي أحسن من الأول، أوعدك. بس لازم نعمل حاجة مهمة جداً."
حدقته بفضول لتسأله مستفسرة:
"حاجة إيه؟"
رد باختصار مربتاً على ظهرها بحماية:
"لما نوصل هتعرفي."
نظرت له بضيق واستياء قائلة:
"تموت في جو الساسبنس ده."
عض على شفتيه بحركة مفاجئة لها وهو يقترب منها يفترس ملامحها بوقاحة، بينما تورّدت وجنتاها بحمرة صارخة ناظرة له بتلك العيون التي أسرته. اتسعت ابتسامة الآخر قائلاً بخبث:
"أموت أنا في جو الساسبنس يا بيبو، وكلمي إحنا في العربية، أحسن وعزة جلال الله نتمسك بفعل فاضح في الطريق العام."
خرجت شهقة مذعورة منها وهي تدفعه بعيداً عنها قائلة ببراءة لم تستطع الأيام أن تقتلها:
"أنتَ قليل الأدب يا عمر."
امتلأت رئتاه بالهواء ولم يبعد نظره عنه وعن وجهها البريء الذي تيم به، متمنياً الآن أن يخطفها ويبتعد عن العيون حتى لا يراها غيره. مر أكثر من عشرين عاماً، وما زال يحدق بها بنفس النظرة العاشقة يتمنى لو يفترس تلك الملامح قائلاً بمشاكسة:
"على فكرة بقى، إنتي اللي تفكيرك بيروح لحتت شمال."
لكزته بغضب في جانبه قائلة من بين أسنانها بشراسة:
"متخرجنيش عن شعوري يا ابن الرشيد..."
ابتسم بخبث متمتماً بنبرة متحشرجة أثر مشاعره:
"أموت فيك وأنت شرس بقى..."
وضعت يديها على فمه تمنعه من متابعة حديثه:
"عمر، بطل وقاحة وقلة أدب، علشان أنا مجنونة وممكن أصرخ وأقول متحرش وخطفني وألبسك في حيطة يا بيبي."
عض على شفتيه يحاول كظم غيظه وهو يعتدل في جلسته:
"ماشي يا بيلا، لما نوصل الفيلا هنشوف مين هيرحمك من تحت إيدي."
أخرجت لسانها بحركة طفولية تثير غيظه وسعادته مقلدة إياه بنبرة جادة:
"ماشي يا بيلا، لما نوصل هنشوف مين هيرحمك من تحت إيدي..."
بتحلم يا عمر بيه لو طولت مني حاجة.
نظر لها بتحدي وخبث ليجيب:
متأكدة؟
عندما ثيابها بحركة كبرياء:
طبعاً.
لم يستطع كبح ابتسامته مغمغاً بخبث:
هنشوف يا بيبو.
بعد مرور ساعتين.
وصلت سيارة عمر إلى فيلته بالقاهرة. ترجل من السيارة وهي معه رغم توترها الدائم، حيث كانت تتعرض لنوبات اضطراب وضيق التنفس من الابتعاد عن منزلها.
عمر بخوف وجدية:
بيلا اهدي وخذي نفسك براحة، متخافيش أنا معاكي مفيش حاجة تخوف.
تماسكت به بقوة قائلة:
ودا اللي مطمني بس متبعدش.
شعر بألم يعتصر قلبه وهو يراها بتلك الحالة من الذعر، واضعاً اللوم على نفسه، فما كان سيحدث كل هذا لو لم تحبه.
أغمض عينيه بإرهاق قائلاً:
مش هبعد صدقيني، يالا بقى. مش عايزة تشوفي المفاجأة اللي أنا محضرهالك.
أومأت له بالموافقة، بينما ابتسم برفق متوجهاً للداخل، في حين استقبلتهم فريدة مديرة المنزل.
فريدة بجدية ولباقة:
حمد الله على السلامة يا عمر بيه. نورت بيتك يا هانم.
ابتسمت بيلا بهدوء، بينما رد عمر قائلاً:
مدام بيلا الدمنهوري مراتي. فريدة، بيلا أي حاجة تطلبها في غيابي مجاب، مش عايزها تشتكي منك أو من حد من اللي شغالين هنا، لازم تفهميهم دا.
أومأت له السيدة بهدوء:
طبعاً يا عمر بيه، كل اللي طلبته هيتنفذ. صحيح الجماعة اللي كانوا بيجهزوا أوضة الجنينة خلصوا من ساعتين وأنا أشرفت عليهم، كل حاجة جاهزة.
تمام يا فريدة تقدري تتفضلي دلوقتي. خليهم يجهزوا العشاء.
أمتثلت لأوامره رغم اندهاشها من رغبته في العشاء على عكس عادته السابقة، فكان معظم الأيام لا يتناول تلك الوجبة. غادرت المكان متوجهة نحو المطبخ.
في حين أمسك بيديها ليخرج من المكان نحو الجنينة لتقول بجدية:
واخدني لفين يا عمر؟
اصبري على رزقك.
أندهشت من منظر الجنينة، فكانت أقرب في الوصف لحديقة واسعة من الفاكهة، وخصوصاً شجر العنب الذي يظلل المكان بمنظره الجميل، ليذكرها ذلك بجلوسها الدائم أسفل تلك الأشجار تقوم برسم لوحاتها.
نظرت له لتجده يتوقف فجأة قائلاً:
يالا ادخلي.
ضيقت المسافة ما بين حاجبيها وهي تنظر لتلك الغرفة الكبيرة المزينة من الخارج بقطع من الزجاج الناعم المصقول ذات الألوان المتعددة، ليعطيها لمعاناً مميزاً بالأخص في وقت النهار عندما تسطع أشعة الشمس.
فتحت ذلك الباب لتدخل تلك الغرفة المظلمة، بينما قام بتشغيل الإضاءة.
فغرت بيلا شفتيها بصدمة وإعجاب صارخ وهي تنظر لترتيب تلك الغرفة وكل هذه الأدوات الموضوعة بعناية في أماكنها المخصصة، لتقوم بدهشة وهي تتحرك بالأرجاء بانبهار وكأن شغفها قد عاد:
دي فيها كل أدوات الخزف. ثواني دا تقريباً كل الألوان موجودة هنا، ومواد الطلاء.
تنهد بأريحية وهو يحتضنها من الخلف، محاوطاً خصرها بذراعه، مائلاً عليها ليطبع قبلة على وجنتها قائلاً:
بصي بقى يا بيبو أنا عارف إنك أشطر حد يعمل خزف، وكان حلمك تفتحي أكتر من معرض في كل مكان في العالم صح.
ابتسمت بحزن وهي تمسك بين يديها أحد الفرشات:
كان يا عمر، من عشرين سنة فاهم يعني إيه عشرين سنة، وفيه تطورات كتيرة حصلت في فن الخزف وأنا بقالي كتير ما اشتغلتش فيه.
وماله يبقى لازم ترجعي في أسرع وقت. بصي بقى يا ستي أنا طلبت مدرسة متخصصة من جامعة إنجليزية طبعاً متخصصين في فن الخزف، هي هتساعدك تعرفي وتتعلمي كل التطورات اللي حصلت، ولو إني متأكد إن إيديك دي لسه عندها خبرة كبيرة أوي في المجال دا.
الدورة التدريبية هتكون تلات أسابيع، مش هنخسر حاجة.
وخلي في علمك إننا هندور سوا على مكان مناسب لأول معرض ليك.
واثق فيا أوي انت.
مين قالك إني هقدر أرجع أشتغل تاني عشان ندور على مكان المعرض؟
رد ببحة عميقة واثقة:
واثق فيك أكتر ما ممكن إنك تتخيلي يا بيلا، وعارف إنك قد الثقة دي. إيه رأيك تعلميني أنا كمان أشتغل في الخزف؟
تركتْه لتجلس على كرسيها تنظر لتلك المواد دون إدراك. وجدت يديها تتحركان لتمسكا بمواد الصلصال والطين لتبدأ بالعمل عليه بسلاسة، بينما جلس بجوارها يتابع ابتسامتها الرقيقة تلك ويديها تعمل بهدوء على تلك القطعة. تنظر له من الحين للآخر، تشرح له الخطوات الأساسية باندماج ومرح، متذاكرة ما كانت تفعله بصديقتها في الماضي وكيف تفوقت على الجميع.
مر حوالي ساعتين، لم يمل من الجلوس معها والاستماع لحديثها. لتنتهي من صنع قطعة جميلة قائلة:
كنت بحب أعمل الأشكال دي أوي. إيه رأيك؟ حلو؟
رد بعفوية محببة لقلبها:
أنت أحلى.
يااه، ده عدى ساعتين، أنا محسيتش بالوقت. إنت مزهقتش؟
هز رأسه بمعنى لا. بينما وضعت يديها على بطنها قائلة بجوع وهي تنظر لذراعه:
بس أنا جوعت أوي كمان، لدرجة إني متخيلة ذراعك دلوقتي فرخة مشوية.
بللت شفتيها ليشعر بالارتياب.
مرح: إيه يا بت، إيه الفجع ده؟ الواحد يخاف ينام جنبك.
عايزاه آكله يا عمر، إيه ده؟ إنت مش سامع عصافير بطني؟ يخربيتك.
بس بس، فضحتني. تعالي هناكل.
***
في صباح اليوم التالي..
استيقظ عمر بكسل على عكس عادته. فكان دائمًا نشيطًا، أو بالأصح كان يشغل كل وقته حتى لا يفكر لها أو لأي شيء يخصها. لكن ها قد عادت له ليحظى بحبها من جديد.
نهض بضيق وهو يتفقد الغرفة مليًا، متفقداً إياها، لكن أين ذهبت؟
فُتح الباب لتدخل بيلا بنعومة ورفق كعادتها، تحمل بين يديها صينية موضوع عليها عدة أطباق. ابتسمت وهي تنظر له قائلة:
كويس إنك صحيت. ياله قوم خد شاور وتعالى نفطر سوا.
ابتسم بسعادة ودهشة قائلاً:
بيلا، أنتِ اللي محضرة الأكل ده بجد؟
أومأت له بالإيجاب. في حين استقام هو يأخذ منها تلك الصينية ليضعها فوق الفراش. ثم نظر لها، كانت في غاية الجمال.
ترتدي ثوبًا ذا اللون الأحمر الداكن يصل لبعد ركبتيها بحزام خصر أسود بارزًا رشاقتها التي لم تختفِ مع الزمان.
رافعة شعرها في كعكة فوضوية، تاركة بعض الخصلات على وجهها برقة ملائكية. ابتسم وهو يغمز لها بمزح، بينما يضع ذراعيه على كتفها مقربًا إياها منه قائلاً:
إيه الجمال ده كله؟ أنا أمي كانت داعيالى والله.
رفعت رأسها بغرور مبتسمة:
عشان تعرف إنك محظوظ بس إني حبيتك...
مغرورة أوي يا أوزعة، انتي مبتطوليش ليه يا بنتي انت؟
إنت اللي طويل على الفاضي.
غمز لها قائلاً بشقاوة:
أنا بقول ناجل شغل النهاردة وتولع الشركة.
ضحكت بخفة وحب قائلة باشراق:
طب ياله بقى نفطر، علشان أنا الصراحة نفسي أختار لك بدلتك، ممكن؟
مال عليها يختطف قبلة سريعة قبل أن يدلف للحمام:
طبعًا ممكن.
تنهدت بارتياح متجه نحو غرفة الملابس، لتقف تشعر بحيرة لثوانٍ قبل أن تبتسم مختارة حلة سوداء أنيقة مع قميص رمادي داكن ورابطة عنق ذات ألوان الأسود.
بعد دقائق..
خرج عمر من غرفة الثياب يبدو في غاية الأناقة ليأسر قلب تلك المليحة. حقًا يبدو الاثنان ثنائيًا مميزًا.
أمير ظل لسنوات يبحث عن أميرته المفقودة وها قد وجدها...
بيلا بحماس:
ياله اقعد خلينا نفطر بسرعة.
مر بعض من الوقت..
صدحت عدة طرقات على باب الغرفة لتردف الخادمة بهدوء:
عمر بيه، في ضيوف تحت طالبين يقابلوا حضرتك.
أتاها صوته بجدية قائلاً:
مين؟
محمود الدمنهوري ومريم الدمنهوري.
خليهم ينتظروني في المكتب.
التمعت الدموع بعين بيلا، لا تعلم أهو اشتياق لأشقائها أم حزن منهما على تركهما لها. فمنذ أكثر من ثلاثة أشهر لم يزرها أي منهما.
كانت تجلس على الكرسي تنظر أرضًا. انحنى عمر يجلس أرضًا، مد أنامله يرفع رأسها له. رأى عينيها التي أصبحت محمرة أثر دموعها، ليهمس بتأثر وحزن:
بتعيطي ليه دلوقتي يا بيلا؟ أنتِ مش عايزة تشوفيهم؟ أنا ممكن أمشيهم لو وجودهم يضايقك.
خرج صوتها بحزن وتحشرج قائلة:
بقالهم أكتر من تلات شهور يا عمر، محدش منهم رفع سماعة تليفون وكلمني. ولما كنت أشتاق لمحمود وأجي أكلمه، كانت بنته ترد عليا وتقولي إنهم مشغولين. ولما أكلمه في الشركة السكرتير يقول مش فاضي. عارف أنا إيه اللي بيوجعني؟ إن الوجع مجاليش إلا من الناس اللي بحبهم يا عمر. رغم إن بابا كان موصيهم عليا إنهم ميسبونيش. عارف أنا مرة شفت بنت مريم كان عندها سبع سنين وقتها البنت خافت مني وقالت إنها مجنونة وشريرة.
وإن مامتها قالت لها إنها دمرت حياتي والسبب في موت بنتي.
وقتها انصدمت من مريم ولما سألتها قالت كدا ليه للبنت.
ردت وقالت إنها فعلاً السبب، يمكن لو كنت اخترت أي حد غيرك كان ممكن أبقى أم وعندي بيت زيهم.
بعدها أنا تعبت وكل اللي بيدور في دماغي إنها فعلاً عندها حق. مكنش لازم أسمع كلام تيتة نبيلة. مكنش لازم نتجوز. أنا بس...
أنا بس مش كويسة. لأ، أنا زعلانة بجد.
احتضنها لتشهق ببكاء يتقطع له نياط القلب. ربما كانت ستتعافى بوجود أشقائها وأولادهم.
لكن أين هم الإخوة؟ فرقتهم الحياة ليتركوا أختهم بأصعب محنة مرت بها طوال تلك السنوات. رغم أنها لم تحب غيرهم. أين وصية الأب؟
رد عمر بتحشرج وحزن وعيناه تلمع بطبقة من الدموع قائلاً:
مش أنتِ السبب في موتها يا بيلا، وإحنا مغلطناش. أنا اتجوزت على سنة الله ورسوله، وأخوكِ واختك دول كانوا شاهدين على جوازنا.
يمكن الغلط الحقيقي عليا أنا، كان لازم أحاول ألف مرة مع أبوكي قبل ما نتجوز من غير علمه.
وملك مش أنتِ السبب في موتها ولا أنا. ربنا كان كاتب إن دا كله يحصل، صدقيني خير.
اصل ربنا ما بيعملش حاجة وحشة. وخالص انسى أي حاجة فاتت، وأديني فرصة بس أعوضك عن اللي فات.
وبالنسبة لأخواتك..
لازم يدفعوا الثمن وياخدوا قرصة ودن تفوقهم. طول السنين اللي فاتت كنت بنسحب من أي شغل شركاتكم شغالة فيه. مكنتش عايز أي احتكاك، لكن دلوقتي لازم أحط حد للمهزلة اللي عملوها.
خليكِ هنا ومتنزليش، فاهمة؟
أومأت له بالموافقة ليمد أنامله يمسح عبراتها، قبل أن ينهض ليهندم بدلته ويخرج من الغرفة، يقسم بداخله أن يعلم أشقائها درسًا حادًا.
نزل الدرج بثقة وها قد عاد عمر الرشيد إلى طبيعته الحادة والباردة.
دلف إلى المكتب لينظر لمحمود ومريم التي نهضت تنظر لها بابتسامة راقية قائلة:
ألف مبروك يا عمر، حقيقي لما فردوس قالت لي إنكم كتبتوا الكتاب فرحت لكم من قلبي. هي فين بيلا؟
أبتسم ببرود يتجه نحو كرسيه خلف المكتب ليجلس ويضع ساقًا على الأخرى بكبرياء قائلاً بقهر يغلفه الحزن:
بيلا؟ امم، أخيرًا فكرتي تسألي على أختك يا مريم هانم؟
آه صحيح، هتسألي فيها ليه، وإنتي شايفة إنها مجنونة وشريرة؟ مش ده اللي كنتِ بتقوليه لبنتك؟
ذنبها إيه بيلا عشان تتهميها إنها السبب في موت ملك؟
ذنبها إني حبتني مثالاً؟
طب تمام، ده السبب بالنسبة لك. طالما كدا جاية تباركي لينا ليه؟
لما يفوت أكتر من تلات شهور متسأليش عن أختك، ولو مرة تتنازلي وترفعي سماعة الموبايل تكلميها، دا اسمه إيه؟
سالم بيه الله يرحمه مش وصاكِ عليها؟
أختك عاشت عمرها في ضياع، بين الأدوية والعلاج بصدمات الكهربا، وحرمانه من بنتها وموت أبوها وجدتها، وكمان تخليكم عنها!!
أظن أبسط حاجة مكالمة تليفون تطمنيني عليها. مرة تروحوا تزوروها أنتم وأولادكم، تساعدوها تتعافى.
أول ما عرفت الحقيقة قلت إنها غبية، إزاي تخبي عني كل اللي تعرضت له.
بس النهاردة عرفت السبب.
بيلا لقت اللي من دمها تخلوا عنها وسابوها. بيلا لحد دلوقتي وحتى بعد خروجها من الصحة مكنتش اتعافت.
ومكنتش محتاجة مصحة أصلًا.
هي كانت محتاجة كم جنبها. للأسف أنتم أول ناس سبب في حالتها دي. جاي تباركي لأختك؟
هي مش عايزة تشوفك، أو بمعنى أصح أنا مش عايزكم تأذوها أكتر من كدا.
بيلا دلوقتي عارفة إنكم هنا.
علشان بس عمر الرشيد وعشان متخسروش فلوسكم، وده وجعها أكتر. صحيح يا محمود بيه، أنا كنت بنسحب بإرادتي من أي مناقصة بينا، دلوقتي أحب أقول لك استعد لخراب شركاتك.
انتفض محمود بذعر وكاد أن يتحدث إلا أن دخول بيلا قاطع حديثهم.
عمر بحدة:
بيلا، اطلعي أوضتك.
تحدثت بنبرة حزين وعيونها تذرف الدموع:
أسفة يا عمر، مش هقدر أنفذ طلبك ده. في كلمتين محبوسين في قلبي بقالهم سنين وأنا متعودتش أمثل. بعدها ممكن تعاقبني زي ما تحب، بس لازم أقولهم.
كادت أن تسقط أرضًا لتتمسك بالكرسي واضعة يديها على عينيها. لينتفض عمر من مكانه متجه نحوها ليساعدها في الوقوف محاوطًا خصرها.
ريم، أنا بحبك أوي أوي. عارفة وإنا صغيرة لما أنتِ وقعتي اللوحة وكسرتي البرواز بتاعها وجزيتي عشان محدش يشوفك ويقول لبابا.
أنا قلت لبابا إني السبب، مع إني شفتك. وقتها بابا عقبني وفضلت محبوسة في أوضتي.
رغم إن كان
عيد ميلادي وقتها مزعلتش وفضلت ألعب في أوضتي طول اليومين دول لوحدي... رغم إني كنت خايفة، كنت صغيرة أوي.
ولما كبرنا، كنت دايماً نفسي أختار لك فستان الفرح، لدرجة إني لما كنت مع تيتة نبيلة في فرنسا حجزت فساتين كتيرة كانت عجباني، بس كانت ليك انتِ وكنت ناوية لما معاد الفرح يقرب أعرضهم عليكِ ونختار سوا.
أنا بس مقهورة أوي أوي يا مريم.
هقولكم سر محدش يعرفه. أنا في مرة سرقت شريط حبوب من الصحة وكنت ناوية أنتحر. عارفة ليه؟
أنتِ عارفة صح؟
فاكرة الزيارة اللي قبلها قولتي لي إيه؟
قولتي إنك بتكرهيني لأني كنت هتسبب في فرحك يتلغي لما خطيبك عرف اللي حصل، لكن الفرح حصل واتجوزتوا.
أنا كنت عايزة أريحكم مني لأني بحبكم أوي. ولحظات ضعفت وكنت هنتحر.
وإنت يا محمود...
انت بجد كنت أقرب حد ليا في حياتي، حتى علاقاتك بالبنات كنت أنا أول واحدة بتحكيلي عنها. إيه اللي حصل؟
احكيلي يمكن الوجع اللي جوايا يبرد.
أقولك إيه اللي حصل. انشغلت بالشركات والمصانع والفلوس.
ومع ذلك أنا لسه بحبكم، وده اللي وجعني.
لم تستطع الوقوف، شعرت بانقباض أنفاسها. ليحملها عمر متجهًا لغرفتها، بينما وقفت مريم تنظر لأخيه والدموع تنذرف من عيونهما. ليشعر بمدى غبائها.
رحلا سويًا وهما يعيدان حساباتهما.
في غرفة عمر.
وضعها على الفراش، بينما أعطاها كوب ماء لترتشف منه القليل لتهدأ قليلًا. ليقول بعتاب:
ليه نزلتِ يا بيلا؟ ليه دايمًا تروحي لوجع القلب برجليكِ؟
لا يا عمر، أنا ارتحت دلوقتي، قلت اللي كان جوايا. يارب يفهموا إني ما جبتش غيرهم ولا عندي إخوات غيرهم، بس صدقني أنا كويسة. يالا قوم روح شغلك.
هز رأسه برفض وهو يجلس بجوارها.
لا، أنا مش رايح شغل النهارده، هخليني معاكي.
اعتدلت في جلستها لتنظر له بجدية وهدوء قائلة:
لا هتنزل يا عمر، اتفضل بقى ومتعصبنيش. وبعدين مش قلت في مدرسة هتيجي تساعدني في تعليم الخزف؟ أنا أصلًا شوية وهنزل، وخلي في علمك إني هحضرلك الأكل بأيدي النهارده، لازم تيجي على الغدا، فاهم يا بيه.
ابتسم قبل أن يميل عليها مقبلًا إياها برفق:
ماشي يا بيلا، بس لما أكلمك تردي على مكالماتي، فاهمه.
أومأت له بالموافقة، ليبدي قبلة حانية أعلى رأسها قبل أن يغادر الغرفة والمنزل بأكمله.
بعد مرور ساعة.
جلس عمرو بمكتبه يتابع بدقة عملية شراء أسهم شركات إسماعيل وخليل (زوج عصمت) التي انهارت بعد انتشار الأخبار بكثافة بتورط خليل وإسماعيل في عمليات غير مشروعة وعدم قدرته على سداد ديونه التي تقدر بالملايين للبنوك.
وذلك بعد أسابيع قليلة من إعلان اندماج شركاته مع شركات إسماعيل المنيري.
وهو أحد منافسي عمر المتورطين في عمليات مشبوهة ولديه أدلة على ذلك، وأيضًا متورط مع خليل في تجارة المخدرات.
ليتخلص من الاثنين سويًا، زوج عصمت بأفعاله وإسماعيل المنيري.
لتصبح شركة واحدة بعد الدمج.
ليقوم عمرو بعملية شراء جماعية لأسهم المجموعتين، لتصبح ملكًا له رسميًا.
ليتراجع بهدوء في كرسيه وهو يغلق عينيه ويبتسم بقسوة بعد تأكده من إتمام عملية شراء الأسهم وانتقال ملكية مجموعة شركاتهم إليه.
وها قد تخلص من أعدائه.
ثم اعتدل في جلسته ينظر إلى باب الغرفة الذي فُتح بهدوء ودخلت إليه مديرة مكتبه التي قالت باحترام:
خليل بيه وإسماعيل بيه ومدام عصمت بره وعاوزين يقابلوا حضرتك.
ابتسم عمرو وهو يتراجع بكرسيه للخلف بسخرية ثم قال بصوت صارم:
دخلوهم.
لتمر أقل من دقيقة ودخل خليل وعصمت وإسماعيل إلى الغرفة وقد احتقن وجههم بشدة.
عصمت بلهفة:
عمر شفت اللي حصلنا.
إسماعيل بغضب شديد:
قصدك اللي حصلكم أنتِ وجوزك. أنا أصلًا كنت غلطان إني شاركتكم، وخلاص هفض الشراكة اللي خربت بيتي دي.
خليل بغضب:
وهو إحنا كنا ضربناك على إيدك عشان تشاركنا؟ ما أنت اللي كنت...
تراجع عمرو في كرسيه للخلف يتابع باستمتاع مشاجرتهم الحامية التي بدأت تتطور لاشتباك بالأيدي.
فلطم إسماعيل خليل في أنفه الذي تراجع للخلف وهو يترنح، إلا أنه تماسك وهو يرد الضربة لإسماعيل الذي انهار على المقعد.
وعمر يتابع بصمت واستمتاع ما يحدث بينهم ليقرر بعد لحظات التدخل وإيقافهم.
فضرب بيده على سطح مكتبه بقوة وعنف.
وهو يقول بصوت قوي وصارم:
لو عاوزين تضربوا وتقطعوا هدوم بعض، اتفضلوا على بره، المكان ده له سمعته واحترامه، وشغل الحواري اللي بتعمله ده ميلقش بيه.
فتوقفوا على الفور عما كانوا يفعلونه، بينما نظرت له عصمت بحقد متمنية لو كانت تزوجته هو بالماضي.
لكن قلبه ظل معلقًا مع تلك الحمقاء من وجهة نظرها.
نهض إسماعيل وهو يقول بلهفة:
الحقني يا عمر بيه، كل حاجة راحت، شقى عمري كله راح. الشراكة اللي أنت صممت أنها تكون بيني وبين شركات خليل خربت بيتي، أسهم خليل انهارت وخدت أسهمي وشركاتي معاها في الرجلين. لو فضلت في المصيبة دي هعلن إفلاسي.
عصمت بغضب شديد:
الشراكة دي زي ما وديتك في داهية، وديتنا إحنا كمان في ستين داهية وكشفت مركزنا المالي للبنوك بعد ما ضموا ديونك على ديوننا وبقى الدين أكبر من الحد المسموح به للاقتراض. وعشان كده طلبوا رد كل القروض اللي خدتها مرة واحدة، وانكشفت في السوق وقدام البنوك.
ثم تابعت بغضب:
أنا مش عارفة عقلي كان فين لما طاوعناك يا عمر.
تراجع عمرو بكرسيه للخلف وهو يقول ببرود:
عقلك كان بيحسب المكاسب الخرافية اللي كانت هتعود عليكي لو كانت شراكتنا كملت وأنا دخلت معاكم شريك.
وعموما أنا مش فاهم أنا إيه داخلي بكل مشاكلكم دي.
صرخت عصمت بغضب شديد..
"يعني إيه انت هتسيبنا كده من غير ما تساعدنا؟ هو ده مش كان شرطك عشان تقبل إنك تشاركنا؟ إننا ندمج شركتنا مع بعض؟"
نهض عمر فجأة عن كرسيه وهو يقول بغضب شديد:
"صوتك ما يعلاش يا عصمت وأنتِ بتكلميني. أنا صبرت عليكي كتير، وكثير أوي كمان، وبس عشان بنت عمي. والشغل الحواري اللي أنتم بتعملوه ده ما ياكلش معايا. وإلا هتلاقي نفسك في ثانية مرمية في السجن مع جوزك وشريكك."
قال خليل بصدمة:
"سجن إيه يا ابن الرشيد؟ فكرك تقدر تدخلني السجن تبقى بتحلم."
قال عمر بصرامة شديدة:
"لا، أنت اللي مش عارف أنت بتكلم مين. عمر الرشيد ما بيقولش كلمة إلا لما يكون متأكد منها. الظاهر صبري على كل المصايب اللي عملتوها معايا ومع عيلتي جرّأتكم عليا ونستوا بتتعاملوا مع مين."
ثم أضاف بغضب شديد:
"أنا، عمر الرشيد، لو كنت نسيت. عمر الرشيد اللي بكلمة منه ترفعك أنت وشركاتك لسابع سما، وبكلمة مني أخسف بيك وبيها لسابع أرض."
امتقع وجه عصمت بحقد وشر، ليقول زوجها بارتباك:
"مصايب إيه اللي بتتكلم عنه يا عمر؟"
اندفع عمر واقفاً وهو يقول مقاطعاً بغضب شديد:
"اصبر على رزقك تاخد حاجة نضيفة."
قال إسماعيل بارتجاف:
"لو.. لو غلط معاك، طيب أنا ذنبي إيه؟ وليه شركاتي تتباع برخص التراب في السوق؟"
قال عمر بتهكم ساخر:
"والله دي حاجة ما تخصنيش، ما أنا بقولك في السجن تقدروا تحلوا مشاكلكم."
قال خليل بغضب:
"اللي بتقوله ده مش هيحصل، لإما ننجو مع بعض أو نغرق مع بعض. ما أنا مش هضيع لوحدي، وأنا مش هدخل السجن، أنت فاهم؟"
قال إسماعيل بغضب مجنون:
"يعني إيه؟ أنت مصمم تضيعني معاك؟ دا أنا كنت اقتلك!"
قال خليل بتهكم:
"تقتل مين؟ أنت فاكرني لقمة طرية ولا إيه؟"
تابع عمر مشاجرتهم باحتقار وسخرية، ليقاطعهم بصرامة شديدة متحدثاً في الهاتف:
"تقدر تدخل يا حضرة الظابط."
ثم تابع بسخرية شديدة:
"ورايا أسهم وشركات عايز أشتريها."
لم يتقع وجه خليل وإسماعيل بشدة وهم يرون البوليس يدلف لداخل المكتب.
ليقول عمر ببساطة:
"اتفضل يا سليم بيه، يا ريت تاخد الزبالة دي من هنا."
قال سليم (ضابط شرطة):
"مطلوب القبض عليكم، اتفضلوا معانا بهدوء وبلاش شوشرة."
رد خليل بفزع وذعر قائلاً:
"أنا ما عملتش حاجة! هتدخلونا ليه؟ إحنا لسه بنحاول مع البنك."
رد سليم بجدية وحدّة:
"لا يا خليل بيه، دي قضية تانية. أنا هنا عشان قضية المخدرات، ودلوقتي حالا العساكر في مخزنك لقوا كمية المخدرات كبيرة."
رد عمر بهدوء قائلاً:
"قلت أسيبلك المخزن ده هدية مني واشتريت أسهم شركاتك. وطبعاً متقلقش، أنا بـ راقبك من مدة طويلة أنت وإسماعيل لحد ما الشحنة وصلت المخزن، وأول ما استوليت على الشركات بلغت البوليس."
كان يصرخ ويسب عمر، حتى زوجته الآن قد كشف سره الذي سيجعله يدفع الثمن من سنوات عمره بالسجن.
خرج العساكر من الشركة وقد تم القبض على الاثنين.
لتنظر له عصمت بشر وهي تقترب منه بكره:
"فكرك اللعبة انتهت كده يا عمر؟ تبقى غبي. اديني أسهم شركاتي وأنا هسيبك في حالك، بس اديني الأسهم يا عمر."
أنهت جملتها بتوسل، ليجيب الآخر بهدوء:
"شركتك؟ هو أنا نسيت أقولك إني ما بحبش الفلوس الحرام؟ مش شركتك دي أنتِ وجوزك أسستوها بفلوس حرام برضو؟ الصراحة يا عصمت، شركتك هتتصفى والفلوس اللي هتطلع منها أنا ناوي ما أحطش منهم قرش في جيبي، وناوي بقى أصرفهم في حاجة تفيد البلد دي. أي مشروع للشباب، أي حاجة. لكن تاخديها مش هيحصل يا بنت عمي. أصل أنا نسيت أقولك، لما كنت في نيويورك وأنتِ بتديري الشركة دي وبتختلسي منها مع مدير الحسابات، أنا كنت عارف، بس قلت أسيبك تلعبي براحتك. أنا مش ناسي إنك بنت عمي، عشان كده كل شهر هيوصلك مني مبلغ يكفي كل احتياجاتك أنتِ ووالدتك، ولو حابة تبدأي أي مشروع ممكن أساعدك."
نظرت له بصدمة للحظات وتحولت لضحكات هستيرية، لتجيب بشر:
"لا يا عمي، مش عايزة منك حسنة. ما بقاش عصمت الرشيد أما خليتك تيجي لحد عندي وتبوس رجلي عشان أرحمك. هتدفع التمن غالي أوي يا عمر. هتلبس السواد من تاني وهتعيش طول عمرك ندمان على اللي عملته. أوعدك هتخسر أغلى حد في حياتك. والحلوة اللي أنت اتجوزتها أوعدك هترجع مستشفى المجانين من تاني، بس المرة دي هتتحبس بحق، وابقى قول عصمت قالت. وساعتها هتيجي تبوس إيدي عشان أقبل بكل شركاتك، وأنا اللي هقرر يا إما أرحمك أو لأ."
تراجع عمر للخلف بهدوء واضح:
"فرعون برضو كان مغرور وشايف إنه الأمر الناهي. عمر، نظرتي فيكِ ما خيبت يا عصمت. طول عمري متأكد من حقدك وكرهك للي حواليكِ، وأمك السبب. فوقي يا عصمت أحسن لك."
"هنشوف يا عمر."
قالت جملتها وخرجت من مكتبه، وبداخلها تنوي الدمار له ولابنته التي لم يعرفها بعد.
__________________
في منزل "صالح"
جلست نور برفقة زينب مبتسمة بهيام، لتلاحظ زينب ذلك مردفة:
"يا عيني يا عيني، دا إحنا بنحب ولا إيه."
ردت نور بصراحة وهدوء:
"زينب، أنا بحب باسل. عارفة إن يمكن تستغربي، بس أنا فعلاً حبيته. اكتشفت حاجات كتير في الفترة اللي فاتت، زي إنه مش شخص وحش زي ما كنت متخيلة. بالعكس، جواه إنسان طيب، بس خايف دايماً، عشان كده بيتعامل مع اللي حواليه بحذر وبرود. أخته بقت صاحبتي هي كمان، طيبة أوي، بس مش زيه ولا معقدة. عارفة في السفرية دي، رغم إنه كان أحياناً ضايقني، إلا إنه صريح، ودا لوحده بيطمني، لأنه ما بيعرفش يكذب."
ابتسمت زينب بحب قائلة:
"والله فرحتلك أوي يا نور. إن شاء الله ربنا يهديه ويهديك له ويرزقكم الذرية الصالحة."
تنهدت نور براحة قائلة:
"احكيلي أنتِ عامله إيه والحمل تعبك؟"
أومأت لها بالإيجاب بحزن، لتجيب بابتسامة:
"بس متقلقيش عليا، يعني شوية تعب وبيروحوا لحالهم. لسه بنفكر في أسماء الولاد. بصي، هو كان في الأول خالص بيقول هنسمي جلال. لكن بابا قال نختار اسم تاني، مش لازم اسمه. فإحنا بنقول هنسمي فارس. والبنات لسه مش عارفين. ادعيلي يا نور بالله عليكِ. أحسن أنا خايفة أوي."
احتضنتها برفق قائلة:
"خايفة من إيه يا هبلة؟ بكرة يجوا بالسلامة ويطنطوا حواليكِ كده لحد ما تقولي حقي برقبتي، أنا اتربيت من أول وجديد."
تنهدت براحة قائلة:
"يارب يا نور. يارب. إخواتك عاملين إيه، وأبوكي؟"
"بخير الحمد لله. صحيح، أنتِ بتروحي لبابوكي تطمني عليه؟"
ردت زينب بهدوء قائلة:
"أيوه، كنت عنده أول امبارح. روحت أبلغه، وهو فرح أوي. تعرفي صالح جايب له واحد بيقوم بكل طلباته، ولحد النهارده، أول ما اتجوزنا كنت فاكرة إن دي فترة مؤقتة، لكن لسه بيطمن عليه. بس أنا من بعد الحمل زيارتي ليه قلت، مش بخرج كتير."
"كده أحسن يا زينب، لازم ترتاحي وبلاش حركة كتير."
"والله ما بعمل حاجة يا نور. صالح ساعات هو اللي بينضف البيت قبل ما يروح الشغل، ود ا بيحسسني بالذنب إني ببقى نايمة وهو يقوم يعمل شغل البيت."
ردت نور بجدية قائلة:
"بيحبك يا زينب، واللي بيحب حد مش لازم يقولها. اللي يشتري بجد ما يفرطش بسهولة. وصالح ابن حلال وربنا هيعوضكم خير، صدقيني."
______________________
بعد مرور ثلاث أشهر
"تحسنت العلاقة بين نور وباسل جداً.
زينب في منتصف الشهر السابع.
علي وحبيبة حياتهم مستقرة جداً.
بيلا وعمر، عادت لهم الحياة بقربه، تتعافى.
إيمان ويوسف، لا يوجد أي شيء جديد، مستقرة ومليئة بالدفء.
جلال وحياء، تحسنت حالته بعد وفاة صديقه. رغم حزنه، إلا أنه حاول تخطي الأمر، ففي النهاية "البقاء لله وحده". ومع ذلك يهتم بعائشة وبكل ما يخصها. ينتظر أحفاده بفارغ الصبر.
أما عصمت، فشرها سيؤذيها هي قبل أي شخص آخر."
___________________
في إحدى الليالي
أنكمشت قسمات وجه زينب أثناء نومها، مما تراه من كابوس مزعج جعلها ترغب بالاستيقاظ منه، فقد رأت بأن زواجها من صالح كان وهماً، خيالاً، وأنه ليس بحياتها...
صارعت وصرعت محاولة الخروج والاستيقاظ من ذلك الحلم. وبعد عدة محاولات نجحت بفتح عينيها والاستيقاظ أخيراً.
وكان أول شيء تفعله هو تفرس الغرفة من حولها، وتحويل أنظارها وتسليطها على النائم بجوارها كي تتأكد من تواجده بجوارها، وتتأكد بأن ما رأته لم يكن سوى كابوساً، والحقيقة هي بأنه معها.
التفتت برأسها أمامها وتنهدت براحة ومسحت على وجهها مرددة بخفوت شديد:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم."
معللة سبب ما رأته بأن خوفها من البعد والفراق وتفكيرها به هو من تسبب بهذا الكابوس. فرغم كل ما حدث وحديثهم الجميل، العقلاني، ورغم حبه لها، إلا أن هناك بداخلها جزء صغير يهاب ويرتعد من فكرة الفراق.
بللت طرف شفتيها وعادت تنظر نحو صالح النائم بجوارها. تمعن النظر بملامحه التي تحفظها.
وبعد لحظات من هذا التركيز معه، كانت تنسى ما رأته بل وتتخطاه، وانشغلت بالتفكير به هو فقط، وبتلك السعادة التي تغمرهم وتملئهم، متمنية من الله عز وجل دوامها.
اقترب موعد ولادتها، ورغم خوفها من اقتراب ذلك الموعد، إلا أنها كانت تتمنى قربه لترى أولادها. يا الله كم ستحبهم.
ابتسامة صغيرة داهمت شفتيها، ثم نهضت بهدوء رغم شعورها بالتعب، مقررة تبديل ملابسها وإحضار الطعام لهم.
خرجت من الغرفة بعد أن بدلت ثيابها لأخرى مريحة. اليوم تريد أن تقوم هي بتحضير الفطار لهما. مؤخرًا كان يفعل كل ذلك ويذهب لعمله ثم يعود يساعدها في كل شيء. رغم إرهاقه في العمل، إلا أنه أخذ عهدًا على نفسه أن يحاول أن يكون أبًا جيدًا لأولاده، يريد ذلك ولا يتخلى عن عهده أمام الله.
بعد مرور وقت.
نهض صالح من فوق الفراش يتفقد الغرفة، لكن لم يجدها.
"كنت فين؟"
ردد صالح تلك الكلمات ما أن رأى زينب تدخل الغرفة.
فقد استيقظ ولم يجدها بجانبه، وهو الذي كان يرغب برؤيتها ما أن يفتح عينيه.
أشارت بعينيها إلى ما تحمله من طعام، قائلة ببسمة محبة أسرت قلبه:
"كنت بحضرلك الفطار. صحيت ولقيتك نايم فحبيت أعملهولك وناكل سوا."
أخذه من يدها واضعًا إياه على الفراش، ثم عاد إليها، ملتقطًا يدها مقبلًا إياها، متمتمًا بنبرة عاشق ولهان:
"تسلم إيديك. بس متعمليش كده تاني. ممكن؟"
عقدت حاجبيها وسألته:
"معملش إيه بالظبط؟"
"متقوميش من جنبي طول ما أنا نايم. أصلي مش هفرح بالأكل قد ما هفرح بشوفتك أول ما أفتح عيوني."
شعرت بالتاثر ليجيب بمزاح قالت:
"من قلبك الكلام ده؟"
بادلها إياه وهتف:
"ده من قلبي، ومن كبدتي، ومن طحالي ومن أيدي ورجلي، وعيني وبقي و..."
قاطعته مرددة:
"بس بس خلاص. مكنش سؤال."
ضحك معها، واقترب منها معانقًا إياها للحظات، ثم حررها مغمغمًا بحب:
"قوليلي إيه اللي صحى الجميل بدري؟ عاملة إيه دلوقتي إنتي والقمر بتاعي."
هزت كتفيها وهي تجيبه:
"عادي. شفت كابوس قلقني من النوم. بس كويسة الحمد لله مفيش وجع ولا حاجة."
سألها صالح بجدية:
"خير اللهم اجعله خير. شوفتي إيه؟"
"مش مهم. واصلًا حصل معايا كده عشان لسه جوايا حتة خوف أننا نبعد معرفش ليه جيه في بالي. المهم خلينا نفطر."
قالت الأخيرة وهي تتحرك وتذهب نحو الطعام.
لم يتركها ومسك بمرفقيها، متبادلًا معها النظرات، يطمئنها ويبعد عنها تلك الفكرة:
"مش عايزك تخافي من البعد يا زينب لأن عمري ما هسمح بيه أبدًا. لا إنتي هتبعدي ولا أنا هبعد. إنتي مراتي وحبيبتي وأم عيالي. أنا ما صدقت بقينا مع بعض. وأنا مش غبي عشان أوجع نفسي تاني. أنا جربت وجع ربنا ما يكتبه على حد. وجع مكنتش قادر استحمله وكان بيموتني بالبطيء. وجع خلاني أعرف أني تخطيت مرحلة الحب معاكِ. وأي كلام أو حاجة أعملها معاكي مش هتديله قيمته وحقه. عارفة أنا اتوجعت أوي لما كنتي في المستشفى وبتوجع لما أشوفك تعبانة ولو شوية صغيرة."
ردت عليه بدون أن تبعد عينيها عنه:
"غصب عني يا صالح جوايا خوف مش عارفة أتخلص منه ولا عارفة سببه."
"لازم تتخلصي منه. لو سبتيه جواكي هيكبر. والوضع هيسوق. فكري في اللحظة والوقت اللي إنتِ عيشاه. متفكريش في بكرة ولا تحطي احتمالات هتعكر عليكي وملهاش أي داعي. عيشي اللحظة. وعيشي السعادة. فكري فينا إحنا وبس. وسيبني بكرة واللي جاي على ربنا وإن شاء الله اللي جاي كله خير وسعادة."
ابتسمت بسعادة بينما اتجهت للفراش قائلة:
"طب يالا خلينا نفطر لأن واقعة من الجوع وريحة الطعمية مجنناني."
"والله ما في حد مجنني غيرك يا زينب."
***
في فيلا باسل.
كان ينظر لها وهو يبتسم بسعادة، فالثلاث أشهر الماضية قد شعر بسعادة عارمة معها، رغم جنونها وغيرتها، إلا أنها ذبذبت مشاعر لتسقط حصونه أرضًا. من كان يظن أنه سيقع في الحب؟ وحب مين؟ تلك الفتاة. رغم أنه لم يتمم زواجهما بعد، إلا أنه أصبح يحبها هي ولا يفكر برغبته نحوها كأنثى. نعم يريدها، لكن بإرادتها هي.
تنهد براحة قبل أن ينحني يطبع قبلة على وجنتها، لينهض من جوارها ليقوم بتجهيز نفسه للعمل، تاركًا إياها تنام.
نزل الدرج بعد مدة، نظر لوالدته التي اجلس في الصالون ترتشف من فنجان قهوتها.
أبتسم بهدوء وهو يذهب نحوها قائلاً:
"صباح الخير يا ست الكل، صاحي بدري ليه؟"
ردت نيرة بسعادة قائلة:
"الصراحة الجو ده مغري أوي إني أصحى بدري. قولي إنت عامل إيه مع نور؟"
رد بابتسامة واسعة:
"مبسوط أوي أوي، هي آه متهورة ومجنونة لكن طيبة."
"ربنا يسعدك يا باسل يارب وتفرحونا بطفل قريب يارب."
غمز لها بشقاوة وقحة، فلم تتغير بعض خصاله قائلاً:
"متقلقيش عن قريب إن شاء الله. يالا أنا لازم أنزل الشغل، مع السلامة."
"الله يسلمك يا حبيبي."
***
في مكتب عمر.
جلس وأمامه "ثائر" رئيس فريقه الأمني.
عمر بجدية:
"ها يا ثائر، مراقبتك لعصمت فيها أي حاجة غريبة؟"
رد صديقه بهدوء وارتياب:
"من تلات شهور من وقت ما طلبت إننا نأمن القصر ونراقب عصمت. وهي هادية مفيش أي حاجة تخلينا نخاف. بس في حاجة كدا لفتت انتباهي."
اقترب عمر من المكتب قائلاً بهدوء:
"حاجة إيه؟"
"عصمت مخلية شخص يراقب مكان معين في إسكندرية. وشخص محدد. بعد وقت لما كثفنا المراقبة عرفنا إن الشخص اللي بتراقبه اسمه صالح الشهاوي. شاب متجوز ومن عيلة غنية ومعروفة في إسكندرية. بس اكتشفنا إن اللي بيراقب صالح مش قصده صالح نفسه."
عقد عمر ما بين حاجبيه بارتياب:
"اومال مين؟"
"لما ركزنا معه عرفنا إنه طول الوقت عند البيت ولما مراته بتنزل مع أي حد بيكون وراها. وتقريبًا عارف خط سيرها لأن بقاله أكتر من تلات شهور بيراقبها."
"اسمها إيه مراته؟ معاك صورة ليها؟"
أومأ له بالإيجاب قائلاً بتردد:
"اسمها زينب منصور. ودي صورتها."
أخذ عمر الصور لتترخى ملامحه وهو ينظر لصورة نفس الفتاة الجميلة التي رآها في منزل بيلا بالمنصورة.
شعر للحظات برجفة قوية وكان قلبه ينتفض ليسأله بسرعة:
"معاك المعلومات عن البنت دي؟"
صمت ثائر للحظات قبل أن يجيب بخوف وتردد متابعًا حركة عمر:
"البنت دي عندها دلوقتي واحد وعشرين سنة. متجوزة من يجي سنة أو عشر شهور. حامل في الشهر السابع. لما سألت عنها عرفت إنها بنت لقيطة..."
هنا شعر عمر بهدوء غريب يستمع لدقات قلبه المرتجف ليكمل ثائر بهدوء:
"من أكتر من عشرين سنة بيقولوا في واحد اسمه منصور لقى البنت دي قريب من سلة زبالة... رباها هو. مخرجتش من إسكندرية من يوم ما اتولدت..."
صمت عمر لا يعرف ماذا يقول الآن. عقله يحاول ربط الأشياء ببعضها.
ما علاقة عصمت بفتاة تشبهه؟ من عمر ابنته المتوفاة؟ ظروف نشأتها مجهولة.
ليقطع ذلك الصمت صوت ثائر المرتجف قائلاً:
"البنت دي فصيلة دمها AB سالب. فصيلة دم نادرة جدًا جدًا... زيك يا عمر!!!"
***
خرجت زينب من منزلها بعد أن ضبطت ثيابها. اليوم ذاهبة للطبيبة في موعد الفحص الطبي.
أردفت بهدوء لنفسها:
"ماما راحت مع عائشة الكلية يعني مش هتيجي معانا. وصالح كان بيقول نص ساعة ويصل. النهاردة عيد ميلاده."
ابتسمت بسعادة تنوي تحضير مفاجأة له لتهمس بهدوء:
"أنا هروح السوبر ماركت أشتري الشوكولاتة وكل الحاجات اللي هحتاجها. كويس إني اشتريت هدية عيد ميلاد. يبقى نحضر تورتايه جميلة ونحتفل سوا. أكيد هيفرح. يبقى لازم أنزل قبل ما يجي وأطلب من العامل اللي هناك يبقى يوصل الحاجة..."
غادرت المنزل بسعادة، كانت تسير في الطريق وهي تخطط لما ستفعله.
دلفت للشارع الضيق قبل أن تخرج للطريق العام. لكن قبل أن تدرك ما حدث، وضع أحدهم منديلًا على وجهها مقيدًا يديها.
كادت أن تصرخ وهي تحاول إبعاده، لكن ارتخت بالتدريج أثر تلك المادة المخدرة.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الخامس والستون 65 - بقلم دعاء احمد
الحياة عبارة عن عدة مسارات تشبه لعبة المتاهة. إن وجدت لك رفيق درب صالح سيأخذ بيدك إلى حيث الأمان، وحتى إن لم تصل للأمان ستجد من يونس وحدتك. فماذا يخطر ببالك إن وجدت عائلة بأكملها تحثك على النهوض لأجلك أنت.
بعد مرور نصف ساعة من خروج "عمر" من منزل آل "الشهاوي".
قاد سيارته إلى المنصورة وبرفقته "ثائر" الذي يجلس بجواره.
صدح رنين هاتفه معلنًا عن اتصال "عصمت" له. جزع عمر على أسنانه بغضب ليهمس بفحيح:
"حسابك تقل أوي يا عصمت الكلب. واللي عملتيه هتدفعي تمنه غالي أوي."
رد ثائر بجدية قائلاً:
"رد عليها يا عمر بدل ما تشك فيك."
نظر له ثم للطريق المظلم فقد تجاوزت العاشرة والنصف مساءً. ثم أجاب بهدوء:
"الورق جاهز."
ردت عصمت بسعادة وخبث:
"أوكي يا عمر كدا تعجبني بجد. عشرة من عشرة ونجمة. تجيلي على قصر الرشيد ولوحدك. أظن مش محتاج أقولك إن القصر فيه حرس كتير ومفيش نملة هتقدر تعدي من غير إذني. بس ياريت تنجز لأن البنت حالتها صعبة أوي وأنا زهقت. معاك ساعتين من إسكندرية للمنصورة. سلام يا رشيدي باشا."
أغلقت الهاتف مباشرة ليسبها عمر بغضب قائلاً:
"بنت ال***. اسمع اللي هيحصل..."
أومأ له بجدية وهو يستمع لحديثه.
مرت ساعة أخرى وأصبح على مشارف تلك القرية. أخذ هاتفه يجري اتصالًا بزوج ابنته الذي لم يتقبله بعد.
أما عن الجهة الأخرى.
كانت سيارة صالح قد وصلت لتلك القرية. يفكر في طريقة لدخول ذاك القصر.
إلا أن رنين هاتفه أوقفه ليقول "علي" بجدية:
"رد يا صالح."
تافف بغضب وهو يأخذ الهاتف يرد بضيق وحدة:
"في إيه؟"
كاد عمر أن يسبه إلا أنه تحكم بأعصابه قائلاً:
"أقف عند مدخل البلد. لو دخلت دلوقتي مضمنش إيه اللي هيحصل. القصر مترشق بالبلطجية. أنا ربع ساعة وأكون عندك وأظن أنت يعني مش بعيد عني. أنا عارف مداخل القصر."
لم ينتظر عمر رد صالح حتى أغلق الهاتف بوجهه قائلاً بحنق:
"أوصلها بس ومش هتشوف وشها تاني."
صف صالح سيارته بجانب الطريق. ترجل منها صافقًا الباب خلفه بغضب وخوف ينهش قلبه. وضع يديه على خصره رافعًا رأسه ينظر لتلك الغيوم في تلك الليلة حالكة الظلام.
ترجل علي من السيارة يتجه نحوه ليقول بجدية:
"مالك يا صالح؟"
"خايف. قلبي وجعني أوي. بيقولي إن في حاجة مش كويسة بتحصل. اسمعني أنا مش هفضل واقف هنا وسايب زينب أو ملك معرفش ومش مهم. مش فارق معايا الاسم. ولا هي بنت مين. أنا من أول ما شفتها واتجوزتها وهي بنت قلبي."
رد بتريث وحكمة:
"بلاش تهور واستنى لما يوصل، لو القصر فعلاً فيه حراسة كتير مش هتعرف تدخل، فبلاش تهور لأن ممكن تعرضها للخطر."
اتجه نحو سيارته مرة أخرى قائلاً:
"مش هقدر، والله العظيم قلبي ما هيطوعني أسيبها، انت ممكن تخليك هم زمنهم على وصول، لكن أنا لا."
كاد أن يغادر إلا أن "على" صعد بالسيارة قبل أن يتحرك قائلاً بجدية وجمود:
"وأنا مش هسيبك..."
ظهرت ابتسامة صغيرة على ثغره قبل أن يشغل المحرك ويتحرك بالسيارة.
لم يكن الطريق لقصر الرشيد مجهولاً، حيث كان القصر الوحيد المتواجد بالمنطقة على بعد عدة أمتار.
أوقف "صالح" السيارة على بعد مناسب حتى لا يراه أحد، أطفأ إضاءة السيارة وترجل منها بخفة وخفوت، وكذلك "على". اقتربا الاثنان من ذلك القصر بهدوء، ليهمس "على" بخفوت قائلاً:
"هندخل إزاي، القصر مترشق بالبلطجية."
صمت "صالح" للحظات وهو يتفحص المكان بعناية قائلاً بجدية:
"تعالى ورايا."
سار الاثنان برفقة بعضهما ليتجه نحو إحدى زوايا سور القصر والتي لم يكن بجوارها أي شخص، لحسن حظهما أو لسوئه.
أخرج هاتفه وبعث رسالة نصية لوالده يخبره فيها بعدد الرجال الملثمين وأماكن تواجدهم.
قام "على" بتشبيك يديه ببعضهما، بينما قام "صالح" بوضع قدمه على يدي صديقه ليستطيع قفز ذلك الجدار. قبل أن يقفز نظر حوله للحرس الموجودين في كل مكان خارج القصر. لم يتمهل لحظة قبل أن يقفز. وقع أرضاً بينما يديه تستقر على الأرض وكذلك قدميه، محافظاً على توازنه.
نظر حوله بخفوت وسرعة ليجد الأجواء هادئة، وربما لم يلاحظ أحد دخوله.
نظر ليديه وهو يقف، كانت تنزف أثر قطعة من الزجاج الذي غُرست بيديه.
رفع رأسه ليجد "على" يحاول الوصول لذلك الجدار، ليقوم صالح بدوره بإزاحة قطع الزجاج المُلقية أرضاً في تلك المنطقة حتى لا يُصاب على.
رغم فشله عدة مدة، إلا أنه استطاع في النهاية قفزه. دخل إلى القصر.
استقام وهو ينفض يديه من الغبار قائلاً بهمس:
"لازم نبعد قبل ما حد يشوفنا..."
أومأ له صالح بجدية وهو يتحرك من المكان بحرص.
في نفس التوقيت.
وصلت سيارة "عمر" إلى مدخل تلك القرية حيث قصر الرشيد. أوقف السيارة على جانب الطريق قائلاً بحدة:
"صالح... صالح..."
ضرب يديه بمقود السيارة بغضب ليقول ثائر بجدية:
"ممكن يعرف يدخل القصر يا عمر."
رد عمر بحدة وغضب:
"وممكن لا، وساعتها عصمت مش هتردد لحظة في أنها تضمه لزينب وبيلا وتلوي دراعي بيهم. أنا مش مطمن، مينفعش يتصرف من دماغه، قمة الغباء."
صمت للحظات ليهتف بهمس لنفسه:
"أو الحب."
ترجل جلال من سيارته وكذلك باسل، ينظران لعمر وثائر. صاح صوت جلال قائلاً بجدية:
"صالح وصل القصر، لازم نبلغ البوليس."
رد عمر بجدية:
"هو كلمك؟"
هز جلال رأسه بالسلب ليعطيه هاتفه قائلاً:
"بعت الرسالة دي من خمس دقايق، لازم نبلغ البوليس ونتحرك، أنا مش هسيب ولادي يضيعوا."
رد عمر بصرامة:
"ثائر، أنت هتكلم البوليس وأنا هطلع بالعربية لعصمت، وطبعاً معايا الورق. أنت عارف المدخل اللي كنا بندخل كنا زمان، من غير ما حد يشوفنا..."
أومأ له ثائر بجدية ليقول بهدوء:
"جلال بيه، لازم نطلع بعربيتك، ممكن المفتاح وأنا هسوق، أنا عارف الطريق."
أعطاه المفتاح قبل أن يتوجه لسيارته بخطوات ثابتة، رغم قلقه وخوفه على ابنه وزينب، فهي ليست زوجة ابن بالنسبة له. هي ابنة لطالما كانت جزءاً من عائلته التي عهد الله أن يحافظ عليها.
توجه عمر نحو سيارته وقلبه يرتجف من شدة الخوف على حبيبته وابنته الوحيدة.
بعد أقل من عشر دقائق.
كان عمر يركض في اتجاه القصر، ركض بأقصى سرعة إلى الداخل، مقتحماً المكان.
بعد أن قام رجال عصمت بتفتيشه وسحب سلاحه منه، لا يهم ذلك، فقط ما شغل باله هو رؤيتها سليمة هي وابنتهما، لينادي بصوت جهوري غاضب:
"عصمت... بيلا وملك مالهمش علاقة باللي بينا، اللي بينا خلينا نحله ويخرجوا من هنا."
قام الحارس بوضع السلاح بجانب عمر قائلاً بخشونة:
"اتحرك قدامي يا عمر بيه بهدوء كدا وارفع إيديك لفوق."
صك عمر على أسنانه بغضب لكن امتثل لما قال، ليرفع ذراعيه ويتجه معه نحو المخزن.
في نفس التوقيت كان صالح يراقب الوضع ويقف في إحدى زوايا الغرفة الكبيرة، فأخذ نفساً عميقاً وهو يمسك بسلاحه بين يديه. اتجه خلفهم بهدوء.
في البدروم.
كانت عصمت تجلس على أحد الكراسي بعجرفة وأمامها بيلا تحتضن زينب. ابتسمت عصمت بشماتة قائلة:
"عارفة يا بيلا، من أول يوم شفتك فيه في قصر الرشيد وأنا كنت متأكدة إني هشوفك تاني. من أول ما ضربتني بالقلم، بس عمري ما كنت أتخيل إنك إنت وعمر تتجوزوا. أنا كنت بحب عمر بجد والله العظيم يا بيلا، بس هو اختارك إنت."
كانت تلك الجملة تزامناً مع ولوج "عمر" إلى الداخل تحت التهديد.
ما إن دلف إلى المكان حتى ركض نحوها بسرعة، جلس على ركبتيه جاذباً إياها يحتضنها بقوة قائلاً بارتجاف:
"إنت كويسة؟ عملتلك حاجة؟"
عضت بيلا على شفتيها في حين ترقرق الدموع في عينيها، تنظر لزينب بدموع وهي تحتضنها بقوة وخوف.
ابتلع عمر ما بحلقه وهو ينظر لابنته الشاحب وجهها بشدة وعينيها شبه مفتوحة.
رفع يديه يمرر أنامله بحنان على وجنتها، ارتجف قلبه بشدة في تلك اللحظة، بينما ابتسمت "زينب" بإرهاق قائلة بتعب:
"تعرف أنا طول عمري كنت أتمنى اللحظة دي، بس عمري ما كنت أتخيل إنها هتكون بالشكل ده، بس إنت طلعت وسيم جداً عن ما كنت بحلم بيك، إنت أبويا..."
ترقرق الدموع في عينيه محاصر وجهها بين يديه بحنان، مقبلاً رأسها وعينيها:
"أنا والله العظيم آسف يا ملك، ورب محمد لو كنت أعرف إنك عايشة، كنت قلبت الدنيا لحد ما لقيتك وضمتك تاني لحضني. أنا لو حبيت بيلا ذرة، فكنت محوشاك إنت كل الحب اللي في قلبي. عارفة أنا كنت بحلم بيكي كل يوم. بصي أنا بحبك، يشهد ربنا إني حبيتك أوي يا ملك. لسه فاكر أول مرة شفتك بعد ما اتولدتي. بلاش تسبيني، وأغلى ما عندك استحملي وبلاش تسبيني. مش عايز أموت تاني."
هبطت دموعه بقهر وهو يستند بجبينه على جبينها، بينما انسابت دموعها بحزن وهي تمسك بكف يديه الكبير.
في تلك الأنحاء.
استقامت عصمت بكره وغضب من ذلك المشهد الملئ بالعواطف والمشاعر التي تبغضها، قائلة بجمود وهي تأخذ سلاحاً من الحارس، موجهة إياه بقوة وشراسة نحو عمر، قائلة:
"طول عمري بكرهك يا عمر، هات الورق وإلا اقري الفاتحة على روح القمورة."
اكفهر وجهه بغضب وشراسة وهو يقف أمامها وفوهة المسدس موجهة على صدره، بينما أخذ يقترب بتروٍ و كره قائلاً:
"كنت عارف إنك أفعى، بس عمري ما تخيلت إنك تلدغيني أنا يا عصمت. أنا آذيتك في إيه عشان تحرميني من بنتي؟ آذيتك في إيه عشان تسرقي قسيمة جوازي من بيلا وتسلميها لأبوها؟ فكرك معرفتش إنك اللي عملتي كدا."
أمسك بذلك السلاح ليضعه على صدره، مثبتاً إياه وهو يهمس بجوار أذنها:
"عملتي كل دا ليه يا عصمت؟ وإلا الفلوس عمياك؟ عميتك عن طفلة مالهاش ذنب ترميها في الشارع وهي بنت أيام. انطقي أنا آذيتك في إيه؟ منك لله يا عصمت منك لله، كنت بعتبرك زي صفا. ذنبها إيه بيلا تعيش كل العذاب دا بسبب ذنبها إيه؟"
صرخت عصمت بوجهه بجنون قائلة:
"أخدت كل حاجة ليه؟ ليه هي تاخد كل حاجة؟ ليه تلقى الحب والأطفال والأهل والسعادة يا عمر، وأنا أفضل لوحدي؟ أنا حبيتك بجد، بس هي فجأة ظهرت في حياتنا، فجأة دخلت حياتك وشقلبتها وخليتك زي المراهق الأهبل اللي بيحب لأول مرة. أول ما عرفت إنكم اتجوزتوا في السر. اتجننت، إزاي تعمل كدا؟ إزاي تخاطر بسمعتك عشانها؟ إزاي؟"
كانت تتحدث بحقد وجنون، في حين وجهت سلاحها نحو بيلا. كاد عمر أن يتدخل إلا أن الحارس قيده بقوة وهو يضع مسدساً على رأسه ويديه تعانق رقبة عمر بقوة وعنف.
بينما تابعت عصمت بغضب وخبث:
"وقتها استنيت لحد ما عرفت أسرق منك قسيمة جوازكم وخلّيت حد يبعتها لأبوكي يا بيلا، وفي نفس الوقت بعد الولادة خليت حد يخطف القمر دي وأبدلها ببنت تانية أهلها بايعنها. فكرت إني لازم أحرق قلبك وقلبه. وأخدت البنت رميتها في الشارع، كنت أتمنى أشوف كلاب السكك وهي بتنهش فيها وبتاكل لحمها. كان عندي نشوة غريبة إني أشوفها هي كمان بتعيط. قمت رميها في الزبالة، المكان اللي تستحقه. بس أنا كان قصدي أحرمكم من بنتكم. لكن ما كنتش أعرف إن بابا هو كمان طمعان في إنه يكون المالك لكل أملاك الرشيد اللي إنت كنت بتديرها يا عمر. وقتها دبر لك الحادثة وضيع فرامل العربية وإنت كنت هتموت، لكن دخلت في الغيبوبة وفقت. معرفش يعمل إيه وكان خايف تكشفه إنه هو اللي عايز يقتلك. لكن إنت معرفتش، لأن لما فوقت من الغيبوبة كان كل همك بيلا واللي حصلها. نسيت أقولكم حاجة كمان، بيلا أنا رشيت الممرض في المصحة بتاعتك عشان يديك حبوب الهلاوس اللي خلتك غير متزنة والكوابيس اللي بتجيلك وإنتي صاحية كانت بسبب الأدوية دي. أنا بكرهك يا بيلا، بكرهك وهفضل عايشة طول عمري أكرهك إنت وبنتك. عارفة أنا كنت لما أحب أستمتع كنت آجي المصحة أشوفك وهما بيدوكي جلسات الكهرباء وإنت بتعيطي وبتصرخي. كانت بتطفي ناري."
انهارت بيلا وصرخت بوجه عصمت قائلة ببكاء هستيري:
"إنتي مجنونة يا عصمت، مجنونة! منك لله، منك لله. ربنا ينتقم منك، ربنا ينتقم منك."
ضحكت عصمت بجنون وهي تمسك أوراق الملكية بين يديها قائلة بسعادة:
"مش مهم يا بيلا، المهم إني أخدت فلوسي. فلوسي أنا، كل فلوس الرشيد، أخيرًا بقيت ملكي. دلوقتي تفيدة هانم لازم تبقى فخورة ببنتها، وأخيرًا نفذت أمنيتها وبقيت مالكة لكل أسهم الشركات."
في ذلك الوقت كان جلال وباسل وثائر وعلي يتعاملون مع الحرس بالخارج، حيث يسددون لهم اللكمات وأيضاً يتم ضربهم.
في حين تسلل صالح بهدوء إلى ذلك المكان. كانت عصمت تكشف عن وجهها الحقيقي، حيث تلك الأفعى.
كانت تضحك بهستيرية وجنون، لكن في لحظة كان صالح يعانق رقبتها بذراعه بقوة وهو يضع السلاح على رأسها قائلاً بحدة وعدم فهم لبعض الأمور، هامساً بفحيح أفعى:
"الشر عمره ما بيولد غير شر. نزلي سلاحك وإلا وحياة أغلى ما عندي لأفرغ المسدس دا في دماغك، إنت فاهمة."
ابتلعت عصمت ما بحلقها بارتجاف قائلة:
"إنت مين؟ لو تبع عمر فأنا ممكن أديك أكتر بكتير من اللي هو ممكن يدهولك، بس خليك في صفي."
ضغط بعنف على عنقها قائلاً:
"نزلي السلاح وقولي لرجالتك ينزلوا السلاح وإلا اتشهد على روحك."
تركت مسدسها من يديها بسرعة ليسقط أرضاً، بينما أشارت للحارس بأن يترك عمر.
ما إن فلته منه حتى صاح صوت صالح بحدة:
"خد زينب واخرج من هنا..."
نظر له عمر بارتياب بينما كان صالح يبتعد للخلف ويداه على الزناد. عيناه مليئة بالغضب ومسلطة على زينب وجسدها الهزيل وثيابها الملوثة بآثار الغبار والدم ووجهها الشاحب.
اتجه نحو بيلا مساعداً إياها في الوقوف. انحنى يحمل زينب بين ذراعيه في حين يتابع صالح حركات الحارس.
استمع الجميع لصفارة إنذار البوليس في الخارج، فكان الجو أشبه بحالة من الهرج والمرج.
خرج عمر من ذلك المكان وهو يحمل ابنته الفاقدة للوعي، وبجواره بيلا تشاهد ما يحدث ومشاجرة الجميع معاً.
بينما يدلف للمكان رجال الشرطة وخروج صالح من ذلك البدروم ومازال على نفس الوضع.
ترك عصمت بعنف بعد أن وقف أمامه ضابط شرطة ليقول بعنف:
"اتفضل. أول مرة الشرطة تيجي قبل المصيبة."
نظر صالح لجلال الذي ينزف في فمه أثر مشاجرته مع أحد الرجال، بينما يمسح فمه من أثر الدماء، وكذلك باسل وثائر.
جن جنون عصمت وأخذت تضحك بهسترية:
"فلوسي أنا. أخدت كل حاجة. أنا المالكة لكل أسهم الرشيد. أنا عصمت الرشيد رقم واحد. خالص كله بقى بتاعي. كل حاجة بقيت ملكي أنا."
نظر عمر نحوها قائلاً بكره في حين أخذ صالح زينب من بين ذراعيه:
"غبية يا عصمت غبية. لا الحب بيشتري ولا الفلوس تبني علاقة حقيقية."
خرج صالح إلى بهو القصر فوجد سيارة الإسعاف. صعد بها ليضع زينب بها حيث قام الممرض بعمل الإسعاف لكن جسدها لم يستجب.
بأقصى سرعة كان السائق يقود تلك السيارة في طريقها للمشفى، بينما جلست بيلا بجانب زينب في السيارة قائلة ببكاء هستيري:
"لا بالله عليك يا زينب. أوعي تسبيني. أنا خسرتك مرة واتعذبت طول حياتي من غير ذنب. ومش هقدر أخسرك تاني يا زينب. قومي فاهمة. أنا مينفعش أخسرك مرتين."
لم يستطع صالح التحدث بينما ترقرق الدموع بمقلتيه وقلبه يتمزق وهو يراها كذلك. بأي ذنب يحدث لها كل ذلك.
أمسك يديها بقوة وهو يردد بعض الآيات القرآنية.
بعد مرور نصف ساعة.
وصلت سيارة الإسعاف إلى المشفى وتم نقل زينب لإحدى غرف العناية المركزة.
كان يقف أمام الغرفة صالح وعمر وجلال وباسل. علي وثائر وبيلا.
خرجت الطبيبة على عجل قائلة:
"المريضة بدأت تفوق بس للأسف لازم تدخل عمليات حالا. لازم يحصل ولادة مبكرة. في خطورة كبيرة على الرحم وممكن ينفجر لأنها حامل في تلات توأم. هنحفز عملية الولادة. لو اتأخر نا هيكون في خطورة عليها لأنها نزفت لمدة طويلة. لازم اللي مسئول عنها يمضي على الإقرار ده."
رد عمر وصالح في نفس الوقت:
"مش مهم الجنين."
صمت عمر ليكمل صالح برجاء:
"دكتورة لو في خطورة على زينب مش مهم الحمل يكمل بس هي تكون بخير. أرجوك."
ربتت الطبيبة على كتفه قائلة باهتمام:
"المهم في نص السابع يعني ممكن الولادة تتم على خير. للأسف مينفعش دلوقتي نخاطر بيهم. إن شاء الله هتقوم بالسلامة بس لازم إمضتك هنا ولازم متبرع بنفس فصيلة دمها."
لم يتمهل لحظة وهو يمضي على تلك الأوراق بينما تحدث عمر بلهفة:
"أنا أبوها ونفس فصيلة الدم."
تنهدت الطبيبة بارتياح من تواجد نفس فصيلة الدم قائلة:
"تمام ياريت تتفضل معنا لو سمحت."
لتبدأ بمباشرة عملها. تم نقل زينب لغرفة العمليات وأخذ عمر لإحدى الغرف ليأخذ منه عينة من دمه.
خلف ذلك الباب جلست بيلا أرضاً تضم جسدها بيديها وهي تبكي برعب قائلة بارتجاف:
"يارب أنا خايفة. مش عايزة أخسرها تاني. أنا تعبت أوي وأنت شاهد. بلاش توجعني تاني يارب. أنا راضية بكل الوجع اللي فات لكن مش هتحمل وجع تاني يارب."
جلس عمر بجوارها محتضناً إياها بضعف لأول مرة ولم يتحدث بكلمة واحدة. حتى أنه لا يعرف كيف يواسي قلبه المتمزق كلما تذكر حالتها.
استمعوا لصوت صراخها وبكائها الحاد. لم يستطع صالح الوقوف أكثر من ذلك، لا يغادر المكان متجهاً نحو مسجد المشفى الصغير. توضأ وبدأ يصلي. دلف جلال إلى المكان ينظر لصالح الذي يبكي وهو يسجد لله ليهمس لنفسه:
"يارب أنت عالم بينا كلنا. بلاش توجعنا عليها."
بعد أكثر من ثلاث ساعات مع أذان الفجر.
خرجت الطبيبة من الغرفة بإرهاق بينما نهض الجميع نحوها بلهفة. أخفضت رأسها بانكسار وحزن قائلة:
"الحمدلله العملية تمت على خير والأطفال هيتنقلوا الحضانة لكن..."
أمسكت بيلا بيدي الطبيبة برجاء قائلة:
"بنتي حصلها إيه؟"
أخفضت رأسها قائلة:
"للأسف حالتها مش مطمئنة. حالياً هتتنقل العناية المركزة. الحالة أشبه بغيبوبة. أنا آسفة بس هي حالتها كانت صعبة أوي."
صمت الجميع. لكن لم تستطع بيلا الصمود لتقع مغشية عليها. حملها عمر لتقول الطبيبة بسرعة:
"خلينا ناخدها لأوضة أكيد الضغط واطي."
بينما كان صالح يقف مكانه في ذهول ومازال ينظر غير زجاج غرفة العمليات إلى أن خرجت الممرضة قائلة:
"الأطفال في الحضانة لو حابب تشوفهم."
لم يجيبها أو يتحدث بكلمة واحدة ليقول جلال بهدوء وخوف:
"صالح أنت سمعتنا؟" تنهد بحزن قائلاً:
"أنا جدهم. ممكن تاخديني أشوفهم."
أومأت له الممرضة قائلة بجدية:
"طبعاً اتفضل معايا."
***
في نفس الوقت.
ركضت حياء لداخل المشفى بسرعة بعد أن علمت من جلال في الهاتف بخطورة حالة زينب. فلم تستطع الانتظار إلى الصباح. فجاءت بالقطار إلى المنصورة.
صعدت الدرج بسرعة وخوف إلى أن وصلت للدور الثالث لتجدهم يقفون أمام إحدى الغرف.
ركضت نحو جلال قائلة بفزع ودموع:
"حصل إيه يا جلال؟ زينب مالها؟ طمني أرجوك."
أخفض رأسه بحزن قائلاً بتنهيدة:
"إن شاء الله خير. رب الخير لا يأتي إلا بالخير يا حياء. زينب محتاجة دعواتنا دلوقتي. هي بين إيدين ربنا."
هبطت دموعها دون إدراك قائلة:
"هي أكيد هتبقى كويسة. هي طول عمرها ما آذتش حد. إن شاء الله هتكون بخير يا جلال."
أومأ لها قبل أن يحتضنها وربت على ظهرها قائلاً:
"رب الخير لا يأتي إلا بالخير."
***
في صباح اليوم التالي.
وضع عمر يديه على مقبض الباب بعد أن أصر على الطبيبة أن يدلف لغرفتها فوافقت بسبب إصراره. بدأت دموعه بالهطول. كلما تذكر أنه عاش حياته تاركاً ابنته الوحيدة فريسة للمجتمع وظلمه لها. يشعر بفاجعة خطئه. يتمنى لو يعود به الزمان يحتضنها ينتشل فلذة كبده منهم. تمناها وبشدة.
آه من ذلك الألم يكاد يفتك بروحه. أقسم أن شعر بقبضة تعتصر قلبه ليرتجف. وضع يديه موضع قلبه وشهقاته تتعالى.
أغلق الباب خلفه بقوة. فقط يريد أن يحظى ببعض الوقت برفقتها دون أن يقطعهما شخص.
نظر لها تنام بهدوء وهذه الأسلاك موصلة بجسدها تبقيها على قيد الحياة.
كان يقترب بخطوات ثقيلة. شعر للحظات بأن جسده شُل عن الحركة.
جلس على ذلك الكرسي بجوار فراشها. كان يبكي بعنف قائلاً:
"أنت مش هتسبينا تاني صح؟ كفاية مرة واحدة أمك لحد دلوقتي مفقتش. طب لما تفوق أنا هقولها إيه يا ملك؟ هقولها إني معرفتش أحافظ عليك. قومي علشان خاطري. عارفة يا ملك وإنتي صغيرة أنا سمعت نبض قلبك لأول مرة. كنت خايف أوي ومرعوب بس اطمنت لما سمعت نبضاتك. كنت بشتري هدوم للولاد والبنات ولعب كتير أوي. كلن في حياة تانية مخطط ليها وكان نفسي تعيشها سوا. بس أمر الله. بالله ما أنا سايب عصمت إلا لما تصرخ بدل الدموع دم. لا يمكن يكون مصيرها السجن. دي عايزة الحرق بجاز."
***
بعد مرور يومان على كل تلك الأحداث.
لم تفق زينب من تلك الغيبوبة.
صالح لم يرَ أطفاله لمرة واحدة.
تم نقلها لمشفى خاص بالقاهرة.
بيلا وحياء بجوارها طوال الوقت.
يوسف وإيمان جددا موعد لعودتهما مصر مرة أخرى بعد معرفتهما بما حدث.
في منزل آل "العلايلي".
دلف باسل إلى المنزل بجسد مرهق في وقت متأخر من الليل. في الفترة الأخيرة أرهق جسده وعقله في العمل.
صعد الدرج وهو يحمل سترته على ذراعه يمشي بخطوات ثقال هادئة.
قام بنزع رابطة العنق بضيق قبل أن يضع يديه على مقبض الباب يفتح غرفته. أضاء الأنوار. ألقى سترته على الأريكة ثم جلس على أحد الكراسي انحنى يخلع حذائه. وعيناه تبحث عنها باشتياق لكن لم تكن بالغرفة.
تفقد الحمام لكن لم يجدها أيضاً. كاد أن يخرج من الغرفة ليبحث عنها لكنه ابتسم وهو يراها تدلف للغرفة تحمل بين يديها صينية موضوع عليها عدة أصناف من الطعام.
كانت جميلة بحق ما رأى من جمال. كان يجتمع سحرها بعينيها البنية الهادئة. وابتسامتها التي تزين ثغرها.
فتاة عادية ليست ملكة جمال لكن بقلبه ليست عادية.
فاق من شروده على حركة يديها أمام وجهه قائلة بجدية:
"بااسل..."
"انت يا ابني"
هز رأسه بيأس قائلا:
"ابنك يا شيخة روحي منك لله"
تاففت بحنق قبل أن تجلس أرضا متربعة تنظر بجوع لتلك الصينية قائلة بابتسامة وهي ترفع رأسها نحوه بينما يقف بشموخ.
يضع يديه على خصره لتقول بمشاكسة:
"باسل انت فرحان بطولك، اقعد يا بابا وبطل فتحة صدر دي علشان بتخطف قلبي اقسم بالله"
ضحك بخفة قبل أن يجلس متربعا هو أيضا قائلا بغمزة شقية:
"طب ما انت رومانسي اهو يا شبح"
تورّدت وجنتاها بخجل وسعادة قائلة:
"طب ممكن تبطل وياله سمي الله وكل"
سألها وهو يمسك المعلقة قائلا:
"الوقت اتأخر ليه ما أكلتيش انت"
ردت بعفوية وبساطة:
"كنت مستنياك مش انت المفروض عيلتي، أنا بقى بحب آكل مع عيلتي، آه وخلي في علمك مفيش أكل برا البيت"
أومأ برأسه بسعادة كأنه طفل كل يوم يفتقد أمه في فترة المدرسة وحينما يعود لمنزله يجدها بحنانها وابتسامتها لتروي قلبه بالحب. ربما هي حتى لا تدرك ذلك لكنها سقت قلبه المتعطش للحياة والحب.
افتقدهما في أسرته لسنوات. كان عليه التظاهر بأنه بخير وسعيد، لكن ما الحقيقة؟ الحقيقة أنه لم يكن بخير أبدا. فقط ربما أنه تعافى بوجودها.
بعد مرور خمس دقائق.
سألها بجدية وهو يتناول الطعام بتلذذ:
"الأكل حلو قوي، مين اللي عمله؟ الخدم أكلهم بيسد النفس غريبة يعني"
رفعت عينيها تنظر له باشمئزاز وسخرية قائلة بحنق:
"خدم مين دول بيشتغلوا تقضية أوامر يا با.
والله لو أنا مش شايفك بتتعب في الشغل كنت قلت إنها فلوس حرام، يا ابني الأكل علشان يطلع حلو لازم يتعمل بحب"
ثم تابعت بفخر:
"دا أنا اللي عملته يا باسل بيه"
مال عليها بابتسامة ماكرة وهو يغمز له قائلا بنبرة لعوبة:
"رجولة يا شبحي"
لا تعرف كيف فلتت منها تلك الضحكة المرحة والتي صدحت بالأرجاء معلنة عن قلب وقع بالحب حديثا. كيف بات القلب يهوي كلماتك أيها اللعوب؟
ضحك معها لتجده يفتح كفه لتقوم بضرب كفها بكفه قائلة بنبرة سعيدة مقلدة إياه بمرح:
"رجولة يا شبحي"
لم يتمالك وهو يقترب منه يحوّط وجهها بيديه مقبلاً وجنتها بقوة قائلا بهمس وهو يغمض عينيه ويستند برأسه على جبينها:
"شكرا يا نور، حقيقي شكرا. ممكن أطلب منك طلب وتنفيذيه"
ابتعد قليلا لتنظر له بشك وارتياب قائلة بخوف:
"قول الأول الطلب، لو بأيدي هنفذه لو لا مش هقدر أوعدك"
ابتسم بجدية، ربما كان يتوقع ردها ذلك بعد معرفته بها قائلا بهدوء وألم وهو يقف مرة أخرى ينظر للاشيء متجاهلا إياها:
"نور، أنت لما وافقتي تتجوزيني كنتي مجبرة بسبب طريقتي وازعاجي ليك دايما كل شوية. بس أنا خايف. دلوقتي مش هقدر أخبي عليك، أنا فعلا خايف أوي"
استقامت نور بحزن لتقف بجواره قائلة برهبة:
"ليه؟"
زفر بحرارة وهدوء قائلا بندم:
"لو حابة تطلبي الطلاق وتبعدي أنا موافق أديكي حريتك"
ابتعدت عنه عدة خطوات للوراء قائلة بابتسامة كبرياء:
"باسل زيدان أحمد العلايلي، حضرة وكيل النيابة سابقا.
تسمحلي أمارس وظيفتك السابقة وأسألك سؤال وترد بصراحة. أنت عرفني مش عاطفية أوي لكني عملية. سؤال هسأله ومحتاجة الرد بموضوعية بعيد عن العاطفة خالص. ممكن؟ وعلى فكرة أنا مش محتاجة الرد دلوقتي. اعتبره سؤال بسأله لنفسك والإجابة برضو لنفسك. ممكن؟"
أومأ لها بالموافقة لتضع يديها بجيب بنطالها القطني قائلة:
"انت عايز توصل لإيه في الحياة؟ ياترى هتفضل تلف في دوائر مقفولة لوحدك؟
شوف يا باسل أنا هقولك الحقيقة، أنا بحترمك. عارف ليه؟ لأنك قادر تواجه نفسك بخوفك والحاجات اللي مزعلاك. والحاجات اللي ضايقتك طول السنين اللي فاتت.
ودا في حد ذاته شجاعة منك... باسل أنا هفضل أدعمك للنهاية. فكرة إنك تعرف إنك محتاج دكتور نفسي وتروحله برجليك علشان تحاول تتغير وتدي اللي حواليك شوية من اهتمامك دا يخليني أشيلك فوق راسي يا ابن الحلال. إحنا مش فيلم ولا مسرحية يا باسل. انت في زيك كتير بس عارف بيقدروا يتغلبوا على نفسهم زي ما انت بتحاول وأنا معاك يا ابن العلايلي.
هتقولي ليه؟ هقولك على الله حكايتك وحكايتي... فكر في سؤالي وأنا هنزل أعمل كوبايتين شاي بنعناع. أوع تنام يا شبح"
ابتسم وهو يراها تحمل تلك الصينية وتغادر الغرفة. هي حقا ليست فتاة عاطفية لكنها تعرف كيف تواسي قلبه المرتعب من فكرة البعد، لذلك اقترحها عليه.
دلف إلى الحمام وهو يفكر في ذلك السؤال.
ماذا يريد؟
خرج بعد دقائق وكان قد توضأ.
رغم أنه لم يكن ينتظم في صلاته من قبل، حتى أنه أحيانا كان يحتسي الخمر إلا أنه شعر بفجوة.
قلبي خاوي.
حاول مؤخرًا اكتشاف نفسه.
الله لم يخلقه لأجل حياة فارغة، كل ما بها هو العمل، لا العلاقات، لا الحب، فقط.
الله خلقنا للعبادة، عبادته ستجعلنا نصل لمراحل السلام الداخلي، وهذا ما يفتقده.
لو كان عمر قلبه بالإيمان لكان الآن تجاوز أزمته مع عائلته. لعاش تلك السنوات راضيًا بقضاء الله وقدره.
تردد للحظات. أغمض جفونه بإرهاق من الحياة. أخذ نفسًا عميقًا ببطء وهدوء. فتح عينيه مرة أخرى لتظهر عسليتاه اللمعة بضراوة.
تلتمع بدموع خوف من نفسه، رعب كلما تذكر أنه إنسان من طين مصيره الفناء. لكن هل يفنى العمر دون أي شيء يذكر؟ دون سيرة طيبة أو أعمال صالحة؟
تنهد قبل أن يبدأ بأداء فرضه، وقد نسي أي شيء يشغله.
دَلفت نورهان إلى الغرفة وهي تحمل صينية موضوع عليها كأسين من الشاي وكوب صغير يحتوي على أعواد النعناع.
ابتسمت بخفة وهي تضع حجابًا على شعرها البني وتَدلف لشرفة غرفتهما.
مرت عدة دقائق.
أنهى فيهم أداء فرضه. نظر لها، تستند برأسها على يديها تنظر لسحر المكان وتلك النجوم المضيئة في السماء معطية للجو نعومة خاصة، ونغمة رنانة.
نور بهدوء:
"يالا علشان الشاي هيبرد."
جلس على الكرسي المجاور لها ثم مد ساقيه للأمام بحركة طفولية، بينما أخذ كوب الشاي يرتشف منه قائلًا:
"مش بحب الشاي، بحب القهوة."
زَمَّت نورهان شفتيها قائلة بجزع:
"بتكون مرة أوي... بس بحبها بلبن. تعرف قبل ما نتجوز كنت أنا وزينب لما نحب نفك عن نفسنا ولسه قبضين مرتبنا، كنا نروح لأي مطعم وكل مرة على حسب الأكلة اللي نفسنا ناكلها. ولما نحب نعمل نفسنا أغنيا أوي، كنا نجرب حاجة من بتوع الأغنيا بس كنا نشتريها من المطعم ونروح عند كوبري ستانلي ونقعد ناكل سوا. تعرف زينب لما كنت أبقى مفلسة كانت تسيب لي فلوس. رغم أي حاجة يا باسل ورغم أنها كانت بتحوش علشان عملية عم منصور، إلا أنها كانت دايما فاكراني. أنا ملقتش غيرها حد يهون عليا أيامي غيرها. بس هي دلوقتي فين؟ بين الحياة والموت. حتى أطفالها مشفتهمش يا باسل."
أخفضت رأسها وهي تخبئ وجهها بين يديها تبكي بحزن على أختها وصديقتها الوحيدة، وقلبها ينفطر كلما تذكرت حال زينب وجسدها الموصل بعدة أجهزة تبقيها على قيد الحياة.
ترك كوب الشاي جانبًا. استقام يقف بجوارها محتضنًا إياها وهي تجلس على ذلك الكرسي قائلًا بحزن (لا يعلم متى أصبح يتأثر بحال من حوله):
"ادعي لها يا نور، وإن شاء الله تقوم بالسلامة لأولادها وأبوها وأمها وجوزها. ادعي لها."
مسحت دموعها بخفة قائلة بخفوت:
"يارب لأجل الأولاد اللي مشافوش الدنيا لسه."
جلس باسل على ركبتيه أمامها قائلًا:
"إن شاء الله هتقوم بالسلامة، بس لازم تكوني واثقة في ربنا."
نظرت له مطولًا ثم تنهدت بخفة قائلة:
"يارب يا باسل يارب."
***
في صباح اليوم التالي.
استيقظت حبيبة بكسل وتثاقل. فتحت جفونها ليزين ثغرها ابتسامة صغيرة وهي تنظر له ينام بجوارها. اعتدلت وهي تلملم شعرها الأسود في كعكة فوضوية لتنهض من فوق الفراش. أخذت ثيابها ثم توجهت للحمام.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا.
كان علي يقف أمام المرآة يهندم قميصه الكحلي. ليشمر أكمامه ليبدو في غاية الأناقة والوسامة. أخذ يمشط شعره.
بينما تجلس حبيبة على الفراش بتوتر وهي تمسك بين يديها قلم رصاص وكتاب ضخم في أحد فروع القانون. تقرأ فيه بهدوء حتى تستوعب ما تقرأه. استدار علي ليجدها تضع كامل تركيزها بذلك الكتاب، ابتسم قائلًا بجدية:
"بيبة بقولك زرار القميص وقع."
تركت الكتاب لتنظر له قائلة بجدية:
"طب ثواني هجيب إبرة وخيط..."
أخذت أدوات الحياكة من درج الكومودينو بينما جلس هو على طرف الفراش. وقفت أمامه وهي تردد تلك الجمل التي حفظتها بجدية، ليسألها بحنان وهو يبعد خصلاتها على وجهها بحنان قائلًا:
"متوترة من الامتحان الجاي؟"
أتنهدت بحزن وما زالت تنظر لقميصه بينما تقوم بحياكة الزرار قائلة بارتجاف:
"علي أنا خايفة أوي. القانون الجنائي صعب أوي وفاضل أسبوع على الامتحان. خايفة أشيل المادة دي. أنت عارف أنا بحب الكلية دي قد إيه بس حقيقي المادة دي صعبة أوي. عارف إيه اللي بيعصب في البلد دي؟ إن الناس فاكرين إن مدام كلية زي حقوق أو تجارة أو آداب مدام في المرحلة التانية أو التالتة في التنسيق يبقى مواد تافهة، بس حقيقي أنا خايفة أوي يا علي."
ابتسم علي مربتًا على ظهرها بحنان قبل أن يطبع قبلة حانية على قمة رأسها قائلًا:
"إن شاء الله هتجيبي امتياز كمان. بس بصي النهاردة الساعة واحدة ونص ابقى عدي عليا في المصنع ممكن؟"
أومأت له حبيبة بالموافقة تسأل مستفسرة:
"طبعًا ممكن بس اشمعنى؟"
هز كتفه بلا مبالاة قائلًا بهدوء:
"بتوحشيني. على فكرة أنا لقيت شقة كويسة لينا. أنا عارف إن من أول جوازنا كان لازم أجيب لك شقة غير دي بس والله الظروف..."
كاد أن يكمل جملته إلا أن منعته من الاسترسال قائلة بعتاب:
"علي أنا ممكن أطلب منك طلب لو سمحت؟ ممكن تنسى موضوع الشقة التانية دي؟ أولًا الشقة دي جديدة والعفش كله اتغير لما جيت اتقدمت لي. ثانيًا أنت مش هتسيب والدتك لوحدها دي ملهاش غيرك يا علي واختك سلمي مش بتيجي إلا فين وفين، معقول هتسيبها لوحدها؟ لا طبعًا."
حاوط خصرها قائلًا بجدية ولبااقة:
"بس أنت كمان يا بيبة زي أي واحدة نفسها يكون ليها بيت لوحدها. أنا على فكرة مكنتش هبعد عن أمي لأن معنديش غيرها، أنا بس هشتري الشقة اللي في الدور الرابع علشان يبقى ليك خصوصيتك حتى لو هنفضل طول النهار هنا، بس أكيد بيجي وقت عليك بتبقى عايزة تحسي إن ده بيتك لوحدك."
تنهدت حبيبة برضا وحب قائلة:
"علي أنا كنت عايشة لوحدي في بيت فخم وكبير، بس يشهد ربنا إنه كان جحيم. أنا معاك هكون راضية بأي حاجة يا ابن الجلال. وشوف يا علي ماما هدى مش مجرد حمى، لا والله العظيم كفاية إنها بتعاملني زي بنتها. بلاش يا علي نبعد عنها. مش هيرضيني حتى لو في نفس العمارة وبعدين خلينا معاها نونسها. يالا خلينا نطلع نفطر. وبعدين إحنا دلوقتي حياتنا الحمد لله كويسة جدًا والفُلوس اللي معاك خليها في البنك يمكن ييجي وقت تحتاجها. ولو عايز تشتري الشقة أنت حر برضه، لكن أنا مش هسيب البيت ده. يالا بقى علشان ورايا مذاكرة كتير."
ابتسم مقبلًا أعلى رأسها قائلًا بحب:
"يالا يا بيبة."
بعد عدة ساعات.
وصلت حبيبة إلى مصنع الأقمشة الخاص بزوجها. ترجلت من التاكسي وقامت بمحاسبة السائق قبل أن تتجه نحو البوابة ليقابلها أحد الخفر قائلًا بلباقة:
"أهلًا يا مدام حبيبة نورتي المصنع."
ابتسمت بود قائلة:
"إزيك يا عم سعد."
"بخير الحمد لله."
ابتسمت وهي تدلف للداخل برفقة ذلك العجوز متوجهة نحو مكتب علي.
لكن وجدت أنه فارغ ولا يوجد به أي شخص.
سألته حبيبة بجدية قائلة:
"أومال هو علي فين يا عم سعد؟"
رد بهدوء قائلًا:
"باشمهندس علي تحت مع العمال، بيباشر الشغل وبيشوف المكن هو والخبير."
أومأت له ببساطة ولم ترفع عينيها حتى هو لم يطل النظر إليها، كان يحدثها بتهذيب وعيناه كانت تسترق النظر إليها بين الحين والآخر لمجرد ثانية ويغض بصره عنها بحرج...
سألها بجدية قائلًا:
"تحبي تشربي إيه؟"
تنحنت حبيبة بهدوء قائلة:
"ولا حاجة شكرًا. هو علي هيتأخر تحت؟"
رد سعد بجدية:
"والله مش عارف يا بنتي هو لازم كل يوم يلف على المصنع والمكن. البنات اللي شغالة تحت لسه جداد ومعندهمش خبرة أوي في الشغل فلازم يبقا معاهم عشان المكن ما يبوظش لحد ما يتعودوا على الشغل بتاعنا. لأن المكن الجديد سمعنا إنه غالي شوية علشان كدا بينزل يتابع كل حاجة بنفسه. ربنا يرزقه."
رفعت حبيبة رأسها بهدوء قائلة:
"طب أنا هنزله، لأن كدا شكله هيتأخر تحت وعايزة أشوفه ضروري."
رد سعد بلباقة وجدية:
"تمام، اتفضلي معايا."
نزلت حبيبة للصالة الكبيرة حيث المصنع والمكينات والعمال، منهم الرجال والسيدات، وأكثرهم فتيات.
أشار لها عم سعد على "علي" الذي كان يقف عند إحدى المكينات بجوار امرأة جميلة، يريها كيف تعمل على المكينة.
طريقته كانت غاية في اللطف والمرح، حيث كان يضحك ويمزح معها، والفتاة كانت تبتسم بخجل وعيناها قاربت على إخراج قلوب، وهي بجوار صاحب العمل الوسيم الغاية في الكرم وذوق مع العمال.
أما على الناحية الأخرى، كادت حبيبة أن تقتله بتلك النظرات الحارقة وهي تتابعه.
ترك علي الفتاة بابتسامة فاترة وهو يستدير كي يباشر عمله، لكنه تفاجأ بوجودها خلفه متسمرة بوجه أحمر من شدة الغضب، تكاد تنقض على عنقه تفترسه.
انتبه لصمتها الغريب وهدوئها الحاد المميت. تقدم منها بملامح هادئة محاولاً السيطرة على سعادته برؤيتها، فقد كان ينتظرها في المكتب قبل قليل، لكن حدثت مشكلة مع إحدى العاملات فطلبت المساعدة، كما أمر الجميع حتى لا يتسبب العمال في تخريب إحدى الماكينات.
ابتسم بسعادة وهو يقترب منها:
"بيبة، كويس إنك جيتي. اتأخرت ليه؟ منورة المصنع."
ردت حبيبة باقتضاب وهي توزع نظراتها عليه وعلى العاملة التي كانت أيضاً تسترق النظر إليهما بفضول:
"منور بيك وبيها."
ابتسمت بخفوت وهي تقترب منه قائلة بهمس:
"علي، هو حد قالك إني مجنونة ولا لأ؟"
تركته بسرعة وكانت ستخرج من باب المصنع الداخلي، لكنه أوقفها وهو يجذبها لأحد الزوايا الصغيرة كممر مغلق في نهايته.
صرخت بجنون وهي تبعد يده عنها:
"علي، شوف أنا حالياً العفاريت كلها بتنطط قدامي. بتضحك مع البنت دي ليه، إن شاء الله؟ وأوعى تكون فكرتني مضايقة منها..."
تأتأ بشفتيه بنفس الاستمتاع، وكان الفراق لم يحل عليهما يوماً، وما زالا على عهدهما في الحب:
"تؤ تؤ، إنتي غيرانة شوية. مش شوية، شوية كتير أوي..."
اهتزت حدقتاها وتبلدت مكانها لبرهة، ثم قالت بنبرة حادة وجافة:
"أغير؟ أغير ليه؟ أنا واثقة فيك جداً، لكن إنك تقف مع واحدة وتضحك وتتكلم كدا، لأ يا علي مش تربيتك. شوف يا ابن الحلال، أنا بنت وأفهم البنت بتفكر إزاي. البنت اللي وقفت تضحك وتتكلم معاها دي ممكن تفتكر إنك معجب بيها لا سمح الله، وإنك بتحاول تلطف الجو معاها، ودي عيبة في حقك. وبعدين أنا جيت لقيتك مش فاضي، قولت آجي وقت تاني تكون خلصت كلام وضحك. أنا عايزة أروح."
لاحظ اللامعة القوية بعينيها المهددة بدموع غزيرة على وشك الهبوط. مرر يده عليها بحنان ونفاذ صبر وهو يقول بخشونة خافتة:
"مفيش مرواح دلوقتي. اطلعي معايا فوق على المكتب نشرب حاجة سوا."
ردت بحنق وهي ترجع خصلاتها للخلف بأناقة:
"لأ، مش عايزة، شكراً."
أصر عليها بحزم وبعيني ثاقبة عليها:
"مفيش شكراً، في حاضر. اسمعي الكلام، وبعدين هو حد قالك قبل كدا إنك مراتي ولا دي معدتش عليك؟"
لوى شفته بسخرية وهو يسبقها في الخطى، وعلى كامل الثقة أنها ستأتي خلفه.
في المكتب.
دخلت مكتبه الخاص بتأنٍ وحرص، سواء بالخطوات أو النظرات. أغلقت الباب خلفها وهي تطلع بكل شبر به.
ليس فخماً بالقدر الذي يعجزها عن الكلام، لكن فخامته تكمن بفخامة مالكه، تجعلها مهتمة بشكل مذهل، وهي تنظر لكل جزء به بانبهار لمجرد أنه مكتب زوجها وحبيبها.
جلس على مقعد خلف مكتبه الكبير، بسيط الشكل ككل شيء بهذا المكان، الذي من أول وهلة تعرف أنه حلم يسعى له أصحابه ليكتمل على خير، وما زال طريق طويل لنيل ما يستحقه الجميع. صبر ورضا مفتاح الفرج، وبعون الله استطاع نيل ما تمنى.
كان ينظر لشرودها الغريب بحيرة، ثم عقب بهدوء وهو يحدثها بحب:
"عجبك المكتب؟ هو صغير ونقصه شوية حاجات، بس بكرة يكمل ويكبر هو والمشروع. إيه رأيك؟ أنا غيرت كل حاجة كانت في المكتب القديم وظبطته. ها يا بيبة، عجبك؟"
ردت وهي تتقدم منه وتجلس أمام مكتبه على أحد المقاعد:
"جميل أوي يا علي. كل حاجة هنا حلوة تفتح النفس، وتعلمك الصبر والرضا. وأنت صبرت كتير وربنا هيعوضك خير إن شاء الله. مفيش حاجة بتبني من يوم وليلة، ولا نقدر نطلع السلم بخطوة واحدة. إن شاء الله ربنا هيكرمك، أنت تستاهل كل خير."
نهض عن كرسيه، يجلس أمامها ممسكاً يديها برفق قائلاً بحنان:
"إن شاء الله هيكرمنا احنا الاتنين يا حبيبة. بكرة إن شاء الله تبقي أشطر محامية فيكي يا مصر، وننزل ندور على مكان للمكتب بتاعك سوا. اتخرجي أنت بس، ومتقلقيش من حاجة. على فكرة، أنا مش هقبل أقل من امتياز."
ابتسمت بشغف وحماس قائلة:
"إن شاء الله يا علي، إن شاء الله."
تنحنح وهو يبتعد قليلاً ليستند على المقعد خلفه قائلاً بهدوء:
"طب بالمناسبة دي، كان في موضوع حابب نتكلم فيه. بصي يا حبيبة، أنت في دراسة وقدامك لسه سنة ونص في الكلية. شوفي لو حابة ناجل موضوع الخلفه دا شوية، فأنا معنديش مانع، بالعكس أنا معاكي في أي حاجة أنت هتكوني مرتاحة فيها وعايزاها. ها، إيه رغبتك؟"
توترت قليلاً قبل أن تزفر بحيرة قائلة:
"هتصدقني لو قلتلك إني كنت بفكر في الموضوع، بس مكنتش أتوقع إنه يشغلك أنت كمان. بص، أنا مش هكدب عليك، أنا خايفة ومتوترة يحصل حمل في فترة الدراسة. بس بعد تفكير وقعدت مع نفسي، عرفت إنه لو ربنا رايد إنه يحصل، هيحصل، أيا كانت رغبتنا إحنا. وبعدين أنا مش هقدر أحرمك من حاجة نفسك فيها، وسيبها على الله، وإن شاء الله خير يا علي."
ابتسم قائلاً بجدية:
"مدام كدا، طب خلينا نخرج سوا، يلا بينا."
أومأت له بجدية قبل أن تأخذ حقيبة يديها لتخرج معه.
بعد نصف ساعة.
أمام إحدى المكتبات الشهيرة، وقفت حبيبة بجوار علي بسعادة وفرحة كبيرة قائلة بنبرة متحمسة:
"علي، أنت عرفت إني بحب الروايات من إمتي؟ أنا مش فاكرة إني قلتلك ولا مرة."
أمسك بيديها متجهاً نحو الداخل قائلاً ببساطة:
"والدتك، كنت لما أتصل عشان أطمن عليك، تقولي بتقرأ رواية، فعرفت من وقتها إنك بتحبي الروايات. عشان كدا جبتك تشتري كل الروايات اللي حاباها. ها، إيه نوع الروايات اللي بتحبيها؟"
ردت بخبث قائلة:
"ايكادولي."
وضع يديه على كتفها ثم مال عليها يغمز لها بشقاوة:
"وأنا أيضاً ايكادولي يا فتاة."
ابتسمت حبيبة برفق قائلة:
"لأ بجد، بتحب كتب إيه؟ خلينا نشتري حاجة مشتركة ونقرأها سوا على السطح مع كوباية شاي، ياه..."
رد علي بتفكير وهو يضع يديه في جيب بنطاله وينظر للكتب المرصوصة أمامه بتنظيم:
"بحب د. عمرو عبد الحميد ودكتور خالد توفيق."
ابتسمت حبيبة بحماس قائلة:
"لأ بجد حبيتك، مع كتاب دكتورة خولة حمدي. بص، تعالي نشوف فيه إيه ليها. أرني انظر إليك دي سمعت إنها تحفة."
رد علي بجدية:
"خلينا نجيب سر الغرفة 207 وقواعد جارتين."
أومأت له بسعادة وهي تتجه نحو تلك الأدراج المرصوص بها الكتب بعناية وحرص، ليبدأ الاثنان بشراء عدد من الكتب الشيقة.
بعد مدة.
خرجا من المكتبة ليتجه نحو أحد محلات البقالة الضخمة ليقوم بشراء عدة أنواع من الشوكولاتة والبسكوت وبعض العصائر والشيبسي، وأيضاً بعض الفاكهة.
دفع الحساب ثم ابتسم للعامل وهو يأخذ الباقي ليخرج وهو يحمل الأكياس بين يديه. وضعها بالسيارة ثم اتجه ليجلس بجوارها، بينما لمعت عينيها بسعادة متناهية:
"إيه كل الحاجات دي؟"
ابتسم قائلاً بسعادة لرؤية سعادته:
"الحاجات دي ليكي، شوكولاتة من اللي بتحبيه، نسكافيه، شيبسي."
ابتسمت قائلة بامتنان:
"على فكرة، أنت بجد أحسن إنسان قابلته في حياتي. كفاية إنك مقدر خوفي وتوتر من الامتحانات. علي، أنا بحبك، يشهد ربنا إني بحبك وهفضل أحبك لآخر يوم في عمري."
غمز لها بشقاوة قائلاً بمراوغة:
"أنا لو أعرف إن ضغط الامتحانات هيخليك تخرجيني ونشتري كل الحاجات دي، كنت أتمنيت يكون عندي امتحان كل يوم."
لم يجيب وهو يراها تأكل وتنظر للطريق عبر زجاج السيارة.
الحياة عبارة عن عدة مسارات تشبه لعبة المتاهة. إن وجدت لك رفيق درب صالح، سيأخذ بيدك إلى حيث الأمان. وحتى إن لم تصل للأمان، ستجد من يؤنس وحدتك. فماذا يخطر ببالك إن وجدت عائلة بأكملها تحثك على النهوض لأجلك أنت.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السادس والستون 66 - بقلم دعاء احمد
في إحدى المستشفيات الخاصة
حيث كل شيء يحدث على قدم وساق بجدية ودقة متناهية، خرجت الطبيبة من غرفة "زينب" بعد أن أطمئنت على حالة المريضة الفاقدة للوعي منذ أن جاءت للمشفى قبل أسبوع. تم تشخيص حالتها أنها غيبوبة مؤقتة بسبب الإجهاد الحادث قبل فترة الولادة المبكرة بثلاث توأم.
ولد وبنتان.
فقد تم نقلها للمشفى منذ أربع أيام لم يحدث أي تحسن.
دلف "صالح" إلى الغرفة بعد أن تم تعقيمه. الإرهاق بادٍ على معالم وجهه. نظر بتعب وحزن إلى وجهها الناعم نائمة لا تعي ما يحدث حولها. كنت تردد تلك الجملة دائمًا: أنها ترغب في النوم دون أن يوقظها أحد.
سحب كرسيًا بهدوء ليضعه بالقرب من الفراش. جلس وهو يمسك يديها بين يديه. وضع رأسه على الفراش. لمعت عيناه بدموع لهمس بضعف وهو يغمض عينيه:
"زينب لسه مش عايزة تقومي؟ طب أنا صعبت عليك؟ أنا تعبت والله العظيم. عارفة أنا كل مرة أقول أنا مش لازم أحبك أوي عشان مننجرحش منك أوي بس اكتشفت إن كل لحظة بتجمعنا قلبي مبيوقفش يحبك. طب بلاش أنا
مش عايزة تشوفي الولاد؟ أنا كمان لسه مشوفتهمش. بابا بيقول فيه بنت لون عيونها زي عيونك وواحدة شبهي والولد عيونه بني. زينب والله العظيم أنا تعبت. أنا مش هعرف أربيهم لوحدي."
انسابت دموعه من مقلتيه بحزن وتعب ليشعر بيد تلامس شعره. رفع رأسه فوجد "بيلا" تقف بجواره، ويدها تمسد على شعره بحنان قائلة بدموع:
"هي سمعتنا صح؟"
لم يجب بل ظل صامتًا. لتقطع "بيلا" الصمت قائلة:
"هي بس عايزة تنام وترتاح بعيد عن الناس وكلامهم. هي حزينة وتعبت بس هترجع. أصل هيبقى حرام لو بعد السنين دي كلها تمشي تاني. ربنا بعدها عني أكتر من عشرين سنة لازم تقوم يا صالح يارب أنا مش عايزة أخسر بنتي تاني آآه."
خرجت الآهات من قلب الأم قبل فمها. تمزق فؤادها لسنوات.
نهض صالح من فوق كرسيه محتضنًا إياها لتزداد شهقاتها وخارت قوتها. الفؤاد يتألم ويئن لكن ما باليد حيلة.
تعالى صوت تلك الصفارة وإنذار الموت كاد أن يقتلهما من شدة الخوف عليها. ترك "بيلا" برعب وهو يمسك بيد "زينب" بقوة قائلاً بلهفة:
"لالا مش هيحصل زينب، في إيه لا."
بيلا بذعر وبكاء:
"زينب لا يارب مش هتحمل تاني لا."
دلفت الممرضة بسرعة فتحت الباب دون سابق إنذار وخلفها الطبيب، بينما أصابه الذعر قائلاً بنبرة خافتة مذعورة:
"زينب."
صالح للطبيب بحدة وصرامة:
"اطلعوا برا."
كاد صالح أن يرفض إلا أن الممرض أخرجه بالقوة.
تلك اللحظات كانت فاصلة بين الحياة والموت.
كان عمر وصالح وبيلا وجلال
يقفوا خلف ذلك الزجاج يتابعوا ما يحدث بقلب منفطر من شدة الحزن.
كان الطبيب يباشر عمله لينظر الجميع لبعضهم بقلق، إلا أنه أكمل عمله ببرود تام.
أمسك "الطبيب" صاعق الكهرباء لتضع الممرضة مسرعة ذلك الجيل على سطحه. ثم بدأ بإنعاش قلب "زينب" مرة.. اثنان.. وثلاثة. حتى أمر الطبيب الممرضة بصوت حاد صارم عالٍ نسبيًا:
"ارفعي على 200 يا مروة بسرعة."
أمتثلت الممرضة لأوامره مسرعة. ومع الضغط الرابعة بدأ القلب ينبض من جديد.
تنفس الجميع الصعداء بعد ذلك.
ليعود جهاز القلب يعمل بانتظام.
هدأت الأوضاع بداخل الغرفة. خرجت الممرضة وخلفها "الطبيب".
نظر "الطبيب" لصالح الذي اقترب منه بخطوات مسرعة قائلاً بلهفة:
"زينب كويسة؟"
وضع "سليم" يديه على جيب معطفه الطبي قائلاً بابتسامة وهو ينظر نحو "جلال" نظرة ذات مغزى:
"الحمد لله قدرنا ننعش القلب بس محدش هيقدر يدخلها. ادعولها تفوق."
نظر "عمر" لـ "بيلا" ليجدها تبكي بحزن وانكسار. جذبها نحوه ليحاوطها بين ذراعيه قائلاً بثقة:
"ربنا كريم يا بيلا. قادر يرجعها لينا هو عالم إحنا تعبنا قد إيه. وأكيد في حكمة من رجوعها لينا مش هيوجعنا تاني."
اقترب "سليم" من "جلال" مد يديه ليصافحه قائلاً بابتسامة:
"مبسوط إني شفتك يا جلال بيه."
رفع "جلال" رأسه ينظر لذلك الشاب يبدو في نهاية العقد الرابع من عمره. لكن ملامحه تبدو مالوفة له. مد يديه مصافحًا إياه ليقول بشك:
"هو إحنا اتقابلنا قبل كده؟" صمت للحظات ثم قال بجدية:
"سليم؟"
تنهد الطبيب بارتياح قائلاً:
"الولد اللي كان بيجي كل يوم يوزع العيش في البيوت. ولولا كرمك عليا أنا وأمي وأنك تكفلت بمصاريفي ومصاريف المدرسة بتاعتي مكنتش هبقى دكتور سليم. أنا مديونلك بكثير أوي. اطلب مني أي حاجة وأنا رقبتي سداه."
وضع "جلال" يديه بجيب بنطاله الأسود قائلاً بجدية:
"أمك عاملة إيه يا سليم؟ عندك ولاد؟"
ابتسم الآخر قائلاً بفخر:
"أمي بخير الحمد لله. عندي جلال وشروق."
ربت "جلال" على كتفه قائلاً بحنو:
"ربنا يحفظهملك يا سليم. لو عايز ترد الدين اللي عليك ربيهم كويس. وعلمهم إن الخير هو اللي بيبقى. مهما حاول الناس يزرعوا شر الخير هيفضل."
تنهد "سليم" بود قائلاً:
"إن شاء الله. وإن شاء الله هتقوم بالسلامة. بعد إذنك لأن عندي شغل. تؤمرني بأي حاجة؟"
"روح شوف شغلك يا ابني. ربنا معاك."
_______________________
في منزل آل "العلايلي"
كانت "نور" تقوم بتحضير طعام الغداء وعقلها منشغل بحالة "زينب" والحزن بادٍ على ملامحها. أفاقت من شرودها على صوت "زينة" قائلة بابتسامة:
"ريحة الأكل تجنن حقيقي. تسلم إيدك يا نور."
ابتسمت "نور" بود قائلة على مضض:
"بالهناء والشفاء."
اقتربت "زينة" من "نور" لتضع يديها على كتف "نور" بود قائلة:
"شكرًا يا نور."
رفعت "نور" رأسها تنظر بارتياب لزينة قائلة:
"على إيه؟"
وضعت "زينة" يديها في جيب بنطالها القطني المنزلي قائلة بجدية:
"باسم، تعرفي إنه اتغير كتير. أنا مش قصدي على إنه يروح لدكتورة ويبدأ يتقبل علاج نفسي. باسم اتأذى كتير من علاقة بابا وماما المتوترة وهو كان ضحية العلاقة دي.
ماما كانت معتقدة إنها لما تكمل مع بابا في علاقة زي دي هتساعدنا نكون سويين لكن اللي حصل إن باسم هو اللي اتعقد. تعرفي لولاه كنت أنا كمان احتمال كبير يجرالي حاجة.
كان في تانية كلية سياسة واقتصاد. أخد كليته في مكان بعيد عن إسكندرية عشان يبعد عن مشاكلهم. أخدني أنا كمان معاه كان عندي 15 سنة. كان خايف عليا أفضل معاهم رغم إن قراره ده أذاه لأن بابا مكنش موافق."
تنهدت "نور" بتوجس قائلة:
"أنا مش عارفة أعمل إيه بس أنا تعبت."
في ذات الوقت، دلفت إلى المطبخ مديرة المنزل قائلة بحزم:
- مدام نور، زيدان بيه عايزك في مكتبه.
نظرت نور لزينة بشك. بادلتها النظرة بارتياب، لتقول بجدية:
- خالص يا حجة. شوفي بتعملي أي.
نظرت لها السيدة بضيق من طريقتها السوقية قبل أن تخرج من المطبخ بضيق.
تمتمت نور ببعض الكلمات غير المفهومة قبل أن تخرج خلفها.
وقفت أمام مكتب والده بارتباك. أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تطرق على الباب بخفة. ليسمح لها الآخر بالدخول بعد ثوان.
دخلت قائلة بتردد:
- نعم يا زيدان بيه، حضرتك طلبتني.
أومأ لها بجدية يغلب عليها الحزن والإرهاق قائلاً:
- أيوه، ادخلي واقْفِلي الباب وراكِ.
ابتلعت ما بحلقها قبل أن تغلق الباب. كانت تسير بخطوات خافتة وعيناها تدور في المكان وكأنها تحاول استنباط ما يريده، لكن فشلت وكأن عقلها رفض التفكير. جلست على ذلك الكرسي أمام المكتب مخفضة رأسها.
مرت ثوانٍ في صمت مريب قبل أن يتحدث زيدان بتمهل قائلاً بصرامة:
- أنتِ بتحبي باسل يا نور؟
كان سؤاله واضحًا وصريحًا، وكان موقفًا لا تُحسد عليه. مشاعر مختلطة ما بين الارتباك والغضب والضيق.
زفرت بحرارة قائلة:
- ممكن أعرف سبب السؤال علشان أقدر أجاوب على أساسه.
رد زيدان بابتسامة ساخرة:
- سمعت زمان إن السؤال ده مش مرتبط بأي أسئلة تانية، لأنه حاجة بتكون في القلب، شيء تلقائي.
رفعت نور رأسها قائلة بحيرة:
- أنا معرفش إيه اللي أنا بحسه ناحية باسل. أحيانًا بفرح أوي وهو معايا، ويفرح لما يقولي يا شبح رغم إني ببقى متغاظة. بفرح لما بسمعه بيتكلم عن البيت اللي نفسه فيه. بحسه عيل صغير عايز يفرح وسط أهله. بزعل لما بشوفه متضايق وأنا عارفة إنك السبب في زعلانه. أنا معرفش يعني إيه حب، بس أنا ساعات بخاف عليه لما يتأخر. بحسه ابني وأنا المسؤولة منه. في الفترة اللي فاتت عرفت عنه حاجات كتير أوي. عرفت إنه كان بيحبك أوي لكن زعلان منك. رغم إنه بيبان بارد ومستفز، إلا إنه جواه طفل لسه خايف. خايف يخسر الناس اللي حواليه ومع ذلك مستعد لأي خيانة منهم. هو أنت إزاي محستش بيه؟ ده ابنك. معقول مكنتش فاهم إن ابنك الوحيد مريض نفسي بسبب علاقاتك؟ أنت أذيته، باسل ونيرة. هو المفروض أنا أعمل إيه؟ أنا مش عارفة أعمل إيه.
- حبيه يا نور. أنا عارف إنه طلب غريب وإن الحب مش بينطلب، بس قربي منه أكتر واقتحمي خصوصياته. هو يبان إنه مش عايز أي حد في حياته، لكن وجودك معاه هيفرق. يمكن علشان كده دخلتك حياته.
عقدت نور حاجبيها قائلة بدهشة:
- دخلتني حياته؟ مش فاهمة أنت تقصد إيه؟
أقترب من مكتبه ليستند بساعديه على سطح المكتب قائلاً:
- أول مرة شفتي فيها باسل كان فين يا نور؟ مش في المستشفى لما كان بيحقق في موضوع صاحبتك؟
أومأت نور له بالإيجاب. ليكمل بهدوء:
- بعد يوم مقابلة المستشفى، ولما اتقابلتوا في النيابة لما ضربتي الراجل اياه. باسل خلى نيروز يجيب عنك كل المعلومات. كان فاكر إنه بيراقبني، لكن ما يعرفش إني كنت براقبه. عرفت إنه عنده فضول ناحيتك. قررت إني أعرف كل حاجة عنك. وعرفت ظروف حياتك. حتى شغلك عندي في المصنع مكنش مجرد صدفة. وصاحبتك اللي اسمها ناريمان لما عرضت عليكِ تشتغلي في أيام العيد كان مقصود. كنت عارف إنه بيراقبني، فقررت آخد خطوة إني أطلب منك الجواز. كنت متأكد إنه هيعمل اللي عمله، والحكاية كملت زي ما أنتِ عارفة.
نظرت له بحدة وغضب. لكن قبل أن تتحدث، فتح الباب على مصراعيه، ليدخل وعسليتاه الضاريتان تشعان بالغضب والكره. خطواته ونظراته الحادة، قائلاً بداخل تشتعل النيران، وعيناه احمرت من الغضب. شعور التحكم به يقتله. فقط تداخل والده بحياته تجعله يجن جنونه.
نهض زيدان عن كرسيه وعيناه تبث برودًا عكس ما بداخله من حزن على ما فعله ليجعل ابنه كارهًا له لتلك الدرجة.
وقف باسل أمام والده قائلاً بحدة:
- كمل يا زيدان بيه. احكيلي إيه تاني مخبيه؟ ولا تحب تسمعني أنا؟ تمام، خليني أحكيلك شوية عن نفسي.
نظر نحو نور الواقفة وبنيتها مصوبة عليه. ابتسم ساخرًا. وضع يديه بجيب بنطاله الأسود. كان يتحرك في الغرفة بحركات عشوائية قائلاً بصوت حاد يغلبه الحزن:
- تحب تسمع من بداية إيه؟ تحب تعرف إن بسببك عشت حياتي مش فاهم أنا عايز إيه؟ أنا سافرت وبعدت عنك علشان مبقاش زيك. تحب تعرف إني كنت طفل وبسمع أمي كل يوم وهي بتعيط بسبب معرفتها بعلاقاتك؟ طب أحكيلك عن إحساسي إني يتيم؟ إحساسي إني المفروض مسئول عن تصليح أخطائك؟ طب محاولتش تعرف ليه كنت بآخد أدوية اكتئاب؟ أنا حقيقي وصلت لمرحلة إني مبقتش عايز حاجة من حد ولا حتى عايز مساعدتكم. ولا تدخل في حياتي تاني.
نظر لنور ثم ابتسم بحدة واقتضاب:
- شكرًا لأنك كنتِ في حياتي، وحقيقي أنتِ إنسانة جميلة وأنا بحسد أبوكِ إنه عرف يربيكِ يا نور. وأتمنالك كل خير مع الإنسان اللي يقدر يكونلك عيلة سوية.
أقترب منها بضعة خطوات، مال عليها مقبلاً رأسها ثم ابتعد. ليري تلك الدموع بعينيها والتي انسابت لا إرادة منها، ليطلق تنهيدة حارة:
- أنتِ طالق يا نور.
لا تعرف لم هبطت دموعها. حاول جاهداً ألا ينظر إليها. ثم نظر لوالده قائلاً بجدية:
- أنا مستقيل من شركتك. كل الورق اللي تحت إيدي هسلمه لنيروز. مبروك يا زيدان بيه، أتمنى تكون سعيد باللي وصلنا ليه.
ابتلع ما بحلقه وبالقوة أجبر قلبه على ألا ينظر نحوها. ثم غادر القصر بأكمله.
نظرت نور لزيدان قائلة بعدم استيعاب وبكاء:
- طب هو ليه طلقني؟ أنا ذنبي إيه؟ هو مجروح ليه يجرحني أنا كمان؟ أنت وجعته، أنا ذنبي إيه؟ هو فعلاً طلقني؟ ليه؟
كاد أن يتحدث، لكنها ركضت خارج الغرفة لتصعد لغرفتهما مسرعة.
ما إن دخلت الغرفة حتى أمسكت بتلك الزهرية لتقوم بكسرها قائلة بصراخ:
- ليه ليه؟ أنا عملتلك إيه؟ أنت ليه شايف إني البنت الجامدة اللي مفيش حاجة بتوجعها؟ مع إن محتاجة ليك تطمني. أنا كملت معاك علشان أنا كمان كنت محتاجك. كنت محتاجة أحس بالأمان. طب أنا ليه زعلانة؟ ما هو مش معقول أكون حبيته. ليه أنا عايزة أفهم؟ أنا ذنبي إيه؟
خرجت من الغرفة كالعاصفة. الهواء لا تدري لها بداية أو نهاية، فقط تسير مع الرياح العاصفة لروحها. فتحت باب غرفة نيرة دون أن تطرق الباب قائلة بغضب وحدة:
- أنتِ طلبتي مني إني أوافق تتجوزه وعمره ما هيوجعني. طب ليه حاسة بوجع في قلبي؟ طب ليه دخلني حياته لما هو ناوي يتخلي عني؟ أنا حاسة بدماغي هتنفجر وقلبي بيوجعني.
لم تعرف نيرة بما تتحدث وهي ترى وجه نور الأحمر من شدة البكاء والغضب.
لتجدها تكمل حديثها بالألم:
- هو عمل كده ليه؟ أنا كده خلاص هخرج من حياته. باسل أناني. أنا حقيقي بكرهه وعمري ما هسامحه. أنا يمكن مش بعرف أعبر عن اللي جوايا، بس هو أذاني أوي.
وضعت يديها موضع قلبها تضرب عليه بقوة وهي تصرخ بالألم:
- ليه بيوجع؟ ليه؟ أناني وحقير وزبالة، بس أنا زعلانة إني هسيبه.
حاولت نيرة التحدث لكن لم تستطع وهي ترى نور تضحك بهستيرية وتبكي بذات الوقت قائلة بصراخ وهستيرية:
- ليه؟ ذنبي إيه؟
خرجت من الغرفة والمنزل بأكمله دون الالتفات وراءها، حتى أنها لم تسمع نداء زينة ونيرة لها.
كان يقود سيارته بلا غاية أو هدف، يريد الوصول لمكان فقط، يسير في ذلك العالم وروحه لا تعلم ما تريد، دموعه تنساب بحرية.
تمنى لو أفصح عن كل ما بقلبه، لكنه يعلم أنه لو أخبر والده بكم الألم الذي بداخله لجعله يبكي في نفس اللحظة.
تمنى لو أخبره أنه يتألم منذ وقت طويل، لكنه لم يخبر أحدًا، فقط كان وجهه واجهة للصلابة والقوة على الرغم من شعوره بالانقاض بداخله.
لما أفصح عن تلك الأشياء الآن؟ لما قرر أن ينفصل عنها في لحظة؟ ماذا فعلت له حتى ينهي علاقته بها؟
كل تلك الأسئلة تدور بعقله وتقوده للجنون، فقط بداخله عاصفة قوية تؤلم قلبه.
غيمة الدموع التي تجمعت بعينيه شوشت عليه الرؤية حتى كاد أن يفتعل أكثر من حادث.
الآن يريد أن يتحرر من كل آلمه.
يريد أن يبتعد ويسير كما هو مقدر له.
يأخذه القدر حيث لا مكان ولا هوية ولا أي صلة، حيث لا ألم ولا علاقات مفجعة.
أوقف باسل سيارته على أحد الشواطئ الخالية.
ترجل من سيارته يتجه في طريقه نحو البحر وأمواجه الهوجاء.
صرخ بأعلى صوته وهو يضع يديه على قلبه، كان يصرخ ويحاول إفراغ كم الغضب الذي بداخله والذي كتمه منذ أن كان طفلًا.
طفل رأى مشاجرات والده ووالدته كل يوم.
طفل رأى أمه تبكي كل يوم من أفعال والده.
طفل كاد أن يموت بسبب والده.
شاب شب على الخلافات، الصراعات بداخل عقله تفتك به. يبدو لك وكأنه شخص عادي، لكن بداخل حروب ما بين عقله وقلبه.
تلك الحروب تجعله يتمنى لو يذهب لوالده يخبره أنه كان يحبه. تمنى لو يصبح صديقه، لكنه كان أول شخص تسبب بأذيته.
باسل بغضب وصراخ:
"كل حاجة كانت هتبقى كويسة، كنت بدأت أنسى وأتعافى ليه، ليه بيتدخل في حياتي؟
ليه عايز دلوقتي يبقى أب مثالي؟ ليه؟
أنا تعبت، دماغي مش قادر أفكر، ليه؟"
أخذ يضرب موضع قلبه بقوة وغضب لا يتناسب مع أي شخص بكامل قواه العقلية.
هل هو مريض نفسي؟ كيف يتعافى المرء؟
تلك الأسئلة ظلت تدور بعقله دون إجابة، هو فقط يسقط، لم يعد يتحمل.
في منزل آل الشهاوي.
تجلس حياء في شرفة منزلها، أغمضت عينيها بحزن وألم متذكرة إحدى ذكرياتها مع والدتها الراحلة حينما كانت شابة في بداية العشرينات في تروا - فرنسا.
___عودة للماضي___
كانت تجلس حياء ذات البشرة البيضاء المتشربة من أشعة الشمس والشعر الغجري الأسود يلامس وجهها برفق أثر حركة الهواء، تجلس على تلك الحشائش الخضراء في المراعي بينما تجلس شغف على مقربتها وهي تراعي الأغنام.
تاففت حياء بضيق وهي تنام على تلك الحشائش، رفعت يديها في الهواء تحركها بطريقة عشوائية وهي تنظر للشمس قائلة ببساطة:
- L’Egypte vous a manque؟
"هل اشتقتي لمصر؟"
ردت شغف بحدة وصرامة:
- اتكلمي بالعربي يا حياء.
ابتسمت حياء بحزن قائلة:
- Je n’amie pas parler arabe parce que j’aurais amie y aller.
"لا أحب التحدث بالعربية لأني حينها أتمنى لو ذهبت إليها."
تنهدت شغف بحزن لاحظته حياء، نهضت تجلس، عدلت ثوبها الأزرق قبل أن تستقيم تمشي حافية الأقدام لتقترب من أمها، احتضنها لتستند برأسها على كتف شغف التي ابتسمت بحنان قائلة:
- تعرفي يا حياء أنا عشت حياتي كلها بتمنى ألقى معجزة تغير حياتي، قابلت باباك وكنت فاكرة إنه المعجزة اللي هتحول حياتي، من يوم فرحنا، لكن لما جيت فرنسا وشوفتك أول ما اتولدت عرفت إنك معجزتي يا حياء.
ابتسمت بسعادة وهي تنحني تطبع قبلة على وجنة والدتها لتبتعد ممسكة بيد والدتها تستمع لإحدى الأغاني الفرنسية القديمة، كانت تغني وترقص على أوتار تلك الأغنية تتحرك مع والدتها على تلك الأرض الخضراء قائلة بحماس:
- في يوم من الأيام هينتهي كل الحزن، هتشرق الشمس بحياتنا، هنفضل مع بعض للنهاية، العتمة هتزول، كل العتمة اللي بقلوبنا هتزول بس راح يضل الحب، بين السماء والأرض إحنا موجودين، إيدي بإيدك.
ابتسمت شغف قائلة بمرح لتكمل الأغنية بسعادة:
- لما الحب يلمس قلوبنا راح تتغير كل حياتنا.
ردت حياء ببلاهة وهي تبعد خصلات شعرها عن وجهها قائلة:
- أنا مش بصدق في وجود الحب على فكرة يا ماما بس أنا بحبك أنت، معقول أقابل شخص يحبني زي ما أنا بدون ما يتحكم فيا؟ أنا بحب أعيش زي الفراشة، لا يزول أثر الفراشة أبدًا.
ردت شغف قائلة بهدوء وعشق خفي لشريف:
- الحب لما يجي مش هيستأذن يا حياء، هتلاقي نفسك تلقائيًا وقعتي. تعرفي يا حياء دعوتي ليك إنك تلقى شخص يحتوي أي حزن أو خوف جواك. بصي لما تحسي بقلبك بيدق بسرعة أوي حطي إيدك على قلبك واسمعي صوته وشوفي مين أول شخص هيجي على بالك وتبتسبي، هو هيكون حبيبك.
ردت حياء بمشاكسة صادقة وهي تحمل حملًا صغيرًا أخذت تلمس شعره الأبيض قائلة:
"أنت حبي الأبدي يا ماما. صحيح الخواجة اندريه قالي أقولك إنه عايز يشتري المزرعة ويضمها لمزرعته بيقول إن بتاعتنا صغيرة ومش هنحتاجها في حاجة بس أنا قولته لأ مش هنبيعها."
"ليه بقى يا حياء؟"
وقفت تحت شجرة صغيرة قائلة:
- علشان المزرعة دي فيها كل ذكرياتنا الحلوة ولو في يوم من الأيام بعدنا لازم نرجع لها تاني. علشان بيلو -خروف- هو صديقي المقرب، البشر ملهمش أمان علشان نصاحبهم. تعرفي أنا كنت أتمنى يكون عندي أخت، بس انتي أختي وأمي وحبيبتي وكل عالمي.
أبتسمت شغف قائلة بسعادة:
"وأنت معجزتي يا حياء."
______عودة للوقت الحالي_____
فتحت حياء عينيها وهي تبعد خصلات شعرها الغجري عن وجهها قائلة باشتياق:
- أنت معجزتي يا حياء، بس الحقيقة أنت معجزتي يا ماما. لما بحط إيدي على قلبي وبابتسم أنت اللي بتخطر على بالي. يمكن لأن الحب دائمًا للحبيب الأول وأنت حبي. تعرفي أنا مشتاقة ليك بس لما بشوف جلال بفتكرك وبفتكر المزراعة وبفتكر بيلو والخواجة اندريه. ساعات بحس جلال هو كل حاجة جميلة عديت بيها. كان نفسي أعرفك عليه يا ماما، وأعرفك على زينب وصالح وإيمان ويوسف وشهد. أنا عندي أخت، هي صحبتي الوحيدة هي وإيمان. أنا أم يا ماما وجدة عندي تلات أحفاد زي القمر، لسه في الحضانة إن شاء الله هيكونوا كويسين وكمان واثقة في ربنا إنه مش هيحرمهم من أمهم. هي في القاهرة بس تعبت كتير أوي إن شاء الله هتقوم بالسلامة.
فاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها، نهضت لتلتقطه لتجد رقمًا مجهولًا.
ردت بهدوء قائلة:
- أيوه مين معايا؟
رد شخص ما بصوت هادئ قائلاً:
- شيف حياء الهلالي، صاحبة مطعم شغف الحسيني الإسكندراني.
ردت حياء بالموافقة:
- أيوه أنا يا فندم مين معايا؟
- أنا مراد المصري، من منظمين مسابقات الأكل وسمعت عن حضرتك كتير وعن مطعمك والشهرة الكبيرة اللي حصل عليها وحقيقي استغربت إنه اتقفل رغم إن كان فيه شهرة كبيرة جدًا عليه.
ردت حياء ببساطة وهدوء:
- المطعم اتقفل لأني وصلت لمرحلة إني قدمت كل اللي أمي علمته ليا وقدمت كل اللي بعرف أعمله وأنا عندي حياتي الخاصة، بس مش فاهمة حضرتك عايز مني إيه؟
رد مراد بإعجاب قائلاً:
- أنا من المعجبين بحضرتك جدًا في المجال ده لأنك بجد موهبة كبيرة. أنا شفتك شخصيًا من عشر سنين وحضرت أوقات كتير في المطعم بس بعدها سافرت ألمانيا بسبب شغلي، المهم دلوقتي حضرتك سمعتي عن مسابقة مواهب المطبخ اللي هتم بعد شهرين؟
ردت حياء وهي ترفع شعرها ذيل حصان قائلة:
- سمعت عنها، هتكون في إسكندرية بس أنا إيه علاقتي بيها؟
رد مراد بهدوء قائلاً:
- المطعم بتاعك هيكون مكان مميز جدًا لإقامة المسابقة لأنه في مكان مميز في إسكندرية وحابب أقابل حضرتك لو عندك وقت، ممكن بكرة أو النهاردة، حابب نتكلم في التفاصيل، المطعم جميل جدًا وفي مكان رائع حقيقي حرام يتقفل. لو عندك وقت ممكن نتقابل بعد ساعتين في مطعم...
تنهدت حياء قائلة:
- بس أنا مشغولة والمطعم غالي عليا، وأكيد مش هحب يحصل فيه أي تعديلات.
رد مراد قائلاً بجدية:
- مش هاخد من وقت حضرتك نص ساعة، وثانياً إحنا مش هنغير حاجة، بس هنعمل شوية تعديلات بسيطة جداً. لو وافقتي هستنى حضرتك، وصدقيني مش هاخد من وقتك.
ردت حياء قائلة بموافقة:
- تمام، كمان نص ساعة هكون في المطعم.
ابتسم الآخر قائلاً:
- في انتظار حضرتك.
أغلقت الخط، ثم أجرت اتصالاً بجلال، لكن لم يجب لعدة مرات.
توجهت نحو غرفة الثياب لتبدل ثوبها لآخر عملي، وارتدت حجاباً أبيض.
خرجت بعد مدة متجهة لذلك المطعم، والذي يُعد ملكاً لزوجها منذ سنوات.
حاسبت سائق السيارة الأجرة، ثم دلفت لذلك المكان.
ما إن دلفت للمكان حتى تلقت التحية من العاملين به.
وقف أمامها رجل يبدو في نهاية العقد الخامس، ذو لحية بيضاء وقد زحف الصلع لرأسه.
ابتسم مراد بلباقة قائلاً:
- مدام حياء، أهلاً بحضرتك. أنا مراد المصري.
ردت حياء بجدية:
- أهلاً يا فندم.
جلست على إحدى الطاولات وهو في مقابلها قائلاً بإعجاب:
- حضرتك لسه جميلة زي آخر مرة شفتك فيها في المطعم.
أجابت حياء بحدة:
- لو سمحت يا أستاذ مراد، تحفظ حدودك وتدخل في الموضوع على طول.
رد مراد قائلاً بوقاحة:
- أنا آسف يا فندم، بس الصراحة أنا بحسد جوزك عليكي.
ضربت حياء على سطح الطاولة قائلة بغضب:
- أنت إنسان وقح، وأنا غلطانة إني وافقت أقابلك.
كادت أن ترحل، إلا أنه قال برجاء:
- أنا آسف يا فندم، ممكن نتكلم في الشغل، وأنا فعلاً مش قصدي حاجة.
زفرت حياء بغضب قائلة:
- يا ريت تتفضل تتكلم.
- المطعم بتاع حضرتك، أنا عندي استعداد أشتريه لأنه في مكان يعتبر واجهة للسياحة في إسكندرية، والمسابقة دي هيحضرها ناس من أماكن مختلفة في العالم. أنا موافق على السعر اللي تحدديه.
صمتت للحظات وعقلها عاد لأول ذكرى لها بذلك المطعم حينما أهداها جلال إياه، لتقول بهدوء قاطع:
- أنا آسفة يا أستاذ مراد، المطعم مش للبيع، وأتمنى لحضرتك تلقى مكان تاني أحسن منه، بعد إذنك.
كادت أن تغادر، إلا أنه أمسك يديها قائلاً بجدية:
- اسمعيني بس يا هانم.
نظرت بحدة بيديه قائلة بغضب وصوت عالي:
- ابعد إيدك دي عني.
حاولت جذب يديها، لكنه لم يتركها قائلاً بلهفة:
- مدام حياء، المطعم حرام يتقفل. أنا ممكن أدفع لك اللي تطلبيه، أي يكن المبلغ.
لم تجب عليه، بل جاءت تلك اللكمة على هيئة جواب له، ليسقط أرضاً من شدتها.
رفع رأسه بألم وهو يضع يديه على خده، ينظر لذلك الواقف، وخضراوتيه مشتعلة بحمرة الغضب.
أما عن حياء، فشعرت بالخوف، كيف جاء فجأة هكذا؟ متى علم أنها بحاجة إليه؟ لكن هل سيمر الأمر بهدوء هكذا؟
نزل بجزعه بغضب، وهي يستند بيديه على ركبته، قائلاً بغضب أمام مراد:
- واضح إنك مش من إسكندرية، أصل اللي ميعرفش إن حياء الهلالي خط أحمر، يبقى ميعرفش جلال سليمان الشهاوي.
ابتلع مراد ريقه بصعوبة قائلاً بتوتر:
- أنا... أنت...
أمسك جلال بفكه السفلي وهو يضغط عليه بحدة وغيره قائلاً:
- أنا جلال الشهاوي، والمدام اللي أنت اتجرت ومسكت إيديها تبقى حرمي، يعني أنت كدا ارتكبت خطأين:
عليت صوتك في مكاني ومطعمي.
مسكت إيد مراتي بالغصب. عندنا في حاجة اسمها أصول، واللي ميعرفهاش لازم أعلمهاله.
ما إن أنهى جملته حتى ضربه مرة أخرى بغضب وشدة. حاولت حياء إبعاده قائلة بخوف:
- جلال، محصلش حاجة، ابعد عنه، سيبه.
معتز يا فريد.
جاء اثنان من العاملين بعد نداء حياء عليهما.
حاولا إبعاد جلال، الذي ابتعد عنه قائلاً بحدة:
- لما تبقى في مكان لازم تحترم صحابه، ولما تقف مع واحدة لازم تحترمها.
أنهى جملته ممسكاً بيديها بقوة، خرج من المكان وهي تتبعه بغضب من أفعاله اللاعقلانية.
فتح باب السيارة قائلاً بحدة:
- اركبي.
أجابت بتذمر وغضب:
- مش راكبة، ممكن أفهم إيه اللي عملته ده؟ جلال، أنت بجد، اوف، أقول إيه بس، فوضت أمري لله.
مال عليها قائلاً بحدة:
- اركبي يا حياء، واقصري الشر علشان عفاريت الدنيا بتنطط قدامي.
عضت على شفتيها بغيظ قائلة:
- لينا بيت نتكلم فيه يا ابن الشهاوي.
صعدت السيارة دون أي حرف آخر، وهو كذلك لم يتحدث.
وصل للمنزل وأغلق الباب خلفه ليقول بحدة:
- ها يا هانم، ناوية تقولي إيه؟
أجابت حياء بغضب:
- جلال، أنت شلفطت وش الراجل، مكنش فيه داعي لكل ده.
اقترب منها ليقف أمامها مباشراً قائلاً بنبرة خافتة:
- اللي يقرب منك ويضايقك يبقى هو اللي اختار يقف قدامي يا حياء، متلومنيش، لأن الذنب مش عليا، الذنب الأول والأخير عليك أنت.
تلألأت عيناها بالدموع وكادت أن تبكي قائلة بعتاب:
- عليا أنا؟
"أنا ذنبي إيه؟"
غمغم ولم يرتجف جفنه قائلاً بنبرة جادة:
"ذنبك الوحيد إنك خليتني أحبك وأتلهف لرؤية عيونك. ذنبك إنك خليتِ قلبي أسير، وأنا عمري ما حد أسَرني يا حياء، وأكون راضي قد ما بكون راضي معاك. فالذنب ذنبك أنت، وذنب عيونك اللي بتلمع لما بتشوفيني."
ردت حياء ودموعها تنساب على وجنتيها:
"وأنا مش عايزة أتوب عن الذنب ده. بس لازم تعرف إن مهما حصل حياء بتحب وتحترم جلال، واللي عملته يدل إنك مش عاوز تفهم إننا مش الاتنين اللي قابلوا بعضهم الشاب والبنت. إحنا كبرنا، لازم تفهم ده يا جلال. أوعى تفكر إني هبقى فرحانة لما تأذي حد وتأذي نفسك بسببي."
مال عليها مقبلاً قمة رأسها:
"أنا يا حياء لو كبرت يوم فحبي كبر ليك بحق كل لحظة بينا. وأنتِ أكتر واحدة عارفة إن مش أنا اللي أسيب حقي ولا حق أهل بيتي. يالا جهزي نفسك، هاخدك أنتِ وشهد ونروح لزينب. الأولاد احتمال يخرجوا من الحضانة النهاردة، وبيلا لازم تكوني معاها. النهاردة زينب كانت هتروح مننا لولا ستر ربنا. ادعيلها يا حياء لأن حالتها بتسوق للأسف."
تنهدت بحزن قائلة:
"بدعيلها يا جلال، إن شاء الله تقوم بالسلامة لأجل الأولاد وصالح هو كمان صعبان عليا أوي، بس متضايقة إنه مش عايز يشوف الأولاد. مينفعش كدا، دول ولاده."
اللمعت عيناه بالدموع قائلاً:
"صالح أكتر واحد صعبان عليا من يوم اللي حصل، وهو ضعيف. أول مرة أحس إن ابني ضعيف يا حياء ومقدرش أساعده ولا أقوي قلبه. يمكن لأن قلبه متعلق بيها."
سألته حياء بهدوء قائلة:
"انت عرفت إني في المطعم إزاي؟"
"كنت راجع البيت لكن موبيلي رن ومحمود اللي شغال هناك كلمني وقالي إنك هناك."
"طب ليه لما رنيت عليك مش رديت؟"
"الموبيل كان بعيد عني وكان معايا حد. يالا بس شوفي هتعملي إيه علشان نروحلها."
أومأت له بجدية قبل أن تغادر الصالون.
***
في منزل سالم
صعدت نور الدرج بخطوات مهتزة وقلب مرتجف، عيونها منتفخة أثر بكائها.
جلست على إحدى الدرجات ودموعها تنساب بلا توقف، تشعر بالحزن اتجاهه واتجاه قلبها.
أحياناً يتوجب علينا البكاء، حينها نشعر ببعض الراحة، لكن لما لا يرتاح قلبها؟
في نفس التوقيت
نزل سالم الدرج ببطء وإرهاق لتأدية صلاة المغرب في المسجد، لكنه فوجئ بابنته تجلس وتبكي. انقبض قلبه بخوف وهو ينادي عليها.
جلس بجوارها بينما أخفضت رأسها.
ابتسم بحنان، مد أنامله أسفل ذقنها ليرفع وجهها له قائلاً بحب أبوي ممزوج بخوف:
"طب يهون عليك وجع قلبي دلوقتي؟ مالك يا قلب أبوك؟"
لم تستطع التحدث بينما احتضنته قائلة بألم:
"قلبي وجعني أوي يا بابا، أوي. هو أنا ليه مش زي باقي البنات؟ يمكن لو كنت بعرف أظهر مشاعري كان عرف إن إني عايزاه، برغم عقده برغم طريقته معايا. أنا حتى مش عارفة لو ده حب ولا مجرد احتياج. أنا زعلانة أوي وقلبي وجعني أوي وتعبت. يا بابا هو أنا غلطت لما وافقت أتجوزه؟ ولا غلطت لما اتعاملت بخشونة مع الدنيا؟ أنا كنت بشتغل وسط رجالة في المصنع، مكنش ينفع أبقى البنت الناعمة، كان لازم أتعامل كدا وأبقى كدا. طب هو كان ممكن يحبني لو حسيته إني مهتمة بيه؟ أنا اتعاملت معاه على إنه ابني وأخويا وصاحبي، حبيت أقرب منه وكأننا صحاب، أخليه يقدر يحكيلي اللي وجعه، لكن هو وجعني معاه. أنا اتعاملت معاه كأنه كل حاجة إلا إنه جوزي، وهو طلقني. عارف يا بابا نفسي أشوفه دلوقتي وأضربه بالقلم على وشه وأقوله إنه غبي أوي أوي يا بابا وإني زعلانة منه."
احتضنها بحنان لتندس بين أحضانه تبكي بذعر دون أن تعلم كم مر عليها من وقت. مر أكثر من ساعة ولم يمل والدها من حديثها وبكائها، فقط ظل يستمع لها باهتمام بينما تبكي بحزن وغضب، لكن لا تستطيع الصراخ مثله.
ساعدها في النهوض لتصعد معه السلم ودلفت إلى المنزل، والذي ما إن رآها شقيقها الأصغر حتى صاح بسعادة:
"نور وحشتني أوي أوي."
اكتفت بابتسامة جميلة وهي تجلس أرضاً لتخرج من جيبها كرات صغيرة من الشوكولاتة قائلة بحب:
"أنت كمان كنت وحشني أوي، وكنت ناوية أجي بكرة وكنت جايبالك الشوكولاتة اللي بتحبها، بس خالص، أنا هفضل معاكم ومش همشي تاني. ويا ريتني ما مشيت."
رفع يديه يمسح دموعها قائلاً بحزن وبكاء طفولي:
"هو انتي بتعيطي يا نور؟"
هزت رأسها قائلة بحماس وسعادة زائفة:
"لا طبعاً، محدش يقدر يخليني أعيط. يالا خد الشوكولاتة وادخل ذاكر مع سيف. أنا بس تعبانة شوية، هدخل أنام ولما أصحى هنقعد سوا، ماشي؟"
أومأ لها بالموافقة، نهضت تتجه نحو غرفتها. ما إن دخلتها وأغلقت الباب خلفها حتى ارتمت فوق الفراش وعقلها يتذكر كل كلمة بينهما وكل ضحكة وقحة خرجت من شفتيه، كل لحظة حزينة، مشاكسته وضحكاته.
وضعت الوسادة فوق وجهها تمنع دموعها من الهبوط، لكن كيف للعقل أن يكف عن التفكير، وكيف للقلب أن يرحمها من ذلك الألم؟
***
في المشفى بالقاهرة
كانت إيمان تقف أمام الحضانة تنظر للأطفال بابتسامة حزينة، تشعر بالنفور من نفسها، تشعر بكم الأنانية التي كانت تنسجم به.
"أنانية" هذا ما يدور بعقلها، حتى أنها تشعر بالاشمئزاز من تفكيرها المريض. تمنت لو تركض نحو والدها وتخبره أنها خائفة.
اقترب يوسف منها بابتسامة هادئة، لمح تلك النظرة في عينيها، لكن لم يستطع تفسيرها. مال عليها مقبلاً رأسها قائلاً بابتسامة:
"شكلهم حلو مش كدا؟"
أومأت له ثم تابعت بحزن:
"يوسف أنا خايفة. انت واثق فيا؟"
لم يجيبها بل احتضنها مربتاً على ظهرها بحماية وحنان قائلاً:
"واثق فيكي يا إيمان وبحبك. عارفة ليه؟ علشان أنتِ العهد اللي أنا أخدته قدام ربنا إني أفضل أحبك طول العمر ومهما حصل هتفضلي في قلبي، وربنا يقدرني وأقدر أحفظ عهدي."
رفعت رأسها قائلة:
"يوسف هو أنا أنانية؟ أنا بنت مؤمنة إن اللي ربنا عايزه هيكون، لكن خوفي للحظات خلاني آخد حبوب لمنع الحمل. أنا عارف إنك..."
"ششش إيمان، أنا بحبك. عارف اللي أنتِ كنتِ مخبياه عليا، لأن شفت الحبوب قبل ما نسافر وعارف إنك وقفتيها. أنا مش غبي، وأنتِ لأنك بريئة مقدرتيش تخليه سر. أنا كنت عارف رغم إني كنت متضايق من إنك خبيتي عليا حاجة زي دي، إلا إني كنت مقدر خوفك. بس أنتِ غلطتي يا إيمان، كان المفروض أنا أول واحد تيجي تقوليلي على خوفك من موضوع الحمل وإحنا برا مصر."
"أنا آسفة يا يوسف، أنا حقيقي اتصرفت بدون تفكير. بس ليه انت مقلتليش إنك عارف الحقيقة وعارف إني أخدت الحبوب دي؟"
ابتسم يوسف برفق قائلاً:
"تقدري تقولي كدا يا ستي، إني عارفك كويس وعارف إنك هتروحي لوالدتك تتكلمي معاها وهي هتنصحك توقفيها. وكمان عارف إن ضميرك هيأنبك لوحدك. والصراحة كنت عايز أعرف لو هتيجي تحكيلي ولا لأ. والسبب الأهم هو إني غلطت في الأول خالص لما سافرت وسيبت مصر، لكن أنتِ وقتها عملتي إيه؟ كان ممكن توافقي على العريس اياه وتنسيني خالص، لكن اديتني فرصة تانية لأنك بتحبيني، وأنا كمان بحبك وعايز أكمل حياتي معاكي يا إيمان."
"طب انت مش زعلان إن موضوع الحمل اتأخر؟"
هز رأسه بمعنى لا ليقول بجدية:
"أولاً مكنش أسبوع أخدتي فيه الحبوب دي. ثانياً وده الأهم، دي إرادة ربنا. لما يريد إننا نكون أم وأب ساعتها هيحصل. ممكن بقى تبطلي الزعل والإحساس الوحش ده، لأن مش لايق على عيونك الحزن."
ابتسمت قائلة بهدوء:
"أنا ربنا رضاني ورضى قلبي بحبك يا يوسف."
تنهد براحة وهو يضع يديه على كتفها ينظر عبر الزجاج لهؤلاء الأطفال بحب.
***
دلفت الممرضة إلى الغرفة تحمل بين يديها طفلتنا وأخرى خلفها تحمل ولداً صغيراً.
لتقول بجدية وصوت منخفض:
"صالح بيه الأولاد."
نهض عن ذلك الكرسي وهو ينظر لها، ثم أخفض بصره ينظر للفتاتان. كانتا صغيرتين جداً، ملامحهما بريئة، تخطف العقل والقلب من نظرة واحدة.
مد يديه يحملهما بحنان وحب فطري. لتقول الممرضة بحزن وانكسار:
"إن شاء الله هتقوم بالسلامة."
وضعت الممرضة الأخرى الولد على الفراش بجوار زينب ثم خرجتا من الغرفة.
ظل ينظر لهما بهدوء وخوف طفيف لا يعلم مصدره. شعور أنك أب مسؤول عن أطفال يجعلك ترتجف من الداخل. فتحت إحداهما عينيها لتلمع رماديتها الصغيرة.
انسابت دموعه لا إرادياً ليقول بخوف وحنان:
"طب قوللها أنتِ، ما بقوا خلوها تصحى. هي هتسمعكم أنتم. يمكن زعلانة مني عشان كدا مش عايزة تقوم وتكلمني، بس أكيد مش هتزعل منكم لأنها بتحبكم أوي. بتحبكم أكتر من حبها ليا أنا. قوللها إني مش هقدر أربيكم لوحدي وإني ضعيف من غيرها وإني بحبها أكتر من نفسي."
وضع الفتاتان بجوارها. أمسك بيدي زينب ليضعها على يدي ابنته وابنه.
ما إن وضع يديها حتى قام ابنهما بمسك إصبعها بقوة ضعيفة.
ابتسم صالح وهو يمرر يديه على وجنتها، أطلق تنهيدة حارة بألم، إلى متى ستظل بعيدة عنه؟
***
في إحدى المصحات النفسية
دلف عمر إلى داخل المصحة بشموخ وخطوات ثابتة، كان يسير في الممر الطويل ببرود شديد وهو يستمع لصوت الصراخ يأتي من إحدى الغرف.
لم يبالي بكل هذا، بل ظل يمشي في طريقه إلى أن وصل أمام غرفة.
قام الممرض بفتح الباب قائلاً:
"تؤمرني بحاجة تانية يا باشا؟"
رد عمر بجدية وكبرياء حاد:
"اصبر على رزقك، لسه في بينا كلام، بس سيبني معاها."
أومأ الممرض بالموافقة قائلاً:
"بس الله يرضى عليك ما تتأخر يا باشا، الدكتور لو مر على الأوض وشافك هيقلب الدنيا."
لم يرد عمر عليه وهو يدلف. دخل الغرفة، كانت ذات اللون الأبيض، كل شيء بها بارد ومخيف.
نظر لتلك الجالسة فوق الفراش تضم جسدها بخوف. سحب كرسياً ليجلس بجوار الفراش قائلاً:
"موجودة في المكان اللي يناسبك يا عصمت هانم."
رفعت رأسها وهي تستمع لذلك الصوت الذي تبغضه قائلة بسخرية:
"عمر الرشيد."
أومأ له قائلاً بابتسامة:
"عمر الرشيد. ها قوليلي إيه رأيك في الإقامة في مستشفى المجانين؟"
ردت عصمت بحقد:
"انت فكرك أنا هفضل هنا يا عمر؟ تبقى بتحلم. الدكتور هيثبت إن سليمة ومفيش حاجة، وهخرج حتى لو اتحبست ودخلت السجن مش هيفرق عندي."
صدحت ضحكته الرنانة أرجاء الغرفة قائلاً:
"تخرجي؟"
لا يا عصمت، دا انتي اللي بتحلمي. اوعي تكوني فاكرة إن السجن مصيرك. تؤتؤ، اصل نسيت أقولك إن أنا رشيت الدكتور والتقرير بتاعك جاهز إنك مجنونة. وصحيح، هيعفوكي من السجن اللي ورا القضبان، لكن مش هيعفوكي من السجن بين أربع جدران. سجن جلسات الكهربا، ولا أدوية الاكتئاب. والأهم هو فلوسك. نسيت أقولك، فلوسك أنا اتبرعت بيها لجمعية كبيرة هيعملوا مشروع للشباب.
صرخت عصمت بهسترية وعادت للبكاء والصراخ الجنوني:
- لا يا عمر، بلاش الفلوس علشان خاطر بيلا. اديني فلوسي. مش مهم أخرج، بس اديني فلوسي. فلوسي، فلوسي.
- فلوسي لا يا عمر، انت قلهم دي حقي أنا.
نظر لها باشمئزاز قائلاً:
- إنسانة حقيرة وزبالة. أد إيه الفلوس عمية عنيكي. روحي يا عصمت، ربنا ياخدك. بس لا، مش بسهولة كدا. اللي عملتيه في بيلا وفي ملك، هتدفعي تمنه طاق طاقين. أنا بقى مجهزلك برنامج هيعجبك أوي. بين كهربا وأدوية هلوسة واكتئاب وحبس انفرادي في الأوضة دي. لا لا، متقلقيش، هيعجبك. صحيح نسيت أقولك، أمك ماتت. تفيدة خانم مستحملتش وماتت من يومين. وعلشان أنا بعرف في الأصول، دفنتها في مقابر العيلة. رغم إن اللي زيكم ميستاهلش، بس اللي أمك عملته، انت هتدفعي تمنه. ضيفي عليه حسابك يا عصمت.
كانت تصرخ بهسترية مرددة تلك الكلمات:
- فلوسي، لا يا عمر، فلوسي.
نظر لها باشمئزاز وكره، بينما ظلت تردد كلماتها بجنون حتى فقدت الوعي.
لم يهتم كثيراً وهو يغادر الغرفة، لكنه لن يتركها إلا عندما تتألم وتصرخ كل يوم وكل ليلة.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السابع والستون 67 - بقلم دعاء احمد
أنا هنا تائهة وحدي، كل الذكريات السيئة تلاحقني، كيف لقلب ملئ بالغبار أن يزهر عند رؤيتك؟
***
تركض في تلك الغابة المظلمة وحدها، تركض بأقصى سرعة لديها نحو شعاع النور، الغبار يملاء المكان، تلك الأشجار السوداء تدب الرعب بقلبها، حتى تلك البركة ذات المياة الملوثة، تلك الأصوات تجعلها تزيد من سرعتها، شعرها الاسود يتناثر حول وجهها، دقات قلبها و أنفاسها الحارة تتعالى الأصوات، تركض بأقصى سرعتها.
حاولت زينب الهروب من ذلك الظلام الذي يلحقها، ما أن أقتربت من النور وجدت نفسها تقف في صحراء خالية من البشر، أمامها البحر و خلفها تلك الغابة، وهي بينهما تقف مذعورة خائفة.
وضعت يديها على اذنيها و هي تصرخ من شدة الألم الذي تشعر به و الوحدة الذي تعم ذلك المكان.
جلست أرضا على تلك الرمال، وجدت يدي تمد اليها، رفعت رأسها تنظر له.
ملامح حزينة وعيون خضراء مطفية، ظلت تتمعن النظر اليه بارتياب، رفعت يديها لتمسك يده لكن تناثر رماده فجأة و اختفى تلاشي كأنه لم ياتي.
شهقت زينب فجأة بذعر في تلك الغرفة المطلية بالون الأبيض، كانت تتنفس بسرعة و ذعر و هي تحاول استيعاب ما يحدث، قبل أن تقوم بإزالة جهاز التنفس الصناعي منافذ تنفسها، دموعها هبطت و هي تدرك انها نائمة في تلك الغرفة و كل ذلك كابوس.
دلف الممرضة الي الغرفة بسرعة، ابتسمت بسعادة قائلة:
- حمدالله على السلامه يا مدام زينب، كلهم كانوا قلقنين عليك.
حاولت زينب النهوض الا أنها تأوهت بألم لتصع يديها على بطنها قائلة بفزع و دموع:
- أولادي؟
ربتت الممرضة على كتفها قائلة باهتمام لتهدء من روعها:
- متقلقيش هم كويسين، احنا دخلنهم الحضانة بعد الولادة بس الحمد لله كويسين.
سألتها زينب بارهاق و تعب:
- هو ايه اللي حصل؟ فين بيلا؟ و صالح و الولاد؟
ردت الممرضة بهدوء قائلة:
- الولاد بخير الحمد لله و هما مع بشمهندس صالح في الاوضة اللي جانبنا دي مع الولاد، أنت جيتي المستشفى من اكتر من اسبوعين في حالة ولادة مبكرة، كنتي خلفتي في مستشفى المنصورة و للأسف لان الولادة كان فيها إجهاد كبير فقدتي الوعي و اتشخصت غيبوبة مؤقته، مدام بيلا كانت هنا لكن نزلت الكافتيريا مع عمر بيه والد حضرتك.
التمعت عيون زينب بالدموع قائلة بلهفة:
- بابا؟ أنا عايزه اشوف صالح و الاولاد.
اومأت لها الممرضة بالموافقة قائلة بهدوء:
- هروح اقول للدكتور و لصالح بيه.
كادت ان تغادر الا ان زينب قالت بجدية:
- خديني لصالح، أنا كويسة و هقدر اقوم.
ساعدتها الممرضة في النهوض، كانت تتحرك ببطئ و تعب، لكن رغم المها كان قلبها متلهف لرؤية أطفالها و زوجها و كم اشتقت له، كانت بين كوابيسها المظلمة تفتقده و تفتقد دفء احضانه، تفتقد شعور الأمان.
في نفس التوقيت.
دلف عمر الي ذلك الممر الطويل متجه نحو غرفتها رغم شعوره بالحزن و قلبه الذي يتألم، كم يتمنى ان يغمرها بحبه الذي افتقدته طوال حياتها.
خرجت زينب من الغرفة رفعت رأسها تنظر لذلك الذي يقترب منها بخطوات ثابته واثقة و هيمنة شخصيته تغلفه.
ازدادت نبضات قلبها حتى كادت ان تسمعها، افلتت يديها من يدي الممرضة و هي تتجه نحوه و عيناها الرمادية التقت من رماديته الجميلة.
شعر عمر بارتجاف اوصله كلما اقتربت المسافة بينهما، ايا ليت لم يكتب علينا الفراق، تراكمت طبقة طفيفة من الدموع بمقلتيهما.
وقفت زينب أمامه و عيناها تشمله بنظرة متالمة، عيونها ذرفت الدموع على غير هدي و هي ترى عمر يفتح ذراعيه لها، ألقت بجسدها بين ذراعيه تشهق بذعر و هي تتشبث به بقوة.
ظلت يديه معلقة في الهواء وهي تتمسك به بقوة، انسابت دموعه قبل أن يضمها بقوة حتى كاد أن يدفنها بين ذراعيه قائلا ببكاء و قلبه يكاد يبكي:
- حقك عليا يا ملك و الله العظيم حقك عليا و على قلبي، يشهد رب العالمين اني كنت بتعذب، عمري ما تخيلت ان أقرب الناس ليا هم اللي يطعنوني في قلبي و ياخدوك مني، لسه فاكر اول مرة شيلتك فيها بعد ما اتولدتي وقتها حضنتك و قلبي ارتعش هو نفس الشعور اللي انا حاسس بيه دلوقتي، فاكر اول مرة سمعت نبضك وقتها كنت خايف معرفش ابقى اب كويس ليك لكن ربنا حرمني منك قبل حتى ما اشوفك، حقك علي عيني وثقت في ناس موتى كان حلمهم و فلوسي كانت امالهم، لو كنت اعرف ان الفلوس قصدها بعدك عني والله كنت رميتهالهم بدون لحظة تفكير.
اغمضت زينب عينيها بتثاقل و تعب قائلة:
- عارف انا كم مرة احتاجت ليك بجد، عارف كم مرة خفت من كلام الناس، عارف كم مرة خوفت اكون بنت حرام.
صرخ عمر بحدة و هو يربت على ظهرها يحنان:
- كدب و افتراء اي واحد يقول كلمة وحشه في حق بيلا يبقى معندوش دين، يعلم ربنا ان مقربتش منها الا وهي على ذمتي و بعلم أهلها و أخواتها و جدتها و أدام ربنا و الناس كانت مراتي و حبيبتي و أنت كنتي أغلى ما عندي و هتفضلي حبيبتي الحقيقة، أنا تعبت لسنين طويلة اوي، كنت لوحدي لا عرفت انسى بيلا و قدرت اتخطى بعدك و فكرة انك مت كانت بتقتلني بالحياة، لكن خالص معدش في بعد تاني و لا وجع خالص هنرجع تاني أنا و أنت و هحضنك و اطبطب على قلبك لما تزعلي و أنت هتفضلي معايا و مش هتبعدي تاني ابدا.
رفعت ملك رماديتيها تنظر له مررت يديها على ذقنه الخفيفة قائلة بدموع و خوف:
- انا عندي أم و أب مش لوحدي و مش هبقي لوحدي تاني مش كدا؟
سألته بخوف ورجاء يجعل القلب ينفطر لأجلها. حاوط عمر وجهها بين يديه مقبلًا قمة رأسها بحنان:
"مش هتبعدي تاني ولا هتكوني لوحدك مهما حصل، كفاية كل السنين دي، كفاية أوي."
كادت أن تسقط مع شعورها بالدوار، بينما قام عمر بحملها. كم رسم بعقله ذكريات جميلة بالماضي، بنى عالمًا بأكمله لها، كان يحلم بأن يكون أبًا لها، تمنى حملها واللعب معها، تمنى أن يحيي معها شبابه وطفولتها، إلا أن القدر كان له رأي خاص.
أسندت برأسها على صدره لا تخشى شيئًا، وكيف تخشى بعد أن وجدت عائلتها. كل الدموع التي انهمرت على وجنتها كانت سبيلها للراحة، لكن الآن تلك الدموع ما هي إلا سعادة.
وضعها عمر بالفراش وجذب الغطاء عليها قائلًا بسعادة:
"بيلا هتفرح أوي أوي لما تعرف إنك فوقتي."
ردت زينب بسرعة وفزع:
"بابا أنا عايزة أولادي."
تنهد براحة ثم مال عليها مقبلًا وجنتها قائلًا:
"هجيبهم لك."
أومأت له ليخرج من الغرفة. وضعت يديها على عينيها وهي تبكي، لا تعلم لماذا، فقط هو شعور بالسعادة يغمرها بضراوة.
في الغرفة المجاورة.
كان صالح ينام على كرسي بجوار الفراش ويستند برأسه على حاجز الفراش الذي عليه أطفاله الثلاثة ينامون بهدوء. ثلاثة أطفال وكأنهم ثلاث ملائكة، النظرة لوجوههم تعطيك الكثير من السعادة والراحة.
بينما وضع يديه على الفراش، فأخذت فتاة منهم تمسك بإصبعه وهي نائمة براحة، وهو كذلك.
فتح عمر باب الغرفة ودلف إليها بهدوء. اخفض بصره ينظر لصالح بنظرة مبهمة. شعر ببعض الارتياح نحوه رغم شعوره بالغضب منه فيما قبل، ربما لأنه تمنى أن يختار زوج ابنته بنفسه، يختار شخصًا يثق به ويعرفه، لكن ذلك المشهد الذي يراه أمام عينيه، وخوفه عليها في الفترة الماضية واهتمامه بها جعله يشعر ببعض الارتياح نحوه.
رفع يديه ليوقظ صالح قائلًا بجدية:
"صالح، صالح."
عقد ما بين حاجبيه بنوم وهو يفتح خضراوتيه قائلًا بفزع:
"زينب حصلها حاجة؟"
"بعيد الشر، الحمد لله فاقت."
خفق قلبه بضراوة، والتعت عيناه بلهفة ليقول برجاء:
"فاقت... أخيرًا."
سحب يديه برفق من قبضة الصغيرة ثم غادر الغرفة دون تمهل. دلف بسرعة إلى الغرفة المجاورة حيث توجد زينب (ملك)، كانت مغمضة العينين تبكي كلما تذكرت ما مضى.
إلا أن دخوله المفاجئ جعلها تفتح عينيها، وما أن فتحتهما وجدته يجلس بجوارها، جذبها نحوه محتضنًا إياها بقوة، لتندس بين ذراعيه تشعر بالأمان والحب، رغم أنه لم يعرف هويتها، إلا أنه أحبها كما هي، أحبها هي، لم يحاسبها على شيء ليس له يد به كما فعل الناس، هو أحب روحها البريئة، لم يكتثر بكلام الناس عنها، فقط أرغم قلبه على حبها.
لم يعايرها يومًا بأنها لقيطة أو ما شابه، فقط انغمس في عشقها وأحب الحياة برفقتها، عاملها وكأنها فعلاً وصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
كادت أن تختفي بين ذراعيه ليقول بصوت متحشرج أثر مشاعره:
"هونت عليك وهان عليك قلبي توجعيه."
لم تستطع الإجابة، في حين دفنت وجهها بعنقه وشعرها يتناثر، بينما لطخت الدموع وجهها، تشبثت بعنقه بقوة حتى أنها لم تستطع قول كلمة واحدة من بين شهقاتها.
رد صالح بطريقة لم تعهدها من قبل قائلًا بلهفة:
"قبل أن ألقاكي ظننت أني أغلقت على قلبي ألف باب، ولكن أتيتِ أنتِ فجعلتيه متمردًا عليّ وأعلن الخضوع لكِ، كأنك قد أرويتِ ضلوعي عشقًا فبات قلبي متيمًا بكِ."
مر الوقت دون الاهتمام كم مر عليهما. فتحت زينب رماديتيها قائلة بلهفة:
"لا هان عليا قلبك وهان عليا أنك تتوجع، لكن أنا تعبت يا صالح، وخايفة، خايفة من الدنيا اللي عمالة تديني فوق دماغي، وخايفة من اللي جاي."
وضع يديه على فمها يمنعها من الاسترسال قائلًا بثقة:
"مش مهم والله مش مهم، مش مهم أي حاجة أيًا يكن اللي جاي مش مهم، مش مهم لو طلعتي بنت ذوات ولا بنت بلد، لأن القلب دق وأعلن عليكِ عشقه، سواء كنتِ بنت عمر الرشيد فهتكوني بنت ذوات، أو سواء كنتِ زينب بنت البلد اللي مفيش زي قلبها. أنتِ مراتي وحبيبتي وأم أولادي، مش هنتكلم في أي حاجة خالص، سيبك من اللي فات ارميه كله وراء ضهرك وخليك معايا. عارفة في الأسبوعين اللي فاتوا كنت خايف أوي، كنت خايف كل ما واحد من الأولاد يعيط ومعرفش أعمله حاجة وأنا عارف ومتأكد إنه محتاجك أنتِ ومحتاج حضنك. زينب أو ملك أيا كان، أنا وهما مش هنعرف نكمل من غيرك، ولو كملنا هيبقى صعب ومليان وجع. خليك معانا. يشهد ربنا أنك أول واحدة قلبي يدق لها بالطريقة دي، أول واحدة تخطف مني راحتي، أنا عايزك وعايز أكمل معاكي حياتنا ولآخر نفس."
مع كل حرف وكل كلمة صادقة قالها كان قلبها يخفق وبشدة ودموعها تتلألأ. رفعت يديها تمسح دموعها وهي تومئ له بالموافقة.
تنحنح عمر وهو يدخل الغرفة يحمل بين يديه أحفاده.
أخذت زينب نفسًا عميقًا حتى انحبست أنفاسها وهو يقترب، أعطاها الفتاتين بينما أخذ صالح الولد منه.
ظلت تنظر لهم بعيون باكية ولهفة، بينما الصغيرتان يحدقان بها بطريقتهما الطفولية والعفوية. رفعت إحداهما يديها تلمس وجنة زينب. انسابت دموعها قائلة بحنان وهي تقترب من صالح تنظر لابنها:
"بسم الله ماشاء الله، شكلهم حلو أوي يا صالح."
ابتسم صالح بسعادة قائلًا:
"بيلا وحياء، إيه رأيك؟"
رفعت رأسها تنظر إليه، ابتسمت قائلة بحب:
"تعرف إن أسماءهم مميزة وجميلة. طب والولد؟"
رد بهدوء قائلًا:
"اختاري أنتِ اسمه."
"يونس، أنا بحب الاسم دا."
صمت صالح للحظات ثم اتسعت ابتسامته قائلًا:
"يونس صالح جلال الشهاوي. ربنا يبارك فيهم يا زينب."
كان عمر يتابعهما بوجه خالي من التعابير، لكن سعادته حقًا تكمن بقلبه. خرج من الغرفة بهدوء.
في الكافتيريا.
تجلس بيلا بجوار مريم التي تصالحت معها مؤخرًا وصفا التي كانت تتحدث بينما الأخرى لا تستمع لها. كانت شاردة الذهن وعقلها يسترجع كل الذكريات من بداية لقائها بعمر في قصر الرشيد إلى ذلك الوقت.
تذكرت أول مرة التقت به وأول مشاجبة بينهما. تذكرت تناولهما الطعام معًا، وذلك المبلغ ألف جنيه. تذكرت والدها وجدتها، وحفلة الخطبة التي كسرت قلبها، وأيضًا كيف تزوجته. أول مرة استمعت فيها لنبضات قلب طفلتها، والجزء الأسوأ في الحكاية حين انقلبت حياتها رأسًا على عقب بسبب أفعال تلك الحية. والآن حال ابنتها.
لا تدري كيف انسابت دموعها من مقلتيها. لاحظت مريم شرودها لتقول بجدية وخوف:
"بيلا أنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟"
لم تستطع التحدث، بينما وضعت يديها على وجهها، في حين علا صوت شهقاتها وازداد توهج وجهها الأحمر، كانت تبكي بفزع، تغمغم ببعض الكلمات غير المفهومة.
نظرت صفا لمريم بارتياب، تبادلتها، ثم وجهت نظرهما نحو بيلا. حتى كادت صفا أن تسألها عن سبب بكائها، لكن مع دخول عمر بطلته المسيطرة على الجميع، صمتت صفا وقررت الانسحاب هي ومريم.
عقد عمر ما بين حاجبيه وهو يخرج يديه من جيب بنطاله، وجه بصره نحو تلك القابعة على كرسيها مغطية وجهها بيديها.
تلاشت المسافة بينهما ليقف عمر يحاول أن يستشف سبب بكائها، مرت بضعة ثوانٍ فيها كاد قلبه أن يتمزق.
جلس أمامها على ذلك الكرسي المقابل لها قائلًا بخوف:
"بيلا كفاية دموع الله يرضي عليكِ. كفايه دموع لأن قلبي بقى يوجعني وأنا شايف دموعك."
رفعت وجهها له لتقول من بين دموعها واتجاه قلبها:
"إحنا السبب يا عمر. كان ممكن تكون بينا، كان ممكن تكون عايشة حياة أفضل من اللي عشتها. بنتي أنا رغم كل اللي أملكه واللي أنت تملكه اترميت في الشارع. رغم كل حاجة بابا كان عنده حق يبعدنا، جايز كان شايف إن العلاقة دي فاشلة. هو كان عنده حق. يمكن لو مكنش عنادنا كانت كل حاجة هتبقى كويسة. كان ممكن يكون لينا أمل نعيش سوا في النور. كانت هتبقى عايشة دلوقتي مش بين الحياة والموت."
رغم أن حديثها منطقي وحقيقي، إلا أنه شعر بالحزن ليقول بنبرة جامدة عكس ما بداخله:
"أنتِ ندمانة على جوازنا يا بيلا؟"
رفعت رأسها تنظر إليه مجيبة بصدق:
"خايفة أقول آه تزعل مني وتفكر إني محبتكش، لكن يعلم ربنا إن الحقيقة إني حبيتك وكنت موافقة أكمل معاك الطريق دا بكل مشاكله، لكن في بنت في النص بينا اتأذت واتوجعت. أنا ندمانة على الشكل اللي اتجوزنا بيه. بابا لما رفضك أول مرة كان ممكن يوافق تاني أو تالت، أو على الأقل نبعد ومننجرحش أوي كدا. يمكن لو كان جوازنا بمعرفته مكنتش عصمت تعمل اللي عملته دا."
قاطعها عمر بحدة وصرامة مخيفة:
"اللي قلبه مليان سواد ميفرقش معه في النور ولا في الضلمة. عصمت حتى لو كان جوازنا رسمي قدام العالم كله كانت وقتها برضو هحاول تأذينا، وللأسف هي عرفت تأذيني في أغلى ما عندنا. شوفي يا بنت الحلال أنا هفضل أحبك لحد الموت، ولو العالم كله وقف قدامي علشان أبطل أحبك مش هيقدروا. علشان كدا عايزك تكوني معايا بس المرة دي في النور قدام الكل، أنتِ وملك وأحفادنا، فاهمه؟ بدون خوف من أي حد."
أبتسم برفق قائلاً بابتسامة عابثة:
- طب ياله بقى مش عايزه تشوفي زينب؟ مش عايزه تقعدي مع بنتك؟
استقامت فجأة قائلة بارتباك:
- هي فاقت؟
وضعت يديها على شفتيها بحركة مباغتة له ليقول بهدوء:
- فاقت، ياله بينا.
نهض هو الآخر أمسك يديها بينما كانت تسير بخطوات مسرعة على غير هدى. قلبها هو من يقودها، تلاشى كل شيء فجأة، كل الحزن، فقط تتمنى لو تلاشت أيضاً المسافة بينهما، والتقيت بها محتضنة إياها.
مرت عدة دقائق.
وضعت يديها على مقبض الباب، فتحته بسرعة دون الانتظار لحظة أخرى.
تراكمت الدموع في عينيها وهي ترى ملك تجلس بجوار صالح وهي تحمل ابنتها. تمنت للحظات لو كانت تحظى بمشهد كذلك بموافقة أبيها.
نهض صالح بهدوء وخرج من الغرفة تاركاً لهما مساحة للتحدث. خرج عمر خلفه يعلم أن تلك اللحظة خاصة من نوعها. فقط هي من حق بيلا التي حُرمت من ابنتها الوحيدة لسنوات.
نظر صالح لعمر بهدوء دون أن يتحدث.
اقتربت بيلا من ملك بارتجاف. جلست بجوارها، حتى أن زينب لم تتحدث بكلمة، لكن لم تستطع امتثال الصمت لوقت أطول من هكذا وهي ترى بيلا تبكي وتضع يديها على وجهها كعادتها عند البكاء والحزن.
رفعت يديها لتلمس بكف أمها. حاوطت وجهها بابتسامة مشرقة وأنامتها تمتد لتمسح دموعها قائلة بحب:
- ممكن تبطلي عياط علشان أنا كمان هعيط، وأنا عيطت كتير أوي في حياتي من وقت ما كنت طفلة. لكن أنا خالص مبقتش طفلة، كنت مؤمنة أن هيجي يوم وأفرح وألقى بيتي، كنت بس مستنية معجزة في حياتي، محدش كان مصدق إني هلقيها، لكن أنا كنت مؤمنة. معجزتي الحقيقة كانت صالح وفجأة كل حياتي اتغيرت. وبعد كدا عرفتك، إحساسي وأنت واخدني في حضنك كان كفيل إني أبقى كويسة. ودلوقتي أنا وأنت مع بعض. أنا كنت محتاجك أوي يا ماما، أوي. أنا مكنتش عايزة أي حاجة غير حضنك، ومن بعد كدا مكنتش عايزة حاجة. أنا عارفة أنك اتعذبتي وتعبتي في حياتك، لكن خالص يا ماما علشان خاطري أنا. أنا تعبت من الدموع وقلبي فاض بيه الوجع. أنا بس محتاجك معايا تعلميني إزاي أربي أولادي، أنا مش عايزة أشحت الحب من حد تاني. كفاية أنك تكوني معايا، والله العظيم كفاية عليا.
أنهت حديثها وهي تشعر بدموعها على وجنتيها. أبعدت يديها عن زينب تمسح دموعها وأبتسامتها تزين وجهها. أما بيلا جذبت ملك لحضنها وأغمضت عينيها. ظلت لوقت طويل هكذا. ظلت تفتقدها لسنوات مريرة ومؤلمة.
صدح بكاء أطفالها لتبتعد بيلا عنها وهي تنظر لهم بسعادة ممزوجة بالدموع قائلة:
- بسم الله ماشاء الله، حلوين أوي يا ملك. هتسموهم إيه؟
ردت زينب وهي تحمل أحداهما قائلة بابتسامة:
- يونس وحياء وبيلا.
ابتسمت بيلا بحنان وهي تمرر يديها على وجنة ابنتها، ثم نظرت للأطفال بهدوء ونظرة اشتياق لاحظتها زينب.
تنهدت براحة قبل أن تضع طفلها بين يدي والدتها قائلة بحب:
- شيليه، هو صغير أوي.
اللمعت عينيها بطبقة طفيفة وهي تضع يديها تحت رأسه الصغيرة وهو يغمض عيناه بنعاس. شعرت بانتفاضة قلبها وهي تضم حفيدها لقلبها، هو الشعور الأجمل بالحنان والدفء. اقتربت من زينب تضمها بسعادة وبيديها الأخرى تحاوط يونس. قبلت أعلى رأسه قائلة بحماس:
- لازم نعملهم سبوع كبير ونشتري سوا هدوم ليهم ولعب كتير أوي. هنشتري كل حاجة سوا.
أومأت ملك بسعادة وهي تمحي بقايا الدموع عن وجنتيها قائلة:
- حاضر، هنعمل كل حاجة سوا.
ردت بيلا بسعادة وكأنها عادت لشبابها الضائع:
- لازم أعرفك على محمود ومريم أخواتي، وكمان عمتك صفا. هما كمان هيحبوكي أوي أوي يا زينب.
في نفس التوقيت.
صدح صوت طرقات على الباب لتسمح بيلا للطارق بالدخول.
ابتسمت حياء برفق وهي تدخل الغرفة قائلة بمزاح:
- أخيراً، وحشتني أوي أوي يا زينب. كل دي غيبوبة يا بنتي، لو بتختبرينا مكنتيش هتغيبي عننا كل دا. ألف حمدلله على السلامة.
قبلت رأسها لتجيب زينب بحب:
- الله يسلمك يا ماما. تعرفي إنك واحشني أوي أوي كمان، وكلكم وحشني. إيمان وعمي جلال وعائشة وطنط شهد، كلكم وحشتوني أوي.
ردت حياء باهتمام:
- المهم إنك معانا خالص يا زينب. إيه الجمال دا يا بيلا، بس مش لايق عليك الدموع خالص.
مدت أناملها تمسح بقايا الدموع قائلة بحماس:
- عايزين بقا نقعد مع بعض كتير أوي. في حاجات كتير لازم نتكلم فيها ونعملها سوا، وكمان لازم ننزل نشتري حاجات كتير سوا. ياه، أخيرا أنا وشهد هنلاقي حد كمان نغتت عليه.
ابتسمت بيلا قائلة بحب وامتنان:
- شكرًا يا حياء. من قبل حتى معرفتي إن زينب تبقى ملك، وأنت كنتي دائمًا تزوريني، ودلوقتي وبعد اللي عملتيه مع ملك، أنا لو طلبتي عمري هديهولك من غير تفكير.
ردت حياء ببساطة وهي تهز كتفها بلا مبالاة طفولية:
- سيبك من كل دا. أخيراً هقدر أعمل حماة مفترية عليكي يا زينب. ياااه، منتهي السعادة.
قالتها بنبرة مرحة جعلت الاثنان يضحكان، في حين حملت حياء حياء الصغيرة وهي تدندن إحدى الأغاني الأجنبية.
في تلك اللحظة شعرت زينب بأن الله جبر قلبها وخاطرها.
في أحد المساجد بالإسكندرية.
ابتسم باسل بحزن وهو يدلف لداخل المسجد بعد معاناة طويلة مع نفسه، فقد قادته الطرقات إلى ذلك المكان، ربما يكون تأخر لكنه وصل أخيراً.
توجه نحو مكان الوضوء ثم عاد بعد وقت إلى حيث يصلي الناس كلهم في اتجاه القبلة.
بدأ في أداء فرضه يشعر بثقل ضخم يطبق على قلبه. يشعر بالحزن والاضطراب، الوحدة فقط. هو فقد نفسه بين دروب الحياة. والآن يتمنى لو جمع شتات قلبه وروحه.
أين يذهب، في حين أغلق كل أبواب الماضي. لم يكن أمامه سوى ذلك الباب المفتوح دائماً ولا يغلق في وجه أي شخص، لأن الطريق لا يحتاج لوسيط أو لمفتاح، فقط يحتاج إلى قلب صادق.
أنهى صلاة فرضه ثم جلس. ساد الصمت حوله لكن لم يشعر بذلك، فقط هناك نزاع بين شقي قلبه وعقله وهو بينهما ضائع.
ابتسم شيخ المسجد وهو يجلس بجواره، وهو رجل يبدو في نهاية العقد السادس من عمره بشوش الوجه.
- اذكر الله.
رفع باسل رأسه ينظر لذلك الرجل ليكمل الآخر ببشاشة:
- طول ما أنت فاضي اذكر الله. ذكر الله حماية وحصن من أبواب الشيطان. جواب سؤالك موجود جواك وفي كل ركن في المسجد هنا.
ضيق باسل المسافة بين حاجبيه قائلاً بارتياب:
- سؤال إيه؟
رد الآخر ببساطة وحلم:
- القاعدة اللي أنت قاعدها دي والحيرة اللي جواك واللي جابتك برجليك لحد هنا. الله وحده أعلم بسببها، لكن اللي بيجي هنا بيكون عايز يرتاح. شوف يا ابني، أنت صغير وباب ربك دايماً مفتوح، مبيتقفلش أدام حد شغوف وعنده إيمان بيه. طب تعرف الخير كله موجود في قلب الإنسان زي ما الشر كمان موجود، لكن هو بعزيمته يقدر يوجه نفسه ويقومها. يقع ويقوم.
رد باسل بهدوء قائلاً:
- بس أنا تعبت. تعبت، دورت على الدكاترة النفسيين. دورت على الحب، قلت يمكن أقدر أنسى اللي تعبني وأتعافى، لكن لسه تايه وخايف.
ربت العجوز على كتفه باهتمام قائلاً:
- الدنيا دار ابتلاء، لازم تتعب علشان لما تقوم تحس بحلاوة ولذة التعافي. مع إن مفيش حد منا كامل، الكمال لله وحده. لكن ربنا بيرزق الإنسان سكينة ولطف في قربه. قرب من ربنا وأنت هتعرف إن الحياة في قربه لذة. سامح اللي وجعوك وبلاش تجرح اللي حبوك من قلبهم. دور بين الدروب على اللي ضايع منك وانسى الكره. سامح وبلاش توجع أو تجرح أو تكسر بقلب حد، لأن ربنا ميحبش كسر الخواطر والقلوب.
ابتسم باسل بهدوء ولاحت عليه ذكرى نورهان. لما يشعر بالحزن اتجاهها. لما شعر بالألم من فراقها.
رد العجوز قائلاً بابتسامة:
- ابدأ بكتاب الله العزيز، فيه كل الأجوبة على كل اللي بيدور جواك، وإن شاء الله تلقى اللي ضايع منك.
تركه ثم غادر المكان، في حين بقى باسل يفكر فيما قاله. ربما هو محظوظ، حتى إن كان الحب يعافي المرء. لكن من وضع الحب في قلوبنا يستحق منا أن نتقرب إليه، لأن المرء يتعافى بقربه من الله.
بعد مرور ستة أيام.
عاد صالح وزينب برفقة عمر وبيلا إلى الإسكندرية، وعادت الحياة إلى منزل آل "الشهاوي".
أما عمر وبيلا فقد بقيا طوال الفترة الماضية برفقة زينب، حتى أنه أصر بالبقاء معها في منزلها هي وصالح، وأمر صالح بالذهاب لمنزل والده. في البداية رفض صالح الأمر وبشدة ورفض تحكمات عمر، إلا أن جلال أرغمه على الموافقة ليعطي لزينب وبيلا الفرصة للتقرب من بعض.
توجه صالح نحو شقة والديه بملامح وجه هادئة مرتخية. دلف الشقة فوجد والديه يجلسان سوياً وهما يمازحان بعضهما. تبدلت ملامح وجهه إلى أخرى غير راضية، ثم اقترب منهما وفجأة ارتمى على الأريكة، يفصل بين جلوسهما سوياً. طالعه جلال بتعجب وهو يقول بنبرة ساخطة:
- دا إيه دا إن شاء الله؟ قوم خش أوضتك يا حبيبي.
رد صالح عليه بنبرة مقررة:
- مش قايم، وهفضل زي العازول بينكم كدا علشان تحس بيا وأنا مراتي معايا في نفس البيت ومش عارف أشوفها.
تدخلت والدته تقول بنبرة امتزجت بضحكاتها:
- يلهوي يا صالح، أنت لسه زعلان؟ خلاص بقى حصل خير وهي مش بعيدة عنك يعني. دي مع أمها في شقتك فوق.
طالعها هو بملامح وجه ساخطة وهو يقول بتهكم:
- يا سلام؟
طب ما هي كانت معايا في أوضتي لازمتها إيه من الأول بقى؟ مش عارف اللي اسمه عمر دا ظهرلي من أي مصيبة.
رد عليه والده بنبرة مشفقة على حال بيلا:
"علشان بيلا يا صالح، كان نفسها تنام في حضن بنتها. أنت بنفسك ما صدقت زينب تبقى معاك، ما بالك هي بقى اللي بقالها سنين بعيدة عن بنتها؟"
زفر بقوة، ثم عاد بجسده للخلف فوجد والده يقول مقرراً:
- "قوم نام يلا علشان بكرة عندك شغل كتير في الوكالة. أنا هفضل معاهم هنا علشان الحاجات اللي هيحتاجوها للسبوع. يلا قوم."
رد عليه هو معانداً:
"مش هقوم وهقعد مع أمي وهحضنها كمان. قوم أنت يا بابا."
رد جلال بتهكم:
- "نعم يا عين أمك. قوم يالا أدخل جوة."
رد عليه هو بنبرة مقررة لا تقبل النقاش:
"لأ مش داخل وهو عاند معاك. وكلمة كمان هاخد ماما ونروح بيت جدتي نقعد هناك يومين حلوين ونسيبك تبكي على الأطلال."
رد عليه والده بحنق:
"خلاص خليك مرزوع لحد ما تنام مكانك. أنا مالي، أنت حر."
ابتسم له باستفزاز، ثم رفع ذراعه يحتضن حياء وهو يقول معانداً له:
"تعالي في حضني يا حبيبي. هيبقى لا أنت ولا مراتي تيجي تنامي جنبي النهاردة."
قبل أن ترد عليه بوجهها المبتسم رد عليه والده بحنق:
"أنت هتستهبل يالا؟ تنام فين؟ شكلك اتهبلت."
رد عليه بلامبالاة:
"أمي وهتنام في حضني، فيها إيه؟ ولا هو حلو ليك أنت بس يعني."
قبلت والدته وجنته ثم قالت تمازحه:
"حبيب قلبي يا ناس. ربنا يباركلي فيك ويسعدك يا حبيبي."
احتضنها وهو يراوغ حاجبيه لجلال الذي سخر منه وهو يقلد طريقته. وفي تلك اللحظة خرجت إيمان من غرفتها برفقة يوسف الذي قال بتهكم حينما رأى وضع صالح ووالدته:
- "دا إسمه إيه إن شاء الله؟ مش مكسوف على طولك؟ طب حتى يا جدع اعمل حساب إنك عندك عيال."
ردت عليها حياء بحنق:
"أنت مالك يالا؟ هو حاضن أمه، مزعل نفسك ليه؟"
رد عليه بلامبالاة:
"أنا مالي، خليه يحضنك. ماهو يعيني من ساعة ما بيلا خدت منه زينب وهو مش طايق نفسه."
رد عليه صالح هو بنبرة هادئة:
- "قول لعمك بقى علشان مش مصدق. قال إيه سيبها يا صالح تبات مع أمها. طب ما أنا بسببها بالنهار وبروح الشغل، خليها معها بالنهار لا بليل كمان لازم تفضل معها."
أبتسم يوسف بشماته وحب أخوي نقي:
- "ياااه صعبت عليا يا صلوحة، حقيقي هعيط من التأثر. تعالي بقى يا إيمان علشان عايزك في موضوع مهم جدا."
عض صالح على شفتيه بغيظ قائلاً:
- "عجبك كدا يا حج؟ الواد دا يشمت فيا كدا."
أبتسم جلال بخفة وهو ينهض من فوق الأريكة جاذباً حياء من يديها قائلاً بنبرة مغيظة:
- "تصبح على خير يا صلوحة. ياله يا قلبي لأن هموت وأنام."
نظر له صالح بحدة وهو يراه يدلف لغرفته. جلس متربعاً على الأريكة قائلاً بنرفزة:
- "خدها يا خويا خدها وأنا هفضل قاعد كدا لوحدي كتير. طب أدعي عليك ويقولوا الواد اتجنن بيدعي على أبوه."
في شقة صالح
ابتسمت بيلا بسعادة وهي تجلس على الفراش بعد أن نام الثلاث أطفال براحة. وضعت الوسادات من حولهم بحماية، ثم نهضت من فوق الفراش متجهة نحوه الأريكة. قامت بتشغيل التلفاز على أحد أفلام ديزني. في نفس توقيت خروج زينب من الحمام بعد أن بدلت ثيابها إلى بجامة قطنية مريحة وأخذت حمام دافئ تريح أعصابها من عناء اليوم مع أطفالها.
ابتسمت بهدوء لتقول بنبرة مريحة:
- "أخيراً نامت. أشك إن البنت دي تطلع هادية، حاسسها هتبقى شقية أوي."
ردت بيلا بحماس قائلة:
- "وطي صوتك. تعالي نتفرج على التلفزيون سوا."
جلست زينب بجوارها قائلة بهدوء وخجل:
- "هو صالح نازل ينام تحت؟"
لكزتها بيلا في كتفها قائلة بمرح:
- "أيوه نزل، إيه زعلانة؟"
تورّدت وجنتاها بحمرة الخجل قائلة بخفوت:
- "لا أبداً. بس صعبان عليا أصل من يوم ما رجعنا إسكندرية وهو بينام تحت لوحده والولاد حتى مش بيقعد معاهم."
ردت بيلا بخبث:
- "يعني مش وحشك؟"
صمتت واتسعت ابتسامتها لتقول بعد لحظات:
- "بصراحة وحشني أوي يا ماما. بس ياله خليه ينام لوحده علشان يعرف إنه في نعمة."
ضحكت بيلا بخفة في حين خجلت زينب. بينما صدحت طرقات الباب ليدخلها عمر بعدها إلى الغرفة وهو يحمل طبق كبير من الفشار وبعض المقرمشات والشكولاتة قائلاً بمرح:
- "ياله يا بيلا شغلي فيلم وبلاش الكرتون." ابتسم وهو يغمز لزينب ثم وضع الأطباق على الطاولة ليجلس بجوارهما على الأريكة. مال على بيلا قائلاً بهمس:
- "مساء البسبوسة. ممكن بوسة؟"
أخفت بيلا ابتسامتها سريعاً قائلة بخجل:
- "عمر البنت قاعدة بطل قلة أدب." ثم صاحت بصوت مسموع:
- "كويس إنك عملت فشار. ياله اختاروا هنتفرج على إيه."
وضع عمر يديه على كتف زينب قائلاً بحب وهو يتناول الفشار:
- "أي حاجة تافهة."
نظرت له بطرف عينها قائلة بحدة:
- "محبط."
"بقولك إيه عايزين نحدد معاد الفرح."
ردت زينب بحماس وسعادة:
- "بجد فكرة حلوة أوي يا بابا. إيه رأيكم بعد أسبوع؟ بكرة سبوع الولاد نخليها الأسبوع الجاي وأنا أعرف بيوتي سنتر جميل جداً وليه أتيليه خاص قريب منه فيه فساتين روعة بجد وسمبل جداً وأنا هكون معاكي في كل حاجة."
رفع عمر كفه لزينب بحماس قائلاً:
- "هي دي بنت الرشيد."
أبتسمت زينب وهي تضرب كفها بكف أبيها. بينما نظرت لهم بيلا بحدة قائلة:
- "انتوا بتهزروا صح؟ فرح إيه؟ عمر انت بتتكلم جد؟"
رد عمر بجدية وهو يضع ساقاً على الأخرى أخذ منها جهاز التحكم بالتلفاز قائلاً بنبرة مقررة:
- "وأنا ههزر في حاجة زي دي ليه؟ الفرح معاده الأسبوع الجاي واعتبرِ كل حاجة جاهزة وأولهم فستان الفرح دا جاهز من تلات شهور وجاي من دار أزياء في باريس مطلوب مخصوص ليك."
أشاحت بيلا بوجهها عنهم قائلة بهدوء وهي تتابع الفيلم:
- "بس أنا مش عايزة فرح."
نظر زينب بيأس لعمر لتجده يبتسم بهدوء قائلاً برفق:
- "بيلا أنتِ أكتر واحدة يليق عليها الفرح والسعادة. ملامحك بتنور لما تفرحي. وزمان كان حلمك نعمل فرح كبير وتلبسي فستان فرح وتفرحي مع اللي بيحبوك. يبقى خلينا نفرح كلنا يا بيلا ياله بقى فكي. لأن كدا كدا ثائر جهز كل حاجة حتى القاعة والضيوف مش هيكون في غيرنا والناس اللي فعلاً بيحبونا غير كدا لا والصحافة."
ردت زينب قائلة بجدية:
- "طب وإيه لازمتهم دول؟ دوشة على الفاضي."
"عندك حق. بس في الفرح لازم الكل يعرف إنك بنتي وإن بيلا الدمنهوري كانت مراتي. لازم كل الناس يعرفوا إنك بنت عمر الرشيد فاهمة."
أبتسمت زينب قائلة بحب:
- "بس دلوقتي أنا مش فارق معايا الناس قد ما فارق معايا وجودكم في حياتي." قبل عمر قمة رأسها قائلاً بجدية شديدة:
- "بس بنت الرشيد لازم الكل يعملها ألف حساب يا ملك. و صحيح أنا بحب اسم ملك لأنه أول اسم اخترته ليك. يبقى ملك عمر الرشيد. وعلى فكرة أنا خلصت الورق كله مع شهادات ميلاد الولاد وشهادة ميلادك الجديدة وبطاقتك موجودة معايا."
ابتسمت زينب قائلة بحب:
- "تعرف إن أنا وحشني بابا منصور. هتزعل لو قلت بابا."
الصراحة هو كان حنين معايا أوي وعمل حاجات كتير أوي وربنا يعلم إنه مكنش منتظر مني حاجة.
رد عمر قائلاً:
"متقلقيش، اللي عمله أنا مش هنساه لأنه كبير أوي عندي يا ملك."
في صباح اليوم التالي، حوالي الساعة الخامسة صباحًا.
ارتدت نور ثيابها بعد أن توضأت. دلفت لغرفة شقيقها الأكبر سيف، وجدت ينام وهو يحتضن أخيه عبد المنعم.
دلفت بخطوات هادئة تنادي عليهما:
"سيف، عبده، ياله قوموا. ياله يا سيف الفجر أذن، ياله يا حبيبي بدل ما يضيع عليك الفرض."
نهض سيف قائلاً بنعاس وهو يبعد الغطاء عنه:
"صباح الخير يا أبلة نور."
ابتسمت بهدوء قائلة:
"صباح النور. ياله صحّي أخوك وتوضى. أنا هحضرلكم الفطار علشان المدرسة. صحيح، أنت مش هتغيب تاني وأنا كلمت صاحب الورشة قلتله إنك مش هترجع الشغل."
نهض سيف بفزع قائلاً:
"ليه كدا يا أبلة نور؟ وبعدين أنا بقيت راجل كبير ولازم أشتغل."
تنهدت نور بارتياح قائلة:
"طبعاً بقيت راجل، بس الراجل الحقيقي هو اللي يعمل الصح ويسمع كلام الكبار لأنهم عارفين مصلحتك. شوف يا سيف، أنا بشتغل والحمد لله الحاج جلال من ساعة ما رجعت الشغل وهو زود مرتبى. وأنت يا سيف في ثانوي وأنا مش هسيبك تضيع مستقبلك، وإن شاء الله تكبر وتبقى أشطر مهندس فيك يا بلد. وشغل الورشة دا أنساه، أومال أنا موجودة ليه؟"
رد سيف قائلاً بحزن:
"بس أنتِ تعبتي يا نور بقالك سنين بتشتغلي، وأنا دلوقتي كبير ولازم تقعدي في البيت وأنا هصرف علينا كلنا."
ردت بحدة قاطعة ونبرة مقررة:
"سيف، بطل رخامة. أنا قلت اللي هيحصل، أنت هترجع المدرسة وأنا مش صغيرة وعارفة أنا بعمل إيه. ويا سيدي لو اشتكيت لي أبقى سيب المدرسة، ياله بقى صحّي أخوك بدل ما نفضل نرغي ويضيع علينا صلاة الفجر."
أومأ لها وملامحه تحولت لليأس والحزن متجه نحو شقيقه الأصغر ليوقظه.
بينما ابتسمت وهي تغادر الغرفة متجهة نحو المطبخ.
أخرجت حبات من البطاطس وضعتهم على الرخام البيضاء لتعد الفطار لأشقائها وأبيها.
جلست على ذلك الكرسي القديم ولاحت عليها ذكرياتها معه، حتى لمعت عينيها بالدموع لتقول بجدية لنفسها:
"خلاص يا نور، خلاص انسيه بقى وشوفي حالك. هي تجربة وأنا غلطت لما جازفت من البداية."
بعد وقت، كانت تجلس على أرضية الصالة على ذلك المفرش، وبجوارها أبوها وأشقائها يتناولون طعامهم. ابتسم سالم بحزن وهو ينظر لها قائلاً:
"حماتك كلمتني امبارح يا نور وعايزة تكلمك، بتقول مش بتردي عليها."
قضمت قطعة من ثمرة الطماطم قائلة بلامبالاة:
"هبقى أكلمها. وبعدين مبقتش حماتي ولا ليا علاقة بيها. أنا خالص أكلت، هقوم أغير وأنزل. هعدي على زينب قبل ما أطلع على المصنع."
كاد والدها أن يتحدث إلا أنها غادرت الغرفة سريعًا متجهة نحو غرفتها، ربما لأنها ترفض أن تسمع كلمة واحدة عنه.
بعد دقائق، خرجت من الغرفة وهي تضبط حجابها الأزرق. انحنت تقبل رأس عبد المنعم قائلة:
"مصروفك يا جميل، وتاكل سندوتشاتك كلها، مفهوم؟"
ابتسم عبده بسعادة وهو ينظر للمبلغ المالي الصغير بحماس:
"هاكله كله. خلي بالك على نفسك يا أبلة نور."
نظر لسيف قائلاً بجدية:
"سيف، لو ما روحتش المدرسة تقعد تذاكر. أنا عارفة إن مفيش حضور، وشوف عايز تروح دروس في مواد إيه وقولي."
رد سيف بابتسامة متفهمة:
"لا أنا مش هروح دروس. أنا هقوم ألبس وأنطلهم في المدرسة، ولا هما المدرسين اللي هناك لازمتهم إيه؟ طول ما هو مفيش طلاب بيحضروا هيفضلوا ياخدوا مرتبات على الفاضي، وبعدين مصاريف على الفاضي وخلاص."
ردت نور بجدية قائلة:
"لا مش مصاريف على الفاضي يا فالح. أنا عارفة إنك ذكي وشاطر، لكن برضه لو في حاجة واقفة قدامك قولي، ومتشيلش هم الفلوس، ربك بيرزق."
دلفت لغرفة والدها لتجده يجلس بارهاق واضح في شرفة غرفته ينظر للشارع والأطفال وذلك الشاب الذي يقوم بتوزيع الخبز على البيوت. لتقول نور بجدية:
"سرحان في إيه يا حجيج؟"
رد سالم بتعب قائلاً:
"فيك يا نور. هتفضلي شايلة المسئولية كلها لأمتى يا بنتي؟"
ردت نور بحماس عكس ما تشعر به من حزن:
"مش كتير، كام سنة بس لحد ما سيف يدخل الكلية ويتخرج ويشتغل. وبعدين مالكم يا جماعة، هو أنا اشتكيت؟"
"مشتكتيش يا قلب أبوك، بس عمرك اللي بيضيع دا."
ردت نور قائلة بجدية:
"سيبها على الله يا بابا. وبعدين أنا كويسة الحمد لله، ألف حمد لك يا رب، على الأقل إحنا أحسن من غيرنا بكتير. يارب بس يفضلوا بخير وأنا مش عايزة حاجة تاني من الدنيا."
"ربنا يسعدك يا نور ويرزقك بابن الحلال اللي يريح قلبك يا رب."
لا تعلم لما شعرت بالسخرية، لكن لم تبالي قائلة:
"حجيج، أنا لازم أنزل حالا. ياله سلام يا جميل."
غادرت المنزل حوالي الساعة السابعة مساءً، ثم توجهت لمنزل زينب.
ما إن دخلت إلى ساحة منزل آل الشهاوي حتى ابتسمت بسعادة لأجل صديقتها وهي ترى بعض الأشخاص يقومون بتزيين الساحة الواسعة.
صعدت لمنزل حياء، ألقت عليها التحية، ثم صعدت لمنزل زينب.
كان الباب مفتوح و بداخله توجد زينب وبيلا وإيمان.
ابتسمت زينب وهي تحتضن نور قائلة بسعادة:
"وحشتيني أوي يا نور. كنت هزعل منك لو مجتيش النهاردة، لازم تفضلي معايا طول اليوم. أومال فين باسل؟"
ردت نور بهدوء قائلة:
"معلش يا زينب، مش هينفع أفضل. أنا عندي شغل في المصنع، بس أوعدك هخلص وأجي."
عقدت زينب ما بين حاجبيها قائلة بارتياب:
"مصنع إيه؟ هو أنتِ رجعتي للمصنع؟ باسل وافق إزاي؟"
لمعت الدموع بعين نور قائلة بجدية:
"أنا وباسل اتطلقنا من أسبوع لما كنتي في المستشفى."
تشنج وجه زينب قائلة بجدية:
"اتطلقتوا؟ ليه وإيه اللي حصل؟ أنتِ قلتي إنه بدأ يتغير. وليه مقولتليش لما كنا بنتكلم في الموبيل؟"
انسابت دموع نور، في حين مسحتها سريعًا قائلة:
"ده موضوع يطول شرحه يا زينب. أنا هكلمك تاني وهجيلك، أنا كمان محتاجة أتكلم معاكي ومحتاجة أحكي، بس دلوقتي مش هقدر حقيقي."
احتضنتها قائلة بابتسامة:
"متقلقيش، أنا كويسة الحمد لله. هكلمك وهحكيلك، لأن أنا محتاجة دا. خلي بالك على نفسك."
ردت زينب بحزن وبكاء:
"طب مش عايزة تشوفي ولاد أختك؟"
ردت نور بارتباك قائلة بانكسار:
"مش هتخافي عليهم من عينيا، أصل أنا في واحدة في المصنع قالت عليا فقر ووشي نحس على اللي حواليا."
ردت زينب بانفعال:
"مين بنت الـ... اللي قالت كدا؟ وبعدين أنتِ سكتيلها؟ معقول! ما تبقيش نور. وبعدين أنتِ هبلة، أنتِ أختي يا بت، والله العظيم أنا لو عندي أخت ما كانت هتبقى حنينة عليا أدك. ياله تعالي."
ابتسمت نور بسعادة وهي تدخل معها إلى غرفة الأطفال حيث تجلس معهم شهد.
"اللهم آمين يا نور."
بعد عدة ساعات، في ساحة المنزل حيث تتوافد نساء المنطقة الذين أتوا لمباركة جلال الشهاوي بأحفاده ومشاركتهم فرحتهم.
كان جلال يقوم بتصليح ماكينات الكهرباء حتى صدح رنين هاتفه.
التفت يلتقط هاتفه ليجد رقم مجهول، رده ليجد صوت مألوف عليه.
"الحقني يا جلال، هيموتني."
عقد جلال ما بين حاجبيه بارتياب قائلاً:
"شمس؟"
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثامن والستون 68 - بقلم دعاء احمد
كل القصص جعلتني أتيقن من شئ واحد، أن يحبك شخص بندباتك بعقدك بحروبك وهزائمك، وأن تتسع يده لأحلامك وذراعيه لروحك المتوعكة، أو لا يحبك.
أجاب جلال بعد أن رأى رقم مجهول الهوية ليأتيه صوت شخص ما بتلهف وتوسل:
- "اللحقني يا جلال هيموتني"
يبدو الصوت مألوف بالنسبة له ليقول بارتياب:
- "شمس؟"
أجابت شمس بسرعة وهي خائفة:
- "اللحقني يا جلال، عزت هيموتني وحالف إنه هيرجع وهيطلع عليا القديم والجديد وأنا خايفة ومش عارفة أعمل إيه ومعنديش حد أروحله بالله عليك يا جلال أنا خايفة"
وضع جلال يديه بجيب بنطاله ببرود مغمغما بحدة:
- "عايزة إيه يا شمس تاني؟ إيه اللعبة الجديدة اللي بتدبريها؟"
ردت الأخرى مهرولة بخوف وانكسار:
- "والله العظيم يا جلال ما في أي حاجة في دماغي، بس أنا تعبت وماليش حد بعد أبويا الله يرحمه وعزت الله يجحمه أخد دهبي ومراته الأولى طلعت عليا كل اللي عملته معاك انت وحياء، أبوس إيدك ساعدني يا جلال لو لسه خالتي نوارة غالية عليك، لأن صدقني لو مساعدتنيش هتيجي تلقيني جسد هامدة."
رد جلال بجدية وصرامة:
- "ماشي يا شمس لما أشوف آخرتها معاكي وخلي في بالك إن لو ساعدتك هيكون بس عشان صلة الدم اللي بينا غير كده لأ يا شمس وأظن المعلومة وصلت"
أغلق الهاتف دون أن ينتظر ردها، في حين نظر لإحدى الشباب الموجودين بالساحة قائلاً:
- "عثمان تعال شوف مكينة الكهرباء دي، أنا خارج عندي مشوار"
كاد أن يغادر المنزل إلا عندما وجدها تنادي عليه تركض نحوه قائلة بجدية:
- "رايح فين يا جلال؟ وبعدين معقول هتسيب الناس اللي جاين يباركوا لك، أظن ميصحش كدا"
غمغم جلال بجدية قائلاً بكذب لم يرد إزعاجها بالحديث عن شمس:
- "موضوع كدا يا حياء هخلصه وأجي على طول، سلام"
شعرت بالارتياب والضجر من حديثه الجاف هامسة لنفسها بريبة:
- "حاسة كدا إن في مصيبة والله أعلم، استر يارب"
في شقة صالح
ابتسمت زينب بسعادة وهي تقف أمام المرآة تنظر بسعادة عارمة لانعكاسها، تبدو جميلة متألقة بل فاتنة في ذلك الثوب الأسود الطويل والذي يبرز رشاقتها.
لكنها لم تر ذلك الذي ينظر لها بابتسامة لعوبة تزين ثغره وعيناه تتفحصها باشتياق، تبدو في غاية الجمال وهي تتمايل برقة أمام المرآة تبدو أنثى فاتنة شعرها الحريري الذي يمتد لخصرها، رمادياتها اللامعة برونق خاص. كل شيء بها يبدو في غاية الجمال يجعله يقترب منها دون أن يشعر بذلك.
انتفضت زينب بفزع وهي تشعر بيد تحاوط خصرها، بينما دفن وجهه بشعرها يستنشق عطرها لترخي دفاعاتها قائلة بابتسامة:
- "صالح"
قاطعها مغمغما بهمس عاشق:
- "شش... وحشتيني، أخيرا عرفت أشوفك بعيد عنهم كنت حاسس إن شوية كمان وأبوكي هيطردني من البيت مش بلحق أشوفك"
ابتسمت بسعادة قائلة بخجل:
- "طب ابعد بس كدا عشان هما مستنينا برا والولاد لوحدهم يا صالح"
رد بصوت أجش متحشرج أثر مشاعره:
- "الولاد مع إيمان تحت في شقة بابا، مفيش حد هنا غيرنا، أظن كفاية كدا يا زينب أنا ماعدتش قادر على البعد كفاية الأسبوع اللي فات كله كنتي معاهم وأنا بنام تحت خالص كدا من حقي بقى يخلوني أعرف أنام براحتي"
ردت زينب بنبرة ساخرة:
- "ليه هما بيعذبوك تحت ما أنت بتنام لوحدك بعيد عن زن الولاد و..."
رد مقاطعا إياها بهمس وحرارة وهو يقبل جبينها:
- "بس مش في حضني، إزاي هكون مرتاح وأنتي بعيدة عن حضني"
غمغمت زينب بخجل من طريقته قائلة بخفة وهي تضع يديها على صدره مبعدة إياه:
- "صالح سيبني أخرج لهم، وبعدين نتكلم في الموضوع دا"
رفع رأسه عن عنقها أخيرا مديرا إياها بين ذراعيه وتصبح مواجهة له، جذبها نحوه لتصطدم جسدها بجسده الصلب ولم ينتظر كثيرا وهو يستولي على شفتيها في قبلة قوية لكن حنونة في ذات الوقت.
استرق منها بضع دقائق دون أن يشعر بما يحدث حوله إلا أنه ابتعد بسبب احتياجهما للهواء، حاولت تنظيم أنفاسها وهي تغمض عينيها بينما اصطبغت وجنتاها بلون أحمر قاني لم تستطع فتح عينيها من شدة الخجل والاضطراب بسبب هجومه الضاري والمفاجئ.
تأمل احمرار وجهها الشديد أنفها ووجنتاها وعينيها المغمضتان ابتعد قليلا قائلا بجدية تنافي تلك المشاعر قبل قليلا قائلا:
- "أنا هنزل بدل ما يلاحظوا اختفائنا وأنتي تجهزي وابقى انزلي وغيري العباية دي ضيقة ولمي شعرك، شعرة واحدة تبان يا زينب أنتي حرة"
غادر الغرفة حتى أنه لم ينظر لها بعد تلك الجملة، بينما جلست على الأريكة تتحسس وجنتها الحارة هامسة لنفسها قائلة:
- "أهدي خالص هو مشي" وضعت يديها موضع قلبها تستمع لنبضات قلبها الثائرة بعنف وضراوة، عضت على شفتيها بخجل وهي تخبي وجهها بيديها.
بعد مرور نصف ساعة
نزلت زينب الدرج ببطء واضطراب بعد أن بدلت ثيابها لأخرى فضفاضة رغم أن الضيوف كانوا نساء المنطقة لكنها تخشى أي اصطدام معه وتعلم أن غيرته وربما تفتك بها وبه.
ابتسمت بيلا مقتربة من زينب التي دلفت إلى داخل شقة والد زوجها للتو قائلة بهمس وخبث:
- "اتأخرتي يعني يا ملك وبعدين إيه دا أنتي غيرتي العباية مش كانت عجباك ولا إيه"
أشاحت زينب بعينيها عن والدتها متمتمة بخجل:
- "اصل حسيت إنها ضيقة شوية وممكن أي حد يطلع من الرجالة و... و ساعتها هتبقى مشكلة"
غمغمت بيلا بخبث قائلة بسعادة:
- "آه قولتيلي ضيقة طب هو صالح كان بيعمل إيه فوق وسايب الرجالة تحت مش أصول برضو يقف معاهم وخصوصا إن والده مش موجود"
كانت زينب تفرك كفيها ببعضهما قائلة بارتباك وخجل:
- "كان... كان، آه صحيح كان عايز يقولي إنه خلاص جهز شهادات الميلاد بتاع الولاد"
- "بس كدا" سألتها بشك.
انتفضت زينب ردت بنفاذ صبر وخجل:
- "أومال يعني هيكون عايز إيه يا ماما، هو كدا بس"
قبلتها بيلا قائلة بسعادة وحب:
- "ربنا يسعدكم يا حبيبتي وبعدين جوزك أكيد زهق من قعدتنا معاكي وأكيد الأولاد وحشينه" صمتت للحظات قبل أن تتابع بخبث:
- "وأكيد أنتي كمان وحشاه"
أخفضت زينب بصرها ثم اتسعت ابتسامتها جعلت بيلا تشعر بالسعادة لأجلها متمنية لها حياة سعيدة مع زوجها، قاطعهما في تلك اللحظة صوت حياء قائلة بحنان وجدية:
- "إنتوا واقفين هنا وسايبين الضيوف ياله عايزين نفرح شوية وكمان نفرق السبوع ياله يا بيلا زوبا ورايا"
ابتسمت بارتياح وهي تدخل للصالون الشاسع حيث تقف إيمان في منتصف الغرفة تضع يونس في الغربال وخلفها حبيبة وعائشة كل منها تمسك غربال وتضع به فتاة ويلتف حولهم الأطفال والنساء، بعض العادات المصرية.
أطلقت السيدات الزغاريد بسعادة وهم يقتربون من زينب محتضنين إياها ومباركين لها بينما بادلتهم ذلك بسعادة وطيب نفس.
كانت النساء يغنين ويقمن برش الملح والأطفال تلتف حولهم، مر الوقت بسعادة ومرح دون الشعور به.
في إحدى الأحياء بالإسكندرية
صف جلال سيارته بجوار تلك البناية القديمة حيث تقطن شمس وزوجها ذلك المدعو عزت، رغم أن جلال لم يهتم كثيرا بالأمور المتعلقة بشمس إلا أنه عرف بعض المعلومات عن عزت منها أنه يصغر شمس بثلاث سنوات، ذات شخصية طامعة من القاهرة وجاء للإسكندرية قبل بضع سنوات حيث تزوج من شمس وهو زوجها الثاني، متزوج من امرأة أخرى، يلعب القمار في ذلك الكباريه المعروف بأنه ملك امرأة تدعى سونيا...
صعد الدرج وهو يذكر الله لكن سمع صوت صرخات عالية ليرى بعض الجيران يقفون مقيدين الأيدي أمام شقة عزت وهم يستمعون لصرخات تلك المرأة مستنجدة بمن حولها إلا أنهم لم يستطيعوا التدخل بين الرجل وزوجته.
حاول جلال العبور خلالهم ودلف إلى الشقة حيث كان الباب مفتوح على مصراعيه.
في تلك اللحظة
كان عزت يضرب شمس ويسبها بأفظع الشتائم إلا عندما رأى جلال يقف داخل المنزل، تركها بخوف وتوتر بينما رفعت شمس عينيها بانكسار لترى عينيها المليئة بالدموع ووجهها المتورم أثر صفعات عزت لها. لا يعرف لما شعر بالشفقة عليها.
لكن الله عادل، ما فعلته بالماضي لحياء عندما جعلتها تتجرع من كأس الغيرة والانكسار والعتاب من الجميع، ذلك الشخص يحاسبها عليه... لا تظن أنك تحيا وحدك بتلك الحياة...
ركضت شمس مهرولة نحو جلال لتقف خلفه بتضرع ورجاء وهي تمسك بذراعه بقوة وخوف بينما لمعت عينيها بدموع الانكسار مغمغمة بحزن:
- "متسبنيش يا جلال هيموتني"
رفع جلال بصره ينظر لذلك الرجل يبدو في نهاية الأربعينات، ذات جسد رياضي.
وضع جلال يديه في جيب بنطاله مقتربا منه ليقف أمامه مباشرة:
- "من أمتى والرجالة بتضرب حريمها، آه صحيح ما أنت يمكن مش من تصنيف الرجالة عشان تسيب الجيران تتفرج عليكم بالشكل دا."
ابتلع عزت الغصة التي تشكلت بحلقه بارتجاف، لكن أجاب بقوة و حدة:
- جلال بيه مسمحلكش مراتي و بادبها. أنت اصلا وجودك هنا مالوش أي لازمة. ولا تكون كلمتك تنجدتها بنت الـ...
كاد أن يسب والدتها بأفظع السباب، إلا أن قبضة جلال على عنقه جعلته يتراجع للخلف بفزع، والأخرى يضغط بعنف على عنقه هامساً بفحيح أفعى:
- اللي أنت عايز تسبها دي تبقى خالتي أنا، يعني ممكن أقطعلك لسانك فيها. مش ابن الشهاوي اللي يتقاله بتعمل إيه هنا. البيت ده بكل اللي فيه يبقى ملك شريف الهلالي، يعني أبويا الروحي. فبلاش تخليني أعلمك الأدب. أصل الأدب مش بفرد العضلات على واحدة ست. ولا أنك تخليها تصرف عليك يا نطع.
حرر عزت نفسه من قبضة جلال متراجعاً للخلف وهو يغمغم بصوت مرتجف:
- أنت مالك انت. وبعدين مش هي دي اللي كانت هتموت عليك زمان وأنت سيبتها عشان ست الحسن بتاعتك. أصل هي حكتلي لما كنا بنشرب سوا، يا عيني! كانت فاكرة إني لما أفوق مش هفتكر حكاية الغرام الكبيرة اللي كانت عايشة فيها، لكن غبية يا شمس، كل كلمة كنتي بتقوليها وأنتِ مش في وعيك أنا فاكرها كويس أوي.
ليكمل باستفزاز آثار غضب و غيرة جلال:
- بس الصراحة يا جلال، أنت عندك حق. حد يسيب الفرسة أم عود فرنساوي اللي أنت متجوزها ويفكر في البومة دي.
لم ينهي جملته إلا وإصابته قبضة جلال في وجهه، مما جعله يترنح للخلف ويسقط أرضاً. حاول النهوض، إلا أن جلال لم يتيح له الفرصة، حيث سدد له لكمة أخرى جعلت الدماء تتناثر على أنفه. ولم يكتفِ بذلك، فقد سدد له اللكمات في أماكن متفرقة من شدة الغضب والغيرة، وهو يلمح نظرة الخبث في عيون ذلك الحقير.
تدخل الجيران في تلك اللحظة مفرقين بينهما، بينما وقفت شمس تلطم على خديها بحسرة وخوف.
وقف جلال، وكان أشبه بالإعصار يدمر كل ما حوله بسبب غضبه وغيرته التي كانت تحرق روحه.
مسح العرق الذي كان يتصبب على جبينه، قبل أن يهتف بأنفاس لاهثة أثر مجهوده السابق، قائلاً بحدة:
- الزبالة دا كان بيضربك ليه؟
ردت شمس بانكسار وضعف قائلة:
- أخد الدهب بتاعي، باعه وخسر فلوسه في القمار، وجاي عايز فلوس بس. والله مش معايا حاجة. كان عايزني أمضي على تنازل بيت أبويا له.
نظر جلال بسخرية له، قبل أن يتمتم بصرامة:
- عايزاه تاني؟
ردت بسرعة دون تفكير قائلة بتضرع وتوسل:
- لا خالص. أنا كل يوم بطلب الطلاق بس بيبهدلني.
وقف جلال أمامه بشموخ قائلاً بحدة:
- ارمي عليها اليمين.
كاد عزت أن يرفض، إلا أن ركلة جلال لبطنه أقرب له من التذمر والرفض، ليقول بألم واضعاً يديه على بطنه يئن من الألم:
- أنتي طالق يا شمس بالتلاته.
وضع جلال يديه بجيب بنطاله:
- دلوقتي تقوم تطلع برا. والمحامي هيعرف إيه اللي لينا وإيه اللي عليك. والله ما أنا سايبك إلا لما تتعلم إن الله حق. وأنتِ ورايا يا شمس.
ثم نظر لإحد الرجال الموجودين قائلاً بجدية:
- عم خليل، الكلب دا بعد ما يمشي تاخد منه المفتاح وتقفل الشقة. وأنا هبعت النجار يغير الكالون.
أومأ له الرجل بجدية، بينما غادر جلال المنزل وخلفه شمس التي كانت تسير بخطوات مرتجفة وحزن وهي تضع رأسها أرضاً.
صعد سيارته وهي جواره، ليقوم بتشغيل محرك السيارة ومغادرة ذلك الحي.
رفعت شمس بصرها تنظر له، لكن أشاحت بنظرها عنه. أوقفها تلك الدماء على يديه، لتقول بفزع:
- جلال، إيدك بتنزف...
لم يبالِ بحديثها، بينما يقود سيارته في طريق منزله. لتخفض رأسها بخجل وحسرة، لكنه قاطع الصمت تلك المرة قائلاً:
- هتيجي عندي البيت يومين لحد ما أتصرف مع اللي اسمه عزت وأوضبلك بيت أبوكي، لأنه مقفول من بدري.
همست شمس بندم وحسرة قائلة:
- مالوش داعي يا جلال. حياء مش هتكون مرتاحة لو شفتني معاك. خليني أنا أروح بيت أبويا وأوضبه وأنا قاعدة. حقيقي مش عارفة أقولك إيه، أنت أنقذتني.
أدار جلال وجهه ينظر لها، ولوجهها الأحمر المتورم، ليقول بجدية:
- اعتبريه أمر. وحياء مالكيش دعوة بيها. هندخل من الباب الوراني، لأن في ضيوف في البيت. أظن مش هتحبي حد يشوفك كدا.
أخفضت بصرها تنظر لثيابها المغبرة القديمة. ربما هي السبب في كل هذا. ربما لأنها اختارت قلب لم يكن لها من البداية وتعلقّت به، وهي على يقين أنه لن يحبها مقدار ذرة واحدة. وبدل أن تبتعد عنه، قررت الاقتراب وحاولت تخريب زواجه، لكن بعد عدة محاولات فشلت، وأبعدها هو عنه. ثم جاءت هي واختارت شخصاً آخر خطأ.
ودارت بها الأيام تدفع ذلك الحساب القديم.
ويالسخرية القدر، هو نفسه من دافع عنها.
بعد مرور عشر دقائق.
ترجل جلال من سيارته، ثم دلف إلى منزله من الباب الخلفي، وخلفه شمس التي كانت تسير بارتجاف وخوف من لقاء حياء.
صعد الدرج برفقتها. كاد أن يصعد لشقة صالح ليجعلها تبقى بها حتى انتهاء حفل السبوع، لكن لمحته حياء مغمغمة بابتسامة:
- جلال، استنى. رايح في...
بترت سؤالها، تبتلع ما بحلقها، وهي ترى تلك التي تقف خلفه، وكيف يمكن أن تنساها، وهي كانت أبشع كوابيسها يوماً ما.
سألته بحدة مقتربة منه:
- بتعمل إيه هنا دي؟
أشاح جلال بنظره عنها، مغمغماً بعصبية كلما تذكر كلمات عزت عنها:
- حياء، اخفي من وشي حالا. أنا عفاريت الدنيا بتنطط قدامي.
فغرت شفتيها بصدمة من طريقته الحادة، والتي قليلاً ما كان يتعامل بها معها. لكن تملكتها الغيرة والغضب، وهي تنظر لشمس التي أخفضت بصرها بحرج:
- أنت بتكلمني كدا عشانها؟ طب أنا بقى مش همشي إلا أما أعرف دي بتعمل إيه هنا يا جلال. أنت فاهم؟
جز على أسنانه محاولاً منع نيران غضبه من الفتك بها الآن. فهو حقاً لا يرى أمامه في تلك اللحظة، وهي أدركت ذلك، لكن غيرتها وغضبها جعلاها تتمادى.
مال عليها هامساً بفحيح مخيف:
- لو باقية على بينا، غوري من وشي يا حياء، علشان حقيقي أنا دلوقتي ممكن أعمل مصيبة.
اللمعت الدموع بعينيها قائلة بغيرة تحرق روحها، ولم تبالِ كثيراً بحديثه:
- ماشي يا جلال، هغور وهفضيلك الجو أنت والسنورة. ما هي اللي معرفتش تعمله زمان، جاية دلوقتي عشان تكمله. بس صدقني، مش قاعدة لك فيها يوم واحد.
دَلفت لداخل شقتها. لا إرادياً انسابت دموعها، ولاحت عليها ذكريات الماضي، وكيف تسبب شمس في المشاكل لهما، وخصوصاً حينما تركها جلال أكثر من شهر وسافر إلى بورسعيد بعد شجارهم بسبب ما فعلته شمس من تبديل علبة الشامبو بحمض الهيدروليك، راغبة في تشويه جسد حياء.
مرت بين الضيوف دون أن يلمحها أحد، ثم توجهت نحو غرفتهما، في حين لاحظتها بيلا، ولاحظت شجارها مع جلال على الدرج قبل لحظات.
ما إن دخلت الغرفة، حتى جلست فوق الفراش، ذرفت دموعها المكبوته أثر غيرتها، وعقلها يؤلف لها أسوأ السيناريوهات عن علاقة جلال وشمس.
تبدو امرأة ناضجة بعقل فتاة مراهقة في تلك اللحظة. أحياناً الغيرة والغضب عندما يجتمعان بامرأة لا يهتما بالسن أبداً.
مرت لحظات، لتجد طرقات فوق باب الغرفة. مسحت دموعها بسرعة، سامحة للطارق بالدخول.
دَلفت بيلا إلى الداخل بحرج، مغمغمة بابتسامة وهي تغلق الباب خلفها:
- أنتي كويسة؟
ارتجفت شفتيها قائلة بذعر خفي:
- أه الحمد لله، بس... هو إزاي يزعقلي قدامها؟ وإزاي يجيبها تاني لحد هنا؟
ابتسمت بيلا قائلة بخبث:
- أنتي غيرانة ولا أنا بيتهيألي؟
ردت حياء بصراحة وجدية:
- أيوه غيرانة. هو حرام إني أغار على جوزي؟ لأ، والبه بيزعقلي! طب وربنا يا جلال، لأقرفك، وبيتي مش هسيبه لك انت والسنورة. قاعدة على قلبك.
صدحت ضحكة بيلا قائلة بمزاح:
- طب بالراحة بس، بدل ما يتجنن منك. أنت مش لسه قايلة له مش هتقعديله فيها... أنا والله سمعتك من غير قصد.
ردت حياء بود قائلة:
- لا، دا كلام حريم عادي، متاخديش بالك منه. وبعدين، هو أنا أنا غبية عشان أسيبه ليها؟ بس لما ينزل، وأفهم اللي بيحصل يا جلال.
ابتسمت بيلا بحنان قائلة بطيبة:
- مهما كان اللي ناوية تعمليه، بلاش تسيبيه يا حياء، ولا تسيبي البيت، لأن مفيش وجع زي وجع البُعد.
أومأت حياء لها. لتقول بيلا بحماس:
- الناس بيمشوا خالص. أنا هطلع أقعد مع البنات.
غادرت الغرفة، تاركة خلفها حياء تجلس على الفراش بحزن.
***
في الشقة في الدور الرابع في منزل آل الشهاوي.
فتح جلال باب الشقة ليدلف للداخل قائلاً بجدية:
- ادخلي يا شمس. عندك هنا كل حاجة تحتاجيها. المفتاح خليه معاكي.
- أنا آسفة، مكنتش عايزة أعمل مشاكل بينكم والله العظيم.
كاد أن يغادر الشقة، لكنه التفت نحوها قائلاً بجدية:
- المهم تعيدي حساباتك يا شمس. لأن اللي باقي في العمر مش قد اللي فات يا شمس. واللي بينا صلة رحم. فكري يا شمس.
لم يتنظر ردها، أغلق الباب خلفه. نظر لطيفة بحسرة ودموع:
"والله لم يخطئ القلب حين أحبك أيها المليح، لكنك لست مقدرًا لقلبي لأن قلبك محتل من قبل أخرى. أخرى فتنتك وأذاقت قلبك لوعة العشق، أخرى هزت كيانك بأكمله، حتى أنها لم تفشل يومًا في جعلك تغار عليها وكأنك حديث العشق ولم يمر عليك سنوات في غمرة تلك المشاعر المحرقة لروحك..."
دلف جلال إلى شقته وقد غادر الجميع تقريبًا، إلا نساء العائلة. حتى حبيبة تجلس برفقة أيمان في إحدى الزوايا، وبيلا تجلس برفقة زينب. البيت هادئ تمام، يبدو وكأن الصغار قد ناموا.
أغمض جفونه وهو يقف أمام باب غرفتهما، متذكرًا حديث ذلك الأحمق عن شعلته، تلك الفاتنة.
نظر ليديه التي تنزف. أطلق هديرًا صاخبًا، هو يشعر بألم في ذراعه، والشعور الأسوأ هو ذلك الألم الذي يعصف بقلبه. لكن لم يدري لما ارتدي قناع الحدة الذي تركه منذ سنوات، منذ أن رآها وأحبها. ما الذي حدث ليرتديه مرة أخرى؟ هل توقفت عن حبها؟
"أي غباء هذا! والله ما توقف للحظة عن إدمان وجودها. رحيقها في حياته يسلبه عقله، ينتزع منه أي ذرة من الحدة أو الكره، فقط يبقى العشق. فهو متيم بها وبجنونها."
دلف إلى الغرفة دون النظر إليها. تابعته حياء ببرود وهو يدلف إلى المرحاض، لكن شعرت بالذعر وهي ترى بعض قطرات الدماء متناثرة على أرضية الغرفة. انتفضت في جلستها ثم تابعته لتقف خلف باب المرحاض. سمعت صوت المياه المتدفقة من الصنبور وصوت تاوهاته المتألمة تعلو للحظات، ويبدو أنه أسرع التحكم بنفسه حتى لا تستمع له.
أطرقت على الباب عدة مرات، فأجاب بحدة قائلاً:
"ثواني..."
حاول إيقاف ذلك النزيف وتمكن بصعوبة، ليقوم بأخذ عدد من أوراق المناديل ليضعها، ثم مسح يديه وخرج من الحمام، لكنه لم يجدها.
جلس على ذلك الكرسي، بينما أغمض عينيه بتعب مستندًا على ظهر الكرسي خلفه.
لم يشعر بها وهي تجلس أرضًا بجوار الكرسي. وضعت علبة الإسعافات بجوارها.
فتح عينيه، مخفضًا بصره نحوها، في حين أمسكت يديه، ولمعت الدموع في عينيها.
لم يصطدم من فعلتها كثيرًا، بل هو اعتاد على ذلك الحنان. لم يستطع فعل شيء سوى التحديق بها، وكان الأمل حادًا ساحقًا يضرب بعمق في قلبه ويغمر عروقه بالدفء المهدئ.
هدأ الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها، وهي تستمع لصوت تاوهاته بينما تقوم بتنظيف الجرح، ولم تنظر له حتى.
ظل جلال يتابع بصمت ما تفعله، متناسيًا ذلك الألم الذي كان يشعر به قبل قليل. وخضراواتيه تمر بشغف على ملامحها التي أسرته، عينيها البنية الداكنة وأهدابها الثقيلة، وجنتيها اللتان تشتعلان بالحمرة أثر بكائها قبل قليل.
حاول نزع يديه، إلا أنها أمسكت بكفه بقوة وضراوة حتى انتهت. كادت أن تتركه، إلا أنه جذبها بعنف نحوه، ضامًا إياها بين ذراعيه بشدة لدرجة أنه شك في قدرتها على التنفس. قام بدفن وجهه في شعرها يستنشق رائحتها بعمق، بينما كانت مستسلمة وكأنها مفتقدة إياه. احتضنته هي الأخرى، تغلق عينيها بقوة، تخاف بل ترتعب من شعور فقدانه. فهي أخبرته من قبل أنه تحبه، ولكن ليست فقط كزوج وزوجة، لكنها تحبه كفتاة فقدت أباها لدهر كامل، وحين وجدته وغمرها بحبه أصبح كهواء.
قصة احتياج افتراس بقلوبهما.
احتياج جعل منه أباها وحبيبها وزوجها وصديقها المخلص.
احتياج جعل منها ابنته المدللة وزوجته وفاتنة روحه.. روحه المفقودة منذ سنوات ولم يجدها إلا عند رؤية عينيها.
قاطع ذلك الهدوء صوته بنبرته المتحشرجة أثر غمرة المشاعر تلك:
"حياء، أوعي عقلك يجي في يوم يقولك إني بطلت أحبك وتصدقيه. أنا على عهدي دام ربنا."
ردت بخفوت وحزن مغمغمة بارتباك:
"وإيه اللي يخليك تجيبها هنا يا جلال؟ أنت متعرفش أنا بسببها حصلي إيه؟ عارف زمان كل يوم كنت بموت من فكرة أنك بتحبها وبتجوزني عشان الوكالة. أنا عارفة إن ده كله كان لعبة منها هي ونوارة، بس أنا بني آدمة يا جلال، عندي قلب، وقلبي بسببهم تعب أوي."
ربت بحنان على ظهرها قائلاً بجدية:
"بس انتي عارفة إني بحبك، وكمان مش بعد العمر ده كله هاجي أعمل حاجة. كل الحكاية إنها طلبت مساعدتي وأنا عمري ما أتخلى عن حد تستنجد بيا يا حياء. كفاية عملتها مرة واحدة زمان واتخليت عنك، وللأسف كنت هخسرك. لا يا حياء، مقدرش أشوف حد بيطلب مني حاجة ومساعدهوش. كفاية مرة واحدة."
نظرة الندم والحزن بعينيه وهو يتذكر ما حدث بالماضي عندما تركها دون النظر خلفه، جعلتها تشفق على حاله الآن. لتميل عليها، طبعت قبلة طويلة على خده قائلة بابتسامة مشاغبة:
"طب والله أنت زوج لقطة، هات بوسة يا جدع."
ضحك الآخر قائلاً بحنان:
"وحشتيني يا حياء، وحشني أوي يا شعلتي."
ابتسمت برضا قائلة باستغراب:
"وحشتك ليه؟ هو إحنا بنبعد عشان أوحشك؟"
تمتم وهو يبعد خصلاتها عن وجهها قائلاً بابتسامة:
"هتصدقيني لو قولتلك إنك بتوحشيني وإنتي معايا يا حياء؟"
ردت قائلة بدلال:
"لا مش هصدق، وأوعى بقى."
غادرت الغرفة بسرعة، بينما جلس مرة أخرى على ذلك الكرسي قائلاً بهمس:
"هتجننيني معاكي يا بنت الهلالي."
"كان كافيًا أن تجد شخصًا يختارك حين تنطفئ، وحين تخطئ، وحين يرى النور في غيرك ويختار عتمتك."
كان عمر يقف في مدخل الحي، يضع يديه في جيب بنطاله الكحلي، يقف بشموخ وثقة اعتاد عليها، فحقا ذلك الوسيم ياسر القلوب.
أخرج هاتفه ليجري اتصالًا بثائر، رد عليها الآخر بسرعة:
"عمر باشا، أوامر."
ابتسم عمر مغمغمًا بهدوء وهو يحك ذقنه الخفيفة:
"ثائر، مجموعة محمود الدمنهوري، إيه إيه آخر الأخبار فيها؟"
رد ثائر بجدية:
"زي ما حضرتك أمرت، المحامي بتاعنا عرف نصيب مدام بيلا من المجموعة، ومن وقت اللي حصل، ومفيش مناقصة واحدة عرف ياخدها، وللأسف اتعرض لخسائر كتيرة. هو أنا ممكن أقول رأي يا عمر؟"
رد بجدية وصرامة:
"طبعًا يا ثائر."
"أنا شايف إنه كفاية كده يا محمود بيه، كده اتعلم إن ربنا حق وعرف إن الفلوس مش كل حاجة. بس كده، مجموعة الدمنهوري هتعلن إفلاسها، وأكيد مدام بيلا لو عرفت هتزعل، ده مهما كان أخوها."
تنهد عمر بخفوت قائلاً بحزم:
"سيب موضوع محمود عليا، ودلوقتي مهمتك المجموعة والمشروع اللي بنقوم بيه. لازم تاخد كل التصاريح قبل 12/4."
غمغم ثائر بهدوء قائلاً:
"تمام يا عمر بيه، إيه حاجة تانية؟"
رد عمر بخبث ومشاغبة قائلاً:
"اليخت بتاعي جهزه النهاردة، عايزه ميكونش ناقصه من أي حاجة، يكفي فردين لمدة أسبوع. صحيح، متنساش تظبط كل حاجة للفرح."
شعر الآخر بسعادة قائلاً بفرح حقيقي:
"ألف مبروك يا عمر، حقيقي أنا فرحان لك أكتر من أخويا، مع إنه جه متأخر شوية، بس ألف مبروك. وألف مبروك للقطط الصغيرة دول، شكلهم حلو أوي بجد، ربنا يحفظهم لك ولأمهم وأبوهم يا رب."
غمغم عمر بحزن وهو يعبث بخصلاته قائلاً:
"منهم لله اللي كانوا السبب، بس خلاص، كفاية أوي لحد كده. تسلم يا ثائر، أنا لو كان عندي أخ مكنش هيحب لي الخير زيك."
ابتسم الآخر بود، ومرت بضع لحظات حيث يتحدثان بالعمل، ثم أغلق الخط معه.
أجرى اتصالاً آخر بـ بيلا ليخبرها بأن تجهز للخروج معه في مكان ما، ولم يضف أكثر من ذلك.
بعد مرور عدة دقائق، صعدت بيلا إلى السيارة قائلة بابتسامة:
"إيه؟"
رفع يدها إلى فمه يطبع براحتها قبلة عميقة، قبل أن يغمغم بخبث:
"هيكون إيه يعني؟ هنخرج ونسيبهم بقى، حاسس إن صالح شوية وهيخنقني، بس عنده حق، أنا لو حد بعدني عنك يوم واحد بتجنن. فخليني نسيبهم على راحتهم شوية، هاخدك لمكان خاص بينا إحنا وبس."
ابتسمت بسعادة قائلة بمرح:
"هنروح فين؟"
ابتسم مغمغماً برفق:
"مش مهم هنروح فين، المهم إننا سوا."
في صباح يوم مشرق، متفتح بالسعادة لأجل هذا الثنائي الذي عانى من ظلم الحياة وقسوته، ليأتي اليوم الذي تتفتح لأجلهما أبواب السعادة.
جلست بيلا على رمال الشاطئ أمام ذلك الشاليه الذي أتت إليه بالأمس برفقة عمر. قد انهمكت في بناء قصر من الرمال بطريقة متقنة، بينما يجلس عمر برفقتها يقوم بخلط المياه والرمال، بينما تشكل ذلك القصر بسهولة واحترافية.
ابتسم بحب وهو يجلس على الرمال، يضمها بحب بين ذراعيه من الخلف، ليغمغم بسعادة قائلاً:
"تعرفي إن دي أول مرة أعرف إنك شاطرة أوي كده في تشكيل الرمل بالجمال ده؟ إنتِ اتعلمتيه إمتى؟"
ابتسمت بيلا برقة وهي تبعد خصلات شعرها عن وجهها، بينما أخذ الهواء يلامس بشرتها الناعمة بتروٍ، ورذاذ البحر يتناثر حولهما منعشاً الجو. غمغمت بحزن وعينيها تلمع بطبقة من الدموع:
"ماما الله يرحمها، هي اللي علمتني أبني قصور من الرمل. كنا نيجي هنا سوا في إسكندرية مع تيته نبيلة ونعوم كتير أوي. كانت بتحب الغطس، وكانت دايماً تاخدني معاها في أي تجربة جديدة تعملها، ونضحك سوا ونلعب كتير أوي يا عمر. وتيته نبيلة كانت تقعد تضحك وهي بتتفرج علينا. كنا نقعد ونفضل نبني قصور من الرمل لحد ما الموج يجي ويهدها. عارف يا عمر، كانت دايماً تقولي: 'أنا نفسي أشوفك يوم فرحك يا بيلا، وقتها هفضل أوصي عريسك عليك'. لكن كانت بتتعب كتير بسبب بابا، لأنه مكنش بيحبها، كان بيحب عمتك كوثر، عشان كده رفضك بنفس الطريقة اللي جدك رفضه بيها، لكن وقتها أمي دفعت التمن. تعرف؟ كانت بتقولي إنها لو خرجت من علاقتها خسرانة قيراط، فهي كسبت أربعة وعشرين قيراط إنها خلفتني. بس مكنتش تعرف إن بنتها هتتوجع هي كمان بسبب الحب. مكنتش تعرف إن بابا هيلينا ندوق من نفس الكأس. بس الفرق إنه عرف يكمل حياته ويتجوز ويخلف، لكن أنا حياتي وقفت مكانها."
ابتسم عمر بندم وهو يضمها بحماية إليه، ويتذكر قسوة الأيام التي مرت عليها قبله، وأنه بغبائه تركها تعاني من كل هذا وحدها. وكان سيظل الاثنان في تلك الدوامة لولا معرفته بالحقيقة، ليشعر بألم يهدد بسحق قلبه.
أدارها إليه، يقبل عينيها ويزيل دموعها برفق:
"حقك علي عيني يا بيلا، حقك علي قلبي أنا. بس علشان خاطري، والله العظيم ما قادر أتحمل دموعك. ربنا يقدرني وأعوضك عن كل الألم اللي شفتيه في حياتك."
حاوط عنقه بذراعيها قائلة بارتياح:
"بس أنا دلوقتي فرحانة بجد يا عمر."
سألته بهدوء قائلة بابتسامة:
"صحيح يا عمر، أنت حسيت إمتى إنك بتحبني؟"
حاوط خصرها هامساً، وقد أشعلت بداخله نيران العشق من جديد:
"عارفه؟ أول مرة لما شفتك في أوضتي. وقتها انبهرت بجمالك الصراحة، وقلت أكيد دي مش فلاحة، لأن لبسك كان بسيط جداً. لكن لما اتخانقتي مع عصمت وضربتيها، وقتها فاكرة الجملة اللي إنتي قلتيها لي؟"
"يعني هتكون مين؟ ابن بارم ديله الكونت دي مونت كريستو، مكتشف الذرة، وأنا مش عارفة هتكون مين؟ يعني واحد من ملزقين عيلة الرشيدي."
لم تستطع بيلا كبح ضحكتها الرنانة وهي تنظر له، متذكرة تلك الليلة حيث أول لقاء بينهما، ليكمل عمر بشغف وعشق:
"بصراحة، من اللحظة دي وأنتي سرقتي النوم من عيني. وبعد ما كسرتي إزاز العربية، وقتها شفت بنت جميلة أوي وكاريزما خفيفة على الروح ومرح، كأنها طفلة بتحب الحياة. حقيقي، كنت بحسك طفلة، والغريب إني مش بلاقي راحتي إلا معاكي. بموت فيكي لما بتتكسفي. لدرجة إن أول ما كتبنا الكتاب، كنت مش مصدق إنك أخيراً بقيت ملكي لوحدي. لسه في بالي أول مرة قطفت الورد من خدودك."
بموت في شقاوتك وهزارك ولسانك الطويل، وبحب هدوءك وضحكتك. أقولك أنا برضو مش بريء أوي كدا، كان عندي علاقات كتير بس كنت بعتبره تسلية، خروج من هم الشغل والصفقات، وكمان مفيش التزامات بحاجة. كانت علاقات سهلة، لكن في حرم أدبك وأخلاقك كان لازم أقع على بوزي. في الأول قلت هقابلك كم مرة لحد ما الهالة اللي حواليك تنطفي وأعرف أركز في شغلي وحياتي، لكن من غير ما أحس لقيت نفسي واقع في المصيدة، وكل لحظة بينا كانت بتزيد شوقي وعشقي ليك يا بيلا.
ابتسمت بسعادة قبل أن تطبع قبلة سريعة على شفتيه. كاد أن يقترب أكثر إلا أنها ابتسمت بخبث طفولي وهي تنهض بعيدًا عنه.
استقام مهرولاً خلفها وهو يضحك. ركض بقوة إليها، وكانت هي تركض على رمال الشط حافية الأقدام بجمال وأناقة تليق بجميلة كهذه، امرأة بروح مراهقة.
التقط عمر يدها في لحظة خاطفة، فصرخت بيلا بفزع وهي تستدير له قائلة بمرح:
"عمر... استنى بس هفهمك."
لما يمهلها فرصة لقول ما لديها، بينما حملها بين ذراعيه متوجهًا نحو البحر وأمواجه الهائجة.
ألقاها برفق لتشهق بفزع مغمغمة بغضب:
"مش عايزة أعوم دلوقتي، حرام عليك."
ابتسم بخبث وهو يمسك يدها ساحبًا إياها نحو الأعماق. مر وقت طويل وهي تسبح بمهارة أسفل المياه، ترى الأسماك والمخلوقات البحرية، بينما مر الوقت بسرعة برفقته. يبدو وكأن القلب عادت له روحه برفقك أيها الوسيم.
***
في صباح يوم جديد.
استيقظت نور بكسل على صوت ذلك المنبه المزعج. نهضت من فوق الفراش، خرجت من الغرفة متجهة نحو المرحاض بعد أن أخذت ثيابًا أخرى لتبدلها.
انتهت من أداء فرضها. أحضرت طعام الفطار لأجل أشقائها ووالدها، لكنها لم ترد إيقاظهم فالوقت ما زال مبكرًا، واليوم هو السبت حيث لا مدرسة.
أخذت رغيفًا وضعت به أصابع البطاطس المقلية. زفرت بحنق وهي تأخذ قضمة كبيرة من السندويتش قبل أن تغادر المطبخ متجهة نحو غرفة أخيها.
نور بهمس:
"سيف... سيف قوم."
استيقظ بازعاج من أشعة الشمس قائلاً بهدوء:
"أيوه يا نور."
ردت بجدية وحزم قائلة:
"شوية وأبقى صحي بابا وعبده واقعدوا افطروا. الأكل في المطبخ، وابقى اسقي الصبار والنعناع اللي برا. واقعد ذاكر، وذاكر لأخوك معاك، وبلاش تخليه ينزل يلعب بدل ما حد يضربه."
رد سيف بجدية قائلاً:
"مين دا اللي يضرب أخويا؟ دا أنا أوديه في داهية."
ردت نور بسرعة مغادرة الغرفة:
"مش عايزة مشاكل يا سيف، الله يرضى عليك. مش ناقصة."
غادرت المنزل قائلة بصوت مسموع:
"يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم."
كانت تمشي في جانب الطريق بحذر من الأيادي الطائشة حتى نادى عليها شخص ما.
نظرت خلفها نحو محل الجزارة حيث يقف ذلك الرجل الضخم أمام المحل يمسك بين يديه سكين حاد قائلاً بلهفة:
"ست نورهان يا نورهان! خد ياض السكين دي واوزن للزبون اللي عندك."
اقترب منها ليقف أمامها يبرم شاربه بحركة مستفزة لنور قائلاً بمراوغة:
"يا أرض احفظي ما عليكي! نورتي المنطقة والله من يوم ما رجعتي. هو حصل حاجة بينك وبين البيه جوز حضرتك؟"
غمغمت نور بحنق وهي تحدق به بضجر:
"هو في إيه يا معلم سلطان؟ هو أنت ليك فلوس عندي؟ لا، أنا بشتري منك اللحمة وبدفع حقها. عايزة إيه أنت بقى؟"
"ننول الرضا يا جميل. ولا إحنا مش قد المقام والقلب مش بيميل غير لولاد الذوات. مش طلقك برضك؟"
أخذت نفسًا عميقًا بغضب قائلة من بين أسنانها:
"بقولك إيه يا معلم سلطان، ست توحة لو عرفت إنك واقف معايا دلوقتي هتزعل وهتزعلك، وأعتقد أنت مش قد زعلها. فانجز وقول عايز إيه مني علشان عندي شغل."
وضع يديه على بطنه وحركها قائلاً بخبث:
"طالب إيدك يا نور، أنتِ لسه صغيرة وزي القمر وحرام يضيع شبابك في الشغل والمرمطة دي. أنتِ صغيرة عليها، أنتِ عايزة اللي يسترك."
زمجرت نور قائلة من بين أسنانها:
"عارف أنت لو ما مشيتش من قدامي هعمل فيك إيه؟ قسماً برب محمد هصوت وألم عليك أمة لا إله إلا الله. وساعتها أبقى وريني هتعرف تقف قدامي كدا إزاي. بالاذن يا معلم."
رد سلطان باستفزاز ولمعة عينيه بخبث وإعجاب:
"هتعبر نفسي، مسمعتش حاجة، وهستنى ردك يا جميل."
عضت على شفتيها بغيظ وغضب قبل أن تتركه وهي تسبه من شدة الغضب.
***
في قصر "العلايلي".
ركض باسل بقوة لداخل القصر بعد أن أتاه اتصال من زينة بأن والده فقد الوعي قبل وقت وحالته تسوء.
ابتسمت إحدى الخادمات بإعجاب وهي تراه يدلف لداخل القصر مهرولاً. يبدو في غاية الوسامة، تلك الملامح الحادة قليلاً تزيد من وسامته الطاغية، وعسلياه الضاريتان تلمعان بحدة وكأنه نمر ينتظر فريسته ليفترسها. هيئته الرياضية تأسر قلوب الكثيرات.
هو مثال للوسامة الطاغية والملامح الرجولية المميزة.
صعد الدرج بسرعة، في أقل من دقيقة كان يقف أمام غرفة والده، بينما رأى الطبيب يخرج من الغرفة والحزن جليًا على وجهه.
سأله باسل بلهفة قائلاً بحزم يليق به:
"زيدان باشا كويس؟"
اخفض الطبيب رأسه بحزن قائلاً:
"للأسف حالته بتسوق ومش قابل إنه يروح المستشفى. والأعراض اللي عنده أعراض الجلطة."
ضيق باسل ما بين حاجبيه بارتياب وحزن قائلاً بجدية:
"يبقى ننقل كل الأجهزة للقصر، وأي حاجة هيحتاجها في المستشفى توصل القصر."
رد الطبيب بهدوء قائلاً:
"بس يا باسل بيه، الموضوع هيكون صعب و..."
قاطعه باسل بحزم وصرامة متناهية:
"مفيش بس، أنت فاهم. كل الأجهزة تتنقل هنا. أدام النهاردة لو مظبطش كل ده، اعتبر إن المستشفى بتاعتك مقفولة. وده مش تحذير، ده تهديد."
ابتلع الطبيب ما بحلقه بارتجاف قائلاً بهدوء:
"الأجهزة هتوصل النهاردة إن شاء الله."
وضع باسل يديه بجيب بنطاله قائلاً بشموخ وثقة:
"للأسف معندكش حل غير ده. اتفضل شوف شغلك."
أومأ له بجدية قبل أن يغادر القصر.
خرجت زينة من غرفة والدها وهي تبكي بحزن وصمت. لكن ما إن رأت باسل حتى ركضت نحوه محتضنة إياه.
ربت على ظهرها بحنان وحب.
أخذت تغمغم ببعض الكلمات:
- بابا تعبان أوي يا باسل. أرجوك ادخله، هو عايزك. هيرتاح لما يتكلم معاك علشان خاطري أنا وماما.
زفر بحرارة وحنق وهو يحلق في الفراغ.
لتقول بتضرع:
- علشان خاطري يا باسل، أرجوك.
مسح وجهه بيده قبل أن يومئ لها بالموافقة. ابتسمت بسعادة وهي تمسك يده وتأخذه لداخل الغرفة.
وقف باسل في تلك الغرفة الشاسعة ينظر لوالده الراقد بارهاق فوق الفراش مغمض العينين.
غادرت زينة الغرفة وهي تدعو الله أن ينهي ما بينهما من شجار.
ظل واقفًا مكانه لعدة لحظات ثم اقترب منه ليجلس على الكرسي بجوار الفراش.
شعر زيدان به ليفتح عينيه بلهفة قائلاً بحزن:
- باسل.
كان يحاول النهوض إلا أنه تتوه بالم. وهو يضع يديه على قلبه، شعر باسل بالذعر قائلاً:
- خليك مرتاح، أنا جنبك.
لا يعرف كيف نطق لسانه بتلك الكلمات. ابتسم زيدان ومعالم الحسرة والندم تعتلي وجهه بوجوم وتعب:
- حقك عليا يا باسل. أنا عارف إني آذيتك باللي عملته. وعارف إني مكنتش الأب المثالي ليك ولا لأختك. ومش هبرر موقفي، أنا غلطت في حقك أنت ونيرة وزينة. ولما حاولت أصلح اللي بينا تسببت في جرح نور كمان. أنا بس كنت عارف إن هي دي اللي هتعرف تغيرك علشان كدا دخلتها حياتنا.
سعل بقوة في نهاية حديثه. ليقوم باسل بجذب كوب المياه الموضوع على الكومود معطيًا إياه لوالده. أخذه زيدان ليرتشف منه ببطء ثم وضعه جانبًا ليقول بدموع وندم:
- حقك عليا يا ابني، والله العظيم حقكم عليا. بس اديني فرصة وأنا هحاول أصلح اللي كسرته، صدقني أنا محتاجك جانبي يا باسل.
اخفض باسل بصره لتأتي على باله بعض الآيات القرآنية التي حفظها منذ فترة قصيرة.
وقوله تعالى: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا" [النساء: 36].
وقوله سبحانه: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [الأنعام: 151].
وقوله جل شأنه: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ" (البقرة: 83).
وقوله: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا" (مريم: 30-32).
وقوله جل وعلا: "وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۚ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" (العنكبوت).
وقوله تعالى: "رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا" (نوح: 28).
رد باسل بجدية حانية:
- خلينا ننسى اللي فات، أنا خالص معدتش فارق معايا كتير. أنت ليك حق عندي وربنا يقدرني وأديه. وحقي عندك أنا مستعوضه عند ربنا. وبالنسبة لأمي فأنت لازم تصافيها، لأن حرام أوي اللي عملته فيها واللي هي استحملته عشانّـا.
ربت زيدان على كتفه قائلاً بضعف:
- طب ونور؟
ابتسم باسل ساخر ليجيب بخفوت:
- نور ربنا يسعدها مع الشخص اللي يستاهلها. أنا خالص معدتش أفكر في موضوع الجواز ولا عندي طاقة لأي حاجة غير الشغل حالياً، وغير إني أفهم نفسي.
ربت على كتف والده بحنان قائلاً بجدية:
- متقلقش على الشغل، أنا هظبط كل حاجة، وإن شاء الله هرجع الشركة تاني من النهاردة.
غادر الغرفة دون أن يضيف حرفاً آخر.
بعد مرور أسبوع.
في منزل عمر بالإسكندرية.
وقفت زينب على ذلك الكرسي الصغير لتصبح في مواجهة والدها، تقوم بضبط الجاكيت هامسة بإعجاب وشغب:
- البدلة شيك أوي عليك يا بابا، حقيقي لو مكنتش أبويا كنت طلبت الطلاق من صالح وطلبتك للجواز.
ضحك عمر بصخب قائلاً بسعادة:
- أبوكي طول عمره شياكة يا بنت، ألف مين يتمناني، بس القلب بقى... ها مظبوطة كدا؟
نزلت عن ذلك الكرسي قائلة بغمزة شقاوة:
- زي القمر يا برنس، خلي بالك إنك هتتحسد، لازم أرقيك من العين.
جذبها عمر نحوه مقبلاً قمة رأسها بسعادة:
- تعرفي أنا مستني اليوم دا من امتى يا ملك؟ ياااه من أكتر من اتنين وعشرين سنة، من أول مرة عيني وقعت عليها، وقتها أخدت قلبي وسرقتني من نفسي.
ابتسمت زينب بسعادة وحماس قائلة:
- خالص، وأهو جيه اليوم اللي بتتمناه، المهم أوعي أوعي تحاول تزعلها يا بابا، أنا بقولك أهو، بنتنا لو زعلت هيكون فيها كلام كبير.
- والله.
غمزت له بحب قائلة: والله.
بعد مرور نصف ساعة.
تدق الطبول وتعزف الزمامير على أوتار الحبيب الواقف في آخر الدرج ينتظر العروس، وعيناه تتوهج بالفرح والحب وهو يراها تنزل برفقة ابنتها وزوجها، تتأبط ذراعه بخجل من الموقف، والسعادة تطل من عينيها الكحيلة البراقة بالحب، كل خطوة تخطوها على الدرج بتمهل يخفق قلبه شوقاً معها، وكأنها تسير على حافة قلبه العاشق.
وصوت الزفة يكمل جمال المشهد وتأثيره عليهما مع الزغاراريد الغالية المنطلقة حولهما من الأحبة، حيث يقف شاركهم الكثيرون.
حبيبة ونور وإيمان وحياء وزينب ومريم وكذلك صفا ونساء المنطقة المقربين من حياء، جاء الكثيرون ليشاركوها تلك الفرحة.
كانت جميلة اليوم أكثر من أي يوم مضى، جمالها راقٍ بريء كثوبها الأبيض وحجابها الناصع، وآه من طلتها بالأبيض عليه، فقد خطفت قلبه أكثر من السابق وأعجزت حواسه، فظل واقفاً مكانه متسمراً ضائعاً في جمالها يتأملها من أول زينة وجهها الرقيقة مع لفة الحجاب الرائعة الذي يراه به لأول مرة، حتى أطراف تنورة ثوبها المميز والذي يليق بمعذبة قلبه ومعشوقته.
إنها هي الحب ولن يكن الحب دونها حباً.
رفعت بيلا عينيها عليه وخفق قلبها بجنون وهي تراه يقف عند آخر درجات السلم ينتظرها بحلة العرس الأنيقة والتي ازدادت بها وسامة كنجوم السينما، وكيف لا وهو يملك من الوسامة ما يجعل قلبها يخفق بضراوة، وكأنها صممت خصيصاً له حتى يتمكن من خطف قلبها أكثر من السابق.
انتبهت للبسمة الجذابة على محياه وتوهج عينيه بالحب والسعادة، وقد لاحظت باقة الورد الحمراء الصغيرة الذي يحملها بين يديه منتظراً قدومها حتى تأخذها منه.
لا تعرف لماذا ترقرق الدموع بعينيها، لكنها شعرت أن السعادة في قلبها كانت أكبر وأجمل مما تحتمل، لذا تجمعت في مقلتيها دموع السعادة والشكر لله على تلك النهاية الرائعة، فقد جمعها في النهاية بالحلال بمن تحب بعد سنوات عجاف من البعد، سنوات تألمت في بعده.
تأثر الجميع بهذا المشهد وخصوصاً ملك التي تقدمت منها كذلك وظلت في أحضانها لفترة. ابتسمت زينب بسعادة وهي تقبل وجنة بيلا قائلة بسعادة:
- ألف مليون مبروك يا ماما.
شعرت بيلا بالنفور من ذلك الزفاف رغم سعادتها، لكن تشعر وكأن الموقف سخيف.
تقدم عمرو منها وأخيراً أتى الدور عليه لمباركة زوجته، فقدم لها باقة الورد بصمت، فأخذتها منه بخجل وتوتر، لتجده يقترب منها ويطبع قبلة على جبهتها طويلة حسية عميقة المعاني جعلتها تغمض عينيها ويخفق قلبها بجنون مع لذة اللحظة.
لتجده يبتعد عنها ناظراً لعيونها البنية يأسرها، فتركت لعينيها حرية تأمله أكثر من أي يوم مضى.
فكان وسيماً لدرجة ضاعت في النظر إليه لبرهة، حتى أن خصلاته البيضاء زادت من وسامته، وها قد جاء اليوم الذي تمنت لسنوات.
لتجده يهمس بصوت أجش...
- مبروك يا بيلا.
ثم مال عليها هامساً بصوت لم يسمعه أحد سواها قائلاً برجاء:
- افرحي يا بيلا علشان خاطري وانسى الماضي، وأوعي كلام الناس يأثر فيك، لأن محدش فيهم عاش في المرار اللي إحنا دوقناه، يبقى مش من حقهم ينكدوا علينا في الليلة اللي بنفرح فيها.
ابتسمت بيلا وضاعت نظراتها الهائمة به أكثر، لتجده في اللحظة التالية يعتقل خصرها بين يديه بحب، لتلف كفها حول ساعده.
صفق الجميع لهما، وصاح صالح وأصدقاؤه الشباب بتشجيع له.
بينما أطلق ثائر صفير وهو يصفق لهما، وكذلك علي الذي يقف جواره يتألق ببذلة سوداء أنيقة.
اتجهت بيلا معه نحو السيارة إلى القاعة المقام بها حفل الزفاف ليبدأ الاحتفال.
في القاعة.
جلست بيلا بجوار عمر بسعادة، وها قد أتى ذلك اليوم الذي تمنته منذ دهر طويل.
على إحدى الطاولات التي يجتمع عليها الشباب.
نظر صالح لعلي ويوسف قائلاً:
- لا يا شباب، مش هينفع كدا خالص، عايزين نولع الليلة، دا حمايا برضو.
رد يوسف بغمزة شقاوة وسعادة:
- يبقى لازم نعمل معاهم الواجب، ولا إيه يا علي؟
وافقه علي ليتجه نحو مهندس الصوت ليهمس له ببعض الكلمات.
بعد لحظات.
وقف صالح في منتصف القاعة، وجواره من الناحية اليمنى يوسف، ومن الجهة الأخرى يقف علي.
اقتربت الفتيات من الشبان الثلاثة.
صدحت الأغنية الصاخبة حولهم، بدأ الغناء والرقص.
(حلوة وبتحلي أي مكان وتنوره
والله ما تلاقوا زيها لفوا الدنيا ودوروا
دي جمالها معدي واللي يشوفه بيقدره
والله ما تلاقوا زيها
زيها مين بتهزروا...)
مسك عمر كف بيلا متجهاً نحو الشباب، وكذلك جلال الذي صعد للتو برفقة حياء.
أصدرها عمر عدة مرات وهو يغني مع الأغنية بسعادة.
بينما ساد جو من المرح بين الشباب، وكذلك عمر، لينظر له صالح ثم غمز له بحب رغم حنقه منه أوقاتاً، ليرد له عمر بابتسامة، ليردد صالح الأغنية وهو ينظر لزينب.
"تؤمر تتأمر ما هي دي اللي عليها بنمر
طبعاً حقها تدلع، تتبغدد قوي، تتمنع..."
مسك صالح كف زينب ورقص معها وهو يشارك في الغناء بمرح ليغمز لها قائلاً:
(قصاد الغمزة إحنا تلامذة، قصاد المشية إحنا الحاشية، ودي السلطانة وتتسلطن، نغني معاها ونتسلطن، قصاد الغمزة إحنا تلامذة، قصاد المشية إحنا الحاشية، ودي السلطانة وتتسلطن، نغني معاها.
ليل يا عين يا ليل يا عين يا ليل، عين يا ليل يا عين يا ليل يا عين)
مسك جلال كف حياء ونظر لعينيها وهو يردد مع الأغنية بشقاوة، وهي تموت خجلاً وسعادة من جمال اللحظة بين يديه، وتمنت كثيراً أن يقف عمرها هنا ولو قليلاً ولا تنتهي أجمل اللحظات بينهما، ليهمس قائلاً بعشق:
(الورد اتنقّى بالواحدة عشان خدها، يا جماعة مش ممكن لأه، دي لا قبلها ولا بعدها، مبتدلعش ما هي دلوعة لوحدها، الرقة يا ناس رباني، رباني يا ناس ببعدها)
بآخر جملة ضحكت حياء بقوة، وهو أخذ باله من الجملة فغمز لها سراً.
وجواره ردد يوسف باقي الأغنية أمام عيني إيمان، والتي كانت تهتف بتناغم وسعادة مع أوتار الموسيقى، ليصيح بجنون وهو يرفع يديه.
"أنا مش هتكلم أنا رافع إيدي مسلم، القد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم، ده أنا مش هتكلم أنا رافع إيدي مسلم، القد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم..."
تبادل الشباب الرقص، فأصبحت بيلا وزينب ومريم وصفا والفتيات مع بعضهن، والشباب في الجزئية الأخرى، وصياح الشباب كان أعلى وهم يرددون الباقي من الأغنية بحماس وسعادة.
"قصاد الغمزة إحنا تلامذة، قصاد المشية إحنا الحاشية، ودي السلطانة وتتسلطن، نغني معاها ونتسلطن، قصاد الغمزة إحنا تلامذة، قصاد المشية إحنا الحاشية، ودي السلطانة وتتسلطن، نغني معاها.
ليل يا عين ياليل يا عين يا ليل، عين يا ليل يا عين يا ليل يا عين"
اقترب عمر من بيلا محتصناً وجهها بين يديه قائلاً بسعادة:
- بحبك...
ابتسمت بسعادة تنظر للجميع حولها، وكم السعادة التي تحيط بها، وكل شاب يمسك بيد حبيبه ويرقص على أوتار الموسيقى بتآلف وتناغم.
ردت بيلا بسعادة وخجل:
- وأنا بموت فيك يا عمر، بس الشباب قاموا بالواجب، حقيقي مكنتش متخيلة إنه هيكون بالجمال دا.
اقترب صالح منها قائلاً بسعادة وحب:
- لسه الليلة في أولها يا بيلا، يا قمر إنتي ليه الجمال دا يا قمر؟
طبع قبلة على جبين بيلا ليصيح عمر بغضب:
- بتعمل إيه يالا أنت اتهبلت؟
ابتسم صالح بخبث واستفزاز وهو يقبل رأس بيلا بحماس:
- إيه هو حلال ليك تبوس مراتي وأنا لأ يا حمايا العزيز، ولا إيه؟ تعرفي يا بيلا إنتي النهاردة بجد أجمل واحدة شفتها عيوني، إيه الجمال دا؟
كاد عمر أن ينفجر من الغيظ والغيرة، لتقهقه بيلا بحماس قائلة:
- والله إنتي اللي قمر يا صالح، لو كنت أكبر شوية ومش جوز بنتي، أكيد كنت هتجوزك فوراً يا أبو عيون خضراء يا قمر إنت.
زمجر عمر بغيرة قائلاً:
- طب ما أجيب لكم اتنين لمون وأمشي أنا.
قهقه صالح وهو يهز كتفه بسعادة تناغم مع الموسيقى، ليتجه نحو زينب تاركاً العروسين.
كانت نور تجلس على الطاولة تنظر لهم بحزن، تمنت لو تراه الآن وتصرخ به، بل وتحتضنه وتخبره أنها تفتقده منذ أن تركها وكسر قلبها، رغم أنها أخبرته أنها ترغب بالبقاء معه، لكن لم يبالي بذلك وتركها.
أخيراً رفعت عينيها البنية لتقع عينيها على عسليته المهلكة وهو يدلف إلى داخل القاعة.
وكان هو في غاية الأناقة ببذلة كلاسيكية بعصرية رفيعة باللون الكحلي، كانت رائعة عليه، وكأنها صممت إليه خصيصاً.
وقد صفف شعره الأشقر الغزير للخلف فأصبح جذاب بدرجة مهلكة.
مما جعلها تخفض عينيها بارتجاف بينما تتعالى دقات قلبها.
بلعت غصة الانكسار في حلقها وهي تشعر بتجمد أطرافها.
دلف باسل إلى داخل القاعة بخطوات شامخة، يبدو في غاية الوسامة.
أدار عسليته في القاعة وكأنه يبحث عنها، لا يعلم لماذا يفعل ذلك، لكن قاده قلبه إلى البحث عنها.
ليجدها تجلس على إحدى الطاولات وحدها، تتألق في ثوبها الأزرق الطويل وحجابها الأسود الذي يبرز بشرتها البيضاء الجميلة.
اختطف عدة لحظات وهو يتمعن النظر إليها باشتياق، أخترق قلبه الملتاع لها.
كانت الصحافة هنا وهناك تقوم بتصوير كل اللحظات في ذلك الحفل الأسطوري الذي يجتمع به أشهر رجال الأعمال وأشهر الشخصيات المعروفة بمدينة الإسكندرية.
تشنج وجه باسل بحزم وشدة وهو يرى ذلك الشاب يقترب من طاولة نور مبتسمًا، يمد يده نحوها قائلاً بلهفة:
- تسمح لي بالرقصة دي يا هانم؟
رفعت نور عينيها تنظر حوله، لتشعر بأنه مألوف بالنسبة لها.
وجهت نظرها لذلك الواقف مكانه، وعيناه تبعث الشرار.
والبخار يتصاعد من أذنيه من شدة الغضب، وكأنه ينتظر ردة فعلها.
ابتسمت برقة مغيظة له، لتضع يدها بيد ذلك الشاب.
ليتجه نحو المنصة بجوار الشباب يرقص معها برقة وتناغم على تلك الموسيقى.
لتسأله نور بهدوء:
- هو احنا اتقابلنا قبل كدا؟
رد الشاب بتوتر قائلاً:
- هو أنا كنت شغال مع باسل بيه وشفتك كذا مرة معاه، فيمكن تكوني عرفاني، اسمي عيسى.
أومات له بلا مبالاة، وعيناها تسترق النظر لذلك الوسيم الذي اقترب من المنصة برفقة امرأة أنيقة مثيرة!
جزت على أسنانها من شدة الغضب قائلة بهمس:
- جوز الأربعة قليل الأدب، السافل.
صعد باسل المنصة مباركًا لعمر، ثم نظر لتلك المرأة وأخذ يراقصها بجوار نور، وهو يسترق السمع لما تحدثه الشاب به.
بينما كان عيسى يتحدث لنور، التي حاولت التركيز قدر المستطاع، إلا أن رائحة عطر ذلك الوسيم داهمت أنفها لتجعلها تشعر بالضياع.
إلا عندما سألها عيسى بخبث قائلاً:
- نور، أنا عارف إنك انفصلت عن زوجك، والصراحة عارف إن الموضوع هيكون مفاجأة ليك، بس أنا حابب آخد رقم والدك، وصدقيني يا نور أنا عارف إنك اتأذيتي منه، بس اديني فرصة أعوضك.
ابتسمت دون وعي، ليجن جنون ذلك الأشقر معذب قلبها، ليصرخ بغضب وهو يدفع الفتاة بعيدًا عنه، ثم توجه نحو عيسى، يمسكه من تلابيد قميصه قائلاً بعيون سوداء من الغيرة:
- وعايز رقم أبوها ليه إن شاء الله يا روح أمك؟
ابتلع عيسى ما بحلقه قائلاً بتوتر:
- كنت هطلب إيديها للجواز والله على سنة الله و...
لم يكمل جملته، بينما صرخ باسل بغضب:
- عايز تجوز مراتي يابن ال***...
عجل باسل بلكمة قوية أسفل فكه، على أثرها تراجع عيسى للخلف وهو ينظر إليه.
بوحشية تكاد تفتك به.
لكمه باسل مجددًا أسفل عينيه وهو يصرخ به بقوة...
- هتعوضها ها؟ كل الرجالة أغبية وأنت الذكي بروح أمك.
ركله باسل في بطنه وهو يقول...
- كل الرجالة أغبية وأنت الذكي اللي فينا... فين النخوة والمروءة وأنت حاطت عينك على واحدة متجوزة وبتحب جوزها يا غبي...
دافع عيسى عن نفسه ولكم باسل في صدغه...
وهو يقول بقرف:
- إيه مبتعرفش تكلم غير بإيدك، معندكش لسان...
تحسس عيسى فكه بيده بغضب وقذف الدماء من فمه وهو يناظر باسل بغضب، ثم سأله ببرود:
- أفهم من كده إنكم متجوزين إزاي وأنت طلقتها...
استشاط باسل غضبًا من حديثه الفاتر معه بعد كل هذا الضرب، بل ويسأله وكأنه صديقه أو من أفراد العائلة.
شهق باسل بازدراء:
- أنت مال أهلك يالا، واحد ومراته حصل بينهم مشكلة فجأة كدا تطلعهم أطلقوا.
كانت نور تقف بجوار زينب بفزع وسعادة خفية وهي تتابع ما يحدث، وتلك الفوضى التي أثرها باسل في حفل الزفاف، لكن تملكها الغضب من تقلباته، لتقول بحدة:
- مرات مين يا جدع أنت؟ وبعدين إحنا اتطلقنا ومالكش دعوة بيا.
صرخت في نهاية جملتها، ويقترب منها محذرًا إياها بغضب وشر، إلا أنها استمرت قائلة:
- إيه فاكرني بخاف، ولا إيه؟ أيوه اطل...
ضحك عمر بسعادة قائلاً بخبث:
- رغم إن تمثيلك يا عيسى معجبنيش، بس برافو عليك، أهو اتحرك.
فغرت زينب شفتيها قائلة بصدمة:
- بابا؟!
غمز لها بشقاوة قائلاً بخبث لبيلا:
- مش ياله بينا ولا إيه يا مزة؟
ردت بيلا بخجل وسعادة:
- احترم نفسك يا عمر.
قل للمليح وإن تباعدت الخطى تبقى القريب وليس بعدك من هوى.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل التاسع والستون 69 - بقلم دعاء احمد
كانت نور تصرخ به بغضب وكره من تقلباته المزاجية. هل يعتقد أنها لعبة بيدها يحركها كما يشاء.
ردت معنفة إياه بغضب مشعلة نيران الغيرة بداخله:
- أنا مش مرات حد، أنت فاهم يا باسل بيه؟ أنت طلقتني خالص، فركش، خلصت الحكاية اللي حضرتك رسمتها. إيه عايز إيه تاني؟
وبعدين أنت مالك، اتجوز وأحب أن شاله، حتى أصاحب...
لم تكمل جملتها لتجده يقترب منها بعيونه الحادة والحمراء من شدة الغضب.
ابتلعت ما بحلقها بارتباك.
شاعرة بتيار كهرباء يسير بجسدها، لكن لا مجال للخوف منه.
هو من آذاها، فعليه تحمل نتائج أفعاله. تركها بدون أي مبرر أو ذنب.
حملها سريعا على كتفه كشوال الأرز.
صرخت نور بصدمة وهي تركل بطنه بقدميها، بينما
هو يخرج من الحفل غير مبالٍ بنظرات الضيوف له:
- أنت اتجننت، نزلني يا باسل، بقولك نزلني.
صرخت عليه بجنون وهي تحاول النزول عن كتفه الصلب:
- أنا مش مراتك، فاهم؟ لو عملت إيه، ما أنا راجعالك. نزلني يا حيوان.
جز على أسنانه من شدة الغضب، مزمجرا بحدة:
- هنشوف يا حرمي المصون.
قالها هازئاً واثقًا، وهو يخرج من القاعة بأكملها متجها نحو سيارته المصفوفة في الجراج.
ألقاها بسيارته في المقعد الخلفي سريعا، أمام أعين بعض الأشخاص المتابعين للموقف.
كانت ستصرخ به مرة أخرى، إلا أنه كمم فمها بيديه وهو يرمقها بعسليته الضاريتان:
- قسما بالله لو سمعت صوتك، لأكون جايب أجلك، أنت فاهم؟ مش عايز عبط على المساء.
وبعدين في حد يتكلم مع جوزه كدا برضه يا شبح.
- شبح لما يلهفك.
ردت بتلك الكلمة بداخلها وهي تنظر له عن قرب بعيون تلمع بالشراسة والغضب.
قضمت يديه بأسنانها الحادة، فطبعت أسنانها علامات حمراء على يده. كبح باسل التاوه سريعا وهو يبعد يده عن فمها.
نظر لها بشر، في لحظة تهور، رفع يديه وكاد أن يصفعها، لكنه توقف حينما رآها تنكمش على نفسها، تغمض عينيها بخوف.
منتظرة شيئًا، يقسى قلبها عليه أكثر.
أنزل يده المرفوعة وقبض عليها بقوة، وهو يلقي عليها نظرة معاتبة غاضبة، ثم جذب بعدها حزام الأمان وربطه جيدا بها بقوة، حرصا على ألا
تفتعل جنونا أثناء قيادته.
خرج من السيارة صافق الباب خلفه بقوة، بينما
سار بعدها خط من الألم منتشر بجسدها، ولم تلبث
إلا واغمضت عينيها مستسلمة للواقع المرير
معه والحروب التي ستقام بينهما من الآن
فصاعدا، حتى يتنازل أحدهم ويترك
للآخر حرية الهرب منه.
دخل السيارة واحتل مقعد القيادة. أدار محرك
السيارة وهو يلقي عليها نظرة محتنقة.
بينما هي ساكنة بالخلف تغمض عينيها هربا من نظراته.
أثناء قيادته والصمت الأسود بينهما،
لاح بعقله وجهها المضطرب والخائف منه.
بعد مدة قصيرة،
وصل باسل إلى تلك الفيلا الصغيرة بعيدة عن قصر العلايلي.
بلعت غصة حادة كشفرة مسننة
وهي تراه يخرج من السيارة ويفتح الباب جوارها،
ثم أشار لها بمنتهى الهدوء وعيناه تحذرها ألا تفتعل جنونا.
- انزلي يا نور.
كتفت ذراعيها أمام صدرها ونظرت أمامها بغضب وشراسة.
- أنا عايزة أروح.
رد وهو يستند على سقف السيارة ببرود.
- مفيش مرواح، أنتِ هتقعدي في المكان اللي أنا عايزه.
ردت نور بتمرد وهي تنظر إليه بقوة.
- ليه إن شاء الله؟ تكونش اشتريتني وأنا معرفش.
أجابها بنبرة صادقة وهو يتمعن النظر لبنيتها.
- آه اشتريتك يا نور، بس بقلبك اللي كل ما أقرب منه أحس بأنه بيدق عشان أنا.
قالت بعينين نافرتين نحوه:
- أنت فاكرني لعبة عندك يا باسل بيه؟ طب أنت عملت إيه لما حسيت بقلبي بيدق عشانك؟ بكل بساطة قلتها أنتِ طالق، وكأني مش بني آدمة، أول ما تحصل مشكلة تكسر قلبها وتيجي عليه بالجزمة. أنت غبي يا باسل، غبي أوي. وبعدين أنت طلقتني.
هدر بانفعال بعد تلك النظرة المعاتبة منها وهو يميل برأسه عليها.
- مفيش طلاق، سامعة؟ ولو هنيجي لحكم الدين، فإحنا لسه في شهور العدة.
ولو قلتي ملمستكيش، فمفيش عدة. هقولك، إحنا قعدنا مع بعض وقت طويل، حتى لو جوازنا على الورق، فأنا وأنتِ كسرنا حدود كتير أوي، شفتك مثلاً بشعرك وفساتين قصيرة، وأخذت في حضني وأنتِ نايمة، وبوستك. العلماء اختلفوا على موضوع العدة،
بس دا لو أنتِ مكنتش دخلتي بيتي وعشنا شهور مع بعض في نفس المكان وشاركنا بعض نفس الأوضة.
فكي الزفت ده وطلعي يا نور.
حاولت جذب الحزام ولكنها فشلت في خلعه.
فسَبت بغيظ وهي تصيح:
- تعالى فك الزفت اللي ربطني بيه ده. ولا كأنك رابط جاموسة. جاتكم قرف، صنف مالوش أمان.
حذرها باسل ببرود.
- لمي لسانك يا نور وتعدلي.
صاحت بتشنج من الخضوع إليه.
- إحنا جايين هنا ليه؟ أنا عايزة أروح، روحني.
مال عليها وفك حزام الأمان وهو بالقرب منها، أنفاسه تضرب وجنتيها وتوصل الرجفة لجسدها وقلبها الأبله الذي يخفق بالقرب منه بجنون.
كان قريبًا منها جدًا، يكاد يلامس شفتيها بشفتيه. إن رفع رأسه قليلاً،
فقد كان منحنيًا أمامها يحل الحزام الذي يأبى بعناد تحريرها، مثل
شخص ينحني أمامها الآن وعطره الرجولي يداهم أنفها بقوة وأصابعه تلامس جانبها بين الحين والآخر وهو يحاول حل الحزام. دقت النظر
لرأسه المنحني وجانب وجهه الرجولي المتشرب من أشعة الشمس، وخصلات شعره المائلة
للأشقر قليلاً، التي تلمع كالذهب بجاذبية فاتنة مع أشعة الشمس.
تنفست باضطراب وهي تشعر بالحزام ينساب عن كتفيها ورأسه ترتفع إليها لتكتمل الصورة بشكل
مهلك.
ورغم الغضب، تتدفق مشاعر أساسها
عاطفي راقٍ، كحبهما تمامًا.
تبادلا ذكرى عن أشياء كانت بمثابة الحلم الجميل وقد انتهت بكابوس خذلان، وكلا منهما له وجهة معينة.
بلعت ريقها وهي تقول بحنق:
- هتفضل تبصلي كده كتير؟ وسع عشان أنزل.
تأفف أمام وجهها بغيظ يكبت تلك المشاعر التي انكشفت عن الستار بنظرة واحدة لعينيها. ابتعد عنها وانتصب واقفًا، منتظرًا إياها بصمت.
كانت تسير بشرود وبداخلها ينفجر الغضب ويتصاعد، لتجده يتحدث:
- تعرفي إني حفظت سور كتير في القرآن في الفترة الأخيرة.
ردت نور بشرود:
- مبروك، بس أنا عايزة أمشي يا باسل لو سمحت. أنا وأنت طلقنا، ياريت تفهم دا.
رد بعصبية وغطرسة:
- والله مش أنتِ اللي تقرري هنا.
- ليه لازم أنت اللي تكون متحكم في العلاقة؟
- أنا مقصدش كده على فكرة. أنا أقصد إني غلطت، بس أنا كنت ضايع يا نور. القرار لو هناخده يبقى بينا، مش أنتِ لوحدك اللي تقرري.
رفعت حاجبيها قائلاً بخشونة وغضب:
- طب ما عملتش كده ليه يا باسل بيه؟ ولا أنت عجبتك اللعبة اللي أنت عمال تكسر فيها؟ أنا قلت لك إني عايزة أكمل معاك ومش فارق معايا حاجة. عملت إنت إيه بقى؟ كسرتني وبمنتهى السهولة طلقتني. ده معناه إني مستحيل أثق فيك يا باسل، مستحيل.
- بس أنتِ بتحبيني.
أخذت نفسًا عميقًا قائلة بهدوء:
- جايز، بس أنا خالص مش عايزة أكمل بطريقتك دي. أنا ليا حياتي وعايزاها تمشي وتعدي بدون وجع ولا كسرة قلب.
لتتابع أمام عينيه الحادة بنفور.
- وي ترى خلصت كده ولا لسه في مصيبة جديدة حضرتك محضرهالي؟ ها، في حاجة جديدة مرتبها علشان تبوظلي حياتي أكتر ما هي متنيلة؟
رد باسل باستهجان:
- الحاجة الوحيدة اللي رتبت ليها إني أبعد، وشوف حياتي بعيد عنك. كنت عايزك تدوري على حياتك مع حد يقدر يسعدك.
قربت وجهها منه بجرأة، ثم قالت بتشفٍ وثقة لم تتغذى إلا على أفعاله وحبه لها.
- وعرف تشوفها يا باسل؟ بص على نفسك. أنت معايا هنا، وكل ما هحاول تبعد هتلاقي نفسك بتقرب. أنا بجري في دمك يا باسل، لأن القط مبيحبش إلا خناقة. فضلت تبعد وأنت عايز تقرب، ومجرد ما حسيت إن في حد تاني عايزني، قلت لا، مستحيل.
لأنك مش هتقدر تنساني بأي واحدة من اللي كانوا في حياتك.
شعر بالغيظ منها، فأخذ يقترب منها حتى دفعها لأقرب حائط وهو أمامها يحجزها بجسده الضخم. مسك وجهها بين يديه بقوة وهو يقول بجنون من بين أنفاسه
اللهثة وجعًا.
وأمام عينيها الجميلة، خضع قلبه عند بابها.
كيف حدث كل هذا، وهو من تمرد على أجمل الجميلات؟
كيف حدث، وهو كان دائمًا المتحكم؟ لماذا لا تخضع له مثل الباقية؟
لماذا لا تكف عن عنادها؟ أمامها ومع ذلك تجعله يريد الاقتراب أكثر.
- فعلاً، مش هنساكي عشان...
بحبك...
خفق قلبها سريعًا وتوسعت عيناها بدهشة وهي تراه ينظر لشفتيها بجوع ثم لعينيها بشوق. شعرت بأنفاسه الساخنة تلفح صفحة وجهها الشاحبة.
أغمضت عينيها وهي تشعر باضطراب في كل حواسها بقربه.
وقبل أن تصل شفتيه للفاكهة المحرمة وجدها تفتح عينيها بشراسة متذكرة أفعاله لتقوم بدفعه بقوة والصراخ به:
-كداب وأنانى مفيش حد يحب ويبقى عايز يأذي اللي بيحبه. أنت آذيتني يا باسل فاهم آذيتني...
انسابت دموعها وهي تصرخ به بغضب:
- أنت فاكر نفسك مين عشان تجرحني وأسامحك حتى لو كنت بحبك...
كانت كلمة قالتها دون إدراك، مجرد كلمة أحيت قلبه لينبض بقوة.
لكن قبل أن يتحدث تركته مهرولة لداخل تلك الفيلا لأنها على يقين أنها إن حاولت الخروج سيمنعها الحرس.
***
أخذ باسل نفسًا عميقًا كاد أن يقتلع أزرار قميصه الأبيض، سحب ربطة العنق باهمال فاصبحت متدلية من الجانبين.
ثم فتح أول زر من القميص وهو يشعر بالاختناق رغم أنه تخلص قبلها من سترة الحلة وألقاها جانبه.
شعور يتفاقم بداخله، الاختناق، عدم الراحة، عدم السعادة، عدم التكيف مع أمر اختاره بكامل إرادته، عدم التكيف بدونها، عدم البعد عنها. العجز في هجرها ونسيان ما مضى بينهما منذ أول لقاء بينهما. كل شيء يخنقه.
يشعر بأن صدره يضيق به لدرجة تجعل سحب النفس مجهود كبير بالنسبة له. تمتم ساخرًا:
-مش هسيبك يا نور يمكن لأن القط ميحبش إلا خناقه.
دلف لداخل الفيلا ثم صعد الدرج ليجد نور إحدى الغرف مضاء ليعلم أنها بالداخل.
بعد أن أطرق الباب انتظر فتحه على أحَر من الجمر، وحينما طَلَّت البهية وقف عقله للحظات عن العمل وعيناه سافرت على ملامحها الشاجنة الباكية.
سافرت على هيئتها وعيونها الحمراء الباكية وكانت تلتف بشالها الأسود كي تخفي نصف ذراعها المكشوف من بلوزة المنامة.
كان شعرها الغجري منسابًا حول وجهها بجاذبية حتى بعد أن وضعت عليه حجابها، إلا أنها أخذت حريته.
لطالما كان شعرها المتموج شيء يسحره بعد لؤلؤة عينيها الداكنتين.
بلعت نور ريقها بصعوبة وهي تتفقد هيئته الفوضوية غير المرتبة وكأنه عاد منهزمًا من إحدى الحروب.
فكانت نظراته جامعة بين الحدة والحزن والانكسار.
ظلت النظرات متبادلة بينهما للحظات، وكلا منهم يناظر الآخر بتراقب وتأمل لتفاصيله وكل ما به.
وكأنها يتعرفان على بعضهما من جديد.
شيء جعلها تسأله بتردد وهي ترمش برموشها المبللة عدة مرات:
-في أي تاني يا باسل؟ أي اللي جابك هنا؟ مش خلص خلاص الكلام...
-تجوزيني...
تلك الكلمة الوحيدة التي تفوه بها في وقفته الشامخة وعيناه الحادة الضارية.
كلمة أخذت وقتًا لتفسر معانيها وكأنها تركت عقلها على الوسادة وفتحت الباب بدونه.
أعادا الكلمة بنفاذ صبر وعيون متوحشة النظرات.
وكأنه سيفتك بها إن ظلت على صمتها هذا.
-تجوزيني يا نور...
اشتدت عينيها وهي تصيح بغيظ:
-اتجوزك؟ أنت اتجننت يا باسل؟ طلقتني وجاي تطلب إيدي؟ أنت مجنون...
أخرسها بخفوت خطر:
-وطي صوتك وتعدلي وأنت بتكلميني، متنسيش أنا اسمي باسل العلايلي. أنا بطلبك للجواز دلوقتي، ردك إيه...
-لا طبعًا. مش عايزة اتجوز...
كانت ستغلق الباب في وجهه لكنه سحب يدها بقوة لتكن خارج الغرفة، ينغلق الباب قليلًا لتجد أن المكان أظلم ولم يكن هناك إلا ضوء متسلل بسيط من فتحة باب الغرفة المضاءة.
توسعت عيناها وهي تراه يحجز وجهها بيداه ثم يميل على شفتيها في قبلة أفقدتها صوابها.
كانت تقاومه بغضب وحنق.
سحبها لصدره شاعرًا بخفقات قلبها القوية فوق صدره.
لكن قلبها خان عهدها وسلم حصونه إلى حبيب تركها في لحظة ثم عاد نادمًا.
أبعد باسل عنها همس بالقرب من وجهها ويداه تحيط خصرها معانقًا إياها بحب وشوق:
-أنا بحبك يا نور، بحبك وعايز أتجوزك بس المرة دي بإرادتك وحبك ليا. خلينا نبدأ صفحة جديدة...
ضربته في صدره بغيظ وهي تحاول ألا تبكي.
-وترجع توجعني تاني وتتجوز تاني وتالت عليا، لا تاني وتالت إيه إذا كان أنا الرابعة.
حجز وجهها بيده وهزه برفق قائلًا ببحة عميقة أرجفت أصولها.
-هشش، كفاية معافرة يا نور، انسي اللي فات.
أنا عايزك، عايزك تكوني مراتي على سنة الله ورسوله وتنسي أي حاجة فاتت. التلاتة اللي اتجوزتهم صدقيني مفيش واحدة قدرت تهز فيا شعرة يا نور.
مسحت عينيها وهي تقول بتهكم:
-يسلام... وأنا إيه اللي يضمنلي...
عقد حاجبيه قائلًا بخشونة.
-كلمتي... أظن دي ضمان يا نور. أنا لو كنت بستغلك وراجع عشان حاجة كدا ولا كدا كنت زماني خدتها من زمان وبإرادتك.
تنهد بثقل وعبث وجهه قليلًا وقال أمام عينيها الجميلة.
-أما فكرة الجواز تاني دي... فمتشغليش بالك لأن أنا تبت عن الصنف كله من وقت ما شفتك.
وطالما أنا عايزك وأنتي عايزاني يبقى الباقي كله سهل.
نظر لعينيها وأضاف بحب وندم.
-أنا مش هسيبك تاني يا نور. أنا عايزك، عايز اتجوزك. وكمل معاكي، خلينا ننسى اللي فات.
سألها وهو يرى الدموع تجري على وجنتيها.
-قولت إيه يا شبح؟ تجوزيني بذوق. ولا بالعافية أحسن...
قالت بحزن وعتاب.
-مفيش فايدة فيك يا باسل.
فسحبها هو لاحتضانه بقوة وهو يمرر يده على شعرها بحنان محاولًا الاعتذار لها عن قراره الغبي والمتهور في البعد عنها.
الأمر صعب وهي تعلم ذلك.
لذلك رضخ قلبها إليه ولم يكسر خاطره حينما عاد معتذرًا لها. ضربته في صدره وبكت في أحضانه وهي تقول بوجع.
-بكرهك، بكرهك...
ضمها أكثر مبتسمًا بعمق شاعرًا بطيف دافئ من السعادة أخيرًا يتخلل جسده الصلب البارد.
-وأنا بعشقك، بعشقك يا نور.
ماذا عليها أن تفعل؟ بداخلها شيء يود الإفصاح عنه.
يود الراحة والسلام من حرب لم تؤذي إلا كلاهما، وللعجب كلا منهم كان يؤذي نفسه فقط.
ضمها أكثر لصدره شاعرًا بجسدها اللين أكثر بين ذراعيه. أغمضت عينيها مستمتعة بهذا العناق.
وكان عقارب الساعة توقفت عند تلك اللحظة.
بعد لحظات سمعت أحدًا يقترب وينادي عليه من الأسفل ويبدو وكأنه حارس.
ابتعدت عنه سريعًا هامسة بقلق.
-في حد بينادي عليك...
عادت الحياة لوجهه وهو يشاكسها بحلاوة.
-ومالك خايفة كدا ليه؟ احنا في حكم المتجوزين. بس علشان أنا بفهم في الأصول هستنى لبكرة وآخدك لحد بيتك ونكتب الكتاب من تاني.
رفعت شفتها للأعلى مستنكرة ثم وضعت يدها بخصرها مدعية الدهشة.
-أصول؟ أشك... وبعدين كتب كتاب إيه اللي بكرة؟ أنت اتجننت؟
رد ببساطة ومشاكسة.
-لا يا شبح، لازم تثقي فيا.
والفرح بعد يومين، وعليا طلاق بتلاتة ما راجع في كلامي يا نور، والمرَّة دي هنعمل فرح كبير، أنتي فاهمة.
رفعت حاجبها بتعجب وهي تزيح كفه عن فمها.
-طلاق!!! طلاق من مين؟
أجابها بغلاظة.
-طلاق منك مفيش غيرك يعني.
احتَدَّت نظراتها وقالت بغضب.
-بطلقني من قبل ما تكتب عليا. طب خد في بالك بقى هاجل الفرح شهرين. أصل الصراحة مش واثقة فيك.
أشار بعينيه على الباب خلفها وهو يقول بحزم...
- بت ادخلي جوا، دا كلام رجالة ملكيش انتي.
- دعوة بيه، وعلى فكرة أنا كلمت أبوكي وقلت إني رديتك، أصل يعني مش هينفع أحكيله عن التفاصيل يا بيبي.
مطت شفتيها بسخط.
- يسلام، هو عافية ولا إيه؟ وبعدين أنا بقى مش عايزة أتجوّز.
أومأ بغلظة...
- هي فعلاً عافية، هجوزك ورجلك فوق رقبتك، ادخلي يلا.
آخر جملة قالها بقوة، مما جعلها تستدير كي تدخل وهي تمط شفتيها بجزع. أوقفها قبل أن تدخل بخشونة.
- انتي يابت استني هنا.
- عايز إيه؟
اقتربت منه قبل أن تفتح الباب لتجده يطبع قبلة على وجنتها. أبعدت وجهها سريعاً قائلة بغيظ.
- بطل قلة أدب بقا.
ابتعدت قبل أن ينال منها ثم أغلقت الباب في وجهه سريعاً، مما جعله يرفع حاجبيه مندهشاً من فعلتها.
على الجهة الأخرى، عضت نور على شفتها الحمراء وهي تتمتم ذاهلة.
- انتي وفقتي يا بنت المجنونة؟ طب والله بحبه بس لازم أجننه شوية، آه ما هو بنات الناس مش لعبة يا باسل.
- يخربيت حلاوة أمك يا جدع.
***
في داخل القاعة.
ابتسم عمر بسعادة وهو يقترب من بيلا، يعتقل خصرها بين ذراعيه وهو يرقص معها. الإضاءة خافتة والموسيقى هادئة، لا يوجد غيرهما.
رفعت رأسها مبتسمة تنظر له بخفوت وسعادة.
- بتبصلي كده ليه؟
همس بحرارة وصوت أجش متحشرج أثر تأثره.
- انتي إزاي لسه جميلة كده يا بيلا؟ معقول فيه حد كده؟ عارفة النهارده كأنه نفس اليوم اللي افترقنا فيه، لسه عيونك بتلمع بعد ما سيبنا بعض، شفت بنات كتير منكرش إنهم كانوا حلوين، لكن مفيش ولا واحدة في جمالك. بحسك زي الملايكة، ناعمة أوي. لو هطلب حاجة من ربنا هطلب إني آخر عيون أشوفها قبل ما أموت تكون عيونك.
أخفضت بصرها مغمغمة بجدية.
- سيب سيرة الموت يا عمر لو سمحت، لأن فيه كتير ماتوا وسابوني.
- طب إيه؟ هنفضل هنا كتير؟ أنا ابتديت أزهق.
ردت بيلا بهدوء قائلة.
- وأنا كمان.
جذبها نحوه وهو يعود للجلوس على تلك الأريكة الناعمة المخصصة للعروسين.
مرت عدة دقائق.
دلف محمود إلى القاعة برفقة زوجته كاميليا وابنته الوحيدة داليد.
صوبت بيلا نظرها عليه مع اقترابه منها بوجه مبتسم يحمل من الندم ما جعله يبدو حزيناً.
وقف أمامها قائلاً بحب وحنان.
- ألف مبروك يا بيلا، ومبروك رجوع ملك ليك.
ابتسمت بيلا بهدوء يدل على عدم رضاها، وكأن هناك غصة قوية بقلبها. لتجده يجثو على ركبتيه أمامها محاوطاً وجهها بين يديه وعيونه مليئة بالدموع يثير بها حزنها.
- حقك عليا يا بيلا، حقك عليا. عارف إني نسيتك يا حبيبتي، رغم إنك كنتي أكتر حد بيقف معايا. بس والله العظيم غصب عني، أنا بس كنت حاسس إننا غلطانين لما وافقنا تتجوزوا بالطريقة دي. كنت حاسس بإحساس وحش أوي.
كل لما أشوفك كنت بفتكر ماما وأداه تعبت في آخر حياتها برضه بسبب الحب، هي اختارت أبونا لكن هو مكنش بيحبها وعاشت معاه. أنا وأنتي ومريم.
كل ما أشوفك أحس إنك غبية أوي وأنا شاركت في الغباء ده لما وافقت على جوازكم بالطريقة دي.
يمكن لأن وقتها كنت شاب وعندي اندفاع الشباب وقلت يحيي الحب، بس للأسف يا بيلا أنا كنت غلطان.
يحيى الحب لو في النور وأنا اشتركت معاكم في الضلمة. أنا آسف لأني ظلمتك وبعدت عنك، كان مفروض أقف قدام بابا وأقوله إنك مغلطتيش.
وإننا كنا معاكي، بس أنا سكت وكنت بشترك معاه في دفنك بالحياة. أنا معنديش أي مبرر لبعدي عنك. نسيت إني أخوكي الكبير.
عارفة يا بيلا انتي وحشاني أوي، ووحشني حضنك وابتسامتك، وحشني الطفلة الصغيرة اللي جواكي واللي كانت دايماً بتحبني حتى لما كنت بغلط في حقها.
مش انتي لسه بتحبيني يا بيلا؟
انسابت دموعه بندم ورجفة صوته متضرعاً مترجياً إياها، وكأن الهموم ثقلت بقلبه.
فكيف لا تثقل وهو الأخ الذي ترك أخته الصغيرة تعاني وحدها ولم يحتضنها أو يواسي قلبها.
هبطت دموعها ولم تستطع الرد، تشعر بأن لسانها قد لجم مقيداً. لتجده يحتضنها بقوة، بينما أطلق أنين حزن وندم ومع ذلك سعادة عارمة.
ابتعدت بيلا عن حضن أخيها لتجد مريم تقف جوارهما وهي تغمز لهما بسعادة.
ليجتمع الثلاثة في حضن قوي دافئ.
احتضن عمر ملك مقبلاً أعلى رأسها قائلاً بلهفة.
- بحبك على فكرة أوي يا ملك أوي.
ابتسمت بسعادة وهي تضع رأسها على صدره مغمضة العينين تدعو الله أن تستمر تلك السعادة للأبد.
بعد مرور بضع دقائق.
هتف عمر بحدة قائلاً.
- إيه؟ هنقضيها بوس وأحضان وأنا كيس جوافة واقف جنبكم؟ تحب أجيب لكم شجرة وتلاتة لمون؟
ضحكت زينب بخفة قائلة.
- بابا!
ابتسم محمود وهو ينظر لزينب التي يحتضنها عمر بسعادة.
- بنتك زي القمر يا بيلا، بس لازم نقعد وقت طويل مع بعض ولازم نتعرف عليها.
أقترب منها مبتسماً ليقول بلباقة حانية.
- اسمي محمود، أبقى خالك ودي بنتي داليد في أولى جامعة.
ابتسمت زينب قائلة برفق.
- منور يا خالي، ربنا يحفظهالك.
ابتسمت داليد بطيبة قائلة بتهور كعادتها.
- أنا سمعت إن عندك تلات تؤام صح الكلام ده؟ طب هما شكلهم زي بعض؟ بتعرفي تقعدي معاهم التلاتة؟ هو الموضوع صعب مش كده؟
ردت زينب بحيرة قائلة.
- هو أنا المفروض أرد على أنهو سؤال الأول؟
ضربت داليد على رأسها قائلة بخفة.
- معلش أصل أول ما عرفت اتحمست أوي وبجد نفسي أشوفهم وأتعرف عليك. تعرفي أنا معنديش أخوات بنات وكنت حاسة بالوحدة أوي، بس خالص بقى عندي أخت، دا لو تسمحيلي نكون صحاب.
ابتسمت زينب وغمرتها السعادة قائلة بحماس.
- طبعاً معنديش مانع.
كانت تظن أن داليد ستبتسم كردة فعل تلقائية، لكن دهشت حين وجدتها تندفع نحوها محتضنة إياها لتقول بامتنان صادق.
- شكراً بجد، أنا فعل معنديش صحاب.
ابتسمت زينب وشعرت بحنين نحو تلك الفتاة لتقول بحب.
- وأنا متأكدة إننا هنكون صحاب جامدين، وخصوصاً لما تشوفي نور.
نظرت بيلا لمحمود بحنان وسعادة وهما ينظران للفتاتين وذلك الجو الجميل الذي نشأ بينهما.
مر بعض الوقت.
كاد حفل الزفاف أن ينتهي ويخرج عمر برفقة بيلا من القاعة الموجودة بالفندق متجهين نحو جناحهم الخاص.
أقترب محمود من بيلا قائلاً بخفوت وتوتر وهو يعطيها ظرف يبدو عليه أنه قديم.
بلل شفتيه بارتباك.
- بيلا، الظرف ده ليكي... من... بابا... الله يرحمه. أنا عارف إني اتأخرت في توصيل الأمانة، بس جه وقت تسليمها ليك. إقريه يا بيلا وأوعي تنسي إن دا أبونا.
رغم الرجفة القوية التي تملكتها عند ذكر والدها الراحل، ورغم الحزن والهاشتاق الكامن بداخلها وتلك الدموع التي تراكمت بعينها، إلا أنها أخذت منه الظرف قائلة.
- هو كان زعلان مني لما مات صح؟
ابتسم محمود ساخراً ليقول برفق.
- لما تقري الجواب هتعرف.
أخفضت بصرها تنظر له، تشعر بثقل على قلبها كلما يأتي على بالها أن والدها توفي وهو غضبان منها. وجدت عمر يقربها منه قائلاً بابتسامة جميلة.
- خلينا نمشي وأقريه يا بيلا، ياله يا قلبي.
أومأت له برأسها بالإيجاب قبل أن تغادر معه، وخلفهم زينب وداليد الذان يتحدثان بسعادة ومرح غريب، لتدرك زينب أنها شخصية مرحة تلقائية.
صعد الاثنان بالمصعد نحو الجناح الخاص بهما.
ساعدها عمر في الدخول بذلك الثوب الأكثر من رائع حقاً.
وجدته يتحدث بتفاهم وحب قائلاً.
- ادخلي غيري يا بيلا، ولو احتاجتيني ناديني.
أومأت له وهي تتركه ذاهبة نحو غرفة النوم. جلس عمر على الأريكة بتوتر من تلك الرسالة.
فك رابطة عنقه وألقاها جانباً، وأيضاً تلك السترة السوداء، وهو ينظر نحو الغرفة، والقلق يتصاعد بداخله.
في داخل الغرفة.
جلست بيلا على الفراش بعد أن بدلت ثوبها بحزن، ويديها ترتجف، بينما تفتح تلك الرسالة. بدأت تقرأ كلمات والدتها والدموع تنساب على وجنتها، والرعب يجعلها تتصبب عرقاً.
بسم الله الرحمن الرحيم.
بيلا... بيلا... فضلت أكرر اسمك كتير أوي يا بيلا طول الليل وأنا قاعد في مكتبي بشرب سجاير، الدخان كان مشوش عليا الرؤية، بس تقريباً الدموع هي اللي خلتني مشوفش قدامي.
أنا آسف يا بيلا... آسف يا حبيبة عمري وطفلة قلبي... انتي وحشتيني أوي... وضحكتك وحشتني أوي يا بيلا. حاسس إني موتي قرب أوي.
وآخر مرة جيتلك المصحة كان نفسي أشوف ضحكتك البريئة دي يا قلب حبيبك.
بس المشكلة إنك فضلت تعيطي ودموعك كانت بتقتلني.
بس عارفة، لما حضنتك وفضلت تعيطي، كنت حاسس إنك حاسة بيا، مكنتش عايزة تبعدي ولا أنا والله.
آسف إني أخدتك بذنب مش ذنبك. جايز لأني حرمتك من حبيبك. انتي دلوقتي تعبانة وفي المصحة.
بس أنا مكنتش متخيل كل ده يا بيلا.
انتي طول عمرك بتسمعي كلامي، حتى لما بتخلفيه كانت بتبقى حاجات بسيطة، لكن المرة دي مقدرتيش تسمعي كلامي.
جريتي مع دقات قلبك، ومين يقدر يقوي قلبه لما الحب يلمسه؟
أنا آسف على موت بنتك، وأسف إني خليتك تبقي مجبرة تتجوزي بالطريقة دي.
لو رجع بيا الزمن، والله العظيم أنا اللي هجوزك بأيدي لعمر، وبنتك كنت هاخدها في حضني ومش هسمح لحاجة تأذيكي كده.
أنا حاسس إني خالص مش هشوفك تاني، بس ربنا يعلم إني بحبك قد إيه.
انتي الوحيدة في أخواتك اللي خليت سالم الدمنهوري ينهار، فراقك صعب أوي يا بيلا.
أسف إني ضربتك وأجبرتك تكدبي على عمر.
وأسف إني كنت بسمعك بتبكي وبتصرخي كل يوم ومحاولتش أصلح اللي عملته.
أنا ضيعتلك حياتك يا بنتي، بس أنا مكنتش متخيل إني هضيعك.
لما تقري الجواب ده هتكوني برا المصحة دي. وصيتي لمحمود يوصلك الجواب بعد خروجك، وبعد موتي مش عايزك تحسي للحظة إني زعلان منك، بالعكس يا حبي انتي طفلتي البريئة.
وردة عيلة الدمنهوري، بحبك أوي يا بيلا.
عند تلك الكلمة انفجرت الدموع والألم بداخلها وهي تحتضن رسالته باشتياق وحزن، قائلة بقهر وحزن:
- وأنا بحبك أوي يا بابا، والله العظيم بحبك أوي، وحقك عليا وعلى قلبي. أنا مكنتش أعرف إن الحب هيخسرني وجودك معايا وطبطبتك على قلبي. أنا آسفة ليك يا بابا وبحبك أوي، وغصب عني مقدرتش، لقيت نفسي مسحوبة ورا قلبي. ياريتني ما كنت بريئة ولا حبيته ولا حببته فيا، جايز كنت قدرت أقولك إني بحبك قد إيه وأحضنك.
أنا آسفة يا حبيبي. طمن قلبك وقل له إني خالص بقيت أحسن دلوقتي. لقيت بنتي وإخواتي وعمر.
رجعت لعيلتي يا بابا وبحاول أتعافى بوجودهم، لكن مفيش حد وجع قلبي قد موتك. ارتاح يا حبيبي.
أنا دلوقتي فرحانة أوي وكمان خالص لقيت محمود ومريم وبنتي.
وردة عيلة الدمنهوري بتحبك أوي، رجعت تفتح تاني بعد وجع السنين دي كلها.
دلف عمر إلى الغرفة ليجدها تبكي بهسترية وهي تحتضن تلك الورقة، وشعرها الأسود يتألق حول رأسها برقة ملائكية.
تذكر لقائهم في الماضي في ذلك القطار، حينها رأى نفس المرأة الجميلة الناعمة.
هي كذلك، شعرها مازال أسود، ليست عجوز أو ما شابه، هي فقط تبلغ من العمر ثلاثة وأربعين عامًا. مر عشرون عامًا على فراقها، وها قد حان وقت اللقاء مجددًا ليغمرها بعشقه وتغمُره برقتها الناعمة.
تلك الفتاة التي تشبه الورد في نعومتها، ناعمة هي وبداخلها الكثير من الطفولة ودلال.
انغمس قلبه بداخل تلك الرقة، ليتآلف قلبها ويعشق الحياة جوارها.
أقترب منها ليجثو على ركبتيه أمام الفراش، قائلاً بابتسامة:
- بيلا اهدي يا عمري، ممكن علشان خاطري.
أعطته الورقة وهي تتمتم بسعادة ممزوجة بحزن وألم:
- مش زعلان مني يا عمر؟ مش بيكرهني لسه؟ كان بيحبني. مماتش وهو غضبان عليّ. أنا كمان يا عمر وحشني أوي أوي.
حاسة قلبي هيقف، مش قادرة.
جذبها بقوة لصدره وهو يجلس جوارها، لتندس بداخل أحضانه، وقد بلغ العشق ذروته وقمة لهفتهما.
أخذ كوب الماء من على الكومود، مقربًا إياه من شفتيها، قائلاً:
- بيلا اشربي يا حبيبتي علشان خاطري اهدي.
أخذت الكوب منه بيديها المرتجفتين وشفتيها ترتعشان، وما زالت دموعها تنساب، ويدها الأخرى تحتضن تلك الورقة القديمة وكأنها طوق نجاة.
مر بعض الوقت.
كانت نائمة بنعومة جواره، وهو يربت على ظهرها بحنان. تنهد بعمق وهو يشدد بقوة على احتضانه لها، حتى أصبحت وكأنها ضلع ثانٍ له بجسده الصغير، ليمتم بعشق:
- سامحيني يا بيلا لو شايف إن حبك ليا ذنب، أنا آسف ليك، بس أنا عمري ما هتوب عن ذنب حبي ليك.
ولو هتمنى حاجة من الدنيا، فأنا هتمنى أعيش في حضنك طول عمري. ربنا يجازي اللي كان السبب، منه لله.
***
في اليوم التالي بشقة صالح.
وقفت زينب في تلك الغرفة المطلية بلون الأبيض، وضعت يديها على خصرها بحماس.
في نفس التوقيت.
دلف صالح إلى الغرفة بكسل وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا، يعاني مؤخرًا من الأرق.
ابتسم وهو يقترب منها معانقًا خصرها، وهو يدفن وجهه في تجويف عنقها، طابعًا قبلة شغوفة عاشقة على عنقها:
- صباح الخير يا جميل.
اتسعت ابتسامتها، مغمغمة بدلال وتغنج أنثوي:
- صباح الورد يا حبيبي.
عض على شفتيه بغيظ، مزمجرًا بسخرية:
- هو الدلع مبيحلش إلا الصبح عندك ولا إيه؟ ولا إنتي بتحبي تجننيني؟
ابتسمت زينب وهزت كتفها، مدعية البراءة، وهي تدير جسدها نحوه لتصبح في مواجهته، لتضع يديها بنعومة على عنقه، محاوطة إياه بدلال مغوٍ:
- طب وأنا عملت إيه يا حبيبي؟
زفر بحرارة، متحدثًا بصوت أجش أثّر مشاعره المتأثرة بلمساتها:
- إنتي بتسألي كمان! اللهم اخزيك يا شيطان.
صدحت ضحكتها الماكرة وهي تبتعد عنه، وضعت يدها على خصرها، قائلة بخفوت:
- إنت وراك شغل النهاردة.
رد صالح وهو يعتقل خصرها، مقربًا جسدها الغض نحوه، متمتمًا:
- والله لو مش عايزاني أروح، أنا ممكن أفضي لك نفسي، بس إيه الدنيا لو في دلع، أنا قاعد طبعًا.
أنهى جملته بمكر وابتسامة خبيثة تزين ثغره.
لكزته زينب في جانبه، ليطلق ضحكة عالية خبيثة، ملتقطًا يدها بسرعة ليجذبها بسرعة لصدره، هدر بخبث وصوت متحشرج وأنفاسه الساخنة تلفح صفحة وجهها:
- طب إيه مش ناوي تحن؟
ردت زينب بسرعة وهي تبتعد عنه، قائلة بخبث:
- الأول يالا تعال نفطر علشان أروح شغلك، وصحيح متتأخرش، لأن ورانا حاجات كتير نعملها سوا لما ترجع.
مرر أنامله في شعرها، يشد خصلاته من شدة الغيظ، قائلاً:
- حاجات إيه؟
- لما تخلص شغل هتعرف، يالا بينا.
رد صالح قائلاً بجدية:
- طب الولاد، أنا مش سامع صوتهم، هم فين؟
- مع إيمان تحت، جت من شوية وأخدتهم معاها. يالا بينا.
بعد مرور عدة ساعات.
فتحت الدلو وبدأت في تغميس الفرشاة بدهان، ثم تمريره بانسياب على الحائط.
شعرت بسعادة تتسلل لقلبها بتأنٍ كلما دهنت جزءًا من الحائط بلون آخر.
التغيير بحد ذاته ودمج الألوان بنفسك شعور مريح للنفس، يبث التجدد بداخلك.
الفكرة كانت جيدة، وبالأخص لأن تلك الغرفة كانت لابنتيها، لم تستطع من قبل دهن الغرفة، ولكن صالح أخبرها أنه سيأتي بالنقاش لفعل تلك الأشياء بعد أن اختار الاثنان الألوان للغرفتين.
وجلب أيضًا الدهان الخاص، ولكنها قررت أن تفعلها بنفسها.
بعد مدة قصيرة كانت قد أنهت نصف الجزء الأول من الحائط.
توقفت وهي تحرك ذراعها بتعب، ثم نظرت للهاتف الذي يسجل تلك اللحظات. فقد قامت بفتح الكاميرا وتثبيتها في أحد الأماكن لتسجل كل تلك اللحظات.
ضحكت وهي تمسح قطرة العرق عن جبهتها، وقد تعلق بها جزء من الدهان مكان مسح يدها.
لكنها لم تشعر به، وحدثت نفسها وعيناها على كاميرا الهاتف.
- قررت أبدأ بأوضة بيلا وحياء، بس تعبت أوي. شوفوا، عارفة إني مش شاطرة أوي يا حياء، وإنك هتطلعي عنيدة، حاسة كدا إنك شقية، أصلك بتغلبييني أوي، بس والله زي القمر. تعرفوا إني بحبكم أوي.
ضحكت وهي تنظر للحائط بفخر بعد هذا الإنجاز الجبار، فقالت وهي تعود للكاميرا:
- صالح لو شافني هيجيله القلب من اللي هببته في الأوضة دي. بصراحة كنا متفقين نجيب نقاش يدهن الأرض، بس الفكرة نفسها جميلة أوي.
ضحكت أمام الكاميرا، معقبة بسخرية:
- أنا عبيطة أوي بكلم نفسي.
جلست على الأرض وهي تأخذ بعض الألوان وتدمجها ببعضها، وهي تقول:
- حابة أرسم على الحيطة، أنا اللي اخترت اللون السماوي للأوضة، فخليني أكسر اللون ونرسم شوية. كنت بفكر أحط صور لأميرات ديزني، بما إني بحب الكرتون.
بس فكرت فيها، ممكن نعمل شوية رسومات تليق بوجود أريل، هي كدا كدا عروسة بحر، فلون السماوي هيكون لايق عليها، بس الأفضل أخلطه بالأزرق شوية.
نظرت للكاميرا قائلة بفخر:
- أنا بعرف أرسم على فكرة، مش أوي يعني، بس البت نور شاطرة أوي في الرسم، وكانت علمتني شوية رسومات.
ضحكت وهي تذكر نفسها أنها بمفردها، فقالت:
- الفيديو ده هيبقى مسخرة، لازم يتمسح، البنات لو شافوه هيقولوا إني هبلة.
نهضت من مكانها وبدأت تمسك فرشاة صغيرة أشبه بفرشاة الرسام، لكنها أغلظ قليلاً، ثم بدأت برسم بعض الأسماك الملونة باللون الأصفر والأبيض.
زمت شفتيها وهي تجد الألوان تندمج مع بعضها بسبب أن الدهان الأول لم يجف بعد، لتعطي لونًا بشعًا في النهاية بسبب اختلاط الأزرق مع الأبيض، وكذلك الأصفر.
نظرت للكاميرا قائلة وهي تحرك كتفيها ببؤس:
- تجربة فاشلة.
تركت ما بين يديها واتجهت للكاميرا لتغلق الفيديو.
لكنها شهقت بهلع وهي تجد من يعتقل خصرها ويرفعها عن الأرض قليلاً.
توسعت عيناها وهي تنظر إليه بابتسامة مشدوهة:
- صالح إنت إزاي جيت وأنا محستش بيك لما دخلت؟
طبع قبلة على شفتيها، ثم أجاب عليها:
- لسه دلوقتي، إنتي بتعملي إيه هنا؟
رفع عينيه على الحائط الذي قد نال خرابًا، هذا الطلاء الذي اشتراه أمس.
عادت عيناه عليها متسائلاً بصدمة:
- مين اللي عمل كده؟ دي الأوضة باظت.
عضت زينب على شفتها وهي تكبح ضحكتها، مشيرة على نفسها ببساطة.
اتسعت عيناه أكثر وكاد أن يصاب بأزمة قلبية وهو يسألها:
- والحيطة ذنبها إيه؟ بتجربي فيها يا زينب؟ طب البنات ذنبهم إيه؟
ثم نظر لرسمة الأسماك البشعة على الحائط التي شحب لونها وأصبحت بشعة جدًا.
- طب سؤال واحد بس، إنتي كنتي بترسمي عليها إيه؟
قالت بحسن نية:
- كنت بجرب، كنت عايزة أرسم سمك لون أصفر زي اللي مع أريل.
زم صالح شفتيه ممتعضًا بوجوم:
- هو مش باين له ملامح الصراحة، الأوضة شكلها باظت أوي.
دارت زينب خلفه وهي تخلصه من سترة الحلة التي يرتديها، قلما ولكن اليوم ارتداها مخصوص لأجل مقابلة هامة تخص مطعم والدته.
ردت بحماسية غريبة:
- متكبرش الموضوع يا صالح، تعالى نجرب في الحيطة التانية، أنا الصراحة حابة الفكرة، لو باظ هو كمان هنجيب النقاش، اوكي.
نظر لها مدهوشًا، معقبًا:
- زينب خلينا نجيب النقاش أسهل بلاش وجع دماغ.
- يوووه يا صالح، ادينا بنجرب لو معرفناش نعملها نجيب حد يعملهالنا. وبعدين الأوضة دي بتاعت البنات يعني لازم نفنن فيها. عارف في كذا حاجة كدا عايزين ننزل نشتريهم سوا، نجوم فسفورية مثلًا.
بدأت في فك أزرار قميصه قائلة بتصميم:
- ياله لازم نجرب.
سألها وهو يراها تخلصه أيضًا من قميصه:
- بتعملي إيه يا زينب؟
قالت ببساطة والحماس يلمع برماديتيها:
- نبقلعك القميص عشان هدومك متتوسخش.
سألته وهي تمرر يدها على وجهها بقلق:
- في حاجة في وشي؟
ابتسم صالح وهو يمد سبابته يمسحها في جبهتها الملونة بدهان سماوي، ثم مررها على طول أنفها قائلًا بنفي:
- لا يا قلبي، مفيش أي حاجة.
ابتسمت زينب بحب وهي تمرر يدها برقة على لحيته قائلة بحب:
- وحشتني أوي على فكرة.
رد وهو يقطف قبلة حارة من وجنتها قائلًا بشوق:
- وانتِ كمان وحشتيني أوي.
أبعدت يدها عنه ثم اتسعت عيناها وهي تنظر له بصدمة.
عقد حاجبيه بتساؤل:
- مالك بتبصيلي كدا ليه؟
ضحكت وهي تنظر لكف يدها المصبوغ بدهان ثم للحيته التي صبغ جزءًا منها باللون السماوي.
مسح صالح على لحيته بعد أن فهم المغزى من ضحكاتها ونظراتها الغريبة قائلًا بغيظ:
- نيلتيني، طب والله كنت حاسس.
قالت له بمشاكسة وحب:
- اللون السماوي حلو عليك.
عض على شفتيه وهو يقترب من إحدى عبوات الدهان متوعدًا:
- والله، طب ماتيجي كده نجربه عليك.
ضحكت وهي تبعد بخوف قائلة:
- لا يا صالح بهزر والله مكنش قصدي.
لكنه لم يبتعد، أخذ يقترب منها وهي تبتعد بخوف من نظراته الشيطانية وهو يعض على شفتيه.
صرخت وهي تجري من أمامه، لكنه في لحظة خاطفة أعتقل خصرها بيديه بينما صدح صوت ضحكاتها وهي تشعر بلمسات يده تدغدغ بطنها لتضحك حتى سعلت من شدة الضحك لتقول:
- خالص يا صالح، وحياتي عندك كفاية كدا، مش قادرة.
أدارها له مبتسمًا ليقول بخبث:
- بقولك إيه، أنا حبيت الشغلانة دي، بس طالما البنت تحت مع ماما تعالي بقى نتكلم في موضوع ضروري جدًا.
ابتعدت بعد أن فهمت نظراته الشيطانية قائلة بحماس وهي تضع يديها بخصرها:
- لا، هندهن الأوضة الأول ياله.
زفر بقلة حيلة وهو يتجه نحو عبوات الدهان قائلًا بنفاذ صبر:
- أمري لله.
في لحظة وجدها تطبع قبلة سريعة على خده ثم ابتعدت وهي تمسك الفرشاة، بينما ابتسم الأخرى بسعادة.
***
في اليوم التالي.
في منزل يوسف الصاوي.
كانت تقف في المطبخ تحضر الغداء له، فهي قررت أن تأخذ قسطًا من الراحة من عملها لمدة قصيرة حتى ترجع اتزان ذهنها، وخصوصًا بعد انهماكها في العمل بالمشفى التي التحقت بها مؤخرًا بعد عودتهما لمصر.
ورغم نجاحها في الشهور الماضية في الجراحة، إلا أنها مازالت تشتاق لنجاح أكبر.
هو طفل، حتمًا إن أتى هذا الصغير ستكتمل حياتهما للأبد، ودومًا بجواره، تشتاق للأمومة بشدة، تريد أن تحمل طفلًا منه، منه هو، تتمنى أن تبني أسرة ويكون داخلها طفل يكمل المتبقي من حرمانها ويخمد نيران أشواقها بوجوده.
تقسم أن الله أعطاها كل ما تمنت في هذه الحياة، عائلتها، أباها وأمها، أخيها وأطفالها، واختتمت تلك السعادة بدخول يوسف لحياتها، ليجعلها أكثر إشراقًا.
هو ليس زوجًا أو ابن عم لها، الأمر أكبر من ذلك، فهو صديق الطفولة، وحب المراهقة، وثالث شخص دعمها في حفظ القرآن الكريم.
ليس الأول، وكيف يكون كذلك وأبوها حي يرزق، فهو أول داعم لها وأول شخص جعلها تؤمن أن النجاة في كتاب الله العزيز والعمل به.
وأمها، كيف تجفل عن ذكر أمها، لطالما كانت معها خطوة بخطوة.
ويأتي ذلك الدخيل والذي لم يكن سوى قريب، بل هو الأقرب.
تعلم الآن أنها تتعجل بالأمر منذ زواجهما، حتى عندما أخذت تلك الحبوب، إلا أنها جائعة لمشاعر الأمومة وتريد أن تشبع مشاعرها بهذا الطفل.
كانت تظن أن يوسف لا يهتم بهذا الأمر بل ويتلاشى التحدث به، ولا تعرف السبب.
وقد ظنت أنه لا يريد الأطفال أو حتى لا يحبهم، لكنها تفاجأت من طريقته مع يونس، ذلك الصغير ابن أخيها، فكان يغمره بالحب كلما رآه وكلما احتضنه، حتى أنه بالأمس عندما كان بمنزل عمه قام بشراء الكثير من الألعاب وظل معه لوقت طويل هو وبيلا وحياء الصغيرتان.
تفاجأت به وقتها يقول بخفوت:
- تعرفي إني نفسي بنتنا تكون شبهك يا إيمان، وتكون لون عيونها بني كدا. ياااه أنا ممكن أحبها أكتر منك عشان هي منك ومني.
ابتسمت وهو تقول بهدوء:
- إن شاء الله يا يوسف، بس فكرة إنك تحبها أكتر مني دي.
- أيوه، مش عاجبك؟
- لا عجبني، بس خلي في علمك أنا طفلة أوي وممكن أغير منها. بس أنا نفسي أجيب منك ولد ويطلع شبهك بالظبط، حتى في ضحكته وشقاوته.
داعبت بيديها لحيته متنهدة باشتقاق.
عدل لياقة قميصه وهو يقول بغطرسة ووقار:
- شبهي؟ بذمتك أنا في حد شبهي يا بنتي؟ أنا كازيرما متتكررش. طب بذمتك في حد زي بيقولك مساء البسبوسة والنبي بوسة.
أرجع شعره الفوضوي للخلف وهو يدلف للغرفة. رمقه بابتسامة مستاءة وهو يتنهد على شرودها الحزين الذي يعرف حتمًا أسبابه.
إن ظل الوضع هكذا، يجب أن يفعل شيئًا ليريح قلبها المشتاق هذا ويخمد عواصف أفكارها الحزينة. هكذا أملى عليه قلبه وعقله. فهو أيضًا يتمنى ما ينفطر قلبها لأجله، لكنه للأسف لم يصل لتلك المرحلة التي وصلت هي لها سريعا.
عانقها من الخلف وهو يضع يده على يدها ويقطع معها الخضار بتناغم وهدوء. ابتسمت وهي تجده يلصق وجنته بوجهها وعيناه على الطعام الذي يتقطع بفعل يداهما.
"صحيت امتى؟"
رد يوسف وهو يترك يدها.
"من نص ساعة."
سألته بتردد.
"هو انت عملت إيه مع الشركة في لندن؟"
كان يتذوق الطعام بتلذذ. همهم بإعجاب وابتسامة.
"خالص مش هسافر تاني، هتنقل الفرع الجديد اللي بدأ في مصر."
ردت إيمان بتوتر قائلة.
"طب بقولك إيه، ما تنزل تروح الوكالة لبابا، كان بيقول إنه عايز يشوفك."
أدارها إليه وهو يرفع عينيه عليها بشك.
"شكلك بتوزعيني. وراكي حاجة النهاردة ولا إيه؟ يعني أنا فاكر إنك من يومين قولتي إنك هتاخدي إجازة من المستشفى. ولا شكلك رجعتي في كلامك؟"
هزت رأسها وهي تبتعد عن عينيه المخترقتين إياها بدون هوادة تحاصر أفكارها بشدة.
"لا مرجعتش في كلامي. بس أصلي كنت رايحة كمان ساعة كده مع ماما، هروح أنا لدكتور."
أقترب منها بقلق وهو يضع يده على وجنتها باهتمام.
"تروحي لدكتور ليه؟ انتي تعبانة؟"
هزت رأسها سريعًا بنفي.
"لا ياحبيبي متقلقش، أنا كويسة. بس... اصل آآه معاد كشف ماما النهاردة وهي... وأنا هروح معاها عشان متبقاش لوحدها."
شك في تلعثمها الغريب، فهي حينما ترتجل بالكذب تكشف سريعًا.
"متاكدة إنك مش مخبية عليا حاجة؟"
عقدت ذراعيها حول رقبته وهي تقول بهدوء.
"هخبي عليك إيه بس ياحبيبي، هو ده كل الموضوع. وبعدين لو انت هتقعد في البيت النهاردة، أنا مش هتأخر، هخلص وأجي على طول."
وضعت قبلة سطحية على شفتيه وهي ترمقه بحب وشوق دوماً لا يخمد أمامه.
حدج بها بتمعن ليخرج زفير أنفاسه سريعًا وهو يقول بإيجاز.
"أنا إجازة النهاردة عشانك، وبكرة هرجع الشغل تاني. هستناكي النهاردة، بس أوعي تتأخري عشان هتوحشيني يا بسبوسة."
قبلها من وجنتيها، وحينما أغمضت عينيها بحب زاد في تقربه وبث أشواقه لها وهو يسألها بخفوت.
"مش هتتأخري عليها صح؟"
همهمت وهي مغمضة العين.
"ولو اتأخرتي... انتي حرة."
داعب أنفها بأنفه وهي تقول بخجل.
"خلاص مش هتأخر أوعدك."
رفع رأسه ليرمق عينيها المليئة بالشوق نحوه. لاحت منه ابتسامة بسيطة وهو يجذبها لاحتضانه. فابتسمت هي براحة وهي تستنشق رائحته الممزوجة بعطره.
أثناء عناقهم، شم رائحة شيء يحترق. فابتعد عنها سريعًا وهو يهم بغلق مفتاح الموقد فقد احترق الطعام الموضوع عليه.
شهقت وهي تقول بلوم عليه.
"كده يا يوسف، أهو الأكل اتحرق."
رد عليها بمكر وهو يغمز لها بشقاوة.
"طب وأنا ذنبي إيه! مش انتي اللي عمالة تحضنيني وتبوسيني."
توسعت عينيها بغيظ وهي تقول.
"أنا..."
"أمال أنا..."
ضربته بكف يدها بقوة في صدره وهي تقول بحنق.
"تصدق إنك غلس وكداب."
رفع حاجبه وهو يعلق على جملته بعدم رضا وتحذير مزيف.
"حاولي تلمي لسانك شوية عشان هتزعلي مني المرة الجاية."
هتفت بعناد واصرار أمامه.
"على فكرة دي الحقيقة، الأكل اتحرق بسببك وهتأخرني أكتر على ماما."
شهقت حينما وجدت الأرض تنسحب من تحت قدميها. فهو حملها سريعًا وهو يقول بتحدي وعناد.
"يعني كل اللي فارق معاكي إنك هتتأخري، مش فارق معاكي جوزك اللي هتسبيه ماكلش لحد دلوقتي. طب عقابًا ليكي، التأخير هيبقى الضعف."
تذمرت كالاطفال وهي تقول بضيق.
"نزلني يا يوسف، قسما بالله انت بتتلكك."
"وأنتي بتتلككي أكتر مني."
رمقها بخبث وهو يتجه بها نحو غرفتهم.
قالت بتبرير.
"يا يوسف الأكل، يعني انت مش جعان."
رد بخبث وسعادة.
"دا أنا هموت من الجوع."
***
في معمل التحليل.
توسعت عينيها بصدمة وسعادة وهي ترمق والدتها بعدما غمرتها بالفرحة بهذا الخبر المنتظر منذ أشهر كثيرة.
"أنا حامل يا ماما، حامل."
وضعت يداها على بطنها بسعادة والابتسامة تزين ثغرها. لمعت عيناها بالدموع. لم تعلم أنها ستشعر بهذا الشعور. هي تحمل الأمومة داخلها بالفطرة من يوم أن حملت (بيلا) ابنة شقيقها على يديها. لكنها اليوم ستختبر الأمومة مع من ينمو الآن داخل أحشائها، مخبرها أنه بانتظار رؤيتها ويشتاق أيضًا لأحضانها مثلما تشتاق هي لوجوده معها.
"مبروك ياحبيبتي."
عانقتها حياء وهي تبكي بسعادة لأجل ابنتها. فهي تعلم أن هذا ما كانت تتمنى إياه وتنتظره منذ فترة ليست بقصيرة. بدلتها العناق الحار دموعها تنساب بسعادة.
"مش مصدقة إني هبقى أم. تفتكري يوسف هيفرح قد إيه؟"
ابتعدت عنها حياء وهي تتذكر مكالمة يوسف لها ظهرًا وهو يقول بطريقة غامضة لم تفهم ما خلفها.
"بقولك يا مرات عمي، ينفع تأخري إيمان شوية معاكي؟"
ردت حياء بشك.
"أأخرها ليه؟ انت مش عايزها تروح؟ انتم اتخانقتوا يا يوسف؟"
"طبعًا لا، ربنا ميجيبش خناق. أنا عايزها تروح، بس مش دلوقتي. لما أتصل بيكي تحاولي تمشيها من عندك على طول."
رفعت حياء حاجبيها بحيرة.
"أمشيها على طول."
هو في بالظبط أنا مش فاهمه حاجة.
"مش لازم تفهمي يا ماما بس اهدّي شوية لو سمحتي اسمعي الكلام."
برمت شفتيها وهي تفيق على صوت إيمان التي قالت بحماس:
"يلا بينا يا ماما أنا هموت وأشوف يوسف دلوقتي."
"يابنتي اهدي بلاش استعجال. وبعدين أنا جعانة وعايزاكي تعزميني على أكلة سمك في مطعم لسه فاتح جديد بيقولوا حلو أوي وأنا الصراحة عايزة أجربه. ها قولتي إيه؟"
رفعت إيمان حاجبيها بدهشة:
"دلوقتي؟"
ردت حياء بحماس قائلة:
"أيوه يلا."
بعد ساعتين تقريبا.
كانت حياء تجلس على أحد الصخور أمام البحر.
هي تستنشق الهواء بارتياح، بينما تمسك في يدها الأخرى طبق صغير من المقرمشات التي منعها جلال من تناولها منذ وقت طويل بسبب مشكلة معدتها، لكنها اشتاقت لتلك الأشياء، فتفقت خلسة مع إيمان بتناول القليل.
كانت تأكل منه بهدوء.
وبجوارها إيمان تمسك كوب من حمص الشام، تضع رأسها على كتف والدتها قائلة بسعادة وهي تشاهد النجوم اللامعة في السماء، قد تعدت الساعة الثامنة مساء:
"تعرفي يا ماما أنا أول مرة حسيت إني بحب يوسف لما كنت صغيرة أوي. لدرجة إن لو حد عرف إني بحبه وأنا صغيرة كدا كان هيقول إن ده لعب عيال. بس كنت بحبه أوي عشان كده مخبتش عليكي وحكيت لك. لسه فاكرة حضنك ليا بما قلتلي إن ربنا بيزرع الحب في قلوبنا وهو القادر إنه يغيره، لكن لو حقيقي هيفضل ثابت طول العمر. وقتها طلبتي مني أشغل نفسي أكتر وأختم القرآن مرة واتنين وتلاتة. أنا بحبك أوي... وبحب حبك لبابا ولينا."
ابتسمت حياء بسعادة مقبلة قمة رأسها قائلة بدفء:
"ربنا يحفظكم ليا يارب. انتي وزينب ويوسف وصالح أغلى ما عندي يا إيمان ربنا يحفظكم يارب."
في نفس التوقيت صدح هاتف حياء معلنا عن اتصال لها من يوسف لتقول بجدية:
"يلا بينا يا إيمان خلينا نروح."
أومأت لها بهدوء وهي تشتاق للقائه ومقابلته وإخباره بذلك الخبر.
بعد مدة وصلت إلى منزلها.
فتحت البوابة الكبيرة أمامها ثم دلفت للساحة الداخلية الواسعة.
ضيقت إيمان عينيها فقد كانت الأنوار مغلقة تمام، ثم بدأت الأنوار تضاء بالتدريج، فكانت الأنوار زرقاء خافتة.
كانت تسير خلف تلك الأضواء التي تقودها لبهو المنزل الخلفي حيث تلك الجنينة الصغيرة.
فغرت شفتيها بذهول وهي تقترب حيث توجد طاولة صغيرة مزين حولها بعض الزهور البيضاء والبنفسج.
لكن فجأة صاحت وهو يغمرها بحبه وهو يقف خلفها محتضنا إياها:
"بحبك... وبموت فيكي يا إيمان والله العظيم بحمد ربنا كل يوم وكل لحظة إنك في حياتي وهفضل طول عمري أحمد ربنا إنه وفقني في حياتي وأنعم عليا بوجودك فيها."
أدارت جسدها نحوه معانقة رقبته بيديها قائلة بابتسامة:
"وأنا على العهد يا يوسف وهفضل أحبك لآخر نفس في عمري."
قبل قمة رأسها وهو يخرج تلك العلبة من جيب بنطاله، فتحها وابتسم لها مخرجاً سلسلة من الفضة.
انفتحت تلك السلسلة لتظهر من الداخل صورتها معاً، كانت مميزة ببعض الفصوص اللامعة لتبدو في غاية الجمال.
أقترب منها يزيل الحجاب ليضعه جانباً، بينما وضعها في عنقها لتبدو في غاية الرقة والنعومة، وهو يحل عقدة شعرها لينسدل بنعومة على ظهرها.
لتقول هي بحب:
"طب ممكن أعرف سر المناسبة السعيدة دي؟"
"ولا أي مناسبة، بيقولوا التجديد في العلاقة بيديها رونق مميز وأنا حبيت أفرحك مع إن الموضوع بسيط أوي بس حسيته مميز."
"هو فعلاً مميز أوي، وخصوصاً أنا كمان كنت جايبالك هدية معايا وكنت عايزة أقولك عليها."
رفع حاجبه وهو يدقق بها بعدم فهم، فهي لا تحمل شيئاً بين يديها منذ بداية ظهورها أمامه. حدج بها بحيرة:
"أنا مش شايف أي هدايا... وكمان مش فاهم معناها إيه هقولك عليها. يعني مش هينفع أشوفها؟"
ابتسمت وهي تكمل بتردد وخجل:
"أكيد هتشوفها بس بعد كام شهر كده."
شك في الأمر قليلاً، لكنه حاول أن يستفسر أكثر عن حديثها غير المفهوم:
"قولي على طول يا إيمان أنا مش فاهم حاجة."
عضت على شفتيها ولا تزال الابتسامة تشق ثغرها بسعادة، جذبت يده ووضعتها ببطء على بطنها.
وهي تقول بعينين تترقرق بهما دموع الفرح:
"هنا بيبي صغير. بيقولك إنه جاي قريب وناوي يطلع عينك لو أثرت في حقي في يوم أو بطلت تحبني ليوم واحد."
توسعت عيناه بصدمة وهو يلفظ اسمها:
"إيمان."
صمت لبرهة وسألها بعدم تصديق:
"إنتي حامل يا إيمان؟"
"أيوه يا يوسف. لسه متأكدة النهاردة بعد ما عملت تحلـ..."
لم تكمل عبارتها فهو باغتها بعناق حانٍ.
وهو يقول بسعادة:
"هبقى أب يا إيمان. بجد إنتي حامل؟"
"ولله حامل."
نزلت دموعها وهي تدفن وجهها في عنقه، فهي لم تتوقع أن يكون بتلك السعادة يوماً، لمجرد أنها أخبرته عن حملها لم تتوقع ردة فعله بكل تلك الشعلة المتقدة بينهم.
أبتعد عنها وهو ينظر لها بحب قائلاً، بعينين تلمعان بسعادة:
"مبروك يا حبيبتي. هتبقي أحلى مامي." قبلها من جبهتها ببطء.
وجدته جثى على ركبتيه أمام بطنها مباشرة، وتحسس مكان موضع طفله وهو يقول بحنان:
"هتنور حياتنا قريب أوي يا شقي. أنا مستنيكي أنا ومامي. مامي بتحبك أوي وأنا متأكد إنها هتكون أحسن أم ليك. بس خلي في علمك دي حبيبتي أنا وبس، يعني مش مسموح لك تحبها أكتر مني."
وضع قبلة سريعة على بطنها وهو ينهض قائلاً بحنان:
"بحبك أوي."
"وأنا بموت فيك يا يوسف."
تلاها عناق وقبلات رقيقة، والتي كلما زاد عمقها وصل لكلاهما مدى عشق وشوق الآخر إليه.
كانت ليلة على ضوء القمر من مشاعر صادقة وأشواق ملتهبة بالعشق الجامح بينهم. قضت ليلة أخرى داخل أحضانه الدافئة وهمساته الشغوفة ولمساته الحنونة عليها، كانت من أجمل الليالي التي مرت عليها، فالليلة اكتملت سعادتهم بخبر مبشر لكلاهما أن هناك صغير سيأتي ليربط علاقتهما أكثر ببعضها، بل ويوحد ما بينهما للأبد.
يصعب على المرء المقارنة بين السماء والأرض، فكلاهما له عطاء محدد للآخر صعب أن يتقارن بعضهم أو يتشابهان في طبيعة خلقهم، لكن برغم من ذلك التناقض بينهم إلا أن الحياة تكتمل بوجودهم سوياً، ويصعب الاستغناء عن واحداً منهم.
قضت يوماً بأحضان زوجها وهي تخبره عن خبر حملها، وكانت لحظة السعادة بينهما لا توصف كذلك.
في منزل آل الشهاوي.
كان جلال يجلس في شرفة المنزل وهو يتحدث في الهاتف قائلاً بجدية:
"ميخصنيش يا باشمهندس، أنا طلبت منك كل حاجة تكون جاهزة وخالصة، فات سنة ولسه بتقولي في شوية تعديلات."
رد المهندس أحمد قائلاً بهدوء:
"جلال بيه، البيت اللي حضرتك بتقول عليه ده فات أكتر من تلاتين سنة عليه، ولما اشتريناه من صاحبه كان فيه شوية حاجات عايزة تتعدل علشان يرجع نسخة طبق الأصل قبل تلاتين سنة، وده صعب جدا."
رد جلال بحدة قائلاً بجدية وصرامة:
"وأنت قلت إنك هتاخد ست شهور بالكتير علشان تجهزه، وفات أكتر من سنة وأنا مش ملزم أصبر أكتر من كده. قدامك أسبوعين يا أحمد وكل حاجة تكون مظبوطة. أنا جاي فرنسا بعد أسبوعين، ولو مش هتقدر سيبه."
رد أحمد بسرعة وجدية:
"إن شاء الله أسبوع واحد وهيكون زي ما حضرتك طلبت."
أغلق جلال الخط ليضع الهاتف على الطاولة أمامه ناظراً للبحر.
في نفس التوقيت.
دلت حياء إلى المنزل بسعادة وهي تنادي عليه بلهفة.
نهض عن كرسيه وخرج من الشرفة قائلاً بابتسامة:
"أنا هنا يا حياء. تعالي."
اقتربت منه بسرعة وعينيها تلمعان بحماس وسعادة، دون حركة واحدة ألقت بجسده بداخل أحضانه متشبثة به قائلة بخفوت:
"إيمان حامل يا جلال، بنتنا حامل."
كانت ملامحه سعيدة، لكن ما إن سمع ذلك الخبر حتى أبعدها عنه بوجه خالٍ من التعبير قائلاً:
"إنتي بتتكلمي جد؟ إيمان حامل؟ طب طب يعني العيلة الصغيرة اللي كنت بشيلها على كتفي هتبقى ماما؟ البنت اللي مسكت إيديها وهي بتمشي أول مرة حامل؟"
اللمعت عيناه بالدموع، وفي لحظة خافتة جذبها بقوة لاحضانة:
"ألف مبروك يا حياء، ألف مبروك يا قلبي، ألف مليون مبروك. أنا لازم أكلمها، لا لا أنا لازم أروح لها، دي أكيد فرحانة أوي."
كاد أن يخرج الآن، إن حياء أمسكت يده قائلة ببكاء:
"بلاش النهاردة يا جلال. اللحظات دي خاصة بينها وبين يوسف، لازم ياخدوا وقتهم مع بعض صدقني."
فرك جلال يديه ببعضهما بارتباك قائلاً بلهفة:
"بس أنا لازم أشوفها يا حياء، دي إيمان."
كان ردها بسمة صغيرة على ثغرها قائلة وهي تقبل وجنته:
"معلش خلينا بكرة يا جلال."
في صباح اليوم التالي.
وصل صالح أسفل البناية القديمة حيث كانت تقطن زينب.
أوقف السيارة مغمغماً بجدية:
"يلا ولا إيه يا زينب."
أومأت له بالموافقة، بينما ظلت صامتة شاردة الذهن، ليقول مقاطعاً ذلك الصمت:
"مالك يا زينب؟ ساكتة وسرحانة من مدة، مالك؟"
أخذت نفس عميق لتملاء رئتيها بالهواء، ثم زفرت بحرارة وإحباط قائلة:
"زعلانة يا صالح. تعرف زعلانة من نفسي، وخايفة بابا يكون زعلان مني."
ضيق المسافة بين حاجبيه بارتياب قائلاً:
"طب وعامر هيزعل منك ليه؟ إنتي عملتي حاجة تزعله؟"
وضعت يدها أسفل خدها قائلة بقلة حيلة:
"أنا أقصد بابا منصور. هو كمان أبويا يا صالح وعمل عشان كتير أوي. وأنا الفترة الأخيرة قلت زيارتي ليه وبقالي كتير مقعدتش معاه لوحدنا ولا عملتله أكلة حلوة ولا أي حاجة. أنا بس خايفة يزعل مني ويفتكر إني عشان لقيت أبويا الحقيقي أبقى نسيته، بس والله العظيم أبداً."
ابتسم بحنان قائلاً بهدوء:
"عمي منصور مش بيفكر كده. أولاً هو أكيد عارف إنك مشغولة مع الأولاد الفترة الأخيرة. وبعدين إنتي بتكلميه كل يوم وبتطمني عليه. في حاجة كمان. أنا ياستي والله بطمن عليه كل يوم وكل يوم ببعت سيد يطمن عليه ويجهز له كل حاجة، وحتى البيت وكل حاجة."
لم ترد عليه لتظل تأخذ أنفاسها بضيق، مخرجة زفير معبر عن عدم رضائها، لتجده يقول بهدوء:
"طب أنا عندي فكرة حلوة. إيه رأيك تقنعيه ييجي يعيش معانا؟ الدور الرابع من البيت جاهز من كل حاجة. منها تبقى جنبه وكمان متقلقيش عليه ومع الأولاد."
ابتسمت بسعادة واتسعت شفتيها بإشراف مهللة:
"بجد يا صالح يعني مش هتضايق لو عملت كده؟"
عقد ما بين حاجبيه باستنفار قائلاً:
"أتضايق إيه إنتي هبلة؟ ده لو أطول، كنت كل يوم أروح أشكرك على تربيته ليك. يلا خلينا نطلع له، هو أكيد عايز يشوف الولاد. أنا هسيبك معاه هقعد شوية وبعد كده هطلع على الوكالة وبعد كده أجي آخدك ولو قدرتي تقنعيه هييجي معانا."
ابتسمت بسعادة وفي لحظة خاطفة اقتربت منه محاوطة وجهه بين يديها، طابعة قبلة طويلة على خده، متمتمة بسعادة:
"يخربيت جمال أمك."
ابتسم قائلاً بمناغشة:
"طب نخلي الكلام اللي يخلي الواحد يتهور ده لما نروح ولا إيه؟"
ردت عليه بدلال وتغنج:
"اللي تشوفه."
ترجل من السيارة وهي كذلك، ثم اتجهت نحو المقعد الخلفي لتأخذ أطفالها النائمون برقتهم الملائكية.
أخذ منها بيلا، والتي سجلها في شهادة الميلاد باسم نبيلة، لكن فقط في شهادة الميلاد.
أغلق باب السيارة بقدمه وهو يحمل طفلتيه، وهي خلفه تحمل يونس.
صعد لتلك البناية ثم الدرج القديم والبالي، حتى أن بلاط درجاته قد بهت.
وصلت للدور الثاني.
طرقت على باب الشقة عدة مرات لكن لم يأتِها الرد، لتخرج ذلك المفتاح من شنطة يديها.
دلت إلى المنزل وخلفها صالح، لتصيح بصوت عالٍ نسبياً:
"بابا يا حجيج فينك يا عم منصور."
اتجهت نحو غرفته لتجد الغرفة مظلمة.
أنارتها ثم دلفت للداخل لتجده ينام بعمق.
وضعت يونس على الفراش وهي تتجه نحو شرفة الغرفة تفتحها ليدخل الضوء لها.
فتح منصور عيناه ببطء وانزعاج من أشعة الشمس قائلاً:
"بسم الله الرحمن الرحيم."
ابتسمت زينب وهي تقفز على الفراش قائلة بحب وحماس:
"وحشتني أوي. اقتحمت عليك الأوضة."
اعتدل منصور في جلسته ناظراً لها بحب وهي تبتسم له، مرر يده على وجنتها قائلاً:
"صباح الورد على عيونك يا زينب. عاملة إيه يا حبيبتي."
"بخير الحمد لله. ها مش عايز تشوف القطط الصغيرين ولا إيه."
رد بسعادة قائلاً:
"أكيد عايز أشوفهم."
دلف صالح إلى الغرفة وهو يلقي السلام، ليرحب به منصور بهدوء.
"إزيك يا عم منصور؟ أخبارك إيه يا راجل يا طيب."
رد منصور بود قائلاً:
"بخير الحمد لله."
وضعت زينب الطفل بين ذراعيه قائلة:
"يونس ابني يا بابا."
اخفض بصره ليجد الطفل يفتح عيناه بكسل ونعاس، يبدو في غاية الجمال.
"ربنا يحفظهولكم يا ولاد وتربوه لحد ما يبقى راجل يعتمد عليه."
"إن شاء الله يا حبيبي."
في منزل علي.
في وقت متأخر من الليل.
دلف علي إلى غرفتهما بعد يوم عمل طويل ومنهك.
كانت الغرفة هادئة، يرى الظلام والهدوء سائداً بداخله، فحاول عدم إصدار أي صوت.
حتى لا يقلقها في نومها، ولكنه ما إن تقدم خطوتين إلى الداخل.
حتى أسرعت هي في النهوض تلقي بالأغطية عنها، تسرع إليه تحتضنه بشدة هامسة:
"وحشتني أوووي كنت فين كل ده؟"
شدد على احتضانه لها هو الآخر، يزفر بقوة دون أن ينطق بكلمة، لترفع رأسها عن صدره تنظر إليه بقلق.
ترى الإرهاق مرسوماً فوق محياه، فأخذت بيده بين يديها تتجه به إلى الفراش، تجلسه فوقه، وامتدت أنامله إلى أزرار قميصه تحاول حلها، حتى هتف بها بضعف وشك:
"إنتي ناوية على إيه يا بيبة بالظبط؟"
ضحكت برقة تهمس له بدلال:
"متخافش مش اللي في دماغك يا قلبي."
لتستمر أناملها في حل تلك الأزرار واحد تلو الآخر، تخلعه عنه، ثم تستدير تجلس خلفه فوق الفراش.
تمد أناملها إلى حنايا عنقه تدلكها ببطء ورقة، لتستمر في عملها بصمت، حتى شعرت باسترخاء عضلاته تحت يديها، لتجد أن الوقت مناسب لتسأله بنعومة:
"لسه رقبتك بتوجعك؟"
ابتسم مغمغماً برفق:
"لا يا حبيبتي دلوقتي أحسن الحمد لله. بس إيه اللي سهرك لحد دلوقتي؟"
اعتدل في جلسته ناظراً لها بتمعن، لتبتسم قائلة:
"وأنا من إمتى بعرف أنام وأنا بعيدة عن حضنك يا علي. تعرف أنا من يوم ما اتجوزنا وأنا بعرف أنام بعمق وأنا معاك، رغم إن زمان كان صعب أوي حتى المنوم مكنش بيعمل أي مفعول معايا."
هز علي رأسه وهو يمرر عينيه على ملامحها بافتتان ولوعة.
ليسود الصمت أرجاء المكان، كانت أناملها خلاله تعمل بشرود فوق بشرة كتفه، بينما ذاكرتها تعود بها إلى الماضي في هذا المكان وكم قاست في حياتها، ليلاحظ علي شرودها هذا، ليمسك بيدها يوقفها عما تفعل، يلفها في اتجاهه حتى أجلسها فوق ساقيه، ينحني يقبلها فوق جبهتها هامساً لها:
"بتفكري في إيه يا عيون علي وسرحتي فيه بعيد عني؟"
تنهدت حبيبة تهمس هي الأخرى بخفوت:
"في الزمان اللي في لحظة اتغير وبقت كل حاجة بالمقلوب. أنا بحبك أوي يا علي."
أرجع علي خصلات شعرها خلف أذنيها قائلاً بعقلانية:
"قصدك كل حاجة رجعت لأصلها وكل واحد أخد جزاءه واللي يستحقه، وخالص الماضي فات يا قلبي."
ثم انحنى فوق أذنيها يهمس بحب:
"بس تعرفي إن نصيبي مفيش أحسن منه عندي، أغلى هدية ربنا هدانى بها بعد طول انتظار."
أحنت رأسها تهمس بخجل:
"وأيه بقى هي الهدية دي؟"
علي وفي عينيه نظرة مرحة قائلاً بخبث:
"ودّي عاوزة كلام أمي طبعاً."
رفعت حبيبة عينيها بصدمة تضربه فوق صدره بقوة تحاول النهوض من فوق ساقه:
"بقى كده يا سّي علي؟ طب سيبني بقى أنام."
التفت ذراع علي حولها يحاول تثبيتها في مكانه، يضحك بشدة قائلاً بصعوبة من شدة ضحكه:
"طب خلاص حقك علي، ميبقاش زعلك وحش كده."
أخذت تحاول الإفلات منه، فما كان منه إلا أن يحملها يضعها فوق الفراش، يستلقي هو الآخر فوقه، ذراعيه تحيطان برأسها من الجانبين، يهمس بخفوت في حنايا عنقها:
"مانتي اللي بتسألي أسئلة غريبة يا قلب علي، هو فيه عندي أغلى وأحلى والذ منك يا فراولة، واللي عندي بالدنيا كلها."
سكنت فتفتحت جسده تهمس له هي الأخرى بحب ترد كلماته لها:
"ولا فيه عند فراولتك أغلى ولا أحلى والا الذ منك يا فارس وحلم عمرها."
اشتعلت عينيه بالنيران عشقه وشغفه، وبها يهبط فوق شفتيها يقبلها بجنون، قبلة خطفت منهم أنفاسهم لوقت طويل، ليرفع رأسه بعدها يسألها بصوت متحشرج، عاقداً حاجبيه بعبوس:
"هو الحصار هتفك عني إمتى؟ أنا خلاص شوقي ليكي هيقتلني. مش خلصنا امتحانات بقي؟"
ضحكت حبيبة بدلال قائلة:
"خلصت، بس بجد مشغولة جداً، بكرة خلينا ننام بس، لأن هنخبز أنا ووالدتك وعايزة أغسل السجاد والهدوم."
رفعت حبيبة يدها تتلمس وجهه بحنان ورقة تهمس له بحب:
"بحبك يا عوض العمر وجبر القلب."
زفر علي يغمض عينيه بتثاقل هامساً بصوت أجش:
"مش بقولك هتموتيني في مرة بكلامك اللي بيقتل ده."
أخذت حبيبة دون إدراك منها تشدد من احتضانه له بحماية، تدعو الله حتى يحفظه لها إلى أبد الدهر، لا ترى فيه مكروهاً أبداً، من أعاد لها الحياة وجعل لكل لحظة تعيشها معه بالعمر كله، يحيطها بحبه.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السبعون 70 - بقلم دعاء احمد
"تهانينا لكل قلب تحمل للنهاية لكي يكتمل عشقه، لكل قلب ابتسم رغم الحزن، لتلك القلوب المتمردة التي روضها العشق.."
حاولت نور أن تضع ألف حد وسور بينهما بعد ما فعله، لكن قلبها خائن وعقلها متمرد.
خضعت لخيانة قلبها ورضخت لمشاعرها، تلك الأنثى العاشقة بداخلها قادتها إلى أحضانه مجددًا.
وكيف لا! وهو عاد معتذرًا، نادمًا.
احتضنت نور صدرها بيدها مستمعة لدقات قلبها المتسارعة، مستسلمة لعاصفة الأفكار الهوجاء وذلك الحنين القوي إليه.
هزت رأسها برفض وضيق، مغمغمة لنفسها بحدة:
"لا، ما أنا مش شغالة عندك يا باسل عشان تقول بكرة كتب الكتاب. لا وكمان تبقى خطفني، لا والمصيبة بابا وافق. بس إيه ده يا ولا، يلهوي عليك، عليك واحدة يا شبح بتجيب أجلي."
ضحكت بخفة وهي تمرر أناملها على شفتيها برقة، شعور بالتخبط القوي، الحب، العناد، لكن قلبها رضخ له.
احتضنت وسادتها بقوة وهي تدفن وجهها بالوسادة، أخذت نفسًا عميقًا بهيام قبل أن تغمض عينيها تغوص بنوم عميق، هامسة بحب:
"يارب أنا مش عايزة وجع تاني، أنا بحبه.."
في صباح اليوم التالي، انبعثت أشعة الشمس إلى غرفتها من تلك الشرفة الصغيرة عبر الستائر الناعم التي ترفرف أثر حركة الهواء.
استيقظت نور على صوت الضوضاء الصادرة من زحام الشارع بالأسفل، وهي تفرك في شعرها ويدها على فمها بنعاس ونوم، تبدو في حالة مزرية لا تبدو كعروس أبدًا، وشعرها يتناثر حول وجهها بشكل فوضوي، ووجهها عابس نائم.
دلفت إلى الحمام لتأخذ حمامًا دافئًا تريح أعصابها المشدودة من مقابلته، فهي أخبرته أنها لا ترغب بحفل زفاف، بل الأمر سيكون كتب الكتاب بمنزلها ثم خروجهما معًا لأي مكان وذهابها معه إلى منزله.
مر بعض الوقت وهي تشعر بالهدوء حولها لتذهب إلى غرفة أشقائها، لكن وجدتها فارغة وكذلك غرفة والدها.
رددت بداخلها بارتياب وشك:
"راحوا فين بدري كده؟ هو أنا المفروض هعمل إيه دلوقتي؟ أعتقد لازم أنضف البيت وأسّيقه، مع إني والله مكسلة، لازم يحلف يعني إن كتب الكتاب النهاردة.. جاتك الارف."
لوت شفتيها في آخر جملتها باشمئزاز واضح، وكأنها مجبرة على الزواج منه، وكأن بداخلها لا تشعر بالسعادة رغم تلك الغمرة التي شعرت بها، وكأنه أعاد لها روحها من مجرد لمسة يديه واحتضانه لروحها.
لكن ذلك الخوف الذي ترعرع بداخلها جعلها تشعر أن وجود الشيء مثل عدمه، لذلك لا تستطيع إظهار مشاعرها.
وضعت دلو الماء الساخن بجانب الأريكة ثم وضعت بعض مساحيق التنظيف المعطرة.
كادت أن تحمل ذلك المفرش القديم إلا أن رنين جرس الباب جعلها تستقيم، واضعة الحجاب فوق رأسها بإحكام، قائلة بصوت عالٍ نسبيًا:
"مين؟"
ردت زينب بمرح من الناحية الأخرى:
"أنا زوبا يا عروسة.."
فتحت نور الباب بوجه مستنفر:
"عروسة إيه، جاتك نيلة. وحشتيني أوي على فكرة."
ابتسمت زينب وهي تدلف لداخل المنزل قائلة بخبث واضح:
"ده بجد؟ وأنا اللي فكرت العريس خدك مننا ومش هنشوفك تاني."
فغرت شفتيها في آخر جملتها بصدمة، لتوجه بصرها نحو نور الواقفة خلفها تضع يديها على خصرها تنظر لها بسخط من جملتها تلك.
تحدثت زينب بذهول قائلة:
"هو انتي هبلة يا نور؟ المفروض إن النهاردة كتب كتابك وبتسّيقي البيت لسه؟ ده أنا قلت يمكن يكون عندها دم وبتظبط شكلها. يا عيني عليك يا باسل، هتنصدم."
ردت نور بهدوء وكبرياء:
"هو المفروض يعني أعمل إيه؟ أتحزم وأرقص؟ ثانيًا أنا زي القمر في كل حالاتي."
ابتسمت زينب بسعادة وهي تقترب منها محتضنة إياها:
"نور، ممكن أقولك كلمتين بصراحة من غير زعل؟"
"طب وعهد الله أنا ما بعرف أزعل منك يا زينب، لأن انتي الوحيدة اللي متأكدة إن قلبها أبيض وبتخافي عليا، رغم إني أكبر منك.. احم احم بتلات سنين."
ردت زينب ساخرة باشمئزاز:
"بس عقلك صغير. تعالي بقى نقعد لأن في كلمتين محشورين في زوري لازم نتكلم فيهم."
جلست على أقرب أريكة لها، لتقول نور بتوتر:
"كلمتين إيه بقى؟"
"شوفي يا نور، انتي دلوقتي خالص وصلتي مع باسل لآخر الحكاية. شوفتي فيه الغرور والبرود والطيبة، وعرفتي الأسباب اللي خلتيه كده. سافرتوا ورجعتوا، طلقتوا، ودلوقتي هتتجوزوا تاني. بس المزة دي مختلفة، المرة دي بتاعتك انتي وهو. المرة دي يا نور لازم تفكري فيها بجد. باسل راجع لك وعايزك بجد، واضح من طريقته إن المرة دي متمسك بيك، بس برضه متنسيش إن واحد زي ده كان متجوز قبل تلات مرات، يعني شاف الدلع كله."
شحب وجه نور وكأن الدماء سحبت منه، متحدثة بتوتر:
"انتي بتوتريني كده على فكرة يا زينب، يعني أعمل إيه؟"
ردت زينب ببساطة وهي تربت على كتفها باهتمام:
"حبيه يا نور. باسل لو لقى الحب الحقيقي عمره ما هيفرط فيه، أنا متأكدة من ده. لأنه عاش طول عمره محروم من الحب والعيلة. وانتِ مش زي أي واحدة قابله، لو كنتي زيهم كان هيطلقك بدون لحظة تردد ومش هيفكر يرجع لك. بس أهم من الحب يا نور، لازم تحترميه. وبلاش الوش الخشب ده يفضل كتير، يعني لازم يحس إنك مهتمة بوجوده، ولازم انتي كمان تفرحي. بلاش تخافي يا نور عشان خاطري وافرحي وفرحي قلبك. أنتِ تستاهلي كل خير والله العظيم، تستاهلي تفرحي قلبك. أظهري مشاعرك، وخليكي دايما عارفة إن ربنا كبير وحنين أوي يا نور. ألف مبروك يا حبيبي."
ابتسمت نور بسعادة وكأنها كانت تنتظر أحدًا ليشعل بداخلها ويهيج السعادة، لتقول من بين تلك الضحكة الخافتة:
"زينب، أنا بحبك أوي بجد أوي، ربنا يخلينا لبعض. بس إيه يا عم العقل والحب ده كله؟ ده صالح بيه شكله علم على قلبك بالجامد أوي."
ابتسمت زينب بخجل قائلة بحماس:
"الحب في الحلال بينوّر القلوب والعقول يا نور. وبعدين أيوه، علم على قلبي وروحي لأنه حبيبي أنا وأبو أولادي."
ردت نور بغمزة شقية:
"يسهلوا."
ردت زينب بسرعة:
"صحيح، داليد زمانها على وصول."
عقدت نور ما بين حاجبيها قائلة:
"مين داليد؟"
ردت زينب بحماس وهي تزيل حجابها وتفك ربطة شعرها لينسدل على ظهرها برقة:
"داليد دي تبقى بنت خالي محمود. تعرفي هي كمان طيبة أوي، أصغر مني بسنة بس مرحة وطيبة بجد. امبارح كنا بنتكلم وحكيتها عنك وإن النهاردة كتب كتابك، فهي قالت إنها لازم تحضر. وكمان اللي عرفته إنها شاطرة جدًا في المكياج وهتخليك زي القمر. تعالي نشغل أغاني."
قامت بتشغيل الأغاني لتقول بحماس:
"ادخلي انتي بقى ظبطي نفسك، أبوكي كده كده مش هيجي دلوقتي، هاتي لي بجامة من عندك، يالا ورايا شغل كتير."
رفعت نور حاجبها الأيسر بشك:
"وانتي إيه عرفك إن بابا هيتأخر بره؟"
ابتسمت زينب وهي تمسك الدلو لتبدأ بالتنظيف وهي تردد كلمات الأغنية الشعبية، لتقول بدلال أنثوي يعشقه شخص ما:
"لما يجي هتعرفي، متشغليش بالك. يالا يا نور."
ابتسمت بسعادة طفولية غريبة، شاعرة باهتمام كل من حولها، لتقول:
"حاضر، ثواني هجيب لك بجامة. هو فين الولاد يا زينب؟"
ردت زينب وهي تقف على الكرسي تلمع زجاج الشباك:
"مع ماما حياء وعمتي صفا امبارح. هي امبارح جيت وباتت معانا. الصراحة عمتي دي كمان قمر أوي، وماما حياء لما عرفت إنه كتب كتابك النهاردة قالت لي لازم أكون معاكي، والأولاد معاهم. وأنا نزلتهم ليها ورضعتهم قبل ما أجي، واطمئنت إنهم ناموا، لأن طول الليل صاحيين وأنا وصالح كنا قاعدين جنبهم، ماناموش غير الفجر. عارفة يا نور، الولاد بجد نعمة من ربنا، رغم أي تعب وأي سهر. وصالح ربنا يحفظه لينا دايما معانا. أنا كنت خايفة أوي معرفش أربي التلاتة، لكن والله وجود العيلة فرق معايا أوي. عمي جلال الصراحة هو كمان أبويا بجد، وهو كمان بيساعدني. يعني مثالًا بيقول لي المفروض أعمل إيه ومعملش إيه، وإزاي المفروض أتعامل معاهم لما يكبروا. وماما حياء دايما معايا وكلهم بيحبوا الولاد. حتى يوسف وإيمان وحبيبة مرات علي دايما بتكلمني في الموبايل تطمن عليهم. الناس لما يكونوا ونس لبعض الدنيا بتكون حلوة يا نور."
و جبر الخواطر حلو اوي.
و أنا عشت عمري في ناس كتير بتجرح فيا.
التمعت عينيها بالدموع، لكن تلك المرة بالفرحة، وهي تنزل عن الكرسي وتقف أمام نور قائلة بانتصار وعشق بادٍ في عينيها:
_ الناس اللي جرحوا في قلبي علموني إن العوض والصبر نهايته حلوة أوي.
أنا دلوقتي لقيت أبويا وأمي، ولقيت ليا خالي محمود وخالتي مريم وعمي جلال وماما حياء.
وعندي أبويا منصور، وإنتي معايا، ومعايا داليد، والأهم معايا صالح وأولادي.
الجبر بعد الصبر هو السعادة اللي بجد.
وإنتي كمان صبرتي كتير يا نور علشان أخواتك وأبوكي، وربنا هيجبر بخاطرك إنتي وباسل، وهتفرحوا أوي كمان صدقيني.
احتضنتها نور بعيون باكية وسعادة داخلية.
ابتعدت زينب تمسح دموع نور بيديها قائلة:
- خلينا نفرح بقى، وصلنا لنهاية الوجع وخالص هنفرح.
أومأت لها نور.
في نفس الوقت، صدح رنين جرس الباب.
لتتجه نور تفتحه، لتجد أمامها فتاة تبدو في بداية العشرينات.
جميلة المظهر، ذات ابتسامة رائعة وعيون سوداء حالكة.
سألت داليد بهدوء قائلة:
- نور؟
أومأت لها الأخرى لتقول بحماس:
- داليد الدمنهوري، أنا بنت خال ملك.
ابتسمت نور قائلة:
- آه، هي جوة، اتفضلي.
دلفت إلى الصالون وهي تحمل حقيبة يد متوسطة تبدو على شكل مكعب، وكأنها ليست حقيبة يد.
ابتسمت زينب قائلة بحماس:
- كويس إنك وصلتي، الأستاذة فاكرة النهاردة واقفة العيد وبتنضف البيت. قوليلها حاجة لأن هتشل.
خلعت داليد حجابها لتضعه جانباً قائلة باهتمام شديد:
- لا طبعًا مينفعش، وأنا أصلًا جايبة كل حاجة معايا. هظبطك.
على فكرة، أنا شاطرة جدًا في الميكب، وصدقيني إنتي بشرتك جميلة، بس لازم نعمل ماسك، وإنتي كمان يا ملك.
أو أقولك يا زوبا.
ردت زينب بحب أخوي:
- قولي يا ملك، الاسم ده بحبه. بس أنا هخلص الليلة دي وأحصلكم على جوة.
ابتسمت داليد وهي تقترب من نور لتضع يدها على خصر نور:
- ياله بينا.
وافقتها نور وهي تتجه معها نحو غرفتها.
بعد مرور عدة ساعات.
في غرفة نور.
نهضت من مكانها بعد أن أنهت داليد مهمة تزيين وجهها وإنهاء.
كوي شعرها البني. زاد جمال وجهها مع ألوان الزينة الرقيقة.
أخرجتها داليد أجمل مما توقعت.
نظرت نور لهيئتها في المرآة مع جمال وجهها.
وأناقة تسريحتها لتقول بسعادة:
- مكنتش متخيلة إني هكون جميلة كدا. حاسة إني أحلى من يوم الفرح. إنتي بجد شاطرة أوي.
رفعت داليد رأسها بفخر وهي تهندم ثيابها بطفولية:
- شكرًا شكرًا يا جماعة، ده حاجة بسيطة من موهبتي. ها، قوليلي فين فستان كتب الكتاب؟ خليني بقى ألف لك الطرحة.
ردت نور بجدية:
- في الدولاب. هو فستان عادي لأن أنا الصراحة مكنتش حابة أنزل أشتري، والموضوع كله ساعتين وهيخلص.
نظرت داليد لزينب بسخط قائلة:
- صاحبتك دي محسسني إنه يوم عادي. لا فكي كدا يا قمر، النهارده فرحك، فاهمة يعني العروسة للعريس.
ردت زينب قائلة بجدية:
- والله العظيم كنت عاملة حسابي. علشان كدا الفستان جاهز. ثواني بس، البسي حجابك يا داليد.
ضيقت نور المسافة بين حاجبيها بشك.
خرجت من الغرفة لتمر بضع لحظات قبل أن تدلف مرة أخرى برفقة سالم، والد نور، وهو يحمل بين يديه ذاك الثوب الأبيض مغلف بطريقة منظمة وصحيحة.
ابتسم سالم قائلاً بحب:
- تفتكري هخليك تحضري كتب كتابك بأي فستان كدا؟ لا طبعًا. إنتي أميرتي يا نور.
كادت أن تبكي من فرط السعادة وهي تقترب منه محتضنة إياه بقوة قائلة:
- وإنت حبيبي يا بابا، واللي العظيم.
غمزت زينب لداليد قائلة بهمس:
- كنت متفقة مع عمي سالم نشتري الفستان ده سوا، وهو اللي اختاره. ليها ذوقه حلو أوي.
ردت داليد بإعجاب واضح قائلة بحب:
- فعلاً رقيق جدًا.
بعد ساعتين.
كان يجلس على الأريكة في الصالون بحلة أنيقة سوداء، منهدم الشكل. وقد حلق لحيته، فبات أكثر جاذبية مع بشرته الخمړية الرجولية ومصفف شعره الأشقر.
بجمال يلفت الأنظار.
توجهت عسليتان عيناه المشتعله بالفطرة حينما أبصرها تخرج من الغرفة بحرص، متأبطة ذراع والدها. كانت جميلة اليوم بشكل عجز عن وصفه.
يبدو وكأنها قد أتقنت في انتقاء ثوب عقد قرانهما. فكان ثوب أبيض سادة حريري رقيق، طويل يتدلى ذيله من الخلف.
برقة، بأكمام شفافة رقيقة وعند المعصم مطرزة بورود بيضاء من الدانتيل. حجابها الأبيض الناعم يبدو في غاية النعومة.
ذلك اللؤلؤ البراق الذي يزين الحجاب يبدو لامعًا لأجلها.
وقد وضعت كذلك زينة العروس الناعمة التي زادتها جمالًا.
لا يعرف كيف، لكن هذه الألوان كانت مختلفة وجميلة عليها، لكن مختلفة ككل شيء بها. فاليوم مختلف.
وحتى ما سيحدث الآن سيأخذ منحنى مختلف في علاقتهما.
فكم حلم بهذا اليوم منذ أن طلقها. تمنى العودة لها قلبًا وقالبا. تمنى أن تعود له بقلبها.
ولم يتوقع قط أن يكن أجمل من المتوقع بمراحل.
رفعت نور عينيها البنيتان عليه، وكانا بريق الحب يشع منهما. جعل باسل يبتسم لها وعيناه تناديها.
أن تقترب أكثر، فقد تعب من الانتظار والصبر.
وكأنه ابتعد لسنوات، والآن يريد أن يروي عطش قلبه.
وصلت إليه لتقف بالقرب منه. أعطاه والدها يدها.
حتى يذهبا على الطاولة الممتدة ليتم عقد القرآن.
فالمأذون ينتظر هناك.
مسك باسل يداها الإثنين ونظر لعينيها يتأملها عن قرب، وهي فعلت المثل، ولكنها عقبت بتسرع غريب وحب، ها قد بدأ بالظهور.
_ هو إحنا بجد هنكتب الكتاب يا باسل؟ أنا حاسة إن هيغمى عليا من الفرحة.
ضحك باسل دون صوت وأومأ برأسه قائلاً:
- لا، أبوس إيدك امسكي نفسك لحد ما نكتب الكتاب. أنا ما صدقت أبوكي رضي عني ووافق من تاني. ده كان هيقيم عليا الحد ويطردني من بيتكم لما قولتله إني عايز أردك ونعمل كتب كتاب من جديد.
توهجت فرحتها في عينيها وقالت بعدم تصديق من شدة الفرحة:
- بنات الناس مش لعبة يا أستاذ، بس حقيقي النهارده أجمل يوم في عمري، وكفاية وجود البنات معايا.
تنهد باسل هامسًا بحب وهو يتكأ على يداها.
بحنان.
- مش لوحدك، أنا حاسس إني بتولد من جديد على إيدك يا شبح.
سحبت نور يدها ووضعتها على جبهتها وهي تشعر بعدما اتزان قدميها على الأرض.
"لا مش مصدقة، أنا دايخة، أنا دايخة أوي يا باسل، اسندني."
مسك معصمها بقوة هاتفا بلهفة:
- نور، إنتي كويسة؟ نور.
نظرت إليه بدهشة قائلة بعدم تصديق:
- هو إحنا بجد هنكتب الكتاب؟
رد باسل بتردد وقلق عليها:
- على حسب، ممكن يتأجل لو اغمى عليكي فعلاً.
"لا، يغمى عليا إيه، أنا تمام، أنا كويسة أوي."
اعتدلت في وقفتها سريعًا وهي تحاول التماسك قدر المستطاع أمامه وأمام الجميع.
وكأن قلبها لم يعد يتحمل أكثر، معترفة بحرارة.
أخرج باسل زفرة حارة وهو ينظر إليها بشوق.
- أنا اللي مش كويس والله.
نظرة إليه بلهفة سائلة ببراءة:
- سلامتك، عندك إيه؟
هز رأسه بنفي وهو ينظر للطاولة خلفهما.
- ولا حاجة. يلا بينا لحسان الناس قاعدة مستنيانا.
قد حضر بعض أقارب العروس المقربين جدًا، والأصدقاء. وكذلك حضر والدي باسل وأخته زينة.
وأصدقاؤه المقربون، وأيضًا صالح وعلي برفقة زوجته حبيبة، التي تجلس بجواره متأنقة بثوب سهرة رائع مع حجابها الرقيق. كانت جواره ملتزمة.
أقترب صالح من زينب، والذي كان ملفتًا للأنظار اليوم كعادته، بحلته الرصاصية الداكنة أسفلها قميص أبيض، مصفف شعره بأناقة، وعلى ثغره ابتسامة تجعلها أسيرة لنظرته تلك.
- وإنت كمان أوي. هما الولاد كويسين؟ أكيد جاعوا؟ بص هنمشي دلوقتي. أنا والله معرفتش أمشي خالص بالنهار وكان في حاجات كتير.
- متقلقيش عليهم، ماما جهزتلهم الرضعة وأكلوا، وبعدين عمتك مسبتهمش لحظة، متقلقيش.
اكتفت بابتسامة رغم خوفها. هي أم، والأم لا يهدأ قلبها إلا عندما تطمئن بنفسها على أطفالها.
وضع باسل يديه بيدي والدها، وبدأ المأذون بعقد القرآن، بينما تجلس نور بجوار نيرة، التي ابتسمت بسعادة لرؤية تلك اللهفة في عين ابنها الوحيد.
مؤخرًا تحول تمام، لم يكن كذلك، كان باردًا جدًا، وتلك الفاتنة هي من أذابت جليد قلبه.
ليقع أسيرًا، وأي أسير هو؟
هو أسير كبريائها، أسير عيناه، وأسير رونقها الخاص التي امتازت به عن أي فتاة أخرى.
والأهم من كل هذا، أنه أسير عشقها.
هبطت عليهما المباركات من الجميع.
بعد كتب الكتاب في غرفة نور.
رفعت نور عينيها المشعة بسعادة إليه.
فوجدته ينظر إليها نظرة غريبة، قاتمة تجتاحه مشاعر عديدة لا تفقه منها شيء. لكن الوصف الدقيق بالنسبة لها:
إنه جائع ويراها وجبة جيدة ودسمة ستوفي بالغرض.
- ليه البصة دي يا باسل؟
سألته بتردد، فنظر حولهما، فقد سمح والدها لهم بالجلوس في غرفتها قليلًا قبل مغادرتها معه.
نهض باسل من مكانه واقترب منها.
بلعت نور ريقها بتوجس وسألته بارتباك:
- إنت كويس؟
- لا يا نور مش كويس. من يوم ما سبتك وأنا مش كويس.
سألته بتوتر وبراءة. فنبرته كانت متحشرجة أثر اختلاط مشاعره.
والتي حان الوقت للاعتراف بها. إلى متى سيرتدي قناع ليس له؟ عليه خلعه للأبد، فقط لأجلهما.
- مالك؟ إنت دايخ إنت كمان؟ الفرحة بتدوخ. أنا كمان حاسة إن دماغي بتلف من الفرحة. أنا مبسوطة أوي يا باسل. مبسوطة إني معاك.
مسك يدها الموضوعة على وجنته وقربها من شفتيه وطبع قبلة طويلة بطيئة عليها قائلاً باشتقياق:
- وأنا كمان يا نوري يا أغلى نور في الدنيا. مش مصدق إنك بقيتي مراتي. وأسف والله العظيم أسف على كل اللي فات. فرحان أوي يا حبيبتي.
خفق قلبها بجنون وسألته باللهفة.
"انت بتحبني يا باسل؟"
مد يده ولامس وجنتها الناعمة مؤكداً.
بقلبٍ مدله بحبها.
"بعشقك ياقلب باسل."
اغمضت عينيها بضعف وهي تشعر بانفاسه الساخنة الممزوجة برائحته المميزة تقترب منها تلفح صفحة وجهها بقوة. بلعت ريقها بتوتر حينما وجدته يحجز وجهها بيده، ثم شعرت بشفتيه تلامس بشرتها الناعمة. قد طبع قبلة رقيقة على وجنتها، طابعاً عدة قبلات على وجهها وهو يضمها بين ذراعيه أكثر. شاعر بها تستجيب أخيراً لقربه، وكم يريد مستجيباً مرحباً بها أكثر مما ظن.
سمع صوت يأتي من خارج غرفة الصالون.
فضرب جرس الإنذار داخله وابتعد عنها بصعوبة، ناظراً عند الباب فلم يجد أحد. تنهد بارتياح وهو ينظر إليها. ليجد عينيها متوسعة بعدم تصديق، وجهها أحمر من شدة الخجل والصدمة مما حدث، أما شفتيها فكانت منتفخة وحمراء، آثار هجومه عليها. وقد أفسد حمرة شفتيها.
أخرج المنديل من جيبه ونهض من مكانه، وتلك المرة جثى على ركبتيه أرضاً أمامها. ثم بدأ في المسح حول شفتيها قائلاً باعتذار حانٍ.
"أنا آسف يا نور، أنا مكانش قصدي أخوفك يعني، بس مقدرتش، أنا..."
توقف عن الحديث عندما وجدها تلقي نفسها في أحضانه بصمت مبهم، أشعره بالقلق وشعر بقلبه يقع أرضاً. لذا ضمها أكثر وهو يسألها بتوتر.
"انتي كويسة؟ خوفتي مني صح؟ أنا مكنتش أقصد، أنا أسف مش هيتكرر تاني، بس متخافيش."
همست نور بضياع في أحضانه وكأنها تجربها لأول مرة معه.
"باسل لو بتحبني بجد اوعي تيجي عليا في يوم، أنا بحبك وخايفة اندم على حبي لك، صدقني مش هقدر استحمل. حتى لو أنا دايماً متمسكة قدامك فأنا دايماً هبقى محتاجة لحضنك، فبلاش انت كمان تيجي عليا."
رفع رأسها بحنية وحب هامساً بضياع هو الآخر.
"انتي وطني يا نور فاهمة؟ يعني حضنك هو بيتي وحضني دايماً هيكون ليك لوحدك لأنك الوحيدة اللي هزت فيا كل حاجة. والله العظيم أنا بحبك أوي، ونفسي أكون معاكي بيتي مليان حب ودفء، بس سبيني واديني فرصة لو سمحتي ممكن؟"
مسحت دموعها قائلة بسعادة.
"بحبك."
همس بابتسامة ضارية.
"وانا بعشقك."
انتهى حفل كتب الكتاب وذهبت معه نحو منزلهما بعد أن وعدت أباها وأشقاءها.
منزلهما!! تلك الكلمة وذلك الجمع يجعلها تشعر بأنها ملكة متفردة بقلبه.
في منزل آل الشهاوي.
صعدت زينب الدرج بلهفة والقلق ينهش بقلبها، إنها الفطرة وغريزة الأمومة المتحكمة بها، فلا لوم عليها.
دلفت إلى شقة جلال بعد أن فتحت حياء لها الباب قائلة بابتسامة.
"ازيك يا زوبا؟"
ردت عليها باحترام وود.
"الحمد لله أنا بخير يا ماما. أومال هما الولاد فين؟ أوعي تقولي ناموا."
ابتسمت حياء برفق قائلة بحب.
"جوا مع جلال... تعالي. أومال فين صالح؟"
ردت زينب بهدوء حانٍ.
"بيركن العربية."
دلفت إلى الصالون، لكن هدأت من روعها وهي ترى ذلك المشهد الجميل.
حيث كان جلال يحمل بيلا وحياء بين ذراعيه وهو يغمغم ببعض الكلمات غير المسموعة، ولم تكن إلا بعض الآيات القرآنية الذي يرددها دائماً على مسامع أحفاده بصوت خافض يكاد يصل لمسامعهم، حتى أن كانوا لا يفقهون شيئاً إلا أنها تبعث السكينة بصوته الخاشع.
بينما كان يونس ذلك الصغير نائم برفق ونعومة على الأريكة.
ابتسمت زينب بارتياح قائلة بحب.
"تعبوك يا بابا."
ابتسم جلال بسعادة وهو ينظر نحو حياء المبتسمة برقة.
"بالعكس يا زوبا، دول فكروني بأيام زمان، لما صالح وإيمان كانوا عيال، بس سبحان الله أعز من الولد ولد الولد. عمتك لسة ماشية من شوية، وأبوكي اتصل يطمن عليكم وأنا طمنتهم."
ردت زينب بهدوء في وقت دخول صالح من باب الشقة.
"طب كويس إن حضرتك كلمتهم لأن موبيلي فصل شحن، ممكن أخدهم؟"
رد جلال بجدية قائلاً.
"أكيد، وبعدين بيلا شكلها جعانة، بس الصبح عايز أشوفهم قبل ما أنزل الوكالة، هطلع أصبح عليكم."
رد صالح بهدوء وحب.
"هبقى أجيبهم لحضرتك يا بابا، بلاش تتعب نفسك، وإحنا كدا كدا هننزل الوكالة سوا لأن احتمال أسافر السويس في حاجات في حلقة السمك ولازم أنزل أتفق عليها."
سألته بلهفة بالغة وبراءة.
"هتتأخر؟ بس أنا هخاف أقعد من غيرك."
أدركت ما تفوهت به لتخفض بصرها بحرج وخجل، بينما ابتسم جلال مغمغماً برفق.
"يلا يا صالح خد مراتك وأولادك واطلع شقتك."
أومأ له وهو يأخذ الصغيرتين، بينما أعطت حياء يونس لزينب قائلة بخبث مرح.
"خلي الدلع لجوزك لما تكونوا لوحدكم يا هبلة."
عضت على شفتيها بخجل واضح ولم تستطع الرد عليها بكلمة واحدة وهي تغادر معه.
ابتسم جلال وهو يحاوط خصرها قائلاً بحب.
"تعرفي الولاد حلوين أوي مع بعض، ربنا يحفظهم يا حياء."
وضعت رأسها على كتفه قائلة باهتمام.
"يارب يا جلال يارب."
في شقة صالح.
وضعت الأطفال على الفراش باهتمام قائلة باعتذار.
"والله حقكم عليا، عارفة إنكم جعانين، هغير بس وأجيلكم."
خلع صالح سترة حلته ملقياً إياها على الكرسي ليجلس على الفراش يخلع حذاءه، ثم نظر للأطفال محدثاً إياهم برفق.
"عارفين رغم إني مبقتش عارف ألم على أمكم من ساعة ما جيتوا للدنيا، بس كله يهون لأجل عيونكم. عارف يا يونس، أنا حاطط فيك أملي، لما تكبر تكون ضهري وتخاف على أخواتك، ولما أموت تحضن أمك وتشوفني فيك يا يونس. عارف أنا ساعات كتير بقول يارب طول في عمري لحد ما أشوفك راجل يعتمد عليه، بس أمانة عليك أخواتك البنات وأمك في رقبتك ليوم الدين."
كانت تراقب حديثه ذلك بعد أن بدلت ثيابها بحزن بالغ، ولا إرادياً انسابت دموعها بشدة.
ما سر ذكر الموت الآن؟ هل يفرح بانفطار قلبها وبكائه؟
رفع رأسه لكن فاجأته محتضنة إياه بقوة حتى كادت أن تختفي بين ذراعيه، وكأنها ضلع ثانٍ له. أخذ يربت يربت على ظهرها بحنان متمتماً بلهفة.
"مالك يا زينب؟"
لم تستطع التحدث وشهقاتها تتعالى، مجرد تخيل أنها تفقد تجعلها تتشبث به أكثر، ذلك الشعور مؤلم.
مرت دقائق وتعالى صوت بكاء طفلتهما وكأنها فهمت ما حدث.
غمغم صالح بجدية حانية قائلاً.
"زينب كفاية عياط، الولاد هيعيطوا هما كمان، عشان خاطري اهدي."
زمجرت بحدة وقسوة قائلة.
"لو سبتني في يوم صدقني يا صالح مش هسامحك، أنت فاهم، حتى لو اللي هيبعدنا هو الموت برضو مش هسامحك."
رد الآخر بمرح ماكر.
"وأهون عليك أموت وأنا شايل ذنبك."
ابتعدت عنه قائلة بصوت عالٍ نسبياً أفزع الصغار.
"وأهون عليك تسيبني أموت بالبطيء؟ صالح أنت قلت إني بنت قلبك صح؟ بس اللي متعرفوش إنك أغلى عندي من روحي. أنا عشت عمري تايهة بين البشر، والله العظيم ملقتش الاحتواء إلا في حضنك، ملقتش الأمان إلا معاك، بلاش تخوفني عليك، أنت فاهم؟ أنا عندي استعداد أسامحك حتى لو قتلتني، بس أنك تسيبني مش هقدر أسامحك."
ابتسم وكأن كلمتها بلسم لروحه المتعطشة لعشقها.
"زوبا أنا بحبك، الكلمة دي عهد ووعد مني ليك، ولو ربنا أذن يوم وأخد روحي اعرفي إني لسة على عهدي، فاهمة؟ وبعدين أنا عارف إنك هتسامحيني، ماشي؟ وبعدين أنا بكلم ابني عادي، كنت بس بوصيه على أخواته زي ما أبويا وصاني على أمي وأختي، والأعمار بيد الله وحده."
ردت بحدة معنفة إياه.
"بس برضو متقولش كدا، أنت فاهم؟"
"خالص خالص يا ستي، متزعليش، حقك عليا، بطلي عياط بقى."
مسحت دموعها قائلة بهدوء.
"حرام عليك بجد توجع قلبي يا صالح، خليت حياء تعيط. أنت هتسافر بكرة؟"
أومأ لها بجدية قائلة.
"متقلقيش، مشوار للسويس هتفق على شوية حاجات ناقصة عندنا، ولو عليا هرجع على بليل، متقلقيش."
"لا لو عليا هقولك لو اتأخرت خليك هنا وابقى اركب الصبح، علشان خاطري يا صالح، أنا بخاف لما تسوق العربية بليل، علشان خاطري."
ابتسم طابعاً قبلة أعلى رأسها قائلاً بحنان.
"هدخل أغير هدومي، وأنتي متشغليش بالك، أنا بعرف أسوق بليل عادي، وياستي أوعدك لو اتأخرت هفضل هناك وأجي الصبح، المهم تخلي بالك من الولاد."
أومأت له وهي تحمل حياء برفق لتطعمها.
في صباح اليوم التالي. في منزل باسل.
استيقظ باسل بتثاقل ونوم ليجدها تتوسد صدره محتضناً إياها.
في عينيها البنية كان يرى لمعة مجنونة من الخجل من كل ما يحدث بينهما وما كانا يتوقعا حدوثه.
ارتفعت الحواجز بينهما فأصبح لها زوجاً أمام الله.
كيف بدأت القصة وأين انتهت؟
لا تصدق صدقاً، لم تستوعب بعد أنها تزوجت ممن تحب، إنها حظت بالحب الأول، أجل هو حبها الأول فقد حفظت قلبها لسنوات لأجله هو فقط.
تنهدت بنعومة وهي تشعر به يداعب خصلات شعرها الناعمة، طابعاً قبلات حانية على وجنتيها.
همست بخجل وهي تحاول الابتعاد عنه قليلاً.
"صباح الخير."
قربها لاحتضانه أكثر وأجابه مردداً تحية الصباح بشهية مفتوحة و بالٍ رائق.
"صباح الفل والورد والياسمين، على أجمل شبح في الدنيا."
مع كل كلمة يعانق شفتيها بقبلة مشاكسة.
زفرت بخجل وارتباك وهي تشعر أنها تحت حصار، فكان يميل عليها نائماً على جانبه، ساند ذراعه فوق رأسها.
فحاولت تشتيت عقلها من هذا القرب. فهي حتى الآن لم تعتد على كل هذا معه ولم تستوعب بعد أنها تزوجت منه بالأمس.
تنحنت وهي تسأله بتوتر.
"هو..."
هو انت صاحي من بدري
رد وعيناه لا تحيد عنها
-من عشر دقايق كده بس ايه الجمال دا
ازدردت ريقها سالته بارتباك
-و كنت بتعمل إيه
رد بعيون وقحة متسلية وهو يلوي شفتيه
في إبتسامة الثعالب
-بتفرج
بتتفرج على اي بظبط
شدة غطاء الفراش لأخر عنقها بحركة مفاجئه اضحكته بقوة
اغتاظت من ضحكاته و احمرة وجنتيها قائلة
بتزمر طفولي
-بطل ضحك انت أصلا قليل الأدب
أشار على نفسه ببراءة
- انا يا نور و لا انتي اللي بتلفتي نظري لحاجات مش في دماغي أصلا
اهتزت حدقتيها وقالت بتردد
-يسلام انا اللي بلفت نظرك و لا انت اللي متربتش اصلا يا قليل الادب
و بعدين مانت اللي قولت بتفرج عايزني افهم إيه
رد بصوت عابث يدفع للشك به أكثر
-تفهمي اني رومانسي وقعد اتاملك ياروحي
سالته نور بحاجب مرفوع ببراءة
-ليه يعني
تنهد بحرارة قائلا
-مش مصدق ان احنا اتجوزنا الصراحة و مش صدق انك بقيت معايا من تاني
ردت بحدة تغلفها الخجل
-لا صدق لأن انا قاعدة على قلبك ماشي و بطل حركاتك دي لو سمحت
رد باسل بحماس قائلا
-طب اية هنفضل نايمين كتير أنا هقوم اجهز الشنط و هنطلع على الغردقة هنعيش احلى اسبوع سوا يا نوري اصل الصراحة لسه في كلام كتير عايز اقولهولك
انهي جملته الخبيثة بغمزة شقية لتضربه بخفة قائلة
-وقح
في منزل يوسف
نهض ببطئ من فوق الفراش دون اصدار اي صوت متجها نحو المطبخ
حرك رقبته في الجهتين قائلا بثقة
-چو هتبقى اب
ضحك بخفة وهو يتجة نحو الثلاجة ليخرج بعض الأشياء منها
بدا في إعداد طعام الإفطار بدقة و حرص فكلما تذكر انها تحمل قطعة منهما بداخلها يشعر و كأنه طفل صغير يود لو يأتي بالعالم كله لأجلها
الأمر لا يتعلق بالطفل فقط بل يتعلق بها هي ذلك الطفل منها هي حبيبة عمره و فاتنة روحه تلك المرأه الناعمة الخجولة صاحبت أجمل ابتسامة رآها
انهي تحضير الفطار بعد مدة لكن توقف فجأة وهو يخرج هاتفه متحدثا مع والدته (الهام) فهو كعادته يتحدث معها يوميا في الهاتف و أخته( نيران) للاطمئنان عليهما
أبتسم يوسف وهو يجلس على كرسي السفرة قائلا بمرح
-صباح الكل يا ست الكل اخبارك ايه يا ماما
ردت الهام برفق و سعادة
-بخير يا حبيب قلبي طول ما انت بخير ها عامل ايه مع مراتك و هب أخبارها ايه
رد يوسف بحنان قائلا
-بخير الحمد لله صحيح في حاجة مهمة لازم تعرفيها أنا اشتريت شقة جانب شقتي الباب في الباب و انتي هتيجي تقعدي معانا
ردت الهام بجدية حانية قائلة
-بس يا يوسف انا مرتاحة هنا و بعدين انت لسه راجع من سفر انت و مراتك و مراتك حامل يا حبيبي يعني لازم توفر فلوسك بكرا هتحتاج الفلوس دي
اخذ يوسف نفس عميق قائلا بلهفة
-بس انا عايزك تكوني معايا يا أمي كفاية انك رفضتي تسافري معايا و خالص انا هفضل هنا في مصر على طول و مش هرجع لندن تاني و انا عايز احس بحضنك أنا عايزك معايا يا أمي عارفة زمان لما ابويا مات حسيت ان ضهري انكسر
رغم ان الناس كانوا بيقولوا انه كان شاب طايش
و قتل الراجل اللي أمه و رغم دخول ابويا السجن و حتى لو كان وحش لكنه ابويا و وجعي على موته كسرني
و للأسف جيه جواز حضرتك و كمل على جوايا يمكن علشان كدا سبت مصر من غير ما افكر أنا مش بحسبك
و الله العظيم انا بس خايف يا ماما خايف يجي يوم و ابني او بنتي يبعدوا عني و ينسوا اني ابويا
و الدنيا علمتني انه كله سلف و دين و انا مش عايز تبعدي تاني عني لان والله العظيم محتاج حضنك اوي انتي امي حتى لو مرات عمي ربتني و كبرتني فأنا دايما هبقي محتاجك انتي
تحدثت الهام بدموع و حزن
-حقك عليا يا يوسف انت و نيران دفعتوا تمن شري انا و أيوب الله يرحمه بس انا أنا أسفة
ابتسم يوسف بمرح قائلا
متعتذريش يا أمي ياله هعدي عليك بعد الشغل و هتيجي معايا في حفظ الله
ردت الهام بلهفة
-في حفظ الله يا حبيبي
خرج من المطبخ و هو يحمل صنية الطعام قائلا بصوت عالي نسبيا
-ايمان ايمان ياله قومي
فتحت عينيها بتثاقل قائلة بنعاس
-في ايه يا يوسف سبني انام شوية
جلش جوارها قائلا بحنان
-طب قومي نفطر سوا و ارجعي نامي يعني ميرضكيش اروح الشغل من غير ما اكل
نهضت بكسل قائلة
-ليه عملت انت الفطار كنت صحيني
لم يستطيع الرد و هو يضحك بخفة
نظرت له فكان شعرها مشعث حولها بفوضوية و أسفل عيونها باهت
ليقول اخيرا
-يالة يا ايمان ناكل دا انتي هتنامي و احنا قاعدين سوا
بعد مرور اسبوعين
كانت الأمور هادئة جدا
صالح برفقة زوجته و ابناءه
على يعمل في مصنعه الخاص و حبيبة تتابع دراستها في كلية الحقوق
سافر باسل برفقة نور الي الغرفة
قام يوسف بشراء المنزل المجاور له لأجل والدته التي حاولت التقرب من ايمان و الاعتناء بها لتشعر حياء بالارتياح عندم علمت بذلك فقد كانت تشعر بالتوجس و القلق نحوها
اما بيلا و عمر فقد اختفا تمام بعد حفل زفافهم و سافر الي الخارج ليقضا وقتها دون ازعاج احد لهم
في منزل آل الشهاوي
كان جلال يقوم بتعبئة حقائب السفر وضع ثيابه بعناية و حرص و هو يختار الملابس الشتوية الثقيلة
دلفت حياء الي الغرفة ناظرة له بدهشة مما يفعل اقتربت منه و هي تنظر للحقيبة قائلة
-جلال انت بتعمل ايه هو انت مسافر
استدار لها قائلا بمراوغة ذكورية
-مسافرين الطيارة كمان خمس ساعات ياله تعالي بينا جهزي شنطتك
فغرت شفتيها من شدة الصدمة و بندقيتان عيناه اللامعة تتابعه و هو يتجة نحو خزانة الثياب ليخرج منها ملابسه
سألته مرة أخرى بتوجس و شك
-جلال هو انت قلت ايه مين مسافرين معليش انا مش هسافر في حتة و بعدين انا مش هسيب ايمان دلوقتي خالص اوكي
رفع رأسه مصوبا نظره ظهرت ابتسامته الخبيثة واضعا يده في جيب بنطاله الأسود و هو يقترب منها بتمهل و خبث حتى وقف أمامها انحني قليلا ليهمس بنبرة خافته
-هتجهزي شنطتك بالتي هي أحسن و لا تحبي اقفل الباب و اكتب عليه ممنوع الازعاج و كل اللي يعدي دماغه تاخده للمكان اللي يريحهم
توسعت عيناها قائلة بصراخ
-انت بتهددني يا ابن الشهاوي
هز كتفه مداعيا البراءة و هو يتجة نحو المرآه
-أنا برضو اهددك يا حبيبتي و بعدين فين التهديد في كلامي
زفرت حياء بحرارة و غضب قائلة
-ما انت اللي بتقول هتقفل باب الشقة و تحط
-هنتزفت نسافر فين
أبتسم قائلا ببرود خارجي
-هاتي الباسبور بتاعتك وجهزي شنطتك يا حياء ياله
ربعت يديها أمام صدرها برفض و ظلت تنظر له و هو يكمل بلامبالة
زفرت بحدة و هي تتجة نحو الحمام ثم عادت بعد لحظات لتقوم بتجهيز حقائب السفر حتى مر اكثر من ساعة و نصف و قد انهت من تجهيز كل شي
و دون وداع او اي كلمة خرج الاثنان من منزل الشهاوي متجهين نحو المطار
في المطار
جلست حياء على ذلك المقعد و قد انفجر الغضب بداخلها
-ممكن اعرف ازاي تعمل كدا يا جلال طب على الاقل كنا نقول للولاد لكن فجأة كدا نمشي لا و الله العظيم في حاجة غلط
-حياء هو انتي مبتزهقيش من الكلام و لا القاعدة مع شهد خليتك رغاية بس بقى زهقتيني من ساعة من خرجنا من البيت و هو نفس السؤال ياستي و الله العظيم انا قلت لصالح و إيمان اننا مسافرين اسكتي بقى
لوا شفتيها من ناحية واحدة دليل على عدم رضاها ليتابع جلال بجدية و وقار
-حياء اظبطي الحجاب يا حبيبتي
رفعت بصرها لتجده يقترب و هو يضبط حجابها قائلا
-ياله بينا
اتجهت معه نحو بوابة الصعود رقم
للطائرة المتجهة إلى فرنسا.
جلست في مقعدها جواره، وهي تتأكد من حزام الأمان حولها بعناية، قائلة بحيرة:
- اشمعنى فرنسا...
- لما نوصل هتعرفي...
تباطأت ذراعه وهي تستند على كتفه، قائلة:
- ماشي، لما نبقى نوصل ابقى صارحيني، لأني عايزة أنام.
أغمضت عينيها دون انتظار رده، ليبتسم وهو ينزل قليلاً على الكرسي حتى يصبح في مستواها، لكي لا تؤلمها رقبتها.
مرت عدة ساعات في الطائرة حتى وصلا لوجهتهما.
هبطت الطائرة في مطار باريس.
هبط الركاب وتمت الإجراءات القانونية، مر حوالي ساعة ونصف حتى خرج من المطار.
توقفت سيارة خارج المطار، ليقوم جلال بفتح الباب لها قائلاً بجدية:
- من غير أسئلة، اتفضلي اركبي...
عضت حياء على شفتيها من شدة الغيظ وهي تصعد للسيارة، ليصعد هو الآخر بجوارها، قائلاً للسائق، والذي يبدو أنهم على معرفة وطيدة به وكأنه عربي:
- اتحرك يا موسى...
أومأ له بالموافقة وهو يدير محرك السيارة، مغادراً المكان في طريق طويل خارج باريس، حيث مدينة تروا.
كان الطريق طويلاً والوقت متأخراً من الليل، جعلها تغفى على كتفه دون إدراك منها.
نظر جلال للطريق من زجاج السيارة، حيث يتساقط الثلج في تلك الأجواء الشتوية.
عانق كتفها بذراعه، جاذباً إياها بقوة نحوه.
مرت نصف ساعة أخرى.
حتى توقف السائق أمام منزل يبدو قديماً، مظلماً حالك.
ترجل من السيارة ببطء حتى لا يزعجها، ثم قام بحملها متوجهاً لداخل ذلك المنزل، بينما كان موسى يفتح له الباب، ليدخل جلال صاعداً على السلالم حتى يصل للدور الثاني.
وضعها في الفراش، لتنطلق همهمات ناعسة وهي تتقلب على الفراش. ابتسم وهو يجذب الغطاء عليها، وانامله تمتد لخمارها الأزرق يقوم بفكه، واضعاً إياه جانباً.
تأكد من انغماسها في نوم عميق، ليخرج من الغرفة مغلقاً الباب خلفه.
نزل مرة أخرى ليجد موسى يضع الحقائب في بهو المنزل، قائلاً بجدية:
- تؤمرني بحاجة تانية يا باشا. بشمهندس أحمد طلب مني أفضل مع حضرتك لو احتجت أي حاجة. وبيقولك البيت لو محتاج أي تعديل هو موجود، رن عليه بس...
أضاء جلال الأنوار وهو يتفحص المنزل بعناية، قائلاً وهو يقف أمامه مرة أخرى:
- لا يا موسى، تسلم، مش محتاج حاجة. خد دا حسابك...
وضع ظرفاً في يديه، ليحاول موسى رده برفض:
- انت بتقول إيه يا جلال بيه؟ مفيش بينا الكلام دا. وبعدين فلوس إيه، خيرك سابق.
تمتم جلال قائلاً بصرامة:
- دا حسابك يا موسى. ويالا بقى، متتعبش قلبي، ربنا يرزقك.
ابتسم موسى وهو يأخذ منه الأموال، قائلاً:
- ربنا يزيدك يا حج، ويعمر بيتك...
آمن جلال على حديثه، في حين غادر الآخر.
أخذ يسير في أرجاء المنزل، ناظراً لكل ركن فيه. منزل بسيط جداً، ريفي إلى حد كبير.
به الكثير من الصور الخاصة.
لـ حياء ووالدتها شغف الحسيني قبل سنوات كثيرة.
وقف ينظر من الشرفة إلى تلك المزرعة الصغيرة أمام المنزل، متذكراً حديثها الدائم فيما مضى.
عن والدتها وتلك المزرعة، والحمل الصغير التي أطلقت عليه اسم بيلو، وذلك المدعو الخواجة أندريه.
متذكراً لمعة الشغف في عينيها حين تتحدث عن حياتها في فرنسا وجامعتها وأصدقائها، كل شيء.
دلف لداخل الصالون، جلس على الأريكة مستنداً بظهره، مريحاً رأسه للخلف حتى غفا.
وبدأت الذكريات تراوده عقله.
أسوأ الذكريات مختلطة بأجملها، وكيف مرت السنوات وترعرع العشق بينهما.
لطالما تمنى أن يحيى في أسرة دافئة، لطالما وجدها حين رأى حياء، تلك الحبيبة الغالية.
في صباح اليوم التالي.
فتحت حياء عينيها وهي تتقلب في الفراش بانزعاج.
جلست على الفراش ومازالت عيناها شبه مفتوحتين، قائلة بنوم:
- جلال...
بدأت أن تفيق وتستوعب أنها تنام بمفردها في تلك الغرفة.
نهضت وهي تنظر لكل ركن حولها بدقة، لكن شعرت بألم حاد في قلبها، تشعر وكأنها...
وكأنها عادت بالزمن للوراء عدة سنوات. تلك الغرفة تشبه غرفة والدتها القديمة.
نظرت بجوارها لتجد صورتها برفقة أمها موضوعة على أحد أرفف المكتبة الصغيرة في أحد الزوايا.
بلعت حياء ما بحلقها، بينما تجمعت الدموع في مقلتيها، وهي تلتقط تلك الصورة التي تظهر فيها كم المشاعر الجميلة بينها وبين شغف، فقد كانت تحتضنها مقبلة وجنتها، والابتسامة تزين ثغرها.
اتجهت نحو شرفة المنزل ومازالت تحتضن صورة والدتها بقوة.
بيدين مرتعشتين فتحت ذلك الباب أمامها.
أخذت نفساً عميقاً وهي تنظر للمراعي الخضراء، فهي منطقة ريفية يغطيها القليل من الثلوج.
لكن تبدو في غاية الجمال.
انسابت دموعها دون انتباه، تشعر وكأنها بحلم أخذها للماضي، حيث كانت تلك الفتاة المشاكسة التي تقضي كامل وقتها برفقة والدتها.
لطالما كانت أمها هي صديقتها وحبيبتها الوحيدة، بينما كانت حياء هي معجزة شغف.
جاءت شغف قبل سنوات طويلة جداً إلى ذلك المكان برفقة طفلتها حياء.
جاءت وحيدة ومكسورة من الحب.
حبها لشريف كان يؤلمها حقاً.
لم يكن لديها أي شخص سوى ابنتها المدللة حياء، فكانت لها معجزة.
معجزة جعلتها تتمسك بالحياة لأجلها فقط.
هبطت دموع حياء وهي تخرج من الغرفة وتهبط السلالم، وحقاً تشعر بأنه حلم.
هي مؤمنة الآن أنها حقاً بداخل حلمها، حيث تعود لها ذكرياتها إلى كل ركن في منزلها.
حيث...
في ذلك الركن تقف تمزح مع والدتها، وفي تلك الزاوية يتعالى صراخها بينما تسرق الطعام من المطبخ، وخلفها شغف تصرخ بها.
خرج جلال من المطبخ وهو يحمل بين يده فنجان قهوة صنعه لنفسه بعد أن استيقظ قبل ربع ساعة تقريباً.
ظل ينظر لها بصمت، بينما تنساب دموعها، هل حقاً هي بالواقع الآن وأمامه.
ابتسم جلال قاطعاً الصمت:
- إيه رأيك في المف...
لم يكمل جملته، في حين ركضت إليه بقوة لتندس بين ذراعيه، منتحبة بشهقات عالية:
- دا مش حلم فعلاً... أنا في بيت أمي صح؟ انت اللي عملت كدا.
ابتسم وهو يضع ذلك الكوب على الرخام الأبيض بجواره، مشدداً من احتضانها قائلاً:
- حسيت إنها وحشاكي أوي، وملقتش طريقة تانية غير دي. البيت حصل فيه تعديلات كتير بعد ما بعتوه، لكن أنا اشتريته من كم سنة وقررت أرجعه زي الأول، وإنتي ورتيني كل ركن في البيت كان عامل إزاي بالصور القديمة اللي معاكي. جايز حاجات كتير اتغيرت، بس يمكن الذكريات لسه موجودة في قلبك يا حياء.
- ليه عملت كدا؟ كان ممكن تعدي الموضوع عادي. ليه جيتني تاني لحد هنا؟
ابتسم رافعاً إصبعه مشيراً نحو قلبها قائلاً:
- علشان دا. دا بقاله مدة طويلة زعلان. أوعي تكوني فاكرة إني مش فاهم إنك مشتاقة لوالدتك. أنا كمان يا حياء أمي وأبويا وحشوني أوي، وكمان جمال وأيوب. بس الفرق إن كل دول لما بيوحشوني بلقى ذكرياتنا في نفس المكان اللي أنا فيه.
إنما إنتي ذكرياتك كلها هنا. وبعدين أنا عمري ما خرجت من مصر، فقررت نغير جو، ولو لمرة...
صحيح، مش ناوية تفرجيني على المدينة؟ بيقولوا إن تروا فيها أماكن حلوة جداً.
وأنا ياستي واخد شهر كامل إجازة، إحنا بقالنا كتير أوي مروحناش أي مكان مختلف.
ردت بحماس غريب وسعادة:
- طبعاً هفرجك على كل مكان موجود هنا، بس أكيد في حاجات كتير اتغيرت. جلال شكراً. شكراً، لأن بجد حياتي وطفولتي وأيام المراهقة والكلية وكل أيامي مع أمي كانت هنا...
ابتسم مقبلاً أعلى رأسها قائلاً:
- كل ما يوحشوكي غمضي عيونك وحطي إيديك على قلبك، وقتها مش هتحتاجي تسافري لأي مكان، لأنهم موجودين في قلبك يا حياء.
- وإنت ساكن جواه يا جلال... ربنا يحفظك ليا. لو ليا أمنية واحدة في الدنيا هتمني إن ربنا يجمعنا على خير دنيا وآخرة...
زفر بحرارة قائلاً بهدوء حانٍ:
- إن شاء الله خير... إن شاء الله.
مرت الأيام والشهور.
وجميع أبطالنا يجمع بينهما الود والحب.
بعد مرور سنة ونصف.
في منزل عمر.
وقفت بيلا أمام المرأة تعدل من وضع حجابها الأزرق الناعم، حيث كانت تبدو في غاية الرقي والأناقة.
وضعت الدبوس الأخير في حجابها لتبتسم بسعادة وهي تصفق.
بكفيها وشعور السعادة يغمرها بقوة.
دلفت زينب إلى الغرفة بسرعة وحماس وهي تفتح الباب مسرعة:
- ماما...
انتفضت بيلا بذعر وهي تستدير نحوها قائلة بخوف:
- في إيه يا زينب؟ حد يخض حد كدا.
دلفت زينب إلى الغرفة وهي ترفع شعرها ذيل حصان بطريقة فوضوية قائلة بخفوت:
- بابا اتصل وبيقول مش لازم نتأخر، الساعة ستة هيعدي علينا ياخدنا.
جلست بيلا على الفراش بتوتر قائلة بخفوت:
- أنا متوترة. فكرة إني المفروض هبقى في أول معرض ليا، وفيه صحفيين، وفيه كمان الناس هيبقوا كتير. خايفة أوي.
جلست زينب بجوارها وهي تبتسم بسعادة:
- ماما، على فكرة انتي شاطرة أوي أوي كمان. وكل التحف اللي هتقدميها في المعرض رقيقة شبهك.
ومميزة لأنها معموله بحب من جواكي يا حبيبتي، ودا الأهم. انتي قدمتي فيها كل حاجة حلوة، لازم تثقي في نفسك. متنسيش إنك بيلا سالم الدمنهوري، بنت سالم الدمنهوري، يعني زي ما حكيت ليا الثقة بالنفس مبدأك. ثانياً بقى، إحنا كلنا معاكي.
أنا وداليد ونور، وماما حياء كمان هتيجي، وصالح وبابا، وكل اللي بيحبوا هيكونوا موجودين، يعني كلنا في ضهرك.
ابتسمت بيلا وأخذت نفساً عميقاً ببطء، مريحة أعصابها المشدودة، قائلة بجدية:
- وإن شاء الله خير.
- بالظبط كدا. إن شاء الله خير يا حبيبتي. يالا أنا هروح للولاد علشان سايبهم مع داليد. صالح هيخلص شغل ويجيلنا على هنا... يالا اجهزي...
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها. سمعت رنين هاتفها لتخرجه من جيب بنطالها المنزلي. ابتسمت وهي ترى اسمه.
كان يجلس على مكتبه في الوكالة، يتابع العمال وهم ينقلون القماش إلى داخل الوكالة، ليقول بابتسامة عاشقة:
- وحشتيني...
ردت بدلال وتغنج من الجهة الأخرى مغمغمة:
- وأنت كمان. وحشتني أوي. صحيح بابا هيكون هنا الساعة سبعة وهيأخدنا، فأنت هتكون موجود، ولا أروح معاه؟
نهض عن كرسيه واضعاً يديه في جيب بنطاله قائلاً بجدية:
- لا، استنوني. أنا مش هتأخر، ستة وربع هكون عندكم.
الولاد عاملين إيه؟
جلست زينب على الأرض بجوار داليد، التي غمزت لها بشقاوة، لتضحك الأخرى بخفة قائلة:
- بخير الحمد لله.
رددت حياء، التي كانت تحبي نحو زينب:
- آبا، آبا.
ابتسمت زينب وهي تحتضنها قائلة بسعادة:
- حياء عايزة تكلمك يا سيدي.
اتسعت ابتسامتها في حين أمسكت الصغيرة الهاتف مغمغمة ببعض الكلمات غير المفهومة.
ضحك صالح بخفة قائلاً:
- وأنتي كمان وحشاني أوي أوي أوي. مش هتأخر.
ضحكت حياء بطريقة طفولية وهي تترك زينب متجهة نحو يونس النائم. تحبي بتعثر أحياناً وتقف وأحياناً تقع.
عقدت زينب ما بين حاجبيها قائلة:
- وأنت إيش عرفك إنها بتسأل؟ أنت هتيجي إمتى...
رد صالح بثقة قائلاً:
- دي حاجة بيني وبيني بنتي يا ماما. حاجات كبار بس.
- والله.
رد صالح بابتسامة:
- والله.
ضحكت بخفة قائلة:
- طب اقفل بقى لأني مشغولة. سلام....
بعد عدة ساعات.
دَلفت بيلا برفقة عمر وصالح وزينب وداليد إلى داخل المعرض.
مرت دقائق وكان هناك الكثير من الأشخاص متوافدين للداخل يتفحصون تلك القطع الخزفية المصنوعة بمهارة وجودة عالية.
وهناك أيضاً بعض الأشخاص من الصحافة.
كانت بيلا تتحدث مع امرأة تتحدث عن مهارتها في العمل لتقول المرأة بحماس:
- بس يا مدام بيلا إزاي يبقى عندك موهبة كبيرة زي دي وتخفيها؟ صدقيني المعرض ده أفضل خطوة أخدتيها لأن عندك دقة عالية جداً في الشغل.
ابتسمت بيلا بلباقة، فهي اليوم الأكثر أناقة ورقي بثوبها الأزرق الطويل وحجابها الفضي، والأهم ثقتها بنفسها:
- حضرتك أنا بقالي كتير بعيدة عن المجال ده ومن سنة واحدة قدرت أرجع له، والفضل يرجع لعيلتي ودعمهم ليا.
ابتسمت المرأة قائلة بفخر:
- وأنا متأكدة إن حضرتك هتقدري تنجحي جداً لأن شغلك بيقول إن جواكي لمسات رقيقة جداً قادرة تحطيها في شغلك، وإن شاء الله ده مش آخر معرض هحضره لحضرتك. أنا اسمي نرمين محسن، صحفية في مجلة.... وصدقيني لازم أكتب عن حضرتك. ممكن نحدد معاد نعمل فيه مقابلة؟ ده لو وقتك يسمح طبعاً.
ردت بيلا بجدية:
- إن شاء الله يا مدام نرمين، وده شرف ليا.
- يبقى هسيب رقمي لحضرتك. وقت ما تحبي أنا موجودة. ومرة تانية اتشرفت بمعرفتك.
- الشرف ليا.
ما إن غادرت نرمين حتى وجدت بيلا من يعانق خصرها بيده قائلاً بابتسامة وهو يميل عليها مقبلاً رأسها وهو يحمل على ذراعه حفيده يونس:
- ألف مبروك يا بيلا. ألف مبروك يا قلبي.
ابتسمت بيلا بسعادة وهي تمسك بيديه قائلة بامتنان:
- شكراً لك أنت يا عمر. حقيقي أنا عمري ما توقعت إني هبقى فرحانة أوي كده. شكراً لوجودك في حياتي. المعرض بينجح وأنا مبسوطة أوي والله العظيم أوي.
رد عمر بغلاظة وخبث ماكر:
- طب اسكتي بقى لأن والله العظيم هتخليني أبوسك وسط الناس دول كلهم.
ضحك يونس بخفة وسعادة وهو لا يعي شيئاً مما يحدث. نظر له عمر قائلاً بفخر:
- والله الواد ده هو اللي فهمني. هات بوسة يا قمر أنت.
هزت بيلا رأسها بتعب وهي تنظر له يدلل حفيده بقبلاته.
ذلك الشقي يبدو وكأنه سيكون نسخة مميزة من جده، لكن بأصول والده وجده جلال الشهاوي.
أقترب منهم صالح بشك وارتياب قائلاً:
- والله ما هيبوظه غير يا حمايا. ممكن تديني ابني لو سمحت.
ابتسم عمر بلباقة وهو يجذب بيلا نحوه ويحتضن يونس قائلاً:
- صالح ده يبقى ابن بنتي، اوكي. يعني أنا أحق واحد بتربيته. وبعدين أنت تطول إني أربي ابنك يا حبيبي؟ دا أنا لما كنت في سنك كان كل البنات بتجري ورايا كده، بس نقول إيه بقى القلب.
رد صالح بحدة وهو يأخذ ابنه:
- يا خويا هو أنا نسيت أقولك؟ أنا عايز ابني يبقى محترم مش صايع زي ناس.
زمجر عمر بحدة قائلاً بعناد كما يفعل صالح:
- تقصد مين يالا؟ أنت فاكر إنك علشان جوز بنتي هسكتلك؟ لا فوق يا بابا، دا أنا بكلمة مني ممكن أخليها تطلب الطلاق منك وأخدها هي والولاد وأبقى قابلني لو شفتهم.
احتدت ملامح صالح قائلاً بتحدي واضح وهو يقترب منه:
- ولا تقدر يا حمايا العزيز. ثم أقترب منه ليهمس بوقاحة قلما يتحدث بها، لكنه يحبذ تلك الطريقة في التحدث مع عمر بالتحديد لإثارة غضبه.
- أصل أنا يا عمي معلم على قلبك بنتك وهي بتموت فيا وتفديني بروحها.
ابتعدت بعدة خطوات للخلف وعلى ثغره ابتسامة خبيثة. عض عمر على شفتيه من شدة الغيظ.
عمر وصالح الاثنان وكأنهم قط وفأر.
اقتربت نور وهي تحمل بيلا قائلة بهمس:
- صالح وأبوكي مش ناوين على خير، والله العظيم حاسة كده إنهم مش طابقين بعض وناقص يطلقك منه بجد. يلهوي يا زينب.
ضحكت زينب بسعادة فهي اعتادت على تلك المشاكسات بينهما:
- لا متقلقيش، هما بس القط مبحبش إلا خناقه وهما الاتنين قط وفأر، بس بابا لو مش واثق إن صالح يستاهل إني أكمل معاه حياتي كان قام بالواجب من أول يوم.
ردت نور بحب قائلة:
- ربنا يسعدك يا زينب، أنت تستاهلي كل خير.
ابتسمت زينب بود قائلة:
- عاملة إيه أنتِ وباسل؟
أخفضت نور رأسها بخجل قائلة بسعادة:
- فرحانة أوي أوي يا زينب. زينب أنا حامل في الشهر التاني.
فغرت زينب شفتيها من الصدمة قائلة بتحذير:
- أنتِ حامل ومقولتليش؟ لا أنا زعلانة منك بجد.
تنهدت نور وهي تستند برأسها على رأس زينب:
- أنا لسه عارفة من يومين يا زينب وصدقيني أنا لسه قايلة لبابا النهاردة الصبح. ولما شفتك قلتلك على طول، بس عارفة أنا حاسة إني فرحانة أوي.
باسل لما عرف فرح أوي أوي يا زينب. عمري ما كنت هحس إني فرحانة كده بعيد عنه، وكمان دلوقتي سيف دخل كلية هندسة وربنا جبر بخاطره، الحمد لله يا زينب ربنا جبر قلوبنا كلنا.
ابتسمت زينب بسعادة قائلة:
- الحمد لله وألف مبروك، ألف مليون مبروك. وعلى فكرة البت داليد متقدم لها عريس وخالي محمود وافق، وواضح كده إنها بتحبه. الظاهر كده الفرح هيدق بابنا يا نور.
ردت نور بحماس:
- يارب.
أقتربت صفا من الفتيات قائلة بسعادة:
- بترغوا في إيه؟
ابتسمت نور قائلة برفق:
- ولا حاجة، كنا بنتكلم عن صالح وعمر. الاتنين دول مش ناوين يجيبوها لبرا.
- فعلاً عندك حق. الاتنين دول مش هيسكتوا أبداً. ياله سبيهم. المهم أنتِ عاملة إيه مع جوزك يا نور؟
ردت نور بجدية قائلة:
- هو أنتِ تعرفي باسل؟
- طبعاً. باسل رجل أعمال شاطر، وفي الفترة الأخيرة محقق إنجازات كتير. واضح إن في شخص بيدعمه. وبعدين أنا بشتغل مع عمر في المجموعة وعارفة مين رجال الأعمال اللي عمر بنفسه بيعمل لهم حساب. وباسل واحد منهم. بس الفترة الأخيرة كانت مختلفة، واهتمامه بالشغل كان واضح جداً هو وأخته زينة.
ردت نور بجدية قائلة:
- الحمد لله إنه بيهتم بشغله كمان، وده شرف ليا يا مدام صفا.
ردت صفا بود قائلة وهي تقترب من زينب:
- بلاش الرسميات. أنا اسمي صفا. على طول اعتبريني اختك الكبيرة أو والدتك لو حابة.
ابتسمت نور وأخذت نفس عميق بثقة قائلة:
- إن شاء الله.
في نفس التوقيت.
دلف باسل إلى داخل المعرض وهو يتألق في حلة سوداء مميزة، ويبدو في غاية الأناقة. مرت أعين الجميع عليه عادية، إلا تلك العيون التي وقع بها. كانت تتحدث برفقة صديقتها المقربة.
اتجه نحو بيلا التي تتحدث مع عمر قائلاً بلباقة:
- ألف مبروك يا مدام بيلا.
ردت بيلا بابتسامة:
- الله يبارك فيك يا بشمهندس. شرفتني.
- الشرف ليا. أهلاً يا عمر بيه.
رد عمر بجدية قائلاً بابتسامة:
- أهلاً يا باسل بيه. نورت المكان. بس تعرف إن جيه في وقته. أنا كنت هحدد معاك وقت نتقابل فيه.
عقد باسل ما بين حاجبيه قائلاً:
- أنا موجود في أي وقت، بس حابب أعرف ليه؟
- شغل طبعاً يا باسل. اسم العلايلي اسم مهم جداً، وكذلك اسم الرشيد. لو حصل بينهم شغل أكيد هيفرق معانا جداً. ولا عندك مانع؟
رد باسل بحماس قائلاً:
- لا طبعاً. شركة عالمية زي شركة الرشيد شرف ليا إني أشتغل معاها. بالعكس دي هتكون صفقة الموسم.
ابتسم عمر وهو يمد يده مصافحاً إياه قائلاً:
- إن شاء الله. وأنا واثق فيك وإنك ذكي.
بادله باسل البسمة بسعادة قبل أن يغادر متوجهاً نحو نور التي تقف برفقة داليد.
- مساء الخير.
ابتسمت نور وداليد لتقول داليد:
- مساء الورد. خالص يا نور على مكالمات بقى.
أومأت له نور ناظرة لباسل ليقول بصرامة:
- أنتِ مش هتبطلي العادة الزفت دي. هو أنا مش قلتلك خليكِ وأنا هاجي آخدك ونيجي سوا، ولا أنتِ بتموتي في العناد معايا؟
ردت بحماس وسعادة قائلة:
- والله زينب هي اللي كلمتني. وبعدين لقيت داليدة جت البيت وأخدتني وجينا. وبعدين أنت قلت هتتأخر، أعمل إيه.
مكنش ينفع أسيب بيلا وزينب.
- طب انتي كويسة ولا تحبي نمشي لو حاسة إنك تعبانة ممكن نروح؟
ابتسمت وهي تمرر يديها بحنان على ذقنه قائلة:
- أنا كويسة يا حبيبي متقلقش عليا.
طبع قبلة طويلة على جبينها بحنان قائلاً:
- ماما وبابا عايزيننا بكرة نقضي اليوم معاهم.
- أوكي بس المهم انت تفضي شوية من وقتك... لينا لأن انت بتقضي وقت طويل في الشغل.
- معلش يا نور والله الشغل الفترة دي كتير عليا وبعدين أنا طلبت من زينة تاخد إجازة فترة عشان ابنها وجوزها.
- عندك حق لازم تدي بيتها وقتها.
رد بوقاحة وخبث قائلاً:
- طب إيه ما تدينا شوية من وقتك يا شبح.
لكزته نور في كتفه بغضب قائلة:
- مش هتبطل قلة أدب عمرك يا باسل؟ يا خوفي تكون بتلعب بديلك من ورايا.
ضحك بصخب قائلاً بمراوغة ذكورية:
- لا يا عمري أنا تبت عن الصنف كله إلا انتي طبعاً دي حتى تبقى قلة أدب مني وأنا الصراحة بحب أدي كل حاجة حقها....
غمغمت بكلمات غير مسموعة وكأنها تسبه في سرها لكن شهقت بقوة وهو يضغط على خصرها.
- احترمي نفسك سامعك....
وضعت يديها على فمها وهي تكظم غيظها بصعوبة....
في منزل يوسف، في منتصف الليل.
كان يوسف يجلس بجوار ابنه آدم الذي يبلغ من العمر تسعة أشهر.
بينما تنام إيمان بارهاق، فهي منذ ولادته وهي تقضي وقتها بالكامل معه.
وأصبح تواجده معها وحدهما أمر مستحيل في وجود ابنه.
فمجرد أن يقترب منه أو يحاول مشاكساتها يصدح بكاء الطفل.
وضع يوسف يديه أسفل ذقنه قائلاً بنبرة حزينة أشبه للبكاء:
- يا ابني هو حد مسلطك عليا؟ مبقتش عارف ألم عليها وأنت بقيت الكل في الكل؟ والله شكلنا اتسرعنا في موضوع الخلفه دا؟ طب انت يعني بالع راديو مشغلها طول الوقت على العياط؟
طب أنا عايز أنام إيه هتفضل تعيط كتير؟ أمك تعبانة وأنا عندي شغل الصبح.
نظر للصغير بغيظ قائلاً وكأنه يفهم ما يقوله:
- شكلك مش هترتاح إلا لما أترفد والله وساعتها نبقى نشحت بيك.
ضحك بقلة حيلة وهو ينهض يحمل آدم بين يديه برفق وحنان بالغ قائلاً:
- خالص يا حبيبي بقى حقك عليا بس بطل عياط؟ طب أنت جعان مثلاً شكلك جعان يالا؟ أمري لله يالا بينا هاكلك.
بس وربى لما تكبري؟ بقا أنا يوسف الصاوي عيل زيك يعمل فيا كدا.
اتجه نحو المطبخ وهو يحمل الصغير بين ذراعيه.
فتح الثلاجة ليخرج عبوة من الحليب. أشعل الموقد ليقوم بتدفئة القليل لأجله.
لكن أصدر عدة أصوات أثناء ذلك لتستيقظ إيمان بانزعاج.
دَلفت إلى المطبخ ليجده يجلس على كرسي السفرة يطعم ابنهما. ابتسمت بحنان وهي تراه يتحدث معه وكأنه شخص بالغ.
- بتعمل إيه يا يوسف وإيه الصوت دا؟
رد بابتسامة خافتة قائلاً:
- الأستاذ كان بيعيط وعايز ياكل، قلت أدفي له لبن بس هو بسم الله ما شاء الله الشهية عنده مفتوحة....
ردت إيمان بضيق قائلة:
- بالهنا والشفا يا يوسف أنت بتعد عليه اللي بياكله.
ضحك يوسف بسخرية قائلاً:
- أعد عليه إيه يا هبلة دا ابني وبعدين يا ماما أنا وهو بينا أسرار كتير انتي متعرفيش عنها حاجة عشان كدا متتدخليش بينا وبعدين إيه اللي صحاكي؟
- المهم إني صحيت هاتيه وادخل نام أنت عندك شغل بدري.
رد يوسف بابتسامة حانية قائلاً:
- يا ستي هو أنا اشتكيت لك؟ ادخلي نامي انتي بقالك كتير بتسهري معاه وبعدين طالما أكل هينام متقلقيش باله ادخلي نامي انتي لسه تعبانة.
أخذت نفس عميق قائلة بابتسامة:
- بس أنا كويسة دلوقتي الحمد لله.
- يبقى لازم ترتاحي يالا خلينا ننام وهو خالص سكت يالا يا حبيبي.
في اليوم التالي في قاعة المحكمة.
جلس علي يتابع حبيبة وهي تترافع عن أول قضية لها بعد أن تخرجت من كلية الحقوق، دعمها لي أن وصلت إلى تلك المرحلة في حياتها وتخطي كل ما مضى.
تخطت الكثير من الألم لتكمل معه حياتها.
كانت كلما توترت تنظر له لتجده يبتسم وكأنه يشجعها على الاسترسال في مرفعتها.
بعد أن انتهت الجلسة.
ركضت نحوه لتقول بتسرع:
- نسيت حاجة؟
ابتسم علي قائلاً بجدية:
- لا يا حبيبتي كنتي كويسة جداً؟ وبعدين انتي قلقانة ليه؟ طول ما بتترفعي عن الحق يبقى اوعي تخافي فاهمة.
أومأت له بجدية ليقول:
- بقولك إيه رأيك أعزمك على طبق كشري ونقعد ناكل على البحر ويا ستي بوشكاش بيضحي هعزمك على أحلى طبق حلويات لحلويات حياتي.
ردت حبيبة بسعادة قائلة:
- شكراً يا علي لأنك معايا لحد النهاردة ولأنك سامحتني على كل اللي فات ولأنك رعيت ربنا فيا وعمرك ما عيرتني إني أذيتك وبعدت.
أخذ نفس قائلاً بجدية:
- أنسي اللي فات لأن اللي فات كان مؤذي أوي يا حبيبة والحمد لله وصلنا للنهاية واحنا سوا وكفاية إنك دلوقتي بتحققي حلمك وربنا كرمني وفتحت المصنع وكبر؟ الحمد لله يا حبيبة.
سألت حبيبة بخبث قائلة:
- طب مش متضايق إن فات أكتر من سنتين من غير أطفال.
رد علي ببساطة متمتماً بهدوء:
- دي حاجة بأيد ربنا وقت ما يأذن هيحصل يا حبيبة وإن شاء الله اللي جاي هيكون خير.
ردت نور بابتسامة وهي تمسك يده:
- طب لو قلتلك إني حامل و إن ربنا أذن يا علي.
لم يستطع التحدث و لمعت عيناه بالدموع وهو يحتضنها دون الالتفات لمن حوله. قالت من بين دموعها بسعادة:
- أنا عايزة يكون زيك في طيبة قلبك يا علي.
غمغم علي بهمس قائلاً بلهفة:
- وأنا عايز بنت لا مش بنت واحدة عايز اتنين يكونوا زيك؟ عايز أعلمهم حاجات كتير ونكون معاهم سوا ونلعب كتير ونعوضهم سوا عن الحاجات اللي إحنا اتحرمنا منها؟ وهنشتري لعب كتير وهندخلوا مدارس كويسة وهنكون معاهم في كل حاجة.
أومأت له بالإيجاب و هي تمسح دموعها قائلة برفق:
- أنا بحبك أوي يا علي.
- وأنا بموت فيكي يا قلبي وروح علي.
اكتفت بتلك الابتسامة التي زينت وجهها وهي تحمد الله كثيراً على تلك البداية في قصتهم.
بعد شهرين (في شهر رمضان المبارك).
في ساحة منزل آل الشهاوي.
كانت هناك مائدة كبيرة جداً في تلك الساحة الواسعة.
الجميع يعملون على قدم وساق بجدية مع اقتراب موعد الأذان.
وضعت (عائشة) ابنة جمال الصينية على المائدة قائلة بصوت عالي نسبياً:
- زينب لو سمحتي هاتي العصير معاكي لأن المغرب هياذن.
خرجت حبيبة برفقة بيلا ونور وكل واحدة تحمل صنف معين من الطعام لتكتمل تلك السفرة بأشهى الواجبات.
سألت نور بجوع قائلة:
- هو فاضل كتير على المغرب أنا جوعت.
ردت حياء بصرامة قائلة:
- الصراحة أنا كنت فاكرة إنك هتفطري يا نور انتي حامل على فكرة.
ردت نور بجدية قائلة:
- والله باسل اتخانق معايا عشان بصوم وبخلي الدوا بعد الفطار بيقول إن دا غلط بس والله أنا كويسة يا جماعة ولما بتعب بفطر.
لوت شهد (أخت حياء) شفتيها قائلة بغيظ:
- على فكرة وشك أصفر وكده هتتعبي.
دلف إلى المنزل.
جلال برفقة عمر ومنصور حيث كانا يتحدثان بمرح وقد نشأت بينهم صداقة منذ فترة طويلة.
وخلفهم صالح، باسل، علي ويوسف.
بعد أن قام جلال بدعوة الجميع للإفطار في منزل الشهاوي.
رد جلال ملقياً السلام على الجميع لترد عليه الفتيات.
جلس على السفرة وعلى جواره الشباب من ناحية في مقابلتهم زوجاتهم.
ابتسم جلال قائلاً برفق:
- عائشة منورة يا بنت الغالي.
ابتسمت عائشة بحب قائلة:
- بنورك يا عمي.
لاحت على محياه ابتسامة حزينة وهو يقرأ الفاتحة على روح صديقه.
في نفس توقيت أذان المغرب.
لتقول بيلا بود:
- يالا يا جماعة بسم الله.
خرجت زينب من الداخل برفقة صالح وهم يتحدثون بسعادة مع أطفالهم.
غمغمت حياء قائلة:
- يالا يا ولاد المغرب بياذن.
نظر صالح لزوجته وأطفاله ثم همس بداخله بالحمد لله.
كانت سفرة مليئة بالحب والونس والصداقة.
الحب الذي جمع بين أبطالنا.
شهر رمضان وتلك الروح المبهجة التي تنشر السلام في القلوب.