تحميل رواية «اطفت شعلة تمردها» PDF
بقلم دعاء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في يوم عيد الفطر المبارك، حيث البهجة على كل الأمة الإسلامية. في بيت جلال الشهاوي، كانت حياء واقفة في المطبخ بتجهز الفطار على ما جلال وصالح يرجعوا من صلاة العيد. ابتسمت بسعادة. دلوقتي ولادها عندهم خمسة وعشرين سنة. ما حصلش حمل تاني بعد ما خلفت إيمان. هما ما كانوش عايزين أكتر من كده، بنت وولد زي القمر. ابتسمت بهدوء وهي بتفكر في معاملة جلال ليها طول السنين دي، وإزاي خلاها أسعد إنسانة على وش الكون بحاجات بسيطة، كلمة طيبة. فتحت شباك المطبخ وبصت للبحر من بعيد. غمضت عينيها وهي بتستقبل نسمات الهواء الخفي...
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم دعاء احمد
شعور السعادة.. هو الإحساس اللي يغمرك فجأة بدون سابق إنذار فتصبح مذبذب بداخلك.
يطوف في ذهنك السؤال المتردد..
هل ستدوم السعادة دي؟ أم إنها مجرد محطة قصيرة لقيتها بس عشان تستريح من عناء الطريق الشاق؟
وهتكمل الرحلة على أي حال؟
فتحت عينيها بتثاقل وتعب. حركت راسها يمين وشمال بفزع.. لتلاقي نفسها على فراش ناعم الملمس وشاسع.. خرجت شهقة مكتومة وهي تجذب الغطاء على جسدها بارتباك.. توغل الذعر في عينيها ثم فتحت عينيها المرة دي برعب وهي تنظر لمن ينام بجوارها متسطح على بطنه ورايح في سبات عميق.
بيرتدي برمودا قصيرة.
جزءه العلوي عاري بظهر ممشوق وصلب وذراع ضخمة مليانة بالعضلات القوية.
بلعت ريقها وهي تتأمل قسمات وجهه الوسيمة وهيئته الجذابة. نايم كده مسالم للحياة بما فيها.
لاحت بسمة خجل على وشها وسط تأملها الهائم للراجل الوسيم ده.. لحظات امبارح بتلوح على ذاكرتها، كان مراوغ عابث.
مبعثر لمشاعر الأنثى اللي جواها.
همست لنفسها بارتباك ممزوج بخجل:
"إزاي سمحت له يقرب بالشكل ده.. أنا.. أنا لازم أقوم حالا.."
نظرت حواليها بارتباك لعلها تلاقي حاجة تلبسها، لكنها لقيت المئزر ده ملقي على الأرض.
أخذته بدون تفكير، لبسته وهي تحكم رباطه كويس.
كانت تنظر لصالح النايم في ملكوت تاني.. لاحت على شفتيها البسمة دي.
اتجهت نحو الدولاب وقفت محتارة وهي تنظر للملابس القصيرة والفساتين القصيرة جدا اللي فيه.
استدارت تنظر له بغضب وغيظ وهي تربط يديها قدام صدرها لما تذكرت كلامه:
"الملابس دي ذوقه الخاص."
زمّت شفتيها باستياء، بتلوم نفسها:
"غبية.. غبية يا زينب، متوقعة منه إيه يعني، واحد قليل الأدب."
نظرت تاني للدولاب، أخذت فستان.
خرجت من الحمام بعد شوية بفستان أبيض مزين ببعض اللمسات الذهبية.
متلألئ وجذاب.. بيلتف على جسدها بحياء، قصير شوية..
بالكاد بيوصل لقبل ركبتيها بشوية.
كان شعرها مبلل ووشها ناضر وبراق.. شفتيها حمراء.. حمرة صارخة أثر عبثه بعد اقتحامه لها امبارح.
تقدمت من صالح بحرج وهي تنادي عليه برفق:
"صالح.. قوم يلا بقى كفاية نوم.. صالح."
فتح عينيه بانزعاج، فظهرت تلك العيون الزيتونية الضارية القاتلة لأي ثبات جواها.
تردد صوتها وهي تضع يدها على كتفه بحنان:
"يالا قوم.."
اعتدل في جلسته ودعك في عينيه متسائلاً بنبرة ناعسة:
"صباح الخير يا زينب.. الساعة كام؟"
زينب بفتور:
"صباح النور.. الساعة عشرة ونص.. أنا هنزل أحضر الفطار.."
كانت هتنهض من مكانها، لكنه مسك إيديها ليجذبها بسرعة له قائلاً بخبث:
"رايحة فين؟ إحنا مش بنتكلم؟"
نظرت له بخجل لتجيب بضيق:
"نازلة أحضر الفطار، وبعدين بطل قلة أدب لو سمحت."
مال عليها وهو يطبع عدة قبلات حانية على وجنتها قائلاً بمراوغة:
"اخص عليك يا زبدة.. أنا قليل الأدب برضه.. بس قوليلي هو إيه اللي حصل امبارح، لأني حاسس إني مش فاكر أي حاجة."
حاولت تدفعه بخجل وضيق من أسلوبه الماكر:
"صالح سيبني أقوم.. مينفعش كده.. وبعدين أنا جعانة، سيبني بقى."
كبل خصرها، جعلها تستلقي بجواره.
ضحكت بصدمة، فيها لمحة مرح، وهي تحاول تدفعه.
ظل عليها بهيئته الرجولية اللي بتزعزع كيانها، مذبذب ثباتها أمامه.
"والله يا صالح جعانة، سيبني بقى أنزل وبطل تحرجني."
نظر لها طويلاً يتأملها بهدوء.
سألته زينب بخجل:
"بتبصلي كده ليه؟"
سافرت عيناه على وجهها يخبرها بخفوت:
"إنتي حلوة أوي يا زينب."
ابتسمت بعذوبة وهي تقول برقة:
"بجد ولا بتجبر بخاطري؟"
أكد بنفس الهمس والنظرات:
"بجد حلوة.."
ابتسمت بحماس وهي تلف يديها حول عنقه قائلة بخبث:
"طب إيه أكتر حاجة حلوة فيا؟"
مد يديه يزيح خصلات شعرها عن وجهها وعيناه تأبى ترك سواديتها:
"كل حاجة.. عيونك.. شعرك الطويل.. ابتسامتك.. ملامحك.. كل حاجة فيك."
ابتسمت له بحياء معترفة بدون إدراك، مفصحة عن مشاعر مبعثرة:
"وإنت كمان حلو أوي."
رفع حاجبه بدهشة مصطنعة وهو يسأله بمزاح:
"إيه ده بجد.. أنا حلو؟"
ردت بعفوية:
"آه والله قمر.. ملامحك مش لازقة.. عيونك كل حاجة قمر فيك."
تعثر في ضحكة قوية من ردها السريع والعفوي، فسألها بدهشة:
"إنتي بتعاكسيني ولا إيه؟"
أخبرته وهي تضحك على ضحكته:
"إيه يعني ما إنت بقالك ساعة بتعاكس.."
غمز لها وهو يخبرها بغرور:
"أنا أعاكس بس متعاكسش.. ده أنا صالح برضو."
ردت بغيرة وعفوية:
"وعكست كام واحدة على كده بقى إن شاء الله يا سي صالح؟"
مال عليها ليهمس برفق مذيب لها:
"أنا عكستك إنتي يا زبدة."
لم تستوعب بعد أن أطبق على شفتيها يقبلها بنهم.
لكل قبلة طعم ولكل لمسة معنى.
انتابها الضياع من بين عواصف مشاعره.
في كل لمسة يحاول بشتى الطرق أن يطفي رغبته بها، يكره ذلك الشعور بالضياع والضعف بين يديها.
لكن يبدو أنه حينما اقترب منها شعر وكأنه شرب السحر وقد بدأ المفعول الحقيقي.
ربما لأن الأمر لا يتعلق بالرغبة في الاقتراب منها.. ربما لأن السبب الحقيقي أنه وجد بها.
شيء أقوى.. شيء أقوى بكثير من الرغبة.
هل هو الحب؟
ومتى سيعترف به أو بوجوده؟
نزلت الدرج بخطوات شارده وعقلها لا يستوعب كل ما حدث منذ أتت معه امبارح لتلك الفيلا الفخمة.
تشعر وكأنها فراشة تتمايل بحرية في بستان خاص.
في أرض لم يتم استهلاكها بعد.. قلبها متيم بتلك الأرض، لم تعترف بعد.. فقط تنساب بنعومة بين طيات زهور تلك الأرض.
تلك الأرض هي قلب حبيب تيمها قلبها بعشقه.
ابتسمت وهي تغمض عينيها بسعادة وانتشاء.. ما سر تلك الحلاوة الجميلة معه؟ لم تحلم يوما بتلك المشاعر.. لم ينتابها الشوق لحياة مثل تلك.
الأمر لا يتعلق بالرفاهية على قدر ما يتعلق بصالح نفسه.. زوجها؟
ذلك المراوغ الوسيم القوي.. ذلك الحنون زوجها؟ هذا الذي تشعر به معه.. الكمال وسعادة تغمرها معه زوجها!!
يشعرها بأنوثتها التي أهملتها طوال حياتها في الكفاح لأجل حياة مستقرة على الأقل.
لكن جاء هو ليغمر كل ذرة من مشاعرها..
إلى الآن لا تصدق أنه أصبح زوجها.
هل عليها تكرار تلك العبارة كثيرا؟
حتى تصدق.
أنه زوجها.. يا الله.
صعدت بعد قليل لغرفتهما بعد أن حضرت وجبة الإفطار.
ذلك المكان لا يوجد به أي شخص آخر غيرهما.. لا خدم ولا ضيوف ولا أي شخص سواه.
أخذ حمام دافئ وارتدى طقم مريح، صفف شعره الأسود للخلف.
دلفت للغرفة وهي تحمل تلك الصينية بين يديها لتضعها جانباً.
زينب: "يالا الفطار جاهز.."
أبتسم وهو يجلس على الأريكة لتتركه ثواني ينتظرها إلى أن أتت. جلست بجواره بخجل وحياء رغم كل ما حدث بينهم.
"مش هتفطري ولا إيه؟"
"لا أفطر إنت.. أنا ماليش نفس و..."
قاطعها وهو يضع قطعة من الخبز في فمها قائلاً بلوم وجرأة:
"معقول مكسوفة.. مش معقول بعد كل ده."
رمقته بنظرة حادة غاضبة تبتلع الطعام.. ليضحك بخفوت وهو يتناول طعامه ويختلس النظر لوجهها الغاضب.
زينب بارتباك: "صالح هو.. هو إيه اللي حصل لمليجي في السجن؟ معقول فعلاً مات زي ما بيقولوا؟"
جن جنونه في لحظة لفظ اسم ذلك الحقير:
"مليجي." سحبها بقوة في جلستها المجاورة له لتكون ملصقة به في لحظة.. لاحت بوادر الخوف على ملامحها منه.
"بتسألي عليه بتاع إيه.. انطقي."
انكمش جسدها بارتياع قائلة:
"أنا مقصدتش حاجة أنا بس.. أنا.."
هدر صالح بجزع من بين أسنانه المطبقة عليهم:
"أول وآخر مرة اسمه."
"يتقال على لسانك.. فاهمة."
تركها بعنف وهو ينهض من مكانه إلى أن يقف في الشرفة.
شعرت بدموعها تترقرق في عينيها قبل أن تنهض ترتدي المئزر الطويل على فستانها القصير. وضعت حجاب بسيط على شعرها قبل أن تدلف للشرفة لتقف وراءه مباشرة.
تجرأت ووضعت يديها على يديه الممسكة بالسياج.
اضطرب جسده من تلك اللمسة المباغتة منها فرفع عينيه الغاضبة عليها.
ابتسمت معتذرة وهي تنظر له:
"أنا آسفة والله مقصدتش أي حاجة يا صالح، أكيد يعني مش هحب أذكر اسم واحد حاول يعتدي عليا.. صدقني أنا مقصدتش حاجة من اللي ممكن تفهمها.. كان سؤال عادي أنا بس.
كنت عايزة أعرف لو ليك يد في اللي حصل له، أنا مش عايزة إنت تأذي نفسك."
أخبرها بحزم وغضب لا يستهان به:
"لأ يا زينب ماليش زفت يد، وميتكررش تاني يا زينب.. فاهمة."
أومأت له بطاعة وهي تقترب منه بدلال، تضع يديها على صدره. رفعت رأسها إليه ببراءة معتذرة:
"مفهوم.. والله آسفة."
خالص بقى يا صالح
زمجر بضيق وهو يضغط على ذراعها
لا مخلصناش
رفع راسها بقوة وانحني عليها منقض على شفتيها من جديد بغضب بادلته بحنو
كنوع من الاعتذار ليجن جنونه من جديد
وكأنها اول مره يقبلها او يقترب منها
تظن أنك قادر على الإبتعاد
وأظن انا انني قادرة على امتلاكك
وما العشق الا ذنب يطالب بالغفران
في شقه يوسف الصاوي
دلفت ايمان ببطء وعلى محياها ابتسامه جميله ومع ذلك خوف ينهش بأواصلها
آخر ليله وبعد سيغادر من أجل عمله
يعود مرة أخرى للندن
حاولت التخفيف عن نفسها بقضاء وقت جميل معه في آخر كم ساعة بينهم
جلست على طرف الفراش وهي تنظر له ابتسمت بخبث وهي ترفع الغطاء لتضع يديها البارده على صدره
فتح عينيه بانزعاج أثر مشاغبة تلك الفتاه ابتسم وهو يجذبها تنام في الجهه المقابلة له وهو يحتضنها باشتياق رد بنبرة ناعسه
ايديك ساقعه كدا ليه يا ايمان
ابتسمت بينما تمرر اصابعها على صدره بنعومة
يوسف انت خالص هتسافر
فتح عينيه مره آخره بتركيز وهو ينظر لها
مش اتفقنا خلاص يا ايمان
وخالص الطياره بتاعتي كمان كم ساعه
ردت باختصار صادق
عارفه بس انت هتوحشني
ابتسمت وهو يميل عليها ليصبح وجهه مقابه لوجهها قائلا
تعرفي بعد هتوحشني دي اقسم بالله عندي استعداد الغي السفريه خالص
وجدته يميل عليها مراوغا يلثم شفتيها ببط مذيب لاعتراضها هامسا
لو عليا يا ايمان اخدك و نبعد عن كل حاجه و نفضل انا وانتي و بس
دفعته بعيدا عنها قائله
خالص انت طيارتك بليل
تحت تتغدا ايه
ايه اكتر اكله بتحبها
ابتسم وهو ينام مره اخرى جاذبا اياها
مش مهم يا ايمان اعملي اي حاجه مش هراجع وراكي يعني
ردت بتصميم
لا طبعا هيفرق معايا
ها ايه اكتر اكله بتحبها
طب هقولك أسهل اكله مش لازم اكتر اكله يعني
مش هتعرفي تعمليها صدقيني
ايمان بحده
انت مالك قول بس
بطل رخمه يا يوسف
خالص يا ستي مش هرخم عليك اكتر اكله بحبها
بصي هو ممكن ورق العنب مع كوارع مع طبق صغير بتنجان مخلل
هتعرفي تعملي كوارع
زمت شفتيها للأمام باستفزاز
بص هجرب بس الصراحه هكلم ماما هي بتعرف تعملها هسالها يعني
خالص الساعه اربعه ان شاء الله نتغدا سوا
انت هتروح فين دلوقتي
زهقتي مني ولا اي
لا بس انا اقصد لازم تروح لوالدتك ونيران و تسلم على الجماعه قبل ما تسافر
عندك حق هروح اطمن على ماما و اسلم عليها و كمان نيران
تمام يا حبيبي اللي تشوفه
ياله انا مجهزه الفطار بطل كسل
نهض من على الفراش قائلا بمزاح
طب مفيش بوسه كدا على الصبح عشان النشاط يحلو و الواحد يقوم بنفس مفتوحه
لكزته بقوة و غضب قائله
احترم نفسك و قوم ياله
يا بت دا انا مسافر حتى
افرضي عيني زاغت على واحده كدا ولا كدا في لندن مش هيبقى بسببك
آآه هتخنق يا بت المجنونه
مسكت عنق قميصه بغضب وهي تجز على أسنانها قائله بنبره محذره
عينك تزوغ كدا ولا كدا
ليه أن شاء الله
ايه مش مكفياك علشان تبص برا و بعدين لو واحدة من اللي شغال معاهم حاولت كدا ولا كدا
قاطعها بغمزه شقيه
هغض بصري طبعا يا عيوني
ضحكه شقيه شفت شفتيها بفخر وهي تعيد هندمته
برافو عليك
شاطر يا حبيبي
محترم
قبله من وجنتها ليقول معقبا
من يومي
ولا انتي ليك رأي تاني
ايمان بحدة
رأي انت تقوم زي الشاطر كدا تاخد شاور و تيجي نفطر ياله
ربنا على الظالم
بعد مده طويله
تقف في المطبخ لتبدا في إعداد الطعام و على الناحيه الأخرى تتحدث مع والدتها في الهاتف
ايمان:اه يعني احط الطاجن كدا في الفرن خالص
حياء:ايوه بس الاول ملح و فلفل اسود و البهارات مظبوطه
ثواني كدا
اه اه
حياء بتذكير:تمام متنسيش بقى تحطي بمون على ورق العنب زي كل مره
ايمان:مش لازم تسيحيلي يا حجه خالص ماشي افتكرت
حاجه تاني
حياء بسعاده
مكنتش اعرف ان الجواز هيخليكي تقفي في المطبخ تعملي كوارع لو كنت اعرف كدا كنت جوزتك من زمان للواد يوسف دا
طلع ليه تأثير قوي عليك
ابتسمت ايمان ليزهر وجهها أصبح اكثر اشراق
و حضرتك كنتي زمان تتوقعي انك انتي تتعلمي كل الاكل دا
تنهدت براحه قائله
لا طبعا بس بحب اشوف نظرة الانبهار في عيون جلال فكنت بتعلم اي اكله حتى لو حرقتها في الأول كان بياكلها
ايمان:علشان كدا بابا عمره ما بص لوحده غيرك
انا هقفل دلوقتي قوليلي عايزه حاجه اجي اعملها معاكي
حياء:استنى بس انتي هتروح المستشفى امتى ابوكي بيقول انك خالص هتبداي شغل
ايمان:اه بكرا ان شاء الله
بس يعني على خفيف لحد ما المستشفى تثق ان ايدي بقيت كويسه و قادره اني اشتغل بيها بمهارة وان شاء الله مش هياخد وقت طويل بصي يوسف يسافر وانا هجيلك و نرغي براحتنا
حياء:اوكي هستناكي سلام
بعد فتره قصيره
انتهت من إعداد الطعام و تجهيز سفره مميزه
ايمان بحماس:
كدا كله حاجه ظبطت الحمد لله
دلفت لغرفتها لأخذ حمام دافي استعداد لمقابلة زوجها بحماس
وقفت بعد قليل ترتدي ثيابها و التي اختارتها بعنايه لتبدو في غايه الاناقه
ارتدت فستان زهري يصل لركبتها ينساب بنعومة ليبرز جمال قوامها الممشوق
اخذت عقد الألماس الذي هداها اياه ترتديه
مع بعض لمسات المكياج لتبدو في غايه الجمال تتمايل بنعومه و حماس
لو احببت بصدق لوجدت الحب أمامك
ينادي عليك بلهفه
فلا تكن غبي و تقدم
نظرت لنفسها برضا و هي تخرج من الغرفه من المؤكد انه سيأتي باي لحظه
ما ان فتحت باب غرفتها حتى وجدته يدلف من باب الشقه
نظر لها جمالها الخلاب بغضب و حده قبل أن يتقدم منها
ايمان: مالك يا يوسف
فين موبيلك
سألها باختصار حاد
هناك اهوه
حصل ايه
جذب هاتفها يفتحه و هو يزم شفتيه بحنق
رنيت عليك كم مره
ردي
نظرت للهاتف أمامها قائله بارتياع
خمستاشر مره
ليه حصل ايه
كنت باخد شاور و سمعته بس
بس كنت
مشغوله
يوسف بصدمه و تهكم
يعني عارفه اني بكلمك و طنشتي
ايمان بسرعه
والله ابدا بس انا اه عارفه ان دي رنتك بس كنت باخد شاور و بعدها قلت لما اخرج هكلمك و خرجت اغير و طبعا نسيت و
جز على أسنانه وهو ينظر له بغضب اكبر
نسيتي
تمام
تمام يا ايمان
ايمان بدلال
خالص بقى يا جو متكبرش الموضوع و الله نسيت
ضرب الحائط بجواره قائلا بغضب
بلاش الكلمه دي بتعصبني
بلاش تيجي تبرري بغباء علشان بتنيلي الدنيا اكتر
انت مش ملاحظ انك بتافور يا يوسف في ايه يعني والله مكنتش اقصد
عارف ان يمكن بافور
بس انا برتاح لما يطمن عليكي و خايف اسافر و انا عارف انك هتهملي الرد عليا ساعتها ببقى هاين عليا ارجع فعشان خاطري يا ايمان بلاش تطنشي مكالمتي بعد كدا
ابتسمت بهدوء معتذره
طب والله العظيم انا اسفه و اوعدك مش هتحصل تاني ابدا
خالص بقى فك انت خضتني اصلا وانت داخل
مسك خصرها بقوة وقربعا منه قائلا بحده
تردي على طول و لو اي ظروف و مبحقتيش تردي عليا ترني عليا اول ما تشوفي مكالمتي و بلاش كلمت نسيت دي بتعصبني
حاضر ياله بقى علشان نتغدا انا جهزتلك شنطتك وكل حاجه جاهزه ياله بقى بلاش تضيع وقت في خناقات ملهاش لازمه
ماشي يا ستي ياله ام انشوف اخرتها بس ايه الجمال دا
انتي بتغريني عشان مسافرش ولا ايه
اكتفت بابتسامه تتمنى لو تخبره الا يسافر
قاطعها من شرودها صوتها المصدوم
ايمان انتي بجد عملتي الاكل دا
دا انا قلت هتكنسل الموضوع
ايمان:ازاي بقى و من امتى بنت الشهاوي بترجع في كلمه قلتها
ياواد يا جامد انت يا واثق من نفسك
أخبرته بفتور
طب دوق الاول بس يمكن متعجبكش
طبع قبله على قمة راسها قائلا
اي متعجبنيش كفايه تعبك
ابتسمت وهي تجلس بجواره يبدأ بتناول طعامه باعجاب و كم سيشتاق لذلك المذاق
مذاق الحب الذي لم يجربه يوما سوا
بقربها وحدها
يبدو وكأن تلك الفتاه جمعت لوعة و اشتياق
كل تلك السنوات الضائعه لتغمره بها الان
وبين غمرة ضياعك اتفنن بالعشق
خرجت نور من المصنع بعد انتهاء يوم عملها
دلفت من البوابه الكبيره لتخرج للشارع الرئيسي لكن انتبهت لوجود
زيدان العلايلي
كان يجلس بداخل سيارته أمام مبنى المصنع و كأنه في انتظار احدهم
توترت مما يحدث وهي تنظر له و خصوصا بعدما أخبرت نريمان بموقف الحارس الشخصي في الصباح و رغبه صاحب المصنع في رؤيتها بمكتبه الخاص
لتخبرها نريمان بأن تستبشر وانها محظوظه و مؤكد انه اختارها هي لتكون زوجته التاليه او بمعنى أدق (لعبته) يتسلى بها لفتره قصيرة ثم يتركها في النهايه
شعرت بالاشمئزاز كلما فكرت في الأمر
كيف لامرأه ان تبيع جسدها تحت مسمى الزواج المؤقت
اخذت نفس عميق
تسير نور في الناحية الأخرى من الطريق.
لكن ما إن سارت بجوار السيارة، وجدته ينادي عليها بلطف.
"آنسة نور..."
ترجل من سيارته وهو ينظر لها.
توقفت بحنق وضيق، قائلة بحدة:
"في حاجة يا فندم؟"
ابتسم وهو يلمح نظرة الشراسة تلك بعينيها، ليعرفها بنفسه.
"أهلاً يا آنسة... أنا زيدان العلايلي صاحب المصنع، أظن تعرفيني."
امتعض وجهها بحنق، قائلة بحدة:
"آه، يعني عايز إيه؟ وإيه اللي يخلي بيه زيك يوقف واحدة زي في نص الشارع كده... أنت صاحب المصنع على عيني وراسي، بس أنا هنا بشتغل بتعبي، واللي ليك هو شغلي، واللي ليا هو المرتب... إيه بقى اللي يخلي حضرتك توقفني كده يا زيدان باشا؟"
أجابها بهدوء وهو ينظر حوله:
"أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع، بس أظن إن المكان مش مناسب... تعالي نقعد في أي حتة ونتكلم."
حاولت كبح غضبها، تقول بحدة:
"معلش يا باشا، مبروحش مع حد معرفوش، وتُشكر بعد إذن حضرتك."
كانت ستنهض وتتركه، لكن أمسك يديها قائلاً بفتور:
"مش هاخد من وقتك كتير."
صاحت بغضب وحدة:
"سيب إيدي أحسن لك، علشان قسمًا بالله إن عليا حتة دين صوت ممكن يجيب بوليس النجده لحد هنا، ولسه فاتحة دماغ واحد من يومين، بلاش تكون أنت اللي عليك الدور."
ترك يديها وهو يتجه نحو سيارته. فتح الباب لها.
وقفت لثوانٍ تفكر في الأمر. وجدت نريمان وبعض الفتيات يقفن أمام البوابة ينظرون لها بحقد، وكأن طاقة القدر فُتحت لها.
غرزت أسنانها بشفتيها السفلية بغضب وهي تدلف إلى داخل السيارة.
انطلقت سيارة زيدان، بينما يراقبها سيارة أخرى خاصة بأحد رجال باسل العلايلي.
بعد حوالي نصف ساعة.
في مقهى راقٍ جدًا لا يوجد به الكثير من الأشخاص، أو بالأصح خالٍ تمام.
أخذت نور تطرق على الطاولة أمامها برفق، وهي تستمع لعرضه المغري ذاك.
فاقت من شرودها على صوت النادل يقف بجوار الطاولة، حيث وضع أمامها كوبًا من الشاي كما طلبت، ووضع أمامه فنجان قهوة.
النادل: حاجة تانية يا فندم؟
ابتسم زيدان من باب الذوقيات، ليسألها برفق مبالغ فيه:
"تحبي تاخدي أي حاجة مع الشاي؟"
همست ببعض الكلمات لنفسها بحنق:
"نفسي عزرائيل يجي ياخد روحك يا بعيد..."
قالت بصوت هادئ:
"شكرًا..."
"روح أنت دلوقتي."
غادر النادل، تاركًا وراءه زيدان يترشف من فنجان القهوة وهو يتفحص ارتباكها الواضح. لأول مرة تتعرض لموقف كهذا.
"ها يا أستاذ زيدان، مش فاهمه برضه حضرتك عايز إيه؟ عمال تلف وتدور، والصراحة أنا عايزة أمشي."
"بصي يا نور، مش هلف وادور عليك. أنا شفتك امبارح في المصنع، والصراحة عجبتني... يعني فيكِ حاجة مميزة عن باقي البنات. طبعًا بعد كدا جبت عنك كل المعلومات اللي تخصك."
ليتابع وهو ينظر لها باهتمام:
"زي مثالاً، إنك عايشة مع أبوكي الراجل المتقاعد عن العمل، وأخواتك الاتنين أصغر منك، سيف وعبد المنعم. زي مثالاً الشقة اللي بالإيجار اللي انتي عايشة فيها، وممكن في أي لحظة تطردي أنتِ وأخواتك في الشارع. خطوبتك اللي انفسخت من مدة صغيرة، وحياتك المتلعبكة دي."
ابتسمت نور بخبث وهي تقرب وجهها للطاولة، بينما تسند ذقنها على كف يديها، قائلة بضيق:
"آممم، طب وبعدين... يعني عايز إيه؟ وحضرتك ليه تهتم بكل المعلومات دي عني؟ ولا يكون المرتب اللي هتديهولي هيقصر مع ميزانية شركاتك؟ لو كدا يا عم الله الغني عنك، مش عايزة أم المرتب ده."
انتهت من كلمتها بغضب وهي تنهض، تكاد تغادر المكان، ليأتيها صوت حاد مهيب:
"لو مشيتي دلوقتي، أوعدك هترجعي مش هتلاقي مكان تباتي فيه، لأن شقتك والعماره أنا اشتريتهم وناوي أهدها وأبني عمارة تليق باسم شركات العلايلي."
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تستدير لتنظر له بحدة:
"ما تنجز وتقول أنت عايز إيه يا عم أنت؟"
ابتسم بخبث وبدأ بفرض سيطرته عليها.
"طب اقعدي بس اقعدي، بلاش الحمقة دي."
جلست مرة أخرى بقلة حيلة.
"كويس قعدتي، يبقى نتفق... شوفي يا نور، أنا عايز أتزوجك، وقبل ما تفهمي غلط، أنا أقصد جواز عرفي عند مأذون، أوكيه؟ لكن مفيش مخلوق هيعرف حاجة عنه، وخصوصًا الصحافة، لأن لو شمّت خبر، قولي على نفسك يا رحمن يا رحيم. هتستفادي إنتِ إيه؟ مبلغ محترم هيتحط باسمك في البنك، شقة في مكان راقٍ، مستقبل متأمن لكِ أنتِ وأخواتك. وبعدين هتنبسطي معايا أوي، كل اللي هتطلبيه هيكون مجاب. هتكوني ملكة، تؤمري وتنهي... مش واحدة الدنيا عمالة تلطش فيها وهي بتنوح، علشان في الآخر ترجع مهدودة من شغل طول النهار على كم مليم. واحدة زيك تستاهل باشا ينشلها من الفقر اللي هي فيه."
لا تعرف هل سحر الكلمات هو من جعلها بذلك الهدوء أمامه، أم أن تخيلها لما يقول هو من جعلها هادئة. مهما كانت صلبة من الخارج، لكنها هشة جدًا من الداخل، مرت بالكثير والكثير. لكن هل تلقي بنفسها في النهاية بين يديه؟
نور بحدة وكبرياء أنثى:
"تقبل أن تعيش فقيرة طوال حياتها حرة، لا أميرة تعيش في سجن، كلما تفكر بحالها تشمئز من نفسها."
"ولو رفضت؟"
ابتسم وهو يخرج سيجارًا ينفثه ببطء وهدوء مريب:
"عادي... أنتِ حرة، بس شوفي بقى هتروحي فين أنتِ وأخواتك لما يجي وقت الإيجار، وما تعرفيش تدفعيه بمرتبك ده. هخليكِ زي ما أنتِ، على فكرة أنا مش هؤذيكي، حتى لو رفضتي، بس هتكوني خسرتي عرض لا يمكن يتكرر يا نور. أنا طلبي في الحلال يا نور... فكري. فكري، أنا مش عايز ردك دلوقتي، ووقت ما تقرري هستنى مكالمتك."
حاولت ألا تظهر ارتباكها والصراع بين عقلها والواقع، محاولة الهرب من ذلك العرض المغري.
نور: "أنا لازم أمشي بعد إذنك."
ابتسم بخفوت، وكأنه قرأ حيرتها تلك.
"تمام، اتفضلي. هوصلك."
"لأ، لالا شكراً، هاخد أي ميكروباص."
زيدان بهندمة وشياكة:
"لأ طبعًا ميحصلش، هوصلك. اتفضلي."
ابتسمت بارتباك وهي تتضبط حجابها، تخرج من ذلك المقهى، تصعد معه في سيارته، بينما توجه بها إلى منزلها، حيث كانت شارده الذهن.
توقفت سيارته أمام الحي التي تسكن به.
نور: "لو سمحت وقف هنا، مينفعش تدخل أكتر من كدا... أقصد يعني عشان الناس."
أومأ له بتفهم. ترجلت من السيارة بخطوات مرتبكة. بينما زيدان ابتسم لها، يظن أنه قادر على امتلاك أنثى متقلبة كهذه.
دلفت نور لشقتها، وأخذت تحدث نفسها بالكثير والكثير، لتشعر بعقلها يكاد يفتك بها، ويلعن ضعفها ولو للحظات أمامه، قائلة بعتاب وجلد للذات:
"نور، بلاش ترخصي نفسك. هتستفادي إيه لما تتجوزي واحد قد أبوكي؟ وبعدها بكم شهر يرميكِ؟ لاء، لاء، لاء. وإن شاء الله أبقى مفلسة، أنا مش رخيصة عشان أبيع جسمي للي يدفع. وإن شاء الله ربنا هيفرجها... يارب."
ولجت لغرفتها تبدل ثيابها لأخرى مريحة، توسدت فراشها بعد أن أدّت فرضها.
حاولت الاتصال بصديقتها المقربة، لكن الهاتف مغلق.
نور بخوف: "أنتِ هتقلقيني عليكِ ليه يا زينب؟ من امبارح وأنتِ مش بتردي، والنهاردة موبايلك يتقفل... ربنا يسعدك ويرحمني من الأشكال دي بقي."
أغلقت الخط وهي تدلف للمطبخ لتصنع أي وجبة تأكلها.
في قسم البوليس في (...) بالتحديد في مكتب وكيل النيابة.
يجلس باسل خلف مكتبه، ينفث سيجارته ببرود وهو يعمل على تلك الأوراق أمامه، يضع ساقه على الأخرى بغطرسة كعادته.
رفع رأسه وهو ينظر لهاتفه الذي صدح للتو، معلنًا عن اتصال من مساعده الشخصي.
فتح الخط يستمع لأهم المعلومات.
أطفأ السيجار وهو ينهض من مكانه، يضع يديه في جيب بنطاله.
خرج من المكتب ليقف في الشرفة، بينما يستمع لما يدوي عليه، لم يعلق سوى بسؤال واحد:
"اسمها إيه؟"
أجاب نيروز باحترام:
"نورهان سالم..."
عقد ما بين حاجبيه باستنكار. وما زال صدى الاسم يرن بأذنيه، قائلاً بارتياب:
"ساكنة في (...)."
نيروز: "بالظبط يا باشا... هو حضرتك تعرفها؟"
زفر بشك وارتياب، يشعر بثقل على صدره. تلك الفتاة!!! هل رخيصة كذلك؟ هل خدعه عقله عندما شعر للحظات بأنها تختلف عن الأخريات؟ قائلاً بحدة:
"معقول؟ وهي وافقت على عرضه؟"
نيروز: "البنت دي مش شغالة في المصنع، حضرتك عارف الضغط اللي بيكون على مصنع الشوكولاتة في فترة العيد، وهي من البنات اللي اشتغلوا بعدد الساعات... زيدان باشا قعد تقريبًا معاها نص ساعة في الكافيه، وفي النهاية وصلها بعربيته لحد بيتها، وبالظبط عند مدخل الحي."
باسل بسخرية:
"طالما وصلها يبقى وافقت... ماشي يا شبح. خالص يا نيروز، أنا هتصرف، اقفل دلوقتي."
نيروز: "تمام يا باشا، حضرتك هتيجي الشركة النهارده؟"
باسل: "أنا خلاص هقدم استقالتي... المجموعه محتاجة كل وقتي، وأنا مش محتاج إني أفضل وكيل النيابة، وفي غيري يستاهلوا المكانة دي."
أغلق الهاتف وهو ينظر من تلك الشرفة للطريق وذلك الازدحام.
"ماشي يا شبح... ماشي يا بنت الـ..."
في إحدى العيادات الخاصة.
يجلس جلال وبجواره حياء في انتظار الطبيب.
حياء: "ممكن تهدأ لو سمحت... التوتر مش كويس علشانك يا جلال."
ابتسم بارتباك، يحاول الثبات على قدر المستطاع أمامها، لكن خوفه يغلبه.
فردت يديها أمام يديه ليشابك أصابعه بأصابعها، مبتسمًا برفق.
"هو أنا باين عليا أوي إني خايف عليك؟"
حياء بهمس: "أوي أوي..."
جلال بهدوء: "تفتكرى صالح وزينب فين دلوقتي، وليه رفضوا يقولوا لنا هما سافروا فين؟"
ابتسمت وهي تغمز له بشقاوة:
"يا جدع أنت مالك؟ هو أنت حد كان سألك أنا وأنت روحنا فين في شهر العسل بتاعنا؟ فاكر يا جلال قعدنا أسبوع، لا بتنزل لا الوكالة ولا الشادر، لدرجة إن نوارة الله يرحمها كانت كل ما تشوفني تقولي: 'أسبوع يا قادرة!'، أسبوع! كنت بضحك أوي الصراحة، وأنت أصلًا مفتري."
جلال بسعادة: "إن كان عليا مكنتش عايز أنزل خالص، بس أعمل إيه بقى... بس أمي قالتلك كدا إمتى؟ مش فاكر إنك قولتيلي حاجة زي كدا."
حياء: "كنت بتكسف أقولك عشان عارفة إيه اللي هيحصل بعدها..."
كنت قليل الأدب أوي الصراحة، والناس كلها بتشهد باحترامك.
جلال بمراوغة: قلة الأدب دي للحبايب بس يا عيوني…
حياء: وربنا هسيبك وأمشي وأبطل تكسفني. ويالا بقى أظبط عشان الدكتور جاي…
دلف الطبيب إلى المكتب معتذراً.
الدكتور: آسف لو اتأخرت عليكم…
جلال: ولا يهمك يا دكتور، ها إيه الأخبار؟
الدكتور بابتسامة: الحمد لله، نتيجة التحليل كلها بخير الحمد لله. بس المشكلة في المعدة.
كنت شاكك إن المشكلة في الكبد بسبب الأعراض دي.
بس الحمد لله، المشكلة طلعت بسيطة في المعدة والألم اللي حصل ده بسبب لخبطة في الأكل. غير هكتبلها شوية أدوية لازم تلتزم بيهم، وبلاش أكل الشارع أو الحلقة أو الآيس كريم والحاجات دي. واضح إن حضرتك بتاكليها كتير.
جلال: فعلاً يا دكتور.
الدكتور: تمام، الحاجات دي ممنوعة تمام ولازم نظام غذائي صحي وبلاش أكل في وقت متأخر…
حياء: بس أنا مبحبش الطريقة دي.
جلال بحدة: تمام يا دكتور، هنعمل اللي بتقوله.
حياء بانقباض: جلال!
نظر لها بضيق وحدّة قائلاً بصلف: اسكتي أحسن لك…
صمتت للحظات بضيق وهي تربط ذراعها أمام صدرها بحركة طفولية لإغاظته…
لو مسكتش هتعمل إيه يعني؟
بعيون مشتعلة من الغضب: هكسر راسك…
هدرت أنفاسها بخشونة قائلة بغضب أحمق: لن تتغير أبداً مهما مرت السنوات… جميلة.
أردفت بعند: تمام يا دكتور، أنا بقى مش هاخد الأدوية دي وأبقى وريني شطارتك يا سي جلال.
تركته وغادرت العيادة. أخذ نفساً عميقاً بغضب ليبتسم وكأن تلك المرأة منفصلة عن الواقع، لا تهتم بالعمر ولا السنين، لا تهتم سوى بفعل ما يدور برأسها.
بعد مدة.
دَلفت إلى شقتهم، بينما ساد الصمت طول الطريق. لم يرد أن يفرغ طاقة غضبه عليها وهي كذلك.
همست لنفسها ببعض الكلمات بانقباض: كل شوية هكسر راسك، هكسر راسك لحد ما في الآخر عايز يخنقني. أكل إيه وأعمل إيه وأدوية إيه… إيه القرف ده… وأهو حتى مهنش عليه يجي يكلمني وراح لصاحبه. طب ما يولع…
دَلفت للحمام لتأخذ حماماً دافئاً يريح أعصابها المشدودة، وكأنها ليست المخطئة أبداً.
خرجت بعد مدة ترتدي ثياب الاستحمام، توجهت وهي تجفف شعرها بالمنشفة إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابها بأخرى مريحة.
أغلقت الباب خلفها بدون أن توصله جيداً.
بدأت باختيار الملابس، عبارة عن بيجامة سوداء ذات ملمس ناعم.
أغلقت الخزانة واستدارت لتصدم جسدها بحائط صلب… شهقت بصدمة وهي تفقدت ما أمامها لتجده جلال يقف أمامها لا يفصلهم شيء.
جلال بتعمل إيه هنا؟ سألته وهي تبتلع ريقها بغضب وحرج كذلك.
تلمس خصلة مبللة من شعرها بأطراف أصابعه: كنت جاي أتكلم مع سيادتك… ياريت تفضي شوية وقت من وقت معاليك.
نظر لها بوقاحة متفقداً قوامها المغطى بذلك الثوب وكأنه يجردها من عليه.
شتت عقلها بتلك المراوغة الواضحة… أشاحت ببنيتها خجولة قائلة: ماشي يا جلال، أنا هغير وأجي نتكلم. ممكن بقى تستناني برا.
تنهد بخبث واستدار مبتعداً عنها… أولته ظهرها عمداً لحين ذهابه من أمامها سريعاً.
هدأ المكان من حولها، فالتفتت متفقدة الغرفة.
شهقت بفزع حين وجدته مستنداً بظهره على الحائط يتفقد هاتفه باهتمام.
حياء بغضب: إنت بتستهبل يا جلال… إيه ده؟ معنى إيه مش فاهمة؟
رفع عينيه وتقوست شفته باستمتاع لإغاظتها: مش قولتي أستناكي وأديني واقف مستني…
مسحت على وجهها بنفاذ صبر ومن ثم تمتمت بصوت خافت: والله العظيم هيجيلي الضغط… كده كتير عليا وأنا واحدة صاحبة مرض مش ناقصة.
ثم تابعت بصوت مرتفع: اتفضل يا جلال بيه، سمعني إيه الموضوع المهم اللي عايزني فيه ومش قادر يتأخر لدرجة إن حضرتك واقف كده، حتى مش عايز تسبني أتنيّل أغير… سمعني.
ابتسم بخبث قائلاً بحدة مريبة وهو يتفقدها ملياً: اعتذري…
رفعت حاجبها باستنكار قائلة: أعتذر… أنا اللي أعتذر… أعتذر على إيه إن شاء الله؟
حدثها بعتاب: لسانك الطويل… وعلى طول ماشية بدماغك وبتنطي في الصح و…
بنتنطح… شايفين طور.
لما تركبي دماغك في الغلط تبقى طور وطور هايج كمان…
رفعت سبابتها في وجهه بغضب: جلال مسمحلكش تهيني.
بت… بت نزلي صباعك! إيه قلة الأدب دي؟ وبعدين في ست محترمة تسيب جوزها وتقوم تمشي كده… مش شايفة إنها إهانة ليا؟ ولا نسيتي مين جلال الشهاوي؟ قسماً بالله أكسر دماغك مكانك، فاهمة يا حياء؟ واعقلي، ماشي؟ اعقلي… عشان أنا مش عيل صغير على آخر الزمان تيجي إنتي وتحرجيني… وبعدين إيه شغل المراهقين ده؟ أنا عارف مصلحتك أكتر منك إنتي شخصياً، فاهمة؟
صوته العالي… غضبه.. حدة نبرته.
أشعرها بالفزع متحدثة بعتاب ممزوج بلمعة دموع: على فكرة إنت بتخوفني منك… طول عمري بخاف من قلبت وشك بالطريقة دي يا جلال… طول عمري ما أول يوم شفتك فيه في السوق وأنا بخاف من الوش ده… كنت فاكرة إن حبك ليا هيخفي الشخصية دي لأنها بترعبني، لكن كانت موجودة دايماً بتحاول تداريها…
جذبها بقوة لأحضانه مرتباً على ظهرها بحنان: الشخصية دي موجودة دايماً عشان تحميكي… مينفعش يا حياء… الحب مش كده… مينفعش أسكت وأنا شايفك بتأذي نفسك… ومينفعش تحرجي جوزك بالشكل ده. إنتي عارفة إن أنا صح بس عمالة تقوحي… بطلي عياط يا هبلة…
تحشرج صوتها أثر بكائها: على فكرة مش بعيط… وأنا مش قصدي أحرجك ولا عمري يا جلال فكرت أحرجك. طول عمرك بكبر منك وعمري ما قللت منك قدام حد… إنت نفسك متقدرش تنكر ده. بس… بس أنا… مبحبش طريقة الأكل دي والأدوية. إنت عارف إنها دايماً بتتعبني أكتر.
مد أنامله ليرفع رأسها له: عارف إنك عمرك ما قللتِ مني، وعمري ما هنكر ده، وعارف إنك ست البنات وهفضل شايلك فوق راسي عشان اللي عيشتيه معايا مفيش واحدة استحملته عشان راجل.
عارف إنك بنت أصول، وقفتي معايا في شدتي وعمرك ما عيرتيني بضعف ماليش ذنب فيه.
ولما كانوا هيجيبوا في سيرتي قلتي إنك إنتي اللي مبتخلفيش وسلمتِ نفسك من لسانهم.
استحملتي حياتنا في الفقر والغنى… واستحملتي أذية أمي ليكي وسامحتي أخويا مع إن كان له يد في موت أبوكي…
ربيتي ولاده وكنتي أمهم… وعمرك ما جرحتيني بكلمة تكسرني…
عشان كده يا حياء مش عايز أخسرك. والله العظيم ما هقدر أخسرك… عارف إنك بتكرهي الطريقة دي في العلاج… لكن أنا مش هستحمل… أقسم لك برب الكعبة ما هستحمل يوم واحد…
عارفة زمان لما اتخانقنا وإنتي قلتي إنك سلمتيني نفسك عشان مطلّقكيش، رغم إني كنت مقهور وحاسس لأول مرة إن في واحدة جرحت كبريائي ورجولتي.
إلا إن مكنتش قادر على البعد… مكنش يعدي يومين أرجع من بورسعيد عشان أقعد جانبك ساعة واحدة… ساعة واحدة أملي عيني منك وإنتي نايمة… مبالك دا من بعد حبي ليكي بمدة صغيرة… تفتكري دلوقتي بعد واحد وتلاتين سنة عندي استعداد ولو واحد في المية إني أخسرك؟
أجهشت ببكاء ترى عينيه تلمع بدموع مخيفة: إنت بتبكي…
جلال: كنت دايماً بحس إن حبي ليكي ضعف لأنك الوحيدة اللي قادرة تخلي دموعي تنزل.
هو إنت إزاي بتحبني وأنا بالغباء ده… فيا إيه يتحب عشان تستحمل غبائي وعصبيتي؟
حاوطها أكثر بذراعيه قائلاً ببحة عميقة أثر تلك العاصفة الهوجاء: إنك مش زي أي واحدة تانية… أنا معنديش شروط في حبي ليكي… بس كل جروحي اتعافت معاكي…
إنتي متهورة آه وعمرك ما هتخلصي من الخصلة دي، لكن أنا حتى مش عايزك تسبيها لأن اتعودت عليها وحبيتك كده… دي ما إنتي بكل خصالك…
لفت ذراعيه بقوة مكبلة إياه مغمضة العينين بين أحضانه تخاف أن يبتعد.. تعشق قربه المهلك لروحها… رغم السنين لم تتغير وبقى هو أيضاً كما هو (دافئ.. حنون لأبعد الحدود).
حياء: أنا آسفة.
ابتسم بلطف وهو يبتعد قليلاً عنها يزيح خصلاتها الرمادية عن وجهها.
(مزيج بين الأبيض والأسود).
قائلاً بخبث ومراوغة: بس طعم الاعتذار بيكون أحلى كده…
مال عليها يقبلها باشتياق وكأن العالم بأسره يقف عند تلك اللحظات.
ابتعد بعد مدة وهو ينظر لها بخبث ماكر: بس تعرفي أحلى حاجة فيك إنك بتتعصبي وتنزل على مفيش وأنا بعمل اللي أنا عايزه في الآخر…
حياء بخجل: جلال احترم نفسك ويالا اخرج، إنت صدقت نفسك ولا إيه؟ برا…
نظر لها وهو يعض على شفته السفلية بغيظ وهو يقرص وجنتها بلطف: لسانك الطويل ده عايز قصة يا بنت الهلالي.
ثم خرج وتركها، لكن استدار قبل أن يغادر الغرفة قائلاً: ابقي اقفلي البرنس كويس يا شعلتي عشان متسقعيش.
ثم أنهى جملته بغمزة شقية وهو يخرج من الغرفة.
خرج وتركها تنظر إلى فتحة الصدر لتجدها متسعة، شهقت بصدمة وهي تلملم ثوب الاستحمام بسرعة.
يلهوي.. دا.. يا منحرف.
بصوت عالٍ غاضب لتسمع صوت ضحكاته الصاخبة من الخارج قائلاً بعتاب: بقالنا كل دا متجوزين ولسه واخدة بالك؟ اشتكي إليك يا رب…
ضحكت وهي تجلس على أقرب كرسي، تنهدت بارتياح وهي تحمد الله. كانت على ثقة كبيرة به.
جلال: أنا نازل أصلي المغرب في الجامع، عايزة حاجة من برا؟
حياء بحماس: آه، عايزة لب وكاجو.
دلف مرة أخرى للغرفة وهو يدفع الباب بعنف، لتشهق بصدمة.
"استغفر الله العظيم يا بت، انتي عايزة تشليني؟ انسى يا ماما كل الحاجات دي، لا لب ولا كاجو ولا بتاع، ماشي."
حياء بغيظ: أومال بتسأل ليه، يعني هكون عايزة إيه من برا غير تسلية؟
جلال: أنا نازل يا حياء، أنا اللي غلطان إني سألتك، سلام.
حياء: متتأخرش، هستناك نتفرج على التلفزيون سوا، وإلا والله لتيجي تلقيني باكل إندومي.
انفجرت في الضحك وهي ترى وجهه المحتقن من شدة الغضب، قائلة:
"يا عم بهزر معاك، انزل يالا صلي، متخافش، اطمن يا جدع، وراك رجالة."
"على الله يا حياء."
حذرها قبل أن يخرج من الغرفة، لتنفجر في الضحك وهي تعض على شفتيها بسعادة عارمة.
---
دلف إلى منزله بعد يوم عمل طويل ومرهق، وخصوصاً بعد سفر صالح، وإلى جانب ذلك تجهيزاته للمصنع الخاص به، رغم أنه ما زال في البداية وصغير، لكنه يحتاج للكثير من العمل.
علي بمرح: يا ست الكل يا أم علي.
خرجت والدته من المطبخ بوجه بشوش.
"أنا هنا يا حبيبي. أما بقى عملت لك طاجن باميه باللحمة الضاني، هتاكل صوابعك وراه. يارب أعيش وأعلم مراتك يارب."
علي بسعادة: طب تعالي طالما جبتي سيرة العروسة.
هدى بحماس: إيه يا ولا، خالص ناوية تريح قلبي؟ دا يوم المنى.
علي: نويت يا حاجة. بس تعالي نقعد برا علشان الموضوع محتاج قعدة.
هدى: تعالي، قولي مين هي العروسة.
جلست على الأريكة وهي تنظر له بتمعن.
"حبيبة يا أم علي."
تلك البسمة اختفت بالتدريج مع تشنج ملامحها قليلاً، قائلة بحدة:
"حبيبة مين؟ حبيبة مرات شاكر؟"
ضغط على يديه بغضب، حاول أن يهدئ أعصابه قليلاً، يشعر بنيران كلما تذكر أنها كانت ملك شخص غيره. ماذا عليه أن يفعل ليخمد تلك النيران التي ستهلكه يوماً ما.
"لا يا أمي، مش مرات شاكر. حبيبة اللي انتي ربيتيها على إيديك. حبيبة اللي عشتي طول عمرك تحلفي بيها وبأخلاقها، وحتى لسانها الطويل."
"معقول عايز تتجوزها؟ ليه بتفكر فيها بعد ما اتجوزت غيرك وحرقت قلبي؟ ولا هي عايزة تقوّش على كل حاجة؟ تاخد فلوس شاكر وتتجوزك لما يموت. لا يا علي، مش موافقة يا ابني."
علي بهدوء: يا أمي، بلاش تظلميها، انتي متعرفيش حاجة عن اللي عاشته. والله العظيم حبيبة ماتستاهل كل ده. صدقيني، هي دلوقتي مش محتاجة لا فلوس ولا أي حاجة. هي بس محتاجة إننا نحن عليها شوية. اللي شفته في حياتها مفيش واحدة عاشته. وافقي علشان خاطري لو عايزاني أبقى مرتاح.
"يا حبيبي، أنا عايزك دايماً مرتاح، بس انت عمرك ما هتلاقي راحة معاها. دي اتجوزت مرة وكانت حامل، يعني مفتحة على الدنيا لفة وعارفة يعني عايزة واحدة تمشيه على مزاجها."
علي بعتاب:
"على فكرة يا حاجة، انتي مش بتغلطي في حبيبة بس، انتي كمان بتغلطي فيا. هو أنا مش راجل قدامك؟"
ضربت بخفة على صدره قائلة بسرعة:
"يا ابني، انت سيد الرجالة. بس... لا يا علي، لا. وبعدين دي لسه جوزها ميت والناس و..."
علي:
"هو قلتلك هنروح نخطبها دلوقتي، اسمعيني بس. حبيبة طول عمرها بتحبك، وهي الأيام دي تعبانة ولازم نكون جنبها. إيه رأيك تروحي تزوريها وتقعدي معاها؟ لو حسيتي إن حبيبة اتغيرت عن حبيبة بتاع زمان، يبقى لك الحق إنك ترفضي. أنا لا يمكن أعمل حاجة بدون رضاكي، لو عايزة تكسري بخاطري، ارفضي."
تنهدت بقلة حيلة وهي تنظر لابنها بحب أمومي.
"ماشي يا علي، أنا موافقة علشان عارفة كويس أوي إنك مش صغير وبتعرف توزن الأمور. وهاخد زيارة وأروح أشقر عليها، دي مهم كانت برضو، كنت بعتبرها بنتي في يوم من الأيام. وربنا يسعدك يا ابني."
ابتسم بسعادة وهو يقبل يدي والدته قائلاً:
"ربنا يحفظك ويخليك ليا يارب يا ست الكل."
"يا بكاش، كل ده علشان السنيورة بتاعتك، ماشي يا علي."
"متقوليش كدا، دا انتي الخير والبركة يا ست الكل."
---
في منزل حبيبة القديم.
تجلس في غرفتها ممددة على الفراش وهي تنظر لسقف الغرفة.
جذبت الغطاء بقوة وهي تضم جسدها، تشعر بالبرد رغم أن الطقس حار، لكنها تشعر ببرودة تسري بجسدها.
تلالأت الدموع في خضراوات عينيها.
دلفت والدتها لغرفتها، لكن ما إن دخلت حتى شهقت بفزع.
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. في إيه يا بنتي، مضلمة الأوضة كدا ليه؟"
اتجهت نحو ستار الغرفة لتفتحه، انتشر الضوء بأرجاء الغرفة.
"يا حبة عيني يا بنتي، مالك يا حبيبة؟ مش ناوية تخرجي بقى؟ دا حتى إحنا في أيام مفترجة."
اعتدلت في جلستها بإرهاق قائلة:
"ماليش نفس أخرج يا ماما، حاسة إني مش قادرة أشوف حد ولا أكلم حد."
فاطمة بود:
"وبعدين؟ هتفضلي في الكآبة دي كتير؟"
جلست بجوارها بخبث.
"على فكرة... علي اتصل عليا، كان بيطمن عليكي وبيقول لازم تاكلي وبلاش الحزن ده. بيحبك يا حبيبة... بيحبك أوي... وعلى فكرة الواد ده ابن أصول، حتى لما كنتي على ذمة شاكر كان بيكلمني يطمن عليا دايماً. متديله فرصة يا حبيبة. بلاش تضيعه من إيديك."
حبيبة:
"أنا خايفة يا ماما. خايفة أوي. الناس مش هترحمني. وخالتي هدى نفسها مش هتقبل إن ابنها الوحيد يتجوز واحدة أرملة وسيبته علشان الفلوس. غير علي نفسه. علي محتاج واحدة تديله السعادة، مش واحدة زي... أنا أصلاً خايفة أديله أمل، لأني معنديش أمل في أي حاجة."
فاطمة:
"اسمعيها مني يا بيبة، الناس يا حبيبتي عمرها ما هتسيبك في حالك، هينفضلوا كدا ينحروا في فروتك. ما هي دي الحاجة اللي في إيديهم يعملوها. يالا فوقي كدا وتعالي نتمشى على البحر، دا الجو النهارده جميل برا وبطلي كسل."
---
في الساحل الشمالي.
سارت زينب على الرمال بصعوبة وهي ترتدي كعب حذاء عالٍ، أصرت أن ترتديه على ثوب السهرة الذي اختاره صالح وأصر أن ترتديه.
كانت جميلة جداً بذلك الثوب المتألق، ذو الألوان الأسود طويل مطرز ببعض الورود المتلألئة مع اللون الفضي اللامع.
ترتدي حجابها مع بعض لمسات المكياج لتكتمل صورتها الجميلة في عينيه.
حينما أبصرته وأبصرت ما حوله، وقفت مكانها بعدم استيعاب.
كان "صالح" أنيق جداً، يرتدي حلة أنيقة، جذاب بها، وكأنها صُممت خصيصاً له، فسحر عينيها حينما وقعت عليه.
رفع صالح عينيه عليها وتقدم منها، وعيناه تطوفان بإعجاب على ذلك الثوب الأنيق الذي يبرز جمال ورشاقة جسدها.
فاتنة اليوم كنجمة براقة في السماء، تنورة فستانها تتأرجح حولها مع هواء البحر المنعش.
صورتها الآن تشعل صدره كلما تأملها.
حاولت التقدم منه بخطوات مبعثرة، كادت أن تقع بسبب ذلك الحذاء.
قائلاً برفق: "مش تاخدي بالك، كنتي هتقعي."
يمسك بذراعها بين يديه بابتسامته المشرقة. حاولت التبرير بلطف وارتباك:
"أصل الجزمة عالية والرمال و..."
انحنى أمامها، وجدته يخلع لها حذائها واحداً تلو الآخر، ثم ألقاهم أرضاً بإهمال، قائلاً بابتسامة: "كدا أحسن بدل ما تقعي."
زينب بضيق: "على فكرة شكله حلو، والمشكلة بس علشان الرمل، وبعدين همشي حافية."
شهقت بقوة حينما وجدته يحملها بين ذراعيه يتجه نحو البوابة، يخرج من الفيلا، قائلة بدهشة:
"أخاف أتعود على الدلع ده كله، وكدا هتتعب معايا."
إعجابها بمكر ذكوري وهو ينظر لسيارته:
"براحتك، دا شهر عسل برضو. بعد كدا بالجزمة."
ضربته بخفة في صدره قائلة بغضب:
"مين دي اللي هتاخد بالجزمة يا سي صالح؟"
همس بالقرب من أذنها وهو يتركها لتقف أمامه مباشرة:
"أي حد يفكر يزعلك يا زبدة."
ابتسمت برضا وهو يفتح لها باب السيارة لتصعد. ابتسم وهو يتجه الناحية الأخرى، يصعد سيارته لينطلق في طريق طويل.
بعد أن دعاها للعشاء في مكان خاص.
توقف بعد حوالي نصف ساعة.
في مكان بعيد عن الفيلا وعن الكومباوند بأكمله.
لمكان آخر خالٍ من البشر والزحام تقريبًا، يتلألأ بأنوار خافتة.
يوجد ممر طويل بين أمواج البحر الذي ينشر رذاذه.
في نهاية الممر، طاولة مستديرة عليها عشاء شهي مع الشموع التي تضيء المكان وتعطي له منظرًا ساحرًا.
لم تكن الشموع فقط على الطاولة، كان هناك أيضًا شموع ذات ألوان وأشكال ملفتة غاية في الجمال، تتألق بأناقة على رمال الشط.
نظر لها ليرى نظرة الانبهار والسعادة في عينيها.
أخذت عيناه تسافر بإعجاب على ملامحها وابتسامتها التي شقت شفتيها للتو.
شعور جميل يجتاحه كلما وجدها تبتسم أو تضحك بقوة، يشعر بسعادة عارمة وكأنه هو من يشعر بالسعادة وليس هي!
زينب بانبهار: ده بجد! أنا أول مرة أشوف مكان بالجمال ده.
"إن شاء الله عيونك الجميلة دي متشوفش غير كل حاجة حلوة."
زينب بضيق: طب دلوقتي هعمل إيه؟ الفستان هيبهدل على ما نوصل للترابيزة.
صالح بمراوغة وخبث ذكوري وهو يحملها مجددًا: شكل حضني عجبك أوي.
اكتفت بتلك الابتسامة وهي تضع رأسها على صدره، يسير بها في ذلك الممر ورذاذ البحر يتلاعب بنعومة مع حركة الهواء المنعش.
أنزلها أمام الطاولة، تتلامس قدماها ببرودة المياه المنعشة قبل أن تجلس على المقعد أمامها.
لتجده يمد يديه يفك حجابها قائلًا: "مفيش حد معانا."
انسدل شعرها لتكتمل تلك اللوحة، ويا له من جمال خلاب، ولا يليق بعينيها سوى رؤيته.
لا تعرف من أين صدرت الموسيقى من مكان بعيد، لكنها مسموعة جيدًا.
صالح بغمزة: تسمحي لي بالراقصة دي؟
ردت بحرج قائلة: بس أنا مبعرفش أرقص.
صالح: هعلمك.
زينب بخبث: شكلك بتعرف تعمل حاجات كتير.
رد بخبث أكبر ومراوغة ذكورية يتخللها الجرأة: "بعرف أعمل حاجات، منها اللي حصل امبارح والنهاردة مثالاً."
سعلت بقوة وهي تضع كوب الماء جانبًا ووجهها يشتعل بنيران الخجل، نظرت له بغضب.
صالح: يلا.
استقام يمد كف يديه الكبير لها، ابتسمت وهي تضع يديها في يديه.
خطوة بخطوة معه كالفراشة تلتف بين يديه الماهرة.
يداه تعانق خصرها ويداها تحيط مؤخرة عنقه بنعومة، والموسيقى الناعمة تدور من حولهما بتناغم ينافس خطوات رقصتهما معًا.
قربها منه ليهمس ببعض الكلمات.
احمرت وجنتاها، فأطلق سراحها ممسكًا بيديها يجعلها تلتف حول نفسها، ثم ضمها بقوة وهما يميلان معًا يمينًا ويسارًا.
تشعر وكأنها في حلم لا مثيل له، تخاف بشدة أن ينتهي بكابوس.
يدللها بطريقة تذيب جليد قلبها ليجعلها تغرف معه في تلك الجنة، تنغمس برفق بها ومع لمساته.
***
في بيت نور.
خرجت من المطبخ تمسك بيديها سندوتش تأكله بنهم ولذة رغم بساطة ما يحويه.
تضع على الطاولة أمامها كل النقود التي تمتلكها.
قضمت لقمة بجوع لتقول بفتور وهي تضع ساقًا على الأخرى بلامبالاة: "كده ألف ومية وخمسين جنيه... والله الواحد حاسس إنه ملك." لتضحك بسخرية.
"يلا إن شاء الله أقبض اليومين بتوع مصنع الشوكولاتة وأنا اشتغلت ست ساعات وقت إضافي... إن شاء الله خير وبابا كده كده جاي بكرة من القاهرة، يارب بس ميتعبش."
في ذلك الوقت سمعت صوت الباب يُفتح، عقدت ما بين حاجبيها بارتياب قائلة: "بابا، أنتم جيتوا ولا إيه... سيف... عبده؟"
انتابها الخوف قليلاً، أخذت حجاب خفيف كان موضوعًا على الأريكة القديمة بجانبها، وضعته على شعرها وهي تدلف لترى ما سبب ذلك الصوت.
لكن شهقت برعب، وسعت عينيها بفزع وهي تراه أمامها بعسليته الحادة المتربصة وطوله الفارع.
وضع يديه على فمها يمنعها من الصراخ قائلًا بحدة: "هسيبك بس صوتك لو طلع هتزعلي."
حاولت دفعه بغضب وهي تضربه بعنف في صدره بشراسة، لكن تحكم بقبضة يديه في يديها.
"بطلي بقى... مش هاكلك يا شبح."
تركها وابتعد وهو يدلف إلى الصالة البسيطة جدًا.
جلس على الأريكة، كانت قاسية تبدو قديمة كباقي أثاث المنزل.
وضع قدمًا على الأخرى بعنجهية وهو ينظر لها تقف أمامه ببيجامة قطنية وحجاب بسيط ليظهر له شعرها البني.
ربعت يديها أمام صدرها قائلة من بين أسنانها: "ممكن أعرف جبت مفتاح بيتي منين؟ وإيه قلة الذوق دي؟ وإزاي تدخل كده كأنه بيت أبوك؟ ونزل رجلك متقعدش كده بتعصبني."
ابتسم بخفوت، تلك الفتاة رغم أي شيء قادرة بطريقتها تلك أن تثير فضوله وإعجابه.
رغم علاقته النسائية المتعددة، ورغم أنها تعتبر أقل جمالًا من أي امرأة رآها، أقل جمالًا من أي واحدة تزوجها.
رغم أنه يحب المرأة الهادئة كما يظن، لكن تلك الفاتنة تثير رغباته وبقوة.
بها شيء يميزها، عيونها الشرسة تلك، شفتيها التي تنطق بأبشع الكلمات ليست منمقة أبدًا.
نظر لها بعسليته القاسية تلك قائلًا بحدة: "عندك إيه يتشرب؟"
"عندي سم هاري، ما تبطل ملل يا جدع انت، وقلي بتعمل إيه هنا؟ أنا قاعدة لوحدي على فكرة مينفعش كده."
"عندك إيه يتشرب؟" سألها من بين أسنانه.
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تتحرك من أمامه لتجلس على الكرسي المقابل له.
"عندي شاي ومن غير سكر، لسه هجيل التموين آخر الشهر كمان أربع أيام. معلش بقى يا سعادة البيه مقدرش أضيفك، إلا لو بتشربه من غير سكر."
ابتسم وهو يخرج علبة السجائر الخاصة به لينفث واحدة، بينما تنظر له بضيق تحاول استكشاف ما يخفيه، تشعر وكأنها في حلم.
هل حقًا بقلب بيتها الآن؟
نفث دخان سيجارته بوجهها قائلًا بهدوء سام: "الموضوع اللي جايلك فيه يخص زيدان العلايلي."
رفعت حاجبها الأيسر بشك: "وأنت مالك بـ زيدان الـ... أنت باسل زيدان؟ باسل زيدان العلايلي؟"
سألته بصدمة وارتباك.
ابتسم ليجيبها: "باسل زيدان أحمد العلايلي. المهم خدي دول عشان نعرف نتكلم."
وضع رزمة من المال أمامها على الطاولة بجوار نقودها القديمة.
نور بسخرية: إيه دول؟
باسل: شوفي يا نور... أنا مهما حصل مش هسمح للجواز دي إنها تتم... أظن عارفة حجم العلايلي جروب واسمها في السوق. تفتكري في الآخر هسمح إن ده كله يتهد عشان أبويا جاي على آخر الزمن عايز يتجوز بنت أصغر من عياله... عارف إن أكيد عرضه مغري لك، وإن الفلوس لمعت في عيونك، بس مش معقول تكون رخيصة أوي كده.
نور بغضب: اطلع برا. وعايزة أقولك إن مش كل الناس رخيصة بتجري ورا الفلوس. رفضي أنا هوصله لوالدك، والفلوس دي متلزمنيش في حاجة. أنا لا عايزة فلوسكم ولا عايزة منكم حاجة، سيبوني في حالي أنا وعيلتي.
رمقها بنظرة ساخرة: "عايزة تفهميني إنك رفضتي عرضه؟ طب لو رفضتي ليه سمحتي له إنه يوصلك لحد هنا؟"
"انت مالك؟ وبعدين بتحاسبني على إيه؟ على عيون أبوك الزايغة ولا على إن ربنا اداكم من وسعه وإحنا لا... خد فلوسك وامشي يا حضرة وكيل النيابة."
لا يعرف ما سر تلك السعادة التي غمرته من رفضها القاطع.
ربما لأنه شعر بأنه لم يخسر الرهان.
أي رهان؟ رهان عليها أنها تختلف عن أي امرأة رآها.
استقام وهو يضبط بدلته، لتقف هي أيضًا أمامه تبدو أقصر منه بقليل.
نظر لها بعينيه العسلي الضاريتين والقائمتين بشدة قائلًا: "تمام يا نور... يبقى هيحصل تعديل بسيط في عرض والدي وهتوفقي عليه."
نور بصوت عالٍ: "يا جدع مش عايزة أتزوجه ده أد أبويا، أنا مش هتجوز واحد عجوز!"
شقت شفتيه ابتسامة لعوبة وهو يميل عليها قائلًا: "التعديل هو أن أنا اللي هتجوزك..."
ابتعد قليلًا ليرى وجهها المتشنج بصدمة واضحة.
***
استيقظت ببطء لتحسس الفراش بجوارها.
اعتدلت في جلستها وهي تضيء نور الأباجورة.
تفقدت الغرفة مليًا، لم تجده، لكن استمعت لصوت خافت من الصالون.
صوت خاشع جميل، عقدت ما بين حاجبيها بارتياب وهي تنهض من الفراش، وضعت حجابها على رأسها وخرجت.
خرجت من الغرفة تدلف للصالون، وجدته يجلس في ركن بعيد هادئ يقرأ في كتاب الله العزيز.
يتلو القرآن بسلاسة ورفق. غرفة مظلمة لا يوجد بها سوى ضوء خافت.
خشوع صوته وهدوءه يجعلك ترى شابًا نشأ على القرآن حفظًا وتلاوة.
لم تشعر بدموعها التي انسابت من عينيها وهي تستمع له.
رفع رأسه وهو ينظر لها، تصدق بهدوء، ابتسم بود.
صالح بهدوء: تعالي يا زينب.
اقتربت وهي تنظر له بارتياب، يبدو أحيانًا جريئًا فظًا وأحيانًا هادئًا هدوءًا مريحًا للنفس.
صالح: مالك؟
زينب: مش عارفة، مستغرباك. صوتك هادي أوي، أنت حفظت القرآن فين؟
"أبويا وأمي. جدي شريف الهلالي هو اللي علمه حفظ القرآن بالتجويد، وبابا حفظه لأمي، كان كل يوم بليل يقعد معانا يقرينا القرآن وحتى أمي كان بيسمعلها. أبويا يوم جوازنا وصاني عليكي."
زينب: اشمعنى الوقت ده اللي بتقعد كل يوم تقرأ فيه قرآن وتصلي بعيد عن الكل؟ الصراحة في أول جوازنا كل يوم كنت بصحى على صوتك وكنت بعيط. عارفة أنا أحيانًا بحس إني مش فاهماك. أحيانًا جري وأحيانًا متدين. هو انت إزاي كده؟
صالح بابتسامة: "على فكرة ده الطبيعي. أقولك إزاي؟ أنا وانتي واحد، اللي بينا وحقك عليا مش لأي واحدة تانية غيرك. إنما ديني ده اللي لازم أتعامل بيه مع الكل. تعرفي أنا أبويا علمني حاجات كتير أوي، القرآن، الفقه، الشغل، الحب، الغيرة. لما كنت بشوف حد بيقرب من إيمان كنت ببقى عايز أولع فيه. ولما شفتك أول مرة جرحتك بكلامي عن الفلوس، كان هاين عليا أجي أعتذرلك بس الأصول كانت تمنعني."
زينب: ساعات بحس إنك تقيل وعاقل أوي، وده اللي بحسه لما أتكلم معاك، وساعات بخاف لما تقلب وتتهور.
صالح بهدوء: "كلنا بنغلط، أو على الأقل بنتهور وبندفع. عارفة في أول ما حصل خطوبتنا للأسباب دي كنت خايف إني مكنتش قد مسؤولية الجواز، مش مصاريف والكلام الفاضي ده، أقصد الود في المعاملة وإني أحاول أتعرف عليكي وبرضه مظلمكيش معايا، لأن أنا بحب شغلي وبديه وقتي، خفت أظلمك."
"بس يومها أمي دخلت قعدت معايا وقالت لي كلمة عمري ما هنساها:"
"اللي ربنا عايزه بيكون يا ابني، وطالما ربنا حطكم في طريق بعض أكيد لحكمة وهو أدري بيه. يومها عرفت إن أكيد في حكمة من إني أقابلك بالشكل ده."
"أنقذتي حياتي وساعدتيني من غير مقابل، قلت لازم أنا كمان أديها من وقتي، وخصوصًا إني اتربيت في بيت فيه حب."
"علاقة أمي وأبويا كانت صادقة فيها احترام."
"أول يوم جواز قلتلك إني نفسي في بيت هادي وأولاد... عايزة زوجة تكون صريحة معايا ومتنامش في يوم زعلانة مني."
قررت أكسر الحواجز اللي بينا وأبقى متيقن إن دي إرادة ربنا وفي منها سبب.
وقررت أحبك وأشيلك فوق راسي.
معرفش أنا مشاعري إيه ناحيتك دلوقتي غير إني برتاح في الكلام معاكي وبنبسط وأنا شايفك فرحانة.
يمكن بيجي على بالي دايماً مقولة الرفق بالقوارير.
أروع نموذج في المعاشرة الزوجية فكان بحق نعم الزوج لزوجه وخير الناس لأهله. وليه لأ؟ وقد جعل صلى الله عليه وسلم معيار خيرية الرجال في حسن عشرة الزوجات فقال صلى الله عليه وسلم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" (رواه الترمذي وابن ماجه).
كان صلى الله عليه وسلم جميل العشرة معهن، دائم البشر، يداعبهن ويتلطف بهن، ويعاملهن بكل سمو خلقي من محبة وعدل ورحمة ووفاء. وغير كدا ما تقتضيه الحياة الزوجية في جميع أحوالها.
محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حُبِّبَ إليَّ من الدنيا: النساءُ والطيبُ، وجُعِلَتْ قرةُ عيني في الصلاة" (رواه النسائي).
قد سأله عمرو بن العاص رضي الله عنه قائلاً: "أيُّ الناسِ أحبُّ إليك؟" -فأجابه بكل صراحة ووضوح- قائلاً: "عائشة". فقال: ومن الرجال؟ فـقال صلى الله عليه وسلم: "أبوها" (متفق عليه).
وعن أنس -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر، وكان غلامٌ يحدو بهن، يقال له: أنجشة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رويدك يا أنجشة، سوقك بالقوارير". (متفق عليه).
قال الإمام النووي: "ومعناه: الأمر بالرفق بهن، أي: ارفق في سوقك بالقوارير. قال العلماء: سُمِّي النساء قوارير لضعف عزائمهن، تشبيهاً بقارورة الزجاج لضعفها، وإسراع الانكسار إليها" [شرح النووي على مسلم].
تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله إذا دخل ينقمعن – أي يتغيبن منه – فيسرّبهن إليّ، فيلعبن معي" (رواه البخاري).
الرحمة كانت صفة من صفات سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم – التي لا تنفك عنه أبداً، لا في سلم ولا في حرب، ولا في حضر ولا في سفر. وقد سماه ربه رؤوفاً رحيماً، قال الله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (التوبة: 128).
قال الشنقيطي رحمه الله: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أرسل هذا النبي الكريم – صلوات الله وسلامه عليه – إلى الخلائق إلا رحمة لهم، لأنه جاءهم بما يسعدهم، وينالون به كل خير من خيري الدنيا والآخرة إن اتبعوه، ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى".
وقد ضرب النبي – صلى الله عليه وسلم – من نفسه أروع النماذج البشرية، فكان نعم الزوج لزوجه، وخير الناس لأهله وأبنائه، إذ هو المثل الأعلى والأسوة الحسنة، فكان – صلى الله عليه وسلم – يعامل زوجاته وأولاده بكل سمو خلقي، من محبة ورحمة، وعطاء ووفاء، وغير ذلك مما تقتضيه الحياة الأسرية في جميع أحوالها وأيامها، كما فاضت بذلك كتب السنة والشمائل والسير عنه – صلى الله عليه وسلم.
زينب: عليه أفضل الصلاة والسلام.
صالح: بصي يا زينب الحياة علشان تستمر عايزة اتنين يشيلوا الحمل… أوعدك قدام ربنا أكون دايماً في ضهرك لو خفتي في يوم من الأيام أو زعلتي… الحياة لازم نقابل مشاكل بس أنا من يوم ما كتبت كتابي عليك وأنا واخد عهد قدام ربنا إني أكون معاكي أخ وزوج وأب.
حاجز الحرج بينا أتمنى يتشال وتثقي فيا.
زينب بارتباك: بس أنا مش زيك، أنا يعني الصراحة قلتلك قبل كدا إني مكملتش تعليمي ويدوب بقرا كويس، ولما بقرا في المصحف أحياناً بحس إن في آيات مش فاهمه معناها، وكمان كنت بقرا قراءة عادية مش زيك… حافظة من القرآن أربع أجزاء.
أنهت جملتها بحرج شديد وهي تتفادى النظر إليه.
صالح: أولاً ارفعي راسك وأوعي توطيها… وبعدين ياستي أنا روحت فين؟ خلينا نحدد وقت كل يوم أنا أقرالك جزء من القرآن وأشرحلك اللي مش فاهمه وأسمعلك، بس أوعي تتكسفي يا زينب بالذات في الجانب دا من حياتنا.
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسئولٌ عن رعيته، فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ، وهو مسئولٌ عن رعيته، والرجلُ راعٍ على أهلِ بيتِه، وهو مسئولٌ عنهم، والمرأةُ راعيةٌ على بيتِ بعلِها وولدِها، وهي مسئولةٌ عنهم، والعبدُ راعٍ على مالِ سيده، وهو مسئولٌ عنه، ألا فكلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسئولٌ عن رعيته" (متفق عليه).
صالح: يعني أنا مسؤول عنك ومسؤوليتي إني آخد بإيدك، وإنتي تاخدي بإيدي للجنة.
يوم لقيتني بقولك لا مش قادر أنزل أصلي وتعبان… قوليلى طب يلا نصلي سوا وخليك أمامي.
ابتسمت البهية وقد أرضاها قضاء الله حين وقع البلاء.
وقع البلاء ليأتي القدر بما هو ألطف.
استمعا الاثنان لأذان الفجر، فضحك صالح بخفة قائلاً: "وادي الفجر أذن واحنا بنتكلم".
زينب: وطيب الكلام بجوارك.
جزء صغير بس تهور صالح الفصل اللي فات.
هو طبعاً رجل متدين، لكن الأهم عنده عيلة واعية، والأهم إن عنده منهج ماشي عليه.
منهجنا ديننا… تعامله معها بيكون خاص.
لكن تعامله مع الناس وتعاملنا لازم يقتديه أخلاق.
نكمل في الفصل الجاي ونشوف نور وباسل ويوسف، إيمان، وعلي، وحبيبة.
وحقيقي اللي مش هيتكرر.
جلال وحياء.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم دعاء احمد
مالي عليها قائلاً بجدية يغلب عليها الثقة:
"التعديل على العرض.. هو أن أنا اللي هتجوزك."
أبتعد قليلاً ليرى وجهها المتشنج بصدمة.
نظرت له بارتياب وصدرها يعلو ويهبط.
مطولاً النظر لتلك العسليتين القاسيتين المتضح بهما الثقة يصحبها الهيمنة الواضحة.
رفعت عينيها البنية وظلت تتابع ما يحدث، إلا أن حركات شفتيهما وعينيهما تحكي نقاشاً حاداً، رفضاً قوياً من الجبهتين.
صرخت بوجهه قائلة بتحدٍ:
"اطلع برا وهات المفتاح اللي دخلت بيه، مش عايزة أشوف وشك تاني، لا أنت ولا أبوك، ويا ريت تبلغه رفضي للعرض بتاعه. شيلوني من دماغكم.. يارب ياخدني بقى.. أنتم إيه معندكمش رحمة.. اطلع برا."
احتدمت عيناه جاذباً إياها من ذراعها بقوة، قربها منه.
وهو يقول بنبرة خطيرة وعيناه العسلي الضاريتان شديدة الاحمرار:
"مش هبعد يا نور.. هتجوزك والأسباب دي تخصني. وأنا مش هقف أتفرج على تعب سنين وهو بيضيع."
نور: "اطلع برا لو سمحت.. أنا مش هتعصب ولا هزعق بس اطلع برا. أنا مش عايزة أتجوّز لا أنت ولا أبوك.. أنا مش حمل دخول في مشاكل مع ناس زيكم."
هتف بنفاذ صبر:
"مش هيبقى في مشاكل يا نور لو أنتِ معايا، لكن أوعدك إنك هتفتحي على نفسك أبواب جهنم لو فضلتِ راكبة دماغك.. أنتِ متعرفيش زيدان العلايلي."
"انت بتتهددني وعايزين أوافق على عرضك الغريب ده.. طب بص يا ابن الحلال أنا واحدة الدنيا عمالة تحط عليا من كل ناحية ومعنديش مشكلة، لكن إن حد يلوي دراعي يبقى على جثتي. واتفضل بقى اخرج، أظن ده مش أسلوب، أنا قاعدة لوحدي ولو حد شافك هتبقى مصيبة، ترضاها لأختك؟"
باسل بجدية:
"تمام، أنا همشي بس هستنى ردك. فكري يا نور، الفرصة دي مش هتتعوض."
ربطت يديها أمام صدره قائلة بسخرية:
"وحضرتك بقى يا حضرة ناوي تتجوزني عرفي ولا رسمي؟ ويا ترى عرضك ده عرضته على كام واحدة؟ أنا مش للبيع.. علشان أنا مش زيكم، ولو مستني ردي فأنا من دلوقتي بكل احترام بقولك إني رافضة."
وضع يديه في جيب بنطاله قائلاً بجدية تليق به:
"بصي يا نور، أنا مش هجبرك، لا مش بحب النوع ده. أنتِ عندك مطلق الحرية، لكن في النهاية اللي عايز يحصل هيكون، وبإرادتك. سلام يا شبح.. هستناكي بكرة في.. الساعة تلاتة، وأنا مجتش أنتِ حرة."
نور بغيظ: "ما أنا فعلاً حرة، ولا تقدر تجبرني."
زم شفتيه وهو يقترب بابتسامة مراوغة:
"اااامم جدع يا شبح، بس خليكي فاكرة إن اللي أنا عايزه هعمله، حتى لو غصب عنك."
ضيقت عينيها بارتياب قائلة:
"انت سايكو صح؟! اطلع برا واختفي من وشي بدل ما أعمل منك بطاطس مقلية، وانت شكلك بسكوتاية مش هتستحمل.."
ابتسامة جميلة شقت شفتيه، أخذ يقترب بخطوات ثابتة، بينما تراجعت للخلف بضيق وعيناها تشتعل بضراوة.
مالي عليها قائلاً بنبرة مخدرة حادة:
"دور الشبح ده مش لايق عليك.. عارفة تمثليه، لكن مش أنتِ يا نور.. عيونك رغم الغضب اللي باين فيها إلا إنها أضعف بكتير من احتمالك."
ابتعدت قائلة بتحدٍ:
"تيجي بكرة يا نور. سلام."
رغم شعورها بالذهول ومرارة العلقم في حلقها، فهو حقاً استكشف ما تخفيه. إلا أنها أخفت ذلك بمهارة قائلة:
"مش جاية، ويالا امشِ بقى."
اتجه نحو الباب قائلاً بحدة:
"هستناكي، ولو مجتش أنتِ حرة. وابقى اقفلي الباب كويس."
ألقى بالمفتاح على الأريكة قبل أن يغادر شقتها، تاركاً إياها خلفه.
جلست على الأريكة وهي تضم جسدها بيديها، تنهدت بإرهاق وهي تتجه نحو الباب تغلقه جيداً.
---
وصلت سيارة باسل إلى فيلا العلايلي، تركها للخفير ليصفها بالجراج، بينما ترجل إلى داخل القصر المميّز والأنيق.
لا يخلو من التحف النادرة، إن نظرت له تظن وكأنك بداخل متحف لا منزل عائلي.
يخلو منه روح البهجة، شيء ما يفتقده ذلك المنزل الكئيب.
ابتسم وهو ينظر لتلك الفتاة الجميلة تجلس على أحد المقاعد بينما تعمل بجدية وتركيز على أحد المشاريع الهندسية الخاصة بمجموعة العلايلي.
باسل بابتسامة باهتة: "زينة.. جيتي إمتى؟"
زينة: "باسل وحشتني أوي في الكم يوم اللي فاتوا. تعالي اقعد، فيه حاجات كتير في الشغل حابة نتكلم فيها بس مش وقته. صحيح بابا ومروة قاعدين في المكتب وشكلهم كده بيخططوا لحاجة كبيرة سوا، لأن بقاله يجي ساعة ونص."
وضع يديه في جيب بنطاله وهو يصوّب عينيه نحو ذلك الباب المطلي باللون البني اللامع حيث مكتب والده، قائلاً بحدة ولامبالاة:
"زيدان بيه ومروة.. تمام."
استقام، تتمسك في ذراعه قائلة بارتياب من أخيها:
"باسل هتعمل إيه؟! بلاش تهور."
باسل: "لا متقلقيش، مش أنا اللي مفروض أقلق، هما اللي لازم يخافوا."
وضع كف يديه الكبير على يد أخته يبعدها، بينما يتوجه بخطوات ثابتة وعيناه القاسيتان مصوبتان على الباب كأنه يريد اختراقه.
فتحه ودلف إلى المكتب تحت نظرات زوجته السابقة وأبيه.
وضع زيدان السيجار بفمه، ينفثه ببطء وهو ينظر لابنه، بينما جلس باسل على مقعده، يضع قدم فوق الأخرى.
عضت مروة على شفتيها بحسرة، تلوم نفسها على غبائها الذي جعلها تترك ذلك الوسيم، لكن لا يتعلق الأمر بوسامة باسل، بل أيضاً يتعلق بشخصيته القوية ونفوذه وهيمنة شخصيته.
هو دائماً يفوق توقعات الجميع ليجعل أي شخص ينبهر منه، حتى هي!
تجزم أنها لم تشعر بأنوثتها إلا بين يديه.
مروة برقة: "أهلاً يا باسل."
صوت عسليته عليها بلامبالاة، ثم عاد النظر لوالده:
"في اجتماع من غيري؟ ااامم ياترى أي السبب اللي جايب مروة هانم لحد الساعة اتناشر؟ اامم شكله موضوع مهم أوي."
زيدان بجدية:
"وإنت يهمك في إيه؟ مروة كانت هنا معايا، أنا متخصكش."
زم شفتيه بضيق قائلاً:
"أوكي، كملوا كلام، ياله اتفضلوا."
مروة: "باسل، كنت عايزة أتكلم معاك، ممكن."
"بخصوص إيه؟" سألها بحدة.
مروة بغضب وبجاحة:
"بخصوصنا.. فاضل في شهور العدة أيام. إيه هنفضل في لعب العيال ده كتير؟ معقول أنا مروة الخليل بنت وزير ال.. اتطلق.. أنا كنت عارفة علاقاتك وجوازاتك، بس قلت وماله، عدى كله يهون، ولا إني يتقال عليا مطلقة بعد جوازها بكم شهر. وبعدين انت وحشتني.. وحشتني أوي يا باسل، أظن كفاية الفترة اللي بعدناها دي، وتعالى نرجع لو سمحت."
زمجر بقسوة وغضب:
"أولاً، إنتي بغبائك وغرورك وصلتينا للمرحلة دي، وأنا عمري ما حبيتك، وإنتي عارفة إنه بيزنس، از بيزنس. ده كان اتفاقنا من أول يوم اتقابلنا فيه، وإنتي قلتي إنك مش بتدوري على علاقة وجواز، والمهم الشغل اللي بينا وخلاص. يا مروة، البزنس بينا انتهى.. سامعة، فنش.. وموضوع رجوعك ده انسيه."
مروة بغضب:
"فاهم انت بتعمل إيه يا باسل بيه.. انت فاكر إني هموت عليك.. صحيح اللي ذوقه واطي هيفضل واطي. خليك مع اللي شبهك، بس اللي بينا مخلصش يا باسل، مخلصش."
"بعد إذنك يا أونكل."
خرجت من المكتب وعينيها تشتعل بضراوة وقسوة، رغم دفعه لها وكأنها شيء بلا قيمة، تشتغل بداخلها رغبة قوية فيه.
ليس من السهل أبداً تخطي شخصية مثله.
بينما اشتعلت حرب النظرات بين الأب وابنه.
انتهت بمغادرة باسل غرفة المكتب.
_____________________________
في أحد مدن لندن المعروفة بالمعمار، كما يطلق عليها مدينة الضباب.
دلفت تلك الشابة بسيارتها الفارهة إلى جراج الشركة، بينما ترجلت من السيارة بأناقة.
امرأة في نهاية العشرينات، أنيقة، ترتدي ثياب كلاسيكية عملية، تمتاز بشعر أسود قصير يصل بالكاد لرقبتها، عيون بنية واسعة.
تتحدث بحدة في الهاتف.
حنين بضيق:
"اعملي اجتماع مجلس إدارة، وعايزة كل المهندسين المشرفين على المشروع يحضروا في أقل من نص ساعة.. المهندس يوسف الصاوي في طريقه لندن، يمكن يكون في الطيارة دلوقتي. لازم نعمل اجتماع علشان نتناقش في أهم التفاصيل قبل ما يرجع.. بقاله شهرين في مصر، وأخيراً راجع، وهو اللي معاه معظم التصاميم، وهو أهم حد في المشروع ده."
ردت من الجهة الأخرى:
"حاضر يا فندم، هبلغ الكل يكونوا في قاعة الاجتماعات."
صعدت حنين على الأدراج اللامعة وكأنها مرآة كزجاج الشركة الأزرق، كل شيء يبدو مميز وكلاسيكي ملفت.
حنين بخبث:
"دلوقتي ابعتيلي البشمهندسة 'عهد' على مكتبي."
البنت على الجهة الأخرى:
"عهد.. حاضر يا بشمهندسة حنين."
أغلقت هاتفها وهي تقف تستند على حاجز السلم، قائلة بضيق:
"للأسف مقدرش أستغني عنك في الشركة، لا دلوقتي ولا بعد ما المشروع ينتهي.. مينفعش الشركة تخسر مهندس شاطر زيك يا يوسف."
بس طول ما هو مرتبط بمصر هيفضل متمسك بفكرة إنه يرجع لها تاني.
وكمان مراته دي... بس مفيش حاجة صعبة.
أنهت جملتها وهي تضع يديها بجيب سترتها، تدلف بعملية إلى مكتبها.
مر حوالي عشر دقايق.
طرقات مرتجفة على الباب.
دَلَفَت إلى المكتب شابة في منتصف العشرينات بثياب أنيقة، تتكون متوسطة عهد.
عهد: حضرتك طلبتي تقابلين يا أستاذة حنين؟
حنين بجدية: أيوه يا عهد، ادخلي.
دخلت بارتباك وخطوات متعثرة، تخشى من الحديث مع مديرتها، لطالما كانت شخصية حادة متغطرسة.
جلست أمامها على المقعد.
حنين بخبث: عرفتي إن البشمهندس يوسف راجع لندن بكرة وهيكون هنا في الشركة؟
ابتسامة واسعة شقت شفتيها قائلة بحماس:
بجد يوسف راجع... دا أنا فكرت إنه مش هيرجع تاني، بجد دا أحسن خبر سمعته.
صمتت برهة تأنب نفسها على تلك السرعة لتبرر:
أقصد يعني إن البشمهندس يوسف من أحسن المهندسين اللي اشتغلوا في العشر سنين الآخرين، ووجوده هيفرق جدا.
حنين بضيق: عهد أنا عارفة إنك معجبة بيوسف، دا إذا ما كنتيش بتحبيه، أيًّا كان. مش بتفرق معايا المسميات قد ما يفرق معايا البزنس.
عهد بارتباك: حضرتك تقصدي إيه؟
حنين: مش عايزة يوسف يرجع مصر تاني، أو بمعنى أصح لو رجع تبقى إجازة صغيرة. هو فكرة إنه يسيب الشركة دي ينساها.
عهد: ياريت يا بشمهندسة، بجد... بس إزاي؟
حنين: شوفي يا عهد، الشركة دي فيها مهندسين كتير جدا عرب وغيرهم كتير من كل الجنسيات، ورؤساء مجلس الإدارة مش هيفضلوا لكل واحد. عشان كدا أنا عايزاكِ تقنعي يوسف إنه يفضل. يوسف اتجوز من مدة قصيرة بنت عمه على حسب معلوماتي، وهو هيرجع لوحده من غيرها.
استقامت تتحرك في أرجاء الغرفة، بينما نهضت عهد بسرعة.
حنين:
اقعدي يا عهد. شوفي أنا وإنتي بنات ومش صغيرين وفاهمين دماغ الشباب كويس، ومفيش راجل يا حبيبتي بيفضل وفي لواحدة.
وخصوصًا لو حبها واتجوزها بيبدأ الحب يقل ويختفي، ومع البُعد.
يبدأ يتلاشى الحب.
ولو لاقي واحدة تانية تديله الحب دا والاهتمام بيرجع عيل صغير. ممكن يضحي وينسى علاقته الأولى. يوسف لما رجع مصر كان راجع على أساس إن دي إجازة أسبوعين، يعني أكيد مكنش في خططته الجواز ولا فكرة إنه يسيب الشركة.
وواضح إن اللي اختلف هو جوازه مش أكتر. يعني البنت دي هي الرابط اللي مخليه فاضل في مصر.
عهد بضيق وغصة: أيوه فاهمة حضرتك، نفسي أفهم عملت إيه علشان توقعه في أسبوعين.
حنين بابتسامة ملتوية:
كل واحدة وليها سحرها، وأي شاب بيحب يلاقي حد مهتم بيه وبتفاصيله وحياته.
وإنتي يا عهد جميلة ومهندسة ذكية وعندك أهم المميزات اللي تخليه خاتم في صباعك... إنك بتحبيه، وأي واحدة بتحب بتعمل المستحيل علشان حبيبها يكون لها. وإنتي وشطارتك، المهم يوسف ما يسافرش تاني، أو على الأقل ما يسيبش الشركة.
عهد بهيام وحيرة:
تفتكري ممكن يشوفني أصلًا؟ دا طول الوقت قال إيه بيغض بصره وبيخلص شغل يرجع شقته أو يخرج مع حد من المهندسين.
حتى مفيش مرة قبل عزومتي...
حنين:
بصي يا عهد، أنا ممكن أساعدك، وممكن كمان أخليكي في التيم بتاع يوسف، بس اللي قلته يتنفذ.
عهد بسعادة: أنا متشكره جدا، حقيقي متشكرة.
حنين: روحي دلوقتي على مكتبك.
عهد: أوكي... بعد إذن حضرتك.
في منزل يوسف الصاوي.
يقف وهو يضع يديه على مقبض حقيبة السفر، بينما الأخرى تبتسم بود.
إيمان: برضو مش عايزني أجي معاك المطار يا جو؟
ابتسم وهو يقبل قمة رأسها قائلاً بجدية:
معلش يا إيمان، إنتي عارفة مبحبش الوداع. إن شاء الله خير، ادعيلي، وأوعي تنكسلي على مكالماتي، ولو حصل أي حاجة كلميني. وبلاش تفضلي هنا لوحدك، أنا كلمت عمي وهو قال إنه مش هيسيبك، ارجعي معاه البيت. هكون مطمن عليكِ وإنتي معاهم.
إيمان: خلي بالك من نفسك يا يوسف، أنا بحبك وواثقة فيك، بلاش تخذلني. وعارفة إنك هتحقق أحلامك، وإن شاء الله فترة وأجيلك.
تنهد براحة وهو يحتضنها كأنه يودعها.
أخذت نفس عميق تحاول الاسترخاء من زوبعة أفكارها، بينما الآخر مرر يديه على ظهرها بحنان قائلاً:
إن شاء الله، يالا في حفظ الله.
في حفظ الله...
تحرك وهو يسحب حقيبته، يخرج من شقته، بينما يقف في انتظاره تاكسي.
وضع حقيبته في السيارة. رفع رأسه ينظر لشرفة المنزل، أهدته أجمل ابتسامة لها تدفعه بقوة لتحقيق أحلامه.
ركب التاكسي في طريقه لمنحنى أخرى في حياته. منحنى سيغير مسار حياته.
لا تخشى على حبك الحقيقي.
مهما مرت سنوات وطالت المسافات.
لكن اعلم أن نفوس البشر مليئة بالحقد والكراهية. فقط سيظهر لك الأمر وكأنه انتكاسة قوية، من بعدها قضى الأمر.
صعد للطائرة من بوابة الصعود رقم (...)
وهو يردد ذلك الدعاء بداخله:
"الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين.
وإنا إلى ربنا لمنقلبون.
اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى.
ومن العمل ما ترضي.
اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو عنا بعده.
اللهم أنت الصاحب في السفر.
والخليفة في الأهل.
اللهم إني أعوذ بك من عثاء السفر.
وكآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال."
استقر في مقعده في الدرجة الأولى، يغمض عينيه.
ألقى نظرة بعيدة عبر نافذة الطائرة، فالفي كتل من السحاب الأبيض على مرمى بصره تلتقي بأفق رمادي ذي تدرج لوني أزرق وبداية يوم جديد.
أيشتاق لها وما يفترقان.
ما هي إلا مسافات، أما القلوب فهي لم تفترق. وربما تفترق.
طال الانتظار في أحد الكافيهات في أحد الأماكن الراقية في الإسكندرية.
يجلس على أحد الطاولات المنعزلة وبعيدة عن الأجواء المزدحمة، بينما ينتظرها بوجه مكفهر، قد مر على الموعد ساعة وربع.
باسل بغضب:
يبقى إنتي اللي اخترتي يا شبح.
رفع هاتفه على أذنه يجري اتصالًا بمساعده الشخصي.
باسل بجدية:
نيروز، عايزك تعرفيلي نورهان فين دلوقتي؟
رد عليها من الجهة الأخرى بهدوء:
أقل من عشر دقايق هكلم حضرتك.
أغلق الخط، بينما ينفث سيجارته ببرود.
: أيوه يا باسل بيه. هي حاليًا في مصنع القماش اللي في (...) بتاع جلال الشهاوي.
خرج من الكافيه، وقد نوى على فعل شيء ما.
أضْطَجَعَت زينب على جانبها تتأمله في نومه وهي تبتسم برقة حين عقد حاجبيه يهمهم ببعض الكلمات غير المفهومة.
وذراعه تشد من حولها يجذبها إليه قبل أن يعاود الاسترخاء مرة أخرى. دافنا وجهه في عنقها مستغرقًا في النوم، بينما رفعت هي أناملها تدسها بين خصلات شعره الأسود، تمررها بينهم بحنان هامسة لنفسها أكثر مما يكون له، تستغل معرفتها لطبيعة نومه العميق قائلة بسعادة:
أنا شكلي حبيتك. تعرف نفسي تفضل نايم علشان أفضل أبصلك من غير كسوف.
إزاي قدرت تخليي أحبك كدا.
يمكن مقدرش أقولك الكلام دا وأنت صاحي علشان مكسوفة أقولها. وخايفة يكون اللي جواك ليا مجرد اعتبارك إني مراتك وواجب عليك تعاملها كويس. بس مش مهم، أنا يكفيني إني أفضل معاك. كفاية إنك الوحيد اللي عرفت تخليني أفرح بجد. أوعدك إني أفضل أحبك حتى لو أنت محبتنيش.
اللمعت عينيها بسعادة وهو يضمها بين ذراعيه جاذبًا إياها بين أحضانه، تشعر بأنفاسه الساخنة تلفح بشرتها، يريح رأسه بين تجويف عنقها، تنعم بدفئه الغازي لحواسها قبل أن تستسلم هي الأخرى للنوم، لا يشغل بالها أي شيء، فقط تستريح بجسدها بين أحضانه.
بعد مرور يومان.
كانت زينب ترتب أغراضها في حقيبة السفر استعدادًا للعودة للإسكندرية.
بينما صالح يجري عدة اتصالات تخص العمل. زمّت شفتيها بحنق وهي تنظر له، يضع كل وقته به.
خرجت تجلس في الصالون بعد أن جهزت كل شيء، مر حوالي نصف ساعة تقريبًا.
زفر صالح بضيق وهو يتقدم في الغرفة ليجد زينب جالسة باسترخاء تشاهد التلفاز بتركيز، حتى أنها لم تنتبه لتواجده في الغرفة.
تقدم ببطء منها حتى جلس بجوارها على الأريكة لتشهق زينب حين شعرت بيد تلامس شعرها بلطف، التفت لتجده يجلس بجوارها يداعب شعرها بحنان، تنهدت بارتياح ويرتسم على وجهها ابتسامة وهي تهتف بحنق وهي تزم شفتيها للأمام بشكل مضحك:
أخيرًا خلصت شغلك. كل دا في مكالمة.
أجابها صالح بصوت متحشرج وهو يبعد بحنان خصلات شعرها المتناثرة على وجهها للخلف:
معلش يا زينب، كان عندي شغل كتير ولازم نرجع النهارده. عارف إننا مكملناش أسبوع حتى، بس إن شاء الله أعوضهالك مرة تانية وهتكون أحسن، بس معلش استحملي معايا شوية.
أراحت رأسها على ذراعه بابتسامة جميلة.
أنا يا عم مبسوطة كدا والله مش زعلانة إننا هنرجع، بالعكس أنا مكنتش أتخيل إننا نيجي هنا حتى. المكان جميل أوي وكفاية إنك معايا.
طبع قبلة على قمة رأسها بحنان، أغمضت عينيها بسعادة.
صالح بحنو: أجهزي يالا هنتحرك، دوب نوصل اسكندرية على العصر.
زينب: تومام.
ليتجهز الاثنان ويتحركا في طريقهما للعودة.
في بيت حبيبة.
ارتدت فاطمة (والدة حبيبة) حجابها وهي تتجه نحو باب الشقة تسحب خلفها حقيبة التسوق قائلة بصوت عالي نسبيًا:
أنا نازلة السوق يا حبيبة وأخوكي في الكلية.
خرجت من غرفتها وقد بدلت ثيابها السوداء إلى عباية بيتية زرقاء تصل إلى ما قبل كحلها بقليل، رفعت شعرها ذيل حصان تعقده بوشاح أصفر.
حبيبة: ماشي يا ماما وأنا هنضف البيت وأجهز الغداء يكون زياد جه من الكلية.
فاطمة بسعادة: أيوه كدا الحمد لله قلعتي الأسود ونورتي تاني البيت. ماشي يا ضي عيني، وأنا جايلة هجيبلك الفاكهة اللي بتحبيها. سلام يا عسل.
ابتسامة بسيطة شقت شفتيها قائلة:
ماشي يا أم حبيبة، سلام.
بدأت بتنظيف المنزل وتجهيز الغداء، حاولت بجدية الخروج من زوبعة أفكارها التي تهاجمها كلما أغلقت الباب وبقيت وحدها بالغرفة.
جلست على الأريكة في منزلها القديم وهي تستنشق نسمات الهواء الباردة تستشعر الحرية من جديد.
شغلت التلفاز وأتت بأحد المسلسلات التركية والتي كانت تعشقها منذ زمان طويل.
أخذت تقطع الجزر قطعًا صغيرة لصنع أحد الأطباق المفضلة لدى أخيها.
لكن قاطعها رنين جرس الباب.
نهضت لتفتح باب الشقة دون الالتفات لحالتها.
فتحت الباب لتجده يقف أمامها.
ابتسم علي وهو يلمحها أخيرًا منذ أيام طويلة لم يراها، رغم ذلك يطمئن عليها عن طريق والدتها.
علي: إزيك يا حبيبة؟
: بخير الحمد لله.
ازيك يا حبيبة.
أنا بخير الحمد لله، يعني ماشية...
هدى (والدة علي): ازيك يا حبيبة.
اقتربت منها وهي تحتضنها بود:
أنا بخير يا خالتي الحمد لله. اتفضلي.
علي بجدية: خالص يا أمي، أنا هنزل ولما تخلصي كلميني هجيلك.
هدى: ماشي يا حبيبي، ربنا يوفقك يارب.
حبيبة بحرج:
ادخلي يا خالتي.
دلفت هدى مع حبيبة، بينما الأخرى تشعر بالارتباك من تلك المقابلة. تشعر بالحرج قليلاً.
جلست هدى على الأريكة وهي تنظر للتلفاز:
تصدقي إني بحب المسلسل ده. اقعدي يا حبيبة.
جلست بارتباك قائلة:
وحشتيني يا خالتي، ساعات كتير أوي كنت ببقى نفسي أشوفك بس الظروف بقى.
هدى بعتاب وود:
اديك قولتي ظروف وراحت لحالها، يبقى إيه بقى نفضل عايشين في اللي فات ونسيب حياتنا تضيع.
منكرش إني فضلت كتير زعلانة منك ومش طايقة أبص في وشك، يمكن لو كنت شفتك كنت هضربك من غيظي.
عشان أنا أم، أم شافت ابنها وهو موجوع وقلبه مكسور. بس ليه يا حبيبة، دا أنا كنت أمك يا بنتي. ليه مقولتلناش اللي جواكي واللي حصل لزياد. جايز مكناش وصلنا للمرحلة دي.
حبيبة بحزن: يمكن لأنه مقدر ومكتوب.
ربنا أراد إننا نمشي في طريق زحمة وطويل، الدنيا تخبط فينا ونخبط فيها.
حقك تزعلي وتكرهيني كمان، أنا لو مكانك كنت ولعت في أي حد يجرح ولادي.
ابتسمت السيدة بوجه بشوش بينما تمسكت بيد حبيبة بين يديها قائلة بحب:
يبقى سيبي اللي فات يروح لحاله وإحنا نكمل حياتنا. ربنا رحمك من شاكر وأدالك فرصة جديدة لحياتك.
على فكرة، علي قالي آخد منك الورق بتاع الكلية اللي انتي كنتي سحبته علشان يقدملك تاني وترجعي كليتك، فات سنتين يبقى نشد حيلنا كده ونرجع مع بداية السنة الجديدة كمان شهرين.
حبيبة، أنا والله العظيم بعزك وبحبك لأني كنت متأكدة إنك جدعة واستحملتي سنين من بعد ما أبوكي توفى، وإحنا أهلك يا بنتي، لو حصل أي حاجة إحنا جانبك.
وعلى فكرة، أنا مش بقولك كده علشان موضوعك مع علي، لا، أنا بس مش عايزة أخاف وخليكي عارفة إننا في ضهرك.
قوليلي بقى بتعملي أكل إيه حلو؟
حبيبة بسعادة: بسلة بالجزر ورز وفراخ.
لازم نتغدى سوا، أمي نزلت تجيب شوية حاجات من السوق. هدخل أحط الجزر وأزودها. تشربي إيه؟
هدى بابتسامة: وحشني فنجان القهوة من إيدك. عايزة فنجان يظبط الدماغ، حاسة إن مزاجي مش رايق.
حبيبة: من عيوني.
في منزل الشهاوي
دلفت إيمان لمنزل والدها وهي تنادي على والدتها بصوت عالٍ:
حياء: إيه يا بنتي؟ في إيه؟ صوتك جايب آخر الشارع!!
إيمان بسعادة: معلش من فرحتي، وحشتني أوي. أومال فين بابا؟
زفرت بضيق وهي تنظر لابنتها بينما تتجه للمطبخ:
أبوكي نزل الوكالة مع عمك جمال. ياله ادخلي غيري وتعالي ساعديني نجهز الغدا، أخوكي في الطريق هو وزينب ويمكن يوصلوا في أي لحظة. قوليلي عملتي إيه في المستشفى؟
إيمان بحماس: ما هو ده اللي مفرحني، اليوم كان حلو أوي والأسبوع الجاي هدخل عمليات مع دكتور، بس طبعًا هكون مساعد له مش أكتر.
حياء: ألف مبروك يا حبيبة قلبي، إن شاء الله تدخلي عمليات وتكوني الدكتورة الأساسية وتنجحي يارب دايماً.
إيمان بسعادة: يارب. صحيح معاد مكالمة يوسف، هدخل أغير عايز يكلمك.
حياء: والله وحشني أوي، كان عامل جو حلو أوي للبيت، يارب يرجعلك لينا بالسلامة يا ابن الصاوي.
إيمان باشتياق وحب: يارب يا أمي يارب. تعرفي وحشني أوي، رغم إنه بيكلمني كل شوية، بس مش بيكلمني دقيقتين على بعض. حتى بليل بيرجع من الشغل متأخر بيقول إن حصلت مشكلة وغلطة المهندسين عملوها في غيابه ولازم يصلحوا المشكلة دي في وقت قصير.
ابتسمت بهدوء وهي تربت على كتفها بحنان:
معلش يا قلبي، بكرة تكونوا سوا وبعدين لازم تعذريه. يوسف مهندس شاطر وإن شاء الله قريب يفضي وتتكلموا وقت أطول.
إيمان: يارب.
دخلت لغرفة نومها وبدلت ثيابها لأخرى مريحة. في ذلك الوقت صدح هاتفها معلناً عن اتصال.
ابتسمت وهي تأخذ هاتفها بلهفة:
ألو.
يوسف بهيام: مساء الورد يا جميلة.
عضت على شفتيها باشتياق قائلة بسعادة:
مساء النور. بتعمل إيه؟
يوسف بمراوغة: كنت شغال مع واحدة زميلتي إنما إيه. آآآه مزة.
اشتعلت نيران الغيرة بقلبها قائلة بغضب:
وحياة أمك. يوسف والله العظيم انت حيوان وحقير، طلقني يا ابن الإلهام. طلقني بقولك يا أبو عين زايغة، اومال لسه في أول يومين.
تعثر في ضحكة قوية وهو يشير لأحد زملائه على أحد التصاميم، يخرج من المكتب يتجه نحو كافتيريا الشركة.
يوسف بمرح:
معقول يا بيبي بتشكي فيا. دا أنا بريء يا بيه. وحشتني.
إيمان بضيق: وانت لا، اقفل بقى فصلتني.
أغلقت الهاتف بغضب وضيق والغيرة تنهش بقلبها.
يوسف بصدمة: يا بنت المجنونة. طب وربنا بحبك.
لم يستسلم أبداً في الاتصال بها مراراً وتكراراً رغم رفضها الرد عليه في البداية.
حياء: هاتي الموبايل يا هبلة، أنا عايزة أكلمه.
إيمان: كلميه من موبايلك يا ماما، دا واحد رخمه مش رادة عليه.
حياء بعقلانية: بلاش تخسري جوزك بغبائك يا إيمان، بلاش الغيرة تسيطر عليكي، وانتي عارفة ومتأكدة إن جوزك عمره ما يبص لغيرك. ردي عليه وبلاش تهور، الخصلة الزفت دي كانت هتخرب بيتنا. ياله يا حبيبي روحي كلميه.
إيمان: ماشي يا ماما، هكلمه وأمري لله.
أخذت هاتفها لترد بضيق:
أيوه، عايز إيه؟
يوسف بحدة: افتحي الكاميرا. ياله.
امتثلت لأوامره لترد بعد ثوانٍ، لكن ما إن رأته حتى ابتسمت.
استند بيديه على حاجز الدرج وهو يمسك الهاتف بيديه الأخرى:
وحشتني ابتسامتك.
إيمان: وانت كمان وحشتني أوي يا يوسف.
يوسف: عندي بريك نص ساعة، احكيلي عملتي إيه النهارده. وأخبار الشغل إيه؟
إيمان باهتمام: طب، المهم الأول انت أكلت.
يوسف: ما تشغليش بالك، هطلب أي حاجة أو هنزل أتغدى في أي مطعم.
إيمان بخوف: خلي بالك على نفسك، كان نفسي أقولك بلاش أكل المطاعم، بس مفيش غيره، ياريتني كنت معاك.
يوسف: متقلقيش عليا، والله أنا كويس. صحيح في شوية مشاكل لكن بتتصلح وكله ماشي تمام الحمد لله.
إيمان: ماما عايزة تكلمك، ابقي فكرني أديهالك قبل ما تقفل. صحيح حصل حاجات كتير أوي النهارده، كان يوم جميل متعب شوية بس كان رائع.
في اليوم التالي
كانت زينب جالسة مع حياء في ساحة المنزل يتسمران. نظرت زينب للساعة التي بيديها زافرة بضيق، قد تعدت الساعة التاسعة مساءً.
فقد تأخر صالح هذه الليلة ولم يعد من عمله بعد.
همست حياء بخبث وهي تنظر لها بتفحص:
ما تهدي يا زينب، زمانه جاي.
هتفت زينب بغضب طفيف وعيناها مسلطة فوق الباب:
اتأخر أوي يا ماما، المفروض كان جه من ساعتين على حسب ما قال، ودلوقتي عدت تسعة وهو لسه مجاش. المفروض لما يتأخر يكلمنا نطمن عليه ومقلقش كده.
غمزت حياء بعينها بمكر تنكزها في ذراعها بخفة قائلة بمرح:
ياسيدي ياسيدي على الدلع. على القلق والحب يا بختك يا صالح، بس والله يستاهل كل الحب ده.
اشتعل وجه زينب بالخجل تمتمت بتوتر:
صالح حنين أوي يا ماما.
لتكمل وهي تتنهد بخفة ضامة يديها إلى صدرها:
رغم طريقة جوازنا وكل اللي حصل، ربنا عوضني بيه.
هتفت حياء بمرح وقد لمعت عيناها بسعادة:
الله الله يا زينب، دا انتي وقعتي ولا حد سم عليكي.
اشتعل وجه زينب بخجل تمتمت بتوتر:
أنا... أقصد يعني إنه... هو.
قاطعتها حياء بحب وهي تربت على كتفها بحنان:
حاجة واحدة، اوعي تفكري تبرريها. هو الحب يا زينب. على فكرة، أنا شايفة في عيونك لصالح، لأني أنا كمان حبيت وبحب وعارفة الشعور ده. وأنا أكتر حد في الدنيا يتمنالكم السعادة. ربنا يسعدكم يا بنتي وتفرحونا كده بقمر صغير. يارب.
في تلك الأثناء استمعت حياء لجرس الباب لتتوجه زينب تفتحه بلهفة على اعتقاد أنه زوجها، لكن
وجدت سيدة تبدو في منتصف العقد الخامس، بوجه مكفهر يبدو عليها الضيق والاشمئزاز وهي تنظر لزينب.
وراها فتاة تبدو في العشرينات من عمرها، لا تختلف كثيراً عن والدتها في تلك النظرات.
زينب: أفندم؟
شروق بضيق وتعالي:
انتي بقى زينب مرات صالح؟
زينب بطيبة وود: أيوه أنا أفندم.
حياء: مين يا زينب؟
ردت زينب وهي تنظر لهما باستغراب لا يخلو من النفور الغريب:
مش عارفة يا ماما.
ثريا لنفسها: يا محنة، ما انتي أخدتي ابنها من حقك تاكلي بعقولهم حلاوة، شكلك مش سهلة.
ثريا: أنا يا مدام حياء مرات الحج عثمان.
وقفت حياء بجوار زينب وهي تبتسم بود:
أهلاً مدام ثريا، اتفضلوا، أنستوا ونورتوا.
ثريا بخبث وطيبة زائفة:
عثمان قالي إن الحج جلال كان معاكي في العيادة من كم يوم، ألف سلامة عليكي، انتي كويسة يا حبيبتي.
حياء بود: الحمد لله، شوية تعب وراحوا لحالهم.
إحنا هنفضل واقفين كده ولا إيه؟ اتفضلوا اتفضلوا.
صعدت حياء برفقة ثريا، وراهم زينب وشروق.
ضغطت شروق على شفتيها بغضب وغيرة، تلك الفتاة اللقيطة هي زوجة ابن أغنى أغنياء الإسكندرية، حتى إن لم يكن غني فهو أكثر شاب معروف بالشهامة تتمناه أي فتاة تبحث عن زواج جيد.
وشروق تعرفه وتعرف أخلاقه، لا تنكر أنها تمنت أن يتم زواجهما، ولكن يبدو أن خطتها فشلت بسبب زواجه من تلك الفتاة، ولأجل تلك الأسباب.
ومع ذلك لم يتوقف عقلها عن التفكير به وتشعر بالغيرة وهي تنظر لزينب وكم هي جميلة.
حتى إنها تفوق جمال شروق بمراحل، والغريب لا يبدو أنها تستخدم مساحيق التجميل، يبدو وجهها ناضراً مشرقاً. حقاً هو أيضاً محظوظ.
جلست حياء تتسامر معهم، بينما دلفت زينب للمطبخ تحضر القهوة والعصير لهم.
استندت بجسدها على الحائط وهي تنظر لساعة يديها بقلق وارتياب من تأخيره ذلك، تخشى أن يحدث له شيء.
سكبت القهوة بأكواب التقديم.
دخلت الصالون على وجهها ابتسامة بسيطة.
ابتسمت شروق بخبث وهي تزح قدمها للأمام قليلاً.
بينما تعثرت زينب في طريقها، كادت أن تسقط، لكن استعادت توازنها في حين وقعت الصينية من يديها.
فزعت حياء بعد سقوط قليل من القهوة على قدمها.
في ذلك الوقت، دلفت جلال للمنزل برفقة إيمان (أخذها في وقت سابق للتمشية معها).
ثريا بضيق وصراخ بوجه زينب:
مش تحسبي يا غبية، ولا أمك علمتكيش الاتيكيت؟ لا صحيح أمك. دا لو كان ليكي أم.
جلال بغضب وحدة من خلفها:
اطلع بره.
وبلغي جوزك ان الشغل اللي بينا منتهي… اللي يدخل البيت دا يا يحترم اهله ياما ميدخلوش.
نظرت حياء لزينب التي ابتلعت الغصة التي تشكلت بحلقها، مقاومة نوبة البكاء التي صعدت بداخلها من جديد. ترغب كثيرا بأن تشكي لها ما يحزنها ومدى الألم التي تشعر به.
حياء: زينب متقلقيش محصلش حاجة.
لم ترد أن تجرح كرامتها أكثر من ذلك.
ركضت تخرج من شقة جلال، صعدت لشقتها وهي تبكي وتشعر بألم حقيقي.
إيمان بحزن: أنا هطلع…
جلال بهدوء: مالوش داعي يا إيمان… زينب مش هتسمع منك أي حاجة…
ليتابع بحدة وقسوة مخيفة ووجهه خالي من الرحمة:
وأنتم لسه واقفين برا…
ثريا بسرعة: جلال بيه دا… دا سوء تفاهم، أنا بس كنت خايفة على مدام حياء…
اقترب بخطوات مهيبة منها، وعيناه الخضراء اشتعلت بنيران الغضب لتصبح بالون أحمر، قائلاً بقسوة:
لو مخرجتيش من بيتي دلوقتي قسماً برب العزة هيكون آخر يوم ليكم في إسكندرية. برا…
خرجت بغضب من غبائها، لو كانت تعرف أنه يوجد بينهم لما نطقت بتلك الكلمة أبداً. ربما لأنها تشعر وكأنها قادرة على مسايرة حياء.
أم جلال الشهاوي لا يستهان أبداً بغضبه.
المصيبة الآن كيف ستخبر زوجها بما قاله؟ بالتأكيد سيطلقها بعد غبائها ذلك.
***
انفجرت زينب بالبكاء ما إن دخلت غرفتها، ارتمت فوق الفراش تنتحب بشدة، تشعر بألم حاد يعصف بروحها بداخلها. أنقاض. كلما تتحسن يأتي أحدهم لإشعال النيران مرة أخرى بقلبها… ظلت تنتحب، لم تدرك كم مر من الوقت الذي مر عليها. ساعات أم دقائق… لكنها كانت الأسوأ، بطيئة جداً.
بعد مرور ساعة ونصف تقريباً، دخل صالح غرفته بارهاق ليجد الغرفة سابحة في ظلام دامس. أشعل نور الغرفة، يبحث بعينيه عنها، لكنه زفر بإحباط عندما وقعت عيناه عليها مستلقية فوق الفراش وهي غارقة في النوم. لم يرد إزعاجها، بينما اتجه نحو الخزانة ليأخذ ثياباً أخرى ليبدل ثيابه. دلف للحمام ليأخذ حماماً بارداً.
بعد إتمامه تبديل الملابس، اتجه ببطء نحو الفراش ليستلقي فوقه، لكن سمع صوت شهقات مكتومة. تفاجأ بزينب تندس في أحضانه فوراً. استلقى بجوارها على الفراش محيطاً جسده بكلا من ذراعيها وساقيها، دافنة وجهها في عنقه تفتقده وتفتقد شعوراً قوياً بداخلها. انسابت دموعها على عنقه قائلة بضعف:
خليني أنام في حضنك… أنا خايفة.
حاول النهوض بعد شعوره بدموعها تلك وصوتها المنتحب، لكنها تشبثت به بقوة تمنعه من النهوض، قائلة بنبرة أشبه للتوسل:
متسبنيش ياصالح…
انسابت دموعها مرة أخرى وهي تضع كف يديها حول عنقه، تغمض عينيها تشعر بالاحتياج القاتل لاحتضانه. الشعور بالأمان بين أحضانه يكفيها عن العالم بأكمله. حاوطها بذراعيه بقوة جاذباً إياها له، شعر بوخزة ألم قوية في صدره:
عمري ما هسيبك، محدش بيسيب روحه تبعد عنه.
أخذ يمرر يديه على ظهرها ببطء، بينما نامت هي بأمان بين ذراعيه رغم أن النوم كان يجافي رماديتيها… بعد انتظام أنفاسها وسكونها بداخله، تحرك قليلاً ليضيء نور الأباجورة. نظر لوجهها، لكن شعر بذهول وكان البرق صعقه… وجهها أحمر قاني، يبدو وكأنها تبكي منذ وقت طويل وأثر الدموع على وجنتيها. مد أنامله يزيح تلك الدموع، لكن أقسم بداخله أن يعرف سبب تلك الحالة، وحتماً لن يقف مقيد الأيادي، سيجعل المتسبب في دموعها يبكي مثلها. ضمها بقوة له وهو يبتلع الغصة في حلقه، ليجذبها لاحضانه مرة أخرى يحاول النوم، لكن هيهات.. لم يغفِ للحظة واحدة.
***
في أحد معارض السيارات، يجلس رشاد يضع قدم فوق أخرى وهو يرتشف من كأس الخمر، ينظر لتلك الفتاة بتركيز. ملامحها عادية، ترتدي فستان أزرق طويل، تضع وشاحاً أسود على شعرها، تبدو في نهاية العشرينات. قاطع الصمت ذلك مساعد رشاد:
أهي دي بقى "عفت" لسه جايه من الشرقية، إنما إيه بت لهلوبة يا سعادة البيه، تكنس تمسح تعمل أي حاجة.
عفت بضحكة أنثوية صاخبة:
أي حاجة يا سعادة البيه، أومرني بس.
رشاد بتفكير:
بس انتي مش هتشتغلي عندي.
ضربت الفتاة بخفة على صدرها بينما شهقت بذعر:
ليه يا سعادة البيه؟ والله دا أنا شغلي كله زي الفل واشتغلت في بيوت ياما… وكلهم بيحلفوا بشغلي… دا حتى خالد هو اللي قالي إنك عايز خدامة وخلتوني أسيب الشغل اللي كنت فيه.
رشاد بابتسامة ملتوية:
ما انتي هتشتغلي بس مش عندي…
خالد:
أومال فين؟
ابتسم بخبث وهو يتنفس ببطء ولذة:
جلال الشهاوي.
***
في صباح يوم جديد، نهض صالح مبكراً كعادته، لكن تلك المرة لم ينام ولم تغفِ عينيه حتى، جلس بجوارها فقط. الصمت خيّم على المكان، بينما يدور عقله في مئة اتجاه.
فتحت زينب عينيها ببطء لتسمع صوتاً صادراً من الحمام، أغمضت عينيها مرة أخرى بارتباك من فعلتها أمس. من المؤكد أنه سيأتي الآن ولن يتركها إلا بعد معرفة سبب ما حدث. استمعت لصوت الباب يفتح… أغلقت عيناها بقوة محاولة النوم مرة أخرى وهي تسمع صوت الخزانة يفتح.
فتحت عينيها ببطء لتراه يقف يرتدي ثيابه. خرج من الغرفة دون قول كلمة واحدة، رغم علمه باستيقاظه ورؤيته لها بالمرآة. تنهدت زينب بارتياح وهي تحتضن وسادته، تشعر ببعض الراحة.
دخل صالح شقة والده، وجد إيمان تجلس في الصالون تتطلع على أحد الملفات بانتباه.
صالح بجدية: صباح الخير يا إيمان.
إيمان بارتباك: صباح النور… أنا هدخل.
صالح بحدة: استنى عندك، رايحة فين؟
ابتلعت ريقها بصعوبة تنظر لحالة أخيها وعيناه الحمراء، يبدو وكأنه لم ينم جيداً:
كنت هغير وأجهز، أصل لازم أروح المستشفى بدري، كنت شاغلة على حالة و…
قاطعها بحدة وضيق:
إيمان إيه اللي حصل امبارح وخلى زينب بالشكل دا؟
إيمان: طب ما تسأل بابا أحسن، أنا…
"ردي يا إيمان وانجزي"
إيمان بسرعة: شروق وأمها كانوا هنا امبارح وحصل موقف بدون قصد، زينب والفناجين وقعت، وثريا قالت إن زينب متعرفش حاجة عن الأصول وإزاي هتعرف وهي معندهاش أم تربيها، وزينب طلعت على شقتها، لكن بابا طردها وقالها إن الشغل اللي بينه وبين جوزها ملغي، يعني مالوش داعي تعمل حاجة.
اضطربت أنفاسه بقوة وكأنها في صراع حاد وهناك حد فاصل بين الفوز والخسارة، عليه إنقاذ نفسه. صعد لشقته وعيناه تتطاير منها الشرار. فتح باب غرفة النوم، وجدها تجلس على الفراش يبدو وكأنها تستعد للنهوض. فزعت حين رأته أمامها.
صالح بحدة:
قدامك ربع ساعة وتكوني تحت، أنا في العربية، انجزي…
زينب: صالح الموضوع…
رفع سبابته بوجهها قائلاً بحزم:
ولا كلمة، ربع ساعة وتنزلي.
غرست أسنانها بشفتيها السفلية بضيق قبل أن تنهض وتتوجه للحمام.
بعد مدة، جلست بجواره في سيارته، بينما توجه هو إلى منزل عثمان والد شروق. حاول التحدث معه لكن لم يقبل أي نقاش. صف السيارة أمام منزل عثمان. نزلا الاثنان، بينما شعرت زينب بالخوف، لتجده يقترب منها. حاوط خصرها بذراعه يحثها على التقدم معه. صعدا إلى شقة عثمان، فتحت لهم شروق وكان وجهها متورماً وأصابع والدها تاركة أثرها على وجهها بعدما حكت له ثريا عما حدث.
شروق بغضب: انتي جاية لحد هنا؟ يا بجاحتك…
صالح بغضب وحدة: احترمي نفسك وانجزي، نادِ على أبوكي…
عثمان: أنا هنا، اتفضل يا صالح اتفضل…
دخل وهو يشبك أصابعه معها.
عثمان: اتفضل في الصالون، لازم نفطر سوا… الفطار يا ثريا.
صالح بحدة: وأنا مش جاي عشان أُضاف يا حج عثمان، أنا ليا حق وجاي أخده.
عثمان بارتباك: وأنا أدبتها يا صالح، لولا البت اللي حليتنا كنت رميت عليها يمين الطلاق بس…
ثريا بمقاطعة وغضب وتسرع:
وإحنا غلطانين في إيه بقى يا صالح… ولا أكون كدبت لما قلت كدا؟ إيه؟ ولا هتنكر إن الحلوة دي ملهاش أصل؟
لم تكمل جملتها حيث صفعها زوجها بغضب وغيظ من غبائها الذي يخسره الكثير، وأهم خسارة هو صالح الشهاوي وأبيه.
اخرسي بقى يا بنت ال… أنا مش واقف بينكم…
تركها تبكي وشفتيها تنزف أثر ضربة لها.
عثمان: حقك عليا أنا يا صالح… حقك عليا يا بنتي.
صالح بحدة: وأنا مش مستني اعتذار… أنا عايز اللي غلطت هي اللي تعتذر.
عثمان: حاضر حاضر… انطقي يا ولية بدل أقسم بالله أرمي عليكي يمين الطلاق!
ثريا بدموع: تطلقني؟
عثمان: اعتذري.
زينب بحزن واشفاق: مالوش لازمة يا…
بترت جملتها بعد أن رمقها بنظرة حادة قاسية.
ثريا: أنا آسفة يا زينب.
صالح بحدة: زينب هانم…
ضغطت على أسنانها بعنف قائلة بحنق:
أنا آسفة يا زينب هانم…
صالح: وحاجة لازم تحطيها حلقة في ودنك.
زينب مش مراتي وبس، دي بنتي واسمها على اسمي زينب صالح الشهاوي. يمكن منصور مش أبوها، ويمكن متعرفش مين أهلها، لكن من يوم ما اتجوزنا وهي بنتي. على الأقل هي رغم ظروفها إلا أنها دايماً كرامتها فوق الكل، مش زي بنتك اللي كل كم يوم تنطلي في الشغل وأنا عامل نفسي مش واخد بالي وبقول عيلة طايشة، لكن هي معندهاش دم ولا اتربت. أنا لا عمري بصتلك ولا هبصلك، ولا حتى تفرقي معايا لا قبل ما أتجوز ولا بعد. وقبل ما تتكلمي على خلق الله، بصي لنفسك.
غادر من منزله، بينما دوى صوت صراخ حيث ضربها والدها بغضب.
في سيارة صالح، أخذت تفرك في يديها بارتباك وهي تنظر لزجاج السيارة تحاول تفادي النظر لها، ومع ذلك تشعر بسعادة من فعلته تلك. لأول مرة يدافع شخص ما عنها بتلك الطريقة.
صالح بجدية وهدوء:
إيديك هتوجعك من الفرك، بطلي يا بت بقي.
زينب بضيق وهي تزم شفتيها بحنق:
إيه بت دي كمان يا سي صالح؟
صالح بابتسامة جذابة:
بنتي ومراتي… إيه رأيك تحبي أروحك ولا نخرج؟
زينب: عادي، ممكن أروح عشان تروح أنت الشغل…
على فكرة أنا بقلق لما تتأخر ومتكلمنيش.. مش هيحصل حاجة لو كلمتني، مش وزير الداخلية هو يعني، أبو شكلك وأنت مز كدا.
أطلق ضحكة خافتة، مالي عليها طابعاً، قبلة حانية على وجنتها، بينما ابتسمت بسعادة.
"تعالي نتمشى على البحر شوية، وأبقى أوصلك البيت."
زينب: "أوكي."
***
في وقت لاحق، في منزل نورهان.
صعدت السلم بإرهاق، مع تدندن ببعض الكلمات، حتى وصلت أمام شقتها.
دلفت إلى الداخل وهي تخلع حذائها، بينما صدح صوت ضحكات عالية من الداخل.
ابتسمت وهي تنادي على أخيها، حتى أتى صوت والدها.
"تعالي يا نور."
نور بحب: "السلام عليكم ورحمة الله..."
بترت جملتها وهي تنظر له، جالس على الأريكة في مقابلة والدها.
ابتلعت ما في حلقها بارتياب وضيق، وهو ينظر لها بعسليتين مميزتين.
سالم: "تعالي يا نور."
نور بحدة: "إنت بتعمل إيه هنا؟ أنا بلغت والدك..."
قاطعها بصرامة وهو ينظر لوالدها، قائلاً بجدية:
"ممكن تسيبنا نتكلم شوية يا عمي، معلش، بس حابب أصلح سوء التفاهم اللي بينا."
سالم بتعب: "ماشي يا ابني، أنا هدخل آخد الدوا. تشرب إيه؟"
باسل: "مالوش داعي تتعب نفسك."
سالم: "لا والله ما تحصل، قولي تشرب إيه؟"
باسل بابتسامة: "ممكن قهوة."
سالم: "من عيوني."
خرج وتركهما، بينما شعرت بالذهول وهي تنظر له.
"سوء تفاهم إيه؟ إنت قلت لأبويا إيه؟ وبعدين إنت بتعمل إيه هنا؟ أنا بلغت أبوك برفضي، جاي تعمل إيه؟"
وضع ساقاً على الأخرى بغطرسة، بينما أخرج علبة السجائر لينفث سيجارة ببرود، قائلاً بحدة:
"مجيتش في الميعاد ليه؟!"
مسحت على وجهها بغضب وضيق.
"إنت عايز إيه؟ اديني مجتش، عايز تعرف ليه؟ علشان عرضك مرفوض، وأنا مقبلش أكون زوجة لواحد زيك، لا وكمان في السر."
"زي الحرامية يعني، أقل حقوق أي بنت مش هتكون من حقي، لا يا باشا تشكر، مش أنا."
رفع عيناه ينظر لها بوجه خالي من التعبير.
"ومين قال إنه في السر؟"
صمتت للحظات وهي تستمع لما يقول.
"أنا طلبت إيدك من والدك، وقلتله إني شفت في المصنع مش أكتر من كده، وحصل سوء تفاهم بينا، وإني معجب بيك وعايز أتجوزك."
ابتلعت الغصة بحلقها، قائلة:
"والحقيقة إيه؟ إنت عايز تتجوزني علشان تشيل العائق اللي قدامك وتبقى منعت أبويا عني.. لا إنت معجب بيا ولا عايز تتجوزني.. أقصدك بيعة وشروة.. إيه يعني لما تعلن جوازك مني، بس هل فعلاً هيكون جواز طبيعي؟ لا يا باشا، أنا مش موافقة."
نفث دخان سيجارته، قائلاً:
"مين قالك إني مش معجب بيكي.. بالعكس، أنا منكرش ده أبداً، وإنك مختلفة عن الأربعة اللي اتجوزتهم وعن أي واحدة تانية."
شهقت بصدمة ووسعت عينيها بارتياب.
"أربعة؟!! نهار أسود ومنيل، وأنا الخامسة.. اطلع برا.. اطلع برا بقولك."
وقف أمامها وهو ينظر لها بعينان جميلتان.
"أظن الأربعة دول كانوا علاقة هشة، ومفيش واحدة فيهم قدرت تجذب انتباهي حتى."
"شوفي يا نور، وجودك معايا أمان ليك ولأخواتك، وتأمين لمستقبلك ومستقبلهم."
نور: "وياترى هتطلقني بعد قد إيه؟ شهر اتنين؟!"
باسل بغرور وهو يميل عليها قليلاً:
"مين قال إني هطلقك.. أقصد يعني إني مش هعمل كده إلا لما تطلبي ده، لو قدرتي تبعدي عني، أصل أنا برضه مش سهل يا شبح."
سالم: "أحسن فنجان قهوة يظبط الدماغ."
اعتدل سريع وابتسم بود ليجلس بجواره.
"تسلم إيدك يا راجل يا طيب."
سالم: "مالك يا نور؟!"
كانت نظراتها مصوبة عليها منذ دخوله لحياتها، وهناك شيء ما يختلف ببطء وضراوة.
شيء متناقض هو...
نور بخفوت: "مفيش يا بابا، جاية تعبانة من الشغل، هدخل أرتاح شوية بعد إذنك."
تركتهما، وضعت يديها موضع قلبها تشعر بخفقات قلبها المتسارعة.
مر حوالي ربع ساعة، غادر باسل وتركها وقد عبث بمشاعرها منذ أول لقاء.
اعتدلت في جلستها وهي ترى والدها يدلف لغرفتها.
سالم: "كويس إنك لسه صاحية يا قلبي، قوليلي مالك؟"
نور بجدية وكذب:
"مفيش يا بابا، بس إنت عارف ضغط الشغل."
طبع قبلة حنونة على قمة رأسها بود.
"عارفة يا نور، إنتي ربنا هيرزقك بواحد ابن حلال، علشان إنتي بميت راجل.. أنا بقيت زي الكرسي في البيت ده، حتى مش قادر أصرف عليكي إنتي وإخواتك، وإنتي اللي شايلة البيت وكل حاجة على دماغك."
"من يوم ما تعبت وإنتي اللي شايلة كل حاجة، علشان كده ربنا هيكرمك، وبكرة تقولي أبويا قالي."
نور بحدة:
"أولاً، إنت هنا الكل في الكل، وبلاش الطريقة دي يا برنس.. ربنا يحفظك لينا يا بابا، هو أنا أسوى من غيرك؟ وبعدين ما إنت كبرتني وخلتني شحطة أهو، ولو على الشغل فأنا اتعودت خالص."
سالم بود: "إنتي تعرفي الأستاذ ده؟ على فكرة طلب إيديك مني."
نور بخفوت: "ده ده صاحب المصنع اللي اشتغلت فيه أيام العيد، شفته كم مرة. بس موضوع الجواز ده أنا مش بفكر فيه، وبعدين ده مش شكلنا يا بابا، وحياته مش زي حياتي."
"تفتكر لو قلتله هات أهلك وتعالى اطلبها مني هيجيبهم؟ معتقدش."
"أنا حاسة بالضياع يا بابا، محتاجة حضنك."
"شكله شاريكي يا نور.. أنا شايف إنك تفتكري يا بنتي، طريقته بتقول إنه ابن عيلة متربي."
أغمضت عيناها وهي تتشبث في قميص والدها، بداخلها صراع حاد.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم دعاء احمد
صوت طرقات بسيطة على الباب.
خرجت زينب من المطبخ وهي تضع حجابًا على شعرها قبل أن تدلف للصالون.
فتحت الباب، فارتسم على شفتيها ابتسامة هادئة.
زينب بود:
اتفضلي يا ماما.
دخلت حياء وأغلقت زينب الباب خلفها.
حياء:
كنت لسه هنزل بس كنت بغسل هدوم، معلش والله كنت هغير وأنزل لحضرتك.
حياء بحب:
لا متخافيش، أنا مش زي الحموات اللي بيضايقوا لما مرات ابنهم متنزلش ليهم. وبعدين أنتي كمان ليكي بيتك، وده لازم دايما يكون من أولوياتك. تعالي اقعدي، قوليلي لسه زعلانة من اللي حصل امبارح. والله جلال طردها وصفى كل شغله مع الحج سليمان.
جلست بجوارها وهي تتمسك بيد حياء بسعادة.
زينب:
والله العظيم ما زعلانة. عارفة لما عمي جلال قال كدا حسسني إني ليا ضهر، بس منكرش الكلمة وجعتني. بس النهاردة الصبح حسيت إني ملكة الدنيا لما صالح ردلي حقي. أول مرة أحس إني فعلاً ليا عيلة وبحمد ربنا إنه رزقني بصالح.
ثم تابعت جملتها بشجن وتنهيدة.
صالح الوحيد اللي يفرق معايا، هو الوحيد اللي يقدر يسعدني أو يكسرني...
بقى حياتي كلها ومقدرش أعيش من غيره. أنا بحبه... حتى وأنا عارفة إنه ممكن ميكونش بيحبني.
حياء بود:
ومين قال إنه مش بيحبك؟ تعرفي زمان جلال مكنش بيعرف يتكلم عن مشاعره وأنا فكرت إنه مش بيحبني وكنت عايزة أسمعها منه لحد ما حصل شوية ظروف وكنا هنطلق وأنا جالي اكتئاب وقتها. قعدنا سوا لحد ما عرفت إن الحب مش بالكلام. اهتمامه وخوفه وحفاظه دايما على كرامتك، وإن ميجيبش حزن...
ثم تابعت بحماس:
المهم سيبك من النكد ده وخد الشنط دي، قيسي الحاجة اللي فيها.
عقدت ما بين حاجبيها بشك.
زينب:
حاجات إيه؟!
لكزتها حياء في كتفها وهي تغمز لها بشقاوة.
حياء:
بصي، لما كانت إيمان اتخطبت ليوسف أخدتها ونزلت نشتري شوية فساتين وهدوم بيت وكده... والصراحة لما شفت الفساتين دي قلت هتليق جدًا عليكي.
فغرت زينب شفتيها بإعجاب.
زينب:
حلوين أوي... بس ليه كلفتي نفسك، والله صالح مش مخليني عايزة حاجة.
حياء بابتسامة:
ولا كلفت نفسي ولا حاجة. تتهني بيهم يا رب. صحيح النهاردة كلنا معزومين على سبوع "فرح".
زينب:
مين فرح؟!
حياء:
آه فرح دي تبقى بنت جميلة، وجميلة دي بنت أختي شهد... بنتها الصغيرة، وده أول مولود ليها. عقبالك يا رب لما تفرحونا. صحيح بليل البسي الفستان الأسود، هيليق أوي عليكي بجد. جميل، ادخلي قيسيه دلوقتي وإن شاء الله يطلع مقاسك.
أخرجت ذلك الفستان لتمسكه بين يديها بإعجاب.
زينب:
ده جميل أوي...
حياء:
فعلاً هتكوني زي القمر. وبلاش توريه لصالح، ابقي تعالي غيري تحت مع إيمان.
زينب:
اشمعنى؟!
حياء:
علشان أنا عارفة ابني لو شافك بالفستان ده هيحلف عليكي ما انتوا نازلين. المهم ابقي تعالي وانزلوا مع جلال وصالح لما ييجي من الشغل، يبقى يجلنا على هناك. أنا هنزل دلوقتي علشان لازم أكون مع شهد، عمالة ترن عليا أصلاً علشان نعبّي السبوع سوا.
زينب:
تمام، ويا رب تتهني وتبقى أحلى عروسة وبنوتة يا رب.
حياء:
يارب. أنا هنزل دلوقتي، يالا سلام.
زينب:
مع السلامة.
ما إن أغلقت الباب حتى ابتسمت بانبهار وهي تنظر لذلك الثوب. دلفت لغرفتها، أسرعت في تبديل ثيابها لترتديه.
نظرت للمرآة بذهول وهي تنظر لذلك الثوب المحكم حول جسدها يبرز تفاصيلها الخلابة.
أسود به خيوط فضة مشغول بها.
لمعت عينيها بشدة وهي تمر فوق حنايا جسدها والتي أبرزها الثوب وقماشه اللامع كأنه مرسوم بدقة عليها.
فجسدها هو من يعطيه الروح وتلك الروعة.
زينب بخوف:
عندها حق، لو صالح شاف الفستان ده مش هيخليني أعدي برا البيت أصلاً. دا أنا نفسي عيوني بقت تطلع قلوب عليه... جميل أوي... هاخد رأي إيمان الأول، هي برضه عارفة أخوها. أعتقد صالح زمانه جاي من الوكالة علشان يتغدى، لازم أغير فورًا.
بدلته سريعا لتضعه في الخزانة. وضعت الحجاب على شعرها باهتمام قبل أن تخرج من الغرفة، تأخذ مفتاح الشقة.
***
جلست زينب بجوار إيمان منذ نزولها، أخذت تقص عليها ما فعله صالح في الصباح وكيف رد كرامتها أمام تلك المرأة المتكبرة.
حتى جاء على ذكراها ذلك الثوب.
نهضت زينب من فوق الفراش لتقف أمام إيمان بحماس وسعادة تشير على جسدها، غافلة تمامًا عن الذي أتى منذ قليل يقف مستندًا على إطار الباب، وعيناه تتابع بشغف حركات يديها فوق جسدها وهي تقوم بوصف الثوب بانبهار، وعينيها تكاد تشع بالقلوب أثر سعادتها المطلقة.
ليشعر بنبضات قلبه تتعالى وتتسارع وهو يرى تلك الطفلة بداخلها وكأنها تصف كنزها الثمين وسعادتها، وكأنه يوم العيد.
زينب بحماس:
بصي كأنه اتصمم مخصوص على جسمي... لونه أسود رقيق جدًا، بصي يهبل يا إيمان. هو مش ضيق بس جميل أوي أوي لدرجة إني لأول مرة أعاكس نفسي بالشكل ده... تفتكري أخوكي هيخليني أروح بيه السبوع؟
أتاها صوته من خلفها وهو يدلف إلى الغرفة يضع يديه في جيب بنطاله قائلاً بحزم:
ليه متجوزة سوسن إن شاء الله؟
أغمضت عينيها بشدة وهي تضغط على يديها بعنف، بينما إيمان خرجت من الغرفة بوجه متشنج. هي تعرف أخيها جيدًا، وغيرته نيران يمكنها أن تحرق الجميع. أغلقت الباب خلفها.
جلس أمامها على الأريكة وهو يضع ساقًا على الأخرى، ونظراته المتفحصة تكاد تحرقها حية.
صالح:
ها يا زينب، فين الفستان الرائع ده؟
ابتلعت ما بحلقها بارتباك قائلة بتعلثم:
صالح مالوش لازمة يعني... هو فستان عادي زي أي فستان و...
سألها مرة أخرى من بين أسنانه بتحذير:
فين الفستان ده يا زينب، متعصبنيش؟
زينب:
فوق في الدولاب.
أجابته بحنق وغضب.
استقام مرة أخرى وهو يشبك أصابعه معها جاذبًا إياها نحوه.
صالح:
تمام، يبقى نطلع شقتنا ونشوف الموضوع ده.
زينب بخجل تغرز أسنانها بشفتيها السفلية قائلة بحرج:
ممكن تسيب إيدي؟ أصل يعني واضح إن عمي جه وإيمان، والله ما ههرب بس سيب إيدي، انتي بتوترني. نطلع شقتنا وأبقى أعمل اللي أنت عايزه.
ابتسم بخبث وهو يميل عليها قائلاً بمراوغة:
أولاً انتي مراتي، ثانياً عندك حق نطلع شقتنا الأول، أنتي اللي حكمتي على نفسك.
زينب بضيق وصراخ بوجهه:
على فكرة أنت قليل الأدب، وبعدين بطل توترني لو سمحت. أنا مبقتش عارفة أنت مالك بالظبط، اعقل، افرض حد دخل وشافنا كده.
ابتسم هامسًا بغضب زائف:
الله الله يا ست زينب، صوتك بيعلي وإيدك بتطول كمان.
ارتبكت زينب وأخذت تمسد فوق ذراعه قائلة بقلق يتوهج وجهها بخجل:
والله ما قصدي يا صالح بس أنت بتوترني.
كبل خصرها بذراعه يقف أمامها مباشرة بينما تحاول الإفلات منه بارتياب.
صالح بخبث:
بوترك... أنا فعلاً غلطان، بس الغلط عليكي انتي كمان. بذمتك في واحد يشوف الجمال ده كله ووشك بيحمر كده ويسكت؟ ده حتى يبقى حرام.
ابتسمت بسعادة وهي تضع يديها على عنقه بدلال قائلة بغيرة:
صالح، البنت اللي اسمها شروق دي فعلاً كنت هتتجوزها؟ أصل أكيد مش هتتكلم معايا بالطريقة دي إلا لو كانت غيرانة. أنت كنت معجب بيها أو حاجة.
صالح:
تفتكري لو معجب بيها هعمل اللي عملته؟ صدقيني، أنتي أول واحدة في حياتي.
زينب بثقة وحدة:
والأخيرة.
صالح بغمزة:
أنتي وشطارتك.
قبضت على عنق قميصه بغضب وغيرة.
زينب:
والله!
تعثر في ضحكة قوية وهو يمسك يديها بين يديه قائلاً بخفوت خافضًا صوته:
لو جه يوم وانتِ مش فيه، اعرفي إني أنا كمان مش عايش.
ابتسمت بخفوت وهي تضغط على يديه بسعادة طفولية رقيقة هامسة لنفسها:
وقتها أنا كمان هكون مش عايشة.
خرجا الاثنان معًا، بينما نظرت إيمان لزينب بارتياب.
جلال:
إيه ده، أنتم هنا؟
صالح:
آه، بس هنطلع.
جلال:
استنوا نتغدى سوا.
صالح بخبث وغمزة:
معلش يا حج، محتاج زينب في كلمتين.
جلال:
والله؟ ماشي يا ابن الشهاوي، اتفضلوا.
ربت صالح على كتف والده باحترام بينما صعد لشقته.
جلال:
طبعًا مفيش إلا أنا وأنتي هنا.
إيمان:
آيوة، ماما راحت لـ عمتو.
جلال بحدة:
اممم...
ماشي يا بنت الهلالي
جلس عاقد حاجبيه بشدة، بينما يتطلع إليها وهي تقف أمامه تفرك بكلتا يديها بقلق. ليكرر حديثه مرة أخرى، لكن بصوت ثابت بطيء:
"روحي يا زينب هاتي الفستان، وبطلي حركاتك دي عشان بتعصبيني."
توترت أكثر وهي ترى الجدية على وجهه. لا سبيل للفرار منه الآن.
مشيراً بعينيه نحو الخزانة الخاصة بها، لتستسلم أخيراً وتتجه ناحية خزانتها. أخرجت ذلك الثوب الأسود، يبدو عادياً.
رفعته أمامه بيد مرتعشة، أمام ناظريه تقف متوترة في انتظار هبوب العاصفة.
بضيق وغضب، قائلة بحنق:
"أهو دا بقى، ماله دا؟ زي الفل والله، جميل ومقفول وطويل و..."
قاطعها بهدوء، وهو يهز رأسه بشك:
"فعلاً جميل ومفيهوش حاجة. اومال خايفة كدا ليه؟"
زينب بهدوء زائف:
"لا أبداً، أنا قلتلك حلو بس انت..."
قاطعها ببرود وغيره، وعيناه تمر بإدراك على جسدها، قائلاً بصوت خافت مريب:
"البسي الفستان يا زينب..."
كادت أن تبكي، وحلقها قد جف، تشعر بانعقاد معدتها. تتعلثم بالحديث قائلة:
"يا صالح، ملوش لازمة. وبعدين انت أكيد راجع الشغل، هحضرلك الغداء."
زفر بغضب يحاول الهدوء، وعيناه على ذلك الثوب:
"قسماً بالله يا زينب، لو ما شوفت الفستان دا عليكِ، ما انتِ خارجة من باب الشقة."
شعرت بالإحباط واليأس، هامسة لنفسها بحزن:
"يبقى كدا ضمنت إني مش هخرج أصلاً..."
أخذت ذلك الثوب، دلفت نحو الحمام تبدله. نظرت مرة أخيرة لنفسها في المرآة، وهي ترى روعة الفستان عليها، قائلة بعبث:
"ضمنّت مفيش خروج..."
حلت عقدة شعرها الأسود لينسدل بجاذبية يلتف حول جسدها. تكتمل روعة تلك اللوحة الفريدة من نوعها، بينما أخذت نفساً عميقاً ببطء.
فتحت الباب بالتدريج، تخرج أمامه لترى عينيه تمر بدقة عليها.
العيب ليس في تصميم الثوب أبداً، لو كان على أخرى لن يكون بتلك الجمال، يسلب العقول.
استقام، واضعاً يديه بجيب بنطاله، أخذ يدور حولها، وعيناه لا تخلو من نظرة الانبهار. رغم طول الفستان واحتشامه، إلا أن ما بداخله مميز... مميز جداً.
تمتم ببعض الكلمات غير المفهومة، ثم أخرج لعنة مخنوقة، قائلاً بحِدة غير قابلة للنقاش:
"لا، استحالة حد يشوفك بالفستان دا، غيريه، والا مفيش خروج..."
جاذباً إياها لصدره، قائلاً بصوت أجش أثر مشاعره:
"زينب، الفستان دا استحالة حد يشوفك بيه. دا ليا أنا وبس..."
زفر صالح بغضب وغيره من فكرة أنه من الممكن أن يراها شخص آخر، ليشعر برغبة قوية في الانقضاض على أي شخص يقترب منها.
مشعلة بداخله مشاعر لم يختبرها من قبل، تقفز في رأسه أفكار سوداء بأن شخصاً آخر يمكن أن يراها كذلك. تتغير تلك المشاعر لنيران محرقة، بينما تنظر له تحاول استكشاف ما سيفعله. لم يمهلها فرصة، وهو ينحني مقبلاً إياها بنعومة وضيق حِدة.
كل المشاعر المتناقضة، نازعاً منها استجابة خجولة مستسلمة لعاصفة مشاعره الهوجاء، تعصف بها مبعثرة مشاعرها.
***
في المساء
وقفت أمام المرآة بغضب، وهي تنظر له بضيق، وهو يرتدي حلة رسمية سوداء في غاية الأناقة. بينما ارتدت هي ثوباً سماوياً اختاره هو بنفسه، مع حجاب أبيض جميل.
يرفض، رافضاً قاطعاً أن تضع أي لمسة من المكياج.
زينب بضيق وخجل ممزوج ببلاهة:
"على فكرة دا مش عدل، انت تلبس وتبقى زي القمر، وأنا ألبس على ذوقك."
ابتسامة جانبية شفت شفتيه، قائلاً بغباء:
"والله لو عندك اعتراض، ممكن منروحش السبوع خالص، وأقعد أقنعك بنفسي، وأظن إني بعرف أقنع كويس."
لكزته بخجل في كتفه، قبل أن تخرج من الغرفة سريعاً، تشعر بسعادة عارمة. شعور غيرته يجعلها تشعر وكأنها مميزة.
خرج بعد ثوانٍ، قائلاً بحِدة يملي عليها أوامره:
"إيديكِ متسبش إيدي طول الليلة، ولا تبعدي عن عيني، فاهمة... ضحكة كدا ولا كدا، كلام مع حد غريب، انتِ حرة."
لم يستمع لاعتراضها، ممسكاً بيديها، يخرج من الشقة وهي خلفه.
بعد مرور وقت
صف سيارته أمام منزل عمته. ترجلت إيمان وزينب من السيارة.
إيمان بحماس: "هسابقكم أنا... ياسمينة وحشتني."
ترجلت زينب من السيارة أخيراً، وهي تنظر له بحنق تخفي بمهارة سعادتها.
لفت يديها على مرفقه، صعدا الاثنان معاً.
يشكلان ثنائياً رائعاً مميزاً.
كانت حياء تقف بجوار جلال، بينما النساء يشكلن دائرة كبيرة يتراقصن. بينما تجلس شهد أرضاً وهي تحمل حفيدة بسعادة، تتغنى الفتيات بمرح.
نظرت حياء نحو الباب، لتجد ابنها وزوجته قد وصلا أخيراً.
زمت شفتيها بضيق، قائلة بهمس:
"شفت يا جلال... ابنك عمل اللي في دماغه. والله العظيم أنا هيجرالي حاجة منكم، واخد طباعك، استغفر الله... قالتله بلاش يشوفه، بس إزاي دا أستاذ..."
جلال بضحكة خافتة تزيد وسامته رغم الشايب، مازال وسيم جميل:
"بذمتك مش كنتي بتفرحي لما بيغير عليكِ؟"
أخذت نفساً عميقاً، رافعة رأسها تغمز له بشقاوة:
"منكرش إنها حلوة أوي."
تعثر في ضحكة قوية أثر مشاغبتها، وهو يضمها.
مر وقت طويل.
تقف بجواره، يمسك يديها، لم يتركها للحظة، إلا عندما نادته "شهد". ابتسم، وهو ينحني، يجلس على ركبتيه، يحمل المولودة برفق. ضحكت بوجهه، تنهد بسعادة وهو يطبع قبلة على قمة رأسها.
"مبارك يا جميلة، تتربى في عزكم."
جميلة: "عقبالكم يا صالح..."
كانت تنظر له بعيون مشعة بسعادة، قبل أن يقف أمامها ذلك الشاب، يبدو في بداية العشرينات، يرتدي البذلة العسكرية، يبدو عليه الحماس والشياكة.
مد يديه ليصافحها، قائلاً بجدية:
"الرائد مراد حليم... ممكن نتعرف برنسيس؟"
عقدت ما بين حاجبيها، وهي تنظر ليديه بحدة، قبل أن يضع صالح يديه بيد ابن عمته، يضغط عليها بقوة:
"زينب الشهاوي، مراتي..."
مراد بذهول: "مكنتش أعرف إن عروسة صالح حلوة أوي كدا... يا بختك بيها."
ابتسم صالح بحِدة، وهو يضغط بقوة على يد مراد، اقترب منه قليلاً ليهمس بالقرب من أذنه، قائلاً:
"لو مش عايز سبوع بنت اختك يبوظ، ابعد عن مراتي أحسنلك يا مراد، والا المرة دي مش هترجع على التدريب العسكري، لا يا حبيب أمك... أوعدك هتبات في مستشفى العظام، أول ظابط في الجيش يترنح قبل ما يخلص كليته..."
جف حلق مراد بارتباك، قائلاً بنفس الهمس:
"ياريتني كنت هنا وقت جوازكم، وقتها صدقني كنت هانافسك عليها..."
كاد أن يصرخ من قبضة صالح، وهو يجز على أسنانه بغضب، قبل أن يضربه بقدمه بحركة سريعة، وهو يلوي ذراعه، ليسقط مراد أرضاً.
التفت الجميع له، بينما ابتسم صالح، وهو يتراجع للخلف خطوتين بمنتهى الثبات، يحيط خصرها بذراعه، يعلن عن ملكيته لزوجته.
بينما نظر الجميع لمراد، ليسمعوا صوت ضحكة فتاة، قائلة بمراوغة وهي تغمز له بشقاوة:
"الهيبة راحت يا سيادة الرائد، مستقبلاً."
حياء بغضب: "شفت ابنك عمل إيه في ابن عمته، والله العظيم نسخة منك، ربنا يستر والليلة دي تعدي على خير."
اكتفى بطبع قبلة حانية على رأسها.
التفت صالح بعدها إلى زينب، يمسك بيدها ويسحبها خلفه، متجهاً إلى الخارج بخطوات سريعة، حاولت أن تجاريه فيها، وهي تقول بلهث:
"على فين يا صالح... أنا لسه عاوزة أتفرج..."
توقفت خطواته بغتة، يلتفت إليها، لترتطم بصدره، تنظر إليه مضطربة، وهو يقول بوجوم وحِدة:
"عاوزة تتفرجي؟! دانا اللي هفرجك دلوقتي... تعالي معايا."
ثم جذبها خلفه مرة أخرى، غير مبالٍ بما قد يحدث أو يقال عن اختفائهم هذا.
ربما بدأ جنون الحب.
ترى إلى أين سيأخذكما!
***
في بيت نور
جلست على الأريكة بعد يوم عمل طويل.
وحيدة، فقد خرج والدها وأخواتها.
أخذت ترتشف من كوب الشاي، كأنه مشروبها المفضل. تمسك بيديها قلم رصاص، تضع على قدمها دفتر رسم.
تنظر لتلك الرسمة بابتسامة مبهمة، وهي ترسم عيونه الضارية، تسترجع ذاكرتها في رسم ملامحه الوسيمة.
رغم أنها لم توافق على طلبه بعد، أو حتى تفكر بالموافقة، فقط الرسم هوايته المفضلة، وملامحه الجذابة لا تُنسى أبداً.
خمرية بشرته. عيونه القاسية. ابتسامته اللعوبة. غطرسته في جلسته. كبرياؤه.
جميل هو.
رفعت شعرها في كحكة فوضوية، تاركة خصلتين متمردتين على وجهها، ترتسم ابتسامة خبيثة، وتظلل موضع القلب بلون الأسود.
وضعت الرسمة على الطاولة أمامها، وهي تتجه نحو الباب، بعد أن وضعت حجابها، تستمع لصوت طرقات عليه.
نور: "ثواني جاية أهو."
فتحت الباب، لترى أمامها سيدة أنيقة، تبدو في منتصف العقد الخامس، أنيقة جداً، تبدو راقية.
تتأمل نور بعناية من وجهها حتى أخمص قدميها.
نور بارتياب: "أفندم، مين حضرتك؟"
نيرة بهدوء: "نيرة العلايلي... والدة باسل العلايلي."
جزت نور على أسنانها بضيق، لمجرد ذكر اسمه... شعور متناقض هو.
ربما تكره المشاكل التي أصبحت بها منذ أول لقاء في المشفى...
نيرة بجدية: "مش هتقوليلي اتفضلي، ولا إيه؟"
نور: "لا طبعاً، إزاي، اتفضلي يا مدام نيرة."
دلفت تلك السيدة إلى الصالون، لتقف نور وراءها، تشعر بصدمة واارتياع. تقدمت للداخل بسرعة، لكن قد فات الأوان.
وجدت والدته ممسكة بالدفتر بين يديها.
التفت لتلقي نظرة على نور، قائلة:
"ممكن نتكلم شوية..."
عضت على شفتيها بحرج، وهي تغلق الباب، لتعود مرة أخرى، تجلس بجوارها، قائلة بتهور:
"لو جاية عشان تبعديني عن ابنك والجو الهندي دا، أنا أصلاً مش عايزة الجواز دي، وقالتله ألف مرة، بس هو عنيد، مش ذنبي."
وضعت تلك السيدة على كتف نور، تربت عليها بحنان، قائلة:
"ومين قالك إننا في فيلم هندي..."
"شوفي يا نور، من مدة قصيرة، أنا طلبت من باسل يرد مراته، رغم الخلافات اللي بينهم، بس قلت أكيد هتتحل... أنا أم... نفسي أشوف ابني عايش حياة مستقرة، بعيد عن حياة أبوه، اللي لو عاشها هو كمان هيبقى بيدمر نفسه."
نور باستغراب: "حضرتك تقصدي إيه؟"
نظرت لتلك الرسمة بحب، ولتلك البقعة السوداء موضع قلبه، قائلة بمرح طفيف:
"شكلك معرفتيش باسل يا نور... قلبه مش أسود على فكرة... بس هو اتربى في أسرة مش مستقرة، ويمكن أنا السبب."
"رغم إني كنت عارفة جواز زيدان المتعدد، لكن كبريائي منعني إني أطلب الطلاق في أول جوازنا... وحصل بعد كدا، الحمل جه للدنيا، أجمل طفل ممكن تشوفيه."
"باسل أكتر إنسان حنين في الكون... كان حابب يبقى وكيل نيابة، وفعلاً بقى... لكن من مدة قصيرة، قدم استقالته على إدارة المجموعة، هو وأخته ووالدهم."
نور بحزن: "ساب النيابة..."
نيرة: "حصل... دلوقتي تركيزه كله للمجموعة، وخصوصاً إن زيدان بقاله فترة بعيد عن الشغل. هو كان في الأول بيحاول يوفق بين شغله في المجموعة وشغل النيابة، لدرجة إن أيام طويلة مكنتش بشوفه..."
هو شايف إن لازم يكون في حد أفضل منه في المكان ده، وإلا ميستحقوش.
نور: طب هو أنا المفروض أعمل إيه؟ أنا برضه مش فاهمة سر الزيارة دي؟
نيرة: أنا يمكن بعيدة عن المجموعة وعن زيدان، لكن ليا عيون في الشركة وعند زيدان.
من فترة عرفت طلب زيدان إنه يتجوزك، وبعد كده طلب باسل. على فكرة أنتِ حالة استثنائية في جيّاته.
باسل أي واحدة اتجوزها كان بيعمل كده في السر وبيِقضي كام يوم معاها وبيطلقها.
حتى مروة اللي اتجوزها رسمي كان عشان البزنس وجوازهم مطولش وهو طلقها.
ويمكن لما طلب إيديك كان برضه عشان يوقف أبوه عن اللي بيعمله، لكن مع تعديل بسيط إنه المرة دي ولأول مرة يعجب بواحدة.
علشان كده طلب إيديك رسمي.
نور: على فكرة أنا بكلامك ده أخاف أكتر، ويمكن أرفض. وأنا عارفة إنه مجرد إعجاب وعناد قدام أبوه. العناد هينتهي مجرد ما يكتب كتابه عليا، ده لو حصل.
ولو إعجاب فأنا آسفة. ابنك عنده تجارب كتير وأنا مش هكون أول واحدة في حياته، فهماني؟ يعني أكيد أعجب باللي اتجوزهم، يعني في الآخر بعد ما تنطفي شعلة الإعجاب دي أنا هانكسر على إيد ابنك لما يطلقني ويرميني زيي زي أي واحدة من اللي عرفهم. وأنا زي أي بنت منكرش إني نفسي أتجوز جوازة كويسة، لكن لو على حساب سعادتي معاه، لأ أنا آسفة مقدرش.
ابتسمت السيدة بحماس وهي تمسك بيد نور بقوة وسعادة.
:وهو ده اللي بيميزك يا نور. أنا على فكرة بقالي مدة بتابعك كويس أوي، كنت فاكرة إنك زي الباقيين، لكن أنتِ مختلفة، مميزة.
عارفة فين كرامتك وبتدوري على مكانها، بتروحلها، مش زي أي واحدة هو قابلها.
باسل محتاج واحدة تغير حياته. واحدة تملك قلبه وتسيطر على كل ذرة من تفكير.
بس تكون البنت الصح. البنت اللي تحافظ على كرامته وشرفه، بنت لما يغلط تعاتبه ومتخافش. عاقلة ومتحملة المسؤولية زيك.
صدقيني يا نور، البنت دي هتكون محظوظة، لأن باسل قلبه عليه شوائب، لو اتمحت هيديكي حب العالم ده كله.
نور بحيرة: وإزاي أشيل الشوائب دي؟
نيرة: كان في مقولة زمان مقتنعة بيها.
"العلاج الوحيد للكراهية هو الحب الصادق". أنا عارفة إن اللي هقوله ده ممكن تعتبريه مخاطرة، بس أنا بطلب منك تدخلي حياته، وافقي وابدأي معاه.
صدقيني زي ما أنتِ بتغيري فيه، هو هيغير فيكِ. الخوف اللي متداري في عيونك ده مش هيبقى موجود. هتحبي الحياة معاه.
باسل مش سهل. لكن لو حب هتكوني ملكه، هو هيعمل كل حاجة عشان تكوني سعيدة.
نور بحيرة: لو حضرتك مكاني هتعملي إيه؟
نيرة بارتياب: هخاف أقرب وأجازف، لكن أنتِ عملتي أول خطوة. باسل عمره ما كان هيطلب إيد أي واحدة من اللي عرفهم عن طريق أبوه، عمره ما هيطلب إيديها رسمي.
وإنتِ قدرتي تخليه يعمل كده. ممكن تدي نفسك فرصة.
نور بشك: هأواجه مشاكل؟
نيرة بابتسامة: هنحلها سوا.
نور: ممكن تسبيني أفكر.
تنهدت نيرة بارتياح وهي تربت على كتف نور بحنان قائلة:
:طبعًا، وإن شاء الله خير. على باسل ميعرفش حاجة عن الزيارة دي.
***
تقدمته لداخل الغرفة، تتجه إلى الفراش، تجلس عليه، زافرة، ثم تزم شفتيها بحزن، بينما وقف هو يتطلع إليها بهدوء لبضع لحظات، يراها وقد زادت هي من ضم شفتيها.
وهي تضع كفها أسفل وجنتها، تستند عليه، متنهدة بحزن، فيبتسم بحنان، يتبدد معه غضبه تمامًا، وهو يتحرك باتجاهها، يسألها بهدوء:
:ممكن أعرف أنتِ زعلانة ليه دلوقتي؟ أنا اللي المفروض أقلب الدنيا، مش أنتِ.
لم تجبه، بل ظلت على وضعها، ليتقدم منها جالسًا بجوارها، ملاصقًا لها، فتحركت مبتعدة عنه فورًا بضع بوصات، فضحك صالح عاليًا قائلًا برقة بعدها:
:لأ، ده الموضوع كبير بقى. وأنا لازم أصالحك.
التفتت إليه بوجه حزين قائلة بتحذير طفولي:
:ابعد عني لو سمحت يا صالح، علشان أنا زعلانة دلوقتي.
اقترب منها بغتة، يختطف قبلة سريعة، اختطفت معها دقات قلبها، حين همس لها:
:طيب مانا بقولك هصالحك يا عيون صالح.
مد أنامله يعبث بخصلات شعرها الثائرة بجمال حول وجهها، بعد أن نزعت حجابها، يسألها بجدية واهتمام:
:زينب، أنتِ زعلانة ليه دلوقتي؟
رفعت عينيها له، وعلى وجهها يرتسم الحزن بشدة، جعل قلبه يتلهف عليها قلقًا، وهي تجيبه بهمس:
:أولاً عشان بتزعقلي وفجأة مشينا، وكان أنا اللي قلت للشاب ده يجي يكلمني.
وثانياً عشان دي أول مناسبة أحضرها معاك، كان نفسي ألبس الفستان ده.
أنا آخر مرة حضرت مناسبة كان من يجي أربع سنين، حتى في جوازنا...
صمتت، في حين أدرك صالح ما تريد قوله ويزعجها، يتذكر جيدًا ما تتحدث عنه، حيث كانت ظروف زواجهم خاصة وسريعة، لم تشعر بسعادة كأي فتاة.
يلف كتفها بذراعه، يجذبها إليه، لتستند برأسها فوق كتفه، وأنامله تلامس وجنتها برقة، وهو يهمس لها بحنان، محاولًا الاعتذار والتبرير لها، في سابقة هي الأولى من نوعها:
:غصب عني يا زينب. الليلة كانت فوق احتمالي. نظرات عيون اللي حوالينا ليكي. وآخرهم الحيوان اللي اتجرأ ووقف جنبك وكلمك. كل ده خلاني مش متحمل أسيبك وسطهم دقيقة واحدة. عارف إنك مفرحتيش زي باقي البنات في الفرح، وخصوصًا كل حاجة جت بسرعة. بس صدقيني لو رجع بيا الزمن كنت هعملك كل حاجة زي ما بتتمني وأحسن من أي بنت.
وضع أنامله أسفل ذقنها، يرفع عينيها إليها، فيرى تبدل حالهم من الحزن إلى السعادة، كانت سببها كلماته، والتي أدفأت قلبها وجعلته يتراقص فرحًا، تتعالى أنفاسها، حين اقترب بوجهه منها، مقبلًا إياها برقة.
أمسك بيدها، جاذبًا إياها معه برفق، لتقف أمام المرآة.
وقف خلفها، بينما يحيطها بذراعه، قائلًا بحنو:
:بصي في المرايا وقوليلي شايفة إيه يا زينب.
ارتبكت قليلاً، قبل أن تنظر لهما في المرآة، ابتسمت. انحنى قليلاً، يختطف قبلة من وجنتها، قائلًا بهمس:
:بذمتك كل الجمال ده مش عاجبك؟ انتِ أجمل واحدة من اللي كانوا موجودين في السبوع. مفكيش غلطة.
ابن عمتي أنا ضربته عشان محدش غيري يستحق يتقرب منك بالشكل ده.
تقومي تقوليلي الفستان ده؟ طب بذمتك مش حرام عليك شاب زي يقضي بقيت عمره في السجن؟
شهقت بخوف وهي تلتف لتصبح أمامه، قائلة بارتباك:
:سجن؟!
صالح: ما هو ما شاء الله كل ما واحد يبصلك ببقى عايز أقلع عيونه من مكانهم.
لم تعرف كيف تداري ضحكته تلك، وهي تلف ذراعها حول رقبته، وقد استعادت ثقتها بنفسها، مراوغة:
:واضح إن ليا تأثير قوي؟!
لف ذراعه حول خصرها، قائلًا بحماس:
:جداً.
أفاقت من تلك الدوامة على رنة هاتفها.
زينب بهمس: صالح الموبيل بيرن.
زفر بغضب وهو يبتعد عنها، بينما تعثرت في ضحكة أنثوية جميلة.
أغمض عيناه وهو ينظر لها:
:عدي ليلتك يا زينب وروحي شوفي الموبيل، بدل أقسم بالله ما هخليكِ تمسكيه، وإنتي حرة في اللي هعمله.
اشتعلت وجنتيها بخجل، قبل أن تتركه وتخرج من الغرفة، لتجد "نور" تتصل بها، ردت عليها سريعًا.
نور بغضب: رنيت عليكِ عشر مرات، كنتي فين يا هانم؟ دا كله دا لو وزير الداخلية مش هيتأخر كده.
زينب بمرح: اهدي يا وابور جاز. حصل إيه يا بت؟
نور: محتاجاكِ. محتارة ومتوترة، وإنتي الوحيدة اللي عندي وعايزاكي تسمعيني.
زينب باهتمام: حابة تتكلمي في الموبيل ولا أجيلك الصبح؟
نور: لأ، أنا حابة أحكي دلوقتي واسمعيني. وراكِ حاجة؟!
زينب بحب: أفضل لكِ مخصوص، احكي في إيه.
نور...
وبقيا يثرثران في حديث طويل، حيث سردت لها حوارها مع والدته.
لتأخذ قرارها بالنسبة ثمانين بالمئة، ومازال عشرون بالمئة قلق وارتباك.
لكن هذه مهمة شخص ما عليه أن يُلاشي ذلك الخوف.
***
في لندن.
يقف يوسف بجوار أحد أصدقائه، يتحدث الإنجليزية معه بطلاقة، إن رأيته الآن تجزم أنه شخص آخر غير ذلك المرح.
هناك قاعدة مهمة جداً بالحياة.
"وقت الجد جد، ووقت الهزار هزار".
صديقه: أعتقد لازم نبلغ رئيس مجلس الإدارة وننزل الموقع، قربنا نوصل للمرحلة الأخيرة.
يوسف بابتسامة ود: الحمد لله. فعلاً في الفترة الأخيرة كان الشغل مكثف، وخصوصًا بعد تعديل الغلطة اللي حصلت. أفضل قرار اتخذ إن يتم عمل رقابة مكثفة لمنع الأخطاء.
صديقه (ويليام): فعلاً لولاك أنتِ والمهندسة عهد، كنا احتمال نكمل مع وجود الغلطة دي.
عقد ما بين حاجبيه باستغراب:
:عهد!!
ويليام بابتسامة:
:آه، نسيت أقولك إن عهد كمان بلغت الشركة إن فيه غلطة في التصاميم، ولما أنت بلغت الشركة، أخذت موقف.
هي لبنانية تقريبًا أو مصرية لبنانية، اللي أعرفه إنها عاشت في لبنان طول عمرها، بس والدها مصري.
يوسف بابتسامة:
تعرف مصر وحشتني أوي.
ويليام بغمزة: مصر برضو.
يوسف بخبث: وأهل مصر يا غتت.
صوت طرقات خافتة على باب المكتب، ليسمع للطارق بالدخول.
عهد بجدية وابتسامة رقيقة:
:مساء الخير.
التفت يوسف لينظر للملف أمامه، لا يحب فكرة الاختلاط، رد بجدية هو وصديقه، بينما لا ينظر حتى لها:
:مساء النور.
عهد بحرج باللهجة اللبنانية:
:بشمهندس يوسف، فينا نحكي شوي.
ترك الملف من يديه، رفع رأسه وعيناه أرضًا:
:أنا وحضرتك. في إيه؟
التفتت عهد نحو ويليام بارتباك، ليتركهما ويخرج من المكتب، من باب الذوقيات بالنسبة له.
ابتسمت عهد، بينما وضعت حقيبة على المكتب:
:على فكرة أنا معاك في التيم بتاعك من النهارده، أستاذة حنين رشحتني أكون معاك، بتقول إني شاطرة، وإحنا مصريين زي بعض، هيكون في بينا تفاهم.
يوسف: ربما.
عهد: أكيد حضرتك مصر وحشتك. أنا الصراحة كمان وحشتني أوي.
يوسف: بقالك كتير هنا، بس مش أنتِ عشتي في لبنان أصلًا؟
عهد: آه، عشت بلبنان، بس بتكلم مصري كويس، لأن عشت خمس سنين فيها، بس كنت صغيرة، وبعدها سافرت مع والدتي للبنان.
وبقالي في الشركة سنة ونص، لسه جديدة، مش زيك أكيد، حضرتك بقالك كام سنة؟
يوسف: ست سنين تقريبًا.
عهد: يااه، ست سنين، مش باين عليك إنك كبير.
يوسف: اتنين وتلاتين سنة.
بس هنا من بعد التخرج بسنتين، الفضل لربنا، ولعمي ربنا يديه الصحة، هو يبقى والد مراتي وحبيبة عمري.
قالها بجدية وهو يجلس على أحد المقاعد، ينظر لصورة إيمان بهاتفه، ابتسم بخفة واشتياق.
شعرت عهد بالضيق والغيرة للحظات، شعرت وكأنه يندمج معها في الحديث، لكن لا، هناك أخرى ختمت صك ملكيتها على قلبه.
عهد: واضح إنك بتحبها أوي.
يوسف بابتسامة ظهرت وهو ينظر لإيمان عبر الهاتف، وعينيه تمر بدقة على تلك الابتسامة الجميلة:
:كان عندي سبع سنين لما هي اتولدت. عمي كان ناوي يسميها هدى، لما شفتها قالتله دي إيمان.
أنا اتربيت معاهم في نفس البيت بسبب ظروف خاصة.
تعرفي هي دكتورة شاطرة وجميلة أوي، رقيقة.
شعرت بالغضب من شدة الغيرة وهي تسمع ما يقوله من مدح لزوجته، وكأنها فتاة استثنائية.
عهد: آه صحيح، أنا قلت الأكل المصري أكيد وحشك، عملتلك ده بإيدي.
... حاولت التبرير سريعاً.
: أقصد يعني إن أكيد... الأكل هنا مش زي أكل مصر، وحضرتك بتتعب طول النهار أنت وباقي المهندسين.
يوسف بحدة وارتياب:
: معلش يا عهد، بس أنا أكلت مع ويليام من شوية، تقدري تديه لبشمهندس عدنان، هو في المكتب اللي جنبي ولسه بيشتكي من أكل المطاعم، أعتقد هيحب الهدية دي جداً... أنا الحمد لله أكلت.
عهد بضيق:
: تمام يا بشمهندس، اتشرفت بمعرفتك.
مدت يديها لتصافحه.
يوسف:
: معلش، مش بسلم...
سحبت يديها بحرج معتذرة، قبل أن تغادر المكان وهي تشعر بالإحباط وخيبة الأمل.
***
بعد مرور ثلاث أسابيع.
يوسف وإيمان دائماً على تواصل، بعض الدلال مع الحب والمشاكسة، وأحياناً الحزن، بينما تحكي له عن الحالات التي تقابلها بالمشفى، وهو يتفاهمها جيداً، يعرفها جيداً، أرق بكثير مما تبدو.
أما حبيبة، أصبحت أكثر إشراقاً، وكأنها بدأت في استعادة المفقود منها، والفضل يعود له.
رغم أنهما لم يلتقيا منذ أن جاءت والدته إلى منزلها، لكن مع ذلك تشعر بسعادة لاهتمامه حتى بعد كل ما حدث.
نور وافقت على زواجها من باسل، وتم تحديد موعد الخطبة.
أم صالح وزينب، فقد زاد تلهفهم وتقاربهم إلى بعضهم، لا يستطيعا إخفاء مشاعرهم حتى في حضور أفراد العائلة، وقد لاحظوا جميعاً الحالة العابثة التي أصبح عليها صالح، وكأنه أصبح شخصاً آخر.
يتابعون بذهول ما يفعله بمجرد حضور زينب معه في مكان واحد، ليصير عاشقا متهورا في حضورها.
بينما أحضر جلال خادمة لمساعدة حياء في أعمال المنزل بسبب مرضها مؤخراً.
***
يوم خطبة باسل ونور.
جلست زينب بجانب نور التي تجلس أمام المرآه، بينما تقوم إحدى الفتيات بوضع المكياج لها، ترتدي ثوب أزرق سواريه مطرز ببعض الفضة.
زينب بغمزة شقية:
: وكيل النيابة طلع عنده نظر.
نور بخجل:
: طب اسكتي بقى، علشان أنا أصلاً متوترة.
زينب:
: من إيه؟
نور:
: مش عارفة، بس خايفة... أنا أصرت نعمل الخطوبة على السطح، والجماعة فرشوه وحطوا النور وكل حاجة جاهزة، بس يا ترى هو هييجي؟
زينب بخضة:
: ليه بتقولي كده؟
نور بغضب:
: ممكن يقول مش مقامي خطوبتي تبقى على السطح، يا رب يطفش ونخلص.
زينب بحدة:
: بس يا جزمة، بطلي. إن شاء الله هتكمل على خير، إحنا هنخلص وهتطلعوا على محل الدهب تنقي شبكتك، وتيجي نفرح هنا شوية وتتعشوا سوا.
نور:
: آه... آه يا أختي.. هو صالح معاكي؟
زينب بابتسامة:
: وصلني وراح الوكالة، وشوية وهييجي...
نور:
: شكل الصنارة غمزت...
أشاحت زينب بوجهها عن صديقتها قائلة بتهرب:
: هطلع أشوف إذا في حاجة ناقصة.
قبل أن تغادر، تمسكت نور بيديها قائلة بود:
: حبيتيه؟
حاولت التهرب منها، لكن لم يكن لديها أي مفر، لتهز رأسها بإيجاب مع ابتسامة خجولة.
ابتسمت نور بسعادة وتركت يديها.
مر وقت قصير، حيث انتهت، لتنظر للمرآه بابتسامة جميلة.
البنت:
: بسم الله ما شاء الله عليك، والله طالعة زي القمر.
نور:
: بتحللي الفلوس اللي هتاخديها ولا إيه؟
البنت:
: ورحمة أمك... أظبطي يا نور، وبصي في المرايا، طالعة قشطة.
شعرت بارتياب وهي تنظر في ساعة يديها.
طرقات خفيفة على الباب، فتحت البنت.
نهضت نور وهي تنظر لوالدها بابتسامة جميلة.
سالم بمرح:
: إيه الجمال ده يا بطل؟
نور:
: لا يا جماعة، أنا بتكسف، في إيه، هو أنا كنت وحشة قبل كده ولا إيه؟
سالم:
: فشر، ده إنتي طول عمرك قمر... ألف مبروك يا قلب أبوك.
نور بحب:
: الله يبارك فيك يا بابا... بس فين عريس الغفلة؟ مش المفروض يكون هنا دلوقتي؟
سالم:
: على فكرة، باسل كان هنا من وقت طويل، ورص الفرشة بنفسه، مشي من ساعتين تقريباً عشان يظبط نفسه.
نور بذهول:
: أفندم؟ باسل رص الفرشة على السطح بنفسه؟ كان هنا؟
سالم بغمزة:
: على الله تحني عليه شوية.
نور:
: أبقى أفكر.
"العريس وصل."
صدر ذلك الصوت من أسفل، خرج سالم ليستقبله، بينما خرجت نور للصالون برفقة زينب، والتي ارتدت فستان بنفس لون فستان نور، ليبدو الاثنان رائعتان.
صعد باسل بخطوات ثابتة، وعيونه الضاريه تبحث عنها، بجواره والدته.
كان في غاية الأناقة ببذلة كلاسيكية بعصرية رفيعة ذات اللون الأسود، كانت رائعة عليه، مميزة، وكأنها صنعت خصيصاً. صفف شعره الأشقر الغزير للخلف، فأصبح جذاب بدرجة مهلكة.
يحق له الغرور حقاً... فمن بهذا الجمال والوسامة الشديدة التي تكاد تزعزع ثبات أي أنثى تقع عينيها عليه. يحق أن يعجب به الكثيرات ويغرم به الجميلات.
هل ألقى سحره عليها، أم هي من تهوى وجع القلب لتشعر بنبضاتها تتسارع بضراوة؟
تقدم نحوها، وعلى وجهه ابتسامة جذابة، وقف أمامها مباشرة، يميل عليها قليلاً هامساً بغرور:
: إيه رأيك، مش طالع زي القمر؟
لكزته بغضب في جانبه، لم يتأثر وهو يقف مرة أخرى بجوارها.
نور لنفسها:
: أبو شكلك مغرور بصحيح، بس زي القمر...
سالم:
: مش ننزل بقى علشان ننقي الشبكة؟
باسل:
: أكيد، يالا العربيات مستنية تحت.
أومأ له بتفهم، في حين نزل باسل وهو ممسكاً بيديها بين يديه.
أم زينب فقد صعدت منذ قليل بجوار صالح في سيارته، يقودها خلف سيارة باسل في اتجاه مكان خاص بمحلات الذهب.
بعد مدة قصيرة.
وقفت نور في أحد المحلات، تقف أمام اللوح الزجاجي، ليضع الصائغ أمامها تشكيلة من الخواتم الجميلة. شعرت بالحيرة للحظات، وهي تنظر لباسل الذي يقف بجوارها يتابعها بابتسامة رائعة.
نور بهمس لزينب:
: إيه رأيك في ده؟
زينب:
: فعلاً حلو جداً، عجبك؟
نور:
: أوي...
التفت إليه لتقول هامسة وهي تنظر للدبلة والخاتم التي قامت باختيارهم:
: حلوين دول...
ابتسم بسعادة ليقول برفق:
: مبروك عليك يا نور... اختاري الأسورة اللي تعجبك.
هزت رأسها بإيجاب وهي تنظر للتشكيلة الذي وضعها الصائغ أمامها.
انتهت من اختيار شبكتها، بينما ابتسم باشا وهو يشير للصائغ.
أومأ له بتفهم، قبل أن يغادر المكان، ليصعد للدور الثاني الخاص بالألماس وبعض المجوهرات التي لا تعرض في الطابق الأول لقيمتها الغالية.
نور:
: إحنا مستنيين إيه؟
باسل بجدية:
: اصبري على رزقك.
لفت يديها ببطء حول مرفقه، ابتسم ولم ينظر لها.
مرت لحظات، ليأتي الصائغ مرة أخرى وهو يمسك بين يديه علبة من القطيفة السوداء أنيقة جداً، ابتسم وهو يعطيها لباسل.
نظر لها وهو يفتح تلك العلبة، لتلمع بشدة بها طقم كامل من الألماس.
نور بضيق وهمس:
: إيه ده؟ قلتلك إني مش ببيع نفسي، واتفاقنا الشبكة تكون بسيطة.
ابتسم بجدية تليق به، وهو ينحني قليلاً، يطبع قبلة خاطفة على رأسها.
: بطلي الطريقة دي... دي هديتي ليكِ بعيد عن الشبكة... اعتبريها هدية خطوبتنا، ومتنسيش، إنتي قريباً هتكوني حرم باسل العلايلي.
جديته، لبقته في الحديث، نظراته الضارية تكاد تفتك بنبضات قلبها، قائلة بهدوء وهي تخفض رأسها:
نور:
: بس دا كتير أوي... يعني الشبكة اللي اخترناها حلوة وكفاية.
"ششش... أهدي، دي حاجة بسيطة، وبعدين بقولك دي هديتي ليك، هتكسفيني."
مرت لحظات صمت، هيمنة شخصيته طاغية حقاً.
خرجا من المحل بجوار بعضهما، بجوارها نيرة، والتي شعرت بسعادة عارمة، ربما لم يحدث ذلك في زواجه الأول، لم يكن للفرح طعم في ذلك اليوم.
بينما يسير خلفهما صالح وزينب، حيث يحيط خصرها يتحدثان بسعادة وشغف.
حيث تعالت الأغاني الشعبية والطبل البلدي أمام المحل، لتعطي روحاً من البهجة في قلوب أبطالنا.
عاد مرة أخرى لبيتها، لتتم الخطبة والجميع يقرأون الفاتحة مباركين لهم.
مع بعض نظرات الغيرة من بعض فتيات الحي، حاقدين عليها.
فهي الآن وقعت على كنز ثمين.
شاب وسيم وغني به كل المواصفات الأسر لقلوب الفتيات كما يظنون.
لكن ربما اختارها هي لأن تفكيرها يختلف عن أي فتاة أخرى.
***
في بيت حبيبة.
جلست في الشرفة القديمة، تنظر للشرفة المقابلة، تتذكر أياماً قد مضت.
تلك الأيام التي لا تخلو من المرح بينهما.
تنهدت بارتياح وهي تنظر للفراغ، لكن عقدت ما بين حاجبيها حين أضاءت أنوار الشقة المقابلة لشقتها (شقة علي القديمة).
نهضت بسرعة، تقف في الشرفة تنظر بارتياب، ودقات قلبها تتعالى بقوة، شاعرة بتخبط في مشاعرها.
رائحة عطره تداهم أنفها وبقوة، لم يغير نوع عطره بعد منذ سنوات طويلة.
وجدت نور غرفته يضاء، مرت لحظات بطيئة، لتجده يدلف للشرفة.
على بابتسامة:
: مساء الخير.
حبيبة:
: علي؟
علي بهدوء:
: كنت حاسس إني هشوفك النهاردة، رغم إن الوقت اتأخر.
حبيبة بابتسامة:
: وأنت إيش عرفك إني هبقى قاعدة هنا... وإني هكون صاحية دلوقتي؟
علي بثقة:
: زي ما كنت واثق في حبي ليكِ، رغم السنتين دول.
حبيبة:
: علي، إنت فعلاً متمسك بيا... يعني مش متضايق إني كنت على ذمة شاكر... وكنت... حامل؟
صمتت، عينيها ترقرقتا بالدموع مجدداً، قائلة بحزن لا يخفى الحب من خضروات عينيها:
: إنت لو مكاني، كنت قفلت كل بيبان الماضي وركزت في مستقبلي...
علي بحزن:
: عارفة أكتر حاجة بتوجعني، إني أشوف دموعك... بتخليني أتمنى أجي أحضنك، أدخلك جوا صدري وأبعدك عن قسوة الحياة وأمسح الدموع دي... مش هقولها تاني، ولآخر مرة يا حبيبة، أنا عارف إن دي إرادة ربنا ومش معترض، جايز الأيام الجاية تكون جبر خاطر لينا... أنا شاريكِ يا حبيبة، واللي بيشتري حد مبيفكرش في أي أسباب تفرق بينه.
بصي بقى، خطتنا للفترة الجاية إن شاء الله.
الدراسة هتبدأ كمان كم أسبوع، أنا جبتلك كتب سنة تانية، قلت أكيد هتحبي ترجعي معلومات... وأنا دلوقتي الحمد لله اتفقت على المكن للمصنع، هو صغير أنا عارف، بس واثق في ربنا، زمان مكنش عندي غير الشقة دي، والحمد لله قدرت أشتري شقة تانية أكبر، وجوزت سلمي أختي، وبجهز المصنع، وإن شاء الله هنكبره سوا.
حبيبة بابتسامة:
: سوا؟
علي بحب:
: طبعاً سوا، هو إنتي فاكرة إني مستني إيه... شهور العدة وأنا حافظهم باليوم والدقيقة...
يعدوا وهتلاقيني أنا وأمي عندكم بنكتب الكتاب ونعلي الجواب.
بيبه: ومش هتتضايق من كلام الناس؟
علي بتنهيدة: كلام الناس لازم نحطه في اعتبارنا طبعًا، لكن لو هيفرق بينا يبقى مالوش لازمة. ده رب الناس حلالنا نكون مع بعض في الحلال، نقوم إحنا نحرمه على نفسنا عشانهم؟ لأ يا حبيبة، ده حتى يبقى حرام.
حبيبة: ربنا يسعدك يا علي.
علي: يارب وأنتِ معايا يا جميل.
حبيبة بغضب زائف: اتلم يا جدع أنت وهو، يلّا امشوا، مالهاش لازمة وقفتنا هنا.
علي بغمزة: والله العظيم وحشتيني، ووحشني لسانك الطويل. سلام يا بيبه، الكتب هبعتها مع أخوكي الصبح. سلام يا جميل.
حبيبة بتنهيدة سعيدة: سلام يا علي.
عضت على شفتيها، ما تلك السعادة التي تغمرها الآن وكأنها نالت من الجبر ما يرضى روحها ويشفي جروح الماضي.
دلفت لغرفتها وهي تمتم ببعض الكلمات. احتضنت الوسادة، عامسة لنفسها بنعومة.
يارب لو ليا نصيب فيه، بلاش تبعدنا تاني يارب.
بعد مرور أسبوع آخر.
في الصباح.
استيقظت زينب ببطء وابتسامة ناعمة، تتحس الفراش بجوارها مفتقدة دفء احتضانه لها، لكن لم تجده. نهضت من فوق الفراش تبحث عنه بأرجاء الغرفة، لكن لم تجده.
زينب بكسل: أكيد نزل وأنا نايمة.
صوت طرقات على الباب.
زينب بارتباك: مين؟
عفت (الخادمة): أنا يا مدام زينب. ست حياء قالتلي أطلع أشوف لو محتاجة حاجة.
وضعت الحجاب على شعرها، هندمت ثيابها قبل أن تفتح الباب لها.
عفت بابتسامة خبيثة: صباح الخير يا قمر أنتِ.
زينب بطيبة: صباح النور. ها، في إيه؟
عفت: تحبي أنضفلك الشقة ولا أعملك حاجة؟
زينب: لأ، أنا هعمل كل حاجة. ممكن تنزلي انتي لماما علشان لو احتاجت حاجة.
عفت بخبث: والله يا هانم أنا مش عارفة انتي مش راضية أنضف البيت ليه. ده لهلوبة وأعجبك من ساعة ما جيتِ وأنتي مش عايزاني أخدمك.
زينب بجدية: معلش يا عفت، أنا بحب أعمل حاجتي بأيدي، وبعدين صالح بيسيب ورق شغله ومينفعش حاجة تضيع.
عفت: شكلك ست بيت شاطرة والله، صالح بيه محظوظ بيكي. هو معلش، بس ممكن أدخل الحمام قبل ما أنزل لو مش هتضايق؟
زينب بود: لأ، أبدًا، اتفضلي.
دلفت إلى الحمام، وقفت قليلاً تفكر فيما ستفعل. اتجهت نحو السلة الموضوع بها بعض الثياب. لا يوجد سوى أشياء قليلة. ابتسمت بخبث وهي تخرج قميص نوم ذو اللون الأحمر القاني، قصير، يبدو وكأن زينب ارتدته بوقت قريب. ابتسمت بخبث وانتصار وهي تخرج هاتفها من جيب بنطالها الجينز. هندمته قبل أن تلتقط له عدة صور. وضعت في السلة مرة أخرى سريعًا، وضعت هاتفها مرة أخرى في جيبها. غسلت يديها وخرجت من الحمام.
عفت: تسلمي يا هانم، أنا هنزل بقى علشان أحضر الغدا. لو احتاجتي أي حاجة قولي يا عفت بس وهكون عندك.
زينب: تسلمي يا رب.
غادرت عفت الشقة، بينما أخذت زينب ترتب شقتها، ثم نزلت لشقة حياء لتجلس معها ككل يوم.
في الوكالة.
يجلس صالح على مكتب والده وهو يعمل على حاسوبه بجدية، حتى تقدم علي يقف أمامه قائلاً بجدية: صالح، بقولك الحج سعد طلب شحنة من الحرير، بيقول نقص في الوكالة عنده، تحب أكلم المخزن الكبير يجهزوا الطلبية؟
صالح بتفكير: لأ، استنى شوية. لو طلعنا من المخازن حاجة دلوقتي هيبقى عندنا عجز قدام، وانت عارف إن الحرير السحب عليه عندنا كبير، وخصوصًا لدور الأزياء اللي بنتعامل معاها.
علي: يعني أكنسل معاه؟
صالح بجدية: استني، أنا هشاور الحج. انت عارف معزة الحج سعد عند الحج، يمكن يكون له رأي تاني.
ثم تابع بابتسامة وهو ينظر لصديقه: مالك؟ شكلك فرحان.
علي بسعادة: ولا حاجة، بس يعني اللي فاضل بيني وبين حبيبة تلات شهور في العدة.
نهض صالح بحب وهو يحتضنه: ألف مبروك يا معلم. بس شكلك عرفت تلين دماغها.
علي: الحمد لله، تعبتني أوي.
صالح: ربنا يسعدكم. حبيبة بنت حلال وتستاهل كل خير. على فكرة، فرحكم عليا، متشغلش بالك بالمصاريف والحاجات دي.
علي: بس.
صالح بجدية: خلص الكلام. أه صحيح، المحامي عايز يتواصل مع حبيبة علشان ورثها من شاكر، ده حقها يا علي.
زفر علي بضيق من ذكر اسم ذلك الأفعى، قبل أن يغادر من المكتب قائلاً بحدة.
جلس صالح مرة أخرى على مكتبه، يبدأ بالعمل، حتى وقف أمامه عامل من عمال الوكالة.
: في واحدة ست عايزة حضرتك يا صالح بيه.
عقد ما بين حاجبيه باستنكار: ست؟ ودي عايزة إيه؟ ما تشوف طلبها، هو أنا هفضي آكل واحدة داخلة تشتري.
العامل: بس دي شكلها هانم أوي ومش جايه تشتري.
صالح بجدية: طب دخّلها.
مرت ثوانٍ قبل أن تدلف امرأة بابتسامة خبيثة. وجدته يجلس على مقعده خلف المكتب يعمل بمنتهى الجدية، يبدو على ملامحه الحدة تزيد من وسامته الطاغية.
صالح بجدية: أفندم، مين حضرتك؟
"صوفيا نصار... طليقة رشاد الشافعي".
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم دعاء احمد
دلفت إلى المكتب امرأة أنيقة تبدو في نهاية العشرينات. تعلقت عينا صوفيا عليه، وسيم، سليم البنية، عنفوان شبابه عالي بجاذبية قاتلة... وسيم جدا، عيونه خضراء داكنة تبدو جميلة جدا.
لكنه للأسف وقع ضحية لتلك الخبيثة.. الخائنة.
من وجهة نظرها، تزوج امرأة تواعد رجلين... زوجها السابق وذلك الشاب.
ابتسمت ببرود، معرفة عن نفسها:
"صوفيا نصار... طليقة رشاد الشافعي ابن عم زينب."
هز صالح رأسه بتفهم، رافعًا عينيه القاتمة نحوها، أشار لها بالجلوس، يسألها باستفهام:
"أهلاً وسهلاً، اتفضلي... خير، أقدر أساعدك في أي حاجة؟"
ابتسمت بصلف وخبث وهي تجلس على المقعد أمامه، أنزلت نظارتها السوداء لتضعها على المكتب، قائلة بمكر:
"أعتقد إن أنت اللي محتاجني..."
صمتت قليلاً لتخرج علبة السجائر من حقيبة يديها، وضعت السيجارة بين شفتيها.
مدت يديها له بعلبة السجائر تعزم عليه.
نظر لها باستحقار، لا يحترم أبداً المرأة المدخنة.
"شكراً... ياريت تدخلي في الموضوع على طول، أظن أنت شايف إن الوكالة عندي شغل ومش عايز عطله."
ابتسمت بخبث الأفاعي وهي تحكي له ببطء، مشعلة نيران بداخله وهي تنفث سيجارتها ببرود:
"أنا ورشاد اتطلقنا من فترة قصيرة..."
قاطعها بحنق قائلاً بذهول وضيق:
"طب وأنا مالي أنا ومراتي... أظن دي حاجة تخصكم... ولا حد قالك إني مصلح اجتماعي؟ ما يولع بجاز، وبعدين يهمني إيه مشاكلكم؟ أنا لا أعرفك ولا أعرف جوزك ده كمان."
ابتسمت بمنتهى الوقاحة وهو تنفث سيجارتها، رفعت حاجبها الأيسر تنظر له، وعلامات الغضب واضحة على وجهه.
لتبدأ ببث سمها:
"بس زينب تعرف رشاد كويس."
نظرت له بعد تلك الجملة لتجد ملامحه سوداوية بتغير ملحوظ، تشنجت ملامحه وعيناه ازدادت في الاحمرار.
سألها بعصبية من مجرد ذكر اسم زوجته على لسان تلك الأفعى:
"تقصدي إيه بكلامك ده... وزينب إيه علاقتها بطليقك؟"
تابعت بخبث وهي تطفي سيجارتها، وضعتها في المنفضة:
"يبقى تسمعني للآخر يا بشمهندس، وياريت متقطعنيش، لأن اللي هقوله ميتحملش مقاطعة."
نظر لها بعيون حادة ثاقبة على أحر من الجمر:
"من مدة حوالي خمس شهور كدا...
أنا قابلت رشاد في مكتب المحامي بتاع عيلتي، عرفت بعدها إنه شغال هناك موظف كحيان فقير معدوم... وقتها كان فيه ورق يخص الشركة بتاع عيلة الأنصاري وأنا المفروض أوقع عليه... المحامي بعت ليا رشاد، قابلته، وهو الصراحة وسيم وكاريزما وعرف يلف عليا لحد ما اتجوزنا، منكرش إني حبيته أوي.
لكن اللي أصله واطي بيفضل واطي مهما نضفت فيه...
من شهرين بالظبط رجع إسكندرية وساب شغل الشركة، لأن للأسف بعد جوازنا أنا عملت له توكيل عام بإدارة الشركة وأي حاجة باسمي، وهو كتب لنفسه كل حاجة.
بس لما رجع إسكندرية كان طبيعي مفيش بينا مشاكل، لحد ما فجأة بدأ يتغير ويبقى عصبي جدا."
جز على أسنانه بعنف وغضب قائلاً:
"إنتي هتحكيلي قصة حياتكم؟"
ضحكت بسخرية، لتمتم بمنتهى الوقاحة والمكر بخداع كاذب:
"من شهرين سمعته بيتكلم في الموبيل وبيزعق وبيكلم وبيقول يا زينب.
وبيقو إنه خلاص بقى معاه فلوس ويقدر يرجع ويتجوزها، ومبقاش فقير، وإنها رفضته زمان عشان فقير.
وإنها مش عايزة تفضل في الفقر ده كتير، وإنها شايفة إن الظروف اللي حصلت، أقصد ظروف جوازك منها، جت في مصلحتها إنها تتجوز واحد زيك من عيلة وغني، وقالت باي باي لرشاد.
رشاد ضحك عليا عشان ياخد فلوسي عشان يتجوزها.
وإنتي سيبتيه لما وقعتي على واحد زيك.
زينب واحدة خبيثة وخاينة."
ضرب بيديه بقوة على سطح المكتب وهو ينهض قائلاً بعصبية:
"اطلعي برا... برا، لأن كلمة زيادة في حق مراتي، أقسم برب العزة ما هتشوفي النور تاني."
صوفيا بسخرية وحقد:
"ولما جوزي ينام في حضني وينادي عليها باسمها يبقى إيه... فوق يا بشمهندس، مراتك مبهدلتك... روح اسألها عن رشاد، ولو كذبتني يبقى بتخدعك...
أظن عارف يعني إيه يبقى نايم معايا وبينادي على مراتك...
تفتكر هيعمل كل ده ويلف عليا ويتجوزني غير لو هي كانت بتشجعه وكانت دايما معاه.
رشاد جه مخصوص من القاهرة يوم الصباحية بعد ما عرف إنها اتجوزت، كان هيتجنن، بعد كل ده تسيبه وتتجوزك، أعتقد إنك لاحظت وقتها حاجة مش مظبوط ونظراته ليها.
أنا في الأول كنت معتقده إنه بيخونني عادي مع أي واحدة رخيصة وراقصة، وعرف إنه دايما بيروح نايت كلوب هنا في إسكندرية، ودايما بيحب يقعد مع بنت اسمها ريري."
نظرت له ببرود لتجد وجهه قد تحول للأحمر القاتم وكأنه على وشك الانفجار، عيناه ترى من خلالهما السعير المفجع، حارق لكل ما حولها.
ابتسمت بانتصار لتكمل ببراءة زائفة:
"أنا روحت للبنت دي، وطبعًا رشاها بالفلوس.
هي قالت لي إنه بيروحلها معظم الأوقات، لكن دايما بيتقل في الشرب، ولما بيكون معاها بيناديها زينب، وبيكون مبسوط جداً وهو متخيل إن اللي معاه زينب، وطبعًا كل ما ينبسط يدفع لها أكتر، و..."
"اخرسي، زينب أشرف منك إنتي والزبالة طليقك."
صرخ بوجهها وهو ينهض من مكانه، يكاد ينفجر من شدة الغضب.
هبت واقفة هي الأخرى وهي تبخ سمها كالحية:
"لا والله أشرف مني، دي بعد ده كله وهي ماشية مع اتنين... معاك عشان فلوسك، وبتسايره عشان متخسرش ملايين لحد ما تاخد منك اللي يكفيها، وبعد كده تروح له دي..."
كانت ستسب زينب بأفظع الشتائم بحق شرفها، لكن...
صرخت بعنف بعد أن صفعها بغضب، يجذبها بعنف من شعرها، تزادت صراخها وهو يجذبها من شعرها، وعيناه قد تحولت للأسود، يبدو أن نيران السعير بدأت بحرق الجميع، وهي الأول... هي من أشعلت تلك النيران.
بينما نظر العمال لصالح وهو يصرخ بوجه تلك المغرورة، يسحبها خلفه خارج الوكالة، جاذبًا إياها من شعرها، يداها تمسك بكف يديه الممسك بشعرها، تشعر وكأنه سيقتلعه من شدة قبضه، وقد أظلمت عيناه تكاد تكون سوداء من شدة الغضب، قائلاً بحدة وحذر وهو يدفعها بقوة خارج الوكالة:
"سقطت أرضاً وهي تبكي بعنف، تضع يديها على شعرها تبكي بانهيار.
تسمع صوته الحاد محذراً إياها بعنف، بينما جلس على ركبتيه، قابضاً على فكها السفلى بعنف وهو ينظر لها باشمئزاز:
"قسماً بالله ممكن أدَفنك مكانك دلوقتي حية، بس خسارة أضيع نفسي عشان واحدة زبالة زيك، ومراتي دي أشرف منك، وجوزك الرمة ده حسابه معايا أنا...
يوم واحد، قسماً باللي خلق الخلق، يوم واحد زيادة في إسكندرية، بكرا الصبح هيلقوا جثتك مرمية في البحر، بس للأسف مش هيتعرفوا عليها من اللي ممكن أعمله فيك لو اسم زينب جه على لسانك دا، فاهمة!"
أومات برأسها برعب وهي تبكي، تحاول التملص من قبضته، بينما حاول علي جذب صديقه عنها.
علي بخوف: "صالح إيه؟ هتموت في إيدك، ابعد عنها..."
دفعها باشمئزاز واستحقار قائلاً بحدة:
"غوري، واللي اتقال ده لو حد سمعه، يبقى أنتِ حرة، يبقى إنتي اللي اخترتي، واسألي عن عيلة الشهاوي واللي بيقف قدامهم بيحصل له إيه."
حاولت النهوض ببطء وضعف، لم تتوقع أن تأتي العاصفة بوجهها هي.
غادرت بثيابها المتسخة بالطين أثر وقوعها بذلك المكان.
علي بخوف وعدم فهم:
"صالح إيه؟ حصل إيه لكل ده؟"
نظر لصديقه بعيون تتأرجح بنيران حارقة.
رغم الحب، رغم أي شيء، لكن ما سمعه كان أكبر من تحمله.
كل شيء سمعه واكتشفه كان أكبر من طاقته.
"لم ينطق بكلمة واحدة وهو يتجه نحو سيارته، قادها بأقصى سرعة حتى وصل لشققته.
أخبرهما منذ البداية، يكره الأسرار... يكره الكذب... يبغض الخيانة وبشدة."
وصل بعده مدة قصيرة إلى منزله وعقله يشوبه الشوائب، تعميه عما يدور حوله.
فور دخول صالح إلى الشقة، وقف بداخلها بجسد متشدد بالغضب، وعروق عنقه تتنافر، بينما يزداد وجهه احتقانًا من عنف ووحشية أفكاره السوداء، بعد اتهام تلك الأفعى زوجته بأفظع التهم وأبشعها.
صرخ باسمها بعنف وغضب، يثق بها ولو قليل، لكن ما يصوره له عقله الآن بخصوص علاقات ذلك الحقير رشاد ورغبته بزوجته ينهش يعقله وقلبه، يفتك به.
خرجت زينب من غرفة النوم بارتياب من صوته العالي.
ابتسمت بسعادة وهي تنظر له، لكن تلاشت تدريجياً، قائلة بهدوء وابتسامة:
"صالح، اتأخرت ليه..."
قلقتني.
هدخل أجهزلك الحمام عشان تاخد شاور.
تسارعت أنفاس صالح واحتدت نظراته بشدة وهو يراقبها دون أن يسمع كلمة واحدة مما تقوله. كان السعر الذي بداخله من كلمات تلك المرأة، وبشاعة تخيل ما قالته، يصم أذنيه ويكوي أعماقه.
يرغب بأن يمزقها بسكين حاد ليجعله يدفع ثمن ما تسببت له من ألم.
اتجه نحوها بخطوات مندفعة غاضبة، جاذبًا إياها نحوه بقسوة مما جعلها تصرخ بقوة. قبضته ازدادت قسوة على يديها قائلاً بعنف:
"اللي اسمه رشاد ده عايز منك إيه؟ وإيه علاقتك بيه؟"
وقعت تلك الكلمات عليها كالصاعقة. جف حلقها، شعرت باضطراب أنفاسه بقوة. لم تشعر بدموعها التي انسابت على وجهها دون إدراك. ليجن جنونها منها، صرخ بها مرة أخرى وهو يضغط على ذراعها:
"انطقي! إيه اللي بينك وبينه؟!"
حاولت التحدث لكن لم تستطع إخباره بأي شيء، بينما ازدادت شهقاتها قائلة بارتجاف:
"مفيش بينا حاجة والله..."
قاطعها بغضب:
"لو كذبتي، إنتي حرة يا زينب، من اللي هعمله فيكي، وصدقيني هتندمي لو فضلتِ ساكتة."
عضت على شفتيها بندم قائلة بحزن وبكاء:
"والله العظيم ما في حاجة من ناحيتي، أقسم بالله. كل الحكاية إنه طلب إيدي قبل كده من بابا وأنا رفضت، وبعدها هو حاول يكلمني كذا مرة على الموبايل لكن مكنتش برد عليه. لكن كان كل شوية يجيب نمرة جديدة ويحاول يقنعني ويقولي إنه بيحبني."
"بعدها بطلت أرد على أي نمر غريبة، وهو سافر. واللي عرفته إنه اتجوز بنت غنية، قلت الحمد لله بعد عني وهرتاح من زنه. لكن..."
صمتت للحظات تبكي بحرقة وشهقات مريرة:
"والله العظيم يا صالح ما في بينا حاجة. ويوم الصباحية، هو بعد ما إنت نزلت من هنا مع خالتي، جرس الباب رن وأنا طلعت أشوف مين. دخل وقفل الباب وقعد يقول كلام غريب وإنه مش هيسيبني، ولسه عايزا بس والله طردته ومن وقتها ماشوفتش تاني."
زمجر بقسوة وعنف من بين أسنانه:
"ومحكتليش ليه؟ ولا خايفة على البيه؟"
رفعت عينيها المليئة بالدموع ناظرة إليه بضعف:
"لا، خفت منك. أول ما اتجوزنا خفت منك. كنت عارفة إنها فترة وهنطلق ومش هنكمل، قلت كده كده هنسيب بعض، ملوش لازمة أتكلم. وبعد شوية علاقتنا اتطورت، لكن هو مظهرش في حياتي تاني، قلت يبقى أكيد نسيني."
همت بمتابعة الحديث لكنه قبض على شفتيها يقبلها بعنف، مما جعلها تهمهم محتجة، محاولة دفعه بعيداً.
أصبحت قبلته أكثر قسوة، جاذباً إياها لصدره.
نزلت دموعها وهي تتلوي بين ذراعيه، فلمس ملح الدموع شفتيه.
مجرد التخيل أنها يمكن أن تبتعد أو تكون لغيره
يقتله شيطانه من الغيرة المهلكة لروحه، والتي لم تعرف طريقها له يوماً إلا بعد معرفة تلك الفتاة.
ابتعد عنها وهو يسمع نحيبها يتزايد من بين شفتيها. حررها تاركاً إياها تكاد تنهار. وضعت يديها تلامس شفتيها تبكي بهسترية.
تراجع للخلف، وشيطانه يأمره بأبشع ما يمكن تخيله. زمجر بشراسة من بين أسنانه المطبقة بقسوة، وقد أرعبته أفكاره الوحشية نحوها.
"ادخلي أوضتك، ومش عايز أشوف وشك قدامي، أحسنلك."
ارتعشت بارتياع وهي تقترب منه. وضعت يديها على كتفه بحنان قائلة بهدوء عكس ما تشعر به:
"صالح، ارجوك اهدي. أنا عارفة إني غلطت لما محكتلكش، بس ارجوك اهد..."
قاطعها وهو يزمجر بشراسة، بينما دفع يديها بعنف قائلاً بحدة:
"عارفة اللي عملتيه ده وصلنا لإيه؟ واحد وسخ زي ده... آآآه."
أطلق صرخة مدوية تنم عن مدى الغضب والألم الذي يشعر بداخله. لا يعرف كيف يخمد ذلك السعير بداخله.
أخذ يدمر ويكسر كل ما تقع يديه عليه، محاولاً إخماد غضبه الذي يلتهمه من الداخل، وهو يلعن نفسه لضعفه نحوها، الذي جعله بهذا الضعف أمامها. شيطانه يخبره أن ينقض عليها، وقلبه يقيده بمنتهى السلاسة. هو من قيد نفسه بالأغلال حين سمح لقلبه أن يحبها، حتى وإن لم يعترف بالكلمات، لكن يجزم قلبه الآن أنه وقع فريسة لرماديتها منذ البداية حين أنقذته.
كانت زينب تنظر له برعب يفترس بقلبها عليه.
ظلت تحتضن جسدها حتى انهارت قدماها أسفلها لتجلس على الأرض، وهي تضع يديها حول أذنها محاولة حجب صوته المرعب وتدميره للأشياء حولهما.
مرت عدة دقائق.
حتى حل الصمت بأرجاء المكان.
نظرت حولها بشهقات مريرة، فقد دمر المكان بأكمله. حيث كان شظايا زجاج الزهريات وتحف الزينة المحطمة تملي الأرضية، ومقاعد الطاولة ملقاة أرضاً. الغرفة تبدو وكأن هناك صاعقة قوية دمرته.
حمدت الله أن والديه وأخته ليس في المنزل، بينما قد ذهب إلى منزل شغف الحسيني (والدة حياء) منذ الأمس.
نهض من مكانه يخرج من المنزل، لكن بتلك الحالة المزرية وعيناه قد زادت احمراراً وفقد هندامه.
استقامت سريعاً وهي تنظر له برعب.
ترجلت نحوه بسرعة وهو يضع يديه على مقبض الباب، لكن أطلقت صرخة متألمة تشعر أن قدميها لم تعد تسعفها على الوقوف أكثر، تشعر بدوامة تسحبها. كانت ستسقط أرضاً.
حاوط خصرها بخوف قبل أن ينحني قليلاً يحملها، بينما لفت يديها حول عنقه تستند برأسها على صدره تنتحب بصوت خافت.
اتجه نحو غرفتهما، وضعها برفق فوق الفراش. نظر لقدمها وجدها تنزف أثر بعض الشظايا التي اخترقت قدمها وهي تحاول منعه من الخروج.
اتجه بجسد مرهق نحو الخزانة، جلب علبة الإسعافات الأولية ليجلس بجوارها.
وضع قدمها على فخذه يسحب قطع الزجاج الصغيرة منها.
أغمضت عينيها بقوة وهي تبكي، بينما تغرز أظافرها بكتفه.
أنهى تضميد قدمها مغادراً الغرفة والمنزل. لكن أمسكت بيديه بقوة قائلة بنبرة شبه رجاء:
"بلاش تخرج وأنت كده، ارجوك."
صالح بحدة: "مش أنا اللي أسيب حقي ولو ساعة واحدة."
تركها وغادر المنزل. تركها تبكي بهسترية.
لم تحسب لما قد يفعله الأفاعي، لم تحسب لتلك نيران الغيرة. والآن تكوي أعماقها خوفاً عليه.
"يارب... يارب مش عايزة أخسره، يارب."
***
بعد وقت ليس بالقصير، ما يقرب ساعتين.
فتح رشاد عينيه بصعوبة وهو مازال مقيداً إلى ذلك المقعد. حين شعر بحركة بجواره، تسلل الذعر إليه حين وجد رجلين شديدي البنية يقفان أمامه. يشعر بالألم في كامل جسده، يحاول استعادة الذاكرة فيما حدث وكيف جاء إلى هذا المكان.
حتى صدح صوت قوي آتٍ من الظلام. شعر وكأنه مألوف، لكن لم يستطع التعرف عليه.
"أهلاً أهلاً، منور يا رشاد باشا. إيه رأيك في الضيافة بتاعتنا؟ مش من مقامك، بس أوعدك مش هتخرج من هنا إلا لما تاخد وجبك."
حاول رشاد التعرف على الصوت، لكن لم يميزه. رد بصوت مذعور خائف:
"انت مين؟ وعايز مني إيه؟"
اقترب صالح من دائرة الضوء وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، ولكن عينيه كان بداخلهم شراسة وحدة أرعبت رشاد وجعلته يعلم أن أفعاله لم يحصد عواقبها بعد. لتحقق ظنونه حين قال صالح بصوت متهكم ساخر:
"معقول مش عارف تميز صوتي؟ بس أنا عذرك برضه، أصل أكيد اللي إنت عامل معاهم مشاكل نسوان ميعرفوش ياخدوا حقهم. لكن حظك وقعك معايا، مبعرفش أحط راسي على المخدة وأنا ليا حق عند حد."
جف حلقه وهو ينظر لصالح الذي جلس أمامه على أريكة، وضع قدماً على الأخرى، بينما يقف خلفه على وبعض رجاله.
رشاد بخبث: "وحقك إيه بقى إن شاء الله؟"
"هو أنا وإنت بينا حاجة مشتركة؟ ولا أقصدك زينب؟ الصراحة هي جامدة وتستاهل، ياااه كريمة بالقشطة."
"بس مش شايف إنها رجولة على الفاضي."
"أربعة على واحد، توتو كنت فاكرك أرجل من كده."
ابتسم بمكر وهو ينظر له بخوف يحاول إخفاءه. محاولاً استفزاز صالح.
اتجه صالح نحو رشاد مباشرة ليركله في معدته بغضب، لنقلب الكرسي قائلاً لعلي:
"فكلي الكلب ده واطلعوا برا."
أطاعه علي وهو يقوم بفك قيد رشاد الذي كان يتألم من شدة الضربة التي وجهت لمعدته.
"اطلعوا برا، مش عايز حد يبقى موجود ولا يتدخل في اللي هعمله."
علي بشك: "طيب بلاش الحرس، بس وأنا هفضل موجود مش هتدخل."
زمجر بحدة وغضب وهو ينظر لرشاد:
"قلت لك اطلعوا برا، مش عايز حد يتدخل."
حاول علي امتصاص غضبه قائلاً:
"وأنا مش هتدخل، أنا بس عايز أبقى جنبك يا صالح."
أومأ له بغضب ليشير على للحرس بالخروج من المخزن، بينما ابتسم صالح بشيطانية وهو يخلع حزام بنطاله يلفه على يديه كالسوط يجلد به رشاد، والذي انصعق من ضربات صالح القوية على جسده حتى أسالت الدماء من جسده وسط صرخاته القوية، ليقول صالح بغضب:
"ماتدافع عن نفسك يا زبالة، ولا مبتتشطرش إلا على الحريم."
تراجع رشاد خطوات للخلف، ثم نهض فجأة وحاول مهاجمة صالح، الذي تفادى لكماته مرة بعد مرة وهو يرد عليها بلكمات موجعة موجهة للنصف الأسفل من جسد رشاد، الذي سالت الدماء من جسده بشدة.
بعد أن تناول صالح حزام بنطاله وقام بجلده به بقوة حتى كاد يغيب عن الوعي من شدة الألم.
ابتسم بخبث وهو يجثو على ركبتيه أمام رشاد قائلاً بخبث:
"امم، دي كانت ذكرى بسيطة وهدية مني لك. زينب تخصني، حاول بس تقرب منها، صدقني وقتها مش هكتفي بضربك، ساعتها هسلخ جلدك حي. وافتكر كويس أوي اللحظة دي. صالح جلال الشهاوي مبيسبش حقه وحق أهل بيته، ولو اتجرأت بس وفكرت فيها، صدقني هتندم."
"ودا كان حساب تهديدك لمراتي في بيتي."
"علي..."
علي: "نعم."
صالح بجدية: "الرجالة ياخدوا الكلب ده يرموه في أي حتة."
أومأ له بإيجاب، بينما غادر صالح المخزن، ليقسم رشاد بداخله أن يدفع الثمن غالياً.
ربما لأن صالح لا يعلم شيئاً عن خطته بعد، يقسم بداخله لو علم بتلك الخطة لكان دفنه حي بمكانه ولن يشفق عليه.
***
دلف إلى منزله بجسد مرهق. كان يعتقد أنه بعد ما فعله ستخمد النيران بداخله، لكن تأبى ليبقى. يقود سيارته بلا هدف حوالي ساعة، وقد قاربت الساعة من الثالثة صباحاً.
وجدها تجلس على الأريكة، يبدو عليها التعب بعدما قامت بتنظيف الفوضى التي افتعلها.
كانت شبه مستيقظة بعينيها مغمضتين. جلس بجوارها على الأريكة، ابتسم بحزن وهو يمد أنامله يزيح خصلات شعرها عن وجهها. لتشعر بلمساته، فتحت عينيها سريعاً تنظر له بخوف ورغبة قوية في احتضانه قائلة بارتجاف:
"والله العظيم عمري ما فكرت فيه، والله ما بكذب عليك."
جذبها بحنان لصدره، بينما أخذت شهقاتها تتعالى بين ذراعيه. تمسكت به بقوة قائلة بتبرير:
"والله ما كذبت عليك. أنا آسفة إني خبيت عليك، بس والله ما قصدي أي حاجة وحشة."
أخذ يمسد على شعرها بحنان، لتمر الدقائق في صمت. حتى حملها ودلف لغرفتهما، وضعها فوق الفراش برفق. كاد أن يغادر، حتى هتفت بحدة خوفاً عليه:
"صالح، إنت عملت إيه لما خرجت؟ أوعى تكون أذيته؟"
صالح: "اسكتي يا زينب."
"بس أنا خايفة عليك."
جلس بجوارها قائلاً بإرهاق:
"معملتش حاجة، مش هضيع نفسي عشانه."
زينب: "صالح، إنت مصدق عليا حاجة وحشة؟"
نظر لها بجدية قائلاً ببعض الثقة:
"لو مصدق مكنتش هبقى قاعد جنبك دلوقتي. أنا هروح أنام في أوضة للأطفال ساعتين وهنزل الوكالة."
"أوضة الأطفال؟ ليه؟ معقول مش طايق وجودي معاك؟ أنا قلت لك إني كنت خايفة، بس إنت عندك حق."
نام في اوضتك انت اكيد تعبان مش هتعرف تنام هناك
انا هروح انام في الاوضه التانيه
قد ازداد ظلام وعنف عينيه كوحش يستعد لانقضاض على فريسته جاذبا اياها قبل أن تنهض يقبلها بحدة لم تعهدها منه من قبل
————————–
جلس صباحا يرمقها بنظراته يحاول بيأس الالتقاء بعينيها لكنها اخذت تتهرب منه تتصنع الانشغال بترتيب المنزل
تتجاهله تماما فتجعله يشعر فى لحظة بمدى حقارته
فلاول مرة يتعامل معها بكل هذا العنف فى علاقتهم الخاصة لدرجة ادمتها بشدة وقد ظهرت امام عينيه بشرة عنقها وكتفيها المكدومة نتيجة عنف شفتيه فوقهم لايدرى اى جنون قد اصابه ليلة امس فكلما تذكر كلمات تلك الافعى
يجعله كالوحش يرغب بالتنفيس عن غضبه والظلام بداخله وقد حدث وفقد السيطرة لاول مرة وترك لظلامه السيطرة عليه لليلة امس ليصبح عنيفا قاسيا معها وها هى النتيجة امامه تجلس معه في نفس الغرفه بينما تتجنبه تماما كأنه احد الفيروسات لكنه لم يستسلم يمد يده يتلمسها وهو يناديها برقة لكنها اسرعت بسحب ذراعها بعيد عنه
وقد ارتجف جسدها كما ظهر لعينيه بأنه رعب منه وهذا اصابه هذا بمقتل وجعل من ضرورة حديثهم معا الان وفورا قائلا بحنو
:زينب لازم نتكلم….. معليش اسمعيني
ردت بصوت ضعيف باكي
:بس انا مش فاضيه
جعله مظهرها هذا وصوتها مرتجف يشتعل غضبا من نفسه ليأتى رفضه على طلبها غاضب حاد فيجعلها تنتفض فى مكانها تتراجع للخلف خوفا ورعبا منه
وقد ازاد شحوب وجهها حتى اصبح الورقة البيضاء وهى تخفض وجهها تنكمش على نفسها كطفلة صغيرة مرتعبة
زفر بحدة يتشدد فكه هو يراها امامه بتلك الحالة تنتهى قدرة على التحمل لايستطيع تحمل المزيد من هذا لينهض عن مقعده بعنف
يجذبها نحو صدره يحتضنها بقوة اليه وما ان احاطها بذراعيه حتى سقطت جميع الجواجز بينهم تنهار فى البكاء تدفن وجهها فى عنقه وقد تعالت شهقات بكائها تتقطع لها نياط قلبه يهمس لها بأرتجاف وصوت حمل كل اسف وندم العالم
:اسف..والله اسف انا مش عارف حصل لى ايه… حقك عليا مش هتتكرر تانى صدقينى..
ازداد تشبثها به كانها تجد الراحة من المها بين ذراعيه وتنسى بأنه كان المتسبب به ليزيد هو ايضا من احتضانها بحماية يود لو يدسها بين ضلوعه يمتص كل حزنها والمها بداخله يهمس بالمزيد والمزيد من اعتذاره واسفه بصوت متوسل اجش حتى هدئت اخيرا شهقاتها لبيعدها عنه ببطء ينحنى عليها يقبل جفنها بنعومة تزيح بشفتيه دموعها بعيدا ثم ينحدر بهم بقبلات ناعمة وهى تغمض عينيها مستسلمة له تماما حتى شعرت بلهيب انفاسه فوق شفتيها لتفيق من استسلامها هذا تبتعد عنه شاهقة بجزع قائلة
:صالح… موبيلك بيرن اكيد بيستعجلوك في الوكاله… تقدر تنزل على فكره
زفر باحباط وقد تهدجت انفاسه يبتعد عنها قائلا بجدية
:لازم تسمعيني الاول… امبارح في واحدة حق"يرة قالت في حقك كلام مفيش راجل يستحمله على كرامته مش معنى كدا اني كنت مصدقها بالعكس اقسم بالله كنت واثق فيكي
و لما خرجت من هنا جبت الكلب اللي اسمه رشاد دا المخزن شفت في عيونه نظره مستحملتهاش كلامه عنك جنني رغم انه دلوقتي تليقه متلقح في المستشفى مش عارفين يداوا اي جرح فيه لكن مع ذلك كنت حاسس اني بنحرق من جوا كل مما افتكر كلامهم و انك خبيتي عليت حاجه زي دي
لما قلتلك هروح اوضه الأطفال مكنش عشان غضبي منك لا…. كنت خايف عليكي من نفسي و للأسف اللي كنت خايف منه حصل…. معرفش ازاي بس صدقيني الكلام اللي سمعته مفيش راجل يستحمله
التفت اليها مرة اخرى يسألها برجاء وتوسل
: سامحيني يا زينب حقك عليا ؟ والله العظيم غصب عني
هزت رأسها لها بالايجاب تبتسم له برقة و حب
لتشع عينيه بالسعادة يسألها مرة اخرى كانه يحتاج الى تأكيد اخر منها
: يعنى مش زعلانة منى خلاص ؟
اومأت له مرة اخرى ليقوم بوضع كفه خلف رأسها يجذبها نحوه مقبلا جبينها برقة وهو يغمض عينيه براحة واطمئنان للحظات كانت لها كالبلسم يشفى المها قبل ان يبتعد عنها مبتسم بنعومه وعيناه تسترق بنظراته عليها قبل أن يصدح رنين جرس الباب و ينادي عليه لحد عمال الوكاله
:يا بشمهندس صالح مش هفتح النهارده برن عليك مش بترد و العمال واقفين أدام الوكاله
ضحكت زينب بخفه و هي تنظر له يختطف قبله حانيه من وجنتها قائلا
:لازم انزل دلوقتي خالي بالك على نفسك هرن عليك اوعي تكنسلي
ابتسمت له برفق قائلة بحب
:هستناك على الغدا
ارتفعت بسمته تزين ثغره يهز رأسه لها بالموافقة ثم يهمس لها بسلام مودعا يتجه ناحية الباب
لكنه توقف بعد فتحه للباب يلتفت اليها مرة اخرى هامسا بنعومة وصوت اجش
:هتوحشينى لحد ما ارجع
التمعت عينيها يتراقص قلبها بالفرحة تهمس له بخجل وصوت مرتعش رقيق
:وانت كمان هتوحشنى…متتأخرش عليا
هتف العامل من الخارج قاطعا حديث عينيهم بعد ان طال عليها الانتظار قائلا
:ياله يا باشمهندس العمال واقفين عند الوكاله
صدحت ضحكة زينب المرحة فى المكان بعد نظراته الحاده له اخذ مفاتيحه قبل أن يغادر
وقفت تنظر لطيفه ببعض الارتياح و الآن لم يعد هناك أي أسرار بينهم رغم صعوبة ليله أمس باكملها و غضبه و خوفها عليها لكن الآن قد تتحسن الأمور
زينب بهمس لنفسها وهي تدلف لغرفتها تنظر للمرآه:
كدا مفيش حاجه تخافي منها و رشاد شكله اخد جزاته و مش هيقرب مننا الحمد لله
بس لما بيغضب بيكون…..
عضت على شفتيها بضيق و خجل قائله
:دا انا متعلم عليا……
—————————-
في منزل شغف الحسيني
استيقظت حياء تشعر به يحتضنها بقوة كما لو كانت ستهرب من بين ذراعيه ابتسمت بحنان وهي تمرر يديها على خده بحنان مالت عليه تطبع قبله حنونه على خده قائله بهدوء
:جلال اصحى… قوم ياله
همهم ببعض الكلمات الغير مفهوم وهو يجذبها بين ذراعيه دافنا وجهها بتجويف عنقها
حياء:جلال…. قوم ياله
فتح عينيه بتثاقل وهو ينظر لها قائلا بضيق
:نامي يا حياء… نامي انا لسه عايز انام
حياء:بس انا خالص قمت مش عايزه انام تاني
اغمض عينيه قائلا بجديه
:انا لسه عايز انام فاريت تنام بقى لان لو قمتي مش هعرف انام فاسكتي بقي
لم يمهلها الفرصه للاعتراض جاذبا الغطاء عليهما بينما حاولت النوم لكن كان يجافي عينيها…
مر بعض الوقت بينما يوليها ظهره.. اخذت تنظر له بعيون مليئه بالدموع و هي ترى الجرح القديم أثر الر"صاصه الذي أخذها حين سافرا الاثنان لقضاء شهر العسل
تذكرت كيف وقع فوقها و جسده ينزف مررت يديها ببط على أثر ذلك الجرح
شعر بلمساتها الحنونة نظر لها بابتسامه مراوغه
:مش ناويه تنسى و تبطلي عياط بقى
مسحت غيمة الدموع التي تشكلت على وجهها قائله بنبرة ضعيفه
:انسى؟ انسى اني كان ممكن اخسرك بسببي عارف يا جلال في اليوم دا حسيت ان قلبي اتقبض وكأن الرصاصه كانت في صدري انا
قاطعها بضيق و هو يمسد على شعرها الغجري قائلا بحده يغلب عليها العاطفه
"هشش مش عايز اسمع كلام مالوش لازمه علشان بتعصبيني على الفاضي.. ربنا ما يحرمني منك يا حياء… و بعدين بطلي تقولي بسببك دي.. منه لله اللي كان السبب ياله يا ستي اديني قمت مبسوطة كدا"
ابتسمت تحيط عنقه بسعادة قائله
:طبعا مبسوطه
تأمل وجهها مبتسم بهدوء ذات مغزى قائلا بحب
:على فكره في مفاجأة ليك عندي قلتلك عليها قبل جواز صالح لكن مكنتش جهزت و دلوقتي جهزت
حياء بفضول :ايه هي؟! انت بتشوقني و خالص يا جلال
زمجر بضيق قائلا بجديه
:بشوقك و خالص على العموم مفاجاتك عندي بس مش دلوقتي لما ايمان تسافر ليوسف لان مينفعش نسيبها لوحدها
اتسعت ابتسامتها وهي تصفق بحماس قبل أن تميل عليه تقبله
:يبقى هنسافر…..جلال.. انت مصدقت ابعد
غرز انامله في خصلات شعرها يجذبها بينما يقبلها بنهم و اشتياق و كأنهم في بداية زواجهم
لكزته بغضب و خجل في جانبه وهي تدفعه تاوه بالالم زائف وهو يضع يديه على جانبه
انتابها الخوف وهي تضع يديها على كف يديه قائله بارتباك
:اسفه مكنتش اقصد والله… بتوجعك؟
ابتسم بخبث وهو يغمز لها بشقاوة
:اوي….
اشتعل وجهها بالغضب قبل أن تدفعه بقوه تتجه نحو الحمام قائلة بضيق
:تستاهل…..
بعد مرور بعض الوقت
في المطبخ
تقف عفت بارتباك وهي تتحدث في الهاتف بصوت منخفض يبدو عليها الذعر
عفت:يعني ايه؟ الباشا في المستشفى… طب انا اعمل ايه اكمل و لا امشي شكلك هتودينا في داهيه يا خالد
خالد (مساعد رشاد)
:لا متمشيش و خليكي بينهم و حاولي تقربي منها بس متنفذيش اي حاجه الا لما اكلمك… احنا بس هستنا شويه علشان لو عملنا اي حاجه دلوقتي هيشك فينا… المهم تحاولي تقربي منها و تخليها تثق فيك علشان يكون شغلنا متسهل لحد ما الباشا يؤمر
عفت :طب و دا هياخد اد ايه؟
خالد:شهرين تلاته و بعدها نضرب ابن الشهاوي الضربه القاضيه ساعتها يبقى يورينا هيعمل ايه؟
عفت :ماشي يا خويا بس الباشا بتاعك دا شكله هيموت عليها بس الصراحه تستاهل إذ كان انا كانثي و شايفها صاروخ .. من حقه يعمل دا كله علشان يتجوزها ياله ربنا يقدرنا على فعل الخير مدام هنقبض
انهت جملتها بضحكة ساخره
لكن قاطعها صوت حياء الحاد قائله بضيق
:في ايه يا عفت على الصبح…..
انتفضت مكانها و هي تنظر لحياء قائلة بارتباك
:معليش يا ست هانم كنت بكلم محروس جوزي و انتي فاهمه بقى
نظرت لها بغضب و حنق قائلة
:ياريت لما تكلميه تاني يكون في اوضتك و بلاش الضحكه المرقعه دي على الصبح
…. جهزتي الفطار؟
عفت؛ اه اه جهزته
حياء:طب حطيه على السفرة…
تركتها وهي تشعر بعدم الارتياح منذ الوهله الأولى لكن حاولت تمرير الأمر بعد معرفة ظروفها
————————-
في مقر الشركه بلندن
يجلس يوسف علي مقعده العالي أمام احد التصاميم يبدو عليه الضيق الحنق و عدم التركيز حتى التفت اليه صديقه عدنان قائلا بارتياب
:جو…. شو فيك؟
التفت له وهو يزم شفتيه بحنق
:عارف لما حد يبقى وحشك اوي و مفتقده… هو دا بالظبط حالي
ابتسم عدنان قائلا بود بلهجته
:ربما هاد هو الحب…. مشتاق لمين؟
يوسف بضيق
:واحدة كدا مجنونه بس طيبة و جميله عيونها للأسف تسحرك
عدنان:وليش للأسف؟
يوسف :لان البعد اسوء بكتير مما كنا نعتقد
عدنان :يمكن هاد واحد من اختبارات الحب.. بس مبين ان في شي تاني
التف يوسف نحو التصميم وهو يبرك شفتيه بغضب
:الباشمهندسه عهد….. البنت دي انت تعرفها
عدنان:اه بعرفها هي لبنانيه مصريه بس ليش… انا شايف ان العلاقه بينكم منيحه و كمان بالفترة الاخيره بتنزلوا الموقع مع بعض
يوسف بحنق:هو دا السبب….
البشمهندسة حنين حاطة وعد معايا في كل مكان من وقت ما دخلت التيم، لدرجة إني حاسس إن شوية وهتجيبها المكتب معانا. المشكلة مش في كده، عارفة لو هي بتتعامل عادي زيها زي أي واحدة في الشركة كنت هقول اوكي، لكن بحس إنها عايزة تدخل في حياتي، بالسبب ومن غير سبب. تخيل أنا وإيمان حصل بينا مشكلة بسيطة وأنا قفلت معاها وأنا متعصب، لقيت عهد جاية وبتتكلم بطريقة أنا نفسي استغربتها، وكأنها خطيبتي، إنت فاهم قصدي؟
لا وكمان بتقول:
"أكيد مراتك غلطانة إنها تزعلك، أنا لو مكانها مستحيل أعمل كده. مش هخليك تزعل ولو لحظة واحدة. ومستحيل أسيبك تسافر، أكيد ما بتحبك."
لولا إني وقفتها عند حدها بصراحة مش عارف إيه. وباجي أكلم إيمان بلقى نفسي طلعت أرف اليوم عليها.
عدنان: عنجد قالت هيك؟ بس شو هاد. إيش ذنب زوجتك؟
يوسف بضيق: ما هو دا اللي مضايقني. تعرف نفسي أنزل مصر بس أنا مبقاليش كم أسبوع هنا.
عدنان: خالص كلمها واعتذرلها. مو صعبة.
يوسف: هعمل كده. إيمان متستاهلش إني أزعلها.
عدنان: الله يسعدك يا أخي.
ربت على كتفه باهتمام قبل أن يأخذ هاتفه ويغادر المكتب.
في مصر.
تجلس إيمان مع أحد المرضى. ابتسمت بود للسيدة العجوز قائلة بود:
"لا دا انتي حالتك النهارده عال أوي يا أم عبدالله."
أم عبدالله بطيبة: "بالنبي إنتي قمر وقلبي ارتاحلك من أول ما شفتك. الحمد لله أحسن، وإنتي بسم الله ما شاء الله عليكي، إيدك تتلف في حرير، محستش بالحقنة."
إيمان بابتسامة جميلة: "طب الحمد لله."
صدح رنين هاتفه من جيب بالطو الأطباء الخاص بها. أخرجته لترى اسمه أمامها. لا تنكر شعورها بالضيق منه، لكن تذكرت نصيحة والدتها:
"بلاش تخلي جوزك يحس إنه بعد ما سافر في حاجة اتغيرت، وإلا هيتغير وساعتها يمكن تخسروا بعض."
خرجت من عنبر المرضى وفتحت الخط.
يوسف بصوت مرهق: "إيمان اسمعيني. عارف إنك زعلانة مني، بس صدقيني غصب."
إيمان بحب ومقاطعة: "بحبك."
ابتسم بارتياح وسعادة ليستمع لصوتها العقلاني يغلب عليها عاطفتها.
إيمان: "مش محتاج تبرر يا يوسف. أنا عارفة إنك مضغوط في الشغل، مش زعلانة. ها بقى يا سيدي عامل إيه؟"
يوسف: "إيمان إنتي بجد أجمل إنسانة عرفتها وحبيتها. بصي يا ستي، أنا الشغل ماشي معايا تماماً، كم شهر ونبدأ في المرحلة الأخيرة ودي هتاخد شوية وقت برضو، بس إن شاء الله تعدي على خير."
إيمان بحماس: "يوسف يوسف بقولك الناس في المستشفى بيحبوني أوي والصراحة الشغل هنا تحفة، ودخلت أوضة الجراحة. صحيح كنت مساعدة للدكتور مش أكتر، لكن عارف والله العظيم حسيت بسعادة كأني ملكت العالم. تعرف نفسي في إيه؟ بجد أمنيتي."
يوسف: "إيه؟"
إيمان بحزن: "تكون معايا في أول جراحة ليا. بس غادي. يعني احكي لي بقى كل حاجة، وبتكلم بابا ولا نسيته؟"
يوسف بتفكير: "لا بكلمه، وبكلم صالح بيقولولي إنك دايماً في المستشفى."
دار بينهما حديث لا يخلو من الحماس والسعادة، الحب الصادق.
***
وتمر الأيام على الجميع بين المشاكل والحب، وأحياناً الحزن والمشكسة.
حتى ثلاث أشهر.
بالنسبة لعلاقة صالح وزينب قد تألفت وأصبحت أقوى بكثير. أصبح تلهف قلوبهم أقوى بكثير. لا يوجد حواجز بينهم. تتلهف روحها لرؤيته، تشتاق له وبشدة إن غاب عن عينيها. أما هو فبات التغيير بداخله، تغير جذري تام. أصبح يعشقها وبشدة. وجودها في مكان يعني سعادته. لم يعترف بذلك بالكلمات، لكن تصرفاته تنم عن غمرة قوية من المشاعر.
أم علي وحبيبة.
عادت لدراستها مع عودة الدراسة، والآن انتهت عدتها. عادت مشرقة، طموحة، جميلة بوجوده ودعمه لها.
أما هو فقد عادت له روحه من جديد، وكأنه وجد المفقود منها.
يعمل في مصنعه الخاص، فقد بدأ العمل به منذ شهرين وهي تدعمه.
بالنسبة لباسل ونور، فهي لم تتغير كثير.
أصرت على الاستمرار في عملها رغم طلبه بأن تتوقف وهو ملزم بكل مصاريفها، لكنها شعرت بالخوف من إعادة خطئها الأول عندما تركت عملها بعد خطبتها الأولى، ولكن لم تبرر له.
أما باسل يشعر بالغضب منها أحياناً، لكن حاول تهدئة نفسه والانغماس في العمل.
وتم تحديد موعد الزفاف. بالنسبة له يشعر بالانتصار عليها، وكلما اقترب الموعد يزيد من توترها مشاغباً.
يوسف وإيمان لم تتغير علاقتهما، كما هي جميلة وناضجة.
جلال وحياء علاقتهما مازالت دافئة صادقة، لن تغيرها الأيام أبداً، ستبقى قوية، لن يزعزعها أحد.
---
في يوم كتب الكتاب (باسل ونور).
كان صالح يقف أمام محل عمله يتابع سير العمل وهو يصرخ في العمال بعصبية شديدة حتى يسرعوا في تفريغ الحمولة، فكلما أسرعوا بالانتهاء كلما قربت لحظة اجتماعه بها حتى يستطيع أخيراً أن يبثها كل ما في قلبه لها.
ولن يخفى عنها شيء بعد الآن، ولكن ما باليد فليس أمامه الآن سوى الانتظار إما انتهاء العمال أو حضور أبيه حتى يتابع هو مجريات العمل.
لتمر نصف الساعة أخرى على هذا الحال وكأنها مرور دهر عليه، حتى تنفس الصعداء حين لمح والده يهل عليه من ناحية المنزل.
بوجه بشوش تجتمع فيه القوة والطيبة.
جلال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
صالح بوجه مبتسم: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ازيك يا حج؟
جلال: الحمد لله بخير. نزلوا البضاعة.
صالح: العربية التانية زمانها جاية من المخزن، العمال نزلوا شحنة الكتان وبيرتبوها جوا.
ابتسم جلال بخبث وهو ينظر لابنه قائلاً:
خالص خليك معاهم لحد ما ينزلوها، وأنا هطلع على عمك جمال. بقالي كتير مشوفتوش.
شعر صالح بالإحباط وقد ضاعت أحلامه قائلاً باحترام:
طبعاً اتفضل يا حج.
جلال بهدوء: إيه دا؟ هتقعد؟
صالح: آه طبعاً.
جلال بحب: طب ياله روح اتغدا وريح شوية. إنت من الفجر في الشادر.
وأنا هخليني معاهم لحد ما ينقلوا البضاعة.
ضحك صالح بسعادة وهو يحتضن والده قائلاً وقد لمعت عيناه:
مش هتأخر. ساعتين وراجع.
جلال: مع السلامة. ياله اتفضل.
=====
وصل صالح أخيراً لشِقته. يفتح بابها بسرعة، يدلف للداخل ثم يلقي بمفاتيحه باستعجال وعينيه تدور في أرجاء المكان بحثاً عنها.
وهو يناديها بصوت عالٍ ملهوف حتى هلت عليه أخيراً من داخل المطبخ تمسح يديها في منشفة وقد وقفت أمامه تخطف القلب والعين برؤيتها. يتأملها ببطء، شوق شديد للحظات حتى لم تعد تكفيه المشاهدة فقط. يفتح ذراعيه لها على اتساعها في إشارة فهمتها على الفور، فتسرع بإلقاء المنشفة أرضاً وتجري نحوه، ترتمي عليه تحتضنه بقوة إليها بعد أن أحاطها بذراعيه حتى كادت أن تختفي بينهم. ثم رفعها إليه وقد تعلقت بعنقه ويدس وجهه في عنقها يتنفس بعمق رائحتها والتي بات يعشقها هامساً بتحشرج:
وحشتيني أوووي في الشوية اللي بعدتهم عنك دول.
تراجعت للخلف برأسها تنظر إليه بتدلل قائلة بعتب:
لا أنا زعلانة منك. بقى هما دول الساعتين اللي قلت عليهم من الفجر لحد الساعة دلوقتي تلاتة العصر.
ابتسم بسعادة قائلاً بمرح:
حقك عليا، بس الحمد لله الحج قعد في الوكالة شوية.
وحشتيني أوي يا زبدة.
ثم انحنى يلثم خدها هامساً برقة:
كان غلاي عليا أسيب الشغل وأجيلك. أول مرة في حياتي يبقى في حاجة عندي أهم من الشغل. عملتي فيا إيه؟
تصنعت الحزن لتنفرج شفتيه عن ابتسامة صغيرة وعينيه تلتمع أكثر:
لأ ده كده الموضوع كبير... مفيش حل تاني أدامي غير كده عشان اصالحك.
وبدون أن يمهلها سوى فرصة لالتقاط نفس قصير من الهواء، بشهقة منها عالية، قد انقض على شفتيها يقبلها قبلة كانت مثل جرعة من السعادة، وهي تزيد من التعلق به، تبادله إياها بعاطفة مجنونة، وقد اختفى بينهم ولم يعد هناك مجال لأي حديث بعد أن جرفهم سيل المشاعر للحظات. طوال أوقفته وهي تبتعد قليلاً.
همست قائلة بارتياب:
صالح الغداء... شكلك هتنزل تاني. وبعدين أنا عايزة أروح لنور النهارده، كتب الكتاب و...
سألها صالح بجدية:
روحتيلها الصبح؟
زينب:
آه، لما كلمتك روحتيلها. مكنش ينفع أسيبها. وجيت من شوية، كنت مجهزة الأكل يدوب علقت عليه. يالا عشان تتغدا.
صالح:
عايزة أروح كتب الكتاب بس هلبس فستان على ذوقي المرة دي.
مال عليها قليلاً وهو يحيط خصرها بخبث:
ده أنتِ قلبك أسود أوي، لسه فاكرة؟
زمت شفتيها بضيق قائلة:
بلاش وش الملاك ده عشان بتتحول فجأة... بص هختار فستان ولو معجبكش مش هلبسه، بس أنا اللي هختار.
ظل صالح طوال حديثها شارداً في حركة شفتيها، غير منتبهاً لأي كلمة منها. لترى زينب شروده ذاك، مقتربة منه، تخفي وجهها في صدره قائلة بخجل وارتباك:
صالح، وحياتي ركز معايا...
ابتسم بخبث قائلاً بمراوغة:
طب ما تيجي نختار الفستان سوا...
في المساء.
جلست نور بجوار والدها وبجواره المأذون، وباسل يضع يديه بيد والدها. انتهى المأذون معلناً عن زواجهما بجملته الشهيرة:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
خطت بالقلم اسمها على قسيمة الزواج بارتباك.
تعالت الزغاريد من حولهما من بعض الجيران والأصدقاء.
جف حلقها للحظات لمجرد تخيل أنها الآن زوجته.
كانت بكامل زينتها، ترتدي ثوباً أنيقاً يبدو بدرجة من درجات الأبيض، أنيق جداً، حيث كان من أفخم دور الأزياء، حيث قام باسل باختياره مخصوصاً لها، مطرزاً ببعض الفضة.
ترتدي حجاباً من نفس درجة الثوب معه تاج بسيط مميز.
وقع باسل أيضاً على قسيمة الزواج، وقد حضر معه والدته وأخته، رغم شعورها بالنفور من المكان، لكن أجبرت نفسها حتى لا تحزن أخيها. لم يحضر والده رافضاً تلك الزيجة تماماً، لكنه لم يبالِ برفض والده كثيراً.
نظر لها بخبث واضح بين عسليته الجذابة تلك، شعرت بالتوتر، همست لزينب:
والله هقوم أضربه، شايفه بيبصلي إزاي...
ضحكت الأخرى بسعادة وهي تربت على كتفها بسعادة:
مش ملاحظة إنك مضيتي على قسيمة الجواز يا هبلة؟ خافي على نفسك عشان شكله كده مستحلفلك من يوم الخطوبة. بس الصراحة شكله كاريزما أوي وكل البنات عيونهم هتطلع عليه.
نور بخوف:
ياخده وهما ماشيين بالهنا والشفا.
زينب:
طب اسكتي بقى عشان العيون علينا.
مر وقت طويل، جاء بعض الضيوف مهنئين العرسان وشربوا الشربات وباركوا لهما.
في حين غادر الكثيرون، حتى زينب اضطرت للمغادرة مع صالح.
باسل بخبث:
معلش يا عمي، عايز نور شوية لوحدنا، ينفع آخدها منكم.
ابتسم سالم قائلاً بود وسعادة:
طبعاً يا ابني، دي بقت مراتك. يالا يا نور خدي جوزك فرجيه على أوضتك.
نور بهمس:
ياكشي ربنا ياخدك يا بعيد! أوضة إيه اللي أفرجه عليها؟ ده أنا لو عليا أولع فيه هو وأبوه.
دلفت معه لغرفته البسيطة في المنزل. يقف بجوارها ببذلته الأنيقة السوداء وساعتها الفخمة.
وشعره البني المائل للأشقر مصففاً للخلف بأناقة جذابة. عيناه العسليتان الضاريتان كالنمور تتفحص كل ركن بالغرفة.
ملامحه رجولية وسيمة، فارع الطول بذراعين تضخان بالعضلات القوية، يبدو وكأنه يمارس التمارين الرياضية يومياً.
تنهدت نور بضيق قائلة:
ها، فيه إيه؟ شفت الأوضة تمام، اتفضل.
لم يعتري احتجاجها أي اهتمام، وهو يدور في أنحاء الغرفة يتأمله بنظرات مبهمة، ليقول بنبرة غريبة لم تختبرها من قبل:
إنتِ ليه وافقتي على الجوازة يا نور؟
حاولت تجاهله بارتباك وهي تجلس على المقعد بجوار الفراش قائلة بخفوت:
وإنت ليه كنت عايز تتجوزني؟ اعتبرني يا سيدي عايزة أكوش على فلوسك أو زهقت من العيشة دي، فقلت عريس مريش.
ضحك ساخر ولا يبدو عليه المرح، وهو يضع يديه في جيب بنطاله، يوالي لها ظهره، ينظر لألبوم الصور الموضوع على الطاولة:
كان ممكن أصدق لو أي واحدة تانية غيرك، لكن إنتِ... متظنش.
نور:
مهتم تعرف السبب؟
باسل:
لأ. أبداً. أنا اتعودت مهتمش بالأسباب، مدام وصلت للهدف.
نور:
وأنا كنت هدفك؟
باسل:
ومازلتي...
نور بغصة:
يعني أخدت الموضوع تحدي... إنك تخلينا أوافق.
جلس على الفراش بجوارها، يضع قدماً على الأخرى، قائلاً بتفهم حزنها:
مش كده... قلتلك من البداية إنك عجبتني وعجبني شخصيتك وبحس بحاجة غريبة معاكي.
نور بلهفة وفضول:
حاجة إيه؟
ابتسم الآخر وهو ينظر لصورها قائلاً:
الحاجة لما بتيجي في وقتها بتكون أحسن...
نور بضيق:
تمام...
هم بمغادرة الغرفة وعلى وجهه ابتسامة لعوبة، وكأنه لم يقدر على الذهاب. التف نحوها قائلاً بعبث:
مش هتسلمي على جوزك ولا إيه يا نور؟
توترت حدقتاها واضطرب جسدها وهي تنظر له. تمد يديها لها كالبلهاء لتسلم عليه. وعند تلك الحركة شعر بالفوران يتناثر في أعماقه، مشعلاً فتيلاً الصبر بداخله.
سحب يديها برفق كي يحيط خصرها بيديه الأخرى، يقربها أكثر وأكثر لتكون في أحضانه، ملتصقة بصدره العريض القوي الذي ينبض بقوة، بعد أن استشعر حرارة جسدها بقربه منه. مالي عليها أمام عينيها المذعورتين من قربه الهالك والمخدر لها، باستثناء قلبها الذي نبض باضطراب مجنون. لفحت أنفاسه الساخنة بشرتها.
ولم تستوعب بعد أن أطبق على شفتيها وداهمها بقبلاته الثائرة.
حاولت دفعه والتملص من بين ذراعيه، لكن حركتها تلك لم تفعل شيئاً إلا أنها زادت الطين بله، يزيد من هجومه الضاري، بينما تسللت يديه لحجابها يحاول فكه، يشعر وكأنه يقبل امرأة لأول مرة، حيث كان دائماً يستطيع السيطرة على رغباته، لكن لأول مرة يضيع بين يد فتاة. دفعته بقوة، بينما صفعته بغضب وضيق قائلة ببكاء:
إنت بجد إنسان قليل الأدب... وأنا مش عايزة أعرفك تاني. فاكرني واحدة من اللي اتجوزتهم قبل كده...
حاول التحكم في غضبه وهو ينظر لها قائلاً من بين أسنانه، جاذباً إياها من ذراعها بحدة:
أولاً إنتِ مراتي، فاهمة يعني إيه؟ ولو كنت فاكرك واحدة من اللي أعرفهم، مكنتش اتجوزتك. فاهمة... بس القلم ده ليه تمن. مش عشان متساهل معاكي تهب منك. فاهمة؟
شعرت بالذعر والفزع وهي تنظر له، بينما نفض ذراعها، تاركاً إياها مغادراً الغرفة.
ارتمت فوق الفراش تبكي وهي تشعر بتخبط في مشاعرها.
في منزل حبيبة.
تقف في المطبخ خلف الستار مبتسمة وهي تراه يجلس بجوار والدته، يبدو في غاية الأناقة، يرتدي قميصاً كحلياً وبنطالاً أسود، يبدو في غاية الوسامة. ملامحه حادة قليلاً لتزيد من وسامته. لحيته تبدو ناعمة وكأنه حلقها مؤخراً. يضع عطره المفضل عندها.
أخذت نفساً عميقاً وبشدة، وكأنها الآن تملك العالم.
على بود وجدية تليق به:
شوفي يا خالتي، أنا مش هلف وادور عليك. إنتِ عارفة إني عايز حبيبة وجاي أطلب إيديها منك، وإنتِ عرفاني كويس ومربيني، وصدقيني لو وافقتي، عهد قدام ربنا هخليها أسعد إنسانة وهعمل كل حاجة تسعدها.
ابتسمت فاطمة قائلة بسعادة:
طبعاً موافقة يا علي، وأنا عمري ما هلقى لحبيبة حد يحبها قدك، وواثق من ده... وعارفة كمان إن هدى بنت أصول وهتعتبر حبيبة بنتها.
ابتسمت والدتها تأكيداً على كلامها قائلة بحب:
حبيبة فعلاً بنتي يا فاطمة قبل ما تكون بنتك... واللي هي عايزاه هنعمله إن شاء الله. وحتى لو عايزة تتجوز في شقة لوحدها.
فاطمة:
ربنا يتمم لهم على خير.
خرجت حبيبة من المطبخ وهي تحمل بين يديها صينية موضوع عليها كاسات العصير. ابتسمت وهي تقدم لوالدته. ابتسمت هدى لها قائلة بسعادة:
بسم الله ما شاء الله... زي القمر يا بيبة. ربنا يحرسك من العين يا قمر.
:تسلمي يا خالتي.
اتجهت نحوه بخضرتين شغوفتين متلألئتين بسعادة.
وقف أمامها مبتسماً، وكأنه يخبرها أن القدر نصفهم في النهاية. تمنى لو يحتضنها بقوة، لكن اكتفى بابتسامة وهو يأخذ كأساً.
أعطت والدته وأخاها، ثم وضعت الصينية على الطاولة لتجلس بجوار والدتها، تبدو في غاية الجمال. تاركة لشعرها العنان بتسريحة جميلة. لم تضع مكياجاً، ترتدي ثوباً بنياً طويلاً، تبدو جميلة للغاية. لم يستطع أن يسلب عينيه عنها طوال الجلسة.
هدى بخبث:
ما تيجي يا فاطمة نقعد في البلكونة أحسن. المكان هنا وحشني أوي.
أومأت لها بسعادة قائلة بحدة:
مش يالا يا زياد ولا هتفضل قاعد هنا؟
زياد بغباوة:
بس أنا مش عايز أقعد في حتة، أنا مرتاح هنا.
لكزته والدته بغضب وهي تشير له بالخروج معهم، ليتركا الاثنان معاً.
على:
ها يا بيبة... ساكتة يعني؟ بيقولوا السكوت علامة الرضا.
حبيبة بخبث:
المفروض أقول إيه... إنت مستني حاجة معينة؟
هز كتفه بلامبالاة قائلاً بخبث مماثل:
ولا حاجة... بصي بقى، إحنا مينفعش نتأخر أكتر من كده. إيه رأيك الفرح بعد أسبوع من دلوقتي؟ هنروح نختار الفستان مثلاً يوم التلات.
حبيبة بصدمة:
فرح؟ بس يا علي... أنا مش عايزة فرح وبعدين ملوش لازمة التكاليف و...
قاطعها بشك قائلاً:
خايفة من إيه... صارحيني يا بيبة.
حبيبة ببكاء:
الناس... مش هيسبونا في حالنا يا علي. هيقولوا مصدقت يموت عشان تروح تتجوز، وكمان عاملة فرح... هيقولوا ليها عين تلبس فستان أبيض، وهيقولوا إني مستاهلش ألبسه، وإن الفستان ده لواحدة مسبقلهاش جواز.
نهض مكانه ليجلس أمامها على ركبتيه قائلاً بجدية:
ششش، انسى كل ده...
مش مهم الناس، هم مش هيبطلوا كلام مهما عملنا.
خلينا نبدأ من أول وجديد، انسى اللي حصل كله وتعالي نفرح ونفرح قلوبنا.
انتي هتكوني عروسة زي القمر بفستان الفرح، وأنا عريسك، واللي فات مش بس ماضي.
دا ماضي وهنمحيه من حياتنا، سمعاني؟
هزت راسها بحماس وعينيها تشع سعادة.
على بغمزة: أنا بقول نكتب الكتاب دلوقتي، لأن معتقدش إني هقدر أستنى دقيقة واحدة أكتر من كدا.
دفعته بقوة وغضب قائلة بحدة:
اتلم يا عمري بدل ما ألمك.
على بخبث: ماشي، هنستحمل لحد الفرح.
بس في موضوع مهم لازم نتكلم فيه.
حبيبه: موضوع إيه؟
على: الحمد لله، أنا دلوقتي عندي شقتي مع والدتي والدنيا ماشية معايا تمام، بس علشان أشتري شقة جديدة الموضوع هيبقى صعب شوية دلوقتي. أوعدك فترة بس وأشتريلك شقة لوحدك.
قاطعته بحب وطيبة قائلة:
ومين قالك إني عايزة أعيش لوحدي وأبعدك عن أمك؟ مش هيحصل طبعاً. وبعدين حافظ على فلوسك شوية، مالهاش لازمة المصاريف دي كلها. بص، إحنا هنتجوز فيها وهي أصلاً جديدة. ويا سيدي أنا لو عليا أعيش معاك ولو في أوضة على السطوح هكون راضية.
تنهد بسعادة وهو يمسك يديها، قبل قبلة حنونة على باطن يديها قائلاً بحب:
ربنا يقدرني وأسعدك يا بيبة.
حبيبه بضحك: اتلم يا علي، أنا مش مرتاحالك...
دلف إلى داخل الغرفة والدته مع أمها وأخيها.
هدي: مش نقرأ الفاتحة بقى ولا إيه يا جماعة؟
علي: ياريت.
بدأ الجميع في قراءة الفاتحة بحب وسعادة وتحديد موعد الزفاف بعد أسبوع ليس إلا.
في منزل صالح.
جلست على الفراش تشعر ببعض التعب والدوار بعد أن قامت بتجهيز حقيبة السفر الخاصة به. سيذهب إلى القاهرة لمدة أسبوع تقريبًا ينهي بعض التراخيص الضرورية، بينما سيستغرق منها أسبوع.
خرج صالح من الحمام وهو يضع المنشفة على عنقه، يقوم بتنشيف شعرها الأسود.
حاولت النهوض والنظر له مبتسمة، قائلاً بخوف وتعب ورجاء:
ما تستنّاش للصبح يا صالح وابقى سافر، أصل الوقت اتأخر وأنا بخاف من السفر بليل، خليك للصبح.
زفر بضيق وهو ينظر لها برغبة قوية في إلغاء تلك السفرية، إلا أنه من الضروري تواجده في القاهرة في أسرع وقت ممكن لإنهاء بعض الأوراق الضرورية.
سار نحوها بخطوات متلهفة، يضمها بحنان لصدره قائلاً بحنو:
للأسف مينفعش، كان مفروض أكون هناك دلوقتي أصلاً بس مقدرتش. ومتخافيش عليا، أنا متعود على كدا وأنا والطريق حبايب.
وضعت رأسها على صدره باستسلام وتعب، ليشعر بالارتياب، تأمل وجهها المتعب قائلاً بقلق:
مالك يا زينب؟ في إيه؟ انتي كويسة؟
أومأت له بضعف وهي تضع يديها على بطنها تشعر بالألم، قبل أن تبكي بشهقات مريرة وشعور بالألم عاصف.
حملها برفق ليجلس بها فوق السرير وهي مازالت بين ذراعيه، يهمس لها بحنان:
اهدي حبيبتي، هكلم الدكتورة جايه. بس لو أعرف ف إيه مالك.
تلوت بين ذراعيه تدفن وجهها في عنقه تقول بصوت متألم باكي:
بطني يا صالح، حاسة إنها بتتقطع وكل جسمي وجعني.
واخدت تشهق بالبكاء كطفلة صغيرة. تنهد بألم من رؤيتها وهي بهذا الضعف، فاخذ يتلمس خصلات شعرها محاولًا تهدئتها بها، لتستمر على هذا الحال حتى انتفضت من بين ذراعيه تسرع في اتجاه الحمام، لينظر في آثارها لثوانٍ ثم يهب للحاق بها، ليجدها تنحني فوق أرضية الحمام تفرغ ما في جوفها بداخله، وصوت تأوهاتها المتألمة تخترق صدره، لينحني بجوارها يلفها بذراعيه مبعدًا شعرها عن وجهها المتعرق.
يحاول التهوين عنها حتى انتهت، فرفعها عن الأرضية متجهًا بها ناحية الحوض، تقف بين ذراعيه بضعف.
وهو يمسح بمنشفة مبللة فوق وجهها، ليجعل هذا تفيق قليلاً، فحاولت السير باتجاه الباب مستندة عليه، ولكنه رفعها من جديد بين ذراعيه ليدخلها الغرفة، وضعها على الفراش برفق، لاحظ وجهها المتعب، ليسمعها تقول بارهاق:
صالح أنا كويسة... أنا جهزتلك... شنطتك، مش لازم تتأخر، أنا كويسة متقلقش، شوية تعب عادي.
لم يعر حديثها اهتمامًا وهو يخرج هاتفه يتصل بأخته لتصعد لهم تساعدها، وأيضًا اتصل بطبيبة مساء متخصصة، يشعر بالرعب وهو ينظر لها تتلوي وتبكي من الألم بين ذراعيه.
تتشبث به بقوة قائلة بضعف من بين دموعها:
متسبنيش يا صالح.
جذبها لاحتضانه، يشعر بالدموع تترقرق في عينيه لأول مرة على امرأة، ضمها بقوة وكأنه يأبى تركها.
مرت لحظات بينهم والاثنان منفصلان عن العالم بأكمله، حتى أنه لم يسمع رنين جرس الباب.
زينب بضعف: صالح... الباب.
أغمضت عينيها تشعر برغبة قوية في الغثيان.
تركها للحظات واتجه نحو باب الشقة يفتحه لتدخل والدته بخوف.
حياء: في إيه يا صالح؟ وزينب مالها؟
صالح بخوف: جو بس تعبان أوي يا ماما، لو سمحتي شوفيها.
دخلت حياء لغرفة زينب، وجدت الغرفة فارغة، اتجهت نحو الحمام لتجد زينب تبكي بعنف ممسكة ببطنها، دلف صالح نحوهما حملها برفق ليقف أمام الحوض مساعدًا إياها.
زينب بدموع: اطلع برا يا صالح... هتنقرف.
حاوط حصرها بيديه قائلاً بجدية:
اهدي يا زينب ومتخافيش، أنا معاكي ومش هسيبك.
أنهت نوبة الغثيان تلك، تستند برأسها على صدره، لا تشعر بأي شيء حولها.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم دعاء احمد
وقف صالح يتابع الطبيبة وهي تقوم بفحص زينب التي فقدت وعيها منذ وقت خروجها من المرحاض بعد نوبة الغثيان تلك.
شعر بالخوف ينهش أعضاءه وكأن هناك قبضة قوية تعتصر قلبه لرؤيتها بتلك الحالة الهزيلة.
يقف بجواره والدته وأخته.
"أنا عاوز أفهم في إيه وهي مغمي عليها لحد دلوقتي ليه؟ دي بقالها يجي ساعة على الحال دا."
سألها صالح هذا السؤال بصوت غاضب محتقن، لياتيه الرد الهادئ من الطبيبة:
"اطمني يا صالح بيه، أنا عطيتها حقنة وكلها شوية وتفوق، وعايزة أطمنك إن ده شيء طبيعي في حالتها وخصوصًا إن الحمل في بدايته، غير كده جسمها ضعيف."
"حمل؟!"
سألتها حياء بابتسامة صغيرة ودهشة.
ابتسمت الطبيبة مهنئة ومؤكدة على ما قالت:
"أيوه حامل، وأكيد دكتورة إيمان لاحظت ده من الفحص، ألف مبروك الحمل في بداية الشهر التاني."
إيمان بسعادة وحماس:
"أيوه يا ماما، كنت حاسة والله، بس قلت الأفضل نعرف من دكتورة متخصصة."
صالح بغضب:
"طب وهي يا دكتورة حالتها إيه؟ دي كانت تعبانة أوي."
الطبيبة:
"متقلقش، ده طبيعي في بداية الحمل وخصوصًا إنه حملها الأول، المهم يا جماعة لازم ترتاح وتتغذى كويس، بلاش الضغط النفسي لأن ممكن يأثر عليها لحد ما الحمل يثبت على الأقل."
جلس صالح بجوارها فوق الفراش يقوم بإبعاد خصلات شعرها عن وجهها.
زفر بغضب في محاولة للهدوء، حتى سمع همهمتها باسمه، ليسرع إليها يسألها بلهفة:
"زينب، انتي كويسة؟ حاسة بحاجة؟ حاجة بتوجعك؟"
ردت والدته محاولة تهدئته:
"براحة عليها يا صالح، خليها تفوق الأول."
صالح:
"زينب ردي عليا، حاسة بإيه... حاجة بتوجعك؟"
تكلمت زينب بضعف:
"هو إيه اللي حصل؟ انت مسافرتش؟"
هتف صالح بفرح وابتسامة واسعة ملأت وجهه، وقد بدأ يستوعب الأمر مردداً بفرحة:
"انتي حامل يا زينب... حامل في الشهر التاني."
اعتدلت في جلستها فور سماع ذلك، وذات الابتسامة والفرحة مرتسمة على وجهها، في حين وضعت يديها على فمها بصدمة وعينيها تترقرق بالدموع.
احتضنها بقوة يضمها بين ذراعيه، بينما همست من بين دموعها:
"أنا هبقى ماما... بس مش هيخليها تبقى زي يا صالح، لا... انت هتكون معايا، مش هسيب الدنيا تظلمها."
طبع عدة قبلات متتالية أعلى رأسها، شاعرًا بسعادة لم يشعر بها طيلة حياته، هامسًا بتأكيد:
"أوعدك هنكون معاها، هتكوني أحلى ماما يا زينب."
ابتسمت حياء بسعادة وهي تجلس بجوارها فوق الفراش، احتضنتها بسعادة لم تتخيلها يوم، حتى أنها بكت بطريقة مبهمة قائلة:
"ألف مبروك يا حبايب قلبي، يارب يجي بالسلامة."
زينب:
"حضرتك بتبكي؟"
مدت أناملها تزيح تلك الدموع قائلة بسعادة:
"لا بس فرحانة لكم، ألف مبروك يا صالح، أخيرًا هشوف أولادك."
صالح برفق:
"ربنا يديكِ الصحة يا ست الكل."
حياء:
"جلال هيفرح أوي..."
إيمان بود:
"ألف مبروك يا زوز بجد فرحتلك."
زينب:
"الله يبارك فيكِ، عقبالك يا رب."
اكتفت إيمان بابتسامة جميلة تشبه بسمة والدتها الجميلة، في حين قاطعها رنين هاتفها، اعتذرت مغادرة الغرفة.
بينما أخذت الطبيبة تسأل زينب بعض الأسئلة لتجيب عليها ببعض الحرج، بينما تطلع إليها صالح يبتسم مشجعًا إياها على الإجابة، انتهت الطبيبة مبتسمة قائلة:
"تمام يا زينب، بس لازم تيجوا العيادة هنعمل شوية فحوصات، ويا ريت يا مدام حياء بلاش تخليها ترهق نفسها."
حياء بود:
"طبعًا يا دكتور من غير ما تقولي."
ذهبت حياء مع الطبيبة تاركة زينب ترتاح قليلاً.
رفعت زينب عينيها تنظر له ولحقيبة السفر الموضوعة في أحد أركان الغرفة.
ارتفعت قليلاً تغمض عينيها تطبع قبلة حانية على خده قائلة بابتسامة:
"مسافرتش؟"
تنهد بارتياح جاذبًا إياها برفق:
"معقول أسيبك وانتي في الحالة دي... خضيتيني ورعبتيني عليكي يا زينب، كنت هموت من الخوف وأنا مش عارف مالك ولا قادر أخفف وجعك... للحظات أتمنيت إننا نبدل الأدوار وأنا اللي أتوجع ولا أشوفك بالمنظر ده."
جذبت كف يديه ووضعته على بطنها مبتسمة بخفوت:
"صالح، انت عايز ولد ولا بنت؟"
أجابها صالح برفق:
"كل اللي يجيبه ربنا كويس يا زينب، المهم يجي بالسلامة ويكون ذرية صالحة تعمر الأرض، تكون روحها حلوة قادرة بابتسامة تخفف وجع اللي حواليها، تكون زيك وحتة منك."
زينب:
"تفتكر لون عيونه هتكون إيه؟ انت لون عيونك..."
صمتت لبرهة وهي تنظر لعينيه مباشرة، حتى لاحت ابتسامة رائعة على شفتيها.
"عيونك حلوة أوي... تعرف أنا بحب والدك أوي عشان جابك للدنيا دي، حقيقي ببقى ساعات عايزة أشكرك."
دفن وجهه بشعرها الأسود يستنشق عطرها الخافت، هامسًا بصوت متحشرج أثر مشاعره، طابعًا عدة قبلات متفرقة على عنقها الأبيض:
"وأنا بحمد ربنا إني قابلتك..."
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم دعاء احمد
في منزل يوسف.
دلف يوسف إلى منزله لأول مرة بعد عودته من السفر. نظر للمنزل باشتياق وهو يعيد ذكرياته معها. كان مرتبًا، كل شيء فيه أنيق، يعود ذلك لعودتها منذ ساعتين للمنزل بمفردها.
بينما طلبت منه أن يفعل أي شيء بالخارج حتى تفعل بعض الأشياء. ورغم إرهاقه منذ يومان لم ينم، لكنه أوفى، تاركًا لها الحرية.
دلف إلى المنزل شاعراً بالدفء. وجد السفرة مرتبة بأشهى الأصناف. تضع شموع ليبدو الأمر في غاية الجمال. يشعر بداخله بحلاوة الحلال.
ابتسمت وهي تخرج من غرفتها تنظر له. كانت جميلة، ربما أجمل امرأة رآها. ترتدي ثوبًا أسود يصل لركبتها، ضيق من الخصر قليلاً، متسع بعد ذلك. تضع بعض لمسات المكياج.
تقدمت نحوه مرتبكة من نظراته المتفحصة لها، وكأنه يراها لأول مرة.
ايمان: "چو... بطل تبصلي كده. ياله، أكيد واقع من الجوع. بص، هو بصراحة ماما هي اللي عملت الأكل ده. أنا ملحقتش أعمل حاجة ولقيتها بعتت لي الحاجة دي مع عفت."
"...انت بتبصلي كده ليه؟"
"وحشتيني..."
اتسعت شفتيها ترتسم بأجمل ابتسامة ورثها من والدتها، قائلة:
= "ياله، ادخل اغسل ايديك وتعالى نتعشى. أنا واقعة من الجوع."
اتجه نحو الحمام دون كلمة واحدة.
بعد مدة.
أنهى الاثنان وجبتهما. في حين دلف يوسف للحمام ليأخذ حمامًا باردًا يزيل به عناء اليوم. بينما لملمت ايمان السفرة.
ودلفت لغرفتهما لتجد هاتفه يصدح. نظرت نحو الحمام لتستمع لصوت جريان المياه.
نظرت للهاتف عاقدة ما بين حاجبيها من اسم المتصل (قدري الأسود). حاولت أن تكون عقلانية ولا ترد، لكن لم تستطع مقاومة فضولها وهي تفتح الخط لتجد الرد المتلهف شغوفًا.
= "يوسف، انت فين؟ برن عليك من امبارح بليل. ازاي ترجع مصر من غير ما تكلمني."
ثم تابعت (عهد) بحنق وغضب:
= "وبعدين انت بتقفل السكة في وشي. انت فكرني برمي نفسي عليك. أنا بس كنت عايزة اتكلم معاك عن المشروع."
حاولت السيطرة على أعصابها وهي تستمع لتلك المرأة ولهفتها القوية.
ابتسمت ايمان بحدة لترد بصوتها الأنثوي الناعم قائلة بدلال لتسمعه الأخرى، لتستشيط من الغضب:
: "ياله يا حبيبي، اتاخرت ليه... وحشتني يا چو."
"لا لا، عيب يا يوسف.. يوسف."
أنهت المكالمة بدلال وتغنّج، وكأنه تخبر المتصلة بأنه مرتبط بأخرى غيرها.
أغلقت الهاتف بوجه عهد وهي تلقي الهاتف على الفراش.
بينما على الجهة الأخرى، شعرت عهد بالصدمة وعقلها يرسم لها سيناريو له مع زوجته، لتشعر بالغيرة والغضب.
بينما وقفت ايمان تود لو تنقض عليه بقوة لمعرفة من هي تلك الغبية. وجدته يخرج من الحمام وهو يرتدي التيشيرت، قائلاً بابتسامة:
: "أخيرًا الواحد حاسس إنه بقاله سنة بعيد عن البيت."
ايمان بحدة وهي تمسك هاتفه:
: "مين دي يا يوسف؟ وليه بتتكلم بعشم أوي كده؟"
رفع رأسه ليرى عهد. قامت بالاتصال عليه. ضغط على شفتيه بغيظ قائلاً بحدة:
: "وانتِ ليه بتقلبي في موبايلي... إيه مش واثقة فيا للدرجة دي؟"
ايمان بغيرة:
: "لا واثقة، بس مش واثقة في الناس. وبعدين بلاش تتهرب وتغير الموضوع. البنت دي بتقول إنها مش بترمي نفسها عليك ومتعصبة... انت في بينك وبينها حاجة؟"
يوسف بضيق:
: "ايمان، بلاش تخليني أندم إني نزلت. وبعدين كلامها معناه لو هي بترمي نفسها عليا ومتعصبة كده، يبقى أكيد ده من ناحيتها هي. فبلاش تقلبيها نكد، لأن أنا هلكان وربنا."
ايمان: "عندك حق. اتفضل يا بشمهندس، نام. عندك السرير واسع أهوه."
لتقترب من السرير تسحب أحد الوسائد والشراشف لتضعهم على الأرض وتستلقي عليها، وهي تتمتم بغضب:
= "اشبع بيه... يارب السرير يقع عشان تبقى تفرح بيه أوي."
يوسف بضيق: "بطلي لعب عيال يا ايمان وقومي، ضهرك هيوجعك."
ايمان بحده طفولية:
: "مالكش دعوة بيا..."
لتمتم بغضب لنفسها:
"ده حتى الكنبة يا أخي جايبها مش مريحة. يارب السرير يقع."
وقف ينظر لها ولعنادها. تجاهلته مغمضة عينيها لتستغرق سريعًا في نوم عميق، فقد كانت تشعر بإرهاق شديد بعد عمليتها الأولى.
لينهض يوسف من فوق الفراش بعد تأكده من نومها.
ليهم برفعها بين ذراعيه ووضعها على الفراش. ليتذكر أنها إذا استيقظت ووجدت نفسها على الفراش بجواره، سوف تقيم القيامة. ليقرر أنه يجب إيجاد حل آخر.
استلقى يوسف بجوار ايمان على الأرض ليسحبها حتى تستلقي على صدره، محاولاً توفير لها أكبر قدر من الراحة. ليحتويها بين ذراعيه، مقبلاً رأسها بحنان وهو يهمس لها:
= "أنا محبتش ولا هحب حد في الدنيا قدك."
ليدفن وجهه في عنقها، يقبله بشغف وهو يتنفس رائحتها الخلابة، مغمضاً عينيه ليستغرق هو الآخر في نوم عميق.
======================
في الصباح.
فتح يوسف عينيه ببطء ليبتسم بسعادة.
عندما شعر بأنفاس ايمان الدافئة فوق عنقه، حيث كانت تدفن رأسها به. لينحني مقبلاً جبينها برقة.
وهو يتنفس بعمق رائحتها التي يعشقها. ليشدد من ذراعيه التي تحيطها مقرباً إياها منه أكثر، ليظل على هذا الحال عدة دقائق.
ليقرر النهوض فقد تجاوز السادسة صباحاً.
قد تستيقظ في أي وقت وإذا رأته بجانبها بهذا الوضع سوف تعلن عليه الحرب، فهو يعلمها جيداً.
لينهض ببطء محاولاً عدم إيقاظها، لكنه تأوه بصوت منخفض عندما شعر بألم شديد في ظهره. ليستلقي على الفراش محاولاً إرخاء ظهره ببطئ.
فظهره قد تشنج بسبب استلقائه على الأرض وحمله لجسدها فوق صدره طال الليل في محاولة منه لتوفير لها أكبر قدر من الراحة. تنهد يوسف بألم وهو يغمض عينيه محاولاً النوم قليلاً، لعل هذا يخفف من ألم ظهره قليلاً.
استيقظت ايمان من النوم وهي تشعر براحة غريبة. لتنهض ببطء تقف بجوار الفراش وهي تتأمل النائم بعمق، لتهمس بغيظ:
= "بارد... سيبني نايمة على الأرض وهو نايم على السرير."
لتتنهد وهي تجلس على عقبيها بجوار الفراش تتأمل بشغف ملامحه الوسيمة المسترخاة بسبب النوم. تتشرب تفاصيله بهيام، فلم تشعر إلا وهي تمد يدها تمررها في خصلات شعره الحريرية بحنان، وهي تهمس بصوت متحشرج وكأنها تتحدث معه:
= "أنا آسفة يا يوسف، والله ما قصدي أقلبها نكد، بس أنا حسيت في صوتها بحاجة غريبة."
ابتعدت عنه ببطء، لكن عينيها كانت لا تزال منصبة عليه تراقبه بشغف. لكنها شهقت بصوت منخفض عندما شعرت به يستيقظ.
لتتجه على الفور نحو المرأة تدير ظهرها له، وهي تمسك الفرشاة بين يديها تتصنع بتمشيط شعرها.
لكنها استدارت نحو يوسف سريعاً عندما صدرت عنه شهقة ألم، لتقترب منه قائلة بلهفة:
: "مالك يا يوسف؟"
أجابها وهو يحاول النهوض، لكنه فشل عندما شعر بالألم يعصف بظهره، ليرجع برأسه إلى الخلف مستنداً على ظهر الفراش.
: "مش عارف، حاسس بألم رهيب في ضهري."
ايمان لنفسها:
= "شكل الدعوة استجابت ولا إيه..."
لتهتف بجدية:
: "ثواني، عندي مرهم كويس، على ما أتذكر كان هنا، استنى."
كان يوسف لا يزال مستلقياً على السرير عندما اقتربت منه وهي تحمل بين يديها إحدى المراهم الطبية، قائلة بحزم:
: "المرهم ده كويس، هدهنلك ضهرك بيه وهتبقى كويس على طول."
شعر يوسف بالدماء تعصف بداخله عندما تخيل يديها تمر على ظهره. فهو لن يستطيع تحمل ذلك. فهو يجد الصعوبة في السيطرة على ذاته، ليهز رأسه بالرفض قائلاً بحزم:
: "لا، مش محتاجة... أنا هبقى كويس."
تجاهلت ايمان اعتراضه لتصعد فوق الفراش بجواره وهي تحاول جعله يستدير حتى تتمكن من وضع العلاج وتدليك ظهره، قائلة بتصميم:
: "يالا يا يوسف، بلاش شغل العيال ده... ضهرك لو معالجتوش الوجع هيزيد أكتر."
ليزفر باستسلام وهو يستدير ببطء محاولاً نزع قميصه حتى تستطيع تدليك ظهره.
لتساعده على الاستلقاء مرة أخرى، لكن هذه المرة على بطنه.
حاولت ايمان نفض جميع الأفكار حتى تستطيع التركيز على ما تقوم به، لتضع القليل من المرهم فوق ظهره وتبدأ بتدليك ظهره تحت يديها المرتجفة بشدة.
بينما كان يوسف مستلقياً وهو يحبس أنفاسه بقوة، فالشعور بيدها فوق ظهره أثاره، مما جعل الدماء تغلي بداخله. ليجز على أسنانه بقوة جاذباً إياها أسفله قائلاً:
: "بذمتك دي مقابلة تقابلي بيها جوزك بقاله أربع شهور مسافر؟ طب أنا مبصعبش عليك؟ ولا هو أنتم بتحبوا النكد وخلاص. أولاً دي واحدة شغالة معايا، لكن أقسم لك بالله ما في حاجة بينا. ثانياً بقى، انت وحشتيني أوي."
ايمان بارتباك:
: "يوسف، أنا عندي شغل."
انحنى قليلاً قائلاً بجدية وصوت متحشرج أجش أثر مشاعره:
: "كلمتهم في المستشفى وخدت لك إجازة، يعني مفيش حجج."
شهقت ايمان بضيق قائلة:
: "حجج..."
لم تكمل جملتها لتجده يحتضنها بقوة، يأخذ نفس عميق قائلاً:
: "نامي يا ايمان، لسه بدري وأنا كمان عايز أرتاح."
لان لو منمتش دلوقتى مش هيحصل طيب.
ابتسمت بخجل وهي تدس جسدها بداخل أحضانه، مغمضة عينيها محاولة النوم.
في وقت سابق (ليلة أمس)
دخل صالح إلى غرفته مع زينب بعد عودته من فحص الطبيبة وشجارهما معًا.
ليجدها تجلس فوق الفراش تضم ركبتها إليها، تنظر بشرود أمامها حتى أحست بدخوله، لتسرع في النهوض من الفراش تحاول التقدم منه.
ليرفع سبابته يوقفها قائلاً بجمود:
= خليكي مكانك، تقدري تنامي على السرير، أنا هنام هنا على الكنبة.
تحشرج صوتها بالبكاء تحاول التحدث إليه، ليتجاهلها تمامًا متجهًا إلى خزانته يخرج منها ملابس نومه يتجه بها إلى الحمام.
لتقف زينب مكانها تنساب دموعها بصمت فوق وجهها، حتى خرج من الحمام لا يرتدي سوى بنطال قطني، ليذهب إلى الفراش يسحب من فوقه الأغطية يتجه بها إلى الأريكة متجاهلاً تمامًا زينب الواقفة.
يستلقي فوق الأريكة محاولًا النوم واضعًا يده فوق وجهه، ليقول بعد عدة دقائق عندما رآها ما زالت واقفة في مكانها دون أن تتحرك قائلاً بجمود:
= هتفضلي واقفة مكانك كتير؟ عاوز أقفل النور وأنام...
لينقلب على جنبه معطيًا لها ظهره، ليسود الصمت حتى تحركت زينب بخطوات بطيئة تجرجر قدميها حتى الفراش، تستلقي هي الأخرى تغلق الأنوار.
ليسود الظلام لكن دون أن يطرق النوم جفونها، ليمر بها الوقت وهي على هذه الحالة.
ساد الصمت المكان، لتشعر به وكأنه غرق في نوم عميق.
نهضت عن الفراش تتقدم من الأريكة ببطء، جلست بجواره واضعة يديها على صدره العاري موضع قلبه، تستشعر حرارة جسده.
زينب بعتاب:
: صالح، أنت قلت مش عايز يجي اليوم اللي أحط فيه راسي على المخدة جانبك وأنا زعلانة.
وأنا دلوقتي زعلانة، بس مش منك، من نفسي...
أنا آسفة والله العظيم، ما كنت أعرف إن ده اللي هيوصلك من تصرفاتي.
أنا أكتر واحدة في الدنيا بحبك.
ونفسي أحس بنبض ابننا جوايا، أوعى تتخيل إني كارهة.
ده أنا لو هموت علشان حملي يكمل ويجي للدنيا، مش هتستخسر فيه عمري... علشان ده حتة منك أنت...
أوعدك هصلح اللي عملته، لأن بعدك عني هو فعلاً عقاب ليا.
كنت متخيلة إني لما أزعل وأنكد عليك وعلى نفسي هبقى كده أحسن، لكن أنا بتعافى بوجودك جنبي.
انحنت قليلاً لتطبع قبلة بطيئة خجولة على شفتيه، مغمضة العينين.
توجهت للفراش تحمل غطاء خفيف.
وتسللت بهدوء حتى وصلت إلى جانبه وقامت بتغطيته، والدماء تضج في وجهها من شدة الخجل وقلبها يقفز في داخل صدرها بعنف شديد كلما تذكرت أنها قبلته.
تمنت لو بادلها، لكن كيف وهو نائم؟ وضعت يديها على شفتيها تعنف نفسها على أفكارها المنحرفة ووجهها مشتعل.
لم تشاهده وهو يبتسم ويواصل التظاهر بالنوم.
توجهت للفراش وهي مقررة مصارحته والاعتذار منه.
أغمضت عينيها تحاول النوم، إلا أنها فشلت، وأحداث اليوم تهاجمها بقوة.
فشعرت بالبرودة تجتاح جسدها بقوة، فسحبت الغطاء تحاول تدفئة نفسها وهي تشعر بالخوف والوحدة تجتاحها بشدة، ودموعها تغرق وجهها وصوت من داخلها يأنبها بشدة على ما فعلت.
فأغمضت عينيها تزرف دموع ندم عما فعلت، والذي أوصلها في النهاية لتلك المرحلة، ليتركها تنام بمفردها، ولأول مرة بعد زواجهم تفتقد دفء احتضانه لها.
أسنانها تتشقق من شدة الخوف والندم.
فتح عينيه ببطء ينظر بعيون عاشقة لها.
تمنى لو تسعفه عنوة مشاعره على الاقتراب منها الآن واحتضانها بقوة والاطمئنان عليها هي وطفلهما.
كاد أن يحملها بداخل حضانته مراضيًا لها، وصوت بكائها المكتوم يدمي قلبه الغارف في عشقها.
ولكنه انتفض ينهر نفسه ويعنفها من ضعفه ذلك.
مقررًا ألا يقترب لعلها تتعلم الدرس.
"قبل أن تخط عليك التفكير بالعواقب."
لكن!! لكنها اعترفت بمشاعرها الآن... أخبرته أنها تحبه... يا الله، لما تأتي أجمل الأشياء بأسوأ الظروف... يا الله، لما يخفق قلبه بكل هذا الجنون.
نظر لها سريعًا بداخله بعض المخاوف أن تستمع لدقات قلبه السائرة.
ما هذا الجنون؟ لماذا تستمع لدقات قلبك؟!
نظر لها مرة أخرى ليجدها قد غفت، أو كما يبدو أنها تجاهد في سبيل الاستغراق في النوم.
صالح لنفسه:
يارب تتعلمي تثقي فيا يا زينب، وقبلها تمحي بينا الأسرار والخوف، بس لازم تفوقي وتعرفي إن البعد بيولد بعد...
وتحكي لي عن اللي مخبيه، بس اصبري عليا علشان شكلك عايزة تتربي على إيدي.
جذب الغطاء عليه يحاول النوم هو أيضًا، ولكن بداخلها سعادة عارمة وبعض الارتياح.
***********************
في الصباح
اقترب صالح بهدوء من زينب المستغرقة بعمق في النوم، وجلس بجانبها يتأملها بعشق، ويده تمر بحنان في خصلات شعرها الأسود الناعم والغزير، وهو يتأمل ملامحها الفاتنة بعشق شديد.
لترتفع يده بدون إرادته وتتلمس ملامح وجهها بافتتان وولع شديد.
فتنهد بألم وهو يشاهد بقايا آثار دموعها على وجنتيها، فحاول الابتعاد عنها وهو يشعر بالندم، تمنى لو آفاق بالأمس يحتضنها بقوة يسمعها للنهاية.
تفاجأ بها تفتح عينيها وتبتسم له بفتنة تهمس باسمه.
فلم يعد يستطيع السيطرة على مشاعره الملهوفة إليها، فاقترب منها وهو يهمس بعشق شديد فوق شفتيها يقبلهما برقة شديدة.
فتنهد بألم وهو يحاول الابتعاد عنها، إلا أن مشاعره الغارقة في عشقها والشوق إليها تغلب عليه، وهو يقتحم شفتيها ويقبلهما بنهم شديد وكأن روحه معلقة على شفتيها، خاصة وهو يشعر بها تستجيب بلهفة بين ذراعيه.
يده تتشابك في شعرها تضم رأسها بعشق إليه، واليد الأخرى تضمها إليه بقوة ولهفة شديدة وكأنه يحاول زرعها بين أضلعه.
ليمر بعض الوقت عليه حتى ابتعد عنها على مضض، وهو لا يشعر بالوقت الفعلي الذي مر عليه وهي بين يديه.
فمرر يده بحنان على شعرها يعيد ترتيبه برقة خلف أذنيها، في حين ابتسمت وهي تنظر إليه برقة وتعود للنوم مرة أخرى براحة.
نهض صالح من جانبها وهو يمرر يده بتوتر في شعره، وهو يشعر بالارتباك، لتعود النوم مرة أخرى، لم تعِ ما حدث، لكن كانت تتمناه.
دخل إلى الحمام للاستحمام والاستعداد لبدء يوم جديد، ثم خرج وهو يراقب استغراقها الشديد في النوم بدهشة وقلق، فارتدى ثيابه ودخل إلى المطبخ وقام بتحضير طعام الإفطار لها.
اقترب منها بعد أن وضع صينية الطعام بجانبها ومرر يده على شعرها وهو يقول بحنان:
= زينب... زينب، ياله اصحى ياله قومي.
فتحت زينب عينيها ببطء وهي تنظر إليه، لتنهض فوق الفراش سريعًا.
= صالح، لازم نتكلم، والله أرجوك.
جلس بجوارها ببرود زائف ليقول بجدية ووحدة:
: طب ياله افطري الأول علشان تاخدي الدوا.
زينب بضيق:
: صالح، أرجوك.
صالح بحده:
: هنتكلم يا زينب، بس مش هنا، خلينا نوصل المنصورة الأول، وهناك تهدي وأنا كمان أهدي أعصابي، ياله افطري.
حاد... بارد... يستمتع بعذاب قلبها العاشق.
قرب من شفتيها كوب من الحليب الدافئ وهو يقول بحنان:
= يلا يا عشان تاكلي.
زينب بحزن وضيق:
= أنت لسه زعلان مني، مش كده...
مرر صالح يده في شعرها وهو يقول بجدية:
= أيوه لسه زعلان منك ومش عارف إزاي هتقدرى تخليني أسامحك، المفروض إننا واحد وأي حاجة تزعجك لازم أكون أول واحد يعرفها، لكن حضرتك ماشية بدماغك العبقرية دي لحد ما هتلبسينا في حيطة سد.
بس دلوقتي مش وقته.. المهم دلوقتي تفطري وتاخذي دواكي.
هزت زينب رأسها ترفض الطعام وهي تقول ببكاء:
= خلاص مش عاوزة أكل.. وبعدين أنت مش عايز تسمعني، بتعاقبني وخلاص، واحد بارد.
صالح بتسلية وابتسامة ماكرة:
= والله...
عقدت ساعديها أمام صدرها بضيق:
= والله...
تفاجأت به يقترب وعلى شفتيه ابتسامة لعوبة.
كادت أن تبعده ظنًا منها أنه سيقبلها، لكن وجدت أنه يميل على بطنها يقبلها بحنان، وكأنه يحدث طفله.
= عجبك كده يا أستاذ جلال؟ أمك متعبة أوي الصراحة وتعباني معاها.
زينب بابتسامة: جلال؟!
ابتعد قليلاً ليغمز لها سريعًا بطريقة جعلت عينيها تشع بالقلوب قائلاً:
: ابننا...
تقسم أنه لو لم يبتعد قليلاً عنها، لكن قبلته بترحيب وسعادة.
تشعر وكأن أفكارها تنحرف مؤخرًا.
= ياله يا زينب، هو ملوش ذنب بزعلك.
زينب بحزن:
= قصدك إني مش مهتمة بيه؟ على فكرة دي ابني وأنا بحبه أكتر منك، علشان هو جوايا أنا، وأنا اللي بحس بيه رغم إنه لسه بيتكون في جسمي وبيكبر.
وده الفرق والسبب اللي يخلي الجنة تحت رجلي أنا الأم، واللي بتحمل كل الوجع.
أنا بحس بيه وبأول نبضة وحركته.
ربنا لما حب يكرم الست، خلاها تحس بابنها جوا بطنها وتحس بنبضه وتتوجع، فـ اوعى تتخيل في يوم إني مش عايزاه أو مش بحبه.
وعلى فكرة هو مش بيتأذى.
متخافش، أنا سألت الدكتورة امبارح.
وقالت لي حتى لو أنا ما أكلتش، البيبي بياخد اللي هو محتاجه من جسمي، يعني لو ما أكلتش هو مش هيتأذى من حاجة.
مرر صالح يده على وجنتها بحنان وهو يقول برفق:
= عارف إنه هياخد احتياجه منك، بس أنا كمان خايف عليكي وعاوزك تحافظي على صحتك، إحنا لسه في أول شهرين، لازم تهتمي بنفسك، لأن مش هسامح نفسي لو جرالك حاجة، ياله.
بسم الله، خدي بقى اشربي كوباية اللبن دي.
زمت شفتيها بحنق طفولي قائلة:
= مش بحبه.
صالح:
= طيب لو قلتلك علشان خاطري وخاطر ابننا.
هزت رأسها بطاعة وهي تأخذ منه الكوب، لتضع أصابعها على فتحتي أنفها وهي تتجرع الكوب بسرعة حتى لا تشعر بطعمه في فمها.
ضحك وهو ينظر لتصرفاتها الطفولية والعفوية.
ما إن شربت كوب اللبن، وجدته ينظر لها ويبتسم برفق، أخذ قطعة من الخبز الشهي وقربها من فمها وهو يقول بحب:
= افتحي الشفايف الحلوين دول علشان حبيبي ياكل.
اصطبغ وجه زينب باللون الأحمر القاني من شدة الخجل، ثم فتحت فمها برقة وتناولت الطعام من يده وهي تكاد تذوب من شدة الخجل، فهمست برقة قائلة:
= طب وأنت مش هتفطر؟
حاول التهرب منها وهو يضع قطعة أخرى في فمها قائلاً:
: ماليش نفس، هعمل فنجان قهوة علشان أفوق قبل ما نتحرك.
زينب بضيق وإصرار:
= لا وهتفطر معايا، ياله.
ابتسم ليجدها تأخذ قطعة من خبز تضع بها الجبنة وقطعة من الزيتون وضعتها في فمه، لم تترك له مجال للاعتراض.
بعد مدة
أخذت حمام صباحي دافئ وارتدت ثيابها، وجدته يقف أمام المرآة يهندم قميصه الأسود الذي يبرز أناقة جسده الرياضي في غاية الوسامة.
غرست أسنانها بشفتيها السفلية بغضب وغيره.
زينب ببلاهة وحنق:
= على فكرة أنت متجوز، فتلة؟ أنا مبقفش كل ده قدام المرايا، مش خايف تتلبس بجنية؟
لاحت ابتسامة لعوبة على شفتيه وهو يضع زجاج عطره أمام المرآة قائلاً برضا وهو يتفحصها من رأسها حتى أخمص قدميها:
= جنيه... مش كفاية أنتِ يا مجنني.
يالا ننزل لأن مضمنش نفسي.
تقدم وهو يمسك بيديها برفق، تمشي خلفه.
*********************
توقف أمام شقة والده وهو يحيط خصرها بحماية، ليجد والدته تقوم بفتح الباب تبتسم لهم.
حياء بحب: صباح الخير يا ولاد، تعالوا ياله افطروا قبل ما تنزلوا...
زينب عاملة إيه دلوقتي يا بنتي؟
ابتسمت برقة وهي تحتضن حياء قائلة برفق:
= بخير الحمد لله، أخبارك إيه يا ماما؟ وبابا فين؟
حياء: بيفطر جوه، ياله تعالوا.
دلف الاثنان إلى الصالون برفقتها.
جلال بابتسامة:
= صباح الخير يا ولاد، إزيّك يا زوبا؟
زينب بود:
= بخير الحمد لله.
جلال:
= الحمد لله، ياله اقعدوا افطروا.
صالح:
= تسلم يا حج، بس فطرنا مش شوية، بالهنا والشفا. ياله أنا قلت أجي أسلم عليكم قبل ما نمشي، هطلع على إيمان ويوسف قبل ما نتحرك.
جلال بجدية:
= خلي بالك على نفسك وعلى مراتك.
قبل يد والده بتبجيل قائلاً:
= متقلقش علينا يا حج، زينب في عيوني.
حياء:
= ربنا يحفظكم يا حبايبي، ياله يا عفت، كل دا بتجهزي؟
عقد صالح ما بين حاجبيه باستنكار قائلاً:
= عفت؟!
حياء بجدية:
= عارفة إنها رغابة، بس لازم تبقى معاكم عشان تخلي بالها على زينب، ولو حصل أي حاجة هي خلفت قبل كده وعارفة. لولا إن مينفعش أسيب البيت كنت جيت معاكم.
عفت بسرعة:
= خالص، أنا جهزت يا مدام حياء... هنزل الشنطة أحطها في العربية.
أومأ لها صالح بجدية قبل أن تخرج من الشقة تجر حقيبتها وراها.
صالح:
= ياله، في حفظ الله.
جلال وحياء:
= في حفظ الله.
***
بعد عدة ساعات.
وقفت زينب أمام باب أحد المنازل الريفية الفاخرة، تنظر بانبهار إلى ما حولها.
لتشهق بصوت منخفض عندما رفعها صالح بين ذراعيه حاملاً إياها إلى الداخل وهو يهمس لها:
= نورتي البيت يا زبدة.
ابتسمت له بخجل وهي تخبئ وجهها بعنقه. ظل صالح حاملاً إياها حتى وصل إلى البهو لينزلها ببطء.
وقد قام صالح بتعريفها بالخدم (كرم وخديجة) الذين قاموا بالترحيب بها بحرارة، وخلفهما عفت، والتي نظرت بجشع وطمع لذلك القصر الريفي، ليس منزلاً عادياً. لم تكن تتوقع أن عائلة الشهاوي تملك قصراً كهذا، ربما لأن جلال وحياء يعيشان في شقة عادية كبيرة ومتسعة، لكن ليست كذلك القصر، والذي أقسمت أنها لم تر مثله من قبل، غير ذلك بالأفلام.
خديجة بحب وود:
= نورت يا صالح بيه، بقالي كتير مشفتكش ولا بتيجي البلد.
صالح بابتسامة ودودة:
= معلش بقى ظروف الشغل والجواز.
خديجة بطيبة وهي تتطلع لزينب:
= المنصورة كلها نورت يا قمر، لا والله دي بدر ليلة تمامه. أنا قلت برضه أكيد مرات صالح الشهاوي أكيد زي القمر، بس الصراحة طلعت أجمل ما كنت متخيلة. ألف مبروك يا مرات الغالي... بصي أنا بقى خديجة، بس أنا أكبر منك بيجي عشر سنين، المهم هنبقى صحاب حلوين أوي.
زينب بود وقد شعرت بالارتياح لتلك الفتاة:
= إن شاء الله يا خديجة.
خديجة:
= أنا بقى مجهزة لكم غدا هتاكلوا صوابعكم وراه، ومتقلقش يا بيه الأكل إنه عمله مظبوط وصحي، مدام حياء اتصلت عليا وقالت لي كل حاجة. صحيح، ست (بيلا هانم) سألت على حضرتك كتير أوي طول ما أنت كنت مسافر ونفسها تشوفك.
صالح بجدية وابتسامة:
= بيلا، أنا كمان وحشتني أوي أوي، ماشي يا خديجة، هنطلع نرتاح شوية ونبقى ننزل، بلغيها إني وصلت وهعدي عليها كمان ساعة كده.
قام كرم (زوج خديجة) بلكزها حتى تكف عن الثرثرة.
كرم بجدية:
= طبعاً يا بيه اتفضل، وأنا موجود عند البوابة لو احتجت أي حاجة، والغفير موجودين مأمنين البيت.
صالح بجدية وهو يحاوط خصرها مقرباً إياها لصدره، بينما هي أخذت تفكر في اسم بيلا ذلك، شعرت بالغيرة مع نطق اسمها، ليقول صالح:
= ماشي يا كرم... ياله بينا يا زينب.
نظرت خديجة بضيق لتلك المرأة التي تقف وراء زينب، ويبدو الطمع والذهول جلياً على وجهها، في حين صعد صالح وزينب لأحد الغرف بالقصر، وصعد كرم خلفهما يحمل الحقائب.
خديجة:
= وإنتي اسمك إيه يا شابة؟
بضيق: "عفت".
خديجة بسخرية وحدّة أنثوية:
= يا أختي بطلي تبحلقي في البيت كدا، أعوذ بالله من عينك... قل أعوذ برب الفلق.
عفت بضيق:
= فيه إيه يا أختي، هو أنا هحسدهم؟
خديجة:
= يمكن، ياله بطلي رغي ورايا على المطبخ.
***
استغلت زينب انشغال صالح بالعمل على اللاب توب، خرجت من الغرفة بعد أن بدلت ثيابها بأخرى مريحة.
وقفت تتأمل بإعجاب القصر الريفي الرائع الذي يحيط بها من كل اتجاه، الأشجار، الزهور رائعة الجمال والممتدة على مرمى البصر، والتي أشعرتها أن لا نهاية لها، خصوصاً أنها متداخلة مع حدائق الفاكهة الغناء والتي تمتد لمئات الأفدنة، مريح للأعصاب حقاً.
ابتسمت بحماس وهي تنظر للمكان بسعادة، حتى توقفت على صوت خديجة.
خديجة:
= تؤمري بحاجة يا زوبا... آه، إحنا لازم ناخد على بعض... وبعدين نزلتي ليه، كنتي ارتاحي.
زينب بضيق:
= أنا من ساعة ما عرفت إني حامل وأنا معملتش حاجة، وصالح لو شافني بعمل حاجة بيزعل، والصراحة تعبت من النوم على السرير... قولولي مين بيلا هانم دي؟
خديجة بحب عفوي:
= ياآه، دي ست طيبة أوي، اسمها بيلا سالم الدمنهوري. صاحبة القصر اللي في الناحية الشرقية، عندها يجي خمسة وأربعين سنة كدا، بس يا حسرة عليها، ربنا مبيديش حد كل حاجة.
زينب بفضول:
= ليه؟
خديجة:
= بيقولوا إنها دخلت مصحة نفسية سبع سنين، كانت أصلاً عايشة في إسكندرية، لكن أختها مريم هانم جابتها المنصورة بعد ما خرجت من المصحة، نفسيتها كانت وحشة أوي. والسبب حاجة حصلت لها في إسكندرية لدرجة إنها بقيت تكره تروحها، ومن وقتها وهي جت هنا ودايماً لوحدها، حتى مريم أختها حاولت تخليها تشتغل معاها في أملاكها وترجع لحياتها، لكن هي عمرها ما خرجت. تعرفي دي ملكة جمال، كان بيتخانق عليها رجالة بشنبات وكل واحد يتمنى توافق تتجوزه، لكن الغريب إنها كانت بترفض كل العرسان بطريقة غريبة. أمي الله يرحمها كانت شغالة في قصر سالم بيه أبوها، وبتقول إن أبوها في مرة ضربها لدرجة إنها دخلت المستشفى وكان جسمها كله بينزف وحصل مشكلة كبيرة. وبعدها لما خرجت من المستشفى دخلت المصحة، ومحدش يعرف السبب الحقيقي لحالتها. ودلوقتي عايشة لوحدها في القصر، أبوها مات، وأخوها محمود بيه هو اللي بيدير الشغل بتاع العيلة، والصراحة هو راجل محترم. بس محدش بيجي يزورها إلا كل فين وفين، ومفيش غير مدام حياء اتصاحبت عليها، وكل ما تيجي هنا لازم تروح لها، وإيمان وصالح كانت بتعتبرهم زي ولادها. على فكرة أنا كلمتها وقلت لها إن صالح بيه والمدام بتاعته هنا، وهي قالت نفسها تشوفك.
زينب بحزن:
= ربنا يكون في عونها... إن شاء الله نتقابل، بس صالح يوافق.
خديجة:
= وهو هيرفض ليه؟ والله العظيم صالح بيه دا ما في منه دلوقتي، بيعتبرها أمه، ربنا يفرحكم يا رب بابنكم.
وقفت "عفت" من بعيد تتابع ما يحدث بضيق، كانت تعتقد أنها ستستطيع التقرب من زينب في تلك الفترة، لكن جاءت تلك المرأة ورفقتها.
عفت بضيق:
= أبو شكل دي شغلانة، بس خالص أنا زهقت، الواد دا لازم ينزل... وبعدين الخطّة بتاعت سي زفت بقالنا تلات شهور بنرتب فيها، لولا الحمل الزفت دا كان زمنا خلصنا، بس خالص أنا جبت آخري، باي باي زوبا.
***
في وقت لاحق.
ترجل صالح من سيارته، يدلف إلى قصر ضخم وبجواره زينب، شعرت بالتوتر قليلاً من رغبته في التعرف عليها.
زينب:
= صالح استنى بس، هي ممكن متبقاش عايزة تشوفني، طب أنت و عارفها إنما أنا...
طبع قبلة سريعة على وجنتها وهو يحيط خصرها بتملك قائلاً:
= متقلقيش، بيلا مفيش أطيب منها، وبالعكس يمكن تزعل لو مشفتكيش.
ابتلعت ما بحلقها وهي تدلف لذلك القصر الضخم، تنظر للحرس بارتياب وهي تتمسك به بقوة، ليبتسم.
مرت ثوانٍ وهو يدور بعينيه في الحديقة ليجد امرأة أنيقة في منتصف العقد الرابع من عمرها، جميلة الوجه، شعرها مرتب في كعكة أنيقة، تجلس على أحد المقاعد بجوار شجرة كبيرة وتدون شيئاً ما في مذكراتها، يبدو عليها الحزن جلياً.
صالح بحماس:
= بيلا، وحشتيني.
ابتسمت بطيبة وهي تراه يقترب، احتضنها قائلاً:
= القمر عمل إيه؟
بيلا برفق وحزن مصطنع:
= زعلان منك يا بكاش... مش بتسأل عليا، لا أنا زعلانة منك.
= وأنا ما يرضيني زعلك، أصلحك إزاي؟
بيلا بطيبة:
= مش محتاجة حاجة غير إنك تطمني عليك دايماً.
رفعت عينيها البنية تنظر لتلك الجميلة بجواره، تمعنت في النظر لها، أسدلت عينيها عنها وعن رماديتها قائلة:
= دي مراتك؟
أومأ لها بالإيجاب، لتشعر زينب بالحرج قليلاً، لكن فاجأتها بيلا وهي تحضنها، قد شعرت بهالة غريبة من المشاعر، لكنها ابتعدت أيضاً فجأة كما اقتربت قائلة:
= زي القمر يا صالح، ألف مبروك يا زينب، إنتي محظوظة. الواد الشقي دا على فكرة مش تربية حياء بس... دا حبيب قلبي.
ابتسم صالح بود قائلاً:
= خالص يا بيلا، يبقى نقضي معاكي اليوم بكرة في البيت عندنا.
بيلا بحزن:
= معلش يا صالح، إنت عارف إني مبحبش أخرج...
صمتت للحظات شارده لتكمل بلا إدراك:
"العالم برا مخيف..."
كادت زينب أن تبكي وكأن تلك الكلمة لمست صميم أوجاعها. اقتربت منه بضعف وهي تلف يديها حول خصره، وما زالت تنظر لتلك المرأة الجميلة رغم كبر سنها، لكنها تبدو جميلة جداً.
صالح بمحاولة وإصرار على خروجها:
"لا طبعاً لازم نقضي اليوم سوا، إنتي وحشتيني وكمان وحشتني القعدة معاكي. وبعدين زينب حامل ومش هعرف أجيبها ونخرج كل شوية، وإنتي عارفة لازم ترتاح. هاجي بكرة آخدك ونقضي اليوم كله في الفيلا عندي."
بيلا بابتسامة وهي تنظر لزينب:
"تتربى في عزكم يا حبيبي، ماشي يا صالح علشان خاطرك إنتِ بس يا زينب، إنما أنا أصلاً زعلانة منك."
زينب بسعادة:
"وأنا هكون مبسوطة جداً وإنتي معانا يا مدام بيلا."
بيلا بنظرة حزينة وابتسامة جميلة:
"قوليلي يا بيلا على طول أو ماما."
زينب بود:
"ماشي يا بيلا، بس هستناكي بكرة مفيش أعذار."
بيلا:
"أكيد طبعاً..."
بعد مدة رحل صالح وزينب، أما بيلا فكانت تنظر لطيف زينب بشرود، ولعيناه الرماديتان تتذكر رماديتان أخريان قد رأتهما بالماضي.
***
**فلاش باك**
قبل سنوات
في قصر الدمنهوري الريفي
تجلس بيلا بجانب أختها مريم تتمسك بيديها برجاء وحماس:
"مريوم وافقي بقى، والله ما هتأخر."
مريم بخوف:
"لا يا جميلة، لا، إنتِ اتجننتِ صح؟ عارفة لو روحتي قصر الرشيدي هيحصل إيه؟ بابا هيضربها فوق دماغنا، وبعدين هو مش قالك اقطعي علاقتك بصفاء بنت الرشيدي."
بيلا برجاء ومحايلة:
"يا مريم صفاء صحبتي الوحيدة، لو مروحتش الفرح هتزعل مني، لأن أنا معرفتش أروح الخطوبة بتاعتها، ودلوقتي الفرح كمان. والله وافقي بقى علشان أبقى أداري عليكي لما تحبي تخرجي إنتي وعيسى خطيبك. والله ما هتأخر ولا هكلم حد، هسلم على صفاء وأبارك لها."
مريم بقلة حيلة:
"طب هتخرجي إزاي؟ وافرضي حد شافك من عيلة الرشيدي هناك؟ احتمال لا، دا أكيد إنهم هيضايقوكي."
بيلا بحماس:
"بصي، هطلع من باب الخدمين، وهاخد عباية من بتوع بت نعمة، وهيخليها تلغي الواد الحارس بتاع البوابة الوراني، وهخرج، وهي صحبتي هتوافق."
مريم باستهزاء:
"دي آخرة صحبة الخدامين، كملي يا أختي."
بيلا بابتسامة رائعة:
"أولاً أنا لسه جاية من إسكندرية وبقالى هناك أكتر من سنة، ومحدش يعرفني في عيلة الرشيدي، وكمان أنا هبقى داخلة القصر بالعباية، وإن شاء الله أعمل نفسي واحدة من الخدم. بس لازم أبارك لصفا، دي هتسافر بكرة تقضي شهر العسل، وبعدها هتستقر في القاهرة، هنشوفها إزاي تاني. إنتي مهمتك تداري عليا، وبابا كدا كدا بينام بدري. شوفي بقى أخوكي محمود لو عرف إني برا، قوليله بيلا بتقولك يا بتاع كامليا."
مريم بحماس:
"إنتي ماسكة عليه ذلة."
صدحت ضحكتها الجميلة قائلة:
"ذلة واحدة، دا أخوكي عامل بلاوي."
مريم:
"ربنا يستر يا بيلا، أنا مش مرتاحة."
نهضت بيلا بحماس وثقة:
"هي موتة ولا أكتر، يالا استعنا على الشقى بالله... سلام يا مريوم."
بعد حوالي ربع ساعة، توقف التاكسي أمام منزل عائلة الرشيدي. نزلت بيلا وهي ترتدي ثوب ريفي قديم أزرق اللون منقوش بورود وردية. ترفع شعرها الأسود لتبدو كفتاة قروية بسيطة، تضع وشاح أسود خفيف على شعرها. دلفت بين المعازيم دون أن يلمحها أي شخص، نظر لتخفيها بينهما، وقصر قامتها بالنسبة للرجال الموجودين. ابتسمت بحماس وهي تنظر لترتيبات الفرح فائقة الجمال والزينة بكامل القصر. كانت تتحرك بينهم في الخفاء حتى صعدت الدرج لتصبح بالدور الثاني، تذكرت حديث صديقتها حين أخبرتها: (الدور التاني آخر الممر الأوضة التالتة).
بيلا بضيق:
"ثواني دلوقتي في ممر على إيدي اليمين وعلى إيدي الشمال، منك لله يا صفاء، حتى وصف الأوضة مش عارفة توصفيه، وأنا اللي عاملة فيها المفتش كرمبو... وخارجة من ورا بابا... بصي خير الأمور اليمين."
اتجهت في ذلك الممر، وما إن وصلت الغرفة الثالثة شعرت بأحدهم يقترب. دلفت سريعاً لداخل الغرفة دون الاهتمام. دلفت للغرفة لكن لم تكن غرفة صديقتها ولا بها أي صوت. كادت أن تخرج إلا أنها ابتسمت وهي تنظر للطعام على السفرة.
بيلا:
"حتى أنا كمان جعانة، أي النحس دا؟ كان لازم أمثل على بابا إني تعبانة؟ طب كنت آكل الأول، وكمان ما أكلتش طول النهار علشان أعرف أمثل الدور. أووف."
بللت شفتيها وهي تقترب من تلك السفرة ببلاهة. انحنت قليلاً تشم رائحة أطيب وألذ الأصناف.
بيلا بحدة:
"بيلا مش من الذوق إنك تأكلي من أكل حد، بس أنا أصلاً قليلة الذوق."
ضحكت وهي تتذكر كلمات والدها وهو يعنفها، لكن هي تضرب تلك الكلمات عرض الحائط. وضعت الملعقة بفمها وبدأت تأكل بنهم. شعرت بحرارة ودفء غريب، عقدت ما بين حاجبيها بتوتر وفمها ممتلئ بالطعام. استدارت ببطء لتصطدم بحائط بشري. وسعت عينيها بصدمة وهي تنظر لرماديتيه بذعر. سعلت بقوة وهي تحاول ابتلاع ما في فمها، نظرت له بارتباك قائلة وهي تنظر لذلك الشاب الوسيم ذو الملامح الحادة قوي البنية:
"إنت... إنت مين؟"
عقد ساعديه أمام صدره بغيظ وحدة قائلاً:
"أنا اللي مين؟ حضرتك في أوضتي وبتسألي؟ أنا المفروض اللي أسأل إنتي مين." ثم ألقى نظرة سريعة عليها: "مع إن مش مستاهلة إني أسألك، إنتي من خدم القصر."
بيلا بضيق:
"وإنت مالك؟ وبعدين كنت جعانة، ممكن أدفعلك تمن الأكل."
رد عمرو بضيق:
"واضح إنك قليلة الذوق كمان، بس دلوقتي نعرف لما أجيب البهايم اللي واقفين عند البوابة."
فزعت بقوة وهي تقول بجدية:
"هشش خلاص خلاص، اسكت هتودينا في داهية. الله يخربيتك إنت وصفاء في يوم واحد. أنا آسفة."
ثم تابعت وهي تكاد تبكي أن انكشف أمرها وأنها ابنة عائلة منافسة لعائلة الرشيدي في السوق الاقتصادي:
"الله لا يسامحك يا صفا... أنا خدامة... خدامة جديدة في القصر. بس وحياة أبوك وطّي صوتك، أنا همشي. ممكن أدفعلك تمن الأكل اللي أكلته بس، والله كنت جعانة و..."
ابتسم بتسلية ليقول:
"وإسمك إيه بقى يا شاطرة؟"
بيلا بضيق وغضب:
"إيه شاطرة دي؟ ما تحترم نفسك."
رفع هاتفه وكأنه يحدث الحرس ليثير خوفها باستمتاع:
"ادخلي هنا يا بهيم منك له..."
جذبت منه الهاتف سريعاً بخوف وارتباك قائلة:
"خلاص يا عم إنت مبتصدق. اسمي بيلا... جميلة."
"بيلا... بيلا..."
ردد الاسم بتسلية واستمتاع قائلاً بحدة:
"اطلعي برا."
بيلا بضيق:
"أفندم."
عمرو بخبث وهو يقترب ببطء ليصبح أمامها:
"أظن مش هتحبي تقفي وأنا بغير هدومي يا قطة."
كادت أن تصرخ بوجهه لكن توجهت نحو الباب تغادر الغرفة وهي تشعر بنبضاتها الخائنة كلما تذكرت اقترابه الضاري. تنفست الصعداء تقسم أن تهورها ذلك سيجعلها تقع بالكثير من المشاكل.
*** نهاية الفلاش باك ***
أفاقت بيلا من شرودها وكان صالح وزينب قد غادرا.
بيلا: "عمرو الرشيدي..."
***
في منزل نور
كانت تجلس في غرفتها بذلك الثوب الرائع الجمال ومكياج متقن أنيق يبرز جمالها، تفرك يديها ببعضهما بتوتر.
ابتسمت نيرة وهي تجلس بجوارها قائلة:
"خايفة... دا طبيعي."
نور:
"لا أبداً، بس ابنك ميضمنش."
نيرة بضحك:
"والله لسانك دا هيوديكي في داهية مع باسل، ربنا يستر عليكم."
نور بارتباك:
"طب بقولك إيه، ناجل الفرح لبكرة عادي..."
نيرة:
"باسل واقف برا لو سمع ممكن يروح فيكي في داهية، دا إنتي دوختيه معاكم."
نور:
"لازم يدوخ لو عايز حاجة."
نيرة:
"وإنتي مش أي حاجة يا نور، لازم دايماً وإنتي معاه تغلي نفسك، أوعي تقللي منها. أنا عارفة ابني، بلاش الضعف أمامه."
نور:
"هو إنتي كدا المفروض بتطمنيني؟"
نيرة:
"بصي يا نور، إنتي داخلة على مرحلة جديدة، ودلوقتي خالص لازم تثقي في باسل وتديله شوية اهتمام. صدقيني هو افتقد دا طول عمره، يمكن هو قريب منه، لكن أبوه لا، ودائماً حاسس بفقد حاجة. دلوقتي إنتي دورك تحتويه وتحترميه، وهو هيشيلك فوق رأسه صدقيني، ولو محصلش أنا اللي هقف له."
احتضنتها بسعادة واطمئنان لتجد الباب يفتح ويطل منه بهيمنته الفاقدة لأي ثبات بداخلها، لا تنكر ذبذبة المشاعر التي تحتل جسدها منذ أول مرة رآها. ابتسم باعجاب وهو ينظر لتلك الثوب الأنيق والذي يبرز رشاقة جسدها، شعر بالغيرة لأول مرة، هل سيراها الآخرون وهي بكل هذا الجمال؟ يتمنى لو يدفنها بداخل صدره لتصبح ضلع من ضلوعه.
نهضت تقف أمامه تنظر بارتباك، ابتسم وهو يقترب منها، طبع قبلة حنونة على قمة رأسها، ثم حاوط خصرها بذراعه يخرج من الغرفة لتتعالى الزعاريد من حولهما، بينما تتعالى الأغاني والمباركات لهما. توجه نحو تلك الأريكة المزينة لهما، جلست برفق وهو بجوارها. يمر الوقت ببطء شديد، تمنى لو ينتهي كل ذلك ويأخذها لعالمه الخاص.
بعد مرور ساعة ونصف، تحركت نور بتمهل وحرص وهي مرتدية ثوب الزفاف الأبيض الأنيق، والذي كان غاية في الرقي والعصرية عليها، حيث كانت كالأميرة متوجه، فكانت تسير بجوار الجيران وأبيها وأخيها الصغير (سيف وعبد المنعم). يمسك بيدها برفق، يدفعها للسير بدون خوف أو تردد. كانت جميلة اليوم أجمل من أي يوم رآها فيه، فكانت بثوبها الأبيض أجمل نساء العالم في عينيه، وزينة وجهها كانت تلمع بإشراق، من وضعت لها ألوان الزينة أرادت أن تبرز جمالاً، من لفت لها حجابها بهذا الشكل تبدو محترفة لتجعلها بهذا الجمال، فوق رأسها تاج متلألئ بهذا الشكل البراق، أرادت أن تثبت له أن العروس ملكة تستحقه هو فقط لأنه أميرها.
ترددت نور في رفع عينيها إليه وهي تنظر له في الخفاء وهو واقف عند الباب ينتظرها حتى ترحل معه، بعد حفل الزفاف البسيط في ذلك الحي البسيط التي تقطن به. أخيراً رفعت عينيها البنية عليه حينما اقتربت منه، وكان هو في غاية الأناقة ببذلة كلاسيكية بعصرية رفيعة، باللون الأسود كانت رائعة عليه وكأنها صممت إليه خصيصاً، وقد صفف شعره الأشقر الغزير للخلف فأصبح جذاب بدرجة مهلكة، مما جعلها تخفض عينيها وهي تتذكر قبلاته على شفتيها، وجنونه يوم كتب الكتاب وهو يكاد يبتلعها في تلك الدقائق التي مرت عليها كـ دهر. شعرت بالخوف والتوتر مما هي مقبلة عليه، تشعر بتجمد أطرافها.
من مجرد قبلة كان جامح وكاد أن يفقد صوابه وهي في أحضانه… ماذا سيحدث حينما تكون في بيته وفي نفس الغرفة! ينبغي عليها أن تشعر بالاضطراب، وكأن تلك الدروس التي كانت تحفز نفسها عليها قد تلاشت في لحظة، وحل التردد والخوف من وجودها معه وحدهما… لأول مرة ستكون معه وحدهما!
شعرت بيده توضع خلف ظهرها ودفعها نحوه برفق لتجده يطبع قبلة فوق رأسها أمام الجميع… وهذا جعل وابلًا من التهنئة يهبط عليها ودعاء والدته وأبيها وبعض الجيران بسعادة إليهما…
رفعت نور عينيها إليه بخجل، بلمحة من التردد…
فوجدته يبتسم بجاذبية تليق بالوسامة الساطعة التي يتمتع بها هذا الرجل، قائلًا بصوت مليء بالمشاعر:
“مبروك يا شبح…”
جف حلقها وما زالت عيناها متعلقة بعينيه بتردد… ثم هتفت باعجوبة من بين هذا الاضطراب:
“الله يبارك فيك…”
تعالت الزغاريد من حولهما… فوجدته يثني ذراعه ويرفع مرفقه لها… كي تتأبط ذراعه…
أحاطت مرفقه بكفها الشبيهة باللوحة الثلجية بسبب ما يحدث لها… أسبلت عينيها بعيدًا عنه وكأنها تطالب بالأمان من خلالهما…
هبط معها على السلالم القديمة والجيران خلفهما يطلقون الزغاريد وصياح الفرح… تمنت الآن أن تجد زينب بجوارها، لكن من أين تأتي زينب الآن…
هناك فرقة موسيقية شعبية تحيط بهما تقوم بزفافهما بالعود والطبل البلدي…
بعد أن أنهت الفرقة الزفة التي بدأت من أول درجات السلم حتى أعتاب باب البيت الكبير…
بعد انتهاء الفرقة علمت أنها على وشك الرحيل…
لم تشعر بنفسها إلا وهي تلقي نفسها بأحضان أبيها بحزن على افتراقه، لتجد أخيها عبد المنعم يبكي بعنف.
حاولت الانحناء قليلًا بتعثر من ذلك الثوب، تحتضنه قائلة:
= عبدو أنت بتعيط…
= أنتِ كمان بتعيطي ليه؟
نور: علشان هتوحشني يا لمض، خلي بالك من نفسك.
استقامت ترتمي بأحضان والدها تبكي بعنف وهستيرية.
سالم:
= نورهان اهدي يا قلبي، وبعدين أنا هجي أزورك، وأنتِ كمان هتيجي مش كدا.
أومأت له برأسها قائلة:
= خلي بالك على نفسك يا بابا، وأنا هكلمك، أوعى متردش عليا، والله هزعل، بلاش تخوفني عليك.
ابتسم بحنان وهو يقبل رأسها بود:
= بطلي يا هبلة، هكلمك…
ثم نظر لباسل بجدية قائلاً وهو يربت على ظهرها بحنان:
= خلي بالك عليها…
باسل بهدوء: في عيوني.
“هتوحشني أوي يا بابا…”
رد والدها بحنان:
“وأنتِ كمان يا حبيبتي.. هبقى أجي أشوفك، وأنتِ كمان تعالي زورينا….”
أومأت له نور وهي تخرج من أحضانه، وقد تلوث كحل عينيها قليلًا من البكاء، لكنها لم تهتم… قد أخذت يد والدها وقبلتها ثم رأسه، وودعته بعدها بقلب ملتاع…
نظرت لباسل بكحلها المنساب وعيناها الحمراء وشفتيها المنتفختين… وثوبها الأبيض يبرز جمالها الفاتن.
سالم بخوف:
= خلي بالك عليها يا مدام نيره، نور غلبانة والله.
نيره بود:
= متقلقش يا حج سالم، نور في عيونا وقلوبنا.
فتح لها باب السيارة بصمت، وكان وجهه جامد التعبير… خطت نور خطوتين نحوه، ثم قبل أن تستقل السيارة الفارهة، وقفت بجواره وكان يفصلهما الباب المفتوح بيد باسل، والذي بادلها النظرات بهدوء أقرب للبرود…
بعد لحظات من تبادل النظرات التي تحمل مشاعر عميقة مبهمة… أوقف باسل حرب النظرات وهو يقول:
“يالا يا عروسة…”
بعد جملته، أدارت رأسها عند أبيها تنظر له تودعه… نظروا إليها بابتسامة رغم دموع أشقائها.
عادت عينا نور إليه ثم للسيارة، ووجدته يربت على ظهرها باهتمام قائلاً بابتسامة:
= يالا يا نوري…
كلماته حنونة لأبعد الحدود، وكأنه ليس ذلك المنحرف الفظ.
تنهدت ببطء وهي تصعد للسيارة، يساعدها برفق، ثم أغلق باب السيارة ليتجه للناحية الأخرى يصعد بجوارها.
وبالسيارة الأخرى خلفهما صعدت نيره وزينه (أخته).
انطلقت السيارة في طريقها للمجهول… التفت تنظر لابيها وأشقائها، هطلت دموعها مرة أخرى، فلأول مرة تشعر بالغربة وهي تبتعد عنهما.
وجدته يحيط خصرها جاذبًا إياها بين أحضانه، لتتمسك ببذلة بدلته، تبكي.
باسل بنبرة مبهمة:
= كفاية يا نور، كفاية.
رفعت عينيها إليه قائلة بخوف وخجل وهي تبتعد قليلًا.
بينما منعتها ذراعه من الابتعاد عنها وهو يحاصرها.
نور بتوتر:
= هو… هو إحنا هنروح فين دلوقتي؟
ارتجفت شفتيها من نظرة عينيه، لتخفض رأسها وقد سيطر عليها الارتباك.
= بطل تبصلي كدا…
ابتسم وهو يرفع رأسها بأنامله، ينحني مقبلًا إياها، بينما حاولت دفعه بغضب وخجل، بينما يوجد ستار فاصل بين الأريكة الخلفية والأمامية لا يراهم السائق.
لكزته بغضب وخبث في صدره، مبتعدة عنه قائلة من بين أسنانها:
= مش ناوي تحترم نفسك.
صدح رنين ضحكته الخلابة قائلاً بخبث:
= احترام… مش ملاحظة إن الكلمة دي عيب أوي النهاردة.
شهقت بقوة وهي تبتعد قائلة:
= لا يا شبح، فوق وبلاش ترفع سقف توقعاتك، علشان أقسم بالله هتلاقي نفسك متشرح لو حاولت بس تقرب ليا، أنت فاهم يا حيلتها.
اقترب وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة قائلاً:
= ما بلاش الثقة دي… على العموم، مش ضروري النهاردة، كدا كدا مسافرين، بس ممكن بكرة أو بعده، أنا مش مستعجل.
نور بهمس:
= اللهي وأبو جاز يولع في وشك يا بعيد، يخربيت جمال أمك.
باسل للسائق: على الأوتيل الأول يا ابني.
نور بحماس: هنروح فين؟
باسل بجدية وعيناه الضاريتان مصوبتان على بنيتها:
: هتعرفي بعدين، المهم تثقي فيا…
نور: هحاول يا باسل، بس أتمنى متخذلنيش.
***
في المنصورة.
دلفت زينب إلى غرفة النوم، بينما خرج من المنزل ليروز بعض الأشخاص كان على صلة جيدة بهما.
زينب بهدوء:
= هو أنا لازم أصلحه وأبطل هبل وخوف، أنا بحبه، يمكن مش عارفة أقولها في وجوده، لكن هو عمره ما عمل حاجة تضايقني، علشان كدا لازم أصلح اللي حصل.
ابتسمت بحماس وهي تتجه نحو الخزانة، ابتسمت وهي تخرج فستان أحمر اللون، لكن توقفت فجأة وهي تسمع صوت طرقات على الباب.
وضعت الثوب على الفراش لتتوجه نحو الباب تفتحه…
عفت: مدام زينب، صالح بيه اتصل على تليفون البيت وبيقول إنه احتمال يتأخر شوية، مفيش داعي إنك تستنيه، وبيقول إن موبايلك مقفول.
دلفت زينب للغرفة وخلفها عفت، وهي تلتقط هاتفها:
: آه صح، دا كان فصل شحن، بس أكمن مش بمسكه كتير نسيت أشحنه، ماشي يا عفت، خالص، روحي أنتِ نامي، الوقت اتأخر.
عفت بخبث:
= أنتِ هتلبسي الفستان دا… دا حلو أوي، دا يمكن صالح بيه يتجنن لو شافك بيه.
زينب بحدة:
= عفت، بطلي تحشري نفسك في اللي ميخصكيش، فاهمة… ويالا روحي أوضتك.
عفت بخبث:
= طب هتتعشي، أجهزلك العشاء.
زينب:
لا مش جعانة، يالا امشي.
عفت:
= ماشي يا مدام زينب.
خرجت من الغرفة، تاركة خلفها زينب تشعر بالإحباط، تمنت وبشدة أن تلتقي به لتعذره.
زينب:
= هستناه، مش هيحصل حاجة يعني، لازم نتكلم.
بعد حوالي ساعة.
دلف صالح إلى الغرفة بعد أن قام بجولة في الخارج ليعيد الوصال بينه وبين بعض أصدقائه.
يحاول التوقع لما قد يحدث الليلة.
متقلبة المزاج، فهي تارة غاضبة حانقة لا تتحمل منه حتى الاستماع لكلمة منه، وتارة أخرى باردة متجاهلة إياه تمامًا كما لو كان هواء من حولها لا تراه ولا تسمعه، لتشعره تلك المحاولات بالتسلية، يدخل كل ليلة.
مخمّنًا في أي حالة قد يجدها، متوقعًا لأي شيء.
ليصاب بالذهول، ليقف متسمرًا مكانه وهو يراها تجلس على الأريكة تضم جسدها بيديها.
ترتدي فستانًا أحمر اللون ذا حمالات رفيعة.
وفتحة صدر منخفضة، ينساب فوق خصرها ثم يتسع حتى ركبتيها.
شعرها الأسود ينساب حتى أسفل ظهرها، يراها برقتها بجمالها الخلاب، ليظل متسمرًا بذهول، محاولًا الكلام أكثر من مرة دون نجاح، ليتقدم بخطواته منها
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم دعاء احمد
راحت أوضة الأطفال، ولكن وقفت مصدومة قالت: سيب اللي في إيدك يا أمين، وجريت تحوشها منه.
رهف بزعيق: أنت بتعمل إيه دا؟
أمين بخوف: ما عملتش حاجة، كنت بحطلها بودرة بس.
رهف بعصبية: أنت اتجننت؟ بتحطلها على وشها ياللي مابتفهمش، اطلع برا بسرعة.
طلع أمين بضيق.
رهف مسكت منديل مبلل وبدأت تمسح وش نور.
خلصت وطلعت برا لنسرين اللي كانت عينها غفلت من التعب وتأثير البنج.
دخلت المطبخ تعملها أكل.
عند ماجدة قاعدة حزينة، دخل أكرم بسرعة وقال: نسرين وابني فين؟
مسحت ماجدة دموعها وقالت: هى مش لسه في المستشفى؟
أكرم بقلق: لأ، كنت سايب معها رهف بس رجعت عشان أجيبهم لقيتهم مشيوا قبل ما أوصل.
قالت ماجدة بضيق: يبقى راحت معها البيت.
راح أكرم على بيت رهف بسرعة.
وصل على طول وخبط عليهم.
سابت اللي كانت بتعمله وراحت تفتح، لقيت أكرم واقف وقال: نسرين فين؟
نايمة جوا، أكرم بزعيق: إزاي تمشي من المستشفى من غير ما تستناني؟
رهف بهدوء: نفسيتها تعبانة من اللي شافته واللي حصل، ماحبتش أضغط عليها، وجبتها معايا ترتاح، وابقى تعالى اتكلم معها بعد يومين كدا.
أكرم بقلة حيلة: ماشي.
مشي وقفلت وراه، كانت معدية من قدام أوضة نسرين سمعتها بتنادي عليها.
دخلتلها رهف: نعم يا حبيبتي.
نسرين بتعب: لو جه تاني مادخليهوش عليا عشان مابقتش قادرة أبص في وشه.
رهف: يعني مش هتسامحيه وترجعي معه بعدين؟
نسرين بجمود: لا بعدين ولا قبلين، خلاص كرهته وكرهت العيشة معاه والذل والإهانة يا رهف.
رهف: ماشي براحتك، ربنا يدلك للطريق الصحيح.
بيفوت أسبوعين وأكرم مازال بيحاول معها ترجع، وخالتها راحت لها كذا مرة لكن هى مصرة على الانفصال وباعته عشان كان بايعها من الأول.
الشخص اللي بسببه كانت ضعيفة ومش قادرة تتكلم بنص كلمة ولا تعترض وتقول لأ، خلاص ماتت واللي هى كانت أمها.
كانت رجعت نسرين على بيت أمها من أسبوع وكانت رهف بتساعدها في كل حاجة.
راحت ماجدة لأختها وقالت بضيق: في إيه يا نسرين، الراجل عمال يجي ويروح وأنتِ مش راضية ترجعي، لتكوني مبسوطة بالوضع دا.
نسرين بضيق: لا مبسوطة ولا بتاع، بس خلاص مش هرجع لو إيه اللي هيحصل، وقفلي بقى عالموضوع دا.
طلعت ماجدة من عندها وهى مضايقة منها.
سمعت حد بيخبط راحت تفتح، ولقيت أكرم قالت: اتفضل ادخل.
دخل أكرم وقال: نسرين صاحية ولا نايمة؟
ماجدة: صاحية، ادخلها جوا.
خبط عالباب ودخل.
اتفاجئت نسرين من دخوله وقالت: ماستنتش لما أطلع ليه؟ وياريت بقى نخلص الموضوع دا عشان زهقت.
أكرم: بردوا لسه مصرة عالطلاق؟
نسرين بجمود: أيوا ومش هتراجع عنه.
بص على ابنه اللي كان بين إيدها، وقال: أنتِ طالق يا نسرين، وسابها ومشي بسرعة.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم دعاء احمد
بص على ابنه اللي كان بين إيدها وقال: أنت طالق يا نسرين. وسابها ومشي بسرعة.
خدت نفسها بارتياح وقالت: أخيرا كان هم وانزاح.
ماجدة بصدمة: أنت مجنونة؟ مالكيش قعاد في البيت دا تاني.
نسرين ببرود: مش طالعة يا ماجدة وياريت بعد كدا ماتدخليش في حياتي. أنا ماجيتش في يوم واشتكيتلك ولا تقلت عليكي، كنت متحملة وجعي وحياتي اللي كانت كلها ذل وإهانة لوحدي. ماحدش حاول يطبطب عليا ولا يخفف عني.
ماجدة بضيق: ماشي براحتك، كنت عايزه مصلحتك.
نسرين بنفس البرود: وأنا أدرى بمصلحتي.
بصتلها ماجدة بضيق ومشيت على بيت زوجها.
بعد لما مشيت، انهارت في العياط مش لاقية حد يطبطب عليها ولا تعيط في حضنه. مش لقيت الإيد الحنينة غير من أبوها.
عند رهف، كانت قاعدة بتفكر في تصرفات ابنها وإن يوم عن يوم مبقاش يسمع كلامها وبيزعق لها وبيضرب في أخواته.
اتصلت على سلفتها تحكيلها، وكانت حماتها معها.
سميحة: لسه طفل مش عارف حاجة، ادعيله بالهداية يا حبيبتي. هما الأطفال كدا وبالذات الولاد يزعقوا ويضربوا، لما يكبر هيبقى كويس وفاهم هو بيعمل إيه.
حماتها: أيوا يا رهف، الولاد بتبقى شقية شوية وربنا يهديه.
رهف: يارب.
حماتها: البنات عاملة إيه؟ وحشوني أوي، ابقي تعالي وهاتيهم عشان أشوفهم. أنت عارفة مابقتش بقدر أمشي على رجلي زي الأول عشان تعباني.
رهف: حاضر يا عمتي، هجيبهم بكرة وأجي.
سميحة: تنوروا يا حبيبي.
بيفوت عشر سنين على الأحداث دي.
أمين بقى عنده ١٥ سنة.
منى عندها ١٢.
نور عندها ١٠.
دخل أمين الشقة وماسك كورة في إيده والكوتش متبهدل. كانت رهف لسه ماسحة الشقة وهو ماقلعهوش.
رهف بزعيق: أمين إزاي تدخل بالكوتش كدا؟ يعني أنا ضهري اتقطم من الكنيس والمسحان وأنت تيجي في لحظة تبهدلها.
كان بيسمع لها بضيق وقال: مش عايز وجه رأس. أنا جاي مضايق، ماحدش قالك اكنسي ولا امسحي. وسابها ودخل أوضته.
أمين في العشر سنين اللي فاتوا بقى عدواني وقاسي عن الأول، بقى بيرد على أمه وكمان فاشل في دراسته. وأخواته البنات اللي بينزلوا يشتغلوا في الأرض الزراعية مع أمهم.
بقى بيغيب من المدرسة ويروح يلعب كورة أو يقعد قدام المدرسة يبص عالبنات ومعه ولدين مصاحبهم. ومخلص فلوس أمه وتعبها على الفاضي.
جت منى وقالت: أنا خلصت طبيخ يا ماما، أجيب الأكل دلوقتي؟
رهف بقلة حيلة: ماشي هاتيه.
دخلت أختها نور معها المطبخ تساعدها.
بعد نص ساعة كانوا قاعدين بياكلوا.
أمين خد نص الفرخة وسابلهم نص.
رهف بعصبية: أمين إيه تصرفك دا؟ هو مفيش غيرك اللي بياكل؟
أمين ببرود: لو مش عاجبكم قوموا ومتاكلوش. اومال لو خدت الفرخة كلها.
رهف بعصبية: أنت إزاي تكلمني كدا يالا؟ وكانت رايحة تضربه بالقلم. مسكها بسرعة وضغط عليها جامد وقال بغضب: إياكي ترفعيها تاني عليا أو تزعقيلي، وقتها هيبقى ليا تصرف تاني.
كانت منى وأختها قاعدين خايفين وبيعيطوا في صمت.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم دعاء احمد
هل تظن أنك أصبحت تعلم كل شيء؟
يؤسفني أن أتسبب في سقوط أملك أرضًا.
لأنه لا يوجد بشري على الإطلاق يعلم كل شيء.
جميعنا نجهل أمرًا ما، إشارة ما، شيئًا أمامنا لو دققنا فيه لعرفنا حقًا أننا لسنا إلا حمقى لعب بهم جهلهم فجعلهم يظنون أنهم أعلم العالمين.
وقف "صالح" خارج غرفة العناية المركزة التي ترقد بها "زينب" يتابع بخوف من خلف الزجاج زوجته الغائبة عن الوعي والموصولة بعدة أجهزة ومحاليل تساعدها على البقاء على قيد الحياة.
فقابل الطبيب المعالج لها بعد خروجه من غرفتها وقال بلهفة:
= زينب عاملة إيه دلوقتي؟ بقت كويسة مش كده؟
ربت الطبيب على يده بتطمين ثم قال بتعاطف:
= الحمد لله زينب هانم حالتها مستقرة جدًا، إحنا بس دخلناها العناية عشان نسرع من عملية الشفا ونتابع كل علامتها الحيوية في نفس الوقت، والحمد لله وضع الجنين مستقر دلوقتي بس لسه ما فقتش.
أغلق صالح عينيه براحة.
وقف جانبًا ينظر إلى غرفة زينب بشوق يريد الدخول إليها واشباع روحه المشتاقة والخائفة عليها من رؤيتها.
= أنا عاوز أدخلها، عاوز أشوفها وأطمن عليها بنفسي.
الطبيب باحترام:
= مش هينفع يا فندم، ممنوع حد يدخل العناية و..
إلا أن صالح قاطعه برجاء:
= أنا مش هعمل صوت ولا هضايقها ولا حتى هتنفّس، أنا هقف من بعيد أطمن عليها.
حاول الطبيب الرفض مرة أخرى.
إلا أن كرم الذي كان يقف بالقرب منهم يتابع حديث صالح ورجائه بدهشة.
فهو يعلم أنه ولو كان في حالته الطبيعية لأقام الدنيا وجعلهم يركضون من حوله ينفذون ما يريده بالأمر لا بالرجاء.
ليدرك أن صديقه في أشد حالته سوءًا وضعفًا لم يره من قبل بذلك الضعف.
حقًا سؤال يدور ببال الجميع:
ما يفعل الهوى بقلوب العاشقين؟
تدخل كرم بصرامة أخافت الطبيب:
= الباشا عايز يشوف مراته ويطمن عليها، يدخل على طول وإلا فيه حاجة المفروض يعملها قبل ما يدخل؟
الطبيب بارتباك:
= يا ريت، يا ريت يتعقم الأول قبل ما يدخل.
صالح بلهفة وهو ما يزال يراقب زينب من خلف الزجاج بلهفة، ولولا القليل من الثبات بداخله لنزفت عيناه دمًا وليس دموعًا رغم أنه لم يبكِ وما زال يحتفظ بكبريائه.
= فين؟ أتعقم فين؟
أشار الطبيب لغرفة جانبية.
= هنا يا فندم، الأوضة دي، اتفضل.
ربت كرم على كتف صالح بتعاطف وهو يقول باحترام:
= من هنا يا باشا.
تبع صالح الطبيب بلهفة ينفذ أوامره الخاصة بالتعقيم بدقة وعقله وقلبه وسائر مشاعره تقوده في اتجاه واحد هو الاطمئنان عليها وعلى عودتها إليه سالمة.
بعد انتهائه دخل صالح إلى الغرفة بلهفة يشاهد وجهها الشاحب والأسلاك الموصولة بسائر جسدها التي تمدها بالحياة وتحافظ على استقرار حالتها.
فاقترب منها بألم وشعور طاغٍ بالذنب يقتله وهو يسترجع كل ما حدث.
زوجته، حبيبته، طفلته، عشقه تموت وهو السبب.
ربما لأنه لم يهتم بها بالقدر الكافي.
كان سيفقدها بمنتهى البساطة ويفقد حياته بفقدها.
فركع بألم على ركبتيه بجوار فراشها وهو يتمسك برفق بيدها الموصول بها الخراطيم التي تمدها بمحاليل مخلوطة بالدواء.
وهو يحني رأسه يقبلها بعشق وندم ودموع الخوف من فقدها تغرق يدها وهو يهمس باسمها مرارًا ومرارة الخوف من فقدها تتغلب عليه.
= زينب، انتي هتعيشي وهترجعيلي.
هترجعيلي وهعوضك يا حبيبتي عن أي حاجة وحشة بس ارجعيلي.
ثم تابع بيأس:
= ماهو يا تعيشي يا أما أنا أموت وأجي معاكي، مفيش حل تاني.
طب مش عايزة تعرفي أنا بحبك قد إيه؟ تصدقي أنا نفسي ما كنتش أعرف إني بحبك كده، ولا عمري تخيلت إني أحب حد كده.
أنا أول مرة أحس بالضعف ده.
قومي يا زينب عشان خاطري، عندك.
ابتسم بلهفة وهو يمسك يديها بحنان.
= عارفة أول مرة شفتك فيها وأنتي في الشارع وبتعيطي لما رحنا المستشفى لأبوكي كان عندي إحساس غريب ناحيتك.
كان نفسي أحضنك.
ولما اتجوزنا وقتها ما كنتش بفكر في أي حاجة من اللي قولتيها.
الطلاق والهبل ده.
كان عندي إحساس قوي إننا هنكون مع بعض طول العمر.
قومي منها يا زينب.
في حين وقف كرم في الخارج يتابعه.
أغلق الستائر الخشبية على زجاج الغرفة من الخارج حتى لا يشاهد أحد ما يجري في داخل الغرفة.
ثم قال للطبيب والممرضة المرافقة له بصرامة وهو يقف على باب الغرفة يعقد ساعديه بقوة وتحذير:
= محدش هايرفع الستاير ولا هايدخل الأوضة إلا لما يخلص ويخرج.
في اليوم التالي.
خرج الطبيب من غرفة زينب التي تم نقلها من غرفة العناية المركزة إلى غرفة أخرى بعد تحسن حالتها واستعادة وعيها.
ثم اقترب من صالح الذي قابله بلهفة.
الطبيب بجدية:
= مدام زينب فاقت والحمد لله.
بس برضو مش عايزين أي انفعال.
أومأ له صالح بجدية ليسمح له الطبيب بالدخول.
رسم ابتسامة على شفتيه رغم حزنه بداخله لم يرغب بحزنها.
دلف صالح إلى غرفتها بخطوات ثابتة وعيناه تبحث بلهفة وشوق لها.
كانت تتسطح على الفراش بجسد متعب مرهق.
اتجه إليها يحتضنها بحنان.
احتضنته زينب هي الأخرى وبدأت بالبكاء بطريقة هستيرية وكأن حزنها وألمها فاض بها فلم تعد تتحمل.
أخذ يمرر يديه على ظهرها بحنان.
= أهدي يا حبيبتي، انتي لسه تعبانة.
بس متخافيش، الدكتور طمّني عليكي وقاله إنك هتبقي كويسة، والله هتبقى كويسة.
وأقسم لك بالله اللي عمل كده ليدفع الثمن غالي أوي.
وضعت زينب يديها على بطنها تتحسسها وهي تبكي بهسترية وهي تدس وجهها في صدره.
= هو إيه اللي حصل يا صالح؟
إيه اللي حصل؟
ابتسم بحنان وهو يطبع قبلة أعلى رأسها بحنان قائلاً:
= خالص يا زينب، انسى اللي حصل.
انتي كويسة وده الأهم، متخافيش.
متخافيش، عشان خاطري اهدي.
زينب بارتعاش وهي تضع يدها على بطنها بحماية:
= طيب والبيبي كويس مش كده؟
مرر صالح يده بعشق على بطنها وهو يقول بحنان:
= والله العظيم كويس، كويس يا زينب.
زينب ببكاء:
= بجد يا صالح؟
مسح صالح دموع زينب بأطراف أصابعه وهو يقبل عينيها بعشق جارف.
= بجد يا قلب ودنيا صالح.
ابتسم بحنان وهو يضمها إليه ويمسح دموعها وقد شعر بالدموع تملأ عينيه هو الآخر من قوة المشاعر التي يشعرها نحوها.
= طب كفاية بقى دموع يا حبيبتي، أنا مش قادر أشوفك بتعيطي بالشكل ده وكمان عشان البيبي، وإلا انتي عايزاه يزعل منك.
ابتسمت زينب وهي تمسح دموعها وتقول برقة:
= خلاص مش هعيط تاني عشان لا أنت ولا هو تزعلوا مني.
ثم ارتمت بين ذراعيه تنعم بحبه وقربه منها.
في قصر الدمنهوري.
في وقت متأخر من الليل.
كانت بيلا غارقة في النوم والذكريات تتزاحم بشدة والكوابيس تهاجم نومها مزعجًا إياها، ترى كل ما هو سيء وكيف تحول إلى الأسوأ.
فزعت بقوة وهي تصرخ بفزع مؤلم.
وعقلها يقف عند نقطة مؤلمة حدثت بالماضي.
= عمر.
انهارت في بكاء هستيري تبكي بعنف وانهيار.
وهي تتذكر كلمات والدتها:
= لما تكوني في ظروف صعبة عليكي أوي ومش قادرة تتحمليها، تجاهليها واتعاملي معاها كأنها فيلم.
أو كأنك بتشوفي كابوس مؤلم وهتصحي منه بعد دقايق.
مهما كنتي مجروحة أو متألمة واللي بيحصلك مش قادرة تتحمليه.
لازم تحتفظي بمشاعرك لنفسك، ألمك، حزنك، يأسك، دموعك لنفسك وبس، انتي صديقة نفسك وبس.
ضمت بيلا جسدها برعب وجسدها يرتجف بهسترية وتكتم شهقتها.
= كابوس يا بيلا، كابوس مؤلم.
دا مش حقيقة، دا حلم، دا كابوس.
مفيش كهربا ولا علاج تاني.
عمر كان حلم.
إحنا متجوزناش ولا خلفت ولا أي حاجة.
دا حلم.
خالص، مفيش كهربا هتدخل جسمك تاني، مفيش أي حاجة.
دا كابوس.
كابوس يا بيلا.
بس إزاي كابوس؟ أنا كان من حقي أشوف بنتي، كان من حقي.
آآآه يا ماما مش قادرة، مش قادرة.
يارب خدني بقى، أنا تعبت والله العظيم تعبت.
ليه كل حاجة ضاعت؟ ليه؟
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وحشتني أوي يا عمر، ووحشني إنك تحضني وتطمني، بس خالص خالص كل ده راح.
يا بابا أنا محتاجك والله العظيم، والله العظيم محتاجك، محتاجة حضنك أوي.
يارب كان نفسي أشوفها.
ياريت سبتني أحضنها وأشوفها.
آه يا عمر، على قد الحب اللي اديتهولي، على قد الوجع اللي عشت فيه وحرقت قلبي عليها وعليك.
كان نفسي تحضني ولو لمرة أخيرة.
مكنتش عايزة أخسرها ولا أخسرك.
وجدت طرقات على الباب.
= مدام بيلا، حضرتك كويسة؟
مسحت دموعها وهي تسمح للطارق بالدخول.
نعمة وهي تجلس بجوارها على الفراش:
= بسم الله الرحمن الرحيم.
مالك يا هانم، كويسة؟
بيلا بخوف وانهيار يتقطع له نياط القلب:
= نعمة، انتي شغالة هنا من زمان أوي.
هو أنا وحشة أوي كده عشان أخسر كل حاجة؟
انتي عرفاني كويس يا نعمة.
أنا عمري ظلمت حد.
أنا غلطت في إيه؟
غلطت في إيه؟
إني حبيته؟
معقول دا ذنبي؟
معقول مكنش مكتوبلي الفرح؟
إني أشوف بنتي؟
ليه يا نعمة؟ ليه؟
يارب أنا عايزة أروحلها.
بكت نعمة بحزن لأجلها وهي تحتضنها.
= استغفري الله يا بيلا، دا حكمة ربنا.
وقدره محدش يقدر يغيره.
والله العظيم ربنا هيجبر خاطرك وكل الوجع ده هيجي يوم ربنا يبدله لفرح مالوش آخر.
يا ريت كل الناس زيك، والله العظيم ما في حد في قلبك، وصدقيني ربنا مبيعملش حاجة وحشة، والله العظيم.
عارفة، والله العظيم حاسة إن قريب هيزال الغمة دي وهترجعي تفرحي وتنوري القصر زي زمان.
وبعدين انتي لسه صغيرة.
أي يعني تلاتة وأربعين سنة.
والله العظيم لما بشوفك بفتكر ورشة الخزف والخشب اللي بتقعدي تلعبي فيه والرسم.
ارجعي تاني وانسى اللي فات بقى.
ضاع من عمرك عشرين سنة.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الستون 60 - بقلم دعاء احمد
البراءة دائمًا قادرة على أسر أي شخص.
قادرة على اختراق كل الحصون، ودك كل القلاع. ولكن هل تفلح مع حصونه هو؟ أم أن حصونه لا تُخترق أبدًا؟ وقلاعه أقسمت على ألا تُدَك من بعدها.
توقفت سيارة عمر أمام قصره، وخلفه سيارة الحرس الخاص به.
الآن قد عاد من سفر المفاجأة إلى سويسرا، حيث أخذ يُسَوّي بعض الحسابات البنكية.
ترجل من سيارته بشموخ وثقة كعادته، وخلفه رئيس الحرس الخاص به.
عمر بجدية:
= خالص يا ثائر، تقدر تروح أنت. وخلي الحرس كمان يمشوا.
رد صديقه باعتراض قائلاً:
= بس يا باشا...
قاطعه عمر بحدة:
= مفيش حاجة اسمها بس. ياله أمشي، والحرس كمان خليهم يمشوا. وبكرا الساعة سبعة الصبح عايز اجتماع مع مدير الحسابات. وعايز المراقبة تكون على عصمت وخليل مشددة، مش عايز يغيب عن عيونكم.
سأله ثائر بجدية:
= حضرتك شاكك في حاجة؟
توقف عمر وهو يضع يديه في جيب بنطاله قائلاً:
= عصمت... عصمت قبل ما أرجع مصر من نيويورك هي اللي كانت بتدير الشركة هي وخليل. وأنا طبعًا اللي بشرف على كل حاجة من هناك. لكن من مدة، بعد رجوعي مصر، اكتشفت إن فيه حاجة مش مظبوطة. وغير معلومات وصلتني وأنا في نيويورك. كنت عارف إنها بتلعب من ورا ضهري، بس قلت عادي، خليها تفتكر نفسها ذكية وبتحرك العرايس. متعرفش إن كل الخيوط في إيدي. المهم دلوقتي، خلي عينك عليها، لازم أصفّي حسابي معاها في أقرب وقت.
ثائر:
= أنت تأمر يا باشا... بعد إذنك.
دلف إلى داخل القصر في وقت متأخر، بجسد منهك وهو يحمل سترته على ذراعه.
صعد الدرج ليصل لغرفته.
ثوانٍ ووجد طرقات على الباب.
عمر بحنق:
= ادخل...
ابتسمت تلك الفتاة وهي تدخل غرفته. اقتربت منه إحدى الخادمات التي تعمل في القصر، وأردفت بدلال:
«عمر بيه، أحضر لك العشاء...»
عمر بحدة:
«لا، وقلت ألف مرة لما أرجع في وقت متأخر مش عايز حد يطلع لي. ولا أنتِ مبتفهميش؟»
ردت بتملق ودلال:
«أنا آسفة، بس أنا قلت أكيد جاي حضرتك جاي من السفر تعبان، وأكيد ما أكلتش.»
نظر لها عمر نظرة متفحصة مقتربًا منها. فظنت هي أنه أخيرًا استجاب لها.
فهي تطمع به وبشدة، فهو بالنسبة لها حلم، رغم فرق السن بينهم وصغر سنها بالنسبة له. ولكنّه سيظل حلمًا لها، فهو غني وأعزب. يُقال إنه لم يتزوج إلا مرة واحدة.
حتى أن الأمر لم يكن معلنًا للجميع.
رفع عمر يديه ممسدًا على شعرها، فأغمضت عيونها باستسلام. ولكنها سرعان ما فتحتهما عندما وجدته يجذبها من خصلات شعرها، مردفًا بنبرة حادة مخيفة.
فعمر بغضبه لا يرى أمامه غير أنه شخص غاضب بطبعه.
«هو أنا مش قلت لك مليون مرة يا بت أنتِ، الأسلوب ده تبطليه؟ قولت ولا مقولتش؟»
هند وهي تبتلع ما بحلقها برعب من حدة نبرته:
«قولت يا بيه.»
زاد من شدة قبضته على شعرها بغضب قائلاً:
«ولما أنا قلت الزفت الكلام، ما بيتسمعش ليه؟»
هند وهي ترفع يديها تحاول تحرير خصلات شعرها من قبضته:
«آخر مرة والله يا عمر بيه.»
ابتسم عمر ساخرًا ليجيب بحدة:
«آخر مرة للأسف، ما هو مفيش مرة تانية.»
أخرج هاتفه ليجري اتصالًا بمدبرة القصر، والتي تقطن في مبنى صغير مجاور للقصر خاص بالخدم، لتصعد بعد دقائق بارتياب.
فريدة بغضب وهي تنظر لتلك الفتاة:
«أفندم يا عمر بيه...»
عمر بحدة:
«البنت دي تاخد حسابها، ومش أشوفها في القصر تاني. وأظن يا فريدة، أنا قلت مدام جيت في وقت متأخر، محدش يطلع الأوضة إلا لو طلبت، وتكوني أنتِ. حصل ولا محصلش؟»
فريدة بجدية ولباقة:
«حصل يا فندم، بس أنا كنت نايمة و...»
عمر بمقاطعة:
«اللي قلته يتنفذ، وخذيها. تاخد حسابها ومش أشوفها في القصر لحظة تاني. وبكرا الصبح الساعة ستة يكون الفطار جاهز. اتفضلي.»
أومأت له السيدة بجدية وهي تأخذ الفتاة بغضب، بينما أغلق عمر الباب خلفها بقوة وهو يتجه نحو الحمام.
بعد دقائق.
كان يجلس فوق الفراش بجسد مرهق، وهو يمسك بين يديه مبلغ مالي يبدو قديمًا، وهو يتذكر عندما أعطته ألف جنيه ثمنًا لسكوته، وأعطاه الخاتم لها مجددًا، وكيف تطورت علاقتهما مع مرور الوقت لتصبح هي عشقه حد النخاع.
________فلاش باك________
في قصر الدمنهوري.
كانت تقف أمام بوابة القصر بحماس، وهي تنتظر جدتها التي ستأتي اليوم إلى المنصورة.
مريم:
«يا بنتي، واقفة كدا ليه؟ محمود قال لسه فاضل ساعتين على ما السواق يجي.»
بيلا بسعادة وابتسامة حنونة:
«اصل كنت عايزة تيته في موضوع مهم أوي، ميتاخرش.»
ابتسمت مريم بحماس وتملق:
«موضوع إيه دا يا بيلا؟ أنا ملاحظة إنك اتغيرتي من وقت ما حضرتي فرح بنت الرشيدي. احكيلي فيه إيه؟»
بيلا بخبث:
«تدفعي كام وأحكيلك...»
مريم بلا مبالاة:
«الصراحة مش عايزة أغامر بتحويشة عمري عشان أخبارك، لأنها كلها بتكون تافهة. يعني مثالًا، مرة أعرف إنك مصاحبة عيلة في رابعة ابتدائي. ومرة تانية أعرف إنك روحتي الأرض بتاع عم أمين عشان تتفرجي على الغنم. الصراحة يا بيلا، أنتِ زي ما محمود بيقول، هتفضل طول عمرك طفلة.»
ابتسمت بيلا قائلة بمكر:
«بالظبط كدا. ياله بقى روحي شوفي بتعملي إيه، وحلّي عن دماغي.»
«أنتِ حرة. أنا كنت عايزة مصلحتك. سلام يا بيبو.»
بعد ساعة تقريبًا.
كانت الشمس قد غربت، والظلام يكتسي السماء رويدًا.
خرجت نعمة من القصر وهي تنظر لبيلا بغضب:
«آنسة بيلا، مينفعش تفضلي قاعدة هنا. سالم بيه لو جه وشافك هيقلب الدنيا. تعالي ندخل جوه.»
بيلا بضيق:
«اتأخروا أوي يا نعمة.»
نعمة:
«لا اتأخروا ولا حاجة. أنتِ بس اللي شكلك مستعجلة أوي وعايزة تتكلمي مع نبيلة هانم. هي زمانها على وصول، بس مينفعش الواقفة كدا. الدنيا ليلت. ياله الله يرضا عليكِ، تعالي ندخل جوه.»
بيلا بهدوء:
«ياله.»
بعد مرور نصف ساعة.
سمعت بوق سيارة معلنًا عن وصول جدتها.
قفزت من فوق الأريكة بحماس وهي تركض لخارج القصر.
دلفت سيدة تبدو في العقد السادس من عمرها، بشوشة الوجه، أنيقة. ترتدي نظارة كبيرة، في حين تسحب شعرها الأبيض في كعكة منظمة وتضع وشاحًا أسود على رأسها.
بيلا بسعادة وهي تحتضنها بقوة:
«وحشتيني أوي يا أحلى تيته في المجرة كلها. إيه الجمال دا؟ لا أنا كدا هغير.»
ابتسمت نبيلة بسعادة وهي تنظر لأصغر أحفادها، وكم هي جميلة، تشبه والدتها.
«وأنتِ كمان وحشتيني أوي يا بكاشة.»
مريم بسخرية وضحك:
«إزيك يا ستي؟ وحشتني.»
نبيلة:
«بخير يا حبيبتي. كلكم وحشتوني.»
بيلا بهمس:
«تيته، كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم لوحدنا، ممكن؟»
نبيلة بسعادة هامسة:
«بخصوص الشاب اللي قولتي عليه؟»
أومأت له بيلا بإيجاب، فربتت نبيلة على كتفها باهتمام.
«استنى لما نطلع أوضتك علشان نبقى على راحتنا.»
بعد فترة.
أخذت نبيلة تمسد على شعر بيلا بحنان، بينما تنام بيلا فوق الفراش وتضع رأسها على فخذ جدتها.
نبيلة بحدة:
«ها يا بيلا... قوليلي، قابلتيه كم مرة من ورا أبوكي؟ هي دي الأصول اللي ربيتك عليها؟»
اعتدلت في جلستها بحزن، تضع عينيها في الأرض.
ابتسمت نبيلة بحنان وهي تمد أناملها لترفع وجه بيلا لها، لتجد عينيها تلمعان بالدموع.
«ممكن أعرف بتعيطي ليه؟ مش إحنا متعودين إننا صحاب؟»
بيلا بندم:
«والله يا تيتة، أنا ما قابلته إلا كم مرة، وصدقيني مش بكون مرتبة لأي حاجة. هي بتيجي صدفة. بس عشان إحنا صحاب، مقدرش أكدب عليك. هو شخصيته جذابة، أنا بكون مبسوطة لما أشوفه. مش عارفة، وده مخوفني. أنتِ عارفة إن بحب بابا قد إيه، وأنا من بعد وفاة ماما الله يرحمها، وهو بيعمل كل حاجة عشان يفرحني، وأنا مش عايزة أزعله. بس برضو... عارفة إنه لو عرف إني قابلت عمر ولو مرة واحدة، هيقلب الدنيا.»
نبيلة بجدية:
«عمر ولا باباك؟»
بيلا بصدق:
«المقارنة دي متنفعش يا ستي. بابا هو كل حاجة حلوة، ولو خيروني هختاره هو طبعًا. بس عمر إنسان نبيل ومحترم، والإحساس اللي ناحيته مختلف عن أي حد.»
نبيلة بحدة وعقلانية:
«اللي أعرفه وأتربيت عليه إن اللي بيحب حد وبيحترمه، بيجي البيت من بابه. يبقى فين الحب ده لو مجاش طلب إيدك؟»
بيلا:
«يعني أعمل إيه؟»
نبيلة:
«تبعدي عنه تمامًا. مفيش مقابلات من ورانا. أنتِ بتكلميه على الموبايل؟»
بيلا بحزن:
«آه... بس والله هما تلات مرات.»
نبيلة:
«يبقى تحذفي رقمه من عندك وتبطلي تكلميه. بيلا حبيبتي، أنا عايزة مصلحتك، وأنتِ عارفة دا كويس. لأنك مش بس حفيدتي، لإن أنا عارفة إن قلبك أبيض ومش عايزة الدنيا تلوّثه بأي حاجة وحشة. وأخاف عليكِ من أي حد يفكر يستغل طيبة قلبك. يمكن لو مريم مكنتش أخاف عليها كدا، لأنها بتسحبها بعقلها مش بقلبها. لكن أنتِ بتشوفي الناس بقلبك، ودا هيجرحك لو وقعتي مع الشخص الغلط.»
احتضنها بيلا بارتياح، لتجذب نبيلة الغطاء عليهما وهي تطفئ النور قائلة بنعاس:
«خلينا ننام دلوقتي، هحكيلك حدوتة، ونصحى سوا نصلي الفجر.»
بيلا بنوم وهي تجذب الغطاء أكثر عليها.
"عليه أفضل الصلاة والسلام."
يحكى أنه في سالف العصر والأوان...
بعد مرور يومان.
جلس عمر في مكتبه بضيق ممسكًا بهاتفه بين يديه، يشعر وكأنه على وشك الانفجار من شدة الغضب غير المبرر.
عمر بحدة:
"مش بترد ليه يا بيلا... بتقلقيني عليك وخالص، حاسس إني هتجنن. من امتى وأنا بتفرق معايا أي واحدة... كل مرة أقول انجذابي ليها هيقل، بالعكس دايما بتشد أكتر..."
دلف إلى المكتب ثائر بعد أن سمح له بالدخول.
ثائر:
"اتفضل يا باشا... الملف اللي حضرتك طلبته. تؤمر بحاجة تاني؟"
عمر:
"لا يا ثائر، تقدر تمشي أنت والحرس. أنا لسه قدامي شوية."
أومأ له بجدية وهو يخرج من مكتبه. أراد عمر إجراء اتصال مرة أخرى برقمها.
لكن هذه المرة ردت عليه نبيلة هانم بجدية.
نبيلة:
"آلو مين معايا؟"
رد عمر بثقة ولبااقة:
"عمر الرشيدي..."
نبيلة بجدية:
"واضح من ردك إنك مش خايف."
ابتسم عمر وهو ينهض عن كرسيه ويضع يديه في جيب بنطاله.
عمر:
"الخوف بيكون نتيجة حاجة من الاتنين، يا عدم الثقة بالنفس أو إنه بيعمل حاجة غلط."
نبيلة بابتسامة جانبية:
"وأنت مش شايف إنك بتعمل حاجة غلط وأنت بتحاول تضحك على حفيدتي ومعتقد إنها هتعمل حاجة من ورانا؟"
عمر بإعجاب:
"لو ده اللي في دماغي، أكيد ما كنتش هبقى بكلم حضرتك... أظن نبيلة هانم المنيري، جدة بيلا؟"
جلست نبيلة على كرسيها وهي تنظر لبيلا النائمة بعمق.
نبيلة:
"تفتكر لو سالم الدمنهوري عرف إنك بتلعب على بنته، هيعديها بالسهل كدا يا ابن الرشيدي؟"
عمر:
"مين قال إني بلعب عليها... أنا منكرش إن ده كان شعوري ورغبتي في الأول، لكن مع الوقت الموضوع اتغير. أظن الكلام في الموبايل مش هينفع ولازم نتقابل..."
نبيلة بابتسامة:
"وأنا كمان أظن كدا... بكرة في العزبة هكون موجودة الساعة واحدة الضهر. وأتمنى منك إنك ما تخيبش ظني ولا نظرتي فيك يا بشمهندس عمر."
ابتسم بلباقة قائلاً:
"إن شاء الله يا نبيلة هانم..."
صمت للحظات ثم تابع بجدية:
"هو ممكن أكلم بيلا؟"
نبيلة بارتياح:
"للأسف بيلا نايمة دلوقتي... إن شاء الله على معادنا بكرة."
عمر بجدية ممزوجة بسعادة:
"طبعاً يا هانم..."
أغلقت الهاتف وهي تنظر لبيلا بسعادة.
نبيلة:
"شكل حظك حلو يا بيلا وموقعك مع شخص محترم... ربنا يسعدك يا حبيبتي ويديكي على قد قلبك الأبيض يا رب يا بنت تحية."
ابتسمت وهي تخرج من غرفتها، تاركة إياها تنعم بنوم هادئ كأحلام طفولتها.
في اليوم التالي.
بيلا:
"هنعمل إيه في العزبة يا تيتة؟ أنتِ عارفة إني مش بحب أروح هناك من وقت وفاة ماما."
نبيلة بابتسامة:
"أنا بقى عايزة أروح هناك ومريم مش راضية، وأخوك خرج من سالم، ومافيش غيرك. يالا البسي وهنروح سوا وهنقضي اليوم كله هناك."
بيلا بضيق:
"ماشي..."
بعد مرور نصف ساعة.
جلست بيلا تقوم برسم أحد الرسومات في دفترها الخاص، في حين كانت نبيلة تجلس في بهو المنزل الريفي ترتشف قهوتها في انتظار عمر.
توقفت سيارته أمام البوابة الحديدية للعزبة، بينما توجه نحو السيارة الخفير وهو ينظر بريبة لعمر.
الحارس:
"أفندم يا عمر بيه... سالم باشا مش في العزبة."
عمر بجدية:
"نبيلة هانم موجودة... عندي معاد معاها. قولها عمر الرشيدي."
الحارس:
"ثواني..."
بعد مرور دقائق.
دخل العزبة بسيارته، أخذ نفسًا عميقًا هامسًا لنفسه:
"عمر... بيلا مش زي أي واحدة. بلاش تلعب بيها. لو كنت بتلعب، ما كنتش هتبقى هنا دلوقتي..."
ترجل من سيارته بشموخ وهو يهندم بدلته السوداء.
سيدة بأناقة:
"اتفضل يا عمر بيه، نبيلة هانم منتظراك في الجنينة."
بعد لحظات.
وبعد الترحيب الخاص، جلس عمر في بهو القصر بلباقة بجوار نبيلة.
نبيلة:
"ها يا أستاذ عمر، طلبت تقابلني... اتفضل، كنت حابة أسمعك... وأفهم سر الاهتمام المبالغ فيه ناحية بيلا."
عمر:
"شوفي يا نبيلة هانم، حضرتك أكيد عارفة المشاكل اللي بين عيلة الرشيدي وعيلة الدمنهوري."
نبيلة بتوتر وارتباك:
"طبعاً عارفة... تحية الله يرحمها قالت لي عن السبب."
"ورفض جدك الرشيدي إنه يجوز سالم لـ عمتك كوثر هانم الله يرحمها."
"وبعدها سالم طلب إيدي بنتي تحية."
"لكن من وقت رفض جدك..."
"وحصل مشاكل بين العيلتين وبقوا منافسين لبعض في الشغل والبزنس."
"بس يا أستاذ عمر، بيلا مينفعش تدخل في الليلة اللي بينكم دي."
"بيلا أطيب وأرق بكتير من اللي ممكن تفكر فيه.. تحية الله يرحمها استحملت كتير مع سالم بس عشان بيلا."
"محمود ومريم عندهم نضج كفاية إنهم يديروا حياتهم، لكن بيلا لو خرجت للعالم ده هتتأذى."
"فبلاش تدخلها في الليلة دي لو سمحت. أنا بكلمك كده دلوقتي لأن إحساسي بيقول لي إنك شخص كويس ومحترم."
عمر:
"أنا مقدر خوفك عليها وفاهم كل اللي بتقوليه، لكن أنا دلوقتي طالب إيد بيلا منك لأن عارف إنها مش زي أي واحدة تانية، ويمكن لأن حبيتها، الله أعلم. لكن أنا حقيقي أتمنى العداوة دي تنتهي... وأتمنى حضرتك تكوني في صفي لأجل مصلحة بيلا."
نبيلة:
"إن شاء الله يا أستاذ عمر، وأنا هفتح الموضوع مع والدها وإن شاء الله خير."
ابتسمت بسعادة قائلاً:
"إن شاء الله، اتشرفت بمعرفتك يا نبيلة هانم."
"الشرف ليا."
قدم التحية وخرج، بينما شعرت نبيلة بالارتياب والقلق.
نبيلة:
"استر يا رب... ربنا يهديك يا سالم وينصفك منهم يا بيلا."
كان في طريقه للبوابة، لكن ابتسم وهو ينظر لها بينما تجلس ممددة الساقين تضع دفترًا كبيرًا على قدميها تحت شجر العنب الذي يظلل عليها من أشعة الشمس.
غير طريقه وهو يبتسم بتسلية.
عمر:
"واضح إنك مشغولة قوي."
شهقت بيلا برعب وهي تنهض بسرعة، بينما ألقت الألوان والدفتر على الأرض لتقول بفزع:
"يخربيتك يلهوي! أنت دخلت هنا إزاي؟ اطلع برا بسرعة، الحرس لو شافوك هتبقى مصيبة... عمر بالله عليك امشي من هنا."
ابتسم برفق مقتربًا منها بخطوات ثابتة واثقة.
عمر:
"خايفة عليا؟"
بيلا بتلقائية:
"لا، خايفة عليا أنا... أنت دخلت إزاي؟"
عمر باستفزاز:
"من الباب."
ضربت كفيها ببعضهما بضيق.
بيلا:
"اللهم طولك يا روح! أنت عايز تجلطني يا جدع أنت! أنا غلطانة إني واقفة معاك أصلاً."
ثم تابعت بصوت عالٍ:
"يا عم محمد..."
عمر:
"أنتِ غبية أوي. سلام يا بيبو."
بيلا بغضب:
"اسمي بيلا! وتبطل تعصبني بـ بيبو بتاعتك دي."
لم يعرها انتباه في حين غادر القصر.
بعد مدة.
سالم بحدة وغضب:
"لا يا نبيلة هانم، مش موافق. وده آخر كلام عندي. ابن الرشيدي من سابع المستحيلات إنه يتجوز بنتي. وأنا ليا حساب معها قليلة الأدب دي، إزاي تقابله من ورانا."
نبيلة في محاولة لامتصاص غضبه:
"سالم، بلاش تكسر البنت. ابن الرشيدي جاي وبيمد إيديه بالصلح. اخلصوا من العداوة دي وبلاش تكسر بنتك. بيلا معجبة بيه..."
سالم بغلظة:
"لو آخر واحد في الدنيا مش هجوزه. بيلا دي بنتي أنا وأنا عارف مصلحتها. وبيلا هتخلص الامتحانات وتسافر باريس زي ما كانت عايزة، وهناك تشتغل في الخزف وخلص الكلام."
نبيلة:
"أنت بتعند وخلاص يا سالم... عايز ترد لعيلة الرشيدي اللي عمله جده زمان لما رفض جوازك من بنته؟ بس خلي بالك في علمك إنك هتأذي بنتك بعندك ده، وربنا مش هيسامحك. وعلى فكرة، بيلا هتخلص امتحانات وتيجي معايا اسكندرية."
***عودة للحاضر***
تقلب عمر في الفراش بحنق، كلما يحاول أن يغفو تأتيه ذكراها وسعادته معها، والتي لم يشعر بها مع أي امرأة أخرى.
***
في منزل صالح وزينب.
كانت زينب تنام بارتياح بين أحضان بيلا، والتي أتت للمبيت معها بعد سفر صالح للإسكندرية لتوديع إيمان قبل سفرها.
ابتسمت بيلا بحنان وهي تمرر يديها في خصلات شعر زينب بحنان.
زينب بحماس:
"بس انتي عملتي إيه لما باباكي رفض جوازك منه؟"
بيلا بسعادة وهي تشاركها الأحاديث:
"لا، ده الموضوع يطول شرحه. بس خلينا ننام دلوقتي وهكملك الحكاية بعدين."
زينب:
"تعرفي إني برتاح وأنا بتكلم معاك. أنتِ وماما حياء بحسكم زي بعض. بس بحس إنك غيرها شوية، ومعظم الوقت عيونك فيها حزن."
بيلا:
"مش لازم تكون كل القصص نهايتها واحدة..."
زينب انتي بجد بتكون فرحانة وأنا معاكي.
ابتسمت بسعادة وهي تهز رأسها بالإيجاب قائلة:
"أوي الصراحة بحب أتكلم معاكي وبكون مرتاحة وحاسة إننا قريبين من بعض، المهم انتي متزهقيش مني."
بيلا:
"وأنا عمري ما هزهق أبداً، بالعكس أنا أتمنى أفضل أتكلم معاكي."
في تلك الأثناء صدح رنين هاتف زينب.
بيلا بارتياب:
"مين هيكلمك دلوقتي؟"
زينب:
"مش عارفة، استنى هشوف."
التقطت هاتفها لتزين وجهها بسمة بسيطة:
"دي نور، والله وحشتني، بس بتتكلم ليه دلوقتي؟"
زينب:
"وحشتيني أوي، الله على السفر ونسي أحبابه."
نور بغيظ وضيق:
"زينب أنا مش طايقة نفسي، والله العظيم لو شفته دلوقتي احتمال أرتكب جناية هو وخالته."
لوت زينب شفتيها بغيظ قائلة:
"لحقتي تعملي مشاكل يا أم لسان مسحوب منك."
نور بغضب:
"زينب أنا بجد مش طايقة، والله العظيم هو وأم الخلول اللي ماشية معاه في كل حتة دي."
ارتفع حاجب بيلا بارتياب:
"أم الخلول؟!"
نور باندماج وضحك:
"آه، ما أنا سميتها أم الخلول، بت عبيطة أوي الصراحة، أقسم بالله... مين معايا؟"
"بيلا... آه صاحبة زينب، احكيلي إيه اللي مضايقك."
نور بغيظ:
"بقف جنب حيوان غبي متخلف بارد، آآآه هتشل منه، بصي الحكاية بدأت لما زينب كانت في المستشفى..."
أخذت تسرد عليها منذ بداية باسل حتى تلك الحفلة.
بيلا بخبث مرح:
"آه يعني البيه شايف نفسه... لا يبقى لازم يتربى ويتعلم إن الله حق."
زينب:
"ودا يتربى إزاي؟"
نور:
"أعمل إيه أنا حاسة إني لو شفته هضربه..."
بيلا بمرح:
"لا... اسمعي دا لازم نشتغل معاه بكذا طريقة. أول طريقة على رأي زينات صدقي: شوق ولا تدوق."
نور بحماس وخبث:
"حلو دا أوي."
بيلا بسعادة:
"بس متنسيش زينات قالت الشي اللي يزيد عن حده ينقلب ضده. أول حاجة... أول ما يجي لازم يلاقيكي هادية وجميلة وباردة، ولا كأن اللي حصل دا في دماغك أصلاً. وبلاش تعملي فيلم هندي وتخليه يعرف اللي خالته العقربة دي قالته، بس بأسلوب وإنتي بتتدلعي شوية. دوبيه كل ما يقرب اتدلعّي بس ابعدي، وساعتها هيندم على اللي عمله. سوقي الهبل على الشيطنة بس بحدود، لأن النوع دا مش بيجي بالعند."
نور بحماس:
"طبعاً جداً، إحنا لازم نبقى صحاب، والله زينب محظوظة."
زينب بسعادة وحماس:
"بس خلي بالك يا فالحة، الأستاذ اللي انتي واقعة معاه مش سهل، وممكن وقت ما تيجي تدلعي عليه يوقعك هو في شباكه."
نور:
"متقلقيش على أخوكي يا فوزي، كله في الحفظ والصون."
في الإسكندرية.
صدح صوت طرقات فوق باب شقة علي في وقت متأخر من الليل.
مدت حبيبة يديها للفراش مفتقدة دفء احتضانه لها، شاعرة ببرودة تسري بجسدها.
فتحت عينيها بتثاقل تتفقد الغرفة ملياً، لكن لم تجده.
استمعت لصوت من خارج الغرفة.
حبيبة بارتياب:
"علي..."
لم تجد منه أي ردة فعل، ليتصاعد الخوف بقلبها.
ارتدت مئزر طويل على قميصها وهي تخرج من الغرفة، لكن سمعت صوته يتحدث مع شخص ما في الشرفة.
كادت أن تخرج لكن تراجعت وهي تنظر لنفسها.
دخلت مرة أخرى لغرفتها، بدلت ثيابها وخرجت لتجده يتحدث مع صالح في شرفة المنزل.
حبيبة بابتسامة:
"أهلاً يا بشمهندس صالح."
استقام صالح مبتسماً بجدية قائلاً:
"بخير الحمد لله... أخبارك إيه يا حبيبة... ألف مبروك على الفرح، عارف إنها متأخرة بس والله ظروف حصلت معرفتش أحضر."
وقفت حبيبة بجوار علي مبتسمة برفق:
"الجماعة قاموا بالواجب، حقيقي كنت خايفة أكون لوحدي في اليوم دا، بس والدتك وعمي جلال وإيمان كانوا معايا... أخبار زينب إيه؟"
صالح بتنهيدة:
"بخير الحمد لله..."
علي بجدية:
"حبيبة اعمليلنا كوبايتين شاي..."
أومأت له بالإيجاب وهي تخرج من الغرفة، بينما جلس صالح على كرسيه واقترب من علي قائلاً:
"قولي وصلت لإيه في الموضوع اللي وصيتك عليه."
علي بجدية:
"البت دي من الشرقية، اللي عرفته إنها كانت شغالة في البيوت، وبعدها اتلككت على واحد اسمه خالد، ودا مش مساعد الزفت رشاد... وطبعاً هو اللي جابها تشتغل في البيت عند الحاج جلال بعد ما والدتك كانت تعبت... مش متجوزة ولا مخلفة زي ما فهمت زينب، بس عندها خالها بيقولوا إنه راجل شديد في تعامله."
صالح:
"طب ورشاد عرفت عمل إيه؟"
علي:
"واضح إنه عرف يغطي الديون اللي عليه بعد وقوع أسهم شركات، بس أكيد ميعرفش إنك إنت اللي اشتريت الأسهم. الأكيد إنه دلوقتي بيفرفر بعد الساير اللي وقع فيها بعد لما الأسهم انضربت في البورصة، بس عامل زي الفرخة الديخة، وطبعاً مشغول جداً في تغطية الخساير."
ابتسم صالح بشيطانية وهو يضع ساقه على الأخرى:
"طب اسمع بقى اللي هيحصل، في حد هيعلن إني أنا اللي اشتريت أسهم شركته، وقتها هيعرف إن أنا السبب في الفضايح اللي اتعرض لها بتاع انتهاء صلاحية المواد اللي بيبيعوها في المصانع، واللي حصل بعدها إن أسهم شركاته وقعت بعد المصيبة دي..."
علي بارتياب وخوف:
"إنت بتتكلم جد، دا كدا هيحطك في دماغه يا صالح."
صالح بابتسامة ساخرة:
"ودا اللي أنا عايزه... النهاردة الصبح الساعة ستة توصل لحد شقتي، وأدي المفتاح، عايزك تركب كاميرات مراقبة، أنا متفق مع المهندس، هيكلمك بدري تاخده وتركبوها... أنا مش ضامن اللي ممكن البت اللي اسمها عفت دي تعمله."
علي:
"أنا مش فاهم حاجة... إنت عايز تركب كاميرات مراقبة في شقتك وهتسيب عفت موجودة عادي بعد اللي عرفته؟"
صالح:
"طب اسمع بقى كلامي كويس أوي..."
بعد دقائق.
علي بضحك:
"لا ملعوبة يا ابن الشهاوي... الصراحة اتكيفت، إيه الدماغ دي... بس في حاجة، زينب لازم تحذرها، وإلا ممكن البت دي تلعب عليها ومش عارفين ممكن توصل لفين."
صالح بجدية:
"علشان كدا لازم تركب الكاميرات... صحيح الستات بتوع مياة النار فين؟"
علي بجدية:
"ياه، دول زمانهم عفنوا في المخزن... هناك من بعد أسبوعين من الحادثة دي."
صالح بلا مبالاة:
"يبقى خليهم عندك كمان شوية، أنا عايز ألم الحبايب كلهم مرة واحدة ونكون خلصنا منهم."
علي:
"ودا اللي هيحصل إن شاء الله."
صالح بحب أخوي:
"عارف إني بتقل عليك وإنت لسه عريس جديد، بس حظك بقى."
علي بابتسامة:
"هو صحيح حاجة غتاتة أوي، بس نستحمل، هو أنا عندي كام أخ يعني."
ربت صالح على كتفه باهتمام قائلاً:
"تسلم يا علي... أنا لازم أمشي دلوقتي."
حبيبة:
"الشاي..."
صالح:
"معلش لازم أمشي، لأن هرجع للجح وبعدها هطلع على المنصورة يومين كدا وهرجع أنا وزينب، المهم متنساش اللي قلتلك عليه."
علي:
"اطمن..."
بعد مرور وقت (في روسيا).
ابتسمت نور بخبث وهي تنظر للمرآة بحماس وثقة بنفسها.
ترتدي عباءة طويلة ضيقة ذات اللون النبيتي الداكن بفتحة صغيرة من الجانب تعطيها حرية الحركة.
فردت شعرها البني لتضع بعض لمسات المكياج.
لكن استمعت لصوت بوق سيارته معلناً عن وصوله.
نور بخبث:
"خلينا الأول نخلص من الحيزبونة."
ابتسمت ببرود وهي ترتدي حذاء أسود بكعب عالي لتبدو في غاية الجمال.
نور بغضب:
"ماشي يا باسل الكلب، اصبر عليا."
كانت تجلس أمام التلفاز تضع أمامها أطباق مختلفة من الوصفات المصرية.
دلف باسل برفقة جيجي، والتي نظرت باشمئزاز لنور.
تأملها باسل بدهشة وإعجاب شديد بجمالها الخلاب.
تنهد بندم وشوق وهو يتأمل جمالها ورقتها الفاتنة، يتمنى أن يخفيها عن عيون الجميع.
استفاق باسل على صوت جيجي الغاضب، التي وقفت بجانبه دون أن يشعر بها، وهي تقول بصوت غاضب مليء بالغيرة:
"إيه الجو البلدي دا... قاعدة بلبس زي دا وإيه اللي بتاكليه دا... اوف. أظن ميصحش المسخرة دي قدام الخدامين الموجودين هنا، ولا نسيت إنك مرات باسل العلالي وأصلك هيفضل بيئة."
شهقت نور بغضب وهي تغلق التلفاز عن الأغاني الشعبية التي تستمع لها، لتقول نور بغضب:
"إنتي بتقولي إيه..."
إلا أنها صمتت عندما تحدث باسل بغضب وحدة وبطريقة قاطعة:
"جيجي إنك اتجننتي... ليتابع بغضب أكبر: دا بيت نور، تعمل فيه كل اللي هي عايزاه، تلبس قصير ضيق ميخصكيش، ومتنسيش نفسك، ولا تنسي إنك هنا ضيفة، وإن هي صاحبة البيت، وإنها تبقى مراتي... فاهمة يعني إيه. واتفضلي اعتذري عن الكلام الفارغ اللي إنتي قولتي."
جيجي باعتراض وضيق:
"أنا مقصدش يا باسل... بس..."
باسل بغضب:
"لو مش عاوزنا نخسر بعض، اعتذري وحالاً."
جيجي بغضب وتوتر:
"أنا آسفة يا نور... مش قصدي أهينك، أنا بس خفت على شكلك قدام الخدامين."
همست نور ساخرة:
"لا فيكي الخير يا أخت جيجي، دا إنتي الغيرة بتقطع فيكي ومش عارفة تخبيها، اصبروا عليا بس."
اقترب باسل من نور التي مازالت غاضبة، ليقوم بلف يديه حول خصرها وهو يقبل جبينها بحنان:
"ممكن نتعشا سوا."
نور بغضب لنفسها:
"يا بجاحتك يا أخي، ولا كأنك عامل حاجة..."
ابتسمت ببرود وهي تضع يديها حول عنقه تمررها ببطء مذيبة له ولمشاعره، بينما وقفت جيجي تتابع بغضب حارق.
نور برقة زائفة:
"طبعاً يا حبيبي..."
ضربت جيجي قدمها بالأرض بغضب وهي تخرج وتتركهما، وما إن غادرت حتى ابتعدت نور بغضب ولَكَزته بقوة في صدره:
"حيوان بصحيح..."
ابتسم باسل ببرود قائلاً:
"إيه يا بيبي، ما كنا حلوين."
نور بجدية:
"باسل إنت بجد مصدق نفسك... آه صحيح، في حاجة لازم تعرفها. مدام ألفت والدة الست هانم بتاعتك دي هانتني في الحفلة والكلام اللي قلته مفيش بني آدم يستحمله... لو بتفكر إنك تتسلى بيا زي ما هي قالت تبقى غبي، وأوعى تفتكر إن ممكن اسمحلك تهين كرامتي، أوعى."
كادت أن تتركه وتغادر، إلا أنه جذبها بقوة من ذراعها متمسكاً بها.
احتضنها بقوة في حين حاولت التملص منه بغضب وقوة:
"ابعد عني يا باسل أحسنلك، بلاش تخلي الشياطين تلعب في دماغي، لأن هتطلع عليك."
حاوط خصرها بكلتا يديه بقوة وهو يدفن وجهه بعنقها قائلاً:
"آسف يا نور..."
هدأت قليلاً وهي تبتلع ما بحلقها بغضب قائلة:
"على إيه ولا إيه... على كرامتي اللي اتهانت، ولا سمعتي اللي إنت بغبائك طعنت فيه."
باسل بجدية:
"على كل دا... أولاً أنا الكلام الغبي دا قلته في لحظة غضب..."
وعارف إنك محترمة، ولو مش كده مكنتش هتتبهدلي يوم القسم ولا تضربي الجدع ده. وصدقيني أنا حبسته، رغم إنه كان المفروض إنتي اللي تعوضيه عن البهدلة اللي بهدلتيها له، بس كنت متأكد إن ليكي حق...
نور بسخرية:
أسفك مش مقبول يا باسل بيه، بعد إذنك.
تركته بالقوة وغادرت المكان بغضب، رغم شعورها ببعض الارتياح.
في اليوم التالي
حوالي الثانية عشر ظهراً.
خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها، ترتدي ثوب أسود أنيق. رفعت شعرها برباط شعر.
خرجت تبحث عنه، لأول مرة تنام كل هذه المدة.
رفعت بنيتها تتفقد المكان من حولها، فلم تجده. ولكنها استنشقت رائحة طعام يطهى وصوت أواني صادرة من ركن قريب منها.
زمت شفتيها وهي تتقدم عدة خطوات باتجاه الصوت.
لم تتخيل يوماً أن ترى هذا المشهد بعينيها المندهشة.
كان يقف أمام الموقد يطهو شيئاً ذو رائحة مميزة.
يقلب بيد، وباليد الأخرى يمسك طبقاً من شرائح الدجاج، ثم يسكب بتدريج واحدة تلو الأخرى.
بتركيز واستمتاع غريب، وكأنه لا يطهو بل يستمع للموسيقى المهدئة المعدلة للمزاج.
انتبه لوجودها، وبدون أن يرفع حتى عينيه عليها قال بقنوط:
لو مش هتتعبي سيادتك، خدي قطعي دي.
لم تتصور أن يقذف نحوها مباشرة ثمرة البطاطس.
ولحسن الحظ أمسكتها قبل أن تصطدم بوجهها.
امتعض وجهها وهتفت من بين أسنانها المطبقة:
إيه ده.
رفع كتفيه وأنزلهم ببراءة زائفة، ثم قال باستفزاز:
في ست في الدنيا متعرفش البطاطس؟ ولله عيب أوي في حقك.
زفرت بغيظ وهي تلوح له بثمرة بحنق:
متغظنيش ياباسل، في حد بيطلب المساعدة بالشكل ده؟ أم صحيح واحد بارد.
زم شفتيه بضجر حقيقي وهو يعود لإكمال الطهي، معلقاً بفظاظة:
دي مش مساعدة، دا أمر.
وضعت يداها في خصرها ورفعت حاجبها، منزعجة أكثر منه، ثم هتفت باستهجان:
يسلام، وبتأمرني ليه بقى إن شاء الله؟
لم ينظر لها، بل قلب شرائح الدجاج بالملعقة التي بين يده وهو يقول ببساطة:
بما إنك هتاكلي معايا، مش ناويه تاكلي برضه؟
نظرت إلى الطعام ومن ثم له وقالت بضيق:
بصراحة خايفة آكل وبعدها أروح أعمل غسيل معدة في المستشفى.
ابتسم بمرح زائف وهو يجيب بقنوط:
متقلقيش، مش هتروحي لوحدك، مانا هاكل من نفس الأكل.
سألته باستفهام:
يعني إيه؟
رد بسماجة:
يعني هنونس بعض في المستشفى.
مطت شفتيها وهي تتقدم للداخل لتقف بجواره وتراقب ما يفعله، ثم سألته بنبرة عادية:
بتعمل إيه؟
رد بدون أن يرفع عينيه أجاب:
وصفة فراخ، بس زي ما تقولي كدا مزيج بين المصري والإسباني.
ابتسمت بسخرية وهي تقول:
واو، شيف باسل.
لم يعقب على جملتها، بل قال بخشونة:
فين البطاطس اللي قطعتيها؟
فغرت شفتيها وهي تقول بتوتر حقيقي:
إيه... لسه.
رفع عسليته عليها أخيراً، وافترس وجهها وبنيتها وهو يقول بصلابة:
وهتفضلي واقفة مكانك كتير وهي لسه في إيدك كده؟
عضت على شفتيها أمامه وهي تنظر للثمرة الحزينة بين يديها، ثم لم تلبث إلا وتقدمت من الصنبور وغسلتها، ثم بدأت في تقشيرها وتقطيعها بصمت.
بعد مدة.
تناولت آخر قطعة من شريحة الفراخ وهي تلوي شفتيها بإعجاب.
نظر لها بطرف عينيه وهو يقول بمداعبة طفيفة:
يارب الأكل يكون عجبك، ولو في أي ملاحظات كلي آذان صاغية.
ردت بحرج من تتبع عينيه للقادم منها:
بصراحة الأكل حلو، تسلم إيدك.
اكتفى بهمهمة بسيطة وهو ينهض من مكانه، وفي يداه الطبق الذي أكل به. فعلت هي أيضاً المثل، وأخذت طبقها واتجهت به لحوض الماء الصغير.
بتعمل إيه يا باسل؟ مسكت منه الطبق وهي تقول بحنق:
سبهم أنا هغسلهم، صحيح هو فين الخدم؟
تركهم لها وهو يقول ببساطة:
إنتي مضايقة أوي كده ليه؟ فيها إيه يعني لو غسلتهم؟
مفهاش حاجة، بس أنا واقفة معاك ومينفعش، وبعدين أوعى تفكر إني نسيت الكلام اللي قلته امبارح.
ابتسم بجمود لم تلاحظه، فكانت عينيها مسلطة على الأواني التي تقوم بغسلها.
حاجات كتير أوي اتغيرت.
لم تنتبه لنبرته الغريبة، بل قررت السؤال:
إيه يعني مش فاهمة؟ تقصد إيه؟ صحيح هي والدتك ليه دايماً بتقولها يا هانم؟ ومش شفت أبوك ولا مرة؟ ولا عشان الظروف اللي اتجوزنا فيها؟ وبعدين إنت بتعرف تطبخ إزاي؟ مكنتش متوقعها الصراحة.
رد بإختصار ونبرة غريبة:
عشت أربع سنين لوحدي، وكنت بحب أتعلم الحاجات دي، كان نفسي يبقى عندي بيت هادي وأولاد و... يعني حاجة زي كده.
رفعت عينيها عليه بارتياب من نبرته وحديثه عن العائلة والاستقرار.
ثم سألته باستفسار:
طب لي مجبتش شغالة تقوم بالطلبات وإنت لوحدك؟
ضيق عينيه وهو يحدج بها بهدوء، قبل أن يقول بخبث:
مش لازم، چيجي كانت بتعمل كل اللي تقدر عليه عشان مضطرش أجيب شغالة، اصلها بتغير.
وقع الطبق من يديها أرضاً، ولا تعرف متى وكيف انزلق بتلك السرعة. جثت أرضاً لتلم أجزاءً متناثرة حولهم.
هبط لجوارها وحمل القطع الزجاجية وهو يقول بجفاء:
مالك ارتبكتي كده ليه؟ وطبق وقع منك إزاي؟
برمت شفتيها بحنق:
معرفش، أهو وقع وخلاص، عادي.
افترس وجهها وهو يرد بغموض:
لا مش عادي.
فغرت شفتيها ورفعت عينيها عليه وهي تقول بتوتر وغيره:
يعني إيه؟ آآه.
نظرت إلى إبهامها الذي جُرح من طرف الزجاجة، بدون أن تلاحظ أنها كانت تتكئ عليه أثناء تحدثه.
اختفت القسوة من على وجهه وهو يتناول يدها قائلاً ببعض القلق:
اتعورتي فين؟ وريني.
سحبت يدها منه بقوة وهي تقول بصوت مبحوح:
مفيش حاجة، دا جرح بسيط.
خرجت من المطبخ متوجهة إلى الحمام، مغلقة الباب خلفها، تاركة الدموع تنزل الآن بارتياح.
لماذا تبكي؟ لماذا يهوى قلبها لسابع أرض ويتمزق لمجرد حديثه عن حبيبته؟
يبدو وكأنه كان على علاقة عاطفية مع جيجي كما قالت والدتها.
ما دخلك؟ فليحب ويعيش كما يريد.
رفعت عينيها على المرآة فوجدت احمرار وجهها وعينيها بفعل دموعها، وضغطت على نفسها.
ضعيفة ومهزوزة ومضطربة، ولا تعرف العلاج لكل ما يعتريها؟
سمعت طرقة خافتة على الباب وصوته الهادئ يسألها ببعض القلق الذي يحاول إخفاءه:
نور... إنتي كويسة؟
هزت رأسها أمام المرآة وهي تنظر لوجهها بسخرية:
آه كويسة... شوية وخرجة.
فتحت صنبور المياه وبدت بغسل وجهها، ولم تهتم بزينتها التي فسدت، كل ما أرادته غسل أفكارها ومشاعرها الخائنة، لعل الصدأ بهم يجري مع الماء ويمحي؟
فتحت الباب وهي ترفع عينيها، فوجئت به ينتظرها عند إطاره، مستنداً بكفه عليه، ينظر لها بهدوء، يتفحص كل جزء بها بنهم وفضول.
إنتي... كويسة؟
سألها وهو يفصل الخطوات بينهم ليكن بمواجهة وجهها:
إنتي كنتي بتعيطي؟
طرح سؤالاً آخر باهتمام بعد تفقد لعينيها.
أسلت عينيها ورطبت شفتيها بتوتر وهي تجيب باقتضاب:
أنا كويسة، مفيش حاجة.
كادت أن تتخطاه، ولكنه أمسك ذراعها وهو يقول بخشونة:
راح فين؟ استني.
استدارت له، فلاحظت تلك العلبة الصغيرة بين يداه.
اخفضت عينيها وهي تراه يضع ملصقاً طبياً حول إبهامه وهو يقول بتافف:
ابقي خدي بالك أكتر من كده، بذات وإنتي بتلمي حاجة مكسورة.
لم ترد عليه، بل سحبت يدها وهي تقول بصوت خافض:
أنا هطلع أقعد على البحر شوية.
تخطته بمنتهى البساطة وخرجت إلى الجنينة، حيث الهواء النقي والجو المألوف بروعة سحره.
تلك البقعة الزرقاء وما تحمله من طيات ساحرة تجذب الجميع لها، حتى إن كنت لا تهوى السباحة ولا تفضل الماء بها، إلا أنها تجبرك بالسحر الخالص للجلوس وتتأملها بشرود، وعلى حسب حالتك المزاجية تتفاعل معك وكأنها تواسيك وتساندك وتسعدك أينما أردت هذا؟
تطاير شعرها من حولها بخفة ونعومة توازي جمالها ورقة شخصيتها.
رذاذ منعش لفح وجنتيها فجعلها تتنهد بعمق، وكأنها تبحث عن الملاذ في خلوتها.
شعرت به يشاركها إياها بمنتهى التطفل منه.
جالساً بجوارها ينظر إلى ما تنظر، بيده فنجان من القهوة يرتشف منه بهدوء، ووجه حجري صلب.
عارفة يا نور، كان عندي خمسة عشر سنة مكنتش أول مرة أشوف أبويا بيضرب أمي. زيدان باشا بكل الهلمة اللي حواليه، ممكن أي واحدة تقدر تضحك عليه وتنسيه بيته ومراته وأولاده.
رفعت عينيها باهتمام وارتياب من وجهه الصلب الحاد وهو يرتشف من كوب القهوة، بينما يكمل حديثه:
هي وافقت تكمل معه عشان أنا وزينة، كانت فاكرة إنه لما يكون في أطفال هيتغير، لكن هو متغيرش. كان بيأذيها نفسياً بعلاقاته، لكن هي للأسف استحملت عشان أنا وأختي. ولما حاولت أتمرد على الحياة دي وأقف قصاده، كنت صغير سبعة عشر سنة، وقتها كنت هموت فيها.
ضحك بسخرية وهو يكمل حديثه:
وقتها ضربني ودون ما يقصد، وقعت من على السلم واتصبت في دماغي وفضلت وقت طويل في المستشفى.
لكن قمت منها، وبعد كدا خدت ثانوية وقررت آخد كلية في مكان بعيد عنهم وعن مشاكلهم. وفعلاً، رغم إن جالي إني آخدها في إسكندرية، لكن أنا قررت أبعد، لأبعد محافظة.
كنت لوحدي أربع سنين، لكن اتعلمت أفصل مشاعري عن شكلي أو مظهري. تمامًا يا نور.
حتى لو بموت من الوجع، مش لازم أظهر ضعفي لأي حد.
لدرجة إني أحيانًا بعتقد إني بطلت أحس أو أتوجع.
نور بحدة وهي تنظر للأمواج المتمرّدة:
مش مبرر يا باسل. أنت يمكن محتاج تتعالج، بس مش مبرر إنك تجرح اللي حواليك. مالهمش ذنب في عقدتك.
أنا ماليش ذنب توجعني ولا تقلل من كرامتي. كان ممكن متدخلش حياتي وقتها، يمكن مكنتش هتتحمل ذنبي كمان.
ثم تابعت بشرود:
أو تتجوز اللي بتحبها. يمكن وقتها تتعافى وتقدر تعمل بيت هادي بعيد عن عقد والدك اللي اتزرعت جواك.
باسل بتنهيدة وهو يقف بجوارها:
مش من السهل تلقى الحب. يمكن دي المشكلة، إني ملقتوش. على فكرة خالتي وجيجي أنا خليتهم يمشوا النهاردة الصبح ووقفتهم عند حدودهم.
والكلام اللي قالته مالوش علاقة بعلاقتنا. أنا لا بحب جيجي ولا غيرها.
جيجي تبقى زي زينة عندي، أختي مش أكتر.
ميهمنيش هي حاسة بيه ناحيتي، ميخصنيش.
تركها بمنتهى البرود كما يبدو وغادر المكان. يدلف لغرفته، أخذ يعمل على حاسوبه.
نور بتنهيدة:
شكلك هتتعبني معاك يا ابن زيدان.
في منزل حياء
جلست بجانب شهد بغيظ وهي تنظر لأختها.
شهد:
مالك يا بومة؟ قلّابة وشك ليه؟
زمّت حياء شفتيها بسخرية وقالت:
الصراحة مش عارفة، أخوكي هيجيلي شلل رعاش.
لكزتها شهد في كتفها بخبث:
بذمتك مش زي العسل على قلبك؟
ابتسمت حياء برفق قائلة:
أخوكي مش أفعاله. أفعاله بتجلطني. بذمتك كان عارف إن زينب تعبانة وماليش؟ وإمبارح أعرف بالصدفة من صالح ابن الجزمة اللي أنا مخلفه.
وأقوله هنروح سوا يقولي: "لأأأ". وكلها يومين وهنرجع. وأخوكي يقولي:
"اتبطّي يا ولية". أنا يتقال لي يا ولية!!!
يا حسرة عليا. وليه؟
ماشي يا ابن نوّارة.
شهد بغيظ:
مالها نوّارة يا أختي؟ ماتتلمي.
شهقت حياء بسخرية:
الله يرحمها بقى. ميجوزش عليها إلا الرحمة. أنا مالي؟ حاسة إني بقيت بصوّارة كده ليه؟
شهد بنبرة ساخرة:
حاسة؟ يعني لسه مش متأكدة؟
الله وكيل، إحنا عايشين مع بهايم.
ضحك الأختان بمرح.
حياء:
حظك من السما. هجيب الكرنب نحشي سوا.
شهد:
كلمتي إيمان وصلت ولا لسه؟
حياء بهدوء:
وصلت الساعة سبعة الصبح وكلمتها، بس خايفة عليها أوي يا شهد. ادعيلها.
شهد بخوف:
مالها يا حياء؟ ما أنا مسلمة عليها امبارح قبل ما تمشي، كانت كويسة.
حياء:
استنى أجيب الحاجة، نقعد نحشي سوا. وموضوع إيمان إن شاء الله تعقل قبل ما تضيع بيتها وجوزها.
حماتك مش عايزة تموت بقى يا بت. الولية دي هتفضل معمرة كتير. دا أنا مش طايقاها من قبل ما أخلف، وهي زي البومة.
شهد بضيق:
شكلها مش ناويّة والله يا حياء.
حياء:
اسكتي، دي بتيجي على السيرة.
في لندن
كانت إيمان تنام بهدوء بجوار يوسف فوق ذلك الفراش.
يضمّها بحماية إلى صدره، بينما لم تعرف هي طعم النوم. تشعر بتأنيب الضمير. تبكي بعنف وهي تكتم شهقاتها. للحظات، استوعبت حجم غبائها. ولأول مرة،
ماذا كانت تريد؟ كيف يمكنها أن تأخذ قرارًا كهذا دون العودة له؟
رفعت رأسها تنظر له. كم هو وسيم، طيب.
مدّت تتأملها، تمررها على وجهه بملامح الرجولة الجميلة.
تشبّثت به بقوة وخوف، وهي تخشى الابتعاد عنه.
إلا أن ذلك تسبب في إيقاظه بسبب حركتها.
يوسف بإرهاق وتعب أثر السفر:
إيمان، في إيه؟ مش عارف أنام.
إيمان بهدوء وهي تبتعد:
آسفة، بس...
جذبها نحوه بسرعة قبل أن تبتعد، قائلاً بحب ورفق:
متبعديش. نامي يا إيمان، بكرة هيكون يوم طويل. خليكِ جانبي.
تشبّثت به قائلة بهدوء:
نفسي أفضل جانبك للأبد.
بعد مرور ساعات طويلة،
كانت إيمان منشغلة بأعمالها المنزلية والتعرف على أرجاء الشقة بعناية.
شاسعة بطراز رجولي بحت. كل شيء منظم، رغم ذلك ليست كشقتهما بالإسكندرية.
تفتقد لذلك الدفء والشعور بالألفة.
سمعت رنين الجرس. نظرت للمرآة بجوار الباب لتعدل من وضع حجابها قبل أن تفتح الباب وهي تنظر لتلك الفتاة.
وقفت عهد تشعر بالصدمة، تشلّ ساقيها وهي تنظر لإيمان بحجابها السماوي وجمالها الشرقي. كل شيء بها ملفت للانتباه.
إيمان بالإنجليزية:
مين حضرتك؟ وعايزة إيه؟
عهد:
مش دا بيت يوسف الصاوي؟
إيمان:
آه دا، وأنا إيمان الشهاوي، مراته. دكتورة إيمان. مين حضرتك؟
عهد بغيرة وهي تتذكر محادثة إيمان لها فيما سبق:
بشمهندسة عهد، زميلة البشمهندس في الشركة. عرفت إنه وصل، قلت لازم أسلم عليه بنفسي.
إيمان بجدية:
تقومي تجيله البيت؟ غريبة. اتفضلي.
دلفت عهد إلى منزل يوسف لتجده يخرج من الصالون يرتدي تي شيرت أسود وبنطال من نفس اللون. وإمارات الغضب والذهول تعتلي وجهه.
يوسف بحدة:
بشمهندسة عهد؟ أفندم، في حاجة؟
عهد بابتسامة:
لأ أبدًا، بس قلت لازم أجي أسلم عليك. وحشتنا يا چو.
عقدت إيمان ساعديها بحدة وهي تنظر له. أغمض عينيه بضيق قائلاً:
متشوفيش وحش يا عهد. بس غريبة، جايلاله لحد البيت يعني.
عهد:
كنت حابة أطمن عليك. وأنا أطمنت، هستناك في الشركة بكرة يا بشمهندس. سلام مؤقت.
إيمان بحدة:
سلام.
غادرت وهي تشتعل من الغيرة، وتركت خلفها نيران تكاد تحرق إيمان.
إيمان بحدة:
جايلك البيت يا دلعدي؟ بتطمن عليك.
يوسف باستسلام:
لو حلفتلك على المصحف إنها أول مرة، هتصدق؟
ابتسمت بثقة قائلة:
مش ضروري يا حبيبي، أنا مصدقاك. بس البت دي شكلها مش مريحاني.
احتضنها قائلاً:
تعالي نجهز الغدا سوا، ونشوف هنعمل إيه في موضوع شغلك. يالا.
إيمان:
يالا يا أخويا.
يوسف بسخرية:
بعد دا كله أخوكي؟ صوتي ياللي منتش غرمانه.
في قصر الدمنهوري
كانت زينب جالسة بجوار بيلا يتسامران، بعد أن تحدثت زينب إلى حياء واطمئنت عليها، لتخبرها أن صالح سيقوم ببعض الأعمال وسيعود في أقرب وقت ممكن.
في تلك الأنحاء،
توقفت سيارة أمام القصر. ترجّلت منها امرأة في منتصف العقد الرابع بتعب وشعور بالدوار.
استقبلتها نعمة بسعادة:
ست صفا، ألف حمد الله على السلامة. المنصورة نورت.
صفا بتعب:
وحشتني يا نعمة، والمنصورة كلها وحشتني، وخصوصًا بيلا. هي فين؟
نعمة بخوف:
في الجنينة الورانية مع زينب.
شعرت صفا بالارتياب قائلة بسرعة:
زينب مين؟ معقول بيلا اتعرفت على ناس جديدة؟ ياريت والله، خليها تخرج من حالة الحزن اللي هي فيها دي.
نعمة بسعادة:
الصراحة، مدام بيلا من يوم ما اتعرفت على زينب وهي مرتاحة وبتتكلم، مش زي الأول. والكوابيس بدأت تقل، وخصوصًا لما بتنام مع زينب.
صفا بسعادة وإرهاق واضح:
يارب يا نعمة، يارب.
نعمة:
مالك يا صفا هانم؟ أنتي كويسة؟
صفا:
آه آه، بس خديني لعند بيلا.
أمسكت بيد نعمة، وتحركت معها بتعب واضح وهي تدخل لبهو القصر.
ابتسمت بيلا وهي ترى صديقتها تتقدم منها. نهضت ونهضت معها زينب.
احتضنت صفا بيلا بحب قائلة:
وحشتني أوي يا بيلا. حقك عليا، بقالي كتير مجيتلكيش، بس والله كنت تعبانة أوي.
بيلا بقلق:
مالك يا صفا؟ شكلك ميطمنش.
صفا:
شوية تعب وهيروحوا لحالهم. مش تعرفيني على القمر.
ابتسمت زينب برقة وهي تنظر لصفا، التي وقفت للحظات تشعر بالصدمة وهي تدقق النظر لها، ثم
نظرت مرة أخرى لبيلا باستغراب وشك.
=أهلاً بكِ. بيلا حكتلي كتير عنكِ وعن صداقتكم.
أردفت زينب بتلك الكلمات برقة، لتشعر صفا بالفضول نحوها:
=بيلا دي...
بيلا بهدوء وهي تهز رأسها بمعنى لا:
=صفا، أعرفك بزينب، تبقى مرات صالح الشهاوي، ابن جلال وحياء.
صفا بابتسامة جميلة ورفق:
=أهلاً، اتشرفت بمعرفتك، وشكلنا هنبقى صحاب.
زينب:
=طبعًا، يشرفني.
صفا بوجع وهي تضع يديها على جانبها:
=آه... يارب.
بيلا بخوف:
=مالك يا صفا؟ شكلك تعبانة أوي.
صفا بدموع:
=مش قادرة يا بيلا. جانبي بيوجعني أوي. آه...
زينب بخوف:
=لازم نجيب دكتور أو نروح مستشفى. أنا هكلم خديجة تخلي كرم يجيب دكتور.
أومأت لها بيلا بإيجاب، وهي تأخذ صفا لداخل القصر لترتاح قليلاً.
بعد مرور وقت،
كانت صفا تتسطح فوق الفراش بجسد مرهق، بينما تجلس بجوارها بيلا وزينب.
زينب:
الدكتور قال إنها مش هتفرق دلوقتي. ممكن أنتي ترتاحي، وأنا هفضل جانبها.
ابتسمت بيلا بحنان قائلة:
لأ يا حبيبتي، أنتي حامل، مينفعش تفضلي قاعدة كدا. يالا روحي ارتاحي في أوضتي، وأنا هفضل معاها.
زينب:
لأ، مش هروح. إيه رأيك تكملي الحكاية واحنا قاعدين هنا؟ وقوليلي إيه اللي حصل بينك انتي وعمر.
في القاهرة
هبّ عمر من مكتبه بفزع وهو يتحدث مع شخص ما على الهاتف قائلاً بصرامة:
صفا... وإنتي وصلتها المنصورة إمتى؟
السائق باحترام وخوف:
النهاردة حوالي الساعة اتنين، وبعدين وقعت من طولها وجابوا الدكتور ليها، لكن بيقول تعبانة أوي.
أغلق عمر الهاتف، ليجري اتصالاً بثائر قائلاً بصرامة لا تقبل النقاش:
جهز العربية يا ثائر، هنطلع على المنصورة.
صمت للحظات قبل أن يجيب بهدوء:
على قصر الدمنهوري.
في مكان آخر
جلست عصمت بجوار والدتها تفيدة هانم، حيث أصبحت امرأة جليسة الفراش دائماً.
عصمت بضيق وغضب:
عمر مصمم علشان يتم الاندماج بين الشركتين إن خليل يشارك إسماعيل الرفاعي.
تفييدة بهدوء:
طب وإيه المشكلة؟ على الأقل أنتي وخليل عارفين إسماعيل كويس، وبتتعاملوا معاه من زمان.
عصمت بغضب:
لأ يا ماما، مش طبيعي.
عمر ممكن يكون عرف عن شغلنا مع إسماعيل في المخدرات وعارف إن ده معناه إنه ناوي يهدأ المعبد على دماغنا، بس ده مش معقول، إزاي عمر هيعرف؟
ابتسمت تفيدة ساخرة.
= متخافيش ووافقي على طلبه واعملوا الدمج بين الشركتين، هتكونوا كسبتوا إسماعيل وعمر، واسم الشركة بعد الدمج هيكبر أوي، وساعتها المكاسب هتبقى كبيرة أوي.
عصمت بطمع.
= ياريت يا ماما، بس أنا قلقانة من عمر.
تفيدة بخبث وجشع.
= متخافيش أوي كده... عمر على قد ما هو ذكي، إلا إنه لو اللعبة اتعملت على مقاسه مش هيعرف الحقيقة.
إنتي نسيتي اللي حصل ولا إيه؟
ده فات عشرين سنة.
لو هو ذكي أوي كده...
كان زمانه عرف إن البنت اللي ماتت مش بنته...
ضحكت ساخرة بهستيرية.
= بس كان لازم هو كمان يموت، بس حظه إنه لسه عايش ومماتش...
عصمت.
= تفتكري لو عرف إن بنته لسه عايشة هيعمل إيه، ولا بيلا هانم اللي دخلت مصحة بسبب موت بنتها المزيفة هتعمل إيه؟
تفيدة بكره.
= المهم البنت الحقيقية تفضل مختفية ولا حد يعرف أصلها...
عصمت.
= لا يمكن تظهر، ده أنا أقتلها بإيدي لو رجعت.
لازم أفضل أحرق قلب بيلا عشان تاخد مني حاجة كانت ليا، وعمر كان حقي أنا، مش هي...
سمعت رنين هاتفها بتنظر للمتصل قائلة.
= ده الواد اللي بيراقب عمر، ياترى عايز إيه دلوقتي...
تفيدة.
= ردي الأول...
تحدثت في الهاتف ليتحول وجهها للأبيض وكأن الدماء سُحبت منه، أغلقت الهاتف برعب قائلة بهمس.
= عمر في المنصورة... وصل قصر الدمنهوري.