تحميل رواية «اطفت شعلة تمردها» PDF
بقلم دعاء احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في يوم عيد الفطر المبارك، حيث البهجة على كل الأمة الإسلامية. في بيت جلال الشهاوي، كانت حياء واقفة في المطبخ بتجهز الفطار على ما جلال وصالح يرجعوا من صلاة العيد. ابتسمت بسعادة. دلوقتي ولادها عندهم خمسة وعشرين سنة. ما حصلش حمل تاني بعد ما خلفت إيمان. هما ما كانوش عايزين أكتر من كده، بنت وولد زي القمر. ابتسمت بهدوء وهي بتفكر في معاملة جلال ليها طول السنين دي، وإزاي خلاها أسعد إنسانة على وش الكون بحاجات بسيطة، كلمة طيبة. فتحت شباك المطبخ وبصت للبحر من بعيد. غمضت عينيها وهي بتستقبل نسمات الهواء الخفي...
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم دعاء احمد
توقفت سيارة عمر أمام قصره، وخلفه سيارة الحرس الخاص به. لقد عاد للتو من سفر مفاجئ إلى سويسرا، حيث كان يسوي بعض الحسابات البنكية.
ترجل من سيارته بشموخ وثقة كعادته، وخلفه رئيس الحرس الخاص به.
عمر بجدية: خالص يا ثائر، تقدر تروح أنت وخلّي الحرس كمان يمشوا.
رد صديقه باعتراض قائلاً: بس يا باشا…
قاطعه عمر بحدة: مفيش حاجة اسمها بس، يالله أمشي والحرس كمان خلّيهم يمشوا. وبكرة الساعة سبعة الصبح عايز اجتماع مع مدير الحسابات، وعايز المراقبة تكون على عصمت وخليل مشددة، مش عايز يغيب عن عيونكم.
سأل ثائر بجدية: حضرتك شاكك في حاجة؟
توقف عمر وهو يضع يديه في جيب بنطاله قائلاً: عصمت… عصمت قبل ما أرجع مصر من نيويورك هي اللي كانت بتدير الشركة هي وخليل. أنا طبعاً اللي بشرف على كل حاجة من هناك. لكن من مدة، بعد رجوعي مصر، اكتشفت إن فيه حاجة مش مظبوطة، وغير معلومات وصلتني وأنا في نيويورك. كنت عارف إنها بتلعب من ورا ضهري، بس قلت عادي، خليها تفتكر نفسها ذكية وبتحرك الخيوط. متعرفش إن كل الخيوط في إيدي. المهم دلوقتي، خلي عينكم عليها، لازم أصفّي حسابي معاها في أقرب وقت.
ثائر: أنت تؤمر يا باشا… بعد إذنك.
دلف إلى داخل القصر في وقت متأخر بجسد منهك، وهو يحمل سترته على ذراعه. صعد الدرج ليصل لغرفته. ثوانٍ ووجد طرقات على الباب.
عمر بحنق: ادخل.
ابتسمت تلك الفتاة وهي تدخل غرفته. اقتربت منه إحدى الخادمات التي تعمل في القصر، وأردفت بدلال:
عمر بيه، أحضر لك العشاء؟
عمر بحدة: لا، وقلت ألف مرة لما أرجع في وقت متأخر مش عايز حد يطلع لي، ولا أنتِ مبتفهميش؟
ردت بتملق ودلال: أنا آسفة، بس أنا قلت أكيد حضرتك جاي من السفر تعبان، وأكيد ما أكلتش.
نظر لها عمر نظرة متفحصة مقترباً منها، فظنت هي أنه أخيراً استجاب لها. فهي تطمع به وبشدة، فهو بالنسبة لها حلم، رغم فرق السن بينهم وصغر سنها بالنسبة له. ولكنّه سيظل حلماً لها، فهو غني وأعزب. يُقال أنه لم يتزوج إلا مرة واحدة. حتى أن الأمر لم يكن معلناً للجميع.
رفع عمر يديه ممسداً على شعرها، فأغمضت عيونها باستسلام. ولكنها سرعان ما فتحتهما عندما وجدته يجذبها من خصلات شعرها، مردفاً بنبرة حادة مخيفة.
عمر بغضبه: هو أنا مش قلت لك مليون مرة يا بت انتي، الأسلوب ده تبطّليه. قولت ولا مقولتش؟
هند وهي تبتلع ما بحلقها برعب من حدة نبرته: قولت يا بيه.
زاد من شدة قبضته على شعرها بغضب قائلاً: ولما أنا قلت الكلام ده، ما بيتسمعش ليه؟
هند وهي ترفع يديها تحاول تحرير خصلات شعرها من قبضته: آخر مرة والله يا عمر بيه.
ابتسم عمر ساخراً ليجيب بحدة: آخر مرة للأسف، ما هو مفيش مرة تانية.
أخرج هاتفه ليجري اتصالاً بمدبرة القصر، والتي تقطن في مبنى صغير مجاور للقصر خاص بالخدم، لتصعد بعد دقائق بارتياب.
فريدة بغضب وهي تنظر لتلك الفتاة: أفندم يا عمر بيه.
عمر بحدة: البت دي تاخد حسابها ومش أشوفها في القصر تاني. وأظن يا فريدة، أنا قلت مادام جيت في وقت متأخر محدش يطلع الأوضة إلا لو طلبت، وتكوني أنتِ. حصل ولا محصلش؟
فريدة بجدية ولبااقة: حصل يا فندم، بس أنا كنت نايمة و…
عمر بمقاطعة: اللي قلته يتنفذ، وخذيها تاخد حسابها ومش أشوفها في القصر لحظة تاني. وبكرة الصبح الساعة ستة يكون الفطار جاهز. اتفضلي.
أومأت له السيدة بجدية وهي تأخذ الفتاة بغضب، بينما أغلق عمر الباب خلفها بقوة وهو يتجه نحو الحمام.
بعد دقائق.
كان يجلس فوق الفراش بجسد مرهق، وهو يمسك بين يديه مبلغ مالي يبدو قديماً، وهو يتذكر عندما أعطته ألف جنيه ثمن لسكوته، وأعطاه الخاتم لها مجدداً، وكيف تطورت علاقتهما مع مرور الوقت لتصبح هي عشقه حد النخاع.
***
في قصر الدمنهور.
كانت تقف أمام بوابة القصر بحماس، وهي تنتظر جدتها التي ستأتي اليوم إلى المنصورة.
مريم: يا بنتي، واقفة كدا ليه؟ محمود قال لسه فاضل ساعتين على ما السواق يجي.
بيلا بسعادة وابتسامة حنونة: أصل كنت عايزة "تيته" في موضوع مهم أوي، ميتاخرش.
ابتسمت مريم بحماس وتملق: موضوع إيه دا يا بيلا؟ أنا ملاحظة إنك اتغيرتي من وقت ما حضرتي فرح بنت الرشيدي. احكيلي فيه إيه؟
بيلا بخبث: تدفعي كام وأحكيلك.
مريم بلا مبالاة: الصراحة مش عايزة أغامر بتحويشة عمري عشان أخبارك، لأن كلها بتكون تافهة. يعني مثلاً، مرة أعرف إنك مصاحبة عيلة في رابعة ابتدائي. ومرة تانية أعرف إنك روحتي الأرض بتاع عم أمين عشان تتفرجي على الغنم. الصراحة يا بيلا، أنتِ زي ما محمود بيقول، هتفضلي طول عمرك طفلة.
ابتسمت بيلا قائلة بمكر: بالظبط كدا. ياللا بقى روحي شوفي بتعملي إيه وحلّي عن دماغي.
مريم: انتي حرة، أنا كنت عايزة مصلحتك. سلام يا بيبو.
بعد ساعة تقريباً.
كانت الشمس قد غربت، والظلام يكتسي السماء رويداً. خرجت نعمة من القصر وهي تنظر لبيلا بغضب.
نعمة: آنسة بيلا، مينفعش تفضلي قاعدة هنا. سالم بيه لو جاه وشافك هيقلب الدنيا. تعالي ندخل جوا.
بيلا بضيق: اتأخروا أوي يا نعمة.
نعمة: لا اتأخروا ولا حاجة، انتي بس اللي شكلك مستعجلة أوي وعايزة تتكلمي مع نبيلة هانم. هي زمانها على وصول، بس مينفعش الواقفة كدا، الدنيا ليلت. ياللا، الله يرضى عليك، تعالي ندخل جوا.
بيلا بهدوء: ياللا.
بعد مرور نصف ساعة.
سمعت بوق سيارة معلناً عن وصول جدتها. قفزت من فوق الأريكة بحماس وهي تركض لخارج القصر.
دَلفت سيدة تبدو في العقد السادس من عمرها، بشوشة الوجه، أنيقة. ترتدي نظارة كبيرة، في حين تسحب شعرها الأبيض في كعكة منظمة، وتضع وشاحاً أسود على رأسها.
بيلا بسعادة وهي تحتضنها بقوة: وحشتيني أوي يا أحلى "تيته" في المجرة كلها. إيه الجمال ده؟ لا أنا كدا هغير.
ابتسمت نبيلة بسعادة وهي تنظر لأصغر أحفادها، وكم هي جميلة، تشبه والدتها.
نبيلة: وأنتي كمان وحشتيني أوي يا بكاشة.
مريم بسخرية وضحك: إزيك يا ستي؟ وحشتيني.
نبيلة: بخير يا حبيبتي، كلكم وحشتوني.
بيلا بهمس: "تيته"، كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم لوحدنا، ممكن؟
نبيلة بسعادة هامسة: بخصوص الشاب اللي قولتي عليه؟
أومأت له بيلا بإيجاب، فربّتت نبيلة على كتفها باهتمام: استنى لما نطلع أوضتك علشان نبقى على راحتنا.
بعد فترة.
أخذت نبيلة تمسد على شعر بيلا بحنان، بينما تنام بيلا فوق الفراش وتضع رأسها على فخذ جدتها.
نبيلة بحدة: ها يا بيلا. قوللي، قابلتيه كام مرة من ورا أبوكي؟ هي دي الأصول اللي ربيتك عليها؟
اعتدلت في جلستها بحزن، تضع عينيها في الأرض.
ابتسمت نبيلة بحنان وهي تمد أناملها لترفع وجه بيلا لها، لتجد عينيها تلمع بالدموع.
نبيلة: ممكن أعرف بتعيطي ليه؟ مش إحنا متعودين إننا صحاب؟
بيلا بندم: والله يا "تيته" أنا مقبلتوش إلا كام مرة، وصدقيني مش بكون مرتبة لأي حاجة، هي بتيجي صدفة. بس عشان إحنا صحاب، مقدرش أكدب عليك. هو شخصيته جذابة، أنا بكون مبسوطة لما أشوفه. مش عارفة، وده مخوفني. انتي عارفة إني بحب بابا أد إيه، وأنا من بعد وفاة ماما الله يرحمها، وهو بيعمل كل حاجة عشان يفرحني، وأنا مش عايزة أزعله. بس برضو، عارفة إنه لو عرف إني قابلت عمر ولو مرة واحدة، هيقلب الدنيا.
نبيلة بجدية: عمر ولا باباكِ؟
بيلا بصدق: المقارنة دي متنفعش يا ستي. بابا هو كل حاجة حلوة، ولو خيروني هختاره هو طبعاً. بس عمر إنسان نبيل ومحترم، وإحساسي ناحيته مختلف عن أي حد.
نبيلة بحدة وعقلانية: اللي أعرفه واتربيت عليه، إن اللي بيحب حد وبيحترمه بييجي البيت من بابه. يبقى فين الحب ده لو مجاش طلب إيدك؟
بيلا: يعني أعمل إيه؟
نبيلة: تبعدي عنه تماماً. مفيش مقابلات من ورانا. انتي بتكلميه على الموبايل؟
بيلا بحزن: آه… بس والله هما تلات مرات.
نبيلة: يبقى تحذفي رقمه من عندك وتبطّلي تكلميه. بيلا حبيبتي، أنا عايزة مصلحتك، وأنتي عارفة ده كويس، لأنك مش بس حفيدتي. لأن أنا عارفة إن قلبك أبيض، ومش عايزة الدنيا تلوّثه بأي حاجة وحشة، وأخاف عليكِ من أي حد يفكر يستغل طيبة قلبك. يمكن لو مريم مكنتش أخاف عليها كدا، لأنها بتسحبها بعقلها مش بقلبها. لكن انتِ بتشوفي الناس بقلبك، وده هيجرحك لو وقعتي مع الشخص الغلط.
احتضنها بيلا بارتياح، لتجذب نبيلة الغطاء عليهما وهي تطفي النور قائلة بنعاس: خلينا ننام دلوقتي، هحكيلك حدوتة ونصحى سوا نصلي الفجر.
بسم الله الرحمن الرحيم. كان يا مكان يا سعد يا كرام، وما يحلى الكلام إلا بذكر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام.
بيلا بنوم وهي تجذب الغطاء أكثر عليها: عليه أفضل الصلاة والسلام.
يُحكى أنه في سالف العصر والأوان.
بعد مرور يومان.
جلس عمر في مكتبه بضيق، ممسكاً بهاتفه بين يديه، يشعر وكأنه على وشك الانفجار من شدة الغضب غير المبرر.
عمر بحدة: مش بتردي ليه يا بيلا؟ بتقلقيني عليكِ خالص. حاسس إني هتجنن. من امتى وأنا بتفرق معايا أي واحدة؟ كل مرة أقول انجذابي ليها هيقل، بالعكس دايماً بتشد أكتر.
دلف إلى المكتب ثائر بعد أن سمح له بالدخول.
ثائر: اتفضل يا باشا. الملف اللي حضرتك طلبته. تؤمر بحاجة تاني؟
عمر: لا يا ثائر، تقدر تمشي أنت والحرس. أنا لسه قدامي شوية.
أومأ له بجدية وهو يخرج من مكتبه. في حَين أجرى عمر اتصالاً مرة أخرى برقمها.
لكن تلك المرة ردت عليه نبيلة هانم بجدية.
نبيلة: الو، مين معايا؟
رد عمر بثقة ولبااقة: عمر الرشيدي.
نبيلة: واضح من ردك إنك مش خايف.
ابتسم عمر وهو ينهض عن كرسيه ويضع يديه في جيب بنطاله: الخوف بيكون نتيجة حاجة من الاتنين، يا عدم الثقة بالنفس، أو إنه بيعمل حاجة غلط.
نبيلة بابتسامة جانبية: وحضرتك مش شايف إنك بتعمل حاجة غلط وأنت بتحاول تضحك على حفيدتي، ومعتقد إنها هتعمل حاجة من ورانا؟
عمر بإعجاب: لو ده اللي في دماغي، أكيد مكنتش هبقى بكلم حضرتك. أظن نبيلة هانم المنيري، جدة بيلا؟
جلست نبيلة على كرسيها وهي تنظر لبيلا النائمة بعمق.
نبيلة: تفتكر لو سالم الدمنهوري عرف إنك بتلعب على بنته، هيعديها بالساهل كدا يا ابن الرشيدي؟
عمر: مين قال إني بلعب عليها. أنا منكرش إن ده كان شعوري ورغبتي في الأول، لكن مع الوقت الموضوع اتغير. أظن الكلام في الموبايل مش هينفع ولازم نتقابل.
نبيلة بابتسامة: وأنا كمان أظن كدا. بكرة في العزبة، هكون موجودة الساعة واحدة الضهر، وأتمنى منك إنك متخيبش ظني ولا نظرتي فيك يا بشمهندس عمر.
ابتسم بلبااقة قائلاً: إن شاء الله يا نبيلة هانم.
صمت للحظات ثم تابع بجدية: هو ممكن أكلم بيلا؟
نبيلة بارتياح: للأسف بيلا نايمة دلوقتي. إن شاء الله على معادنا بكرة.
عمر بجدية ممزوجة بسعادة: طبعاً يا هانم.
أغلقت الهاتف وهي تنظر لبيلا بسعادة.
نبيلة: شكل حظك حلو يا بيلا، وموقعك مع شخص محترم. ربنا يسعدك يا حبيبتي ويديكي على قد قلبك الأبيض يا رب يا بنت تحية.
ابتسمت وهي تخرج من غرفتها، تاركة إياها تنعم بنوم هادئ كأحلام طفولتها.
في اليوم التالي.
بيلا: هنعمل إيه في العزبة يا "تيته"؟ انتي عارفة إني مش بحب أروح هناك من وقت وفاة ماما.
نبيلة بابتسامة: أنا بقى عايزة أروح هناك، ومريم مش راضية، وأخوكي خرج من سالم، ومفيش غيرك. ياللا البسي وهنروح سوا وهنقضي اليوم كله هناك.
بيلا بضيق: ماشي.
بعد مرور نصف ساعة.
جلست بيلا تقوم برسم أحد الرسومات في دفترها الخاص، في حين كانت نبيلة تجلس في بهو المنزل الريفي ترتشف قهوتها في انتظار عمر.
توقفت سيارته أمام البوابة الحديدية للعزبة، بينما توجه نحو السيارة الخفير وهو ينظر بريبة لعمر.
الحارس: أفندم يا عمر بيه. سالم باشا مش في العزبة.
عمر بجدية: نبيلة هانم موجودة. عندي معاد معها. قول لها عمر الرشيدي.
الحارس: ثواني.
بعد مرور دقائق.
دخل العزبة بسيارته، آخذ نفساً عميقاً، هامساً لنفسه: عمر… بيلا مش زي أي واحدة. بلاش تلعب بيها. لو كنت بتلعب، مكنتش هتبقى هنا دلوقتي.
ترجل من سيارته بشموخ وهو يهندم حُلته السوداء.
سيدة بأناقة: اتفضل يا عمر بيه، نبيلة هانم منتظراك في الجنينة.
بعد لحظات.
وبعد الترحيب الخاص، جلس عمر في بهو القصر بلبااقة بجوار نبيلة.
نبيلة: ها يا أستاذ عمر، طلبت تقابلني. اتفضل، كنت حابة أسمعك، وأفهم سر الاهتمام المبالغ فيه ناحية بيلا.
عمر: شوفي يا نبيلة هانم، حضرتك أكيد عارفة المشاكل اللي بين عيلة الرشيدي وعيلة الدمنهوري.
نبيلة بتوتر وارتباك: طبعاً عارفة. تحية الله يرحمها قالت لي عن السبب ورفض جدك الرشيدي إنه يجوز سالم لعمتك كوثر هانم الله يرحمها. وبعدها سالم طلب إيدي بنتي تحية. لكن من وقت رفض جدك وحصل مشاكل بين العيلتين وبقوا منافسين لبعض في الشغل والبزنس. بس يا أستاذ عمر، بيلا مينفعش تدخل في الليلة اللي بينكم دي. بيلا أطيب وأرق بكتير من اللي ممكن تفكري فيه. تحية الله يرحمها استحملت كتير مع سالم بس عشان بيلا. محمود ومريم عندهم نضج كفاية إنهم يديروا حياتهم، لكن بيلا لو خرجت للعالم ده هتتأذى. فبلاش تدخليها في الليلة دي لو سمحت. أنا بكلمك كدا دلوقتي عشان إحساسي بيقولي إنك شخص كويس ومحترم.
عمر: أنا مقدر خوفك عليها وفاهم كل اللي بتقوليه، لكن أنا دلوقتي طالب إيد بيلا منك، لأن عارف إنها مش زي أي واحدة تانية، ويمكن عشان حبيتها، الله أعلم. لكن أنا حقيقي أتمنى العداوة دي تنتهي. وأتمنى حضرتك تكوني في صفي لأجل مصلحة بيلا.
نبيلة: إن شاء الله يا أستاذ عمر، وأنا هفتح الموضوع مع والدها، وإن شاء الله خير.
ابتسمت بسعادة قائلة: إن شاء الله. اتشرفت بمعرفتك يا نبيلة هانم.
نبيلة: الشرف ليا.
قدم التحية وخرج، بينما شعرت نبيلة بالارتياب والقلق.
نبيلة: استر يا رب. ربنا يهديك يا سالم وينصفك منهم يا بيلا.
كان في طريقه للبوابة، لكن ابتسم وهو ينظر لها، بينما تجلس ممدة الساقين، تضع دفتر كبير على قدميها تحت شجر العنب الذي يظللها من أشعة الشمس.
غير طريقه وهو يبتسم بتسلية: واضح إنك مشغولة أوي.
شهقت بيلا برعب وهي تنهض بسرعة، بينما ألقت الألوان والدفتر على الأرض، لتقول بفزع: يخربيتك، يلهوي! أنت دخلت هنا إزاي؟ اطلع برا بسرعة، الحرس لو شافوك هتبقى مصيبة. عمر، بالله عليك أمشي من هنا.
ابتسم برفق مقترباً منها بخطوات ثابتة واثقة: خايفة عليا؟
بيلا بتلقائية: لا، خايفة عليا أنا. أنت دخلت إزاي؟
عمر باستفزاز: من الباب.
ضربت كفيها ببعضهما بضيق: اللهم طولك يا روح! أنت عايز تجلطني يا جدع أنت! أنا غلطانة إني واقفة معاك أصلاً.
ثم تابعت بصوت عالٍ: يا عم محمد.
عمر: انتي غبية أوي. سلام يا بيبو.
بيلا بغضب: اسمي بيلا، وتبطل تعصبني بـ "بيبو" بتاعتك دي.
لم يعرها انتباهاً، في حين غادر القصر.
بعد مدة.
سالم بحدة وغضب: لا يا نبيلة هانم، مش موافق، وده آخر كلام عندي. ابن الرشيدي من سابع المستحيلات إنه يتجوز بنتي. وأنا ليا حساب معها، قليلة الأدب دي، إزاي تقابله من ورانا.
نبيلة في محاولة لامتصاص غضبه: سالم، بلاش تكسر البنت. ابن الرشيدي جاي وبيمد إيديه بالصلح. اخلصوا من العداوة دي وبلاش تكسر بنتك. بيلا معجبة بيه.
سالم بغلظة: لو آخر واحد في الدنيا، مش هجوزه. بيلا دي بنتي أنا، وأنا عارف مصلحتها. وبيلا هتخلص الامتحانات وتسافر باريس زي ما كانت عايزة، وهناك تشتغل في الخزف، وخلص الكلام.
نبيلة: أنت بتعند وخلاص يا سالم. عايز ترد لعيلة الرشيدي اللي عمله جده زمان لما رفض جوازك من بنته؟ بس خالي في علمك إنك هتاذي بنتك بعندك ده، وربنا مش هيسامحك. وعلى فكرة، بيلا هتخلص امتحانات وتيجي معايا إسكندرية.
***
عودة للحاضر.
تقلب عمر في الفراش بحنق، كلما يحاول أن يغفو، تأتيه ذاكرها وسعادته معها، والتي لم يشعر بها مع أي امرأة أخرى.
***
في منزل صالح وزينب.
كانت زينب تنام بارتياح بين أحضان بيلا، والتي أتت للمبيت معها بعد سفر صالح للإسكندرية لتوديع إيمان قبل سفرها.
ابتسمت بيلا بحنان وهي تمرر يديها في خصلات شعر زينب بحنان.
زينب بحماس: بس، انتي عملتي إيه لما باباكي رفض جوازك منه؟
بيلا بسعادة وهي تشاركها الأحاديث: لا، ده الموضوع يطول شرحه. بس خلينا ننام دلوقتي، وهكملك الحكاية بعدين.
زينب: تعرفي إني برتاح وأنا بتكلم معاكِ، انتي وماما حياء. بحسكم زي بعض، بس بحس إنك غيرها شوية، ومعظم الوقت عيونك فيها حزن.
بيلا: مش لازم تكون كل القصص نهايتها واحدة. زينب، انتي بجد بتكوني فرحانة وأنا معاكي.
ابتسمت بسعادة وهي تهز رأسها بالإيجاب.
زينب: أوي، الصراحة بحب أتكلم معاكي وبكون مرتاحة وحاسة إننا قريبين من بعض. المهم انتي متزهقيش مني.
بيلا: وأنا عمري ما هزهق أبداً. بالعكس، أنا أتمنى أفضل أتكلم معاكي.
***
في تلك الأثناء، صدح رنين هاتف زينب.
بيلا بارتياب: مين هيكلمك دلوقتي؟
زينب: مش عارفة. استنى هشوف.
التقطت هاتفها لتزين وجهها بسمة بسيطة.
زينب: دي نور، والله وحشتني. بس بتتكلم ليه دلوقتي؟
نور بغيظ وضيق: زينب، أنا مش طايقة نفسي. والله العظيم لو شفته دلوقتي، احتمال أرتكب جناية. هو وخالته العقربة دي.
زينب شفتيها بغيظ قائلة: لحقتي تعملي مشاكل يا أم لسان مسحوب منك.
نور بغضب: زينب، أنا بجد مش طايقة، والله العظيم هو وأم الخلول اللي ماشية معاه في كل حتة دي.
ارتفع حاجب بيلا بارتياب: أم الخلول؟
نور باندماج وضحك: آه، ما أنا سميتها أم الخلول. بت عبيطة أوي الصراحة، أقسم بالله. مين معايا؟
بيلا: بيلا… آه، صاحبة زينب. احكيلي إيه اللي مضايقك.
نور بغيظ: بقف بجم حيوان غبي متخلف بارد! آآه، هتشل منه. بصي، الحكاية بدأت لما زينب كانت في المستشفى.
أخذت تسرد عليها منذ البداية، حتى تلك الحفلة.
بيلا بخبث مرح: آه، يعني البيه شايف نفسه. لا، يبقى لازم يتربى ويتعلم إن الله حق.
زينب: وإزاي يتربى؟
نور: اعمل إيه؟ أنا حاسة إني لو شفته هضر"به.
بيلا بمرح: لا، اسمعي ده، لازم نشتغل معاه بعدة طرق. أول طريقة على رأي زينات "صدقي شوق ولا تدوقي".
نور بحماس وخبث: حلو دا أوي.
بيلا بسعادة: بس متنسيش زينات قالت "الشيء اللي يزيد عن حده ينقلب ضدها". أول حاجة، أول ما يجي لازم يلاقيكِ هادية وجميلة وباردة، ولا كأن اللي حصل ده في دماغك أصلاً. وبلاش تعملي فيلم هندي وتخليه يعرف اللي خالته العقربة دي قالته، بس بأسلوب وأنتِ بتتدلعي شوية. دوبيه، كل ما يقرب اتدلعي، بس ابعدي، وساعتها هيندم على اللي عمله. سوقي الهبل على الشيطنة، بس بحدود. لأن النوع ده مش بيجي بالعند.
نور بحماس: طبعاً جداً، إحنا لازم نبقى صحاب. والله زينب محظوظة.
زينب بسعادة وحماس: بس خالي بالك يا فالحة، الأستاذ اللي انتي واقعة معاه مش سهل، وممكن وقت ما تيجي تدلعي عليه يوقعك هو في شباكه.
نور: متقلقيش على أخوكي يا فوزي، كله في الحفظ والصون.
***
في الإسكندرية.
صدح صوت طرقات فوق باب شقة علي في وقت متأخر من الليل.
مدت حبيبة يديها للفراش مفتقدة دفء احتضانه لها، شاعرة ببرودة تسري بجسدها. فتحت عينيها بتثاقل تتفقد الغرفة ملياً، لكن لم تجده.
استمعت لصوت من خارج الغرفة.
حبيبة بارتياب: علي…
لم تجد منه أي ردة فعل، ليتصاعد الخوف بقلبها. ارتد مئزر طويل على قميصها وهي تخرج من الغرفة، لكن سمعت صوته يتحدث مع شخص ما في الشرفة. كادت أن تخرج، لكن تراجعت وهي تنظر لنفسها.
دخلت مرة أخرى لغرفتها، بدلت ثيابها وخرجت لتجده يتحدث مع صالح في شرفة المنزل.
حبيبة بابتسامة: أهلاً يا بشمهندس صالح.
استقام صالح مبتسماً بجدية قائلاً: بخير الحمد لله. أخبارك إيه يا حبيبة؟ ألف مبروك على الفرح، عارف إنها متأخرة، بس والله ظروف حصلت معرفتش أحضر.
وقفت حبيبة بجوار علي مبتسمة برفق: الجماعة قاموا بالواجب، حقيقي كنت خايفة أكون لوحدي في اليوم ده، بس والدتك وعمي جلال وإيمان كانوا معايا. أخبار زينب إيه؟
صالح بتنهيدة: بخير الحمد لله.
علي بجدية: حبيبة، اعملي لنا كوبايتين شاي.
أومأت له بالإيجاب وهي تخرج من الغرفة، بينما جلس صالح على كرسيه واقترب من علي قائلاً: قولي، وصلت لإيه في الموضوع اللي وصيتك عليه؟
علي بجدية: البت دي من الشرقية، اللي عرفته إنها كانت شغالة في البيوت، وبعدها اتلككت على واحد اسمه خالد، وده مشاعد الزفت رشاد. وطبعاً هو اللي جابها تشتغل في البيت عند الحاج جلال، بغة. بعد ما والدتك كانت تعبت. مش متجوزة ولا مخلفة زي ما فهمت زينب، بس عندها خالها، بيقولوا إنه راجل شديد في تعامله.
صالح: طب ورشاد عرفت عمل إيه؟
علي: واضح إنه عرف يغطي الديون اللي عليه بعد وقوع أسهم شركات، بس أكيد ميعرفش إنك أنت اللي اشتريت الأسهم. الأكيد إنه دلوقتي بيفرفر بعد الساير اللي وقع فيها بعد لما الأسهم انضربت في البورصة، بس عامل زي الفرخة الدايخة، وطبعاً مشغول جداً في تغطية الخساير.
ابتسم صالح بشيطانية وهو يضع ساقه على الأخرى: طب اسمع بقى اللي هيحصل. في حد هيعلن إن أنا اللي اشتريت أسهم شركته. وقتها هيعرف إن أنا السبب في الفضايح اللي اتعرض لها بتاع انتهاء صلاحية المواد اللي بيبيعوها في المصانع، واللي حصل بعدها إن أسهم شركاته وقعت بعد المصيبة دي.
علي بارتياب وخوف: أنت بتتكلم جد؟ ده كدا هيحطك في دماغه يا صالح.
صالح بابتسامة ساخرة: وده اللي أنا عايزه. النهارده الصبح الساعة ستة، توصل لحد شقتي، وأدي المفتاح. عايزك تركب كاميرات مراقبة. أنا متفق مع المهندس، هيكلمك بدري تاخده وتركبوها. أنا مش ضامن اللي ممكن البت اللي اسمها عفت دي تعمله.
علي: أنا مش فاهم حاجة. أنت عايز تركب كاميرات مراقبة في شقتك، وهتسيب عفت موجودة عادي بعد اللي عرفته؟
صالح: طب اسمع بقى كلامي كويس أوي.
بعد دقائق.
علي بضحك: لا، ملعوبة يا ابن الشهاوي. الصراحة، أنا اتكيفت. أي الدماغ دي! بس في حاجة، زينب لازم تحذرها، وإلا ممكن البت دي تلعب عليها، ومش عارفين ممكن توصل لفين.
صالح بجدية: علشان كدا لازم تركب الكاميرات. صحيح، الستات بتوع مياه النار…
علي بجدية: ياه، دول زمانهم عفنوا في المخزن. هناك من بعد أسبوعين من الحادثة دي.
صالح بلا مبالاة: يبقى خليهم عندك كمان شوية. أنا عايز ألم الحبايب كلهم مرة واحدة، ونكون خلصنا منهم.
علي: وده اللي هيحصل إن شاء الله.
صالح بحب أخوي: عارف إني بتقل عليك وأنت لسه عريس جديد، بس حظك بقى.
علي بابتسامة: هو صحيح حاجة غتاتة أوي، بس نستحمل. هو أنا عندي كم أخ يعني؟
ربت صالح على كتفه باهتمام قائلاً: تسلم يا علي. أنا لازم أمشي دلوقتي.
حبيبة: الشاي.
صالح: معلش، لازم أمشي لأني هرجع للجح، وبعدها هطلع على المنصورة يومين كدا، وهرجع أنا وزينب. المهم متنساش اللي قلت لك عليه.
علي: اطمن.
***
بعد مرور وقت (في روسيا).
ابتسمت نور بخبث وهي تنظر للمرآة بحماس وثقة بنفسها. ترتدي عباءة طويلة ضيقة ذات اللون النبيتي الداكن بفتحة صغيرة من الجانب تعطيها حرية الحركة. فردت شعرها البني لتضع بعض لمسات المكياج. لكن استمعت لصوت بوق سيارته معلناً عن وصوله.
نور بخبث: خلينا الأول نخلص من الحيزبونة.
ابتسمت ببرود وهي ترتدي حذاء أسود بكعب عالٍ لتبدو في غاية الجمال.
نور بغضب: ماشي يا باسل الكلب، اصبر عليا.
كانت تجلس أمام التلفاز تضع أمامها أطباقاً مختلفة من الوصفات المصرية.
دلف باسل برفقة جيجي، والتي نظرت باشمئزاز لنور. تأملها باسل بدهشة وإعجاب شديد بجمالها الخلاب. تنهد بندم وشوق وهو يتأمل جمالها ورقتها الفاتنة، يتمنى أن يخفيها عن عيون الجميع.
استفاق باسل على صوت جيجي الغاضب، التي وقفت بجانبه دون أن يشعر بها. وهي تقول بصوت غاضب مليء بالغيرة: إيه الجو البلدي ده؟ قاعدة بلبس زي ده، وإيه اللي بتاكليه ده؟ ألفاظن ميصحش المسخرة دي قدام الخدامين الموجودين هنا، ولا نسيتي إنك مرات باسل العلالي، وأصلك هيفضل بيئة.
شهقت نور بغضب وهي تغلق التلفاز عن الأغاني الشعبية التي تستمع لها. لتقول بغضب: انتي بتقولي إيه؟
إلا أنها صمتت عندما تحدث باسل بغضب وحدة وبطريقة قاطعة: جيجي، إنك اتجننتي. ليتابع بغضب أكبر: ده بيت نور، تعمل فيه كل اللي هي عايزاه، تلبس قصير ضيق ميخصكيش، ومتنسيش نفسك، ولا تنسي إنك هنا ضيفة، وإن هي صاحبة البيت، وإنها تبقى مراتي. فاهمة يعني إيه؟ واتفضلي اعتذري عن الكلام الفارغ اللي انتي قلتيه.
جيجي باعتراض وضيق: أنا مقصدش يا باسل… بس…
باسل بغضب: لو مش عاوزنا نخسر بعض، اعتذري وحالاً.
جيجي بغضب وتوتر: أنا آسفة يا نور… مش قصدي أهينك، أنا بس خفت على شكلك قدام الخدامين.
همست نور ساخرة: لا فيكي الخير يا اخت جيجي، دا انتي الغيرة بتقطع فيكي ومش عارفة تخبيها. اصبروا عليا بس.
اقترب باسل من نور التي مازالت غاضبة، ليقوم بلف يديه حول خصرها وهو يقبل جبينها بحنان: ممكن نتعشى سوا؟
نور بغضب لنفسها: يا بجاحتك يا أخي، ولا كأنك عامل حاجة.
ابتسمت ببرود وهي تضع يديها حول عنقه تمررها ببطء، مذيبة له ولمشاعره، بينما وقفت جيجي تتابع بغضب حارق.
نور برقة زائفة: طبعاً يا حبيبي.
ضربت جيجي قدمها بالأرض بغضب وهي تخرج وتتركهما. وما إن غادرت حتى ابتعدت نور بغضب ولَكزته بقوة في صدره: حيوان بصحيح.
ابتسم باسل ببرود قائلاً: في إيه يا بيبي؟ ما كنا حلوين.
نور بجدية: باسل، أنت بجد مصدق نفسك؟ آه صحيح، في حاجة لازم تعرفها. مدام ألفت، والدة الست هانم بتاعتك دي، هانتني في الحفلة، والكلام اللي قلته مفيش بني آدم يستحمله. لو بتفكر إنك تتسلى بيا زي ما هي قالت، تبقى غبي. وأوعى تفتكر إني ممكن اسمحلك تهين كرامتي.
كادت أن تتركه وتغادر، إلا أنه جذبها بقوة من ذراعها متمسكاً بها. احتضنها بقوة، في حين حاولت التملص منه بغضب وقوة.
نور: ابعد عني يا باسل، أحسن لك. بلاش تخلي الشياطين تلعب في دماغي، لأنها هتطلع عليك.
حاوط خصرها بكلتا يديه بقوة وهو يدفن وجهه في عنقها قائلاً: آسف يا نور.
هدأت قليلاً وهي تبتلع ما بحلقها بغضب قائلة: على إيه ولا إيه؟ على كرامتي اللي اتهانت، ولا سمعتي اللي أنت بغبائك طعنت فيه؟
باسل بجدية: على كل ده. أولاً، أنا الكلام الغبي ده قلته في لحظة غضب. وعارف إنك محترمة، ولو مش كدا مكنتش هتتبهدلي يوم القسم، ولا تضربي الجدع ده. وصدقيني أنا حبسته، رغم إنه كان مفروض انتي اللي تعوضيه عن البهدلة اللي بهدلتيهاله، بس كنت متأكد إن ليكِ حق.
نور بسخرية: أسفك مش مقبول يا باسل بيه. بعد إذنك.
تركته بالقوة وغادرت المكان بغضب، رغم شعورها ببعض الارتياح.
في اليوم التالي.
حوالي الثانية عشر ظهراً.
خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها، ترتدي ثوباً أسود أنيقاً، رفعت شعرها برباط شعر. خرجت تبحث عنه، لأول مرة تنام كل هذه المدة. رفعت حاجبيها تتفقد المكان من حولها، فلم تجده. ولكنها استنشقت رائحة طعام يُطهى وصوت أوانٍ صادرة من ركنٍ قريب منها. زمّت شفتيها وهي تتقدم عدة خطوات باتجاه الصوت.
لم تتخيل يوماً أن ترى هذا المشهد بعينيها المندهشة. كان يقف أمام الموقد يطهو شيئاً ذا رائحة مميزة، يقلب بيد، وباليد الأخرى يمسك طبقاً من شرائح الدجاج، ثم يسكب بتدرج واحدة تلو الأخرى بتركيز واستمتاع غريب، وكأنه لا يطهو بل يستمع للموسيقى الهادئة المعدلة للمزاج.
انتبه لوجودها وبدون أن يرفع حتى عينيه عليها، قال بقنوط: لو مش هتتعبي سيادتك… خدي قطعي دي.
لم تتصور أن يقذف نحوها مباشرةً ثمرة البطاطس. ولحسن الحظ، أمسكتها قبل أن تصطدم بوجهها. امتعض وجهها وهتفت من بين أسنانها المطبقة: إيه ده؟
رفع كتفيه وأنزلهم ببراءة زائفة، ثم قال باستفزاز: فيه ست في الدنيا متعرفش البطاطس؟ ولله عيب أوي في حقك.
زفرت بغيظ وهي تلوح له بثمرة بحنق: متغيظنيش ياباسل. في حد بيطلب المساعدة بشكل ده؟ أم صحيح، واحد بارد.
زمّ شفتيه بضجر حقيقي وهو يعود لإكمال الطهي، معلقاً بفظاظة: دي مش مساعدة، دا أمر.
وضعت يديها في خصرها، ورفعت حاجبيها، منزعجة أكثر منه، ثم هتفت باستهجان: يسلااام! وبتأمرني ليه بقى إن شاء الله؟
لم ينظر لها، بل قلب شرائح الدجاج بالملعقة التي بين يده وهو يقول ببساطة: بما إنك هتاكلي معايا، مش ناويه تاكلي برضه؟
نظرت إلى الطعام ومن ثم له، وقالت بضيق: بصراحة، خايفة آكل وبعدها أروح أعمل غسيل معدة في المستشفى.
ابتسم بمرح زائف وهو يجيب بقنوط: متقلقيش، مش هتروحي لوحدك، ما أنا هاكل من نفس الأكل.
سألته باستفهام: يعني إيه؟
رد بسماجة: يعني هنونّس بعض في المستشفى.
مطّت شفتيها وهي تتقدم للداخل، لتقف بجواره وتراقب ما يفعله، ثم سألته بنبرة عادية: بتعمل إيه؟
رد بدون أن يرفع عينيه: أجاب: وصفة فراخ، بس زي ما تقولي كدا مزيج بين المصري والإسباني.
ابتسمت بسخرية وهي تقول: واو… شيف باسل.
لم يعقب على جملتها، بل قال بخشونة: فين البطاطس اللي قطعتيها؟
فغرت شفتيها وهي تقول بتوتر حقيقي: إيه… لسه؟
رفع عسليته عليها أخيراً، وافترس وجهها وبنيتها وهو يقول بصلابة: وهتفضلي واقفة مكانك كتير وهي لسه في إيدك كدا؟
عضت على شفتيها أمامه وهي تنظر للثمرة الحزينة بين يداها، ثم لم تلبث إلا وتقدمت من الصنبور وغسلتها، ثم بدأت في تقشيرها وتقطيعها بصمت.
بعد مدة.
تناولت آخر قطعة من شريحة الفراخ، وهي تلوي شفتيها بإعجاب. نظر لها بطرف عينيه وهو يقول بمداعبة طفيفة: يارب الأكل يكون عجبك. ولو في أي ملاحظات، كلي آذان صاغية.
ردت بحرج من تتبع عينيه للقادم منها: بصراحة، الأكل حلو. تسلم إيدك.
اكتفى بهمهمة بسيطة وهو ينهض من مكانه، وفي يداه الطبق الذي أكل به. فعلت هي أيضاً المثل، وأخذت طبقها واتجهت به لحوض الماء الصغير.
حبيبة: بتعمل إيه يا باسل؟
مسكت منه الطبق وهي تقول بحنق: سبهم أنا هغسلهم. صحيح، هو فين الخدامين؟
تركهم لها وهو يقول ببساطة: أنتي مضايقة أوي كدا ليه؟ فيها إيه يعني لو غسلتهم؟
حبيبة: مفهاش حاجة. بس أنا واقفة معاك، ومينفعش. وبعدين، اوعى تفكر إني نسيت الكلام اللي قلته امبارح.
ابتسم بجمود لم تلاحظه، فكانت عينيها مسلطة على الأواني التي تقوم بغسلها.
باسل: حاجات كتير أوي اتغيرت.
لم تنتبه لنبرته الغريبة، بل قررت السؤال: إيه يعني مش فاهمة؟ تقصد إيه؟ صحيح، هي والدتك ليه دايماً بتقولها يا هانم؟ ومشفتش أبوك ولا مرة؟ ولا عشان الظروف اللي اتجوزنا فيها؟ وبعدين، أنت بتعرف تطبخ إزاي؟ مكنتش متوقعها الصراحة.
رد بإختصار ونبرة غريبة: عشت أربع سنين لوحدي، وكنت بحب أتعلم الحاجات دي. كان نفسي يبقى عندي بيت هادئ وأولاد و… يعني حاجة زي كدا.
رفعت عينيها عليه بارتياب من نبرته وحديثه عن العائلة والاستقرار. ثم سألته باستفسار: طب ليه مجبتش شغالة تقوم بطلباتك وأنت لوحدك؟
ضيق عينيه وهو يحدق بها بهدوء، قبل أن يقول بخبث: مش لازم. جيجي كانت بتعمل كل اللي تقدر عليه عشان مضطرش أجيب شغالة. أصلاً، هي بتغير.
وقع الطبق من يداها أرضاً، ولا تعرف متى وكيف انزلق بتلك السرعة. جثت أرضاً لتلملم أجزاءً متناثرة حولهما. هبط لجوارها وحمل القطع الزجاجية وهو يقول بجفاء: مالك ارتبكتي كدا ليه؟ وطبق وقع منك إزاي؟
برمت شفتيها بحنق: معرفش، اهو وقع وخلاص. عادي.
افترس وجهها وهو يرد بغموض: لا، مش عادي.
فغرت شفتيها، ورفعت عينيها عليه، وهي تقول بتوتر وغيرة: يعني إيه؟ آآه…
نظرت إلى إبهامها الذي جُرح من طرف الزجاجة، بدون أن تلاحظ أنها كانت تتكئ عليه أثناء تحدثه. اختفت القسوة من على وجهه وهو يتناول يدها قائلاً ببعض القلق: اتعورتي فين؟ وريني.
سحبت يدها منه بقوة وهي تقول بصوت مبحوح: مفيش حاجة. دا جرح بسيط.
خرجت من المطبخ متوجهة إلى الحمام، مغلقة الباب خلفها، تاركة الدموع تنزل الآن بارتياح. لماذا تبكي؟ لماذا يهوى قلبها لسابع أرض ويتمزق لمجرد حديثه عن حبيبته؟ يبدو وكأنه كان على علاقة عاطفية مع جيجي، كما قالت والدتها. ما دخلكِ، فليحب ويعيش كما يريد.
رفعت عينيها على المرآة، فوجدت احمرار وجهها وعينيها بفعل دموعها، وضغطت على نفسها. ضعيفة ومهزوزة ومضطربة، ولا تعرف العلاج لكل ما يعتريها؟
سمعت طرقة خافتة على الباب وصوته الهادئ يسألها ببعض القلق الذي يحاول إخفاءه: نور… انتي كويسة؟
هزت رأسها أمام المرآة وهي تنظر لوجهها بسخرية: آه كويسة. شوية وهخرج.
فتحت صنبور المياه، وبدت تغسل وجهها، ولم تهتم بزينتها التي فسدت. كل ما أردته غسل أفكارها ومشاعرها الخائنة، لعل الصدأ بهم يجري مع الماء ويمحى.
فتحت الباب وهي ترفع عينيها، فوجئت به ينتظرها عند إطاره، مستنداً بكفه عليه، ينظر لها بهدوء، يتفحص كل جزء بها بنهم وفضول.
نور: انت… كويسة؟
سألها وهو يفصل الخطوات بينهم، ليكن بمواجهة وجهها: انتي كنتي بتعيطي؟
طرح سؤالاً آخر باهتمام بعد تفقد عينيها. أسلت عينيها ورطبت شفتيها بتوتر وهي تجيب باقتضاب: أنا كويسة. مفيش حاجة.
كادت أن تتخطاه، ولكنه أمسك ذراعها وهو يقول بخشونة: راح فين؟ استنى.
استدارت له، فلاحظت تلك العلبة الصغيرة بين يديها. خفضت عينيها وهي تراه يضع ملصقاً طبياً حول إبهامه وهو يقول بتأفف: ابقي خدي بالك أكتر من كده. بذات وأنتي بتلمي حاجة مكسورة.
لم ترد عليه، بل سحبت يدها وهي تقول بصوت خافت: أنا هطلع أقعد على البحر شوية.
تخطته بمنتهى البساطة وخرجت إلى الجنينة، حيث الهواء النقي والجو المألوف برووعة سحره. تلك البقعة الزرقاء وما تحملها من طيات ساحرة تجذب الجميع لها. حتى إن كنت لا تهوى السباحة ولا تفضل الماء بها، إلا أنها تجبرك بالسحر الخالص للجلوس وتتأملها بشرود، وعلى حسب حالتك المزاجية تتفاعل معك، وكأنها تواسيك وتساندك وتسعدك، أينما أردت هذا.
تطاير شعرها من حولها بخفة ونعومة توازي جمالها ورقة شخصيتها. رذاذ منعش لفح وجنتيها، فجعلها تتنهد بعمق، وكأنها تبحث عن الملاذ في خلوتها.
شعرت به يشاركها إياها بمنتهى التطفل منه، جالساً بجوارها ينظر إلى ما تنظر، بيده فنجان من القهوة يرتشف منه بهدوء، ووجه حجري صلب.
باسل: عارفة يا نور، كان عندي خمسة عشر سنة، مكنتش أول مرة أشوف أبويا بيضرب أمي. زيدان باشا بكل الهلمه اللي حواليه، ممكن أي واحدة تقدر تضحك عليه وتنسيه بيته ومراته وأولاده.
رفعت عينيها باهتمام وارتياب من وجهه الصلب الحاد، وهو يرتشف من كوب القهوة، بينما يكمل حديثه: هي وافقت تكمل معاه عشان أنا وزينة. كانت فاكرة إنه لما يكون في أطفال هيتغير، لكن هو متغيرش. كان بيأذيها نفسياً بعلاقاته، لكن هي للأسف استحملت عشان أنا وأختي. ولما حاولت أتمرد على الحياة دي وأقف قصاده، كنت صغير سبعة عشر سنة، وقتها كنت هموت فيها.
ضحك بسخرية وهو يكمل حديثه: ووقتها ضربني، ودون ما يقصد، وقعت من على السلم واتصابت في دماغي، وفضلت وقت طويل في المستشفى. لكن قمت منها، وبعد كدا أخدت ثانوية وقررت آخد كلية في مكان بعيد عنهم وعن مشاكلهم. وفعلاً، رغم إن جالي أني آخدها في إسكندرية، لكن أنا قررت أبعد، لأبعد محافظة. كنت لوحدي أربع سنين، لكن اتعلمت أفصل مشاعر عن شكلي أو مظهري. تماماً يا نور. حتى لو بموت من الوجع، مش لازم أظهر ضعفي لأي حد. لدرجة إني أحياناً بعتقد إني بطلت أحس أو أتوجع.
نور بحدة وهي تنظر للأمواج المتمرّدة: مش مبرر يا باسل. أنت يمكن محتاج تتعالج، بس مش مبرر إنك تجرح اللي حواليك، مالهمش ذنب في عقدتك. أنا ماليش ذنب توجعني ولا تقلل من كرامتي. كان ممكن متدخلش حياتي وقتها، يمكن مكنتش هتتحمل ذنبي كمان.
ثم تابعت بشرود: أو تتجوز اللي بتحبها. يمكن وقتها تتعافى وتقدر تعمل بيت هادئ بعيد عن عقد والدك اللي اتزرعت جواك.
باسل بتنهيدة وهو يقف بجوارها: مش من السهل تلقى الحب. يمكن دي المشكلة، إني ملقتوش. على فكرة، خالتي وجيجي، أنا خليتهم يمشوا النهاردة الصبح، ووقفتهم عند حدودهم. والكلام اللي قالته مالوش علاقة بعلاقتنا. أنا لا بحب جيجي ولا غيرها. جيجي تبقى زي زينة عندي، أختي مش أكتر. ميهمنيش هي حاسة بيه إيه ناحيتي، ميخصنيش.
تركها بمنتهى البرود، كما يبدو، وغادر المكان، يدلف لغرفته، أخذ يعمل على حاسوبه.
نور بتنهيدة: شكلك هتتعبني معاك يا ابن زيدان.
***
في منزل حياء.
جلست بجانب شهد بغيظ وهي تنظر لأختها.
شهد: مالك يا بومة؟ قالبه وشك ليه؟
زمت حياء شفتيها بسخرية قائلة: الصراحة، مش عارفة أخوكي هيجيلي شلل رعاش.
لكزتها شهد في كتفها بخبث: بذمتك مش زي العسل على قلبك؟
ابتسمت حياء برفق قائلة: أخوكي مش أفعاله. أفعاله بتجلطني. بذمتك، كان عارف إن زينب تعبانة وماليش، وامبارح أعرف بالصدفة من صالح ابن الجزمة اللي أنا مخلفاه. وأقوله هنروح سوا، يقولي لااا، وكله يومين وهنرجع. وأخوكي يقولي: "ابطي يا وليه! أنا يتقالي يا وليه؟!" يا حسرة عليا. وليه؟ ماشي يا ابن نواره.
شهد بغيظ: مالها نواره يا أختي؟ ما تتلميش.
ضحكت حياء بسخرية: الله يرحمها بقى، ما يجوزش عليها إلا الرحمة. أنا مالي؟ حاسة إني بقيت بصوّرم كدا ليه؟
شهد بنبرة ساخرة: حاسة؟ يعني لسه مش متأكدة؟ الله وكيل، إحنا عايشين مع بهايم.
ضحكتا الاختان بمرح.
حياء: حظك من السما. هجيب الكرنب نحشي سوا.
شهد: كلمتي إيمان وصلت ولا لسه؟
حياء بهدوء: وصلت الساعة سبعة الصبح، وكلمتها. بس خايفة عليها أوي يا شهد. ادعيلها.
شهد بخوف: مالها يا حياء؟ ما أنا مسلمة عليها امبارح قبل ما تمشي، كانت كويسة.
حياء: استنى أجيب الحاجة نقعد نحشي سوا، وموضوع إيمان إن شاء الله تعقل قبل ما تضيع بيتها وجوزها. حماتك مش عايزة تموت بقى يا بت الولية دي، هتفضل معمرة كتير. دا أنا مش طايقاها من قبل ما أخلف، وهي زي البومة.
شهد بضيق: شكلها مش ناويه والله يا حياء.
حياء: اسكتي، دي بتيجي على السيرة.
***
في لندن.
كانت إيمان تنام بهدوء بجوار يوسف فوق ذلك الفراش. ضمه بحماية إلى صدره، بينما لم تعرف هي طعم النوم، تشعر بتأنيب الضمير. تبكي بعنف وهي تكتم شهقاتها. للحظات، استوعبت حجم غبائها. ولأول مرة، ماذا كانت تريد؟ كيف يمكنها أن تأخذ قراراً كهذا دون العودة له؟ رفعت رأسها تنظر له. كم هو وسيم، طيب. مدت تتأملها، تمررها على وجهه بملامح الرجولة الجميلة. تشبثت به وبقوة وخوف، وهي تخشى الابتعاد عنه. إلا أن ذلك تسبب في إيقاظه بسبب حركتها.
يوسف بارهاق وتعب أثر السفر: إيمان، في إيه؟ مش عارف أنام.
إيمان بهدوء وهي تبتعد: آسفة بس…
جذبها نحوه بسرعة قبل أن تبتعد قائلاً بحب ورفق: متبعديش. نامي يا إيمان، بكرة هيكون يوم طويل. خليكِ جانبي.
تشبثت به قائلة بهدوء: نفسي أفضل جانبك للأبد.
بعد مرور ساعات طويلة.
كانت إيمان منشغلة بأعمالها المنزلية والتعرف على أرجاء الشقة بعناية شاسعة، بطراز رجولي بحت. كل شيء منظم، رغم ذلك ليست كشقتهما في الإسكندرية. تفتقد لذلك الدفء والشعور بالألفة.
سمعت رنين الجرس. نظرت للمرآة بجوار الباب لتعدل من وضع حجابها قبل أن تفتح الباب وهي تنظر لتلك الفتاة.
وقفت عهد تشعر بالصدمة، تشل ساقيها وهي تنظر لإيمان بحجابها السماوي وجمالها الشرقي. كل شيء بها ملفت للانتباه.
إيمان بالإنجليزية: مين حضرتك؟ وعايزة إيه؟
عهد: مش دا بيت يوسف الصاوي؟
إيمان: آه، دا. وأنا إيمان الشهاوي، مراته. دكتورة إيمان. مين حضرتك؟
عهد بغيرة وهي تتذكر محادثة إيمان لها فيما سبق: بشمهندسة عهد، زميلة البشمهندس في الشركة. عرفت إنه وصل، قلت لازم أسلم عليه بنفسي.
إيمان بجدية: تقومي تجيله البيت؟ غريبة. اتفضلي.
دَلفت عهد إلى منزل يوسف، لتجده يخرج من الصالون يرتدي تيشرت أسود وبنطال من نفس اللون، وأمارة الغضب والذهول تعتلي وجهه.
يوسف بحدة: بشمهندسة عهد؟ أفندم، في حاجة؟
عهد بابتسامة: لا أبداً، بس قلت لازم أجي أسلم عليك. وحشتنا يا جو.
عقدت إيمان ساعديها بحدة وهي تنظر له. أغمض عينيه بضيق قائلاً: متشوفيش وحش يا عهد. بس غريبة، جايلك لحد البيت يعني.
عهد: كنت حابة أطمن عليك، وأنا اطمنت، هستناك في الشركة بكرة يا بشمهندس. سلام مؤقتاً.
إيمان بحدة: سلام.
غادرت وهي تشتعل من الغيرة، وتركت خلفها نيران تكاد تحرق إيمان.
إيمان بحدة: جايلك البيت يا دلعدي. بتطمن عليكي.
يوسف باستسلام: لو حلفت لك على المصحف إنها أول مرة، هتصدق.
ابتسمت بثقة قائلة: مش ضروري يا حبيبي، أنا مصدقاك، بس البت دي شكلها مش مريحاني.
احتضنها قائلاً: تعالي نجهز الغدا سوا، ونشوف هنعمل إيه في موضوع شغلك.
إيمان: ياللا يا أخويا.
يوسف بسخرية: بعد دا كله أخوكي؟ صوتي ياللا، مش غرمانة.
***
في قصر الدمنهوري.
كانت زينب جالسة بجوار بيلا يتسامران، بعد أن تحدثت زينب إلى حياء واطمأنت عليها، لتخبرها أن صالح سيقوم ببعض الأعمال وسيعود في أقرب وقت ممكن.
في تلك الأثناء، توقفت سيارة أمام القصر، ترجلت منها امرأة في منتصف العقد الرابع بتعب وشعور بالدوار.
استقبلتها نعمة بسعادة: ست صفا، ألف حمد الله على السلامة. المنصورة نورت.
صفا بتعب: وحشتني يا نعمة، والمنصورة كلها وحشتني، وخصوصاً بيلا. هي فين؟
نعمة بخوف: في الجنينة الورانية مع زينب.
شعرت صفا بالارتياب قائلة بسرعة: زينب مين؟ معقول بيلا اتعرفت على ناس جديدة؟ ياريت والله، خليها تخرج من حالة الحزن اللي هي فيها دي.
نعمة بسعادة: الصراحة، مدام بيلا من يوم ما اتعرفت على زينب، وهي مرتاحة وبتتكلم، مش زي الأول، والكوابيس بدأت تقل، وخصوصاً لما بتنام مع زينب.
صفا بسعادة وإرهاق واضح: يارب يا نعمة، يارب.
نعمة: مالك يا صفا هانم؟ انتي كويسة؟
صفا: آه، آه، بس خديني عندك بيلا.
أمسكت بيد نعمة وتحركت معها بتعب واضح، وهي تدخل لبهو القصر.
ابتسمت بيلا وهي ترى صديقتها تتقدم منها. نهضت، ونهضت معها زينب.
احتضنت صفا بيلا بحب قائلة: وحشتني أوي يا بيلا. حقك عليا، بقالي كتير مجيتلكيش، بس والله كنت تعبانة أوي.
بيلا بقلق: مالك يا صفا؟ شكلك ميطمنش.
صفا: شوية تعب وهيروحوا لحالهم. مش تعرفيني على القمر؟
ابتسمت زينب برقة وهي تنظر لصفا، التي وقفت للحظات تشعر بصدمة، وهي تدقق النظر لها، ثم نظرت مرة أخرى لبيلا باستغراب وشك: أهلاً بيك. بيلا حكت لي كتير عنك وعن صداقتكم.
ردفت زينب بتلك الكلمات برقة، لتشعر صفا بالفضول نحوها: بيلا دي…
بيلا بهدوء وهي تهز رأسها بمعنى لا: صفا، أعرفك بزينب. تبقى مرات صالح الشهاوي، ابن جلال وحياء.
صفا بابتسامة جميلة ورفق: أهلاً، اتشرفت بمعرفتك. وشكلنا هنبقى صحاب.
زينب: طبعاً يشرفني.
صفا بوجع وهي تضع يديها على جانبها: آه… يارب.
بيلا بخوف: مالك يا صفا؟ شكلك تعبانة أوي.
صفا بدموع: مش قادرة يا بيلا. جانبي بيوجعني أوي. آه…
زينب بخوف: لازم نجيب دكتور أو نروح مستشفى. أنا هكلم خديجة تخلي كرم يجيب دكتور.
أومأت لها بيلا بإيجاب، وهي تأخذ صفا لداخل القصر لترتاح قليلاً.
بعد مرور وقت.
كانت صفا تتسطح فوق الفراش بجسد مرهق، بينما تجلس بجوارها بيلا وزينب.
زينب: الدكتور قال إنها مش هتفارق دلوقتي. ممكن انتي ترتاحي، وأنا هفضل جانبه.
ابتسمت بيلا بحنان قائلة: لا يا حبيبتي، انتي حامل، مينفعش تفضلي قاعدة كدا. ياللا روحي ارتاحي في أوضتي، وأنا هفضل معها.
زينب: لا، مش هروح. إيه رأيك تكملي الحكاية وإحنا قاعدين هنا، وقوليلي إيه اللي حصل بينك انتي وعمر.
***
في القاهرة.
هب عمر من مكتبه بفزع، وهو يتحدث مع شخص ما على الهاتف قائلاً بصرامة: صفا… وأنت وصلتها المنصورة إمتى؟
السائق باحترام وخوف: النهارده حوالي الساعة اتنين، وبعدين وقعت من طولها، وجابوا الدكتور ليها، لكن بيقول تعبانة أوي.
أغلق عمر الهاتف ليجري اتصالاً بثائر قائلاً بصرامة لا تقبل النقاش: جهز العربية يا ثائر، هنطلع على المنصورة.
صمت للحظات قبل أن يجيب بهدوء: على قصر الدمنهوري.
***
في مكان آخر.
جلست عصمت بجوار والدتها تفيدة هانم، حيث أصبحت امرأة جالسة الفراش دائماً.
عصمت بضيق وغضب: عمر مصمم علشان يتم الاندماج بين الشركتين، إن خليل يشارك إسماعيل الرفاعي.
تفيدة بهدوء: طب، وإيه المشكلة؟ على الأقل انتي وخليل عارفين إسماعيل كويس، وبتتعاملوا معاه من زمان.
عصمت بغضب: لا يا ماما، مش طبيعي. عمر ممكن يكون عرف عن شغلنا مع إسماعيل في المخدرات، وعارفة ده معناه إيه. إنه ناوي يهدأ المعبد على دماغنا. بس ده مش معقول، إزاي عمر هيعرف؟
ابتسمت تفيدة ساخرة: متخافيش، ووافقي على طلبه، واعملوا الدمج بين الشركتين. هتكونوا كسبتوا إسماعيل وعمر، واسم الشركة بعد الدمج هيكبر أوي، وساعتها المكاسب هتبقى كبيرة أوي.
عصمت بطمع: ياريت يا ماما، بس أنا قلقانة من عمر.
تفيدة بخبث وجشع: متخافيش أوي كدا. عمر، على قد ما هو ذكي، إلا إنه لو اللعبة اتعملت على مقاسه، مش هيعرف الحقيقة. انتي نسيتي اللي حصل؟ ولا إيه؟ فات عشرين سنة. لو هو ذكي أوي كدا، كان زمانه عرف إن البنت اللي ماتت مش بنته.
ضحكت ساخرة بهستيريا: بس كان لازم هو كمان يموت، بس حظه إنه لسه عايش، مماتش.
عصمت: تفتكري لو عرف إن بنته لسه عايشة، هيعمل إيه؟ ولا بيلا هانم اللي دخلت مصحة بسبب موت بنتها المزيف؟ هتعمل إيه؟
تفيدة بكرة: المهم، البنت الحقيقية تفضل مختفية، ولا حد يعرف أصلها.
عصمت: لا، يمكن تظهر. دا أنا أقتلها بيدي لو رجعت. لازم أفضل حرقة قلب بيلا عشان تاخد مني حاجة كانت ليا، وعمر كان حقي أنا، مش هي.
سمعت رنين هاتفها، تنظر للمتصل قائلة: دا الواد اللي بيراقب عمر، ياترى عايز إيه دلوقتي؟
تفيدة: ردي الأول.
تحدثت في الهاتف، ليتحول وجهها للأبيض، وكأن الدماء سُحبت منه. أغلقت الهاتف برعب قائلة بهمس: عمر في المنصورة. وصل قصر الدمنهوري.
***
رايكم في الفصل؟
توقعاتكم للحلقات الأخيرة؟
اللي جاي بالنسبة لزينب؟
صالح ناوي على إيه؟
حكاية عمر وبيلا رست على إيه؟
يوسف وإيمان هيوصلوا لفين؟
باسل ونور ياترى هيتعافى بيها؟
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم دعاء احمد
وصلت سيارة «عمر» إلى قصر الدمنهوري بعد سنوات طويلة من الفراق والبعد.
ما زال يذكر آخر مرة دخل إلى ذلك القصر قبل أكثر من عشرين عاماً.
قام الحارس بفتح البوابة سامحاً له بالدخول.
ألقى نظرة يأسه إلى جنينة القصر وشريط ذكرياته يمر عليه مرة أخرى.
تذكر حينما رآها تجلس في ذلك المكان منشغلة برسم أحد رسوماته.
ابتسمت ابتسامة بسيطة على شفتيه مزينة وجهه الوسيم.
تغير قليلاً، زادت ملامحه هيبة ووقار.
بعض التجاعيد وشعره الأبيض الممزوج بالأسود لم يقلل من وسامته أبداً.
فهو «عمر الرشيد».
صف السائق السيارة ليترجل عمر بخطوات ثابتة واثقة رغم رجفة قلبه.
سيلتقي بها مرة أخرى.
استقبلته «فردوس»، ممرضة أرسلتها «مريم» لتعني بـ "بيلا" منذ أكثر من ثمان سنوات.
تبدو في نهاية العقد الثالث من عمرها، ملامحها صارمة.
فردوس بلباقة وعملية:
«عمر بيه الرشيد… اتفضل معايا.»
تقدم خلفها وهي تشير لغرفة الصالون.
ولج عمر الغرفة الشاسعة والمليئة بالتحف والرسومات القديمة.
نظرت له بهدوء قائلة:
«اتفضل حضرتك ومدام بيلا هتنزل لحضرتك.»
وضع ساقاً على الأخرى وهو يخرج علبة السجائر خاصته.
ولكن ما إن وضعها بين شقي شفتيه عادت له إحدى الذكريات.
«يا عمر أنا مبحبش ريحة السجاير… وبزعل منك لما بتدخنها لأنها بتاذيك.»
ابتسم ببرود وهو يشعل سيجارته هامساً لنفسه:
«أعتقد مكنش في حاجة مؤذية قد علاقتنا وحبي ليك.»
في الطابق العلوي.
كانت تجلس أمام المرآة بقلب منتفض من الخوف والكثير من المشاعر المتناقضة بعد أن أخبرتها «فردوس» بوصوله.
«بيلا» تهمس بارتباك:
«انزلي ياله قبليه…. هيحصل إيه يعني؟ ولا حاجة. أنتم دلوقتي مش الاتنين اللي قابلوا بعض زمان، في حاجات كتير ماتت واتغيرت.»
صمتت للحظات لتكمل بخفوت:
«إلا حبك له يا بيلا.»
نهضت وهي تسير بخطوات مرتجفة لتصل إلى الباب.
وضعت يديها على المقبض وهي تأخذ نفساً عميقاً ثم خرجت.
نزلت الدرج بهدوء كعادتها.
رفع رأسه ينظر لها بينما لاحت ابتسامة جانبية على شفتيه.
وعيناه تفترس وجهها وقسماته الرقيقة.
شعرها الأسود يتخلله بعض الخصلات البيضاء.
رشاقته في الحركة.
ترتدي بلوزة سوداء شتوية وجيب زرقاء واسعة.
ترفع شعرها في كعكة فوضوية.
وقفت بجواره وهي تتنحنح بحرج:
«أهلاً يا عمر بيه، نورت.»
استقام ليجيب ساخراً بصرامة:
«بيه؟! بخير الحمد لله، فين صفا وإيه اللي حصل؟»
ردت «بيلا» بهدوء زائف:
«هي في أوضتي فوق…. الدكتور بيقول إنها نسيت تاخد دواها عشان كده تعبت، وخصوصاً إنها ما أكلتش. هي نايمة دلوقتي.»
وضع السيجار بالمنفضة ليستقيم مرة أخرى قائلاً بتلقائية:
«تمام يا بيبو.»
«… أقصد بيلا هانم، بكرة الصبح هاخد صفا بس لما تصحى وهروح قصر الرشيد. متشكر لضيافة أختي.»
جلست على الأريكة بهدوء قائلة بحنان:
«أظن قصر “الرشيد” مقفول بقاله سنين وتجهيزه هيكون صعب في وقت قصير…. البيت هنا فيه أوض كتير ممكن تستريح في أي غرفة.»
جلس بهدوء وعيناه تتشرب ملامحها الحزينة قائلاً بنبرة حزينة:
«بيلا، انتي لسه مقتنعة إني السبب في موت ملك…»
تجمعت الدموع في مقلتيها لتجده يعقب سريعاً بلهفة مبرراً:
«بيلا أنا كنت هموت معاها، مفيش أب ممكن يكون سبب في موت بنته. وأنتِ أكتر واحدة عارفة قد إيه أنا كان نفسي البنت دي تيجي للدنيا. أنا حكيتلك أحلامي لبيتنا ولبنتنا…. أنتِ أكتر واحدة عارفة إني حبيتها لأنها كانت منك.»
تساقطت دموعها وتصاعد الألم لصدرها تشعر بثقل ما تحملته قائلة بحدة:
«بلاش تفتح في الماضي يا عمر…. لو سمحت كفاية أنا تعبت، ماتت عرفت إنها ماتت كفاية بقى حرام عليك، أنا أم مشوفتش بنتي غير مرة واحدة بس وبعدها، بعدها أنت عملت إيه؟! خدتها.»
رد «عمر» بانفعال وغضب مكبوت منذ سنوات:
«كنت واخدها لأبوكي…. كنت عايز لها حياة في النور.. كنت ناوي أعمل أي حاجة. قلت يمكن لما يشوف حفيدته قلبه يحن ويبطل يعند. لكن العربية فجأة انقلبت وأنا دخلت غيبوبة أكتر من ست شهور.»
وضعت يديها على عينيها الحمراء أثر بكائها وهي تستمع لمبرراته:
«عمر مالوش داعي نقلب في اللي فات الله يرضى عليك، بعد إذنك أنا هطلع أرتاح.»
«تململت الدموع في عينيه ليزفر بغضب وشراسة وهو يخرج من المكان، يشعر وكأنه يختنق ويختنق.»
كان يقف في جنينة القصر ينفث سيجارته بغضب يحاول كظم غيظه وغضبه.
بينما وقفت «بيلا» تنظر له من وراء زجاج الشرفة.
أغمضت عينيها قائلة:
«لا يا عمر، عارفة إنك مالكش ذنب في موتها ونفسي أقولك إني مش زعلانة منك، بس للأسف أهلنا زمان عملوا أخطاء بقت واقفة بينا زي السور اللي ملوش نهاية. لا أنت هتقدر تهده ولا أنا هقدر أتخطاه.»
أغمضت عينيها تتذكر ما حدث وقلب كل الموازين.
***
فلاش باك
قفزت من فوق الفراش بحماس وسعادة قائلة:
«بجد يا تيتة يعني بابا وافق على عمر، بس إزاي ده زعق ليا عشان قابلته، معقول وافق كده بسهولة؟»
ابتسمت «نبيلة» بارتياب قائلة بهدوء حانٍ:
«مش مهم إزاي المهم إنه وافق. مبروك يا قلبي، ألف مبروك يا بيلا أخيراً هشوفك عروسة.»
احتضنتها بفرحة كبيرة قائلة:
«أنا فرحانة أوي يا تيتة، كنت أتمنى لو ماما تحية تكون معايا.»
ربتت «نبيلة» على ظهرها بحنان قائلة:
«هي أكيد حاسة وفرحانة عشانك. باباكِ هيكلمه ويحدد معاد معاه، بس مش عايزة مكالمات بينكم يا بيلا، فاهمة.»
أومأت لها بالإيجاب وهي تصعد لغرفتها.
في حين شعرت نبيلة بالارتياب من تغير «سالم» المفاجئ لتشعر بعدم الارتياح قائلة بهمس:
«ربنا يستر، مش مرتحاله لك يا سالم، حاسة إنك بتفكر في حاجة. ربنا يهديك يا رب ومتكسرش بخاطر بنتك.»
بعد أسبوعين.
في قصر آل «الرشيدي».
وقفت «عصمت» بغضب وغيرة قاتلة قائلة بشر:
«الخطوبة النهارده يا ماما، هيتجوز بنت الدمنهوري. لا لا ده أكيد حلم مش حقيقة، عمر بتاعي أنا مش هي، لا يمكن أقبل بالمهزلة دي تحصل على جثتي.»
جلست «تفيدة» على كرسيها بغضب وهي تنظر لابنها قائلة:
«أنتي اللي خايبة ومعرفتيش توقعيه. أهو راح يخطب بنت سالم الدمنهوري اللي جدك الرشيدي رفض زمان إنه يجوزها لعمتك كوثر الله يرحمها، ودلوقتي سالم موافق بسهولة يجوز بنته لعمر عشان ينهي العداوة. وأنتي غبية معرفتيش تعملي حاجة. ودلوقتي هتلبسي وتتشيكي عشان تروحي خطوبته.»
زفرت بحنق قائلة:
«اصبري عليا يا بيلا الكلب، لو فاكرة إنك هتكوني حرم الرشيدي تبقي بتحلمي. هلبس وأتشيك وهشوف المهزلة دي بتحصل، لكن لا يمكن أوافق بيها أبداً.»
في مساء الليلة.
وقف «عمر» بسعادة أمام المرآة يهندم حُلته السوداء الأنيقة.
فهي ستصبح خطيبته بعد ساعات قليلة.
رغم شعوره بوجود شيء مريب سيحدث، لكن حاول تجاهل شعوره.
ارتدى ساعة أنيقة ليضع عطره وهو ينظر للمرآة بثقة.
وجد الباب يُفتح لتدخل والدته «مرام» بسعادة وطيبة قائلة:
«أخيراً هشوفك عريس يا حبيبي. ربنا وحده يعلم دعتلك قد إيه تكون من نصيبك. رغم إني مشوفتهاش، لكن متأكدة إنها مميزة أوي اللي قدرت توقعك. وكما صفا حكت ليا عنها إنها بنت لطيفة وجميلة أوي.»
ابتسم «عمر» وقبل رأس والدته قائلاً:
«هي من ناحية جميلة فهي زي القمر، حاجة كده رقة وجمال ومرح وطيبة تخطف القلب.»
شعرت «مرام» بالسعادة قائلة:
«ربنا يسعدك يا عمر يا حبيبي يارب. يلا عشان منتاخرش عليهم وكمان مرات عمك جهزت.»
أخذ نفس عميق قبل أن يخرج من غرفته برفقة والدته.
أغلق الباب خلفه ينظر لزوجة عمه وابنتها قد تجهزن لحضور الحفل.
سأل هو بهدوء قائلاً:
«جاهزين؟»
أومأت له «تفيدة» قائلة بسعادة زائفة:
«آه، ألف مبروك يا عمر وأخيراً هشوف البنت اللي قدرت تكسبك. متأكدة إنها جميلة.»
ابتسم «عمر» بحماس قائلاً:
«شوية وهتشوفوها. لازم نتحرك دلوقتي.»
أومأت له بالإيجاب بينما غادر القصر متجهاً إلى قصر آل «الدمنهوري».
وصل بسيارته إلى القصر كان مزيناً بأناقة والإضاءة جذابة.
شعر بخفقة قوية بقلبه.
ابتسم بحماس وعيناه تكاد تخترق كل الحواجز يتمنى رؤيتها.
ترجلت «عصمت» و«تفيدة» برفقة «عمه» مختار باشا من السيارة الأخرى خلفه.
دلف إلى القصر بلباقة وثقة حتى التقى بـ «محمود».
ابتسم محمود برفق وهو يصافح عمر قائلاً:
«نورت يا عمر بيه.»
ابتسم «عمر» بمرح قائلاً بسعادة:
«دلوقتي نقدر نشيل الألقاب يا محمود.»
لاحت بسمة أخيه قائلاً:
«طبعاً، اتفضل. مرام هانم نورتي قصر الدمنهوري.»
ابتسمت السيدة بسعادة قائلة:
«البيت منور بأهله.»
في غرفة بيلا.
وقفت أمام المرآة بتوتر وهي تنظر لثوبها الأنيق والراقي في اختياره يناسب أجواء حفل الخطبة.
فقد اختارته بعناية هي وجدتها بعدما حدد والدها الموعد معها.
أخذت نفساً عميقاً وهي تنظر لـ «مريم» قائلة:
«شكلي حلو؟»
ابتسمت أختها بسعادة قائلة:
«زي القمر يا جمر انتي، وبعدين انتي قلقانة كده ليه؟ يا بنتي إحنا معندناش حد وحش.»
أردفت «بيلا» بسعادة:
«ماما أكيد فرحانة أوي مش كده؟!»
أجابتها «مريم» بتأثر عند ذكر والدتها الراحلة:
«متأكدة إنها هتكون فرحانة أوي يا بيلا. يلا عشان وصلوا وبابا أكيد معاهم والضيوف كمان وصلوا.»
نظرت هي لنفسها في المرآة لمرة أخيرة قبل أن تخرج برفقة أختها وجدتها.
نزلت الدرج بخطوات ثابتة وابتسامة جميلة تزين ثغرها.
وآه من تلك المليحة!
نظرت لها «عصمت» بصدمة قائلة:
«لا لا أكيد مش هي دي اللي عمر جاي يخطبها، مش معقول لا لا بقى الخدامة دي تبقى اللي عمر عايز يخطبها.»
سألت والدتها باستغراب:
«أنتي قابلتيها قبل كده ولا إيه؟»
عصمت بشر:
«هفهمك بعدين يا ماما.»
بعد مرور بضع دقائق.
اتجه «عمر» نحو «سالم» قائلاً:
«مش نعلن الخطوبة بقى ولا إيه؟»
ابتسم «سالم» بخبث قائلاً:
«طبعاً يا عمر بيه.»
شعر بشيء مخيف في نبرته تزامناً مع سؤال أحد الضيوف قائلاً:
«لسه مش عايز تقولنا أي سر الحفلة دي يا سالم باشا؟»
اتجه سالم نحو الدرج وهو ينظر لـ «عمر» ووالدتها وكل أفراد عائلة الرشيد بكره قائلاً:
«الحفلة دي مهمة جداً عندي، السنة دي شركات الدمنهوري حققت مستوى أفضل من رائع الحمد لله. وطبعاً قلت لازم نحتفل سوا.»
ضيق «عمر» المسافة بين حاجبيه وهو ينظر له بدهشة ليتابع «سالم» بهدوء:
«والنهاردة عيلة الرشيد قررت تحتفل معانا وبيمدوا لينا إيديهم بالصلح لكن للأسف أنا مش قابله. عمر الرشيد طلب إيدي بنتي بيلا وأنا وعدته إني هرد عليه، وأمام الضيوف أنا معنديش بنات للجواز يا عمر يا رشيد.»
نظرت «بيلا» لجدتها باستغراب وعدم فهم بينما شعرت نبيلة بالغضب اتجاه «سالم» لتجده يكمل بمنتهى الحقد:
«جدك الرشيد زمان من أكتر من خمسة وعشرين سنة قال لا يمكن يقبل بوجود أي علاقات بين العيلتين وفعلاً كان عنده حق وأنا مقبلش بيك زوج لبنتي.»
كاد «عمر» أن يتحدث لكن قاطعهم صوت «بيلا» المهزوز:
«بابا أنت بتقول إيه؟ أنت مش هتعمل كده صح؟»
رد سالم بقوة:
«مريم خدي أختك من هنا.»
شعور الصدمة سيطر على كل عائلة الرشيد وشعور الانتصار سيطر على «سالم» ظناً منه أنه انتصر عليهم وأنه رد لهم ما فعلوه به في الماضي عندما رفضوه.
لم يكن يعلم أنه بذلك الكره بدأ بداخله دمر ابنته وليست وحدها.
بينما ابتسمت «تفيدة» بشماتة وسعادة.
نظر «عمر» لسالم قائلاً:
«من حقك ترفضني دا طبيعي ويمكن جدي كمان غلط لما رفضك بنفس الطريقة. يمكن حاسس دلوقتي بالانتصار بس صدقني دي خسارة لك.»
نظر لها مرة أخيرة بسخرية وكره قبل أن يغادر ذلك القصر.
بعد الحفل.
نبيلة:
«ليه يا سالم ليه؟ حرام عليك، ذنبها إيه بنتك اللي كسرت فرحتها دي، ها ذنبها إيه؟…. أنت وأبوك والرّشيد بينكم مشاكل والولد والبنت كانوا نفسهم يكونوا سوا في علاقة هادية ينهوا بيها المشاكل. ليه عملت كده يا سالم؟»
رد «سالم» بضيق قائلاً:
«معرفش يا نبيلة، من البداية لا يمكن يبقى في بينهم علاقة.»
ردت نبيلة بغضب:
«حتى لو مكنش هيحصل، كان ممكن تبلغه رفضك مش تجيبه وتحدد معاه معاد الخطوبة وبعدها تعمل اللي عملته ده. وصدقني هتتحمل نتيجة أي حاجة تحصل.»
تركته وغادرت وهي تصعد لغرفة بيلا.
كانت تضم نائمة وهي تضم جسدها كوضعية الجنين.
انسابت دموعها بحزن تشعر الآن بالانكسار وكأنها لعبة يحركها والدها كما يشاء، لكنه لم يحس لقلبها أي حساب.
جلست «نبيلة» بجوارها على الفراش قائلة:
«بيلا أنا عارفة إنك مش نايمة، عشان خاطري قومي بلاش تعملي في نفسك كده.»
وضعت رأسها على فخذ جدتها وهي تبكي بصمت مرير.
نبيلة وهي تمسد بحنان على شعرها:
«عارفة إن أبوكي غلط وعمل فيلم عربي وفاكر إنه كده بيرد اللي اتعمل فيه زمان، لكن أوعدك عمر هيكون لك.»
همست «بيلا» ببكاء:
«ليه يعمل كده يا تيته، كان ممكن يرفض من الأول وساعتها مكنش في حد هينجرح. ليه عمل كده؟»
تنهدت نبيلة قائلة برفق:
«يمكن فاكر إنه كده بيرد كرامته رغم إن الموضوع فات عليه سنين واتنسى، لكن نعمل إيه بقى؟ سالم دماغه ناشفة بس مش هسيبه يضيعك.»
لم تستطع التحدث وهي تحتضنها بوجع.
حاولت وحاولت إغواء النوم لكنه كان يجافي عينيها.
في الصباح الباكر.
انسحبت من الفراش بإرهاق وعينيها حمراء.
لتنظر لجدتها النائمة.
أخذت هاتفها، خرجت من الغرفة.
كانت تسير بشرود في الجنينة الواسعة، لتجري اتصال برقمه بتوتر عدة مرات متتالية لكن في كل مرة لا يرد.
في قصر آل «الرشيد».
كان يجلس ينفث سيجارته في مكتبه المظلم لم يستطع النوم بعد تلك الإهانة.
وهو يتذكر كل مقابلة بينهم وكل ضحكة وشجار.
الذكريات تداهم عقله بقوة.
نظر لهاتفه بضيق ليجيب تلك المرة قائلاً بحده مخيفة:
«عايزة إيه؟ مش كفاية اللي أبوكي عمله؟ ياترى كنتم متفقين سوا ولا…»
قاطعته صوتها الباكي معتذرة:
«أنا آسفة أنا مكنتش أعرف اللي بابا ناوي يعمله.»
صمت «عمر» وهو يسمع شهقاتها الممزقة لقلبه قائلاً بضعف:
«بيلا اهدي، خدي نفسك براحة اهدي.»
حاولت التحدث قائلة بصوت مهزوز من بين شهقاتها:
«أنا عارفة إن اللي حصل غلط و بس مش عايزة تزعل. أنا كده كده هسيب المنصورة مش هشوفك تاني.»
أغلقت الهاتف قبل أن يعترض أو يرد على حديثها.
بينما جلست أرضاً وهي تنظر لمجرى المياه تلتمع عينيها بالدموع.
***
عودة للوقت الحالي.
دلف «زينب» برفقة «صالح» إلى منزل “بيلا” بابتسامة جميلة كعادتها.
الآن أصبحت بطنها بارزة بشكل ملحوظ.
ابتسم «صالح» مداعباً وهو يضع يديه على بطنها:
«هو الواد ده هيفضل كتير جوه، مش ناوي يجي بقى؟»
«زينب» بسعادة قائلة:
«لسه يا بابا لسه هبدأ في الرابع، بس المشكلة إني تخنت وبقيت مفجوعة أوي.»
ضحك بخفة وهو يميل عليها مقبلاً رأسها هامساً:
«مين دي اللي تخنت يا هبلة؟ ده انتي كده مهلبية يا مهلبية انتي.»
لكزته «زينب» بخجل في كتفه قائلة:
«صالح إحنا مش في بيتنا احترم نفسك.»
حاوط خصرها قائلاً:
«بتحسسيني إني شاقطك يا بنتي. أجيبلك القسيمة وربنا مراتي.»
ابتسمت بسعادة قائلة:
«عارفة على فكرة شكراً على المعلومة الهايلة دي. مش عارفة من غير كنت هعمل إيه يا باشا.»
نظرت لترى ذلك الرجل يقف ينفث سيجارته.
لم تستطع رؤيته جيداً لكن كلما اقتربت زادت الرؤية.
لتشعر بنبضات قلبها تتعالى وهي تنظر له عن قرب.
رآهما «عمر» وهما يدلفان إلى داخل القصر يضحكان بمرح.
كانت تقترب برقة وهدوء بجمالها السرمدي الناعم وعيونها اللامعة وبشدة وجهها الأبيض وحجابها الأسود.
اقتربت وبدأ يدقق النظر لها وهي تضحك دون النظر له.
شعر بالتخبط للحظات وهو يتأمل ملامحها والتي إن تحدث عنها أنها أنثوية طفولية جميلة.
لكن تشبهه!!
عيونها، ضحكتها…
بس شيء يجعل قلبه ينتفض كلما اقتربت.
لكن ليس انتفاضة مشاعر كتلك التي يشعر بها بجوار «بيلا».
لا، هي شيء مختلف.
«صالح» بجدية وهو ينظر لعمر:
«مين ده؟»
«مش عارفه.»
استقبلتهما بيلا بسعادة وهي تنظر لزينب:
«وحشتوني أوي؟ ها الجميل عامل إيه؟»
ردت «زينب» بسعادة:
«بخير الحمد لله، بس للأسف ماشيين.»
تلاشت ابتسامة بيلا بحزن قائلة:
«معقول بالسرعة دي، ده أنتم لسه جايين من أسبوعين ملحقتش.»
ابتسم صالح قائلاً بحنان:
«معلش بقى عندي شغل مهم وبعدين بابا لوحده لازم نرجع.»
تنهدت بيلا بحزن قائلة:
«هفتقدكم أوي يا صالح.»
رد صالح بجدية قائلاً:
«والله وأنتم كمان…. بس إن شاء الله نيجي تاني أو تيجي أنتم معانا.»
بيلا:
«أنا؟! إن شاء الله.»
نظر صالح لعمر الذي يقف على بعد خطوات وهو ينظر لزينب بطريقة غير طبيعية ليسألها بخنق وغيرة:
«مين الأفندي اللي هناك ده يا بيلا؟»
ابتسمت بهدوء قائلة:
«ده عمر الرشيد أخو صفا.»
ردت «زينب» بعفوية وسعادة قائلة:
«اللي أنت حكيتلي عنه بجد لازم أسلم عليه. أنتم هترجعوا لبعض.»
تركت «صالح» لينظر لها بدهشة وهو يراها تقترب من ذاك الرجل مبتسمة بفرحة كبيرة.
وقفت «زينب» أمامه وعينيها تلتمع بسعادة قائلة:
«انت بقى بطل الحدوته، أنا صحيح معرفش باقي الحكاية لكن فرحانة أوي إني شفتك.. آه آسفة إني دخلت كده فجأة، اسمي زينب وبيلا حكت ليا عنكم.»
ابتسم «عمر» تلقائياً وهو ينظر لها:
«أهلاً يا زينب، تعرفي إنك جميلة أوي.»
هنا لم يستطع «صالح» الصمت أكثر من ذلك ليصيح بغيرة:
«إيه يا جدع انت! أنا محترم بس إنك قد أبويا غير كده كنت خزقت عينيك اللي مبحلقة فيها من ساعة ما دخلنا. وأنتي يا هانم تعالي كده شوية إيه يا أم الهبل ده، حسابنا في البيت.»
وضع عمر يديه في جيب بنطاله قائلاً بجدية:
«حضرتك مين؟ وبعدين إيه الغباوة اللي عملها دي. البنت فعلاً جميلة وزي القمر كمان.»
لم تستطع زينب كتم ضحكتها العفوية وهي تنظر لهما وخصوصاً صالح الذي اشتعل من الغضب.
وهو يجذب «عمر» من ساقة قميصه قائلاً بحدة:
«انت بتستهبل يا جدع انت، انت بتعاكس مراتي وأنا واقف ما تحترم سنك.»
ابتعد عمر بهدوء قائلاً بجدية:
«أولاً أنا مش بعاكسها أنا بقول الحقيقة. ثانياً دي من عمر بنتي الله يرحمها يعني لا يمكن أبصلها بنظرة مش تمام. ثالثاً أنا عذرك لإن عارف معنى إنك تغير على حد بتحبه.»
نظر لبيلا التي ابتسمت وكادت أن تضحك وهي تتذكر شيئاً ما.
ليقول صالح بحدة:
«بيلا شوفي ضيفك ده كمان، أنا لازم أمشي دلوقتي وهكلمك في الموبيل.»
أومأت له بالإيجاب وهي تسلم عليه.
بينما احتضنت زينب لتودعهما وهي تغادر معه.
بينما علق نظر عمر بها.
همس عمر بصوت هادئ قائلاً:
«البنت دي بتشبهني جميلة أوي.»
ردت بيلا بهدوء قائلة:
«أنا كمان حسيت كده أول ما شفتها، سبحان الله.»
ابتسم عمر بخبث مراوغاً:
«بس صحيح انتي حكيتها عني ليه؟»
احمر وجهها وهي تنظر له بارتباك قائلة بتشتت:
«عادي يعني مفيش حاجة كنا فاضيين وهي.. هي سألت و…. آه صحيح صفا زمانها صحت لازم نطمن عليها.»
غادرت المكان بسرعة لينظر له بابتسامة واسعة وشعور بالارتياح لم يشعر به منذ سنوات.
***
في فيلا «رشاد».
جلس على كرسيه بغضب قائلاً:
«يا ابن ال… يتصالح يعني هو اللي فضحني في السوق، وهو نفسه اللي اشترى أسهم الشركة بالتمن ده. أنت متأكد يا خالد؟»
رد خالد بجدية قائلاً:
«الخبر انتشر إن أسهم الشركة بقت ملك له وكلمت البت عفاف وسألتها قالت إنه كان بيكلم واحد وقاله إنه مش عايز يظهر في الصورة غير لما ياخد منك كل حاجة. مكنش يعرف إنك هتقدر تغطي الخسارة.»
رد رشاد بغضب وحدّة:
«بقى أنا مشغول طول الفترة دي في تغطية الخساير ويطلع هو اللي عمل كده ابن… لا مش هسيبه.. في الأول ابنه مماتش ودلوقتي بيخسرني كل حاجة.»
خالد:
«انت تأمر بإيه؟»
ليكمل بخبث وغضب:
«أول ما اتجوزوا عفاف كانت بتصور زينب بملابس البيت والقمصان من غير ما هي تاخد بالها وعملت أكاونت فيك على موبايلها وكلمت شخص على الماسنجر وكانت بتبعتله الصور دي عشان نقول إنها بتخونه. لكن دلوقتي لو وقفنا على صوابع إيدينا لا يمكن يصدق إنها ممكن تخونه.»
رد رشاد بسرعة:
«لا لا موضوع الخيانة ده سيبك منه وتكلم عفاف خليها تاخد الموبايل وتحذف الأكونت ده خالص وتمسح الصور. رغم إنهم مفيش فيهم حاجة مغرية، لكن خليها تمسح كل حاجة. صالح لو شاف الصور دي والأكونت ده هيعرف إننا كنا بنخطط لده وهيفهم إني حطيته في دماغي وأنا عايزاه يحس بالأمان خالص عشان أقدر أعمل اللي أنا عايزه. هما هيرجعوا. انتي اسكندرية؟»
رد خالد قائلاً:
«في الطريق دلوقتي.»
رشاد:
«عايزك تعرفي كل حاجة عن شغله وكل العمليات الكبيرة اللي بيقوم بيها. لو بيدخل مناقصات في أي حاجة تبع المصانع بتاعته أي حاجة هيعملها… أنا عايز أحصر قلبه على كل مليم معاه وبعدها هقتله أو أرميه في السجن يعيش فيه زي الكلب. وتخلي البت عفاف عينها عليهم وأي معلومة تبع شغله تعرفها لازم تبلغنا بيها، أنت فاهم؟ أنا لازم أعوض خسارتي.»
رد خالد قائلاً:
«اعتبره حصل يا باشا.»
***
في فيلا «باسل العلايلي».
صباح اليوم التالي.
داعَبت الشمس عينيها.
زفرت بملل وهي تستلقي على ظهرها.
هتفت «نور» بنوم للخادمة:
«اقفلي البلكونة دي وخرجي.»
سمعت صوتٍ خشن يرد قائلاً ببرود:
«أنا شايف إن كفاية عليكي كده قومي يالا.»
انتفضت في نومها بفزع فوجدته يجلس على الأريكة ينفث سيجارته ويتصفح شيئاً على هاتفه.
يبدو من هيئته إنه استيقظ باكراً فيبدو مرتباً عكسها تماماً.
آثار النوم مطبوعة عليها.
شعرها مشعث، عينيها حمراء منتفخة بعض الشيء.
آثار نومها متأخر ليلة أمس حتى داهمه النوم بعد فترة ليست وجيزة.
لم يرفع عينيه عليها وهو يقول بهدوء:
«صباح الخير.»
أشاحت «نور» بوجهها عنه وهي تنهض بحنق لتدلف للحمام.
صفقت الباب مرة أخرى بقوة وكأنه الرد على جملته.
إنها لا تزال غاضبة ومتمسكة بعنادها.
هز رأسه وهو يعود للهاتف ليرى كم الإشعارات الآتية له.
ترك الهاتف بعد فترة في حين وجد طرق على باب غرفتهم.
اتجه إليه وفتح إياه.
أخذ صينية الفطور من الخادمة وأغلق الباب بعد أن شكرها بلطف على غير المعتاد.
وضع الطعام على منضدة صغيرة بجوار الأريكة ثم رفع عينيه على باب الحمام ليجدها تخرج منه كما اعتاد أن يراها مرتبة أنيقة.
رذاذ رائحة الورد منبعث بأنفه بلطف واستحياء.
ظل ساعتين يتأملها وهي نائمة وحين يائس من استيقاظها داعبها بإشاعة الشمس.
وكانت هيئتها الطبيعية عند الاستيقاظ أكثر فتنة من الآن.
يبدو إنه يفضل رؤيتها بجميع حالتها وبذات تلك الحالات التي رآها قبل قليلاً.
غريب!!
لم يشعر بذلك اتجاه أي أنثى رآها.
وقفت تصفف شعرها بالمجفف وهي تتعمد تجاهله تماماً.
وجدته بعد مدة يقول بهدوء:
«يلا عشان تفطري.»
استدارت له ببرود ثم لمحت صينية الطعام وأعادت بنيتها عليه وهي تقول بسأم:
«مش عايزة… تقدر تفطر لوحدك.»
ردد ما قاله مرة أخرى بهدوء مخيف:
«لازم تفطري معايا.»
«لا.»
«نور.»
نظرت باتجاهه وهي تقول بعناد:
«قولتلك لا… إيه مبتفهمش.»
في لحظة لا تعرف كم أخذت وهي تراه أمامها يلوي ذراعها وهو يعيد كلماتها بعنف غاضباً:
«مين ده اللي مبيفهمش.»
تلوت بين يديه وهي تئن بوجع:
«سيب إيدي هتكسرها… آآه.»
«ياريت أكسرها وأخلص، وبالمرة أقُص لسانك اللي عايز قطعه ده.»
لكزته بيدها الأخرى وهي تقول بوقاحة:
«ملكش دعوة بيه ابعد عني ياخي… آآه.»
صرخت بتأوه وهي ترى يديه تزيد الضغط على ذراعها.
«بلاش تتحديني يا نور، وبطلي عناد وسمعي الكلام.»
من بين كل الألم المداهم لذراعها هتفت بجزع:
«اسمع الكلام ليه إيه اللي يجبرني أسمع كلامك بعد اللي عملته وبعد إهانتك ليا، انت فاكر إن لما اتكلمنا امبارح ده كان شفيع لك عندي؟ لا يا باسل للأسف انت غلطت في حقي ودي حاجة مقبلهاش على كرامتي.»
صمتت للحظات لتتابع بنبرة هادئة مهتمة:
«باسل انت مبسوط وانت كده، مرتاح وانت بتأذي اللي حواليك؟ حتى والدتك؟»
ترك ذراعها وكاد أن يغادر الغرفة إلا أنها تمسكت بذراعه بقوة قائلة برجاء:
«باسل ادي نفسك فرصة أرجوك وصدقني لو قررت تعمل كده هتلاقيني معاك بقلبي. يمكن ده مش محفز قوي بالنسبة لك وإن وجودي من عدمه مش هيفرق معاك، لكن فكر في أمك هي أكيد نفسها تطمن عليك عشان خاطرها حاول تدي نفسك فرصة يا باسل.»
ابتسم بغموض وهو يمسك يديها الملتفة حول ذراعه يحرر نفسه منها قائلاً:
«افطري وغيري هدومك هنخرج بعد شوية.»
سألته «نور» بفضول قائلة:
«هنروح فين؟»
زفر بهدوء قائلاً:
«اعتبريها مفاجأة.»
جلست على فراشها تتمنى لو تعرف كيفية التصرف مع شخصيته المعقدة.
فهو متناقض لكن بداخله شيء نقي تشعر بذلك وكأن قلبها أخبرها ذلك.
همست «نور» لنفسها بهدوء:
«لازم أديله فرصة وأدي لنفسي فرصة، بس قبلها لازم يتعافى من العقدة اللي عنده من أبوه وإلا هبقى برمي نفسي في النار. الموضوع محتاج تفكير.»
زفرت بضيق وهي تنظر للطعام بفتور لتبعد الصينية وتتجه نحو الخزانة.
أخذت ثوب ذا اللون الكستنائي طويل وحجاب من اللون الفضي وأخذت تبدل ثيابها.
خرجت من الفيلا تبدو في غاية الاحتشام والأناقة.
اتجهت نحو مرآب السيارات لتجده يشغل المحرك.
رفع عسليته ينظر لجمالها الخلاب.
بينما صعدت بجواره بدون حرف واحد.
انطلق في طريقه.
بعد مدة.
أوقف السيارة أمام مكان سياحي على البحر يحتوي على جسر خشبي تسير من عليه لتصل إلى عدد كبير وفخم من باخرات الرحلات.
خرجت «نور» من السيارة وهي تنظر حولها باستغراب قائلة:
«إحنا إيه اللي جابنا هنا يا باسل…»
ابتسم لها بمكر مرح:
«مالك مقلقة كده ليه؟ خايفة؟»
ابتسمت بخفوت لتطمئنه قائلة بهدوء:
«هخاف إزاي وأنا معاك، لا طبعاً، أنا بس مستغربة.»
«متستغربيش هي دي المفاجأة.»
تقدم منها ومسك يدها بين كف يده وهو يسير معها على هذا الجسر الخشبي الأنيق.
نظرت حولها مرة أخرى بتأكيد ثم له:
«هي فين المفاجأة دي أنا مش شايفة حاجة على فكرة.»
كتم ضحكته قائلاً:
«اصبري شوية، وكفاية فضول.»
قابل «باسل» في طريقه رجلاً ما يبدو إنه يعرفه.
فقد أشار «لباسل» بتهذيب أن يلحق به.
سارت «نور» بجوار «باسل» ويدها بيده حتى رأت قارب بخاري ينزل إليه.
باسل ومن ثم جذب يدها برفق لتصعد عليه لتسأل بارتياب قائلة:
«أنا مش فاهمة حاجة.»
أجلسها على أحد المقاعد وهو بجوارها محيطاً بخصرها بحنان وأمامهم هذا الرجل الذي يقود القارب بصمت.
سمعت باسل يرد على حيرتها بهدوء:
«كفاية أسئلة يا نور…. واستمتعي بالمنظر اللي قدامك ده.»
نظرت بعينيها إلى زرقة المياه من حولها في بحر عميق صافي اللون ومتقلب المزاج تبحر معه.
في هذا القارب الصغير الذي يسير بقوة على سطح المياه مخرجاً من خلفه رذاذاً بارداً يداهم وجهها وينعش روحها بسحر كل شيء بهذا المكان.
ابتسمت بنعومة وهي تنظر لباسل بتساؤل.
«هي دي المفاجأة.»
وضع قبلة على وجنتها وهو يقول بنفي:
«مش بالظبط، شوية وهنوصل.»
أشاحت بوجهها وهي تتأمل ذلك السحر من حولها.
وقف القارب تحت عند يخت كبير أنيق عصري الشكل وطراز كذلك.
نهض «باسل» ومسك بيدها وهو يقول:
«يلا يا نور وصلنا.»
لم ترد عليه بل ظلت تتأمل هذا اليخت بفم فاغر ولم تستوعب أبداً أن تكون المفاجأة في هذا المكان الرائع.
أقل كلمة تقال عليه إنه رائع.
سارت على متن هذا اليخت لتأمل كل شبر به بإعجاب أكبر.
به مقصورة أنيقة ذات مساحة موزعة بذكاء.
حيث يحتوي الطابق السفلي على ثلاثة أجنحة فسيحة، بما في ذلك كابينة رئيسية تتمتع بسرير كبير وحمام داخلي خاص، بالإضافة إلى مطبخ مجهز بشكل جيد.
وأيضاً يتمتع بجاكوزي على سطحه في الهواء الطلق.
وهناك في أحد الأركان تجد عدة أرائك بيضاء مستطيلة، ومكان للمشروبات.
كل شيء به راقٍ وعصري ومفعم بالجمال.
عقد «باسل» ساعديه وهو يقف على سطح هذا اليخت عالي الطراز.
متأملاً سعادتها وإعجابها بكل شبر بهذا المكان.
«إيه رأيك عجبك يا نور؟»
صاحت بعفوية وهي تقترب منه:
«عجبني دا تحفة، بجد جنان يابخت صاحبه.»
رد عليها بعبث وسعادة مخفية:
«فعلاً يابخت صاحبه ومراته.»
نظرت له ببراءة متأملة ملامحه لتسأله بفضول:
«هو متجوز؟ إزاي مراته توافق إنه يتاجر…. في حد يسيب المكان ده، لا وياجره كمان.»
أولته ظهرها وهي تنظر للبحر من حولها.
«يسلام لو نعيش في مكان زي ده… ونبعد عن كل الناس. آه يا باسل بجد هتبقى حياة أفضل.»
كبل «باسل» خصرها وهو يشاهد معها هذا المنظر الخلاب بطبيعته الطاغية.
«زي ما تحبي خلينا هنا دايماً. على فكرة أنا بحب البحر أوي، تصوري تصحى من النوم عليه وتنام وانت سامع صوته وشامم ريحته، بجد دي متعة تانية.»
قبلها باسل من وجنتها وهو يفك ذلك الحجاب.
بينما همست بإعجاب:
«تعرف أنا كان حلمي أعيش في مكان زي ده.»
«إيه لازمة الحلم يا نور….. عيشي هنا زي ما تحبي. اليخت بتاعي على فكرة، أنا كل ما أحب أريح أعصابي باجي هنا.»
استدارت «نور» له بصدمة وهي تسأله باستفهام:
«يعني ده ملكك….. مش ماجره.»
رد بفتور:
«لا أنا مبأجرش أنا بشتري على طول.»
صاحت بسعادة لم تقدر على كتمانها وهي تسير براحة أكبر بداخله.
«قول إن اليخت ده بتاعك بجد؟»
ضحك على عفويتها وسعادتها الغريبة وهو يصحح الكلمة بحب:
«بتاعنا احنا الاتنين.»
توسعت البسمة على شفتيها وهي تجري عليه لتلقي نفسها بداخل تلك الغرفة وهي تتأمل المكان بانبهار قائلة:
«يخربيت جمالك، ياآه إيه الحلوة دي.»
ابتسم «باسل» على عفويتها وهي تتأمل المكان بسعادة طفولية ليقول بمرح:
«نفسك في إيه تاني دلوقتي حالا؟»
ابتسمت «نور» وهي تقترب منه قائلة بحماس:
«أنزل المياه دلوقتي حالا.»
«سهلة.»
تقدم من حافة اليخت السفلية القريبة من مياه البحر.
شهقت «نور» وهي تحاول تحرير يديها من بين يديه محاولة منعه:
«بتعمل إيه يا باسل، أنا بهزر على فكرة.»
ضيق عينيه وهو بدأخله كان لا يود فعلها الآن على الأقل.
«بتهزري بجد….. ولا…»
مال قليلاً بظهره نحو المياه.
أمسكت به وهي تقول بسرعة:
«بهزر يا باسل انتَ مابتصدق.»
أخرجت هاتفها من حقيبة اليد وهي تقول بابتسامة ناعمة والحماس بعينيها يشع:
«يلا بقى صورني….. المكان هنا حلو أوي.»
ضحك بسعادة لأجلها، أخذ منها الهاتف والتقط لها عدة صور بثوبها الناعم الجميل.
أشارت إليه أن يتقدم ويقف بجوارها.
وكان ظهرها للبحر مباشرةً وقدميها على الحافة السفلية لهذا المكان.
اقترب منها وهو يقول:
«عايزة إيه.»
أحاطت بيدها مرفقة وهي ترد عليه بجراءة:
«هكون عايزة إيه نتصور سيلفي سوا… يلا بوسني.»
مالى على شفتيها ليقبلها بعبث.
أبعدته بضيق وهي تقول بجدية:
«لا يا بابا مش هنا….. هنا.»
أشارت على وجنتها ببساطة.
أغاظته:
«هنا فين انتي بتصوري مع ابن أختك، أنا جوزك على فكرة، واصلاً مفيش حد هيشوف الصور دي غيرنا.»
أدار وجهها بيده بحزم حتى يقبلها من شفتيها.
قالت أمام عينيه بتردد:
«زينب ووالدتك هيشوفوا الصور على فكرة.»
«وماله يشوفوها، معاد الصورة دي.»
حاوط وجهها بين يديه مقبلاً إياها وتم التقاط الصورة بعد وقت محدد على كاميرا.
ابتعد أخيراً بعد أن شعر ببرود جسده وهي بين أحضانه.
فتح عينيه ليفيق سريعاً من تلك الغيبوبة ليجد نفسه بقلب البحر.
جذبها من يدها حتى يصعد بها على سطح المياه.
سعلت «نور» بقوة وهي تحاول أخذ أنفاسها بصعوبة.
اقترب منها «باسل» وبدأ يمرر يده على ظهرها وهو يقول بقلق:
«خدي نفسك براحة يا نور على مهلك.»
هدأت انفاسها ثم ألقت على وجهه المياه وهي تقول بضيق:
«كل بسببك يا باسل عجبك كده الفستان اتبل حتى التلفون وقع، زمانه وقع في المياة.»
نظرت لسطح المياه من حولها وهي تقول بغباء:
«أنا هنزل أجيبه.»
ضحك عليها وهو يمنعها بقوة:
«تعالي هنا يامجنونة تجيبي إيه….. ما فداهيه التلفون….. هجبلك غيره.»
قالت بجزع:
«طب والصور اللي اتصورناها.»
قربها منه في المياه الباردة وهو يقول ببساطة:
«مش مشكلة نتصور تاني.»
حملها على ذراعه متجه بها لإحدى الغرف.
صاحت وهي ترى هاتفها ملقى أرضاً:
«التلفون يا باسل الحمد لله استنى أجيبه.»
«ادخلي غيري بس هدومك يا نور وأنا هجبهولك.»
أومأت له وهو ينزلها في تلك الغرفة الشاسعة والأنيقة.
«غيري هدومك.»
ردت بحنق وغضب:
«أغير هدومي…… بس أنا مجبتش حاجة معايا.»
«أنا جبتلك.»
سألته بعدم تصديق:
«بجد؟»
أومأ لها بجدية وهو يخرج من الغرفة تاركاً لها بعض المساحة.
ابتسمت بسعادة وتوردت وجنتيها قائلة:
«إيه اللي أنا بهببه ده؟»
بعد قليل.
سارت حافية الأقدام على متن ذلك اليخت وهي تنظر له يجلس على الأريكة يتأمل المكان من حوله كما هو رائع حقاً.
ترتدي ثوب بني يصل لبعد الركبة يبرز قوامها الرشيق.
ابتسم وهو ينظر لها ليجدها تقترب بخطوات متراقبة.
جلست بجواره في حين ساد الصمت بينهم للحظات وأعينهم تتأمل إبداع الخالق في سماء صافية.
والبحر العميق الصافي صفاء يسحر الأعين ولكن بداخله لوعة الغدر لا يكتشفها إلا السباح الماهر.
شعرت «نور» بكف يديه يعانق كتفها جاذباً إياها.
ابتسمت برقة وهي تجده يقبل وجنتها قائلاً:
«تحبي نعيش هنا دايماً.»
تنهدت وهي تقول بتمني:
«ياريت يا باسل أنا وانتَ نفضل هنا….. ونبعد عن الدنيا كلها.»
ابتسم وهو يقول:
«تعرفي يا نور نفسي يجي اليوم اللي يكون عندي فيه مكان خاص في قلب حد، عيلة تفتقد وجودي.»
توسعت البسمة بأمل أكبر:
«صدقني تقدر يا باسل، انت ربنا أدالك حاجات كتير حلوة زي أمك وأبوك اللي مهما عمل هيفضل أبوك، أختك وكمان معاك فلوس يمكن مش أهم حاجة بس تقدر توفر حياة زي دي لنفسك انت والبنت اللي هتكون معاها بس صدقني انت محتاج تدي نفسك فرصة والله العظيم، بلاش تربط نفسك بالماضي لأنه هيوجعك ولما تتوجع هتاذي اللي حواليك.»
مال عليها مقبلاً وجنتيها قائلاً:
«وأنا عايزك انتي اللي تكوني معايا يا نور، وعايزك انتي تساعديني أتعافى من العقد اللي جوايا.»
ابتسمت بهدوء قائلة بتحفيز:
«هفضل يا باسل بس أول خلي في علمك لو جرحتني في يوم همشي وقتها يمكن مرجعش تاني.»
ضمه بقوة وهو ينظر للمياه.
قال بعد لحظة:
«كان نفسي نفضل هنا دايماً، بس انتي عارفة إنه مينفعش، بس أوعدك إن المكان ده هيشهد على أجمل أيام عمرنا، وهنيجي هنا دايماً أنا وانتي بس.»
استدارت له وأصبحت أمامه وهي تسأله باستغراب:
«يعني إيه…. محدش هيدخل المـكـ…»
قاطعها وهو يكمل جملتها:
«محدش هيدخل المكان ده غيرنا، ولا حد هيعرف بيه، وكل متوحشيني وبقا عايز استفرد بيكي هجيبك هنا…. وأنا لو وحشتك هتعملي إيه؟ هو ممكن أوحشك في يوم؟»
أحاطت مرفقه بيداها وهي تقول:
«ليه لا وبعدين مش محتاجة سؤال لو وحشتني هجيلك أنا.»
قربها أكثر منه وهو يقول بجدية:
«معتقدش إن هيجي اليوم اللي استنى فيه إني أوحشك.»
داعب أنفه بأنفه.
بينما سألته بجدية:
«ليه بقى.»
قرب وجهه منها أكثر وهو يقول:
«عشان أنا مش هديكي الفرصة دي أبداً.»
صمتت للحظات مع ابتسامة بسيطة تزين ثغرها.
لتجده يقطع الصمت قائلاً:
«على فكرة انتي أول واحدة تيجي معايا المكان ده.»
نظرت هي له بفضول وكأنه قرأ ما يدور بعقلها قائلة:
«على فكرة مش لازم تكدب يعني عادي إنك تكون جبت زوجاتك السابقات هنا، على الأقل بنت الوزير.»
رد «باسل» بجدية قائلاً:
«أنا مش مضطر أكدب عليكي وأظن مش هيفرق معايا كتير، أنا بس مكنتش بحب حد يشاركني في الأماكن الخاصة.»
شعرت بصدق ما حدثها به.
هو حقاً لا يجيد التعامل بالكذب رغم إنه مستفز.
إلا أن سبب ذلك هو صارحته المبالغ فيه.
به بعض المميزات.
***
هل يمكن أن تعطينا الحياة ما نريد دون أي مجهود يصدر منا؟
هل كل ما يدور بالعقل من أحلام يتم تحقيقه في الواقع؟
كيف يأتي من يتقبلك كما أنت حتى وإن كان لا يعلم شيئاً عنك؟
كل هذه الأسئلة تدور برأس نور الآن.
فهل حقاً يمكن أن يأتي اليوم الذي تشتاق إليه؟
وهل سيأتي يوماً ويبتعد؟
***
في يوم الجمعة.
في منزل آل «الشهاوي».
خرج جلال من غرفته مبتسماً وهو يستنشق رائحة البخور.
صوت القرآن الكريم في كل أنحاء المنزل.
يرتدي جلباب أسود أنيق جداً.
رائحة المسك تطيب منه.
ابتسم وهو يرى «حياء» تخرج من غرفة «أيمان» ترتدي إسدالاً أزرق واسع وخمار أسود تلفه حول رأسها بأناقة وجمال.
رفعت «حياء» رأسها ابتسمت برفق قائلة:
«عارفة إني شكلي وحش باللون الأسود بس أنا جايباه اللون ده من زمان وملبستوش خالص حرام يعني فلوسك تضيع على الأرض كده.»
ابتسم «جلال» من ردة فعلها قائلاً:
«على فكرة شكلك مميز. تعرف إن الأسود لون غالي أوي وأي حاجة بتبان حقيقتها جنبه، لأنه على طول باين ومعروف، وأجمل جمل الغزل اتقالت فيه.»
ضيقت «حياء» المسافة بين حاجبيها قائلة:
«إيه ده هو في حد بيتغازل في اللون الأسود، غريبة! طب وقال إيه؟»
نظر هو في عينيها البنية ثم تتبع قسمات وجهها بخمارها الأسود الذي وضعته بأناقة فوق رأسها تخفي به شعرها عن العيون.
ثم تنهد بعمق تنهيدة عاشق تبعها بقوله:
«قُل للمليحة بالخمار الأسوَدِ
ذات الجمالِ النادرِ المتفردِ
ماذا فعلت بناسكِ متعبدٍ
لَـنَـفـرٌ خيرُ بابٍ موصدِ
تاهت دروبُ العالمين… لتهتدي!!
وظفرتَ وحدكَ بالجمالِ السَرمدي
ما اخترتَ غيرَكَ يا فتى من بين مَنْ
كانوا على دينِ النبيِّ مُحمدِ
قُل للمليحة بالخمار الأسود
ماذا فعلت بناسكِ متعبدِ.»
كادت أن تبكي من جمال كلماته ومشاعره الفياضة.
تتمنى لو تلقي نفسها بداخل أحضانها.
تحمد الله ألف مرة في كل لحظة على وجوده بحياتها.
كيف يكون الرجل عندما يعشق؟
مخلصاً، وفياً، عاشقا، مؤمناً بحبه.
وكيف يكون عشق ابن «الشهاوي».
ردت بحشرجة متأثرة من فياض عشقه قائلة:
«ربنا يحفظك ليا.»
تهرب جلال من فيض المشاعر ذلك قائلاً:
«أنا هدخل أتوضأ تاني.»
ابتسمت برفق وهي تنظر له يغادر الصالون.
«يا دعوة يا أمي دعوتيها لأحظى برجل مثل هذا.»
بعد صلاة الجمعة.
خرج من المسجد الكبير نظر لمنفذ السيدات وعينيه لا ترى أي امرأة أخرى وكأنه ينتظرها هي فقط.
خرجت بخطوات بطيئة على استحياء.
حقاً تغيرت على يديه.
ترجل نحو سيارته ليقوم بتشغيل المحرك يقف ينتظرها.
ألقت «حياء» التحية على رفاقها وهي تخرج من البوابة الجانبية لتصعد بجواره.
لاحت أبتسامتها قائلة بهدوء:
«هنعمل إيه دلوقتي؟»
ابتسم «جلال» مجيباً بحنان:
«شهد وحليم عزمونا على الغداء هنروح لهم الولاد وحشوني.»
هزت رأسها بإيماءة بسيطة وهو يتحرك متوجهاً نحو منزل شقيقته.
وصلت سيارته إلى الحي التي تقطن به شهد.
صف سيارته بجوار المنزل ترجل منها وهو يصعد وبجواره «حياء».
استقبلهم «حليم» بود قائلاً:
«نورت يا أبو نسب.»
احتضنه «جلال» وهو يربت على ظهره:
«بنورك يا غالي، أومال فين الولاد وشهد؟»
أجابه «حليم» بهدوء:
«جوه، اتفضلوا. ازيك يا «حياء»؟»
ابتسمت بهدوء قائلة:
«بخير الحمد لله.»
دلف للمنزل ساعدت «شهد» في تحضير المائدة.
بينما جلس «جلال» برفقة «حليم» في شرفة المنزل المطلة على البحر وأخذ يتحدث في بعض الأشياء.
بعد وقت طويل بين المرح والهدوء.
جاءت «ياسمينة» ابنة شهد الكبيرة.
ابتسم «جلال» قائلاً:
«مالك يا قمري زعلانة ليه؟»
ابتسمت «ياسمينة» بحزن قائلة بنبرة متوترة:
«خالو ممكن تعملي ضفيرة زي اللي كنت بتعملهالي زمان أنا وأيمان من وقت ما اتجوزت معملتهاش؟، نفسي تعملهالي.»
ابتسم هو لها ثم حرك رأسه موافقاً.
بينما ركضت من أمامه بعدما أدلى بموافقته حتى أتت بفرشاة الشعر.
طالعها «مالك» زوجها بتعجب فوجدها تأتي نحوه من جديد ثم أعطت الفرشاة لخالها وهي تقول بنبرة مرحة:
«خالي بالك يا خالو عشان شعري طول عن زمان.»
حرك رأسه موافقاً ثم وجه حديثه لزوجها:
«تعالي أعلمك عشان تعملها انت بعد كده، ياله ما أنا مش هاجي أسرح شعر بنت اختي كل شوية.»
رد «مالك» بتعجب وطيبة:
«هو أنا المفروض أسرح لها شعرها.»
ابتسم «جلال» قائلاً:
«يا ابني مراتك ضلعك التاني ولازم تدللها وتعاملها كأنها بنتك. وافتكر إن ده مش بيقلل منك لا سمح الله بالعكس بيرفعك في نظرها ومتنساش إن خير الرفيق سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام موصينا على زوجاتنا.»
ابتسم «مالك» ثم جلس بجواره على الأرض وهي أمامها.
بينما قام «جلال» بفك شعرها ثم شرع في تنفيذ ما طلبته هي.
وهو يعلم زوجها كيفية صنع جديلة.
بينما ابتسمت «حياء» بفرحة.
في حين قام «جلال» بصنع الجديلة لمنتصفها ليخبر «مالك» بإكمال هو البقية بعدما تعلمها.
وفي النهاية وجد «مالك» يضع الرباط حتى يمسكها بمرح قائلاً:
«اتعلمتها يا ياسمينة.»
ركضت هي من أمامهم نحو الخارج.
نظر «مالك» أثرها بدهشة، فوجد «حليم» يقول بنبرة ضحك:
«راحت تشوفها في المراية وهتيجي تاني.»
بعد انتهاء جملته وجدها تأتي إليه تركض لهما تقول بنبرة مختنقة من تأثرها:
«شكلها جميلة أوي تسلم يا خالو.»
نظر لها زوجها عاقد ساعديه أمام صدره يكظم غيظه قائلاً بمشاكسة:
«وأنا كيس جوافة.»
ابتسمت بخجل قائلة بسعادة:
«لا طبعاً إزاي تقول كده…. متشكرة يا مالك بجد حلوة أوي.»
رفع رأسه بحركة مسرحية مرحة قائلاً:
«العفو.»
قاطعهم صوت «شهد» وهي تخرج من المطبخ تحمل صينية موضوع عليها عدة أطباق من الحلويات الشرقية:
«ياله الحلو و متقلقوش سكر مظبوط.»
وضعت الصينية على المائدة لتعطي كل فرد طبق قائلة بهدوء:
«صحيح يا حياء كلمتي إيمان النهاردة… عاملين إيه؟»
ابتسمت «حياء» برفق قائلة:
«كلمتها النهاردة الصبح، بتقول إنهم تمام وإن يوسف جاب لها شغل كويس قريب من الشركة اللي شغال فيها وهتبدأ من بكرة إن شاء الله.»
«شهد»
«إن شاء الله خير.»
***
ظفرت بكِ لتصبحين قمري.. فغدوتي خير ما مر في عمري.
في بيت «يوسف».
جلست «إيمان» على الفراش وحولها صوراً لها في طفولتها.
وقع بصرها على صورة لها مع أخيها وهي تمسك من فروة رأسه وهو يصرخ في وجهها.
ولج «يوسف» إلى الغرفة وهو يسألها بتعجب:
«بتحكي على إيه يا هبلة؟! انتي ملبوسة صح.»
ردت عليه بنبرة ضاحكة:
«تعالي يا يوسف شوف صورنا وإحنا صغيرين، تعالي اتفرج معايا.»
أقترب منها يجلس بجانبها.
فوجدها تقول بمرح:
«قبل ما نيجي ماما حطت ليا الصور دي واحنا صغيرين عشان آخدهم معايا.»
ابتسم باتساع ثم خطف صورة من بين الصور الموجودة.
طالع الصورة بنظرة هائمة.
حركت رأسها وهي تطالعه فوجدته يقول بنبرة خافتة:
«الصورة دي عمري ما هعرف أنساها يا إيمان، هتفضل أقرب صورة ليكي على قلبي. لسه فاكر يومها كنتي منهارة في العياط بعد ما ختمتي القرآن انتي وصالح، عمي جلال وقتها خدك في حضنه وفضلتوا لوقت طويل.»
ابتسمت هي برفق وهي تضع رأسها على كتفه قائلة:
«لسه فاكر يا يوسف ده فات أكتر من عشر سنين عليها.»
أخفض رأسه يطالعها وهو يقول بنبرة هامسة:
«كل حاجة خاصة بيكي يا إيمان محفورة في قلبي. أنا كبرت وعشت على أمل إنك تكوني ليا في يوم من الأيام، كفاية وجودك معايا.»
أخفضت رأسها بخجل.
ثم أخرجت صورة أخرى تجمعها «بصالح» و« يوسف»:
«الصورة دي هتفضل قريبة لقلبي عشان كنا فيها إحنا التلاتة.»
طبع قبلة على قمة رأسها قائلاً:
«ربنا يحفظك ليا يا رب.»
صاح فجأة بمرح قائلاً:
«ياله هفرجك على المدينة، البسي هنخرج سوا بكرة أول يوم شغل لينا بعد الإجازة لازم نستغل الفرصة.»
ابتسمت «إيمان» ونهضت بسعادة قائلة:
«فورية وأكون جاهزة.»
اتجهت نحو الخزانة بحماس لتأخذ ثيابها تبدل ثيابها.
ابتسم «يوسف» وهو ينظر للصور الموضوعة على الفراش بفوضوية، وكأن أيام الطفولة تعاد مرة أخرى.
وجد صور له برفقة «حياء» وهي تحمله وهو يحتضنها.
وصورة أخرى برفقة «جلال» و«أيوب».
تبدلت ملامحه للحزن وهو ينظر لصورة والده الراحل.
خرجت «إيمان» من الحمام وقد بدلت ثيابها لأخرى.
وجدته يجلس كما تركته.
نظرت لصورة عمها.
انحنت لتجلس أرضاً أمامه تمسكت بيديه بقوة وسعادة قائلة:
«ادعيله يا يوسف، أكيد محتاج دعواتنا.»
لاحت الحزن على وجهه قائلاً:
«تفتكري كان بيحبني يا إيمان؟ عارفة أنا لولا عمي جلال مكنتش هبقى كده، تخيلي تتربى في بيت مفيهوش أعمدة أساسية ولا أب ولا أم.»
تنهدت «إيمان» مجيبة برفق:
«أولاً كان هو حبك أكتر من أي حد لأن مفيش أب بيكره ولاده يا چو. ثانياً عمي الله يرحمه يمكن اختار في بداية حياته غلط لكن اتعلم من تجربته. وبعدين هو ربنا خلقنا ليه؟ مش عشان نتعلم. يمكن جه عليك انت ونيران شوية لكن حبكم أوي وندم. أنتَ ونيران كنتم سبب في إنه يفكر يتغير عشانكم وده معناه إنه بيحبكم أوي كمان.»
ابتسم «يوسف» قائلاً برفق:
«تعرفي أنا نفسي في إيه يا إيمان؟ يكون عندي أولاد منك وتكوني انتي أمهم وتربيهم على أخلاقك، وقتها هكون مطمن عليهم.»
ردت هي بهدوء قائلة:
«إن شاء الله يا حبيبي، إن شاء الله. وبعدين مش ياله بقى العصر المفروض يأذن عايزة أتفرج على المكان كله.»
إيماءة بسيطة ثم استقام تمسك بيديه وهو يخرج من الغرفة.
و المنزل يبدأ يومهم، حيث أخذ جولة في المكان لتشتري بعض الأشياء التي تنقصها وبعض المستلزمات المنزلية.
***
أن نكتب في نهاية سطورنا، أننا نلنا ما صبرنا لأجله هو الشعور الأجمل بالسعادة.
في بيت «علي».
في منتصف اليوم وقبل عودة «علي» من عمله، كانت «حبيبة» تجلس في المطبخ برفقة «هدى» تقوم بتحضير الطعام بينما يتحدثان.
«هدى»
«أنا هطلع لخالتك أم أحمد بيقولوا تعبانة.»
أومأت لها «حبيبة» بهدوء قائلة:
«طب ثواني أنا هحط الأكل على الصينية وخديه معاك، وأنا هجهز باقي الغداء على ما علي يجي من المصنع.»
تنهدت «هدى» وهي تربت على ظهرها بحنان قائلة:
«ماشي يا حبيبتي، ربنا يسعدكم يا حبيبة يارب. هدخل أغير هدومي على ما تحطي.»
أومأت لها حبيبة بالإيجاب.
بينما خرجت هي من المطبخ لغرفتها.
بعد مرور دقائق.
سمعت صوت الباب يُفتح، انتظرت ثواني ثم رفعت صوتها وهي تقول:
«ماما هدى انتي جيتي؟»
أشراب هو برأسه وهو على عتبة المطبخ ثم قال بمرح:
«لا مش ماما هدى بس ابنها، ينفع معاكي؟»
ضحكت هي بسعادة بالغة حينما رأته ثم ركضت إليه وهي تقول بهدوء:
«طبعاً ينفع ونص كمان، هو إحنا نطول.»
نظر لها متعجباً ثم قال بطريقة مضحكة تشبه طريقتها:
«لمي نفسك يا بيبة، أنا بقولك أهو عشان متندميش بعد كده.»
شهقت هي بقوة ثم التفتت توليه ظهرها فوجدته يضحك وهو يميل عليها مقبلاً وجنتها وهو يقول بمرح:
«بقالي في البيت ده أربع سنين وأول مرة أشوف كل الحلويات دي، مطبخنا فيه كل الحلويات دي تتأكدي أكل.»
التفت إليه تقول بفرحة عارمة:
«أنا وماما اللي عملنا كل ده مع بعض، ها إيه رأيك؟»
تلاشت بسمته شيئاً فشيئاً وهو يقول بحنق من عدم استيعابها لما قاله:
«هي حلويات بس غبية.»
ضيق جفنيها وهي تنظر له بشك فوجدته يتابع حديثه قائلاً:
«أنا أقصد انت الحلويات يا حلويات قلبي، نو استيعاب خالص كده.»
ابتسمت «حبيبة» بخجل وقبل أن ترد معقبه على حديثه، وجدت والدته تمسكه من الخلف وهي تقول بغضب:
«بتعمل إيه في المطبخ يا جزمة؟ لم نفسك وابعد عن المنطقة دي خالص.»
رد عليها ببساطة بعدما أبعدت يديها عنه:
«أنا واحد راجع من الشغل تعبان، ببص لقيت المطبخ حلويات من حقي أدوق برضه.»
ردت عليه والدته بحنق:
«ده في أوضتكم يا حيوان، لكن المطبخ تقعد بأدبك.»
رد عليها هو بضيق قائلاً:
«بس… أنا أروح أوضتي آكل فيها براحتي لحد يطردني من المطبخ ولا حد يقفشني بأكل حلويات، معايا يا حلويات.»
قال جملته وهو يمسك يد زوجته يكاد يغادر المطبخ بها إلا أن صوت والدته الحاد قاطعه:
«بتعمل إيه يا معفن، جاي من الشغل والشارع وداخل المطبخ بتمسك إيديها، جاتك القرف بصحيح اطلع برا يا علي وبعدين إحنا لسه مخلصناش، ياله روح غير هدومك على ما نخلص.»
أومأ له ثم غمز لزوجته قائلاً بمرح:
«راجعلك يا حلويات.»
أخفضت حبيبة رأسها خجلاً وهي تتهرب من النظر لوالدته.
بينما ضربت هدى كفيها ببعض قائلة:
«عوض عليا عوض الصابرين الواد اتهبل، بس بيحبها.»
بعد ربع ساعة.
خرج من غرفته ليجدها تجلس على كرسيها في المطبخ تقوم بعمل السلطة.
ابتسم بخبث وهو لا يرى والدته، ليعلم أنها خرجت لتأدية فرضها.
دخل المطبخ لتبتسم قائلة بحماس:
«خليك زي ما انت، متتحركش.»
توقف «علي» بتعجب فوجدها تذهب نحو أحد الصواني الموضوعة على الترابيزة.
أخذت ملعقة لتملئها بالطعام وهي تقول بنبرة هادئة:
«دوق كده وقولي رأيك؟ استوت ولا لأ؟»
نظر لها باندهاش حقيقة فوجدها ترفع نفسها حتى أطعمته وهي تسأله عندما عادت لوضعها من جديد:
«ها حلوة ولأ؟ واستوت ولا لأ؟»
«هي حلوة بس إيه دي أصلاً، مش قادر أحدد.»
ردت عليه بنبرة متحمسة قائلة:
«مش مهم اسمها وصفة جديدة اتعلمتها.»
ابتسم طابعاً قبلة أعلى رأسها قائلاً:
«تسلم إيدك يا بيبة.»
ابتسمت بحب وهو تتجه نحو الفرن بحماس وفرحة كبيرة.
تمنى لو يركع لله فوراً.
فالله أعطاه كل ما تمنى.
خرج من المطبخ وتوجه لغرفته وقد شعر في النهاية أن الله أرضى قلبه المتيم بعشقها.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم دعاء احمد
بعد يومان بعد عودتهم إلى الإسكندرية، دخل صالح شقته بعد يوم طويل من العمل يشعر بالإجهاد والتعب، خاصة أنه يبحث خلف "رشاد" وعن عمليات التزوير التي يقوم بها من قبل حتى أن يتزوج من صوفيا. عندما كان يعمل بمكتب المحاماة، وجد أكثر من عملية تزوير قام بها لبعض الأشخاص ووجد بعض الأدلة تدينه، ولا يزال يبحث خلفه حتى يتخلص منها نهائياً، فهو لا يرغب بشيء أكثر من ذلك.
أغلق الباب خلفه بهدوء لترتسم فوق وجهه ابتسامة واسعة عندما وقعت عيناه على تلك الجالسة فوق الفراش تعقد شعرها بكعكة مبعثرة فوق رأسها، بينما ترتدي بيجامة قطنية تظهر استدارة بطنها التي بدأت بالبروز، فقد كانت في بداية شهرها الرابع من الحمل. لا يعلم كيف مر عليه المدة الماضية بعد خروجها من المشفى، فقد كان يشعر بالرعب والخوف عليها بسبب توعكها المستمر، فقد كانت لا تفارق الفراش إلا قليلاً تتقيأ كل ما تتناوله، تشعر بالغثيان والدوران. لكن تلك الأعراض اختفت أخيرًا منذ ما يزيد من أسبوعين، لكن خوفه هو لم يختفِ، لا يعلم كيف سيستطيع أن يتحمل تلك الشهور الباقية.
تقدم لداخل الغرفة لكنه تنهد بحنق عندما لاحظ كم الحلويات المتناثرة فوق الفراش، حيث كان هناك العديد والعديد منها بالإضافة إلى أنواع مختلفة من المقرمشات غير الصحية بالمرة، التي أصبحت لا تكف عن تناولها منذ أن انتهت موجات غثيانها تلك.
اقترب منها ببطء مستغلاً انشغالها بالتلفاز الذي تشاهده بحماس وتتابع الكرتون كعادتها، قام بنزع من يدها سريعًا لوح الشوكولاتة الذي كان بيدها الأخرى تتناول منه، مما جعلها تشهق بقوة فازعة. لكن فور رؤيتها له هدأت فزعها هذا، لكنها أدركت من التعبير المرتسم فوق وجهه بأنه سيعنفها بسبب تناولها للشوكولاتة والمقرمشات، فقد أصبحت تأكلها يوميًا بشكل غير طبيعي وكان هو يمنعها عنها، لكنها فور مغادرته للعمل تجلب ما تريده قائلة بأن هذا وحم ويجب عليها إرضاؤه حتى لا يتأذى طفلها، وقد أكدت على ذلك وكانت "حياء" تساعدها في كثير بتهريب القليل منهم إلى غرفتها دون علمه.
رسمت ابتسامة جعلتها بريئة قدر الإمكان فوق وجهها، بينما تمد يدها نحوه تنوي أخذ لوح الشوكولاتة، لكنه زمجر بحده بينما يبعد يده عنها.
"لا."
تغضن وجهها بينما تهتف بغضب.
"علشان خاطري يا صالح.. طيب هاكل حتة صغيرة بس."
اقترب منها مما جعلها تبتسم ظنًا منها بأنه سوف يعطيه لها، لكنه فاجأها عندما اتجه نحو الفراش وقام بجمع كل تلك الحلويات المتناثرة فوق، قائلاً بحزم وغضب.
"برضو لأ…. وآخر مرة يا زينب أشوفك بتاكلي القرف ده."
تراجعت فوق الفراش محاولة منعه من أخذ آخر قطعة شوكولاتة غفل عنها، لكنه انتبه إليها وأسرع ملتقطًا إياها، مما جعلها تهتف بغضب.
"على فكرة ده اسمه وحم… يعني مش بمزاجي."
هز كتفيه قائلاً ببرود.
"انتي بقالك أسبوع بتاكلي في شوكولاتة وشيبسي وكل الحاجات دي مش صحية."
القي ما بيده فوق إحدى المقاعد قبل أن يتجه نحوها مرة أخرى ويجلس بجانبها، لكن عند رؤيته للحزن الذي ارتسم فوق وجهها، أحاط وجهها بحنان بيديه رافعاً رأسها إليه.
"يا حبيبتي أنا خايف عليكي، كل المواد الحافظة دي غلط عليكي… ده غير أنها بتسد نفسك عن الأكل… والمفروض تهتمي بأكلك عشان صحتك.. وأنا مبقاش فيا أعصاب إنك تتعبي تاني."
أومأت "زينب" برأسها بصمت ولا يزال ذات التعبير الحزين مرتسم فوق وجهها، مما جعله يزفر باستسلام قبل أن ينهض ويتجه نحو المقعد يلتقط إحدى الأكياس من ثم عاد إليها واضعًا إياه بين يديها قائلاً.
"خلاص.. كلي… بس اعملي حسابك مفيش غيره ده هتاكليه."
هزت رأسها رافضة أخذه بصمت وقد ترقرق الدموع في عينيها.
غمغم بصبر وهدوء فقد كان يعلم بأنها منذ حملها وأبسط الأشياء تبكيها.
"لا ليه يا زينب؟! مش انتي بتحبيها…"
همست بصوت مرتجف ضعيف.
"خالص ماليش نفس، متزعلش مني أنا عارفة إني بضغط عليك كتير….."
رد بهدوء قائلاً.
"انتي مش بتضغطي عليا ولا حاجة.. وعمري ما أزعل منك، أنا عارف ومقدر التعب اللي انتي فيه…"
حركت رأسها موافقة لتجده يتحدث بهدوء.
"طب مدام كدا بقى قومي ياله غيري وتعالي ننزل نتمشى شوية."
اعتدلت في جلستها بحماس قائلة.
"بجد بس الوقت اتأخر والساعة دلوقتي اتنين."
مال عليها قائلاً بخبث.
"طب والنبي إيه لازمته الجواز لو مش هنخرج في وقت متأخر ياله قومي الجو دلوقتي هادي جدا."
ردت عليه بنبرة هادئة.
"هو أنا أصلًا مش فاهمة حاجة بس ماشي هدخل أغير."
أومأ لها موافقًا متابعًا انسحابها سريعًا.
استقامت بسرعة وهي تتجه نحو الخزانة لتأخذ ثيابها تبدلها، حيث ارتدت هودي أبيض وجيب سوداء، وضعت حجاب رمادي فوق شعرها.
بعد مدة.
كانا يسيران معًا في الطرقات.
استنشقت الهواء بارتياح، فكم كانت تحتاج له في ذلك الوقت.
في صباح اليوم في منزله.
كانت نائمة بارتياح، فين حين كان يعمل على حاسوبه باحترافية، يضغط على الأزرار بحرفية ومهارة عالية.
ابتسم بعبث وهو يضغط على آخر زر بحماس، تزامنًا مع رنين جرس الباب.
وضع الحاسوب على الطاولة أمامه بينما اتجه ليفتح الباب ليجد "عفت" تقف أمامه قائلة بهدوء ونبرة انكسار زائفة.
"أستاذ صالح، حياء هانم قالتلي أطلع أشوفكم لو محتاجين حاجة."
رد "صالح" بجدية قائلاً.
"آه يا عفت تعالي جهزي الفطار."
أومأت له وهي تدلف للشقة، بينما أغلق الباب وجلس مرة أخرى يعمل على حاسوبه.
بعد مرور لحظات، آتاه اتصال ليجيب قائلاً.
"أيوه يا علي، المزاد ده لازم يبقى من نصيبنا، انت عارف مهم إزاي بالنسبة ليا ومراهن على كل فلوسي قصاده، لازم أخده وإلا هيبقى فيه خسائر كتير أوي وساعتها هيبقى تعويض الخساير دي صعبة أوي، انت عارف الوكالة بتخسر إزاي في الأيام اللي فاتت، لازم نعوض الخسائر دي، تمام المهم إنك سجلت اسمي فيه ودفعت الفلوس، تمام نتقابل في الشادر ونتكلم في التفاصيل."
أغلق الهاتف واضعًا إياه جانبًا ليعود إلى عمله مرة أخرى.
بعد نصف ساعة.
"هتفت "عفت" بجدية قائلة."
"الفطار جاهز يا بشمهندس، تؤمرني بحاجة تانية."
رد بينما لا يزال ينظر لحاسوبه.
"لا يا عفت انزلي انتي دلوقتي يمكن ماما تحتاجك."
ردت بجدية قائلة.
"طب مش عايزني أصحّي المدام؟"
رفع بصره لها قائلاً بحدة.
"قلتلك لا يا عفت وياله انزلي وبطلي تحشري نفسك في اللي ميخصكيش."
حاولت التبرير لكنه قاطعها بنبرة مقررة قائلاً.
"مش عايز أسمع حاجة وياله انزلي ورايا شغل مش فاضيلك."
أومأت له وهي تتجه نحو الباب مغادرة الشقة، بينما نظر لها صالح بحنق قائلاً.
"اصبري عليا……."
***
في المنصورة.
استيقظت "بيلا" بكسل لتتجه نحو الحمام ببطء ونوم.
خرجت بعد دقائق لتقف تصفف شعرها بالمجفف.
ارتدت ثيابها وغادرت الغرفة.
نزلت الدرج برفق، شاعرة بشيء مختلف منذ أن جاء إلى المنصورة قبل يومين. فقد شعرت بأنه أعاد لحياتها رونقها، رغم أنهما لا يتحدثا كثيرًا وحديثهما يكون بحدود معينة، لكن رغم ذلك، أعطاها مذاقًا مختلفًا.
دلفت إلى المطبخ، لتنصدم بوجوده يقف أمام الموقد يقوم بصنع فنجان قهوة.
يقف يبدو شارد الذهن، يرتدي قميص أبيض يشمر كمه، بنطال كحلي.
تـتـحـنـحـن بحرج قائلة.
"صباح الخير."
ابتسم بهدوء قائلاً.
"صباح النور، آسف لو اقتحم البيت بس كنت محتاج فنجان قهوة."
أيمــاءة بسيطة قامت بها قائلة.
"البيت بيتك يا بشمهندس."
سكب القهوة بالفنجان وأخذ يرتشف منه وهو ينظر لها تقوم بسكب كأس من العصير، ليسألها بهدوء.
"صحيح يا بيلا انتي اختفيتي فين زمان؟ قلتي إنك هتتجوزي، اتجوزتي؟ ولا سافرتي فرنسا؟"
وضعت الكوب جانبًا وهي تبتسم بمرارة قائلة بكذب.
"سافرت، العريس اللي اتقدملي مكنش مناسب ليا وحسيت إني عايزة أسافر وأخد وقت مع نفسي أسافر وأغير جو."
رفع حاجبه باستنكار قائلاً بحدة.
"ياترى غيرتي جو؟"
في تلك اللحظة تذكرت أدوية الاكتئاب وجلسات الكهرباء التي تعرضت لها في المصحة، لتجيب بهدوء ولمعة دموع.
"طبعًا يا عمر غيرت جو وانبسطت جدًا، رميت كل حاجة ورا ضهري."
تمنى لو يمسكها بعنف يهزها بغضب متذكر كيف تحول بعد افتراقهما وما عاناه، وكيف تحولت حياته من بعدها، ليجيب ببرود.
"يا بختك يا بيلا، يا بختك بس ليه مقولتيش لحد إنك في فرنسا على الأقل صفا."
حدثته بجدية قائلة.
"عمر انت عايز إيه؟ أجوبة الأسئلة دي هتفرق معاك… أظن إن الموضوع انتهى بعد إذنك."
غادرت المطبخ لتصعد لغرفتها مرة أخرى.
في نفس الوقت نزلت صفا وقد تحسنت حالتها، لتجده يقف كما تركته.
"عمر."
بجدية.
"بقيتي أحسن دلوقتي؟"
ابتسمت أخته قائلة.
"آه الحمد لله بقيت أحسن، أومال فين بيلا؟"
زفر هو بحنق قائلاً.
"طلعت أوضتها، هنرجع القاهرة النهاردة ياريت تجهزي."
"صفا."
بحنان.
"عمر… خلينا شوية بيلا لوحدها بقالها كتير ومحدش بيجي يزورها."
سألها "عمر" بجدية قائلاً.
"لسه ومريم ومحمود فين؟"
ابتسمت بسخرية قائلة.
"مريم ومحمود!! أنا هطلع أغير وأسلم على بيلا علشان نمشي."
لم يهتم كثيرًا أو مثل ذلك بمهارة وهو يرتشف من فنجانه قائلاً.
"ياريت متتأخريش علشان نلحق نرجع عندي شغل مهم في المجموعة."
زفرت بحنق وهي تصعد الدرج لتقوم بتبديل ثيابها وتوديع بيلا للمغادرة.
بعد نصف ساعة من مغادرتهم.
في سيارة عمر.
سألها مجددًا بهدوء ولهفة قائلاً.
"برضو مقولتيليش ليه مريم ومحمود مش بييجوا يزوروها."
ردت "صفا" بحزن قائلة.
"كل واحد مشغول في حياته ومحدش منهم بيسأل فيها إلا كل فين وفين البنت اللي اسمها زينب دي هي اللي كانت معاها الأسبوعين اللي فاتوا…"
همس "عمر" قائلاً.
"زينب."
لتمتزج نبرته بالوحدة والغضب قائلاً.
"على العموم مش لازم يقلقوا على الهانم هي برضو ميتخافش عليها بتسافر وبتعيش حياتها."
ضيقت صفا المسافة بين حاجبيها قائلة.
"مين دي اللي بتسافر؟! بيلا!!"
"هو في غيرها؟"
ردت صفا بغضب وضيق لتبرأ صديقتها قائلة بغضب.
"عمر لو سمحت مسمحلكش تتكلم عنها كده، وبعيد عن أي حاجة كانت بينكم بيلا صحبتي ومش هسملك تقلل منها يا أخي حرام عليك كفاية اللي هي مرت بيه."
رد بغضب قائلاً.
"مرت بيه؟ هو إيه ده إن شاء الله اللي مرت بيه؟ سافرت وبعدت ونسيت أي حاجة."
احمر وجهها قائلة.
"كذب وافتراء، بلاش أنت يا عمر بلاش أنت كمان تيجي عليها، لو انت اتوجعت للحظة فهي عاشت في جحيم وبعدين مين اداك الحق تتكلم عنها كده، دي واحدة خسرت كل حاجة، حياتها وشغلها وأبوها وجدتها وبنتها، انت بجد بتفكر إزاي يا عمر."
سألها باهتمام وخوف قائلاً.
"تقصد إيه يا صفا، أومال اختفت فين سبع سنين أنا دورت عليها في كل حتة في مصر وهي فص ملح."
ردت ببساطة ساخرة.
"يمكن لأن المكان اللي هي كانت فيه حضرتك مدورتش فيه، دورت في المصحات النفسية، دورت في المستشفيات وقت ما كانت بتموت."
تجمعت الدموع في عينيه قائلاً.
"بتموت؟!"
ردت صفا بجدية وحزن قائلة.
"هي كانت واخدة مني وعد إني مقولش لحد بس خالص أنا تعبت وانت لازم تعرف عشان متظلمهاش انت كمان يا عمر، في حد وصل قسيمة الجواز لسالم باشا وكمان كان فيه صور لبيلا وهي حامل طبعًا هو كان عارف إنها مع جدتها في إسكندرية لكن انصدم من موضوع جوازكم وطبعًا سافر إسكندرية فورًا، وراح المستشفى اللي هي ولدت فيها ورجعها معه المنصورة، في نفس الوقت اللي انت كنت جايب البنت وجاي المنصورة عشان تحاول ترضيه بأي تمن وطبعًا عملت الحادثة.
لما أبوها جابها إسكندرية مكنش مصدق إنها عملت كده من وراه، ضربها وقال كلام وحش أوي في حقها، رغم إن محمود كان شاهد على جوازكم لكن مقدرش يلحقها من إيديه ولا قدر يتكلم ويقول إن هو وجدتها نبيلة كانوا شاهدين على الجواز عند المأذون.
فقدت الوعي وخصوصًا إنها كانت لسه خارجة من عملية الولادة وأخذوها على المستشفى وبعد حوالي تلات أيام فاقت.
كانت دائمًا بتكرر إنك هتيجي وهتقول لأبوها إنك اتجوزتها عشان بتحبها فعلاً، مش عشان الخزعبلات اللي في دماغه اللي تخص الشغل اللي بينكم وجو الانتقام والكلام ده. فضلت مستنياك وبتقول عمر هيرجع لكن اللي حصل إنك كنت عملت الحادثة ودخلت في غيبوبة والبنت لقوها ميتة. مريم حاولت تبلغها الخبر لكن متقبلتوش وفضلت تقول إنك هترجع وإنها عايزة تشوف بنتها لكن للأسف انت فضلت ست شهور في الغيبوبة.
جدتها نبيلة طبعًا مسكتتش لأبوها على عمله فيها وضربه ليها وقالتله إنه السبب في كل حاجة لأنه رفض موضوع جوازكم بالشكل اللي حصل في حفلة الخطوبة ورفضه لموضوعكم.
وإنها هي اللي جابتك إسكندرية وأقنعت بيلا إنكم تتجوزوا بالطريقة دي، وإن أخوها وأختها كانوا عارفين.
لكن نبيلة هانم الله يرحمها كانت متأكدة إنه لا يمكن يوافق عليك عشان كده أقنعت بيلا إنكم تتجوزوا من وراه.
سالم وقتها نشف دماغه ومكنش متقبل إنه يسمع من أي حد.
بعد شهرين من الحادثة نبيلة تعبت وللأسف ماتت… بيلا حسّت إنه خسرت كل حاجة وبدأت تدخل في حالة اكتئاب وكانت هتموت وتخرج من القصر عشان تطمن عليك لكن أبوها كان منعها من الخروج.
وللأسف وقتها كانت بتاخد أدوية اكتئاب وأدوية مهدئة.
بعد أربع شهور حالتها زادت سوء وخصوصًا إنها كانت دائمًا لوحدها ومحبوسة في أوضتها.. مريم ومحمود حاولوا يخرجوها من حالتها دي لكن كانت بتكرر سؤال واحد.
"هو أنا وحشة للدرجة دي عشان ربنا يحرمني من بنتي ومش أشوفها إلا مرة واحدة."
وساعات كانت بتصحي تصرخ وتعيط بهستيريا لدرجة إن الجيران بقوا يستغربوا لأن بيلا طول عمرها بنت رقيقة وهادية مكنش حد بيسمع صوتها إلا في الهزار والضحك.
كانت وقتها فاقت من الغيبوبة وعرفِت اللي حصل.
ومريم بلغت بيلا إنك فوقت كانت عايزة تخرج بأي شكل وتشوفك لكن مقدرتش.
سالم وقتها كان معاه الموبيل بتاعها وكان بيشوف اتصالاتك المتكررة.
ولما انت روحت قصر الدمنهوري عشان تشوفها كنت لسه انت كمان في حالة الصدمة ومرضك مكنتش اتعافيت منه.
وقتها صمتت إنك تشوفها ولما سالم رفض بلغت البوليس وقلت إنه بيمنعك من رؤية مراتك بس وقتها دورت على القسيمة وللأسف مكنتش معاك لأن زي ما قلتلك في حد وصلها لسالم.
والبوليس مفادكش بحاجة وسالم أنكر إنكم اتجوزتوا أصلاً عشان الفضايح.
لكن وافق بعد أسبوعين إنك تشوفها."
صمتت للحظات ليتابع عمر بدموع قائلاً.
"وقتها قابلتني وقالت إنها بتكرهك وإني قتلت بنتنا عشان أقطع أي علاقة بينا وإني كنت بعمل كل ده عشان أكسر عيلتها ولما حاولت أفهمها صرخت وبقيت تقول كلام غريب وإنها عايزة تتطلق وإنها بتكرهني.
وقالت إنها هتسافر وتسيب مصر وهتتجوز تاني وتخلف وهتنساني."
بكت صفا بقهر قائلة.
"في اليوم ده سالم هو اللي قالها تعمل كده وقالت في حقك كلام تاني كتير بشع عشان تخليك تطلقها وانت فعلًا طلقتها وسافر لندن سنة ونص."
سألها عمر برعب ودموع قائلاً.
"وهي كانت فين؟ وإيه اللي حصل؟"
"في مصحة."
"بعد ما انت طلقتها تعبت أكتر وبقيت لوحدها ودايمًا بتقول كلام مش منطقي ومبقتش تقدر تجمع الكلام ودايمًا تصرخ وتعيط.
سالم سافر القاهرة وخدها معاه وقتها الدكتور قاله إن للأسف حالتها اتأخرت أوي ووصلت لمرحلة إنها كانت بتتعالج بجلسات كهربا وأدوية كتير جدًا ودايمًا تكرر نفس السؤال عن بنتها وإنها نفسها تشوفها وتحضنها ولو لمرة واحدة بس وبعدها مش عايزة حاجة تانية.
في مرة سرقت شريط كامل من أدوية الاكتئاب من الممرض وبعد ما خرجوا أخدتها كلها لكن لحقوا عليها لآخر لحظة وأدخلوها المستشفى وبعدها لما رجعت المصحة تاني فضلت ساكتة ومن بعدها مبقتش تتكلم خالص.
لدرجة إن سالم نفسه تعب وهو شايف أجمل واحدة في أولاده وإنهم بيتعرض لكل ده.
وقتها حس إنه السبب لما بعدكم أول مرة يوم الخطوبة وتاني مرة لما أجبرها تطلب الطلاق منكم.
وأوصى أخواتها عليها.
عرفت من مريم إن قبل ما يموت بكم يوم راحلها المستشفى وفضل يتكلم معاها وهي ساكتة وبتعيط لحد ما حضنها.
وقتها بقت منهارة وهي بتحضنه بقوة وبتكرر جملة واحدة.
"أنا تعبت يا بابا خليك حضني والنبي…"
مريم قالتلي إنهم في اليوم ده معرفش يبعد عنها لحد ما نامت، فضل بايت معاها في المستشفى.
وبعدها بكم يوم توفي.
بعد سبع سنين في المصحة خرجت من المستشفى بعد ما بان إنها كويسة، كان عندها تلاتين سنة.. أنا كنت بدور عليها ومحدش راضي يقول أي معلومة عن اختفائها إلا لما خرجت….
وقتها مريم كلمتني وقالتلي بيلا رجعت ومحتاجة تتكلم معاكِ، طبعًا سبت كل حاجة ومهتمتش أقولك إلا لما أقابلها وأفهمها على اختفائها ده.
لكن لما روحت القصر شفت بنت تانية هادية ومستسلمة، آه بتبتسم وهادية جدًا لكن مش بيلا اللي بتضحك دايمًا لدرجة إن كل اللي قالوها كانوا بيقعوا في عشق ضحكتها.
قعدت معاها وبدأت أتكلم معاها وطلبت منها تحكيلي اللي حصل معاها لكنها كانت بتعيط ويبان عليها التشنج.
وقتها مريم أخدتني وحكتلي كل اللي حصل بالتفصيل وإزاي اتحولت بالشكل ده.
وبعد كم مقابلة بدأت تتكلم معايا وتقولي إن المكان وحشها وبدأت تتكلم بهدوء جدًا.
وقتها قولتلها إنك متجوزتش وإنك في القاهرة ونقلت كل حاجة تبع شغلك للقاهرة ومن وقت اللي حصل مجتش المنصورة ولا مرة.
قالتلي إنها مبسوطة بيك وفرحانة لنجاحك وواضح إنها كانت بتتابع أخبارك من مريم والجرائد.
لكن طلبت مني إن مقولش أي حاجة عنها خالص ووعدتها إني مش هحكيلك.
وفضلت أقابلها كل مدة لكن هي للأسف مكنتش اتعافت ولا لحد دلوقتي اتعافت.
حتى الخادمة وفردوس الممرضة بيقولوا إنها لسه بتصحى بكوابيس وفزع وخصوصًا إنها كانت عايشة لوحدها.
لكن الكوابيس دي كانت بتقل لما بتقابل ناس زي زينب دي لما كانت بتبات معاها كانت بتفضل نايمة وقت طويل براحة.
مريم اتجوزت ومحمود اتجوز وسافروا القاهرة بقى هو اللي يدير الشغل هو وجوز مريم.
وانت سافرت وبدأت تشتغل وتجاهلت كل اللي حصل وقدرت تبني نفسك وتكبر المجموعة.
وبيلا خسرت كل حاجة حتى حلمها إنها تكون من مصممين أعمال الخزف خسرته، كل ده بسبب الحب…..
تعرف بيلا كانت دايمًا تقول إنها هتبقى أفضل مصممة خزف في الشرق الأوسط وهيبقى عندها معارض كتير جدًا وتعرض شغلها في كل مكان في العالم.
وقتها لما قالت كده كل الدفعة كانوا واثقين إنها هتحقق حلمها لأنها كانت أشطر واحدة في الدفعة وحماسها كان غريب ومميز.
لكن إيه اللي حصل؟
خسرت كل حاجة….. وانت دلوقتي تقولي بتسافر وتغير جو، والله يبقى حرام عليك يا عمر."
كان يستمع لها بقلب منفطر وعيون باكية يحاول استيعاب كل هذا، فكيف هي من تعرضت له.
"عمر."
بغضب.
"غبية غبية غبية."
ترجل من السيارة وهو يصفق الباب خلفه بغضب.
لتنزل صفا بسرعة قائلة.
"رايح فين يا عمر مش هنسافر."
هتف بحدة للسائق قائلاً.
"وصلها للبيت ارجعي معاه."
"وانت رايح فين؟"
نظر للطريق الطويل أمامه قائلاً بدموع.
"هـلـحـق اللي ضاع من عمرنا."
أوقف عربة نقل كبيرة كانت على الطريق ليصعد بها في طريقه لها، وآه من لوعة العشق.
***
كانت تجلس في جنينة القصر بعدما أجرت اتصال بزينب لتطمئن عليها كعادته منذ أن غادرا.
أغمضت عينيها وهي تبتسم بمرارة وتتذكر أجمل لحظة بعمرها.
****************
عودة لإحدى ذكريات الماضي.
خرجت بيلا من القصر بعد حفلة الخطوبة المشؤومة تلك مع جدتها وهي تنوي ترك المنصورة والسفر للإسكندرية.
ابتسمت نبيلة قائلة.
"ممكن تفكي التكشيرة دي."
أومأت لها بابتسامة قائلة بطيبة.
"هدخل أسلم على بابا."
ابتسمت نبيلة قائلة.
"طول عمرك قلبك أبيض يا بيلا ياله سلمي عليه."
تركت جدتها لتتجه نحو مكتب والدها.
أطرقت على الباب بخفة ليسمح لها بالدخول.
تـحـنـحـن بهدوء قائلة.
"أنا خلاص هسافر مع تيتة."
أومأ لها بجدية ولم ينظر لها حتى، شاعر بالضيق من نفسه ومن رفضه لعمر بتلك الطريقة المهينة وكسر فرحتها.
ابتسمت وهي تقترب منه وتجلس أرضًا قائلة بلهفة.
"بابا أنا خلاص هسافر… معقول مش هتبص لي حتى."
نظر لها ولعيونها الحمراء أثر البكاء بالمدة السابقة وحزنها بعد ما حدث، لكن رغم ذلك كانت تبتسم.
احتضنها سالم قائلاً.
"ما بلاش تسافري يا بيلا بلاش عشان خاطري."
انسابت دموعها لتقول.
"مش هقدر أفضل هنا معلش يا بابا مش هقدر، هروح مع تيتة نبيلة."
أومأ لها بالموافقة لتغادر القصر بعدها تاركة المنصورة.
بعد يومان في الإسكندرية.
فغرت بيلا شفتيها بصدمة وهي تستمع لجدتها.
"بيلا."
"إنتي بتقولي إيه يا تيتة؟ أنا وعمر نتجوز إزاي يعني وبابا مش موافق وبعدين هو بعد اللي حصل ده عمر هيطيق يبص في وشي بابا؟ أهاناه أوي وسط الضيوف."
ابتسمت نبيلة بحماس وحب قائلة.
"بس عمر فعلًا بيحبك وبعد ما انتي كلمتيه وقولتيله إنك هتسيبي المنصورة أنا قابلته وفهمته إنك مكنتيش تعرفي حاجة عن اللي أبوكي عملها.
وهو صدقني بسرعة لأن انتي كنتي كلمتيه أصلًا وهو تقريبًا كده فهم من نبرة صوتك.
ودلوقتي هو فعلًا عايز يتجوزك ومفيش غير الحل ده."
ارتفع حاجب بيلا بحنق وضيق قائلة.
"إنتي عايزاني أتجوزه عرفي يا تيتة؟ لا طبعًا لا يمكن أعمل كده."
ضربتها على كتفها بخفة.
"عرفي إيه يا هبلة ده جواز على سنة الله ورسوله وبعدين أنا وأخوكي وأختك هنكون شاهدين عليه وفترة ونقول لبابا هو طبعًا هيتعصب ويرفض لكن هيبقى قدام أمر واقع… فاهمه؟"
هزت بيلا رأسها بالرفض قائلة بتوتر.
"يا تيتة بابا هيـقـتـلـنـي لو عرف، أنا الصراحة خايفة."
ابتسمت نبيلة قائلة.
"إحنا معاكي يا بيلا خايفة من إيه يا حبيبتي، انتي بتحبيه صح."
أخفضت رأسها بخجل وارتباك قائلة.
"اصل.. يعني.. أنا…"
ابتسمت وهي تحتضنها قائلة.
"بلاش الخوف ده أنا الصراحة واثقة في عمر وإنه راجل بجد وهيحافظ عليك."
ابتسمت بسعادة قائلة.
"ربنا يستر يا تيتة."
بعد مرور وقت.
وضع عمر يديه بيد محمود وبجوارها المأذون ليتم كتب الكتاب.
كانت تجلس بجوار مريم بسعادة رغم أنها سعادة ناقصة بعدم وجود والدها.
أنهى المأذون كتب الكتاب لتطلق مريم زغاريد بسعادة.
بينما ابتسم عمر وهو ينظر لها.
احتضنها قائلاً بهمس.
"بحبك أوي يا بيلا ربنا يقدرني وأسعدك."
***
عودة للوقت الحالي.
أفاقت من شرودها وهي تبتسم برقة، لكن ما إن رأته يأتي من الخارج يدلف داخل القصر.
استقامت عاقدة ما بين حاجبيها قائلة.
"بشمهندس عمر نسيت حا…."
قبل أن تكمل جملتها جذبها بالقوة لداخل أحضانه قائلاً بصوت متحشرج.
"غبية غبية غبية يا بيلا وحشتني أوي ليه عملتي كده ليه حرام عليكي."
حاولت دفعه بارتباك والابتعاد عنه قائلة.
"عمر ابعد مينفعش كده."
لكنه لم يبتعد شبرًا واحدًا بل شدد على احتضانها قائلاً.
"لو عشت عمري كله أعتذرلك على اللي حصل مش هيوفيك حقك، ياريتك كلمتيني ليه عملتي كده."
هدأت بداخل أحضانه قائلة بخوف.
"قصدك إيه يا عمر."
ابتعد وهو يحاوط وجهها بيديه قائلاً.
"اتعرضتي لكل ده لوحدك وأنا السبب وطول السنين دي كنت فاكر إنك بتكرهيني لكن حقيقي أثبتيلي إني أغبي مخلوق على وش الأرض…. بس خالص مش هسيبك تاني انتي فاهمة معدش ينفع تبعدي تاني عني يا بيلا."
ذرفت دموعها بتأثر قائلة.
"انت تقصد إيه؟ مش هتمشي صح مش هتسبني تاني يا عمر."
جذبها بقوة لداخل أحضانه قائلاً.
"كفاية بُعد وفراق يا بيلا كفاية مش هعرف أبعد تاني أنا عشت عشرين سنة في دوامة حيرة وخوف كنت لوحدي… أنا هكلم المأذون دلوقتي حالا مش هسيبك تاني خالص."
كاد أن يبتعد لكنها تمسكت به تبكي بهستيريا وكم تفتقد الأمان.
حاول تهدئتها لكنها كانت تبكي بعنف شهقات عالية.
"ياه يا بيلا إزاي سكتي وشيلتي كل ده لوحدك إزاي قدرتي تتحملي إزاي يا بيلا."
لم تستطع التحدث ليربت على ظهرها بحماية وحنان.
"عارفة هنعمل المرة دي هعملك فرح انتي كنتي نفسك في فرح وفستان أبيض هعملك كل اللي اتمنيتيه يا بيلا حقك عليا، حقك عليا."
تزامنا مع دخول صفا بسعادة.
"ياااه أخيرًا والله لو الواحد يعرف كان تعب لكم مخصوص."
لم تبتعد عنه وما زالت تبكي، لم تتوقع أن يحدث ذلك وتخشى أن يكون أحد أحلامها والتي ستستيقظ منه بعد قليل لتجده يهمس قائلاً.
"مش حلم يا بيلا صدقيني مش حلم."
رفعت رأسها تنظر له بينما تنساب دموعها.
تنهد بارتياح وهو يخرج هاتفه يجري اتصالًا بشخص ما ليجلب المأذون.
***
في القاهرة.
هبت عصمت بصدمة وهي تبتلع ما بحلقها بصدمة قائلة.
"يعني إيه بيكتبوا الكتاب دلوقتي انت بتهزر."
أتاها الرد من شخص ما يراقب عمر ليقول.
"ده اللي حصل أنا شايف المأذون خارج ولما سألته قال إنه كتب كتاب عمر الرشيد وبيلا الدمنهوري."
وكان الصدمة لجمت لسانها حتى أنها لم تستطيع التحدث.
"عمر أكيد عرف الحقيقة لو عرف إن أنا اللي سرقت قسيمة الجواز منه زمان وإن بابا هو اللي دبرله الحادثة والبنت اللي ماتت يلهوي دا ممكن يمحيني."
أتاها رد والدتها بحزم قائلة.
"البنت بنته لازم تعرفي مكانها لو حصل أي حاجة هتكون هي الكارت اللي لازم نستخدمه."
ردت عصمت بخوف قائلة.
"ملك في واحد زمان هو اللي خدها بعد ما رميتها جنب سلة الزبالة ياريتني كنت قتلتها لو كنت أعرف إن بابا مخطط إنه يفك فرامل عربيته عمري ما كنت هبدل ملك وكنت هسيبها تموت معاه."
ردت تفيدة بشر قائلة.
"أبوكي زمان كان عايز يخلص من عمر ابن أخوه كان عايز ياخد كل حاجة ولما فشل إنك تتجوزيه راح عمل اللي عمله، بس دلوقتي نحمد ربنا إن البنت لسه عايشة لأنها هتكون الكارت الوحيد اللي في إيدينا المهم لازم تعرفي كل المعلومات عنها فاهمة."
أومأت لها بالإيجاب قبل أن تخرج من غرفتها.
***
على متن الطائرة العائدة من روسيا إلى مطار القاهرة الدولي.
كانت نور تجلس بجوار باسل وهي تتحدث عن حياتها بارتياح، فقد أصبح الاثنان أصدقاء جدًا في الفترة الأخيرة.
ابتسم باسل وهو يستمع لها بشغف ليقول بجدية.
"بس كده وبعدها بقى اتصاحبت أنا وزينب وتقريبًا مكنش عندي صحاب غيرها.
لأنها طيبة أوي بس للأسف الناس مكنتش بترحمها بس دلوقتي اتجوزت وبتحب جوزها أوي وحامل في الشهر الرابع بس هي أجمل مني بكتير وهادية إنما أنا بتاع مشاكل."
ابتسم ليقول بتسلية.
"من ناحية المشاكل فإنتي أستاذة مشاكل الصراحة."
"يا واد يا بريء."
هتفت بتلك الكلمة بمرح لتكمل.
"وانت ملاك مبتعملش مشاكل."
همس برفق قائلاً.
"الطيور على أشكالها تقع."
***
ضلعي الثاني أنت يا صديق عمري، لم تكن رفيق دربي فقط، لكنك كنت الأخ والسند، فسلام إلى روحك الجميلة التي شاركتني ما مر بي في حياتي، وسلام على صداقتنا….
في وقت متأخر من الليل.
في منزل آل "الشهاوي" صدح رنين الهاتف معلنًا عن اتصال هام جدًا، عدة مرات لم يتوقف الهاتف وكأن المتصل لن يبارح مكانه حتى يبلغ رسالتها.
استيقظت "حياء" بفزع لتنظر للجانب الآخر من الفراش، لكن وجدته فارغًا، بينما باب الغرفة مفتوح، ينبعث إليها ضوء من الصالة.
نهضت من فوق الفراش بكسل وهي تراه يقف في الصالة.
نظرت له بينما يتحدث في الهاتف لتسأله "حياء" بتوتر قائلة.
"فيه إيه يا جلال؟ مين بيتكلم في الوقت ده."
لم تتلقى منه إجابة في حين تصاعد الخوف لقلبها، وهي تنظر لعينيه المتلألئة بالدموع لتُعيد سؤالها عليه مرة أخرى بتوجس.
"فيه إيه يا جلال؟"
حاول جاهداً التحدث قائلاً بنبرة يتخللها بعض الثبات.
"جمال اتنقل المستشفى وبيقولوا حالته صعبة، أنا لازم أروحله استر يارب."
تركها تقف مكانها دون أن ترمش وعيناها مثبتة عليه، تدرك كم أن الأمر صعب عليه، "جمال" هو صديقه المخلص وهي الشاهدة على ذلك منذ زمان طويل.
منذ بضعة أشهر توفت "فاطمة" زوجة "جمال"، لابد أن الأمر لم يكن هيناً عليه.
خرج بعد دقائق وقد بدل ثيابه وعلامات الخوف والارتباك جلية على وجهه.
هتف بنبرة مهزوزة قائلاً بتوتر.
"لو حصل أي حاجة ابقي كلميني، لا الأحسن تطلعي تباتي مع زينب لأن أنا هبات معاه في المستشفى، متستنينيش."
لم ترد عليه وهي تقترب منه تحتضنه وهي تربت على ظهره بخوف بنبرة باكية.
"هون عليك يا جلال، إن شاء الله مفيش حاجة بس أرجوك متعملش في نفسك كده."
أغمض عينيه وهو يُلقي بمخاوفه خلفه، أخذ نفس عميق ابتعد قائلاً.
"متخافيش يا حياء إن شاء الله خير… ياله تعالي اطلعي لزينب، ياله الله يرضا عليك."
أومأت له بجدية لتراه يخرج من الشقة بسرعة، جلست على الأريكة وهي تردد آيات من الذكر الحكيم.
***
وصل "جلال" بسيارته إلى المستشفى المتواجد بها صديقه.
صف سيارته ثم ترجل منها بهدوء عكس ما بداخله.
وصل إلى الغرفة في حين وجد "غرام" و "عائشة" ابنتا "جمال" يقفان أمامها بينما تحتضن "غرام" "عائشة"، وهي تبكي بضعف.
ما إن رأت "غرام" جلال يدلف للمستشفى حتى ركضت نحوه بسرعة قائلة.
"بابا تعبان أوي يا عمي واحنا مش عارفين نعمل إيه."
ابتلع "جلال" الغصة التي تشكلت في حلقه وهو يربت على كتفها باهتمام قائلاً.
"متخافيش يا غرام خدي اختك واقعدوا بلاش تقفوا كده ياله وأنا هفضل موجود."
تراكمت الدموع بمقلتيها وهي تنظر له، في حين أومأ له برأسه لتغادر.
تركته أمسكت بيد أختها وتغادر ذلك المكان.
في حين نظر هو باتجاه الباب الذي يرقد صديقه خلفه.
خرجت الطبيبة ليسألها بسرعة ولهفة.
"جمال حالته إيه يا دكتورة؟"
هزت الطبيبة رأسها بانكسار وضعف.
"أستاذ جمال عايز يشوفك يا جلال بيه."
تلك النبرة المنكسرة لم تكن إلا إنذار، دلف إلى الغرفة بخطوات ثقال، وهو ينظر لجمال النائم على فراشه وموصول بجسده عدة أجهزة وجسده في حال من الضعف، ووجهه شاحب، بينما يفتح عينيه بضعف.
لم يستطع "جلال" التحمل، في حين انسابت دموعه بقوة وضعف.
جلس بجواره على الكرسي الموضوع بجانب الفراش، ليهتف بضعف وبكاء.
"جمال إيه يا جدع، بقى شوية تعب يعملوا فيك كده، قوم يا جمال الله يرضا عليك."
ابتسم الآخر بمرارة وهزلان قائلاً.
"خالص يا جلال، جلال بناتي أمانة في رقبتك هما غلابة ومالهمش حد غيري أنا وانت بعد ربنا……"
زادت ضربات قلبه بعنف، دموعه تنهمر وهو يهز رأسه برفض قائلاً.
"لا مش هيحصل، انت وعدتني هنفضل مع بعض ضهر في ضهر… مش هتخون وعدك ليا يا جمال."
حاول ابتلاع ما بعنقه قائلاً باشتياق.
"أمر… الله… يا جلال أمر الله، أنا مش عارف أعيش من غير فاطمة، هي أكيد مستنياني…. وصيتي بناتي يا جلال بناتي أمانة في رقبتك."
أومأ له جلال بضعف ليضيف بتأكيد.
"بناتك في الحفظ والصون، سلملنا على الحبايب قول لأيوب وأمي وأبويا إننا هنقابل عن قريب إن شاء الله."
وضع يديه موضع قلبه وهو يبكي وكأنه طفل فقد أمه ليهتف بصوت أجش.
"سلام يا أخويا سلام، متغلش روحنا على اللي خلقنا ارتاح يا جمال."
غادر الغرفة بقلب منفطر وعيون حمراء، وهو يحاول تجميع شتات نفسه لأجل الفتاتان.
ما إن خرج حتى وجد "صالح" يقابله وهو يركض نحوه قائلاً.
"فيه إيه يا بابا؟ عمي جمال ماله."
ربت جلال على كتف ابنه قائلاً.
"أمانة وبتـرجـع لـصـاحـبـهــا……."
جلس على أحد المقاعد وهو يشعر بأن قدمه لم تعد تسعفه على الوقوف أكثر من ذلك، تنهار حصونه مع كل لحظة تمر.
بعد عدة ساعات.
"البقاء لله أستاذ جلال، الحج جمال تعيش أنت."
تفوهت الممرضة بتلك الكلمات بانكسار ونبرة مهتزة وهي تنظر لابنتيه مما جعل "عائشة" تذرف دموعها عند صراخ "غرام" تقول بصوت عالٍ.
"لا لا انتي كدابة، بابا مش هيسبني لا انت كدابة متصدقيهاش يا غرام والله بتكدب بابا ب……"
عند تلك الكلمات التي خرجت منها بصوت متهدج سقطت مغشيًا عليها، وكأنها ترفض تصديق ذلك الواقع الأليم الذي صدمها بموت أعز الناس على قلوبهم.
أما "غرام" فبعد ما صرخت باسمها مرارًا ببكاء حملتها على الأريكة بمساعدة الممرضة.
في حين جلس جلال يشعر وكأن شل من الصدمة والألم لتسقط دموعه بمرارة قاتلة.
لكن دون جدوى لم ينتبه لأي مما يصير حوله حتى وجد عائلة جمال بأكملها مجتمعة حوله وصرخات النساء تعلو تزامنًا مع بكائهم، فكان المشهد يتقطع له نياط القلوب.
ويالها من لحظة تقشعر لها الأبدان.
ركضت "غرام" إلى غرفة حيث يوجد جثمان والدها تزيل الغطاء عن وجهه وهي تقول بصراخ وانهيار.
"لا يا بابا بلاش تسيبنا والله ما هعرف أعيش من غيرك، ما هو حرام انت وماما تموتوا وتسيبونا بجد حرام.. متمشيش وتسيبني.. والله مش هزعلك تاني والله… متسبنيش لوحدي… بلاش تكسرنا ببُعدك يا بابا.."
صرخت بجملتها الأخيرة فوجدت جلال يحتضنها وهو يبكي أيضًا، فوجدها تتشبث به بقوة وهي تقول ببكاء.
"سابنا يا عمي… سابونا بابا وماما… طب كان يستنى معانا شوية لحد ما نفوق من وجعنا على ماما…. هو كان نفسه يشوف عائشة مهندسة و الله قربت يا عمي كان يستنى بس نقوله إننا بنحبه أوي.. يا بابا والنبي… تقوم أبوس إيدك."
دلف إلى الغرفة زوجها "نبيل" ليحملها برفق وهو يخرج من الغرفة، بينما انهارت كل حصون "جلال" وهو يضع الغطاء على وجه صديقه قائلاً بابتسامة انكسار.
"مع السلامة يا أغلى الناس."
"في الاستعلامات."
وقف "علي" بجوار "صالح" يتحدثان مع أحد الموظفين.
"صالح."
بجدية ولا تخلو نبرته من الحزن.
"لو سمحت عايزين نبدأ في الإجراءات وعايزين نطلع تصريح بالدفن."
رد الطبيب بجدية.
"تمام يا بشمهندس، البقاء لله."
تنهد صالح بارهاق قائلاً بهدوء.
"ونعم بالله."
***
بعد مرور وقت.
في منزل "جمال" كان الوضع صعب للغاية.
النساء في العائلة يقمن بتجهيز مراسم الدفن، والرجال كل منهم يحاولون ملاقاة الوقت حتى يتم تشييع جثمان الفقيد في الصباح الباكر.
ابنته "عائشة" فقدت الوعي في المستشفى فقامت أختها وزوجها بجلبها للمنزل وهي على نفس الحالة.
الكل يبكي، لم يكن مجرد صديق، ولا مجرد أب لابنتين، ولا مجرد رجل، كان كل هذا.. أب وصديق ورجل.
حقًا يأتي الموت ويأخذ اعز الأشخاص على قلوبنا.
أما "جلال" فكان مع الرجال يقوم بالترتيبات اللازمة.
صعدت "حياء" إلى النساء بعيون حمراء باكية فوجدتهن في حالة صعبة، حيث كانت أعينهن منتفخة أثر البكاء.
وجدت غرام تخرج من غرفة أبيها وكانت تودعه للمرة الأخيرة، ارتمت بين ذراعي حياء قائلة بصوت متقطع مهزوز.
"ليه يارب ليه الاتنين يروحوا مننا."
بكت برهبة من الموقف حولها لتقول بعقلانية.
"استغفري يا غرام وادعيله، الله يرحمك يا جمال كنت ونعم الأخ."
ترحل وتغادر المكان لكن يبقى الأثر، أما خير وسيرة طيبة تأتي عند ذكر اسمك أو شر ونفور، فلعلنا نزرع الخير الآن لتكن لنا شفيعًا في الآخرة.
بعد فترة.
تجهزوا جميعًا حتى يتم تشييع الجثمان.
دلف جلال إلى المنزل ليأخذوه حتى يتم وضعه في الصندوق الخشبي الذي تنتهي به الحياة، لكن ما إن دخلوا للغرفة الموجود بها، حتى خرجت "عائشة" من الغرفة بصراخ وفزع تمسكت بجلال قائلة برعب.
"لا يا عمي والنبي بلاش تاخدوه، والله ما هعرف أعيش من غيره، طب غرام وعندها بيتها وولادها هتلاقي الونس، لكن هو كان ونسي… يا بابا ليه سبتني."
رد جلال بتعب وجدية قائلاً.
"اهدي يا بنتي، خديها يا شهد خديها."
أومأت له وهي تحاول سحبها من الغرفة، فوجدها تصرخ به بهياج وهي تقول له.
"أنا هروح معاكم، مش هسيبها، فاهم هاجي معاكم."
تنهد بتعب قائلاً.
"ماشي يا عائشة ياله يا جماعة."
بعد مدة خرجت من المنزل تلحق بالجميع بعدما خرجوا من الشقة.
أما جلال فركب بسيارة "الجثمان" وأثر التعب جلّي على وجهه متوجهين إلى المدافن حيث آخر مكان تسكن به الجثمان….
بعد وقت طويل في منزل "جمال" جلس "جلال" على كرسيه، وهو يغطي وجهه بيديه.
جلست حياء أرضًا لتمسك بيديه قائلة بحزن.
"هون عليك يا جلال، ده ارتاح والله العظيم، راح للحبايب انت عارف إنه كان بيحب فاطمة أد إيه راحلها…."
رد بعد صمت طويل قائلاً.
"سند العمر يا حياء كان أوفى من أيوب جدع ورجل بجد، إن لله وإن إليه راجعون……."
"حياء."
بابتسامة حزينة.
"الموت لما بيختار بياخد أجمل الناس وأعزهم علينا وربك أخد أمانته قوم ارتاح يا جلال لسه العزا بليل وصالح وعلي تحت بيوضبوا كل حاجة ياله."
ساعدته حتى ينهض لتجده يقول.
ردت "حياء" بهدوء.
"مع زينب فوق ربنا يكون في عونها كانت قريبة منه."
هز رأسه قائلاً.
"هتفضل معانا البنت مش هتستحمل ترجع البيت دلوقتي."
"حياء."
بجدية.
"متقلقش أنا أصلًا مش هسيبها تمشي ياله ادخل ارتاح شوية انت من بليل وانت واقف ياله."
دلف إلى الغرفة بهدوء متجها للحمام توضأ وخرج يصلي ركعتين لله وهنا كان الانهيار لكل الحصون فوالله كان أخًا وصديقًا.
وسلام على كل روح طيبة……
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم دعاء احمد
في منزل «الشهاوي»
دلف «صالح» لشقة والده بجسد مرهق وأمارات الحزن بادية عليه، لكن وجد المنزل هادئًا تمامًا. كان خاليًا، فعلم أن والدته من المؤكد أنها الآن مع «عائشة». شعر بالأسى تجاه تلك الفتاة.
اتجه نحو غرفة والده بخطوات بطيئة، متيقنًا من حزن والده على شقيق عمره، وكيف لا يحزن عليه وهو الأخ والصديق وضلعه الثاني.
صفق عدة طرقات على الباب ليأتيه الرد بعد لحظات:
«ادخل»
وضع يديه على مقبض الباب وهو يأخذ نفسًا عميقًا لتمتلئ رئتاه بالهواء، شاعرًا بألم وحزن. لكن حاول رسم ابتسامة صغيرة على ثغره وهو يدلف للغرفة قائلًا بهدوء:
«عامل إيه يا حج دلوقتي؟»
كان «جلال» يجلس على فراشه ممدد الساقين، الغرفة مظلمة إلا من أشعة الشمس التي تداهم الغرفة. بينما هو يُسبح على يديه بهدوء تام. والأبشع أن الذكريات الجيدة بينه وبين «جمال» تعصف بعقله وقلبه. ليجيب:
«بخير الحمد لله»
جلس «صالح» بجواره على الفراش بحزن قائلًا:
«هون عليك يا بابا، ما هي دي النهاية لينا كلنا. مين فينا هيخلد في الأرض؟ أنتَ نفسك علمتنا إن البقاء لله وحده»
تنهد «جلال» بحزن و لمعت دموع صادقة ليجيب بهدوء:
«ونعم بالله، لكن عارف إيه اللي بيوجع يا ابني؟ إنه فجأة حد بنحبه ينخطف من وسطنا، وعلى قد الحب بيكون الوجع من الفراق. أنا وجمال صحاب من ابتدائي، لسه فاكر إزاي اتصحبنا. في رابعة ابتدائي كانت أمي الله يرحمها اتخانقت مع الحج شريف جدك ربنا يرحم أمواتنا وأموات المسلمين. وقتها جدتك معملتليش سندوتش، و الصبح قبل ما أمشي زعقت ليا. وأنا زعلت، رحت المدرسة و أنا متضايق وأي حد يكلمني كان ممكن أتخانق معاه، كنت طفل لسه. في الحصة الرابعة تقريبًا قبل الفسحة كان قاعد في نفس التختة جمال. لقيته بيفتح شنطته ومطلع كيس السندوتشات بتاعه وكان فاضي هو كمان. وقتها ضحكت رغم إني كنت متضايق، اللي هو اتلم المتعوس على خايب الرجا. لكن جمال وقتها اتضايق مني ونزل الفسحة وهو زعلان. كانت أول مرة أعرف يعني إيه كسر الخاطر. روحت خدت الشنطة بتاعتي ونزلت أنا كمان. لقيته قاعد جنب العلم وزعلان، روحت قعدت جنبه وهو متكلمش. روحت فتحت شنطتي وطلعت كيس السندوتشات بتاعي. وقولتله أنا كمان مجبتش أكل ومش معايا غير النص جنيه ده. على فكرة العملة وقتها كانت غير دلوقتي. لقيت بيبصلي وقام مطلع من جيبه نص جنيه هو كمان. قالي إيه رأيك نشتري سندوتش من محل الفول اللي جنب المدرسة ونقسمه سوا، أنا كمان جعان. قلتله ماشي بس أنا هنط من على السور وانت تراقب علشان لو المدرسة شافتني هتاخدنا للمدير. لقيته ابتسم وقالي ماشي، وساعدني أنط من على السور وأطلع أجيب سندوتش. وحطيته في كيس وربطته كويس وقمت حدفته لجمال وهو واقف جوا ونطيت تاني. دخلت للمدرسة، كنت شقي برضه. قعدنا كلنا سوا وقسمنا الأكل مع بعض. كانت حياتنا بسيطة أوي. من وقتها واحنا صحاب وكبرنا سوا، ابتدائي، إعدادي، ثانوي، حتى كلية التجارة جمعتنا سوا. حتى لما أعجب ببنت جيه وقالي إنه عايز يخطب، كنا لسه متخرجين وبنشتغل، وهو كان بيحب فاطمة بنت شيخ الجامع. وقتها أبوه كان توفاه الله، أنا قلت للحج شريف وروحت أنا وجمال وجدك نخطبهاله»
ابتسم «صالح» بود قائلًا:
«كان بيحبها وهي كمان صبرت معاه سنين في الفقر لحد ما كبروا وربنا رزقهم من الوسع. ولما ماتت مستحملش وراح لها. ودي سنة الحياة ومحدش هيفضل. الذكريات هتتعبنا لكن ربنا كريم. واستعينوا بالصبر والصلاة. هون عليك يا حج الله يرضى عنك، أمي مش هتستحمل لو جرالك حاجة»
ابتسم «جلال» برفق قائلًا:
«أمك، تعرف أنا وحياء مع بعض بقالنا واحد و تلاتين سنة مفيش مرة شفتني زعلان إلا وعيطت. سبحان الله يزرع الحب في قلوبنا بلا مقابل. علشان كده يا صالح وصيتي ليك يا ابني: أمك ومراتك وأختك وبناتك في المستقبل إن شاء الله. أوْعَ يا ابني تكسرهم أو تقلل منهم. علمهم إن الحب الأول الأصدق لله وحده، وإن ربنا بيغير على قلوب عباده. لو حسوا إن فيه حب دنيوي ملأ قلوبهم خليهم أول مكان يهربوا ليه هو خلوتهم مع ربهم. يمكن حبيتُه في أمك. بعد ما خلفنا كانت دايما أنتم الأول عندها، ولما تتعب مكنتش تيجي تشتكيلي. كانت بتدخل أوضتها وتفضل تصلي وتدعي ربنا، وأحيانًا كانت بتعيط وأنا بسمعها. لكن عمري ما اتدخلت في اللحظات دي، لأنها كانت بين العبد وربه. كلنا فينا أخطاء وكلنا مقصرين، لكن ربنا بيحب اللي يسعى له ويتلهف على رضاه»
ابتسم «صالح» قائلًا:
«ربنا يحفظكم لينا يارب. أنا هدخل أجهزلك أكل لأن انت من امبارح مأكلتش حاجة، ولسه بالليل العزاء مينفعش تفضل من غير أكل»
ابتسم «جلال» بحزن وهو يومئ له بالموافقة ليتركه «صالح» يدلف للمطبخ. يقوم بصنع وجبة خفيفة ثم عاد مرة أخرى للغرفة، حاملاً بين يديه صينية موضوع عليها الأطباق.
ليهتف بمرح:
«عمايل إيديا وحياة عينيا. وتحية لأجدع رجالة يعني جلال الشهاوي يعني القماش والمقاسات المظبوطة علشان هو الصح والتمام. يعني عم المحاسبين كلهم»
ابتسم «جلال» وهو يهز رأسه قائلًا:
«بطل صياح يا ابن حياء»
اقترب منه واضعًا الصينية على الفراش ليقبل رأسه:
«يالا يا حجيج خلينا ناكل لقمة سوا، لأن شوية والمغرب يأذن»
***
في منزل «صالح» بعد أذان المغرب.
كانت الفتيات ترتدي الملابس السوداء، الأجواء كئيبة وحزينة. تجلس زينب على الفراش بجوار «عائشة» النائمة وملامحها متشنجة، وكأنها في كابوس مزعج يداهم عقلها، لا تتقبل الأمر. وبجوارها غرام التي تقرأ القرآن الكريم من المصحف بيديها.
أخذت «زينب» تمسد بحنان على شعرها، شاعرة بألم طفيف. نهضت من فوق الفراش تتجه نحو الخزانة لعلها تجد دوائها، لكن وجدت الأدوية قد نفذت. تزامناً مع دخول “حياء” الغرفة.
سألتها برفق قائلة:
«نامت؟»
ابتسمت زينب بحزن وهي تنظر لها:
«لسه نايمة حالا، ربنا يكون في عونها»
تنهدت بحزن وظهرت طبقة طفيفة من الدموع بمقلتيها قائلة:
«الله يرحمه، كان الكل كان بيحبه. الجنازة كان فيها ناس من كل حتة واللي جايين ياخدوا الخاطر من الصعيد. يارب حسن الخاتمة»
التفتت تنظر لما بين يديها من أدوية قائلة:
«أنتِ لسه ماخدتش الدوا، معقول يا زينب؟»
زينب بهدوء وابتسامة:
«أنا كويسة الحمد لله، بس انشغلت مع عائشة وغرام وكنت هاخده دلوقتي، بس شكله خلص»
«لا طبعًا مينفعش يا زينب لازم تاكلي وتاخدي الدوا، هاتي الروشتة أنا هنزل أجيبه من الصيدلية»
أعطتها زينب الروشتة الطبية لتنظر حياء نحو غرام الشاحب وجهها قائلة:
«أنتم مينفعش تفضلوا كده من غير أكل، وعفت مع الحريم اللي بيجهزوا الصواني. هجيب لكم أكل»
ثم اتجهت نحو غرام التي تبكي بصمت قائلة بحنان وهي تربت على كتفها:
«غرام، في حريم عايزين يعزوكِ، يالا يا حبيبتي تعالي نروح سوا، وبعدين مينفعش كده، أنتِ بترضعي. الزعل وحش علشانك»
أغلقت المصحف لتزداد شهقاتها وعيونها حمراء منتفخة أثر البكاء. تنهدت حياء بحزن وهي تحتضنها:
«يا حبيبتي أكيد هو في مكان أحسن، ادعيله. عارفة إنه صعب عليك، أنا كمان جربت الشعور ده وقتها، رغم إني معشتش مدة كبيرة مع أبويا إلا إن اتوجعت أوي. يالا يا حبيبتي لازم تقفي تاخدي العزاء من الحريم، عماتك وخالتك كلهم في البيت من الصبح»
أومأت لها بهدوء واناملها تمسح دموعها بحزن قبل أن تخرج مع حياء. سحبت حياء نفسها من بين النساء ثم نزلت من المنزل لجلب المشتريات. نزلت بهدوء حتى لا يراها أيًا من الرجال، لكن صالح كان يقف أمام بوابة المنزل بجوار علي ونبيل زوج غرام يستقبلان الناس سويًا.
انتبه صالح لوالدته التي خرجت للتو من المنزل فانسحب من جانب صديقه، بعدما أشار لوالدته حتى تسبقه. أومأت له في هدوء ثم ابتعدت قليلًا عن البيت. وبعد خروجها من مقدمة الشارع وجدته خلفها يقول بهدوء:
«استنى يا ماما، رايحة فين؟ حصل حاجة ولا إيه…»
التفتت له وهي تقول بجدية حانية:
«رايحة الصيدلية، الدوا بتاع زينب خلص وكمان مفيش حد في البيت يعمل أكل. كنت هشتري شوية حاجات لزينب وعائشة. غرام أنا خليتها تاكل مكنش ينفع تقف وهي كده كان ممكن تقع من طولها، بس يدوب أخدت معلقتين ومرضتش تاكل»
أومأ لها بتفهم قائلًا:
«ربنا يكون في عونها. روحي أنتِ، وأنا هروح أجيب الدوا وأجيبلهم أكل وهروح أطمن عليهم. صحيح الحج في العزا أنا جهزتله لقمة كدا قبل ما نصلي المغرب ونزلنا سوا»
حياء بلهفة وخوف:
«يعني أكل صح؟»
زفر بتعب محاولًا الهدوء:
«أيوه، يالا ادخلي أنتِ، وأنا هروح أجيب الحاجة»
أومأت له بجدية وهي تدخل للحي مرة أخرى، بينما اتجه هو نحو السوبر ماركت يشتري بعض الأغراض ثم توجه للصيدلية ليبتاع دوائه.
بعد مرور نصف ساعة.
دلف صالح إلى منزله بهدوء وجسد منهك. تنحنح بصوت مسموع وهو يدلف للمنزل. خرجت زينب من الغرفة مغلقة الباب خلفها برفق حتى لا توقظ عائشة.
ابتسم بحنان وعينيه تفترس ملامحها قائلًا:
«كويس أنك خرجتي، يالا تعالي ناكل لقمة سوا علشان تاخدي دواكِ»
استاءت ملامحها بضجر قائلة:
«الصراحة ماليش نفس يا صالح، ممكن آخد الدواء على طول وانت كُل وسيب أكلي لعائشة لما تصحى»
زفر بغضب وهو يتجه نحوها ممسكًا يديها برفق يجذبها لتجلس فوق الأريكة قائلًا:
«لازم تاكلي قبل الدوا، مينفعش تاخدي على معدة فاضية. وبعدين أنا جايب أكل لعائشة لما تصحى وجايب لينا أكل وأنا أصلًا أكلت مع الحج، بس يالا افتح نفسك»
ابتسمت بينما وضع الطعام على الطاولة. بللت شفتيها بجوع وهي تنظر لعلب الكشري.
زينب بحماس وجوع:
«أنت أكلت صح؟ خالص يعني مش لازم تاكل مرتين»
حاول كبح ضحكاته وهو يراها تأخذ الملعقة وتأكل بنهم، بينما تضيف الدقة ليقول بمرح:
«وربنا كنت عارف إنك هتضعفي قدام الكشري. وبعدين استنى استنى، هاتي دا»
ابتلع ما بفمه في حين حاظت عينيها وهي تراه يأخذ العلب الصغيرة الموضوع بها (الدقة والشطة) كادت أن تختطفها من بين يديه لينظر لها محذرًا:
«مينفعش كده هتبقى حامية أوي عليك، غلط»
زفرت باستياء قائلة بعفوية وبراءة:
«إزاي آكل من غير الشطة؟ طب حط شوية صغيرة أد كده»
أشارت على إصبعها بلطف وهي تنظر له بخبث بريء. اقترب من وجهها قائلًا بخبث:
«لو عيطتي حتى يا زبدة مش هتدوقيها»
كادت أن تحرقه بتلك النظرة النارية وهي تأكل بهدوء. مرت دقائق وهو ينظر لها، قبل أن يدلف للحمام تاركًا إياها تكمل وجبتها بنهم. ما أن غادر حتى التقطت العلبة الصغيرة لتسكب أكثر من نصف محتواها بالعلبة. وضعتها مكانها مرة أخرى قبل أن يخرج، في حين تأكل هي بتلذذ مع شعور بالسخونة أثر كمية تلك الشطة التي وضعتها.
خرج صالح من الحمام بعد أن توضأ، تفتقد الغرفة مليًا يبحث عنها لكن لم يجدها. سمع صوتًا صاخبًا بداخل المطبخ ليتجه نحوه وهو ينادي عليها.
كادت أن تبكي وهي تضع زجاجة المياه على فمها ترتشف منها أكبر قدر ممكن ووجهها أحمر قانيًا. ينظر لها باندهاش قائلًا:
«أنتِ عملتي إيه يا زينب؟»
وضعت يديها على فمها والأخرى على بطنها:
«بوقي ااه»
اقترب منها بغضب وهو يمسكها من ذراعها بغضب قائلًا بهدوء:
«لو تسمعي الكلام، تعالي»
جذبها خلفه ليجلسها على الأريكة. أخذ أحد الأكياس التي جلبها ليخرج منها علبة من اللبن الرائب أعطاها لها بجدية حتى أنها كادت أن تعترض، لكن نظراته في تلك اللحظة أخبرتها أنه لا مجال للنقاش.
جلس ينظر لها تأكل بهدوء. ما أن انتهت أعطاها الماء. أخذت دوائها بهدوء دون التحدث ليحدثها قائلًا:
«لما عائشة تصحى بلاش تخليها تنزل وخليها تاكل، خلي بالك على نفسك»
انحنى يطبع قبلة على قمة رأسها، أخذ مفاتيحه وولج لخارج المنزل في حين ابتسمت هي برفق وهي تنظر له.
***
في لندن وبالتحديد شقة «يوسف الصاوي» وفي نهاية اليوم.
ولج يوسف إلى داخل المنزل ليجده هادئًا تمامًا. نادى عليها بجدية وهدوء:
«إيمان، يا إيمان»
«أنا هنا يا يوسف في أوضة النوم»
اتجه نحو مصدر الصوت ليفتح باب الغرفة ناظرًا لها باندهاش حيث كانت تمسك المقص بين يديها تجلس أمام المرآة بحيرة. وقف خلفها وهو يضع يديه على خصره بارتياب بعد أن وضع حقيبته جانبًا قائلًا بحدة:
«أنتِ بتعملي إيه يا إيمان ممكن أفهم؟»
نظرت له في المرآة بهدوء قائلة:
«بص أنا شعري طول أوي ومن زمان عايزة أقصه لأنه بيضايقني وب…»
كادت أن تكمل جملتها لكن لدهشتها وجدته يلتقط المقص منها قاطعًا إياها بنبرة صارمة:
«تقصي إيه يا حيلتها؟ أنتِ بتستهبلي صح؟ شعرك كده حلو أوي ولايق لونه وطوله معاكي مخليكي زي القمر»
كان يعنفها أم يغازلها؟ لم يدرك ذلك إلا عندما اتسعت ابتسامتها قائلة:
«يعني هو حلو كده؟»
ابتسم بمشاكسة قائلًا:
«حلو أوي أوي. ممكن أعرف إيه اللي خلاكي تحطي فكرة قصه في دماغك؟»
اخفضت رأسها قائلة:
«مش عارفة أعمله ضفيرة وبيضايقني لما برفعه كحكة وكمان مبحبش ديل الحصان»
صك يوسف على أسنانه قائلًا بحدة:
«تقومي تقصيه يا أذكى أخواتك؟ وبعدين عندك خمسة وعشرين سنة مش عارفه تضفري شعرك»
ابتسمت برفق قائلة:
«بابا هو اللي كان بيضفرهولي، باجي أضفره أنا بيطلع مش زي بتاعة بابا»
«طب ومرات عمك ماكنتش بتضفره ليك ولا علمتك؟» سألها برفق بينما يديرها نحو المرآة يلتقط المشط بهدوء ليمشط شعرها.
«ماما أصلًا مكنتش بتضفر شعرها لأنه غجري وبابا هو اللي كان بيعرف يعملهولي ويعملي أنا كمان»
ابتسم يوسف بفخر وإعجاب قائلًا:
«والله الواحد محظوظ إن جلال الشهاوي يبقى عمه»
ردت إيمان بارتياب وطبقة رقيقة من الدموع ببنيتيها قائلة:
«هو أنت كلمته؟ آخر مرة أنا كلمته كانت امبارح بليل وبعدين رنيت عليه كذا مرة، الأول كان مقفول ولما اتفتح مش بيرد عليا، وكلمت ماما يدوب قعدت دقيقة واحدة اطمنا عليا وقفلت قالت إنها مشغولة وصوتها متغير. حاسة إنها مخبية عليا حاجة»
زفر يوسف بهدوء وهو ينظر لها قائلًا:
«أنا كلمت صالح النهاردة العصر وهو قال إن عمك جمال توفي امبارح في نص الليل»
نهضت بفزع وصدمة لتقف أمامه قائلة بانتفاض:
«عمي جمال؟ لالا! هو أكيد كويس. أنا قبل ما نيجي روحتله وهو كان كويس وسلم عليا ودعا ليا. أنت بتهزر يا يوسف صح؟ قول إنك بتهزر وهو كويس»
انصدم من دموعها التي انسابت دون إدراك والتي شوشت الرؤية أمامها. مد أنامله يمسح دموعها برفق وحنان قائلًا:
«اهدي يا إيمان وادعيله ربنا يرحمه ويرحمنا. هو كان غالي علينا كلنا، لكن دي أمانة واتسلمت للي خلقها»
ضمها بين ذراعيه وهو يربت على ظهرها بحنان وهي تبكي ليقول بحنان:
«ادعيله يا إيمان وادعي لأهله ربنا يصبرهم»
ردت إيمان بخوف وبكاء:
«بابا أكيد زعلان أوي، هو كان بيحبه علشان كده مردش عليا. أنا عايزة أكلمه يا يوسف والله ما هرتاح إلا لما أشوفه، كلمهولي»
تريث قليلاً في رده قائلًا:
«اهدي يا إيمان دلوقتي أكيد مشغولين وأكيد أول ما الحركة تهدأ هيرد علينا. وبعدين صالح طمني فهدي لو سمحتي»
ردت إيمان بعقلانية من بين شهقاتها ودموعها:
«إنا لله وإنا إليه راجعون»
***
في فيلا «باسل العلايلي»
دلف باسل إلى بهو المنزل برفقة نور. قد خرج من المطار ليعود برفقتها إلى فيلاته. لكن اندهش بوجود جو من الضجة والإضاءة تلمع بالأرجاء في أجواء حفل.
زفر بحدة ليقطعه صوت نور مستفسرة:
«هو في إيه يا باسل؟»
أتاها الرد بحدة مخيفة كادت أن تنساها منذ فترة. فتعامله معها مؤخرًا كان هادئًا:
«واضح إن زيدان بيه عامل حفلة وبيحتفل»
جف حلقها وهي تمسك بذراعه توقفه:
«باسل…. أنا»
«متخافيش يا نور، زيدان بيه مش هيعمل فيلم هندي وهو أكيد مش بيفكر فيك. صحيح هو كان عايز يتجوزك، لكن أنا برضو عارفه كويس. وبعدين انتي متوترة ليه؟ أولًا ده بيتي وأنتي مراتي»
عضت على شفتيه بحنق قائلة:
«باسل متخليني أنا أروح لبابا دلوقتي، وكمان عبد المنعم وسيف وحشوني أوي»
تنهد قائلًا بجدية:
«بكرة ياستي هاخدك ليهم. أنا كده كده عندي شغل كتير في الشركة. هوّديكِ وابقى أروح شغلي. يالا بقى»
كانت تسير معه لكن توقفت فجأة ليقول بحنق:
«في إيه يا نور تاني؟»
«لالا، اطمن. دا موضوع تاني. ممكن أطلب منك طلب لو سمحت من غير ما تتعصب عليا؟»
«اتفضلي»
فركت كفيها ببعضهما قائلة:
«والدتك يا باسل، ارجوك ممكن تقولها يا ماما عادي ولا نيرة هانم دي؟ علشان خاطري. أنا عارفة إنه في مشا مشاكل بينك وبين والدك، لكن والدتك ذنبها إيه؟ دي أم يا باسل بلاش تتجاهل وجودها، هي استحملت كتير أوي من حقها دلوقتي إنها تلقى الاهتمام منك على الأقل»
أومأ له بجدية حانية قائلًا برفق:
«ماشي يا نور، يالا بينا بقى»
سارت معه ليدلف إلى داخل المنزل يرحب به بعض رجال الأعمال، تزامناً مع نظرات بعض الفتيات لنور بغيرة وهن ينظرن ليد باسل التي تتشابك بيديها بجدية، بينما هي لا تبالي بنظراتهن. في حين أتت والدته لتبتسم نور بحنان وهي تحتضنها.
ابتسمت نيرة بسعادة قائلة:
«مبروك يا حبايب، يارب تكونوا انبسطتم في شهر العسل. إيه أخبارك يا نور؟»
أبتسمت بود قائلة بهمس:
«هحكيلك لما نبقى لوحدنا، بس في المجمل كانت رحلة لطيفة»
نظرت نيرة لباسل بهدوء حزين قائلة:
«حمدلله على السلامة يا باسل؟»
تنهد وهو يقترب منها يحتضنها وهو يربت على ظهرها قائلًا:
«بخير الحمد لله. أخبارك إيه يا ماما؟»
ابتسمت نيرة بسعادة مدت أناملها تلامس ذقنه برفق ولمعة دموع. ربما منذ عدة سنوات لم يناديها كذلك:
«بخير طول ما أنت بخير»
تهرب باسل من نظراتها تلك بسرعة يشعر وكأن المشاعر لا تليق به، فهو دائمًا ذلك الشخص البارد. ترك نور برفقة والدته واتجه نحو شقيقته التي تقف بعمله تتحدث مع أحد رجال الأعمال.
نيرة بدموع ناظرة لنور بسعادة لتحتضنها:
«شكرًا يا نور بجد شكرًا، أنا بقالي كتير أوي مسمعتش الكلمة دي، أول مرة من سنين يقولها»
ابتسمت نور بسعادة قائلة:
«على فكرة بقى هو آه بارد ومستفز، بس طيب شوية يعني. باسل عنده قوقعة من والده، الموضوع كبير ومحتاج قاعدة طويلة نتكلم سوا»
هزت رأسها موافقة قائلة:
«تعالي بقى أعرفك بزينة أخته والفت»
لوت نور شفتيها يمين ويسار قائلة:
«قصدك أم أربعة وأربعين»
بعد مرور وقت.
دلف باسل نحو الجنينة ليجري اتصال. وما أن انتهى وجد إحدى الفتيات التي كان له علاقة بها مسبقًا ومن الحاضرات لتلك الحفلة. ترتدي ثوب أسود لامع طويل تقترب منه مستغلة خلو ذلك المكان هامسة:
«وحشتني يا باسل»
انتفض باسل من لمستها وعاد للوراء مجيبًا بطريقة سوقية تعلمها من نور مؤخرًا:
«وحشتك عقربة يا بعيدة، بتعملي إيه هنا يا بت؟»
عقدت ما بين حاجبيها بنفور قائلة:
«بت وعقربة؟ باسل أنت كويس؟ هكون بعمل إيه يعني بحضر الحفلة يا خاين.. بقى هو ده اللي مبتحبش الجواز ولسه راجع من شهر العسل؟ بذمتك مش أنا أحلى من مراتك دي؟»
رد بصراحة فظة صدمتها:
«وربنا ما حصل.. أنتِ بتقارني نفسك بمراتي؟ بقولك إيه ابعدي عني علشان أنا…»
قاطعته مقتربة منه أكثر ويديه تسير على وجهه مرددة:
«علشان أنت إيه يا حبيبي؟ وبعدين أنت وحشتني أوي…»
ازدرد ريقه وهو يبتعد عنها دافعًا إياها بعنف:
«بقولك إيه يا حيلتها ابعدي عني أنا حاليًا راجل متجوز، فاهمه يعني إيه يا ماما متجوز؟ وبعدين اتهدي بقى ربنا يهدك لا هيبقى في حاجة بيني وبينك لا في الحرام ولا في الحلال يا عينيا»
جاحظت عينيها بصدمة وهي تراه يغادر المكان:
«حيلتها؟! متجوز… بت… عقربة؟ أووه دي أكيد البيئة اللي اتجوزها»
***
في غرفة باسل.
تقف على الفراش وهي تصرخ مستغلة الموسيقى العالية تحاول إفراغ طاقة الغضب والغيرة بداخلها. تصدح بالارجاء سانحة لنفسها بإخراج شحنة غضبها. منتشلة ما تقع عيناه عليه وتقوم بتسديده نحو باسل بعد أن دلف للغرفة. بعدما بحث عنها بالحفل فاخبرته والدته أنها صعدت لغرفتها. فهل هي الآن على استعداد تام لقتله بعدما رأت تلك الفتاة تتقرب له وتحتضنه متغزلًا له بوقاحة؟ فتركت الحفل بهدوء دون تخريبه بمسك تلك الفتاة من شعرها، واتجهت لغرفته متوعدة له.
صرخ باسل بذهول قائلًا:
«ماتتهدي يا بت المجنونة، هتيجي فيا وتسيحي دمي؟»
قالها بفزع وهو يتفادى مزهرية متطايرة بالهواء بفضلها.
علقت وهي لا تتوقف بل حان الدور على أغراضه ملتقطة زجاجة عطره تقذفها بقوة جامحة عليه:
«مش أحسن ما دمي أنا يتحرق يا بارد يا عديم الذوق والأدب والأخلاق يا خاين»
حاظت عيني باسل وتحرك سريعًا وبخفة ينفذ الزجاجة من التهشم. صاح بعدم فهم وانفعال قائلًا:
«ما تفهميني حصل إيه يا مجنونة بدل المرمطة دي»
اقتربت منه بشرًا هجمت عليه:
«مش فاهم، طبعًا ما أنت متعود على المسخرة وقلة الأدب. نقول أي بقى، تحضن في دي وتبوس في دي»
احتقن وجهه بالدماء مستنكرًا كلماتها. زفر بحرارة مقتربًا منها، فمنذ أن رآها وهو لم يحدث سواها أو يتغزل بأخرى فقد ملئت عيناه.
«أنت بتخرفي تقولي إيه يا نور؟ شوفتيني كلمت حد؟»
توقف عن المتابعة مدركًا مشاهدتها لمحاولة الفتاة في التقرب منه. غمض عينيه زافرًا بحدة، مقتربًا منها في لحظة لم تدركها محتضنًا إياها رغم رفضها وغضبها ومحاولتها لصدّه ليقول بهدوء:
«اهدّي بقى… والله ما عملت حاجة، هي اللي كانت بتحاول تقرب مني وأنا صدتها. ودا مش كلام وخلاص، أنا بجح وممكن أصرحك بأي حاجة عملتها لأن مبحبش الكذب»
هدأت أنفاسها وهي تدفعه لتبتعد عنه قائلة:
«ماشي يا سي باسل أما نشوف آخرتها معاك»
اقترب بخبث هامسًا بوقاحة:
«والله العظيم أنتِ بنت حلال أصلًا أنا كنت هموت وأسيب الحفلة الزفت دي، أنا كباسل لازم أستغل الفرصة دي»
نظرت له مدركة نيته بينما صرخت بوجهه قائلة:
«ده أنت بتحلم»
هربت بسرعة من أمامه راكضة نحو الحمام قائلة:
«تصبح على خير يا بيبي»
عض على شفتيه يحاول كظم غيظه منها قائلًا:
«هتباتي في الحمام يعني ولا إيه؟»
***
بعد مرور أسبوع.
في إحدى شركات المعمار بلندن.
في منتصف اليوم دلفت “إيمان” إلى الشركة لمقابلة يوسف وتناول الغداء معه كما اقترح عليها بالأمس، فقد قامت بتجهيز الطعام في المنزل وأخذت استراحة صغيرة من عملها بالمشفى وذهبت إليه.
كانت تسير بخطوات هادئة في حين نزلت عهد الدرج بتعب تمسح قطرات العرق عن وجهها بمنديل ورقي. بتنظر لإيمان بكره وغضب. صمتت للحظات وفكرة شيطانية تهيج برأسها، لتغيب لدقائق ثم عادت. اتجهت نحو إيمان بهدوء قائلة:
«أهلاً يا مدام إيمان، نورتي الشركة. أنا عهد اللي زورتكم في البيت أول ما جيتوا لندن»
نظرت لها إيمان بجدية وضيق لترد:
«أهلاً يا بشمهندسة…»
ردت عهد بابتسامة:
«بخير الحمد لله. هو حضرتك بتدوري على يوسف.. أقصد بشمهندس يوسف، معلش أصلنا قريبين من بعض فواخدين على بعض شوية»
صكت إيمان على أسنانها قائلة:
«آه، بسأل عليه هو فين؟»
عهد:
«مكتبه في الدور العاشر، الأسانسير عندك على إيديك اليمين»
نظرت لها إيمان بحنق وهي تتوعد لزوجها ذلك، بينما اتجهت نحو المصعد….. صعدت بداخله. مرت لحظات وهي تفكر به و بكلمات تلك الحية… في لحظة واحدة نزل المصعد بقوة لتقع أرضًا مرتجفة. توقف مهتزًا، انطفأت الإضاءة.
ابتعلت ما بحلقها بخوف وهي تحاول فتح الباب لكن ابتعدت عنه برعب مدركة أنها بمنتصف الدور. للحظات سُرقت أنفاسها برعب، شاعرة باهتزازه. أتاها صوت من الخارج قائلًا بالإنجليزية:
«المصعد مُعطل، لماذا صعدتي به؟ ألم تري اللافتة؟»
هبطت دموعها لتتحدث بتعلثم وصعوبة وجسدها يرتعش برعب:
«لم.. يكن.. هناك أي لافتة…. لو سمحت ساعدني أخرج»
اجتمع بعض الأشخاص في الخارج بينما حاولت استجماع شتات نفسها وهي تخرج هاتفها من حقيبة يديها، بيد مرتجفة.
كان يجلس على مكتبه هو وأحد أصدقائه يتناقشان في أمر ما ليقطعه رنين هاتفه ليجيب بعد أن رأى اسمها:
«أيوه يا إيمان، بقولك كنسلي الموضوع متجيش أنا هجيلك ونتغدى برا»
ردت بصعوبة وخوف من بين شهقاتها:
«يوسف الأسانسير عطل، أنا خايفة»
لم يدعها تكمل حديثها في حين قطع الخط. اندفع حيث يأخذه قلبه الذي هلع بمجرد سماع أن مكروهًا قد أصابها. نزل الدرج ينظر للحشد المجتمع أمام المصعد الذي حدث به العطل. اخترق صفوف الحشود كان ما بين الطابقين الرابع والخامس ليجعل ذلك استحالة فتحه، فصار صدرها يعلو ويهبط من فرط الصدمة الممزوجة برعب حقيقي، شاعرة بأن نهايتها أصبحت وشيكة. أخذت تردد بعض الآيات القرآنية. فجعل الدمع يتقاذف من مقلتيها، غير مدركة أن هناك شخصًا آخر يقف يرتجف رعبًا من فكرة فقدانها. فصار ينزل الدرج بخطوات سريعة. ليجد صديقه عدنان يقف مع عامل التصليح فتحدث بجدية:
«ماذا حدث؟»
أتاه رد عامل التصليح بلباقة:
«الآنسة طلعت بالأسانسير ودا وقت الصيانة، في حبل اتقطع فخلي الأسانسير ينزل بسرعة وأول ما نزل الباراشوت تلقائي اشتغل وواقف بين الدور الرابع والخامس، يعني حتى لو فتحناه مش هنعرف نخرجها»
ارتجف بقوة ورعب قائلًا:
«في أي حل نخرجها به؟»
ارتبك العامل قليلاً ليجيب بهدوء:
«هو إحنا ممكن نطلعها من فتحة الإنقاذ بس المشكلة إن دي زي الانتحار وخصوصًا إن هيبقى في ثقل على الأسانسير ومن المستحيل حد يقبل يخاطر. لازم نستنى عمال المساعدة وممكن يقع…»
أتاه رد يوسف بحدة قائلًا:
«اخرس…. أظن في تليفون في الأسانسير صح؟»
رد العامل بجدية:
«أيوه يا فندم…»
تركه يوسف واتجه نحو غرفة المراقبة وقام بالتواصل مع الهاتف الموجود بالمصعد بعد أن أعاد الإضاءة مرة أخرى.
في البداية ظنت أنها تتوهم لتتفاجأ بصوته المرتعب عليها:
«إيمان… إيمان أنتِ سامعاني؟»
حاولت الوقوف لتشعر باهتزاز بسيط لتجلس مرة أخرى تبكي بفزع:
«يوسف أنا خايفة وحاسة إني مش عارفة أتنفس»
رغم قلبه الذي ينزف ألمًا وهو يستمع لصوتها الباكي الممزق له، إلا أنه حاول بث الطمأنينة بقلبها قائلًا بهدوء حاني:
«اهدي يا إيمان متخافيش، أنا معاكِ وعمري ما هسيبك ولا هسمح إن يجرالك أي حاجة وحشة، عشان خاطري اهدي وحاولي تاخدي نفسك»
هدأتها تلك الكلمات فكان مفعولها كالسحر بالفعل بدأت أنفاسها تنتظم بهدوء. لتردد قليلاً قبل أن تحدثه ببكاء:
«يوسف»
رد بخوف قائلًا:
«عمر يوسف يا إيمان»
«لو جرالي حاجة ابقى سامحني»
رغم عدم فهمه ما تقصد إلا أنه رد بعفوية:
«مش هيحصل حاجة، أنتِ فاهمة»
أغلق الهاتف وهو ينظر للعامل قائلًا:
«انت مش قلت فيه فتحة إنقاذ في الأسانسير عشان الحالات دي؟»
أومأ العامل بجدية ليجد يوسف يخلع معطفه وساعته.
ليقاطعه بصرامة:
«بشمهندس في خطورة كبيرة»
رد يوسف بحدة قائلًا:
«اسمعني أنا هربط نفسي بالحبل وأنتم هتمسكوه وهتنزلوني بيه لحد ما أفتحه من فوق وبعد كده هترفعونا لفوق»
رد عدنان بفزع قائلًا:
«يوسف كده ممكن يقع بيكم»
رد بنبرة قاطعة صارمة:
«المهم إنها تخرج سليمة من جوه أنت فاهم، وحتى لو حياتي قصاد حياتها، مراتي مش هتخلى عنها»
كل هذا أمام عين عهد والتي بكت مدركة أن لا مكان لها في قلبه العاشق لتلك الفتاة. غادرت الشركة قبل أن ترى مساعدته لها ومخاطرته بحياته لأجل زوجته وكنزه الثمين. وبالفعل قاموا بتجهيز الحبال وتعليقها في حزام بنطاله لتحاوط خصره وقاموا بإنزال الحبل خطوة بخطوة إلى أن وصل فوق المصعد لتنتفض إيمان من شعورها الغريب بحركة المصعد فقال بصوت مسموع:
«متخافيش يا إيمان أنا جنبك»
«انت بتعمل إيه يا مجنون؟»
أتاها صوته مهدا قائلًا بحب يفوق ما كان يتخيله، فهو الآن مدرك كم هي غالية جدًا على قلبه المتيم بعشقها:
«إيمان اهدي أنا هفتح الأسانسير متخافيش من الصوت اللي هتسمعيه»
إلا أن شهقاتها ازدادت برعب جالي في حين اتبع يوسف تعليمات العامل في إزالة غطاء فتحة الإنقاذ. قام بإزالته بعد بضع دقائق ناظرًا لها باطمئنان ليقول بصوت جهوري ليسمعه عدنان ورفاقه:
«أنا فتحته، هنزل وأدخلها خليكم جاهزين»
أتاه صوت من الأعلى بالموافقة ليقوم بإدخال قدمه أولاً ثم يقوم بهز الحبال بفهم الجميع فوق وقاموا بإنزال الحبل خطوة خطوة إلى أن لمست قدمه أرضية المصعد.
نهضت برفق وخوف ترتمي بين ذراعيه مشدودة على احتضانه ليبادلها هذا العناق بقوة وخوف:
«إيمان اهدي أنا معاكِ والله ما هسمح إن يحصلك حاجة»
أبعدها عنه وهو يفك الحبال من حول خصره ولفه بإحكام حول خصرها محاولًا تثبيت الجهاز حول خصره.
تسأله بجدية وحدة:
«انت بتعمل إيه…. انت عايزني أسيبك؟ يوسف متهزرش أنا لو على موتي مش هطلع من هنا من غيرك»
رد يوسف محاولًا إقناعها:
«مفيش وقت لكلامك ده يا إيمان يالا علشان يطلعوكي من هنا وأنا هتصرف متقلقيش عليا»
«لا يوسف لو على موتي مش هطلع من غيرك»
تجاهل حديثها صارخًا بحدة:
«اسحبوا الحبل لفوق يالا»
انصدم عدنان وأصدقاؤه فقال عدنان صارخًا:
«أنت مجنون يا يوسف وأنت هتعمل إيه؟»
«بقولك اسحبها مبتسمعش»
عض عدنان على فتيه بغضب مستجيبًا له، لمن توقف عند صراخ إيمان وهي تحتضنه بقوة تتشبث به:
«لو عرفت تبعدني عنك ابقى خليهم يطلعوني»
حاول التحدث لكنها هزت رأسها بنفي قائلة:
«لا مش هسيبك ولا هبعد ومش هتخلي عنك»
استجاب لحديثها ونظرات عيونها الباكية، ولكنهم استسلموا، كيف يصمد أمام تلك العينان؟ يالله إن عرف الهزيمة يومًا سيكون ذلك بسببهما.
«اسحبوا الأسانسير……»
اتجه كلاهما من عدنان ورفاقه نحو مكان الماكينة لتنفيذ التعليمات وسحبهما وهم يدعون الله أن يمر بسلام. شعر باهتزاز المصعد ونظرات الخوف بادية في عينيها حاول التخفيف عنها ليحتضنها برفق متشبثًا به هامسًا:
«دايمًا واجعة قلبي… الحب وجع قلب وأنتِ وجعي وعشقي»
لم تشعر بشيء تحاول كبت دموعها إلى أن توقف المصعد أمام الطابق الخامس. ما أن فتحه حتى كادت أن تسقط مجددًا لكن وجدته يحملها ويخرج من بين هذا الحشد. وضعها بسيارته بهدوء ليجلس بجوارها محاولًا بث الطمأنينة في قلبها لتصرخ بوجهه بغضب:
«أنت مجنون صح؟ كانت عايزني أسيبك؟ ده لو فيها موتى مش هسيبك يا يوسف. من إمتى يبعد القلب عن الجسد ويفضل ينبض؟»
ربت على ظهرها بحنان قائلًا:
«حمدلله على سلامتك يا إيمان، حمدلله على سلامتك…»
صمتت وهي تنظر للفراغ ليسألها بفضول:
«صحيح كنتِ بتقوليلي أسامحك على إيه؟»
صمتت وهي تنظر له كيف تخبره بذلك الشيء؟ كانت تظن أنها النهاية فأرادت عفوه عن أمر أخذها لتلك الحبوب المانعة للحمل في فترة ما قبل مجيئهم إلى تلك البلد الغريبة عنها، لكن الآن كيف ستخبره؟
«يوسف أنا تعبانة ممكن تروحني»
ابتسم قائلًا:
«ماشي، هنعدي على المستشفى نطلب إجازة باقي اليوم وآخدك البيت…»
***
في أحد المباني الراقية حيث تقطن عهد.
كانت تبكي وهي تحتضن والدتها قائلة بانفطار:
«بيحبها يا ماما، بيحبها. بيخاطر بحياته علشان يلحقها. هو ليه بيحبها كده ليه يا ماما؟»
أبعدتها والدته عنها قائلة:
«لا يا عهد، أنتِ غلطتي غلط كبير. بتعرفي شو اسمك هالا… خاطفة رجال. أنتِ ما بتحبي يوسف أبدًا، أنتِ بس لقيتِ فيه كل المميزات اللي بتتمناها كل بنت. شاب ذكي وناجح جدًا بمجاله، مرح مع أصدقائه وفي حبه ولأهله.. متدين، وسيم، في كل المميزات. آه فيه عيوب مثل كل البشر، لكن مميزاته طاغية لأن إيمانه قوي…. وهاد مو حب يا بنتي، هاد اسمه إعجاب مو حب أبدًا»
ردت عهد بخوف قائلة:
«أنا مش عايزة أكون وحشة يا ماما، أنا بس عايزة ألاقي الحب… عايزة ألاقي قلب يفهمني. أنا خايفة من نفسي. إيمان كان ممكن تموت بسببي، حاسة إني بتغير أوي، مكنتش كده»
ابتسمت والدتها وهي تربت على كتفها باهتمام:
«حبيبتي أنتِ مو وحشة أبدًا، بس أنتِ إنسانة غلطتي وغلطك كبير كان هيتسبب في موت إنسانة مالها ذنب بأي شيء. بتعرفي شي؟ روحي واطلبي منها السماح واخرجي من التيم اللي شاغلة فيه مع المهندس يوسف وانسيه. وإذا آنسة حنين طلبت منكِ أي شيء يخص يوسف ارفضيه فورًا وخبريها إنك موجودة في الشركة بس منشان الشغل مو أكتر من هيك. يبدو يضل أو يرحل منا ها شي بيخصه لواحده ونحنا مالنا علاقة يا قلبي. وخليكي واثقة برب العالمين، يمكن وقتها يرزقك بشب يعطيك كل الحب اللي بقلبه. المهم قلبك يكون صادق وصافي… فهمتيني؟»
أومأت له عهد وهي تحتضنها بندم وخوف مما كان سيحدث.
***
في مصر وبالتحديد الإسكندرية.
انتهت زينب من ارتداء ثيابها بعد أن اختارتها بصعوبة، فمعظم ثيابها أصبحت ضيقة بسبب بروز بطنها الواضح على غير المعتاد لأي امرأة في منتصف الشهر الرابع. نظرت للمرآة بحزن تشعر وكأن وزنها زاد.
زفرت بحنق بينما مد يديه يعانق خصرها وهو يقف خلفها مبتسمًا:
«الجميل متضايق من إيه؟»
«هو أنا تخنت أوي صح؟ لازم أعمل ريجيم بعد ما أولد»
سألته بفضول وخوف. ابتسم يميل عليها يختطف قبلة من وجنتها بحب قائلًا:
«تخنتي إيه يا هبلة؟ والله دا أنتِ بقيتي ملبن»
ابتسمت زينب برضا وهي تتابعه يتجه نحو زجاجة عطره ليضع منه قبل أن يمسك يديها ويخرج من الغرفة:
«خالي في علمك هنروح للدكتورة وعندنا مشوار تاني هنعمله سوا»
سألته بفضول قائلة:
«مشوار إيه؟»
رد باختصار:
«لما يجي وقته هتعرفي»
بعد مرور نصف ساعة.
جلست زينب أمام الطبيبة تفحصها بابتسامة جميلة، بينما يقف صالح خلف تلك الستار بقلق يتمنى لو يدلف لهم. لتنادي عليه الطبيبة بجدية:
«اتفضل يا بشمهندس صالح»
سار نحوهما لتجد الطبيبة تحدثه بابتسامة:
«مش عارفة أجبهالكم إزاي بس ألف مبروك يا مدام زينب، أنتِ حامل في توأم ثلاثي ولد وبنتين»
فغرت زينب شفتيها بذهول، بينما اندهش صالح ولم يستطع كبح تلك البسمة الواسعة، أيرزقه الله بثلاث أطفال؟ بينما نزلت دموع زينب وكأنها لم تستوعب ما قالته الطبيبة…. ستكون أم لثلاث أطفال، يالله أي جمال هذا!!
عانق وجهها بين يديه بسعادة قائلًا:
«شش متخافيش، هنكون سوا وهنربيهم سوا متخافيش هكون معاكي»
لم تشعر بنفسها سوى وهو يحتضنها، بينما زادت شهقاتها ونحيبها.. يا الله يا الله.. ستكون أم لثلاث أطفال……
ابتسمت الطبيبة بسعادة لهم قائلة:
«مش عايزين تسمعوا نبضهم؟»
أخذ منها السماعة لتضعها على أذنه بهدوء في حين تزداد ضربات قلبه بعنف. شعر بها يقسم أنه سمع نبضهم. للحظات شعر بالخوف والسعادة والقلق. ما هذا.. ما كل تلك المشاعر المتضاربة الآن؟ أيخاف من فكرة كونه أب.. لا والله إن الرجال يتحملون المسؤولية، لكن خوفه الآن هل سيسطع أن يربيهم كما ينبغي؟ هل سيعلمهم أصول دينهم؟ هل سيكون قادرًا على نشأتهم كما يحب ويرضى الله؟ أسئلة كثيرة تدور بعقله بينما يستمع لنبضات أطفاله…
«أنا كمان عايز أسمعهم يا صالح»
نظرت له برماديتيها البريئة ليبتسم برفق وهو يسمح لها بذلك. أغمضت جفنيها برفق وهي تضع يديها على موضع قلبها شاعرة بارتجاف قوي. عاشت حياتها البائسة لم تكن أن يعطيها الله كل ذلك… يعوضها عن كل ما هو مر ومؤلم.. زوج حنون وصالح وعائلة جميلة، حتى أنها لديها أب صحيح هو ليس والدها الحقيقي لكنه كان حنونًا معها. رغم ما رأته من قسوة بذلك العالم إلا أنها لديها الآن كل ما تتمناه. شعرت للحظات بأن نبضاتها امتزجت بنبضاتهم لتشهق ببكاء. احتضنها وهو يتنهد بارتياح.
بعد قليل.
قامت بتعديل ثيابها وهي تجلس على كرسيها أمام الطبيبة تبتسم لهم:
«دلوقتي يا أستاذ صالح المهمة الكبيرة عليك»
انتبه لها جيدًا منصتًا بجدية:
«اتفضلي»
«الحمل في توأم ثلاثي بيكون صعب شوية وخصوصًا مع اقتراب فترة الولادة…. شوف أنا هكتبلها شوية فيتامينات وتلغي خالص اللي كانت بتاخدها والأكل مهم جدًا جدًا. قدام مفيش فيها كلام. نبعد عن أكل الشارع وأنا متأكدة إن مدام حياء بتعمل كده بس أرجوك دا ضروري، وما فيش أي مواد حافظة ممنوعة. راحة دي من أهم المراحل طبعًا شوية تمشية هتفرق معانا بس وقت محدد. ولو لاقدر الله حسيت بأي وجع ولو بسيط لازم تكلمني فورًا وأنا تحت أمركم في أي وقت. آه صحيح يا زينب الشطة لا هتتعبك واحنا بنحاول نتجنب ده عشان تعدي الفترة الجاية على خير»
أومأ لها بجدية قائلًا بصرامة:
«متقلقيش يا دكتورة هيتم زي ما قلتي»
«تمام، وإن شاء الله معادنا الجاي كمان أسبوعين…»
خرجا معا من العيادة في حين عانق خصرها بحماية قائلًا:
«هتيجي معايا مشواري وتقعدي مش عايز كلمة واحدة فاهمة»
زفرت بحنق قائلة:
«بلاش شغل الأوامر ده يا سي صالح علشان خُلقي بقى بيضيق الفترة دي كتير»
تجاهل تذمرها وهو يساعدها في صعود السيارة.
بعد مرور وقت.
أوقف سيارته أمام مكان كبير يبدو كمصنع أو شيء كذلك. ترجل من سيارته وهي بجواره تدلف معه لذلك المكان بينما تنظر له بدهشة. حيث يوجد الكثير من الكراسي وفي المقدمة منضدة عالية. في ذات الوقت دلف الكثير من الأشخاص ليحضروا ذلك المزاد العلني ومنهم رشاد وخالد مساعده.
ابتسم رشاد بغل وهو ينظر لزينب ولبطنها بغضب متمنيًا لو كانت تنجح خطته. شعرت زينب بالخوف من نظراته تلك لتتمسك بيد صالح بقوة. ابتسم بحنان وهو يساعدها على دخول ذلك المكان لتجلس على أحد الكراسي وهو بجوارها في حين انضم لهم “علي”. ابتسم بخبث وهو يغمز لصديقه ليطلق ضحكة خافتة.
مر بعض الوقت وبدأ المزاد على “مجموعة من ماكينات إحدى مصانع القماش”. بدأت الأرقام من مليون ونصف، بينما أخذ الرقم يتصاعد.
صالح بجدية محاولًا إظهار الاهتمام قائلًا:
«تلاتة مليون»
«تلاته مليون.. ها تلاته مليون عند صالح بيه، مين يزود مين يزود؟»
رد رشاد بخبث قائلًا:
«تلاته مليون ونص…»
«يالا يا جماعة لسه في الأول، مين يزود؟»
رد شخص آخر بهدوء:
«تلاته مليون، تمنيت ألف»
صالح بجدية وهو يمسك بيديها بقوة:
«أربعه مليون…»
رشاد بسرعة:
«سته مليون…»
ابتسم صالح بخبث قائلًا:
«سبعة مليون جنية»
ابتلعت زينب ريقها بصعوبة وهي تتخيل ذلك الرقم قائلة:
«صالح أنت معاك الرقم ده؟ افرض المزاد رسى عليك ما تيجي نمشي الله يرضا عليك»
غمز لها بشقاوة وقحة قائلًا:
«اصبري دي اللعبة بدأت تسخن»
في ذلك الوقت رد رشاد بتردد:
«عشرة مليون»
أظهر صالح وجهًا عابسًا حزينًا قائلًا بحزن واضح بطريقة متقنة:
«عشرة مليون وخمسمية ألف…»
ابتسم رشاد بانتصار وهو ينظر لها قائلاً بلهفة غير مدركًا عواقب فعله:
«اتناشر مليون»
نظر له صالح بشماتة وانتصار قبل أن ينحني يقبل رأس زوجته هامسًا:
«المكن ده كان هيتباع بتلاته مليون بمنتهى السهولة، ودلوقتي خليه يشربها الدُغف»
همست زينب بارتباك قائلة:
«وأنت عرفت منين؟ أنا مش فاهمة حاجة يا صالح»
«إلا أونا إلا دو إلا ترى»
انتهى المزاد عند تلك الكلمات الشهيرة. في حين نظر خالد لرشاد بصدمة قائلًا:
«انت عملت إيه؟ عمال أقولك بلاش هتدفع الفلوس دي منين؟ دا إحنا يدوب خلصنا من الخساير اللي عليك بالعافية واللي معاك بالكتير خمسة مليون، دا أنت غبي. أنا ماشي»
خرج من ذلك المكان بغضب، بينما همس صالح لعلي قائلًا:
«مش عايز يمشي، تجيبه على المخزن خلينا نصفي الحسابات»
***
في سيارة صالح.
زينب بحدة:
«ممكن أفهم إيه اللي حصل دلوقتي يا صالح؟ الله يرضا عليك مش عايزين مشاكل، إحنا هيكون عندنا أولاد ورشاد مؤذي. افهمني أنت عملت كده ليه؟ ما كان سبنا في حالنا»
ابتسم برفق وهو يطبع قبلة أعلى رأسها قائلًا بمرح:
«تعرفي إنك هطلة وأنا بقى نقطة ضعفي الهطل»
نظرت باستياء قائلة:
«اتكلم بأسلوب أحسن من كده»
ضحك قائلًا:
«طب اسمعي بقى يا هبلة علشان لما أقولك إنك على نيتك تصدقيني. اللي عامل نفسه ابن عمك ده كان عايز يموت الجنين، وكان عايز يخليني أشك فيك إنك بتخونيني ومراته السابقة كانت هتشوه وشك وجيتلي الوكالة وقالت إنك على علاقة بجوزها»
كادت أن تتحدث بصدمة مبراءة نفسها لكن وجدته يبتسم وهي يربت على يديها باطمئنان:
«أنا عمري ما أشك فيكِ يا زينب…. المهم…»
بعث البنت اللي اسمها عفت دي وكانت بتحاول تصورك صور وانتي في البيت وبلبس البيت وأحيانًا كانت بتصور هدومك وقمصان نومك…. والهانم حضرتك علشان مغفلة كنتي بتسيبي موبايلك قدامها وهي فتحته بسهولة وكمان عملت أكاونت باسمك وفتحت كلمت شخص وبعتت الصور و طبعًا كتبت كلام زبالة، ميخرجش إلا من واحدة مشفتش بربع جنيه تربية، وكأنها بتكلم شاب وبتقول إنك بتحبيه ومستغفلني وبتصوري هدومك له. وفي صورة ليكي واضح إنها خدتها وإنتي تعبانة بعد ما عرفنا خبر الحمل لما كانت بتطلع تنضف وإنتي كنتِ بقميص النوم. وبعتت الصورة للاكونت ده. المهم علشان أنا دمي محروق لوحدي….»
انسابت دموعها بخوف وحزن قائلة:
«في حد شاف صوري دي يا صالح؟»
أغمض عينيه بألم وهو ينظر لدموعها قائلًا:
«لا يا قلب صالح، الموبايل اللي اتبعتت له الصور معايا واتمسحت وطلع ده أكاونت بتاع عفت باسم راجل وكانت بتبعت الصور لنفسها بس باسم راجل»
صمت لبرهة ليكمل بجدية قائلًا:
«لما روحنا المنصورة حطيتلك مادة سامة في العصير تاذي الجنين وتخليه ينزل لكن أمر الله وإرادته كانت فوق الكل ودب الروح فيه. وقتها خديجة كانت خايفة وأنا بثق فيها هي وكرم لأنهم معانا من زمان أوي. وقتها طلبت من خديجة تراقب عفت لحد ما مرة في مرة سمعته بتكلم رشاد وبيطلب منها تراقبني…. وقتها عرفته إنه وراء اللي حصل فحبيت أردله اللي عمله. زرعت ناس يشتغلوا في مصنع البسكوت اللي عنده وعرفت إن فيه مواد منتهية الصلاحية و طبعًا جبت دليل و نزلت بيه في الأخبار وأسهم شركات وقعت في الأرض. بعدها اشتريت الأسهم بالسعر اللي يخليه ميعرفش يعوض الخسارة لكنه فلت منها وأنا اشتريت أسهم شركاته وهو بعد كده بعتها بالسعر اللي أنا عايزه وأعلنت إني أنا اللي اشتريته. رشاد طبعًا لما عرف حب ينتقم فخلى عفت تراقبني أنا عن قرب وتنسيكي شوية. كلمت علي وحطينا كاميرات مراقبة في بيتنا وبيت بابا علشان اللي اسمها عفت تكون تحت عينينا…… عملت تمثيلية كدا وخليت علي يقول في السوق إن وكالة الشهاوي بتخسر وفي مشاكل مالية. بعد كده خليت عفت تسمعني وأنا بقول إني داخل مزاد مهم هيعوض خسائري وإن فيه خسارة كبيرة بتتعرض لها. وقتها كنت واثق إن رشاد هيدخل المزاد ده ولما كنت بعلي عليه كنت متأكد إن حقده وغله هيخليه يزود لحد ما استوى»
ردت زينب بذهول مستفسرة:
«طب لو كان رسى عليك المزاد كنت هتدفع المبلغ ده كله منين؟»
ضحك بخفة زادت وسامته قائلًا:
«أولًا الحمد لله الخير كتير، ثانيًا أنا جدي شريف الهلالي وسليمان الشهاوي وأبويا جلال الشهاوي يعني دماغ توزن بلد. ناس تعرف تعمل القرش بتعبها وشقاها ولازم نتعلم منهم. ثالثًا والأهم حتى لو المزاد رسى عليا مكنتش هخسر كتير لأن المكن ده بتاعي أصلًا والفلوس كنت هبقى بدفعها لنفسي يعني مخسرتش حاجة»
عقدت ما بين حاجبيها قائلة:
«مش فاهمه إزاي يعني؟»
زفر صالح بجدية قائلًا:
«شوفي دا مكن خردة بتاع مصنع القماش»
«اللي كنت شغالة فيه؟» سألته بفضول ليؤمي لها بجدية:
«أيوه هو…. المصنع ده كان فيه مكن كتير خردة، جالي فكرة من مدة إني أبيعه في المزاد العلني مكنش هيتباع بأكتر من تلاته مليون. لكن اللي حصل إني اتفقت مع واحد اسمه فتحي وبعيته المكن ده على الورق وبعدين خليته يعلن إنه بيتباع في المزاد العلني. وخليت علي يدفع رسوم المزاد وأدخله وبعد كده رشاد يلبس فيها وأنا أبيع الخردة اللي في المخازن وألبسه في خسائر وأحبسه والمكن يبقى بتاعه وأنا ليا الفلوس»
صمتت زينب محاولة استيعاب كل ما حدث من وراء ظهرها قائلة بذهول:
«ده أنت عندك حق، ده أنا طلعت هطلة بجد»
لم يستطع كبح ضحكاته وهي تضع يديها على رأسها ببراءة محاولة استيعاب كل هذا لتصيح فجأة قائلة:
«ده أنت ذكي….. يارب يطلعوا ليك»
تنهد قائلًا بحب:
«أنا نفسي يبقوا فيهم منك ومن طيبة قلبك، بس طيبة القلب محتاجة عقل يا زينب يفكر في كل حاجة بتحصل لأن لو مفكرناش هيتضحك علينا…»
ابتسمت براحة في حين انطلق هو نحو المخزن. ترجلت معه للداخل ولكن انصدمت وهي تنظر لرشاد يترنح أرضًا يصرخ من الألم. بينما بجواره عفت وجهها متورم، وبجوارها امرأتان تعرفت على واحدة منهما حيث كانت تلك المرأة التي ضربتها بالسوق وكادت أن تسكب حمض الهيدروليك (مياه النار) على وجهها. وبجوارها امرأة تبدو أنيقة ثرية “صوفيا”.
صالح بصوت عالٍ:
«أهلاً أهلاً بالحبايب»
أمسك بيديها يجلسها على أحد الكراسي قائلًا:
«تعالي بقى أعرفك على الحبايب. رشاد بيه الشافعي اللي حاول يخرب حياتنا علشان هوس جواه وحقد وغِل طمع في كل حاجة… واحد زبالة بيفكر في مراتي وهو في حضن أي واحدة من الشمال بتوعه. وده بقى أنا ناوي لك على نية سوداء»
أتاه صوت رشاد بضعف قائلًا باستفزاز:
«فاكر إن كده هتقدر تسجني؟ كلها كم سنة وأطلع لك»
في تلك اللحظة صدحت ضحكة صالح قائلًا:
«تطلع… تطلع مين يابا…. ده على جثتي. أنت فاكر إنك هتدخل السجن علشان الكم مليون دول؟ توتو… أنت هتدخل علشان أوراق التزوير والرشاوي والشغل المشبوه والفلوس اللي عليك. ده أنا مجهز لك حاجات تخليك تقعد في السجن العمر كله….. تيجي بقى لعفت الكلب اللي دخلت بيتنا واعتبرناها واحدة مننا قامت عضت اليد اللي اتمدت لها وحاولت تقتل ابننا وتشقق في مراتي وتزرع جواها خوف وقلق»
حاولت عفت التبرير لتجد كفًا ينزل على وجهها من تلك المرأة التي تقف وراها. ابتسم صالح قائلًا:
«متقلقيش يا فوفا هما هيأدبوكي في السجن إن شاء الله…»
نيجي لصوفيا هانم بنت الحسب والنسب، والله أنا حزين عليكِ، واحدة زيك تؤدي نفسها في داهية علشان ده، يا خسارة بجد. بعتي الستات دول علشان يضربها لكن متعرفيش إن بعد الحادثة بأسبوعين الستات دول كانوا مرميين هنا وحطهم الأسود إن الكاميرات جابته. نفسي أفهم استفدتوا إيه من شركم ده… عايزك تروق لي الكلب ده وعفت دي لازم تتوصي بيها»
ساعدها في النهوض ليغادر المكان، بينما شعرت هي لأول مرة بحجم ما كان يعرض حياتها… لماذا كل هذا الشر؟!
***
في المنصورة.
فتحت بيلا عينيها بتثاقل لتقع عينيها عليه ينام بجوارها محتضنًا إياها برفق. ابتسمت بشرود وهي تمرر يديها على ذقنه الخفيفة معطيه إياه وسامة جذابة. حقًا هو معها الآن يحضنها بعد كل تلك السنوات وبعد كل هذا الألم، هو الآن معها.
انسابت دموعها بخوف متذكرة إحدى الذكريات البشعة التي تعرضت لها في تلك المصحة النفسية. تشبثت ببجامته بقوة وهي تدس نفسها بداخل أحضانه. نظر لها بهدوء يمد أنامله يمسح دموعها المنسابة على وجنتيها قائلًا برفق وحزن:
«حقك علي عيني يا بيلا، حقك عليا أنا. يا ريتني ما كنت طلقتك ولا مشيت في اليوم ده. يا ريتني كنت خطفتك منهم وخدت بعيد عن الكل»
رفعت عينيها تنظر له عن كثب قائلة بارتباك:
«عمر أنت مش هتسبني صح؟ بالله عليك متمشيش تاني، أنا خايفة أوي يكون حلم. زمان وأنا في المستشفى كنت بحلم دايما بيك بتيجي تاخدني ونفضل سوا وفجأة يصحوني من النوم. متمشيش علشان خاطري»
قبل وجنتها بافتتان قائلًا:
«مقدرش أمشي المرة دي حقيقي يا بيلا، حتى لو اتاخرت. بس أنا دلوقتي معاكي. عارفة كل يوم كنت بقعد مع نفسي وأفتكر لحظاتنا سوا وأول مرة لما شفتك في أوضتي وإنتي بتاكلي من أكلي ولما حدفتيني بالطوب ومقابلتنا وألف جنيه بتاعتك»
اعتدل في جلسته وهي معه ليتجه نحو محفظته يجلبها. جلس بجوارها مخرجًا من المحفظة الألف جنيه ذلك المبلغ القديم الذي أعطته له. كادت أن تبكي وهي تمسك ذلك المبلغ وتبتسم:
«لسه معاك؟ كنت وقتها فاكرك بتستغلني علشان الفلوس دي، مكنتش عارفة إنك هتحتفظ بيهم…»
ابتسم بسعادة وهو يخرج تلك السلسلة ليضعها بعنقها، فكانت مطبوعًا عليها صورة قديمة لهم بعد زواجهما، كانت تحتضنه وتقبل خده بينما يحيط خصرها.
«مفيش ذكرى كانت بينا نسيتها يا بيلا، لأن محبتش غيرك في حياتي. كنت فاكر إني هقدر أتخطاكي وأتجوز وأخلف، لكن براءتك وضحكتك وشغفك للحياة كان دائمًا بيطاردني»
ابتسمت بسعادة قائلة وهي تحاوط وجهه:
«أنا بحبك وبموت فيك»
لم تكمل جملتها بينما انحنى يقبلها بسعادة ولهفة، وقد عاد لروحه ما فُقد منها، يبثها عشقه ويعزف ألحانه على أوتار قلبها العاشق له.
***
في القاهرة.
جلست عصمت تتحدث إلى والدتها قائلة:
«أهيه يا ماما دي صورتها. تصدقي شبه عمر اللي عرفته. إن في واحد اسمه منصور أخدها وهي طفلة ورباها ودلوقتي متجوزة وحامل. بس في مصيبة كده أنا مش عارفة أفسرها»
ردت تفيدة بتعب قائلة:
«مصيبة إيه؟»
ردت عصمت وهي تخرج هاتفها تفتح معرض الصور لتعطيه لوالدتها:
«شوفي دي صورة عمر وهو في قصر الدمنهوري واقف معاه بيلا والشاب ده ودي…. تبقى زينب اللي هي ملك الرشيد. أنا لحد دلوقتي مش فاهمة زينب إزاي مع عمر وبيلا وبيتعاملوا معاها عادي. طب هما عارفين إنها بنتهم؟ البنت دي لو ظهرت هتورث عمر بكل ثروته دي….. أنا بس مش عارفة إيه اللي جمعهم ببعض ويترى عمر بيفكر في إيه؟»
ردت تفيدة قائلة:
«الموضوع لازم فيه تفكير بعقل وهدوء ونشوف هنعمل إيه؟»
***
في إحدى العيادات الخاصة.
كان يجلس باسل أمام الطبيبة يضع ساقه على الأخرى بتعالٍ، بينما ينفث سيجارته.
الطبيبة بجدية:
«باسل أنت ليه عايز تتعالج دلوقتي؟ إيه اللي غير وجهة نظرك وليه شايف إنك مريض نفسي؟»
رد بهدوء وحيرة ممزوجة بتنهيدة حزن:
«هتصدقي يا هدى إن أنا مش عارف. أنا بس تعبت، عارفة أنا نفسي أكون إنسان عادي. جايز أنا خايف أكون مؤذي للي حواليا، يمكن عرفت ده لما قابلت نور. عارفة يا هدى أنا بقالي سنين بشوف نفسي بقيت شخص بارد إلا قدام نور. يمكن كل حصوني ضعفت وبقيت أحس، خوف إني أفقدها، إحساس بالذنب تجاه والدتي، رغبة في تغيير حياتي، لكن برضو حاسس إن في شخصية جوايا مسيطرة عليا إني لازم أكون دائمًا مستعد لأي خسارة لأي خيانة، وخايف الشخصية دي تدمر حياتي. علشان كده أنا هنا.. أنا خايف أكون زي أبويا وأخسر كل اللي حواليا. أنا مش عايز أكون زيه»
ابتسمت هدى بلباقة قائلة:
«خوفك وإحساسك باللي حواليك ده لوحده إنجاز يا باسل، لأن أهم خطوة في العلاج إنك تكون متصالح مع نفسك حقيقي. أنا فرحانة لك وواضح إن نور دي ليها تأثير قوي»
ابتسم باسل بهدوء عند تذكره لتلك المجنونة. في حين نظرت له هدى بجدية قائلة:
«شوف يا باسل، كلنا في حياتنا بنمر بنكسات. وقتها بيحصل حاجة من الاتنين، يا بنقوم ونكمل رغم العقبات، يا بنحبس نفسنا في قوقعة خوف وألم، وأنت للأسف حبست نفسك فيها طول السنين اللي فاتت. عقدتك من أفعال والدك كان ممكن تخسرك نفسك وينتهي عمرك بدون ما تحس، بس دلوقتي لازم يكون عندك دافع، زي إنك تكون زوج كويس وحبيب ليها، وإن شاء الله في المستقبل أب وأخ مقرب من زينة وابن كويس مع أمك. وأنا واثقة إنك هتقدر تتعافى….»
ابتسم باسل بهدوء شاعراً ببعض الراحة النفسية وهو ينظر لها.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم دعاء احمد
في منزل آل «الشهاوي»
ساعدت «حياء» «زينب» في الجلوس على الفراش بعد أن بدلت ثيابها، ومازالت تشعر بالاضطراب بعد كل ما اكتشفته اليوم.
سؤال يدور بعقلها؛ لما كل هذا الحقد؟!
أغمضت جفونها بينما وضعت يديها على بطنها بخوف على أطفالها من هذا العالم.
أبتسمت «حياء» وهي تربت على كتفها بأهتمام قائلة:
“سرحانه في ايه يا زينب؟”
تنهدت بأرتياب و خوف قائلة:
“خايفة اوي من وقت ما الدكتورة قالت اني حامل في تلات أطفال الموضوع مخوفني اوي، انا أسمع ان الولادة بتكون صعبة في طفل فما بالك بتلاته، هو انا فرحانة بس خايفة، و كمان خايفة معرفش أهتم بيهم، او أحب واحد أكتر من التاني و ساعتها هبقي بظلمه، و كمان ياترى فعلا هقدر أكون داعم ليهم… خايفة اوي يا ماما”
أبتسمت «حياء» بسعادة ممزوجة بطيبة وهي تقترب من «زينب» تحتضنها بحنان بينما أغمضت عينيها، شعور جميل هو العائلة، تُلقي كل همومك بين احضانها، شعور بالدفء الأمان.
حياء بحب:
“بصي يا زينب الخوف الصراحه طبيعي في الحالة اللي زي دي، انا كنت حامل في صالح و أيمان، و الصراحة كنت مرعوبة في فترة الحمل لان مكنش معايا حد؛ يعني هو جلال و شهد. جلال كان مشغول في الوكالة و شهد عندها بيتها و هي كانت معها ياسمينه، اه كانت معظم الوقت معايا لكن مش دايما و انا كنت خايفة اولد في وقت. جلال كان دايما بيحاول يخفف عني و الصراحة علشان مظلمهوش هو عمل كل اللي عليه. بس انا اللي كنت شايلة هم الولاد و المدرسة و دروس القرآن و مذاكرتهم و شغل المطعم، لدرجة ان اوقات كنت بعيط لما احس اني تعبت، بس سبحان الله كل دا يهون أدام اني اشوف ضحكة او فرحة اي واحد فيكم، عارفة انك هتتعبي، بس اوعدك لو ربنا طول في عمري هكون معاكِ خطوة بخطوة. عارفة يا زينب اول ما شفتك والله قلبي ارتاح لك و حسيت أنك طيبة و تستاهلِ كل خير، كفاية انك ساعدتي صالح بدون مقابل و سبحان الله طلع من نصيبك ”
تشبثت «زينب» بثوب «حياء» وهي تبتسم برفق قائلة:
“أقولك سر انا بحبك أوي، يمكن معرفش مين أمي لكن لما بنتكلم سوا و تحضنيني بحس اني فعلا في حضنها، بحب أهتمامك بيا و أنك بتيجي كل يوم تحفظين القرآن، يعني انا عمري ما كنت اتخيل اني احفظ عشر اجزاء في فترة الحمل، سبحان الله كل كلمة في كتاب الله العزيز فيها راحة نفسية غريبة… تعرفي صالح وعدني اني لو ختمت القرآن هينفذلي اي طلب اطلبه منه، لما حفظت العشر أجزاء وقتها كان فرحان اوي اكتر مني انا شخصياً. هداني السلسلة دي شكلها حلو صح”
كانت تُمسك بين يديها سلسلة من الذهب على شكل مجسم صغير لمصحف مكتوب عليه اسم «الله عز و جل».
أبتسمت حياء و هي تُقبل رأسها بحنان قائلة:
“ربنا يبارك فيكِ يا زينب يارب، طبعا جميلة جدا، و بعدين أنتِ علشان شاطرة قدرتي تحفظيهم في الفترة الصغيرة دي انا الصراحة قعدت فترة أطول منكم كمان. صوتك ما شاء الله جميل و مريح للسمع، تعرفي ان جلال بيعرف يقلد بعض الشيوخ مفيش مرة يقرأ قرآن الا لو خلاني اعيط سبحان الله ”
أبتسمت «زينب» بخبث وهي تغمز بشقاوة:
“يا وعدي يا وعدي على الحب، هو صحيح مين اللي حب التاني الاول.. و ايه حكايتكم و ازاي بدأت، و ليه دايما أسم بابا لازم لما ينذكر يتذكر أسمك أنت كمان، يعني لما كنت شغالة في المصنع دايما كنت أسمع الاسمين مربوطين ببعض اشمعنا؟”
أبتسمت «حياء» و توردت وجنتيها بحمرة الخجل قائلة بهمس:
“علشان انا محظوظة و ربنا عوضني عن سنين عمري في بلد غريبة بحب جلال و دفء قلبه، الصراحة جلال هو السبب الاهم في نجاح علاقتنا، يمكن لانه اتمسك بيا رغم عيوبي دعمني يا زينب و انا لوحدي كل الناس كانوا بيشكوا فيا؛ ابويا و شهد و نوارة الله يرحمها و أيوب مفيش حد منهم سمعني الا جلال. حتى لو في لحظة اتخلى عني فهو رجع و ردلي كرامتي…. اقولك سر و محدش يعرفه، انا عشت عشرين سنة في بلد غريبة، اه كنت متاقلمة فيها لكن زي اي حد كنت حاسه بالغربة و الوحدة مكنش عندي صحاب في الكلية الا قليل جدا، عارفة انا يعتبر كنت من الطبقة الفقيرة و في الكلية أحيانا كنت بتعرض للتنمر مش من الأجانب لا من بنات مصريين. افتكر جيس و جميلة دول الاتنين كانوا اسوء بنتين ممكن اي حد يقابلهم كانوا موذيين بكل المعاني علشان كدا مكنش عندي صحاب، هي ماما بس كانت جميلة اوي اوي و كنا صحاب جدا، لدرجة اني كنت بكلمها عن كل حاجة ممكن اي بنت تخجل تتكلم فيها مع والدتها زي مثالا الكلام عن الحب…. موتها وجعني اوي و خصوصا اني كنت لوحدي و مكنتش عارفة اعمل ايه. بس ربنا بيوقف لك ولاد الحلال اللي يساعدوكِ. تعرفي انا مكنتش بطيق جلال سبحان الله لكن مع الوقت محبتش غيره و بقي هو كل حياتي ”
أبتسمت «زينب» بحماس:
“طب انا عايزة اشوف صور فرحكم اصل سمعت انه كان كبير اوي و فضل تلات ايام في دبايح شغالة و الكل حكي انه مش هيشوفوا فرح زي دا تاني”
تنهدت «حياء» بارتياح و هي تجلب هاتفها:
“تعالي انا معايا شوية صور على الموبيل و الألبوم تحت لما انزل هجيبه نتفرج عليه سوا، بابا الله يرحمه هو اللي أصر انهم يفضلوا تلات ايام فرح كان أكبر فرح اتعمل في اسكندرية بصي من الاخر كدا عوض ربنا بيجي حلو اوي اوي اوي كمان”
احتضنت زينب لتجلس بجانبها وهما ينظرن للهاتف و يتحدثان عن كل تفصيلة حدثت يوم زفاف «جلال و حياء».
دلف «صالح» الي شقته بعد يوم عمل مرهق و خصوصا بعد تسليمه رشاد للبوليس و فتح قضايا تزوير قام بها ذلك المدعو رشاد الشافعي.
أستمع لصوت ضحكات عالية أتيه من غرفة النوم و صوت والدته و زوجته يتحدثان بمرح، اتسعت ابتسامته وهو يتجة نحو المطبخ، صنع كوب من القهوة.
طرق على الباب عدة طرقات قبل أن تسمح له والدته بالدخول.
“كنتم بتتكلموا في ايه كدا و بتضحكوا” سأل والدته بفضول و هو يضع الكوب جانباً بينما تمدد على الفراش.
ليضع رأسه على فخذ «حياء» مغمضاً العينين يستريح من عناء اليوم.
ابتسمت برفق وهي تمرر يديها في خصلات شعره السوداء لتجيب:
“كنت بفرج زينب علي صورك أنتَ و أيمان و أنتم صغيرين”
في لحظه انتفض «صالح» بذعر قائلا:
“صور ايه؟”
لم تستطع «زينب» كبت ضحكتها بتنظر له بطريقة مغيظه و ضحكتها تتعالى وهي تعطيه الهاتف ليري إحدى الصور له وهو طفل يبدو حينها كمتشرد و ليس طفل أبداً.
كانت «أيمان» تمسكه من شعره وهو يقضم وجنتها بغيظ و أسنانه تكاد تاكل وجنته أخته.
خطف الهاتف من بين يديها بسرعة قائلا بحرج:
“دي صورة قديمة مينفعش كدا على فكرة ايه الإحراج يا جماعة كنت طفل و هي منتش عاملة الواجب و أنا خفت المدرس يضربها روحت مديها كراستي قام المدرس ضربني أنا، لما رجعنا البيت يومها كنتِ في المطعم يا ماما و أيمان غظتني بالكلام روحت مسكتها من خدها و عضيتها لقيتها بتمسك شعري و بتشدني، يومها بابا زعقلي و يا اختي على دا يوم منيل بستين نيلة…. استنوا ارن عليها خلينا نطمن عليها مكلمتنيش النهاردة خالص”
أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليجري اتصال بأخته.
في لندن……
كانت تجلس بجوار «يوسف» و ذكريات اليوم تُعاد عليها.
أضحى بحياته لأجلها كما شعرت بالأمان معه في تلك اللحظات العصيبة التي مرت عليهما في داخل ذلك المصعد.
تنهدت براحة وهي تضع راسها على كتفه بهدوء.
بينما يشاهدان إحد أفلام ديزني – بيتر بان- بينما ياكل الفشار، وهو يضحك وهو يرى أفعال «تنة و رنة» أثر غيرتها على «بيتر».
جذبت الغطاء عليها وهي تتمسك بذراعه تستمد منه الأمان.
أيمان:
“غريبة مكنتش متخيلة ان في ولاد بيحبوا الكرتون كنت فاكرة ان دي حاجات بنات و بس”
رد عليها و مازال ينظر للتلفاز:
“والله يا بنتي مش عارف بس والدتك كانت دايماً تتفرج عليه متنسيش انها هي اللي ربتني فكنت بحب اتفرج على الحاجات دي”
ابتسمت لتردف بنبرة ممتنة:
“شكرا يا يوسف أنك في حياتي، النهاردة كنت خايفة اوي، لكن لما سمعت صوتك حسيت اني مطمنه حتى لو كنت مُت م…”
قاطعها قائلا بحدة:
“أيمان ممكن تسكتي و بلاش تعصبني لو سمحتِ، أنا لما ابوكِ واقف على جوازنا اخد مني عهد اني اخفظ عليكِ و أنا عمري ما اخلف بعهودي، لأنك مش بس مراتي أنت حبيبي و قلبي و روحي يا جميل أنتِ، بقولك ايه ما تسيبك من الفيلم و تعالي أقولك كلمة على انفراد”
هزت كتفها قائلة ببراءة مصطنعه:
“أنا شايفة انا الفيلم عجبك”
ابتسم بخبث مقترباً منها و ما كاد ان يُقبلها حتى صدح رنين هاتفه ليزفر بغضب قائلا:
“مين الغتت اللي بيتصل دلوقتي ”
التقط هاتفه ليري اسم «صالح» ليجيب قائلا بتملق:
“حبيبي واخويا و عم عيالي عامل ايه يا برنس”
رد صالح بمراوغة:
“شكلي عطلتك عن حاجة مهمة يا ابن أيوب أنت فين…”
زفر «يوسف» بحرارة ينظر لها بغيظ وهي تحاول كبح ضحكتها علي تقلبات وجهه ليجيب بحنق:
“مع أختك في الشقة”
عض «صالح» على شفتيه بغضب و غيظ قائلا:
“عارف انها مراتك ياريت تنقي ألفاظك يا حيوان ”
ابتسم «يوسف» بمرح قائلا:
“هو انتَ مالي فرصة استفرد بيها يخريبتك يا جدع، قولي عاملين ايه؟، عرفتم نوع الجنين ولا لسه”
أبتسم «صالح» بسعادة و رضا قائلا:
“اه الحمد لله الدكتور بتقول حامل في تؤام ولد و بنتين”
فغر «يوسف» شفتيه بصدمة قائلا بحب:
“تلات أطفال بسم الله ماشاء الله، يتربوا في عزك يا صالح يارب و تفرح بيهم يارب، مع ان كنت عامل حسابي أجوز ابني لبنتك بس ياله نعكس الأدوار مش مهم”
رد صالح بتعالي زائف:
“وانت فكرك انا هقبل أجوز بنتي لابنك دا انا اخاف عليها ماهو هيطلع لمين، لو طلع محترم لاختي ممكن افكر لكن للأسف لو طلع لك هيبقى صايع ”
مثل وجه الحزن المصطنع قائلا:
“لا بجد شكرا يا غالي شكرا….. خد كلم أيمان، البت ناقص تقوم تزرغط من الفرحة”
اخذت الهاتف قائلة بسعادة عارمة:
“الف مليون مبروك يا صالح بجد فرحتني بالخبر دا اوي يتربوا في عزك يا رب يا حبيبي”
” الله يبارك فيكِ يا أيمان و يرزقك الذرية الصالحة يارب، بس خالي في علمك انتي لازم تنزلي وقت الولادة انا بقولك اهو مينفعش عمتهم متكنش موجوده”
تنهدت «أيمان» براحة قائلة:
“طبعا يا صالح، ان شاء الله هاخد أجازه انا و يوسف و ننزل مصر حقيقي وحشتني اوي، وبابا كمان وحشني اوي، هو معاكَ؟ ”
رد بهدوء قائلا:
“لا نزل مع عائشة، كانت عايزة تروح البيت بس هو رفض و اخدها يتمشوا شوية برا و يتكلموا. ادعيها يا أيمان، عائشة كانت قريبة اوي من عمك جمال الله يرحمه و من وقت الوفاة و بابا مصمم تفضل قاعدة معهم و الصراحة عنده حق، هترجع البيت تعمل ايه تقعد لوحدها و أنتِ عارفة غرام عندها بيتها و أولادها لكن هي معندهاش حد و بتعتبر الحج زي ابوها ربنا يطولنا في عمره يارب”
” اللهم آمين، طب هو عرف الخبر دا، بجد هيفرح اهي حاجة تخرجه من جو الحزن ”
رد بابتسامة صغيرة تشكلت على ثغره قائلا:
“فرح اوي يا أيمان و كمان عدينا على الحج منصور و بلغناه الخبر و هو كمان كان فرحان اوي، ربنا يعدي الايام الجاية على خير لان الدكتورة بتقول هتبقي صعبة شوية ”
” ان شاء الله خير متقلقش و الله ربنا كريم اوي يا صالح والله العظيم كريم و هيجبر بخاطر زينب هي طيبة و متستهلش غير كل خير”
أبتسم برفق قائلا :
“طب خديها اهيه معاكي”
تناولت زينب الهاتف لتتحدث مع «أيمان» لوقت طويل و أيضا «حياء».
في مساء اليوم
جلست «بيلا» بجوار «عمر» في سيارته يقودها السائق في طريقه لفيلا عمر بالقاهرة حيث مقر شركته.
حدقته بنظرات متوترة وهي تفرك يديها ببعضهما بتوتر و رهبة من الإبتعاد عن تلك البلدة التي أفنت بها عمرها.
الأمر لا يتعلق بالمكان لكن منذ امد طويل أصبح لديها رهاب الخروج من ذلك القصر.
اخذت تتنفس بتوتر، ترتجف جفونها من شدة التوتر.
حدق «عمر» بها ملياً مُتفقدا توترها الواضح للاعين، زفر بحرارة مربت على كتفها بأهتمام.
التفت نحوه ليهديها أجمل و أبسط ابتسامة لديه قائلا بجدية حانية:
“ايه اللي مخوفك يا بيلا… أنا معاكِ متخافيش”
أخذت نفس عميق تعد الأرقام بالتصاعد كما اعتادت قبل عدة سنوات في المشفى لتجيب بعد صمت مرير:
“عمر انا خايفة، بلاش انا اسفر مش هقدر صدقني، انا اتعودت على البيت و من وقت الحادثة و انا مخرجتش و لا سيبت المنصورة خلينا هنا أحسن ”
مد يديه ليغلق تلك الستار الفاصلة بين الاريكة الخلفية و الأمامية حتى لا يراهم السائق، جاذباً اياها ليستكين جسدها بين ذراعيه قائلا:
“بيلا عارف أنك عديتي بحاجات كتير بشعة خوف و قلق وجع لكن خالص يا حبيبي كل دا انتهى و مش هيتكرر تاني، خلينا نعيش اللي فاضل من عمرنا بعيد عن الخوف و القلق، و انا معاكي يا بيلا، هترجعي أحسن من الاول اوعدك، بس لازم نعمل حاجة مهمة جدا”
حدقته بفضول لتساله مستفسرة:
“حاجة ايه؟ ”
رد باختصار مربت على ظهرها بحماية :
“لما نوصل هتعرفي ”
نظرت له بضيق و أستياء قائلة:
“تموت في جو الساسبنس دا”
عض على شفتيه بحركة مباغته لها وهو يقترب منه يفترس ملامحها بوقاحة بينما توردت وجنتيها بحمرة صارخة ناظرة له بتلك العيون التي أسرته.
اتسعت ابتسامة الاخر قائلا بخبث:
“أموت أنا في جو الساسبنس يا بيبو، و اتلمي احنا في العربية احسن و عزة جلال الله نتمسك فعل فاضح في الطريق العام”
خرجت شهقة مذعوره منها وهي تدفعه بعيد عنها قائلة ببراءة لم تستطيع الايام ان تقتلها:
“أنتَ قليل الادب يا عمر”
أمتلئت رئتيه بالهواء و لم يُبعد نظره عنه و عن وجهها البرئ الذي تُيم به، متمنيا الان ان يخطفها و يبتعد عن العيون حتى لا يراها غيره، مر اكثر من عشرون عاماً و مازال يحدج بها بنفس النظرة العاشقة يتمنى لو يفترس تلك الملامح قائلا بمشاكسة:
“على فكرة بقى انتي اللي تفكيرك بيروح لحتت شمال”
لكزته بغضب في جانبه قائلة من بين أسنانها بشراسة:
“متخرجنيش عن شعوري يا ابن الرشيد….”
أبتسم بخبث متمتم بنبرة متحشرجة أثر مشاعره:
“أموت فيك و أنت شرس ببقى….”
وضعت يديها على فمه تمنعه من متابعة حديثه:
“عمر بطل وقاحة و قلة أدب، علشان انا مجنونة و ممكن اصوت و اقول متحرش و خطفني و البسك في حيطة يا بيبي”
عض على شفتيه يحاول كظم غيظه وهو يعتدل في جلستها :
“ماشي يا بيلا لما نوصل الفيلا هنشوف مين هيرحمك من تحت ايدي ”
أخرجت لسانها بحركة طفولية تثير غيظه و سعادة مقلدة اياه بنبرة جادة :
“ماشي يا بيلا لما نوصل هنشوف مين هيرحمك من تحت ايدي…. بتحلم يا عمر بية لو طولت مني حاجة ”
نظر لها بتحدي و خبث ليجيب:
“متأكدة؟”
عندما ثيابها بحركة كبرياء:
“طبعا ”
لم يستطيع كبح ابتسامته مغمغا بخبث:
“هنشوف يا بيبو”
بعد مرور ساعتين
وصلت سيارة عمر الي فيلاته بالقاهرة، ترجل من السيارة وهي معه رغم توترها الدائم حيث كانت تتعرض لنوبات اضطراب و ضيق التنفس من الإبتعاد عن منزلها….
عمر بخوف و جدية:
“بيلا اهدي و خدي نفسك براحة متخافيش انا معاكي مفيش حاجة تخوف… ”
تماسكت به بقوة قائلة:
“و دا اللي مطمني بس متبعدش..”
شعر بالم يعتصر قلبه وهو يراها بتلك الحالة من الذعر، واضعاً اللوم على نفسه فما كان سيحدث كل هذا لو لم تحبه.
أغمض عيناه بارهاق قائلا:
“مش هبعد صدقيني ياله بقى، مش عايزة تشوفي المفاجأة اللي أنا محضرهالك”
اومأت له بالموافقة بينما أبتسم برفق متوجهاً للداخل في حين استقبلهم «فريدة» مديرة المنزل.
فريدة بجدية و لباقة:
“حمد الله على السلامة يا عمر بيه، نورت بيتك يا هانم”
أبتسمت «بيلا» بهدوء بينما رد عمر قائلا:
“مدام بيلا الدمنهوري مراتي… فريدة، بيلا اني حاجة تطلبها في غيابي مجابه مش عايزها تشتكي منك أو من حد من اللي شغالين هنا لازم تفهميهم دا…”
اومأت له السيدة بهدوء:
“طبعا يا عمر بيه، كل اللي طلبته هيتنفذ، صحيح الجماعة اللي كانوا بيحضروا أوضة الجنينة خلصوا من ساعتين وانا أشرفت عليهم كل حاجة جاهزة”
” تمام يا فريدة تقدري اتفضلي دلوقتي، خليهم يجهزوا العشاء”
أمتثلت لأوامره رغم اندهاشها من رغبته في العشاء على عكس عادته السابقة، فكان معظم الايام لا يتناول تلك الوجبة، غادرت المكان متوجه نحو المطبخ.
في حين أمسك بيديها ليخرج من المكان نحو الجنينة لتقول بجدية:
“واخدني لفين يا عمر؟ ”
” أصبري على رزقك… ”
أندهشت من منظر الجنينة فكانت أقرب في الوصف لحديقة واسعة من الفاكهة، و خصوصا شجر العنب الذي يظلل المكان بمنظرة الجميل، ليذكرها ذلك بجلوسها الدائم أسفل تلك الاشجار تقوم برسم لوحاتها.
نظرت له لتجده يتوقف فجأة قائلا:
“ياله ادخلي…. ”
ضيقت المسافة ما بين حاجبيها وهي تنظر لتلك الغرفة الكبيرة المزينة من الخارج بقطع من الزجاج الناعم المصقول ذات الألوان المتعددة ليعطيها لمعان مميز بالأخص في وقت النهار عندم تسطع اشعة الشمس.
فتحت ذلك الباب لتدخل تلك الغرفة المظلمة بينما قام بتشغيل الإضاءة.
فغرت «بيلا» شفتيها بصدمة و أعجاب صارخ وهي تنظر لترتيب تلك الغرفة و كل هذه الأدوات الموضوعه بعناية في أماكنها المخصصة لتقوم بدهشة وهي تتحرك بالارجاء بانبهار و كأن شغفها قد عاد:
“دي فيها كل أدوات الخزف….. ثواني دا تقريبا كل الألوان موجودة هنا، و مواد الطلاء…”
تنهد بأريحية وهو يحتضنها من الخلف محاوط خصرها بذراعه، مالي عليها ليطبع قبلة على وجنتها قائلا:
“بصي بقى يا بيبو انا عارف انك أشطر حد يعمل خزف، وكان حلمك تفتحي اكتر من معرض في كل مكان في العالم صح؟ … ”
أبتسمت بحزن وهي تمسك بين يديها احد الفرشات:
“كان يا عمر، من عشرين سنه فاهم يعني أيه عشرين سنة و في تطورات كتيرة حصلت في فن الخزف و انا بقالي كتير ماشتغلتش فيه”
“و ماله يبقى لازم ترجعي في أسرع وقت، بصي بقى يا ستي انا طلبت مدرسة متخصصة من جامعة انجليزية طبعا متخصصين في فن الخزف هي هتساعدك تعرفي و تتعلمي كل التطورات اللي حصلت و لو اني متأكد ان ايديك دي لسه عندها خبرة كبيرة اوي في المجال دا. الدورة التدريبية هتكون تلات أسابيع مش هنخسر حاجة. و خالي في علمك اننا هندور سوا على مكان مناسب لأول معرض ليك ”
” واثق فيا اوي انت.. مين قالك اني هقدر ارجع اشتغل تاني علشان ندور على مكان المعرض”
رد ببحه عميقة واثقة:
“واثق فيك اكتر ما ممكن انك تتخيلي يا بيلا و عارف أنك اد الثقة دي، ايه رايك تعلميني انا كمان اشتغل في الخزف… ”
تركته لتجلس على كرسيها تنظر لتلك المواد دون ادراك وجدت يديها تتحرك لتمسك بمواد الصلصال و الطين لتبدا بالعمل عليه بسلاسة بينما جلس بجوارها يتابع ابتسامتها الرقيقة تلك و يديها تعمل بهدوء على تلك القطعة تنظر له من الحين للآخر، تشرح له الخطوات الاساسية باندماج و مرح متذاكرة ما كانت تفعله بصديقتها في الماضي و كيف تفوقت على الجميع.
مر حوالي ساعتين لم يمل من الجلوس معه و الاستماع لحديثها لتنتهي من صنع قطعة جميلة قائلة:
“كنت بحب اعمل الأشكال دي اوي، ايه رايك حلو”
رد بعفوية محببة لقلبها:
“أنتِ احلى”
“يااه دا عدي ساعتين انا محستش بالوقت انت مزهقتش”
هز راسه بمعنى لا بينما وضعت يديها على بطنها قائلة بجوع وهي تنظر لذراعه:
“بس انا جوعت اوي كمان، لدرجة اني متخيلة ذراعك دلوقتي فرخة مشوية ”
بللتت شفتيها ليشعر بالارتياب مرح:
“في اي يا بت ايه الفجع دا، الواحد يخاف ينام جانبك”
” عايزاه أكُل يا عمر ايه دا… انت مش سامع عصافير بطني يخربيتك ”
“بس بس فضحتني، تعالي هناكل”
=======================
في صباح اليوم التالي..
استيقظ «عمر» بكسل على عكس عادته فكان دائماً نشيطاً او بالاصح كان يُشغل كل وقته حتى لا يفكر لها او باي يخصها، لكن ها قد عادت له ليحظي بحبها من جديد.
نهض بضيق وهو يتفقد الغرفة مليا متفقدا اياها لكن أين ذهبت؟!
فُتح الباب لتدخل «بيلا» بنعومة و رفق كعادتها تحمل بين يديها صنيه موضوع عليها عدة أطباق، ابتسمت وهي تنظر له قائلة:
“كويس أنك صحيت ياله قوم خد شاور و تعالي نفطر سوا”
ابتسم بسعادة و دهشه قائلا:
“بيلا أنتِ اللي محضره الأكل دا بجد؟”
اومأت له بالايجاب في حين استقام هو ياخذ منها تلك الصينه ليضعها فوق الفراش، ثم نظر لها كانت في غاية الجمال، ترتدي ثوب ذات الون الأحمر الداكن يصل لبعد ركبتها بحزام خصر اسود بارزا رشاقتها التي لم تختفي مع الزمان، رافعه شعرها في كعكة فوضويه تاركه بعض الخصلات على وجهها برقة ملائكية، ابتسم وهو يغمز لها بمزح بينما يضع ذراعيه على كتفها مقربا اياها منه قائلا:
“ايه الجمال دا كله، أنا أمي كانت دعيالي والله ”
رفعت راسها بغرور مبتسمة:
“علشان تعرف أنك محظوظ بس أني حبيتك….”
“مغرورة اوي يا اوزعة انتي مبتطوليش ليه يا بنتي انت”
“انت اللي طويل على الفاضي”
غمز لها قائلا بشقاوة:
“انا بقول ناجل شغل النهاردة و تولع الشركة ”
ضحكت بخفة و حب قائلة باشراق:
“طب ياله بقى نفطر، علشان انا الصراحة نفسي اختار لك بدلتك ممكن؟ ”
مالي عليها يختطف قبلة سريعة قبل أن يدلف للحمام:
“طبعا ممكن ”
اتنهدت باريحية متجه نحو غرفة الملابس لتقف تشعر بحيرة لثواني قبل أن تبتسم مختارة حِلة سوداء أنيقة مع قميص رمادي داكن و رابطة عنق ذات ألوان الأسود.
بعد دقائق
خرج «عمر» من غرفة الثياب يبدو في غاية الأناقة ليأسر قلب تلك المليحة، حقا يبدو الاثنان ثنائي مميز.
أمير ظل لسنوات يبحث عن اميرته المفقودة و ها قد وجدها……
«بيلا» بحماس:
“ياله اقعد خلينا نفطر، بسرعة”
مر بعض من الوقت.
صدح عدة طرقات على باب الغرفة لتردف الخادمة بهدوء:
“عمر بيه في ضيوف تحت طلبين يقابلوا حضرتك”
أتاها صوته بجدية قائلا:
“مين؟”
“محمود الدمنهوري و مريم الدمنهوري”
“خليهم ينتظروني في المكتب”
التمعت الدموع بعين «بيلا» لا تعلم اهو اشتياق لاشقائها اما حزن منهما على تركهما لها، فمنذ اكثر من ثلاث اشهر لم يزورها اي منهما.
كانت تجلس على الكرسي تنظر أرضا، انحني «عمرو» يجلس أرضا، مد انامله يرفع راسها له، رأي عينيها التي أصبحت محمره أثر دموعها، ليهمس بتاثر و حزن:
“بتعيطي ليه دلوقتي يا بيلا؟ أنتِ مش عايزة تشوفيهم، انا ممكن امشيهم لو وجودهم يضايقك”
خرج صوتها بحزن و تحشرج قائلة:
“بقالهم اكتر من تلات شهور يا عمر محدش منهم رفع سماعة تليفون و كلمني، و لما كنت اشتاق لمحمود و اجي اكلمه، كانت بنته ترد عليا و تقولي انهم مشغولين، و لما اكلمه في الشركة السكرتير يقول مش فاضي، عارف انا ايه اللي بيوجعني ان الوجع مجليش الا من الناس اللي بحبهم يا عمر، رغم ان بابا كان موصيهم عليا انهم ميسبونيش، عارف انا مرة شفت بنت مريم كان عندها سبع سنين وقتها البنت خافت مني و قالت اني مجنونة و شريرة، و ان مامتها قالت لها اني دمرت حياتي و السبب في موت بنتي، وقتها أنصدمت من مريم و لما سألتها قالت كدا ليه للبنت. ردت وقالت اني فعلا السبب يمكن لو كنت اخترت اي حد غيرك كان ممكن ابقى ام و عندي بيت زيهم، بعدها انا تعبت و كل اللي بيدور في دماغي انها فعلا عندها حق، مكنش لازم اسمع كلام تيتة نبيلة، مكنش لازم نتجوز، انا بس انا بس مش كويسة لا، انا زعلانة بجد ”
احتضنها لتشهق ببكاء يتقطع له نياط القلب، ربما كانت ستتعافى بوجود اشقائها و أولادهم، لكن اين هم الأخوة، فرقتهم الحياة ليتركوا اختهم باصعب محنة مرت بها طوال تلك السنوات، رغم أنها لم تحب غيرهم، أين وصية الاب؟!
رد «عمر» بتحشرج و حزن و عيناه تلمع بطبقة من الدموع قائلا:
“مش انتِ السبب في موتها يا بيلا، واحنا مغلطناش انا اتجوزت على سُنة الله و رسولك و اخوكِ و اختك دول كانوا شاهدين على جوازنا، يمكن الغلط الحقيقي عليا انا كان لازم احاول الف مرة مع ابوكي قبل ما نتجوز بدون علمه، و ملك مش انت السبب في موتها و لا انا ربنا كان كاتب ان دا كله يحصل صدقيني خير، اصل ربنا ما بيعملش حاجة وحشة، و خالص انسى اي حاجة فاتت، و اديني فرصة بس اعوضك عن اللي فات. و بالنسبة لاخواتك لازم يدفعوا التمن و ياخدوا قرصة ودن تفوقهم، طول السنين اللي فاتت كنت بنسحب من اي شغل شركاتكم شغاله فيه مكنتش عايز اي احتكاك لكن دلوقتي لازم احط حد للمهزلة اللي عملوها، خليك هنا و متنزليش فاهمة”
اومأت له بالموافقة ليمد انامله يمسح عبراتها، قبل أن ينهض ليهندم بدلته و يخرج من الغرفة يُقسم بداخله ان يُعلم أشقائها درساً حاداً.
نزل الدرج بثقة و ها قد عاد «عمر الرشيد» الي طبيعته الحادة و الباردة.
دلف الي المكتب لينظر لمحمود و مريم التي نهضت تنظر لها بابتسامه راقية قائلة:
“الف مبروك يا عمر حقيقي لما فردوس قالتلي انكم كتبتوا الكتاب فرحتلكم من قلبي، هي فين بيلا؟”
أبتسم ببرود يتجه نحو كرسيه خلف المكتب ليجلس و يضع ساق على الأخرى بكبرياء قائلا بقهر يغلفه الحزن:
“بيلا؟! امم اخيرا فكرتي تسالي على اختك يا مريم هانم؟! اه صحيح هتسالي فيها ليه وانتي شايفها مجنونة و شريرة مش دا اللي كنتِ بتقوليه لبنتك، ذنبها ايه بيلا علشان تتهميها انها السبب في موت ملك؟ ذنبها حبتني مثالا؟ طب تمام دا السبب بالنسبه ليك طالما كدا جايه تبارك لينا ليه، لما يفوت اكتر من تلات شهور متساليش عن اختك ولو مرة تتنازلي و ترفعي سماعة الموبيل تكلميها دا اسمه ايه؟! سالم بيه الله يرحمه مش وصاكي عليها، اختك عاشت عمرها في ضياع، بين الادوية و العلاج بصدمات الكهربا، و حرمانه من بنتها و موت ابوها و جدتها و كمان تخليكم عنها!! اظن ابسط حاجة مكالمة تليفون تتطمني عليها، مرة تروحوا تزورها انتم و أولادكم، تساعدوها تتعافى. اول ما عرفت الحقيقة قلت انها غبية ازاي تخبي عني كل اللي تعرضت له، بس النهاردة عرفت السبب؛ بيلا لقيت اللي من دمها تخلوا عنها و سابوها، بيلا لحد دلوقتي و حتى بعد خروجها من الصحة مكنتش تعافت و مكنتش محتاجة مصحة اصلا، هي كانت محتاجكم جانبها، للأسف انتم اول ناس سبب في حالتها دي، جاي تباركي لاختك، هي مش عايزه تشوفك او بمعنى أصح انا مش عايزكم تاذوها اكتر من كدا، بيلا دلوقتي عارفه انكم هنا علشان بس عمر الرشيد و عشان متخسروش فلوسكم و دا وجعها اكتر، صحيح يا محمود بيه انا كنت بنسحب بارادتي من أي مناقصة بينا دلوقتي احب اقولك استعد لخراب شركاتك”
انتفض محمود بذعر و كاد ان يتحدث الا ان دخول بيلا قاطع حديثهم.
عمر بحدة:
“بيلا اطلعي اوضتك.. ”
تحدثت بنبرة حزين و عيونها تذرف الدموع:
“أسفة يا عمر مش هقدر انفذ طلبك دا، في كلمتين محبوسين في قلبي بقالهم سنين و انا متعودتش امثل، بعدها ممكن تعاقبني زي ما تحب بس لازم اقولهم”
كادت ان تسقط أرضا لتتمسك بالكرسي واضعه يديها على عينيها لينتفض عمر من مكانه متجه نحوها ليساعدها في الوقوف محاوط خصرها:
“ريم انا بحبك اوي اوي، عارفه وانا صغيرة لما أنت وقعتي اللوحة و كسرتي البرواز بتاعها و جزيتي علشان محدش يشوفك ويقول لبابا، انا قلت لبابا ان انا السبب مع اني شفتك وقتها بابا عقبني و فضلت محبوسة في اوضتي رغم أن كان عيد ميلادي وقتها مزعلتش وفضلت العب في اوضتي طول اليومين دول لوحدي…. رغم اني كنت خايفة كنت صغيرة اوي. و لما كبرنا كنت دايما نفسي اختار لك فستان الفرح لدرجة اني لما كنت مع تيتة نبيلة في فرنسا حجزت فساتين كتيرة كانت عجباني بس كانت ليك انت و كنت ناويه لما معاد الفرح يقرب أعرضهم عليك ونختار سوا… انا بس مقهورة اوي اوي يا مريم، هقولكم سر محدش يعرفه، انا في مرة سرقت شريط حبوب من الصحة و كنت ناوية انتحر عارفة ليه… انت عارفه صح؟ فاكرة الزيارة اللي قبلها قولتيلي ايه؟ قولتي انك بتكر”هيني لان كنت هتسبب في فرحك يتلغي لما خطيبك عرف اللي حصل لكن الفرح حصل و اتجوزتوا و انا كنت عايزة اريحكم مني لان بحبكم اوي و للحظات ضعفت و كنت هنتحر.. و انت يا محمود.. انت بجد كنت أقرب حد ليا في حياتي، حتى علاقاتك بالبنات كنت انا اول واحدة بتحكيلي عنها…. ايه اللي حصل؟! احكيلي يمكن الوجع اللي جوايا يبرد.. اقولك اي اللي حصل؟ انشغلت بالشركات و المصانع و الفلوس… و مع ذلك انا لسه بحبكم و دا اللي وجعني….. ”
لم تستطيع الوقوف شعرت بانقباض انفاسها ليحملها عمر متجهه لغرفتها بينما وقفت مريم تنظر لاخيه و الدموع تنذرف من عيونهما، ليشعرا بمدى غبائهما.
رحلا سويا و هما يُعيدان حسابتهم.
في غرفة عمر
وضعها على الفراش بينما اعطتها كوب ماء لترتشف منه القليل لتهدا قليلا ليقول بعتاب:
“ليه نزلت يا بيلا؟ ليه دايما تروحي لوجع القلب برجليك؟”
“لا يا عمر انا ارتاحت دلوقتي قلت اللي كان جوايا، يارب يفهموا اني مجبتش غيرهم ولا عندي اخوات غيرهم بس صدقني انا كويسة ياله قوم روح شغلك”
هز راسه برفض وهو يجلس بجوارها؛
“لا انا مش رايح شغل النهاردة هخليني معاكي”
اعتدلت في جلستها لتنظر له بجدية وهدوء قائلة:
“لا هتنزل يا عمر اتفضل بقى و متعصبنيش و بعدين مش قلت في مدرسة هتيجي تساعدني في تعليم الخزف انا اصلا شوية وهنزل و خالي في علمك اني هحضرلك الاكل بأيدي النهاردة لازم تيجي على الغدا فاهم يا بية”
ابتسم قبل أن يميل عليها مقبلات اياها برفق:
“ماشي يا بيلا بس لما اكلمك تردي على مكالماتي فاهمه”
اومات له بالموافقه ليبطبع قبلة حانية أعلى راسها قبل أن يغادر الغرفة و المنزل باكملة.
بعد مرور ساعة
جلس «عمرو» بمكتبه يتابع بدقه عملية شراء أسهم شركات اسماعيل و خليل (زوج عصمت) التي انهارت بعد انتشار الاخبار بكثافه بتورط خليل و اسماعيل في عمليات غير مشروعه وعدم قدرته على سداد ديونه التي تقدر بالملايين للبنوك .. و ذلك بعد اسابيع قليله من إعلان اندماج شركاته مع شركات اسماعيل المنيري.
وهو إحد منافسين عمر المتورطين في عمليات مشبوهه و لديه ادله على ذلك و أيضا متورط مع خليل في تجارة المخدرات.
ليتخلص من الاثنان سويا زوج عصمت بافعاله و اسماعيل المنيري.
لتصبح شركه واحده بعد الدمج.
ليقوم عمرو بعملية شراء جماعيه لأسهم المجموعتين .. لتصبح ملكآ له رسميآ..
ليتراجع بهدوء في كرسيه وهو يغلق عينيه ويبتسم بقسوه بعد تأكده من إتمام عملية شراء الأسهم وانتقال ملكية مجموعة شركاتهم اليه.
وها قد تخلص من أعدائه.
ثم اعتدل في جلسته ينظر إلى باب الغرفه الذي فُتح بهدوء ودخلت إليه مديرة مكتبه التي قالت باحترام:
” خليل بيه و اسماعيل بيه و مدام عصمت بره وعاوزين يقابلوا حضرتك”
ابتسم عمرو وهو يتراجع بكرسيه للخلف بسخريه ثم قال بصوت صارم:
” دخليهم..”
لتمر أقل من دقيقه ودخل خليل و عصمت و اسماعيل إلى الغرفه وقد احتقن وجههم بشده.
عصمت بلهفه:
” عمر شفت الي حصلنا…”
اسماعيل بغضب شديد:
” قصدك الي حصلكم انتي و حوزك.. انا اصلا كنت غلطان اني شاركتكم وخلاص هفض الشراكه الي خربت بيتي دي..”
خليل بغضب:
” وهو احنا كنا ضربناك على ايدك عشان تشاركنا ما انت الي كنت…”
تراجع عمرو في كرسيه للخلف يتابع باستمتاع مشاجرتهم الحاميه التي بدئت تتطور للاشتباك بالأيدي.
ف لكم اسماعيل خليل في أنفه الذي تراجع للخلف وهو يترنح .. إلا أنه تماسك وهو يرد الضربه لاسماعيل الذي انهار على المقعد .. و عمر يتابع بصمت واستمتاع ما يحدث بينهم ليقرر بعد لحظات التدخل وإيقافهم .. ف ضرب بيده على سطح مكتبه بقوه وعنف.. وهو يقول بصوت قوي وصارم:
“لو عاوزين تضربوا وتقطعوا هدوم بعض .. اتفضلوا على بره المكان ده له سمعته واحترامه، وشغل الحواري الي بتعمله ده ميلقش بيه..”
فتوقفوا على الفور عما كانوا يفعلوه.. بينما نظرت له عصمت بحقد متمنيه لو كانت تزوجته هو بالماضي.
لكن قلبه ظل معلق مع تلك الحمقاء من وجة نظره.
انهض اسماعيل وهو يقول بلهفه:
” إلحقني يا عمر بيه كل حاجه راحت، شقى عمري كله راح. الشراكه الي انت صممت أنها تكون بيني وبين شركات خليل خربت بيتي .. أسهم خليل انهارت و خدت اسهمي وشركاتي معاها في الرجلين لو فضلت في المصيبة دي هعلن افلاسي ..
عصمت بغضب شديد:
” الشراكه دي زي ما وديتك في داهيه وديتنا احنا كمان في ستين داهيه وكشفت مركزنا المالي للبنوك بعد ماضموا ديونك على ديونا وبقى الدين اكبر من الحد المسموح بيه للاقتراض .. وعشان كده طلبوا رد كل القروض الي خدتها مره واحده.. وانكشفت في السوق وقدام البنوك. ثم تابعت بغضب: انا مش عارفة عقلي كان فين لما طاوعناك يا عمر”
تراجع عمرو بكرسيه للخلف وهو يقول ببرود:
” عقلك كان بيحسب المكاسب الخرافيه الي كانت هتعود عليكي لو كانت شراكتنا كملت و انا دخلت معاكم شريك.. وعموما انا مش فاهم انا ايه داخلي بكل مشاكلكم دي.. المفروض انتوا اتنين شركا ومشاكلكم تحلوها مابينكم وبين بعض، جايين تعيطولي هنا ليه..
صرخت عصمت بغضب شديد:
“يعني ايه انت هتسيبنا كده من غير ماتساعدنا، هو ده مش كان شرطك عشان تقبل انك تشاركنا، اننا ندمج شركتنا مع بعض..”
نهض عمر فجأه عن كرسيه وهو يقول بغضب شديد:
“صوتك ميعلاش يا عصمت وانت بتكلمني .. انا صبرت عليكي كتير .. وكتير اوي كمان و بس علشان بنت عمي .. وشغل الحواري الي انتم بتعملوه ده مياكلش معايا .. والا هتلاقي نفسك في ثانيه مرمية في السجن مع جوزك و شريكة ”
خليل بصدمة:
” سجن ايه يا ابن الرشيد، فكرك تقدر تدخلني السجن تبقى بتحلم”
عمر بصرامه شديده:
” لا انت الي مش عارف انت بتكلم مين، عمر الرشيد مبيقولش كلمة الا لما يكون متأكد منها، الظاهر صبري على كل المصايب الي عملتوها معايا ومع عيلتي جرئتكم عليا ونستوا بتتعاملوا مع مين..” ثم أضاف بغضب شديد..
“انا عمر الرشيد لو كنت نسيت .. عمر الرشيد الي بكلمه منه ترفعك انت وشركاتك لسابع سما وبكلمه مني اخسف بيك و بيها لسابع ارض..
امتقع وجه عصمت بحقد و شر ليقول زوجها بارتباك:
” مصايب ايه الي بتتكلم عنه يا عمر”
اندفع عمر واقفآ وهو يقول مقاطعآ بغضب شديد:
“اصبر علي رزقك تاخد حاجة نضيفة”
اسماعيل بارتجاف:
= لو.. لو غلط معاك طيب أنا ذنبي ايه.. وليه شركاتي تتباع برخص التراب في السوق.
عمر بتهكم ساخر:
“والله دي حاجه متخصنيش ما انا بقولك في السجن تقدروا تحلوا مشاكلكم”
خليل بغضب:
” الي بتقوله ده مش هيحصل لاما ننجى مع بعض أو نغرق مع بعض ما انا مش هضيع لواحدي، و انا مش هدخل السجن انت فاهم”
اسماعيل بغضب مجنون:
” يعني ايه انت مصمم تضيعني معاك دا انا كنت اقتلك..”
خليل بتهكم:
” تقتل مين .. انت فاكرني لقمه طريه والا ايه ..”
تابع عمرو مشاجرتهم باحتقار وسخريه ليقاطعهم بصرامه شديدة متحدثا في الهاتف:
“تقدر تدخل يا حضرة الظابط”
ثم تابع بسخرية شديدة..
= ورايا أسهم وشركات عاوز أشتريها …
ليمتقع وجه خليل و اسماعيل بشده وهم يرون البوليس يدلف لداخل المكتب.
ليقول عمر ببساطة:
“اتفضل يا سليم بيه يا ريت تاخد الزباله دي من هنا”
سليم (ضابط شرطة):
“مطلوب القبض عليكم اتفضلوا معانا بهدوء وبلاش شوشرة”
رد خليل بفزع و ذعر قائلا:
“انا معملتش حاجة، هتدخونا ليه احنا لسه بنحاول مع البنك؟”
رد سليم بجديه و حدة:
“لا يا خليل بيه دي قضية تانية انا هنا علشان قضية المخدرات و دلوقتي حالا العساكر في مخزنك لقوا كمية المخدرات كبيرة ”
رد عمر بهدوء قائلا:
“قلت اسيبلك المخزن دا هدية مني و اشتريت اسهم شركاتكم. و طبعا متقلقش انا براقبك من مدة طويله انت و اسماعيل لحد ما الشحنة وصلت المخزن و اول ما استولىت على الشركات بلغت البوليس. كان يصرخ و يسب عمر حتى زوجته الان قد كُشف سره الذي سيجعله يدفع الثمن من سنوات عمره بالسجن.
خرج العساكر من الشركة و قد تم القبض على الاثنان لتنظر له عصمت بشر و هي تقترب منه بكره:
فكرك اللعبه انتهت كدا يا عمر، تبقى غبي… اديني أسهم شركات وانا هسيبك في حالك بس اديني الاسهم يا عمر ك”
انهت جملتها بتوسل ليجيب الاخر بهدوء:
” شركتك ؟ هو انا نسيت اقولك اني مبحبش الفلوس الحرام… مش شركتك دي انتي وجوزك اسستوها بفلوس حرام برضو، الصراحة يا عصمت شركتك هتتصفي و الفلوس اللي هتطلع منها انا ناوي محطش منهم قرش في جيبي و ناوي بقى اصرفهم في حاجة تفيد البلد دي، اي مشروع للشباب اي حاجة، لكن تاخديها مش هيحصل يا بنت عمي، اصل انا نسيت اقولك لما كنت في نيويورك و انتي بتديري الشركة دي و بتختلسي منها مع مدير الحسابات انا كنت عارف بس قلت اسيبك تلعبي براحتك، انا مش ناسي انك بنت عمي علشان كدا كل شهر هيوصلك مني مبلغ يكفي كل احتياجاتك انتي ووالدتك و لو حابة تبدأي اي مشروع ممكن اساعدك ”
نظرت له بصدمة للحظات و تحولت لضحكات هسترية لتجيب بشر:
” لا يا عمي مش عايزه منك حسنة، مبقاش عصمت الرشيد اما خليتك تيجي لحد عندي و تبوس رجلي علشان أرحمك، هتدفع التمن غالي اوي يا عمر، هتلبس السواد من تاني و هتعيش طول عمرك ندمان على عملته، اوعدك هتخسر اغلي حد في حياتك، والحلوة اللي انت اتجوزتها اوعدك هترجع مستشفى المجانين من تاني بس المرة دي هتتحسر بحق و ابقى قول عصمت قالت، و ساعتها هتيجي تبوس ايدي علشان اقبل بكل شركاتك و انا اللي هقرر يا عمر يا اما أرحمك او لا”
تراجع عمر للخلف بهدوء واضح:
” فرعون برضو كان مغرور و شايف انه الأمر الناهي، عمر نظرتي فيك ما خيبت يا عصمت، طول عمري متأكد من حقدك و كرهك للي حواليك و امك السبب، فوقي يا عصمت احسنلك”
” هنشوف يا عمر ” قالت جملتها و خرجت من مكتبه و بداخلها تنوي الدمار له و لا ابنته التي لم يعرفها بعد.
في منزل” صالح”
جلست نور برفقة زينب مبتسمة بهيام لتلاحظ زينب ذلك مردفه:
“يا عيني يا عيني دا احنا بنحب ولا اي”
ردت نور بصراحة و هدوء:
“زينب انا بحب باسل، عارفة ان يمكن تستغربي بس انا فعلا حبيته، اكتشفت حاجات كتير في الفترة اللي فاتت زي انه مش شخص وحش زي ما كنت متخيلة، بالعكس جواه انسان طيب بس خايف دايما علشان كدا بيتعامل مع اللي حواليه بحذر و برود، أخته بقيت صاحبتي هي كمان طيبة اوي بس مش زيه و لا متعقدة عارفه في السفرية دي رغم انه كان أحيانا دش معايا الا انه صريح و دا لوحده بيطمني لان مبيعرفش يكدب…. ”
أبتسمت زينب بحب قائلة:
“والله فرحتلك اوي يا نور، ان شاء الله ربنا يهديه و يهديك له و يرزقكم الذرية الصالحة ”
تنهدت نور براحة قائلة:
“احكيلي انتي عامله ايه و الحمل تعبك”
ااومات لها بالايجاب بحزن لتجيب بابتسامه:
“بس متقلقيش عليا يعني شوية تعب و بيروحوا لحالهم لسه بنفكر في أسماء الولاد. بصي هو كان في الأول خالص بيقول هنسمي جلال لكن بابا قال نختار اسم تاني مش لازم اسمه، فاحنا بنقول هنسمي فارس و البنات لسه مش عارفين، ادعيلي يا نور بالله عليك، احسن انا خايفة اوي”
احتضنها برفق قائلة:
“خايفة من اي يا هبلة بكرا يجيوا بالسلامة و يطنطوا حواليك كدا لحد ما تقولي حقي برقبتي انا اتربيت من اول و جديد ”
تنهدت براحة قائلة:
“يارب يا نور يارب اخواتك عاملين ايه و ابوكي”
“ بخير الحمد لله صحيح انا بتروحي لابوكي تطمني عليه”
ردت زينب بهدوء قائلة:
“ايوة كنت عنده اول امبارح روحت أبلغه وهو فرح اوي، تعرفي صالح جايب له واحد بيقوم بكل طلباته و لحد النهارده اول ما اتجوزنا كنت فاكره انا دا فترة مؤقته لكن لسه بيطمن عليه، بس انا من بعد الحمل زيارتي ليه قلت مش بخرج كتير”
” كدا احسن يا زينب لازم ترتاحي و بلاش حركة كتير”
” والله ما بعمل حاجة يا نور، صالح ساعات هو اللي بينضف البيت قبل ما يروح الشغل و دا بيحسسني بالذنب اني ببقى نايمة وهو يقوم يعمل شغل البيت ”
ردت نور بجدية قائلة:
“بيحبك يا زينب و اللي بيحب حد مش لازم يقولها، اللي يشتري بجد ميفرطش بسهولة، و صالح ابن حلال و ربنا هيعوضكم خير صدقيني ”
______________________
بعد مرور ثلاث اشهر
” تحسنت العلاقة بين نور و باسل جدا.
زينب في منصف الشهر السابع.
وعلى و حبيبة حياتهم مستقرة جدا.
بيلا و عمر، عادت لهم الحياة بقربه تتعافى.
ايمان و يوسف لا يوجد أي شي جديد متقرة و مليئة بالدفج.
جلال و حياء تحسنت حالته، بعد وفاة صديقه رغم حزنه الا انه حاول تخطي الأمر ف في النهاية “البقاء لله وحده”.
و مع ذلك يهتم بعائشة و بكل ما يخصها.
ينتظر احفاده بفروغ الصبر.
اما عصمت شرها سيوذيها هي قبل أن شخص آخر.
___________________
في إحدى الليالي
أنكمشت قسمات وجه زينب أثناء نومها، مما تراه من كابوسًا مزعجًا، جعلها ترغب بالاستيقاظ منه، فقد رأت بأن زواجها من صالح كان وهمًا، خيالًا و انه ليس بحياتها …
صارعت وصارعت محاولة الخروج والاستيقاظ من ذلك الحلم، وبعد عدة محاولات نجحت بفتح عينيها والاستيقاظ أخيرًا.
وكان أول شيء تفعله هو تفرس الغرفة من حولها، وتحويل أنظارها وتسليطها على النائم جوارها كي تتأكد من تواجده جوارها، وتتأكد بأن ما رأته لم يكن سوى كابوسًا، والحقيقة هي بأنه معها.
التفتت برأسها أمامها وتنهدت براحة ومسحت على وجهها مرددة بخفوت شديد:
“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.”
معللة سبب ما رأته بأن خوفها من البُعاد والفراق وتفكيرها به، هو من تسبب بهذا الكابوس.
فرغم كل ما حدث وحديثهم الجميل، العقلاني و رغم حبه لها، إلا أن هناك بداخلها جزء صغير يهاب ويرتعد من فكرة الفراق.
بللت طرف شفتيها وعادت تنظر نحو صالح النائم بجوارها، تمعن النظر بملامحه التي تحفظها.
وبعد لحظات من هذا التركيز معه، كانت تنسى ما رأته بل وتتخطاه، وانشغلت بالتفكير به هو فقط، وبتلك السعادة التي تغمرهم وتملئهم، متمنية من الله عز وجل دوامها.
الان ها هي اقترب موعد ولادتها، رغم خوفها من اقتراب ذلك الموعد الا انها تتمنا قربه لترى اولادها، يالله كم ستحبهم.
داهمت بسمة صغيرة شفتيها، ثم نهضت بهدوء رغم شعورها بالتعب.
مقررة تبديل ملابسها وإحضار الطعام لهم.
خرجت من الغرفة بعد أن بدلت ثيابها لأخرى مريحة، اليوم تريد أن تقوم هي بتحضير الفطار لهما، مؤخر كان يفعل كل ذلك و يذهب لعمله ثم يعود يساعدها في كل شي، رغم إرهاق في العمل لكن هو اخذ عهد علي نفسه ان يحاول ان يكون اب جيدا لأولاده يريد ذلك و لكن يتخلى عن عهده أمام الله.
بعد مرور وقت
نهض صالح من فوق الفراش يتفقد الغرفة لكن لم يجدها.
“كنتِ فين؟” .
ردد صالح تلك الكلمات ما أن رأى زينب تدخل الغرفة، فقد استيقظ ولم يجدها جانبه، وهو الذي كان يرغب برؤيتها ما أن يفتح عينيه.
أشارت بعينيها إلى ما تحمله من طعام، قائلة ببسمة محبة أسرت قلبه:
- كنت بحضرلك الفطار، صحيت ولقيتك نايم فحبيت ا اعملهولك وناكل سوا.
اخذه من يدها واضعًا إياه على الفراش، ثم عاد إليها، ملتقطة يدها مقبلًا إياها، متمتم بنبرة عاشق ولهان:
- تسلم ايديكِ، بس متعمليش كدة تاني، ممكن؟
عقدت حاجبيها وسألته:
- معملش ايه بضبط؟
- متقوميش من جمبي طول ما نايم، اصلي مش هفرح بالاكل قد ما هفرح بشوفتك أول ما افتح عيوني.
شعرت بالتاثر ليجيب بمزاح قالت:
- من قلبك الكلام ده؟؟
بادلها إياه وهتف:
- ده من قلبي، ومن كبدتي، ومن طحالي ومن أيدي ورجلي، وعيني وبُقي.
وقاطعته مرددة:
- بس بس خلاص، مكنش سؤال..
ضحك معها، واقترب منها معانقًا إياها للحظات، ثم حررها مغمغم بحب:
- قوليلي ايه اللي صحى الجميل بدري؟ عاملة ايه دلوقتي انتي و القمر بتاعيه.
هزت كتفيها، وهي تجيبه:
- عادي، شوفت كابوس قلقني من النوم، بس كويسة الحمد لله مفيش وجع و لا حاجة.
سالها صالح بجدية:
- خير اللهم ما اجعله خير، شوفتي إيه؟
- مش مهم، واصلا حصل معايا كدة عشان لسة جوايا حتة خوف أننا نبعد معرفش ليه جيه في بالي كدت، المهم خلينا نفطر.
قالت الأخيرة وهي تتحرك وتذهب نحو الطعام.
لم يتركها ومسك بمرفقيها، متبادل معها النظرات، يطمئنها ويبعد عنها تلك الفكرة:
- مش عايزك تخافي من البُعد يا زينب لان عمري ما هسمح بيه ابدا لا انتي هتبعدي ولا انا هبعد انتي مراتي و حبيبتي و ام عيالي، أنا ما صدقت بقينا مع بعض، وأنا مش غبي، عشان اوجع نفسي تاني، أنا جربت وجع ربنا ما يكتبه على حد، وجع مكنتش قادر استحمله وكان بيموتني بالبطئ، وجع خلاني أعرف أني تخطيت مرحلة الحب معاكِ، وأي كلام أو حاجة اعملها معاكي مش هتديله قيمته وحقه. عارفة انا اتوجعت اوي لما كنتي في المستشفى و بتوجع لما اشوفك تعبانه و لو شوية صغيرة.
ردت عليه بدون أن تبعد عينيها عنه:
- غصب عني يا صالح جوايا خوف مش عارفة اتخلص منه ولا عارفة سببه.
- لازم تتخلصي منه، لو سبتيه جواكي هيكبر، والوضع هيسوء، فكري في اللحظة والوقت اللي أنتِ عيشاه، متفكريش في بكرة ولا تحطي احتمالات هتعكر عليكي وملهاش أي داعي، عيشي اللحظة، وعيشي السعادة، فكري فينا إحنا وبس، وسيبي بكرة واللي جاي على ربنا و ان شاء الله اللي جاي كله خير و سعادة.
ابتسمت بسعادة بينما اتجهت للفراش قائلة:
“طب ياله خلينا نفطر لان واقعه من الجوع و ريحة الطعميه مجنناني”
“والله ما في حد مجنني غيرك يا زينب”
_____________________
في فيلا باسل
كان ينظر لها وهو يبتسم بسعادة فالثلاث اشهر الماضية قد شعر بسعادة عارمة معها رغم جنونها و غيرتها الا انها ذبذبت مشاعر لتسقط حصونه أرضا، من كان يظن انه سيقع في الحب و حب من؟
تلك الفتاة. رغم انه لم يتمم زواجهم بعد الا انه أصبح يحبها هي و لا يفكر برغبته نحوها ك انثي، نعم يريدها لكن بارادتها.
تنهد براحة قبل أن ينحني يطبع قبلة على وجنتها لينهض من جوا ها ليقوم بتجهير نفسه للعمل تاركا اياها تنام.
منزل الدرج بعد مدة
نظر لوالدته التي اجلس في الصالون ترتشف من فنجان القهوة خاصتها.
أبتسم بهدوء و هو يذهب نحوها قائلا:
“صباح الخير يا ست الكل صاحي بدري ليه؟”
ردت نيرة بسعادة قائلة:
“الصراحة الجو دا مغري اوي اني اصحى بدري، قولي انت عامل ايه مع نور؟”
رد بابتسامه واسعة:
“مبسوط اوي اوي هي اه متهورة و مجنونة لكن طيبة”
“ربنا يسعدك يا باسل يارب و تفرحونا بطفل قريب يارب”
غمز لها بشقاوة وقحه فلم تتغير بعض خصاله قائلا:
“متقلقيش عن قريب ان شاء الله، ياله انا لازم انزل الشغل مع السلامة”
“ الله يسلمك يا حبيبي”
____________________
في مكتب عمر
جلس و أمامه” ثائر” رئيس فريقه الأمنيعمر بجدية:
“ها يا ثائر، مراقبتك لعصمت فيها أي حاجة غريبة”
رد صديقه بهدوء و ارتياب:
“من تلات شهور من وقت ما طلبت اننا نأمن القصر و نراقب عصمت و هي هادية مفيش اي حاجة تخلينا نخاف، بس في حاجة كدا لفتت انتباهي”
اقترب عمر من المكتب قائلا بهدوء:
“حاجة اي؟”
“عصمت مخليه شخص يراقب مكان معين في اسكندرية، و شخص محدد. بعد وقت لما كثفنا المراقبة عرفنا ان الشخص اللي بتراقب اسمه صالح الشهاوي، شاب متجوز و من عيلة غنيه و معروفه في اسكندرية، بس اكتشفنا ان اللي بيراقب صالح مش قصده صالح نفسه”
عقد عمر ما بين حاجبيه بارتياب:
“اومال مين؟”
“لما ركزنا معه عرفنا انه طول الوقت عند البيت و لما مراته بتنزل مع أي حد بيكون وراها و تقريبا عارف خط سيرها لان بقاله اكتر من تلات شهور بيراقبها”
“اسمها ايه مراته، معاك صورة ليها”
اومأ له بالايجاب قائلا بتردد:
“اسمها زينب منصور و دي صورتها”
اخذ عمر الصور لتترخي ملامحه و هو ينظر لصورة نفس الفتاة الجميلة التي رآها في منزل بيلا بالمنصورة:
شعر للحظات برجفه قويه و كان قلبه ينتفض ليساله بسرعة:
“معاك المعلومات عن البنت دي “
صمت ثائر للحظات قبل أن يجيب بخوف و تردد متابعا حركة عمر:
“البنت دي عندها دلوقتي واحد وعشرين سنة، متجوزة من يجي سنة أو عشر شهور، حامل في الشهر السابع. لما سألت عنها عرفت انها بنت لقيطة…”
هنا شعر عمر بهدوء غريب يستمع لدقات قلبه المرتجف ليكمل ثائر بهدوء:
“من اكتر من عشرين سنه بيقولوا في واحد اسمه منصور لقى البنت دي قريب من سلة زباله…. رباها هو، مخرجتش من اسكندرية من يوم ما اتولدت…. ”
صمت عمر لا يعرف ماذا يقول الان، عقله يحاول ربط الأشياء ببعضها. ما علاقة عصمت بفتاة تُشبهه، من عمر ابنته المتوفاه، ظروف نشائتها مجهوله.
ليقطع ذلك الصمت صوت ثائر المرتجف قائلا:
“البنت دي فصيلة دمها AB سالب، فصيلة دم نادرة جدا جدا…… زيك يا عمر!!!”
____________________
خرجت زينب من منزلها بعد أن ضبطت ثيابها، اليوم ذاهبه للطبيبة في موعد الفحص الطبي.
أردفت بهدوء لنفسها:
“ماما راحت مع عائشة الكليه يعني مش هتيجي معانا، و صالح كان بيقول نص ساعه و يوصل، النهاردة عيد ميلاده”
أبتسمت بسعادة تنوي تحضير مفاجأه له لتهمس بهدوء:
“انا هروح السوبر ماركت اشتري الشكولاته و كل الحاجات اللي هحتاجها، كويس اني اشتريت هدية عيد ميلاد، يبقى نحضر تورتايه جميلة و نحتفل سوا، اكيد هيفرح، يبقى لازم انزل قبل ما يجي و اطلب من العامل اللي هناك يبقى يوصل الحاجة…”
غادرت المنزل بسعادة كانت تسير في الطريق وهي تخطط لما ستفعله.
دلت للشارع الضيق قبل أن تخرج للطريق العام، لكن قبل أن تدرك ما حدث وضع أحدهم منديل على وجهها مقيد يديها.
كادت ان تصرخ وهي تحاول أبعاده لكن ارتخت بالتدريج أثر تلك المادة المخدرة…..
يُتبع.
فاضل اخر حلقتين…..
جماعة اللي مش حابب الروايه ممكن ميكملش دي رواية من نسيج خيالي مش اكتر.
على فكرة هو لحد دلوقتي محدش قال حاجه وحشه بالعكس الكومنتات مشجعه جدا، لكن انا في النهاية لو لقيت كومنتات سلبيه يمكن مقدرش اكب فياريت نشجع بعض.
ايه اللي هيحصل مع زينب؟
عمر هيعرف انها بنته؟
نور و باسل هيرسوا على ايه؟
يوسف و إيمان ياترى ممكن يعرف بموضوع الحبوب.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم دعاء احمد
صالح بدأ يفتح عينيه، الرؤية بالنسبة له مشوشة. آخر شيء رأته عيناه كان عيون دخانية داكنة مليئة بالدموع والخوف قبل أن يفقد الوعي (زينب).
يرفع يديه ليشيل جهاز التنفس الصناعي عن منافذ التنفس، أخذ نفساً بطيئاً بألم، لا يزال أثر المخدر موجوداً.
حياء كانت جالسة بجانبه، تمسك بيديه بخوف وتبكي بصمت مؤلم.
حياء بخوف: صالح، رد عليا... أنت كويس؟ حاسس بوجع؟ أكلم الدكتور؟
صالح بابتسامة مرهقة: وحشتيني يا أمي... تعرفي كنت خايف أموت بدون ما أبوس إيدك وأقولك إنك أهم حد في حياتي، وعمري ما اتمنيت حاجة من الدنيا قد رضاك عني.
حياء غصب عنها بكت:
أنت مش ممكن تسيبنا، فاهم؟ مش من حقك تسيبني أنا وإيمان وجلال. يا ريتني كنت أنا مكانك، يا ريتني أقدر آخد كل الوجع بدالك يا صالح. أنت عارف أنت إيه بالنسبة ليا أنا وجلال.
مش ابننا وبس، أنت وإيمان الهوا اللي بنتنفسه.
أوعى تكون فاكر إن حبي لأبوك أو حبه ليا من فراغ. حبنا كبر لما أنتم جيتوا لحياتنا، خليتوا ليها أجمل معنى. مش مجرد حب اتنين لبعض، لا... علاقتنا كان فيها نضج كفاية، ودا بسببكم أنتم. عمرنا ما كنا هنكون سعداء كدا بدونكم.
صالح ابتسم بتعب وهو يمسك يديها ويبوسها: أمي، أنتِ بجد جميلة. ربنا يباركلي فيكي ويحفظك لينا في حياتنا وبيتنا يارب.
حياء: بس أنا بقى نفسي تلقى العروسة اللي تنور بيتك وحياتك يا صالح.
صالح بتعب وزهق من موضوع الجواز:
ماما بالله عليكي، أنا تعبان مش وقته خالص.
لكن صحيح... هي؟ في... يعني.
في نفس الوقت، الباب فتح ودخل جلال هو وإيمان.
إيمان بسعادة: صالح... حمدلله على السلامة.
قولي حاسس بإيه... وحشتني يا ياسو.
صالح حط إيديه على الجرح وهو بيضحك بخفة:
وانتي كمان يا قلبي.
إيمان: خلي في علمك أول ما تخرج من هنا هتاخدني السينما، أنا بقولك أهو. في فيلم إنجليزي هيتعرض قريب في السينما لازم نشوفه سوا.
صالح بحده وغيره وتعب ووجع مؤلم:
آه عشان يحصل زي المرة اللي فاتت؟ وشوية شباب يفتكرواكي حبيبتي ويعاكسوكي؟ مفيش روحة سينما.
إيمان بابتسامة: يعني أنت سكت لهم؟ ما أنت كسرتهم وأخدوك القسم أنت وهم. ولولا إنك أثبتت إنك أخويا وكنت بتدافع عني كان زمانا بنبات في القسم.
صالح بارهاق: يستاهلوا... اللي يحاول يقرب منك يبقى... جني على نفسه.
جلال ابتسم وهو بيبص لأولاده:
حمد الله على السلامة يا صالح.
صالح باحترام: الله يسلمك يا حج.
جلال بجدية: حياء، خدي إيمان واخرجوا، عايز أتكلم معاه شوية في موضوع.
حياء: جلال، أرجوك مش وقته.
جلال بحده: حياء... يلا.
حياء بصتله بغضب وخرجت ووراها إيمان.
ابتسم وهو شايف غضبها.
صالح ضيق عينيه وهو بيحط إيديه على الجرح.
جلال قعد على الكرسي جانبه وهو بيربت على صدره بحب.
ليه كدا يا بابا؟ زعلتها.
جلال بابتسامة: أمك مبتعرفش تزعل مني، وبعدين أنا عارف أصلحها إزاي. المهم دلوقتي مين دول؟ وإزاي حصل؟ تفتكر مين اللي عمل كدا؟
صالح حاول يعتدل في جلسته لكن أطلق أنة متألمة.
جلال قام بسرعة، عدل المخدة وراه وبحده وخوف:
بتعمل إيه؟ أنت لسه خارج من عمليات، الجرح ملمش. أنا هطلب الدكتور.
صالح مسك إيديه قبل ما يخرج وبهدوء:
مفيش داعي، أنا كويس. لو خرجت والدكتور جه ماما هتقلق.
جلال: هتقدر تتكلم؟
صالح: أنا شفت واحد منهم وكان هيتكلم، لكن... ما أخدتش بالي منه وهو بيطلع السكينة وطعني. مش فاكر أي حاجة، بس... في حد... مش عارف، بس شفت كأن فيه بنت بتعيط. مش فاكر، مش قادر أجمع، بس حاسس إنه من عقلي الباطن. إيه اللي هيجيب بنت المخزن في الوقت دا؟
جلال فهم إنه قاصده على زينب، لكن لم يعلق.
الظابط هيدخل دلوقتي، واكيد هيسألوك على الواد اللي شفته وأنت هتديهم مواصفاته، لكن مين من مصلحته إنك تتأذي؟ مين عايز يبعدك عن الشادر؟
صالح بص لجلال بتفكير وسكت.
متقلقش عليا يا حج، أنا هعرف أجيب حقي من حبايب عينيهم وهيدفعوا التمن غالي.
جلال بجدية: صالح، لو عارفهم، قولي هم مين.
بص يا ابني، كلمة حطها حلقة في ودنك واحفظها زي اسمك في حياتك.
الفلوس يعني شيطان. الفلوس ممكن تخلي الدنيا غابة، وعشان الفلوس ممكن الناس يبقوا حيوانات في الغابة دي، وناس معندهمش إيمان ولا دين وممكن ينسوا آدميتهم.
صدقني يا صالح، بسبب الفلوس والكره.
أمي الله يرحمها كانت سبب في قتل جدك الحج شريف الهلالي.
وزي ما ديننا بيقول:
احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك.
إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله.
أوعى يا ابن آدم تغرك الدنيا ومتعها، فهمني يا صالح.
أوعى تخلي الفلوس كل اهتمامك، افتكر إن الحياة لحظة واحدة، وفي أي لحظة ممكن تقف وتنتهي.
صالح ابتسم وهو يهز رأسه بمعنى فاهم.
إن شاء الله خير يا حج، متخافش عليا، أنا ابنك وعمري الدنيا ما هتاخدني من نفسي. ولو حصل صدقني تربيتك ليا هترجعني للطريق الصح، وكفاية دعواتكم لينا.
جلال: برضو مش هتقولي هم مين؟
صالح بجدية تليق به: معلش يا حج، أنا اتعلمت إني أتحمل المسؤولية للنهاية، وكل واحد هيحاسب على مشاريبه وهي عرفوا حجمهم، بس أخرج من هنا.
في ممر المستشفى.
إيمان كانت ماسكة علبتين عصير، بصت في آخر الممر، يوسف كان واقف في آخر الممر بيتكلم في الموبيل.
راحت ناحيته، كانت واقفة وراه وهي سامعة بيتكلم.
يوسف: حنين، اهدي. أنا راجع كمان كم يوم، أكيد مش هفضل هنا وأسيب المشروع في نصه. أسبوعين وأكون عندك، حصل شوية ظروف.
إيمان ضغطت على إيديها بقوة وهي بتبعد.
يوسف بص وراها شافها وهي ماشية، اتأكد إنها سمعت المكالمة.
إيمان... إيمان.
كانت بتمشي بسرعة وهي بتلعن اليوم اللي اتولدت فيه.
يوسف بسرعة جري وراها، مسك إيديها بقوة.
مش بنادي عليك؟
إيمان بصتله وبدون تفكير زقته بكل قوتها بعيد عنها وبغضب:
أوعى تفكر إنك تقرب مني بعد كدا يا يوسف.
أنت إيه يا أخي... جبان؟ أيوه يا يوسف، جبان.
من مشكلة بسيطة سافرت وسيبت مصر. أقولك أنت إيه... عديم المسؤولية. حقيقي أنا ندمانة إني عرفت واحد زيك. لا يمكن تكون تربية الشهاوي.
إيه يعني أمك تتجوز؟ إيه يعني هي اتطلقت من أبوك من زمان من قبل دخوله السجن؟
أمك في الواقع عمرها ما حبت أبوك، ودا حقها. والتوقيت حتى لو كان غلط فهو حرية اختيار.
ودي حاجة تخصها، حتى لو هي كبرت، دا حقها. أنت مين عشان تمنعها؟
أنت جيت من لندن وبتلومني أنا عشان اتخليت عن حلمي، بس عايزة أقولك أمك كمان غبية.
أنت لو تعرفني كويس عمرك ما تتخيل إن إني ممكن أتخلى عن حلمي.
أنا يا أستاذ عملت حادثة من كم شهر بعد التخرج، وإرادة ربنا إن يبقى عندي مشكلة في استخدام إيدي. ولأن حلمي إني أكون جراحة حلم سامي، أنا هفضل وراه لحد ما أتعالج وأقدر أكون البنت اللي أهلها فخورين بيها.
أوعى تفتكر يا يوسف إن عمي أيوب لو كان عايش كان هيفتخر بيك. بالعكس، أنت هربت. إيه يعني مهندس ناجح في مصر؟ شباب كتير جداً يمكن من اللي في مراكز مهمة، لكن رجالة بجد، وأنت متعرفش يعني إيه رجولة.
يوسف بغضب وصوت عالي: إيمان، مسمحلكيش.
إيمان بسخرية: وجعتك الكلمة؟ لا بجد، برافو.
أنت قررت تعيش حياتك بعيد عن بلدك وتنجح برا، بجد برافو. أنت مهندس شاطر وأنا باتمنالك التوفيق، بس اطلع برا حياتنا يا يوسف، برا حياتنا، ومترجعش تاني، لأنك بجد أناني.
واحد غيرك بعد كل السنين دي كان مفروض أول واحدة يروح يروزها هي أمه، بس أنت أناني. حرمت عليها حاجة ربنا حللها ليها.
أنت مين أنت عشان تحرم وتحلل؟ روح يا يوسف، بوس إيد أمك واطلب رضاها، وأوعى تعاتبها على اختيارها. دا اختك نيران، البنت معملتش اللي أنت عملته. ربنا يهديك.
بس لما تسافر برا وترجع تاني، متنتظرش مننا إننا نرحب بيك. ارمي نفسك في حضن الشغل.
ارمي نفسك بين أحضان الحياة هناك. تجاهل أمك وانسى إيمان. انسى يوسف اللي أنت بتحاول تقتله، يوسف اللي أنا أعرفه.
دوس عليه أكتر واكتم صوته.
كانت بتتكلم بثقة وهي بتبكي. تعبت، خايفة عليه. مسحت دموعها ومشيت. وهو واقف، كل كلمة قالتها بترن في ودانه.
حياء شافت الموقف كله، لكن كانت عارفة إن كل واحد فيهم محتاج يكون لوحده يراجع نفسه.
بتدبر لقيت جلال في وشها، بصتله بضيق، بتديله ضهرها وبتمشي، لكن بيحاوطها وهو بيجذبها لحضنه.
حياء: جلال، أنا متضايقة وخايفة على الولاد.
أخد نفس عميق وهو بيجذبها أكتر لحضنه، بيربت على ضهرها بهدوء كأنه بيطمنها.
طبيعي يا حبيبي، طبيعي تخافي عليهم، بس هما برضو مش صغيرين، وكل واحد فيهم قادر إنه يدير حياته. سيبها على الله.
إيه رأيك نخرج نتمشى شوية على البحر؟
حياء بسرعة: طب وصالح؟
جلال بابتسامة: متخافيش عليه، هو دلوقتي بيرتاح، ولأن شوية هياخدوا أقواله.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم دعاء احمد
في إحدى المستشفيات الخاصة، حيث كل شيء يحدث بجدية ودقة متناهية، خرجت الطبيبة من غرفة «زينب» بعد أن أطمئنت على حالتها. كانت المريضة فاقدة للوعي منذ أن جاءت للمشفى قبل أسبوع، وتم تشخيص حالتها أنها غيبوبة مؤقتة بسبب الإجهاد الحادث قبل فترة الولادة المبكرة بثلاث توائم – ولد وبنتان –. فقد تم نقلها إلى المشفى منذ أربعة أيام ولم يحدث أي تحسن.
دلف «صالح» إلى الغرفة بعد أن تم تعقيمه، الإرهاق بادياً على معالم وجهه. نظر بتعب وحزن إلى وجهها الناعم نائمة لا تعي ما يحدث حولها. كانت تردد تلك الجملة دائماً؛ أنها ترغب في النوم دون أن يوقظها أحد.
سحب كرسياً بهدوء ليضعه بالقرب من الفراش، وجلس وهو يمسك يديها بين يديه. وضع رأسه على الفراش، لمعت عيناه بدموع وهمس بضعف وهو يغمض عينيه:
“زينب لسه مش عايزة تقومي، طب أنا مصعبتش عليكِ؟ أنا تعبت والله العظيم. عارفة أنا كل مرة أقول أنا مش لازم أحبك أوي علشان مننجرحش منك أوي بس اكتشفت إن كل لحظة بتجمعنا قلبي مبيطلش يحبك. طب بلاش، أنا مش عايزة تشوفي الولاد. أنا كمان لسه مشوفتهمش. بابا بيقول في بنت لون عيونها زي عيونك وواحدة شبهي والولد عيونه بني. زينب والله العظيم أنا تعبت، أنا مش هعرف أربيهم لوحدي.”
انسابت دموعه من مقلتيه بحزن وتعب ليشعر بيد تلامس شعره. رفع رأسه فوجد «بيلا» تقف بجواره، ويديها تمسد على شعره بحنان قائلة بدموع:
“هي سمعتنا صح؟”
لم يجب بل ظل صامتاً لتقطع «بيلا» الصمت قائلة:
“هي بس عايزة تنام وترتاح بعيد عن الناس وكلامهم. هي حزينة وتعبت بس هترجع. أصل هيبقى حرام لو بعد السنين دي كلها تمشي تاني. ربنا بعدها عني أكتر من عشرين سنة لازم تقوم يا صالح. يارب أنا مش عايزة أخسر بنتي تاني آآه.”
خرجت الآهات من قلب الأم قبل فمها، تمزق فؤادها لسنوات.
نهض صالح من فوق كرسيه محتضناً إياها لتزداد شهقاتها وخارت قوتها. الفؤاد يتألم ويئن، لكن ما باليد حيلة.
تعالى صوت تلك الصفارة وإنذار الموت كاد أن يقتلُهما من شدة الخوف عليها. ترك «بيلا» برعب وهو يمسك بيد «زينب» بقوة قائلاً بلهفة:
“لالا مش هيحصل زينب، في إيه لا.”
«بيلا» بذعر وبكاء:
“زينب لا يارب مش هتحمل تاني لا.”
دخلت الممرضة بسرعة فتحت الباب دون سابق إنذار وخلفها الطبيب، بينما أصابه الذعر قائلاً بنبرة خافتة مذعورة:
“زينب.”
صاح الطبيب بحدة وصرامة:
“اطلعوا برا.”
كاد صالح أن يرفض إلا أن الممرض أخرجه بالقوة.
تلك اللحظات كانت فاصلة بين الحياة والموت. كان عمر وصالح وبيلا وجلال يقفون خلف ذلك الزجاج يتابعون ما يحدث بقلب منفطر من شدة الحزن.
كان الطبيب يباشر عمله لينظر الجميع لبعضهم بقلق، إلا أنه أكمل عمله ببرود تام.
أمسك «الطبيب» صاعق الكهرباء لتضع الممرضة مسرعة ذلك الجيل على سطحه، ثم بدأ بإنعاش قلب «زينب» مرة.. اثنان.. وثلاثة، حتى أمر الطبيب الممرضة بصوت حاد صارم عالٍ نسبياً:
“ارفعي على 200 يا مروة بسرعة.”
امتثلت الممرضة لأوامره مسرعة، ومع الضغط الرابعة بدأ القلب ينبض من جديد.
تنفس الجميع الصعداء بعد ذلك ليعود جهاز القلب يعمل بانتظام.
هدأت الأوضاع بداخل الغرفة. خرجت الممرضة وخلفها «الطبيب».
نظر «الطبيب» لصالح الذي اقترب منه بخطوات مسرعة قائلاً بلهفة:
“زينب كويسة؟”
وضع «سليم» يديه على جيب معطفه الطبي قائلاً بابتسامة وهو ينظر نحو «جلال» نظرة ذات مغزى:
“الحمد لله قدرنا ننعش القلب بس محدش هيقدر يدخلها، ادعولها تفوق.”
نظر «عمر» لـ «بيلا» ليجدها تبكي بحزن وانكسار، جذبها نحوه ليحاوطها بين ذراعيه قائلاً بثقة:
“ربنا كريم يا بيلا، قادر يرجعها لينا هو عالم أحنا تعبنا قد إيه، وأكيد في حكمة من رجوعها لينا مش هيوجعنا تاني.”
اقترب «سليم» من «جلال» مد يديه ليصافحه قائلاً بابتسامة:
“مبسوط إني شفتك يا جلال بيه.”
رفع «جلال» رأسه ينظر لذلك الشاب يبدو في نهاية العقد الرابع من عمره، لكن ملامحه تبدو مألوفة له. مد يديه مصافحاً إياه ليقول بشك:
“هو إحنا اتقابلنا قبل كدا؟”
صمت للحظات ثم قال بجدية:
“سليم؟!”
تنهد الطبيب بارتياح قائلاً:
“الولد اللي كان بيجي كل يوم يوزع العيش في البيوت، ولولا كرمك عليا أنا وأمي وأنك تكفلت بمصاريفي ومصاريف المدرسة بتاعتي مكنتش هبقى دكتور سليم. أنا مديونلك بكتير أوي. اطلب مني أي حاجة وأنا رقبتي سدادة.”
وضع «جلال» يديه في جيب بنطاله الأسود قائلاً بجدية:
“أمك عاملة إيه يا سليم؟ عندك ولاد؟”
ابتسم الآخر قائلاً بفخر:
“أمي بخير الحمد لله، عندي جلال وشروق.”
ربت «جلال» على كتفه قائلاً بحنو:
“ربنا يحفظهم لك يا سليم، لو عايز ترد الدين اللي عليك ربيهم كويس، وعلمهم إن الخير هو اللي بيبقى، مهما حاول الناس يزرعوا شر الخير هيفضل.”
تنهد «سليم» بود قائلاً:
“إن شاء الله، وإن شاء الله هتقوم بالسلامة. بعد إذنك لأن عندي شغل، تؤمرني بأي حاجة؟’
“روح شوف شغلك يا ابني، ربنا معاك.”
***
في منزل آل «العلايلي»، كانت «نور» تقوم بتحضير طعام الغداء وعقلها منشغل بحالة «زينب» والحزن بادياً على ملامحها. أفاقت من شرودها على صوت «زينة» قائلة بابتسامة:
“ريحة الأكل تجنن حقيقي، تسلم إيدك يا نور.”
ابتسمت «نور» بود قائلة على مضض:
“بالهنا والشفاء.”
اقتربت «زينة» من «نور» لتضع يديها على كتف «نور» بود قائلة:
“شكراً يا نور.”
رفعت «نور» رأسها تنظر بارتياب لـ «زينة» قائلة:
“على إيه؟”
وضعت «زينة» يديها في جيب بنطالها القطني المنزلي قائلة بجدية:
“باسل. تعرفي إنه اتغير كتير. أنا مش قصدي على إنه يروح لدكتورة ويبدأ يتقبل علاج نفسي، باسل اتأذى كتير من علاقة بابا وماما المتوترة وهو كان ضحية العلاقة دي. ماما كانت معتقدة إنها لما تكمل مع بابا في علاقة زي دي هتساعدنا نكون سويين، لكن اللي حصل إن باسل هو اللي اتعقد. تعرفي لولاه كنت أنا كمان احتمال كبير يجرالي حاجة. كان في تانية كلية سياسة واقتصاد. أخد كليته في مكان بعيد عن إسكندرية علشان يبعد عن مشاكلهم. أخدني أنا كمان معاه كان عندي 15 سنة. كان خايف عليا أفضل معاهم رغم إن قراره ده إذاه لأن بابا مكنش موافق.”
تنهدت «نور» بتوجس قائلة:
“أنا مش عارفة أعمل إيه بس أنا تعبت.”
في ذات الوقت، دلفت إلى المطبخ مديرة المنزل قائلة بحزم:
“مدام نور، زيدان بيه عايزك في مكتبه.”
نظرت نور لـ «زينة» بشك، بادلتها النظرة بارتياب لتقول بجدية:
“خالص يا حاجة، شوفي بتعملي إيه.”
نظرت لها السيدة بضيق من طريقتها السوقية قبل أن تخرج من المطبخ بضيق لتتمتم نور ببعض الكلمات غير المفهومة قبل أن تخرج خلفها.
وقفت أمام مكتب والده بارتباك. أخذت نفساً عميقاً قبل أن تطرق على الباب بخفة ليسمح لها الآخر بالدخول بعد ثوانٍ.
دخلت قائلة بتروٍ:
“نعم يا زيدان بيه، حضرتك طلبتني.”
أومأ لها بجدية يغلُب عليها الحزن والإرهاق قائلاً:
“أيوه ادخلي واقْفِلي الباب وراكِ.”
ابتلعت ما بحلقها قبل أن تغلق الباب. كانت تسير بخطوات خافتة وعيناها تدور في المكان وكأنها تحاول استنباط ما يريده، لكن فشلت وكأن عقلها رفض التفكير. جلست على ذلك الكرسي أمام المكتب مخفضة رأسها.
مرت ثوانٍ في صمت مريب قبل أن يتحدث زيدان بتمهل قائلاً بصرامة:
“أنتِ بتحبي باسل يا نور؟”
كان سؤاله واضحاً وصريحاً، وكان موقفاً لا تُحسد عليه مشاعر مختلطة ما بين الارتباك والغضب والضيق. زفرت بحرارة قائلة:
“ممكن أعرف سبب السؤال علشان أقدر أجاوب على أساسه.”
رد زيدان بابتسامة ساخرة:
“سمعت زمان إن السؤال ده مش مرتبط بأي أسئلة تانية، لأنه حاجة بتكون في القلب شيء تلقائي.”
رفعت نور رأسها قائلة بحيرة:
“أنا معرفش إيه اللي أنا بحسه ناحية باسل. أحياناً بفرح أوي وهو معايا، ويفرح لما يقولي يا شبح رغم إني ببقى متغاظة. بفرح لما بسمعه بيتكلم عن البيت اللي نفسه فيه. بحسه عيل صغير عايز يفرح وسط أهله. بزعل لما بشوفه متضايق وأنا عارفة إنك السبب في زعلانه. أنا معرفش يعني إيه حب، بس أنا ساعات بخاف عليه لما يتأخر، بحسه ابني وأنا المسئولة منه. في الفترة اللي فاتت عرفت عنه حاجات كتير أوي. عرفت إنه كان بيحبك أوي لكن زعلان منك. رغم إنه بيبان بارد ومستفز إلا إنه جواه طفل لسه خايف. خايف يخسر الناس اللي حواليه ومع ذلك مستعد لأي خيانة منهم. هو أنت إزاي محسيتش بيه؟ دا ابنك. معقول مكنتش فاهم إن ابنك الوحيد مريض نفسي بسبب علاقاتك. أنت أذيته، باسل ونيرة. هو المفروض أنا أعمل إيه؟ أنا مش عارفة أعمل إيه؟”
“حبيه يا نور. أنا عارف إنه طلب غريب وإن الحب مش بينطلب، بس قربي منه أكتر واقتحمي خصوصياته. هو يبان إنه مش عايز أي حد في حياته، لكن وجودك معاه هيفرق. يمكن علشان كده دخلتك حياته.”
عقدت نور حاجبيها قائلة بدهشة:
“دخلتني حياته؟! مش فاهمة إنت تقصد إيه؟”
أقترب من مكتبه ليستند بساعديه على سطح المكتب قائلاً:
“أول مرة شفتي فيها باسل كان فين يا نور؟ مش في المستشفى لما كان بيحقق في موضوع صاحبتك.”
أومأت نور له بالإيجاب ليكمل بهدوء:
“بعد يوم مقابلة المستشفى ولما اتقابلتوا في النيابة لما ضربتي الراجل إياه، باسل خلى نيروز يجيب عنك كل المعلومات. كان فاكر إنه بيراقبني، لكن ميعرفش إني كنت براقبه. عرفت إنه عنده فضول ناحيتك. قررت إني أعرف كل حاجة عنك. وعرفت ظروف حياتك، حتى شغلك عندي في المصنع مكنش مجرد صدفة. وصاحبتك اللي اسمها ناريمان لما عرضت عليكِ تشتغلي في أيام العيد كان مقصود. كنت عارف إن هو بيراقبني فقررت آخد خطوة إني أطلب منكِ الجواز، كنت متأكد إنه هيعمل اللي عمله والحكاية كملت زي ما أنتِ عارفة.”
نظرت له بحدة وغضب، لكن قبل أن تتحدث فُتح الباب على مصراعيه، ليدخل وعسليتاه الضاريتان تشعان بالغضب والكره. خطواته ونظراته الحادة قائلة، بداخله تشتعل النيران، وعيناه احمرت من الغضب. شعور التحكم به يقتله. فقط تداخل والده بحياته تجعله يجن جنونه.
نهض «زيدان» عن كرسيه وعيناه تبث بروداً عكس ما بداخله من حزن على ما فعله ليجعل ابنه كارهاً له لتلك الدرجة.
وقف «باسل» أمام والده قائلاً بحدة:
“كمل يا زيدان بيه، احكيلي في إيه تاني مخبيه، ولا تحب تسمعني أنا. تمام، خليني أحكيلك شوية عن نفسي.”
نظر نحو نور الواقفة وبنيتيها مصوبتين عليه. ابتسم ساخراً. وضع يديه في جيب بنطاله الأسود. كان يتحرك في الغرفة بحركات عشوائية قائلاً بصوت حاد يغلُب عليه الحزن:
“تحب تسمع من بداية إيه؟ تحب تعرف إن بسبب عشت حياتي مش فاهم أنا عايز إيه؟ أنا سافرت وبعدت عنك علشان مبقاش زيك. تحب تعرف إني كنت طفل و بسمع أمي كل يوم وهي بتعيط بسبب معرفتك بعلاقاتك؟ طب احكي لك عن إحساسي إني يتيم؟ إحساسي إني المفروض مسئول عن تصليح أخطائك؟ طب محاولتش تعرف ليه كنت باخد أدوية اكتئاب؟ أنا حقيقي وصلت لمرحلة إني مبقتش عايز حاجة من حد ولا حتى عايز مساعدتكم، ولا تدخل في حياتي تاني.”
نظر لـ «نور» ثم ابتسم بحدة واقتضاب:
“شكراً لأنك كنتِ في حياتي. وحقيقي أنتِ إنسانة جميلة وأنا بحسد أبوكِ إنه عرف يربيكِ يا نور، وأتمنى لكِ كل خير مع الإنسان اللي يقدر يكون لكِ عيلة سوية.”
اقترب منها بضعة خطوات، مال عليها مقبلاً رأسها ثم ابتعد ليري تلك الدموع بعينيها والتي انسابت لا إرادة منها ليطلق تنهيدة حارة:
“أنتِ طالق يا نور.”
لا تعرف لم هبطت دموعها. حاول جاهداً ألا ينظر إليها ثم نظر لوالده قائلاً بجدية:
“أنا مستقيل من شركتك. كل الورق اللي تحت إيدي هسلمه لنيروز. مبروك يا زيدان بيه، أتمنى تكون سعيد باللي وصلنا ليه.”
ابتلع ما بحلقه وبالقوة أجبر قلبه على ألا ينظر نحوها ثم غادر القصر بأكمله.
نظرت نور لـ «زيدان» قائلة بعدم استيعاب وبكاء:
“طب هو ليه طلقني؟ أنا ذنبي إيه؟ هو مجروح ليه يجرحني أنا كمان؟ أنت وجعته، أنا ذنبي إيه؟ هو فعلاً طلقني؟ ليه؟”
كاد أن يتحدث لكنها ركضت خارج الغرفة لتصعد لغرفتهما مسرعة.
ما إن دخلت الغرفة حتى أمسكت بتلك الزهرية لتقوم بكسرها قائلة بصراخ:
“ليه ليه؟ أنا عملت لك إيه؟ أنت ليه شايف إني البنت الجامدة اللي مفيش حاجة بتوجعها، مع إن محتاجة ليك تطمني. أنا كملت معاك علشان أنا كمان كنت محتاجك، كنت محتاجة أحس بالأمان. طب أنا ليه زعلانة؟ ما هو مش معقول أكون حبيته. ليه أنا عايزة أفهم أنا ذنبي إيه؟”
خرجت من الغرفة كالعاصفة الهواء لا تدري لها بداية أو نهاية، فقط تسير مع الرياح العاصفة لروحها. فتحت باب غرفة نيرة دون أن تطرق الباب قائلة بغضب وحدة:
“أنتِ طلبتي مني إني أوافق تتجوزه وعمره ما هيوجعني. طب ليه حاسة بوجع في قلبي؟ طب ليه دخلني حياته لما هو ناوي يتخلي عني؟ أنا حاسة دماغي هتنفجر وقلبي بيوجعني.”
لم تعرف نيرة بما تتحدث وهي ترى وجه نور الأحمر من شدة البكاء والغضب. لتجدها تكمل حديثها بالألم:
“هو عمل كدا ليه؟ أنا كدا خالص هخرج من حياته. باسل أناني، أنا حقيقي بكرهه، وعمري ما هسامحه. أنا يمكن مش بعرف أعبر عن اللي جوايا، بس هو أذاني أوي.”
وضعت يديها موضع قلبها تضرب عليه بقوة وهي تصرخ بالألم:
“ليه بيوجع ليه؟ أناني وحقير وزبالة، بس أنا زعلانة إني هسيبه. أنا مش عايزة أسيبه. هو بيقول أكمل مع إنسان تاني، طب ليه محاولش يفهم إني عايزاه هو….”
حاولت «نيرة» التحدث لكن لم تستطع وهي ترى نور تضحك بهستيرية وتبكي بذات الوقت قائلة بصراخ وهستيرية:
“ليه ليه؟ ذنبي إيه؟”
خرجت من الغرفة والمنزل بأكمله دون الالتفات وراءها، حتى أنها لم تسمع نداء زينة ونيرة لها.
نلتقي ما بين الضياع والألفة
تنسجم أرواحنا بنسيج من المشاعر
ما بين الخوف والأمان تكمن علاقتنا
فتاة نسجت من أحلامها حياة وردية
وبات قلبها مُعلق بين الواقع وتلك الأحلام
جاء في النهاية ليوقظها من أحلامها
ماذا كانت تتوقع؟
أن يأتي الحب لها ويفتح ذراعيه محتضناً إياها
لم تعلم أن قوة الحب تكمن بالألم
والرابط بينهما غريب وقوي.
أن سعيت يوماً للحب اعلم أنك ستتمزق لأجله….
كل العشاق ذاقوا من لوعة الحب ما جعلهم يتمنون لو يستطيعوا العودة لنقطة البداية حيث قلب بلا حبيبي.
***
كان يقود سيارته بلا غاية أو هدف يريد الوصول له، فقط يسير في ذلك العالم. روحه لا تعلم ما تريد، دموعه تنساب بحرية.
تمنى لو أفصح عن كل ما بقلبه، لكن يعلم أنه لو أخبر والده بكم الألم الذي بداخله لجعله يبكي في نفس اللحظة.
تمنى لو أخبره أنه يتألم منذ وقت طويل، لكن لم يخبر أحد. فقط كان وجهه واجهة للصلابة والقوة على الرغم من شعوره بالانقاض بداخله.
لما أفصح عن تلك الأشياء الآن؟ لما قرر أن ينفصل عنها في لحظة؟ ماذا فعلت له حتى ينهي علاقته بها؟
كل تلك الأسئلة تدور بعقله وتقوده للجنون. فقط بداخله عاصفة قوية تؤلم قلبه.
غيمة الدموع التي تجمعت بعينيه شوشت عليه الرؤية حتى كاد أن يفتعل أكثر من حادث.
الآن يريد أن يتحرر من كل آلمه، يريد أن يبتعد ويسير كما هو مقدر له، يأخذه القدر حيث لا مكان ولا هوية ولا أي صلة، حيث لا ألم ولا علاقات مفجعها.
وقف «باسل» سيارته على أحد الشواطئ الخالية.
ترجل من سيارته يتجه في طريقه نحو البحر وأمواجه الهوجاء.
صرخ بأعلى صوته وهو يضع يديه على قلبه. كان يصرخ ويحاول إفراغ كم الغضب الذي بداخله والذي كتمه منذ أن كان طفل. طفل رأى مشاجرات والده ووالدته كل يوم. طفل رأى أمه تبكي كل يوم من أفعال والده. طفل كاد أن يموت بسبب والده. شاب شب على الخلافات. الصراعات بداخل عقله تفتك به. يبدو لك وكأنه شخص عادي، لكن بداخل حروب ما بين عقله وقلبه.
تلك الحروب تجعله يتمنى لو يذهب لوالده يخبره أنه كان يحبه. تمنى لو يصبح صديقه، لكن كان أول شخص تسبب بأذيته.
باسل بغضب وصراخ:
“كل حاجة كانت هتبقى كويسة، كنت بدأت أنسى وأتعفى ليه ليه بيتدخل في حياتي؟ ليه عايز دلوقتي يبقى أب مثالي؟ ليه؟ أنا تعبت، دماغي مش قادر أفكر ليه؟”
أخذ يضرب موضع قلبه بقوة وغضب لا يتناسب مع أي شخص بكامل قواه العقلية.
هل هو مريض نفسي؟ كيف يتعافى المرء؟
تلك الأسئلة ظلت تدور بعقله دون إجابة. هو فقط يسقط، لم يعد يتحمل…..
***
في منزل آل «الشهاوي»، تجلس «حياء» في شرفة منزلها. أغمضت عينيها بحزن وألم متذكرة إحدى ذكرياتها مع والدتها الراحلة حينما كانت شابة في بداية العشرينات بـ «تروا» – فرنسا –.
*** عودة للماضي ***
كانت تجلس حياء ذات البشرة البيضاء المتشربة من أشعة الشمس والشعر الغجري الأسود يلامس وجهها برفق أثر حركة الهواء. تجلس على تلك الحشائش الخضراء في المراعي بينما تجلس «شغف» على مقربة منها وهي تراعي الأغنام.
تاففت حياء بضيق وهي تنام على تلك الحشائش. رفعت يديها في الهواء تحركها بطريقة عشوائية وهي تنظر للشمس قائلة ببساطة:
“L’Egypte vous a manque?”
“هل اشتقتي لمصر؟”
ردت «شغف» بحدة وصرامة:
“اتكلمي بالعربي يا حياء.”
ابتسمت حياء بحزن قائلة:
“Je n’amie pas parler arabe parce que j’aurais amie y aller.”
“لا أحب التحدث بالعربية لأني حينها أتمنى لو ذهبت إليها.”
تنهدت شغف بحزن لاحظته حياء. نهضت تجلس، عدلت ثوبها الأزرق قبل أن تستقيم تمشي حافية الأقدام لتقترب من أمها. احتضنتها لتستند برأسها على كتف شغف التي ابتسمت بحنان قائلة:
“تعرفي يا حياء أنا عشت حياتي كلها بتمنى ألقى معجزة تغير حياتي. قابلت باباكِ وكنت فاكرة إنه المعجزة اللي هتحول حياتي. من يوم فرحنا لكن لما جيت فرنسا وشوفتك أول ما اتولدت عرفت إنك معجزتي يا حياء.”
ابتسمت بسعادة وهي تنحني تطبع قبلة على وجنة والدتها لتبتعد ممسكة بيد والدتها تستمع لإحدى الأغاني الفرنسية القديمة. كانت تغني وترقص على أوتار تلك الأغنية تتحرك مع والدتها على تلك الأرض الخضراء قائلة بحماس:
“في يوم من الأيام هينتهي كل الحزن، هتشرق الشمس بحياتنا هنضل مع بعض للنهاية. العتمة هتزول، كل العتمة اللي بقلوبنا هتزول بس راح يضل الحب. بين السماء والأرض احنا موجودين، إيدي بايدك.”
ابتسمت شغف قائلة بمرح لتكمل الأغنية بسعادة:
“لما الحب يلمس قلوبنا راح تتغير كل حياتنا.”
ردت حياء ببلاهة وهي تبعد خصلات شعرها عن وجهها قائلة:
“أنا مش بصدق في وجود الحب على فكرة يا ماما، بس أنا بحبك أنت. معقول أقابل شخص يحبني زي ما أنا بدون ما يتحكم فيا؟ أنا بحب أعيش زي الفراشة، لا يزول أثر الفراشة أبداً.”
ردت شغف قائلة بهدوء وعشق خفي لشريف:
“الحب لما يجي مش هيستأذن يا حياء، هتلاقي نفسك تلقائياً وقعتي. تعرفي يا حياء دعوتي ليكِ إنك تلاقي شخص يحتوي أي حزن أو خوف جواك. بصي لما تحسي بقلبك بيدق بسرعة أوي حطي إيدك على قلبك واسمعي صوته وشوفي مين أول شخص هيجي على بالك وتبتسيمي، هو هيكون حبيبك.”
ردت حياء بمشاكسة صادقة وهي تحمل حمل صغير أخذت تلمس شعره الأبيض قائلة:
“أنتِ حبي الأبدي يا ماما. صحيح الخواجة أندريه قالي أقولك إنه عايز يشتري المزرعة ويضمها لمزرعته بيقول إن بتاعتنا صغيرة ومش هنحتاجها في حاجة، بس أنا قولتلُه لأ مش هنبيعها.”
“ليه بقى يا حياء؟”
وقفت تحت شجرة صغيرة قائلة:
“علشان المزرعة دي فيها كل ذكرياتنا الحلوة ولو في يوم من الأيام بعدنا لازم نرجع لها تاني. علشان بيلو – خروف – هو صديقي المقرب، البشر ملهمش أمان علشان نصاحبهم. تعرفي أنا كنت أتمنى يكون عندي أخت، بس أنتِ أختي وأمي وحبيبتي وكل عالمي.”
ابتسمت شغف قائلة بسعادة:
“وأنتِ معجزتي يا حياء.”
______ عودة للوقت الحالي ______
فتحت حياء عينيها وهي تبعد خصلات شعرها الغجري عن وجهها قائلة باشتياق:
“أنتِ معجزتي يا حياء، بس الحقيقة أنتِ معجزتي يا ماما. لما بحط إيدي على قلبي وأبتسم أنتِ اللي بتخطر على بالي، يمكن لأن الحب دايماً للحبيب الأول وأنتِ حبي. تعرفي أنا مشتاقة ليكِ بس لما بشوف جلال بفتكرك وبفتكر المزراعة وبفتكر بيلو والخواجة أندريه. ساعات بحس جلال هو كل حاجة جميلة عديت بيها. كان نفسي أعرفك عليه يا ماما، وأعرفك على زينب وصالح وإيمان ويوسف وشهد. أنا عندي أخت، هي صحبتي الوحيدة هي وإيمان. أنا أم يا ماما وجدة، عندي تلات أحفاد زي القمر، لسه في الحضانة إن شاء الله هيكونوا كويسين وكمان واثقة في ربنا إنه مش هيحرمهم من أمهم، هي في القاهرة بس تعبت كتير أوي إن شاء الله هتقوم بالسلامة.”
فاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها، نهضت لتلتقطه لتجد رقم مجهول.
ردت بهدوء قائلة:
“أيوه مين معايا؟”
رد شخص ما بصوت هادئ قائلاً:
“شيف حياء الهلالي، صاحبة مطعم شغف الحسيني الإسكندراني.”
ردت حياء بالموافقة:
“أيوه أنا يا فندم مين معايا؟”
“أنا مراد المصري، من منظمي مسابقات الأكل وسمعت عن حضرتك كتير وعن مطعمك والشهرة الكبيرة اللي حصل عليها وحقيقي استغربت إنه اتقفل رغم إن كان فيه شهرة كبيرة جدا عليه.”
ردت حياء ببساطة وهدوء:
“المطعم اتقفل لأن وصلت لمرحلة إني قدمت كل اللي أمي علمته ليا وقدمت كل اللي بعرف أعمله وأنا عندي حياتي الخاصة، بس مش فاهمة حضرتك عايز مني إيه؟”
رد مراد بإعجاب قائلاً:
“أنا من المعجبين بحضرتك جداً في المجال ده لأنك بجد موهبة كبيرة. أنا شفتك شخصياً من عشر سنين وحضرت أوقات كتير في المطعم بس بعدها سافرت ألمانيا بسبب شغلي. المهم دلوقتي حضرتك سمعتي عن مسابقة مواهب المطبخ اللي هتم بعد شهرين؟”
ردت حياء وهي ترفع شعرها ذيل حصان قائلة:
“سمعت عنها هتكون في إسكندرية بس أنا إيه علاقتي بيها؟”
رد مراد بهدوء قائلاً:
“المطعم بتاعك هيكون مكان مميز جداً لإقامة المسابقة لأنه في مكان مميز في إسكندرية وحابب أقابل حضرتك لو عندك وقت ممكن بكرة أو النهاردة، حابب نتكلم في التفاصيل. المطعم جميل جداً وفي مكان رائع حقيقي حرام يتقفل. لو عندك وقت ممكن نتقابل بعد ساعتين في مطعم….”
تنهدت حياء قائلة:
“بس أنا مشغولة والمطعم غالي عليا وأكيد مش هحب يحصل فيه أي تعديلات.”
رد مراد قائلاً بجدية:
“مش هاخد من وقت حضرتك نص ساعة وثانياً إحنا مش هنغير حاجة بس هنعمل شوية تعديلات بسيطة جدا. لو وافقتي هستنى حضرتك وصدقيني مش هاخد من وقتك.”
ردت حياء قائلة بموافقة:
“تمام كمان نص ساعة هكون في المطعم.”
ابتسم الآخر قائلاً:
“في انتظار حضرتك.”
أغلقت الخط ثم أجرت اتصالاً مع جلال لكن لم يجب لعدة مرات.
توجهت نحو غرفة الثياب لتبدل ثوبها لآخر عملي وارتدت حجاب أبيض.
خرجت بعد مدة متجهة لذلك المطعم والذي يُعد ملكاً لزوجها منذ سنوات.
حاسبت سائق الأجرة ثم دلفت لذلك المكان.
ما إن دلفت للمكان حتى تلقت التحية من العاملين به.
وقف أمامها رجل يبدو في نهاية العقد الخامس ذو لحية بيضاء وقد زحف الصلع لرأسه.
ابتسم مراد بلباقة قائلاً:
“مدام حياء أهلاً بحضرتك، أنا مراد المصري.”
ردت حياء بجدية:
“أهلاً يا فندم.”
جلست على إحدى الطاولات وهو في مقابلها قائلاً بإعجاب:
“حضرتك لسه جميلة زي آخر مرة شفتك فيها في المطعم.”
أجابت حياء بحدة:
“لو سمحت يا أستاذ مراد تحفظ حدودك، وتدخل في الموضوع على طول.”
رد مراد قائلاً بوقاحة:
“أنا آسف يا فندم بس الصراحة أنا بحسد جوزك عليكِ.”
ضربت حياء على سطح الطاولة قائلة بغضب:
“أنت إنسان وقح وأنا غلطانة إني وافقت أقابلك.”
كادت أن ترحل إلا أنه قال برجاء:
“أنا آسف يا فندم ممكن نتكلم في الشغل وأنا فعلاً مش قصدي حاجة.”
زفرت حياء بغضب قائلة:
“ياريت تتفضل تتكلم.”
“المطعم بتاع حضرتك أنا عندي استعداد أشتريه لأنه في مكان يعتبر وجهة للسياحة في إسكندرية والمسابقة دي هيحضرها ناس من أماكن مختلفة في العالم. أنا موافق على السعر اللي تحدديه.”
صمتت للحظات وعقلها عاد لأول ذكرى لها بذلك المطعم حينما أهداها جلال إياه لتقول بهدوء قاطع:
“أنا آسفة يا أستاذ مراد، المطعم مش للبيع وأتمنى لحضرتك تلقى مكان تاني أحسن منه بعد إذنك.”
كادت أن تغادر إلا أنه أمسك يديها قائلاً بجدية:
“اسمعيني بس يا هانم.”
نظرت بحدة بيديه قائلة بغضب وصوت عالٍ:
“ابعد إيدك دي عني.”
حاولت جذب يديها لكنه لم يتركها قائلاً بلهفة:
“مدام حياء المطعم حرام يتقفل، أنا ممكن أدفع لك اللي تطلبيه أياً يكن المبلغ.”
لم تجب عليه بل جاءت تلك اللكمة على هيئة جواب له ليسقط أرضاً من شدتها. رفع رأسه بألم وهو يضع يديه على خده ينظر لذلك الواقف وخضراوتيه مشتعلتين بحمرة الغضب. أما عن حياء فشعرت بالخوف كيف جاء فجأة هكذا؟ متى علم أنها بحاجة إليه؟ لكن هل سيمر الأمر بهدوء هكذا؟
نزل بجذعه بغضب وهو يستند بيديه على ركبتيه قائلاً بغضب أمام مراد قائلاً:
“واضح إنك مش من إسكندرية، أصل اللي ميعرفش إن حياء الهلالي خط أحمر يبقى ميعرفش جلال سليمان الشهاوي.”
ابتلع مراد ريقه بصعوبة قائلاً بتوتر:
“أنا… أنت…”
أمسك جلال بفكه السفلى وهو يضغط عليه بحدة وغيره قائلاً:
“أنا جلال الشهاوي والمدام اللي أنت اتجرأت ومسكت إيديها تبقى حرمي. يعني أنت كده ارتكبت خطئين. عليت صوتك في مكاني ومطعمي. مسكت إيد مراتي بالغصب. عندنا في حاجة اسمها أصول واللي ميعرفهاش لازم أعلمهاله.”
ما إن أنهى جملته حتى ضربه مرة أخرى بغضب وحدة. حاولت حياء إبعاده قائلة بخوف:
“جلال محصلش حاجة ابعد عنه، سيبه معتز يا فريد.”
جاء اثنان من العاملين بعد نداء حياء عليهما. حاولا إبعاد جلال الذي ابتعد عنه قائلاً بحدة:
“لما تبقى في مكان لازم تحترم صحابه، ولما تقف مع واحدة لازم تحترمها.”
أنهى جملته ممسكاً بيديها بقوة خرج من المكان وهي تتبعه بغضب من أفعاله اللاعقلانية. فتح باب السيارة قائلاً بحدة:
“ارْكبي.”
أجابت بتدمير وغضب:
“مش راكبة. ممكن أفهم إيه اللي عملته ده؟ جلال أنت بجد أووف أقول إيه بس، فوضت أمري لله.”
مال عليها قائلاً بحدة:
“ارْكبي يا حياء واقصري الشر علشان عفاريت الدنيا بتنطط قدامي.”
عضت على شفتيها بغيظ قائلة:
“لينا بيت نتكلم فيه يا ابن الشهاوي.”
صعدت السيارة دون أي حرف آخر وهو كذلك لم يتحدث. وصل للمنزل وأغلق الباب خلفه ليقول بحدة:
“ها يا هانم ناوية تقولي إيه؟”
أجابت حياء بغضب:
“جلال أنت شلّت وش الراجل، مكنش فيه داعي لكل ده.”
اقترب منها ليقف أمامها مباشرة قائلاً بنبرة خافتة:
“اللي يقرب منك ويضايقك يبقى هو اللي اختار يقف قدامي يا حياء متلومنيش لأن الذنب مش عليا، الذنب الأول والأخير عليك أنتِ.”
اللمعت عيناها بالدموع وكادت أن تبكي قائلة بعتاب:
“عليا أنا؟! أنا ذنبي إيه؟”
غمغم ولم يرتجف جفنه قائلاً بنبرة جادة:
“ذنبك الوحيد إنك خليتيني أحبك وأتلهف لرؤية عيونك. ذنبك إنك خليتي قلبي أسير، وأنا عمري ما حد أسرني يا حياء وأكون راضي، قد ما بكون راضي معاكِ. فالذنب ذنبك أنتِ وذنب عيونك اللي بتلمع لما بتشوفيني.”
ردت حياء ودموعها تنساب على وجنتيها:
“وأنا مش عايزة أتوب عن الذنب ده، بس لازم تعرف إن مهما حصل حياء بتحب وتحترم جلال، واللي عملته يدل إنك مش عايز تفهم إننا مش الاتنين اللي قابلوا بعضهم الشاب والبنت، إحنا كبرنا، لازم تفهم ده يا جلال. أوعى تفكر إني هبقى فرحانة لما تأذي حد وتأذي نفسك بسببي.”
مال عليها مقبلاً قمة رأسها:
“أنا يا حياء لو كبرت يوم فحبي كبر ليكِ بحق كل لحظة بينا، وأنتِ أكتر واحدة عارفة إن مش أنا اللي أسيب حقي ولا حق أهل بيتي. يالا جهزي نفسك هاخدك أنتِ وشهد ونروح لزينب. الأولاد احتمال يخرجوا من الحضانة النهاردة وبيلا لازم تكوني معاها. النهاردة زينب كانت هتروح منا لولا ستر ربنا. ادعي لها يا حياء لأن حالتها بتسوق للأسف.”
تنهدت بحزن قائلة:
“بدعي لها يا جلال، إن شاء الله تقوم بالسلامة لأجل الأولاد وصالح هو كمان صعبان عليا أوي، بس متضايقة إنه مش عايز يشوف الأولاد، مينفعش كدا دول ولاده.”
اللمعت عيناه بالدموع قائلاً:
“صالح أكتر واحد صعبان عليا من يوم اللي حصل وهو ضعيف. أول مرة أحس إن ابني ضعيف يا حياء ومقدرش أساعده ولا أقوي قلبه. يمكن لأن قلبه متعلق بيها.”
سألته حياء بهدوء قائلة:
“انت عرفت إني في المطعم إزاي؟”
“كنت راجع البيت لكن موبايلي رن ومحمود اللي شغال هناك كلمني وقالي إنك هناك.”
“طب ليه لما رنيت عليك مش رديت؟”
“الموبيل كان بعيد عني وكان معايا حد. يالا بس شوفي هتعملي إيه علشان نروح لها.”
أومأت له بجدية قبل أن تغادر الصالون.
***
في منزل «سالم»، صعدت نور الدرج بخطوات مهتزة وقلب مرتعش. عيونها منتفخة أثر بكائها.
جلست على إحدى الدرجات ودموعها تنساب بلا توقف، تشعر بالحزن اتجاهه واتجاه قلبها.
أحياناً يتوجب علينا البكاء، حينها نشعر ببعض الراحة، لكن لم يرتاح قلبها.
في نفس التوقيت، نزل سالم الدرج ببطء وإرهاق لتأدية صلاة المغرب في المسجد، لكنه فوجئ بابنته تجلس وتبكي. انقبض قلبه بخوف وهو ينادي عليها.
جلس بجوارها بينما أخفضت رأسها.
ابتسم بحنان مد أنامله أسفل ذقنها ليرفع وجهها له قائلاً بحب أبوي ممزوج بخوف:
“طب يهون عليكِ وجع قلبي دلوقتي؟ مالك يا قلب أبوكِ؟”
لم تستطع التحدث بينما احتضنته قائلة بألم:
“قلبي وجعني أوي يا بابا، أوي. هو أنا ليه مش زي باقي البنات؟ يمكن لو كنت بعرف أظهر مشاعري كان عرف إني عايزاه هو برغم عُقده برغم طريقته معايا. أنا حتى مش عارفة لو ده حب ولا مجرد احتياج. أنا زعلانة أوي وقلبي وجعني أوي وتعبت يا بابا. هو أنا غلطت لما وافقت أتجوزه؟ ولا غلطت لما اتعاملت بخشونة مع الدنيا؟ أنا كنت بشتغل وسط رجالة في المصنع مكنش ينفع أبقى البنت الناعمة، كان لازم أتعامل كدا وأبقى كدا. طب هو كان ممكن يحبني لو حسيت إني مهتمة بيه؟ أنا اتعاملت معاه على إنه ابني وأخويا وصاحبي، حبيت أقرب منه وكأننا صحاب أخليه يقدر يحكيلي اللي وجعه، لكن هو وجعني معه. أنا اتعاملت معاه كأنه كل حاجة إلا إنه جوزي وهو طلقني. عارف يا بابا نفسي أشوفه دلوقتي وأضربه بالقلم على وشه وأقوله إنه غبي أوي أوي يا بابا وإني زعلانة منه.”
احتضنها بحنان لتندس بين أحضانه تبكي بذعر دون أن تعلم كم مر عليها من وقت. مر أكثر من ساعة ولم يمل والدها من حديثها وبكائها، فقط ظل يستمع لها باهتمام بينما تبكي بحزن وغضب، لكن لا تستطيع الصراخ مثله.
ساعدها في النهوض لتصعد معه السلم ودلفت إلى المنزل والذي ما إن رآها شقيقها الأصغر حتى صاح بسعادة:
“نور وحشتني أوي أوي.”
اكتفت بابتسامة جميلة وهي تجلس أرضاً لتخرج من جيبها كرات صغيرة من الشوكولاتة قائلة بحب:
“أنت كمان كنت وحشني أوي وكنت ناوية أجي بكرة وكنت جايبالك الشوكولاتة اللي بتحبها، بس خالص أنا هفضل معاكم ومش همشي تاني. ويا ريتني ما مشيت.”
رفع يديه يمسح دموعها قائلاً بحزن وبكاء طفولي:
“هو أنتِ بتعيطي يا نور؟”
هزت رأسها قائلة بحماس وسعادة زائفة:
“لا طبعاً محدش يقدر يخليني أعيط. يالا خد الشوكولاتة وادخل ذاكر مع سيف. أنا بس تعبانة شوية هدخل أنام ولما أصحى هنقعد سوا، ماشي؟”
أومأ لها بالموافقة نهضت تتجه نحو غرفتها. ما إن دخلتها وأغلقت الباب خلفها حتى ارتمت فوق الفراش وعقلها يتذكر كل كلمة بينهما وكل ضحكة وقحة خرجت من شفتيه. كل لحظة حزينة، مشاكساته وضحكاته.
وضعت الوسادة فوق وجهها تمنع دموعها من الهبوط، لكن كيف للعقل أن يكف عن التفكير، وكيف للقلب أن يرحمها من ذلك الألم.
***
في المشفى بالقاهرة، كانت أيمان تقف أمام الحضانة تنظر للأطفال بابتسامة حزينة. تشعر بالنفور من نفسها، تشعر بكم الأنانية التي كانت تنسجم بها.
أنانية هذا ما يدور بعقلها، حتى أنها تشعر بالاشمئزاز من تفكيرها المريض. تمنت لو تركض نحو والدها وتخبره أنها خائفة.
اقترب يوسف منها بابتسامة هادئة لامح تلك النظرة في عينيها لكن لم يستطع تفسيرها. مال عليها مقبلاً رأسها قائلاً بابتسامة:
“شكلهم حلو مش كدا؟”
أومأت له ثم تابعت بحزن:
“يوسف أنا خايفة، أنت واثق فيا؟”
لم يجيبها بل احتضنها مربتاً على ظهرها بحماية وحنان قائلاً:
“واثق فيكي يا أيمان وبحبك. عارفة ليه؟ علشان أنتِ العهد اللي أنا أخدت قدام ربنا إني أفضل أحبك طول العمر ومهما حصل هتفضلي في قلبي. وربنا يقدرني وأقدر أحفظ عهدي.”
رفعت رأسها قائلة:
“يوسف هو أنا أنانية؟ أنا بنت مؤمنة إن اللي ربنا عايزه هيكون، لكن خوفي للحظات خلاني آخد حبوب لمنع الحمل. أنا عارف إنك…”
“شششش، أيمان أنا بحبك. عارف اللي أنت كنتي مخبياه عليا لأن شفت الحبوب قبل ما نسافر وعارف إنك وقفتيها. أنا مش غبي وأنتِ لأنك بريئة مقدرتيش تخليه سر. أنا كنت عارف رغم إني كنت متضايق من إنك خبّيتي عليا حاجة زي دي، إلا إني كنت مقدر خوفك. بس أنتِ غلطتي يا أيمان، كان المفروض أنا أول واحد تيجي تقوليله على خوفك من موضوع الحمل وإحنا برا مصر.”
“أنا آسفة يا يوسف، أنا حقيقي اتصرفت بدون تفكير. بس ليه أنت مقلتليش إنك عارف الحقيقة وعارف إني أخدت الحبوب دي؟”
ابتسم يوسف برفق قائلاً:
“تقدري تقولي كدا يا ستي إني عارفك كويس وعارف إنك هتروحي لوالدتك تتكلمي معاها وهي هتنصحك توقفيها. وكمان عارف إن ضميرك هيأنبك لوحدك. والصراحة كنت عايز أعرف لو هتيجي تحكيلي ولا لأ. والسبب الأهم هو إني غلطت في الأول خالص لما سافرت وسيبت مصر، لكن أنتِ وقتها عملتي إيه؟ كان ممكن توافقي على العريس إياه وتنسيني خالص، لكن اديتيني فرصة تانية لأنك بتحبيني وأنا كمان بحبك وعايز أكمل حياتي معاكي يا أيمان.”
“طب أنت مش زعلان إن موضوع الحمل اتأخر؟”
هز رأسه بمعنى لا ليقول بجدية:
“أولاً مكنش أسبوع أخدتي فيه الحبوب دي. ثانياً وده الأهم دي إرادة ربنا. لما يريد إننا نكون أم وأب ساعتها هيحصل. ممكن بقى تبطلي الزعل والإحساس الوحش ده لأن مش لايق على عيونك الحزن.”
ابتسمت قائلة بهدوء:
“أنا ربنا رضاني ورضا قلبي بحبك يا يوسف.”
تنهد براحة وهو يضع يديه على كتفها ينظر عبر الزجاج لهؤلاء الأطفال بحب.
***
دلت الممرضة الغرفة تحمل بين يديها طفلة وأخرى خلفها تحمل ولداً صغيراً.
لتقول بجدية وصوت منخفض:
“صالح بيه الأولاد.”
نهض عن ذلك الكرسي وهو ينظر لها ثم أخفض بصره ينظر للفتاتين. كانتا صغيرتين جداً ملامحهما بريئة، تخطف العقل والقلب من نظرة واحدة.
مد يديه بحملهما بحنان وحب فطري لتقول الممرضة بحزن وانكسار:
“إن شاء الله هتقوم بالسلامة.”
وضعت الممرضة الأخرى الولد على الفراش بجوار زينب ثم خرجتا من الغرفة.
ظل ينظر لهم بهدوء وخوف طفيف لا يعلم مصدره. شعور أنك أب مسؤول عن أطفال يجعلك ترتجف من الداخل. فتحت إحداهما عينيها لتلمع رماديتيها الصغيرة.
انسابت دموعه لا إرادياً ليقول بخوف وحنان:
“طب قول لها انتوا بقى خلوها تصحى، هي هتسمعكم أنتم. يمكن زعلانة مني عشان كده مش عايزة تقوم وتكلمني بس أكيد مش هتزعل منكم لأنها بتحبكم أوي، بتحبكم أكتر من حبها ليا أنا. قول لها إني مش هقدر أربيكم لوحدي وإني ضعيف من غيرها وإني بحبها أكتر من نفسي.”
وضع الفتاتين بجوارها، أمسك بيدي زينب ليضعها على يدي ابنته وابنهما. إن وضع يديها حتى قام ابنهما بمسك إصبعها بقوة ضعيفة.
ابتسم صالح وهو يمرر يديه على وجنتيها. أطلق تنهيدة حارة بألم. إلى متى ستظل بعيدة عنه؟
***
في إحدى المصحات النفسية، دلف عمر إلى داخل المصحة بشموخ وخطوات ثابتة. كان يسير في الممر الطويل ببرود شديد وهو يستمع لصوت الصراخ يأتي من إحدى الغرف.
لم يبالي بكل هذا بل ظل يمشي في طريقه إلى أن وصل أمام غرفة.
قام الممرض بفتح الباب قائلاً:
“تؤمرني بحاجة تانية يا باشا؟”
رد عمر بجدية وكبرياء حاد:
“اصبر على زرقك لسه بينا كلام بس سيبني معاها.”
أومأ الممرض بالموافقة قائلاً:
“بس الله يرضى عليك ما تتأخر يا باشا الدكتور لو مر على الأوض وشافك هيقلب الدنيا.”
لم يرد عمر عليه وهو يدلف. دخل الغرفة كانت ذات اللون الأبيض كل شيء بها بارد ومخيف.
نظر لتلك الجالسة فوق الفراش تضم جسدها بخوف. سحب كرسياً ليجلس بجوار الفراش قائلاً:
“موجودة في المكان اللي يناسبك يا عصمت هانم.”
رفعت رأسها وهي تستمع لذلك الصوت الذي تبغضه قائلة بسخرية:
“عمر الرشيد.”
أومأ له قائلاً بابتسامة:
“عمر الرشيد. ها قوليلي إيه رأيك في الإقامة في مستشفى المجانين؟”
ردت عصمت بحقد:
“انت فكرك أنا هفضل هنا يا عمر؟ تبقى بتحلم. الدكتور هيثبت إن سليمة و مفيش حاجة وهخرج حتى لو اتحبست ودخلت السجن مش هيفرق عندي.”
صدحت ضحكته الرنانة أرجاء الغرفة قائلاً:
“تخرجي؟ لا يا عصمت ده انتي اللي بتحلمي. أوعي تكوني فاكرة إن السجن مصيرك. تؤتؤ أصل نسيت أقولك إن أنا رشيت الدكتور والتقرير بتاعك جاهز إنك مجنونة. وصحيح هيعفوكي من السجن اللي وراء القضبان، لكن مش هيعفوكي من السجن بين أربع جدران، سجن جلسات الكهربا، ولا أدوية الاكتئاب والأهم هو فلوسك. نسيت أقولك فلوسك أنا اتبرعت بيها لجمعية كبيرة هيعملوا مشروع للشباب.”
صرخت عصمت بهستيرية وعادت للبُكاء والصراخ الجنوني:
“لا يا عمر بلاش الفلوس علشان خاطر بيلا اديني فلوسي. اديني فلوسي، مش مهم أخرج بس اديني فلوسي، فلوسي فلوسي.”
“فلوسي؟ لا يا عمر أنت قلهم دي حقي أنا.”
نظر لها باشمئزاز قائلاً:
“إنسانة حقيرة وزبالة. قد إيه الفلوس عميت عنيكي. روحي يا عصمت ربنا يأخدك بس لا مش بسهولة كدا اللي عملتيه في بيلا و في ملك هتدفعي تمنه طاق طاقين. أنا بقى مجهزلك برنامج هيعجبك أوي بين كهربا وأدوية هلوسة واكتئاب وحبس انفرادي في الأوضة دي. لا لا متقلقيش هيعجبك. صحيح نسيت أقولك أمك ماتت تفيدة خانم مستحملتش وماتت من يومين. ولأني بعرف في الأصول دفنتها في مقابر العيلة رغم إن اللي زيكم ميستاهلش، بس اللي أمك عملته أنت هتدفعي تمنه ضيفي عليه حسابك يا عصمت.”
كانت تصرخ بهستيرية مرددة تلك الكلمات:
“فلوسي لا يا عمر فلوسي.”
نظر لها باشمئزاز وكره، بينما ظلت تردد كلماتها بجنون حتى فقدت الوعي.
لم يهتم كثيراً وهو يغادر الغرفة، لكن لن يتركها إلا عندما تتألم وتصرخ كل يوم وكل ليلة.
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم دعاء احمد
أنا هنا تائهة وحدي، كل الذكريات السيئة تلاحقني، كيف لقلب ملئ بالغبار أن يُزهر عند رؤيتكَ؟
***
تركض في تلك الغابة المظلمة وحدها، تركض بأقصى سرعة لديها نحو شعاع النور. الغبار يملأ المكان، تلك الأشجار السوداء تدب الرعب بقلبها، حتى تلك البركة ذات المياه الملوثة. تلك الأصوات تجعلها تزيد من سرعتها. شعرها الأسود يتناثر حول وجهها، دقات قلبها وأنفاسها الحارة تتعالى الأصوات. تركض بأقصى سرعتها.
حاولت «زينب» الهروب من ذلك الظلام الذي يلحقها. ما أن اقتربت من النور وجدت نفسها تقف في صحراء خالية من البشر، أمامها البحر وخلفها تلك الغابة، وهي بينهما تقف مذعورة خائفة.
وضعت يديها على أذنيها وهي تصرخ من شدة الألم الذي تشعر به والوحدة التي تعم ذلك المكان. جلست أرضًا على تلك الرمال. وجدت يدي تُمد إليها. رفعت رأسها تنظر له. ملامح حزينة وعيون خضراء مطفية. ظلت تُمعن النظر إليه بارتياب. رفعت يديها لتمسك يده لكن تناثر رماده فجأة واختفى، تلاشى كأنه لم يأتِ.
شهقت «زينب» فجأة بذعر في تلك الغرفة المطلية باللون الأبيض. كانت تتنفس بسرعة وذعر وهي تحاول استيعاب ما يحدث. قبل أن تقوم بإزالة جهاز التنفس الصناعي منافذ تنفسها. دموعها هبطت وهي تدرك أنها نائمة في تلك الغرفة، وكل ذلك كابوس.
دخلت الممرضة إلى الغرفة بسرعة. ابتسمت بسعادة قائلة:
“حمد الله على السلامة يا مدام زينب، كلهم كانوا قلقانين عليك.”
حاولت «زينب» النهوض إلا أنها تأوهت بألم لتضع يديها على بطنها قائلة بفزع ودموع:
“أولادي؟”
ربتت الممرضة على كتفها قائلة باهتمام لتهدئ من روعها:
“متقلقيش، هم كويسين. إحنا دخلنهم الحضانة بعد الولادة بس الحمد لله كويسين.”
سألتها زينب بارهاق وتعب:
“إيه اللي حصل؟ فين بيلا؟ وصالح والولاد؟”
ردت الممرضة بهدوء قائلة:
“الولاد بخير الحمد لله وهما مع بشمهندس صالح في الأوضة اللي جنبنا دي مع الولاد. إنتِ جيتي المستشفى من أكتر من أسبوعين في حالة ولادة مبكرة. كنتي خلفتي في مستشفى المنصورة، وللأسف لأن الولادة كان فيها إجهاد كبير فقدتي الوعي واتشخصت غيبوبة مؤقتة. مدام بيلا كانت هنا لكن نزلت الكافتيريا مع عمر بيه والد حضرتك.”
لمعت عيون زينب بالدموع قائلة بلهفة:
“بابا؟ أنا عايزة أشوف صالح والأولاد.”
أومأت لها الممرضة بالموافقة قائلة بهدوء:
“هروح أقول للدكتور ولصالح بيه.”
كادت أن تغادر إلا أن زينب قالت بجدية:
“خديني لصالح، أنا كويسة وهقدر أقوم.”
ساعدتها الممرضة في النهوض. كانت تتحرك ببطء وتعب، لكن رغم ألمها كان قلبها متلهفًا لرؤية أطفالها وزوجها. وكم اشتقت له. كانت بين كوابيسها المظلمة تفتقده وتفتقد دفء أحضانه، تفتقد شعور الأمان.
***
في نفس التوقيت، دلف عمر إلى ذلك الممر الطويل متجهًا نحو غرفتها، رغم شعوره بالحزن وقلبه الذي يتألم. كم يتمنى أن يغمرها بحبه الذي افتقدته طوال حياتها.
خرجت زينب من الغرفة. رفعت رأسها تنظر لذلك الذي يقترب منها بخطوات ثابتة واثقة وهيمنة شخصيته تغلفه.
ازدادت نبضات قلبها حتى كادت أن تسمعها. أفلتت يديها من يد الممرضة وهي تتجه نحوه، وعيناها الرمادية التقت من رماديته الجميلة.
شعر عمر بارتجاف أوصله كلما اقتربت المسافة بينهما. أي ليت لم يُكتب علينا الفراق. تراكمت طبقة طفيفة من الدموع بمقلتيهما.
وقفت زينب أمامه وعيناها تشمله بنظرة متألمة. عيونها ذرفت الدموع على غير هدى وهي ترى عمر يفتح ذراعيه لها. ألقت بجسدها بين ذراعيه تشهق بذعر وهي تتشبث به بقوة.
ظلت يديه معلقة في الهواء وهي تتمسك به بقوة. انسابت دموعه قبل أن يضمها بقوة حتى كاد أن يدفنها بين ذراعيه قائلاً ببكاء وقلبه يكاد يبكي:
“حقك عليا يا ملك، والله العظيم حقك عليا وعلى قلبي. يشهد رب العالمين إني كنت بتعذب. عمري ما تخيلت إن أقرب الناس ليا هما اللي يطعنوني في قلبي وياخدوكِ مني. لسه فاكر أول مرة شيلتك فيها بعد ما اتولدتي. وقتها حضنتك وقلبي ارتعش. هو نفس الشعور اللي أنا حاسس بيه دلوقتي. فاكر أول مرة سمعت نبضك. وقتها كنت خايف معرفش أبقى أب كويس ليك، لكن ربنا حرمني منك قبل حتى ما أشوفك. حقك عليّ إني وثقت في ناس موتى كان حلمهم وفلوسي كانت آمالهم. لو كنت أعرف إن الفلوس قصدها بُعدك عني، والله كنت رميتهالهم بدون لحظة تفكير.”
أغمضت زينب عينيها بتثاقل وتعب قائلة:
“عارف أنا كم مرة احتجت ليك بجد؟ عارف كم مرة خفت من كلام الناس؟ عارف كم مرة خوفت أكون بنت حرام؟”
صرخ عمر بحدة وهو يربت على ظهرها بحنان:
“كدب وافتراء. أي واحد يقول كلمة وحشة في حق بيلا يبقى معندوش دين. يعلم ربنا إني مقربتش منها إلا وهي على ذمتي وبعلم أهلها وأخواتها وجدتها وأمام ربنا والناس. كانت مراتي وحبيبتي وأنتِ كنتي أغلى ما عندي وهتفضلي حبيبتي الحقيقية. أنا تعبت لسنين طويلة أوي. كنت لوحدي لا عرفت أنسى بيلا ولا قدرت أتخطى بُعدك. وفكرة إنك مُتِ كانت بتقتلني بالحياة، لكن خلاص ما عادش في بُعد تاني ولا وجع. هنرجع تاني أنا وأنتِ وهحضنك وأطبطب على قلبك لما تزعلي، وأنتِ هتفضلي معايا ومش هتبعدي تاني أبداً.”
رفعت ملك رماديتيها تنظر له. مرت يديها على ذقنه الخفيفة قائلة بدموع وخوف:
“أنا عندي أم وأب مش لوحدي ومش هبقى لوحدي تاني، مش كدا؟!”
سألته بخوف ورجاء يجعل القلب ينفطر لأجلها. حاوط عمر وجهها بين يديه مقبلاً قمة رأسها بحنان:
“مش هتبعدي تاني ولا هتكوني لوحدك مهما حصل. كفاية كل السنين دي، كفاية أوي.”
كادت أن تسقط مع شعورها بالدوار. بينما قام عمر بحملها. كم رسم بعقله ذكريات جميلة بالماضي. بنى عالمًا بأكمله لها. كان يحلم بأن يكون أبًا لها. تمنى حملها واللعب معها، تمنى أن يحيا معها شبابه وطفولتها. إلا أن القدر كان له رأي آخر.
أسندت برأسها على صدره لا تخشى شيئًا. وكيف تخشى بعد أن وجدت عائلتها؟ كل الدموع التي انهمرت على وجنتها كانت سبيلها للراحة. لكن الآن تلك الدموع ما هي إلا سعادة.
وضعها عمر بالفراش وجذب الغطاء عليها قائلاً بسعادة:
“بيلا هتفرح أوي أوي لما تعرف إنك فوقتي.”
ردت زينب بسرعة وفزع:
“بابا، أنا عايزة أولادي.”
تنهد براحة ثم مال عليها مقبلاً وجنتها قائلاً:
“هجيبهمالك.”
أومأت له ليخرج من الغرفة. وضعت يديها على عينيها وهي تبكي، لا تعلم لماذا، فقط هو شعور بالسعادة يغمرها بضراوة.
***
في الغرفة المجاورة، كان صالح ينام على كرسي بجوار الفراش ويستند برأسه على حاجز الفراش الذي عليه أطفاله الثلاثة ينامون بهدوء. ثلاثة أطفال وكأنهم ثلاث ملائكة. النظرة لوجههم تعطيك الكثير من السعادة والراحة.
بينما وضع يديه على الفراش، فأخذت فتاة منهم تمسك بإصبعه وهي نائمة براحة، وهو كذلك.
فتح عمر باب الغرفة ودلف إليها بهدوء. أخفض بصره ينظر لصالح بنظرة مبهمة. شعر ببعض الارتياح نحوه رغم شعوره بالغضب منه فيما قبل. ربما لأنه تمنى أن يختار زوج ابنته بنفسه، يختار شخصًا يثق به ويعرفه. لكن ذلك المشهد الذي يراه أمام عينيه، وخوفه عليها في الفترة الماضية واهتمامه بها جعله يشعر ببعض الارتياح نحوه.
رفع يديه ليوقظ صالح قائلاً بجدية:
“صالح، صالح.”
عقد ما بين حاجبيه بنوم وهو يفتح خضراوتيه قائلاً بفزع:
“زينب حصلها حاجة؟”
“بعيد الشر، الحمد لله فاقت.”
خفق قلبه بضراوة والتعت عيناه بلهفة ليقول برجاء:
“فاقت… أخيرًا.”
سحب يديه برفق من قبضة الصغيرة ثم غادر الغرفة دون تمهل. دلف بسرعة إلى الغرفة المجاورة حيث توجد زينب (ملك). كانت مغمضة العينين تبكي كلما تذكرت ما مضى.
إلا أن دخوله المفاجئ جعلها تفتح عينيها، وما أن فتحتهما وجدته يجلس بجوارها. جذبها نحوه محتضنًا إياها بقوة لتندس بين ذراعيه تشعر بالأمان والحب. رغم أنه لم يعرف هويتها، إلا أنه أحبها كما هي. أحبها هي. لم يحاسبها على شيء ليس لها يد به كما فعل الناس. هو أحب روحها البريئة. لم يكترث بكلام الناس عنها، فقط أرغم قلبه على حبها.
لم يعايرها يومًا بأنها لقيطة أو ما شابه، فقط انغمس في عشقها وأحب الحياة برفقتها. عاملها وكأنها فعلاً وصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
كادت أن تختفي بين ذراعيه ليقول بصوت متحشرج أثر مشاعره:
“هونت عليكِ وهان عليكِ قلبي توجعيه.”
لم تستطع الإجابة. في حين دفنت وجهها بعنقه وشعرها يتناثر. بينما لطخت الدموع وجهها. تشبثت بعنقه بقوة حتى أنها لم تستطع قول كلمة واحدة من بين شهقاته.
رد صالح بطريقة لم تعهدها من قبل قائلاً بلهفة:
“قبل أن ألقاكي ظننت أني أغلقت على قلبي ألف باب، ولكن أتيتِ أنتِ فجعلتيه متمردًا وأعلن الخضوع لكي. كأنك قد رويتِ ضلوعي عشقًا فبات قلبي متيمًا بكِ.”
مر الوقت دون الاهتمام كم مر عليهما. فتحت زينب رماديتيها قائلة بلهفة:
“لا هان عليا قلبك ولا هان عليا إنك تتوجع، لكن أنا تعبت يا صالح، وخايفة، خايفة من الدنيا اللي عمالة تديني فوق دماغي وخايفة من اللي جاي.”
وضع يديه على فمها يمنعها من الاسترسال قائلاً بثقة:
“مش مهم والله مش مهم. مش مهم أي حاجة أياً يكن اللي جاي مش مهم. مش مهم لو طلعتي بنت ذوات ولا بنت بلد، لأن القلب دق وأعلن عليكِ عشقه. سواء كنتِ بنت عمر الرشيد، فهتكوني بنت ذوات. أو سواء كنتِ زينب بنت البلد اللي مفيش زي قلبها. أنتِ مراتي وحبيبتي وأم أولادي. مش هنتكلم في أي حاجة خالص. سيبك من اللي فات، ارميه كله وراء ضهرك وخليك معايا. عارفة في الأسبوعين اللي فاتوا كنت خايف أوي. كنت خايف كل ما واحد من الأولاد يعيط ومعرفش أعمله حاجة وأنا عارف ومتأكد إنه محتاجك أنتِ ومحتاج حضنك. زينب أو ملك، أياً كان. أنا وهما مش هنعرف نكمل من غيرك، ولو كملنا هيبقى صعب ومليان وجع. خليك معانا. يشهد ربنا إنك أول واحدة قلبي يدق لها بالطريقة دي. أول واحدة تخطف مني راحتي. أنا عايزك وعايز أكمل معاكي حياتنا ولآخر نفس.”
مع كل حرف وكل كلمة صادقة قالها كان قلبها يخفق وبشدة ودموعها تتلألأ. رفعت يديها تمسح دموعها وهي تومئ له بالموافقة.
تنحنح عمر وهو يدخل الغرفة يحمل بين يديه أحفاده.
أخذت زينب نفسًا عميقًا حتى انحبست أنفاسها. وهو يقترب أعطاها الفتاتين بينما أخذ صالح الولد منه.
ظلت تنظر لهم بعيون باكية ولهفة. بينما الصغيرتان تحدقان بها بطريقتهما الطفولية والعفوية. رفعت إحداهما يديها تلمس وجنة زينب. انسابت دموعها قائلة بحنان وهي تقترب من صالح تنظر لابنها:
“بسم الله ما شاء الله، شكلهم حلو أوي يا صالح.”
ابتسم صالح بسعادة قائلاً:
“بيلا وحياء، إيه رأيك؟”
رفعت رأسها تنظر إليه. ابتسمت قائلة بحب:
“تعرف إن أسماءهم مميزة وجميلة. طب والولد؟”
رد بهدوء قائلاً:
“اختاري أنتِ اسمه.”
“يونس، أنا بحب الاسم ده.”
صمت صالح للحظات ثم اتسعت ابتسامته قائلاً:
“يونس صالح جلال الشهاوي. ربنا يبارك فيهم يا زينب.”
كان عمر يتابعهما بوجه خالٍ من التعابير، لكن سعادته حقًا تكمن بقلبه. خرج من الغرفة بهدوء.
***
في الكافتيريا، تجلس بيلا بجوار مريم التي تصالحت معها مؤخرًا، وصفا التي كانت تتحدث بينما الأخرى لا تستمع لها. كانت شاردة الذهن وعقلها يسترجع كل الذكريات من بداية لقائها بعمر في قصر الرشيد إلى ذلك الوقت.
تذكرت أول مرة التقت به وأول مشاجبة بينهما. تذكرت تناولهما الطعام معًا وذلك المبلغ ألف جنيه. تذكرت والدها وجدتها، وحفلة الخطبة التي كسرت قلبها، وأيضًا كيف تزوجته. أول مرة استمعت فيها لنبضات قلب طفلتها. والجزء الأسوأ في الحكاية حين انقلبت حياتها رأسًا على عقب بسبب أفعال تلك الحية. والآن حال ابنته.
لا تدري كيف أنسابت دموعها من مقلتيها. لاحظت مريم شرودها لتقول بجدية وخوف:
“بيلا، أنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟”
لم تستطع التحدث. بينما وضعت يديها على وجهها في حين تعالت صوت شهقاتها وازداد توهج وجهها الأحمر. كانت تبكي بفزع، تغمغم ببعض الكلمات غير المفهومة.
نظرت صفا لمريم بارتياب. بدلتها إياه ثم وجهت نظرهما نحو بيلا. حتى كادت صفا أن تسألها عن سبب بكائها، لكن مع دخول عمر، بطلته المسيطرة على الجميع، صمتت صفا وقررت الانسحاب هي ومريم.
عقد عمر ما بين حاجبيه وهو يخرج يديه من جيب بنطاله. وجه بصره نحو تلك القابعة على كرسيها مغطية وجهها بيديها.
تلاشت المسافة بينهما ليقف عمر يحاول أن يستشف سبب بكائها. مرت بضعة ثوانٍ فيها كاد قلبه أن يتمزق.
جلس أمامها على ذلك الكرسي المقابل لها قائلاً بخوف:
“بيلا، كفاية دموع الله يرضى عليكِ. كفاية دموع لأن قلبي بقى يوجعني وأنا شايف دموعك.”
رفعت وجهها له لتقول من بين دموعها واتجاه قلبها:
“إحنا السبب يا عمر. كان ممكن تكون بينا. كان ممكن تكون عايشة حياة أفضل من اللي عشتها. بنتي أنا، رغم كل اللي أملكه واللي أنت تملكه، اترميت في الشارع. رغم كل حاجة، بابا كان عنده حق يبعدنا. جايز كان شايف إن العلاقة دي فاشلة. هو كان عنده حق. يمكن لو ما عنادنا كانت كل حاجة هتبقى كويسة. كان ممكن يكون لينا أمل نعيش سوا في النور. كانت هتبقى عايشة دلوقتي مش بين الحياة والموت.”
رغم أن حديثها منطقي وحقيقي، إلا أنه شعر بالحزن ليقول بنبرة جامدة عكس ما بداخله:
“أنتِ ندمانة على جوازنا يا بيلا؟”
رفعت رأسها تنظر إليه مجيبة بصدق:
“خايفة أقول أه تزعل مني وتفكر إني محبتكش، لكن يعلم ربنا إن الحقيقة إني حبيتك وكنت موافقة أكمل معاك الطريق ده بكل مشاكله. لكن لو كنا أنا وأنت بس اللي بنأسي فيه، لكن فيه بنت في النص بينا اتأذت واتوجعت. أنا ندمانة على الشكل اللي اتجوزنا بيه. بابا لما رفضك أول مرة، كان ممكن يوافق تاني أو تالت، أو على الأقل نبعد ومننجرحش أوي كده. يمكن لو كان جوازنا بمعرفته مكنتش عصمت تعمل اللي عملته ده.”
قاطعها عمر بحدة وصرامة مخيفة:
“اللي قلبه مليان سواد ميفرقش معه في النور ولا في الضلمة. عصمت حتى لو كان جوازنا رسمي قدام العالم كله، كانت وقتها برضه هتحاول تأذينا. وللأسف هي عرفت تأذيني في أغلى ما عندنا. شوفي يا بنت الحلال، أنا هفضل أحبك لحد الموت. ولو العالم كله وقف قدامي عشان أبطل أحبك مش هيقدروا. علشان كده عايزك تكوني معايا بس المرة دي في النور قدام الكل. أنتِ وملك وأحفادنا، فاهمة؟ بدون خوف من أي حد.”
ابتسم برفق قائلاً بابتسامة عابثة:
“طب يالا بقى؟ مش عايزة تشوفي زينب؟ مش عايزة تقعدي مع بنتك؟”
استقامت فجأة قائلة بارتباك:
“هي فاقت؟”
وضعت يديها على شفتيها بحركة مباغتة له، ليقول بهدوء:
“فاقت، يالا بينا.”
نهض هو الآخر أمسك يديها، بينما كانت تسير بخطوات مسرعة على غير هدى. قلبها هو من يقودها. تلاشى كل شيء فجأة. كل الحزن. فقط تتمنى لو تلاشت أيضًا المسافة بينهما والتقت بها محتضنة إياه.
مرت عدة دقائق. وضعت يديها على مقبض الباب. فتحته بسرعة دون الانتظار لحظة أخرى.
تراكمت الدموع في عينيها وهي ترى ملك تجلس بجوار صالح وهي تحمل ابنتها. تمنت للحظات لو كانت تحظى بمشهد كهذا بموافقة أبيها.
نهض صالح بهدوء وخرج من الغرفة، تاركًا لهما مساحة للتحدث. خرج عمر خلفه، يعلم أن تلك اللحظة خاصة من نوعها. فقط هي من حق بيلا التي حُرمت من ابنتها الوحيدة لسنوات.
نظر صالح لعمر بهدوء دون أن يتحدث.
اقتربت بيلا من ملك بارتجاف. جلست بجوارها حتى أن زينب لم تتحدث بكلمة. لكن لم تستطع الامتثال للصمت لوقت أطول من هكذا وهي ترى بيلا تبكي وتضع يديها على وجهها كعادتها عند البكاء والحزن.
رفعت يديها لتمسك بكف أمها. حاوطت وجهها بابتسامة مشرقة وأصابعها تمتد لتمسح دموعها قائلة بحب:
“ممكن تبطلي عياط عشان أنا كمان هعيط. وأنا عيطت كتير أوي في حياتي من وقت ما كنت طفلة. لكن أنا خلاص مبقتش طفلة. كنت مؤمنة إن هيجي يوم وأفرح وألاقي بيتي. كنت بس مستنية معجزة في حياتي. محدش كان مصدق إني هلقيها، لكن أنا كنت مؤمنة. معجزتي الحقيقية كانت صالح. وفجأة كل حياتي اتغيرت. وبعد كده عرفتك. إحساسي وأنتِ واخدهني في حضنك كان كفيل إني أبقى كويسة. ودلوقتي أنا وأنتِ مع بعض. أنا كنت محتاجاكِ أوي يا ماما أوي. أنا مكنتش عايزة أي حاجة غير حضنك. ومن بعد كده مكنتش عايزة حاجة. أنا عارفه إنك اتعذبتي واتعبتي في حياتك. لكن خلاص يا ماما عشان خاطري أنا. أنا تعبت من الدموع وقلبي فاض بيه الوجع. أنا بس محتاجاكِ معايا تعلميني إزاي أربي أولادي. أنا مش عايزة أشحت الحب من حد تاني. كفاية إنك تكوني معايا والله العظيم كفاية عليا.”
أنهت حديثها وهي تشعر بدموعها على وجنتيها. أبعدت يديها عن زينب تمسح دموعها وابتسامتها تزين وجهها. أما بيلا جذبت ملك لحضنها وأغمضت عينيها. ظلت لوقت طويل هكذا. ظلت تفتقدها لسنوات مريرة ومؤلمة.
صدح بكاء أطفالها لتبتعد بيلا عنها وهي تنظر لهم بسعادة ممزوجة بالدموع قائلة:
“بسم الله ما شاء الله، حلوين أوي يا ملك. هتسموهم إيه؟”
ردت زينب وهي تحمل إحداهم قائلة بابتسامة:
“يونس وحياء وبيلا.”
ابتسمت بيلا بحنان وهي تمرر يديها على وجنة ابنتها. ثم نظرت للأطفال بهدوء ونظرة اشتياق لاحظتها زينب.
تنهدت براحة قبل أن تضع طفلها بين يدي والدتها قائلة بحب:
“شيليه، هو صغير أوي.”
لمعت عينيها بطبقة طفيفة وهي تضع يديها تحت رأسه الصغير. وهو يغمض عينيه بنعاس. شعرت بانتفاضة قلبها وهي تضم حفيدها لقلبها. هو الشعور الأجمل بالحنان والدفء. اقتربت من زينب تضمها بسعادة وبيديها الأخرى تحاوط يونس. قبلت أعلى رأسه قائلة بحماس:
“لازم نعمل لهم سبوع كبير ونشتري سوا هدوم ليهم ولعب كتير أوي. هنشتري كل حاجة سوا.”
أومأت ملك بسعادة وهي تمحو بقايا الدموع عن وجنتيها قائلة:
“حاضر، هنعمل كل حاجة سوا.”
ردت بيلا بسعادة وكأنها عادت لشبابها الضائع:
“لازم أعرفك على محمود ومريم إخواتي. وكمان عمتك صفا. هما كمان هيحبوكي أوي أوي يا زينب.”
***
في نفس التوقيت، صدح صوت طرقات على الباب لتسمح بيلا للطارق بالدخول.
ابتسمت حياء برفق وهي تدخل الغرفة قائلة بمزاح:
“أخيرًا! وحشتني أوي أوي يا زينب. كل دي غيبوبة يا بنتي؟ لو بتختبرينا مكنتيش هتغيبي عننا كل ده. ألف حمد الله على السلامة.”
قبلت رأسها لتجيب زينب بحب:
“الله يسلمك يا ماما. تعرفي إنك واحشاني أوي أوي كمان وكلكم وحشوني. إيمان وعمي جلال وعائشة وطنط شهد، كلكم وحشتوني أوي.”
ردت حياء باهتمام:
“المهم إنك معانا خالص يا زينب. إيه الجمال ده يا بيلا؟ بس مش لايق عليك الدموع خالص.”
مدت أناملها تمسح بقايا الدموع قائلة بحماس:
“عايزين بقى نقعد مع بعض كتير أوي. في حاجات كتير لازم نتكلم فيها ونعملها سوا. وكمان لازم ننزل نشتري حاجات كتير سوا. ياه، أخيرًا أنا وشهد هنلاقي حد كمان نغيظه.”
ابتسمت بيلا قائلة بحب وامتنان:
“شكرًا يا حياء. من قبل حتى ما أعرف إن زينب تبقى ملك، وأنتِ كنتي دائمًا تزوريني. ودلوقتي وبعد اللي عملتيه مع ملك، أنا لو طلبتي عمري هديهولك من غير تفكير.”
ردت حياء ببساطة وهي تهز كتفها بلا مبالاة طفولية:
“سيبك من كل ده. أخيرًا هقدر أعمل حماة مفترية عليكي يا زينب. ياااه، منتهى السعادة.”
قالتها بنبرة مرحة جعلت الاثنتين يضحكان. في حين حملت حياء حياء الصغيرة وهي تدندن إحدى الأغاني الأجنبية.
في تلك اللحظة شعرت زينب بأن الله جبر قلبها وخاطرها.
وعَذَلْتُ أهْلَ العَشْقِ حتى ذُقْتُهُ
فعجبتُ كيفَ يَموتُ مَن لا يَعشَقُ.
***
في أحد المساجد بالإسكندرية. ابتسم باسل بحزن وهو يدلف لداخل المسجد بعد معاناة طويلة مع نفسه. فقد قادته الطرقات إلى ذلك المكان. ربما يكون تأخر، لكنه وصل أخيرًا.
توجه نحو مكان الوضوء ثم عاد بعد وقت إلى حيث يصلي الناس كلهم في اتجاه القبلة.
بدأ في أداء فرضه يشعر بثقل ضخم يطبق على قلبه. يشعر بالحزن والاضطراب والوحدة. فقط هو فقد نفسه بين دروب الحياة. والآن يتمنى لو جمع شتات قلبه وروحه.
أين يذهب؟ في حين أغلق كل أبواب الماضي. لم يكن أمامه سوى ذلك الباب المفتوح دائمًا ولا يغلق في وجه أي شخص، لأن الطريق لا يحتاج لوسيط أو لمفتاح، فقط يحتاج إلى قلب صادق.
أنهى صلاة فرضه ثم جلس. ساد الصمت حوله، لكن لم يشعر بذلك. فقط هناك نزاع بين شقي قلبه وعقله وهو بينهما ضائع.
ابتسم شيخ المسجد وهو يجلس بجواره. وهو رجل يبدو في نهاية العقد السادس من عمره، بشوش الوجه.
“اذكر الله.”
رفع باسل رأسه ينظر لذلك الرجل ليكمل الآخر ببشاشة:
“طول ما أنت فاضي اذكر الله. ذكر الله حماية وحصن من أبواب الشيطان. جواب سؤالك موجود جواك وفي كل ركن في المسجد هنا.”
ضيق باسل المسافة بين حاجبيه قائلاً بارتياب:
“سؤال إيه؟”
رد الآخر ببساطة وحلم:
“القاعدة اللي أنت قاعدها دي والحيرة اللي جواك واللي جابتك برجليك لحد هنا. الله وحده أعلم بسببها. لكن اللي بيجي هنا بيكون عايز يرتاح. شوف يا ابني، أنت صغير وباب ربك دائمًا مفتوح مبيتقفلش قدام حد. شغوف وعنده إيمان به. طب تعرف الخير كله موجود في قلب الإنسان زي ما الشر كمان موجود. لكن هو بعزيمته يقدر يوجه نفسه ويقومها. يقع ويقوم.”
رد باسل بهدوء قائلاً:
“بس أنا تعبت. تعبت. دورت على الدكاترة النفسيين. دورت على الحب. قلت يمكن أقدر أنسى اللي تعبني وأتعافى. لكن لسه تايه وخايف.”
ربت العجوز على كتفه باهتمام قائلاً:
“الدنيا دار ابتلاء. لازم تتعب عشان لما تقوم تحس بحلاوة ولذة التعافي. مع إن مفيش حد منا كامل. الكمال لله وحده. لكن ربنا بيرزق الإنسان سكينة ولطف في قربه. قرب من ربنا وأنت هتعرف إن الحياة في قربه لذة. سامح اللي وجعوك وبلاش تجرح اللي حبوك من قلبهم. دور بين الدروب على اللي ضايع منك وانسى الكره. سامح وبلاش توجع أو تجرح أو تكسر بقلب حد لأن ربنا ميحبش كسر الخواطر والقلوب.”
ابتسم باسل بهدوء ولاحت عليه ذكرى نورهان. لم يشعر بالحزن تجاهها. لم يشعر بالألم من فراقها.
رد العجوز قائلاً بابتسامة:
“ابدأ بكتاب الله العزيز. فيه كل الأجوبة على كل اللي بيدور جواك. وإن شاء الله تلقى اللي ضايع منك.”
تركه ثم غادر المكان. في حين بقى باسل يفكر فيما قاله. ربما هو محظوظ. حتى أن كان الحب يعافي المرء. لكن من وضع الحب في قلوبنا يستحق منا أن نتقرب إليه. لأن المرء يتعافى بقربه من الله.
***
بعد مرور ستة أيام. عاد صالح وزينب برفقة عمر وبيلا إلى الإسكندرية. وعادت الحياة إلى منزل آل «الشهاوي». أما عمر وبيلا فقد بقيا طوال الفترة الماضية برفقة زينب. حتى أنه أصر بالبقاء معها في منزلها هي وصالح. وأمر صالح بالذهاب لمنزل والده.
في البداية رفض صالح الأمر وبشدة ورفض تحكمات عمر. إلا أن جلال أرغمه على الموافقة ليعطي لزينب وبيلا الفرصة للتقرب من بعض.
توجه صالح نحو شقة والديه بملامح وجه هادئة مرتخية. دلف الشقة فوجد والديه يجلسان سويًا وهما يمازحان بعضهما. تبدلت ملامح وجهه إلى أخرى غير راضية. ثم اقترب منهما وفجأة ارتمى على الأريكةِ يفصل بين جلوسهما معًا.
طالعه جلال بتعجب وهو يقول بنبرةٍ ساخطة:
“ده إيه ده إن شاء الله؟! قوم خش أوضتك يا حبيبي.”
رد صالح عليه هو بنبرةٍ مقررة:
“مش قايم، وهفضل زي العَزول بينكم كده عشان تحس بيا وأنا مراتي معايا في نفس البيت ومش عارف أشوفها.”
تدخلت والدته تقول بنبرةٍ امتزجت بضحكاتها:
“يلهوي يا صالح أنتَ لسه زعلان؟ خلاص بقى حصل خير وهي مش بعيدة عنك يعني، دي مع أمها في شقتك فوق.”
طالعه هو بملامح وجه ساخطة وهو يقول بتهكمٍ:
“يا سلام؟! طب ما هي كانت معايا في أوضتي لازمتها إيه من الأول بقى؟ مش عارف اللي اسمه عمر ده ظهر لي من أي مصيبة.”
رد عليه والده بنبرةٍ مشفقة على حال بيلا:
“عشان بيلا يا صالح. كان نفسها تنام في حضن بنتها. أنتَ بنفسك ما صدقت زينب تبقى معاك. ما بالك هي بقى اللي بقالها سنين بعيدة عن بنتها؟”
زفر بقوةٍ ثم عاد بجسده للخلف. فوجد والده يقول مقررًا:
“قوم نام يلا عشان بكرة عندك شغل كتير في الوكالة. أنا هفضل معاهم هنا عشان الحاجات اللي هيحتاجوها للسبوع. يلا قوم.”
رد عليه هو مُعاندًا:
“مش هقوم وهقعد مع أمي وهحضنها كمان. قوم أنتَ يا بابا.”
رد جلال بتهكم:
“نعم يا عين أمك؟ قوم يالا أدخل جوة.”
رد عليه هو بنبرةٍ مقررة لا تقبل النقاش:
“لأ مش داخل وهو عِند معاك. وكلمة كمان هاخد ماما ونروح بيت جدتي نقعد هناك يومين حلوين ونسيبك تبكي على الأطلال.”
رد عليه والده بحنقٍ:
“خلاص خليك مرزوع لحد ما تنام مكانك. أنا مالي، أنتَ حر.”
ابتسم له باستفزازٍ ثم رفع ذراعه يحتضن حياء وهو يقول معاندًا له:
“تعالي في حضني يا حُبي. هيبقى لا أنتِ ولا مراتي؟ تيجي تنامي جنبي النهاردة؟”
قبل أن ترد عليه بوجهها المبتسم رد عليه والده بحنقٍ:
“أنتَ هتستهبل يالا؟ تنام فين؟ شكلك اتجننت.”
رد عليه بلامبالاة:
“أمي وهتنام في حضني، فيها إيه؟ ولا هو حلو ليك أنتَ بس يعني.”
قبلت والدته وجنته ثم قالت تمازحه:
“حبيب قلبي يا ناس. ربنا يباركلي فيك ويسعدك يا حبيبي.”
احتضنها وهو يراوغ حاجبيه لجلال الذي سخر منه وهو يقلد طريقته. و في تلك اللحظة خرجت إيمان من غرفتها برفقة يوسف الذي قال بتهكمٍ حينما رأى وضع صالح ووالدته:
“ده اسمه إيه إن شاء الله؟ مش مكسوف على طولك؟ طب حتى يا جدع اعمل حساب إن عندك عيال.”
ردت عليها حياء بحنقٍ:
“أنتِ مالك يالا. هو حاضن أمه. مزعل نفسك ليه؟”
رد عليه بلامبالاة:
“أنا مالي. خليه يحضنك. ماهو يعيني من ساعة ما بيلا خدت منه زينب وهو مش طايق نفسه.”
رد عليه صالح هو بنبرةٍ هادئة:
“قول لعمك بقى عشان مش مصدق. قال إيه سيبها يا صالح تبات مع أمها. طب ما أنا بسببها بالنهار وبروح الشغل. خليها معاها بالنهار لا بليل كمان لازم تفضل معاها.”
ابتسم يوسف بشماتة وحب أخوي نقي:
“ياه، صعبت عليا يا صلوحة. حقيقي هعيط من التأثر. تعالي بقى يا إيمان عشان عايزك في موضوع مهم جدًا.”
عض صالح على شفتيه بغيظ قائلاً:
“عجبك كده يا حج؟ الواد ده يشمت فيا كده.”
ابتسم جلال بخفة وهو ينهض من فوق الأريكة جاذبًا حياء من يديها قائلاً بنبرة مغيظة:
“تصبح على خير يا صلوحة. يالا يا قلبي عشان هموت وأنام.”
نظر له صالح بحدة وهو يراه يدلف لغرفته. جلس متربعًا على الأريكة قائلاً بنرفزة:
“خدها يا خويا خدها وأنا هفضل قاعد كده لوحدي كتير. طب أدعي عليك ويقولوا الواد اتجنن. بيدعي على أبوه.”
***
في شقة صالح، ابتسمت بيلا بسعادة وهي تجلس على الفراش بعد أن نام الثلاث أطفال براحة. وضعت الوسادات من حولهم بحماية. ثم نهضت من فوق الفراش متجه نحو الأريكة. قامت بتشغيل التلفاز على إحدى أفلام ديزني. في نفس توقيت خروج زينب من الحمام بعد أن بدلت ثيابها إلى بجامة قطنية مريحة وأخذت حمام دافئ تريح أعصابها من عناء اليوم مع أطفالها.
ابتسمت بهدوء لتقول بنبرة مريحة:
“أخيرًا نامت. أشك إن البنت دي تطلع هادية. حاسسها هتبقى شقية أوي.”
ردت بيلا بحماس قائلة:
“وطي صوتك. تعالي نتفرج على التلفزيون سوا.”
جلست زينب بجوارها قائلة بهدوء وخجل:
“هو صالح نازل ينام تحت؟”
لكزتها بيلا في كتفها قائلة بمرح:
“أيوه نازل. إيه زعلانة؟”
تورّدت وجنتيها بحمرة الخجل قائلة بخفوت:
“لا أبداً، بس صعبان عليا أصل. من يوم ما رجعنا اسكندرية وهو بينام تحت لوحده والولاد حتى مش بيقعد معاهم.”
ردت بيلا بخبث:
“يعني مش وحشك؟”
صمتت واتسعت ابتسامتها لتقول بعد لحظات:
“بصراحة وحشني أوي يا ماما. بس ياله خليه ينام لوحده عشان يعرف إنه في نعمة.”
ضحكت بيلا بخفة في حين خجلت زينب. بينما صدحت طرقات الباب ليدخلها عمر بعدها إلى الغرفة وهو يحمل طبق كبير من الفشار وبعض المقرمشات والشكولاته قائلاً بمرح:
“يالا يا بيلا شغلي فيلم وبلاش الكرتون.”
ابتسم وهو يغمز لزينب ثم وضع الأطباق على الطاولة ليجلس بجوارهما على الأريكة. مال على بيلا قائلاً بهمس:
“مساء البسبوسة. ممكن بوسة.”
أخفت بيلا ابتسامتها سريعًا قائلة بخجل:
“عمر البنت قاعدة. بطل قلة أدب.” ثم صاحت بصوت مسموع:
“كويس إنك عملت فشار. يالا اختاروا هنتفرج على إيه.”
وضع عمر يديه على كتف زينب قائلاً بحب وهو يتناول الفشار:
“أي حاجة تافهة.”
نظرت له بطرف عينها قائلة بحدة:
“مُحبِط.”
“بقولك إيه عايزين نحدد معاد الفرح.”
ردت زينب بحماس وسعادة:
“بجد فكرة حلوة أوي يا بابا. إيه رأيكم بعد أسبوع. بكرة سبوع الولاد. نخليها الأسبوع الجاي وأنا أعرف بيوتي سنتر جميل جدًا وليه أتيلييه خاص قريب منه فيه فساتين روعة بجد وسمبل جدًا وأنا هكون معاكي في كل حاجة.”
رفع عمر كفه لزينب بحماس قائلاً:
“هي دي بنت الرشيد.”
ابتسمت زينب وهي تضرب كفها بكف أبيها. بينما نظرت لهم بيلا بحدة قائلة:
“أنتم بتهزروا صح؟ فرح إيه؟ عمر أنت بتتكلم جد؟”
رد عمر بجدية وهو يضع ساقه على الأخرى، آخذًا منها جهاز التحكم بالتلفاز قائلاً بنبرة مقررة:
“وأنا ههزر في حاجة زي دي ليه. الفرح معاده الأسبوع الجاي. واعتبري كل حاجة جاهزة. وأولهم فستان الفرح ده جاهز من تلات شهور وجاي من دار أزياء في باريس مطلوب مخصوص ليكي.”
أشاحت بيلا بوجهها عنهم قائلة بهدوء وهي تتابع الفيلم:
“بس أنا مش عايزة فرح.”
نظر لزينب بيأس لعمر لتجده يبتسم بهدوء قائلاً برفق:
“بيلا أنتِ أكتر واحدة يليق عليها الفرح والسعادة. ملامحك بتنور لما تفرحي. وزمان كان حلمك نعمل فرح كبير ونلبس فستان فرح ونفرح مع اللي بيحبوك. يبقى خلينا نفرح كلنا يا بيلا. يالا بقا فكي. لأن كده كده ثائر جهز كل حاجة حتى القاعة والضيوف. مش هيكون في غيرنا والناس اللي فعلًا بيحبونا غير كده لا والصحافة.”
ردت زينب قائلة بجدية:
“طب وإيه لازمتهم دول؟ دوشة على الفاضي.”
“عندك حق. بس في الفرح لازم الكل يعرف إنك بنتي وإن بيلا الدمنهوري كانت مراتي. لازم كل الناس يعرفوا إنك بنت عمر الرشيد، فاهمة؟”
ابتسمت زينب قائلة بحب:
“بس دلوقتي أنا مش فارق معايا الناس أد ما فارق معايا وجودكم في حياتي.”
قبل عمر قمة رأسها قائلاً بجدية شديدة:
“بس بنت الرشيد لازم الكل يعملها ألف حساب يا ملك. وصحيح أنا بحب اسم ملك لأنه أول اسم اختاره ليكي. يبقى ملك عمر الرشيد. وعلى فكرة أنا خلصت كل الأوراق مع شهادات ميلاد الأولاد وشهادة ميلادك الجديدة وبطاقتك موجودة معايا.”
ابتسمت زينب قائلة بحب:
“تعرف إن أنا وحشني بابا منصور.. هتزعل لو قلت بابا. الصراحة هو كان حنين معايا أوي وعمل عشان كتير أوي وربنا يعلم إنه مكنتش منتظر منه حاجة.”
رد عمر قائلاً:
“متقلقيش. اللي عمله أنا مش هنساه لأنه كبير أوي عندي يا ملك.”
***
في صباح اليوم التالي، حوالي الساعة الخامسة صباحًا. ارتدت نور ثيابها بعد أن توضأت. دلفت لغرفة شقيقها الأكبر سيف، وجدت ينام وهو يحتضن أخيه عبد المنعم.
دلت بخطوات هادئة تنادي عليهما:
“سيف، عبده يالا قوموا. يالا سيف الفجر أذن. يالا يا حبيبي بدل ما يضيع عليك الفرض.”
نهض سيف قائلاً بنعاس وهو يبعد الغطاء عنه:
“صباح الخير يا أبلة نور.”
ابتسمت بهدوء قائلة:
“صباح النور. يالا صحي أخوك واتوضى. أنا هحضرلكم الفطار عشان المدرسة. وصحيح انت مش هتغيب تاني وأنا كلمت صاحب الورشة قلتله إنك مش هترجع الشغل.”
نهض سيف بفزع قائلاً:
“ليه كده يا أبلة نور؟ وبعدين أنا بقيت راجل كبير ولازم أشتغل.”
تنهدت نور بارتياح قائلة:
“طبعًا بقيت راجل. بس الراجل الحقيقي هو اللي يعمل الصح ويسمع كلام الكبار لأنهم عارفين مصلحتك. شوف يا سيف أنا بشتغل والحمد لله. الحج جلال من ساعة ما رجعت الشغل وهو زود مرتبى. وأنت يا سيف في ثانوي وأنا مش هسيبك تضيع مستقبلك. وإن شاء الله تكبر وتبقى أشطر مهندس فيك يا بلد. وشغل الورشة ده تنساه. أومال أنا موجودة ليه.”
رد سيف قائلاً بحزن:
“بس أنتِ تعبتي يا نور بقالك سنين بتشتغلي وأنا دلوقتي كبير ولازم تقعدي في البيت وأنا هصرف علينا كلنا.”
ردت بحدة قاطعة ونبرة مقررة:
“سيف بطل رخامة. أنا قلت اللي هيحصل. أنت هترجع المدرسة وأنا مش صغيرة وعارفة أنا بعمل إيه. ويا سيدي لو اشتكيتلك أبقى سيب المدرسة. يالا بقى صحي أخوك بدل ما نفضل نرغي ويضيع علينا صلاة الفجر.”
أومأ لها وملامحه تحولت لليأس والحزن متجه نحو شقيقه الأصغر ليوقظه.
بينما ابتسمت وهي تغادر الغرفة متجه نحو المطبخ.
أخرجت حبات من البطاطس وضعتهم على الرخامة البيضاء لتعد الفطار لأشقائها وأبيها. جلست على ذلك الكرسي القديم ولاحت عليها ذكرياتها معه حتى لمعت عينيها بالدموع لتقول بجدية لنفسها:
“خلاص يا نور خلاص انسيه بقى وشوفي حالك. هي تجربة وأنا غلطت لما جازفت من البداية.”
بعد وقت. كانت تجلس على أرضية الصالة على ذلك المفرش وبجوارها أبوها وأشقائها يتناولون طعامهم. ابتسم سالم بحزن وهو ينظر لها قائلاً:
“حماتك كلمتني امبارح يا نور وعايزة تكلمك بتقول مش بتردي عليها.”
قضمت قطعة من ثمرة الطماطم قائلة بلامبالاة:
“هبقى أكلمها وبعدين مبقتش حماتي ولا ليا علاقة بيها. أنا خلاص أكلت. هقوم أغير وأنزل. هعدي على زينب قبل ما أطلع على المصنع.”
كاد والدها أن يتحدث إلا أنها غادرت الغرفة سريعًا متجهة نحو غرفتها. ربما لأنها ترفض أن تسمع كلمة واحدة عنه.
بعد دقائق. خرجت من الغرفة وهي تضبط حجابها الأزرق. انحنت تقبل رأس عبد المنعم قائلة:
“مصروفك يا جميل. وكل سندوتشاتك كلها مفهوم.”
ابتسم عبده بسعادة وهو ينظر للمبلغ المالي الصغير بحماس:
“هاكله كله. خلي بالك على نفسك يا أبلة نور.”
نظر لسيف قائلة بجدية:
“سيف لو ماروحتش المدرسة تقعد تذاكر. أنا عارفة إن مفيش حضور وشوف عايز تروح دروس في مواد إيه وقولي.”
رد سيف بابتسامة متفهمة:
“لأ أنا مش هروح دروس. أنا هقوم البس وأنطلهم في المدرسة. ولا هما المدرسين اللي هناك لازمتهم إيه؟ طول ما هو مفيش طلاب بيحضروا هيفضلوا ياخدوا مرتبات على الفاضي وبعدين مصاريف على الفاضي وخلاص.”
ردت نور بجدية قائلة:
“لأ مش مصاريف على الفاضي يا فالح. أنا عارفة إنك ذكي وشاطر. لكن برضه لو في حاجة واقفة قدامك قولي ومتشيلش هم الفلوس. ربك بيرزق.”
دلت لغرفة والدها لتجده يجلس بارهاق واضح في شرفة غرفته ينظر للشارع والأطفال وذلك الشاب الذي يقوم بتوزيع الخبز على البيوت. لتقول نور بجدية:
“سرحان في إيه يا حجيج؟”
رد سالم بتعب قائلاً:
“فيك يا نور. هتفضلي شايلة المسئولية كلها لمتى يا بنتي؟”
ردت نور بحماس عكس ما تشعر به من حزن:
“مش كتير. كم سنة بس لحد ما سيف يدخل الكلية ويتخرج ويشتغل. وبعدين مالكم يا جماعة؟ هو أنا اشتكيت.”
“مشتكتيش يا قلب أبوكِ، بس عمرك اللي بيضيع ده.”
ردت نور قائلة بجدية:
“سيبها على الله يا بابا. وبعدين أنا كويسة الحمد لله. ألف حمد لك يا رب على الأقل إحنا أحسن من غيرنا بكتير. يارب بس يفضلوا بخير وأنا مش عايزة حاجة تاني من الدنيا.”
“ربنا يسعدك يا نور ويرزقك بابن الحلال اللي يريح قلبك يا رب.”
لا تعلم لما شعرت بالسخرية. لكن لم تبالي قائلة:
“حجيج أنا لازم أنزل حالا. يالا سلام يا جميل.”
غادرت المنزل مع حوالي السابعة مساء ثم توجهت لمنزل زينب.
ما إن دخلت إلى ساحة منزل آل الشهاوي حتى ابتسمت بسعادة لأجل صديقتها وهي ترى بعض الأشخاص يقومون بتزيين الساحة الواسعة.
صعدت لمنزل حياء. ألقت عليها التحية ثم صعدت لمنزل زينب.
كان الباب مفتوحًا و بداخله توجد زينب وبيلا وإيمان.
ابتسمت زينب وهي تحتضن نور قائلة بسعادة:
“وحشتيني أوي يا نور. كنت هزعل منك لو مجتيش النهارده. لازم تفضلي معايا طول اليوم. أومال فين باسل؟”
ردت نور بهدوء قائلة:
“معلش يا زينب مش هينفع أفضل. أنا عندي شغل في المصنع. بس أوعدك هخلص وأجي.”
عقدت زينب ما بين حاجبيها قائلة بارتياب:
“مصنع إيه؟ هو أنتِ رجعتي للمصنع؟ باسل وافق إزاي؟”
لمعت الدموع بعين نور قائلة بجدية:
“أنا وباسل اتطلقنا من أسبوع لما كنتي في المستشفى.”
تشنج وجه زينب قائلة بجدية:
“اتطلقتم؟ ليه وإيه اللي حصل؟ أنتِ قلتي إنه بدأ يتغير. وليه مقولتليش لما كنا بنتكلم في الموبيل؟”
انسابت دموع نور في حين مسحتها سريعًا قائلة:
“ده موضوع يطول شرحه يا زينب. أنا هكلمك تاني وهجيلك. أنا كمان محتاجة أتكلم معاكي ومحتاجة أحكي. بس دلوقتي مش هقدر حقيقي.”
احتضنتها قائلة بابتسامة:
“متقلقيش أنا كويسة الحمد لله. هكلمك وهحكيلك لأن أنا محتاجة ده. خلي بالك على نفسك.”
ردت زينب بحزن وبكاء:
“طب مش عايزة تشوفي ولاد أختك؟”
ردت نور بارتباك قائلة بانكسار:
“مش هتخافي عليهم من عنيا؟ أصل أنا في واحدة في المصنع قالت عليا فقر ووشي نحس على اللي حواليا.”
ردت زينب بانفعال:
“مين بنت الـ… اللي قالت كده؟ وبعدين أنتِ سكتيلها؟ معتقدش متبقيش نور. وبعدين أنتِ هبلة. أنتِ أختي يا بت. والله العظيم أنا لو عندي أخت ما كانت هتبقى حنينة عليا قدك. يالا تعالي.”
ابتسمت نور بسعادة وهي تدخل معها إلى غرفة الأطفال حيث تجلس معهم شهد.
“اللهم آمين يا نور.”
***
بعد عدة ساعات. في ساحة المنزل حيث تتوافد نساء المنطقة الذين أتوا لمباركة جلال الشهاوي بأحفاده ومشاركتهم فرحتهم.
كان جلال يقوم بتصليح ماكينات الكهرباء حتى صدح رنين هاتفه.
التفت يلتقط هاتفه ليجد رقمًا مجهولاً. رد عليه ليجد صوتًا مألوفًا عليه:
“الحقني يا جلال هيموتني.”
عقد جلال ما بين حاجبيه بارتياب قائلاً:
“شمس؟!”
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم دعاء احمد
كل القصص جعلتني أتيقن من شئ واحد، أن يحبك شخص بندباتك بعقدك بحروبك وهزائمك، وأن تتَّسع يده لأحلامك وذراعيه لروحك المُتوعكة، أو لا يُحبك.
أجاب جلال بعد أن رأي رقم مجهول الهوية لياتيه صوت شخص ما بتلهف وتوسل:
- “الحقني يا جلال هيموتني”
يبدو الصوت مألوف بالنسبة له ليقول بارتياب:
- “شمس؟!”
أجابت «شمس» بسرعة وخوف:
- “الحقني يا جلال، عزت هيموتني وحالف أنه هيرجع وهيطلع عليا القديم والجديد وأنا خايفة ومش عارفة أعمل إيه ومعنديش حد أروحله بالله عليك يا جلال أنا خايفة”
وضع جلال يديه بجيب بنطاله ببرود مغمغماً بحدة:
- “عايزة إيه يا شمس تاني، إيه اللعبة الجديدة اللي بتدبريها؟”
ردت الأخرى مهرولة بخوف وانكسار:
- “والله العظيم يا جلال ما في أي حاجة في دماغي، بس أنا تعبت وماليش حد بعد أبويا الله يرحمه وعزت الله يجحمه أخد دهبي ومراته الأولى طلعت عليا كل اللي عملته معاك انت وحياء، أبوس إيدك ساعدني يا جلال لو لسه خالتي نوارة غالية عليك، لأن صدقني لو مساعدتنيش هتيجي تلقيني جسده هامدة.”
رد جلال بجدية وصرامة:
- “ماشي يا شمس لما أشوف آخرتها معاكي وخلي في بالك إن لو ساعدتك هيكون بس علشان صلة الدم اللي بينا غير كده لأ يا شمس وأظن المعلومة وصلت”
أغلق الهاتف دون أن ينتظر ردها في حين نظر لإحدى الشباب الموجودين بالساحة قائلاً:
- “عثمان تعال شوف ماكينة الكهرباء دي، أنا خارج عندي مشوار”
كاد أن يغادر المنزل إلا عندم وجدها تنادي عليه تركض نحوه قائلة بجدية:
- “رايح فين يا جلال، وبعدين معقول هتسيب الناس اللي جايين يباركوا لك، أظن ميصحش كدا”
غمغم جلال بجدية قائلاً بكذب لم يرد أزعجها بالحديث عن شمس:
- “موضوع كدا يا حياء هخلصه وأجي على طول، سلام”
شعرت بالارتياب والضجر من حديثه الجاف هامسه لنفسها بريبة:
- “حاسة كدا إن في مصيبة والله أعلم، استر يارب”
في شقة صالح
ابتسمت زينب بسعادة وهي تقف أمام المرآة تنظر بسعادة عارمة لانعكاسها، تبدو جميلة متألقة بل فاتنة في ذلك الثوب الأسود الطويل والذي يبرز رشاقته.
لكنها لم ترى ذلك الذي ينظر لها بابتسامة لعوبة تزين ثغره وعينيه تتفحصها باشتياق. تبدو في غاية الجمال وهي تتمايل برقة أمام المرآة، تبدو أنثى فاتنة شعرها الحريرب الذي يمتد لخصرها، رماديتيها اللمعه برونق خاص.
كل شيء بها يبدو في غاية الجمال يجعله يقترب منها دون شعوره بذلك.
انتفضت زينب بفزع وهي تشعر بيد تحاوط خصرها بينما دفن وجهها بشعرها يستنشق عطرها لترخي دفاعتها قائلة بابتسامة:
- “صالح”
قاطعها مغمغم بهمس عاشقاً:
- “شش… وحشتيني، أخيراً عرفت أشوفك بعيد عنهم كنت حاسس إن شوية كمان وأبوكي هيطردني من البيت مش بلحق أشوفك”
ابتسمت بسعادة قائلة بخجل:
- “طب ابعد بس كدا علشان هم مستنينا برا والولاد لوحدهم يا صالح”
رد بصوت أجش متحشرج أثر مشاعره:
- “الولاد مع إيمان تحت في شقة بابا، مفيش حد هنا غيرنا، أظن كفاية كدا يا زينب أنا معدتش قادر على البُعد كفاية الأسبوع اللي فات كله كنتي معاهم وأنا بنام تحت خالص كدا من حقي بقى يخلوني أعرف أنام براحتي”
ردت زينب بنبرة ساخرة:
- “ليه هما بيعذبوك تحت ما انت بتنام لوحدك بعيد عن زن الولاد و…”
رد مقاطعاً إياها بهمس وحرارة وهو يقبل جبينها:
- “بس مش في حضني، إزاي هكون مرتاح وأنتم بعيد عن حضني”
غمغمت زينب بخجل من طريقته قائلة بخفة وهي تضع يديها على صدره مُبعده اياه:
- “صالح سيبني أخرج لهم، وبعدين نتكلم في الموضوع دا”
رفع رأسه عن عنقها أخيراً مديراً إياها بين ذراعيه وتصبح مواجهة له، جذبها نحوه ليصطدم جسدها بجسده الصلب ولم ينتظر كثير وهو يستولي على شفتيها في قبلة قوية لكن حنونة في ذات الوقت.
استرق منها بضع دقائق دون أن يشعر بما يحدث حوله إلا أنه أبتعد بسبب احتياجهما للهواء، حاولت تنظيم أنفاسها وهي تغمض عينيها بينما اصبغت وجنتيها بلون أحمر قاني لم تستطيع فتح عينيها من شدة الخجل والاضطراب بسبب هجومه الضاري والمفاجئ.
تأمل احمرار وجهها الشديد انفها ووجنتيها وعينيها المغمضتان ابتعد قليلاً قائلاً بجدية تنافي تلك المشاعر قبل قليلاً قائلاً:
- “أنا هنزل بدل ما يلاحظوا اختفائنا وانتي تجهزي وابقى انزلي وغيري العباية دي ضيقة ولمي شعرك، شعرة واحدة تبان يا زينب أنتي حرة”
غادر الغرفة حتى أنه لم ينظر لها بعد تلك الجملة، بينما جلست على الأريكة تتحسس وجنتها الحارة هامسه بخجل لنفسها قائلة:
- “اهدي خالص هو مشي”
وضعت يديها موضع قلبها تستمع لنبضات قلبها الثائرة بعنف وضراوة، عضت على شفتيها بخجل وهي تخبي وجهها بيديها.
بعد مرور نصف ساعة
نزلت زينب الدرج ببطء واضطراب بعد أن بذلت ثيابها لأخرى فضفاضة رغم أن الضيوف هم نساء المنطقة لكنها تخشي أي اصطدام معه وتعلم أن غيرته وربما تفتك بها وبه.
ابتسمت بيلا مقتربة من زينب التي دلفت إلى داخل شقة والد زوجها للتو قائلة بهمس وخبث:
- “اتأخرتي يعني يا ملك وبعدين إيه دا انتي غيرتي العباية مش كانت عجباك ولا إيه”
أشاحت زينب بعينيها عن والدتها متمتمة بخجل:
- “أصل حسيت أنها ضيقة شوية وممكن أي حد يطلع من الرجالة و… و ساعتها هتبقى مشكلة”
غمغمت بيلا بخبث قائلة بسعادة:
- “آه قولتيلي ضيقة طب هو صالح كان بيعمل إيه فوق وسايب الرجالة تحت مش أصول برضو يقف معاهم وخصوصاً أن والده مش موجود”
كانت زينب تفرك كفيها ببعضهما قائلة بارتباك وخجل:
- “كان… كان، آه صحيح كان عايز يقولي إنه خالص جهز شهادات ميلاد بتاع الولاد”
- “بس كدا” سألتها بشك
- “أمَـال يعني هيكون عايز إيه يا ماما، هو كدا بس”
قبلتها بيلا قائلة بسعادة وحب:
- “ربنا يسعدكم يا حبيبتي وبعدين جوزك أكيد زهق من قعدتنا معاكي والأولاد وحشينه”
صمتت للحظات قبل أن تتابع بخبث:
- “وأكيد انتي كمان وحشاه”
أخفضت زينب بصرها ثم اتسعت ابتسامتها جعلت بيلا تشعر بالسعادة لأجلها متمنيه لها حياة سعيدة مع زوجها قاطعهما في تلك اللحظة صوت حياء قائلة بحنان وجدية:
- “أنتم واقفين هنا وسايبين الضيوف ياله عايزين نفرح شوية وكمان نفرق السبوع ياله يا بيلا زوبا ورايا”
ابتسمت بارتياح وهي تدخل للصالون الشاسع حيث تقف إيمان في منتصف الغرفة تضع يونس في الغربال وخلفها حبيبة وعائشة كل منها تُمسك غربال وتضع به فتاة ويلتف حولهم الأطفال والنساء، بعض العادات المصرية.
أطلقت السيدات الزغاريد بسعادة وهم يقتربون من زينب محتضنين إياها ومباركين لها بينما بادلتهم ذلك بسعادة وطيب نفس.
كانت النساء يغنين ويقوم برش الملح والأطفال تلتف حوالهم مر الوقت بسعادة ومرح دون الشعور به.
في إحدى الأحياء بالإسكندرية
صف جلال سيارته بجوار تلك البناية القديمة حيث تقطن شمس وزوجها ذلك المدعو عزت رغم أن جلال لم يهتم كثيراً بالأمور المتعلقة بشمس إلا أنه عرف بعض المعلومات عن عزت منها أنه يصغر شمس بثلاث سنوات، ذات شخصية طامعة من القاهرة وجاء للإسكندرية قبل بضع سنوات حيث تزوج من شمس وهو زوجها الثاني، متزوج من امرأة أخرى، يلعب القمار في ذلك الكباريه المعروف بأنه ملك امرأة تدعى سونيا.
صعد الدرج وهو يذكر الله لكن سمع صوت صرخات عالية ليرى بعض الجيران يقفون مقيدين الأيدي أمام شقة عزت وهم يستمعون لصرخات تلك المرأة مستنجدة بمن حوالها إلا أنهم لم يستطيعوا التدخل بين الرجل وزوجته.
حاول جلال العبور خلالهم ودلف إلى الشقة حيث كان الباب مفتوح على مصراعيه.
في تلك اللحظة
كان «عزت» يضرب «شمس» ويسبها بأفظع الشتائم إلا عندم رأى «جلال» يقف داخل المنزل، تركها بخوف وتوتر بينما رفعت شمس عينيها بانكسار لترى عينيها المليئة بالدموع ووجهها المتورم أثر صفعات عزت لها.
لا يعرف لما شعر بالشفقة عليها.
ولكن الله عادل ما فعلته بالماضي لحياء عندما جعلتها تتجرع من كأس الغيرة والانكسار والعتاب من الجميع ذلك الشخص يحاسبها عليه.
لا تظن أنك تحيا وحدك بتلك الحياة.
ركضت شمس مهرولة نحو جلال لتقف خلفه بتضرع ورجاء وهي تمسك بذراعه بقوة وخوف بينما تلتمع عينيها بدموع الانكسار مغمغمه بحزن:
- “متسبنيش يا جلال هيموتني”
رفع جلال بصره ينظر لذلك الرجل يبدو في نهاية الأربعينات، ذات جسد رياضي.
وضع جلال يديه في جيب بنطاله مقترباً منه ليقف أمامه مباشرة:
- “من إمتى والرجالة بتضرب حريمها، آه صحيح ما أنت يمكن مش من تصنيف الرجالة علشان تسيب الجيران تتفرج عليكم بالشكل ده.”
ابتلع عزت الغصة التي تشكلت بحلقه بارتجاف لكن أجاب بقوة وحدّة:
- “جلال بيه مسمحلكش، مراتي وبأدبها أنت أصلاً وجودك هنا مالوش أي لازمة، ولا تكون كلمتك تنجدتها بنت الـ”
كاد أن يسب والدتها بأفظع السباب إلا أن قبضة جلال على عنقه جعلته يتراجع للخلف بفزع والأخرى يضغط بعنف على عنقه هامساً بفحيح أفعى:
- “اللي أنت عايز تسبها دي تبقى خالتي أنا يعني ممكن أقطعلك لسانك فيها، مش ابن الشهاوي اللي يتقاله بتعمل إيه هنا، البيت ده بكل اللي فيه يبقى ملك شريف الهلالي يعني أبويا الروحي فبلاش تخليني أعلمك الأدب، أصل الأدب مش بفرد العضلات على واحدة ست، ولا أنك تخليها تصرف عليك يا نطع”
حرر عزت نفسه من قبضة جلال متراجعاً للخلف وهو يغمغم بصوت مرتجف:
- “أنت مالك أنت، وبعدين مش هي دي اللي كانت هتموت عليك زمان وأنت سيبتها علشان ست الحُسن بتاعتك، أصل هي حكتلي لما كنا بنشرب سوا يا عيني كانت فاكرة إني لما أفوق مش هفتكر حكاية الغرام الكبيرة اللي كانت عايشة فيها لكن غبية يا شمس كل كلمة كنتي بتقوليها وأنتي مش في وعيك أنا فاكرها كويس أوي.”
ليكمل باستفزاز آثار غضب وغيرة جلال:
- “بس الصراحة يا جلال أنت عندك حق حد يسيب الفرسة أم عود فرنساوي اللي أنت متجوزها ويفكر في البومة دي”
لم ينهي جملته إلا وإصابته قبضة جلال في وجهه مما جعله يترنح للخلف ويسقط أرضاً.
حاول النهوض إلا أن جلال لم يتيح له الفرصة حيث سدد له لكمة أخرى جعلت الدماء تتناثر على أنفه ولم يكتف بذلك فقد سدد له اللكمات في أماكن متفرقة من شدة الغضب والغيرة وهو يلمح نظرة الخبث في عيون ذلك الحقير.
تدخل الجيران في تلك اللحظة مُفرقين بينهما بينما وقفت شمس تلطم على خدييها بحسرة وخوف.
وقف جلال وكان أشبه بالإعصار يدمر كل ما حوله بسبب غضبه وغيرته التي كانت تحرق روحه.
مسح العرق الذي كان يتصبب على جبينه قبل أن يهتف بأنفاس لاهثة أثر مجهوده السابق قائلاً بحدة:
- “الزبالة ده كان بيضربك ليه؟”
ردت شمس بانكسار وضعف قائلة:
- “أخد الدهب بتاعي باعه وخسر فلوسه في القمار وجاي عايز فلوس بس والله مش معايا حاجة كان عايزني أمضي على تنازل بيت أبويا له”
نظر جلال بسخرية له قبل أن يتمتم بصرامة:
- “عايزاه تاني؟”
ردت بسرعة دون تفكير قائلة بتضرع وتوسل:
- “لا خالص، أنا كل يوم بطلب الطلاق بس بيبهدلني”
وقف جلال أمامه بشموخ قائلاً بحدة:
- “ارمى عليها اليمين..”
كاد عزت أن يرفض إلا أن ركلة جلال لبطنه أقرب له من التذمر والرفض ليقول بألم واضعاً يديه على بطنه يئن من الألم:
- “أنتي طالق يا شمس بالتلاته”
وضع جلال يديه بجيب بنطاله:
- “دلوقتي تقوم تطلع بره، والمحامي هيعرف إيه اللي لينا وإيه اللي عليك والله ما أنا سيبك إلا لما تتعلم إن الله حق، وأنتي ورايا يا شمس”
ثم نظر لإحد الرجال الموجودين قائلاً بجدية:
- “عم خليل الكلب ده بعد ما يمشي تاخد منه المفتاح وتقفل الشقة، وأنا هبعت النجار يغير الكالون”
أومأ له الرجل بجدية بينما غادر جلال المنزل وخلفه شمس التي كانت تسير بخطوات مرتجفة وحزن وهي تضع رأسها أرضاً.
صعد سيارته وهي جواره ليقوم بتشغيل محرك السيارة ومغادرة ذلك الحي.
رفعت شمس بصرها تنظر له لكن أشاحت بنظرها عنه. أوقفها تلك الدماء على يديه لتقول بفزع:
- “جلال إيدك بتنزف…..”
لم يبالي بحديثها بينما يقود سيارته في طريق منزله لتخفض رأسها بخجل وحسرة لكنه قاطع الصمت تلك المرة قائلاً:
- “هتيجي عندي البيت يومين لحد ما أتصرف مع اللي اسمه عزت وأوضب لك بيت أبوكي لأنه مقفول من بدري”
همست شمس بندم وحسرة قائلة:
- “مالوش داعي يا جلال، حياء مش هتكون مرتاحة لو شفتني معاك خليني أنا أروح بيت أبويا وهوضبه وأنا قاعدة، حقيقي مش عارفة أقولك إيه أنت أنقذتني”
أدار جلال وجهه ينظر لها ولوجهها الأحمر المتورم ليقول بجدية:
- “اعتبريه أمر وحياء مالكيش دعوة بيها هندخل من الباب الوراني لأن في ضيوف في البيت أظن مش هتحبي حد يشوفك كدا”
أخفضت بصرها تنظر لثيابها المغبرة القديمة، ربما هي السبب في كل هذا، ربما لأنها اختارت قلب لم يكن لها من البداية وتعلق به وهي على يقين أنه لن يحبها مقدار ذرة واحدة، وبدل أن تبتعد عنه قررت الاقتراب وحاولت تخريب زواجه لكن بعد عدة محاولات فشلت وأبعدها هو عنه ثم جاءت هي واختارت شخص آخر خطأ.
ودارت بها الأيام تدفع ذلك الحساب القديم.
ويالسخرية القدر هو نفسه من دافع عنها.
بعد مرور عشر دقائق
ترجل جلال من سيارته ثم دلف إلى منزله من الباب الخلفي وخلفه شمس التي كانت تسير بارتجاف وخوف من لقاء حياء.
صعد الدرج برفقتها كاد أن يصعد لشقة صالح ليجعلها تبقى بها حتى انتهاء حفل السبوع لكن لمحته حياء مغمغة بابتسامة:
- “جلال استنى، رايح في….”
بترت سؤالها تبتلع ما بحلقها وهي ترى تلك التي تقف خلفه وكيف يمكن أن تنساها وهي كانت أبشع كوابيسها يوماً ماً.
سألته بحدة مقتربة منه:
- “بتعمل إيه هنا دي؟”
أشاح جلال بنظره عنها مغمغماً بعصبية كلما تذكر كلمات عزت عنها:
- “حياء اختفي من وشي حالا أنا عفاريت الدنيا بتنطط قدامي”
فغرت شفتيها بصدمة من طريقته الحادة والتي قليلاً ما كان يتعامل بها معها، لكن تملكتها الغيرة والغضب وهي تنظر لشمس التي أخفضت بصرها بحرج:
- “أنت بتكلمني كدا علشانها؟ طب أنا بقى مش همشي إلا أما أعرف دي بتعمل إيه هنا يا جلال، أنت فاهم؟!”
جز على أسنانه محاولاً منع نيران غضبه من الفتك بها الآن فهو حقاً لا يرى أمامه في تلك اللحظة وهي أدركت ذلك لكن غيرتها وغضبها جعلوها تتمادى.
مال عليها هامساً بفحيح مخيف:
- “لو باقية على بينا غوري من وشي يا حياء، علشان حقيقي أنا دلوقتي ممكن أعمل مصيبة”
تلمعت الدموع بعينيها قائلة بغيرة تحرق روحها ولم تبالي كثير بحديثه:
- “ماشي يا جلال هغور وهفضيلك الجو أنت والسنيورة ما هي اللي معرفتش تعمله زمان جايه دلوقتي علشان تكمله بس صدقني مش قاعدة لك فيها يوم واحد”
دلفت لداخل شقتها لا إرادياً انسابت دموعها ولاحت عليها ذكريات الماضي وكيف تسبب شمس في المشاكل لهما وخصوصاً حينما تركها جلال أكثر من شهر وسافر إلى بورسعيد بعد شجارهم بسبب ما فعلته شمس من تبديل علبة الشامبو بحمض الهيدروليك راغبة في تشويه جسد حياء.
مرت بين الضيوف دون أن يلمحها أحد ثم توجهت نحو غرفتهما في حين لاحظتها بيلا ولاحظت شجارها مع جلال على الدرج قبل لحظات.
ما إن دخلت الغرفة حتى جلست فوق الفراش ذرفت دموعها المكبوته أثر غيرتها وعقله يؤلف لها أسوأ السيناريوهات عن علاقة جلال وشمس.
تبدو امرأة ناضجة بعقل فتاة مراهقة في تلك اللحظة، أحياناً الغيرة والغضب عندما يجتمعان بامرأة لا يهتما بالسن أبداً.
مرت لحظات لتجد طرقات فوق باب الغرفة، مسحت دموعها بسرعة سامحة للطارق بالدخول.
دلت بيلا إلى الداخل بحرج مغمغة بابتسامة وهي تغلق الباب خلفها:
- “انتي كويسة؟”
ارتجفت شفتيها قائلة بذعر خفي:
- “آه الحمد لله بس…. هو إزاي يزعقلي قدامها؟ وإزاي يجيبها تاني لحد هنا؟”
ابتسمت بيلا قائلة بخبث:
- “انتي غيرانة ولا أنا بيتهيألي؟”
ردت حياء بصراحة وجدية:
- “أيوه غيرانة هو حرام إني أغار على جوزي لا والبه بيزعقلي طب وربنا يا جلال لاقرفنك وبيتي مش هسيبه لك أنت والسنيورة قاعدة على قلبك”
صدحت ضحكت بيلا قائلة بمزاح:
- “طب بالراحة بس بدل ما يتجنن منك انت مش لسه قايله له مش هتقعديله فيها… أنا والله سمعتك من غير قصد.”
ردت حياء بود قائلة:
- “لا ده كلام حريم عادي متاخديش بالك منه وبعدين أنا أنا غبية عشان أسيبه ليها بس لما ينزل وأفهم اللي بيحصل يا جلال”
ابتسمت بيلا بحنان قائلة بطيبة:
- “مهما كان اللي ناوية تعمليه بلاش تسبيه يا حياء ولا تسيبي البيت لأن مفيش وجع زي وجع البُعد.”
أومأت حياء لها لتقول بيلا بحماس:
- “الناس بيمشوا خالص، أنا هطلع أقعد مع البنات”
غادرت الغرفة تاركة خلفها حياء تجلس على الفراش بحزن.
في الشقة في الدور الرابع في منزل آل «الشهاوي»
فتح جلال باب الشقة ليدلف للداخل قائلاً بجدية:
- “ادخلي يا شمس، عندك هنا كل حاجة تحتاجيها، المفتاح خليه معاكي”
- “أنا آسفة مكنتش عايزة أعمل مشاكل بينكم والله العظيم”
كاد أن يغادر الشقة لكنه التفت نحوها قائلاً بجدية:
- “المهم تعيدي حساباتك يا شمس، لأن اللي باقي في العمر مش قد اللي فات يا شمس واللي بينا صلة رحم، فكري يا شمس.”
لم يتنظر ردها مغلقاً الباب خلفه، نظر لطيفه بحسرة ودموع، والله لم يخطئ القلب حين أحبك أيها المليح، لكنك لست مقدر لقلبي لأن قلبك محتل من قبل أخرى، أخرى فتنتك وأذاقت قلبك لوعة العشق، أخرى هزت كيانك بأكمله، حتى أنها لم تفشل يوماً في جعلك تغار عليها وكأنك حديث العشق ولم يمر عليك سنوات في غمرة تلك المشاعر المحرقة لروحك.
دلف جلال إلى شقته وقد غادر الجميع تقريباً إلا نساء العائلة حتى حبيبة تجلس برفقة إيمان في إحدى الزوايا، وبيلا تجلس برفقة زينب، البيت هادئ تمام يبدو وكأن الصغار قد ناموا.
أغمض جفونه وهو يقف أمام باب غرفتهما متذكراً حديث ذلك الأحمق عن شعلته، تلك الفاتنة.
نظر ليديه التي تنزف، أطلق هدير صاخب هو يشعر بألم في ذراعه والشعور الأسوأ هو ذلك الألم الذي يعصف بقلبه، لكن لم يدري لما ارتدى قناع الحدة الذي تركه منذ سنوات، منذ أن رآها وأحبها، ما الذي حدث ليرتديه مرة أخرى، هل توقفت عن حبها؟!
أي غباء هذا، والله ما توقف للحظة عن إدمان وجودها، رحيقها في حياته يسلبه عقله، ينتزع منه أي ذرة من الحدة أو الكره فقط يبقى العشق فهو متيم بها وبجنونه.
دلف إلى الغرفة دون النظر إليها، تابعته حياء ببرود وهو يدلف إلى المرحاض لكن شعرت بالذعر وهي ترى بعض قطرات الدماء متناثرة على أرضية الغرفة، انتفضت في جلستها ثم تابعته لتقف خلف باب المرحاض، سمعت صوت المياه المتدفقة من الصنبور وصوت تأوهاته المتألمة تعلو للحظات ويبدو أنه أسرع التحكم بنفسه حتى لا تستمع له.
أطرقت على الباب عدة مرات أجاب بحدة قائلاً:
- “ثواني…”
حاول إيقاف ذلك النزيف وتمكن بصعوبة ليقوم بأخذ عدد من أوراق المناديل ليضعه على ثم مسح يديه وخرج من الحمام لكنه لم يجدها.
جلس على ذلك الكرسي بينما أغمض عينيه بتعب مستنداً على ظهر الكرسي خلفه.
لم يشعر بها وهي تجلس أرضاً بجوار الكرسي وضعت علبة الإسعافات بجوارها.
فتح عينيه مخفضاً بصره نحوها في حين أمسكت يديه وتلمعت الدموع في عينيها، لم يصطدم من فعلتها كثيراً بل هو اعتاد على ذلك الحنان.
لم يستطيع فعل شيء سوى التحديق بها وكان الأمل حاد ساحقاً يضرب بعمق في قلبه ويغمر عروقه بالدفء المهدئ.
هدأ الضغط الذي قبض على صدرها بسحق قلبها وهي تستمتع لصوت تأوهاته بينما تقوم بتنظيف الجرح ولم تنظر له حتى.
ظل جلال يتابع بصمت ما تفعله متناسياً ذلك الألم الذي كان يشعر به قبل قليل، وخضراوتيه تمر بشغف على ملامحها التي أسرته، عينيها البنية الداكنة وأهدابها الثقيلة، وجنتيها اللتان تشتعلا بالحمرة أثر بكائها قبل قليلاً.
حاول نزع يديه إلا أنها أمسكت بكفه بقوة وضراوة حتى انتهت، كادت أن تتركه إلا أنه جذبها بعنف نحوه ضاماً إياها بين ذراعي بشدة لدرجة أنه شك في قدرتها على التنفس، قام بدفن وجهه في شعرها يستنشق رائحتها بعمق، بينما كانت مستسلمة وكأنها مفتقدة إياه، احتضنته هي الأخرى تغلق عينيها بقوة، تخاف بل ترتعب من شعور فقدانه فهي أخبرته من قبل أنه تحبه ولكن ليست فقط كزوج وزوجة لكنها تحبه كفتاة فقدت أباها لدهر كامل وحين وجدته وغمرها بحبه أصبح كالهواء.
قصة احتياج افتراس بقلوبهما، احتياج جعل منه أباها وحبيبها وزوجها وصديقها المخلص.
احتياج جعل منها ابنته المدللة وزوجته وفاتنة روحه، روحه المفقودة منذ سنوات ولم يجدها إلا عندما رأى عينيها.
قاطع ذلك الهدوء صوته بنبرته المتحشرجة أثر غمرة المشاعر تلك:
- “حياء أوعي عقلك يجي في يوم يقولك إني بطلت أحبك وتصدقيه، أنا على عهدي قدام ربنا”
ردت بخفوت وحزن مغمغة بارتباك:
- “وإيه اللي يخليك تجيبها هنا يا جلال؟ أنت متعرفش أنا بسببها حصلي إيه، عارف زمان كل يوم كنت بموت من فكرة إنك بتحبها و متجوزني علشان الوكالة أنا عارفة إن ده كله كان لعبة منها هي ونوارة بس أنا بني آدمة يا جلال عندي قلب، وقلبي بسببهم تعب أوي.”
ربت بحنان على ظهرها قائلاً بجدية:
- “بس انتي عارفة إني بحبك وكمان مش بعد العمر ده كله هاجي أعمل حاجة يعني، كل الحكاية إنها طلبت مساعدتي وأنا عمري ما أتخلى عن حد تستنجد بيا يا حياء، كفاية عملتها مرة واحدة زمان واتخليت عنك وللأسف كنت هخسرك لا يا حياء مقدرش أشوف حد بيطلب مني حاجة ومساعدهوش كفاية مرة واحدة”
نظرة الندم والحزن بعينيه وهو يتذكر ما حدث بالماضي عندما تركها دون النظر خلفه جعلتها تشفق على حاله الآن لتميل عليها طابع قبلة طويلة على خده قائلة بابتسامة مشاغبة:
- “طب والله أنت جوز لقطة هات بوسة يا جدع”
ضحك الآخر قائلاً بحنان:
- “وحشتيني يا حياء وحشني أوي يا شعلتي”
ابتسمت برضا قائلة باستغراب:
- “وحشتك ليه هو إحنا بنبعد علشان أوحشك”
تمتم وهو يبعد خصلاتها عن وجهها قائلاً بابتسامة:
- “هتصدقيني لو قولتلك إنك بتوحشيني وأنتي معايا يا حياء”
ردت قائلة بدلال:
- “لا مش هصدق وأوعى بقى”
غادرت الغرفة بسرعة بينما جلس مرة أخرى على ذلك الكرسي قائلاً بهمس:
- “هتجننيني معاكي يا بنت الهلالي”
“كان كافيًا أن تجد شخصًا يختارك حين تنطفئ وحين تخطئ، وحين يرى النور في غيرك ويختار عتمتك.”
كان «عمر» يقف في مدخل الحي، يضع يديه في جيب بنطاله الكحلي يقف بشموخ وثقة اعتاد عليها، فحقاً ذلك الوسيم يأسر القلوب.
أخرج هاتفه ليجري اتصال بثائر رد عليها الآخر بسرعة:
- “عمر باشا أؤمرني”
ابتسم عمر مغمغماً بهدوء وهو يحك ذقنه الخفيفة:
- “ثائر مجموعة محمود الدمنهوري إيه إيه آخر الأخبار فيها”
رد ثائر بجدية:
- “زي ما حضرتك أمرت المحامي بتاعنا عرف نصيب مدام بيلا من المجموعة ومن وقت اللي حصل ومفيش مناقصة واحدة عرف ياخدها وللأسف اتعرض لخساير كتيرة، هو أنا ممكن أقول رأي يا عمر”
رد بجدية وصرامة:
- “طبعاً يا ثائر…”
- “أنا شايف إنه كفاية كدا محمود بيه كدا اتعلم إن الله حق وعرف إن الفلوس مش كل حاجة، بس كدا مجموعة الدمنهوري هتعلن إفلاسها وأكيد مدام بيلا لو عرفت هتزعل ده مهما كان أخوها”
تنهد عمر بخفوت قائلاً بحزم:
- “سيب موضوع محمود عليا ودلوقتي مهمتك المجموعة والمشروع اللي بنقوم بيه، لازم تاخد كل التصاريح قبل 12/4”
غمغم ثائر بهدوء قائلاً:
- “تمام يا عمر بيه إيه حاجة تانية.”
رد عمر بخبث ومشاغبة قائلاً:
- “اليخت بتاعي جهزه النهاردة عايزه ميكنش ناقص من أي حاجة يكفي فردين لمدة أسبوع، صحيح متنساش تظبط كل حاجة للفرح”
شعر الآخر بسعادة قائلاً بفرح حقيقي:
- “ألف مبروك يا عمر حقيقي أنا فرحان لك أكتر من أخويا مع إنه جه متأخر شوية بس ألف مبروك وألف مبروك القطط الصغيرة دول شكلهم حلو أوي بجد ربنا يحفظهم لك ولأمهم وأبوهم يا رب”
غمغم عمر بحزن وهو يعبث بخصلاته قائلاً:
- “منهم لله اللي كانوا السبب بس خالص كفاية أوي لحد كدا، تسلم يا ثائر أنا لو كان عندي أخ مكنش هيحبلي الخير زيك…”
ابتسم الآخر بود ومرت بضع لحظات حيث يتحدثان بالعمل ثم أغلق الخط معه.
أجرى اتصال آخر ببيلا ليخبرها بأن تجهز للخروج معه في مكان ما ولم يضيف أكثر من ذلك.
بعد مرور عدة دقائق
صعدت بيلا إلى السيارة قائلة بابتسامة:
- “في إيه؟”
رفع يدها إلى فمه يطبع براحتها قبلة عميقة قبل أن يغمغم بخبث:
- “هيكون في إيه يعني؟ هنخرج ونسيبهم بقى حاسس إن صالح شوية وهيخنقني بس عنده حق أنا لو حد بعدني عنك يوم واحد ببتجنن، فخليني نسيبهم على راحتهم شوية هاخدك لمكان خاص بينا إحنا وبس…”
ابتسمت بسعادة قائلة بمرح:
- “هنروح فين؟”
ابتسم مغمغم برفق:
- “مش مهم هنروح فين، المهم إننا سوا”
في صباح يوم مشرق متفتح بالسعادة لأجل هذا الثنائي الذي عانى من ظلم الحياة وقسوته ليأتي اليوم الذي تتفتح لأجلهما أبواب السعادة.
جلست بيلا على رمال الشاطئ أمام ذلك الشاليه الذي أتت إليه بالأمس برفقة عمر.
قد انهمكت في بناء قصر من الرمال بطريقة متقنة بينما يجلس عمر برفقتها يقوم بخلط المياه والرمال بينما تشكل ذلك القصر بسهولة واحترافية.
ابتسم بحب وهو يجلس على الرمال يضمها بحب بين ذراعيه من الخلف ليغمغم بسعادة قائلاً:
- “تعرفي إن دي أول مرة أعرف إنك شاطرة أوي كدا في تشكيل الرمل بالجمال ده، انتي اتعلمتيه إمتى”
ابتسمت بيلا برقة وهي تُبعد خصلات شعرها عن وجهها بينما أخذ الهواء يلامس بشرتها الناعمة بتروِ ورذاذ البحر يتناثر حولهما منعشاً الجو غمغت بحزن وعينيها تلمع بطبقة من الدموع:
- “ماما الله يرحمها هي اللي علمتني أبني قصور من الرمل كنا نيجي هنا سوا في إسكندرية مع تيته نبيلة ونعوم كتير أوي كانت بتحب الغطس، وكانت دايماً تاخدني معاها في أي تجربة جديدة تعملها ونضحك سوا ونلعب كتير أوي يا عمر، وتيته نبيلة كانت تقعد تضحك وهي بتتفرج علينا، كنا نقعد ونفضل نبني قصور من الرمل لحد ما الموج يجي ويهدها، عارف يا عمر كانت دايماً تقولي أنا نفسي أشوفك يوم فرحك يا بيلا وقتها هفضل أوصي عريسك عليكِ، لكن كانت بتتعب كتير بسبب بابا لأنه مكنش بيحبها كان بيحب عمتك كوثر علشان كدا رفضك بنفس الطريقة اللي جدك رفضه بيها لكن وقتها أمي دفعت التمن، تعرف كانت بتقولي إنها لو خرجت من علاقتها خسرانة قيراط فهي كسبت أربعة وعشرين قيراط إنها خلفتني، بس مكنتش تعرف إن بنتها هتتوجع هي كمان بسبب الحب، مكنتش تعرف إن بابا هيلينا ندوق من نفس الكأس، بس الفرق إنه عرف يكمل حياته ويتجوز ويخلف لكن أنا حياتي وقفت مكانها”
ابتسم عمر بندم وهو يضمها بحماية إليه ويتذكر قسوة الأيام التي مرت عليها قبله وأنه بغبائه تركها تعاني من كل هذا وحدها، وكان سيظل الاثنان في تلك الدوامة لولا معرفته بالحقيقة ليشعر بألم يهدد بسحق قلبه.
أدارها إليه يقبل عينيها ويزيل دموعها برفق:
- “حقك علي عيني يا بيلا حقك علي قلبي أنا، بس علشان خاطري والله العظيم ما قادر أتحمل دموعك، ربنا يقدرني وأعوضك عن كل الألم اللي شفتيه في حياتك”
حاوط عنقه بذراعيها قائلة بارتياح:
- “بس أنا دلوقتي فرحانة بجد يا عمر”
سألته بهدوء قائلة بابتسامة:
- “صحيح يا عمر أنت حسيت إمتى إنك بتحبني”
حاوط خصرها هامساً وقد أشعلت بداخله نيران العشق من جديد:
- “عارفة أول مرة لما شفتك في أوضتي وقتها انبهرت بجمالك الصراحة وقلت أكيد دي مش فلاحة لأن لبسك كان بسيط جداً لكن لما اتخانقتي مع عصمت وضربتيها وقتها فاكر الجملة اللي انتي قلتيها لي - “يعني هتكون مين ابن بارم ديله الكونت دي مونت كريستو، مكتشف الذرة وأنا مش عارفة هتكون مين يعني واحد من ملزقين عيلة الرشيدي””
لم تستطيع بيلا كبح ضحكتها الرنانة وهي تنظر له متذكرة تلك الليلة حيث أول لقاء بينهما ليكمل عمر بشغف وعشق:
- “بصراحة من اللحظة دي وأنتي سرقتي النوم من عيني وبعد ما كسرتي إزاز العربية وقتها شوفت بنت جميلة أوي وكاريزما خفيفة على الروح ومرح كأنها طفلة بتحب الحياة حقيقي كنت بحسك طفلة والغريب إني مش بلاقي راحتي إلا معاكي، بموت فيكي لما بتتكسفي، لدرجة إن أول ما كتبنا الكتاب كنت مش مصدق إنك أخيراً بقيتي ملكي لوحدي، لسه في بالي أول مرة قطفت الورد من خدودك. بموت في شقاوتك وهزارك ولسانك الطويل وبحب هدوئك وضحكتك أقولك أنا برضو مش برئ أوي كدا كان عندي علاقات كتير بس كنت بعتبره تسلية خروج من هم الشغل والصفقات وكمان مفيش التزامات بحاجة، كانت علاقات سهلة لكن في حرم أدبك وأخلاقك كان لازم أقع على بوزي، في الأول قلت هقابلك كم مرة لحد ما الهالة اللي حواليك تنطفي وأعرف أركز في شغلي وحياتي لكن من غير ما أحس لقيت نفسي واقع في المصيدة وكل لحظة بينا كانت بتزيد شوقي وعشقي ليك يا بيلا”
ابتسمت بسعادة قبل أن تطبع قبلة سريعة على شفتيه، كاد أن يقترب أكثر إلا أنها ابتسمت بخبث طفولي وهي تنهض بعيد عنه.
استقام مهرولاً خلفها وهو يضحك، ركض بقوة إليها وكانت هي تركض على رمال الشط حافية الأقدام بجمال وأناقة تليق بجميلة كهذه امرأة بروح مراهقة.
التقط عمر يدها في لحظة خاطفة فصرخت بيلا بفزع وهي تستدير له قائلة بمرح:
- “عمر… استنى بس هفهمك”
لما يمهلها فرصة لقول ما لديها بينما حملها بين ذراعيه متوجهاً نحو البحر وأمواجه الهائجة.
ملقياً إياها برفق لتشهق بفزع مغمغة بغضب:
- “مش عايزة أعوم دلوقتي حرام عليك”
ابتسم بخبث وهو يمسك يدها ساحباً إياها نحو الأعماق، مر وقت طويل وهي تسبح بمهارة أسفل المياه، ترى الأسماك والمخلوقات البحرية بينما مر الوقت بسرعة برفقته يبدو وكأن القلب عادت له روحه برفقك أيها الوسيم.
في صباح يوم جديد
استيقظت نور بكسل على صوت ذلك الكنبة المزعج، نهضت من فوق الفراش خرجت من الغرفة متجهة نحو المرحاض بعد أن أخذت ثياب أخرى لتبدلها.
انتهت من أداء فرضها، أحضرت طعام الفطار لأجل أشقائها ووالدها لكنها لم ترد إيقاظهم فالوقت مازال مبكراً واليوم هو السبت حيث لا مدرسة.
أخذت رغيف وضعت به أصابع البطاطس المقلية، زفرت بحنق وهي تأخذ قضمة كبيرة من السندوتش قبل أن تغادر المطبخ متجهها نحو غرفة أخيها.
نور بهمس:
- “سيف، سيف قوم”
استيقظ بإزعاج من أشعة الشمس قائلاً بهدوء:
- “آه يا نور”
ردت بجدية وحزم قائلة:
- “شوية وأبقى صحي بابا وعبده واقعدوا افطروا الأكل في المطبخ وابقى اسقي الصبار والنعناع اللي بره، واقعد ذاكر وذاكر لأخوك معك وبلاش تخليه ينزل يلعب بدل ما حد يضربه”
رد سيف بجدية قائلاً:
- “مين ده اللي يضرب أخويا ده أنا أوديه في داهية”
ردت نور بسرعة مغادرة الغرفة:
- “مش عايزة مشاكل يا سيف الله يرضا عليك مش ناقصة”
غادرت المنزل قائلة بصوت مسموع:
- “يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم”
كانت تمشي في جانب الطريق بحذر من الأيادي الطائشة حتى نادى عليها شخص ما.
نظرت خلفها نحو محل الجزاره حيث يقف ذلك الرجل الضخم أمام المحل يمسك بين يديه سكين حاد قائلاً بلهفة:
- “ست نورهان يا نورهان، خد ياض السكين دي واوزن للزبون اللي عندك”
اقترب منها ليقف أمامها يبرم شاربه بحركة مستفزة لنور قائلاً بمراوغة:
- “يا أرض احفظي ما عليكي، نورتي المنطقة والله من يوم ما رجعتي، هو حصل حاجة بينك وبين البيه جوز حضرتك”
غمغمت نور بحنق وهي تحدجه بضجر:
- “هو فيه إيه يا معلم سلطان هو أنت ليك فلوس عندي لا أنا بشتري منك اللحمة وبدفع حقها عايزة إيه انت بقى”
- “ننول الرضا يا جميل، ولا إحنا مش قد المقام والقلب مش بيميل إلا لولاد الذوات، مش طلقك برضه”
أخذت نفس عميق بغضب قائلة من بين أسنانها:
- “بقولك إيه يا معلم سلطان ست توحة لو عرفت إنك واقف معايا دلوقتي هتزعل وهتزعلك وأعتقد أنت مش قد زعلها، فانجز وقول عايز إيه مني علشان عندي شغل”
وضع يديه على بطنه وحركها قائلاً بخبث:
- “طالب إيدك يا نور انتي لسه صغيرة وزي القمر وحرام يضيع شبابك في الشغل والمرمطة دي انتي صغيرة عليها انتي عايزة اللي يسترك”
زمجرت نور قائلة من بين أسنانها:
- “عارف أنت لو مشيت من قدامي هعمل فيك إيه؟ قسماً برب محمد هصوت وألم عليك أمة لا إله إلا الله، وساعتها أبقى وريني هتعرف تقف قدامي كدا إزاي بالاذن يا معلم”
رد سلطان باستفزاز ولمعان عينيه بخبث وإعجاب:
- “هتعبر نفسي مسمعتش حاجة وهستنى ردك يا جميل..”
عضت على شفتيها بغيظ وغضب قبل أن تتركه وهي تسبه من شدة الغضب.
في قصر «العلايلي»
ركض باسل بقوة لداخل القصر بعد أن أتاه اتصال من زينة بأن والده فقد الوعي قبل وقت وحالته تسوء.
ابتسمت إحدى الخادمات بإعجاب وهي تراه يدلف لداخل القصر مهرولاً، يبدو في غاية الوسامة تلك الملامح الحادة قليلاً تزيد من وسامته الطاغية وعسلياه الضاريتان تلمعان بحدة وكأنه نمر ينتظر فريسته ليفترسها، هيئته الرياضية تأسر قلوب الكثيرات.
هو مثال للوسامة الطاغية والملامح الرجولية المميزة.
صعد الدرج بسرعة في أقل من دقيقة كان يقف أمام غرفة والده بينما رأى الطبيب يخرج من الغرفة والحزن جلياً على وجهه.
سأله باسل بلهفة قائلاً بحزم يليق به:
- “زيدان باشا كويس؟”
اخفض الطبيب رأسه بحزن قائلاً:
- “للأسف حالته بتسؤء ومش قابل إنه يروح المستشفى والأعراض اللي عنده أعراض الجلطة”
ضيق باسل ما بين حاجبيه بارتياب وحزن قائلاً بجدية:
- “يبقى ننقل كل الأجهزة للقصر وأي حاجة هيحتاجها في المستشفى توصل القصر”
رد الطبيب بهدوء قائلاً:
- “بس يا باسل بيه الموضوع هيكون صعب و…”
قاطعه باسل بحزم وصرامة متناهية:
- “مفيش بس أنت فاهم، كل الأجهزة تتنقل هنا قدام النهاردة لو مظبطتش كل ده، اعتبر إن المستشفى بتاعتك مقفولة ودا مش تحذير ده تهديد….”
ابتلع الطبيب ما بحلقه بارتجاف قائلاً بهدوء:
- “الأجهزة هتوصل النهاردة إن شاء الله”
وضع باسل يديه بجيب بنطاله قائلاً بشموخ وثقة:
- “للأسف معندكش حل غير ده، اتفضل شوف شغلك.”
أومأ له بجدية قبل أن يغادر القصر، في حين خرجت زينة من غرفة والدها وهي تبكي بحزن وصمت، لكن ما إن رأت باسل حتى ركضت نحوه محتضنة إياه.
ربت على ظهرها بحنان وحب، أخذت تغمغم ببعض الكلمات:
- “بابا تعبان أوي يا باسل، ارجوك ادخله هو عايزك هيرتاح لما يتكلم معاك علشان خاطري أنا وماما”
زفر بحرارة وحنق وهو يحلق في الفراغ لتقول بتضرع:
- “علشان خاطري يا باسل أرجوك”
مسح وجهه بيده قبل أن يومئ لها بالموافقة، ابتسمت بسعادة وهي تمسك يده تأخذه لداخل الغرفة.
وقف باسل في تلك الغرفة الشاسعة ينظر لوالده الراقد بإرهاق فوق الفراش مغمض العينين.
غادرت زينة الغرفة وهي تدعو الله أن ينهي ما بينهما من شجار.
ظل واقفاً مكانه لعدة لحظات ثم اقترب منه ليجلس على الكرسي بجوار الفراش.
شعر زيدان به ليفتح عينيه بلهفة قائلاً بحزن:
- “باسل”
كان يحاول النهوض إلا أنه توه بالم وهو يضع يديه على قلبه، شعر باسل بالذعر قائلاً:
- “خليك مرتاح، أنا جنبك”
لا يعرف كيف نطق لسانه بتلك الكلمات، ابتسم زيدان ومعالم الحسرة والندم تعتلي وجهه بوجوم وتعب:
- “حقك عليا يا باسل، أنا عارف إني آذيتك باللي عملته، وعارف إني مكنتش الأب المثالي ليك ولا لأختك ومش هبرر موقفي أنا غلطت في حقك انت ونيرة وزينة ولما حاولت أصلح اللي بينا اتسببت في جرح نور كمان، أنا بس كنت عارف إن هي دي اللي هتعرف تغيرك علشان كدا دخلتها حياتنا”
سعل بقوة في نهاية حديثه ليقوم باسل بجذب كوب المياه الموضوع على الكومود معطياً إياه لوالده، أخذه زيدان ليرتشف منه ببطء ثم وضعه جانباً ليقول بدموع وندم:
- “حقك عليا يا ابني والله العظيم حقكم عليا بس اديني فرصة وأنا هحاول أصلح اللي كسرته صدقني أنا محتاجك جنبي يا باسل”
اخفض باسل بصره لتأتي على باله بعض الآيات القرآنية التي حفظها منذ فترة قصيرة:
قوله تعالى [وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا]، [النساء:36].
وقوله سبحانه: «قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» [الأنعام:151].
وقوله جل شأنه: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ (البقرة: 83).
وقوله: «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا* وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا» (مريم: 30-32).
وقوله جل وعلا: «وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (العنكبوت).
وقوله تعالى: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا»، (نوح: 28).
حقاً إن الهدى هدى النفس فاستعن بالله يا فتى.
رد باسل بجدية حانية:
- “خلينا ننسى اللي فات أنا خالص معدتش فارق معايا كتير، أنت ليك حق عندي وربنا يقدرني وأديه وحقي عندك أنا مستعوضه عند ربنا، وبالنسبة لأمي فانت لازم تصافيها لأن حرام أوي اللي عملته فيها واللي هي استحملته عشاننا.”
ربت زيدان على كتفه قائلاً بضعف:
- “طب ونور”
ابتسم باسل ساخر ليجيب بخفوت:
- “نور ربنا يسعدها مع الشخص اللي يستاهلها، أنا خالص معدتش أفكر في موضوع الجواز ولا عندي طاقة لأي حاجة غير الشغل حالياً وغير إني أفهم نفسي.”
ربت على كتف والده بحنان قائلاً بجدية:
- “متقلقش على الشغل أنا هظبط كل حاجة وإن شاء الله هرجع الشركة تاني من النهارده”
غادر الغرفة دون أن يضيف حرف آخر.
بعد مرور أسبوع
في منزل عمر بالإسكندرية.
وقفت زينب على ذلك الكرسي الصغير لتصبح في مواجهة والدها تقوم بضبط الجرفتة هامسة بإعجاب وشغب:
- “البدلة شيك أوي عليك يا بابا حقيقي لو مكنتش أبويا كنت طلبت الطلاق من صالح وطلبتك للجواز”
ضحك عمر بصخب قائلاً بسعادة:
- “أبوكي طول عمره شياكة يا بنت، ألف مين تتمناني بس القلب بقى، ها مظبوطة كدا؟”
نزلت عن ذلك الكرسي قائلة بغمزة شقاوة:
- “زي القمر يا برنس خالي في علمك إنك هتتحسد لازم أرقيك من العين”
جذبها عمر نحوه مقبلاً قمة رأسها بسعادة:
- “تعرفي أنا مستني اليوم ده من امتى يا ملك ياااه من أكتر من اتنين وعشرين سنة من أول مرة عيني وقعت عليها وقتها أخدت قلبي وسرقتني من نفسي”
ابتسمت زينب بسعادة وحماس قائلة:
- “خالص و أهو جه اليوم اللي بتتمناه المهم أوعي أوعي تحاول تزعلها يا بابا أنا بقولك أهوه آه بنتنا لو زعلت هيكون فيها كلام كبير”
- “والله” غمزة له بحب قائلة: “والله”
بعد مرور نصف ساعة
تدق الطبول وتُعزف الزمامير على أوتار الحبيب الواقف في آخر الدرج ينتظر العروس وعيناه تتوهج بالفرح والحب وهو يراها تنزل برفقة ابنتها وزوجها تتأبط ذراعه بخجل من الموقف، والسعادة تطل من بنيتها الكحيلة البراقة بالحب، كل خطوة تخطوها على الدرج بتمهل يخفق قلبه شوقاً معها وكأنها تسير على حافة قلبه العاشق.
وصوت الزفة يكمل جمال المشهد وتأثيره عليهما مع الزغاريد الغالية المنطلقة حولهما من الأحبة حيث يقف شاركهم الكثيرون.
(حبيبة ونور وإيمان وحياء وزينب ومريم وكذلك صفاء نساء المنطقة المقربين من حياء جاء الكثيرون ليشاركوها تلك الفرحة).
كانت جميلة اليوم أكثر من أي يوم مضى جمالها راقي بريء كثوبها الأبيض وحجابها الناصع وآه من طلتها بالابيض عليه فقد خطفت قلبه أكثر من السابق وأعجزت حواسه فظل واقفاً مكانه متسمراً ضائعاً في جمالها يتأملها من أول زينة وجهها الرقيقة مع لفة الحجاب الرائعة الذي يراه به لأول مرة.
حتى أطراف تنورة ثوبها المميز والذي يليق بمعذبة قلبه ومعشوقته.
إنها هي الحب ولن يكن الحب دونها حباً!
رفعت بيلا عينيها عليه وخفق قلبها بجنون وهي تراه يقف عند آخر درجات السلم ينتظرها بحلة العرس الأنيقة والتي ازداد بها وسامة كنجوم السينما وكيف لا وهو يملك من الوسامة ما تجعل قلبها يخفق بضراوة.
وكانها صممت خصيصاً له حتى يتمكن من خطف قلبها أكثر من السابق.
انتبهت للبسمة الجذابة على محياه وتوهج عيناه بالحب والسعادة وقد لاحظت باقة الورد الحمراء الصغيرة الذي يحملها بين يديه منتظر قدومها حتى تأخذها منه.
لا تعرف لماذا ترقرقت الدموع بعينيها لكنها شعرت أن السعادة في قلبها كانت أكبر وأجمل مما تحتمل.
لذا تجمعت في مقلتيها دموع السعادة والشكر لله على تلك النهاية الرائعة فقد جمعها في نهاية بالحلال بمن تحب بعد سنوات عجاف من البعد سنوات تألمت في بُعده.
تأثر الجميع بهذا المشهد وخصوصاً ملك التي تقدمت منها كذلك وظلت في أحضانها لفترة، ابتسمت زينب بسعادة وهي تقبل وجنة بيلا قائلة بسعادة:
- “ألف مليون مبروك يا ماما”
شعرت بيلا بالنفور من ذلك الزفاف رغم سعادتها لكن تشعر وكأن الموقف سخيف.
تقدم عمرو منها وأخيراً أتى الدور عليه لمباركة زوجته فقدم لها باقة الورد بصمت فاخذتها منه بخجل وتوتر، لتجده يقترب منها ويطبع قبلة على جبهتها طويلة حسية عميقة المعاني جعلتها تغمض عينيها ويخفق قلبها بجنون مع لذة اللحظة.
لتجده يبتعد عنها ناظراً لعينيها البنية يأسرها فتركت لعينيها حرية تأمله أكثر من أي يوماً مضى.
فكان وسيماً لدرجة ضاعت في نظره للحظة حتى أن خصلاته البيضاء زادت من وسامته وها قد جاء اليوم الذي تمنت لسنوات.
لتجده يهمس بصوتٍ أجش.
- “مبروك يا بيلا” ثم مال عليها هامساً بصوت لم يسمعه أحد سواها قائلاً برجاء:
- “افرحي يا بيلا علشان خاطري وانسى الماضي وأوعي كلام الناس يأثر فيك لأن محدش فيهم عاش في المرار اللي احنا دوقناه يبقى مش من حقهم ينكدوا علينا في الليلة اللي بنفرح فيها”
ابتسمت بيلا وضاعت نظراتها الهائمة به أكثر لتجده في اللحظة التالية يعتقل خصرها بين يديه بحب لتلف كفها حول ساعده.
صفق الجميع لهما وصاح صالح وأصدقاؤه الشباب بتشجيع لهيباً.
بينما أطلق ثائر صفير عالٍ وهو يصفق لهما وكذلك علي الذي يقف جواره يتألق ببذلته سوداء أنيقة.
اتجهت بيلا معه نحو السيارة إلى القاعة المقام بها حفل الزفاف ليبدأ الاحتفال.
في القاعة
جلست بيلا بجوار عمر بسعادة وها قد أتى ذلك اليوم الذي تمنته منذ دهر طويل.
على إحدى الطاولات التي يجتمع عليها الشباب.
نظر صالح لعلي ويوسف قائلاً:
- “لا يا شباب مش هينفع كدا خالص عايزين نولع الليلة دي حمايا برضو”
رد يوسف بغمزة شقاوة وسعادة:
- “يبقى لازم نعمل معاهم الواجب ولا إيه يا علي”
وافقه علي ليتجه نحو مهندس الصوت ليهمس له ببعض الكلمات.
بعد لحظات.
وقف صالح في منتصف القاعة وجواره من الناحية اليمنى يوسف ومن الجهة الأخرى يقف علي.
اقتربت الفتيات من الشبان الثلاثة.
صدحت الأغنية الصاخبة حولهم بدأ الغناء والرقص.
(حلوة وبتحلي أي مكان وتنوره
والله ما تلاقوا زيها لفوا الدنيا ودوروا
وادى جمالها معدي واللى يشوفه بيقدره
والله ما تلاقوا زيها
زيها مين بتهزروا……..)
مسك عمر كف بيلا متجهاً نحو الشباب وكذلك جلال الذي صعد للتو برفقة حياء.
أصدرها عمر عدة مرات وهو يغني مع الأغنية بسعادة.
بينما ساد جو من المرح بين الشباب وكذلك عمر لينظر له صالح ثم غمز لها بحب رغم حنقه منه بعض الأوقات ليرد له عمر بابتسامة ليردد صالح الأغنية وهو ينظر لزينب.
“تؤمر تتأمر ما هي دي اللي عليها من مرة
طبعاً حقها تدلع، تتدلع قوى، تتمنع…..”
مسك صالح كف زينب ورقص معها وهو يشارك في الغناء بمرح ليغمز لها قائلاً:
(قصاد الغمزة إحنا تلامذة، قصاد المشية إحنا الحاشية
ودى السلطانة وتتسلطن، نغنى معاها ونتسلطن
قصاد الغمزة إحنا تلامذه، قصاد المشية إحنا الحاشية
ودى السلطانة وتتسلطن نغنى معاها
ليل يا عين يا ليل يا عين يا ليل
عين يا ليل يا عين يا ليل يا عين)
مسك جلال كفي حياء ونظر لعينيها وهو يردد مع الأغنية بشقاوة وهي تموت خجلاً وسعادة من جمال اللحظة بين يديه وتمنت كثيراً أن يقف عمرها هنا ولو قليلاً ولا تنتهي أجمل اللحظات بينهما ليهمس قائلاً بعشق:
(الورد إتنقى بالواحدة عشان خدها
يا جماعة مش ممكن لأهدى لا قبلها ولا بعدها
مبتدلعش ما هي دلوعة لوحدها
الرقة يا ناس رباني
رباني يا ناس بُعدها)
بأخر جملة ضحكت حياء بقوة وهو أخذ باله من الجملة فغمز لها سراً.
وجواره ردد يوسف باقي الأغنية أمام عينا إيمان والتي كانت تهتف بتناغم وسعادة مع أوتار الموسيقى ليصيح بجنون وهو يرفع يديه.
“أنا مش هتكلم أنا رافع إيدي مسلم
للقد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم
ده أنا مش هتكلم أنا رافع إيدي مسلم
للقد يا ناس يتدرس منه الغزلان تتعلم……”
تبادلا الشباب الرقص فاصبحت بيلا وزينب ومريم وصفاء والفتيات مع بعضهن.
والشباب في الجزئية الأخرى وصياح الشباب كان أعلى وهما يرددون الباقي من الأغنية بحماس وسعادة.
“قصاد الغمزة إحنا تلامذة، قصاد المشية إحنا الحاشية
ودى السلطانة وتتسلطن نغنى معاها ونتسلطن
قصاد الغمزة إحنا تلامذه، قصاد المشية إحنا الحاشية
ودى السلطانة وتتسلطن نغنى معاها
ليل يا عين ياليل يا عين يا ليل
عين يا ليل يا عين يا ليل يا عين”
أقترب عمر من بيلا محتصناً وجهها بين يديه قائلاً بسعادة:
- “بحبكك….”
ابتسمت بسعادة تنظر للجميع حولها وكم السعادة التي تحيط بها وكل شاب يمسك بيد حبيبه ويرقص على أوتار الموسيقى بتآلف وتناغم.
ردت بيلا بسعادة وخجل:
- “وأنا بموت فيك يا عمر، بس الشباب قاموا بالواجب حقيقي مكنتش متخيلة إنه هيكون بالجمال ده”
أقترب صالح منها قائلاً بسعادة وحب:
- “لسه الليلة في أولها يا بيلا يا قمر انتي ليه الجمال ده يا قمر”
طبع قبلة على جبين بيلا ليصيح عمر بغضب:
- “بتعمل إيه يالا أنت اتهبلت”
ابتسم صالح بخبث واستفزاز وهو يقبل رأس بيلا بحماس:
- “إيه هو حلال ليك تبوس مراتي وأنا لأ يا حمايا العزيز ولا إيه، تعرفي يا بيلا انتي النهاردة بجد أجمل واحدة شافتها عيوني إيه الجمال ده”
كاد عمر أن ينفجر من الغيظ والغيرة لتقهقه بيلا بحماس قائلة:
- “والله انتي اللي قمر يا صالح لو كنت أكبر شوية ومش جوز بنتي أكيد كنت هتجوزك فوراً يا أبو عيون خضراء يا قمر أنت”
زمجر عمر بغيرة قائلاً:
- “طب ما أجيب لكم اتنين لمون وأمشي أنا”
قهقه صالح وهو يهز كتفه بسعادة تناغم مع الموسيقى ليتجه نحو زينب تاركاً العروسان.
كانت نور تجلس على الطاولة تنظر لهم بحزن تمنت لو تراه الآن وتصرخ به بل واحتضنه وتخبره أنها تفتقده منذ أن تركها وكسر قلبها رغم أنها أخبرته أنها ترغب بالبقاء معه لكن لم يبالي بذلك وتركها.
أخيراً رفعت عينيها البنية لتقع عينيها على عسليته المهلكة وهو يدلف لداخل القاعة.
وكان هو في غاية الأناقة ببذلة كلاسيكية بعصرية رفيعة باللون الكحلي، كانت رائعة عليه وكأنها صممت إليه خصيصاً.
وقد صفف شعره الأشقر الغزير للخلف فأصبح جذاب بدرجة مهلكة.
مما جعلها تخفض عينيها بارتجاف بينما تتعالى دقات قلبها.
بلعت غصة الانكسار في حلقها وهي تشعر بتجمد أطرافها.
دلف باسل إلى داخل القاعة بخطوات شامخة يبدو في غاية الوسامة، أدار عسليته في القاعة وكأنه يبحث عنها لا يعلم لما يفعل ذلك لكن قاده قلبه إلى البحث عنها، ليجدها تجلس على إحدى الطاولات وحدها تتألق في ثوبها الأزرق الطويل وحجابها الأسود الذي يبرز بشرتها البيضاء الجميلة، اختطف عدة لحظات وهو يتمعن النظر إليها باشتياق أخترق قلبه الملتاع لها.
كانت الصحافة هنا وهناك تقوم بتصوير كل اللحظات في ذلك الحفل الأسطوري الذي يجتمع به أشهر رجل أعمال وأشهر الشخصيات المعروفة بمدينة الإسكندرية.
تشنج وجه باسل بحزم وشدة وهو يرى ذلك الشاب يقترب من طاولة نور مبتسماً يمد يده نحوه قائلاً بلهفة:
- “تسمح لي بالرقصة دي يا هانم”
رفعت نور عينيها تنظر حوله لتشعر بأنه مألوف بالنسبة لها، وجهت نظرها لذلك الواقف مكانه وعيناه تبعث الشرر، والبخار يتصاعد من أذنيه من شدة الغضب وكأنه ينتظر ردة فعلها.
ابتسمت برقة مغيظة له لتضع يديها بيد ذلك الشاب، ليتجه نحو المنصة بجوار الشباب يرقص معها برقة وتناغم على تلك الموسيقى لتسأله نور بهدوء:
- “هو إحنا اتقابلنا قبل كدا؟”
رد الشاب بتوتر قائلاً:
- “هو أنا كنت شغال مع باسل بيه وشفتك كذا مرة معاه فيمكن تكوني عرفاني اسمي عيسى”
أومأت له بلا مبالاة وعينيها تسترق النظر لذلك الوسيم الذي اقترب من المنصة برفقته امرأة أنيقة مثيرة!
جزت على أسنانها من شدة الغضب قائلة بهمس:
- “جوز الأربعة قليل الأدب، السافل”
صعد باسل المنصة مباركاً لعمر ثم نظر لتلك المرأة وأخذ يراقصها بجوار نور وهو يسترق السمع لما تحدثه الشاب به.
بينما كان عيسى يتحدث لنور التي حاولت التركيز قدر المستطاع إلا أن رائحة عطر ذلك الوسيم داهمت أنفها لتجعلها تشعر بالضياع.
إلا عندما سألها عيسى بخبث قائلاً:
- “نور أنا عارف إنك انفصلت عن جوزك والصراحة عارف إن الموضوع هيكون مفاجئ ليك بس أنا حابب آخد رقم والدك وصدقيني يا نور أنا عارف إنك اتأذيتي منه بس اديني فرصة أعوضك”
ابتسمت دون وعي ليجن جنون ذلك الأشقر معذب قلبها ليصرخ بغضب وهو يدفع الفتاة بعيداً عنه ثم توجه نحو عيسى ممسكاً به من تلابيب قميصه قائلاً بعيون سوداء من الغيرة:
- “وعايز رقم أبوها ليه إن شاء الله يا روح أمك”
ابتلع عيسى ما بحلقه قائلاً بتوتر:
- “كنت هطلب إيديها للجواز والله على سنة الله و…”
لم يكمل جملته بينما صرخ باسل بغضب:
- “عايز تجوز مراتي يابن ال***…..”
عاجله باسل بلكمة قوية أسفل فكه على أثرها تراجع عيسى للخلف وهو ينظر إليه بوحشية تكاد تفتك به، لكمه باسل مجدداً أسفل عينيه وهو يصرخ به بقوة.
- “هتعوضها ها، كل الرجالة أغبية وأنت الذكي بروح أمك”
ركله باسل في بطنه وهو يقول:
- “كل الرجالة أغبية وأنت الذكي اللي فينا… فين النخوة والمروءة وأنت حاطت عينك على واحدة متجوزة وبتحب جوزها يا غبي…”
دافع عيسى عن نفسه ولكم باسل في صدغه.
وهو يقول بقرف:
- “إيه مبتعرفش تكلم غير بإيدك معندكش لسان…”
تحسس عيسى فكه بيده بغضب وقذف الدماء من فمه وهو يناظر باسل بغضب ثم سأله ببرود:
- “أفهم من كده إنكم متجوزين إزاي وانت طلقتها…..”
استشاط باسل غضباً من حديثه الفاتر معه بعد كل هذا الضرب، بل ويسأله وكأنه صديقه أو من أفراد العائلة، شهق باسل بازدراء:
- “أنت مال أهلك يالا واحد ومراته حصل بينهم مشكلة فجأة كدا تطلعهم أطلقوا”
رواية اطفت شعلة تمردها الفصل الأربعون 40 - بقلم دعاء احمد
كانت نور تصرخ به بغضب و كره من تقلباته المزاجية، هل يعتقد انها لعبة بيديها يحركها كما يشاء.
ردت معنفه اياه بغضب مشعله نيران الغيرة بداخله :
-أنا مش مرات حد انت فاهم يا باسل بيه، انت طلقتني خالص فركش خلصت الحكاية اللي حضرتك رسمتها، ايه عايز ايه تاني؟
و بعدين انت مالك اتجوز و أحب أن شاله حتى اصاحب….
لم تكمل جملتها لتجده يقترب منها بعيونه الحادة و الحمراء من شدة الغضب.
ابتلعت ما بحلقها بارتباك
شاعرة بتيار كهرباء يسير بجسدها لكن لا مجال للخوف منه،
هو من اذاها فعليه تحمل نتائج أفعاله، تركها بدون أي مبرر أو ذنب…
حملها سريعا على كتفه كشوال الارز.
صرخت نور بصدمة و هي تركل بطنه بقدميها بينما
هو يخرج من الحفل غير مبالي بنظرات الضيوف له:
-انت اتجننت نزلني يا باسل بقولك نزلني”
صرخت عليه بجنون وهي تحاول النزول عن كتفه الصلب
-أنا مش مراتك فاهم… لو عملت أيه ما أنا رجعالك… نزلني يا حيوان”
جز على أسنانه من شدة الغضب مزمجرا بحدة:
-هنشوفي يا حرمي المصون…..
قالها هازئا واثقاً و هو يخرج من القاعة باكملها متجها نحو سيارته المصفوفة في الجراچ.
ألقاها بسيارته في المقعد الخلفي سريعاً أمام أعين بعض الأشخاص المتابعين للموقف.
كانت ستصرخ به مرة أخرى الا انه كمم فمها بيديه و هو يرمقها بعسليتها الضاريتان:
-قسما بالله لو سمعت صوتك لاكون جايب أجلك انتي فاهمة مش عايز عبط على المساء،
و بعدين في حد يتكلم مع جوزه كدا برضو يا شبح.1
-شبح لما يلهفك”
ردت بتلك الكلمة بداخلها و هي تنظر له عن قرب بعيون تلمع بالشراسة و الغضب
قضمت يديه باسنانها الحادة فطبعت أسنانها علامات حمراء على يده، كبح باسل التاوه سريعا و هو يبعد يده عن فمها.
نظر لها بشر في لحظة تهور رفع يديه و كاد ان يصفعها لكنه توقف حينما رآها تنكمش على نفسها، تغمض عينيها بخوف.
منتظره شي يقسى قلبها عليه أكثر.
انزل يده المرفوعه وقبض عليها بقوة وهو يلقي عليها نظرة معاتبه غاضبه ثم جذب بعدها حزام الامان وربطه جيداً بها بقوة… حرصاً على الا
تفتعل جنوناً اثناء قيادته……
خرج من السيارة صافق الباب خلفه بقوة بينما
سار بعدها خطٍ من الالم منتشر بجسدها ولم تلبث
إلا واغمضت عينيها مستسلمة للواقع المرير
معه والحروب التي ستقام بينهما من الان
فصاعداً………حتى يتنازل احدهم ويترك
للآخر حرية الهرب منه…….
دخل السيارة واحتل مقعد القيادة…أدار محرك
السيارة وهو يلقي عليها نظرة محتنقة….
بينما هي ساكنة بالخلف تغمض عينيها هرباً من نظراته………
اثناء قيادته والصمت الأسود بينهما
لاح بعقله وجهها المضطرب و الخائف منه.
بعد مدة قصيرة
وصل باسل الي تلك الفيلا الصغيرة بعيدة عن قصر العلايلي.
بلعت غصة حادة كشفرة مسننة
وهي تراه يخرج من السيارة ويفتح الباب جوارها
ثم اشار لها بمنتهى الهدوء وعيناه تحذرها إلا تفتعل جنوناً…
-انزلي يا نور…….
كتفت ذراعيها امام صدرها ونظرت امامها بغضب و شراسة
-انا عايزة أروح………
رد وهو يستند على سقف السيارة ببرود
-مفيش مرواح، انتي هتقعدي في المكان اللي انا عايزة……
ردت نور بتمرد وهي تنظر اليه بقوة
-ليه أن شاء الله، تكونش اشترتني و انا معرفش…….
اجابها بنبرة صادقة و هو يتمعن النظر لبنيتيها…..
– آآه اشتريتك يا نور بس بقلبك اللي كل ما أقرب منه احس بأنه بيدق علشان انا.
قالت بعينين نافرتين نحوه :
انت فاكرني لعبة عندك يا باسل بيه، طب انت عملت ايه لما حسيت بقلبي بيدق علشانك، بكل بساطة قلتها انتي طالق و كأني مش بني ادمه اول ما تحصل مشكلة تكسر قلبها و تيجي عليه بالجزمة، انت غبي يا باسل غبي اوي و بعدين انت طلقتني……..”
هدر بانفعال بعد تلك النظرة المعاتبه منها وهو يميل براسه عليها….
-مفيش طلاق سامعه و لو هنيجي لحكم الدين فاحنا لسه في شهور العدة
و لو قلتي ملمستكيش فمفيش عدة هقولك احنا قعدنا مع بعض وقت طويل
حتي لو جوازنا على الورق فأنا و انتي كسرنا حدود كتير اوي شفتك مثالا بشعرك و فساتين قصيرة و اخدت في حضني و انتي نايمة و بوستك …. العلماء اختلفوا على موضوع العدة
بس دا لو انتي مكنتش دخلتي بيتي و عشنا شهور مع بعض في نفس المكان و شاركنا بعض نفس الأوضة
فكي الزفت ده وطلعي يا نور …
حاولت جذب الحزام ولكنها فشلت في خلعه
فسبت بغيظ وهي تصيح
-تعالى فك الزفت اللي ربطني بي ده… ولا كانك رابط جاموسة جاتكم قرف صنف مالوش امان …….
حذرها باسل ببرود….
“لمي لسانك يا نور وتعدلي……”
صاحت بتشنج من الخضوع اليه….
“احنا جايين هنا ليه انا عايزه اروح روحني…….
مالى عليها وفك حزام الامان وهو بالقرب منها انفاسه تضرب وجنتيها وتوصل الرجفة لجسدها وقلبها الابله الذي يخفق بالقرب منه بجنون
كان قريب منها جداً يكاد يلامس شفتيها بشفتيه ان رفع راسه قليلاً
فقد كان منحني امامها يحل الحزام الذي يابى بعناد تحريرها مثل
شخصٍ ينحني امامها الان وعطرة الرجولي يداهم انفها بقوة واصابعه تلامس جانبها بين الحين والاخر وهو يحاول حل الحزام……دققت النظر
لراسه المنحني وجانب وجهه الرجولي المتشرب من اشاعة الشمس……وخصلات شعره المائلة
للاشقر قليلاً التي تلمع كذهب بجاذبية فاتنة مع اشعة الشمس…..
تنفست باضطراب وهي تشعر بالحزام ينساب عن كتفيها و راسه ترتفع اليها لتكتمل الصورة بشكلا
مهلك
ورغم الغضب تتدفق مشاعر اساسها
عاطفي راقي كحبهما تماماً………
تبدلا ذكرى عن أشياء كانت بمثابة الحلم الجميل وقد انتهت بكابوس خذلان وكلاً منهما له وجهة معينة….
بلعت ريقها وهي تقول بحنق
-هتفضل تبصلي كده كتير وسع عشان انزل…….
تافف امام وجهها بغيظ يكبت تلك المشاعر التي انكشفت عن الستار بنظرة واحده لعينيها…….ابتعد عنها وانتصب واقفاً منتظراً اياها بصمت
كانت تسير بشرود و بداخلها ينفجر الغضب و يتصاعد لتجده يتحدث :
-تعرفي اني حفظت سور كتير في القرآن في الفترة الأخيرة…
ردت نور بشرود :
-مبروك بس انا عايزه امشي يا باسل لو سمحت، أنا و انت اطلقنا ياريت تفهم دا.
رد بعصبية و غطرسة:
-و الله مش انتي اللي تقرري هنا
-ليه لازم انت اللي تكون متحكم في العلاقة
-أنا مقصدش كدا على فكرة، أنا أقصد ان انا غلطت بس انا كنت ضايع يا نور، القرار لو هناخده يبقى بينا مش انتي لوحدك اللي تقرري
رفعت حاجبيها قائلا بخشونة و غضب
-طب معملتش كدا ليه يا باسل بيه، و لا انت عجبتك اللعبة اللي انت عمال تكسر فيها، أنا قلتلك اني عايزه اكمل معاك و مش فارق معايا حاجة، عملت انتي ايه بقى كسرتني و بمنتهى السهولة طلقتني، دا معناه اني مستحيل اثق فيك يا باسل مستحيل
-بس انتي بتحبيني…
اخذت نفس عميق قائلة بهدوء:
-جايز بس انا خالص مش عايزه اكمل مع بطريقتك دي انا ليا حياتي و عايزاها تمشي و تعدي بدون وجع و لا كسرة قلب…
لتتابع امام عينيه الحادة بنفور……
-ويترى خلصت كده ولا لسه في مصيبة جديدة حضرتك محضرهالي، ها في حاجة. جديدة مرتبها علشان تبوظلي حياتي اكتر ما هي متنيلة. ”
رد باسل باستهجان
-الحاجة الوحيدة اللي رتبت ليها اني أبعد……وشوف حياتي بعيد عنك، كنت عايزك تدوري على حياتك مع حد يقدر يسعدك.
قربت وجهها منه بجرأة، ثم قالت بتشفي وثقة لم تتغذى إلا على افعاله وحبه لها….
-وعرفت تشوفها يا باسل بص على نفسك…انت معايا هنا و كل ما هحاول تبعد هتلقي نفسك بتقرب، انا بجري في دمك يا باسل لان القط مبيحبش الا خناقة، فضلت تبعد و انت عايز تقرب و مجرد ما حسيت ان في حد تاني عايزني قلت لا مستحيل…
لأنك مش هتقدر تنساني باي واحدة من اللي كانوا في حياتك ……”
شعر بالغيظ منها فاخذ يقترب منها حتى دفعها لاقرب حائط وهو امامها يحجزها بجسده الضخم…. مسك وجهها بين يداه بقوة وهو يقول بجنون من بين انفاسه
اللهثة وجعاً
وامام عينيها الجميلة خضع قلبه عند بابها،
كيف حدث كل هذا و هو من تمرد على اجمل الجميلات!
كيف حدث وهو كان دائما المتحكم لماذا لا تخضع له مثل الباقية!
لما لا تكف عن عنادها أمامها و مع ذلك تجعله يريد الاقتراب اكثر
-فعلاً مش هنساكي عشان…. بحبك… ”
خفق قلبها سريعاً وتوسعت عينيها بدهشة وهي تراه
ينظر لشفتيها بجوع ثم لعينيها بشوق…شعرت بانفاسه الساخنة تلفح صفحة وجهها الشاحبة….
اغمضت عينيها وهي تشعر باضطراب
في كل حواسها بقربه….
وقبل ان تصل شفتيه للفاكهة المحرمة وجدها تفتح عينيها بشراسة متذكره أفعاله لتقوم بدفعه بقوة
و الصراخ به؛
-كداب و اناني مفيش حد يحب و يبقي عايز ياذي اللي بيحبه، انت اذتني يا باسل فاهم اذتني….
انسابت دموعها و هي تصرخ به بغضب
– انت فاكر نفسك مين علشان تجرحني و اسامحك حتى لو كنت بحبك…
كانت كلمة قالتها دون ادراك، مجرد كلمة أحيت قلبه لينبض بقوة
لكن قبل أن يتحدث تركته مهروله لداخل تلك الفيلا لأنها على يقين انها ان حاولت الخروج سيمنعها الحرس
__________________________
اخذ باسل نفساً عميقا كاد ان يقتلع أزرار قميصه الأبيض سحب ربطة العنق باهمال فاصبحت متدليه
من الجاهتين
ثم فتح اول ارزاز من القميص وهو يشعر بالاختناق رغم انه تخلص قبلها من سترة
الحلة والقاها جانبه…..
شعور يتفاقم بداخله الاختناق عدم الراحة…عدم السعادة عدم التكيف مع أمرا اختاره بكامل أرادته، عدم التكيف بدونها، عدم البعد عنها…..العجز في هجرها ونسيان ما مضى بينهما منذ اول لقاء بينهما، كل شيءٍ يخنقه
يشعر
بان صدره يضيق به لدرجة تجعل سحب النفس مجهود كبير بنسبة له…..تمتم ساخراً….
_مش هسيبك يا نور يمكن لان القط ميحبش الا خناقه
دلف لداخل الفيلا ثم صعد الدرج ليجد نور إحدى الغرف مضاء ليعلم انها بالداخل
بعد ان اطرق الباب انتظر فتحه على احر من الجمر وحينما طلت البهيه وقف عقله للحظات عن العمل وعيناه سافرت على ملامحها الشاجنة الباكية
سافرت على هيئتها و عيونها الحمراء الباكيه وكانت تلتف بشالها الاسود كي تخفي نصف ذراعها المكشوف من بلوزة المنامة
كان شعرها الغجري منساب حول وجهها بجاذبية حتى بعد أن وضعت عليه حجابها الا انها اخذ حريته.
لطالما كان شعرها المتموج شيءٍ يسحره بعد لؤلؤة عينيها الداكنتان
بلعت نور ريقها بصعوبة وهي تتفقد هيئته الفوضوية الغير مرتبه وكانه عاد منهزم من أحد الحروب !…..
فكانت نظراته جامعة بين الحدة والحزن والانكسار………
ظلت النظرات متبادلة بينهما للحظات وكلا منهم
يناظر الاخر بتراقب وتامل لتفاصيله وكل مابها
وكانهما يتعرفا على بعضهما من جديد
شيءٍ جعلها تسأله بتردد وهي ترمش برموشها المبلله عدت مرات….
-في اي تاني يا باسل، اي اللي جابك هنا مش خلص خلاص الكلام….
-تجوزيني…….
تلك الكلمة الوحيدة التي تفوه بها في وقفته الشامخة وعيناه الحادة الضارية
كلمة اخذت وقتاً لان تفسر معانيها وكانها تركت عقلها على الوسادة وفتحت الباب بدونه ؟!
اعادا الكلمة بنفاذ صبر وعيون متوحشة النظرات….
وكانه سيفتك بها ان ظلت على صمتها هذا……..
-تجوزيني يا نور……..
اشتدت عينيها وهي تصيح بغييظ
-اتجوزك، انت اتجننت يا باسل، طلقتني و جاي تطلب ايدي انتي مجن……….
اخرسها بخفوت خطر
-وطي صوتك وتعدلي وانت بتكلميني متنسيش انا اسمي باسل العلايلي، انا بطلبك للجواز دلوقتي ردك إيه…..
-لا طبعاً مش عايزة اتجوز…..
كانت ستغلق الباب في وجهه لكنه سحب يدها بقوة لتكن خارج الغرفة ينغلق الباب قليلاً لتجد ان المكان اظلم ولم يكن هناك إلا ضوء متسلل بسيط من فتحت باب الغرفة المضاءه
توسعت عينيها وهي تراه يحجز وجهها
بيداه ثم يميل على شفتيها في قبله افقدتها ثوابها
كانت تقاومه بغضب و حنق
سحبها لصدره شاعر بخفقات قلبها القويه فوق صدره
لكن قلبها خان عهدها وسلم حصونه الى حبيب تركها في لحظة ثم عاد نادما. ”
ابعد باسل عنها همس بالقرب من
وجهها ويداه تحيط خصرها معانق اياها بحب وشوق
-انا بحبك يا نور بحبك وعايز اتجوزك بس المره دي بارادتك و حبك ليا، خلينا نبدأ صفحة جديده….
ضربته في صدره بغيظ وهي تحاول إلا تبكي…
-و ترجع توجعني تاني و تتجوز تاني و تالت عليا لا تاني و تالت ايه إذا كان انا الرابعة ”
حجز وجهها بيده وهزه برفق قائلاً ببحة
عميقة أرجفت اصولها…….
-هشش كفايه معافرة يا نور انسي اللي فات
انا عايزك، عايزك تكوني مراتي على سنة
الله ورسوله وتنسى اي حاجه فاتت التلاتة اللي اتجوزته صدقيني مفيش واحدة قدرت تهز فيا شعره يا نور…”
مسحت عينيها وهي تقول بتهكم…..
“يسلام….. وانا ايه اللي يضمنلي..”
عقد حاجبيه قائلاً بخشونة…..
-كلمتي… اظن دي ضمان يا نور، أنا لو كنت بستغلك و راجع علشان حاجه كدا و لا كدا كنت زماني اخدتها من زمان و بارادتك”
تنهد بثقل وعبث وجهه قليلاً وقال امام عينيها الجميلة…
“اما فكرة الجواز تاني دي …….فا متشغليش بالك لان انا توبت عن الصنف كله من وقت ما شوفتك
و طالما انا عايزك وانتي عايزاني يبقا الباقي كله سهل…..
نظر لعينيها واضاف بحب وندم….
-انا مش هسيبك تاني يا نور، انا عايزك عايز اتجوزك، وكمل معاكي خلينا ننسى اللي فات….
سألها وهو يرى الدموع تجري على وجنتيها….
-قولت اي ياشبح تجوزيني بذوق.ولا
بالعافية احسن…..
قالت بحزن وعتاب…
-مفيش فايدة فيك يا باسل …
فسحبها هو لاحضانه بقوة وهو يمرر يده على
شعرها بحنان محاول الاعتذار لها عن قراره الغبي و المتهور في البعد عنها
الامر صعب وهي تعلم ذلك
لذلك رضخ قلبها إليه ولم يكسر خاطره…حينما عاد معتذراً لها…… ضربته في صدره وبكت في احضانه وهي تقول بوجع
-بكرهك بكرهك…….
ضمها اكثر مبتسماً بعمق شاعر بطيف دافئ من السعادة أخيراً يتخلل جسده الصلب البارد…..
-وانا بعشقك بعشقك يا نور…….
ماذا عليها ان تفعل بداخلها شيءٍ يود الافصاح عنه
يود الراحة والسلام من حرب لم تؤذي الا كلاهما وللعجب كلاً منهم كان يؤذي نفسه فقط……
ضمها اكثر لصدره شاعر بجسدها اللين اكثر بين ذراعيه……اغمضت عينيها مستمتعه بهذا العناق
وكان عقارب الساعة توقفت عند تلك اللحظة…
بعد لحظات سمعت إحدى يقترب و ينادي عليه من الأسفل و يبدو و كأنه حارس
ابتعدت عنه سريعاً هامسة بقلق…
-في حد بينادي عليك……..
عادت الحياة لوجهه وهو يشاكسها بحلاوة….
-ومالك خايفه كدا ليه احنا في حكم المتجوزين.. بس علشان انا بفهم في الأصول هستنا لبكرا و اخدك لحد بيتك و نكتب الكتاب من تاني
رفعت شفتها للاعلى مستنكرة ثم وضعت
يدها بخصرها مدعيه الدهشة…..
-أصول …اشك…… و بعدين كتب كتاب ايه اللي بكرا انت اتجننت
رد ببساطة ومشاكسه
-لا يا شبح لازم تثق فيا…….
و الفرح بعد يومين، وعليا طلاق بتلاته ما راجع في كلامي يا نور و المرة دي هنعمل فرح كبير انتي فاهمه……
رفعت حاجبها بتعجب وهي تزيح كفه عن
فمها…..
-طلاق !!!……طلاق من مين …….
اجابها بغلاظة….
-طلاق منك مفيش غيرك يعني…….
احتدت نظراتها وقالت بغضب…..
“بطلقني من قبل ما تكتب عليا …طب خد في بالك بقا هاجل الفرح شهرين……اصل الصراحة مش واثقة فيك…. ”
اشار بعيناه على الباب خلفها وهو يقول بحزم….
-بت ادخلي جوا، دا كلام رجالة ملكيش انتي
دعوة بيه، و على فكرة انا كلمت ابوكي و قلت اني رديتك اصل يعني مش هينفع احكيله عن التفاصيل يا بيبي”
مطت شفتيه بسخط
-يسلام هو عافية ولا إيه، و بعدين انا بقى مش عايزه اتجوز
اوما بغلظة……
-هي فعلاً عافية….هجوزك ورجلك فوق رقبتك، ادخلي يلا….
اخر جملة قالها بقوةمما جعلها تستدير كي تدخل وهي تمط شفتيها بجزع اوقفها قبل ان تدخل بخشونه
-انتي يابت استني هنا…..
-عايز إيه…..
اقتربت منه قبل ان تفتح الباب لتجده يطبع قبلة على وجنتها، ابعدت وجهها سريعاً قائلة بغيظ…
-بطل قلة آدب بقا …….
ابتعدت قبل ان ينال منها ثم اغلقت الباب في وجهه سريعاً مما جعله يرفع حاجباً مندهشاً من فعلتها
على الجهة الأخرى عضت نور على شفتها
الحمراء وهي تتمتم ذاهلة
-انتي وفقتي يا بنت المجنونة، طب و الله بحبه بس لازم اجننه شوية اه ما هو بنات الناس مش لعبة يا باسل.
يخربيت حلاوة أمك يا جدع
_________________________
في داخل القاعة
أبتسم عمر بسعادة و هو يقترب من بيلا، يعتقل خصرها بين ذراعيه و هو يرقص معها، الإضاءة خافته و الموسيقى هادئة، لا يوجد غيرهما،
رفعت رأسها مبتسمة تنظر له بخفوت و سعادة:
– بتبصلي كدا ليه؟
همس بحرارة و صوت اجش متحشرج أثر تاثره :
-أنتي ازاي لسه جميلة كدا يا بيلا، معقول في حد كدا، عارفة النهاردة كأنه نفس اليوم اللي افترقنا فيه لسه عيونك بتلمع، بعد ما سيبنا بعض شفت بنات كتير منكرش انهم كانوا حلوين لكن مفيش و لا واحدة في جمالك، بحسك زي الملايكة، ناعمة اوي، لو هطلب حاجة من ربنا هطلب اني اخر عيون اشوفها قبل ما اموت تكون عيونك”
أخفضت بصرها مغمغمه بجدية :
-سيب سيرة الموت يا عمر لو سمحت لان في كتير ماتوا و سابوني.
_طب ايه هنفضل هنا كتير انا ابتديت ازهق
ردت بيلا بهدوء قائلة :
-وانا كمان.
جذبها نحوه و هو يعود للجلوس على تلك الاريكة الناعمة المخصصة للعروسان،
مرت عدة دقائق
دلف محمود الي القاعة برفقة زوجته كاميليا و ابنته الوحيدة داليد.
صوبت بيلا نظرها عليه مع اقترابه منها بوجه مبتسم يحمل من الندم ما جعله يبدو حزيناً.
وقف أمامها قائلا بحب و حنان:
-الف مبروك يا بيلا، و مبروك رجوع ملك ليك.
ابتسمت بيلا بهدوء يدل على عدم رضائها و كأن هناك غصة قوية بقلبها لتجده يجثو على ركبتيه أمامها محاوطاً وجهها بين يديه و عيونه مليئة بالدموع يثير بها حزنها :
-حقك عليا يا بيلا، حقك عليا عارف اني نسيتك يا حبيبتي رغم أنك كنتي اكتر حد بيقف معايا، بس و الله العظيم غصب عني انا بس كنت حاسس اننا غلطانين لما وفقنا تتجوزوا بالطريقة دي، كنت حاسس باحساس وحش اوي،
كل لما اشوفك كنت بفتكر ماما و ادا ايه تعبت في آخر حياتها برضو بسبب الحب هي اختارت ابونا لكن هو مكنش بيحبها و عاشت معه علشنا انا و انتي و مريم،
كل ما اشوفك احس انك غبية اوي و انا شاركت في الغباء دا لما وفقت على جوازكم بالطريقة دي،
يمكن لان وقتها كنت شاب و عندي اندفاع الشباب و قلت يحيى الحب بس للاسف يا بيلا انا كنت غلطان.
يحيى الحب لو في النور و انا اشتركت معاكم في الضلمة، أنا آسف لاني ظلمتك و بعدت عنك كان مفروض أقف أدام بابا و اقوله انك مغلطتيش
و اننا كنا معاكي بس انا سكت و
كنت بشترك معه في دفنك بالحياة، أنا معنديش اي مبرر لبعدي عنك، نسيت اني اخوكي الكبير،
عارفة يا بيلا انتي وحشاني اوي، و وحشني حضنك و ابتسامتك وحشني الطفلة الصغيرة اللي جواكي و اللي كانت دايما بتحبني حتى لما كنت بغلط في حقها،
مش انتي لسه بتحبيني يا بيلا؟ ”
انسابت دموعه بندم و رجفة صوته متضرعه مترجيه اياها و كأن الهموم ثقُلت بقلبه.
فكيف لا تثقل و هو الأخ الذي ترك أخته الصغيرة تعاني وحدها و لم يحتضنها او يواسئ قلبها.
هبطت دموعها و لم تستطيع الرد تشعر بأن لسانها قد لُجم مقيد لتجده يحتضنها بقوة، بينما اطلق انين حزن ندم و مع ذلك سعادة عارمة
ابتعدت بيلا عن حضن أخيها لتجد مريم تقف جوارهما و هي تغمز لهما بسعادة
ليجتمع الثلاثة في حضن قوي دافء
احتضن عمر ملك مقبلا أعلى راسها قائلا بلهفة :
-بحبك على فكرة اوي يا ملك اوي
ابتسمت بسعادة وهي تضع راسها على صدره مغمضه العينان تدعو الله أن تستمر تلك السعادة الي الأبد….
بعد مرور بضع دقائق
هتف عمر بحدة قائلا:
-ايه هنقضيها بوس و احضان و انا كيس جوافة واقف جانبكم تحب اجيبلكم شجرة و تلاته لمون…
ضحكت زينب بخفة قائلة:
-بابا!!
ابتسم محمود وهو ينظر لزينب التي يحتضنها عمر بسعادة :
-بنتك زي القمر يا بيلا، بس لازم نقعد وقت طويل مع بعض و لازم نتعرف عليها.
أقترب منها مبتسماً ليقول بلباقة حانية:
-اسمي محمود ابقى خالك و دي بنتي داليد في أولى جامعة.
ابتسمت زينب قائلة برفق:
-منور يا خالي ربنا يحفظهالك…..
ابتسمت داليد بطيبة قائلة بتهور كعادتها:
-أنا سمعت انك عندك تلات تؤام صح الكلام دا، طب هما شكلهم زي بعض، بتعرفي تقعدي معاهم التلاته، هو الموضوع صعب مش كدا؟
ردت زينب بحيرة قائلة:
-هو انا المفروض ارد على انهو سؤال الاول
ضربت داليد على رأسها قائلة بخفة:
-معليش اصل اول ما عرفت اتحمست اوي و بجد نفسي اشوفهم و اتعرف عليك تعرفي انا معنديش اخوات بنات و كنت حاسه بالوحدة اوي بس خالص بقى عندي اخت دا لو تسمحيلي نكون صحاب.
ابتسمت زينب و غمرتها السعادة قائلا بحماس:
-طبعا معنديش مانع.
كانت تظن ان داليد ستبتسم كردة فعل تلقائية لكن دُهشت حين وجدتها تندفع نحوها محتضنه اياها لتقول بامتنان صادق:
-شكرا بجد، أنا فعل معنديش صحاب.
ابتسمت زينب و شعرت بحنين نحو تلك الفتاة لتقول بحب:
-وانا متأكدة اننا هنكون صحاب جامدين و خصوصا لما تشوفي نور.
نظرت بيلا لمحمود بحنان و سعادة و هما ينظران للفتاتان و ذلك الجو الجميل الذي نشأ بينهما….
مر بعض الوقت
كاد حفل الزفاف ان ينتهي و يخرج عمر برفقة بيلا من القاعة الموجودة بالفندق متجهين نحو حناجهم الخالص
أقترب محمود من بيلا قائلا بخفوت و توتر و هو يعطيها ظرف يبدو عليه انه قديم
بلل شفتيه بارتباك :
-بيلا، الظرف دا ليك… من.. بابا.. الله يرحمه، أنا عارف اني اتاخرت في توصيل الأمانة لكن جيه وقت تسليمها ليك، اقريه يا بيلا و اوعي تنسى أن دا ابونا”
رغم الرجفة القوية التي تملكتها عند ذكر والدها الراحل و رغم الحزن و الهاشتاق الكامن بداخلها و تلك الدموع التي تراكمت بعينها الا انها اخدت منه الظرف قائلة:
-هو كان زعلان مني لما مات صح؟
ابتسم محمود ساخرا ليقول برفق:
-لما تقري الجواب هتعرف..
أخفضت بصرها تنظر له شاعرة بثقل على قلبها كلما يأتي على بالها ان والدها توفي و هو غضبان منها، وجدت عمر يقربها منه قائلا بابتسامه جميله :
-خلينا نمشي و اقريه يا بيلا، ياله يا قلبي.
أومات له براسها بالايجاب قبل أن تغادر معه و خلفهم زينب و داليد الذان يتحدثان بسعادة و مرح غريب لتدرك زينب أنها شخصية مرحة تلقائية
صعد الاثنان بالمصعد نحو الجناح الخاص بهما
ساعدها عمر في الدخول بذلك الثوب الأكثر من رائع حقاً
وجدته يتحدث بتفاهم و حب قائلا:
-ادخلي غيري يا بيلا و لو احتاجتني ناديلي”
أومات له
و هي تتركه ذاهبه نحو غرفة النوم، جلس عمر علي الاريكة
بتوتر من تلك الرسالة
فك رابطة عنقه و ألقاها جانبا و أيضا تلك السترة السوداء وهو ينظر نحو الغرفة و القلق يتصاعد بداخله
في داخل الغرفة
جلست بيلا على الفراش بعد أن بدلت صوبها بحزن و يديها ترتجف بينما تفتح تلك الرسالة، بدات تقراء كلمات والدتها و الدموع تنساب على وجنتها و الرعب يجعلها تتصبب عرقاً
“بسم الله الرحمن الرحيم،
بيلا… بيلا.. فضلت أكرر اسمك كتير اوي يا بيلا طول الليل و انا قاعد في مكتبي بشبرب سجاير الدخان كان مشوش عليا الرؤية، بس تقريبا الدموع هي اللي خليتني مشوفش ادامي،
أنا أسف يا بيلا…… آسف يا حبيبة عمري و طفلة قلبي…. انتي وحشتيني اوي.. وضحكتك وحشتني اوي يا بيلا، حاسس اني موتى قرب اوي
و آخر مرة جيتلك المصحة كان نفسي اشوف ضحكتك البريئة دي يا قلب حبيبك
بس المشكلة انك فضلت تعيطي و دموعك كانت بتقتلني
بس عارفة لما حضنتك و فضلتي تعيطي كنت حاسس انك حاسه بيا مكنتش عايزه تبعد و لا انا و اللهِ يا بيلا
اسف لاني اخدتك بذنب مش ذنبك… جايز لاني حرمتك من حبيبك انتي دلوقتي تعبانه و في المصحة…. بس انا مكنتش متخيل كل دا يا بيلا،
انتي طول عمرك بتسمعي كلامي حتى لما بتخلفيه كانت بتبقى حاجات بسيطة لكن
المرة دي مقدرتيش تسمعي كلامي
و جريتي مع دقات قلبك و مين فين يقدر يقوي قلبه لما الحب يلمسه
أنا آسف على موت بنتك و اسف لاني خليتك تبقى مجبورة تتجوزي بالطريقة دي
لو رجع بيا الزمن و الله العظيم انا اللي هجوزك بأيدي لعمر و بنتك كنت هاخدها في حضني و مش هسمح لحاجة تاذيكي كدا،
انا حاسس اني خالص مش هشوفك تاني بس ربنا يعلم اني بحبك اد ايه
انتي الوحيدة في اخواتك اللي خليت سالم الدمنهوري ينهار فراقك صعب اوي يا بيلا.
اسف لاني ضربتك و اجبرتك تكدبي على عمر
و اسف لاني كنت بسمعك بتبكي و تصرخي كل يوم و محاولتش أصلح اللي عملته..
انا ضيعتلك حياتك يا بنتي بس انا مكنتش متخيل اني هضيعك، لما تقري الجواب دا هتكوني برا المصحة دي وصيتي لمحمود يوصلك الجواب بعد خروجك و بعد موتى مش عايزك تحسي للحظة اني زعلان منك بالعكس يا حبي انتي طفلتي البريئة
وردة عيلة الدمنهوري بحبك اوي يا بيلا”
عندك تلك الكلمة انفجرت الدموع و الألم بداخلها وهي تحتضن رسالته باشتياق و حزن قائلة بقهر و حزن:
-و انا بحبك اوي يا بابا و الله العظيم بحبك اوي و حقك عليا و على قلبي، أنا مكنتش اعرف ان الحب هيخسرني وجودك معايا و طبطتك على قلبي انا اسفة ليك يا بابا و بحبك اوي و غصب عني مقدرتش لقيت نفسي مسحوبة وراء قلبي ياريتني ما كنت بريئة و لا حبيته و لا حببته فيا جايز كنت قدرت اقولك اني بحبك اد ايه و احضنك
انا اسفة يا حبيبي، طمن قلبك و قله اني خالص بقيت احسن دلوقتي لقيت بنتي و اخواتي و عمر
رجعت لعيلتي يا بابا و بحاول اتعافى بوجودهم لكن مفيش حد وجع قلبي اد موتك، ارتاح يا حبيبي
انا دلوقتي فرحانة اوي و كمان خالص لقيت محمود و مريم و بنتي…..
وردة عيلة الدمنهوري بتحبك اوي رجعت تفتح تاني بعد وجع السنين دي كلها
دلف عمر الي الغرفة ليجدها تبكي بهسترية و هي تحتضن تلك الورقة و شعرها الأسود يتالق حول راسها برقة ملائكية
تذكر لقائهم في الماضي في ذلك القطار حينها رأي نفس المرأه الجميلة الناعمة
هي كذلك شعرها مازال اسود ليست عجوز او ما شابه هي فقط تبلغ من العمر ثلاثه و أربعون عاما، مر عشرين عام على فراقها و ها قد حان وقت الالتقاء مجددا ليغمرها بعشقه و تغمره برقتها الناعمة
تلك الفتاة التي تشبة الورد في نعومتها ناعمة هي و بداخلها الكثير من الطفولة و دلال
انغمس قلبه بداخل تلك الرقة، ليتالف قلبها و يعشق الحياة جوارها.
أقترب منها ليجثو على ركبتيه أمام الفراش قائلا بابتسامه :
-بيلا اهدي يا عمري ممكن علشان خاطري
أعطته الورقة و هي تتمتم بسعادة ممزوج بحزن و ألم :
-مش زعلان مني يا عمر مش بيكرهني لسه كان بيحبني، مماتش و هو غضبان عليا، أنا كمان يا عمر وحشني اوي اوي
حاسه قلبي هيقف مش قادرة ”
جذبها بقوة لصدره وهو يجلس جوارها لتندس بداخل احضانه و قد بلغ العشق ذروته و قمة لهفتهما
اخذ كوب الماء من على الكومود مقربا اياه من شفتيها قائلا:
-بيلا اشربي يا حبيبتي علشان خاطري اهدي
اخذت الكوب منه بيدي مرتجفه و شفتيها ترتعش و مازالت دموعها تنساب و يدها الأخرى تحتضتن تلك الورقة القديمة و كأنها طوق نجاة
مر بعض الوقت
كانت نائمة بنعومة جواره و هو يربت على ظهرها بحنان، تنهد بعمق و هو يشدد بقوة على احتضانه لها حتى اصبحت و كأنها ضلع ثاني له بجسده الصغير ليمتم بعشق
-سامحيني يا بيلا لو شايفه ان حبك ليا ذنب انا اسف ليك بس انا عمري ما هتوب عن ذنب حبي ليك……
و لو هتمني حاجه من الدنيا فأنا هتمني اعيش في حضنك طول عمري، ربنا يجازي اللي كان السبب منه لله….
____________________
في اليوم التالي بشقة صالح..
وقفت زينب في تلك الغرفة المطلية بلون الأبيض، وضعت يديها على خصرها بحماس.
في نفس التوقيت.
دلف صالح الي الغرفة بكسل وهو يحرك راسه يمين و يسار يعاني مؤخر من الارق.
أبتسم وهو يقترب منها معانقاً خصرها وهو يدفن وجهها
بتجويف عنقها طابعاً قبلة شغوفة عاشقة على عنقها :
-صباح الخير يا جميل..
اتسعت ابتسامتها مغمغمه بدلال و تغنج انثوي
_صباح الورد يا حبيبي…
عض على شفتيه بغيظ مزمجرا بسخرية
-هو الدلع مبيحلش الا الصبح عندك و لا ايه و لا انتي بتحبي تجننيني.
ابتسمت زينب و هزت كتفها مداعية البراءة و هي تدير جسدها نحوه لتصبح في مواجهته، لتضع يديها بنعومة على عنقه محاوطه اياه بدلال مغوي:
-طب وانا عملت ايه يا حبيبي…
زفر بحرارة متحدثاِ بصوت اجش أثر مشاعره المتاثره بلمساتها :
-انتي بتسالي كمان!.. اللهم اخزيك يا شيطان..
صدحت ضحكتها الماكرة و هي تبتعد عنه، وضعت يدها على خصرها قائلة بخفوت:
-انت وراك شغل النهاردة…
رد صالح وهو يعتقل خصرها مقرباً جسدها الغض نحوه متمتم:
-و الله لو مش عايزانى اروح أنا ممكن افضيلك نفسي بس ايه الدنيا لو في دلع انا قاعد طبعا
انهي جملته بمكر و ابتسامة خبيثة تزين ثغره،
لكزته زينب في جانبه ليطلق ضحكة عالية خبيثه ملتقطاً
يدها بسرعة ليجذبها بسرعة لصدره هدر بخبث و صوت متحشرج و أنفاسه الساخنه تلفح صفحة وجهها :
-طب ايه مش ناوي تحن..
ردت زينب بسرعة وهي تبتعد عنه قائلة بخبث:
-الاول ياله تعالي نفطر علشان اروح شغلك و صحيح متتاخرش لان ورانا حاجات كتير نعملها سوا لما ترجع..
مرر انامله في شعره يشد خصلاته من شدة الغيظ قائلا:
-حاجات ايه؟.
-لما تخلص شغل هتعرف ياله بينا…
رد صالح قائلا بجدية:
-طب الولاد انا مش سامع صوتهم هم فين؟
-مع ايمان تحت جيت من شوية و اخدتهم معها.. ياله بينا
بعد مرور عدة ساعات
فتحت الدلو وبدات في تغميس الفرشاة بدهان ثم تمريره بانسياب على الحائط
شعرت بسعادة تتسلل لقلبها
بتأني كلما دهنت جزء من الحائط بلونٍ آخر
التغيير بحد ذاته ودمج الألوان بنفسك شعور مريح للنفس يبث التجدد بداخلك
الفكرة كانت جيدة و بالأخص لان تلك الغرفة كانت لابنتيها لم تستطيع من قبل دهن الغرفة
و لكن صالح أخبرها انه سيأتي بالنقاش لفعل تلك الأشياء بعد أن اختار الاثنان الألوان للغرفتين.
و جلب أيضا الدهان الخاص و لكنه قررت أن تفعلها بنفسها
بعد مدة قصيره كانت قد انهت نصف الجزء الاول من الحائط
توقفت وهي تحرك ذراعها بتعب ثم نظرت للهاتف الذي يسجل تلك اللحظات فقد قامت بفتح الكاميرا و تثبيتها في احد الأماكن لتسجل كل تلك اللحظات.
ضحكت وهي تمسح قطرت العرق عن جبهتها وقد تعلق بها جزء من الدهان مكان مسح يدها
لكنها لم تشعر به وحدثت نفسها وعيناها على كاميرا الهاتف
-قررت ابدا باوضة بيلا و حياء بس تعبت اوي، شوفوا عارفه اني مش شاطرة اوي يا حياء و انك هتطلعي عنيده حاسه كدا انك شقية اصلك بتغلبيني اوي بس والله زي القمر تعرفوا انا بحبكم اوي ”
ضحكت وهي تنظر للحائط بفخرٍ
بعد هذا الانجاز الجبار فقالت وهي تعود للكاميرا..
-صالح لو شافني هيجيله القلب من اللي هببته في الاوضة دا، بصراحه كنا متفقين نجيب نقاش يدهن الأرض بس الفكرة نفسها جميلة اوي.
ضحكت امام الكاميرا معقبة بسخرية
-انا عبيطه أوي بكلم نفسي.
جلست على الأرض وهي تاخذ بعضاً من الألوان وتدمجها ببعضها وهي تقول
_حابه ارسم على الحيطة انا اللي اختارت اللون السماوي للاوضة فخليني اكسر اللون و نرسم شويه، كنت بفكر احط صور لاميرات ديزني بما اني بحب الكرتون،
بس فكرت فيها ممكن نعمل شوية رسومات تليق بوجود اريل هي كدا كدا عروسة بحر فلون السماوي هيكون لايق عليها بس الأفضل اخلطه بالازرق شوية”
نظرت للكاميرا قائلة بفخرٍ……
“انا بعرف أرسم على فكرة مش اوي يعني بس البت نور شاطرة اوي في الرسم و كانت علمتني شوية رسومات…
ضحكت وهي تذكر نفسها انها بمفرها فقالت
-الفيديو دا هيبقا مسخرة لازم يتمسح البنات لو شافوه هيقولوا اني هبلة…
نهضت من مكانها وبدأت تمسك فرشاة صغيرة أشبه بفرشاة الرسام لكنها اغلظ قليلاً ثم بدأت برسم بعض الأسماك الملونه بالون الأصفر و الأبيض.
زمت شفتيها وهي تجد الألوان تندمج مع بعضها بسبب ان الدهان الاول لم يجف بعض لتعطي لوناً بشع في النهاية بسبب اختلط الأزرق مع الأبيض و كذلك الاصفر
نظرت للكاميرا قائلة وهي تحرك كتفيها
ببؤس….
-تجربة فشلة
تركت ما بين يداها واتجهت للكاميرا لتغلق الفيديو…
لكنها شهقت بهلع وهي تجد من يعتقل خصرها ويرفعها عن الأرض قليلا
توسعت عيناها وهي تنظر إليه بابتسامة مشدوهة..
-صالح انت ازاي جيت وانا محستش بيك لما دخلت ……
طبع قبله على شفتيها ثم أجاب عليها
-لسه دلوقتي انتي بتعملي اي هنا…
رفع عيناه على الحائط الذي قد نال خراباً
هذا الطلاء الذي اشتراه أمس!!….
عادت عيناه عليها متسائلا بصدمة……
-مين اللي عمل كده، دي الأوضة باظت.
عضت زينب على شفتها وهي تكبح ضحكتها مشيرة على نفسها ببساطة
اتسعت عيناه أكثر وكاد ان يصاب بازمة قلبية وهو يسالها
“والحيطه ذنبها اي بتجربي فيها يا زينب، طب البنات ذنبهم ايه..
ثم نظر لرسمة الأسماك البشعة على الحائط التي شحب لونها واصبحت بشعة جدا
-طب سؤال واحد بس نتي نتيبترسمي عليها ايه؟
قالت بحسن نيه…..
“كنت بجرب كنت عايزه ارسم سمك لون اصفر زي اللي مع اريل.
زم صالح شفتيه ممتعضاً بوجوم
-هو مش باين لها ملامح الصراحة الأوضة شكلها باظت اوي.
دارت زينب خلفه وهي تخلصه من سترة الحلة التي يرتديها قلما و لكن اليوم ارتداها مخصوص لأجل مقابلة هامه تخص مطعم والدته.
ردت بحماسية غريبة
“متكبرش الموضوع يا صالح، تعالى نجرب في الحيطه التانيه، أنا الصراحة حابه الفكرة لو باظ هو كمان هنجيب النقاش اوكي. ”
نظر لها مدهوشاً معقباً
-زينب خلينا نجيب النقاش أسهل بلاش وجع دماغ.
“يووو يا صالح ، ادينا بنجرب لو معرفناش نعملها نجيب حد يعملهالنا و بعدين الأوضة دي بتاعت البنات يعني لازم نفنن فيها عارف في كذا حاجة كدا عايزين ننزل تشتريهم سوا، نجوم فسفوريه مثالا
بدات في فك ازرار قميصه قائلة بتصميم
ياله لازم نجرب
سألها وهو يراها تخلصه أيضاً من قميصه…
-بتعملي إيه يا زينب؟
قالت ببساطه والحماس يلمع برماديتيها
نبقلعك القميص عشان هدومك متتوسخش…..
سالته وهي تمرر يدها على وجهها بقلق….
-في حاجة في وشي
ابتسم صالح وهو يمد سبابته يمسحها في جبهتها الملونه بدهان السماوي
ثم مررها على طول انفها قائلاً بنفي
-لا ياقلبي، مفيش اي حاجه…
ابتسمت زينب بحب وهي تمرر يدها برقه
على لحيته قائلة بحب
-وحشتني اوي على فكرة……
رد وهو يقطف قبله حارة من وجنتها
قائلاً بشوق
“وانتي كمان وحشتيني اوي …..
ابعدت يدها عنه ثم اتسعت عيناها وهي تنظر له بصدمة
عقد حاجبيه بتساؤل
-مالك بتبصيلي كدا ليه؟
ضحكت وهي تنظر لكف يدها المصبوغ بدهان ثم للحيته التي صبغة جزءاً منها باللون السماوي
مسح صالح على لحيته بعد ان فهم المغزى من ضحكاتها ونظراتها الغريبة قائلا بغيظٍ….
-نيلتيني طب والله كنت حاسس……
قالت له بمشاكسه و حب
-اللون السماوي حلو عليك…….
عض على شفتيه وهو يقترب من احد عبوات الدهان متوعدا
-والله طب ماتيجي كده نجربه عليكِ..
ضحكت وهي تبعد بخوف قائلة؛
“لا يا صالح بهزر والله مكنش قصدي……..
لكنه لم يبتعد اخذ يقترب منها و هي تبتعد بخوف من نظراته الشيطانية و هو يعض على شفتيه.
صرخت و هي تجري من امامه لكنه في لحظة خاطفه اعتقل خصرها بيديه بينما صدح صوت ضحكاتها و هي تشعر بلمسات يده تدغدغ بطنها لتضحك حتى سعلت من شدة الضحك لتقول :
-خالص يا صالح و حياتي عندك كفاية كدا، مش قادره. ”
ادارها له مبتسماً ليقول بخبث؛
-بقولك ايه انا حبيت الشغلانه دي، بس طالما البنت تحت مع ماما تعالي بقى نتكلم في موضوع ضروري جداً.
ابتعدت بعد أن فهمت نظراته الشيطانيه قائلة بحماس و هي تضع يديها بخصرها:
-لا هندهن الأوضة الاول ياله.
زفر بقلة حيلة و هو يتجة نحو عبوات الدهان قائلا بنفاذ صبر:
-أمري لله….
في لحظة وجدها تطبع قبلة سريعة على خده ثم ابتعدت و هي تمسك الفرشاة بينما ابتسم الأخرى بسعادة.
______________________
في اليوم التالي….
في منزل يوسف الصاوي
كانت تقف في المطبخ تحضر الغداء له
فهي قررت ان تأخذ قسط من الراحة من عملها لمدة قصيرة حتى ترجع اتزان ذهنها و خصوصا بعد انهماكها في العمل بالمشفى التي التحقت بها مؤخر بعد عودتهما لمصر
و رغم نجاحها في الشهور الماضيه في الجراحه الا انها مزالت تشتاق لنجاح الأكبر
هو طفل حتماً ان آتى هذا الصغير ستكتمل حياتهما للأبد ودوماً بجواره ، تشتاق للامومة بشدة تريد ان تحمل طفلاً منه ، منه هو تتمنى ان تبني أسرة ويكن داخلها طفلاً يكمل المتبقي من حرمانها ويخمد نيران اشواقها بوجوده.
تقسم ان الله اعطها كل ما تمنت في تلك الحياة، عائلتها ابيها و امها أخيها و أطفاله
و اختتمت تلك السعادة بدخول يوسف لحياتها، ليجعلها اكثر اشراقاً
هو ليس زوج او أبن عم لها الأمر اكبر من كذلك فهو صديق الطفولة، و حب المراهقة، و ثالث شخص دعمها في حفظ القرآن الكريم
ليس الاول و كيف يكون كذلك و ابيها حي يرزق فهو اول داعم لها و اول شخص جعلها تؤمن ان النجاة في كتاب الله العزيز و العمل به.
و أمها كيف تجفل عن ذكر أمها لطالما كانت معها خطوة بخطوة.
و يأتي ذلك الدخيل و الذي لم يكن سوي قريب بل هو الاقرب
تعلم الان انها تتعجل بالأمر منذ زواجهما حتى عندم اخذت تلك الحبوب الا انها
جائعة لمشاعر الامومة وتريد ان تشبع مشاعرها بهذا الطفل
كانت تظن ان يوسف لا يهتم بهذا الأمر بل ويتلاشى التحدث به
ولا تعرف السبب؟
وقد ظنت انه لا يريد الأطفال او حتى لا يحبهم لكنها دهشة
من طريقته مع يونس ذلك الصغير ابن أخيها فكان يغمره بالحب كلما راه و كلما احتضنه، حتى أنه بالأمس عندم كان بمنزل عمه قام بشراء الكثير من الألعاب و ظل معه لوقت طويل هو و بيلا و حياء الصغيرتان
تفاجأت به وقتها يقول بخفوت..
“تعرفي اني نفسي بنتنا تكون شبهك يا ايمان و تكون لون عيونها بني كدا يااه انا ممكن احبها اكتر منك علشان هي منك و مني.”
إبتسمت وهو تقول بهدوء …
-ان شاء الله يا يوسف بس فكرة انك تحبها اكتر مني دي… ”
-أيوا، مش عجبك ..”
-لا عجبني، بس خلي في علمك انا طفلة اوي و ممكن اغير منها،
بس انا نفسي اجيب منك ولد ويطلع شبهك بظبط…حتى في ضحكته و شقاوته”
داعبت بيداها لحيته متنهده باشتياق
عدل لياقة قميصة وهو يقول بغطرسة ووقار
“شبهي؟ بذمتك أنا في حد شبهي يا بنتي انا كازيرما متتكررش، طب بذمتك في حد زي بيقولك مساء البسبوسه و النبي بوسة”
ابتسمت ايمان بمراوغة و هي تلاعب الصغير قائلة بخجل:
-يوسف احنا مش في بيتنا بطل قلة أدب ”
لم يعير انتباه لما قالت وهو يقترب منها محاوطاً وجهها بضراوة مقبلا اياها.
في نفس التوقيت
دلفت حياء للغرفة لكن ما ان راتهما طرقات على الباب بقوة
ابتعد يوسف بلامباله و هو يحاوط خصرها مقرباً اياها منه بقوة و ضراوة
ارجعت ايمان خصلاتها خلف اذنيها بخجل مطاطاة راسها
أبتسم يوسف بحب و وقاحة قائلا؛
-نورتي يا حماتي و الله بس هو يعني ملقتيش الا الوقت دا.. هو عمي خرج و لا ايه؟
لكزته حياء بسعادة و مكر قائلة:
-وفر قلة الأدب يا حيوان لما تكون في بيتكم.
أبتسم يوسف بسماجة و هو يراها تجلس أمامه على الفراش المقابل:
-مراتي يا حماتي مراتي، وحشتني اوي الصراحة،
بقولك ايه ما تاخدي العيال و تخرجي”
خرجت شهقة قوية خجولة من مرح يوسف المعتاد و الممزوج بوقاحة بينما ردت حياء بجدية:
-نفس وقاحة ابوك الله يرحمه.
ايه دا يا مرات عمي هو ابويا كان وقح معاكي معتقدش بأن عمي مش هيسمح بحاجة زي دي
ابتسمت حياء بخفوت و خرجت منها تنهيدة طويلة عاشقة
_اول مرة لما جيت اسكندرية شفت ايوب و جلال كنا وقتها في بيت بابا في الشقة اللي تحت وقتها مكنتش اعرف ان أيوب موجود و خرجت لاحظت نظرات ابوك ليا لكن في نفس الوقت شفت نظرات جلال و غيرته بس وقتها كنت بكره جلال او مش بطيقه فمكنتش عارفه معنى نظراته…
و يوم فرحنا انا و جلال كنت جميلة. جدا و زي القمر و يومها فردت شعري رغم اني مش بحبه مفرود لان ماما كانت بتحب شعري الغجري زيها، وقتها أيوب لما شفني فصل مركز معايا جلال ضربه يومها بس كان محترم انه اخوه الكبير”
اغمضت عيناها بعشق و اتسعت ابتسامتها بنعومة ليقاطعها يوسف بغمرة و صياح:
-يا جمالو يا حماتي فينك يا حمايا..
لكزته حياء بقوة في كتفه قبل أن تغادر الغرفة قائلة بصوت عالي:
-احترم نفسك يا يوسف ممكن زينب تنزل لو شافتك كدا مش هتسيب العيال معاك تاني.
رد يوسف بحب و سعادة و هو يطبع قبلة على وجنة زوجته :
-زينب هتشكريني يا حماتي خليها بس تسيبلي يونس اربيه و هتدعيلي و بعدين زينب طيبة و هتسبهولي”
ابتسمت ايمان وهي تهز راسها بحيرة و نفاذ صبر من طريقته التي تعشقها سراً، تعشق كل تفصيلة صغيره به
فلاش باك
وقفت ايمان تتابع الحساء و عقلها شارد
هو أيضا يشتاق لطفل منها مثلما تشتاق هي لقطعة منه!..
كانت المرة الأولى الذي يتحدث معها عن الأطفال بتلك الطريقة المفعمه بالحياة و الحيوية
ولكنه سريعاً غير الموضوع لمزاح حتى لا يخوض معها في شيء يضع مسافات بينهم… فهو ان كان يشتاق لطفل فمن المؤكد انه يريده منها لا من غيرها
وكذلك هي قلما التكلم وهما قررنا ترك زمام هذا الأمر
لله فهو القادر على أعطى الرزق لمن يشاء…
فاقت من شرودها على صوت رنين هاتفها.. اتجهت نحوه وهي تفتح الخط لتضع الهاتف على اذنيها سريعاً…
” أيوا يا ماما، لا مش ناسيه، اكيد هروح بعد ما يوسف يمشي
آآه استنيني هناك وانا هاجي اخدك نروح سوا، تمام يا حبي
ادعيلي تحليل الدم يطلع فيه إني..إني حامل…. ”
قالتها بخفوت وهي تضع كفها على بطنها بأمل فهي تشعر أنها ستسمع الخبر الذي تنتظره منذ أشهر
ردت حياء بحب و أمل :
-ان شاء الله يا ايمان ان شاء الله ربنا هيجبر قلبك” لتكمل جملتها بجدية حانية
-و بعدين اني مستعجله ليه يا حبيبي انتم لسه دي اول سنه بينكم، و ان شاء الله تكوني حامل و نفرح باولادك”
ردت على والدتها بحبور…
“يارب ياماما .. المهم بلاش تتحركي كتير بلاش ترهقي نفسك
وزي متفقنا هقبلك في المكان إللي اتقبلنا فيه إمبارح.. تمام سلام..”
أغلقت معها وهي تبتسم بسعادة حينما اتي على ذاكرتها تلك الأعراض التي تعاني منها منذ بضعة أيام اخذت نفس عميق تريح اعصابها
تنهدت وهي تتمنى ان تحظى بتلك اللحظة مع يوسف وتتشوق لردة فعله ان أصبح التحليل إيجابي واثبت وجود حمل فعلاً !…
بدأت بتقطيع ثمرات الطماطم وهي شاردة الذهن…
على الناحية الأخرى
خرج يوسف من غرفة النوم وهو عاري الصدر ويرتدي بنطال قطني مُريح.. إرجع شعره الفوضوي للخلف وهو يدلف للغرفة رمقها بإبتسامة
مستاءة وهو يتنهد على شرودها الحزين الذي يعرف حتماً اسبابه…
ان ظل الوضع هكذا يجب ان يفعل شيءٍ ليريح قلبها المشتاق هذا ويخمد عواصف أفكارها الحزينة..
هكذا أملى عليه قلبه وعقله فهو أيضا يتمنى ما ينفطر قلبها لأجله لكنه للأسف لم يصل لتلك المرحلة التي وصلت هي لها سريعاً…
عانقها من الخلف وهو يضع يده على يدها ويقطع معها الخضار بتناغم وهدوء…
إبتسمت وهي تجده يلصق وجنته بخاصتها وعيناه على الطعام الذي يتقطع بفعل يداهم ….
-صحيت أمته….”
رد يوسف وهو يترك يدها…
-من نص ساعة….
سألته بتردد…
-هو انت عملت ايه مع الشركة في لندن”
كان يتذوق الطعام بتلذذ همهم باعجاب و ابتسامة:
-خالص مش هسافر تاني هتنقل الفرع الجديد اللي بدا في مصر.
ردت ايمان بتوتر قائلة:
-طب بقولك ايه ما تنزل تروح الوكالة لبابا كان بيقول انه عايز يشوفك..
ادارها إليه وهو يرفع عينيه عليها بشك…
“شكلك بتوزعيني وراكي حآجه النهاردة ولا إيه، يعني انا فاكر إنك من يومين قولتي إنك هتاخدي أجازه من المستشفى
ولا شكلك رجعتي في كلامك…”
هزت رأسها وهي تبتعد عن عينيه المخترقه إياها بدون هوادة تحاصر أفكارها بشدة …
“لا مرجعتش في كلامي… بس أصلي كُنت رايحه كمان ساعة كده مع ماما هروح انا لدكتور..”
أقترب منها بقلق وهو يضع يده على وجنته باهتمام…
-تروحي لدكتور ليه، انتي تعبانه….”
هزت رأسها سريعاً بنفي…
“لا ياحبيبي متقلقش انا كويسه بس… اصل آآه معاد كشف ماما النهاردة وهي… وانا هروح معها عشان متبقش لوحدها…”
شك في تلعثمها الغريب فهي حينما ترتجل بالكذب تكشف سريعاً….
-متاكده إنك مش مخبيه عليه حآجه…”
عقدت ذراعيها حول رقبته وهو تقول بهدوء…
-هخبي عليك اي بس ياحبيبي هو ده كل الموضوع…وبعدين لو انتَ هتقعد في البيت النهاردة انا مش هتأخر هخلص واجي على طول… ”
وضعت قبله سطحية على شفتيه وهي ترمقه بحب وشوق دوما لا يخمد أمامه…
حدج بها بتمعن ليخرج زفير أنفاسه سريعاً وهو يقول بايجاز…
-انا أجازه النهاردة عشانك و بكرا هرجع الشغل تاني،
هستناكي النهاردة بس أوعي تتأخري عشان هتوحشيني يا بسبوسه .”
قبلهامن وجنتيها وحينما اغمضت عينيها بحب زاد في تقربه و بث اشواقه لها
وهو يسألها بخفوت…
-مش هتتاخري عليها صح؟
همهمت وهي مغمضت العين…
“ولو اتأخرتي…. انتي حرة”
داعب انفها بانفه وهي تقول بخجل…
-خلاص مش هتأخر أوعدك….”
رفع رأسه ليرمق عينيها المليئة بالشوق نحوه…
لاحت منه ابتسامة بسيطة وهو يجذبها لاحضانه فبتسمت هي براحة وهي تستنشق رائحته الممزوجه بعطره ….
أثناء عناقهم شم رائحة شيء يحترق فبتعد عنها سريعاً وهو يهم بغلق مفتاح الموقد فقد احتراق الطعام الموضوع عليه….
شهقت وهي تقول بلوم عليه…
“كده يا يوسف اهوه الأكل اتحرق…”
رد عليها بمكر و هو يغمز لها بشقاوة:
“طب وانا ذنبي إيه! …. مش انتي اللي عماله تحضنيني وتبوسيني..
توسعت عينيها بغيظ وهي تقول…
-انا….”
“أمال أنا…. ”
ضربته بكف يدها بقوة في صدره وهي تقول بحنق…
-تصدق إنك غلس وكداب….. ”
رفع حاجبه وهو يعلق على جملته بعدم رضا
وتحذير مُزيف….
-حاولي تلمي لسانك شوية عشان هتزعلي مني المره الجاي…..”
هتفت بعناد واصرار أمامه…
“على فكره دي الحقيقه الأكل اتحرق بسببك
وهتاخرني اكتر على ماما….”
شهقت حينما وجدت الأرض تنسحب من تحت قدميها فهو حملها سريعاً وهو يقول بتحدي وعناد…
“يعني كل اللي فارق معاكي إنك هتتاخري مش فارق معاكي جوزك اللي هتسبيه ماكلش لحد دلوقتي….طب عقاباً ليكي التأخير هيبقى الضعف….”
تذمرت كالاطفال وهي تقول بضيق…..
“نزلني يا يوسف، قسما بالله انتَ بتتلكك….”
“وأنتي بتتلككي أكتر مني…”
رمقها بخبث وهو يتجه بها نحو غرفتهم….
قالت بتبرير…
“يا يوسف الاكل، يعني انتَ مش جعان….”
رد بخبث و سعادة :
-دا انا هموت من الجوع
_____________________
في معمل التحليل…
توسعت عينيها بصدمة وسعادة وهي ترمق امها بعدما غمرة بالفرحه بهذا الخبر المُنتظر منذ أشهر كثيرة….
“انا حامل يا ماما، حامل…..”
وضعت يداها على بطنها بسعادة والابتسامة تزين ثغرها، التمعت عيناها بالدموع
لم تعلم أنها ستشعر بهذا الشعور هي تحمل الامومة داخلها بالفطرة من يوم ان حملت (بيلا) ابنة شقيقها على يداها
لكنها اليوم ستختبر الامومة مع من ينمو الآن داخل احشائها مُخبرها انهُ بانتظا رأيتها ويشتاق أيضاً لاحضانها مثلما تشتاق هي لوجوده معها….
“مبروك ياحبيبتي…” عانقتها حياء وهي تبكي بسعادة لأجل ابنتها فهي تعلم ان هذا ماكانت تتمنى إياه وتنتظره منذ فترة ليست بقصيرة بدلتها العناق الحار دموعها تنساب بسعادة
“مش مصدقه اني هبقى أم… تفتكري يوسف هيفرح قد إيه…”
ابتعدت عنها حياء وهي تتذكر مكالمة يوسف لها ظهرا وهو يقول بطريقة غامضة لم تفهم ما خلفها…
-بقولك يا مرات عمي ينفع تاخري ايمان شوية معاكي…”
ردت حياء بشك…
-ااخرها ليه انتَ مش عايزها تروح؟ انتم اتخانقتوا يا يوسف…”
“طبعاً لا ربنا ميجبش خناق
انا عايزها تروح، بس مش دلوقتي لم أتصل بيكي تحاولي تمشيها من عندك على طول…
رفعت حياء حاجبيها بحيرة…
-امشيها على طول.. هو في بظبط انا مش فاهمه حاجه …
“مش لازم تفهمي يا ماما بس اخريها شوية لو سمحتي اسمعي الكلام …”
برمت شفتيها وهي تفيق على صوت ايمان التي قالت بحماس…
“يلا بينا يا ماما انا هموت وشوف يوسف دلوقتي..”
“يابنتي أهدي بلاش استعجال… وبعدين انا جعانه وعيزاكي تعزميني على اكلت سمك في مطعم لسه فاتح جديد بيقولوا حلو اوي و انا الصراحه عايزه اجربه، ها قولتي إيه…”
رفعت ايمان حاجبيها بدهشة..
-دلوقتي…”
ردت حياء بحماس قائلة :
-ايوة ياله
بعد ساعتين تقريبا
كانت حياء تجلس على احد الصخور امام البحر
هي تستنشق الهواء باريحيه بينما تمسك في بيدها الأخرى طبق صغير من المقرمشات التي منعها جلال من تناولها منذ وقت طويل بسبب مشكلة معدتها لكنها اشتاقت لتلك الأشياء لتتفق خلسه مع ايمان بتناول القليل
كانت تأكل منه بهدوء
و بجوارها ايمان تمسك كوب من حمص الشام تضع راسها على كتف والدتها قائلة بسعادة و هي تشاهد النجوم اللمعه في السماء قد تعدت الساعة الثامنة مساء
-تعرفي يا ماما انا أول مرة حسيت اني بحب يوسف لما كنت صغيره اوي
لدرجة ان لو حد عرف اني بحبه وانا صغيره كدا كان هيقول ان دا لعب عيال، بس كنت بحبه اوي علشان كدا مخبتش عليك و حكيتلك لسه فاكره حضنك ليا بما قلتلي ان ربنا بيزرع الحب في قلوبنا و هو القادر انه يغيره لكن لو حقيقي هيفضل ثابت طول العمر وقتها طلبتي مني اشغل نفسي اكتر و اختم القرآن مرة و اتنين و تلاته.
انا بحبك اوي… و بحب حبك لبابا و لينا ”
أبتسمت حياء بسعادة مقبلة قمة راسها قائلة بدف:
-ربنا يحفظكم ليا يارب، انتي و زينب و يوسف و صالح أغلى ما عندي يا ايمان ربنا يحفظكم يارب…”
في نفس التوقيت صدح هاتف حياء معلنا عن اتصال لها من يوسف لتقول بجدية:
-ياله بينا يا ايمان خلينا نروح.
أومأت لها بهدوء وهي تشتاق للقائه و مقابلته و اخبره بذلك الخبر..
بعد مدة وصلت إلى منزلها
فتحت البوابه الكبيره امامها ثم دلفت للساحة الداخليه الواسعة،
ضيقت ايمان عينيها فقد كانت الانوار مغلقة تمام ثم بدأت الانوار تضاء بالتدريج فكانت الانوار زرقاء خافته
كانت تسير خلف تلك الاضواء التي تقودها لبهو المنزل الخلفي حيث تلك الجنينه الصغيرة
فغرت شفتيها بذهول و هي تقترب حيث توجد طاوله صغيرة مزين حولها بعض الزهور البيضاء و البنفسج
لكن فجأه صاحت و هو يغمرها بحبه وهو يقف خلفها محتضنا اياها :
-بحبك… و بموت فيكي يا أيمان و الله العظيم بحمد ربنا كل يوم و كل لحظة انك في حياتي و هفضل طول عمري احمد ربنا انه وفقني في حياتي و أنعم عليا بوجودك فيها ”
أدارت جسدها نحوه معانقه رقبته بيديها قائلة بابتسامه؛
-و انا على العهد يا يوسف و هفضل احبك لآخر نفس في عمري”
قبل قمة راسها وهو يخرج تلك العلبة من جيب بنطاله فتحها و ابتسم لها مخرجا سلسلة من الفضة.
انفتحت تلك السلسلة لتظهر من الداخل صورتها معا كانت مميزه ببعض الفصوص اللمعه لتبدو في غاية الجمال.
أقترب منها يزيل الحجاب ليضعه جانبا بينما وضعها في عنقها لتبدو في غاية الرقة و النعومة و هو يحل عقدة شعرها لينسدل بنعومه على ظهرها…
لتقول هي بحب:
-طب ممكن اعرف سر المناسبة السعيدة دي.
-و لا اي مناسبة بيقولوا التجديد في العلاقة بيديها رونق مميز و انا حبيت افرحك مع ان الموضوع بسيط اوي بس حسيته مميز.
_هو فعلا مميز اوي و خصوصا أنا كمان كُنت جيبالك هدية معايا وكنت عايزه اقولك عليها…”
رفع حاجبه وهو يدقق بها بعدم فهم فهي لا تحمل شيء بين يداها من بداية ظهورها أمامه، حدج بها بحيرة…
-انا مش شايف اي هدايا…وكمان مش فاهم معناها إيه هقولك عليها، يعني مش هينفع أشوفها…”
إبتسمت وهي تكمل بتردد وخجل…
-اكيد هتشوفها بس بعد كام شهر كده…”
شك في لأمر قليلاً لكنه حاول ان يستفسر أكثر عن حديثها الغير مفهوم…
قولي على طول يا ايمان انا مش فاهم حاجه…”
عضت على شفتيها ولا تزال الإبتسامة تشق ثغرها بسعادة، جذبت يده ووضعتها ببطء على بطنها
وهي تقول باعين تترقرق بهم دموع الفرح..
“هنا في بيبي صغير، بيقولك ان جاي قريب وناوي اطلع عينك لو أثرت في حقي في يوم او بطلت تحبني ليوم واحد…”
توسعت عينيه بصدمة وهو يلفظ إسمها
-ايمان…”
صمت لبرهة وسالها بعدم تصديق
– انتي حامل يا ايمان؟….”
“ايوا يا يوسف، لسه متاكده النهاردة بعد ماعملت تحلـ….”
لم تكمل عبارتها فهو باغتها بعناق حاني
وهو يقول بسعادة…
-هبقى اب يا ايمان، بجد انتي حامل… ”
-وللهِ حامل…”
نزلت دموعها وهي تدفن وجهها في عنقه فهي لم تتوقع ان يكون بتلك السعادة يوماً لمجرد انها اخبرته عن حملها لم تتوقع ردة فعله بكل تلك الشعلة المتقد بينهم….
أبتعد عنها وهو ينظر لها بحب قائلاً باعين تلمع بسعادة…
-مبروك ياحبيبتي… هتبقي احلى مامي…” قبلها من جبهتها ببطء…
وجدته جثى على ركبتيه أمام بطنها مباشرةً وتحسس مكان موضع طفله وهو يقول بحنان…
“هتنور حياتنا قريب أوي يا شقي… انا مستنيكي انا ومامي
مامي بتحبك أوي وانا متأكد أنها هتكون أحسن ام ليك، بس خالي في علمك دي حبيبتي انا و بس يعني مش مسموح لك تحبها اكتر مني…”
وضع قبله سريعه على بطنها وهو ينهض قائلاً بحنان…
“بحبك اوي ….”
“وانا بموت فيك يا يوسف…”
دلها العناق والقبلات الرقيقة والتي كلما ذاد عمقها وصل لكلاً منهم مدى عشق وشوق الآخر إليه…
كانت لليله على ضوء القمر من مشاعر صادقة واشواق مُلتهبه بالعشق الجامح بينهم…قضت لليلة اخرى داخل احضانه الدافئة وهمساته
الشغوفه ولمساته الحنونه عليها كانت من أجمل اليالي التي مرت عليها فالليله اكتملت سعادتهم بخبر مُبشر لكلاهما ان هناك صغير سياتي ليربط
علاقتهم اكثر ببعضها بل ويوحد ما بينهم للأبد!..
يصعب على المرء المقارنة بين السماء والأرض فكلاً منهم له عطاء محدد للآخر صعب ان يتقارن بعضهم او يتشابهان في طبيعة خلقهم لكن برغم
من ذلك التناقض بينهم إلا ان الحياة تكتمل
بوجودهم سوياً ويصعب الاستغناء عن واحداً منهم !..
قضت يوماً باحضان زوجها وهي تخبره عن خبر حملها وكانت لحظة السعادة بينهما لا توصف كذلك
___________________________
في منزل آل الشهاوي
كان جلال يجلس في شرفة المنزل و هو يتحدث في الهاتف قائلا بجدية:
-ميخصنيش يا بشمهندس انا طلبت منك كل حاجة تكون جاهزه و خالص فات سنة و لسه بتقولي في شوية تعديلات
ردت المهندس أحمد قائلا بهدوء:
-جلال بيه البيت اللي حضرتك بتقول عليه دا فات اكتر من تلاتين سنه عليه و لما اشتريناه من صاحبه كان فيه شوية حاجات عايزه تتعدل علشان يرجع نسخة طبق الأصل قبل تلاتين سنه و دا صعب جدا
رد جلال بحدة قائلا بجدية و صرامة:
-و انت قلت أنك هتاخد ست شهور بالكتير علشان تجهزه و فات اكتر من سنة و انا مش ملزم اصبر اكتر من كدا ادامك اسبوعين يا احمد و كل حاجه تكون مظبوطه انا جاي فرنسا بعد اسبوعين و لو مش هتقدر سيبه
رد احمد بسرعة و جدية:
-ان شاء الله اسبوع واحد و هيكون زي ما حضرتك طلبت….
أغلق جلال الخط ليضع الهاتف على الطاولة أمامه ناظرا للبحر
في نفس التوقيت
دلفت حياء الي المنزل بسعادة و هي تنادي عليه بلهفة
نهض عن كرسيه و خرج من الشرفة قائلا بابتسامة:
-أنا هنا يا حياء، تعالي
اقتربت منه بسرعة و بنيتيها تلمع بحماس و سعادة دون حركة واحدة ألقت بجسده بداخل احضانه متشبثه به قائلة بخفوت:
-ايمان حامل يا جلال بنتنا حامل
كانت ملامحه سعيدة لكن ما ان سمع ذلك الخبر حتى ابعدها عنه بوجه خالي من التعبير قائلا:
-انتي بتتكلمي جدا ايمان حامل طب طب يعني العيلة الصغيرة اللي كنت بشيلها على كتفي هتبقى ماما، البنت اللي مسكت ايديها و هي بتمشي اول مرة حامل ”
التمعت عيناه بالدموع و في لحظة خافته جذبها بقوة لاحضانة:
-الف مبروك يا حياء الف مبروك يا قلبي الف مليون مبروك، أنا لازم اكلمها لا لا انا لازم اروحلها دي اكيد فرحانه اوي”
كاد ان يخرج الان ان حياء مسكت يده قائلة ببكاء؛
-بلاش النهاردة يا جلال، اللحظات دي خاصه بينها و بين يوسف لازم ياخدوا وقتهم مع بعض صدقني”
فرك جلال يده ببعضهما بارتباك قائلا بلهفة :
-بس انا لازم اشوفها يا حياء دي ايمان..
كان ردها بسمة صغيرة على ثغرها قائلة و هي تقبل وجنته:
-معليش خلينا بكرا يا جلال.
________________________
في صباح اليوم التالي
وصل صالح أسفل البناية القديمة حيث كانت تقطن زينب،
أوقف السيارة مغمغماً بجدية:
-ياله و لا ايه يا زينب..
أومأت له بالموافقة بينما ظلت صامتة شاردة الذهن ليقول مقاطعاً ذلك الصمت :
-مالك يا زينب؟ ساكتة و سرحانة من مدة مالك؟
أخذت نفس عميق لتملاء رئتيها بالهواء ثم زفرت بحرارة و إحباط قائلة:
-زعلانة يا صالح… تعرف زعلانة من نفسي، و خايفة بابا يكون زعلان مني.
ضيق المسافة بين حاجبيه بارتياب قائلا:
-طب و عمر هيزعل منك ليه؟ أنتي عملتي حاجة تزعله؟
وضعت يدها أسفل خدها قائلة بقلة حيلة:
-أنا أقصد بابا منصور، هو كمان ابويا يا صالح و عمل علشان كتير اوي، و أنا الفترة الأخيرة قلت زيارتي ليه و بقالي كتير مقعدتش معه لوحدنا و لا عملته اكلة حلوة و لا اي حاجة، أنا بس خايفة يزعل مني و يفتكر اني علشان لقيت ابويا الحقيقي ابقى نسيته بس و الله العظيم أبداً.
ابتسم بحنان قائلا بهدوء:
-عمي منصور مش بيفكر كدا، اولا هو اكيد عارف انك مشغولة مع الاولاد الفترة الأخيرة، و بعدين انتي بتكلميه كل يوم و بتطمني عليه، في حاجة كمان، أنا ياستي و الله بطمن عليه كل يوم و كل يوم ببعت سيد يطمن عليه و يجهز له كل حاجة و حتى البيت و كل حاجة.
لم ترد عليه لتظل تاخذ أنفاسها بضيق مخرجة زفير معبر عن عدم رضائها لتجده يقول بهدوء :
-طب انا عندي فكرة حلوة، ايه رايك تقنعيه يجي يعيش معانا، الدور الرابع من البيت جاهز من كل حاجة، منها تبقى جانبه و كمان متقلقيش عليه و مع الاولاد.
ابتسمت بسعادة و اتسعت شفتيها بإشراف مهلله :
-بجد يا صالح يعني مش هتضايق لو عملت كدا.
عقد ما بين حاجبيه باستنفار قائلا:
-اتضايق ايه انتي هبلة دا لو أطول كنت كل يوم اروح اشكره على تربيته ليك، ياله خلينا نطلع له هو اكيد عايز يشوف الولاد،
انا هسيبك معه هقعد شوية و بعد كدا هطلع على الوكالة و بعد كدا اجي اخدك و لو قدرتي تقنعيه هيجي معانا.
ابتسمت بسعادة و في لحظة خاطفة اقتربت منه محاوطه وجهه بين يديه طابعه قبلة طويلة على خده، متمتمه بسعادة:
-يخربيت جمال أمك.
ابتسم قائلا بمناغشة :
-طب نخلي الكلام اللي يخلي الواحد يتهور دا لما نروح و لا ايه؟
ردت عليه بدلال و تغنج:
-اللي تشوفه.
ترجل من السيارة و هي كذلك ثم اتجهت نحو المقعد الخلفي لتأخذ أطفالها النائمون برقتهم الملائكية
اخذ منها بيلا و التي سجلها في شهادة الميلاد باسم نبيلة لكن فقط في شهادة الميلاد.
أغلق باب السيارة بقدمه و هو يحمل طفلتيه و هي خلفه تحمل يونس .
صعد لتلك البناية ثم الدرج القديم و البالي حتى أن بلاط درجاته قد بهت
وصلت للدور الثاني
اطرقت على باب الشقة عدة مرات لكن لم ياتيها الرد لتخرج ذلك المفتاح من شنطة يديها
دلفت الى المنزل و خلفها صالح لتصيح بصوت عالي نسبيا:
-بابا يا حجيج فينك يا عم منصور
اتجهت نحو غرفته لتجد الغرفة مظلمة
انارتها ثم دلفت للدخل لتجده ينام بعمق
وضعت يونس على الفراش و هي تتجه نحو شرفة الغرفة تفتحها ليدخل الضوء لها
فتح منصور عيناه ببطئ و انزعاج من اشعة الشمس قائلا :
-بسم الله الرحمن الرحيم
ابتسمت زينب و هي تقفز على الفراش قائلة بحب و حماس:
-وحشتني اوي… اقتحمت عليك الأوضة
اعتدل منصور في جلسته ناظرا لها بحب و هي تبتسم له، مرر يده على وجنتها قائلا:
-صباح الورد على عيونك يا زينب، عاملة ايه يا حبيبتي..
-بخير الحمد لله، ها مش عايز تشوف القطط الصغيرين و لا ايه…
رد بسعادة قائلا:
-اكيد عايز اشوفهم
دلف صالح الي الغرفة و هو يلقى السلام ليرحب به منصور بهدوء
_ازايك يا عم منصور أخبرك أيه يا راجل يا طيب…
رد منصور بود قائلا:
-بخير الحمد لله.
وضعت زينب الطفل بين ذراعيه قائلة:
-يونس ابني يا بابا…
اخفض بصره ليجد الطفل يفتح عيناه بكسل و نعاس يبدو في غاية الجمال…
-ربنا يحفظهولكم يا ولاد و تربوه لحد ما يبقى راجل يُعتمد عليه
-ان شاء الله يا حبيبي
___________________________
في منزل على
في وقت متأخر من الليل
دلف على الي غرفتهما بعد يوم عمل طويل و منهك
كانت الغرفة هادئة يرى الظلام والهدوء سائدا
بداخله فحاول عدم اصدار اى صوت
حتى لايقلقها فى نومها ولكنه ما ان تقدم خطوتين الى الداخل
حتى اسرعت هى فى النهوض تلقى بالاغطية عنها تسرع اليه تحتضنه بشدة هامسة
-وحشتنى اوووى كنت فين كل ده
شدد علي من احتضانه لها هو الاخر يزفر بقوة دون ان ينطق بكلمة لترفع راسها عن صدره تنظر اليه بقلق
ترى الارهاق مرسوم فوق محياه فاخذت بيده بين يدها تتجه به الى الفراش تجلسه فوقه و امتدت انامله الى ازرار قميصه تحاول حلها حتى هتف بها بضعف وشك
– انتى ناوية على ايه يا بيبة بالظبط؟
ضحكت برقة تهمس له بدلال
– متخفش مش اللى فى دماغك يا قلبي
لتستمر اناملها فى حل تلك الازرار واحد تلو الاخر تخلعه عنه ثم تستدير تجلس خلفه فوق الفراش
تمد اناملها الى حنايا عنقه تدلكها ببطء ورقة لتستمر فى عملها بصمت حتى شعرت
باسترخاء عضلاته تحت يديها لتجد ان الوقت مناسب لتساله بنعومة:
-لسه رقبتك بتوجعك.
أبتسم مغمغما برفق :
-لا يا حبيبتي دلوقتي احسن الحمد لله، بس ايه اللي سهرك لحد دلوقتي ”
اعتدل في جلسته ناظرا لها بتمعن لتبتسم قائلة:
-و أنا من امتى بعرف انام و انا بعيدة عن حضنك يا على، تعرف انا من يوم ما اتجوزنا و أنا بعرف انام بعمق و انا معاك رغم ان زمان كان صعب اوي حتى المنوم مكنش بيعمل اي مفعول معايا.
هز علي راسه و هو يمرر عينيها على ملامحها بافتتان و لوعة
ليسود الصمت ارجاء المكان كانت اناملها خلاله
تعمل بشرود فوق بشرة كتفه بينما
ذاكرتها تعود بها الى الماضي فى هذا المكان وكم قاست
فى حياتها ليلاحظ علي شرودها هذا ليمسك بيدها يوقفها عما تفعل يلفها فى اتجاهه حتى اجلسها فوق ساقيه ينحنى يقبلها فوق جبهتها هامسا لها
_بتفكرى فى يا عيون علي و سرحتى فيه بعيد عنى
تنهدت حبيبة تهمس هى الاخرى بخفوت
-فى الزمان اللى فى لحظة اتغير وبقت كل حاجة بالمقلوب انا بحبك اوي يا علي
ارجع علي خصلات شعرها خلف اذنيها قائلا بعقلانية
– قصدك كل حاجة رجعت لاصلها وكل واحد اخد جزاءه واللى يستحقه و خالص الماضي فات يا قلبي
ثم انحنى فوق اذنيها يهمس بحب
= بس تعرفى ان نصيبى مفيش احسن منه عندى اغلى هدية ربنا هدانى بها بعد طول انتظار
احنت راسها تهمس بخجل
– وايه بقى هى الهدية دى؟
علي وفى عينيه نظرة مرحة قائلا بخبث
-ودى عاوزة كلام امي طبعا
رفعت حبيبة عينيها بصدمة تضربه فوق صدره بقوة تحاول النهوض من فوق ساقه
– بقى كده يا سى علي طب سيبني بقى انام
التفت ذراع علي حولها يحاول تثبيتها فى مكانه يضحك بشدة قائلا بصعوبة من شدة ضحكه
– طب خلاص حقك علي ميبقاش زعلك وحش كده
اخذت تحاول الافلات منه فما كان منه الا ان يحملها يضعها فوق الفراش يستلقى
هو الاخر فوقه ذراعيه تحيط براسها من الجانبين يهمس بخفوت فى حنايا عنقها
– مانتى اللى بتسالى اسئلة غريبة ياقلب علي هو فى عندى اغلى واحلى والذ منك يا فراولة واللى عندى بالدنيا كلها
سكنت فجتحت جسده تهمس له هى الاخرى
بحب ترد كلماته لها
= ولا فى عند فراولتك اغلى ولا احلى والا الذ منك يا فارس وحلم عمرها
اشتعلت عينيه بالنيران عشقه وشغفه وبها يهبط فوق شفتيها يقبلها بجنون قبلة خطفت منهم انفاسهم لوقت طويل ليرفع راسه بعدها يسالها بصوت متحشرج عاقدا حاجبيه بعبوس
-هو الحصار هتفك عنى امتى انا خلاص شوقى ليكى هيقتلنى، مش خلصنا امتحانات بقي
ضحكت حبيبة بدلال قائلة
-خلصت بس بجد مشغولة جدا بكرا خلينا ننام بس لان هنخبز انا و والدتك و عايزه اغسل السجاد و الهدوم
رفعت حبيبة يدها تتلمس وجهه بحنان ورقة تهمس له بحب
-بحبك يا عوض العمر و جبر القلب
زفر علي يغمض عينيه بتثاقل هامسا بصوت اجش
-مش بقولك هتموتينى فى مرة بكلامك اللى بيقتل ده
اخذت حبيبة دون ادراك منها تشدد من احتضانه له بحماية تدعو الله حتى يحفظه لها الى ابد الدهر لا ترى فيه مكروها ابدا من اعاد لها الحياة وجعل لكل لحظة تعيشها معه بالعمر كله يحيطها بحبه