قد تكون الأمور سهلة وبسيطة، لكن الكائن البشري يهوى تعقيد الأمور. مجرد اعتراف من ثلاث كلمات قد يمنع مذبحة، ولكن لأنني لا أستطيع أن أحمل ثلاثة رجال فوق كتفي، فقد رفضت كل الحلول البسيطة. أشم رائحة خيانة قد تقترب من المعصية. لأول مرة أجد نفسي في وجه قذيفة المدفع.
كنت أسمع عن الغارات التي يشنها المجرمون والضحايا الذين يسقطون بلا ذنب. لطالما حاولت أن أشعر بألمهم، أن أغمض عيني وأجعل الوجع يتخللني. وذات مرة استجمعت الألم وبكيت، وبعد نصف ساعة كنت أقضي مصلحة خاصة بي. لقد تعلمت أن الهم لا يشيله إلا صاحبه، وأن الصيحات والصرخات والنيحات المطولة مجرد هراء بغيض ووسيلة دعم اخترعها شخص بائس.
قد تكون زوجتي خائنة، هذا هو واقعي الآن. ربما احتمال طفيف، لكن الطرق التي أسلكها ستوصلني إلى المذبحة المنتظرة. بإمكاني أن أتصل بلبنى وأصارحها بشكوكي مثل أي إنسان عقلاني، وأسمع رفضها ومبرراتها وصراخها. لكني لن أصل للحقيقة أبداً. الحقيقة المرة تتخبى خلف الأسرار القذرة ولا تأتي بلا وجع.
هذا الشخص ليس أخ هند ولا يمت لها بصلة، ولابد أن أفتش خلفه وأرقبه وأعرف لماذا يحاول التواصل بزوجتي. لم تعد مجرد شكوك الآن في عقلي، بل حقيقة أقلبها بين يدي، ساخنة غير ثابتة، تلسعني كلما أغمضت عيني. ولأنني شخص لئيم وماكر، اخترت أن أكون وسيلة ضغط، لا أداة مساومة. أخذت أجازة من العمل. كنت أخرج كل يوم أراقب هند في مدرستها. ويمكنني أن أسمعك الآن تهمس بوضوح وأنت تشرب كوب الشاي أو فنجان القهوة
وأنت تستنكر فعلتي الحمقاء: "لما بحق الله يراقب هند ويترك الشخص المسؤول عن المأساة التي صدعنا بها منذ بداية القصة؟ يمكن أن أرد عليك بثلاث كلمات، لكن لدي قصة علي أن أنهيها. كانت هند تخرج من بيتها وتذهب إلى المدرسة، ثم تخرج من المدرسة وتذهب إلى البيت. وبعد أسبوع من المراقبة، حفظت تحركات الآنسة هند مثلما تحفظ أنت اسمي.
وكما يبدو لك، لا يوجد سلوك مريب في تحركات الآنسة هند. لكني أعرف ما لا تعرفه. داخل كل إنسان يوجد شيطان مفعم بالحيوية ينشط في أوقات معينة، في بداية الربيع وخلال سقوط المطر، وعندما تجلس على فراشك وحيداً لا تجد ما تفعله. لكل إنسان قذر قدرة على التحمل لا تتعدى خمسة عشر يوماً رغم مقاومته.
عندما خرجت هند من مدرستها ووقفت أمام المدرسة ولم تتحرك، ولأنني أحفظ تحركاتها، شعرت أن وقتي حان. أحضر نفس الشاب، أخ هند على اعتبار ما سبق، ثم أخذها وتمشيا في شوارع القاهرة. هناك في الشارع، وشربا حاجة ساقعة، وأنا أتابعهم وأقتفي أثرهم مثل كلب بوليسي. ثم توقفا لدقيقة يتحدثان. أشعلت أنا خلالها سيجارة إذا كنت مهتماً بالتفاصيل.
ثم تحركت هند مع الشاب حتى وصلا بناية متعددة الطوابق، ولفا داخلها بطريقة طبيعية. دخلت خلفهم بلا تردد، وكنت أسمع خطواتهم على السلم حتى حل الصمت في الطابق الرابع وانفتح باب. وعندما ينفتح باب تهب منه ريح طفيفة تحمل الروائح المحبوسة داخل الغرف. وقفت أمام الباب المغلق. وضعت أذني على الباب، رغم خطورة الموقف، لأنني لا أمتلك وقت. وسمعت همسات غير واضحة وضحكة طويلة.
ثم تركت المكان ورحلت. عدت إلى شقتي بعد أن سجلت رقم الشقة وعنوان العمارة. مضى الليل ثقيلاً علي، مثل كل مرة أحتار فيها من نفسي. وفي الصباح، كنت أمام المدرسة في المقهى الذي بات صاحبه يعرفني، المواجه لبوابة المدرسة. الساعة الثانية ظهراً، خرجت هند ووصل نفس الشاب. أخذا سيارة أجرة لوسط البلد، وهناك جلسا في مقهى. وكان بإمكاني أن أجلس جوارهما وأسمع همساتهما وكلماتهما. لكني رحلت، غادرت المقهى والطريق.
بعد ساعتين، كنت داخل شقتي أتصبب من العرق، وأنني أتفهم بكل حرفية شكوكك نحوي وقدر الاستفزاز الذي أوصلتك إليه. خلال العشرة أيام اللاحقة، ظللت داخل شقتي لا أغادرها إلا للشديد القوي، شراء السجائر وبعض الأطعمة الخفيفة.
لبنى لم ترد على اتصالاتي، ولم تحاول العودة إلى الشقة. وكان اليومين ثلاثة التي طلبتها لبنى قد مروا، ولم تشفع لي توسلاتي المطلوبة، وكأنها ركبت رأسها. ولولا أنني أعرف نفسي لقلت إنها لا تحبني وما صدقت تلاقي فرصة. وقد تجدني منحازاً إلى نفسي، وأمجد في نفسي وأبجلها، ولسان حالك يقول: "لما لا تكون زوجته تكرهه، أو حتى لا تطيقه ولا تقبله من الأساس، وربما أرغمت عليه؟
كبريائه كسارد للقصة يمنعه أن يبدي نقاط ضعفه، وأنه قد يكون إنسان وغد يحوي من القذارة. قرأ هندى يحمل رفات والده في كل مكان. كل إنسان يجد طريقه يحب بها نفسه، حتى في أحلك الظروف. إذا انمحت تلك الطريقة، يكون مصيره الاكتئاب وينحدر نحو ظلال الأموات. كإنسان بروليتاري منذ نعومة أظافري، لدي كاريزما وقحة. في اليوم الرابع عشر، خرجت نحو المقهى. وفي اليوم الخامس عشر، هند خرجت مع ذلك الشاب نحو الشقة التي أحفظ عنوانها وموقعها.
تبعتهما مثل ظل خافت لا ينعكس على الأسفلت، وتيبست جوار البناية حتى رحلا منها. بعدها دلفت إلى الشقة، وضعت المفتاح داخل ثقب الباب الذي انفتح بسهولة. هبت روائح المخدر نحو أنفي، وانعكست الأضواء على كأس شمبانيا تركه نصفه على الطاولة. جلست أدخن سيجارة، ثم دخلت غرفة النوم.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!