لم تكن هند فتاة تدرس في الثانوية العامة. وطلبها لدكتور نسا وتوليد بدا عاديًا جدًا. شأن خاص لا علاقة لي به. عوضًا عن العودة إلى البيت، جلست على المقهى، أدخن الشيشة وأعاين الأضرار التي لحقت بمزاجيتي. لقد فشلت. لأول مرة يقودني فضولي لطريق مسدود. غير الحجر بعد إذنك. تغيير حجر شيشة معاك يا حامد. ارتفع صوت النادل. "علت آخر قطرة شاي. مجرد اتصال لعين عكر يومين من حياتي." "لماذا لا تطنش مثل أي زوج عادي؟
ما المميز بك حتى توقف الدنيا وتشعلها من أجل اتصال تافه ورد إلى زوجتك بالخطأ؟ "هذا العقل، عقلك القذر سيوديك إلى ورطة حقيقية." قرقرت الشيشة وتابعت طفلًا يركل طوبة بقدمه ويركض خلفها. ورجل عجوز مر صدفه يصرخ في الطفل: "أولاد آخر زمن، كنت هتعورني! "حياة صاخبة وتافهة لا تستحق أن تعاش." فجأة خرجت هند من المدرسة. لم أكن مهتمًا حتى عندما توقفت لأكثر من ربع ساعة تقضم أظافرها. لم أتابعها.
بعدها وصل شاب من نفس عمري، بدا متلهفًا وقلقًا. أخرجت هند هاتفها ونظر فيه الشاب لحظة قبل أن يخرج هاتفه. وبعد ثوانٍ، وضع الهاتف فوق أذنه، ثم بعصبية لاحظتها، أعاد الهاتف إلى جيبه وتحدث مع هند كلمات خافتة بحده. ثم رحل. دخلت هند المدرسة. أنهيت مشروبي الثاني، حاسبت النادل وأخذت سيارة أجرة من أول الشارع وقصدت شقتي. داخل شقتي، أخرجت الهاتف أتأكد من الساعة. وجدت الهاتف مغلقًا.
ياه، نسيت أن أعيد تشغيله بعدما طلبت رقم هند تحت عمارتها. وردني إشعار بعدة مكالمات فائتة. كان رقمًا غريبًا. لم أشغل بالي. أخذت شور ونمت. استيقظت في العصر على رنين هاتفي. "آلو، أيوه مين؟ صوت تخين ونبرة محذرة: "انت تتصل برقم اختي ليه؟ "اختك مين؟ أنا ما اتصلتش بحد." "تستهبل يا روح أم... "احترم نفسك، أنت مين؟ واختك مين؟ "أختي هند." راجعت التفاصيل داخل رأسي حتى تشكلت الخطوط.
قلت: "أختك اتصلت برقم زوجتي وكان لازم أعرف مين بيتصل على مراتي، فاتصلت بالرقم." "ودا يخليك تيجي تسأل عنها تحت بيتها؟ "آسف، كان فيه لخبطة في الموضوع ومش هتحصل تاني." "عارف لو شفتك عند بيت أختي مرة تانية مش هيحصل خير؟ "مفيش سبب يخليني أجي عند بيت أختك مرة تانية." وانتهى الاتصال بعدما تفهم أخو هند أسبابي وقال: "حصل خير." فركت عيوني وتنهدت. موضوع مقرف.
لما اتصل بلبنى أصالحها، ظهرت قدامي المكالمات الفائتة والأرقام اللي حاولت الاتصال بي وهو التليفون مقفول. كان نفس رقم أخو هند. رجعت بذاكرتي وحددت أول اتصال. كان وقت وجودي في المقهى لما هند قابلت أخوها. لكن عقلي لم يرضى بالسكوت. إيه اللي يخلي أخو هند يكلف نفسه عناء الطريق ويروح يقابلها في المدرسة؟ كان ممكن يبعتله الرقم في رسالة أو اتصال عادي. ثم دارت تفاصيل المكالمة في عقلي. كان بيقول
في كل مرة يحذرني فيها: "بيت أختي، بيت هند." ليه ما قالش: "بيتنا" أو "عمارة نا"؟ وليه كان بينسب البيت لهند؟ يكونش أخوها من أم تانية؟ أو مش أخوها على الإطلاق؟ ليه ما يكونش دا نفسه الوغد اللي كان بيحاول يتواصل مع مراتي مستغل رقم هند؟ وليه ما تكونش هند نفسها متعاونة معاه؟ ولأنني لا أحب أن يظل عقلي معلقًا، استعنت بصديق. وبعد ربع ساعة وصلتني المعلومات. هند ملهاش إخوات. بنت وحيدة، يتيمة الأب.
إلا لو كان الحاج الله يرحمه جايب عيل في الضلمة، ودا احتمال بعيد. في المساء، جلستُ على أريكتي، ممسكًا بالهاتف، أحدق في الرقم الغريب الذي اتصل بي مرارًا. كل شيء في رأسي بدأ يتشابك كخيوط شبكة عنكبوتية. وكلما حاولت تجاهل الأمر، ازداد التصاقًا بذهني. الرجل الذي هددني على الهاتف ادّعى أنه شقيق هند، لكن المعلومات التي حصلت عليها أكدت أنها وحيدة، يتيمة الأب، ولا إخوة لها. إذن، من يكون هذا الرجل؟ وما علاقته الحقيقية بها؟
ولماذا بدا متوترًا عندما التقاها أمام المدرسة؟ رميت الهاتف بجانبي، ونهضت لأفتح النافذة، أتنفس هواء الليل البارد. كانت المدينة تضج بالحياة، أبواق السيارات، ضحكات عابرة، وأضواء تتراقص على الأسفلت الرطب. حاولت إقناع نفسي بأن الأمر لا يعنيني، لكن شعورًا عميقًا في داخلي رفض السكوت. هناك شيء غير طبيعي يحدث، وأنا —بحكم العادة السيئة —لا أستطيع ترك الأمور غامضة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!