الفصل 3 | من 14 فصل

رواية ازيز الماضي الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
21
كلمة
1,438
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 21%
حجم الخط: 18

بنت مين دي اللي لسه في المدرسة وبتدور على دكتور نسا وتوليد؟ الشك لعب في دماغي، لكن واجهتني عقبة، أنا معرفش في أمور البنات لأني كنت وحيد، ولا أعرف الأمور الطبية اللي قد تحتاجها فتاة شابة. فكرت ربما تكون في الثانوية العامة، يعني بنت كبيرة. ولما بدأت أبحث في النت لقيت إن فيه تسع حالات الفتاة الشابة ممكن تحتاج بسببها دكتور نسا وتوليد. وبعد تفكير طويل، وبعد ما سيارة الأجرة وقفت تحت بيت لبنى، اتصلت على المدعوة هند.

ولما ردت لقيتني بكل برود بسألها: "انتي كنتي عايزة دكتور نسا وتوليد ليه؟ "وانت مال... "أم... سمعت الرد اللي خلاني أقفل التليفون. معاها حق، منزعجتش، كنت أستحق أكتر من كده. ولعت سيجارة وأنا بهمس: "لبنى، لبنى". وتذكرت كل الأوقات السعيدة اللي دارت بيني وبينها، خطيبتي وزوجتي، وتعهداتنا الصبيانية إننا نحل مشاكلنا مع نفسنا دون أن نسمح لأي شخص إن يتدخل بينا. وتذكرت اندفاع لبنى وغضبها ورحيلها إلى منزل والدها.

ولقيتني في بلبلة ولخبطة وعدم مقدرة على اتخاذ قرار منصف، بين انجراح كبريائي وبين مشاعرها اللي ضربت في مقتل. كلانا على صواب من وجهة نظري، ولا يمكنني إن أحملها المسؤولية بمفردها. لو كنت أنا مكانها وشعرت إن زوجتي تشك فيا، لتعصبت ولن يهدأ لي بال أبداً. وكأي زوج مصري مغلوب على أمره، صعدت شقة والد لبنى، وطرقت الباب بتراخي. بالي قصير، ومزاجي "زفت"، ولا أتحمل "ناخد وندّي" أكتر من عشرة دقايق.

سلمت على والد لبنى، كان وجهه متبرم، وكان واضح إنه عايز ينهي المسألة بسرعة، وإنه غير سعيد بوجود ابنته عنده غاضبة من زوجها. لبنى رفضت تخرج، لكن حماتي قعدت جنبي، وقعدت تديني في النصايح: "وعيب كده يا ابني، ومش معقول تشك في مراتك عشان رقم رن عليها؟ دي أعراض ناس يا ابني وحرام عليك تخرقها بالسهولة دي." تأسفت أكتر من مرة. وشعرت بالخزي والغضب. لبنى قالت كل شيء لوالدتها ووالدها، ولم تبقِ على شيء.

كنت غاضب من موقفها أكتر من رحيلها من البيت. كنت أتوقع إنها ستضع لسانها اللعين في فمها، وتكتفي إن تقول: "مشكلة بيني وبين زوجي"، مثل أي زوجين يحترمان بعضهما. لكن مفيش حد بيتعلم بالساهل. تعلمت في حياتي لما تخزلني توقعاتي، إن أتحمل الصفعات اللاحقة دون أن أتألم، دون أن أفتح فمي. "تعالى يا بنتي اقعدي مع جوزك واقفلي باب الشر ومتسمحيش للشيطان يدخل بينكم"، صرخ والدها بصوت مرتفع. وهل فعلاً الشيطان المسؤول أم أفعالنا؟

تدللت لبنى، أو شيء آخر لا أعرفه الصراحة، المهم إنها رفضت إن تجلس معي. قالت: "محتاجة يوم ولا يومين لحد ما أهدا، أنا هبقى أرجع لوحدي." "طيب جوزك عايز يعتذرلك؟ "مش عايزاه يعتذر." قلت: "يومين ولا تلاتة أهدى وابقى كويسة." "يومين تلاتة أسبوع." لحظتها مكنش فارق معايا ترجع امتى، طالما ضخمت الموضوع للدرجة دي وأحرجتني قدام والدها ووالدتها، فلتحترق في عين الشمس. قد أبدو لك هادئ، لكنني نار مشتعلة.

والدها غضب ودخل غرفتها وزعق معاها وكان هيضربها، ولبنى رأسها من حديد. قلت: "خلاص يا عمي متزعّلش نفسك، سيبها على راحتها." همس والدها: "معلش يا ابني سامحني، انت سمعت بودانك." "مفيش مشكلة يا عمي، حقها تزعل برضه، يمكن أنا عملت حاجة مخدتش بالي منها خلتها تنزعج بالطريقة دي." أخذت بعضي وسبت البيت ونزلت، مكنتش طايق أرجع الشقة ومخنوق من نفسي أكتر منها. في قهوة جنب البيت قعدت عليها شوية وأنا بحرق في السيجارة. تليفوني رن.

قعدت دقيقة أبص على الرقم، رقم هند. وبعد لحظة من التردد رديت عليها. "انت مين يلا؟ وليه بتدور ورايا وبتسأل عني؟ قلت: "كان سوء تفاهم وخلاص راح لحاله." "سوء تفاهم يخليك تيجي تحت بيتي وتسأل عني؟ انت عبيط يلا؟ مش عارف إن ممكن تحصل مصيبة بسبب تصرفك ده؟ يلا؟ كلمة "بنت وسخ... " بتعصبني. قلت لها: "خالص يا بنتي اقفلي ومتتصليش هنا تاني." وكان فيه شرشحة انفتحت من الطرف التاني، قفلت الخط.

رميت التليفون على الطاولة وبلعت آخر شفطة شاي. الأخبار السيئة تحدث مرة واحدة وتأتي خلف بعضها. دي مش ممكن يكون سلوك طالبة في مدرسة ثانوية أو حتى حرفية. دي واحدة تسلطحت في الدنيا وعرفت مساوئها ومتعها بالمغرفة. ثم إن صوتها، صوتها كبير، مش صوت بنت، صوت أوزة ضخمة مرتعشة المؤخرة. حاسبت النادل وبصيت على الساعة، كانت عدت 11 بالليل. صبح ورايا شغل. أخذت شاور ونمت، لكن عقلي كان تعبني ومش مريحني. الصبح غيرت هدومي وأخذت طريقي.

طريق بيت هند. الساعة كانت سبعة ونص تقريباً، يمكن يحالفني الحظ وتكون رايحة المدرسة. ولأني معرفش شكلها، اترميت في حجر بائع الفلافل، وبصنعة لطافة أشعرته إني أنوي خطبة فتاة ساكنة في العمارة دي. "فتاة في الثانوية"، قلت ثانوية لم أحدد نوعها وتوقفت. "بنت في الثانوية؟ مش صغيرة عليك شوية؟ "مش عارف إيه غاية الرجال الكبار في البنات الصغيره، تلاقي الراجل عنده ستين سنة على وش موت ويقولك: اتجوز بنت صغيرة تجدد شبابي."

"تكونش هتعلمه تمارين الصباح؟ تركت بائع الفلافل يهذي حتى انتهت أطروحته الفلسفية. ثم توقف فجأة وقال: "لكن مفيش بنت في الثانوية ساكنة في العمارة دي يا أستاذ، أنا هنا من أكتر من خمسين سنة، من أول ما تركت محافظتي وجيت على القاهرة وأنا ساكن هنا وأعرف سكان منطقتي واحد واحد." واحنا بناخد وندّي ونهبد في الكلام، خرجت بنت من العمارة. ورغم شكلها ومظهرها، معرفش إيه اللي خلاني أرن على رقم هند وبعدها قفلت التليفون بسرعة.

ورن تليفونها وسمعته يرن في يدها، ورأيتها تحدق بهاتفها. ثم جمعت لعابها وأطلقت بصقة ضخمة على أسفلت الطريق. ارتسمت على شفتي ابتسامة مقتضبة تشبه ابتسامة الديك الشركسي. شكرت الرجل الخمسيني، ربما لا نتقابل مرة أخرى، لكن لدي يقين إن هذا الرجل بالذات سيتزوج بعد وفاة زوجته بيومين. "تبعت الآنسة هند." كان وجهها بيضاوي، ملامحه حادة كأنما نُحتت بدقة متعمدة، وجلدها الباهت يزيدها برودة.

عيناها ضيقتان، بلون داكن يكاد يكون بلا روح، تحدّقان في الآخرين وكأنها تزنهم بصمت، تقرر في ثوانٍ إن كانوا يستحقون اهتمامها أم لا. حاجبها اللعينان الرفيعان مرسومان دائمًا بانحناءة خفيفة، مزيج بين الاستهزاء والريبة، وكأنها تعرف شيئًا لا يعرفه أحد. شعرها الأسود الطويل ينسدل بنعومة، لكنه يظل مرتبًا بإحكام، لا تسمح له بالخروج عن سيطرتها.

شفاهها الرفيعة نادرًا ما تتحرك في ابتسامة، وإن فعلت، كانت ابتسامتها باردة، غير مكتملة، كأنها تختبر كيف يبدو البشر عندما يعبرون عن الفرح. يداها نحيلتان، أصابعها طويلة ومرنة، تتحرك بلا عجلة. توقفت الآنسة هند أمام مدرسة خاصة ثم دلفت داخلها. بعد أن أرعشت رأسها عدة مرات.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...