تحميل رواية بعينيكِ أسير بقلمي شهد الشورى "مكتملة" بقلم 👑 شهد الشورى 👑 pdf
بقلم 👑 شهد الشورى 👑
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مفاجأة كبيرة لجمهور "بعينيكِ أسير" 🔥🚨 لو التفاعل ع البوست ده كان قوي 💥 هنزل الرواية كاملة بالفصل الأخير والخاتمة كاملة 😍 عايزة أشوف حماسكم، كل اللي مستني الرواية يرفع البوست ويثبت إنه من عشاق الرواية ♥️✨ يلااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا...
رواية بعينيكِ أسير بقلمي شهد الشورى "مكتملة" الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم 👑 شهد الشورى 👑
في حفل توديع العزوبية الخاص بالشباب الذي أُقيم في فيلا كارم، مال عليه فارس قائلاً بحنق:
انا عايز اروح اشوفها ، وحشتني اوي ، نفسي اعرف كان فين عقلي وانا بفكر في الفرح والكلام ده
رد عليه كارم بصبر نافذ هو الآخر :
انا كمان مستني بكره بفارغ الصبر ، نفسي اشوفها، يارب يعني حتى بعد ما كتبت الكتاب، ابوها يبعدها عني لحد الفرح
ثم تابع بمكر :
تفتكر بيعملوا ايه هناك دلوقتي !!
ضحك فارس قائلاً بصوت خفيض مرح :
بيرقصوا اكيد !!
ردد كارم بحماس :
انا عايز اتفرج
لكزه فارس بذراعه وقال بجراءة :
اظبط يلا وانشف كده....بكره تتجوز وتتفرج براحتك
ضحك كارم بسخرية ثم قال :
ده في الحلم بس، مين دي اللي ترقص، ده انا شايل هم ليلة بكره هتعدي ازاي، وانت تقولي ترقص!!
ضحك فارس قائلاً بمشاكسة :
ده واضح ان همس المسيطرة من اول يوم
رد عليه كارم بسخرية :
اسمالله عليك ياخويا ، شوف مين بيتريق على مين، ده انت بالذات المفروض ما تتكلمش دي البت كانت بتخليك تنام في اوضه لوحدك و كنتوا زي الاخوات اكتر من سنة
ردد فارس بحسرة مضحكة د :
هو انا سمعتي بايظة خالص كده !!
رد عليه كارم بمكر و حزن زائف :
اه والله ياخويا ، انت لازم تصلح صورتك قدام الكل، أحسن يفتكروك سوسن ولا حاجة
ضحك فارس بخفوت و هو يرسل بضع كلمات لشخص ما ليأتيه الرد بعد دقائق فابتسم بتوسع وهو يعطي الهاتف لكارم سرعان ما خرج الاثنان بدون ان يلاحظ احد من المكان !!!!
.......
اشتعلت أعين كلاً من أنجي وسمر ما إن وقعت أعينهما على ميان وهمس، وهما تتمايلان بدلال على أنغام الأغاني التي كانت تصدح في المكان
اقتربت والدة فارس من أنجي وسمر، ومالت عليهما قائلة بحزم:
طالما جيتوا هنا، نفسكم مايطلعش ولا تقولوا غير كل خير و بس واللي هتعمل عكس كده ، ماتلومش غير نفسها و بس !!!
جلست كلاً من ميان و همس بينما لينا لم تتحرك سوى القليل بأمر من الجميع لأجل جنينها
كانت انجي قد وصلت لأعلى درجات الحقد والغضب بينما ترى ميان تتمايل بدلال و انوثة و زاد الأمر اكثر عندما رأت السيدة التي ترسم الحناء توشم جسدها بأسم " فارس " و خالتها تقدم لها عقداً من الألماس خاص بالعائلة
مالت سمر على شقيقتها انجي وقالت بغل و حقد :
شايفة بتعمل ايه ، و خالتك راحت عطيتها العقد بتاع العيلة اشمعنا لما انتي اتجوزتي فارس ماعملتش كده ، طايرة بيها من الفرح و كأنها أول مرة يكون ليها مراة ابن و ان الزفتة دي مش التانية
جزت إنجي على أسنانها بحقد، بينما كانت سمر تقول بغل، عيونها مليئة بالحقد وهي تحدق في همس، التي كانت تتلقى عقدًا مشابهًا لذلك الذي حصلت عليه ميان، وهو هدية خاصة من عائلة الحسيني :
يوم ما يفكر يتجوز مايفكرش غير في دي ، يسيبني أنا اللي فضلت طول عمري مستنية منه نظرة و يروح لدي ليه فيها ايه زيادة عني ، جميلة طب ما انا كمان جميلة و أحلى منها
رددت إنجي بابتسامة مشوهة لم تخفي نظرات الحقد والغل التي كانت تملأ عينيها تجاه ميان :
فرحانة اوي يا ميان ولا كأنها ليلة فرحك الأولى ، مع انه المفروض فرحك التالت مش كده ولا ايه !!
ردت عليها ميان بتهكم :
اهو على الأقل حد عبرني مش قاعدة جنب الست الوالدة سنين زي البيت الوقف !!!
جزت انجي على اسنانها بغل وقالت بتقليل من ميان :
تحبي تاخدي شوية نصايح مني تنفعك ، اصل محدش يعرف فارس قدي و ياما قضينا ليالي سوا ماتتوصفش بكلام وكان بيكون مبسوط على الآخر
ضحكت ميان باستهزاء وقالت :
طب لو كان مبسوط....سابك ليه من الأول ، قال أخد منك انتي النصايح قال، وفريها لنفسك يا انجي.....يمكن تلاقي حد يعبرك !!
رددت سمر تلك المرة بحقد مماثل تجاه همس :
ايه شعورك يا همس ، أكيد خايفة مش كده ، ان العريس يسيبك و يهرب يوم الفرح و يرجع في كلامه زي ما اللي قبله عملها !!!!
ردت عليها همس بتهكم و هي تضع قدم فوق الأخرى :
ايه يعني هرب ، كلب وراح و جيه بداله راجل الكل بيتمنى نظره منه و غيري هيموت عليه و بيتمناها بس حبيبي مش بيحب الرخيص اللي مرمي تحت رجليه ، اختار الغالي، اصل الغالي بياخد الغالي
نظرت والدة فارس اليهما بتوعد و هي تهمس لشقيقتها بحنق :
لمي بناتك والله لو الليلة باظت بسببهم ما هيحصلهم طيب و لا ليكي كمان عشان معرفتيش تربي
زفرت الأخرى بضيق دون أن تجيب، لتتابع سمر بغل، ولم تكن لتصمت:
يمكن عارف انه رخيص بس حب يجرب وكارم طول عمره ما بيحبش الحرام !!!
كما يُقال 'لعبت بعداد عمرها'، عندما لفظت تلك الكلمات التي أشعلت أعين همس وميان بالغضب، خاصة حين قالت إنجي هي الأخرى بكلمات مليئة بالغل والسخرية، بعد ان فقدت السيطرة على نفسها تمامًا :
لأ مش يمكن يا سمر، هو فعلاً كده ، اصلها لو غالية كان غيره سابها و فضل عليها تانية ليه !!!
ردت عليها ميان بصوت حاد و شرية :
طب ماتقوليش على نفسك كده يا سمر ، قطعتوا قلبي هو يعني عشان فارس فضلني على انجي و كارم فضل همس عليكي تبقي رخيصة
اقتربت منهما هامسة بنبرة ساخرة مسببة لهم اهانه كبيرة :
شهادة حق انتوا رخاص من الأول اصلاً !!
دفعتها انجي بكتفها وقالت بغضب :
انتي بتقولي ايه يا حيوانة انتي !!!
لم تتحمل همس واندفعت نحو سمر، تبرحها ضربًا، بينما لم ترحم يدها أيضًا إنجي....ابتسمت ميان بشر وانضمت إليها
تمكن الجميع بصعوبة من تخليص سمر وإنجي من بين يدي ميان وهمس التي صرخت عليهما بغضب وسخرية :
بجاحة ورخص...عينك عينك كده، هو الجواز بالعافية، مرخصين نفسكم أوي كده ليه، اتنين مش عايزينكم وهو عافية.....
قاطعتها والدة فارس بحدة وغضب، مخاطبة شقيقتها وبناتها:
خدي بناتك وامشي، وخلي بالك الحساب بينا لسه ما خلصش!!!
غادر الثلاثة المكان بغضب، فاقتربت لينا منهما قائلة بمرح :
عاش يا وحوش، يستاهلوا بصراحة
ضحكت همس وميان بخفوت، بينما اعتذرت والدة فارس نيابة عنهما بحرج، فمررت ميان وهمس الأمر دون حديث
........
في قرب الفجر، كان الحفل قد انتهى، فبعضهن غادر، وبعضهن بقي إلى الصباح، كانت ميان تقف أمام المرآة، وقد رفعت عباءتها قليلاً من على كتفها لتكشف عن الوشم الذي نقش عليه اسم "فارس" ابتسمت بخجل وهي تتخيل كيف سيكون رد فعله حين يراه
لكن فجأة فُتح الباب ، وظهر من خلفه اخر شخص توقعت رؤيته، مما جعلها تهتف بدهشة
فارس!!
أغلق الباب خلفه، وتقدم نحوها وهو يتأملها بهيام، وما ان أصبح امامها قال بعشق :
لو فضلت عمري كله اوصف في جمالك....والله قليل عليه
ابتسمت بخجل، ثم ابتعدت قليلاً تسأله بدهشة :
انت جيت هنا إزاي، افرض حد شافك يقول ايه
رد عليها فارس بابتسامة جميلة :
محدش ليه عندي حاجة، إنتي مراتي
ردت عليه بصوت خفيض من شدة الخجل:
فـارس
ابتسم عليها بحبؤ ثم امسك بيدها وجلسا على الفراش، حاولت ميان تهدئة نفسها، لكنها شعرت بالتوتر، فقالت بصوت خجول : مش هينفع !!
رد فارس بتمني :
أنا مستني اللحظة دي من زمان، بس مستعد أستنى أكثر عشانك يا ميان
ابتسمت ميان بخجل، وعينيها تلمعان بالفرح، ثم احتضنته بشوق عميق، كما لو أن هذا العناق كان يختصر كل ما كانت تشعر به من اشتياق طوال الأيام الماضية
........
وفي الغرفة المجاورة، كانت همس تتمايل بدلال بعباءتها السماوية، التي كانت تشبه عباءة ميان ولكن اللون المختلف في تلك اللحظة، دخل كارم بهدوء دون أن تشعر به، ليقف متأملاً هيئتها، وعندما لاحظته في المرآة، التفت بسرعة، ظنًا منها أنه لص، لكن سرعان ما اقترب منها، وقبل أن تتمكن من دفعه بعيدًا، قال بلطف :
أنا كارم، متخافيش.!!!
تراجعت همس، قائلة بصدمة :
إنت بتعمل إيه هنا؟
رد عليها بابتسامة ماكرة:
ماكنتش أعرف إنك بتعرفي ترقصي حلو كده
همس توسعت عيناها بدهشة وقالت بحرج:
لا، مش بعرف، وبعدين انت إزاي تتفرج عليا وأنا...
قاطعها قائلاً بسخرية :
عندك حق، أنتي فعلاً مش بتعرفي ترقصي، في ناس كتير أحسن منك، انتي يدوب على قدك
لكزته بصدره وقالت بغضب وغيرة :
وأنت شوفت غيري فين؟
ثم ابتعدت عنه وقالت بغرور وثقة :
وبعدين سلامة النظر، انت ماشوفتش الجمال
ابتسم وجذبها نحوه، قائلا :
اه انا معنديش نظر و مسكين وغلبان، اعطفي عليا بقى وخليني اشوف الجمال
ابتعدن عنه وقالت بخجل :
مش دلوقتي
ضحك بخفوت وقال بشوق:
وحشتيني اوي
ردت عليه باشتياق مماثل :
انت كمان وحشتني اوي
العشق هو تلك الهمسات التي تلامس الروح قبل أن تلامس الجسد، هو اللحظات التي تتوقف فيها الكلمات وتعجز العيون عن التعبير، هو أن تذوب في قلبٍ آخر حتى تصبح جزءًا من نبضه، وتنسى نفسك في سكون حضوره، في العشق، لا يوجد سوى أنفاس متشابكة، وقلوب تتناغم دون أن تعرف للحساب طريقًا
.......
تحدثت الإسكندرية بأكملها عن جمال وفخامة الزفاف، حيث حرص كل من كارم وفارس على أن يكون كل شيء في أبهى صورة، وأن يمحوا أي ذكرى سيئة قد حفرت في عقول الفتيات سابقًا
"هو انت" قالتها أماليا بصدمة وهي ترى ذلك الشخص الوقح الهمجي، كما أطلقت عليه، يقف بعيدًا وعيناه مصوبتان نحو ميان، عروس فارس، ودموعه تنساب بصمت
اقتربت منه، واختفى الغضب ليحل محله الشفقة واستطاعت أن تخمن من نظراته أنه عاشق لزوجة فارس "ميان"
سألته بصوت رقيق وهي تشعر بالشفقة نحوه :
انت بتعيط !!
أدار سفيان جسده سريعًا عنها، محاولًا مسح دموعه قبل أن يراه أحدا آخر، فتابعت أماليا برقة :
الظاهر إنك بتحبها، شعور بيوجع القلب وبيحرقه...بس شوف الجانب التاني من الحكاية، هي مبسوطة ومع اللي بتحبه وبيحبها
رد عليها بشراسة، رافضًا أي شعور بالشفقة من ناحيتها:
مايخصكيش!!!
جزت على اسنانها بغضب ثم قالت بغيظ :
تصدق انا غلطانه اني عبرت واحد زيك، ماينفعش معاك غير اللسان الطويل والدبش بس يا همجي
صرخ عليها بغضب قبل ان يغادر :
لمي لسانك و بلاش غلط، لو شوفت وشك مرة تانية قدامي انتي حرة بقى على اللي هعمله فيكي!!!!
........
انتهى الزفاف أخيرًا، ليزفر كلاً من كارم وفارس بارتياح، حمل كل منهما عروسته بين ذراعيه متوجهين إلى عش الزوجية
دخل فارس بها الى غرفته وهو يبتسم بتوسع، بينما كانت ميان تغرق في خجلها، قال بمرح :
الليلة ليلتك يا عروستي!!
لم ترد عليه، فوضعها على الفراش وجلس أمامها ينظر إليها بحب، توترت من نظراته، وقالت بتهرب:
انا هدخل أغير هدومي
قبل أن تقف، مسك بيدها وقال بصوت حنون :
ميان، ممكن تهدي، صدقيني، مفيش حاجة هتحصل غصب عنك أبداً
ثم حاوط وجهها بيديه، وقال :
حسي بأي حاجة الليلة إلا الخوف، وانتي المفروض اكتر واحدة عارفة إني احميكي من نفسي مش بس من الناس
أومأت له بتوتر وخجل، فانحنى ولثم جبينها بحب، وقال :
هسيبك تغيري هدومك، وهروح البس في الأوضة التانية، متنسيش تتوضي عشان نصلي سوا
خرج ليتركها لتبدل ملابسها، وما ان انتهت في ارتفع رنين هاتفها وكان اتصالًا من والدة فارس التي قالت ما ان فتحت ميان الخط :
متخافيش يا ميان ، انسي الخوف ، و بلاش تضيعي فرحة انهارده بخوفك اللي ملوش داعي ، فارس جوزك و انتي مراته و حبيبته لا يمكن يأذيكي ، انا مش محتاجة اقولك الكلام ده عن فارس
ثم تابعت بحنان :
اطمني يا بنتي و شيلي الخوف من قلبك ، انا اسفه لو كنت ضايقتك باتصالي في وقت زي ده بس حسيت بخوفك لما سيبناكم ومشينا فحبيت اطمنك
ردت عليها ميان بامتنان، وشكر حقيقي:
اتصلي في اي وقت يا طنط عمري ما اتضايق ابداً ، شكراً على كل حاجة عملتيها معايا و على مكالمتك ، شكراً عشان كنتي ام ليا بجد
ابتسمت والدته في الجهة الأخرى، فخورة بما سمعته من زوجة ابنها فحين كانت في سن ميان، عانت من قسوة والدة زوجها وكانت دائمًا تستنكر تلك المعاملة القاسية التي تتعرض لها الكثير من النساء من قبل أمهات أزواجهن تساءلت في نفسها لماذا لا تسود العلاقة بين الزوجة وأم الزوج المودة والحب بدلًا من القسوة؟
بعد الصلاة، جلس فارس على طرف الفراش، يراقب ميان التي كانت تمشي في الغرفة بتوتر ملحوظ، نظرت إليه وقالت بلهجة خجولة متوترة:
تشرب شاي، شكلك عاوز....انا هروح أعملك
كانت على وشك الخروج لكن فارس جذبها لتجلش بجانبه وقال برفق :
اهدي يا ميان
ردت عليه بتوتر :
ما أنا هادية اهو ، مالي يعني
سألها بحنان :
بتحبيني
صمتت للحظات، ثم أجابت بحب صادق:
بحبك وحبي ليك، واللي بعيشه معاك، مسبقش أني عيشته أو حسيت بيه....بحس حب وأمان ورضا بقربي منك يا فارس
رد عليها برفق :
طالما أنا أمانك وبتحبيني، ليه خايفة مني
قالت بخجل:
مش منك
ابتسم فارس برقة، مقتربًا منها بحذر، وكأن اللحظة كانت تتطلب كل رقة العالم. كانت تلك الليلة تفوق كل الوصف، فقد استطاعت ميان أخيرًا أن تتغلب على مخاوفها، وتخلى قلبها عن كل تلك الظلال التي كانت تلاحقها. أما فارس، فقد تمكن بعشقه الكبير لها ان يمحو كل ذكرى أليمة كانت تسكن في عقلها....كانت ليلة تجسد كل معاني الأمان والطمأنينة، حيث اجتمع فيهما الحب الذي لا يتزعزع، وكانها بداية لذكريات جديدة مليئة بالسلام الداخلي والسكينة
........
دخل كارم من باب الجناح الخاص بهما وهو يحمل همس بين ذراعيه، ينظر إليها بابتسامة عاشقة، مغمورًا بجمالها الذي لم يرى له مثيل، لا يصدق بعد أنها أصبحت ملكًا له، وتخصه وحده.
أنزلها برفق، وما إن لمست قدماها الأرض، حتى ركضت بسرعة نحو الكعكة التي وضعت في منتصف الغرفة، قائلة بحماس:
الله، دي بالشكولاتة! حلوة أوي! جت في وقتها، أنا هموت من الجوع وما بقتش قادرة!
جلست على الأريكة وأخذت تتناول منها بتلذذ، بعد ان تخلت عن طرحتها، تمامًا كما نسيت وجوده، كان كارم يراقبها بدهشة، غير قادرًا على تصديق ما تفعله
ضحك بخبث، وأخذ يزيل رابطة عنقه، وسترته، ثم بدأ يحل أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر وهو يقول :
مش ناوي تدوقيني الفراولة بالشكولاتة يا قمر؟
قال الأخيرة وهو يقترب منها، فالتفتت إليه وقالت ببراءة :
أنت عاوز فراولة بالشكولاتة....ما تطلبها
ضحك بخفوت وقال بمشاكسة :
مش خسارة لما أطلب منهم يجيبوا فراولة، وأنا أصلاً عندي الفراولة كلها
سألته باستفهام بينما كانت مشغولة بابتلاع قطعة من الكعكة:
"هي فين دي؟
قام بتحريك رأسه بيأس، فسألته بغيظ :
ما توضح كلامك يا بابا، فيه إيه
ابتسم بمكر وقال :
حاضر يا روحي، من عيوني، هوضح وأشرح بالتفصيل الممل
ثم رفعها بين ذراعيه، فشهقت بفزع وقالت بغيظ:
حد يخض حد كده، اتفضل نزلني بقى
شاكسها كارم قائلا:
ادفعي الأول!
ردت عليه باستنكار :
ادفع!!!!!
أومأ لها بجدية، فردت بحنق:
حاضر، عاوز كام يا أخينا...؟
لكنّه قاطع حديثها عندما ألقاها على الفراش، قائلاً بغيظ :
والله، إنتي فقيرة ومش فاهمة، عاملك رومانسي وبعاكسك، وإنتي ما شاء الله كتلة غباء، والظاهر أنك م بتجيش غير بالسك على دماغك، ومالكيش في الرومانسية!!!
شعرت بخجل مما قال، لكنه ردت عليه بغيظ:
ماتشتمنيش
رفع يده كأنه سيعاقبها، لكنها قالت بتوتر :
اهدأ بس تعمل إيه؟
نظر إليها ساخراً وقال :
ناس مابتجيش غير بالعين الحمرا بالسك على دماغها
اغتاظت بشدة فردت عليه بغيظ :
أنا سكتالك من...
لكنّها شهقت وقُطعت كلماتها عندما قال فجأة بتوعد :
أنا دلوقتي عرفت أزاي هسكتك
توسعت عيناها بصدمة حين شعرت بيديه تقيدان يديها بالأصفاد، فصرخت عليه غاضبة :
كارم، أنت بتعمل إيه....فك البتاع ده
لكنه اقترب من أذنها وقال بمكر :
اهدي يا عروسة، ده الليلة ليلتك، زي ما بيقولوا
شهقت بفزع وهي ترتجف كالعصفور، عندما اقترب منها كارم وقال بمكر :
استعنا على الشقا بالله
تسمرت مكانها، وغاصت نظراتهما في عمقٍ لم تعرف له قرارًا ومنذ تلك اللحظة، سكتت شهرزاد عن الكلام غير المباح، وأبحرا معًا في محيطات العشق، حيث اشتعلت الأرواح وانصهرت الحدود، ليجمعهما صمتٌ أعمق من أي حكاية
......
في منزل دافئ، يتسلل صوت وردة من المطبخ حيث كانت الأم تعد الإفطار لأطفالها وزوجها، قبل أن تتوجه لعملها، كانت أماليا تقف في منتصف الغرفة، مشغولة، مرهقة، تحدث نفسها وهي على وشك البكاء :
حبكت يعني تروحي الفرح امبارح، نامتي متأخر، وصحيتي متأخر،....وهتخسري فرصة شغل ماتتعوضش، فقرية من يومك يا أماليا
دخل شقيقها الأكبر "علي" قائلاً بابتسامة مرحة:
كالعادة متأخرة وبتلفي حوالين نفسك
ردت عليه بغيظ، وهي تضع بعض الأوراق في حقيبتها:
"بس يا علي، مش ناقصاك دلوقتي كلمة كمان وهعيط والله، خالك هيبهدلني، اتأخرت ومش عارفة أعمل إيه
ضحك وقال بحنان :
متخافيش، هتعدي والله، ولو ضاعت الفرصة دي، تيجي غيرها، ده انتي بنت هاشم السباعي، يعني الف شركة يتمنوا يخدموا أبوكي ونشتغل عندهم
ردت عليه بضيق :
مش عايزة واسطة، انا حبيت الشغل ده عشان اختاروني على حسب تصاميمي مش عشان اسم بابا
ضحك بخفوت ثم قال :
ايه يعني اتأخرتي؟ اعتذري، لو قبلوا، خلاص، لو ما قبلوش، هما الخسرانين.....يلا خلصي بسرعة هوصلك في طريقي
صفّقت بسعادة واندفعت للخارج مسرعة، تدعو الله ان تصل قبل الميعاد
بعد قليل توقفت أماليا أمام السكرتيرة الخاصة بصاحب الشركة، تسألها بانفاس لاهثة من شدة الركض :
أماليا السباعي، عندي ميعاد، انا اللي هتكون مسئولة عن التصميم الجديد
أومأت السكرتيرة، وقبل أن تتحدث، خرج خالها وابنه من غرفة المكتب، قائلاً بنبرة حادة وغيظ :
طب ليه تتعبي نفسك، كنتي كملي نوم في البيت، وخلينا احنا هنا في نص هدومنا مع الناس
ردت عليه بخجل :
ماكنش قصدي والله، انا اسفه......
قاطعها ابن خالتها فادي قائلاً :
حصل خير يا أماليا، بس أهم حاجة دلوقتي تركزي على مواعيدك، عجبهم شغلك وعايزينك تنفذيه، بس لازم تلتزمي بميعاد التسليم وده اهم حاجة
صفقت بيدها بسعادة وعانقت خالها، وهي تقول بحماس :
حقك عليا يا خالو، آخر مرة من....
قاطعها قائلاً بسخرية :
عارف هتقولي ايه حفظت خلاص، هتظبط ساعتك عليا، وزي كل مرة بترجع ريما لعادتها القديمة
ردت عليه أماليا بمرح :
اسمي أماليا مش ريما يا خالو، سلامة عقلك
نظر إليها بغضب ثم دفعها برفق، وغادر مع ابنه، لم تلحق بهم فدخلت المصعد المجاور، لكن قبل أن يغلق تفاجأت بشخص بأخر شخص توقعت رؤيته وهنا بالذات.....!!!!!
.........
البارت خلص 🔥
مستنية رأيكم يا حلووووين ♥️♥️
رواية بعينيكِ أسير بقلمي شهد الشورى "مكتملة" الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم 👑 شهد الشورى 👑
ما إن وقعت أعين أماليا على ذلك البغيض الذي دمر لها سيارتها يركب برفقتها المصعد رددت بغيظ وحدة :
انت طلعتلي منين تاني؟
لم يرد عليها سفيان مما أشعل غضبها لتتابع بغيظ :
شوف انا مش عايزة أتخانق ومزاجي رايق فهسكت أحسن
تنهد قائلاً ما إن توقف المصعد وخرجا :
على فكرة انتي اللي كبرتي الموضوع والدتك ست محترمة جداً وبعزها معرفش انتي طالعة لمين بلسانك الطويل ده
توقفت فجأة وردت عليه بغيظ:
شوف بترجع تغلط تاني ازاي وبعدين أنا لساني طويل مع اللي يستاهل كده
نظر إليها بصبر نافذ وقال :
خلصنا من الموضوع ده خلاص واتقفل ياريت بعد كده تحفظي لسانك عشان مش أي حد هتتكلمي معاه كده هيسكت ولو شخص مش محترم أقل حاجة هتلاقي كف نازل على وشك
جزت على أسنانها بغيظ فسألها سفيان بهدوء:
الموضوع ده يخلص إزاي؟
ردت أماليا على الفور:
تعتذر وتصلح العربية اللي باظت بسببك
صحح لها بابتسامة جانبية :
قصدك اللي باظت بسبب جهلك للسواقة
زفرت بضيق لتسمعه يضيف بصرامة :
وانتي كمان تعتذري على لسانك الطويل
اومأت على مضض وما إن اعتذرا الاثنان لبعضهما سألته محاولة تذكر اسمه :
انت اسمك إيه؟
التفت إليها قائلاً بهدوء:
سفيان...سفيان العزايزي!!
توسعت عيناها بصدمة وهمست وكأنها تتأكد:
صاحب.....
قاطعها قائلاً بابتسامة ساخرة :
بالظبط انتي بقى مين وبتعملي إيه هنا؟
تلعثمت في كلماتها وهي تخبرته عن هويتها بسرعة قبل أن تفر للخارج وهي توبخ نفسها بصوت منخفض وتندب حظها السيء لأن فرصتها التي ظنت أنها ذهبية تأتيها من هذا الرجل!!!!
........
خرجت ميان من الحمام وعلى وجهها علامات خجلٍ لا تخطئها العين، تتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعها كلما استرجعت ما حدث ليلة أمس، بخطواتٍ متسارعة، اتجهت إلى غرفة الملابس، متجنبةً النظر إلى فارس، الذي استند على طرف الفراش، يرمقها بابتسامة تجمع بين المرح والمكر
ما إن دخلت الغرفة وأخذت تنتقي ثوبًا ترتديه، حتى لحق بها فارس بصمت، مراقبًا اختياراتها بمكر، اقترب منها ببطء، واحتواها بذراعيه، مستنشقًا رائحة الياسمين المنبعثة من شعرها هيام، شهقت بخفة، ثم خفضت نظرها بخجل عندما قال بصوتٍ واثق ومغلف بلمحة من الغيرة:
الفستات ده مناسب لما تكوني وسط العائلة، لكن معايا أنا، عايزك تختاري حاجة تليق بمراتي، وبجمالها اللي مش ممكن أتشارك فيه مع حد
همست باسمه بارتباك :
فارس...!!!
أدارها برفق لتواجهه، ولم يتردد في لمس وجهها بأنامل تحمل من الرقة بقدر ما تحمل من قوة التأثير، مرددًا بشغفٍ نابع من أعماقه :
عارفة يا ميان، أنا فخور إن ربنا ميزني بحاجة مافيش زيها، رزقني بيكي وخلاكي من نصيبي، كل جمال الدنيا اتجمع فيكي، وكأنك اتخلقتي عشان تكوني ليا وحدي
توردت وجنتاها، وتحاشت عينيه، محاولةً أن تغير الموضوع، لكنها لم تستطع الرد على دفء كلماته سوى بابتسامة خجولة فجأة، وقبل أن تستوعب ما يحدث، رفعها بين ذراعيه بخفة مما جعلها تهتف بحرج :
فارس! نزلني، بلاش هزار
ضحك بخفة، قائلاً بمكر وهو يمضي بها نحو الفراش :
هزار ايه بس، ده نقاش مهم جدًا، لازم نتناقش في سؤال شاغل بال البشرية كلها
نظرت إليه بشك، وسألته :
سؤال إيه؟
ابتسم بتسلية وقال بمكر :
كم عدد طائر البطريق في القطب الجنوبي في الشتاء؟
ضحكت رغمًا عنها، لكنها سرعان ما استدركت، قائلة بغيظ :
فارس....مش وقتك
لكن فارس لم يتراجع عن مشاكسته، وألقى بها برفق على الفراش، ثم انحنى نحوها، مرددًا بعشق:
على قد ما عيشت على إيدك وجع عمري ما حسيت بيه، على قد ما عيشت بسببك سعادة مكنتش أحلم بيها، كل لحظة معاكي تساوي عمري كله، أنتي السبب في كل فرحة، وكل ضحكة، وكل لحظة حلوة في حياتي
حينها، تلاشت كل اعتراضاتها، ولم تستطع سوى أن تستسلم لدفء حضنه وكلماته، تاركةً قلبها ينبض بحبٍ يليق بمكانته في حياتها
...........
على الناحية الأخرى، استفاقت همس ببطء، وفتحت عيناها بصعوبة، لا يزال النعاس يغمرها، لكن سرعان ما اتسعت عيناها بصدمة عندما أدركت الموقف الذي هي فيه، وكذلك وجود كارم إلى جانبها، وقبل أن تفعل أي شيء، تذكرت ما حدث، وأخذت تمرر أصابعها على شفتيها بخجل، حاولت أن تنهض من الفراش، لكنها توقفت فجأة عندما رفعت يدها لتجدها مكبلة بأصفاد، والتي كانت متصلة بيد كارم الذي بدأ يتحرك بمجرد أن شعر بها تتحرك !!
ردد كارم بصوت منخفض وهو يقترب منها، جاذبًا إياها برفق إلى حضنه مرة أخرى :
كان عندي شعور إنك أول ما تصحي هتهربي، فقررت أسبقك وأربطك لجنبي
ابتسمت بغيظ وقالت :
كلبش....كلبش يا كارم، هنبتديها كده، فاكر نفسك بتتعامل مع المجرمين والحرامية
ابتسم بمكر، ورد عليها بهيام :
انتي أخطر من كل دول، انتي سرقتي قلبي، سرقتيني كُلي، وفي الآخر بعد كل ده تبقي معملتيش حاجة !!
ابتسمت بخجل، ولم تجب، فتابع كارم مشاكساً اياها :
مش معقول عيشت وشوفت اليوم اللي همس فيه بتتكسف
ردت عليه بغيظ :
انت رخم اوي !!!
سألها بمكر وهو يقترب أكثر :
انا رخم
أومأت له بالإيجاب، فقال بابتسامة واسعة وهو يقترب منها :
طب ما تيجي تشرحيلي رخم ازاي !!!!!!
........
بعد يومين، كانت همس تمشي بجانب كارم في شوارع باريس، حيث الهواء العليل، كانت ضحكتها تملأ المكان، لكن سرعان ما تغيرت تعابير وجهها عندما لاحظت فتاة تمر بجانبهم تطلق نظرة جريئة باتجاه كارم، بل وغمزت له بعينها بشكل مستفز
التفتت همس إلى كارم بنظرة حادة، وعندما رأته يحاول إخفاء ابتسامته، انفجرت غاضبة معبرة عن غيرتها :
ايه مداري الضحكة ليه، عجبتك البجحة قليلة الادب دي، طب والله لا أسحبها من شعرها
ركضت خلف الفتاة، لكن كارم لحق بها بسرعة، وأمسك بها من خصرها وحاول أن يهدئها، قائلاً بمرح :
اهدي يا حبيبتي متزعليش، هي صحيح أحلى منك شوية لأ شويتين تلاتة، لكن إنتي برده حلوة، وعجباني...متزعليش نفسك
انفجرت همس غاضبة وقالت بغيرة :
المقشة الصفرا دي أحلى مني؟! روح اكشف نظر يا حبيبي دي تقرف الكلب، على فكرة هي مشيت من هنا، لو عجبتك روحلها
ركضت بسرعة مبتعدة، تاركة كارم يقف في مكانه يضحك بقوة لكنه لم يتركها تبتعد كثيرًا، وركض خلفها قائلاً :
يا مجنونة، استني، هو الواحد ميعرفش يهزر معاك
التفتت إليه بغضب وضربته في صدره قائلة بغيظ:
تهزر معايا، تقوم تحرق دمي
جذبها إلى حضنه، وهو يضحك ثم قال بمكر:
أهو تسدي شوية من الديون اللي عليكي، ده انا ياما شوفت على ايديكي حاجات كتير، واتحرق دمي
ضحكت همس بخفوت، ثم لكزته بخفة وقالت :
بتردها ليا يعني؟
أومأ كارم برأسه قائلاً بحماسة:
بصراحة آه
وبينما كانا يسيران معًا في الشوارع، احاط بيده خصرها، وسألها بابتسامة عاشقة :
انتي صدقتي بجد انها ممكن تكون عجبتني
نفت همس برأسها وقالت بصدق:
لأ طبعًا، أنا بس غيرت عليك وده حقي، لكن عمري ما أصدق إنك تبص لغيري، لأن لو النوع ده يعجبك مكنتش فضلت مستنيني السنين دي كلها
ابتسم كارم، وعيناه تلمعان بمكر، عندما جذبت همس قميصه، ثم قالت بصوت صارم :
أما بخصوص كلامك اللي قولته، أحب أقولك إنك قطعت برزقك، وتاني مرة لو عملتها يا حبيبي، قول على نفسك يا رحمن يا رحيم
وقبل أن تبتعد، حملها كارم بين ذراعيه فجأة، فشهقت همس بصوت عالي قائلة :
انت بتعمل إيه يا مجنون، نزلني الناس بتبص علينا !!
تمسك بها أكثر وقال بتحدي :
اللي ليه حاجة عندي يجي ياخدها
ثم تابع بمكر وهو يقترب منها :
وبعدين، سيبك منهم، خلينا نرجع الفندق دلوقتي عشان تعرفيني إزاي أقول على نفسي يا رحمن يا رحيم....بس تشرحيلي كل حاجة بالتفصيل الممل!!
...........
في غرفة بأحد فنادق اليونان، حيث النسيم العليل يتسلل عبر النافذة، كانت ميان تحاول بشتى الطرق أن توقظ فارس، صوتها المرتفع والمليء بالتذمر يقطع هدوء الصباح :
فارس، اصحى بقى إحنا بقالنا يومين هنا ولسه مخرجناش لأي مكان، اصحى أنا زهقت وجعانة، كفاية نوم بقى، الجو برا يجنن....عايزة أخرج!!!
ردد فارس، الذي بالكاد استطاع فتح عينيه، جذب الوسادة فوق رأسه :
حاضر....ساعتين كمان وهقوم
لكن ميان، التي نفد صبرها تمامًا، سحبت الوسادة من بين يديه قائلة بغيظ :
لأ، هتقوم دلوقتي حالًا
فجأة، وقبل أن تكمل، وجدت نفسها بين ذراعيه، وقد سحبها نحوه حتى أصبحت قريبة منه تستند بيديها على صدره، ردد فارس بعشق :
طب قوليلي صباح الفل الأول
ابتسمت رغم انزعاجها، ولثمت وجنته قائلة بحب :
صباح الفل يلا بقى قوم
همت ميان بالابتعاد، لكنه جذبها مجددًا، والابتسامة الماكرة تعلو وجهه :
لا انا قصدي على صباح فل تانية.... مش دي!!
حدقت فيه مستغربة، لكن قبل أن تستوعب، وجدت نفسها أقرب إليه مما توقعت...شعرت بدفء اللحظة يسيطر عليها، بينما استسلمت للحظة قصيرة بدا فيها وكأن العالم من حولهما قد تلاشى، ابتسم فارس وقال بمكر مشاكساً اياها :
"صباح السكر يا سكر
نظرت إليه بيأس وضربته بخفة على صدره قائلة :
عمري ما شفت حد بيصحى على قلة الأدب زيك
ضحك فارس بقوة، ثم جذبها برفق حتى سقطت بجانبه على الفراش، وقال بمكر وهو يقترب أكثر :
يبقى ما شوفتيش يا روحي.....ولازم تكشفي نظر
ابتعدت عنه بسرعة، عاقدة حاجبيها بغيظ :
إنت بتعمل إيه، أنا عايزة أخرج، كفاية كسل وقلة أدب!!!!
نظر إليها ببراءة مصطنعة وسألها:
انتي شوفتيني بعمل قلة ادب دلوقتي
ردت عليه بتهكم وهي تضع يدها على خاصرتها:
أومال إيه اللي حضرتك كنت بتعمله؟!
ابتسم بمكر وهو يقترب ليغلق أضواء الغرفة، ثم همس لها بصوت منخفض :
هكشفلك نظر يا سكر !!!!!!
.......
يجلس سفيان ينظر للفراغ بشرود غير منتبه لأماليا التي تتحدث قرابة النصف ساعة بالعمل و ما ان وجدته شارداً غير منتبهاً إليها رددت بضيق :
بقالي ساعة بتكلم، وإنت مش معايا خالص دلوقتي وقت البريك، وأنا جعانة، وما عنديش طاقة أعيد الشرح تاني.
رد عليها بهدوء :
روحي اتغدي
اخذت تجمع اغراضها وهي تسأله بتعجب :
طب وانت مش هتتغدى زي باقي البشر
تنهد سفيان ثم رد عليها بضيق :
مليش نفس
جلست مرة أخرى وقالت بتردد :
بقولك ايه هو انت فعلاً قريب مراة الدكتور فارس
تهجم وجهه على الفور من سؤالها فتابعت أماليا بتوتر :
هو انا قولت حاجة غلط، انا بس بسأل
رد عليها باقتضاب :
تبقى بنت خالتي وطليقتي !!!!!
توسعت عيناها بصدمة فسألته على الفور :
لسه بتحبها !!
زفر سفيان بضيق ورد عليها بحدة :
انتي مش صدعتيني لأنك عاوزة تتغدي ما تروحي بقى مكان ما كنتي رايحه وحلي على دماغي
ردت عليه بكل برود :
رجعت في كلامي، عايزة اسمع الحكاية
لم يجيب فأخذت تسأله بفضول :
طالما بتحبها اوي كده ليه اتطلقتوا !!
رد عليها بتهكم :
عرفتي منين اني بحبها اوي كده
ابتسمت ثم قالت بهدوء :
جدو الله يرحمه كان يقول الراجل اللي يبكي على واحدة ست....ده معناه انها غالية عنده اوي وبيعشقها، ليه سبتها طالما مش قادر على بُعدها
صمت مرة أخرى فعادت تسأله :
مكنتش بتحبك !!
انفجر بوجهها قائلاً بصوت مختنق والندم ينهش قلبه:
السبب هو انا، كل حاجة وحشة حصلت ليها كانت بسببي، محدش حبني وفضل يعافر معايا قدها....وياريتني قدرت !!!
رغم انها تأثرت بحديثه وشعرت بالحزن لأجله لكنها رددت بمرح مماثل لشخصيتها التي تكره الحزن و تلك الاجواء :
انا برده قولت كده، اتعاملت معاك من أول مرة وقفلتني منك ومكنتش طيقاك ما بالك هي اللي كانت مراتك، يا اخي ده من أول مرة كنت كده ما بالك هي الظاهر كان نفسها طويل و خلقها واسع
صمت و لم يجيب لتعاود الحديث قائلة بحرج :
هو في المواقف اللي زي ديه ايه اللي بيتقال !!!
رد عليها بضيق بعد صمت دام للحظات:
أكيد اي حاجة كويسه غير الدبش اللي رميتيه
نظرت إليه بغيظ وقالت :
شكراً، كلك ذوق
قالتها ثم غادرت مرت نصف ساعة وها هي تعود إليه مرة اخرى :
رجعتي تاني ليه، ابقي خبطي الباب بعد كده قبل ما تدخلي ده بعد اذنك يعني
جلست أماليا على الاريكه الجلدية بمكتبه وهي تفتح اكياس الطعام :
سمي الله و تعالى كُل يلا
لم يأتي فرددت بغيظ :
هفضل مستنية جنابك يعني يلا عايزة اكل
رد عليها سفيان ببرود :
ما تاكلي هو حد ماسكك !!!
زفرت بضيق وقالت :
مش بحب أكل لوحدي
اقترب منها ببطىء فابتسمت بتوسع و هي تعطيه شطيرة، فسألها بفضول :
ايه ده !!!
ردت عليه اماليا وهي تقضم من خاصتها بشهية :
سندوتشات بطاطس سوري، ايه مش بتحبها
تناولها سفيان وهو يقول بهدوء :
اول مرة اكلها !!!
ردت عليه بتهكم :
هو فيه حد ميحبش السندوتشات السوري، دول بيعملوا حاجات انما ايه عسل اوي
ابتسمت وهي تتابع حديثها بحماس :
دوق دوق ده انت مش بعيد تدمنه بعد كده
بعد وقت ابتسمت أماليا ثم قالت وهي تعطيه منديلاً :
خد امسح الكاتشب، بهدلت نفسك !!
تمتم سفيان قائلاً بسخرية :
قولي لنفسك الأول، انا اول مرة اشوف شنب احمر في ابيض
نظرت له بغيظ و لم ترد فسألته :
عجبك
اومأ لها وقال بهدوء :
حلو اوي
ابتسمت ثم قالت بحماس :
هخليك تجرب الباقي هيعجبوك
اخرجت هاتفها تعطيه له قائلة بحماس :
بما انك خلصت صورني صورة حلوة
سألها بدهشة واستنكار :
وانتي بتاكلي
اومأت له قائلة بعدم اكتراث :
اه بحب اتصور في اي وقت !!!
اخذ الهاتف يلتقط لها صورة و ما كاد ان يغلق الهاتف طلبت منه ان يصور عدة صور حتى تختار الأفضل
دخل بتلك اللحظة قصي و دقبل ان يتحدث توقف مكانه ينظر للمنظر مصدوماً سفيان يجلس باريحيه يأكل برفقة تلك الفتاة التي لم يلتقي بها سوى مرات قليلة جداً.....بل ويلتقط لها صوراً
حمحم سفيان بحرج ثم قال :
خير يا قصي كنت عايزني في حاجة
اومأ له قصي وهو لايزال مزهولاً :
اه كنت هقولك انا هروح بدري انهارده عشان عندي مشوار و كمل انتي بدالي
اومأ له سفيان بحرج وما ان غادر نظر لأماليا التي تلتقط لنفسها عدة صور مرددة بتغزل بنفسها :
عسل طول عمرك يا ميلا
اخذ يضب معها الاغراض وينظفون مكانهم بعدها جلست معه يتحدثون بالعمل :
اللون الأسود حلو وشيك وكل حاجة بس انت مختاره اوفر اوي
اشارت إلى احد الصور :
شوف اللون البني بكل درجاته خصوصاً الفواتح منه جميلة اوي وشيك ومريحه للعين خصوصاً بقى لو ممزوجه مع اللون الأبيض
ثم تابعت بحماس :
ممكن كمان نستخدم الفيروزي مع الرمادي الفاتح كمان شيك اوي ، فيه الوان كتير اشيك من الاسود ، الصراحة الفواتح تجنن و بتدي احساس مريح للعين
اومأ لها بصمت وهو يتابع ما تعرضه عليه بذهن مشتت فقد تركزت عيناه على جيدها الطويل الذي ظهر بوضوح بعدما رفعت خصلاتها لأعلى وبعض منها يتدلى بشكل فوضوي جميل
لا يعرف ما يحدث لكنه يجد صعوبة في ابعاد عينيه عنه خاصة بتلك الشامة التي طبعت على يمينه
ما ان نظرت إليه اشاح بوجهه سريعاً حتى لا تنتبه وبداخله يوبخ نفسه وبشدة على فعلته سرعان ما عاد عقله يردد باعجاب ان تلك الفتاة تمتلك.....عنقاً جميلاً حقاً !!!!
رددت أماليا بحماس و هي تشير لاحد الصور :
اما بخصوص مكاتب الموظفين ممكن نغير من شكلهم لكده هيكون جميل جداً وتقدر تستغل المكان اكتر و يكون واسع ليهم
اومأ لها بنعم فاخذت تضب اوراقها وهي تقول :
كده يبقى اتفقنا على الطوابق بتاعت الموظفين والمسئولين فاضل بس الاستقبال معايا تصميم حلو وشيك اوي ليه
سألها سفيان بهدوء :
هتبتدي امتى فيهم.!!
ردت عليه بعد تفكير :
هبدأ بعد يومين نكون جهزنا الحاجات اللي اتفقنا عليها وتكون حضرتك فضيت لينا الطابق اللي هنبدأ شغل فيه وعشان انت مستعجل هزود عمال بحيث اننا نخلص كل طابق في يومين او تلاتة ومنزودش عن كده، عندك اي ملاحظات عايز تضيفها !!
اومأ لها ثم قال بهدوء :
ذوقك في الألوان حلو على فكرة
ردت عليه بابتسامة واسعة وغرور زائف :
شكراً كلهم بيقولولي كده
ثم شاكسته قائلة :
فكها كده الله يخليك مش ناقصه اكتئاب وحزن، مسيرك تلاقي اللي تنسيك ميان و تكون عوض ليها و عوض ليك ، انا معرفش ايه الحكاية بس طالما الغلط كان عندك اتعلم منه و بلاش تكرره تاني
تنهد قائلاً بغيظ :
حد قالك انك حشريه قبل كده !!
ردت عليه اماليا بسخرية :
طب انت حد قالك انك قليل الذوق ودبش قبل كده
صرخ عليها بغيظ وحدة :
لسانك بيطول تاني
اخرجت له لسانها قبل ان تغادر قائلة :
مش أطول من لسانك اللي طولته الأول
ابتسم سفيان بخفوت عليها بعد ان غادرت ثم عاد ليتابع عمله !!
.......
انتهى شهر العسل الخاص بهم و ها هم عادوا لوطنهم من جديد وعاد كلاً منهم لحياته
"مالك حصل حاجة" قالها فارس بقلق و هو يرى تخشب جسد ميان وهي تنظر لشخص ما بغضب و نفور بعدما تركها لدقائق ليشتري زجاجة مياه
لم تجيب فكرر النداء بقلق :
ميان !!!
كورت قبضت يدها بغضب وقالت :
هو اللي اتفق مع كاميليا ونرمين عشان يخلوه يشك فيا ، يومها جالي و حضني بالغصب ساعتها استغربت عمل كده ، مكنتش فاهمه ليه.....بس بعدين فهمت
كاد ان يلحق به فارس ليبرحه ضرباً لكنها تمسكت به وقالت بقلق :
انت هتعمل ايه!!!!
التفت إليها قائلاً بغضب :
انتي شايفة ايه، سيبيني و متدخليش
نفت برأسها وقالت برجاء :
كفاية يا فارس متخلنيش اندم اني قولتلك، وبعدين هو مشي خلاص
زفر فارس بضيق ثم جلس على مقدمة السيارة فجلست بجانبه في صمت، حتى قال فارس بحيرة :
هو المفروض اني كنت اضربه، ولا اشكره ولا أعمل ايه بالظبط
نظرت له بعدم فهم، فتابع فارس حديثه :
لولا اللي عمله كنتي زمانك مع سفيان دلوقتي، ومكنتش هتقابل انا وانتي ولا كنت هعرفك د، و لو عرفتك بعدين كنت متأكد اني هحبك برده و ساعتها وجعي مكنش هيتوصف بكلمات وكنت هعيش بيه طول العمر....
ثم نظر إليها وتابع بهدوء :
اقولك على حاجة !!
اومأت لها فتنهد بعمق ثم قال :
على قد ما نار بتقيد فيا لما بفتكر اللي عشتيه واللي عملوه معاكي على قد ما بترجع تهدى وغصب عني لما بسأل نفسي لو مكنش حصل كده، كنتي هتبقي ليا وتحبيني ولا كنتي.....
قاطعته ميان قائلة بحب :
كنت هحبك يا فارس ♡
ثم مسكت بكف يده قائلة بابتسامة عاشقة:
سفيان لو مكنش غلط ساعتها كان هيغلط بعدين لأنه زي اللي واقف ومستني ليا غلطه عشان يثبت لنفسه انه تفكيره صح و اني شبه كاميليا واني هكون خاينة وهستغنى عنه بعدين زي ما هي عملت مع ابوه ، واني هكون زيها ، تفكيره غبي بس بابا قالها ليا قبل كده.....هو كأنه ما صدق خلص منا !!
استندت برأسها على كتفه وتابعت :
كله كان هيبان مع الوقت واللي حصل ده كله أحتمال كان يحصل بعدين......
تنهدت بعمق ثم قالت بحب وصدق :
شوف يا فارس انا نصيبي اني اكون ليك واحبك....انت نصيبي اللي فرحانه بيه وهندم لو مكنتش ليا ، انا عارفه ان فيا عيوب يا فارس و عارفه انها تطهق بلد بحالها و تغيظ و يمكن محدش يستحملها والفترة اللي فاتت حصل مني مواقف مش لطيفة خالص معاك د، بس مع كده وقفت جنبي وكملت
صمتت للحظات ثم تابعت بامتنان :
استحملتني وقبلتني بعيوبي وحبتني زي ما انا...عملت معايا كتير حبتني وخلتني احبك ♡
نظرت لداخل عيناه التي دوماً تناظرها بكل حب :
دلوقتي انا بحبك وبعدين هفضل أحبك وكل لحظة في حياتي هعيشها عشان أحبك وبس
ثم اشارت بيدها نحو قلبها قائلة بامتنان :
قلبي مبسوط وهيطير من الفرحة يا فارس، انا حاسة اني اتولدت من جديد وكل يوم بقوم وافتح عيوني عشان بس اعرف انا هعيش معاك ايه انهارده، بحب خناقنا سوا وبحب ضحكنا مع بعض ، كل حاجة بعيشها معاك يا فارس متعة
لثم جبينها قائلاً بعشق صادق :
كل اللي عملته قليل وفداكي عمري كله مقابل بس ابتسامة و ضحكة منك تنور الدنيا ♡
ابتسمت بخجل و هي تشبك اصابعها باصابع يده متوجهين لمنزل والديها حيث كانوا سيقوما بزياراتها
.......
"بتعملي ايه عندك في وقت زي ده" قالها سفيان بضيق لأماليا التي تقف على جانب الطريق و قد رأها و هو يقود سيارته عائدًا من عند فريدة التي مثل كل مرة تجعله يندم انه ذهب إليها
ردت عليه هي الأخرى بنفس السؤال :
انت بتعمل ايه هنا ؟
تنهد قائلاً بضيق :
تعالي اروحك البيت، انتي ازاي تنزلي متأخر كده
ردت عليه بهدوء :
معايا اخواتي !!
اقترب "علي" شقيقها الأكبر يسأل بجدية :
مين حضرته يا أماليا
عرفتهما ببعض، كاد سفيان ان يغادر لكن أماليا استوقفته قائلة بعفوية :
تعالى اقعد معانا هنشرب عصير قصب
اومأ له علي قائلاً بمرح:
اه اصل الست الهانم بتعشقه وكل نزوله لينا اساسي نشربه كلنا مع بعض
ابتسم بخفوت وهو يجلس على المقاعد الحجرية الموجودة على جانب الطريق، بعث علي رسالة لشقيقه حتى مر وقت قصير و اقترب منهم شابان يحملان عدة اكواب
قدمت له أماليا الكوب الخاص به فسألهم :
انتوا اربعه اخوات صح !!!
اومأت له أماليا وقالت بابتسامة واسعة :
اه علي الكبير وبعده نائل وبعده يزيد وانا اخر العنقود أماليا
ابتسم بخفوت مصافحاً اياهم فسأله يزيد :
عندك اخوات
رد عليه بهدوء :
عمار الصغير وابن عمي قصي
ردد الجميع بوقت واحد :
ربنا يخليكم لبعض
تركت أماليا الكوب من يدها تركض بلهفة صوب بائع حلوى "غزل البنات" لحق يزيد و نائل بها
ليتبقى سفيان و علي الذي ردد بمرح :
مطلعه عينك في الشغل مش كده
ضحك سفيان بخفوت قائلاً :
واضح انكم بتحبوها اوي
ضحك علي بمرح ثم قال بحب :
الاخت ام تانيه، حنية الدنيا فيها، بابا كان دايماً يقول اني انا واخواتي الصبيان كبيرنا في يوم هنكون صحابه انما هي قبل ما تكون بنت هتكون....ام واخت وصديقه
ثم تابع و هو ينظر نحو اخوته :
الصراحة أماليا لينا كده، اقولك على حاجة !!
أومأ له سفيان بصمت فتابع علي بحنان :
احنا التلاته منعرفش اي سر عن بعض إلا قليل اوي لكن اسرارنا كلها معاها، خسران اللي معندوش اخت والله خسر حنية كتير اوي
رد عليه سفيان بابتسامة صغيرة :
ربنا يخليكم لبعض
جلست أماليا بجانب سفيان وقالت بصوت خفيض مرح لم يسمعه سواهما :
شكلك عايز تروح، باين عليك زهقت و محروج تمشي صح
نفى برأسه فسألته بتعجب وهي تضع قطعة حلوى بفمها :
اومال مالك ساكت ليه
تنهد ثم قال بحزن خفي :
بتفرج عليكي انتي واخواتك علاقتكم حلوه اوي كان نفسي يكون عندي اخوات كتير زيك ويكون عندي اخت واب وام ، كان نفسي يكون عندي عيلة حلوه وكبيرة
ردت عليه اماليا بمرح وهي تضع كف يدها امام وجهه :
الله أكبر شكلك بتحسدنا، قل اعوذ برب الفلق
ضحك بخفوت ثم قال بيأس :
مش بقولك لسانك متبري منك !!
لم يخفى على اخوانها اهتمامها بسفيان لكنهم اكتفوا بالصمت لوقت اخر واستأذنوا منه ليغادروا !!!
........
بمنتصف اليوم التالي كانت أماليا تمشي بجانب سفيان في المول تنظر لكل شيء حولها إلا هو وسؤالاً واحداً يدور بذهنها "لما جاءت معه" فهي تفاجأت به باستراحة الغداء يطلب منها ان يتناولوا الغداء سوياً بالخارج لتجد نفسها توافق على الفور ولا تعرف لماذا !!
بداخلها اسئلة كثيرة تريد اجابة لها ولكنها....لا تعرفها !!
سألها سفيان :
ناكل ايه، في كذا مطعم اختاري
اشارت لأحد الطاولات قائلة :
خلينا هنا
جلست معه وهي شاردة بعالم اخر :
سرحانه في ايه ؟
نفت برأسها وقالت :
مفيش
ثم تابعت بتردد :
عايزه اسألك سؤال وتجاوبني
اومأ لها بصمت فتابعت بتوتر :
ليه طلبت مني اجي معاك، جاوبني بصراحة ماشي
تنهد قائلاً بحزن لم يقدر على اخفائه :
عمار رجع البيت عشان مراته وقصي كمان كل واحد بقى ليه عيلته وانا اللي لسه بدفع تمن اخطائي، كلهم انشغلوا في حياتهم، عمار بقى بعيد عني مش زي الأول وكمان قصي انشغل في بيته مع مراته وابنه، وفريدة بقيت اكره اروح ليها بسبب كلاهما اللي مش بيتغير
سألته بحزن :
حاسس بوحدة
اومأ لها بعد صمت وهو يشعر بالاختناق فتابعت أماليا ببساطة :
طب هما بعدوا.....ما تقرب انت!!
رد عليها باستنكار :
افرض نفسي عليهم يعني
ردت عليه باستنكار هي الأخرى قائلة :
ليه بتسميها كده، اخواتك والدنيا لاهيتهم شوية فيها ايه بتحصل ودي سنة الحياة، قرب انت منهم يمكن محتاجينك، ساعدهم قولهم انا هنا جنبكم....محتاج ليكم
صمت يفكر في حديثها، فتابعت أماليا بمرح :
على فكرة انا مش نقالة كلام ولا عصفورة، تقدر تحكيلي في اي وقت، عندي دايماً حلول
ابتسم بهدوء، ثم ضحك بخفوت عندما قالت بمرح :
وبعدين عزمتني بس عشان مالقتش غيري، تشكر يا عم كلك ذوق
ثم تابعت بحماس وهي تخرج هاتفها بعدما طلب الاثنان الطعام :
على ما الاكل يجي افتح لاعبني دور بابجي !!
ردد بتعجب :
بابجي !!!!!
اومأت له ثم قالت ببساطة :
اه بابجي ايه متعرفهاش
نفى سفيان برأسه، فسألته بزهول :
في حد في مصر ميعرفش بابجي
اومأ لها قائلاً ببرود :
اه انا قدامك اهو
ردت عليه بحماس وهي تترك هاتفها وتمسك هاتفه :
هعلمك دي سهلة خالص، الأول حملها عندك و......
على الناحية الآخرى كانت ميان تمشي بجانب فارس الذي ردد بغيظ :
يعني جيتي خطفتيني من وسط المستشفى والمرضى عشان نشتري حاجات يا اخرة صبري
ردت عليه ميان بدلال وهي تتمسك بذراعه :
مش من حقي يعني ولا ايه !!
ردد فارس بهيام و مشاكسة :
حقك و نص، ده انتي طول عمرك خطفاني هتيجي على المره دي يعني
ضحكت بخفوت سرعان ما شهقت بخجل عندما حاوط عنقها بيده يلثم وجنتها بحب وهو يقول :
يخربيت جمال امك....تتاكلي اكل
نهرته ميان قائلة بخجل :
فارس اتلم الناس حوالينا !!
همس بجانب اذنها بمكر :
طب ما تيجي اكلك وفكك من ده كله
حركت رأسها بيأس ثم قالت :
مش فايدة انا عارفة، تعالى يلا عشان عايزه افاجئك بأحسن قرار انا هاخده !!
التفت الاثنان عندما جاء صوت من خلفهما :
دكتور فارس !!!
ردد فارس بتعجب :
أماليا !!
اومأت له قائلة بابتسامة واسعة :
اخبار حضرتك ايه
اومأ لها قائلاً بهدوء :
بخير يا أماليا انتي اخبارك ايه
كادت ان تجيب لكن جاء من خلفها سفيان، ليسألها فارس على الفور بضيق :
انت كنتي معاه، انتوا تعرفوا بعض اصلاً !!!
أومأت له وأخبرته أنها تعمل في شركته، فصمت فارس مرغماً ولم يتحدث، بينما ميان كانت تشتعل غضباً من أماليا التي قالت بحماس :
بطلت تتصل بيا ليه يا دكتور فارس فيه حاجات كتير لسه مشوفتهاش هتعجبك اوي ولا انت صرفت نظر خلاص بعد ما اتجوزت
تدخل سفيان وقال بهدوء :
أماليا يلا عشان اتأخرنا !!!
سأله فارس بحدة ملحوظة :
اتأخرتوا على ايه بالظبط
اقتربت أماليا خطوة ورغماً عنها التوى كاحلها فاستندت على يد سفيان وفارس اللذان لحقا بها :
حاسبي !!!
رفعت ميان حاجبها بغيظ وغيرة ثم غادرت المكان بغضب شديد، لحق بها فارس قائلاً باعتذار وتعجل :
معلش يا أماليا مضطر امشي دلوقتي هكلمك بعدين
ما ان غادر سألت أماليا سفيان بتعجب :
هو فيه حاجة غلط حصلت ولا ايه، ليه مراته مشيت كده بسرعه و باين عليها اتضايقت !!
رد عليها سفيان بهدوء ظاهري :
من كلامك
سألته أماليا بدهشة :
هو انا قولت حاجة غلط !!
اومأ لها قائلاً بعتاب :
في واحده تقول لواحد متجوز وقدام مراته اللي أكيد هتفهم غلط، بطلت تتصل بيا ليه يا دكتور فارس فيه حاجات كتير لسه مشوفتهاش هتعجبك اوي ولا انت صرفت نظر خلاص بعد ما اتجوزت
ردت عليه بتعجب :
هو ايه الغلط في كده، انا كنت بكلمه عن ديكور فيلا جديدة اشتراها قبل جوازه المفروض انا اللي مسئولة عن الديكور بتاعها وكل ده....بس بعدها اتجوز وتقريباً نسي الموضوع وانا معايا تصاميم جديدة اوي وأفكار حلوه هتعجبه
اومأ لها قائلاً بهدوء :
برده خلي بالك من كلامك عشان ممكن اللي قدامك يفهمك غلط ومن غير ما تقصدي تعملي مشكلة ما بينهم
سألته أماليا بقلق :
هتصل بيه واكلمها اشرح لها الموضوع ، أحسن يحصل مشكلة بينهم بسببي !!
......
"متضايقة ليه" قالها فارس بضيق ما ان دخلوا من باب المنزل
فردت عليه ميان بسخرية :
مفيش حاجة تضايق أصلا
سألها مرة أخرى بصبر نافذ وبداخله يغلي من الغضب وقد شعر لوهلة انها غارت على سفيان ولا يعرف لما :
ميان ، فيكي ايه
ردت عليه بغضب :
ما قولتلك مفيش حاجة، انت عايز تضايقني وخلاص
جذبها من يدها قائلاً بحدة :
مياان، صوتك مايعلاش وانتي بتكلميني
ثم سألها ولم يكن ليصمت :
غيرانه عليه !!!
سألته ميان بصدمة :
هو مين
صرخ عليها فارس بغضب :
هيكون مين، هو فيه غيره اللي من ساعة ما شوفتيه معاها و وشك قلب وسبتينا ومشيتي مش طايقة نفسك
صرخت عليه هي الأخرى :
انتي غبي يا فارس ولا بتستهبل !!!
كور قبضة يده قائلاً بغضب :
لأخر مرة يا ميان بقولك لسانك ميطولش، عماله تغلطي وانا ساكتلك
نظرت له بغضب للحظات ثم غادرت من امامه للغرفة فلحق بها قائلاً بغضب يتولد بداخله تلقائياً كلما رأى سفيان :
انا بكلمك متسبنيش وتمشي !!
ردت عليه بحدة :
مش عايزه اسمع كلامك اللي يحرق الدم ده
صرخ عليها فارس بغضب :
كلامي اللي يحرق الدم ولا تصرفاتك
بنفس الغضب كانت تصرخ عليه ميان قائلة :
تصرفاتي رد فعل لتصرفاتك
رد عليها بتهكم :
ليه عملت ايه لسيادتك وانا مش واخد بالي
صرخت عليه بغضب :
بتقولي بغير عليه، طب ليه وعلى ايه ، ما هو كان قدامي ندمان وناقص يبوس رجلي، بس انا رفضته....رفضته و اختارتك انت ، الواحد بيغير على اللي يخصه وهو ميخصنيش، انما انت تخصني
سألها بحدة :
بتغيري عليا من مين!!
ردت عليه بحدة:
هو فيه غيرها اللي من ساعه ما شوفتها وهي ناقص تنط في حضنك، ايه اللي مشوفتهوش لسه وهيعجبك يا دكتور وجوازك مني منعك عنه، مسهوكه ومش حلوه خالص انا احلى منها
ثم تابعت بغيرة :
انت كنت على علاقة ببنات قبل كده، ساكت ليه، رد عليا ولا مش لاقي رد
ضحك فارس بخفوت، لتصرخ عليه بغيظ :
ماتضحكش كده....انت قاصد تغيظني يا فارس
كادت ان تذهب من امامه لكنه انحنى يحملها على كتفه يلقيها على الفراش مثبتاً اياها بجسده :
استني بس !!
حاولت دفعه بعيداً عنها قائلة بغيرة :
ملكش دعوة بيا، روحلها يمكن تلاقي اللي هي متأكدة انه هيعجبك
رد عليها فارس على الفور بصدق :
مفيش غيرك انتي بس بيعجبني
ذمت ميان شفتيها قائلة بغيظ :
كلام
سألها بحب :
تعرفي عني اني بتاع كلام
ثم سألها بدون مقامات بما يشعر به منها دوماً :
ليه دايماً بحس انك مستنية مني أكون وحش، او يطلع مني تصرف ندالة، ليه يا ميان دايماً بيوصلي الشعور ده منك !!
ثم تنهد بعمق متابعاً حديثه :
بحس أنك مستنية مني اعمل نفس اللي عمله، عشان تكرهيني او تبعدي عني !!
تحاشت النظر لعينيه لكنه رفع وجهها حتى تنظر إليه مردداً بحزن :
بصيلي ، احساسي صح مش كده !!
صمتها كان كافياً ليعلم انه على حق فتابع بحزن :
طب ليه شوفتي مني ايه يخليكي تحسي كده، طب اللي عشتيه معاه يديكي كل الحق انك تخافي وتستني اي تصرف كده منه، لكن انا.....شوفتي معايا ايه !!!
تنهد ثم تابع بحزن وهو يعتدل بجسده واقفاً :
حب وحبيتك اكتر من اي حد، اكتر من نفسي حتى ، في كل مرة كنتي بتغلطي كنت بتعصب ايوه ، بس كنت بنسى كل ده مجرد بس ما تيجي عندي، استحملت وكتمت جوايا كل موقف صدر منك وقولت معلش مجروحة، اصبر عليها شوية
جذبها لتقف امامه مردداً بحيرة :
حقي فيكي وصبرت عليه وعمري ما غصبتك على حاجة ، مش بقول كده مَن ولا معايره و لا اي حاجة من كده وربنا اللي عالم بس هو زهول وسؤال عايز ليه اجابه، ناقص ايه تاني اعمله يطمنك من ناحيتي!!!!
صمت لدقائق وهو ينظر إليها كيف تقف امامه تخفض وجهها أرضاً والدموع تنساب على وجنتيها بغزارة مردداً بخذلان :
طالما اللي حسيته صح، يبقى كلمة بحبك مكنتش من قلبك زي ما قولتيها.....الحب و الخوف ما يجتمعوش مع بعض في قلب واحد يا ميان!!!
تركها وكاد ان يرحل من الغرفة لكنها لحقت به تحتضنه من الخلف...تضع رأسها على ظهره قائلة بصدق ودموع :
بحبك والله بحبك، وغلاوتك في قلبي اللي مفيش فيه غيرك بحبك يا فارس
ثم تابعت قائلة بصوت مختنق د :
خوفي من ناحيتك سببه اني شايفة نفسي قليلة اوي جنبك و انك كتير عليا، شايفه اني مهما قدمت ليك قليل د، خايفة ان القليل اللي بقدمه ليك مع الوقت يخليك تسيبتي او تزهق مني وتلاقي غيري، عشان كده.....
اكمل فارس بدلاً عنها بسخرية :
بتشوفي اي غلطه مني حتى لو مش صح انها كارثة وتحاولي تكرهي نفسك فيا و......
ابعدها عنه ليغادر لكنها منعته قائلة بحزن :
رايح فين !!
صرخ عليها بغضب:
رايح في اي داهيه اطلع فيها غضبي من غبائك اللي مالوش حدود
ردت عليه بغيظ :
بتشتمني يا فارس
اومأ لها قائلاً بغيظ :
بقى انا كتير عليكي، يا غبية ده انتي كنتي ليا زي النجمة في السما، حلمت بيها كتير وبحمد ربنا اني طولتها
اشاحت بوجهها بعيداً عنه فتمالك اعصابه مردداً بصدق وهو يجعلها تنظر له ويضع يدها على موضع قلبه حيث تسكن هي وحدها :
يا عبيطة، انتي ساكنة هنا ودخلتي قلبي خلاص وقفلتي عليه بالمفتاح، لو عايز غيرك كانوا موجودين قبلك كتير ، بس انا اختارتك انتي وبس
ثم حاوط وجهها بيديه مردداً بصدق :
مين قال انك قليلة، بالعكس انتي غالية اوي، غالية لدرجة اني فضلت كل ده مستني اسمع بس منك كلمة بحبك ، لو مكنتيش غالية مكنتش عافرت عشان تكوني ليا ، اعرفي قيمة نفسك لأن الظاهر انك مش عارفها كويس ، والله انتي اللي كتيرة عليا
اخفضت وجهها أرضاً سرعان ما رفعها فارس قائلاً بصرامة :
متوطيش راسك ، هقولها ليكي تاني يا ميان ، انا اختارتك انتي و بس من كل البنات ، حبيتك انتي و بس ، عمري ما ندمت على حبك حتى لو مكنتيش ليا....برده عمري ما كنت هندم اني حبيتك في يوم
ثم تابع بتهكم :
بتقولي اللي بتقدميه ليا قليل
استند بجبينه على خاصتها مردداً بحب :
حبك ليا ده لوحده بالدنيا واللي فيها ، حبيني وبس وانا مش عايز اكتر من كده
رددت باعتذار و خجل :
انا اسفه ، متزعلش مني
ثم ابتسمت واحتضنته بحب، وجدت في حضنه كل الأمان الذي طالما بحثت عنه، لم يستطع فارس أن يقاوم فاحتضنها في صمت، ليُبادلها الحب الذي غمر قلبه، وكأن لحظاتهم تلك كانت خالدة في زمن آخر
......
في المساء كانت أماليا تجلس أمام التلفاز برفقة والدتها بذهن شارد و ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها كلما تذكرت تفاصيل اليوم التقطت هاتفها تشاهد الصور التي جمعتهما سوياً تأملت ضحكته باعجاب
مررت اصبعها على الصورة كيف لشخص ان يكون بكل هذا القدر من الوسامة، جميل لأبعد حد يمتلك ملامح رجولية بحته علاوة على ذلك رغم انه يبدو جنونياً لكنها حقاً تحب مشاجرتهما سوياً
نهرت نفسها على تفكيرها بهذا الشكل و بررت هذا بأنه يبدو إليها غامضاً ويجذبها نحوه الفضول لا اكثر لذا دائماً تفكر به !!!
نظرت إلى والدتها وسألتها بتردد :
ماما هو ايه حكاية اللي اسمه سفيان ده ؟
نظرت إليها والدتها بحدة فرددت أماليا على الفور بتوتر اثار شكوك الأخرى :
مش هو بيتعالج عندك، كان عندي فضول اعرف يعني مش اكتر !!!
ردت عليها والدتها بحدة :
مايخصكيش يا أماليا وبعدين من امتى وانتي عندك فضول لأي حالة مريض عندي !!
ردت عليها أماليا بتوتر :
مش انا اللي بصمم الديكور الجديد للشركة بتاعته مع خالو ، كان عندي فضول اعرف
نظرت إليها والدتها بصمت للحظات فسألتها أماليا بارتباك :
بتبصيلي كده ليه يا ماما !!
نفت والدتها برأسها قائلة بهدوء ظاهري :
مفيش انا قايمه احضر العشا
مشت عدة خطوات ثم التفتت لها وقالت بحدة :
أماليا ، ركزي في شغلك و بس واللي لو امكن تخلصيه بسرعه وتمشي من الشركة دي، مينفعش تفكري في سفيان بأي شكل من الأشكال ، كلامي مفهوم
ردت عليها أماليا بتوتر :
معرفش ليه حضرتك بتقولي كده ، كان بس مجرد سؤال فضولي مش اكتر
تنهدت الأخرى وقالت بضيق :
اتمنى يكون كده وميكونش حاجة تانية !!!
.......
باليوم التالي بالجامعة وبالاخص المقهى الموجود بالجامعة حيث يجلس الفتيات الثلاثة همس وميان، ولينا
نظرت لينا لهمس و ميان قائلة بمرح :
ايه شبعتي عسل ولا لسه ، عجبتكم قعدة البيت !!
رددت ميان بكسل :
مكنتش قادرة انزل والله فارس هو اللي اجبرني عشان ميفوتنيش حاجة
رددت همس هي الأخرى :
نفس الكلام شكلهم متفقين
ثم نظرت للينا التي تجلس بحذر على احد المقاعد تضع يدها على بطنها البارزة :
هما مالهم بيتهامسوا كده ، فيه ايه !!
"مش يزن هيتجوز بسمة" قالتها لينا بعفوية لميان و همس التي لم تقول سوى :
هما الاتنين يستاهلوا بعض، هي انانيه وهو ميتخيرش عنها
رددت ميان بشرود :
الحياة دي غريبة اوي يا بنات بين يوم و ليلة حياتك تتبدل ، كنت في حال و بقيت في حال تاني ، كلنا كده ، اللي اتأذى فينا ربنا عوضه واللي كان السبب بيدفع التمن لحد دلوقتي
ثم تابعت بحزن :
بس بيدفعه باسوأ حاجة و هي الندم ، انك تعيش بالشعور ده طول عمرك و تقول ياريتني و كل لحظة حلوه مش قادر تفرح بيها و دايماً تقول لو الزمن يرجع ، دي حاجة صعبة اوي
وافقتها كلاً من همس و لينا الرأي و على ذكر يزن نجده هنا بالفيلا الخاصة بوالده يضع يده بيده و يردد خلف المأذون الذي ما انتهى من كتب كتابهم ردد جملته الشهيرة :
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير
لم يتحدث احد غادر المأذون في صمت و الجميع يجلس في صمت مستنكرين ما يفعله " يزن "
توقف ولثم جبين بسمة التي ستنهار بأي لحظة و ستنفجر باكية من شدة القهر و ما تشعر به الآن من ألم ينهش قلبها
التفت إليهم قائلاً بهدوء ظاهري :
انا حجزت لينا في مطعم بره نتعشى كلنا سوا ، يلا عشان منتأخرش !!
مسكت والدته بيده تجذبه لأحد الغرف رغماً عنه و ما ان اصبحت معه بمفردها رددت بحدة و استنكار :
شوف انا مكنتش موافقة على الجوازة دي ابداً ، بس لازم اقولك كام حاجة تخليهم حلقة في ودنك ، اتقي الله في مراتك ، صحيح هي عملت بلاوي بس بتحبك ، قلبها مقهور بره و شكلها مكسورة من اللي بتعمله فرح معملتش و لا قرايب عزمت ، وهتعيش معانا هنا كمان ، طب فين حقوقها ، فين حرية الاختيار ، غصبتها على كل ده......
قاطعها قائلاً ببرود :
خيرتها على كل ده وهي وافقت ، يبقى الموضوع خلص ، هي اللي عملت في نفسها كده ، مترجعش تشتكي !!
صرخت عليه والدته بخيبة امل و غضب :
خيرتها بين ايه و ايه ، شايف انها تستاهل كل ده ، طب انت بقى تستاهل ايه ما انت كنت زيها غلطت، هي عملت في نفسها كده و انت.......
قاطعها يزن قائلاً بقهر وبصوت عالي وصل إلى مسامعهم في الخارج :
انا عارف اني غلطت وبدفع التمن زيها، وعقابي اني اعيش معاها وانا مش طايقها ولا قادر اسامحها، عقابي اني اتجوزتها و قبلت بيها ، عقابي اني اشوف اللي بحبها و عايزها في حضن غيري و اسكت و اقبل ببسمة لأن مفيش قدامي غيرها
ثم تابع بحقد و غضب :
لو مكنتش ظهرت قدامي يومها كانت همس زمانها ليا ، لو مكنتش ظهرت في حياتي من الأول مكنش حصل كل ده ، انا و هي عقاب بعض يا امي ، انا و هي نستاهل بعض ، عقابي اني هعيش معاها و مش بحبها و لا طايقها و عقابها انها تعيش و تتجوزني و انا بحب غيرها
خرج من الغرفة بغضب اعمى لتصطدم عيناه بأعين الجميع المليئة بالحسرة لكن قبلهم كان اعين بسمة التي انسابت منها الدموع بقهر و ألم
اقتربت منه بسمة وقالت بوجع :
عندك حق في اللي قولته ، بس العيب مش عليك ، العيب عليا انا ، ياريتني فعلاً ما ظهرت في حياتك ابداً و لا شوفتك
كادت ان ترحل لكنها عادت إليه مرة أخرى وقالت بدموع :
انت عمرك ما حطيت نفسك مكان حد ، شايف نفسك الأهم دايماً، كل اللي يفرق معاك انت عيشت ايه...انما غيرك يولع
ثم لكمته بصدره وقالت بقهر :
انا بعترف اني غلطت ، بس كنت أعمل ايه ، انا بنت ، بنت و عايشة لوحدي في الدنيا دي ، ماليش حد يقف ليا و لا ضهر و لا سند ، ماعنديش غير شرفي ، خوفت لإني معنديش اللي اتسند عليه ، خبيت و كدبت عشان انقذ الحاجة الوحيدة اللي املكها
ثم تابعت بدموع و قهر :
كدبت و كدبة جرت كدبة ، لا كنت عاملة حسابي اني هحبك و لا الامور هتوصل بيا لكده ، كنت عايز مني ايه اجي احكيلك ، طب انا أعرفك منين عشان اروح احكيلك و انا اول مرة اشوفك و اعرفك ، ما يمكن كنت تطلع اسوأ منه ، بس لما عرفتك و حبيتك كنت عايزه احكيلك بس خوفت برده متصدقنيش و لا تعذرني !!
اشارت له بيدها وتابعت بسخرية مريرة :
كان عندي حق اخاف لأنك عملت اللي خايفة منه ، مش عايز تصدقني و لا تعذرني ، شايفني عقاب ليك ، حتى مش طايقني و مجبور عليا
مسحت دموعها التي سرعان ما تعود و تنساب من جديد :
همس كان معاها حق ، ربنا بيحبها عشان كده بعدها عنك ، انا كمان لازم ابعد عنك ، انت لا تستاهلها و لا تستاهلني ، انت متستاهلش حد
نزلت دموعها اكثر و هي تقول بألم :
ورقة طلاقي توصلني و اتمنى تكون دي اخر مرة اشوفك يا....يا يزن !!!
قالت الأخيرة و ركضت للخارج و خلفها ضحى بعدما القت نظرة غاضبة محتقرة ليزن الذي تهاوى ارضاً يضع رأسه بين يديه و يرتسم على وجهه الهم و الحزن
بينما بالخارج حاولت ضحى ان تلحق ببسمة التي ما ان خرجت من الباب الخارجي للفيلا الذي يقود إلى الطريق السريع
كانت الدموع تغشي عيناها وتشوش الرؤية لديها فلم تنتبه للسيارة التي جاءت من خلفها صدمتها بقوة حتى سقطت ارضاً غارقة في دمائها !!!!!!
.......
بعدما خرج سفيان من الشركة اكتشف انه نسى هاتفه بالداخل فعاد مرة اخرى، كان موعد انصراف الموظفين
و بالفعل لم يكن بالشركة سوى القليل فقط !!
انتبه لصوت يأتي من الجهة التي من المفترض انها خالية من الموظفين حيث يقام فيها التجديدات
دخل يبحث عن مصدر الصوت ليجد تلك المصيبة "أماليا" تقف على درج عالي تحاول التقاط هاتفها الذي يتعالى رنينه
سألها سفيان بتعجب :
انتي لسه ما روحتيش !!
التفتت بفزع على اثر صوته فاختل توازنها وكادت ان تسقط لكنها اقترب يتلقفها ليصبح الوضع كالتالي تستند بيديها على كتفه وهو يحاوط خصرها النحيل بيديه رفعت وجهها الذي دفنته بكتفه من الفزع لتلتقي عيناها بخاصته، دون ان يشعر سفيان رفع يده يبعد خصلات شعرها الذي يتطاير بنعومة حول وجهها يضعه خلف اذنها
انتبهت لوضعهما، فانتفضت بعيداً عنه وهي تقول بتلعثم :
س.... سفيان !!!
ابتعد هو الآخر بحرج لتركض أماليا سريعاً للخارج دون ان تنظر خلفها وتركته يشد خصلات شعره معنفاً نفسه على ما حدث !!
............
أماليا هاشم السباعي :
صاحبة الاربعة والعشرون عاماً ابنه رجل الأعمال هاشم السباعي لديها ثلاثة اشقاء و هي اصغرهم تخرجت من كلية الهندسة قسم الديكور حيث تعشق
........
البارت خلص 🔥
مستنية رأيكم يا حلووووين ♥️♥️
رواية بعينيكِ أسير بقلمي شهد الشورى "مكتملة" الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم 👑 شهد الشورى 👑
مرت الأيام سريعًا وتعاقبت الأسابيع وذات يوم جلست أماليا في شقتها، عيونها تتجول في أرجاء المكان، تفكر في سفيان، كان حضوره في حياتها يثير الكثير من التساؤلات رغم تعمق العلاقة بينهما، ظل سفيان غامضًا بعض الشيء مما جعلها تشعر بالحيرة !!!
هل المشاعر التي بدأت تنمو بقلبها تجاهه هي مشاعر الحب ، أم مجرد انجذاب إلى الغموض الذي يحيط به !!
من جهة أخرى كان سفيان يشعر نحو أماليا بشعور لا يستطيع تفسيره هو حب أم انجذاب لشخصيتها أم لانها نوعاً ما ملئت الفراغ والوحدة التي كان يشعر بها مؤخراً كان خائفاً من ان يتخذ خطوة و يظلمها معه مثلما فعل مع ميان...
......
في غرفة مظلمة لا يكسر سكونها سوى صوت الجهاز الذي يقيس ضربات القلب
كان يزن يجلس على كرسي بجانب السرير عيناه مثبتتان على الجسد الهامد أمامه انها " بسمة "
لكنها ليست كما عرفها من قبل...ملامحها الشاحبة لا تعكس أي حياة، وكأن روحها غادرت هذا الجسد منذ أن دخلت في غيبوبة قبل شهر
نظر إلى نفسه في مرآة صغيرة معلقة على جدار مرحاض الغرفة، لم يعرف الرجل الذي يحدق فيه ذقنه الطويلة، الهالات السوداء تحت عينيه، وجسده الذي بات هزيلاً
كأن الحياة نفسها هجرت كل ما فيه ضاق صدره بحمل أثقل من أن يطيقه، حمل الذنب الذي يطارده في كل لحظة
همس بإسمها "بسمة..." لكن صوته كان أقرب إلى نداء يائس، مزيج من الخوف...الحزن...والندم....
عاد بذاكرته إلى الوراء...هل كان فعلاً يحب همس ؟
اليس من المفترض انه كان يحب بسمة من الأساس ؟
لكن تلك اللحظة التي رأى فيها بسمة غارقة في دمائها، شعر أن قلبه انتزع من صدره، وكأنها حملت معها جزءاً منه !!
لكن إن كان يحب بسمة فلماذا تركها تعاني؟
لماذا ركض وراء همس وترك بسمة تتآكل أمام عينيه؟
ابتسم بسخرية مريرة لقد فعل نفس الشيء مع همس ايضاً !!!
"أنا أناني... أنا مؤذي" همس لنفسه وكأن الكلمات تحولت إلى سيف يمزق صدره جلس في صمت مستسلماً لفوضى مشاعره غير قادر على تحديد ما يريده حقاً
هل كان يبحث عن حب جديد مع همس ؟
أم انه لم يحبها من الأساس ؟
من أحب، من يريد ؟
في تلك اللحظة لم يكن يعرف الإجابة كل ما يعرفه أن قلبه قد تحطم ، وأنه ظلم كل من أحبهن
بعد دقائق...
خرج من الغرفة وهو يشعر كأنه يتحرك في ضباب كثيف لم يكن يشعر بأي شيء جسده ثقيل و عقله مشوش
فجأة وجد نفسه وجهاً لوجه مع ضحى قريبة بسمة التي كانت تقف عند باب الغرفة عيناها مشتعلة بالغضب...
"انت متستهلش حبها" ثم صرخت في وجهه بصوت مليء بالمرارة :
قاعد معاها ليه...قالتلك إنها مظلومة مصدقتهاش...انت مابتحبش غير نفسك وبس
شعر بثقل كلماتها وكأنها رصاص يخترق صدره، لكنه لم يستطع الرد كانت عيونه تائهة لا تعرف إلى أين تتوجه لا تفهم حتى من أين جاء كل هذا الألم
بينما ضحى بل لم تتوقف استمرت في مهاجمته و الدموع تغرق وجهها :
لو حصلها حاجة ذنبها في رقبتك...مراعتش إنها بنت في وسط مجتمع هينهيش فيها لو حاجة زي دي نزلت واتفضحت ليه...كانت بتحبك بس مكنش في إيدها حاجة تعملها
وقف عاجزاً غير قادر على قول شيء....صوتها كان يعيد له ذكريات تلك اللحظات التي أدار فيها ظهره لبسمة، تلك اللحظات التي اختار فيها أن يهرب إلى همس يعترف لها بحبه بدلاً من أن يواجه الحقيقة و يسمعها !!
تابعت ضحى حديثها بحدة :
هي خسارة فيك، و همس ربنا بيحبها عشان خلصها من واحد زيك...هي لو خاينة، فأنت خاين أكتر بدلتها بغيرها وكنت هتتجوز همس عشان تنساها بيها شوية بتحب بسمة، وشوية بتحب همس...ودلوقتي اتجوزت بسمة وهتموت عليها !!!
كلمات جميلة اخترقت يزن بعمق وشعر بالضياع اكثر غير قادراً على تمييز مشاعره بعد الآن كل ما يعرفه أنه في تلك اللحظة كان محاطًا بشبحين...أحدهما يمثل حبه الضائع، والآخر يمثل ذنبه الذي لا يغتفر !
لحظة...اثنتان...ثلاث...بعدها لم يعد يزن يشعر بشيء كل شيء من حوله بدأ يضيق ويخفت كأن الغرفة تتحول إلى نقطة صغيرة في الظلام عيناه أصبحتا ثقيلتين وصدى كلمات جميلة يطغى على كل صوت آخر في رأسه
فجأة شعر كأن الأرض تسحب من تحته وسقط جسده وانهار على الأرض بقوة فاقدًا الوعي !!!
......
بعد شهر العسل بدأت همس تدريبها في المستشفى الخاصة بفارس برفقة ميان و في أحد الأيام أثناء تجوالهما في ممرات المستشفى شعرت ميان فجأة بالدوار واستندت على الحائط
هرعت همس نحوها بقلق قائلة بعدما جعلتها تجلس :
ميان، أنتي كويسة...فيكي إيه !!
أجابت ميان بتعب وألم شديد في معدتها :
مش عارفة بقالى كام يوم تعبانة
سألتها همس بقلق :
طب فارس عارف...ازاي تسكتي على نفسك كل ده من غير ما تكشفي....بتستهبلي والله
ظهرت علامات الضيق على وجه ميان و هي تستند برأسها على الحائط فساعدتها همس في الوقوف قائلة بصرامة :
قومي واسندي عليا هنروح نكشف دلوقتي احنا أصلاً في المستشفى
بعد حوالي نصف ساعة
كانت الطبيبة تسحب عينة دم من ميان وتدون عليها بضع كلمات...ثم أعطتها للممرضة قائلة :
تحليل مستعجل النتيجة تطلع خلال ساعة بالكتير
سألت ميان وهمس معاً :
تحليل إيه ده...ما تفهمينا !!
ابتسمت مها، التي أصبحت صديقة لهما منذ أن بدئوا العمل بالمستشفى قائلة :
اهدوا، مفيش داعي للقلق...أنا سألتك حاسة بإيه... قولتي دوخة وآلام في معدتك و زيادة في القيء الفترة دي....وكمان سألتك عن أخبار الضيفة اللي بتيجي كل شهر قولتي اتأخرت
أومأت ميان برأسها فتابعت مها ضاحكة :
كل ده ما لفتش نظركم لحاجة !!
ردت همس بضيق ونفاد صبر :
جيبي من الآخر يا مها، قلقتينا، مالها ميان
حركت مها رأسها بيأس وقالت :
دخلتوا طب ازاي..أنا مش عارفة أصلاً ليه ما رحتوش لدكتور متخصص وجايين ليا
ردت ميان بنفاد صبر وتعب :
انجزي يا مها....في إيه !!
أجابت مها بابتسامة واسعة :
فيه اني متأكدة بنسبة ٩٠ ٪ ان الدكتور فارس و حضرتك هتستقبلوا ضيف صغنون إن شاء الله بعد تسع شهور....ينور دنيتكم بس هتأكد اكتر بعد التحليل !!!!!
صُدمت ميان مما قالت و تجمدت مكانها بينما كانت مشاعرها تتداخل بين الصدمة والفرح صرخت همس بسعادة وعانقت ميان بقوة :
هتبقي أحلى مامي يا ميان
دمعت اعين ميان و شعرت بشعور عميق من الفرح يجتاحها و بينما كانت دموعها تسقط لم تستطع إلا أن تفكر في فارس تصورته وهو يتلقى هذا الخبر كيف ستتغير ملامحه إلى الفرح و الحماس
اختلطت مشاعرها بالفرحة العارمة والحماس لمشاركة هذا الخبر السعيد مع فارس
ابتسمت بسعادة بعدما خطر ببالها شيء من المفترض ان غداً عيد ميلاد فارس لكنها ستغير الخطة !!!!!
......
- نايمه !!!
رسالة من كلمة واحدة فقط وصلت لأماليا عبر تطبيق التواصل الاجتماعي " الانستغرام " من سفيان الذي تردد كثيراً قبل ان يرسلها فالوقت متأخراً
بتردد مماثل له كانت أماليا تجيب عليه برسالة :
لأ
سألها محاولاً فتح حديث معها :
صاحية ليه لحد دلوقتي
تنهدت وهي تعاود النظر إلى السماء قبل ان ترسل له بتردد و حيرة :
مش جايلي نوم خالص
تنهد هو الآخر قبل ان يجيب عليها برسالة :
انا كمان ، بس انتي مش جايلك نوم ليه !!
تكومت بداخل الارجوحة التي تحتل جزء كبير من شرفتها الصغيرة و هي تقول بحيرة :
بفكر !!
سألها سفيان : بتفكري في ايه ؟
تنهدت و لم تعرف بما تجيب !!
هل يمكن ان تخبره انها تفكر به هو !!!
عندما لم تجيب عليه و استغرق الأمر بضع دقائق بتردد كان يتصل بها سرعان ما انتفضت الأخرى عندما شعرت باسمه ينير شاشة هاتفها !!
قلبها يريدها ان تجيب عليه بينما عقلها يرى ان ذلك خطأ كبير وكالعادة كما يحدث مع الكثير منا مشاعر القلب تغلبت عن اي شيء اخر واجابت عليه بتوتر شديد
صمتت وكذلك فعل هو حتى تجرأ سفيان وقطع الصمت قائلاً :
بتفكري في مين مطير النوم من عينك !!
تنهدت ثم ردت عليه بحيرة :
بفكر في واحد غامض بالنسبة ليا !!
سألها بهدوء :
ليه غامض !!
ردت عليه بحيرة ارهقتها :
عشان معرفش عنه حاجة ، دايما في حيرة اللي بيعمله حاجة ونظرات الباقين ليه حاجة تانية، وماليش حق اني اسأل ، بس.....
صمت للحظات قبل ان يقول بحزن :
بس ايه !!
ردت عليه أماليا بحزن وهي تسمح بيدها على مقدمة شعرها :
مفيش !!
سألها سفيان بتردد :
انتي حبتيه !!!
كان الرد عليه صمت دام لدقائق قصيرة فرد هو بدلاً عنها قائلاً بحزن :
اي واحدة مكانك هتخاف على نفسها وتبعد و هيكون ليها كل الحق ، انتي تستاهلي تحبي حد أحسن بكتير ورغم ان هو محتاج ليكي جنبه بس انتي تستاهلي الأحسن منه
صمتت و لم تجيب ليتنهد سفيان قائلاً بحزن :
تصبحي على خير !!
قبل ان يغلق الهاتف جاءه صوتها الخفيض :
مش عارفة بحبه ولا لأ ، حاجات كتير اوي بحسها ناحيته ، اهمها اني مش عايزاه يبعد عني ومش عايزة يجي يوم عليا من غير ما اشوفه، عايزاه جنبي طول الوقت عشان بيبعد عني بزعل اوي و بحس اني مخنوقة.....ونفسي اعرفه اكتر !!
هربت دمعة من عيناها تعبر عن حيرتها وهي تتابع حديثها بصوت خافت :
لو اللي بيحب بيحس بكده، يبقى انا.....يبقى انا كده بـحـبـه !!!!!!!!!!
ثم تابعت بتساؤل و صوت حزين :
بس هو بقى بيحبني !!!
اغمض عينيه قائلاً بحزن وحيرة :
هو مش عارف حاجة خالص، مش عارف غير انه مش عايزك تبعدي عنه وتفضلي جنبه !!!
ثم تنهد بعمق متابعاً بحزن :
بس في نفس الوقت شايف انك تستاهلي الأحسن منه بكتير ، شايف انك ملاك و تستاهلي حد يكون شبهك و زيك
سألته بحيرة :
هو ايه حكايته بالظبط !!
ردد بسخرية مريرة :
حكايته لو عرفتيها هتكرهيه و تكرهي الساعة اللي شوفتيه فيها......هتبعدي زي ما كلهم بعدوا عنه !!!!!
........
في منتصف اليوم التالي عاد فارس للمنزل يبحث في أنحاء المنزل عن ميان لكنه لم يجدها اتصل بها ليفاجأ بصوت رنين قادم من غرفة النوم....
بدت تعابير الدهشة على وجهه وهو يتوجه إلى الغرفة ليجد هاتفها المحمول على الطاولة بجانب الفراش تحته ورقة مطوية فتحها ليقرأ :
عشان تلاقيني محتاج تتعب شوية، فكر في الحاجة اللي كنت تعملها لما نكون متخانقين سوا....بحبك
ابتسم فارس وضحك بخفة ثم انتقل إلى الغرفة الأخرى والتي كانت غرفتها السابقة ليجد صندوقًا على الفراش وعليه ورقة مكتوب فيها : بحبك تاني
فتح الصندوق ليجد صندوقًا أصغر بداخله ، وعندما فتحه وجد ورقة صغيرة مدونًا عليها "بموت فيك"
ضحك فارس بسعادة وهو يتساءل بداخله :
روحتي فين يا ميان "
ثم فتح الصندوق الأصغر ليجد ورقة أخرى مكتوبًا عليها :
اهدا يا عم، هتعرف روحت فين...ندخل في الجد بقى، أكتر مكان بحب أقعد فيه بالبيت علطول
قرأ السطور الأخيرة و ابتسم، قائلاً :
عارفه إنه كتير بس رخامة....دور عليا بقى
ضحك بقوة وتوجه إلى غرفة المعيشة حيث يجلسان عادةً لمشاهدة الأفلام ليجد ورقة أخرى مطوية وعندما فتحها ضحك بخفوت " لا، أنا مش هنا "
توجه إلى الشرفة حيث وجد ورقة أخرى مطوية على الطاولة وعليها وردة حمراء فتح الورقة وابتسم عندما قرأ :
برافو عليك، بس أحب أقولك إن المكان الوحيد اللي أحب أكون فيه بكل الدنيا دي هو حضنك لأنه المكان الوحيد اللي بحس فيه بالأمان...احم...المهم خلينا في الجد زي الشطور انزل تحت هتلاقي حد يجيبك عندي، بس الأول روح أوضتنا وافتح الدولاب
توجه فارس إلى غرفة النوم وعندما فتح الخزانة وجد ملابس له معلقة وعليها ورقة صغيرة مكتوب عليها :
يلا البسني
ارتدى بنطال جينز أزرق وقميص أبيض، ثم وجد وردة أسفل عطره مكتوبًا عليها "يلا رشني"
ضحك و هو ينثر العطر وسرعان ما لاحظ كلمة "بحبك" التي جعلته يشعر بالسعادة
نزل إلى الأسفل ليتفاجأ بسائق عائلتها يفتح له الباب بصمت صعد إلى السيارة وجد ورقة بجانبه مكتوبًا عليها :
طب بذمتك الناس مصعبتش عليك وانت نازل من البيت كده، هيحصلهم زهول لما يشوفوا القمر ماشي على الأرض أيوه....ابتسم كمان واخطف قلوبهم أكتر على العموم أحب أقولك انني بحبك اكتر منهم ومن اي حد
ضحك فارس بسعادة تغمر قلبه و تملكه الشوق لرؤيتها الآن !
بعد وقت....
توقفت السيارة في الميناء حيث ترسوا السفن قبل أن يتحدث شعر بالسائق يضع قماشة سوداء على عينيه، معتذرًا :
أنا آسف يا دكتور فارس...أنا بنفذ الأوامر !!
ضحك فارس بخفوت و توجه مع السائق إلى القارب الصغير وبعد وقت توقف القارب وجاء السائق ليحل العقدة من على عينيه، مشيرًا له ليصعد اليخت الكبير
صعد فارس إلى اليخت وعيناه تبحث عنها حوله بكل مكان حتى وقع نظره عليها كانت تقف على سطح اليخت المزين بالأضواء والورود الحمراء متألقة بثوب أبيض !!
كان هذا الثوب هو نفسه الذي أهداها إياه بعد الزواج في اول مناسبة تحضرها معه كزوج و زوجة
تجمد للحظة، مذهولًا بجمالها ورقتها كأنها تشرق بين الورود اقترب منها ببطء وعيناه تملؤهما الافتتان يشعر بقلبه ينبض بقوة
وقفت ميان أمامه بابتسامة جميلة وعيناهما تتلاقى حيث شعرت ميان السعادة فهي دوماً ترى نفسها بعيناه أجمل النساء ومنذ ان عرفته لم ترى بعيناه غيرها فقط
اقترب منها ببطء، نظراته مليئة بالحب و الشغف لا يصدق كيف لها ان تسرق منه أنفاسه هكذا، اقترب منها بنعومة، يُظهر كل ما في قلبه من مشاعر صادقة وعميقة كانت اللحظة تحمل في طياتها ما يعجز الكلام عن وصفه، تعبيرًا صامتًا عن أحاسيس لا يمكن حصرها بالكلمات
ابتعد عنها مستنداً بجبينه على جبينها قائلاً :
انا بحبك اوي... مفتون بيكي بطريقة مش طبيعية إنتي عملتيلي سحر صح !
ضحكت بسعادة وهي تعانقه بحب قائلة بصدق :
انا مبسوطة أوي يا فارس
ابتعدت عنه قليلًا و عيناها تملؤهما لمسة من الحزن وسألته :
انت ليه مظهرتش في حياتي من زمان....يا خسارة كل لحظة عيشتها بعيدة عنك وبعيدة عن حضنك اللي عمره ما حسيت فيه غير بالأمان
تلاقت نظراتهما وفي تلك اللحظة لم يكن هناك حاجة للكلمات كان هناك حديث صامت بين الأعين، مليء بالمعاني العميقة التي لا تحتاج إلى تفسير
فارس قد أغرقته سعادته بها، وعجز عن الرد بالكلمات، فاكتفى بالتعبير عن مشاعره بطريقة أقرب للقلب، جذبها إليه مرة أخرى، يُظهر عمق عشقه الذي يتجدد ويزداد قوة مع كل لحظة تجمعهما
"كل سنة و احنا مع بعض يا حبيبي"
قالتها ميان بحب و هي تحاوط عنقه بينما الآخر إمارات السعادة تبدو جليه على ملامح وجهه و هو يرى ما قامت بتحضيره لأجله لم يفرح بتلك الأشياء بل سعادته الكبرى و الوحيده انها تذكرته و فكرت به
لم يجد ما يعبر به من الكلمات، فاقترب منها و كاد أن يعبر عن مشاعره بطريقته الخاصة، لكنها ابتعدت عنه فجأة قائلة :
احنا مش لوحدنا !!
رد عليها بزهول وهو ينظر حوله :
نعم ، مين اللي موجود هنا معانا !!!!!
جذبته إليها وقالت بخفوت بجانب اذنه :
ده ضيف صغنن خالص
سألها بتعجب وهو لا يزال ينظر حوله ليعرف من معهما :
مين ده و فين
التقطت يده تضعها على بطنها قائلة بابتسامة واسعة :
هو قاعد هنا !!!!!!!!
لم يستوعب ما قالت فسألها ببلاهة :
بيعمل ايه !!
ضحكت قائلة بمرح :
بيصيف، ايه يا فارس مالك
اغمض عينيه و اخذ يفتحها عدة مرات بزهول و صدمة مردداً بلسان ثقيل من الصدمة :
ده بجد !!
اومأت له عدة مرات و لم تقدر على تمالك دموعها التي انسابت من شدة الفرحة :
هتبقى أحلى بابا يا فارس
بدون سابق انذار حملها بين ذراعيه واخذ يدور بها صارخاً بسعادة لكونه سيصبح اباً عن قريب
ضحكت ميان بقوة و السعادة تغمر قلبها لرؤيته سعيداً بتلك الدرجة انزلها و هو يكوب وجهها بيديه يلثم كل انش به بسعادة ثم انحنى اخيراً يضع يده على بطنها موضع الجنين تاره يلثمه بحنان و تاره يضع رأسها عليها كأنه يعانق طفله
انحنت لمستواه سرعان ما انتفض يمنعها من ذلك قائلاً بلهفة شديدة و هو يحاوطها برفق :
لا متوطيش ، كده غلط عليكي تعالي انتي واقفة ليه اصلاً
حملها بين ذراعيه دون ان يعطيها فرصة للحديث يضعها على الأريكة الموجودة بأحد الزوايا قائلاً بلهفة كبيرة :
عرفتي امتى وازاي، انتي كويسة نفسك في حاجة ، حاسة بأي تعب طيب ، طالما حامل بتعملي كل المجهود ده انهارده ليه و مرتاحتيش ، احنا هنلف ونرجع دلوقتي نطمن عليكي و عليه ، ايوه....
وضعت يدها على شفتيه توقفه عن الحديث و هي تضحك قائلة بسعادة :
براحة واحدة واحدة يا فارس
جذبها لاحضانه بسعادة دقائق وابتعد عنها يلثم جبينها بكل حب فبدأت هي تسرد عليه كل شيء وما ان انتهت رددت بسعادة :
ملقتش هدية اجمل من كده تكون هدية عيد ميلادك
ردد بحب و يضع رأسها على صدره :
انتي أجمل هدية يا ميان، انتي أجمل حاجة حصلت في حياتي.....انا بعشقك
ابتسمت بسعادة وقالت بحب و هيام :
وانا بموت فيك يا فارس ♡
.......
بعد عودة ميان وفارس إلى منزلهما، سرعان ما انتشر خبر حمل ميان بين الجميع لتغمر السعادة قلوبهم خاصة أهلها وأهله
كانت الفرحة عظيمة لدرجة أن العائلتين قامتا بتقديم الأضاحي كتعبير عن الفرح والشكر لهذا الخبر السار
باتت أجواء الفرح والتهاني تملأ المكان حيث اجتمع الأحبة للاحتفال بهذا الحدث السعيد والكل يترقب بشوق ولادة الطفل الذي سيضيف مزيدًا من البهجة إلى حياتهم
........
في غرفة الاجتماعات، بعد خروج الموظفين ظل سفيان و قصي وحدهما
لاحظ قصي تشتت سفيان خلال الاجتماع فسأله :
سفيان مالك طول الاجتماع مش مركز و سرحان ، حصل حاجة معاك و لا ايه !!
تنهد سفيان بعمق ثم قال بعد صمت:
تايه....حاسس اني تايه، جزء من قلبي لسه متعلق بميان ، وجزء تاني عايز قرب أماليا، بس خايف أظلمها....مش متأكد إذا مشاعري حقيقية ولا لأ
ثم تابع بحزن مبتلعاً غصة مريرة بحلقه :
انا تعبان يا قصي
نظر إليه قصي بحزن لكنه ردد بجدية :
لازم تواجه نفسك و تاخد خطوة ، خليك صريح مع نفسك ومع أماليا لو مش حاسس إنك تقدر تديلها كل اللي تتمناه يبقى الأحسن تكون صريح معاها وتقولها كل اللي في قلبك
رد سفيان بحزن :
لكن الصراحة ممكن تأذيها وتجرحها
طمأنه قصي قائلاً :
الصراحة هي احسن و اقصر الطرق، خليها هي اللي تقرر بعد كده إذا حابة تكمل ولا لأ
صمت سفيان يفكر في كلام قصي لكن سأل نفسه بقلق كبير و خوف تسرب إلى قلبه
إذا اكتشفت أماليا ماضيه، هل ستقبل به ؟
كيف ستنظر إليه ؟
هل ستكون قادرة على الوثوق به من الأساس ؟
تنهد سفيان وهو يتذكر حديثه مع فريدة منذ فترة قصيرة عندما كان يجلس برفقتها يتناول معها الغداء في صمت قطعته قائلة بمكر :
عسولة اوي أماليا !!
اومأ لها بصمت ولم يعقب على حديثها فتابعت :
باين عليها متربية و بنت ناس ، الف شاب يتمناها
لم يعقب ايضاً فلم تجد حل سوى ان تقولها مباشرة :
ايه رأيك تتجوزها !!
جز على اسنانه مردداً بحدة :
فريدة شيليني من دماغك وموضوع الجواز دي انسيه تماماً ، طلعي أماليا من دماغك لأني مش هسمحلك تخليها نسخة من ميان
ردت عليه بحدة و غضب :
ميان...ميان...ميان...ايه مش هنخلص منها و من سيرتها، الحق عليا اني عاملة على مصلحتك ، فوق بقى من الوهم اللي معيش نفسك فيه ، لسه فاكر انها بتحبك و في يوم هترجعلك تبقى غلطان دي قليلة الاصل و خدعتنا المدة دي كلها ، هي لا حبتك و لا باقية عليك ، مع اول فرصة جت ليها اتجوزت و عاشت حياتها و سابتك !!
صرخ عليها سفيان بغضب ونفاذ صبر :
فوقي انتي من الوهم اللي معيشة نفسك فيه، مش كفاية عليكي ذنب ميان عايزة تشيلي ذنب أماليا ، مفكراني غبي انا عارف انك هتلفي و تدوري و تعملي نفس الاسطوانة على أماليا و هتطلعيني ضحية وميان هي المذنبة مع ان العكس صحيح وانا وانتي المذنبين في حقها
ردت عليه بمكابرة و حدة :
فين الغلط مش هي بتحبك زي ما بتقول، كان حصل ايه يعني ما ياما بيحصل بين المتجوزين، هي اللي كأنها ما صدقت تخلص منك عشان ترمي حبالها على غيرك
رد عليها بحدة ونفاذ صبر :
انتي ازاي كده ، انا مش عارف اقولك ايه ، فوقي لنفسك يا فريدة قبل ما تخسري كل حاجة ، و اولهم انا ، لو قربتي من أماليا او وصلني انك بس عملتي نفس اللي عملتيه مع ميان انا اللي هقفلك و ساعتها كمان هتنسي ان ليكي حفيد اسمه سفيان، و لو عاملة عليا انا بقولك ملكيش دعوة بيا، مش محتاجة مساعدتك !!!
جزء بداخله يخشى فريدة وما يمكن ان تفعله بأماليا !!
هل سيعاد الماضي وتصبح أماليا نسخة من ميان !!
راقبه قصي بحزن عميق، وهو يعلم بالصراع الذي بداخل سفيان...رأى الألم والحيرة واضحين على وجهه ، وعرف مدى معاناته، تمتم قصي في نفسه بالدعاء متمنياً أن يهدي الله قلب سفيان ويمنحه الراحة و السلام
.......
"ممكن اعرف طلبت تشوفني ليه" قالتها أماليا بنبرة يملؤها الفضول وهي تنظر إلى سفيان الذي استجمع نفسه ثم أخذ نفساً عميقاً قائلاً بتردد واضح :
اسمعيني للآخر وفكري في كلامي براحتك ، بعد كده ردي عليا !!
أومأت برأسها موافقة وهي تستمع إليه بتركيز فابتلع ريقه وقال بخوف داخلي :
عارف إننا اتقابلنا من فترة قصيرة، وإن طلبي دلوقتي ممكن يكون مجنون بالنسبة ليكي....و ممكن جداً ترفضي
سألته بتردد وحرج :
قصدك إيه !!
تنهد بعمق وأجاب بتردد :
قصدي...إني عايز أتجوزك !!!!!!!!
تهربت من نظراته بعيداً و أخذت تحك جلد يدها بتوتر ملحوظ فتابع سفيان بوضوح :
خلينا نكون صرحا مع بعض فيه مشاعر متبادلة بينا من ناحيتي مش هقولك حب، هقولك ارتياح...لو قولتلك حب هبقى بكذب
ثم تابع بصوت منخفض يملؤه الحزن :
عارف إن طلبي ظلم ليكي ، بس بجد أنا متلغبط و حاسس إني محتاجك جنبي
نظرت إليه بجدية وسألته :
انت لسه بتحب ميان، مش كده ؟
تحاشى النظر إليها فتابعت هي بهدوء يعكس مشاعرها المختلطة :
شوف أنا محبتش قبل كده، وتجاربي في الحياة مش كتيرة...قرار زي ده مش هيتاخد لمجرد شعور بالارتياح
ثم تابعت بنبرة جادة :
أنا مش هقبل أكون لواحد وأنا عارفة إن فيه غيري في قلبه....أنا مش قليلة عشان أقبل أكون زوجة لواحد بيحب غيري وعايزني لمجرد شعور ممكن يختفي مع الوقت ومايتحولش لحاجة تانية وساعتها أنا اللي هكون خسرانة !!
أومأ لها بصمت والحزن ينهش قلبه فتابعت أماليا :
بص يا سفيان فيه حاجات كتير أنا معرفهاش عنك، لكن من نظرات البعض ليك بحس إن فيها كره حتى كلامك عن نفسك من وقت للتاني بيخليني أحس انك كنت شخص مش كويس في الأول، بس اتغيرت وبتحاول تتغير، أنا ماليش حق أسألك عن حياتك اللي فاتت، لكن من حقي أعرف إنك مش بتحبني، وإنك بتحب غيري !!
تنهدت ثم تابعت بصدق :
مش هكدب عليك وأقولك إن مافيش فضول عندي أعرف حياتك كانت إزاي قبل كده، بالعكس...أنا عايزة أعرف....
تجمدت الكلمات في حلقه وهو يراقب تعابير وجهها المتغيرة ظل الصمت يخيم بينهما للحظات قبل أن يقاطعها بتوتر لعلها تفكر في الأمر مرة أخرى :
أماليا انا مقدرش أوعدك إن كل حاجة هتبقى مثالية....بس اللي أقدر أوعدك بيه إني هعمل كل اللي اقدر عليه عشان اسعدك
نظرت إليه بتفكير وكأنها تزن كلماته في عقلها لم تكن ترغب في أن تتخذ قرارًا متسرعًا و دلكن شيء ما في صوته وفي توتره، لمس شيئًا في قلبها
ربما هو صدقه ربما هو إحساسه بالضياع و ربما رغبتها هي في أن تمنحه فرصة !!
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء :
سفيان، أنا مش هضحك على نفسي و أقول إني مقتنعة تمامًا، بس فيه جزء مني عايز يديك فرصة يمكن نقدر نبني حاجة مع بعض...يمكن نلاقي في الآخر حاجة حقيقية
انفرجت أساريره وكأن عبئًا ثقيلاً انزاح من على كاهله...لم يكن يتوقع هذه الإجابة، و لكنها كانت كافية لتضيء له طريقًا كان يظنه مسدودًا :
انا مش هخيب ظنك، وأعدك إني هبذل كل جهدي عشان نلاقي سعادتنا مع بعض
ابتسمت بخفة وقالت :
بس فيه شروط يا سفيان
ابتسم هو الآخر وقد لاحظ أنها بدأت تشعر ببعض الراحة :
قوليلي إيه شروطك وأنا مستعد انفذها
نظرت إليه بجدية وأجابت :
أولاً...لازم نكون صرحا مع بعض من الأول...مفيش أسرار....مفيش تردد....تاني حاجة لو في أي لحظة حسيت إني مش قادرة أكمل تبقى عارف إن ده حقي...مش عايزة نبقى متأذين أكتر من اللي لازم
أومأ برأسه مؤكداً على كلامها :
اتفقنا هنبني علاقتنا على الصراحة من البداية وحقك في انك تاخدي القرار ده محفوظ طبعاً
ابتسمت له في هدوء وأكملت :
فيه حاجة تانية يا سفيان
نظر إليها بترقب :
إيه هي ؟
تابعت بهدوء :
عايزة نبدأ بالعقل قبل القلب نتعرف على بعض أكتر نتكلم...نشوف إزاي نقدر نتفاهم ونعيش مع بعض وبعد كده، لو حسينا إن فيه حاجة حقيقية بينا نقدر نكمل ، يعني عايزة اعرفك اكتر يا سفيان عايزة اعرف طباعك شخصك.....
رد بإصرار وهو يشعر بأنها أعطته الضوء الأخضر للبدء :
موافق....هنبدأ مع بعض خطوة خطوة
أحنت رأسها قليلاً موافقة و قلبها ينبض بمزيج من التردد والأمل...ربما هذه الفرصة ستفتح لهما بابًا جديدًا في حياتهما...وربما سيكتشفان أن هناك شيئًا أكبر من الارتياح بينهما !!
........
عادت أماليا إلى المنزل وهي تشعر بالقلق بعد لقائها بسفيان.....دخلت إلى غرفة المعيشة حيث كانت والدتها تجلس تنهدت و بدأت تقص لها ما حدث و ما ان انتهت بقت تصرخ عليها بغضب لترد عليها أماليا بجدية :
أنا مليش دعوة بماضيه، أنا ليه دعوة بإنه بقى إيه مش كان إيه !!
قالت والدتها بصوت مرتفع معبرة عن غضبها :
بتقولي كده عشان غبية المفروض تعرفي...تعرفي ايه الماضي اللي هتقبليه ده....مش مجرد كلام بتردديه وخلاص ماخوفتيش للحظة من الماضي ده مسألتيش نفسك ليه ممكن ميان و فارس يكرهوه بالشكل ده
ارتفعت حدة صوت والدتها، و زادت سرعة كلامها :
صح، لو فاكرة نفسك التانية في حياته...تبقي غلطانة قبلك كان على ذمته اتنين في وقت واحد....هو مش بالبراءة اللي انتي شيفاها دي، ده أذى كتير وعمل بلاوي لو سمعتيها، تفكري مليون مرة قبل ما تربطي اسمك مع اسمه.....يا غبية
استمر النقاش بينهما و كان الجو مليئًا بالتوتر
رددت أماليا بتصميم :
سفيان اتغير وصلح من نفسه
صرخت عليها والدتها :
وانتي عرفتي منين...عرفتي كان إيه واتغير في إيه بلاش تحكمي على الأمور بسذاجة
ردت عليها أماليا برجاء :
أنا مش صغيرة...أنا قادرة أفرق إذا كان اللي قدامي بجد شاريني ولا لا
ثم تابعت بصدق :
قلبي بيقولي يستحق فرصة ، قلبي بيقولي إنه يستاهلها ومش هيوجعني
أجابت والدتها بصوت حزين و تعب :
يا بنتي، مش هيحبك ولا عمره هيحبك...هو بيحب ميان ولحد دلوقتي مش قادر ينساها...انتي متخيلة هتكوني إيه...هتكوني بديل ليها...فار تجارب بيجرب فيكي إذا كان هيقدر ينساها ولا لا...ولو كان لا...أنتي اللي هتكوني خسرانة...لما تكوني في مكان وهي معاكم و ده وارد جداً عيونه هتدور عليها قبلك.. ساعتها قلبك هيوجعك، وهتموتي من القهر بدل المرة ألف مرة
ثم تابعت برجاء لعلها تستمع لها وتقتنع :
اسمعي كلامي يا بنتي ، أنتي تستاهلي أحسن منه
تجمدت أماليا للحظة، ثم ردت بجدية :
ماشي فرضنا هخسر....هخسر بس أكون اتعلمت سيبيني أختار....وأنا اللي هتحمل المسؤولية...أنا مش صغيرة يا ماما
أخذت والدتها نفساً عميقاً، ووجهت كلامها بصرامة :
أنا هثبتلك إن كلامي صح
أماليا، وهي تنظر إلى والدتها بعينين مليئتين بالدموع ثم قالت بصوت ضعيف :
أنا عارفة إنك خايفة عليا، لكن انا لازم أعطي فرصة لنفسي، وأشوف الأمور بنفسي....خليني اجرب واتعلم مس هاخد خطوة الجواز غير لما اتأكد مية في المية انه يستاهلني
صمتت والدتها ثم قالت بهدوء يسبق العاصفة :
خليه يقابلنا بعد بكره على العشا في.....خلي ابوكي و اخواتك يشوفوه من غير ما يعرفهم انه عايز يتجوزك انا هقولهم اني عزمته على العشا عشان وقف جنبك في الشغل ساعدك...كشكر ليه
قالت ما قالت ثم غادرت و تركت أماليا مكانها تشعر بالتوتر من صمت والدتها المفاجأ تدعو الله بداخلها ان لا تخيب ظنونها به و ان تكون اختارت الصواب!!!!!
.......
جاء اليوم المنشود و في منزل ميان و فارس
كانت ميان تنظر إلى نفسها في المرآة بسعادة تلتف حول نفسها بفستانها الأرجواني الواسع، بينما فارس كان يراقبها من بعيد، مغمورًا بالسعادة
فجأة، اقترب منها وجذبها د من خصرها برفق مما جعلها تلتفت إليه بابتسامة مشرقة انحنى ليقترب منهالكنها ابتعدت قليلاً و وضعت يدها على كتفه بلطف تدندن بدلال اذهب عقله :
حلم البنات انت
ومغرومة فيك إنت وقلبي نقاك انت
ونحنا لبعض خلقنا من هالليلة وطالع راح يبقى
القلب والع
ما راح بيضل شارع إلا ويحكي بقصتنا
تأمل فارس عينيها، وسحبها إليه أكثر مردداً بحب :
أحبك أكتر من كده إيه ، ارحمي قلبي شوية وبراحة عليه هو مش قدك
ضحكت ميان بسعادة عارمة ، وبدأت تدور حول نفسها مرة أخرى بحرص شديد وهي تقول :
أنا مبسوطة أوي أوي
فارس، وهو لا يزال يحتفظ بيده حول خصرها نظر إليها بعيون مليئة بالحب الصادق و قال بابتسامة :
عمري كله فدا ضحكة منك يا ميان
احتضنته بسعادة غامرة و هي لا تصدق ما هذا الرجل كيف له ان يكون هكذا كيف له ان يعشقها بهذا الشكل ويجعلها عاشقة له بهذه القوة ♡
بعد وقت
كان فارس وميان يدخلان المطعم الفاخر تمسكت ميان بذراع فارس، الذي أحاط خصرها بيده وأعطاها ابتسامة محبة
قادهم النادل إلى الطاولة التي كانت تنتظرهم عليها الطبيبة والدة أماليا و عائلتها المكونة من ابنائها الأربعة تجهم وجه فارس حين رأى سفيان جالساً بينهم كذلك فعلت أماليا و هي تنظر لوالدتها بلوم مالت ميان عليه وهمست بخفوت :
فارس من فضلك...خليك هادي، احنا ضيوف هنا و الناس حوالينا....بلاش مشاكل
اقترب الاثنان من الطاولة رحبت الطبيبة بهما متجاهلة نظرات فارس الغاضبة و عندما جاء الدور على سفيان صافحه فارس ببرود واضح
جذب فارس ميان لتجلس بجانبه ليصبح هو بالمنتصف بين سفيان و ميان
ساد جو مشحون خاصة عندما لاحظ الجميع وجود توتر بين سفيان وفارس فلم يكن أحد يعرف أن ميان هي زوجة سفيان السابقة وأن هناك صلة قرابة بينهما سوى أماليا ووالدتها
رددت ميان بهدوء، دون أن يلاحظها أحد :
فارس الناس هتلاحظ شكلك باين عليه
ردد علي شقيق أماليا الأكبر، بمرح :
بس إيه، يا عم فارس ، الجواز بيحلي الواحد كده خلي بالك أنا بحسد ، شوفت صراحة اكتر من كده
ضحك الجميع بخفوت عدا البعض فتدخل نائل احد اشقاء أماليا قائلاً بمرح :
والله، برافو عليكي يا مدام ميان....في جوازة فارس الأولى كان بيكون علطول عصبي لكن واضح إن الوضع اختلف دلوقتي
ابتسم فارس بزاوية شفتيه وكذلك ميان، بينما كانت أماليا تراقب سفيان بتركيز لاحظت كيف كان ينظر إلى الأسفل و لكن قبضة يده كانت مشدودة بغضب
عندما قدم النادل طبق الشوربة الساخنة لميان اهتزت يده وسقط القليل من الشوربة على ميان مما جعلها تصرخ من الألم انتفض الجميع و أسرع فارس لتجفيف يدها
لم يستطع سفيان البقاء هادئاً، فاقترب يسألها بقلق واضح :
أنتي كويسة....تحبي نروح لدكتور !!
رد عليه فارس بشراسة :
ميخصكش
تعجب الجميع من قلق سفيان المبالغ فيه من وجهة نظرهم تجاه امرأة يبدو أنه يراها لأول مرة، وكذلك من نبرة فارس الهجومية
ردت ميان على الفور لتجنب أي شجار قائلة و هي تسحب فارس معها :
فارس معلش تعالى ساعدني هروح اغسل ايدي أحسن
ذهب معها فارس على مضض، بينما اعتذر سفيان قائلاً بتهذيب :
شكراً على دعوتكم...بس أنا مضطر أمشي عندي مواعيد بدري بكره الصبح....تصبحوا على خير اتمنى لكم سهرة لطيفة
.......
في صباح اليوم التالي
اقتحم فارس مكتب والدة أماليا غاضبًا وصرخ :
إزاي تعملي كده...إزاي تجيبيه وتقعديه معانا على نفس الترابيزة وانتي عارفة اللي بينا وبينه، غرضك ايه من ده كله !!
ردت عليه بثبات :
أحب أحتفظ بالسبب لنفسي
بغضب دفع فارس كل ما على مكتبها إلى الأرض مرددًا :
قسماً بالله لو اللي حصل اتكرر تاني أو حسيت إنك بتستغلي ميان عشان أماليا ، مش هيحصل خير أبداً أنا مش غبي وفاهم إنتي بتحاولي تعملي إيه....عايزة تبعدي بنتك عن سفيان ماشي، اعملي كده...بس مش على حسابي أنا ومراتي !!
أنهى كلماته وغادر صافعاً الباب خلفه، متجهًا نحو مكتبه لكن صوت صراخ مرتفع قادم من نهاية الممر استوقفه !!
هرع فارس إلى مصدر الصوت ليجد رجلًا يمسك بشابة ويضربها بقسوة...بينما كانت الاخرى تصرخ وتستغيث بدون تردد تقدم فارس بسرعة ودفع الرجل بعيدًا عن الشابة واضعاً إياها خلف ظهره و هو يصرخ بغضب :
إيه الهمجية دي !!!!
تقدم الرجل نحو فارس غاضبًا وهو يحاول الوصول للفتاة مجددًا :
انت مال أهلك
ازداد غضب فارس فلكمه بقوة ليسقط الآخر أرضًا والدماء تنزف من فمه، نهض الرجل بسرعة محاولًا رد اللكمة لكنه تلقى لكمة أخرى من فارس اسقطته على الأرض مجددًا
أشار فارس للأمن ليمسكوا به حتى تأتي الشرطة، تدخلت طبيبة نسائية كانت شاهدة على الواقعة و قالت بخوف :
الراجل ده من ساعة ما عرف إن مراته حامل في بنت، نزل فيها ضرب وكسر المكتب عندي يا دكتور فارس
أومأ لها فارس...ثم صرف الواقفين وأخذ الفتاة إلى مكتبه وما إن سألها عن قصتها حتى انفجرت بالبكاء قائلة بحزن :
غصبوني عليه...ده راجل معندوش لا قلب ولا رحمة... بيضرني دايمًا وميعيشني في ذل وإهانة، أبويا باعني ليه عشان الفلوس اللي بياخدها منه كل شهر أنا تعبت... حتى لما ربنا أراد إني أحمل، مرحمنيش... اول لما عرف إني حامل في بنت، قوم الدنيا وعمل زي ما انت شايف
مسحت دموعها لكن سرعان ما عادت للبكاء قائلة بقهر و مرارة :
لو عندي مكان أروح عليه أو الجأ له كنت روحت
شعر فارس بالشفقة نحوها فردد مواسياً اياها :
معندكيش حد من أهلك تقعدي عنده
هزت رأسها بالنفي قائلة بقهر :
مليش غير أبويا ، ولو روحت ليه هيرجعني لأبو عدنان من تاني عشان يضمن الفلوس اللي بتوصله كل شهر
تنهد فارس، وسألها بجدية :
هتعملي إيه لما تخرجي من هنا
ردت عليه بصوت مرتجف :
معرفش...أنا خايفة أوي
جمع فارس أغراضه ، ثم وقف قائلاً بحزم :
لحد ما أمورك تتظبط وأبو عدنان ياخد جزاؤه هتكوني ضيفة عندي وعند مراتي متخافيش، بيتي أمان ليكي
نظرت الفتاة له بتردد وخوف....فشعر فارس بذلك وردد بصوت حنون :
متخافيش، هتكوني ضيفتنا وهتقعدي معانا معززة مكرمة لحد ما أدبر ليكي شغل ومكان تعيشي فيه بأمان بس لحد ما ده يحصل، مش هتفضلي في الشارع تعالي معايا ، ولو حسيتِ بقلق تقدري تمشي
اضطرت للموافقة إذ لم يكن لديها خيار آخر !!
بعد وقت قليل
دخلت خلف فارس من باب المنزل ، لتجد ميان أمامها فتاة جميلة ابتسمت لها بفضول، التفت فارس نحو ميان وقال بهدوء :
دي مدام جنة....ضيفة عندنا كام يوم يا حبيبتي
أومأت ميان برأسها بترحاب ومدت يدها لتصافحها قائلة بابتسامة دافئة :
أهلاً بيكي، نورتينا...أنا اسمي ميان اتشرفت بمعرفتك
ابتسمت جنة بتوتر وصافحتها بخجل قائلة :
أنا آسفة لو هزعجك بوجودي، بس مليش مكان تاني أروح عليه
نفت ميان برأسها و نظرت إليها بشفقة فقد رأت آثار الضرب الوحشي على وجهها والنظرة المكسورة في عينيها ردت بلطف :
إزعاج إيه بس...ده إنتي هتنورينا....هنقضي وقت حلو سوا....أنا بكون لوحدي طول اليوم لأن الأستاذ بيكون في الشغل....هتنبسطي هنا متقلقيش
ابتسمت جنة بخجل فقادتها ميان إلى إحدى الغرف و أعطتها ملابس لتبدل ثيابها بعد ذلك، عادت إلى فارس الذي عانقها على الفور قائلاً بتعب :
تعبان ومش قادر أتكلم يا ميان
بادلت ميان العناق بصمت وبعد دقائق تركته يجلس على الفراش و توجهت إلى الحمام لتجهزه له
بعد وقت قصير
خرج فارس من الحمام ليتفاجأ بالغرفة معتمة، عدا الضوء المنبعث من الشموع المعطرة
جذبته ميان برفق ليستلقي على الفراش على بطنه ثم بدأت بوضع الزيوت وتدليك ظهره برفق حتى شعر بالاسترخاء و غفا بين يديها ابتسمت وهي تلثم على جبينه قبل أن تغادر الغرفة وتتوجه إلى جنة التي كانت قد غفت من التعب
عادت ميان إلى الغرفة، وتأملت فارس وهو نائم بحب فجأة تحرك في نومه وجذبها إلى أحضانه مرددًا بصوت ناعس :
بحبك ♡
ابتسمت بخجل وحب وقالت بصوت خفيض قبل أن تغلق عينيها وتستسلم لدفيء أحضانه :
وأنا بموت فيك ♡
.......
بعد بضع ساعات استيقظ فارس من النوم ليجد ميان غير موجودة بجانبه
تثاءب بكسل ثم خرج من الغرفة مرتديًا بنطال فقط، اخذ يمرر يده على شعره يبعثره متناسياً الضيفة التي معهما بالمنزل
ليتفاجأ بها تجلس في الصالة برفقة ميان !!
شعر فارس بالحرج عندما رأى جنة فابتسم بحرج وقال:
أنا آسف
ثم هرع سريعًا إلى غرفته، فلحقت به ميان قائلة بحرج لجنة التي اخفضت رأسها واحمرت وجنتاها من الخجل :
معلش يا جنة، هو بس لما بيصحى من النوم مش بيبقى مركز تلاقيه نسي انك موجودة، هروح أشوفه لو محتاج حاجة !!
اومأت لها جنة بخجل فدخلت ميان خلف فارس وأغلقت الباب ثم قالت بغيرة :
إزاي تخرج قدام جنة بالمنظر ده !!
ابتسم فارس بمكر واقترب منها قائلاً :
بتغيري عليا
قبل أن تتمكن من الرد جذبها برفق ثم انحنى ليلثم وجنتها لكن فجأة، جاء صوت طرق على الباب تبعه صوت جنة من الخارج تقول بخوف :
الباب بيخبط جامد
خرج فارس بسرعة من غرفته يرتدي قميصه على عجل متوجهًا إلى الباب ليرى من يطرق بهذه القوة وبمجرد أن فتح الباب وجد كارم واقفًا أمامه يقول بغضب :
لازم نتكلم فورًا يا فارس
أمسك فارس بذراع كارم وسحبه إلى غرفة المكتب ثم أغلق الباب خلفهما بهدوء ليضمن عدم سماع أحد لحديثهما
بادر كارم بالحديث بنبرة حادة :
أبو عدنان ده راجل مش مظبوط و خطير و انك تخبي مراته في بيتك ده هيعرض حياتك وحياة ميان وابنك اللي لسه مشفش النور للخطر !!
رد عليه فارس بحزم :
جنة مسئولة مني، ولازم أحميها بنفسي
زفر كارم بضيق وهو يحاول السيطرة على غضبه، قائلاً :
ما اختلفتش معاك...تفضل مسئولة منك وكل حاجة لكن بعيد عن بيتك اللي مفيش عليه اي حراسة حتى، طب شوف انا هاخدها واخبيها في مكان متأمن كويس لحد ما نقدر نمسك أبو عدنان
سأله فارس بحدة :
يعني ايه تمسكه مش الامن سلمه ليك الصبح
ردد كارم بضيق :
ضرب نار على عسكري وهرب !!
ثم تابع بجدية :
بلاش عناد يا فارس ، ميان هتكون في خطر ده اذا مكنتش خلاص في خطر ، أبو عدنان مش هيسكت غير لما يوصل لمراته ويعلم عليك زي ما علمت عليه
سكت فارس للحظة يتذكر ميان و قد بدا له أن حكايتها تشبه حكاية جنة نوعاً ما !!
لهذا السبب أراد أن يساعدها كان يرى في جنة صورة حبيبته ميان و الحالة التي كانت فيها...لكن ميان كانت محاطة بالكثير من الناس بينما جنة ليست كذلك ليس لها احد !!
رد على كارم بجدية و تمسك بموقفه :
شوف يا كارم البنت مش هتخرج من بيتي الا لما اضمن ليها عيشة كويسه وحياتها تكون كويسه ، انا اعتبرتها مسئولة مني وزي اختى
ثم تابع بجدية حتى يريح الآخر :
هات حراس براحتك واحرس البيت بس خروج جنة من هنا مش هيحصل !!
استسلم كارم اخيرا بعد مجادلة كبيرة بينهما جنة كانت تقف قريبة من الباب تستمع لما قيل و قد نمت ابتسامة جميلة على شفتيها لموقف فارس معها و نُبله و تساءلت في نفسها لما لم تحصل مثل زوجته ميان على رجل مثله !!!
بعدما غادر كارم وهو غاضب، دخلت ميان لفارس وسألته بقلق :
ليه كنت بتتخانق أنت وكارم، شكله كان متعصب اوي وهو خارج
تنهد فارس بضيق ثم قص عليها الأمر من بدايته و ما ان انتهى ردد بتعب :
المسألة مش مجرد حماية وبس ، الموضوع اكبر من كده...جنة ملهاش حد وأبوها باعها للراجل ده مقابل الفلوس...أنا حاسس إني مسئول عنها لحد ما أقدر أساعدها تبدأ حياتها من جديد بعيد عن الكابوس اللي عايشاه
سكتت ميان لبرهة ثم رفعت نظرها لفارس وقالت بحزن :
أنا حاسه بيها، لأني عيشت تقريبًا نفس التجربة يا فارس...منكرش إني غيرت شوية من تمسكك بيها ، لكن في نفس الوقت صعبانه عليا و زعلت عليها شعور وحش اوي يا فارس....بس الحمد لله انا كنت محظوظة وقابلتك
نظر فارس إليها بحنان وأخذ يدها بين يديه، قائلاً بصوت مليء بالعاطفة :
ميان، أنتي دايمًا ليكي الأولوية في حياتي...اللي بعمله دلوقتي عشان جنة تقدر تعيش حياتها وتاخد فرصة تانية تحقق كل اللي ابوها دمره جواها لما باعها للزفت ابو عدنان، زي ما إحنا لقينا بعض....أنا عايز أديها الفرصة تبدأ من جديد، وتلاقي نفسها بعيد عن الراجل اللي دمر حياتها ده
ابتسمت ميان بخفة وهي تضغط على يده بلطف ثم تابعت قائلة :
أنا فاهمة و واثقة فيك ، خلينا نساعدها مع بعض و أكيد ربنا هيعوضها يا حبيبي
ابتسم فارس وهو ينظر إلى ميان بحب، ثم احتضنها قائلاً بصوت دافئ محب :
أنا محظوظ لأنك مراتي وحبيبتي ، انتي كنزي اللي ربنا رزقني بيه في الدنيا
ابتسمت ميان له بحب و هي تشعر بالدفء الذي يملأ قلبها بسبب كلماته الصادقة
....
بينما كانا يعيشان هذه اللحظة الرومانسية، كانت جنة تقف خارج الغرفة، تنظر بصمت إلى الصور التي تجمع ميان و فارس المعلقة على الجدران
الصور كانت مليئة بالحب والسعادة ، تعكس اللحظات التي عاشها فارس وميان معًا
كانت هناك صور تُظهرهما في لحظات من الضحك و الرومانسية وأخرى تُظهرهما في لحظات مجنونة مليئة بالحيوية
لم تستطع جنة منع نفسها من الشعور بغيرة و حقد مفاجئ تجاه ميان فهي جميلة ربما اكثر من ميان لكن تساؤل مرير تسلل إلى عقلها لماذا كان نصيبها ان تكون مع رجل قاسي مثل أبو عدنان، بينما ميان تحصل على كل هذا الحب والاهتمام من رجل مثل فارس !!
كانت تلك الأفكار تتصارع داخلها، تشعرها بالظلم و المرارة أغمضت عينيها للحظة، محاولة تهدئة نفسها، وتقبل حقيقة حياتها، وهي تفكر في ما قاله فارس لها عن بداية جديدة لكن الحزن العميق ظل يثقل قلبها وهي تستمر في النظر إلى الصور، متمنية لو أن حياتها كانت مختلفة
......
بعد عودة كارم إلى المنزل وهو غاضب دخلت عليه همس بقلق.وسألته عن سبب غضبه فجلس كارم على الأريكة متأففًا، ثم بدأ يقص عليها ما حدث بينه و بين فارس و بعد أن انتهى تنهدت همس بلطف ثم قالت بصوت هادئ :
بص يا كارم كل واحد بيشوف الأمور من وجهة نظره، فارس تقريبًا عاوز جنة متكونش لوحدها، هو مش عايزها تحس بالوحدة يمكن متمسك بيها عشان بيحاول يخليها تحس بالأمان اللي هي مفتقداه
توقفت قليلاً ثم نظرت إليه بعينيها المليئة بالتعاطف قبل أن تكمل :
شعور وحش أوي يا كارم لما تحس إنك وحيد، و أقرب الناس ليك باعوك والشخص اللي المفروض يبقى نصك التاني و سندك و امانك هو اللي بيشتريك وبيعاملك بالقسوة دي...فارس عايز يخليها تحس بدفى العيلة، يمكن افتكر ميان وإنها مرت بنفس العنف ده، عشان كده عاوز يساعدها
نظرت إليه بابتسامة صغيرة وتابعت :
سيبه براحته يا كارم، هو أدرى بيها...وزي ما اتفقتوا زود الحراسة على بيته على قد ما تقدر و متزعلش منه انتوا ملكوش غير بعض، اقف جنبه وساعده
ثم أضافت بلطف :
وأنا بكره هروح أشوف ميان وأطمن عليها الحمل أكيد تاعبها
ابتسم لها بحب ثم قال وهو ينظر داخل عينيها :
عقبالك يا حبيبتي
ابتسمت همس بخجل فاقترب منها كارم واحتضنها بحنان قائلاً بصوت مليء بالشوق :
أنا هموت على اليوم اللي أبقى فيه أب ، وأشوف طفل منك نفسي يكون شبهك في كل حاجة ، و يا سلام لو بنت بنفس شقاوتك وجنانك
ضحكت بخفة، دثم لثمت وجنتيه بحب وقالت بعشق صادق :
انا كمان بحبك أوي يا كارم
عانقها كارم بقوة والشعور بالحب والدفء يغمرهما ،
كأن العالم كله توقف للحظة ليتأمل في تلك اللحظة السعيدة بينهما كانت تلك اللحظة البسيطة كافية لتزيل كل التوتر والغضب الذي شعر به اليوم
.......
في صباح اليوم التالي
كانت همس في بيت ميان تطمئن عليها تعرفت على جنة، لكنها لم تشعر بالراحة تجاهها كان هناك شيء غير مريح، شيء لم تستطع تحديده
دخلت ميان إلى المطبخ ومعها همس وجنة كل واحدة منهن بدأت تحضير بعض التسالي استعدادًا لمشاهدة فيلم معًا
بعد دقائق من الانشغال جلس الثلاثة في غرفة المعيشة، الأجواء كانت هادئة
نظرت جنة إلى الاثنين وسألتهما بفضول :
انتوا في طب مش كده
هزت همس وميان رأسيهما بحرج خفيف مدركتين أن جنة لم تكمل تعليمها سألت جنة بفضول :
ناوين على تخصص ايه ان شاء الله
ردت عليها همس بهدوء :
أنا اطفال باذن الله
بينما ميان رددت بابتسامة :
وأنا نسا وتوليد زي فارس
صمتت جنة للحظة ثم قالت بنبرة هادئة :
ربنا يوفقكم
ميان شعرت ببعض التوتر فقامت بالرد مازحة لتحاول تخفيف الجو خشية من ان تكون جنة شعرت بالحزن لكونها لم تكمل تعليمها :
والله مش عارفة كان عقلنا فين واحنا بنقرر نكمل تعليم....بلا هم ووجع دماغ...اللي خدها من قصيرها ريح دماغه
رددت همس بضحك مؤيدة اياها :
عندك حق والله
لكن جنة ابتسمت ابتسامة باهتة كانت خالية من الحياة، مشاعرها الداخلية كانت بعيدة تمامًا عن تلك الابتسامة المصطنعة بداخلها كانت مقهورة تتمنى لو كانت مكانهما عرفت أن همس متزوجة من ضابط...كان واضحًا أنه يحبها رأت ذلك عندما صعد ليوصلها للبيت ثم ودعها بحب وحنان
لكن هي؟ لم يكن لها حظ في شيء لا في التعليم، ولا في أهل يدعمونها، ولا حتى في مال يساعدها على تحسين حياتها....حتى في الزواج، لم تحظ بفرصة اختيار شريك حياتها بنفسها
كانت تشعر بثقل هذا الواقع و شعور الفقدان و الحرمان كان يعصف بها بينما تجلس بجوارهم تحاول بكل جهدها إخفاء ما تشعر به
.....
في منتصف اليوم غادرت همس و عاد فارس إلى البيت متعبًا بعد يوم طويل
منذ أن جاءت جنة للإقامة معهما أصبح يطرق الباب قبل أن يدخل حتى لا يفاجئها و هي في لحظة راحة فتحت له ميان بابتسامتها الجميلة التي دائمًا ما تأسره
فور دخوله نظر فارس يمينًا ويسارًا يتأكد أن لا أحد يراقبهما ثم أغلق الباب خلفه فجأة جذبها إليه بقوة قلبه ممتلئ بالحب والاشتياق همس لها بصوت خفيض "وحشتيني"
ابتسمت ميان بخجل وهي ترد عليه بحب :
وأنت كمان
فكر في الاقتراب منها مرة أخرى وجودها دائمًا ما يجعله ينسى نفسه لكنها تراجعت بلطف قائلة :
ميصحش، جنة ممكن تيجي في أي وقت
لكنه لم يستطع مقاومة جمالها فاقترب منها سريعة لكن في نفس اللحظة دخلت جنة إلى الغرفة و شهقت بخجل عندما رأتهم في هذا القرب.....عينانها اتسعتا و وجهها احمر خجلاً من المفاجأة...بينما حاولت ميان أن تستعيد هدوءها وتخفف من حرج الموقف !!!
بعد لحظة من الصمت المحرج قالت ميان بتلعثم :
أنا هروح أحط الغدا
ثم استدارت بسرعة و غادرت محاولة إخفاء خجلها
بينما فارس لم يقل شيئًا توجه لغرفة النوم مباشرة تاركاً جنة وحدها، بقيت واقفة في مكانها مشاعر متضاربة تجتاحها، تلك الصورة التي لم تستطع إخراجها من رأسها، تلك اللحظة الرومانسية بين فارس وميان جعلتها تشعر بغيرة مفاجئة وكأن طعنة خفية أصابت قلبها لم تستطع منع نفسها من
التفكير.....ماذا لو كانت هي مكان ميان !!
شردت عيناها في الفراغ بينما تتخيل نفسها بين ذراعي فارس تتمنى لو أن الأمور كانت مختلفة لو أن فارس كان زوجها هي لكن هذا الحلم البسيط كان يرافقه شعور باليأس لأن الواقع مختلف و فارس هو زوج ميان...وليس لها !!
عادت للواقع ولكن المشاعر التي تملكتها في تلك اللحظة تركتها عالقة في دوامة من الأمنيات والأحلام المستحيلة
.......
كان فارس عائداً من عمله بوقت متأخر من الليل بعدما اضطر للمغادرة بسبب حالة ولادة متسعرة ليتفاجأ بعدة سيارات تلاحقه لتسبقه واحدة تقف امامه لتسد عليه الطريق!!!
قطب جبينه بتعجب لما يحدث، نزل من السيارة بوجه متجهم وقبل أن يتحدث تفاجأ بعدة رجال يخرجون من السيارة ويتقدمهم ذلك الرجل عديم الرجولة الذي كان يعتدي على زوجته أمس بالضرب "ابو عدنان"
اقترب من فارس، الذي لم يرف له جفن، قائلاً بتهديد :
مش قولتلك مش هسيبك؟ فكرك إنك ترفع ايدك على أبو عدنان ده هيعدي بالساهل ده انت حفرت قبرك بايدك
شمله فارس بنظراته مستخفاً به ثم قال :
لو خلصت الشو خلصني يلا وهات أخرك عشان عاوز أنام !!!
استشاط الآخر غضباً واقترب منه سريعاً ليلكمه لكن فارس مسك به مسدداً له لكمة قوية جعلته يقع أرضاً أسفل أقدام رجاله والدماء تنزف من أنفه بغزارة
تقدم رجال أبو عدنان نحو فارس بعد إشارة منه مستعدين لضربه....لكن فارس وقف بشجاعة لا مبالي بهم...جاهزًا للمواجهة
هجم عليه الرجال وتبادلوا اللكمات والركلات بشكل عنيف لكن رغم شجاعة فارس وقوته إلا ان الكثرة تغلب الشجاعة واستطاعوا في النهاية التغلب عليه وإحكام القبض عليه، جذبوا فارس بقوة ليقف أمام أبو عدنان الذي رفع يده بغل ليضربه لكن فجأة.......
...........
البارت خلص 🔥
مستنية رأيكم يا حلووووين ♥️♥️
توقعاتكم ايه للبارت القادم 🔥
رواية بعينيكِ أسير بقلمي شهد الشورى "مكتملة" الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم 👑 شهد الشورى 👑
جذبوا فارس بقوة ليقف أمام أبو عدنان الذي رفع يده بغل ليضربه لكن فجأة و قبل أن يفعل اي شيء توقف عندما استمع لصوت محرك سيارة قادم من بعيد انوارها بدأت تخترق الظلام وتقترب ببطء حتى توقفت تمامًا !!
الجميع كانوا في ترقب ينتظرون ما سيحدث فُتح باب السيارة و نزل منها آخر شخص توقع فارس أن يراه في تلك اللحظة انه "سفيان " الذي اقترب منهم بخطواته الهادئة و نظراته الثاقبة و لم يبدو عليه أي توتر
نظر إليهم جميعًا ثم قال بصوت هادئ لكنه مليء بالقوة بعدما توقع ما يحدث و هو ينظر لفارس :
الليلة تتفض وكل واحد يروح بيته سليم احسن
ضحك أبو عدنان بسخرية لاذعة و صوت ضحكته كان مليئًا بالتهكم والغضب وهو يقول:
وانت مالك اهلك ، مين انت !!
رد عليه سفيان بابتسامة باردة تخفي خلفها الكثير :
تصدق بالله...انت جيت في الوقت المناسب انا كنت هموت و اضرب حد وشكلها من نصيبك
لم يستطع أبو عدنان ولا رجاله استيعاب ما حدث حيث باغته سفيان بلكمة قوية كانت كافية لتطرحه أرضًا في ثانية واحدة
ما إن سقط قائد الرجال تشتتوا و عمت الفوضى، في تلك اللحظة انقض فارس على أقربهم و من هنا بدأت المعركة، الضربات تتبادل بين الطرفين، صرخات مختلطة بأصوات اللكمات والتكسير
دقائق قليلة مرت لكن بدت وكأنها ساعات، انتهى كل شيء كان رجال أبو عدنان ممددين على الأرض يئنون من الألم ، ووجوههم مليئة بالدماء بينما أبو عدنان كان مرميًا بينهم عاجزًا عن الحركة بالكاد يلتقط أنفاسه !!
جلس فارس على مقدمة السيارة، يلتقط أنفاسه بصعوبة بعد المكالمة التي أجراها مع كارم ليطلعه على ما حدث بإيجاز، و إلى جانبه، جلس سفيان بصمت، يشاركه نفس التعب ونفس الثقل لم يكن هناك حديث بينهما، ولم تكن هناك نظرات تُبادَل كأن المكان غرق في سكون ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أنفاسهما المتسارعة
مرت الدقائق بطيئة، وكأن الزمن نفسه قد توقف، حتى وصلت سيارات الشرطة، تتقدمها أضواءها الساطعة التي مزقت عتمة الليل....نزل كارم من إحدى السيارات برفقة عناصره، وعيناه تفحصان المكان بدقة، قبضوا على أبو عدنان ورجاله بلا مقاومة تُذكر، وقبل أن يغادر مع الشرطة، توقف للحظة أمام فارس، ناظرًا إليه نظرة تحمل في طياتها الكثير من اللوم !!
عادت السكينة إلى المكان بعدما رحل الجميع، تاركين فارس وسفيان وحدهما في مواجهة الفراغ الذي يحيط بهما، جلس كلاهما في صمت، يحملان أثقال اللحظة، لا يعرف أحدهما كيف يكسر هذا الجدار السميك من الصمت
كان فارس يكافح ليجد كلمات شكر لسفيان، بينما سفيان لم يكن يعرف كيف يبدأ الحديث، وأخيرًا، قطع سفيان الصمت قائلاً بنبرة هادئة، مبتسمًا قليلاً :
مبروك....انك هتكون اب !!
اومأ له فارس بهدوء وبعد لحظات من الصمت خرجت من فمه كلمة بدت وكأنها ثقيلة عليه :
شكرًا
اومأ سفيان بصمت، فتأهب فارس للمغادرة، لكن ما إن وقف وبدأ يمشي حتى شعر بآلام حادة في قدمه، فأطلق آهة قصيرة تعبر عن ألمه، لاحظ سفيان ذلك فورًا، فاقترب منه يسأله بنبرة قلقة :
ايه مالك؟!
رد عليه فارس بضيق، محاولًا إخفاء ألمه :
مفيش
رغم صمته، لم تفارق عينا سفيان فارس، الذي بالكاد خطا خطوة أخرى قبل أن يتكرر الألم، هذه المرة، لم يتردد سفيان، أمسك به وأجبره على الاستناد عليه رغم اعتراضه، ثم قاده إلى السيارة وأدخله برفق، وتولى هو القيادة
جلس فارس صامتًا بجانبه، عاجزًا عن القيادة بسبب إصابته، والشعور بالضيق ينهش قلبه لأن من يساعده الآن هو شخص يكن له الكراهية
في طريقهم إلى المنزل، كسر سفيان الصمت وسأله بجدية :
مين الناس دي، كانوا بيتخانقوا معاك ليه ؟
التزم فارس الصمت لدقائق، ثم بصعوبة بدأ في سرد ما حدث باختصار شديد، وبعد أن انتهى، كان رد سفيان الوحيد :
انت غبي!!!!
رد عليه فارس بحدة وهو ينظر له غضب :
إنت بتقول إيه ؟
تجاهل سفيان غضبه، واستكمل حديثه بنبرة هادئة :
أنا مقولتش حاجة غلط، انت فعلاً غبي، ازاي تدخل واحدة زي دي بيتك وهي المفروض غريبة، وجوزها معروف إنه خطير، ازاي تسيبها مع مراتك اللي حامل في ابنك، إزاي أمنت مراتك تقعد معاها في بيت واحد، يأما انت ش فارق معاك، يا إما إنت فعلاً غبي !!!!
قاطعته نظرات فارس الغاضبة، الذي كان يجز على أسنانه من شدة الانزعاج من إهانة سفيان له
لكنه فضل الصمت وفي المقابل، صمت سفيان أيضًا، وعندما وصلا إلى البناية، ساعد سفيان فارس على النزول من السيارة، ورافقه حتى وصل إلى شقته
فُتح الباب بواسطة ميان التي شهقت بقوة ما إن رأت هيئة فارس، وسألتهم بقلق وخوف شديد :
حصل إيه، إنتوا اتخانقتوا تاني ؟
رد فارس عليها بصوت حنون محاولًا تهدئتها :
حبيبتي ما تتخضيش....مفيش حاجة ؟
تقدمت ميان بسرعة نحو فارس لتحاول أن تسنده، لكن سفيان تدخل بسرعة ومنعها بلطف، قائلاً وهو ينظر إلى الأرض حتى لا يُشعر فارس بالغضب :
ما ينفعش تسنديه....انتي حامل، وهو تقيل عليكي !!
زفر فارس بضيق واضح، فوجود سفيان في المكان بالنسبة له شيء مكروه خاصة في وجود ميان !!
تعاملت ميان بهدوء، وأشارت لسفيان نحو غرفة النوم، وما ان دخلوا إليها ساعد سفيان فارس على الاستلقاء بحذر، كان الألم ظاهرًا بوضوح على ملامح وجه فارس، فانهارت ميان بالبكاء بصمت، دون أن تصدر منها كلمة واحدة
في هذه اللحظة، دخلت جنة الغرفة و سألت بقلق :
إيه اللي حصل؟ مالك يا دكتور فارس !!!
اقتربت جنة ببطء نحو فارس، ومدت يدها لتلمس الكدمة في قدمه لكن فارس أبعد قدمه بسرعة، وكان واضحًا ضيقه مما كانت ستفعل
شعرت ميان ايضاً بالانزعاج من تصرف جنة، لكنها لم تظهر أي رد فعل مدركة أن الوقت ليس مناسبًا لهذا النوع من المشاعر بسبب تعب فارس
بنبرة مليئة بالخوف، قالت ميان :
انا هتصل بالدكتور
لكن فارس قاطعها وهو يحاول أن يخفي المه ويطمئنها عليه :
الموضوع مش مستاهل....دي كدمة بسيطة وهتروح ما تقلقيش !!
لم تقتنع ميان تمامًا، و كانت ستتصل بالطبيب حتى تدخل سفيان قائلاً بجدية :
انا اتصلت بالدكتور، وهو قدامه خمس دقايق وهيكون هنا
كان رد فارس على حديثه حادًا :
وانت مين سمح لك تتدخل اصلاً !!!!!!
وقفت ميان صامتة، غير راغبة في الدخول في نقاش أو تصعيد الموقف رغم ان هي الأخرى لم تكن تطيق سفيان...إلا أنها شعرت بضرورة شكره على وجوده ومساعدته لفارس
لم تكن تعرف ما إذا كان هناك شجار بينهما أم لا لكنها كانت متأكدة أن سفيان كان على الأقل واقفًا بجوار زوجها في هذا الموقف الصعب
نظرت إلى فارس بنظرات عتاب مشيرة إلى أنه كان فظًا في حديثه معه وقبل أن يتمكن سفيان من الرد
رن جرس الباب فتحت جنة ودخل الطبيب الذي بدأ بالكشف على فارس وبعد أن فحصه بدقة كتب له الدواء اللازم لعلاج الجرح في قدمه والكدمات التي على وجهه
شعر فارس حينها أنه قد بالغ في رد فعله تجاه سفيان ورغم أنه لا يحبه ولا يطيقه ، إلا أنه لم يستطع تجاهل حقيقة أن سفيان ساعده في وقت الحاجة
فقال للطبيب قبل أن يغادر وهو يشير لسفيان :
لو سمحت، اكشف عليه كمان !!
في البداية رفض سفيان لكن فارس أصر بحزم مما دفعه في النهاية للقبول كشف الطبيب عليه سريعًا وطمأنه بأنه بخير.....ثم غادر بعد الانتهاء
بينما كان الجميع في حالة من الصمت، لاحظ سفيان شيئًا غريبًا جنة التي كانت تقف على جانب الغرفة تراقب كل حركة بينه وبين ميان وكلما اقتربت ميان منه أو وضعت يدها عليه كانت نظرات جنة تتغير لتصبح مليئة بالغضب والحقد و كأن شيئًا بداخلها يشتعل !!!
طلب سفيان من ميان بهدوء دون النظر إليها :
ممكن شوية مايه !!
لم ترد لكنها أومأت برأسها وغادرت الغرفة بهدوء دون أن تنطق بكلمة تبعتها جنة التي، قبل أن تغادر اقتربت من فارس وقالت بصوت حاولت أن تجعله ناعمًا قدر الإمكان :
ألف سلامة عليك يا فارس، قصدي يا دكتور فارس والله خوفتني عليك، الحمد لله انها عدت على خير
قالت كلماتها، ثم غادرت الغرفة لكن فارس لم يرد عليها، وبقي هو وسفيان في الغرفة وحدهما
نهض سفيان ليقف ثم قال بجدية :
أنت غلطت لما دخلت الست دي بيتك وصدقني من اللي شايفه، احب اقولك هيحصل من وراها مشاكل بينك وبين ميان
قالها ثم غادر تاركاً فارس يفكر في حديثه وهو يعلم انه تسرع بمجيئه بتلك الفتاة لتبقى بمنزله !!
التقى سفيان بميان عند خروجه من المنزل، فاستوقفها بهدوء قائلاً :
خلي بالك من البت اللي في بيتك يا ميان، نظراتها ليكي مش مريحة أبداً، وعينيها على فارس، فتحي عينك وحافظي على بيتك وجوزك
همت ميان بالكلام، لكنه قاطعها قائلاً بصدق :
مش قصدي أشكك في فارس وانه ممكن يستجيب ليها أو يفكر فيها حتى، أنا قصدي إنها ممكن تعمل بينكم مشاكل، ولو مش مصدقة، جربي وقربي من فارس وهي موجودة وشوفي رد فعلها
اكتفت ميان بالصمت، وقبل أن يغادر سفيان استوقفته قائلة :
كنت فاكرة انك ما هتصدق وتقلبني على فارس
ابتسم سفيان بهدوء وقال :
ممكن يكون حصل اللي حصل بينا في الأول، بس ده ما يمنعش إنه راجل بجد وبيحبك، وعمل اللي أنا مقدرتش أعمله معاكي وجوده جنبك بيسعدك، وده مش بس أنا اللي شايفه، ده الكل شايفه....أي حاجة تفرحك يا ميان هعملها، لأنك دلوقتي مش بس بنت خالتي، أنتي أختي، والأخ ما يهموش غير سعادة أخته
صمتت ميان ولم تجب، فتابع سفيان بهدوء :
عارف ان قلبك مش صافي ناحيتي، ويمكن عمره ما هيصفى، وده حقك، بس لو في يوم قدرتي تسامحيني، سامحيني...و أنا موجود دايماً كأخ ليكي
أومأت ميان برأسها بصمت فقال أخيراً قبل أن يغادر ويغلق الباب خلفه :
ربنا يسعدكم مع بعض، وإن شاء الله البيبي يوصل بالسلامة وتفرحوا بيه
......
على مقربة منهما كانت جنة جالسة في غرفتها
الأضواء خافتة والجو هادئ كانت تحتسي كوباً من الشاي وهي شاردة الذهن تحاول الهروب من دوامة الأفكار التي تسيطر عليها منذ أيام
كانت دائماً تشعر بأن هناك شيئاً ناقصاً في حياتها شيئاً لا تملكه، موجود لدى غيرها وميان.....ميان كانت تجسد كل ما كانت هي تحلم به
سألت نفسها بصوت خافت :
ميان أحلى مني في إيه عشان يكون عندها كل ده
كان صوت فارس وهو يتحدث عن ميان وعشقه لها يتردد في أذنيها كالصدى حبه لها كان واضحاً في كل نظرة وكل كلمة يقولها عنها، شعرت بغصة في قلبها....غصة مليئة بالغيرة.....والحقد !!!
تتحدث مع نفسها بصوت خفيض مليء بالمرارة :
نفسي في راجل يحبني ربع الحب اللي فارس بيحبه لميان...يحميها ويكون سند ليها !!
دمعة انحدرت على وجنتها مسحتها بسرعة لطالما تمنت شيئاً بسيطاً...زوجاً يحبها ويشعر بها و....
فجأة، توقفت و لمعت فكرة في ذهنها كشرارة نار لماذا لا تحاول أن تكون مكان ميان !!
أليس من الممكن أن يحبها فارس فهي أجمل من ميان ولديها صفات أفضل بكثير !!
تعرف كيف تهتم به أكثر، وتجيد جعله يشعر
باهتمامها، وهي أيضاً أصغر سناً منها أليس من الممكن أن يعجب بها فارس !!
وضعت يدها على بطنها وشعرت بنبض خفيف، انه جنينها الذي يذكرها فقط بأيام العذاب والذل التي عاشتها مع والده سألت نفسها محاولة إقناع نفسها بأن الأمر ممكن :
هو فارس هيقبل بيا وبابني!!!!
كان عقلها مليئاً بالأفكار المتضاربة، ولكن شيئاً واحداً كان واضحاً أمامها......انها احق بفارس من ميان !!
شعرت بروح جديدة تتسلل إلى داخلها، وكأنها وجدت أملاً جديداً...فارس، الحب الذي كانت تتمناه، الحماية التي كانت تبحث عنها
نهضت من مكانها، ونظرت إلى نفسها في المرآة
كانت عيناها تلمعان بتصميم جديد ابتسمت ابتسامة خفيفة، وشعورها بالغيرة تحول إلى تصميم وضعت يديها على بطنها مرة أخرى.......وعينيها تلمعان برغبة ماكرة !!!!!!
......
بعدما علمت ميان بما حدث مع فارس وأنه نجا بمساعدة سفيان في اللحظة الحاسمة، لم تستطع السيطرة على دموعها التي انهمرت بغزارة من شدة خوفها وقلقها عليه حينها، احتضنها فارس برفق وربت على شعرها ليهدئ من روعها، مطمئنًا إياها :
أنا كويس يا حبيبتي متخافيش خلاص كل حاجة هتنتهي قريب !!
بعد لحظات هدأت ميان و هي بين ذراعيه بينما كان فارس يداعب شعرها بحنان، وفجأة سألته بصوت هاديء :
ينفع دلوقتي أتكلم مع فارس صاحبي، مش جوزي وحبيبي !!!
عدل فارس من جلسته وسرعان ما انتبه لحديثها باهتمام فرفعت وجهها إليه، ما زالت بين أحضانه، ترددت قبل أن تتحدث خشية أن تغضبه :
حاسة ان غضبي من سفيان مبقاش زي الأول...بحس إن قلبي بدأ يهدى، مسامحتش، بس في نفس الوقت مش قادرة أشيل كل الكره ده
ثم أكملت وكأنها تخاطب نفسها :
يمكن عشان قلبي اتملى بحبك....والقلب اللي مليان بالحب ميعرفش الكره أبداً.....فاهمني
حرك فارس رأسه مؤكدًا ولكن في داخله، لم يكن مرتاحًا لتلك الكلمات، فقد شعر بالضيق لأنها تحدثت عن سفيان وفكرت فيه
اعتدلت ميان في جلستها، وأحاطت وجهه بيديها بحب ثم قالت معتذرة :
أنا آسفة لو زعلتك بس والله كنت محتاجة أطلع اللي جوايا يا فارس
ابتسم فارس برقة، وداعب أنفها باصبعه قائلاً :
مقدرش أزعل منك يا سكر
ابتسمت ميان بحب وراحت تطالع عينيه بحب ثم رددت بعد لحظات من الصمت بصوت هادئ مليء بالعاطفة :
أنا معاك دايمًا، قلبي وروحي ملكك
توهجت لحظتهم بالحنان والرومانسية غمرتهما لحظات من السكون الرقيق، و كأن العالم من حولهما قد تلاشى بدأت أنامل فارس تتحرك برفق على شعرها، فيما راحت ميان تتأمل ملامحه بعيونها المليئة بالحب همست له بصوت خافت :
كل لحظة معاك بتخليني أحبك أكتر وأكتر...أنت الأمان اللي كنت بدور عليه طول حياتي
ابتسم فارس وضمها بقوة إلى صدره هامساً بصدق :
وأنتي الحب اللي مفيش زيه.....انا مكنش هيبقى ليا وجود من غيرك
عانق فارس ميان بحب، وغفا الاثنان في أحضان بعضهما البعض، حيث غمرتهما السكينة والطمأنينة ♡
......
في المستشفى، بدأت بسمة تتحرك ببطء من غيبوبتها في تلك اللحظة، كانت الممرضة التي تهتم بها تتفقد حالتها بشكل دوري وقد لاحظت حركتها فطلبت الطبيب على وجه السرعة وما ان دخل الطبيب أجرى الكشف عليها و أعلن انها بدأت تفوق من غيبوبتها
عم الفرح بين الجميع، ضحى وأفراد عائلة يزن لكن كان هناك شيء ناقص انه "يزن" الموجود في الغرفة المجاورة لها، فاقدًا للوعي مغمورًا بالمحاليل بسبب سوء تغذيته وعدم اهتمامه بصحته خلال فترة غياب بسمة، كان حاله محزنًا ويعكس مدى معاناته....
بعد فترة جلست ضحى بجانب بسمة، تحضنها بكل شوق، وهي تبكي بحرقة بينما بسمة كانت صامتة كأن عقلها في عالم آخر وفجأة، سألت بصوت حزين ومجروح :
مسألش عليا ولا حتى اطمن مش كده....ما فرقتش معاه !!!!
كانت ضحى في حيرة لا تعرف كيف ترد هل تخبرها بحالة يزن....أم تصمت !!
لم يكن لديها خيار سوى أن تقول الحقيقة فقصت عليها ما حدث طوال فترة غيابها
شعرت بسمة بألم عميق يخترق قلبها، الوجع يتسلل إلى كل جزء من كيانها، كانت تحمل في قلبها همومًا لا تنتهي وقلقًا متزايدًا عليه، لكن رغم هذا، قررت أن تختار كرامتها فوق كل شيء، وأن تمضي قدمًا في حياتها، لم ترغب في أن تكون عبئًا عليه، ولن تجبره على البقاء
اكتفت بما كانت عليه، واكتفت من كل شيء بينهما، واختارت أن تترك كل شيء خلفها، وأن تبدأ من جديد في مكان بعيد عن الجميع، حيث تجد الراحة والسلام الداخلي!!!!
....
عندما استفاق يزن من فقدانه للوعي وجد نفسه محاطاً بالأجهزة الطبية والمحاليل التي كانت مرتبطة بجسده....حاول أن يجمع شتات عقله المتعب وسأل بصوت ضعيف عن بسمة !!
لكنه م يتلقى اي رد بعد وقت كان يعتدل بجلسته يريد الذهاب إليها فردت عليه والدته بصوت هادئ لكن مع لمسة من الحزن :
بسمة سابت المستشفى....هي و ضحى، مشيوا من غير ما حد يحس ومحدش يعرف عنهم حاجة !!
تجمدت الكلمات في أذن يزن وأصابته صدمة شديدة، بدا وكأن العالم من حوله توقف للحظة، وجميع الأصوات تلاشت في أفقه، تراكمت مشاعر الندم والخسارة في قلبه، كأنها حمل ثقيل لا يستطيع تحمله، خسر الآن بسمة كما خسر همس من قبل!!!!!
عينيه امتلأت بالدموع وهو يشعر بثقل الوحدة والألم، مُدركًا أنه فقد شخصين مهمين في حياته، ليس بسبب الظروف، بل بسبب عدم قدرته على التعامل مع مشاعره
.......
استفاق فارس في الصباح الباكر يتأمل ميان وهي غافية بين ذراعيه بنظرات مليئة بالعشق والافتتان ظلت عيناه تطوفان على ملامحها الهادئة لفترة طويلة وكأنه يريد أن يختزن هذا المشهد في ذاكرته للأبد
بصعوبة، تحرك وترك السرير بحذر حتى لا يوقظها، متجهًا إلى المطبخ ليُعد الإفطار، رغم التعب، تحامل على نفسه، مدركًا أن الحمل متعب عليها والخادمة في إجازة
بينما كان فارس يجهز الإفطار دخلت جنة إلى المطبخ تسأله بصوت لا يخلو من الصدمة :
دكتور فارس حضرتك بتعمل الفطار بنفسك كنت قولي وانا احضره ليك بنفسي
رفع فارس نظره نحوها للحظة ثم عاد لما يفعل، قائلاً بهدوء:
مفيش تعب أنا متعود على كده من زمان، روحي انتي اقعدي وخمس دقائق والفطار هيكون جاهز تكون ميان كمان صحيت
جلست جنة على الكرسي الموجود في المطبخ بغيظ عند ذكر ميان وسألته بمكر ظناً منه انه سيشعر بالضيق من ميان :
ميان مش بتعرف تطبخ....أنا بصراحة من ساعة ما دخلت البيت مشوفتهاش في المطبخ
ابتسم فارس ورد عليها :
بتعرف بس حاجات وحاجات
شعرت جنة بالدهشة من رد فعله الهادئ وسألته :
ده مش بيضايقك
رد عليها فارس وهو يعد الطعام، وابتسامته لم تفارقه، قائلاً بصدق :
أتضايق لو أنا روحت اتجوزت واحدة عشان تكون خدامة ليا....انما أنا اتجوزت اللي بحبها، خدتها ملكة من بيت أبوها، وواجب عليا إنها تفضل ملكة في بيتي....الطبخ و شغل البيت مش بيقلل من الست عارف بس الحمد لله أنا قادر أخليها ما تعملش أي حاجة وظروفي كويسة يبقى ليه أتعبها هي من نفسها بتحاول وبتتعلم على قد ما تقدر لأنها حابة كده....لكن لو مش حابة، دي حاجة ترجع ليها
ثم غرق في تأملاته، وكأنه يخاطب نفسه، بنبرة مليئة بالعشق والحنين، ناسيًا وجودها في المطبخ، وقال بصوت خافت : كفاية بس هي تكون جنبي
شعرت جنة بغيرة شديدة وحقد كبير تجاه ميان، فقررت أن تلفت انتباه فارس إليها بأي وسيلة !!
فجأة، وقفت وأظهرت علامات التعب، متأوهة بصوت منخفض وكأنها على وشك الإغماء، انتفض فارس بسرعة، واقترب منها وأمسك ذراعها بحذر قبل أن تسقط وفي لحظة خاطفة، ألقت بنفسها في حضنه، وكأن الأمر حادثة غير مقصودة !!!
كان فارس على وشك إبعادها بغضب، لكن قبل أن يفعل، دخلت ميان فجأة ورأتهما، توقفت في مكانها، وعيناها اللتان كانتا مشعتين بالحب والحنان عندما استيقظت وتذكرت ليلة أمس، تحولت الآن إلى نظرات مشتعلة بالغيرة والغضب فصاحت بغضب وغيرة واضحة :
فارس!!!
ابتعد فارس بسرعة وهو لا يزال ممسكًا بيد جنة لمنعها من السقوط، وهو بالكاد يستطيع الوقوف بسبب آلام ساقه نادى على ميان محاولًا تهدئتها :
ميان، تعالي ساعديني....جنة دايخة
رفعت ميان حاجبها في شك واضح، وهي تنظر إلى جنة التي كان من الواضح عليها أنها تمثل
ربما لم تكن ميان لتلاحظ التمثيل لولا أن سفيان كان قد لفت انتباهها
اقتربت ميان من فارس، ثم دفعته برفق بعيدًا وهي تقرصه في يده التي كان يمسك بها جنة، نظرت إليه ببرود يخفي خلفه بركانًا من الغضب، وقالت بنبرة حادة :
سيبني، أنا هساعدها
ساعدت ميان جنة حتى وصلت بها إلى غرفتها، وألقتها بحذر على الفراش ثم وقفت بجانبها تنظر إليها بنظرات مملوءة بالمعاني الخفية وقالت بلهجة ساخرة ومغزى واضح :
ألف سلامة عليكي يا حبيبتي ارتاحي...خدي بالك بقى وابقى سلي نفسك واتفرجي على شادية تمثيلها أحسن بكتير ركزي مع حركاتها.....زي ما أنا بركز مع غيري !!!!!!!
......
خرجت ميان من غرفة جنة وهي غاضبة بشدة، عيناها تلمعان بالغيرة والغضب اندفعت نحو المطبخ حيث كان فارس، وبدون تفكير رفعت سكينًا في وجهه وصرخت بغضب حارق :
عارف يا فارس لو لمستها بإيدك دي تاني، أو كلمتها، أو حتى وجهت لها نظرة، أنا هقطعك حتت بالسكينة دي، ومحدش هيعرفلك طريق
نظر فارس إليها محاولًا تهدئتها، وبدأت ابتسامة خفيفة تتسرب إلى وجهه، يحاول كتم ضحكته بصعوبة :
اهدي يا حبيبتي مالك، تقمصتي دور المرأة والسطور كده ليه !!
لكن ميان جزت على أسنانها بغضب وقالت :
اسكت يا فارس ماتعصبنيش أكتر ،جرب واعملها، وأنا والله لأدبحك !!
في تلك اللحظة اقترب فارس منها بلطف ممسكًا يديها بحذر ثم أخفض السكين قائلاً بصوت خفيض محب لها ولكل ما فيها :
وأهون عليكي
ترددت ميان للحظة، وضعفت أمام صدق مشاعره، نظرت إليه بعينيها المليئتين بالعاطفة وقالت بصوت هادئ وصادق :
عمرك ما تهون عليا أبدًا يا فارس
ابتسم فارس بسعادة غامرة، وامتلئت عيناه حبًا وامتنانًا لوجودها بحياته
......
بعد وقت كان فارس وميان ومعهما جنة جالسون على الطاولة يتناولون الطعام بصمت قطعته جنة قائلة بابتسامة لفارس :
فارس....قصدي الدكتور فارس حضرلنا الفطار بنفسه، بجد لذيذ اوي، انتي مش ناوية تتعلمي الطبخ اكتر يا ميان !!!
رفعت ميان عينيها ببرود زائف ثم ردت عليها بنبرة هادئة لكن مغزاها واضح :
احنا متعودين على كده، مرة هو ومرة أنا، ميفرقش ربنا يبعد عننا العين بس
جنة حاولت تدير دفة الحوار مرة ثانية وعينيها على فارس قائلة بمكر لتوضح له ان ميان لا تصلح او تجيد مهام الزوجة :
نصيحة مني يا ميان، الراجل بيحب الست تكون شاطرة في كل حاجة، خصوصًا في الطبخ ده شيء مهم اوي بالنسبة ليه
نظرت لها ميان بابتسامة زائفة، ثم قالت بنبرة ذات مغزى :
أكيد، بس تعرفي، فارس بيحب حاجات تانية برده، زي إن الست تكون واثقة في نفسها وما تحاولش تثبت نفسها على حساب حد تاني
نظرت إليها جنة بغيظ وقالت :
ماشي، بس مهما كان الأكل والطبيخ جزء مهم دي حاجة كل راجل يحب يشوفها في مراته
مالت ميان للأمام قليلاً ونظرتها كانت ثاقبة وهي تقول بهدوء :
اكيد لكن الأهم اننا بنعمل كل حاجة مع بعض، من غير ما حد يحس إنه محتاج يثبت أي حاجة للتاني الراحة في العلاقة أهم من مين بيعرف يطبخ
صمتت جنة بغيظ و لم تجد رد بينما فارس ابتسم بصمت و هو مستمتع بالحوار بينهما
تراجعت ميان للخلف و هي ترتشف من كوب العصير الخاص بها غير مبالية الأخرى......بالنسبة لها الحوار انتهى !!
........
اخذ فارس اليوم بأكمله اجازة
كانت ميان جالسة في الصالة بجانبه مستمتعة بالمشاهدة كان فارس الذي كل فترة وأخرى كان يمسك يدها بلطف ويلثم كف يدها، ثم يضع يده على بطنها برقة، كأنه يريد أن يخبر طفلهما المنتظر بأنه هنا و يحبه
بينما كان الجو هادئاً ورومانسياً تسللت جنة من خلفهما ترتدي بيجامة مريحة بدون حجاب شعرها القصير الناعم يتمايل بلطف بالكاد يصل إلى عنقها التفتت ميان بسرعة عندما شعرت بخطوات جنة
بينما كان فارس لا يزال مشغولاً بالفيلم، تحدثت ميان بنبرة حادة خرجت منها دون إرادة، نتيجة الغيرة التي شعرت بها عندما رأت هيئة جنة وان فارس قد يراها بهذا الشكل :
جنة نسيتي طرحتك ولا إيه، فارس هنا !!
اقتربت جنة منهما بجرأة وعيناها تلمعان بتحدي ثم قالت بصوت هادئ متعمدة أن يظهر فيه لمسة أنثوية جذابة :
عارفة ،أنا أصلاً لبست الحجاب غصب مكنتش محجبة....ابو عدنان هو اللي فرضه عليا ، وحالياً هو مش موجود ومفيش حاجة تغصبني عليه فليه ألبسه
شعرت ميان بالغضب بينما فارس بدوره بدا محرجًا لم يكن يعرف كيف يرد أو يتصرف في هذا الوضع الحساس
الجو امتلأ بالتوتر و حاولت ميان كتم مشاعرها بصعوبة لكنها أدركت أن الوضع لم يعد يحتمل الصمت
دخل فارس غرفته بهدوء غير مبالٍ بنظرات جنة الغاضبة والمليئة بالغيظ لأنه لم ينظر إليها ولو للحظة حتى !!
لاحظت ميان مدى استياء جنة من تجاهل فارس لها، فرمت كوبًا زجاجيًا على الأرض بقوة مما أحدث صوتًا مدويًا !!!
ارتعبت جنة من صوت التحطم فقالت بفزع :
مش تخلي بالك يا ميان !!
رددت ميان بهدوء لم يريح الأخرى :
تعرفي يا جنة، لما كنت صغيرة كان عندي كلبه !!
نظرت إليها بدهشة لحديثها الذي ليس بمحله لكنها لم تقاطعها فتابعت ميان حديثها الذي كان يحمل بين طيات الكثير :
كانت كلبه صغيرة لقيتها في الشارع، خدتها، ونضفتها، واعتبرتها صاحبتي واختي
صمتت لثواني ثم تابعت فجأة بنبرة حادة :
كانت طماعة، تخيلي كانت عاوزة تسرق حب بابا مني وكانت تعمل كل حاجة عشان تلفت نظره وتخليه يحبها هي ويبعدني انا عنه
كانت جنة تستمع لها بصمت فتابعت ميان بهدوء يسيق العاصفة :
عارفة لما لاحظت كده عملت إيه !!
مجددًا لم ترد فوقفت ميان فجأة أمام جنة قائلة بشراسة اخافت الأخرى :
مسكتها و فتحت الشباك ورميتها وماتت ، لأنها كانت طماعة وفكرت تاخد حاجة مش بتاعتها وبدل ما تحمد ربنا بقى انها لقت اللي يفتحلها بيته.....طمعت اكتر
ثم نظرت إلى جنة بتحدي وأضافت قائلة :
دي كانت كلبة ما بالك لو انسان، ده انا اكله بسناني، انا بدعي علطول ان اللي قدامي ميغلطش عشان ميشوفش قلبتي لان لو شافهاظ...ربنا يعنيه على اللي هيشوفه مني
شعرت جنة بعدم الارتياح و الربية من الكلمات القوية التي خرجت من ميان التي تجاهلتها وغادرت بثقة غير مبالية بتأثير كلامها على الأخرى !!!!!
.....
دخلت ميان على فارس الغرفة و علامات الغضب والغيرة بادية عليها قائلة بعصبية :
شوف بقى يا فارس، اللي اسمه عدنان ده دخل السجن خلاص...انا مش مجبورة أستحمل وجود اللي اسمها جنة دي في بيتي !!!
نظر إليها بجدية وقال بهدوء :
انا اتسرعت وغلطت لما جبتها هنا، فعلاً قعدتها طولت وما يصحش وجودها معانا...انا طلبت من بابا يشوف لها شغل في الأوتيل عنده مع سكن طبعا اهو يكون بعيد عن أبو عدنان وأبوها....بابا هيرد عليا بكره الصبح ولو كده هسفرها ليه في اقرب وقت
صمتت للحظة، فسألها فارس بفضول :
ليه قلبتي عليها وعايزاها تمشي !!
جلست ميان بغضب ثم قالت :
لأنها مش كويسة، ونظراتها مش مريحة، بحس ان عينيها على كل حاجة عندي يا فارس، بس كنت بكدب نفسي، لكن النهارده اتأكدت....بتتكلم وكأني حياتي ملكها البنت دي مش كويسة، وعينيها مليانة حقد، ده غير ان البجحة عينيها منك انت !!
اومأ لها بصمت قائلاً باعتذار :
حقك عليا الغلط عندي من الأول، سيبسني يومين بس وانا هتصرف وامشيها
اومأت له قائلة بهدوء :
متعتذرش يا فارس انت مغلطش انت كان قصدك خير بس هي اللي مقدرتش ده وطمعت في اللي مش ليها، انا كمان شاركت معاك في القرار ده لما صعبت عليا ووافقت !!!
صمت الاثنان غافلين عن جنة التي انسحبت من امام باب غرفتهم بعد أن سمعت حديث فارس وميان لم تفهم تفاصيل الحديث بوضوح سوى أنهم قرروا ابعادها وانها اصبحت مكشوفة امامهما
فكرت طويلاً حتى توصلت إلى حل يمكن ان يخرجها من الموقف ويطيل مدة بقائها، دخلت لغرفتها بصمت !!!!
مضى بعض الوقت، ما يقارب النصف ساعة تقريبًا، حتى ارتفع فجأة صوت صراخها في أرجاء المنزل، هرع فارس وميان نحو مصدر الصوت، ليصطدما برؤية جنة ساقطة على الأرض في غرفتها، وتنزف دمًا بغزارة
بدون تفكير، حملها فارس بسرعة، متحاملاً على نفسه، تبعته ميان بقلق شديد !!
بعد دقائق وصلوا إلى المستشفى نُقلت جنة على الفور إلى غرفة العمليات بعد الفحص السريع وقفت ميان بجانب فارس امام غرفة العلميات، وقد نست كل شيء وشعرت بالآسف تجاهها عندما تذكرت كيف دخلت هي الأخرى لتلك الغرفة منذ عام واكثر وكيف خرجت منها !!!!
بعد وقت، خرج الطبيب وعلى ملامح وجهه ارتسم التعب والحزن. اقترب منهما، ثم قال بصوت هادئ، لكنه مثقل بالأسف :
النزيف كان شديد، وحاولنا بكل الطرق نوقفه، لكن للأسف مقدرناش ننقذ الجنين، المريضة الحمد لله حالتها مستقرة هننقلها أوضة دلوقتي وتقدروا تطمنوا عليها
وقفت ميان في مكانها مذهولة، وكأن الزمن قد توقف للحظة، تجمدت الكلمات في حلقها، بينما امتلأت عيناها بالدموع التي لم تجد طريقها للنزول، رفعت رأسها إلى السماء، داعية لها بالصبر، فيما فعل فارس الشيء نفسه
لا يعرفان كيف سيواجهانها بما حدث!!!!!
......
دخل سفيان بيت أماليا بخطوات مترددة يشعر بثقل كل خطوة، كان يدرك أن المهمة التي جاء من أجلها لن تكون سهلة ابدًا !!
استقبلته والدة أماليا بوجه جامد، وعلى جانبها وقف علي، شقيق أماليا الكبير، الذي سبق أن أخبرته والدته عن طلب سفيان ليد شقيقته. أكدت له ضرورة وجوده أثناء هذا اللقاء، نظرًا لغياب والدها في الوقت الحالي
ما ان قام علي ليرد على مكالمة عمل مهمة حتى بادر سفيان بالحديث قائلاً بدون مقدمات :
انتي اكتر واحدة عارفة إني اتغيرت....واني مبقتش نفس الشخص اللي كان في الماضي، ليه رافضة !!
نظرت إليه والدة أماليا بنظرة حادة مليئة بالازدراء ثم قالت بصوت غاضب مرتفع :
عشان دي بنتي، بنتي اللي تستاهل راجل أحسن منك مليون مرة، ناقصها إيه عشان تتجوز واحد متكونش هي أول فرحته، وتاخد واحد زيك كان متجوز قبلها بدل الوحدة اتنين وحكاياته معاهم مشرفة
صمتت للحظة ثم أضافت بغضب متصاعد :
انت اصلاً بتستهبل ولا إيه حكايتك، فاكر عشان عالجتك هسلمك بنتي وارضى بيك زوج ليها !!
في تلك اللحظة دخل علي من الشرفة على صوت الصراخ، وتابع الحوار بعينين متسعتين، يحاول أن يستوعب ما يجري، بينما أماليا تقف بينهما مزهولة من قسوة حديث والدتها !!!
رد عليها سفيان بصعوبة متحسسًا كل كلمة :
أنا شاري بنتك و.....
صرخت عليه والدة أماليا بصوت قاسٍ موجهة حديثها إلى سفيان :
وأنا معنديش بنات ليك يا سفيان، انا مش مستغنية عن بنتي عشان ترجعهالي بملاية تحت رجلي أنا وأبوها وأخواتها مطلقة، روح شوفلك حد غير بنتي!!!!
عم الصمت الغرفة فجأة، وكأن الهواء قد تجمد من شدة التوتر !!!!!!!
وقف سفيان بلا حراك عيناه تعكسان مشاعر من الانكسار والألم كان يعرف أن الطريق للارتباط بأماليا محفوف بالعقبات، لكن لم يتوقع أن يكون بهذه القسوة !!!
كان الجو مشحونًا بالتوتر، تنظر أماليا لوالدتها بحيرة بينما تتطاير الكلمات بين سفيان ووالدتها كسهام حادة، قلبها يخفق بشدة، مشوشة من الصدمة، لا تستطيع تصديق ما تسمعه، فلم تكن تتخيل أن الرجل الذي أحبته قد يحمل ماضي بهذه القسوة !!!
سألت أماليا والدتها بصوتٍ مرتجف، متمنية أن يكون ما سمعته ليس حقيقيًا :
ملاية ايه، وكلام ايه اللي انتي بتقوليه ده يا ماما !!
ردت عليها والدتها بنبرة أكثر قسوة :
لو فاكرة نفسك التانية في حياته تبقي غلطانة، قبلك كان على ذمته اتنين، وفي وقت واحد كمان، هو مش بالبراءة اللي أنتي شايفاها دي، ده أذى كتير وعمل بلاوي، لو سمعتيها هتفكري مليون مرة قبل ما تربطي اسمك مع اسم واحد زيه!!
صمتت قليلاً ثم أشارت إلى سفيان وتابعت بحدة :
قولها ماضيك المشرف، قولها عملت إيه في ميان وازاي دمرت حياتها ولولا فارس وقف جنبها وخلاها تقف على رجليها من تاني.....كانت ضاعت
ثم تابعت باحتقار :
قولها ازاي قتلت ابنك بإيدك، احكي يلا ولا أقول أنا عمايلك !!!!
كانت أماليا في حالة من الذهول والصدمة لم تستطع التحدث حاولت تجميع كلماتها لكن صوتها اختنق في حلقها كل ما استطاعت قوله لسفيان بصوت مهزوز غير مصدقة ما تسمعه :
الكلام ده صح، انت ساكت ليه.....ما تتكلم !!!
صمت سفيان وعيناه موجهتان إلى الأرض لم يكن لديه أي دفاع يقدمه، صمته كان اعترافًا بكل ما قالت والدتها التي تابعت بغضب :
ضربها واعتدى عليها زي الحيوانات، ورماها تحت رجلين أبوها بملاية وقدام الكل، عمل كل ده وهو عارف إنها حامل، اتهمها في شرفها وكان بيشك فيها، مخلاش مكان مفضحهاش فيه، وهي المفروض قريبته يعني مرعاش إنها لحمه ودمه انتي مش هتكوني أغلى منها في يوم من الأيام
ثم تابعت بقسوة غير عابئة بشيء كل ما يهمها ان تخرجه من قلب ابنتها وتجعلها تكره نهائياً :
ده غير ماضي الست الوالدة المشرف وعمايلها، ده كله على بعضه مينفعكيش يا أماليا هو مش شبهك انتي تستاهلي الأحسن يا بنتي، هتظلمي نفسك معاه
حاول سفيان ان يتحدث لكن الكلمات لا تخرج من بين شفتيه وقفت أماليا بصعوبة أمامه قدماها تهتزان كأنهما لا تقويان على حملها نظرت إليه بعينين تملؤهما الحيرة والرجاء كأنها تتوسل إليه أن ينفي ما سمعته للتو، فخرج صوتها مهزوزًا وهي تقول :
أنت عملت كده فعلاً، دافع عن نفسك، قول إن ده محصلش وهي بتقول كده عشان تخليني ارفض !!
لكن سفيان ظل صامتًا عيونه مثبتة على الأرض لم يستطع أن يرفع نظره ليواجهها كان شعور الخزي يثقل على صدره، كأن جبالاً قد أطبقت عليه
صمته كان أبلغ من أي كلام و مع هذا الصمت تأكدت أماليا من أن كل كلمة قالتها والدتها.....كانت حقيقة !!
كانت صدمتها أكبر من أن تستطيع استيعابها الرجل الذي أحبته لم يكن فقط قاسيًا بل وحشًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى
تراجعت خطوة للخلف، وضعت يدها على صدرها كأنها تحاول أن تمنع قلبها من الانفجار :
غلطت لما قولت إن الماضي مايفرقش معايا
همست لنفسها كأنها تحاول إقناع نفسها بما سمعته كيف ستعيش مع رجل ارتكب كل هذه الفظائع !!
كيف ستؤمن على نفسها معه بعدما عرفت حقيقته !!
التفتت ببطء لتنظر إلى والدتها والدموع تملأ عينيها كانت نظراتها مليئة بالحزن والألم
ثم نقلت نظرها إلى شقيقها علي الذي كان يقف متجمدًا في مكانه محاولاً استيعاب الموقف
اختنقت أماليا بالكلمات وأحست وكأن الحروف تختنق في حلقها.....عاجزة عن الخروج
لم تكن بحاجة إلى كلمات الآن فقد كانت عيونها بدموعها الصامتة تقول كل شيء، كانت تعلم انها لن تستطيع الاستمرار في هذا الوضع وان عليها ان تتخذ قرارًا !!
في تلك اللحظة أدركت أماليا أن الحب ليس كافيًا ليبرر البقاء مع رجل بلا رحمة، رجل لا يستحق حتى أن يُمنح فرصة لتبرير أفعاله، كان قرارها واضحًا حتى لو كان صعبًا كان عليها أن تحمي نفسها وتبعد عن هذا الجحيم.....مهما كلفها الأمر
فرددت بصعوبة قبل ان تذهب لغرفتها :
انا مش عاوزاه يا ماما !!!
تبع علي شقيقته لكنه توقف عند الباب، بعدما سمع صوت المفتاح، وما إن أصبحت بمفردها حتى انهارت في بكاء مرير
اعترفت أخيرًا لنفسها بالحقيقة التي ظلت تنكرها
ليس اعجاب ما تشعر به نحوه كان حباً صادقاً
كيف ستعيش الآن مع تلك الحقيقة وذلك الألم.....يا ليتها لم تراه ابدًا !!!!
.......
وقف سفيان خارج الغرفة، يشعر بألم عميق كأن وجعه يتضاعف مع وجعها، كان يتوقع رد فعلها هذا، لكنه كان يأمل أن تمنحه فرصة، ان تصدق بأنه تغير، تمنى لو أنها لم تعرف شيئًا عن ماضيه على الإطلاق !!
التفت إلى والدتها التي كانت تقف خلفه، وعيناه مملوءتان باللوم والعتاب، كيف يمكنها أن تكشف كل ما بينهما بهذا الشكل، ألم تكن تعرف أن كل كلمة بينهما يجب أن تبقى سرًا !!
سألها سفيان بحزن وألم :
عملتي كده ليه، انتي دكتورة وعارفة إن كل كلمة بتتقال بينا سر، ومفيش حاجة تطلع برا، انا مغلطش، لما حسيت بمشاعر ناحية بنتك بدل ما الف وادور جيتلك وطلبت إيدها منك
همت والدتها بالكلام لكنه قاطعها قائلاً بصوت مليء بالوجع :
فضلتي تقوليلي طول الوقت، انت مش وحش يا سفيان، كنت ضحية الظروف ووالدتك هي السبب، واللي عملته أثر عليك......كنتي دايمًا تقوليلي إني مش وحش واني بتحسن، وشايفة التحسن والتغير عليا لكن أول ما جيت أطلب إيد بنتك نسيتي كل اللي قولتيه وعايرتيني بالماضي وياريته كان بيني وبينك بس !!
صمت قليلًا ثم تابع بحزن وحدة :
بدل ما تفضلي تقولي شعارات درستيها يا دكتورة اتعلمي الأول تطبقيها في الواقع
ردت عليه والدتها بحزم و برود :
أنا أم وبنتي عندي أهم منك ومن أي حد سواء كنت بعالجك أو لا، عرفت ماضيك أو معرفتوش، أنت مش الشخص اللي أتمناه لبنتي ولا أتمنى إنها تكمل حياتها معاك
نظرات سفيان كانت مشحونة بالوجع والخسارة، لم يكن يتوقع هذا الرد القاسي من امرأة ظلت تدعمه طوال الوقت حتى أصبح الماضي، الذي كان يظنه طيًّا، سيفًا مسلطًا على رقبته، ينكأ جراحه ويعيده إلى لحظات كانت يتمنى لو أنها لم تعود
.......
عندما أخبروا جنة انها فقدت جنينها انهارت في نوبة بكاء مريرة وكأن قلبها تحطم إلى آلاف القطع حاولت ميان تهدئتها مدركة الألم الذي تمر به فقد عاشت هذا الوجع من قبل لكن كلماتها لم تكن كافية، كانت ميان تشعر بكل دمعة تنزل من عيني جنة كأنها تعيد تجربة فقدانها الخاصة مرة أخرى !!
مرت الأيام ببطء في المستشفى، يومان من الحزن والوجع، ولم يفارق جنة الإحساس بالفقد للحظة، رغم كل محاولات ميان وفارس لمواساتها....بقي الألم عالقًا في صدرها، ثقيلًا وكأنه لن يزول أبدًا
في اليوم الثالث، قررت جنة مغادرة المستشفى، كان وجهها شاحبًا، ونظراتها تائهة،عادت إلى بيت فارس، وما إن أصبحت في الغرفة بمفردها، حتى نقلت بصرها بين الأرض والفراش تحولت نظرات الحزن في عينيها إلى نظرات أخرى مليئة بالانتصار....لأنها أخيرًا حققت مرادها !!!!
......
كان فارس جالسًا في غرفة مكتبه، مستغرقًا في عمله، حتى فاجأه صوت الباب يُفتح دون استئذان، رفع رأسه ليجد سفيان يدخل الغرفة بخطى ثقيلة، وجهه عابس، ودون أن يلتفت إليه توجه مباشرة نحو الأريكة، جلس عليها ثم ارتمى إلى الوراء، واضعًا رأسه بين يديه في صمتٍ ثقيل، كأنما يحمل همومًا لا تُحصى
حاول فارس السيطرة على نفسه، لكنه لم يستطع إخفاء ضيقه وحنقه، فسأله :
ايه اللي جابك؟
أطلق سفيان تنهيدة طويلة، وكأنها تحمل أوزانًا ثقيلة من الألم، لكنه لم ينطق بكلمة، كان فارس على وشك أن يطلق سيلاً من الكلمات الحادة، لكنه فجأة توقف عندما رأى الحزن مرسومًا بوضوح على وجه سفيان
رغم كل ما يكنه فارس من مشاعر كره تجاهه، شعر ببعض الشفقة تتسلل إلى قلبه، وبدلاً من الصراخ في وجهه، حاول كبح غضبه بسؤال خرج منه وكأنه مرغم على النطق به :
اه اللي حصل؟!
رفع سفيان رأسه ببطء، وعيناه تكادان تشعان بالألم والندم، وقال بصوت خافت مملوء بالوجع :
أنا لحد إمتى هفضل أتحاسب على اللي عملته، عارف إني غلطت، لكن ندمت وتوبت، ومين فينا مش بيغلط
نظر إليه فارس، ثم رد عليه بحدة :
غلط عن غلط يفرق، بلاش أفكرك إنت عملت إيه...خلينا ساكتين أحسن
تنهد سفيان بتثاقل وكأنه يحمل ثقل الدنيا على كتفيه، واستطرد :
مبقتش طايقة تبص في وشي، لما عرفت الماضي بتاعي، حسيت إني اتعريت قدامها، مكنتش قادر أرفع عيني في عينها،قلبي وجعني على وجعها، مديلها كل الحق في ردة فعلها، بس كنت أتمنى لو فضلت جنبي وصدقت إني اتغيرت
صمت قليلًا، فسأله فارس بهدوء :
بتحبها ؟
تنهد سفيان، ورد عليه بحيرة وتعب :
والله مش عارف إذا كان حب ولا احتياج، بس حاسس بوحدة من غيرها، حاسس إن يومي مفيش فيه أي روح
انحنى فارس إلى الأمام وسأله بحذر :
ايه اللي حصل بالظبط ؟
أخذ سفيان نفسًا عميقًا، وقص عليه كل ما حدث، فرد عليه فارس بجدية :
هتظلمها معاك لو مش متأكد من مشاعرك، بلاش تاخد الخطوة دي لحد ما تحدد انت عاوز ايه
حرك سفيان رأسه نافيًا ثم قال :
أنا مقولتش جواز، فترة خطوبة، أيًا كانت المدة اللي تحددها لو كل واحد ارتاح للتاني واتأكد من مشاعره نتجوز
نظر إلى الأرض بنظرة خالية كأنه يحدث نفسه :
بس عارف، برجع أقول لنفسي إيه الهبل ده، دي تستاهل الأحسن مني
صمت لبرهة ثم همس بألم :
أي بنت في الدنيا تستاهل الأحسن مني....هو في واحدة أصلاً هترضى تحط اسمها جنب اسمي بالماضي بتاعي ده، دي تبقى مجنونة
ثم رفع رأسه قائلاً بتوسل لفارس بعد لحظات من الصمت : كلم والدتها، قولها إني عاوز أشوف أماليا....قولها إني موافق على أي شروط تقولها...قولها إني محتاج بنتها....قولها والله إني اتغيرت
قبل أن يستطيع فارس الرد، اقتحمت ميان الغرفة دون أن تطرق الباب كعادتها !!!
..........
بعد يومٍ طويلٍ مرهقٍ في العمل، عاد كارم إلى منزله، جسده يئن من التعب وعيناه محملتان بثقل الساعات الطويلة، قلبه يشتاق لرؤية حبيبته المجنونة، لكنه فوجئ بعدم وجودها فصعد إلى غرفته، وما فتح الباب، أبصرها تخرج من الحمام، تضع يدها على بطنها في حركة توحي بالألم، كان وجهها شاحبًا، وعيونها عليه بنظرة ضبابية
في تلك اللحظة، وقبل أن ينطق بكلمة، سقطت همس على الأرض فاقدةً الوعي!!!!
ركض بسرعة نحوها، وحملها بين ذراعيه، ثم وضعها على الفراش، وقلبه ينهشه القلق والخوف، حاول أن يوقظها، لكنه فشل، فستر جسدها بثوب الصلاة برفق، ثم حملها بحذر، كأنها أغلى ما يملك في العالم، وركض بها إلى المستشفى وكل ما يشغل تفكيره هو سلامتها فقط !!!!!!!
......
البارت خلص 🔥
مستنية رأيكم وتوقعاتكم للقادم........؟؟؟؟
دمتم سالمين يا قمرااااتي ❤️❤️
رواية بعينيكِ أسير بقلمي شهد الشورى "مكتملة" الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم 👑 شهد الشورى 👑
دخلت ميان إلى مكتب فارس بابتسامة عريضة سرعان ما تبددت عندما وقع بصرها على سفيان يجلس في زاوية المكتب...وجهه شاحب وعيناه محمرتان، وآثار الدموع واضحة على وجنتيه !!
لم تصدق ميان ما تراه كيف يمكن أن يجتمع فارس و سفيان في مكان واحد دون أن يسود بينهما أي توتر !!
الأغرب من ذلك، هو حال سفيان الحزين والمكسور !!
نظرت إلى فارس الذي كان يحدق في سفيان بعينين مليئتين بالتأثر حينها ازدادت حيرة ميان و قلقها
فأغلقت الباب خلفها ببطء و تقدمت بخطوات حذرة قبل أن تسأل بصوت يحمل في طياته الذهول و الارتباك :
إيه اللي بيحصل هنا يا فارس !!
توقف سفيان عن النظر إلى الأرض للحظة ثم وقف مترددًا و كأن الكلام أثقل من أن يخرج من فمه
ردد بصوت مبحوح محاولًا إخفاء ما بداخله من مشاعر :
مفيش... أنا ماشي
دون أي كلمة إضافية، تحرك نحو الباب بخطوات متثاقلة كأنه يحمل هموم العالم على كتفيه خرج تاركًا وراءه جوًا من الغموض والحيرة
بقيت ميان في مكانها عاجزة عن استيعاب ما يحدث التفتت إلى فارس تسأله بقلق :
فارس فهمني....في إيه ؟
تنهد فارس بعمق ثم بدأ يروي لها ما حدث !!
صمتت ميان صراعًا داخليًا يشتعل في عقلها ، لاحظ فارس حالتها لكن لم يكن في حال جيد طلب منها بصوت هادئ و منهك :
معلش يا ميان روحي دلوقتي ، أنا هرجع البيت و نكمل كلامنا سوا
خرجت ميان من المكتب و عقلها مثقل بما سمعته بينما كانت تسير باتجاه سيارتها لمحت سفيان يجلس في سيارته رأسه مستند إلى عجلة القيادة و وجهه يزداد شحوبًا !!!
شعرت بقلق عارم...فاقتربت منه و طرقت نافذة السيارة لكنه لم يستجب
فتحت الباب لتراه يلهث بصعوبة و يعبث برابطة عنقه.....كأنه يختنق !!!
تحركت بسرعة وطلبت المساعدة من الطواريء اخرجوه من السيارة و تم نقله إلى المستشفى
جلست تنتظر بقلق في الممر اللحظات تمر ببطء شديد.....تشعر بعبء المسؤولية يثقل كاهلها !!!
بعد نصف ساعة تقريبًا
خرج الطبيب قائلاً بجدية :
اللي حصله سببه الضغط النفسي الشديد اللي كان بيتعرض ليه محتاج يرتاح تمامًا و يبعد عن أي حاجة ممكن تضايقه أو تسبب ليه اي توتر
اومأت له بصمت فتابع حديثه بأسف :
الموضوع مش جسدي قد ما هو نفسي.....ان شاء الله يكون كويس، الف سلامة عليه
.......
نظر سفيان بوهن و تعب إلى ميان ، قائلاً وهو يحاول الاعتدال بجسده على الفراش بعد أن استفاق مردداً بصوت متهدج : انتي هنا !!
ردت ميان بهدوء :
خليك مرتاح
صمت الاثنان، لكن في داخلهما كلمات لا يجرؤ أي منهما على البوح بها
قطعت ميان الصمت تسأله بهدوء :
بتحبها !!!
صمت سفيان للحظات ثم قال بحيرة :
قلبي معرفش يشوف ويحس غير بيها من بعدك
همست ميان بحزن و هي تتذكر تلك الأيام :
عمرك ما حبيتني يا سفيان...خلينا نكون صرحا مع بعض، أنا وأنت ممكن نكون اتعودنا من صغرنا على كده...أنا اتعودت أحبك واتعودت على وجودك، لكن اللي في قلبي ليك اكتشفت مع الوقت إنه مكنش أبداً حب
صمتت لثوانٍ، ثم قالت بنبرة مليئة بالهيام والحب :
الحب الحقيقي هو اللي عيشته مع فارس
نظرت إليه وتابعت حديثها بحزن :
انت كمان عمرك ما حبيتني...عمر ما قلب شال الحب هيشيل الكره والآذى في نفس الوقت
رد سفيان بأسف عميق والندم ينهش قلبه كل لحظة : أنا ندمت...أنا آسف بجد آسف ، لو فضلت عمري كله أعتذر ليكي، قليل يا ميان
صمتت ميان، وعيونها امتلأت بالدموع التي لم تسقط قائلة بصوت مختنق :
أنا عارفة إنك ندمت وعارفة إنك اتغيرت....وعارفة إن اللي واقف قدامي واحد غير سفيان القديم و إن قلبك من جوه طيب.....وإن كاميليا سبب كبير في حالتك دي
ابتلعت غصة مريرة بحلقها ثم تابعت بحزن :
بس زي ما انت ملكش ذنب، أنا كمان مليش ذنب اللي عملته فيا مش قليل، انت مكسرتش دراعي، انت قتلت جوايا حاجات كتير
صمتت وهي تتذكر فارس وشهامته، وحبه الذي غمرها به، ثم قالت بحب وامتنان :
حاجات فارس أحياها فيا من تاني وأكتر....فارس قواني وسندني لما وقعت....أنا هنا بفضله كملت و وصلت لحد هنا بفضل حبه ليا
ابتسمت بتوسع، ودموعها تنساب :
أه، بيمر عليا وقت كتير ببقى نفسي أخنقك، بس برجع وأقول حقك يا ميان تشكريه لولا اللي عمله فيكي مكنتيش هتوصلي لهنا ولا هتقابلي راجل زي فارس، يحبك ويخليك تعشقيه...عرفك يعني إيه حب ، عيشك سعادة عمرك ما حلمتي بيها ، أنا متأكدة لو كنا كملنا مع بعض، عمري ما كنت هلاقي معاك ربع الحب اللي فارس بيحبه ليا
اتنهد سفيان بعمق وقال بابتسامة راضية عن حالتها :
عارف إنه راجل، هو الوحيد اللي يستاهلك يستاهل حبك و قلبك الكبير يا ميان
صمت فسألته ميان بتردد :
انت بجد بتحب أماليا يا سفيان !!
لم يجيب سفيان لكن عيناه كانت مليئة بالحيرة فتابعت ميان بنصحية :
بلاش تشيل ذنب تاني يا سفيان...متقربش إلا وانت متأكد من مشاعرك، وإنك بجد هتكون قد كلمتك
ردد سفيان بوجع وهو يتذكر نظرات أماليا له :
تفتكري هي أصلاً هتقبل بيا....نظراتها ليا مش قادر أنساها، ولا أطلعها من بالي....نار بتحرق قلبي كل ما أفتكر هي كانت إيه قبل ما تحبني وبقت إيه بعد ما حبتني
سألها بحزن وصوت مختنق بالدموع :
هو أنا مكتوب عليا أوجع كل اللي بحبهم
صمتت ميان وهي تستمع إليه يتحدث عنها :
هي بريئة أوي يا ميان...بريئة لدرجة إني لما عرفتها بجد كنت بخاف أوجعها بكلامي...خوفت عليها من نفسي ، كنت حاسس بوحدة لما كلكم بعدتوا عني بس هي الوحيدة اللي ملت الوحدة دي....قلبي مش قادر يستحمل غيابها عنه، وفي نفس الوقت مش قادر ياخد خطوة وشايف إنها كتيرة عليه
صمتت ميان لدقائق ثم ابتسمت قائلة بهدوء :
أقولك على حاجة
حرك رأسه بنعم فتابعت حديثها قائلة :
قلبي بيقولي إنها من نصيبك يا سفيان..كلامك عنها و عيونك اللي بتلمع لمجرد ذكر اسمها فاضحين حبك ليها....وهي كمان بتحبك أوي، وإلا مكنتش اتوجعت بالشكل ده....حاسة إنكم نصيب بعض
اتنهد سفيان و اكتفى بالصمت ينظر للفراغ بشرود فتابعت ميان بنصحية :
الذنب اللي حاسس بيه ناحيتي هو السبب في حيرتك دي يا سفيان....أسأل قلبك مين اللي متقدرش على بعدها، مع إن الإجابة واضحة ده انت دخلت المستشفى يا راجل ومستحملتش
قالت الأخيرة بمرح فرد عليها بمرح باهت :
دخلتها عليكي برضو
ابتسمت بهدوء ثم قالت :
حل المتاهة دي كلها في إيدك يا سفيان ، بس طلعني من حسبتك وفكر فيها من ناحية تانية غير إنك شايل ذنبي !!
حرك رأسه لها بنعم....كانت نظراته مليئة بالامتنان لكلامها الذي أعطاه دفعة إلى الأمام وشجعته
قبل أن تخرج اوقفها قائلاً : ميان
التفتت إليه فسألها بتردد و توسل :
هتسامحيني !!!
تنهدت بعمق ثم قالت بابتسامة صغيرة :
ابقى كدابة لو قلت إنني سامحتك، لأني بشر مش ملاك....لكن الله أعلم بكره فيه إيه سيبها للأيام يا بن خالتي !!!!
ثم قالت بهدوء قبل أن تخرج :
لو حصل نصيب، متنساش تعزمني !!
........
دخل فارس غرفة مكتبه بعد أن كان واقفًا عند الباب، فقد سمع كل كلمة بين سفيان وميان عندما علم أنها في المستشفى مع سفيان وأنها أنقذته.....اشتعلت حينها الغيرة في قلبه كلما تخيلهما معًا
لكن تلك الغيرة سرعان ما تبددت، لتحل محلها سعادة غامرة بكلمات ميان عنه، فكان يعتريه شعور خفي بأن الحب الذي منحته لسفيان كان يفوق ما تعطيه له، لكنه الآن، بعد أن استمع إلى كل حرف نطقته بحبها له، أدرك أن قلبها بأكمله ملكه وحده، تيقن أن ذلك الحب الذي شعرت به تجاهه كان استثنائيًا، وأنها لم ولن تحب أحدًا بهذا الشغف سواه
ورغم الغيرة التي كانت تنهش قلبه كلما تذكر وجودها مع سفيان، إلا أن صوتها هذه المرة كان مختلفًا، بدا وكأنه يحمل راحة لم يعهدها من قبل، وكأن الغضب الذي كان يعتريها قد تلاشى أخيرًا
تذكر كلماتها له في وقت سابق، حين قالت بابتسامة خجولة "يمكن عشان قلبي اتملى بحبك، والقلب اللي مليان بالحب ميعرفش الكره أبدًا يا فارس"
ابتسم بفخر، ذلك النوع من الفخر الذي يشعر به كلما همست له بكلمة"بحبك" كم تلك الكلمة تعني له الكثير، لم تكن مجرد كلمة، بل كانت إحساسًا عميقًا بالإنجاز، لأنها كانت دليله الأوضح على أنه أخيرًا وصل إلى قلبها....القلب الذي عشقه بجنون
........
دخل فارس إلى مكتب والدة أماليا بعد أن أذنت له بالدخول، وبدأ الحديث معها بعد صمت دام للحظات قائلاً بهدوء :
عرفت اللي حصل بين أماليا وسفيان !!
أجابته بحزم وبنبرة غير قابلة للنقاش :
أنا مستحيل أقبل بجواز بنتي من سفيان، وفر كلامك يا دكتور !!!
سألها فارس بهدوء :
عشان مريض عندك
ردت عليه بصرامة :
ده سبب من الأسباب، وكمان عشان عارفة إنه لسه بيحب ميان و بيفكر فيها !!
تنهد فارس بعمق ثم قال :
مش يمكن نسيها
ردت عليه بحزم :
مفيش حاجة اسمها يمكن.....بنتي مش فار تجارب عشان أضحي بيها، ولا هي رخيصة عندي عشان أقبل بسفيان زوج ليها و انا متأكدة انها تستاهل الأحسن منه مليون مرة
صمتت للحظات ثم تابعت حديثها بصرامة وقسوة :
أنا مش هقبل إن بنتي تكون ميان التانية !!
رد عليها فارس وهو واثق بتغير سفيان للأفضل :
بس سفيان اتغير بجد
ردت عليه بصرامة :
اتغير آه....لكن شعوره ناحية ميان لسه ما اتغيرش !!
كاد فارس أن يتحدث، لكنها قاطعته قائلة بحدة :
متقولش إني الدكتورة بتاعته....أنا دلوقتي قدامك بصفتي أم....أم خايفة على بنتها وحتى لو أنا وافقت أبوها واخواتها مستحيل يوافقوا
تنهد فارس ثم قال بعتاب :
بتقطعي قدامه الطريق، بدل ما تساعديه.....
قاطعته قائلة باستنكار وحزم :
عشان أقف جنبه أضحي ببنتي، مهما أكون متعاطفة معاه و مهما حصل..... سفيان مش هيكون اغلى من بنتي يا دكتور فارس
........
كان كارم يسير في الممر مضطربًا، القلق ينهش قلبه فقد دخلت همس إلى غرفة الكشف ولم يخرج أحد ليطمئنه حتى الآن !!!!
مرت لحظات طويلة قبل أن تخرج الطبيبة، فتوجه نحوها بسرعة وسألها بلهفة :
همس مالها طمنيني عليها !!
أجابته الطبيبة بابتسامة هادئة :
مفيش داعي للقلق.....مبروك المدام حامل
ردد كارم بصدمة و عدم استيعاب لما قالت :
حامل؟!
كان كارم في حالة من الصدمة، غير قادر على استيعاب ما سمعه همس حامل...هذا يعني أنها تحمل جزءًا منه ومنها !!
سعادة عارمة اجتاحت قلبه لدرجة أنه لم يستطع النطق لكنها سألها فجأة بقلق :
المهم همس كويسة والبيبي كويس
ردت عليه الطبيبة بطمأنينة :
لا متقلقش حضرتك كل حاجة تمام....الأفضل تستشيروا دكتورة متخصصة تتابع الحمل، كمان لازم ترتاح وتهتم بصحتها واكلها
بعد أن غادرت الطبيبة، دخل كارم إلى غرفة همس فوجدها نائمة....اقترب منها لثم جبهتها بحنان و امتنان لوجودها في حياته
استفاقت همس على صوت خطوات كارم، فتحت عينيها برفق فوجدته جالسًا بجانب سريرها وجهه مليء بالسعادة فسألته بصوت خافت متعب :
كارم ايه اللي حصل !!
رد عليها كارم بسعادة :
اللي حصل انك هتبقي أحلى ام في الدنيا وانك شايلة جواكي حتة مني ومنك حصل اني بسببك عايش سعادة عمري ما حلمت بيها....انتي حامل يا همس !!
تلألأت عيناها بالدموع وأمسكت يده بلطف قائلة :
بتتكلم بجد......هيكون عندنا بيبي ؟
ابتسم بسعادة ورد عليها بسعادة :
ايوه....ده أحلى خبر سمعته في حياتي
ابتسمت بسعادة وعانقته بقوة والدموع تنساب من عيناه بفرح....شعرت همس أن الصمت في تلك اللحظة كان أبلغ من أي كلام
.......
سعادة و فرح غمرتا قلوب الجميع بخبر حمل همس توالت التهاني والابتسامات تضافرت الأمنيات الطيبة، ليُعبر الجميع عن فرحتهم بهذا الحدث السعيد الذي زاد من لحظاتهم بهجة وسرورًا
.......
دخل فارس المنزل وعينيه تبحثان في كل زاوية عن ميان، كأن قلبه يتسابق مع خطواته ليجدها....يريد أن يضمها إليه بشدة يُشعرها بكل ما يحمل قلبه من حب وحنين
تفاجأ بجنة تقابله، مرتدية ملابسها، معتنية بمظهرها، وقبل أن تبدأ بالكلام، تجاهلها ببرود، وهو يعلم لما تتصرف هكذا، لقد وصل إلى أقصى درجات صبره معها....غداً سيجعلها تغادر !!
دخل إلى غرفة النوم، وقلبه قبل عيناه يبحثان عنها حتى رآها في إحدى زوايا الغرفة تؤدي صلاتها، تبدو هادئة وجميلة اقترب منها وما أن أنهت صلاتها حتى انحنى ولثم في منتصف جبينها بحنان وعشق قائلاً بصوت هادئ :
حرماً
ابتسمت بحب ولثمت يده التي كانت تحيط بوجهها ثم ردت عليه برقة :
جمعاً إن شاء الله يا حبيبي
نظرت إليه و رأت في عينيه نظرة غريبة فسألته بابتسامة جميلة لا تفارق شفتيها :
مالك
أجابها بحب وهو يرفعها بين ذراعيه، ويجلس بها على الفراش وهي على قدمه :
أنا بحبك أوي
ردت عليه ميان بحب :
وأنا بموت فيك
ابتسم الاثنان لبعضهما بحب وهدوء كان حبهما كالشمس في يومٍ بارد، يدفئ القلوب دون أن يُطلب هي بالنسبة له ليست مجرد حبيبة، بل الروح التي تمنحه الحياة وفي كل مرة ينظر إليها، يشعر أن العالم ملكاً له
هي النور الذي يضيء طريقه، وهو الأمان الذي يغمُر قلبها بالسكينة...معًا لا يحتاجان إلى كلمات كثيرة فالحب بينهما هو اللغة الوحيدة التي يفهمانها...لغة تنبع من القلوب وتُسمع بالروح
سألها فارس فجأة :
تيجي نسافر
ابتسمت ميان بحماس وقالت :
ياريت، يا سلام بقى لو تكون كل العيلة مع بعض في مكان واحد ونتجمع
تذمر فارس قائلاً :
أنا عاوز نكون لوحدنا، آه بحب لمتنا كلنا سوا بس عاوز نقضي وقت لوحدنا مع بعض
ابتسمت بتوسع ثم قالت :
نقضي معاهم يومين وبعدها نكون لوحدنا
حرك فارس رأسه موافقاً ثم قال بحب :
خلاص، هقولهم وأشوف ظروفهم، بس هنروح نطمن عليكي وعلى البيبي ونتأكد إذا كان السفر مسموح ليكي ولا لأ
بعد أن تحدثا عن السفر وخططهما المستقبلية ساد الصمت بينهما للحظة لكن لم يكن صمتًا عاديًا !!
كان مليئًا بالحب والشوق، كأن كل كلمة قيلت تركت أثراً عميقًا في قلبيهما.....كان فارس لا يزال يمسك ميان بين ذراعيه، عينيه تتأملان ملامحها التي تزداد جمالًا كلما اقترب منها أكثر شعر بدفئها ورقتها التي دائمًا ما كانت تشعره بأنه وجد ملاذه الوحيد في العالم
اقترب فارس أكثر وملامح وجهه تنطق بالشوق الذي كان يحمله في قلبه....لم يكن بحاجة إلى المزيد من الكلمات فكل شيء كان واضحًا في نظراتهما
بهدوء، رفع فارس يده ولمس وجهها بلطف وبدأ يقترب نحوها، كانت لحظة مليئة بالعشق، وبكل المشاعر التي حملها في قلبه لها....كأن كل هموم العالم تلاشت في تلك اللحظة ليبقى فقط هو وهي محاطين بحب لا ينتهي
لم يكن يريد أن يتركها....شعرت هي بذلك....في تلك الليلة، لم يكن هناك مكان للحديث أو التفكير.....فقط الحب والعشق هما ما جمعا قلبيهما في هدوء الليل
.......
في صباح اليوم التالي، استفاق فارس الذي كان يحتضن ميان برفق، ولثم وجهها بحب وهو يناديها :
اصحي يا كسولة
تمسكت ميان به أكثر و قالت بصوت ناعس :
سيبني شوية كمان يا فارس، مش قادرة أفتح عيوني
ابتسم بحب، ثم نهض بهدوء متجنبًا إيقاظها، وخرج من الغرفة ليجد جنة جالسة في الصالة، تلتهم أظافرها، وبدا عليها الغضب بمجرد أن رأته انتفضت قائلة بغيرة وهي تقترب منه :
سمعتكم!!!
عبس فارس في وجهها وسألها بعدم فهم :
سمعتي ايه ؟
ردت عليه بوقاحة :
كنتوا مع بعض!!!!
صدم فارس من وقاحتها، فرد عليها بنفس الأسلوب :
واحد ومراته مالك ومالنا....ازاي تتجرأي وتتكلمي بالطريقة دي معايا
ارتبكت جنة وتلعثمت وهي ترد عليه :
انا معرفش انا قولت كده ازاي
قاطعها فارس قائلاً بحدة :
اسمعي، أنا دخلتك بيتي عشان صعبتي عليا، مش أكتر ولا أقل....وندمت لأني عملت كده لو فاكرة إن حركاتك دي هتوصلك لحاجة، تبقي غلطانة وغلطانة أوي كمان وعايزة اللي يفوقك
كانت ترتجف من الخوف من حديثه الصريح فتابع فارس بغضب :
أنا بحب مراتي، وماحبتش ولا هحب في حياتي غيرها ولا إنتي ولا ألف من عينتك ولا بنات حوا كلهم يملوا عيني
ردت عليه جنة بغل صريح :
أنا أحسن منها ألف مرة
عنفها فارس قائلاً بغضب واحتقار :
إنتي أسوأ منها ألف مرة تيجي إيه إنتي فيها بغلك وحقدك
ردت عليه بتوسل :
أنا هسعدك أكتر منها، وهتتبسط معايا أكتر هعمل كل اللي تقوله عليه حتى انا بعرف أعمل حاجات كتير وبطبخ حلو وبسمع الكلام وحتى أنا موافقة أكون زوجة تانية......بس تقبل بيا أنا ضحيت بأغلى حاجة عندي عشانك يا فارس !!!
صرخ فارس عليها بغضب لكن بصوت منخفض حتى لا تستيقظ ميان وتسمعهما :
اخرسي يا مريضة....ضحيتي بإيه، أعرفك منين انا، انتي فعلا متستاهليش غير واحد زي أبو عدنان وأبوكي، أنتوا التلاتة عينه واحدة
ردت عليه بغيظ وغضب :
عملت إيه، انا خلصت من ابني عشان مايكونش عائق بينا....عشان مترفضنيش بسبب ابن شخص تاني غيرك
كانت ملامح فارس مزيجًا من الزهول والاحتقار فقال بحدة بحدة وغضب :
لمي هدومك، مش هتقعدي هنا ليلة تانية، هدبرلك شغل في فندق، والسكن هيكون هناك
تركها فارس ودخل الغرفة ليجد ميان مستيقظة، ابتسمت له قائلة بهدوء غريب :
صباح الخير يا حبيبي
لثم جبينها بحب ثم دخل للحمام وبقيت ميان في مكانها وقد تحولت ملامحها من الهدوء إلى الشراسة !!!!!
.......
في منتصف اليوم اجتمع الجميع في فيلا كارم لتهنئتهم وما ان جلست ميان وحدها مع همس ولينا وسيلين
تباينت المشاعر بعد أن كشفت ميان عن ما فعلت جنة لتكون سيلين اول المعلقين قائلة بصدمة :
إيه البجاحة دي....بدل ما تحمد ربنا إنها لقت حد يفتح لها بيته في ظروفها دي
بينما لينا رددت بلهجة مليئة بالاحتقار :
سيبك من كل ده، دي قتلت ابنها....دي واحدة مريضة
نظرت همس إلى ميان التي كانت صامتة وسألتها :
هتعملي إيه يا ميان، ناوية على ايه
ردت عليها ميان بنبرة غامضة :
عاوزة اتنين ستات بس بيضربوا حلو.....هخرجها بفضيحة عشان تحرم تعض اليد اللي اتمدت ليها
ابتسمت سيلين بحماس و قالت :
واحنا روحنا فين بس
ردت عليها سيلين بسخرية :
أبداً، موجودين، بس زي قلتنا، أنا حامل والأخت همس كمان، والست لينا قربت تولد
ثم تابعت بشراسة :
ياما كان نفسي اكلها بسناني من غير كا اجيب حد بس نفسي اشفي غليلي منها
ردت عليها سيلين بحماس :
طب وانا روحت فين أنتي عارفة يا ميان يا حبيبتي الفترة اللي بعد الولادة بتكون صعبة ازاي وكلها ضغوطات والواحدة مننا لازمها حاجة تطلع كل الضغوط اللي عندها فيها وجنة دي جت في وقتها والضرب فيها حلال
رددت لينا بمرح :
وطبعاً سيلين اولى من الغريب
أومأت لها سيلين وقالت بمكر :
ونرجس اللي بتساعدني في البيت هتقوم بالواجب هجيبها معايا كمان
ضحكت ميان عندما اضافت همس بمرح :
وأنا هاجي وأجيب فشار وأتفرج
ضحكوا جميعاً و بدأت ميان تملي عليهم ما سيفعلون
فابتسم الأربعة ببشر !!!!!!
.......
في المساء، باغتت ميان فارس بطلبها أن تبقى جنة معها ليومٍ آخر، استوقفه الأمر، وقد أثار حيرته واستغرابه فهو الذي كان قد دبر لها عملًا ومسكنًا بجهدٍ مضنٍ ليُنهي الأمر اليوم، بدا طلبها نقيضًا لما ألحت عليه منذ أيام حين كانت تتوق لرحيلها
رفض فارس بادئ الأمر، لكن إصرارها الذي بدا عصيًا على الفهم دفعه للقبول على مضض!!!!
........
في الصباح الباكر، وبعد إلحاح شديد من همس، اضطر كارم إلى إيصالها إلى بيت ميان. كان الأمر يثير استغرابه، فهي تخالف بذلك تعليمات الطبيبة التي شددت على حاجتها للراحة في هذه الفترة، ومع ذلك، لم يستطع أمام إصرارها سوى الرضوخ.
في ذات الوقت، كانت سيلين قد تركت طفلها عند والدتها، وغادرت برفقة خادمتها نحو المكان ذاته
كذلك لينا، التي طلبت من عمار أن يوصلها إلى بيت ميان!!!!
........
استيقظت جنة في الصباح بعد ليلة طويلة أثقلها التفكير، أمضت ساعاتها تحيك في ذهنها الخطط، تفكر في كيف يمكنها أن تبقى في هذا المنزل وقتًا أطول، أو على الأقل تُشعل نزاعًا بين فارس وميان يضمن لها تحقيق غايتها
شعرت بشيء من الطمأنينة، بعد ان منحتها ميان فرصة للبقاء هذا اليوم، وهو ما يصب في صالحها، فتلك فرصة ثمينة لتنفيذ خطتها التي اعتقدت أنها الأنسب لتفريقهما !!!
نهضت من سريرها وتجهزت ثم خرجت من غرفتها، لكنها توقفت فجأة عند عتبة الباب، وقد فوجئت بميان جالسة في الصالة، تضع ساق على ساق ببرود، وإلى جوارها همس، ومعهما فتاتان تراهم للمرة الأولى، واخرى تقف عند باب المطبخ !!
نظرات الجميع تخترقها بثقل غريب ومقلق، شيء في أعينهم لم يمنحها شعورًا بالراحة، بل أيقظ في داخلها خوفًا، شعرت للحظة أن خطتها التي بدت محكمة في الليل قد لا تكون كافية أمام ما تواجهه الآن
القت عليهم الصباح ثم قالت لميان بهدوء :
ميان، ممكن أتكلم معاكي لوحدنا !!
ردت عليها ميان ببرود :
مفيش حد هنا غريب، قولي اللي عندك
صمتت جنة لبرهة، تدرس الموقف بعناية، فكرت في أن الحديث مع ميان أمام هؤلاء سيزيد من إحراجها، ما قد يؤدي إلى تصاعد غضبها، فتثور على فارس أكثر وتطلب الطلاق
استجمعت قواها، وأعادت ترتيب كلماتها في ذهنها، ثم قالت بصوت منخفض، حاولت أن تجعله يبدو حزينًا قدر الإمكان، لتثير في ميان شعورًا بالشفقة وتكسب تعاطفها :
أنا اترددت كتير قبل ما أقولك، بس مش حابة انك تفضلي على عماكي ويكون فيه حد بيغشك....أنا برده أكلت معاكي عيش وملح في البيت ده!!!
قاطعتها ميان قائلة بهدوء يسبق العاصفة :
مابحبوش !!
سألتها جنة بزهول :
هو ايه ؟
تمتمت ميان ببرود زائف :
الكلام الكتير مبحبوش....قولي اللي عندك علطول
حاولت جنة السيطرة على غضبها، لكن كلامها خرج بصوت مرتجف مليء بالغل :
جوزك حاول معايا كذا مرة...اتحرش بيا وأنا صديته حبيت أقولك عشان متكونيش على عماكي ويفضل يضحك عليكي زي ما ضحك عليا وجابني هنا و فهمني انه نواياه بريئة لكن هو في الاصل عينه زايغة.....ومش محترم !!!!!
ابتسمت ميان بهدوء، ثم اقتربت منها بخطوات بطيئة و ابتسامة ليست بمحلها بثت الرعب بأوصالها، ثم رفعت يدها بلطف و ربتت على وجنة جنة، مما جعلها تنتفض مكانها ظناً منها انها ستضربها !!
لكن المفاجأة جاءت في كلمات ميان التي خرجت بصوت هادئ يسبق العاصفة :
كان ممكن افوت أي كلمة قولتيها عليا...لكن إنك تغلطي في جوزي وتتهميه اتهام زي ده
تغيرت نبرتها فجأة إلى الشراسة و هي تقول :
ده انتي كده جنيتي على نفسك !!!
قبل أن تدرك جنة ما يحدث، كانت ميان قد أمسكت بشعرها بقوة فصرخت تستنجد بأحد بعدما فشلت في تخليص نفسها من بين يديها
تقدمت سيلين والخادمة بسرعة، محاولة إبعاد ميان عن جنة لتجنب إيذاء جنينها، وبالفعل، ابتعدت ميان، لكن قبل أن تبتعد تمامًا، تمكنت من انتزاع بعض خصلات شعر جنة بغل
حاولت جنة الهجوم على ميان، إلا أن سيلين والفتاة الأخرى سحبتاها بقوة، وانهالن عليها بالضرب، متعجبات من وقاحتها، بينما كانت ميان تقف بعيدًا تراقب المشهد بتشفٍ
كانت جنة تصرخ من شدة الألم، لكن سيلين لم ترحمها. كانت تضربها بقوة، وهي ترى في وجهها ابنة خالتها التي كانت تسعى لسرقة زوجها منها، فزاد ذلك من شدة ضرباتها
أما همس ولينا، فكانتا تجلسان على الأريكة، تمددان جسديهما براحة، تتناولان حبات الفشار باسترخاء، وهما تراقبان جنة وهي تنال جزاء تصرفاتها، كانتا تبتسمان في سخرية، لكن همس كانت تشعر برغبة قوية في أن تنهض وتبرحها ضربًا، فكم كانت تكره النساء اللاتي يسعين إلى خراب بيوت غيرهن، وتفريق شمل العائلات، وسرقة الأزواج
بعد وقت قصير
كانت جنة ملقاة على الأرض، يتملكها الألم نتيجة الضربات القاسية التي تلقتها، ابتعدت عنها سيلين والخادمة، تاركتين إياها تتلوى من شدة الألم، بينما كانت ميان تقف على مقربة منها، تتأملها بنظرات مليئة بالاشمئزاز والغضب....نار مشتعلة تتأجج في قلبها كلما تذكرت نيتها الخبيثة، ورغم ثقتها الكبيرة في فارس، إلا أن مجرد تخيل ما كانت تخطط له جعل دماءها تغلي، كيف تجرأت على التفكير في هذا الأمر !!
كانت الرغبة في الانتقام تسيطر على ميان، ولو استطاعت لكانت التهمت جنة بأسنانها
تقدمت بخطوات غاضبة نحو غرفة جنة، وبدأت تجمع أغراضها التي بالأساس تخصها من البداية بحركات سريعة، وهي تستشيط غضبًا وبينما كانت تفرغ الأدراج، توقفت فجأة عندما رأت بعض مستحضرات التجميل الخاصة بها، وأشياء أخرى كانت قد فقدتها منذ فترة موجودة في خزانة الأخرى !!!
شعرت بغضب عارم يتصاعد داخلها، فشدت قبضتها على الأغراض في يدها، وكأنها تحاول أن تسيطر على مشاعرها قبل أن تنفجر بشكل أكبر
خرجت تجر الحقيبة خلفها ثم مسكت بذراع الأخرى تدفعها خارج المنزل بقوة، ثم رمت حقيبتها أمامها دون اكتراث !!
وقفت ميان أمام جنة، تحملق فيها بنظرة مليئة بالاحتقار والاشمئزاز، وكأنها ترى شيئًا أكثر دناءة من أن يكون إنسانًا كانت عيونها تشتعل بالغضب الذي لم تستطع كبحه، فصاحت بكلمات قاسية :
فتحتلك بيتي، عاملتك زي أختي، وفارس ساعدك ودافع عنك وكان ممكن يتأذي بسببك.....ده كان ممكن يموت كمان، هو ده بقى ردك للمعروف إنك تخوني ثقتي وتحاولي تخربي حياتي، تحطي عينك على جوزي!!!!!
ثم تابعت بغضب وقرف :
وصلت بيكي الحقارة والقسوة إنك تقتلي ابنك بإيدك، طب ليه، وعشان إيه، يا شيخة ربنا ينتقم منك قتلتي روح بريئة، قتلتي حتة منك الام بتحمي ابنها بروحها وانتي قتلتي ابنك عشان اوهام وكنتي فاكرة ان بموته انتي هتعيشيؤ حسبي الله ونعم الوكيل فيكي
كانت جنة تقف أمامها متهاوية، عاجزة عن مواجهة هذا الطوفان من الغضب والكلمات اللاذعة جسدها يرتجف لكن ميان لم تشفق عليها لم يكن بداخلها أي مكان للرحمة في تلك اللحظة، بل تقدمت نحوها بخطوات سريعة، والغضب يشتعل في عينيها، ووجهها مرسوم بملامح القسوة وفجأة، صفعت ميان وجهها بقوة، مفرغة كل مشاعر الغضب التي بداخلها، قائلة بحدة :
زي ما دخلتي البيت ده من الشارع، هترجعي للشارع برده و المساعدة اللي جوزي كان هيقدمها ليكي، خسارة في واحدة حقيرة زيك، عينها بتروح على اللي في إيد غيرها
ثم بصقت عليها بقرف شديد، وكأنها تريد التخلص من كل أثر لها، واستدارت دون أن تنظر خلفها، دخلت البيت واغلقت الباب بعنف في وجه جنة، تاركة إياها وحيدة.....وحيدة لا
تعرف إلى أين تتجه، جلست على رصيف بارد، تبكي بحرقة وندم لا يمكن وصفه كان كل شيء يدور في رأسها، كلمات ميان الجارحة تردد في ذهنها، تدور كالسكاكين الحادة
كانت أمامها فرصة لتبدأ من جديد، لكنها لم تحسن الحفاظ عليها، واندفعت في طمعها حتى فقدت كل شيء
لم يعد أمامها سوى العودة إلى بيت والدها، الذي سيعيدها مرة أخرى إلى أبو عدنان، ليقودها إلى ذات الجحيم الذي هربت منه !!!!!
.......
كان سفيان يقف هناك، ينتظرها كما يفعل كل يوم، يترقب ظهورها كما يترقب الظمآن قطرة ماء، ظلت عيناه عليها للحظة، ثم ركض نحوها، لم يعد يحتمل الانتظار أكثر
تجاهلته بشدة، وسارت بسرعة، كأن وجوده يزيد الجروح عمقًا، لكن سفيان لم يستسلم بل لحق بها وأمسك بيدها، ليس بعنف، بل بحذر، كمن يخشى أن يكسر شيئًا هشًا
سحبها بهدوء بعيدًا عن الأنظار، وعيناه تبحثان في وجهها عن أمل أو ذرة من التفهم، انتفضت أماليا، وسحبت يدها من قبضته، ثم صرخت عليه بغضب كامن :
انت إزاي تمسك إيدي كده، إياك تعمل كده تاني....إياك أساسًا تظهر قدامي في أي مكان، ابعد عني...أنت طلعتلي منين
كانت كلماتها تنطق بالضعف رغم محاولتها إخفاء ذلك، لكن صوتها خانها في النهاية، أما هو، فقد ظل يتأملها، يرصد كل تفاصيل وجهها لأول مرة بعد غياب طويل، كان الألم يعتصر قلبه وهو يرى تلك العيون المتعبة، والوجه الذي فقد نوره وحيويته
كيف يمكن أن تكون هي نفسها الفتاة التي عرفها، أين اختفت تلك الأماليا التي جذبته بروحها المرحة وجنونها الجميل، كل شيء فيها بدا باهتًا، تمامًا كما يشعر داخله، أدرك حينها أن كل من أحبه قد تأذى بسببه!!!
بينما أماليا رغم الغضب الذي كان يشتعل في صدرها، كانت تشعر بضعف يتسلل إليها وهي تقف أمام سفيان، كانت عيناه، المليئتان بالندم والشوق، تنفذان إلى أعماقها، لكنها لم تكن مستعدة للتنازل أو حتى لسماعه
حاول سفيان أن يقرب المسافة بينهما، وبدأ صوته يرتجف قليلًا وهو يقول :
أماليا، اسمعيني، أنا عارف إن كل اللي حصل كان غلط، بس أنا ندمت واتغيرت والله
كانت أماليا قد اتخذت قرارها، نظرت إليه بعينين مليئتين بالألم والعتاب وقالت :
ندمان....تفتكر إن الندم كفاية.....ازاي تتوقع إني أصدقك بعد كل اللي سمعته عنك، ازاي كنت بالقسوة، انا دي كنت غلطانة لما قولت ان الماضي مايفرقش معايا، عشان بعد اللي عرفته وسمعته ندمانة على كل لحظة شوفتك فيها.....ندمانة اني عرفتك اصلا......لو ليك اخت هترضى بواحد زيك ليها !!!!
كانت كلماتها قاسية لكنها صادقة، تصب كل ما في قلبها من عتاب وألم و هو يقف صامتًا....عاجزًا عن الرد....كل كلمة كانت تطعنه في القلب لكنه لم يستطع سوى أن يقف متحملًا اللوم، متفهمًا حجم الأذى الذي سببه لها
استدارت ببطء بعد أن انتهت من كلامها وقبل أن تبتعد تمامًا قالت بصوت خافت كأنها تحدث لنفسها :
ابعد عني ارجوك، اه فيه مشاعر ناحيتك بس ده مش كفاية عشان أتغاضى عن ماضيك.....كفاية وجع
ثم مشت بعيدًا، خطواتها مترددة لكنها ثابتة لم تلتفت خلفها، رغم أنها شعرت بنظراته تلاحقها أما هو بقي واقفًا في مكانه، يشاهدها وهي تختفي تدريجيًا عن أنظاره حاول أن يناديها مرة أخيرة لكنه أدرك أنها محقة !!
........
مر شهران ثقيلان منذ أن انقطعت أماليا عن سفيان طوال هذه الفترة، حاول مرارًا التحدث معها، لكن دون جدوى، بدا الأمر وكأنها أغلقت صفحته تمامًا، أو هكذا حاولت أن تظهر للعالم، لكن داخلها كان ينزف، لم تكن تتوقع أن تكون تجربتها الأولى في الحب بهذه القسوة، أو أن تصل جراحها إلى هذا العمق
هربت من آلامها إلى العمل، تغرق فيه لساعات طويلة محاولًة نسيان نفسها، حتى أنها وافقت على مشاريع في محافظات أخرى بشرط أن تعود إلى الإسكندرية في نفس اليوم، واليوم كانت تستعد لأول مرة للسفر إلى القاهرة لمعاينة شركة جديدة ستتولى تصميمها
بينما كانت تضع اللمسات الأخيرة على تجهيزاتها للسفر، دخلت والدتها، وبنبرة يعتريها الحزن قالت:
لحد إمتى هتفضلي واخدة الموقف ده مني، أنا كنت بعمل كده لمصلحتك، وانتي شوفتي بنفسك، مكنش يستاهل حبك ولا تضحيتك بنفسك عشانه
رفعت أماليا عينيها نحوها، ونطقت أخيرًا بعد صمت طويل، بنبرة تحمل خيبة أمل كبيرة، قبل أن تغادر :
كان قدامك ألف طريقة تعرفيني بيها الحقيقة، لكن مش بالقسوة دي، لا عليه ولا عليا، انا عمري ما هكون مبسوطة وأنا شايفة أمي قاسية كده
احنت والدتها رأسها بحزن، ابنتها معها حق، كانت تعرف في أعماقها أنها تصرفت بقسوة، حتى وإن كانت نيتها هي حماية ابنتها !!
صعدت أماليا إلى سيارتها وانطلقت باتجاه القاهرة، غير مدركة أن عيون سفيان كانت تراقبها من بعيد كما كان يفعل دائمًا منذ ابتعدت عنه، كان يقف كل صباح أمام بيتها، ينظر إليها وهي تخرج، يتبعها حتى تصل إلى عملها، لعله يشبع عينيه وقلبه برؤيتها لكن اليوم، شعر بشيء مختلف حين رأى وجهتها نحو القاهرة....امتلأ قلبه بشعور غريب، كقبضة ضاغطة، فقرر أن يتبعها
بعد ساعات من القيادة، كانت أماليا تقف أمام صاحب الشركة "عصام" الذي تحدث إليها بنظرات لا تخلو من الإعجاب، بينما هي تحاول أن تتجاهل هذا الشعور الغير المريح الذي يزحف إلى قلبها أنهت حديثها معه بشأن تفاصيل المشروع وقالت له موعد الانتهاء، وهمت بالرحيل لكن قبل أن تخطو خطواتها الأولى، استوقفها بابتسامة خبيثة لم تلحظها قائلاً :
هتيجي معايا دلوقتي تعايني الفيلا اللي على الطريق الصحراوي، زي ما اتفقت مع خالك
نظرت إليه أماليا بدهشة، وقالت :
بس خالي، مقاليش حاجة عن الفيلا دي!!!
أجابها بثقة وهو ينظر إلى ساعته بتعجل :
اتكلمت معاه قبل ما توصلي بنص ساعة تلاقيه ملحقش يقولك، على العموم ممكن تتأكدي بنفسك لو مش مصدقة كلامي
ترددت للحظة، تشعر بعدم ارتياح، لكنها وافقت أخيرًا بعد أن حاولت الاتصال بخالها دون جدوى إذ كان هاتفه مغلقًا
ركبت إلى جواره في السيارة، حيث كان يقود بسرعة أثارت قلقها، تزايد الانقباض في صدرها مع كل لحظة، خاصة مع اقترابهم من الطريق الصحراوي وحلول الظلام، الذي عمق شعورها بالخوف والاضطراب
توقف عصام بالسيارة أمام فيلا معزولة على الطريق الصحراوي، ونزل بسرعة ليفتح الباب لأماليا، شعور غير مريح تملكها منذ اللحظة الأولى، وزاد حدته مع كل دقيقة مضت نظرت حولها بقلق، خطواتها مترددة، نزلت من السيارة، لكن الخوف بدأ يتسلل إلى قلبها، وكأنها قد سقطت في فخ محكم لا مفر منه
دخلت إلى الفيلا، وأحست ببرودة الهواء تتسلل إلى عظامها استدارت نحو عصام بصرامة وقالت :
سيب الباب مفتوح من فضلك، يا أستاذ عصام !!
ابتسم لها بمكر قائلاً :
بس كده، انتي تؤمري!!!!
ثم أغلق الباب بقوة جعلها تنتفض في مكانها، و الخوف يشتعل في قلبها كشرارة ملتهبة
اندفعت نحو الباب محاولة فتحه، لكنه أسرع منها، أدار المفتاح وأغلق الباب بإحكام، ثم لوح بالمفتاح أمامها وقال بنبرة يملؤها المكر :
رايحة فين يا حلوة، وشرفي الفيلا دي مدخلاهاش غير الحلوين اللي زيك!!
تراجعت أماليا إلى الوراء بخطوات سريعة، وصوتها يرتجف من شدة الغضب والخوف :
افتح الباب، أحسن والله.......
قاطعها وهو يخلع سترته، ونظراته مليئة بالتحدي والتمعن، متفحصًا جسدها بنظراته الوقحة :
هتعملي إيه يعني، هتصوتي...صوتي، محدش هيسمعك ولو حد سمعك، انتي هنا بمزاجك، ركبتي معايا بمزاجك ودخلتي لهنا بمزاجك يا حلوة !!
شعرت أماليا برعب يخترق قلبها كخنجر، والندم يعصف بأفكارها كيف وقعت في هذا الفخ !!
أخذت تتلفت حولها، حتى التقطت نظرها مزهرية طويلة على طاولة قريبة، فاندفعت نحوها وأمسكتها بيد مرتعشة، ثم صرخت بصوت مرتفع، كلما اقترب عصام منها زاد صراخها، لعل أحداً يسمعها وينقذها
لكن عصام تابع تقدمه بثقة، فتراجعت وهي ترفع المزهرية عالياً، وكادت ان تضربه بها إلا أنه أمسك بيدها بقسوة، انتزعها منها ورماها بعيداً، ثم دفعها لتسقط على الأرض كانت تحاول أن تقاومه، قدماها تركلانه ويديها تحاولان دفعه بعيداً، لكنها كانت تشعر بثقل جسده يقيد حركتها وكأنها تغرق في مستنقع من اليأس
في تلك اللحظة، عندما كانت صرخاتها تصدح في المكان كأنها نداء استغاثة، سُمع صوت طرقات قوية على الباب تحول الطرق إلى ضرب عنيف حتى انكسر الباب بفعل قوة مفاجئة، ليظهر سفيان مندفعًا كالعاصفة !!!!!!
كانت أنفاس أماليا تتسارع، وعيناها تملؤهما دموع الخوف والذعر، بينما انقض سفيان على عصام الذي كان منشغلاً بمحاولة إخضاعها، ولم يدرك ما حدث إلا بعد أن سحبه سفيان من فوقها وأسقطه أرضًا، انفجرت دموعها عندما شعرت بأن كابوسها أوشك على الانتهاء، كانت ما تزال ترتجف من الخوف
انهالت ضربات سفيان على عصام واحدة تلو الأخرى، كأنها تنفيس عن غضب مكبوت وألم متراكم لم تكن تلك الضربات مجرد دفاع عن أماليا، بل انتقامًا من كل لحظة عجز شعر بها منذ أن افترقا، تلاشى صوت أنين عصام شيئًا فشيئًا مع كل لكمة، حتى استسلم بلا مقاومة تُذكر، كان سفيان يعيد إليها الأمان الذي كاد يُنتزع منها، ويمحو بيديه أثر الخوف من قلبها
بعد أن انتهى سفيان تركه بصعوبة، واستدار نحو أماليا التي كانت تجلس على الأرض، عيناها زائغتان من هول ما مرت به، فاقترب منها وجلس بجانبها، واحتواها بذراعيه، بينما هي تنفست أخيرًا الصعداء احتضنته وكأنها وجدت في ذراعيه الأمان الذي فقدته
خلع سفيان سترته على الفور وحاوطها بها بحرص، شاعراً بالغضب عندما رأى البلوزة التي ارتدتها قد تمزقت بفعل ذلك الحقير، حملها وتوجه نحو سيارته، وما ان وضعها برفق على الأرض، شعر فجأة بانقباض قوي في جسده، وصدر منه أنين خافت!!!!!
ارتابت أماليا، وفزعت حين تكرر الأنين، فالتفت خلفها لترى ما يحدث كان المشهد أمام عينيها صادمًا، فقد رأت عصام، الذي كان يتخبط على الأرض، يرفع مسدسًا مصوبًا نحو سفيان وجهه كان مشوّهًا، مغطى بالدماء، عينيه تومضان بغضب كبير
صرخت أماليا، لكن صوتها تلاشى في غيوم الرعب و في لحظة مرعبة، شاهدت عصام يتراجع، ثم يقع على الأرض فاقدًا وعيه، بينما سفيان هو الآخر لم يكن أفضل حالًا بدأ جسده ينهار، دماؤه تتساقط بغزارة على الأرض، وكأنه يحاول أن يمسك بأنفاسه الأخيرة
بكت أماليا بقوة، دموعها تنهمر دون انقطاع تمسكت بجسده بقوة، والذعر يجتاح قلبها، تنقل بصرها المرتجف بين وجهه ويدها الملطخة بدمائه
انسابت دموعها كالشلال، ونحيبها المتقطع شق سكون الليل وهي تهمس بتوسل ممزوج بالرعب :
افتح عيونك...أنت مش هتسيبني، صح، مش كنت عايزني أتكلم معك، اهو أنا هنا، جنبك...ليه سكت دلوقتي !!
ازدادت حدة بكائها وهي تواصل بصوت مكسور :
شوف... أنا هنا، ومش هبعد عنك تاني....بس عشان خاطري افتح عيونك...متسبنيش رد عليا....سفيااان !!
بأعين شبه مغلقة، وبصعوبة بالغة، رفع يده المرتعشة ليمسح على وجهها، وهو يهمس بصوت متقطع وثقيل :
طول عمري كنت سبب وجع لغيري....حتى أنتي، هكون وجع ليكي...ربنا عمل كده عشان يريح الكل مني.....ومن وجعي
حركت رأسها بنفي، والدموع تتساقط كالمطر، قائلة :
بس أنا مش عايزة ارتاح منك... قوم وابقى جنبي...أنا قابلة منك كل حاجة، حتى الوجع... والله مش هبعد عنك تاني
ثم وضعت جبينها على صدره، وقالت بصوت مكسور بالوجع :
ما اتفقناش أنك تسيبني وتمشي
كانت آخر كلماته، بينما يده تلامس وجنتها برفق :
بحبك
في اللحظة التالية، تراخت يده وسقطت بجانبه ابتعدت لتنظر إليه بعينين متسعتين من الصدمة وعدم التصديق، ثم صرخت بهستيريا :
"لأ... لأ...افتح عيونك...متسبنيش...لأ، عشان خاطري، قوم !!
بدأت تصرخ بقوة، تضم جسده إليها بقهر، وكأنها تحاول استعادة الحياة التي انسلت منه !!!!!
........
البارت خلص 🔥❤️
مستنية رأيكم وتوقعاتكم للقادم.......؟؟؟
رواية بعينيكِ أسير بقلمي شهد الشورى "مكتملة" الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم 👑 شهد الشورى 👑
وقفت أماليا في ركن بعيد، تائهة في عالم آخر، الأصوات من حولها تتلاشى كأنها في ضباب بعيد كانت عيناها مفتوحتين على آخرهما، تغوصان في بحر من الذهول والخوف، تنظر إلى ثيابها ويديها اللتين التصقت بهما آثار دم سفيان
لم تكن هناك دموع تنهمر، بل صدمة تثقل عليها....كصخرة عظيمة على صدرها، شعرت أن العالم من حولها يغرق ببطء، كأن عقارب الساعة تتعمد إطالة كل لحظة صوت دقات قلبها يكاد يغطي على كل شيء، يحفر في أذنيها إيقاعاً مرعباً من الترقب
على الجانب الآخر، وقف أهلها وأصدقاؤها في ترقب مضطرب، كل واحد منهم يراقب باب غرفة العمليات بقلقٍ يتسلل إلى قلبه، الجميع كان ينتظر، لكن لا أحد منهم يعرف حقيقة ما حدث، عدا فارس الذي تلقى مكالمة من أماليا، وأخبر الجميع بما يكفي لإشعال فتيل القلق في نفوسهم!!!
اقتربت ميان ببطء نحو أماليا، وداخلها شعور الحزن والشفقة، كان وجه أماليا شاحبًا، وعيناها شاردتان كأنهما فقدتا القدرة على التواصل مع العالم، لم تستطع ميان كسر هذا الصمت الثقيل الذي يغمر المكان، لكنها حاولت الاقتراب بلمسة خفيفة على كتفها، وكأنها تخشى أن تزيد جراحها بأي كلمة، وهمست بصوت خافت، وقد امتزجت في نبرتها الشفقة والعجز :
أماليا.....انتي كويسة ؟
نظرت أماليا نحوها، كأنها عادت للحظة من عالمها البعيد، لكن شفتيها عجزتا عن الكلام زفرت نفساً عميقاً، وعادت بذاكرتها إلى ما جرى على الطريق، الدماء، والخوف العارم الذي كاد يقضي عليها
اقترب فارس منها وقال بحزن :
سفيان هيبقى كويس متقلقيش !!
تحولت عيناها إلى فارس، لكن نظرتها كانت ضائعة كأنها لا ترى أمامها لم تلتقط كلماته، ولم تشعر بوجوده كانت غارقة في عالم آخر، وبصوت مخنوق بدأت تتكلم بعدم اتزان وكأنها تحادث نفسها، عيناها مثبتتان في الفراغ :
كنت بحاول....كنت بس بحاول ألحقه بس كان نفسه ضعيف، وأنا مش عارفة أعمل حاجة....بس الدم....حتى لما وقفت العربية على الطريق....حسيت كأني في كابوس....كل ده حصل بسرعة !!
بدت وكأنها تغوص أكثر في أفكارها، متناسية كل من حولها
تنهد فارس وقال بحنان محاولاً تهدئتها :
أماليا خلاص....انتي عملتي اللي عليكي وزيادة إحنا كلنا هنا، سفيان قوي...وهيعدي منها ويقوم على رجليه !!!
ساد الصمت، وعاد الكل للتأمل في وجوه بعضهم البعض، مترقبين أن تفتح أبواب غرفة العمليات لتكشف عن مصير سفيان، وهم على قيد خيط رفيع بين الأمل والخوف
وسط هذا الصمت القاتل، وقفت والدة أماليا، وقد لمعت في عينيها مشاعر مختلطة من الغضب والخوف لم تستطع تحمل المزيد من الغموض، ولا رؤية ابنتها في هذه الحالة المزرية بحدة لم تستطع كتمها، توجهت نحو أماليا تسألها :
كنتي بتعملي إيه معاه تاني، شوفتي اللي جرالك من وراه شوفتي حالتك عاملة إزاي مستنية إيه تاني يحصلك بسببه، فهميني، إيه اللي حصل، عملك إيه واللي وصلكم لهنا.....ردي عليا !!!
نظرت أماليا إلى والدتها للحظة، وكأن كلماتها تخترق الضباب الثقيل الذي يلف عقلها، لكنها بقيت صامتة، شفتيها ترتجفان كأنها على وشك الانهيار
سرعان توقفت أماليا عن الصمت، وامتلأت عيناها بالدموع التي احتبست طويلاً لم تعد تحتمل الضغط ولا نظرات والدتها اللائمة فجأة، انفجرت بنهيار قائلة بصوت مشحون بالألم والغضب كأنها تخرج ما في قلبها من نار مكبوتة :
اللي أنا فيه ده كله بسببه!!!!...... هو اللي هنا بسببي، عشان لحقني، عشان جه ينقذني، لما واحد حقير حاول....حاول يعتدي عليا وياخد مني شرفي، سفيان هو اللي لحقني، ولولا هو كان زماني.....!!!!!
توقفت للحظة، تتنفس بصعوبة، شهيقها ثقيل ونفسها متقطع، ثم أكملت بصوت مختنق، مليء بالألم :
لما جه يلحقني، الحقير دا ضربه بالنار فاهمة، سفيان خاطر بحياته عشاني، أنا مش ندمانة، ولا هسمح لحد يلومه على اللي عمله هو حاول يحميني وأن...أنا مقدرتش أعمل حاجة، شوفته بينزف قدامي حسيت بالعجز ومقدرتش أعمل أي حاجة غير إني أشوفه بيتألم !!!!!
ساد الصمت من جديد، لكنه كان صمتًا مشحونًا بالكلمات التي تركت أثرها على الجميع كل من في المكان شعر بثقل معاناة أماليا، كأن الصدمة انتقلت إليهم جميعاً، تغمر قلوبهم بالقلق والأسى !!
..........
في بيت بسيط بمنطقة هادئة، حيث كانت الحياة تسير ببطء كأنها تمنحها فرصة للتفكير، وقفت بسمة أمام المرآة تتأمل نفسها الحجاب الذي طالما زين مظهرها ظل كما هو، لكنه أصبح الآن ينسدل على ملابس واسعة تخفي تفاصيل جسدها بالكامل لم يكن هذا التغيير مجرد تعديل في مظهرها، بل كان انعكاسًا لتحول أعمق...بداية جديدة لها مع نفسها ومع العالم
نظرت إلى وجهها، ذلك الوجه الذي عانى طويلاً من الخوف والخضوع سنوات من الانكسار تركت بصمتها عليه، لكن مع ذلك، كانت ترى ملامح جديدة بدأت تظهر صلابة لم تعرفها من قبل وهدوءًا يشبه السلام الذي طال انتظاره، هذا الاحتشام الذي اختارته لم يكن هروبًا أو محاولة لإخفاء نفسها، بل كان امتدادًا لاحترامها لذاتها، لإعادة بناء ما هدمه الخوف
الخوف... ذلك الشعور الذي عاش بداخلها كوحش لا يهدأ، كان هو السبب وراء سنوات من الانكسار أمام نادر، الذي أذلها وأطفأ روحها، كان هو السجان الذي منعها من أن ترفع رأسها أو تدافع عن نفسها، وهو ذاته الذي دفعها إلى خداع يزن والتظاهر أمامه بمشاعر لم تكن في البداية سوى كذبة فرضها الخوف
الخوف جعلها تخفي نفسها عن العالم، تعيش وكأنها ميتة في نظر الآخرين، سنوات ضاعت في صمتها، تختبئ خلف قناع من التقبل والخذلان، لم تكن قادرة على مواجهة الحياة فاختارت أن تظل غائبة، تراقب الزمن يمر دون أن تعيشه
لكن اليوم، الأمور تغيرت التحقت مؤخرًا بمستشفى كبيرة وبدأت تعمل وسط بيئة أعادت لها شيئًا من الثقة التي فقدتها شعرت بأن لها دورًا، بأن لحياتها معنى جديدًا بعيدًا عن نادر ويزن وظلال الماضي....العمل لم يكن مجرد وظيفة، بل كان فرصة لبناء ذاتها بعيدًا عن قيود الماضي
أمسكت طرف حجابها تعدل وضعه بخفة ثم نظرت في المرآة مرة أخرى، رأت انعكاسها بثبات لم تعهده
تنهدت بعمق، كأنها تحاول إخراج كل ما يثقل صدرها في زفرة واحدة جمعت أغراضها بخطوات ثابتة، ثم غادرت البيت البسيط الذي أصبحت تشاركه مع ضحى، قريبتها...
في المستشفى. هناك، بدأت تجد جزءًا من ذاتها المفقودة اندمجت في روتينها اليومي، ألقت السلام على كل من صادفته بابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي كانت تخفي وراءها طبقات من الحزن والإصرار، كأنها تعيد ترتيب نفسها مع كل تحية تتلقاها، تُعيد صياغة دورها في هذا العالم بخطوات صغيرة
ارتدت زي المستشفى الأبيض، وشدت معطفها على كتفيها بحركة مألوفة، كانت في طريقها لمباشرة مهامها، عندما توقفت فجأة، كأن العالم بأكمله تجمد من حولها، نظرت إلى الأمام، ووجدت نفسها وجهًا لوجه مع الماضي الذي حاولت الهروب منه انه "يزن"
تلاقى نظرهما كما تتلاقى الأرواح التي أثقلها عبء الماضي، دون صخب أو كلمات.... كان الصمت سيد اللحظة، لكن أعينهما تحدثت بلغة لا تُخطئها القلوب المثقلة، بينهما وقف مدير المستشفى ويدعى "توفيق"، يراقب الاثنان بتعجب قبل أن يقطع الصمت بسؤاله :
انتوا تعرفوا بعض؟
مرت لحظة من التردد كأن الزمن توقف فيها، قبل أن ينطق يزن بصوت مبحوح، كمن يسترجع ذكرى ثقيلة :
أيوه... بسمة تبقى مراتي!!!
لكن بسمة قالت وبصوت قاطع كأنه سيف يمزق أي خيط أمل :
وقريبًا طليقته!!!!
تلك الكلمة ضربت يزن في مقتل، كأنها سهم أصاب قلبه في أضعف نقطة وقف مشدوهًا، يتأملها، يحاول أن يجد تفسيرًا لهذا البرود القاسي في عينيها، نظراتها لم تكن مليئة بالغضب، بل بالألم والخذلان، لكن معهما كان هناك شيء آخر، شيء أشبه بالإصرار، كأنها تقول له بصمت "انتهى كل شيء"
شعر توفيق أنه غريب وسط هذه الحرب العاطفية الصامتة، فانسل من المكان بخطوات بطيئة
قبض يزن على يد بسمة فجأة، وكأنها طوق النجاة الأخير في بحر ذكرياته الغارقة، جذبها بقوة إلى أول غرفة صادفته، غير مكترث إن كانت مغلقة أم لا.....ولحسن حظه، كانت خالية
أغلقت الباب خلفهما، ثم جذبت يدها من قبضته، كانت نظرتها إليه هذه المرة مختلفة، لم تكن نظرة ضعف أو انكسار، بل كانت أشبه بنظرة ناجٍ يرى حطام سفينة خلفه دون أن يرغب في العودة، وقفت أمامه، قوية، ثابتة، عكس كل ذكرياته عنها أما هو، فبدا مكسورًا، هزيلًا، كأن الحياة نزعت منه كل ما كان يجعله صلبًا
تأملها يزن بصمت، وكأن عينيه تبحثان عن تلك المرأة التي عرفها يومًا، لكنه لم يجدها، هي الآن شخص آخر، شخص خلقه الألم والخذلان
كانت هناك رسالة واضحة في تلك النظرات، رسالة قرأها دون أن تحتاج للكلمات، قطع الصمت صوتها، حاسمًا، لا مجال للنقاش فيه :
طلقني!!!!
كانت الكلمة بمثابة إعلان نهائي، جرس يعلن نهاية الرحلة، لم تكن فقط تطلب منه إنهاء علاقتها به، بل كانت تقول له بوضوح إنها انتهت منه، انتهت من هذا الحب الذي صار عبئًا
كانت الكلمة كالسقوط الأخير، لم تكن مجرد طلب، بل كانت نهاية فصل، كانت إعلانًا أن الحب الذي جمعهما يومًا لم يعد له مكان هنا، شعر للحظة أن كل شيء بداخله ينهار، لكنه لم يعرف كيف يعيد ما انتهى كل ما استطاع فعله هو الصمت، صمت رجل يدرك أنه......خسر كل شيء!!!
تلاقت أعينهما وسط صمت عاصف، صمت حمل بين طياته كل الكلمات التي لم تُقال وكل المشاعر التي تراكمت لسنوات طويلة وقف يزن أمام بسمة كأنه يبحث في ملامحها عن شيء يعرفه، شيء يعيد إليه تلك المرأة التي أحبها يومًا، لكنه لم يجد سوى شخص مختلف، شخص أنهكته الأيام وأعاد تشكيله الألم
قطعت بسمة الصمت أخيرًا، بصوت هادئ لكنه كالسيف القاطع، حادٌ في وضوحه :
أنا وانت وصلنا لنقطة النهاية، بعد كل السنين دي، اكتشفت إن حبك بدل ما يريحني كان عبء عليا يا يزن، كنت فاكرة إن الحب أمان، لكنه معاك كان خوف، خوف من المواجهة، خوف من الحقيقة، وخوف من إنك تسيبني وما تصدقنيش وأنا... أكبر غلط ارتكبته كان إني خوفت أواجهك، وخوفت من نادر
توقفت لحظة، تنظر في عينيه وكأنها تريد أن توصل له كل ما عجزت عن قوله في الماضي ثم تابعت بصوت أشبه بالاعتراف الأخير :
أكبر غلط عملته في حياتي إني سمحت للخوف يسيطر عليا، لو كنت صدقت نفسي من الأول، كنت عرفت إن أي علاقة مفيهاش ثقة مصيرها الفشل وأنا وأنت... ما كانش بينا ثقة، عشان كده وصلنا للي احنا فيه
ظل يزن صامتًا، كأن الكلمات التي يسمعها تخترق أعماقه، لكنها تقيده، تمنعه من الرد أما هي، فكانت تتحدث كمن ينفض عن روحه عبئًا ثقيلًا ظل يحمله لسنوات :
الحقيقة يا يزن... إنك محبتنيش، ولا حتى حبيت همس, لو كنت حبيتني بصدق، عمرك ما كنت هتحب غيري، ولو كنت حبيت همس برده بصدق، مكنتش هتفكر فيا من تاني زي ما انا شايفة في عيونك دلوقتي، انت محبتش حد غير نفسك
شعرت بأن كلمتها الأخيرة أصابته، لكنها لم تتراجع بل رفعت رأسها بإصرار لتواجهه بما كانت تخفيه طويلًا :
أيوه، انت أناني، وأتمنى تعترف بده لنفسك، العيب مش إنك غلطت، العيب إنك مكمل زي ما انت، وأنا كمان غلطت، غلطت كتير، خوفي من نادر خلاني أخدعك، ونسيت إن ربنا فوق الكل وقادر على كل شيء.....ده ذنبي، وأنا مش بتهرب منه، بالعكس انا دلوقتي اتعلمت كتير وعمري ما هرجع زي ما كنت، انا عاوزة ارمي الماضي وافتح صفحة جديدة، ببسمة جديدة، بس مش عاوزاك تكون معايا لأنك خلاص....تعبت يا يزن
جلس يزن على أقرب مقعد، كأن قدميه لم تعد تقويان على حمله، لم يتكلم، لكن عيناه كانتا تقولان كل شيء، ألم، وندم
استجمعت بسمة أنفاسها، ثم تابعت بصوت منخفض، لكن كل كلمة كانت كجرس يُعلن النهاية :
أنا مش عارفة إذا كنت أنا السبب في حيرتك أو في اللي وصلتله دلوقتي، لكن انا بعتذر، بعتذر عن كل لحظة وجع اتسببت ليك فيها، وعن خداعي ليك
نظرت إليه للحظة، ثم تابعت، عيناها تحملان مزيجًا من الحزن والإصرار الذي لا يتزحزح :
مهما حاولنا، مستحيل نرجع زي ما كنا، لا أنا هنسى كلامك اللي وجعني، ولا انت هتنسى اللي انا عملته، فأفضل حاجة نقدر نعملها لنفسنا... إننا ننهيها بهدوء، أنا تعبت كتير في حياتي، ومعنديش استعداد أكمل اللي باقي منها في وجع وتعب....
كانت كلماتها ثقيلة كالصخر، لكنها واضحة، كأنها تضع نقطة النهاية في قصة استنزفت كل ما فيها، بقي يزن في مكانه، صامتًا، عاجزًا عن الرد، لكنه أدرك في تلك اللحظة أن ما بينهما انتهى وأن نظراتها الأخيرة كانت تحمل الحقيقة المؤلمة لم يعد في قلبها له مكان...ولن يعود أبدًا
اقترب يزن منها بخطوات ثقيلة، الصمت يلف المكان كأنه شاهد على وداع لن يُنسى نظر في عينيها للحظات، وكأن الكلمات تخونه أمام ما يشعر به، دون أن ينطق، مد ذراعيه واحتضنها بقوة، حضن كان يحمل كل ما لم يستطع قوله، حضن وداع عرف كلاهما أنه الأخير
لم تتردد بسمة، بل احتضنته هي الأخرى، بقوة لا تعبر عن ضعف بل عن وداع مُر، عن لحظة تُسدل فيها الستارة على قصة لم تعد تنتمي لهما
بعد لحظات، ابتعد يزن قليلاً، نظر إلى ملامحها كأنه يحفظها في ذاكرته للأبد، ثم لثم جبينها برقة، كان صوته مبحوحًا، يحمل كل الألم الذي يعجز قلبه عن تحمله، حين قال أخيرًا :
أنا آسف....انتي طالق يا بسمة!!
تراجعت بسمة خطوة إلى الوراء، ثم زفرت بعمق كأنها تطلق سراح سنوات من الألم والوجع، شعرت بثقل ينسحب من على صدرها، وكأنها أخيرًا تنفست بحرية
خرج يزن بخطوات بطيئة، كأن كل خطوة تمزقه أكثر، وما إن أغلق الباب خلفه، حتى خانتها دموعها....تركتها تسيل بلا مقاومة، دموع لم تكن على فراقه فقط، بل على سنوات من الحب والوجع والخوف، انتهت أخيرًا
بكت بسمة بحرقة، لكنها في أعماقها شعرت براحة غريبة، راحة منحتها يقينًا بأن هذا القرار، رغم ألمه، كان خلاصًا لها !!
........
خرج الطبيب أخيرًا من غرفة العمليات بعد ساعات طويلة من الانتظار، وجهه يحمل مزيجًا من الإرهاق والأسف، نظر للحضور بعينين مثقلتين وقال :
الإصابة خطيرة جدًا وقريبة من العمود الفقري، للأسف هو كمان دخل في غيبوبة، احنا عملنا كل اللي نقدر عليه، والباقي على ربنا.....ادعوله
كلماته كانت كالسيف، شقت الصمت لتترك وراءها وجعًا عميقًا لم تتحمل أماليا الصدمة، فانهار جسدها وانهارت معه قدرتها على المقاومة.....سقطت مغشيًا عليها، بينما عمار شعر وكأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميه، ترنح جسده وسقط جالسًا على مقعد خلفه، لم يكن يبكي بصوت عالي، لكن دموعه سالت صامتة، ثقيلة، رفع عينيه نحو أماليا الملقاة على الأرض، وإحساس بالمسؤولية نحوها تملك منه.....إنها تخص شقيقه.....سفيان دفع حياته ثمنًا لحمايتها !!
حمل علي شقيقته "أماليا" مسرعًا إلى غرفة الطوارئ، بينما بقي عمار في مكانه، عاجزًا عن استيعاب ما حدث، بدا وكأن الوقت قد توقف من حوله، عقله يتخبط بين مشاعر الصدمة والخوف، لكنه أفاق فجأة على صوت فريدة، التي انفجرت غاضبةً، توجه كلماتها إلى ميان كأنها سهام مسمومة، قائلة :
كله منك...انتي السبب، منك لله، كان فيها إيه لو سامحتيه، فضل يجري وراكي عشان بس ترضي عنه، لكن انتي عملتي ايه، بكل برود اتجوزتي غيره وعيشتي حياتك وسبتيه ضايع عايش غي وجع وهم
لم تستطع ميان أن تتحمل تلك الاتهامات الظالمة، فقاطعتها قائلة بصوتٍ مرتفعٍ مليء الغضب، لتواجهها بحقيقتها :
اسكتي بقى، انتي إيه يا فريدة، مش بتتعلمي، حفيدك اتعلم، وانتي لسه، اللي سفيان فيه ده بسبب عمايله، محسساني إني أنا اللي قتلت ابني بإيدي، وان أنا اللي ضربت نفسي لحد ما كنت بين الحيا والموت، سفيان هو اللي وصل الحال بينا لكده، خليكي حقانية، بدل ما تدعيله إنه يقوم بالسلامة، جاية تفتري وتدوسي عليا أكتر....... اتقي الله !!!
نظرت فريدة إليها بغل، وقالت بحدة :
انتي لعنة....لعنة في حياة حفيدي
اشتعلت عينا ميان بالغضب، وصاحت بصوتٍ حادٍ :
مفيش لعنة غيرك انتي....انتي اللي شيطانة وأنانية، مش شايفة غير نفسك وأحفادك، ولأخر مرة يا فريدة بحذرك انك تتكلمي معايا بالأسلوب ده، ولو كنت سكت زمان فدلوقتي لأ، الزمي حدودك معايا
لم تتحمل فريدة هذا الرد، فتقدمت نحو ميان بغضبٍ عارم، ثم رفعت يدها لتصفعها وهي تصرخ عليها بغل :
اخرسي، محدش هنا أناني غيرك، انتي اللي سبتيه وروحتي لغيره، عمرك ما حبيتيه!!!!
لكن قبل أن ترفع يدها على ميان، تدخل فارس بخطوة سريعة، جذب ميان لتقف خلفه، ثم أمسك يد فريدة بقبضة قوية، وواجهها بنظرةٍ ملأها الغضب والهيبة، قائلاً بصوتٍ حازم، يحمل نبرة صارمة أرعبت فريدة وأجبرتها على التراجع :
أنا ساكتلك لحد دلوقتي وبعدي، لكن تتجرئي وترفعي إيدك على مراتي، لا، هنا بقى مفيش سكوت، مش هعمل اعتبار حتى لابنك اللي جوه ده، الزمي حدودك يا فريدة، وافهمي كويس إن مراتي خط أحمر، وإن كان زمان حفيدك سمحلك تقللي منها، فأنا بقولك دلوقتي لا، وألف لا واللسان مش بس الايد، اللسان اللي يترفع على مراتي ولو بكلمة ما تعجبنيش، أقطعه....فهمتي !!
بعد ساعات طويلة من الصمت، استفاقت أماليا، أنفاسها مضطربة وعيناها تبحثان عن الأمان وسط الفوضى التي اجتاحتها تذكرت كُل شيء فجأة، كسيلٍ اجتاح ذاكرتها دون رحمة لم تنتظر لحظة أخرى، بل دفعت جسدها المثقل بالضعف وركضت خارج الغرفة، قلبها يتخبط بين ضلوعها كطائر جريح، ولكن خطواتها توقفت فجأة عندما وجدت عمار، شقيق سفيان، يقف أمامها بوجه متماسك يخفي خلفه حزنًا جارفًا، تنهد ثم قال لها بصوت متزن يحمل في طياته رجفة خفية :
سفيان هيكون كويس...عدى بأصعب من كده ووقف على رجليه. هو قوي ، بس دلوقتي دورنا إحنا نكون أقوى عشانه
توقف للحظة كأن كلماته تخونه، ثم تابع، وصوته يزداد وهنًا :
يمكن سفيان يبان صعب....قاسي حتى، بس من جواه...فيه خير كتير،هو مش وحش زي ما ناس كتير شايفاه، بس هو كان ضحية....ضحية وجع أمي....امي اللي كسرتنا، انا مش عارف انتي تعرفي حاجة عن الموضوع ده ولا لأ، بس الست دي سببت لينا جروح.....جروح ما اداوتش لحد دلوقتي، وعاوز أقولك حاجة كمان الصدمات تأثيرها على الناس مش زي بعض، أنا قدرت أكمل، لكن هو لسه بيحاول.....لسه بيحارب نفسه كل يوم عشان يكون أفضل
رفعت عينيها الممتلئتين بالدموع وسألته بصوت مختنق :
هيبقى كويس...قولي إنه هيبقى كويس!!!!
تنهد بعمق ثم رد عليها :
إن شاء الله هيبقى كويس، بس هو محتاجنا....محتاج نكون معاه، مش ضده، محتاج إحنا اللي نشده، ونصدق إنه بيتغير، مفيش حد بيتغير لوحده
أومأت له مرات عديدة، وكأنها تستمد القوة من كلماته، ثم قالت بلهفة :
والله مش هسيبه تاني مهما حصل.....بس يقوم بالسلامة
ابتسم لها عمار ثم غادر، لكنها بقيت في مكانها، نظرتها متعلقة بالأرض، حيث كانت تشعر أن العالم كله ينهار من تحت قدميهاؤ التفتت إلى والدتها وإخوتها، وقالت بصوت خافت يحمل ثقلًا لا يُحتمل :
سيبوني لوحدي....لو سمحتوا !!!
رغم ترددهم، غادر الجميع، وتركوها تُصارع أفكارها. جلست على السرير للحظات، لكنها سرعان ما دفعت نفسها للنهوض، توضأت ببطء وكأن كل حركة هي جهاد مع ضعف جسدها طلبت من الممرضة ملابس للصلاة، ووقفت في الزاوية، تصلي وتبكي، كأنها تفرغ كل ما في قلبها من رجاء بين يدي الله
بعد ساعات بدت كأنها دهور، خرجت من غرفتها كأنها تحمل على كتفيها ثقل الزمن كله. نظراتها كانت زائغة، وكلماتها المرتبكة تخرج كأنها آخر رجاء، تتوسل للطبيب أن يسمح لها بالدخول، حاول أن يثنيها، ولكن أمام إصرارها....سمح لها
خطواتها داخل الغرفة كانت واهنة، تكاد لا تسمع لها صوتًا، كأنها تخشى أن تعبث بسكون اللحظة. الهواء كان ثقيلًا برائحة المعقمات وصفير الأجهزة، والضوء الخافت يزيد من ألم قلبها، تقدمت نحو السرير ببطء، وعندما وقعت عيناها على ملامحه الشاحبة، وكأن الحياة انسحبت منه ببطء، شعرت بشيء عميق ينهار بداخلها، إحساس حاد، كأنه شظايا زجاج مزقت روحها، جعل دموعها تتفجر بلا توقف!!!!
وقفت هناك، عاجزة عن لمس يده، وكأنها تخشى أن تكون لمستها هي السكين الذي يقطع الخيط الأخير الذي يربطه بالحياة، جلست بجواره، أمسكت بيده الباردة وضغطت عليها برفق، ثم همست بصوت يفيض بالألم :
هو ده وعدك، عاوز تسيبني من غير ما توفي بكل كلامك ليا، قوم.....بالله عليك قوم، بلاش تقهر قلبي كده، والله اي وجع ممكن أعيشه على إيدك أهون بكتير من وجع خسارتك، قوم، لو بتحبني.....متسبنيش لوحدي
تدفقت دموعها على وجنتيها، لكنها لم تتوقف وتابعت بقهر :
أنا ظلمتك لما فكرت إن الفرصة لعلاقتنا كتير عليك، كنت فاكرة إني بحمي نفسي منك، بس الحقيقة أنا كنت بظلمنا إحنا الاتنين، كنت عاوزاك تبعد عني علشان أهرب من ضعفي، بس والله مكنش قصدي تبعد خالص....مكنش قصدي تسيبني لوحدي في الدنيا دي....غيابك كسرني يا سفيان، انا خايفة اوي
شهقت من البكاء، ثم قالت بصوتٍ يتهاوى تحت وطأة ألم لا يُحتمل:
أنا مكنتش اعرف يعني إيه حب، ولا كنت فاكرة إني لما هحب هتوجع كده، ولا كنت متخيلة إني ممكن أعيش كل ده، بس لو رجع بيا الزمن، هختار أحبك برده، أنا مش عاوزة غيرك، يا سفيان.....قوم، عشان خاطري، أنا مش هسيبك تاني، وهفضل جنبك، وهنعدي كل ده سوا.....بس انت قوم
دفنت وجهها في كفه، ودموعها تغمره كأنها سيل جارِف همساتها كانت كالرصاص، تنطق بألم لا يُحتمل، وكأن كل كلمة تخرج منها تقطع قلبها :
ياريتني أنا اللي حصل فيا كده.....ولا اني أشوفك في الحالة دي.....بسببي
لم تكن تتوقع شيئًا، لكن فجأة شعرت بتشنج خفيف في يده. رفعت رأسها بذهول، وعيناها تبحثان بلهفة عن أي إشراقة للحياة...وفي لحظة صمت ثقيلة، سمعته يهمس بصوت خافت، مثقل بالتعب :
بعيد الشر عنك....
كأنما العالم توقف لثوانٍ، ثم عاد ينبض بالحياة من جديد، كما لو أن الوقت نفسه عاد ليتنفس من جديد!!!!!
.......
بعد وقت طويل من الترقب الممزوج بالخوف، خرج الطبيب أخيرًا، ارتفعت الأنظار نحوه بلهفة وقلق ينهش القلوب، لكنه ابتسم بهدوء وطمأنهم قائلاً بصوت ثابت :
الحمد لله، المريض استعاد وعيه وحالته مستقرة دلوقتي، الإصابات كانت خطيرة، بس التدخل الطبي المبكر ساعد في تقليل المضاعفات، هيفضل في المستشفى كام يوم تحت الملاحظة، عشان نتأكد ان مفيش مشاكل تانية، لكن الوضع بشكل عام أحسن من المتوقع
ارتاحت الأنفاس المكبوتة، وزفرت الصدور المتعبة، وعمت القاعة لحظة من الهدوء المشوب بالأمل، لكن أماليا لم تنتظر حتى تكتمل الكلمات، بل ركضت مباشرة إلى الغرفة، متجاوزة الجميع دون أن تلتفت إليهم، كأن شيئًا في داخلها كان يقودها بقوة نحو سفيان
دخلت الغرفة بخطوات متسارعة، وإذا بعينيها تقعان عليه، مستلقيًا على السرير، ووجهه الشاحب يعكس تعب ما خاضه الساعات الماضية
ابتسم لها سفيان، ابتسامة ضعيفة لكنها مليئة بالحب، وكأنها رسالة طمأنة من قلبه رغم وهنه، لم تستطع أماليا كبح دموعها التي انهمرت دون توقف، لكنها ابتسمت بسعادة غامرة، واقتربت منه بخطوات خفيفة، لتسمعه يقول بصوت خافت، متقطع :
انتي كويسة... مش كده؟
حركت رأسها وهي ترد عليه بصوت مختنق :
المهم انت....المهم انت تكون بخير
صمتت للحظة، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تخفض عينيها إلى الأرض، كأنها تخشى النظر إليه، ثم قالت بصوت منخفض، مليء بالندم :
أنا آسفة...
ابتسم لها سفيان رغم التعب الذي يكسو ملامحه، ورفع يده المرتجفة نحوها بإشارة خافتة يدعوها أن تقترب، لم تتردد بل اقتربت منه أكثر وجلست بجانبه على السرير
أمسكت يده بحزن، أناملها ترتجف بين أنامله الضعيفة، وعيناها تمتلئان بالدموع التي لا تستطع السيطرة عليها ظلت تحدق فيه، تبحث عن أي طمأنينة في ملامحه الشاحبة
ابتسم لها سفيان مرة أخرى، ابتسامة صغيرة لكنها مليئة بالحب، ونطق بصوت متعب لكنه عميق كأنه يسكب قلبه في كلماته :
فداكي عمري كله
تجمدت للحظة، كأن كلماته ضربت أعمق نقطة في روحها، ارتعشت شفتاها وهي تحاول أن ترد، لكن دموعها سبقتها، ضغطت على يده قليلاً وقالت بصوت مختنق :
أنا السبب في اللي أنت فيه، غلطت لما ركبت مع اللي اسمه عصام ده من البداية، كنت خايفة، ومع ذلك ركبت معاه.....سامحني انا غلطت!!!
ظلت تمسك بيده، تشعر بضعفها في مواجهة نظراته، بينما هو ما زال يبتسم بهدوء، وكأنه يريد أن ينزع عنها هذا الحمل الثقيل، فردد بصوت هادئ لكنه مليء بالحب والصدق :
أنا مستعد أفديكي بروحي، ماتفكريش في اي حاجة، الاهم دلوقتي انك هنا وفي امان
ارتجفت شفتاها وهي تحاول أن تنطق، لكن الكلمات أبت أن تخرج بسهولة، وكأنها تخشى مواجهة ثقل الحقيقة، ضغطت على يده برفق، وكأنها تتشبث بها كملاذ أخير، ثم رفعت عينيها إليه، صوتها كان مرتعشًا، مزيجًا من الندم والحيرة :
سامحني....سامحني على بُعدي عنك الفترة اللي فاتت، كنت مجروحة...كنت خايفة ومتلخبطة، كل حاجة جوايا كانت بتقولي إنك ما تستاهلش فرصة تانية، وإن حتى مشاعرك ناحيتي ممكن تكون مجرد وهم او خدعة....كنت شاكة في كل حاجة.....حتى في إحساسي!!!!!
صمتت للحظات، كأنها تحاول أن ترتب الأفكار المتشابكة في عقلها، ثم تابعت بصوت أضعف لكنه مليء بالتردد :
أنا مش عارفة....مش عارفة إذا اللي بعمله ده صح ولا غلط، خايفة أقرب منك وأندم.....وخايفة أبعد وأندم أكتر
تسارعت أنفاسها، وارتعشت يدها بين يده، قبل أن ترفع عينيها إليه مجددًا، كانت نظرتها تحمل كل الاضطراب الذي يعصف بها، لكنها أنهت كلماتها بصدق يمزق جدران الخوف :
بس...وسط كل الحيرة دي، جوايا حاجة بتقولي إني مش عاوزاك تبعد عني، وإن قلبي مش هيتحمل فراقك
ثم تابعت وعينيها مليئة بالرجاء، وقالت بصوت مرتجف :
ماتخلينيش في يوم أندم...ده طلبي الوحيد منك يا سفيان !!!
ابتسم سفيان ابتسامة مليئة بالحزن والحب في ذات الوقت، ورفع يده المرتجفة ليضعها على يدها، عينيه تحملان بحرًا من المشاعر لا يستطيع اللسان التعبير عنه، كأنهما تروي كل ما عجز عن قوله
تنهد بعمق، ثم نطق بصوت متعب، لكنه كان مشبعًا بقوة تنبع من قلبه :
انا مش عاوز الحادثة اللي حصلت دي تأثر على قرارك، اعتبري إن مفيش حاجة حصلت، أنا مش عاوز أضغط عليكي أو أجبرك على أي شيء، أهم حاجة عندي دلوقتي إنك تشوفي إنتي عاوزة إيه، وتاخدي قرار انتي متطمنة ومرتاحة ليه
ثم صمت لحظات، يأخذ نفسه من التعب، قبل أن يتابع بصوت مليء بالصدق :
مهما كانت مشاعرك، مهما كان القرار اللي هتاخديه، أنا هحترمه لو قررتي تقتربي اوعدك انك هتكوني أسعد واحدة في الدنيا، وهعمل كل اللي اقدر عليه عشان تكوني متطمنة معايا، وهعمل كل حاجة عشانك، عشان حياتنا تكون زي ما أنتي عاوزة، ولو لسه مش متأكدة، هفضل جنبك برده، وهحبك أكتر وأكتر، المهم بالنسبة ليا إنك تكوني مبسوطة، وكل خطوة هتخديها في حياتك أنا هكون فيها جنبك وهساعدك مهما كان......
ثم تابع بحب :
المهم انك تكوني سعيدة
صمتت أماليا للحظات، تتأمل كلماته، عيونها مليئة بالتردد والحيرة، لاحظ سفيان توترها، فابتسم بخفة، ورفع يده المرتجفة ليضعها على يدها بلطف، وقال بصوت هادئ، لكنه مليء بالحب :
بلاش دلوقتي، الحادثة ممكن تأثر على قرارك، فكري بهدوء، لما تحسي إنك أخدتي القرار الصح، هتلاقيني دايماً مستنيكي
أومأت له برأسها بامتنان، وعيناها مليئة بالتأمل، لا تصدق أن الشخص الذي أمامها هو ذاته من كان يُتهم بالوحشية، لم تكن قد اكتشفت بعد تفاصيل علاقته بوالدته وما حدث منها، لكنها كانت تشعر بصدق مشاعره، كان قلبها ينبض بطمأنينة تجاهه، ورغم ذلك، كانت لا تزال في حيرة من أمرها، القرار الذي ستتخذه اليوم سيحدد مصيرها، ومصيره، ومصير علاقتهما معًا....من الضروري أن تأخذ وقتها للتفكير، وأن تتأكد تمامًا من اختيارها قبل أن تتخذ خطوة قد تغير كل شيء !!
اطمأن الجميع على حالة سفيان، وكان أول من بادر إلى ذلك عمار، الذي لم يتمالك نفسه أمام مشهد شقيقه الملقى على السرير، فاقترب منه بحنان ممزوج بالندم، وأخذ يلثم جبينه، معاتبًا نفسه على تقصيره الفادح في حقه طوال الفترة الماضية، أما فريدة، فكانت تقف بجانب حفيدها، دموعها تنهمر دون توقف، وهي تراقب ميان وفارس بنظرات ملتهبة، عيونها مشبعة بالغضب والحقد
رغم امتنان والدة أماليا الكبير لتضحيات سفيان، إلا أن قلبها لم يعرف الراحة تجاهه، كيف لرجل يحمل ماضٍ مثقل بالأخطاء أن يكون شريكًا لابنتها، التي لا تزال في بداية حياتها وتستحق الأفضل، ترى ان ابنتها جديرة برجلٍ ناصع السيرة، يمنحها الأمان والاستقرار، أما إخوتها، فقد أبدوا شكرًا شكليًا، لكن عيونهم عكست حقيقة مشاعرهم، اعتقادهم أن ما فعله سفيان، مهما كان، لن يُغير مكانته في نظرهم ولن يجعل منه الخيار المناسب لشقيقتهم
أما سفيان، فاكتفى بتحريك رأسه بصمت، وهو يعتمل بداخله غضب مكتوم تجاه والدة أماليا التي لم يغفر لها بعد كشفها لماضيه بهذه الطريقة المهينة وعلى مضض، غادرت أماليا مع والدتها، التي أصرت بعناد على رفض بقاء ابنتها معه في المستشفى، لكن سفيان، الذي لاحظ التوتر الحاد بينهما، أشار لها بنظرة خفية، مشجعًا إياها على الرحيل ثم قال للجميع بهدوء :
انا كويس وهنام وارتاح، ملوش لزوم تفضلوا هنا
غادرت أماليا مكرهة، لكنها وعدت نفسها بالعودة في الصباح، فيما تبعها الجميع واحدًا تلو الآخر بعدما اطمأنوا عليه، تبقى في الغرفة فقط فريدة، وعمار، وقصي، وفارس، وميان التي قالت بهدوء لسفيان :
ألف سلامة عليك يا سفيان
أومأ لها سفيان برأسه بصمت، ولم يُظهر سوى نظرة ممتنة، مدركًا لمشاعر فارس، الذي اكتفى هو الآخر برد مقتضب :
ألف سلامة عليك
........
بعدما وصل ميان وفارس إلى المنزل، جلست بصمت على الفراش، وكأنها تحاول لملمة شتات يومها، دقائق مرت قبل أن يأتي فارس ويجلس بجانبها، يسألها برفق :
سرحانة في إيه يا حبيبتي؟
رفعت ميان رأسها ونظرت إليه، لم تحتاج إلى التفكير، فقد كان فارس دائمًا توأم روحها، ذلك الشخص الذي تلجأ إليه بكل ثقة لتكشف عن أعمق أفكارها، بدأت تتحدث وكأنها تخاطب نفسها، وهي واثقة أنه سيفهمها دون عناء:
في سفيان... اللي حصل انهارده كان صعب أوي، أماليا صعبانة عليا....وسفيان كمان، يمكن تستغرب كلامي دلوقتي، بس سفيان من جواه فعلاً كويس، بس أقولك على حاجة....
أومأ لها فارس بصمت، مستعدًا لسماع ما تبقى، فتابعت بحزن وهي تشرد بعيدًا :
أنا للحظة حسيت بزعل لما افتكرت إني كنت في موقف مشابه....وهو مكنش معايا زي ما كان معاها، لما زاهر خطفني واتحبست ومكنش واقف جنبي ولا اهتم حتى يسأل عني، زعلي والله مش حب ولا غيرة، بس كشعور......هل أنا ما استاهلش!!!
صمت فارس، وهو يعرف جيدًا أن مهما حدث سيظل الماضي يثقل على قلبها، ويعلم أن الحمل زاد من حساسيتها وتخبطها، لذا وبدون حديث، جذبها إليه يحتضنها بحنان وكأن صدره مكانها الآمن الوحيد، فهمست له ميان بصوت متعب :
أنا تعبت أوي انهارده يا فارس...!!
ثم غفت بين ذراعيه، وغفا هو الآخر، وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتخرج كل ما يثقل قلبها دفعة واحدة، بعد يومٍ طويل من التوتر والذكريات المؤلمة، وجدت في حضنه ملاذًا أخيرًا، وكأن التعب الذي كبلها قد انساب معها في تلك الراحة الصامتة، تاركًا قلبها أخف، وعقلها أكثر هدوءًا
.......
مرت الأيام واستطاع سفيان مغادرة المستشفى دون أن تترك إصابته أثرًا على حركته، كما اخبرهم الأطباء مسبقا خلال تلك الفترة، لم تتوانَ أماليا عن زيارته باستمرار، متجاهلة اعتراض والدتها وغضبها، وهو الأمر الذي كان مصدرًا لسعادة سفيان الغامرة، لا سيما حين وافقت أخيرًا على منح علاقتهما فرصة
مر شهر تقريبًا، وفي صباح يوم جديد، عقدت أماليا العزم على مواجهة والدها بكل ما حدث اتجهت إلى شركته دون إخبار والدتها، استقبلها والدها "هاشم السباعي" بابتسامته المعتادة التي تشيع طمأنينة في النفس، لكنها هذه المرة لم تستطع أن تشعر بها، إذ أثقل صدرها ما ستقوله !!
أخذت نفسًا عميقًا، ثم سردت كل ما حدث خلال الفترة الماضية وما إن انتهت، حتى نظر إليها والدها بعينين تنطقان بالعتاب، وقال بهدوء :
وأخيرًا قررتوا تعترفوا بوجودي؟ وتقولولي إيه اللي بيحصل في حياة بنتي؟
خفضت أماليا رأسها بخجلٍ واضح، بينما تابع والدها بنبرة يملؤها التأنيب :
انا كنت عارف كل حاجة من الأول، راقبت من بعيد واستنيت حد فيكم يجي يحكيلي.....لكن ده ماحصلش
ردت عليه أماليا بتبرير :
حضرتك كنت مسافر
أجابها بسخرية لاذعة :
ورجعت.....وكمان، في حاجة اسمها تليفون لو تعرفوا عنه
لم تجد ما ترد به، فظلت صامتةً تحت وطأة الحرج، فتابع والدها بنفس النبرة :
وجايالي هنا بدل والدتك، عشان عارفة إنها رافضة الموضوع ده من أساسه، قولتي لنفسك أروح أصارح بابا، يمكن يوقف جنبي
انسابت دموعها خلسةً وهي تتلقى كلماته كطعنات، لكن والدها لم يتراجع، بل قال بحسم :
لكن المرة دي، أنا مش معاكي في اللي عايزاه
رفعت رأسها تنظر إليه بصدمة، ثم قالت برجاء :
ليه يا بابا....سفيان كويس هو بس
قاطعها قائلاً بحدة :
مفيش بس ده سمعته سبقاه، كان متجوز قبلك مرتين، ومراته التانية اتهمته إنه اتهجم عليها ليلة فرحهم، مراته التانية هي نفسها مراة فارس دلوقتي، والأولى خانته، وسيرته كانت على كل لسان.....ده غير ماضي أمه اللي كل الناس بتتكلم عنه
ثم تابع بصرامة :
الأحسن نبعد عن العيلة دي كلها، وبعدين من قلة الرجالة روحتي تختاري ده ؟
ردت عليه أماليا بصدق:
ـحبيته يا بابا، بتلوموني عشان اختارته من كل الناس، و متمسكة بيه، زي ما حضرتك عملت زمان مع ماما واتمسكت بيها
نظر إليها والدها فقالت بحزن :
مش حضرتك حكيت بنفسك إنك اتحديت الكل عشان تتجوز ماما رغم إنها كانت مطلقة، وقولت إنك ما اهتمتش بماضيها وإنك حبيتها وشفت إنها تستاهل فرصة، أنا كمان حبيت سفيان، وقلبي مصدق إنه اتغير ولسه هيتغير كمان للأحسن
رد عليها والدها بحزم :
كل دي احتمالات، ومفيش حاجة أكيدة
تنهدت أماليا ثم أجابته بإصرار :
حتى حضرتك لما ارتبطت بماما، كانت احتمالات، ومفيش شيء أكيد إن حياتكم هتنجح
ثم نظرت إليه برجاء وقالت :
أنا واثقة إنه اتغير، وحتى لو ما اتغيرش بالكامل، يكفي إنه بيحاول، ما ينفعش كلنا نتخلى عنه، سفيان محتاج انه يشوف اننا كلنا مصدقين تغيره ولو ده حصل هنشوف احسن ما فيه مع الوقت
لم يرد والدها، واكتفى بإشاحة وجهه عنهاؤ لكنها تابعت بلهجة رجاء :
أنا كبيرة كفاية يا بابا، واعرف ازاي أفرق بين الصح والغلط ليا، سيبني أقرر لوحدي، ولو غلطت هتعلم....محدش بيتعلم ببلاش.....بس أرجوك، اقعد معاه وشوفه بنفسك واسمعه
صمت والدها طويلًا قبل أن يقول باقتضاب :
خليه يجيلي هنا بكرة الساعة عشرة الصبح
تهللت ملامحها بسعادةٍ غامرة، فاندفعت تعانقه بامتنان، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لم تستطع أن تراها !!
........
جلس سفيان مع والد أماليا في اليوم التالي، وكان الجو مشحونًا بالتوتر، نظر سفيان إلى وجه والدها، الذي بدت على ملامحه جدية عميقة، وكأن الكلمات التي سيقولها ستحمل الكثير من الثقل وقبل أن يفتح سفيان فمه ليبدأ الحديث، سبقه والد أماليا، الذي نظر إليه وسأله :
بتحب بنتي؟
رد عليه سفيان فورًا، دون أدنى تردد أو شك :
بحبها طبعًا
نظر والد أماليا إلى عينيه لبرهة، ثم سألخ بصوت عميق، وكأنه يريد أن يتأكد من صدق ما يسمع :
وهل مستعد تعمل أي حاجة هطلبها منك عشان اسلمك بنتي وانا مرتاح
أومأ له سفيان برأسه بجدية، وعيناه مليئتان بالثقة، قائلاً بلا تردد :
مستعد أعمل أي حاجة، المهم تكون اماليا مبسوطة، ده الأهم بالنسبة ليا
تنهد والد أماليا قليلاً، ثم نظر إلى سفيان وقال بضيق :
شوف انا مش عاوز اظلمك واكون قاسي في حكمي عليك، انا عارف ان كل شخص يستحق فرصة تانية في الحياة ويا يستغلها صح يا يستغلها غلط وانا مش عاوز لو دي تكون موجودة، ومش عاوز اسلمك بنتي وانا عندي أحتمال واحد في المية انك هتأذيها
أخذ سفيان نفسًا عميقًا، ثم قال بثبات :
أنا عارف إن الماضي بتاعي ميشجعش حد إنه يثق فيا، وعارف إن أماليا تستحق حد أحسن مني،بس أنا بحبها بجد وهي تستحق إني أحاول أكون الشخص اللي يناسبها، الماضي خلاص انتهى، وميش بإيدي أغيره، بس المستقبل لسه قدامي وكل لحظة جاية هعمل فيها كل اللي أقدر عليه عشان أستحقها، وعشان ميجيش يوم تندم على قرارها
توقّف للحظة، ثم تابع بصوت مليء بالثقة :
كل اللي تطلبه مني وأي حاجة تشوف إنها هتطمنك على بنتك معايا، أنا موافق عليها ومن غير حتى ما أعرفها
صمت المكان للحظات ثقيلة، كان والد أماليا يحدق فيه بصمت، يتأمل ملامحه التي عكست صدقًا وإصرارًا واضحين. لم يكن القرار سهلًا، لكنه شعر بأن هذا الشاب يستحق فرصة
وأخيرًا، قال بعد صمت دام دقائق طويلة :
خطوبة سنتين
نظر سفيان إلى والد أماليا بعيون مليئة بالإصرار وقال رغم ضيقه من طول المدة :
موافق، وأنا هعتبرها فرصة أثبت لحضرتك إنك كنت على حق لما فكرت تديني الثقة، وهثبت ليها كمان إنها اختارت صح
تنهد والد أماليا بعمق وقال :
شوف يا سفيان، الكلام سهل، لكن الفعل هو اللي بيأكد السنتين دول مش مجرد وقت، هما اختبار أنا مش عاوز أشوف حاجة غير إنك فعلاً قادر تتحمل المسؤولية وتديها الحياة اللي تستاهلها لو شوفت حاجة واحدة بس تخوفني، الموضوع اعتبره أنتهى مفهوم
حرك سفيان رأسه بإيجابية، وقال بنبرة واثقة :
حقك تطلب ده، وواجبي أثبت لحضرتك إن أماليا هتكون في أمان معايا، وصدقني انا بجد بحبها من قلبي واي حاجة هعملها عشانها وبس والأهم من ده كله انها تكون مبسوطة
ابتسم والد أماليا بخفة وقال:
طيب يا سفيان، يبقى كده الخطوبة هتكون سنتين ولو كنت فعلاً الشخص اللي أماليا شافت فيك، مش هتلاقي مني أي اعتراض بالعكس هتكون ابني زيها ويمكن اكتر
نهض سفيان واقفًا ومد يده إلى والد أماليا قائلاً :
وعد مني، مش هخيب ظنك ولا ظنها، شكرا إنك اديتني الفرصة دي
صافحه والد أماليا بهدوء، لكنه شعر بشيء عميق يتسلل إلى قلبه كان في عيني سفيان صدق لا يمكن إنكاره، وكأنهما تعاهدتا معه دون كلمات رأى فيه إصرارًا لا يلين، وثقة لا تعرف التردد، وكأن هذا الشاب أمامه مستعد أن يحارب العالم بأسره ليكون جديرًا بأماليا
في تلك اللحظة، لم يرى فيه فقط عاشقًا، بل رجلاً يحمل ثقل المسؤولية على عاتقه شعر بتمسكه الصادق ببنته، ليس طمعًا في الفوز بها، بل إيمانًا بأنه يمكنه أن يكون الشخص الذي تستحقه، كان كمن يقول بصمته "أماليا أمانة لن أخونها، وأمل لن أضيعه" ورغم الحذر الذي ظل يحيط بقلبه كأب، وجد نفسه يضع بداية صغيرة من الثقة، وكأن حرارة يد سفيان تنقل له وعدًا صادقًا، وعدًا لم يُنطق بالكلمات، لكنه كان حاضرًا في كل نظرة وإيماءة
.........
ما إن علمت والدة أماليا بما حدث حتى ثارت ثورة عارمة، رافضةً الأمر بشدة، ومعلنةً معارضتها دون تردد. لكن حينما كُشفت لها تفاصيل فترة الخطوبة الطويلة التي ستسبق الزواج، هدأت ثورتها شيئًا فشيئًا. وبفضل إصرار زوجها وحكمته في شرح أبعاد الموضوع، بدأت تتقبل الأمر على مضض، مستسلمةً في نهاية المطاف لإرادة ابنتها. وكذلك كان الحال مع أشقاء أماليا، الذين قبلوا الوضع بعد جدلٍ طويل، وإن كان قبولهم يحمل ظلالًا من التحفظ.
مرت الأشهر على الجميع بهدوء، حيث استقرت حياتهم بشكل ملحوظ. وجاءت لحظة إعلان خطوبة أماليا وسفيان، مناسبة حضرتها الأسرة كاملة دون استثناء. بدا على الجميع الفرح، حتى أولئك الذين حملوا في قلوبهم ذكريات مريرة عن أفعال سفيان السابقة لم يستطيعوا أن يمنعوا أنفسهم من المشاركة في الاحتفاء ومع ذلك، ظلَّت قلةٌ قليلة منهم تراقب الموقف بحذرٍ وصمت
في الوقت ذاته، أنجبت لينا طفلتها الأولى، التي أسمتها "ميان". كان الخبر بمثابة شعلة أضاءت سماء العائلة، إذ أضفى فرحًا وسعادةً على الجميع، عدا فريدة التي أُشعلت في قلبها نيران الحقد والغضب، وكأن الاسم وحده قد أثار شيئًا دفينًا في صدرها. على النقيض، رحبت ميان بالخبر بحبورٍ كبير، خاصة حينما وجدت في عمار دعمًا صادقًا لا يتزعزع كان عمار أكثر من سعيد بالمولودة الجديدة، بل بدا كأنه يعيش لحظة خاصة تفوق سعادة الأم نفسها
يوم ولادة الطفلة، كان لعمار كلمات عميقة همس بها إلى ميان، تحمل بين طياتها حبًا أخويًا صادقًا :
دي أقل حاجة أقدمها ليكي يا ميان، بفضلك أنا وقفت على رجلي من تاني، ولولاكي كان زماني خسرت كل حاجة، لينا، ونفسي، والناس كلها، فضلك عليا كبير اوي
ومع مرور الوقت، بدأت ميان ولينا تتأقلمان مع حياة الأمومة، وسط دهشة كارم وفارس، اللذين كادا يُجنان من تقلبات الوحم والهرمونات مشاعر متضاربة وأحداث متسارعة، لكن وسط كل ذلك، بقيت السعادة الحقيقية تخترق كل العوائق، معلنةً عن بداية فصل جديد من حياة العائلة
.........
ذات ليلة هادئة، حين ألقى الليل ظلاله الثقيلة على أرجاء المكان، كانت ميان تجلس على الفراش بجانب فارس، بدت مضطربة، لا تكف عن الحركة في مكانها، حاولت أن تتجاهل هذا الإحساس الغريب الذي يعصف بها، لكن شيئًا أقوى منها كان يدفعها نحو فارس
بنظرات مترددة، ألقت عينها عليه، كان يجلس بجانبها يعبث بهاتفه، لم تستطع كبح رغبتها أكثر من ذلك، فاقتربت منه بهدوء، وبدأت تشتم رائحته بنهم !!!
انتفض فارس فجأة من مكانه، ينظر إليها بدهشة علت وجهه، وقال بصوت يحمل بين طياته مزيجًا من الاستغراب والمرح :
بتعملي ايه يا ميان ؟
لم ترفع ميان رأسها، بل واصلت ما تفعل وكأنها مسحورة، تهمهم بارتياح يكاد يكون طفوليًا، فتزايدت دهشة فارس وهو يراقبها غير مصدق، حاول أن يدفعها برفق، لكن ضحكة خافتة أفلتت من شفتيه حين قال بمرح :
اه الحكاية يا ميان هانم ؟
توقفت ميان فجأة، ووجهها اكتسى بحمرة الخجل. نظرت إلى الأرض محاولة أن تتجنب عينيه وهي تتمتم بصوت خافت :
أنا... أنا... أنا بتوحم على ريحتك!!!!!!!
تفاجأ فارس بردها، لكن سرعان ما انفجر ضاحكًا بصوت عالٍ، لم يكن قادرًا على التوقف، فكلما حاول أن يهدأ كانت ضحكاته تعود من جديد
بينما ميان لم تستطع تحمل ضحكاته، فلكَمَته بخفة على صدره وقالت بتذمر وهي تحاول إخفاء ابتسامتها :
بطل تضحك عليا، أنا غلطانة إني قولتلك أصلاً
لكن فارس لم يتوقف عن الضحك، بل جذبها إليه في حضنه بكل عفوية، لا يزال يضحك من قلبه، وهو يشعر بالسعادة البسيطة في تلك اللحظة
سرعان ما ضحك أكثر عندما لاحظ أن ميان بدأت تشم رائحته من جديد بنفس الطريقة، كأنها لا تستطيع مقاومتها !!!!
........
بعد مرور اشهر طويلة في غرفة العمليات، حيث كانت الأضواء ساطعة كأنها مصابيح عملاقة تضيء مسرح عرض، كانت "ميان" تجلس على السرير، مُحاطة بكل أنواع الأجهزة الطبية، وفارس يقف بجانبها، يتأرجح بين القلق والارتباك، يحاول تهدئتها :
اهدي يا حبيبتي، كله هيكون تمام
قالها بلهجة تُشبه من يُهدئ عاصفة في فنجان شاي و
لكن بالنسبة لميان كانت كلماته لا تُعطي نتيجة، بل كانت كالشخص الذي يُحاول إخماد نارٍ مشتعلة بقطعة ثلج
بينما كانت ميان تأخذ نفسًا عميقًا، انطلقت صرختها في أرجاء المستشفى :
منك لله ، كان مالي ومال الحب وسنينه والولادة و كل ده ، منك لله مش مسمحاك يا فارس !!!
حاول تهدئتها لكن صرخاتها كانت تجذب انتباه الجميع في المستشفى، كأنها تعقد حفلة صاخبة بلا دعوة :
بطل تقولي اهدي، تعالى جرب اولد مكاني وشوف هتعمل إيه !!!!
في تلك اللحظة، اندلعت ضحكات من الخارج كان الجميع يتخيل كيف يمكن لفارس أن ينجو من غضب ميان وكأنهم يتابعون عرضًا كوميديًا
في تلك اللحظة، انبعث صوت صراخ مدوٍ في المكان، صوت كان يعرفه الجميع، فقد كان صوت "همس" التي كانت تصرخ من شدة الألم، جاء كارم من خلفهم وهو يحملها بين ذراعيه، وملامح وجهه تعبر عن القلق الشديد
كانت همس تلهث، وألم الولادة يعصر قلبها، لكنها لم تتوقف عن إلقاء كلماتها الغاضبة على كارم :
منك لله... منك لله مش قادرة هموت من الوجع أنا مش عاوزة أولد، ومش عاوزة الحب...وسنينه، رجعني عند بابا.... آه....حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا كارم
ضحك الجميع رغم قلقهم البادي على وجوههم، ولكن لم يلبث الوقت طويلاً حتى خرج فارس من غرفة العمليات، وهو يحمل طفلين صغيرين، وفرحة عارمة تملأ قلبه !!!
كان الجميع في غاية السعادة، وقلبه اكثرهم فرحاً، فقد كانت المفاجأة الكبرى أن الله رزقه بتوأم، صبي وفتاة، فهو وميان لم يكشفوا عن نوع الجنين، واختاروا ان تكون مفاجأة للجميع
أخذ والد ميان الطفلة بين يديه، بينما دموعه تنهمر من شدة الفرح، وهو يردد بتسبيح وحمد :
ما شاء الله تبارك الله
وفي تلك اللحظة، بدأ فارس يُؤذن في أذن الطفلة الصغيرة، وكذلك فعل والد ميان وها هي دموع الفرح تسيل من عينيه، وهو يقف في تلك اللحظة شاكراً الله على نعمته
ثم، بعد قليل، خرج كارم من غرفة العمليات وهو يحمل طفله بين ذراعيه، وجهه متعب ومنهك، لكن عمار لم يستطع إلا أن يطلق ضحكة، قائلاً بمرح '
ده واضح إن همس قامت بالواجب
ضحك الجميع، وتوالت الضحكات في المكان، أخذ عاصم الطفل من يدي كارم بسعادة تغمر قلبه وهو يحمل قطعه من ابنته
كانت لحظة سعيدة، لحظة انتعشت فيها الأرواح وزادت الحياة بهجة وحبّاً، العائلة أصبحت أكبر بثلاثة أفراد، تم تسمية الطفل "سيف" من قبل كارم وهمس، بينما اختار فارس وميان أن يسميا توأمهم "أوركيد" و"مروان" على اسماء اشقائهما الراحلين سعادة كبيرة غمرت أهله وأهلها
كانت لحظة مفعمة بالفرح والدموع، لحظة شهدت على بداية جديدة، على حياة جديدة، وعلى الحب الذي لا يزول
.........
أصبح يزن في عزلة تامة، حبيسًا داخل غرفته لأشهر طويلة، يبتعد عن الجميع، لا يشارك في شيء، ولا يجيب على أحد كانت الأيام تمر ببطء وبصمت مطبق، وكأن الحياة توقفت بالنسبة له....لكن اليوم، وعلى نحو مفاجئ، قرر أخيرًا الخروج، كان يجر قدميه في الشوارع بخطوات ثقيلة، يشعر وكأن العالم نفسه اصبح يرفضه، لكنه كان مضطراً للاستمرار
توقف فجأة أمام بناية قديمة، وقد وقع نظره على لوحة معدنية تعلن عن "عيادة الدكتور أشرف نعمان – استشاري في الطب النفسي" تأمل البناية لبضع لحظات، وكأن تلك اللحظة كانت محورية في حياته، تحمل بين طياتها مشاعر متناقضة من التردد والقرار ورغم الخوف الذي تسلل إلى قلبه، كان يشعر بشيء من الأمل في داخله
وبعد لحظة صمت، حسم يزن أمره ودخل المبنى بخطوات ثابتة، عازمًا على إصلاح نفسه وحالته النفسية، كانت تلك اللحظة بداية جديدة، خطوة أولى نحو التغيير ورغم إدراكه أن الطريق سيكون طويلاً وصعبًا، كان لديه يقين واحد لا بد له من البدء !!!!!
.......
مر الوقت بسرعة، والجميع كان يعيش في استقرار وسعادة، كل واحد منهم وجد طريقه أخيرًا وحقق ما كان يطمح إليه. كانت حياتهم مليئة بالإنجازات الصغيرة والكبيرة، كل منهم يسير نحو هدفه بثقة، بينما كانت روابطهم تتعزز أكثر فأكثر أما سفيان، فقد ظلَّ متمسكًا بوعده خلال هذه الفترة، كان يسعى جاهدًا ليُثبت للجميع أنه قد تغيّر بدأ يشارك بفاعلية في كل ما حوله، يشارك في الأحاديث، ويقدم المساعدة حيثما أمكنه، ويظهر التزامًا في كل شيء يفعله لم يكن التغيير مجرد أفعال سطحية، بل كان يعكس تحولًا حقيقيًا في شخصيته، مما جعل الجميع يلاحظون تطوره ويقدرونه أكثر.
...........
البارت خلص 🥹❤️❤️❤️❤️❤️
انتظروووا الخاتمة 🔥❤️
رواية بعينيكِ أسير بقلمي شهد الشورى "مكتملة" الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم 👑 شهد الشورى 👑
وسعوا الطريق للرواية اللي كملت 4 مليون قراءة ع الواتباد يا حلووووين يا أحلى متابعين 😍🔥
بعينيكِ أسير كبرت بحبكم، وبدعم كل واحد شاركها بكلمة أو ترشيح ♥️♥️♥️
اللي عجبته الرواية، ياريت يرشحها للي حواليه، ويكلم عنها في الجروبات، لأن فعلاً دعمكم هو اللي بيكبرنا ♥😚😚
شكرًا من القلب لكل قارئ وقارئة كانوا جزء من الرحلة دي 🥹♥️
متابعة هنا عشان يوصلكم كل جديد يا حبيباتي
20SHAHDSAYED20
رواية بعينيكِ أسير بقلمي شهد الشورى "مكتملة" الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم 👑 شهد الشورى 👑
مرت السنوات، هادئة حينًا، وعاصفة حينًا آخر، لكنها حملت في طياتها دروسًا عصية على النسيان، اكتشفوا خلالها أن الحب ليس كلمة تقال على عجل، ولا وعدًا يُكتب على ورق بل هو شعورٌ يتغلغل في الروح، أمانٌ تسكن إليه النفس، وثقةٌ تمتد كجسر بين قلبين مهما فرقتهما العواصف،الحبُ، في جوهره، صِدقٌ وثقة...صِدقٌ يُعري القلب من الزيف، وثقةٌ تُشيد بين الأرواح حصونًا لا تهدمها يد الزمان
على شاطئ البحر، كانت ميان تسير بمحاذاة فارس، ذاك الرجل الذي صار ملاذها الوحيد بعد سنواتٍ من العتمة، يحمل طفلتهما "أوركيد" بذراعه.....نسخة مصغرة منها، بالشكل والطباع، وفي ذراعه الأخرى احتضن خصرها، كأنما يحاول أن يطوقها بكل ما في العالم من أمان ،في حضنها الصغير كانت تحمل "مروان" توأم أوركيد والذي ورث ملامح والده، بعينين تعكس فيضًا من قوة فارس ودفء حضوره
جلسوا على مقعد خشبي مطل على البحر، وأمامهم ركضت أوركيد ومروان بخطوات طفولية متعثرة، كأنما الأرض كلها ملعبهما، كانت ميان تراقب المشهد بصمت، بقلبها قبل عينيها، ونبضاتها تتباطأ كأنما تعيش لحظة خالدة خارج الزمن
تأملت وجه فارس الذي غلبته ضحكة صافية وهو ينظر إلى أطفالهما، فشعرت بشيء من الطمأنينة يتسلل إلى أعماقها كم تبدو الحياة سخية بعد كل هذا الألم
كانت تظن أن ما عاشته من ألم هو النهاية، وأن كل شيء قد انتهى حين.....حين فقدت كل شيء، لكنها الآن تدرك أن الله أعد لها ما هو أعظم، وأن الألم الذي عاشته لم يكن سوى طريق للسعادة التي تعيشها الآن، فارس لم يكن زوجها فقط، بل كان النور الذي أخرجها من العتمة، اليد التي أمسكت بها حين كادت تغرق، والقلب الذي أعاد إليها معنى الحب
أما فارس، فقد كان يراها بطريقته، تأمل ابتسامتها الصافية، نظرتها الممتنة، وتلك الشرارة الخافتة التي ما زالت تسكن عينيها....يفهم كل ما يدور في رأسها دون أن تنطق بحرف، يعرفها، يفهمها، ويدرك أن وجوده في حياتها يحمل معنى أعمق من كونه شريكًا في الحياة
أمسك بيدها برفقٍ وكأنها شيء ثمين يخشى كسره، ثم رفعها إلى شفتيه، يلثمها برقة لا تليق إلا بها وهمس لها بعشق :
أنا ما عملتش حاجة غريبة يا ميان، أنا كل اللي عملته إني حبيتك... انتي اللي بتكمليني، أنا عمري ما حبيت غيرك، إنتي السعادة اللي كانت تايهة عني سنين.....السعادة اللي عمري ما كنت أحلم بيها، ده كفاية عليا أصلا إني كل يوم بفتح عيني والقيكي جنبي
ابتسمت ميان وانهمرت من قلبها كلمات تحمل كل العشق الذي في قلبها له :
وأنت فارس حياتي، وسندي في كل مرة حسيت فيها إني مكسورة، إنت اللي علمتني معنى الحب.....حبتني وخلتني اعشقك
كانت تلك اللحظة، أمام البحر، وبين براءة الطفلين وضحكاتهما، تأكيدًا جديدًا على أن الحب ليس خاليًا من الألم، ولكنه دومًا ما يستحق العناء، فكل لحظة من الألم تصنع في النهاية سعادة لا تضاهى
.......
على الجانب الآخر، كانت همس تغرق في ضحكاتٍ عفوية وهي تحمل صغيرها "سيف" بين ذراعيها، وكأنها تضم العالم بأسره كانت تلعب معه بمرحٍ نقي، وملامحها تشع ببهجةٍ متجددة تخترق قلب كارم كأشعة الشمس بعد ليلٍ طويل، وقف كارم يتأملهما بصمتٍ، عينيه تسكنها سكينة عميقة، وكأن المشهد بأسره رسم خصيصًا ليحمل معنى السعادة
ذلك الطفل الصغير لم يكن مجرد امتدادٍ لها في الشكل، بل كان مرآةً لروحها....ورث عنها عفويتها الطاغية، لسانها الجريء، وشغفها بالحياة، لكنه ورث أيضًا ما أسر قلب كارم منذ البداية....تلك العينين الزرقاوين المائلتين للرمادي، بلونهما الساحر الذي سلب روحه منذ اللحظة الأولى التي تلاقت فيها نظراتهما
ابتسم بخفوت، غارقًا في ذكرياته التي لم تفارقه يومًا، كيف كانت همس بعيدةً عنه، كحلم مستحيل، وكيف عاش في دوامة الخوف من خسارتها، لكنه، رغم كل ذلك، لم يستسلم قاوم حتى الرمق الأخير، وتمسك بحبه لها بكل ما أوتي من قوة واليوم، أصبحت له....ملكه الذي انتظره طويلًا
حبه لها كان أكبر من أن تصفه الكلمات، شعور أشبه بمحيط بلا حدود، متسعًا بقدر الكون، لا يمكن لكلمات أو عبارات أن تحيط به أو تجسده
اقتربت همس منه، تحمل صغيرهما، وكأنها تقدم له قطعة أخرى من قلبها، أحنته على صدره بحبٍ صادق، لم تتردد لحظة في أن تمنحه كل ما لديها، لثم كارم جبينها بحب، بينما هي أخذت تتأمله، وعيناها تغمرها السعادة كمن وجد ذاته أخيرًا
كانت تظن أن الحياة قد أغلقت أبوابها في وجهها، وأنها لن تعرف السعادة مرة أخرى، بعد أن خُدعت فيمن اختارته شريكًا لحياتها....لكن الحقيقة بدت لها جلية، أن لكل نهاية بداية، وأن الخذلان لم يكن إلا الطريق إلى ما تستحقه حقًا
ضحكت بخفة وهي تستعيد تلك اللحظات التي كانت فيها غارقةً في غبائها، كيف يمكن لإنسانٍ أن يرفض حبًا نقيًا كحب كارم؟ كم من مرة كان بجانبها، وهي غير مدركة أنه كان ملاذها، همست لنفسها بشيء من الامتنان "نحن محاطون بنِعَم لا ندركها حتى يوقظنا القدر"
أما الآن، فقد أصبحت أكثر يقينًا أن الحياة قد منحتها كل شيء....كارم، الرجل الذي لو استطاع أن يقتلع نجمةً من السماء ليقدمها لها، لفعلها دون تردد، وطفلًا يُكمل تلك الصورة ليصير عالمها متكاملاً
نظرت إلى كارم بعشقٍ صادق، ثم همست له بصوتٍ لم يحمل سوى الحقيقة المطلقة والعشق الصادق :
انا بحبك اوي
ابتسم لها كارم ابتسامةً تحمل كل سنوات عشقه وصبره، واقترب منها ليهمس لها، كمن يقطع وعدًا لن يُنقض أبدًا :
وانا بعشقك يا همس....انتي كل حياتي
.......
كانت لينا تجلس في مطعمٍ فاخر يطل على الشاطئ، محاطةً بعمار وابنتهما الصغيرة "ميان" التي كانت خليطًا رائعًا من ملامح والديها، تحمل في عيونها روحًا من الهدوء والبراءة، وفي قلبها ضحكاتٍ مرحة لم تفارقها أبدًا
كان عمار يضع يده برفق على بطن لينا المنتفخة، وهو يشعر بكل نبضة في بطنها، وكأنها تقترب أكثر من لحظة ولادة طفلتهما الثانية، التي قررا تسميتها "كارما"
كانت لحظاتهم مليئة بالسلام الداخلي، حياة لا تعكر صفوها إلا القليل، لكن في جوهرها، كانت تحيا على أسس من التفاهم العميق والوئام الكامل
رغم أن بداية حبهما شهدت أزمة قاسية، إلا ان تلك الفترة كانت بمثابة اختبار حقيقي لعلاقتهما، ومع ذلك، خرجوا منها أكثر تمسكًا ببعضهما البعض، وعرفوا أن كل شيء يمكن أن يمر طالما هما معًا، في السراء والضراء، تعلموا أن الحياة مليئة بالتحديات، لكن ما يهم هو أن يكونوا دائمًا سندًا لبعضهم، مهما كانت الظروف
نظر عمار إلى ابنته بنظرة مليئة بالحب والتفكير العميق، وهو يشعر في أعماقه أن الحياة لا تمنح المرء دائمًا ما يشتهي، لكنه تعلم مع الزمن أن فاقد الشيء يعطيه بقوة، فبعد تجارب مريرة، أصبح يدرك أن الحنان هو أعظم ما يمكن أن يقدمه، فقرر أن يغمر ابنته به، و ويحبها حبًا غير مشروط، لا يتأثر بالظروف أو الوقت.....كما حدث معه
هو ولينا، قد تعلما أن جوهر الحياة يكمن في أن يعيشوا معًا في انسجام تام، بعيدًا عن أي نزاع قد يلوث نقاء قلب طفلتهما "ميان" ورغم أن الخلافات كانت نادرة، إلا أنهما أدركا أن التفاهم الحقيقي لا يتطلب الكلمات، بل يتطلب نوعًا من الصمت المليء بالاحترام، وهدوءًا عميقًا يعكس قوة ارتباطهما وقدرتهما على البقاء معًا، مهما كانت التحديات
ضحك عمار وهو يضرب كفه بكف ميان بمرحٍ طفيف على لينا التي تتناول طعامها بسرعة، بعد دقائق احتضن ابنته بحبٍ عميق، ثم أمسك بيد لينا، وهو يعبر عن امتنانه الخالص لربه على النعمة التي رزقه بها، في تلك اللحظة، شعر أن كل لحظة في حياته تستحق العيش، وأن السعادة التي يعيشها الآن كانت أكبر من أن تُحاط بالكلمات، تمنى من قلبه أن تستمر هذه البركة التي ملأت حياته، وأن يدوم هذا الأمان الذي أصبح ملاذه الوحيد
........
كان قصي وسيلين يمشيان جنبًا إلى جنب، يراقبان طفلهما يامن وهو يقود دراجته بحرص، بينما ضحكاته الصغيرة كانت تملأ الأجواء، تطرب قلوبهم قبل آذانهم
ابتسمت سيلين بحب وهي تتأمل مشهد عائلتها، قلبها يغمره السعادة والطمأنينة، كان طفلهما الثاني "راشد"، البالغ من العمر عامين، في ذراعها، يحمل اسم جده الراحل، والذي اختاره قصي تخليدًا لذكرى والده
تأملت زوجها وطفليها بحب عميق، وحمدت الله في سرها أنها تعلمت أخيرًا كيف تحافظ على بيتها، بعدما مرت بتجربة صعبة تعلمت منها الكثير، ساعدها قصي بعد آخر أزمة بينهما، علمها كيف تثق بنفسها وبحبه لها، وكيف تتعامل مع مشاعرها من خلال العلاج النفسي، حتى تجاوزت المحنة، تلوم نفسها على السنين التي ضيعتها بعيدًا عنه، لكنها الآن تدرك كم كانت ستندم لو خسرت هذا الشخص الذي لن تجد مثله أبدًا
ابتسم قصي وهو يجلس على أحد المقاعد الجانبية في الشارع، نظر إليها نظرة طويلة، مليئة بكل الكلمات التي لم تُقال، نظرة تعكس فرحتهم بأنهم تجاوزوا السبب الحقيقي لمشاكلهم، كان الخلل في البداية هو قلة الثقة، هي كانت فاقدة لها وهو لم يدرك ذلك، لكن مع مرور الوقت، فهما بعضهما البعض بشكل أعمق، وعملا على إصلاح الأمور بينهما
الآن، تعلما كيف يحافظان على حبهما وبيتهما، وألا يسمحا لأي شخص أن يدخل بينهما، مهما كانت الصعوبات، فقد تعلما أن يناقشا الأمور بهدوء، وأن يكونا أكثر عقلانية من قبل، وأن يظهرا أفضل ما لديهما لأنفسهما ولأولادهما
جذبها قصي إلى حضنه، فشاكسته سيلين بمرح :
عارفة إني طول عمري تاعبة قلبك معايا
رد عليها قصي بعشق صادق :
بحبك وبحب كل حاجة منك.... حتى التعب يا سيلين
ابتسمت له سعادة، ثم أكملوا سيرهم مع أولادهم، وقلوبهم مليئة بالسلام الداخلي
......
على الشاطئ حيث يلتقي البحر بالسماء في لحظة صمتٍ ساحرة، وحيث يغرق الليل في أحضان المدى، ينساب الهدوء في كل زاوية وكأن الزمن توقف ليعانق تلك اللحظة اللامتناهية
كانت أماليا تسير بجانب سفيان، ذراعاهما مترابطتان وكأنهما جزء من كيان واحد، كان البحر في تلك اللحظة ليس مجرد موجات تتلاطم، بل كان مرآة لحياتهما التي تطورت من سكونٍ إلى حركة، من شكٍ إلى يقين، ومن ألمٍ إلى سعادةٍ
كانت تسير بجانبه، تحمل في قلبها ألوان تلك السنوات التي مرت، ويدها ترتاح في يده كأنها تجد فيها معنى الثبات بعد العواصف
خمس سنوات مرت، لكنها في جوهرها كانت حياة جديدة، كانت بداية لم تكن لتتوقعها يومًا.....وعدها أن يكون لها، أن يمنحها قلبه وروحه دون قيد أو شرط، وأن يكون الشخص الذي يتعلم من أخطائه ليمنحها أفضل ما في نفسه وبينما كان قلبها في البداية لا يصدق، بدأ الواقع يثبت لها أن سفيان كان أكثر من مجرد كلمات، كان فعلًا، كان تحولاً كاملًا في شخصيته، يتجدد كل يوم، ينمو، ويتغير ليصبح الرجل الذي تستحقه، الرجل الذي يحتفظ بحبٍ نقي لا يتسع إلا لها
في البداية، كانت تشك في قلبه، تتساءل إن كان ما زال يحمل لميان مكانًا كما كان من قبل، وهل ستتمكن هي من أن تملأ هذا القلب بالكامل؟ لكن مع مرور الوقت، تلاشت شكوكها شيئًا فشيئًا، وبدأت تدرك الحقيقة سفيان يحبها هي وحدها، كان حبّه واضحًا في أفعاله قبل كلماته، في تضحياته التي لا تحصى، وفي إخلاصه الذي لم يهتز، ومع كل يوم يمر، كانت تزداد يقينًا أنه لم يعد في قلبه مكان سوى لها، وأنها أصبحت نبضه الوحيد
لم يكن الخطأ الذي ارتكبه سفيان في الماضي هو ما كان يشغل بالها، بل ما تعلمه بعده، تعلم أن الحب ليس ما يُعطى فقط، بل ما يُبنى ويُحفظ، تعلم أن الحياة ليست معركة للسيطرة، بل هي فرصة للتجديد، لإعادة بناء ما تهدم، واستعادة ما ضاع، تعلم أن الثقة ليست مجرد كلمات، بل هي قرار....قرار يتحقق بالحب والصدق.....وهذا هو الأهم، أن سفيان تعلم، وبدأ من جديد، وأصبح رجلًا أفضل، رجلًا يستحق أن يكون في حياتها
تذكرت كيف كانت تشعر بالضياع في بداية الطريق، وكيف كان الشك يعصف بها كلما مرت لحظة سكون، لكن اليوم، وهي تمسك بيده، تعود بالذاكرة إلى تلك اللحظات، وتبتسم ابتسامة لم تكن لتكتمل إلا إذا كانت بجانبه، إذ كانت تعيش لحظة الحقيقة.....تلك الحقيقة التي عرفتها أخيرًا فالحياة لا تأخذ منا إلا لتعطينا أكثر، ومن يعي كيف يستحق أن يحب، يمكنه أن يعيد بناء نفسه
تذكرت بفخر كيف استطاع سفيان أن يعيد بناء جسور علاقاته مع من حوله، وكيف تمكن من تهدئة النفوس التي كانت تشكك في صدقه. فقد بدأ بتجاوز المراحل الصعبة، وأثبت نفسه ليس فقط بالقول، بل بالفعل كانت علاقته بفارس قد بدأت تتحسن تدريجيًا، حتى أصبح يقبله أكثر من قبل. أما مع والد ميان، فقد مرت الأيام ليكتشف الأخير أن قلبه قد بدأ يصفو تدريجيًا تجاهه، وأنه لم يعد ذلك الشخص الذي كان يعارضه......ومع والدتها، التي كانت قد شكت في جدية مشاعره في البداية، تغيرت نظرتها بعد أن رأت السعادة التي منحها لابنتها وهي الآن لا ترى فيه إلا شخصًا يستحق الحب والاحترام، بل وتقبلته كزوجٍ لابنتها بكل قناعة
لكن كانت فريدة هي الغيمة الوحيدة التي تُعكر صفو سعادتهما، تلك المرأة التي لم تستطع أن ترى أبعد من حقدها القديم، وكأن ميان كانت عدوًا يتربص لها، رغم أن الحياة أوسع من أن تُختزل في صراعات وهمية، ظنت فريدة أن الكراهية تمنحها قوة، ولم تفهم أن التسامح وحده هو الذي يحرر الروح ويمنح القلب السلام، أما أماليا، فلم تعد تُعيرها اهتمامًا، لم تعد تُرهق نفسها بتفسير أفعال مغلفة بالغرور، لأن فريدة لم تعد في عينيها سوى انعكاسٍ باهتٍ لفكرة مُشوهة لم تعرف النضج يومًا
لكن الأهم من كل هذا، أنها كانت في قمة السعادة والفخر. فخورة بكل لحظة قضتها معه، بكل خطوة عبروا فيها معًا، بكل صراعٍ تاقوا لتجاوزه، وبكل حلم بنوه سويًا أكثر ما كان يملأ قلبها بالسلام الداخلي هو أنهم قد نجحوا في بناء عالمهم الخاص، عالم يسوده الحب والتفاهم. وكل لحظة كانت أكثر من مجرد لحظة، كانت دليلاً على قوتهم معًا
وإذا كان هناك شيء أكمل سعادتهم، فهو "عمر"، طفلهم الذي بلغ الآن ثلاث سنوات كان عمر أكثر من مجرد طفل صغير في سنه، كان رمزًا لبداية جديدة في حياتهم، لحلم تحقق، ولحياة أخذت شكلها الكامل رؤية ابتسامته الصغيرة في كل يوم، كانت تعني لهم كل شيء، تأكيدًا على أن الحياة، على الرغم من تعقيداتها، قد تكون جميلة عندما يكون لديك شخص يحبك بصدق، وحياة تملؤها اللحظات الصغيرة التي لا تقدر بثمن
سألها سفيان بحب بعد صمت طويل منها، وعينيه مليئة بالترقب، وكأن السؤال يحمل في طياته أكثر من مجرد كلمات :
مبسوطة معايا يا أماليا؟
ابتسمت أماليا، ثم ردت عليه بعد لحظات من الصمت العميق، والنظرات التي عبرت عن كل شيء دون الحاجة لكلمات أكثر:
أنا أسعد واحدة في الدنيا عشان معاك يا سفيان
فجأة، ارتفع صوت موسيقى عذبة تنساب من عازف على جانب الطريق، وكأن نغماته تتسلل إلى الأعماق، تعبر عن كل ما لا يستطيع القلب قوله، كان الصوت يحمل بين طياته مشاعر من الحب الصادق
راقص سفيان وأماليا في الشارع، يتناغمان مع أنغام الموسيقى، وحركاتهما تعكس بساطة اللحظة وجمالها، ضحكاتهما كانت مرحة، خالية من التكلف، تنبع من شعور عفوي بالسعادة....كانت لحظة مميزة، تنضح بالحيوية والبهجة
فجأة اجتمع الجميع في نفس المكان، دون أن يعرفوا كيف أو لماذا، وكأن الزمان والمكان قد اختارا لهم هذه البقعة ليكونوا فيها معًا، كان فارس وميان وأولادهما، وكذلك قصي وسيلين وعمار ولينا وهمس وكارم، يضحكون معًا بتنسيق طبيعي، وكأن ضحكاتهم كانت لغة واحدة، كانت تلك اللحظة تحمل في طياتها سكينة غريبة، شعور بالفرح الهادئ الذي لا يحتاج تفسيرًا، كأنهم جميعًا وجدوا راحتهم في تلك اللحظة العابرة، وكأن الزمن نفسه قرر أن يتوقف، ليحفظ لهم تلك الذكرى التي لا تفنى
في اللحظة التي انهارت فيها الأقنعة، أدركوا أن الحب لا ينبثق من الأوهام ولا من الوعود الهشة، بل من القدرة على التصالح مع أنفسهم، ومن الشجاعة لمواجهة أعمق جراحهم لقد اجتازوا مساراتٍ من الألم، واكتشفوا أن الحب الحقيقي لا يرتكز على الخداع أو الوعود المكسورة، بل على الأمان الداخلي الذي يمنحهم القوة لتخطي الصعاب، وفي صمت قلوبهم المتجددة، أضاءت السعادة كثمرة لتلك الرحلة الوعرة نحو السلام الداخلي، ومن تلك اللحظة، بدأت الأرواح تنبض بنبضٍ جديد، ينبع من حبٍ صادق وأمانٍ عميق، لا يُشترى ولا يُبنى على الأكاذيب....هو الحب الذي ينبثق من القدرة على تقبل الماضي بكل تفاصيله، ومواجهة الحاضر بكل صعوباته، وبناء علاقة متينة تقوم على الثقة والتفاهم، تمضي في درب الأمل الذي لا يعرف النهاية.
..........
تمت بحمد الله 🥹🥹
و
اخيرًااااااااااااااااااا 😭🔥 روايتي خلصت بعد مشوار طويل مليان مشاعر وتعب وسهر 🥺💔 عارفة إني اتأخرت عليكم وغصب عني والله، بس بجد كل لحظة قضيتها مع الشخصيات كانت تستاهل ❤️
أتمنى من قلبي تكون الرواية عجبتكم واستمتعتوا بيها قد ما أنا استمتعت وأنا بكتبها ✨❤️ هستنى رأيكم بكل شوق، ما تبخلوش علي بكلمة حلوة أو حتى نقد، كل تعليق منكم كان بيخليني أكمل رغم كل حاجة 🥹❤️
وشكرًا بجد لكل حد استناني وصبر على غيابي، وجودكم جنبي طول المشوار كان أكبر دعم ليا 😭بحبكم جدًا جدًا جدًا، وانتظروني في حاجة جديدة قريبًا إن شاء الله 🔥