كان الفتوة يطلق نظراته على فهد ثم ينظر بسخرية نحو زوجته وأخته، كأنه يخبره كل ذلك سيكون ملكي. وفى كل ذلك ينتظر هفوة من الولد حتى يلمسه بنبوته وينتصر عليه. والأوباش يصرخون: فتح الله! فتح الله! اسم الله عليه. وفتح يوزع ابتساماته، فهو واثق من النصر. ذاق فهد عرف مواطن ضعفه عندما هاجم الفتوة برأسه وأخذ يضربه على الناحية اليسرى. وفهد يصد الضربات، ثم بدل يده بسرعة وضربه في الناحية اليمنى.
ومن حسن حظ فهد أن الضربة أخطأته. فقد كانت طلقة تحذيرية جانبت الهدف. وجد فهد نفسه في موقف لا يحسد عليه، فهو محاط بالأوغاد والخونة يحارب بمفرده. ويعرف أنه حتى لو انتصر سيقومون بقتله. وكانت زوجته تنتحب بضعف وابنه يصرخ وأخته ترمقه بروح مكسورة. والليل بكل ظلامه يحيط بذاته المهزومة. فصاح كالمجنون: سأقتلك يا فتح الله، أنت رجل ميت. قتلت عشرة قبلك. وكان صوته يرن في جوف الليل ورجال فتح الله يضحكون بسخرية.
لكن نبرته تحولت لنبرة قاسية ويده كأنها قدت من حديد. والولد يصرخ: هي يا الله! هي يا الله! ويضرب فتح الله بنبوته. فتدحرج الفتوة فتح الله على الأرض ثم نهض. وكانت تفصله عن فهد شجرة. وفهد يصرخ: أوي أوي! وضرب شجرة الصفصاف مرتين بغباء. ارتجت الشجرة وسقطت على الأرض وسط ذهول رجال فتح الله. لقد أسقط شجرة، إنه يحارب مثل مارد. وتوالى الضرب بين الرجلين وفهد يحطم كل ما في طريقه. يرفع دكة ويلقيها على الأرض، يضرب فخارة أو كانون.
ثم توقف فهد فجأة عن الضرب وصرخ في رجال فتح الله: الفتوة لا يهرب من الضرب. الفتوة يقابل النبوة بالنبوة. وتوجهت أنظار رجال فتح الله نحوه. الولد محق، الفتوة لا يتراجع، الفتوة يواجه. ولم يجد فتح الله بد فتقدم نحو فهد وهو يصرخ: لقد حكمت على نفسك بالفناء يا ولد! كانت خطته أن يستدرج فهد حتى تخور قوته ثم يقضي عليه. وقد كانت خطة ناجحة. إن المجهود الذي بذله فهد في الصراخ استنفذ جل طاقته.
وهجم فتح الله وتراجع فهد، وفتح الله يهجم وفهد يتراجع. والكل ينتظر ضربة فهد التي أوقعت الشجرة. إنهم ينتظرون أن يرفع نبوته ويهوي به على رأس فتح الله فيدهسه أو يشرخه. ينتظرون الضربة العملاقة. وفهد يؤجل ويؤجل ويكتفي بصد الضربات. لم يفهم أحد أن فتح الله يضرب بقوة أكبر. إن فتح الله هو الفتوة الخبير. لم يفهموا أن فهد مجبر على صد الضربات، أن يدافع. ارفع نبوتك يا معلم فهد، أنهِ المهزلة!
لقد أسقطت شجرة. ارتفع صوت الرجل الصعيدي ببهاء. وبدأ فهد يصدق نفسه، يصدق الخدعة التي اخترعها عن طريق الصدفة. فراجع خطوات سمحت له برفع نبوته. تشبثت العيون بنبوة فهد تتابعه بالبطيء. حتى الفتوة فتح الله نفسه صدق الصوت الخارق. وهوى به على فتح الله فكسر نبوته وشق رأسه. تكوم الرجل على الأرض ورفع يده. يعرف أن ضربة أخرى ستشقه نصفين.
حتى رجال فتح الله لم يتجرأوا على الدفاع عنه. انحنوا أمام الفتوة الجديد وأعلنوا الطاعة. حمل فتح الله إلى منزله. ثم طرد خارج الحارة بعد أن عفا عنه الفتوة. ارتقى فهد كرسي الريادة، انتقل لمنزل جديد وقدم له أعيان الحارة فروض الطاعة. وانتشرت أسطورته بسرعة الريح. لقد أسقط شجرة بنبوته. وكان من المعتاد أن يواجه كل فتوة جديد معارضة من فتووات الحارات المجاورة، لكن ذلك لم يحدث.
أصبحت الشجرة التي أسقطها فهد بنبوته مزار. تعهد عندها النساء ويلعب الأطفال عندها. بل إن الأمور تطورت بشكل مبالغ فيه. وكان بعض الدراويش يبجلونها. إنها علامة على كسر الظلم، ضريح ولي يعيش بينهم. عادت هند إلى الجامعة. أصبح لديها كابريوليه بسائق توصلها إلى الجامعة وتعيدها إلى المنزل. وفرض فهد سيطرته. فراح يأخذ من مال الأغنياء ويمنح الفقراء الأتوات التي يجمعها. وعمل داخل دكان البقالة الذي أنشأه. واستقرت الأحوال في الحارة.
توصلت هند لعنوان الحاج دهشان ونقلته إلى الحارة تحت حماية الفتوة آدم. وراحت تعالجه. لم تنس أبداً له فضله. وكان الأعيان يقومون بدعوة فهد إلى أفراحهم. إنه الرجل الأسطورة الحية الذي أسقط شجرة. ويتفاخرون بأنه يتواجد في أعراسهم. حتى رجال الحارات البعيدة كانوا يدعون الفتوة فهد. إن حضوره لأي منطقة أصبح حدث تاريخي. يصرخ المعلم عبد العظيم في زوجته: أسرعي يا امرأة سنتأخر على القطار.
وألقى سلال الزيارة وأكياس الغلة داخل القطار. سيحضر عرس أحد الأعيان في القاهرة. الرجل الذي يشتري منه القطن وكان سبب في ثروته الفاحشة. ووصل العرس متأخراً بعد استقر بغرفة في منزل الرجل الكبير من المحلة. وكان هناك رجل يحيط به الناس، يرحبون به ويحنون رؤوسهم ويبجلونه. همس صاحب العرس إلى عبد العظيم: تعالى سأقدمك لفتوة الجمالية. الرجل الذي أخضع كل فتووات الحارات دون نزال أو حرب.
تقدم عبد العظيم وسار خلف الرجل حتى وصل القعدة التي انتصب فهد في منتصفها يدخن الجوزة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!