كان الرجال يوقرون الفتوة فهد، منتبهين لكل كلمة ينطقها كأنها قانون. إنهم يجلسون في حضرة أسطورة حية. ورغم أن المأمون يجلس بين عساكره، ورغم مركزه في الداخلية، إلا أن مجلس الفتوة كان مزدحمًا للغاية، مما اضطر صاحب العرس وعبد العظيم شق طريقهما بصعوبة. "اسمح لي يا فتوة فهد أن أقدم لك أحد أعيان الصعيد، المعلم عبد العظيم زاهر."
رفع عبد العظيم عينه، والتقت بعين ابنه الذي طرده ذليلًا مكسورًا من قريته، تحت عيون الناس. لكن عبد العظيم يمتلك قلبًا ميتًا. قال الرجل: "أهلًا وسهلًا بالفتوة." نهض الفتوة فهد وأفسح مقعدًا لعبد العظيم. "تعالى اجلس يا والدي." اشرأبت الأعناق، إنه والد الفتوة، والد الأسطورة الحية. ارتفعت الصيحات: "أهلًا وسهلًا بوالد الفتوة."
ولم يجرِ كلام كثير. تجاهل فهد وجود والده، وراح يحدث رجاله وفتوات الحارات المجاورة، والكل يسمع له. أراد فهد أن يرى والده مركز ابنه الجديد، ابنه الذي تبرأ منه وطرده من منزله. وانتهى العرس، وسار فهد وسط رجاله ليقابل والدته، وطلب من رجاله أن ينتظروا بالخارج. ولم تصدق المرأة عينيها، ابنها الصغير أصبح فتوه والناس تبجله. انحنى فهد على يد والدته وقبلها. ووجد عبد العظيم الفرصة سانحة ليتحدث مع ولده. "أصبحت فتوه؟ "فتوه كبير."
"أخبرني أنك عثرت على أختك وقتلتها؟ قال الفتوة: "نعم، وجدتها." ابتسم عبد العظيم. "أكل جسدها الدود؟ همس الفتوة: "بل حية ترزق، تعالج المرضى الفقراء." اتسعت عين عبد العظيم. "يا للعَار! ووضع رأسه بين يديه." "تركتها تعيش؟ تتنفس؟ لابد أن تقتلها الليلة." "أنا لا أتلقى أوامري منك يا عبد العظيم." "احمد الله أنني لم أقتلك وسط الرجال." "تحدث والدك هكذا؟ أين الأدب يا ولد؟
صرخ الفتوة فهد: "والدي طردني من جنته، سحلني في الطريق مثل صعلوك، والدي مات." ابتسم عبد العظيم بسخرية. "هل يعرف رجال الفتوة العظيم أن أخته عاهرة، سافلة؟ "اصمت." ورفع فهد نبوته. "تلك الكلمات لو صدرت من فم رجل غيرك لشققته بنبوّتي جزائين، إنك ممتلئ من الشر، وفي قلبك لا توجد رحمة." صرخ عبد العظيم بتحدٍ: "هند ماتت في عقول أهل القرية، سأعثر عليها وأقتلها بنفسي." "هند تحت حمايتي، ولن يتجرأ أي مخلوق مسها بسوء."
توقف الكلام عندما دخل صاحب العرس يدعوهم للمائدة التي أعدت على شرف الفتوة. لكن فهد اعتذر ورحل مع رجاله. قضى عبد العظيم ليلته، وفي الصباح أخبر صديقه صاحب العرس برحيله نحو قريته. وعندما وصل الرجل المحطة، بدل طريقه وقصد الحسين، وهناك التقى فتوةها المعلم برعوم. ووجد الرجلان نفس الغاية: التخلص من فتوة الجمالية. وتعهد عبد العظيم بالمال الكثير والرجال.
ولم يذهب لقريته، بل أرسل من يحضر رجالًا من الصعيد ينفذون غايته ويقفون في صف الفتوة برعوم. "لا أريدك أن تقتله، بل إذلاله. إنه ليس أسطورة ولا شيء، بل مجرد رجل." ورأى الفتوة فهد أن لا يخبر أخته بوجود والدها في القاهرة، فقد عرف من رجاله رحيل والده إلى الصعيد، ولم يكتشف أنه غيّر وجهته في آخر لحظة وذهب إلى الحسين. أطلق عبد العظيم رجاله مندسين في أزقة الجمالية يراقبون ابنته. وبعد أسبوع، قام الرجال بخطفها.
استيقظ الفتوة فهد على خبر اختفاء أخته، وبحث عنها في كل مكان. بعد الظهر، وصله مبعوث الفتوة برعوم. "أختك محتجزة عندي، أحضر بمفردك دون رجال."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!