جلس المعلم صابر على المقعد يدخن الشيشة التي أحضرها النادل من المقهى. ادخلي شوفي شغلك يلا، يكون في علمك أنا مش أبويا، أبويا راجل طيب وعلى نياته. أي تأخير فيه خصم، ولو تكرر هطردك برا الوكالة. آخر كلمات كانت هند ترغب في سماعها، الوكالة كل حياتها، دون الوكالة هي لا شيء. لن تدفع إيجار الغرفة، لن تذهب للجامعة، لن تجد ما تأكله. حاضر يا معلم صابر. بعد رحيلها، همست إحدى العاملات: برافو عليك يا معلم صابر، هو دا الشغل ولا بلاش.
وكانت امرأة ثلاثينية تعمل داخل الوكالة منذ شهور قليلة. نفس المعلم صابر دخان الشيشة وأطلق ابتسامة لفتحية، والتي ردتها بإيماءة دالعة. كانت شارده وهي تبيع الأقمشة وتعرضها على الزبائن. كيف تتصرف أمام تلك المصيبة التي وقعت على رأسها؟ وظلت تعمل حتى انتصف الليل ثم ذهبت لغرفتها. كلية الطب تحتاج مصاريف باهظة وطالها الهم فبكت بكاء مرير. لما استيقظت قصدت منزل الحج دهشان. كان الرجل راقد على سريره يتنفس بصعوبة. رحب بها:
أهلاً يا دكتورة. كيف عرفت؟ وابتسمت هند. أنا المعلم دهشان سيد الحي يا هند، أعرف كل شيء، وأحس بهمها وغمها. فطلب منها أن تقترب. أنتي بقيتي دكتورة دلوقتي، ومينفعش تبيعي هدوم في الوكالة زي الستات الجاهلين. أنتي هتمسكي حسابات الوكالة مع صابر، الولد صغير وطايش، أنا عايزك تساعديه. عمك عبد الواحد سنة كبر ومبقاش بيعرف يفرق بين الأرقام. وأدركت هند بالتعاسة. صابر لن يرضيه ذلك. طبعت قبلة على رأس الرجل ورحلت. أيه يا معلم صابر؟
أنا شايفه هند قاعدة في المكتب، هو أنت رضيت عنها ولا إيه؟ غمغم المعلم صابر: بت الـ _ـلب راحت عندنا البيت وقعدت تعيط وتبوس على دماغ الحج دهشان لحد ما وافق يمسكها الحسابات. همست فتحية: البت دي تعبان كبير يا معلم، ومش بعيد بعدين المعلم دهشان يمسكها الوكالة وأنت تطلع من المولد من غير حمص. آخرسي يا مرة، انتي هتتكلمي معايا في أمور الشغل ولا إيه. هند دي موظفة عندي زيك وزي غيرك. ثم أطلق صرخة مروعة. بت يا هند؟
مثلت هند أمام المعلم ناصر الذي تبوأ مكانه على مقعد الرياسة. اعمليلي شاي يا بت. وكانت تعرف هند أنه ليس وقت الصدام. فأحنت رأسها قائلة: حاضر. شفتي يا بت يا فتحية؟ قالت فتحية بمياعة: شفت يا سيد الناس، شفت. همس المعلم صابر: أمشي انجري على شغلك، مش كل شوية تنطيلي زي العمل الردي. أعمل إيه يا معلم، انت إلى طولت الغيبة. همس المعلم صابر: هجيلك الليلة يابت، يلا انجري من هنا.
في اليوم الأول في الجامعة، أدركت هند أن الأمر لن يكون سهلاً. كانت أيام بدرية وكل من يدرس داخل الجامعة أولاد ناس من الطبقة الراقية. وكانت تجلس في آخر مقعد وتنصرف قبل انتهاء المحاضرات. كان المعلم صابر لا يرحمها من تعليقاته، فهو لا يفرق بين دكتورة أو حاصلة على دبلوم، الكل بالنسبة له عمال تحت يده. وكانت علاقته مع هند تسوء في كل مرة.
بعد أن استقر على كرسي الرياسة وبات من المستبعد رجوع الحج دهشان إلى الوكالة، وأصبح ينفق بلا حساب ويطلب من هند أن تزور دفاتر الحسابات إذا كانت ترغب الاحتفاظ بوظيفته. لكن هند لم تتحمل ذلك الوضع. كانت الأمانة التي وضعها الحج دهشان في رقبتها تؤرقها وتنغص عليها حياتها. فما كان منها إلا أن حملت الدفاتر وقصدت منزل الحج دهشان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!