لم يهناء عوني في إجازاته التي طلبها، كانت شيماء تتصل به كل مدة تطلب نصح أو مشورة. كانت شيماء تعتقد أن عوني يعرف كل شيء ويفهم كل شيء، وأن بداخله شيء غامض، لكنها تصدقه وتجعله حسن التوقع. وكانت آلت على نفسها عدم التصرف دون الأخذ برأيه. في آخر مكالمة همس عوني: _تعرفي لو كان الأمر على الشركة، أنا ما كنتش رديت على اتصالاتك. _وبترد ليه إن شاء الله؟ صدمته شيماء برعونتها، وكانت تمزح. مرة أخرى همس عوني بثبات
ونبرة غير محددة المعالم: _عشان أسمع صوتك. ولم تفهم شيماء إذا كان عوني جاد أم يمزح كعادته، وسمحت الكلمة أن تمر. فعوني لا يهتم إلا بشيئين فقط، الشركة وسيجارته. وعوني نفسه لم يكرر الكلمة ولم يلمح لأي شيء آخر كعادته. ونبرته لم تتغير على الإطلاق.
"الريس حسن طالب إجازة مدفوعة الأجر للموظفين القدامى، وده هيأخر الإنتاج. بيقول الناس دي تعبت وتستحق إجازة، وأنا مش موافقة. الصفقة اللي جايه هتوقف الشركة على رجلها. أنا طلبت منه يصبر شوية يا عوني." قال عوني: _الشركات لا تهتم إلا بالإنتاج والنقود. كنتِ سمحتي بالإجازة يا شيماء، الناس دي هي السبب في الخير اللي هيدخل الشركة. _لا يا عوني. اعترضت شيماء: _الريس حسن فاكر نفسه هيلوي دراعنا، وأنا مش هسمح بكده.
همس عوني في سره: "نفس تفكير فارس الغبي." ثم سأل شيماء: _وإيه المشكلة دلوقتي؟ قالت شيماء: _الريس حسن رافض يشتغل. لازم تحل المشكلة دي يا عوني. صمت عوني، وبعد دقيقة طمأن شيماء: _أنا هتصل بالريس حسن وأقنعه بقرارك الخاطيء. متشغليش بالك. انتهت إجازة عوني والتحق بالعمال. ترك أمور الإدارة لشيماء. وظل مع العمال يد بيد لأكثر من شهر حتى تمكنوا من إنهاء الصفقة الضخمة المرتقبة.
انطلقت الشاحنات محملة بالبضاعة، ولم يهدأ لعوني بال حتى وصلت البضاعة الأفرع وتم توزيعها وامتلاء رصيد الشركة بالأموال السائلة. أخيراً عادت الشركة المهددة بالإفلاس لسابق عهدها. وكان العمال ينتظرون المكفآت التي وعدهم بها عوني. وكان عوني عند كلمته، نال كل موظف ما يستحق، علاوة على الأوفر تايم لساعات العمل الإضافية. كان ذلك اليوم الذي سمح عوني لنفسه فيه أن ينظف نفسه ويبدل ملابسه ويشذب لحيته ويبدو لأول مرة بمظهر لائق.
"إيه أنت شكلك مختلف يا عوني." ابتسم عوني: _يا شيماء، عندما يرغب عوني أن يبدو جذاب وأنيق، يفعل ذلك بسهولة. وكانت الألفة جمعت بينهم، واختفت الألقاب التي كانوا يتغنون بها. وبات كل واحد منهم قريب من الآخر ويفهمه بسهولة. وكانت أول مرة يدعو فيها عوني شيماء لفنجان قهوة خارج الشركة. قالها بصورة رسمية: _اسمحي لي، أنسة شيماء، أعزمك على فنجان قهوة لأحدثك في أمر هام.
_الآن بعد أن استقرت الشركة، على الإنسان أن ينظر إلى نفسه بعض الشيء. وخرجا من المكتب نحو الحديقة. وقبل أن يخرجا من باب الشركة، فاجأهم فارس الذي أوقف سيارته للتو. وكان ظهوره مبعث دهشة وارتباك، حيث هلل الحارث لرؤيته. وأبدت شيماء فرحتها. سلم فارس على شيماء بحميمية، بينما رمق عوني بنصف عين وتعداها بلا مبالاة. همست شيماء: _فارس بيه؟ ده عوني اللي كان سبب في وقوف الشركة. رفع فارس يده ومنع شيماء من إكمال كلامها:
_أنا فاكر الموظف عوني اللي إنتي صدعتيني عشان أرجعه الشركة. إنتي عملتي اللي في دماغك ورجعته الحسابات تاني؟ قالت شيماء: _عوني شريك الإدارة معايا يا فارس بيه. _شريك إيه؟ بح فارس صوته بغضب: _هو أنا سبتلك الشركة عشان تلعبي فيها براحتك؟ وحاول فارس أن يتماسك: _أنا معنديش مانع يرجع شغله مرة تانية. وكان عوني يستمع بصمت، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة صغيرة. ثم قال أخيراً: _من فضلك يا شيماء، ممكن نروح المشوار بتاعنا؟
ترددت شيماء لحظة وقالت: _مفيش مانع. _تروحي فين؟ سألها فارس: _إنتي لازم ترجعي معايا المكتب عشان أشوف الدنيا حصل فيها إيه. ودون أن يمنحها فرصة للاختيار، تردف: _يلا بينا. وجذبها برفق من يدها وصعد درجات السلم. ثم استدار نحو عوني. ونظر للساعة: _أعتقد أن وقت العمل لسه ما خلصش. اتفضل ارجع على شغلك.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!