تحميل رواية ضروب العشق بقلم ندى محمود توفيق pdf
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هناك بعض الأقاويل التي تصف العشق على أنه "ثقة". ولكن في حال انقشعت الثقة وانحلّت الخيانة والغدر والكذب محلها، فسينقشع معها مفهوم العشق على أنه ثقة، ويصبح يمثل بالنسبة لهم ما هو إلا تلاعب بالمشاعر كدمية على مسرح يحركها صانعها كما يشاء. فتذوق طعم الغدر يماثل السم الذي لا تشعر بمذاقه حين يقدم لك في صحن طعام شهي، ولكنه يسري في جسدك وأعضائك فيدمرها ويجعل نهايتك الموت. "ملاذ" كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. وكل دقيقة تسترجع لحظة اكتشافها لخيانته القذرة، وكيف أ...
رواية ضروب العشق الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندى محمود توفيق
(( ضروب العشق ))
_ الفصل الواحد والعشرون _
تسارعت نبضات قلبه وبدأ عقله في افراز هرمون الادرينالين فتحول لقطعة من النيران الملتهبة واندفع يبحث عنها في كل مكان من الممكن أن تكون به في إطار الحفل ولكن لا أثر لها وكأنها تبخرت في الهواء !! ، ظل يبحث عنها قرابة الخمس دقائق واحس لوهلة بأنه سيفقد عقله وداهمه شعور بالعجز ، جالت صورة زوجته المتوفية في ذهنه فهز رأسه بالنفى وهو يقسم بأنه لن يسمح له بأذيتها أيضًا .
خرج من الحفل فورًا شبه راكضًا واستقل بسيارته ثم أخرج هاتفه بعد أن تذكر بأنه وضع جهاز تعقب في هاتفها منذ يومين .. فحرك محرك السيارة وأخذ يتبع الجهاز الذي يقوده لمكانها .
أوصلت به الإشارة إلى نفس النهاية المأسوية لزوجته فنزل من سيارته وهو يحدق بالمبنى الذي يتكون من ثلاث طوابق لتظهر في عيناه نظرة تسقط الرعب في قلوب اعتى الرجال ثم تحرك ناحية المبنى مسرعًا وبمجرد ما أنا دخل الطابق الأرض سمع صوت بكائها البسيط فصاح مناديًا عليها ليأتيه صوتها من أحد الغرف الداخليه وهي تجيبه ليسرع إليها راكضًا ويجدها مكبلة في مقعد خشبي ، فيهرول ويسألها بهلع وهو يفك عن يديها الحبال :
_ إنتي كويسة ياشفق ؟
قالت ببكاء ونبرة مرتعدة وهي تحاول معه فك الحبال عنها :
_ خدني من هنا ياكرم أنا خايفة أوي
احس بجسدها الذي يرتعش من الخوف فحاول الإسراع في تحريرها وهو أيضًا يبادلها مشاعر مختلطة ما بين الخوف والغضب ، لن ينتبه كلاهما للذي تسلل خلفهم في الظلام وهو يحمل بيده عصا غليظة وهبط بها على رأس كرم ليضع يده على رأسه متألمًا وتبدأ الرؤية تتشوش أمامه ، التفت برأسه للخلف ليرى وجهه فيحدقه بنارية وأبي الاستسلام فاستقام واقفًا مقاومًا الدوار الذي يفقده توازنه تدريجيًا ووجه له لكمة قوية بعض الشيء ولكنها لم تؤثر به كثيرًا حيث انتصب في وقفته بعدها ووجه له عدة لكمات أقوى اطاحت به أرضًا ولم يستطع المقاومة أكثر من ذلك وسط دوار رأسه ليغمض عيناه رغمًا عنه فتصرخ الأخرى باكية بعنف :
_ كـــــــــرم .. كـــرم ، كـرم
اقترب منها ذلك الوغد وقال مبتسمًا بشيطانية :
_ متخافيش يامزة شوية وهيفوق ، مش هيفوته العرض اطمني
" عرض " عن أي عرض يتحدث ذلك الحقير ، شعرت بدقات قلبها تتسارع ونظرت لكرم وهو فاقدًا الوعى على الأرض فازدادت حدة بكائها ولا تتوقف عن منادته لعله يفق !! ....
***
فتحت رفيف الباب بعدما سمعت الطرق المتواصل وإذا بها تندهش بعمها وعلاء ، فتهتف في صدمة مبتسمة :
_ عمي !! ، أهلًا وسهلًا حمدلله على سلامتك
رد عليه بنبرة حازمة :
_ الله يسلمك يابنتي جدتك وميار فين
كانت قسمات وجههم مريبة وعلاء اشبه بجمرة نيران متوهجة فانتابها الفضول حول أمرهم ولكنها أجابت على عمها بنبرة مضطربة :
_ ثانية هروح اندهم التفتت وصعدت الدرج متجهة إلى جدتها وكان زين لم يذهب هو وزوجته بعد وعندما سمع صوت عمه فخرج له ورحب به معانقًا إياه وحين رأى علامات السخط على وجه كليهما سأل باستغراب :
_ في إيه ؟!!
_ استنى لما تنزل ميار الف**** دي
نقل نظره بين علاء وعمه في دهشة مما قاله وفضل الانتظار حتى يفهم كل شيء ، وبعد دقائق بسيطة نزلت الجدة وخلفها حفيدتها واسرعت ميار إلى عمها لترحب به ولكن بمجرد ما أنا اقتربت منه وجدت كفه يهوى على وجنتها بقوة ويجذبها من خصلات شعرها صائحًا بها :
_ ياف**** بقى وصل بيكي التسيب لكدا
لجمت الدهشة الجميع وقيدت السنتهم فيما عادا زين الي اسرع وقبض على ذراع عمه هاتفًا بنبرة رجولية قوية :
_ في إيه ياعمي ، فهمنا الأول بتمد إيدك عليها ليه
عاد يصفعها مجددًا بقوة على وجنتها لتسقط هي على الأرض وتصرخ ببكاء وأخيرًا يخرج صوت الجدة صارخة بأبنها وهي تهرول نحو حفيدتها الملقية على الأرض :
_ طـــاهـــــر ، إنت اتجنيت إيه اللي بتعمله ده في بنت أخوك
خرج صوته للجميع مرعبًا وجهوري وهو يصيح بأمه :
_ أخويا !!! ، بقى هي دي الأمانة اللي سبهالك أخويا .. كان لازم اخدها وأربيها أنا عشات تفهم الأصول والغلط والصح ، أنا اللي غلطان إني سبتك تربيها كان المفروض أفهم أنك بتعرفي تدلعي بس وزي ما عملتي مع حسن وزين ولولا إن محمد الله يرحمه لحق ولاده كان الله اعلم وضعهم كان هيبقى ازاي دلوقتي
كان علاء صامتًا يجلس على أحد المقاعد ويعقد ذراعيه أمام صدره ويحدق بميار في استحقار واشمئزاز ، وأخرج من جيبه مجموعة من الصور الوضيعة لها مع فتى ألمانى وهي بين أحضانه وملابسها أشبه بملابس داخلية وبعض الصور كانت بها شبه عارية تمامًا ، ثم القى بالصور على الأرض أمامهم جميعهم لتتناثر في أماكن مختلفة دون أن يتحدث لتشهق هدى بصدمة وكتمت رفيف شهقتها المرتفعة واضعة كفها على فمها ، أما زين فحين تطلع للصور ووضحت له اوضاعهم جيدًا ومنظرها الفاضح فاشاح بوجهه للجهة الأخرى مستغفرًا ربه بصوت وصل لأذانهم ومسح على وجهه حين أحس بغضبه بدأ يخرج من أعماقه .
التقطت الجدة إحدى الصور الملقاة وأخذت تتطلع إليها بعدم تصديق تريد تكذيب عيناها وتقول أن هذه ليست حفيدتها ولكن هيهات فلا تستطيع تجاهل مل تراه عيناها ، وبعد دقائق من التحديق في صورها نظرت لها وابتعدت عنها نافرة وهي تقول بعدم استيعاب :
_ معقول تعملي كدا ياميار !!
كانت ميار تخطف نظرات سريعة على الجميع وترى نظراتهم لها فانفجرت في البكاء وقالت محاولة الدفاع عن نفسها :
_ لا الصور ده كذب
اخذت حصتها من جدتها التي صفعتها هي الاخرى على وجهها بعنف صارخة بها بستياء مدمر وعدم رغبة في سماع صوتها :
_ اسكتي خالص ياسافلة مش عايزة اسمع صوتك ، عمك عنده حق أنا اللي دلعتك زيادة عن اللزوم ودي نتيجة تربيتي الغلط ليكي
صاح طاهر في قسوة وبنفس نبرة صوته المرعبة :
_ ده اسمه زنا فاهمة يعني إيه زنا ولا مش فاهمة ، عارفة عقابه إيه عند ربنا أكيد مش عارفة ، أنا نفسي اقتلك دلوقتي بس مش قادر
لم يجدوا رد منها سوى البكاء العنيف فأكمل طاهر آمرًا إياها غير قابل للنقاش في قراره :
_ بكرا هنجيب المأذون وهتتجوزي علاء ، عشان نخفى الفضيحة اللي عملتيها دي
نظرت لعلاء الذي يحدقها بأعين وثبت الرعب في اوصالها وقالت رافضة من بين بكائها :
_ لا أنا مش هتجوز حد
هنا فجرت بركان علاء الخامد حيث هب واقفًا واندفع نحوها كالثور الهائج يجذبها من خصلات شعرها صارخًا :
_ لتكوني فاكرة إن أنا اللي عايز اتجوز واحدة زيك شرفها في الارض ، ده جواز مؤقت
اقترب زين من علاء وامسك بذراعه يسحبه معه هاتفًا :
_ تعالى ياعلاء معايا
سحبه من ذراعه معه للخارج بعد أن احس أنه هو أيضًا لن يتحمل البقاء هنا كثيرًا وإلا سيظهر عن حقيقته المتوحشة أمام الجميع والتي ستكون اسوء من عمه بأضعاف !! ......
***
تتحاشي النظر إليه حتى لا ترى نظراته الجريئة والوضيعة لها وعيناها تذرف الدموع دون توقف .. القت نظرة عليه وهو مكبل في المقعد بحبل غليظ ولا يزال فاقد الوعي فعادت بنظرها لذلك الوغد وهي ترمقه شزرًا ورعشة جسدها القوية يستطيع الشعور بها وهو يقف بعيدًا عنها ، ولكن هناك صوت في داخلها يطمئنها طالما هو معها لن يصبها لها مكروه وحين يستعيد وعيه ستستمد القوة من وجوده .. نظرت له مرة أخرى وهدرت باسمه على أمل أن يفتح عيناه :
_ كــرم
سمعت ذلك الوغد يجيب عليها ساخرًا في تشفي :
_ متخافيش يامزة هيفوق .. ده أنا مستنيه يفوق بفارغ الصبر عشان يشوف العرض قدام عينه
صرخت به في صوت مبحوح جراء البكاء والصراخ :
_ إنت حيوان مستحيل تكون بنى آدم ، ولعلمك مش هتنفد بعملتك دي أو حتى بجريمتك اللي عملتها
استقرت في عيناه نظرة جامدة وشفتيه مالت لليسار قليلًا باستهزاء ورغم أن نظرته كانت هادئة بعض الشيء ألا أنها قذفت الرعب في نفسها فاغمضت هي عيناها بارتيعاد ، تدعو ربها بأن يحميها هي وزوجها من مكره وشره ! .
دقائق قليلة وهي تراقبه في غيبوبته المؤقته حتى رأته يفتح عيناه ببطء وصوت أنين بسيط متألم يطلقه حتى سمع نبرتها المتلهفة :
_ كرم إنت كويس ؟
فتح عيناه على أخرهم حين أدرك نبرة صوتها جيدًا وحدق بها يتفحصها بنظرته حتى يطمئن بأن ذلك الحقير لم يقترب منه .. احس بيديه الملتفين للخلف ومكبلين بالحبال فهز ذراعيه بعنف حتى اهتز المقعد معها وصرخ به في أعين بها أحمرار مخيف يلقنه بأبشع الألفاظ :
_ فكني يا***** وحياة أمي لاقتلك يا******
كان هادئًا تمامًا إلى حد الاستفزاز حيث أجابه بعدم مبالاة لتهديداته :
_ تؤتؤ طاب وليه الغلط بس يا ابن الأكابر
لمعت عيني كرم بوميض تمكن أن يبعث القليل من الخوف إلى نفسه ، وخرج صوته يقارب إلى فحيح الأفعى وبنظرة أشبه بنظرة سفاح :
_ فكني بس وشوف ابن الأكابر ده هيعمل فيك إيه
لم يبالي للمرة للثانية وتصنع عدم التأثر بنظرته ونبرته .. هب واقفًا واقترب من شفق يقف بجوارها ويهمس باسمًا بلؤم :
_ إيه رأيك تتفرج على العرض بنفسك المرة دي أصل المرة اللي فاتت فاتك
مالت شفق للجاني تتفادي اقترابه منها وهي تجفل نظرها أرضًا وتغمض عيناها تاركة العنان لدموعها .. خرج من كرم صوت جهوري نفضها هي في مقعدها :
_ أبــــــعـــــد عـنـهـا
أحب أن يستمتع بغضبه وجموحه أكثر ليقول وهو ينظر لشفق قائلًا بنظرة لم يفمها سوى بنى جنسه :
_ وأبعد ليه دي حتى أحلى من الأولى وعجباني أوي
عيناه كانت بها نظرات شهوانية وماكرة وصلت لكرم فورًا ، وقوله " الأولى " كان من الواضح أنه يقصد زوجته التي قتلها فهيج عواصفه ليصيح منذرًا دون أي تهاون :
_ هاخد روحك بإيدي يا*****
ابتسم بلؤم ثم مد يده إلى وجنتها يتعمد لمسها أمامه حتى يثيره أكثر ولكنها بمجرد ما أن شعرت بلمسة يده القذرة على وجنتها حركت رأسها وغرزت أسنانها بعنف في كفه ليسحب يده مسرعًا بتألم ويهدر ضاحكًا بتلذذ ليظهر عن أسنان صفراء مقززة تثير الاشمئزاز في نفس أي شخص :
_ اشطا أنا بحب القطط الشرسة ولسا فاكر اللي عملتيه في المقابر
كان كرم يحاول تحرير نفسه من هذه الحبال بأي شكل ممكن ويحرك ذراعيه بقوة على أمل أن يخرجهم من قيدهم ، أما الآخر فقد مد يده وجذب حجابها عن شعرها معلنًا عن بداية العرض لتطلق هي صرخة مرتفعة وهي تحاول إبعاد يده ، لم ترى كرم الذي خرج بركانه وأصبح وجهه أشبه بشبح مرعب يظهر في عتمة الليالي وأخذ يهتز بالمقعد في جنون حتى احس بأنه سينكسر به وهو يسبه بكل ما تؤتي على لسانه من الفاظ ويصرخ به حتى يبتعد عنها ولكنه توقف عن الحركة حين جرحه مسمار في المقعد من الخلف فهدأت نفسه قليلًا ولم يضيع وقت حيث بدأ يحك الحبال الملتفة حول يديه في المسمار بعنف .
كانت شفق ترتجف ولكنها تحتفظ بشجاعتها وتقاوم لمساته على وجهها وشعرها بشراسة متيقنة بأنه لن يتمكن من الحاق الضرر الجسدي لها وزوجها بجوارها .. بينما كرم فلم يتوقف عن الحك في المسمار حتى ذابت غلظة الحبال قليلًا ولن يتبقى سوى القليل حتى يتحرر ويطلق عنان انتقامه على ذلك الوغد .
رآه يمد يده لبلوزتها المزررة ويشق الجزء العلوي بها في نظرات جائعة لجسدها فجن جنونه أكثر وصرخ وجسده يهتز من فرط عصبيته :
_ يا***** أما قطعتلك إيدك الـ **** دي مبقاش أنا كرم العمايري
وأخيرًا تحرر وأصبح حرًا وسينتقم من ذلك الحقير شر انتقام باعد بين يديه بعنف لتسقط الحبال عنها وكان الآخر يقترب على وشك تقبيل جزء جسدها الذي كشفه فأغار عليه كالوحش وجذبه من ملابسه من الخلف وادراه إليه ليوجه له لكمة كانت أقوى من قوة جسده حيث ابرحته أرضًا وجثى فوقه يلكمه بكلتا يديه في وجهه حتى أصبح عبارة عن لوحة دماء وفقد وعيه ولكنه لم يتوقف فكان كالمجنون لا يرى شيء أمامه سوى زوجته التي قتلها ومحاولته للاعتداء على زوجته الثانية الآن ، لم يشعر بنفسه عندما جذب الحبل الملقى على الأرض ولفه حول رقبته حتى يقتله تمامًا ولكن وجد حسن الذي ظهر فجأة وجذبه من فوقه وهتف بهدوء في أذنه :
_ موته مش هيفدنا بحاجة .. لما تموته إنت كدا هتريحه
طالع كرم أخيه بذهول من قدومه وأنه كيف عرف بالذي حدث معهم ولكن لم يهتم كثيرًا حيث هز رأسه بإيجاب يوافقه على رأيه دون أن يفصح عما جال في ذهنه الآن .. تحاشى حسن النظر إلى زوجة أخيه بعد أن القى نظرة عليه عندما دخل ورآها في حالتها المزرية هذا فاشاح بنظره عنها فورًا .. انتصب كرم في وقفته ونزع سترته عنه ثم لفها حولها وهو يخفيها بجسده ثم جذب حجابها من على الأرض ووضعه على شعرها بعشوائية ولف ذراعيه خلف المقعد ليفك عنها الحبال ثم امسك بكفيها بنظر لرسغها الذي رسم عليه الحبل حدًا أحمرًا ومؤلم لمجرد النظر له ، رفع نظرته المعتذرة لها ويثبتها على عيناها الدامعة .. جذبها لصدره بعدما احس بارتعاشة جسدها وقبَّل شعرها من فوق الحجاب هامسًا في نبرة عادت لطبيعتها وليست النبرة المرعبة الذي كان يتحدث بها وهو مقيد بالحبال :
_ أنا جنبك ياشفق اهدى خلاص ، هاخدلك حقك إنتي وأروى منه
سمع همسها الضعيف الذي وصل لأذنيه فقط من فرط انخفاضه وهي تترجاه ببكاء :
_ متقتلهوش ابوس ياكرم ماتقتله أنا مش هقدر اخسرك
رتب حسن على كتفه أخيه هاتفًا بخشونة :
_ وديها البيت ياكرم وأنا هقعد مع ال**** ومسعد جاي دلوقتي
كان يتساءل في قرارة نفسه عن الذي يحدث وكيف عرف الجميع ولكنه رأى أن الوقت ليس مناسبًا وفعل كما قال أخيه فساعدها على الوقوف وسار معها وهو يضمها لصدره تاركًا أخيه معه وهو ليس لديه أدنى شك أن حسن لا يحتاح لتوصية في مثل هذه الأمور ، وهو أساسًا يتحرق شوقًا لكي يذيقه أصناف العذاب
.
كانت تتحرك ببطء وغير متوازية كشخص لا يقوى على الوقوف ، احس هو بذلك من خلال طريقة سيرها ليحدجها مبتسمًا يبث لنفسها الآمان مجددًا وانحنى بحزعة للأمام حاملًا إياها على ذراعيه فتعلقت برقبته ودفنت وجهها بين ثنايا صدره مغمضة عيناها بنفس مطمئنة لا تحمل أي خوف وهو يسير بها في اتجاه السيارة واجلسها في المقعد المجاور له برفق ثم اغلق الباب والتفت من الجهة الأخرى ليستقل في مقعده المخصص للقيادة وينطلق بها إلى منزل أبيه حيثما توجد أمه وشقيقته وجدته ! ....
فتحت شفق باب السيارة وكانت على وشك النزول ولكنه سبقها وامسك بيدها يساعدها على النزول في كامل اللطف وهو يحدجها بابتسامته المألوفة ، ولأول مرة تقلق حياله واثبت لها أن لديه جانب مظلم حقًا من مجرد نظرات وكلمات ، وكلما تتذكر معالم وجهه المرعبة تسري في نفسها مشاعر متضاربة من بين الاضطراب والدهشة من أنها كانت لا تتوقع أن يكون بكل هذا الوحشية فكان سيقتله بالفعل مختنقًا لولا أخيه الذي لحق به .. الألفاظ البذيئة التي نطق بها ! ، عليها أن تعترف أنها من فرط ما رأت من رقته وحنانه وخجله ظنته أنه لا يعرف حتى كيف يسب ! ، واليوم هي اكتشفت جانبًا مختلفًا تمامًا من شخصيته ، وسيسبب لها الدهشة لفترة طويلة وكلما تتذكره ستنذهل كأنها المرة الأولى ، إن كان كذلك فقط وهو مكبل فماذا سيفعل به حين يعود لأخيه !! .
امسكت بيده وسارت معه .. كان يضم كف يدها بين كفه الأيمن وذراعه اليسار يلفه حول كتفيها ، فتوقفت هي قبل أن يصلوا لباب المنزل وقالت بترقب :
_ إنت هترجع لحسن مش كدا
_ أكيد .. دي اللحظة اللي منتظرها من سنة عشان اطفي النار اللي جوايا
ضغطت على كفه بقوة وحدجته بأعين كلها شجن وخوف :
_ اوعدني زي ما وعدت سيف إنك هتحميني وتحافظ عليا .. اوعدني ياكرم إنك متقتلهوش ، متحرمنيش منك إنت كمان صدقني مش هقدر استحمل اعيش في حياة مفيهاش حد من اللي بحبهم
طالت نظراته إليها ، كانت كلماتها اعترافًا غير مباشر بعشقها له وتحمل جميع معانى الحب والملاذ والمأمن ، فكان صامتًا تمامًا يخشى أن يعدها بشيء ويخنث وعده إذا فقد جنونه ، ليجدها تهتف تحثه على التكلم بنظراتها المنكسرة والمُحتاجة لوجوده :
_ اوعدني !
تنهد بعدم حيلة وتمتم في خفوت مذعنًا لرغبتها :
_ أوعدك ياشفق
لاحت بشائر الابتسامة على صفحة وجهها مع دموعها التي انهمرت من بين جفنيها ليمد انامله ويجففهم بحنو ، ثم انتبه لسترته التي تضعها على كتفها فقط وملابسها الممزقة من الداخل تظهر عن جزء صدرها العلوى فأمسك بالسترة وأبعدها عنها ثم عاد يلبسها إياها وهي تغلغل ذراعيها في داخلها ويغلقها حول صدرها محاولًا عدم النظر قائلًا بإحراجه المعتاد الذي لم يتخلى عنه :
_ البسيها كويس عشان ممكن يكون زين موجود جوا
ثم عدل من حجابها العشوائي الذي يظهر عن خصلات شعرها ولفه بانتظام وهي تحدجه مبتسمة فتزيد من إحراجه الذي يحاول اخفائه ، وبعد لحظات أخذ بيدها وساروا باتجاه الباب وطرق عدة طرقات خفيفة لتفتح هدى وتصيبها الدهشة فور رؤيتها لأبنها الذي في حالة مزرية هو وزوجته وهتفت بهلع :
_ كرم ، حصل إيه يابني معاكم ؟
دخل وجاب بنظره في المنزل ليرى عمه وعلاء وأخيه وجدته أيضًا والجميع مجتمعين فيما عدا ميار ثم عاد بنظره إلى أمه وقال :
_ خدي شفق ياماما فوق وخليها ترتاح وتاكل حاجة لغاية ما آجى
سمع صوت عمه المهتم :
_ ليه منظرك كدا يابني حصل إيه معاكم ؟
_ مفيش حاجة ياعمي احنا كويسين لما ارجع هقولكم كل حاجة
ثم استدار ورحل مجددًا وسط نظرات زين المتساءلة في حيرة وشك بأنه يخفى شيئًا .. استقام واقفًا ولحق بأخيه مهرولًا ولكنه فوته حيث استقل كرم بسيارته وانطلق بها كالسهم ، فأصدر هو زفيرًا قوى بخنق !! ...........
***
يجلس حسن على مقعد خشبي ويحدق به بنظرة كلها شر بعد أن أفرغ هو الآخر شحنة غضبه فيه وبيده سكين يقلب بها يمينًا ويسارًا بعدما جلبها مسعد لكرم كما طلب منه في الهاتف ، وتارة ينظر للسكين ثم له وهو يفتر عن ابتسامة مريبة ، ثم هب واقفًا وقال بنبرة مرعبة وابتسامة أكثر رعبًا :
_ الحقيقة كان نفسي أعمل فيك اللي نفسي أعمله بالسكينة دي بس السكينة دي غالية أوي على كرم وهو هيكون حابب إنه يضع اولى أشكال انتقامه منك وثأره لمراته من خلالها ، وده ميمنعش إنك مش هتنال نصيبك منى وبطرق مختلفة بس مش دلوقتي
انضم كرم لهم وسار باتجاه ذلك الوغد وحدق بأخيه أولًا ثم التقط السكين من يده واقترب له هامسًا أمام وجهه في أعين تلمع بوميض الثأر وسرعان ما تخلى عن وجه اللطافة الذي كان يتحدث به مع زوجته قبل أن يأتى :
_ والله ووقعت تحت إيدي أخيرًا ، للأسف مش هقولك إنت محظوظ لإني اللي هعمله فيك هيخليك تتمنى الموت ألف مرة في الثانية ومش هخليك تنوله ، هخليك تجرب العذاب اللي عذبته ليها قبل ما تموت وهستمتع وأنا بسمع صوت صراخك زي ما كانت بتصرخ ومحدش سامعها
توجه حسن وجلس على مقعده وهو يهيأ نفسه لمشاهدة العرض المثير الذي سيقوم به أخيه في ذلك الحيوان ، وكان يقف بجواره مسعد يتطلع إليه أيضًا مبتسمًا بتشفى .
أكمل كرم وهو ينحنى قليلًا للأمام ليكون في مستواه جيدًا ويهدر بنظرة غامضة وأعين مظلمة كسواد الليل :
_ تعرف الطب الشرعي قال إيه .. قال إنها تعرضت للاعتداء الوحشي اللي ادى إلى نزيف معاها وبعد ما تعرضت للاعتداء تم طعنها 11 طعنة في أمكان متفرقة من جسدها وماتت في الحال ، وأنا شوفتها قبل ما تتدفن وشوفت الطعنات في جسمها وفاكر أمكانهم كويس أوى ، هااا تحب نبدأ بانهى فيهم ؟
تمكن الرعب من المكبل في مقعده جراء آخر جملة وسؤال وتعرقت جبهته من فرط الخوف ثم وجده يكمل بشراسة أكثر وهو يرفع أمامه السكين :
_ فاكر السكينة دي لقيناها في موقع الجريمة وإنت طلعت فصيح أوي مسحت بصماتك من عليها وسبتها مكنتش تعرف إن السكينة دي هي اللي هتكتب نهايتك
رفعها وقربها من ذراعه ثم حركها للأسفل على جلده لتدمي ذراعه الدماء ويطلق هو صراخًا متألمًا فيقول غير مباليًا بصراخه :
_ مش إيدك دي اللي لمستها برضوا ، ولمست مراتي النهردا قدام عيني
ثم اتجه إلى ذراعه الآخر وفعل المثل ولكن بعنف أشد وهو يكمل قاصدًا شفق بحديثه :
_ قولتلها متلمسهاش وهقطعلك إيدك مصدقتنيش للأسف .. ابتزتها بصورها وحاولت تعتدي عليها في المقابر ودخلت عليها البيت بليل وبتقولها كرم مش هيقدر ينقذك مني والنهردا خطفتها وفكرت تعتدي عليها قدامي وكنت متوقع إني هسكت وهقعد اتفرج عليك !!
كان الآخر صوت صراخه يملأ المكان من الألم بينما كرم فنزل بالسكينة إلى فخذه وغرزها في لحمه بكامل القسوة وهو يهتف يقصد بكلامه هذه المرة أروى :
_ طعنتها هنا فاكر ولا لا
صوت صرخته جلجلت المكان ورنت في أذانهم كالبرق وهو لا يزال يصرخ من الألم وأطلق صرخة اقوى من السابقة حين شعر به يخرجها ويغرزها في فخذه الآخر وهو يكمل :
_ وهنا كمان !
ثم أخرج السكين من فخذه بعدم رحمة ليصرخ الآخر أكثر ثم هتف :
_ دلوقتي بس أقدر أقول إني طفيت جزء بسيط من ناري ، وهكتفى بده حاليًا بس خليك مستعد لإنك هتموت قريب أوي
ثم اقترب وفك عن يديه القيود فيسقط هو على الأرض وهو يصرخ من الآم ذراعيه وفخذيه فحدجه بنظرة نارية وابتسامة متشفية ووجه له ركلات متعددة بقدمه واحدة منهم استهدفها أسفل الحزام ، ثم التفت وقاد خطواته للخارج ليلحق به حسن بعد لحظات من التحديق بذلك الملقى على الأرض وهو يصرخ من الألم ، وكانت مشاعر متشابهة لمشاعر أخيه تجاهه .. استقام ولحق بكرم وكذلك مسعد تاركينه بمفرده وحين خرجوا من البناية هتف كرم محدثًا مسعد :
_ راقبه كويس يامسعد وميغفلش عن عينك لحظة وعايزك تقولي كل مكان بيروحه ومتخلهوش يحس إنك بتراقبه هو دلوقتي أكيد هيتصل بحد عشان ياجي يلحقه راقبه واعرفلي هيروح فين
أماء له بالموافق ثم استدار واتجه نحو السيارة ليستقل بجوار أخيه وينطلقوا ، وبينما هما في الطريق هتف كرم بتساءل :
_ إنت عرفت اللي حصل إزاي ؟
_ كنت مخلي واحد يراقبك عشان متعملش تصرف متهور لو لقيته وتودي نفسك في داهية ، وشافك وإنت داخل المكان ده ولما مطلعتش منه لوقت طويل اتصل بيا وقالي على مكانك فجيت علطول
لم يعقب على فعل أخيه وصمت وهو يثبت نظره على الطريق ........
***
انتهى من جلسة حديثه مع الجميع وهو يسرد لهم ما حدث بإختصار شديد ، ثم قاد خطواته نحو غرفته ليطمئن عليها .. فتح الباب ببطء وادخل رأسه فقط يلقى نظرة عليها قبل أن يدخل ليراها ممدة في فراشه وتولي ظهرها للباب .. دخل بجسده كاملًا ثم اغلق الباب وسار باتجاه الفراش ليجلس على حافته ويهمس في صوت منخفض :
_شفق !
كانت مستيقظة ولكن من شرودها وتفكيرها فيه وهي تتساءل " ماذا فعل ياترى ؟ " لم تشعر بوجوده إلا حين سمعت صوته فهبت جالسة والتفتت بجسدها كله ناحيته تهتف باهتمام :
_ كرم .. عملت إيه معاه !
تمتم في دفء :
_ متخفيش وفيت بوعدي ومقتلتهوش ، واخدتلك جزء من حقك إنتي واروى وقريب أوي إن شاء الله هكمل انتقامي منه
_ هتعمل إيه تاني ؟!
قالتها في قلق فأرسل لها نظرة من شأنها أن تخفف من حدة قلقها وتطمئنها وتمتم :
_ هتعرفي لما ياجي وقتها
تشدقت في خوف حقيقي ونفس مضطربة :
_ كفاية ياكرم اللي عملته فيه النهردا ، ابعد عنه بقى ده ممكن يأذيك
_ متقلقيش ، قومي يلا البسي طرحتك عشان نرجع البيت .. إنتي كويسة الأول واكلتي ولا لا ؟
أماءت بإيجاب وقالت بنبرة متهمة :
_ أيوة كويسة الحمدلله واكلت اطمن .. أنا اللي المفروض اسألك إنت كويس ولا لا ؟
ابتسم ابتسامة منطفئة لم تصل لعيناه وقال بمرارة يتحدث معها لأول مرة عن مايشعر به :
_ كويس أوي .. عارفة أنا كنت حاسس بإيه ياشفق .. كنت بحس إن في حاجة فوق قلبي وكل ما افتكر اللي حصلها وإني مش قادر اوصله أو اخدلها حقها كانت الحاجة اللي فوق قلبي دي بتخليني احس بنار قايدة وبتاكل فيا بالبطيء ، ومكنتش بقدر اتهنى في نومي ، بس النهردا وبعد اللي عملته فيه حسيت إن النار دي اطفت شوية
كانت تستمع له بسكون وملامحها أظهرت عن علامات الإشفاق والشجن بينما هو فأكمل بنبرة لا تختلف كثيرًا عن سابقتها :
_ كنت خايف عليكي أوي .. وخوفي زاد لدرجة الجنون لما عرفت إن الراجل اللي بيبتزك بصورك طلع هو اللي قتل أروى ، خوفت عليكي ليأذيكي زيها ويخليني اعيش عذاب الضمير تاني .. وكنت مستحيل اسمح إن اللي حصل مع أروى يتكرر تاني معاكي ، لما شوفته هو وبيلمسك اتجننت وحسيت بشعور وحش أوي مش هعرف اوصفهولك ولوهلة تخيلتها هي وإنه عمل معاها كدا بس الفرق إني أنا مكنتش جمبها ، بس أنا كنت جمبك وشايفه قدامي ومكنش قادر امسكه وده اللي جنني ، تعرفي لولا إن اللي عملته فيه مكنتيش هتقدري تشوفيه ومش هينفع مكنتش رجعتك البيت وكنت خليتك تشوفيه قدام عينك وهو بيتعذب وبيصرخ من الألم
لاحت على شفتيها الصغيرة بشائر ابتسامة رائعة وعيناها كانت تلمع بدموعها المتجمعة فيهم .
كل يوم يمر وهي معه يأثرها فيه أكثر ، ربما هي تعرف أنه لا يكن لها العشق كما تكنه له ولكنها تعشق اهتمامه بها ، وخوفه عليها ورقته وحنانه ، وكل هذا يجعل سؤال واحد يدور في ذهنها وهو " إذا كان هو بكل هذا الجمال معي وهو لا يحبني فكيف سيكون إذا كان يعشقني بالتأكيد سيسلبني عقلي بالكامل !! " .
مالت شفتيها تدريجيًا حتى افترت عن ابتسامة عريضة واقتربت منه تعانقه وذراعيها تحاوط رقبته وهمست في نبرة انوثية رقيقة :
_ مش عايزة أشوفه ، أهم حاجة إنك كويس وبخير .. ربنا يخليك ليا
رفع يده لشعرها الأسود الناعم مترددًا ثم أخذ يملس عليه برفق ودفء وشفتيه تميل قليلًا للجانب دون أن يظهر عن اسنانه ، ابتعدت عنه وقالت مازحة تحاول إضفاء شيء من البهجة :
_ لا بس الصراحة بعد اللي حصل ده صدقتك لما قولتلي متتغريش في المظهر
لم تفشل في رسم الضحكة على وجهه حيث أجابها بخفوت :
_ اطمني أنا مبكونش كدا إلا مع اللي بيأذيني وبيأذي عيلتي ، لكن مستحيل اخليكي تشوفي الجانب الوحش ده مني مهما حصل ومهما اتعصبت
استقرت في عيناها نظرة عاطفية وخرج صوتها ناعم كالحرير :
_ عارفة ومعنديش شك في ده !
_ طيب يلا بقى قومي عشان عشان نمشي لإني تعبان أوي ومحتاج ارتاح شوية
اماءت بالموافقة ووثبت واقفة ثم بدأت في ارتداء حجابها أمام المرآة .......
***
اليوم اتمت اليوم الثالث منذ رحيلها ، لا يحدثها ، لا يراها ، لا يعرف عنها شيء سوى أنها في حالة مزرية .. هو يعرف عشقها الجنوني له وقلبها المتيم بعشقه ، وكان آخر شيء يتوقعه أن تهجره هي ، فقد ظن أنها بلاءه لن ترحل عنه أبدًا ولن يتمكن من التخلص منها مهما حدث ! ، ولكن إصرارها على الطلاق وعدم رغبتها في رؤيته أو سماع صوته تدهشه كل يوم أكثر وأكثر ! .
هل هذا ندم أم شيء آخر ؟!
بالتأكيد هو ندم وقد اختلط بمشاعر متضاربة عندما رفضته وأبت أن تكون زوجته أكثر من ذلك ، نفسه تأكله وضميره يقتله لأنه رغب في قتل طفله البريء وقتل معه نفسها ، أهانها ولامها كأنها المخطئة وحدها ! ، والآن هو يعترف أنه خطأه بالفعل .. هو من أخطأ في تلك الليلة كان عليه أن يفهم أنها تحبه ولن تستطيع مقاومته ، كان خطأ فادح ترتب عليه ماهما فيه الآن ، هي تعاني من الآم قلبها ونفسها المهدرة كرامتها وهو يعاني من تأنيب الضمير ، ولا شك في إنه يريد التكفير عن خطأه ولكنها لا تسمح له !! .
كان في غرفته بمنزل والده بعدما عاد مع أخيه وانضم لغرفته يشاركها اضطرابته ، ففتحت هدى الباب ودخلت ثم اقتربت لتجلس بجواره على الفراش هاتفة باستغراب :
_ الوقت اتأخر ياحبيبي مش هترجع لمراتك مينفعش تسبيها وحدها لوقت متأخر كدا
_ يسر عند عمي ياماما
هزت رأسها بتفهم وقالت بابتسامة مشرقة وفرحة :
_ أيوة كدا أفضل كويس إنك خليتها تروح تقعد مع أمها عشان تاخد بالها منها ومن ابنها هي دلوقتي محتاجة تغذية وعناية خاصة
لا تعرف شيء ويخشى أن يخبرها فيصبها شيء من الصدمة وبالأخص حين تعرف بأنهم على عتبة الطلاق .. حسم أمره وهتف في أعين زائغة ونبرة بائسة :
_ يسر سقطت وراحت تقعد عند أمها وعايزة تتطلق وليا تلات أيام مكلمتهاش ولا شوفتها بسبب إنها مش بتسمحلي أساسًا
استحوذت عليها الصدمة بالكامل ، تحاول في البداية استيعاب فكرة أنها اجهضت الطفل ومن ثم استيعاب أمر الطلاق المفاجيء ولكن عقلها يرفض الاستيعاب أو حتى المحاولة ويأبي أن يصدق ما سمعته أذنها .. ظلت لدقيقة بالضبط ساكنة دون أن تصدر أي صوت وكأنها تنتظره أن يقول أنه يمزح معها ولكن لا حياة لمن تنادي فهتفت بذهول :
_ طلاق إيه والطفل نزل إزاي ، حسن بلاش تهزر معايا هزار بايخ يابني أنا مش حمل هزارك
_ مش بهزر ياماما هو ده اللي حصل فعلًا ، بحاول أشوفها وأخليها ترجع بس رافضة تشوفني نهائي
_ حصل إزاي ده هي لسا من تلات أيام كانت مكلماني وبتقولي إنها حامل وفرحانة ، إزاي سقطت ده حتى عمك وعلاء مجابوش سيرة نهائي
قالتها بشيء من الانفعال ليتنهد هو الصعداء ويستطرد مخترعًا كذبة حتى يخفي قذاراته عن أمه :
_ بعد ما كلمتك تعبت خالص وروحنا المستشفى والدكتور قال إنها أجهضت بسبب إنها مكنتش بتهتم بنفسها وعرفت متأخر إنها حامل ، واحنا كان في مشاكل كتير بينا ومكناش متفاهمين وشدينا مع بعض فهي لمت هدومها ومشيت وعايزة تتطلق
هتفت هدى بحدة ونظرات ثاقبة :
_ يسر بتحبك ياحسن وكلنا عارفين ده ومستحيل تطلب الطلاق إلا لو حصلت حاجة كبيرة ومش هيَّنة ، قولي حصل إيه ده إنتوا مكملتوش شهرين ؟!
ضيق عيناه في ندم والقى نظرة طويلة على أمه ، لا يتمكن من مواجهتها بالحقيقة التي هو المخطأ الوحيد فيها ، أبعد نظره عنها متمتمًا بصوت غريب :
_ أنا اللي غلطان ، هي عندها حق تطلب الطلاق ، أنا اللي اتسرعت من البداية في الجواز منها كان لازم افكر كويس أوي قبل ما اتصرف بتهور
جحظت عينان هدى بريبة من ما يتفوه به " تسرع ، تهور !!! " وماذا عن حديثه أمامها هي وعمه عندما عرض على عمه وطلب منه الزواج من ابنته !! .
هتفت بصرامة :
_ تسرع !! ، مش على أساس إنك كنت معجب بيها ورغم إني مكنتش مصدقة الكلام ده بس قولت طالما إنت بتحبها زي ما قولت يبقى مش هوقف قدامك ، بس شكله الموضوع مكنش إعجاب ولا حب صح ولا لا ؟!
قال باختناق ووجه بائس :
_ ماما أنا مش قادر اتكلم والله صدقيني .. لما اكون جاهز هاجي واحكيلك كل حاجة
هدى بنفاذ صبر وضجر من إخفائه عليها لحقيقة الأمر :
_ ماشي ياحسن !!!
استقامت واستدارت ناحية الباب ورحلت ، وبقى هو يحملق في السقف بشرود كما كان قبل مجيئها ...... !
***
كان حسن في مكتبه بالشركة في الصباح التالي يباشر أعماله بتركيز شديد في محاولات بائسة منه لصرف تفكيره عنها .. يستطيع المقاومة لخمس دقائق ثم تعصف بذهنه صورتها من جديد فيزيحها ويحاول التركيز مجددًا على عمله ، حتى صك سمعه صوت رنين الهاتف فامسك به وتطلع إلى شاشته ليتأفف بخنق بعدما رأى اسم المتصل وأجاب :
_ أيوة ياعمي
_ تعالى ياحسن عندي على البيت عايز اتكلم معاك
تمتم بعدم حيلة متنهدًا بعمق :
_ حاضر ياعمي جاي
استقام من مقعده وهو يمسح على وجهه بعدما اغلق الهاتف ووضعه في جيبه ، سيهيأ نفسه من قبل أن يصل لأي شيء قد يقوله عمه أو يطلبه منه .. أخطأ ويجب عليه دفع الثمن حتى لو كان ثمن غالي ولا يريده ! .
وصل إلى منزل " طاهر العمايري " نزل من سيارته ، وحثته قدماه على السير في اتجاه الباب يمر على الحديقة الكبيرة نسبيًا أولًا حتى يصل للباب وبينما هو في طريقه يسير متثاقلًا كدليل على عدم رغبته في مقابلة عمه وهو يتوقع جيدًا ما سيطلبه منه ، وجد عيناه ترتفع لأعلى بتلقائية ، وبلحظة عابرة التقطتها نظرته وهي تقف في شرفة غرفتها بأعلى تتابعه .. توقف عن السير ورفع رأسه لأعلى ينظر لها بصمت يتفرس ملامحها التي ظهرت عليها الكآبة ، ليرى في عيناها نظرة ثاقبة تحمل الغضب والبغض .. لم يراها تنظر له هكذا ابدًا من قبل مما جعله يطيل النظر إليها وكأنه يبحث عن شيء معين بين ثنايا عيناها .. استدارت وابتعدت عن النافذة حتى تختفي عن ناظريه ليعود هو برأسه لوضعها الطبيعي مصدرًا زفيرًا حار ، وأكمل طريقة نحو الباب حتى فتحت له زوجة عمه تخبره بأن عمه بانتظاره في مكتبه الخاص فأماء بتفهم وتحرك نحو المكتب .. طرق طرقتين خفيفتين ليأتيه صوته الغليظ يسمح للطارق بالدخول فامسك بمقبض الباب واداره ثم فتحه ودخل وتركه خلفه مواربًا .. كان طاهر يجلس على أريكة سوداء يحدجه بنظرته الهادئة وفي نفس ذات اللحظة حازمة ، فاقترب وجلس بجواره وسأل كلاهما الآخر عن أحواله ثم بدأ طاهر بالتحدث فيما هو مهم :
_ يسر مصممة على الطلاق بطريقة غريبة ومش عايزة تقول اللي حصل بينكم وتقريبًا لو سألتك إنت كمان مش هتقول ، ومن ساعة ما جات وهي شبه منقطعة عن الأكل وحالتها سيئة جدًا ، وأنا مش هقدر اشوفها بالمنظر ده .. أنا سلمتك بنتي ياحسن وامنتك عليها وآخر حاجة كنت اتوقعها منك إنك متحفظش على الأمانة
اطرق رأسه بخزي لا يقوي على رفع نظره في وجهه من خجله وتمتم بصوت حزين :
_ أنا آسف ياعمي !! .. أنا غلطان ومعترف بغلطي والله وعايز اكفر عن الغلط ده واحاول اخليها ترجع بس هي مش بتديني فرصة حتى احاول اتكلم معاها
ثم ثبت نظره على وجهه وقال بصدق ونبرة مهمومة يجيبه على الطلب الذي يتوقع أنه سيطلبه منه من قبل أن يطلبه حتى :
_ أنا مش عايز اطلقها !!!
رتب طاهر على كتفه وقال برزانة وأعين دافئة :
_ أنا مش جايبك هنا عشان اطلب منك تطلقها أنا جايبك عشان تتكلم معاها وتحاول تحل المشكلة اللي بينكم يابني ، أنا أكيد مش هكون حابب أنها تطلق ، بس لو صالحتها وحليت المشكلة وقتها هيكون في كلام تاني بينا
ابتسم له وشكره بامتنان على تفهمه :
_ شكرًا ياعمي .. إن شاء الله كل حاجة هتتحل
_ إن شاء الله يابن الغالي ، يلا اطلعلها واتكلم معاها
استقام فورًا وهو يوميء له بالأيجاب ، وسرعان ما انصرف وصعد الدرج يقود خطواته في اتجاه غرفتها ، وقف أمام الباب واستنشق شهيقًا طويل وأخرجه زفيرًا متهملًا ثم طرق الباب وفتحه ببطء ودخل ليقف ويلقى نظرة إمعان عليها وهي تقف أمام المرآة وتمسك بفرشاة للشعر تغلغلها بين خصلات شعرها الحريري برفق من أعلى وتنزل بها لأسفل خصلاتها ، وحين رأت انعكاس صورته في المرآة فتوقفت عن التسريح ونظرت له مطولة من المرآة في قوة ثم عادت تكمل التسريح وهتفت بصلابة :
_ اتمنى تكون جاي ومعاك اوراق الطلاق وإلا ملهاش لزمة جيتك
تنهد بيأس والتفت نصف التفاتة للخلف ليغلق الباب ثم تحرك نحوها بخطوات ثابتة وتوقف خلفها مباشرة يتطلع للمرآة التي تعكس وجهها إليه ويهمس :
_ أنا آسف !!!
خرجت منها ضحكة ساخرة على اعتذاره السخيف ، الذي لن يفيدها بشيء .. استدارت بجسدها كاملًا إليه وحملقت به في جفاء متمتمة بنبرة نجحت في أن توهمه من خلالها أنها لم تعد تعشقه :
_ للأسف جات متأخرة .. ياريتك كنت قولتها قبل ما انزل الولد .. آسف !! ، كلمة سخيفة وملهاش أي ستين لزمة زي حجات كتيرة في حياتي أولهم إنت
لم يعقب على جفائها وتقبله بدون اعتراض ، وتحدث بنبرة غير مصدقة :
_ دلوقتي بقيت مليش لزمة !
_ جاي ليه ياحسن ؟!
كان سؤال مباشر وواضح لا يحتاج لشرح تفاصيل وجهها وهي تقوله ، أما هو فأجابها بدون أي مقدمات وبعبوس :
_ جاي عشان اعتذرلك واخليكي ترجعي معايا البيت
سكنت للحظات تحدقه والصمت سيد الموقف حتى ابتسمت بمرارة وتجمعت الدموع في عيناها وهي تجيبه بشيء ليس له علاقة بما قاله :
_ فاكر لما قولتلك إني بتمني اكرهك وإنه في يوم من الأيام هكرهك فعلًا وابارلك على الفوز .. أنا دلوقتي اقدر اقولك مبروووك إنت اللي كسبت في اللعبة ونجحت إنك تخليني اكرهك ولأول مرة في حياتي احس إني مش عايزاك ولا عايزة اعيش معاك زي ماكنت بتمنى
لسانها ينطق بالكره وعيناها تتحدث بالعشق !! ، وهو ليس أحمقًا ليجهل عن قراءة عيناها التي تنظر له بشوق وكأنها تخبره بأنه تود معانقته وأنها تعشقه ولا تريد الافتراق عنه ولكن ما فعله يمنعها عن العودة من جديد .
تحرك خطوة للأمام وهمس وهو لا يفصله عنها شيء يحاول التماس العذر منها بنظراته :
_ طيب ممكن تتراجعي عن الطلاق ده وصدقيني أنا ندمان جدًا على اللي عملته وإني خليتك تنزليه وعايز اصلح غلطي على الأقل في الأول وبعدين نتطلق
حجة مختلفة اخترعها ليوهمها بأنه ينوي الانفصال عنها وحتى تعود معه لمنزلهم ولكنها لم تصدق اعتذاره ولا حتى ندمه وأنه يود تصحيح خطأ !! ، وأساسًا أي خطأ سيتوجب عليه تصحيحه أولًا هل اهانته المستمرة لها أم جفائه ، أو ربما يريد تصحيح صفعته لها وإجبارها على اجهاض طفلهم .
هتفت بحزن دفين وتذمر :
_ كفاية ياحسن متمثلش عليا إنك مهتم بيا ومتمسك بيا أوي لإنك عمرك ماحبيتني ولا هتحبني ، إنت حاسس بالذنب تجاه ابنك اللي كنت السبب في قتله وبتحاول تراضي ضميرك بالطريقة دي ، بس أنا مش هتراجع وهتطلقني
_ مش هطلقك يايسر أنا مش عايز اطلقك !!
قالها بشيء من الانفعال لتصيح به وهي تلكمه على صدره بعنف :
_ قولتلك متمثلش عليا دور الندمان ، أنا مهمكش في حاجة أساسًا .. وإنت واحد لا يطاق ومبتعرفش تحب حد .. أنا متخلتش عنك أو عن حبي ليك للحظة وكان دايمًا عندي أمل ومصممة إني هحصل على قلبك بس اكتشفت إنك معندكش قلب عشان تحبني بيه أصلًا ، أنا بكرهك ياحسن .. بكرهك وبكره اليوم اللي حبيتك فيه
توقفت عن لكمه على صدره ومدت اناملها لوجنتيها تجفف دموعها التي انسابت بحرارة على وجنتيها وأكملت بصوت مبحوح دون أن تنظر لوجهه :
_ طلقني حالًا وامشي ، طلقني وخليني ارتاح من الغلط اللي غلطته لما اتجوزتك
كالصنم يحملق بها دون أن يتكلم يتابع انفعالاتها ودموعها ويستمع لبحة صوته ، وقد بغض نفسه كثيرًا لأنه اوصلها لهذه الحالة ، ارتفع بها للسماء حين تزوجها وتركها الآن من القمة لتسقط من ارتفاع أمات الكثير في قلبها .
وجدها تعاود الصراخ به وهي تلح عليه بأن ينطقها :
_ بقولك طلقني إنت مبتفهمش .. طلقني واطلع من حياتي مش عايزاك تكون فيها بعد كدا
ضغطت عليه بشدة بكلماتها وبدون وعي أو ادراك لما ستسبب له هذه الكلمة من الآم فيما بعد قال بصعوبة وكأن الكلمة لا تريد الخروج و هو شبه مغيب عن الواقع :
_ إنتي طالق !
........... نهاية الفصل ..........
ندى_محمود
رواية ضروب العشق الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندى محمود توفيق
نطقها !! لم يخذلها حين توقعت بأنه سيمثل أمامها التمسك والاهتمام وبمجرد ما أن ضغطت عليه نطقها بسهولة من بين شفتيه!
جلست على فراشها بعد رحيله تحدق في اللاشيء أمامها وهي تبدأ في استيعاب أنها لم تعد زوجته. تمنع نفسها بصعوبة وتمسك على محابس عيونها حتى لا ينفجروا.
فتحت أمها الباب ودخلت لتقترب منها وتجلس بجوارها هاتفة:
ليه يايسر.. ليه يابنتي
نظرت لأمها وصاحت بصوت يغلبه البكاء:
عمره ماحبني.. والدليل إنه محاولش يصالحني حتى لقيني بطلب منه يطلقني وطلقني من غير تفكير ولا حتى يحاول معايا مرة واتنين وتلاتة يثبتلي إنه فعلاً زي مابيقول ندمان
احست أمها بأنها ترغب في البكاء وتكتمه في نفسها فيخنقها أكثر. لفت ذراعها حول كتفيها وضمتها لصدرها متمتمة بألم على نفس ابنتها الموجوعة وهي توافقها الرأى:
عندك حق أنا برضوا كنت متوقعة إنه هيتمسك بيكي اكتر من كدا.. متزعليش نفسك ياحبيبتي هو ميستاهلكيش إنتي تستاهلي واحد احسن منه يحبك ويحافظ عليكي
انخرطت في نوبة بكاء عنيفة وهي متشبثة بملابس أمها وتهتف من بين بكائها بصدق حقيقي:
لسه بحبه ياماما مش عارفة اكرهوا للأسف
أخذت أمها تملس على شعرها بلطف في محاولة منها لتهدئتها وقد بدأت دموعها تسقط هي الأخرى على وجنتيها حزناً على ابنتها!
أما بالأسفل كان حسن مندفعاً نحو الخارج ليستقل بسيارته محاولاً الهرب من كل شيء حتى من حديثه مع عمه ولكنه سمعه يصيح منادياً عليه. فتوقف مكانه وأخذ نفساً عميقاً ثم التفت بجسده له ليجده يقترب منه ويهتف في حدة وصرامة:
طلقتها!!
مقدرتش ياعمي اشوف نظرات الاستحقار والكره في عينها اكتر. يسر فعلاً كرهتني ومبقتش عايزاني خلاص
طاهر بنبرة رجولية خشنة وهو يقف بهيئته الخمسينية التي كلها وقار:
أنا اديتك فرصة عشان تصلح غلطك معاها وتعتذر منها.. بس من الواضح إن إنت اللي مش باقي على مراتك.. أنت ابن أخويا وابني بس هي كمان بنتي ومش هقبل اشوفها حزينة ومهمومة بالشكل ده. بما إنك رميت يمين الطلاق عليها خلاص ابدأ في اجراءات الطلاق النهائية من النهردا
أجفل نظره أرضاً وهتف بموافقة وخضوع لأوامر عمه:
حاضر
ظل طاهر بمكانه صامداً يتابعه وهو يبعتد عنه ويستقل بسيارته ثم ينطلق بها كالبرق!!
سمعت صوت الباب وهو يدور المفتاح في القفل فاعتدلت في جلستها فوراً وهي تستعد لأي مقابلة من أي شخص حتى لو كان "علاء" ولكن حين انفتح ظهرت من خلفه رفيف وهي تحمل على يديها الطعام واغلقت الباب خلفها بقدمها. ثم قادت خطواتها نحوها ووضعت الصينية على الفراش أمامها. جلست على الحافة في مقابلتها تماماً وطالعتها بإشفاق. عيناها متورمة من كثرة البكاء ووجهها منطفيء وبائس.
رفيف برفق:
كلي ياميار
هزت رأسها بالنفي وقالت في صوت يكاد لا يسمع:
مليش نفس يارفيف
زفرت رفيف بشيء من الخنق على فعلتها الشنيعة والقبيحة وقالت معاتبة إياها بقسوة امتزجت ببعض اللين:
عملتي في نفسك كدا ليه! إنتي جميلة جداً وألف من يتمناكي. ليه رخصتي نفسك بالشكل ده
الموضوع مش زي ما انتوا فاهمين يارفيف.. صدقيني أنا مظلومة ومعرفش الصور دي وصلت ازاي اصلا
مش مشكلتنا دلوقتي الصور وصلت إزاي أنا بتكلم علي اللي في الصور ياميار.. احمدي ربك إن ربنا سترها ومحصلش حمل
قالتها رفيف باندفاع بسيط لتجدها تهتف مسرعة مصححة معتقداتها:
Nein (لا).. محصلتش حاجة بينا غير اللي في الصور بس
ضيقت عيناها بذهول وقالت تستوضح كلامها أكثر بشيء من الحياء في أن تتكلم بشيء كهذا:
قصدك يعني أن محصلش و.... يعني هو ملمسكيش أكتر من اللي في الصور
اماءت له بالإيجاب وقد انسابت دموعها على وجنتها فقالت رفيف بحيرة:
ومقولتيش ياعمو وتيتا ليه الكلام ده
قولتلها ومصدقتنيش يارفيف وقالتلي كلام قاسي جداً أول مرة اسمعه من نينا. وقالتلي هتجوز علاء غصب عني.. أنا مش عايزة اتجوزه ساعديني يارفيف
ضمت كف يدها بين كفها وقالت بنظرات دافئة:
صدقيني علاء مش وحش.. بالعكس هو طيب وحنين أوي. هو بس ماخد صفة العصبية زي بقية العيلة
أنا ميهمنيش إذا كان طيب أو لا أنا مش عايزاه. ليه يجبروني!!
رفيف ببعض الحزم:
عشان انتي غلطتي ياميار وهو ده عقابك.. اقبلي بالعقاب واستحملي الفترة اللي هتتجوزيه فيها
ثم استقامت واقفة وقالت بعجالة من أمرها:
أنا همشي عشان ورايا شغل.. وافطري هااا
اكتفت بنظرتها المهمومة فقابلتها رفيف بتنهيدة مغلوبة وتحركت نحو الباب لتنصرف وتتركها حبيسة غرفتها من جديد.
يتحدث في الهاتف بجدية شديدة وشيء من الحدة ولم يلاحظها عندما خرجت من الحمام بعد أن أخذت حماماً صباحي. اتجهت هي إلى المرآة وبدأت في تجفيف شعرها بالآلة الكهربائية. لتراه يشير لها بيده دون أن يتطلع إليها أن تغلق الآلة التي تصدر صوت مرتفع وتشوش على سمعه. ففعلت امتثالاً لأمره وأخذت تتابعه وهو يتحدث في الهاتف وكان يبدو أن محور حديثه عن شيء خاص بالعمل وحين انتهى من المكالمة الهاتفية عادت هي تعيد تشغيل الآلة وتكمل تجفيف شعرها!
مسح زين على وجهه مصدراً زفيراً مختنقاً من أمور العمل التي لا تنتهي. حرك رأسه ناحيتها وأمعن النظر بها بإعجاب امتزج بدهشته. كانت ترتدي بنطال رياضي مطاطي يصل ألى عضلة الساق وتيشيرت ضيق قليلاً. لأول مرة يراها ترتدي هكذا أمامه ولكن يجب عليه الاعتراف أنها اعجبته بشدة! استمرت هي في تجفيف شعرها غير منتبهة له وهو يحدق بها بتركيز شديد يتفحصها بتدقيق وكأنه يحفظ تفاصيلها.
حركت رأسها بتلقائية نحوه بشيء من العفوية وتجمدت حين رأت نظرته لها. وازدردت ريقها باستحياء بسيط وقالت محاولة الثبات:
زين!!
أجابها بكامل الهدوء:
اممم. نعم!
ضيقت عيناها باستغراب من رده. ثم عادت ترسم علامات التساؤل على محياها وهي تسأله بابتسامة مرتبكة:
في إيه؟
فهم ماتقصده بسؤالها وفكر بأن يتصنع عدم الفهم حيث قطب حاجبه وتمتم يعيد نفس سؤالها ببلاهة:
في إيه!!!
ضحكت بخفة وقالت بنعومة باسمة:
أنا اللي بسألك على فكرة!!
مالت شفتيه للجانب قليلاً وهتف بمكر لمسته في نبرته بصعوبة بعد أن أشاح بوجهه عنها:
أهاا إنتي قصدك على الـ.... لا مفيش حاجة بتفرج مش اكتر
ابعدت نظرها عنه مانعة شفتيها من أن تفتر عن ابتسامة خجلة وفكرت بأن تغير مجرى حديثهم حتى تنهي هذه الوضع المحرج.
ملاذ بنبرة مهتمة:
ميار هتتجوز علاء النهردا!
اختفت ابتسامته وحل محلها الضجر و
فأجابها بشيء من العصبية:
متفكرنيش بيها. أنا كل ما بفتكر اللي حصل بتعفرت. العيب مش عليها. العيب على جدتي اللي سابتلها السايب في السايب. أنا هروح احضر كتب الكتاب بليل بالعافية عند عمي
تنهدت بأسى وتحركت نحوه حتى جلست بجواره تماماً وتمتمت بإشفاق:
رغم إني مكنتش بطيقها ولا بحبها بس اشفقت عليها بجد. هي ضيعت نفسها باللي عملته ده.. ربنا يهديها وتعرف غلطها وتتوب
ده مش غلط عادي ياملاذ. ده ذنب عظيم وكبير ربنا يغفرلها وتتوب قبل فوات الآوان
ضمت كفه بين كفيها لتهدأ من روعه وقالت بحنو ونظرة دافئة:
عارفة وأنا عشان كدا بدعيلها ربنا يهديها وترجع لربها وتطلب منه المغفرة. متعصبش نفسك وهي هتتجوز وأنا حاسة إن ابن عمك ده هيعاقبها على غلطها كويس أوي
نزع ابنة عمه من ذهنه حتى لا يعكر صفوه أكثر من ذلك. هو أساساً غاضب منذ ليلة أمس! تأفف بنفاذ صبر وهدأت نفسه المستاءة حين نظر ليدها التي تختضن كفه واقترابها الحميمي منه فعصفت في رأسه فوراً آخر مرة اقتربت منه بهذا القدر ماذا حدث. فقد السيطرة على نفسه وكان سيقبلها. ولكنه رفض أفكاره التي تدور في عقله الآن فهو لا يريد الاستعجال في شيء كهذا وسيتمهل قليلاً. وحين تحين اللحظة سيكشف هو عن ضروبه المختلفة من العشق الكامنة في اعماقه!!
سحب يده من بين يديها بهدوء وقال بنبرة جادة:
أنا مسافر بكرا!
ملاذ بدهشة:
مسافر فين؟
خطوبة واحد من الأصدقاء وهتكون في مرسى مطروح. أنا مكنتش هروح لإني مبحبش جو الأفراح والاغاني والكلام ده بس هو أصر اروح ولو مروحتش هيزعل مني فأنا مضطر اروح. هباركله وارجع في نفس اليوم
عقدت ذراعيها في خصرها وقالت بتذمر وغيظ:
وعايز تروح مرسى من غيري!!
ابتسم باستنكار غمغم يوضح لها ببساطة أشد:
هرجع في نفس اليوم ياملاذ أنا مش رايح اتفسح. أنا أساساً معايا شغل
تشدقت بنبرة حماسية وسرعان ما ارتفعت ابتسامتها لشفتيها:
لا ماهو أنا هروح معاك وناخد يومين هناك نتفسح. إيه رأيك؟
إنتي سمعتي آخر حاجة قولتها!!
لم تهتم لما يقوله. فلا يهمها لديه عمل أو ماشابه. الأهم أن تذهب معه في نزهة جميلة لأول مرة. حيث قالت وهي تنكزه في كتفه بمشاكسة قائلة:
متبقاش كئيب بقى يازين. لو على الشغل فحسن وكرم موجودين مفهاش حاجة لما تريح دماغك شوية من ضغط الشغل. بليز خدني معاك ومش هتندم صدقني ده أنا هفرفشك آخر فرفشة والله
لمعت في عقله فوراً الأفكار المنحرفة كأغلبية الرجال حيث أجابها مبتسماً بلؤم:
هتفرفشيني إزاي يعني!!
لم تلاحظ نظرته اللئيمة من فرط حماسه حيث أكملت مشاكستها وهي تهتف:
ليا طرقي وأنا فرفوشة أوي عندما يتطلب الأمر فرفشة وضحك وهزار ببقى عسل أوي هعجبك يعني
استرسلت حديثها تترجاه بإلحاح شديد:
بليز وافق هو يومين بس.. بليز!
حدقها بصمت مبتسمًا كدليل على موافقته، فأغارت عليه تقبله من وجنته قبلة طويلة وقوية بعض الشيء. ليمسك هو بكلتا كتفيها ويبعدها عنه بكامل اللطف وهو يبتسم، محاولًا إخفاء ما في نفسه التي تلح عليه بعنف لتنفيذ ما يجول بعقله منذ أيام. ثم نهض وانصرف وتركها تهز كتفيها وجسدها برقص من فرط تشويقها وفرحتها.
كانت رفيف على إحدى طاولات المطعم في الهواء الطلق تأخذ استراحة صغيرة من العمل. وبيدها كوب القهوة خاصتها وتتفحص هاتفها باستمتاع على أحد وسائل التواصل الاجتماعي، الفيس بوك. وبين كل دقيقة والأخرى يمر عليها شيء فتضحك بصوت منخفض حتى لا يصل صوتها لأحد العمال. وبينما هي مندمجة مع هاتفها وجدت إسلام يجلس أمامها وهو أيضًا بيده القهوة خاصته ويقول بكامل اللطف:
_ حمدلله على سلامتك.
رفعت نظرها له وتركت الهاتف من يدها لتجيبه بإحراج بسيط:
_ الله يسلمك.
_ بقيتي كويسة دلوقتي؟
_ آه الحمدلله، هو كان دور برد شديد شوية والحمدلله بقيت أحسن بكتير دلوقتي.
ردد خلفها "الحمدلله" في ابتسامة صافية، ثم بدأ يرتشف من فنجان القهوة خاصته وهو يتابع حركات العمال. وتارة يشير لأحدهم بحدة بأن يقوم بهذا العمل بطريقة معينة وبدقة حتى لا يفسده. وهي تحاول أن لا تختلس النظر إليها ولكن عيناها ترفض الخضوع. فهو لديه شعر أسود جميل وناعم بقصة رجالية رائعة وعينان بندقتين مع بشرة قمحية مغرية ولحية خفيفة. وقسمات وجه تنضج بالقوة والرجولة. وحاجبيه الكثيفان يعطياه لمسة رجولية كلها جمال.
أجفلت نظرها عنه بصعوبة وهي تلعن نفسها الحمقاء وتحاول الانشغال بهاتفها حتى تصرف نظرها عنه. وبعد دقيقتين بالضبط سمعته يقول بخفوت:
_ ممكن أسألك سؤال؟
من فرط توترها لم ترفع نظرها عن الهاتف حتى وقالت بنبرة عادية فبدت له غير مكترثة:
_ اتفضل.
سكت لبرهة يحدق بها وبطريقتها التي ردت بها، ثم سألها بترقب:
_ هو إنتي كنتي عارفة إن أنا المهندس اللي هشتغل معاكي؟
"لماذا تصر على إيقاعي في شباكك؟ توقف أرجوك، فأنا عقدت وعد مع نفسي ومع أخي بأني سألتزم حدودي مع أي رجل." قالت هكذا لنفسها لتسمع الرد من عقلها وهو يجيب عليها منزعجًا: "ومازلتي عند وعدك؟ هل هو تخطى حدوده لأنه سألك سؤال بسيط؟ ليس بس أي شيء خطأ. هو فقط يتحدث معك في حدود العمل!"
انتشلها من صراعها الداخلي صوته وهو يهتف باستغراب:
_ رفــيــف!!
انتفضت وابعدت عيناها عن الهاتف لتثبتها عليه وتقول باعتذار وحياء:
_ آسفة بس سرحت في حاجة في الفون وركزت فيها.. إنت كنت بتقول إيه معلش؟
حدجها بريبة حقيقة ونظرة كانت قوية بعض الشيء، ثم عاد يطرح سؤاله عليها بجدية:
_ كنت بقولك إنتي كنتي عارفة إن أنا المهندس اللي هشتغل معاكي ولا لا؟
ردت بارتباك ملحوظ وهي تبتسم:
_ الحقيقة لا، هو زين فاجئني مرة واحدة أساسًا بموضوع الإدارة تبع المطعم ده. ولما عرفت إن إنت المهندس اندهشت جدًا.
_ لـيـه؟
قالها بنوع من الفضول، فتجيب هي بارتباك أشد حين سألها عن السبب. وتذكرت بأن سبب دهشتها هي أنها ستعمل معه! ولكنها بالطبع لم تخبره بهذا وستخترع سبب:
_ أصل الصراحة أنا مكنتش أعرف إن إنت مهندس نهائيًا ولا حتى ملاذ جابتلي سيرة عن كدا. وإنت كنت تعرف ولا لا إن أنا هكون المديرة؟
هز رأسه بالإيجاب وباسمًا:
_ أكيد.. زين من فترة كنا أنا وهو بنتكلم في موضوع المطعم والتعديلات اللي لازم تتعمل. وقالي إنك هتمسكي الإدارة وهتكوني معايا في الشغل.
_ آهاا على سيرة الإدارة فكرتني أقولك مبروك.. زين قالي امبارح إنه اداك الإدارة معايا يعني بقينا شركاء.
قال ببساطة وهدوء:
_ أنا كنت متفق معاه من البداية إني هعمل التعديلات في المطعم بس لأنه فاتحني في الأول على موضوع يخليني أنا المدير ورفضت. ولما رفضت مسكها ليكي ودلوقتي برضوا نفذ اللي في دماغه واجبرني للأسف.
ضحكت بخفة وقالت بإيجاب ومرح:
_ أيوة زين عنيد ومحدش بيقدر يعانده.. هو واثق فيك وعارف إنك قدها وهتحافظ على المطعم. ثم إني عارفة السبب الحقيقي اللي خلاه يعمل كدا!
_ إيه هو؟
_ أنا فاهمة تفكير زين أوي. هو تلاقيه فكر إني لسا حتى متخرجتش ومعنديش خبرة كفاية وخاف أعمل حاجة غلط. وعشان هو مش عايز يشغل دماغه بحاجتين زي ما قولت الشركة والمطعم فخلاك شريك معايا عشان عارف إنك هتفهم اكتر مني.
غمغم بابتسامة عذبة ونبرة رخيمة:
_ ممكن يكون فكر كدا فعلًا. بس أنا موجود أهو وهنظبط كل حاجة بإذن الله. ومتقلقيش حتى لو معندكيش خبرة دلوقتي مع الوقت هتكتسبي الخبرة أكيد.
هزت رأسها توميء على كلامه بالتأييد وهي تطالعه بابتسامة رقيقة، ثم اخفضت نظرها لهاتفها مجددًا تعبث به بعشوائية. وهو عاد يتابع حركات العمال ومن بين آن وآن يلقى نظرة سريعة عليها.
ترجلت من السيارة مدخل المقابر وانتظرته حتى نزل هو أيضًا والتف ناحيتها ليراها متصلبة تحدق أمامها بأعين تائهة وحزينة. لتسمعه يهمس باحتجاج:
_ عرفتي ليه مكنتش عايز أجيبك؟
نظرت له وقالت بنفس نظرتها التائهة:
_ حلمت بيه امبارح ياكرم، هو وماما.
تنهد بعمق ثم شبك كفه بكفها وسار معها ناحية غرفة معينة والتي تضم قبر شقيقها وأمها. صعدوا درجتين من السلالم ثم فتح هو الباب ودخل أولًا وتليه هي. كانوا القبرين بجانب بعضهم وبينهم مسافة تكفى لعبور شخص. فوقفت ورفعت يدها تبدأ في قراءة سورة الفاتحة، وكذلك هو الذي كان يقف خلفها. وحين انتهت مدت يدها في حقيبتها الصغيرة تخرج مصحف صغير نسبيًا وتبدأ في قراءة سورة "يس" بصوت مسموع. مرت دقائق قصيرة وبدأت بحة صوتها ترتفع كإشارة على انفجارها في البكاء. فتمالكت نفسها بصعوبة حتى انتهت من القراءة ثم وضعت المصحف في حقيبتها من جديد ودفنت وجهها بين كفيها تاركة لدموعها العنان. فانهارت باكية بنشيج مرتفع وصل لأذنيه. ليتنهد هو بعدم حيلة ويقترب منها ثم يلف ذراعه حول كتفيها ويضمها لصدره متمتمًا بضيق:
_ خلاص ياشفق متخلنيش اندم إني جبتك.
اجهشت في بكاء حار وهي تهتف بصوت متحشرج:
_ آخر مرة جيت هنا.. كان قبر سيف بس اللي موجود. دلوقتي بقى هو وماما. اتحرمت منهم هما الاتنين مرة واحدة وفي لحظة.
لم يجيبها فقط كان يستمع لحديثها ويتركها تفرغ مافي نفسها كله له، ولكن بكائها لم يهدأ. فقال بخفوت وحنو:
_ طيب مش كفاية بقى ولا إيه.. يلا بينا.
ابتعدت عنه وجففت دموعها وهي توميء له بالإيجاب. فسبقها هو للخارج وانتظر حتى خرجت واغلق الباب ثم ساروا عائدين إلى السيارة.
حرك المحرك وقبل أن ينطلق نظر لها وقال بلطف وشيء من الحماسة:
_ إيه رأيك نروح نفطر برا النهاردة؟
تفهم جيدًا أنه يفعل ذلك حتى يخرجها من حالة كآبتها وحزنها. هو بالفعل فريد في كل شيء وليس له مثيل في الرقة والحنو. باتت لا تحتمل لطافته التي تذيب قلبها أكثر وأكثر.
كان صمتها بالنسبة له دليل على موافقتها فانطلق بالسيارة قاصدًا أحد المطاعم الفاخرة.
توقفت السيارة وترجل هو أولًا ثم هي. واستحوذ الإعجاب عليها للحظات وهي تحدق بذلك المطعم الفاخر والجميل. ثم التقت عيناها بعيناه وحدقته بابتسامة واسعة تعبر عن سعادتها. أشار لها بيده أن تلتف ناحيته ففعلت على الفور وسارت بجواره. وبمجرد دخولهم رأت مالك المطعم يتجه نحوهم ويرحب بهم ترحيبًا حارًا وبالأخص بزوجها. وأشار لأحد النادلين بأن يدلهم على طاولتهم.
سحبت المقعد للخلف وجلست أمامه هاتفة بفضول حقيقي:
_ هو إنت بتيجي هنا على طول ولا إيه؟
_ مش أنا بس دي عيلة العمايري كلها بتيجي هنا.. ده يعتبر مطعم العائلة المفضل.
قالت وهي تتجول بنظرها في أرجاء المطعم وتقول بإعجاب شديد:
_ آهااا بس جميل جدًا.
_ امممم فعلًا.. اطلبي حاجة يلا من المنيو.
مدت قائمة الطعام أمامه على الطاولة واستندت بمرفقها على سطح الطاولة ووضعت كفها أسفل وجنتها هاتفة في نظرة كانت تطلق قلوب صغيرة من خلالها مع ابتسامتها العريضة التي أظهرت عن أسنانها ناصعة البياض:
_ اختارلي إنت على زوقك!
نظرتها ألجمت لسانه وقيدته فلم تسعفه الكلمات في ذهنه للرد عليها. فقط حدق بها مبتسمًا ببساطة شديدة ثم اخفض نظره وأخذ يتفحص قائمة الطعام لدقائق قليلة. وهي تارة تنظر له وتارة تتابع الناس وحركاتهم. رأته يشير للنادل بيده أن يأتي وأشار له على القائمة بأصبعه على عدة أشياء. ثم أخذ النادل القائمة وهو يوميء له بالإيجاب وانصرف. فالقى هو نظرة عليها وقال بترقب:
_ مش عايزة تعرفي طلبتلك إيه؟
قالت نافية بنظرة لا تختلف عن سابقتها:
_ تؤتؤ أكيد هيبقى حلو!
هز رأسه بإيماءة خفيفة محاولًا عدم تثبيت نظره عليها وعلى نظرتها الرائعة له. وساد الصمت بينهم لدقائق حتى اخترقته هي تسأله بجدية هذه المرة ونبرة لا تحمل المزح:
_ إنت ناوي تعمل فيه إيه تاني ياكرم؟
فهم المقصود من حديثها وتصنع عدم الفهم وتمتم:
_ مين ده؟
_ إنت عارف أنا قصدي على مين!
قالتها بشيء من الانزعاج ليصدر زفيرًا متهملًا ويقول ببساطة:
_ أنا لسا مطفيتش ناري ومش هتتطفي إلا لما يموت.
تأففت مستغفرة ربها بصوت مسموع وتشدقت باندفاع:
_ كفاية ياكرم.. كفاية أنا خايفة يأذيك بجد.
هتف بشراسة ونظرة مريبة قليلًا:
_ بعد اللي عملته فيه ممكن ميمشيش على رجله تاني أصلًا. ومش هيتجرأ لا يقربلك ولا يلعب معايا تاني عشان سعتها هقطع راسه.
كلامه ونظرته جعلتها تبتسم بذهول وتقول بعدم تصديق واستيعاب:
_ أنا مش مصدقة إن إنت كرم اللي اعرفه والله.. ده إنت طلعت جــبــــار أوي!!!
بادلها الابتسامة وفي لحظة اختفت نظرته وحلت محلها نظرة هادئة وهو يجيبها بتأكيد على كلامها:
_ للأسف دي حقيقة مؤلمة عني!
افترت عن ابتسامة عريضة وهمهمت بمشاكسة ورقة:
_ بس برضوا هتفضل بنسبالي الكوكو بتاعي!!
نعم!
قالها باندهاش حقيقي من تلقيبها له بهذا الاسم الغريب لتعيد هي عليه الاسم بضحك:
الكوكو بتاعي!
أشار لنفسه بذهول متمتمًا بنبرة رجولية خشنة:
أنا كوكو!
آه.. طاب والله لايق عليك جدًا تعرف كدا!
طالت نظرته المنذهلة إليها، وإذا بها تجده يضحك باستنكار وسخرية ثم انحنى قليلًا للأمام نحوها برأسه وهمس في اغتياظ يحاول إخفاءه بابتسامته المزيفة:
لا مش لايق ومتقولهوش تاني عشان أنا ماسك نفسي بالعافية!
قربت هي الأخرى رأسها منه وهتفت بتحدي وهي تضحك:
هقوله!
صر على أسنانه كدليل على أن غيظه وصل لذروته فتراجعت هي لوضعها الطبيعي وكتمت ضحكتها التي كادت تنطلق من بين شفتيها بقوة على منظره، ليرمقها وهو يلوى فمه بقرف.
***
انتهت ميار من ارتداء ملابسها ثم رفعت نظرها إلى ساعة الحائط وكانت الساعة قد تخطت التاسعة مساءً. مدت يدها وجففت دموعها بظهر كفها في حرقة وهي تنظر لنفسها في المرآة وملابسها الجديدة تمامًا عليها. ترتدي رداء طويل وفضفاض بأكمام طويلة وتلف الحجاب فوق شعرها. أرغموها على ارتداء الحجاب كما أجبرت على الزواج من رجل لا تريده. ولكن ليس بوسعها شيء فجميع العائلة تجمعت ضدها واجتمعوا جميعهم على تزويجها من "علاء" حتى جدتها!
سكنت تمامًا على مقعدها وهي تحدق أمامها بفراغ، تفكر بمصيرها كيف سيكون مع ابن عمها الذي يبدو أنه رجل قاس القلب وسيذيقها العذاب ألوان وأصناف. وبينما تبحر في عالم أحزانها سمعت صوت الباب يفتح فوثبت واقفة ظنًا منها أنه هو وجاء لأخذها حتى ينتهوا من مراسم الزواج. ولكنه لم يكن هو بل كانت الجدة. دخلت وحدقتها بأعين غاضبة ومنفرة وهي تقول له بحدة:
يلا عشان المأذون تحت والكل مستني.
أسرعت إليها وقبضت على كفها تقبله وهي تتوسلها ببكاء عنيف:
يانينا بليز متخلهمش يجوزوني منه أنا مش عايزاه.. ده هيعذبني!
سحبت الجدة كفها من بين يديها بنفور وصاحت بها في جفاء:
غصب عنك هتتجوزيه.. بعد الفضيحة اللي عملتيها، بقى هو ده جزاء تربيتي وثقتي فيكي، تعملي كدا وتخلي راسي في الأرض. من اللحظة دي انتي لا حفيدتي ولا أعرفك فاهمة ولا لا.
عانقتها رغمًا عنها وهي تتشبث بها ومنخرطة في نوبة بكاء قوية وقالت بصوت متقطع من شدة بكائها:
لا يانينا متقوليش كدا أرجوكي أنا مليش غيرك.. بليز سامحيني.
أبعدتها عنها في قسوة بعد أن أحست بأن قلبها بدأ يلين لبكائها وحالتها المزرية. فهي صغيرتها التي ربتها منذ قدومها على الحياة بعدما توفت والدتها فور ولادتها لها بسبب بعض المشاكل الصحية التي كانت تعاني منها.
صاحت بها بصرامة وعدم شفقة:
يلا اطلعي قدامي على تحت خلينا نخلص.
وجدت بأن لا فائدة من محاول طلب العفو منها وأن توقف هذه الزيجة التي لا تريدها. فتحاملت على قلبها الذي ينزف وسارت في المقدمة ناحية الدرج وهي تجفف دموعها وخلفها الجدة تسير على ثقل من ألم قلبها على حفيدتها التي وضعت خطوط قدرها بيدها. نزلت آخر درجة من الدرج وهي تحدق بوجوه الجميع التي كانت لا تبتسم فقط واجمة باستثناء علاء الذي كانت عيناه تخرج شرارات مرعبة لها فأجفلت نظرها عنه في خوف وتحركت ناحية الطاولة تتخذ لها مقعدًا بجانب عمها وعلاء لا يكف عن إطلاق النظرات المريبة لها. وقع نظرها بالأخير على أبناء عمها "محمد" الثلاثة الذين كانوا يجلسون في أماكن متفرقة وبحثت بعينيها عن زين حتى وقع نظرها عليه فرأته جالسًا على مقعد وثير عاقدًا ذراعيه أمام صدره ويتطلع إلى عمه والباقية بأعين ساخطة كل السخط وكأنه يخبر بهم الجميع في عدم رغبته بالوجود في عقد القرآن هذا!
انتبهت إلى المأذون وهو يبدأ في مراسم عقد القرآن وبعد دقائق طويلة نسبيًا سمعته وهو يهنئهم بانتهاء المراسم وإعلانهم زوجة وزوجة على الطريقة الإسلامية والشرعية وعلى سنة الله ورسوله!
***
كتبوا الكتاب وجايين دلوقتي!
قالتها أمها في اغتياظ لتجيبها يسر بنظرة مشتعلة:
أنا نفسي أفهم بابا بيعمل كدا ليه؟ يعني هي الست ميار القذرة تغلط وعلاء يشيل الليلة.
اقتربت أمها وجلست بجوارها هامسة بإشفاق وشجن:
أخوكي ليه يومين مش طايق أي حد يتكلم معاه بسبب إن أبوكي غاصبه يتجوزها وهو مش طايقها أساسًا.
وهي ميار دي حد يطيقها أصلًا.
قالتها يسر باستهزاء، فهي تشتعل غيظًا على أخيها الذي أجبر على الزواج من تلك المنحطة وهو يبغضها ولا يريدها. ولم تنس محاولاتها للاقتراب من "حسن" أيضًا. أكملت ساخرة:
الأول عملت علاقة مع واحد ومكفهاش ده لا وكانت بتلف على زين وعايزة تفرق بينه وبين مراته هي وتيتا وفي النهاية وقعت في علاء.
هتفت الأم وهي تقنع نفسها بقصر هذا الزواج:
إيه اللي مصبرني إنه جواز مؤقت وبعدين هيطلقها.
يسر بضحكة مستهزئة وباستياء:
دي حية وهتلف عليه وابنك أهبل وهينخد بسهولة ليها. اسأليني أنا حفظاه.
هزت رأسها بالنفي رافضة إدخال هذه الأفكار لعقلها وتهتف بنفي وضجر:
لا لا علاء مش عايزها.. ومستحيل أسمح إني ابني يكمل حياته مع واحدة زي دي.
استندت يسر بكلتا كفيها على كتف أمها ووضعت ذقنها فوقهم مهمهمة بنبرة ماكرة:
سيبهالي أنا.. بنتك مش سهلة برضوا.
استقرت في عيني أمها ابتسامة تلمع بالخبث المماثل لها. وقد اجتمعت الأم وابنتها على الكنة الخبيثة!
***
عيناها ثابتة على التلفاز وعقلها بمكان آخر. باتت الساعة الحادية عشر وهو لم يعد للمنزل حتى الآن. وقد أخبرها بأنه لم يتأخر. إلى أين ذهب؟ ظلت الأفكار تتناطح في عقلها بعضها سيء وبعضها عادي. ولم تنته تساؤلاتها وحلقة توقعاتها إلا حين بدأت تتثاوب بقوة وبدأ النعاس يصعد لعينها. قاومته في البداية بشدة هاتفة لنفسها معنفة إياها:
لا مش هنام أنا هستناه لغاية ما ييجي.
ظلت تكرر هذه الجملة على مسامعها كثيرًا حتى لا تنعس ولكن جسدها المتراخي على الأريكة لم يساعدها على المقاومة فسرعان ما أغمضت عيناها مستسلمة لنعاسها. ولم تفتح عيناها إلا بعد وقت طويل نسبيًا. وثبت جالسة بفزع وهي تتلفت حولها برعب حين وجدت نفسها بغرفتهم وعلى الفراش والظلام يعم الغرفة كلها. وسؤال واحد كان يتردد في ذهنها "كيف أتيت لهنا؟". ظنت أنه جاء وحملها وأدخلها الغرفة فصاحت منادية عليه في خوف وهي تمد يدها لتفتح الضوء:
كــــــــرم!
انفتح الضوء وكانت الغرفة فارغة تمامًا منه فانزلت قدماها من على الفراش برعب ثم تحركت باتجاه الباب وفتحته. وقبل أن تخطو خطوة واحدة خارج الغرفة. ألقت نظرة متفحصة وهي تخرج رأسها فقط وعندما تأكدت من عدم وجود شيء خرجت بتردد وتحركت باحثة عنه في المنزل ولكن لا أثر له. ولكنها تصلبت بأرضها كالصنم حين سمعت أصوات ضجة مختلفة من باب يؤدي إلى غرفة سفلية في المنزل (البادروم). وبعقلها الطفولي أول شيء اعتقدته أن هناك شبحًا بالمنزل. فما تسمعه عن الأفلام الأجنبية التي تعرض دايمًا أن الطابق السفلي من المنزل يسكنه الأشباح ترك أثره فيها بهذه اللحظة. فراجعت للخلف بأعين مرتعشة ومرعوبة وصاحت بأعلى صوت منادية عليه لعله يكون بأي ركن في المنزل وهي نسيت أن تبحث فيه:
كــــــــــــــــرم!
استمع لصوتها الطفيف من الأسفل وهي تصيح منادية عليه. ليثب واقفًا من على الأرض وقد ظن بأن مكروهًا أصابها. هرول راكضًا وصعد درجات السلم الصغيرة وفتح الباب من الداخل وخرج. وإذا بها تصدر صرخة مرتفعة من أثر هلعها حين رأته وانتفضت في أرضها نفضًا من الرعب!
فزع هو الآخر من هلعها العجيب واقترب منها هاتفًا بحيرة:
فيه إيه مالك ياشفق!
ضربته على صدره بخفة تعاتبه بنبرة مرتعشة ونظرة طفولية:
حرام عليك قلبي كان هيقف والله من الخضة والخوف.
أخفت وجهها الصغير بكفها فركز في يدها ورآها ترتجف ليقطب حاجبيه بذهول وابعد كفها عن وجهها ممسكًا به بين كفه الكبير ويسألها باندهاش:
إنتي بتترعشي! حصل إيه للخوف ده؟
مش قادرة أوقف على رجلي بجد ياكرم!
أجلسها على أقرب مقعد منهم ثم اتجه للمطبخ وجلب كوب ماء وعاد لها يناولها إياه لتشربه دفعة واحدة ويدها الأخرى تضعها على قلبها الذي ينبض بقوة. أنزلت الكوب عن فمها وقالت بخنق:
ممكن لما تيجي تاني متأخر وتلاقيني نايمة تصحيني ومتقفلش عليا النور والباب.
حاضر.. بس فهميني إيه اللي حصل!
أخذت نفسًا عميقًا ولا زالت نبضات قلبها متسارعة وقالت وهي تسرد عليه لحظات خوفها الطفولية:
صحيت من النوم ولقيت الأوضة مفهاش منفس نور حتى والباب مقفول وأنا كنت نايمة قدام التلفزيون هنا فاتخضيت إني جيت هنا إزاي وقولت إن إنت جيت ولقيتني نايمة برا فودتني الأوضة. فضلت أنده عليك ومردتش عليا ولما طلعت دورت عليك ملقتكش برضوا بس سمعت أصوات جاية من البادروم وأنا أساسًا بخاف منها الأماكن دي ومن ساعة ما جيت البيت مقربتش منه ولا فكرت أفتحه ولما سمعت أصوات منه افتكرت في عفاريت فاترعبت.. لأن دايمًا بسمع في الأفلام الرعب إن البادروم ده بيبقى مسكون بالأشباح.
انطلقت منه ضحكة مرتفعة على أفكارها الساذجة. لتزم هي شفتيها للأمام بتذمر طفولي وتقول غاضبة:
بتتريق عليا!
كتم ضحكته بصعوبة وقال وهو يحاول التحدث بجدية حتى لا يغضبها:
لا مش قصدي بس أشباح إيه دي اللي هتبقى في البيت ياشفق؟ وبعدين واحدة زيك بتترعب بالشكل الفظيع ده بتتفرج على أفلام رعب أساسًا ليه؟
أجفلت نظرها عنه وقالت باختناق واحتجاج:
بحب أتفرج عليه!
أصدر ضحكة رجولية متأججة مجددًا وسرعان ما كتمها عندما رأى نظرتها النارية والمغتاظة.
وإذا بها تمسك بكفه دون وعي من فرط غضبها وبعفوية شديدة غير مدركة لما تفعله، وضعت كفه على قلبها أعلى صدرها تقول بسخط:
_ شايف قلبي بينبض إزاي عشان بتضحك وتتريق عليا !!
تجمد جسده وتلاشت ابتسامته تدريجيًا وازد ر د ريقه باضطراب من لمسة يده لمنطقة خاصة كهذه من جسدها.
وسحب يده ببطء وإحراج ملحوظ جعلها تستعيد وعيها وتدرك فعلتها المتسرعة، فلعنت نفسها واحمرت وجنتاها وأصبحت كلون الدماء.
ولم تقوى على رفع عينيها في عينيه.
وبعد أن كانت نبضات قلبها قد بدأت تهدأ، عادت تطرق بعنف أشد من السابق.
استقامت واقفة فجأة وقالت بصوت متلعثم:
_ أناااااا.. أنا رايحة الأوضة.
وفي ظرف لحظة فرت من أمامه شبه راكضة إلى غرفتها وهي لا تكف عن توبيخ نفسها الحمقاء وتعنفها تعنيفًا شديدًا.
وبمجرد ما إن خلت بنفسها في الغرفة وأغلقت الباب، هتفت بخجل شديد وغيظ:
_ غبية.. أنا مشفتش أغبي مني.. لا بجد مش معقول الغباء والتخلف ده كله ليا لوحدي!!
ارتجف جسدها فزعًا عندما سمعت طرق الباب وصوته وهو يهتف بنبرة بها شيء من الارتباك البسيط:
_ شفق.. أنا هطلع أجيب حاجة من برا وراجع.
كلمة واحدة كان يجب عليها أن تجيبه بها، ولكنها فرت من لسانها وتلعثمت كطفل يتعلم التكلم، فخرجت الكلمة من بين شفتيها متلقلقة:
_ طـطـ.. طيب.
رفع هو كفه لعنقه يفركه كدليل على توتره، ثم أطلق زفيرًا حارًا واستدار وانصرف.
فهرولت هي ناحية الفراش وألقت نفسها على وجهها وهو تردد:
_ أنا متخلفة ومش محترمة!
***
كان حسن يتحدث بالهاتف في حديقة المنزل، وكان حديثه هادئًا تمامًا ليس به أي شيء من ضجر أو خنق.
وأنهى المكالمة بجملته الأخيرة:
_ طيب يامسعد.. أنا هبقى أقول لكرم.. إنت خلي عينك عليه بس وإياك يفلت منك.
_ حاضر ياحسن بيه.. متقلقش.
أنزل الهاتف من على أذنه وهو يثبت نظره على أمه المندفعة نحوه كالسهم وعيناها لا تبشر بخير حتى معالم وجهها.
ولم يبذل جهدًا ليتساءل ويفكر فيما يغضبها لهذا الحد.
بالطبع علمت بأمر طلاقه هو ويسر في صباح اليوم.
انتظر حتى وقفت أمامه وأفرغت به شحنة غضبها وهي تقول:
_ طلقت يسر ياحسن!!!
أخذ شهيقًا طويلًا وأخرجه زفيرًا متمهلًا وهو يجيبها بعدم حيلة:
_ حاولت أعتذر لها ياماما وأخليها ترجع معايا بس كانت مصممة على قرارها.
صاحت هدى بعصبية من إهماله وعدم تحمله لمسئولية أي شيء:
_ وهي عشان طلبت منك الطلاق تطلقها فورًا؟
طبيعي لما يكون في مشكلة بينكم متوافقش ترجع معاك من أول مرة وأول اعتذار.
أنا مبقتش فاهماك!!
حتى هو بات لا يفهم نفسه، أهو سعيد لأنه تخلص من بلائه!
أم حزين ويشعر بالذنب لما سببه لها من ألم وعلى موت طفله الذي كان هو السبب في قتله..
ولكن هناك مشاعر متضاربة ومختلفة بداخله لا تجعله بخير مطلقًا وتسبب له الإرهاق النفسي!
حسن بعصبية مماثلة لها دون أن ترتفع نبرة صوته عليها:
_ والمفروض أعمل إيه؟ أغصبها تعيش معايا مثلًا؟
يسر مبقتش طيقاني ياماما ولا بتحبني ومش عايزاني.. إحنا وصلنا لآخر الطريق خلاص.
لا تصدقه وقد سكنت شكوكها في الأعماق وأصبحت متيقنة أن هناك أمرًا كانوا يخفونه عنهم جميعًا ومازالوا يخفوه.
فهذا ليس ابنها الذي يتمسك بأي شيء يحبه ولا يتركه حتى لو سيموت وهو متمسك به.
تخليه عنها بهذا السهولة يثبت لها حقيقة واحدة وأنه لم يكن يحبها أو معجب بها حتى كما أخبرهم قبل الزواج!!!
هتفت هدى بنبرة حازمة وأعين ثاقبة:
_ إنت مش بتحب يسر زي ما قولتلنا قبل ما تتجوزوا صح؟
أصابت الهدف بسؤالها حيث تسمر بأرضه ولم يسعفه عقله في إيجاد الكلمات حتى يجيب عليها.
فحدجها بجمود ونظرات باردة للحظات طويلة ثم استدار وابتعد عنها متجهًا إلى سيارته ليرحل.
أما هي فحصلت على إجابتها من صمته المريب!!
***
ترجلت من السيارة أمام فيلا عمها "طاهر العمايري".
رفعت نظرها تتفحصها بإمعان بعد التعديلات التي أجروها على المنزل منذ آخر مرة جاءت لهنا.
وبينما هي منشغلة بالإمعان شعرت بيده الضخمة تقبض على ذراعها بعنف هامسًا بالقرب من أذنها بصوت مخيف:
_ اتحركي ولا تحبي تقضي الليلة هنا في الجنينة وفي البرد لغاية ما تموتي.
انكمشت في وقفتها وهي تطالعه بارتياد.
ولكنه ترك ذراعها باشمئزاز حين سمع صوت أبيه الغليظ:
_ علاء!!
أشار لها عمها بعينيه في حدة بأن تسبقهم، فاتحركت فورًا تفر هاربة من بين براثن ذلك "العلاء".
اقترب طاهر من ابنه وهتف بخشونة:
_ أنا قولتلك ربيها فعلًا بس متزودهاش أوي هاااا.
رمقه أبيه بنظرة قوية وتمتم بصلابة:
_ وأنا كمان قولتلك يابابا من قبل ما اتجوزها محدش ليه دعوة باللي هعمله فيها.
مش كفاية غصبتني عليها.
ثم تحرك باتجاه باب المنزل ليتأفف طاهر بنفاذ صبر من عناده.
لا شك في إنه غاضب بشدة من ابنة أخيه ولا يطيق سماع صوتها ولكنه مازال يضع أخيه المتوفي في الحسبان ولا يتمكن من إلحاق أي أذى لها.
فقط سيكتفي بأن يلقنها درسًا لا تنساه حتى تعترف بخطأها وتتضرع لربها طالبة منه العفو والمغفرة!
فتح علاء الباب ودخل أولًا وهي خلفه ومن ثم طاهر.
رفعت ميار نظرها لزوجة عمها فرأتها تنظر لها بحدة وكأنها تقول لها من خلال نظراتها أنها لن يكون مرحبًا بها في هذا المنزل أبدًا.
أما يسر فكانت نظرتها تضمر خلفها كل ما هو سيء.
لوت فمها بابتسامة خفية وشيطانية بعد أن أدركت أن الأم والابنة تجمعا عليها.
ولكنها أيضًا تكون أفعى سامة حين يتطلب الأمر!!
القى علاء نظرة طويلة على أمه وشقيقته ثم تنهد بعمق وتحرك باتجاه الدرج حتى يصعد لغرفته وتركها بمفردها بينهم.
تحركت خلفه حيث تلقت الإشارة من عمها بأن تصعد لغرفتها خلفه وبمجرد ما أن توارت عن ناظريهم سمع صوت زوجته تهتف بعصبية:
_ بقى مش حرام عليك ياطاهر تسود على ابنك عيشته وتجوزه من بنت أخوك اللي غلطت مع راجل؟
_ ده جواز مؤقت.. هتمر فترة صغيرة وهيطلقها.. ماهي لو اتجوزت واتكشف إنها مش بنت.. عيلة العمايري كلها هتتفضح.
لم يعجبها ما قاله ومازالت غاضبة على فعلته.
أما يسر فكانت تتابع حديثهم بصمت حتى رأت أبيها ينظر لها ويقول بلطف وضيق:
_ اتكلمت مع حسن وقالي هيبدأ في إجراءات الطلاق النهائية.
ابتسمت ساخرة بشيء من المرارة ثم استقامت وقالت بثبات وهي تبتعد عنهم:
_ كويس.. قوله ياريت يستعجل يابابا.
تبادل طاهر النظرات الحزينة والمشفقة هو وزوجته على حالة ابنتهما السيئة.
تتظاهر أمامهم بالقوة وهم يعلمون جيدًا أن قلبها ينزف الدماء على فراقها لزوجها وخسارتها لطفلها!
***
فتحت ميار جزء صغير من الباب بتردد وارتباك يكفي لإدخال رأسها فقط ونظرت في الغرفة تبحث عنه فلم تجد له وجود وسمعت صوت رذاذ المياه بالحمام الداخلي للغرفة.
أدخلت جسدها كاملًا ثم أغلقت الباب بحذر شديد والتفتت مجددًا تتفحص أجزاء الغرفة الواسعة.
ألوانها رجالية حادة بعض الشيء والخزانة متوسطة الحجم.
فراش كبير نسبيًا يتسع لشخصين.
وأريكة متوسطة أمام الفراش بجانب الشرفة.
حركت نظرها بحركة دائرية في أنحاء الغرفة وانتبهت إلى الخزانة التي بابها عبارة عن مرآة ضخمة تنحدر من أعلاها لأسفلها.
فقادها فضولها واقتربت تقف أمامها تتطلع لجسدها الذي يخفيه ذلك الرداء الفضفاض.
ولم يتوقف فضولها عند هذا الحد حيث مدت يدها تسحب باب الخزانة الجرار للخلف تنظر لملابسه المعلقة وكانت على وشك أن تلمسها.
ولكن كفه القوي قبض على رسغها فاطلقت هي شهقة مفزوعة ونظرت له بتوتر من قسمات وجهه التي تقذف الرعب في قلبها.
علاء بصوت رجولي صارم:
_ أي حاجة تخصني متلمسهاش.. فاهمة ولا لا!!
أومأت له عدة مرات متتالية في أعين خائفة فترك رسغها واغلق الخزانة بعنف واستدار مولّيًا إياها ظهره.
وقبل أن يخطو خطوة واحدة استوقفه صوتها وهي تقول:
_ على فكرة محصلتش حاجة بينا.. أنا لسه عذراء!!
رواية ضروب العشق الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندى محمود توفيق
استدار موليا إياها ظهره وقبل أن يخطو خطوة واحدة استوقفه صوتها وهي تقول:
_ على فكرة محصلتش حاجة بينا أنا لسا عذراء!
سمرته الدهشة للحظات طويلة، كيف عذراء وماذا عن الصور الذي رآها الجميع؟ التفت بجسده كاملا لها من جديد وهتف بذهول ملحوظ:
_ نعم!
ميار بنبرة صادقة واستحياء بسيط:
_ أيوة محصلتش حاجة أكتر من اللي في الصور.
هيمنت عليه الدهشة لخمس ثوان وهو يحدجها ساكنا تماما، وعيناه تطلق تساؤلات كثيرة وعقله يرفض تصديقها ويقنعه بأنها كاذبة، وفقط تفعل ذلك حتى تخرج نفسها من الوحل الملطخ بشرفها. وقد استمع لصوت عقله الذي يردد "كاذبة لا تدعها تخدعك". فرأت ضحكة مستهزئة تنطلق من بين شفتيه ونظرة وضيعة استقرت بعيناه. ثم خرج صوته صلبا بجراءة:
_ لا والله! محصلش حاجة! امال قضيتوا الليلة إيه بقى!
صدمها رده الجريء والصارم غير المتوقع، فخجلت وسرعان ما اجفلت نظرها عنه بارتباك. ليلقى هو عليها نظرة ساخرة ونافرة، ثم يستدير ويتجه نحو فراشه ليتسطح عليه ويسحب الغطاء على جسده. فظلت هي واقفة تتطلع إليه وبعيناها تجول بين أرجاء الغرفة تبحث عن مكان لتنام فيه، وحين وقع نظرها على الشيء الوحيد الموجود وهو الأريكة، فأبت بشدة أن تنام على هذه الأريكة غير المريحة والصغيرة. رجعت بنظراتها التائهة له لترى شفتيه تبتسم ببرود وعدم مبالاة، ويشير بعيناه على الأريكة هاتفاً بقسوة:
_ كان نفسي اتنازل وأخليكي تنامي مكاني، بس أنا مستنضفش إنك تنامي على سريري أصلا.
تشربت إهانته اللاذعة لها بنفس منكسرة، ثم انحنت إلى حقيبتها المسنودة على الأرض وفتحتها لتخرج لها ملابس حتى تبدل هذه العبائة التي باتت تخنقها، وذهبت للحمام. وبعد دقائق خرجت وهي ترتدي بيجامة منزلية مريحة، فوجدته أغمض عينيه ويبدو أنه انخرط في النوم. توجهت نحو الأريكة ومددت جسدها عليها مغمضة عيناها محاولة النوم بعد كل ما مرت به منذ الأمس حتى الآن!
***
في صباح اليوم التالي...
ترجلت يسر من سيارتها التي اشتراها لها أبوها حديثا، وقادت خطواتها نحو ذلك المقهى الصغير. وبعدما عبرت الباب وقفت تتنقل بنظرها بين الجالسين باحثة عن أحدهم. فابتسمت فوراً بعذوبة حين رأتها تلوح لها بيدها، فتحركت إليها وسحبت المقعد المقابل لها وجلست قائلة باعتذار لطيف:
_ اتأخرت عليكي مش كدا؟
_ لا، أنا يدوب جاية من عشر دقايق. احكيلي بقى حصل إيه.
قالت جملتها الأخيرة بجدية تامة وفضول، لتطلق يسر تنهيدة طويلة وتقول بمرارة:
_ طلقني.
أطالت ريم النظر في عيناها بوجه عابس ومشفق، ثم مدت يدها وامسكت بكفها متمتمة في نقم على ذلك "الحسن":
_ ده الأفضل ليكي يايسر. إنتي مخدتيش منه حاجة غير وجع القلب. هو مستاهلكيش ولا يستاهل حبك ليه، وحتى حزنك عليه ميستهلهوش.
غامت عينا يسر بالعبارات وقالت بصوت مبحوح:
_ اللي واجعني ياريم إنه كان كاره ابنه لمجرد إنه مني. أنا كنت عارفة إنه بيكرهني، بس متوقعتش للدرجة دي. ده كان بيقولي هسقطك أنا لو منزلتهوش.
استشاطت ريم غيظا وبغضا عليه، حيث هتف بغضب عارم:
_ وهو كان ميستهلوش أصلا الطفل ده! ده واحد حيوان معندهوش قلب. أنا مش فاهمة إزاي حبيته، لا وبعد ده كله لسا بتحبيه!
فرت دمعة حارة من عيناها. تكره قلبها الذي يرفض الاستماع لها ويصر على هذا العشق الذي أمات الكثير في داخلها. هي ترغب في بغضه أكثر منهم، ولكنها لا تستطيع. تتمنى أن تتحرر من تعويذته وتحلق حرة في السماء، وتتزوج من رجل آخر يستحقها ويستحق حبها له، ويكون تماما كما تود. ولكن ليس بسلطان على القلب!
يسر بأعين دامعة ونبرة يائسة:
_ حاولت كتير ياريم أطلعه من قلبي معرفتش، وعارفة إنه ميستهلش ذرة من الحب ده.
_ هتكرهيه يايسر أنا متأكدة، وإياكي تسمحيله يتلاعب بمشاعرك تاني لو حاول يرجعلك. اقنعي نفسك إنك بتكرهيه، ومع الوقت هتكرهيه بالفعل صدقيني.
مدت يسر أناملها وجففت دموعها متمتمة ساخرة، ونظرة حازمة لا تحمل المزح:
_ ومين قالك إني هسمحله أصلا! من هنا ورايح هيشوف يسر مختلفة تماما. هخليه في كل لحظة يحتكر نفسه، وهعرفه حجمه بجد. لإني كنت مدياه قيمة وحجم أكبر من حجمه، وهو أساسا نكرة.
تأففت ريم بعبوس من هذا الحديث السلبي والمثير للأعصاب، فأردفت باهتمام ونبرة حانية:
_ طمنيني عليكي، إنتي كويسة يعني مش حاسة بأي تعب؟
رسمت ابتسامة منطفئة على شفتيها وهمست بهدوء:
_ لا متقلقيش، الحمد لله كويسة. واطمني خطتنا ماشية زي ماهي ومحدش هيعرف حاجة.
هزت ريم رأسها بالإيجاب وهي تبادلها الابتسامة وتربت على كفها برفق وحنو كنوع من إبعاث الطمأنينة وبعض المشاعر الإيجابية لنفسها البائسة!
***
بمكان آخر في مدينة (مرسى مطروح) تحديداً في إحدى الفنادق الفاخرة، قد وصل زين بصحبة زوجته بعد رحلة سفر طويلة قليلا.
ترجلت ملاذ من السيارة أولا ورفعت رأسها لأعلى تقيس طول ذلك الفندق الضخم، بينما هو فالتف لحقيبة السيارة الخلفية وأخرج منها حقيبة ملابسهم السوداء، ورفع ذراعها لأعلى يجرها خلفه وهو يشير لها برأسه أن تتحرك، فسارت معه فوراً وهي لا تتمكن من إخفاء ابتسامتها التي كانت عريضة وواسعة على شفتيها، ولكن نقابها يخفيها عن أعين الناس. سارت بجواره حتى وقفوا أمام الاستقبال، وأخذ هو يتحدث معهم وهي تتفحص الفندق الساحر من داخله. كانت فرحتها كفرحة طفل صغير أتى لقضاء عطلة نهاية السنة مع عائلته.
لم تعرف كم مر من الوقت وهي تتجول بنظرها بين أرجاء الفندق وتتابع حركات الناس، الذي كان بعضهم نساء أجنبيات ويرتدين ملابس قصيرة وفاضحة، فكانت ترمقهم بنظرات متقرفة بها القليل من كيد النساء على مياعتهم في سيرهم. وبتلقائية نظرت لزين فوجدته يتحدث مع الرجل الذي يقف في الاستقبال بجانب الفتاة التي كانت لا ترفع نظرها عن زوجها، فحدجتها بنارية فانتبهت الفتاة لها ولنظرتها الملتهبة وعلى الفور أشاحت بنظرها عن زين. اقتربت ملاذ من زين ورتبت على كتفه برفق، فاحني رأسه لمستواها لتهمس هي في أذنه باختناق:
_ يلا يازين أنا تعبت من الوقفة.
_ حاضر، ثانية.
عاد بنظره للرجل مجددا وأخذ منه الكارت الخاص بالدخول لغرفتهم، وتحرك هو قبلها، فالقت ملاذ نظرة مستشيطة أخيرة على تلك الفتاة ثم لحقت به. وقفا أمام المصعد الكهربائي حتى فتح وانتظرها حتى دخلت هي أولا ومن ثم هو. انغلق الباب وبدأ المصعد في الصعود، فرفعت النقاب عن وجهها وهي تقول بضيق:
_ إنت ملقيتش غير الفندق ده!
_ لا، في كتير أكيد، بس الخدمة في الفندق ده كويسة جدا ومريحة. إنتي معجبكيش ولا إيه؟
هتفت بغيظ وغيرة ملحوظة:
_ لا عجبني، بس مش عاجبني البنات اللي فيه.
رمقها بنظرات مستغربة ومستفهمة، فأكملت هي باندفاع:
_ البنت الغلسة اللي في الاستقبال دي، ولا البنات الأجانب اللي لبسهم حاجة مقرفة.
انفتح باب المصعد فانزلت نقابها على وجهها فوراً وخرجوا. وسمعته يهتف باسمها باستنكار:
_ ملاذ دي مدينة ساحلية وسياحية، فلازم هيكون في سياح في الفنادق. أنا متعود وبروح دايمًا أماكن زي كدا بسبب الشغل أحيانًا.
وصلوا أمام الغرفة، فرفع الكارت وأدخله في قفل الباب وأخرجه، ثم أمسك بالمقبض وأداره لينفتح ويدخل. ثم هي التي أغلقت الباب خلفها وسمعته يهتف شبه ضاحكا:
_ أول مرة دخلت فنادق في الغردقة تقريبا كان مع بابا من سنين، ومكنتش متوقع إني هلاقي المناظر دي، فدخلت بنية صافية طبعًا، وبمجرد ما بصيت وركزت في أشكال البنات واللبس ذهلت وصممت بعدها إني همشي ومش هقعد في الفندق ده، فبابا بهدلني وقتها وقالي إنت هتمنع الناس تلبس اللي هي عايزاه، وغصبني أقعد معاه، كنا جايين لشغل وكان عندي وقتها 25 سنة. بس ومن ساعتها حرمت، بقيت لما أدخل أي فندق مبرفعش عيني ومبصش على حد نهائي عشان مشوفش المناظر اللي تقرف دي تاني.
نزعت حاجبيها ونقابها عنها تماما وألقت بهم على الفراش المتوسط، لتكشف له عن وجهها المبتسم بساحرية وتقترب منه، ثم تلف ذراعيها حول رقبته متمتمة بدلال أنوثة رقيق:
_ إنت عندك مشكلة واحدة تعرف إيه هي؟
اخفض نظره ليديها الملفوفتين حول رقبته، فمالت شفتيه لليسار بخفة وعاد بعينيه لها مجددا يجيبها بفضول:
_ إيه؟
التصقت به أكثر وهي تثبت ذراعيها حوله جيدا وتكمل بدلال أشد من سابقة:
_ إنك قمور! وفي الآخر تاجي واحدة زي البنت الملزقة اللي في الريسبشن تحت وتبصلك.
غضن حاجبيه باستغراب حقيقي وهدر:
_ بنت! طيب هتصدقيني لو قولتلك إني مخدتش بالي إن في بنت واقفة أصلا والله.
تحولت نظرته من الرقة إلى الحدة ونبرتها أصبحت مستاءة وكلها غيرة وهي تتشدق:
_ كانت بتصبلك وشغالة تبتسم زي المعزة! قومت أنا زغرتلها بعيني، فاتعدلت علطول. هما كدا الناس دي مينفعش معاهم غير العين الحمرا.
رفع حاجبه وخرجت منه ضحكة بسيطة على تشبيهها للفتاة بـ "المعزة" وقولها "زغرتلها"!! لا ينكر سعادته بغيرتها التي يراها للوهلة الأولى، واقترابها وتدللها عليه الذي أطلق سهامه في قلبه بقوة!
زين بابتسامة عريضة وشبه مستنكرا:
_ معزة وزغرتيلها!
هزت رأسها بالإيجاب وهي تبادله الابتسامة الناعمة، وقد شعرت به يلف ذراعيه حول خصرها يضمها إليه أكثر، وعلى عكس المعتاد لم تخجل منه، بل شقت ابتسامتها الطريق أكثر وكادت أن تصل لأذنيها من فرط السعادة. وأكمل هو متسائلا بحيرة ومتلذذا بحرارة الحديث:
_ زغرتيلها إزاي بقى؟
_ كدا.
وسعت بؤبؤي عيناها بصرامة وضمت شفتيها تمدها للأمام قليلا، فخرجت لوحة وجهها طفولية وكوميدية، وهذا ما كانت تسعى له، حيث سمعت صوت ضحكته الرجولية التي انطلقت وجلجلت الغرفة، فعاد وجهها لطبيعته ورسمت الابتسامة على شفتيها بتلقائية وهي تراه يضحك وتأملته بأعين مغرمة، حتى وجدت أنه يفلت ذراعيه من حول خصرها ويقول والابتسامة لا تزال تزين شفتيه الجميلتين:
_ لا عجبتيني!
أنا هروح آخد حمام سريع عشان أريح جسمي من تعب السفر.
ابتعد عنها واتجه إلى الحمام، بينما هي فضلت متصلبة في مكانها تحدق على آثاره بعشق.
***
كانت تجلس تشاهد التلفاز على إحدى القنوات المعروفة، تعرض مسلسل مصري كلاسيكي. تارة تصدر تفاعلاً بضحكة بسيطة، وأخرى تصبح ملامحها جامدة. في لحظة عابرة تذكرته وأنه لم يخرج من الغرفة منذ أن استيقظ، فاستقامت من مكانها وذهبت لغرفتهم. سمعت صوتًا منبعثًا من الحمام، تحركت نحوه. كان الحمام مفتوحاً ورأته يقف ويلف حول رقبته منشفة صغيرة وبيده آلة الحلاقة، وقد وضع على لحيته ذلك الشيء الأبيض الذي لا تعرف ماذا يسمى، ولكنه حسب اعتقادها أنه يخفف ألم إزالة شعر اللحية. بمجرد أن وقعت عيناها عليه، غرت فمها مندهشة وقالت:
_ إنت هتحلق دقنك!!!
نظر لها كرم بعينين متعجبتين وأومأ لها بالإيجاب، ليسمعها تكمل بانزعاج وتوسل وقد دخلت ووقفت بجواره تماماً:
_ لا متحلقهاش، شكلك حلو بيها أوي والله.
عاد يرفع الآلة لذقنه ويقول بهدوء:
_ أنا متعود كل فترة بحلق دقني.
قبضت على يده قبل أن يضع الآلة على وجهه، تناهه بلطف وبأعين دافئة بعد أن قفزت في عقلها فكرة لطيفة:
_ لا لا متحلقهاش.. بص، أنا هعملك حاجة حلوة وهتنعشك. إيه رأيك؟
_ حاجة إيه دي؟
أردفت بحماس ملحوظ في نبرتها ونظرتها:
_ اغسل وشك الأول بس!
أطال النظر في وجهها بريبة وسكوت ويفكر فيما تريد فعله ويطرح العديد من الأسئلة، ولكنها نكزته في ذراعه برفق تحثه على فعل ما طلبت للتو. ليأخذ نفساً عميقاً ويحني رأسه على صنبور الماء ويبدأ في غسل وجهه. وبعد أن انتهى، رآها تمسك بكفه وتسحبه خلفها هاتفة:
_ تعالى في الحمام اللي برا هنا مش هينفع.
ضيق عينيه بحيرة ورغم عنه عصفت في ذهنه فكرة منحرفة، ليقول لها مستفهماً بنبرة تحمل الاستنكار:
_ هو إيه ده اللي مش هينفع هنا؟
_ تعالى بس!
سار معها مغلوباً على أمره حتى وصلوا للحمام الخارجي، وفتحت الباب. وقد كان حماماً واسعاً به حوض استحمام واسع وحوائطه من اللون البني الفاتح، وفي آخره مرآة كبيرة. أسفل المرآة بالضبط حوض شامبو متوسط الحجم من اللون الأسود، وأمامه مقعد وثير وطويل بعض الشيء.
لم تمهله اللحظة ليحاول توقع ما يدور في ذهنها، وإذا به يجدها تجذبه مجدداً من يده وتجلسه على ذلك المقعد. ثم ابتعدت عنه لتجلب شامبو خاص، فسمعت صوته الغليظ وهو يتأفف بنفاذ صبر ونبرة حانقة:
_ شفق، ممكن تفهميني بتعملي إيه عشان أنا بدأت أتعصب!
عادت له وقالت في رقة وبمشاكسة:
_ إنت بقيت بتتعصب على أي حاجة الفترة دي أساساً.. إنت مش كنت بتقول لما صحيت من النوم إنك مصدع وراسك وجعاك؟ أنا بقى هعملك مساج بس بطريقة مختلفة.
خرجت نبرته الخشنة والحازمة:
_ وإيه الطريقة المختلفة دي بقى؟
اغتاظت من طريقته الجافة بالرغم من أنها تعرف أن مزاجه معكر منذ الصباح الباكر. ولكنها أبدت عن احتجاجها على طريقته حيث زمت شفتيها باغتياظ وهتفت ممتعضة وغاضبة:
_ إنت بتكلمني كدا ليه يعني؟ ده جزاتي إني عايزة أخففلك الصداع اللي عندك.
ثم استدارت بكامل جسدها توليه ظهرها. وقبل أن تهم بالرحيل، قالت في خنق وعبوس:
_ خلاص طالما إنت مضايق مش هعمل حاجة.. وآسفة إني عصبتك يا كرم بيه.
رفع حاجبه الأيسر باحترافية وأجابها مستنكراً باندهاش:
_ بــيــه!!!!
وجدها ستهم بالانصراف حقاً، ولم يكن غضبها تدللاً كما ظنه للتو. بل كانت ملامح وجهها البريئة تثبت أنها استاءت بالفعل من حدته معها. وبسرعة اعتدل في جلسته ومد ذراعه يجذبها من يدها برفق متمتماً باعتذار جميل:
_ خدي خلاص أنا آسف، متزعليش. مكنش قصدي والله!
رمقته بطرف عينها بنظرة متضايقة وسرعان ما أشاحت بوجهها للجهة الأخرى محتجة عن الكلام معه. فضيق عينيه باستغراب وقال بحنو:
_ تعالي يلا اعملي المساج اللي قولتي عليه ده.
أبعدت كفه الذي يقبض على رسغها وعقدت ذراعيها أمام صدرها مردفة بتذمر طفولي بعض الشيء:
_ واعملك ليه؟ ما إنت مش طايقني ولا طايق مني كلمة!
بات يفهم مدى تأثير ابتسامته عليها، فاتخذها كسلاح في هذه اللحظة وابتسم لها بساحرية هامساً في دفء:
_ تعمليلي عشان أنا عايز وبطلب منك أهو.. ممكن؟
سحق سخطها ومحاه برقته وابتسامته كأنه لم يكن. وكالعادة، فشلت هي في إخفاء ابتسامتها التي صعدت لشفتيها تدريجياً وقالت باستحياء بسيط وابتسامة جانبية:
_ ماشي!
استرخى في جلسته تماماً ورجع برأسه للوراء يضعها بالجزء المخصص في الحوض لوضع الرأس وأغمض عينيه. لتبتسم هي بعاطفية وتقترب منه ثم تبدأ أول شيء بالماء الدافئ الذي وضعته على شعره البني والناعم. ومن ثم سكبت القليل من الشامبو على يدها وبدأت تغلغل أصابعها بين خصلات شعره وتارة تبسطها وتفتحها بين خصلاته وتارة تدلك رأسه بكامل الرفق واللين. وتثبت نظرها عليه تنتظر منه أي ردة فعل، ولكنه كان مستسلماً لها تماماً ويغمض عينيه. وبتلقائية ابتسمت حين رأت شفتيه تميل للجانب قليلاً كدليل على استمتاعه بما تفعله، فقالت في صوت أنوثي خافت:
_ هااا إيه رأيك؟
اتسعت ابتسامته وغمم دون أن يفتح عينيه حتى لا يفسد لحظات تلذذه واسترخائه:
_ اممممم كملي.. شكلي هخليكي تعمليلي البتاع ده كل يوم!
قهقهت ببساطة وقالت مداعبة إياه:
_ بتاع!!.. ده مساج للشعر وليه فوايد كتير منها تخفيف الصداع وآلام الرأس والتخلص من التوتر والعصبية، وحط خطوط كتير تحت العصبية دي هااا!
سمعت صوت ضحكته المنخفضة وفتح عينيه الرماديتين يطالعها بلطف ويتمتم وهو يشاركها حس المداعبة:
_ في دي معندكيش حق.. بقى أنا عصبي!!
هزت رأسها بالنفي قائلة بوجه مشرق ويداها لا تزال تعمل في تدليك فروة شعره:
_ لا فشر، ده إنت كيوت.
عاد يغمض عينيه من جديد وهو يضحك لتكمل هي جلسة تدليكها ببطء شديد واحترافية لكل جزء في رأسه حتى عنقه، بينما هو في كامل استرخائه. كانت تقف بجانبه مباشرة ولا يفصلهما عن بعض شيء وتنحني بجذعها للأمام حتى تتمكن من رأسه وتستطيع القيام بالمساج بدقة. واقترابها الحميمي منه أشعره بأنفاسها الدافئة تلفح صفحة وجهه ورائحة العطر النسائي المثير الذي نثرته على ملابسها تغلغل إلى أنفه، فهيج بداخله مشاعر مختلطة. وحاول بصعوبة عدم التركيز على رائحتها أو أنفاسها، وإذا به يجد شعرها الذي تحركت خصلاته للأسفل على وجهه بسبب انحنائها ودغدغته. ففتح عينيه ورفع يديه من الجهتين لشعرها باضطراب بسيط، وأرجعه للخلف يثبته جيداً على ظهرها حتى لا يتحرك مجدداً وهو يرمقها في ابتسامة شبه خفية. فبادلته هي إياها بنفس مشاعر الاضطراب!
استمرت جلسة المساج إلى ما يقارب العشر دقائق، ثم بدأت تغسل شعره بالماء وتعاد تدليكه لدقيقتين بالضبط وتعود تغسل بالماء مجدداً. وأخيراً جذبت المنشفة ورفع هو رأسه قليلاً عن الحوض، فوضعت المنشفة على شعره تجففه بإحكام ورفق شديد.
شفق بنبرة رقيقة وأعين جذابة:
_ يارب يكون الصداع خف شوية.
قال بضحكة خفيفة:
_ أنا نسيت أصلًا إني كنت مصدع.. بس ياترى بقى عندك كام موهبة تاني يا شفق هانم؟
تشدقت مشاكسة إياه بشيء من الفخر وهي تضحك:
_ كتيييير مبعدش يا جيمي!
انطلقت منه ضحكة مرتفعة نسبياً لتتابعه هي بأعين تطلق شرارات العشق المتيم!
***
داخل منزل طاهر العمايري...
كان علاء يقف أمام المرآة يهندم ملابسه ويستعد للخروج، غير منتبه لنظرات ميار له وهي تحدجه بشيء من الخنق والقرف. وحين لاحظ عينيها التي تتابعه، فالتفت برأسه لها في عينين ثاقبتين كالصقر، وسرعان ما أشاحت بوجهها للجانب الآخر في ارتباك امتزج بالخوف. فعاد هو بنظرة للمرآة مجدداً وسمعت صوته الأجش وهو يقول بلهجة آمرة لا تقبل النقاش:
_ عشان يكون في علمك، خروج من البيت مفيش. ولو شميت خبر إن رجلك عتبت برا عتبة البيت محدش هيرحمك مني، لا عمك ولا غيره.
رمقته بطرف عينيها مستنكرة وهمست بصوت لا يسمع:
_ وجاي على نفسك كدا ليه؟ ماتحبسني في الأوضة أحسن.
استمع إلى همهمات خافتة تخرج من بين شفتيها، فقال بتدقيق وصرامة:
_ بتقولي حاجة؟
ثبتت نظرها عليها وأردفت بنبرة محتجة:
_ بقول ليه؟ إيه السبب إنك تحبسني في البيت؟
لاحت ابتسامة متشفية على شفتيه وقال بقسوة ملحوظة في نبرته ونظرته:
_ مزاجي كدا! عندك اعتراض؟
حدقت به باستفهام، فهي حقاً لا تفهم سبب تعامله القاسي معها بهذا الشكل. بالتأكيد هو لا يهتم لأمر الخطأ الفادح الذي ارتكبته، وحتى إن كان يهتم فلا يحق له أن يعذبها على هذا الشكل. كانت هذه الكلمات تدور جميعها في حلقة واحدة ولا تفهم لهم أي سبب. وقررت أن تواجهه بما يدور بداخل عقلها، حيث قالت بشجاعة بسيطة:
_ إنت بتعمل معايا كدا ليه؟
سؤالها كان في المكان والوقت المناسب تماماً، حيث ابتسم بنظرات شرانية واستدار ناحيتها بجسده كاملاً. ثم تحرك إليها وجلس على حافة الفراش أمامها متمتماً بنبرة مريبة دبّت الرعب في أوصالها:
_ بعمل كدا ليه؟ سؤال حلو وأنا كنت منتظره منك! متفتكريش إني بعمل كدا عشان اللي عملتيه ولا بعاقبك عليه والكلام العبيط ده. أنا أساساً ميهمنيش، ولو قولتيلي دلوقتي إنك حامل من الـ**** اللي عملتي معاه العلاقة برضوا مش هيفرق معايا. كل ما في الموضوع إني مش طايقك وقرفان منك واتجبرت اتجوزك عشان سمعة عيلة العمايري اللي إحنا منتشرفش إن يكون عندنا بنت في العيلة فـ **** زيك.
خنجر مسموم رشقه في يسارها بكلماته التي لا تحمل أي رحمة أو رفق. فكتم صوتها ولم تجد ما تقوله، فقط شعرت بالدموع تتجمع في مقلتيها. وطال صمتها للحظات وهو يحدقها بنظراته المشمئزة منها، حتى قالت بصوت يغلبه البكاء:
_ وأنا قولتلك إمبارح إن محصلش حاجة بينا!
خرج عن إطار الهدوء حيث صاح بها بصوت جهوري:
_ كذابة يا ميار ومش مصدقك ومش هصدقك.
انسابت دموعها على وجنتيها غزيرة وهي تجيبه بنبرة ضعيفة:
_ أنا مش كذابة يا علاء.
لوى فمه باستهزاء، وبداخله ليس هناك أدنى شك بأنها تكذب، فقط لتكسب تعاطف الجميع. وقرر إنهاء هذا الحديث بجملة يعلم أنها ستسكتها تماماً. انحنى للأمام إليها وخرج صوته خافتاً وجريئاً وهو يقول متغطرسًا:
_ طيب تحبي أتأكد بنفسي؟
دقات قلبها دقاته بقوة وارتبكت، ودون أن تجيب عليه استقامت واقفة بأعين زائغة وأسرعت نحو الحمام تختبئ منه. فابتسم هو ساخراً عندما تأكد بأنها تكذب.
غربت الشمس وارتفع ضوء القمر في السماء ليزينها بأجمل وأبدع لوحة رسمها الخالق عز وجل.
داخل غرفة أبطالنا، كان يجلس على الفراش الواسع وبيده المسبحة المكونة من 99 حبة. وكلما يردد "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"، يعود بحبة من الحبات للخلف. واستمر هكذا لدقائق طويلة حتى قطع تسبيحه وهو يهدر بنفاذ صبر على تلك القابعة في الحمام منذ ما يقارب العشرين دقيقة:
_ يلا يا ملاذ!
_ حاضر طالعة أهو.
لحظات قليلة وخرجت له وهي ترتدي رداء فضفاضاً من اللون الأسود المنقط بالأبيض، ونقابها الماليزي يأخذ نفس لون خمارها وهو الفوشيا الغامق، مما زادها عفة وجمالاً. فرأت ابتسامة دافئة تنطلق على شفتيه، ولكنها اختفت تدريجياً عندما دقق النظر في وجهها جيداً، ووجدته يستقيم واقفاً ويتقدم نحوها حتى رفع حاجبه وهو يثبت نظره على أحد أجزاء وجهها ألا وهو شفتيها. وعلى الفور قفزت في عقله ذكر يوم قرآنهم عندما أخذها لمكتبته الخاصة في العمل. ول اضطرابها لم تركز جيداً في نظرته حتى تفهم إن كانت نظرة حازمة ومستاءة أم تضمر الإعجاب خلفها، حيث هتفت بتلعثم:
_ من غير ما تقول أي حاجة همسحه خلاص.
همت بالاستدارة والفرار إلى الحمام، فاستوقفتها يده التي قبضت على ذراعها ترغمها على الوقوف وهو يقول بنبرة تحمل في طياتها إشارات الغرام:
_ لا متمسحوش، شكله حلو عليكي.
تسارعت نبضات قلبها وأحست به يتراقص حبوراً وفرحاً في مسكنه. ودون أي درجة من التحكم صعدت الابتسامة لشفتيها بعفوية، لتستدير له وتحاول إخفائها في محاولة بائسة، هامسة بترقب لرده:
_ يعني مش مضايق زي المرة اللي فاتت؟
خرج صوته هادئاً وحانياً به شيء من الخشونة:
_ يوم الفرح أنا اتعصبت عشان إنتي كنتي حاطة مكياج وأمة لا إله إلا الله بتتفرج عليكي، لكن دلوقتي الوضع يختلف، إنتي منقبة واللي حطاه ده حطاه ليا أنا بس ومحدش هيشوفك.
ازدردت ريقها باستحياء ملحوظ وقد تورّدت وجنتاها. ففكرت في الهرب من هذا الوضع وتحدثت، ولكن لسانها المتلعثم لم يسعفها:
_ ط.. طيب مش هنمشي ولا إيه؟
ضحك بخفة حين أدرك خجلها، ورفع يده ينزل نقابها على وجهها مجيباً إياها في لطف:
_ يلا.
غادرت معه الغرفة ومنها الفندق بأكمله، لتستقل بسيارته وينطلق هو بها يشق الطرقات قاصداً قاعة الأفراح الذي سيقام فيها حفل الخطبة الخاص بأحد أصدقائه.
سارت معه وهي تشبك ذراعها بذراعه كنوع من إظهار الملكية أمام جميع أنظار الفتيات المعجبة، حتى وجدته يقف أمام رجل كهل في العمر يبدو أنه والد العريس، وعانقه عناقاً حاراً يهنئه على حفل خطبة ابنه بأدب ولطف. رأت ذلك العجوز ينظر لها ويقول بتهذيب ونبرة كلها مودة مرحباً بها في عذوبة:
_ أهلاً وسهلاً، عقبالك يا بنتي.
نظرت لزين باستعجاب وضحكة عيناها كانت تكشف عن ضحكة شفتيها الخفية. بينما هو اتسعت ابتسامته وانحنى إلى ذلك الرجل الهرم الذي طالما اعتبره بمقام والده وهتف بنبرة مرتفعة قليلاً ليسمعه من وسط ضجة الموسيقى الصاخبة:
_ دي مراتي يا عمي سالم.
أبدى العجوز عن دهشته وهو يفغر شفتيه وتتسع عيناه ويهتف ضاحكاً بسعادة غامرة معانقاً إياه للمرة الثانية:
_ إنت اتجوزت؟ الــــف مبروك يا ابني. لا ده أنا ليا كلام مع رامي بقى وهربيه إزاي ميقوليش إنك اتجوزت.
_ أنا كنت هتصل بيك بنفسي والله بس انشغلت يا عمي، انت عارف بقى مواضيع الجواز وكمان الموضوع تم في فترة قليلة فملحقتش.
عاد يهنئه من جديد ببشاشة ونظرات محبة وهو يتمنى لهم سنوات سعيدة. وبعد لحظات من الحديث المتبادل بينهم، اتجهوا نحو طاولة صغيرة بعيدة عن حشد الناس، وهي تتابع بنظراتها حركات الجميع وأشكالهم وكأنها ستقابلهم مجدداً. فنظرت له ووجدته لا ينظر لشيء، فقط عيناه معلقة على سطح الطاولة أمامهم يحدق بها بشرود. ليشعر بكف يدها على كفه وهي تهمس في أذنه برقة:
_ سرحان في إيه؟
_ مفيش، افتكرت حاجة في الشغل بس. مش يلا بقى ولا إيه؟ وأنا هقوم أسلم على رامي وأباركله ونمشي.
هتفت محتجة بدهشة من فتوره السريع:
_ نمشي! احنا مقعدناش دقيقتين على بعض يا زين!
_ ما أنا قولتلك مش هنقعد، أنا مبحبش الأغاني وجو الأفراح بتاع اليومين دول.
_ طيب نقعد ربع ساعة بس على الأقل ونمشي.
تنهد بعدم حيلة بعد أن استسلم لرغبتها في البقاء. فعادت هي تتابع الناس كما كانت تفعل. وبعد مرور ما يقارب الخمس دقائق وقع نظرها على أحدهم والذي كان لا يرفع نظره عنها. إنه خطيبها السابق "أحمد". ماذا أتى به إلى هنا؟ تعرف عليها بمجرد رؤية زوجها بجوارها فعرف أنها هي. رأته يبتسم بشيطانية حين نظرت له وتأكد من شكوكه حولها. فتوترت بشدة وشعرت باضطراب قلبها الذي بدأ يدق بخوف وقلق. خوف من أن يراه "زين" فيغضب وينشب شجار عنيف بينهم. وهي لا تود إفساد رحلتهم بسبب ذلك الحقير.
نظرت لزين وعادت تمسك بيده مجدداً قائلة في عينين قلقة:
_ يلا نمشي يا زين.
غضن حاجبيه بريبة وأجابها ساخراً:
_ إنتي مش لسا قايلة نقعد ربع ساعة؟
هتفت بإصرار ونبرة ليست طبيعية:
_ لا لا كفاية، أنا حاسة نفسي تعبت وعايزة أمشي.
لم يعلق. فهو أيضاً لم تعجبه الأجواء وكان يجلس مضطراً حتى يرضيها. استقام وهو يقول:
_ أنا هسلم على رامي وأجي استنيني هنا.
تشبثت بذراعه كالطفل الذي يخاف الافتراق عن والده وقالت مضطربة:
_ لا أنا هروح معاك متسبنيش لوحدي.
أحس بأن بها شيء ليس طبيعياً وخطط لسؤالها عن سبب اضطرابها الواضح. ولكن عند مغادرتهم الحفل، وبالفعل سارت معه وهي تخطف نظرات سريعة لذلك القابع في أحد الأركان ولا يزال يعلق نظره عليها. فدعت ربها مراراً وتكراراً لكي لا يراه زوجها وأن يغادروا ويعودوا إلى الفندق دون أي مشاكل.
هبت ميار واقفة فزعة عند سماعها طرق الباب وخرج صوتها متقلقلاً:
_ ادخل!
انفتح الباب وظهرت من خلفه يسر التي كانت تحدق بها بجمود ثم دخلت وأغلقت الباب خلفها. فتوترت ميار في البداية ولكنها جمعت شجاعتها لتواجه بها مكر تلك يسر التي لا ترغب بالخير لها أبداً من شدة بغضها عليها.
رآتها تقترب منها وتجلس على الفراش هاتفة بضحكة مستغطرسة:
_ ما تقعدي يا ميار، إنتي خايفة مني ولا إيه؟
_ عايزة إيه يا يسر؟
قالتها بنبرة حانقة ليأتيها الرد بارداً منها كالثلج:
_ ولا حاجة، أنا حبيت أتكلم معاكي شوية بس.
ابتسمت ميار باستنكار واردفت بخنق:
_ وهو إيه ده بقى اللي هتتكلمي فيه معايا؟ ده على أساس إنك بتحبيني حب فظيع.
هزت رأسها بالإيجاب توافقها الرأي على جملتها الأخيرة وهي تبتسم ببساطة وتقول بجفاء:
_ فعلاً أنا مش بحبك لإن إنتي اللي بتخلي الناس تكرهك يا ميار بسبب عمايلك. بس إن جيتي للحق أنا اشفقت عليكي بجد وعلى اللي عملتيه في نفسك.
ثم سكتت لبرهة واسترسلت حديثها بشيء من الإشفاق واللين الحقيقي:
_ ده جزاء شر أعمالك. إنتي وتيتة حاولتوا تعملوا مشاكل بين زين ومراته عشان تخلوه يطلقها بس محلقتوش واتكشف موضوع علاقتك ده.
_ وأنا مش محتاجة أبرر ليكي موقفي يا يسر لإني ميهمنيش أصلاً تصدقي أو لا.
استقامت يسر واقفة واطلقت تنهيدة حارة وهي تقول بنظرة تحذيرية ومخيفة:
_ ولا أنا يهمني كمان! أنا كل اللي يهمني اخويا. متحاوليش تتقربي منه وخلي فترة الجواز دي تعدي على خير لأن محدش منا هيقبل إن علاء يكمل معاكي بعد اللي عملتيه وأنا أول واحدة مش هسمحلك تدمري حياة اخويا، سامعة ولا لا؟ كفاية إنه اتجوزك غصب وشايل الهم وهو مش عايزك.
لم تنتظر منها الإجابة بل تحركت نحو الباب وانصرفت تاركة إياها تحدق على آثارها بتفكير عميق ووجه عابس وحزين. فدومًا كانت تسعى لكسب محبة الآخرين لها ولكنها حتى المحبة لم تحظى بها.
لماذا لا تتركني وشأني؟ لماذا تصر على أن تجعل من حياتي جحيم؟ ألا بحق لقلبي الشفاء من السقم الذي أصبتني به؟ فلقد ذقت أشد أنواع الخيانة والغدر في عهدك. وعندما وجدت من يداوي جرحك ويعود لقلبي نبضه من جديد، لا تتركني أنعم بتفاصيل العشق معه الذي سلبتني إياها بكامل الوحشية والقسوة.
حتى مجرد تذكرك يجنني ويثير عواصفي بشدة. فأنا على يقين أنك لا تدري إلى أي درجة أصبحت أبغضك ولا أريد حتى سماع صوتك.
كتمت صوت شهيق بكائها بيديها حتى لا يصل لمسامعه وداخلها يصيح بألم وبكاء "لا أريد اصطناع فجوة أخرى بيننا. اخشى أن يظهر ذلك المؤذي في حياتنا من جديد فيفسد كل ما بنيته في الفترة السابقة. اخشى أن يعود معي كالسابق. أريد أن أشعر بعشقه لي وأخاف كل الخوف من خسارته. أكره حياتي المدنسة بخطأ ارتكبته ولم ترحل آثاره حتى الآن ومازلت أحاول في تطهيره حتى أعيش معه بسلام وسعادة وحب. بعدما أدركت حقيقة واحدة وهي إنني أعشقه بشدة."
انتفضت واقفة حين سمعت صوته وهو يطرق على الباب فاسرعت وفتحت صنبور الماء ونثرت القليل من الماء على وجهها حتى تمحي آثار دموعها وهتفت بارتباك بسيط:
_ أيوة يا زين طالعة أهو لحظة!
اغلقت الصنبور وجففت وجهها بالمنشفة ثم ألقت نظرة فاحصة على نفسها في المرآة. وقفت أمام الباب تمسك بالمقبض وتأخذ شهيقًا طويلًا تزفره على مهل.
ثم ضغطت بيدها على المقبض لتفتحه وتجذب الباب إليها. فتراه يقف بانتظارها ويطالعها متعجبًا وقلقًا في نفس الوقت.
حيث استطرد:
"إنتي كويسة ياملاذ؟"
هزت رأسها بإيماءة خفيفة وتمتمت في صوت مبحوح وجسدها يرتجف، ليس بردًا ولكن من فرط توترها واضطراب نفسها الخائفة:
"كويسة الحمدلله. أنا بس شكلي داخلة على دور برد لإني مش بتقل في اللبس."
لاحظ ارتجافتها فتقوس وجهه بحزم وقال بشيء من الغضب الممتزج باللين الذي يحمل نبرة الاهتمام:
"أنا قولتلك مليون مرة البسي تقيل عشان متتعبيش، لكن إنتي عنيدة."
وفي لحظتها انحنى إليها وحملها على ذراعيه متجهًا بها نحو الفراش. ووضعها عليه برفق شديد ثم سحب الغطاء عليها يدثرها به جيدًا. وهمس في نبرة مهتمة:
"اجبلك حاجة دافية عشان تدفي جسمك؟"
هزت رأسها بالرفض وقبضت على كفه تهتف متوسلة إياه بنظراتها:
"لا تعالى جمبي بس ارجوك."
طالت نظرته المستغربة من أفعالها لبرهة من الزمن ولكنه في النهاية لبى لها طلبها. ومدد جسده على الفراش بجوارها ويشاركها في نفس الغطاء. فاعتدلت هي في نومتها ناحيته واقتربت حتى وجدها تمسك بذراعه وترفعه لتنضم لأحضانه واضعة رأسها على صدره الواسع.
ولم تكن فعلتها إلا أنها زادت شكوكه وقلقه ليسألها بصلابة وترقب لردها:
"ملاذ إنتي متأكدة إن محصلتش حاجة في الفرح؟"
نفت برأسها وهي تهزها بلطف ليتنهد هو بعدم حيلة ويلف ذراعه حول جسدها مبتسمًا بحب. ويهم الصمت بينهم لدقائق حتى رفعت هي رأسها لمقابلة وجهه وهمست بنظرة تائهة وبائسة:
"زين هو إنت خلاص بقيت تثق فيا تاني؟"
ادهشه سؤالها قليلًا فأمعن النظر في قسمات وجهها وعيناها الزرقاوتين بدفء. ليأخذ نفسًا عميقًا ويجيبها بخفوت وحيرة:
"مش عارف ياملاذ بس اللي اقدر اقولهولك إني ادركت إنك فعلًا ندمانة وعايزة تصلحي غلطك وإني يعتبر خلاص سامحتك. بس برضوا أنا حاسس إننا محتاجين وقت اطول عشان نفهم بعض فيه اكتر. وحاليًا أنا مش عايز اتسرع في أي حاجة وعايز ادي لحبنا فرصته كاملة عشان لما ناخد قرار نكون متأكدين منه."
لمعت عيناها بوميض جديد حقًا ولم يره من قبل. كانت لمعتها تخبره بشكل مباشر بعشقها له ولكنه رأى في نظرتها أيضًا بعض الخوف من الخسارة أو البعد. وكان سيقترب بشفتيه من جبهتها ليطبع قبلة دافئة عليها ولكنها سبقته. حيث وضعت شفتيها على وجنته تقبله بعمق ورقة للحظات طويلة وهي تبتسم بغرام. ثم عادت تدفن وجهها بين ثنايا صدره وتغمض عيناها لتترك روحها العاشقة تنعم لأول مرة بالنوم بين ذراعيه!
***
خرجت له وهي تحمل بيدها صحن كبير ممتلئ بالفشار وتلتقط الحبات وتأكلهم وهي في طريقها إليه. بينما هو فكان يشاهد التلفاز على إحدى قنوات كرة القدم. فانضمت بجواره على الأريكة وهي تهز بكتفها لينظر لما بيدها. فالتفت برأسه لها وابتسم ثم مد يده لصحن الفشار والتقط حبتين وألقى بهما في فمه.
ثبتت نظرها على قناة التلفاز المملة وقالت برقة جميلة:
"كرم ما تغير القناة وتجيب فيلم رعب أجنبي."
حدجها وقد ارتفع حاجبه وهدر بخشونة:
"رعب تاني!!!"
كتمت ضحكتها عندما فهمت مقصده من أن الأفلام المرعبة هي السبب في فزعها وخوفها ذلك اليوم عندما ظنت أن هناك شبحًا بالغرفة السفلية بالمنزل. ولكنها دافعت عن نفسها ببراءة قائلة:
"لا أنا بخاف لما أكون وحدي لكن طالما إنت هتتفرجه معايا عادي. واساسًا بمجرد ما انام واصحى الصبح هنسى أنا اتفرجت إيه!"
لوى فمه بنفاذ صبر من عنادها. ثم أمسك بجهاز التحكم ووجه نحو التلفاز هاتفًا بهدوء:
"ماشي ياشفق لما نشوف."
اتسعت ابتسامتها وجلست بإرياحية أكثر على الأريكة وبدأت تشاهد الفيلم معه. وكعادة الأفلام الأجنبية كان الفيلم في بدايته هادئًا بعض الشيء لا يوجد أي شيء مرعب. ولكن مع مرور نصفه بدأت المشاهد المرعبة تظهر. وكان هو قد اندمج في المشاهدة فلم ينتبه لها مطلقًا وهي تخفي عيناها بكف يدها وتوسع بين أصابعها قليلًا جدًا حتى ترى شيئًا بسيطًا من شاشة التلفاز. وحين يظهر وجه الشبح تضم أصابعها بقوة وتحجب الرؤية تمامًا. واستمر وضعها على هذا النحو حتى انتهى الفيلم.
رأته يتثاوب ويقول بعينان يغلب عليها النعاس:
"أنا هروح أنام.. هتنامي؟"
بالطبع لن تبقى بمفردها في المنزل بعد كم المشاهد المرعبة التي شاهدتها للتو! هبت واقفة وقالت بإيجاب:
"آه هشرب وآجي وراك."
ذهب هو للغرفة وبعد أقل من دقيقتين انضمت بجواره في الفراش وتدثرت بالغطاء جيدًا. فمد هو يده ليطفئ الضوء ليجدها تناهه بنبرة مرتبكة وابتسامة مترددة:
"لا متطفيش النور!!"
مسح على وجهه وقال متنهدًا:
"اممممم ابتدينا بقى.. تصدقي أنا اللي غلطان إني سمعت كلامك وخليتك تسمعي!"
انطلقت منها ضحكة جلجلت الغرفة نجحت من خلالها أن ترسم الابتسامة على شفتيه رغم اغتياظه منها. وسمعها تتشدق بلطافة طفل وليس امرأة راشدة:
"لا أنا مش خايفة أنا بس بتخيل حاجات في الضلمة."
"اممممم وبعدين!!"
رمشت بعيناها عدة مرات متتالية وبنظرة لا ترفض تستعطفه من خلالها مع ابتسامة شفتيها الآسرة قالت:
"يعني متقفلش النور ياكوكو."
لمعت عيناه بشرارات الغضب عند نطقها لذلك الاسم الذي يستفزه. ومد يده يطفئ الضوء عنادًا بها ويهتف محاولًا كتم غيظه:
"نامي ياشفق."
ولاها ظهره واغمض عيناه. فاقتربت هي والتصقت به من الخلف تستند بكفيها على كتفه مردفة بضحكة مرتفعة:
"خلاص متتضايقش مش هقوله تاني افتح النور بقى بالله عليك والله خايفة."
"لا، ونامي يلا!!"
"ياكرم بقولك خايفة حرام عليك ههون عليك تخليني أنام وأنا وخايفة."
قال ببرود يتصنع عدم المبالاة بأمرها:
"متخافيش أنا جمبك مش هتطلعلك عفاريت يعني."
ضمت شفتيها بحزن وابتعدت عنه وهي توليه أيضًا ظهرها قائلة بلؤم متصنعة الضيق لعلمها جيدًا بطرق التأثير عليه وجعله يذعن لرغبتها:
"ماشي ياكرم شكرًا!"
مرت لحظات قليلة حتى أضاءت الغرفة بالنور. فابتسمت باتساع وسمعته يهمس مغلوبًا على أمره:
"عارف إنك بتستغلي نقطة إني مش بحب أزعلك وللأسف بسمحلك تستغليني وبضعف قدامك."
التفتت له بجسده كاملًا تقول بسعادة غامرة ومداعبة:
"عشان إنت كيوت وكوكو!!"
"تاني!!!"
كتمت فمها بيدها تقول بضحكة على وشك الانفجار:
"أهو مش هتكلم خالص.. تصبح على خير."
أجابها بنظرة حانية ورقيقة:
"وإنتي من أهله."
ثم عادت توليه ظهرها وتغمض عيناها وهي لا تتحكم في ابتسامتها التي لا تريد الاختفاء!!
***
مع إشراقة شمس يوم جديد وسط سماء ملبدة بالغيوم والنسائم الباردة تلفح وجهه، كان يقف أمام الزجاج الشفاف في مكتبه الخاص بمقر شركة العمايري. يحدق في اللاشيء أمامه بفراغ!
شعور السعادة والراحة ينتابه كلما يتذكر بأنه تخلص من البلاء الذي سقط فوق رأسه دون أي إنذار أو تخطيط. بدأت بمشاجرات كلامية بينهم ومد وجزر طبيعي بين امرأة عاشقة قوية وبين رجل يبغضها بشدة.
تطورت الأحداث حتى ظهر في نصف الحكاية صور وتسجيلات قلبت الموازين، جعلته ينصاع خلف أفكار عقله المتهورة وانتهي بهم المطاف زوجة وزوجة! وليلة مشؤومة تسببت في طلاقهم بالأخير!
ولكنه مع الأسف يعجز عن تجاهل الصوت الذي لا يصمت بداخله ويخبره باستمرار أن رغم السعادة فهناك قطعة ناقصة تجعل نشوة السعادة لديه لا تصل لذروتها! ماهو ذلك الشيء ولما يمنعه من الراحة؟ لا يعرف!
وقع نظره بتلقائية على السيارة التي توقفت بالأسفل وترجل منها شاب يبدو أنه يسبقه في العمر بسنوات قليلة. دقق النظر به جيدًا محاولًا التعرف على وجهه المألوف. ففشل عقله في استحضار اسمه أو هويته. اتسعت عدسة عيناه باستغراب حين رآها تخرج من الجانب الآخر للسيارة وهي ترتدي بنطال أسود أعلاه بلوزة جميلة طويلة من اللون الأبيض تصل إلى أعلى ركبتيها وحجابها يأخذ لونًا بنيًا فاتحًا.
تابعها بترقب وهي تقترب وتقف تتحدث مع ذلك الرجل بانفتاح دون رسمية. فرفع حاجبه مستنكرًا بنظرات ثاقبة. وبينما هو منشغل بمتابعتهم دخلت مساعدته واقتربت من المكتب ووضعت عليه أوراقًا خاصة بالعمل وهمت بالرحيل لولا صوته الأجش وهو يقول:
"ميرنا تعالى."
تحركت نحوه دون سؤال ووقفت بجانبه تلقي بنظرها إلى ماينظر له باهتمام حتى أكمل هو طرح أسئلة قائلًا بصوت رجولي:
"هي يسر رجعت إمتى الشركة!"
ميرنا بنبرة رسمية بعض الشيء:
"إمبارح.. هو حضرتك متعرفش؟"
رفع نظره أخيرًا عنهم ونظر للواقفة بجانبه يبتسم بريبة متمتمًا:
"وهو أنا لو عارف هسألك ليه."
تذكرت بأنه لم يأتِ لمقر الشركة البارحة فهزت رأسها بتفهم وعادت تنظر مجددًا حين رأته يعود ينظر لهم. وبعد دقيقة بالضبط هتف يسألها للمرة الثالثة وهو لا يزيح بنظره:
"تعرفي مين ده اللي واقفة معاه؟"
حركت رأسها نحوه وقالت مندهشة:
"حضرتك متعرفهوش بجد؟"
صر على أسنانه مغتاظًا وهتف بنفاذ صبر:
"مــــيـــرنا!!!!"
"أنا آسفة!"
قالتها بخوف وارتباك بسيط ثم أكملت تجيب على سؤاله ببساطة بالغة:
"ده راسل ابن جمال بيه وصل إمبارح من أمريكا تقريبًا جاي ياخد إجازة وراجع تاني عشان الشغل في شركة طاهر بيه زي ما حضرتك عارف."
"اممممم راسل.. هو ده بقى راسل!! طيب ياميرنا خلاص تقدري تتفضلي."
أومأت له بالموافقة واستدارت مغادرة امتثالًا لأوامره. أما هو فوضع كلتا قبضتيه في جيبي بنطاله وعيناه معلقة عليهم وعلى حديثهم الذي زاد عن حده فاظلمت عيناه حين رآها تضحك بقوة. في ضحكة حقيقية ليست متكلفة أو عادية. سأل في قرارة نفسه "على ماذا تضحك هذه!!"
***
خرجت ملاذ من الحمام على أثر سماعها لصوت رنين هاتفها.
التقطت الهاتف وحدقت بشاشته فوجدته رقم مجهول. فتحت الاتصال ووضعته على أذنها تجيب برسمية:
_ الو مين؟
_ ازيك ياملاذ.
لن يتركها وشأنها كما توقعت وبالضبط. غلت دماؤها في عروقها وصاحت به بعنف، وما ساعدها على التحدث بحرية هو عدم وجود زين الذي خرج لعمل ما سريع وسيعود:
_ عايز إيه يازفت إنت! ابعد عني يا أحمد ومتحاولش تتواصل معايا تاني وإلا صدقني هقول لزين وهو هيتصرف معاك بطريقته.
تجاهل تهديدها وانفعالها وهتف بوقاحة:
_ لا بس مكنش حلو عليكي النقاب على فكرة.. كان عندي نظر برضوا لما رفضت اخليكي تلبسيه.
_ إنت قذر وحيوان أساسا. جاتك القرف.. آخر تحذير ليك يا أحمد متتصلش بيا تاني.
سمعته يهدر بنبرة مرتفعة واستياء:
_ إنتي هتمثلي عليا. أنا عارف إنك لسا بتحبيني وأنا أهو لسا بقولك في فرصة نرجع لبعض.. اطلقي وارجعيلي ياملاذ بلاش تتعبي نفسك.
كانت ستجيب عليه ولكن أحست باليد التي قبضت على الهاتف من الخلف وجذبته من يدها بقوة. فاستدارت مذعورة فورًا وتسمرت بأرضها حين رأته يقف أمامها وبيده الهاتف!
رواية ضروب العشق الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندى محمود توفيق
كانت ستجيب عليه، ولكن أحست باليد التي قبضت على الهاتف من الخلف وجذبته من يدها بقوة. استدارت مذعورة فوراً وتسمرت بأرضها حين رأته يقف أمامها وبيده الهاتف. وضعه على أذنه يستمع إليه ويهتف: "الو.. الو ملاذ!". تلونت عيناه بلون دموي مرعب، وخرج صوته المريب والذي يقذف الخوف في الأبدان:
"اعتبره أول وآخر تحذير ليك، وإلا اقسم برب العزة ما هخليك تشوف الشمس تاني."
ولم يكن في حاجة ليوضح له مباشرة من ماذا يحذره. يكفي أنه فهم جيداً ماذا يقصد. أنهى الاتصال وألقى عليها نظرة نارية ملتهبة بنيران السخط وبعض الخذلان. اكتفى بهذه النظرة التي تحدثت بدلاً عنه، واستدار متجهاً نحو الخزانة يخرج ملابس له بعد أن نزع عنه سترته.
غامت عيناها بالعبارات، وشعرت بسكين حادة غرست في قلبها. خجلت أشد الخجل من نظرة الخذل التي رأتها في عينيه. أبداً لم تكن تريد أن تراها أو تجعله يشعر بالخذلان فيها للمرة الثانية. هي فقط خشيت من النتائج إن أخبرته. خشيت من اضطراب علاقتهم من جديد.
خطت بخطواتها المترددة والوجلة نحوه حتى وقفت خلفه مباشرة وقالت بصوت يغلبه البكاء:
"زين.. أنا آسفة!"
جالت بذهنه فكرة أنها قد تكون كذبت عليه بالأمس، ولم يكن مرضها حقيقياً كما أقنعته. فالتفت لها برأسه وهتف بأعين مشتعلة وصوت حاد:
"أعتقد إن امبارح شوفتيه في الفرح، عشان كدا طلبتي نمشي وكنتي متوترة ومش طبيعية."
توقعت أنه سيكشف الأمر، فهو ليس أحمق للدرجة التي تجعله يغفل عن شيء كهذا. أطرقت رأسها أرضاً وقالت بندم وخذل من نفسها:
"آسفة! والله خوفت أقولك تتعصب وتحصل مشكلة لو شفته."
سرت رجفة قوية في جسدها أثر صيحته العنيفة بها قائلاً:
"أنا مبحبش الكذب!"
انهمرت دموعها كالشلال على وجنتيها، وأجابته بصوت متقطع ومرتعش دون أن ترفع نظرها عن الأرض:
"خو..فت يا..زين! خوفت أقولك وأفكرك بكل حاجة تاني لما تشوفه. أنا بعمل المستحيل عشان أخليك تنسى اللي حصل وتسامحني. ولما شفته امبارح حسيت إنك لو شفته ممكن ترجع تعاملني بجفاء زي الأول."
لم يتوقف صياحه بها حيث وصل لذروة غضبه وهو يصرخ بها:
"ده مش مــــــــبرر! لما شوفتيه كان المفروض تقوليلي مش تمثلي إنك تعبانة عشان نمشي. ودلوقتي بتردي عليه وبتكلميه!"
رفعت نظرها له وقالت مسرعة ببكاء حاد محاولة تصحيح ما قاله:
"لا والله مكنتش أعرف إنه هو.. كان رقم غريب وأنا رديت واكتشفت إنه هو وكنت هقفل المكالمة بس..."
"بس إيه هااا.. كنتي حابة تسمعي توسلاته عشان ترضي كرامتك وهو بيقولك ارجعيلي. مش هو ده السبب اللي وافقتي تتجوزيني عشانه برضوا!"
هزت رأسها بالنفي تترجاه بنظراتها أن لا يقل هكذا وهي تبكي بحرقة، ولكن ما قاله جعلها تتوقف عن البكاء وترتفع علامات الصدمة والأسى على وجهها:
"عايزة تعرفي إجابة السؤال اللي سألتهولي امبارح.. لا يا ملاذ أنا مبثقش فيكي ومظنش إني في يوم هرجع أثق فيكي تاني!"
ظلت متصلبة بأرضها كالتمثال، واليأس يحاوطها من كل الجهات حتى شعرت بأنه يكتم على أنفاسها تدريجياً. راودها الدوار من فرط الضغط العصبي والنفسي الذي عانت منه منذ ليلة أمس. وأحست ببرودة جسدها وبدأت أعصابها في التراخي، ولم تسمع شيء بعدها سوى صوته غير الواضح يهتف بذعر: "ملاذ.. ملاذ!".
***
كل من حسن وكرم يتبادلان الأحاديث داخل مكتبه، ويتناقشان بأمور تخص العمل بجدية شديدة. حتى قطع لحظات عملهم رنين الهاتف الخاص بكرم، الذي نظر لشاشته وقرأ اسم المتصل "مسعد". فوجه حديثه لأخيه وهو يجذب الهاتف ليجيب عليه:
"ثانية يا حسن مسعد بيتصل!"
أجاب على الاتصال ليأتيه صوته القوي وهو يقول:
"الو يا كرم بيه."
"أيوة يا مسعد حصل إيه؟"
طالعه حسن بنظرات مستفهمة، فانزل هو الهاتف من على أذنه وقام بتشغيل مكبر الصوت ليسمع كليهما صوت مسعد الجاد:
"البيت اللي قاعد فيه اتحرق."
غضن حاجبيه بدهشة وهتف بخشونة:
"لحظة يا مسعد بيت مين ده اللي اتحرق؟!"
"اللي قتل مرات حضرتك يا كرم بيه."
تبادل هو وحسن نظرة منصدمة، ثم عاد يجيبه بصوت صلب:
"اتحرق إزاي وهو عايش ولا لا؟"
"مش عايش محدش لحقه وجثته مش باين ليها ملامح أصلاً.. لكن مين اللي عملها معرفش. تقريباً واحد من اللي ليهم فلوس بضاعة عنده ولما مدفعلهوش قتله."
هتف حسن يتساءل باهتمام وتعجب:
"حصل امتى يا مسعد الكلام ده؟"
استغرب الآخر قليلاً عند سماعه لصوت حسن، ولكنه أجابه بنفس نبرته السابقة:
"امبارح الفجر."
أكمل حسن بغلظة:
"هو مكنش في حد معاه في البيت؟"
"لا جثته بس اللي طلعت من البيت."
مسح كرم على وجهه متأففاً بخنق، ثم هتف بشيء من الانزعاج:
"طيب يا مسعد خلاص."
أنهى معه الاتصال ونظر لحسن، الذي لاحت على شفتيه بشائر الابتسامة المندهشة والممتزجة بالتشفي، ثم نظر له وقال باسمًا:
"هو ده أفضل عقاب كان يستحقه وربنا أداله جزائه اللي يستحقه في الدنيا."
لا يزال تحت تأثير الدهشة ولا يصدق كيف حدث هذا فجأة. ولكن لا يهم، فقد داهمته مشاعر السعادة والتشفي مثل أخيه، حيث أجابه باسمًا:
"الصراحة مكنتش متوقع أبداً إن يحصل كدا.. أنا كنت لسه النهاردة هبلغ عن مكانه وكان هيتعدم بما إنه هربان من السجن أصلاً وعليه حكم أعدام، فبمجرد ما يتمسك كان هيتنفذ عليه الحكم، بس ربنا أخذه أخذة عزيز جبار منتقم."
اتسعت ابتسامة حسن وأجابه بمداعبة لطيفة:
"طيب بمناسبة الخبر الحلو ده بقى لازم نحتفل، وباقي اليوم النهاردة إجازة وهنمشي الموظفين."
"نمشي مين!! أنت عبيط يالا!!!!.. عارف لو زين كان موجود وسمعك بتقول كدا كان هيعمل فيك إيه."
أطلق ضحكة مرتفعة وأكمل مشاكسته قائلاً:
"ماهو مش موجود، فناخد راحتنا بقى.. بعدين خلاص القرار صدر، أنا أساساً عايز أمشي ومش طايق أقعد. وإنت..."
توقف عن الكلام عندما فتحت يسر الباب ودخلت متجهة نحو كرم ووضعت أمامه بعض الملفات تأخذ رأيه بشيء معين، غير مبالية تماماً لوجود حسن وكأنه ليس موجود. فحدق بها بأعين ثاقبة كالصقر يتفحصها بتدقيق في ملابسها، وحين تذكر ضحكها ودلالها مع ذلك الذي يدعى "راسل" ابن خالتها، استشاط واحتقن وجهه بالدماء. هب واقفاً وقال بمضض وهو يوجه حديثه لأخيه ولكن عيناه مثبتة عليها:
"أنا همشي ولو حصلت حاجة ابقى اتصل بيا."
رفع عيناه عن الأوراق وحدق بأخيه هاتفاً بنبرة عادية:
"طيب ومتنساش تاخد معاك الملفات اللي محتاجة مراجعة وتظبطها زي ما اتفقنا."
أماء له برأسه وعيناه لا تزال معلقة عليها، وكلما يراها لا تنظر له وتتجاهله تماماً يزداد غيظه. حجب نفسه بصعوبة عنها واندفع إلى خارج المكتب قبل أن يفقد زمام نفسه. أما هي فلوت فمها بخنق واقتضاب، ثم أخذت الورق وانصرفت بعد أن انتهت من حديثها مع كرم، الذي ضحك بخفة بمجرد رحيلها وقال:
"ربنا يهديكم."
***
فتحت عيناها تدريجياً ببطء شديد، وكانت الرؤية مشوشة في بادئ الأمر حتى بدأت تتضح. وأول شيء رأته كان هو، حيث كان بجوارها على حافة الفراش وعيناه تحوم فيها إشارات الفزع. سمعت همسه القلق إليها عندما رآها عادت لوعيها:
"ملاذ أنتي كويسة.. أخْدُك للدكتور؟!"
هزت رأسها بالنفي، وعصف بذهنها ما حدث قبل أن تفقد وعيها، فغامت عيناها بالعبارات مجدداً لتعتدل في نومتها حتى تصبح شبه جالسة. أجفلت نظرها للأسفل ولم تقو على وضع عيناها بعينيه، وخرج صوتها به غصة مريرة، منكسر ومهزوز:
"أنا مكنش في نيتي أخبي عليك، أنا لما شفته قولت دي صدفة ومش هشوفه تاني، فلموش لزمة أقولك وأعمل مشكلة ملهاش لزمة. لو كنت أعرف إن ده اللي هيحصل كنت قلتلك."
فرت دموعها من عيناها لترفع أناملها وتجففهم مكملة حديثها بنبرة بائسة وتائهة:
"أنا لغاية دلوقتي بشوف في عينك نظرة عدم الثقة يا زين. بحسك مش واثق فيا ولسا بتفكر إني ممكن أخدعك أو أخونك. وإنت قولتها بنفسك إنك مش بتثق فيا."
دموعها، نبرتها، بؤسها.. جميعهم أصابوا الهدف تماماً وغرسوا في يساره سهم حاد. أضعفته دموعها وندم على ما قاله في لحظة غضب لا تُحسب. لانت نظرته لها وأصبحت ممتلئة بالدفء والاعتذار. فأصدر تنهيدة حارة ومسك بكفها يملس عليه بلطف هامسًا بأعين محبة:
"غلط! أنا مشكيتش فيكي، أنا كل غضبي كان بسبب إنك خبيتي وكدبتي عليا. كنت أحب إنك تقوليلي مش تخبي عليا. ومتاخديش على كلامي أنا كنت متعصب ومكنتش عارف أنا بقول إيه. وزي ما إنتي محتاجة تحسي بثقتي فيكي، أنا كمان محتاج ده. ومحتاج أحس بإنك بتعتبريني كل حاجة بنسبالك مش مجرد زوج. فيه حاجات كتير ناقصة بينا يا ملاذ أنا مش هعرف أشرحهالك صدقيني."
توقفت عيناها عن ذرف الدموع وحدقته بحيرة امتزجت باليأس من كلماته. أما هو فهب واقفاً وانحنى إليها يطبع قبلة رقيقة على شعرها متمتمًا:
"ارتاحي وكلي الأكل اللي جبتهولك. وأنا هروح أصلي الظهر في المسجد وجاي."
تابعته بوجه عابس وهو يستدير ويرحل. وعقلها يطرح الأسئلة: "ما هو الناقص؟ ماذا يقصد بالأشياء الناقصة بيننا؟ وياترى ماذا علي أن أفعل حتى أساعد معه في إكمال الناقص؟". لا شك في أنها أخطأت حين ظنت بأن الوصول لذروة العشق سهلة. فلن يصل للعشق الصادق إلا من مر بجميع تحدياته ووقف صادمًا بوجه أعتى الرياح والصعاب. وليس هناك أصعب من التوغل لقلب رجل ناضج ومثقف. وحتى تتمكني من الإلمام بجميع جوانبه، عليكي أولًا أن تلمسي أعمق نقطة في داخله.
***
مع غروب الشمس وحلول المساء...
فتح كرم الباب ودخل، ثم نزع حذائه عنه وأغلق الباب خلفه وقاد خطواته نحو غرفته مباشرة لظنه بأنها ستكون نائمة في فراشهم، ولكنه سمع صوتها وهي تهتف من المطبخ:
"كرم إنت جيت؟"
توقف والتفت برأسه للخلف وأجابها:
"أيوة يا شفق جيت."
ثم استدار بكامل جسده وذهب إليها ليجدها تقف أمام آلة تحضير القهوة وتحاول تشغيلها وهي تقول بعبث:
"إزاي بتشتغل دي..."
نفسي أعمل عليها قهوة مش عارفة!
مالت شفتيه للجانب بضحكة بسيطة واقترب منها ليقف بجوارها ويغمغم بعد أن أبعدها برفق:
_ ابعدي وهوريكي إزاي تتعاملي معاها.
تراجعت للخلف وركزت كامل انتباهها عليه وهو يريها طريقة تشغيلها والتعامل معها. وبعد أن انتهى نظر لها بعينيه الرماديتين متمتمًا:
_ عرفتي إزاي هتشغليها؟
أومأت بابتسامة رقيقة وهمت بأن تطبق عمليًا ما علمه إياها حتى تحضر له كوب قهوة، لعله يزيل آلام رأسها. ولكنها وجدته يقبض على رسغها هاتِفًا بشيء من الحزم:
_ إيه؟ إنتي هتعملي قهوة دلوقتي؟
_ أهاا، مصدعة أوي والله ولما بشربها بتظبط دماغي جدًا.
رأت الابتسامة تشق طريقها لشفتيه وهو يردف ساخرًا:
_ إيه شغل المدمنين ده! أنا اللي من عشاقها مش بشرب منها في الوقت المتأخر ده. ثم إن غلط تشربيها دلوقتي، لو مصدعة نامي، لكن لو شربتيها دلوقتي هتزود عليكي الصداع وهتعملك إرهاق ومش هتعرفي تنامي.
رفعت يدها تشير إلى عقلة من سبابتها قائلة برجاء ونظرات مستعطفة:
_ هشرب حتة صغننة خالص، قد كده!
هز رأسه رافضًا بحدة مزيفة ليحاول إخفاء ابتسامته على طفوليتها:
_ تؤتؤ.. قولت لا.
تأففت بخنق وقالت بعبوس وضيق:
_ يوووووه، إنت وحش على فكرة.
لف ذراعه حول كتفيها وهو يديرها لكي تتجه معه نحو الغرفة متمتمًا بمشاكسة محببة لقلبها:
_ تقريبًا إنتي أول واحدة تقول إني وحش، بس ما علينا، تعالى عشان عندي ليكي خبر حلو.
تجاهلت جملته الأخيرة أو بالأحرى لم تركز فيها جيدًا، فأجابته بغنج أنوثي ومغازلة صريحة به:
_ بهزر طبعًا، هو مين ده اللي وحش! كل الحلاوة دي ووحش!
رفع حاجبه فاترًا عن ابتسامة واسعة تميل لليسار قليلًا وقال برقته المعهودة يتغزل بها بمداعبة لأول مرة.. فقد تمكنت في الأيام القليلة أن تمحو حواجز توتره وخجله منها وأصبح يتصرف معها بطبيعية وبحرية أكثر:
_ دي عيونك اللي حلوة.
لم يكن حياؤها بقدر صدمتها من أنه يتغزل بها، لتصمت وتحدقه بمزيج من الخجل والدهشة. وعلى شفتيها ابتسامة مستحية. ولكنها تصرفت بشيء من المرح وهي تهتف:
_ هو أنا المفروض دلوقتي أتكسف ولا أندهش؟
_ زي ما تحبي!
قالها بنفس تعابير وجهه السابقة لتحاول هي الخروج من قوقعة خجلها وتوترها، فتهتف بفضول:
_ طيب إيه هو الخبر اللي بتقول عليه ده؟
أخذ نفسًا عميقًا وأخذت ملامحه القليل من الجدية مع بعض الفرح وهو يقول:
_ من هنا ورايح مفيش قلق تاني، وده مش بنسبالك بس ده بنسبالي أنا كمان، لإني كنت ببقى قلقان وخايف عليكي كل ما أطلع من البيت وأسيبك وحدك بسبب الحيوان اللي كان بيحاول يأذيكي.. ودلوقتي حصل حريق في البيت اللي كان موجود فيه وهو كان جوا ومات محروق لدرجة إن جثته مش باين ليها ملامح.
هيمن عليها الذهول للحظات قبل أن تهدر بصدمة وعدم استيعاب:
_ لحظة، فهمني طيب ده حصل إزاي وامتى؟
_ حصل امبارح الفجر، أما إزاي فأنا ذات نفسي معرفش، بس مش هو ده المهم.. المهم إننا خلصنا من شره وربنا انتقم لينا منه. أنا حاسس براحة جميلة جدًا من وقت ما عرفت وبحمد ربنا إنه خلاني أشوفه قبل ما يموت عشان آخد حق اروى وأطفي ناري. دلوقتي بس أنا أقدر أقول إن الهم اللي كان على قلبي انزاح.
اتسعت ابتسامتها وقالت بسعادة غامرة وأعين تفيض حبًا:
_ لا أنا بقى بحمد ربنا إنه استجاب لدعواتي لإني كنت خايفة عليك منه أوي، بس خلاص مات وارتحنا منه.
حدجها مبتسمًا للحظات طويلة يمعن النظر فيها حتى وجدها تهتف بحماس طفولي:
_ طيب وبمناسبة الخبر الحلو ده يلا نشرب قهوة.
انطلقت منه ضحكة مرتفعة وقال بإصرار ورفض قاطع:
_ لا برضوا.. ويلا روحي نامي عشان الصداع اللي عندك ده يخف.
_ اوووووف بجد يا كرم.
رأته يقف جامدًا لا يظهر عنه أي ابتسامة أو تعبيرات لطيفة، فقط معالم وجهه صارمة بعض الشيء. فتحركت باتجاه الغرفة وهي تلتفت برأسها له وترمقه بأعين مغتاظة وتقوم ببعض الحركات الكوميدية بشفتيها كدليل على غيظها وخنقها منه ومن رفضه. وأخيرًا سارت مباشرة دون أن تتلفت له ودخلت الغرفة ليضحك هو مغلوبًا على أمره من مشاكساتها وعنادها ثم لحق بها!
***
طرقت ميار عدة طرقات خفيفة على الباب حتى أتاها صوته الرجولي وهو يسمح لها بالدخول. ففتحت الباب ودخلت على استحياء. ورأته يشير لها بعينيه ناحية الباب ففهمت فورًا وأغلقت خلفها. ثم تحركت نحوه وجلست على المقعد المقابل له هامسة بنظرة مضطربة:
_ حضرتك قولت إنك عايزني؟
أخذ طاهر نفسًا عميقًا قبل أن يهتف بحدة:
_ أيوة، حبيت أقولك بنفسي عشان تعملي حسابك ومتحطيش أمل إنك ممكن ترجعي ألمانيا تاني.
رمقته بذهول صامتة لخمس ثوانٍ حتى تحدثت بعد استيعاب لما تفوه به للتو:
_ بس ياعمو أنا لسه فاضلي سنة في الكلية ومش هقدر أسيبها.
أظلمت عيناه ونبرته أصبحت أكثر خشونة وغلظة، ليجيبها بأعين أرهبتها قليلًا:
_ كليتك هتكمليها هنا.. لكن سفر تاني مفـــيــــش ياميار. انسي إنك تشوفي ألمانيا دي تاني حتى لو طلقتي من علاء.
كانت إشارات الصدمة تعلو معالم وجهها ونظراتها لا تصدق ما يأمرها به، بل وحتى عقلها يرفض الخضوع. فهدرت في رفض بسيط:
_ wie bitte!!! ich kann nicht
(ماذا!!! أنا لا أستطيع)
ارتفعت نبرة صوته قليلًا وهتف بقسوة:
_ أنا مش بخيرك! ده إجباري ومش قراري لوحدي، دي جدتك بنفسها هي اللي قالتلي كدا.
استقامت واقفة وهتفت مندفعة بأعين دامعة:
_ لا بس ده ظلم، أنا مش عايزة أعيش في مصر وعايزة أكمل دراستي في ألمانيا.
طاهر بصياح هادر وانفعال مخيف:
_ ظلم! كان المفروض تفكري في ده قبل ما تعملي عملتك المهببة دي وتخلي راسنا في الأرض.
انتفضت واقفة بهلع من أثر صيحته وانهمرت دموعها غزيرة. لتسحب نفسها بسرعة وتندفع لخارج مكتبه عائدة لغرفتها متجاهلة نظرات زوجة عمها المستاءة منها.
فتحت غرفتها واغلقت الباب خلفها. ثم ألقت بنفسها على الفراش منخرطة في نوبة بكاء عنيفة واستمرت على وضعها هذا إلى ما يقارب الربع ساعة، حتى رأت علاء يفتح الباب ويدخل بعد أن عاد من الخارج. نزع سترته عنه غير مبالٍ لها. ولكن حين وقع نظره عليها ورأى وجهها الغارق بدموعها هتف بغلظة وسؤال من دافع الفضول فقط:
_ مالك؟
لم تجبه، فقط ألقت عليه نظرة كلها غل وغضب. لتجده يعيد سؤاله ولكن بنبرة مرعبة:
_ لما أكلمك تردي عليا!
وثبت من الفراش واقفة واندفعت نحوه تصيح به بسخط قوي غير مكترثة لأي شيء ودون أن تضع في الحسبان نتائج فعلتها تلك:
_ أنا مش عايزك ومش عايزة أعيش هنا. أساسًا أنا مش طايقاكم كلكم. ومحدش فيكم عايز يصدقني والكل شايفني كذابة!!.. هو إنت فاكر إنك هتخوفني بطريقتك دي؟ أنا أصلًا مش شايفاك راجل يا علاء عشان أخاف منك.
هي حقًا فقدت عقلها بالكامل لتهتف بهذه الكلمات أمامه دون إدراك لعواقب الأمر. كان يحجب نفسها عنها بصعوبة منذ أن تزوجها بسبب أبيه الذي يحذره مرارًا وتكرارًا من أن يقوم بفعل متهور معها. ولكن بعد ما قالته الآن هيجت الوحش الخامد في أعماقه وأثارته لدرجة لا يمكنها تخيلها. حيث شعرت بكفها القوي يهوي على وجنتها بعنف حتى أسقطها على الفراش وانحنى نحوها يجذبها من خصلات شعرها ليجعلها تقف على قدماها مجددًا صارخًا بها بصوته الجهوري الذي نفضها نفضًا بأرضها:
_ مش راجل هااا! عشان اتجوزتك وداريت على فضيحتك يا***** مش شيفاني راجل؟ ده أنا مشوفتش واحدة في بجاحتك ياقذرة.
ارتفع صوت نشيجها القوي وهي تحاول التملص من بين قبضتيه. بينما هو فأكمل ولكن هذه المرة بهمس أثار قشعريرة في جسدها:
_ إنتي فعلًا متربتيش وعايزة تربية وأنا عارف هربيكي من أول وجديد إزاي ياميار. مبقاش علاء العمايري أما خليتك تشوفي التربية على حق.
ثم دفعها على الفراش مجددًا تاركًا إياها وهو يهتف مشمئزًا:
_ جاتك القرف في شكلك!
***
تحديدًا بغرفة يسر.......
تقف في الشرفة وتترك لنسائم الشتاء الباردة الحرية في لفح وجهها فيتطاير معها خصلات شعرها السوداء. دومًا رأيته كتلك النسائم الباردة لا يملك دفء أو رفق، فقط القسوة والصقيع. كانت دموع عشقها تنهمر على وجنتيها لتدفئها فيأتي هو بصقيعه ليثير الرجفة في جسدها ويجمدها بجفائه! لم تكن تطلب منه أكثر من بعض اللطف والحنو. كان سيكفيها القليل من مشاعر الحب والرغبة. ولكنه رأى أن حتى المشاعر كثيرة عليها. وأشبعها قسوة وإهانة ومشاعر كلها نقم. ولكنها هي المخطئة. هي من سمحت له بتدميرها وتجميد قلبها. هي الساذجة الوحيدة في هذه الحكاية! اندفعت خلف هوسها به حتى نسيت كبرياءها وكرامتها فبعثرها لأشلاء ودهسها! وفي الواقع هو لم يهنها بل هي من أهانت نفسها حين ركضت خلف رجل لا يريدها. وحين داس بقدمه على عزة روحها في صباح الليلة الأولى بينهم ولقنها بكلماته القاسية وحملها هي ذنب ما حدث بينهم. ورغم هذا لم تفق وعادت له مجددًا حتى تكون الصدمة أقوى ويزيد من إذلالها عندما عرف بحملها وأجبرها على إجهاضه. حينها استفاقت من تعويذة العشق التي كانت تعميها لتفهم وتدرك أن ذلك الرجل لا يستحق ذرة واحدة من عشقها ولا يستحق سوى البغض!
أخفت وجهها بين ثنايا كفيها منخرطة في بكاء حار بقلب منفطر ومنكسر، تبكي حرقة على ما فعله بها فقط لأنها أحبته ورغم كل هذا مازالت تشتاق له. تبًا لهذا العشق اللعين!
رفعت وجهها وجعلت تجفف دموعها بسرعة عندما دخلت أمها الغرفة وسمعتها تهتف:
_ يسر ياحبيبتي إنتي لسه صاحية!
التفتت برأسها لأمها وابتسمت بتكلف تتصنع الطبيعية:
_ هنام دلوقتي ياماما.
_ طيب ادخلي ياحبيبتي من البرد إيه اللي موقفك كدا؟
كانت تقاوم بالظهور ثابتة حتى لا تنفجر باكية أمامها وقالت بخفوت:
_ حاضر هدخل. روحي إنتي نامي.
_ تصبحي على خير.
_ وإنتي من أهله.
استدار ورحلت أمها. فاستنشقت هي القليل من نسائم الشتاء حتى تعيد تجميد قلبها وتتوقف عيناها عن ذرف الدموع. ولأول مرة ينفعها الصقيع ويزيدها قوة وصلابة. أخرجت زفيرًا يحمل بخار الشتاء ثم دخلت واغلقت باب الشرفة واتجهت نحو فراشها لتمدد جسدها عليه وتتدثر جيدًا بالغطاء مغمضة عيناها في محاولة بائسة منها للهرب من واقعها الأليم!
يتجنب الحديث معها منذ صباح اليوم ولا ينظر لها حتى لا يوهمها بأنه صفى تماما لها. ولكن تجاهله لها بات يثير جنونها ولا تطيقه. لا تتحمل رؤيته غاضب منها ولن تهدأ إلا حين تحصل على مسامحته وتنزع الاستياء من أعماقه. وستعتذر له بكل الطرق الممكنة.
رأته يقف أمام الخزانة يخرج ملابس له حتى يأخذ حمام دافيء فنهضت من الفراش واعترت طريقه قبل أن يتحرك. تنظر له بعبوس وتهمس بأسى:
_ لسا واخد على خاطرك مني صح!
اطال النظر في معالم وجهها دون أن يجيب وهو يجاهد في منع نفسه التي تلح عليه بأن يعانقها ويعنفها بلطف حتى لا تنظر له بهذه النظرات التي تأثره مجددا. وكأنها قرأت أفكاره فوجدها ترتمي بين ذراعيه وتعانقه دافنة وجهها بين ثنايا رقبته هامسة بصوت مبحوح ويغلبه البكاء:
_ ارجوك يازين متعاقبنيش ببعدك عني وجفائك. أنا تعبت والله ومبقتش قادرة استحمل.
اذابت الجليد بنبرتها وعناقها له فخر مستسلما أمامها. وابعدها عنها يتمتم بصوت دافيء عندما رأى عيناها الممتلئة بالدموع:
_ متعيطيش!
أجابته بعينان تلمع بوميض الأمل ونبرة فرحة:
_ يعني مش زعلان مني خلاص!
مالت شفتيه للجانب بابتسامة عاشقة وكانت في عيناه نظرة مريبة وجديدة تماما. فطالعته هي بحيرة تنتظر منه الأجابة بنعم. ولكنه اراد أن تكون اجابته مختلفة. حيث رأته ينحني برأسه ناحيتها فتجمد جسدها واضطربت حين توقعت فعلته القادمة. ولم يخطأ توقعها حيث نجح في أن يسرق أخيرا أولى لحظاتهم الغرامية معاً للحظات كانت بمثابة ساعات بالنسبة لكليهما. فيسلبها عقلها بكامل ارادتها.
ابتعد بعد لحظات عابرة واقترب من اذنها يهمس بنبرة اطلقت سهامها إلى قلبها وبابتسامة واسعة:
_ أظن كدا الإجابة وصلت!
ثم تحرك متجها نحو الحمام تاركا إياها في تخبطات مشاعرها. تحاول لملمة شتات نفسها الذي بعثرها للتو. ثلاث ثواني بالضبط وارتفعت الابتسامة الخجلة لشفتيها تدريجيا لتضع كفها على فمها أو على شفتيها تحديدا موضع قبلته وهي تضحك باستحياء وسعادة غامرة. هرولت نحو الفراش وتدثرت بالغطاء مولية وجهة الحمام ظهرها لكي تتهرب منه حين يخرج كوسيلة لإخفاء خجلها. ظلت تحملق في اللاشيء أمامها وهي تبتسم إلى حين سماعها لباب الحمام يفتح بعد دقائق ليست بطويلة. فأغلقت عيناها فورا متصنعة النوم وقد احست بقلبها الذي يطرق بعنف كالمطرقة. وزاد توترها حين شعرت به ينضم بجوارها في الفراش هاتفاً:
_ ملاذ!!!
فتحت عيناها على أخرهم ودارت بهم في جميع حدود الغرفة التي أمامها لا تعرف بماذا تجيبه. بل خجلها هيمن عليها لدرجة أنها إن اجابته ستتلعثم ولم تخرج كلمة واحدة صحيحة على الأقل. أما هو فضحك بصوت مكتوم حين فهم خجلها وقال باسمها بشيء من المكر ليوقعها في شباكه:
_ ملاذ إنتي نمتي!
"نمت!! أجل هذه أفضل حجة لأتهرب منه" قالتها لنفسها بارتباك وتصنعت النعاس وهي تردف بتلعثم:
_ أاا..ايوة.
كتم ضحكته واجابها بمزيد من اللؤم:
_ امال بتردي عليا إزاي!
وجدت نفسها تلتفت له برأسها وتهتف مغتاظة من مكره واصراره على زيادة خجلها:
_ برد عليك من الحلم يازين!!
انطلقت منه ضحكة مرتفعة نسبيا ثم اعتدل في نومته واقترب منها طابعا قبلة رقيقة على جبهتها هامسا:
_ طيب تصبحي على خير.
ذلك الخبيث لم يكفيه مابعثره منها بقبلته منذ قليل والآن يحاول أن يبعثر ما تبقى. اجابت عليه بإيجاز وتوتر امتزج بحياء ملحوظ منها:
_ وإنت من اهله.
وسرعان ما عادت توليه ظهرها من جديد مغمضة عيناها في محاولة منها للسيطرة على دقات قلبها المتسارعة.
داخل منزل محمد العمايري في صباح اليوم التالي.
كان كل من هدى ورفيف والجدة يجلسون على مائدة الطعام ويتناولون فطورهم. ماعدا الجدة التي كانت تحدق بالطعام في صمت دون أن تدخل لقمة واحدة منه في فمها. فانتبهت لها هدى وتأففت بنفاذ صبر هاتفة بلين:
_ ياماما كلي ابوس إيدك. إنتي بتاخدي علاج ولو مكلتيش كويس هتتعبي. ده من وقت اللي حصل مع ميار وإنتي مش بتاكلي كويس!
نظرت لها وقالت باقتضاب:
_ المفروض إني أكون فرحانة ياهدى!
اقتربت بمقعدها منها وامسكت بكفها تملس عليه بلطف هامسة بحنو. فهي تعتبرها أما لها وبينهما علاقة قوية:
_ أنا مبقولكيش تفرحي! أساسا محدش فينا فرحان. بس مينفعش تفضلي زعلانة كدا ومش عايزة تاكلي.
غامت عينان الجدة بالدموع وهي تقول بوجه حزين:
_ مش قادرة اصدق إنها عملت كدا ياهدى. أنا دلعتها فعلا بس كنت واثقة فيها وفي الآخر هي تحط راسي في الأرض.
تدخلت رفيف في الحديث وقالت بشيء من الحزم:
_ تيتة إنتي فعلا غلطانة إنك مكنتيش بتاخدي بالك منها ولا بتراقبي أفعالها. بس ده ميمنعش إن الغلط الاكبر عليها وميار مش صغيرة وعارفة الغلط من الصح. وأظن إنها دلوقتي بتدفع تمن غلطها بجوازها من علاء.
اماءت الجدة بتأيد على ماقالته حفيدتها ثم مدت يدها وجففت دمعتها لتنظر لهدى وتقول بصرامة:
_ والاستاذ حسن مش ناوي يقول اللي حصل بينهم خلاه يطلق مراته.
عبست ملامح هدى وقالت بضيق وصوت يائس:
_ لا هو ولا يسر عايزين يتكلموا. وانا هتجن وافهم ازاي طلقها بالسهولة دي. مش معقول تكون خناقة عادية اللي حصلت بينهم.
هتفت الجدة بحدة ونظرات ثاقبة:
_ أنا هتكلم معاه لما ياجي وهعرف اتصرف معاه الغبي ده!
تنهدت هدى بعدم حيلة بينما رفيف فابتسمت على نعتها له بالغبي. فإن نظرت من المنظور الواقعي هو بالفعل كما وصفته الجدة. اهدر فرصة لن تأتيه ثانية. ولن يجد فتاة تعشقه بقدر يسر مهما فعل!
كان كرم لا يزال نائم في الفراش بثبات تام. وهي بجواره كلاهما وجه لوجه تحدق به بتمعن. تتأمل ملامحه الهادئة والجميلة حتى وهو نائم. شعره الذي يعطي لمسة بنية خفيفة. انفاسه المنتظمة والدافئة. لا يمكن أن يكون بكل هذه الوسامة حتى في نومه. باتت تعشقه أكثر من أي شيء. بل وكيف لامرأة تحظي بقرب هذا الوسيم واللطيف ولا تقع بين شباك عشقه.
وجدت به الأخ والصديق والزوج عندما كان لا يوجد لديها أحد سواه. لطفه وحنانه وحسن معاملته وكلامه الساحر اجبروها على الانخراط بتعويذة العشق. رأت فيه طوق النجاة وحظت بالآمان بقربه وحصلت على ملجأ لها من كل شيء. يكفيها وجوده معها الذي يمنحها القوة والسكينة والأطمئنان.
هناك مشاعر متضاربة وكثيرة تشعر بها تجاهه ولكنها لا تعرف حتى كيف تصفها لنفسها سوى أنها تعشقه بكل حرف تحمله الكلمة من معنى.
ومع الأسف يبدو أنها ستعاني من ألم العشق. فهي تعرف جيدا أن برغم كل ما يفعله معها لا يحبها مثلما تحبه فقط يراها كصديقة وشخص يمتلك مكانة كبيرة جدا في قلبه. ولكنها لا تريد تلك المكانة بل تريد قلبه كله. تريد عشقه مثلما يعشق زوجته حتى الآن. فالعشق لا يعرف العدل وإن أحببت يجب عليك أن تتبع قاعدة الانانية أول شيء. وهي لا تريد أن يكون بقلبه سواها. ولكنه لا يحبها!
هل هي قبيحة ولذلك لا يلتفت لها؟ ماذا وجد بزوجته حتى عشقها لهذا القدر؟ هل هناك شيء لا يعجبه فيها؟ أم أنها فشلت خلال هذه الفترة أن تنل القليل من حبه؟ توقفت عن طرح الاسئلة لنفسها حين رأته يفتح عيناه فكانت هي جامدة تماما تحملق به بأعين دامعة ولكنه بسبب استيقاظه للتو لم ينتبه جيدا لها وفقط عقد حاجبيه باستغراب حين رآها تحدق به ورسم ابتسامة عذبة على شفتيه يجيبها وهو يهب جالسا ويفرك عيناه:
_ صباح الخير!
تمتمت بخفوت وابتسامة مهمومة:
_ صباح النور.
التفت لها برأسه وغمغم متسائلا بحيرة:
_ إنتي صاحية من بدري!
اعتدلت في نومتها وجلست مثله. تهز رأسه نافية وتهمس:
_ لا!
أماء برأسه بحركة خفيفة ثم نهض من الفراش واتجه إلى الحمام الملحق بغرفتهم لتحدق على آثاره بيأس وضيق. وبقيت مكانها لدقائق طويلة حتى خرج بعد أن أخذ حمامه الصباحي وكان يمسك بالمنشفة يجفف شعره الذي تتساقط منه قطرات الماء. وأخيرا انتبه لوضعها المريب وشرودها وعبوس وجهها فاقترب وجلس بجوارها بعد أن لف المنشفة حول رقبته وغمغم باهتمام:
_ مالك ياشفق!
_مليش!
قالتها بعدم مبالاة لوضعها وقلة حيلة. فدقق هو النظر جيدا بعيناها المجفلة لأسفل ليراها ممتلئة بالدموع. فظهرت علامات الدهشة والقلق على وجهه وسألها بهدوء:
_ بتعيطي ليه!
رفعت اناملها لعيناها ومسحت دموعها ثم هزت بكتفيها لأعلى وتمتمت بصوت بائس دون أن تنظر له:
_ مش بعيط!
_ طيب العياط ده. ليه علاقة بسيف ومامتك!
نفت برأسها وهي مازالت مطرقة لأسفل بوجه تعلوه معالم الأسى. فزدادت حيرته وقلقه ليمد اناملها ويرفع ذقنها برفق هامسا:
_ بصيلي ياشفق. في إيه!!!
علقت عيناها عليه وتمتمت بنظرات مشوشة وصوت مهزوز يغلب عليه البكاء:
_ هو أنا وحشة ياكرم!
غضن حاجبيه بريبة من سؤالها العجيب ولكن سرعان ما ابتسم وتمتم بحنو وهو يملس على شعرها:
_ وحشة! أنا مش فاهم إيه مناسبة السؤال ده. بس لا أكيد مش وحشة ياشفق. بالعكس انتي جميلة جدا كفاية ملامحك البريئة وتصرفاتك العفوية اللي بحبها أوي.
عادت تشيح بوجهها عنه وتقول محتجة بقلة ثقة:
_ متجاملنيش!
زادت ابتسامته اتساعا وهمهم برقة:
_ أنا مش بجاملك ومبعرفش اجامل أساسا. طيب تعالي!
وقف وجذبها من يدها بلطف حتى اوقفها أمام المرآة ووقف خلفها مباشرة ثم وجدته يضع كلتا يديه على كتفيها هامسا بنظرات عيناه الرمادية الساحرة:
_بصي لنفسك. إنتي شايفة نفسك وحشة كدا!!!
دقت النظر بنفسها في المرآة لثواني قليلة ثم نظرت لصورته هو في انعكاس المرآة لتجده يكمل همسه الذي كان قريب بما فيه الكفاية من أذنها:
_ وبعدين أنا في رأى إن الجمال عمره ما كان بالشكل.
ابتسمت ساخرة وهي تقول:
_ آهاا الجمال جمال الروح وكلام الأفلام والمسلسلات ده!
استرسل حديثه بكامل الدفء والرزانة:
_ بس ده مش كلام أفلام ده حقيقة!
في ناس حلوة كتير شكلها بس لا أخلاق ولا طبع ولا تعامل، والناس كلها بتبقى بتكرهم. وفي ناس بتبقى مش حلوة أبداً بس أخلاقها وطبعها مع الناس بتجبر الكل إنه يحبها. إنتي مستحيل تحبي حد عشان شكله، وإلا ده يبقى مسموش حب، يبقى اسمه إعجاب وهياخدله كام يوم أو كام شهر ويروح. هديكي مثال مثلاً. في كتير بيتجوزوا بنات مش حلوين أو العكس، وبيبقوا مبسوطين وفرحانين ببعض. هتقوليلي إزاي حبها أو إزاي حبته، دول مش لايقين على بعض خالص. هقولك هي محبتش شكله، هي حبت ذاته. في النهاية اللي عايز أوصلهولك إن مفيش حد هيحبك عشان شكلك، إنتي بروحك وأفعالك بتخلي الشخص اللي قدامك يحبك. فهمتي؟
أدمعت عيناها بعاطفة جياشة وهي تبتسم على حظها الجميل وتقول لنفسها: "وماذا إن كان وسيم الشكل مثلك وجميل الطبع أيضاً؟ بتأكيد سأفقد عقلي تماماً!"
التفتت له بكامل جسدها وهي تحدجه بدموع عينيها وتبتسم بعشق جارف، وارتمت بين ذراعيه مغمغمة بدلال أنثوي جميل:
_ طيب اسمحلي أقولك إن إنت اللي حلو بجد في كل حاجة، مش شكلها بس.
كان يشك في حقيقة مشاعرها تجاهه منذ فترة، والآن شكه ازداد أكثر في أعماقه. ولكنه لم يعقب كثيراً وفضل أن يتصرف بطبيعية تماماً وكأنه لم يفهم شيئاً من نظراتها العاشقة له دوماً. لاحت ابتسامة بسيطة على شفتيه، ورفع يده يضعها على ظهرها متمتماً بنعومة:
_ اممممم عارف، قولتهالي كتير قبل كدا. بس إنتي مش ملاحظة إنك بتتغزلي فيا كتير الأيام دي.
ابتعدت عن وقالت بمشاكسة وغنج عفوي:
_ أنا!! لا أبداً. إنت أكيد بيتهيألك!!
_ اااه ما أنا قولت كدا برضو!
قالها بابتسامة امتزجت ببعض المكر، لتتخلي هي عن مزاحها وتقول بلطافة وامتنان به القليل من الخبث شاكرة إياه على كلماته الرائعة التي قالها للتو:
_ شكراً يا كوكو!
مد يده يقرص وجنتها بلطف ويقول بنفاذ صبر مغتاظاً:
_ العفو. بس نبطل كوكو دي هااا!!
افترت عن ابتسامة عريضة وأسنان بيضاء ناصعة، أما هو فألقى عليها نظرة دافئة أخيرة قبل أن يستدير وينصرف، تاركاً إياها تبتسم بهيام وتصدر تنهيدات مغرمة بجماله.
داخل مقر شركة العمايري، تحديداً بمكتب حسن.
مر أسبوع منذ أن تركت المنزل ورحلت. أسبوع فقط قلب جميع الموازين ضده! ولا ينكر أنه لسبب مجهول لا يتمكن من التوقف عن التفكير فيها، بالأخص بعد ظهور ابن الخالة الذي يراه بكثرة معها. وفي كل مرة يراها معه يداهمه شعور عدواني تجاهه بأن يذهب ويبرحه ضرباً، ومن ثم يجذبها ويرحل بها فيعنفها بشدة. ولكنه يتجاهل ذلك الشعور الذي يخنقه ولا يعرف سببه، وينجح بكل مرة أن يتمالك أعصابه بصعوبة.
الآن هناك صوت بداخله يلح عليه بأن يذهب ويتحدث معها، لعله يتمكن من الحصول على مسامحتها. فهناك حقيقة واحدة يقرها وهي أن ضميره يقتله كل يوم، ولا يستطيع إسكاته. يشعر بالذنب تجاهها وتجاه طفله، ولا يود أن تكون النهاية مؤلمة لكليهما هكذا.
هب واقفاً بعد أن حسم قراره وغادر مكتبه متجهاً إلى مكتبها، ولكنه قابلها في الطريق وهي على وشك أن تستقل بالمصعد الكهربائي. وهمت بأن تضع قدمها بداخله، ولكن تراجعت حين سمعت صوته يهتف منادياً عليها:
_ يــســر!
أغلقت عيناها وهي تأخذ شهيقاً قوياً وتخرجه زفيراً متهللاً، تؤهل نفسها لمواجهته بقوة كما اعتادت. وبالفعل التفتت له بكامل جسدها وطالعته بثبات تام، ليقترب ويقف أمامها متمتماً بهدوء:
_ ممكن نتكلم شوية؟
قالت بعدم اكتراث وجفاء وهي تهم بالاستدارة والرحيل:
_ مفيش حاجة بينا عشان نتكلم فيها!
قبض على رسغها ليوقفها من الرحيل هامساً بنبرة تحمل بعض الرجاء:
_ خمس دقايق بس!
نظرت ليده التي تقبض على رسغها بنظرات نارية، فتركها فوراً حتى لا يغضبها أكثر، بينما هي فقالت بشراسة:
_ معاك خمس دقايق بالظبط تقول فيهم اللي عايزه، لأني مش فاضية. وإيدك دي متلمسنيش تاني يا حسن، فاهم ولا لا!!
تنهد بضيق وقال موافقاً:
_ حاضر. ممكن بقى تاجي المكتب عشان مش هينفع نتكلم هنا!
تأففت بخنق ثم سارت قبله باتجاه المكتب ودخلت، ليدخل هو خلفها ويغلق الباب ثم يقول بصوت رجولي مشيراً بعينيه على الأريكة:
_ اقعدي.
اغتاظت بشدة من محاولاته لكسب الوقت وقالت شبه منفعلة:
_ إنا مش هقعد.. قول اللي عايز تقوله يا حسن، يلا.
رمقه بأسى، فقد يبدو أنه لم يتمكن من الحصول على ما يريد أبداً. اقترب منها ووقف أمامها مغمغماً باعتذار صادق:
_ أنا عارف إني كنت بعاملك وحش وظلمتك أوي وهنتك وعذبتك. وعارف إننا كنا متفقين على الطلاق وإنك عندك حق تاخدي مني الموقف ده بعد اللي حصل مني. بس أنا مش حابب ننهيها بالطريقة دي صدقيني وحابب أثبتلك ندمي.
ضحكت باستهزاء قائلة:
_ هي انتهت خلاص، مش لسه هننهيها. إنت طلقتني لو ناسي يعني! وأنا مش فارق معايا ندمك أو غيره أصلاً. خلاصة الكلام إنت ذات نفسك كلك متفرقش معايا.
أطال النظر في عينيها يحاول البحث عن القليل من العشق المدفون تجاهه، ولكنه لم يجد سوى الغضب والنقم والثبات. فابتسم ببعض المرارة ساخراً:
_ يااااه بالسرعة دي قدرتي تكرهيني؟ بعد كل اللي عملتيه عشان توصلي ليا وبعد كلامك إني مش هلاقي حد يحبني قدك!
كانت تعافر نفسها الضعيفة على الظهور أمامه بمظهر القوية، ولملمت ما تبقى من شتات قلبها لتجيبه بكل القسوة والحزم والقوة:
_ مبقتش عايزة أحبك خلاص!! كان غلط كبير جداً. وإنت أكبر غلط هفضل ندمانة عليه طول حياتي. أنا ندمانة على كل ذرة من مشاعري اللي أهدرتها على واحد ميستهلش زيك. عايز الصراحة؟ أنا الوحيدة اللي طلعت غبية وساذجة من اللعبة دي، مش إنت. وللأسف أدركت ده متأخر. بس متقلقش، كلها كام يوم وهماحيك من كل ذكريات حياتي زي النكرة، عشان مش يسر اللي هيكسرها واحد حقير زيك.
ثم تراجعت للوراء واخرجت هاتفها الذي يعلن عن وصول اتصال من أحدهم، ثم سمعها تجيب عليه وهي تغادر المكتب:
_ الو يا راسل، أنا نازلة أهو!
كور قبضة يده بقوة، وهو يجز على أسنانه هامساً بأعين حمراء كالدم:
_ امممممم راسل!!!!!
فتح علاء باب المنزل ودخل ليجد أمه تسرع إليه قائلة بانفعال:
_ برن عليك إنت وأبوك محدش بيرد عليا ليه؟!!
أجابها مستغرباً من انفعالها:
_ كنت في اجتماع يا ماما وبابا كان معايا، أنا جاي آخد حاجة وماشي تاني. في إيه متعصبة كدا ليه؟
_ ميار مش قاعدة في البيت. قلبت عليها البيت كله ملهاش أثر!
رواية ضروب العشق الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندى محمود توفيق
وفي ظرف لحظة واحدة تحول علاء من الهدوء إلى الجنون، حيث اظلمت عيناه وأصبح لونهما مريبًا، لتسمعه أمه يهتف بعدم استيعاب امتزج بشيء من السخرية:
"مش موجودة! أمال راحت فين؟"
"معرفش أنا دخلت عليها الأوضة ملقتهاش وفضلت أدور عليها في البيت وبرضوا مش قاعدة."
استنشق الهواء محاولًا السيطرة على جموحه، ثم دخل وأخرج هاتفه يجري اتصالًا بها ولكن دون إجابة. وهنا فقد زمام انفعاله حيث صاح بعصبية:
"أنا نبهت عليها إن خروج مفيش، بس شكلها مصممة تطلع أسوأ ما فيا. ماشي يا ميار أما أوريكِ عقاب كسر كلامي مبقاش أنا علاء."
اقتربت منه أمه ترتب على كتفه بلطف لتهدأ قليلًا من سخطه وتهمس بنبرة قلقة:
"اهدى يا حبيبي وخلينا نشوف راحت فين لما ترجع. متستاهلش تعصب نفسك عشانها."
مسح على وجهه وهو يترنح من شدة الانفعال ويتوعد لها بعقاب لم تشهده طوال حياتها.
***
كان زين يجلس في شرفة الغرفة وبيده كوب الشاي الصباحي الخاص به، يتطلع إلى منظر البحر أمامه والنسمات الباردة تلفحه مع أشعة الشمس الدافئة تمنحه المزيد من الدفء والاستمتاع. ولكنه شعر بها تستند بيدها على كتفه وتنحني إلى أذنه هامسة بعبث:
"زين هو أنا جيت معاك هنا ليه؟"
التفت برأسه لها وطالعها بشيء من الدهشة قائلًا بعدم فهم:
"مش فاهم قصدك إيه؟"
قبضت على يده وأنهضته، ثم جذبته للداخل وأغلقت باب الشرفة قائلة بعبوس وخنق:
"أنا جهزت لك هدومك وأنا هدخل الحمام ألبس عشان نخرج وتفسحني. أنا زهقت وعايزة أخرج."
"دي أوامر يعني؟"
أومأت له برأسها في احتجاج، فهتف هو باسمًا بلؤم:
"طيب ولو قلت لأ!"
تنفست الصعداء بنفاد صبر، ولكنها تصرفت بذكاء أنثوي حيث لمعت عيناها بوميض ماكر واقتربت منه تلف ذراعيها حول رقبته. وجاهدت بصعوبة حتى تقوم بحركتها القادمة دون أن يهيمن عليها خجلها، حيث اقتربت بوجهها منه وطبعت قبلة رقيقة وسريعة على وجنته هامسة بدلال:
"هقولك عشان خاطر ملاذك!"
تجمدت ملامح وجهه وجعل يحدقها بسكون تام تبدو عليه معالم الدهشة من ردها غير المتوقع. دلالها وقبلتها ونبرتها بعثرته لأشلاء، ولوهلة أحس بنفسه سيكرر ما فعله بالأمس بل وأكثر. ازدرد ريقه وحاول الفرار بسرعة من أفكاره ومن اقترابها الحميمي، فابعدها عنه برفق مغمغمًا بحزم مزيف يضمر خلفه تبعثره:
"طيب روحي البسي يلا."
تراجعت للخلف ثم استدارت واتجهت نحو الحمام وهي تضحك بصوت مكتوم. وبعد دقائق ليست بطويلة خرجت وهي ترتدي ملابسها الفضفاضة كعادتها، وكان هو قد انتهى ويجلس بانتظارها ولكنه كان شارد الذهن يحلق في السقف بتفكير. فتسللت له وجلست بجواره ثم نكزته بكتفها في كتفه هامسة بابتسامة عريضة:
"ششش سرحان في إيه؟"
انتبه لها وقال بالنفي في نبرة عادية:
"لا ولا حاجة.. خلصتي؟"
"اممممم."
"طيب حابة تروحي فين؟"
رفعت كتفيها لأعلى بجهل وقالت في رقة:
"أنا معرفش حاجة هنا فوديني إنت أي مكان على ذوقك.. إنت عارف أنا نفسي في إيه بس الحقيقة أخاف ما أقولك."
طالعها بأعين متسائلة وبحيرة، لتستكمل هي في تردد ونظرات بها بعض الخوف من ردة فعله:
"نفسي أنزل البحر وأعوم!"
رفع حاجبه مستنكرًا طلبها ليجيبها بابتسامة صارمة قليلًا:
"هنا لأ أكيد، لإننا مش هنكون وحدنا."
هزت رأسها بالتفهم والموافقة في وجه يائس وعابس، ليضحك ويلف ذراعه حول خصرها متمتمًا في حب:
"طيب ولو قولت لك هوديكي مكان أحلى من البحر!"
أشرق وجهها بسعادة غامرة وقالت بحماس:
"فين؟"
زم شفتيه بابتسامة جذابة وهو يكمل همسه اللطيف:
"هو مش هنا خالص، بس أنا جالي اتصال الصبح إن في شغل ضروري ولازم أسافر. فهنسافر بكرة بإذن الله وهناك هتشوفي المكان ده."
ضيقت عيناها باستغراب وهي تجيبه بريبة:
"يعني مش هنرجع البيت؟"
"لأ أخلص الشغل اللي ورايا إن شاء الله وبعدين هننزل على القاهرة علطول."
التزمت الصمت وهي تتساءل في نفسها عن ذلك المكان الذي سيأخذها إليه. وبينما هي منشغلة بالتفكير رأته يقف ويقول:
"يلا بقى ولا غيرتي رأيك ومش عايزة تطلعي؟!"
"لأ طبعًا عايزة!!"
قالتها بضحك وهي تثب واقفة، ثم أنزلت النقاب على وجهها وانصرفوا.
***
ساعتان ومن ثم ثلاثة وأخيرًا أربعة، ومازالت لم تعد للمنزل. الجميع عاد للمنزل ما عدا هي. وكل من علاء وطاهر يحاولون الاتصال بها ولكنها لا تجيب. كل منهم يجلس في ركن مختلف. كان علاء يجلس على أحد المقاعد التي بجوار النافذة المطلة على الخارج. بدا للجميع هادئًا ومعالم وجهه ساكنة وجامدة وكأن غضبه منذ قليل تلاشى في ثانية. ولكن الحقيقة أنه كان يكتمه بداخله ويجمعه حتى يطلقه كله بها حين تعود.
المزيد من الدقائق مرت حتى رآها تترجل من سيارة أجرة أمام المنزل وتقود خطواتها نحو الباب. فابتسم بنظرات نارية ومرعبة ثم هب واقفًا واتجه نحو الباب ليفتحه قبل أن تطرق. فتقابل هي ابتسامته التي قذفت الرعب في قلبها. ولم يمهلها لحظة حتى تتحدث حيث قبض على ذراعها بكامل العنف وجذبها معه هامسًا في نبرة غليظة:
"تعالي."
طاهر بصوت رجولي حازم يردعه عن الذي ينوي فعله:
"عــــلاء أا........"
قاطع أبيه بلهجة صارمة:
"لو سمحت يا بابا دي مراتي وأنا هتصرف معاها بطريقتي."
ثم زاد من ضغطه على ذراعها وهو يجرها معه للأعلى، بينما هي تتأوه في صمت وتحاول الإفلات من قبضته في محاولات فاشلة.
هتفت الأم بتشفي محدثة طاهر:
"سيبه خليها يربيها.. هي عايزة تتربي فعلًا."
رمقت يسر والديها بعدم رضا وأصدرت تأففًا قوي ثم استقامت واتجهت لغرفتها بعد أن أبدت للجميع من خلال قسمات وجهها ضيقها من الذي يحدث.
فتح علاء الباب وزج بها للداخل ثم أغلقه خلفه لتتراجع هي للخلف بارتياد وتردف باضطراب:
"علاء أنا كنت تعبانة والله ورحت المستشفى. حاولت أتصل بيك بس تلفوني فصل شحن ومكنتش قادرة أستناك لغاية ما تيجي من تعبي فروحت وحدي، لو مش مصدقني أهو العلاج."
مدت يدها في حقيبتها وأخرجت كيسًا به أصناف مختلفة من الأدوية وترفعه أمامه حتى يراه جيدًا ويهدأ. ولكن لم ينجح الأمر معه حيث صرخ بها بنبرة نفضتها نفض:
"وأنا قولت مفيش خروج من البيت!"
قالت بصوت مرتجف وأعين دامعة:
"أيوة بس أنا بقولك كنت تعبانة!!"
أكمل صياحه بها بدون رحمة أو رفق بوضعها:
"كنتي زفت تعبانة يبقى تقولي لماما قبل ما تطلعي وتردي على الـ**** التلفون. مش تطلعي من غير ما حد يعرف روحتي فين."
انهمرت دموعها وأجابته ببعض الدهشة:
"والله قولتلها إني رايحة المستشفى. وطلبت منها كمان تحاول تكلمك وتقولك."
عاد يقبض على ذراعها وهو يهتف ساخرًا بغضب عارم:
"ياسلام والمفروض أصدقك أنا كده. الله أعلم روحتي فين كمان بعد المستشفى ده لو روحتيها فعلًا."
لا يصدقها رغم أنها رأت الأدوية جميعها!! كان على وشك أن يبدأ في عقابه الحقيقي لها. ولكن يسر اقتحمت عليهم الغرفة ودخلت لتقترب من أخيها وتنزع يده على ذراعها هاتفة بحزم:
"كفاية ياعلاء."
"اطلعي برا يايسر!!"
قالها بتحذير حقيقي حتى لا ينفجر بها هي الأخرى، ولكنها صرخت به بنبرة مرتفعة ومتضجرة:
"هطلع وهاخدها معايا. مش معنى إنها مراتك يبقى يحق لك تمد إيدك عليها! هي تستاهل العقاب على كل أخطائها بس مش بالإهانة. في مليون طريقة للعقاب غير الذل وكسرة النفس. يا إما بقى طلقها وريح نفسك وريحنا من القرف ده."
ثم نظرت لميار وأشارت لها بعينيها أن تذهب معها. لتلقي ميار نظرة على وجهه المحتقن بالدماء وهو يقف متصلبًا وكأن كلمات شقيقته تمكنت من إخماد الوحش الذي بداخله. ثم تحركت مع يسر الذي أخذتها لغرفتها وأغلقت الباب.
***
جلست ميار على الفراش وهي تجفف دموعها بظهر كفها وتهمس في امتنان وصوت متحشرج:
"شكرًا يايسر."
لوت فمها بامتعاض وهدرت في خنق:
"العفو.. بس متفتكريش إني عملت كده عشان خاطر عيونك. لإني لسا مش بطيقك أصلًا. أنا بس عارفة وجربت الإهانة وأكيد مش هحب أشوف حد بيتعرض ليها حتى لو مش بحبه."
ثبتت نظرها على عينيها التي يحوم بها الاكتئاب والألم، لتزم شفتيها بأسى وتقول بوجه يحمل بعض الإشفاق:
"حسن هو السبب مش كده؟"
تنهدت يسر بشجن وغمغمت تسألها لتغير مجرى الحديث:
"إنتي روحتي فين؟"
ميار بنبرة ضعيفة:
"كنت تعبانة ورحت المستشفى أكشف عند دكتورة قالت لي عليها رفيف. وقبل ما أطلع قولت لمرات عمي إني تعبانة وبرن على علاء تلفونه مغلق، فقالت لي روحي وأنا هبقى أقوله."
اقتربت يسر منها ورتبت على كتفها هامسة بلطف:
"طيب يا ميار لو حابة باتي معايا في الأوضة النهاردة لغاية ما علاء يهدى."
ثم ابتعدت واتجهت إلى الحمام وهي تزفر بضيق من الذي فعلته أمها. وظلت ميار تحدق على آثارها ببعض الذهول من تغيرها المفاجئ معها.
***
أظلمت السماء وارتفع ضوء القمر البدر مع نجوم ساهرة تزين لوحة الخالق عز وجل.
كانت الساعة قد دقت الحادية عشر قبل منتصف الليل.
فتح كرم الباب ونزع حذائه عنه ثم قاد خطواته نحو غرفتهم بعد أن وجد المنزل هادئًا كالعادة، ولكنه لم يجدها بالغرفة فعقد حاجبيه بريبة واستدار ليبحث عنها في بقية أرجاء المنزل، حتى وصل إلى غرفة مكتبه وفتح الباب ببطء ليجدها جالسة على الأريكة أمام الصورة الكبيرة له هو وأخيها، ولكن هذه المرة مختلفة حيث كان بيدها كوب كاكو يبدو أنه باردًا وترجع برأسها للخلف تسندها على ظهر الأريكة ونائمة.
تنهد مغلوب على أمره وهو يبتسم ثم تحرك إليها بحذر شديد حتى لا يوقظها وجلس القرفصاء أمامها يمعن النظر بملامحها الملائكية والبريئة، لا تبدو أبدًا كامرأة ناضجة تخطت سن الواحد والعشرين، بل كمراهقة في سن السادسة عشر أو الخامسة عشر. حتى الآن يحاول تفسير لكل ما حدث معهم ولم يجد له تفسير سوى أنه قدر.
ظهرت أمامه منذ تلك الليلة الذي كان سيدهسها فيها بالسيارة في الليل ومن بعدها تطورت الأحداث وربطتهم معًا دون أن يشعروا، موت صديقه ومن ثم ذلك الوغد الذي كان يحاول أذيتها ووفاة والدتها، وأخيرًا ضغط أمه عليه ووضعه بين جانبي النار وإما أن يسير في المنتصف للأمام أو يسلك أحد الجانبين ويختار تمسكه بحب زوجته وعناده ويخسر معه والدته، فلم يكن أمامه حل سوى الموافقة بعد أن اقتنع بأنه حل أسلم ليرضي أمه ولتكون تلك المسكينة تحت رعايته دومًا. فلا مانع من التضحية لأجل سعادة وراحة أحبائنا.
مد يده بحرص وسحب من يدها الكوب ببطء شديد ثم وقف منحنيًا وهم بأن يحملها ولكنها انتفضت جالسة بمجرد لمسته وشهقت فزعة، ليتراجع هو للخلف حتى لا يفزعها أكثر ويبتسم متمتمًا:
"اهدي، ده أنا!"
استغرق الوضع لحظات قصيرة حتى تنفست الصعداء واعتدلت في جلستها تسأل بصوت خافت:
"هو أنا نايمة كتير هنا؟"
زم شفتيه للأمام بجهل ليقترب مجددًا ويجلس بجوارها متمتمًا:
"معرفش، أنا جيت زي العادة لقيتك نايمة."
رفعت يدها تفرك عيناها وتقول متثاوبة:
"أنا ذات نفسي معرفش إيه اللي بيحصلي كل ما ادخل واقعد هنا بنام!!"
ضحك ببساطة بينما هي عادت تنظر لوجه أخيها وهي تبتسم بمرارة مغمغمة:
"غالبًا بحس بالراحة والأمان وبحس أنه حواليا ومعايا عشان كدا بستكين وبنام."
فكر في إضفاء نوع من الدعابة قليلًا حتى لا يأخذ الحديث مجرى كئيب، فوجدته يجيبها بمداعبة وهو يضحك:
"بصيلي كدا وريني دموعك!!"
ضحكت بخفة وهزت رأسها نافية وهي تردف:
"لا مش هعيط متخفش، اخدت جرعتي قبل ما تاجي."
أخذ نفسًا عميقًا واعتدل في جلسته ليصبح مواجهًا لها مباشرة ويغمغم في نبرة رخيمة وحكيمة:
"شفق صدقيني الحزن والعياط مش هيفيد بحاجة ومش هيرجعهم ليكي، أنا لغاية فترة قليلة وكنت دافن نفسي في الحزن وادركت دلوقتي ومتأخر للأسف، الحزن مش هيفيدك بحاجة بالعكس ده هيتعبك نفسيًا وجسديًا، ادعيلهم وكوني واثقة إنهم في مكان أفضل منينا."
طالعته بأعين تائهة وحبيسة الألم متمتمة بشجن:
"أنا مليش في الدنيا غيرهم ياكرم."
مسك بكفها الصغير واحتضنه بين كفيه مردفًا في حنو ونظرات دافئة:
"عارف إن وجود العيلة لا يعوض بس أنا معاكي أهو وجمبك، اعتبريني اخوكي وابوكي وصديقك وكل حاجة، أنا مش عايزك تحسي إنك وحدك ياشفق."
غامت عيناها بالعبارات وهي تبتسم له بعشق وتهمس في خوف:
"معدش باقيلي حد غيرك أساسًا وبقيت اخاف لتسيبني إنت كمان زيهم."
شدد من ضغطه على كفها برفق وهدر بنظرة ثابتة ورقيقة مع همس كان له أثر بالغ على قلبها المتيم به:
"اوعدك مش هسيبك أبدًا."
لم تتمكن من السيطرة على نفسها حيث اجشمت في بكاء قوي مع ملامح طفولية، ليضحك هو بعدم حيلة ويضمها لصدره هامسًا بنبرة ضاحكة وهو يمرر كفه على خصلات شعرها:
"يعني مفيش فايدة برضوا في العياط ده!!!"
تشبثت به بشدة وهي لا تتوقف عن البكاء لتسمعه يقول بحيرة باسمًا:
"إنتي دموعك جاهزة علطول، ده مفيش لحظة وبتفتحي الحنفية دي."
اكملت بكائها وتجيبه من بين بكائها بعفوية:
"عشان إنت حنين أوي عليا."
"حاضر من هنا ورايح هعاملك وحش يمكن الآية تتقلب وتبطلي عياط."
توقفت عن البكاء ورفعت عيناها له وهي لا تزال بين ذراعيه لتهمس بعبوس واحتجاج:
"لا هعيط أكتر!!"
اطلق ضحكة رجولية متأججة ابتسمت هي على أثرها وعادت تخفض نظرها مجددًا وهي تتنهد بسعادة.
***
وصل حسن إلى المنزل بعدما اتصلت به والدته واخبرته أن جدته تريد رؤيته والتحدث معه، فجاء على مضض وهو يتوقع سبب رغبتها في التحدث معه، وكان طول الطريق يعد نفسه للحوار الذي سيكون بينهم حتى لا يخطأ بشيء ويكشف كل شيء كان بينهم.
فتحت هدى له الباب واستقبلته بعناقها الأمومي الحنون وهي تردف:
"أهلًا ياحبيبي عامل إيه؟"
مسك بكفها وقبله في لطف مغمغمًا في تساءل يتصنع عدم الفهم:
"الحمدلله ياست الكل.. خير تيتا عايزاني في إيه؟"
لوت هدى فمها باحتجاج وقالت بضجر ونظرة تحولت إلى الحدة:
"إنت تتوقع في إيه مثلًا؟!"
قال بنفاذ صبر وهو يبتعد من أمامها:
"يسر طبعًا!"
التفتت بجسدها للخلف تتابعه وهو يصعد الدرج متجهًا ناحية غرفة جدته، وتزفر مغلوبة على أمرها منه وتهمس بحزن:
"ربنا يهديك يابني."
فتح الباب ببطء بعد أن طرق عدة طرقات خفيفة وسمحت له بالدخول. اغلقه خلفه واقترب منها ينحني باتجاه كفها يقبله هامسًا في حنو:
"عاملة إيه تيتا؟"
اجابته باقتضاب ووحدة وهي تشير بكفها على الفراش بجوارها:
"الحمدلله.. اقعد ياحسن."
أخذ شهيقًا قوي وزفره حارًا ثم امتثل لطلبها وجلس بجوارها وقبل أن تبدأ في الحديث باغته هو بقوله الصارم:
"تيتا لو طلبتي تشوفيني عشان تعرفي اللي حصل بينا فأنا آسف مش هقدر اقولك.. دي كانت مشكلة بيني وبين مراتي ومش حابب اقول لحد."
اظلمت عيني الجدة واستشاطت غيظًا منه حيث صاحت منفعلة:
"لما هي مشكلة بينك وبين مراتي ومش عايزين حد يعرف، يبقى تحلوها بين بعضكم كمان مش توصل للطلاق."
"الطلاق كان أفضل حل لينا!"
يقنع نفسه بأنه أفضل حل وبالأخص بعدما بدأ يشعر بآثاره السلبية عليه، وأنه في بداية طريق الشوق والندم على خسارتها. اكملت الجدة صياحها به في ألم ودموع ممتلئة بمقلتيها:
"هتفضل لغاية إمتى كدا عديم مسئولية؟ إنت وميار اثبتولي إن دلعي ليكم مجبش غير التعب لينا كلنا.. ابوك كان عنده حق لما اخدكم وعاش وحده معاكم لأن أنا السبب في فسادكم وكنت فاكرة إني كدا بربي فيكم الحب والحنية لما ادلعكم واتاريني كنت بضيعكم وبفسدكم."
كان يطرق رأسه لا ينظر لها فقط يستمع لتوبيخها وتعنيفها الشديد له، كلماتها تزيد من آلام قلبه الذي يعاني ألم الندم ولم تكتف بهذه القدر حيث أكملت بقسوة أشد:
"كلنا عارفين حبها ليك بس إنت اللي ناكر الجميل ومتستهلش الحب ده، أي كانت المشكلة اللي بينكم مفيش حاجة تستاهل إنك تخسرها عشانها، وزي ما أنا متأكدة إن يسر لسا بتحبك.. متأكدة كمان إن إنت اللي غلطان في المشكلة اللي وصلتكم لكدا والدليل إنك خايف تقول وهي رغم ده كله لسا بتداري عليك وعلى غلطك وبتقول إنها الغلطانة مش إنت."
نظر لها وابتسم ساخرًا بعد أن نجحت في تصويب سهمها في اليسار، فخرج صوته بيأس ومرارة مع قسمات وجه عابسة:
"مبقتش تحبني، وحتى لو لسا بتحبني فهي مبقتش عايزاني خلاص وحاولت اخليها تسامحني بس مفيش أمل."
"غبي ومش بتفهم ومش هتفهم طول ما إنت بالغباء والسطحية دي.. هي حاجة واحدة هقولهالك لو ندمان بجد وعايز تصلح المشكلة اللي حصلت بينك وبينها من غير ماتخلي حد يتدخل يبقى ردها لعصمتك، غير كدا يبقى تنهي الموضوع خالص وتبعد عنها نهائي."
رفض الحل الأول، مازال يعاند ويعافر مشاعره وينكرها بل لا يعترف بها أساسًا، ويأبي الإذعان لها رغم اعترافه بالخطأ الذي اقترفه في حقها ولكنه يغلق جميع الأبواب أمام قلبه.
استقام واجاب على جدته في جفاء ونبرة صلبة:
"هنهي الموضوع ياجدتي، هنهيه للأبد."
ثم استدار وفتح الباب مغادرًا تاركًا إياها تتأفف باغتياظ وخنق من حماقته وعناده.
***
وضع الكارت في الباب وانفتح فسبقته هي أولًا ورفعت عن وجهها النقاب وهي تقول بسعادة غامرة:
"لا أنا عايزة اتفسح زي كدا كل يوم."
لحق بها واغلق الباب، ليهتف مستنكرًا بابتسامة:
"إيه الطمع ده؟!"
بدأت في نزع حذائها ومن ثم حجابها، والقت بنفسها على الفراش هاتفة في إرهاق:
"لا بس الصراحة رجلي مش قادرة اقف عليها والله."
ثم وقفت مجددًا واقتربت منه تساعده في خلع سترته وقميصه متمتمة بفضول حقيقي:
"لكن إنت هتوديني فين لما نسافر بكرا؟"
زين بصوت خافت وهو يرمقها بطرف عينه غامزًا لها:
"مفاجأة."
قالت محتجة بضجر:
"أنا مبحبش المفاجآت.. قولي بقى!"
جذب ملابسه واتجه نحو الحمام ليأخذ حمامًا سريعًا يزيح به إرهاق الصباح الطويل عن جسده، متجاهلًا ضيقها بتعمد لتصدر هي تأفف بصوت مرتفع في خنق وجلست تنتظره حتى خرج فدخلت هي لتأخذ نصيبها من الماء الدافئة التي تنعش جسدها، وبعد دقائق طويلة نسبيًا خرجت ووقفت أمام المرآة تجفف شعرها جيدًا وتسرحه، بينما هو فكان متسطح على الفراش ويعقد كفيه أسفل رأسه، يتابعها مبتسمًا وهي ترتدي ملابس أنوثية رائعة، لا يدري إلى متى سيظل صامدًا هكذا أمامها ولكن بالتأكيد ليس كثيرًا!
انتهت من تجفيف شعرها واقتربت لتتسطح بجواره هاتفة بعبث:
_ برضوا مش هتقولي يعني هتوديني فين؟
كتم ضحكة بسيطة كانت ستنطلق من بين شفتيه، واكتفى بابتسامته الماكرة وهو يعتدل في نومته ويرفع جسده قليلاً عن الفراش ليخطف قبلة سريعة من جانب ثغرها ويعود لوضعه الطبيعي موليًا إياها ظهره وهو يتمتم:
_ تصبحي على خير يا ملاذ.
نجح في اسكاتها كما خطط، حيث علقت عيناها على السقف في استحياء ودهشة وهمست بصوت منخفض لم يسمعه:
_ وإنت من أهله!
مع إشراقة شمس يوم جديد، استيقظت ميار بعد أن قضت الليلة في غرفة يسر، وعندما وجدت أن يسر ذهبت للعمل مبكرة توقعت أنه سيكون ذهب أيضًا، فخرجت وقادت خطواتها نحو غرفتها، وحين فتحت الباب ودخلت دهشت ووجدته لا يزال يستعد للذهاب، فاخفضت نظرها تتفادى النظر إليه وتحركت باتجاه الحمام، ولكنها تذكرت شيئًا فعادت للخزانة لكي تأخذ منها الملابس. وبينما هي منشغلة بإخراج ملابسها اقترب ووقف خلفها هاتفا بصوته الغليظ:
_ من هنا ورايح الكلمة اللي أقولها تتسمع يا ميار، عشان اللي حصل امبارح ما يتكررش تاني!
استدارت له بجسدها كاملًا وطالعته بثبات مزيف، كانت تود أن تدافع عن نفسها ولكن لا فائدة من التبرير، ففضلت الخضوع لأوامره بدون نقاش، هتفت في خفوت:
_ حاضر يا علاء، في أي أوامر تاني؟
_ آه في! في إني حابب أقولك إنك مش لوحدك المغصوبة على الجوازة دي، أنا زيك ومستني الفترة المناسبة تعدي بفارغ الصبر عشان أطلقك، فخلينا حلوين مع بعض ومن غير مشاكل لغاية ما نتطلق ومتعانديش معايا لإني مش هضمن ردة فعلي المرة الجاية.
تلالأت الدموع في عيناها بحرقة وصاحت به مندفعة في ألم:
_ متقولش إنك مغصوب! إنت لو عايز تطلقني هتطلقني دلوقتي ومحدش هيتكلم معاك. إنت زي عمي وزين وحسن وكرم، اللي عملته مخليكم محوشين جواكم غيظكم وغضبكم مني، وإنت لقيت الجواز حجة عشان تكسرني وتعاقبني. والحقيقة إنكم عندكم حق، أنا فعلًا غلطانة واستاهل العقاب واكبر عقاب هو نينا اللي مش عايزة تشوفني ولا تسمع صوتي وبتقول إني مش حفيدتها ومتعرفنيش. أنا فعلًا عايزة الفترة دي تخلص وقريب أوي هتخلص للأبد وكلنا هنرتاح.
غضن حاجبيه باستغراب متمتمًا:
_ قصدك إيه؟
_ مش قصدي حاجة.. امشي عشان متتأخرش.
قالت جملتها وهي تبتعد عنه متجهة نحو الحمام لتتركه يحاول فهم مغزى كلامها الغامض، وجالت بعقله فكرة جنونية ولكنه نفضها عن ذهنه ساخرًا من أنها تجرؤ أصلًا على فعل شيء كهذا!
بمنزل كرم العمايري...
دقائق طويلة مرت وهي تحاول إيجاد طريقة لاقناعه بها إن رفض طلبها، ولم تجد سوى طريقة واحدة، فسرعان ما وثبت واقفة من الفراش ووقفت أمام باب الحمام مباشرة منتظرة خروجه وهي ترسم على وجهها ابتسامة عريضة تظهر أسنانها البيضاء. ولم يدم انتظارها سوى للحظات قليلة حتى فتح الباب هو وكان يلف حول رقبته منشفته الصغيرة، وحين اصطدم بها بمجرد ما خرج ارتد للخلف بزعر هاتفا:
_ بسم الله!
زمت شفتيها للأمام وهي تجيبه بعبس طفولي وطريقة كوميدية:
_ أخص عليك ياببلاوي شوفت عفريت!
وكالعادة فشل في كبح ضحكته حيث أصدر ضحكة بسيطة وازاحها من طريقه ليعبر مغمغمًا بابتسامة بعد أن فهم أنها تريد شيئًا:
_ عايزة إيه يا شفق؟
سارت خلفه وهتفت برقة وهي تشير إلى عقلة سبابتها:
_ عايزة طلب صغنن خالص خالص قد كدا!
زادت ابتسامته اتساعًا ليردف متنهدًا وهو يجفف شعره:
_ خــيـر!!
اقتربت ووقفت أمامه ثم مدت يديها وتولت مهمة تجفيف شعره مغمغمة في براءة متصنعة بعض الشيء:
_ خير متقلقش.. وأنا عارفة إنك قمر وطيب ومش بتقدر ترفضلي طلب ولا تزعلني.
أبعد يدها ببطء عن شعره متشدقًا في بساطة:
_ قولي علطول من غير مقدمات.
لم تبالي بإبعاده ليدها حيث أعادتها مجددًا تعبث بأكتاف تيشرته وكذلك المنشفة مغمغمة في رقة مقصودة:
_ عايزة اخرج اشوف نهلة عشان وحشتني جدًا ولينا فترة طويلة أوي مقعدناش مع بعض.
هيمن الصمت عليه وهو يحدجها بصمت وكأنه على وشك الرفض، فهتفت مسرعة بوجه عابس:
_ وافق بقى! إنت اللي كنت بتبقى خايف عليا منه مات خلاص ومفيش حاجة بتهدد سلامتي تاني.
أخذ نفسًا عميقًا وقال بحنو واهتمام:
_ عارف إنك ممكن تكوني بتضايقي من تحكمي فيكي في نقطة الخروج دي، بس عايزك كمان تفهمي خوفي عليكي. أنا من ساعة اللي حصل مع أروى ومعاكي لما حاول الحيوان ده يعتدي عليكي اكتر من مرة بقيت عايز اخبيكي في مكان محدش يعرفك فيه غيري عشان احميكي من أي راجل مش منه بس. وحتى رفيف كذلك بخاف عليها بجنون وأنا اكتر واحد كنت رافض فكرة إنها تشتغل ولما وافقنا خليتها تروح وتيجي بسواق خصوصي يأما بوصلها واجيبها أنا وخروجها بيبقى بحساب.
انحرفت شفتيها في ابتسامة مغرمة به لأبعد الحدود، وعانقته بقوة هاتفة بعشق:
_ متخفش عليا! مش هيجرالي حاجة طول ما إنت جمبي. ربنا يخليك ليا.
ثم ابتعدت عنه وقالت في ابتسامة عذبة:
_ خلاص موافق مش كدا؟
أصدر تأففًا حارًا بنفاذ صبر من إلحاحها لتميل هي برأسها للجانب وتبتسم بساحرية وترمش بعيناها عدة مرات تستعطفه من خلالهم ببرائتها لكي يوافق هامسة:
_ ارجــــــوك!
أبتسم بعدم حيلة بعد أن أدرك استحالة الفرار من إصرارها وضعفه أمام نظراتها ليقول باقتضاب:
_ طيب خلاص يا شفق روحي. بس هتروحوا فين وامتى؟
تهللت أساريرها وقالت بحماس وفرحة:
_ دلوقتي هلبس وهنروح في أي كافتيريا نقعد شوية.
_ طيب يلا اجهزي لغاية ما ألبس عشان أوصلك ولما تخلصوا رني عليا عشان آجي آخدك.
أماءت برأسها عدة مرات وهي تفشل في إخفاء سعادتها ليكمل هو مبتسمًا بمداعبة:
_ مع إني بقيت بتشائم من صحبتك دي من ساعة ما قولتيلي نروح خطوبتها وشوفتي إيه حصل يومها.
قهقهت بخفة وقالت في نعومة:
_ لا متقولش كدا دي نهلة عسل. وبالعكس دي وشها حلو عليا دايما لما باخدها معايا في أي مكان.
_ ربنا يستر!
قالها مستنكرًا وهو يضحك ثم استدار وذهب ناحية الخزانة ليخرج ملابسه ويبدأ في الاستعداد، وهي كذلك أخذت ملابسها وذهبت لترتدي في الحمام.
فتحت المساعدة الخاصة به الباب وقالت في رسمية تامة:
_ الملفات اللي محتاجة مراجعة يسر هانم تحب أوديها ليها يا حسن بيه.
قال بإيجاز وهو منشغل بالعمل الذي أمامه:
_ آه وديهم ليها وقوليلها تخلصهم بسرعة.
استدارت الفتاة وكانت على وشك الرحيل لولا صوته وهو يوقفها هاتفا:
_ استني يا ميرنا!
أحس بأنه يريد رؤيتها ومحادثتها، ولا يريد الاعتراف في قرارة نفسه أن بات يشتاق لها، ففكر في أن يأخذ هو لها الملفات متحججًا لها بهم وفي نفس ذات اللحظة تكون حجة لنفسه العنيدة التي تأبي الخضوع.
استقام وتحرك ناحيتها وأخذ من يدها الملفات متشدقًا بحزم:
_ أنا هوديهم ليها. روحي إنتي على شغلك خلاص.
أماءت له بالموافقة وانصرفت فورًا، ليغادر هو الآخر متجهًا إلى مكتبها، وحين فتح الباب ودخل كان فارغًا ولكنه رأى أشياءها على سطح المكتب ففهم أنها ذهبت لمكان ما سريعًا وستعود. أغلق الباب وجلس على الأريكة بإرياحية منتظرًا إياها، وطال انتظاره لدقائق طويلة حتى وجدها تفتح الباب وتدخل وهي تتحدث في الهاتف وتضحك. تسمرت بأرضها حين وقع نظرها عليه ولجمتها الدهشة لثواني فقط، ثم تصنعت عدم المبالاة بأمره وأكملت حديثها الهاتفي مع ابن خالتها "راسل" متعمدة الضحك والتحدث بحرية بعدما فهمت في الأيام القليلة الماضية ضيقه وغضبه كلما يراها معه.
رآها وهي تجلس على مقعد مكتبها وتتحدث مع من في الهاتف بعفوية بالغة والذي من الواضح أنه رجل، وفي ظرف لحظة تحول لجمرة نيران ملتهبة حين سمعها تنطق اسمه، غليت دمه في عروقه وحدجها بابتسامة مزيفة تضمر خلفها بركان تطفو حممه على وجهه، فاشاح بوجهه عنها للجانب وهمس لنفسه وهو يحك ذقنه بنبرة متأججة بنيران الغيرة:
_ لا أنا مش هتعصب.. أنا هادي خالص أهو!
كانت تختلس النظرات له في تشفي وغل وتزيد من ضحكها وحديثها، ليعود هو بنظره لها ويرمقها بأعين ملتهبة ومغتاظة، يجاهد بكل ما لديه من ثبات انفعالي حتى يبقى هادئًا ولا يفقد صوابه. ولكنه فقد كل ما لديه ثبات حين سمعها تقول بصدق "لا والله ربنا يعلم ياراسل أنا بعزك إزاي.. ربنا يخليك ليا".
مسح حسن على وجهه هامسًا وهو يصر على أسنانه:
_ لا مش هقدر. لغاية كدا وكفاية.
استقام واقفًا واندفع نحوها يجذب من يدها الهاتف وينهي الاتصال هاتفا بصرامة ونبرة قوية:
_ عرفنا إننا يعتبر اطلقنا، بس احترمي وجودي مش كدا هاااا.
ضحكت ساخرة وهبت واقفة تقول بسخط:
_ ياريت حد غيرك يتكلم عن الاحترام. ثم إن إنت مالك وإيه اللي جايبك أصلًا مكتبي.
_ يسر بلاش الطريقة المستفزة دي عشان أنا على أخرى أساسًا.
صرخت بصوتها المرتفع وهي في ذروة انفعالها:
_ اتكلم بالطريقة اللي عايزها. إنت ملكش دعوة بيا فاهم ولا لا. ملكش دعوة بيا يا حسن. تحب أقول كمان ولا كفاية. اطلع من حياتي نهائي ومش عايزة أشوف وشك حتى. أنا بقيت لما بشوفك معدتي بتقلب وبحس نفسي عايزة أخنقك بأيديا.
كفاية بقى أنا قرفت منك وبقرف من نفسي وجسمي كل ما افتكر إنك لمستني.
توقفت، تأخذ نفسًا عميقًا، ثم عادت تكمل بنظرات قوية تخفي خلفها مشاعر العشق الكامنة في أعماقها وهي تشير بسبابتها على الباب:
_ اطلع برا ياحسن.
كوّر قبضة يده بعنف وهو يجز على أسنانه، يحاول منع نفسه عنها حتى لا ينفجر بها كالطوفان العاتي. اقترب منها هامسًا أمام وجهها مباشرة بصوت يشبه فحيح الأفعى:
_ النهردا عيونك فضحتك وكشفت كدبك. واللي شايفه دلوقتي حاجة واحدة وهي إنك لسا بتعشقيني يايسر.
ثم انتصب في وقفته، وألقى بالملفات على سطح المكتب في عنف، واستدار مغادرًا، تاركًا إياها متصلبة بأرضها تحدق على آثاره بغيظ وحرقة. فامسكت بكوب الماء وألقت به على الباب ليتناثر إلى أجزاء متفرقة على الأرض. جلست على مقعدها من جديد هامسة لنفسها متوعدة وبنظرة متقدة:
_ مسيري هكرهك متقلقش!!
***
كان إسلام يجلس بحديقة المطعم الخارجية على أحد المقاعد يحتسي كوب الشاي الصباحي الخاص به. وعقله شارد بها. بات يشعر بالخطر كلما تمر الأيام وهم يعملون معًا. ففي كل يوم يمر يزداد تعلقًا بها. ومشاعر الإعجاب بدأت تأخذ طريقًا مغايرًا. أن سمح لنفسه بأن تسلكه سيسبب له الألم والحزن للمرة الثانية. وليس هناك حل سوى أن يضع الحدود لقلبه أو يعتذر ويترك هذا العمل الذي يجمعه بها.
انضم له صديقه وجلس قباله هاتفًا:
_ إيه الأخبار؟
_ تمام وإنت؟
هتف صديقه بنبرة مستغربة بعض الشيء:
_ إيه إنت مفيش شغل ولا إيه معاك؟ قولتلي تعالى على المطعم.
أجابه إسلام بهدوء تام ونظرة مهمومة:
_ امممم يعتبر مفيش شغل النهردا وحتى العمال هياجوا متأخر شوية.
_ مالك إنت مضايق من حاجة؟
نظر له باستنكار متمتمًا:
_ إنت تتوقع إيه مثلًا؟
أصدر صديقه تنهيدة حارة وقال بنفاذ صبر وضيق:
_ يابني ولما إنت معجب بيها كدا وعايزها ماتكلم اخوها وتشوف مش يمكن توافق.
ضحك إسلام بسخرية ورفع عكازه لأعلى قليلًا حتى يكون في مستوى نظر صديقه وقال مستهزئًا:
_ توافق!!! هتوافق بده؟
_ أيوه توافق يا إسلام مش معنى إن خطيبتك كانت واحدة **** ولما عملت الحادث وعرفت إنك هتمشي على عكاز سابتك يبقى الكل زيها. جرب إنت مش هتخسر حاجة.
اشتعلت عيناه بالغضب وقال شبه منفعلًا بنبرة موجوعة:
_ لا دي الحقيقة يامعاذ. مفيش واحدة هتقبل تتجوز عاجز. ومتحاولش تقنعني إن العجز اللي في رجلي مش مشكلة وإني اقدر اعيش حياتي بطبيعية. لأن مهما حصل هتفضل في حجات كتير أنا عاجز عنها وعن إني اقوم بيها.
_ أنا قولتلك اللي فيها. لو عايزها بجد جرب وكلم زين ده. وافقت تمام. موافقتش يبقى هي اللي خسرتك مش إنت.
طالعه بصمت غير مقتنعًا بما يقوله وعاد يرتشف الشاي وهو يتنهد بنفس مختنقة! ......
***
داخل أحد المقاهي المتوسطة...
هتفت نهلة بفضول ونظرة حماسية:
_ هااا قوليلي بقى عاملة إيه؟ وأخبار الجواز إيه؟
ابتسمت شفق بمرارة وأجابتها بأسى:
_ نهلة إنتي عارفة إن ده جواز مش حقيقي.
هتفت نهلة باستنكار وسخط:
_ ومش حقيقي ليه بقى إن شاء الله؟ كانت جوازة بالغصب مثلًا؟
_ أهاا هو اضطر إنه يتجوزني بسبب الظروف اللي حكمت عليه بكدا. لولا الظروف دي عمره ماكان هيفكر إنه يتجوزني.
غضنت الأخرى حاجبيها بحيرة وتمتمت بشيء من الدهشة:
_ يابنتي إنتي مش لسا امبارح كنت مكلماني وبتقوليلي إنه كويس معاكي وإنك مبسوطة ومرتاحة. حصل إيه بس؟
سرحت بعقلها قليلًا حين حضرت صوره في عقلها وتذكرت معاملته وطريقته الحانية معها فابتسمت بحب امتزج بالحزن وقالت محاولة إضفاء جو المرح قليلًا:
_ كويس بس!! ده أنا بحس إني أميرة من معاملته ليا. بجد يانهلة أنا مشوفتش راجل زيه في حياتي. أنا بقاوم جماله بالعافية صدقيني. وبقول لما هو بيعاملني كدا و هو مش بيحبني امال لو كان بيحبني كان هيبقى إزاي؟
قالت جملتها الأخيرة وقد طغى على نبرتها اليأس والحزن. لمست صديقتها الحزن في نبرتها فمدت يدها واحتضنت كفها هامسة برزانة:
_ شفق افهمي أنا قولتلك إنه لو مش بيحبك فعلًا ومش عايزك واضطر زي ما بتقولي على الجواز منك فمستحيل يعاملك بالطريقة اللي حكتيلي عنها إمبارح. أنا واثقة إنك بدأتي تأثري فيه وتخليه يحبك بجد مش مجرد إنك غالية عليه ولا بيعزك والكلام الفارغ ده.
هزت رأسها نافية. ترفض تصديق ذلك الكلام وإوهام نفسها بأشياء مبنية على توقعات وسراب. هدرت بثقة متلقلقة:
_ لا بيتهيألك مفيش حاجة من كدا.
_ لا في. والأيام هتثبتلك ده وتقولي إني عندي حق!
طالعتها مطولة بتفكير في كلماتها. من جهة قلبها الذي يريد تصديق ذلك الكلام ويخبرها بأن صديقتها لديها الحق فهو لم يكن معها هكذا قبل الزواج أو حتى في بداية زواجهم ففي الفترة الأخيرة أصبح مختلفًا بعض الشيء وبالأخص من بعد اختطافها. وعلى الجهة الأخرى عقلها الذي يضحك ساخرًا ويقول بحكمة "توقفي عن سذاجتك إنتي تعرفين جيدًا الأجابة على كل هذه الأسئلة. يعاملك جيد لأنه يشفق عليكي وعلى حالك. وتغيره معكي بالتأكيد هو بسبب أنه بدأ بعتاد عليكي أكثر ولم يعد يخجل منك كالسابق. يكفيكي حماقة!!" ربما هي حقًا حمقاء ولكنها ستتصرف بذكاء وتحاول الحصول على حبه وإن لم تتمكن ستسحب نفسها بهدوء من دائرة العشق السوداء هذه!
استمر حديثهم لساعة أو أكثر تقريبًا حتى نهضت نهلة بعد أن انتهت جلستهم وقالت باهتمام:
_ اقعد معاكي لغاية ما ياجي يابنتي متقعديش وحدك.
_ لا لا امشي إنتي متخفيش هو أساسًا قالي انه قريب يعني دقيقتين ويوصل.
اقتربت وعانقتها مودعة إياها بعذوبة مردفة:
_ طيب مع السلامة ياروحي.
_ سلام.
وتابعتها وهي تغادر المقهي تمامًا لتشيح هي بنظرها وتثبت نظرها علي خارج المقهى تتابع حركات الناس وبانتظار قدومه. وإذا بها تشعر بأحدهم يجلس مكان مقعد صديقتها الفارغ لتنظر فورًا وتهتف بذهول:
_ عمر!!!
هتف باعتذار ونظرة مهمومة:
_ شفق أنا آسف سامحيني. أنا ندمان والله إني شكيت فيكي.
رمقته بخزي وهتفت بنبرة تعاني الخذلان والوجع:
_ بعد إيه ياعمر؟ ده إنت الوحيد اللي مكنتش متوقعة منك إنك تصدق فيا كدا. لا وكنت ناوية آجي واقولك عشان تساعدني. صدقت بسهولة وجاي بتعاتبني كمان والشخص اللي مكنش يعرفني ولا يعرف حاجة عني وقف جمبي ووثق فيا. بس تعرف اللي حصل ده اثبتلي قد إيه أنا كنت مخدوعة فيك إنت والحيوانة مروة.
عاد يكرر اعتذار بصدق أشد وأعين حزينة:
_ أنا آسف ياشفق. والله أنا معرفش إزاي عملت كدا. لما شوفت الصور اتجننت. أنا مستعد ارجع كل حاجة زي ما كانت وهكلم عمك وهطلب إيدك منه زي ما كنا متفقين قبل ما سيف يموت.
استقامت واقفة وقالت مبتسمة بسخرية:
_ امممم بس للأسف أنا اتجوزت. ونفس الشخص اللي كنت بتقولي إنه مش كويس ومش مرتحله.
ثم استدارت واندفعت لخارج المقهى مسرعة أما هو فاستغرقت دهشته لثلاث ثواني بالضبط حتى وثب واقفًا ولحق بها راكضًا واستطاع أن يمسك بها بعدما غادرت المقهى تمامًا حيث قبض على ذراعها يرغمها على الوقوف هاتفًا بضجر حقيقي:
_ استني هنا.. يعني إيه اتجوزتي!!!!
قالت بغضب وهي تحاول نزع يدها من قبضته:
_ سيب إيدي ياعمر. وامشي احسلك من هنا لإن كرم جاي ولو شافك مش هيحصل طيب أبدًا.
وما هي إلا لحظة وبالفعل توقفت سيارته بالخلف وترجل كرم منها ليقف للحظات معدودة يحملق بعمر وهو يمسك بذراعها بعنف ويرغمها على الوقوف معه. فتطاير الشر من عيناه وبدأ يظهر عن حقيقته المتوحشة التي شهدتها منذ أيام عندما اختطفت...
رواية ضروب العشق الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندى محمود توفيق
توقفت سيارته بالخلف وترجل كرم منها ليقف للحظات معدودة يحملق بعمر وهو يمسك بذراع شفق بعنف ويرغمها على الوقوف معه. تطاير الشر من عينيه وبدأ يظهر عن حقيقته المتوحشة التي شهدتها منذ أيام عندما اختطفت. رأته يندفع نحوه كالوحش الثائر ودفعه بعيدًا عنها هاتفًا بنظرة مرعبة:
_ شكلك محرمتش من المرة اللي فاتت!
وإثر ذلك، أعطاه كرم لكمة كادت أن تطيح به أرضًا. ليستشيط عمر غضبًا وغيظًا ويندفع إليه يعيد له اللكمة بقوة. كانت شفق تقف تحدق بهم وهي منذهلة ومرتعدة، لا تدري كيف تتصرف أو ماذا تفعل لتنهي ما يحدث. ولكن حين رأت كرم أصبح كبركان انفجر وأطاح بعمر إلى الأرض وهم بأن يكمل ويبرحه ضربًا أكثر، فهرولت ووقفت أمامه تمسك بذراعيه هاتفة برجاء:
_ كرم خلاص ابوس إيدك.. يلا بينا احنا في الشارع مينفعش اللي بتعمله ده.
رفع سبابته يصيح منذرًا إياه بأعين شرانية:
_ لو شفتك بس بتقرب منها تاني.. هشرب من دمك وهندمك على اليوم اللي شفتني فيه.
كانت شفق تحاول أن تجعله يتحرك ويرحلوا بتوسلاتها. وأخيرًا وجدته يقبض على يدها ويسحبها معه ناحية السيارة ثم فتح الباب وقال بلهجة صارمة:
_ اركبي.
حدقته بنظرة مرتبكة واستقلت بالسيارة دون أدنى اعتراض. ليلتف هو من الجهة الأخرى ويستقل بمقعده المخصص للقيادة وينطلق عائدًا إلى المنزل. أخذت تختطف إليه النظرات بارتعاد من ملامحه المريبة وغضبه العارم. وعندما وجدته يحول رأسه ناحيتها أشاحت بوجهها فورًا للجهة الأخرى في خوف. وأصابتها نفضة بسيطة حين سمعت نبرته المستاءة وهو يهتف بحدة:
_ والقذر ده عرف إزاي إنك هناك؟
خرج صوتها متلقلقًا ومضطربًا:
_ مـ..معرفش أنا لقيته مرة وحدة طلع قدامي بعد ما نهلة مشيت وأنا كنت قاعدة مستنياك جوا في مكاني لغاية ما توصل. ولما لقيته قعد قدامي وفضل يتكلم وبيحاول يعتذر مني طلعت وسبته وهو طلع ورايا.
أتاها صوته المرتفع وهو يصيح بها لأول مرة منفعلًا:
_ وإنتي تتكلمي معاه ليه أساسًا؟ وازاي تسمحيله يمسكك بالشكل ده!
رمقته مندهشة من طريقته القاسية وصياحه. وسرعان ما امتلأت عيناها بالدموع وابعدت نظرها عنه هامسة بصوت مبحوح:
_ أنا آسفة ياكرم!
_ لا مفيش حاجة اسمها آسفة.. كان المفروض تسيبه وتطلعي ترني عليا. مش تقعدي تتكلمي معاه!
عادت له بعيناها الدامعة مجددًا وقالت في اندفاع وضيق من عصبيته:
_ متــكــلــمـتـش معاه.. هو يدوب اللي قاله إنه اعتذر مني وكان بيحاول يخليني اسامحه وارجعله فقولتله إني اتجوزت وسبته ومشيت.
_ امممم ترجعيله!
قالها وهو يبتسم ساخرًا ويغلي من الغيظ. أطالت هي النظر إليه ببعض الصدمة، تنتظر منه أن يعتذر عن حدته معها ويعود لطبيعته الحانية واللطيفة. ولكنها لم ترى سوى رجل غاضب وقاسي، حتى أنه لم ينظر لها ليرى حالتها ودموعها. فضحكت بصمت واستنكار ثم أشاحت بوجهها تمامًا عنه تجفف دموعها وهي تتوعد له حين يعودوا للمنزل.
وماهي إلى دقائق قليلة حتى توقفت السيارة أمام المنزل ففتحت هي الباب واندفعت نحو الباب مسرعة. وبحثت بحقيبتها عن المفاتيح ولكن من الواضح أنها نسيتها. فاضطرت لانتظاره حتى أتى وأخرج المفاتيح وشرع في فتح الباب وهو يحدق بوجهها المستاء والحزين ليتنهد مغلوبًا على أمره حين أدرك الآن فداحة الخطأ الذي ارتكبه للتو معها وهو في لحظات الغضب. وبمجرد ما فتح الباب أسرعت باتجاه الغرفة غير مبالية له وهو يهتف:
_ استني.. شــــفــــق!
أغلق باب المنزل ولحق بها مهرولًا وقبل أن يدخل أغلقت الباب في وجهه بالمفتاح فطرق عليه متمتمًا:
_ شفق افتحي الباب!
أتاه صوتها المرتفع والباكي:
_ لا.. مش هفتح ياكرم.
مسح على وجهه متأففًا من حماقته وفعلته الغبية معها. ثم عاد يهتف بنبرة حانية أخيرًا عادت لطبيعتها وهو يعتذر بأسف حقيقي:
_ أنا آسف.. أنا عارف نفسي غبي والله بس للأسف لما بتعصب مش ببقى عارف أنا بقول إيه ولا بعمل إيه. افتحي بقى ياشفق يلا.
صاحت بإصرار أشد:
_ قولتلك مش هفتح. إنت بتزعقلي كأني أنا اللي قولتله ياجي ويشوفني ويتكلم معايا. أنا إيه ذنبي.. ده واحد ولقيته مرة واحدة قعد قدامي. المفروض يعني اقوم اجري مثلًا!
سمعت صوته الدافئ والمتوسل:
_ طيب افتحي وأنا هصالحك.
_ مش عايزاك تصالحني ياكرم. أنا عايزة افضل وحدي لو سمحت.. ممكن تسبني وتمشي بقى!
زفر بعدم حيلة ويأس ثم استدار وذهب للخارج يجلس على الأريكة الكبيرة المتوسطة في الصالة أمام التلفاز. ودفن وجهه بين راحت كفه. أما هي فألقت بجسدها على الفراش وانخرطت في نوبة بكاء قوية.
بمدينة الرياض عاصمة المملكة العربية السعودية.
وقفت السيارة في منطقة راقية وهادئة ثم ترجلت منها هي أولًا ومن الباب الآخر ترجل هو ودفع الأجرة للسائق. ثم أخرج حقائبهم وجرها خلفه حتى الباب. وكانت هي تتجول بنظرها في كل مكان وتحدق بالباب الخشبي الجميل. حتى وجدته يخرج المفاتيح ويضعها في القفل لينفتح ويدخل هو أولًا ومن ثم تبعته. وبمجرد ما وقع نظرها على المنزل الريفي والعصري من اللون البني. وأمامه حوض سباحة كبير وحوله حشائش خضراء قصيرة مع طاولة دائرية وحولها أريكة متوسطة الحجم. كان منزل صغير جدًا يكفي لشخصين أو عروسين اتوا لقضاء عطلة رومانسية.
ظلت تحدق به بانبهار حقيقي وسعادة بالغة حتى نظرت له وقالت بفرحة:
_ هو ده المكان يازين؟
أومأ لها برأسه في ابتسامة عريضة ثم تحرك أمامها هاتفًا بغمزة ماكرة:
_ تعالي اتفرجي عليه من جوا كمان هيعجبك أكتر.
لم تركز كثيرًا على نظرته ورفعت النقاب عن وجهها وأخذت تتلفت حولها بإعجاب شديد وهي تسير خلفه حتى رأته يفتح الباب الزجاجي الجرار ويدخل لداخل المنزل وأسند الحقائب بجانب الباب. واستدار لها نصف استدارة ومد يده فشبكت كفها بكفه وسارت معه تتجول في أرجاء المنزل الخشبي. لم يكن هناك سوى حمام ومطبخ خارجي صغير جدًا وغرفة نوم رائعة. وعندما وصلا لغرفة النوم وتفحصتها بإعجاب هاتفة برقة:
_ الله جميلة جدًا.. والبيت كله جمييييل أوي يجد يازين. وجو الكيوخ والبيوت الريفية دي بحبه جدًا على فكرة. بس ده مفيش غير اوضة وحمام. والمطبخ موجود برا في الصالة كمان!
حاوطها من كتفيها بذراعه متمتمًا بحب:
_ وإنتي عاوزة إيه أكتر من كدا! كفاية علينا الأوضة هو في حد غيرنا أساسًا.
أومأت له بتفهم وابتسامة خجلة ثم تحركت ناحية النافذة الخشبية أيضًا المطلة على المسبح الخارجي فشعرت به يقف خلفها مباشرة ملتصقًا بها وهو يهمس بنبرة لمست اللؤم فيها:
_ وأهو حمام سباحة جوا البيت عشان تعومي براحتك ولو عايزة تنزلي بمايوه كمان عادي.
التفتت له برأسها وغمغمت بتعجب واستحياء:
_ مايوه!
_ آه مايوه. طالما مفيش غيري يبقى البسي اللي تحبيه.
هزت رأسها بالإيجاب وابتعدت عنه ببطء وهي تهمس بارتباك وخجل ملحوظ:
_ اممم طيب أنا هروح اغير هدومي في الحمام واخد دش.
وفي ظرف لحظة فرت هاربة من أمامه فعاد ينظر للخارج من النافذة وهو يبتسم بعاطفة. يؤمن بأن هذا المنزل سيشهد بداية الحكاية التي لم تبدأ بعد!
بمساء اليوم.
لا تزال في غرفتها منذ الصباح لم تخرج ولم تعرف هل ذهب للعمل مجددًا أم لا. ولا تشعر بشيء سوى اليأس. تفسر تصرفه بالصباح بالسأم منها! أجل لوهلة داهمها شعور بأنه سأم منها ومن تحمله لأمرها دائمًا وحمايتها. قد يكون انفعل عليها لأنه مل وليس الخوف هو السبب الرئيسي!
كانت كلها أفكار تدور في ذهنها وأقنعتها مع الأسف أن إنهاء هذه المهزلة ستكون خيرًا لها. وأدركت للتو بأنها أخطأت حين وافقت على الزواج وهي تعرف سبب زواجه منها وأنه لا يحبها. وكالحمقاء أقنعت نفسها بأنها ستتمكن من اعتلاء عرش قلبه. وفي النهاية فهمت بأنها لن تستطيع مهما فعلت. ستظل دائمًا في عينه. شفق الأمانة التي تركها صديقي لي. وسيظل حبه لها الأشبه بحب الأشقاء الممزوج بالشفقة على حالتها ووحدتها!
كل هذا جعلها تصمم على قرار واحد وهو الطلاق والخروج من دوامة العشق المميتة!
وأخيرًا عاد. رأته يدخل ويغلق الباب خلفه ثم نزع سترته عنه واقترب منها بخطوات مترددة. لا يعرف ماذا يقول وكيف يعتذر لها وهو مخطئ من أول حرف لآخر حرف. وجدته يجلس بجوارها فحركت رأسها للناحية الأخرى تتفادى النظر إليه عمدًا لتسمعه يتنهد بعمق ويهمس:
_ بصيلي ياشفق!
تجاهلته وظلت على وضعها رافضة النظر له فوجدته يمسك بكفها ويرفعه لشفتيه مقبلًا ظاهره وهو يعتذر بندم:
_ أنا آسف.
نظرت له بطرف عيناها وكانت على وشك أن تضعف أمام نظراته وحنانه وترتمي بين ذراعيه ولكن تحكمت بمشاعرها وسحبت يدها هاتفة بجفاء لا يليق بها إطلاقًا:
_ كرم أنا شايفة إنه كفاية لغاية كدا.. إنت السبب اللي اتجوزتني عشانه خلاص مبقاش موجود وأنا بقيت في أمان ولو على عمر اطمن هو مستحيل يأذيني أنا واثقة من ده. بس إنت مش مضطر تضحي أكتر من كدا. ومش مضطر تكمل معايا وإنت مش بتحبني وتمثل عليا إنك بتحبني. أنا عارفة إنك مش هتقدر تنسي مراتك فبرأيي كفاية والأفضل نتطلق. إنت شيلت همي كتير أوي وحملتك هم مشاكلي وحمايتي من وقت وفاة سيف الله يرحمه و......
قاطعها وهو يهتف بابتسامة ساخرة وغير مصدقة:
_ شفق في إيه! ماهو مش معقول عشان اتصرفت معاكي بانفعال خارج عن إرادتي لأول مرة تطلبي الطلاق!
قالت بهدوء تام وثبات مزيف:
_ لا مش هو ده السبب أكيد.. بس أنا عارفة زي ما قولتلك إنك لا هتقدر تنسي مراتك ولا تحبني. كل مافي الموضوع إنك حاسس بالشفقة تجاهي ومش هاين عليك تسبني وحدي.
مسح على وجهه متأففًا ثم نظر له ورسم ابتسامته بصعوبة وهو يجيبها بصدق ولطف:
_ ومين قالك إني مبحبكيش!
أنا أكيد مش محتاج أشرحلك غلاوتك عندي إزاي، وإنتي عارفة ده كويس أوي.
قالت بصوت مبحوح يغلبه البكاء وبه شيء من العصبية:
_ لا مش عارفة ومش عايزة أعرف! أنا تعبت ومبقتش قادرة استحمل. طلقني يا كريم ابوس إيدك وريحني.
مد يده ومسح على شعرها بحنو، مغمغمًا برفض هادئ ونظرات دافئة بها بعض الألم:
_ بس أنا مش عايز أطلقك. تعرفي إني بدأت أتعود عليكي ومش حابب ننهي اللي بينا حتى لو كان مجرد زواج ليه أسبابه زي ما بتقولي. أنا مش هقدر أغصبك على حاجة إنتي مش عايزاها أكيد، بس هطلب منك فرصة تانية، لإني حابب أدي لعلاقتنا فرصة تاني. وصدقيني لو منجحتش الفرصة دي وإنتي فضلتِ حابة ننفصل مش هقولك لأ ساعتها.
انسابت دموعها على وجنتيها بحرارة، تطالعه بنظرات العشق كعادتها، ولكنها كانت هذه المرة مختلفة. بها شيء من السعادة لأنه رفض التخلي عنها وأبدى عن رغبته في نجاح علاقتهم ليكونوا زوجان حقًا. طال صمتها، فسمعته يكمل مبتسمًا بترقب:
_ ها، قولتي إيه؟
هزت رأسها بالموافقة هامسة:
_ ماشي، موافقة.
ثم هبت واقفة وأشارت إلى الحمام بيدها دون أن تتكلم، ووجنتاها تعطي لون الطماطم. لتراه يوميء برأسه لها مبتسمًا بسحرية، فتندفع ناحية الحمام مسرعة. أما هو، فعبس وجهه من جديد وهو يعيد في عقله رغبتها في الطلاق. لم يقل لها حين قالت له بأنها تخشى خسارته كما خسرت عائلتها، أنه هو الذي يخشى من هذا وليس هي. فكلما يعتاد على أحد يخسره، ولا يخسر سوى الأشخاص الذين يحبهم. لم ينسى زوجته حين كانت في بداية خطبتهم تقول له أنه لا يحبها من فرط تحفظه وخجله وتوتره الذي يمنعه عن أي شيء ويضع الفواصل بينهم، والتي كادت أن تنهي علاقتهم كما يحدث الآن معه.
ما زال لا يعرف حقيقة مشاعره تجاه تلك الشفق، ولكنه يعرف شيئًا واحدًا فقط، وهو أنه لا يريد تركها، وسينبغي عليه في الفترة القادمة أن يتخلى عن كل ما قد يعوق بينهم. فهو ليس مستعدًا بعد لكي يشهد خسارة جديدة.
***
وصل علاء إلى المنزل بعد يوم طويل وشاق من العمل، ثم قاد خطواته نحو غرفته وفتح الباب ليتسمر بأرضه وكأن صاعقة برق أصابته. حين رآها فاقدة الوعي على الأرض وبيدها زجاجة أقراص دواء. فهرول ناحيتها وجثى أمامها يمسك برأسها ويهزها هاتفًا بهلع:
_ ميار.. ميار.
أمسك بزجاجة الأقراص فوجدها فارغة تمامًا. هل ابتلعت كل هذه الأقراص المجنونة؟ التفت برأسه ناحية الباب وصاح بأعلى صوت:
_ بابا!
جاء طاهر مسرعًا على أثر صياحه، وحين رآه يمسك بها وهي بين ذراعيه في الأرض وينظر لها بزعر، فهتف أبيه بغضب وهو يجثو بجواره:
_ عملتلها إيه يا علاء؟ ميار ردي عليا يا بنتي.
قال بصوت مضطرب ووجه مرتعد:
_ معملتلهاش حاجة والله. أنا لسه جاي من برا، دخلت لقيتها كدة. شربت البرشام كله المجنونة.
فغر طاهر عيناه بذهول ووثب فورًا واقفًا بعدما رأى الزجاجة، وقال بخوف شديد:
_ طيب قوم لبسها أي حاجة بسرعة، وأنا هستناك في العربية برا، خلينا نروح بيها على المستشفى نلحقها.
ثم انصرف مغادرًا شبه راكضًا ليصطدم بزوجته التي كانت في طريقها إليهم بعدما سمعت صياح ابنها. ولم تتمكن من إيقاف زوجها وسؤاله، فأكملت طريقها نحو غرفة ابنها.
حملها علاء ووضعها على الفراش، ثم اتجه إلى خزانتها وأخرج شيئًا أشبه بفستان، ثم عاد لها وألبسها إياه بأيدي مرتعشة من الفزع. ومن ثم التقط الحجاب ولفه على شعرها بعشوائية، لتدخل أمه وتهتف شاهقة بصدمة:
_ فيه إيه يا علاء؟
رأته يحملها على ذراعيه ويهتف على عجالة وهو يغادر بها مسرعًا:
_ حاولت تنتحر وشربت علبة البرشام كلها.
***
داخل منزل حسن العميري.
نسائم الهواء تحمل معها بعض البرودة، وهو يمسك بكوب قهوة دافئ يرتشف منه بتأني شديد، وعيناه معلقة على السماء يتأملها بشرود. بات يشعر وكأن المنزل ينقصه وجودها. أصبح هادئًا وفارغًا منذ ذهابها. وفي كل يوم يشعر بنمو نقطة الشوق الصغيرة التي في قلبه. وبالرغم من كل هذا، يرفض الاستسلام للحقيقة التي تخطت حاجز الندم وأصبحت اشتياق وفراغ يلاحقه في أيامه المملة بدونها.
ابتسم بتلقائية حين راوده إحساس بشوقه لشجاراتهم التي لم تنتهي منذ أول يوم زواج لهم. استوحش شراستها معه وقوتها وهي تصرخ به دون أدنى خوف.
هب واقفًا وتحرك باتجاه غرفتها المغلقة منذ ذهابها. فتح الباب بهدوء ودخل، ثم أضاء المصباح وألقى نظرة دائرية على الغرفة يتفحصها بإمعان كأنه يراها للوهلة الأولى. أصدر تنهيدة حارة بأسى، ثم اقترب من الفراش وجلس عليه مهمومًا. ليقع نظره على الصورة الموضوعة في برواز للصور على المنضدة. فالتقطها وأخذ يحدق بها بحزن. كانت صورة لها تجمعها معه من زواج "زين". يتذكر جيدًا ذلك اليوم حين أصرت عليه أن يأخذوا صورة لهم، ورغم رفضه وخنقه في البداية منها، إلا أنه ذعن لرغبتها في النهاية مجبرًا لكي يتخلص من إلحاحها المستفز بالنسبة له حينها. والآن، هي لم تترك شيئًا سوى هذه الصورة. أخذت كل شيء يخصها عندما غادرت وتركتها لأنه يشاركها إياها. هل حقًا توقفت عن حبه، أم تمثل أمامه الكره؟ تارة يشعر بأنها تكذب وتارة العكس. ولكن الشيء الوحيد المتيقن منه هو أنه بات لا يطيق ألم تعذيب ضميره وندمه واشتياقه لها الذي يزيد يومًا بيوم.
فأخرج هاتفه دون تردد هذه المرة وأجرى اتصالًا بها. ظل ينتظر ردها حتى أتاه الرد منها مرتعدًا وشبه باكيًا:
_ الو. مين؟
لم يعقب على عدم معرفتها لرقمة وهتف بقلق:
_ أنا حسن يا يسر. صوتك ماله؟
انهمرت دموعها وقالت بصوت مبحوح:
_ أنا في المستشفى يا حسن. ميار حاولت تنتحر وبابا تعب كمان دلوقتي.
استقام واقفًا بفزع وهتف:
_ إنتوا في مستشفى إيه؟
***
كان زين يجلس بالخارج على الأريكة ويباشر بعض أعماله على حاسوبه النقال الموضوع فوق الطاولة الصغيرة. فرآها تخرج من المنزل وتتحرك ناحيته وهي تحمل على يدها صحن به طعام لا يعرف نوعه. ولكن لم يكن هذا المهم، بل ملابسها هي الأهم، وكأنها نفذت ما قاله بالحرف حول ارتدائها ما تحب طالما لا يوجد غيره. كانت ترتدي منامة قطنية لطيفة تصل إلى ركبتيها وبحمالات عريضة قليلًا مع فتحة صدر واسعة بعض الشيء، ولكن لا تظهر نهديها. ظل نظره معلقًا عليها بانبهار وعيناه تتفحصها بتدقيق لآخر قدمها. وأخيرًا وصلت له وجلست بجواره، ثم غرست الشوكة في قطعة الكعك المتوسطة الموجودة في الصحن الذي بيدها ومدتها لفمه هاتفة برقة:
_ دوقها، أنا عاملاها.
قرب شفتيه من الشوكة وأكلها وهو لا يرفع نظره عنها، ليسمعها تهمس بحماس:
_ حلوة؟
أماء برأسه وغمغم مبتسمًا بعاطفة:
_ أكيد حلوة، تسلم إيدك.
ثم أكمل بنظرة ثاقبة وابتسامته لا تزال تزين ثغره:
_ اقفي كدا!
طالعته باستغراب لبرهة، ثم هبت واقفة كما طلب. فرأت عيناه تنظر لها بنظرات لأول مرة تراها، ثم وجدته يرفع سبابته ويلفها بحركة دائرية قائلًا:
_ لفي.
مصمصت شفتيها بارتباك وخجل مردفة بحيرة:
_ ليه؟
_ اسمعي الكلام بس يلا.
أخذت نفسًا عميقًا وسيطرت على توترها بصعوبة لتدور حول نفسها بحركة دائرية سريعة بعض الشيء. وحين توقفت واستقرت عيناها عليه، رأته يبتسم بغرام ويغمغم بخفوت رائع:
_ بسم الله ما شاء الله. تعرفي إنك جميلة أوي وكل يوم بتبهريني بجمالك أكتر.
أطرقت رأسها أرضًا وهي تبتسم بخجل وتفرك في يديها من الارتباك، لتتسع ابتسامته على شفتيه ويشير لها بيده أن تنضم له هاتفًا بضحكة بسيطة:
_ تعالي، تعالي.
فعلت دون تردد وجلست بجواره، ليلف هو ذراعه حولها ويضمها لصدره ويده تملس على شعرها وذراعها بحنو. مما كان يزيد من توترها، ولكنها قررت أن تذيب الحدود وتكون هذه البداية. وبعد تفكير عميق واستحياء دام لدقائق، همست وهي بين ذراعيه:
_ زينو.
نظر لها بدهشة بسيطة من الاسم الذي نطقته للتو، وضحك ببساطة متمتمًا:
_ زينو! أول مرة تقوليلي الاسم ده. بس ما علينا. نعم يا ملاذ؟
استجمعت كل الثقة والشجاعة الكامنة في نفسها لتنظر له بثبات وتهتف بخفوت يحمل بداخلة كل أشكال العشق والرقة:
_ بحبك أوي.
لجمه الذهول للحظات طويلة بعض الشيء وهو يحدق بها بعدم استيعاب لما سمعته أذنيه للتو. ثم بدأت تعود الابتسامة لشفتيه تدريجيًا وهو يجيبها بأعين تلمع بوميض السعادة:
_ قوليها كمان مرة!
انطلقت على شفتيها ابتسامة خجلة وهمست بدلال غير مقصود:
_ بحــــــــبك.
رأت عيناه تضحك قبل شفتيه، وفي ظرف لحظة وجدته يغار عليها ويمطرها بوابل من قبلاته على وجنتها وجبهتها هامسًا:
_ وأنا والله بعشقك يا قلب وروح زينو!
ابتعد عنها وأطال النظر في ملامحها بأعين عاشقة ودافئة، ثم اقترب ناحية ثغرها، فتوترت هي بشدة واضطربت من فرط خجلها. لتبتعد وتمسك بصحن الكيك وهي تثب واقفة قائلة بتلعثم:
_ ااا.. أنا هـ.. هروح أحط الكيكة في التلاجة عشان نسيتها برا.
وفي ظرف لحظة فرت من أمامه كالسهم، وما إن خلت بنفسها داخل المنزل بعيدًا عن أنظاره، أخذت تضحك بعدم تصديق أنها قالتها وأنه أخيرًا اعترف لها أنه يحبها. كانت تشعر بنفسها تحلق في السماء من شدة سعادتها. أما هو، فكان حاله لا يختلف عنها كثيرًا. أخيرًا ذاب الثلج بينهم وأفصحت عن عشقها له. كان يود كثيرًا أن يكمل الليلة معها كما ينبغي لتكون أول لياليهما معًا، ولكن خجلها وتوترها سيضطره للتريث قليلًا في ذلك الأمر.
***
وصل حسن للطابق الموجود فيه غرفة عمه، فرآها تقف بجانب باب الغرفة دافنة وجهها بين ثنايا كفها. اقترب منها وأبعد يدها عن وجهها هاتفًا بخوف:
_ يسر، طمنيني عمي كويس.
أماءت له بوجه عابس وأعين دامعة:
_ كويس الحمد لله، ماما قاعدة معاه جوه. وميار عملوا لها غسيل معدة ولسه ما فاقتش.
_ هي عملت إيه في نفسها المجنونة دي؟
علاء وبابا لقوها شربت علبة البرشام كلها والدكتور قال لو كنتوا اتأخرتوا شوية كمان مكنوش هيقدروا يلحقوها.
وعلاء طلع دلوقتي تقريبًا راح يجيب حاجة وجاي تاني.
***
أجفلت عيناها عنه وبدأت تذرف الدموع في صمت.
وخرج صوتها يغلب عليه البكاء:
_ خوفت أوي على بابا لما تعب.
لم يمهل نفسه اللحظات لكي يفكر كما اعتاد، بل ضمها لصدره وملس على ظهرها بحنو صعودًا ونزولًا هامسًا بخفوت:
_ الحمدلله إنه بقى كويس، متزعليش نفسك كفاية.
أغمضت عيناه تستنشق رائحته وهي بين ذراعيه. عطره الرجولي المميز يستحيل أن تنساه. وحرارة صدره اشتاقت لها بشدة. بل بالأحرى هي اشتاقت لكل شيء فيه بدرجة لا يتخيلها. وتعاني الألم وهي تتصنع أمامه القوة والقسوة. والآن هي لا تريد الابتعاد عنه، ولكن عقلها رفض استسلام قلبها الذي لا يجلب لها سوى المتاعب. وذكرها بكل شيء فعله معها بداية من ليلتهم الأولى معًا حتى إجباره لها على إجهاض طفلهم. فابتعدت عنه فورًا وقالت بجفاء وحزم:
_ أنا هدخل لبابا جوا، ومتقربش مني تاني، متنساش إنك طلقتني!
فتحت الباب ودخلت لتتركه يقف يحدق على أثرها بشرود وأعين بائسة. ولكن سرعان ما ارتفعت الابتسامة لشفتيه تدريجيًا حين تذكر كلمتها "طلقتني!".
***
داخل خلفها بعد أن طرق الباب عدة طرقات خفيفة وسمع صوت عمه وهو يسمح للطارق بالدخول.
اقترب من عمه وهتف باهتمام:
_ عامل إيه ياعمي؟
طاهر بنبرة عادية تمامًا:
_ الحمدلله يابني بقيت كويس.. أنت عرفت منين؟
خطف نظرة سريعة على يسر ثم هتف بثبات مخترعًا كذبة صغيرة حتى لا يضع نفسه في موقف قد لا يحبه عمه:
_ كلمت علاء وقالي على اللي حصل.
هز طاهر رأسه بالتفهم ثم نظر لابنته وهتف بقلق حقيقي:
_ ميار عاملة إيه يايسر؟
_ لسا مفاقتش يابابا، أنا كنت عندها دلوقتي.
كان حسن يعلق نظره عليها بسكون وأمها كانت منشغلة بالتحدث مع طاهر الذي يصر على الذهاب لابنة اخيه والاطمئنان عليها بنفسه!
***
عاد علاء للمستشفى واتجه نحو غرفة ميار فورًا عندما أخبره الطبيب بأنها استعادت وعيها.
فتح الباب ودخل ثم أغلقه خلفه وتحرك نحوها ليجذب المقعد ويجلس أمام الفراش هاتفًا بصوت هاديء:
_ ميار.
فتحت عيناها ورمقته بأعين منطفئة وكئيبة ليكمل هو بنبرة مهتمة حقًا:
_ بقيتي كويسة دلوقتي؟
اماءت له بالإيجاب، والتزم هو الصمت للحظات طويلة حتى بدأت ملامحه تأخذ الحدة والعصبية وهو يقول:
_ إيه اللي عملتيه ده!! إنتي مجنونة! ده بدل ما تكفري عن ذنبك وتطلبي من ربك العفو وتتوبي لا بتحاولي تنتحري عشان تحملي نفسك ذنب أكبر.
همهمت بمرارة وبؤس:
_ محدش طايقني ولا عايزني.. كل عيلتي بتكرهني حتى نينا بقت مش عايزاني وهي اللي كانت بتصبرني على فراق بابا وماما.
أشفق عليها لأول مرة فأخذ نفسًا عميقًا وهو يحدقها بأعين متأثرة.
ثم تمتم بخفوت لين:
_ إنتي اللي رخصتي نفسك بعملتك ياميار، واجبرتي الكل إنه ياخد منك جنب حتى جدتك. بس متخافيش هي لسا بتحبك أكيد. كل ما في الموضوع إنها هتاخد فترة لغاية ماتسامحك. وبكرا هبقى اخدك تتكلمي معاها شوية.
ابتسمت بسعادة واعتدلت في نومتها هاتفة:
_ بجد ياعلاء!
تراجعت في لحظتها وقالت بيأس:
_ لا بس هي مش هتوافق تشوفني أصلًا ولا تتكلم معايا.
_ جربي.. نفع كان بها منفعش خلاص.
امسكت بكفه تضغط عليه بلطف وتطالعه بعيون دامعة وممتنة بشدة وهمست بخفوت رقيق:
_ vielen Dank.
شكرًا جدًا.
سحب كفه بهدوء تام وهو يرسم ابتسامة صارمة بعض الشيء ثم هب واقفًا وقال بغلظة:
_ أنا هروح اطمنهم إنك فوقتي.
هزت رأسها بالموافقة وهي في أقصى درجات سعادتها ولا تتمكن من انتظار الغد حتى تذهب لزيارة جدتها ورؤيتها!!
***
مع صباح اليوم التالي......
كان كرم يرتدي ملابسه ويستعد للذهاب وهي بالمطبخ تقوم بتحضير وجبة الإفطار.
فخرج من الغرفة فور انتهائه واتجه إليها في المطبخ يقول على عجالة باختصار:
_ شفق أنا همشي معلش عشان مستعجل جدًا متعمليش حسابي معاكي.
لم تجيبه واكملت ما تفعله محاولة كتم غيظها من أنه سيتركها تفطر بمفردها.
فعقد هو حاجبيه باستغراب عندما لم يأتيه رد منها حتى ولو بإيماءة رأس خفيفة.
اقترب منها ووقف بجوارها متمتمًا:
_ شفق أنا بكلمك إنتي سمـ....
توقف عن الكلام حين رأى دموعها تملأ وجهها فمد يده وامسك بذقنها يدير وجهها ناحيته هامسًا بريبة:
_ بتعيطي!! إنتي لسا زعلانة مني؟
أجفلت عيناها أرضًا وانهمرت دموعها بقوة أشد.
فجذبها فورًا لأحضانه هامسًا بلطف ورجاء جميل:
_ متعيطيش ياشفق ابوس إيدك.. إنتي عارفة إني مبقدرش ازعلك، حقك عليا وعد مش هيتكرر تاني.
انخرطت في نوبة بكاء قوية وهي تهتف من بين بكائها:
_ مش زعلانة.
لم يتمكن من حجب ضحكته حيث أجابها ضاحكًا بمشاكسة:
_ إنتي كدا مش زعلانة! أمال لو كنتي زعلانة كان هيحصل إيه!!!
استمرت في بكائها فأبعد رأسها فقط عن صدره وبيده مسك ذقنها يرفع وجهها لأعلى لكي يراها بوضوح.
وباليد الأخرى مد أناملها وجفف دموعها.
وأطال النظر في وجهها مبتسمًا بساحرية ولم يجد صعوبة في فعل خطوته القادمة.
فهو لم يعد يخجل ويتوتر منها كالسابق.
انحنى برأسه ناحيتها وطبع قبلة بجانب ثغرها هامسًا بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
_ أنا آسف.
ثم ارتفع بشفتيه لجبهتها يكمل همسه وهي ذائبة تمامًا بين ذراعيه وهمساته وقبلاته:
_ وكمان مرة تاني، أنا آسف.
تحولت إلى قطعة طماطم وتوردت وجنتيها بشدة.
وسرت قشعريرة في جسدها الذي شعرت بحرارته ودقات قلبها تطرق بعنف.
وكعادتها تحاول اخفاء خجلها بأي شيء حيث دفنت وجهها في كتفه هامسة بتمرد ونبرة عابثة:
_ إنت وحش على فكرة.
ابتسم لها وتمتم بمكر:
_ آه ما أنا عارف.
استكمل برقة تليق بصوته الرجولي:
_ لسا زعلانة؟
هزت رأسها بالنفي عدة مرات متتالية تدل على فرط توترها وخوفها من أن تجيبه بنعم فيعود ويقبلها.
ليبعدها هو عنه بلطف ويقول بحنو:
_ طيب أنا اتأخرت همشي واستنيني على الغدا عشان هنتغدى مع بعض.
_ طيب.
اقترب منها وطبع قبلة أخرى وسريعة على شعرها ثم استدار وابتعد عنها ليأتيه صوتها وهي تصيح برقة:
_ متتأخرش ياكرم.
فتح الباب وقال قبل أن يغادر:
_ حاضر.
***
داخل شركة العمايري......
كانت يسر تقف أمام النافذة تتابع حركة المارة والسيارات بشرود في أشياء كثيرة في مقدمتهم وضعها الحالي الذي لا يبشر بخير أبدًا.
استمعت لرنين هاتفها المرتفع فعادت لمكتبها والتقطته لتجيب بنبرة عادية:
_ أيوة ياريم.
_ عاملة إيه يايسر.. واخبار عمي طاهر إيه وبنت عمك؟
_ الحمدلله كويسين ياريم متقلقيش. بابا بقى زي الفل الحمدلله وحتى ميار بخير. شكرًا على وقفتك معانا في المستشفى امبارح.
اجابتها معاتبة إياها بضيق:
_ اخص عليكي يايسر. هو من إمتى في بينا شكر ده احنا اخوات. وعمي طاهر زي بابا بالظبط والله بنسبالي وإنتي عارفة ده.
هزت رأسها بإيجاب وابتسامة عذبة هامسة:
_ عارفة عارفة.
_ إنتي قاعدة في الشركة؟
سمعت ريم تمتمها بـ "امممم" لتستكمل بترقب للإجابة:
_ لسا بيحاول يتقرب منك؟
ظهر السخط على ملامحها وقالت بقسوة ونبرة لا تحمل المزح:
_ يحاول براحته. أنا مبقيش يهمني أساسًا ولو السما اطبقت على الأرض مستحيل ارجعله. كفاية أوي اللي عيشته معاه أنا محتاجة ابص لحياتي ولنفسي بقى.
_ بظبط هو ده الصح. لأنه مكنش يستاهل ضفرك ومازال ميستهلكيش.. بس مش كان غلط اللي عملتيه امبارح؟
زفرت بخنق وقالت مستاءة:
_ بالله عليكي ماتفكريني ياريم أنا كل ما افتكر اتعصب. أنا أساسًا غبية. ارد عليه ليه واقوله.
عادت تكمل بعد ثواني قليلة بشيء من الحزن والحيرة:
_ أنا مش هينفع اقعد هنا اكتر من كدا ياريم. لو فضلت قاعدة هيتكشف الموضوع وأنا بدأت اتعب وبدأوا يلاحظوا في البيت.
_ طيب هتعملي إيه؟
_ مش عارفة. بس راسل راجع امريكا بعد يومين بفكر اروح معاه واشتغل هناك في شركة بابا وهحاول اقنعهم وهقعد في شقة لوحدي.
قالت ريم بحزم ورزانة:
_ مينفعش تقعدي وحدك يايسر. اقعدي مع خالتك وراسل ونبهي عليها متقولش حاجة لحد وراسل اكيد مش هيتكلم.
يسر باندفاع:
_ إنتي بتقولي إيه ياريم. خالتو مستحيل توافق على اللي بعمله وهتقولهم كلهم واولهم هو. سيبك دلوقتي انا لما اسافر هتصرف واشوف حل.
تمام سلام وبلاش تتصرفي تاني بتهور زي امبارح هاا
ابتسمت وقالت بخفوت:
حاضر اطمني
ثم انهت معها الاتصال وجلست على مقعد مكتبها لتبدأ في أعمالها، ولكن جذب انتباهها الملف الخاص به، وأنه من اللازم أن يضع امضته عليه حتى يكتمل.
فتأففت بنفاذ صبر وضجر، ثم جذبته وغادرت مكتبها باتجاه مكتبه هو.
وكانت ستعطي الملف لمساعدته حتى تعطيه هي له، ولكنها لم تجدها.
لتضرب بقدمها الأرض مغتاظة على ذلك الحظ اللي يجبرها على الوقوع في طريقه دومًا ولا تستطيع تجنبه.
اتجهت نحو الباب واستنشقت هواء قوي تستعد لمقابلته بطريقة قاسية وصارمة وليس كالأمس.
فتحت الباب بهدوء وادخلت رأسها أولًا، لتنطلق ابتسامة واسعة وفرحة على شفتيه حين لم تجده أيضًا.
فدخلت فورًا واتجهت لمكتبه لتضع الملف على سطحه وتستدير لتسرع وتغادر قبل أن يأتي، ولكنها لم تتمكن من الهروب.
حيث بمجرد ما أن استدارت بجسدها ناحية الباب رأته أمامها مباشرة وهو يسألها:
بتعملي إيه؟
قوست معالم وجهها للصرامة وقالت بإيجاز وهي تهم بالرحيل:
الملف على المكتب محتاج امضتك. امضي عليه وابعته مع ميرنا.. مع ميرنا هااا
ثم ابتعدت من أمامه.
وقبل أن تغادر وجدته يقبض على ذراعها ويغلق الباب هاتفيًا وهو يتفحص ملابسها.
فهي ترتدي نفس الرداء الذي لديه فتحة صدر واسعة ونبه عليها سابقًا بأن لا ترتديه مجددًا، وأيضًا ضيق قليلًا.
حاولت هي التملص من قبضته وهي تصيح باستياء:
سيب إيدي في إيه؟
قال بصوت رجولي خشن ونظرات مريبة ومخيفة بعض الشيء:
أنا مش قولتلك قبل كدا متلبسيش البتاع ده تاني.
يسرا بانفعال وصوت مرتفع:
وإنت مالك البس اللي أنا عايزاه. حاجة متخصكش.
تمكن منه غضبه أكثر حيث أصبحت نبرته أكثر حدة وغلظة وهو يجيبها:
يخصني ونص كمان. آخر مرة اشوفك لابساه تاني يايسر وإلا مش هيحصل كويس.
ضحكت ساخرة وقالت بعند ونظرة شرسة:
قولتلك ملكش دعوة! وبالعند فيك هلبسه كل يوم واعلى مافي خيلك اركبه. سيب إيدي ياحسن.
قالت آخر جملها
رواية ضروب العشق الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندى محمود توفيق
رافق الطبيب حتى الباب وشكره بامتنان.
استمع إلى تنبيهاته الصارمة تجاه بعض الأشياء حتى لا تتعب مجددًا. كان يعطيه نصائح خاصة يتبعها إذا شعر بأي تعب. فأجابه كرم بالموافقة.
وبعد رحيله، وقف خلف الباب وهو يزفر القليل من الفزع الذي ترك في نفسه أثره حتى بعد أن طمأنه الطبيب عليها.
فلقد عاد للمنزل بعد أن أجرت اتصالًا به ووجدها فاقدة الوعي على الأرض وحرارتها مرتفعة لدرجة أنه لم يستطع لمسها. فزعر وازداد خوفه وتوتره وحاول أن يوقظها ولكن دون فائدة. فحملها ووضعها على الفراش وألبسها شيئًا مناسبًا ووضع حجابها على شعرها قبل أن يأتي الطبيب.
فحصها وأخبره بأنها تعرضت لحمى شديدة جدًا. ووضع لها محلولًا طبيًا وطلب منه أن يجهز لها طعامًا حتى تأكل وتأخذ الدواء عندما تستيقظ. وهدأ من روعه بأنها ستكون بخير بعد أخذ جرعة المحلول والدواء.
عاد للغرفة وأغلق الباب خلفه ليقترب ويجلس على الفراش بجوارها يتأمل ملامح وجهها المتعبة وشفتيها وخديها التي تركت الحرارة المرتفعة آثارها عليهما فأعطتهم لونًا أحمر فاتح.
مد يده يتحسس جبهتها ووجنتها فأصدر تنهيدة حارة بارتياح حين وجد حرارتها هدأت قليلًا. نزع عنها الحجاب بحرص شديد وأخذ يملس على شعرها بحنو وهو يطالعها مبتسمًا.
ثم انحنى إليها وطبع قبلة حانية على جبهتها وهم بأن ينهض ليجهز لها طعامها حتى تأخذ دوائها ولكنه وجدها تنقلب على جنبها ناحيته وهي مازالت نائمة وتهلوس نتيجة لحرارتها المرتفعة.
فسمعها تهمهم بصوت يكاد لا يسمع:
"ليه سبتوني وحدي؟ حتى كرم مبيحبنيش."
"بحبه أوي."
استمع لآخر كلماتها وعبست ملامح وجهه بالأخص بعدما سمعها تكمل. تنهد الصعداء فهو يعرف جيدًا أنها تعشقه وكان يتصنع عدم الفهم. ولكنه مسك بكفها يرفعه لشفتيه ويقبله هامسًا بنبرة منخفضة وهو يحتضنه بين كفيه:
"صدقيني حتى أنا مبقتش عارف إنتي بتعملي فيا إيه.. ردي وقوليلي عملتي إيه فيا ياشفق!! إزاي قدرتي تعلقيني بيكي بالشكل ده وفي الفترة القصيرة دي.. إزاي؟!"
نائمة لا تشعر به ولا تسمع كلامه فقط تنام وتهلوس بين الحين والآخر. ليمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يصدر تأففًا محتارًا. ثم ينهض من جانبها ويتجه للمطبخ ويبدأ في تحضير الطعام.
وبعد مرور نصف ساعة وأكثر يعود لها وهو يحمل بيده صينية فوقها طعام مناسب لشخص مريض. ووضع الصينية على المنضدة بجوار الفراش وجلس بجانبها من جديد يهمس وهو يملس على ذراعها بلطف:
"شفق.. قومي ياشفق يلا عشان تاكلي وتاخدي العلاج."
لا تجيبه وفقط مغمضة عيناها بتعب. فيعود ويرفع يده إلى وجنتها يمرر إبهامه عليه برقة ويهتف بصوت أوضح من السابق:
"شـــفـق قومي!"
فتحت عيناها أخيرًا ولكن بصعوبة وعدم قدرة على فتحها كاملة. ليخرج همسها ضعيفًا وغير مسموع جيدًا:
"مش قادرة افتح عيني ياكرم."
تمتم بحنو ونبرة دافئة:
"مينفعش.. لازم تاكلي الأول.. يلا قومي وأنا هساعدك."
اعتدلت في نومتها بصعوبة فحاوطها هو بذراعيه وساعدها على الجلوس ووضع خلف ظهرها وسادة كبيرة حتى تستند عليها. ثم جلب صينية الطعام أمامها على الفراش.
مدت يدها لتمسك بالملعقة ولكن أعصابها مرتخية تمامًا ولا تتمكن حتى من مسكها جيدًا. فسحبها من يدها وقال بابتسامة ساحرة:
"أنا هأكلك.. هاتي."
ملأ المعلقة من الصحن ثم مدها لفمها وبمجرد ما أن أكلت أول معلقة قالت برفض:
"لا.. مش قادرة آكل بجد."
عاد يملأ المعلقة من جديد ويمدها لفمها هاتفًا برفق:
"معلش.. كلي حاجة بسيطة بس."
رواية ضروب العشق الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندى محمود توفيق
رافق الطبيب حتى الباب وشكره بامتنان، واستمع إلى تنبيهاته الصارمة تجاه بعض الأشياء حتى لا تتعب مجدداً. كان يعطيه نصائح خاصة يتبعها إذا شعر بأي تعب. فأجابه كرم بالموافقة. وبعد رحيله، وقف خلف الباب وهو يزفر القليل من الفزع الذي ترك في نفسه أثره، حتى بعد أن طمأنه الطبيب عليها.
فلقد عاد للمنزل بعد أن أجرت اتصالاً به ووجدها فاقدة الوعي على الأرض وحرارتها مرتفعة لدرجة أنه لم يستطع لمسها. فزعر وازداد خوفه وتوتره وحاول أن يوقظها ولكن دون فائدة. فحملها ووضعها على الفراش وألبسها شيئاً مناسباً ووضع حجابها على شعرها قبل أن يأتي الطبيب.
فحصها وأخبره بأنها تعرضت لحمى شديدة جداً. ووضع لها محلولاً طبياً وطلب منه أن يجهز لها طعاماً حتى تأكل وتأخذ الدواء عندما تستيقظ. وهدأ من روعه بأنها ستكون بخير بعد أخذ جرعة المحلول والدواء.
عاد للغرفة وأغلق الباب خلفه ليقترب ويجلس على الفراش بجوارها، يتأمل ملامح وجهها المتعبة وشفتيها وخديها اللتين تركت الحرارة المرتفعة آثارهما عليهما، فأعطتهم لوناً أحمر فاتح. مد يده يتحسس جبهتها ووجنتها، فأصدر تنهيدة حارة بارتياح حين وجد حرارتها هدأت قليلاً.
نزع عنها الحجاب بحرص شديد وأخذ يملس على شعرها بحنو وهو يطالعها مبتسماً. ثم انحنى إليها وطبع قبلة حانية على جبهتها وهم بأن ينهض ليجهز لها طعامها حتى تأخذ دوائها، ولكنه وجدها تنقلب على جنبها ناحيته وهي مازالت نائمة، تهلوس نتيجة لحرارتها المرتفعة.
فسمعها تهمهم بصوت يكاد لا يسمع:
"ليه سبتوني وحدي؟ حتى كرم مبيحبنيش."
استمع لآخر كلماتها وعبست ملامح وجهه، بالأخص بعدما سمعها تكمل:
"بحبه أوي."
تنهد الصعداء، فهو يعرف جيداً أنها تعشقه، وكان يتصنع عدم الفهم. ولكنه مسك بكفها، يرفعه لشفتيه ويقبله، هامساً بنبرة منخفضة وهو يحتضنه بين كفيه:
"صدقيني، حتى أنا مبقتش عارف إنتي بتعملي فيا إيه. ردي وقوليلي عملتي إيه فيا ياشفق؟ إزاي قدرتي تعلقيني بيكي بالشكل ده وفي الفترة القصيرة دي؟ إزاي؟"
نائمة لا تشعر به ولا تسمع كلامه، فقط تنام وتهلوس بين الحين والآخر. ليمسح على شعره نزولاً لوجهه وهو يصدر تأففاً محتاراً، ثم ينهض من جانبها ويتجه للمطبخ ويبدأ في تحضير الطعام. وبعد مرور نصف ساعة وأكثر، يعود لها وهو يحمل بيده صينية فوقها طعام مناسب لشخص مريض. ووضع الصينية على المنضدة بجوار الفراش وجلس بجانبها من جديد، يهمس وهو يملس على ذراعها بلطف:
"شفق.. قومي ياشفق يلا عشان تاكلي وتاخدي العلاج."
لا تجيبه وفقط مغمضة عيناها بتعب. فيعود ويرفع يده إلى وجنتها، يمرر إبهامه عليه برقة ويهتف بصوت أوضح من السابق:
"شـــفـق.. قومي!"
فتحت عيناها أخيراً، ولكن بصعوبة وعدم قدرة على فتحها كاملة. ليخرج همسها ضعيفاً وغير مسموع جيداً:
"مش قادرة افتح عيني ياكرم."
تمتم بحنو ونبرة دافئة:
"مينفعش، لازم تاكلي الأول.. يلا قومي وأنا هساعدك."
اعتدلت في نومتها بصعوبة، فحاوطها هو بذراعيه وساعدها على الجلوس ووضع خلف ظهرها وسادة كبيرة حتى تستند عليها. ثم جلب صينية الطعام أمامها على الفراش. مدت يدها لتمسك بالملعقة، ولكن أعصابها مرتخية تماماً ولا تتمكن حتى من مسكها جيداً. فسحبها من يدها وقال بابتسامة ساحرة:
"أنا هأكلك، هاتي."
ملأ المعلقة من الصحن ثم مدها لفمها. وبمجرد ما أن أكلت أول معلقة قالت برفض:
"لا مش قادرة آكل بجد."
عاد يملأ المعلقة من جديد ويمدها لفمها هاتفاً برفق:
"معلش كلي حاجة بسيطة بس."
أبدت عن نفورها وأشاحت بوجهها بعيداً هاتفة:
"مليش نفس ياكرم والله."
تحولت نبرته ونظرته إلى الحدة البسيطة وهو يقول:
"وبعدين ياشفق، متخلنيش أضايق منك، كلي يلا.. تعالي على نفسك شوية."
زفرت بعدم حيلة وعادت بوجهها ناحيته مجدداً وأكلت مجبرة وعلى وجهها معالم النفور. ساد الصمت بينهم وهو يطعمها حتى انتهى. وأمسك بكوب الماء وأقراص الدواء وأعطاهم لها، لتضع القرص في فمها أولاً ومن ثم تشرب الماء فوقه وتعطيه الكوب من جديد.
فوقف وذهب بالطعام للمطبخ، وغير ملابسه في الغرفة الأخرى، ثم رجع لغرفتهم واقترب يتمدد بجوارها على الفراش ويمد أنامله يبعد خصلات شعرها عن وجهها، هامساً بأعين تنضح بمشاعر مختلفة:
"حضنتيني عليكي.. أنا مكنتش هطلع من البيت لما لقيتك تعبانة وإنتي فضلتِ تقوليلي أنا كويسة وروح متقلقش عليا. بس العيب مش عليكي.. العيب عليا إني سمعت كلامك وسبتك."
ابتسمت له بحب وهمست بنبرة رقيقة:
"متوقعتش إني هتعب أوي كدا.. بس الحمدلله بقيت أحسن شوية وكمان لما أنام وأصحى الصبح هبقى أفضل بكتير."
أطال النظر في ملامحها البريئة والجميلة، فازدادت ابتسامته اتساعاً. وفرد ذراعه لها هامساً بأعين تتحدث بالمشاعر ونبرة جذابة:
"تعالي هنا."
فهمت أنه يحسها على الانضمام لحضنه الدافئ، فأخفت ابتسامة خجلة كانت على وشك أن تخرج لشفتيها. ورأته يشير لها بعينيه بمعنى "يلا". فاقتربت باضطراب واستندت برأسها على صدره. ليلف هو ذراعه حول خصرها ويقرب شفتيه مقبلاً شعرها، هامساً بنبرة جديدة تماماً:
"متقوليش إني مبحبكيش تاني هااا."
رفعت عيناها إليه قائلة بتعجب:
"إمتى قولت كدا؟"
"كنتي بتهلوسي وإنتي نايمة."
اعتدلت في نومتها ورفعت رأسها عن صدره فوراً لتقول بزعر وارتباك:
"قولت إيه تاني غير ده؟"
ابتسم بهدوء وهو يتذكر اعترافها له، ثم نظر لها وغمغم بخفوت محاولاً الظهور بطبيعية:
"مقولتيش حاجة."
"كرم قول بجد، قولت إيه؟"
ضحك بقوة هذه المرة وقال بنبرة بدت لها صادقة:
"هلوستي شوية بسيف ومامتك، بس مش أكتر."
تنهدت الصعداء بارتياح وعادت برأسها على صدره من جديد متمتمة بخفوت جميل:
"الحمدلله."
لم تستغرق دقائق طويلة حتى ذهبت في ثبات عميق. وظل هو يحدق في السقف بشرود ويده تعبث في خصلات شعرها برقة ورفق شديد. ثم غلبه النوم هو الآخر.
***
تحركت ملاذ باتجاهه عندما رأته جالساً في حديقة المنزل وعيناه معلقة على السماء، وكأن عقله مشغول بشيء مهم للغاية. فاقتربت منه حتى جلست بجواره وخطفت قبلة سريعة من وجنته، هامسة بعبوس أنوثي ومدلل:
"سايبني وحدي ليه؟ وقاعد بتفكر في إيه هنا؟"
لم ينزل نظره عن السماء وظل معلقاً في الأعلى، لتسمعه يسألها بنبرة مشتتة:
"ملاذ، هو إنتي ممكن تكرهيني وتسبيني لو سمعتي عني في يوم كلام أو حاجات مكنتيش تتوقعيها؟"
لم تفهم سبب هذا السؤال. بل كان السؤال غامضاً بالنسبة لها ولا تفهم منه شيئاً. ماذا يقصد بأشياء لم تتوقعها منه؟ وهل هو سؤال فارغ أم خلفه خفايا وأسرار لم يفصح لها عنها؟
سألته بريبة حقيقية واستغراب:
"حاجات زي إيه يعني مثلاً؟"
مازال لا يملك الجرأة ليخبرها بماضيه الذي لا يتقبله هو حتى الآن. يخشى أن تتغير نظرتها فيه أو تبغضه وتفقد ثقتها فيه. يخشى من شيء لا يعرف تحديداً ماهو. ولكن هناك صوت بقلبه يلح عليه بأن الأفضل أن تظل الحقيقة غامضة لفترة أخرى.
هتف بنفي وابتسامة متصنعة:
"لا خلاص متشغليش بالك. سؤال ملوش لازمة."
تنهدت بعمق ومسكت بكفه تضمه بين يديها الناعمة وتهمس برزانة ونظرات عاشقة:
"زين، أنا حاسة إنك مخبي عني حاجة من وقت ما رحنا بيت العيلة وقولتلي إن في حاجة حصلتلك وبعدين باباك أخدكم لبيت منفصل. وزي ما حاسة بده، حاسة كمان إنك خايف ماتقولي، بس صدقني أي كان الشيء ده عمره ما هيقدر يقلل من حبي ليك. إنت سندي وحبيبي وجوزي ومفيش حاجة هتقدر تفرقنا عن بعض. وزي ما تخطينا صعاب كتير من بداية جوازنا وعلاقتنا، هنتخطى كل حاجة جاية كمان. ووقت ما تحس نفسك حابب تتكلم، أنا موجودة. متخفش، أنا معاك ومش هسيبك."
"لا يمكنها أن تكون بكل هذا التفهم والحكمة وهي تعرف أني أخفي شيئاً عنها. كيف تفعلها؟!" كان يسأل نفسه بذهول من ردها عليه ورزانتها. وتلقائياً وجد ابتسامته تخرج لشفتيه بدون إذن، وتستقر في عينيه نظرة عاشقة. فهي كالملاذ حقاً الذي أرسله الله له لكي يحتمي به ويجد فيه الراحة والسكينة والحب والتفاهم كما كان يبحث عنه.
اقترب منها وقبل جبهتها هامساً بنبرة حانية:
"بحبك ياملاذي."
قررت إضفاء القليل من المرح على جلستهم، فأجابته بمداعبة:
"عارفة.. قولتلي كدا أول إمبارح."
فهم مداعبتها، فضحك بخفة وغمغم غامزاً بحب:
"وفيها إيه! نقول تاني وتالت ورابع وعاشر كمان.. ولا إنتي عندك اعتراض؟"
هزت رأسها بالنفي وتعلقت به تلف ذراعها حول رقبته وتقول بغنج ومياعة أنوثية مغرية:
"إنت تقول اللي عايزه ياقلب ملاذك."
مالت شفتيه لليسار في لؤم وإعجاب بتدللها عليه. لتلمع عيناه بوميض فهمته جيداً، وهب واقفاً وحملها على ذراعيه متجهاً بها نحو الداخل وهو يقول بابتسامة عريضة:
"طالما كدا يبقى هقولك حاجة سر جوا."
تعلقت برقبته ضاحكة وقالت بتذمر وهي تزم شفتيها للأمام:
"زينو، إنت مش هتخرجني ولا إيه أتسوح؟"
أجابها بتصنع الجدية كامت ابتسامته:
"كل دي فسح ومش عجباكي."
"والله!!"
هي فين الفسح دي بقى؟
_ تصدقي إنك ناكرة للجميل وعقاب ليكي هناخد يومين اعتكاف في الأوضة.
اطلقت ضحكة انوثية متأججة فدخل الغرفة واغلق الباب بقدمه هاتفاً بضحكة بسيطة وخبيثة:
_ وبعد الضحكة دي هخليهم تلاتة!
***
كان طاهر بمكتبه في المنزل يباشر بعض أعماله على حاسوبه النقال الخاص به، فدخلت عليه زوجته وهي تحمل بيدها كوب الشاي الذي طلبه منها وتضعه أمامه على سطح المكتب، هامسة بتردد:
_ طاهر عايزة اتكلم معاك شوية.
أجابها وهو مازال يعلق نظره على شاشة الحاسوب أمامه:
_ قولي خير!
أخذت نفسًا طويلًا واخرجته زفيرًا متهملًا متمتمة بثبات بسيط:
_ يسر اتكلمت معايا في موضوع السفر و.....
قاطعها بحدة ونبرة حازمة لا تقبل النقاش:
_ وأنا رديت عليها ورفضت متحاوليش تقنعيني أوافق.
قالت بهدوء وصوت رخيم به بحة حزينة:
_ ولا أنا موافقة والله، بس لما بصيت من جهة تانية لقيت إن هي فعلًا محتاجة تبعد شوية.. البنت تفسيتها متدمرة يا طاهر من ساعة طلاقها، أنا بقيت أحس إنها مش بنتي.. لا بتضحك ولا بتهزر زي الأول وعلطول حابسة نفسها في اوضتها.
صاح بانفعال وغضب:
_ آه ولما تسافر وتبقى بعيدة عن عنينا هنبقى مطمنين عليها كدا مثلًا؟ قوليلي كدا هتقعد فين ولا هتتعامل إزاي هناك؟
_ لا ما أنا هشترط عليها لو هتسافر يبقى هتقعد مع خالتها هناك، وراسل موجود هناك كمان وهيكون معاها علطول يعني متقلقش عليها.. خليها تروح تاخدلها شهر ولا حاجة وتيجي يا طاهر.
سكت وهو يفكر بكلامها وبنقطة اقامتها عند خالتها وإنها ستكون مع ابن خالتها أيضًا في العمل وهو يثق براسل جيدًا ويعرف أنه سيكون معها دومًا، ولكن مازال خائفًا من أن يتركها تذهب بمفردها وتكون بعيدة عن نظره. رأى نظرات زوجته المترقبة لموافقته أو رفضه ليجيبها باستسلام:
_ طيب.
أماءت له بالإيجاب واستدارت وبمجرد ما أن غادرت المكتب واغلقت الباب اغارت عليها يسر التي كانت تتصنت لحديثهم وعانقتها بقوة هامسة بصوت منخفض في امتنان:
_ حبيبة قلبي ياماما بحبك والله.
أشارت الأم بسبابتها على فمها هاتفة بخفوت:
_ هش! اكتمي ليسمعنا، أنا خليته يوافق بس تعرفي يايسر لو عملتي حركة كدا ولا كدا هناك خالتك هتقولي وزي ما خليت أبوكي يوديكي هخليه يرجعك في لحظتها.
تأففت وقالت بخنق:
_ ياماما أنا مش هرتاح عند خالتوا وراسل موجود.
أجابتها أمها بغضب:
_ خلاص يبقى مفيش سفر.
قالت مسرعة بتراجع وهي تزفر مغلوبة على أمرها:
_ خلاص خلاص ماشي، أنا هبقى اتصرف واخلي خالتوا تقعدني في الدور اللي فوق وحدي.
رمقتها أمها بطرف عينها في استنكار ثم تركتها ورحلت، لتنطلق من يسر ابتسامة منطفئة وهي تأمل في قرارة نفسها أن تكون هذه الرحلة ذات آثار إيجابية عليها وتتمكن من نسيان الألم الذي تركه في قلبها ولا تستطيع التخلص منه مهما فعلت!
***
دخل ثم أغلق الباب خلفه ووقف يحدق بالمنزل، بات لا يطيق البقاء فيه بدونها ولا يستطيع مفارقته أيضًا ويحس بها في كل جزء منه!
اتجه نحو غرفتها ونزع عنه سترته ثم ألقاها على الفراش واقترب منه ليرمي بجسده على فراشها يحاول اشتمام رائحتها فيه وهو يهمس بمرارة وسخرية من ذاته الغبية:
_ يارتني صدقتهم لما قالولي هتندم لو خسرتها، واديني خسرتك وندمان ندم عمري ماندمته في حياتي ومش عارف إزاي ارجعك ليا، وإذا كنت أنا مش قادر أسامح نفسي هخليكي تسامحيني إزاي وضميري بيموتني وبيفكرني في كل لحظة إني السبب في موت ابني وإني لو مكنتش عملت معاكي كدا مكنتيش هتنزليه ومكنش ده كله هيحصل بينا وكمان مكنش ده هيبقى حالي في بعدك عني.
كان باب الخزانة مواربًا وانتبه هو لقطعة من ملابسها الموجودة بداخله، يبدو أنها نسيت أن تأخذها معها يوم ذهابها، فهب واقفًا والتقطه يحدق به جيدًا فتذكر أنه نفس الرداء الذي كانت ترتديه عندما جاء للمنزل ثملًا وقضى معها أول ليلة بينهم، فضحك بأسى وقد فهم الآن لما هذا الرداء لم تأخذه معها، فقد أبت أخذ أي شيء يذكرها بما حدث بينهم، تريد أن تنسى كل شيء وكأنه لم يكن، وهو أول هذه الأشياء!
عاد وجلس على الفراش ثم قرب الرداء من وجهه يشم رائحتها ويغمغم بصوت يغلبه البكاء وندم:
_ أنا آسف سامحيني.
أجهش في بكاء حار وهو يهتف بصدق وقلب يمزقه الاشتياق:
_ وحشتيني أوي.
دامت حالته هكذا للحظات طويلة حتى تمدد بجسده على الفراش ونام حتى الصباح دون أن يشعر بأي شيء، وإذا به يثب فزعًا عندما سمع صوتها وهي تهتف "حــســـن!"، تلفت حوله كالمجنون بحثًا عنها ولكنها ليست موجودة، تأفف ومسح على وجهه بعد أن أدرك أنه خيل له وعقله بدأ يطلق الهلاوس، لينهض ويتجه للحمام وهو لا يدري أن علقه لم يكن يتخيل وأنها موجودة بالفعل!
خرجت هي من خلف الباب وهي تصدر زفيرًا بارتياح وتلعن نفسها الغبية التي نطقت باسمه، ولكن ماذا تفعل فقد أتت للمنزل مجبرة حتى تأخذ جواز السفر بعدما اكتشفت أنها نسيته ولم تكن تتوقع أنه يأتي للمنزل أساسًا منذ ذهابها فجاءت مطمئنة بأنها لن تجده ولكن صدمت به بل وكانت الصدمة الأكبر حين رأته في فراشها وبيده ردائها، فوجدت نفسها تهتف باسمه من صدمتها بدون وعي!
سمعت صوت رذاذ المياه في الحمام فحمدت ربها أنه يستحم وسيكون لديها الوقت لتبحث عن ما جاءت لأجله وتذهب قبل أن يراها، اندفعت واخذت تبحث في الادراج والخزانة فلم تجده، خرجت واخذت تبحث ببقية المنزل في عجلة وخوف كلص دخل يسرق منزلًا ويخشى أن يمسك به صاحب المنزل، هتفت بغضب:
_ أووووف فينه! هيطلع من الحمام يلا بقى.
عادت لغرفتها مجددًا لعلها تكون نسيت مكان لم تبحث به جيدًا، وظلت تبحث بكل قطعة في الغرفة حتى أسفل الخزانة والفراش وبالفعل وجدته أسفل الخزانة، يبدو أنه سقط منها وهي تأخذ ملابسها في يوم رحيلها ولم تنتبه له، هبت واقفة وهي تبتسم ثم التفتت خلفها لتدهش به يخرج من الحمام وهو يلف المنشفة حول نصفه السفلي فتشهق بزعر وتستدير مجددًا وهي تغمض عيناها بقوة تلعن حظها السيء، أما هو فتصلب بأرضه منذهلًا وهمس بعدم استيعاب لما يراه أمامه ولوهلة خيل له أن لا زال عقله يهلوس بها:
_ يسر!!!!
ضغطت على شفتها السفلي بغيظ من نفسها وتحركت باتجاه الباب مسرعة لكي تهرب وتغادر المنزل بأكمله ولا تضطر أنه تكون في موقف معه، ولكنه ركض خلفها وجذبها من ذراعها قبل أن تفر هاتفًا:
_ خدي هنا إنتي جيتي إمتي؟
سحبت ذراعها من قبضته بعنف هادرة بقرف:
_ دلوقتي، نسيت حاجة وجيت أخدها.
_ يعني أنا مكنتش بتخيل لما سمعت صوتك من شوية. أنا شلت كل حاجة من الأوضة!
أجابت بمنتهى البساطة وهدوء الأعصاب:
_ كان في دولابي باخد منه لما بحس بصداع. ثم إن أنا لو عايزة انتحر في مليون طريقة غير إني أشرب برشام. برأي متتعبش راسك بيا.
علاء بنظرة حادة ومستاءة:
_ ميار اعقلي وبلاش جنان أنا مش ناقص.
تأففت بعدم اقتناع وبسطت كفها له هاتفة بخفوت:
_ طيب ممكن تديني الشريط عشان آخد قرص.
التفت وولاها ظهره بعد أن وضع الشريط في جيبه وقال برفض قاطع وهو يتجه للخارج:
_ لما تفطري الأول.. مينفعش على معدة فاضية.
تأففت بصوت مسموع وهي تهتف:
_ أوووووف.
سمعت صوته وهو يهتف بعد أن غادر من الباب:
_ من غير أفأفة.. يلا تعالي ورايا عشان الفطار.
زفرت بخنق واقتربت من الباب تغلقه ثم بدأت في تبديل ملابسها ورفعت شعرها بمشبك وتركت نصفه ينسدل على ظهرها من الخلف. ثم خرجت خلفه كما أمرها للتو بأن تلحق به.
***
فتحت الباب ودخلت ثم أغلقته خلفها. كانت ترتدي منامة تصل إلى الركبة وبحمالات رفيعة. فرفع هو نظره لها وابتسم بلطف وبيده مسبحة يمر على حباتها بأنامله ويذكر الله بهمس منخفض. وجدها تقترب منه وتنضم إلى أحضانه فيلف هو ذراعه حولها وتسمع همهمته وهو مستمر بالتسبيح. سكنت للحظات بين ذراعيه وهي تستند برأسها على صدره حتى خرج همسها:
_ زينو!
سمعته وهو يجيبها بـ "امممممم" لتتنهد بعمق وتقول برقة:
_ أنا عايزة أحفظ قرآن.
حدجها ببعض الاستغراب وقال باسمها:
_ ده بجد يعني ولا هي لحظة حماس كدا جاتلك فجأة.
_ لا لا بجد والله. ومستنية نرجع القاهرة عشان أروح مقرئة وأتعلم أحكام التجويد الأول وبعدين أبدأ في الحفظ. إنت أكيد معندكش اعتراض طبعاً.
افتر على ابتسامة واسعة أظهرت عن أسنانه البيضاء ثم انحنى برأسه إلى وجهها وطبع قبلة رقيقة على جانب ثغرها متمتماً بغرام:
_ وهي حاجة زي كدا ينفع فيها الاعتراض برضوا!! نرجع بإذن الله وهنبقى نشوف مكان كويس وتروحي تحفظي فيه.
سألت بفضول ونبرة ناعمة:
_ هو إحنا إمتى هنرجع؟
غمز لها بلؤم وهتف في خفوت أربكها:
_ لو عليا مش عايز أرجع خالص.. إيه رأيك ناخد شهر؟
_ شهر!! طيب والشغل وبعدين إنت من هيمل لما تقعد شهر في البيت مبتخرجش.
اعتدل وأصبح يهل عليها بهيئته ليقول بمكر أشد ونظرات راغبة:
_ مفيش حاجة أهم منك! ولو على الملل فإحنا هنسلي بعض متقلقيش.
توترت من اقترابه وخجلت ولكن حين سمعت صوت رنين الهاتف ظنته المنقذ لها فكادت أن تمد يدها وتلتقطه وإذا بها تجد يده تقبض على يدها وهو يقول بحزم مزيف:
_ وهو ده وقت التلفونات يعني.
أشارت بأصبعها ناحية الهاتف وهدرت بأعين زائغة ومستحية:
_ طيب هشوف مين حتى.
أجابها بضحكة تبشر باقتراب الهجوم ونظرة كلها خبث:
_ سبيه يرن براحته.
وبالفعل أغار عليها ينل منها ما يستطيع لتطلق هي ضحكة متأججة هاتفة من بين ضحكاتها القوية "زين بس بقى!!" وتعود ضحكاتها لتتعالى أكثر فيطلق هو ضحكة رجولية مرتفعة على ضحكها!
***
الساعة تخطت العاشرة مساءً وكانت عيناها معلقة على الشارع من النافذة تنتظر مجيئه. منذ أيام وهي تستعد لهذا اليوم وها هو أتى. كانت ترتدي رداء طويل من اللون الأسود وبأكمام طويلة. ضيق بعض الشيء على جسدها المتناسق ولديه فتحة ظهر واسعة من الخلف ولكن شعرها الحريري الذي تركت العنان له يخفي ظهرها. وقد وضعت بعض مساحيق الجمال البسيطة التي زادتها جمالاً. لم يعد هناك أي آثار للحمي عليها فقد تحسنت كثيراً بعد أن أخذت الدواء والآن هي في أفضل حال وتنتظره لكي يحتفلوا بيوم ميلاده!
ظلت على وضعها تارة تنظر من النافذة وتارة ترفع نظرها للساعة تتفقدها. إلى أن رأت سيارته تتوقف أمام المنزل فاتسعت ابتسامتها وهرولت ناحية الأضواء واغلقتها جميعاً ثم اتجهت نحو كعكة عيد الميلاد التي أعدتها له خصيصاً واشعلت الشمع وهرولت نحو الغرفة تختبئ فيها. وماهي إلا لحظات معدودة حتى فتح الباب وغضن حاجبيه عندما وجد المنزل في ظلام دامس فهتف بقلق:
_ شـــفـــق!!
اضطرب بشدة فهو يعرف خوفها الشديد من الظلام. ويستحيل أن تغلق الأضواء بهذا الشكل وتنام. فنزع حذائه عنه بجوار الباب وهرول باتجاه غرفتهم مسرعاً ولكن توقف حين رأى الطاولة المتوسطة في منتصف الصالة وفوقها كعكة متوسطة الحجم والشموع عليها. اقترب منها بخطوات بسيطة وابتسم بساحرية حين تذكر بأن اليوم هو يوم ميلاده. وقف يحدق بالشموع والكعكة بابتسامة واسعة حتى سمع صوتها من خلفه وهي تهتف بنبرة مرحة ورقيقة في نفس ذات اللحظة:
_ Happy birthday to you.. Happy birthday to you.
التفت بجسده ناحيتها وطالعها بنظرات تحمل معاني مختلفة في جوفها لتستمر هي في الغناء حتى انتهت وقالت بحماس:
_ يلا اطفي الشمع.
عاد بجسده ناحية الطاولة وانحنى ينفخ في الشمع لينطفأ فتمد هي يدها وتفتح الضوء ثم تقترب وتلف ذراعها حول رقبته هامسة بغنج ومداعبة محببة لقلبه منها:
_ كل سنة وإنت طيب ياكوكو.
_ وإنتي طيبة يا أميرتي.. بس مش هنبطل كوكو دي!
هزت رأسها بالنفي وهي تضحك بخفة وتقول بمشاكسة:
_ أبدًأ! أنا بحب أدلعك بيه. وعشان أنا مش أي حد لازم يكون دلعي ليك مختلف ومميز.
_ يعني مفيش فايدة!
_ تؤتؤتؤ. خالص.
أطلق ضحكة بسيطة. ثم انتبه لمظهرها الجديد والرداء الأسود الجميل الذي ترتديه مع قصة شعرها ومكياجها. رمقها بنظرة متفحصة بعد أن رجع بخطوة للخلف لكي يتمكن من رؤيتها أوضح وقال باسمها بإعجاب حقيقي:
_ إيه الجمال ده!
أجفلت نظرها عنه أرضاً في استحياء من تغزله الصريح بها. لتجده يمسك بكفها ويرفع يدها لأعلى لكي تلف حول نفسها ففعلت. لتزداد نظرات الإعجاب في عيناه وهو يجيبها:
_ مغلطتش لما قولت إن أي حاجة بتلبسيها بتحليها أكتر.
صعدت الحمرة لوجنتيها في ظرف لحظة ففكرت في التخلص من جو التوتر والحياء المهيمن عليها وانحنت على الأريكة تلتقط الكوفية التي صنعتها بيدها له وكانت تعمل عليها منذ أيام. هتفت في خفوت جميل وخجل لا يزال يستحوذ عليها:
_ معرفتش أجيبلك إيه هدية الصراحة. ففكرت وعملتلك دي هي حاجة بسيطة بس حسيت إنها هتعجبك أكتر من أي حاجة تاني.
التقطها من يدها. وكانت من اللون الرصاصي ومجهزة بإحكام شديد ودقة. أعجبته كثيراً وخصوصاً أنها من نفس لونه المفضل. رفع نظره لها وقال بحنو وهو يقترب يطبع قبلة حانية على شعرها:
_ فعلًا عجبتني جدًا. شكرًا على الهدية الحلوة دي يا شفق.
رمقته بأعين تتحدث بالعشق ثم جذبتها من يده ولفتها حول رقبته ثم قالت بوجه مبتسم:
_ جميلة أوي عليك.
تمتم برقته المعهودة ونظراته التي تسحبها لعالم آخر:
_ لازم تبقى حلوة طالما إنتي اللي عاملاها بإيدك.
ماذا به اليوم لما يتغزل بها بشكل زائد عن العادة ونظراته مختلفة حتى نبرته. بل بالأحرى هي تشعر بتغيره الجذري منذ الأمس ولكنها فسرته على أنه خوف وقلق عليها. ولكن الآن ماذا يحدث؟! لم تهتم كثيراً أيضاً هذه المرة وطردت أي أفكار قد تكون ساذجة بالنسبة لها. لتجده ينحني ناحية الكعكة ويقرأ بصوت مسموع ما كتبته عليه "شكراً لإنك معايا". فتتسع ابتسامته أضعافها وينتصب في وقفته ثم يمد يديه ويلفهم حول خصرها جاذبهاً إياها إليه ويهمس في عينين تحمل مشاعر جديدة ونبرة دافئة:
_ في الحقيقة أنا اللي المفروض أشكرك. أشكرك لوجودك في حياتي. وأشكرك لإنك متخليتيش عني وسمحتي لعلاقتنا بفرصة تاني. وكمان لإنك بتعالجي جروح جوايا مكنتش متوقع إن في حد هيقدر يعالجها. وأخيرًا لإنك دواء لهمي لما أكون مضايق.
تلألأت الدموع في عيناها من سعادتها بما تسمعه منه لأول مرة. واندجت فرحتها بدهشتها بما يقوله لها ولم تكن تتوقعه منه أبداً. ولكن الدهشة الحقيقية حين وجدته يقترب بوجهه منها فتجمد جسدها ككتلة ثلج ومجرد التفكير فيما سيفعله كان كفيل بأن يشعرها بأنها على وشك فقدان وعيها. فأغمضت عيناها بقوة تقنع نفسها بأنه لن يفعلها فقط سيقبلها من وجنتها أو جبهتها. ولكنه فعلها! شعرت بارتخاء أعصابها ولو كان الوضع استمر لثانية أخرى لكانت حتمًا فقدت وعيها. ابتعد بعد لحظات طويلة نسبيًا وهو يطالعها بترقب ينتظر أن تفتح عيناها ولكن انتظاره طال فهمس في لطف:
_ شفق!!!!
استفاقت من غيبوبتها وانتفضت على صوته. فارتدت للخلف وقد رأى وجهها أحمر كلون الدم وصدرها يعلو ويهبط كأنها كانت في سباق للعدو للتو! رمقته بخجل وارتباك بالغ لتقول بصوت متلعثم:
_ إنت... إنت قليل الأدب على فكرة.
قالتها وفرت هاربة للغرفة في لحظة من فرط توترها. وتركته مندهشًا قليلًا من جملتها حتى ضحك بصوت منخفض على عفويتها وبرائتها الذي يعشقهم أكثر شيء!
***
بمنزل محمد العمايري.
انضمت هدى لجلسة الجدة المنفردة في غرفتها وبمجرد ما أن جلست بجوارها نظرت لها الجدة وقالت بقلق:
_ طاهر ليه يومين مجاش. حاسة قلبي مش مطمن عليه ياهدى.
صمتت لبرهة وهي تطالعها بتردد ولكنها حسمت أمرها وقالت في خفوت:
_ طاهر تعبان ياما. كان اليومين اللي فاتوا ومجاش عشان محبش يقلقك عليه.
انتفضت في جلستها وقالت بزعر:
_ تعبان!! ماله ياهدى انطقي؟
تنفست الصعداء وقالت بعدم حيلة:
_ لما جاتلك ميار من يومين كانت قبلها على طول في المستشفى. حاولت تنتحر ولحقوها على آخر لحظة وطاهر تعب معاها هناك من الخضة. أنا عرفت من علاء وقالي مقولكيش عشان متاخديش.
_ تنتحر!!
إزاي متقوليش الكلام ده!
ياماما خوفنا عليكي لتتعبي ولا حاجة.
وثبت واقفة وقد أدمعت عيناها وهي تقول بحزم:
أنا هروح أشوف ابني وميار.
استقامت هدى وقبضت على ذراعها تهدئها قائلة برزانة:
اطمني والله هما كويسين دلوقتي ومفيش أي حاجة.
هدرت في حدة ونظرة ثاقبة:
قولت هروح ياهدى.
طيب حتى اصبري للصبح وهنروح والله بكرا.. اهدى ابوس إيدك وصدقيني أنا بنفسي هاخدك ونروح بكرا الصبح.
أطالت الجدة النظر في فيها لتنفجر باكية وهي تهمهم بكلمات لم تفهمها جيدًا، ولكنها عانقتها وهي تربت على ظهرها بحنو تهتف بكلمات تحاول من خلالها أن تهدأ نفسها الوجلة.
أما بالأسفل فكان كل من حسن ورفيف يجلسون في الحديقة الخارجية للمنزل. كان هو يعلق عيناه على السماء في سكون تام وهي تارة تنظر له وتارة تعبث بهاتفها. حتى سئمت الصمت وقالت بضيق:
هتفضل تعاند لغاية إمتى ياحسن.. مش معقول لسا مأدركتش إنك بتحب يسر ومتقولش لأ.. لإنك مش شايف حالك بقى إزاي.
ابتسم لشقيقته وقال باستنكار ونبرة مهمومة:
ماله حالي!
تأففت بصوت مسموع واعتدلت في جلستها أكثر لتقول في غضب وعفوية:
حسن يسر سافرت وإنت لسا بتعاند هتفضل كدا لغاية امتى!
وقعت كلمة "سافرت" وقع الصاعقة عليه، واستيقظت جميع حواسه حيث انتصب جالسًا وهو يجيبها بعدم استيعاب وذهول:
سافرت فين!
إنت متعرفش ولا إيه!
قالتها باندهاش بسيط ليجيبها بعد أن بدأ الضجر يتملك منه ويهتف بنبرة خشنة:
معرفش إيه يارفيف!
تنفست الصعداء وقالت بأسى:
يسر سافرت النهاردة المغرب مع راسل هتقعد في امريكا هناك لفترة معرفش قد إيه، وهتمسك الإدارة في الشركة اللي هناك بدل عمي.
تحول لجمرة نيران متوهجة وأظلمت عيناه بشكل مخيف بالأخص بعدما قالت: ذهبت مع ذلك السمج ابن خالتها. وجدته يهتف بغضب عارم:
نعم! وأنا آخر من يعلم يعني! إزاي تسافر من غير ما تقولي.. لا ومع راسل كمان! ماشي يايسر.
ابتسمت رفيف بمكر واقتربت منه تقول في خبث ضاحكة:
ومالك متعصب كدا ليه! مش مشكلة يعني سافر وراها بكرا.
حسن بنظرات مشتعلة:
ماهو ده اللي هيحصل فعلًا. قال مع راسل قال ده أنا هطين عيشتها هي والملزق ده.
أشاحت بوجهها للجانب الآخر وهي تضحك بصمت دون أن يصل صوت ضحكها إليه. أما هو فكان يستشيط من الغيظ وكلما يفكر بأنها مع ذلك الـ "راسل" الآن تتأجج نيران الغيرة في صدره أكثر ويود لو يذهب الآن قبل الغد ويفتك به، فقط لأنه يقترب من شيء لا يخصه.
***
مع صباح اليوم التالي وفي تمام الساعة التاسعة صباحًا كان حسن بالفعل في مطار القاهرة بانتظار النداء لاقتلاع الطائرة الخاصة به. لم يخبر أحد بسفره وفقط شقيقته تعرف بهذا. وقد تعهد بأنه لن يعود إلا وهي معه. عقد العهود مع نفسه على أنه سيصلح كل شيء بينهم. فمنذ الأمس وهو يفكر بماذا سيفعل حتى تغفر له وتسامحه. وكان الحل الأمثل هو كما قالت شقيقته أن يتوقف عن العناد ويتصرف بحقيقة مشاعره دون أي إخفاء.
وأخيرًا بعد ما يقارب نصف ساعة استقل بمقعده في الطائرة وعقد حزام الأمان حول خصره. وما هي إلا دقائق واقتلعت الطائرة من مطار القاهرة متجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
دامت الرحلة لساعات حتى وصل واستقل بسيارة أجرة وطلب من السائق أن يتجه به لمكان معين متحدثًا الإنجليزية بطلاقة.
توقفت السيارة أمام فيلا فخمة ذات طراز عصري ومذهل. فترجل هو ودفع للسائق حقه ثم أمسك بحقيبة ملابسه واتجه إلى الداخل. كان المنزل نظيف تمامًا من الداخل والأثاث غاية الجمال. فابتسم بإعجاب وصعد الدرج متجهًا إلى غرفة النوم وألقى بالحقيبة على الفراش. ثم دخل الحمام ليأخذ حمامًا دافئًا وسريعًا وخرج بعد دقائق ليبدأ في ارتداء ملابسه التي كانت عبارة عن بنطال من اللون الأسود وقميص أبيض فوقهم سترة جلدية من نفس لون البنطال. صفف شعره أخيرًا ونثر عطره الرجولي على ملابسه ورقبته ثم غادر ليجد السيارة الذي طلبها بانتظاره ويقف أمامها حارس المنزل. فنظر له حسن وتمتم بابتسامة عذبة:
Thank you
شكرًا لك.
أماء له الرجل إيماءة خفيفة وهو يبادله نفس الابتسامة. ليستقل حسن بالسيارة وينطلق بها نحو منزل خالتها وعيناه معلقة على الشاشة الصغيرة في السيارة التي تدله على الطريق بالضبط.
ترجل من السيارة بعد دقائق طويلة من السير في طرق أمريكا. وقف يحدق بالمنزل الكبير المكون من طابقين ثم تحرك باتجاه الباب الرئيسي والحديدي وفتحه ليدخل ويهم بصعود الدرج للطابق الثاني بعدما أخبرته رفيف بأنها حين تحدثت معها قالت لها أنها ستقطن في الطابق الثاني من منزل خالتها. ولكن قبل أن تخطو قدمه خطوة واحدة على الدرج سمع صوت قهقهتها وهي تنزل الدرج وتتحدث مع راسل بتلقائية شديدة. فوقف ينتظرها وهو يصر على أسنانه ويستعد لكي ينقض على ذلك السمج الذي لا يطيقه. وبمجرد ما أن وصلا لمقدمة الدرج الذي هو يقف في آخره بالأسفل. تصلبت بأرضها وفغرت عيناها بذهول تحدق به في عدم استيعاب ليخرج همسها مدهوشًا:
حسن!
رواية ضروب العشق الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندى محمود توفيق
ظلت هي على حالها تحملق به بصدمة حتى وجدته يقبض على ذراعها ويجذبها معه للخارج. فاستوقفه راسل الذي مسك بيد حسن وابعده عنها هاتفاً بصوت رجولي مخيف:
_ متقربش منها!
نقل نظره بينهم في دهشة وهو يضحك باستهزاء ليقترب من راسل ويقف أمامه هاتفاً بنظرات نارية:
_ اعتقد إن أنا اللي المفروض أقول كدا مش إنت. خليك بعيد ياراسل عن مراتي احسلك.
_ كانت مراتك!
نظر ليسر التي تتابع مايحدث وهي في حالة من الذهول لاتفهم شيء فقط تفغر فمها وتشاهدهم. لف ذراعه حول كتفيها وضمها إليه متمتماً بابتسامة مريبة:
_ هو أنا مقولتش ليكم ولا إيه. رديتها لعصمتي. ومش عايز اشوفك حواليها تاني ياراسل.
تلقت الصدمة الثانية ولم يكن وضع راسل أفضل منها حيث قرأ حسن معالم الدهشة على وجهه فابتسم ساخراً وقبض على رسغها يسحبها معه باتجاه السيارة وهي لا تزال غير مدركة مايدور حولها وغائصة في قوقعة صدمتها. ولم تفق إلا وهي في سيارته بعد أن انطلق بها عائداً إلى المنزل الذي خرج منه قبل أن يأتي لها.
نظرت له وقالت بهدوء تام وعدم استيعاب:
_ ممكن تفهمني إيه اللي بيحصل. وجيت إمتى وليه؟
ابتسم باتساع وغمغم في مشاكسة ليستفزها:
_ اللي بيحصل إني رديتك يعني إنتي مراتي دلوقتي. ولسا يدوب واصل امريكا. وجيت عشان نقضي شهر عسل حلو.
لم تتمكن من منع ابتسامتها المستنكرة وتجيبه بغيظ مكتوم ونبرة مرتفعة:
_ يعني إيه رديتني هااا. يعني إيه! إنت اخدت رأى الأول قبل ما تعمل كدا.
هتف ببرود تام:
_ واخد رأيك ليه! هو إنتي اخدتي رأي لما صورتيني وسجلتي ليا وهددتيني بإنك هتفضحيني بالتسجيلات والصور؟ لا صح. وأنا كمان مخدتش رأيك. ورديتك عشان أنا عايزك وعايز اصلح اللي اتكسر بينا.
صرخت به بانفعال هادر وعصبية:
_ وإنت قولت أهو اتكسر! واللي اتكسر مبيتصلحش. وأنا مش عايزاك ياحسن ومش طيقاك. رجعني عند خالتو دلوقتي حالاً.
حدجها بأعين مشتعلة بالغيرة وقال وهو يحاول تمالك أعصابه:
_ أه ارجعك عشان تقعدي مع ابن خالتك الملزق ده.
قالت بقرف وسخرية بصياح:
_ صدقني مفيش حد ملزق غيرك في حياتي. وقف العربية ونزلني اخلص.
قهقه بصوت مرتفع رغم الغضب الذي كان يهيمن عليه للتو وأجابها في رفض وهدوء أعصاب مستفز:
_ لما نوصل البيت هنزلك يامزتي.
صرخت به بهسترية وهي تهتز من فرص العصبية:
_ بيت إيه إنت عايز تجلطني. أنا مش هروح معاك مكان. نزلني يامستفز.
لم يهتم بصراخها وكان هادئاً أكثر من اللازم وفقط نظر لها يغمز بعيناه ويهدر بوقاحة:
_ اسكتي بدل ما اسكتك بطريقة مش هتعجبك ومش هيهمني حاجة. واحنا مش في مصر يعني نعمل اللي احنا عاوزينه وفي أي مكان. اعتقد فهمتيني!
رمشت بعيناها عدة مرات في عدم تصديق وانهارت عليه تلكمه في ذراعه بعنف صائحة:
_ سافل ومنحط.
تجاهلها تماماً واكتفى بنظرته الجانبية وهو يبتسم باستمتاع لعصبيتها وغيظها منه. أما هي فأخذت تفرك جبهتها بقوة وتزفر بقوة لتهدأ من نفسها الثائرة بالشهيق والزفير. وتلقي عليه نظرة من حين لآخر. تود لو أن تقبض على حنجرة هذا المستفز وتقتلعها بيدها!
بمكان ما داخل دولة كندا إحدى دول قارة امريكا الشمالية.
كان يجهز حقيبة السفر خاصته ويرتدي ملابسه التي عبارة عن بنطال أبيض وفوقه قميص من اللون الرمادي. ابتسامته تشق طريقها إلى شفتيه باتساع. لا يصدق أنه أخيراً حالت الظروف التي كانت تعوق بين فتاته وسيعود لها ليتزوجها!
دخلت عليه شقيقته واقتربت منه تنظر له وهو يتجهز. لتسمعه يهتف في حماس:
_ فرحان أوي ياريماس أخيرًا مفيش حاجة هتمنعني من إني اجتمع بيها.
رمقته بنظرة غريبة وهي تزفر بقوة وتخشي أنه تقول له الخبر الذي عرفته بالأمس فيتحول لوحش كاسر هو وأبيها. سمعته يكمل باستهزاء وتشفي مع أعين شرانية:
_ مبقيش ليها حد غيري خلاص ومش هتقدر ترفض. اللي كانت بتتحامي فيه مات.
ضحكت ساخرة وقالت بنظرات مترددة:
_ جاسر بلاش ترجع please وطلعها من دماغك بقى.
_ نعم! بلاش ارجع؟ ده أنا مستني اللحظة دي من سنين.
تأففت بعدم حيلة وهتفت بخنق دون مرعاة لردة فعله:
_ شفق اتجوزت ياجاسر.
وقعت الكلمة عليه وقع الصاعقة. وتسمر بأرضه كالصنم يحدجها بذهول. عقله لا يستعوب الجملة. يرفض حتى أن يفكر مجرد التفكير بأن ما قالته حقيقة!
التفت لها بجسده كاملاً وهدر ضاحكاً بسخرية:
_ بتهزري مش كدا؟
_ لا مش بهزر أنا لسا عارفة الموضوع ده امبارح. اتجوزت من حوالي شهر. واتجوزت كرم العمايري.
تلقي الصدمة الثانية بقولها " كرم العمايري " ليضحك باستهزاء ويجيبها بأعين لا تبشر بالخير:
_ كرم! ابن محمد العمايري وصديق سيف!
اطالت النظر إليه بصمت وأعينها تجيب عليه بالإيجاب. فيسكت هو لثلاث ثواني بضبط حتى صاح بسخط هادر:
_ شفق ليا ومش هسمح لحد ياخدها مني.
_ جاسر افهم بقولك اتجوزت خلاص. هتعمل إيه يعني؟
_ هرجع مصر وهعمل اللي المفروض يتعمل.
ثم سحب حقيبته واتجه إلى الخارج وهو يكمل بصوت أجش:
_ أنا همشي عشان متأخرش على الطيارة وخلي بابا يركب وياجي ورايا.
اتجهت هدى باتجاه الباب لتفتح فوجدت طاهر أمامها ليبتسم ويقول بنبرة مهذبة:
_ إزيك ياهدي.
افسحت له الطريق وهي تجيبه ببشاشة:
_ الحمدلله بخير. كويس إنك جيت ماما من وقت ماعرفت اللي حصل لميار وليك وهي مصممة تروح البيت عشان تطمن بنفسها.
_ طيب أنا هطلع اشوفها في حد ولا لا.
هزت رأسها بالنفي هاتفة:
_ لا مفيش اتفضل.
صعد الدرج واتجه إلى غرفة والدته ثم طرق الباب فسمع صوتها تهتف " ادخل ". فتح الباب ودخل فيرى الابتسامة تشق طريقها لشفتيها وهي تقول بسعادة وراحة:
_ طاهر تعالي ياحبيبي طمني عليك.
اقترب وجلس بجوارها على الفراش ثم التقط كفها وقبل ظاهره بدفء مغمغماً باعتذار:
_ الحمدلله بخير يا أمي. محبتش اقولك واقلقك علينا متزعليش مني.
اتخذت معالم وجهها الحزم وهي تهدر بضيق وقلق:
_ حاجة زي كدا مينفعش تخبوها عني ياطاهر. قولي هي عاملة إيه دلوقتي؟
تنهد الصعداء وقال بعدم حيلة:
_ كويسة اطمني عليها وعلاء ماخد باله منها الأيام دي احسن تعمل حاجة تاني في نفسها.
ظهر في عيناها الحزن والهم على حفيدتها التي كانت هي السبب الأكبر فيما حدث لها. لتجد يد ابنها تربت على كفها بلطف هاتفاً:
_ ميار مغلطتش وحدها احنا غلطنا معاها يا أمي إننا سبناها لغاية ما وصلت للوضع ده. واعتقد إنها دلوقتي بدأت تعرف غلطها وتندم وترجع لربنا.
_ أنا مبقتش عارفة الوم نفسي ولا الومها. ومش قادرة اسامح نفسي إني دلعتها وسبتلها السايب في السايب كدا.
_ مش هيفرق بحاجة الندم دلوقتي. خلاص اللي حصل حصل ومش هنقدر نغيره.
هزت رأسها بالإيجاب توافق ابنها على رأيه وهي تتنهد باختناق وأسي.
نزلت يسر من السيارة ووقفت تحدق بذلك المنزل الكبير نسبياً. لا تنكر أنه منزل رائع وجذب إعجابها بشدة لمجرد النظر إليه من الخارج فقط! وجدته يلف ذراعه حول خصرها ويقول بابتسامة عريضة وصافية:
_ هيعجبك اكتر من جوا كمان تعالي هفرجك عليه.
مسكت بذراعه ولوته خلف ظهره بحركة ماهرة وهي تقول بتحذير وشراسة:
_ إيدك دي متلمسنيش تاني فاهم ولا لا.
لم يبدي أي ردة فعل مغايرة وفقط يرسم الابتسامة على شفتيه ويجيبها بهدوء غريب:
_ إنتي تأمري يامدام يسر. ممكن تسيبي إيدي بقى.
تركت يده وتراجعت للخلف وتشدقت بأعين مشتعلة:
_ ومتقولش مدام دي!
_ وهو أنا قولت حاجة غلط! بس ماشي ما علينا مش هقولها. في أي اوامر تاني؟
عادت تخطف المسافة التي صنعتها للتو وتقول بنبرة صارمة ونظرة جافة وقوية:
_ رجعني لخالتو وطلقني. مش عايزاك ياحسن.
لا يزال محتفظ بهدوئه الغريب حيث تجاهل ما قالته واجابها بعذوبة ونظرات لينة:
_ طيب تعالي هفرجك على البيت الأول.
كفطل صغير يحاول الهائها بأي شيء لكي ينسيها أمر الطلاق ويذعنها له. ولكنها ليست بطفلة!
يسر بغضب ونبرة مرتفعة:
_ بقولك رجعني أنا مش هقعد معاك في بيت واحد. إنت مبتفهمش!
بدأ يفقد أعصابه فمسح على وجهه وهو يتأفف بصوت مسموع ويهمهم بصوت مسموع لها:
_ أنا قولت برضوا إنك مش هتاجي غير بالعافية.
ثم انحنى بجزعة للأمام وحملها على كتفه فأصبح نصفها خلف ظهره وهو يمسك بقدميها من الأمام ويسير بها للداخل. اطلقت صرخة عالية وأخذت تضرب على ظهره بكلتا يديها وهي تصيح به باغتياظ:
_ نزلني ياحيوان.
_ عيب ياروحي في ست محترمة تقول لجوزها ياحيوان.
اكملت صياحها وهي لا تتوقف عن ضربه:
_ أيوة حيوان وقذر وغبي وعديم الاحساس وبارد. نــــــزلــــــنــــي!!!
لم يعيرها اهتمام مطلقاً واستمر في طريقه لباب المنزل حتى فتحه ودخل وهي لا تزال على كتفه حتى وجدها تهتف بصوت به غرابة:
_ نزلني ياحسن دوخت بجد والله.
اوقفها على الأرض وولاها ظهره يغلق الباب بالمفتاح ويضعه في جيبه متمتماً بنبرة بدت لها طبيعية:
_ عشان عقلك ميوزكيش تعملي حاجة كدا ولا كدا!
زفرت مغلوبة على أمرها وقالت بنفاذ صبر وصوت متحشرج وجاد:
_ إنت عايز إيه مني لسا ياحسن؟ سيبني في حالي ابوس ايدك وابعد عني. رديتني ليه. هااا رد عليا؟
سألته وكانت في نفسها تنتظر إجابة بعينها تريد أن تسمعها منه. فبرغم كل ما فعله لا تنكر أنه لا يزال يشغل مكان كبير من قلبها.
رأته يقترب منها ويقول بندم حقيقي وأعين تلمع بوميض مختلف تراه للوهلة الأولى:
_ عايزك ترجعيلي وتسامحيني. أنا مش عايز اخسرك يايسر. والله العظيم أنا ندمان على كل حاجة وعندي استعداد اعمل أي حاجة تطلبيها مني بس تسامحيني.
ليتك شعرت بالندم قبل أن تجعل علاقتنا تصل لمفترق طرق مسدود. ليتك قلت لي أنك لا تريد خسارتي. ولكن بماذا سيفيد الكلام بعد فوات الآوان.
منعت عيناها من ذرف الدموع وقالت بقسوة:
_ طالما مستعد تعمل أي حاجة يبقى طلقني وابعد عني.
مسك بذراعيها يهزهم في قوة ويهتف بنبرة رجولية قوية وأعين تجمعت بها العبارات:
_ إنتي ليه عايزة تضحكي عليا وعلى نفسك. أنا عارف ومتأكد إنك لسا بتحبيني. سبيني اثبتلك إني تغيرت ومبقتش حسن اللي كنتي تعرفيه. خليني اثبتلك ندمي وإني بجد عايزك. صدقيني هتشوفي شخص مختلف معاكي. اديني فرصة يايسر.
تقهقرت للخلف وهي تقول بأعين دامعة وصوت يغلبه البكاء:
_ إنت شخص أناني وغدار وأنا مستحيل امنحلك ثقتي تاني. مش عايزة اكون مراتك. كفاية ياحسن ارجوك.
ترفض حتى اعطائه فرصة. من قبل أن ترى صدق كلامه أو كذبه. ولا تزال مصرة على الانفصال. ولكنه سيثبت له انانيته هذه المرة حقا. قال بنبرة خشنة وصوت مبحوح:
_ أنا فعلا اناني ومش هسمحلك تبعدي عني تاني. متتعبيش نفسك في موضوع الطلاق ده. أنا رديتك ومش هطلقك وهتفضلي مراتي سواء شأتي أو ابيتي.
ثم ابتعد وصعد الدرج متجهًا لغرفة النوم في الطابق العلوي. وتركها بمكانها تحدق في اللاشيء أمامها بصمت ودموعها تنهمر على وجنتيها. تريد أن تعطيه الفرصة ولكنها لا تثق به ولا تستطيع نسيان كل ما فعله معها. فتقف هذه الذكريات عائق بينهم ولن يتمكن شيء من هدمها بسهولة.
***
ارتفع ضوء القمر وظهرت النجوم الساهرة في السماء. لتعطي لوحة غاية الروعة ابدعها الخالق عز وجل. ومع تمام الساعة الثامنة مساءً. داخل منزل كرم العمايري.
كان يجلس بمكتبه ينهي بعض الأعمال المتراكمة ولكن عقله عالق بتلك الكامنة في غرفتها. منذ الأمس وهي تتصرف بغرابة وكأنها تختصر الحديث معه وتتجنبه. ولا يفهم سبب هذا التغير. وفقط يتساءل هل قام بفعل خاطيء معها دون أن ينتبه فتضايقت منه. فقط لا يعرف ولن يحاول أن يشغل عقله كثيرًا. فقد بدأ يستاء من غرابتها ولابد من أن يفهم كل شيء منها دون أن يستمر في طرح الأسئلة على عقلها والتي تصل به لإجابة واحدة وهي " لا أعرف ".
ترك الذي بيده واستقام مغادرًا يقود خطواته باتجاه غرفتهم. وصل وفتح الباب ثم دخل واغلقه خلفه وتجول بنظره في أرجاء الغرفة باحثًا عنها ليراها تقف بالشرفة وعيناها على السماء. فتحرك بخطواط هادئة من خلفها. وضع اليد اليمنى على ذراعيها الأيمن واليد اليسرى كانت على الكتف الأخر وهو يقف خلفها مباشرة شبه ملتصق بظهرها. وانحنى ناحية أذنها يهمس برقة معهودة منه:
_ ادخلي جوا هتبردي.
ارتبكت منه والتفتت برأسها نصف التفاتة تتمتم بصوت أنوثي عذب:
_ لا الجو مش برد أوي.
رفع كفه الأيمن وبأنامله يعبث بخصلات شعرها في لطف ويستمر في همسه الذي يبعثر نفسها:
_ طيب إنتي مضايقة مني في حاجة.
تعجبت من سؤاله فاستدارت بجسدها إليه وقالت باقتضاب حاجبيها:
_ لا. ليه.
ضيق عيناه بحيرة وقال باسمًا بجدية بسيطة:
_ لا يبقى الموضوع في حاجة مش هيّنة بقى طالما مش مضايقة مني. تعالي نتكلم جوا.
دخلت معه وأغلق هو الشرفة لتتجه ناحية الفراش وتجلس عليه. تنتظر أن يشاركها جلستها ويحكي لها ما الأمر الذي بدأ يثير فضولها هي الأخرى. رأته يقترب ليجلس بجانبها ويقول بنظرات واضح عليها الضيق والتذمر مع نبرة صوت مختلفة قليلًا عما كانت عليه قبل قليل:
_ لما إنتي مش زعلانة مني. ممكن أفهم إيه سبب تصرفاتك الغريبة من الصبح. بتختصري في الكلام وفيكي حاجة مش مظبوطة كدا.
هيمن السكون عليها للحظات تفكر في كلامه. هي بالتأكيد لا تقصد هذا ولكن منذ ليلة أمس في يوم ميلاده وبعد ماحدث بآخر جلستهم خجلت كثيرًا منه ولازالت خجلة حتى الآن. لذلك قد تكون تصرفاتها غريبة بعض الشيء وهو فسرها بطريقة عكسية.
ابتسمت بساحرية وقالت بخفوت جميل:
_ بيتهيألك ياكرم. مفيش حاجة نهائي.
_ لا والله وهو أنا عبيط يعني مش هفهم. ما إنتي كنتي إمبارح زي الفل وعملالي مفاجأة عشان عيد ميلادي لغاية ما.....
توقف عن الكلام عند تذكره آخر ماحدث بينهم. فطالعها بنظرات ثابتة يفكر ويربط كل شيء ببعضه. كيف لم يدرك الأمر من قبل. الآن فقط أدركه فافتر عن ابتسامة واسعة اظهرت عن اسنانه البيضاء وهو يهمس بمداعبة:
_ إمبارح. اممم ما أنا بقول برضوا في حاجة مش طبيعية.
كسا وجهها بلون الحمرة واطرقت رأسها لأسفل وهي تشاركه ابتسامة ولكن احلى. فزاغ هو بنظره عنها وضحك بصمت ثم عاد لها بوجهه وقال مشاكسًا في لطافة تذيب العقل:
_ طيب كنتي اديني إشارة فهميني حتى. مش سيباني كدا عمال اسأل نفسي مالها وحصل إيه.
لم يجد إجابة منها. فقط تنظر للأسفل مبتسمة باستحياء. فاستقام وهو يتنهد بعدم حيلة ضاحكًا واتجه للحمام. فتمددت علي ظهرها في الفراش فورًا وسحبت الغطاء لأعلى صدرها. محملقة في السقف تضحك بصوت خفيض على الموقف. دقائق قصيرة وخرج من الحمام ثم تحرك باتجاه الفراش من الجانب الآخر يتسطح عليه ويرمقها بنظرة بها شيء من اللؤم هامسًا بعد أن بسط ذراعه بجانبه يحسها على الانضمام لصدره:
_ تعالي ولا لسا مكسوفة.
القت عليه نظرة سريعة بطرف عيناها وأماءت برأسه في إيجاب ووجنتيها تحجرا بلون الدماء الأحمر. ليبتسم على خجلها الشديد والذي يؤكد له حقيقة واحدة أنها تحمل بداخلها براءة طفل. عم الصمت بينهم وهو يحدق أمامه بسكون فمالت بجسدها على الجانب الآخر توليه ظهرها حتى لا يرى اضطرابتها منه ومعالم وجهها التي تتلون بألف لون في الدقيقة الواحدة.
أصدر تنهيدة حارة مبتسمًا. وبدأ يشعر بأنه لا يتمكن من حجب رغبته بها. فاعتدل في نومته ناحيتها واختلس المسافة الصغيرة بينهم ليلف ذراعه حول خصرها ويضمها معانقًا إياها من الخلف. هامسًا في أذنها بنبرة مرحة وعاطفية:
_ إنتي مكسوفة بس أنا لا.
حبست أنفاسها لثواني واخرجتهم في زفيرها متمهلًا لتحاول السيطرة على بعثرة قلبها وجسدها بسبب اقترابه منها بهذه الحميمية. وسمعته يتمتم بحنو:
_ تصبحي على خير يا أميرتي.
ردت بتلعثم وتوتر:
_ وإاا.. وإنت من أهله.
لم يستمر اضطرابها كثيرًا حيث ارتخت أعصابها تدريجيًا لدفء جسده واغمضت عيناها بتلذذ وسعادة. تترك نفسها حتى تنغمس في النوم براحة بين ثنايا ذراعيه.
***
ساعات مرت وهو أمام الحاسوب النقال الخاص به يعمل بتركيز واهتمام. حتى عندما حضرت الطعام لم يأتي وقال بأنه لا يشعر بالجوع فتناولت طعام العشاء بمفردها.
كانت ترتدي منامة قصيرة من اللون الفوشيا وتترك العنان لشعرها الذي يميل للبنى. اقتربت وجلست بجواره متمتمة وهي تستند برأسها على كتفه:
_ زينو.
_ نعم.
أجابها وهو لا يرفع نظره عن الحاسوب فأكملت هي بملل ونظرات انوثية مع نبرة غنج ودلال:
_ مش كفاية شغل بقى ولا إيه. أنا زهقت تعالى اقعد معايا ياحبيبي.
لم يعيرها اهتمام حيث أجابها باختصار وعدم مبالاة دون أن ينظر لها حتى بسبب تركيزه على العمل:
_ لما اخلص هاجيلك ياملاذ.
زمت شفتيها للأمام بتذمر وهي تجيبه محتجة بخنق:
_ إنت حتى على العشا سبتني اتعشي وحدي. كفاية بقى أنا مليت من القعدة وحدي.
نظر لها أخيرًا بأعين قاسية وقال بعصبية غير مقصودة منه وصوت مرتفع نسبيًا:
_ مش فاضي ياملاذ. إنتي شيفاني فاضي. لما اخلص قولتلك هاجي اقعد معاكي.
ابتعدت عنه فورًا وطالعته بنظرة مستعجبة من أنفعاله عليها دون أي سبب. احتقن وجهها بغضب وضيق ثم هبت واقفة واتجهت للغرفة تشد على محابس دموعها المتجمعة في مقلتيها. أما هو فقد أدرك الخطأ بعد وقوعه حيث تأفف ماسحًا على وجهه بندم. لم يكن يقصد الانفعال. ولكن ضغط العمل ضغط عليه أيضًا فجعله يخرج عن نفسه الهادئة ويفقد أعصابه.
اغلق الحاسوب وقرر أن يكتفي بهذا القدر من العمل اليوم. ووقف وتحرك ناحية الغرفة لكي يعتذر منها ويحاول أن يبرر لها موقفه. فتح الباب ودخل ثم اقترب من الفراش ومدد نصف جسده وماله بنصفه العلوي عليها من الخلف ناحية كتفها طابعًا قبلة رقيقة مغمغمًا باعتذار صادق:
_ متزعليش مني. مقصدش والله انفعل عليكي وإنتي ملكيش ذنب. بس الشغل اليومين دول في ضغط شوية.
هزت كتفها بحركة نافرة لكي تبعد يده عن ذراعها وهي لا تنظر له. ففهم أن أمر الاعتذار لن يمر بسهولة. طبع قبلة أخرى ولكن على شعرها متمتمًا بخبث:
_ إنتي مش كنتي عايزة نقعد مع بعض. اديني جيت أهو.
اتاه صوتها الحازم دون أي لطف:
_ لا أنا عليا النوم وعايزة انام. تصبح على خير يازين.
التصق بها أكثر وقال بمكر أشد باسمًا:
_ ويهون عليكي تسيبي زينك يقضي الليلة وحده زي قرد قطع.
_ اهاا يهون. روح كمل شغلك أو نام. وابعد عني.
قالتها بامتعاض وجفاء فابتسم وقال ببساطة متصنعًا البراءة:
_ طيب ممكن احضنك عشان اعرف انام بنفس مرتاحة بس.
التفتت بجسدها له وجذبت الوسادة تضعها بين يديه هاتفة ببرود:
_ احضن المخدة اهي.
وعادت توليه ظهرها مجددًا. فينظر هو للمخدة بعلامات استفهام ويقول ساخرًا بقسمات محتقنة:
_ إيه شغل العزاب ده.
، وأنا احضن المخدة ليه ومراتي جمبي !
كتمت ضحكتها بصعوبة وإجابته بصوت حاولت خروجه طبيعيًا :
_ عقاب ليك
فهم أنه لا مفر من العقاب اليوم كما اوضحت له بصراحة للتو ، فزفر بنفاذ صبر والقى بالوسادة اسفل رأسه في عنف واغتياظ هاتفًا :
_ طيب ياملاذ
انطلقت على شفتيها ابتسامة عريضة لم يراها لأنها توليه ظهرها ، مرت لحظات طويلة حتى أغمضت عيناها مستسلمة للنوم ولكنه لم يدخل النوم لعيناه فنزل من الفراش وهو يتنهد باختناق ، وغادر الغرفة كلها ليمسك بكتاب القرآن الكريم ويجلس على الأريكة بالخارج ثم يبدأ في القراءة بصوت عذب وهاديء ........
***
سارت ميار وهي تحمل بيديها كوبين من القهوة الساخنة ، كان هو يجلس بحديقة المنزل على مقعد هزاز وثير وكبير يتسع لشخصين ، ويرجع برأسه للخلف مغمضًا عيناه في سكون .
لا تنكر أنها تنجذب له تدريجيًا دون أن تشعر ، وفقط تريد دوما أن تكون بقربه .. تخيفها بشدة هذه المشاعر وتحاول السيطرة عليها ولكنها تفشل في كل مرة هزيمة ساحقة ، وهو ينجح في أن يزيد من اشتعالها الداخلي !! .
اقتربت منه ووقفت أمامه ثم تنحنحنت برقة وهي تمد يدها له بكوب القهوة فانتصب شبه فزعًا في جلسته ، وطالت نظرته لها لثواني قليلة حتى التقط من يدها الكوب وقال بنبرة عادية :
_ شكرًا
رسمت ابتسامة خفيفة وهي تقف بتردد وتحتضن الكوب بيديها ، كانت وقفتها بها شيء من الاضطراب لا تعرف ماذا تقول لتوضح له رغبتها في الجلوس معه .. ولم يكن هو بالأحمق حتى لا يفهم هذا من نظراتها ، فأصدر زفيرًا طويل وافسح لها مكانًا بالمقعد دون أن يتفوه ببنت شفه ، لترمقه هي بنظرة مرتبكة وتجلس بجواره تحملق في السماء بسكوت لدقائق ، وكان الصمت هو سيد الموقف بينهم .. ولكنها تختلس إليه النظرات خلسة دون أن يلاحظ ، وما ادركته من قسمات وجهه أنه متضايق من شيء ، فترددت في البداية وخشيت من أن تسأله فيكون الرد منه قاسي ! ، ولكن حسمت قرارها بعد تفكير عميق وقالت بصوت خفيض ومضطرب :
_ ينفع اسألك مالك ولا مينفعش ؟!
استقرت عيناه عليها للحظات بأعين ثاقبة مستعجبًا سؤالها حتى زاغ بنظره وأجاب بغلظة :
_ لا مينفعش
أماءت بإحراج وعادت تثبت نظرها على السماء ومن ثم عادت تتحدث بعد لحظات ولكن هذه المرة كانت بعفوية دون تفكير وعيناها لا تزال معلقة بالسماء :
_ تعرف إن تقريبا بتولد كل يوم 276 مليون نجم
_ شكًرا على المعلومة .. بس أنا معنديش مزاج دلوقتي للحكاوي اللي ملهاش لزمة دي
رمقته بأسى وهبت واقفة تقول باعتذار :
_ أنا آسفة ياعلاء
أدرك في نفس اللحظة ما قاله فاسرع ومسك برسغها هاتفًا بهدوء :
_ اقعدي .. أنا مقصدش
_ عادي .. أنا هطلع الأوضة فوق وهنام
_ اقعدي قولت ياميار !!
قالها بلهجة شبه آمره فتنهدت بعدم حيلة وجلست من جديد لتجده يسألها بطبيعية بعد وقت قصير :
_ حصل إمتى موضوع الصور ده ؟
حملقت به في ريبة من سؤاله ، ثم أجابت بخفوت وهي لا تنظر له :
_ قبل ما ننزل مصر بأسبوع
_ كان بيحاول يتقرب منك إزاي قبل اللي حصل ؟
ازدادت نظراتها حيرة من إهتمامه بالأمر واسألته ، ولكن لم تعقب وفضلت بأن تجيب عليه دون مناقشة حيث غمغمت بنبرة أكثر خفوتًا :
_ عن طريق إنه يفتح معايا كلام بأي شكل مثلًا ، أو إنه يقرب مني على سبيل إني صديقته المفروض ، أنا في البداية مكنتش فاهمة ده بس بعدين بدأت أفهم تصرفاته وبقيت اتجنبه وابعد عنه
_ وإنتي كنتي تعرفيه منين ؟!!
غضنت حاجبيها بفضول حقيقي هذه المرة حيث سألته بفضول :
_ هو في إيه !! .. إنت إيه اللي فكرك بالموضوع ده دلوقتي ؟!
هتف بصوت رجولي أجش :
_ هتعرفي قريب في إيه .. جاوبي من غير اسئلة دلوقتي
زمت شفتيها بعدم فهم وأجابت عليه كما أمرها :
_ كنا مجموعة اصدقاء من الكلية مع بعض وهو اتعرفنا عليه من فترة قريبة ومكنش في حد بيستلطفه فينا أساسًا
هز رأسه بتفهم ثم هب واقفًا وهم بالانصراف لتعتري طريقه وتقول بفضول حقيقي وحيرة :
_ مش هتقولي في إيه ؟!
_ قولتلك هتعرفي قريب .. أنا طالع الأوضة خلصي قهوتك وتعالي ورايا
ثم تركها واتجه للداخل ، لتظل هي بمكانها تحاول توقع أي شيء ، أو اختراق عقله حتى ومعرفة ماهو الذي ستعرفه قريبًا ، ولكن دون جدوي .. تأففت بقوة في غيظ وجعلت ترتشف من القهوة وهي لا تتوقف عن التفكير مع ذلك !! .......
***
على الجانب الآخر ......
انتفض واقفًا من فرط الغضب وهو يصيح بانفعال هادر ونبرة مرعبة :
_ اتجوزت ومحدش له علم فينا
أجابت زوجته ساخرة بلؤم :
_ ماهي بنت اخوك ماشية على حل شعرها من زمان مش جديد عليها يعني
كانت ريماس تتابع صياح أبيها وازدراء أمها بسكون لا تجيب على أي منهم ، لا ترى في فعل ابن عمها شيء مخالف بالأخص بعد الذي فعله " جاسر " معها ، وهناك علاقة شبه منقطعة بينهم منذ ذلك الوقت ، فلماذا تأخذ رأى عمها أو تخبره حتى !! .
تحدثت ريماس بامتعاض :
_ جاسر سافر وشكله ناوي يعمل مصيبة
صاح الأب بسخط امتزج ببعض الاستنكار :
_ وإنتي فكرك إني هسيب بنت أخويا لابن العمايري ده .. أنا لولا سيف وإنه كان واقفلي في الوش وقاطع علاقته بينا بسبب عملة أخوكي المهببة كان زماني جوزتها لجاسر من زمان ، بس خلاص دلوقتي بقى لازم اتدخل
تبادلت زوجته نظرات الريبة مع ابنتها ، ورجعت بعيناها تثبتها على زوجها وتقول بتساءل :
_ هتعمل إيه ؟
_ جهزوا نفسكم عشان هنرجع مصر بكرا ورا جاسر
قالها بصرامة ولهجة لا تقبل النقاش أو الرفض ، ثم غادر الغرفة وتركهم ينظرون لبعضهم بدهشة ، وماهي إلا لحظة حتى أصدرت الأم ضحكة بسيطة وسعيدة قائلة بنظرات ليس بها أي شيء من الود بل كلها نقم وبغض:
_ وأخيرًا هنطلع من ورا عمك وولاده بفايدة !
***
يحتجزها بالمعنى الحرفي !! ، كسجين يقضي عقوبته على ذنب اقترفه .. وهو لا يفهم أنه هكذا يزيد من الفجوة بينهم ولن تعود له أبدًا وستصر أكثر على الانفصال .
ظلت تجوب بالغرفة إيابًا وذهابًا وهي تترنح من فرط العصبية والغيظ ، لا يمكنها البقاء معه بنفس المنزل .. باتت لا تريده معها ، لا تثق به ، ولا تريد حبه ، وفقط تريد شيء واحد وهو نزعه من فؤادها وهذا لن يتم وهي مقيمة معه بمنزل واحد وبعد أن عادت زوجته .. حكت ذقنها وهي تفكر بصوت عالي هامسة " أكلم بابا وعلاء طيب ! .. لا لا لو بابا عرف هتحصل مشكلة وهيرجعني مصر وأنا مستحيل ارجع ، أعمل إيه ياربي .. أعمل إيه ؟!! ، فكري يايسر .. فكري " لمعت بذهنها فكرة شيطانية فابتسمت بوعيد له .
رأت الباب يفتح ويطل هو بهيئته من خلفه حاملًا لها الطعام فرمقته شزرًا وهو يقترب باتجاه الفراش ويضع الطعام فوقه متمتمًا بلطف ونبرة مهتمة :
_ كلي يايسر مينفعش تقعدي من غير أكل
قالت بثبات ولهجة بها شيء من الآمر مع نظرات منذرة :
_ مش عايزة حاجة من وشك .. افتحلي الباب وخليني امشي
تنهد بنفاذ صبر قائلًا بإصرار :
_ قولتلك مش هتروحي مكان ، اديني فرصة أخيرة وبعدها احكمي عايزة تكملي ولا تنفصلي
صرخت بهسترية واستياء عارم :
_ إنت مجنون !! ، حابسني وتقولي اديني فرصة .. لا والمفروض اقولك موافقة وهقعد معاك مثلًا
استقرت نظرات حزينة منه عليها فهي لا تفهم شدة شوقه لها وأنه لا يطيق ابتعادها عنه ليوم آخر .. أما هي فهدأت ثورتها في لحظة وقررت أن تبدأ في خطتها .. تحركت ناحيته وهي تقول بقوة ونظرة شرسة :
_ أنا عندي استعداد دلوقتي ابعت لبابا صورك واقوله إنك خنتني وده سبب طلاقنا وابعتله التسجيلات وكمان أقوله على اللي عملته معايا وإنك خلتني اجهض الطفل ومديت إيدك عليا وقولتلي إنك هتسقطني بنفسك لو منزلتهوش ، وشوف بعدها اللي هيحصل بقى ! .. بابا وعلاء مش هيخلوك تحاول بس تقرب مني مش إني أفضل مراتك ، وحتى اخواتك وأمك هيقفوا ضدك ، وهتبقى فعلًا خسرت كل حاجة ، فالبذوق كدا طلعني وخليني ارجع لخالتو وملكش دعوة بيا تاني لغاية ما نتطلق بشكل نهائي
تفعلها .. لا يشك في ذلك ، هو لا يخشى من شيء سوى من ردة فعل عمه .. فإن عرف بكل هذا لن يسمح له بأن يقترب منها مطلقًا كما قالت ، والآن هو لن يستطيع بأن يجازف بالمتبقى من علاقتهم للأبد في حيث أنه يحاول كسبها من جديد ، وإلا سيكون لا مجال للعودة بالفعل هذه المرة إن كشف كل ماحدث بينهم للجميع .
حسن بنظرة تحمل بعض الرجاء والعجز في آن واحد أمام اخطائه التي لا تغفر :
_ يسر أنا مش عايز اخسرك بجد .. بلاش تضغطي عليا من النقطة دي
_ أنا قولت اللي عندي ياتسبني ، يإما صدقني هقوله ومش هيفرق معايا أي حاجة المرة دي وسعتها هتكون إنت الخسران
لحظات طويلة استغرقها وهو يحملق بها ، يخشى خسراتها ، ويريدها معه .. ولكنه فكر من الجانب الآخر بإن أسلوب القهر والإجبار معها لن يجدي سوى النتائج السلبية ، ولن يتمكن من استعادة قلبها بهذه الطريقة أبدًا .. ولكن ماذا عن " راسل " هل سيتركها تعود لخالتها وتكون معه دومًا !! ، لا ، هو لا يحتمل بقاء ذلك السمج حولها ، إذا كيف يتصرف حتى يرضي كلاهما ؟! .
تحدث أخيرًا بنبرة رجولية صلبة :
_ تمام موافق .. أنا مش هجبرك على حاجة مش عايزها ، بس خلينا نتفق بينا على اتفاق
ارتخت عضلات وجهها ورفعت حاجبها مستنكرة وهي تجيبه ببعض الفضول :
_ اتفاق !! .. طيب قول خلينا نشوف
هدر بحزم وصوت أجش :
_ خالتك طول ما راسل موجود في البيت مستحيل اوافق تقعدي معاها حتى لو هتقولي كل حاجة لعمي ، فأنا عندي حل أفضل .. أنا ممكن اشوف بيت فيه شقتين وإنتي تقعدي في شقة وأنا في شقة وبكدا مش هتكوني معايا في بيت واحد زي ما إنتي عايزة ، ووعد مني مش هضايقك خالص ومش هقرب منك .. تمام
هتفت بعناد وغضب :
_ لا مش تمام ..
ماهو برضوا هفضل في وشك في النازلة والطالعة وأنا مش طايقة أشوفك. ثم إنك إيه اللي يقعدك معايا هنا؟ ارجع مصر!
_ في شغل هنا هخلصه، ولغاية ما أخلصه متتوقعيش إني هسيبك تقعدي في بيت لوحدك وفي بلد غريبة. أو إني أخليكي تقعدي مع الكائن الملزق ده. وبخصوص إنك هتفضحي كل حاجة، أنا لو عايز أتصرف وأطلع نفسي من الموضوع نهائي هعملها. بس أنا مش حابب أجبرك على حاجة زي ما قولت. وماشي وراكي زي ما إنتي عايزة لغاية النهاية عشان أثبتلك إني باقي عليكي ومش مستعد أخسرك.
لوت فمها بعد اقتناع وقالت باقتضاب:
_ ده العرض، فين بقى الاتفاق؟
أخذ نفسًا عميقًا وغمغم بثبات تام ونظرة جادة:
_ الاتفاق إن محدش هيكون ليه دعوة بالتاني. لا أنا هدخل في خصوصيتك ولا العكس. وكل واحد في حاله. حلو كدا ولا لسا في حاجة تاني حابة تضفيها؟
_ ولما محدش له دعوة بالتاني.. عايز تقعد في نفس البيت ليه معايا؟
_ عشان تبقي قدام عيني وأكون مطمئن. هااا قولتي إيه؟
زمت شفتيها بامتعاض وقد بدا عليها أنها اقتنعت. وحدقت به مطولًا ثم قالت بحدة ونظرات مشتعلة:
_ موافقة بس بشرط.. هتبدأ في إجراءات الطلاق من بكرة بحيث إنك لغاية ما تكون خلصت الشغل بتاعك ده، تكون الإجراءات خلصت واطلقنا.
حسن بضجر ونبرة مرعبة:
_ طلاق لا يا يسر. قولتلك انسي الطلاق ده. على الأقل دلوقتي حتى.
_ يبقى ألغي الاتفاق ومش موافقة.
تأفف بصوت عالي ونفاذ صبر وهو يمسح على وجهه. وقرر بأن يسايرها في رغبتها ويقنعها بأنه خضع وقبل شرطها:
_ خلاص يا يسر، ماشي موافق. هبدأ في الزفت. في حاجة تاني؟
استدارت تعطيه ظهرها وهتفت على مضض:
_ البيت ده تشوفه من الصبح عشان نروح من بكرة بليل.
جز على أسنانه وقال مغتاظًا:
_ حاضر. في أي أوامر تاني؟
_ اهااا اطلع ومتدخلش تاني الأوضة، عشان لما بشوفك بتعصب.
استنشق شهيقًا طويلًا وأخرجه زفيرًا قوي حتى يهدأ من غيظه. والتفت متجهاً ناحية الباب وانصرف كما طلبت أو أمرت بالأصح!
***
في الصباح التالي.......
كانت تقف أمام المرآة تسرح شعرها غير منتبهة له مطلقًا. بينما هو فكان متمددًا على الفراش ويحدق بها شارد الذهن. أشياء كثيرة تجوب بعقله، أولهم حادث أخيها، وكانت نفسه تحدثه بأنه قد يكون هو الشخص الذي كان يبحث عنه. خرج صوته بعد دقائق من الصمت القاتل بينهم:
_ ملاذ هو حصل إيه بالظبط لإسلام؟
التفتت له برأسها وتمتمت بتعجب من سؤاله:
_ قصدك على رجله؟
هز رأسه بالإيجاب فقالت بهدوء وهي تعود برأسها للمرآة مجددًا وتكمل تسريح:
_ ما أنت عارف إنه عمل حادث.
_ متعرفيش إمتى وفين؟
انتابها الحيرة حول أمره. ومع ذلك أجابت بنفس النبرة السابقة:
_ من عشر سنين في منطقة اسمها ( ... ) تقريبًا. واللي خبطه منعرفش مين لإن المكان كان طريق فاضي ومفهوش أي كاميرات أو محلات. يعني هو خبطه وهرب.
نفس المنطقة وهو أيضًا لم يبالي وتركه وفر. الاحتمال الأكبر أن يكون هو ذلك الشخص. وقد يكون الله سبحانه وتعالى يختبره بأصعب الامتحانات. من جهة زوجته وحبيبته ومن جهة أخرى أخيه. انتصب في جلسته وأنزل قدميه من على الفراش وهو يحلق في اللاشيء أمامه مهمومًا لدرجة أنه لم يسمعها وهي تسأله بريبة:
_ إنت بتسأل ليه؟
انتظرت ملاذ لحظات طويلة أن تحصل على رد منه ولكن لا حياة لمن تنادي. وكأنه تحنط مكانه لا يصدر صوت ولا حركة! قلقت حياله وفهمت بأن هناك شيئًا ليس هينًا يحدث معه. فنهضت من مقعدها أمام المرآة وتحركت لتجلس بجانبه وتقول باهتمام:
_ زين في إيه مالك؟
انتبه أخيرًا لصوتها فنظر لها وهز رأسه بالنفي هاتفًا بتشتت ونظرات زائغة بعد أن أدرك سؤالها بصعوبة بسبب شروده ونفسه المضطربة:
_ مفيش حاجة.. أنا هطلع أقعد برا.
استقام واتجه إلى خارج الغرفة. وظلت هي تعلق نظرها على أثره والأسئلة تتناطح في رأسها حول تصرفه الغريب. تحاول إيجاد تفسير لنظراته الفارغة ولون وجهه المسلوب منه الدماء. ولكنها لم تصل لإجابة مقنعة!
***
تنتقل لهنا وهناك بالمطعم وتتابع بعض الأعمال بدقة شديدة وتركيز. لم يتبقى سوى أيام قليلة على الافتتاح والجميع في جلبة. كانت تمسك بمجلة صغيرة بها أشكال مختلفة من الطاولات بمختلف الألوان. وغيرها من أشكال وألوان لطلاء حوائط. الخ. وجدت صعوبة في الاختيار بمفردها ففكرت بأن تذهب لـ "إسلام" ليساعدها في الاختيار ويبدي رأيه. نهضت وقادت خطواتها نحو الغرفة الداخلية في المطعم حيث يجلس. وقفت أمام الباب وضمت كفها تمدها لتطرق ولكن سماعها لصوته وهو يتحدث في الهاتف ويذكر اسمها. جعلها تتسمر مكانها وتسمع ما يقوله باهتمام.
_ رفيف مش هتقبل. أنا خايف يا معاذ ومش مستعد حاليًا إني أواجه رفضها اللي هو أكيد هيحصل.
"عن أي رفض يتحدث؟" دار السؤال في ذهنها كالآتي. وعادت تصغي أذانها مجددًا لتسمع جملته التالية بعد لحظات من السكوت وتلحقها الصدمة فتجمدها كما هي في وقفتها.
_ طيب.. طيب لما يرجع زين هكلمه وأطلب إيدها منه.
رواية ضروب العشق الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندى محمود توفيق
وكأن صاعقة من السماء أصابتها بأرضها حيث فغرت شفتيها وعيناها بذهول.
عقلها يجد صعوبة في استيعاب ما دخل لأذنيها للتو.
أقنعت ذهنها بسخافة حتى تهدأ من روعها بأنه لم يكن يقصدها بالتأكيد.
ثم عاد يقول: "ولكنه نطق اسمي وقال سينتظر عودة زين!!"
هزت رأسها بالنفي رافضة تصديق ما سمعته وتراجعت للخلف حتى ترحل دون أن يشعر بها.
ولكنها اصطدمت بمزهرية صغيرة وأصدرت ضجيجًا مرتفعًا.
انتفضت كالتي لدغتها عقرب واستدارت بكامل جسدها تحدق بالمزهرية في صدمة.
جزت على أسنانها بغيظ متمتمة:
"مش وقتك دلوقتي"
همت بأن تتركها وتفر قبل أن يخرج.
ولكنها سمعت صوته يقول بهدوء:
"رفيف!"
اغمضت عيناها بقوة مقوسة وجهها بارتباك وغيظ من نفسها.
لتأخذ نفسًا عميقًا وتلتفت بجسدها إليه مبتسمة ببلاهة وتوتر ملحوظ.
طال نظرهم لبعضهم.
هو ينتظر منها أن تبدأ وهي لا تعرف ماذا تبرر حتى تفر من أسئلته.
فقالت بعد لحظات من الصمت القاتل بنبرة متلعثمة:
"أنا كـ.. كنت جاية أااا... كنت جاية.. كنت جاية ليه؟!"
لم يتمكن من حجب ضحكته حيث أجابها ضاحكًا ببعض الجدية:
"مالك يارفيف؟"
تمالكت نفسها قليلًا وهتفت بإيجاز وارتباك مازال واضح:
"آه كنت جاية أوريك حجات وآخد رأيك بس سمعتك بتتكلم في التلفون وكنت ماشية.. مش مشكلة لما تخلص مكالمتك نبقى نتكلم"
وفي اللحظة التالية بالضبط استدارت وفرت من أمامه كالسهم.
فظل هو بمكانه يفكر بما قالته بالآخر وسؤال واحد يطرحه في ذهنه:
"هل سمعت شيء ياترى؟"
***
طرق على الباب كان قوي بعض الشيء.
غضنت حاجبيها باستغراب ثم جذبت حجابها وذهبت لتفتح.
فوجدته الحارس ويحمل بيده علبة متوسطة الحجم من اللون الوردي.
نقلت نظرها بينه وبين العلبة بريبة حتى رأته يمد يده بالعلبة هاتفًا برسمية:
"في واحد جاب العلبة دي ياهانم وقال إن كرم بيه اللي بعتها"
ضيقت عيناها بحيرة وتعجب عند سماعها لاسم زوجها.
ولكنها قالت بجدية وهي تأخذها منه:
"طيب ياسعيد روح إنت خلاص"
أماء لها بإيجاب واستدار ليتجه إلى باب المنزل الرئيسي يكمل مهمته وهي الحراسة.
أما هي فأغلقت الباب وعيناها معلقة على العلبة التي بيدها وتفكر بفضول مالذي بداخلها ولما يرسلها كرم!
كانت على وشك أن تفتح الشريط الستان الملفوف حولها حتى تفتحها.
ولكن سمعت رنة هاتفها الصاخبة بالغرفة فاسرعت إليه لتمسك به وتتطلع إلى اسم المتصل وتبتسم بتلقائية ثم تجيب عليه في رقة:
"نعم!"
اتاها صوته الحاني وهو يقول بترقب:
"وصلت العلبة؟"
نظرت إليها في يدها وهي تجيبه بتساؤل وعينان ضاحكة:
"اممم وصلت فيها إيه دي بقى؟"
تمتم بنبرة عاطفية قد تكون جديدة بعض الشيء وامتزجت ببعض المكر:
"افتحيها وهتعرفي"
همت بان تجيب عليه ولكن سمعته يهتف بنبرة متعجلة وخافتة:
"شفق أنا هقفل دلوقتي، عشان في واحد تبع الشغل كنت مستنيه ووصل.. لما اخلص هكلمك"
"تمام"
انهت معه الاتصال وجلست على الفراش ثم بدأت في فك الشريط ورفعت الجزء العلوي من العلبة.
فرأت رداء مطوي بانتظام داخلها كان من اللون الرصاصي.
ابتسمت باتساع واخرجته تفرده أمامها بتشويق لرؤيته كاملاً.
كان قصير يصل للركبة ونصفه العلوي مطرز بورود من نفس لونه وبأكمام طويلة وشفافة ولديه فتحة ظهر واسعة قد تظهر نصف ظهرها.
فغرت عيناها بإنبهار من جماله ووقفت تضعه على جسدها تنظر لنفسها في المرآة بوجه ضاحك.
فصك سمعها صوت رسالة وصلت للتو على هاتفها منه لتفتحها وتقرأ ما دونه بها:
"البسيه بليل يا أميرتي"
كادت ابتسامتها الخجلة تشق طريقها حتى اذنيها.
وبداخلها تتساءل عن السبب الذي دفعه لشرائه!
ولماذا ترتديه بالأمس خصوصًا؟
***
لا يمكن أن يكون هو!!
هل كان يبحث عنه طوال هذه السنوات وهو قريب منه!
والمشكلة الكبرى تكمن بزوجته كيف سيخبرها وسيبرر لها الأمر.
كيف سيخبرها بأنه السبب في عذاب أخيها لعشر سنوات كاملين!
هل ستتفهمه أم ستعصف وتغضب وتتركه؟
وماذا إن عرفت بأنه كان مدمن وفي تلك الليلة كان ليس بوعيه وعائدًا من سهرة مع اصدقائه!
حتمًا لن يمر الأمر مرار الكرام وستقع الفجائع بسببه.
وهو ليس لديه الجرأة ليخبرها بكل شيء!
كان يقف بالمطبخ وبيده كوب الماء يرتشف منه وعيناه حمراء كالدم لا يرى أمامه من فرط غضبه ونقمه على نفسه المذنبة.
ولو هلة تمنى في قرارة نفسه وقال:
"ليتني لم اقابلك ولم اتزوجك! ليتنا تطلقنا!"
تفاقم سخطه حتى وصل لذروته فالقى بالكوب الزجاج على الأرض في عنف ليتناثر إلى جزئيات صغيرة في كل مكان.
أتت مهرولة على أثر صوت كسر الكوب وقبل أن تخطو خطوة واحدة إلى داخل المطبخ اتاها صوته الخشن وهو يهتف شبه آمرًا:
"خليكي عندك متدخليش!"
ثم انحنى على الأرض وأخذ يلم قطع الزجاج الكبيرة بيده.
فقالت هي باهتمام:
"زين بتعمل إيه هتتعور!!"
نظرت على الأرض وسارت إليه في الداخل بحرص حتى لا تدخل زجاجة في قدمها.
وقبل أن تصل إليه وجدته يرفع يده عن الأرض بألم ويمسك بكفه الذي جرح وبدأ يذرف الدماء.
فشهقت بهلع وانحنت إليه تهدر معاتبة في استياء من عناده:
"شوفت أهو اتعورت! قوم تعالى معايا هحطلك مطهر ولازق طبي"
هب واقفًا وفتح صنبور الماء يضع يده اسفله ليزيح الدماء هاتفًا بصلابة:
"مش مستاهلة هيقف وحده"
عقدت حاجبيها بريبة من أمره وقالت بحزم وهي تسحب كفه من أسفل الماء هاتفة:
"كدا هيزيد مش هيقف.. تعالى يلا"
وجذبته من يده ناحية الغرفة شبه عنوة واجلسته على الفراش.
ثم جذبت المطهر وقطنة وجلست بجواره تمسك بيده وتضع عليها القطنة التي سكبت القليل من المطهر فوقها.
فاغمض هو عيناه متألمًا.
ثم رفعت يدها ووضعت اللازق الطبي على الجرح وقالت بتدقيق وخفوت بعد أن ثبتت نظرها عليه:
"مالك يازين إنت مضايق من حاجة؟"
مسح على وجهه وقال مهمومًا بزفير قوي:
"قولي في إيه مش مضايقك"
اقتربت منه أكثر ومدت اناملها لذقنه تدير وجهه تجاهها هامسة بنبرة حانية وأعين دافئة:
"احكيلي ياحبيبي وارمي همومك عليا"
لمعت عيناه بالدموع وغمغم بيأس وخوف:
"ياريت اقدر احكيلك.. بس صدقيني مش هقدر!"
"ليه؟!"
سألت باستغراب فادرك هو ما قاله ولملم شتات نفسه ليظهر الثبات أمامها ويحتضن وجهها بين راحتي كفيه.
ثم يقترب بشفتيه من جبهتها ويطبع عليها قبلة رقيقة.
ويترك وجهها ليلف ذراع حول خصرها والأخر أعلى ظهرها يضمها إليه ويدفن وجهه بين ثنايا رقبتها يلثمها بقبلات متعددة وحانية هامسًا بصوت عاشق:
"بحبك أوي ياملاذي"
ضيقت عيناها بحيرة من تصرفاته الغريبة ونبرته المختلفة.
ولكنها ابتسمت بحب وهمست تبادله نفس المشاعر:
"وأنا كمان بحبك ياروح ملاذك"
***
انتهت من ارتداء ملابسها والقت نظرة أخيرة على مظهرها في المرآة قبل أن تستدير وتغادر الغرفة.
هبطت الدرج بثقة وثبات حتى وصلت إلى آخر درجاته.
فرأته يجلس على مقعد وبيده كوب الشاي خاصته يرتشف منه بهدوء.
تصنعت عدم رؤيته وأكملت طريقها باتجاه الباب.
ولكنها سمعت صوته الرجولي يهتف:
"يسر رايحة فين؟"
وقفت وتأففت بخنق لتجيبه دون أن تلتفت له:
"حاجة متخصكش"
واستمرت بسيرها حتى وصلت إلى الباب ومدت يدها للمقبض.
فجذبها هو قبل أن تفتحه هاتفًا بصرامة:
"يعني إيه ميخصنيش!!"
سحبت يدها بعنف هاتفة بقوة:
"لو فاكر الاتفاق اللي اتفقناه امبارح كان محدش ليه دعوة بالتاني صح ولا لا.. يعني إنت ملكش حق تسألني"
ليس لديه حق!!!
كان على لحظة وسيفقد أعصابه ويذكرها بأنه زوجها.
ولكنه هو الذي اختار هذا الاتفاق وسيضطر بأن يلتزم بشروطه إلى النهاية.
تمتم بهدوء مزيف:
"صح يا يسر.. بس مفهاش حاجة لو قولتيلي رايحة فين وخصوصًا إننا مش في مصر"
لوت فمها وقالت باقتضاب:
"رايحة لخالتو اتصلت بيا وكانت عايز تجيني وتاخدني هي وراسل.. بس قولتلها أنا هجيلك وهتكلم معاها وافهمها"
تجاهل سماعه لاسم ذلك السمج.
وقال بنبرة حازمة:
"طيب تعالى هوصلك يلا"
صاحت به مندفعة بغضب:
"وتوصلني ليه!!.. حسن ابعد عني أنا مش طيقاك أساسًا"
ابتعد من أمامها وعاد إلى مكتبه ليجذب مفاتيحه وهاتفه ويلحق بها.
كانت على وشك أن تقف سيارة أجرة ولكنه جذبها من ذراعها هاتفًا وهو يشير بعيناه على السيارة:
"يلا"
دفعته صارخة بانفعال:
"متلمسنيش فاهم ولا لا"
رفع كفيه عنها متمتمًا باستسلام واعتذار:
"أنا آسف.. يلا اركبي"
رمقته باشمئزاز ثم تحركت باتجاه الشارع واوقفت سيارة لتستقل بها غير مبالية له.
كور قبضة يده يجاهد في السيطرة على طوفانه العاتي وهو يرى تلك السيارة تتحرك بها.
التفت باتجاه سيارته وركلها بقدمه في عنف يفرغ بها شحنة غيظه المكتظة بداخله ويتمتم متوعدًا وهو يفتح الباب ليستقل بمقعده المخصص للقيادة:
"ماشي يايسر.. أنا وإنتي والزمن طويل لما نشوف أخرة عنادك ده"
ثم حرك محرك السيارة وانطلق وهو يكمل وعيده لنفسه مهمهمًا:
"قال اطلقك!!.. تبقى بتحلمي.. ودلوقتي جه دوري عشان اوريكي الجنان على أصله!!"
***
انضم إليها وجلس على المقعد المقابل إليها في الطاولة.
فتحات هي النظر إليه بارتباك ملحوظ في قسمات وجهها.
مما جعل الشك يتعشش أكثر بداخله بأنها قد سمعت حواره مع صديقه.
وبالرغم من ذلك لم يستمع لأفكاره واقنع نفسه بأن الأمر لا يخص ذلك الشيء.
سألها بابتسامة هادئة:
_ ها وريني عشان اختار معاكي.
أماءت له برأسها وفتحت المجلة ثم وضعتها في منتصف الطاولة بينهم، وبدأت تملي عليه رأيها في بعض الأشياء ليشاركها هو برأيه الذي كان متفقاً معها في بعض الأشياء والآخر مختلفاً. وما لاحظه أن ارتباكها لم يهدأ، بل كما هي على وضعها، فانتابه الفضول بشدة حول السبب ليسألها بوضوح دون مراوغة:
_ رفيف، هو انتي سمعتي كنت بقول إيه في التليفون لما جيتي؟
تسارعت نبضات قلبها وشحب لون وجهها. انعقد لسانها ولم تجد الكلمات المناسبة لتجيبه بها. طال صمتها لثوانٍ طويلة وهي ما زالت في اضطرابها لا تتمكن من الفرار. فاصابتها حالة من الغضب.. ليست عليه بل من نفسها، حيث وجدت نفسها تهتف شبه منفعلة وبتلعثم:
_ اسـ.. اسمع إيه يعـ.. يعني؟ ثم إن قصدك إيه يا بشمهندس إني سمعت حاجة.. هكون بتصنت عليك مثلاً ولا إيه؟
قالت آخر جملها وهبت واقفة، ليسرع هو ويستقيم من مقعده متمتماً بصدق واعتذار:
_ لا والله مش قصدي كدا أبداً. أنا آسف حقك عليا لو ضايقتك. ممكن تقعدي عشان نكمل الشغل.
حدقته بأعين زائغة وبداخلها تحمد ربها بأنها تمكنت من الهرب منه! ثم جلست مجدداً، وهو يقسم بداخله أن هناك شيئاً ليس بطبيعياً بها، وحتماً سمعت شيء ويجعلها متوترة هكذا. لم يشغل تفكيره كثيراً الآن بهذا الأمر حتى لا يزعجها أكثر، وأكملا عملهم برسمية شديدة كالعادة. وبعد انتهائهم، هي رحلت أولاً وتركته يفكر ويفكر.. ليس بما حدث اليوم فقط، بل بكيف سيفاتح "زين" بأمر الزواج وماذا سيفعل. وهل ستوافق وتقبل به أم سترفض كأي امرأة بمحلها!
***
التقطت من كف خالتها كوب العصير وارتشفت منه بهدوء، ليأتيها صوت خالتها الغاضب:
_ هو لعب عيال يعني إيه يطلقك ويردك؟
يسر بخفوت:
_ خالتي أنا مبقتش قادرة أعيش مع حسن، أو بالأحرى معنديش استعداد إني آجي على نفسي عشان خاطره تاني أو أغامر باللي باقيلي من كرامتي. وهو ميستهلش أساساً.
قالت الخالة في ضجر:
_ ولما هو ميستاهلش بتقوليلي إنك هتقعدي معاه دلوقتي ليه؟
هيمن عليها الصمت للحظات وهي تبحث عن إجابة تقنع بها نفسها قبل محاولتها لإقناع خالتها. بلا جدوى! أجلفت نظرها أرضاً وهي تقول بأسى:
_ مش عارفة.
_ لو بس تريحيني يا بنتي وتفهمني إيه اللي حصل بينكم.
تنهدت طويلاً وقالت بنبرة بائسة:
_ مش هتفرق سواء حكيت أو لا يا خالتي.. أنا بس هشوف آخرتها معاه. وافقت أقعد معاه الفترة دي بس لغاية ما نتطلق.
ملست على كفها بحنو هامسة في نظرات حانية:
_ ربنا يصلح حالكم يا بنتي.. أكيد ما يرضناش أنا وأبوكي وأمك نشوفك مطلقة. وطالما انتي عايزة تقعدي معاه وتديله فرصة تاني براحتك.
تشدقت يسر بحدة وغيظ:
_ لا أنا مقلتش هديله فرصة. ومستحيل اديله فرصة، قرار الطلاق قرار نهائي بنسبالي. ليه اديله فرصة تاني عديم الإحساس والغبي ده؟ أساساً هو ميستهلش الحب اللي حبتهوله واللي عملته عشانه.
ضحكت خالتها بخفة على نقمها منه وطريقتها العدوانية وهي تتحدث عنه. ثم هبت واقفة وقالت وهي تتجه ناحية المطبخ:
_ طيب تعالي هوريكي كام حاجة عملتها.
استقامت ولحقت بخالتها. وتتمتم لنفسها مستنكرة باستياء: "اديله فرصة! هو أنا عبيطة عشان اسمحله تاني يستغل حبي ليه؟" سمعت صوت خالتها وهي تصيح منادية عليها أن تأتي، فاسرعت في سيرها تجاه المطبخ.
***
في المساء.........
كان يجلس أمام المسبح وينزل قدميه في الماء. ينحني بظهره للخلف مستنداً على كفوفه الموضوعة على العشب القصير وعيناه معلقة على السماء يتابعها بشرود. فخرجت هي من المنزل وكانت ترتدي منامة قطنية قصيرة وضيقة تصل إلى فخذيها. اقتربت منه حتى جلست بجواره وانزلت هي الأخرى قدميها في الماء متمتمة في رقة:
_ سرحان في إيه؟
لم ينزل نظره عن السماء حيث أجابها بهدوء تام ونبرة جادة:
_ فيكي.
ضيقت عيناها ومن ثم رسمت ابتسامة عريضة على شفتيها لتجيبه بفضول:
_ بتفكر في إيه فيا بقى؟
لم تجد منه رد وكان ساكناً كما هو لا يتحرك. فلوت فمها بيأس وفهمت أنه لا يزال مهموماً. بالرغم من أنها لا تعرف سبب ضيقه إلا أنها لم تضغط عليه وفضلت تركه على راحته حتى يشعر بنفسه مستعداً لكي يسرد لها ما يغضبه. ولحين هذا الوقت بالتأكيد لن تتركه مهموماً هكذا. ابتسمت بخبث ثم لفت ذراعها حول ظهره من الخلف متصنعة معانقته وبحركة غدر منها لم يكن متوقعها.. ألقت به في الماء فالتقط أنفاسه بعد أن أخرج رأسه من أسفل الماء ومسح على وجهه يزيح الماء عنه ويرجع خصلات شعره للخلف. استقرت منه نظرة نارية عليها بالأخص بعدما رآها تضحك وتقول بشماتة:
_ أيوة الميا حلوة وهتخليك تفك بدل ما أنت قالب وشك من الصبح في وشي وكأني أنا اللي مزعلاك.
ثم انحنت للأسفل تضع يدها في الماء وترشها عليه وهي تضحك قائلة بمشاكسة:
_ اضحك اضحك!
كانت نظراته لها مغتاظة فمد يده من أسفل الماء وجذبها من قدمها لتسقط معه فيسمع أنينها وهي تهتف:
_ اوووف الميا ساقعة أوي.
نكزته في كتفه بقوة مغتاظة وهي تهدر:
_ طلعني طلعني بردانة.
تمتم بلؤم مبتسماً:
_ اضحكي يلا مش الميا حلوة.
احتكت أسنانه ببعضهم وعادت تلكمه في كتفه من جديد وهي تصيح:
_ أنا غلطانة إني عايزة أفرّحك.
أخيراً ضحك بصوت مرتفع ولف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه ويبعد خصلات شعرها المبتلة عن وجهها وعيناها متمتماً في عشق وهو يلتصق بجبهته على جبهتها:
_ بحبك.
تلاشى غضبها في لحظة ولاحت بشائر الابتسامة الواسعة على شفتيه وهمست بعاطفة جيّاشة:
_ وأنا كمان.
أغار عليها يدفن وجهه بين ثنايا رقبتها يلثمه بقبلات متفرقة، فاطلقت هي ضحكات متتالية ومرتفعة محاولة إبعاده وهي تهتف من بين ضحكاتها:
_ بس يا زين دقنك بتزغزغ والله.
سمعت همسه الماكر مع ابتسامته الواسعة وغمزة عيناه:
_ دقني؟
أمسكها من خصرها ورفعها لأعلى لتجلس على حافة المسبح وخرج هو خلفها، ثم انحنى إليها وحملها متجهاً بها للداخل، فقالت هي بترقب لسماع الإجابة وبأعين زائغة:
_ في إيه؟
_ في كل خير يا حبيبتي.. مش انتي اللي كنتي عايزة تفرفشيني.
مالت برأسها للخلف وهي تضحك بعدم حيلة حين فهمت بأن هي من أيقظته من خموده وستتحمل النتائج. سار بها حتى وصلا للغرفة ودخلا لتبدأ ليلتهم الرومانسية!
***
ترجلت من السيارة أمام منزل مكون من طابقين أشبه بمنزل خالتها بالضبط. راته يتحرك باتجاه الباب الحديدي فسارت خلفه بخطوات ثابتة ووقفت تنتظره يخرج المفاتيح ليدخلها في القفل ويفتح الباب. سبقها هو أولاً بالدخول ثم لحقت به وأغلق الباب الحديدي من جديد. فرأت بمجرد دخولها باب شقة عريض من اللون البني وعلى الجانب سلم يرتفع للطابق الثاني والشقة الثانية. لفت رأسها ناحيته وقالت بقوة:
_ انت هتقعد هنا صح؟
هز رأسه بالإيجاب، وواضح عليه علامات الخنق من ذلك الوضع ولكنه مضطر حتى يستطيع إصلاح علاقتهما تدريجياً وليثبت لها ندمه الحقيقي. صعد الدرج متجهًا للطابق الثاني وهو يقول بصلابة:
_ تعالي عشان أوريكي الشقة اللي فوق.
صعدت الدرج خلفه حتى وصلا أمام باب الشقة الثانية، فأخرج المفتاح ووضعه في القفل لينفتح الباب وتدخل هي أولاً هذه المرة ثم هو. ترك الباب مفتوحاً ولحق بها وهي تتجول في أنحاء الشقة المكونة من غرفتين وحمام متوسط مع مطبخ كبير نسبياً. وقفت في منتصف المنزل وقالت بحزم:
_ تمام يبقى من بكرة إن شاء الله هتبدأ في الإجراءات ومتنساش اتفاقنا.
حدقها بصمت للحظات طويلة يدقق النظر في عيناها بحثاً عن أي نور يبعث الأمل في نفسه بأنها لا تزال تحمل له الحب في أعماقها. لكنه لم يرى سوى جمود مشاعر ونظرات جافة، فغمغم بأسى:
_ أنا مش وحش يا يسر. أنا يمكن أكون أناني وعندي عيوب كتير وإنتي مشوفتيش غير عيوبي، مشوفتيش غير حسن القاسي والمغرور والأناني. وأنا عايزك تديني فرصة عشان أخليكي تشوفي حسن مختلف تماماً عن اللي تعرفيه، واحد إنتي متعرفيهوش ومحدش أصلاً يعرفه.
رمقته بعينان عاجزة ومنكسرة لتجيبه هذه المرة برزانة وهدوء:
_ كل اللي حصل بينا غلطة بداية من جوازنا وحتى الآن. احنا منفعتش لبعض، أنا كنت باجي على نفسي عشان خاطرك وبقول هيتعدل وصبرت على معاملتك بس ملقتش منك فايدة. فمتقولش دلوقتي إنك عايز ترجعني وإنك هتكون شخص مختلف. اللي شوفته منك كفاية أوي وكافي إنه يخليني ما أثقش فيك أبداً. بالمختصر المفيد، أنا بقيت بكرهك يا حسن.
استفزته جملتها الأخيرة وهيجت عواصفه، حيث حاوطها من ذراعيها وهو يهزها ويثبت عيناه على عيناها هاتفاً باصرار:
_ متقوليش إنك بتكرهيني، مستحيل أصدق. قوليها وإنتي بتبصي في عيني.. قولي بكرهك!
أطالت النظر في عيناه بسكون. أثرتها نظراته وعيناه وأحست بأنها ستعانقه بدلًا من أن تقل له أكرهك. ولو انتظرت للحظة أخرى لخرت بين ذراعيه مستسلمة لشوقها له. فانقذت نفسها ودفعته بعيداً عنها بعنف صارخة في انفعال هادر وتحذير لا يحمل التهاون:
_ قولتلك مليون مرة متلمسنيش. إياك تقرب مني وإيدك دي لو لمستني تاني يا حسن هقطعالك.. اطلع برا وامشي يلا.
لم تقلها، فشلت والسبب لا يحتاج لشرح. فهي لم تتمكن من نزعه من قلبها. ما زالت مشاعرها حية وقلبها ينبض كلما تراه. فقط كل ما في الأمر أنها رائعة في القسوة وتصنّع الكره والبغض. تنجح في إظهار مشاعر النقم بمهارة وتتمكن من التحكم في زمام عواطفها بإتقان!
وجدها تدفعه بعصبية صائحة:
_ بقولك امشي.
لملم شتات قلبه الممزق واستدار مغادراً الشقة بأكملها، فاسرعت هي خلفه وأغلقت الباب بالمفتاح ثم جثت على الأرض وانفجرت باكية بعنف ثم وضعت كفها على بطنها وتمتمت بصوت مبحوح محدثة طفلها:
_ ميستهلش أديه فرص. ميستهلش يعرف بوجودك حتى.. كسرني وودمرني وكان عايز يقتل ابنه. ومنتظر مني دلوقتي أصدق ندمه وإنه اتغير!
وصل أمام باب شقته وفتح الباب ثم دخل وأغلقه خلفه متجهًا إلى الغرفة بوجه بائس وحزين، لكن سمع صوت رنين الهاتف. أمسك به وأجاب بعد أن رأى أنه رقم مصري.
"الو."
أتاه صوت طاهر الحازم وهو يهتف باستياء:
"بتعمل إيه في أمريكا يا حسن؟"
"أنا آسف يا عمي، عارف إني كان لازم أقولك بس..."
قاطعه طاهر وهو يصرخ بصوت جهوري:
"بس إيه؟ هو لعب عيال عشان تطلق وقت ما تحب وترد وقت ما تحب؟"
تنهد حسن بعبوس وتمتم بنبرة صادقة وبها بحة:
"غلطت لما طلقتها وندمت ندم عمري. مقدرتش أستحمل بعدها عني يا عمي، والله وحشتني أوي ومكنتش هقدر أكمل الإجراءات. ولما عرفت إنها سافرت مع راسل اتجننت وسافرت وراها على طول ورديتها."
صمت لثلاث ثوانٍ ثم استرسل حديثه باعتراف لأول مرة يعترف به:
"أنا بحب مراتي يا عمي ومش عايزها تبعد عني."
يستطيع القول بأن عاصفة عمه الهائجة قد هدأت قليلًا وأكمل بغضب لكن أقل:
"ومفكرتش في ده ليه قبل ما توصل الحال بينكم للوضع ده؟ أنا كنت شايف حالة بنتي إزاي كانت متدمرة ومستحيل اسمحلك توصلها للحال ده تاني."
قال مسرعًا في صدق وهو يقطع الوعود:
"لا صدقني مستحيل أزعلها وأكسرها تاني. أنا أساسًا جيت عشان أخليها تسامحني ومش هنرجع مصر إلا وكل حاجة بينا رجعت زي الأول. أنا عايزك بس تسمحلي وتصدقني، أنا المرة دي بجد عرفت قيمتها كويس ولا يمكن أخسرها تاني. وعد مني يا عمي مش هزعلها أبدًا."
لم يجد إجابة من عمه للحظات، حتى هتف بقبول بعد أن أحس بأنه صادق حقًا:
"ماشي يا حسن. بس لو حصل واتكرر وبنتي جاتلي زي المرة اللي فاتت مش هيهمني، وأنا بنفسي اللي هاخدك على المأذون وهننهي كل حاجة في وقتها."
"اطمن، مش هيتكرر تاني."
"لو يسر جمبك اديني أكلمها."
"لا مش جمبي. الصبح هتصل بيك وأخليك تكلمها. أنا أساسًا كنت بتكلم معاها وبحاول معاها بس هي رافضة تديني فرصة حتى، فسبتها ومشيت لما اتعصبت."
هتف طاهر بحكمة وهدوء:
"لو إنت بتحبها بجد يبقى اثبتلها ده بالأفعال مش بالكلام."
ثم أنهى الاتصال. أنزل حسن الهاتف من على أذنه وتطلع إلى شاشته بتفكير فيما قاله عمه بالآخير.
***
وصل إلى المنزل. ترجل من سيارته وقاد خطواته باتجاه الباب. فتحه بهدوء ودخل لينزع عنه حذائه بجانب الباب ويضعه في الرفوف الصغيرة المصنوعة من الخشب (جزامة). كالعادة سكون تام في المنزل، فهتف وهو يسير ناحية الغرفة:
"شفق!"
لم يجد إجابة منها. واصل سيره حتى وصل للغرفة وفتح الباب ببطء وأدخل جزءًا من رأسه ينظر لها. فرآها تجلس على الأريكة الصغيرة وترفع قدميها بجانبها ومستندة برأسها على ذراع الأريكة ونائمة. دخل بجسده كله وأغلق الباب بحرص شديد واقترب منها وهو يطالعها مبتسمًا بإعجاب. فقد ارتدت الرداء الذي قام بشرائه لها وتجهزت لعودته، ولكنها لم تتمكن من مقاومة النوم حين تأخر فغلبها ونامت. جلس القرفصاء أمامها وقد ارتفع الرداء قليلًا حتى أظهر عن نصف قدمها. شعرها المائل للكستنائي والناعم يغطي نصف وجهها. تمتلك ملامح طفولية بريئة ووجهًا صغيرًا ورائعًا. لديها شفاه صغيرة وردية مثيرة. مع عينين واسعتين بعض الشيء وبشرة نقية وناعمة. هي حقًا كالملاك.
قرر أن يهدم ذلك الحاجز الذي يصنعه هو بينهم. تمكنت من السيطرة عليه في فترة قصيرة وأصبح شبه متأكد من مشاعره تجاهها وما يؤكد له هذا رغبته الدائمة بها. انجذابه لرقتها وجمالها وفي كل مرة ينجح بصعوبة في السيطرة على رغباته. وفشل في ليلة عيد ميلاده وكالمغيب الذي لا يشعر بشيء فعلها. وليكون أكثر وضوحًا، تلك القبلة أيقظت فطرته الرجولية وأصبح لا يكتفي بمجرد قبلة. ولذلك أرسل لها ذلك الرداء حتى يشهد على بداية حياتهم واعترافه.
مد أنامله يبعد خصلات شعرها بلطف ففتحت هي عيناها واعتدلت حتى جلست وقالت وهي تفرك عينيها بخجل:
"أنا آسفة. استنيتك كتير ومقدرتش أقوم والله."
انتصب ووقف ثم جلس بجوارها وتمتم بحنو ونظرات ساحرة:
"بتتأسفي على إيه؟ أنا اللي المفروض أتأسف لإني اتأخرت عليكي وأنا اللي قايلك البسي الفستان واستنيني."
"أنا مش عارفة نمت إزاي. مكنش عليا النوم خالص."
رأته يمعن النظر بها بابتسامة ونظرات تراها لأول مرة. ورغم أن نظراته وابتسامته التي تسحرها جميلة، إلا أنها أربكتها وأخجلتها فقررت التخلص من هذا الوضع. وثبت واقفة وأرجعت خصلات شعرها خلف أذنها وتدور حول نفسها في حركة دائرية وهي تتمايل يمينًا ويسارًا هاتفة بسعادة وفرحة طفولية:
"عجبني أوي الفستان وشكله حلو جدًا عليا مش كده؟"
تأملها وهي تتمايل كالفراشة وقد زادت الابتسامة العاشقة اتساعًا على شفتيه. كأن الرداء صُنع خصيصًا لها. جمالها ليس طبيعيًا بل ساحر ومثير وجذاب. ولم تكتفِ بجمال الفستان عليها، بل تركت العنان لشعرها الرائع ليتطاير معها وهي تتمايل فيجننه أكثر. تجمدت بأرضها حين رأت نظراته وقد تفاقم خجلها ضعفين، فأرجعت ذراعيها للخلف تفرك بأناملها في استحياء وتوتر ملحوظ مع عينين مضطربتين. ضحك بخفة بعدما رأى توترها ووقف يقترب منها ويلف ذراعه حول خصرها هامسًا في هيام ونظرة تأثر أقوى النساء:
"شكله مش حلو بس. لا ده يسرق العقل هو واللي لابساه."
طرق قلبها كالمطرقة وانعقد لسانها. فابتلعت ريقها بصعوبة وأحست بارتخاء أعصابها ولو استسلمت لسقطت بين ذراعيه فاقدة الوعي. ولكنها تمالكت نفسها وحاولت عدم إظهار تأثرها وخجلها حيث سألت بنبرة عادية مزيفة:
"إنت اشمعنى اخترت اللون ده؟"
"شوفتك قبل كده لابساه وعجبني أوي عليكي."
سكتت تفكر وتستعيد ألوان وأشكال ملابسها ثم تجيبه باستغراب:
"بس أنا معيش اللون ده في هدومي خالص!!"
استقرت في عيناه نظرة لئيمة وهمس بنبرة تحمل معاني ليست بريئة:
"معاكي."
ضيقت عيناها بفضول حقيقي وقالت بحيرة ورغبة في معرفة الذي يقصده:
"إيه هو؟"
انحنى لمستواها قليلًا وهمس في أذنها بشيء جعلها تفغر فمها وعيناها بذهول ويتحول وجهها كله لبندورة حمراء وليس وجنتيها فقط. رجع برأسه للخلف وأجابها ضاحكًا يتصنع البراءة بعدما رأى تأثير ما قاله عليها:
"متفهمنيش غلط، أنا شفته بالصدفة مكنتش أقصد يعني."
لا تزال على حالتها تطالعه بدهشة وحياء حتى سمعها تقول أخيرًا مصدومة:
"كرم إنت طلعت منحط!!!!"
زم شفتيه بضحك يتصنع الحزن والأسف وهو يغمغم بإيجاز:
"مع الأسف."
رغم خجلها أحست بأن ابتسامتها ستنطلق على طريقته وهو يجيبها بأسف مزيف ويمثل البراءة أمامها. فاستدارت فورًا وفرت هاربة للحمام تختبئ به من وضعها المحرج. وكلما تتذكر همسه في أذنها تندهش أكثر ويتضاعف استحياؤها.
***
فتحت هدى الباب ودخلت وسارت ناحية فراش ابنتها التي كانت جالسة وتتصفح هاتفها الذكي اللمس. جلست بجانبها وقالت في صوت منخفض:
"بتي يا رفيف."
أجابتها دون أن تنظر لها:
"نعم يا ماما."
"إنتي كنتي قاعدة مع حسن قبل ما يسافر، ما قالكيش هو رايح أمريكا ليه؟"
تركت هاتفها وابتسمت باستمتاع عندما اتخذ الحديث هذا المجرى. نظرت لأمها وقالت بخبث:
"إنتي تتوقعي سافر ليه؟"
"ليه؟"
سألت هدى بكامل العفوية وعدم الفهم لتهتف رفيف بجدية:
"يا دودو ركزي. يسر سافرت يبقى هو هيكون سافر ليه؟"
تهللت أساريرها واشرق وجهها بسعادة غامرة مردفة:
"قصدك إنه راح وراها يعني؟"
"آه، واسمعي الكبيرة كمان. أنا كنت بتكلم معاه وبقوله يسر سافرت مع راسل وهو أول ما سمع اسم راسل وشه جاب ألوان الطيف واتحول ولقيته بيقولي إنه هيسافر وراها والغيرة كانت بتاكل فيه أكل كدا. يعني كمان مش بعيد يكون ردها."
انفرجت شفتيها وكادت أن تشق الابتسامة طريقها لأذنيها. ثم رفعت كفيها للسماء هاتفة وهي تدعي بفرحة:
"يا رب يكون ردها. ربنا يهديك يا ابني ويصلح حالك إنت ومراتك. ده أنا النهاردة هنام وأنا مرتاحة ومبسوطة بسبب الخبر ده."
رتبت رفيف على صدرها وهي تقول بفخر:
"البركة فيا طبعًا."
هتفت هدى بانشكاح وحنو:
"أيوة وعشان كده ليكي عندي صينية كيكة من اللي بتحبيها بكرة، إنما إيه هتاكلي صوابعك وراها."
مطت شفتيها باحتجاج وهي تقول متذمرة:
"إيه يا ماما، هي أي هدية عندك أكل؟ أنا عايزة حاجة حلوة، فلوس مثلًا أو هدية تشتريهالي."
رتبت هدى على كتف ابنتها وهي تقول بابتسامة مزيفة:
"لا يا حبيبتي الفلوس مضرة بالصحة. الأكل مفيد وأهو تتخني شوية بدل ما إنتي شبه عود القصب كده."
"ماما مش عايزة منك حاجة خلاص، شكرًا جدًا!!"
قالتها بخنق بعدما شبهتها بعود القصب لتنفجر هدى ضاحكة وتهب واقفة متمتمة وهي تتجه لخارج الغرفة:
"هعملها لكِ برضه!!"
***
داخل منزل طاهر العمايري.
الجميع مجتمع حول مائدة الطعام ويتناولون عشائهم في هدوء قاتل لا يصدر صوت أي منهم. حتى خرج صوت علاء أخيرًا وهو يسأل بخشونة:
"كلمت حسن يا بابا؟"
"أيوة كلمته وقالي إنه مش عايز يخسر يسر وردها عشان يحاول يصلح علاقتهم."
عاد يسأل بملامح جامدة:
"ويسر إيه رد فعلها؟"
"هكلمها بكرة الصبح وأشوف."
"مع إني مش عاجبني الوضع ده من ساعة ما سابت بيتها وجات هنا وبحاول أتجنب حسن على قد ما أقدر عشان متحصلش مشكلة بينا. بس أهو خلينا نشوف آخر العناد والغباء اللي هما فيه هيوصل لفين."
تحدثت الأم أخيرًا بنبرة حادة:
"أنا مش هسمح لحسن يكسر بنتي ويزعلها تاني عشان يكون في علمكم. وأنا بنفسي هكلم بنتي الصبح ولو حسيت إنها مضايقها أو نبرة صوتها مش طبيعية مش هسكت."
هتف طاهر بنبرة رجولية قوية:
"بنتك وحسن لسه شباب صغيرين وطبيعي تحصل مشاكل بينهم كده."
أنا اللي خلاني وافقت ومشيت ورا كلام بنتي لما شوفتها إزاي مش عايزة تكمل ومتدمرة. لكن لو عليا أكيد مش هكون حابب أن الأمور بينهم توصل للوضع ده. وطالما هو متمسك بيها بالشكل ده خلاص نسيبهم يحلوا اللي بينهم مع بعض. وادعيلهم ربنا يهديهم.
أجابت شبه مستنكرة باحتجاج:
_ آه خليك إنت في صف ابن اخوك كدا دايمًا كأنه ملاك مبيغلطش!
تأفف بصوت مسموع ونفاذ صبر، ولم يعيرها اهتمام كثيرًا حيث تجاهل ما قالته وغير مجرى الحديث عندما نظر لميار وقال بصوت أجش:
_ أنا قدمتلك في الجامعة اللي في القاهرة هنا عشان تكملي السنة اللي فاضلة ليكي. وأظن كدا موضوع المانيا ده ميتفتحش تاني أبدًا ياميار.
مجبرة ومضطرة على الخنوع لأوامر عمها، فليس أمامها سبيل غير الإذعان سواء له أو لزوجها. اطرقت رأسها أرضًا وأماءت بخفة في موافقة. بينما علاء فنقل نظره بين أبيه وبينها في أعين ملتهبة بشرارات الغضب وهدر بهدوء ما قبل العاصفة:
_ إنت قدمتلها من غير ماتقولي يابابا!!
تشدق طاهر بثبات ونبرة صلبة:
_ أيوة قدمتلها عشان تكمل وتاخد شهادتها. أكيد مش هنعاقبها على الغلط اللي عملته بدراستها يعني.
رمقها علاء بنظرة دبت الرعب في أوصالها ثم هتف بلهجة صارمة وساخطة:
_ بس أنا مش موافق ومش هتكمل.
تبادلوا جميعهم نظرات الاستغراب باستثناء ميار التي اعتاظت بشدة وهمت بأن تجيب عليه ولكن رأت عمها يرفع كفه يطلب منها عدم الحديث فسكتت. ليتحدث طاهر بنظرة حازمة:
_ وأنا اللي قولت هتكمل ولا إنت هتكسر كلمتي بقى يا أستاذ.
هدأت نبرة علاء قليلًا احترامًا لوالده وقال بنبرة مهذبة واصرار على قراره:
_ لا مش بكسر كلمتك يابابا ولا حاجة. بس أنا مش عايزها ترجع الجامعة تاني.
استشاطت بشدة من تحكمه في مستقبلها دون أن يأخذ رأيها حتى. فهدرت ساخطة شبه منفعلة:
_ أنا دراستي أهم حاجة عندي ومستحيل مكملش.
هنا انفجر البركان حيث صرخ بصوته الجهوري وهو يضرب بكفه على سطح المائدة وعيناه حمراء كالدم:
_ وأنا قولت مش هتكملي. أنا إيه ضمني تعملي إيه في الكلية ولا تتعرفي على مين. طول ما إنتي على ذمتي مش هتطلعي من البيت. كفاية الفضيحة اللي داريتها عليكي. لما اطلقك يبقى وقتها اعملي اللي تعمليه مـ.....
صاح طاهر منفعلًا وبنبرة عالية:
_ عـــــــــلاء.
سكت تمامًا بعد صيحة أبيه وهو يزفر النيران من بين شفتيه. أما هي فطالعته بأعين دامعة تحمل الخزي. بالرغم من كل ماسردته له حول حياتها كيف وماحدث معها بالضبط واوضحت له أنها لم تفعل شيء بإرادتها بل ومن المستحيل أن تفعل شيء كهذا من الأساس. لم يصدقها ومازال يتهمها بالفسق وأنها قد تفعل أي شيء مخل. كل ما قالته له لم يثمر ذرة واحدة من الثقة بينهم.
رجعت بالمقعد للخلف وهبت واقفة لتهرول راكضة إلى غرفتها بالأعلى. بينما طاهر فوقف هو الآخر والقى نظرة غاصبة على ابنه يهتف بلهجة آمرة لا تقبل النقاش:
_ طيب احترم وجودي يابشمهندس حتى ولا كبرت علينا خلاص عشان تتكلم بالطريقة دي قدامي. ولعلمك أنا مكنتش باخد رأيك أصلًا في موضوع الجامعة وكلامي كان واضح لما قولت قدمتلها وهتكمل. يعني سواء وافقت أو رفضت.
فاللي قولته هيتنفذ ياعلاء.
ثم استدرات واتجه لمكتبه لتهم الأم بمحادثة أبنها وتهدئتها قليلًا ولكنه هو أيضًا استقام وانصرف مغادرًا المنزل كله. لتلتفت هي حولها الثلاثة كل منهم ذهب في جهة وبقيت هي بمفردها على المائدة. ولكن هل هناك شهية للطعام بعد كل ماحدث. بدأت في توضيب المائدة ووجهها تمكن منه العبوس.
***
خرجت من الغرفة واتجهت إليه حيث كان جالسًا على الأريكة بالصالون. بمجرد ما أن رآها قال باسمًا:
_ تعالى.
فرد ذراعه يحثها على الانضمام إليه لتطيل النظر بسكون دون أن تتحرك والخجل يستحوذها كليًا. فيتنهد شبه ضاحكًا ويعتدل قليلًا في جلسته ويجذبها من ذراعها لترتمي بين ذراعيه ويقول مشاكسًا:
_ مالك مكسوفة مني أوي كدا ليه؟
انزوت نظرها عنه باستحياء وتمتمت بنبرة تحمل الاستنكار:
_ المفروض متكسفش مثلًا بعد اللي قولته من شوية!
قرب وجهه منها وحرك انفه على وجنتها يداعبها ويهمس بنفس نبرة المكر التي سمعتها منه منذ دقائق:
_ أنا برأى وفري الكسوف ده للمراحل الجاية.
يصدمها كلما يتحدث. فهذا لا يمكن أن يكون "كرم" الذي تعرفه حق المعرفة. أين حيائه وأخلاقه. صدمها من قبل عندما رأت جانبه المخيف والآن يصدمها الضعفين وهي ترى بشائر انحرافه معها!
ابتعدت بعض الشيء عنه وقالت منذهلة بنظرات بريئة:
_ أنا اللي المفروض اسألك مالك ياكرم! لتكون شارب حاجة؟
قهقه بخفة وعاد يجذبها إليه مجددًا ويكمل ولكن هذه المرة بنبرة جادة بعض الشيء:
_ تعالي هحكيلك مالي.
سكنت وانتظرته حتى يبدأ في الكلام فسمعته يهتف في البداية بجمل غامضة لم تفهم منها شيء!
_ الأرض الزراعية لم صاحبها بيهملها بتجف وبتبقى صحراء. زيها زي لما تكوني مهتمة بوردة ويجي حد ينتف منها جزء بتدبل وبتموت. عشان أكون اوضح بظبط زي شخص مريض بائس وجروحه ملهاش علاج والدكاترة كلهم تنبأوا بموته القريب. وفجأة القدر يبعتله العلاج. عارفة إيه هو؟
رأى في عيناها التساؤلات وعدم الفهم فاسترسل في حديثه بعاطفة ونظرات متأثرة وحزينة:
_ إنتي العلاج ياشفق. واروى هي الأرض الزراعية اللي بغبائي اهملتها وهي الوردة اللي محافظتش عليها وأنا الشخص المريض البائس. وإنتي كنتي علاج لجروحي. قدرتي تضمدي جروحي في فترة صغيرة جدًا. أنا يمكن مكنتش ببين لحد أوي بس صدقيني أنا مكنتش كدا أبدًا قبل ما اتجوزك. كنت بظهر القوة قدام الكل وإني ثابت وخلاص نسيت بس في الحقيقة موت اروى كان بيقتلني بالبطيء. شوقي ليها والنار اللي جوايا كل ما افتكر شكلها واللي حصلها كانوا مخليين حياتي عذاب. لغاية ما ظهرتي إنتي معرفش عملتي فيا إيه وإزاي في فترة قليلة كدا قدرتي تغيري كله ده فيا وتسترجعي ذاتي اللي كنت متوقع إن خلاص مستحيل أكون كرم اللي كان قبل مايموت أبوه وأروى. كنتي كل مرة بتلمسيني فيها بتصحى حاجة مختلفة جوايا وأنا كنت بتجاهل وبعمل نفسي عبيط لما بتأثر بيكي وبقول عادي. أنا فعلًا بطبيعتي شخص خجول وبحرج جدًا. مفكرتيش أنا ليه كنت بتوتر كل ما تقربي مني مع إني مكنتش كدا مع اروى والدليل إنك لو شفتي صورى معاها بعد ماكتبنا الكتاب هتلاقيني بتصرف بطبيعية جدًا من غير أي خجل. والسبب إني معاكي كنت مدرك تأثيرك عليا وإنك بتلمسي حجات جوايا خاصة جدًا فكنت بتوتر منك جدًا. بس بعدين سبت نفسي وحاولت اتصرف معاكي على طبيعيتي بدون حواجز أو توتر واكتشفت قد إيه إنتي غالية عليا وإني بحبك جدًا.
رغم كل ما سرده لها وكيف كانت سعيدة وهي يتحدث هكذا عنها وكانت تطالعه بأعين تطلق شرارات العشق والحب. ولكن عند آخر جملة قالها كطفلة صغيرة وساذجة عبست وقالت ساخرة:
_ آه ما أنا عارفة بتحبني زي اختك!!
اطلق ضحكة مرتفعة وأجابها مندهشًا يسخر منها حقًا:
_ بلاش هبل متضحكيش الناس عليكي. هو في حد بيحب مراته زي اخته ياعبيطة؟ وبعدين أمال أنا كنت بحكي في إيه ده كله وبقول تأثر ولمس وحجات كدا وإنتي تقوليلي اختك!!!!
لمعت عيناها بوميض مختلف وأشرق وجهها بسعادة غامرة. لتقول بعدم استيعاب واستحياء بسيط امتزج بفرحتها العفوية:
_ يعني قصدك بتحبني زي ما أنا بحبك!!
هز بحاجبيه وقال باسمًا وبمشاكسة:
_ وأكتر كمان.
ضمت شفتيها تخفي ابتسامتها الخجلة ثم تكمل بدلال غير مقصود:
_ لا أنا أكتر!
اقترب منها بحميمية شديدة وقال غامزًا بلؤم:
_ طيب ماتيجي نحكم ونشوف مين الأكتر.
ارتبكت وارتفع اللون الأحمر لوجنتيها ليقطع لحظاتهم الأولى رنين هاتفه الموضوع على سطح الطاولة الصغيرة بجانبهم. فثبتت هي نظرها على شاشته تقرأ الاسم وقالت مسرعة في خفوت لتتهرب من محاصرته لها:
_ سعيد بيتصل ياكرم (الحارس).
التفت برأسه ناحية الهاتف وعقد حاجبه من اتصاله ثم التقطه يجيب عليه بخشونة:
_ أيوة ياسعيد في إيه؟
_ كرم بيه في اتنين مصممين يدخلوا الڤيلا وواحد منهم بيقول أنه عم شفق هانم والتاني ابنه.