تحميل رواية ضروب العشق بقلم ندى محمود توفيق pdf
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هناك بعض الأقاويل التي تصف العشق على أنه "ثقة". ولكن في حال انقشعت الثقة وانحلّت الخيانة والغدر والكذب محلها، فسينقشع معها مفهوم العشق على أنه ثقة، ويصبح يمثل بالنسبة لهم ما هو إلا تلاعب بالمشاعر كدمية على مسرح يحركها صانعها كما يشاء. فتذوق طعم الغدر يماثل السم الذي لا تشعر بمذاقه حين يقدم لك في صحن طعام شهي، ولكنه يسري في جسدك وأعضائك فيدمرها ويجعل نهايتك الموت. "ملاذ" كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. وكل دقيقة تسترجع لحظة اكتشافها لخيانته القذرة، وكيف أ...
رواية ضروب العشق الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ندى محمود توفيق
رأت ملامح وجهه التي تغيرت وأصبحت حادة بعد أن كان هادئًا ومرحًا معها.
وفي ظرف لحظة رأته يقف ويقول لها بنبرة مريبة:
_ خليكي هنا ياشفق ومتطلعيش ورايا مفهوم.
أومأت له بالموافقة ثم قالت بقلق بالغ:
_ حاضر بس في إيه؟
لم يجبها واندفع إلى الخارج وأغلق باب المنزل خلفه.
فهبت هي واقفة وهرولت باتجاه النافذة تنظر له من خلالها.
فرأته يتجه ناحية الباب الرئيسي، وإذا بها تجد عمها وابنه يظهران من خلف الباب.
فأظهرت شهقة منصدمة امتزجت بالهلع وهمست في نبرة مرتعدة:
_ عمي بيعمل إيه هنا!
استدارت وهرولت إلى الغرفة لكي ترتدي شيئًا يستر جسدها جيدًا وتخرج لهم لتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذا الوضع المريب.
فبالتأكيد "كرم" لن يصمد أمام جموحه كثيرًا.
وقف كرم أمامهم يطالعهم بأعين تقذف شرارات اشتعال القنبلة.
وخرج صوته رجولي ومريب:
_ مش كنت اديتني خبر حتى الأول ياكمال بيه عشان استقبلكم استقبال يليق بيكم.
كان كمال جامدًا تمامًا أمام نظرته ونبرته حتى أجابه بكامل الثقة والثبات:
_ جاي أخد بنت اخويا اللي اتجوزتها من غير مانعرف.
والأفضل ليك إنك متعترضش.
أطلق ابتسامة متغطرسة على شفتيه وهو يجيبه بنظرة أكثر رعبًا من السابقة:
_ بنت أخوك اللي هي مراتي!
اممم وياترى هتاخدها إزاي بقى.
هنا تحدث جاسر بغضب عارم وقوة:
_ هناخدها سواء بلزوق أو بالعافية ياكرم.
طالت نظرة كرم إلى ذلك "الجاسر" وهو يبتسم بأعين لا تبشر بالخير.
وقال بعد لحظات من الصمت القاتل:
_ إنت بقى جاسر.
سيف حكالي عنك كتير.
ثم اقترب منه وهمس بالقرب من أذنه بصوت أشبه بفحيح الأفعى وبه لمسة الشر:
_ بس أنا مش سيف اللي هيكتفي بأنه يعمل مشكلة ويقاطعهم.
وبما إنك جيتلي برجليك فاللي عملته مش هعديه بالساهل.
ودلوقتي اطلع إنت من الموضوع ده احسلك وإلا مش هخليك تشوف نور الشمس تاني.
صاح كمال منفعلًا في كرم:
_ وأنا قولت هناخدها يابن العمايري وورينا هتمانعنا إزاي.
_ إنت عارف كويس أوي أنا همنعكم إزاي.
وإنت جربتني قبل كدا وشوفت أنا أقدر اعمل إيه.
خليك إنت وابنك بعاد عن مراتي وإلا أنا مش مسئول عن اللي هعمله.
أجابه ساخرًا بسخط:
_ هتعمل إيه اكتر من اللي عملوه اخواتك!
ابتسم بشراسة وغمغم بوعيد حقيقي:
_ زين وحسن معملوش حاجة قصاد اللي هعمله.
عيلة العمايري كلها عندها رحمة بس أنا لا.
هرولت شفق إليهم ووقفت خلف زوجها.
توجه حديثها لعمها باستياء:
_ إنت إيه اللي جايبك ياعمي!
_ جاي أخدك شكلك نسيتي إنك ليكي عم ورايحة تتجوزي من ورانا زي البنات ال....
خرج صوت كرم الذي نفضهم وأولهم شفق عندما وجدته يصرخ يقاطع عمها.
ومن الواضح أنه بالفعل بدأ يخرج عن قوقعة صموده:
_ لغاية هنا وكفاية خد ابنك القذر ده واطلعوا من بيتي بالذوق!
انحنى جاسر ناحية شفق يجذبها من ذراعها من خلفه هاتفًا:
_ مش قبل ما ناخدها معانا.
طفحت حممه البركانية إلى حد الجنون عندما رآه يلمسها.
وتحول إلى وحش كاسر.
أغار عليه يلكمه بعنف صارخًا:
_ شكلكم مش بتفهموا بالأدب.
كبلته شفق تحاول ردعه وإبعاده هاتفة تتوسله قبل أن يفقد أعصابه أكثر من ذلك ويسوء الوضع بشدة:
_ كرم خلاص ابوس إيدك سيبه.
عشان خاطري!
أسند كمال ابنه ونظر لكرم نظرة نارية كلها حقد وغضب هاتفًا بنبرة تحمل الوعيد الشيطاني:
_ هنمشي بس افتكر إن إنت اللي بدأت الحرب بينا.
لم يعيرهم اهتمام وحدقهم شزرًا.
ومازالت شفق ممسكة به تمنعه عن التحرك.
فهو لديه غضب مخيف وأعمى.
ولم تنسى ما فعله عندما اختطفت.
ظلت ممسكة به حتى رحلوا تمامًا.
ليبعدها هو عنه ويقول بعصبية:
_ أنا مش قيلتلك متطلعيش ورايا.
تمتمت بعدم خوف أو توتر:
_ وكنت عايزني أسيبك وحدك عشان تفقد اعصابك وتعمل مصيبة.
هدأت ثورته قليلًا وأجابها بامتعاض:
_ طيب ادخلي جوا يلا.
_ وإنت؟
أردف بنبرة عادية ولكن مازالت تحمل القليل من السخط:
_ هبقى آجي وراكي.
لم ترغب في مجادلته كثيرًا فتنهدت بضيق وفعلت كما طلب.
اتججهت عائدة لداخل المنزل وهي تحمد ربها بأن لم تحدث مشكلة وتدعو ربها أن يحفظهم من شر عمها.
***
انتظرته بالغرفة لدقائق طويلة ومرت نصف ساعة كاملة وهو لم يعد.
لا تراه في الحديقة الخارجية ولا تفهم إلى أين ذهب في ذلك الوقت.
فوقفت أمام النافذة تنظر تترقب عودته.
وأخيرًا بعد وقت طويل من الانتظار فتح الباب ودخل هو.
فاستدارت بكامل جسدها ناحيته تهتف متذمرة:
_ كنت فين ياكرم؟
_ كنت قاعد في الجنينة من ورا ريح راسي شوية.
رأت العبوس والخنق يعتل معالمه.
فتنهدت بإشفاق واقتربت منه تحتضن كفه بين كفيها هامسة بحب:
_ متعصبش نفسك ممكن!
ظهرت بشائر الابتسامة الحانية على شفتيه ثم هتف بضجر وقد تلاشت الابتسامة:
_ متعصبش إزاي يعني ياشفق إنتي مشوفتيش اللي حصل.
وليهم عين ياجوا لغاية بيتي وبذات ابن عمك الحيوان ده.
أجابته برقة ولطافة تذيب القلب:
_ ميهمنيش اللي حصل الأهم إنك بخير ومحصلتش مشكلة وإن شاء الله متحصلش.
يكفيني وجودك وأنا هكون مطمنة ومرتاحة طول ما إنت جنبي.
صعدت الابتسامة تزين ثغره وحدقها بأعين دافئة ومغرمة.
ثم احتضن وجهها وانحنى إليها يطبع قبلة عميقة على وجنتها هامسًا:
_ أنا دايمًا جمبك يا أميرتي.
عيناها تتحدث بدلًا عن لسانها وتخبر بالكثير من السعادة وعشق وسكينة.
وهو يستطيع فهمها جيدًا.
وقع نظره على ملابسها التي بدلتها ولم تعد ترتدي الرداء الذي قام بشرائه لها.
لتتسع ابتسامته ويغمغم بخبث:
_ مش مزاجنا بس اللي اتعكر لا كمان الليلة باظت.
يلا مش مشكلة تتعوض.
ارتبكت عند ذكره ليلتهم وتذكرت ما حدث قبل أن يرن هاتفه.
فازداد توترها وتوردت وجنتيها لتتمتم بصوت مضطرب:
_ أنا هروح أنام تصبح على خير.
وبلحظة واحدة ولته ظهرها وذهبت للفراش وتدثرت جيدًا أسفل الغطاء وصدرها يعلو ويهبط بقوة.
لحظات وشعرت به يرفع الغطاء وينضم إليها ثم يقترب منها ويلف ذراعه حول خصرها يضمها إليه من الخلف ويهمس بجانب أذنها في مداعبة ماكرة:
_ حظك كان حلو المرة دي بس المرة الجاية مفيش مفر مني.
لإني مش هسمحلك أصلًا.
أنفاسه الدافئة التي لفحت رقبتها جمدتها وسرت على أثرها قشعريرة في جسدها.
فالتزمت الصمت وسمعته يكمل بنفس النبرة:
_ أنا مدرك توترك وكسوفك وعامل حساب ده فهستنى لغاية ما تحسي نفسك جاهزة بس موعدكيش إني هقدر أصبر كتير.
حبس أنفاسها بآخر جملة قالها ثم استرسل ينهي الكلام هامسًا بعد أن لثم رقبتها بقبلتين:
_ تصبحي على خير ياحياتي.
ردت متلعثمة ومرتبكة بصوت يكاد لا يسمع:
_ وإنت من أهله.
أغمضت عيناها تحاول الهرب من خجلها ومن وضعهم عن طريق النوم.
أما هو فظل مستيقظًا يتطلع إلى السقف.
وسرعان ما عبس وجهه من جديد ورسم الحدة والوعيد على محياه.
فإن حاول ذلك الرجل سواء هو أو ابنه مجرد الاقتراب منها فقط.
يقسم بأنه سيجعلهم يذوقون العذاب أشكالًا وألوانًا.
***
أشرقت شمس يوم جديد.
داخل مقر شركة طاهر العمايري بأمريكا.
كانت يسر تتحدث مع أبيها في الهاتف كالآتي:
_ أنا كويسة يابابا متقلقش.
هتف طاهر مقتضبًا بحزم:
_ كلمت حسن امبارح وقالي إنه عايز يصلح كل حاجة بينكم.
لو إنتي مش عايزة ترجعي وتقعدي معاه يابنتي قوليلي وأنا مستحيل اخليكي تكملي وإنتي مش عايزاه.
تنهدت بأسى لتجيبه بخفوت:
_ اطمني يابابا أساسًا هو ميقدرش يجبرني على حاجة.
وأنا لسه عند قرار الطلاق ووافقت أقعد معاه اليومين دول بشرط إنه يبدأ في إجراءات الطلاق واتفقنا.
متخافيش عليا أنا بخير.
سأل طاهر بترقب:
_ وهو وافق على الطلاق!
سمع همهمتها بأجل ليعقد حاجبيه باستغراب.
ثم رجح بأنه قد يكون أقنعها بموافقته فقط حتى يهيئ لها أنه ذعن لرغبتها في الطلاق.
تمتم طاهر بنبرة حكيمة:
_ ماشي يابنتي طالما إنتي عايزة كدا.
خلي بالك من نفسك ولو حصل أي حاجة اتصلي بيا.
_ حاضر يابابا مع السلامة.
أنهت معه الاتصال ووضعت الهاتف على سطح المكتب وهي تزفر بعدم حيلة.
باتت لا تعرف مالذي يجب عليها فعله.
هل تسمع لقلبها الذي لا يزال يعشقه ويلح عليها في طلب واحد وهو إعطائه فرصة لعله يكون صادقًا حقًا.
أما تستمع لواقعها الذي يخبرها بأن لا طريق للنجاة وقد وصلوا إلى نهاية الطريق وكلاهما سيسلك طريقًا مختلفًا قريبًا.
وضعت كفها على بطنها تملس عليها برفق تسترجع بذاكرتها يوم معرفته بحملها ومالذي فعله لكي يتخلص منها هي وطفلها.
فقوت مشاعر البغض عليه وزاد إصرارها على الطلاق هامسة لنفسها وهي تنظر لبطنها:
_ إزاي منتظر مني السماح بعد كل اللي عمله.
هل هو متوقع إني هرجع اطمن على نفسي مع واحد مكنتش فارقة معاه أساسًا وكان عايز يدخلني عملية إجهاض من غير مايفكر فيا أو اللي ممكن يحصلي.
كان عايز يقتل ابنه عشان هو مني بس.
مفكرش في يوم يعاملني كويس ومعاملة طيبة وأنا كنت بستحمل عشان حبي ليه.
ودلوقتي جاي بيطلب السماح!
لمعت عيناه بوميض مرعب وهي تقول بوعيد:
_ متخافش ياحبيبي مش هسمحله يأذيك أو ياخدك مني أبدًا.
هخليه يشرب من نفس الكاس المر اللي كان بيشربني منه.
في هذه اللحظة فتح هو الباب ودخل ثم أغلقه خلفه واقترب يجلس على المقعد المقابل للمكتب يجاهد في تمالك غضبه متمتمًا بهدوء مزيف:
_ طلعتي من غير ما تقوليلي ليه؟
هدأت ببرود أعصاب واستهزاء:
_ بصفتك مين عشان أقولك!
بدأ غضبه يتفاقم ولحسن الحظ أنه مازال يتحكم به حيث قال وهو يصر على أسنانه:
_ جوزك ومن حقي امنعك من الخروج كمان لو عايز.
_ بنسبالك بس، لكن أنا عمري ماهشوفك زوج ليا لأن حسن بنسبالي مات من زمان وملوش وجود.
ابتلع قسوتها في الحديث معه وهتف شبه منفعل:
_ مش عايز اشوفك مع راسل نهائي يايسر مفهوم ولا لا.
قهقهت ساخرة تجيبه:
_ ماشاء الله من أول يوم مش بتلتزم باتفاقنا.. طيب أنا هفكرك تاني، ملكش دعوة بيا أقعد مع مين ولا اطلع مع مين.. إنت مش هتمشي كلمتك عليا ياحسن باشا.
انتفضت جالسة عندما رأته يضرب بكف يده في عنف على سطح المكتب صارخًا:
_ هتمشي يامدام.. أنا مستحمل كل طلباتك ومش برفضلك طلب واللي عايزاه هنفذه، بس لغاية هنا وكفاية عشان متشوفيش حسن القديم.. تلتزمي حدودك مع أي راجل مش راسل بس، وأنا حذرتك أهو اللهم إني بلغت اللهم فاشهد.. لو شفتك معاه تاني يايسر مش هكون مسئول عن اللي هعمله.
لم يهمها أي شيء قاله سوى جملة "حسن القديم". لقد كانت للتو تفكر في اعطائه فرصة وتخوض صراع مع قلبها وعقلها، وهو يقول بأنه قد يجعلها ترى الشخص الذي بغضته مجددًا. هل هذا هو ندمه واعتذاره ورغبته في إصلاح ما افسده بعلاقتهم؟
استقامت تصيح باندفاع واستياء:
_ لا اثبتلي ندمك فعلًا وإنك فعلًا عايزني اسامحك. إنت أساسًا متغيرتش عشان توريني حسن القديم.. إنت لسا زي ما إنت ومش هتتغير.. فمتحاولش تضحك عليا بكلمتين لإني كل ما بقول ده بدأ يتغير فعلًا بتثبتلي العكس.. بكرهك ياحسن صدقني بكرهك وبكره انانيتك.. انت من بداية جوازنا مكنتش عايزاني واتجوزتني كتسلية مش اكتر لكن متقولش اني هددتك والكلام الفارغ ده لأنك لو كنت عايز تتصرف معايا كنت اتصرفت.. فمتقوليش دلوقتي اني عايزاني بجد.
أدرك فداحة الخطأ الذي ارتكبه، فهو لم يكن يقصد قول هذا. فقد قاده غضبه وغيرته لطرق مظلمة فحجب رؤيته عن الخطأ والصح ووجد نفسه يتفوه بكلمات لا يدري خطورتها.
استقام هو الآخر وتمتم بنظرات هدأت حدتها وحملت الأسف:
_ يسر أااا.......
صرخت بصوتها المرتفع وهي تشير بسبابتها على الباب:
_ اطلع برا مش عايزة اشوفك.. مش طايقة اسمع صوتك حتى.. بــــرا ياحــســن.
لم يتحرك وظل بأرضه يطالعها بأعين تعتذر عن ماصدر منه، فوجدها تبتعد وتندفع نحوه تدفعه بعنف وتضربه على صدره وكتفه وهي تصرخ بهستريا وأعين تلمع بالدموع:
_ اطـــلـــــع بـــــرا.
رفع كفيه لأعلى وهو يتراجع للخلف متمتمًا باستسلام وبعض الدهشة من انفعالها البالغ:
_ تمام تمام هطلع خلاص اهدى.
ظل يتراجع حتى وصل للباب وفتحه ليلاقي عليها نظرة حزينة وأخيرة قبل أن يستدر وينصرف تاركًا إياها بين دموعها التي انسابت على وجنتيها.
***
كانت تجوب بالغرفة إيابًا وذهابًا تنتظر خروجه من الحمام وهي تستشيط غيظًا. لا تفهم سبب تصرفه بالأمس ولما يتدخل ويمنعها من استكمال دراستها. ألم تسرد له كل شيء كما حدث واوضحت له أنها بريئة ولم تفعل شيء عن إرادة ولن تفعل حتى لو عاد بها الزمن. ولكنه لا يصدقها رغم كل ما قالته، ويراها فتاة فاسقة بإمكانها أن تفعل أي شيء يخل باسمه واسم العائلة.
وأخيرًا خرج من الحمام وهو يلف حول رقبته المنشفة المتوسطة، فاندفعت نحوه غاضبة هاتفة:
_ أنا عايزة افهم إنت بتعمل كدا ليه؟
رفع حاجبه وسألها بعدم فهم حقيقي:
_ بعمل إيه؟
_ ليه رافض اروح الكلية ياعلاء واكمل دراستي.
ابتعد من أمامها وسار باتجاه المرآة يقف أمامها ويجفف شعره متمتمًا بجفاء وعدم اكتراث مزيف:
_ بتسألي اسئلة إنتي عارفة اجابتها كويس أوي، وأظن الإجابة بسيطة جدًا وهي إني مش واثق فيكي وللأسف إنتي مراتي دلوقتي وأي حاجة هتعمليها هتمسني أنا.
صاحت منفعلة باستياء:
_ أنا حكتلك كل حاجة وفهمتك وإنت مش واثق فيا لسا. أنا يمكن غلطت في حجات كتير بس مستحيل اخونك. ثم إن دلوقتي أنا أهم حاجة بنسبالي دراستي ومش هروح الكلية عشان اكوّن صدقات أو علاقات. أنا رايحة ادرس.
ابتسم مستنكرًا يتمتم بعدم ثقة:
_ وأنا إيه اللي يضمني إنك متعمليش حاجة؟
أصدرت زفيرًا مرتفعًا وقالت بنفاذ صبر محاولة اقناعه:
_ إنت وديني الكلية وخدني منها عشان تتأكد بنفسك إني مش بعمل حاجة ولا بقعد مع حد.. حلو كدا؟
طال نظراته الجامدة وهو يفكر بالإذعان لها، حتى وجدها تهتف راجية:
_ ارجوك ياعلاء وافق.. أنا بجد محتاجة جدًا أكمل دراستي. مش عايزة اخسر دي كمان.
استسلم أخيرًا وقال بصرامة وهو يلقي الأوامر والتعليمات:
_ طيب بس هيكون في قواعد وتعليمات لو كسرتي حاجة واحدة منهم مش هيعدي الموضوع من غير عقاب.
هزت رأسها بالموافقة عدة مرات متتالية وهي تضحك بوجه عادت اشراقته:
_ تمام اؤمر باللي إنت عايزه معنديش مشكلة.
بدأ يملي عليها التعليمات في حدة ونبرة حازمة لا تحمل التهاون:
_ هتجيبي هدوم جديدة وواسعة غير اللي معاكي لإن اللي معاكي مش عجباني. جدول محاضراتك هبقى عارفه كله هتدخلي امتي المحاضرة وتطلعي امتي. ممنوع الخروج من البيت من غير أذني. مش هتتصاحبي على حد هناك تمامًا.
قالت مندهشة بعفوية:
_ حتى البنات؟
رأت عيناه اظلمت وقال بصوت مرعب:
_ ليه وهو سيادتك كنتي ناوية تتصاحبي على رجالة كمان!
هتفت مسرعة تتلافى خطأها باعتذار:
_ لا لا مش قصدي.. أنا آسفة كمل متخفش هكون في حالي ومش هتكلم مع حد نهائي.
هدأت نبرته ونظرته وتحدث هذه المرة بخفوت ولين قليلًا:
_ وأخيرًا بما إنك مش عايزة تخسري دراستك ومهتمة أوي بيها كدا، يبقى مش عايز اشوف أي تقصير في المذاكرة لأن التقصير هيكون بعقاب أكيد.
وجهها يبتسم ببشاشة بالغة وسعادة وهي توميء له بالموافقة على كل تعليماته الصارمة. ليحدجها بنظرة فاحصة ودقيقة على فرحتها المفرطة ثم يستدير ويسير لخارج الغرفة، ولكنها استوقفته هاتفة:
_ علاء.
توقف والتفت لها برأسه، فهمست هي مترددة بخوف بسيط:
_ ينفع صديقة واحدة؟
تقوسا حاجبيه وظهر الغيظ عليه، لتتراجع هي فورًا تجيب بدلًا عنه بالإجابة التي قالها بشكل غير مباشر عن طريق معالمه:
_ لا مش كدا!.. تمام خلاص أنا أساسًا مش عايزة اصاحب حد كنت بقول كدا بس.
كانت تهتف بكلماتها هذه في امتعاض وضيق واضح كمن يقنع نفسه بأنه لا يريد الشيء حتى لا يحزن أكثر. تنهد مغلوب على أمره وإذا بها تراه يرفع سبابته يقول من خلال حركته هذه "واحدة فقط"!
كانت على وشك الوثب قفزًا من فرط سعادتها، فتمالكت نفسها وسيطرت عليها حتى رحل وانطلقت هي تصدر أصوات فرحة من بين شفتيها وحركات طفولية.
***
_ مــــلاذ.
سمعت صوته من الخارج فاعتدلت في جلستها وغادرت غرفتها لتتجه له، فتجده جالسًا على الأريكة هادئًا تمامًا. اقتربت تجلس بجواره مهمهمة:
_ نعم يازين؟
انتصب في جلسته وطالعها مبتسمًا يهتف:
_ أنا حجزت الطيارة على بليل هنرجع القاهرة.
ضيقت عيناها بدهشة وهدرت مستغربة:
_ بليل!!.. ليه؟
لا يستطيع اخبارها بما ينوي فعله بمجرد رجوعه وهو تصحيح الخطأ الذي ارتكبه منذ عشر سنوات. وأيضًا لا يستطيع الكذب ولا يحبه.
تمتم بتنهيد حار دون أن يكذب:
_ في كام حاجة عايز اعملها وكمان كفاية عشان ارجع اشوف الشغل والشركة.
هزت رأسها بالموافقة بعبوس بسيط مغمغمة:
_ طيب مع إني كان نفسي نقعد شوية أكتر المكان هنا عجبني أوي.
مد كفه وملس بانامله على وجنتها في لطف هامسًا بحنو:
_ معلش ياحبيبتي اعمل إيه بس.. أنا لو عليا مش عايز ارجع خالص بس مضطر. إن شاء الله ربنا يسهل وقريب أوي نعوضها.
ابتسمت بحب وتمتمت:
_ إن شاء الله.
انحنى ناحيتها يطبع قبلة ناعمة على وجنتها ثم جذبها لصدره فاستقرت هي بين ذراعيه لدقيقتين حتى قالت باسمة باهتمام:
_ إنت متعشيتش اعملك أكل تاكل ياحبيبي.
نفي بهدوء وتشدق يبادلها ابتسامتها:
_ لا مش جعان.. وأنا عايز اقعد معاكي شوية وندردش مع بعض.
_ ندردش في إيه؟
_ إيه حاجة ياملاذي!
_ مفيش حاجة نــ....
توقفت عن الكلام فجأة عند تذكرها لبعض الأحداث، فقالت مرحة بإشراقة وجه:
_ لا استني صح افتكرت حاجة حصلت معايا امبارح مسخرة.
بدأت تسرد له موقفها المضحك الذي حدث معها وتضحك، وهو يبادلها الضحك ولكن بقوة أقل. فاستمرت جلستهم المرحة والدافئة لدقائق طويلة ما بين الحديث المعسول والمزاح والجدية.
***
يسير باتجاه المطبخ وهو يفرك عيناه ليزيح عنهم آثار الخمول. بعد أن سمع صوت طفيف من دندنتها مع نفسها في المطبخ. وصل ووقف على الباب يتفحصها بتدقيق من اعلاها لأسفلها وهو يبتسم. فكانت ترتدي منامة قطنية قصيرة بعض الشيء وترفع شعرها بعشوائية تثبته بمشبك للشعر وتتمايل يمينًا ويسارًا رقصًا على الحان الاغنية التي تتندنها. استند بكتفيه على جانب الباب وعقد ذراعيه أمام صدره يتابعها بإعجاب وهي توليه ظهرها غير منتبهة لوجوده. التفتت بجسدها للخلف على اطمئنان وهي لا تتوقف عن التمايل وإذا بها تطلق شهقة مفزوعة منتفضة في أرضها. لتضع يدها على قلبها هامسة بزعر:
_ بسم الله.
لم يتحرك من مكانه وبقى كما هو على وضعه يرمقها مبتسمًا بساحرية. فضيقت عيناها وقالت بريبة:
_ كرم!!.. واقف كدا ليه؟
أخذ شهيقًا طويلًا وتحرك ناحيتها يقف مباشرًا أمامها وهو يقول غامزًا:
_ أصلي لقيت فراشة حلوة في المطبخ عمالة ترقص فقولت أما أتفرج عليها.
اخفت خجلها بصعوبة وقالت مبتسمة بدفء:
_ صباح الخير.
_ صباح الفل والياسمين.
عادت توليه ظهرها لتكمل ما كانت تفعله وهي تتمتم برقة:
_ الحمدلله واضح إن مزاجك رايق شوية عن امبارح أو مش شوية ده كتير أوي.
خطا خطوة إليها ليقف بجانبها متشدقًا بنبرة بدت لها غريبة:
_ وميبقاش رايق ليه ما أنا عارف كويس أوي هعمل إيه مع عمك ده.
تركت مابيدها ونظرت له مختنقة وهتفت بنفاذ صبر:
_ كرم ابوس إيدك ماتعمل حاجة.. أنا أساسًا طبيعي قلقانة عليك ومش حمل عمي يأذيك لقدر الله.
احتضن وجهها بين كفيه يقربه من شفتيه ليلثم وجنتها بقبلة قوية بعض الشيء كأنه يأكل خدها متمتمًا بنبرة متلذذة من قبلته:
_ متخافيش يا أميرتي مش هتحصل حاجة بإذن الله.
صعدت الحمرة لوجنتيها من قبلته التي تكاد تكون عنيفة واشاحت بوجهها تثبته على الطعام الذي تحضره ثم قالت بترقب:
_ إنت رايح الشغل صح؟
_ أكيد.
عادت بنظرها له تقول بأعين راجية:
_ خليك معايا النهاردة متروحش.
غضن حاحبيه وقال باستغراب:
_ ليه؟
تمتمت برقة وعبث:
_ زهقانة ومش عايزة أقعد لوحدي.
طالت نظرته للحظات طويلة حتى رأته يميل بوجهه للجانب يصدر لها وجنته، ففهمت أن القبلة مقابل بقائه لتتنهد بيأس وتقول منذرة إياه بارتباك:
_ ماشي بس إياك تعمل حركة كدا ولا كدا.
رمقها بطرف عينه هامسًا بخبث دفين:
_ وهو أنا بتاع الكلام ده برضوا!
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقترب منه مترددة وخجلة كانت على وشك أن تطبعها ولكنها تراجعت وثم عادت مجددًا وتراجعت مرة أخرى فقال هو بتذمر ونفاذ صبر:
_ إنتي هتتعبيني ليه! والله أروح البس وأمشي وأسيبك لوحدك.
_ خلاص خلاص.
قالتها مسرعة بتوتر ثم رفعت أطراف أصابعها لتصل لمستواه وخطفت قبلة سريعة وابتعدت فورًا عندما وجدته يتلفت بوجهه لشفتيها، ضربته على كتفه مغتاظة هاتفة:
_ كنت عارفة إنك لئيم ونيتك مش سليمة.
أجابها ضاحكًا باستمتاع وهو يشير لوجنته الأخرى هاتفًا:
_ طيب واحدة هنا كمان عشان أنا محستش بيها دي.
ضحكت ساخرة وهي تقول بتشفي:
_ هاهاها ليه وهو أنا هبلة عشان أصدقك تاني.
جلجلت ضحكته الأرجاء وقال غامزًا بنظرات خبيثة:
_ طيب هسيبك دلوقتي بمزاجي بس ولما آجي هنشوف الموضوع ده.
استشاطت بالنيران الملتهبة تصيح به مستاءة:
_ يعني إنت أخدت البوسة وبرضوا هتمشي!
همهم بخفوت جميل وحنو ليهدأ من انفعالها قليلًا:
_ لا والله بس معايا اجتماع مهم جدًا جدًا ومينفعش ألغيه أو أجله فهخلصه وأرجعلك على طول صدقيني.. أنا كان معايا شغل تاني بس مش مشكلة هأجله عشانك.
هدأت ثورتها وأجابت بضجر:
_ وهياخد قد إيه الاجتماع ده؟
_ يعني ساعة أو ساعتين بالكتير.
أماءت له بالموافقة وقد ارتاحت كثيرًا ثم هتفت بنبرة عادية:
_ طيب روح البس ولغاية ما تلبس هكون أنا حضرت الفطار.
خطف قبلة من على كتفها وابتعد عائدًا للغرفة لكي يأخذ حمامه الصباحي ويستعد للخروج.
***
ظل يجوب بالغرفة إيابًا وذهابًا وهو يترنح من فرط العصبية وأبيه يجلس على الأريكة المتوسطة يعلق نظره عليه وعقله يفكر بحل لهذه المعضلة، وإذا به يهدر بابنه منفعلًا:
_ ماتهدى يا جاسر زاولتني.
صاح الآخر ساخطًا:
_ أهدى إيه يا بابا! وآخرة الموضوع ده هنسيبله شفق مثلًا؟
كمال بنبرة شيطانية ونظرات تحمل الحقد:
_ أكيد لا، بنت أخويا هاخدها وأطمن، هطلقها منه وهتتجوزها.
_ وهتعمل ده إزاي بقى؟
قال بأعين شرانية لا تبشر بالخير أبدًا:
_ هنجرب معاه بالذوق الأول.. نفع يبقى زي الفل، منفعتش يبقى هو اللي جنى على نفسه.
تمتم جاسر بغل غير مبالٍ بمخططات أبيه الشريرة:
_ أنا المهم عندي شفق إنها ترجعلي في الآخر.
رمقه أبيه بابتسامة خبيثة يرتب أفكار عقله جيدًا حتى يحسن تنفيذ خططه في أخذ ابنة أخيه.
***
ارتفع ضوء القمر في السماء وظهرت النجوم الساهرة لتعطي لوحة مسائية جميلة أبدعها الخالق عز وجل.
كانت يسر أمام التلفاز تشاهد إحدى المسلسلات الأجنبية وبيدها صحن الفشار الكبير نسبيًا تلتقط كل لحظة حبة وتلقيها في فمها وعيناها معلقة على شاشة التلفاز، ولكن صك سمعها رنين الباب فدارت رأسها ناحية الباب وتأففت بخنق عندما توقعت من الطارق فليس هناك أحد غيرهم بالمنزل، وضعت الصحن بجانبها على الأريكة واستقامت تتجه إلى الباب وامسكت بالمقبض تديره للأسفل وتجذب الباب إليها وكما توقعت كان هو، انتظرت منه التحدث وهي تطالعه بمضض ولكنه أمعن النظر بها وبهيئتها اللطيفة حيث كانت ترفع شعرها وتتركه ينسدل ذيل حصان من الخلف ومن الأمام تترك بعض الخصلات متحررة على وجهها، نزل بنظره إلى ملابسها ليحدق بالبيجامة المنزلية التي ترتديها وعلى منطقة البطن تمامًا رسمة طفل صغير! انتبهت لنظراته فارتبكت ولعنت نفسها ألف مرة أنها فتحت له بملابس المنزل لتعقد ذراعيها أمام صدرها تحاول إخفاء الرسمة بقدر الإمكان هاتفة باقتضاب:
_ خير؟
تجاهل الرسمة وارتباكها وعاد بنظره لها يقول بلطف:
_ ممكن نتكلم شوية؟
" سيعتذر عن خطأ لا يحسب أمام أخطاء لا تغتفر له!" قالتها لنفسها مستنكرة، وهذه المرة لم ترفضه بل داهمها الفضول بشدة لرؤيته وهو يعتذر منها على خطأ آخر اقترفه، استدارت وعادت للداخل كدليل على موافقتها في التحدث فدخل هو وأغلق الباب يلحق بها، حتى وقفا بالصالة وقال هو باعتذار صادق وأسف:
_ أنا آسف مكنش قصدي أقول كدا الصبح والله بس اتعصبت وفقدت أعصابي.
ابتسمت باستهزاء تجيبه بجفاء وبعض التشفي من أنها تعيد كرامتها المهدورة بالتدرج وهي تراه يركض خلفها ويخشى عليها من أي شيء قد يضايقها:
_ وتعتذر ليه! إنت مقولتش حاجة أساسًا وزي ما قولتلك الصبح أنا لسا شيفاك الشخص الأناني والمغرور والقاسي وعديم القلب، ومعتقدش إن نظرتي ممكن تتغير في يوم من الأيام حتى بعد طلاقنا.
رأت في عيناه وميض بائس وحزين ولمعة الدموع السابحة بهما، تمتم متوسلًا إياها وهو يقترب منها أكثر:
_ يسر كفاية.. أبوس إيدك كفاية أنا مش قادر أستحمل بعدك عني أكتر من كدا. متقسيش قلبك واسمحي لينا بفرصة تانية. أوعدك إنك مش هتندمي لأنك ادتيني فرصة. تراجعي عن الطلاق ده وعاقبيني براحتك بس خليكي معايا.. اسمحيلي أكون حسن اللي كنتي بتتمنيه مش الشخص اللي كنتي بتتكلمي عليه دلوقتي.
غامت عيناها بالعبارات هي الأخرى وانهمرت دموعها على وجنتيها تجيبه بحرقة وألم:
_ إنت اللي كفاية.. أنا تعبت وإنت معندكش أي فكرة إزاي أنا بحاول أستعيد ذاتي اللي دمرتها. وأرجع كرامتي اللي بغبائي أنا أهدرتها. مبقاش عندي طاقة للمعانفرة وحتى الفرص كلها ضيعتها في محاولاتي معاك إنك تحس بيا وبحبي ليك وتتغير. بس إنت ندمت وأدركت غلطك بعد فوات الأوان. بعد ما أنا خلاص معدش يفرق معايا وجودك من عدمك.
فرت من عيناه دمعة حارة وهم بأن يعانقها فتراجعت هي للخلف ورفعت كفها مردفة بتحذير وصوت مبحوح:
_ خليك بعيد متقربش مني.
لم يهتم لتحذيرها وجذبها يعانقها ويدفن وجهه بين ثنايا رقبتها هامسًا بصوت باكي ورجاء:
_ بس أنا فارق معايا وجودك ومش هستحمل أعيش من غيرك. متسبنيش يا يسر.
أحست بتراخي أعصابها وبدأت الرؤية تتشوش لديها وكذلك حاسة السمع فاغمضت عيناها تدريجيًا. أما هو فأكمل بمشاعر جياشة:
_ أنا بحبك والله.
ولسوء حظه أنها لم تدرك ما قاله واستسلمت لتراخي أعصابها ففقدت وعيها. أبعدها عنه وكانت ملقية بين ذراعيه ففزع وأخذ يهز بوجهها هاتفا بفزع:
_ يسر ردي عليا إنتي سمعاني.
حملها واتجه بها للغرفة ليضعها على الفراش ثم عاد للمطبخ يجلب كوب ماء ورجع لها ثم بدأ ينثر الماء برفق على وجهها حتى فتحت عيناها بالتدرج وحين أدركت الوضع ولقربه الشديد منها، دخلت في أنفها رائحة عطره الرجولي واحست برغبتها في التقيؤ فوثبت واقفة وركضت باتجاه الحمام واغلقت الباب فهرول خلفها ووقف يطرق الباب هاتفًا مهتمًا وقلقًا:
_ يسر إنتي كويسة؟
سمع صوتها الضعيف وهي لا تتوقف عن التقيؤ:
_ حسن امشي ريحتك مش مستحملاها.
غضن حاجبيه بدهشة ونظر لملابسه ثم رفع قميصه لأنفه يشتم رائحته بعد أن شك بأنه قد يكون به رائحة قذرة قليلًا ولكنه ملابسه كلها رائحة عطر ونثر على ملابسه كلها العطر، فمن أين أتت الرائحة التي لا تتحملها هذه؟
أجابها بشك وحيرة:
_ إنتي مش مستحمل ريحة البرفان؟
أخيرًا هدأت معدتها وتوقفت عن التقيؤ فغسلت وجهها بالماء جيدًا وجففته ثم فتحت الباب وخرجت محاولة السيطرة على نفسها حتى لا تتقيأ مجددًا وتجعله يشك بأمرها. نظرت له وقالت بتقزز من رائحة عطره:
_ أنا كويسة.. امشي بقى.
طالت نظرته المريبة والدقيقة لها وهو لا يتحرك فدفعته بيديها هادرة بضجر:
_ يــــلا.
تنهد بعمق وهتف بأعين ثاقبة كالصقر بعد أن أحس بأن وضعها ليس طبيعيًا:
_ طيب همشي، ولو احتجتي حاجة اتصلي بيا وأنا هطلعلك.
لم تجب واكتفت بنظرتها الجامدة تنتظره حتى ينصرف وبمجرد رحيله اندفعت نحو الشرفة تفتحها وكذلك المروحة حتى يطردوا رائحة عطره التي تخنقها وترغبها في التقيؤ مرة أخرى، وأخيرًا غادرت الغرفة تمامًا وذهبت للغرفة الأخرى إلى حين أن تختفي الرائحة وتعود لغرفتها مجددًا.
كان علاء يجلس على الأريكة بغرفته وأمامه حاسوبه النقال ينهي بعض الأعمال.
فتحت هي الباب ودخلت حاملة على يدها صينية صغيرة فوقها طعام.
اقتربت منه ووضعتها بجانبه على الأريكة هامسة برقة:
_ إنت متعشيتش؟ كل.
نظرت للطعام ثم لها وأخيرًا رجع بنظره للحاسوب متمتمًا بعدم مبالاة:
_ مش عايز.
تأففت بيأس وهدرت بنبرة خافتة:
_ شكرًا لإنك وافقت، أو بالأحرى شكرًا لتفهمك أهمية دراستي بالنسبالي لما اتكلمت معاك.
_ أتمنى تعرفي قيمتها المرة دي وتركزي على الدراسة بس لأن...
قالت مقاطعة إياه بجدية:
_ متقلقش، أنا عند وعدي وزي ما وعدتك مش هختلط بحد وهيبقى كل وقتي لدراستي عشان اتخرج بتقدير كويس.
تمتم بنبرة عادية ليس بها أي ضجر أو خنق:
_ لما نشوف.
صمتت لدقائق قليلة حتى سألت بتردد وبؤس:
_ علاء، هو أنت بتروح عند نينا؟
فهم سبب سؤالها فأجابها بخفوت دون أن يرفع نظره:
_ مش كتير.
تشدقت بصوت يغلبه البكاء:
_ وحشتني أوي، وهي حتى مش بتديني فرصة أحكيلها الحقيقة.
رفع نظره رمقها بسكون لبرهة من الوقت ثم همهم بصوت أجش:
_ أنا هتكلم معاها في مرة وأفهمها كل حاجة.
دهشت وتهللت أساريرها لتجيبه بذهول وسعادة:
_ بجد؟
هتف بحزم وجفاء بعد أن رأى نظرتها الفرحة وخشى أن تفهم هذا كنوع من استسلامه لها:
_ ده مش عشانك، ده عشانها هي، لأنها حالتها وحشة من وقت ما عرفت اللي حصل معاكي وشافت صورك، ومن وقت جوازنا كمان. فيمكن لما تعرف إن الموضوع كان شبه محاولة اعتداء ترتاح وتسامحك.
_ بجد ياعلاء، أنا مش عارفة أقولك إيه.. شكرًا جدًا!
رأته يعود بنظره للحاسوب مجددًا دون أن يجيب عليها فاستعجبت من حالاته المتغيرة والعجيبة. بلحظة يكون لطيفًا وطيبًا وبلحظة أخرى يكون فظًا وجافًا. باتت لا تفهم أهو يبغضها أم مشاعره تجاهها عادية، لا هي بالبغض ولا بالاستلطاف! ولكن ما يهم الآن أنه سيساعدها في تحسين علاقتها مع جدتها مرة أخرى وهذا الشيء يكفيها لكي تكون سعيدة لأسبوع كامل وليس يوم أو يومين فقط!
***
وضعت أمامه القهوة التي طلبها منها وجذب مقعد لتشاركه في جلسته وتهتف في فرحة غامرة:
_ أخيرًا سمعت كلامي وقررت تاخد الخطوة دي ياحبيبي.
تمتم إسلام بعبوس:
_ أنا متردد أساسًا ياماما وخايف متوافقش.. بس قولت هجرب ولما ياجي زين هقوله.
ملست على كتفه بحنو أمومي وغمغمت بنظرة تبعث الأمل في نفسه:
_ هتوافق متقلقش، أنا واثقة.
_ بس متجبيش سيرة لحد حتى ملاذ، لغاية ما أكلم زين.
_ حاضر متخفش، مش هقول لحد. والله إنت مش متخيل فرحتي إزاي من وقت ماقولتلي على الخبر ده.
ابتسم بدفء والتقط كفها يقبل ظاهره بلطف مردفًا بعبث:
_ ادعيلي إنتي بس ربنا يسهل الأمور وكل حاجة هتبقى زي الفل صدقيني.
مدت كفها الآخر وملست على وجنته تهتف بمشاعر صادقة، تدعو له من صميم فؤادها:
_ ربنا يسعدك وينولك مرادك ياحبيبي.
أخذ نفسًا طويلًا وحملق في اللاشيء أمامه بشرود. ربما تكون هذه المرة الأولى التي تجرأ فيها ليطلب فتاة للزواج وسيجرب هل سينصفه حظه أم يخذله. هل عجز قدمه سيقف حاجزًا بينه وبين الفتاة التي يريدها أم لا؟!
***
وضع زين المفتاح في قفل الباب ودخل هو أولًا ثم هي. حمل الحقائب ووضعها بجانب الباب ثم أغلقه. أما هي فدارت بنظرها في أرجاء المنزل بابتسامة عريضة. التفتت له برأسها وقالت:
_ البيت وحشني أوي والله.
هدر باسمًا بعذوبة:
_ ما أنا مكنتش مرتاح أوي هناك عشان كده قولت نرجع.
اقتربت منه ولفت ذراعها حول رقبتها هاتفة باحتجاج:
_ بس إنت مفسحتنيش كتير لا في مرسى ولا الرياض.. وكنت حابسني في البيت علطول.
قهقه بخفة ثم لف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه أكثر ويهمس غامزًا بلؤم:
_ ما إحنا مكناش فاضيين ياحبيبتي وكان ورانا اجتماعات عمل مهمة.
مالت شفتيها لليسار مبتسمة باستحياء من تلمحياته الجريئة. ولكنها هتفت بتذمر وهي تلقي عليه أوامر:
_ مليش دعوة، هتفضي نفسك مخصوص وتفسحني هنا.
_ بس كده.. إنت تأمر ياجميل. هظبط نفسي ونخرج نتفسح.
ابتعدت عنه وقالت برقة:
_ أنا هدخل أغير هدومي وأخد دش عشان بعدين أحضر العشا وإنت كمان روح غير هدومك يلا.
هز رأسه لها بالموافقة وعندما توارت عن أنظاره عبس وجهه من جديد عند تذكره لإسلام. فأخرج هاتفه وأجرى اتصالًا بكرم الذي أجابه بعد وقت من الرنين:
_ أيوه يازين، إنت رجعت القاهرة ولا إيه؟
تشدق بصلابة:
_ أيوه رجعت.. تعالى ياكرم على الشركة عايز أتكلم معاك في موضوع.
رفع كرم حاجبه وهتف بتساؤل:
_ موضوع يخص الشغل يعني؟
_ لا ملوش دعوة بالشغل.. تعالى بس يلا، أنا هطلع دلوقتي وهستناك هناك.
أجاب عليه بريبة من نبرة صوته الغريبة ورغبته في اللقاء والتحدث معه بهذه الساعة:
_ طيب هلبس وأجيلك.
***
غادر كرم المنزل منذ ما يقارب العشر دقائق وبقيت هي بمفردها تشاهد التلفاز ومندمجة مع الفيلم. ولكن تجمدت ملامح وجهها عندما سمعت صوت رنين الباب. تساءلت بتعجب: "هل كرم أتى بهذه السرعة؟!". هبت واقفة واتجهت ناحية الباب بحيرة. فحتى لو أتى لما يرن جرس الباب وهو لديه المفتاح؟ هل نساه وذهب بدونه؟!
وقفت خلف الباب وقالت بخوف بسيط:
_ مين؟
_ أنا ياشفق افتحي.
تراجعت للخلف حين ميزت الصوت وعرفت فورًا بأنها ابنة عمها. فهمست لنفسها باستغراب ودهشة من قدومها لها وبهذه الساعة:
_ ريماس!!! ودي إيه اللي جابها دلوقتي؟!
رواية ضروب العشق الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ندى محمود توفيق
اصابته الصدمة فبقى ساكنًا يحدق بأخيه غير مستوعب ما سمعه منه للتو. هل هو يمزح أم يقول الحقيقة؟ لا يعرف!
هتف كرم منذهلًا:
_ زين إنت متأكد إنه إسلام؟
أجابه زين بشجن وأسى:
_ كل الأدلة اللي قدامي بتقول إنه هو. عمل حادث في نفس اليوم ونفس المكان ورجله مش بيمشي عليها بسبب الحادث. أنا هتجنن من وقت ما عرفت ومش عارف أعمل إيه ولا اتصرف إزاي. بقيت مش قادر أبص في عيون ملاذ.
أصدر كرم زفيرًا حارًا ومسح على وجهه بحيرة وضيق، ثم عاد بنظره لأخيه وسأل بترقب:
_ إنت لسه مقولتلهاش إنك كنت...
قاطعه وهو يهز رأسه بالنفي ويدفن وجهه بين راحتي يديه متمتمًا بصوت مهموم:
_ كل ما أقول هقولها، أتراجع وملاقيش الجرأة. مش قادر أقولها إني كنت مدمن ودخلت مصحة أتعالج. بفكر في نظرتها ليا هتكون إزاي لما تعرف ورد فعلها.
كرم برزانة امتزجت بالحزم:
_ دي حاجة وعدت عليها سنين، وأكيد هي مش هتاخد منك موقف على موضوع كان وخلص من سنين. لكن مينفعش تخبي عليها يا زين، لازم تقولها. شوف الوقت المناسب واتكلم معاها فيه بهدوء وافهمها كل حاجة، وأنا متأكد إنها هتتفهم ومش هتزعل أوي لأنك خبيت عنها طول المدة اللي فاتت، بالأخص لما تفهمها أسبابك اللي خلتك متقولهاش.
رفع وجهه ونظر لكرم مبتسمًا بمرارة وتشدق:
_ طيب، ده موضوع وخلص زي ما بتقول من زمان. لكن إسلام، هقولها إزاي أنا السبب في اللي أخوكي فيه وعذابه طول السنين دي؟
تنهد الصعداء بحيرة ويأس ثم قال بخفوت وحكمة:
_ أنا برأي إسلام متقولهاش دلوقتي واصبر شوية لحد ما نشوف حل مناسب.
_ أنا فكرت في حاجة. هجرب وأشوفها، بس يارب تنفع. أهو على الأقل أرتاح شوية من عذاب ضميري.
فتحت شفق لها الباب ووقفت تحدقها بأعين ثابتة ومتفحصة، لتهمس ريماس بارتباك:
_ أنا جيت أتكلم معاكي شوية، ممكن؟
تنفست شفق الصعداء ثم أفسحت لها الطريق لتعبر، وأخرجت رأسها من الباب تلقي نظرة فاحصة على الخارج لتتأكد من أنها لم تجلب أي من أبيها أو أخيها معها. ثم دخلت وأغلقته وأشارت لها بيدها أن تشير مباشرة إلى الداخل حيث الصالة. فسارت ريماس بخطوات متوترة حيثما أشارت لها وجلست على الأريكة لترمق شفق بعذوبة وتسأل:
_ كرم موجود؟
هزت رأسها بالنفي ثم جلست بجوارها وتطالعها بنظرات مقتضبة تنتظر منها أن تبدأ فيما تريد قوله لها والذي أتى بها إليها في هذه الساعة. لتلتزم ريماس الصمت لبرهة من الوقت تنظم بداية حديثها معها ثم تحدثت أخيرًا بنبرة لا تحمل أي غل أو خبث:
_ شفق، إنتي يمكن عارفة إني مش بكرهك أبدًا ومكنتش موافقة على أي حاجة بيعملها بابا أو جاسر ومازلت مش موافقة. ومش جاية هنا عشان أقولك إنك غلطانة وكان لازم تقولي لبابا قبل ما تتجوزي.
رسمت شفق الابتسامة الساخرة وأجابتها بها:
_ امال جاية ليه؟
استكملت حديثها بنفس نبرتها السابقة:
_ إنتي عندك حق، بابا وجاسر بعد اللي عملوه معاكم إنتي وسيف ومرات عمي الله يرحمهم، يديكي الحق تمسحيهم من حياتك كلها. بس أنا جاية أطلب منك طلب صغير واتمنى تفهميني.
حدقتها بفضول عندما ذكرت طلبًا واهتمت أكثر لحديثها لتعرف، ما هو الطلب؟ لتجدها تقول ببعض الرجاء:
_ بابا وجاسر مش هيسكتوا، وكذلك كرم وإنتي أكيد مش هتكوني حابة جوزك يدخل في مشاكل وأنا كذلك. فأنا كل اللي عايزاه منك إنك تحاولي تقنعي كرم إنه يلاقي حل وسط بدل المحاربة والعداء، وأنا هعمل كدا برضه مع بابا وهحاول أهديه وأخليه يتراجع عن غضبه.
هدرت شفق بانفعال وسخط:
_ أنا أساسًا بعتبركم مش موجودين يا ريماس من وقت اللي عمله أخوكي لما سيف رفض يجوزني ليه. حاول يأذيه هو شخصيًا ويأذيه في شغله عشان يخسره كنوع من الانتقام. أخوكي مريض وعايز يتعالج.
_ هو بيعمل ده كله لأنه بيعشقك بجنون والله صدقيني.
صاحت شفق بغضب عارم ونبرة مرتفعة:
_ مفيش مبرر للي عمله واللي بيعمله هو وعمي. متحاوليش تدافعي عنه يا ريماس.
_ أنا مش بدافع عنه، بالعكس، إنها عارفة ومعاكي جدًا إنه غلطان وحيوان كمان. بس صدقيني حتى أنا تعبت من المشاكل دي، مش إنتي بس، وعايزة نلاقي حل وسط نصلح بيه الكل ويرضينا كلنا.
تأففت شفق باختناق وهي تلوي فمها ممتعضة تفكر فيما قالته منذ قليل، ثم أجابتها بنبرة شرسة وقوية تحمل التهديد:
_ تمام، هحاول مع كرم وأعمل زي ما قولتي، وده مش عشانكم، لا، ده عشان أنا خايفة على جوزي ومش مستعدة أخسره لإني مليش غيره. بس أقسم بالله يا ريماس لو أبوكي وأخوكي حاولوا يأذوا كرم، لأوديهم ورا الشمس ومش هسكت زي ما سكت يوم سيف بعد اللي عملوه معاه، لأن وقتها أنا اللي هديت سيف برضه عشان المشاكل متزيدش، بس المرة دي أنا اللي مش هرحمهم.
أماءت لها بتفهم ونظرات هادئة بها القليل من اليأس، ثم وقفت وسارت باتجاه باب المنزل، وعندما أمسكت بالمقبض وأدارته للأسفل ثم جذبت الباب إليها، فقابلت كرم بوجهه والمفتاح بيده، كان على وشك أن يضعه في القفل ليفتح ويدخل، ولكنه تصلب بأرضه وهو يطالعها بريبة. التفتت ريماس برأسها ناحية شفق ثم ألقت نظرة أخيرة على كرم وانصرفت فورًا. لينظر هو لزوجته باستفهام ويدخل هاتفًا باستغراب:
_ مين دي؟
أغلقت الباب خلفه وقالت بنبرة عادية:
_ ريماس بنت عمي.
أجاب بغلظة صوت بعد أن اشتدت قسمات وجهه:
_ ودي جاية ليكي ليه؟
شفق بخفوت:
_ جات تتكلم معايا وأنا رديت عليها باللازم. متشغلش بالك، مفيش حاجة. إنت ليه طلعت فجأة كدا وكنت مستعجل؟
نزع سترته عنه وتمتم وهو يتجه إلى الداخل:
_ زين كان عايزني في موضوع ضروري ورحتله.
ثم التفت برأسه لها وقال بحدة يلقي تنبيهات صارمة عليها:
_ لما أكون مش موجود متفتحيش لحد نهائي، مفهوم؟
همست بإذعان لأوامره دون أي ضيق من طريقته:
_ حاضر، مش هفتح.
لحقت به إلى الغرفة مهرولة واغلقت الباب بلطف ثم اقتربت منه ووقفت أمامه تبعد يده عن القميص الذي يفك أزراره لينزعه وتولت هي المهمة هامسة بنعومة:
_ مالك؟
_ مليش، مرهق شوية وعايز أنام بس.
قالت بذكاء أنوثي وهي تشغل نفسها بفك الأزرار في رقة:
_ يعني زين مقالكش حاجة ضايقتك؟
ابتسم بحب على محاولاتها اللطيفة لأخذ الكلام منه دون أن يشعر وهي تتصنع البراءة. انحنى بجذعه إليها مغمغمًا بعد أن طبع قبلة حميمية على وجنتها:
_ اطمني، كله زي الفل. أنا زي ما قولتلك تعبان بس وعايز ارتاح.
انتهت من فك الأزرار وتركته مفتوحًا دون أن تنزعه عنه. لترفع أطرافها حتى تصل لمستواه وتخطف قبلة من جبينه أيضًا، مهمهمة بدلال أنوثي مثير:
_ طيب ياحبيبي تصبح على خير، أنا هروح أعمل حاجة بسرعة وهاجي كمان أنام.
غمز لها بمداعبة ماكرة باسمًا:
_ متتأخريش على حبيبك بس هااا.
انطلقت على شفتيها ابتسامة مستحية ورمقته بطرف عينها في اضطراب بسيط. لتغادر الغرفة فورًا وتتركه يبتسم ويقول بعدم حيلة من خجلها:
_ وأخرة الكسوف ده يعني. ما أنا زهقت طيب وخلاص، طاقة الصبر خلصت عندي.
أما هي في الخارج فرسمت الابتسامة اللئيمة على ثغرها هامسة لنفسها باستمتاع وتلذذ: "إنه دورك لتتعلم القليل من الصبر الذي عملتني إياه وأنا أحاول الولوج لقلبك!".
في صباح اليوم التالي داخل مبنى شركة طاهر العميري بأمريكا.
كان حسن بطريقه لمكتب يسر لكي يعرض عليها شيئًا خاصًا بالعمل وهم بأن يقبض على مقبض الباب ليفتحه ولكنه سمعها تتحدث في الهاتف بالإنجليزية عن موعد مع طبيبة وتقول بأنها ستأتي الآن للكشف. غضن حاجبيه بحيرة وتساءل: "طبيبة ماذا؟ وما سبب ذهابها لطبيبة؟!". سمعها تلملم أشياءها وتخطو باتجاه الباب لتغادر، فاسرع واختبأ بالجانب حتى لا تراه وتابعها وهي تسير ناحية الباب الرئيسي. هو منذ الأمس يشعر بأن بها شيء غريب والآن شكه يتفاقم. هرول ودخل مكتبها ووضع على سطح المكتب الأوراق ثم لحق بها دون أن تلاحظه واستقل بسيارته يقود خلف سيارة الأجرة التي استقلت بها.
توقفت أمام عيادة الطبيبة وترجلت هي من السيارة وسارت لداخل العيادة. فرفع عيناه يقرأ لافتة تعريف الطبيبة. ليضيق عيناه بتفكير عندما رأى أنها طبيبة أمراض نساء. فجالت بذهنه لحظات فقدانها للوعي المستمر. وبالأمس عندما لم تحتمل رائحة عطره بالرغم من أنه يعرف جيدًا أنها تحب روائح العطور. استغرق من الوقت دقائق وهو يفكر في الشيء الوحيد الذي يدور بذهنه الآن ولكنه نفض رأسه للجانبين هاتفًا بسخرية:
_ لا طبعًا مستحيل، هي قالتلي إنها أجهضته.
استمر باقناع نفسه كالآتي: "أنا فقط أتوهم وأوهم نفسي بأشياء ساذجة!". بقى ينتظرها إلى ما يقارب الساعة حتى خرجت واستقلت بنفس السيارة فقاد سيارته خلفها يتابعها. لينتهي به المطاف أمام منزل خالتها رأها تطرق الباب وتفتح لها الخالة تستقبلها بترحيب شديد ثم دخلوا وأغلقوا الباب. فتنهد هو بخنق وانطلق بالسيارة عائدًا إلى مقر الشركة.
تسللت ملاذ من خلفه برقة حتى عانقته من الخلف بينما هو كان يعقد ربطة عنقه. نظر لانعكاسها في المرآة وهي خلفه وهمس بتعجب:
_ في إيه؟
_ رايح الشركة؟
_ آه بس هعدي الأول على المطعم.
رمشت بعينيها عدة مرات في لطافة وقالت بنعومة:
_ طيب أنا ليا طلبين!
لم يرد وصمته كان كدليل على أنه ينتظر منها التحدث فغمغمت بخفوت:
_ إنت مش قولتلي لما نرجع هشوف رفيف عشان نروح واحفظ قراءن.
سكت لبرهة تقارب الدقيقة حتى التفت لها بكامل جسده وتمتم بعذوبة وحب:
_ وإيه رأيك نحط تغير صغنن في الخطة واحفظك أنا واديكي أحكام التجويد.
صاحت بفرحة غامرة ووجه أشرق نوره:
_ بتتكلم جد.
هز رأسه بالإيجاب لتستكمل هي بعبث:
_ بس إنت معاك شغلك كل يوم ومش هتبقى فاضيلي.
_ وإيه يعني شغلي كل يوم لما ارجع من الشغل ناخد ساعة أو ساعتين نخصصهم لوقت الحفظ والقراءن ونحفظ فيها وأهو فرصة أنا كمان اراجع على القراءن لإني نسيت حجات كتيرة للأسف.
ارتفعت لمستواه وقبلته من جانب ثغره بعاطفة وهمسة:
_ ربنا يخليك ليا يازينو.
استرسلت حديثها بنفس اللطف:
_ الطلب التاني بقى.. إنت أكيد فاكر طنط أحلام صديقة ماما اللي كانت في فرحنا.. هي جات من السفر وراحت لماما ونفسها تشوفني جدا قبل ما تمشي.. أنا طبيعي كنت هروح لماما بس كنت هروحلها بكرا أو بعده لكن للأسف كدا أنا مضطرة اروح النهاردة.. فلو معندكش مانع وموافق تستناني البس في عشر دقايق بس وتاخدني معاك في طريقك.
لم يعارض كما توقعت حيث همهم بنبرة عادية تماما:
_ طيب بس بسرعة عشان أنا مستعجل.
هتفت بمرح طفولي جميل:
_ عد على صوابعك لغاية عشرة هتلاقيني خلصت.
وفورا اندفعت إلى الحمام لترتدي ملابسها في عجالة ودون تأخير.. واكمل هو استعداده للخروج.. يرتدي سترته والحذاء ويضع عطره.
***
يقف كرم بالشرفة ويتحدث في الهاتف بجدية تامة.. وكان جاهز تماما للمغادرة والذهاب للعمل.. وبينما هو منشغل بحديثه في الهاتف لمحها وهي تخرج من الحمام وترتدي بنطال قصير وأعلاه تنورة منزلية ضيقة وبحمالات عريضة قليلا.. وتقف تجفف شعرها بالمنشفة وتلقى برأسها يمينا ويسارا فيتطاير شعرها معه ويتناثر منه الماء.. تصلب بأرضه وهو يتابعها بهيام غير منتبه لصوت الرجل الذي يحدثه بالهاتف.. فعاد لوعيه وانهى الحديث سريعا في الهاتف ثم دخل لها واغلق باب الشرفة.. اقترب بخطوات هادئة ولف ذراعه حول خصرها يجذبها إليه ليهمس غامزا بلؤم بعد أن خطف قبلته من وجنتها:
_ طيب إيه هنفضل كدا كتير!.
في باديء الأمر لم تفهم قصده ولكن حين أدركت نظرته وابتسامته فهمته جيدا وتصنعت عدم الفهم لتقول ببراءة مزيفة:
_ مش فاهمة!.
هتف يوضح لها قصده بوضوح وجراءة أكثر:
_ يعني أنا قولتلك موعدكيش إني هصبر كتير.. والصراحة أنا شايف إنه كفاية كدا.. فخلينا نركن الكسوف ده على جنب وموضوعه سهل وهيتحل في يوم وليلة.
أبدت عن ضيقها المزيف وصاحت بغضب فشلت في تمثيله.. فقد كان هدفها هو التهرب منه.. ولكن حيلتها الفاشلة لم تجدي بنفع معه!:
_ إيه يوم وليلة دي.. هو أنا واحدة جايبها من الشارع ياكرم.. ابعد كدا لو سمحت.
أزاحته من أمامه برفق وهمت بالابتعاد فجذبها من ذراعها هادرا بضحك:
_ خدي هنا إنتي هتتلككي.. عايزة تلاقي أي حاجة عشان تهربي مني.
زمت شفتيها بخنق وتضمر في ثناياها التلذذ وهي تراه يتحرق شوقا إليها.. رأته يقترب منه مجددا وتمتم بلطافته وابتسامته الساحرة كالمعتاد:
_ جهزيلنا عشا رومانسي وحلو النهاردة وأنا هظبط شغلي عشان مروحش الشركة بكرة ونقضي السهرة الليلة دي صباحي.
لم تتمكن من اضمار الابتسامة التي انطلقت على شفتيها.. وكانت فعلتها القادمة بمثابة صدمة له حيث وجدها تتعلق برقبته وتهمس بدلال وغنج أنوثي مثير أمام وجهه مباشرة:
_ تحب اعملك إيه في العشا بقى ياكوكو.
رفع حاجبه باستنكار من فعلتها.. على أساس أنها خجلة منه!!.. ولكنه لم يعقب طالما أخيرا رحمته من عذاب الانتظار وستجعل ليلتهم كما يريد تماما.. تمتم بغرام بعد أن التقط كفها وطبع قبلة على ظهره:
_ أي حاجة بتعملها الأيد الحلوة دي بتطلع جميلة.
تخلت عن توترها البسيط واستحيائها منه لتقترب وتخطف قبلة من جبينه هامسة بنظرات عاشقة ونبرة ليست مريحة:
_ متقلقش ياحبيبي هتيجي بليل هتنبهر.
زاد تعجبه من أمرها الغريب وتصرفاتها المختلفة ولكنه تجاهل وهتف بتمني وعدم اطمئنان:
_ يارب!!.. أنا همشي عشان متأخرش.
_ مع السلامة.
قالتها بابتسامة صافية وعاطفية.. وانتظرت حتى رحيله لتضحك بعاطفة كلما تتخيل ردة فعله حين يعود مساء ويرى العشاء والتجهيزات التي أعدتها ليلتهما!.
***
بمدينة نيويورك بأمريكا..
بقى حسن جالسا أمام النافذة في منزله بعد أن عاد من العمل ورغم أنه مرت ساعات طويلة نسبيا لم تعد حتى الآن!!.. لا يزال عقله عالقا بذهابها لطبيبة النساء وما شهده من تصرفات غريبة صدرت منها في الفترة الماضية.. ولكنه يأبى الاستماع لأي من أفكار ذهنه الساذجة في رأيه!.
وصلت إلى المنزل أخيرا فوثب هو واقفا واتجه إلى باب الشقة ليفتحه ويهتف مناديا عليها قبل أن تصعد لشقتها:
_ استني يايسر.
وقفت والتفتت بجسدها إليه تهتف ببساطة:
_ خير.
تحرك نحوها حتى أصبح بمقابلتها مباشرة وسأل بنظرات حادة ودقيقة:
_ إنتي كنتي فين!.
أربكها سؤاله وتسارعت دقات قلبها وأول شيء خطر في ذهنها "هل كشف ما أخفيه عنه وعن الجميع؟".. ثم عادت تجيب على نفسها أيضا "بالتأكيد لا وإلا لماذا سيسأل إذا كان يعرف بالفعل!".
يسر بترقب واضطراب ملحوظ:
_ بتسأل ليه!.
تمتم بأعين ثاقبة ونبرة رجولية خشنة:
_ شوفتك إنتي وطالعة من الشركة ولما اتأخرتي ومرجعتيش قلقت عليكي.
أطلقت زفيرا طويلا بارتياح بعدما سمعت رده واقنعها هو بهذا الكلام أنه لا يعرف بشيء ولا يشك بأمرها حتى!!.. لم تجب عليه بمضض كالعادة بل غمغمت بنبرة عادية:
_ روحت عند خالتو أقعد معاها شوية لما خلصت الشغل اللي ورايا.
كما توقع تماما ستكذب وتخفي الأمر ولذلك هو تعمد سؤالها وكأنه لا يعرف شيء ولكنها بكذبها لم تنقذ نفسها بل زادت من شكه وتأكيده بأنها تخفي عنه شيء خطير!!.. هتف حسن بتأكيد كأنه يعطيها الفرصة لكي تقول الحقيقة وتمحي شكوكه بها:
_ خالتك بس يعني!!!.
عاد اضطرابها من جديد لتجيبه بتوتر وصوت ليس طبيعي وقوي كعادتها:
_ أيوة خالتو بس ياحسن.
همت بالاستدارة والانصراف فأوقفها بقبضته على ذراعها وهو يردف بلطف ونظرات تبدلت من الحدة للحنو:
_ أنا مجهزلك مفاجأة حلوة بليل ممكن مترفضيش وتطلعي معايا.
رمقته بنظرات فاحصة لمعالم وجهه المتشوقة لسماع موافقتها.. وكانت ستخضع له ولكنها أبت وسحبت ذراعها هادرة بحزم:
_ لا مش موافقة وخليك بعيد عني زي ما اتفقنا.
أوشكت على الرحيل مرة أخرى فاعترض طريقها وهتف برجاء وصوت دافئ:
_ احنا محتاجين نتكلم كويس مع بعض ودي هتبقى فرصة كويسة صدقيني.
يسر بقسوة وهي تحاول إبعاده لكي ترحل:
_ كل حاجة بينا اتكلمنا فيها ومفيش حاجة لسا هنتكلم فيها.
_ في وبالعكس أهم حاجة كمان.. لو سمحتي وافقي يايسر.. وأنا واثق جدا إن المفاجأة هتعجبك.
انتابها الفضول حول المفاجأة التي يتحدث عنها ولكن لم يكن هذا هو الجزء الأهم.. بل شعورها بالسعادة الداخلية أنه جهز لها مفاجأة خاصة ولأول مرة.. مما سبب لها مشاعر متضاربة ما بين الفضول والفرحة وبعض العاطفة.. تمكنت بصعوبة من إخفاء سعادتها واجابته باقتضاب وتصنع عدم الاكتراث لما جهزه من أجلها:
_ طيب بس أعمل حسابك إنها أول وآخر مرة هتكون.
كانت نظرته المشرقة تكفي للرد على السخافة التي تفوهت بها بأنها الأخيرة.. بينما هي فاندفعت لشقتها بالأعلى ومالت شفتيها قليلا للجانب بعد أن فشلت في كتم ابتسامتها أكثر من ذلك!!.
***
كل من إسلام وزين بالمطعم يجلسون على طاولة متوسطة وأمامهم القهوة الخاصة بكل منهم.. الصمت يعم بينهم حتى اخترقه إسلام بقوله:
_ خلاص الأسبوع الجاي هنعمل الافتتاح احنا كنا مستنينك ترجع عشان لازم تكون موجود.
ارتشف زين من كوبه وغمغم بإعجاب وهو يجول بنظره بين زوايا المطعم:
_ ما شاء الله الشغل جميل.. اثبتلي إنك كفاءة زي ما كنت متوقع.
ابتسم وقال بعذوبة:
_ والله الحق يتقال هي الأنسة رفيف كانت شايلة اغلبية الشغل وأنا كنت براجع وبشرف وبساعدها في حاجات بسيطة بس.
أومأ بالإيجاب في تفهم ليهيمن السكوت بينهم مرة أخرى وهذه المرة كان زين يعلق نظره عليه يفكر في كيفية البدء فيما يريد التحدث معه بشأنه.. ولكنه حسم قراره وهتف باهتمام وخفوت يسأله لكي يسمع التفاصيل منه التي ستؤكد له شكوكه:
_ إنت حصل معاك الحادث إزاي يا إسلام!.
استغرب سؤاله في البداية ثم تمتم ببساطة يشرح له التفاصيل:
_ كان في شارع.. وفي الوقت ده أنا كنت جاي من فرح واحد صاحبي ومكنش فيه مواصلات بسبب الوقت المتأخر فاخدتها مشي في الشارع ومرة واحدة لقيت عربية سريعة جاية عليا ومحلقتش أدرك الموقف حتى عشان أبعد وخبطتني.. اللي فاكره إن اللي كان في العربية نزل بص عليا وحتى محاولش يسعفني لا ركب عربيته تاني وهرب.
"هل كان دنيئا لهذه الدرجة التي تجعله يترك جريحا على الأرض هو من قام بأذيته ويهرب.. لقد استحقيت كل ماحدث لي عندما ذقت أصناف العذاب في المصحة وكنت على عتبة الموت بعد حادث السيارة الذي كنت السبب فيه أيضا". تحدث لنفسه كالآتي وأحس بأنه يبغضها.. يستحقرها.. كيف يخبره ويقول أن ذلك الرجل الدنيء الذي تركك جريحا على الأرض بعد أن صدمك هو أنا!.
عبس وجهه وظهر عليه الخزي من نفسه والأسى ثم تنهد الصعداء وتمتم بنبرة جادة:
_ أنا دورت ليك وعرفت دكتور كويس جدا بس مش في مصر وقالي إن نسبة نجاح العملية كبيرة جدا وترجع تمشي أكيد زي الأول إن شاء الله..
أنت فكر وخد قرارك وخلينا نسافر ونشوف عشان نبدأ نمشي في إجراءات العملية.
اندهش قليلًا ثم قال ببرزانة:
_ ماشي يازين بس أنا عارف كويس أوي إن العملية دي هتكلف مبلغ ضخم مش مجرد كام ألف.
_ أنا اللي جايبلك الدكتور وبقولك هتسافر وملكش دعوة بالباقي بقى.
إسلام برفض قاطع وصلابة:
_ لا طبعًا مستحيل أقبل إنك تدفعلي مبلغ كبير بالمنظر ده.
زين بحكمة وابتسامة صافية:
_ يابني إحنا مش إخوات، اعتبره دين حتى وابقى سده براحتك بعدين.. متعاندش بس واسمع الكلام خلينا نسافر لأن الدكتور قالي إن كل ما الوقت يعدي والسنين تمر الحالة هتزيد أكتر معاك أوي.
هز رأسه بالنفي وهتف بإصرار وخشونة:
_ متحاولش معايا في أمر مفروغ منه.. ده مفهوش اختيار بين آه ولا لأ، أنا حاليًا معيش نص المبلغ حتى عشان نقول إنك تساعدني في الباقي وأسدهولك بعدين. عارف إنك عايز تساعدني يازين وربنا يعلم إني بعتبرك أخ ليا فعلًا بس برضوا مقدرش أكلفك بمبلغ زي ده. سيبه لما ييجي وقته وأنا هقولك عشان تسافر معايا للدكتور ده.
زفر زين بعدم حيلة وخنق ثم رتب على كتفه هاتفًا بنفس نقية:
_ برضوا فكر في كلامي ومتتسرعش الدكتور ده فرصة والله يعلم ممكن يحصل إيه لو صبرت زي ما بتقول.. فكر كويس وأنا كام يوم وهكلمك تاني.
طالت نظرات إسلام إليه في سكون يحرك أفكاره في ذهنه ويحسب حديثه جيدًا.. هو بالتأكيد أكثر من يرغب في أن يعود كطبيعته مجددًا ولكنه أيضًا لا يملك المبلغ!
***
توقفت السيارة أمام مقر شركة العمايري وفتحت هي الباب ثم نزلت فسمعت صوت السائق الخاص وهو يهتف برسمية:
_ استني حضرتك ياميار هانم.
_ لا امشي أنا هرجع مع علاء.
ثم قادت خطواتها للداخل وهي تسير بثقة تعرف وجهتها جيدًا وأين يوجد مكتبه. وبعد لحظات من السير داخل الشركة وقفت أخيرًا أمام باب مكتبه ثم أخذت نفسًا عميقًا وأمسكت بالمقبض وفتحت فرأته يثبت نظره على أوراق أمامه وتارة ينظر للحاسوب وتارة للورق. دخلت وأغلقت الباب خلفها ثم تنحنحت واقفة. فرفع هو نظره إليها وعندما وقع نظره عليها لجمته الدهشة من رؤيته المفاجأة لها بمقر الشركة وهي لم تخبره بأنها ستأتي!
علاء بغلظة ونظرات صارمة:
_ إني مش قولتيلي هتروحي مع رفيف عشان تشتري الهدوم؟
تنفست الصعداء وتحركت نحوه لتجلس على المقعد المقابل له وتهمس بخفوت وهدوء تام:
_ لا ما أنا الصراحة لما فكرت قولت إن الأفضل تروح إنت معايا.
هي ليست بحمقاء أو ساذجة.. فكل خطوة تفعلها تكون بحساب، وليس هناك شك بأنها رغبت بمجيئه هو معها حتى تثبت له حسن نيتها وتنشب بعض الثقة بينهما، ولكي تجعله يطمئن لها وأنها لن تفعل شيئًا يضر باسم العائلة أبدًا.
أشار بسبابته إلى نفسه مغمغمًا باستنكار واستعجاب:
_ أروح أنا معاكي!
أماءت برأسها عدة مرات وقالت بلسان حلو ورقة:
_ آه إنت.. بما إنك حاطط شروط إن الهدوم كلها تكون واسعة ومناسبة وحاجات كدا كتير، فأنا خايفة أشتري حاجة وفي الآخر متعجبكش. فعشان متعترضش خالص بعدين.. تاجي وتنقي معايا الهدوم.
ضحك بخفة ساخرًا من ثقتها وطموحاتها العالية ليجيبها بعدم استيعاب:
_ أنقي كمان! إنتي هبلة ياميار؟ متوقعة إني هسيب شغلي وهروح معاكي أشتري هدوم ونفضل نلف والكلام الفارغ ده. ثم إن ده مش في مصلحتك أنا لو روحت معاكي واتخانقت وده أكيد اللي هيحصل لإن خلقي ديق ممكن أقولك مش هتروحي الكلية أصلًا وأغير رأي.
منعت ضحكتها من الخروج وقالت بثقة تامة وابتسامة صفراء:
_ هتروح يا علاء ومتقلقش مش هنلف كتير. وإذا كان على الشغل فأنا عندي استعداد أقعد معاك هنا لغاية ما تخلص وبعدين نطلع.
_ قولت مش هروح أنا معنديش خلق أخرج وأشتري هدوم وكمان مع بنت.. يا تتصلي برفيف يا تروحي البيت.
رفضت بنظراتها الثابتة وهي لا تجيب عليه ليهتف وهو يجذب هاتفه:
_ تمام يبقى هتصل بناجي ياجي ياخدك يوديكي البيت.
همست ببرود أعصاب وابتسامة متكلفة:
_ هو وصلني ومشّيته قولتله إني هرجع معاك.
حدقها مغتاظًا وصاح منفعلًا:
_ استغفر الله العظيم.. يعني إنتي مصممة تعصبيني؟ مش كفاية طالعة من البيت وجاية هنا من غير ما تقوليلي.
نهضت من على المقعد واتجهت إلى الأريكة الصغيرة وجلست بإرياحية عليها متمتمة بنبرة عادية تمامًا وابتسامة مستفزة وكأنه لم يكن يصيح بها للتو:
_ خلص شغلك يلا وأنا مستنياك.
استفزته بشدة وود لو يقبض عليها ويخنقها من الغيظ ولكنه تمالك أعصابه ومسح على وجهه متأففًا ومستغفرًا ربه وعاد يكمل عمله حتى يهدأ من مزاجه الذي عكرته ببرودها! أما هي فاشاحت بوجهها للجهة الأخرى بعيدًا عنه وأطلقت ضحكة صامتة مستمتعة باستفزازه وأنه ذعن لها بالأخير!
***
مع غروب الشمس كانت يسر قد انتهت من ارتداء ملابسها وغادرت المنزل ثم نزلت الدرج بهدوء وحذر كما اعتادت منذ حملها خشية أن تنزلق قدمها دون وعي وتسقط.
وجدته ينتظرها بالسيارة فتحركت باتجاهه وكانت ستستقل بالمقعد الخلفي ولكنها رأته يشير لها بعينيه في لطف أن تأتي بجواره. وبالرغم من ذلك لم تستمع له وفعلت ما ترغب به ليزفر هو بخنق وعدم حيلة من عنادها.
انطلق بالسيارة يشق بها الطرق وهو يلقي عليها نظرة كل لحظة في المرآة العلوية التي تعكس وجهها في الخلف. تارة يراها تتابع الطريق بصمت وتارة تنظر له فتتلاقي أعينهم لثواني ملحوظة قبل أن تشيح بنظرها فورًا عنه. وأخيرًا اخترقت فقاعة الصمت هاتفة:
_ إنت رايح بيا فين؟
_ هتعرفي دلوقتي متستعجليش.
قالت بقسوة دون مراعاة لكل محاولاته لكي يسعدها ويثبت لها ندمه، حتى لو لم تكن محاولات كما تريد ولكن يكفي أنه يحاول من أجلها:
_ أنا مش مستعجلة أنا لو عليا أساسًا مش عايزة أكون معاك في مكان واحد نهائي. بس لما فكرت في كلامك لقيت إننا فعلًا محتاجين نتكلم عشان تبقى آخر مرة.
أبدى عن حزنه الشديد وتمتم بأسى:
_ عارف يايسر، بس ممكن منتكلمش في أي حاجة لغاية ما نوصل وهناك قولي اللي تحبيه.
التزمت الصمت ورأت أن أفضل حل الآن بالفعل حتى لا يتجادلوا بالسيارة! وبعد دقائق طويلة نسبيًا توقفت السيارة ونزل هو أولًا ثم فتح لها الباب لكي تنزل ففعلت وتجولت بنظرها في الأرجاء يمينًا ويسارًا وهي ترى الناس يدخلون جميعًا إلى باب كبير وواسع. فرفعت نظرها تحدق بالمبنى الضخم وإذا بها يلجمها الذهول وتهتف بصدمة:
_ ده الأوبرا!
انحنى على أذنها وهمس بحب:
_ عارف إنك بتحبيه جدًا وكان نفسك أوي تروحيه.
أماءت برأسها بإيجاب وهي تقول بابتسامة عريضة وعيناها مازالت معلقة عليه:
_ فعلًا.
_ طيب يلا عشان العرض ما يفوتناش.
همت بأن تسير ولكن رأتته يضم ذراعه بالجانب يحسها على وضع ذراعها بذراعه حتى يسيروا معًا. ضحكت هي مستهزئة من طلبه السخيف وكأنها ستوافق أن تشابك ذراعها بذراعه! وجدته يجول بنظره بين العامة يشير لها بأن تنظر. فرأت أن جميع الرجال الذين جاءت معهم امرأة يسير معها كذلك كنوع من الرقي والرمانسية. عادت بنظرها له ورمقته باقتضاب وفعلت كالجميع وهي تلقي عليه نظرات مشتعلة. وبمجرد ما أن وضعت ذراعها ضمه جيدًا بين ذراعه وسارا نحو الداخل. حتى وصلا إلى مقاعدهم الذي قام بحجزها في المقصورة فجلست هي أولًا ومن ثم هو بجوارها. وبعد وقت ليست بطويل بدأ العرض وكان هو يتابع ملامح وجهها السعيدة والمبتسمة وهي تشاهد باستمتاع. فاقترب على أذنها وهمس بعاطفة وصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
_ مبسوطة؟
بعفوية شديدة وكأنها نست كل شيء من سعادتها. نظرت له وهتفت بتلقائية ونظرات لا تحمل البغض والغضب بل كانت صافية بها مشاعر الحب الذي كان يبحث عنها منذ أن تركته وكانت تحاول إقناعه أنها لم تعد تحبه:
_ جدًا فوق ما تتخيل. شكرًا ياحسن.
طالت نظراته الهائمة بها وهو يتأملها بدهشة وعشق. وقد صعدت ابتسامته العريضة لشفتيه يشاركها السعادة لأنه أحس ببريق أمل يلمع بعد نظرتها الصافية والمحبة له التي كان فقد الأمل في أن يراها بعينيها مرة أخرى.
انتبهت لنظراته لها فارتبكت وادركت خطأها وبثانية ابعدت نظرها عنه وهمست لنفسها باغتياظ "حمقاء يايسر.. ماذا فعلت الآن! هل بعرض أوبرا سيتمكن من العثور على مسامحتك ولطفك بكل هذه السهولة! بالتأكيد لن أجعله يحصل عليها إلا بعد عذاب!".
***
في تمام الساعة الثامنة مساءً.
فتح كرم الباب ثم دخل وأغلقه خلفه. ترقب بسمعه الحركة في المنزل والسكون فكان هادئًا تمامًا. ظن أنها تنتظره بالغرفة ولهذا المنزل يعم به السكون! نزع حذائه عنه وتحرك إلى الداخل وأول شيء وقع نظره عليها مائدة الطعام المتوسطة والموضوع فوقها صحون الطعام بانتظام وقامت بتزينها بشكل رومانسي كما طلب منها. ابتسم بحب وحماسه وصل لمستوى مرتفع وأصبح لا يطيق الانتظار لرؤيتها هي أيضًا. فاندفع نحو غرفتهم وفتح الباب وهو يقول بإشراق وجهه متحمس:
_ شفق يا.......
تسمر مكانه وقد تلاشت ابتسامته تدريجيًا حين رآها بالفراش ونائمة. استطاعت فورًا أن تطيح بحماسه ليلتها الأولى في الأرض. فاقترب منها وجلس على حافة الفراش بجوارها متمتمًا بخفوت وهو يهزها بلطف:
_ شفق إنتي نمتي!
فتحت جزء صغير من عينيها وهي تقول:
_ كرم!
اعتدلت في نومتها وغمغمت وهي تفرك عينيها:
_ لا منمتش أنا كنت مغمضة عيني بس.
_ طيب قومي يلا عشان نتعشى مع بعض وأنا هروح آخد دش وأجيلك.
أماءت له برأسها بالموافقة لينحني هو بشفتيه إلى وجنتها ويخطف قبلة قبل أن ينهض ويذهب للحمام. لتبتسم هي بعبث وتهب واقفة تنظر لنفسها في المرآة تهندم من مظهرها وتجدد مكياجها.
كانت ترتدي منامة تصل إلى الركبة بحمالات رفيعة وبفتحة ظهر واسعة وكبيرة، وضيق بعض الشيء على جسدها يظهر منحنياتها بشكل مثير مما أعطاها لمسة أنوثية مغرية. التقطت الروب وارتدته فوقه، ثم غادرت الغرفة وذهبت لطاولة الطعام تضع اللمسات الأخيرة عليها.
وبعد دقائق ليست بطويلة، أتى وكان يرتدي بيجامة منزلية من اللون الأسود، فجلس على مقدمة الطاولة وهي بجواره. ألقى عليها نظرة مغرمة ووضع أول لقمة في فمه، وهي كذلك فعلت. لتسمعه يهمس بعد لحظات قصيرة:
"تسلم إيدك ياحبيبتي."
لاحت الابتسامة الخجلة والعذبة على شفتيها وهي تجيبه:
"بالهنا والشفا."
أكملوا عشائهم لدقائق قليلة، ومن ثم نهضت هي وبدأت في نقل الصحون للمطبخ، وهو كذلك يساعدها. وبعد انتهائها، هيأ لها أنها سمعت صوت رنين هاتفها. فذهبت للغرفة لتنظر له، فلم تجد أي اتصال من أحد. تسلل هو خلفها وأغلق باب الغرفة، وإذا بها تشعر به يحتضنها من الخلف. انحبست أنفاسها وتسارعت دقات قلبها وأصابتها قشعريرة حين شعرت بشفتيه تطبع على كتفها ويهمس بهيام:
"بحبك يا أميرتي!"
التوتر والخجل استحوذوا عليها، فلم تتمكن حتى من الفرح كما يجب بهذه الكلمة الذي نطقها لأول مرة. أحست بيديه تلتف حول خصرها ويمدها لربطة الروب ليفكها وينزعه. فاخذت نفسًا والتفتت له بجسدها تقول برقة وحماس:
"كرم، في فيلم جميل جدًا شوفت إعلانه وهيبدأ دلوقتي. ماتيجي نسمعه، نفسي قوي أتفرج عليه."
رفع حاجبه يجيبها بستنكار لطلبها الذي في الوقت الخطأ تمامًا:
"فيلم ودلوقتي؟!"
هزت بالإيجاب وتمتمت برجاء:
"أيوة ارجوك يلا."
ابتسم بحب وهدر بحنو:
"الفيلم بياخد تلات ساعات أو ساعتين ونص على التلفزيون ياحبيبتي.. مش وقته خالص دلوقتي الصراحة. بكرة أنا موجود معاكي اليوم كله هنشغله على اللاب ونسمع براحتنا."
عقدت ذراعيها أمام صدرها وأجفلت نظرها أرضًا تزم شفتيها للأمام بعبس طفولي. ليتأفف هو مغلوبًا على أمره وقال:
"طيب خلاص يلا هنسمعه."
عاد وجهها يشرق بالابتسامة من جديد، وأسرعت للخارج تقوم بتشغيل التلفاز وتجلس على الأريكة تشاهد الفيلم الذي يبدو أنه بدأ منذ دقائق قليلة. وشاركها هو الجلوس بجانبها، يعلق نظره على شاشة التلفاز مجبرًا وباقتضاب، فقط لرغبتها. أما هي فلا تفهم سبب خجلها منه، لم تكن تخجل هكذا منه في بداية زواجهم. ربما لأنها شهدت على جانب جديد منه، فلذلك تخجل وتتوتر. والآن تحاول التركيز على الفيلم لكي يمحو توترها.
مرت ساعة ونصف وهم ما زالوا يشاهدون ذلك الفيلم. اندمجت هي بشدة في المشاهدة وكانت تشاهد باستمتاع، غير منتبهة لذلك الذي سينفجر من الغيظ والانتظار. تارة يمسح على وجهه متأففًا ولا يثبت في جلسته، يتحرك يمينًا ويسارًا. فقد سئم من الجلوس هكذا واستنفذ كل طاقة الصبر لديه. التصق بها وهمس بلطف:
"مش كفاية بقى ولا إيه ياحبيبتي؟ الفيلم لسه مطول وأنا زهقت!"
نظرت له وقالت متوسلة:
"لا بليز خلينا نكمله، عجبني أوي وممتع والله."
زفر بخنق واعتدل في جلسته يعود لوضعه الطبيعي، ولكن هذه المرة عيناه كانت معلقة على ساعة الحائط، تارة ينظر للتلفاز وتارة للساعة. وكلما مرت الدقائق يستاء أكثر من الانتظار الممل والذي أفقد أعصابه. هتف شبه منفعلًا بضجر:
"وبعدين يا شفق مش معقول كدا! هنفضل بالمنظر ده كتير يعني.. عدت ساعتين دلوقتي."
أدركت أنها ضايقته، ولكن ليس بيدها، كانت متوترة بشدة ومشاهدة الفيلم نفعتها وهدأت من توترها قليلًا. انزوت نظرها عنه بعبوس ليصدر هو تنهيدة حارة وهدأ ضجره عندما فهم توترها وخجلها. اقترب منها وطبع قبلة على جبهتها، هامسًا بمداعبة لطيفة مقصودة لكي يطمئنها ويهدأ من روعها:
"كل الكسوف ده من الكوكو بتاعك؟!"
ضحكت بخفة عند نطقه للاسم الذي تطلقه عليه، وبالرغم من أنه لا يحبه، ولكنها فهمت أنه يقوله متعمدًا لكي تضحك. عادت الابتسامة لوجهه وهو يقول مشاكسًا:
"ضحكت يعني قلبها مال خلاص."
وجدته يهب واقفًا وينحني ليحملها على ذراعيه ويسير بها باتجاه الغرفة، متمتمًا يسترسل مزاحه ومشاكسته:
"تقريبًا الناس كلهم عندهم مشكلة مع اسمي، كنت في الحضانة وكانت في مدرسة بتقولي ياتوتي، معرفش إيه جاب كرم لتوتي!!.. كرهتني في اسمي يلا بقى ربنا يسامحها."
أطلقت شفق ضحكة أنوثية متأججة جلجلت في أرجاء المنزل، لتتسع ابتسامته العريضة لأنه نجح في إزالة توترها وخجلها. ثم دخل الغرفة وأغلق الباب لتبدأ ليلتهما الأولى والرومانسية معًا.
***
التقطت ملاذ هاتفها بعد أن سمعت صوت رنينه وأجابت بهدوء:
"أيوة يا زين."
أتاها صوته العادي وهو يتمتم:
"أنا جاي في الطريق ياملاذ، اجهزي يلا."
"تمام ياحبيبي، أنا جاهزة. وكمان بابا وماما عايزين يسلموا عليك."
"أنا خلاص قربت مسافة الطريق بإذن الله."
أنهت الاتصال معه ونظرت لأمها تقول لها مبتسمة:
"جاي في الطريق ياماما."
"طيب ياحبيبتي، ياجي بالسلامة. أنا هروح أقول لأبوكي عشان كان مستنيه وعايز يشوفه."
أماءت لها بالموافقة وهتفت أحلام مبتسمة بصفاء:
"يارب بقى الحق أشوفه أنا كمان وأسلم عليه."
ملاذ بعذوبة ورقة تسألها عن ابنها:
"لا إن شاء الله هتلحقي، هو أيمن قالك جاي في الطريق كمان؟"
هزت لها بالإيجاب فابتسمت ملاذ ووقفت حتى تغادر إلى حديقة المنزل الصغيرة تنتظر زوجها. ولكن بمجرد ما أن وقفت داهمها دوار مفاجيء، فوضعت كفها على جبهتها واطرق رأسها أرضًا. وثبت أحلام واقفة وأمسكت بها تقول بفزع:
"مالك يابنتي؟"
ملاذ بصوت هادئ بعد أن أحست بأنها عادت لطبيعتها:
"مفيش حاجة يا طنط، دوخت بس شوية متقلقيش. أنا هطلع استنى زين برا."
ابتعدت عنها وسارت إلى الحديقة ببطء وعادت تشعر بالدوار مرة أخرى، ولكنها تحاملت على نفسها وأكملت سيرها. ولسوء الحظ أن أيمن وصل أولًا ونزل من سيارته، فرآها تقف وهي تمسك برأسها ولا تقوى على الاتزان في وقفتها وكأنها على وشك السقوط. فهرول ركضًا إليها ولحق بها قبل أن يهوي جسدها على الأرض.
في تلك اللحظة تحديدًا وصل زين وترجل من السيارة.
رواية ضروب العشق الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ندى محمود توفيق
وقف مندهشًا يحدق بذلك الغريب الذي يحتضن زوجته بين ذراعيه ويحاول إفاقتها وهي لم تكن ترتدي نقابها، فغلت دماء الغضب في عروقه وكاد أن يتحول لوحش كاسر، ولكن وضعها وهي فاقدة للوعي كان أهم الآن ليقلق حياله، فهرول راكضًا إليها وجذبها من بين ذراعيه يهز وجهها بلطف هاتفًا:
_ ملاذ
حملها واتجه بها إلى داخل المنزل لكي يخفيها عن أعين ذلك الغريب الذي لا يعرفه. شهقت الأم بزعر عندما رأت ابنتها وهي متغيبة عن الواقع وبين ذراعين زوجها، ودلته فورًا على غرفتها ليضعها بها، فاسرع ودخل وهي كانت خلفه مباشرة.
وضعها على الفراش بحذر وعاد يهز رأسها من جديد يهتف بصوت قوي بعض الشيء:
_ ملاذ.. ملاذ ردي عليا إنتي سمعاني؟
التفتت أمها من الجهة الأخرى وأخذت تحاول إفاقتها أيضًا، بينما هو فامسك بكوب الماء الذي وجده بجانب الفراش ونثره على وجهها برفق، ثم مد إبهامه وسبابته إلى عصبة أنفها العلوية وجعل يفركها بلطف لكي تفيق. وبالفعل بعد لحظات قصيرة فتحت عيناها تدريجيًا. سمعت صوت والدتها أولًا وهي تقول بفزع:
_ إنتي كويسة ياحبيبتي؟
اعتدلت قليلًا في نومتها وهمست بصوت ضعيف:
_ كويسة ياماما الحمدلله.
تمتم أبوها بقلق واهتمام:
_ قومي يابنتي نوديكي لدكتور يلا.
_ لا يابابا مش مستاهلة أنا كويسة والله متقلقوش.
كان زين في وسط كل هذا هادئًا بشكل مريب وكأنه ينتظر اللحظة لكي يفرغ كل جموحه. سمعته يهمس بترقب ونظرات أربكتها:
_ هو إيه اللي حصل معاكي؟
تجاهلت نظرته المريبة وقالت ببساطة:
_ أنا كنت طالعة استناك برا ودوخت مرة واحدة معرفش ليه!
هبت الأم واقفة وقالت:
_ أنا هروح أعملك عصير تشربيه عشان تقدري حتى تقفي على رجلك.
ولم تنتظر ردها بالرفض أو الموافقة حيث اندفعت إلى الخارج وكذلك أبوها. فوجدها تهم بالقيام وهي تهتف:
_ هقوم أقعد مع طنط أحلام برا وأسلم على أيمن.
كان يحارب بكل ما لديه من هدوء لكي يبقى ساكنًا ولا ينفجر بها. ونتيجة لكبحه لغضبه ظهرت في عيناه نظرات مرعبة وخرج صوته صلبًا وغريبًا:
_ متتحركيش من مكانك فاهمة ولا لا.. أنا رايح أقعد شوية مع عمي فراج وبعدين هنمشي ويارب ياملاذ رجلك تعتب برا عتبة الأوضة.
انكمشت في نفسها بارتياد من ملامحه وطريقته المخيفة، وتتساءل بداخلها مالذي أغضبه فقد كان طبيعيًا في الهاتف عندما حدثته. وقف وقال قبل أن ينصرف:
_ ولما نوصل بيتنا هنتكلم عن خروجك برا من غير نقاب.
لم يخرج صوتها وبقت ساكنة حتى انصرافه. فاستعادت اللحظات الأخيرة قبل فقدانها الوعي وتذكرت بأنها رأت أيمن يترجل من سيارته ولا تتذكر شيء بعد ذلك!
ضربت على رأسها لاعنة سذاجتها وتوقعت تمامًا الذي حدث ولماذا هو يستشيط سخطًا بهذا الشكل. ولكنها لم تكن تقصد شيء عندما خرجت بدون نقابها. كانت تنتظره هو واعتقدت بأنه سيصل أولًا!!
***
انتهى عرض الأوبرا وكانوا في طريقهم للمنزل باعتقادها، ولكنها وجدت السيارة تقف أمام مكان مرتفع وشبه مظلم وفي الأسفل الماء. فنظرت له باستغراب وقالت:
_ إنت جايبنا هنا ليه؟
حسن بخفوت:
_ لو ناسية احنا متفقين إننا هنتكلم.
_ وهنتكلم هنا يعني؟
هز رأسه بالإيجاب ثم فتح الباب ونزل. ففعلت هي كذلك. رأته يتحرك باتجاه الهضبة المرتفعة ويجلس على الأرض. فتحركت نحوه ووقفت خلفه هاتفة بمضض:
_ إنت ملقيتش مكان غير ده نتكلم فيه يعني!
_ أنا حابب يكون مكان هادي وبعيد عن الناس.. اقعدي يلا.
قال جملته الأخيرة وهو يشير بيده على الأرض بجواره. فتأففت بنفاذ صبر وجلست بجواره تعلق نظرها على الماء أمامها والنسيم البارد يلفح صفحة وجهها. ظلوا صامتين لدقائق هي تنتظر منه أن يتحدث وهو لا يعرف بماذا يبدأ. فتخترق هي فقاعة الصمت القاتلة وتهمس بثبات دون النظر إليه:
_ غيرت رأيك ليه بخصوص الطفل بعد ماكنت مش عايزه؟ وعايزة الحقيقة ياحسن طالما إنت عايز نتكلم يبقى هنتكلم بصراحة وعلى المكشوف.
غمغم دون تردد وبصدق:
_ الحقيقة إني خوفت عليكي.. قلبي مطاوعنيش أخليكي تدخلي عملية خطيرة زي دي. وللحظة حسيت إني حبيت الطفل ده وإني مستنيه. في الآخر ده ابني.. تصرفي واللي عملته معاكي ملوش مبرر غير إنه غباء مني. بس للأسف ندمت بعد فوات الأوان.
ابتسمت بمرارة وهدرت تجيبه بقوة:
_ مكنش غباء.. كان كره إنت مكنتش متخيل أن هيجي طفل ويربطك بيا وإنت أساسًا بتحاول تتخلص مني وعايز تطلقني. مكنتش عايز يكون في أي رابط بينا يخلينا مع بعض حتى لو انفصلنا. هي دي الحقيقة ياحسن مش كدا ولا لا ومتكذبش وتقول غلط!
لا يستطيع إنكار ما قالته بالفعل هذا هو أول شيء فكر به عندما أخبرته بخبر حملها. ولكنه حينها لم يكن يدرك قيمتها كان أحمق ومتهور. لم يعترف لنفسه ويفهم أنه يحبها بشدة والآن هو نادم أشد الندم!
حسن بخزي من نفسه يؤكد كلامها:
_ صح!
اتسعت ابتسامتها الحزينة أكثر وقالت ساخرة:
_ يبقى متقولش إنه غباء.. قول إني كنت بكرهك ومش عايزك.
مسح على وجهه متأففًا بيأس وبدأ الحديث بهدوء تام يسرد لها كل شيء من بدايته:
_ أنا عمري ماكرهتك يمكن كنت مش طايقك ومش عايزك فعلًا بس محسيتش تجاهك بكره أبدًا. أنا كنت شايف إننا مش مناسبين لبعض وإني مش هقدر أكمل حياتي معاكي. استخففت بحبك ليا ومشاعرك تجاهي ومأدركتش قيمة الحب ده إلا بعد ماخسرته. ندمان جدًا ونفسي الزمن يرجع بيا عشان أمنعك ماتنزلي الطفل. أحيانًا بحس إنه الطفل ده ربنا بعته فرصة ليا ولينا عشان يقربنا من بعض وأنا بدل ما استغلها ضيعتها بغبائي. وبفكر دلوقتي وبقول ياترى الفرصة دي هتجيني تاني ولا لا.
استمعت إلى حديثه عن طفلهم وتخيلت ردة فعله إذا عرف بأنها أخفت عنه الحقيقة ومازالت محتفظة بطفلهم. كيف ستكون ياترى؟ استرسل حديثه ينظر لها بأسف وأسى:
_ لما طلبتي الطلاق رغم كل حاجة مكنتش قادر أطلقك. ولما روحت البيت عند عمي عشان أتكلم معاكي. وسمعت كلامك وطريقتك كرهت نفسي ونطقتها من غير وعي. حسيت إني مش هقدر أغصبك على حاجة إنتي مش عايزاها أكتر من كدا وكفاية اللي عملته معاكي. بس بعد كدا عشت في عذاب بعيد عنك. كنت بروح البيت وبحسه ناقص وجودك يا يسر وبشوفه زي البيوت المهجورة. ورغم كل ده كنت لسا بعاند لغاية ما جه راسل. كل اللي أقدر أقوله إني خوفت ياخدك مني ومكنتش هستحمل أشوفك مع راجل غيري. ورديتك لعصمتي لما جيتلك المستشفى في اليوم اللي ميار حاولت تنتحر فيه. في اللحظة اللي حضنتك فيها بعدها علطول رديتك.
دهشتها بكلماته الأخيرة وهتفت بذهول:
_ وليه مقولتش طول الفترة دي إنك رديتني؟
_ كنت متوقع ردة فعلك إنها هتكون صعبة ومش هتقبلي. ففكرت إني أحاول أصلح ولو جزء بسيط من علاقتنا الأول وبعدين أقولك بس بعدها إنتي سافرتي وأنا سافرت وراكي كمان فكان لازم تعرفي وأقولك.
غامت عيناها بالدموع الحارقة وهي تستمع لحديثه. كم كانت تود سماع كلمة واحدة يشعرها من خلالها أنه يريدها ويحاول من أجلهم ولكنه سمم سمعها دومًا بكلمات قاسية.
والآن بعد أن تدمر الخيط الرفيع الذي كان يربطهم وكانت هي المتمسكة به وتحافظ عليه. يترجاها والندم يقتله ويروي لها عن رغبته بها وأنه لا يريد ابتعادها عنه ولن يسمح بأن يأخذها رجل غيره!
استقامت واقفة وقالت بصوت مبحوح وموجوع:
_ ياريتك قولت كلامك ده قبل ما تدمر كل حاجة بينا. أنا كنت بتمنى أسمع الكلام ده منك بس يفيد بإيه دلوقتي معدش له لزمة.
التفتت وسارت عائدة إلى السيارة ليثب هو واقفًا ويلحق بها ركضًا. فيجذبها من ذراعها بلطف ويرغمها على الوقوف هامسًا بتوسل وهو يقسم ويقطع الوعود الصادقة لها:
_ أوعدك إني هصلح كل اللي دمرته. بقسم بالله أن مفيش حاجة من اللي حصلت هتتكرر تاني وهتشوفي شخص مختلف. أنا من إيدك دي لإيدك دي وكل اللي هتطلبيه أنا مستعد أنفذه بدون تفكير. ومش هطلب منك تسامحيني بس كل اللي عايزه إنك تتراجعي عن الطلاق وتديني فرصة أخيرة واوعدك مش هتندمي.
حدقته بصمت لبرهة. تفكر بإمعان فقلبها مازال يلح عليها بأن توافق وتعطيه الفرصة الأخيرة. يترجاها بأن لا تتجاهل شوقها له ورغبتها به. وهناك جانب آخر منها يخشي أن يكسرها للمرة الثانية فبقت بين شقي الاختيار. تخشي أن تختاره فتندم وأيضًا تخشي أن ترفض فتخسر فرصتها الأخيرة في أن تعيش معه الحياة التي دومًا تمنتها!
سحبت ذراعها من قبضته ببطء وهمت بالاستدارة لولا صوته وهو يسألها بترقب:
_ هااا موافقة ولا لا؟
_ هفكر.
قالتها بحزم وأكملت سيرها نحو السيارة لتستقل بالمقعد الخلفي فيلحق هو بها ويبتسم باتساع بعدما قوى الأمل بداخله أنها وأخيرًا بدأت تلين قليلًا!!...........
***
ترجلا من السيارة وحملت هي بعض الأكياس والبعض الآخر حمله هو. وساروا باتجاه المنزل فقالت هي ضاحكة بمشاكسة تقلده:
_ قولتلك مش هروح ياميار!! وفي الآخر روحت برضوا غصب عنك.
طالعها مستنكرًا بخنق ليجيبها مغتاظًا:
_ أنا وافقت بس عشان أنا اللي قايل مفيش خروج لوحدك ورفيف مش هتروح معاكي وكمان يسر مش موجودة.
قهقهت بخفة وأجابت ساخرة بعدم تصديق:
_ أيوة أيوة فعلًا مصدقك.. خلاص بقى ياعلاء إنت مش طايقني عشان أجبرتك تروح معايا. عرفنا إني بهدلتك في اللف بس أهو مرة من نفسي ياجدع.
مالت شفتيه للجانب قليلًا وتصنع عدم الاكتراث لها ثم أنزل الأكياس على الأرض وأخرج المفاتيح ليهيم بوضعها في القفل ولكن أمه سبقته وفتحت الباب بعنف.
تحدقهم بأعين مشتعلة من الغيظ، وبالأخص لميار التي رأت في عيني زوجة عمها نظرات نارية كلها نقم، ففهمت سببها دون داعٍ لشرح.
رمقتها ميار بنظرة قوية، ثم انحنت على الأرض وحملت جميع الأكياس لتقول بثبات موجهة حديثها لعلاء:
_ أنا طالعة فوق.
عبرت من جانبها، وقبل أن تخطو خطوة أخرى، قبضت الأم على ذراعها تقول بصوت يحمل الشر:
_ استني، أنا عايزاكي إنتي.
نقلت ميار نظرها بين علاء الذي يتابعهم باستغراب، وبين الممسكة بذراعها وتحدقها بأعينها الحاقدة. ثم سحبت ذراعها بهدوء وهي تقول ببرود بعدما فهمت ما ستقوله جيدًا:
_ معلش أنا تعبانة يامرات عمي، هريح شوية وابقى انزلك.
عادت تجذبها من ذراعها مجددًا وتقول بسخط صائحة:
_ وأنا قولت دلوقتي ياميار.. لأني لازم أفكرك بحجمك، شكلك كدا نسيتي نفسك.
تدخل علاء وأبعد أمه عنها الهاتفًا بغلظة صوته الرجولي:
_ في إيه ياماما؟
_ هتكلم معاها شوية ياعلاء، وهي عارفة كويس أنا هتكلم في إيه.
رمق ميار الواقفة بثقة تامة وعدم مبالاة، ولا تنظر لهم حتى، ليهدر بلهجة آمر وخشنة:
_ اطلعي فوق.
لم تتفوه ببنت شفة وامتثلت للأوامر بدون أي اعتراض، حيث استدارت وصعدت الدرج متجهة لغرفتهم بالأعلى، ولكنها عند آخر درجات الدرج في الأعلى تخفت ووقفت تستمع لما ستقوله أمه.
صاحت الأم بعصبية:
_ لتكون غيرت رأيك خلاص ومش هتطلقها؟
عضن حاجبيه متعجبًا وغمغم بطبيعية:
_ وإيه مناسبة الكلام ده دلوقتي؟
_ عشان شايفة حضرتك اخدت عليها ونسيت اللي عملته ورايح تشتري معاها هدومها وجايين بتضحكوا وتهزروا.
علاء بتوضيح وهو لا يزال هادئًا:
_ ماما أنا طلعت معاها لإني مبثقش أخليها تخرج وحدها، فاضطريت اطلع معاها.
صرخت أمه بانفعال هادر:
_ دي حرباية وبتتلون بمية لون وهتلف عليك زي الحية وتخدعك وتخليك تحبها وأنا عارفة ده كويس، وعشان كدا أنا بقولك من دلوقتي ياعلاء مش هسمح أبدًا إنك تكمل مع واحدة زيها بقية حياتك.. أنا مربتش ابني وتعبت فيه عشان تاجي في الآخر وتاخده بنت الله اعلم عملت إيه بالظبط ومع مين.
امسك بكفها وطبع قبلة على ظهره هامسًا بدفء:
_ اهدي ياست الكل.. تغيري مع ميار ليه أسبابه بس مش اللي في دماغك وإني حبيتها والكلام الفارغ ده. ومتقلقيش أنا أكيد مش هكمل معاها وقريب أوي هبدأ في إجراءات الطلاق.
لجمت الدهشة ميار بعد أنا استمعت لآخر جملة، فقد ظنت أنه بدأ ينجذب لها كما انجذبت هي أيضًا له، ونمت مشاعر الحب بداخلها تجاهه، ولكنه يتحدث الآن عن طلاق قريب وما إلى شابه، وحتى أنه لم يحاول الدفاع عنها أمام أمه عندما أشارت بكلماتها على أنها فتاة ساقطة وقامت بعلاقات مختلفة مع الرجال.
فرت دمعتين حارقتين من عينيها، فجففتهما وقالت بأعين شيطانية ومتوعدة:
_ أنا استحملت اهانات الكل ليا واتهامهم ليا بذنب معملتهوش، بس خلاص كفاية طالما هي بقت بالشكل ده.. يبقى مش هسمح لحد يدوس عليا أكتر من كدا. ومن هنا ورايح هتشوفوا ميار الحرباية بجد بقي.
***
داخل منزل زين العمايري...
دخلت هي الغرفة أولًا وهمت بغلق الباب لكي تبدل ملابسها، ولكنه أعاق غلقه ودخل يهتف بصرامة مريبة:
_ أظن أنا قولت لما نرجع البيت هنتكلم.
ملاذ بحيرة من عصبيته الغريبة:
_ زين أنا أكيد مكنتش قاصدة اطلع من غير نقابي يعني.. ليه العصبية دي كلها؟
صاح بصوت جهوري نفضها بأرضها:
_ سببها إني جيت لقيت مراتي في حضن راجل معرفهوش وبيتأمل فيها وهي مغمى عليها، وسيادتها طالعة تستنيني برا من غير نقاب.
تمتمت محاولة تهدئته برفق:
_ أيمن مش كدا، إنت أكيد تهيأ ليك. أنا وهو متربيين مع بعض وهو مش بيشوفني غير أخت ليه.
أخطأت في التوضيح والشرح، وبدل من أن تهدأ من ثورته، هيجتها أكثر، فوجدته يصرخ بوجه تراه للوهلة به:
_ مفيش حاجة اسمها أخوات ياهانم.. ده راجل أجنبي عنك وسواء كنتي متجوزة أو لا يبقى تحطي حدودك معاه. إنتي عارفة إني معنديش تهاون في المواضيع دي وقولتلك قبل كدا أنا راجل دمي حامي. يوم الخطوبة كان موجود وفضلتِ تضحكي وتهزري معاه وعديتها عشان مكنتش أقدر أقولك تعملي إيه ومتعمليش إيه مع إني اتعصبت جدًا وقتها. والنهردا رغم إنك عارفة إنه جاي في الطريق زي ما عرفت عندكم طلعتي من غير نقاب برضوا.. ونبهت عليكي متخرجيش من الأوضة برضوا خرجتي عشان تسلمي عليه هو ومامته قبل ما يمشوا وكأن كلامي ملوش أي ستين لزمة.
انفعلت هي الأخرى وهتفت بنبرة شبه مرتفعة:
_ كنت فاكرة إنك هتوصل قبله وطلعت عشان كدا، ولولا إني اغمي عليا كنت هدخل علطول طبعًا. ونيتي مش إني أكسر كلمتك بس أنا خلصت لبس وجهزت وطلعت على أساس إننا هنمشي ومينفعش أسلمش عليهم، وكل اللي قولته إني قولتله مع السلامة من غير سلام ولا أي حاجة. أنا مش فاهمة دي غيرة ولا إيه بالظبط. بعدين بدل ما تسألني وتطمن عليا بعد اللي حصلي بتزعقلي وحتى مهنش عليك تقولي لو تعبانة أوديكي للدكتور.
اقترب منها بأعين ثاقبة كالصقر وحمراء كالدم من فرط سخطه، ليخرج صوته مخيفًا ومنذرًا:
_ صوتك ميعلاش على جوزك يامدام يامحترمة وخصوصًا لما تكوني غلطانة.
ثبتت نظرها في عينيه بقوة وقالت بعناد:
_ أنا مش غلطانة يازين!
كور قبضة يده وضغط عليه بعنف يجاهد في تمالك انفعالاته ليهتف ببعض الدهشة من عنادها وعدم اعترافها بخطأها:
_ مش غلطانة!!!.. يعني عايزة تقولي إن أنا اللي غلطان؟
_ أنا مقولتش كدا بس شايفة إنك مزودها أوي الصراحة.
ابتسم ساخرًا وقد أحس بأنه سيفقد زمام نفسه، فصاح محذرًا إياها بلهجة لا تحمل المزح ولا التهاون ونبرة رجولية مرعبة:
_ تمام.. من هنا ورايح الكلمة اللي هقولها تتسمع بالحرف ياملاذ، وأنا بحذرك أهو لأول مرة متختبريش صبري كتير وإلا صدقيني عندي استعداد أخليكي تشوفي زين اللي كنتي متوقعة تشوفيه يوم الفرح.
ثم تركها وانصرف، فبقيت هي في صدمتها من الذي تفوه به. "هل كان يتحدث بجدية أم هذا من تأثير الغضب الذي جعله يتكلم بدون وعي؟ وماذا يقصد بآخر جملة؟" في لحظة ذهول أحست بأنها ترى خطيبها السابق وليس زوجها وحبيبها!!!.
***
مع إشراقة شمس يوم جديد داخل منزل كرم العمايري...
ضوء بسيط من أشعة الشمس متسلل من خلال الشرفة وهو يعلق نظره عليه، يده تعبث بشعرها في رقة وعقله مشغول بالتفكير.
سبحان القدر الذي أخذ منه قطعة من قلبه فجأة ووضع مكانها قطعة أخرى ليعوض الفراغ الذي خلفته تلك القطعة. لا يزال حتى الآن كلما يتذكر أروى لا يصدق أنها لم تعد موجودة بعالمنا!
اعتقد بأن قلبه لن تتربع على عرشه امرأة سواه ولن يأتي بعدها، ولكن القطعة التي أرسلها الله له فريدة في كل شيء، دخلت في الفراغ وأملته، عوضته عن الحزن والعذاب الذي ذاقه منذ رحيل زوجته. كانت تمامًا كربيع يمحو صقيع الشتاء عن قلبه ويعيد البهجة والسعادة عليه. نجحت في أن تحتل مقصورة قلبه ليعترف وبكل صراحة أنه عشقها.
ليلة أمس أصبحت زوجته فعليًا وليس بمجرد القول. يستطيع أن يصفها بأنها أجمل ليلة في حياته على الإطلاق. كيف كانت ناعمة ورقيقة وهي بين ذراعيه. لا شيء على الإطلاق يضاهي ابتسامة بريئة منها مع همسة رومانسية في أذنه تقر فيها بحقيقة عشقها النقي له!
انحنى إليها وطبع قبلة دافئة على ذقنها ثم وجنتها ومن ثم أنفها وأخيرًا جبهتها. يقصد بأن يجعل قبلته قوية قليلاً لكي يوقظها، وبالفعل فتحت عينيها ببطء فرأت ابتسامته الساحرية التي تعشقها ونظرات غرامية. لتصعد الحمرة لوجنتيها واعتدلت بعض الشيء في نومتها هامسة باستحياء:
_ صباح الخير.
عاد يخطف قبلته الثانية من وجنتها متمتمًا بهيام وغزل:
_ صباح العسل ياجميل.
اعتدلت جالسة في الفراش وارجعت خصلات شعرها خلف أذنها مغمغمة بخجل:
_ هي الساعة كام؟
مد ذراعه وجذبها إليه يهمس بمكر:
_ وإنتي عايزة تعرفي الساعة ليه؟
حاولت الهرب من محاصرته لها بذراعيه وتمتمت باضطراب:
_ أنا هقوم أحضر الفطار.
_ ومين قالك إني جعان!
مازالت خجلة منه وستحتاج بعض الوقت لتعتاد على الوضع المختلف. لكنه لا يفهم ذلك وهي تريد الفرار منه بأي شكل، فلمعت في ذهنها فكرة وأطلقت صرخة بسيطة تقول بتألم وهي تبعد يده الملتفة حول خصرها:
_ براحة ياكرم!
أبعد ذراعيه عنها وهو يرفع حاجبه مستنكرًا توجعها المزيف. استغلت هي الفرصة ووثبت من الفراش وقبل أن تفر راكضة منه قبض على رسغها وجذبها فارتدت على الفراش للخلف ووجدته يهتف بحدة مزيفة يضمر خلفها مزاحه وابتسامته:
_ ماتهدي يابت واثبتي.. تعبتيني معاكي.
انطلقت منها ضحكة أنوثية متأججة على طريقته الغريبة ومدت كفها تضعه على وجنته قائلة بضحك ومشاكسة رقيقة:
_ لا مليش حق معقول أعصب الكوكو بتاعي.
بضحكة وقطعة لطافة على كلمتين منها تحول فورًا واتمحت معالم الحدة لتخرج ابتسامته وهو يجيبها بخبث:
_ اهاا فعلًا أنا متعصب جدًا ولو مسمعتيش الكلام هتعصب أكتر.
استمرت في ضحكها وقالت بعفوية:
_ وهو أنا اعترضت على حاجة أساسًا.
هب واقفًا واتجه إلى باب الغرفة ثم أغلقه بالمفتاح ووضعه في جيب بنطاله وعاد يجذب هواتفهم ويغلقها تمامًا. ففغرت فمها وقالت بدهشة امتزجت ببعض الحياء وهي تضحك:
_ لا كرم بلاش الحركات دي.. إنت حتى الفون بتاعك قفلته!!
انحني إليها وهو واقف ليهمس أمام عينيها مباشرة بنظرات تلمع بوميض العشق:
_ ومفيش فون هيتفتح لمدة يومين. أنا مش عايز أي مصدر إزعاج وحابب أستجم مع أميرتي ونقضي وقت لطيف لوحدينا بعيد عن الناس. ممكن؟
أومأت له عدة مرات في عينين لامعتين بدموع السعادة وابتسامة عاشقة، فيثب هو فوق الفراش ويتمدد على ظهره ليحدق في السقف بسكون حتى تمددت بجواره ومدت يدها تعبث بخصلات شعره وتمرر أناملها بين خصلاته.
تحدث هو بهدوء ونبرة خائفة:
_ إنتي كنتي بتقوليلي إنك خايفة أسيبك زي سيف ومامتك بس في الواقع إن أنا اللي خايف أخسرك.
متبعديش عني ياشفق
وضعت خجلها جانبًا وتصرفت كما تقودها مشاعرها المتيمة به حيث انحنت إلى جبهته وقبلته هامسة بنعومة وحنو:
_ أنا دايمًا جمبك ياحبيبي ومستحيل ابعد عنك
التقط كفها وقبّل باطنه بكامل اللطف والحب ثم رمقها بنظرات تتحدث عن الذي يخفيه في ثنايا قلبه. ابتسم ببساطة وسرعان ما اعتدل وأصبح نصف ممدد على الفراش يهل عليها بجسده وهي النائمة على ظهرها. قرب وجهه وداعبها بأنفه يهمس بحب ومداعبة:
_ عايز بنتين وولدين ويكونوا شبهك
هتفت ضاحكة برقة واستغراب:
_ كلهم!!!
هز رأسه بالإيجاب فأجابت هي بنفي ومرح:
_ لا أنا عايزاهم يكونوا في حنيتك وجمالك وطيبتك عشان أنا مش مكفياني نسخة واحدة من الكوكو الصراحة
قهقه بصوت مرتفع وهتف باسمها بلؤم:
_ طيب يلا بينا عشان ندخل على المستوي التاني ونجيب النسخ المصغرة دي
لحظات رومانسية وغرامية يسرقونها من الوقت ولن تكون الأخيرة مطلقًا!
***
تحركت ريماس باتجاه أخيها حتى توقفت أمامه وقالت بشجاعة:
_ أنا سمعتك إنت وبابا بتتكلموا على حاجة هتعملوها في كرم
جاسر بخشونة:
_ حاجة متخصكيش ياريماس ومتدخليش في اللي ملكيش فيه
صاحت به غاضبة:
_ لا تخصني.. أنا مش فاهمة إيه اللي بتعملوه ده إنت وبابا ما تسيبوها في حالها كفاية
ابتسم جاسر ساخرًا وأجابها بعدم مبالاة ونظرات كلها شر:
_ إيه الحب اللي ظهر عليكي فجأة كدا!! ثم إننا مش هنأذيها بالعكس أنا عايز شفق ومش قادر استنى اللحظة اللي تكون فيها معايا يعني اطمني عليها.. احنا بس هنقرص ودن ابن العمايري اللي فارد ريشه علينا وبيتحدانا
لن يفهموا ولن يقتنعوا حتى أنهم لن يتراجعوا عن أفعالهم الشنيعة. وقررت أن تأخذ الأمر لصالحها حيث أظهرت رضاها عن الذي سيفعلونه وقالت بفضول حقيقي:
_ تمام ياجاسر براحتكم.. ممكن بقى أعرف هتعملوا إيه معاه
سار مبتعدًا عنها وهو يقول غير مكترث وبغلظة صوته الرجولي:
_ لا مش ممكن وخليكي برا المواضيع دي ياريماس أحسلك
تأففت بخنق وضربت الأرض بكعب حذائها في غيظ وهناك صوت يلح عليها في نفسها يقول بلا توقف "لا تسكتي عن هذه المهزلة!!"
***
ساعات من التفكير.. أعطيه فرصة أخيرة.. أم لا؟ وماذا سيحدث إذا أعطيته؟ فأنا لم أعد تلك الساذجة التي تنجر خلف قلبها كالحمقاء. يريد فرصة ولديه الاستعداد لفعل أي شيء حتى أرضى عنه. لماذا لا أستغل الموقف وأتلذذ به على راحتي؟ وإذا كان هو يريدني فليثبت لي هذا!
حديث طويل تخوضه مع نفسها منذ الأمس على هذا النحو تفكر وتفكر ماذا ستفعل معه. وبما إنها قررت مسامحته أخيرًا يجب أن لا تجعله يحصل عليها بسهولة. سيجعلها تصدق أنه حقًا يستحق ذلك الطفل الذي تحمله في أحشائها!
كانت بالمطبخ تقوم بتحضير الإفطار لها فسمعت صوت رنين الباب. تنهدت بقوة وغسلت يديها ثم اتجهت نحوه وهي تعرف جيدًا أنه هو. أمسكت بالمقبض وفتحت لتجده يحمل بيده أكياس بها طعام وخضار وهتف هو بنبرة عادية:
_ اشتريت لكِ شوية طلبات عشان متحتاجيش حاجة وتنزلي تجيبيها
لوت فمها بامتعاض مصطنع ثم أفسحت له الطريق حتى يدخل ويضعهم في المطبخ وبمجرد ما أن دخل وهي استدارت لتغلق الباب ابتسمت ولكن أخفت ابتسامتها فورًا ولحقت به إلى المطبخ ثم همست بنبرة عادية دون أي تعبيرات وجه:
_ شكرًا
مالت شفتيه لليسار بحب وقال:
_ أنا هروح أغسل إيدي في الحمام
أومأت بالإيجاب وذهب هو إلى الحمام. غرفة نومها أمام الحمام وهي قامت بشراء بعض الملابس لطفلها وتركتهم على الفراش بالتأكيد سيرى. فغرت عيناها وفمها بصدمة وهرولت راكضة خلفه هاتفة:
_ حسن
توقف على أثر صوتها واقتربت تقف أمامه مباشرة لتخفي الغرفة عن أنظاره مغمغمة بتلعثم:
_ إنت ليه جبت الطلبات دي؟
تعجب سؤالها الذي هو أخبرها عن إجابته عند الباب فقال بحيرة:
_ ما أنا قولتلك يايسر عشان متبقييش محتاجة حاجة ويبقى عندك في البيت فمتنزليش تشتري بنفسك
_ آهااا طيب
ظلت متصلبة أمامه تتابعه حتى رأته دخل الحمام وتأكدت بأنه لم يرى شيئًا. فأسرعت للغرفة ولملمت الملابس وألقت بهم بعشوائية في الخزانة ثم خرجت وأغلقت الباب خلفها وهي تتنفس الصعداء بارتياح.
خرج من الحمام بعد أن جفف يديه في المنشفة وذهب لها مجددًا بالمطبخ ليقف بجوارها ويقول مبتسمًا بترقب:
_ فكرتي في كلامنا امبارح ولا لسه؟
يسر بصوت قوي دون أن تنظر له وهي منشغلة بتقطيع الطماطم:
_ موافقة
تهللت أساريره واختفى انقباض عينه ليحل محله البهجة والفرحة. هدر بمشاكسة:
_ كنت متأكد إنك لسا بتحبيني ومش هتقدري تعاندي كتير
رفعت السكين في وجهه وهي ملطخة بالطماطم وهتفت بضجر وحدة:
_ أنا مقولتش إني مسمحاك أنا قولت موافقة أتراجع عن الطلاق ومؤقتًا يعني حط مية خط تحت مؤقتًا دي عشان الحماسة متخدكش معايا وتنسي نفسك
كتم ضحكته وأجابها بخضوع تام لها ونبرة مرحة ومغرمة:
_ وماله أهو أحسن من بلاش يامزتي. نزلي بس السكينة دي عشان الشيطان شاطر
حركت حواجبها بصرامة ووسعت مقلتيها وهي تقول بلهجة آمرة:
_ اطلع برا ياحسن
تجاهل جملتها الآمرة وقال يكمل مرحه:
_ طيب ومش ناوية تحني وتخليني أقعد معاكي في الشقة هنا!!
عادت ترفع السكين مجددًا وهذه المرة قربتها من وجهها كثيرًا حيث قالت بتحذير وغيظ:
_ قولت اطلع برا وامشي يلا
_ ماشي طالع خلاص
قالها متأففًا باختناق واستدار ليبتعد ويغادر المنزل بأكمله فتضحك هي وتقول بمكر ووعيد له:
_ بعينك! ده إنت اللي شوفته كوم واللي هعمله فيك دلوقتي كوم تاني
***
داخل منزل طاهر العمايري.
كانت ميار تقف بالمطبخ وتقوم بتحضير كوب قهوة صباحي لها وبينما هي منشغلة في تحضيره وجدت زوجة عمها تقبض على ذراعها وتجذبها إليها هاتفة بنبرة صوت منخفضة حتى لا تصل لأذن ابنها وزوجها بالخارج مع نظرات منذرة كلها نقم:
_ بقولك إيه ياميار عدي أيامك معانا على خير ومتحاوليش تتقربي من ابني لإني مش هسمحلك تخدعيه بكذبك
_ بس أنا مكذبتش في حاجة إنتوا ظلمتوني كلكم ومش عايزين تصدقوا الحقيقة
ضغطت على لحمها بعنف وهي تصر على أسنانها مغتاظة وتهتف بإهانة واضحة لها:
_ إنهو حقيقة.. إن الصور كذب ولا إنك لسا بنت ومحدش لمسك؟ أنا مستحيل أخليكي تدمرى حياة ابني سامعة ولا لا
استشاطت ميار سخطًا ولم تكن تود أن تنشب مشاجرة بينهم الآن أو تفعل حركة ماكرة ولكن بما قالته أثارت بركانها الخامد. وهتفت بصوت مرتفع عمدًا لكي يسمعوا ويأتوا:
_ ومين قالك إني عايزاه ابنك ده أصلًا. اشبعي بيه بعيد عني
صاحت الأخرى بعصبية بعدما سمعت نبرتها العالية:
_ لا وكمان ليكي عين وبتعلي صوتك عليا.. إنتي فعلاً متربتيش وعايزة تتربي من أول وجديد
ابتسمت ميار في داخلها من انفعالها وقد أحست بأن خطتها تسير كما يجب حيث استكملت في مهمة استفزازها أكثر وقالت بلؤم دفين:
_ لا أنا متربية كويس أوي والدليل إني ساكتة على اللي بتعمليه معايا ومقولتش حاجة لا لعمي ولا لعلاء
اشتعلت كجمرة نيران متوهجة وفقدت السيطرة على نفسها فرفعت يدها في الهواء بينما ميار فتفادت بوجهها للجانب الآخر مغمضة عيناها وبداخلها تدعي أن لا تفشل خطتها وبالفعل سمعت صوت علاء وهو يقول بحدة:
_ ماما بتعملي إيه؟!!
فتحت عيناها وهي تخفي ابتسامة شيطانية ودت لو أطلقتها على ثغرها. رمقت زوجة عمها بخبث ونظرة نارية دون أن يلاحظ علاء. لتشتعل الأخرى أكثر في غضبها وتصيح بابنها الذي يمسك بكفها الذي كادت أن تهوي به على وجنتها:
_ دي عايزة تربية. لو شفتها بتكلمني وبتتكلم إزاي ياعلاء!
ترك كف أمه وزغر ميار بنظرة مخيفة ليراها مجفلة نظرها أرضًا بإنكار. بدا له حقيقي ولكنه في الواقع مزيف. هدأت ثورته بعدما رأى وضعها وقال بنبرة حازمة:
_ اطلعي فوق ياميار
لم تتفوه ببنت شفة واتبعت الأوامر بدون نقاش حيث سارت للخارج وهي تبتسم بمكر وسمعته يلوم أمه ببعض الانزعاج:
_ مهما كان اللي عملته مينفعش اللي عملتيه ياماما برضوا. بالله عليكي أنا مش ناقص. لو عايزة تريحني بجد بلاش تعاندي إنتي وهي مع بعض أبوس إيدك وبلاش مشاكل
لم تتحدث أمه وبقت تطالعه بذهول أنه بدل من أن يلوم زوجته ويغضب عليها. يلقي اللوم عليها هي ويراها مخطئة في فعلتها.
ابتعد علاء عنها وغادر المطبخ بأكمله تاركًا إياها تترنح من فرط غيظها ونقمها على تلك الحرباء!!
***
تابعته وهو يستعد للخروج ويقف أمام المرآة يهندم ملابسه ويسرح شعره بالفرشاة الرجالية. لا يهتم لها وكأنها غير موجودة. يعاقبها كالعادة بعقاب قاسٍ على خطأها. وأقسى عقاب بالنسبة لها هو تجاهلها. ولكنها لم تخطأ ولم تكن تقصد الخروج عمدًا بدون نقابها أو خروجها لتسلم عليه لم يكن عمدًا فقد ظنت أنهم ذهبوا ولا يوجد بالمنزل سواه!
هو ينظر لخطأها ولا يلتفت لطريقته الذي حدثها بها بالأمس وتهديده بأنه سيرها شخصًا سيئًا لم تراه من قبل!! لسانها يأكلها أكل لكي تتحدث فالصمت وهي مغتاظة ليس من صفاتها. وأن سكتت ستنفجر من غيظها.
قالت بمرارة وخنق:
_ طبعًا أنا بس اللي بغلط لكن حضرتك مش بتغلط أبدًا
التفت لها برأسه ورمقها بصمت وقوة ثم أعاد رأسه لوضعه الطبيعي وتجاهلها. استفزها أكثر واسترسلت حديثها باستياء ملحوظ هذه المرة:
_ سيادتك تزعق وتبهدلني وأنا هسكت وكل ده بسبب غيرتك اللي ملهاش مبرر إنك تكلمني بالطريقة دي. ثم إن إيه قصدك بـ هتخليني أشوف زين اللي كنت متوقعة أشوفه يوم الفرح؟
مسح على وجهه متأففًا وسمعت تمتمته بكلمات غير مفهومة. توقعت أنه يستغفر ربه كالعادة. استدار بكامل جسده لها وقال بجموح يكتمه عنها:
_ طريقتي!!
وهي طريقتك اللي كلمتيني بيها كانت صح؟!!
استشاطت ووثبت واقفة من فراشها تقف بمواجهته وتقول بتحدي وضجر:
_ أنا انفعلت بسبب عصبيتك عليا، ما أنت مشوفتش نفسك كنت بتزعق إزاي فيا.
_ ماهو لو مكنتيش نرفزتيني مكنش ده هيحصل.
ضحكت ساخرة وقالت بسخط وملامح متقرفة:
_ لا والله!! إنت اللي كنت بتدور على حاجة عشان تتعصب عليها فمتقولش إن أنا اللي عصبتك.
كاد أن ينفعل مجددًا فابتعد عنها لينصرف ولكنها اعترضت طريقه عاقدة ذراعيها في خصرها وتهدر بعناد طفولي:
_ متطلعش من البيت.
رفع حاجبه الأيسر بصرامة وقال مستنكرًا ما قالته:
_ نعم!!!
عادت تؤكد عليه ما تفوهت به بشموخ:
_ زي ما سمعت، أنا عايزة أخرج النهاردة.
انطلقت على ثغره ضحكة مغلوبة وأجابها بغطرسة:
_ وبعد اللي بتعمليه واللي حصل امبارح أنا المفروض أوافق مثلًا.
قوست وجهها بملامح طفل سمج وقالت ببرود:
_ ده حاجة وده حاجة، متربطش الأمور ببعضها.
كتم ضحكة متأججة كانت ستصدر على طريقتها وقال ببرود مماثل لها قبل أن يتركها وينصرف:
_ لا مش موافق.
صرت على أسنانها باغتياظ وصاحت عليه ليسمعها من الخارج:
_ ماشي يازين براحتك على الآخر.
ارتدى حذائه وضحك بخفة ثم فتح الباب وغادر المنزل بأكمله تاركًا إياها توعد له.
***
_ أيوة تمام، حط دي هنا.. بس كدا كويس أوي.
قالتها رفيف التي كانت تتحدث مع أحد العمال ويضعون اللمسات الأخيرة قبل الافتتاح الذي سيكون بعد أيام قليلة.
وصل إسلام وحدقها من بعيد مبتسمًا ثم اقترب نحوها وقال بعذوبة:
_ ماشاء الله عليكي يابشمهندسة.
التفتت بجسدها اتجاهه وهتفت باشراقة وجه جميلة:
_ ياااه، لا بجد مش مصدقة إننا خلاص خلصنا وهنفتتحه بعد كام يوم.
إسلام بابتسامة رائعة ونبرة ذات معنى:
_ خلاص بقى بقيتي فاهمة كل حاجة ماشاء الله ومش محتاجاني.
هدرت بنفي ونبرة مؤدبة:
_ لا إزاي، ده لولاك والله مكنتش هعرف أعمل حاجة.. ساعدتني جدًا والشراكة طلعت مفيدة يعني.
قهقه ببساطة ثم قال بأعين تنضح بالإعجاب:
_ طيب أنا جايب فطار معايا، وبمناسبة انتهاء التجهيزات عازمك على الفطار معايا.
رفيف بحياء جميل ورفض محترم:
_ شكرًا، بس حقيقي أنا مش جعانة دلوقتي.
_ مفيش اعتراض يارفيف، يلا.
قالها بلهجة شبه آمرة لا تقبل الجدال، لتصدر هي زفيرًا حارًا بعدم حيلة وتنضم له شبه مجبرة بسبب إصراره.. فمنذ أن سمعت حديثه في الهاتف وهي تحاول تجنبه وتتوتر منه بشدة ولكنه يتعمد التحدث معها وكأنه يعرف بأنها سمعت وتخجل منه!! ويعقد قراره النهائي بأنه لن ينتظر أكثر من ذلك وسيتحدث مع زين في طلب يدها للزواج!
***
الساعة تخطت التاسعة مساءً وكانت الجدة تجلس بالحديقة تتنسم بالهواء الطلق.. وبينما هي شاردة الذهن بحفيدتها التي اشتاقت لها أكثر من أي شيء آخر.. تود الذهاب إليها والاطمئنان عليها ولكن داخلها يمنعها وسخطها عليها يقف حاجزًا بين شوقها.
رأت علاء يقترب منها بعد أن توقفت سيارته بالمكان المخصص داخل الحديقة.. فابتسمت بصفاء وعند وقوفه أمامها انحنى إليها وعانقته عناقًا حارًا بحنو متشدقًا:
_ عامل إيه ياولا كدا ولا تسأل عليا طول الفترة دي.
التقط علاء كفها وقبل ظاهره هامسًا بنبرة مهذبة:
_ غصب عني والله ياجدتي، كلنا مشغولين الفترة دي في الشغل ومش بلحق خالص.
أشارت له بيدها على نصف الأريكة الفارغة هاتفة بدفء:
_ طيب اقعد، هنده على رفيف اخليها تعملك حاجة تشربها.
_ اشرب إيه بس، هو أنا غريب ياجدتي.. بعدين أنا جاي أتكلم معاكي في موضوع تاني ومهم.
انتفض قلبها فزعًا وظنت بأن مكروهًا أصاب حفيدتها فأجابته بزعر وقلق:
_ ميار عملت حاجة في نفسها تاني؟
_ لا لا، هي كويسة متقلقيش.
هدأت نفسها وارتاحت قليلًا ثم انتبهت له جيدًا بآذان صاغية حتى تستمع إلى ما يريد إخبارها به بتركيز.
***
التقطت شفق هاتفها الذي يعطي رنينًا صاخبًا.. نظرت لشاشته وقرأت اسم المتصل فعقدت حاجبيها بحيرة امتزجت بالخنق وألقت بالهاتف على الأريكة بجوارها متجاهلة الاتصال ولكنه لم يتوقف عن الرنين.. في الأخير أجابت عليه بمضض هاتفة:
_ أيوه ياريماس خير.
ريماس بنبرة مزعورة:
_ شفق، هو كرم موجود في البيت ولا طلع؟
_ مش موجود.. إنتي عايزة إيه؟
اشتد شعور القلق بداخل الأخرى فأبوها وأخوها وضعوا المكيدة وجهزوها له.. هتفت في اهتمام وهلع:
_ طيب اتصلي بيه وخليه ميركبش عربيته لاني سمعت بابا وجاسر بيقولوا إنهم عملوا حاجة في عربيته.. بس معرفتش إي هي الحاجة دي.
شهقت شفق مفزوعة ووثبت واقفة تجيب عليها بصوت مرعوب:
_ عملوا إيه؟!! صدقيني ياريماس لو كرم حصله مش هرحم أخوكي وأبوكي.
أنزلت الهاتف من على أذنها وضغطت على الشاشة لتنهي الاتصال وبيد مرتعشة قامت بالاتصال به.. رنين.. رنين.. بلا رد!! مرة واثنين وثلاثة وهي تحاول الوصول له ولا يجيب.. فخرج همسها المتوسل وقد أدمعت عيناها:
_ رد ابوس إيدك ياكرم.. رد.. يارب احميه ويكون بخير.
على الجانب الآخر توقف هو بسيارته أمام "كمين للشرطة" وانحنى الضابط عليه من نافذة السيارة يهتف بجدية:
_ البطاقة.
مد يده له بالبطاقة الشخصية كما طلب وجاب بنظره بين الكل فقد كانت المكان مزدحم والشرطة أكثر من العادة.. نظر للضابط وقال بتساؤل:
_ هو في حاجة حصلت هنا ولا إيه؟
_ أهاا، في عملية سرقة كبيرة وأي عربية بتعدي بتتفتش.
أومأ له بالإيجاب في تفهم وانتظر بمكانه حتى ينتهوا من تفتيشهم ومهمتهم.. ولكنه سمع صوت العسكري الذي قام بتفتيش حقيبة السيارة الخلفية يصيح مناديًا على أحد الضباط.. نزل كرم من سيارته وإذا بالصدمة تلجمه بأرضه وهو يرى العسكري يحمل بيده أكياس ممنوعات كانت مخفية في السيارة!!!
رواية ضروب العشق الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندى محمود توفيق
يجلس على مقعد وثير داخل مكتب كبير نسبيًا بالقسم. يتجول بنظره بين أرجاء المكتب الذي أعاد عليه الذكريات الأليمة عندما كان يأتي لزيارة "سيف". ظل لدقائق وهو ينتظر أن يدخل له أحد، وإذا بالباب يفتح ويهل من خلفه ضابط يبدو أنه يناظر كرم بالعمر.
ابتسم كرم بدهشة فور رؤيته له ووقف يعانقه يرحب به بعناق حار. أما الآخر فقال مازحًا:
_ مش عيب برضوا لما تاجي القسم في حشيش يا صاحبي!
هتف شبه ضاحكًا:
_ مش وقت هزار والله ياحسام. أنا هتجن واعرف الحجات دي دخلت عربيتي إزاي وامتي!
تحرك حسام باتجاه مقعده وجلس عليه يقول بحناس:
_ طيب اقعد، هخلي الصون ياسين يجبلنا قهوة ونتكلم على رواق.
جلس كرم وهو يمسح على وجهه متأففًا، ليتمتم حسام بترقب:
_ إنت شاكك في حد أنه ممكن يكون حطلك الحشيش ده؟
كرم بغلظة صوت ونظرات نارية:
_ أنا متأكد مش شاكك، كمال الحسيني.
_ عم سيف الحسيني!
أومأ له بالإيجاب، فعقد حاجبيه وسأل بعدم فهم:
_ وهو يعمل معاك زي كدا ليه يعني؟
_ ما إنت عارف ياحسام مشاكل سيف معاه قبل ما يموت، وأنه بيكرهني وبيكره عيلة العمايري كلها. وكمان حصلت كام مشكلة تاني من قريب خلته يعمل الحركة القذرة دي.
_ طيب بس إنت معندكش دليل على الكلام ده!
كرم بخشونة:
_ من غير دليل أنا هتصرف معاه بطريقتي وهعرفه حجمه.
حسام بتحذير وجدية:
_ اعقل وبلاش جنان بدل ما تدخل نفسك في مشاكل. إنت احمد ربك إن النهردا ربنا سترها معاك وجيت علي القسم اللي موجود أنا فيه، لولا كدا كان هيبقى فيها سين وجيم وحبس وإنت أصلًا ممسوك متلبس بيه.
أجابه بنبرة عادت لطبيعتها قليلًا:
_ اطمن مش هيحصل حاجة.
دخل "الصون" وهو يحمل على يديه صينية فوقها القهوة الذي طلبها "حسام". التقط كل منهم فنجانه ودار حديث مرح بعض الشيء بينهم لدقائق طويلة.
***
وضع حسن المفتاح في القفل واداره للشمال فانفتح الباب ودخل ثم أغلقه خلفه بكامل الحذر والبطء حتى لا تشعر به. قاد خطواته نحو غرفتها وهو يتسلل على أطراف أصابعه. أحس باشتياقه لها ففكر بأن يلقي نظرة عليها ويملأ عيناه منها. بالتأكيد دون أن تشعر به، وإلا ستأكله حيًا إذا رأته بمنزلها ويحوم حولها.
فتح باب غرفتها بحرص وأدخل جزء صغير من رأسه يتأكد من انغماسها في النوم. ثم دخل وتركه مفتوحًا. اقترب منها وأمعن النظر بها. كانت ترتدي منامة طويلة بعض الشيء ولكنها انزاحت وأظهرت عن نصف ساقيها، وتترك العنان لشعرها الناعم. كانت جميلة لدرجة الجنون، فقط رؤيته لها تشتته وتيقظ بداخله مشاعر مختلطة.
انحنى ليجثى على قدميه أمامها ويمد يده يسحب الغطاء على نصف جسدها ثم يرتفع بجسده قليلًا ليطبع قبلة حانية أعلى كتفها ويهمس بعشق زارف وشوق شديد في صوت لا يسمع:
_ إنتي مش قدامي دلوقتي! بس رغم كدا وحشاني أوي. وحشني خناقنا وضحكتك وعصبيتك وتصرفاتك اللي كانت بتعصبني. حتى غيرتك عليا وحشتني أوي. مش كفاية بقى ولا إيه يايسر مش ناوية ترجعي يسر اللي اعرفها. أنا اتغيرت عشانك ومش عايز منك حاجة غير إنك تسمحيلي اكون الشخص الجديد ده معاكي.
مد انامله وابعد خصلات شعرها عن عيناها. ليدقق النظر فيها بإعجاب وكأنها ألقت عليه تعويذة فلم يتمكن من مقاومتها. اقترب بوجهه منها وطبع قبلة عميقة بجانب ثغرها. دامت قبلته للحظات، وفي تلك اللحظات فتحت هي عيناها بعدما أحست به وفغرت عيناها بصدمة. فرفعت كفها بدون تردد وصفعته بقوة. ثم ارتدت للخلف وهي تختبأ أسفل الغطاء من عيناه.
بقي وجهه على الجانب الآخر لم يحركه. هذه الصفعة الثالثة على التوالي! استشاط غيظًا ونظر لها مشتعلًا يهتف:
_ اخدتي عليه إنتي القلم اللي كل ماتتعصبي تدهوني ده!
صاحت بغضب عارم:
_ عشان إنت تستاهله. بعدين إيه اللي مدخلك عليا دلوقتي؟
كانت تسحب الغطاء لرقبتها تخفي جسدها كله كأن الذي أمامها ليس زوجها بل رجل يريد أن ينال منها بالإجبار! استقام وقال ساخرًا بانفعال من صفعتها له:
_ ومالك مغطية نفسك كدا ليه؟ هتحرش بيكي مثلًا؟
قالت بقرف وسخط:
_ وليه لا مش بعيد تعملها ما أنا أتوقع منك أي حاجة. وأنت كنت بتحاول تعمل كدا أساسًا وأنا نايمة.
ضحك مستهزئًا منها وغمغم بعدم تصديق:
_ أنا بوستك يايسر ومن خدك كمان. هي البوسة بقت تحرش!
انفعلت بشدة وقالت باشمئزاز وقرف:
_ أه ما أنت ماخد على الحاجات دي سيادتك ياقليل الأدب. اطلع برا يلا فورًا.
صر على أسنانه يكتم غيظه منها ويحاول تمالك أعصابه. وقرر إتباع الطريقة الأكثر فاعلية. حيث همس ببرود:
_ مش هطلع.
رفعت سبابتها تحذره بنظرات مرتبكة ويد شبه مرتعشة من التوتر:
_ حسن اطلع برا عايزة اغير هدومي.
جذب المقعد الأبيض والعريض الموضوع أمام المرآة وجلس عليه هاتفًا بلؤم وهو يبتسم:
_ قومي وتعالي طلعيني لو عرفتي!
فعلت حركات متعددة بوجهها تدل على فرط غيظها ورفعت يدها تضم أصابعها على بعض وتقول بوعيد حقيقي وهي تجز على أسنانها:
_ تعرف نفسي امسك راسك وافشفشها. صبرك عليا بس.
كتم ضحكته بصعوبة واستدار بالمقعد ليوليها ظهره هامسًا بخبث أشد من السابق يتصنع البراءة:
_ خلاص صعبتي عليا. قومي يلا غيري أنا مش شايفك أهو.
_ إنت ايه اللي مدخلك البيت أصلًا وأنا نايمة ومن غير أذني. بقى هو ده اتفاقنا!
_ لا اتفاقنا القديم اتلغي. احنا عملنا اتفاق جديد ومكنش فيه المادة دي. بعدين وحشتيني وقولت آجي أطمن على مراتي وأبص عليها شوية مفهاش حاجة يعني أعتقد.
يقولها بصراحة دون أي تردد ويعترف لها باشتياقه. كانت ستطلق على شفتيها ابتسامته خجلة ومحبة ولكنها أخفتها وقالت بحزم مزيف:
_ طيب اطلع وأنا هغير وأجيلك صدقني.
حسن بإصرار تام وهو يضحك:
_ مش هطلع يايسر وبعدين إنتي من إمتي بتتكسفي مني.
ده أنا كنت بصحى الاقيكي في حضني و...
قاطعته صائحة بضجر تلقي عليه تعليمات صارمة:
_ طيب خلاص بس عارف لو بصيت يا حسن هفقع لك عيونك دول.
قال بازدراء منها:
_ تفقعيهم! أما أنتي بيئة صحيح. اخلصي يا أختي غيري يلا.
أبعدت الغطاء عنها بحذر وهي لا ترفع نظرها عنه، تتابعه هل ينظر أم لا. نزلت من الفراش وسحبت الروب الملقى على الأريكة حتى ترتديه إلى أن تخرجه من الغرفة. لكن قبل أن تضعه على جسدها وجدته يقول بمكر:
_ هااا ابص خلصتي ولا لسه؟
_ إياك تبص يا حسن.
قالتها منذرة إياه بصوت مضطرب ووضعت ذراعها في ذراع الروب، وإذا بها تراه يلتفت برأسه ناحيتها ويقول بعفوية مزيفة:
_ يسر ااا...
أخفى عيناه بكفه فوراً وهو يهتف معتذراً بخبث:
_ أوووف نسيت معلش يا حبيبتي كنت عايز أقولك حاجة.
توقفت وألقت بالروب على الأرض بعد أن احمرت عيناها بلون الدماء واستاءت بشدة من لؤمه. فلم تعد تبالي بما ترتديه، ما يهمها هو أن تفرغ به شحنة غضبها. أنزل كفه من على عيناه وابتسم وهو يراها تقف بالمنامة وتعقد ذراعيها أمام صدرها ووجهها تقوس ليعطي معالم اقتراب الانفجار النووي.
سمع صوتها الحاد وهي تهدر:
_ انزل شقتك يا حسن.
استقام من مقعده بهدوء وقال باسمًا بغمزة:
_ ما هو هنا شقتي وتحت شقتي يا مزتي.
عادت والتقطت روبها من جديد لترتديه وتقول بسخط حقيقي هذه المرة:
_ حسن متخلينيش أندم إني اديتك فرصة تاني.
اختفت ابتسامته وتنفس الصعداء بعدم حيلة ليهتف بإيجاز وبعض الجدية:
_ طيب خلاص همشي. لو عزتي حاجة اتصلي بيا.
لوت فمها وتمتمت بحزم:
_ مش عايزة حاجة واللي حصل دلوقتي يا ريت ميتكررش تاني.
لم يجب عليها واستدار ثم انصرف تماماً. فأخذت هي نفساً عميقاً مع بعض الضجر، إلا أن سرعان ما ارتفعت الابتسامة لشفتيها عندما تذكرت ما قاله "وحشتيني وجيت أطمن عليكي".
***
تجوب بالغرفة إياباً وذهاباً وبيدها الهاتف تضرب به على كفها والرعب تملكها كلياً، حتى باتت تشعر بأن عقلها سينفجر من كثرة التفكير والخوف. لماذا لا يجيب على هاتفه؟ ماذا حدث معه؟ هل هو بخير أم أصابه مكروه؟ الكثير من الأسئلة التي تطرحها في عقلها وجميعها لا تجد لها إجابة. وكل ما بوسعها فعله هو الدعاء والبكاء. دموعها تستمر في الانهمار بدون توقف. إلى أن سمعت صوت باب المنزل ينفتح فركضت للخارج مهرولة ووجدته دخل وأغلق الباب وكان على وشك أن يبدأ في نزع حذائه ولكنه توقف حين رأى وجهها الغارق بالدموع. لم تمهله اللحظة لكي يتوقع الذي حدث حيث اندفعت إليه وارتمت بين ذراعيه تهتف بصوت مرتجف من أثر البكاء الحاد:
_ كنت هجن من الخوف عليك يا كريم حرام عليك.
لم يفهم شيء ولكن ملس على ظهرها وشعرها بلطف وهمهم بحنو ونبرة مستفهمة:
_ طيب ممكن تهدي وتفهمني في إيه؟ ليه العياط الرهيب ده يا حبيبتي؟
ابتعدت عن أحضانه واكملت بنفس نبرة صوتها السابقة:
_ فضلت أرن عليك وقت طويل وإنت مبتردش.
رفع رأسها عن صدره وثبت عيناه على عيناها متمتماً باستغراب وابتسامة عريضة:
_ كل ده عشان مرديتش عليكي. التليفون كان في العربية ومسمعتهوش.
هزت رأسها بالنفي وغمغمت بنبرة هدأ روعها قليلاً:
_ ريماس اتصلت بيا وقالت لي إن عمي وجاسر عملوا حاجة في عربيتك وأنا خوفت أوي ليكون حصلك حاجة وحاولت أتصل بيك معرفتش أوصلك.
تلاشت ابتسامته ليحل محلها الشر والغضب وهو يهمس متوعداً:
_ يعني طلعوا هما زي ما كنت متأكد.
_ حصل إيه قولي؟
نزع حذائه عنه ومن ثم أخذها معه للغرفة. فجلست على الفراش وهي تنتظر منه أن يبدأ ويسرد لها الذي حدث.
تشدق بصوت صلب وهو يفك أزرار قميصه عنه ويقف أمام الخزانة:
_ حطوا لي مخدرات في جيب العربية بس ربنا سترها الحمد لله ومحصلش حاجة.
أخفت شهقتها بكف يدها واستحوذت عليها الصدمة للحظات حتى قالت منذهلة:
_ وصل بيهم الوضع للدرجة دي.
انتهى من نزع قميصه عنه ثم اقترب منها وشاركها في الجلوس مغمغماً بثقة:
_ أنا هعرفهم حجمهم كويس أوي اطمني.
شفق بعصبية:
_ ولا أنا هسكت لهم على فكرة!
ظهرت الحدة على معالمه وأجابها بغلظة صوته الرجولي وبلهجة صارمة وآمرة:
_ إنتي مش هتدخلي في أي حاجة يا شفق مفهوم ولا لا.
رمقته بطرف عيناها في اضطراب بسيط. ونظرت لعيناه المريبة وهو ينتظر منها الإجابة فذعنت له وقالت بطوع:
_ حاضر.
انحنى يطبع قبلة على كتفها هامساً بهيام:
_ أنا خوفت أكتر منك. فكرت لو مسكوني وعمك الحقير ده استغل الفرصة هو وابنه وحاولوا ياخدوكي أو يأذوكي. مكنتش هقدر أبعد عنك للحظة واحدة.
وضعت كفها على وجنته تناهه بهمس ونظرة عاشقة:
_ متقولش كدا بعد الشر عليك. ربنا يخليك ليا ويحفظك.
لمعت عيناه بوميض لئيم فقال مبتسماً بحب:
_ أمين. بس الكلمتين دول مينفعش يتقالوا كدا. حسسيني بعواطفك!
ضيقت عيناها بحيرة وسألته بعدم فهم:
_ أعمل إيه يعني؟
غمز بعيناه في مكر ونظرة جريئة لأول مرة تراها. فخرج صوته خافت يحمل القليل من الوقاحة:
_ كلك نظر يا حبيبتي.
حدقته بدهشة من تغيره الجذري وهيمن عليها الحياء عندما فهمت مقصده. فقررت اللعب كما يحلو لها.
احتضنت وجهه بين كفيها وطبعت قبلة على وجنته بكامل الرقة هامسة بدلال مقصود:
_ بعد الشر عليك يا كوكو.
ثم اتجهت إلى الجهة الأخرى وفعلت المثل مستمرة في همسها ولكن بغنج أنوثي أشد:
_ قولي أنا أعمل إيه لو إنت مش موجود.. ده إنت جوزي وحبيبي وأخويا وصاحبي وسندي وراجلي.
كان ذائبًا بين يديها وأمام قبلاتها وهمساته التي الهبت مشاعر العشق بأعماقه، فكان يطالعها مبتسمًا بإعجاب ونظرات راغبة إلى أن تمتم بمداعبة:
_ إيه المشاعر الجياشة دي!
أطلقت ضحكة عالية وأجابته من بين ضحكها:
_ مش إنت اللي بتقول حسسيني بعواطفك.
مال عليها وتمتم بخبث ضاحكًا:
_ طيب تحبي أحسسك أنا بعواطفي.
وثبت واقفة وهمت بالفرار هاتفة بتوتر:
_ لا عواطفك إنت مش سليمة.
جذبها من ذراعها لترتد للخلف وتسقط فوق الفراش ليقول هو باستمتاع:
_ لا ده بالعكس عواطفي جميلة أوي وهتعجبك.
أطلقت ضحكات مرتفعة بعدما أغار عليها أمام محاولاتها للتملص منه وهو يشاركها الضحك.
***
أخرجتها من الفرن أخيرًا بعد انتظار دام لأكثر من نصف ساعة. أخذت تسكب عليها الشربات بكثرة حتى تتشربها جيدًا ومن ثم بدأت بتقسيمها لأجزاء صغيرة نسبيًا. انحنت إليها تشتم رائحتها اللذيذة والشهية لتقول باسمة بفخر واعتزاز:
_ اممم تسلم إيدك يابت ياملاذ والله. أنا مكاني مش هنا أساسًا.. لازم أفتح قناة طبخ أعرض فيها مواهبي. أما نشوف الأستاذ زين هيقدر يقاوم ولا لا.
فعلتها عمدًا من أجله، لعلمها بأنه يعشق "البسبوسة" وبالتأكيد لن يتمكن من مقاومتها، ولترى ماذا سيفعل عندما يراها!
دخل المطبخ على أثر الرائحة وقال بفضول:
_ إنتي عاملة بسبوسة ياملاذ؟
أخفت ابتسامتها الخبيثة وقالت بمضض:
_ أيوه.
تحرك نحوها حتى وقف وتطلع إلى الصينية فسال لعابه وانفتحت شهيته فمد يده بالشوكة وهم بأن يلتقط قطعة فمنعته هاتفة ساخرة:
_ مش إنت مبتكلمنيش هتاكل ليه منها بقى!
رمقها بطرف عينه مستنكرًا ما تقوله وعاد ليمد يده ويلتقط القطعة ويضعها في فمه هاتفًا بعدم اكتراث:
_ وإيه دخل مشاكلنا بالأكل ياحبيبتي.. الأكل حاجة وإننا متخانقين حاجة تاني!
تذوقها بلتذذ وهتف مبتسمًا بشهية وهو يمضغ الطعام في فمه:
_ امممم حلوة أوي تسلم إيدك.
رغم ضيقها منه إلا أنها ابتسمت بعذوبة وحب لتهتف برقة:
_ بالهنا والشفا.. استني هطلعلك منها في طبق.
أخرجت له قطعة منها في صحن فتناول منها الصحن وهم بالانصراف لتعترض طريقه وتقول بدلال:
_ خلاص صافي يالبن مش كدا!
كتم ضحكته وقال وهو يأكل يتصنع عدم الاهتمام بها:
_ هاكل الأول وبعدين نتكلم براحتنا ياملاذي.
ثم ابتعد من أمامها وغادر وتركها تشتعل من الغيظ والعصبية لتهمس وهي تصر على أسنانها:
_ تصدق أنا غلطانة إني عملتها أصلًا!
***
مع صباح اليوم التالي...
كانت ميار بغرفتها تتصفح هاتفها الذكي وهي جالسة على الفراش، وإذا بطرقة يد لطيفة تطرق على الباب فقالت وهي لا تبعد نظرها عن شاشة الهاتف:
_ ادخل.
فتحت الجدة الباب ودخلت ثم أغلقته خلفها فرفعت ميار نظرها أخيرًا بعدما اهتمت كثيرًا لترى من هو الطارق، فأصابتها الدهشة تمامًا وهي تحملق بجدتها الواقفة أمامها وبظرف لحظة وثبت من فراشها هامسة بصدمة:
_ نينا!
قالت الجدة بصرامة ولهجة آمر:
_ البسي يلا عشان هاخدك الدكتورة.
ضيقت عيناها بعدم فهم لتسأل بحيرة ولا تزال الدهشة مهيمنة عليها:
_ دكتورة إيه.. أنا مش تعبانة يانينا الحمدلله.
هتفت الجدة بحدة:
_ ما أنا عارفة إنك مش عيانة.. علاء حكالي كل حاجة وأنا حابة أتأكد عشان سعتها أبقى عارفة أنا بعمل إيه كويس.
تقهقرت للخلف وهي تقول بذهول وعدم تصديق:
_ إنتي عايزة توديني لدكتورة وتكشفي عليا.. يعني هو حكالك وبرضوا مش مصدقة!
صاحت بغضب بسيط:
_ أيوه مش مصدقة ومن غير كلام كتير يلا البسي وهستناكي تحت في العربية مع جوزك.
استدارت الجدة وهمت بالانصراف ولكن صوت ميار المدهوش وهي تسأل بترقب:
_ ثانية هو علاء عارف بالموضوع ده وموافق عليه.. يعني موافق يوديني لدكتورة!
قالت الجدة بحزم:
_ ومايوفقش ليه! ثم أن ده قراري أنا ومحدش يقدر يناقشني فيه.
قالت آخر كلماتها ورحلت، فظلت هي متسمرة بأرضها لا تستوعب الأحداث التي تنزل تباعًا فوق رأسها. لا تلوم جدتها بقدر زوجها.. هل لا يثق بها بمقدار ذرة واحدة لكي يوافق على ذهابها لشيء كهذا! هي لا تلومه ولكنها تحزن على الثقة التي لا يمنحها لها بالرغم من أنها أفشت له كل شيء وأقسمت بأن ما تقوله حقيقة ولا تكذب. لكن هيهات فلا حياة لمن تنادي فقد برمج عقله على تصديق شيء ولا يقبل أي أفكار أخرى...
***
نزل إسلام من سيارته أمام مبنى شركة العمايري وقاد خطواته للداخل. تفكير لوقت طويل استغرقه وهو ما بين قبول عرضه أو رفضه وأخيرًا استقر على القبول وأن يسمح له أن يساعده في جزء من المبلغ كدين ويسده له. قد اتصل به زين بالأمس وتحدثا معه فأخبره بقراره النهائي.
ولكن مجيئه له اليوم في الشركة لأمر آخر وهو "رفيف". فقد عزم علي أن يتخذ خطوة جريئة في هذا الأمر ويخرج عن إطار الصمت والمتابعة.
وصل أمام باب مكتبه فطرق الأول طرقتين ثم فتح الباب فوجده يجلس وأمامه حاسوبه النقال يعمل عليه بتركيز. رفع زين نظره وانطلقت ابتسامته العذبة وهو يرحب به.
_ اهلا بالبشمهندس.
وقف ليعانقه عناق حار ثم جلسا على الأريكة وبدأ الحديث بينهم بروتينية العمل حتى تحدث زين قائلًا في جدية:
_ بإذن الله على أول الأسبوع الجاي الدكتور هيكون موجود وهنسافر.
إسلام بامتنان:
_ والله ما عارف يازين أقولك إيه على اللي بتعمله معايا ده.
_ متقولش حاجة، احنا اخوات يا إسلام، عيب.
تنهد تنهيدة عميقة قبل أن يتحدث في صوت رجولي جاد:
_ طيب أنا كنت جاي الصراحة عشان أتكلم معاك في موضوع ميخصش لا الشغل ولا العملية.
عقد حاجبيه باستغراب وطالعه بأعين متسائلة بفضول عن هذا الموضوع. فاسترسل إسلام حديثه بنفس النبرة السابقة:
_ أنا طالب إيد الآنسة رفيف.
أصابت الدهشة زين فحملق به مدهوشًا لبرهة من الوقت. ليكمل إسلام بهدوء:
_ أنا كنت متردد أفاتحك في الموضوع ده غير لما أكون متأكد من قراري. وأنا دلوقتي متأكد إني مش هلاقي زوجة أفضل من الآنسة رفيف، على خلق ودين ماشاء الله.
لاحت ابتسامة صافية على ثغر زين. لا يزال يثق به ويعرف أنه خير من سيحافظ على شقيقته. لكن نفس الشيء يشغله وهو عندما يعرف بالحقيقة المؤلمة. فإسلام لا يعرف بشيء حتى الآن وهو ليس لديه الجرأة ليخبره.
دام تفكيره الطويل لدقيقة حتى عاد يرسم الابتسامة من جديد ويقول بفرحة بسيطة:
_ وأنا عارف إني مش هلاقي ليها أفضل منك. هفاتحها في الموضوع إن شاء الله وهشوف رأيها وأرد عليك.
تهللت أسارير إسلام وقال بخشونة:
_ إن شاء الله.
***
اقتحمت يسر عليه المكتب ودخلت دون أي أذن. كان هو يمسك بيده شيئًا لم تتمكن من رؤيته جيدًا حيث أنه أخفاه في الدرج بسرعة بمجرد دخولها. رفعت حاجبها بشك وخبث ثم اقتربت منه حتى وقفت أمام المكتب مباشرة واستندت بكفيها على سطحه ثم انحت بجزعه وهي تشير إلى الدرج بعينيها بمعنى "مالذي أخفيته مني هذا". ضحك بخفة واقترب بجسده على المكتب أكثر لينحني تجاهها هامسًا:
_ حاجة مش عايزك تعرفيها.
_ لا والله.
قالتها مستنكرة رده بالرفض. ورغم فضولها الذي يكاد يقتلها، تصنعت عدم الاكتراث للأمر وهتفت بشموخ:
_ أنا أساسًا مش فارق معايا أوي. جيت أقولك إنك هتيجي معايا لآني هروح أشتري شوية حاجات ليا وهتكون كتير مش هقدر أشيل وحدي.
تريده أن يأتي معها!! أليس الأمر غريبًا قليلًا أن ترغب في اصطحابه معها؟ استحوذ عليه الذهول لثواني قليلة ولكنه تحول لسعادة وأجابها بلؤم:
_ حاجات إيه؟
فهمت تلميحه الوقح من خلال نظراته ونبرته فقالت باسمة بعدم حيلة وهي تضرب كفًا على كف:
_ لا إله إلا الله. هروح أشتري مستلزمات محتاجاها ياحسن وهتيجي معايا. عندك اعتراض؟
لا يحب أمور الشراء هذه وخاصة مع النساء. لكن أبدى عن عدم اعتراضه بود حتى لا يخسر كل ما فعله لكي تصل علاقتهم لهذا الوضع.
_ لا معنديش، استنيني في العربية وهاجي وراكي.
يسر بصرامة مزيفة:
_ طيب.
ولّت ظهرها وسارت للخارج وهي تبتسم بمكر. فبتاكيد لن تطلب اصطحابه معها إلا إذا كانت لديها غاية خبيثة!!!
***
حذرها بأنها لن تتدخل في أي شيء يخص هذا الأمر. لكن نقمها وغضبها يستحوذان عليها ولن تهدأ إلا عندما تفعل ما يدور بعقلها. فهي تعرف جيدًا كيف تردع عمها وابنه عن أفعالهم الشنيعة. أول شيء هو أن "كرم" لن يعرف بأي شيء. ستقوم بالأمر بمفردها.
انتهت من ارتداء ملابسها وامسكت بالهاتف تجري اتصالًا به. ليجيب على الهاتف بعد رنات قليلة:
_ أيوة ياشفق.
شفق ببعض التردد الممزوج بالاضطراب:
_ كرم أنا هطلع أشتري كام حاجة تبع البيت وكدا.
هتف بصوت رجولي قوي:
_ طيب قوليلي اللي عايزاه وأنا هجبهولك معايا.
رفضت فورًا وهي تجيبه بتلعثم:
_ لا لا ياحبيبي، أنا عايزة حاجات معينة وهشتريها بنفسي أفضل. أنا مش هتأخر بإذن الله متقلقش.
_ طيب. ولو في أي حاجة رني عليا.
_ حاضر إن شاء الله.
انهت معه الاتصال وأصدرت تنهيدة حارة بارتياح أنه لم يسبب مشكلة ولم يشك بأمرها. أما هو فقد أجرى اتصالًا بمسعد الذي أجابه برسمية:
_ أيوه ياكرم بيه.
كرم بصلابة وحدة:
_ المدام طالعة تشتري شوية حاجات أكيد من السوق يعني، خليك وراها يامسعد عشان لو في أي حاجة حصلت كدا ولا كدا لأني مش ضامن عمها وابنه ده.
مسعد بجدية وإيجاب:
_ تمام، متقلقش ياكرم بيه.
أنزل الهاتف من على أذنه وهو يزفر بخنق. لا يريد تقييدها وإجبارها على عدم الخروج وبنفس ذات اللحظة يقلق عليها بشدة. ومن جهة أخرى باتت تتضايق بسبب أن "مسعد" يقوم بأخذها من المنزل ليذهب بها بالسيارة للمكان الذي تريده ومن ثم يعود بها للمنزل مرة أخرى. فقط حتى يكون "كرم" مطمئنًا عليها إذا لم يستطع الذهاب هو معها فيوكل "مسعد" بحمايتها. لذلك هو طلب منه الآن مراقبتها من بعيد وأن يخبره بأي جديد يحدث!
***
يجلس حسن على مقعد وثير داخل محل للملابس بعد أن قاموا بشراء العديد من الأشياء. انتهى به المطاف على شراء الملابس. سئم واختنق من الانتظار فهو يجلس على هذا المقعد منذ ما يقارب النصف ساعة وأكثر وهي لا تفعل شيئًا سوى اختيار الملابس وتدخل لتقيسها ومن ثم تخرج وتبدي عن عدم إعجابها بها!!
ينظر لها وهي تخرج من غرفة القياس ويقول بنبرة مختنقة:
_ مش كفاية ولا إيه يا يسر شوفي لو هتاخدي حاجة وخلينا نمشي.
وقفت أمامه وقالت بيأس متصنع وضيق:
_ لا مفيش حاجة عجبتني.
_ كل اللي قستيه ده ومفيش حاجة عجبتك!
قالها شبه مستاءً فأجابت هي بكامل البرود وعدم الاكتراث:
_ آه تعالى هنروح محل تاني يمكن نلاقي حاجة حلوة.
استقام وهتف بحدة:
_ لا محل تاني إيه.. خلاص هي شطبت على كده بكرا إن شاء الله.
عقدت ذراعيها في خصرها وقالت بغضب مزيف:
_ يعني إيه بكرا.. أنا عايزة أشتري كل اللي محتاجاه النهاردة.
انحنى إليها يهتف منفعلًا وهو يحاول إخفاض صوته:
_ محتاجة إيه! ليه ماشية عريانة ولا معاكيش هدوم في دولابك عشان لازم النهاردة. بعدين إنتي مش شايفة الكياس دي كلها؟ إنتي خلتينا نلف كاليفورنيا كلها. امشي يا يسر قدامي يلا متخلنيش أعلّي صوتي.
كادت أن تنطلق من بين شفتيها ضحكة مرتفعة على كلماته ولكنها كتمتها وقالت بثقة وثبات امتزج ببعض القوة:
_ همشي مش عشان أنا خايفة منك.. لا عشان حتى أنا تعبت الصراحة.
انصرفا وساروا باتجاه السيارة وهو يحمل بيده الأكياس. وفي طريقهم للسيارة مروا على عدة محلات وواحد منهم كان للحلى والعقود والذهب بمختلف أنواعه. وقفت أمامه عندما لفت نظرها عقد معين. هذه المرة لم يكن عمدًا ولكن حقًا ما جذبها له شيء ليس عادي.
علقت نظرها عليه وغامت عيناها بالعبرات وهي تهمس:
_ كان معايا واحد زيه بالظبط ذكرى من جدو الله يرحمه.. بس مش لاقياه للأسف وضاع مني وأول ما شفته دلوقتي افتكرت جدو.
وقف خلفها وقال بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا وحنون:
_ تحبي ندخل نشتريه يا حياتي.
جففت دموعها بسرعة وقالت بنفي وهي تبتعد:
_ لا لا يلا بينا نرجع البيت لإني بدأت أتعب فعلًا.
_ طيب يلا.
ساروا ناحية السيارة ودخلت هي بالمقعد الأمامي بجواره ليضع هو الأكياس بالمقعد الخلفي ثم يقول بخشونة:
_ خمسة وراجعلك.
قالت بحيرة ونبرة شبه مرتفعة عندما وجدته استدار وابتعد عن السيارة:
_ رايح فين يا حسن؟
لم يجب عليها وربما لم يسمعها حتى فتنهدت الصعداء بعدم حيلة وبقت بالسيارة تنتظره لدقائق قصيرة حتى عاد واستقل بمقعده المخصص للسيارة وانطلق بها لتسأل هي بفضول:
_ روحت فين؟
لم يجيبها وتصنع الانشغال بالقيادة فتأففت هي بضيق واشاحت بوجهها عنه. التقط بهاتفه الذي يرن وأجاب:
_ أيوة يا كرم إيه الأخبار؟
_ تمام.. وإنت عامل إيه ويسر كمان؟
_ كويسين الحمد لله.
تمتم كرم بصوت رجولي صلب:
_ عايزك تعملي حاجة بما إنك موجود في أمريكا.
_ إيه هي؟
بدأ يسرد له كل شيء يريده بالتفصيل ليهتف حسن بعدم فهم ونظرة ملتهبة:
_ كمال الحسيني! هو حصل إيه طيب ماتفهمني؟
كرم بإيجاز:
_ هفهمك يا حسن بس دلوقتي أنا مش فاضي.. شوية كده هتصل بيك تاني وهقولك كل حاجة. إنت بس اعمل اللي قولتلك عليه.
_ لما تتصل بيا تاني وتفهمني كل حاجة نبقى نشوف اللي عايز تعمله ده.
لم يرد كرم المجادلة معه كثيرًا وانهى معه الاتصال لينهي أعماله. بينما الآخر فأخذ يفكر فيما طلبه منه وهو يتساءل عن الذي فعله ذلك الرجل لأخيه! ويسر كانت تنظر له باستغراب تود سؤاله ولكنها فضلت عدم التدخل...
***
خرجت ميار مع الجدة من غرفة الطبيبة وكان علاء ينتظرهم بالخارج. ألقت ميار نظرة خزي عليه ومن ثم نظرت لجدتها وقالت بصوت مبحوح وعاجز:
_ يارب تكونوا مرتاحين كده!
وجهت كلامها هذه المرة لجدتها بالأخص وهي تقول بانكسار وأعين دامعة:
_ اخترتي الطريق الأسهل وصدقتي الصور زيهم مع إني كنت بقول مستحيل نينا تصدق عني ده وهي بتثق فيا. تخليتي عني وسبتيني وإنتي عارفة إني مليش غيرك. اجبرتيني على الجواز ومسألتيش عني حتى بعدها ولما حاولت انتحر مفكرتيش تاجي تطمني عليا. جيت لغاية عندك وفضلت أتوسلك تصدقيني وركعت عند رجلك وإنتي طردتيني برا البيت كله. حتى لما عرفتي الحقيقة برضوا مصدقتيش وجيتي توديني لدكتورة عشان تتأكدي بنفسك..
أنا مجيتش معاكي عشان عايزاكي تسامحيني، لا أنا خلاص مبقاش فارق معايا. جيت بس عشان أثبتلكم إنكم ظلمتوني وإني على حق.
همت الجدة بأن تقترب منها وتمسك بكفها هامسة بصوت حاني ونظرات متأثرة:
_ ميار ياحبيبتي.
تراجعت للخلف فورًا قبل أن تلمسها والقت نظرة غاضبة وناقمة عليهم قبل أن تندفع للخارج مهرولة. فجلست الجدة على المقعد وتركت العنان لدموعها الحارقة على ما سمعته منها. أسرع علاء خلفها راكضًا ليمسك بها بعد أن غادرت العيادة، وبحركة عنيفة منها دفعت يده عنه صائحة:
_ متلمسنيش.
علاء بهدوء:
_ طيب رايحة فين تعالي هوصلك البيت يلا.
هتفت بنظرة ثاقبة وبشجاعة جديدة عليها وغضب:
_ أنا مش هروح معاك مكان. وياريت تبدأ في إجراءات الطلاق اللي كنت بتقول عليها لمامتك، لأن الصراحة أنا اللي مبقيتش طايقة استحمل أعيش معاك ولا طايقة عيلة العمايري كلها.
ثم ولته ظهرها وهمت بالانصراف، فتوقفت مجددًا والتفتت برأسها نحوه تقول بلهجة جديدة:
_ ولعلمك هرجع ألمانيا ومحدش هيقدر يمنعني، لا إنت ولا نينا ولا عمي ولا أي مخلوق.
لم يفضل أن يضغط عليها الآن وأن يتركها على راحتها لبعض الوقت لعلها تهدأ. فتسمعه يقول بخنق بعدما رآها تستدير وتسير مبتعدة عنه:
_ طيب رايحة فين دلوقتي؟
_ ملكش دعوة.
قالتها بعصبية دون أن تلتفت له وأكملت سيرها. فمسح هو على وجهه متأففًا ببعض الضيق والأسى. ثم التفت وعاد لجدته بالداخل.
***
خرج زين من الحمام بعد أن أخذ حمامًا دافئًا ليزيح عن جسده إرهاق العمل. رآها تجلس على الفراش وتطالعه بأعين ساخطة ومغتاظة. لم يحتاج لسؤالها بل فهم تلقائيًا السبب. ابتسم بساحرية وتحرك ناحيتها ليجلس بجوارها ويقول بمداعبة بعد أن لف ذراعه حول كتفيها:
_ خلاص ياجميل متزعليش نفسك أوي كدا.
أبعدت يده عنها هاتفة بخنق:
_ اه بزعل نفسي وحضرتك مصدر ليا الوش الخشب ومش عايز تكلمني.
_ وإنتي شايفاني مش بكلمك دلوقتي! ما إحنا أهو زي السمنة على العسل الحمدلله.
أشاحت بوجهها للجانب تعبر عن احتجاجها عن الكلام معه، فهتف ضاحكًا وهو ينكشها في وسطها:
_ متضحكي يابت خلاص بقى. جاتك القرف وإنتي حلوة كدا.
لم تتمكن من كتم ضحكتها حيث انطلقت منها بعفوية وهي تتمايل جالسة تحاول إبعاد يده عن وسطها:
_ بس يازين الله.
توقف وهو يبتسم بحب لهم بالنهوض من جوارها، لولا أنها أمسكت بكفه تهتف بجدية:
_ زين أنا عايزة أروح لدكتورة، إحنا لينا فترة ومحصلش حمل، خايفة يكون عندي مشكلة أو أي حاجة.
طفل! هو لا يفكر بالأطفال الآن بتاتًا، بل يخشى من أن يكون أبًا فيفشل في مهمته كأب. يخاف أن لا يتمكن من تهيئة وتربية أطفاله جيدًا فيكون مصيرهم كمصيره وينحرفوا إلى طرق ليست سليمة.
مسك بكفها يملس عليه بحب:
_ ياحبيبتي دكتورة ليه، إحنا لسه يدوب متجوزين. وإحنا مش مستعجلين على الطفل، سيبها على الله وهو هييجي في وقته.
_ ماشي يازين بس أنا نفسي في طفل جدًا.
_ إن شاء الله ربنا هيكرمنا قريب، إنتي بس سيبها على الله.
أومأت له بتفهم وسكتت تمامًا، فاستقام هو وتنهد بعمق ثم رحل عن الغرفة بأكملها وتركها بمفردها.
***
أجاب كرم على الهاتف بجدية تامة وقلق:
_ أيوة يامسعد حصل حاجة ولا إيه؟
مسعد برسمية شديدة وبعض التوتر:
_ كرم بيه المدام مرحتش السوق، أنا شايفها دلوقتي وهي داخلة بيت كمال الحسيني.
رواية ضروب العشق الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ندى محمود توفيق
فتحت لها زوجة عمها الباب فانصدمت في بادئ الأمر من رؤيتها لها، ولكن سرعان ما رسمت ابتسامة شيطانية على شفتيها وقالت بلؤم:
أهلاً وسهلاً نورتينا.
شفق بنظرات مشتعلة وبغضب ملحوظ:
عمي وجاسر موجودين؟
ضحكت ساخرة وأجابتها بنظرات مستحقرة:
موجودين ياحبيبتي.. ياجاسر تعالى شوف بنت عمك جات.
كان بالمكتب يتحدث مع أبيه حول العمل، وإذا بصياح أمه عليه وهي تخبرهم بقدوم "شفق" جعله يثب واقفاً بعد أن تبادل نظرات الدهشة مع أبيه.
هرول مسرعاً للخارج ولحق به كمال. رأتهم شفق فدخلت خطوة للداخل وهي تقف بشموخ وقوة على عكس شخصيتها الضعيفة والهادئة، وتحدثت موجهة حديثها لعمها متجاهلة وجود ذلك "الجاسر". كانت لهجتها تحمل التهديد والتحذير:
أنا جيت بس عشان أقولك يا عمي خليك بعيد عني وعن كرم. أنا عارفة كويس إنك ورا المخدرات اللي كانت في عربيته.
كمال ضاحكاً بازدراء منها:
إنتي جاية بتهددي عمك في بيته؟ بقى هي دي التربية اللي ربّاكِ أخويا وسيف؟
صاحت بصوت أنثوي قوي ومريب بعض الشيء:
متجيبش سيرة بابا وسيف نهائي فاهم ولا لأ.. وبعدين أنا مليش عم أهلي ماتوا واللي فاضلي جوزي، ويمكن أنا سكت بعد اللي عملتوه مع سيف ومعانا بس مش هسكت دلوقتي، وصدقني لو حاولت بس تقرب من كرم هنهيك إنت وابنك نهائي، وإنت فاهم أنا أقصد إيه يا كمال الحسيني. أنا حذرتك أهو.
استدارت وهمت بالرحيل لولا يد جاسر التي قبضت على ذراعها تجذبها إليه وهو يقول بغضب:
خدي هنا إنتي رايحة فين؟ مش هتطلعي من البيت ده.
دفعته بعيداً عنها بكامل قوتها ورفعت سبابتها في وجهه تهتف بنظرة نارية واستياء عاتي:
إنت متلمسنيش أبداً واحمد ربك إني مقولتش لكرم على اللي عملته معايا، وإلا مكنتش هشوفك واقف قدامي على رجلك كده.
قهقه بقوة وعاد يجذبها من ذراعها، ولكن هذه المرة بإحكام شديد وقال باستهزاء وعدم مبالاة:
وأنا بقولك أهو مش هتمشي يا شفق، وخلينا نشوف Hero بتاعك هيعمل إيه.
أبعده كمال عنها وهو يقول بمكر رجولي وأعين شرانية لا تبعث على الخير أبداً:
جاسر مينفعش كده.. سيبها تمشي هي مسيرها هتعرف إنها ملهاش غيرنا.
تركها على مضض، فألقت هي عليهم نظرة مشمئزة وساخطة ثم انصرفت فوراً. وبينما كانت تعبر الحديقة لتخرج إلى الشارع رأت كرم المتجه نحوها كالسهم، تصلبت بأرضها برعب وجففت دموعها بسرعة. وصل إليها وقال بلهجة آمرة وهو يتشعل غضباً:
اسبقيني على العربية.
كان سيهم بالذهاب لهم، ولكنها جذبته من ذراعه وقالت بصوت متلعثم وخوف:
كرم أنا اللي جيتلهم، هما معملوش حاجة ليا.. جيت أتكلم مع عمي.
توقف واستدار برأسه لها لترى عيناه الحمراء والنظرات التي تعرفها حق المعرفة مع معالم وجهه المرعبة.
كرم بنبرة أرعبتها بشدة ونظرة مخيفة:
الكلمة بتتقال مرة واحدة عندي، وإنتي سمعتي قولت إيه.
تركت ذراعه ببطء وهي ترمقه برهبة وارتباك، وقد أدركت أن عقابها سيكون عسيراً. عصت أوامره حول عدم التدخل وكذبت عليه لتقنعه بأنها ستخرج لتشتري بعض الأشياء. بالتأكيد سيكون لها من هذا الغضب الذي يستحوذ نصيب.
استقلت بالسيارة كما أمرها وأخذت تفرك في أصابعها بتوتر وخوف تنتظر عودته. بعد حوالي ثلاث دقائق رأته يتجه نحو السيارة ليستقل بمقعده بجوارها وينطلق بالسيارة. فنظرت هي له وقالت بتردد في محاولة بائسة منها للدفاع عن نفسها:
كرم اااا.....
رمقها بنظرة كانت كافية لجعل الكلمات تفر هاربة من الرعب. ازدردت ريقها بصعوبة وثبتت نظرها على الطريق وهي تشعر بدقات قلبها المتسارعة من فرط التوتر. لو لم تشهد على غضبه العاتي مرات عديدة لما خشيت انفعاله عليها لهذه الدرجة!
هاتفه بيده يقلبه يميناً ويساراً وعقله مشغول بها. يجلس على مقعد هزاز وبأناملة يفرك لحيته الخفيفة. يقلق عليها فهي لا تعرف المدينة جيداً وقد تفقد طريقها ولا تعرف طريق العودة. لكنها كانت حقاً بحاجة للبقاء بمفردها قليلاً. يقسم أنه لم يكن يقصد أن يكسر نفسها، فقد أصرت الجدة على هذه الفكرة وبالأخص بعدما رأت أنه يحمل بعض الشك بداخله أنها تكذب، ففعلت لكي تقضي على جميع شكوكه. وهو وجدها فرصة جيدة لكي يأخذ القرار الصائب بشأن زواجهم.
بدأت الأسئلة تنهش عقله نهش. أين ذهبت؟ وماذا تفعل؟ هل هي بخير؟ كلها أسئلة تدور في حلقة واحدة. وهناك طريقة واحدة للتخلص منها، فأمسك بهاتفه وأخرج رقمها من قائمة الأسماء ليضع الهاتف على أذنه ينتظر ردها. أجابت بعد وقت من الانتظار باقتضاب:
نعم.
علاء بصوت غليظ:
إنتي فين؟
وعايز تعرف ليه؟ مهتم أوي مثلاً. متخافش أنا وحدي.
كانت نبرتها ممتعضة وحزينة فيجيبها هو متنهداً بعمق:
قولي مكانك يا ميار هيجيلك، عايز أتكلم معاكي شوية.
غمغمت بخفوت بائس:
لما أرجع يا علاء قول اللي تحبه، أنا دلوقتي محتاجة أُقعد وحدي شوية أو بعيد عنك بمعنى أصح.
هدر برزانة وهدوء دون أن يضغط عليها:
ماشي براحتك يا ميار مش هاجي، بس قوليلي برضوا إنتي فين عشان أبقى عارف.
زفرت بخنق فليس هناك مفر من إخباره لكي تتخلص من إصراره. تمتمت بنبرة عادية:
قاعدة في كافيه (....) وممكن أروح أقعد مع رفيف في المطعم شوية.
صمت لثوانٍ قصيرة متردداً في قول جملته القادمة. يقولها أو لا! حتى وجد لسانه ينطق بها من دون أن يشعر:
طيب ابقى خلي بالك من نفسك.
أنزلت الهاتف من على أذنها وضغطت على إنهاء الاتصال. لترتسم على ثغرها ابتسامة مستنكرة جملته السخيفة بالنسبة لها. ففي نظرها قد تكون متكلفة وليست بدافع الاهتمام الحقيقي!
صعدت الدرج هي أولاً وخلفها هو حيث كان يحمل الأكياس وهي تحمل البعض الآخر. فتحت الباب ودخلت ثم هو. أغلق الباب بقدمه واتجه إلى غرفتها ليضع الأكياس على الفراش ويلتفت بجسده ناحية الباب فيراها تدخل وتقول بابتسامة عذبة:
شكراً.
لاحت بشائر الابتسامة على شفتيه واقترب منها بخطوات واثقة وهو يقول بنظرة ليست بريئة:
على إيه بالظبط؟
لم تتزحزح من مكانها وبقت كما هي تقف بثبات تهتف ببعض الجدية:
إنك جيت معايا.
توقف أمامها مباشرة وقال بخبث:
بس أنا مش عايز شكر بس.
رمقته بتعجب وفضول ليبتسم هو ويسترسل حديثه بغزل صريح بها ومنحرف:
أصل البيت هنا عاجبني أوي وعليه عيون تسرق العقل ولا جسم إنما إيه بطل. والضحكة حكاية ولا الشفـ...
تورّدت وجنتاها بخجل وارتباك من نظراته وكلماته المنحرفة. فهدرت به شبه منفعلة:
حسن احترم نفسك.
انطلقت منه ضحكة عالية ثم أجابها بمشاكسة جميلة:
عشان كده بفكر آجي أقعد مع البيت العسل ده. لإني الصراحة عندي اكتئاب حاد وعلاجه إني أعيش مع بيت يحتويني. وأنا واثق إني مش هلاقي حد يحتويني أكتر منك.. أقصد البيت!
فشلت في حجب ضحكتها حيث أجابته مبتسمة باتساع على مشاكساته:
لا يا حسن مش هتقعد معايا هنا.. غير لما أصفالك تماماً.
سكت لبرهة من الوقت ثم غمز لها وتشَدّق بتصنع البراءة:
طيب أنا عندي فكرة هتخليكي تصفيلي على الآخر.
عقدت ذراعيها أمام صدرها مبتسمة بسخرية على طريقته المزيفة في الظهور ببراءة. يستطيع خداع أي أحد ولكن هي تعرف داخله المنحرف، فقالت وهي تلوي فمها مستهزئة:
إيه هو؟
انحنى على أذنها وهمس بعدة كلمات صدمتها. هي كانت متوقعة أنه سيقترح اقتراحاً منحرفاً ولكن ليس إلى هذه الدرجة! استحت واستاءت بذات اللحظة فبتلقائية منها ضربته بكفها على كتفه في غيظ هاتفة:
امشي يا وقح.
كتم ضحكته بصعوبة وقال مازحاً بطريقة كوميدية وهو يهم بالانصراف:
براحتك إنتي الخسرانة.
قوسّت ثغرها بقوة حتى لا ينفرج عن ابتسامة وقالت بحزم مصطنع:
برا يا حسن.
ولاها ظهرها ورحل وهو يضحك، وكذلك هي التي تركت حرية شفتيها لتفتر عن ابتسامة واسعة وهي تهمس بحياء بسيط:
وبيقولها ببجاحة مهو منحرف هيتكسف إزاي!
نزل من السيارة وقاد خطواته الساخطة إلى داخل المنزل وهي تتبعه بخطى متعثرة ومتوترة. وجدته يقف بجواره الباب ينتظرها أن تدخل لكي يغلقه وفي عينيه تستقر نظرة قاتمة. دخلت باضطراب ليغلق الباب بكامل الهدوء ويهتف في نبرة لا تزال شبه عادية حتى الآن:
أنا كلامي كان واضح جداً لما قولتلك إنتي مش هتدخلي وملكيش دعوة بالموضوع ده نهائي صح ولا لأ؟
أومأت له بالإيجاب وهي تجفل نظرها أرضاً لا تقوى على رفعهم إليه. ليسترسل هو حديثه بسؤال صريح وصارم:
واللي حصل دلوقتي ده إيه؟
لم تجد الكلمات التي ستبرر بها عن نفسها ففضلت الصمت وبقت ساكنة كالصنم لا تنظر له فقط تحدق بالأرض. ولكن اجتاحتها نفضة عنيفة أثر صيحته القوية بها:
أنا بكلمك يا شفق ردي.. إيه اللي عملتيه ده؟ كذبتي عليا وقولتيلي نازلة تشتري شوية حاجات ورحتي لعمك الحيوان ده في بيته؟ يعني مش كذبتي عليا وبس لا كمان عصيتي أوامري اللي هي لمصلحتك وعشان خايف عليكي. إنتي إيه ضمنك إنهم ميأذوكيش عشان تروحليهم بنفسك؟
أدمعت عيناها بالدموع الحارقة وهي كما هي لا تنظر له. مما استفزه هدوءها المبالغ فيه حتى أنها لا تحاول الدفاع عن نفسها لعل ضجره منها يهدأ قليلاً.
صاح بصوت جهوري:
متفضليش ساكتة كده قولي إيه اللي وداكي هناك من غير ما تقوليلي.
هتفضلي لغاية امتي كدا عديمة مسئولية ومش بتفكري في نتائج اللي بتعمليه. أنا بعمل كل حاجة عشان اخليكي في أمان ومفيش حاجة تأذيكي، وإنتي اللي برجليكي بتروحي للأذى.
اجهشت في بكاء عنيف وقالت بصوت مرتجف ومبحوح:
_ كفاية يا كرم، من فضلك.
سكت تمامًا وأطال النظر في وجهها الغارق في الدموع، فكاد أن يخر مستسلمًا أمامها ويعتذر منها، ولكن يجب عليها أن تعرف خطأها جيدًا حتى لا تكرره مرة أخرى، وسيتوجب عليه أن يكون أكثر صلابة أمام قلبه الذي ينخ لها من مجرد كلمة أو ابتسامة أو حتى لمسة.
أتاها صوته الغليظ وهو يقول بنبرة لينة قليلًا:
_ أنا كل اللي عايزك تفهميه هو خوفي عليكي، وإنتي عارفة أنا بخاف من أن شعرة واحدة بس منك تتأذي، وفاهمة إن عصبيتي أحيانًا مش بأيدي، فارجوكي يا شفق اللي أقوله يتنفذ ومتكسريش كلمتي تاني، مش عشان حاجة، ده عشان مصلحتك، لأن أنا مش همنعك من حاجة إلا وأنا عارف أنها ممكن تأذيكي. كفاية عياط، روحي اغسلي وشك، وحقك عليا، مقصدش أزعلك كدا.
رفعت نظرها له أخيرًا وطالعته بدموعها السابحة في عيناها مطولًا، ثم استدارت ورحلت لتتركه يتأفف ويمسح على وجهه بزفير حار. هو شخصيًا أصبح يتضايق من انفعاله المستمر على أقل وأتفه الأشياء. هو ليس برجل من هذا النوع. ماذا يحدث له لا يفهم؟ أهل هذا بسبب المشاكل التي تلاحقهم دومًا وتجعله دائم الخوف والقلق بشأن زوجته؟ فتجعل منه سريع التحول والانفعال! أم ماذا؟ أي كان السبب، فهو لا يعجبه هذا الوضع ويجب عليه أن يجد حلًا سريعًا له.
***
في مساء ذلك اليوم.
اتجهت هدى إلى الباب بعد أن سمعت صوت رنينه. مسكت المقبض وأدارته ثم جذبت الباب إليها لتقابل "زين" بوجهها. ابتسمت بحنو وسعادة، فانحنى هو ناحيتها وعانقها بدفء متمتمًا:
_ عاملة إيه يا ست الكل، وحشاني.
نكزته في كتفه بتذمر مصطنع من ابتسامة محبة:
_ وحشاك إيه بس يا كذاب، هو أنت فاكر حد أساسًا في الفسحة اللي أخدتها مع مراتك.
دخل ونزع حذائه عنه مغمغمًا بمزاح وهو يضحك:
_ يبقى ظلماني كدا يادودو، أخبار تيتا إيه؟
_ كويسة الحمدلله، طلعت يدوب من ربع ساعة تنام.
دار بنظره في أرجاء المنزل متمتمًا:
_ أمال رفيف فين؟
_ في أوضتها فوق، إنت عايزها في حاجة ولا إيه؟
_ آه، اندهي عليها عشان عايز أتكلم معاكم في موضوع كدا.
عقدت حاجبيها باستغراب تجيبه بحيرة:
_ خير، موضوع إيه ده يا حبيبي؟
_ خير إن شاء الله.
فعلت كما طلب وذهبت لتخبرها بمجيء أخيها وأنه يريد التحدث معها. فخرجت رفيف خلف أمها فورًا ورحبت بأخيها وهو كذلك. ثم جلست بجواره على المقعد. ليأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يبدأ حديثه بجدية تامة:
_ إسلام اتكلم معايا النهاردة وطلب إيد رفيف مني.
الدهشة الأكبر كانت من نصيب هدى التي نقلت نظرها بين ابنتها وبينه باندهاش. أما رفيف فلم يصبها من الصدمة بقدر والدتها، وكان الأمر مفرحًا بالنسبة لها. تصنعت الذهول أمام أخيها وكأنها لا تعرف بشيء وأخفت سعادتها.
زين بنبرة رزينة:
_ إيه رأيك يا ماما؟
هدى بابتسامة عذبة:
_ والله يا حبيبي، أنا على قد ما اندهشت بس فرحت. يعني إسلام أنا عارفاه كويس أوي وما شاء الله عليه راجل ومحترم. الرأي في الأول والآخر لاختك، سواء موافقة أو رافضة.
انتقل بنظره إلى شقيقته التي كانت شبه خجلة وتتابعهم بصمت، ثم غمغم بحنو:
_ صلي استخارة يا حبيبتي وفكري وردي عليا. ولا إنتي مش موافقة أصلًا من البداية؟
هزت رأسها بالنفي وتمتمت بحياء بسيط:
_ هفكر وأستخير ربنا يا زين وأقولك قراري إن شاء الله.
ملس على كفها بلطف وهو يبتسم مهمهمًا:
_ إن شاء الله.
***
اتجهت يسر إلى الباب بعد أن سمعت صوت رنين الجرس. مسكت المقبض ووقفت لثواني قصيرة تبتسم بخبث، ثم أخفت ابتسامتها بسرعة وفتحت الباب لتنظر له بسكون قبل أن يتحدث هو بريبة:
_ في إيه يا يسر؟ إنتي كويسة؟
اماءت بالإيجاب وتجيبه زامة شفتيها للأمام:
_ إنت شايف إيه؟
_ أمال ليه اتصلتي بيا وبتقوليلي اطلعلي فوق بسرعة؟
استندت بكتفها على جانب الباب وقالت مبتسمة في برود مقصود وبنظرات ملتذذة:
_ أصل أنا جعانة واكتشفت أن الأكلة اللي هعملها في مكونات ناقصة، وكنت عايزاك تروح تجيبهم ليا.
رفع حاجبه مستنكرًا طلبها منه في هذا الوقت المتأخر:
_ دلوقتي!
اماءت برأسها وقد اتسعت ابتسامتها ولكنها أخفتها تدريجيًا واعتدلت في وقفتها وهي تقول باستياء مزيف:
_ آه دلوقتي، بس لو مش عايز خلاص مفيش مشكلة.
همت بالاستدارة فقبض على ذراعها يستوقفها هاتفًا:
_ خدي هنا، استني، هو أنا قولت حاجة. قولي إيه اللي عايزاه يلا.
عادت ابتسامتها لشفتيها حيث اجابته باسمة وهي تملي عليه طلباتها التي تريدها.
لم تكن تريد شيئًا، فكل شيء موجود لديها، فقط فعلت ذلك كيدًا فيه ولتستمتع! ظلت بانتظاره لدقائق طويلة حتى عاد وحمل الطلبات ووضعها في المطبخ، فقالت بخفوت:
_ شكرًا.
ثم بدأت في إخراج الطعام وبدأت في تحضير وجبة عشائها. فرأته يقترب ليقف بجوارها ويهمس برقة تليق بصوته الرجولي:
_ مش محتاجة مساعدة؟
هزت رأسها بالنفي وقالت في كامل الهدوء وهي مثبتة نظرها على الذي تفعله:
_ لا شكرًا يا حسن، امشي إنت خلاص.
ضيق عيناه بتعجب واجابها بمرح وأعين تنضج بالعشق:
_ امشي! طيب اعزمي عليا حتى وقوليلي اقعد اتعشى معايا يا حبيبي. أي حاجة. بقى بزمتك مصعبتش عليكي من يوم ما جيت هنا وأنا نص أكلي من برا. ده أنا حتى وحشني الأكل الحلو من إيدك يا حلو إنت.
لم يسعدها كلامه هذه المرة، بل ظهر العبوس على محياها عندما عكرت صفوها ذكرى سيئة من ذكرياتهم. فابتسمت بمرارة وقالت مستنكرة آخر جملة:
_ وحشك! ليه مش على أساس أنا مبعرفش أعمل أكل وأنه قرف لدرجة إنك رميته في الزبالة؟ فاكر ولا نسيت!
لم تنسَ أي موقف جرحها فيه. هي كانت تتناسى جميع مواقفه، لكن بعدما ساءت علاقتهم لم تتمكن من التظاهر بالتناسي، وكلما ترغب بمسامحته تتذكر أحد مواقفه القاسية معها، فينمو بداخلها شعور الخوف من أن تعطيه الفرصة فتعود معاناتها من جديد. والآن فقط هو فهم لماذا لا تسامحه بسهولة!
اجفل نظره بخزي من نفسه وتمتم معتذرًا بصدق وضيق:
_ أنا آسف. عارف إني جرحتك كتير وكنت متخلف، بس حقيقي أنا ندمان على كل حاجة قولتها وعملتها.
بذلت أقصى مجهود في أن تتحكم في دموعها، لكن انسابت على وجنتيها بحرقة وهي تأبى النظر له حتى لا يراهم بوضوح. شعرت به يلف ذراعه حول كتفها ويضمها لصدره، وباليد الأخرى مسك بكفها يرفعه لشفتيه ويلثمه بعدة قبلات ناعمة هامسًا بعاطفة جياشة وحب:
_ أنا طلبت منك فرصة تاني عشان نبدأ من جديد وفي صفحة جديدة تمامًا. وأوعدك إني هخليكي تنسي كل حاجة وحشة ومش هتفتكري غير ذكرياتنا الحلوة مع بعض.
تسمح له بلمسها لأول مرة منذ انفصالهم. اغمضت عيناها براحة وسكينة وهي تشعر بدفء أحضانه. اشتاقت له أكثر مما يتخيل حتى. الآن فقط أحست بأن روحها التائهة قد سكنت في جسدها ووجدت مستقرها. ودت لو تبقى بين ذراعيه وهو يحتضنها هكذا للأبد لكي تعوض أيام فراقها عنه. لكن سحبت نفسها منه بهدوء وجففت دموعها متمتمة دون أن تنظر له:
_ خلاص روح إنت، وأنا لما أخلص الأكل هنزلك منه.
"فيما كنت أتحدث وبماذا تجيبين أنت؟" قالها لنفسه مستنكرًا بضحك ثم هتف برفض وبمداعبة غامزًا:
_ تؤتؤ، مش همشي أنا عايز أساعدك ياستي، إنتي مالك الله.
_ لا متساعدنيش.
ضحك وهتف بكامل اللطافة:
_ خلاص هقف أتفرج عليكي.
زفرت بنفاذ صبر وقالت بجدية:
_ قدامك حلين، يا تنزل الشقة تحت، يا تطلع وتنساني برا لغاية ما أخلص. لكن متقفش معايا في المطبخ عشان مش برتاح.
ابتسم ببساطة عندما فهم سبب رفضها لوجوده معها الذي سيوترها، فغمغم باستسلام:
_ طيب هطلع أتفرج على التلفزيون في الصالة برا.
ثم استدار وانصرف، فتنهدت هي بقوة ولاحت على ثغرها ابتسامة مغرمة ومستكينة.
***
ترجل من سيارته وقاد خطواته نحو المنزل، ومن ثم صعد الدرج متجهًا إلى غرفته. فتح الباب ودخل فرآها تجلس على الفراش بصمت وبيدها هاتفها تعبث به وتتصفح أحد مواقع التواصل الاجتماعي. أصدر تنهيدة قوية ثم أغلق الباب ونزع عنه سترته هاتفًا:
_ جيتي إمتى؟
اجابته باقتضاب دون أن تنظر له:
_ بعد العصر.
جلس على حافة الفراش بجانبها وبدأ في نزع حذائه عنه متمتمًا بهدوء تام وكأن كل شيء لم يكن:
_ قاعدة صاحية ليه؟ مش المفروض إن بكرة أول يوم كلية ليكي.
رغم كل ما حدث ويتصرف بطبيعية ويلقي عليها الأوامر أيضًا بدلًا من أن يعتذر منها، أنه لم يصدقها وجرحها بموافقته على ما طلبته الجدة في فحصها عند طبيب ليتأكدوا من عذريتها!
هدرت بسخط وعنادًا به لكي تغضبه:
_ لا، ما أنا قررت إني مش هروح الكلية لإني هرجع ألمانيا وهكمل هناك في كليتي، وده طبعًا بعد ما نتطلق.
نجحت بجملتين فقط في إثارة غضبه كما كانت تريد، حيث التفت برأسه نحوها وقال بغلظة وحدة:
_ قولنا قبل كده مليون مرة موضوع ألمانيا ده تنسيه تمامًا. مفيش رجوع هناك حتى لو حصل واطلقنا.
ميار بكل برود أعصاب وعدم اكتراث لما يخرج ما شفتيها:
_ وأنا بكرهكم، مش عايزة أعيش معاكم. وحقيقي أنت خلتني أندم إني حسيتك مختلف عنهم وهتقف معايا وهتدافع عني وهتصدقني، بس طلعت زيهم. مفيش حد عنده استعداد يجي على نفسه شوية ويصدقني. أنا مصدمتش في نينا النهاردة قد ما اتصدمت فيك.
أنا عارفة إنك مش عايزاني وعايز تطلقني ومش بتحبني بس كنت متخيلة إنك صدقتني وطلعت غلطانة للأسف.
أطرق رأسه أرضًا بوجه بائس لتهتف هي بصوت مبحوح:
_ ما تتكلم ساكت ليه؟
أخذ نفسًا عميقًا ثم هتف بأسى:
_ لما تيتا قالتلي كدا أنا مقدرتش ارفض يا ميار.. كان لازم اوافق عشان اقضي على أي ذرة شك جوايا حتى لو أنا مصدقك ففي صوت جوايا بيفضل يشككني فيكي. فوافقت عشان اثبت لنفسي إنك على حق.. وعشان أنا كمان مش عايز يفضل الشك ده جوايا وعايز نكمل في علاقتنا بطريقة أفضل واحلى.
قالت باستهزاء وهي تبتسم بحزن:
_ ليه وهو إنت عايز نكمل مع بعض؟
لم تجد رد منه سوى الصمت فاتسعت ابتسامتها وأجابت بجفاء:
_ طيب أي كان ردك سواء بأيوة أو لا.. أنا مش عايزة أكمل ياعلاء وحتى مشاعري اللي كانت تجاهك مش عايزاها.
صدمته بجملتها الأخيرة حيث ضيق عيناه مدهوشًا وهتف بترقب لردها:
_ مشاعرك تجاهي؟
أدركت السذاجة التي تفوهت بها فلعنت نفسها الحمقاء ألف مرة وحاولت التهرب من سؤاله بقولها:
_ تصبح على خير.
مدت يدها على الغطاء وهمت بسحبه علي جسدها لكي تتمدد وتخلد للنوم كوسيلة للهرب منه ولكنه قبض على رسغها هاتفًا بفضول:
_ قصدك إيه ياميار؟ وياترى المشاعر دي كانت كره ولا حاجة تاني؟
انفعلت ودفعت يده هاتفة بخنق:
_ مش قصدي حاجة ياعلاء.. أنا عايزة انام ممكن؟
تمددت على الفراش وولته ظهرها فبقى هو بنفس وضعيته يحملق بها بشرود للحظات يفكر فيما قالتها. ثم وقف واتجه للحمام لكي يبدل ملابسه بعدما لم يصل لإجابة على حيرته!
***
انتهت من تحضير كوب القهوة الخاصة به. لم يطلبها ولكنها فعلتها كاعتذار بسيط ولكي تجد سبب لتتحدث معه. فهو منذ الصباح لا ينظر بوجهها ولا يتكلم معها ولم يعطيها مجرد ابتسامة رقيقة حتى! هي مخطئة ومعترفة بخطأها وأيضًا تضايقت من طريقته العنيفة وانفعاله عليها. وبنفس ذات اللحظة تقول لنفسها أنه على حق فبالتأكيد قلق عليها وهي تعرف أنه لا يغضب هكذا إلا عندما يكون الأمر يخص سلامتها وخوفه عليها. لم تعد تعرف أتعذر له مباشرة أم تنتظر حتى يهدأ غضبه منها وستعود المياه لمجراها!
وصلت أمام باب مكتبه وفتحته ببطء شديد ثم دخلت واقتربت منه لتضع الكوب على سطح المكتب أمامه. رفع نظره لها وقال بجفاء غير متوقع منه:
_ أنا مطلبتش منك قهوة!
لوت فمها بيأس ثم التقطت الكوب مجددًا وهي تهتف بنبرة قوية:
_ آسفة.
سارت باتجاه الباب وبينما هي في طريقها لتنصرف.. انزلقت قدمها عن غير قصد وسكبت القهوة عليها فتركت الكوب من يدها ليقع على الأرض ويتناثر لأجزاء وتصدر هي تأوهات متألمة بشدة. هب واقفًا مذعورًا وهرول إليها يمسك بيدها المحروقة وملابسها التي تلطخت بالقهوة فيهتف بزعر:
_ مش تاخدي بالك ياحبيبتي.. وريني إيدك.
رفع يديها ينظر إليهم فيرى أحمرار شديد وهي تتألم بشدة فهتف بقلق:
_ تعالي غيري هدومك بسرعة وهحطلك مرهم للحروق.
سارت معه حتى وصلا للغرفة وبحث هو بالادراج عن المرهم حتى عثر عليه واخرجه ثم اقترب منها وتمتم:
_ تعالى هحطلك منه.
التقطته من يده وهدرت بحزم بسيط وضيق ملحوظ في نبرة صوتها ونظرتها:
_ خلاص ياكرم روح أنا هغير هدومي واحطه.
_ هساعدك مش هتعرفي تغير هدومك وإيدك كدا.
_ لا هعرف متقلقش روح كمل شغلك.
لم يعيرها اهتمام واتجه إلى الخزانة ليخرج منها ملابس لها ثم عاد ومد يده لبلوزتها يفك ازارها فابعدت يده هاتفة باستياء بسيط:
_ بتعمل إيه.. قولتلك هغير أنا و....
توقفت عندما لمست يدها يده فألمتها أكثر ومسكت بها تصدر أنينًا متوجعًا. لوى فمه باستنكار وكأنه يقول "لقد اخبرتك!".
شفق بخفوت وهي تجذب من يده البلوزة:
_ هات أنا هغير.
ولته ظهرها وأكملت فك الازار ونزعت ذراع البلوزة بحرص شديد حتى لا يؤلمها ولم يستمع لها رغم كل هذا حيث مسك بالملابس النضيفة وساعدها على ارتدائها ومن ثم اجلسها على الفراش وبدأ بوضع المرهم على الجزء المحترق في يدها. فنسابت دموعها على وجنتيها بغزارة ليس بقدر تألمها ولكن بقدر حزنها من جفائه. انتبه لها بعدما انتهى فعبس وجهه وهم بأن يتحدث فجففت هي دموعها فورًا وقالت بصوت مبحوح:
_ ايدي بتألمني أوي عشان كدا عيطت.. أنا هنام تصبح على خير.
تمددت على الفراش بعد أن ارتدت قفازات على يدها موضع المرهم والحرق. تنهد هو بعدم حيلة فقد فشل في الصمود أمام دموعها ولم يسمح له قلبه بأن يتركها تنام الليلة وهي تبكي. مدد نصف جسده بجوارها وانحنى عليها من الخلف يطبع قبلة على وجنتها هامسًا بحنو:
_ معاش ولا كان اللي يخلي أميرتي تعيط.. متزعليش ياروحي أنا اتعصبت عليكي لأنك فعلًا غلطانة ومكنش ينفع تكسري كلمتي صح ولا لا. ورغم إنك غلطانة هتنازل واقولك صافي يالبن بس بشرط إنك تصالحيني.
التفتت له برأسها وقالت بعدم فهم:
_ اعتذرلك يعني؟
قال باسمًا بلؤم وهو يغمز لها:
_ تؤتؤ الاعتذار ده كلام أنا عايز أفعال.
فهمت مبتغاه المنحرف فتنهدت مغلوبة على أمرها واعتدلت في نومتها لتقترب وتطبع قبلة عميقة على وجنته هامسة برقة وحب:
_ أنا آسفة اوعدك مش هتتكرر تاني.
أبدى عن رفضه لطريقه مصالحتها له حيث قال بضيق:
_ لا مش بتصالح بدي أنا.
_ امال بتتصالح بإيه؟
وجدته يقترب منها فتراجعت برأسها للخلف هاتفة بحيرة:
_ هتعمل إيه؟
كرم بابتسامة عريضة:
_ هوريكي بتصالح إزاي عشان تصالحيني بيها.
هزت رأسها بالنفي متمتمة بضحك:
_ لا مش عايزة اشوف خلاص بكرا هبقى اصالحك.
قوس وجهه محتقنًا وهتف:
_ بكرا إيه هو النهردا يا بلاش.. هاا تختاري إيه؟
عادت تتمدد على الفراش مجددًا مغمغمة بابتسامة خجلة:
_ يبقى بلاش احسن.
اغتاظ بشدة فمد يده واطفأ الضوء وتشدق بوعيد حقيقي:
_ شكلك كدا مش هتاجي بالذوق.
انطلقت منها ضحكة مرتفعة من بينها هتفت باسمه عندما اغار عليها ينل منها ما رفضت اعطائه ولكن على طريقته الخاصة!
***
ملاذ بنبرة مرحة ومعاتبة أيضًا:
_ بقى كل ده يحصل ومحدش يقولي.. ماشي يا إسلام.
_ ما أنا قولتلك أهو.. أنا كنت بس منتظر لغاية ما أكون متأكد وافاتح زين بالموضوع الأول وأهو كلمته.
تصنعت الضيق والضجر وهي تجيبه:
_ إيه يعني قصدك إني كنت هقول لزين مثلًا؟
إسلام ضاحكًا بمشاكسة:
_ ده أكيد أنا عارف كدا.. من فرحتك مش هتقدري تمسكي لسانك فعشان كدا قولت لماما متقولكيش إلا لما اكلم زين.
قهقهت بقوة ثم أجابته برزانة وبعض الجدية:
_ ده أنا طايرة من الفرحة.. واطمن أنا واثقة إن رفيف هتوافق إن شاء الله ياحبيبي.
_ إن شاء الله.
خرج زين من الغرفة ونظر لها باستفهام عندما سمعها تهتف بـ "حبيبي". فهمست دون أن يصل الصوت لمسمع أخيها:
_ إسلام.
أومأ بتفهم واقترب ليجلس بجانبها بينما إسلام فسمعته يهتف بنبرة عادية:
_ أنا هقفل بقى يازوزا عشان اروح انام معايا شغل الصبح بدري.
_ ماشي ياحبيبي تصبح على خير وابقى سلملي على بابا وماما.
انزلت الهاتف من على أذنها بعدما انهت اتصالها مع أخيها. والتفتت للجالس بجوارها تقول بحماس:
_ إنت شوفت رأى رفيف ولا لسا؟
زين بخفوت:
_ كلمتها هتصلي استخارة وترد عليا بقرارها.
ملاذ بعذوبة وفرحة غامرة:
_ خير إن شاء الله.. فرحانة جدًا والله بالخبر ده.
لم ينتبه لحديثها فقد كان عقله مشغولًا بشيء آخر.. يشعر بنفسه كأنه تائه في وسط غاب ولا يدري أهو بأولها أو آخرها أو منتصفها. لا يعرف حتى إيه طريق النجاة!
تعجبت من شروده وسكوته الغريب فاقتربت منه أكثر هامسة بريبة ونظرات تحمل الحيرة:
_ زين! مالك إنت من وقت مارجعنا من الرياض وحاسة إن في حاجة مضايقاك ودايمًا ساكت وسرحان كدا؟ احكيلي ياحبيبي.
نظر لها وغمغم بابتسامة منطفئة:
_ مفيش حاجة مهمة ياحبيبتي.. مشاكل الشغل العادية.
استندت بكلتا كفيها على كتفه وهمست بدلال أنوثة ورقة:
_ طيب ولسا برضوا مش عايزني اروح لدكتورة؟
تنهد الصعداء بصوت مسموع وتمتم بكامل اللطف:
_ احنا مش اتكلمنا في الموضوع ده ياملاذ وقولتلك سيبه براحته وقت ما ربنا يريد هيتم.
انتصبت في جلستها وابتعدت قدر سنتيمترات عنه متمتمة في نعومة امتزجت ببعض الجدية:
_ بس أنا مش مطمنة وخايفة يكون في مشكلة فعايزة اروح اطمن مش اكتر.
لن تفهمه ولن يستطيع شرح موقفه لها. وسيظل وضعهم هكذا هي تريد وهو لا يتمكن من اخبارها. حتمًا لابد من وجود حل لهذه المعضلة قبل أن يصلا لمفترق طرق مغلق!
هب واقفًا وقال شبه مختنقًا:
_ اعملي اللي تعمليه ياملاذ مش فارقة.
تابعته وهو يرحل شبه منذهلة من ردة فعله المعاكسة والعجيبة. ماذا يقصد بافعلي ما تريدين؟ كأن الطفل الذي ترغب في انجابه سيكوت طفلها بمفردها وليس طفلهم معًا! ألا يريد هو أيضًا طفل؟ باتت لا تفهم تصرفاته الغريبة ولكنها بدأت تغضبها وتسأم منها!
***
دخل كرم في غرفة مكتبه الخاصة واغلق الباب خلفه لكي يستطيع التحدث براحة أكثر بعيدًا عن آذان زوجته! أجاب على هاتفه وتحدث بنبرة عادية:
_ أيوة ياحسن.
_ هااا اديني اتصلت بيك ممكن بقى تفهمني إيه اللي بيحصل؟
غمغم كرم بصوت رجولي أجش:
_ اللي بيحصل إن كمال الحسيني حطلي حشيش في العربية عشان يلبسني تهمة وادخل السجن بس من ستر ربنا إن الموضوع عدى على خير ومحصلش حاجة.
انطلقت من حسن ضحكة متغطرسة وهو يهتف:
_ حشيش مرة واحدة!
ده طبعاً بسبب شفق
بظبط ومن الآخر كدا الراجل ده مش هيتهد إلا لما ودنه تتقرص كويس أوي وعشان عقلهم ميوزهمش بس إنهم يقربوا من مراتي
حسن بنبرة غليظة وحادة:
شكلهم محرموش من أيام سيف.. ماعلينا طالما الموضوع كدا هبقى اعمل اللي اتفقنا عليه واكلمك بس بلاش تدخل معاهم في مشاكل دلوقتي خالص ياكرم لغاية ما اخلص كل حاجة
هدر الآخر بنظرات شيطانية:
متقلقش هتسلى عليهم بس بشويش
ضحك بخفة وأجابه مازحاً:
يلا ربنا يرحمهم بقى بما إنك ناويت عليهم
بعد مرور ثلاث أيام.........
خرجت رفيف من غرفتها عندما رأت مجيء أخيها من الشرفة.. حسمت قرارها وستخبر أخيها عنه!
وقفت على آخر الدرج تنظر لهم كانوا يتبادلون الأحدايث بمرح ككل من الجدة وهدى وزين! تحركت بخطواتها تجاههم ورحبت بأخيها ثم جلست على أحد المقاعد تنضم لهم.. تأخذ نفساً عميقاً قبل أن تبدأ في حديث الذي كان كالآتي:
زين أنا صليت استخارة الحمدلله وفكرت كويس و.....
توقفت عن الكلام ودارت بنظرها بينهم جميعاً فرأت علامات الاستفهام تعلو محياهم
تحدث زين بصلابة:
وموافقة ولا لا؟
رواية ضروب العشق الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ندى محمود توفيق
ابتسمت بخجل وهي تشير له بالموافقة، وقالت هامسة:
موافقة.
ثبت زين نظره عليها وهو يبتسم بطريقة عجيبة، وكأنه كان يعرف بأنها ستوافق. أما أمها فعانقتها مغمغمة بفرحة بالغة:
مبروك يا حبيبتي.
تحدثت الجدة ضاحكة:
البيت هيفضل علينا بس ياهدى قريب.
مسكت هدى بكف الجدة وهي تقول مازحة:
وماله أهو هنسلى بعض ياماما.. دول حتى كانوا دايماً معلين الضغط عليا.
انفجر كل من رفيف وزين ضاحكين، وهمست رفيف محدثة أخيها مستنكرة ما قالته أمها:
شايف بتكذب عيني عيني قدامنا.. امال مين يادودو اللي أول مامشيوا ولادك فضلت تعيط وتقول البيت فضى علينا واخواتك هيوحشوني.
نكزتها هدى في كتفها ومالت عليها تهمس بمرح ومشاكسة:
بناكل عيش قدام جدتك يابت.
ازداد ضحكها وهي تقول ضاحكة:
آه بتثبتي تيتا يعني.
شاركتهم الجدة في الضحك وقالت بحدة مزيفة:
محدش له دعوة ببنتي تقول اللي هي عايزاه.. يلا قومي روحي شوفيلك حاجة تعمليها وإنت كمان قوم روح لمراتك خليني اكمل كلامي مع امكم.
زين بضحك بسيط:
تسلمي ياست الكل على الطرد المحترم ده.
تبادلوا الضحك جميعهم في جلسة عائلية لطيفة دامت لدقائق قصيرة، مابين المرح والجدية والضيق على أمور أخرى.
***
داخل شركة طاهر العمايري بأمريكا.
كانت تجلس على مقعدها أمام المكتب وتتابع أعمالها، فسمعت صوت طرق الباب لتهتف سامحة للطارق بالدخول. فتح راسل الباب ودخل ثم أغلقه خلفه واقترب منها ليجلس على المقعد المقابل لها متمتماً:
عاملة إيه يايسر؟
رفعت نظرها له وقالت بعذوبة وابتسامة عريضة:
إيه يا راجل عاش من شافك.. ليك تلات أيام مش بتيجي!! إيه اللي حصل؟
هتف بصوت مختنق:
كنت مخنوق شوية ومحتاج اقعد وحدي.. فاخدت اجازة كام يوم. قوليلي إيه اخبار الشغل في غيابي؟
يسر بتلقائية تماماً:
زي الفل كل تمام وحسن كمان موجود وكان بيساعد معايا كتير.
عبس وجهه أكثر عند سماعه لاسم "حسن"، فغمغم بنبرة شبه ساخرة ومنزعجة:
إيه انتي خلاص قررتي هترجعيله بعد كل اللي عمله؟
تنهدت الصعداء بيأس وهدرت بعدم حيلة:
حاولت ياراسل اتجاهل صوت قلبي بس مقدرتش.. وحاسة بجد إنه ندمان وعايز يصلح اللي حصل بينا.. والصراحة أنا أول مرة في حياتي اشوف حسن بالمنظر ده.. وده خلاني اصدق أنه اتغير فعلاً.
أخفى ابتسامة مريرة ودت بالخروج على شفتيه وهتف بنبرة قوية:
قولتي ليه إنك لسا حامل ولا لسا؟
هزت رأسها بالنفي في ضيق وخرج صوتها نادماً:
لا.. بس أكيد هقوله.. هو فكرة إني على اخبي الكل دي كانت غلط من البداية.. لأن مهما حاولت اخبي في الآخر برضوا الموضوع هيتكشف.. وأنا حالياً بفكر إزاي هقول لباب وماما وعلاء والكل إني مسقطتش زي ما هما فاهمين.
قوليلهم وأنا واثق إن عمي وخالتي هيفهموا وضعك حتى لو اتضايقوا منك بس هيفهموا بعدين.. بس الأهم إنك تكوني متأكدة من قرارك عشان متندميش للمرة التانية بعدين.
يسر بثقة تامة وابتسامة خافتة:
اطمن المرة دي مختلفة معتقدش إني هندم.. أنا حساك مضايق؟
بالطبع منزعج.. ولكن كيف يخبرها بأنه معجب بها بشدة وكان يود عدم تراجعها في قرارها وأن تتم اجراءات طلاقهم تماماً لتحين هو فرصته ويعرض عليها الزواج!
راسل بسخط:
لازم اضايق يايسر أنا من وقت ما قولتيلي وأنا حايش نفسي عنه بالعافية.. رغم إن إنتي اللي غلطانة من البداية ومكنش ينفع توافقي تتجوزيه أصلاً وخايف عليكي دلوقتي منه أنه يكسرك تاني.. بس طالما إنتي متأكدة من قرارك خلاص.
حدقته بأعين دافئة ومحبة لتهتف بمشاعر نقية:
متقلقش عليا وحسن مش وحش بالمنظر اللي انت متخيله بيه ده.. هو يمكن حيوان وغبي وحاجات كتير جداً بس صدقني هو من جواه كويس أوي وأنا واثقة من ده.. عرفت بقى ليه إنا ليه مكنتش عايزة احكيلك عشان كدا بس انت اللي اصريت لما بدأت تشك في الموضوع.. بس حقيقي ياراسل أنا مش عارفة اشكرك إزاي على وقفتك معايا ربنا يعلم إني بعزك وبحبك زي علاء بالظبط.. ربنا يخليك ليا.
تجاهل آخر جملها حتى لا ينزعج أكثر وتمتم بنبرة جادة:
طيب أنا بكرا نازل مصر هاخد فترة هناك وهقف مع عمي طاهر في الشركة لأنه محتاجني هو وعلاء.
يسر بابتسامة صافية وناعمة:
توصل بالسلامة يارب.
أمين.. أنا همشي بقى عشان في كام حاجة ورايا عايز اخلصها.
هزت رأسها بالموافقة له وهي لا تزال تحتفظ بابتسامتها اللطيفة.. فوقف هو وسار باتجاه الباب ولكن قبل أن يخرج فتح حسن الباب وتسمر بأرضه.. فاخذت معالم وجهه معالم صارمة ومشتعلة وهو يتطلع به.. أما راسل فقد اقترب منه وانحنى على أذنه يهتف بوعيد حقيقي:
احمد ربك إنها ادتك فرصة وانت متستهلهاش أساساً.. بس أعمل حسابك إنك لو عملتلها أي حاجة أو جرحتها هتلاقيني أنا في وشك ياحسن.
رمقه حسن بأعين نارية ومميتة لا تبشر بالخير مطلقاً.. لاحظت يسر ذلك وخشت من أن يقع شجار بينهم.. فهرولت باتجاه زوجها الذي كور قبضة يده بعنف ووضعت كفها الرقيق على يده كوسيلة لتهدئته وأعطت لراسل ابتسامة واسعة تودعه بها عندما ألقى نظرة أخيرة عليها قبل أن ينصرف.
نظر حسن على يدها الممسكة بكفه بعد رحيله.. فنزعتها فوراً وانتصبت في وقفتها.. خرج صوته الرجولي الغليظ وهو يهتف بغضب:
بيقول إيه ده؟
يسر بنبرة شبه عادية:
ولا حاجة ما انت عارف إن راسل مش بيحبك.
صاح منفعلًا:
عرف إزاي باللي حصل بينا يايسر؟
لم يخفها صياحه مطلقاً بل أزعجها حيث قالت بكل ثبات:
أنا حكيتله.
نعم!!! ازاي يعني حكتيله؟
يسر ببرود تام وعدم مبالاة باستيائه:
حكيته ياحسن.. هو شك وأصر إني اقوله فحكيتله وراسل أنا بثق فيه وعمره ماهيتكلم ولا هيقول حاجة.. بعدين انت مضايق ليه فيها يعني لما اقوله.
حسن بصياح جهوري:
فيها كتير ياهانم بصفته إيه ده عشان تحكيله على مشاكلنا واسرارنا.
طفح كيلها.. فانفعلت هي الأخرى وصرخت به بعصبية:
متزعقليش فاهم ولا لا.
ثم اندفعت إلى خارج الغرفة تماماً.. وتركته يشتعل من الغيظ!
***
عبرت سيارته بوابة المنزل وكان يتحدث في الهاتف مبتسماً بتشفي:
أيوة هو ده الشغل.. تعجبني كدا ياسامح.. تعالى بكرا في الشركة عشان نتكلم على راحتنا اكتر.
سامح ضاحكاً بشيطانية:
ده مش بعيد تجيله سكتة قلبية لما يعرف اننا اخدنا منه الصفقة دي.
كرم بنبرة تحمل الوعيد:
عشان يعرف أن كرم العمايري ميتلعبش بالنار معاه.
نتقابل بكرا بقى يادنجوان.. سلام.
أنهى معه الاتصال وأوقف السيارة بمكانها المخصص في الحديق ونزل منها وعلى ثغره لا تزال ابتسامة ماكرة تزين ملامحه.. تمتم لنفسه متوعداً بنارية "هو لسه شاف حاجة مني!".
قاد خطواته باتجاه الباب ثم وضع المفتاح في القفل وفتحه ليدخل ويغلقه خلفه.. لم يكن بالمنزل سوى صوت التلفاز.. فسار ناحية غرفته وصاح منادياً عليها عندما لم يجدها:
شفق إنتي فين؟
أحس بكفيها على كتفه من الخلف.. فالتفت بجسده كاملاً لها.. وأمعن النظر بها بتدقيق.. ترتدي بلوزة بحمالات من اللون الأسود واسفلها بنطال قصير من نفس اللون.. وتركت العنان لشعرها الأسود الحريري.. هو لا يزال عند رأيه بأنها تملك جسد أنوثي صارخ يجعله لا يتمكن من مقاومتها.. ارتفعت على شفتيه ابتسامة خبيثة وهو يتطلع إليها بجراءة.. وجدها تلف كلتا ذراعيها حول رقبته وتقف بمياعة مع نبرة صوت بها غنج أنوثي ودلال مغري:
عايزة طلب صغنن أوي من الكوكو بتاعي.
ضحك بخفة وأجابها بمداعبة:
آه طاب ما تقولي كدا من الأول ولا هو لازم الدخلة دي.
أنزلت يد من حول رقبته وجعلت تعبث باناملها في قميصه وتهمس برقة مثيرة:
أنا زهقانة وعايزة اخرج النهاردة ومتقوليش معاك شغل لأن الشغل مش أهم مني صح.
انحنى برأسه ناحيتها يخطف قبلة ناعمة من جانب ثغرها متمتماً بحب:
مفيش حاجة أهم منك بالنسبالي ياحبيبتي.. ومقدرش ارفضلك طلب أساساً.. هاخدك ونطلع بالليل إن شاء الله بس بعدين هنروح عند ماما عشان كلمتني وقالتلي نروح نقعد يومين معاهم.
وثبت بفرحة غامرة وعانقته بحميمية ثم قبلته من وجنته هاتفة بسعادة طفولية:
ربنا يخليكي ليا ياكوكو وميحرمنيش منك ولا من حنيتك عليا.
أشار إلى وجنته الأخرى هامساً بلؤم:
واحدة هنا كمان.
فعلت بدون تفكير وطبعت قبلة قوية وعاطفية.. فضحك هو وأخذ حصته.. حيث قبلها من جبهتها بحنو ثم ابتعد عنها واتجه للحمام.
***
تابعه من داخل السيارة وهي تسير ناحيته.. كانت غائصة في الملابس الفضفاضة والمحتشمة التي اختارها هو بنفسه.. الآن هو لا ينكر أنها أعجبته بشدة في مظهرها الجديد هذا!
وصلت إليه واستقلت بجواره وهي تلوى فمها باقتضاب.. تجاهل قسماتها الغريبة وقال بهدوء ورفق:
إيه أخبار أول يوم؟
ميار بسخرية ونبرة محتقنة:
فظيع بشكل مش قادرة اوصفلك كنت مبسوطة إزاي.. هو مش باين عليا ولا إيه؟
تمالك نفسه بصعوبة وأجابها بضحكة مكتومة:
لا باين الصراحة!
تشدقت بضجر حقيقي:
_ مفيش حاجة تضحك إنت جبتني الكلية بالغصب وأنا قولتلك إني مش عايزة اروحها.
تجاهل كل ما قالته وتصرف ببرود وكأنه لم يسمع شيء ولم يلاحظ سخطها. انطلق بالسيارة ورمقها بطرف عينه هامسًا بابتسامة خفية:
_ شكلك حلو على فكرة في الهدوم دي.
هدأت قسمات وجهها المتقوسة بغضب لتأخذ معالم الدهشة والحياء بنفس اللحظة. وتشيح بوجهها للجانب الآخر لتخفي توترها. فلاحظ ارتباكها وابتسم بخفة ثم هتف بنبرة دافئة:
_ تحبي نروح نتغدى برا النهردا.
_ نتغدى برا!!! وإيه المناسبة؟
علاء ضاحكًا:
_ وهو لازم يكون في مناسبة ياميار؟ أنا حابب نطلع مع بعض.
ضيقت عيناها باستغراب منه، بل واصابها الذهول من آخر كلماته الجديدة تمامًا. هل هو من يرغب في البقاء معها على انفراد وفي وجبة غذاء منفردة في أحد المطاعم؟
مع غروب شمس ذلك اليوم وارتفاع ضوء القمر في السماء، كانت تجلس بشرفة غرفتها وتلف حول ذراعيها شالًا من الصوف يدفئها من البرد القارص. تتأمل النجوم الساهرة بابتسامة خفية ونفس مطمئنة ومستكينة. وكف يدها على بطنها تتحسسها بلطف. تفكر لتتخذ القرار المناسب وتختار الوقت واليوم الذي ستخبره فيه بأمر الطفل وأنها لازالت تحتفظ به. فليس هناك طريق آخر للكذب مجددًا. وستضطر قريبًا بأخبار عائلتها بكل شيء ولكن يجب أن يكونوا مستعدين جيدًا لردة فعل أخيها وأبيها لكي يواجهوا الوضع بصمود وثبات.
سمعت صوت رنين الباب فتنهدت بعمق ووقفت حتى تذهب وتفتح له. فتحت الباب ورمقته بنظرات ممتعضة تدل على انزعاجها منه بسبب شجارهم بالصباح. لم يكن هو بحاجة لشرح هذا حيث فسر تعابير وجهها وعرف السبب. فدخل واغلق الباب خلفه. استدارت وسارت عائدة إلى غرفتها فلحق بها بخطوات عادية حتى وصل خلفها إلى الشرفة. واستندت هي بمرفقيها على السور فوقف بجوارها وتأمل السماء كذلك. جعلت تنظر له بريبة وتتساءل في قرارة نفسها "إذا لم يأتي ليعتذر مني عن طريقته القاسية معي بالصباح، فلماذا جاء إذًا؟". قرأ معالم وجهها المتعجبة فابتسم واعتدل في وقفته ليصبح مواجهًا لها ويقول مبتسمًا بحنو:
_ أنا فعلًا جاي اعتذر بس مش بالكلام.
_ امال بإيه؟
قالتها بابتسامة متغطرسة ليمسك بكفها ويجذبها معه للداخل هامسًا:
_ يلا ندخل الأول بس جوا عشان الجو برد وهقولك.
سارت معه والفضول يأكلها لمعرفة كيف سيعتذر لها. تابعته وهو يغلق باب الشرفة ويقترب منها ليقف أمامها مباشرة. ثم يمد كفه في جيب بنطاله ويخرج علبة مستطيلة حمراء ويفتحها أمامها. حدقت بالعقد الذي قام بشرائه في ذهول. فهو نفسه العقد الذي رأته عندما خرجا معًا لشراء الملابس وقالت له أنها كان لديها واحد يشبهه تبقت لها ذكرى من جدها ولكنها فقدته.
علت الابتسامة الرائعة والجميلة إلى شفتيها تدريجيًا ثم مدت كفها ببطء والتقطته. تارة تنظر له بإشراقة وجهها الساحرة وتارة تنظر للعقد. فرأته يمد كفه له يطلب أن تعطيه العقد. فعلت على الفور دون تردد والتف هو ليقف خلفها فتمد يدها وتأتي بخصلات شعرها على الجانب حتى يتمكن من لفه حول رقبتها. لحظات عابرة وكان قد عقده حول رقبتها. ثم أعاد هو بيديه خصلات شعرها إلى وضعهم الطبيعي على ظهرها واقترب منها أكثر ثم انحنى بوجهه على شعرها يشم رائحته التي اذابت باسواره. اغمضت عيناها تستلذ بانفاسها الدافئة التي تلفحها وتشعرها بالطمأنينة والراحة. سمعته يهمس بنبرة هائمة وابتسامة مغرمة لمستها في صوته:
_ تعرفي إني بحب ريحة شعرك جدًا. هتجن وأعرف بتحطي فيه إيه؟
ضحكت بصوت مسموع والتفتت بجسدها كاملًا له وهتفت بمداعبة:
_ لا دي أسرار بنات مينفعش تطلع لجنس الذكور.
هتف بضحكة مستنكرة:
_ لا والله. ماشي ما علينا أي كان اللي بتعمليه فيه استمري لأنه بيني وبينك ريحة شعرك بتجنني وو....
قاطعته بابتسامة ونظرة مصطنعة الحدة عندما ادركت بأنه سيبدأ في وقاحته المعتادة:
_ ميرسي ياحسن على السلسلة!
_ حسن حاف كدا. مفيش حبيبي؟
وقفت بغنج واقتربت منه تهمس بدلال أنوثي:
_ ميرسى ياسنسن.
اجابها بقرف:
_ إيه سنسن دي؟
اكملت بدلال أكثر:
_ خلاص حسونتي حلو كدا.
انحنى عليها بوجهه وهو يغمز بلؤم ويهمس بنظرات ذات مغزى:
_ إنت كلك على بعضك حلو أصلًا ياحلو. ماتجيبي بوسة!
فغرت عيناها بصدمة وتلونت بحمرة الخجل مع ابتسامتها المستحية التي انطلقت على شفتيها. ثم ضربته على كتفه بخفة وهتفت بضجر مزيف امتزج بحيائها:
_ وقح. ومش بتفكر غير في الحجات دي!
ثم تركته واندفعت لخارج الغرفة فرفع كفيه مستغربًا وهو يهتف بصوت عالى حتى تسمعه:
_ وهو أنا المفروض افكر في إيه يعني مع مراتي؟
اصدرت ضحكة مرتفعة وصلت لأذانه وهي تجيبه من الخارج:
_ متفكرش خالص ياحسن. صدقني كدا أفضل!
شاركها الضحك من مكانه ثم لحق بها للخارج ليكملوا أحاديثهم المرحة والغرامية!!
توقف بالسيارة عند تل جبلي كبير بأحد الأماكن التي تعد صحراء. تلفتت حولها باستغراب وسألته:
_ إيه المكان ده؟ وليه جيت بينا هنا ياكرم؟
كرم ببساطة وابتسامة دافئة:
_ عشان نتكلم شوية مع بعض على رواق قبل ما نروح عند ماما.
أماءت بتفهم ثم اعتدلت في جلستها لتصبح مواجهة له وتقول بمشاكسة محببة لقلبه:
_ وياترى بقى الكوكو بتاعي عايزانا نتكلم في إيه؟
تنهد بعمق ثم أجابها بنبرة جادة:
_ حجات كتير ياشفق يعني أنا حاسس إننا منعرفش حجات كتير عن بعض. عايزاك تحكيلي كل حاجة وأنا كمان احكيلك. مش عارف بس حسيت إني محتاج استفرد بيكي في مكان زي كدا ونتكلم براحتنا في الحلو والوحش.
سكتت لبرهة من الوقت تفكر في موضوع تبدأ به الحديث ثم هتفت بخفوت:
_ طيب أنا كان في حاجة كدا كنت حابة اسألك عنها من وقت جوازنا.
اعتدل في جلسته أكثر واصبح مواجهًا لها ينتظر منها أن تسأل. لتأخذ هي نفسًا عميقًا وتسأله بنظرات بائسة:
_ إنت لما قررت تتجوزني كانت رغبتك إنت فعلًا وعشان عايز تحميني زي ماقولت وإني أكون قدام عينك علطول ولا السبب كان حاجة تاني؟
اتخذت ملامحه التعجب من سؤالها. ليبتسم كنوع من تلطيف الجو ويهمس:
_ وهي هتفرق في إيه كانت رغبتي أو لا مش الأهم دلوقتي أنا إيه!
شفق بنبرة خافتة ومصرة:
_ مش هتفرق بس أنا حابة أعرف.
تنهد الصعداء بعدم حيلة وتحدث في نبرة شبه جادة ولكن بأعين تطلق شرارات العشق:
_ الحقيقة لا. مش هقول إني اجبرت لإن الإجبار بيبقى على حد إنت مش طايقه. لكن أنا دايمًا كنت بعزك وبحبك. اللي اقترح فكرة الجواز دي ماما وأنا رفضت في البداية بس هي فضلت ورايا عشان تخليني اوافق وبقت تعمل تصرفات أنا بستغرب منها. ولما ودتك تقعدي في بيتنا القديم كانت حركة منها عشان تخليني اقلق واخاف عليكي واعرف إن عندها حق وإنك لازم تكوني معايا دايمًا. وهي فهمتك إني سافرت بس أنا كنت قالب الدنيا عليكي وهتجن بسبب إني مش عارف روحتي فين. في النهاية شكيت إنها ممكن تكون تعرف مكانك فروحتلها ورفضت تقولي مكانك إلا لما قولتلها إني موافق اتجوزك و....
قاطعته بسؤالها المبحوح وعيناها التي تلمع بالدموع:
_ مكنتش عايزني ليه؟
لاحظ عيناها الدامعة فلعن نفسه الحمقاء التي سردت لها تفاصيل من المفترض أن لا تقال. مد اناملها وملس على وجنتها بحنو ثم رفع كفها لشفتيه وقبل ظاهره برقة هامسًا بحب:
_ مين قال إني مكنتش عايزك ياحبيبتي. أنا السبب الوحيد اللي خلاني رفضت في البداية إني خوفت اظلمك معايا وأنا وقتها كنت لسا متعلق بأروى جدًا. فمكنتش حابب اخليكي تعيشي مع واحد ممكن ميقدرش يحبك. بس الحقيقة إنك قدرتي بكل سهولة تاخدي قلبي وتعلقيني بيكي يمكن اكتر منها كمان.
اشاحت بوجهها للجانب الآخر وفرت دمعة من عيناها ليخرج همسها الحزين وهي تجيبه:
_ لو كنت اعرف إن الموضوع كدا مكنتش هوافق. أنا توقعت إن دي رغبتك أنت مش حد اجبرك عليا. ولا هتفرق في إيه أصلًا صح سواء كانت رغبتك أو رغبة مامتك في كلتا الحالتين إنت اجبرت بينك وبين نفسك عليا.
_ هو لو ده معناه إجبار بنسبالك فهو بنسبالي أحلى إجبار في حياتي. ولو رجع بيا الزمن تاني كنت هختارك برضوا.
عادت بوجهها إليه ورمقته بأعين دامعة امتزجت بالغرام ليبتسم لها بعشق جارف ويقترب منها بوجهه يطبع قبلة طويلة على جانب ثغرها متمتمًا بتغزل ومرح:
_ حتى وإنتي بتبكي حلوة يا أميرتي. مع إني مش فاهم إيه سبب العياط يعني إنتي زعلانة على إن واحد حمار ومتخلف كان عايز يضيع من إيده فرصة مش هتجيله تاني. ده حتى أنا هروح ابوس إيد ماما وأقولها ربنا يخليكي ليا ياست الكل ودايما كدا تجبريني على الجوازات الحلوة.
رمقته بنظرة مشتعلة وهتفت بغضب:
_ نعم!
قهقه بقوة وانتقل للوجنة الأخرى يقبلها منها ويهدر من بين ضحكه بلؤم:
_ وهو برضوا في واحدة تقدر تملي عيني غير أميرتي وحبيبتي.
منعت ابتسامته من الظهور بصعوبة وهي تبتعد بنظرها عنه في شيء من الشموخ ليعود هو لجلسته الطبيعية ويهتف ضاحكًا:
_ طيب أنا بقول نمشي احسن لإني شكلي اخطأت في موضوع إننا تتكلم لأنه قلب نكد من أول موضوع للأسف.
_ يعني أنا نكدية ياكرم؟
نظر لها وهتف بجدية مزيفة ونظرات بدت له حادة قليلًا في البداية وسرعان ما تحولت إلى مرحة في آخر الكلام:
_ أيوة نكدية ياشفق أنا هكدب عليكي يعني. من ناحية النكد فإنتي مش بتضيعي فرصة عشان تعيطي. بس برضوا بحبك والله وبحب نكدك وخلتيني احب النكد. تخيلي كدا!
تعرف إني كنت قلقان عليكي الفترة اللي فاتت عشان ماكنتيش بتنكدّي عليّ، بس دلوقتي أنا الحمد لله اطمنت عليكي وإن مراتي لسه بخير.
تشدقت بنبرة لينة بعض الشيء لكنها متضايقة:
_ وإنت شايف إن اللي قولته ميضايقش يعني؟
كرم بنبرة رزينة ودافئة:
_ على قد ما أنا شايف إنه يضايق طبعاً، بس في نفس الوقت ميستهلش لأن خلاص ده ماضي. ودلوقتي أنا مقدرش أبعد عنك للحظة واحدة وبحبك فوق ما تتصوري. فليه نبص للماضي ونزعل نفسنا عليه؟ خلينا في الحاضر والمستقبل اللي إن شاء الله هيكون كله نسخ مصغرة.. ها، فاكرة؟
قال آخر جملة بابتسامة خبيثة مع غمزة وقحة من عيناه، فتضربه هي بخفة على كتفه مبتسمة باستحياء:
_ بطل قلة أدب.
_ ده أنا كده محترم. اصبري بس لما نروح البيت عند ماما واستفرد بيكي في الأوضة لوحدنا هتشوفي قلة الأدب على حق وهـ...
احمرّت خجلاً وهتفت بضحكة مرتبكة تمنعه عن استرسال كلامه:
_ كـــرم، كفاية خلاص.
كتم ضحكته بصعوبة وحرك محرك السيارة لينطلق بها متجهًا إلى منزل والده. وهي بقت تنظر له بين الحين والآخر وتبتسم. بقدر ما أزعجتها الحقيقة، إلا أنها فرحت لأنه لم يخفِ عليها وأخبرها بها كاملة. ربما هو لديه الحق في أن الماضي يجب أن يدفن مع الماضي ولا نعكر صفو حاضرنا به، حتى لا نكون قد خسرنا الماضي والحاضر والمستقبل.
***
انتهت من تسريح شعرها أمام المرآة وكانت تلقي عليه نظرة دقيقة بين الحين والآخر، حتى استقامت واقتربت لتجلس بجواره على الفراش هامسة برقة:
_ زينو.
كان يثبت نظره على حاسوبه الذي ينهي عليه بعض الأعمال، فأجابها بنبرة عادية:
_ نعم يا حبيبتي.
التصقت به وغمغمت بابتسامة عريضة:
_ أنا حجزت عند الدكتورة والمعاد بكرة الصبح.. هتروح معايا أكيد، مش كده؟
ترك ما بيده وهو يزفر مغلوبًا على أمره ويقول بوجه مقتضب:
_ برضه عملتي اللي في دماغك يعني!
باتت لا تفهم سبب رفضه لوجود طفل، بل بدأت تنزعج حقًا وتغضب من طريقته وعدم اهتمامه وكأنه لا يريد على عكسها.
ابتعدت عنه قليلًا وهتفت بضجر بالغ:
_ زين، إنت مش عايز تجيب مني أطفال ولا إيه؟!!!
عقد حاجبيه بدهشة من تفكيرها العجيب وهتف شبه مستنكرًا ما قالته:
_ إيه اللي بتقوليه ده! أكيد عايز يكون عندنا أطفال يا ملاذ.
_ أمّال فيه كل ما أفتحك في موضوع الدكتورة تقلب وتتعصب؟ إنت إيه اللي مضايقك مش فاهمة؟!!
التقط كفها وملس عليه بكفه الآخر بحنو متمتمًا وهو يثبت نظره في عينيها ويرمقها بأعين عاطفية:
_ حبيبتي، أنا بس مش عايز نستعجل وبراحتنا. وقت ما ربنا يريد هيجي الطفل. ثم إني لسه مشبعتش منك ولما ياجي البيه هياخدك مني، فخلينا نستمتع شوية قبل ما يشرف.
جذبت يدها من بين كفيه ووثبت واقفة تهتف بانزعاج تام وشك ملحوظ:
_ دي حجة عشان تلهيني عن حاجة إنت مخبيها عني. أنا حاسة إن فيه حاجة مش طبيعية ليك فترة ومش عايز تتكلم ولا تحكيلي، وده شيء بيعصبني أكتر يا زين إنك شايل في نفسك ومش عايز تشاركني. والله أعلم بقى إيه السبب الحقيقي اللي مخليك رافض نجيب أطفال دلوقتي.. بس مسيري هعرف، متقلقش.
ثم استدارت واندفعت لخارج الغرفة تمامًا وتركته يمسح على وجهه وهو يتأفف مستغفرًا ربه. ضميره يقتله بكل لحظة وكل ثانية أنه يخفي عنها الحقيقة، ولكنه لم يملك الشجاعة بعد ليحكي لها كل شيء دون خوف من ردة فعلها.
***
أشاحت بنظرها عن تأمل الطريق وثبتته عليه تهتف بعدم فهم:
_ هو إنت مكنش معاك شغل النهاردة ولا إيه؟
علاء بصوت هادئ:
_ كان معايا طبعًا.
_ أمّال إزاي أخدت اليوم كله معايا بره وسبت شغلك؟ إنت قلت هنتغدى، فتوقعت إننا هنتغدى بره ونرجع البيت.
رمقها بنظرة حانية وتمتم:
_ حبيت أخرجك يا ميار، ولا إنتي مضايقة؟!!
هزت رأسها بالنفي وتمتمت بنبرة ممتنة:
_ لا مش مضايقة، بالعكس كانت خروجة حلوة أوي.. شكرًا.
قطع حديثهم رنين هاتفه. نظر لشاشته وقرأ اسم المتصل الذي كان والدته. أصدر تنهيدة حارة ورفعه لأذنه يجيب عليها:
_ أيوة ياماما.
_ إنت فين يا علاء؟ وحتى الهانم ميار مجتش لغاية دلوقتي من الكلية.
علاء بصوت صلب:
_ ميار معايا ياماما.. متستنينيش إنتي وبابا على العشا، إحنا مش جايين النهاردة البيت.
ضحكت الأم باستهزاء وهتفت بعدم تصديق:
_ ياسلام مش جايين! أمّال هتروحوا فين بقى؟!!
زفر الهواء من فمه بخنق وأجابها بإيجاز حتى ينهي الحديث ولا يدخل في جدال معها:
_ أنا هقفل ياماما عشان سايق ومش عارف أركز في الطريق.
أنزل الهاتف وضغط على زر الإنهاء وألقى نظرة على ميار التي كانت تتطلع إليه بذهول واستغراب. وبعد ثوانٍ قليلة هتفت بحيرة:
_ إحنا رايحين فين يا علاء؟!!
بكل هدوء أعصاب أجابها:
_ هنروح ناخد الليلة في فندق.
_ نــعـــم.. وده ليه بقى إن شاء الله؟!!
أكمل بنفس البرود المستفز:
_ كده طلبت معايا إني أروح أقعد في فندق النهاردة.
هتفت مندفعة ببعض الضجر منه:
_ طيب وأنا مالي بيك؟ ماتروح حد منعك.. تاخدني معاك ليه؟!! أنا مش عايزة أروح معاك يا أخي، هو غصب؟
_ المكان اللي أنا موجود فيه يبقى إنتي لازم تكوني موجودة فيه معايا.
ميار بنفاذ صبر وعصبية:
_ آه، ده زي ما بيقولوا المكان اللي يكون فيه جوزك تكوني إنتي فيه برضوا؟
نظر لها وهمس بابتسامة سمجة مثيرة للأعصاب:
_ بالظبط، هو ده.
تأففت بصوت مسموع وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة تدل على غيظها الشديد منه. استمر هو في القيادة ومن آن لآخر يلقي عليها نظرة ويبتسم كلما يراها تشتعل بنيران الغيظ.
وصلا أخيرًا أمام أحد الفنادق الفخمة والمعروفة. ترجلت من السيارة أولًا ومن ثم هو ليقود خطواته إلى الداخل وتلحق هي به، حتى وقفا أمام الاستقبال فرحب به موظف الاستقبال ترحيبًا حارًا وهو يهتف:
_ أهلًا وسهلًا يا علاء بيه، نورتنا.
ابتسم له علاء بعذوبة لينظر الموظف إلى ميار ومن ثم يتمتم علاء بنبرة جادة:
_ عايز أوضة لليلة واحدة.
هتفت ميار باستياء وهي تحدث الموظف:
_ أوضتين.
رمقها علاء بنظرة صارمة وحادة لتصمت فورًا وهي تلوي فمها باقتضاب. فيعود بنظره للموظف وكأنه يؤكد عليه كلامه الذي قاله، فقام بحجز غرفة واحدة لهم لليلة واحدة فقط وأعطاه الكارت.
سارا معًا باتجاه المصعد فيهتف علاء بصوت غليظ وساخط:
_ اللي حصل ده ما يتكررش تاني يا ميار، فاهمة ولا لأ؟
هدرت بعناد وتحدي:
_ لأ هيتكرر. أنا مش عايزة أقعد معاك، مش كفاية جايبني غصب.
ارتفعت نبرة صوته قليلًا وهو يجيبها بانفعال:
_ راجل وجاي مع مراته المفروض إنه يقعد في أوضة وهي في أوضة مثلًا؟ ثم إن إيه مالك إنتي؟ ليكي كام يوم بتتصرفي بطريقة مش عجباني وأنا بدأت أتعصب الصراحة. لما نطلع الأوضة فوق هتفهمني كل حاجة، مفهوووم؟
هتفت بعدم اكتراث ونظرة متقرفة:
_ أنا مش قادرة أتكلم النهاردة، تعبانة وعايزة أنام.
حدجها بنظرة مستاءة وهو يجاهد في تمالك نفسه. ثم فتح باب المصعد واستقلوا به ليرتفع بهم إلى الطابق السادس حيث توجد غرفتهم.
***
مع صباح اليوم التالي...
ينتظر الإجابة منذ ثلاث أيام. الصوت الذي بداخله لا يتوقف عن جملة "لن توافق بك.. كفاك هراء". وبنفس اللحظة هناك شعور يكاد يكون يقين يأتي إليه من العدم يخبره بأنها ستوافق. لم يعد يعرف يستمع لأي منهم أو يترك كلاهما ويرى في النهاية أي منهم سيصدق.
وصل إسلام إلى مقر الشركة بعدما اتصل به زين وأخبره بأنه يريد التحدث معه. في البداية ظن بأن الحديث سيكون عن العملية والسفر، ولكن حين دخل عليه المكتب واقترب منه ليعانقه ويرحب به، كان زين يستقبله بابتسامة عريضة ربما تكون جديدة نوعًا ما مما أشعره بالأمل والسعادة بأنها قد تكون وافقت.
جلس على المقعد المقابل له وسأل إسلام بنظرات متلهفة:
_ الأنسة رفيف أخدت القرار ولا لسه؟
زين بابتسامة صافية:
_ أيوة ووافقت.. مبروك.
أشرق وجهه في فرحة غامرة، لا يصدق أنها وافقت وقريبًا ستكون له. هتف بضحكة سعيدة ونبرة رجولية:
_ أفهم من كده إننا ناجي ونقرأ فاتحة بقى إن شاء الله؟
_ تشرفوا في أي وقت.
سكت للحظات قصيرة ثم هتف وقد اختفت ابتسامته قليلًا وقال بنبرة هادئة:
_ طيب أنا حابب تكون قراية الفاتحة مع افتتاح المطعم، ويا ريت يكون قبل ما نسافر للعملية يا زين.
تفهم سبب رغبته وأنه يخشى أن يحدث له شيء أثناء إجراء العملية، فيريد أن يجد سببًا ليتمسك به عند سفره ويقوي من أمله بالحياة. فلم يتمكن من الرفض وقال بنبرة خافتة وابتسامة عذبة:
_ موافق يا إسلام.. هنخلي افتتاح المطعم عائلي بينا إحنا بس وهنكون في انتظارك إنت وعمي فراج ومرات عمي.
هتف إسلام بفرحة وامتنان:
_ مش عارف أشكرك إزاي يا زين والله.. إنت مش متخيل فرحتي إزاي. ربنا يتمم الموضوع على خير.
_ آمين.
***
كان كرم بمكتب عمله ينهي أعماله بتركيز شديد، وإذا به يجد الباب ينفتح على مصراعيه بقوة ويظهر من خلفه "كمال الحسيني". ابتسم كرم بنظرة متشفية وتمتم ببرود مستفز:
_ الشركة نورت يا كمال بيه والله. مش كنت تقولي عشان نعملك اللازم؟
اندفع نحوه كمال وصاح بصوته الجهوري:
_ الصفقة اللي أخدتها مني بالنصب دي هدفعك تمنها غالي أوي يا ابن العمايري.
كرم بكامل الهدوء والثبات والانفعالي:
_ تؤتؤتؤ، مينفعش كده يا كمال بيه. بقى أنا أستقبلك بكل احترام وإنت تقول نصب؟ هو أنا برضوا بتاع الكلام ده؟
ثم إن ده شغل و business وإنت عارف business بقى يوم ليك ويوم عليك
رفع كمال سبابته في وجهه وهتف بلهجة تهديدية ونظرة نارية تحمل الوعيد الشرير:
_ مبقاش أنا كمال الحسيني أما ندمتك على اليوم اللي فكرت تتحداني فيه يا كرم.. وبنت اخويا هاخدها سواء بالذوق أو بالعافية
تجاهل آخر جملة قالها حتى لا يغار عليه ويبرحه ضرباً من الغضب واكتفى بنظراته القاتلة التي تعكس داخله الذي يلتهب بنيران السخط. تابعه وهو يغادر المكتب بأكمله ليهمس في عصبية مكتومة:
_ شكلك مش هتجيبها لبر معايا
***
وضع حسن المفتاح في القفل وفتح الباب ثم دخل ونزع حذائه بجانب الباب. سار إلى الداخل حيث غرفتها وهو يصيح منادياً عليها:
_ يسر
سمع صوت رذاذ المياه في الحمام فعرف أنها تأخذ حماماً صباحياً. جلس على الفراش بإرياحية ينتظر خروجها وإذا به يلمح بنطال صغير جداً اسفل الخزانة يبدو لطفل حديث الولادة. عقد حاجبيه بريبة وتلفت برأسه ناحية الحمام ثم استقام واقترب من الخزانة لينحني على الأرض ويلتقط البنطال ويدقق النظر به في شك. فتح باب الخزانة ليتفحص الملابس فوجد أن هناك الكثير من ملابس الأطفال حديثي الولادة. تعشش الشك في أعماقه وأصبح شبه متأكداً من أنها تخفي عنه شيء وبالتأكيد أنه هو ما يدور في ذهنه الآن.
خرجت من الحمام وهي تلف المنشفة حول جسدها فشهقت بفزع عندما رأته وهتفت:
_ حسن!!!
التفت لها بكامل جسده ورفع البنطال أمام مستوى نظرها مغمغماً بنبرة خشنة ومخيفة:
_ إيه ده يا يسر؟
نقلت نظرها بينه وبين البنطال وازدردت ريقها باضطراب. فلقد وصلت كذبتها لنهاية الطريق ولا مفر من الحقيقة!
رواية ضروب العشق الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ندى محمود توفيق
حسن بانفعال وغضب:
_ يسر أنا بسألك إيه ده! .. ردي عليا
ابتسمت بمرارة وتمتمت بأسى:
_ فارق معاك ومهتم أوي إنك تعرف يعني!
القى بالبنطال على الفراش في عدم اهتمام وتحرك ناحيتها وهو يهمس بأعين منذهلة:
_ إنتي لسا حامل!!!
اخذت نفسًا عميقًا وأماءت له برأسها فغضن حاجبيه بصدمة وهتف في خفوت وخزي واضح في عيناه:
_ ليه عملتي فيا كدا .. عملتي فينا كدا ليه!!
صاحت بأعين تلمع بالعبارات المتجمعة فيهم:
_ مش دي كانت رغبتك وإنت مكنتش عايزاه
صرخ هو الآخر ولكن بصوت ينفض البدن وانفعال مرعب:
_ كنت وتراجعت وحاولت اوصلك عشان امنعك ومتنزلهوش. اللي عملته كان في لحظة تهور مني وبعدين ادركت إن ده مهما كان هيفضل ابني ومقدرتش افرط فيه أو فيكي.. إنتي متعرفيش حاجة عن اللي كنت عايشه بسبب عذاب ضميري وندمي وأنا كنت فاكر إني خسرت ابني وخسرتك. ازاي تخبي حاجة زي كدا عننا وعني بذات.. ده مش ابنك وحدك ده ابني كمان وأنا ابوه وليا حق أعرف. كنتي هتفضلي مخبية لغاية إمتى مثلاً!!!
انسابت دموعها بغزارة على وجنتيها وابتسمت بمرارة ونظرات منكسرة مع همس مبحوح:
_ اممممم ابوه!! .. ابوه اللي في أول ليلة لينا حملني أنا الذنب وقالي إني استغليت الفرصة وكنت السبب في اللي حصل.. ابوه اللي أول ما عرف إني حامل اتجنن واهاني وذلني.. ابوه اللي مد ايده عليا عشان يخليني اروح انزله وقالي لو منزلتهوش أنا اللي هسقطك.. وفي الآخر ابوه جاي بيقولي أنا ليا حق اعرف بوجوده وإني تراجعت وندمت وعايز ابني
كانت كلماتها في الهدف تمامًا، حيث اسكتته وابلعته لسانه فلم يجرؤ على التكلم بعد الحقيقة المؤلمة التي واجهته بها، وهي أنه فعل معها مايستحق لكي تخفي عنه وجود طفله. تقهقر للخلف وهو يثبت نظره عليها يطالعها بيأس وأسف. توقف عند الباب والقى عليها نظرة أخيرة قبل أن يستدير بجسده وينصرف عن المنزل بأكمله وليس الغرفة فقط! جلست على الفراش ودفنت وجهها بين ثنايا كفيها مجهشة في بكاء قوي!!
تململك في الفراش وهي مغمضة عيناها ويغلب عليها النعاس ولكنها احست بيد على جسدها ففتحت عيناها فورًا واعتدلت في نومتها لتراه نائم بجوارها وذراعه يلتف حول خصرها. ابتسمت وهي تتنهد الصعداء متذكرة ليلة أمس!
خرجت من الحمام بعد أن بدلت ملابسها فوجدته متمدد على الفراش ويرفع الغطاء على نصف جسده. فاقتربت ووقفت امامه متمتمة:
_ إنت هتنام على السرير جمبي؟
علاء بكامل الهدوء:
_ أمال هنام فين يعني.. إنتي شايفة في مكان تاني غير السرير؟
_ مهو أنا عشان كدا قولت نحجز اوضتين أو اوضة بسريرين على الأقل بس واضح إن حضرتك اللي عايز ده
تقلب على جانبه الأيمين يولي الجزء الفارغ في الفراش ظهره وتمتم ببرود مثير للأعصاب:
_ تصبحي على خير ياميار
تأففت بصوت مسموع ونفاذ صبر ثم اقتربت من الفراش وتمددت على طرفه بعيدًا عنه تمامًا وهتفت بمضض:
_ ممكن تروح على آخر السرير
لم يبدي أي ردة فعل وامتثل لطلبه بصمت وهو يبتسم دون أن تراه. لتأخذ راحتها أكثر بعدما افسح لترك مسافة كبيرة نسبيًا بينهم وشدت الغطاء على جسدها مغمضة عيناها لتذهب في ثبات عميق وهي الأخرى توليه ظهرها!!
عادت لواقعها عندما احست بحركته وأنه على وشك الاستيقاظ. اغلقت عيناها فورًا متصنعة النوم وماهي إلا ثواني قصيرة وفتح عيناه ثم رفع كفه يفرك عينه ويعتدل في نومته جالسًا. التفت برأسه إليها يمعن النظر في معالم وجهها الهادئة. ومد انامله ليبعد خصلات شعرها عن وجهها. فاحس بغزة اجتاحت جسدها عندما لمسها. رفع حاجبه باستنكار وابتسم بلؤم بعدما فهم أنها تتصنع النوم. انحنى إليها بابتسامة شيطانية وخبيثة ثم طبع قبلة على وجنتها وانتظر أن يرى ردة فعلها. لم يجد منها شيء سوى انفاسها التي تسارعت بعد أن كانت منتظمة. اتسعت ابتسامته حتى أظهرت عن أسنانه ونزل بشفتيه إلى رقبتها فانتفضت وفتحت عيناها على أخرهم بصدمة هاتفة:
_ بتعمل إيه؟
ضحك بصوت مكتوم عندما فتحت عيناها وتراجع برأسه للخلف هامسًا وهو يغمز بمكر:
_ لا كنت بتأكد من حاجة بس.. قومي يلا عشان متتأخريش على كليتك
اعتدلت جالسة على الفراش وهتفت بارتباك ملحوظ:
_ معنديش محاضرات النهاردة
أماء برأسه في إيجاب ثم نهض وسار ناحية الحمام. ولكنه توقف عندما سمع صوتها الخافت وهي تهتف بنبرة متضايقة:
_ علاء، ممكن متقربش مني تاني!
تسمر بأرضه كالصنم فلم يكن قط يتوقع منها رد كهذا. التفت برأسه إليها وحدجها بنظرات كلها حيرة وعدم فهم. فاشاحت بوجهها على الجانب الآخر تتفادى النظر إليه وماهي إلا لحظات ووجدته يجلس بجوارها ويهتف بصوت رجولي جاد ورزين:
_ ممكن إنتي اللي تفهميني في إيه بظبط معاكي!!! ليكي كام يوم بتتصرفي معايا بطريقة مش عجباني. لو لسا مضايقة من موضوع الدكتور قوليلي!
عادت بوجهها إليه وثبتت نظرها على عيناه بصعوبة وبثبات مزيف هتفت:
_ أنا عايزة اطلق
_ احنا لينا اكتر من شهرين مع بعض ومطلبتيش الطلاق ده أبدًا إيه اللي اتغير دلوقتي؟
ميار بأعين دامعة وأسى:
_ بوفر عليك اللي هتعمله وأنا بطلب الطلاق أهو عشان تريح نفسك وتريح مرات عمي وتريحني أنا كمان
_ انتي سمعتي كلامنا أنا وماما؟
اطالت النظر في عيناه بسكون ثم استقامت وهمت بالابتعاد فقبض على ذراعها وتمتم بدفء:
_ أنا غيرت رأي ياميار ومش عايز اطلقك
ضحكت باستهزاء وجذبت يدها بعنف مهمهمة بمرارة:
_ وياترى رأيك ده كان هيتغير ولا لا لو مكنتش روحت للدكتور واتأكدت إنت ونينا إني معملتش حاجة
الكلام كثير الذي سيبرر لها من خلاله أنها على خطأ بشأنه. ولكنه لا يعرف بأيهم يبدأ هل بالتبرير أم الاعتذار أم الحقيقة وهي أنه يريدها وأنها بدأت بالفعل تؤثره. بقى صامتًا يحدجها دون أن يتفوه بأي كلمة فوصلت لها الإجابة من صمته كما شكلها لها عقلها. ورمقته بانفطار قلب قبل أن تتركه لتذهب للحمام!!!
انتهت من ارتداء ملابسها فمن المفترض أن تكون بعيادة الطبيبة بعد ساعة بالضبط على حسب موعدها معها. خرجت من الغرفة وكان زين بانتظارها بالخارج وعندما رآها هب واقفًا فرمقته هي بنظرة منزعجة وغير مهتمة لتهتف بنبرة جافة بعض الشيء:
_ وصلني عند الدكتورة وروح شغلك عشان متتأخرش و.....
أجابها بكل هدوء وثبات:
_ ملاذ! أنا رايح معاكي عند الدكتورة يلا
_ على اساس مش موافق إني كنت اروحلها ووافقت مغصوب لما أنا اصريت.. هتروح معايا ليه دلوقتي؟
اقترب منها وانحنى يخطف قبلة سريعة من وجنتها متمتمًا:
_ حبيبتي أنا مش معترض بالعكس أنا نفسي في طفل ويمكن أكتر منك كمان. بس أنا كنت حابب نعيش يومين حلوين لكن طالما إنتي مستعجلة أوي كدا وزعلانة أوي إني مكنتش محبز فكرة الدكتورة.. يبقى خلاص ياحياتي أنا مقدرش على زعلك أصلًا
أشرق وجهها بإبتسامة عاشقة تدل على صفائها الكامل تجاهه ونكزته في صدره بلطف ثم لفت كلتا ذراعيها حول رقبته ومالت عليه بغنج انوثي هامسة:
_ ربنا يخليك ليا يازينو.. بس برضوا لسا حاسة إنك فيك حاجة غريبة وهتحكيلي مالك وده اجباري مش اختياري
طبع قبلة رقيقة على جبهتها وابتسم بأعين منطفئة مغمغمًا بصوت رجولي غليظ:
_ هقولك متقلقيش.. مسيري هحكيلك أنا بس مستني أكون جاهز ووقتها أكيد هاجي وأقولك
_ يااا هي حاجة كبيرة للدرجة دي.. تخص الشغل ولا إيه؟
تنهد بأسى وخنق ثم زين وجهه ببشاشة مصطنعة وهتف:
_ يلا عشان منتأخرش على الدكتورة وعشان معايا شغل كمان في الشركة بعدين
لم تعقب كثيرًا على تجاهله لسؤالها وقررت أن تسير معه في الخط لنهايته حتى يأتي هو بنفسه ويسرد همه كما قال للتو.
أماءت له بإيجاب وابتعدت عنه ليغادر هو أولًا وتلحق به بعد لحظات قصيرة جدًا.
نزلت من الدرج وهي تقابلهم بوجه سمح وابتسامة مشرقة. كانت كل من الجدة وهدى على مائدة الطعام بانتظارها باستثناء رفيف التي ذهبت للعمل وكذلك كرم.
انضمت لهم على المائدة وسحبت أحد المقاعد لتجلس عليه وهي تهتف برقة:
_ صباح الخير
ردوا الأثنين بنفس اللحظة:
_ صباح النور
تحدثت هدى بسعادة وحنو:
_ والله كنتي وحشاني اوعي ياشفق.. والبيه كرم جاي عندي عشان يروح الشغل لما ياجي هربيه
_ غصب عنه والله ياطنط الشغل كتير عليه هو وزين اليومين دول
تمتمت هدى بإشفاق وحنان أمومي:
_ ربنا يقويهم يارب ويحفظهم.. بس برضوا متحاوليش تهديني وتدافعي عنه
تحدثت الجدة بضحكة بسيطة:
_ ماهي لازم تدافع عنه ياهدى مش جوزها.. إنتي كمان كنتي بتعملي كدا مع محمد الله يرحمه قدامي
تمتموا جميعهم في حزن "ربنا يرحمه" ثم هدرت شفق بمداعبة ومرح امتزجت ببعض المكر:
_ بس ولا تزعلي نفسك.. سيبهولي وأنا هاخدلك حقك منه
وبينما هم في جلستهم يتبادلون الأحاديث والضحك فتح الباب ودخل. التفتوا جميعهم برأسهم إليه فقابلهم بإبتسامة عريضة وتمتم:
_ السلام عليكم
ردوا عليه السلام في نبرة عادية باستثناء شفق التي هتفت بسخط مصتنع:
_ إنتي مش قولتلي هتخلص اجتماع وراك وتاجي ليه اتأخرت؟ هو احنا مش جايين عشان نقعد مع مامتك وجدتك ولا عشان تروح تقضي اليوم في الشغل
تصلب مكانه واختفت ابتسامته لتتقوس معالم وجهه بحزم وهو يرفع حاجة مستنكرًا طريقتها غير اللائقة معه. تراجعت فورًا عن سخطها المزيف وتوترت من نظرته لتهمس باضطراب بسيط:
_ ماما هدى زعلانة منك!!
عشان روحت الشغل والمفروض تقعد معاها.
انفجرت هدى والجدة بضحك على منظرها واستسلامها بنظرة واحدة منه. ليتنهد هو الصعداء ويكتم ابتسامته، ثم يقترب من والدته ويقبل رأسها هاتفًا بحب:
_ حقك عليا ياست الكل والله هو جه مرة واحدة الشغل ده.. أنا كنت عامل حسابي إني هاخد النهردا أجازة منه بس أعمل إيه بقى.
رتبت هدى على كفه بحنو وهمست:
_ ولا يهمك ياحبيبي ربنا يقويك إنت واخواتك.
انتقل إلى جدته وفعل معها المثل هامسًا بمرح:
_ لازم ناخد رضاكي كمان ياكبيرتنا.
ضربته الجدة على كتفه بخفة متشدقة بضحكة خفيفة:
_ امشي ياولا.
ضحك بقوة، ثم نظر لزوجته وعاد لحدة ملامحه وهو يسألها بصوت غليظ ومقتصد:
_ وإنتي كمان زعلانة؟
ازداد توترها أكثر وهزت بكتفيها في نفي وهي تقول بابتسامة مرتبكة وتشير بسبابتها على نفسها:
_ أنا! لا لا خالص.
جميعهم حجبوا ضحكتهم بصعوبة، وكذلك هو الذي استمر في تصنع الحدة وتحرك ناحية الدرج. وأثناء مروره من جانبها انحنى إليها وخطف قبلة سريعة من وجنتها واستكمل سيره للأعلى وهو يقول مبتسمًا:
_ هغير هدومي وانزلكم.
احمرت وجنتيها بخجل من الذي فعله أمام أمه وجدته. ووضعت عيناها في صحن طعامها تقلب بالمعلقة دون أن تأكل كوسيلة للتهرب من استحيائها أمامهم. وكل من هدى والجدة تبادلوا النظرات وهم يبتسموا بدفء. وبالأخص هدى التي وجدت السعادة طريقها إلى قلبها بأنها وأخيرًا رأت أبنها سعيدًا في حياته ولم تخطأ عندما راهنت أمام الجميع بأنه سينسى كل شيء وسيبدأ بداية جديدة مع زوجته بعشق مختلف ونقي!
كيف تخفي عنه؟ كيف تكذب عليه وتخبر الحميع بأن طفلهم لم يعد موجودًا؟ هو معترف بخطأه ولكن خطأها لا يمكن التغاطي عنه. فهمها وصل نقمها وغضبها منه لا يحق لها أخفاء شيء هكذا عنهم. أو أن الذي فعلته معها جعلها تفقد ثقتها بالكامل بي وخشيت من أن تخبرني بالحقيقة فأؤذيها وأؤذي طفلي؟ أنا ليس بعديم الإنسانية لهذا الحد.. لست قاسي ولا أملك قلبًا بهذه الصورة التي تصورتني بها بعد الذي فعلته. ربما كنت بلا مشاعر معها ولكن بالطبع لن يصل بي الوضع لكي أؤذيها أو أؤذي ابني!
داخلي يحترق من الألم، فلقد كنت اعاني لفترة طويلة وأنا أظن أنني خسرت ابني وبسببي. وهي كانت تكذب علي دون أي مرعاة. أو أنها كذبت وأخفت عني لأنها تعرف أنني أذا عرفت بأنها لازالت تحمل طفلي بأحشائها لن اسمح بطلاقنا أبدًا. ولهذا اخترقت هذه الكذبة حتى تتمكن من الطلاق مني؟
كلها أسئلة تدور في حلقة ذهنه ولا يجد إجابة مباشرة لها. وفقط ضجره وسخطه يهمينان عليه ويستحوذانه بالكامل! إذا به يسمع باب المنزل الخارج يفتح فوثب واقفًا وهرول إلى باب شقته ليفتح ويفاجئ بها وهي على وشك الخروج. فيندفع نحوها ويجذبها من ذراعها هاتفًا بعصبية:
_ رايحة فين؟
يسر بامتعاض وهي تسحب يدها من قبضته ببطء:
_ رايحة عند خالتو.
جذبها إليه واغلق الباب هادرًا بنبرة شبه مرتفعة:
_ مفيش خروج من البيت يايسر اطلعي على الشقة فوق يلا.
استاءت بشدة وهتفت:
_ إنت هتحبسني يعني ولا إيه؟
_ اعتبريه زي ما تعتبريه.. أنا قولت مش هتخرجي يبقى مش هتخرجي ومش هكرر كلامي تاني.
صاحت به بصوت مرتفع ومنفعل:
_ إنت مضايق ليه ده أقل حاجة أعملها بعد اللي عملته معايا إني اخبي عليك إني لسا حامل.
صرخ بصوت رجولي نفضها بأرضها:
_ ملكيش حق تخبي عليا.. فاهمة ولا لا ده ابني وأنا ابوه.
نظرت لكفه الذي يقبض على ذراعها بقوة وقالت بألم مكتوم:
_ سيب إيدي ياحسن.. ممكن؟
ترك يدها ولا تزال نظراته مشتعلة تجاهها. فرمقته بنفسها وهتفت بقوة كطبيعتها:
_ أنا هسكت عن اللي بتعمله عشان أنا فعلًا غلطانة ومعترفة بغلطي بس متنساش برضوا إن أنت اللي وصلتني لكدا.
اندفعت إلى الدرج ولكنها توقفت واستندت على الحائط بسرعة عندما داهمها دوار فجأة واحست بأنها ستسقط للخلف. اقترب منها ووقف بجانبها هاتفًا بقلق:
_ مالك.. إنتي كويسة؟
هزت رأسها بالإيجاب وهمت بالسير ولكن الدوار لا يزال موجود فانحنى هو وحملها على ذراعها متجهًا بها للأعلى.
يسر بخنق:
_ نزلني ياحسن لو سمحت.
أجابها بقرف وعدم اكتراث بما قالته:
_ بس يابت اسكتي بلا نزلني بلا قرف.
ضربته على صدره مغتاظة وهدرت:
_ انتي بتكلمني كدا ليه؟
حسن بوجه سمج وبرود:
_ معلش.
تأففت بخنق بينما هو وصل بها إلى الغرفة ووضعها على الفراش برفق هاتفًا بصوت خشن:
_ اكلتي حاجة من الصبح ولا لا.
رمقته شزرًا بغيظ وهزت رأسها بالنفي فصاح مستاءً:
_ يعني إيه مكلتيش؟ إنتي حامل ولازم تهتمي بأكلك وصحتك أنا مش عايز إهمال يايسر عشانك وعشان ابني. من هنا ورايح مفيش تقصير في الأكل مفهووم.. خليكي هنا هروح اعملك حاجة تاكليها واجيلك.
يسر بتسرع وسخط على طريقته القاسية ونبرته المرتفعة:
_ مش عايزة منك حاجة.
استقرت في عيناه نظرة مخيفة على اعتراضها فلوت فمها ممتغضة واشاحت بوجهها بعيدًا عنه معبرة عن خنوعها له بالأخير أمام نظراته المريبة. فاستدار هو وغادر الغرفة تاركًا إياها ساخطة على طريقته وبنفس اللحظة فرحة على أهتمامه بها وخوفه على ابنه!
في مساء ذلك اليوم.
كانت تقف أمام المرآة وتسرح شعرها وصورته معكوسة في المرآة وهو متمدد على الفراش. سمعت صوته يقول مبتسمًا:
_ إنتي بس لو تسمعي كلامي.. ادينا روحنا للدكتورة وقالت مفيش حاجة بتمنع.
_ طيب وأنا إيه عرفني أنا خوفت يكون في حاجة عشان كدا صممت اروحلها.
استقام من الفراش وتحرك باتجاهها حتى وقف خلفها مباشرة ولف ذراعيه حول خصرها يجذبها إليه وينحنى عليها من الخلف يقبل كتفها ويهمس غامزًا بحب:
_ سبيه ياجي في وقته إنتي قلقانة ليه ياحبيبتي.. ثم إني لسا مشبعتش منك.
التفتت له بكامل جسدها وهمست بدلال أنوثي:
_ وياترى هتشبع إمتى بقى؟
تمتم بنظرات خبيثة:
_ وهو البحر بيشبع برضوا.
غيرت مجرى الحديث بطريقة استفزته حيث قالت بفرحة غامرة:
_ هتبقى قراية فاتحة وخطوبة بعد بكرا مش كدا؟ فرحانة أوي والله لرفيف وإسلام.
اختفت ابتسامته بلحظة وحل محلها الخنق وهو يجيبها متأففًا:
_ إسلام ورفيف إيه دلوقتي ياملاذ.. احنا بنتكلم في إيه وإنتي بتقولي إيه!
لم تهتم لانزعاجه واكملت تسأله بعد أن لفت ذراعيها حول رقبته:
_ هو حسن هياجي هو ويسر ولا لا صح؟
زين بنفاذ صبر:
_ جايين بكرا بليل ياملاذ.. وممكن بقى نسيبنا من الناس ونركز مع نفسنا!
ضحكت بقوة وشدت نفسها لتصل لمستواه وتقبله من وجنته هامسة بغنج ونظرة مغرية:
_ عيوني.. أساسًا مفيش حد أهم منك ياحبيبي.
عادت الابتسامة لشفتيه وتمتم بمكر:
_ ومين فهمك إني هسمح يكون في حد أهم مني أصلًا.. وتعالى بقى عشان إنتي وحشاني أوي.
حملها وسار بها إلى الفراش بعد أن احنى رأسه وأخذ يهمس لها في أذنها بكلمات تبدو منحرفة فتضحك هي بخجل وتنكزه في صدره برفق من بين ضحكاتها المرتفعة!
الجميع نائم وليس هناك أي مصدر صوت بالمنزل الكبير. حتى الأضواء مغلقة. اغلق الباب خلفه وهم بالاتجاه إلى الدرج ليصعد ويذهب لغرفته ولكنه لمح ظل غريب لشيء يجلس على المقعد أمام النافذة الكبيرة في الظلام. فمد يده بسرعة إلى زر الكهرباء واضاء المصباح. فعقد حاجبيه بحيرة ودهشة عندما وجد " ميار " الجالسة في ذلك الظلام الدامس بمفردها. لوهلة اعتقد أن أصابها مكروه فهرول إليها وهو يهتف بقلق:
_ ميار إنتي كويسة؟
مدت اناملها إلى عيناها لتجفف دموعها وهي تشيح بوجهها لجانب الآخر عنه وتهز له رأسها بالإيجاب دون التفوه بكلمة واحدة. انتابته الريبة أكثر حول أمرها فجذب مقعد وجلس بجوارها ثم مد يده وامسك بذقنها يدير وجهها إليه ويقول بلطف:
_ بتعيطي ليه؟ وإيه اللي مقعدك في الضلمة وحدك كدا؟
همت بالوقوف مجيبة إياه بجفاء:
_ مفيش حاجة ياعلاء.. أنا هطلع أنام تصبح على خير.
قبل أن تستدير وتتحرك خطوة واحدة احست بقبضة يده القوية تقبض على ذراعها ويهدر بنبرة غليظة:
_ اقعدي وقولي في إيه مالك.. إيه اللي مضايقك؟
_ إنت مضايقني ياعلاء.
تشدق باستغراب وهو يشير بسبابته على نفسه:
_ أنا!!! ليه أنا عملت إيه؟
ميار بقسوة قوية وعدم اكتراث باهتمامه وأنه يحاول التقرب منها بكل الوسائل:
_ عشان رافض تطلقني وتخليني ارجع المانيا.
ترك يده ومسح على وجهه متأففًا بانزعاج شامل ويردد بين شفتيه " استغفر الله العظيم يارب ". نظر لها من جديد وقال بهدوء تصنعه بعدما أثارته كلمة " طلاق ":
_ طيب اقعدي هوريكي حاجة أنا كنت جاي عشان اورهالك بس افتكرتك نايمة لما لقيت البيت كله مضلم. وبما إنك صاحية فده أفضل وقت تشوفي فيه الفديو ده.
_ فديو إيه؟
أشار لها على المقعد وغمغم:
_ اقعدي وهتشوفي.
جلست بجواره وانتظرته يخرج هاتفه ثم وضعه في النصف بينهم ليتمكنوا كلاهما من الرؤية. وبدأ الفديو فاتسعت عيناها بصدمة حين رأت ذلك الوغد الذي حاول الاعتداء عليها وصورها ثم ارسل الصور لعائلتها.
كان بالفيديو ثلاث رجال، اثنان وهو الثالث. الرجلان أبراحوه ضربًا، وأمام الضرب العنيف الذي تلقاه منهم اعترف بكل شيء، وأنه حاول الاعتداء عليها. ثم بالأخير تركوه ملقى على الأرض يتألم ولا يتمكن من الحركة.
انتهى الفيديو وهي لا تزال تحدق بشاشة الهاتف مذهولة، حتى أكمل علاء بصوت رجولي صلب:
_ كمان كان شغال في شركة كبيرة جدًا في ألمانيا. خليتهم يطردوه من الشغل، وبما إن الـ *** ده عايش لوحده بعيد عن أهله، فمش هيقدر يلاقي حتى الأكل.
رفعت نظرها عن الهاتف أخيرًا ونظرت إليه، تهتف بخفوت وتوتر:
_ بس ياعلاء، لو راح واشتكى على الرجالة اللي ضربوه دول هيتحبسوا، وممكن الموضوع يوصل ليك كمان بما إنك السبب في اللي حصله، وإنت اللي بعت الرجالة.
_ ميقدرش يتكلم، لأنه لو اتكلم الفيديو هيوصل للشرطة هناك، وهيتحبس هو كمان بتهمة محاولة الاعتداء.
عم الصمت للحظات قصيرة، حتى قطعته وهي تحدق به بامتنان حقيقي ونظرات تحمل العاطفة:
_ شكرًا ياعلاء.
_ على إيه؟
_ على اللي عملته عشاني.
ابتسم بدفء، وملس على ظهر كفها بلين، هامسًا بصوت يحمل الحنو والخشونة بنفس ذات اللحظة:
_ أنا معملتش حاجة، أنا بس أخدت جزء من حق بنت عمي ومراتي.
سحبت يدها ببطء، وبادلته الابتسامة، ثم استقامت من جديد وقالت بنبرة لطيفة وليست جافة كما كانت منذ قليل:
_ أنا هطلع أنام.
سألها بترقب وتعجب:
_ هو إنتي مفرحتيش ولا إيه؟
لفت كفيها خلف ظهرها وأخذت تفركهم، وقالت بارتباك بسيط:
_ بالعكس فرحت جدًا، فرحانة إن أخيرًا الحق بقى ظاهر علني قدام الكل، والكل هيتأكد إني مليش ذنب في حاجة. وأكيد كمان فرحت باللي عملته عشاني، بس للأسف أنا مش بعرف أعبر عن مشاعري كويس في كل المواقف.
استقام هو الآخر ولف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه فجأة، فأصدرت شهقة مفزوعة وطالعته بحيرة امتزجت بالسخط، بينما هو فهمس بكامل الهدوء وبابتسامة مغرمة:
_ وبما إنك فرحتي باللي عملته، يبقى نقفل بقى على موضوع الطلاق وألمانيا ده نهائي تمام؟
رفعت حاجبها باستنكار وقالت بنظرة ثاقبة وقوية:
_ علاء، إنت ليه مش عايز تطلقني؟
لم تختفي ابتسامته، وظل يحلق بها مبتسمًا للحظات كانت شبه طويلة، حتى هتف وكأنه يسألها ويسأل نفسه، وعيناه ليست ثابتة عليها كدليل على حيرته وخبثه:
_ يمكن عشان بدأت أحبك مثلًا؟
انفرجت شفتيها بتلقائية وصدمة، رمشت بعينيها عدة مرات وهي لا تستوعب، وتسأله بحزم عندما ظنت أنه يمزح معها:
_ إنت بتهزر صح؟
وكأنه وجد الحجة ليفعل ما يدور في ذهنه الآن، حيث هتف بمكر وهو يضحك:
_ شكلك مش مصدقة، طيب تعالي أنا هثبتلك.
وجدته ينحني عليها، يهم بتقبيلها، ففزعت وارتبكت بشدة، ثم رفعت كفها فورًا وكتمت على شفتيه بيدها، هاتفة بحدة ممزوجة بالخجل، وعينان تدوران في كل مكان كالسارق الذي يخشى أن يمسك به صاحب المنزل:
_ إيه اللي بتعمله ده، إنت اتجننت؟ أفرض عمي ولا مامتك شافونا دلوقتي، تقدر تقولي منظرنا هيبقى إزاي قدامهم؟
تراجع برأسه وتمتم مؤيدًا رأيها:
_ لا تصدقي، عندك حق، يبقى تعالي هثبتلك في أوضتنا فوق.
كان على وشك أن يحملها، فدفعته هي برفق بعيدًا عنها، وقالت بعناد وتصنع الجفاء لتخفي ابتسامتها الخجلة والسعيدة التي تخوض المعارك لكي تنطلق على شفتيها:
_ لا شكرًا، مش عايزة إثبات.
وبظرف لحظة فرت هاربة على الدرج متجهة إلى الغرفة، وهي تتوق للحظة التي ستنفرد بها مع نفسها حتى تطلق العنان لضحكتها وابتسامتها.
***
بيدها سندوتش تقوم بحشوه مربى فراولة، وتتندم على ألحان أغنية هادئة ورومانسية لأصالة، غير منتبهة لذلك الذي يتسلل من خلفها ببطء شديد. وإذا بها من بين اندماجها بالدندنة وحشوها للسندوتش، أحست بأصابع نغزتها في خصرها من الخلف، فشهقت مفزوعة والتفتت له فورًا، ثم ضربته على صدره مغتاظة وهتفت:
_ ياخي مش هتبطل حركاتك البايخة دي.
هز رأسه بالنفي وهو يضحك، ثم سألها بخفوت:
_ بتعملي إيه؟
_ بعملي سندوتش مربى، أصل لقيت نفسي جعانة وأنا ما أكلتش كويس في العشا. إنت مش كنت نايم؟
كرم بنبرة عادية ونظرة مريبة قليلًا:
_ أيوة وصحيت، عندك مانع ولا إيه؟
ولته ظهرها وقالت ببرود:
_ آه عندي، روح كمل نومك.
التصق بها وهمس بجانب أذنها بصوت به لمسة الخبث والاستمتاع:
_ طيب ما تدوقيني من المربى دي الأول.
تنهدت بعدم حيلة، ورفعت السندوتش إلى فمه حتى يأكل، فأبدى هو عن نفوره وهو يهتف بأعين راغبة وجريئة:
_ لا أنا مش عايز المربى دي.
ضيقت عيناها باستغراب وسألته بحيرة:
_ أمال عايز إيه؟
قبلة سريعة خطفت من وجنتها، هامسًا بمداعبة:
_ عايز دي.
دفعته بعيدًا عنها برفق، وهتفت بصرامة شبه جادة:
_ كرم احترم نفسك الله، إحنا مش بيتنا، ممكن حد يشوفنا.
لم يبالي واقترب منك مجددًا، مغمغمًا بغمزة وقحة:
_ كله نايم، اطمني.
حاولت ردعه وإبعاده بين ضحكها وصوتها التحذيري:
_ كرم بس بقى، اطلع طيب وأنا هخلص وآجي وراك.
_ لا أنا طلبت معايا هنا وهاخدها هنا.
فغرت عيناها بصدمة ورجعت برأسها للخلف محاولة تفادي محاصرته حتى لا ينال منها بالقبلة. انحنى بوجهه عليها وكان على وشك، ولكنها دارت بوجهها للجانب الآخر. فحرك هو رأسه ناحيتها لتدير رأسها مجددًا على الجانب الآخر، ليزفر هو بخنق وينحني برأسه أكثر فينال من رقبتها يثلمها وسط ضحكها المكتوم وكذلك ضحكه. وفي وسط اللحظات الغرامية، أفسدتها الجدة بدخولها المطبخ فجأة، فانتصب هو واقفًا كالذي لدغته عقرب، والتفت بجسده ناحية جدته يطالعها بابتسامة صفراء مضطربة، والأخرى اختبأت خلفه تخفي خجلها فيه.
بقيت الجدة ثابتة تحملق بهم بملامح جامدة صنعتها بصعوبة أمام ابتسامتها التي ترغب بالانطلاق، فتنحنح هو بإحراج، هامسًا:
_ احم، منورة ياكبيرة.
كتمت شفق ضحكتها بكفها، حيث كانت في وضع صعب لا تدري أتضحك على منظره أم تخجل على الوضع المخرج الذي بقوا فيه أمام الجدة. تحرك هو بخطوات مضطربة ناحية الباب وهو يهتف بارتباك:
_ أنا هطلع أكمل شغل في الأوضة.
شغل؟ عن أي عمل يتحدث؟ فلقد كان نائمًا! ولكن ليس مهمًا، فقد تكون هذه حجة جيدة لتفر هي الأخرى هاربة من نظرات الجدة الثاقبة عليها. التقطت السندوتش وقالت على عجلة وهي تسرع باتجاه الباب:
_ وأنا هروح أساعده، أااقصد هروح أطلع له ورق الشغل، أصل أنا شلته وهيفضل يدور عليه.
وبسرعة البرق فرت مهرولة إلى الخارج، فانفجرت الجدة ضاحكة بقوة وهي تضرب كفًا على كف. ما معنى تقبيلها بمنتصف المنزل في المطبخ؟ أليست هناك غرفة خاصة بهم وبها باب يغلق عليهم حتى لا يراهم أحد؟ لكن شبابهم ليس كشباب هؤلاء أبناء الجيل الجديد.
***
أطفأ جميع الأضواء ولم يترك سوى ضوء الصالة الهادئ، واقترب من النافذة ينظر إلى المطر الذي يهطل بغزارة منذ وقت. وضع كلتا قبضتيه في جيبي بنطاله وتأمل لوحة السماء بشرود. بداخله سعادة عظيمة بأنه لم يخسر ابنه وفرصته في أن يكون أب لم يفقدها. وبنفس ذات اللحظة مشاعر الضجر تحتل جزء كبير منه. يغضب عليها ثم يعود ويعطيها القليل من الحق عندما يفكر بعقلانية في الأمر الذي دفع بها لأختراع كذبة كهذه. كل هذا في جانب، وهناك جانب آخر من قلبه يخبره بوضوح وغضب أن يكف عن هذه الحركات، فالآن يجب عليه فعل شيء واحد وهو أن يكون سعيدًا ومطمئنًا بعد أن حصل على الذي طالما أراده. سيرزق بطفل قريبًا وزوجته سامحته ولم يعد هناك عوائق في حياتهم. إذا من المفترض أن ينظر لنصف الكأس الممتلئ وليس الفارغ!
سمع صوتها الضعيف وهي تصيح عليه:
_ حــــســــن
أسرع إليها في الغرفة فوجدها نائمة في الفراش بثبات عميق ومتدثرة بالغطاء. فابتسم بسخرية من نفسه التي بدأت تهلوس بسماع صوتها حتى عندما تكون معه. أغلق الباب بحرص شديد حتى لا يوقظها واتجه إلى النافذة وسحب الستار على الزجاج، ثم عاد إليها والتف من الجهة الأخرى للفراش ليمدد نصف جسده ويستند بمرفقه على الوسادة، واضعًا كفه أسفل وجنته ويمعن النظر بها بأعين عاشقة وكلها حنو. مد يده الأخرى وأبعد خصلات شعرها عن وجهها وانحنى يطبع قبلة رقيقة على جبهتها، ثم نزل بكفه إلى بطنها يملس عليها بلطف وعيناه معلقة على كفه وهو يبتسم بحب. تململت في الفراش ففتحت جزء صغير من عينيها ورأته، لتصعد الابتسامة المغرمة لشفتيها تحت تأثير النوم وتغمض عينيها مجددًا لتقترب منه وتلتصق به تلف ذراعها حول خصره هامسة بخفوت وعشق تحت تأثير النوم:
_ وحشتني أوي ياحسن.
انفرجت شفتيه عن ابتسامة أشبه بضحكة واعتدل في نومته ليمدد كامل جسده على الفراش ويضمها أكثر لأحضانه، مغمغمًا بهيام وشوق وهو يلثم رأسها بعدة قبلات متتالية:
_ وأنا مشتقالك لدرجة لا يمكن عقلك يقدر يتخيلها. بس خلاص من النهاردة مفيش بعد تاني ومستحيل اسمحلك تبعدي عني إنتي وابني تاني.
لا يوجد إجابة منها فقد أكملت نومها ولم تستمع لأي شيء قاله بعد جملتها التي تفوهت بها، بينما هو فأكمل إمعانه بها وكأنه يملأ عيناه منها للمرة الأخيرة. ولكن الحقيقة أنها المرة الأولى التي يملأ عيناه منها وربما إن استيقظت لن تسمح له بسرق هذه اللحظات وهو يتأملها بهدوء. بقى على وضعه لدقائق طويلة حتى غلبه النوم واستسلم أيضًا لسلطان نومه.
مع طلوع ضوء يوم جديد فتحت هي عينيها تدريجيًا ورفعت كفها تفرك عينيها، ثم انتبهت أنها بين ذراعيه. دهشت بالبداية ولكن انطلقت على شفتيها ابتسامة عريضة ورفعت شفتيها تلثم وجنته بثلاث قبلات. انزعج في نومه على أثرهم وهز رأسه، فوضعت هي رأسها على صدره مسرعة وأغمضت عينيها متصنعة النوم.
فتح عيناه ونظر لها ولوهلة كان سيصدق أنها نائمة ولكن عندما لاحظ رموشها التي تتحرك بقوة، فهم أنها تتصنع. ضحك بصوت مكتوم وأبعدها عن صدره لتستقر رأسها على الوسادة، ثم أصبح هو شبه فوقها وينحنى برأسه عليها. يلمس كل جزء من وجهها حتى رقبتها وهو يهمس بمشاكسة وغرام:
_ صباح الفل والعسل والقشطة والياسمين يامزتي.
كان يزيد من قوة قبلاته عمدًا حتى تفتح عيناها. وأخيرًا همس بجانب أذنها في صوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
_ بحبك أوي يايسر.
أبعد وجهه عنها وتطلع إليها، فعقد حاجبيه بريبة وقلق حين رأى دموعها تنساب بصمت.
_ يسر بتعيطي ليه ياحبيبتي؟ إنتي اضايقتي؟
فتحت عيناها أخيرًا وطالعته بأعين غارقة في الدموع، ولكن لم تكن دموع ضيق أو حزن، بل كانت أخرى لم يفهمها جيدًا. حتى خرج صوتها المبحوح:
_ أنا خايفة أكون بحلم.. فوقني ياحسن ابوس إيدك لو أنا بحلم. كفاية مش عايزة أعيش في أحلام مش هتتحقق تاني.
مد أنامله يجفف دموعها ثم ينحنى ويقبل جفونها برقة هامسًا في عشق جارف:
_ أولًا إنتي مش بتحلمي وكل ده حقيقة. ثانيًا وده الأهم مش عايز اشوف دموعك تاني وبذات لو بسببي.
هتفت بأعين تائهة ومندهشة، مع فرحة أشبه بفرحة طفل:
_ يعني إنت بتحبني بجد؟
امسك بكفها ووضعه على يساره يهمس بأعين ثابتة على عيناها:
_ حطي إيدك هنا وإنتي هتعرفي.
احست بقلبه ينبض بقوة كالمطرقة، ثم وجدته ينحني عليها ويهمس في أذنها بنبرة لا يمكن وصفها سوى أنها تذيب القلوب:
_ عارفة بيقول إيه؟ بيقول سقطت في عشق أنثى وصفت العشق على أنه يقود للجنون، ففعلت كل ما يمكن فعله لتحصل عليه، وبالأخير حصلت عليه بالفعل.
انسابت دموعها بغزارة أكثر، تشعر بأنها ليست في واقع أو ربما تتخيل، لكنه حقيقة وهذا من يذهلها بشدة. انفجرت باكية بحرارة وعانقته بحميمية هاتفة من بين بكائها:
_ وأنا كمان بعشقك فوق ماتتخيل. متسبنيش تاني، أنا كنت بموت في بعدك عني.
_ اطمني، أنا قاعد على قلبك لغاية ماتزهقي منك.
ابتسمت بين دموعها وتمتمت بعاطفة جيّاشة:
_ لا يمكن أزهق منك.
اليوم المنتظر لكل من إسلام ورفيف، هاهو قد أتى. انتهوا من تحضيرات الافتتاح، وكذلك زينوه حتى يكون مناسبًا لحفل الخطبة العائلية التي ستتم فيه. حرص إسلام على إقامة الخطبة بالمطعم إيمانًا بأن هذا المكان هو السبب في اجتماعهم. تعرفا فيه على بعضهما البعض، تعلق بها أكثر وهو يراها كل يوم. رغم أن تعاملهم كان فيه قواعد صارمة وحازمة تحدده، إلا أن القلب لا حاكم عليه. كلاهما انغرسا في وحل مشاعرهم التي تحركت تجاه بعضهم.
حسن ويسر وصلا لأرض الوطن مساء الأمس، ورغم أن الجميع تعجب من تصالحهم السريع، إلا أن طاهر لم يبدِ أي ردة فعل مغايرة. كان مرتاحًا وسعيدًا لرؤية ابنته مطمئنة وفرحة بقربها من زوجها. لكن أبدت الأم بعض الضيق والاعتراض خوفًا على ابنتها من أن يحزنها مجددًا، ولكن طاهر أسكتها ومنعها قائلًا: "لا يجوز التدخل بين الزوجين، وطالما ابنتنا سعيدة وهو كذلك فلا حاجة لإثارة الجدل والمشاكل. ستدعي لهم بأن يسعدهم الله دومًا وليس أن يفرقهم!". هناك عائق أمامهم وهو إخبار الجميع بحملها وأنها كذبت عليهم، لكن كيف ستبرر لهم كذبتها دون أن يؤثر على علاقتها بزوجها؟ لا تعرف حتى الآن!
داخل منزل محمد العمايري، تحديدًا بغرفة رفيف.
كانت يسر تتولى مهمة تزينها ووضع مساحيق الجمال لها. والجلسة لم تكن تقتصر عليهم فقط، بل كل من ملاذ وشفق يشاركونهم الجلسة مع تبادل الأحاديث الممتعة وضحكهم لا يتوقف للحظة. تارة هذه تقول شيئًا فيضحكون، وتارة أخرى. إلى أن انتهوا من تجهيز العروس. وقفت رفيف تتأمل بنفسها في المرآة وهي تبتسم بحياء، فقالت شفق بوجه بشوش:
_ يلا عشان كرم مستنينا تحت وحسن وزين في المطعم هناك مع العريس.
ألقت نظرة أخيرة على نفسها ورحلوا جميعًا مستقلين بسيارة كرم. استقلت بجواره زوجته، وبقية الفتيات كانوا من الخلف. التفت برأسه تجاه شقيقته وحدجها بنظرة دافئة وحانية ليهمس مبتسمًا بحب:
_ إيه القمر ده بس ياحبيبتي.
هتفت يسر بمشاكسة كنوع من تلطيف الجو:
_ أنا اللي حطالها المكياج على فكرة.
ضحك ونظر أمامه يحرك محرك السيارة ويجيبها مشاكسًا إياها بمكر:
_ هي حلوة من غير أي حاجة أساسًا.
_ لا والله.. ماشي يا أستاذ كرم.
همست رفيف في أذنها ضاحكة:
_ سيبك منه ده بيغيظك.
تبادلوا الحديث جميعهم في السيارة طوال الطريق بضحك ومرح، فيما عدا ملاذ التي كانت تتابعهم وتضحك بصمت لوجود كرم واستحيائها منه. وصلوا إلى المطعم وكان الجميع بانتظارهم. فرحوا وأعجبوا برفيف، وبالأخص إسلام الذي أشرق وجهه بابتسامة عريضة كادت تشق طريقها إلى أذنه. بدأ الحفل واستمر لساعات طويلة حتى أتت لحظة ارتداء خاتم الخطوبة، فتولت هدى المهمة وألبست هي ابنتها الخاتم كما فعلت تمامًا مع حسن وزين في خطبتهم، وبالأخص زين الذي حرص على أن تلبسه الخاتم أمه حتى لا يلمس يد خطيبته. انطلقت الزغاريد والتصفيق فور انتهائهم من ارتداء الخواتم. فرحة الجميع كانت لا توصف، خصوصًا هدى التي أدمعت عيناها فرحًا على ابنتها وهي تراها سعيدة ومسرورة!
أخرج كرم هاتفه من جيبه بعد أن شعر باهتزازه ونظر للمتصل الذي كان رقمًا مجهولًا. هم بأن ينهض من جوار شفق فقبضت على كفه تسأله بتعجب:
_ رايح فين؟
_ هروح أرد على التلفون برا.
_ طيب متتأخرش.
منذ دخولها لذلك المطعم وقد شعرت بغزة في قلبها لا تعرف سببها. حاولت تجاهلها، ولكن كلما يمر الوقت تزداد شدتها أكثر، والآن أصبحت الضعيفة عندما خرج وتركها!
ذهب إلى الخارج تمامًا حتى يستطيع الرد بعيدًا عن ضجة الموسيقى. وضع الهاتف على أذنه وهتف:
_ ألو....
انتظر الإجابة ولكن ليس هناك أجابة، فعاد يهتف بحيرة:
_ الووو؟ مين معايا.. الو.
وعلى غفلة دون أو يكون في تخيله حتى أنه فخ نصب له. أحس بأن روحه خرجت عندما طعنه أحدهم من الخلف في ظهره، وبنفس ذات اللحظة أخرج السكين من جسده بكل عنف. فوضع كرم كفه موضع الدماء التي بدأت في السيلان من جسده، وعلت ملامح وجهه الألم وهو لا يتمكن حتى من سحب أنفاسه. تحامل على نفسه والتفت للخلف بصعوبة، فوجده رجل ملثم رفع يده حتى ينزع القماش الذي يخفي به وجهه. فأتته الطعنة الثانية في معدته، ثم يفر ذلك الرجل هاربًا يستقل بإحدى السيارات وينطلق. ويسقط كرم على الأرض كالجثة الهامدة التي لا حياة فيها، ومن حوله الدماء تحوطه!
رواية ضروب العشق الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ندى محمود توفيق
استقامت شفق واقفة وقررت الخروج لتطمئن عليه، فقلبها يأكلها من القلق وتداهمها نغزة مؤلمة في قلبها.
قادت خطواتها للخارج وهي تتلفت حولها باحثة عنه، حتى وصلت إلى باب المطعم الرئيسي فتصلبت بأرضها وكأن صاعقة قد أصابتها.
سرت رجفة عنيفة في جسدها مع صراعات بدأت في عقلها ترفض تصديق عيناها.
هذا لا يمكن أن يكون زوجها.
تحركت تجاهه بخطوات متعثرة كالذي فقد عقله ولا يدرك ما يراه أمامه.
جثت أمامه على الأرض وامسكت بوجهه تهتف في صوت مرتجف وأعين دامعة:
_ كرم قوم إنت بتهزر معايا مش كدا!
أكملت همسها المرتعش وانسابت دموعها بغزارة:
_ كرم رد عليا.. كرم.. كـــرم.
رفعت يدها ونظرت إلى دمائه التي لطختها، فعادت تنظر له وانفجرت باكية مع صرخة مدوية أطلقتها.
رغم الموسيقى إلا أن الجميع سمعها، فهرلوا راكضين إلى الخارج على أثر الصرخة.
بمجرد ما وقع نظرهم عليه توالت الصرخات من كل من هدى ورفيف.
التفوا جميعهم حولها وهي تحتضنه وتبكي بهستيريا.
انحنى كل من زين وحسن على أخيهم، هزّه زين بيد مرتعشة هاتفا:
_ كرم إنت سامعنا كرم.
وضع يده على رقبته يقيس النبض فوجده طبيعي.
صاح حسن بانفعال ورعب بادٍ على محياه:
_ يلا هنوديه للمستشفى يازين، أكيد مش هنستنى الإسعاف.
استقام زين وأبعدت ملاذ شفق عنه بصعوبة ليحمله كل من حسن وزين ويضعوه في السيارة.
هرولت شفق لتستقل بجواره، والباقية لحقوا بهم بسيارة حسن التي تولت قيادتها يسر والباقي بسيارة إسلام.
***
داخل المستشفى...
الجميع في حالة مزرية، هدى لا تتوقف عن النحيب والبكاء وكذلك رفيف.
أما شفق فكانت تجلس على أحد المقاعد وقدماها تهتز بشدة وتقرض أظافرها بعنف هامسة لنفسها ودموعها لا تتوقف عن السقوط:
_ لا هو عارف إني مليش غيره.. عارف إني مقدرش أعيش من غيره ومقدرش اخسره.
هو وعدني إنه مش هيسيبني وهو مستحيل يخلف وعده لأنه عمره ما خلف وعده معايا قبل كدا.
أنا واثقة إنه كويس.
كانت يسر بجانب رفيف تارة تحاول مواستها وتارة تحتاج هي إلى من يواسيها.
أما ملاذ فقد لاحظت حالة تلك المسكينة فاشفقت عليها وأدمعت عيناها لتنهض وتذهب فتجلس بجوارها وتضع كفها على قدمها هامسة بأعين دامعة:
_ ادعيله وهو هيبقى كويس إن شاء الله صدقيني وربنا هيقومه بالسلامة.
نظرت لها وقالت بنظرات قوية وطريقة تدل على فرط بعثرتها الداخلية وأنها ليست بوعيها:
_ هو كويس أصلاً.. أنا عارفة هو بس بيحب يهزر هزار بايخ كدا دايمًا معايا.
مع إنه عارف إني مليش في الدنيا دي غيره.. بس هو لما يطلع مش هسيبه وهتخانق معاه.
انهمرت دموع ملاذ بألم وحزن لتفرد ذراعيها وتضمها لصدرها مرتبة على ظهرها بحنو ومتمتمة بصوت باكي:
_ هيطلع بإذن الله متخافيش.. هيطلع.
انهارت شفق بين ذراعيها في نوبة بكاء حارة وعنيفة وهي لا تهمس سوى بشيء واحد من بين بكائها "كــرم.. كـــرم".
كان زين يقف بأحد الأركان وساكنًا كالصنم الذي لا حياة فيه.. يكتم جميع حزنه وخوفه بداخله.
حتى مشاعر الغضب لا يظهرها لكنه يتوعد لمن فعل ذلك بأخيه أنه لن يدعه يرى للرحمة عنوان.
على عكس حسن الذي كان واضح عليه السخط والقلق ولم يتمكن من منع نفسه حيث هتف بوعيد حقيقي وأعين حمراء كالدم وهو يجوب أمام غرفة العمليات:
_ هشرب من دمك يا كمال الحسيني.. وحياة أمي ما هسيبك تتهنى في حياتك يوم واحد.
انتبه الجميع لما قاله وبالأخص زين وشفق.
اقترب زين من أخيه وهتف بنظرات كلها شر وجديدة عليه:
_ كمال الحسيني اللي عمل كدا ياحسن؟
_ مفيش غيره.. بس هيروح مني فين.
كور زين قبضة يده بقوة يحاول تمالك أعصابه مؤقتًا إلى أن يخرج أخيهم من العمليات.
وأخيرًا بعد ساعات من الانتظار خرج الطبيب فكان كل من حسن وزين هم الأقرب إلى الطبيب والباقي لحقوا به.
الطبيب بوجه بائس:
_ والله إحنا عملنا اللي علينا بس الطعنتين كانوا في أماكن خطرة جدًا.. وحالته حتى الآن خطرة فهيفضل تحت العناية المشددة لغاية ما حالته تتحسن.
بس هو أخد طعنة في الظهر وممكن تأثر عليه بعد ما يفوق إنه ممكن ياخد فترة مش بيمشي للأسف.
تعالى بكاء هدى التي كانت تهتف ببكاء حاد:
_ ياحبيبي يابني ربنا ينتقم من اللي كان السبب.. يارب قومه بالسلامة لينا.
ثبتت شفق نظرها على الخلاء.
واستقرت نظرة نارية في عينيها لا تبشر بالخير. ثم همت بالرحيل، فقبضت على ذراعها ملاذ وهتفت بتساؤل:
_ رايحة فين ياشفق؟
شفق بنظرة مريبة:
_ رايحة الحمام وراجعة.
_ آجي معاكي طيب.
أجابتها بالرفض، وبلهجة صارمة استغربتها منها:
_ لا، هروح وحدي.
اندفعت من أمامهم، ولم ينتبهوا لها لانشغالهم بحزنهم على كرم. وإذا بالدقائق تمر، حتى اقترب زين من ملاذ وهتف:
_ شفق فين ياملاذ؟
وثبت واقفة بزعر، وقالت بارتياع:
_ دي قالتلي رايحة الحمام وراجعة، ولغاية دلوقتي مرجعتش. أنا إزاي نسيتها؟
زين بدهشة وقلق:
_ إزاي سبتيها وحديها ياملاذ؟
ملاذ بنبرة متلقلقة:
_ هي مرضتش تخليني أروح معاها والله.
انضم إليهم حسن عندما لاحظ هو الآخر اختفاء زوجة أخيه من الوسط، فقال زين بحزم:
_ حسن، شفق مش موجودة. أنا هدور عليها في المستشفى، وإنت أطلع دور عليها برا.
صمت لبرهة، ولاحت بعقله فكرة جعلته يزداد غضبًا وخوفًا:
_ معقول يكون عمها خطفها؟
رمقه زين مرتعدًا، ثم اندفع يبحث عنها في الأرجاء. أما حسن فاندفع لخارج المستشفى بأكملها.
***
ترجلت من سيارة الأجرة أمام البناية التي يوجد بها شقة والدها. رفعت نظرها للطابق العلوي، ثم قادت خطواتها شبه ركضًا إلى الداخل، واستقلت بالمصعد الكهربائي ليقف بها أمام طابق شقتهم. فخرجت وهرولت إلى الباب، ثم أخرجت المفتاح ووضعته في القفل وفتحت، ثم دخلت وأغلقت الباب خلفها. ألقت نظرة فاحصة على المنزل، ومرت أمام عينيها ذكرياتها كلها مع أخيها وأمها. حتى الأيام الذي كان يأتي فيها "كرم" لزيارتهم مرت أمام عينيها. سالت دموعها بألم وحزن، ثم قادت خطواتها إلى غرفتها حتى لا تتغافل عن السبب الذي أتى بها إلى هنا.
فتحت باب غرفتها وأضاءت النور، وإذا بصرخة مرتفعة تصدر منها عندما رأت ذلك "الجاسر" يجلس على مقعد وينتظرها بابتسامة شيطانية وشرانية. رفع جاسر أمامه SD ليقول بلؤم مبتسمًا:
_ جاية تدوري على ده مش كدا؟
الخطأ خطأها، فشئ كهذه كان يجب عليها أن تخفيه بمكان لا يتمكنوا من توقعه. والآن فشلت خطتها التي كانت تنوي فعلها لتنتقم لزوجها، ووقعت أثيرة لشرور عمها وابنه.
تلفتت حولها، فالاحظت عيناها لفظة موضوعة فوق المنضدة. فاسرعت والتقطتها، وكانت على وشك أن تضربه بها، ولكنه سبقها وأخذها منها ليكبلها بذراعيه ويهتف ببرود:
_ ينفع برضوا تضربي جوزك المستقبلي ياحبيبتي؟
رمقته باشمئزاز وتقرف، وبدون أي خوف أو تردد، بصقت في وجهه. وصاحت بنبرة أنوثية قوية:
_ ورحمة سيف وماما، ماهسيبك إنت وأبوك ياجاسر. وحق كرم أنا اللي هاخده. ومش بس حق جوزي بس، لا ده حقي وحق أخويا كمان. هنهيكم نهائي، وخليك فاكر كلامي ده.
جذبها من ذراعها بغضب بعدما نجحت في إثارة جموحه:
_ طيب يلا عشان توريني هتاخدي حقك إزاي؟
حاولت نزع قبضته عنها وهي تصرخ:
_ ابعد سيبني ياحيوان.. أنا مش هروح معاك مكان.
صرخة عارمة خرجت منه أخافتها حقًا:
_ هتاجي ياشفق، وإلا المرة دي هبعت حد واخليه ينهي على البيه بتاعك خالص هو وفي المستشفى، وأقدر أعملها وإنتي عارفة. الاختيار ليكي.
قد يفعلها حقًا، هو لا يكذب. أجبرت على السير معه للخارج، حتى وصلا أمام المطبخ. فلاحت في ذهنها فكرة لتوقفه وتقول بنبرة عادية مصطنعة:
_ طيب ممكن أروح أشرب؟
نظر لها بشك، ولكنه فعل كما رغبت، حيث ذهب بها إلى المطبخ ووقف خلفها ينتظرها حتى تنتهي. وبعدما انتهت، جذبها من ذراعها يجرها خلفه. وقد سنحت لها الفرصة، فالتقطت سكين بسرعة دون أن ينتبه لها، وأخفتها خلفها. سارت معه حتى غادروا البناية، وأصعدها بسيارة كانت تنتظرهم، واستقل هو بجوارها. وهي كانت تحاول بقدر الإمكان إخفاء السكين عن أنظاره.
***
توقف حسن أمام المستشفى يلتقط أنفاسه بعدما بحث عنها بكل مكان. رأى أخيه يتجه نحوه وهو يسأله بغلظة:
_ ملقتهاش برضوا؟
هز رأسه بالنفي وهو يمسح على وجهه متأففًا بخنق، ليقول باستياء:
_ أنا هروحله الـ *****.
أوقفه زين بصرامة، وقال في أعين قاتمة:
_ لا، خليك إنت هنا في المستشفى معاهم وعينك متغفلش عن حد فيهم ياحسن. وأنا هتصرف. ولو في أي جديد بخصوص كرم، اتصل بيا.
ثلاثتهم حين يتطلب الأمر إظهار عدم الرحمة، لا يترددوا في إخراج الوحوش الخامدة في أعماقهم. وقد يكون كل من زين وكرم أسوأ من حسن حين يخرج ذلك الوحش الكامن داخلهم. وربما اليوم لأول مرة سيخرج وحش الزين!
استقل زين بسيارته وانطلق بها يشق الطرق بجنونية. وبعد دقائق طويلة من القيادة، توقف أمام منزل "كمال الحسيني". فترجل من سيارته وسار إلى الداخل بخطوات سريعة وساخطة، حتى وصل إلى الباب وطرق عدة طرقات عنيفة. ففتحت له ريماس، التي رمقته بريبة من منظره، وسمعته يهتف بصوت رجولي مرعب:
_ أبوكي وأخوكي فين؟
ريماس بارتياع:
_ مش موجدين ليه؟ هو حصل إيه؟
لم يطل في الوقوف، حيث رمقها بنظرة مميتة وهتف منذرًا:
_ بس صدقيني لو مخبينهم جوا، هعرف.
ثم استدار وذهب عائدًا إلى سيارته، بينما الفتاة فبقيت بمكانها تحدق على أثره بتفكير ودهشة. إلى أن اقتربت منها أمها وسألت:
_ مين اللي كان على الباب ياريماس؟
التفتت برأسها إلى أمها وقالت بنظرات خائفة:
_ ده زين العمايري، كان بيسأل عن بابا وجاسر وشكله يخوف.
هو بابا وجاسر عملوا إيه ياماما؟
تصنعت الأم الجهل وأجابتها بعدم اكتراث بعدما استقامت وسارت إلى المطبخ:
_ هيكونوا عملوا إيه يعني.. معملوش حاجة، هما بس من كرهم لأبوكي وأخوكي، عايزين يأذونا بأي شكل.
استقرت نظرات ريماس على الفراغ وهي تفكر بالجريمة التي ارتكبوها هذه المرة. فبالتأكيد لن يأتي زين بنفسه ليسأل عنهم إلا إذا حدث أمر ليس بهين. اتسعت مقلتي عيناها عندما حدثها عقلها يطرح عليها سؤال ذكي: "إذا حدثت مشكلة، فلماذا لم يأتي كرم وجاء أخيه؟ هل يعقل أن يكونوا قد فعلوا شيء له؟!".
***
وصلا إلى منزل أرضى معزول عن المساكن وبمنطقة شبه مهجورة. فتح جاسر الباب وهو ممسك بذراعها في عنف ويجرها خلفه. وصل بها إلى غرفة داخلية ودفعها للداخل بعدم شفقة وأغلق الباب عليها. ظلت تضرب على الباب بقدمها ويديها صارخة:
_ افتح الباب يا جاسر.
أجابها بغلظة صوت:
_ مفيش باب هيتفتح يا شفق، واعملي حسابك إنك هتطلقي من كرم.. لإني مش هسمحلك تكوني لحد غيري.
صاحت به من خلف الباب بشجاعة وعدم خوف:
_ نجوم السما أقربلك من اللي بتفكر فيه ده.. أنا ممكن اقتلك ومش هيهمني.
استفزته كلماتها، فأخرج المفتاح من جيبه ووضعه في قفل الباب ليفتحه ويدخل لها. وبحركة مفاجأة جذبها من خصرها إليه وقال أمام وجهها بنظرات شيطانية:
_ إنتي ليا.. كنتي ليا وهتفضلي ليا.
حدجته بشراسة واشمئزاز ثم دفعته بعيدًا عنها بقوة وبصقت في وجهه. أغمض عينيه بقوة وقد تمكن منه الجموح، فرفع يده إلى وجهه يمسحه وهي يجز على أسنانه. ثم فتح عينيه ورمقها شرزا، وإذا بكفه يرفعه ويهوي به على وجنتها، فصدرت هي شهقة مرتفعة ووضعت كفها على وجنتها موضع صفعته، لتهتف وهي تنظر له بوعيد حقيقي:
_ مش هتنفذ بعملتك إنت وعمي واللي عملتوه مع جوزي، هدفعكم تمنه غالي أوي. وخليك فاكر كلامي ده كويس.
لم يبالي بكلماتها وابتسم مستهزئا، ثم استدار وغادر وأغلق الباب بالمفتاح مجددا. سالت دموعها غزيرة على وجنتيها وجثت على الأرض تضم ساقيها إلى صدرها وتدفن وجهها إلى الأسفل، تأخذ وضعية الجنين وببكاء حار همست من بين بكائها:
_ كرم أنا محتاجاك ياحبيبي.. يارب قومه بالسلامة. أنا مليش غيره ولو جرى له حاجة مش هقدر أستحمل.. يارب إنت العالم بحالي وحالنا كلنا.
***
داخل المستشفى...
اقترب حسن من أمه التي تجلس بسكون. دموعها تسقط في صمت وحالتها مزرية. جثى على ركبتيه أمامها والتقط كفها يقبله بحنو وهمس في صوت مهموم:
_ قومي ياماما عشان تروحوا البيت.. إنتي شوفتي الدكتور قال إيه، مينفعش الكل يفضل هنا. أنا هقعد مع كرم هنا أنا وإسلام.
هتفت هدى بحدة وأعين مليئة بالدموع:
_ أنا مش هسيب ابني وأمشي.. مش هتحرك من هنا غير لما أشوفه وأسمع صوته وأطمن عليه.
تماسك نفسه بصعوبة أمامها، فهو يحترق ألما على أخيه ولا يظهر ذلك بالضبط كزين الذي يتصنع الثبات أمام الجميع.
استقام وانحنى على رأسها يقبلها بلطف وهمس في دفء محاولا اقناعها ومسايستها بالكلام:
_ ياماما كرم لغاية دلوقتي حالته كويسة ومش خطرة أوي. قعادكم هنا مش هيفيد بحاجة.. روحي البيت وارتاحي وتعالي بكرة الصبح وأنا أهو موجود ولو في أي حاجة هتصل بيكي.
هتفت بعناد وغضب:
_ قولتلك لا يا حسن مش همشي.
تنهد الصعداء بألم ونظر لها بنظرات موجوعة وهو يتوسلها:
_ يا أمي بالله عليكي متتعبنيش.. هنا مش أمان ليكم لكن البيت آمن أكتر. روحي وصلي في البيت وادعيله ربنا يقومه لينا بالسلامة.
انسابت دموعها بحرقة وذعنت بالأخير لرغبته، فأمسكت بها ملاذ وسندتها ليسيروا معا للخارج. أما رفيف فنظرت لأخيها وكأنها تتوسله أن يتركها تبقى معهم. فضمها لصدره مقبلا جبهتها بحنو هامسا في حزن:
_ مينفعش يا رفيف.. روحي غيري فستانك ياحبيبتي وريحي في البيت معاهم.
_ بس أوعدني إنك هتتصل بيا تقولي لو حصل أي حاجة.
_ حاضر أوعدك يلا روحي معاهم وهتلاقوا مسعد مستنيكم برا.
أماءت له بالموافقة وسارت خلف أمها وزوجة أخيها وهي تجفف دموعها التي تتساقط باستمرار. وقفت يسر أخيرا واقتربت منه تحتضن كفه بين كفيها مهمهمة بنظرة مهتمة ومشفقة:
_ خليني جنبك ياحبيبي. هفضل قلقانة عليك لو سبتك وحدك.
رفع أنامله وملس على وجنتها بنعومة هامسا:
_ متقلقيش عليا أنا كويس. علاء هيقعد الليلة معاكم في البيت هناك لغاية ما الوضع يهدى ونمسك اللي عمل كدا.
أماءت له بالإيجاب ثم سألت باهتمام وخوف:
_ لسا ملقتوش حاجة عن شفق؟
_ لا زين راح يدور عليها ولسا متصلش بيا لغاية دلوقتي.
يسر بجدية تامة:
_ بلغوا البوليس يا حسن اللي بيحصل ده مينفعش.
قال بأعين كلها نقم ووعيد بالأنتقام:
_ هنبلغ بس بعد ما نمسكه احنا الأول.
تأففت بعدم حيلة ولم تجادل معه كثيرا، حيث ابتعدت عنه ولحقت بالباقية...
***
توقفت السيارة أمام أحد المنازل الصغيرة. فترجل زين من السيارة وقاد خطواته الساخطة نحو الباب. طرق عدة طرقات عنيفة كادت أن تكسر الباب، ليفتح له كمال الذي اندهش به. لم يمهله زين اللحظات لكي يندهش حتى، حيث وجه له لكمة قوية كادت أن تطيح بذلك العجوز أرضا. ودخل وأغلق الباب خلفه هاتفًا في صوت مريب:
_ كان نفسي أقول ده راجل كبير وميصحش، بس شكلك مش بتيجي غير بكدا ووصلت بيك إنك تحاول تقتل أخويا.
انتصب كمال في وقفته وقال بشجاعة مزيفة يدافع عن نفسه:
_ اخوك إيه وقتل إيه!! أنا مش فاهم إنت بتتكلم عن إيه؟
لمعت عيني زين بوميض شراني مخيف، حيث جذبه من لياقة قميصه ووجه له لكمة أخرى وتمتم بنبرة أشبح بصوت فحيح الأفعى، تحمل في طياتها كل معاني الغضب والشر:
_ كلنا عارفين إنك اللي عملت كدا في كرم، وأنا مش جاي هنا عشان أسألك عملت كدا ولا لا. لأن ده أمر مش محتاج سؤال وعقابه هيكون تقيل أوي عليك، يعني جهز نفسك عشان لو نزلت سابع أرض هجيبك وهدفعك تمن اللي عملته في أخويا ومش هيكون عقاب عادي..
والسؤال الأهم دلوقتي هو شفق فين يا كمال؟
صوته ونظرته يتحدثان بالثأر لأخيه. لم يبدو له أبداً أنه يحاول إخافته أو تهديده فقط بالكلام بل سينفذ بالأفعال. ركز على آخر جملة وهي سؤاله عن زوجة أخيه فأجابه بخفوت تام:
_ معرفش حاجة عنها. ثم إن متنساش إن اللي بتسألني عنها دي بنت أخويا وأكيد مش هأذيها يعني!
زين بلهجة تحذيرية:
_ لآخر مرة هسألك شفق فين؟
دفع كمال يده عن لياقة قميصه وصاح به مندفعاً:
_ قولتلك معرفش فينها. إنت جاي بتهددني في بيتي بمحاولة قتل أخوك وعايزني أسكت؟ أنا هتصل بالشرطة دلوقتي حالاً وابلغ عن اللي بيحصل ده.
_ بلغ بس متنساش الأول إني ماسكك من إيدك اللي بتوجعك. أعتقد إنت من أيام سيف الله يرحمه وجربت مين هو زين العمايري ويقدر يعمل إيه. فأنا هديك مهلة لغاية بكرا الصبح.
حدجه كمال برهبة وفضول لمعرفة أي مهلة هذه ولماذا. ليسترسل زين حديثه ولكن بخفوت مخيف به لمسة التهديد:
_ أنا مش هوسخ إيدي سواء بيك أو بأبنك الحقير ده. شفق هترجع في خلال ساعة ومعاك لغاية الصبح تجهز نفسك وتروح تعترف إنك إنت اللي حاولت تقتل كرم. ومحاولة قتل أهون ما اروح اعترف أنا وأقولهم على كل بلاويك. ساعة واحدة ولو شفق مرجعتش يبقى إنت اللي جنيت على روحك.
ثم استدار وانصرف وتركه يفكر في حل للمعضلة التي وقع بها. يجب عليه الاعتراف أنه أخطأ عندما خطط لمحاولة التخلص من "كرم" قبل أن يهتم بشقيقه الأكبر...
***
جالساً على أريكة طويلة وبيده مفتاح الغرفة يعبث به يميناً ويساراً ونظره معلق عليه. تستحوذ على تفكيره ويخطط كيف سيطلقها من زوجها ليجتمع بها وتصبح له للأبد...
ما يسميه البعض عشق قد لا يكون يحمل أي ضرب من ضروبه. هو فقط هلاوس تعلقت بالذهن لتقنعه بأنه يعشق فتتحول الهلاوس إلى هوس وجنون. قد لا تجني سوى الشر والأذي للطرفين. بل وبمعنى أدق هو شعور بالنقص فيلجأ إلى مشاعر الحب ليكي تعوض ذلك النقص وحين يفشل يفرض نفسه على العشق وأما أن أحصل عليه أنا أو لا أحد يحصل عليه مطلقاً!! ...
انتشله صوت رنين هاتفه فالتقطه وأجاب بهدوء:
_ أيوة يابابا.
كمال بعصبية ولهجة آمرة:
_ سيب شفق تمشي يا جاسر دلوقتي حالاً.
_ نعم.. أسيبها ده إيه؟ أنا ماصدقت إنها بقت معايا خلاص.
صرخ به في صوت جهوري:
_ بقولك سيبها وإلا هنروح في داهية وجهز نفسك عشان هنحجز تذكرتين وهنمشي من مصر نهائي قبل الصبح.
استقام وصاح بأبيه منفعلًا:
_ أنا مش هسيب شفق يابابا. لو إنت خايف على نفسك احجز التذاكر ليك إنت وماما وريماس وأمشوا وملكمش دعوة بيا.
_ إنت مبتفهمش. بقولك هتحبس ومش بعيد يكون فيها مؤبد ده لو مكنش إعدام. زين اداني مهلة ساعة ترجع فيها شفق ولو مرجعتش هيبلغ بكل حاجة. اسمع الكلام يا جاسر وسيبها تمشي.
صمت لبرهة من الوقت دون أن يتحدث ثم أنزل الهاتف والقاه على الأريكة وسط صيحات أبيه به المتكررة وهو يصيح في الهاتف:
_ جاسر.. جـــاســـر رد عليا.
وصل إلى باب الغرفة وفتحه ثم دخله فوجدها جالسة على الأرض وتضم ساقيها إلى صدرها كمحاولة بائسة منها لتدفئة نفسها في ذلك البرد القارص. جذبها من ذراعها فوقفت وهو يجرها خلفه وهي تصيح به محاولة الإفلات منه:
_ سيب إيدي إنت واخدني على فين؟
جاسر بنظرات مشتعلة:
_ هنروح على مكان محدش هيعرف يوصلنا فيه أبداً. مش هسمح لحد ياخدك مني.
صاحت وهي تبكي بعنف وخوف:
_ إنت مريض نفسياً لا يمكن تكون طبيعي.
صرخة جهورية صدرت منه نفضتها نفض:
_ اسكتي خالص.
أكمل سيره وهو يجرها خلفه وهي لا تزال تحاول الهرب منه ولكن دون فائدة. حتى وصلا إلى السيارة وجعلها تركب عنوة ثم استقل هو بمقعده المخصص للقيادة وانطلق بالسيارة يشق الطرقات لمكان لن يتمكن أحد فيه من الوصول إليهم!!! ...
***
انفجر حسن بأخيه غاضباً وهو يصيح:
_ يعني إيه يسلم نفسه. إنت هتسيبه يسلم نفسه بالسهولة كدا؟
زين بنبرة رجولية صارمة:
_ حق كرم مش هناخد بالطريقة اللي إنت عايزها دي. مش هنروح نقتله مثلاً. بالنسبالي ده أكبر عقاب إنه يقضي بقية حياته في السجن وأنا عارف إنه مش هيروح يعترف على نفسه وعشان كدا عملت حسابي وبلغت البوليس بكل حاجة عنه. ولما يفوق كرم بإذن الله يختار هو يكمل حقه بأي شكل يحب.
_ طاب كمال وفهمنا لكن جاسر أنا مش هسيبه.
هتف زين مندفعاً:
_ حسن مش وقته دلوقتي. الاهم دلوقتي مرات أخوك ترجع وأخوك يقوم بالسلامة بعدين نشوف هنعمل فيهم إيه.
حسن ساخراً بعصبية:
_ وإنت فكرك إن لو شفق معاهم هيسبوها؟ أنا مش هفضل قاعد كدا ومستني هروح أحل الموضوع ده بنفسي. بس أنا معنديش قلب ولو وقعوا تحت إيدي مش هرحمهم.
ثم اندفع مغادراً المستشفى بأكملها لينظر إسلام إلى زين ويقول بجدية:
_ روح وراه يازين وأنا هفضل هنا اطمن.
استقام وهرول راكضاً خلف أخيه وهو يصيح منادياً عليه ولكنه يتجاهله تماماً ولا يجيب عليه. حتى وصل إلى سيارته واستقل بها لينطلق بها كالسهم فلحقه زين بسيارته!!! ...
***
بينما كان كمال يغرفته يجمع ملابسه داخل حقيبة السفر التي جهزها لكي يهرب قبل أن ينفذ "زين" تهديده. وإذا به يسمع بطرق عنيف على باب المنزل. التفت برأسه للخلف وجحظت عيناه بصدمة امتزجت بالرعب من أن يكون الطارق هو الذي يتوقعه. الطرق مستمر وأصبح أشد عنفاً فحسم قراره وقاد خطواته المرتجفة إلى الباب. ليمسك بالمقبض ويفتح ولم يخطأ توقعه. حيث وجد الضابط أمامه وثلاثة من العساكر معه.
ابتلع ريقه بخوف وحدّق بالضابط بارتِعْداد، وبالأخص عندما سأله في غلظة:
"إنت كمال الحسيني مش كدا؟"
هز رأسه بالإيجاب في أعين مضطربة، فعاد الضابط للمرة الثانية يسأله في سخط ونظرات ثاقبة:
"ابنك فين؟!"
التزم الصمت لثلاث ثوانٍ يفكر في كذبة يخترعها، ولكن عقله لم يسعفه، فهتف متلعثمًا:
"مش موجود يا حضرة الظابط، ليه هو في حاجة؟"
قبض الضابط على ذراعه هاتفًا بنبرة رجولية صارمة:
"في القسم هتعرف في إيه.. اتفضل معانا يلا."
خدعه واوهمه بأنه لن يسلمه للشرطة مقابل أن يترك شفق، ولكنه فعل وأخبر الشرطة بكل جرائمه، وها هو قد وقع أثيرًا لأخطائه بالنهاية.
***
ساعات مرت من البحث، كل من زين وحسن يبحثان بطرق مختلفة في محاولات بائسة لإيجاد ذلك الوغد المدعو بـ "جاسر"، وحتى الآن لم تصل أخبار من الشرطة أنهم عثروا على مكانه. الجميع ما بين لحظات الخوف والرعب على مريضه (كرم) الذي لا يزال تحت العناية المشددة ولم يستعد وعيه، وبين القلق والرهبة على تلك المسكينة المفقودة التي استغلها عمها وابنه لأطماعهم الجشعة.
أذان الفجر ارتفع في مآذن المساجد ولا يوجد خبر حتى الآن. وأخيرًا وصل اتصال على هاتف حسن الذي أجاب بتلهف:
"أيوة يا حسام عرفتوه مكانهم؟"
"أيوة يا حسن عرفنا المكان، هبعتهولك في رسالة وتعالي ورايا."
أنهى معه الاتصال وانتظر للحظات حتى بعث له الموقع في رسالة، لينطلق بالسيارة في سرعة البرق، ومن ثم يجري اتصالًا بزين ليخبره بأن يلحق بهم على هذا المكان.
على الجانب الآخر، تمكنت بصعوبة من فك الأحبال التي قيدها بها على كرسي خشب في هذا المخزن المهجور في منطقة شبه صحراوية. كانت على وشك أن تقف وتركض هاربًا، ولكنها رأته يتجه نحوها، فبقيت كما هي في مقعدها، وحاولت أن لا تظهر له أنها فكت قيد الحبال. والسكين الذي أخذتها من منزلهم ما زالت محتفظة بها، وقد حان وقت استخدامها.
انحنى جاسر وجلس القرفصاء أمامها يهمس في هيام ونظرات مغرمة:
"أنا اضطريت أربطك عشان متحاوليش تهربي، متي ياشفق، لكن صدقيني أنا مستحيل أذيكي والله، كل اللي عايزه تكوني معايا بس."
ضغطت على أسنانها وأجابت بصوت مكتوم وبه لمسة شرسة:
"سيبني أمشي يا جاسر بالذوق."
تلاشت ابتسامته وحل محلها الغضب والقسوة، ليقول بلا رحمة:
"قولتلك مليون مرة مش هتمشي ياشفق، انسي إنك ترجعيله تاني."
لقد أعطته أكثر من فرصة لكي يتركها بالحسنى دون أن يأذيه، ولكنه أصر على أن تنفذ ما ينغز به الشيطان عقلها منذ أن أخذت السكين من منزلها.
أخرجت يدها من خلف ظهرها وغرزت السكين في فخذه، فأطلق صرخة متألمة جلجلت المكان. لِتَثِب هي واقفة وتركض مسرعة للخارج. ورغم إصابته، تحامل على نفسه عندما رآها تهرب، وهب واقفًا ليسرع خلفها حتى يلحق بها. جذبها من ذراعها فصرخت هي بأعلى قوة لديها وهي تحاول الفرار منه، ودفعه بعيدًا عنها حتى نجحت وأكملت ركضها. ولسوء حظها أن المكان كان مليئًا بالحجارة، بعضها كبير والبعض الآخر صغير، فتعثرت في أحدهم وسقطت لتصطدم رأسها بأحد الحجارة الكبيرة وتفقد وعيها في الحال وتبدأ الدماء في السيلان من رأسها.
رواية ضروب العشق الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ندى محمود توفيق
فتحت عيناها ببطء شديد، لا تتذكر شيئاً ولا تدري ما الذي يحدث. فقط رأت ضوء الشمس المتسلل من النافذة إلى الغرفة، فهمست بخفوت:
_ كرم.. كرم فين؟
ابتسمت رفيف بفرحة وقالت في تلهف:
_ شفق، إنتي كويسة؟
نظرت لها عندما انتبهت لصوتها وتمتمت بصوت ضعيف ومتألم وهي تضع يدها على رأسها:
_ إيه اللي حصل يا رفيف؟ أنا راسي وجعاني أوي.
استقامت الأخرى واقفة وهتفت باهتمام:
_ أنا هروح أنده لك الدكتور وأجي.
وبظرف لحظة هرولت رفيف للخارج حتى تنادي الطبيب ليطمئن على وضعها الصحي. بقيت شفق تحدق في الغرفة من حولها كتائه، تحاول تذكر ما حدث بالأمس. وأول شيء تذكرته هو مشهد زوجها وهو ملقى على الأرض والدماء تسيل من جسده. ومن ثم توالت على ذهنها بقية أحداث الأمس لتتذكر كل شيء بالتدريج. لم تهتم لأي شيء عن ماذا حدث أو كيف أتت لهنا وماذا حدث لابن عمها! فقط انشغل ذهنها وازداد رعبها قلقاً وخوفاً على زوجها. فتحاملت على نفسها واعتدلت في نومتها لكي تنهض وتذهب لتطمئن عليه. كانت بيد تستند على الفراش لتقوم، وباليد الأخرى تمسك بها رأسها التي زاد ألمها عندما حاولت النهوض. وبينما كانت على وشك أن تغادر الفراش، دخل الطبيب بصحبة رفيف.
أسرع الطبيب نحوها وهو يقول بحزم بسيط:
_ بتعملي إيه يا مدام شفق؟ مينفعش تقومي من السرير دلوقتي خالص. لازم ترتاحي شوية عشان الجرح اللي في راسك.
هرولت رفيف إليها، فنظرت شفق إليها وقالت بأعين دامعة وبنبرة صوت مرتعدة:
_ أنا عايزة أروح أشوف كرم، وحشني أوي وعايزة أطمن عليه يا رفيف.
ملست رفيف على ذراعها بحنو مغمغمة بابتسامة صافية:
_ اطمني، الحمد لله كرم بخير وزي الفل. ارتاحي إنتي زي ما بيقول لك الدكتور بس.
قالت باصرار وعناد:
_ لا، أنا لازم أروح أطمن عليه بنفسي.
اقترب الطبيب منها متمتماً بوجه بشوش محاولاً تهدئتها:
_ طيب ممكن أطمن أنا عليكي الأول وعلى وضعك، وبعد كدا اعملي اللي تحبيه.
نقلت نظرها بينهم بتفكير، ثم استسلمت للطبيب الذي بدأ يفحصها ويطمئن عليها. ثم هتف بعذوبة:
_ الحمد لله، إنتي زي الفل بس محتاجة ترتاحي على السرير على الأقل ليوم عشان ألم الرأس ما يتضاعفش عليكي.
_ شكراً جداً يا دكتور.
قالتها رفيف ممتنة بابتسامتها اللطيفة، ليجيب عليها هو:
_ العفو على إيه، ده واجبي. ألف سلامة عليها.
استدار وغادر الغرفة بأكملها، ولاتزال شفق مصرة على الذهاب، فهمت بالوقوف فقبضت رفيف على ذراعها تقول بدفء ورزانة:
_ شفق، أرجوكي اسمعي الكلام وبلاش عند. والله العظيم كرم كويس وزي الفل وفاق كمان الصبح ونقلوه لغرفة عادية.
تهللت أساريرها وأشرق وجهها المنطفيء بضحكة غمرتها بالسعادة:
_ بجد والله فاق؟
_ أيوة بجد.. بس بقى متتعبهوش وتروحيله وإنتي تعبانة كدا. صدقيني هيتعب أكتر. اصبري شوية تفوقي كويس بس وبعد كدا نروح له. إحنا قولنا ليه لما سأل عليكي أول ما فاق إنك تعبتي شوية وارهقتي واجبرناكي تروحي البيت وتريحي شوية. مقولناش ليه حاجة عن اللي حصل وإلا كان هيتعصب وهيتعب أكتر.
عادت وادمعت عيناها من جديد لتقول بصوت باكي ومبحوح:
_ يعني هو كويس بجد يا رفيف؟ متخبيش عليا بالله عليكي.
ضحكت رفيف بخفة وهتفت بشيء من المرح:
_ أحلفلك بإيه أكتر من كدا؟ والله كويس. بعدين إنتي مش شايفة إني بضحك وبهزر إزاي؟ معقول هو لو تعبان هبقى مرتاحة ومبسوطة كدا.
رفعت كف يدها إلى عينيها تجفف دموعها المتجمعة بهما وهي توميء برأسها بالإيجاب مهمهمة بنبرة رقيقة:
_ طيب، أنا هصبر شوية لغاية ما أقدر أقف على رجلي حتى، وبعدين هتوديني ليه.
أجابتها مبتسمة وهي تشير بسبابتها إلى عينيها:
_ من عنيا.
***
_ زين فين يا حسن؟
_ بيخلص كام حاجة في الشركة وجاي.. أنا لسا جاي من عند رفيف وشفق وتعبانة اااا.
وسعت هدى مقلتيها في حزم وأشارت بسبابتها إلى شفتيها تقطعه عن استكمال كلامه، ونظرت إلى الباب وأغلقته جيداً حتى لا يصل كلامهم إلى مسامعه، وهتفت بنبرة جادة ومنخفضة:
_ ششش، أوعي تجيب سيرة قدام أخوك عن اللي حصل لمراته ليتعب أكتر. هو بيكتم في نفسه ومش بيظهر حاجة. لو تشوفه عامل إزاي من وقت ما قال الدكتور إنه هياخد فترة مش هيمشي على رجله.
سكتت عن الكلام وانهمرت دموعها لتكمل ببكاء ووجع:
_ اللهم لا اعتراض عليك يا رب. أنا مش عارفة بيحصل معانا كدا ليه.. الأول زين وحصل معاه برضوا زي كرم كدا. ودلوقتي خايفة عليك إنت ياحبيبي.
ضمها إلى صدره وقبل رأسها وهو يملس على ظهرها بحنو وهمس مداعباً إياها حتى يضفي بعض المرح ويخرجها من حزنها:
_ إيه يا دودو، إنتي بتفولي عليا ولا إيه؟
هدى بصوت باكي:
_ بعد الشر عليك يا حبيبي. ربنا يحفظكم ليا وما يوريني فيكم حاجة وحشة أبداً.
أبعدها عن صدره وقبل رأسها بحب هامساً بنظرات حانية:
_ طيب امسحي دموعك دي يا ماما خلاص، عشان ندخله متخليهوش يشك في حاجة. والحمد لله إنه بخير وموضوع رجله ده هين وبالعلاج الطبيعي هيرجع زي الأول واحسن، متقلقيش.
رفعت يدها للسماء ودعت الله بأن يشفي لها ابنها ويعود كما كان. بينما حسن لف ذراعه حول كتفيها ودخل معها له.
وجدوا كرم ينظر لهم بنظرة مريبة قليلاً وكأنها ساخطة أو قلقة. تبادلت هدى مع حسن النظرات المستغربة حتى سمعوا صوته الغليظ وهو يسألهم:
_ شفق مالها يا ماما؟
ارتبكت هدى وقالت باسمة بطبيعية مصطنعة:
_ مالها؟
بدأ الضجر الحقيقي يظهر عليه حيث أجابهم بصرامة:
_ أنا سمعت حسن وهو بيقول إنه كان جاي من عندها، ولسا مكملش كلامه، قاطعتيه وقفلتي الباب عشان مسمعش.
تنهد حسن بعدم حيلة ولم يجيب عليه، بل اتجه وجلس على مقعد وثير متوسط الحجم دون أن يتفوه بنصف كلمة. أما هدى فقالت مخترعة كذبة فاشلة:
_ هيكون مالها يعني يا بني.. حسن كان جاي من البيت وبيطمني عليها وأنا قفلت الباب عشان افتكرتك نمت وخفت تصحي على صوتنا.
حرك عيناه عليهم في نظرات ثاقبة ثم قال بهدوء لا يبشر بالخير:
_ ماما، أنا مش عبيط عشان تضحكوا عليا بالكلمتين دول. في حاجة بتحصل وإنتوا مخبيين عني. مهو مش معقول شفق تعبت ومشيت تريح في البيت ومش هتيجي تطمن عليا لما فوقت حتى.
شعرت بأنها احتجزت في المنتصف، فنظرت إلى حسن وهتفت شبه منفعلة:
_ ماتقول حاجة يا حسن لأخوك ده.. مصمم يعصب نفسه على مفيش وهو تعبان.
_ وأنا مش هتعصب لو شفت مراتي. عشان اللي بيحصل ده مش داخل دماغي ومش هرتاح غير لما أشوفها قدامي.
هدى بنفاذ صبر ونبرة هادئة ولطيفة:
_ وهتروح تشوفها إزاي بس يا بني؟ إنت مسمعتش الدكتور قال إيه.
صاح بهم منفعلًا وبعصبية:
_ أنا مليش دعوة بكلام دكتور. إن شاء الله تجيبولي زفت كرسي متحرك.. مش هفضل قاعد...
توقف عن الكلام ووضع يده على موضع جرحه الذي ألمه عندما انفعل ورفع صوته. ليهب حسن واقفاً ويقول بإذعان لرغبته:
_ خلاص، هدي نفسك يا كرم. هروح أجيب لك كرسي وأجيلك.
أسرعت نحوه هدى وجلست بجواره على الفراش تهتف بأسى وإشفاق:
_ بتعمل في نفسك كدا ليه يا بني.. مش عايز تريح نفسك ليه لغاية ما ربنا يتمم شفاك على خير.
أغمض عيناه بألم وهمس بخفوت متحملًا الألم بصعوبة:
_ أنا كويس يا ماما.
هدى بقلق وخوف:
_ أنا هروح أنده لك الدكتور.
همت بأن تقف ولكن خرج صوته محتشرجاً وقوياً وهو يرفض رفض قاطع بخنق:
_ مش عايز دكاترة أنا.
أصدرت هدى تنهيدة حارة بشجن واستقامت ثم انحنت عليه وطبعت قبلة حانية على شعره متمتمة بصوت جاهدت في إظهاره طبيعياً:
_ طيب مش هندهه، بس أبوس إيدك متعصبش نفسك يا حبيبي. إنت شوفت أهو لما اتعصبت تعبت إزاي.
رفع نظره إلى أمه وطالعها بدفء أخيراً يحتضنها بنظراته. ثم التقط كفها وقبل ظاهره بلطف وهو يبتسم لها بحب. فبادلته إياها، ولكن ابتسامتها هي كانت أمومية تحمل كل ضروب الحنان في ثناياها.
***
فتح الباب ببطء ودخل وهو يسير على كرسي متحرك، وخلفه أمه تدفع به الكرسي برفق. وثبت رفيف واقفة باندهاش، وكانت على وشك التحدث لولا كرم الذي أشار إلى شفتيه بسبابته حتى لا تتكلم وتوقظ "شفق". فنقلت نظرها بين أخيها وأمها بحيرة، لتهز هدى كتفيها لأعلى بعدم حيلة. وتتنهد رفيف الصعداء بعدما فهمت إصرار أخيها في اطمئنانه على زوجته بنفسه. اقتربت منه وانحنت على أذنه تهمس بعينان متعلقة على شفق النائمة في الفراش بهدوء:
_ فضلت تقاوم وكانت مصممة إنها تيجي لك في الأوضة، بس مقدرتش تقاوم ونامت من التعب.
هز رأسه بالتفهم، ثم رفع عيناه إلى شقيقته وتمتم بخفوت تام:
_ طيب خدي ماما يا رفيف واطلعوا، وسيبوني معاها وحدي شوية.
انتصبت في وقفتها ونظرت لأمها بانفطار قلب على وضع أخيها، ولم يكن حال هدى أفضل منها، ولكنهم امتثلوا لطلبه وغادروا الغرفة ليتركوه ينفرد في الحديث مع زوجته على انفراد!
تحرك بمقعده ليقترب من فراشها أكثر، فأصبح أمامها مباشرة. دقق النظر في جبهتها المجروحة واللاصق الطبي الذي يخفي جرحها. كذبوا عليه وأخبروه بأنه مجرد إرهاق وتعب، ولكن يبدو أن ليلة غيابه عن الواقع حدث فيها الكثير وهم يخفون عنه الحقيقة. مد يده وملس بأنامله على وجنتها بلطف قاصداً إيقاظها مع ابتسامة مشتاقة على شفتيه. فتحت هي عيناها تدريجياً، وحين أدركت صورته أمامها، وثبت جالسة كالذي لدغته عقرب! حدقته بصدمة وهمست بأعين تلمع بوميض السعادة:
_ كرم.
ابتسم لها بحب، فغامت هي عيناها بالدموع في لحظتها وغارت عليه، ترمي بين ذراعيه. تعانقه بقوة وحميمية دافنة وجهها بين ثنايا رقبته. ألمته بشدة عندما ارتمت عليه بكامل حمل جسدها، فأصدر هو أنيناً خافتاً متألماً. ارتدت مبتعدة عنه بهلع هاتفة بأعين باكية:
_ أنا آسفة، مقصدش والله.
ثم امسكت بوجهه وأدارته يميناً ويساراً مغمغمة بنبرة مرتعدة ومرتعشة:
_ إنت كويس يا حبيبي؟ طمني عليك.
امسك بكلتا كفيها وقبل كل كف على حدة هامساً بحنو امتزج بمشاكسة لطيفة:
_ أنا كويس يا قلب حبيبك. بعدين أنا متصبتش في وشي يا شفق.
لم تهتم لما قاله أو حتى مشاكسته، حيث عادت وعانقته ولكن هذه المرة بحرص، وهتفت باكية بعنف وصوت متقطع:
_ إنت وحشتني أوي.. كنت هتجنن من الخوف عليك. إنت عارف إني مليش غيرك ولو حصلك حاجة مش هقدر أعيش من بعدك. أنا أساساً مكنتش عايشة إمبارح. لو هتمشي خدني معاك، متسبنيش وحدي. إنت وعدتني إنك مش هتسبني في الدنيا دي وحدي.
لثم كتفها ورقبتها برقة هامساً في هيام:
_ بعد الشر عليكي يا حبيبتي، مسمعكيش بتقولي الكلام ده تاني. ثم إني مسبتكيش، واديني قدامك أهو يا شفق. وأنا عند وعدي طول ما فيا نفس مش هسيبك أبداً.
أكملت نوبة بكائها العنيفة واحتضنته، تقبل كل شبر في وجهه من بين بكائها تهتف بارتجافة:
_ ربنا يخليك ليا.
متسبنيش تاني يا كرم، ولو لحظة. أنا من غيرك أضيع.
استسلم تمامًا لقبلاتها الرقيقة والناعمة من شفتيها على وجهه، وأغمض عينيه متلذذًا ليجيبها مداعبًا:
_ أنا بعد الكام بوسة دول حاسس إني بقيت زي الفل.
_ إنت إيه اللي قومك من سريرك يا كرم؟ إنت لسا طالع من عملية إمبارح ومحتاج ترتاح.
قالت كلامها بحزم واهتمام، فهتف هو بكل بساطة:
_ كنت قلقان عليكي ومكنتش هرتاح إلا لما أشوفك قصاد عيني. وممكن بقي تفهميني إيه اللي حصل معاكي؟
مد أنامله وجفف دموعها في لطف، ثم اقترب وقبلها من جانب ثغرها هادرًا بنظرات جادة ونبرة دافئة:
_ مين اللي عمل فيكي كدا يا حبيبتي؟
أجفلت نظرها أرضًا وقالت بكذبة فاشلة وواضح اختراعها في محاولة بائسة لكي تلهيه عن الحقيقة:
_ محدش عملي حاجة، أنا وقعت واتعورت.
رمقها بنظرات حادة ومريبة يحذرها من الكذب عليه، وهدر في صوت قوي:
_ شــــفــــق!!!
ابتلعت ريقها بتوتر، وقالت محاولة تغير مجرى الموضوع ولكن بذكاء:
_ طيب أنا مش هخبي عليك والله، بس هحكيلك لما وضعك يتحسن أكتر عشان متتعصبش وتتعب يا حبيبي.
لمعت عيناه بمويض ناري مخيف وهو يسألها بصوت خشن:
_ عمك وجاسر اللي عملوا معاكي كدا صح؟
_ كرم أبوس إيدك يا حبيبي ماتشغلش بالك بالمواضيع دي دلوقتي. أنا كويسة وبخير، الأهم إنت. وأنا وعدتك إني هحكيلك كل حاجة. ممكن بقى نروح أوضتك عشان تريح على سريرك لأنك ممكن تتعب كدا.
قرب رأسها من شفتيه ليقبل جبهتها موضع جرحها بحب، ويهتف بوعيد حقيقي امتزج بحنانه:
_ أنا آسف، كان لازم آخد احتياطاتي عشان مديش الفرصة لعمك الحيوان ده إنه يقرب منك أو يأذيكي. بس اقسم بالله مش...
وضعت سبابتها على شفتيه تمنعه من استرسال حديثه، وتنحني لترتمي بين ذراعيه هامسة بهيام:
_ أنا مش عايزة حاجة غير إنك تكون كويس وجمبي. ممكن بقى كفاية مشاكل وخلينا نركز في حياتنا يا حبيبي. أنا معنديش استعداد أخسرك إنت كمان.
لم يعقب على كلامها وتركها تنعم بلحظاتها الغرامية والمشتاقة له وهي بين ذراعيه. وحاله لم يكن يختلف عنها حيث أنه ضمها أكثر إليه يستنشق رائحتها متلذذًا بشعور الراحة الذي يداهمه وهي بين ذراعيه...
***
وصل زين إلى قسم الشرطة وقاد الردهة الطويلة المؤدية لمكتب الرائد حسام. وصل أمام باب المكتب وسأله الصول من هو وماذا يريد، وبمجرد ما أخبره اسمه فتح له الباب بعدما أخبره بأن سيادة الرائد في انتظاره.
استقام حسام واقفًا وصافح زين بحرارة مبتسمًا بعذوبة وهو يقول:
_ اتفضل يازين. طمني على كرم اخباره إيه.
جلس زين على المقعد الخشبي الوثير المقابل لمكتبه وقال متنهدًا براحة:
_ الحمدلله فاق ووضعه بقى زي الفل.
ردد حسام براحة "الحمدلله". ثم انتصب في جلسته وظهرت معالم الرسمية والجدية على وجهه قبل أن يبدأ في حديثه الذي كان كالآتي:
_ إنت طبعًا ادتني ورق وسيدهات كنت ماسكها على كمال الحسيني توديه ورا الشمس وهو في السجن دلوقتي. وامبارح بعد ما مسكنا جاسر لقينا ده في جيبه.
رفع أمامه SD فعقد زين حاجبيه مستغربًا وقال بفضول ونظرة ثابتة:
_ إيه SD ده وفيه إيه؟
_ لحظة هخليك تسمعه بنفسك.
كان بجانبه جهاز الحاسوب النقال فوضع بداخله ذلك SD، وماهي إلا لحظات وبدأ فسمع صوت جاسر وهو يهتف بعصبية:
_ وإيه الحل دلوقتي؟ أنا خلاص هقبل بالأمر الواقع وهستسلم مثلًا يا بابا.
هتف كمال بسخرية وغضب:
_ احمد ربك بأن سيف اكتفى باللي عمله فيك. إنت متوقع إنه هيسمحلك تتجوز اخته بعد اللي عملته ده؟ إنت حاولت تعتدي عليها يا أستاذ وإنت سكران.
صرخ منفعلًا بجنون:
_ شفق خطيبتي وميقدرش يفسخ الخطوبة. أنا مكنتش في وعي.
_ إنت اتكلم خالص وحمد ربك إن محدش عرف لغاية دلوقتي إنك حاولت تقتل سيف وأنا مداري عليك كل ده.
توقف الصوت وانتهى التسجيل، فبقي زين مذهولًا يحدق أمامه في عدم استيعاب لما سمعه. حتى أتى صوت حسام المستاء وهو يهتف بنظرة نارية:
_ محاولة قتله لظابط ومن أكفأ الظباط دي جريمة وعقابها مش سهل، ده غير محاولة اعتدائه على مدام شفق زي ما سمعت. وفوق ده كله الكلام ده هيصعب موقف كمال أكتر لأن فوق كل اللي عمله هو يعتبر مشترك مع ابنه في اللي عمله ده كمان.
وقف زين وهو يزفر النيران من بين شفتيه ويترنح من فرط الغيظ متمتمًا:
_ دول متعودين على القتل بقى، أه يا ولاد ال...
مسح على وجهه متأففًا يستغفر ربه ولم يكمل سبه فيهم. استقام حسام هو الآخر وسأل بحيرة:
_ اللي مستغرباه، هو يشيل حاجة زي كدا معاه ليه؟
_ أكيد شفق اللي كان معاها التسجيل ده وهي كانت عايزة تسلمه للبوليس وهو لما عرف خطفها.
حسام بنظرات بها وعيد شيطاني:
_ اطمن، أنا هوصي عليهم كويس أوي.
***
في مساء ذلك اليوم...
انفتح الباب وظهر من خلفه علاء. كان وجهه عابسًا ومهمومًا يبدو عليه علامات الإرهاق والتعب. فتهتف أمه بسرعة في قلق:
_ أخبار كرم إيه يا علاء؟ أبوك اتصل بيا الصبح وقالي إنه فاق.
تحرك باتجاه الأريكة وجلس عليها يتمتم بخنق:
_ كويس ياماما الحمدلله، بقى كويس.
_ امال مالك يا ابني مضايق كدا ليه؟
_ طبيعي أضايق ياماما على وضعه. هما ولاد ال**** دول نفدوا منينا لما اتسجنوا.
ملست على كتفه بحنو مردفة بدعاء يخرج من صميم قلبها:
_ ربنا يشفيه يارب. وكدا أفضل لما القانون يعاقبهم.
كانت ميار تجلس على أحد المقاعد وتطالعه بتأثر وأسى، فهب هو واقفًا وانتبه لها فقال بإيجاز وهو يسير باتجاه الدرج:
_ تعالي ورايا ياميار عايزك.
خرج صوت الأم قوي وهي تهدر:
_ لا، أنا عايزة أتكلم مع ميار شوية. اقعدي.
أصدر علاء تنهيدة حارة باختناق، ثم قال بلهجة حازمة بعدما فهم والدته جيدًا:
_ وأنا عايز مراتي دلوقتي ياماما. معلش اجلي كلامك معاها بعدين لو سمحتي.
وقفت ميار في المنتصف وهي تنقل نظرها بينهم هم الاثنين، تتفهم علاء ولما يرفض حديثهم، وبنفس اللحظة هي أيضًا تريد التحدث معها. فنظرت لزوجها وهزت رأسها بإيحاء وعينين دافئتين وهي تهمس:
_ خلاص اطلع يا علاء وأنا هشوف طنط عايزة إيه وهاجي وراك.
وقف يتطلع في كلاهما بعدم حيلة، ثم تركهم وصعد الدرج متجهًا لغرفته. تحركت ميار لتجلس على الأريكة بجانب زوجة عمها وتهمهم بهدوء تام:
_ نعم.
_ اظن إنه كفياكي أوي لغاية كدا مع ابني.
أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته زفيرًا متمهلًا لتجيبها بصوت رخيم وعينين منطفئتين:
_ أنا نفسي أفهم إنتي ليه بتكرهيني؟
قالت بجفاء وعدم مبالاة بأمرها:
_ أنا مش بكرهك يا حبيبتي، بس مش عايزيكي تكوني مرات ابني. عشان علاء يستاهل واحدة تكون أفضل منك بمية مرة، مش واحدة شرفها بقى في الأرض بصورها اللي شافها الكل.
كانت عيناها على وشك ذرف الدموع، ولكنها شدت على محابسهم وأجابتها بقوة ولكن صوتها به غصة مريرة:
_ أنا مظلومة ومعملتش حاجة غلط. عارفة إنه علاء راجل وكويس وألف من يتمناه ويستاهل الأحسن مني. بس أنا بحبه بجد ومش عايزة أبعد عنه وهحاول أعمل كل حاجة عشان أسعده. إنتوا من قبل ما يحصل اللي حصل ومحدش فيكم كان بيحبني، هو الوحيد اللي حسيته عايزني بجد. ارجوكي يا مرات عمي متفرقيهوش عني. وسبيني أثبتلكم وأثبتلك إني أستاهله.
طالعتها زوجة عمها بصمت ونظرات ثاقبة كالصقر دون أن تتحدث ببنت شفة وهي تفكر في حديثها وتعقله في ذهنها جيدًا، بينما هي فاستقامت وهرولت إلى الأعلى تفر هاربة منها قبل أن تفقد زمام نفسها وتنفجر أمامها باكية!!...
***
انفردت بنفسها في الغرفة وأجابت على الهاتف بنبرة عادية:
_ الو.
_ أيوة يارفيف عاملة إيه؟
جلست على الفراش وتنهدت بتعب متمتمة:
_ الحمدلله يا إسلام بخير وإنت.
أجابها بخفوت واهتمام:
_ أنا كويس. إنتي تعبانة ولا إيه مال صوتك؟
رفيف بصوت مرهق:
_ أهاا شكلي داخلة على دور برد بس أخدت علاج وبقيت أحسن عليه الحمدلله.
تمتم في تلقائية ونبرة صوت تنسدل كالحرير ناعمًا ودافئًا:
_ الف سلامة عليكي، خدي بالك من نفسك.
خجلت بعض الشيء ولم تجبه فتسمع صوته من جديد وهو يقول براحة وصلت لها من نبرة صوته:
_ أنا كنت عند كرم الصبح والحمدلله كان زي الفل. حمدلله على سلامته.
عبس وجهها من جديد بعد أن كانت على وشك أن تدخل السكينة لنفسها وتمتمت بقلب منفطر:
_ الله يسلمك. والله يا إسلام أنا خايفة عليه أوي. خايفة ميكونش الموضوع بسيط وخلاص زي ما قال الدكتور ومع العلاج هيرجع يمشي.
_ لا متخافيش طالما قال الدكتور أنه بالعلاج الطبيعي هيبقى زي الفل يبقى اطمني. ثم إني شفت وضعه بنفسي، هو وضع رجله من سيء للدرجة دي؟ كل مافي الموضوع أن في صعوبة ومش بيقدر يحركها بسهولة وده شيء بسيط الحمدلله وبالعلاج بيتحسن.
اتاه صوتها المترجي من الله وهي تتمنى بصوت مسموع:
_ يارب. يسمع من بقك ربنا يا إسلام.
عم الصمت بينهم للحظات حتى هتف هو بصوت رجولي هادئ يحمل كل ضروب اللطف والرقة:
_ طيب أنا كنت جايبلك هدية والمفروض إنها مفاجأة، كنت هبعتهالك بكرا على البيت بس بما إنك متضايقة وده واضح من صوتك فهبعتلك صورتها دلوقتي يمكن تفرحك وتخرجك من المود.
ابتسمت بتلقائية وقالت بعفوية:
_ بجد هدية إيه؟
_ ثانية خليكي معايا هبعتلك صورتها في رسالة على الواتس آب.
امتثلت لطلبه وبقيت تنتظر وصول الرسالة ومازال الاتصال مفتوح بينهم ولكن لا يوجد صوت. وأخيرًا وصلت الرسالة فاسترعت وفتحتها لتجد صورة بها "دبدوب" ضخم من اللون الأبيض الناصع. بهرت به وأعجبها بشدة فوضعت الهاتف على أذنها وقالت بسعادة غامرة واضحة في صوتها:
_ الله جميييل أوي، أنا بحب الدباديب جدًا. ميرسي يا إسلام على الهدية الحلوة دي.
ضحك بخفة وأجابها مداعبًا:
_ الحمدلله إنه عجبك، أنا جبته وكنت خايف تكوني مبتحبيش الدباديب. بس بعد ما سمعت صوتك كدا أنا اتأكدت إن هدفي من الهدية وصل.
ابتسمت باستحياء ولم يأتيه صوت منهة، ففهم أنها خجلة بعض الشيء ليقول مبتسمًا بخفوت:
_ هيوصلك إن شاء الله بكرا الصبح.
_ إن شاء الله مستنياه بفارغ الصبر.
عم الصمت بينهم من جديد وكل منهم يبحث عن شيء ليقوله ولكن كلاهما لا يجدوا ما يقولوه. فتشجعت هي وهتفت بحياء واضطراب ملحوظ في صوتها:
_ طيب تصبح على خير بقى.
_ وإنتي من أهله.
بمجرد ما أن سمعت هذه الجملة أنهت الاتصال فورًا وعادت تفتح الرسالة من جديد وتتمعن النظر في هديته وهي مبتسمة بفرحة طفولية!!...
***
فتحت باب الغرفة ودخلت ثم أغلقت خلفها بهدوء تام وسارت باتجاه الفراش لتلقي بجسدها عليه وتنفجر باكية بصوت مرتفع وصل لأذنيه في الحمام.
حيث كان يأخذ حمامًا دافئًا ليزيح عن جسده تعب النهار الطويل، فسمع صوت شهيقها وبكائها. عقد حاجبيه بدهشة وقلق، وفورًا خرج من أسفل الماء ولف حول نصف جسده منشفة وخرج لها. أسرع إليها وجلس على الفراش يمسك بها ويبعد خصلات شعرها عن وجهها، هاتفًا بقلق:
"ميار مالك؟ ماما قالت لك إيه؟"
لم تجبه وأكملت بكائها العنيف دون أي إجابة. فعاد يسألها، ولكن هذه المرة بجدية وهو يحاول أن يرفع وجهها ليراه:
"ميار ردي عليّ!"
اعتدلت وارتمت بين ذراعيه، واضعة رأسها على صدره العاري، غير مهتمة بالماء التي على جسده بسبب أنه لم يجفف جسده وخرج لها مهرولًا. هتفت ببكاء قوي:
"ليه محدش بيحبني يا علاء؟ ليه كلكم بتكرهوني؟"
ملس على شعرها وخرج صوته رجوليًا صلبًا وهو يسألها بحدة:
"طيب ردي عليّ وقولي لي ماما قالت لك إيه؟"
أبعدت رأسها عن صدره ورفعت عينيها إلى وجهه، تقول بخفوت رقيق ونظرات دامعة وبريئة:
"ما قالتش حاجة. أنا مضايقة إنها مش بتحبني وشايفاني وحشة وهأذيك، ومش هي بس. لا، الكل شايفني كده."
أبعدها عنه تمامًا واستقام واتجه إلى خزانة الملابس ليخرج له ملابس ليرتديها، ويقول باستياء:
"أنا هنزل أتكلم معاها."
وثبت واقفة ومنعته بصرامة وضجر حقيقي، وهي تنهيه بتحذير:
"عارف لو نزلت واتكلمت مع مامتك في أي حاجة هتبقى خسرتني أنا. هي مقالتش حاجة غلط أساسًا ولا زعلتني. أنا زي ما قلت لك زعلانة بسبب إني نفسي تحبني ومتبقاش بتكرهني كده."
حدجها بصمت للحظات، وبدا لها أنه استسلم لرغبتها، ولكنه عاد يكمل إخراج ملابسه. فهتفت هي بخنق:
"علاء، أنا بتكلم بجد."
"ماشي يا ميار، مش هنزلها خلاص."
"امال إنت بتعمل إيه؟"
نظر لها وقال ببساطة شديدة:
"بطلع هدوم عشان البس، ولا هقعد كده يعني؟"
قالت منصدمة وباقتضاب:
"وإنت هتلبس قدامي يعني ولا إيه؟ مش فاهمة؟"
حول رأسه ناحيتها وقال مبتسمًا بلؤم:
"أيوة، فيها إيه يعني؟"
"نعم؟ هو إيه اللي أيوة ده؟ ادخل البس في الحمام يا علاء، بلاش قلة أدب."
غمز لها بعينيه في وقاحة وهمس:
"أنا بحب البس هنا، إنتي مضايقة ليه مش فاهم؟ غمضي عينك وخلاص، الموضوع اتحل."
رفعت نظرها للأعلى وتأففت بقوة، وهي تهتف بغيظ:
"استغفر الله العظيم يا رب."
كتم ضحكته وأمسك بالمنشفة يوهمها بأنه سيفعلها كنوع من مناكشتها. فشهقت هي بصدمة واستدارت فورًا، توليه ظهرها وتخفي عينيها بكفها، صائحة به بسخط:
"علاااااء.. إنت dirty أوي على فكرة."
انفجر ضاحكًا وأجابها من بين ضحكه:
"أنا مكنتش هعملها، كنت بشتغلك بس وإنتي صدقتي طبعًا. بس ما علينا، أنا داخل البس في الحمام عشان ترتاحي."
ظلت كما هي على وضعها توليه ظهرها، حتى سمعت صوت خطواته يتجه إلى الحمام. وعندما سمعت صوت غلق الباب، التفتت بجسدها وهي تضحك مغلوبة على أمرها، وهمست:
"منحط بصحيح!"
***
جذبت مقعدًا صغيرًا ووضعته أمام الفراش وجلست عليه، ثم ظلت تتأمل ملامحه الهادئة والجذابة وهو نائم. كيف أنه وسيم حتى في تعبه. معالم وجهه تنضج بالحنو والدفء عندما تراه هكذا، لا تصدق أن هو نفس ذلك الرجل المرعب الذي يتحول إليه عندما يغضب. يستطيع في لحظة الخروج من قوقعة لطفه وحنانه إلى حقيقة مخيفة عنه. لكنها لا تبالي بأي شيء سوى وجوده بجوارها، أحبته بلطفه وحنانه، وستظل تحبه حتى في لحظات سخطه وتحوله للشخصية القاسية والمريبة. كان دومًا رجلًا معها بما تحمل الكلمة من معاني. لم يتركها للحظة منذ وفاة أخيها. اهتم بها كأنها ملزمة منه. حافظ عليها وأحبها، وكان لها كالحصن المنيع الذي تحتمي خلفه. والآن هي أكثر من مجرد متيمة به!
مدت أناملها الرقيقة وغلغلتها في خصلات شعره وعبثت به في رقة. ثم انحنت عليه وطبعت قبلة على جبهته، ونزلت بشفتيها إلى وجنته تلثمه بكم مفرط من اللطافة والرقة، لدرجة أنه فتح عينيه من النوم على أثر لمساتها وهو يبتسم. لاحظ أن الشمس لم تشرق بعد وأنهم بالمساء، فقال بخفوت وصوت ناعس:
"صاحية ليه لغاية دلوقتي؟"
هزت كتفيها بعبث وهمست في رقة أنوثية مغرية:
"مش جاي لي نوم، فقولت أفضل صاحية عشان لو صحيت وعاوزت حاجة تلاقيني موجودة."
أفسح في فراشه وتحرك بصعوبة على الجانب وببطء، ثم أشار على الجزء الفارغ بجواره وهتف بعاطفة جياشة:
"تعالي نامي في حضني."
قاست حجم الفراش بعينيها وقالت بعبوس:
"السرير صغير يا كرم، مش هيكفينا. وبعدين أخاف أنام جنبك وإنت لسه جروحك ملتأمتش."
رفع كفه وملس على وجنتها بنظرات تنضج بالعشق وبصوت يذيب القلب:
"مفيش حاجة بتأذيني إلا بعدك عني. يلا تعالي."
لم تتمكن من الاعتراض بعد جملته الغرامية التي قالها، ففعلت على الفور والتفتت لتتمدد بجواره. فيفرد هو ذراعه بجواره على الفراش لتضع رأسها على صدره، ويلف هو ذراعه حول جسدها يضمها إليه أكثر، وبشفتيه يثلم شعرها بقبلات متتالية. ثم استحوذ عليهم الصمت لدقائق، حتى هتفت هي بصوت خافت:
"كرم، هو ممكن حد يدخل؟"
"محدش هيدخل، وحتى لو حد دخل هيخبطوا الأول. اطمني."
اكتفت بالصمت، ليتمتم هو بخبث شبه ضاحكًا:
"أنا في حاجات كتير نفسي أعملها دلوقتي، بس زي ما إنت شايف وضعي ورجلي يعني الصحة يدوبك الحمد لله."
لو تركت نفسها تفكر في حديثه لعبست وحزنت بشدة، ولكنها أرادت إضفاء جو مرح على جلستهم، حيث أجابته بمداعبة ضاحكة:
"لا صفي النية يا كوكو عشان ربنا يشفيك بسرعة ويقومك ليا بالسلامة. وصدقني أنا اللي هظبطك، بس إنت قوملي بالسلامة كده."
"طيب إنتي مش شايفة إن كده أنا هخلل، خصوصًا إن العلاج الطبيعي لرجلي هيطول شوية. فنستني ليه؟ ماتظبطيني دلوقتي!"
لم تتمكن من تجاهل حزنها وشعورها بنبرة الحسرة والمرارة في صوته. لتعتدل في نومتها وترفع رأسها عن صدره، لتلثم جانب ثغره وتتمتم بحنان جارف وأعين كلها عشق:
"أنا معاك وجمبك لغاية ما ربنا يقومك ليا بالسلامة وترجع تمشي على رجلك من تاني. والدكتور قال الموضوع بسيط، فمتضايقش نفسك يا حبيبي. ثم إن لو موقفتش أنا جنبك في محنتك مين هيقف جنبك؟ صدقني، هكون ليك السند والضهر اللي هتسند عليه في فترة علاجك. إحنا الاتنين بنكمل بعض يا حبيبي. مش عاوزاك تشيل هم خالص، وطول ما إحنا مع بعض هنجتاز الامتحان ده إن شاء الله."
ابتسم لها بهيام وقرب رأسها منه ليقبل رأسها مطولًا بحب ويهمس:
"ربنا يخليكي ليا وميحرمنيش منك يا قلب حبيبك. أنا كفاية عليا تكوني معايا بس."
عادت لمرحها من جديد وغمغمت بمكر أنوثي لطيف ومضحك:
"أيوة كده أضحك. تعرف إن أحد الأسباب اللي كانت بتجذبني ليك وخلتني أحبك هي ضحكتك وابتسامتك."
دهشته ردها قليلًا، فضحك وقال من وسط ضحكته:
"لا والله؟!"
غمزت له بعينيها في نظرات ليست بريئة أبدًا، وهي تتغزل به في تغزل صريح قاصدة إضافة المرح عليهم:
"يعني مش كفاية وسيم ومز وكمان عليك ضحكة جنان؟ حرام عليك القلب اشتكى."
انطلقت منه ضحكة رجولية متأججة وهتف من بين ضحكاته وهو يبادلها اللؤم:
"طيب ماتيجي أشتكهولك بما إن قلبك اشتكى."
شفق بمشاكسة ضاحكة:
"لا متخافش، هو قلبي اتعود على كتلة الوسامة دي خلاص. كنت بواجه مشاكل عويصة في البداية الحقيقة ومش عارفة ألاقيها من فين ولا من فين. من وسامتك، لا ابتسامتك، ولا لطافتك، ولا حنيتك، ولا إيه؟ فمكنتش عارفة ألم على نفسي وبهنج من مجرد بس نظرة منك. بس الحمد لله قدرت أسيطر على الوضع."
لم يتوقف ضحكه، حيث هتف باندهاش:
"ياااه للدرجة دي؟ مكنتش أعرف إني عاملك المشاكل دي كلها."
"شوفت بقى وسامتك عملت فيا إيه؟"
"طيب بقولك إيه؟ ماتجيب بوسة يا جميل إنت."
تصنعت الخجل والدهشة من طلبه، حيث قالت وهي تجحظ عيناها:
"كرم عييييب.. لا إنت مكنتش كده، أنا عايزة الكوكو بتاعي اللي بيتكسف."
"لا كسوف إيه بقى خلاص، كان زمان وجبر. مفيش وقت للكسوف دلوقتي يا حبيبتي."
انفجرت هي الأخرى ضاحكة وعادت تدفن وجهها بين ثنايا صدره وهي تضحك، فيضحك هو على طريقة ضحكها اللطيفة.
***
وجدته جالسًا على الفراش وبيده المسبحة يذكر الله، وغير منتبه لها مطلقًا. فابتسمت بدفء واقتربت منه لتتمدد على الفراش وتضع رأسها على حجره وتسحب الغطاء على جسدها، هامسة برقة جميلة:
"زينو اقرأ لي قرآن بصوتك."
وضع كفه على شعرها وجعل يملس عليه بحنو مبتسمًا، ثم بدأ يرتل لها بصوته العذب آيات من القرآن الكريم. فأغمضت هي عينيها متلذذة بالسكينة التي دخلت على قلبها. مرت ما يقارب النصف ساعة وهو لا يزال يقرأ، وأنامها تعبث بخصلات شعرها في لطف مما بعث لها الاسترخاء الجسدي، وكانت ستغفل بين ذراعيه وعلى صوته الجميل. لولا أنها سمعت صوته وهو يهتف: "صدق الله العظيم". رددت خلفه ولكن بهمس غير مسموع. مما جعله يظن أنها نامت. فانحنى برأسه عليها ينظر لها بتدقيق ويتمتم:
"ملاذ، إنتي نمتي ولا إيه؟"
هزت رأسها بالنفي، ثم اعتدلت في نومتها ونامت على ظهرها، فأصبحت مقابلة لوجهه تمامًا، وهتفت بصفاء:
"كنت على لحظة وهنام خلاص. بحب أسمع صوتك أوي وإنت بتقرأ قرآن.. ماشاء الله عليك يا حبيبي."
انحني عليها برأسه يخطف قبلة على مقدمة شعرها مغمغمًا بمداعبة:
"عايزين نبدأ حفظ بقى ومن غير تلكيع ولا كسل، مفهوم؟"
أشارت بسبابتها إلى كلتا عينيها وهي تضحك وتجيبه بابتسامة مشرقة:
"إن شاء الله مش هتشوف الكسل ده أبدًا. وبعدين هو أنا أطول لما الشيخ زين بنفسه هو اللي يديني أحكام تجويد ويحفظني قرآن؟"
هتف زين بضحكة بسيطة:
"يابكاشة.. بتاكلي عيش وبتثبتيني بالكلمتين دول."
تصنعت البراءة وقالت مدهوشة بوجه مبتسم:
"أنا؟ أبدًا، ده إنت اللي دائمًا فاهمني غلط."
أصدر ضحكة خفيفة، ثم خرج صوته جادًا وتغيرت نبرته وهو يقول:
"صحيح، بعد بكرة هسافر أنا وإسلام عشان الدكتور حدد معاد العملية وهتكون يوم الخميس. والنهاردة الاتنين، فيدوب نسافر من بكرا."
اعتدلت جالسة وهزت رأسها بتفهم مردفة:
"أيوة ماما قالت لي الصبح. خايفة عليه والله، ربنا يقومه بالسلامة ويعدي العملية دي على خير."
"متخفيش، هي عملية مش خطيرة ولا صعبة، وإن شاء الله هتعدي على خير."
مدت كفها ومررت أناملها برقة على لحيته الكثيفة وهي تهمس ممتنة بعشق جارف:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي.. مش عارفة أشكرك إزاي على وقفتك مع إسلام دي بجد."
رفع حاجبه مستنكرًا كلامها السخيف والذي ضايقه، حيث تشدق بغلظة صوته الرجولي:
"تشكريني؟ أهلك هما أهلي يا ملاذ، ومفيش شكر بين الأهل. بلاش هبل ومتقوليش الكلام ده تاني عشان متعصبش."
انفجرت شفتيها باتساع ومالت برأسها على الجانب في نظرات كلها خبث ودلال أنوثي مثير حد اللعنة. ومدت كفها الآخر تعبث بأناملها في لحيته وتقترب منه، تحرك أرنبة أنفها على لحيته بطريقة جذابة:
"من عنيا، إنت تأمر. أنا مقدرش على زعلك أصلًا."
التقط أنفاسه ببطء وأبعدها بلطف عنه بعدما أحس بأنه سيفقد زمام شهواته:
"طيب ابعدي وسيبي دقني يا بنت الناس."
مالت شفتيها بابتسامة ماكرة والتصقت به أكثر، تلف ذراعيها حول رقبته هامسة بصوت به بحة أنوثية مغرية:
"إيه ده يازينو، إنت من إمتى بتتأثر من مجرد لمسة ياحبيبي؟"
هو ليس بحجر، من الطبيعي كأي رجل أن يفقد السيطرة على نفسه عندما تكون زوجته امرأة فاتنة مثلها. حدجها بنظرة كلها رغبة، وبالرغم من ذلك تمالك نفسه بصعوبة واكتفى بالقبلة التي خطفها من جانب ثغرها وهو يجيبها بنبرة ذائبة:
"ملاذ، أنا معايا شغل الصبح بدري ياحبيبتي والله، متخلنيش أتأخر على شغلي زي المرة اللي فاتت لما صحيت متأخر وكان معايا اجتماع. تصبحي على خير ياملاذي."
ثم مدد جسده على الفراش وتدثر بالغطاء، مولياً إياها ظهره وهو يهتف ببساطة:
"نامي ياحبيبتي، الوقت اتأخر كفاية."
حجبت ضحكتها وهتفت بتذمر مزيف، عاقدة ذراعيها أمام صدرها:
"طيب، أنا عايزة أنام في حضنك."
أخرج زفيراً حاراً، فهي تفعل كل هذه الحركات عمداً لكي تثيره. تسطح على ظهره وبسط ذراعه بجانبه يقول مغلوباً على أمره:
"تعالي ياملاذ، نامي في حضني."
أظهرت عن ابتسامة عريضة وانضمت لأحضانه، تضع رأسها على صدره الواسع والدافئ وتعانقه بقوة تستمد منه حرارة جسده لتدفئها. فيضمها هو بذراعه ويرفع الغطاء عليهما مبتسماً بغرام على أفعالها التي تبدو له طفولية في بعض الأحيان.
عيناها تدور في كل ركن أمامها، تتفحص المنزل وكأنها للوهلة الأولى تراه. ذلك المنزل الذي شهدت فيه تعاسة لأيامها تلاحقها حتى الآن كلما تتذكرها. تحاول التركيز على حياتها الجديدة معه وأن وضعهم لم يعد كسابقاً، هي أصبحت يسر مختلفة وهو لم يعد ذلك الشخص القاسي وعديم المشاعر التي كانت معه. وعدها أنه سيعوضها وها هو يوفي بوعده حقاً.
لكن الماضي لا يتركها تنعم بالحياة التي دوماً تمنتها، يستمر في تعكير لحظاتها. فكيف للمرء أن يتخلص من ماضي ترك بصمة في نفسه وغيره؟ هل هو بكل هذه السهولة التي يعتقدها البعض؟ البعض الذين لم يعانوا من نفس الماضي.
رأته ينضم ليجلس على المقعد بجوارها ويسألها بتعجب:
"قاعدة كدا ليه؟"
ابتسمت بمرارة وقالت:
"مفيش، بستعيد الذكريات مع نفسي. لما خرجت من البيت ده كنت مقررة إني مستحيل أدخله تاني ومش هرجعله ولا حتى إنت. واديني فيه من تاني أهو."
"يسر، لو مش حابة تقعدي في البيت هنا وشايفة إنه بيفكرك باللي حصل بينا، نشتري بيت جديد ياحبيبتي ونبدأ فيه من البداية."
هزت رأسها بالنفي واحتضنت كفه تتمتم بنظرات بها رجاء:
"ده البيت اللي بدأت فيه حكايتنا وهتنتهي فيه. أنا بس كل اللي بطلبه منك إنك متخذلنيش ياحسن."
"يعني بالله عليكي ياحبيبتي بعد كل اللي عملته عشان ارجعك ليا واخليكي تسامحيني، هل ممكن اخذلك تاني؟ ده أنا ابقى حمار أوي لو عملت حاجة تخليني اخسرك من تاني ووقتها استاهل كل اللي تعمليه فيا."
حدجته بأعين تطلق شرارات العشق، ثم عبس وجهها من جديد وهتفت بيأس:
"المشكلة دلوقتي هقول لبابا وماما إزاي إني لسا حامل."
تعكر مزاجه هو الآخر بمجرد تذكره لأمر حملها وقال مقتضباً:
"أنا نفسي أفهم كنتي بتفكري إزاي لما خبيتي عنينا حاجة زي كدا؟ فهمت إنك كنتي ناوية تخبي عليا بسبب إني مكنتش عايزة الطفل ده، بس حتى بعد ما غيرت رأيي ورجعت لوعيي، إنتي فضلت مستمرة في كذبتك يايسر. أنا كل ما بفتكر بتنرفز حقيقي."
"لإن إنت السبب ياحسن. إنت اللي خلتني معنديش ثقة فيك. كنت خايفة على نفسي منك، متخيل إنتي وصلتني لمرحلة إيه؟!"
رد عليها ضاحكاً بسخرية:
"تخافي على نفسك مني! ده على أساس إنك بريئة أوي يايسر وكنتي هتسمحيلي أصلاً إني اقربلك مثلاً. ده إنتي كنتي بتقوليلي هقتلك لو قربت مني لو فاكرة يعني. إنتي عملتي كدا عشان تحرقي قلبي وخصوصاً بعد ما عرفتي إني تراجعت فحبيتي تنتقمي مني بالطريقة دي صح ولا لأ؟"
استقامت واقفة وصاحت به منفعلة بغضب عارم:
"صح ولا غلط هتفرق بأيه؟ إنت شوف أنا بكلمك في إيه وإنت بتتكلم في إيه. غطلي ميجيش حاجة قصاد غلطاتك اللي كنت بتغاضى عنها ياحسن. بعدين أنا بقولك مش عارفة أقول إيه لبابا بدل ما تقف جمبي وتساعدني بتتعصب عليا. ماهو الموضوع مش هيجي فوق راسي أنا لوحدي لازم أبرر لبابا موقفي اللي خلاني اخبي عليهم وأكيد مش هروح اقولهم اللي حصل بينا وإلا هتتفتح مشاكل ملهاش آخر. بس حضرتك ماسكلي في الغلطة اللي غلطتها وكل دقيقة والتانية تفضل تتعصب عليا بسببها. بدل ما تفكر معايا في حل. بس بجد حقيقي شكراً إنك اثبتلي إن إنت عايزنا نفتح صفحة جديدة مع بعض وننسي القديم فعلاً."
قالت آخر كلماتها واندفعت إلى غرفتهم تدخل وتغلق الباب عليها بالمفتاح من الداخل حتى لا يتمكن من الدخول عليها. أما هو فمسح على وجهه متأففاً. لا يعرف كيف فقد أعصابه بهذا الشكل. دوماً يتصرف بحماقة ومن ثم يندم ويقرر الاعتذار وها هو سيذهب لها ليعتذر كالعادة.
مسك مقبض الباب واداره أكثر من مرة ولكنه لا يفتح فطرق على الباب وهتف بصوت هادئ:
"افتحي الباب يايسر."
اتاه صوتها المستاء تهدر بعصبية:
"لا مش هفتح ياحسن، عايزة أفضل وحدي ممكن؟ وكمان روح نام في الأوضة التانية."
"لا مش هينفع اروح انام في أوضة تاني."
"ياسلام. وده ليه بقى إن شاء الله؟"
أكمل ببرود تام وصوت خافت:
"عشان بخاف أنام وحدي."
ابتسمت باستهزاء وقالت بقرف:
"هاهاهاها ظريف ودمك خفيف."
"عارف. افتحي يلا بقى."
صاحت بإصرار ورفض قاطع:
"قولت لا ياحسن مش هفتح."
تغيرت نبرتها من المرح إلى الجدية وهو يعتذر منها بصدق وصوت مهموم:
"أنا آسف صدقيني مقصدش اتعصب عليكي والله. بس أنا أعصابي تعبانة اليومين دول ومرهق بسبب كرم واللي حصل معاه. غصب عني انفعلت عليكي اعذريني ياحبيبتي."
لوت فمها وأشفقت عليه. فهي تعرف أنه حقاً ليس بمزاجه الطبيعي بسبب المشاكل الأخيرة. لان قلبها عليه واتجهت نحو الباب لتفتح له ثم عادت للفراش وجلست متربعة في منتصفه وهي لا تنظر له. فتحرك هو باتجاهها بعد أن أغلق الباب وجلس بجوارها لينحني برأسه ويطبع قبلة على كتفها هامساً:
"متزعليش وهقولك أنا آسف مرة واتنين وتلاتة كمان."
نفرت بكتفها تبعد ملمس شفتيه عن جسدها وتلتفت نصف التفاتة لتعطيه جزء من ظهرها توضح له رفضها لاعتذاره. فضحك هو بصمت واحتضنها من الخلف يضع كفه على بطنها هامساً أمام أذنها:
"طيب عشان خاطر المفعوص اللي من قبل ما ييجي وهو عامل مشاكل بينا. شكله هيطلع هادي خالص ومش هتعبنا أبداً."
"هيطلع عينك ويطفشك عشان ياخد حق أمه منك."
هتف مبتسماً وهو ينزل بوجهه يدفنه بين ثنايا رقبتها:
"وماله. هو من دلوقتي أصلاً ومخلي هرموناتك ماشاء الله عليها وكله طالع عليا أنا للأسف. بس مش مشكلة كله يهون عشان خاطركم."
دغدغتها انفاسه الدافئة التي تلفح رقبتها وأثارت رعشة في جسدها فابتسمت ومالت برأسها للجانب تهتف بحياء بسيط:
"ابعد ياحسن الله خلاص. أنت ما بتصدق وتستغل الفرصة."
تجاهل كلامها وشدد عليها يقربها منه أكثر ويتمتم بلؤم:
"إنتي دلعتيني باسم غريب واحنا في امريكا. فكريني بيه كدا."
لفت رأسها تجاهه نصف التفاتة وقالت ضاحكة:
"سنسن!"
سكت للحظات يردد الاسم بين شفتيه وكأنه يتذوقه ثم قال بنظرات ليست بريئة أبداً:
"كمان مرة."
فهمت مغزاه المنحرف وقررت السير معه لنهاية الطريق لترى نهايته حيث قالت برقة أنوثية جميلة:
"ســنســن."
مد يده دون أن تشعر لضوء الغرفة واكمل همسه الماكر:
"آخر مرة بقى."
وفي اللحظة التالية فوراً وجدت الغرفة أظلمت فشهقت بفزع وضحكت بخفة تنعته بالوقح.
***
بعد مرور يومان...
هرولت ملاذ مسرعة على رنين هاتفها حتى تجيب عليه بعدما توقعت أن المتصل هو زوجها فقد سافر صباح اليوم هو وأخيها للندن من أجل العملية. وقد وصته بأنه بمجرد وصوله سيتصل بها ليطمئنها عليهم وها هو يفعل.
أجابت على الهاتف بصوت جميل:
"ايوة يازين اخباركم إيه ياحبيبي وصلتوا بخير."
"بخير الحمدلله ياملاذ وقاعدين في فندق كمان. خلي بالك من نفسك ومتقعديش وحدك في البيت البسي وروحي لمامتك تمام."
"حاضر هلبس دلوقتي واروحلها والله متخفش ااا..."
توقفت عن الكلام عندما احست بدوار فجأة والاشياء من حولها دارت بها بحركة دائرية لتسمع صوته في الهاتف غير واضح وبعيد:
"الو ملاذ إنتي معايا."
تمتمت بصوت خافت وضعيف:
"ايوة أنا معاك يازين."
اكمل حديث معها ولكن انقطع صوتها تماماً ولا يجد منها رد فهتف بصوت مرتعد:
"ملاذ.. ملاذ."
رواية ضروب العشق الفصل الأربعون 40 - بقلم ندى محمود توفيق
داخل المستشفي كان كرم جالسًا على مقعده المتحرك ويقف أمام الشرفة يتطلع إلى المارة في الخارج وحركة السيارات.
تعافى سريعًا وتحسنت صحته كثيرًا خلال اليومان الماضيين، ورغم أن نفسيته ليست جيدة بسبب وضعه إلا أن وجود زوجته بجانبه ومساندتها له وهي تشعره طوال الوقت أن الأمر بسيط بل وكأنه معافي وسليم تمامًا وليس به أي سوء يحسن من نفسيته كثيرًا، وقد ينسب لها في المرتبة الثانية الفضل بعد الله أولًا في تحسن حالته الصحية فلولا ما تفعله معه لما وصل لهذا الوضع.
انتشله من شروده رنين هاتفه فألقى نظرة من مكانه على شاشته يقرأ اسم المتصل، ثم نظر إلى الحمام يتأكد من صوت الماء هل ما زال الصنبور مفتوح أم أغلق وعندما سمع اندفاع الماء فانحني على المنضدة والتقط الهاتف يجيب على المتصل في حزم:
_ أيوة يامسعد عملت إيه
_ اطمن ياكرم بيه وصيت عليهم كويس أوي في السجن
كرم بأعين بها لهيب ناري مرعب:
_ مش عايزهم تفضل فيهم حتة سليمة يامسعد
_ متقلقش كل اللي عايزه هيتم
خرجت شفق من الحمام وهي تجفف يديها ووجهها بمنشفة بيضاء صغيرة، وقالت وهي ترفع حاجبها متعجبة جملته الأخيرة:
_ هما مين دول؟!!
رمقها سريعًا ولم يجيبها ثم تمتم مع مسعد بإيجاز:
_ طيب يامسعد سلام دلوقتي ولما يوصلك خبرهم ابقى كلمني
_ حاضر
أنهى معه الاتصال ووضع الهاتف بمكانه، ليلتفت برأسه لها وهو يبتسم بصفاء، فتتحرك هي تجاهه وتقف أمامه مباشرة تسأله للمرة الثانية ولكن هذه المرة بريبة شديدة:
_ في إيه ياكرم؟!
لف ذراعه حول خصرها وجذبها لتجلس على حجره وهمس وهو يلثم جنتها ورقبتها:
_ مفيش حاجة ياحبيبتي، يلا بقى جهزي نفسك والبسي طرحتك عشان نمشي، لإني اتخنقت من قعدة المستشفى دي وعايز ارجع بيتي
_ ياكرم الدكتور قال الأفضل إنك تاخد يوم أو يومين تاني على الأقل وبعدين نمشي ياحبيبي.. إنت ليه مستعجل كدا!!
_ زهقت ياشفق، وأنا كويس والله متقلقيش.. وإنتي موجودة أهو وهتراعيني طبعًا وهتهتمي بيا وأنا عندي مراتي أحسن من أكبر دكتور، وجودها جمبي بس بيخفنني
ضحكت بخفة مغلوبة على أمرها وقالت وهي تنحني لتخطف قبلة سريعة من وجنته:
_ حلو التثبيت ده!.. بس ماشي هنمشي خلاص طالما إنت مش حابب تقعد هنا أكتر، بس هيكون في التزام في البيت ووقت ما أقول هنبدأ نعمل جلسة علاج طبيعي متهملش وتتجاهل
_ من عينيا أنتِ تأمري يادكتور
قالها مازحًا بمداعبة لطيفة لتنكزه هي في كتفه بخفة ضاحكة وتنهض لتبدأ في ارتداء حجابها وتلملم أشيائهم وهو يتابعها بإمعان! .....
طرقات متتالية على الباب ولا يوجد إجابة منها، فدارت بذهنها أسئلة كثيرة أولهم "لماذا لا تفتح هذه الفتاة الباب"، لجأت للمحاولة الثانية وهي الطرق العنيف على الباب مع صوتها وهي تنده عليها بقلق:
_ ملاذ.. ملاااااذ
وسط طرق والدتها القوي والمتكرر استعادت وعيها تدريجيًا وفتحت عيناها ببطء ثم استقامت من على الأرض بصعوبة وهي يداهمها الدوار الشديد، ليخرج صوتها ضعيف وغير واضح كثيرًا:
_ أيوة ثانية جاية
سمعت أمها صوتها منخفض كثيرًا ولم تفهم ما تقوله ولكن هدأ قلقها بعض الشيء عندما سمعت صوتها وانتظرت للحظات طويلة حتى وجدتها تفتح لها الباب وهي تمسك برأسها من الألم وعيناها لا تقويان على فتحهما جيدًا، فيصبح حالها من مجرد القلق إلى الفزع على ابنتها، لتهرول وتدخل تسندها هاتفة بهلع:
_ مالك ياحبيبتي حصل إيه؟!!
ملاذ بصوت خافت:
_ معرفش ياماما دوخت مرة واحدة وأغمي عليا، كنت بكلم زين وبطمن عليه ومحستش بنفسي
سمعوا صوت رنين صاخب من الهاتف فقالت ملاذ باهتمام:
_ ده تلاقيه زين ياماما أكيد اتخض عليا
سندتها إلى الأريكة وأجلستها عليها بحرص ثم جلبت لها الهاتف لتجيب هي على زوجها، وبمجرد ما أن وضعت الهاتف على أذنها سمعت صوته المرتعد وهو يهتف:
_ ملاذ حصل إيه معاكي.. إنتِ أغمي عليكي؟!!
_ أه دوخت يازين فجأة.. بس أنا كويسة الحمدلله متقلقش وماما معايا كمان
_ طيب الحمدلله.. البسي وروحي معاها البيت متقعديش في الشقة وحدك
ملاذ بإذعان تام لأوامره ودون أي ضيق:
_ حاضر ياحبيبي هبقى البس واروح معاها اطمن.. المهم إنتوا خلوا بالكم من نفسكم
_ إن شاء الله.. يلا أنا هقفل بقى في حفظ الله
_ في حفظ الله
رددت خلفه بكامل الهدوء ثم أنهت الاتصال لتهتف أمها بنبرة مهتمة:
_ وإيه سببه اللي حصل معاكي ده
_ معرفش ياماما يمكن من الإرهاق والتعب
هزت رأسها بعدم اقتناع وقالت بابتسامة عريضة:
_ لا معتقدش إنه ليه دعوة.. ممكن يكون حمل
سكتت ملاذ لبرهة تفكر فيما قالته باندهاش بسيط عندما رجحت هي الأخرى هذا السبب ولكن سرعان ما نفَرَتْه من ذهنها وقالت باستنكار:
_ لا حمل إزاي ياماما.. أنا يدوب كنت عند الدكتورة من أسبوع ولو كان في كانت هتقولي في حمل
_ جايز تكون أخطأت وده شيء وارد.. اتأكدي تاني ياحبيبتي إنتِ مش خسرانة حاجة
هزت كتفيها بحيرة وهدرت بعدم اكتراث:
_ هجرب تاني وأشوف يمكن يطلع كلامك صح وأهو زي ما قولتي مش هخسر حاجة
تسللت من خلفه وهو يقف أمام المرآة يستعد للمغادرة، يهندم ملابسه وينثر العطر عليها، وجدها تلف ذراعيها حوله من الخلف هامسة برقة:
_ سنسن
أجابها بنبرة عادية وهو يكمل استعداده:
_ نعم
ارتدت خطوة للخلف وعبس وجهه بضيق هاتفة باحتجاج:
_ طيب بص عليا حتى.. اللي يشوفك كدا يقول ملكش نفس ترد عليا من الأساس
"هذه المرأة فقدت عقلها بالكامل.. فلا يمكن أن يكون مجرد حمل يفعل بها كل هذا!!" قال هذه الجملة بينه وبين نفسه مستنكرًا غضبها على شيء تافه كهذا وقرر مسايستها حتى لا ينخرطوا في دوامة جدال ونقاش كبير، التفت لها بجسده وغمغم باسمًا بابتسامة شبه صفراء:
_ أنا مش طايقك!!.. ماعلينا أهو بصيتلك ياستي أؤمري
زينت ابتسامتها ووجهها من جديد وقالت برقة أنوثية جميلة لا تقاوم:
_ نفسي في مانجا
رفع يده يحك مؤخرة رأسه هامسًا وهو يلوي فمه:
_ امممممم بدأنا
ضيقت عيناها بتعجب واشتدت نظراتها قوة لتجيبه بوجه اختفت لطافته ورقته:
_ إنت مضايق ولا إيه ياحبيبي!!!
_ وأنا هضايق من إيه!!.. الفكرة إننا في الشتا ياحياتي فمانجا إيه اللي نفسك فيها دلوقتي.. إيه رأيك أجيبلك برتقال حلو وربنا مكتر منه في الشتا
يسر باستهزاء وغيظ:
_ برتقال إيه.. إنت هتنقيلي على مزاجك ماتيجي تتوحم بدالي أحسن، أنا عايزة مانجا اتصرف وجبلي منها
تأفف بنفاذ صبر مردفًا بنبرة شبه مرتفعة:
_ أيوة أجيب أنا مانجا منين دلوقتي
اغتاظ هي الأخرى وصاحت به مندفعة:
_ اتصرف أنا مالي.. هو مش ابنك ده؟ ولا هو أنا اللي بدلع وبتوحم من نفسي.. قول بقى كمان مش هجيب عشان الولد يطلع في وشه منجايا كبيرة كدا ويتعقد في حياته
حدَجْها بقرف وأجابها ساخرًا منها:
_ طيب بس بلا شغل عبط قال منجايا، هبلة بصحيح.. وصوتك ميعلاش عليا تاني مرة مفهووووم
قربت وجهها منه وثبتت عيناها على عيناه لتهمس بتحدي متعمدة استفزازه:
_ هعلي صوتي براحتي.. عارف ليه عشان أنا مبخفش منك
دفعها بخفة ولطف من أمامه وهو يحدَجْها بأعين متقوسة بقرف ووجه ساخر:
_ طيب اتكلي على الله من هنا بقى خليني أكمل لبسي عشان أمشي
تقهقرت للخلف بعينين مشتعلتين بنيران الغيظ وهمست بوعيد له ووجه يعطي احمرارًا بسيطًا من الضجر:
_ مـــــاشــــي ياحسن براحتك أوي
استدارت وتركت الغرفة بأكملها لتتركه يكمل استعداده وهو يبتسم بعد حيلة من أمرهم العجيب!! .....
تابعها وهي تقترب ناحيته وتسير معها إحدى صديقاتها، لأول مرة يرى معها هذه الفتاة، كان مثبت نظره عليهم ويقف أمام السيارة يستند بظهره عليها عاقدًا ذراعيه أمام صدره، وقبل أن يصلن إليه مباشرة توقفتا على مسافة شبه بعيدة عنه وعانقتها مودعة إياها ثم تركتها ورحلت، فأكملت هي سيرها ناحيته لتهتف باستغراب:
_ إنت مش قولت معاك شغل ومش هتقدر تعدي تاخدني
_ خلصت شغلي بدري وجيتلك.. صحبتك دي اللي كنتِ ماشية معاها؟!
أومأت له برأسها وقالت بعفوية وابتسامة عريضة:
_ أيوة اتعرفت عليها من يومين.. بنت كويسة بجد حبيتها أوي، وطيبة بشكل ياعلاء.. انبسطت لما اتعرفت عليها كنت بزهق وبمل وأنا قاعدة وحدي طول الوقت
لم يعقب واكتفى بإماءة رأسه البسيطة ثم التفت من الناحية الأخرى للسيارة ليستقلها وهو يشير لها بعينيه متمتمًا:
_ طيب اركبي يلا
رفعت حاجبها بحيرة من طريقته الغريبة، ثم فتحت الباب واستقلت بجواره لتسأله باهتمام:
_ إنت مضايق من حاجة ولا إيه؟!!
بكل هدوء هز رأسه بالنفي وهمس بنبرة عادية قبل أن يحرك محرك السيارة وينطلق بها:
_ لا
رمقته بمكر وقالت بابتسامة لطيفة ونبرة مشاكسة:
_ بجد يعني!
مالت شفتاه على الجانب قليلًا في ابتسامة تكاد تكون خفية وأجابها:
_ أيوة بجد ياميار.. أنا تعبان من الشغل بس وعايز أروح البيت عشان أريح
تفهمت الأمر ثم هدرت باضطراب بسيط وخوف:
_ طيب أنا عملت حاجة وخايفة أقولك تتعصب وتزعقلي
اشتدت معالم وجهه إلى الحزم ليرمقها بنظرة ثاقبة ويخرج صوته الرجولي الخشن:
_ حاجة إيه؟!
_ لا لا مش هقولك خلاص.. شوف إنت بتبصلي إزاي من قبل ما تعرف إيه هي أصلًا!!
تأفف وأجابها بنبرة أقل حدة:
_ قولي ياميار ومش هتعصب.. لكن لو فضلتِ بالمنظر ده هتعصب حتى لو الموضوع مش مستاهل
ازْدَرَدَتْ ريقها وقالت بنظرات استقصدت أن تكون بريئة حتى تستعطفه من خلالها:
_ أنا كان معايا تلات محاضرات النهاردة والتانية اتلغت فكان في وقت فراغ بين المحاضرة الأولى والأخيرة، في الوقت ده أنا طلعت مع صحبتي اللي شفتني معاها دي واشتريت حاجة بس طولت شوية واخدت حوالي ساعة وبعدين رجعنا تاني الكلية على آخر محاضرة
عم الصمت بينهم لثوان كانت بالنسبة لها ساعات من القلق أن تخرج منه ردة فعل عنيفة ولكنه خيب ظنها وتمتم بنبرة رخيمة لا تبدو منزعجة:
_ هو أنا مش هتعصب عليكِ.. بس أفهم الأول متصلتيش بيا ليه تقوليلي إنك هتطلعي وتشتري الحاجة اللي أنا بتساءل عنها برضو دي
_ مكنش هينفع اتصل بيك
_ ليه بقى إن شاء الله؟!
ميار بارتباك ووجه مبتسم مع القليل من الحماقة في الكلام:
_ من الآخر كدا أنا اشتريت حاجة ومش عايزاك تعرفها دلوقتي.. بليل هتعرف إيه هي، بس عندي طلب الأول ومتفهمنيش غلط
_ طلب إيه؟!!
مصمصت شفتيها باستحياء وقالت بأعين زائغة ونظرات متوترة:
_ إنت قولتلي قبل كدا إنك معاك شقة بس مش بتروحها غير نادرًا.. فــ .. ممكن .. ممكن يعني ناخد الليلة فيها..
قصد النهاردة.
ضيق عيناه بريبة من طلبها، فنظر لها وهو يرفع حاجبه مبتسما بلؤم، لتفهم هي فورا الذي دار بذهنه المنحرف فتهتف مسرعة بخجل ملحوظ:
_ أنا مش قولتلك متفهمش غلط.
أصدر ضحكة عالية وقال بصوت ماكر:
_ ما أنا بحاول أصفي النية بس مش عارف صدقيني.. هو إنتي جيبالي هدية وعايزة تعمليلي مفاجأة يعني؟
_ امممممم يعني حاجة زي كدا.
تصنع التفكير وهتف بابتسامة كلها خبث مع نظرات وقحة:
_ هدية ومفاجأة ونقضي الليلة في شقة وحدنا.. طيب أنا راضي ذمتك عايزاني أصفي نيتي إزاي!!
تذمرت وقالت بخنق من محاصرته لها وتلميحاته المنحرفة التي أخجلتها:
_ خلاص يا علاء اعتبرني مقولتش حاجة، انسي الموضوع مش عايزة أروح.
تحول إلى الحدة والاستياء بلحظة وهو يجيبها بحدية مزيفة:
_ لا انسي إيه.. مفيش رجعة هي الكلمة بتتقال مرة واحدة، قولتي عايزة ناخد الليلة هناك وأنا أكثر من مرحب بالفكرة.. بس عندي شرط، أي كانت المفاجأة اللي عملاها فأنا عايزك إنتي كمان تفاجئيني، واعتقد فهمتيني يعني.
حدجته مغتاظة ونكزته في كتفه هاتفة بحياء تجاهد في إخفائه:
_ لا مفهمتش ووديني وإنت ساكت.
ضحك وثبت تركيزه على قيادته ليزود السرعة متجها إلى منزلهم بعدما أخبرته بأنها تريد أخذ بعض الأشياء من المنزل قبل أن يذهبا للشقة...
***
غربت الشمس وارتفع ضوء القمر في السماء التي تزينت بالنجوم الساهرة الجميلة...
أسفل أسقف أحد منازل أبطالنا، كانت تمسك بيده وتسير بجواره في بطء شديد وهو يتحرك مستندا عليها بكامل الحذر، يسيران إيابا وذهابا مسافة متر.. تثبت هي نظرها عليه ووجهها يبتسم بغرام وهو تركيزه مثبت على حركة قدمه الذي يجد صعوبة بالغة في تحريكها لخطوة واحدة فقط!
جمعنا القدر معا لنكمل بعض البعض ونكون عونا لبعضنا، حين يقع واحد منا الآخر يسنده، تعاهدنا على السير معا في السراء والضراء، وعهدنا سنحافظ عليه لآخر أنفاسنا.. فأنت قمري الجميل والميم دال!!
توقف عن السير وهتف بتعب:
_ كفاية يا شفق كدا النهاردة أنا تعبت، نبقى نكمل بكرا.
أجابته بصوت ناعم وحنون:
_ حاضر يا حبيبي بس خلينا نكمل لكام دقيقة تاني حتى.. الدكتور قال لمدة خمس دقايق وأحنا مكملناش دقيقتين على بعض.
_ مش قادر يا شفق تعبت بجد!
تنهدت الصعداء مغلوبة على أمرها وساعدته على السير نحو الفراش.. ليمدد جسده عليه ويستند على ظهر الفراش، هتفت شفق:
_ أنا هروح أحضرلك العشا عشان تاخد العلاج.
أشار لها بيده أن تأتي بجانبه على الفراش مغمما بنبرة قوية:
_ لا أنا مش جعان خلي الأكل كمان شوية وتعالي اقعدي جمبي عايز أتكلم معاكي.
انتابها الفضول والريبة من أمره ثم اقتربت وجلست بجواره كما طلب منها ليبدأ هو بسؤاله الحازم:
_ قوليلي حصل إيه معاكي في الليلة اللي كنت فيها في المستشفى.. وعايز أعرف كل حاجة بالتفصيل يا شفق وإياكي تكذبي عليا.
زفرت بصوت مسموع وقالت باختناق:
_ إنت ليه شاغل نفسك بالموضوع ده يا كرم.. اللي حصل حصل والأهم إننا كويسين الحمدلله ومع بعض أهو.
كرم بنبرة رجولية مخيفة بعض الشيء بها شيء من التحذير:
_ اتكلمي يا شفق.. مش هكرر الكلام مرة تاني!
مسحت على وجهها متأففة باقتضاب وبدأت تسرد له ما حدث معها بالضبط من بداية مغادرتها للمستشفى حتى صباح اليوم التالي عندما استيقظت ووجدت نفسها على فراش داخل غرفة بالمستشفى.. احمرت مقلتي عيناه وظهر فيها وميض مرعب، وأخذت معالم وجهه تقوسا مخيفا، أخفضت نظرها قليلا فرأت قبضة يده التي كورها بعنف.. أدركت أن بداخله انفجار بركاني هائل ويتمالك زمام نفسه أمامها، فخشيت أن يؤذي نفسه بعصبيته المفرطة هذه لتهمس بنبرة قلقة:
_ كرم يا حبيبي متعصبش نفسك.. اللي حصل كان غباء مني كان لازم أقول لحسن أو زين على الأقل عشان حد منهم يجي معايا ومديش الفرصة ليه.. وخلاص هما في السجن دلوقتي.
صاح في صوت جهوري نفضها بمكانها:
_ ما هو المشكلة إنهم اتسجنوا ومش هعرف أشفي غليلي منهم بإيدي ال*****.. بس فكرك إنهم عشان اتسجنوا يبقى خلاص كدا، وغلاوتك لأخليهم يسحفوا سحف على بلاط السجن.. أه يا بن ******.
عانقته بقوة ودفنت وجهها بين ثنايا رقبته تلثمه بحب لتهدئه وامتزج بالخوف من وعيده لهم:
_ أبوس إيدك بلاش تعمل مشاكل يا حبيبي.. كفاية يا كرم وهدي نفسك أنا خايفة عليك تتعب، كله بسببي وبسبب غبائي لو مكنتش روحت مكنش حاجة من ده كله هتحصل.
قالت جملتها الأخيرة بصوت باكي بعدما انهمرت دموعها على وجنتيها، ليبعدها عنه ويحتضن وجهها بين كفيه هامسا أمام شفتيها مباشرة بنظرة متيمة ونبرة تحمل وعيد الانتقام:
_ أنا ممكن أسكت عن اللي عملوه معايا وميهمنيش، بس اللي يقربلك ويلمس شعرة منك يبقى هو اللي جنى على نفسه.. منتظرة مني أسكت بعد ما عرفت إنه حاول يعتدي عليكي وخطفك وحاول يقتل صاحبي كمان، صدقيني لأخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه، هخلي السجن عليهم جهنم وهيتوسلني إني أرحمه.
هم بأن يقترب أكثر ليقبلها حتى يؤكد لها على صدق كلامه ومشاعره المغرمة بكل شيء فيها، لكنها تراجعت للخلف ووثبت واقفة لتقول ببكاء عنيف وصوت متلقلق من شدة البكاء:
_ وأنا كرم اللي أعرفه وحبيته عمره ما كان جبار وعديم الرحمة بالشكل ده.. مهما كان اللي عملوه معايا أو مع سيف هما دلوقتي هيتعاقبوا أفضل عقاب في السجن، أنا مش عايزاك تكون كدا.. أنا بقيت بخاف منك يا كرم أحيانا، مع إني عمري ما اتخليت إني في يوم ممكن أحس بخوف منك.
تفوهت بآخر كلماتها وهرولت للخارج فصاح هو مناديا عليها:
_ شــــفــــق!
حاول التحرك والنهوض من الفراش لكنه لم يستطع فعاد يصيح عليها من جديد:
_ شفق تعالي هفهمك يا حبيبتي.
لم يجد إجابة منها فقط سمع صوت باب الغرفة الثانية القوي عندما دفعته وأغلقته عليها، فحاول مرة واثنين حتى ينهض بنفسه ولكن قدماه كأنها شلت أكثر، فالتقط كوب الماء الموضوع على المنضدة بجواره ومن غضبه ونقمه على كل شيء رمى على الأرض ليتناثر إلى جزئيات صغيرة متفرقة في كل مكان، ثم رمى برأسه على الفراش وهو يخفي عيناه بكفه.. ولوهلة لعن كل شيء فهو حتى لا يتمكن من الوقوف على قدماه أو النهوض من فراشه، ولكن في اللحظة التالية فورا استغفر ربه بعينان منطفئتين وبائستين! ………
***
تشاهد التلفاز باستمتاع وبيدها صحن فشار تلتقط منه حبة كل آن وآخر وتلقيها في فمها، ومن شدة اندماجها مع التلفاز لم تنتبه له عند أتيه، حيث دخل من الباب وأغلقه خلفه ثم بدأ في نزع حذائه عنه وسار ناحيتها فاستغرب عندما وجدها لا تنظر له نهائيا، ليبتسم بعدما فهم أنها تتجاهله ويكمل سيره بحذر ويضع الكيس الذي يحمله بيده بجانب الأريكة على الأرض ويجلس بجوارها هاتفا بمداعبة وهو يمد يده لصحن الفشار:
_ بتتفرجي إيه؟!
منعت يده قبل أن تصل للصحن وتلتقط من الفشار ودفعتها هاتفة بقرف:
_ ملكش دعوة ومتاكلش من الفشار ااا……
توقفت عن الكلام عندما دخلت لأنفها رائحة مانجا فأشرق وجهها بفرحة غامرة وقالت:
_ إنت جبت مانجا.
ضحك على منظرها وانحنى للخلف ليتلقط الكيس ويناوله لها هامسا بدفء:
_ اتبهدلت وأنا بلف عليها.
التقطت واحدة من الكيس واشتمت رائحتها بتلذذ لتغمغم:
_ الله ريحتها حلوة أوي.
تقوس وجهها في اللحظة التالية وغمغمت باستهزاء منه:
_ مش على أساس مفيش مانجا ومش هتعرف تجيب.. جبتها إزاي بقى؟!
التصق بها وطبع قبلة مطولة على وجنتها وكفه وضعه على بطنها يهمس بالقرب من أذنها في عشق جارف:
_ مقدرش أرفض طلب لابني وأمه.. أنا كنت بناكف فيكي الصبح بس مش أكتر وإنتي ما صدقتي لقيتي حاجة تتخانقي عليها.
لوت فمها بأسف وقالت بعفوية:
_ أيوة أنا حاسة إننا بقينا بنتخانق على حاجات تافهة أوي زي الأطفال صح؟!!
أجابها بابتسامة صفراء وهو يومئ بإيجاب:
_ تافهة أوي للأسف.. بس اللي يحبك يناكف فيك.
لفت ذراعيها حول رقبته وخطفت قبلة من وجنته هامسة بدلال وغنج مع ابتسامة عريضة:
_ وأنا كمان بحبك يا سنسونتي.. ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
حسن بغمزة لئيمة مع ضحكة بسيطة:
_ طيب بلاش تدلعي فيا كتير عشان أنا بضعف ومش ضامن نفسي.. وقومي بقى اعملينا عصير من المانجا دي لأحسن ريحتها مغرية أوي الصراحة.
ابتعدت عنه وقالت بشراسة ورفض قاطع:
_ لا دي ليا أنا، روح جيب لنفسك وأنا أعملك.
_ لا والله وهو أنا مش جايبها دي وفضلت ألف عليها في الليل وفي عز الشتا عشان سيادة البيه وأمه اللي بتتوحم ياكلوا مانجا.. كمان مش هاكل منها دلوقتي.
_ أيوة مش هتاكل منها أنا نفسي فيها وهاكلها وحدي.
دفعها بيده في كتفها بخفة هاتفا بغيظ:
_ ما كفاية طفاسة بقى يا بت وقومي.. إنتي أصلا مش هينفع تاكلي منها كتير لأن الأملاح غلط على الحامل.
ضحكت مستنكرة ما قاله وهتفت بنبرة منذرة:
_ هه ده هاكل منها براحتي.
أدرك الموقف الذي يتجادلون حوله وتفاهته فانفجر ضاحكا بقوة، لتحدجه هي بحيرة وتهتف:
_ بتضحك على إيه!!
أجابها من بين ضحكه القوي:
_ احنا لسا بنقول بنتخانق على حاجات تافهة وطفولية ومكملناش دقيقة وبصي بنتناقش في إيه!!!
صمتت للحظة تدرك الأمر لتنفجر هي الأخرى تطلق ضحكاتها المتأججة، فتدفن وجهها بين ثنايا ذراعه وهو تضحك ثم ترفع نظرها له وتقول بضحك:
_ احنا تافهين أوي يا حسن.
_ أوي والله فوق ما تتخيلي كمان.
عادت لضحكها من جديد بينما هو فتوقف عن الضحك وثبت نظره عليها يتأملها بنظرات عاشقة ليست الأولى ولا الأخيرة!! ……
***
انتهت أخيرا من كل التحضيرات.. أعدت بنفسها الكعكة وزينتها وكذلك وضعت القليل من الزينة في المنزل وبالأخير اهتمت بنفسها حيث ارتدت رداء لطيف وهادئ من اللون الحراري بحملات عريضة تغطي نصف أكتافها وفتحة الظهر صغيرة بالكاد تظهر الجزء العلوي من ظهرها، أما فتحة الصدر فكانت ضيقة ولا تظهر شيئا منها، وميزة الرداء بأنه كان طويل فكان أنيق وبنفس اللحظة محتشم بعض الشيء.. وأخيرا تركت العنان لشعرها بدون أي قيود تقيده.
ها هو قد أتى.. بمجرد ما أن سمعت صوت فتح الباب ركضت ووقفت أمام الطاولة الموضوع فوقها الكعكة وظلت واقفة تنتظره حتى يأتي إليها، دخل ووجد الصالة مظلمة فمد يده لإضاءة النور وحين انفتح الضوء فزع وكأنه رأى شبح فتحول هلعه إلى غضب مؤقت حيث هتف بصيحة بسيطة:
_ إيه يا ميار شغل العفاريت ده!! ..
يحرق المفاجآت كلها لو بالمنظر ده.
أصدرت ضحكة أنوثية عالية ثم تصنعت العبوس وهي تجيبه بتذمر:
_ أخص عليك ياعلاء ده بدل ماتشكرني إني عملالك مفاجأة وتورتة.
دار بنظرة في أرجاء الصالة المزينة ببعض الزينة وإلى الكعكة الشهية متوسطة الحجم، فتهدأ نفسه المستاءة ويبتسم لها بعاطفة ويقترب نحوها هامسًا بصوت جميل وهو يقبل شعرها:
_ شكرًا ياحبيبتي، ربنا يخليكي ليا.
لم تكن تعرف أتخجل أم تسعد لكلماته الغرامية، وبين اضطراب مشاعرها ظهرت على ملامحها الرقيقة ابتسامة فرحة وتوردت وجنتيها باستحياء، لكن تغلبت على خجلها ورفعت كفها تملس على جبينه بأبهامها وتتمتم برقة مغرية:
_ Happy birthday ياحبيبي..
والعمر كله نكون مع بعض ومفيش حاجة تفرقنا.
لف ذراعه حول خصرها وجذبها يضمها لصدره مغممًا:
_ آمين ياقلب حبيبك.
بقيت بين ذراعيه للحظات طويلة حتى ابتعدت عنه ونظرت للكعكة لتقول بنبرة حماسية:
_ يلا عشان تدوق من التورتة وتقولي رأيك.
قطعت منها قطعتين ووضعت كل قطعة في صحن ثم ناولته واحد وجلسوا على الأريكة يأكلون ويتبادلون الأحاديث المرحة، إلى أن انتهوا وأبدى هو إعجابه بمذاقها الرائع.
ثم نهضت وأخذت الكعكة للمطبخ لتضعها بالثلاجة وبعد دقائق عادت له وجلست بجواره ترفع أمامه علبة صغيرة طويلة، فيهتف هو مبتسمًا بدفء:
_ دي الهدية مش كدا!
أماءت له برأسها فالتقطها من يدها وفتحها ليجدها ساعة رجالية أنيقة وفخمة، وسمعها تهمهم:
_ الحقيقة أنا بحب شكل الساعات في إيدك جدًا فقررت إني اجيبلك ساعة وتكون على زوقي أنا.
انفرجت شفتيها باتساع ثم أخرجها من العلبة ولفها حول رسغه ينظر إليها في يده بإعجاب، فيجيبها بنبرة معجبة:
_ لازم تكون حلوة مش على زوقك.
قال جملته وانحنى إليها يخطف قبلة سريعة من وجنتها، ثم ينزعها عنه ويضعها بمكانها كما كانت، ويعود بنظره لها يدقق فيها النظر جيدًا هذه المرة كأنه يتفحصها، فيغمز لها بخبث ويقول:
_ حلو الاحمر ده.. شوفتي إنتي اللي بتخلي نيتي تروح لحجات مش سليمة بتصرفاتك، وبالشكل ده إنتي بتجرجريني للرذيلة وأنا بحبها أوي.
نزلت بنظرها إلى ملابسها ولعنت نفسها الحمقاء التي لم تجد سوى هذا الرداء لترتديه، عادت بعيناها له وهمست بعدم حيلة من انحرافه وهي تبتسم:
_ على فكرة مكنش قصدي خالص والله.. هي جات صدفة.
استقام وانحنى عليها يحملها على ذراعيه هاتفًا بنظرات ليست بريئة:
_ أنا بعشق الصدف.. يلا هحكيلك على صدفة حلوة حصلت معايا برضوا.
_ طيب ماتحكيها هنا إنت ماخدني جوا ليه.
_ مينفعش هنا اصلها حكاية طويلة.
أماءت برأسها في أعين شبه مغتاظة، وفهمت جيدًا مقصده فاستسلمت لأمرها الواقع ولم تحاول المقاومة، واكتفت بابتسامتها المغلوبة والخجلة على شفتيها!!!!..
فرحانة أوي ياماما.. الحمدلله.
رتبت أمها على ذراعها بحنو وتشدقت:
_ ربنا يتمم حملك على خير ياحبيبتي وياجي ويتربى في عزكم.. وعقبال ما أشوف ولاد أخوكي كدا كمان.
_ آمين يارب هو بس يقوم بالسلامة وكل حاجة هتبقى زي الفل إن شاء الله.. أنا بالي مشغول وقلقانة عليه.
_ أنا من وقت ماسافر ومش عارف أنام براحة.
ياملاذ من القلق والخوف عليه وبدعيله ربنا يقومه بالسلامة من العملية دي.
_ آمين يارب.. العملية بكرا خلاص ربنا يعديها على خير.
رفعت أمها يدها للسماء تدعو الله بأن يستجيب لدعائها ويحفظ لها ابنها، ثم هتفت بتساءل:
_ إنتي مش هتكلمي جوزك تقوليلوا على الخبر.
هزت رأسها بالنفي تقول بنظرة متشوقة:
_ لا هخليها مفاجأة لما ياجي هقوله.
مع صباح يوم جديد قد لا يكون جيدًا بالنسبة للبعض حيث يحمل مفاجآت صادمة لهم!!!!.
وصلت يسر إلى منزل أبيها واستقبلتها أمها بترحيب حار، لتنحنى يسر على والدتها وتعانقها بلطف مغمغمة:
_ عاملة إيه ياماما.
ابتسمت لها أمها بحنو وتمتمت:
_ بخير الحمدلله يابنتي.. متصلتيش بيا يعني تقوليلي إنك جاية.
تنهدت يسر الصعداء بوجه عابس وأجابتها بنبرة مضطربة:
_ أصل أنا جاية اتكلم معاكي إنتي وبابا في موضوع وماشية تاني.
_ موضوع إيه ده؟!!.
_ هتعرفي دلوقتي.. بابا فين بس؟!.
أشارت لها بعينيها على غرفة المكتب وقالت بحيرة:
_ في المكتب.
تحركت باتجاه الغرفة وهي تهتف:
_ طيب تعالي ياماما.
غضنت الأم حاجبيها بريبة امتزجت بالقلق، وسارت خلفها حتى فتحت الباب ودخلت فتلقت أيضًا الترحيب من أبيها وعناق دافئ، هتف بنظرات حانية:
_ عاملة إيه يابنتي.. وأخبار حسن إيه؟.
هزت برأسها وهي تجيبه بمعالم مرتبكة:
_ أنا كويسة يابابا الحمدلله وحسن كمان كويس.. أنا كنت جاية اتكلم معاك إنت وماما في حاجة.
تبادل طاهر النظرات المتعجبة مع زوجته ثم استقرت نظراته بالآخر على ابنته التي جلست قبالته وبجوارها جلست أمها..
ظلوا يحدقوا بها منتظرين أن تبدأ في حديثها المهم الذي تريد إخبارهم عنه، وهي تنقل نظرها بينهم بتوتر تجهز الكلمات جيدًا حتى لا تخطأ بشيء وتكتب نهاية زواجهم بيدها!.
تكلمت أخيرًا بأعين زائغة:
_ أنا لسا حامل.. يعني محصلش إجهاض ولا حاجة زي مافهمت الكل.
سكتت تنتظر ردة فعل منهم ولكن غاصوا في فقاعة صمت قاتلة، لتحدق بوجه كل من أبيها وأمها لتقرأ قسمات الدهشة وعدم الفهم عليهم، فتأخذ نفسًا طويلًا وتسترسل حديثها وهي مطرقة رأسها أرضًا تخترع كذبة باحترافية حتى تخفي على كل أفعال زوجها وأفعالها:
_ اللي حصل إن احنا من وقت جوازنا وكان في مشاكل كتير بينا أنا وحسن ومكناش قادرين نتفاهم مع بعض كويس.. وهو مكنش حابب نجيب أطفال إلا بعد مايعدي فترة على الأقل على جوازنا وحصلت كذا مشكلة بينا بسبب الموضوع ده.. ولما حصل حمل اتخانقنا خناقة كبيرة أوي ووصلت لدرجة إنه طلب مني أنزله فزادت الخلافات بينا بعد المشكلة دي ووصلت للطلاق زي ماحصل.. وأنا كذبت على الكل وقولت إني اجهضت الطفل عشان كنت فاكرة إنه لو عرف إني لسا حامل مش هيوافق يطلقني والمشاكل هتزيد بينكم وأنا مكنتش حابة كدا، وكنت بمجرد ما نتطلق نهائي هقول للكل، الكلام ده طبعًا بعد ما هو تراجع واعتذرلي أكتر من مرة عن اللي حصل بس أنا رفضت أسامحه.. أنا عارفة إني غلطانة واستاهل كل اللي تعملوه معايا بسبب اللي عملته وإني كذبت عليكم في حاجة زي كدا بس أنا والله مش عارفة عملت كدا إزاي ولا عقلي كان فين لما فكرت أعمل كدا.. أنا آسفة!.
لجمت الصدمة السنتهم فأخذوا يحملقوا بها لدقيقتين في ذهول إلى أن صاحت أمها بها في انفعال:
_ كل ده يحصل معاكي ومتقوليش لينا حاجة.. هو احنا مش اهلك ولا إيه يايسر.
يسر بصوت مبحوح:
_ والله ما اقصد ياماما أن كنت في حالة نفسية تحت الصفر ومبقيتش عارفة أنا بعمل إيه ومن كتر زعلي وحزني بقيت بتصرف بعدم عقل.
خرج صوت أبيها متحشرج وهو يصيح بنبرة ارعبتها:
_ ده مش مبرر للي عملتيه.. كام مرة نسألك عشان تقولي اللي حصل بينكم وإنتي رافضة تتكلمي سواء إنتي أو الأستاذ التاني، وفوق ده كله تكذبي علينا وعلى الكل إنك اجهضتي العيل.. ده ملوش معنى غير إنه عدم احترام لينا ياهانم وبعدين إيه لو عرف إني لسا حامل مش هيطلقني ده؟ تفكير متخلف.. ودلوقتي رجعتوا من أمريكا زي السمنة على العسل وخلاص اتصالحنا، هو شغل عيال.
انسابت دموعها على وجنتيها وهمست بصوت مرتجف وهي مجفلة نظرها أرضًا:
_ أنا آسفة يابابا.
هتفت أمها بغضب:
_ والبيه عرف إنك لسا حامل ولا كمان لسا مقولتيش ليه.
_ عرف من وقت ما كنا في أمريكا واتخانق معايا برضوا إني خبيت عليه حاجة زي كدا.
طاهر بنظرات مشتعلة من الغضب:
_ وإيه اللي حصل خلاكم تتصالحوا بالسرعة دي!!.
رفعت كفها وجففت دموعها تجيبهم بصوت به بحة قوية:
_ هو ندم على كل حاجة وفضل يعتذرلي ومسابنيش واثبتلي إنه ييحبني بجد وعايزني، ولما حسيت إنه بجد اتغير اديتله فرصة تاني.. وإنت عارف يابابا إني بحب حسن أوي وطول ماهو جنبي أن بكون مبسوطة.
حدقها طاهر بنظرة خنق ليهتف باستياء:
_ مش عارف ارد عليكي بإيه.. ربنا يسامحك يابنتي والله، دايمًا تاعبينا إنتي وأخوكي كدا.
ثم اندفع وغادر ليتركها مع أمها لوحدهم فتنفجر هي باكية بقوة وتهتف من بين بكائها:
_ والله ما اقصد اخبي عليكم أنا كنت عايزة اخبي على حسن وخوفت اقولكم تروحوا وتقولوا ليه.
أشفقت عليها أمها فضمتها لصدرها وملست على شعرها هامسة بعتاب:
_ مهما كان يايسر لا احنا ولا حتى جوزك ينفع تخبي عليه حملك وتكذبي علينا.
استمرت في بكائها العنيف وأمها تملس عليها محاولة تهدئتها بدون جدوى!!!!..
بمدينة لندن البريطانية....
داخل أحد أكبر المستشفيات بالمدينة بعد مرور ساعات قليلة من خروجه من غرفة العمليات وقد طمأنهم الطبيب على حالته الصحية وأنه بخير والعملية ناجحة تمامًا، فتهللت أسارير كل من زين وأبيه الذين كانوا معه..
وانتظروا لما يقارب ساعة حتى تم نقله لغرفة خاصة واستعاد وعيه، فدخلوا له وهتف أبيه بوجه بشوش:
_ حمدلله على سلامتك يابني.
أجاب عليه إسلام بصوت ضعيف:
_ الله يسلمك يابابا.
هتف زين بدوره وبابتسامة مداعبة:
_ حمدلله على السلامة يابشمهندس، والف مبرووك الحمدلله الدكتور بيقول إن العملية نجحت وزي الفل يعني بمجرد هترجع تقف على رجلك زي الأول واحسن إن شاء الله.
أشرق وجهه إسلام بفرحة غامرة ورفع عيناه لأعلى يتمتم بقلب ينبض بسعادة:
_ اللهم لك الحمد والشكر يارب.. أخيرًا.
وأخيرًا زين احس بأن ضميره توقف عن تعذيبه فقد أتم جزء كبير من التكفير عن ذنبه، سيأتي الآن دور الوقت الأصعب وهو أخباره بالحقيقة!!!!..
ترجلت ملاذ من السيارة الأجرة أمام مقر شركة العمايري..
حيث جاءت لرفيف عندما أخبرتها ملاذ أنها في طريقها لشراء بعض الأشياء فاقترحت عليها رفيف أن تمر عليها بالشركة وتريها بعض الأشياء الخاصة بها لتأخذ رأيها فيها ومن ثم تذهب معها للتسوق..
فلم تمانع ملاذ وأتت لها.
قادت خطواتها الواثقة للداخل واستقلت بالمصعد الكهربائي وتوقف المصعد بالطابق الثالث حيث يوجد مكتب رفيف..
وسارت إلى آخر الطرقة حيثما يوجد باب لغرفتين أحدهم لرفيف والأخرى لحسن، اختلفت عليها الغرفة واخطأت وكانت على وشك أن تدخل مكتب حسن ولكنها تراجعت على آخر لحظة وهمت بالاستدارة للذهاب للغرفة الثانية حيث مكتب رفيف ولكن استوقفها سماعها لاسمها من حسن الذي كان يتحدث مع أخيه في الهاتف..
فوقفت مكانها باستغراب عندما سمعته يتحدث عنها كالآتي..
حسن برزانة:
_ مينفعش زين يخبي عليها ياكرم مسيرها هتعرف.. هو عنده حق يقلق شوية ويتوتر ما يقولها.. وسيبك من موضوع ادمانه وإنه كان مدمن ودخل مصحة يتعالج، دي حاجة عدت عليها سنين وخلاص انتهت، هو يمكن ليه الحق في نقطة أنه يروح ويقولها أن أنا اللي خبطت أخوكي وكنت السبب في اللي حصل معاه لأنها فعلًا صعبة.
كانت ملاذ تمسك بهاتفها في يدها، وأصابتها الصدمة التي لجمت لسانها وكأن صاعقة صفقتها بأرضها..
ظلت متجمدة مكانها وهي فاغرة شفتيها وعيناها بعدم استيعاب لما سمعته! وأحست بانسياب أعصابها فلم تشعر بنفسها وسقط الهاتف منها على الأرض ليحدث صوتًا قويًا ومزعجًا بعض الشيء!!! ………