تحميل رواية ضروب العشق بقلم ندى محمود توفيق pdf
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هناك بعض الأقاويل التي تصف العشق على أنه "ثقة". ولكن في حال انقشعت الثقة وانحلّت الخيانة والغدر والكذب محلها، فسينقشع معها مفهوم العشق على أنه ثقة، ويصبح يمثل بالنسبة لهم ما هو إلا تلاعب بالمشاعر كدمية على مسرح يحركها صانعها كما يشاء. فتذوق طعم الغدر يماثل السم الذي لا تشعر بمذاقه حين يقدم لك في صحن طعام شهي، ولكنه يسري في جسدك وأعضائك فيدمرها ويجعل نهايتك الموت. "ملاذ" كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. وكل دقيقة تسترجع لحظة اكتشافها لخيانته القذرة، وكيف أ...
رواية ضروب العشق الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم ندى محمود توفيق
سمع صوت اصطدام شيء بالخارج ، فعقد حاجبيه بريبة وهب واقفًا يهتف محدثًا كرم في الهاتف:
_ ثانية يا كرم خليك معايا.
تحرك باتجاه الباب في خطا ثابتة حتى امسك بالمقبض وجذب الباب إليه ليلقي نظرة برأسه على الخارج. لم يجد شيء.
أتاه صوت كرم في الهاتف وهو يسأل:
_ في إيه يا حسن؟
حسن بأعين تدور في الأرجاء وقسمات وجهه حادة:
_ اصل سمعت صوت برا فافتكرت في حد بيتنصت على الباب.
اخذتها قدماها وهي تسير إلى خارج الشركة ودموعها بدأت في التساقط. وما انقذها من أن تقع في موقف محرج أمام العامة هو نقابها الذي يخفي دموعها. لا تستوعب ما سمعته وتحاول تكذيب أذناها ولكن كيف؟ لماذا أخفى عليها ولم يخبرها؟ أهذه هي الثقة الذي حاولوا بنائها وتعاهدوا على أن تظل قائمة دومًا؟ أهذا هو الوعد الذي قطعوه لبعضهم بأنه لن يخفي أحدًا منهم أمرًا عن الآخر؟ كيف فعلها وتمكن من إخفاء حقيقة كهذه عنها؟
رنين الهاتف الصاخب لا يتوقف، والمتصل لن يتوقف إلا عندما يجيب عليه. استيقظت على صوته وفركت عيناها لتزيح عنهم بعض آثار النعاس، ثم مدت يدها تهزه بلطف وتهمس بصوت ناعس وخافت:
_ علاء قوم رد على الموبايل.
عـــــلاء
تقلب في الفراش بنعاس والتقط الهاتف يرى اسم المتصل فوجده أمه. كتم صوت الرنين ثم اكمل نومه. وماهي إلا لحظات قليلة وعادت تتصل من جديد فتأفف بصوت مسموع وخنق ليجيب عليها:
_ الو.
سمع صوت أمه وهي تهدر بهلع:
_ علاء اختك اتخانقت معايا ومع أبوك وصممت تمشي وحدها وكانت بتعيط ودلوقتي برن عليها مش بترد.
استيقظت جميع حواسه حيث هتف وهو يهب جالسًا:
_ اتخانقت معاكم ليه؟
_ موضوع كبير مش هعرف احكيهولك على التلفون. المهم شوف اختك واطمن عليها لأحسن أنا هتجن من الخوف عليها.
جذب التيشرت الخاص به واجابها بإيجاز وقلق:
_ حاضر ياماما متقلقيش هشوفها واطمنك.
أنهى معها الاتصال واستقام من الفراش يرتدي تيشرته ثم أسرع نحو الحمام. اعتدلت ميار في جلستها بعدما سمعت آخر كلماته ولم تفهم شيء لكنها نالت بعضًا من قلقه حول إذا صاب أحدهم مكروه.
دقيقتين بالضبط وخرج فغمغمت بصوت مضطرب:
_ إيه اللي حصل يا علاء؟
أجابها بإيجاز وهو يخرج ملابسه ويشرع في التغيير مهمهمًا:
_ مش عارف ياميار. شكله في مشكلة حاصلة في البيت فهروح أشوف فيه إيه.
ميار بصوت ناعم:
_ طيب تحب البس وآجي معاك.
رفض بهدوء:
_ لا خليكي هنا. أنا شوية بليل هرجعلك.
ضيقت عيناها باستغراب وقالت بفضول:
_ هو إحنا هنقعد هنا مش هنرجع البيت ولا إيه؟
كان قد انتهى من ارتداء البنطال والقميص ولا يتبقى سوى الحذاء. فاقترب منها يخطف قبلة من وجنتها وهو يغمز بلؤم:
_ نرجع البيت إيه دلوقتي بس. احنا عايزين ناخد راحتنا اليومين دول ياحبيبتي من غير ما حد يزعجنا.
ابتسمت له باستحياء ملحوظ دون أن تجيب وتابعته بعينيها إلى أن انتهى من ارتداء ملابسه بالكامل حتى الحذاء، وودعته قبل أن يغادر.
انتهت من تحضير الطعام ووضعت الصحون على صينية متوسطة الحجم، وسارت بها إلى غرفتهم. فتحت الباب بهدوء تام ودخلت ثم وضعت الصينية على الفراش أمامه وغمغمت بنبرة مقتضبة:
_ متنساش تاخد العلاج قبل الأكل.
كان هو جالسًا وبيده أحد كتب الفلسفة (نوعه المفضل من الكتب)، ويرتدي نظارة القراءة خاصته. فترك الكتاب ووضعه بجانبه ثم نزع عنه النظارة وهتف بنظرة ذات معنى:
_ مش هتفطري معايا؟
تمتمت بنبرة جافة وهي لا تنظر له:
_ مش جعانة. شوية كدا هفطر. كل إنت بالهنا والشفا.
ثم استدارت بجسدها وهمت بالانصراف لولا يده التي قبضت على رسغها وحدثها بصوت متضايق:
_ تمام براحتك طالما إنتي عايزة تاخدي موقف مني بسبب كلامنا امبارح. بس ياترى هل أنا أستاهل التجاهل والقسوة دي منك وبلأخص في أكتر وقت أنا محتاجك فيه تكوني جنبي وتسانديني؟
أغمضت عينيها بقوة فقد أصابها في الهدف بكلامه، وجعلها تشعر بالخزي من نفسها. لكنه لم يترك لها حلًا سوى أن تتخذ منه موقفًا قاسيًا حتى يعود لعقله ويدرك حجم الأخطاء التي يرتكبها.
جذبت يدها من قبضته برفق والتفتت له كاملًا بجسدها تهمس بنفس ضعيفة وأعين منطفئة تلمع بالدموع:
_ لازم أخليك تفوق من اللي إنت فيه يا كرم. إنت بقيت شخص مخيف غضبك بيسيطر عليك بطريقة مرعبة لدرجة إنك بتخليني أتخيل إنك ممكن تقتل حد فعلًا، وكنت هتعملها فعلًا يوم لما اتخطفت ولولا حسن اللي لحقك كنت قتلته بالفعل. وأنا كنت بحاول أمنعك وأهديك وأبعد الأفكار دي عن تفكيرك. كنت مدركة حجم الألم والعجز اللي حاسس بيه عشان مش قادر تاخد حقها. بس إنت مفكرتش غير في أروى وفي غضبك وركنتني أنا على الرف. مفكرتش إنك لو كنت قتلته فعلًا ودخلت السجن كان هيحصلي أنا إيه وأنا مليش غيرك. ولنفس السبب دلوقتي وهو غضبك كنت هخسرك وكنت على أبواب الموت وفوق ده كله لسه بتقول إنك هتنتقم منهم. قولي المفروض أتصرف إزاي ولا أعمل إيه. بنسبالي أقل حاجة إني آخد منك موقف عشان تعرف إنك غلطت.
كرم بصوت خافت وحزين:
_ وهو أنا مش بعمل ده كله عشانك وعشان أحميكي؟
صرخت به بانفعال وقد انهمرت دموعها بحرارة:
_ وأنا قولتلك مليون مرة مش عايزاك تعمل حاجة عشاني. إنت كدا بتأذيني مش بتحميني. في حاجة اسمها قانون هو اللي بيعاقب الناس. مش إنت يا كرم. أرجوك كفاية أنا مش عايزة أعيش في إحساس الخوف ده تاني. يكفي إني كنت بحسه مع سيف لما كان بيروح لمهمة تبع الشغل وبنبقى أنا وماما حاطين إيدينا على قلبنا خوف إنه ميرجعش لينا وفي الآخر مرجعش فعلًا. إنت مش عايز تفهمني ولا تفهم كم الرعب اللي بيتملكني وأنا خايفة إن حد يأذيك.
جذبها من ذراعها واجلسها بجواره على الفراش ثم ضمها لصدره وقبل مقدمة رأسها هامسًا بأسف:
_ أنا آسف.
شفق بصوت متلقلق من البكاء:
_ أنا مش عايزة أسفك أنا عايزة كرم اللي أنا أعرفه من قبل ما نتجوز.
_ أنا لسه كرم اللي تعرفيه ومتغيرتش معاكي يا شفق أبدًا. بس لازم أكون الشخص اللي إنتي بتكرهيه ده مع اللي يستاهل إنه يشوف الجزء المظلم ده مني.
ابتعدت عنه فورًا ورمقته بدهشة وسخط اعتلى معالمها من جديد:
_ يعني إيه؟
ابتسم بحنو وانحنى يطبع قبلة أخرى لكن هذه المرة على وجنتها مردفًا بخشوع:
_ بس متقلقيش من هنا ورايح هتصرف بحكمة ومش هسمح لغضبي إنه يسيطر عليا ولا هسمح إنك تحسي بإحساس الخوف ده تاني أبدًا.
لانت قسماتها واستقرت في عينيها نظرة بريئة قادرة على أثر قلوب أعتى الرجال وأشرسهم وهي تهمس برقة جميلة:
_ وعد؟
هز رأسه بالإيجاب وهو يضحك بخفة ويعود يختطف القبلات منها بعاطفة جيَّاشة وغمزة مشاكسة:
_ وعد يا قلب الكوكو بتاعك.
أخيرًا أظهرت عن أسنانها في ابتسامة عريضة وعادت ترمى بين ذراعيه من جديد مغمضة عينيها بسكينة.
كان مشغولًا بعمله عين في الورق وعين على الحاسوب أمامه، يحاول إنهاء الأعمال المتراكمة في غياب أخويه الاثنين. وإذا به يجد الباب ينفتح وتظهر من خلفه يسر التي دخلت وأغلقت الباب خلفها ثم تسمرت بأرضها تحدق به بدموعها التي تملأ وجهها. ضيق عيناه باستغراب واستقام واقفًا بارتعاش يهتف:
_ مالك يا يسر؟
هرولت إليه وألقت بنفسها بين أحضانه تهتف ببكاء:
_ اتخانقت مع بابا وماما!
لف ذراعه حولها وتمتم بحيرة:
_ اتخانقتي معاهم ليه؟
_ حكيتلهم وقولتلهم إني لسه حامل.
تراجع خطوة للوراء وتشدق بصوت خشن امتزج بالضجر:
_ روحتي وحدك ليه؟ أنا مش قولتلك إن أنا اللي هكلم عمي. بتتصرفي من دماغك ومن غير ما تقوليلي يا يسر!
يسر برزانة:
_ مكنتش هتعرف تتصرف مع بابا ومش بعيد كنت تتكلم وتحكي الحقيقة وبابا كان هيخرب الدنيا لو عرف.
حسن بانزعاج يشمله بالكامل:
_ أنا مش غبي للدرجة دي. بس كان لازم أنا اللي أتكلم معاه وأعتذر منه وأفهمه عشان أنا اللي غلطان مش إنتي. لكن إنتي طبعًا مش بتسمعي كلام حد.
_ أنا شايفة إن كدا أفضل يا حسن. وأهو حصل اللي حصل خلاص وبابا زعل واتعصب عليا أوي وحتى ماما. هما مضايقهمش حاجة قد موضوع الحمل وإني كدبت عليهم.
قطع حديثهم صوت رنين هاتفها المتكرر فاخرجته من حقيبتها وقرأت اسم المتصل لتقول بخنق:
_ ده علاء. أكيد ماما حكتله.
جذب الهاتف من يدها دون إذنها وأجاب بصوت أجش:
_ أيوة يا علاء؟
_ يسر معاك يا حسن ولا إيه؟
_ أيوة معايا.
قال علاء بنبرة تحمل الريبة:
_ طيب هي كويسة. أصل ماما اتصلت بيا بتقولي اتخانقت معاهم وطلعت من البيت بتعيط ومش فاهم إيه اللي حصل؟
أجابه حسن بنبرة رجولية ثابتة:
_ أنا هاجي البيت عندكم بليل وهنتكلم أنا وإنت وعمي.
رفع حاجبه بتعجب وقد حدثه حدسه بأن هناك أمرًا ليس بهينًا حقًا، فهتف يجيب على حسن بالموافقة:
_ طيب مستنيك.
أنزل الهاتف من على أذنه وضغط على زر الإنهاء فقالت يسر باعتراض:
_ لا إنت بذات مينفعش تتكلم مع علاء. سيبني أنا هقوله.
رمقها بنظرات ثاقبة كالصقر وهتف بلهجة لا تقبل النقاش:
_ ملكيش دعوة أنا عارف أنا هتصرف إزاي.
تأففت بنفاذ صبر بعدما فهمت أنها لن تتمكن من جعله يتراجع، وقالت بعدم حيلة من أمرها:
_ طيب أقعد هحكيلك اللي قولته لبابا وماما على الأقل عشان متروحش تتكلم مع علاء أو بابا وتقول كلام غير اللي قولته.
حسن بصوت حازم ومتحشرج:
_ لا هقول اللي حصل يا يسر. كفاية أنا زهقت من الموضوع ده هنفضل نكذب لغاية إمتى!
حجظت عيناها بذهول وقالت مسرعة تنهه عن الذي يقوله:
_ إنت مدرك للي بتقوله. لتكون فاكر إن لو بابا وعلاء عرفوا باللي عملته معايا هيعدوا اللي حصل بسهولة ويقولوا خلاص مش مشكلة. مش بعيد بابا بنفسه هو اللي يخليك تطلقني.
رأت في عينيه نظرات قوية وهو يهتف بوعيد بدا لها غريبًا وجديدًا تمامًا عليه:
_ مش هسمح لحد إنه يبعدك عني حتى لو كان أبوكي. هقول الحقيقة عشان أريح ضميري لإني مش قادر أبص في عينهم وأنا بكذب عليهم.
احتضنت وجهه بين كفيها وتمتمت بتوسل وخوف:
_ بلاش يا حسن أنا عارفة بابا كويس أوي والله. أبوس إيدك يا حبيبي بلاش.
أجابها بوجه جامد ولكن بنبرة دافئة وهو يلتقط كفيها من على وجهه:
_ متخافيش.
داخل أحد السجون بين أربعة جدران يوجد على سريرين منهم كل من جاسر وكمال. يستند كمال بظهره على الحائط وهو جالسًا ويحدق في السقف بشرود وبجهة أخرى يجلس جاسر نفس الوضعية، ولا يلاحظون عيون الباقية التي تتابعهم بشر وابتسامات شيطانية. اتجه اثنان نحو جاسر وانحنوا عليه يهمسون بلؤم ونبرة صوت مريبة:
_ شكلك مش قد البهدلة يا*** ماتقولنا كدا إنت وأبوك عملتوا إيه يدخلكم السجن وإنتوا باين عليكم ولاد ناس وأكابر.
رمقه جاسر بقرف واشمئزاز هاتفًا:
_ ابعد عن وشي أحسن أوريك ولاد الأكابر دول ممكن يعملوا إيه معاكم.
نظر الرجل إلى صديقه وكركر بسخرية ثم عاد له وقال بوعيد:
_ ده بيهددنا كمان. وأنا اللي صعب عليا وكنت ناوي أنسى التوصية اللي اتوصتلنا عليهم. بس شكلك تستاهلها!
أغار عليه هو وصديقه يبرحانه ضربًا فوثب كمال واقفًا وهرول راكضًا نحو ابنه حتى ينقذه من بين إيديهم، لكنه تلقى لكمة قوية في وجهه من أحد المساجين أطاحت به أرضًا وهو يقول بصوت به بحة مرعبة:
_ خليك بعيد إنت راجل كبير ومش عايزين نمد إيدينا عليك.
استقام كمال واقفًا بعد أن وضع يده على ثغره الذي سالت منه الدماء واتجه نحو ابنه الذي كانوا قد انتهوا من ضربه. انحنى عليه يسنده وقد أدمى وجهه الدماء، فنظر كمال إليهم وكان على وشك أن يتحدث لولا أن واحد من الاثنين الذين اعتدوا بالضرب على ابنه همس وهو يبتسم بخبث:
_ كرم العمايري باعتلكم سلامه وبيقولكم مقدمًا مبروك عليكم المؤبد.
كان إسلام جالسًا على مقعده داخل غرفته بالمستشفى أمام النافذة ويتأمل في السماء الملبدة بالغيوم في راحة نفسية، حتى قطع لحظات خلوته دخول زين الغرفة، فالتفت له برأسه وسمعه يقول صوت غريب:
_ عايز أتكلم معاك شوية يا إسلام.
_ تعالي يا زين.
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يخطو خطواته ناحيته ويجلس على المقعد المجاور له، فقد حانت اللحظة لكشف كل شيء مخفي منذ البداية.
خرج صوت زين مختنق:
_ هتكلم معاك في موضوع، أنا عارف إني المفروض كان أقوله من بدري ومن أول ما عرفت بس للأسف مكنتش جاهز إني أواجهك بيه أو حتى أواجه نفسي.
لم يفهم شيء من الألغاز التي ألقاها عليه للتو بكلامه، لكنه شعر بأن الأمر شديد الخطورة حقًا. فلم يسبق له ورأى زين يتحدث بهذه الطريقة أبدًا. ثواني بالضبط وبدأ زين في التكلم بصوت مرير وشجن:
_ أنا دخلت مصحة إدمان من عشر سنين. كنت مدمن ومتعالجتش إلا لما دخلت المصحة والحمد لله ربنا هداني وأنقذني من الوحل اللي كنت فيه. بس قبل ما أدخل المصحة كنت في يوم راجع البيت ومش في وعي فخبطت واحد وللأسف كنت بني آدم قذر وحيوان لدرجة إني سبته وهربت بسبب إني شارب ومش مدرك لأي حاجة. بعد ما دخلت المصحة وطلعت قلبت الدنيا على الشخص ده عشان أعرف إنه مات ولا عايش. محتاج مساعدة أقدمهاله ولا لا. أثبتله ندمي وإني حرفيًا مكنتش بعرف أنام من الكوابيس اللي بتلاحقني كل ليلة، وإن ضميري بيقتلني ومش عارف أسامح نفسي. قضيت العشر سنين وأنا بكفر عن ذنوبي بالصلاة والدعاء والتقرب من الله وبدعوا ربنا إنه يوصلني ليه عشان أستسمحه واخليه يسامحني على اللي عملته معاه يمكن ضميري يرتاح شوية. وبعد ما اتجوزت بفترة طويلة اكتشفت إن الشخص ده هو إنت. حسيت بالعجز اللي عمري ما حسيت بيه وكأن ربنا بيمتحني بحاجتين أصعب من بعض. مبقتش عارف أعمل إيه وبقيت تايه. كل مرة كنت بقول هواجهك وهقولك إنت وملاذ كنت بتراجع وبخاف، لأن أنا شخصيًا مش عارف أسامح نفسي على اللي عملته فمكنتش عارف هخليكم تسامحوني إزاي. حاولت أساعدك عشان تعمل العملية وأحاول أصلح اللي عملته ومكنش في نيتي حاجة غير إني أساعدك وأصلح ذنبي اللي عملته. سامحني يا إسلام.
حالة من الذهول والصدمة استحوذته بالكامل. هل ما يسمعه حقيقيًا أم أنه يهلوس بأشياء لا وجود لها، فهذا لا يمكن أن يكون حقيقيًا أبدًا ولا يستوعبه عقل.
تمتم إسلام بنظرات مدهوشة وصوت يبدو عليه عدم الاستيعاب والتصديق:
_ إنت بتقول إيه. لا إنت أكيد بتهزر؟
رمقه زين بوجه بائس ومتأسف ولم يجبه بأي شيء، فاطال النظر فيه يقرأ معالم وجهه التي تثبت صحة كلامه. فيطلق ضحكة مستنكرة مكتومة. ضحكة لم تكن سوى تعبيرًا على صدمته وأنه لا يزال لا يستوعب أنه كان السبب في عذابه كل هذه السنوات. استقام واقفًا وهتف بصوت بدأ يأخذ طريقًا مغايرًا في نغمته:
_ إنت عايز تفهمني إنك كنت السبب في كل اللي حصلي ده؟
توقف زين أيضًا وقال بخزي من نفسه وعجز:
_ كنت متهور وعيل مش فاهم حاجة. مكنتش في وعي. أنا ندمان على كل حاجة عملتها في حياتي زمان. ومكنش قصدي أخبطك كل اللي فاكره إنك طلعت في طريقي مرة واحدة.
تحرك إسلام ذهابًا وإيابًا في الغرفة وهو يمسح على شعره نزولًا إلى وجهه ويلتهب بنيران الغضب، يطلق من بين شفتيه زفيرًا أشبه بشرارات النار الحمراء كالدم، ثم توقف وصاح منفعلًا:
_ إنت عارف أنا كنت ناوي لما نرجع مصر هفتح القضية من تاني عشان يرجعوا يدوروا عليه من تاني. أنا شفت أيام لا يمكن تتخيلها. كنت حرفيًا بتعذب. عشر سنين يا زين وأنا عاجز وبمشي على عكاز بسبب الحادث ده.
زين بثبات تام ونظرات جادة:
_ وأنا بقولك أهو لو هترتاح لما تبلغ عني بلغ عني. لإني مدرك ألمك واللي عشته قد إيه كان صعب لأن حتى أنا جربته لفترة ومكنتش بمشي غير على كرسي متحرك. ليك الحق لو عملت أي حاجة ولا يمكن ألومك.
هدر إسلام بنظرات عاجزة ومستاءة:
_ للأسف مش هقدر.
قالها ثم اندفع إلى خارج غرفته تمامًا حتى لا يفقد أعصابه أكثر من ذلك فهو بحاجة إلى أن يخلو بنفسه لبعض الوقت ويفكر في كل هذا بعقلانية وليس بتسرع، أما زين فعاد وجلس على المقعد يمسح على وجهه بكفه الكبير وهو يزفر بخنق وضيق.
في مساء ذلك اليوم.
تقف على مسافة بعيدة نسبيًا عنه وتتابعه وهو يخطو خطواته بمفرده دون مساعدة منها. يسير ببطء مسافة ثلاث خطوات ذهابًا ويعود بهم إيابًا. اقتربت منه بعد لحظات وجيزة وعانقته هاتفة بسعادة:
_ الحمد لله وضعك اتحسن أوي يا حبيبي. بالمنظر ده قريب أوي هترجع تمشي على رجلك تاني زي الأول واحسن.
كرم بتمني:
_ يارب يا شفق والله. لاحسن أنا اتخنقت من البيت والسرير وعايز أطلع.
فغرت عيناها بصدمة مصطنعة وهي تجيبه بغضب ليس حقيقي:
_ إيه اتخنقت من البيت ده. قصدك اتخنقت مني أنا يعني؟
كتم ضحكته وهتف مقوسًا ملامح وجهه بقرف مزيف مشاكسًا إياها:
_ آه جدًا ومش طايقك كمان.
نسخت نفس ملامح وجهه وأجابته مازحة:
_ ولا أنا طايقاك على فكرة برضوا.
كركر بصوت مرتفع فزينت هي وجهها بابتسامة عريضة نتيجة لضحكته وساعدته في التسطح على الفراش. ثم التفتت من الجهة الأخرى وتمددت بجواره تضع رأسها على صدره. عم الصمت بينهم للحظات طويلة، هي تحدق في اللاشيء أمامها بفراغ وهو إحدى ذراعيه حول جسدها يضمها إليه وبأنامله يعبث في خصلات شعرها الناعمة برفق، حتى قرر هو اختراق فقاعة الصمت القاتلة وهو يغمغم بصوت هادئ ومهموم:
_ مش إنتي وحدك اللي خايفة أخسرك. أنا مش بحس بنفسي لو شعرة منك اتلمست بس. بخاف عليكي من نفسي يا شفق أحيانًا. وزي ما إنتي معندكيش استعداد تخسريني أنا كمان معنديش. لإنك بنسبالي جوهرة لو ضيعتها بإهمالي مش هلاقيها تاني أبدًا. وآخر حاجة هبقى عايزها إني أشوف الخوف في عينك مني أو تشوفيني بقيت شخص مختلف. أنا بعمل ده كله من خوفي لأخسرك يا شفق مش لمجرد إني عايز آخد حقك من أي حد أذاكي. من وقت جوازنا أعتقد إن كل مرة كنت بتخانق معاكي أو بزعقلك بيكون خوفي هو السبب. صدقيني أنا مهما اتغيرت وبقيت واحد قاسي مع الناس معاكي هرجع لحقيقتي. إنت نقطة ضعفي.
اعتدلت شبه جالسة وطالعته بابتسامة دافئة وعينان تنضج بالعشق. ثم مدت كفها وملست على وجنته برقة هامسة بنظرتها المعتادة القادرة على إذابته بالكامل:
_ أنا فاهمة كله ده ومش خايفة أبدًا إنك ممكن تتغير معايا لإني الراجل اللي حماني وكان جمبي وضهر ليا في الوقت اللي ضهري كان فيه مكسور بعد وفاة أخويا مستحيل يكسرني. أنا مش غبية على أنسى اللي عملته معايا لإن بالعقل والمنطق لا يمكن أن واحد كان بيعاملني معاملة الأميرات لدرجة إني كنت بحس إنه بيحبني فعلًا وهو كل ده مكنش بيحبني ولما يحبني يبقى شخص تاني. أنا لما قولتلك إني بخاف منك مكنش قصدي بالمعنى اللي فهمته لإني مستحيل أحس بخوف منك إنت الشخص الوحيد اللي أسلمه نفسي وأنا مغمضة عيني. أنا كان قصدي إني خايفة عليك لتؤذي نفسك بتصرفاتك اللي بقت متهورة. لإن كرم اللي أعرفه كان دايمًا حكيم ومش بيمشي خطوة إلا لما يحسبلها ألف حساب الأول. إنت خايف عليا من الناس وأنا خايفة عليك من نفسك. عشان كدا اتخانقت معاك لإني مش عايزك تكون كدا أبدًا يا حبيبي. بعدين مين المتخلفة دي اللي تخاف من الكوكو يا راجل ده إنت كيوت ولطيف أكتر مني.
قالت آخر جملها وهي تضحك بمداعبة لكي تبعث القليل من المرح على هذه الكآبة التي هيمنت فجأة عليهم، فرأت ابتسامته التي تسحرها ترتفع لثغره مع عينين تحدقها بهيام. لف ذراعه حولها ويجذبها إليه مغمغمًا وأنفاسه الدافئة تلفح رقبتها فأصابتها بقشعريرة جميلة:
_ وكنتي بتسأليني قبل كدا بحبك ليه؟ وهو مين اللي ميكونش معاه ست زيك بكم الجمال والرقة دي وميحبهاش. إلا بقى لو كان راجل حمار.
سمع صوت قهقهتها البسيطة وهي تجيبه بعاطفة وغنج أنوثي ساحر بعد أن ابتعدت برأسها وجعلت وجهها مواجهًا لوجهه مباشرة:
_ أنا مش محتاجة أقول بحب الكوكو بتاعي قد إيه لأنه عارف عارف كويس أوي. كفاية ضحكته بس.
وكأنها قالتها عمدًا ليضحك حيث قهقه بقوة ثم أجابها من بين ضحكه وهو يغمز بلؤم:
_ طيب تعرفي إنك وحشتي الكوكو أوي!
تحلت بالأنوثة ولم تتصرف كطبيعتها الخجلة والبريئة التي أشبه بطبيعة طفلة. حيث لفت ذراعيها حول رقبته وهمست بفحيح أنوثي مثير:
_ وهو كمان وحشني أوي!
مالت شفتيه للجانب في ابتسامة ماكرة وهو يرفع حاجبها بإعجاب من جرأتها غير المألوفة عليه.
عيناها عالقة على التلفاز ولكنها لا ترى شيء. ترغب كثيرًا في البكاء كلما تتذكر ما سمعته. ليس لديها الحق في محاسبته على ماضيه سواء كان جيدًا أم سيئًا ولكن لديها الحق في المعرفة وهو رأى أن ذلك الحق كثيرًا عليها. أخفى عليها شيئًا لا يمكن إخفاؤه، وما يمزقها إربًا أنها لا تستوعب فكرة أنه هو الذي صدم أخيها. ترفض التصديق أو بالاحرى عواطفها التي تأبى التصديق. كيف فعلها وما هي مبرراته لفعله الشنيع؟ هل لديه أسبابه التي تستحق أن تجعلها تلتمس له العذر بعد سماعها وتسامحه أم أن أسبابه هراء وليست مقنعة؟ كلها أسئلة تطرحها على نفسها منذ الصباح وأجابتها ستكون لديه هو لذلك هي تنتظر عودته حتى تواجهه بالشيء الذي لم يمتلك الشجاعة ليواجهها به.
انتشلها من قاع أفكارها المظلم صوت رنين هاتفها فالتقطته وحدقت في شاشته بسكون وخنق دون أن تجيب لتسمع صوت أمها التي كانت تشاركها جلستها أمام التلفاز:
_ ماتردي على التلفون يابنتي.
انتبهت لأمها فاخفت الهاتف بجانبها وضغطت على زر كتم الصوت تهتف بجفاء:
_ ده رقم غريب.
دقت أمها النظر في قسماتها بريبة ثم عادت تثبت نظرها على شاشة التلفاز من جديد، فيعود صوت رنين الهاتف مرة أخرى وتفعل كما فعلت بالرنة الأولى عندما كتمت صوت الرنين، تابعتها أمها بنظراتها في تشكيك خاصة عندما لاحظت اهتزاز قدميها بعصبية وتلون وجهها باللون الأحمر وعينيها بدأت تلمع بالدموع، فانتصبت في جلستها ومدت يدها تجذب الهاتف لكن الرنين انتهى، وماهي إلا ثواني وعاد يرن من جديد فوجدت أن المتصل هو "زين". رفعت نظرها لملاذ وقالت بجدية:
_ ده زين. مش عايزة تردي عليه ليه يا ملاذ؟
هبت واقفة وقالت بصوت مبحوح وهي تقود خطواتها نحو غرفتها:
_ لو هتردي عليه قوليلوا إني نايمة.
_ ملاذ تعالي فهميني فيه إيه؟
_ مش دلوقتي ياماما مليش نفس أتكلم.
استمعت إلى صوت باب غرفتها وهو ينغلق، فبقيت مكانها تنظر في الفراغ بتفكير وتعجب فحتى الأمس كانت تتحدث معه بطبيعية ولم يكن هناك أي شيء بينهم. مالذي حدث من الأمس؟
خرج حسن من باب المنزل وسار بخطوات هادئة نحو سيارته حتى استقل بها وكان على وشك أن ينطلق لولا باب المقعد المجاور له الذي انفتح وركبت يسر بجواره فخرج صوته رجولي وقوي:
_ بتعملي إيه؟
أجابته بتصميم وعناد:
_ مش هسيبك تروح وحدك.
حسن بشيء من الانفعال:
_ وأنا قولتلك مش هتروحي. انزلي يا يسر.
قالت بإصرار وغضب عارم:
_ مش هنزل يا حسن. ويلا اتحرك.
تأفف بقوة وبعصبية منها ثم وضع المفتاح وحرك محرك السيارة لينطلق بها متجهًا إلى منزل طاهر العمايري.
وصلا إلى المنزل ودخل حسن ليتحدث مع عمه وعلاء بالداخل، بينما هي فبقيت بالخارج تستمع لحديثهم بعدما رفض أن تدخل معهم. سمعت حديثهم الذي كان كالآتي.
_ أظن إن اللي حكتهولي يسر كفاية أوي يا حسن.
كان هذا صوت والدها فسمعت حسن يجيب عليه بنبرة خافتة ومخنوقة:
_ يسر محكتش كل حاجة أو بمعنى أصح مقالتش الحقيقة يا عمي.
رواية ضروب العشق الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم ندى محمود توفيق
(( ضروب العشق ))
_ الفصل الثاني والأربعون _
كانت تتصنت على باب الغرفة من الخارج عندما سمعت زوجها يبدأ حديثه وهو يسرد لهم كل شيء كالآتي .
_ أنا مش مكنتش بحب يسر زي ما قولت لما طلبت إيدها من حضرتك ، كنت ماخد الموضوع لعبة وعايز اتسلي .. معترف بأخطائي وإني مكنتش راجل ولا قد الكلمة والامانة اللي سلمتهالي ياعمي ، لإني عاملتها وحش كتير وهي كانت بتستحمل معاملتي بسبب حبها ليا وأنا كنت للأسف غبي وحقير ومأدركتش قيمة ده إلا لما لقيتها هتضيع من بين إيدي .. كنت ناوي اطلقها واتفقنا على الطلاق خلاص بس حصل مرة واحدة موضوع الحمل اللي قلب الموازين .. مش هدافع عن نفسي ولا عن موقفي في اللي عملته معاها لما مديت إيدي عليها و طلبت منها تنزل الطفل لأني مدرك غلطي كله ، ولما هي قالتلي إنها نزلته وكدبت عليا أنا قبلها كنت تراجعت وندمت على اللي قولته واللي عملته ، بس كان يفيد بإيه بقى لأن لحظتها أنا كنت خسرتها هي وابني وحاولت زي ماشوفتوا ارجعها واخليها تسامحني موافقتش نهائي ، ولما فضلت وراها وحاولت اثبتلها ندمي قدرت ارجعها ليا تاني .
سكت للحظات قصيرة من الوقت ثم استكمل حديثه بصوت به بحة حزينة :
_ كان لازم اقول الحقيقة لإني مكنتش هقدر ابص في عينك ياعمي إنت وعلاء أكتر من كدا وأنا بكدب عليكم ، كل اللي عايز اقوله دلوقتي إني عرفت قيمة مراتي وبحبها ومش مستعد ابعدها عني تاني أبدًا هي وابني .. أنا آسف ياعمي سامحني
ادمعت عيناها بمشاعر العشق المتيم به بعدما سمعت كلماته ، القى اللوم كله على نفسه ولم يظهر سوءها ! .. لم يخبرهم عن تهديدها له بصوره وتسجيلاته .. لم يخبرهم عن ابتزازها له الذي دفعه للزواج منها حتى ينتقم ، تحمل الذنب كل وحده ! ، بالرغم من أنها مذنبة ومخطئة مثله تمامًا ! .
عم الصمت بالغرفة ولم تسمع أي صوت يصدر ، إلا وبلحظة سمعت صوت صفعة قوية فشهقت بهلع بعدما توقعت الذي حدث واندفعت للداخل إليهم فورًا فوجدت أبيها يقف أمام حسن ، وكما توقعت فقد صفعه بكل عنف وغضب ثم بدأ بالصياح المخيف :
_ بقى هي دي التربية اللي ربهالك محمد .. اسلمك بنتي وامنك عليها وإنت تخون الأمانة وتعمل فيها كدا ، تعرف أنا دلوقتي بس ندمت إني مطلقتهاش منك
كان ساكنًا تمامًا يجفل نظره أرضًا حتى وجد علاء يجذبه من تلابيب قميصه صائحًا بعصبية :
_ دايمًا كنت شاهد على كل قذاراتك ، بس متوقعتش إنها توصل بيك لاختي
لا يزال صامتًا لا يجيب فقط يحدق بالأسفل بخزي ومرارة ، لم يتمالك علاء نفسه فوجه له لكمة عنيفة كادت أن تطيح به أرضًا .. هرولت يسر ووقفت حاجز بينهم تصيح بشجاعتها المألوفة :
_ علاء اهدى .. حسن معملش ليا حاجة أنا اللي غلطانة من البداية لما .....
انتصب في وقفته وقبض على ذراعها ضاغطًا عليه يحدقها بعيناه التحذيرية من أن تتحدث ثم تحرك للأمام وقال بخشونة :
_ أنا مدرك غلطي ياعلاء ومش بنكره بس أنا دلوقتي ندمت والله
علاء وهو يدفعه في كتفه بعنف ويصرخ به :
_ يعني إيه كنت عايز تتسلي هاااا .. وفوق ده كله مديت إيدك عليها ، واحنا منعرفش با ولا حاجة من اللي بيحصل ده
تدخلت للمرة الثانية وهي تصيح بأخيها مستاءة :
_ أنا مشتكيتش لحد من حاجة .. استحملت كل ده عشان خاطر أنا عايزة كدا ولو كنت عايزة اطلق كنت اطلقت من زمان ، كفاية إني عارفة دلوقتي أنه بيحبني وميهمنيش أي حاجة تاني
غرس أصابعه بين لحم ذراعها يهدر بأنفعال وصوت مرعب :
_ يعني إيه ميهمكيش أي حاجة .. إزاي سمحتي لنفسك إنه يعمل معاكي كدا ومقولتيش لحد فينا ، سمحتيله يهينك ويزلك وأحنا موجودين .. ليه ملكيش أهل يايسر
تملك الضجر من حسن الذي عيناه استقرت على قبضة علاء وهو يمسك بذراعها في عنف هكذا ، فازاح يده عنها بهدوء مريب مع صوته وهو يتمتم :
_ علاء _ إنت متتكلمش معايا نهائي فاهم ولا لا .. ياصا..حبي ، كفاية إني سايبك واقف قصادي سليم كدا
التقطت أذنيه كلمة " صاحبي " ببطء مميت ، حيث كان يقولها بسخرية وخزي ونظرات كلها سخط وبغض .. المته نبرة صوته وتلك النظرات أكثر من أي شيء ، ليتحدث أخيرًا طاهر بعد برهة طويلة من الصمت بأعين ثاقبة كالصقر وصوت غليظ به لهجة آمرة :
_ عـــــلاء خلاص سيب اختك أنا هتصرف معاها بعدين بطريقتي ، لكن بعد اللي سمعته من البيه واللي حصل بينهم واللي عمله مع بنتي وأنا واثق إن في تفاصيل تاني انيل من اللي عرفتها دي دلوقتي ولسا منعرفهاش ، لا يمكن امنلك على بنتي تاني ياحسن .. اخويا لما مات وساب ولاده أنا اعتبرتهم ولادي بالظبط وأنت وكرم وزين زيكم زي علاء بنسبالي ، ولما جيت سيادتك واعترفتلي ووقفت قدامي زي الرجالة وطلبت إيد بنتي فرحت وسلمتها ليك وأنا مطمن ومغمض عيني من غير ما افكر حتى بس للأسف كسرتلي الامانة اللي امنتك عليها .. ودلوقتي أنا اللي هخليك تطلقها
لم يندهشوا من جملته الأخيرة حيث توقعوا أنه سيفعل ذلك ، وعلى عكسها هي التي لم تجهز نفسها لمواجهة هذه اللحظة هو كان يعرف جيدًا بمذا سيجيب وبكل ثبات وثقة حيث غمغم بصوت رجولي حازم :
_ أنا آسف ياعمي .. أنا جيت واعترفت بكل حاجة عشان اريح ضميري بس مش اكتر ، لكن مستحيل افرط في مراتي بس ماصدقت إنها رجعتلي .. ومستحيل أطلقها ولا هسمح لحاجة تبعدني عنها
ثم شبك كفه بكفها يحسها على السير معه ، لكن عيناها كانت معلقة على أبيها وأخوها فملست على ظهر كفه بلطف وهمست بصوت بالكاد سمعه هو :
_ اسبقني على العربية ياحسن وأنا هاجي وراك
القى نظرة أخيرة عليهم قبل أن يترك يدها وينطلق إلى خارج المنزل بأكمله ، أما يسر فاقتربت من أبيها وعانقته بقوة متمتمة بصوت مبحوح ويغلبه البكاء :
_ آسفة إني خبيت عنكم ومقولتلكمش .. بس صدقني أنا دلوقتي مبسوطة اكتر من أي وقت كنت فيه في حياتي يابابا ، ومرتاحة مع حسن .. مش عايزة ابعد عنه بعد ما أخيرًا حياتنا استقرت وهو حبني ، أنا عارفة أن إنت عايز مصلحتي وخايف عليا بس حسن مستحيل يأذيني نفسيًا تاني صدقني .. هو بيحبني بجد وأنا معنديش شك في ده ، ارجوك بلاش تزيد المشاكل بينا ولو عايز سعادتي بجد سيبني أعيش بالطريقة اللي أحبها ومع الشخص اللي عايزاه
كان طاهر كالصنم يستمع لحديثها دون أن يجيب عليها ، لا يدري أيتبع حدثه الذي بات لا يثق بابن أخيه بتاتًا أم يتبع قلبه الذي يلين لابنته وتوسلاتها وهي تقسم أنه يحبها وهي تعيش حياة سعيدة ومستقرة معه ؟ .. بينما علاء فجلس على أحد المقاعد وبقى يحدق بشقيقته وهو يكاد ينفجر من الغيظ والعصبية ولكنه يتمالك أعصابه حتى لا يتضرر أحد سواء نفسيًا أو جسديًا ! .
ابتعدت عن أبيها وانتظرت أن تجد منه إجابة ولكن إجابته كانت واحدة وهو الصمت فزمت شفتيها بيأس وقالت بعبوس:
_ أنا همشي
ثم استدارت وانصرفت إلى خارج المنزل بأكمله حتي وصلت إلى سيارته وفتحت باب المقعد المجاور له ثم استقلت به واعتلى وجهها قسمات البؤس والخنق ليقول هو بخفوت ونبرة شبه عادية :
_ لو حابة تقعدي يومين هنا عند اهلك يايسر وتحاولي تصالحيهم معنديش مشكلة روحي
هزت رأسها بالنفي في وجه مهموم ثم رسمت الابتسامة العاشقة على شفتيها باللحظة التالية فورًا والتفت بجسدها تعتدل ناحيته جيدًا لتمسك بكفه تحتصنه بين كفيها الناعمتين وتهمس بهيام وحب :
_ تؤتؤ هاجي معاك .. مش هسيبك وحدك
رفع كفه الذي تحتضنه وادار جهة كفها ناحية شفتيه حتى يلثمه بقبلات ناعمة ويهمهم :
_ بحبك أوي
ارتمت عليه تعانقه بحميمية هامسة بجانب أذنه في فحيح أنوثي مثير :
_ وأنا بعشقك
***
في تمام الساعة التاسعة صباحًا ، تقف في المطبخ وتقوم بتحضير الفطار .. ترتدي منامة منزلية قصيرة تظهر منحياتها الجميلة وتثبت شعرها للأعلى بدبوس .
خرج هو من غرفته مستندًا على عكاز .. اليوم الأول له منذ الذي حدث يقف على قدمه ، وجد صعوبة بالبداية في استخدام العكاز ولكنه يسير بكل هدوء وبطء شديد حتى لا يضغط على قدميه .
تسلل من خلفها بحرص دون أن تشعر به وهو يراها تتمايل يمينًا ويسارًا على الحان أغنية تتندنها بنفسها .. وقف خلفها تمامًا ثم لف ذراعه حول خصرها وانحنى على رقبتها يلثمها بحب ، فانتفضت واقفة وشهقت بفزع قبل أن تستدير ناحيته وتحدجه بصدمة ، تفحصته بنظرها من أعلاه لأسفله مدهوشة ثم هتفت بحزم وغضب :
_ كرم إنت مصمم يعني تتعب نفسك وتتعبني معاك ، مينفعش تستخدم العكاز دلوقتي خالص وإنت شوفت كلام الدكتور .. قال ممكن يحصل مضاعفات لو ضغطت على العروق
التقط شهقيًا طويلًا وأخرجه زفيرًا متهملًا بنفاذ صبر ، ثم تمتم بصوت دافيء :
_ أنا كويس ياشفق متقلقيش ومش بضغط على نفسي .. دول هما خطوتين من الأوضة للمطبخ ، حرام عليكي والله مش قادر استحمل قعدة السرير
اشفقت عليه ولانت نظراتها إلى الحنو ثم ارتفعت لمستواه تخطف قبلة من وجنته متمتمة :
_ عارفة وحاسة بيك والله .. بس معلش استحمل شوية كمان ، أنا خايفة عليك ياحبيبي ، خايفة وضعك يسوء تاني بعد ما صدقنا إنه اتحسن كتير الحمدلله
ابتسم لها بصفاء وغمغم مداعبًا إياها :
_ حاضر ياشفق هرجع الأوضة ، تؤمري بحاجة تاني ؟!
ضحكت بصمت ثم التصقت به ولفت ذراعيها حول رقبته ، تنحنى برأسها عليه تمطره بوابل من قبلاتها المثيرة على كل وجهه هامسة بغنج:
_ وهو أنا هعوز إيه اكتر من أن جوزي حبيبي يكون بخير وزي الفل .. ده هو حياتي كلها ومن غيره ميبقاش لها طعم و...
حبس أنفاسه لثواني بعد أحس بأنها ايقظت لهيب رغبته بها الذي يخمده منذ حادثته بسبب وضعه ، اغمض عيناه وأجابها وهو يزفر بحرارة :
_ ابعدي ياشفق عني عشان أنا بجد فاضلي لحظة وهعمل حجات أنا مش مسئول عنها
لم تكترث لتحذيره الصريح واكملت تدللها عليه وهي تسأل بأنوثة ماكرة :
_ حجات زي إيه ؟
رفع حاجبه وتمتم بابتسامة واسعة :
_ مابلاش !
ظلت كما هي تحدجه بالامبالاة فشهقت عندما دفعها بخفها فارتدت للخلف لتلتصق بالمطبخ ، حدجته بدهشة وهتفت بجدية هذه المرة :
_ لا أنت شكلك مش طبيعي فعلًا !
أجابها بلؤم وهو بتقدم إليها ببطء :
_ ما أنا حذرتك وقولتلك بلاش مسمعتيش الكلام
انحنت بنصف جسدها العلوي للخلف وهي تضحك عندما رأته يهل عليها بهيئته الضخمة مقارنة بقامتها الضئيلة ، وهتفت من بين ضحكها :
_ لا بقولك إيه أنا مش عايزة جنان !!
لا زالت الابتسامة الخبيثة في عيناه التي توضح مراده المنحرف ، وصلت هي إلى اقصى انحنائها للخلف وهي تطالعه بوجه يضحك تحاول توقع ماينوي فعله ، ففهمت عندما رأتها ينحنى برأسه ناحيتها ، لكن رنين الباب أفسد لحظاتهم حيث ابتسمت هي ببلاهة وهي تشير بيدها على الخارج :
_ الباب بيرن !
تقوس وجهه بالسخط وهو يجيبها مغتاظ :
_ مش عايزين حد ومش فاضيين ، خليه يرن
اتسعت ابتسامتها البلهاء وهي تستكمل محاولة كتم ضحكتها :
_ دي أكيد مامتك أصلها اتصلت بيا قبل ما تصحى وقالتلي إنها جاية تشوفك وتطمن عليك
_ اووووووف
قالها وهو يزأر من بين أسنانه بخنق فضحكت هي وطبعت قبلة على جانب ثغره كنوع من التثبيت هامسة برقة :
_ معلش ياحبيبي تتعوض ولا يهمك
ثم اندفعت إلى الخارج مسرعة حتى تذهب وتفتح لهدى المنتظرة على الباب .. أما هو فتمتم باختناق وقرف :
_ تتعوض !! ، وأنا اعمل بيها بعدين أنا عايزها دلوقتي .. هي بتاجي في لحظتها كدا ، هقول إيه بس ربنا يسامحك يا أمي
***
فتحت ميار عيناها تدريجيًا ، النعاس يغلبها بسبب بقائها مستيقظة لوقت متأخر بالأمس تنتظره وتحاول الاتصال به ولكنه لا يجيب على اتصالاته .. فبقت مستيقظة إلى مايقارب الثانية بعد منتصف الليل وبالأخير استسلمت لسلطانها .
تململت بالفراش يمينًا ويسارًا لتجد نفسها بمفردها في الفراش تحسست بيدها على الفراش جيدًا ، لكنه ليس موجود ففتحت عيناها دفعة واحدة وقطبت حاجبيها بذهول ، انتصبت جالسة بمكانها وصاحت منادية عليه :
_ عــــــلاء !!!
وثبت من فراشها واقفة واتجهت للحمام ، طرقت ثلاث طرقات على أمل أن يكون بالداخل ، فتحت الباب بأكمله لكن لا أثر له .. اندفعت إلى خارج غرفتها تبحث عنه ببقية المنزل ، وكانت نتيجة بحثها أنه ليس موجود ، استشاطت بينران الغضب .. فقد تغاضت عن تجاهله لاتصالها بالأمس ولكن ليس إلى الحد الذي يتركها تقضي الليل بمفردها في المنزل وحتى الآن لم يأتي ! .
عادت إلى غرفتها والتقطت هاتفها تجري اتصال به وهي تتوعد له بأنها ستفرغ كل سخطها به .. أجاب عليها بصوت عاديًا :
_ أيوة ياميار
صاحت مستاءة ومنفعلة :
_ يعني الليل كله امبارح برن عليك ومش بترد عليا وفي الأخر متجيش البيت كمان وتسيبني ابات وحدي !!
بكامل هدوءه غمغم ولكن صوته واضح عليه الضيق :
_ أنا جيت إمبارح ياميار .. مش معقول هسيبك في البيت وحدك يعني ! ، جيت متأخر بس وكنتي نايمة وطلعت الصبح بدري قبل ما تصحي عشان كان معايا اجتماع الساعة 8
_ ومصحتنيش ليه ياعلاء .. أنا قلقت عليك لما لقيتك مش بترد عليا !
تنهد الصعداء وأجابها بخفوت غريب :
_ أنا كويس ، مكنش ليا نفس بس اتكلم امبارح بسبب المشاكل اللي حصلت .. لما آجي هبقى احكيلك
هدأت عاصفتها تمامًا وذاب سخطها لتجيبه برزانة :
_ ماشي .. أنت كنت عايزة اروح عند مامتك هتكلم معاها شوية
_ تتكلمي معاها في إيه ؟
_ يعني مش حابة يكون في كره بينا ياعلاء هحاول اصلح سوء التفاهم اللي حاصل بينا
علاء بإيجاب دون ان يبدي أي اعتراض :
_ طيب ياميار وانا هخلص شغلي وهاجي وراكي
انزلت الهاتف من على أذنها بعدما انهت المكالمة معه ، عقلها مشغول به فنبرة صوته كان واضح عليها الحزن والخنق ، ياترى ما الذي حدث وماهي المشكلة التي جعلته بهذا السوء ؟!
***
كان يقف أمام المرآة يستعد للخروج والذهاب للعمل ، تسللت هي من خلفه وعانقته هامسة بحب :
_ أنا حضرت الفطار مش هتفطر معايا ولا إيه ؟!
تنهد الصعداء واستدار لها بجسده يجيبها بابتسامة متصنعة :
_ مش جعان يايسر لما اجوع هفطر في الشركة هناك
لمست نبرة الهم والأسى في صوته فاصدرت تنهيدة حارة ثم عادت ترسم البهجة على وجهها من جديد تترجاه بلطافة :
_ افطر حاجة صغيرة وبعدين امشي ، مش عايزة افطر وحدي ياحسن .. عشان خاطري
اطال النظر في معالم وجهها ونظراتها فلم يتمكن من المقاومة وهتف مغلوبًا على أمره :
_ طيب يايسر
تعلقت به في عناق قوي ثم ابتعدت برأسها فقط لتكون مقابلة لوجهه مباشرة وتهمس بملامح بدأ اليأس يعتليها :
_ ممكن متضايقش نفسك بسبب اللي حصل .. إنت عارف إن بابا وعلاء بيحبوك أوي وأنا واثقة إنهم لما يهدوا كل حاجة هتتحل
هز رأسه ينفي ماقالته ويتمتم بنبرة مريرة :
_ مفيش حاجة هتتحل .. أخوكي وأبوكي أنا خسرتهم يايسر خلاص ، بس أهم حاجة بنسبالي دلوقتي هي إنك معايا وبعد كدا مفيش حاجة تاني تهمني
ظهرت في عيناها نظرات الحنو والعاطفة ثم رفعت كفها وملست على وجنته مغمغمة بضيق :
_ إنت ليه مخلتنيش أقولهم إني أنا الغلطانة والسبب في كل اللي حصل ده من البداية لما هددتك بالصور والتسجيلات ، يمكن مكنش الوضع بينكم هيوصل للنقطة دي !
تمتم بصوت رخيم ومشبع بحرارة العشق :
_ إنتي نقذتيني من اللي كنت فيه باللي عملتيه ولما خلتيني اتجوزك ، كنت هفضل غارق في القذارة اللي كنت فيها يايسر ، وعشان أنا حمار ومتخلف مش بعيد كنت اضعف لرحمة تاني لما رجعت وحاولت تعتذرلي بس إنتي نقذتيني منها للمرة التانية كمان
ضحكت بأعين دامعة بعدما سمعت نعته لنفسه بـ ( الحمار ) ، وزاد لمعان عيناها بالدموع بعدما استرسل حديثه بمشاعر اقوى من السابقة :
_ لو كنتي غلطتي في حاجة فهتكوني لما خبيتي علينا حملك .. لكن في وجه نظري أنتي مغلطتيش في حاجة تاني ، كل الغلط عليا لأن كل اللي عملته معاكي ملوش تفسير غير إني كنت واحد قذر فعلًا ، وأكيد مكنتش هسمح أقول لعمي وعلاء على موضوع الصور والتسجيلات واخلي علاقتكم تسوء أكتر ، هما طبيعي زعلانين منك بسبب الحمل وإنك خبيتي عليهم كل حاجة عملتها معاكي ، فمش حابب أكون سبب في حدوث فجوة بينكم
انهمرت دموعها حارة على وجنتيها وهي تطالعه بغرام .. ذلك الأحمق لم يخبرها من قبل أنه بكل هذا الجمال والحنان ، هي الآن ليست نادمة على أي شيء فعلته لكي تحصل عليه ، حتى ولو كان بطرق خاطئة فلو عاد بها الزمن لكانت فعلته مرة أخرى دون تردد .
ارتمت بين ذراعيه تهتف من بين بكائها :
_ بحبك أوي ، أنا دلوقتي بس ادركت قيمة اللي عملته عشان احصل عليك ومش ندمانة ولا هعمري اندم
تمتم مشاكسًا إياها حتى يمحو الجو المشحون بالكآبة :
_ والله يايسر بخاف على نفسي منك أحيانًا ، إنتي أول ست تثبتيلي إن كيدهن عظيم فعلًا
نجح في رسم الابتسامة على وجهها فابتعدت عنه وقالت بعبوس مزيف وطريقة كوميدية :
_ اخص عليك ياسنسن ده .. ده أنا غلبانة ولطيفة أوي ، عملت إيه أنا غير أني بعت للحيوانة رحمة واحد عشان يلهيها وتبعد عنك وهددتك بصورك وتسجيلاتك إني هفضحك قدام العيلة كلها ولما اتجوزنا كنت ممشياك على العجين متغلطبهوش ومش بتقدر تقف قصادي ولما حاولت رحمة ترجعلك تاني كشفتها وخليتك تعرف حقيقتها القذرة عشان اكرهك فيها اكتر وبعدين خبيت عنك وفهمتك إني سقطت وخليتك تعيش فترة كلها حزن وكآبة في بعدك عني وتعذيب ضميرك ، وكل ده عشان انتقم منك بس !
انطلقت منه ضحكة رجولية متأججة ليهتف بدهشة :
_ لا فعلًا معملتيش حاجة .. ده إنتي بريئة أوي ياحبيبتي
يسر بنظرات تطلق قلوب حمراء :
_ بس قصاد كدا ورغم كل اللي عملته متقدرش تنكر إني بحبك وبعشقك
انحنى إليها يطبع قبلة قوية على وجنتها وهو يهمس بصدق :
_ وأنا كمان بعشقك ياحياتي .. ربنا يخليكي ليا
_ ويخليك ليا كمان
***
اليوم هو معاد طائرتهم ، بالقدر الذي سعيدة به لعودة اخيها وأبيها إلا أن كلما تتذكر الذي عرفته يتعكر مزاجها ، وتفكر بأي طريقة ستواجهه .. ولوهلة احست بأنها لا تريد رؤيته على الأقل إلى أن تهدأ نفسها الثائرة من ناحيته ، فهي تشعر أنه استغفلهم جميعًا بإخفائه حقيقة كهذه عنهم .
صك سمعها صوت رنين الباب فاستقامت واقفة وغادرت غرفتها فورًا ، بالتأكيد أنهم قد وصلوا ، سبقتها أمها عندما فتحت لهم لتستقبل أبنها بسعادة غامرة وهي تراه يقف على قدماه دون عكازه ، عانقته لوقت طويل وادمعت عيناها من الفرحة ليبعدها عنها ويهمس بابتسامة ساحرة :
_ خلاص ياماما !
_ فرحانة ياحبيبي ومش مصدقة نفسي من الفرحة
اقتربت ملاذ من أبيها تعانقه مرحبة به ، ثم فعلت المثل مع أخيها وهي تهتف بفىحة غامرة لا تقل عن أمها :
_ حمدلله على سلامتك ياحبيبي .. أخيرًا الف حمد وشكر
تجولت أمها بنظرها بينهم بعدما رحبت بزوجها وسألت بحيرة :
_ أمال زين فين ؟!
هتف فراج بنبرة عادية :
_ قال إنه معاه شغل هناك وهيخلصه وياجي ورانا !
تقوست معالم ملاذ بشبه دهشة لتجيب باستغراب وشيء من الأستياء :
_ شغل إيه ده اللي معاه هناك ؟!!!
فراج برزانة :
_ ابقي اتصلي بيه يابنتي وافهمي منه كويس .. هو مقالناش حاجة
نقلت نظرها بقلق بينهم جميعًا ، بعدما حدثها قلبها بأن يوجد شيئًا ليس طبيعيًا ، لكنها دعوت ربها بأن يخيب ظنها ويكون عمل بالفعل وسينهيه ويعود ! .
***
_ عامل إيه يابني طمني عليك ؟
ابتسم لها بحنو ورفع كفها لفمه يلثمه متمتمًا :
_ الحمدلله بخير ياماما .. وحشتيني أوي والله ، ليه مجبتيش رفيف معاكي ؟!
أجابت هدى :
_ في المطعم مقدرتش تاجي بس قالتلي هتبقى تاجي وتشوفك
تحركت شفق نحوهم وهي تحمل صينية فوقها ثلاث كاسات من العصير ، انحنت على هدى أولًا تقول بوجه بشوش :
_ اتفضلي ياطنط
_ تعبتي نفسك والله يابنتي هو أنا غريبة !
اجابت وهي تحرك الصينية باتجاه كرم ليلتقط كأسه :
_ تعبك راحة بعدين إنتي مجتيش البيت عندنا من وقت ما اتجوزنا غير مرة واحدة ، وطالما جيتي بقى يبقى مش هتمشي غير لما تاخدي اليوم كله معانا النهردا
تحدث كرم بمرح مشاكسًا زوجته :
_ ايوة ياماما اقعدي واعمليلي الكفتة بتاعتك عشان وحشتني أوي وأهو كمان تعلمي شفق بالمر لاحسن مبتعرفش تعملها
رمقته وهي ترفع حاجبها بعدما فهمت حركته وأن يتعمد اغاظتها فقالت بعذوبة حتى لا تنوله مراده :
_ وماله وهو أنا اطول لما اتعلم من طنط حبيبتي
رمقت هدى ابنها وقالت مستنكرة ما قاله :
_دي مراتك عليها أكل يجنن وانا شاهدة على كدا .. إنت بس اللي ناكر للجميل
شفق بعفوية وصفاء :
_ تعالي ياطنط عايزة افرجك على حاجة في المطبخ وأخد رأيك فيها
استقامت هدى وسبقتها على المطبخ لتهم هي باللحاق بها لكنها توقفت ورجعت بخطواتها للخلف نتحني عليه وتهمس بنظرات مشتعلة من الغيظ :
_ بقى أنا أكلي وحش ! .. طيب إيه رأيك عقاب ليك هتنام من غير عشا النهردا ياكرم ومش هيمني بتاخد علاج وتعبان ولا غيره
كركر بصوت عالي فحدجته بقرف مغتاظة واستدارت تلحق بهدى إلى المطبخ ! .
***
تحركت باتجاه الباب في خطوات سريعة بعدما استمعت إلى رنينه ولوهلة ظنت الطارق ابنتها ، لكن دهشت بميار أمامها .. لوت فمها باقتضاب وافسحت لها الطريق تهتف بمضض :
_ إيه نسيتي حاجة وجاية تاخديها ولا إيه .. ما أنتي خلاص بقى ضحكتي على ابني واخدتيه مني ومبقيش يسمعلي كلمة
دخلت ميار ثم اغلقت الباب وتمتمت بخفوت :
_ أنا جاية اتكلم معاكي يامرات عمي .. ممكن ؟
طالعتها من اعلاها لأسفلها بنظرة دقيقة ثم استدارت واتجهت إلى الاريكة وجلست مثبته نظرها عليها تحدقها باعين ثاقبة كالصقر تنتظرها أن تنضم لها حتى تقول ماترغب في التحدث فيه معها .. أخذت ميار نفس عميق ثم تحركت نحوها وجلست بجوارها هامسة بشجن :
_ أنا مش عايزة تكوني بتكرهيني كدا .. صدقيني أنا مش وحشة زي ما أنتي شيفاني او متخيلاني ، وأبدًا مكنش في نيتي أخد علاء منك أو ابعده عنك .. عارفة إنك مضايقة بسبب إنه ساب البيت بس أنا مقولتلهوش حاجة والله هو وحده اللي قالي هنقعد في البيت هناك ومش هنرجع
صاحت بها مستاءة ومندفعة :
_ وهو قال كدا ليه ! .. ماهو عشان إنتي أثرتي عليه ومبقيش مستحمل مني كلمة
اطرقت رأسها أرضًا للحظات طويلة تتمالك نفسها التي تنغزها لتبكي ، ثم رفعت وجهها لها مرة أخرى وتمتمت بانكسار :
_ أنا اتحرمت من ماما من أنا وصغيرة ، ومكنش معايا غير نينا كانت هي الأم بنسبالي ودلوقتي الحمدلله علاقتنا أنا وهي رجعت زي الأول فمش حابة يكون في الكره ده بينا أنا وإنتي كمان .. ونفسي تسمحيلي أكون بنتك التانية وتكوني ليا أم لأني محتاجة ده بجد .. محتاجة للنصيحة والسند ، عارفة إنك بتكرهي تصرفات كتير فيا وفي حجات كتير مش عجباكي فيا سواء طريقتي أو كلامي أو غيره ، بس أنا معنديش مشكلة أنك تعتبريني بنتك وتنصحيني وتفهميني الغلط من الصح ، صدقيني هفرح أوي وهنفذ كل نصايحك .. يا.. ماما
شعرت بغصة مريرة في حلقها وتجمعت العبرات في مقلتيها ، اشفقت عليها وذاب الثليج عن قلبها تجاهها .. وشعرت بأنها ظلمتها حقًا عندما لم تسمح لها بإثبات طينتها الجيدة ، فهي نجحت أخيرًا في ضمها لصفها بهذا الكلام وبالاخص بعدما قالت " ماما " ! .
مدت كفها وملست على ذراعها بحنو ولطف تجيبها بصوت مبحوح وابتسامة مداعبة :
_ تمام طالما إنتي اللي عايزاني اعتبرك زي بنتي يبقى تستحملي بقى ، بس متندميش بعدين
تهللت أسارير ميار وشعرت بفرحة غامرة بعدما نجحت في مهمتها وتمكنت من إذابة الثليج بينهم ، فهتفت بسعادة ووجه مشرق :
_ اطمني مستحيل أندم
فردت لها ذراعيها تحسها على الانضمام لصدرها فغعلت ميار على الفور بفرحة ، اغلقت زوجة عمها ذراعيها حولها وبيدها تملس على ظهرها بحنان ! .
***
دخلت ملاذ إلى غرفتها واغلقت الباب عليها ثم امسكت بهاتفها واجرت اتصال به ، فقلبها يأكلها من القلق والخوف عليه لا تعرف لماذا !! .
وضعت الهاتف على أذنها تنتظر أن تسمع صوت الرنين ولكن اعطاها ان الهاتف خارج نطاق الخدمة ففغرت عيناها بدهشة وتضاعف خوفها ! ، لكنها هدأت نفسها بأنه قد يكون بسبب الشبكة وعادت تتصل من جديد ولكن كانت النتيجة كسابقها ، فانزلت الهاتف من على أذنها وبقت تحدق بشاشته بارتيعاد وقد ذهب لون وجهها وأصّفر لونه !! ......
........... نهاية الفصل ..........
ندى_محمود
رواية ضروب العشق الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم ندى محمود توفيق
عاصفة ثلجية ضربت قلبه فأنشأت صقيع لن يمحوه سوى دفء الشمس، وهذا لا يسميه بمعنى الهروب من الواقع كما يظنون، هو فقط بحاجة لفترة نقاء بعيدًا عن الكل، حتى يتمكن من التسامح مع نفسه أولًا ويقبلها بأخطائها الشنيعة.
كان جالسًا بشرفة أحد المنازل الأرضية التي استأجرها مؤخرًا لقضاء فترة نقائه فيها، قرر أن يفعل كما اعتاد قديمًا أن يخلو بنفسه كل فترة والأخرى ويتفرغ فقط لعبادة ربه، يبتعد عن كل شيء يشغله عن التفرغ التام لربه في هذه الفترة، بلا هاتف، بلا عمل، بلا تلفاز، وأخيرًا بلا أي وسائل تكنولوجية حديثة.
كان المنزل يعطي وجهه إلى البحر مباشرة وبمنطقة شبه معزولة قليلًا عن المنطقة المكتظة بالسكان، مما سيوفر له الراحة النفسية وعدم الإزعاج الذي يحتاجه، وبيده مسبحته الخاصة يذكر الله بقلبه قبل لسانه وشفتيه، وكلما يهمس بالذكر يرجع بإحدى حباتها إلى الخلف بينما عيناه معلقة على منظر المياه أمامه.
اشتاق لزوجته كثيرًا خلال فترة غيابه عن المنزل، لكن هذا هو أفضل حل لكليهما فإن عاد لها وهو مشوش ذهنيًا وليس بحالته الطبيعية لن يتمكن من مواجهتها بالطريقة الصحيحة والأمور ستزداد سوءًا بينهما بعدما يخبرها بكل شيء.
بينما بمصر تحديدًا داخل غرفتها، وساوسها تنهشها نهش ولا تتوقف عن أسئلتها التي تتكرر بنفس المعنى في ذهنها، وهي لماذا لم يعد معهم ولما هاتفه مغلق؟ تحاول إيجاد سبب مقنع لبقائه هناك، فما العمل الذي سينهيه ويعود بعد ذلك؟ هو أساسًا لم يخبرها قط من قبل بأنه لديه أعمال في لندن.
فتحت أمها الباب بعد طرقها الذي لم تسمعه بسبب شرودها واقتربت منها تهتف باستغراب:
_ مالك يا ملاذ دخلتي الأوضة وقفلتي على نفسك ليه؟
نظرت لأمها بأعين موهومة وغمغمت:
_ برن على زين تلفونه مقفول يا ماما.. ومش عارفة خايفة ومش مطمنة.
_ يمكن تلفونه فاصل شحن يا بنتي بلاش توهمي نفسك بحاجات ملهاش لازمة.. اصبري شوية وجربي ورني عليه تاني.
رمقت أمها بشرود وتفكير ثم استقامت واقفة بعد ثوانٍ وتمتمت:
_ طيب يا ماما اسبقيني برا وأنا هغير هدومي وأطلع لكم.
هزت الأم رأسها بالموافقة وهي تبتسم بعذوبة ثم استدارت ورحلت وتركتها في أفكارها التساؤلية التي لا تتوقف.
***
وقف علاء خلف والده ينتظره أن يخرج المفتاح ليفتح الباب ويدخلوا، ثوانٍ قليلة ووضع طاهر المفتاح في القفل ثم أداره فانفتح الباب ودخل ومن بعده علاء، الذي توقف بمجرد دخوله عندما انتبه لصوت الضحك المنبعث من المطبخ. تبادل هو وطاهر نفس النظرات المستغربة والمدهوشة بنفس اللحظة بعدما سمعوا أصوات الكركره.
تمتم طاهر قاطبًا حاجبيه:
_ دي مش ميار اللي قاعدة مع أمك جوا وبتضحك معاها؟
هز علاء رأسه بالإيجاب وقد اتخذت معالمه الصدمة، فلا يصدق أن تكون نجحت بكل هذه السهولة أن تحسن علاقتها بأمه من مرة واحدة ويصل الوضع إلى الضحك والمزاح كما يسمعون الآن.
تقدم هو أولًا نحو المطبخ ولحق به طاهر، اقتحموا عليهم جلستهم النسائية وضحكهم، ليتوقفوا عن الضحك وتستقر عيونهم عليهم فيجدوا أنهم يقفون كالبلهة لا يفهمون شيئًا ولا يستوعبون ما يرونه.
تحدث طاهر وهو يضحك على كم الود والحب الذي يراه أمامه بين زوجته وابنة أخيه:
_ خير إن شاء الله ضحكونا معاكم؟
اكتفوا بالتحديق في بعضهم وهم يبتسمون ثم هتفت الأم بإشراقة وجه جميلة:
_ كويس إنكم جيتوا بدري كنا مستنينكم عشان الغدا.. يلا روحوا غيروا هدومكم وأنا وميار هنحط الأكل على السفرة على ما تنزلوا.
نظر طاهر ناحية ابنه الذي لا يزال يرمقهم ببلاهة فقبض على ذراعه ساحبًا إياه معه للخارج وهو يهمس بالقرب من أذنه مبتسمًا:
_ تعالي تعالي متشغلش دماغك بمواضيع الحريم يا ابني عشان متتعبش.
كفكف علاء ضحكته وهمس مداعبًا:
_ أهاا إحنا خلينا في بطننا أهم حاجة الأكل يا حج.
قهقه طاهر عاليًا وهو يجيبه بتأييد:
_ بالظبط.
نصف ساعة تقريبًا مرت حتى التف الجميع حول مائدة الطعام، فكل من طاهر وعلاء أخذوا حمامًا دافئًا قبل أن ينزلوا، حتى ينعشوا جسدهم المرهق من ضغط العمل.
بدأ علاء بتناول طعامه وكذلك الجميع باستثناء ميار التي ذهبت للمطبخ حتى تجلب الملح بعدما نسيت أن تضعه زوجة عمها على المائدة، عادت لها وناولتها (الملاحة) وهي تهتف بصوت عذب وتلقائي:
_ اتفضلي يا ماما.
بنفس اللحظة التي نطقت فيها هذه الجملة كان علاء يذهب بيده إلى فمه حتى يضع فيه اللقمة لكن يده وقفت في منتصف الطريق ورفع نظره يحدق بزوجته وأمه منذهلًا، وفمه كان لا يزال فيه الطعام الذي لم ينتهِ من مضغه جيدًا فنزل في حلقه ووقف. فانتفض الجميع جالسًا بزعر على صوت سعاله العنيف فجأة، لتربت أمه على ظهره هاتفة بقلق:
_ اسم الله عليك يا حبيبي.
رفع نظره إلى ميار التي تقف متسمرة بأرضها مخضوضة من سعاله القوي وأشار لها بيده على فمه وهو يضم أصابعه على شكل كأس الماء، ففهمت والتقطت زجاجة الماء الموضوعة على منضدة صغيرة بجانب المائدة وسكبت في الكأس الموجود بجانبها ثم مسكته وهرولت به إليه ليجذبه من يدها ويشربه كله دفعة واحدة، وهي تراقبه بعينيها إلى أن أنزل الكأس من فمه وسنده على سطح المائدة ورمقها بنظرة ثاقبة أربكتها. وفي لحظة غير متوقعة منه جذبها من ذراعها لتنحني عليه ويهمس هو بجانب أذنها:
_ إنتي عملتي إيه في ماما؟
كانت ستنطلق منها ضحكة ولكنها تمالكت نفسها واعتدلت واقفة وهي تزغره بنظرها أن يهدأ إلى حين ذهابهم لمنزلهم وهي ستشرح له كل شيء. شد جسده في مقعده وجلس باعتدال ليحدق أمه بنظرات مريبة وهو يبتسم بتكلف حتى لا يوتر الأجواء أكثر من ذلك.
***
في تمام الساعة التاسعة مساءً...
كان حسن بمكتبه الخاص في المنزل ينهي الأعمال المتبقية وغير منتبه للساعة وأنه استغرق حتى الآن ثلاث ساعات وربما أكثر وهو يعمل. فصك سمعه صياحها وهي تنده عليه بعصبية ليرفع نظره عن الورق ويقطب جبينه بتعجب وسرعان ما هب واقفًا وغادر المكتب متجهًا لها فيجدها تمسك بهاتفه بيد واليد الأخرى تعقدها في وسطها وقسمات وجهها تبشر بطوفان عاتي قادم، عيناها حمراء كالدم. كل هذا لم يكن سوى علامات لتفسير شيء واحد وهو الغيرة، فهو يحفظ هذه الحركات جيدًا عن ظهر قلب. رفعت الهاتف وأدارته ناحيته تهتف بغضب:
_ مين دي؟
كان بالهاتف صورة تجمعه مع امرأة، لا تبدو أبدًا كصورة تسكع أو أي شيء آخر كما تتوقع، بل بالعكس كانت صورة رسمية والمرأة التي تشاركه إياها كانت بملامح حازمة وتقف بثبات وشموخ، وفوق كل هذا المسافة بينهم كانت قرابة نصف متر.
حسن باستنكار:
_ طب أنا راضي ذمتك.. هي دي صورة تغيري منها يا شيخة اتقي الله.
_ مليش دعوة.. أنا سألتك مين دي وبتتصور معاك ليه ومستنية الرد يا حسن.
_ يسر إنتي هرمونات الحمل مأثرة عليكي أوي والله بجد.. أصل مش معقول تصرفاتك دي!
صرخت باندفاع تحذره بوضوح:
_ لا دي مش هرمونات الحمل.. وجاوب على السؤال متتهربش يا حسن، أصل إنت شكلك وحشتك يسر القديمة.
رفع حاجبه متعجبًا من ردها ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئة متمتمًا بأعين صارمة ونبرة رجولية خشنة:
_ وهتعملي إيه بقى لو مجاوبتش؟
تقهقهرت للخلف ورفعت سبابتها تهتف بارتباك وتهديد مصطنع:
_ خليك مكانك ومتتحركش أحسن لك.. لاحسن والله أتعصب بجد وإنت حر بقى.
مالت شفتيه لليسار في شبه ابتسامة وأكمل تقدمه نحوها هامسًا:
_ اتعصبي.
ظلت تتراجع للخلف حتى اصطدمت بالأريكة فجلست عليها ورمقته بشجاعة وعدم مبالاة مزيفين، بالأخص عندما انحنى عليها بجسده وحاوطها بكلتا ذراعيه من الجهتين مستندًا بكفيه على الأريكة، فتراجعت عن طريقتها وقالت بلطافة غير معهودة منها في مثل هذه المواقف:
_ على فكرة أنا كنت بس عايزة أعرف مين دي.. مكنش في نيتي حاجة تاني، إنت بس اللي كبرت الموضوع.
رأته ينفجر ضاحكًا بصوته الرجولي ويهتف ساخرًا:
_ بقى هي دي يسر القديمة!
شدت عضلاتها وهمست أمام وجهه مباشرة وتحديدًا شفتيه بمكر أنوثي ونظرات مثيرة تحمل الشراسة:
_ ما أنا لو عايزة أوريهالك هوريهالك يا حبيبي.. بس مفيش واحدة تستاهل إننا نتخانق مع بعض عشانها، لأن باختصار شديد إنت ليا ومفيش مخلوقة تقدر تقرب منك لأن ساعتها هتكون جنت على نفسها.
أثارت رجولته وأذابته فجعلته مغيبًا وفقط يحدقها بهيام وبأعين راغبة، فبآخر كلماتها تمكنت من إيقاظ نيران شهوته. رأته يميل برأسه إليها مختلسًا المسافة القصيرة بينهم فرجعت برأسها للخلف هاتفة بلؤم رافضة:
_ تؤتؤ لما تقول مين دي الأول؟
فتح عينيه على وسعهما وصاح بها منفعلًا على إفسادها للحظتهم واندماجه بالتركيز على خطوته القادمة:
_ ماتتحرق بجاز معفن أنا مالي بيها، أمال هو مفيش واحدة تستاهل نتخانق عشانها لكن في واحدة تستاهل نهدم لذاتنا عشانها.
أغمضت عينيها كدليل على رفضها للاستسلام له، وهزت رأسها نافية تهدر بإصرار:
_ هو ده اللي عندي.. تقولي مين دي الأول وبعدين أفكر في الموضوع التاني.
_ ومين قالك إني هستناكي تفكري أصلًا.. وإن مكنش بالذوق يبقى بالعافية.
انحنى عليها مجددًا حتى يحصل على مبتغاه وهو القبلة ولكنها أخفت شفتيها بكفيها وهي تضحك بمشاكسة، فيجيبها مغتاظًا وبوعيد حقيقي:
_ يعني مش هتيجي بالذوق.. تمامًا براحتك!
حملها على ظهره وسار بها باتجاه غرفتهم، ظلت تلوح بقدميها في الهواء وتهتف ضاحكة:
_ طيب خلاص نزلني وهنتفاهم والله.
لم يجيبها فعادت تهتف من جديد:
_ طب أنت واخدني الأوضة ليه دلوقتي؟
استنكر سؤالها وأجابها باستهزاء منها:
_ هنشرب كوبايتين شاي في الهواء الطلق.
حاولت أن تعدل جسدها ولكن دون جدوى لتجيبه باقتضاب:
_ إنت كل المشروبات بنسبالك شاي.. إمتى هتفهم إني مبحبهوش؟
هتف بكل بساطة وبرود بعدما وصل إلى الغرفة:
_ لما تحبيه!
دخل وأغلق الباب خلفه لتبدأ ليلتهما الغرامية التي لا يوجد فيها سوى عشقهما المتيم.
***
الأضواء الهادئة في كل جزء والصمت القاتل يملأ المنزل كله. وكانت هي تسير بخطوات خفيفة في الطرقة الطويلة المؤدية في آخرها إلى غرفة مكتبه. وقفت أمام الباب ثم مدت يدها لمقبض الباب وأنزلته لأسفل فانفتح. دفعت الباب ببطء ودخلت بهدوء. رأته يجلس على مقعد وثير في آخر الغرفة وعلى حجره يضع جهازه النقال، وبمجرد دخولها أغلق الحاسوب فورًا. فقطبت مابين حاجبيها باستغراب لكنها لم تظهر له اكتراثًا بالأمر حيث تصرفت بطبيعية واقتربت منه لتجلس على ذراع المقعد الجالس عليه وتلف ذراعها حوله هامسة بابتسامة رقيقة:
_ بتعمل إيه يا حبيبي؟
أجابها وهو يبتسم بأسى وبنظرات زائغة:
_ كنت بتفرج على الصور القديمة.
مدت كفها للحاسوب ورفعت غطاءه وهي تهمس بنعومة:
_ طيب ماتخليني أتفرج معاك.
أدار وجهه للجهة الأخرى وهو يتنهد مغلوبًا على أمره، فلم يكن يريدها أن ترى الصور خشية أن تنجرح نفسيًا وتفهم الأمر بشكل خاطئ أو تنزعج بعض الشيء.
أضاءت الشاشة فاظهرت عن صورته مع أروى. حولت رأسها نحوه ترمقه بنظرة ظنت أنها ستغضب لكنها لم تفعل، حيث حملت الحاسوب على حجرها وهي تسأله بابتسامة نقية:
_ دي أروى مش كده؟
تلقت الرد منه بالصمت وهو يحدقها بحيرة من ردة فعلها، بينما هي فجعلت تشاهد صورهم كلها وهي تبتسم بعدما فهمت لماذا أغلقه بمجرد دخولها عليه المكتب. تمتم كرم بشيء من الريبة ليوضح لها الأمر أكثر:
_ كنت بتفرج على صوري أنا وسيف الله يرحمه، ولقيت صورنا أنا وهي في نفس الملف.
همست بعذوبة وصوت يفيض رقة وحنانًا مع ابتسامتها اللطيفة التي تحمل القليل من المكر:
_ إنت كنت فاكر إني لما أشوف صوركم هضايق وأغير؟
رقد عليه السكون يطالعها بترقب لحركتها القادمة بعد ردها الغريب. بالفعل استقامت وتحركت خطوتين بعيدًا عنه حتى تضع الحاسوب على سطح المكتب ثم عادت له وجلست على حجره تلف كلتا ذراعيها حول رقبته مهمهمة بصوت رحب وأعين دافئة وصافية:
_ أولًا أنا مش من حقي أمنعك إنك تحبها وعارفة إنها وحشتك، ومش من حقي أزعل منك.. ثم إني أكيد مش هغير من واحدة ميتة.. إن جيت للحق أنا شخصيًا لما بتيجي على بالي أحيانًا بتصعب عليا وبعذرك، الطريقة اللي ماتت بيها بشعة، بالأخص وأنا متخيلة اللي حست بيه وقتها.. كم الخوف والرعب ومشاعر كتير مش هعرف أوصفها لكن كلها أنا حسيت بيها لما حاول الحيوان ده يقرب مني مش بس يلمسني، ولولا إن ربنا أنقذني الحمدلله وإنت كنت معايا وقدرت تحميني منه كنت ممكن أكون ميتة زيها دلوقتي.. صدقني أنا أكتر واحدة فاهماك يا كرم، فمتخافش تحكيلي أي حاجة مهما كانت.. وتكون متأكد إني هفهمك صح وهتلاقيني جنبك وبساندك.
لمعت عيناه بوميض العشق النقي، فهي كما وصفها بالضبط "طوق النجاة". ربما لن تصدق إذا أخبرها أنه أحيانًا يظنها ليست حقيقية، ذهنه يوهمه بأفكار ساذجة حول الملاك غير البشري الذي أرسله الله له ليخرجه من محيط أحزانه. قد تكون أفكار سخيفة وحمقاء لكنه رغمًا عنه يتخيلها هكذا كلما يفكر في نعيم الحياة التي يعيشها مع امرأة لا يوجد لها مثيل بين كل نساء العالم في نظره.
تمتم بنبرة هائمة ومسلوبة السيطرة:
_ إنتي إزاي كدا؟
ابتسمت بحب وهمهمت ببساطة:
_ إزاي كدا عشان لو كنت إنت مكاني مكنتش هتتصرف بالشكل ده يعني؟
_ أكيد مكنتش هستحمل فكرة إن في مكان لراجل غيري في قلبك حتى لو كان ميت.
رفعت كتفيها لأعلى بريبة وهي تضحك بخفة وتجيبه بعذوبة وصوت لين به براءة يعشقها:
_ معرفش أنا إزاي كدا يا كرم.. أروى هي الوحيدة اللي مبغيرش منها، ممكن أغير لو شفتك مع أي واحدة تانية لكن هي لا، بالرغم من إني عارفة إنها لسه مستحوذة على جزء من قلبك.
لحظة عابرة مرت بعد توقفها عن الكلام وهي تطالعه بغرام، ثم وضعت كفها على منطقة قلبه واستكملت حديثها بمشاعر جيَّاشة:
_ بس يمكن ده عشان أنا كمان عارفة مكانيتي في قلبك فين بالظبط، ومتأكدة إنك لو كنت بتشتقالها قراط فأنا عشرة، ولو بتحبها فأنا بتعشقني.. يعني من الآخر أنا مرتاحة لإني ضامنة عرشي في قلبك وإن لا يمكن تعتلي العرش ده ملكة غيري.
اتسع بؤبؤ عيناه وهو يثبته عليها كدليل على السيل الجارف من المشاعر التي تتملكه الآن، أو بالمعنى الأدق هو الخادم الذي يخر خاضعًا ومطيعًا أمام ملكة عرشه التي أثرته كليًا. ليس عاطفيًا فقط بل ذهنيًا وجسديًا أيضًا. همس بصوت خافض وذائبًا:
_ شفق هو إنتي حقيقية؟
انفرجت شفتيها في ابتسامة واسعة لتلتصق به أكثر وتهدر بدلال مغري:
_ إنت شايف إيه؟
كرم بصوت يقطر حبًا وحنانًا وبنظرات كلها رومانسية جميلة:
_ أنا شايف ملاك قدامي.. ربنا بعتهولي من السما، وشايف أجمل ست في الوجود لدرجة إني مش قادر أستوعب إن اللي بيحصل معايا ده حقيقي. إنتي لما بتكوني في حضني وجمبي بحس بإحساس غريب وكأن بين إيديا الكون كله.. بكون في قمة سعادتي لما أشوف ضحكتك ولما نكون مع بعض.
أنا سألتك السؤال ده قبل كده وهسأله تاني دلوقتي.. إنتي عملتي فيا إيه يا شفق؟
تلألأت الدموع العاشقة في عينيها فانحنت عليه واستندت بجبهتها على جبهته تجيبه بهمس أشبه بلحن غرام مميز وهي مغمضة عينيها:
_ حبيتك!
كلمة واحدة كان لها دورها في هدم جميع أسوار صموده أمام كتلة الجمال الصارخ هذه، ليخر مهزومًا مستسلمًا لعواطفه المتيمة وشهواته تجاهها. سمعت همسه الرجولي والمتملك يقول:
_ أميرتي.
فتحت عينيها ورفعت جبهتها من عليه لتسلط عينيها على خاصته في لحظات مرت كالسهم قبل أن يأخذها معه ويبحر بها في عالمهما الخاص، مختسلين الوقت من الزمن لينعموا بلحظات رومانسية ليست الأولى ولا الأخيرة.
***
نزع القميص عنه ثم التقط التيشيرت المنزلي وارتداه، وهي كانت جالسة على الفراش تتفحص هاتفها بتركيز. بينما هو فانتهى من تبديل ملابسه واقترب ليشاركها الفراش هاتفًا بفضول:
_ هااا قوليلي بقى عملتي إيه مع ماما؟
ميار بهدوء تام:
_ اتكلمت معاها.
_ اتكلمتي معاها إيه يا ميار.. ده إنتي لسه كنتي مكلماني وبتقوليلي هروح وأحاول أصلح علاقتي بمامتك، مش معقول بالسرعة دي، يا شيخة ده أنا فكرتك عملتي لها عمل ولا حاجة!
قهقهت ببساطة وتركت الهاتف من يدها ثم اعتدلت جالسة لتصبح في مواجهته تمامًا وتهمس برزانة:
_ لا مفيش سرعة ولا حاجة يا علاء.. إنت عارف مامتك كانت بتكرهني إزاي ولما كنا قاعدين في البيت معاها حاولت كذا مرة أتكلم معاها وأخليها تحبني معرفتش وكنت بفشل. بس المرة دي تقدر تقول اتصرفت بذكاء معاها وقدرت أكسبها.
غمغم علاء بعدم فهم ونظرات مستنكرة:
_ أيوه برضوا ما أنا مفهمتش إنتي عملتي إيه ولا قولتي لها إيه؟
غمزت بعينيها في لؤم أنوثي تجيبه برفض:
_ لا ملكش دعوة بقى قولتلها إيه.. دي حاجة بيني وبينها.
هتف ساخرًا رافعًا حاجبه:
_ لا والله!
نكزته في كتفه بخفة وهي تهتف ضاحكة بمداعبة:
_ خلاص بقى يا علاء، إنت شاغل دماغك ليه مش المهم إننا اتصالحنا خلاص والمشاكل اتحلت.
_ تصدقي عندك حق.. أنا مالي بمواضيعكم دي ما تعملوا اللي تعملوه، ابعدي كده وفسحي شوية خليني أنام.
تراجعت بجسدها للخلف في الفراش وهي تجيبه بتعجب:
_ أفسح!
لم يعرها اهتمام وسحب الغطاء على جسده ثم مد يده لكبس الكهرباء ليطفأ الضوء، فتلفتت هي حولها في الظلام الدامس الذي كسا الغرفة بأكملها. أصدرت تنهيدة حارة ودخلت أسفل الغطاء معه لتعانقه من الخلف هامسة بأنفاسها الحارة التي لفحت عنقه:
_ علاء أنا عايزة أنام في حضنك طيب.
هدر بنبرة عادية دون أن يفتح عينه أو حتى يلتفت لها:
_ بكرا بكرا يا ميار.. مش كفاية لازقة في ضهري زي الجرادة!
لوت فمها بتذمر وغيظ، فضربته على ذراعه بشبه قوة وهتفت وهي تبتعد عنه وتوليه ظهرها:
_ إنت أصلًا بارد.. أهو بعدت عنك نام واشبع نوم.
فتح عيناه وبقي على وضعه ينتظر أن يسمع أي حركة أو صوت منها لكنها سكنت تمامًا، مما أكد له أنها تضايقت كثيرًا حقًا. تأفف بعدم حيلة واستدار بجسده ناحيتها ليجده متمددة بجواره وتوليه ظهرها، اقترب منها وفعل مثل فعلت عندما عانقته من الخلف وهمس معتذرًا بلطافة:
_ متزعليش مكنش قصدي والله.. أنا كنت بهزر وإنتي أخدتي الموضوع بجد وزعلتي.
تملصت من بين محاصرته لها وابعدته عنها متشدقة بقرف مصطنع:
_ لو سمحت متلزقش فيا زي الجراد عشان مبحبوش وبخاف منه.
كركر بصوته الرجولي عاليًا وعاد يجذبها إليه مجددًا وهو يقول مشاكسًا إياها:
_ ماهو الجراد لما بيمسك في حاجة مش بيسيبها بسهولة، وأنا خلاص مش هسيبك.
ميار بوجه عابس ومختنق:
_ ابعد يا علاء عشان بجد أنا مضايقة مش بهزر.
دغدغها في أعلى وسطها فانتفضت بمكانها وهتفت بنظرة منذرة تتصنع من خلالها الحدة المزيفة وهي تكتم ابتسامتها:
_ لا بص اوعى!
انكمشت على نفسها حتى لا تدع له مساحة لكي يدغدغها فيها ولكن قوته الجسمانية فاقت جسدها الناعم، حيث أغار عليه يدغدغها بيديه الاثنين في أماكن متفرقة من جسدها ودفن وجهه بين ثنايا رقبتها يلثمها وهي تتلوى بين يديه محاولة التملص منه وتضحك بهستيريا صائحة به:
_ بس يا علاء خلاص ابوس إيدك مش قادرة والله.. علااااء!
انفجر هو الآخر ضاحكًا على ضحكها الهستيري ورغم ذلك لا يحررها من بين براثينه.
***
في تمام الساعة العاشرة صباحًا من يوم جديد...
كانت تقف أمام المرآة وترتدي حجابها ونقابها بعد أن انتهت من ارتداء ملابسها بالكامل ولم يتبقى سوى حجابها.
الأمر أصبح ليس مطمئنًا أبدًا، فمنذ صباح الأمس وهي تحاول الوصول له ولكن هاتفه مغلق، مما جعل الشك والوساوس السيئة تجد طريقًا للولوج إلى ذهنها، تتساءل عن سبب عدم عودته! هل عرف بأنها عرفت الحقيقة ويخشي أن يأتي حتى لا يواجهها؟ أم لديه أسباب أخرى؟ أو أنه أصاب بمكروه؟ وهذه كانت أكثر فكرة ترعبها.
فتحت أمها الباب ودخلت لتندهش بها وتهتف بريبة:
_ رايحة فين يا ملاذ؟
ملاذ بخوف يعتليها وقلق:
_ ماما زين تلفونه مغلق من امبارح وأنا هتجن من القلق عليه.. هروح عند طنط هدى يمكن يكونوا عارفين أو اتصل بحد من اخواته.
_ وهو هيتصل بأخواته وأمه وميتصلش بيكي ليه يعني يا ملاذ.. ماهو أكيد هيطمنك زي ما هيطمنهم، ارتاحي يا بنتي واتصلي بيهم من البيت هنا اسأليهم.. متتعبيش نفسك وإنتي حامل لتؤذي نفسك وابنك.
أجابت بإصرار:
_ معلش يا ماما خليني أروح بنفسي.. كده هرتاح أكتر ومتخافيش عليا أنا كويسة ومش هتعب نفسي.
قالت أمها بنفاذ صبر من عنادها:
_ طيب استني هقول لأخوكي يوصلك متروحيش لوحدك.
_ لا لا أنا هروح لوحدي بعدين إسلام اتفق مع خطيبته هيروح يشوفها.. بلاش أأخره على ميعاده مع رفيف، يلا مع السلامة.
سحبت حقيبة يدها واندفعت إلى الخارج لتغادر المنزل بأكمله، فتقف أمها بمكانها مسلوبة الحيلة وهي تزفر بقوة.
***
داخل مقر شركة عائلة العمايري...
طرق عدة طرقات خفيفة على الباب ولم يدخل إلا عندما سمع صوته الغليظ يسمح للطارق بالدخول، خطى إلى داخل الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء تام. وكان طاهر نظره ثابت على الأوراق التي أمامه فهتف بصوت جاد بعدما ظن أن الذي دخل هو ابنه:
_ هااا يا علاء عملت إيه في اللي قولتك عليه؟
أخذ حسن نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا باضطراب، وهو متصلب بمكانه لا يصدر أي صوت ينتظر من عمه أن يرفع عينيه عن الورق، وبمجرد ما أن رفعها ورآه تهجمت ملامحه وتقوست لتأخذ ملامح الغضب.
عاد يخفض نظره للورق مجددًا وهو يهتف بصرامة واستياء:
_ إنت لسه ليك عين تيجي تقف قدامي!
تنهد حسن الصعداء واقترب خطوتين نحو مكتبه وهو يقول بندم صادق:
_ عمي إنت في مقام بابا الله يرحمه بنسبالنا، وصدقني مش هقدر أخسرك لا إنت ولا علاء.. أنا آسف سامحني.. عارف إن اللي عملته ملوش مبرر ومتستاهلش تسامحني عليه، بس والله أنا ندمان وعرفت غلطتي وعقلت وفهمت ولا يمكن أغلط غلطة زي دي تاني.
طاهر بجفاء وعصبية:
_ أوعى تفتكر إني خلاص نسيت موضوع الطلاق عشان يسر عايزاك.. أنا لسه عند قراري.
حسن بشجن ويأس:
_ أنا كلمتك لما كنت في أمريكا.. ولو فاكر قولتلك إني بحب مراتي ومش هطلقها، عندي استعداد أحلفلك على المصحف إني لا يمكن أذيها تاني وإني هشيلها في عيني وقلبي.. أنا عرفت قيمة يسر يا عمي ولا يمكن أعمل حركة غبية تاني تضيعها مني.
هب طاهر واقفًا وهو يصرخ به بانفعال:
_ بعد كل اللي حكيته لينا مستني مني استأمنك على بنتي تاني إزاي!
حسن بنبرة رخيمة وبوعيد رجالي حازم:
_ عندك حق تخاف عليها مني.. بس اديني فرصة أخيرة واوعدك إني هكون قد الثقة المرة دي ومش هخون الأمانة تاني مهما حصل.
استقرت في عينان طاهر نظرة مريبة وثاقبة كالصقر، مع قسمات وجه قاسية دون أن يجيبه بأي شيء.
***
قادت هدى خطواتها في الردهة الطويلة المؤدية إلى الباب. وصلت وفتحت لتجد ملاذ أمامها فتستقبلها بوجه بشوش هاتفة:
_ ملاذ! أهلاً يا بنتي ادخلي.
دخلت وتجولت بنظرها في الأرجاء لتتأكد من عدم وجود أحد، بينما هدى فاغلقت الباب خلفها وتمتمت مبتسمة:
_ ارفعي النقاب محدش موجود اطمني.
رفعت عن وجهها النقاب ونظرت لها تهدر بابتسامة عذبة:
_ عاملة إيه يا طنط وحشاني والله.
_ وإنتي أكتر يا حبيبتي والله.. حمدلله على سلامة إسلام.
_ الله يسلمك.
تساءلت هدى بحسن نية وبنبرة طبيعية تمامًا:
_ أمال زين مجاش معاكي ليكي.. ليه أسبوع مسافر وكان قايل لي إنه لما يرجع هياجي يشوفني.
اختفت ابتسامة ملاذ تدريجيًا بدهشة وقالت بعبوس وارتعاش:
_ هو متصلش بيكي أو بكرم أو حسن حتى؟
ضيقت هدى عينيها وقالت بقلق مشابه لها بعدما أحست بأن هناك شيء سيء حدث:
_ لا متصلش.. ليه هو فيه إيه؟
مسحت ملاذ على وجهها متأففة بيأس واتجهت نحو الأريكة لتجلس عليها وتهتف بصوت متلقلق:
_ زين مرجعش مع بابا وإسلام.. قالهم إنه معاه شغل وهياجي وراهم وميعرفوش حاجة عنه وأنا من امبارح بحاول أوصله وتلفونه مغلق.. هتجن من الخوف عليه، قولت أجي هنا يمكن يكون كلمكم.
انقبض قلب هدى زعرًا، وتسارعت دقاته برعب جلي، حيث أجابتها بوجه خطف لونه ونبرة مزعورة:
_ شغل إيه ده اللي معاه هناك، أنا فاكرة رجع من امبارح مع أخوكي وابوكي وكنت مستنياه النهاردة ياجيلي، وهو لو معاه شغل فعلاً قافل تليفونه ليه؟
_ ما هو ده اللي هيجنني.. ليه يقفل تليفونه لو معاه شغل فعلاً زي ما قالهم!!!
التقطت هدى هاتفها وقالت بقسمات مرتعدة وصوت ليس عاديًا مطلقًا:
_ لا لا في حاجة مش طبيعية.. زين مش بيقفل تليفونه أبدًا، أنا هتصل بكرم أخليه يشوف أخوه فين؟
***
فتح كرم عينيه على صوت رنين الهاتف المتكرر، فتململ في فراشه متأففًا ونظر إلى زوجته النائمة بجواره فمد يده على الهاتف وكتم الصوت حتى لا يوقظها ثم اعتدل جالسًا والتقطت عكازه وسار إلى الخارج مجيبًا على الهاتف بهدوء:
_ أيوة يا ماما.
هتفت هدى بصوت مرتعد:
_ كرم أخوك متصلش بيك أو قالك حاجة.
_ مين حسن؟
_ لا زين.
أجابها بالنفي ونبرة مستغربة:
_ هو مش مسافر مع إسلام عشان العملية والمفروض يكون رجع امبارح.
هدى بخوف جلي وتوتر:
_ مرجعش يا كرم ومش عارفين نوصله.. تلفونه مغلق ومنعرفش بيعمل إيه، قالهم معاه شغل هناك وهيرجع وراهم.. إنتوا ليكم شغل في بلجيكا؟
ابتسم كرم بسخرية وهتف بجدية بعد أن بدأ القلق يتسرب لأعماقه هو أيضًا:
_ شغل إيه ده بس يا ماما اللي لينا في بلجيكا!!.. بصي متوتريش نفسك وأنا هكلم حسن وهنتصرف وهنشوفه فين، أنا مستغرب والله!!.. أصل زين مش بتاع الحركات دي أبدًا!
هدى بنبرة متوسلة وصوت تخنقه العبارات:
_ لو عرفت توصله طمني عليه يا ابني متسبنيش على أعصابي يا كرم.
_ حاضر يا ماما هكلمك متقلقيش.
أغلق الاتصال وانزل الهاتف من على أذنه وهو يزفر بلا حيلة وهو يتمتم:
_ أوووف يا زين.. نفسي أفهم بتعمل في نفسك كده ليه!
***
السماء غربت وهو لم يتصل بها حتى الآن ولم يعتذر حتى عن تأخره عن موعدهم. اقسمت بين نفسها أنه عندما يتصل ستعنفه بقوة وستتشاجر معه، فهذا ليس تصرفًا لائقًا أبدًا منه أن يتركها بانتظاره كل هذه الساعات وبالأخير لا يأتي. وفوق هذا لم يكلف نفسه حتى ويتصل ليعتذر عن تأخره ويبرر لها موقفه.
ها هو الهاتف أخيرًا أعلن عن اتصال من أحدهم، وبالتأكيد هذا المتصل هو.. هرولت ناحية الهاتف والتقطته لتقرأ اسم المتصل وكما توقعت، أجابت عليه بمضض:
_ نعم.
_ أنا آسف.
قالها بدون أي مقدمات فقط تفوه بها بعفوية لتهتف هي بضيق وضجر شديد:
_ أسفك مش مقبول يا إسلام.. إنت كنت عارف إني قلقانة عليك لما كنت في بلجيكا ومهنش عليك تطمني أو حتى تتصل بيا قبل ما ترجع تقولي إنك راجع ولما رجعت برضوا متصلتش بيا غير النهاردة الصبح وقولتلي هتيجيلي في المطعم وهنقعد شوية ونتكلم، عديتها وقولت مطعم مطعم مش مهم، لكن إنك متعبرنيش وأفضل مستنياك ومتتصلش تقولي حتى اتأخرت ليه كده زودتها أوي!
إسلام بأسف حقيقي ونفس مختنقة:
_ أنا عارف إني لو قولت أنا آسف من هنا للصبح مش هيكفي يا رفيف.. بس أحلفلك بإيه إني كان معايا مشاكل وكنت مخنوق ومليش نفس أتكلم مع أي حد، أو بالأخص معاكي إنتي لإني كنت خايف أعمل تصرف غبي أو أجرحك بكلمة من غير ما أقصد فحبيت أبعد شوية عنك لغاية ما أهدى.. والنهاردة اللي عملته ملوش مبرر عارف بس صدقيني حصل معايا ظرف طارئ واتأخرت ومكنش معايا شاحن والتليفون فصل شحن مني برا فمعرفتش أكلمك.
سكنت تمامًا وانتبهت الفضول بسبب ما قاله وسط كل هذا الكلام الكثير حول المشاكل وأنه لم يتصل بها هي تحديدًا بسبب مشاكله، مما جعلها ترجح أن الأمر له علاقة بها بالتأكيد.
رفيف بصوت مترقب وجاد:
_ مشاكل إيه وليه تجرحني بالكلام؟ مش فاهمة قصدك؟
زفر الهواء بقوة من فمه فبالطبع لن يخبرها بأمر أخيها، تمتم بخفوت وصوت رخيم مخترعًا شيئًا ليتهرب مما قاله:
_ قصدي يعني إني كنت مضايق وخفت أكلمك وأنا مضايق فأقول حاجة من غير ما أحس وأضايقك مني.
رفيف بصوت مقتضب وواضح عليه الانزعاج:
_ اممممم ماشي يا إسلام أنا هقفل عشان عايزة أنام.
هدر هو معتذرًا للمرة الثالثة بندم:
_ رفيف أنا آسف أرجوكي مـ.....
قاطعته بلهجة صارمة وجفاء:
_ مش زعلانة يا إسلام خلاص حصل خير، تصبح على خير.
ولم تنتظر رده حيث أنهت الاتصال فور انتهائه من كلامها، بينما هو فانزل الهاتف من على أذنه وهو يحدق بشاشته في خنق، ثم رفع كفه إلى وجهه ومسح عليه متأففًا. لم يكن يقصد أن يتجاهلها كل هذه الفترة ولكنه حقًا كان منزعجًا من كل شيء ولوهلة فكر بأن يفسخ الخطبة وتراجع باللحظة الأخيرة، وكان أفضل حل هو الابتعاد عنها حتى تهدأ نفسه الثائرة، مثلما يفعل أخوها الآن بالابتعاد عن الجميع.
***
في إحدى بقاع الأرض تحديدًا بدولة بلجيكا...
الأشجار الضخمة والعشب يحاوطوه من كل جهة وأمامه مجموعة من الطوب وضعهم بجانب بعضهم ليشكلوا حلقة دائرية وفي نصف هذه الدائرة النار تعلو وتهبط كلما يعبث بها بالخطبة التي في يده، وتزداد توهجًا وارتفاعًا عندما يلقي المزيد من الخطب بداخلها.
لا يعرف ما الذي يفعله فهذه الأفعال ليست من شيمه ولكنه يشعر بالراحة هكذا، الراحة في البعد عن الجميع حتى عن أحبائه. فقد أدرك قيمة انفراده التي أعادت لنفسه الكثير مما فقدته، اليومين الذي قضهما مبتعدًا أفادوه وجعلوا من روحه الثائرة والتائهة التي تدور في نفس المتاهة ولا تجد طريقها، أن تسكن أخيرًا في مستقرها.
الانعزال عن الكل لفترة قد يفيد صاحبه وقد يؤذيه، لكن الأهم هو عدم الإفراط في العزلة، فقد تصبح مرضًا لك لن يداويه حتى لو تجمع كل من تعرفه حولك ليخرجونك من ظلمتك، سيفشلون.
نظر إلى يده وبالأخص إصبعه الذي يحمل خاتم زواجه، أطال النظر فيه بشرود وهو يعبث بأنامل يده الأخرى في إصبعه والخاتم. بالأخير أخرجه وقلبه بين يديه أمام عينيه يمعن النظر فيه ثم ألقى به بين ثنايا النيران المتعطشة لأي شيء حتى تأكله.
رواية ضروب العشق الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم ندى محمود توفيق
فتحت شفق عيناها وتململت في الفراش بانزعاج من أشعة الشمس المتسللة إلى عينيها من النافذة. لمحته يقف أمام المرآة لكنها لم تدرك ما الذي يفعله في البداية فقالت بخمول:
_ اقفل الشباك ياكرم مش عارفة أنام!
أتاها صوته الحاني وهو يقول مداعبًا:
_ تنامي إيه تاني! الساعة عشرة يا شفق. ده أنا بصحي بلاقيكي صاحية قبلي من الساعة سبعة. كفاية يلا قومي بلاش كسل.
_ اووووف ياكرم.
اعتدلت جالسة وهي تتأفف، وتفرك عينيها لتزيح عنهم آثار الخمول. فانتبهت أخيرًا إلى ملابسه وهو يقف يسرح شعره الغزير ويهندم من مظهره. ضيقت عينيها وقالت بحزم:
_ إيه ده! إنت رايح فين؟
كرم ببساطة وهو مستمر في تسريح شعره غير مبالٍ بنبرتها الحازمة:
_ رايح الشركة.
هبت واقفة من الفراش واقتربت منه تهتف بنفاذ صبر وسخط:
_ يعني مفيش فايدة فيك! ده بدل ما تقعد في البيت وترتاح عشان متتعبش أكتر عايز تروح الشغل!
استطرد ببرود تام وعدم اكتراث لسخطها:
_ شفق إنتي مش شايفة إنك مزوداها شوية. ده الدكتور ذات نفسه لما كنا عنده امبارح قال إن وضعي الحمدلله كويس أوي وكلها أسبوعين ولا أكتر وهرجع أمشي على رجلي زي الأول. فملوش لزمة القلق ده كله.
أشارت إلى نفسها بسبابتها بما جحظت عيناها من رده:
_ يعني أنا مزوداها عشان خايفة عليك!
استدار لها وانحنى على وجنتها يلثمها برقة متمتمًا:
_ لا مش قصدي كدا ياحبيبتي أكيد. بس أنا خلاص جبت اخري من قعدة البيت.
تنهدت الصعداء بعدم حيلة ورفعت جسدها الضئيل لقامته الطويلة والعريضة لتطبع قبلة على وجنته المزينة باللحية الخفيفة وتمتمت:
_ طيب بس متتأخرش ياحبيبي ومترهش نفسك في الشغل.
_ حاضر ياقلب حبيبك.
ثم مال عليه وهمس غامزًا بعينيه في لؤم ونظرات جريئة:
_ عايز أرجع ألاقي أميرتي مجهزالي سهرة صباحي حلوة كدا زيها.
ابتسمت له بحب وهمست بدلال أنوثي جميل:
_ بس كدا من عيوني.
خطف قبلة سريعة قبل أن يستدير وينصرف، تاركًا إياها تتنهد بحرارة. ثم اتجهت للحمام حتى تأخذ حمامها الصباحي المعتاد.
***
داخل مقر شركة عائلة العمايري.
وأخيرًا بعد غياب دام لثلاث أيام هاتفه يعطي الرنين. تهللت أساير حسن الذي كان يتصل به حيث نظر إلى أخيه وقال بوجه مشرق:
_ بيرن الحمدلله.
ردد كرم خلفه براحة وابتسامة عريضة:
_ الحمدلله. لما نشوف الأستاذ كان بيعمل إيه وقافل تليفونه ليه.
ظل حسن مترقبًا لإجابته على الهاتف، لكن الرنين طال ولا توجد إجابة منه. وعلى آخر رنة سمع صوته يهتف بهدوء:
_ أيوه ياحسن.
هدر حسن بعصبية بسيطة معنفًا إياه بشراسة:
_ إنت بتستهبل يا زين! ليك تلات أيام قافل تليفونك ومحدش عارف يوصلك والكل قلقان عليك وأمك ومراتك هيتجنوا من الخوف عليك.
أجاب عليه بصوت رخيم:
_ كنت عايز أقعد وحدي لكام يوم وقفلت تليفوني عشان محدش يزعجني ياحسن.
ضحك حسن من الغيظ على إهماله ونظر لكرم ثم ناوله الهاتف وقال بصوت صلب:
_ خد كلمه إنت عشان أنا لو اتكلمت أكتر من كدا هتخانق معاه.
جذب كرم الهاتف منه وأجاب على أخيه بنبرة رزينة:
_ أيوه يازين. في إيه وإنت من إمتى بتقفل تليفونك يابني. يعني إنت مش عارف أمك بتقلق إزاي من أقل حاجة. ثم إن شغل إيه ده اللي معاك هناك!
_ كان معايا شوية حاجات خلصتهم وجاي بكرة متقلقوش. ابقى اتصل بماما وطمنها وأنا هكلم ملاذ.
لمس نبرة الشجن في صوته فثبت نظره على حسن الذي كان يحدق به بتركيز وقال بخفوت:
_ إنت قولت لإسلام ولا إيه؟
زين بصوت مهموم:
_ اممممم قولتله وكنت محتاج أقعد مع نفسي شوية عشان أستعد لما أرجع لردة فعل ملاذ كمان.
هتف كرم بنبرة مشفقة عليه وبدفء:
_ أنا واثق إن ملاذ هتفهمك. بعدين أنا قولتلك قبل كدا إن إنت كمان كنت ضحية في اللي حصل يا زين.
ارتفعت نبرة صوته وهو يقول في شبه صيحة مستاءً:
_ متحاولش تقنعني إني مش غلطان ياكرم. أنا اللي عملت في نفسي وإسلام كدا. وأنا اللي خبيت عن مراتي لغاية ما وصلنا للمرحلة دي. ودلوقتي لازم أتحمل نتيجة أخطائي زي ما اتحملتها زمان.
لوى فمه بأسى على أخيه وتمتم بخشوع:
_ طيب هدى نفسك خلاص ولما تيجي بكرة نبقى نقعد إحنا التلاتة ونتكلم.
_ سلام.
قالها بجفاء قبل أن ينهي الاتصال فورًا. فأنزل كرم الهاتف من على أذنه متنهدًا بضيق ليرمق حسن الذي كان حاله لا يختلف عنه كثيرًا. والوضع لم يكن يحتاج لشرح حيث أنه فهم كل شيء من آخر جملة قالها كرم.
***
تقوم بتحضير وجبة الغذاء في المطبخ، فقد اقترب موعد قدوم زوجها وهي اعتادت أن يعود من عمله يجد الغذاء جاهزًا. بالرغم من أنها لا تشعر نفسها بخير منذ الصباح ولكنها تتحامل على نفسها وتكمل مهامها، متجاهلة الألم الذي يمسك في بطنها وينغزها كالذي وجد سكينًا فيغرزها ويخرجها من معدتها بقوة.
وبينما هي مندمجة في تقطيع الطماطم اجتاحها ألم لا يحتمل. التوى ظهرها للأمام على أثره وهي تتأوه بقوة ممسكة ببطنها. وظلت ممسكة بها على أمل أن يذهب الألم ولكنه يزداد أكثر فأكثر. فتعالت صوت تأوهاتها وسارت للخارج بصعوبة حتى وصلت إلى هاتفها فالتقطته وأجرت اتصالًا به، بعدما جلست على الأريكة وهي تضغط على بطنها كاعتقاد منها أن الألم سيخف هكذا. لكن العكس!
أجاب على الهاتف بصوت طبيعي ليأتيه صوتها المتأوه والذي يغلبه البكاء وهي تستنجد به:
_ أيوه يا علاء تعالى الحقني بسرعة. تعبانة أوي.
كان سيجيب عليها ليسألها مالذي بها بالضبط لكن صك سمعه صوت تأوهاتها المرتفعة فوثب من مقعده مزعورًا وقال بصوت متلهف:
_ حاضر حاضر أنا جايلك اهو ياميار.
أنزل الهاتف من على أذنه والتقطت مفاتيحه الخاصة وغادر مكتبه مهرولًا إلى الخارج. بينما يسر كانت في طريقها إليه لكنها تصلبت مكانها بعدما رأته يركض بهذا الشكل لتصيح منادية عليه بقلق:
_ عـــــــلاء!
لم يجيبها وربما لم يسمعها حتى من فرط توتره على زوجته وهلعه. فقوست حاجبيها بريبة ومن داخلها تدعو ربها أن لا يكون هناك شيء سيء حدث. ثم غيرت وجهتها واتجهت نحو مكتب زوجها.
***
فتحت الباب دون أن تطرق ودخلت فرأته يقف أمام النافذة الكبيرة واضعًا كفيه في جيبي بنطاله ويعطي للباب ظهره. التفتت خلفها تجاه الباب وأغلقته بحذر حتى لا يصدر أي صوت مزعج. ثم تحركت نحوه ووقفت بجواره ممسكة بكفه هامسة باهتمام:
_ مالك ياحبيبي!
سحب كفه بقسوة من بين يديها، لتستقر في عيناه نظرة مرعبة وهو يجيبها بغلظة صوته الرجولي:
_ إنتي إيه اللي جابك!
ارتبكت قليلًا من لهجته ونظرته. هدرت بخفوت:
_ لقيت نفسي كويسة ياحسن فقولت آجي الشركة أصل الشغل وحشني. ومنها أساعدك شوية.
تحول إلى جمرة نيران متوهجة حيث رأته وهو يعتدل في وقفته ليصبح مواجهًا لها تمامًا ويقول بلهجة أشد قسوة وخشونة من السابقة:
_ إنتي شاورتيني قبل ما تطلعي وقولتيلي إنك عايزة تاجي الشغل!
أخذت نفسًا عميقًا وتمتمت بطاعة تامة دون أن تدخل معه في أي جدال:
_ أنا آسفة كان لازم أشاورك الأول فعلًا. بس متوقعتش إنك هتتعصب يعني!
أصبح كبركان على وشك الانفجار وهو يهتف بنظرة دبت الخوف في نفسها:
_ وهو أنا المفروض متعصبش لما تطلعي من غير ما تقوليلي مثلًا!
تراجعت خطوة للخلف وأجابته بنظرات مستغربة:
_ في إيه ياحسن مالك!
تفحص ملابسها بعينيه التي كانت تطلق شرارات الغضب العاتية. ترتدي نفس الرداء الذي يثير جنونه ويعصبه. هتف في شبه صيحة عنيفة بها وهو يشير بعينيه على ملابسها:
_ بعدين أنا كام مرة هقول الفستان الزفت ده متلبسيهوش تاني.
هبطت بنظرها على ملابسها ثم رفعته مرة أخرى وثبتته عليه تطالعه بريبة من عصبيته الغريبة. هي أخطأت بالفعل لكن يبدو أن الأمر ليس لمجرد خروجها بدون إذنه فقط. ومن حماقتها أنها لم تنتبه لكلامها وتحدثت بعفوية وشيء من الخنق:
_ إنت متعصب كدا ليه. أنا مش كنت متفقة معاك امبارح إن ممكن أرجع الشغل النهاردة أو بكرة. بس لما لقيت راسل موجود قولت آجي وبالمر أسلم عليه.
رسم ابتسامة مخيفة على شفتيه ولمعت عيناه بوميض ليس طبيعيًا. كأنه كان ينتظر منها هذا الرد!
فور رؤيتها له على هذا الوضع أدركت فداحة الخطأ الذي ارتكبته بسذاجتها. فكيف تخبره أنها جاءت خصيصًا لرؤية أكثر شخص يكرهه ولا يطيقه!
رأى في عينيها نظرات مضطربة من مواجهة طوفانه. تقهقرت للخلف ولا تزيل نظرها عنه حتى اصطدمت بالمكتب فوقفت واستندت بكلتا كفيها على سطحه وانحنت بنصف جسدها للخلف بعدما وجدته يهل عليها بهيئته الضخمة وينحني للأمام عليها هامسًا وهو يصر على أسنانه بقوة وبهدوء ما قبل العاصفة:
_ آه يعني إنتي جاية عشان تشوفي راسل!
هزت رأسها يمينًا ويسارًا عدة مرات متتالية تنفي إجابته بتوتر ملحوظ. فيستكمل هو استجوابه المخيف لها:
_ كنت بتعملي إيه معاه تحت!
يسر بابتسامة لطيفة تحاول تهدئة الأجواء المتوترة:
_ ولا حاجة ياحبيبي. أنا شوفته وأنا داخلة الشركة وهو كان طالع ووقفت سلمت عليه وسألته عن خالتو. وبس.
تمتم مستنكرًا إجابتها:
_ وبس!
رفعت كتفيها لأعلى تهمس برقة:
_ أه وبس.
عادت نبرة صوته لترتفع من جديد وتاخذ عيناه اللون الأحمر مرة أخرى وهو يهتف محاولًا كتم غيظه:
_ ليكي ربع ساعة واقفة معاه وبتسأليه عن خالتك! ليه كان بيحكيلك يوميات أمه ولا إيه!
ضحكت بتكلف لتلطيف الجو وضربته على أعلى صدره بخفة هاتفة بمزاح:
_ دمك خفيف يابيبي والله.
انتفضت واقفة على أثر صرخته بها منفعلًا من تعاملها مع الموقف ببساطة:
_ أنا مش بهزر يايـــســـر!
لوت فمها بتذمر وتفادت النظر إليه لتقول بامتعاض:
_ حاضر ياحسن هقطع علاقتي بابن خالتي خالص عشان ترتاح.. حلو كدا!
ثم همت بالاندفاع إلى خارج المكتب لولا يديه التي قبضت على ذراعيها وقال بلهجة صارمة:
_ خدي هنا رايحة فين؟
_ رايحة مكتبي!
_ مش هتروحي مكان.. اقعدي هنا على الكنبة وأنا هخلص شغلي وهاخدك ونروح البيت.
همت بأن تعترض على أوامره فباغتها هو برده الأسرع منها وهو يحدجها بنظرات محذرة وقوية:
_ سمعتي قولت إيه ولا لا؟
جذبت ذراعها من بين قبضتيه بعنف وهي تتأفف بحنق ثم اتجهت إلى الأريكة وجلست عليها كما أمرها، فالقى هو عليها نظرة مشتعلة قبل أن يستدير ويعود ليجلس على مقعد مكتبه الخاص ويباشر أعماله من جديد، فتقول ببرود كنوع من إيجاد أي حجة حتى تخرج:
_ طيب أنا عاوزة اروح الحمام.
حسن بعدم اكتراث بها وهو يشير بسبابته على وجهة الحمام:
_ الحمام عندك اهو ادخلي.
نظرت إلى الحمام الملحق بغرفته الذي يقصده فقالت بتمرد وضيق:
_ لا انا مبحبش ادخل الحمام بتاع مكتبك.
رمقها بنظرة نارية ثم استقام واتجه إلى باب المكتب ليغلقه بالمفتاح ويقول باستياء:
_ مش هتتحركي من الأوضة ياهانم.. ورجلك مش هتعتب الشركة هنا نهائي طول ما ابن خالتك الملزق ده موجود.. فاهمة ولا لا.
حدجته بنظرات متقرفة تدل على عدم إعجابها بتلك التعليمات الصارمة، ولكن بمجرد ما أن اعطاها ظهره وعاد لمكتبه، ابتسمت على سخافة الموقف الذي وضعت فيه وعلى غيرته المفرطة وتصرفاته الغريبة التي بقدر انزعاجها منها إلا أنها تضحكها وتسعدها!
***
عيناها عالقة على السقف وحوائط الغرفة المطلية جميعها باللون الأبيض، كل شيء في الغرفة لونه أبيض.. كأنهم يؤكدون للمريض بمجرد ما أن يفتح عيناه أنه بغرفة مستشفى.
رأت الباب ينفتح ويظهر من خلفه زوجها، اغلق الباب خلفه واقترب منها ليجلس بجوارها على حافة الفراش هامسة بنظرات حانية:
_ عاملة إيه دلوقتي ياحبيبتي.
_ كويسة الحمدلله ياعلاء.. قولي الدكتور قالك إيه؟
غمغم بخفوت وبابتسامة شبه خفيفة:
_ قال إنك حامل وكان هيحصل إجهاض بسبب إنك مكنتيش بتهتمي بنفسك بس الحمدلله ربنا ستر.
وثبت جالسة بفرحة غامرة وهي تجيبه بعدم أستيعاب:
_ أنا حامل بجد ياعلاء!
اجابها وهو يسخر من ردها بمزاح:
_ آه معلش أصل اثناء ما كنا بنلعب لعبة عريس وعروسة خدتنا الجلالة وحصل حمل.
ضربته بخفة على ذراعه وهي تضحك وتقول:
_ بلاش قلة أدب وغلاسة.
_ ماهو إنتي اللي غريبة.. هو اللي حامل بجد، أمال بهزار يعني!
رفعت حاجبها وقالت بترقب ونظرة مدهوشة بعدما احست بعدم سعادته بهذا الخبر:
_ علاء أنت مفرحتش إني حامل؟
هرب بنظراته منها وقال بخوف مزيف وتوتر:
_ اقولك الحقيقة ومتزعليش.. الصراحة لا!
جحظت عيناها وفغرت فمها بصدمة من رده ليستكمل هو مغتاظًا:
_ أصل أنا مش فاهم العيل ده مستعجل على الدنيا كدا ليه! مش كان صبر شوية، ده انا حتى ملحقتش اشبع منك ياميار، كدا ظلم والله!
ضحكت بقوة على آخر جملة وقالت بارتياح مداعبة إياه:
_ اوووف حضتني ياخي وأنا اللي افتكرتك مش فرحان بجد ومش عايز طفل مني.
قال بقرف كانت ستظنه حقيقيًا لولا أنها تعرف أنه يمزح:
_ ما أنا مش فرحان بجد!
اكملت مزاحها لتجيبه وهي تضحك بخفة:
_ لا متخفش هتفرح بعدين، هي صدمة البدايات كدا بتكون قوية شوية معلش ياحبيبي.. بعدين متزعلش نفسك هنعوض الأيام دي كلها إن شاء الله بعد ما اولد.
لوح بيده لها في استهزاء وخنق مجيبًا عليها مستنكرًا:
_ ده على اساس إنك هتكوني فضيالي أصلًا!
ظهرت علامات الدهشة على محياها بعدما فكرت في هذا الشيء، وقالت وهي تضحك بصدمة:
_ علاء إنت بتغير من ابنك ومن قبل ما ياجي حتى!
قهقه بصوته الرجولي بعدما سمع منها هذه الجملة وضمها لصدره يقبل رأسها برقة متمتمًا بعاطفة جياشة:
_ لا مش للدرجة! هو آه أنا متغاظ بسبب إني ملحقتش اتهني زي البني آدمين بمراتي والباشا هينطلنا في النص بدري أوي، بس ده ميمنعش إني فرحت أوي بالخبر ده واول ما قالي الدكتور الفرحة مكنتش سيعاني.
تشبثت به أكثر وهي تهمهم بحب وصوت ناعم:
_ ربنا يخليك لينا ياحبيبي.
اكتفي بالرد على جملتها بأنه عاد يلثم رأسها بعمق ويمسك بكفها يرفعه لشفتيه ليلثم باطنه أيضًا.
***
في تمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل...
كامنة في مضجعها مستندة بمرفقها على الوسادة وكفها أسفل وجنتها، عقلها لا يتوقف عن التفكير به.. ماذا حدث له؟ لماذا لا يتصل؟ هل هو مريض أم أنه مزعوج منها في شيء؟ ألا يعرف أنها ستكون قلقة عليه؟ على الأقل يتصل ويطمئنها بأنه بخير!
ربما تكون هي منزعجة منه بالفعل ولكن هذا لا يعني أن تتغاضي عن غيابه عنها طوال هذه المدة، وبإهماله وعدم اهتمامه بخوفها عليه، مما جعل غضبها منه يتفاقم للضعفين وعندما يعود ستحاسبه على أفعاله حسابًا عسيرًا، وبدلًا من استجوابها له على خطأ واحد سيكونوا أثنين!
رفعت أناملها تمسح دموعها المنهمرة على وجنتيها بغزارة، فقلبها يؤلمها وتحزن على الوضع الذي وصلوا إليه.. هي هنا تتحرق خوفًا وشوقًا له وهو ليس مهتمًا بشيء، ومن جهة أخرى انزعاجها منه بسبب ما اخفاه عنها بينما هو هناك يتخبط وحده بسبب أخطاء الماضي التي تلاحقه ولا تتركه ينعم بحياة مسالمة!
جذبها من قوقعة أحزانها صوت رنين الهاتف، تجاهلته في باديء الأمر ولم تهتم له، فهي ليست في الوضع الذي يسمح لها بالتحدث مع أحد، لكن الرنين لم يتوقف والمتصل مُصر على أزعاج صاحب الهاتف، فانتابها الفضول حول معرفة هوية ذلك المتصل المزعج لتلتقط الهاتف وتجيب بعصبية:
_ الو مين معايا؟
حبس أنفاسه لثلاث ثواني بالضبط وأخرجهم في زفير طويل سمعته هي في الهاتف ثم تحدث بخفوت:
_ عاملة إيه ياحبيبتي؟
تجمدت ملامحها للحظة فور سماعها لصوته، لتصبيها مشاعر متضاربة مابين السعادة والغضب والقلق.. لكن الغضب كان سيد الموقف حيث هتفت تجيبه عليه ساخرة وبانفعال:
_ حبيبتك! ليك تلات أيام قافل تلفونك ومنعرفش حاجة عنك ومش هامك أي حد.. حتى مهنش عليك تكلمني تطمني عليك يازين، أنا كنت هتجن من خوفي عليك.
زين بشجن وأسف:
_ أنا آسف!
عادت دموعها لتناسب على وجهها من جديد فتسأله هي بصوت يغلبه البكاء:
_ كنت بتعمل إيه يازين هناك وقافل تلفونك ليه؟
غمغم بنبرة خاشعة تنسدل كالحرير ناعمة:
_ لما اجي هفهمك كل حاجة والله متقلقيش.
_ وإنت سيادتك جاي إمتى بقى؟
_ بكرا على العصر إن شاء الله.. ابقى روحي البيت من الصبح واستنيني عشان هنتكلم مع بعض في كام حاجة.
ملاذ بنبرة عادية وامتثال لأوامره:
_ حاضر يازين.. توصل بالسلامة إن شاء الله.
_ في حفظ الله.
رددت نفس الجملة التي قالها قبل أن تنزل الهاتف من على أذنها وتنهي الأتصال وهي تضم حاجبيها بحيرة.. فهي الآن تأكدت أن به هم، صوته ليس طبيعيًا أبدًا، كان مهمومًا وحزينًا وبه لمسة الإنطفاء التي لم تشهدها أبدًا فيه منذ زواجهم!
***
كان كرم جالسًا على المقعد في غرفته ويعطي ظهره للباب وبيده كتابًا يقرأه، بينما هي فتسللت دون إن يشعر وأغلقت الباب بحرص شديد حتى لا يشعر بها، ثم سارت على أطراف أصابعها إلى كبس الكهرباء واطفأت الضوء، فاظلمت الغرفة بأكملها إلى ظلام دامس!
ترك الكتاب من يده وعقد حاجبيه وهو يهتف باستغراب:
_ هي الكهرباء قطعت ولا إيه!
كان على وشك أن يقف ولكن صك سمعه صوت موسيقة عربية قديمة.. إلا وأنه الموشح الاندلسي الشهير ( لما بدا يتثني )، استدار بمقعده للخلف فإذا بضوء الغرفة يعود ويراها تقف توليه ظهرها وترتدي بذلة رقص من اللون الأسود وبقطعتين، تنورة طويلة بها نقشات ذهبية عند منطقة الخصر وتنسدل لأسفل باتساع لتعطي منظر انوثي مثير، وشعرها الأسود الحريري ينسدل على ظهرها ليغطي نصفه، وكانت هي ترفع كلتا ذراعيها لأعلى تلوي رسغيها وكفيها بشكل احترافي على الحان الموسيقى وخصرها يميل يمينًا ويسارًا برقة.
انعقد لسانه وبقى محملقًا بها في ذهول حتى وجدها تنزل ذراعيها تدريجيًا وتستدير له بجسدها كاملًا فور البدء في كلمات الأغنية وهي تبتسم بساحرية وكان على وجهها شيء يبدأ من أنفها ويتدلي من اليسار إلى اليمين بخيوط أشبه بالأسوار المطرزة بحبات من اللون الفضي تغطي نصف وجهها، وعيناها رسمتها بمساحيق الجمال الخاصة بالنساء في شكل مذهل.
في تلك اللحظة رأت فمه ينفتح بحركه تلقائية وتنزل شفته السفلي قليلًا للأسفل، وقرأت في عيناه نظرات الإعجاب والرغبة فكتمت ضحكتها واكملت تمايلها على الحان الموسيقى برقة وأنوثة أكثر لتزيد من جرعة الإغراء، بينما هو فاغلق فمه وازدرد ريقه متمتمًا بنظرات جريئة:
_ صحيح أنا اللي طلبت وقولت نفسي ترقصي، بس احنا متفقناش على كدا!
تلاعبت بحاجبيها وهي تضحك بدلال، ليضيق هو عيناه بنظرات وقحة ويهمس بوعيد ماكر مبتسمًا:
_ كملي كملي.. ليلتنا فل إن شاء الله!
انطلقت منها ضحكة أنثوية متأججة تمكنت من إثارته أكثر، لكنه رغم كل هذا يتحكم في شهواته بصعوبة. رجع بظهره على المقعد للخلف، يجلس بإريحية أكثر، يتابعها وهي تتمايل أمامه وابتسامته المعجبة واللئيمة تزين شفتيه.
سمعته يدندن مع الأغنية كالآتي وعيناه ثابتة عليها لا تتحرك:
"وعدي وياحيرتي
وعدي وياحيرتي
من لي رحيم شكوتي في الحب من لوعتي
إلا مليك الجمال
إلا مليك الجمال"
استمرت في تمايلها وهي تسير باتجاهه حتى ولته ظهرها ومالت للخلف عليه بشعرها وتهز كتفيها برقة وعلى شفتيها ابتسامة تأثر أقوى وأعتى الرجال. لكنه كان يمتلك بثبات، بثبات انفعالي رهيب أمام كتلة الجمال الصارخ المتجسدة أمامه، ويكتفي بالمشاهدة والابتسام في نظرات ليست بريئة أبداً. كأنه ينتظر اللحظة ليعلن انقضاضه.
أما هي، كلما ترى نظراته تضحك بقوة، وبالأخير توقفت بأرضها وهي تخفي ضحكها بكفها. فتسمعه يهمس بغمزة خبيثة:
"كملي لسا مخلصتش الأغنية!"
نزعت ذلك الشيء الذي يخفي نصف وجهها وقالت مبتسمة بحياء بسيط، فلا تنكر أن نظراته أخجلتها بعض الشيء:
"لا كفاية كدا.. إنت أحمد ربك إني عملتها ورقصت أصلاً. دي في حد ذاتها معجزة. وأعمل حسابك هي أول مرة وآخر مرة."
استقام واقفاً وسار إليها ببطء بسبب قدمه، حتى لف ذراعه حول خصرها وجذبها إليه هامساً بابتسامة عريضة:
"ليه؟ ده أنا بحب آمان آمان دي أوي! بقى عندك المواهب الجامدة دي ومخبياها عني؟ كله ده يامفترية؟ دي ولا أجدعها صافينار."
تهجمت ملامحها وأظهرت عن أنياب الأنثى الشرسة وهي تقول بغضب:
"وإنت تعرف صافينار منين ياكرم؟!"
اختفت ابتسامته فوراً وأجابها بتوتر بعدما أدرك كم الحماقة والسخافة الذي تفوه بها للتو:
"مين قال إني أعرفها ياحبيبتي.. ده أنا بس من كام سنة كدا ومرة يتيمة حصلت واتفرجت بالصدفة على فيلم من أفلامهم الهابطة دي وبعدها حرمت."
طالعته بغيظ وهي تقول بقرف وضجر:
"امممم فيلم صح!!.. اخص.. قال وكان عاملي فيها محترم وبيتكسف وهو ماية من تحت تبن."
دفعها بخفة وهو يقول بغضب مزيف مضيفاً نوعاً من المرح على حديثهم:
"إنت بتبصيلي بقرف كدا ليه يابت!"
دفعته هي الأخرى في كتفه وهي تهتف بغيظ:
"طاب متزقش!"
نظر لكتفه محل دفعها له ثم عاد بنظره لها وقال بوعيد لئيم:
"يعني هي بقت كدا.. تمام إنتي اللي جبتيه لنفسك."
وجدته يدفعها بقوة لتسقط فوق الفراش ثم مد يده ليطفئ الضوء. وبمجرد ما اظلمت الغرفة صاحت هي بطفولية:
"لا بخاف من الضلمة ياكرم افتح النور."
أحست به ينحنى عليها يهمس ساخراً وهو يضحك:
"وهي آمان آمان بس اللي حلوة في الضلمة يعني."
قهقهت بقوة رغم أنفها، ليمد هو أنامله ويضيء المصباح الآخر الذي يعطي لوناً بنياً هادئاً وإضاءة رومانسية لطيفة. ثم همس لها بحب:
"حلو كدا!"
هزت رأسها بالإيجاب وهي تبتسم باستحياء جميل، فانحنى عليها وهو يبادلها نفس الابتسامة ولكن بمشاعر كلها شوق وعشق، لينغمسوا معاً في لحظاتهم الخاصة.
***
في تمام الثالثة عصراً من اليوم التالي. كانت هي تقف أمام النافذة المطلة على الشارع تراقب الطريق منتظرة قدومه مثلما أخبرها أنه سيعود عصراً. عادت منزلها صباحاً ورتبت ملابسها في خزانتها وكذلك فعلت القليل من أعمال المنزل دون أن تضغط على نفسها خوفاً على طفلها.
أشرق وجهها ببريق لامع عندما رأته يترجل من سيارة أجرة، ثم فتح المقعد الخلفي وأخذ حقيبة سفره، وأخرج محفظته ليخرج أجرة السائق ويعطيها له، ثم استدار وحمل حقيبته يسير للداخل نحو المنزل. ابتعدت هي عن النافذة وهرولت راكضة باتجاه الباب ووضعت أذنها على الباب منتظرة سماع صوت خطواته على السلم. وبمجرد ما استمعت لخطواته فتحت الباب على أخره، بينما هو وقف بمكانه يطالعها لثوانٍ وهو مبتسم بدفء، ثم أكمل صعوده لآخر درجات السلم حتى وصل للباب. فرجعت هي خطوة للخلف حتى يتمكن من العبور. دخل وأغلق الباب ثم أسند الحقيبة على الأرض بجواره ووقف يحملق بها بنظرات تراها للوهلة الأولى منه. كانت كلها اعتذار وشوق وعشق واحتياج!
فقدت سيطرتها على نفسها، فأدمعت عيناها وهي تراه يقف أمامها سالماً، بعدما كان الرعب يمزقها لأيام خوفاً من أن يكون أصابه مكروه! وها هو الآن أمامها بعد غياب طال لما يقارب الأسبوعين. ارتمت عليه تعانقه بقوة تبث كل شوقها له في هذا العناق الحميمي، فيلف هو كلتا ذراعيه حولها يضمها إليه أكثر ويدفن وجهه بين ثنايا رقبتها يشم رائحتها ورائحة شعرها التي طالما يعشقها.
مجرد أسبوعين جعلت منهم بهذا الشوق. ربما هذا بسبب ما عاشوه في هذه الأيام وهما مبتعدان عن بعضهم! كلاهما أحس لوهلة أن سيخسر الثاني! لذلك لقائهم كان يحمل كل ضروب الشوق والعشق في ثناياه.
سمع صوت شهقاتها وبكائها وهي متعلقة برقبته، فرفع وجهه قليلاً وقبل ما لحقه من شعرها ورأسها كاعتذار منه عن غيابه عنها دون أي خبر. ابتعدت عنه وضربته على صدره بجفاء وهي تصيح به باكية:
"طبعاً حضرتك مش عارف أنا قضيت التلات أيام دول إزاي، ومش مسمحاك وزعلانة أوي منك على اللي عملته ده يازين."
احتضن وجهها بين كفيها وانحنى عليها يخطف قبلة من وجنتها هامساً بحزن ورجاء:
"أنا آسف ياحبيبتي.. والله ما كان قصدي أقلقكم عليا ومتوقعتش إنكم هتقلقوا أوي كدا."
ملاذ بغضب:
"منقلقش إزاي يعني وإنت قافل تلفونك طول المدة دي ومحدش يعرف حاجة عنك.. ثم إنك من إمتى بتكذب يازين؟ ده إنت عمرك ما عملتها!"
"أنا كذبت!"
"ايوة شغل إيه ده اللي معاك في بلجيكا؟ كنت بتعمل إيه هناك يازين؟!"
لمس في نبرتها الشك المعتاد في فطرة النساء والسخط الممزوج بالغيرة. فابتسم وقال ببساطة ونظرة حانية:
"متخافيش متجوزتش عليكي يعني أكيد. بعدين أنا مكنتش بكذب. أنا كان معايا شغل فعلاً."
عقدت ذراعيها في خصرها وأجابته مستهزئة من رده:
"ياسلام شغل إيه ده بقى؟!"
أحنى شفتيه على جبهتها وطبع قبلة مطولة عليها ثم همس بلطف:
"هقولك شغل إيه وهنتكلم كتير. بس أدخل أغير هدومي الأول واخد دش وبعدين هنقعد وهحكيلك كل حاجة من الألف للياء."
بقت مكانها تتابعه وهو يبتعد عنها، متنهدة بعمق وعبوس. ما يريد أن يسرده لها هي تعرفه جيداً، ولكنها ربما تحتاج أكثر للتفاصيل حقاً لعلها تشفع له عندها وتجعل انزعاجها من هذا الأمر يخف قليلاً!
***
وقفت أمام باب الحمام واستندت بكتفها على الحائط منتظرة خروجه وهي تجهز وجهها بابتسامة عريضة لتستقبله بها عندما يخرج.
توقف صوت اندفاع المياه فعرفت أنه أنهى حمامه وسيخرج. وبالفعل ما هي إلا دقيقة بالضبط وفتح الباب. كان يلف المنشفة حول نصفه السفلي كالعادة وبيده منشفة أخرى صغيرة يجفف بها شعره. ارتد بجسده للخلف مزعوراً عندما اصطدم بها حين فتح الباب. استغرق ثلاث ثوانٍ وهو يقف يحملق بها بريبة من ابتسامتها السخيفة! ثم تأفف بقوة وخنق وابعدها من أمامه ليمر وهو يردد بنفاذ صبر:
"استغفر الله العظيم."
اتبعت خطواته تماماً تسير على نفس خطاه خلفه في الغرفة. يشعر بها خلفه ولكنه يتصنع عدم المبالاة. توقف في منتصف الغرفة ونفض رأسه يميناً ويساراً حيث ينثر عنه قطرات الماء وعاد يضع المنشفة ويحركها على شعره بعنف بسيط. وأخيراً ألقى بها على الفراش والتفت برأسه للخلف فوجدها في ظهره تماماً ليعود برأسه إلى وضعها الطبيعي وهو يتأفف بخنق هامساً:
"لا إله إلا الله!!"
كتمت ضحكتها بصعوبة التي كانت ستنطلق بقوة بعد ردة فعله. واستمرت في متابعته حيث سار باتجاه الخزانة حتى يخرج ملابسه منها وهي تتبعه على نفس خطاه. وقف فوقفت خلفه مباشرة شبه ملتصقة بظهره. حاول تجاهلها قدر الإمكان متأملاً أنها ستحل من فوق رأسه.
اخرج ملابسه والقاها على الفراش ثم التفت بجسده كاملاً لها وهز رأسه في ابتسامة سمجة بمعنى "إيه!". قلدت نفس حركته وفعلت نفس الشيء وهي تبادله ابتسامة لكنها بلهاء. فعض شفاه السفلية وقال متمالكاً أعصابه:
"هلبس هدومي يايسر.. إيه هتقفي تتفرجي عليا!"
هزت رأسها بنفور متصنعة الصدمة مما تفوه به وقالت بحزم مزيف:
"لا لا استغفر الله اتفرج إيه.. أنا هقعد بس هغمض عيني واديك ضهري."
رفع حاجبه وقال ساخراً بوقاحة:
"متأكدة من القرار ده يعني؟!"
ارتبكت بعد اللهجة الوقحة التي لمستها في صوته وقالت متزمرة بغيظ:
"خلاص طالعة."
ابتسم باتساع وهو يراها تغادر الغرفة ليقول بسعادة:
"وياريت متدخليش تاني عشان أنا هنام هااا."
وقفت والتفتت له برأسها ترمقه في ابتسامة خبيثة ونظرة نارية مهمة:
"من عنيا ياحبيبي."
رحلت واغلقت الباب خلفها فأصدر هو زفيراً حاراً بارتياح وبدأ في ارتداء ملابسه ثم تمدد على الفراش وتدثر بالغطاء مغمضاً عيناه. وما هي إلا دقائق معدودة وسمع صوت الباب ينفتح فخرج من بين شفتيه تأفف قوي سمعته هي لتقول بشراسة:
"من غير أفأفة ياحبيبي."
اقتربت وانضمت بجواره على الفراش متمددة نصف تمديدة وتلتصق بظهره من الخلف، متطفلة عليه برأسها وتهتف بمشاكسة:
"هتفضل مكشر في وشي كدا لغاية إمتي بقى؟!"
حسن بصوت خشن:
"أنا عايز أنام يايسر.. ممكن؟!"
دفعته في كتفه بخفة متشدقة بانفعال بسيط وقسمات وجه مغتاظة:
"جرا إيه يا ابو على متزودهاش بقى يا راجل. مكنوش كلمتين اللي اتكلمتهم معاه دول!!"
باغتها بنظرة مميتة منه أربكتها ثم اعتدل جالساً وقال بغلظة صوته الرجولي:
"قومي من جنبي عشان متغباش عليكي."
صاحت به في عصبية مزيفة وكأنها تخفي خوفها واضطرابها من تحوله بصوتها المرتفع وطريقتها الهمجية التي أشبه بنساء الحواري:
"ما أنت اللي عامل حوار على مفيش ياحسن.. ما قولنا مش هنتكلم معاه تاني ومش هنروح الزفت الشركة تاني. إيه نعمل أكتر من كدا."
ننزل نبوس رجليك !!
جز على أسنانه بشكل مخيف واطبق اصابعه على خصلات شعرها بلطف بعض الشيء يجذبها منه إليه وهو يهتف مغتاظًا منها:
_ يعني غلطانة وبتعلي صوتك عليا كمان .. ده إنتي ليلتك طين النهردا
كان رأسها يميل للخلف بسبب شده لخصلاتها للخلف ووجها مقابل لوجهه تمامًا فرسمت الابتسامة الساحرة على شفتيها وغمزت بعيناها وهي تضم شفتيها لبعضهم وترسل له قبلة في الهواء بينما هو فبعد أن كان وجهه مقوس بقسمات الغضب الحقيقية لانت ملامحه بالتدريج وارتخت قبضته على شعرها .. كأنها ارسلت تعويذة سحرته بها وليست مجرد قبلة ثبت نظره على شفتيها فمال عليها لينل مبتغاه لكنها اسرعت وانتصبت جالسة قبل أن ينل منها ثم اقتربت منه تطبع قبلة رقيقة على وجنته هامسة:
_ وهو أنا برضوا اقدر على زعل سنسونتي
مال برأسه للجانب الآخر يحسها على طبع القبلة التالية على وجنته الأخرى ففعلت برقة أشد وهي تكمل همسها المغري:
_ مكنش في نيتي أبدًا إني اعمل كدا عشان اعصبك ونسيت خالص موضوع إنك مبتحبش راسل والله صدقني لو كنت افتكرت مكنتش هروح أبدًا بس اوعدك مش هتتكرر تاني
همس بهيام وهو ذائب بالكامل أمام قبلاتها:
_ حصل خير .. أنا نسيت إني كنت متعصب منك أصلًا وتعالي بقى نفتح صفحة جديدة
اطلقت ضحكة انوثية متأججة وهي تضربه على صدره وتهب واقفة من الفراش تهدر وهي مغادرة:
_ أنا هروح اخلص اللي ورايا ونام إنت بقى طالما خلاص اتصالحنا
بقى متسمرًا مكانه يحدق على أثرها فلوهلة احس أنه منغمس في نعيم الجنة ولكنها سلبته إياها في نفس اللحظة دون أن تمهله الوقت ليتمتع بها حتى !! .. فرك ذقنه وهو يقول بوعيد واغتياظ:
_ اهربي اهربي .. كلها كام شهر وتولدي ومحدش هيحوشك مني وقتها
ترجلت رفيف من السيارة أمام المطعم ثم قادت خطواتها نحو الداخل وهي تتلفت حولها باستغراب لما الطاولات الخارجية فارغة وليس هناك زبائن .. اسرعت قليلًا في خطاها حتى وصلت عند باب المطعم الرئيسي لتجده مغلق ضيقت عيناها بريبة حقيقية وأشد ثم وضعت يدها في حقيبة يدها وكانت على وشك إخراج المفتاح وهي تستشيط سخطًا من تأخر الموظفين وأنه إلى الآن لم يفتح المطعم لكن أصابها الذهول الذي سمرها بأرضها حينما انتبهت إلى الطاولة الكبيرة المتوسطة في وسط المطعم وفوقها كعكة صغيرة الحجم نسبيًا ومن حولها بقية الطاولة مزينة دارت بنظرها في تدقيق أكثر لتلاحظ بقية المكان الذي كان كله مزين ! .. لم تكن دهشتها بمنظر المطعم وتزيننه تساوي شيء أمام صدمتها وفرحتها عندما رأته يخرج من الغرفة الداخلية الخاصة بها ويسير باتجاه الباب لا يمسك في يده عكازه الذي اعتادت أنه تراه به بل يسير كأي شخص طبيعي على قدماه بسهولة .. ظلت كما هي تستحوذ عليها الصدمة حتى وصل إلى الباب وفتحه من الداخل يستقبلها بابتسامة مشرقة ويفسح لها الطريق لتمر.
لم تتحرك وبقت على وضعها تحدق به في دهشة ليضحك هو بخفة ويقول:
_ ادخلي يارفيف !!
انتبهت على نفسها ونفضت برأسها تنفر الأفكار التي راودتها الآن ودخلت على استحياء وهي تتجول بعيناها في كل أرجاء المكان ثم أخيرًا استقرت عيناها على قالب الكيك لتقول بابتسامة بسيطة شبه ساخرة:
_ والتورتة دي ليه بقى .. اعتقد إنت عارف إن عيد ميلادي عدي من بدري
عقد كفيه في جيبي بنطاله ووقف بثبات يجيبها في نظرات كلها ثقة:
_ تقتدري تعتبريها رشوة صغيرة
بعد شجارهم منذ يومين على الهاتف بالتأكيد يحاول تصليح الأمر أجابته بغطرسة:
_ بس أنا مش بقبل الرشوة !!
ضيق عيناه مبتسمًا باستمتاع ثم همس في خفوت ومشاكسة مدروسة:
_ خلاص اعتبريه تثبيت عادي برضوا طالما مش بتحبي الرشوة !
اشاحت بوجهها للجانب الآخر وهي تضحك بصوت مكتوم ثم انتصبت في وقفتها وقالت بجدية امتزجت بالخجل:
_ طيب على العموم شكرًا جدًا على المفاجأة غير المتوقعة دي وبجد عجبتني أوي وفرحت بيها وثانيًا وده الأهم واللي فرحني اكتر من أي حاجة إني شيفاك قدامي واقف على رجلك ورجعت لحياتك الطبيعية من تاني الحمدلله وده شيء شيء كفيل يسعدني وهو المفاجأة الحقيقية بالنسبالي
لاحت الابتسامة المغرمة على شفتيه ليجيبها بأعين تتحدث أكثر من شفتيه التي همست بلهجة مرحة:
_ افهم إن بعد الكلام الحلو ده خلاص صافي يالبن ومفيش زعل تاني
اضطربت من نظرته وكلامه فزاغت عيناها عنه وسارت باتجاه الطاولة التي فوقها الكعكة متهربة منه لتقول بمداعبة لطيفة:
_ ادوق التورتة الأول وبعدين افكر أذا كان صافي يالبن ولا لسا !!
انطلقت منه ضحكة رجولية رنت في أذنها لتجعلها تبتسم تلقائيًا فهدر هو بنبرة لينة:
_ وماله فكري براحتك
تخرج ملابسه من الحقيبة وتطويها بطريقة معينة خاصة بها ثم ترتبها في خزانته وهي شاردة الذهن .. وإذا بها تشعر به من خلفها يطبع قبلة على شعرها هامسًا بحنو:
_ تعالي ياملاذ هنتكلم شوية
التفتت له بجسدها كاملًا وقالت بعبوس واستهزاء مع نبرة جافة:
_ متتعبش نفسك أنا عارفة كل حاجة
تجمد واتخذت معالمه قسمات الصدمة من ردها فبقي يحملق بها لبرهة وجيزة من الزمن وعيناه تكشف عن الصدمة وكم الاضطراب المهيمنان عليه حتى شفتيه المنفرجة تتحدث وتخبرها بين صمته عنه حالته ! .
خرج صوته أخيرًا وهو يسألها بتأكيد:
_ عارفة إيه ؟!
ملاذ بنبرة قوية ونظرة ثاقبة:
_ اللي إنت كنت مخبيه عني يازين عرفته وكنت اتمنى إني اسمعه منك مش من حد غيرك
اجفل نظره لأسفل في خزي يجيبها بأسف وشجن:
_ صدقيني مكنش عندي الشجاعة إني اواجهك ياملاذ .. كنت خايف من ردة فعلك
_ إنت خبيت عني شيء مينفعش يتخبي يازين .. أنا كان من حقي اعرف كل ده ومنك إنت كمان
أجابها بضيق من نفسه:
_ عندك حق أنا آسف سامحيني
ملاذ بلهجة حازمة:
_ عايزة اعرف كل حاجة بالتفصيل ومن البداية
اماء لها بالإيجاب وتمتم في نبرة عادية:
_ طيب هحكيلك تعالي اقعدي
اقتربت وجلست بجواره على الفراش ثم بدأ هو يسرد لها كافة التفاصيل دون أي نقص وهي تستمع بإذآن صاغية إلى أن انتهي وتوقف عن الكلام فرأى في عيناها دموع سابحة وهتفت في دهشة وعتاب:
_ كل ده ومتحكليش حاجة .. مش على اساس إننا مش هنخبي على بعض حاجة نهائي وهنرجع نبني الثقة بينا من تاني كذا مرة اسألك واقولك احكيلي يازين إيه اللي مضايقك وإنت كنت بتتهرب مني
_ مكنتش بتهرب .. كنت منتظر الوقت المناسب اللي اكون جاهز فيه عشان احكيلك واقولك كل حاجة .. وموضوع اسلام أنا والله العظيم ما كنت اعرف إن هو اللي خبطته عرفت لما كنا في الرياض واعتقد إنتي فاكرة إني اخدت يومين بعيد عنك ومش بتكلم ومهموم وكان بسبب كدا بس متجرأتش اقولك في وقتها
انهمرت دموعها على وجنتيها وهي تحدجه بأسى ولوم ثم استقامت واقفة وقالت بصوت مبحوح:
_ في إسلام يمكن كان عندك حق تتردد ومتقوليش لأنه صعب فعلًا و حتى أنا مصدقتش لما عرفت بس موضوع إنك دخلت مصحة وكنت مدمن فمعندكش حق يازين كان لازم تقولي وتشاركني
استدارت وهمت بالرحيل لكنه وقف وقبض على ذراعها لتقف هي وتلتفت له بجسدها بينما هو فهمس بنظرة بائسة ومنطفئة:
_ ليكي الحق تزعلي مني أني خبيت عنك ومقدرش الومك وكمان مقدر أنك ممكن تكوني مضايقة على إسلام وإني كنت السبب في اللي حصل معاه بس إنتي فهمتي كل حاجة أهو وإني ندمان إزاي على كل حاجة عملتها وإني مكنتش في وعي لحظتها
تمتمت بحزن وأعين تهيمان بالعبارات:
_ أنت اخترت متشاركنيش همومك وتبعدني عنك وتشيل الهم وحدك يازين مع إنك لو كنت قولتلي من البداية وحكتلي كل حاجة كنت هتفهم الوضع وهقف في ضهرك بس هيفيد بإيه اللي حصل حصل خلاص
ضيق عيناه ببعض الدهشة والألم ثم أجابها بلهجة تحمل التعجب:
_ وهو دلوقتي مش هتقفي جنبي يعني في أشد وقت أنا محتاجك فيه معايا وتقوليلي أنا في ضهرك ولا إيه ؟!
رواية ضروب العشق الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم ندى محمود توفيق
ضيق عيناه ببعض الدهشة والألم ثم أجابها بلهجة تحمل التعجب:
_ وهو دلوقتي مش هتقفي جنبي يعني مع إني في أشد وقت أنا محتاجك فيه جنبي وتقوليلي أنا معاك ولا إيه؟
بقت تحملق به للحظات وجيزة، ترغب بالرد عليه ولكن نفسها الساخطة تمنعها، لا تزال منزعجة وتحتاج لبعض الوقت لتترك عقلها وقلبها يتخذوا القرار الصحيح دون تسرع.
سحبت ذراعها من بين قبضته وغادرت الغرفة لتتركه يقف ووجهه يعطي علامات استفهام وتعجب، لا يدري أهذا يعتبر رداً على سؤاله بالإيجاب؟ .. أم أن هذا لا يعني شيء سوى أنها رفضت الإجابة؟
في مساء ذلك اليوم...
انتهت من تحضير كأس الشاي له وسارت به باتجاه الصالون حيث يجلس أمام التلفاز يشاهد أحد برامج كرة القدم، وقفت أمامه ومدت يدها له بالكأس فتناوله منها وهمس بابتسامة صافية:
_ شكرًا.
ثم عاد بنظره للتلفاز مرة أخرى، لتتنهد هي بعمق وعبوس وتجلس بجواره على الأريكة متمتمة بصوت رقيق:
_ حسن.
أجاب عليها باختصار دون أن يبعد نظره عن شاشة التلفاز:
_ نعم.
يسر بصوت مختنق:
_ هو إنت اتكلمت مع علاء وبابا تاني؟
استعجب سؤالها والأكثر من السؤال هو نبرتها، فالتقط جهاز التحكم واخفض الصوت تمامًا ثم وضع الكأس على سطح الطاولة الصغيرة والقصيرة أمامه، ليتلفت لها برأسه ويقول بحيرة:
_ لا يايسر. اتكلمت مع عمي يوم لما حكيتلك وبعدها كلمت علاء وإنتي عارفة اللي حصل. وهحاول تاني أصلح اللي حصل. بس أصلًا كان متوقع إنهم ميسامحونيش من أول مرة وهما عندهم حق من الأرض للسما لو رفضوا اعتذاري وصدقوا ندمي، لأن أنا لو مكانهم كنت هعمل كدا.
اقتربت منه في جلستها ورفعت كفها لوجنته تملس بإبهامها في رقة على جانب ثغره هامسة في أعين حزينة وراجية:
_ خليني أنا اكلمهم ياحبيبي وافهمهم يمكن الوضع يتحسن بينكم. مش حابة أشوفكم كدا وبسببي أنا.
أبعد يدها عن وجهه في غضب وهتف بصوت أجش وصارم:
_ لا يايسر. ملكيش دعوة ومتتدخليش في حاجة. ثم إني قولتلك قبل كدا إنتي ملكيش ذنب أنا اللي غلطان من البداية.
يسر بانفعال بسيط وعينان تهيمان بالدموع:
_ إنت غلطان فعلًا. بس أنا السبب في كل ده من البداية. أنا اللي كنت بحبك وكنت عايز أوصلك بأي طريقة ومفكرتش في النتائج هتكون إزاي واتصرفت بغباء. لو مكنتش هددتك بصورك وتسجيلاتك مكنتش هتعمل كل ده ومكنتش هتتجوزني. ودلوقتي إنت بتتحمل غلطك وغلطي.
انحنى عليها واحتضن وجهها بين كفيه يجيبها بنظرات ثابتة في عيناها:
_ يعني إنتي ندمانة على اللي عملتيه عشاني؟
انهمرت دموعها وانزلت كفيه من على وجهها لتبتعد عنه قليلًا في جلستها وتشيح بنظرها عنه مغمغمة بصوت مبحوح ونادم:
_ مش عشانك يا حسن. أنا ندمانة على اللي عملته في نفسي وفيك. كنت متوقعة إني لما أعمل كدا هجذب انتباهك ويمكن تحبني بس كانت النتيجة اسوأ مما توقعت. بداية بكذبتنا على أهلي وأهلك ومن بعدها جوازنا وإن أنا اللي كنت بعاني كله ده. واللي حصل بينا من بداية الليلة إياها حتى طلاقنا واللي اتعرضناله. كل ده أنا كنت السبب فيه. كنت عايزاك تحبني بالغصب ومبصيتش على أي حاجة تاني مفكرتش فيك أو في بابا وعلاء وماما لما يعرفوا أو حتى مرات عمي واخواتك.
الحقيقة هي إنك مكنتش أناني وحدك. أنا كنت أنانية أكتر منك ومكنتش بفكر غير في نفسي!
ابتسم بساحرية وعشق وهو يتألمها، يقسم بينه وبين نفسه أنه لم يكن هناك أغبي منه في هذه الحكاية، هو الأحمق الوحيد لأنه لم يدرك قيمة الألماسة التي أهديت إليه إلا بعدما كان على وشك فقدها.
اختلس المسافة التي صنعتها بينهم وقرب شفتيه منها يطبع قبلة على جبهتها هامسًا بغرام شبه مداعبًا بعدما استند بجبهته على خاصتها:
_ بس إنتي طلعتي بفائدة في الآخر وقدرتي توصلي لهدفك السامي وهو قلبي. وللأسف مقدرش أنكر إني معاكي بحس إن مفيش ست في الوجود كله تقدر تملى عيني ولا تسعدني غيرك.
أجهشت باكية تجيبه بأسى:
_ إنت حبيتني فعلًا بس بعد إيه ياحسن؟ كان نفسي نجتمع مع بعض في ظروف أفضل من كدا. نبدأ حياتنا كأي اتنين طبيعين بيتجوزوا من غير كذب وخداع. مش عايزاك تخسر عمك بسببي.
تراجع برأسه للخلف يرمقها بأعين تحمل الريبة والحيرة من كلامها، ثم قال باسمًا بنفاذ صبر:
_ لا بجد أنا ربنا يعيني على هرموناتك دي لغاية ما تولدي والله. أصل إنتي مش طبيعية.
يسر بعصبية:
_ متفضلش كل شوية تقولي هرموناتي. أنا بتكلم بجد!
_ لا إنتي جاية تنكدي عليا يايسر. معرفش إيه اللي جاب موضوع أبوكي واخوكي لموضوعنا احنا. لا وفتحتِ في العياط زي الحنفية. في إيه أنا بني آدم وبيتنكد عليا والله العظيم يايسر زي بقية الرجالة. ليه النكد ده ياحبيبتي! وعمل أقولك في كلام حلو وأبوس فيكي وإني بحبك وشوية وهبوسك من بوقك عشان تفرفشي وإنتي أبدًا. ولو لازم أنكد على أهلك ياحسن. مكنش عيل ده اللي منكد على اللي جابونا من قبل ما يجي!
تمكن بالأخير من إضحاكها حيث أطلقت ضحكة أنوثية مرتفعة وجففت دموعها بأناملها ثم التصقت به وهمست بعبث:
_ أنا مش عارفة مالي ياسنسن والله. بتجيلي لحظات كدا وبفضل أعيط من غير سبب استحملني ياحبيبي معلش.
لوى فمه باختناق وهدر مغلوب على أمره:
_ ما أنا مستحملك أهو. هنعمل إيه بقى نصيبنا. يلا ربنا يقوينا.
عادت تفتح الموضوع من جديد وقالت بإلحاح:
_ طيب مش هتخليني أتكلم معاهم برضوا وأقولهم كل حاجة. أنا حتى لو زعلوا مني هفضل بنتهم ياحسن ومش هيفضلوا زعلانين مني كتير يعني. لكن إنت غير.
مسح على وجهه متأففًا بسخط حقيقي هذه المرة، ثم زغرها بنظرة مميتة وهو يشير بسبابته في عصبية:
_ تاني!!!
اعتدلت في جلستها وقالت بتذمر وخنق بعدما أبدى لها عن بشائر انفجاره:
_ خلاص أهو مش هتكلم نهائي.
أطلق زفيرًا حارًا بعدم حيلة ثم التقط جهاز التحكم الخاص بالتلفاز ورفع مستوى الصوت من جديد ليعود ويستكمل برنامجه وكذلك كوب الشاي.
دقت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، قد أتم التاسع والعشرون من عمره، لكنه ليس معها ليحتفلوا كما اعتادوا. غاب ولم يعد وفي لحظة فارقهم ومن بعده أمها لحقت به، لم تحتمل فراق وحيدها فذهبت له وتركتها هي تتخبط بين طيات الألم والفراق، فبقت بلا حيلة وتبعثرت شتاتها. ولولا أن رحمة ربها عليها عظيمة لكانت الآن بين حبات التراب أسفل الأرض، أو أنها تسير بلا مأوى كالطائر الذي فقد عشه.
انقذها من ظلمات الحزن وضمها لكنفه، ليصبح الأخ والأب والزوج والحبيب، تكفل بجميع أدوار العائلة. حين يستدعي الموقف أن يكون الأخ الحنون يجسد الدور بمهارة، وعندما يتوجب عليه أن يكون بحب الأب لابنته لا يقصر في أفعاله، أيضًا لا شك في أنه الزوج المثالي، يعرف جيدًا متى يغضب ومتى يكون السند والحصن التي تحتمي خلفه، وفوق كل هذا هو أجمل عاشق رأته في حياتها!
تجلس بغرفة مكتبه على الأريكة المقابلة للحائط الذي تملأه صورته هو وأخيها، وعيناها ثابتة على وجه أخيها تتأمله فقط دون أي ردة فعل، فقط تنظر لصورته كالصنم الذي وضع في مكان وعيناه لا تتحرك عن الشيء الذي وضع أمامه.
فتح الباب ببطء شديد ووقف للحظات يحدق في وضعها الغريب، في العادة عندما يجدها تجلس بهذه الغرفة تكون غارقة في بكائها بسبب الصورة، لكن هذه المرة هي ساكنة بشكل عجيب. تحرك نحوها وجلس بجوارها ثم مد يده يعبث بأنامله في خصلات شعرها ويهمس بحنو:
_ شفق!
تمتمت بصوت مريب دون أن تحرك نظرها سنتي واحد عن الصور:
_ النهردا عيد ميلاد سيف.
توقف عن العبث بشعرها ونقل نظره إلى الحائط يحملق في الصورة بشجن لفترة وجيزة ثم عاد بنظره لها وهمهم بأسى:
_ ربنا يرحمه ياحبيبتي.
استكملت حديثها بنفس وضعيتها ونفس لهجتها كأنها داخل عالم خاص بها:
_ زي دلوقتي كل سنة بنكون بنحتفل أنا وماما بعيد ميلاده. مكنتش بعرف أعمل تورتة حلوة أوي فكانت ماما هي اللي بتعملها ليه. وكنت أنا بزين البيت وكنا بنعملها ليه مفاجأة قبل ما يرجع من الشغل بليل. وكل مرة بيتفاجيء بسبب إنه كان بينسي يوم عيد ميلاده أصلًا. بس خلاص بقى مبقيش موجود لا هو ولا ماما. معدتش هسمع صوتهم تاني ولا هشوفهم. مفيش بهدلة ماما ليا وخناقنا أنا وهي على اتفه الأسباب. أنا لغاية دلوقتي مش مصدقة إنهم سابوني وأحيانا كتير ببقى منتظرة إني أروح بيتنا والاقي ماما موجودة فيه وبليل يرجع سيف من الشغل. أو بفضل أبص على التلفون مستنية رقمها يرن عليا عشان تتطمن عليا زي ما اتعودت.
صمتت لثلاث ثواني بالضبط ثم استرسلت حديثها باسمة بألم:
_ كانت بتحبك بشكل مش معقول. لدرجة إنها كانت بتدعيلي وتقولي ربنا يكرمك براجل زي كرم. وأتضح أن مفيش من كرم اتنين فخدته هو ذات نفسه!! تعرف كانت هتفرح أوي بجوازنا لو كانت عايشة.
استقرت في عيناه نظرة مشفقة وشجينة على أميرة قلبه، يستطيع رؤية الوجع والمرار في عيناها، ويلمس الضعف والانكسار في نبرتها. لذلك فهم أن مهما قال من كلام لن يفيد بشيء، هي فقط بحاجة للشعور بالدفء والحنان، تحتاج دومًا للاحتواء، هي في أمس الحاجة لعناق دافئ منه الآن.
لف ذراعه حول كتفيها وضمها لصدره وهو يلثم شعرها بقبلات متتالية ويهمس بالقرب من أذنها في صوت يملك سحرًا خاصًا:
_ عيطي ومتكتميش جواكي ياشفق.
مالت شفتيها قليلًا معبرة عن ابتسامة منطفئة، ثم ابتعدت عنه وهمست بثبات:
_ أنا كويسة متخفش. هما وحشوني بس وكنت بسترجع الذكريات.
كرم بنظرة شك وإهتمام:
_ أكـــيــد؟
هزت بالإيجاب ثم بسطت ذراعيها على الجانب وارتمت عليه تعانقه وتلف كلتا ذراعيها حول رقبته متمتمة برقة:
_ بس أنا محتاجة ده فعلًا.
إنت عيلتي اللي بلجأ ليها في كل أوقاتي.
لف هو الآخر ذراعيه حولها يدمجها بين أضلعه أكثر، ودفن وجهه بين تجويف رقبتها يلثمها بعمق وحميمية هامسًا:
_ وأنا بعشقك.
أطفأت جميع الأنوار الزائدة في المنزل وذهبت إلى غرفتهم، فوجدت الفراش فارغًا منه. عقدت حاجبيها باستغراب، ثم أسرعت إلى الحمام ووضعت أذنها على الباب تترقب لأي صوت يصدر من الداخل يدل على أنه بالحمام، ولكن لا يوجد! أمسكت بالمقبض وأدارته لتدفع الباب للداخل وهي تدور بنظرها في أرجاء الحمام. فيجول برأسها سؤال واحد في هذه اللحظة وهو: "أين ذهب؟".
أسرعت من الغرفة إلى الصالة وكانت على وشك أن تصيح منادية عليه، لكنها تسمرت مكانها حين فتحت الضوء فرأته نائمًا على الأريكة. بقيت مكانها تمعن فيه النظر. بأصبعه المسبحة الإلكترونية وكتاب القرآن الكريم على المنضدة الصغيرة أمام الأريكة، وعلى الجانب الآخر سجادة الصلاة لا تزال على الأرض. يبدو أنه كان يقضي بعض الوقت في العبادة بعد أداء صلاته، وبينما هو يسبح ويذكر الله غلبه النوم! فلمعت عيناها بوميض العشق النقي.
سبحان الذي يهدي عباده ويحول العبد العاصي إلى آخر صالح، يعرف قواعد دينه ويحفظ شرائعه عن ظهر قلب. سبحان الله.. الرحيم والغفور الذي أحن على العبد من أمه، ويهدي من يشاء بغير حساب.
ابتسمت بحب، ثم مدت أناملها إلى الضوء وأغلقته من جديد، ثم سارت في الظلام باتجاهه ووقفت أمامه للحظات تحدق به. بالأخير جلست على حافة الأريكة وتمددت بجسدها بجانبه، تدمج نفسها معه في هذه المساحة الصغيرة وتدفن وجهها بين ثنايا صدره وتلف ذراعها حول خصره معانقة إياه. فتح عيناه شبه مزعورًا عندما أحس بشيء التصق به، لكن صابته الدهشة بعدما وجدها هي، فظل يحلق بها مدهوشًا وهمس:
_ ملاذ!
زادت من حميمية عناقها له، ولم تجب عليه إلا عندما وجدته سيستكمل كلامه، فرفعت رأسها عن صدره وكتمت على شفتيه بسبابتها تمنعه من استرسال حديثه هامسة بعينيه تنضج بالعشق. ورغم الظلام إلا أنه رأى القليل من هذه النظرات ولمسها في نبرتها:
_ أنا عايزاك بس تضمني لحضنك الليلة دي.. إنت وحشتني أوي!
وختمت كلامها بقبلتها الرقيقة على جانب ثغره. كانت قبلة كنسائم الربيع الجميلة التي تمر بلحظة فتترك أثرًا في النفس والجسد يبعث الراحة والسعادة.
مالت شفتيه للجانب في ابتسامة مغرمة وفرحة، ليميل بوجهه عليها ينل منها من القبلات ما استطاع ويتمتم:
_ وإنتي كمان وحشتيني أوي.
ملاذ في رقة وثغر مبتسم:
_ بكرا هتحكيلي كل حاجة حصلت بالتفصيل.. قعدت ليه في بلجيكا ودبــلــتــك فين وحصل إيه بينك وبين إسلام لما قولتله؟ كل ده عايزة أعرفه.. بس مش دلوقتي، لأن دلوقتي أنا عايزة أي حاجة تعكر جمال لحظتنا ولا جمال حضنك اللي اشتقتله.
ضحك وقال مشاكسًا:
_ إنتي لحقتي تلاحظي أن الدبلة مش موجودة!!!
_ طبعًا لاحظت.. إنت أساسًا مكنتش بتقلعها من إيدك ومن ساعة ما رجعت من السفر وأنا مش شيفاها في إيدك ومش بتلبسها!
حك أرنبة أنفه بأنفها هامسًا في حنو:
_ هفهمك كل حاجة بس زي ما قولتي الصبح مش دلوقتي.
ابتسمت باستحياء من لمساته ونظراته وأخفضت رأسها مرة أخرى إلى صدره. فيهمس هو بضيق:
_ طيب إيه مش يلا بينا على سريرنا جوا.. مش معقول هننام على الكنبة اللي متر في متر دي يعني.
_ لا لا أنا مرتاحة كدا ومبسوطة.. إنت مش مرتاح ولا إيه؟
_ لا مرتاح.. أنا قصدي عليكي إنتي!
وجدها تلتصق به أكثر وتهمهم بصوت يبدو عليه الراحة من هذا الوضع وكأن دفء جسدهم معًا بسبب التصاقهم يشعرها بالتلذذ:
_ أنا تمام متقلقش.
أطلق قهقهة رجولية شبه مرتفعة وقال مغلوبًا على أمره:
_ طيب تعالي ادخلي من جوا لتقعي. إحنا مش ناقصين.
وقفت وخرج هو للحافة وترك لها النصف الداخلي فارغًا، فوثبت من فوقه وتمددت لتصبح محاصرة بين جسده الذي يضمها ويحتويها بكل حب وظهر الأريكة الدافئ أيضًا، فتغمض عيناها باسترخاء وتترك نفسها لتغرق في النوم بأقل من دقيقتين!
مع إشراقة شمس يوم جديد يحمل الكثير والكثير......
داخل منزل طاهر العمايري. فتح علاء باب الغرفة ودخل ليجد أمه تجلس مع زوجته وبيدها صينية الطعام. ومعالم وجه كل منهم غريبة وتعطي طاقة سلبية. فيسأل بحيرة:
_ في إيه؟
هتفت ميار بنفاذ صبر وقلة حيلة:
_ ياعلاء اتكلم معاها أبوس إيدك واقنعها. مصممة تخليني أقعد معاها هنا شهور الحمل كلها. ودي المرة التالتة اللي تجبلي الأكل من الصبح وبتغصبني آكل.
كان يظن أن الأمر جادًا، لكن بعد ما سمعه اطمأنت نفسه وضحك ليجيبها وهو ينزع وشاحه عنه:
_ في دي أنا مقدرش أساعدك ياحبيبتي والله.. أصلًا دي فرصة جات لماما عشان تخلينا قاعدين معاها يعني للأسف مش هنعرف نرجع بيتنا. إنتي مشوفتهاش عملت إيه لما عرفت إمبارح إنك حامل؟ حلفت عليا أجيبك وآجي فورًا.
صاحت به أمه مغتاظة:
_ إنت اسكت خالص مسمعش صوتك ياواد.
ضم كل من سبابته وأبهمامه على بعضهما وسحبهما على شفتيه مغلقًا فمه ممتثلًا لأوامرها الصارمة التي ألقتها عليه للتو. واكتفى بالمشاهدة والابتسام وهو يقعد ذراعيه أمام صدره. لتعود أمه بنظراتها المشتعلة إلى ميار وتهتف بغضب:
_ وبعدين فيها إيه يعني ماتقعدوا معانا؟ ولا إنتي بقى مش عايزة تقعدي معايا ياست ميار!!
ميار بلطف ونعومة:
_ مين اللي قال كدا ياماما.. والله بالعكس عايزة أقعد معاكي. بس أنا عارفة إني لو قعدت معاكي مش هترتاحي وهتفضلي بتلفي على رجلك وأنا مش عايزة أتعبك. عشان كدا عايزة أرجع البيت.
زمت شفتيها بحزن وقالت بوجه عابس تستخدم أسلوبًا خاصًا لتستعطفها وتؤثر به عليها:
_ اخص عليكي ياميار. ده بدل ما تقوليلي هقعد معاكي وأونسك ياماما بدل ما أنتي قاعدة وحدك. ده حتى عمك بياخد اليوم كله في الشغل وأنا بفضل في البيت العريض ده كله وحدي زي قرد قطع!
أطالت ميار النظر فيها، ثم خطفت نظرة سريعة على زوجها الذي يقف ويتابع بصمت، لتعود وتقول بحب وحنو:
_ خلاص متزعليش هنقعد معاكي. بس بالله عليكي متتعبي نفسك وتفضلي طالعة نازلة كل شوية. مرة بأكل ومرة عصير ومرة فواكه ومرة معرفش إيه!
اختفى العبوس من على محياها وتهللت أساريرها لتهتف بحماس:
_ حاضر بس كلي الأكل اللي جبتهولك ده يلا.
تأففت بصوت عالي ونظرت إلى علاء تهتف بتذمر وخنق:
_ اووووف بص ياعلاء. عايزاني آكل بالغصب.
صفعتها على ذراعها في عنف بسيط لتضم ميار بذراعها فورًا وتصدر تأوهًا متألمًا من أثر الصفعة التي تلقتها منها. وتهتف زوجة عمها بضجر من عنادها:
_ بلاش عند يابت.. متبقييش هبلة هو الأكل ده ليا!! ماهو لازم تتغذي يا ناصحة.
ميار بغيظ وتمرد على تعليماتها:
_ في فرق بين إني أتغذى وإني أتكبس. إنتي من إمبارح بتكبسي فيا بالأكل حرام عليكي ياماما.
لم تتمالك نفسها وانفجرت ضاحكة على كلماتها، لكن سرعان ما تمالكت الموقف وعادت لحزمها وهي تقف وتقول بتحذير:
_ طيب أنا همشي ونص ساعة وهرجعلك. لو لقيت الأكل زي ما هو إنتي حرة ياميار!
ثم اندفعت إلى الخارج، وأثناء مرورها من جانب ابنها هتفت بحدة:
_ خليها تاكل.
أشار بسبابته إلى عينيه وهو يبتسم، وبمجرد رحيلها بدأ في فك أزرار قميصه عنه وقال وهو ينظر لها بشيء من الحزم المماثل لأمه محاولًا إخفاء ابتسامته:
_ كُلي يلا أحسلك. أظن سمعتي الأوامر عشان لو رجعت ولقتك مكلتيش مش هيحصل كويس صدقيني.. دي أمي وأنا حافظها. طالما قالت إنتي حرة يبقى هتحصل كوارث لو معملتيش اللي هي عايزاه.
أصدرت زفيرًا حارًا بعدم حيلة ورمقته بنظرة نارية قبل أن تُقبل على الطعام وتبدأ في الأكل ثم تهتف شبه راجية:
_ طيب ماتيجي تاكل معايا ياعلاء وتساعدني ابوس إيدك.
خرجت منه ضحكة رجولية جلجلت الغرفة، ثم أجابها برفض متعمد وبرود:
_ مش جعان. ويلا كُلي من غير كلام كتير عشان وقتك بيمر والنص ساعة قربت تخلص.
تنهدت بيأس وأكملت طعامها بعدما لم تجد طريقة للهروب من تعليمات زوجة عمها الصارمة.
داخل غرفة المدير العام لشركة عائلة العمايري (زين). بينما كان جالسًا على مقعده أمام المكتب ويطلع على بعض الأوراق الخاصة بالعمل. قطع تركيزه صوت طرق الباب ليجيب وعينه لا تزال على الورق يحاول لملمة شتات تركيزه:
_ ادخل.
انفتح الباب وظهر من خلفه إسلام الذي دخل وأغلقه خلفه. فيرفع زين نظره بعدم توقع أبدًا أن الطارق سيكون هو. حيث بمجرد ما وقعت عيناه عليه هتف بدهشة:
_ إسلام!
استقام واقفًا وهو يرحب به بابتسامة عذبة ولكن محرجة:
_ أهلا وسهلًا. اتفضل اقعد.
سار إسلام بتاجه مكتبه ثم جلس على المقعد المقابل له وتنهد بعمق قبل أن يهتف مبتسمًا:
_ أنا جاي أتكلم معاك شوية.
ضيق زين عيناه بريبة وفضول بنفس اللحظة. هو أساسًا مندهش من زيارته غير المتوقعة. وكان ينوي أن يحاول التحدث معه مرة ثانية ويصلح الخلاف الذي حدث بينهم بسبب الحادث. وكان يظنه غاضبًا منه حتى الآن ولا يريد رؤيته!
انتصب إسلام في جلسته وأخرج زفيرًا حارًا وطويلًا، ثم رسم الابتسامة الصافية والنقية على شفتيه قبل أن يستكمل حديثه كالآتي:
_ أنا جايلك عشان أقولك أن اطمن. أنا مش شايل منك ولا مضايق ولا أي حاجة. يمكن لما قولتلي في بلجيكا وقتها اتعصبت لأن كانت صدمة الصراحة ومتخيلتش أبدًا إنك تكون إنت صاحب العربية دي وأن إنت اللي كنت سايقها. بس بعدين لما فكرت في كلامك واللي حكيتلي حسيت إن إنت كمان كنت ضحية في اللي حصلك واللي وصلك للحالة دي. وفي الأول والآخر ده قضاء وقدر وكان مكتوبلي يحصل معايا كدا.
الحمدلله على كل شيء. ومش هنسى كمان إنك زي ما كنت السبب في اللي حصل، إنك كنت سبب بعد ربنا في إني أرجع أمشي تاني على رجلي. بس كان المفروض تقولي يا زين من قبل العملية ومن أول ما عرفت.
أجاب زين بيأس:
_ لو كنت قلت لك قبل ما أعمل العملية، كنت هترفض مساعدتي ومش هتعملها. عشان كده استنيت بعد ما تمت الحمدلله وقولت لك.
إسلام ضاحكًا بخفة:
_ أنا من الأساس كنت رافض مساعدتك أصلًا وقولت لك إن المبلغ اللي هتدفعه هسدده لك. ومازلت عند كلامي.
تمتم زين برزانة ووجه مهموم:
_ كنت ممكن آخدها منك لو ما كنتش أنا السبب في وضعك. بس صدقني مش هقدر آخدها. اعتبرها جزء من واجبي اللي معملتهوش لما خبطتك بالعربية.
فهم مقصده جيدًا، فز رأسه بإيماءة بسيطة متفهمًا شعوره بالذنب. ليقول مداعبًا وهو يبتسم:
_ خلاص اللي فات مات. وأنا هعتبر إني معرفتش حاجة وهنسى الموضوع نهائي. وإنت كمان انساه وكأن محصلش حاجة.
أجابه متنهدًا بعبوس وأسى:
_ هحاول أنسى مع إن الموضوع مش بإيدي. ولأني مش بحمل نفسي الذنب في اللي حصل لك إنت بس. لأ ده في حاجات كتير تاني غيرك. كنت شبه سبب فيها للأسف.
استقام إسلام واقفًا والتقط سماعة الهاتف الأرضي المتصل بالسكرتيرة، خارجًا وهو يهدر بجدية واهتمام:
_ طيب بقول لك إيه؟ ما تسيب الشغل ده شوية. وهنقعد نتكلم واحنا بنشرب كوبايتين قهوة. وتحكي لي الحاجات دي على رواق يا معلم.
لم يجبه واكتفى بالابتسام المرير مستسلمًا للأمر الواقع. ليضع إسلام السماعة على أذنه ويطلب القهوة لكلاهما.
***
تجلس على الأريكة أمام شاشة التلفاز وبيدها صحن ممتلئ بالفشار. كلما تلقت بواحدة في فمها، تضع يدها في الصحن وتلتقط بالأخرى لتلقيها خلفها أيضًا. وعينيها تارة على التلفاز، وتارة على ساعة الحائط التي فوقه تتفقد الساعة التي تجاوزت الحادية عشر قبل منتصف الليل ولم يعد حتى الآن.
أخيرًا وصل. انفتح الباب ودخل. ثم بدأ في نزع حذائه عنه، رامقًا إياها بطرف نظره وهو يهمس:
_ السلام عليكم.
تركت الصحن من يدها وهبت واقفة لتتحرك نحوه، وهي تسأله بحيرة:
_ عليكم السلام. ليه اتأخرت كده يا زين؟
_ إسلام كان معايا الصبح. وبعد ما مشي كملت الشغل اللي ورايا عشان كده اتأخرت.
رفعت حاجبيها بصدمة من رده لتهتف بقلق:
_ كان معاك ليه؟ أقصد يعني قال لك إيه؟
انتهي من نزع حذائه وسار نحو غرفتهم، وهي تلحق به مسرعة لتصغي إليه، وهو يجيب عليها ببساطة:
_ ولا حاجة. جه واتكلمنا شوية. وقال لي إنه مش مضايق مني وخلاص اللي فات عدى وخلص.
انفرجت شفتاها لتكشف عن ضحكة صامتة، وهي تجيبه بفرحة:
_ بجد؟ والله ما كنت متوقعة أبدًا إنه إسلام هينسى بسهولة كده ويصفالك تاني بالسرعة دي. بس ده دليل إنك بيعزك فعلًا زي ما كان بيقول لي.
حدجها باستغراب وأعاد عليها آخر كلماتها بعدم فهم:
_ بيقول لي؟
_ أيوه. كان دايمًا بيقول لي إنه بيعتبرك أخ وصديق.
ابتسم بعذوبة وقال بلطف وهو يفك أزرار قميصه:
_ الشغل كان له الفضل في إنه يكون صداقة ما بينا. الحمدلله أنا حسيت بأن هم وانزاح من على قلبي لما جه وقالي الكلام ده.
رفعت كفها وملست على ذقنه بأناملها هامسة في حنو وسعادة:
_ الحمدلله يا حبيبي إنه مابقاش في زعل ولا خصام بينكم. وربنا يبعد المشاكل عننا.
_ آمين. أنا هدخل آخد دش سريع.
_ طيب تحب أحضر لك العشا لغاية ما تطلع؟
غمغم وهو يسير باتجاه الحمام:
_ لا. مش جعان.
ظلت في الغرفة ساكنة على الفراش في انتظار خروجه حتى تطرح عليه نفس السؤال الذي يثير فضولها منذ عودته، وبالأخص بعد الذي رأته في خزانته.
دقائق معدودة وخرج من الحمام. فاستقامت واقفة واقتربت منه لتقف أمامه، تعتري طريقه بوجه جامد وسرعان ما تحول للرقة، وهي ترفع كلتا ذراعيها وتلفهم حول رقبته متمتمة بدلال:
_ مش هتقول لي برضه دبلتك فين؟
زين ضاحكًا:
_ إنتي مش بتنسي خالص!
هزت رأسها بالنفي مع ابتسامة عريضة وقالت بتصنع البراءة:
_ أصل أنا شفت حاجة كده في دولابك والفضول هيقتلني وأعرف جايبها ليه.
أجابها بدهشة بسيطة ونظرة قوية:
_ إنتي بتفتشي في دولابي يا ملاذ؟
هتفت فورًا تنفي إجابته بلطافة وعفوية مزيفين:
_ لا والله أبدًا. ده أنا كنت برتب هدومك بس ولقيته بالصدفة.
أزاحها من طريقه ليمر وهتف بضيق مصطنع:
_ واقول لك ليه بقى ما خلاص سيادتك عرفتي وبوظتي المفاجأة!
زمت شفتيها للأمام وقالت بعبث طفولي:
_ لا مبوظتش ولا حاجة. أنا أصلًا معرفتش حاجة. فقول وأنا هندهش متخافش يعني اطمن.
سطع سمعها صوت كركرته الرجولية لتبتسم بتلقائية على ضحكه. ثم تراه يتجه نحو الخزانة ويفتحها ليمد يده بمكان معين أسفل الملابس ويخرج نفس العلبتين الصغيرتين.
استدار لها بجسده كاملًا واقترب بخطواته منها حتى وقف مباشرة أمامها وتمتم بخفوت جميل:
_ الدبلة بتاعت جوازنا أنا حرقتها.
رأى علامات الذهول على محياها التي امتزجت بعدم الاستيعاب والفهم. ليستكمل كلامه في لهجة دافئة وعاطفية:
_ حرقتها ليه؟ لأني عايز نبدأ بداية جديدة تمامًا من غير أي كذب أو أي أسرار. والدبلة دي بدأنا بيها حياتنا وللأسف كل واحد فينا كان مخبي عن التاني أسرار. لكن دلوقتي هنفتح صفحة جديدة تمامًا وإن شاء الله ربنا هيباركلنا في حياتنا وذريتنا. هاتي إيدك.
مدت كفها له وهي تحدجه بعينان لامعة ووجه مشرق بالابتسامة الساحرة. رأته يمسك بخاتم زواجهم الذي في أصبعها ويخرجه ثم يلقيه على الأرض. ويفتح العلبة ليخرج منه خاتم رائع وراقي جدًا يليق بذوقه الفخم. ثم وضعه في نفس الأصبع الذي أخرج منه الخاتم. لتهتف هي بفرحة بما يفعله من أجلهم وأجلها:
_ جميل أوي يا زينو. ربنا يخليك ليا وميبعدناش عن بعض أبدًا.
جذبها لأحضانه متمتمًا بحب:
_ اللهم آمين يا قلب زينو.
تعلقت برقبته وخرج همسها مستحي قليلًا حاملًا الحماس والسعادة الغامرة:
_ وإنت كمان ليك عندي مفاجأة هتفرحك أوي.
ارتاحت عضلات يده على ظهرها بعدما عقد حاجبيه بتساؤل عن هذه المفاجأة. ابتعدت قليلًا عنه واطالت النظر فيه وهي تبتسم باستحياء يذيب القلب. فجعله يمعن النظر فيها وفي استحياءها متعجبًا. وأخيرًا بعد تقريبًا دقيقة من التحديق فيها، فهم نظراتها ففغر فمه بصدمة واستطرد بعدم تصديق:
_ أوعي تقولي إنه اللي في بالي؟
هزت رأسها بالإيجاب تؤكد له شكوكه. فسرعان ما ارتفعت الضحكة لشفتيه وأضاءت عيناه ببريق مذهل. تستحوذ عليه حالة من الفرحة الغامرة التي أيقظت بداخله طاقة حماسية رهيبة. حيث عاد يجذبها إلى صدره من جديد ولكن بقوة أكثر من السابقة هاتفًا بسعادة:
_ تعالي! إنتي بعدتي عني ليه؟ اللهم لك الحمد والشكر يا رب. ربنا يجعله من ذريتنا الصالحة يا رب ويتمم حملك على خير يا حبيبتي.
_ آمين يا رب.
ظلت بين ذراعيه للحظات طويلة وهي تستمتع بدفء صدره الذي يدخل السكينة والراحة على قلبها. هو رفيق دربها. رغم أنهم تخطوا العديد من العواقب التي هددت بهدم عشهم وإنهاء حبهم، ولكنهم تمسكوا بضرب العشق المميز الذي جمعهم وهو (الإخلاص).
***
بعد مرور ثلاثة أسابيع.
مر حتى الآن خمس دقائق ولم تخرج من الحمام بعد. وكرم بالخارج يجلس على الأريكة ينتظرها على أحر من الجمر ويدعو الله بأن شكوكهم تكون صحيحة وأنه سيرزق بطفل قريبًا.
لحظات مرت والساعات وهو بانتظارها حتى خرجت أخيرًا. فهب واقفًا وهرول نحوها يسألها بتلهف:
_ حمل مش كده؟
بقيت تحدق به في أعين عابسة وعلامات وجه جامدة لا تظهر أبدًا أنها تحمل له بشرى سارة. مما تسببت بعبوسه هو أيضًا بعدما ظن أن النتيجة كانت سلبية. لكنه قطب حاجبيه بتعجب حين وجدها تلقي نظرة على اختبار الحمل وتعود بعينيها له وتطلق على شفتيها الابتسامة العريضة وتهتف بفرحة تؤكد سؤاله:
_ أيوه حمل.
لم يكن حاله أفضل منها بل وكأنه حلق في السماء عاليًا بعد هذا الخبر. لطالما كان ينتظر الطفل ويتمنى أن يرزق به في أقرب وقت وربه استجاب لدعوته الآن.
أغار عليها، يلثم كل شبر في وجهها ويلتقط كفيها ليطبع على ظاهرهم قبلات متعددة وعميقة. ثم جذبها لصدره وهو مستمر في تقبيلها وكأنه لم يجد سبيلًا للتعبير عن فرحته سوى بتقبيلها. أصدرت هي ضحكة أنوثية مرتفعة وقالت من بين ضحكها:
_ براحة يا كرم اهدى في إيه؟ خلينا نتأكد من الدكتور الأول برضه.
تقوس وجهه بيأس وهتف متعجبًا:
_ ليه؟ هو الاختبار ده مش بيدي نتيجة أكيدة يعني ولا إيه؟
زم شفتيها وقالت بنبرة عابثة:
_ أعتقد أيوه. بس في الغالب بيكون صح. يعني استعد عشان قريب أوي هتكون أحلى وأحن بابا في الدنيا يا كوكو.
_ لا أنا فرحان أوي بجد. تعالي أما أبوسك تاني.
أمسك بوجهها وانحنى عليها يقبل وجنتها بقوة أو بالمعنى الأدق يتلهمها. فتهتف هي ضاحكة بصوت مرتفع:
_ كفاااااية يا كرم حرام عليك. خدي ورم.
أجابها وهو يبادلها الضحك:
_ لا عودي نفسك عشان من النهاردة هتاخد لك كل يوم عشرة عشرين بوسة زي دول.
_ دي مكافأة نهاية الخدمة يعني ولا إيه؟
قالتها بضحك. ليهتف هو بنظرات مستنكرة ردها ويجيبها بمكر:
_ نهاية إيه؟ الخدمة دي مطولة أوي لسا. معانا العمر كله يا أميرتي إن شاء الله!
رفعت نفسها لمستواه وطبعت قبلة رقيقة على وجنته وهي تحدجه بابتسامتها البريئة كوجهها تمامًا.
القدر جمعهم معًا وربطهم ببعضهم البعض لينشأ بينهم أفضل ضروب العشق بين العشاق على الإطلاق.
في المساء بتمام الساعة السابعة مساءً...
كان يقف أمام المرآة ويجهز نفسه للخروج. لم ينتبه لتلك التي تسربت ووقفت خلفه مباشرة وهمست بصوت يشبه فحيح الأفعى وبه لهجة غريبة:
_ رايح فين ياحسن دلوقتي؟
التفت لها برأسه وقال ساخرًا من سؤالها:
_ رايح اتجوز، تحبي تاجي تحضري الفرح.
ابتسمت على رده السخيف وقالت تستكمل مزحته:
_ وماله اروح، مروحش ليه.
ضحك بصمت في نفاذ صبر ثم عاد برأسه للمرآة وأكمل تجهيزه، بينما هي فتحدثت بجدية هذه المرة وفضول امتزج بالاستغراب:
_ لا بجد رايح فين؟
_ رايح عند ماما.. هنتعشي معاها ونقعد شوية أنا وكرم وزين هناك.
هزت رأسها بإيماءة بسيطة بعدما عرفت سبب خروجه وقالت بحنو:
_ طيب متتأخرش عليا هااا.
حسن بابتسامة محبة ودافئة:
_ حاضر مش متأخر إن شاء الله.
استدارت وهمت بالانصراف، لكنها أحست بألم بسيط اجتاحها في بطنها. فوقفت وانحنت بظهرها للأمام قليلًا مستندة على الحائط بكف والآخر تضعه على بطنها. التفت ناحيتها بجسده كاملًا وامسك بها فورًا هاتفًا بخوف:
_ في إيه يايسر مالك؟
تلاشت علامات الألم من على محياها تدريجيًا وظهرت على شفتيها ابتسامة سعيدة، بعدما أدركت أنها حركة طفلها الأولى. ضيق هو عيناه بحيرة لتنظر له بعينان لامعة ووجه مشرق، ثم تلتقط كفه وتضعه على بطنها خصيصًا فوق المنطقة التي تشعر بحركته فيها.
شعوره بتلك اللحظة لا يمكن وصفه. فقط أحس بأن قلبه ينبض بقوة. والإبتسامة تعلو لشفتيه تدريجيًا دون أن يشعر بها. فقد زاد احساس الأبوة في أعماقه وأصبح يتحرق شوقًا لرؤية طفله.
ظل واضعًا كفه وهو يحدق على بطنها بعين تطلق شعاع مبهج إلى أن توقف الطفل عن الحركة. فرفع نظره ليثبته على زوجته التي كانت في عيناها لمعة أشبه بدموع. انحنى عليها وخطف قبلة عميقة ثم جذبها إلى صدره متمتمًا بصوت مبحوح ونادم:
_ أنا لو فضلت اشكرك طول حياتي مش هيكفي. شكرًا لأنك حافظتي على ابننا ولأنك معملتيش اللي طلبته. قد إيه أنا كنت غبي، وكنت عايز أحرم نفسي من أجمل شعور في الدنيا. أنا دلوقتي بس حسيت قد إيه أنا مستني ابني عشان اشوفه واشيله في حضني واشم ريحته. لو أنا دلوقتي مبسوط وابننا بخير فإنتي السبب في ده. شكرًا يايسر، شكرًا.
انهمرت دموعها على وجنتيها وهمهمت بصوت يغلبه البكاء ونبرة عاشقة:
_ زي ما أنا مقدرتش أذيك رغم كل اللي حصل بينا واللي عملته معايا، مقدرتش كمان أذي القطعة اللي جوايا منك. حسيت إني لو أذيته كأني بأذيك أنت. عشان كدا مقدرتش أنزله!
ابتعد خطوة للخلف عنها واحتضن وجهها بين كفيه ثم استند بجبهته عليها وخرج صوته به بحة متألمة وعيناه على وشك أن تذرف الدموع:
_ سامحيني يايسر.
رفعت شفتيها إلى عيناه وقبلت جفونه هامسة بغرام:
_ مسمحاك ياحبيبي. مسمحاك لأن بنسبالي كل ده ماضي وأهم شيء هو إنك معايا دلوقتي وأي حاجة تاني متهمنيش.
ليس هناك كلمات ستتمكن من التعبير عن شعوره. ومهما قال فهو قليل عليها. فقط انصاع خلف قلبه ودوافعه ليأخذها معه في رحلة قصيرة جدًا من عشقهم، مستخدمًا الفعل في الرد بدلًا من الكلام!
داخل منزل محمد العمايري...
كان كل من زين وكرم يجلسون بالصالون ويحتسون المشروب الدافئ الذي أعدته لهم والدتهم ويتبادلون الأحاديث. انضمت إليهم هدى ومن بعدها رفيف التي سألت باستغراب:
_ هو حسن مش جاي ولا إيه؟
أجابها زين بنبرة عادية:
_ اتصلنا بيه وقال جاي في الطريق.
نهضت هدى من مقعدها وذهبت لتجلس بجوار زين هامسة بنبرة مهتمة:
_ طمني ملاذ عاملة إيه. مش قولتي إنها تعبت أوي من يومين بسبب الحمل؟
ابتسم لها بعذوبة وتمتم:
_ كويسة الحمدلله ياماما. روحنا للدكتور وطمنا وقال مفيش حاجة الحمدلله، هو شوية إجهاد بس وقالها ترتاح في السرير. ومن وقتها خليتها تروح تقعد عند مامتها لغاية ما الجنين يثبت وتبقى كويسة.
_ وإنت قاعد وحدك في البيت؟
هز رأسه بالإيجاب في نظرات متهربة من ردها القادم والذي يتوقعه، حيث بالفعل هتفت معاتبة إياه بغضب:
_ اخص عليك يازين، يعني طالما مراتك مش قاعدة في البيت متجيش تقعد معانا ليه.
غمغم محاولًا التبرير عن نفسه:
_ مش هتفرق ياماما، هنا بيتي وهناك بيتي برضوا.
هدى بغضب وضيق:
_ ما أنت عارف إنك واحشني إنت وأخواتك، ومن وقت ما اتجوزتوا والبيت فضي عليا أنا وأختك. وحتي هي كلها كام شهر وتمشي كمان.
غمز لها كرم بخبث وهو يضحك بساحرية متمتمًا:
_ إيه رأيك أجي أنا وأقعد معاكي يادودو.
أشرق وجهها بفرحة غامرة وهي تسأله بسعادة تتأكد مما قاله:
_ يعني هتجيب شفق وتاجوا تقعدوا معايا؟
أماء بالإيجاب فلمعت عيناها بالفرحة ونظرت لزين لتضربه على كتفه وهي تلوى فمها بسخرية وتقول موجهة حديثها له وعيناها ثابتة على كرم:
_ ابني حبيبي اللي دايما جابر بخاطري ومفرحني، مش زي ناس.
فغر زين فمه منذهلًا لينقل نظره بينهم جميعًا ويهتف بضحكة مستنكرة ناظرًا لها:
_ إيه ده مرة واحدة كدا.
ثم نقل عيناه إلى أخيه ليقول ضاحكًا وهو يهنئه:
_ حلال عليك ياعم.
انطلقت منهم جميعًا ضحكة عالية ليقتحم عليهم جلستهم حسن الذي فتح الباب ودخل ثم قال باسمًا وهو يجول بنظره بينهم:
_ السلام عليكم.
رد الجميع السلام ثم هتف زين مشاكسًا وهو يضحك:
_ تعالي تعالي، فاتك نص عمرك كان في جدال بينا وبين الست الوالدة وكرم باشا كسب رضاها في الآخر.
أغلق الباب وسار نحوهم يكمل مزاح أخيه الأكبر ضاحكًا:
_ وإيه الجديد يعني؟ ماهو دايمًا كدا من صغرنا بيعرف يكسب رضاها بالحركات بتاعته المعروفة.
هتف كرم وهو يضحك يشاركهم الضحك:
_ والله مش مشكلتي إذا كنتوا لغاية دلوقتي مش عارفين تفهموا امكم كويس.
جلس حسن بجواره واستند يساعده على كتفه هامسًا بابتسامة عريضة:
_ طاب ماتفهمنا إنت يامعلم، يمكن نعرف نعمل زيك.
همس كرم لحسن بصوت غير مسموع وهو يضحك:
_ مش دلوقتي لتطردنا كلنا. خلينا نمشي ليلتنا على خير ونتعشي بدل ما نروح جعانين.
انفجر حسن ضاحكًا بقوة وهز سبابته مؤكدًا على ما قاله أخيه وتمتم بتأييد لرأيه:
_ لا في دي عندك حق. ده أنا جاي مخصوص عشان العشا.
هدى بعينان تحمل علامات الاستفهام وبلهجة حازمة:
_ بتتوشوشو في إيه ياواد إنت وهو؟
قال كرم مسرعًا مبتسمًا بلطافة:
_ ولا حاجة ياست الكل، ده كان بيسألني هتعمليلنا إيه في العشا لأحسن أكلك وحشنا أوي ومن بدري مأكلناش أكل حلو زي أكلك.
_ ياسلام. ما كل واحد فيكم معاه مراته وماشاء الله على أكل كل واحدة فيهم.
_ إنتي الأصل. وبعدين هو في أكل يعلى على أكلك برضوا يادودو!!
حرك زين بسبابته في شكل دائري هادرًا بضحكة بسيطة:
_ أيوة استمر استمر عشان نتعشي عشوة حلوة كدا بسببك.
تشدقت رفيف بضحكة عالية تشارك إخوتها في الضحك:
_ بيثبتوكي ياماما وإنتي سكتالهم.
أجابت عليه هدى وهي تبتسم بلؤم:
_ سبيهم سبيهم، في الآخر هيتعشوا جبنة وبيض.
صاح حسن مصدومًا:
_ نعم. لا احنا متفقناش على كدا ياست الكل. احنا جايين نتعشى عشا معتبر مش نواشف.
هتفت هدى صائحة بغضب مزيف كاتمة ابتسامتها:
_ يعني إنتوا جايين عشان تتعشوا مش تقعدوا معايا. طيب قوموا يلا كدا كل واحد يروح على بيته.
تكزه كرم في كتفه بقوة هامسًا بعيظ:
_ يابني قولتلك هنطرد. عاجبك كدا. اسكت خالص متتكلمش إنت.
تدخل زين ليهدر بنعومة وحب مستخدمًا أسلوبًا خاصًا وجديدًا عليه:
_ ونهون عليكي برضوا! بعدين ملكيش دعوة بحسن هو مفجوع علطول كدا. وأي حاجة هتعمليها هتبقى زي العسل يكفي إنها من إيدك.
همس كرم لحسن ضاحكًا:
_ شوفت أهو طلع اذكى منك واتعلم بسرعة!
_ ياعم اسكت بقى بلا اتعلم بلا نيلة، أنا جعان بجد!!
انفجر الجميع ضاحكًا بعد رده فيما عدا هو الذي كان ينقل نظره بينهم واحدًا واحدًا وهو يبتسم فقط.
مع مرور الأيام والشهور التي تقريبًا وصلت لخمسة أشهر.. اليوم تحتفل العائلة بحفل زفاف ابنتها الصغرى. تستحوذ على الجميع طاقة إيجابية وسعادة غامرة.
ملتفة العائلة بأكملها حول طاولة ضخمة وكبيرة داخل قاعة الزفاف ويتابعون الحفل تارة يتحدثون ويداعب كل منهم الآخر بمزحات فيتبادلوا الضحك.
أما رفيف فكانت تجلس بجوار زوجها وتجول بنظرها بين الكل. مما زاد من توترها فالجميع يحدقون بهم وبالأخص هي. سمعت همس إسلام في أذنها وهو يسألها بقلق بعدما رأى ملامح وجهها المنكمشة:
_ رفيف مالك ياحبيبتي؟
نظرت له وقالت بابتسامة مرتبكة وخجلة:
_ مفيش. اتكسفت واتوترت شوية بس. أصل الكل بيبص عليا وأنا مبحبش أكون محل أنظار الناس بتوتر.
رأت في عيناه نظرة جريئة تراها لأول مرة وهو يغمز بلؤم متمتمًا:
_ تحبي نروح بيتنا ونسيبهم هما مع نفسهم.
اتسع بؤبؤي عيناها ورمقته باضطراب أشد من السابق. فكان ردها بهز رأسها بالنفي دون أن تتفوه ببنت شفة. مما جعله يضحك بصوت عالٍ لكنه لم يسمعه أحد سواها بسبب الموسيقى الصاخبة. انحنى على أذنها مرة أخرى وهدر بنبرة ملحة:
_ على فكرة أنا مش بهزر..
أنا فعلًا عايز نمشي زهقت ومش قادر أستنى اللحظة اللي نكون فيها وحدينا.
نظرتها أُجفلت أرضًا وهي تبتسم باستحياء وتقول بارتباك:
_ عيب كده والله يا إسلام واحنا قدام الكل!
انتصب في جلسته وغمز لها بطرف عينه هامسًا بابتسامة أخجلتها أكثر:
_ لسه العيب جاي في الطريق.
بينما على طاولة العائلة تمتمت هدى بعينين دامعتين:
_ ما شاء الله عليهم.. يا حبيبتي ربنا يسعدهم يا رب.
ردت عليها ملاذ التي كانت بالقرب منها وسمعتها جيدًا:
_ آمين يا طنط.
مال زين على زوجته وهمس في أذنها بصوت غليظ وعيناه معلقتان على إسلام:
_ أخوكي مش عايز يتلم قدامنا، شكلي هقوم أظبطه كويس.
كركرت بقوة وهمست في أذنه بدورها وهي تضحك:
_ إنت غيران على اختك ولا إيه!
رمقها بنظرة ثاقبة ومريبة دون أن يجيب، مما أكد لها كلامها. فمدت يدها من أسفل الطاولة وأمسكت بكفه وهي تتمتم بضحك:
_ شكلك بيبقى فظيع وإنت غيران.
حدجها مستنكرًا، ولكن سرعان ما ارتفعت الابتسامة لشفتيه.
على الناحية الأخرى من الطاولة هتفت يسر بخنق:
_ الدنيا حر قوي يا حسن.
رد بمداعبة ساخرًا منها:
_ لازم تحسي الدنيا حر، ما إنتي بقيتي شبه الكورة الكفر.
شهقت بصدمة وقرصته في ذراعه دون أن يلاحظ أحد، وهتفت جازة على أسنانها متوعدة له:
_ ماشي يا حسن، لما نروح البيت هوريك الكورة الكفر دي هتعمل إيه.. ده بدل ما تقولي ربنا يقويكي يا حبيبتي لغاية يوم الولادة بتتريق عليا!
التقط كفها ومال على أذنها يهمس بحب ودفء:
_ ربنا يقويكي يا روحي ويقومك بالسلامة، وسيادة الباشا اللي تعبني أنا شخصيًا معاكي ياجي بصحة وسلامة هو كمان.
تمكن من امتصاص غضبها في لحظة، حيث أسعدتها الكلمات وجاهدت في إخفاء ابتسامتها مجيبة عليه بقسمات مستحية:
_ آمين.
علقت شفق عيناها عليه وهي تتأمل وسامته بإعجاب. لا تزال الذكرى عالقة بذهنها عندما رأته بهذه الملابس أول مرة. كانت في حفل زفاف حسن، وتتذكر جيدًا عندما انبهرت به وبوسامته في ذلك الوقت. والآن هو يبهرها أكثر من السابق.
انتبه هو لها فانحرف بنظره ناحيتها وغضن حاجبيه يسألها بحيرة:
_ في إيه!
تمتمت في صوت خافت لم يسمعه سواه:
_ البالطو ده شكله جميل قوي عليك.
_ يعني بتبصي عليا عشان كده!
هزت رأسها بالنفي، ثم اقتربت من أذنه وهمست برقة وعاطفة جياشة:
_ تؤتؤ.. أصل أول مرة شوفتك بالطقم ده كان في فرح حسن، ووقتها كنت ببصلك كده برضه، وفي كل مرة بشوفك بيه بتبهرني.. يا إما إنت اللي بتحلو، يا إما أنا اللي بتحلو في عيني أكتر مع الأيام.
قهقه بخفة وهمس بعشق جارف غامزًا بعينيه لها دون أن يلاحظهم أحد:
_ عيون حبيبتي اللي حلوة عشان كده بتشوفني حلو.
اقترب منهم المصور الخاص في الزفاف ووقف أمام طاولتهم يطلب منهم أن يأخذوا وضعية مناسبة حتى يلتقط لهم صورة عائلية للذكرى. نهضوا جميعهم وجعلوا هدى تجلس في النص وحاوطها من الجانبين كل من كرم وزين، وجلس بجوار كل واحد منهم زوجته، بينما يسر وحسن فوقفا خلف هدى. ليلتقط لهم المصور صورة على هذا الوضع العائلي الدافئ.
ضروب العشق لا تنحصر فقط بين العشاق. هناك عشق الابن لأمه، والأم لابنها، وعلاقة الأب وابنه، وحب الجار لجاره، والعلاقة بين الأخوة التي كلها محبة ودفء، والحب بين الأصدقاء، الخ الخ. فحياتنا كلها قائمة على الحب وبدونه لا نستطيع العيش. وأخيرًا هناك أسمى علاقة وأسمى حب وهو علاقة العبد بربه.