تحميل رواية ضروب العشق بقلم ندى محمود توفيق pdf
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هناك بعض الأقاويل التي تصف العشق على أنه "ثقة". ولكن في حال انقشعت الثقة وانحلّت الخيانة والغدر والكذب محلها، فسينقشع معها مفهوم العشق على أنه ثقة، ويصبح يمثل بالنسبة لهم ما هو إلا تلاعب بالمشاعر كدمية على مسرح يحركها صانعها كما يشاء. فتذوق طعم الغدر يماثل السم الذي لا تشعر بمذاقه حين يقدم لك في صحن طعام شهي، ولكنه يسري في جسدك وأعضائك فيدمرها ويجعل نهايتك الموت. "ملاذ" كانت كامنة في مضجعها تضم ساقيها إلى صدرها، تحملق أمامها في اللاشيء بشرود. وكل دقيقة تسترجع لحظة اكتشافها لخيانته القذرة، وكيف أ...
رواية ضروب العشق الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى محمود توفيق
كان يقود سيارته في طريق عودته للمنزل وجذب انتباهه صوت هاتفه الهزاز ليلتقطه وينظر للشاشة فيغضن حاجبيه باستغراب من اتصالها في هذا الوقت المتأخر. وفورًا أجاب بدون تفكير بعد أن أصابه القلق من أن يكون حدث شيء معها.
أتاه صوتها الباكي والمرتجف:
"كرم الحقني، دخل عليا البيت وبيدور عليا وأنا مستخبية في أوضتي."
هتف بزعر وقلق أشد:
"دخل إزاي ياشفق؟ أنا مش قايلك اقفلي الباب كويس عليكي."
همست في صوت خفيض وبكاء عنيف:
"معرفش، أنا خايفة أوي، تعالى بسرعة."
"حاضر، حاضر. أنا قريب من بيتكم، دقيقتين وهكون عندك. إياكي تطلعي من أوضتك واقفلي الباب عليكي بالمفتاح."
أنهت معه الاتصال وألقت بالهاتف على الأرض ثم خرجت مهرولة وأغلقت الباب بالمفتاح كما قال، ووقفت خلفه تستمع لصوت خطا قدميه بالخارج وجسدها يرتجف كطفل صغير بلا مأوى في ليالي الشتاء القارصة.
مرت دقيقتين حتى شعرت به يحاول فتح الباب، فارتاعدت للخلف مرتجفة. أتاها صوته النشاز والمقرف وهو يهتف ضاحكًا:
"افتحي يا مزة، أنا عارف إنك جوا.. افتحي بالذوق بدل ما أكسره."
أخذت تهز رأسها بالنفي وهي تضع كفها على فمها محاولة كتم صوت بكائها المرتفع، وتتوسل ربها بأن يصل كرم بسرعة. وجدته بدأ يحاول كسره، فتقهقرت للخلف وتتلفت حولها كالمجنونة تبحث عن أي شيء، ولكن لم يكن هناك شيء يسعفها في هذا الموقف.
وبعد لحظات صغيرة انفتح الباب وأطل بهيئته الضخمة والمرعبة. لتهتف هي في صوت مرتجف وبكاء:
"إنت عايز مني إيه؟ حرام عليك."
طالعها مبتسمًا بشيطانية وغمغم في نظرة كلها شهوة ورغبة:
"عايز كل خير."
وفي ظرف لحظة وجدته أغار عليها وألقى بها على الفراش محاولًا تقبيلها. فتعالى صوت صرخاتها وهي تركله بقدميها ويديها محاولة إبعاده.
وصل كرم في الطابق الذي فيه الشقة، وكان الطابق الثاني، وبمجرد ما سمع صرخاتها فهرول نحو الباب كالمجنون يطرق عليها صائحًا:
"شــــــفــــــق!"
توقف وابتعد عنها مزعورًا عندما سمع صوته وهتف بنبرة تهديد قبل أن يغادر ويفر هاربًا من النافذة كما دخل:
"كرم العمايري مش هيعرف يحميكي مني، هرجعلك ياقطة."
تذكر كرم أن لديه نسخة من مفاتيح المنزل، فأخرجها من جيبه مسرعًا ووضعها في قفل الباب ثم أداره لليمين وانفتح. ليدخل هو صائحًا مناديًا عليها، وحتى وصل عند باب غرفتها. وقبل أن يخطو خطوة سمع صوتها المرتجف والباكي تطلب منه عدم المجيء، فهي بملابس منزلية لا تسمح وشعرها منسدل على كتفيها:
"متجيش ياكرم، أنا كويسة، ثانية وهطلعلك."
تحاملت على ساقيها المرتجفين وارتدت إسدالًا للصلاة ووضعت حجابها على شعرها، ثم خرجت له. فوجدته يقف أمام النافذة المفتوحة التي فر هاربًا منها، يتلفت يمينًا ويسارًا باحثًا عن أي أثر له. وعندما رآها اقترب منها هامسًا بترقب وقلق حقيقي:
"إنتي كويسة؟ عملك حاجة؟"
هزت رأسها بالنفي وعيناها تذرف الدموع في صمت، هامسة بارتعاد:
"أول ما سمعت صوتك هرب، وقالي إنك مش هتقدر تحميني منه."
مسح على وجهه وهو يصدر زئيرًا من بين أسنانه هاتفًا في توعد:
"مصيري هجيبه، هيروح مني فين؟ ااااا......"
توقف عن التحدث حين وجدها تفقد توازنها وأغمضت عينيها معلنة عن تغيبها المؤقت عن الوعي، وكادت أن تسقط على الأرض لولا يديه التي أحاطت بها جيدًا. ولوهلة توتر من اقترابه منها وشعر بالخطر، ولكن الآن ليس الوقت المناسب لتوتره وخجله. فانحنى بجذعه وحملها متجهًا بها نحو الأريكة وأجلسها عليها. ثم ذهب للمطبخ وجلب كوب ماء وعاد لها. ثم أخذ ينثر الماء على وجهها بلطف حتى فتحت عينيها تدريجيًا ونظرت له لترى في عينيه نظرات الارتعاد والاهتمام.
فانفجرت باكية تخفي وجهها بين ثنايا كفيها، هاتفة بارتجافة صوتها الرقيق:
"خـ..وفت أوووي، حـ..اول يـ..عتـ..دي عليا."
انحني وجلس بوضعية الاستعداد أمامها مغمغمًا في صوت دافئ ينسدل كالحرير ناعمًا:
"متخافيش، أنا معاكي ومش هسيبك. واوعدك همسكه وهدفعه تمن كل اللي عمله معاكي.. اهدي بس إنتي وقومي اغسلي وشك يلا، والبسي ولمي هدومك عشان تاجي معايا بيتي."
لم يكن بمقدورها الرفض هذه المرة، فبعد ما حدث الآن أدركت أنه كان لديه الحق في عدم موافقته منذ البداية على بقائها في المنزل بمفردها. هزت رأسها بالموافقة، ثم هبت واقفة واتجهت نحو الحمام بخطوات ضعيفة وعاجزة عن السير بطبيعية نتيجة لنوبة الارتجاف والرعب التي أصابتها منذ قليل.
توقفت سيارته أمام المنزل بعد دقائق طويلة ونزل منها، ثم فتح الباب الخلفي وأخرج حقيبة ملابسها. بينما هي فنـزلت وجعلت تنظر لهذا المنزل الضخم والجميل. فانتبهت له وهو يرمقها مبتسمًا بعذوبة ويشير لها بعينيه أن تلحقه. فلحقت به على استحياء وهي تتلفت حولها تتفحص بنظراتها الحديقة الواسعة كأي إنسان طبيعي ذهب لمكان جديد لأول مرة.
وجدته يفتح الباب ويسبقها بالدخول ثم يهتف في نبرة هادئة:
"ادخلي ياشفق."
دخلت بتردد وحياء، بينما هدى ورفيف كانوا يشاهدون التلفاز. وبمجرد ما رأوا بيده حقيبة ملابس وهو يهتف بجملته الأخيرة هذه، هبوا واقفين بدهشة. وسرعان ما استقبلتها رفيف بالترحيب الحار والعناق. واقتربت منها هدى معانقة إياها وهاتفة بحنو:
"عاملة إيه ياحبيبتي.. نورتينا."
اكتفت بابتسامة خجلة وبسيطة على شفتيها حتى سمعته يهتف محدثًا شقيقته:
"خديها يارفيف، خليها ترتاح شوية في الأوضة عندك فوق."
أومأت لأخيها بالموافقة واصطحبتها معها لغرفتها بالأعلى، بينما هدى فراقبتهم بنظراتها حتى تواروا عن ناظريها. والتفتت برأسها لابنها هاتفة بفضول:
"إنت مش قولت موافقتش تاجي معاك.. إيه اللي خلاها توافق وليه جايبها في الوقت ده؟"
"في حرامي دخل عليها البيت، وطبعًا مقدرتش أسيبها تقعد وحدها تاني."
شهقت بهلع وهتفت مهتمة بأشفاق:
"وعملها حاجة؟"
هتف بخفوت:
"لا الحمدلله.. المهم متخلوهاش تحس إنها غريبة في البيت عشان متضايقش."
رتبت على كتفه متمتمة بلطف:
"حاضر ياحبيبي، متشلش هم. إنت عارف أنا بعزها إزاي.. روح ريح جسمك في أوضتك ونام، باين عليك تعبان."
هز رأسه بالإيجاب ثم التقط كف يدها وقبل ظهره هامسًا بحنو:
"تصبح على خير."
"وإنت من أهل الخير ياحبيبي."
فتحت الباب بحذر ونظرت له فوجدته في فراشه نائم بسكون وثبات تام. لتبتسم بحب ثم تدخل بحرص حتى لا توقظه وتغلق الباب وتقترب من فراشه. لتقف للحظات طويلة تتأمل ملامح وجهه الهادئة التي لا تشبهه أبدًا عندما يكون مستيقظًا. ثم جلست على حافة الفراش ومدت يدها تملس على شعره برقة ولطف خشية من أن يستيقظ، فغامت عيناها بالعبرات وهي تهمس بصوت يكاد لا يسمع:
"أحيانًا كتير ببقى نفسي أمسك في زمارة رقبتك من غيظي منك، وببقى مش طيقاك. بس تعرف لو جيت في مرة وقولتلي كلمة واحدة حلوة وأنا متعصبة كدا، صدقني هنسي كل حاجة في لحظتها."
توقفت عن الكلام لثوانٍ ثم عادت تكمل وقد سقطت دموعها على وجنتيها:
"ليه بتكرهني كدا؟ أنا عملتلك إيه عشان تشيل مني ومتبقاش طايقني بالشكل ده؟ صدقني ياحسن عمرك ما هتلاقي حد يحبك قدي.. أنا بحبك لدرجة إن لو نظرة حب منك تكفيني ومش هبقى عاوزة حاجة تاني، بس إنت حتى الكلمة الطيبة بتستخسرها فيا وكأني عدوتك."
جففت دموعها وانحنت برأسها قليلًا لتطبع قبلة رقيقة على جبهته ثم تتسطح بجواره وتسحب الغطاء عليها. وكان هو يضع كفه أسفل رأسه، فاقتربت والتصقت به ثم استندت برأسها على صدره وأغمضت عينيها، سامحة لها بسرقة لحظات من الزمن وهي بين ذراعيه ربما لن تتكرر مجددًا.
فتح هو عينيه في صباح التالي، وإذا به تلجمه الدهشة حين يجدها نائمة بين ذراعيه. ولوهلة شك بنفسه أن قد يكون فعل فعلًا متهورًا. فاستعاد ليلة الأمس في ذهنه فورًا وتذكر أن آخر شيء فعله هو تبديل ملابسه وتسطحه على الفراش ليخلد للنوم، فأطمئن. ونظر لها متفحصًا ملامحها التي تبدو عليها الراحة والسكينة، وهي تغط في نوم عميق كأنها لم تذق النوم منذ أيام. فتأفف باشمئزاز وخنق ثم هز كتفها بقوة بسيطة وصوت أجش:
"يسر! .. يـــســـر!"
انتفضت جالسة بفزع وفركت عينيها لتزيح آثار النوم عنها، وسمعته يهتف في استياء بعد أن اعتدل في نومته:
"بتعملي إيه جمبي؟"
تلعثمت قليلًا ولم تعرف بماذا تبرر له نومها بجواره طوال الليل، ولكنها سرعان ما رسمت قسمات الاهتمام والقلق على محياها ومدت يدها تتحسس جبهته هاتفة:
"الحمدلله حرارتك نزلت."
رفع شفته العليا مستنكرًا وهو يجيبها:
"حرارتي برضوا؟!"
مثلت الدور باحترافية حيث هتفت في براءة مزيفة ونظرة متأثرة:
"أيوة أصل إنت امبارح حرارتك كانت عالية بليل وفضلت تخرف بالكلام، فقعدت جمبك وعملتلك كمادات والحمدلله نزلت وغلبني النوم ونمت جنبك."
لا تفوت فرصة للكذب وتخترع كذبة لكل شيء باحترافية، ولكنه لا يغيب عليه كذبها الذي بات يخنقه ويستفزه بشدة. فدفعها من أمامه بعدم اكتراث لكي يعبر وينزل من الفراش هاتفًا بقرف:
"لما تحبي تكدبي روحي اكدبي على حد غيري، ابعدي من وشي."
تقوص وجهها بضيق وأسى وبقيت معلقة نظرها على آثاره بعد أن غادر تاركًا لها الغرفة بأكملها. شعرت بعينيها على وشك ذرف الدموع، فشـدت على محابسهم بسرعة وهبت واقفة وهي تأخذ نفسًا عميقًا مستمدة القليل من قوتها وشموخها، ثم غادرت هي الأخرى واتجهت لغرفتها لتأخذ حمامًا دافئًا.
كان يقف أمام المرآة يقوم بتسريح شعره ويستعد للذهاب للعمل، فيسمع طرق الباب ليتنهد بعدم حيلة. فهي لن تستسلم ولم تكترث لكلامه ورغبته في عدم تحدثه معها مطلقًا حتى ينتهي هذا الزواج.
هتف بغلظة:
"ادخلي."
فتحت الباب ودخلت هامسة بعذوبة:
"صباح الخير."
رد على مضض دون أن ينظر لها:
"صباح النور."
تمتمت في ترقب ونظرات رقيقة:
"مش هتفطر؟"
"لا هفطر في الشغل."
تقدمت خطوتين للأمام نحوه وخرج همسها ناعمًا:
"طيب ممكن أطلب منك طلب؟"
التفت لها بجسده وحدجها بقوة ثم قال بنفاذ صبر:
"قولي ياملاذ، إيه عايزة إيه؟!"
فركت يديها بتوتر وتمتمت في نظرات استعطاف تحاول من خلالها إذابة القليل من ثلوج قلبه بعدما بدأت تتأكد من أنه يحبها بشدة:
"ممكن تاخدني معاك الشركة، أصل أنا زهقانة وحابة أقرأ في المكتبة اللي هناك."
كانت ملامح وجهه جامدة ولم تتأثر بنظراتها بتاتًا، حتى أتاها صوته الصارم دون أن يوجد به أي شيء من اللين:
"لا، بعدين إنتي عايزة إيه بالظبط من الحركات دي؟!"
"مش عايزة حاجة!!"
قالتها بارتباك بسيط من نظراته المريبة، ليكمل هو بتوضيح أكثر:
"كل اللي بتعمليه ده ملوش لازمة، مش لما تحاولي تقربي مني وتفتحي معايا أي كلام وخلاص هسامحك.. هتفهمي إمتى إننا كل اللي بينا انتهى خلاص."
قالت بإصرار، فهي لن تتخلى عنه ولن تخلف بوعدها هذه المرة:
"مفيش حاجة انتهت يازين، أنا لسا مراته، لما تطلقني ساعتها ابقى أقولك إن فعلًا كل حاجة انتهت."
أبعدها من أمامها بهدوء وهم بالانصراف، ولكنها اعترضت طريقه وتمتمت برجاء ولين:
"طيب طالما مش موافق أروح معاك.. ينفع تنقيلي كام كتاب على ذوقك وتجبهملي معاك؟"
لوى فمه بخنق ونفاذ صبر، ثم خرج صوته قاسيًا بكلمات يقصد قولها جيدًا حتى يحرق نفسها ويذيقها من آلام قلبه التي يعانيها:
"من عنيا، هنقي لك كتب عن الوفاء والإخلاص والصدق، يمكن تتعلمي منهم حاجة."
أصابت كلماته بسهامها الهدف تمامًا. كلما تحدثت معه وتحاول نيل السماح منه تكتشف أنه ليس كما توقعته أبدًا، بل لديه قلب إن حمل بداخله الغضب والنقم من شخص ما لن يتمكن من الصفاء له مهما فعل. ويبدو أنه لن ينسى خداعها له، وقد يكون أكثر ما يغضبه ليس أنها كانت تحب رجلًا غيره، بل أنها وضعته محل الغبي والأحمق وكانت تكذب عليه وهي تنظر لعينيه دون خجل، واستحقرته ولم تحترم الثقة التي منحها لها.
كانوا يجلسون حول مائدة الطعام على مقاعدهم ومنتظرين قدوم البقية. وكانت هدى تضع كفيها أسفل ذقنها تفكر بذكاء شديد فيما يدور في ذهنها وغير منتبهة لأي شيء حولها، حتى سمعت صوت ابنتها تهتف بتساؤل:
"ماما مالك؟!"
رمقتها بجدية وأشارت لها بيديها أن تقترب منها، ففعلت رفيف على الفور وجلست على المقعد المجاور لها تمامًا وقربت وجهها منها وهي تهز رأسها بتشويق لمعرفة الأمر. لتتمتم هدى بمكر:
"إيه رأيك في شفق؟"
"رأيي فيها إزاي يعني؟!"
قالتها بعدم فهم في بادئ الأمر، ثم دققت نظرها في معالم وجه أمها الخبيثة وابتسامتها التي كلها ذكاء. ففغرت شفتيها وقالت ضاحكة بعدم تصديق:
"لا مش للدرجة.. وسعت منك أوي دي يادودو!"
نكزتها في كتفها بضجر من رفضها لفكرتها وهمست في صوت منخفض:
"بطلي هبل يابت.. دي حتى لايقة على أخوكي أوي كأنهم فولة واتقسمت نصين. عارفة أروى الله يرحمها على قد كدا مكنتش حباها أوي، كانت فيها شوية من اللؤم بتاع البنات ده ومكنتش لايقة على أخوكي. أنا مش بقول إنها كانت وحشة، بالعكس أنا على قد ما كنت بضايق منها أحيانًا بس كنت بحبها برضوا والله وربنا يعلم إني لغاية دلوقتي كل ما بفتكرها قلبي بيوجعني عليها. لكن شفق قمر ومؤدبة وهادية ماشاء الله عليها، يعني هي وكرم شبه بعض بالظبط في كل حاجة."
هدرت رفيف برزانة ونبرة جادة:
"ماشي ياماما، وأنا كمان مش بقول حاجة على شفق.. بس بلاش تسرحي بخيالك أوي. كرم رافض فكرة الجواز دي نهائي من بعد أروى، وإنتي بنفسك جربتي معاه كتير وشوفتي بتبقى ردة فعله إزاي بمجرد ما تفتحي معاه الموضوع."
غمغمت بنبرة صوت تحاول إخفاضها ونظرات نارية ومتقدة:
"بلا رافض بلا قرف، وآخر ما يقعد رافض كدا.. هتطلع من تربيتها وترجعله مثلًا؟ اتفرجي واتعلمي وشوفي هخليه يوافق إزاي، إما خليته يتجوز شفق مبقاش أنا هدى العمايري."
كتمت رفيف ضحكتها المرتفعة بيدها ثم قالت في حماس لمعرفة مخططاتها:
"ياماما يالئيمة.. هتعملي إيه بقى قوليلي؟"
"ملكيش دعوة، هتشوفي لوحدك هعمل إيه."
همست رفيف بنظرات كلها ذكاء وحذر:
"بس خلي بالك، ولادك كلهم عندهم العند وبذات كرم، يعني مش هتعرفي تخليه يوافق بسهولة، لازم تحبكي الخطة كويس. أقولك، تعاليله من نقطة ضعفه واضغطي عليه، هينخ وهيوافق."
رمقت هدى ابنتها التي تحمل نفس جيناتها الخبيثة وتفكر مثلما تفكر تمامًا، فابتسمت وقالت بخبث شديد:
"ماهو ده اللي هعمله.. المشكلة بس لو مافقتش هي."
"لا من ناحية شفق اطمني 100%."
"هتوافق وعلى ضمانتي، خليكي إنتي مع كرم وسيبيني أنا شفق في المرحلة التانية و....."
نكزتها هدى في قدمها هامسة بحذر عندما رأتـه ينزل الدرج قادمًا نحوهم:
"هششش خلاص اسكتي، جه."
ثم تطلعت لابنها وهتفت ببشاشة:
"صباح الخير ياحبيبي، تعالى افطر يلا، كنا مستنينك."
اقترب ناحيتهم ثم التقط قطعة خيار صغيرة وألقاها في فمه هاتفًا على عجلة من أمره:
"لا، كلوا إنتوا بالهنا والشفا، أنا هفطر في الشركة، مستعجل عشان معانا اجتماع وزين مستنيني من بدري هو وحسن."
أجابته بحنو تدعو لهم بحنو أمومي:
"ماشي ياحبيبي، ربنا يقويكم.. وقول لزين خليه يجيب مراته وييجي بكرة لأحسن وحشني أوي."
انضمت لجلستهم العائلية شفق التي غمغمت بخفوت واستحياء عندما وصلت عند آخر درجات السلم:
"صباح الخير."
التفتت هدى برأسها ناحيتها، وكانت أولهم التي ترد عليها تحية الصباح هاتفة بوجه مشرق:
"صباح النور."
ثم رد كل من كرم ورفيف التحية وانصرف هو فورًا دون تلكؤ. بينما هي فتقدمت نحوهم واتخذت مقعدها بجوار هدى من الجهة المقابلة لرفيف وتمتمت بإحراج:
"معلش بقى يا طنط، هتقل عليكم لكام يوم، أنا والله كنت..."
قاطعتها هدى بنظرة حازمة قليلًا تحمل الرفق واللين مع ذلك:
"هتزعليتي منك كدا ياشفق.. البيت هنا اعتبريه بيتك خلاص وإحنا أهلك وإنتي زي رفيف بنسبالي."
أجفلت نظرها أسفل وأجابتها شاكرة إياها بخجل "شكرًا". أما رفيف فكانت تنقل النظر بينهم وهي تمنع نفسها من الضحك كلما تتذكر ما كانوا يخططون له منذ قليل.
آذان العشاء ارتفع في المآذن، وكان هو يجلس في مكتبته الخاصة في الشركة بعد أن قضى فرضه، ويخلو بنفسه ويقرأ القرآن براحة وهدوء تام مع ضوء بني خافت. استمرت جلسته الهادئة لساعات حتى جذبه من تركيزه في ترتيل القرآن رنين الهاتف الذي كان اتصالًا من زوجته. فتأفف بخنق وأجاب على مضض:
"الو."
سمع عدة كلمات منها غير مفهومة بسبب بكائها العنيف، فاعتدل جالسًا فورًا وقال بزعر:
"براحة ياملاذ، أنا مش فاهم حاجة.. في إيه؟ بتعيطي ليه كدا؟!"
غمغمت من بين بكائها بصوت أوضح:
"بابا تعبان أوي، وأنا رايحة المستشفى دلوقتي."
استقام واقفًا وجذب مفاتيح سيارته وهتف على عجالة ونبرة قلقة:
"مستشفى إيه؟"
أملت عليه اسم المستشفى، فانهى معها الاتصال واندفع مغادرًا حتى يلحق بها على هناك. وبعد ما يقارب النصف ساعة وصل وقاد خطواته نحو الطابق الثاني بعد أن استعلم عن اسمه في الاستقبال، فأخبروه بأنه يكمن في الطابق الثاني. وجدها بين ذراعي والدتها لا تتوقف عن البكاء وهي تشاركها البكاء الصامت. وعندما رآه إسلام تقدم نحوه ليجده يهتف بارتعاد:
"ألف سلامة على عمي حامد، حصل إيه؟"
قال إسلام بحزن ونظرات ضعيفة:
"بابا عنده القلب وتعب جامد، فجبناه على هنا."
رتب على كتفه مغمغمًا بحزن مماثل له:
"ربنا يشفيه يارب.. إن شاء الله هيقوم بالسلامة."
ظلوا لدقائق طويلة بانتظار خروج الطبيب حتى يطمئنهم على وضعه، وأخيرًا بعد ما يقارب الساعة خرج وأخبرهم بأنه وضعه مازال حرجًا وسيتم وضعه تحت المراقبة إلى حين تحسن حالته، وأنهى كلامه بتمنيه الشفاء له. كما أخبرهم بأن بقائهم هنا لن يجدي نفعًا ولا يجوز إلا بقاء اثنين كحد أقصى. فطلبت ملاذ من والدتها الذهاب وأنها هي وشقيقها سيبقيان معه. ولكنها عارضتها بشدة وطلبت منها الذهاب مطمئنة إياها بأنه إذا حدث أي شيء ستتصل بها. فرفضت بشدة التحرك من جانب أبيها، ولكنها حين وجدت إلحاح والدتها وكذلك أخاها فذعنت لهم وخرجت تنتظر زوجها عند سيارته الذي كان يتحدث مع الطبيب في غرفته، ومن ثم وقف يتحدث مع أخيها لدقائق قصيرة قبل أن يأتي ويستقل بمقعده المخصص له في السيارة. وهي تترك العنان لدموعها في الانهمار بصمت حزنًا وخشية من أن يصاب أبوها مكروهًا.
وصلا للمنزل فأمسك هو بيدها عندما وجدها لا تتحمل السير على قدميها وقادها نحو غرفتها ثم أجلسها على الفراش. فنزعت هي حجابها عنها وانفجرت باكية بشدة، ليتنهد هو بعدم حيلة وجلس بجوارها هامسًا في صوت رخيم:
"اهدي ياملاذ، أنا اتكلمت مع الدكتور وقالي إن احتمال كبير بكرة الصبح يفوق وحالته تتحسن بسرعة.. ادعيله ربنا يشفيه، بلاش العياط ده."
خرج صوتها مبحوحًا ومرتعشًا من أثر البكاء وهي تتطلع إليه بعينيها الغارقة في الدموع:
"خايفة أوي عليه، أنا مش هقدر أستحمل لو حصلتله حاجة يازين."
نظراتها العاجزة والمنكسرة مع دموعها هدمت السور الذي قام ببنائه بينهم، فلم يتمكن من مقاومتها وأعلن هزيمته المؤقتة متجاهلًا الصوت الذي في عقله ويصر على تذكيره بما فعلته، ويذكره بوعده لنفسه أنه سيحاول نزعها من صميم قلبه حتى يكون الطلاق سهلًا عليه. ولكن لا حياة لمن تنادي، حيث مد كفه ووضعه على وجنتها بلطف ممررًا إبهامه برفق ونظرة استقرت في عينيه كانت تظن هي أنها لن تراها مجددًا منه، حيث نظر لها بحنو وحب ودفء كما كان يفعل بالضبط قبل زفافهم وهمس في خفوت جميل:
"مش هيحصله حاجة بإذن الله، قومي يلا اغسلي وشك وصلي ركعتين بنية الشفا لوالدك."
كانت ترتبك بشدة ولا تشعر بأي مشاعر سوى التوتر عندما تتلامس يده مع يدها أو وجهها أو جسدها قبل حفل الزفاف، ولكنها الآن تعتريها مشاعر جديدة تمامًا. دفء يديه أرسلت حرارة في جسدها أصابتها بالسكينة والدفء وكأنه يحتضنها بكفه، لتصعد لشفتيها ابتسامة محبة وهي تميل برأسها على الجانب الموضوع كفه على وجنتها تستشعر دفئه أكثر. ثم ألقت بنفسها بين ذراعيه دافنة نفسها بين ثنايا صدره الواسع مغمضة عينيها وتعطي إشارة السقوط لدموعها بصمت. دموع امتزجت ما بين الألم والحزن وبين الأمل والسعادة.
سعادة!! عجيب أمر هذا العشق، هل هناك من يسعد لمجرد شعوره بأنه بدأ يعشق، ويسعد كلما تداهمه مشاعر جديدة بأنه يخطو خطوة أخرى في طريق العشق الذي عزم على أنه لن يمل ولن يكل إلا حين يصبح من المصطفين الذين يختارهم العشق.
ارتفع صدره عندما أخذ نفسًا عميقًا وهبط ببطء وهو يخرجه زفيرًا متمهلًا من أنفه ومد يده مترددًا ليمررها بسطحية شديدة على ذراعها مغمغمًا في رزانة:
"قومي يلا ياملاذ عشان تصلي العشاء."
قالت في صوت به أثر البكاء وهي تتشبث بقميصه أكثر بعدما فهمت رغبته في الابتعاد عنها ولكنه يرفض قولها نظرًا لوضعها:
"صليت من بدري.. خليك جمبي يازين ارجوك."
هو من أصدر مرسوم هدم السور مؤقتًا، والآن يأمر بإعادة بنائه. فهذه اللحظات كانت كافية وزائدة عن اللازم لإشباع نفسه الجائعة إليها حتى لو بمجرد عناق دافئ. حيث أبعدها عنه برفق وتمتم بنبرة عادت بها بعض الحزم والجفاء مع ابتسامة متكلفة:
"أنا موجود في أوضتي لو عزتي حاجة اندهي عليا."
ثم استقام وانصرف تاركًا إياها تصارع الحزن وتمزق القلب بين أمواج مميتة. فلا يكفيها خوفها وشجونها على والدها، بل حتى هو يرفض التخلي عن عقابه لها. يرفض أن يكون معها زين العاشق ويفضل أن يكون زين الصارم الذي لا يصفح. ولكنها لا تجرؤ على وصفه بالقاسي لأنه مهما يفعل ومهما يقول تظل ترى الحنان في عينيه، وكأنه يقسو عليها بكلامه وعيناه تعتذر لأنه لا يستطيع تصديقها والوثوق بها.
وحتمًا سيأتي يوم ويقر ويعترف باستسلامه لقلبه الذي يتألم وتسوء حالته يومًا بعد يوم بسبب الشقوق التي بينهم، مثلما بدأ قلبها هي أيضًا يتألم.
فتح باب المنزل ودخل ثم نزع حذاءه وتلفت حوله بالمنزل باحثًا عنها بنظره، فسمع صوت التلفاز وقاد خطواته نحوها ليجدها تمسك بهاتفها وتقلب في صور زفافهم ودموعها تملأ وجنتيها. فانتبهت هي لوجوده وأشاحت بوجهها فورًا للجهة الأخرى تسرع في تجفيف دموعها.
تنهد هو بعد أن شعر بالإشفاق على حالها، فهو يدرك عشقها الجنوني له ولكنه لا يستطيع أن يبادلها نفس المشاعر أبدًا، وأيضًا يصعب عليه أن يكون قاسي القلب لهذه الدرجة معها.
اقترب وجلس بجانبها ثم جذب الهاتف من يدها وأخذ يقلب بين الصور حتى هتف بخشوع:
"إنتي اللي بتعملي في نفسك كدا، مفيش حاجة تغصبك إنك تحبيني، ولا أنا عايز حبك ده."
التزمت الصمت لثوانٍ ثم هتفت بقوة وصوت يغلبه البكاء:
"بس أنا عايزة أحبك وعايزة أفضل جنبك ومعاك."
وضع الهاتف بجانبه ثم اعتدل في جلسته ليصبح مواجهًا لها ويردف في جدية تامة ونظرات لا تحمل أي حب لها:
"أنا مش بحبك يايسر ومش هحبك، فخلينا ننهي الجواز ده في أقرب وقت واللي كان غلطة مني وتهور وندمان عليه دلوقتي، وكل واحد فينا يرجع لحياته الطبيعية. واوعدك إن بعد ما نتطلق هنبقى أصدقاء وهحاول أحبك كصديقة ليا، وبعتذرلك وبقولك أنا آسف على الكلام اللي قولته عليكي في التسجيل اللي معاكي، أنا مستعد أنسى كل حاجة حصلت بينا وأي حاجة عملتيها ااااا......"
ذاك الأحمق، أيطلب منها أن تتخلى عن عشقها له؟!! الذي احتفظت به في داخلها لسنوات ورفضت أن يأخذ مكانه أي رجل غيره. وبعد أن أصبحت زوجته.. يريدهم أن ينفصلوا ويقول لها بكل وقاحة كوني صديقتي!!، هل عشقته كل هذه السنوات لتصبح صديقته؟!، هل يتوقعها أنها ستقبل بهذا العرض السخيف!!!
صرخت به ببكاء رافضة إياه الاسترسال في هذه السخافة التي يخرجها من بين شفتيه:
"وأنا مش عايزة أنسى حاجة ومش عايزة أكون صديقة، أنا محبتكش لكل السنين دي عشان أقبل في الآخر بالدور السخيف ده، أنا عايزة أكون مراتك وعايزاك تحبني زي ما بحبك.. أنا دلوقتي عندي 24، عارف بحبك من إمتى؟ من وأنا عندي تمانية سنين يعني 16 سنة."
قبض على ذراعيها يهزها بقوة هاتفًا في حدة حتى يجعلها تفيق من أوهامها:
"افـــهـــمـــي، أنا بقولك مش عايزك ومش هحبك أبدًا."
دفعت يديه بعيدًا عنها وهبت واقفة وهي ترفع سبابتها في وجهه محذرة إياه بأعين دامعة تحمل الشراسة والألم:
"مش هتطلقني ياحسن، ولو طلقتني، زي ما هتخليني أخسرك هخليك تخسر كل حاجة حتى أهلك وأمك وإخواتك، وإنت عارف إني أقدر أعملها."
ثم اندفعت نحو غرفتها مسرعة لكي تترك الحرية لدموعها أكثر، وتركته هو يهز رأسه بنفاذ صبر وعصبية.
كانت شفق في طريقها للحديقة حتى تجلس في الهواء قليلًا، ولكنها توقفت حين مرت من أمام غرفته فانتابها الفضول للدخول وإلقاء نظرة عليه. تختلس فرصة غيابه عن المنزل. فالتفتت حولها تتأكد من عدم وجود أحد في الطرقة ثم تسللت ببطء نحو غرفته وفتحت الباب ودخلت. أغلقتـه خلفها وأخذت تتأمل الغرفة بإعجاب. كانت الحوائط من اللون الكافيه الفاتح الذي يميل للأبيض وخزانة متوسطة الحجم من اللون الأبيض وسجادة على الأرض من نفس لون الحائط، والفراش كان لونه أسود لامعًا ويوجد حمام داخلي صغير. ابتسمت بانبهار من جمال وبساطة هذه الغرفة، فهي لم تخطئ عندما قالت أنه لديه ذوق رفيع في كل شيء ليس ملابسه فقط.
لفت نظرها الصورة المبروزة في غلاف زجاجي وموضوعة على منضدة صغيرة بجانب الفراش، فاقتربت والتقطتها تحدق بها بصمت تتفحص ملامح تلك الكامنة بين ذراعيه. لم تكن تحتاج لأحد ليخبرها أنها زوجته، فابتسامته وسعادته كانت كافية لتوضح مدى السلام الروحي لكليهما وهم مع بعضهم. عادت ووضعتها مكانها بتعاسة وعبوس واضح على معالم وجهها وهمت بالالتفات والمغادرة قبل أن يدخل أحد ويراها.
ولكن الدرج العلوي للمنضدة كان جزءًا منه مفتوحًا وبداخله صورة تعلم صاحبها جيدًا، فاسرعت بفتحه كليًا والتقاطها وهي تحدق بصورة ذلك الوغد الذي حاول الاعتداء عليها بالأمس. استغرق معها الأمر للحظات وهي تحدق بصورته بدهشة وتطرح الأسئلة في ذهنها عن سبب وجود صورته معه. وسرعان ما شهقت بذهول ووضعت كفها على فمها، فما كانت تشك به كان حقيقيًا، هذا الحيوان هو الذي قتل زوجته والآن يحاول العبث معها ليجعل نهايتها مثلها. تذكرت جملته لها بالأمس قبل أن يهرب: "كرم العمايري مش هيعرف يحميكي مني."
تسارعت دقات قلبها وبدأت تتوتر، وما زاد توترها انفتاح الباب ودخوله عليها ليتسمر هو بأرضه مندهشًا من وجودها بغرفته. أما هي فتلعثمت بشدة وغمغمت بارتباك:
"أنا آسفة، كنت رايحة لرفيف واتلخبطت في الأوضة ودخلت أوضتك بالغلط."
ابتلعت ريقها وهي تشعر بأن دلوًا من الماء المثلج سكب فوقها، مدت يدها له بالصورة وهي تقول بإيجاز متلعثمًا أكثر:
"كانت واقعة على الأرض."
قالت جملتها واندفعت للخارج في ظرف لحظة، أما هو فأخفض نظره للصورة يلقي عليها نظرة ثم يلتفت خلفه متطلعًا عليها وهي تنزل الدرج مسرعة. فلم يشغل ذهنه بما حدث كثيرًا وقرر التجاهل وأغلق الباب ثم بدأ في تبديل ملابسه ودخل الحمام ليأخذ حمامًا دافئًا ويعيد لجسده قليلًا من نشاطه.
بعد دقائق قصيرة خرج وتوجه لشرفة غرفته يقف فيجدها تجلس على المقعد الهزاز في الأسفل وتهز قدميها بعنف وكفها على فمها تفكر بتركيز شديد في شيء ما، مما أعاد الشك لعقله بها من جديد وخصوصًا بعدما رأى تلعثمها وهي تعطيه الصورة وكيف كانت تحدق بها بصدمة امتزجت بالرعب. فجال بعقله فورًا كلامها في يوم زفاف حسن: "كرم افهمني، أنا قصدي غير كدا، خوفه مش طبيعي، هو عارفك ودي حاجة إحنا مختلفناش فيها، بس هو كمان عارف إنك أكيد متعرفهوش شكلًا، وإلا كان هيخاف كدا ليه أوي؟ تصرفه بيوحي بحاجة واحدة وهي إنه عارف إنك لو لمحته بس هتعرفه فورًا وهو يعرفك كويس، والصراحة أنا خوفي زاد أوي وبذات بعد ما شكيت إنه ممكن يكون....."
وتلقائيًا ربط كلامها بالموقف الذي حدث للتو وملامح الزعر على وجهها، فاتسعت عيناه وأظلمت بطريقة مخيفة. ومعالم وجهه الهادئة واللطيفة تحولت لأخرى لتشبه وحشًا مرعبًا، فالذي يدور بذهنه الآن هو التفسير الوحيد لكل شيء.
رواية ضروب العشق الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى محمود توفيق
في صباح اليوم التالي داخل منزل محمد العمايري.
كانوا على طاولة الطعام يتناولون فطورهم بهدوء ولا أحد يتحدث، كان الكل يأكل معادا هو يعبث بصحن الطعام الذي أمامه دون أن يضع لقمة في فمه وينتظر اتصال معين بفارغ الصبر ولا يزال الغضب يهيمن عليه منذ أمس.
سمع أمه تهتف باهتمام:
_ مالك ياكرم مش بتاكل ليه.. إنت متعصب من حاجة؟
رد عليها باختصار شديد:
_ مليش نفس!
نظرت له شفق بتدقيق وتحدثت لنفسها بخوف: "هل يعقل أن يكون شك بشيء عندما وجدني أمسك بصورة ذلك الرجل بالأمس".
اهتز هاتفه على الطاولة بجانبه وأخيرًا جاء الاتصال المنتظر فوقف فورًا وأجاب وهو يسير باتجاه الباب ليغادر:
_ ألو يامسعد عملت إيه؟
أجابه الآخر باستياء شديد:
_ هو ياكرم بيه شوفت الكاميرات وطلع هو.
تحول لجمرة نيران ملتهبة وأطلق من بين شفتيه ألفاظ بذيئة من بينها كلمات وعيد بالانتقام.
* * *
كان حسن بمكتبه داخل الشركة يدور بمقعده بحركة دائرية حول نفسه وبيده مفاتيح سيارته يعبث بها ويحركه يمينًا ويسارًا أمام عيناه.
شارد الذهن يتذكر كلامها "عشان هي أصلًا عمرها ماحبتك، وإنت كنت دايب فيها ويمكن مازالت، هي باعتك في أول محطة". "اللي لسا بتحبها دي تخلت عنك رغم كل اللي عملته عشانها".
لا يزال يحبها للأسف ولم يتمكن من نزعها من قلبه بأي شكل من الأشكال، لم يعد حبًا كما كان سابقًا ولكنه لا يستطيع القول أنه يكرهها، رغم أنها لا تستحق سوى الكره.
قطع شروده دخول يسر المفاجئ وهي تحمل بيدها ملفات صغيرة.
فاغلقت الباب خلفها وهتفت بإيجاز:
_ حسن اتصل بزين شوفه فين لغاية دلوقتي مجاش!
عقد حاجبه وهدر باستغراب:
_ وإنتي عايزة زين ليه؟
هتفت بامتعاض وابتسامة صفراء:
_ يمكن عشان الشغل مثلًا، وعشان في ملفات عايزة اورهاله ضروري.
قال في حزم ونظرة قوية:
_ طاب ما أنا موجود أهو ولا هو لازم زين!، تعالي وريني إيه اللي عايزة تورهوله.
أشاحت بوجهها للناحية الأخرى متأففة بخنق فهي قررت منذ ما حدث بالأمس أنها ستحاول تجنبه وعدم التحدث معه بقدر الإمكان حتى تهدأ نفسها الثائرة منه.
اقتربت منه ووقفت بجواره وانحت للأمام بجزعه وفتحت الملفات ثم بدأت تتحدث وتشرح له الأمر بالتفصيل وكان هو بكامل انتباهه معها ولما تقوله ولكن انحرفت عيناه عن غير قصد واستقرت على حجابها المزحزح من الأمام فأظهر عن منطقة صدرها البيضاء العلوية.
ونظرًا لأن الرداء الذي ترتديه لديه فتحة صدر واسعة قليلًا فعندما انحت كشف عن داخلها.
استغرق الأمر ثلاث ثواني بالضبط حتى مد يده وسحب حجابها لأسفل جيدًا ليخفي لحمها وهتف بغلظة صوته الرجولي:
_ لما تلبسي الفستان ده تاني البسي حاجة تحته يإما تلبسي طرحة طويلة وتثبتيها عشان مترجعش لورا.
اعتدلت بسرعة وانتصبت واقفة ثم عدلت من حجابها وقالت في انفعال بسيط:
_ وإنت تبص ليه أصلًا!!!
ازاح نظره عنها وقال بوقاحة مبتسمًا:
_ فرجة ببلاش.. متفرجش ليه!
صرت على أسنانها بغيظ ولملمت الملفات فورًا قائلة بقرف وهي تتجه نحو الباب:
_ وقح!
وقبل أن تقبض على مقبض الباب وتفتحه تذكرت شيء فتوقفت والتفتت بجسدها ناحيته ثم اقتربت مجددًا وجلست على المقعد المقابل له مغمغمة بمضض واختناق:
_ عايزة اطلب منك طلب.
اتسعت ابتسامته وأجابها بوقاحة وخبث أشد:
_ إيه متفرجش تاني؟!!!
قالت بنظرة منذرة وهي تضبط غضبها:
_ احترم نفسك ياحسن.
تخلي عن وقاحته واخفي ابتسامته ليجيبها بجدية وخشونة:
_ طاب قولي عايزة إيه؟
_ رفيف كلمتني وبتقولي إنها نفسها تاجي تشتغل هنا وطلبت مني احاول اقنعك وأخليك تقنع زين وكرم، هي بتقولي إنكم رافضين فكرة الشغل بس أظن معندكمش حجة طالما هتشتغل معانا وقدام عينا، وأنا هدربها وهعرفها كل حاجة.
أصدر تنهيدة حارة وصمت لبرهة من الوقت ثم تشدق بصوت أجشَّ:
_ طيب هشوف.
استقامت وارسلت له ابتسامة وهي تهمس:
_ شكرًا.
نظر لها بجمود ووجه خالي من التعابير فاستدارت هي وانصرفت.
وبعد أن اغلقت الباب وقفت خلفه تبتسم بسعادة داخلية حين استعادت توجيهاته الحازمة لها حول ردائها، وقوي الأمل بداخلها أنها قد تكون أوشكت على تحقيق هدفها!
* * *
في تمام الساعة الثانية ظهرًا.
كانت بمنزل والدها وتجلس بجانبه على الفراش وبين ذراعيه في صمت حتى همست بعتاب:
_ بس كان المفروض تقعد في المستشفى يابابا عشان تبقى تحت رعاية الدكاترة علطول.
أجابها بصوت هادئ:
_ ما إنتي عارفاني ياحبيبة بابا مبحبش أقعد في المستشفيات وأنا الحمدلله كويس دلوقتي وأمك ربنا يخليها لينا مش بتخليني اتحرك من مكاني من وقت ما جينا من المستشفى.
ابتسمت له بحب وامسكت بيده تقبلها هاتفة:
_ ربنا يخليكم لينا.
_ عاملة إيه مع جوزك.. وهو عاملة إيه زين؟
سألها بابتسامة عذبة لتختفي ابتسامتها تدريجيًا ويحل محلها العبوس ولكن سرعان ما رسمتها باحترافية وقالت بتصنع السعادة:
_ الحمدلله يابابا كويسين وزي الفل.. وهو كويس اتصل بيا من شوية وقالي إنه جاي في الطريق.
أماء لها بالإيجاب.
ثم دخلت أمها وهتفت ضاحكة بمداعبة:
_ مش هتكبري على الحركات دي يابت.
اتهمت بأن تجيب عليها ضاحكة ولكن رنين الباب أوقفها وأشارت لأمها التي همت بالذهاب لتفتح بأنها هي التي ستذهب وتفتح وقالت:
_ خليكي أنا هروح افتح ده تلاقيه زين.
قادت خطواتها الطبيعية نحو الباب وفتحته وكما توقعت كان هو فابتسمت له برقة وافسحت له الطريق للعبور.
ليهمس هو بتساؤل قبل أن ينزع حذائه بجانب الباب:
_ في حد عندكم؟
فهمت مقصده حول هل يوجد نساء من اقاربهم أو معارفهم أتو لزيارة والدها وتمني الشفاء له أم لا، فهزت رأسها بالنفي وتمتمت بصوتها الناعم:
_ لا مفيش حد غير ماما.
بدأ في نزع حذائه عنه وهو يغمغم بخفوت:
_ طيب قوليلها إني جيت.
خرجت أمها من الغرفة وهي ترحب به ترحيبيًا حارًا ومدت يده تصافحه ففعل وهي يرد عليها ترحيبها به باحترام شديد.
ثم اصطحبته معها إلى غرفة زوجها وجلس معه بعدما عانقه وتمنى له الشفاء العاجل.
أما ملاذ فذهبت للمطبخ وبدأت في تحضير كوب شاي له فقد عرفت خلال الأيام القليلة منذ زواجهم أنه يفضل الشاي كثيرًا وأكثر من أي شيء آخر.
وبعد دقائق قصيرة عادت لهم وهي تحمل الكوب على صينية صغيرة ثم وضعته أمامه على منضدة صغيرة الحجم وجلست على مقربة منه تتابع حديثه مع والدها الذي استمر لربع ساعة بالضبط.
ثم استأذن منهم بالرحيل ليوقفه أبيها هاتفًا:
_ خليك اتغدى معانا يابني!
أجابه بامتنان ونبرة مهذبة:
_ ربنا يخليك ياعمي مرة تاني إن شاء الله.. معايا شغل في الشركة لسا مخلصتهوش والله.
_ ماشي يابني مش هعطلك عن شغلك، ربنا يعينك ويقويك.
ودعه ثم انصرف ووقف بجانب الباب يرتدي حذائه.
لتلحق هي به وتقف خلفه تنتظره حتى ينتهي ويلتفت لها لتهمس بنبرتها الأنوثية الخافتة:
_ هتاجي تاخدني إمتى؟
أجابها بجفاء بسيط وإيجاز دون أن يكون في وجهه أي شيء من البشاشة أو جزء من انحراف شفتيه للجانب كابتسامة لطيفة:
_ على الساعة 8 إن شاء الله.
ثم فتح الباب ورحل فأغلقته خلفه ببطء وهي تأخذ نفسًا عميقًا بأسى وشجن.
فهو لن يجعلها تحصل على المسامحة منه بسهولة وكأنها لم تخطأ في شيء يستحق الخصام والعقاب!!
* * *
مر أسبوعًا كاملًا وطرأت معه بعض التغيرات الطفيفة.
يسر لا تزال تحاول تجنب حسن قدر الإمكان حتى تفكر ماذا ستفعل وماذا ستكون خطتها القادمة ولكن تجد أن الشجار قد أدي بنتيجة إيجابية معه على عكس توقعها.
وملاذ لم تجد أي نتيجة لمحاولاتها البائسة في إثبات أنها نادمة على كل شيء.. ولكنها لا تنكر أنه بدأ يكون أقل حزمًا معها.
وشفق باتت لا ترى كرم سوى دقائق قليلة إما على الطعام أو حين يكون في الحديقة يشرب قهوته.. لم تكن مدركة أنه يتجنب محادثتها عمدًا!!
كانت تجلس في الحديقة على نفس المقعد الهزاز التي تجلس عليه دومًا، تتأمل النجوم الساهرة وتسترجع ذكرياتها من أخيها وأمها، وتحزن على الحال الذي هي فيه ثم تعود وتحمد ربها رغم كل شيء.
وتفكر إلي متى ستقطن في منزل الغرباء لابد من وضع الحدود لكل هذا.
وجال بذهنها فكرة أن تتصل بعمها ولكنها تعرف جيدًا شر زوجته وابنائه وبالأخص ابنه الأكبر الذي تهاتف عليها لسنوات ورفضته وكان هذا بداية المشاكل بينهم عندما وقف أخيها ضد عمه الجبار وطلب منه أن يبتعد عنهم تمامًا ويبعد ابنه عن شقيقته وإلا ستكون نهاية هذا الأمر سيئة.
أخيها!!
أصبحت عارية لا تجد الستار الذي كانت تستتر خلفه، لم يعد هناك السند أو القصر المنيع الذي تلوذ إليه وتحمي نفسها داخله وهي متيقنة أنها ما دامت داخله فهي في آمان من شرور الناس.
اعتدلت في جلستها فورًا حين رأته يقترب منها وهو يحمل في كل يد كوب قهوة دافئة ثم اقترب وجلس على المقعد المجاور لها ومد يده لها بكوب القهوة الثاني فأخذته من يده وهي تبتسم بحياء واضطراب من ملامح وجهه الصارمة على عكس طبيعته مع الجميع وليس معها فقط.
فساد الصمت بينهم للحظات وكلاهما يحتسي من كوبه في صمت حتى أتاها صوته القوي وهو يقول:
_ عدى اسبوع واستنيت تاجي وتقوليلي بنفسك مجيتيش.. ليه مقولتيش إنك عارفاه لما شوفتي صورته في اوضتي؟!!
قُيَّد لسانها وأصابها الارتباك والقليل من الدهشة حين تأكدت أنه عرف بكل شيء، فابتلعت ريقها وتمتمت بخفوت وهي تتحاشى النظر إليه:
_ خوفت أقولك لتصمم على اللي في دماغك أكتر لإني كنت عارفة من سيف الله يرحمه إنك مش سايب مكان وبتحاول تلاقيه وعايز تنتقم منه، محبتش أكون سبب لو بسيط في حاجة ممكن تأذيك.
هتف في صوت غليظ وغضب مكتوم:
_ إنتي عرضتي نفسك للخطر.. لو كنتي قولتيلي من وقت ما كنتي شاكة فيه مكنش اللي حصل معاكي في بيتكم ده هيحصل لإني مكنتش هسمحلك تقعدي وحدك أبدًا، وأنا كدا كدا كنت هلاقيه وهوصله سواء عرفت إنه هو اللي بيبتزك أو لا بس زي ما قولتي اللي عمله ده خلاني اصمم أكتر على اللي ناوي أعمله فيه.
فهمت في لمح البصر ما ينوي الفعل به، وهو الثأر لروح زوجته التي خرجت وهي تتعذب، فهتفت في ذهول وشيء من الرجاء:
_ ولما تدخل السجن بسببه هتستفاد إيه، هتبقى خسرت مراتك وخسرت حياتك.. الأفضل إنك تسلمه للشرطة وتسيب القانون يعاقبه.
نظر لها مبتسمًا بإزدراء وهو يتمتم:
_ وهي الشرطة هتقدر تطفي النار اللي جوايا!!.. خلاصة الكلام ياشفق أنا جيت عشان أقولك مش هينفع تمشي من هنا غير لما امسكه لإن ماما قالتلي إنك عايزة تمشي.
ثم هب واقفًا واتجه نحو الداخل مجددًا وتركها معلقة نظرها عليه وهو يبتعد عنها بأعين دامعة!!
* * *
عاد من عمله مبكرًا اليوم على غير عادته وكان متعبًا ودخل فورًا لغرفته حتى ينام.
والآن الساعة قاربت على العاشرة مساءًا ومازال لم يتسيقظ!!
القت هي نظرة على ساعة الحائط بنظرات قلقة ثم استقامت وقررت أن تدخل له وتطمئن عليه وتعرف سبب نومه لكل هذه الساعات فهو منتظم في ساعات نومه ولا ينام لساعات طويلة هكذا.
قادت خطواتها نحو غرفته وفتحت الباب ببطء وادخلت رأسها تنظر له فوجدته في فراشه متدثر بالغطاء حتى كتفه ووجهه يعطي أحمرارًا ليس طبيعيًا.
فدخلت دون تردد واقتربت منه تتلمس بباطن يدها جبهته ووجنته لتجد حرارته مرتفعة جدًا فتخرج فورًا لتجلب دواء للانفلونزا وملأت كوب ماء ثم عادت له وهمست في رفق وهي تهزه بلطف حتى يستيقظ:
_ زين.. زين قوم خد البرشام ده.
فتح عيناه بصعوبة واعتدل نصف اعتدالة في نومته حتى يتمكن من شرب الماء وأخذ الدواء ثم عاد وتدثر مجددًا بالغطاء مغمضًا عيناه التي لا يقوي على فتحهما من ارتفاع حرارة جسده.
بينما هي خرجت مجددًا وعادت بعد لحظات وهي تحمل بيدها منشفًا صغيرًا أكبر من حجم اليد قليلًا، وغمسته في الماء ثم أخرجته وعصرته وطوته ثلاث مرات، ثم وضعته على جبهته.
رفع هو يده وازاحه هامسًا بصوت ضعيف يكاد لا يسمع:
_ اطلعي ياملاذ وسبيني، أنا هنام وهصحى الصبح كويس إن شاء الله.
هتفت برفض قاطع وشيء من الغضب:
_ لا مش هسيبك، إنت مش قادر تفتح عينك من التعب.
ارتفعت نبرة صوته قليلًا وهو يقول بخشونة:
_ قولتلك اطلعي، ملكيش دعوة بيا.
امسكت بالمنشفة الصغيرة وعادت تضعها على جبهته مجددًا هاتفة في إصرار وحدة:
_ متعاندش معايا، لما حرارتك تنزل إن شاء الله هبقى اطلع وأسيبك، وممكن تسكت بقى وتسيبني أعملك الكمادات.
ليس لديه القدرة لمقاومتها أو الجدال معها، فاستسلم لأمره وأغمض عيناه من جديد تاركًا إياها تفعل به ما تريد. واستمرت لدقائق تضع الكمادات على جبهته حتى هدأت حرارته المرتفعة قليلًا، فتنهدت هي بارتياح وجعلت تتفرس ملامحه بابتسامة جميلة ومحبة، ثم مدت يدها تمررها برقة على شعره الأسود الغزير.
لم يمر أسبوعين على زواجهم، ولكنه نجح بسهولة أن يتولى منصبه في قلبها، وأصبحت شبه متأكدة من أنها الآن يمكنها إعلانه سلطانها الجديد وتدق الطبول احتفالًا ببداية عهده.
سمعته يهمس في صوت خافت:
_ اطفي المروحة ياملاذ.. أنا بردان.
_ مش هينفع اطفيها، لازم اشغلها عشان تجدد الهوا في الأوضة، أنا مشغلاها على أقل درجة.
ثم رفعت جزء من الغطاء وتدثرت بجانبه دون أن تضع رأسها على الوسادة، ليقترب هو برأسه من جسدها يستمد منها الدفء، فتبتسم بحب ودفء وتضمه لصدرها بعد أن تمددت كليًا بجواره، وأخذت تغلغل أصابعها بين خصلات شعره وتعبث به برقة حتى غلبه تعبه ونام بين ذراعيها، ولحقت هي به بعد دقائق.
فتح عيناه في صباح اليوم التالي بتكاسل وخمول، ونظر لها بصمت للحظات وهي نائمة بسكون بجانبه، فاعتدل في نومته وانحني طابعًا قبلة رقيقة على جبهتها، ثم نهض من الفراش وغادر الغرفة متجهًا للحمام لكي يأخذ حمامًا دافئًا ويزيح آثار الحمى عن جسده. وبعد دقائق خرج وهو يرتدي بيجامة منزلية من اللون الأسود والرصاصي، ثم ذهب للمطبخ وبدأ في تحضير كوب الشاي الصباحي الخاص به.
فتحت عيناها وتمطعت بذراعيها للأمام ثم اعتدلت جالسة، ونظرت بجوارها فلم تجده، لتقطب حاجبيها باستغراب. ونهضت لتغادر الغرفة، فسمعت صوت قادم من المطبخ.. علمت أنه فيه، فتوجهت صوبه ووقفت بجوار الباب متمتمة في رقة:
_ صباح الخير.
رد عليها باقتضاب دون أن ينظر لها:
_ صباح النور.
اقتربت منه ووقفت بجواره، ثم مدت يدها لتتحسس جبهته هاتفة بنعومة:
_ بقيت كو......
امسك بيدها قبل أن تلمسه وابعدها هاتفًا في صلابة:
_ كويس.. كويس الحمدلله.
طالعته بنظرات رجاء أن ينهي عقابه لها، فقد بدأت نفسها تتألم من جفائه معها، ليخرج صوتها عابسًا:
_ هتفضل لغاية إمتي كدا يازين؟
وضع السكر في كوب الشاي ثم بدأ يقلب بالمعلقة وهو يردف بصوت رجولي أجش:
_ هيفضل حبك لخطيبك حاجز بينا، وهيفضل خداعك ليا نقطة سودا في علاقتنا.
هتفت بنبرة صوت مرتفعة قليلًا وصدق ينبع من صميم فؤادها:
_ مبقتش أحبه، والله العظيم مبقتش بحبه، ليه مش عايز تفهم!!.. أنا مفيش حياتي حد غيرك ومبقتش بفكر غير فيك، وعايزاك تديني فرصة اثبتلك ده واثبتلك إني مش بفكر فيه نهائي وإني ندمانة على اللي عملته، اديني فرصة استعيد ثقتك فيا من جديد.
نفسًا قويًا أخذه وأخرجه زفيرًا حارًا قبل أن يهتف في غلظة صوت ونظرة ثاقبة كالصقر:
_ طيب هديكي فرصة، ولو معرفتيش تستعيدي الثقة دي هيحصل إيه؟
_ مفيش لو.. أنا هصلح كل حاجة عملتها صدقني.
امسك بكوب الشاي والقي عليها نظرة قوية قبل أن ينصرف، ويتركها تتراقص فرحًا من داخلها وتفكر ماذا ستفعل لتتمكن من إعادة المياه لمجاريها، فارتفعت لشفتيها ابتسامة مختلطة بمزيج من المشاعر الرومانسية حين تذكرت نومها ليلة أمس وهو بين ذراعيها، إحساس داهمها لا تجد الكلمات لوصفه سوى أنها شعرت بالسلام والراحة النفسية بجواره.
فتحت الباب ببطء ودخلت حتى توقظه، فتجده مازال نائمًا، تنهدت بعمق ثم اقتربت من الفراش وجلست على الحافة بجواره تبتسم بحب، لا تعرف سبب تغيره معها منذ آخر شجار بينهم والذي كان من أسبوع كامل.. لم يكن تغيرًا جذريًا ولكنه لم يعد يعاملها باحتقار وتقرف بل أصبح عاديًا تمامًا يتحدث بطبيعية، مما جعلها تشك بأمره وتتساءل بفضول وحيرة، هل خطتها تسير في الطريق الصحيح أم أنه أشفق عليها؟ أم ماذا؟، كانت تسأل نفسها هذا السؤال منذ ثلاث أيام وتخشى أن تسأله فتسمع منه ردًا يدخل اليأس لقلبها أو تسمع ما لا تريد سماعه وينفعل فيشب شجار جديد.. وكانت تفضل عدم معرفتها سبب هذه المعاملة، يكفي أنها تسعدها وتعطيها المزيد من الأمل.
انحنت نحوه وطبعت قبلة طويلة على وجنته تبث بها كل شوقها وحبها له، ففتح هو عيناه دفعة واحدة بشيء من الفزع حين شعر بها وخرج صوته تلقائيًا:
_ بتعملي إيه!
ارتدت للخلف فورًا في زعر وهتفت بتوتر مع قليل من الخجل:
_ ولا حاجة، كنت جاية اصحيك عشان منتأخرش على الشغل.
اعتدل وفرك عيناه متمتمًا بابتسامة مزدردة:
_ وإنتي كدا بتصحيني ولا بتتحرشي بيا وأنا نايم.
أشارت إلي نفسها بسبابتها هادرة بدهشة وترفع:
_ أنا!!.. بيك إنت!!، ده على أساس إن إنت ملاك طاهر نازل من السما عشان اتحرش بيك مثلًا.
أبعدها عن طريقه وهو يقول بضحكة خفيفة:
_ طيب ابعدي.
نزل من الفراش وتوجه للحمام لكي يأخذ حمامًا صباحي قبل الذهاب للعمل، أما هي فقد همست لنفسها في فضول قاتل:
_ لا ما أنا هتحصلي حاجة لو مفهمتش هو بيتعامل معايا كدا ليه!
خرجت وبدأت في وضع طعام الإفطار في الصحون ومن ثم ترتيبها على الطاولة، الأمر الذي استغرق منها ما يقارب العشر دقائق. وبعدما انتهت اندفعت نحو غرفتها مجددًا حتى تستعجله، وفتحت الباب لتجده يلف منشفة على نصفه السفلي، وكان سيهم بفكها لولا دخولها الذي اوقفه، فاستدارت فورًا بجسدها كاملًا توليه ظهرها هاتفة بإيجاز:
_ أنا حطيت الفطار يلا عشان ميبردش.
ثم خرجت وأغلقت الباب بسرعة وهمت بالرحيل من أمام الباب، ولكنها توقفت حين عزمت على أن تحصل منه على إجابة للسؤال الذي تطرحه منذ أيام، فانتظرت لدقيقة وطرقت على الباب هاتفة:
_ حسن.
_ اممممم.
قالت بترقب لإجابته:
_ خلصت؟.. عايزة اقولك حاجة.
_ ادخلي خلصت.
فتحت الباب من جديد فوجدته ارتدي بنطاله فقط، هل سألته انتهيت أم لا لتقصد البنطال فقط، ولكنها لم تركز كثيرًا عليه وحاولت أن تثبت نظرها على وجهه فقط، ثم اقتربت منه ووقفت بجانبه وتابعته وهو يفتح الخزانة ويلتقط قميصًا من اللون الازرق الداكن ويدخل ذراعيه في أذرعته، وكان على وشك أن يغلق أزراره ولكن سؤالها جعله ينتبه لها أكثر وينظر لها، حيث قالت بوضوح دون أي مقدمات:
_ إيه سبب تغيرك معايا من ساعة ما اتخانقنا على موضوع الطلاق.
اتاها صوته القوي وهو يبتسم ببساطة:
_ أنا متغيرتش، بس تقدري تقولي إني لقيت إن شغل القط والفار ده مش هيفيد بحاجة بالعكس هيوجع دماغي أنا والأفضل إني اتعامل معاكي بسلاسة وعادي جدًا لغاية ما نتطلق.
هذا ما كانت تخشى سماعه ولهذا كانت مترددة في سؤاله، وعلى عكس المتوقع منها غمغمت في شيء من السخرية:
_ يعني إنت خلاص قررت إنك هتطلقني.
بدأ يزرزر قميصه وهو يقول بمبالاة:
_ إنتي شايفة إننا ينفع نكمل مع بعض؟
قالت بهدوء تام:
_ ومينفعش ليه!؟
نظر لها وقال ببرود قاسي وكلمات دخلت في قلبها كالسقم الذي يفتت الأعضاء:
_ عشان احنا مننفعش لبعض وعشان أنا مش قادر أحبك.
رفضت الكلمات الخروج ورفض صوتها أن ينطلق من حنجرتها، وفقط شعرت بأن دموعها على وشك التجمع في عيناها، وما زاد الأمر سوءًا استرساله في الحديث ولكن هذه الأمر ببعض اللين:
_ إنتي مش هتقدري تغصبي حد عشان يحبك يا يسر.. أنا مش بحبك فعلًا بس كمان مش بكرهك، أنا بكره تصرفاتك وأفعالك ومش عايز أكرهك، فعشان كدا هننصبر لغاية ما تعدي فترة على جوازنا وبعدين هنطلق.. صدقيني ده أفضل حل لينا احنا الاتنين.
لديه الحق في جملة واحدة فقط، هي لن تستطيع إجباره على حبها.. فكل شيء يمكن أن يكون بالإجبار إلا القلب، فلا تتمكني من فرض سيطرتك عليه وجعله يخضع لقوانينك ويذعن لك، لن تتمكني من جعل القلب يستلطف شخصًا أو يكرهه أو يحبه بالإجبار.
الآن فقط يمكنها أن تبارك له على الفوز وتتقبل خسارتها النكراء.
امتلأت عيناها بالدموع وقالت في انكسار وعجز:
_ موافقة ياحسن.
أحاط بكتفيها وتمتم في لطف وحنو مع زرانة وتعقل:
_ من غير زعل يايسر، أنا مدرك حبك ليا بس احنا مش لبعض، وإنتي أكيد هتنسيني بعدها بفترة وهتلاقي الشخص اللي ينسابك ويحبك، إنتي تستاهلي واحد يقدرك ويحبك لكن أنا مش هقدر أكون الشخص ده.. إنتي محتاجة واحد زيك!
قال جملته الأخيرة بابتسامة مداعبة لتجيبه بتعجب:
_ زيّ إزاي يعني؟!
أكمل بمزيد من المشاكسة حتى يجعلها تبتسم:
_ واحد خبيث زيك عشان تتأقلموا مع بعض، لكن أنا طيب وغلبان جمبك وبخاف على نفسي منك أحيانًا.
ابتسمت بالفعل وأظهرت عن أسنانها البيضاء الناصعة، ثم قالت بنبرة عادية تتصنع من خلالها الثبات:
_ طيب خلص لبس وتعالى أنا هستناك برا عشان الأكل.
إيماء لها بالموافقة لتستدير هي وتنصرف، وبمجرد ما خلت بنفسها في الخارج تركت العنان لدموعها تسقطهم في صمت وهي تشعر بتمزق قلبها من الألم والحرقة.
يبحث في مكتبه الصغير عن بعض الأوراق الخاصة بالعمل لكي يأخذها معه، وبينما هو منشغل بالبحث عنها دخلت عليه هدى وأغلقت الباب خلفها وهاتفة:
_ رايح الشركة من دلوقتي ياكرم؟
_ أهاا، إنتي عايزة حاجة ولا إيه؟
استغرقت لحظات وهي تجهز الكلمات بذكاء في عقلها حتى تصل لمبتغاها، ثم اقتربت منه وهمست في صوت منخفض قليلًا:
_ هتعمل إيه مع شفق؟ وأخر ما تقعد هنا يعني أهو عدي أسبوع وهي ذات نفسها عايزة تمشي.
قال بإيجاز وعدم اهتمام وهو لا يزال يبحث في الأدراج عن ما يريد:
_ أنا اتكلمت معاها إمبارح ياماما وفهمتها الموضوع.
استفزها عدم اكتراثه للأمر فهتفت في حدة ملحوظة في نبرتها:
_ مينفعش تقعد هنا كتير ياكرم، وهي مهما كان فهي غريبة عننا ومش من عيلتنا، وملاذ ويسر لما بياجوا هما وإخواتك بحسهم بيضايقوا وبذات يسر، ده غير إن جدتك كمان أسبوع ولا حاجة وهتاجي وهتعوز تخلي حسن وزين ياجوا ياخدوا يومين معانا هنا، وعيب تقعد وسطيكم وهي غريبة عنكم كلكم.
عثر على الأوراق أخيرًا ثم ألقاها على سطح المكتب وهو يجيبها بفتور وشيء من الانفعال البسيط:
_ وأنا أعمل إيه بس أسيبها في بيتهم وحدها ويحصل معاها زي ما حصل لما جبتها، أنا تعبت والله كل حاجة بتضغط عليا!!، لو عندك حل وهيخليها في آمان قوليه وريحيني.
ابتسمت بمكر وقالت مباشرة دون أي مقدمات:
_ اتجوزها.
الجمته الكلمة في أرضه وجعلته يحدق بأمه في دهشة ولا يستوعب ما اخترق سمعه للتو، وسرعان ما ضحك ساخرًا دون أن يتحدث ويسمع استرسالها في الحديث وهي تقول بحكمة:
_ ده الحل الأمثل، إنت هتفضل تحميها كدا لغاية امتي لكن لما تتجوزها هتبقى تحت عينك وهتكون برضوا نفذت وصية سيف الله يرحمه وهتخلي اخته في كنفك وجمبك علطول وفي حمايتك.
استمر في ضحكه المندهش وهمهم في ازدراء:
_ أنا مش مصدقك والله، ولا مستوعب اللي بتقوليه.
رسمت محل ابتسامتها قسمات الحزم والاستياء البسيط وقالت في شيء من الجفاء:
_ مش مستوعب ليه!!، إنت عايز تفضل عازب كدا علطول.. هي اروى هترجعلك تاني مثلًا ولا إنت بقى هتوقف حياتك عليها وهتتقمص دور المخلص ليها لآخر عمرك.
اطال النظر في وجهها للحظات فلقد كانت كلماتها قاسية عليه ولم يتوقعها منها قط!
خرج صوته الغليظ وهو يهم بالانصراف:
_ بظبط هو ده اللي هعمله يا أمي.
وصل عند الباب وتوقف عندما سمعها تهتف في قسوة ونبرة لا تحمل المزاح أو الرحمة:
_ لو موافقتش تتجوزها اعتبرني مت وهغضب عليك لغاية ما أموت ولساني مش هيخاطب لسانك أبدًا.. شوف بقى هتختار إيه.
التفت لها برأسه ومال بها قليلًا للجانب وكأنه يتوسلها بنظراته قائلًا "لا تفعلي هذا بي أرجوكِ، لا تجبريني على الاختيار بينكم!".
وضعت الصخر على قلبها حتى لا تلين له ولنظراته التي تذيب الثلج.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، ترفض النظر إليه، موضحة له عدم رغبتها في رؤيته إلا حين يخبرها بقراره النهائي.
أصدر هو تنهيدة مسموعة في حيرة وألم، ثم قام بفتح الباب ورحل.
تركها تتخبط في مشاعرها ما بين شفقتها عليه وما بين رغبتها في أن تراه سعيدًا، حتى لو لن يكون في البداية سعيدًا.
ولكنها متأكدة بأن هذه الفتاة هي التي ستعالج آلمه، وفي النهاية هو بنفسه سيشكرها.
***
أوقف سيارته في المكان المخصص داخل الحديقة، ثم نزل منها وقاد خطواته الطبيعية نحو الباب.
طرق عدة طرقات خفيفة لتفتح أمه الباب وتهتف بدهشة امتزجت بالسعادة:
"إيه ده زين.. مقولتش ليه إنك جاي؟"
انحنى والتقط كفها يقبله برقة، ثم يعانقها وهو يردف:
"عاملة إيه يا أمي؟"
"الحمدلله ياحبيبي بخير وإنت عامل إيه.. مراتك مجاتش معاك ولا إيه؟"
أجابها بالنفي وشيء من العجلة:
"لا مجاتش، أنا جيت اتكلم مع رفيف في حاجة وماشي تاني عشان معايا اجتماع."
قطبت حاجبيها باستغراب وتشدقت بريبة والقليل من القلق:
"خير.. هو في حاجة ولا إيه؟"
ملس على وجنتها بحنو هامسًا:
"خير إن شاء الله.. أنا هروح اشوفها."
ثم تركها وتوجه للأعلى مسرعًا.
وبينما هو في طريقه لغرفة شقيقته، قابل شفق التي كانت في طريقها للأسفل حتى تشرب.
فأجفل نظره عنها فورًا أرضًا وتوقف لثانية واحدة.
ألقى عليها تحية السلام وقاد آخر خطواته لغرفة شقيقته دون أن ينتظر منها الرد.
حتى لترد هي في نفسها تحية السلام عليه وتكمل طريقها للأسفل وهي تبتسم بتعجب من هؤلاء الإخوة.
فكرم كان يرفع نظره إليها بصعوبة في البداية بسبب حياءه.
وأخيه الأكبر لا يختلف عنه كثيرًا، سوى أنه ملتزم ولا يرفع نظره في امرأة أيضًا، ولكن ليس من حياءه بل من فرط تدينه وأخلاقه الحميدة.
وخلال المرتين اللتين رأت فيهما حسن، اتضح لها من مجرد نظرة أنه لا يشبه إخوته بتاتًا في شيء.
طرق الباب وانتظر أن يأتيه صوتها تسمح للطارق بالدخول.
حتى فتح الباب ودخل.
وبعفوية شديدة وثبت من فراشها واقفة وعانقته مرحبة به بحرارة.
فغالبًا يكون الأخ الأكبر للفتاة الوحيدة بمثابة أب وليس أخ.
بادلها هو ترحيبيها به بحنوه المعتاد عليها وهو يهمس في صوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
"عاملة إيه يارفوفتي؟"
دلعه المميز لها هو ما قاله "رفوفتي".
ولكن من أشقائها يدلعها على طريقته.
فمثلًا حسن يقول لها أحيانًا "فيفي"، وكرم "رورو".
ولكن الأقرب لقلبها هو ما يناديها به أخيها الأكبر.
غمغمت في رقة:
"الحمدلله كويسة وإنت؟"
"بخير الحمدلله، أنا حسن كلمني من كام يوم في موضوع الشغل وقالي إنك قولتي ليسر وكدا وكنت عايز آجي اتكلم معاكي في الموضوع ده بس مكنتش فاضي."
تهللت اساريرها وقالت بحماس:
"يعني موافق بجد؟"
جذبها من يدها بلطف وأجلسها على الفراش وبدأ يتحدث بنبرة صوت جادة ونظرة ثاقبة تعرفها جيدًا منه، مما جعلها تتوتر:
"موافق وكمان جهزي نفسك وتعالي مع كرم بكرة عشان تبدأي ويسر تعلمك زي ما قالت. بس مش هو ده الموضوع اللي جاي عشان.. قوليلي بقى إنتي كلمتي يسر فعلًا؟"
ارتبكت بشدة وتلعثمت.
فطالما سأل هذا السؤال حتمًا عرف بأنها تحدثت مع "علاء".
وكان يسألها بوضوح وبنظراته هذه لأنه متيقن أنها لم تتمكن من الكذب أمامه، وإلا ستكون عواقب كذبها أشد.
فأخذت شهيقًا قويًا وأخرجته زفيرًا متمهلًا، ثم تمتمت في توتر:
"الصراحة لا.. بص هو مفيش حاجة أصلًا والله، كل كل ما في الموضوع إني كنت راجعة من الكلية وعلاء شافني بالصدفة وقالي تعالي هوصلك البيت في طريقي وأنا ركبت وهو سألني عن الكلية والكلام جاب بعضه واتكلمت عن الشغل وكدا يعني وقولتله إنكم مش موافقين فقالي إنه هيكلم عمي ويخليه يحاول يقنعكم وعشان عمي مسافر فشكله قال ليسر وهي قالت لحسن، بس هو ده اللي حصل والله."
لو كانت كذبت لكان سيغضب بشدة منها.
ولكن صراحتها هدأت من روعه كثيرًا.
وتمتم في رزانة ونبرة دافئة:
"طيب وهو هل يصح إنك تركبي معاه في العربية وحدك؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تطرق رأسها أرضًا بإحراج وهمست في صدق وضيق من نفسها:
"أنا مكنتش اقصد أعمل حاجة غلط والله، هو لما قالي اركبي محبتش اكسفه وإنت عارف إن علاء كويس جدًا ولو كان غير كدا أنا مكنتش هتكلم معاه كدا نهائي أو هركب معاه أصلًا."
أكمل بنفس نبرته السابقة:
"أنا مقولتش حاجة على علاء، أنا عارف علاء كويس وإلا كان زمانك هتشوفي ردة فعل مني مختلفة. أنا بتكلم عليكي إنتي.. ده غلط واسمه خلوة وإنتي فاهمة يعني إيه خلوة.. فأنا مش هقول حاجة المرة دي وهعديها بس هتكون آخر مرة. ولو حصلت تاني الصدفة دي ابقى اعتذري منه بأي طريقة ودايمًا تخلي في حدود في تعاملك مع أي راجل مش مع علاء بس. وتبقى الحدود دي كمان لما تكوني مضطرة يعني في عمل أو شيء تاني إنتي مضطرة تتعاملي فيه مع راجل فتحطي حدود ومتسمحلهوش ولا تسمحي حتى لنفسك إنتي تتخطيها."
ثم توقف عن الكلام للحظات واسترسل حديثه بابتسامة ساحرة ولين:
"في مقولة بتقول زينة الغني الكرم وزينة الفقير القناعة وزينة المرأة العفة."
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترسم ابتسامة ناعمة على شفتيها:
"حاضر صدقني آخر مرة ومش هتتكرر تاني."
قرب رأسها من شفتيه ليقبل جبهتها متمتمًا قبل أن يستقيم واقفًا:
"يحضرلك الخير ياحبيبتي، أنا همشي بقى عشان متأخرش."
ودعته بعناق سريع ثم انصرف وتركها تفكر في كلامه وتلوم نفسها بشدة على ما فعلته.
فهو لديه الحق في كل كلمة قالها.
وهي أخطأت حين سمحت لنفسها بأن تتخطى الحدود، سواء مع شقيق ملاذ "إسلام" أو مع ابن عمها.
***
تجولت إلى ما يقارب الساعة والنصف بين محلات الملابس النسائية، وخاصة محلات الملابس الفضفاضة كالرداءات والعباءات والتنانير.. إلخ.
وبينما هي في آخر محل تحاسب على آخر شيء ستشتريه، لفتت نظرها ساعة الحائط التي تجاوزت الثالثة عصرًا.
فخفق قلبها ببعض التوتر واسرعت للخارج بعد أن حملت أكياس ملابسها، عازمة على الوصول للمنزل مسرعة.
داعية ربها ألا يكون وصل قبلها، فهي لا تدري كيف ستكون ردة فعله.
نزلت من السيارة الأجرة أمام البناية الضخمة التي تقع شقتها في الطابق العاشر منها.
وتلفتت حولها فوجدت سيارته.
لتغمض عيناها بيأس وهي تزفر، معنفة نفسها بشدة.
ثم أخرجت هاتفها ونظرت للشاشة، وكان عدد الاتصالات الواردة منه تجاوزت الخامسة عشر، مما أثبت لها أنها ستتلقى توبيخًا وسخطًا عنيفًا منه.
فقادت خطواتها المتعثرة لداخل البناية ثم استقلت بالمصعد الكهربائي.
وبعد لحظات وقفت أمام طابق شقتها، فخرجت وتحركت صوب الباب ببطء وتردد، تحاول إيجاد الحجج والأعذار التي ستبرر بها خروجها دون إذنه.
تفكر كيف ستهدأ من ثورته.
وضعت المفاتيح في قفل الباب وأدارته للشمال ثم فتحته بحذر وأدخلت جسدها تدريجيًا.
أولًا رأسها التي تلفتت يمينًا ويسارًا باحثة عنه.
ثم خطت بقدمها اليمني للداخل وأخيرًا جسدها كله.
ثم أغلقت الباب بحرص شديد وبطء.
وإذا بها تنتفض واقفة كأن عقرب لدغتها حين سمعت صياحه مناديًا عليها:
"مـــــلاذ."
ازدردت ريقها بارتباك والتفتت بجسدها بعد أن ألقت بالأكياس على أقرب مقعد منها.
ثم ذهبت له وهي تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، حتى وقفت أمامه.
وخاطفت نظرة سريعة له لتجد وجهه مشتعلًا يعطي احمرارًا مريبًا.
وخرج صوته الذي وقع في نفسها وقعًا مهيبًا ومخيفًا:
"كنتي فين؟"
انزوت نظرها عنه في ربكة ملحوظة وهمهمت بأسف صادق:
"أنا آسفة."
ارتفعت نبرة صوته قليلًا وصارت أشد قسوة:
"أنا مش بقولك اعتذري، أنا بسألك كــنـــتي فــــيــــن؟ وطلعتي من غير ما تقوليلي ومش بتردي على تلفونك كمان."
كان صوتها منخفضًا وفيه شيء من الإحراج منه وهي تتمتم:
"روحت اشتري كام حاجة ليا ومكنتش متوقعة إنك هتتعصب كدا أوي والله، ولو كنت أعرف كنت قولتلك وأنا أساسًا كنت ناوية أرجع قبل ما ترجع بس تأخرت غصب عني."
سرت رعشة في جسدها أثر صرخته العنيفة والثائرة بها وهو يخرج شحنة غضبه المكتظة داخله:
"مفيش حاجة اسمها مكنتش متوقعة.. في حاجة اسمها إنك متجوزة ولما تطلعي من البيت تشاوريني وتاخدي إذني الأول مش تطلعي وتدخلي على مزاجك."
هي لم تكن تقصد أن تخالف قواعد المرأة المتزوجة عند خروجها من المنزل، ولكنها كانت تريد أن تفاجئه بما عزمت عليه ولا تريد أن يعرفه حاليًا إلا حين اللحظة.
فرفعت نظرها له وقالت باعتذار ينبع من صميمها وصوت رقيق به خضوع كامل لأوامره:
"حاضر.. أنا آسفة، أول وآخر مرة صدقني مش هتتكرر تاني."
لانت نظراته قليلًا لها وسكنت ثورته في الأعماق بعض الشيء.
ثم اقترب منها وهو يتفحص يديها الفارغتان مغمغمًا بغلظة صوته الرجولي:
"وفين الحجات اللي جبتيها دي وإيه هي؟!"
ابتسمت بلطف وتحدثت بنبرة أنوثية ناعمة:
"عملاها مفاجأة ليك.. لما ياجي وقتها هتعرفها."
رَانَ الصمت عليه لثوانٍ يحاول تخمين هذه المفاجأة التي تتحدث عنها، ولكن لم يعطها اهتمامًا زائدًا عن حده حيث نفضها عن ذهنه.
وثبت تركيزه على نفسه المتأججة بنيران الغيرة.
فكما أخبرها هو لا يستطيع الوثوق بها حتى الآن ولم تتمكن من استعادة هذه الثقة.
وما يدور في عقله الآن هو سبب كل هذا الغضب ويجعله يحترق ويأكله أكلًا.
حيث همس في نظرة تركت أثرًا سلبيًا في نفسها ونبرة صوت خافتة تحمل لهيب الغيرة والازدراء معًا:
"ياترى روحتي تشتري الحجات اللي عملاها مفاجأة ليا دي بس، أصل إنتي متعودة بتقولي للناس رايحة مكان وبتكوني روحتي مكان تاني خالص."
وقعت كلماته الجافة التي لا تحمل الرحمة كصخور ضخمة وتركت آثارها من جروح على جسدها وبالأخص قلبها.
أيشك بها؟
يذكرها بليلة زفافهم حين أخبرتهم بأنها ذاهبة للحمام وخرجت لتقابل خطيبها السابق.
هل حقًا يظنها الآن خرجت لتقابله مجددًا؟
ولكنها وعدته بأنها ستكف عن حبه وهي بالفعل فعلت.
ووعدته بأنها ستوهب حياتها لأجله وستكون ملكًا له.
وأقسمت بأنها لا تريد سواه وأنها نادمة أشد الندم على الخطأ التي اقترفته وستبذل كل الجهد لتصحيحه.
هل يظن أن خيانة الوعود من شيمها؟
ربما خدعته واستغلته وخانته، ولكنها لم تخن وعدها أبدًا ولن تفعل.
غامت عيناها بالعبارات الحارقة والمعاتبة على ما قاله:
"إنت شاكك فيا يازين!!، أنا وعدتك إني مستحيل أقرر الغلط مرة تاني ومش معقول هكون بعمل كل اللي أقدر عليه عشان أصلح الوضع بينا واستعيد ثقتك واروح أعيد الغلط تاني ده يبقى اسمه غباء ووقتها ابقى استاهل إنك متدينيش فرص فعلًا.. أنا حلفت بالله إن القذر ده مبقيش في بالي أصلًا وإن إنت الراجل الوحيد في حياتي دلوقتي بس واضح إن حتى القسم بالله مخلكش تصدق ولسا بتشك فيا ومبقتش مجرد عدم ثقة لا كمان بقى شك إني بخونك وبقابله وبكمل علاقة حبي معاه."
ثم استدارت وذهبت لغرفتها بعد أن أخذت أكياس ملابسها معها.
واجهشت ببكاء قوي وصل لأذنيه.
ليزفر متسفرًا ربه.
فمهما حدث بينهم فإن آخر شيء يريد سماعه أو رؤيته هو بكائها.
اتجه نحو غرفتها وحاول فتح الباب ولكنه أبى ولم يفتح.
ففهم أنها أغلقته بالمفتاح من الداخل.
ثم أطرق على الباب بلطف هاتفًا:
"افتحي ياملاذ."
جاءه صوتها الباكي وهي تهتف بتضجر:
"مش هفتح يازين وممكن تسبني وحدي لو سمحت."
قال بلهجة آمرة بها شيء من الرفق:
"قولت افتحي الباب ياملاذ.. افتحي يلا!!"
وقفت مغلوبة على أمرها وفتحت له بوجه غارق في الدموع.
ليخرج منديلًا من جيبه ويمد يده به إليها.
وبنظرة دافئة ثم يهمس في هدوء ساحر:
"فهمتي أنا ليه بقول الطلاق أفضل حل ولازم يحصل، لإن أنا لا قادر أسامحك ولا قادر أشوفك بالوضع ده، فده هيكون فيه خير ليكي أكتر مني."
جففت دموعها بالمنديل الورقي الذي أعطاه إياه.
وهتفت بإصرار وحزم:
"وإنت ادتيني فرصة، لما استنزفها وقتها ابقى طلقني."
"ياريتك تمسكتي بالفرصة الأولى زي كدا وحافظتي عليها على الأقل مكنش ده هيبقى وضعنا."
"تمسكت بيها والدليل إني رفضت أسيبك وخدت عهد على نفسي إني هشيل خطيبي من تفكيري ونجحت، وزي ما نجحت هنجح دلوقتي كمان، لإني مش عايزة أتطلق منك.. عايزة أفضل مراتك."
أنا بفتخر إني مراتك يا زين، وبقيت بحب ارتباط اسمي باسمك.
كانت تتحدث بثقة مفرطة وهي تخبره بأنها كما نجحت في تطهير قلبها من هذا الحب الخبيث المدنس، ستنجح في استعادة ثقته بها وستتمكن من إزالة العوائق التي تحجب ضوء الشمس عنهم.
أما هو، فقد دوت كلماتها الأخيرة في أذنيه، التي أرسلت كلامها لعقله، والذي بدوره قام بإفراز هرمون السعادة المسؤول عن تحسين الحالة المزاجية. فكان هو على وشك أن تنطلق منه ابتسامة عاشقة لهذا الكلام الذي بإمكانه أن يترك أثرًا إيجابيًا في نفس ورجولة أي رجل، ولكنه كبح تلك الابتسامة بصعوبة وتكلف.
تَكَلَّفَ الجمود ولف ذراعه حول كتفيها طالبًا منها السير معه حتى الحمام، ثم فتح الباب لها وقال بنبرة عادية:
_ اغسلي وشك واتوضي يلا عشان العصر أذن من نص ساعة.
إماءت رأسها بالإيجاب ثم دخلت وأغلقت الباب عليها بهدوء، وشرعت في غسل وجهها والوضوء لأداء فرضها وهي تجاهد في كبت دموعها من الانهمار مرة أخرى.
***
مع صباح يوم جديد، كانت ملاذ تقف أمام مرآة غرفتها تستعد للذهاب لزيارة أهلها بعد أن طلبت منه الإذن ووافق، وقال أنه سينتظرها ليأخذها معه في طريقه ثم يتجه هو لعمله بعد ذلك.
كانت ترتدي عباءة عصرية من اللون البينك مطرزة بفصوص بيضاء من الخرز، وفوقها ترتدي حجابًا طويلًا أشبه بـ (الخمار)، ثم قامت بإنزال النقاب على وجهها. لم تكن تود أن تكشف عنه الآن وكانت تخطط لشيء آخر لتكشف له المفاجأة.
ولكن بعد ما قاله لها البارحة وشكوكه بها أنها لم تذهب لشراء بعض الأشياء الخاصة بها كما قالت، وأنها ذهبت لمقابلة خطيبها السابق، أثارت في نفسها آلامًا عنيفة وجعلتها تتخذ قرارًا حتميًا بأن ترتديه اليوم وتثبت له صحة كلامها، لعلها تستعيد ولو جزءًا صغيرًا من ثقته بها.
ألقت نظرة أخيرة على مظهرها الخارجي فشعرت ولأول مرة أنها راضية عن نفسها وعن مظهرها. رأت نفسها في هذه الملابس المحتشمة وهذا النقاب الذي يخفي وجهها أجمل من أي شيء ارتدته سابقًا.
فأخذت نفسًا عميقًا وأخرجته زفيرًا حارًا تستعد لمواجهته وترتب الكلمات التي ستقولها له، فاستجمعت شجاعتها وثقتها بنفسها ثم خرجت من الغرفة واتجهت نحوه.
فوجدته جالسًا على أريكة متوسطة الحجم أمام التلفاز المغلق، ويوجه لها ظهره، وفي سبابة يده اليمنى مسبحة رقمية من اللون الأسود، كلما يذكر الله يضغط على زرها فتقوم هي بالتسجيل والعد.
ازدردت ريقها بتوتر وهمست في صوت رقيق:
_ أنا خلصت.
التفت لها برأسه، فلجمت الدهشة لسانه وتفحص مظهرها وملابسها بتدقيق، ثم ثبت نظره على وجهها يحدقها بشيء من الذهول الممتزج بالإعجاب. واستغرق الأمر ثلاث ثوانٍ بالضبط حتى هب واقفًا وقال باستغراب متفهمًا عن سبب ارتدائها له فجأة هكذا:
_ إيه ده؟
رفعتها لأعلى لتظهر عن وجهها ثم تقترب منه بثقة تامة لا تعرف من أين جاءت بها، وتهمس بصوت أنوثي جذاب:
_ أنا اتفقت معاك من قبل الجواز إني هلبسه بإذن الله لما أكون واثقة من قراري، ودلوقتي ده أنسب وقت عشان أثبتلك إني مش عايزة أي راجل غيرك يشوفني.
رواية ضروب العشق الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى محمود توفيق
رفعته لأعلى لتظهر عن وجهها ثم تقترب منه بثقة تامة لا تعرف من أين جاءت بها وتهمس بصوت أنثوي جذاب:
_ أنا اتفقت معاك من قبل الجواز إني هلبسه بإذن الله لما أكون واثقة من قراري. ودلوقتي ده انسب وقت عشان أثبتلك إني مش عايزة أي راجل غيرك يشوفني!!
هيمن عليه الصمت للحظات بعد ما قالته، فقد دفنت أي شيء كان من الممكن أن يقوله بعد آخر جملة تفوهت بها. ولم يجد شيئًا ليقوله سوى تهنئتها، حيث غمغم بابتسامة:
_ مبروك يا ملاذ. ربنا يثبتك.
ثم هم بالاستدارة ليذهب، فقبضت هي على ذراعه وأردفت بتعجب:
_ بس!!
_ بس إيه؟
قالها في ريبة حقيقية، لتكمل هي بخيبة أمل:
_ أقصد مبروك بس! يعني مش هتقول حاجة تاني؟
عاد يستدير بكامل جسده لها ويضيق عينيه متشدقًا ببرود وجفاء:
_ المفروض أقول إيه مثلًا أكتر من كده!
زمت شفتيها بيأس وقالت في قسمات وجه واضح عليها العبوس:
_ أنا توقعت إنك هتفرح لأنك كنت متحمس جدًا ومبسوط جدًا بالفكرة لما قولتلك عليها بعد كتب الكتاب.
ابتسم بازدراء وهمس بكلمات جعلتها تتأكد بأن جميع جهودها معه لم تجدي نفعًا:
_ وانتي قولتي أهو بعد كتب الكتاب، يعني قبل ما تحصل أي حاجة بينا. دلوقتي إنتي متعنيش ليا بحاجة يا ملاذ.
شعرت بأن غدتها القنوية ستبدأ في إفراز دموعها. فقد أوشكت على فقدان الأمل في أن تعود العلاقة بينهم كما كانت ويعود هو لطبيعته الحانية والجميلة التي لم تشهدها سوى لمرات قليلة. ولوهلة شعرت الآن أنها تشتاق لرؤية حبه لها ومعاملته التي شبه بمعاملة الملوك لزوجاتهم. خرج صوتها مبحوحًا بنظرات منكسرة:
_ زين، إنت بجد بقيت تكرهني!
أصدر تنهيدة حارة وقال متهربًا من الإجابة على هذا السؤال الذي لا يستطيع الإجابة عليه بـ "لا". فبرغم كل ما حدث بينهم، ما زالت تستحوذ على جزء كبير منه:
_ أنا بقول إن يلا بينا عشان اتأخرت على الشركة. أنا هسبقك على تحت وهستناكي في العربية وإنتي تعالي ورايا.
ظلت مكانها تتابعه وهو يغادر المنزل، ثم أنزلت النقاب على وجهها مجددًا وأخذت حقيبة يدها ولحقت به. لتستقل بجواره في السيارة دون أن تنظر له، مستغلة فرصة تغطية وجهها لتترك العنان لدموعها من أسفله. أما هو، فكان يختلس نظرات سريعة لها من آن لآخر. فلا ينكر سعادته حين رآها ترتديه، وبالأخص حين سمع جملتها بأنها لا تريد رجل سواه يراها. والآن هو يواجه صراعًا بين رغبة قلبه وحكمة عقله التي ترفض الخنوع لها، ويقتنع أن التي قامت بخداعه مرة بإمكانها أن تفعلها مجددًا!!
داخل منزل محمد العمايري...
ينظر لصحن الطعام الذي أمامه بصمت ويحرك المعلقة يمينًا ويسارًا فيه دون أن يرفعها لفمه مطلقًا. يفكر فيما قالته أمه له، فقد كان جزء من كلامها صحيح والجزء الآخر يستحيل حدوثه. هي لديها الحق عندما قالت إلى متى سيظل يحاول حمايتها ويرعاها هكذا، وإلى متى ستبقى معهم في المنزل. ولكن حلها للمشكلة بزواجه منها لا يمكن، بل مستحيل. ولا يستطيع أن يوهب قلبه لامرأة سوى زوجته التي تمثل مانعًا وحاجزًا بينه وبين أي امرأة أخرى. فقد نجحت في أن تعميه عن النساء أجمعهن في حضورها، وحتى بعد مماتها!
انضمت لطعامه أمه التي جلست على مقعد في آخر الطاولة وبدأت في تناول طعامها دون أن تنظر له أو حتى تلقي عليه تحية الصباح. فزفر هو بخنق وتمتم مبتسمًا بلطف:
_ صباح الخير!
ردت عليه في اقتضاب متصنع حتى توهمه بأنها بالفعل غاضبة منه ولن ترضى عنه إلا حين ينفذ ما تريد:
_ صباح النور.
نهض من مقعده واقترب ليجلس على المقعد المجاور لها، ثم أمسك بكفها وقبل ظاهره بحنو متمتمًا في اعتذار صادق:
_ أنا آسف، سامحيني اتعصبت عليكي امبارح غصب عني والله. واوعدك لو إنتي مضايقة من وجود شفق هنا، هشوف حل في أقرب وقت.
سحبت يدها من بين يديه وهتفت في إصرار وقسوة وهي تكمل تناول طعامها:
_ وأنا قولتلك الحل يا كرم، ومعنديش غيره وهنفذ اللي قولتهولك فعلًا لو متجوزتهاش.
استغفر ربه وهو يزفر بنفاذ صبر ويتمتم متوسلًا إياه برقة:
_ يا ماما ابوس إيدك بلاش اللي بتعمليه ده. إنتي عارفة إني مقدرش أزعلك مني وفي نفس الوقت مقدرش أعمل اللي بتقوليه ده. متجبرنيش أختار بين حاجتين أنا مقدرش أعمل ولا واحدة فيهم.
نظرت له وأغلقت على قلبها بالمفتاح حتى لا يدخله بنظراته وكلامه ويضعف من موقفها. وليخرج صوتها قاسيًا لا يحمل رحمة:
_ لازم تضحي بحاجة، وشوف بقى إنت هتضحي بإيه.
قال شبه غاضبًا دون أن يرفع صوته:
_ دي مفيهاش اختيار ولا تضحية. إنتي كأنك بتطلبي مني أدمر حياة البنت. أنا لو عملت اللي بتقوليه هبقى بظلمها وأنا مش هقبل بكده لإني عارف إني مش هقدر أنسى أروى ولا أحبها.
_ هتحبها وابقى افتكر اللحظة دي لما تتجوزها ويحصل اللي بقولك عليه.
هو رأسه نافيًا بعدم حيلة عندما أدرك استحالة الحديث معها ومحاولة اقناعها بأن تتوقف عن ما تفعله. فهتف محاولًا تغيير مجرى الحديث حتى لا يفقد زمام نفسه:
_ فين رفيف؟
_ معاها محاضرة مهمة طلعت من الصبح بدري وبعد ما تخلص هتروح على الشركة.
_ وشفق؟
هنا التزمت الصمت للحظات قصيرة ثم التقطت قطعة خيار وألقتها في فمها متمتمة في برود وهدوء تام:
_ مشيت الصبح، صمتت إنها تمشي وأنا مقدرتش أمنعها. أصل همنعها بأي حق؟ وهي بنفسها قالت إنها مش مرتاحة هنا، يعني رأيها من رأي في موضوع إنها مينفعش تقعد.
هتف غير مستوعبًا ما قالته وفي شيء من الصدمة:
_ مشيت إزاي يعني؟ وليه مصحتنيش؟ وإزاي تسبيها تمشي بالسهولة دي؟
_ هعملها إيه يعني؟ هربطها في السرير مثلًا!
هب واقفًا وهو يتأفف بأنفاس ملتهبة، فقد نجحت الظروف في إخراج جانبه السيء. ورغم كل هذا، لازال ينجح في السيطرة على جموحه أمام أمه، حيث هتف بهدوء مزيف:
_ وراحت فين؟
هزت كتفيها لأعلى بمعني "لا أعرف"، ليخرج هو هاتفه ويتصل عليها فيجد هاتفها خارج نطاق الخدمة، ليلقي نظرة معاتبة على أمه قبل أن يندفع لخارج المنزل، ظنًا منه أنه عندما يذهب لمنزلها سيجدها فيه!
مرت ساعة منذ استيقاظه وهو يجلس أمام التلفاز ولم يسمع لها صوتًا، فليس من العادة أن يستيقظ ويجدها مازالت نائمة. مما أثار شكوك القلق بداخله، فهب واقفًا واتجه نحو غرفتها، ثم فتح الباب ببطء هاتفًا مناديًا عليها بصوت عادي:
_ يسر!
فسمع صوت رذاذ المياه في الحمام ليدرك أنها استيقظت وتأخذ حمامها الصباحي. ولكن فضوله دفعه للدخول وتفحص غرفتها وأشيائها. وألقى نظرة شاملة وعامة أولًا على الغرفة متفحصًا جميع أجزائها بعينيه، وبتلقائية قام بفتح الخزانة كنوع من الفضول أيضًا. ولسوء الحظ أنه فتح الباب الخطأ، حيث رفع حاجبه مبتسمًا بشيء من السخرية ومد يده يقلب بين ملابس العرائس النسائية التي لا تخلو خزانة زوجين منها. كانت ألوان وأشكال ومعظمها من الألوان المفضلة لديه، هل هذه صدفة أم تلك الخبيثة خططت لكل شيء! كان يخرج واحدًا واحدًا يمسكه من رأس الشماعة ويقلبه يمينًا ويسارًا. هل كانت حقًا تظن أن الحياة بينهم ستكون وردية لتقوم بشراء كل هذه الملابس المثيرة! كان يحدث نفسه هكذا. وبعد ما يقارب الدقيقتين أغلق الخزانة وهم بالمغادرة، ولكن البوم الصور الموضوع على الفراش لفت نظره، فاقترب وجلس ثم التقطه وبدأ يقلب في صوره. كانت صورة تجمعها مع أصدقاء لها وصور جماعية عندما كانت في الجامعة، ولكن احتوى الألبوم على صور كثيرة جدًا تجمعها بشاب لا يعرفه. ربما كانت كثيرة أكثر من اللازم إلى الحد الذي جعله يتساءل بشدة وتصيبه الشكوك حول ما العلاقة التي تجمعها بذلك الشاب والذي تسمح لها بأن تلتقط كل هذه الصور معه وتقوم بحفظها داخل ألبوم!
خرجت من الحمام وهي ترتدي ملابس منزلية تصل لركبتيها وبحمالات أظهرت عن ذراعيها كاملًا وجزء من صدرها العلوي، وبمجرد ما رأته انتفضت واقفة بزعر وأسرعت تنزل المنشفة التي على شعرها وتلفها حول ذراعيها لتخفي شيئًا قليلًا ثم هتفت باستغراب:
_ بتعمل إيه هنا؟
تجاهل سؤالها ورفع الألبوم أمامها يسأل في ريبة واضحة وصوت غليظ:
_ مين ده؟
اقتربت وسحبت من يده الألبوم واغلقته، ثم وضعته على المنضدة الصغيرة بجانب الفراش وقالت في ضيق ملحوظ من عبثه بأشيائها دون إذنها:
_ مش لازم تعرف، أعتقد إن مش هتفرق معاك. ثم إن إنت أصلًا مين سمحلك تقلب في حاجتي من غير إذني؟
استفزه جدًا طريقتها، ولكنه تمكن من تمالك انفعالاته وغمغم في برود كان مستفزًا أكثر بالنسبة لها:
_ أنا سألتك سؤال واحد وأظن أن الإجابة مش محتاجة الرغي ده كله.
_ وأنا مش عايزة أقولك أساسًا.
أجابها بنظرة صارمة وحادة:
_ أعرف ليه بقى؟
هتفت بعدم اكتراث له مطلقًا وكلمات أشعلت فتيل النيران في أعماقه:
_ حاجة متخصكش، وبما إننا قريب أوي هنتطلق، أعتقد ملهاش لازمة وممكن بقى تطلع عشان عايزة ألبس.
صر على أسنانه وكور قبضة يديه كدليل على هيجانه الداخلي وأنه يمنع نفسه الثائرة عنها بصعوبة. ثم هتف بابتسامة مزيفة تخفي خلفها جموحًا مخيفًا:
_ ماشي يا يسر!
ثم انصرف وتركها تفكر في أمره وتبتسم بسعادة داخلية، فلأول مرة ترى اهتمامه بشيء يخصها. كان دومًا يشعرها بأنها نكرة وليست ضمن قائمته بتاتًا. ولوهلة شعرت أنه تضايق بسبب هذه الصور، ولكن رفضت هذه الأفكار السخيفة، فآخر شيء تتوقعه منه الآن هو الغيرة. ما حدث للتو ليس سوى بدافع فضوله وتطفله عليها!
مع تمام الساعة الواحدة ظهرًا داخل شركة العمايري...
كانت رفيف تتفحص مكتبها الجديد بابتسامة عريضة. تتفقد كل شيء به، وبالمكتب الخشبي ذي اللون الأسود والنافذة التي تعطي إطلالة رائعة على الشارع بالخارج من الأعلى. وبينما هي منشغلة بالنظر من النافذة، سمعت طرق الباب فالتفتت وسمحت للطارق بالدخول. فوجدته علاء، حيث فتح جزء من الباب وهتف باسمها بمشاكسة مألوفة منه:
_ مبروك على الوظيفة الجديدة.
خلاص بقينا business woman.
ضحكت بخفة ثم أجابته في رقة طبيعية منها:
_ ادخل ياعلاء.
دخل وترك الباب مفتوحاً وجلس على مقعد وثير أمام المكتب وهتف ضاحكاً:
_ على حظك الوحش إن يسر مجاتش النهردا.
جلست على مقعدها الخاص أمام مكتبها وقالت ببساطة وهدوء محاولة أن تكون أكثر حذراً في التحدث معه حتى لا تتخطى الحدود كما وعدت أخيها:
_ مش مشكلة لسا الأيام جاية كتير إن شاء الله.. شكرًا جدًا ياعلاء إنت السبب الأكبر أني بدأت شغل هنا لولا إنك قولت ليسر وهي اقنعت حسن مكنتش هعرف اقنعهم نهائي.
ابتسم لها بلطف وحدقها بنظرات دافئة مغمغماً في صوت هادئ وجذاب:
_ أي خدمة يابنت العم.. أي حاجة تعوزيها هتلاقيني موجود اطمني.. يلا أنا همشي بقى أنا قولت آجي ابارلك على السريع بس.. عايزة حاجة؟
هزت رأسها بالنفي وهمست مبتسمة بصفاء:
_ عايزة سلامتك!
هب واقفاً وانصرف بعد أن أغلق الباب خلفه أما هي فاستمرت في تفحص كل شيء يحتويه داخل الأدراج هذا المكتب متوسط الحجم.
في مساء ذلك اليوم وبينما الساعة كانت قد تخطت الثانية عشر بعد منتصف الليل فتحت ملاذ عيناها ونهضت من فراشها وهي تفرك عيناها لتزيح بعض من آثار النوم حتى تتمكن من الوقوف والذهاب للمطبخ لشرب الماء.. فذهبت للمطبخ وشربت كوبًا من الماء البارد وبينما هي في طريق عودتها لفراشها وغرفتها سمعت صوتًا هادئًا وجميلًا يتلو القرآن لوهلة ظنت أنه الراديو أو تسجيل لأحد الشيوخ من شدة جمال الصوت.. لتقود خطواتها نحو مصدر الصوت وتفتح الباب ببطء فتجده هو الذي يمسك بكتاب القرآن الكريم ويتلو آياته كسلاسل من ذهب بصوت يبعث السكينة والاطمئنان في النفوس.. فتبتسم هي بحب وتدخل ثم تغلق الباب خلفها بحذر شديد وتقترب منه لتجلس بجوارها على الأريكة الصغيرة وتستند بمرفقها على حافة الأريكة العلوية وهي مثبتة نظرها عليه تتلذذ بجمال صوته.. أما هو فانتهى من الآية وتوقف عن القراءة لينظر لها ويقول باستغراب:
_ إيه اللي مصحيكي دلوقتي؟
قالت برقة ساحرة وابتسامة تخطف القلوب بغمازتها:
_ قومت أشرب وسمعت صوتك فجيت.
_ طيب روحي كملي نومك!
هزت رأسها بالرفض وهي تقول بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
_ لا هنام جمبك هنا على صوتك.. كمل يلا.
أردف في جدية بسيطة وحزم:
_ هتنامي هنا إزاي يعني قومي روحي اوضتك ياملاذ.
تشدقت بإصرار والحاح تام:
_ يبقى تاجي معايا الأوضة وتقعد جمبي تقرأ قرآن لغاية ما أنام.. يا إما أقعد هنا.
أدرك أنه لا مفر من عنادها وإصرارها فاستسلم لها وهتف مغلوبًا على أمره:
_ استغفر الله العظيم.. طيب اسبقيني على الأوضة وأنا جاي وراكي.
ارتفعت ابتسامتها وكادت أن تشق طريقها حتى أذنيها من فرط سعادتها بموافقته أن يبقى بجوارها لدقائق الليلة في غرفتها حتى تنام.. ثم استقامت وعادت لغرفتها مجددًا وتدثرت بالغطاء لنصف جسدها وهي جالسة في انتظار مجيئه وبعد لحظات دخل واغلق الباب خلفه ثم اقترب ناحيتها وجلس على الفراش من الجهة الأخرى فمددت جسدها كاملًا ورفعت الغطاء حتى صدرها ونامت على الجهة المقابلة له أما هو فعاد يكمل التلاوة بداية من الآية التي توقف عندها.. وهي تحدق به بصمت وكم تمنت لو أن حياتهم تصبح طبيعية.. وكل ليلة يكون بجوارها ويقضي ليله معها في غرفة واحدة.. بدلًا من أن يكون لكل منهم غرفة منفصلة!
الآن فقط هي تستطيع وبكامل الثقة وعدم التردد أن تعلن عهده الجديد.. وقد ذعنت لقلبها وقبلت بما يحاول اقناعها به وهو أنها " أحبته بشدة " ولا تريد رجل سواه أن يكون معها.. ترغب في أن تكون زوجته لآخر نفس يخرج منها.. بل وأيضًا تود أن تكون أمًا لأولاده ولكن هيهات فهو لم يسمح لها بعد بالتوغل في قلبه من جديد وستضطر أن تعاني عقاب خطأها وتنتظر لحظة الإفراغ عن مشاعره المحبوسة خلف القضبان!
بدأت تغمض عيناها تدريجيًا حتى ابحرت في ثبات عميق وبعد دقائق انتهى هو من القراءة فالتفت لها وهمس بترقب:
_ ملاذ!
لم يجد الأجابة منها فيتنهد بعمق ثم يضع كتاب القرآن الكريم على المنضدة بجانبه ويلتفت لها ليتأمل ملامحها بأسى.. يلومها بشدة على ما فعلته بهم.. فقد دفعته إلى الدرجة الذي يكون فيها في أقصى لحظات رغبته واشتياقه لها ولا يستطيع تلبية رغبته فقط لأنه لا يتمكن من استعادة ثقته بها.. يجد صعوبة في أن يسلمها قلبه ونفسه مجددًا.. يخشي أن يثق بها من جديد فتخذله للمرة الثانية.. ومن جانب آخر لا يستطيع مكابحة عقله الذي يلح عليه أن يطلقها ويقي قلبه ونفسه من هذه العلاقة المزعزعة.. فيواجه تعنيف قلبه الذي يتوسل له أن لا يستمع لعقله ويعطيها فرصة ثانية فهي اخطأت واعترفت بخطأها و ندمت ثم طلبت منه السماح وقطعت الوعود بأنها لن تسمح بشيء كهذا أن يتكرر مرة أخرى.. وستكون له بكامل جوارها لتصبح زوجة تليق به ويفتخر بها.. وإن خلفت بوعودها هذه المرة وخانت الثقة مجددًا يحق له أن يستمع لعقله.. ولكن إذا استمع له الآن سيكون الظالم والجلاد الذي نفذ حكم الإعدام في مذنب قام بالسرقة بينما هو في القانون لا يستحق الإعدام!
ولكن حتى وإن استمع لرغبة قلبه لن يتمكن من الصفاء بسهولة.. ولن يعدها بأن تعود علاقتهم كما كانت إلا بعد وقت طويل.
مد يده وابعد خصلات شعرها عن وجهها وارجعها للخلف ثم مرر ابهامه على وجنتها بلطف يتحسس بشرته الناعمة فتفتح هي جزء بسيط من عيناها لترى صورته غير واضحة ولكن شفتيها انحرفت قليلًا لليمين وبدون وعي مدت يدها وقبضت على كفه الذي على وجنتها وقربته من شفتيها لتطبع قبلة ناعمة على باطنه وهي تحت تأثير النوم ثم اغلقت عيناها من جديد وأكملت نومها كما كانت وكأن لم يحدث شيء.. فسحب هو كفه من بين كفها بحرص ثم نهض من الفراش واطفأ ضوء الغرفة وقبل أن يرحل انحنى وطبع قبلة مطولة على رأسها في ابتسامة حانية وبعدها رحل فورًا قبل أن يفقد زمام السيطرة على نفسه التي تطوق إليها!
ترجل من سيارته وقاد خطواته نحو الأريكة المتوسطة في منتصف حديقة المنزل وجلس واضعًا رأسه بين راحتي يديه بيأس وشجن.. ماذا عساه أن يفعل من أين له القوة لكي يتحمل كل هذا تباعًا.. لقد سئم حياته حقًا فكل شيء يضغط عليه من جميع الجهات وبات لا يعرف يرضي من أو ماذا يفعل.
من جهة والدته التي تصر على رغبتها في زواجه.. ومن جهة تلك العنيدة التي لا تدرك خطورة ماهي فيه وتعرض نفسها دومًا للخطر فمنذ الصباح وهو يبحث عنها في كل مكان قد يمكن أن تكون به ولكن لا أثر لها حتى هاتفها لا يستطيع الوصول إليها من خلاله. أما بالأعلى تقف كل من هدى ورفيف التي هتفت بإشفاق على أخيها:
_ قوليله ياماما حرام عليكي كرم بذات فيه اللي مكفيه.
قالت هدى بإصرار وشيء من الشفقة:
_ وإنتي فاكرة إني مبسوطة كدا!! ما أنا بعمل كدا عشان مصلحته وهو عنيد مش عايز يفهم وأنا مش هسيبه كدا لغاية ما يدمر حياته ونفسه.. سبيه يومين يدور عليها وبعدين هيدرك إن عندي حق وهيوافق.
قالت محتجة ومعاتبة أمها بلطف:
_ إيه ياهدهد مكنتش أعرف إنك قاسية كدا.. ولما تقسي بتقسي على كرم.. على فكرة بقى أنا مش هستحمل اشوفه كدا وهروح أقوله.
قبضت هدى على ذراعها وصاحت بها معنفة إياها في تحذير حقيقي:
_ إياكي يارفيف تقوليله وإلا والله العظيم يكون ليا تصرف تاني معاكي.. ملكيش دعوة دول ولادي وأنا عارفة أنا بعمل إيه كويس وفاهمة دماغ كل واحد فيهم.
تراجعت وهي تلوى فمها بامتعاض وتتأفف بخنق وإشفاق على أخيها المسكين.. أما هدى فأخذت تحدق به بأعين دامعة وقلب يحترق على حزنه وألمه ولكنها متيقنة أن ما تفعله سيكون السبب في تضميد جروحه التي تنزف منذ افتراقه عن زوجته!
داخل منزل حسن العمايري.
كانت تجلس أمام التلفاز تشاهد إحدى قنوات الطبخ وبينما هي مندمجة في التلفاز.. جال بعقلها ما حدث بينهم في الصباح فانزلت نظرها عن التلفاز وثبتته على اللاشيء بشرود.. ليأتيها صوت بداخلها ويخبرها بأنه لم يكن من الجيد وليس في صالحها أن تحادثه هكذا.. هي الآن في أمس الحاجة لأي شيء ليقربها منه فتستطيع من خلاله امتلاك مفاتيح قلبه.. وما فعلته بالصباح له تفسير واحد وهو أنه غباء منها.. والحل الوحيد هو الاعتذار منه ومحاولة تلطيف الجو بذكائها ودهائها الأنثوي!
استقامت وقادت خطواتها الواثقة نحو غرفته ثم طرقت على الباب عدة طرقات متتالية بلطف هاتفة:
_ حسن إنت صاحي.. أدخل؟
أتاها صوته الحازم يسمح لها بالدخول ففتحت الباب ببطء ودخلت ثم اغلقته خلفها كما كان.. ونظرت له فوجدته متسطحًا على ظهره فوق الفراش ويعقد كفيه خلف رأسه.. فتحنحت باضطراب بسيط واقتربت لتجلس على حافة الفراش بعيدًا عنه قليلًا وتطرق رأسها أرضًا هامسة باعتذار صادق وهي تعبث بأصابعها:
_ أنا آسفة بخصوص الصبح متضايقش مني.
أطال النظر إليها في سكون دون أن يجيبها أو يكون على وجهه أي تعابير.. لتكمل هي بجدية بعد أن نظرت له:
_ لسا حابب تعرف مين ده؟
رسم ابتسامة متصنعة على وجهه وغمغم بصرامة:
_ مش عايز أعرف حاجة.. أنا عايز أنام ممكن تطلعي برا!
وردة فعلها كانت غير متوقعة بالنسبة له حيث هزت رأسها بالنفي وتمتمت مبتسمة:
_ تؤتؤ لما أقولك الأول بعدين هطلع عشان ابقى ريحت ضميري.
مالت شفتيه لليسار بابتسامة ساخرة لتستكمل هي حديثه بنبرة عادية:
_ ده كان زميلي في الكلية وكنا مجموعة كبيرة بنات وأولاد أصدقاء جدًا بسبب إننا كنا مع بعض في كل نشاطات الكلية وكدا.. واللي شوفته في الصورة ده كان صداقتنا قوية شوية وكنا في كل حاجة في الكلية مع بعض والصور دي اتصورناها لما كنا في حفلات تبع النشاطات أو حجات تبع الكلية نفسها فإنا شيلها كنوع من الذكرى برضوا عادي ولغاية دلوقتي احنا احيانا بنتواصل.
عبارة " لغاية دلوقتي " التي تفوهت بها جعلته يرفع حاجبه بشيء من الدهشة ويهتف بنبرة رجولية خشنة:
_ لغاية دلوقتي!!!
_ أيوة أقصد يعني مجرد سؤال كلنا بنسأل على أحوال بعض كل فترة وفترة والفترة دي ممكن تبقى مرة كل تلات شهور أو أربعة.
هز رأسه بتفهم وهو لا يزال يحتفظ بتفاصيل وجهه الصارمة ولكن اختفت في سرعة البرق هذه التفاصيل وحل محلها التوتر حين وجدها تسأله وهي تضيق عيناها بلؤم:
_ إنت كنت بتسأل ليه بقى؟
نظر لها بذهول لعدم توقعه لسؤالها هذا وتمتم بتوتر ملحوظ:
_ بسأل ليه؟
اعتدل في نومته وغمغم بطبيعية جاهد الظهور بها وبنبرة صوت كان يحاول أن تبدو عادية:
_ عادي فضول حبيت أعرف لما شوفتها.
اتسعت ابتسامتها وقالت بنبرة صوت ماكرة تمكن من فهمها جيدًا:
_ أممممم ما أنا قولت كدا برضوا.. المهم إنت مش زعلان مني خلاص صح؟
قال ببرود متعمد لاستفزازها وحتى يخرج تلك الأفكار السخيفة من ذهنها التي لمحت لها للتو:
_ لا مش زعلان أنا أصلًا مكنش في بالي ومكنش الموضوع فارق معايا أوي يعني.
نجح بالفعل في أغضابها حيث قالت وهي تجز على أسنانها بغيظ:
_ أه فعلًا ما أنا لاحظت ده.. طيب تصبح على خير ياحسن!
قالت آخر كلماتها وهي تستقيم واقفة وتستدير لتنصرف فيأتيها رده الذي لا يختلف في نبرته عن سابقتها وهو يحاول منع ابتسامته من الانطلاق:
_ وإنتي من أهله.
في مساء اليوم التالي.......
كان كرم في غرفته يحتسي كوب القهوة خاصته ويشعر بأن رأسه ستنفجر من كثرة التفكير، حيث بدأت الوساوس تنهشه نهش، فلو ذهبت لماذا هاتفها خارج نطاق الخدمة ومالذي يدفعها للذهاب لمكان لا يستطيع حتى تخيله، فهذه ليست عادتها وهو اعتاد منها على الصراحة لا الهرب، إن كانت لا ترغب بالبقاء بمنزله لكانت قالت له بنفسها وصممت على الرحيل.. ولكن كل ما يحدث الآن يزيد الأمر سوءًا بالنسبة له، يخشي أن يكون ذلك الوغد قد نال منها قبل أن ينال هو منه. اليوم هو اليوم الثاني لها منذ اختفائها وكل هذا يذكره بحادثة زوجته حيث تم العثور عليها بعد ثلاث أيام في أحد الأماكن المهجورة وبعد أن فاحت رائحة الجثة وبدأت تتعفن، وكلما تجول بذهنه هذه الذكريات الأليمة يحاول إخراجها ولكن بلا جدوى.
قطع لحظات هدوئه صوت رنين هاتفه الصاخب فالتقطه وأجابه بهدوء:
_ أيوة يامسعد.
أجابه الآخر مبتسمًا بشيطانية:
_ عرفت مكانه ياكرم بيه.
وثبت واقفًا وتشدق بمزيج من الفرحة والنشوة التي اعترته:
_ متأكد؟
_ متأكد طبعًا.. هستناك عند الشركة عشان المكان قريب من هناك.
انهى الاتصال فورًا وقد لمعت عيناه بوميض الانتقام والثأر وشرع في ارتداء ملابسه ثم فتح أحد أدراج المكتب الصغير بجانب الفراش والتقط السلاح ثم وضعه في بنطاله من الخلف وارتدي فوقه السترة السوداء الجليدية وانطلق مغادرًا المنزل مستقلًا بسيارته لينطلق بها كسرعة البرق.... !!!
انتهت من تسريح شعرها وثبتته بمشبك للشعر ورفعته لأعلى ثم نزعت عنها روب النوم وكانت على وشك أن تتسطح على الفراش ولكنها التفتت مزعورة على أثر فتح الباب ووجدته هو يدخل بهدوء ويغلق الباب خلفه فتهتف في توتر:
_ حسن!! .. إنت جيت إمتى؟
وجدته يقترب منها في خطوات غير متوازنة لتتراجع للخلف بنظرات مرتبكة ومرتعدة قليلًا من هيئته الغريبة، انتهت قهقرتها عندما اصطدمت بباب الخزانة وهو لا يزال يقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة ولا يفصله عنها سوى سنتيمترات قليلة ثم همهم بنبرة متألمة وأعين تلمع بالدموع:
_ كان عندك حق أنا كنت غبي جدًا وساذج.. تعرفي إن رحمة هي اللي لفقت ليا تهمة القتل من سنتين ودخلت السجن بسببها وكله ده ليه عشان تسرق فلوس المشروع اللي كنت ناوي أعمله.. حلمي!
أدركت أنه ليس بوعيه وأنه قام بشرب جرعة زائدة مما جعله ثملًا قليلًا، لتتنهد بأسى وتحاوط وجهه بكفيها هامسة بإشفاق:
_ عارف عارفة ياحبيبي.. تعالى خد دش وفوق وبعدين نبقى نتكلم.
انحنى ودفن وجهه بين ثنايا عنقها يستمد من حرارة جسدها بعض الدفء والقوة لتشدد هي من عناقه وتملس على شعره بحنو، وبعد لحظات قصيرة احست بأن الأمر سيكون أكثر من مجرد عناق فابتعدت عنه وهي تردعه عن ما يحاول فعله في اضطراب وتلعثم:
_ حسن بتعمل إيه!! .. إنت مش في وعيك و.....
قاطعها واضعًا سبابته على شفتيها هامسًا بنبرة ونظرات سلبتها علقها قبل قلبها، فهي ضعيفة ومسلوبة القوة أمامه وأمام عشقها لها:
_ أنا محتاجلك يايسر!!!
رواية ضروب العشق الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى محمود توفيق
توقفت السيارة بمكان أشبه بصحراء خالية من البشر، ويوجد بها مبنى مهجور غير مكتمل البناء. تطلع كرم بالمبنى بإمعان، وعادت لذهنه كل لحظة في ذلك اليوم. عندما وصلت الشرطة وصديقه، وكان هو معهم، ووجدوه في ذلك المكان، ودمائه حولها تملأ الأرض، وكانت شبه جافة من المدة التي أخذتها مختفية ولم يعثروا عليها. واليوم ذلك الوغد موجود بنفس المكان ليكون ثأره وانتقامه منه أفضل انتقام، وسيتعمد أن يسلبه روحه بنفس القطعة التي وجدوا فيها جثتها.
نزل من السيارة وهتف محدثاً الذي بجواره:
"خليك هنا يامسعد."
أجابه الآخر رافضاً:
"لا هاجي معاك، مش هسيبك وحدك."
رمقه بحدة وغمغم بنبرة لا تقبل النقاش:
"قولتلك خليك هنا!"
ثم قاد خطواته نحو ذلك المبنى، وكان قد اقترب من الباب ليدخل، فيراه صديق ذلك الوغد الموجود بالأعلى معه ويهتف مفزعاً:
"كرم العمايري هنا!"
وثب الآخر واقفاً وقال مرتعداً وقد ظهرت علامات الرهبة على وجهه، وقال مسرعاً:
"طيب يلا بينا نمشي بسرعة قبل ما يلاقينا."
ثم أسرعوا وغادروا البناية من باب آخر وهم يركضون نحو سيارتهم القديمة، ولسوء حظهم أنهم شعر بخطوات قدمهم، فأسرع راكضاً خلفهم، ولمحه وهو يركض بعيداً ليستقل بالسيارة. وبدون تردد أخرج سلاحه وصوبه نحوه ليصيب قدمه حتى يعوق حركته ويستطيع الإمساك به، ولكن الطلقة أصابت كتفه، فاستكمل هو ركضه متألماً وممسكاً بذراعه المصاب حتى استقل بالسيارة مع صديقه وانطلقوا. أما مسعد فترجل من السيارة في هلع فور سماعه لصوت إطلاق النيران وركض نحو مصدر الصوت من خلف البناية وهتف محدثاً كرم بدهشة عندما رأى السلاح في يده:
"إنت اللي ضربت النار!!!"
قال في عينيه نارية ومتوعدة لذلك الوغد:
"فلت مني المرة دي كمان، بس مش هيفضل يهرب كتيير كدا، مسيره هيوقع تحت إيدي."
***
كانت تجلس على طاولة الطعام الفارغة وتحملق في اللاشيء بشرود، وأشعة الشمس الذهبية تتسلل من النافذة لتعطي لمعة ساحرة لوجهها الأبيض والنقي، وكذلك شعرها الكستنائي.
عيناها مجتمعة بها الدموع الحارقة، ولا تعرف كيف استسلمت له بالأمس. كيف سمحت لنفسها بأن تكون بهذه السذاجة. هي تريده وبشدة وتريد أن تعيش معه كأي زوجين طبيعية، ولكن ليس بهذه الطريقة. هي حتى الآن تحاول إيجاد تفسير لفعلتها الغبية وأجابة لسؤالها: أنها كيف وقعت أسيرة للمساته ونظراته بكل هذه السهولة. هذه ليست طبيعتها الشرسة والقوية والصامدة. ولوهلة تمنت لو أن بإمكانها استعادة الأمس لردعه بعنف ومنعه من ما فعله، وهي شاركته فيه بسذاجة لا تقل عنه.
وجدته يخرج من غرفته بعد أن ارتدى ملابسه لكي يذهب للعمل، وقبل أن يرحل وقف وهتف في قسوة وجفاء مع نظرات نارية وغاضبة للدرجة التي جعلت من عينيه حمراء كالدم:
"اللي حصل إمبارح ده انسيه نهائي واعتبريه محصلش، فاهمة ولا لا. أنا مكنتش في وعي وإنتي استغليتي الفرصة دي."
ولم يمهلها اللحظة لتجيب عليه، حيث اندفع للخارج وهو يتوهج كالنيران الملتهبة. أما هي فسقطت دموعها فوراً بدون إنذار وهي تفغر شفتيها بصدمة مما قاله: "استغليتي الفرصة!!!" هل هي من استغلت فرصة أنه ليس بوعيه ليحدث ما حدث بينهم؟ لقد حاولت منعه، ولكنه أذاب ما تبقى من صمودها أمامه بكلماته ونظراته وهمساته ولمساته. هل أصبحت هي المخطئة الوحيدة الآن؟ أخطأت لأنها تعشقه ولا تستطيع مقاومته. ربما هي أخطأت فعلاً لأنها سمحت لهذا العشق أن يكون سبب في خطأ لا يمكن إصلاحه، ولكن هذا لا يمنع أنه هو المخطأ الأكبر. هو المستغل. هو الذي استغل حبها وضعفها أمامه لينجح في السيطرة عليها وينل ما أراد في تلك اللحظة والآن يلقي اللوم عليها.
***
ارتفع آذان الظهر في المآذن، ثم بدأت خطبة الجمعة في المساجد، وكان هو في غرفته يرتدي عباءته البيضاء بعد أن توضأ ليذهب إلى المسجد ويؤدي صلاة الجمعة. وبينما هو متجه نحو الباب لينصرف، أوقفته هي متسائلة:
"رايح تصلي الجمعة في المسجد؟"
غمغم بنبرة عادية في إيجاز:
"أيوه، عايزة حاجة؟"
هتفت تطلب منه بتهذيب مبتسمة:
"طيب ممكن تاخدني معاك أصلي في مسجد الستات؟"
"طيب يلا روحي اتوضي والبسي بسرعة عشان الحق الخطبة قبل ما تخلص."
أومأت فوراً بسعادة واندفعت نحو غرفتها لتتوضأ وترتدي ملابسها. وبعد عشر دقائق بالضبط خرجت له وانصرفا، واستغرق الطريق خمس دقائق حتى وصلا إلى أحد المساجد الكبيرة، فذهبت هي للجزء الخاص بالنساء، وهو ذهب للرجال بعد أن أخبرها بأنه سينتظرها بعد الصلاة أمام السيارة. وبعد انتهاء الصلاة خرجت واتجهت نحو سيارته فوجدته كما أخبرها. وعندما وقعت عيناه عليها فتح باب السيارة واستقل بمقعده. اتخذت هي مقعدها بجواره، ثم رفعت النقاب عن وجهها لتتنفس بعض الهواء النقي وتهتف باسمة:
"تقبل الله."
أجابها بخفوت:
"منا ومنكم إن شاء الله."
ثم انطلق بالسيارة يخترق بها الطرقات، وبعد مرور دقيقة هتفت هي بتردد ملحوظ وحياء:
"إيه رأيك نتغدى برا النهاردة يازين؟ نفسي أخرج جداً. من وقت لما اخدتني في اليخت قبل الفرح مخرجتش تاني."
كان يثبت نظره على الطريق ولم ينظر لها بتاتاً، وفقط اكتفى بقوله الجاف والحازم:
"في يوم تاني إن شاء الله ياملاذ، مش النهاردة."
زمّت شفتيها بيأس وخنق من نبرته القاسية وأنه لم يكلف نفسه لينظر لها. فاشاحت بوجهها للجانب الآخر تتابع الطريق من النافذة. فهي لم تستاء من رفضه للذهاب، بل استاءت من طريقته وعناده الذي باتت لا تعرف إلى متى سيستمر. وقد رغبت بالذهاب فقط من أجل أن تحظى بمزيد من الوقت معه وتحاول من خلاله إذابة بعض الثلج المتراكم على قلبه.
لاحظ هو ضيقها وحزنها من رفضه، فتنفس الصعداء بعدم حيلة، ولم يرد أن يكسر برغبتها ونفسها. وكان رد فعله الطبيعي هو أنه قال:
"عايزة تروحي فين؟"
تهللت أساريرها في لمح البصر وزين وجهها بابتسامة جذابة لتجيبه بحماس جلي:
"أي مكان... ودينا مكان على زوقك إنت!"
رمقها بنظرة مطولة صامتاً، ثم أشاح بنظره وعاد ليثبته على الطريق وهو يتخذ بالسيارة طريقاً لمكان سيقضوا فيه وجبة الغذاء، أو بالأحرى باقية اليوم.
***
فتحت باب السيارة ونزلت وعيناها معلقة على ذلك المنزل الذي أشبه بقصر في ضخامته واتساعه. ولكنه منزل ذو طراز قديم ويبدو إن الزمن قد ترك آثاره عليه، حيث لونه بهت. ومن ينظر له من الخارج يظنه مسكوناً بالأشباح. وبينما هي تتأمل جماله الكلاسيكي، رأته يتجه ناحية الباب فلحقت به مسرعة، وفتح هو الباب بالمفتاح، ثم دخل أولاً ومن بعده هي. كان المنزل من الداخل أكثر فخامة وجمالاً، حوائطه سليمة تماماً من أي خدش، ويوجد نجفة في الأعلى ضخمة ولكنها نظيفة كأنها تنظف كل يوم! والأثاث مغطى بقماش أبيض اللون. فاتجهت نحوه ورفعت القماش لتنكشف أمامها تحفة الأثاث الذي لا يبدو أبداً أنه صناعة مصرية.
فسمعت صوته وهو يهتف بهدوء:
"ده قصر عيلة العمايري. البيت ده احنا عشنا فيه طفولتنا كلها، ولما نقلنا لبيتنا اللي عايشين فيه دلوقتي أنا كان عندي عشرين سنة. كنا عايشين مع جدي الله يرحمه وجدتي اللي هي مسافرة دلوقتي في ألمانيا. كنا كلنا في دلع وعيشة ملوكي. اللي بنطلبه بيجيلنا في لحظتها من غير تعب، وكان جدي مبيرفضش طلب لحد فينا سواء إحنا أو ولاد عمي طاهر اللي هما علاء ويسر. والدلع ده تسبب في مشاكل كتير علينا وظهرت آثاره عليا وعلى حسن. بس تقدري تقولي إن أنا ربنا هدااني وحسن فضل طايش زي ماهو. وبابا بعد ما حس إن مينفعش يعيش هنا ولازم يستقر لوحده هو وأولاده في بيت عشان يقدر يتحكم فيهم، بعد ما شاف اللي حصلي وبقى شبه فاقد السيطرة على حسن رغم إنه أصغر مني بأربع سنين. أخدنا واشترى بيت لينا وعشنا وحدنا، والكلام ده طبعاً بعد ما جدي اتوفى وجدتي اضايقت جداً إن إزاي محمد يسيب بيت أبوه وبيتهمهم إنهم السبب في اللي حصل ليا لأنها بتحبني جداً وبتعزني أوي. ولما عرض عليها بابا وحاول يقنعها إنها تيجي تعيش معانا رفضت وقالت إنها هترجع ألمانيا تعيش مع عمي اللي هو اتوفى بعد جدي بسنتين، وكان معاه بنت عندها 18 سنة بتدرس هناك، فجدتي فضلت معاها لغاية ما كملت تعليمها وبعدها اشتغلت ولغاية الآن جدتي عندها ومش بتأجلنا هي وبنت عمي دي غير زيارات صغيرة وبيمشوا تاني."
اقتربت منه ووقفت أمامه وركزت نظرها عليه هاتفة بترقب لإجابته بريبة شديدة:
"ربنا هداك!!! وبعد اللي حصلك؟ ممكن أعرف إيه اللي حصل معاك؟!"
أجابها بخشونة وهو يتجه ناحية الدرج:
"الأفضل إنك متسأليش لإن الإجابة مش هتعجبك. وبعدين أنا جايبك هنا عشان أفرجك على البيت واهو نتغدى في مكان مختلف زي ما كنتي حابة، مش نحكي في القديم."
لم تعلق كثيراً وقررت أنها ستحاول أن تعرف فيما بعد ما يخفيه عنها. واتبعته شبه راكضة حيث وجدته صعد لآخر الدرج ثم اتجه نحو الغرف وفتح واحدة واحدة يريها إياهم، وأحدهم كانت "لكرم" والأخرى "لحسن" وهذه "لأبوه وأمه" وتلك الغرفة تخص "جدي وجدتي" حتى وصل أخيراً عند غرفته وفتح الباب فتسبقه هي بالدخول وتتطلع في أجزاء الغرفة التي كانت عبارة عن فراش عريض يتسع لثلاث أشخاص، وخزانة متوسطة من اللون الأبيض مثل لون الحوائط، وحمام داخلي لونه بني اللون مع لمعة مذهلة. أما هو فقد استدعت ذاكرته كل ما مر به داخل هذه الغرفة. التي شهدت على حبسه بين حوائطها الأربعة لشهور دون أن يدخل له سوى أبيه وأمه وكرم. بقى لشهور حبيس غرفته لا يرى الشارع عندما اكتشف أمره وأنه كان يتعاطى مواد مخدرة، فحاول أبواه أن يردعاه ويعالجاه عن طريق منعه من الخروج حتى لا يلتقي بأصدقاء السوء الذين أفسدوه، ولكن الأمر لم يجدي نفعاً، حيث كانت حالته تسوء كلما يمر عليه الوقت، وكان يخرج ليلاً متسللاً من الشرفة دون أن يشعر به أحد ويعود قبل استيقاظهم. حتى جاء اليوم المشؤوم الذي فقد فيه صديقه بسببه هو.
فقرر أن يضع حدًا لما هو فيه، وطلب من أبيه أن يدخله مصحة ليعالج كما يجب. وبالفعل عانى أشد سنة مرت عليه في حياته.
نظرت عيناه إلى جانب الفراش ولاحظ الكسر البسيط فيه، لتعصف بذهنه ذكرى أخرى تعود ليوم معرفة أبيه وأمه بأفعاله. فتلقى الضرب العنيف من أبيه والتوبيخ والإهانة. وكانت أمه تحاول منع أبيه عنه، الذي كان كجمرة النيران المتوهجة. وتدخل كرم محاولًا أيضًا تهدئة الأمر، ونجح في تهدئة أبيه وأخرجه وتركه هو مع أمه، تحاول مواساته وتلومه بعتاب وبكاء على فعلته.
اخترقت فقاعة ذكرياته المؤلمة بصوتها وهي تقول بإعجاب:
_ أوضتك جميلة أوي.
أحس بأنه سيختنق إن بقى للحظة أخرى داخل هذه الغرفة، فهتف بثبات مزيف:
_ طيب كفاية بقى ويلا تعالي عشان الأكل على وصول.
ولم ينتظر إجابتها، حيث اندفع للخارج يتنفس بعض الهواء النقي عن هواء هذه الغرفة المخنقة. أما هي، فتلفتت حولها بخوف من ذلك المكان المريب ولحقت به مسرعة لتجده قد وصل للأسفل. رفع أحد الأقمشة عن مقعد من المقاعد وجلس عليه يتنفس الصعداء بخنقة، وقد شعر للتو أنه أخطأ عندما اختار المكان، وهو يعلم أن لديه ذكريات مؤلمة لا يريد حتى تذكرها. وقبل أن تقترب منه وتسأله عن سبب تغيره المفاجئ، ارتفع صوت رنين هاتفه فأجاب. وقد كان الطعام، فخرج ليستلمه وعاد لها بعد دقائق. فأخذته من يده وسألته عن مكان المطبخ، فدلها عليه بإشارة يده، وذهبت هي لتضع الطعام في الصحون. أما هو، فنزع سترته عنه ورفع القماش عن الأريكة الكبيرة ليتسطح بجسده عليها، مغمضًا عيناه في محاولة بائسة لاستبعاد هذه الذكريات عن ذهنه. كانت تنقل الصحون من المطبخ على طاولة الطعام بعد أن قامت بمسحها من أي أتربة فوقها، وكانت مثبتة تركيزها عليه باستغراب من أمره، حتى انتهت فهتفت في هدوء:
_ زين!
فتح عيناه واعتدل جالسًا، ثم اتجه للحمام ليغسل وجهه ويديه، وعاد لها. جلس بجانبها على الطاولة وبدأ في تناول طعامه. فخشيت هي أن تسأله فيجيب عليها بغلظة، وفكرت في أن تمهد للأمر بطريقة مختلفة، حيث سألت في ابتسامة عذبة:
_ بس البيت باين عليه إن حد بينضفه علطول.
_ آه، عمي حسين اللي برا بيجيب علطول ناس تنظف كل أسبوع عشان لو حد فينا جه فجأة زي كدا يكون البيت نضيف.
التزمت الصمت للحظات، ثم عادت تسأل من جديد بنبرة بها شيء من الحيرة:
_ بس إنت ليه جبتني هنا ومروحناش مطعم أو أي مكان تاني؟
غمغم بصلابة دون أن يرفع نظره لها وهو منشغل بطعامه:
_ هنا أفضل. في المطعم مش هتاخدي راحتك عشان النقاب واللي رايح وجاي قدامك مش هينفع تاكلي، وأهو جبتك مكان جديد وجبتلك أكل المطعم لغاية عندك.
حدجته بحنو وهمست بامتنان صادق بعد أن مدت يدها لتضعها على كفه:
_ شكرًا إنك مكسفتنيش ومكسرتش بنفسي لما طلبت منك نتغدى برا.
نظر ليدها التي على كفه، ثم رفع نظره لها بنظرات ثاقبة وسحب كفه ببطء من أسفل يدها بعد أن أبدى على وجهه علامات الضيق، وقال باقتضاب:
_ العفو!
ضمت كفها وأرجعته للخلف بقليل من الاستحياء بعد أن فهمت نفوره من لمستها له، وجاهدت بالظهور بطبيعية أمامه وأكملت طعامها، وداخلها يحترق من الألم والحرقة. تجنبت النظر له بتاتًا حتى لا تفقد زمام التحكم في نفسها التي تغزها بقوة لتبكي، ولكنها تقاوم بصلابة!
***
كانت الساعة قاربت على العاشرة مساءً عندما قرر كرم أن يذهب لوالدته ويضع حدًا لكل شيء، بعد أن شك بأنها تعرف مكان "شفق" ولا تخبره، بالأخص بعد أن نفذت وعدها وقطعت الحديث معه نهائيًا، وها هي نجحت فيما سعت من أجله!
طرق على الباب عدة طرقات خفيفة هاتفًا:
_ ماما إنتي صاحية؟
أتاه صوتها وهي تجيبه بقوة:
_ ادخل يا كرم.
فتح الباب ودخل، ثم أغلق الباب خلفه مجددًا، فوجدها تمسك كتاب القرآن الكريم بيدها وجالسة على الفراش، ليتنهد بعمق ويقترب ليجلس بجوارها على الفراش متمتمًا في نظرات ثابتة:
_ ماما إنتي عارفة مكان شفق مش كدا؟
أطالت النظر في وجهه، ثم أشاحت بنظرها وقالت بكذب:
_ لا معرفش.
قال متوسلًا إياها في نفاذ صبر:
_ ياماما ابوس إيدك قوليلي هي فين ومتتعبنيش، أنا فيا اللي مكفيني ومش هستحمل البنت تحصلها حاجة بسببي. قوليلي مكانها خليني اروح واجيبها.
أبت الرد عليه وتجنبت النظر في وجهه كدليل على رفضها لطلبه، ليأخذ هو نفسًا عميقًا قبل أن يلفظ بهذه الكلمات من بين شفتيه في عدم حيلة:
_ لو كنتي بتعملي ده كله عشان اوافق على اللي إنتي عايزاه، فأنا بقولك أهو أنا موافق اتجوزها.
لمعت عيناها بمجرد سماعها لكلمة "موافق"، وطالعته بدهشة ممزوجة بالسعادة والابتسامة العريضة، وسرعان ما هتفت بفرحة غامرة:
_ بجد موافق يا كرم!!
_ أيوة موافق. قوليلي بقى هي قاعدة فين.
قالها بإيجاز كالذي لا يريد أن يطيل في هذا الحديث، لتبتسم هي وتهتف بهدوء:
_ في البيت اللي في أكتوبر.
_ وهي إيه اللي وداها هناك؟
تنهدت بحرارة، ثم بدأت تسرد له كل شيء:
_ هي كانت بتتكلم معايا في اليوم اللي مشيت فيه وبتقولي إنها عايزة ترجع بيتهم، فأنا قولتلها لو هي مش مرتاحة هنا تروح تقعد هناك في الشقة وهتكون في أمان. و خليت ابن الحج حسين يحرص شقتها ويخلي باله منها.
فغر عيناه على آخرهما وهتف شبه منفعلًا:
_ ابن الحج حسين إيه يا أمي! ده لو آخر واحد مأمنهوش على حاجة وإنت رايحة تأمنيه على بنت.
_ وفيه إيه! الولد محترم ومؤدب والله وعمري ما شوفت منه حاجة وحشة!!
مسح على وجهه مستغفرًا ربه من فرط اغتياظه الداخلي وتمتم:
_ طيب وتلفونها مقفول ليه؟
ابتلعت ريقها بتوتر وتحدثت بتردد:
_ أنا طلعت الخط بتاعها وشلته وهي افتكرت إنه ضاع، فجبتلها واحد جديد.
قال بابتسامة ساخرة:
_ وطبعًا ده كله عشان معرفش أوصلها وتجبريني أوافق. والله ما عارف أقول إيه، ربنا يصبرني!
ثم هب واقفًا وهم بالمغادرة، لولا صوتها وهي تقول بتوتر أشد:
_ هي فاهمة إنك مسافر لشغل، فلما تروحلها قولها إنك رجعت من السفر. أنا قولتلها إنك مسافر عشان متقولش هو ليه متصلش حتى يسأل عليا.
هز رأسه مغلوبًا على أمره غير مصدقًا لأفعالها التي كلها مكر هذه، وانصرف ليلحق بتلك المسكينة قبل أن تتعرض للأذى على يد أي أحد!.......
***
كانت عيناها معلقة على ساعة الحائط، وقد قاربت الساعة أن تدق الحادية عشر قبل منتصف الليل، ومن المفترض أنه عاد للمنزل للآن كعادته. هل هي بلا قيمة لهذه الدرجة بالنسبة له؟ لدرجة أن عاد للمنزل ولم يجدها فيه، ولم يحاول الوصول لها أو الاتصال بها حتى ليعرف أين ذهبت!!
بعد ما حدث بينهم بالأمس، لم تراه إلا مرة واحدة في الصباح قبل أن يغادر، عندما حملها الذنب فيما حدث بينهم والذي لا يرضى كلاهما ولم يرغبوا في أن يحدث حتى. وعندما ذهبت للعمل بعدها، وعندما حان وقت الذهاب، ذهبت لمكتبه لأنهم اعتادوا العودة معًا إلى المنزل بعد انتهاء العمل، لتخبرها السكرتيرة بأنه ذهب منذ نصف ساعة. فتكتم شرارات نيرانها في الأعماق وتسير منكسرة لا تدري إلى أين تذهب، بعد أن قررت عدم العودة لمنزلها. فينتتهي بها المطاف أمام منزل أبيها، لتستقبلها أمها وكذلك أبوها بترحيب حار، وتخبرهم بأنها ستقضي معهم يومان، بعدما كذبت وقالت بأن زوجها ذهب لرحلة خاصة بالعمل ستستغرق يومان!
وأخيرًا انتبه أن لديه زوجة وغير موجودة بالمنزل (هكذا قالت لنفسها حينما سمعت صوت رنين هاتفها ورأت المتصل هو). ولكنها تجاهلته ولم تجب عليه، ليس عنادًا كالعادة، ولكن لأنها لا ترغب في التحدث معه حتى. وللوهلة الأولى في حياتها تشعر بأنها لا تريد رؤيته أو سماع صوته. استمرت اتصالاته، اتصالًا تلو الآخر، وهو يصر على الاتصال حتى تجيب عليه، ولكنها وضعت الهاتف في الوضع الصامت وألقتها على الفراش، ثم تدثرت بالغطاء مغمضة عيناها وترغمها على النوم حتى تهرب من خلاله لعالم الأحلام الذي قد يكون أجمل من واقعها الأليم!
توقف الهاتف عن الرنين وانطفأت إضاءته، وبعد مرور ما يقارب العشر دقائق شعرت بأحدهم يهزها بلطف، وللأحظة خدعها عقلها بأنه هو وجاء لكي يأخذها لمنزلهم، ولكن كانت أمها حيث تقف أمامها وتمد يدها لها بالهاتف هامسة في صوت خافت:
_ يسر! خدي كلمي حسن.
اعتدلت في جل
ولا تستطيع منع نفسها عن الظهور بهذه اللهفة تجاهه، وقلبها هو الذي يقودها لفعل هذه الأفعال التي ستندم عليها إن لاحظ هو هذا. ولكن ماذا عساها أن تفعل، فقد اعتادت عليه واعتادت أن تراه يومياً، وإن أتى يوم ولم تراه فيه، تحدثه بالهاتف فتستمع لصوته. ولكن في وضعها هذا، لم تراه ولم تحدثه منذ ثلاثة أيام. تشعر بأن قلبها سيقفز من موضعه ليحلق له من فرط اشتياقها له.
وأخيراً، بعد دقائق طويلة، رأت سيارته تستقر أمام المنزل وينزل منها، فترتفع ابتسامتها إلى شفتيها وتكاد تصل لأذنيها. أما هو، فقد وصل إلى الباب ووجد ابن الحج حسين كما أخبرته أمه. ليهب الآخر واقفاً احتراماً له. ليطالعه كرم بنظرات قوية وقال بغلظة صوت:
_ روح يا أشرف، خلاص ملوش لزمة قعدتك.
أجابه الآخر شبه معترض بأدب:
_ بس يا كرم بيه، الست هدى قالتلي احرص...
أردف كرم مقاطعاً إياه بحزم ونظرة لا تليق بطبيعته اللطيفة أبداً:
_ وأنا بقولك روح. اعتقد الكلام واضح!
_ واضح.. عن إذنك يابيه.
ثم استدار وانصرف، ليظل معلقاً نظره عليه حتى توارى عن ناظريه. فطالما يبغض هذا الشاب لسبب غير معلوم، وفوق هذا أمه تأمنه على فتاة وحيدة بالمنزل. تأفف بنفاذ صبر ثم طرق على الباب، لتنتفض التي كانت تقف خلف الباب من الداخل تستمع لحديثه مع ذلك الشاب الذي لم تراه سوى مرات قليلة طوال الثلاث أيام. تراجعت خطوتين للخلف، ودقات قلبها بدأت تدق بصوت عنيف يصل لأذنها وارتبكت بشدة. ولكنها أخذت شهيقاً طويلاً وحبسته لثانية ثم أخرجته زفيراً متهللاً، وتعهدت بأنها ستتمالك نفسها وستتظاهر بطبيعية أمامه. ولكنها بمجرد ما فتحت الباب ورأته أمامها، افترت شفتيها عن ابتسامة واسعة وسرعان ما خانت وعدها مع نفسها. أما هو، فطالعها معاتباً برقة مألوفة وغمغم بنفاذ صبر:
_ وبعدين معاكي ياشفق!!
لم تعلق، وقد فهمت مقصده بأنه لا يرغب في بقائها هنا ويعاتبها على عندها الدائم. وفقط اكتفت بابتسامتها وهي تقول بلطف:
_ حمدلله على السلامة.
كان هو قد بدأ في نزع حذائه، ولكنه رفع نظره لها بعدما سمع ما قالته، واخفض نظره تاني متمتم بخنق من هذه الكذبة الذي يجبر على استكمالها:
_ الله يسلمك.
انتهي من نزع حذائه ودخل، وفور دخوله هتف في جدية وقد اختفت نبرة الرقة في صوته:
_ اللي كان واقف بيحرص البيت ده ضايقك أو عملك حاجة؟
قالت فوراً نافية:
_ لا خالص، هو أساساً كان قاعد برا بس ومكنتش بشوفه غير مرة في اليوم لما بيجيب الطلبات وباخدها منه من على الباب وبقفل بالمفتاح بعد كده.
هم بأن يسأل عن ذلك الحيوان هل حاول أذيتها أو وصل لمكانها أم لا، ولكنها توقعت سؤاله فهتفت قبل أن يسأل:
_ مفيش حاجة، اطمن أنا كويسة الحمدلله.
عادت ابتسامته التي تذيب قلبها وهو يجيبها بلطف من جديد:
_ الحمدلله. يلا روحي البسي ولمي هدومك عشان هترجعي تاني معايا.
أصدرت تنهيدة حارة وتمتمت في اعتراض بسيط:
_ كرم، أنا مرتاحة هنا أكتر صدقني ومحدش عارف مكاني. سيبني على راحتي ارجوك.
توجه وجلس على أحد المقاعد ليقول برزانة عقل وصوت رخيم:
_ وأنا عايز أسيبك على راحتك والله. بس مش قادر، وبالأخص بعد اللي حصل امبارح.
اقتربت وجلست على المقعد المقابل له بمسافة بعيدة تقريباً وهمست بحيرة شديدة وقلق:
_ حصل إيه؟
_ عرفت مكانه امبارح ورحت، وكان نفس المكان اللي حصل فيه جريمة القتل. وكان قاعد هناك هو وواحد صاحبه، ولما شافوني هربوا وأنا ضربته بالنار في دراعه قبل ما يركب العربية ويهرب. فممكن يحاول يوصلك بأي شكل عشان ينتقم مني. عشان كده لازم تكوني قدام عيني طول الوقت.
فغرت شفتيها بصدمة وهي لا تستوعب أنه كان على وشك أن يقتله بالفعل. ثم اردفت بغضب بسيط:
_ ضربته بالنار إزاي يا كرم؟ ولو كانت جت الطلقة في مكان غير دراعه وكان مات، كنت دلوقتي هتبقى في السجن بسبب القذر ده.
غمغم بتمني وأعين متقدة كلها سخط:
_ ياريتها كانت جت في مكان تاني ومات، على الأقل كان زمانك هتلاقيني دلوقتي مبسوط آخر انبساط.
أشاحت بوجهها عنه تخفي ملامح وجهها المغتاظة من تهوره بالرغم من رقته ولطافته مع الكل وبالأخص معها، لكنه يثبت لها دوماً بأن لديه جانب مظلم في شخصيته لا يرحم إن تطلب الأمر. عادت بنظرها له من جديد عندما وجدته يهتف بخفوت وكأنه يقول الكلمات بصعوبة:
_ يلا قومي البسي عشان لما نروح ماما ورهف هيفهموكي السبب التاني اللي خلاني آجي أخدك!
أطالت النظر في وجهه بريبة حقيقية للحظات ثم هبت واقفة واتجهت لغرفتها لترتدي ملابسها وتستعد والتساؤلات تتناطح في عقلها "ماهو السبب الثاني ولما بدا عليه التوتر البسيط وهو يتحدث عنه؟". ولم يهدأ عقلها لثانية واحدة وكانت طوال الطريق صامتة تتابع الطريق والفضول ينهشها نهش وتتساءل "ترى ماهو السبب؟".
***
كان زين في غرفته كعادته، يقضي الشطر الثاني من الليل وهو يقرأ في كتاب القرآن الكريم ويرتل آياته بصوت عذب. وبينما هو يثبت كل تركيزه في كتاب الله، رفع نظره عنه فور انفتاح الباب ودخولها ودموعها تملأ وجنتيها والعبارات سابحة في عيناها وتسقط بغزارة على وجهها. فتمتم بصوت خفيض وهو يغلق المصحف "صدق الله العظيم". وأصابه الريبة والقلق بشأن بكائها المفاجئ هذا، ثم هب واقفاً واقترب ناحيتها وهو يهمس بتعجب ونظرات مرتعدة:
_ مالك؟
مدت يدها وجففت دموعها بظهر كفها، ولكنها لا تزال تنهمر بغزارة لتنتابه الشكوك السيئة بأن مكروه قد أصاب أحدهم أو أصابها هي. واقترب منها أكثر حتى وضع كفه على ذراعها اليسار هاتفاً:
_ في إيه ياملاذ مالك؟
ارتمت داخل أحضانه وهي تهمس بصوت مرتعش وجسد لاحظ ارتجافته:
_ حلمت بكابوس وحش، علطول بيجيلي.
ضيق عيناه وهو يستمع لكلامها، وفور انتهائها أصدر هو تنهيدة طويلة بارتياح وابعدها عنه برفق متشدقاً بنظرة معاتبة:
_ يعني كل العياط ده عشان كابوس ياشيخة، حرام عليكي! وأنا اللي افتكرت إن في حاجة لقدر الله حصلتلك ولا حصلت لحد.
رفعت عيناها الدامعة له وقالت بخفوت:
_ دايمًا بحلم بالجاسوم، وكان بيجيلي من أنا وفي الثانوي ولغاية دلوقتي بيجيلي، وكل ما بيجيلي بخاف أوي وبفضل أعيط كده. عارفه؟
هز رأسه بالإيجاب والإيماء، وغمغم في حنو:
_ أيوة عارفه.. تعالي واحكيلي بيجيلك إزاي عشان يخليكي خايفة كده وبتعيطي بالشكل ده.
جذبها من كفها بلطف وأجلسها على الفراش، ثم جلس بجوارها لتقول هي بهدوء:
_ بحس نفسي متكتفة في السرير ومش بقدر أتحرك ولا أتكلم، وببقى عايزة أفوق مبعرفش، وبحس كأني بغرق، وكل ما بقاومه بيزيد أكتر. مش بفوق منه غير لما أفضل أقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وبصحى مخضوضة مش قادرة آخد نفسي. وأنا بطبيعتي أساساً خوافة، فمبالك لما أحلم بكابوس زي ده. وغالباً بسمع أصوات مرعبة وأحياناً بشوف خيالات، والنهرده شفت إيد مخيفة ماسكة في إيدي ومكتفاها وصوت حواليا بيضحك وأصوات كتير متداخلة ومرعبة. ولما بفوق منه وبعد كده بنام تاني بيجيلي تاني، يعني ممكن يجيلي أربع أو خمس مرات ورا بعض، وفي كل مرة بصحى مخضوضة.
لم يكن يتوقع بأنها تخاف لهذه الدرجة المفرطة، حيث كانت تتحدث وعلى وجهها علامات الارتعاش والرعب. فسرعان ما أشفق عليها ومد يده يملس على شعرها بحنو يشعرها بالقليل من الأمان والاطمئنان:
_ طيب اهدى. أنا سمعت إنه بيبقى صعب فعلاً، واللي أعرفه والله أعلم إنه العلماء بيقولوا إنه بيبقى بسبب الضغوط والحالة النفسية والتوتر، والمشايخ بيقولوا إنه من الشيطان. فإنتي التزمي بأذكار الصباح والمساء، والحمدلله إنتي ملتزمة في الصلاة يعني، فبإذن الله مش هيجيلك تاني.
تطلعت إليه بنظرات مستعطفة ومتوسلة، فخرج صوتها بشيء من الرجاء:
_ ممكن تخليني أنام معاك النهاردة لإني خايفة ما أنام وحدي ويجيلي تاني؟
أخفى ابتسامته بصعوبة وتمتم في دفء:
_ نامي ياملاذ، السرير قدامك كله أهو.
ترددت قليلًا قبل أن تسأل سؤالها القادم، وهيمن عليها الصمت للحظات قبل أن تستجمع شجاعتها وتسأل باضطراب:
_ هتنام جمبي؟
رفع حاجبه وهو يبتسم بلؤم لسؤالها المتوقع وكذلك الإجابة المتوقعة التي ترغب في سماعها. فلم يحرمها مما ترغب فيه، حيث تمتم بنظرات ثابتة:
_ اممممم!!!
كتمت سعادتها في الأعماق واكتفت بالإيماءة الصغيرة، ثم تمددت بجسدها على الفراش وتدثرت بالغطاء. لينهض هو ويجلب هاتفه ثم يقوم بتشغيله على سورة البقرة ويضعه على المنضدة الصغيرة بجانب الفراش ويهتف في نظرات حانية لا تشهدها منه كثيرًا بسبب اضطراب علاقتهم:
_ اقري المعوذتين وآية الكرسي قبل ما تنامي، وأهو شغلت سورة البقرة جنبك.
ابتسمت له بحب وهي توميء بالموافقة وطرحت سؤالها الثالث عندما وجدته يتجه نحو باب الغرفة:
_ رايح فين؟
التفت لها برأسه وغمغم باسمها:
_ رايح أشرب ياملاذ وراجع. نامي ملكيش دعوة بيا، أنا ممكن منامش دلوقتي.
هزت رأسها بالموافقة وأغمضت عيناها محاولة النوم من جديد. أما هو، فعاد بعد ثلاث دقائق وجلس يكمل القراءة حتى ينهي ورده اليومي، وبعد ما يقارب النصف ساعة انتهى واتجه نحو الفراش ليتسطح بجوارها على الجهة المقابلة لوجهها، يحدق فيها بإمعان شديد، ليلتقط كفها الناعم ويطبع قبلة رقيقة على ظهره، ويقترب برأسه ناحيتها يخطف قبلة سريعة من جانب ثغرها خشية من أن تستيقظ نتيجة للمساته. ثم يرجع برأسه لوضعها الطبيعي ويغمض عيناه متهربًا عن طريق النوم من الأفكار المنحرفة التي تعصف برأسه الآن!!!
***
مع إشراقة شمس يوم جديد يحمل الكثير من المفاجآت للبعض.
سمحت شفق للطارق بالدخول وهي تقوم بتسريح شعرها. لتدخل رفيف وعلى وجهها ابتسامة مشرقة كصباح اليوم هاتفة:
_ صباح الخير.
أجابتها الأخرى بابتسامة عذبة ونقية:
_ صباح النور.
كانت رفيف في أقصى درجات الحماس والتشوق، حيث جذبت المقعد الآخر وجلست بجوارها متمتمة بابتسامة أصبحت أكثر اتساعًا:
_ يلا جهزيلي نفسك كده وخدي نفس عميق عشان تستقبلي اللي هتسمعيه دلوقتي.
تركت ما بيدها وركزت كل انتباهها عليها وهمست بريبة وفضول وهي كلها آذان صاغية لما ستقول:
_ في إيه قولي يارفيف، متقلقنيش؟
هتفت الأخرى في صوت منخفض ونظرات بها لمعة ماكرة:
_ كرم عايز يتجوزك!
رواية ضروب العشق الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى محمود توفيق
كرم عايز يتجوزك!
وكأن صاعقة برقية ضربتها فحرقتها في أرضها، كانت فاغرة فمها وعيناها ترمش بها عدة مرات، تحاول استيعاب الكلمات التي دخلت لأذنها للتو ولكن عقلها يرفض استيعابها ويهمس بجملة واحدة: "ما هذا الهراء!!"
واستغرق الأمر لحظات طوال حتى هزتها رفيف ببطء متعجبة من تسمرها بمكانها كالصنم، لتخرج هي أخيرًا من دوامة صدمتها وتهتف بصدمة أشد:
كرم مين أخوكي إنتي؟
أمال أخو الجيران!
عادت تسألها بشيء من البلاهة وعدم التصديق:
عايز يتجوزني أنا؟ يعني متأكدة إنه قصده عليا أنا؟ ليكون قصده على واحدة تاني!
تمالكت رفيف أعصابها ورفعت كفها ضاغطة عليها بشدة وهاتفة بأغيظ وهي تجز على أسنانها:
هرزعك حتة قلم يخليكي تفوقي كدا كويس. بت متجبليش الجلطة. أيوة إنتي. هو في حد اسمه شفق غيرك نعرفه!
التزمت الصمت لبرهة من الوقت ثم ابتسمت بمرارة وطالعتها بابتسامة بائسة:
وإنتي جاية تسأليني طبعًا موافقة ولا لا!
أكيد.. دي ماما فرحانة أوي ولو وافقتي مش بعيد تخلي كرم يكتب كتابه عليكي من بكرا.
هبت واقفة وعقدت ذراعيها أمام صدرها هامسة بصوت حزين:
بس مش هقدر أوافق يارفيف.
هبت الأخرى واقفة بدهشة وهتفت بجدية تامة لا تحمل المرح ولا المزاح:
نعم! بلاش هبل ياشفق. أنا وإنتي عارفين كويس أوي إنك معجبة بكرم أوي كمان.
التفتت لها وطالعتها بأعين دامعة وغمغمت بألم:
أيوة ده فعلًا. بس كمان عارفين إنه مبيحبنيش وإنه عايز يتجوزني بس عشان يبقى نفذ وصية سيف الله يرحمه. وفي نفس الوقت هبقى مراته فمش هبعد عنه أبدًا. وبكدا هيبقى حماني ومخليني تحت عينه.
أخذت نفسًا عميقًا وهي ترى جانبًا من كلامها صحيحًا والجانب الآخر ليس صحيحًا. وقررت أن تتمسك بالجانب الخاطئ وتحاول تصلحه لها لعلها توافق:
كرم بيعزك جدًا ياشفق والله. وإنتي ليكي معزة خاصة في قلبه. ولو وافقتي واتجوزتوا هتقدري بسهولة تكسبي قلبه صدقيني. دي فرصة جاتلك ولو ضيعتيها مش هتجيلك زيها تاني. فمتهدريهاش وحاولي تستغلي الفرصة لصالحك.
اقتنعت بكلامها ورأت أن آخر كلمات تفوهت بها قد تكون على حق. فهذه فرصة والفرص لا تأتي دائمًا على طبق من ذهب مثلما جاءت لها الآن. وطالما أتتك فرصة جاهزة فلن تخسر شيئًا إن جربتها. لربما تنجح وتكون سبب في تحقيق هدف كنت تسعى من أجله.
رتبت رفيف على ذراعها بلطف مهمهمة بحنو:
فكري في كلامي كويس وردي عليا بليل بقرارك.
***
فتحت أمها الباب ودخلت ثم أغلقته خلفها ببطء واتجهت نحوها بعد أن وجدته تجلس في شرفة غرفتها وبيدها كوب قهوتها الصباحي تتنسم الهواء الطلق باستمتاع. وبمجرد ما أن انتبهت لوجود أمها اعتدلت جالسة وقالت بابتسامة حانية:
صباح الخير.
ملست على شعرها بحنان وأجابتها بعذوبة جميلة:
صباح النور ياحبيبتي.
جذبت مقعدًا واتخذت لها مكانًا بجوارها هامسة في نظرات مترقبة ونبرة صوت حادة قليلًا:
إنتي متخانقة مع جوزك يايسر؟
توترت في باديء الأمر وهي تحاول إيجاد كذبة تفسر بها سبب شجارهم ولكن عقلها لم يسعفها في نفس اللحظة حيث هتفت بابتسامة مرتبكة وأعين تحاول إبعادهم عن نظرات أمها الثاقبة:
لا ياماما مش متخانقين ولا حاجة. قولتلك حسن مسافر وأنا قولت آجي أقعد معاكم يومين.
ازدادت نظرات أمها حدة عندما استمعت لكذبها مجددًا ومحاولات إخفاء شيئًا عنهم قد يكون خطيرًا. فخرج صوتها صارمًا:
حسن مش مسافر. حسن في الشركة. علاء لسا كان بيسألني عليكي وإنك ليه جيتي فجأة كدا فقولتله إن حسن مسافر. قالي مسافر إيه حسن مرحش مكان وأنه كان لسا بيكلمه ورايحله على الشركة دلوقتي.
أدركت سخافة الكذبة التي املتها عليهم بالأمس وقد فضح الأمر أمام الجميع وليس والدتها فقط وستضطر لإيجاد كذبة أخرى حتى تنهي بها هذه التساؤلات. ولكن يجب أن تكون مدروسة جيدًا وإلا ستقع في مأزق أكبر!
أخذت من الوقت لحظات طويلة حتى قالت بوجه هادئ تمامًا لكي تقنعها بكذبتها:
أنا محبتش أقولكم عشان مشغلش بالكم. هي مش خناقة يعني ياماما. كل ما في الموضوع إننا شدينا مع بعض في الكلام بس.
ولما هو مجرد جدال بينكم وحاجة بسيطة ليه جيتي على هنا؟
قالت الأخرى شبه مازحة لتضيف على الجو المشحون بالتوتر بعضًا من نسمات التلطيف:
في إيه ياماما إنتي مش عايزاني اقعد معاكم يومين ولا إيه؟ اطمني مفيش حاجة. أنا بس اتخنقت شوية وحبيت افك عن نفسي وعشان كدا جيت على هنا واتفقت معاه إني هقعد يومين.
رفعت أمها حاجبها بشك وقالت باقتناع بسيط:
يعني مفيش حاجة بينكم!
هزت الأخرى رأسها بالنفي وأكملت كذبتها باحترافية حتى وصلت لعقل أمها وصدقتها تمامًا:
لا الحمدلله مفيش. وبعدين أنا اللي غلطانة واستفزيته فهو اتعصب عليا وشدينا مع بعض. متشغليش بالك. احنا بخير الحمدلله.
تنهدت الصعداء بارتياح ورتبت على كتفها بلطف متمتمة:
طيب الحمدلله. أصل أنا إمبارح قلقت لما لقيته متصل على تلفوني وقالي إنك مبترديش عليه.
آه تلفوني كنت عملاه صامت عشان كدا مسمعتهوش.
هبت واقفة وقالت بصوت رخيم قبل أن تستدير وترحل:
طيب ياحبيبتي. يلا قومي عشان تفطري معانا.
أماءت لها بالموافقة وانتظرت حتى انصرفت لتأخذ هي بدورها شهيقًا وتخرجه زفيرًا بارتياح فقد حالفها الحظ واستطاعت خداع أمها. فهي لا تتوقع ردة فعلهم إن علموا بكل شيء وما فعلته مع زوجها قبل الزواج والظروف التي تزوجوا فيها وكيف أن كلاهما خدعوه بقصة العشق النقي الذي كان يضمره لابنة عمه وانتهى به المطاف إلى طلب يدها من عمه والزواج منها!
***
في مساء ذلك اليوم.....
كانت كل من رفيف هي وأمها وكرم يتناولون طعام العشاء والصمت يهيمن عليهم جميعًا حتى اخترق هو فقاعة الصمت بسؤاله عندما انتبه لمقعدها الفارغ:
امال شفق منزلتش ليه تاكل؟
أجابت رفيف قبل أمها في ابتسامة تضمر خلفها الخبث:
قالت إنها مش جعانة.
تبادلت النظرات المتشابهة مع والدتها وكلاهما يبتسم بلؤم. فبعد أن عادت تسألها رفيف مجددًا نجحت وحصلت على موافقتها. ورفضت تناول الطعام معهم خجلًا من البقاء معه على نفس الطاولة. نقل نظره هو بينهم مستغربًا وغمغم بحيرة:
مالكم بتبصوا لبعض وتضحكوا كدا ليه؟
هنا تولت هدى هي الدور حيث تنهدت بعمق قبل أن تبدأ في الحديث بشيء من الجدية الممتزجة بالسعادة:
شفق وافقت.
رفع حاجبه متمتمًا بريبة تحمل القليل من الشك:
بالسرعة دي؟ ماما أنا وافقت بس قولت بشرط إنكم تدوها فرصة براحتها تقرر وبعدين تقول موافقة أو لا. ومعنى الكلام ده أنكم متضغطوش عليها.
قالت هدى محاولة تبرير موقفها بذكاء مألوف منها:
واحنا مضغطناش عليها. ومش هنغصبها مثلًا على الجواز. احنا قولنا ليها الصبح و رفيف سألتها تاني من شوية لو قررت أو لا فقالت موافقة.
وهي كدا لحقت تقرر صح مثلًا!!
هتفت هدى بشيء من الغضب والانفعال:
وإنت مالك مدقق وعايزاها تاخد وقت تفكر فيه؟ ماهي فكرت وقالت موافقة وخلاص خلص الموضوع.
تمتم في رزانة تامة وصوت هاديء يختلف قليلًا عن نبرته السابقة:
عشان ده جواز مش لعب عيال. وأنا مش عايزها تاخد قرار متسرع وتندم عليه بعد كدا. كفاية إني وافقت مضطر بسبب إصرارك فمش هيبقى أنا وهي. ادي لشفق فرصة تاني ياماما ومتقوليش نكتب الكتاب علطول لإني هصبر على الاقل أسبوع لغاية ما تبقى هي متأكدة تمامًا من قرارها بعدها نبقى نكتب الكتاب.
همت والدته بأن تجيب عليه مغتاظة ولكن رفيف ضغطت على كفها بهدوء تهدأ من روعها وتهتف باقتناع وتأييد لرأي أخيها:
كرم عنده حق ياماما. خليها تاخد وقت براحتها تفكر فيه مرة واتنين وتلاتة وبعدين يبقى يكتبوا الكتاب.
قالت مغلوبة على أمرها عندما وجدت الضغط من كلاهما وأنهم لا يؤيدوا فكرتها مطلقًا وشعرت في قرارة نفسها بأنهم قد يكونوا على حق:
طيب ياكرم براحتك.
هب واقفًا بعد أن انهى طعامه واقترب منها ثم انحنى وقبل رأسها بحنو هامسًا في صوت يبعث في النفس راحة وسكينة:
تصبحى على خير ياست الكل. عايزة حاجة؟
استطاع رسم ابتسامتها الامومية المحبة له وامسكت بكفه الذي فوق رأسها وانزلته لتقبله بحنان متمتمة:
عايزة سلامتك ياحبيبي.
اتجه نحو شقيقته وطبع قبلة سريعة على رأسها أيضًا ثم اتجه لغرفته ليخلد للنوم ويستعد لصباح يوم جديد مليء بروتينية العمل التي لا تنتهي!
***
كان جالسًا أمام التلفاز يشاهد إحدى قنوات الأخبار وهي بجواره تعبث بهاتفها تتصفحه. كانت عيناه معلقة على شاشة التلفاز وعقله بعالم آخر مشغول بالتفكير وبين آن وآن يلقي نظرة إليها فيجدها مندمجة في هاتفها جدًا فيتنهد بقوة شبه متأففًا. وبعد لحظات طوال من التفكير غمغم في هدوء تام:
احكيلي ياملاذ كل حاجة عن خطيبك. قابلتيه إزاي وفين؟
توقف إبهامها الذي يتحرك على شاشة الهاتف التي تعمل باللمس. واخترق كلامه مسامعها فأصابها بالذهول وتجمدت على حالها. فآخر شيء كانت تتوقع أن يسأل عنه في يوم من الأيام هذا الشيء الذي يدعى بخطيبها السابق. هل هو بالفعل مستعد لسماع كل شيء دون أن يفقد أعصابه أو يزداد كرهه لها؟ انتفضت جالسة على أثر صوته الخشن:
ملاذ!!
هااا..
بس إيه اللي جاب الموضوع ده على بالك دلوقتي؟
تمتم بثبات ملحوظ ونظرات ثاقبة:
"عادي حابب أعرف كل حاجة ولا إنتي عندك مانع؟"
هزت رأسها بالنفي في توتر وحاولت ارتداء لباس الشجاعة وأن تقص عليه كل شيء دون كذب، لعلى يكون هذا جزء يساهم في استعادة ما فقدته وهو "ثقته". قالت بابتسامة مرتبكة:
"لا طبعًا معنديش مانع، بس إنت مستعد إنك تسمع حاجات أكيد مش هتعجبك!"
"لو مكنتش مستعد مكنتش هسأل."
أخذت شهيقًا ارتفع معه صدرها قليلًا ثم أخرجته زفيرًا متمهلًا، وتبدأ بالسرد قائلة:
"هو كان قريب واحدة صحبتي، وفي مرة طلعنا أنا وهي وروحنا مطعم، فهي وماشية جه هو ياخدها وشافني. بعديها بكام يوم لقيتها بتقولي إنه أعجب بيا وحابب يتعرف عليا، فقولت ليها يتعرف عليا إزاي يعني؟ قالتلي يعني يكلمك وكدا في التلفون لإنه ناوي يتقدملك بس عايز يتعرف عليكي في الأول، فـ أنا وقتها بهدلتها وقولتلها أكيد لا مش موافقة، ولو عايز يتقدملي ياجي أهلًا وسهلًا، ولو حصل نصيب في حاجة اسمها خطوبة وهنتعرف على بعض كويس أوي. وبعدها بأسبوعين لقيته اتقدملي بالفعل، واللي اكتشفته بعدين إنه شافني كذا مرة مش مرة واحدة. وطبعًا أنا من غبائي وافقت لما اتقدملي وكنت فرحانة جدًا، كان في نظري بقى شاب جميل وشبه الأجانب، بالرغم من إني لو كنت ناضجة وفاهمة كنت هدرك إن طالما واحد قبل على نفسه إنه يكلمني قبل ما يبقى في أي حاجة بينا وكان عايز بمعنى أصح يرتبط بيا من ورا أهلي، فده معناه إنه مش كويس، بس أنا بغبائي صممت عليه، مع إن إسلام وبابا مكنوش مقتنعين بيه ومكنوش بيطقوه. بس وبعدها تمت الخطوبة وكان بيكلمني كل يوم تقريبًا، وكنا بنتكلم في حاجات ملهاش أي ستين لزمة، وكان بيجيلي بعد شغلي وبنقعد في كافتريا، وفي وقتها أنا مكنتش مدركة حجم الغلط ده، كنت عارفة إنه مينفعش ويمكن يكون حرام، بس مكنتش مدركة إن أنا كنت باخد ذنوب بالهبل بسببه، وسمحتله بحاجات كتير وإنه يتخطى حدود في التعامل معايا كتير مكنش ينفع يتخطاها. كنت ساذجة لدرجة الغباء. وبعدها بفترة من الخطوبة لقيت بابا بيكلمني على موضوع إنه بيكلمني كل يوم ومتعصب وقالي مينفعش، وأنا بقيت بحاول اتجنبه ولما يتصل اتكلم كلمتين واتلكك بأي حاجة عشان اقفل. بعديها لقيته هو من نفسه بقى يبعد وحده وحده وحس إني مش عايزة اكتر معاه في الكلام. بقى يتصل مرتين في الأسبوع وبعديها مرة، وفي النهاية مبقاش يتصل خالص، بقيت برن عليه أنا يا يرد يا مردش، ولو رد كان بيعمل زي وبيتلكك ويقفل معايا، وبعدها بفترة بقيت ارن عليه وميردش ولا يعبرني أصلًا. بقيت بضايق جدًا وبتعصب، وفي مرة قولت أنا هروحه، كان تفكيري وقتها إن يمكن هو تعبان ومبيردش عشان مش عايز يقلقني وقولت هطمن عليه. كان حبي ليه عميني عن كل حاجة. ولما روحتله بعد الشغل، هو كان محامي ومعاه مكتب خاص بيه، فروحتله على مكتبه، ولما دخلت عليه المكتب لقيته.. لقيته مع بنت وكانوا في وضع مش كويس. بعديها فورًا احنا فسخنا الخطوبة وحصلت مشكلة كبيرة بين بابا وإسلام مع ابوه وأمه واخواته..."
فرت دمعة متمردة من عينيها رغمًا عنها، فجففتها مسرعة وألقت نظرة خاطفة إليه، فوجدته يحدق فيها بتركيز شديد ويستمع لما تسرده باهتمام. لتكمل دون أن تنظر في وجهه وصوتها يحمل بحة البكاء وعيناها تسبح في بحر دموعها:
"مكنتش متوقعة منه الغدر نهائي. كنت بثق فيه ثقة عمياء، وزي ما قولت بسبب حبي ليه كان مخليني عمية عن كل عيوبه، كان كتير بيتجاهلني ولما نكون خارجين تلفونه يرن كتير ويقولي صاحبي ويقوم يكلمه بعيد، وهو أصلًا مش صاحبه دي واحدة من البنات اللي يعرفهم. هو لما ملقيش مني فايدة وإني مش بسمحله إنه يقرب مني لأنه هدفه كان من البداية هو أن يحصل عليا ويحاول يجرني لطريقه القذر، فزهق مني وشافله واحدة غيري. وهو من البداية عارف إنه مش هيتجوزني لأنه مش حاطط في باله الجواز أساسًا، ده كان بيتسلى بس بيا وأنا زي الحمارة صدقته ووثقت فيه، لا وبعد ده كله فضلت برضوا بحبه، وحبه مكفاش في إنه يدمرني بوجوده، لا حتى في غيابه، وكان السبب في وضعنا دلوقتي."
سمحت لدموعها بالسقوط، ثم نظرت له وأكملت وهي تعلق نظرها بنظره في أعين تنبض بالعشق:
"أحيانًا كتير بقول يارب ليه مكنتش إنت أول حد يدخل حياتي، ليه مكنتش إنت بداله، على الأقل مكنتش هتكسر زي ما كسرني. مكنتش هخسر ثقتك فيا ومكنتش علاقتنا هتبقى كدا. بس برجع وبستغفر ربنا وبقول أكيد ربنا كان ليه حكمة وأنا اتعلمت كتير من التجربة دي. ولما اتقدمتلي إنت أنا كنت لسا في عز صدمتي ومخرجتش منها وبحاول استجمع نفسي، ومع ضغط ماما عليا وبعد ما فكرت بغبائي إني لو اتجوزتك هسترجع كرامتي اللي بعتها وهخليه يتغاظ. وافقت ومكنتش أعرف إني كدا بدمر حياتك وحياتي. وبالرغم من إني كنت لسا مفوقتش من الغدر اللي اتعرضتله لقيت نفسي من غير ما أحس بثق فيك وبتشدلك. حسيتك مختلف عنه في كل حاجة، لما اتخطبنا مكنتش بتكلمني وكنت بستغرب، بعدين فهمت إن إنت خايف تكلمني فتقول حاجة كدا أو كدا وتغلط، فناخد ذنوب أنا وإنت. وكنت بتكتفي بمكالمة واحدة طول الأسبوع تطمن عليا وتقفل فورًا، لدرجة إني كنت بحس إنك مش طايقني. بس ما كتبنا الكتاب واخدتني معاك للشركة وسمعت كلامك وغيرتك عليا بسبب المكياج، كبرت في نظري جدًا وحسيت إن إنت فرصة ربنا بعتها ليا ولو ضيعتها هبقى اثبت لنفسي للمرة التانية إني غبية جدًا. ومن لحظتها اخدت عهد على نفسي إني هشيله من قلبي وهحاول اكون ليك، لإنك تتحب فعلًا. وفي تاني يوم لما اتكلمت معاك في موضوع النقاب ولقيتك مبسوط وبتقولي ياريت، كبرت أكتر في نظري وتمسكي بيك زاد أكتر، لاني عرضت علي أحمد موضوع النقاب قبل ما ننفصل ورفض وقالي بلاش هبل. طبعًا كان هيوافق إزاي والنقاب ده كان هيحط حدود في تعاملنا مع بعض وهيمنعه من إنه يشوفني. ولما إنت عرفت كل حاجة يوم الفرح كنت متوقعة إنك هتتعصب وممكن تمد إيدك عليا لما نرجع البيت، بس خيبت ظني وكان رد فعلك طبع بصمته في قلبي، بالرغم من إنك كنت قاسي في كلامك، بس حسيت إني مندمتش لما تمسكت بيك وقولت لازم مضيعكش من إيدي. عارف حسيت بإيه بالظبط؟ حسيت إنك راجل بمعنى الكلمة واحترمتك جدًا وقتها. ولغاية دلوقتي وحتى لو حصل واتطلقنا اهيني بقولها ليك إنت هتفضل أجمل راجل قابلته في حياتي يازين!"
لم يزح نظره عنها بل ظل مثبتًا نظره عليها وهو يبتسم بدفء ونظرات تعكس ما يحدث داخل قلبه، وكأنها تخبرها بشكل غير مباشر عن طريق لغة الأعين "أحبك". نجحت وهزمته شر هزيمة بكلامتها التي صوبت سهام العشق نحو قلبه فطبعت أثرها. وحينما شعر بدنو استسلامه التام لها ووجد نفسه سيقترب ليقبلها، فاشاح بوجهه وقال متصنعًا الجفاء في محاولة فاشلة:
"أعتقد إن اللي قولتيه في الآخر ده ملوش لازمة، أنا كل اللي كنت عايز أعرفه عن خطيبك بس."
انزوت نظرها عنه مبتسمة بعدم حيلة بعدما توقعت رده الجاف، ولكنها قررت أن تستخدم رده كورقة رابحة فتسكته بها بتاتًا وتجعله غير قادر على التحدث. حيث رفعت نظرها من جديد وجففت دموعها هاتفة في ابتسامة واثقة ونظرة كلها تحدي:
"يمكن هو ملوش لازمة بالنسبالك، بس بالنسبالي ليه لازمة أوي كمان. وكان لازم أقوله ليك!"
لم تفشل للمرة الثانية في هدفها، حيث خطفت أي رد يمكن أن يجيب به عليها، فنظر لها بسكون ولا يعرف بماذا يجيب، ليكتفي بالصمت واشاح نظره عنها مجددًا. لتزداد ابتسامتها اتساعًا في انتصار ثم تقول بشيء من المرح والضحك:
"عارف أول مرة شوفتك في المقابلة الشرعية؟ قولت ده باين عليه معقد وتفكيره رجعي ومن نوع الناس اللي بتحب تفرض سيطرتها في كل حاجة وبيكتم الست ومفيش خروج. مفيش فسح ومعرفش إيه، بسبب إن كان باين عليك الالتزام والتدين جدًا. بس بعد كتب الكتاب اثبتلي العكس وكنت لطيف جدًا، آه خوفت منك شوية منكرش في الشركة بس عادي. وكنت جنتل أوي وإنت بتعتذر تاني يوم. ولما كلمتني في التلفون ولقيتك بتقولي عايز تصالحني وش لوش ومعرفش إيه، اكتشفت إني اتخدعت فيك وفي وش الملاك وقناع الاحترام والأدب اللي كنت بتلبسه قدام الكل، ومكدبش عليك قلقت منك وقولت ده هيعمل فيا إيه! بس هديت نفسي وقولت عادي يعني هو بيقول كلام بس، وهو مطلعش كلام للأسف. وإنت فعلًا حاولت تستغل الفرصة بس باحترام برضوا."
رأت ابتسامة ترتفع لشفتيه وهي تسرد له على أفعاله، وكيف كانت تظنه خلوقًا، بل في الواقع هو حتى الآن خلوق معها ولم يريها الانحراف الحقيقي. لتكمل هي متسائلة في ضحك:
"قولي ومتكدبش، كانت نواياك مش تمام صح؟ بس شكلك تراجعت على آخر لحظة!"
قال في ابتسامة عريضة وهو يبادلها جلستها المرحة:
"الصراحة ابقى كداب لو قولتلك غلطانة."
أصدرت ضحكة بسيطة وتمتمت بخجل مزيف ومداعبة:
"وأنا قال اللي كنت مدياك الأمان وإنت كنت هتغدر بيا في نص النيل!"
أطلق ضحكة مرتفعة ثم هم بأن يجيب عليها، ولكن صوت رنين هاتفه قطع جلستهم المرحة والأولى منذ زواجهم. حيث التقطه وأجاب على المكالمة التي كانت تخص شيئًا خاصًا بالعمل، ثم نهض واتجه نحو مكتبه ليتأكد من شيء وهو مازال يتحدث في الهاتف. وتركها تتراقص فرحًا وتكاد تقفز من السعادة. فقد نجحت اليوم في إحراز أول نقاطها. وقوي شعور الأمل في قلبها من جديد وازدادت إصرارًا وعزيمة في إذابة الثلوج المتراكمة على قلبه وتحول بينها وبين قلبه النقي والصافي والجميل...!!
***
مع صباح يوم جديد ومشرق، داخل شركة العمايري...
خرجت يسر من مكتبها تقود خطواتها ناحية مكتب زوجها لكي تعطيه بعض الأوراق المهمة الخاصة بالعمل. بالرغم من أنها لا تريد رؤيته إلا أنها مجبرة على التعامل معه في الشركة من أجل العمل. وأخيرًا وصلت أمام مكتبه وهمت بأن تدخل، لولا السكرتيرة الخاصة به منعتها فورًا باحترام مغمغمة:
"مدام يسر، حسن بيه قال مدخلش حد نهائي."
لوت فمها بأعين نارية وتمتمت بابتسامة صفراء:
"وهو أنا حد ياحبيبتي؟"
توترت الفتاة بشدة وقالت باضطراب وصوت خافت:
"هو موجود جوا مع آنسة دنيا، وقالي إنك لو جيتي وجبتي الأوراق تدهاني وأنا هدهاله لما يخلص مقابلته."
طفحت حمم البركان الخامد داخلها وتأججت نيران الغيرة لدرجة أن وجهها ظهرت عليه آثار انفجار هذا البركان! فهو لن يكف عن تحقيرها وإهانتها أمام الجميع. يجلس مع فتاة في الداخل ويرفض دخول زوجته غير مبالٍ لوضعها أو كرامتها. ولكنها تمكنت من التحكم في زمام ثورتها الداخلية وطالعت الفتاة بابتسامة قاتلة كلها شر وغيظ، ثم استدارت وعادت لمكتبها دون أن تعطيها شيئًا وهي توعد له بأنها سترد كرامتها التي بعثرها للتو.
دخلت في مكتبها ودفعت الباب بعنف خلفها، ثم جلست على المقعد وهي تلف به يمينًا ويسارًا وتقضم أظافرها من فرط غيظها وغيرتها وعقلها لا يتوقف عن التفكير وطرح الأسئلة: "ترى ماذا يفعل هذا المنحرف؟"
فنهضت وقامت بتحضير كوب قهوة لم تجهزه لها بل له.
وبعد دقائق معدودة من تجهيزه كما توقعت، اقتحم عليها المكتب ودخل ثم أغلق الباب وهتف بسخط:
_ مسبتيش الورق ليه مع السكرتيرة؟
اقتربت منه وهي تحمل على يدها كوب القهوة الساخن وتهمس بتصنع البراءة:
_ معلش اتلهيت أصل جالي تلفون مهم ومشيت علطول عشان أعرف أرد.
تقدم نحوها وقال ساخراً منها:
_ لا والله وتلفون إيه ده بقى المهم؟
وقفت أمامه مباشرة تكاد تكون ملتصقة به وتمتمت في نظرات ثابتة وابتسامة لئيمة:
_ فاكر اللي شوفتني معاه في الصورة وحكتلك عنه أهو هو ده. كان بيتصل يطمن عليا لإني إمبارح كنت تعبانة جدًا بس الحمدلله دلوقتي بقيت كويسة. ده حتى كان عايز ياجي يشوفني بس قولتله لا متتعبش نفسك ولإني كمان مش فاضية.
تبدلت ملامحه ولاحظت أنها اتخذت طريقًا مغايرًا لتسلك طريق الاغتياظ والاستياء فتبتسم هي بانتصار لتحقيق أول نقاطها، ثم تسكب القهوة على قميصه ليرتد هو للخلف فورًا مصدرًا تأوهًا متألمًا لسخونتها، ثم بدأ فورًا بفك أزرار قميصه في ألم حتى ينزعه عنه وهو يصيح بها بجموح عاتي:
_ إيه الغباء ده!
يخطأ مجددًا ولابد أنه يصر على أن تزيد عقابها له، فاقتربت منه وضغطت بقدمها على قدمه ليصدر هو تأوهًا متألمًا أكثر فتقول هي بتأسف مزيف ودهشة:
_ أنا آسفة ياحبيبي مقصدش. بسبب التعب بس حاسة نفسي من مظبوطة لسا.
فهم أنها تفعل كل هذا عمدًا حين قرأ نظرات الغل في عينيها، فنزع عنه قميصه والقاه على الأريكة الصغيرة ثم جذبها من ذراعها هامسًا في صوت مريب:
_ اللي بتعمليه ده هتبقى نتائجه سلبية خلي في علمك. بلاش حركاتك دي يايسر ومتعمليش نفسك ذكية عليا احسن اوريكي اللي عمرك ماشوفتيه مني.
قالت ضاحكة باستهزاء واضح منه:
_ نفسي جدًا اشوف اللي مشوفتهوش منك ده. من ساعة ما اتجوزنا وإنت بتقول الكلام ده. بس واضح إنه كلام بس.
ضغط على ذراعها ولواه خلف ظهرها لتصدر هي تأوهًا بسيطًا ثم همس أمام شفتيها بالضبط وفي صوت يشبه فحيح الأفعى:
_ اظن منستيش اللي كنت هعمله يوم الفرح. عندي استعداد أخدك دلوقتي على البيت واوريكي أسوأ ما فيا عشان تتأكدي إذا كان كلام بس ولا لا. ها إيه رأيك تحبي اثبتلك!
أدركت أنه لا يمزح وقد يفعلها حقًا فقررت السماع لنصيحة عقلها وهي عدم استفزازه وتحديه أكثر من ذلك حتى لا تقع في وضع صعب معه. فأغمضت عيناها وهمست بخنق:
_ ابعد عني ياحسن.
ترك يدها وشعرها لتعتدل هي واقفة ويقع نظرها على صدره الذي يعطي أحمرارًا بسبب القهوة التي سكبتها عليه، لتتنهد بعمق وإشفاق وتلتفت خلفها ثم تمد يدها في درج المكتب وتخرج مرهم للحروق ثم تعطيه له هاتفة في امتعاض وهي تتحاشى النظر إليه:
_ خد حط منه.
سمعت صوته الرجولي القوي وهو يقول ببرود:
_ حطيلي إنتي. مش إنتي اللي دلقتي القهوة عليا.
نظرت له رافعة حاجبها بنظرة لا تختلف عنه وفهمت مقصده أنه يريد أن يثبت لها أنها لا تستطيع مقاومته وتضعف أمامه كالعدو الجريح. لتبتسم له بمكر وفتحت العلبة ثم وضعت جزء صغير على أصبعها ودهنته على مكان الإحمرار بلطف به شيء من الحدة. وهو يتابعها مبتسمًا بخبث وهي تمرر إصبعها على صدره بمكان الحرق. لتفتح في هذه اللحظة رفيف الغرفة وسرعان ما وقع نظرها عليهم فاشاحت بوجهها وعادت تغلق الباب متمتمة:
_ احم!
وضعت يسر علبة المرهم في يده وابتعدت عنه هاتفة لرفيف:
_ ادخلي يارفيف مفيش حاجة. القهوة ادلقت على اخوكي بالغلط وكنت بحطله مرهم للحروق.
التقط قميصه المتسخ ونظر لها هاتفًا في طبيعية يحاول إخفاء غيظه حتى لا تشعر شقيقته:
_ وده البسه إزاي بقى؟
_ قول لعلاء يجبلك قميص من المخزن تحت. مش موضوع يعني ياحسن.
نقلت رفيف نظرها بينهم باستغراب ولكنها لم تعلق فهذا ليس من شأنها واقتربت من يسر تملي عليها بعض الأشياء الخاصة بالعمل ثم همت بأن ترحل لولا صوت أخيها الذي قال بتساؤل:
_ كرم جه معاكي يارفيف؟
قالت نافية:
_ لا النهردا الجمعة وإنت عارف إنه متعود بيزور اروى وسيف كل جمعة. فوصلني ورجع على المقابر. ممكن شوية وتلاقيه وصل.
_ طيب لما ياجي قوليلي.
أماءت له بالإيجاب لتقابل ابتسامته الحانية فتبادله إياها ثم تستدير وتنصرف. ليعود هو بنظره لزوجته ويرمقها شزرًا ثم يخرج هاتفه من جيبه ويجري اتصالًا بابن عمه ليأتي له بقميص نظيف.
يوم وتوالت خلفه الأيام. وكانت ذات أثر جيد على بعضهم وعلى البعض الآخر تمر بروتينية وبعضهم في تردد وضيق.
تمكنت ملاذ من أن تحقق نجاحًا ساحقًا في علاقتهم التي تحسنت كثيرًا وتمكنت من إزالة بعض العوائق التي تحول بينها وبين زوجها ورأت جزءًا من لطفه وحنانه الذي كان يخفيه عنها.
أما حسن فقد قضى أسبوعًا كاملًا بمفرده في المنزل. يستيقظ فيذهب للعمل ويعود ليقضي سبع أيام في روتينية مملة. ويعترف أخيرًا بينه وبين نفسه أنها تركت بصمتها بمجرد رحيلها عن المنزل. ولقد اعتاد عليها برغم من شجارهم اليومي. وخلال هذا الأسبوع خلفت فراغًا في نفسه خلفها. حتى في العمل كانت لا تأتي سوى ساعات قليلة ولا يراها فيهم حيث تحرص على القدوم والذهاب دون أن يراها.
بينما كرم فقد كان مشغولًا في البحث عن ذلك الوغد الذي حتمًا سيحاول أذية "شفق" مجددًا. ومن جهة أخرى مشغولًا ببعض التعديلات التي يجريها في منزله استعدادًا للانتقال والعيش فيه بعد زواجه. أما شفق فقررت وتراجعت أكثر من مرة وبالأخير استمعت لصوت قلبها الذي يرغب في قربه فاعلنت موافقتها النهائية. وها هو اليوم موعد زواجهم وسيعقد القرآن بعد ساعات قليلة بحديقة المنزل وسط حضور عائلته كاملة. وستكون حفلة عائلية هادئة دون موسيقية بناءً على رغبتها بسبب وفاة أخيها وأمها الذي لم يمر على وفاتهم الشهر.
كانت تكمن في غرفتها وتتطلع لمرآتها تمعن النظر في ملامحها وفستان السهرات البسيط الذي قامت رفيف بشرائه خصيصًا لها واقنعتها بعد عناء بأنها لا يجب أن ترتدي الأسود في مناسبة كهذه فرضيت أخيرًا مغلوبة على أمرها. رأت الدموع تنهمر من عينيها في ألم وحرقة امتزجوا بالشوق. شوق لأحبائها الذين سرقهم الموت منها فتركها وحيدة بلا عائلة. وبلا سند أو حصن تحتمي به فليس هناك شيء يعوض العائلة. وكم تمنت أن يكون أخيها معها وهو من يسلمها بيده لزوجها وترى السعادة في أعين والدتها التي طالما ودت أن تراها بفستان زفاف أبيض ولكن ماذا عساها أن تفعل سوى تذكرهم والاشتياق لهم والحزن على فراقهم الذي يمزقها كل يوم وكل دقيقة!
فتحت رفيف الغرفة ودخلت وحين رأتها في الفستان الحراري وحجابها الذي يأخذ نفس اللون ابتسمت بإعجاب وتمتمت:
_ إيه القمر ده بس يلا عشان المأذون وصل تحت.
جففت دموعها فورًا قبل أن تلاحظها وبادلتها الابتسامة العذبة ثم ألقت نظرة من النافذة على حديقة المنزل لتجدهم جميعًا بالأسفل ويتحدثون فيما بينهم. وأخيرًا وقع نظرها عليه لتراه يأخذ مكانه بجانب المأذون وشاردًا تمامًا في اللاشيء أمامه لتتنهد بعمق وترفض عقلها الذي يخبرها في غضب "حمقاء وبلا كرامة وافقتي على الزواج منه وإنتي تعرفي جيدًا أنه لا يحبك وربما أيضًا لا يريدك وتستمعي لأوهام قلبك المريض بأنك ستجعليه يحبك وهذا غير ممكن!". استفاقت من تعنيف عقلها الشديد لها على صوت هدى هذه المرة وهي تطالعها بلطف وحب هاتفة:
_ يلا ياحبيبتي عشان المأذون مستعجل.
التفتت لها فأخذتها من يدها وخرجت لهم ليضرب حسن كتفه بكتف أخيه الشارد حتى ينتبه لهم وبمجرد ما عاد لواقعه ووقعت عيناه عليهم هب واقفًا يرسم ابتسامة جميلة على شفتيها يستقبلها بها حتى وصلت وجلست بجواره وبدأت مراسم النكاح فورًا والتي انتهت بقول المأذون كالمعتاد "بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير". ثم يبدأ هو في تلقي التنهئات التي كانت بسعادة غامرة من أفراد العائلة باستثناء أشقائه الذين عانقوه وهنئوه في ابتسامات هادئة لعلمهم جيدًا بأنه لم يتزوج رغبة منه أو رغبة فيها. ولكنه رغم هذا وبداية من هذه اللحظة وقع الوثائق مع نفسه بأنه سيكون رجلًا معها كما يجب أن يكون!
بعد قضاء ما يقارب الثلاث ساعات وهم مجتمعين يضحكون ويتحدثون في مرح وسعادة، لم يتبقى سوى عائلة محمد العمايري. وبينما كان طاهر وزوجته وابنه في طريقهم للسيارة حتى يرحلوا استقامت يسر من جانب زوجها وهمت بأن تلحق بهم لتعود معهم فتجد يده تقبض على رسغها بعنف وهو يوجه لها نظرات قاتلة في همس:
_ رايحة فين؟
انحنت قليلًا ناحيته وغمغمت في هدوء مستفز:
_ راجعة معاهم.
أجلسها بجانبه مجددًا عنوة وهمس في أذنها بنبرة صوت ملتهبة:
_ هترجعي معايا البيت كفياكي أوي كدا. أنا سبتك أسبوع براحتك ومتكلمتش.
ألقت نظرة على الباقية لتجد كل من رفيف وملاذ وشفق منشغلين بالحديث مع بعضهم وكرم وزين يتحدثون مع والدتهم في شيء ما بصوت خافت. لتعود بنظرها له وتبعد يده عنها ببطء متمتمة في استهزاء:
_ ده على أساس أنك دايب في دباديبي مثلًا ومش قادر تقعد من غيري.
ابتسم وقد قرر أن يشعل نيران سخطها ويستفزها حيث أكمل همسه في إهانة واضحة لها بها شيء من الوقاحة:
_ لا بس مش قادر أقعد من غير الخدامة اللي بتأكلني وبتغسلي هدومي وبتخدمني وبتلبيلي كل طلباتي. حتى الطلبات اللي بالي بالك.
جزت على أسنانها وقد نجح في تحقيق مبتغاه وهو إشعال نيرانها واندلاع ثورتها الداخلية فوجدها تطالعه بأعين نارية تكاد تحرقه بها وتهتف في استحقار ونظرات وضيعة:
_ تعرف إن أنت حيوان أوي!
عاد ليقبض على ذراعها من جديد ولكن في قوة متهًا وهتف بتحذير مبتسم يحاول إخفاء سخطه من إهانتها المباشرة له:
_ احترمي نفسك يامزتي بلد ما اقصلك لسانك الطويل ده.
دفعت هذه المرة يده عنها في خنق واشاحت بوجهها عنه بل ونهضت من جانبه تمامًا واتجهت لتجلس بجانب الفتيات تشاركهم حديثهم قبل أن تنفجر في ذلك المستفز من الغيظ.
وبعد ما يقارب الساعة كل منهم أخذ زوجته وذهب لمنزله ولم يتبقى سوى رفيف وهدى حيث هتفت رفيف مداعبة:
_ خلصتي من ولادك التلاتة يادودو.
يارب تكوني مرتاحة مفضلش غيري أنا وإنتي أهو في وش بعض.
قهقهت هدى ضاحكة وتمتمت براحة ولكنها امتزجت بشيء من الضيق:
_ أكيد مرتاحة وهبقى مرتاحة أكتر لما اشوفهم مبسوطين واشيل ولادهم إن شاء الله واشوف كرم مبسوط مع مراته يارب وأنا واثقة إن شفق هتنسيه اروى وهتشوفي وتقولي ماما قالت.
شاركتها الضحك وهي تقول:
_ مابلاش الثقة المفرطة دي يادودو!.
_ يس يابت اتلمي قومي يلا من جمبي سبيني استجم شوية مع نفسي.
فعلت كما أمرتها واستقامت ضاحكة وهي تبتعد عنها تاركة إياها ترفع يداها للسماء وتدعي لجميع ابنائها بقلب أم صادق في دعائه وحبه لأولاده.
وضع كرم المفتاح في قفل الباب واداره للشمال ثم فتحه ودخل أولا لتدخل هي بعده ويغلق الباب بهدوء.
تابعها وهي تتأمل في المنزل الذي تراه لأول مرة. كان يحتوى على أثاث عصري وجميل والوان الحوائط هادئة وجميلة.
لتنتفض من شرودها على صوته الرخيم وهو يتمتم باسمها:
_ مكنش في وقت عشان اجيبك تتفرجي وتشوفي لو حابة تغيري حاجة أو كدا. بس احنا فيها أهو واعملي اللي إنتي عايزاه لو في حاجة مش عجباكي. خلاص ده بيتك.
التفتت له برأسها وهمست في رقة ساحرة وهي تهز رأسها نافية:
_ لا بالعكس كل حاجة في البيت جميلة خالص ماشاء الله.
_ طاب كويس تعالي بقى قبل ما تدخلي أي مكان في البيت هوريكي حاجة.
قطبت حاجبيها باستغراب ولكنها تبعته في صمت حتى وصلا أمام باب غرفة لونه بني. ثم مسك المقبض وفتح الباب وهو ينظر لها بابتسامته المعهودة التي تسرق قلبها. يطلب منها الدخول أولا.
لتخطو أول خطواتها وتلجم الدهشة لسانها وهي تحدق بالحائط فاغرة عيناها وشفتاها.
رواية ضروب العشق الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى محمود توفيق
ظلت للحظات طويلة تحدق في هذه الصورة الضخمة التي تملأ الحائط من أعلاه لأسفله. وسرعان ما غامت عيناها بالعبارات وسقطت دموعها غزيرة على وجنتيها، حيث كانت الصورة تجمعه مع أخيها. فاقتربت ناحية الحائط وهي تملس بيدها على أخيها في الصورة بابتسامة مريرة حتى سمعته يهتف:
"الصورة دي عملتها بعد وفاته بأسبوع وكنت كل ما باجي البيت هنا بفضل اتفرج فيها."
التفتت له وقالت بصوت باكي ووجه ممتلئ بالدموع مع ابتسامة واسعة:
"جميلة أوي يا كرم بجد. هو كان بيحب الصورة دي أوي ليكم."
توجه ناحيتها ووقف خلفها مغمغمًا في حنو ودفء استشعرته في صوته:
"فعلًا.. بس لو إنتي كل ما تدخلي الأوضة وتشوفيها هتعيطي كدا، أنا ممكن أشيلها."
التفتت له بجسدها كاملًا وهتفت تنهيه بسرعة وهي تجفف دموعها بظهر كفها:
"لا لا أوعى متشيلهاش هزعل منك أوي بجد لو شلتها. شكلها جميل خالص."
اكتفى بابتسامته اللطيفة لتبتعد عنه وتبدأ في تفقد بقية المنزل وهو معها. ثم جلسوا يتحدثون في أمور مختلفة إلى ما يقارب النصف ساعة، تارة يغلب عليهم الضحك وتارة الجدية في أحاديث أخرى. إلى أن دخلت غرفتها وبدلت ملابسها وارتدت بيجامة منزلية مريحة ورفعت شعرها الناعم لأعلى بشيء تثبته به، لتنسدل بعض خصلاته على وجهها من الأمام وعنقها من الخلف. وسرعان ما انتفضت واقفة في فزع عندما سمعت طرقة على الباب وصوته. فتوترت بشدة وترددت قبل أن تفتح، ولكنها حسمت أمرها واتجهت لتفتح له. ولم يكن وضعه يختلف عنها كثيرًا، ولاحظت توتره في نبرة صوته وهو يقول:
"أنا في الأوضة التانية لو عوزتي حاجة اندهي عليا."
ظهرت علامات الأسى والخنق على محياها وهي تقول في يأس:
"إنت هتنام في الأوضة التانية؟!"
أطال النظر في محياها لثلاث ثوانٍ قبل أن يهتف في لطف:
"آه. لو إنتي حابة أنام معاكي مفيش مشكلة."
ارتبكت وهزت رأسها بالنفي وهي تقول متلعثمة:
"لا لا براحتك مقصدش كدا. أنا كنت بسأل بس."
"أممم طيب تصبحي على خير."
ردت عليه في ابتسامة مزيفة رسمتها بمهارة "وإنت من أهله". ثم أغلقت الباب ببطء واتجهت ناحية فراشها لتجلس عليه وهي تلوي فمها بحزن. وتسمع صوت عقلها الذي لا يكف عن تأنيبها "لما الحزن، وفري حزنك فهذه البداية فقط". زفرت بشجن وعدم حيلة ثم جففت الدموع التي ركضت لعيناها وتمددت على الفراش متدثرة بالغطاء وهي تغمض عيناها لتهرب من أحزانها عن طريق النوم.
أما هو فقد ذهب للمطبخ ليشرب المياه. وقبل أن يضع كوب الماء في فمه أنزله وهو يتأفف مغلوبًا على أمره. فلا يستطيع تجاهل صوته الداخلي الذي يأنبه بأنه سيتركها تنام بمفردها في أول ليلة لهم في منزلهم. ولا يستطيع أيضًا التغاضي عن شعوره بأنها تضايقت. ليرفع كوب الماء مجددًا لفمه ويشربه دفعة واحدة. ثم يعود متجهًا نحو غرفتها أو غرفتهم بالمعنى الأصح. ثم فتح جزءًا صغيرًا من الباب في تردد وهو يجاهد في السيطرة على مشاعره المضطربة. فهو لا ينكر توتره بمجرد اقترابه منها أو اقترابها هي. واليوم سيبذل مجهودًا عظيمًا ليشاركها في نفس الفراش والغطاء. تغلب على اضطرابه وفتح الباب كاملًا ثم دخل وأغلقه خلفه. بينما هي فظلت توليه ظهرها وتتصنع النوم ظنًا منها أنه دخل ليأخذ شيئًا وسيغادر مرة أخرى. ولكن لحظات ووجدته يتسطح على آخر الفراش. لتلتفت له برأسها في شبه ذهول وتتمتم في عدم فهم:
"إنت مش كنت هتنام في الأوضة التانية؟!"
ابتسم بساحرية وهتف مازحًا:
"ده اعتبره طرد بس بشياكة يعني ولا إيه؟!"
لعنت نفسها على حماقتها وما قالته لتقول مصححة قصدها في ارتباك:
"لا والله أكيد مقصدش كدا. أنا استغربت بس إنك غيرت رأيك بسرعة يعني!"
أجابها مخترعًا كذبة محترفة مكملًا مزاحه:
"بيني وبينك أنا دايما متعود لما باجي الشقة بنام في الأوضة دي فاتعودت خلاص عليها. وطالما اتعودت على أوضة معينة مش بعرف أنام في مكان تاني. متقلقيش نومي هادي ومش هزعجك والله."
أعادت رأسها لوضعها الطبيعي وهي تبتسم على جملته الأخيرة. وبنفس الوقت تفهم جيدًا سبب تراجعه في قراره وأنه خشي من أن تكون تضايقت فقرر قضاء الليلة معها أو ربما كل ليلة. وبمجرد التفكير بأنه سيكون بجوارها كل ليلة أيقظ في أعماقها مشاعر متضاربة مابين السعادة والقلق والخجل. مما جعلها ترفع الغطاء جيدًا إلى صدرها وتغمض عيناها محاولة الفرار من صراع عقلها. أما الآخر فكان يواجه صراعًا مع توتره البسيط ويلقي نظرة بين الحين والآخر عليها. إلى انتهى به الأمر وولاها هو الآخر ظهره أيضًا وأغمض عينيه هاربًا إلى النوم من صراعه مثلها!!
***
كانت تقف يسر في المطبخ تقوم بتحضير كوب شاي حتى تشربه وهي تشاهد التلفاز. وبينما كانت تسكبه في الكأس لتشعر به يقف بجوارها ويهتف ساخرًا:
"وكنتي ناوية بقى تقعدي عند أهلك لغاية إمتى؟!"
قالت في هدوء تام:
"لغاية ما ألاقي نفسي عندي القدرة إني أستحمل تصرفاتك من تاني يا حسن. لإن اللي حصل وكلامك في اليوم إياه كافي إنه يخليني مش طايقاك لشهر كمان مش أسبوع."
استند بساعده على رخامة المطبخ وغمغم في ابتسامة غير مبالية ووقاحة معتادة منه:
"تقدري تنكري إن إنتي اللي استغليتي وضعي؟ طب أنا ومكنتش في وعي ولا عارف أنا بعمل إيه؟ إيه وإنتي كمان مكنتيش في وعي؟! إنتي كنتي قادرة تمنعيني بس اللي حصل كان بمزاجك قبل ما يكون بمزاجي أنا."
كلماته أللهبت النيران من جديد وأشعلت ما قد أخمدته الأيام السابقة. حيث التقطت السكين ورفعتها في وجهه هاتفة في غضب عارم:
"إنت اللي مستغل واستغليت حبي ليك وسيطرت عليا بكلامك لغاية ما ضعفت للأسف قدامك. فمتقولش إنه كان بمزاجي. عشان إنت غدار ومحدش يديك الأمان. خدعتني بكلامك وإنت داخل عليا وزعلان على الحيوانة اللي خدعتك وغفلتك. وللأسف كان جزاء شفقتي عليك وعلى وضعك إنه اللي حصل. وكلامك بعدين في الصبح اللي بيوضح قد إيه إنت معندكش دم وحقير."
أنزل يدها وهو يحدق بها في عدم اكتراث لعصبيتها ويتمتم:
"لا أنا مش حقير. أنا بقول الحقيقة اللي إنتي مش عايزة تتقبليها. وخلاص بقى ملوش لازمة نعاتب بعض. اللي حصل حصل ومش هنقدر نغيره يا مدام يــســر!"
ضغط على آخر كلمتين وهو يلفظهما من بين شفتيه قاصدًا إثارة جنونها أكثر ليستمتع به. وبالفعل وجدها تحدق به بأعين لا تبشر بخير. ولكنه لم تكفيه النظرات فقط حيث أراد أن يرى أسوأ ما في هذه الشرسة. فهتف في كلمات تحمل معاني منحطة وهو يغمز بعينيه في لؤم:
"بس تصدقي مكنتش متوقع إنك جامدة كدا!!"
نجح ووصل إلى ذروة جنونها. حيث تحول وجهها إلى كتلة نيران متوهجة وأحمرت عيناها. ثم التقطت كأس الشاي وهي تقول بنبرة صوت توضح مدى شدة عاصفتها:
"المرة اللي فاتت كانت القهوة وجات سليمة. المرة دي الشاي فاير يعني هتتسلق يا حسن."
أطلق ضحكة شبه مرتفعة وجذب الكأس من يدها وهو يرتشف منه ويقول ببرود مقصود:
"ده ليا!!!! شكرًا يا مزتي. ابقي اعملي واحد تاني بقى ليكي."
ثم استدار وانصرف من أمامها. لتضرب هي بقدمها الأرض وترفع كفها ضاغطة عليه بشدة وتجز على أسنانها مصدرة أصواتًا تدل على شدة غيظها من كتلة الثلج المتحركة الذي تعيش معه!!
***
فتحت عينيها مع صباح يوم جديد. وتسربت أشعة الشمس من خلف الستائر إلى عينيها. فمدت يدها تحجبها عنها. ثم ألقت نظرة بجانبها لتجد مكانه فارغًا. فتنهدت بهدوء وهبت جالسة وهي تفرك عينيها. ثم اتجهت إلى المرآة وعدلت من وضعية ملابسها وكذلك شعرها الذي سرحته سريعًا. وغادرت متجهة نحو الحمام لتغسل وجهها ويديها. ثم خرجت واتجهت إلى الصالون لعله يكون فيه. ولكن لا أثر له. فظنت بأنه في غرفة المكتب الصغير الذي يوجد بها الصورة وذهبت باحثة عنه. ولكنه ليس فيها أيضًا. لتعقد حاجبيها باستغراب. فلا يعقل أن يكون ذهب للعمل!!
أخذت تبحث عنه في المنزل الكبير حتى وقفت أمام المطبخ وابتسمت عندما رأته يقف أمام آلة كبيرة نوعًا ما تبدو لتحضير القهوة موضوعة على الرخامة. كانت آلة عصرية وحديثة لم يسبق لها وأن رأت آلة مثلها. ولكنه كان يتقن التعامل معها. انتبه لوجودها فالتفت برأسه لها وتمتم مبتسمًا:
"صباح الخير."
ردت عليه في خفوت جميل:
"صباح النور."
هتف بنفس نبرته السابقة وتعبيرات وجهه الدافئة:
"تحبي أعملك معايا؟"
هزت رأسها نافية وأجابته ببساطة وابتسامتها لا تزال تزين شفتيها:
"لا لا مش عايزة."
عاد وأكمل تحضيرها حتى وجدها تقترب وتقف بجواره تتفحص الآلة بعينيها في فضول لمعرفتها. ليأتيها صوته وهو يقول:
"دي مش من مصر. سافرت أستراليا من حوالي تلات سنين وشوفتها بالصدفة ومترددتش إني أشتريها."
هزت رأسها بتفهم وهي تتابعه وهو يتعامل معها. حتى هتفت بصوت رقيق:
"بس اللي أعرفه إنها مضرة لما تشربها كتير وخصوصًا لو على معدة فاضية."
انتهى أخيرًا ووضع الكأس بجوار الآلة وهو يجيبها بنبرة صوت لا تفشل كل مرة في أثرها:
"متقلقيش متعود على كدا."
أخذت نفسًا عميقًا تستعيد ثقتها وشجاعتها بعد أن فقدتهم بسبب نبرته وابتسامته. وتمتمت في خفوت مشجع وصوت أنوثة ساحر:
"يعني مش هتفطر؟"
التقطت فنجان القهوة خاصته وهمهم في لطف وحنو:
"هو أنا مش جعان الصراحة بس عادي ممكن آكل حاجة بسيطة معاكي عشان متاكليش لوحدك."
حبست أنفاسها ومجرد ما ولاها ظهره وانصرف أخرجته زفيرًا قوي وهي تهز رأسها نفيًا. فهو كالتعويذة التي تسحب الفتيات فقط لوحله. وهي تفقد السيطرة على قلبها المتيم به كلما تنظر له وترى ابتسامته وتسمع صوته الهادئ الذي يعزفه على أوتار قلبها كسمفونية غرام. ونظراته تغرقها في بحور عشقه الذي لا نهاية لها. وفجأة عصفت بذهنها كلمات رفيف لها "كرم بيعزك جدًا يا شفق والله وإنتي ليكي معزة خاصة في قلبه. ولو وافقتي واتجوزتوا هتقدري بسهولة تكسبي قلبه صدقيني.. دي فرصة جاتلك ولو ضيعتها مش هتجيلك زيها تاني فمتهدريهاش وحاولي تستغلي الفرصة لصالحك". استغلال الفرصة!!
وهي أفضل من يستغل الفرص وللمرة الأولى ستكون أنانية في عشقها ولن تسمح للظروف والأسوار والحصون أن تحول بينها وبين عشقها. ستبذل قصارى جهدها في البحث عن مفتاح قلبه الذي امتلكته زوجته وتمكنت من الدخول بسهولة. وستكون هي الشفق الذي يبشر بقدوم ليالي مليئة بالعشق والغرام.
بعد ما يقارب النصف ساعة انتهت من تحضير الإفطار، ثم بدأت في نقل الصحون إلى الطاولة. اتجهت إليه في الشرفة تخبره بأن الطعام جاهز، فأومأ لها بالإيجاب. وبعد لحظات انضم لها على الطاولة ونظر إلى أنواع الطعام المختلفة، ثم جلس وبدأ في الأكل وهو يستطعم مذاق الطعام فيجده ألذ مما توقعه. أما هي فكانت تعلق نظرها عليه تتابع قسمات وجهه، وقد قررت من اليوم أن تتوقف عن الخجل منه وتتحلى بدهاء النساء وأنوثتها. وتجد حلاً لمشكلة خجله وتوتره منها وتمحوه نهائياً. حيث هتفت باسمة:
"يوم لما عزمك سيف الله يرحمه قبل ما يتوفى، أنا اللي كنت عاملة الأكل كله. لإن في اليوم ده ماما تعبت ومقدرتش تقف في المطبخ. وحظك كان دايماً إن لما سيف يعزمك عندنا كانت ماما بتتعب وكنت أنا اللي بعمل الأكل."
رفع نظره لها ولاحت بشائر الابتسامة على شفتيه، ثم قال ضاحكاً:
"إنتي بتتكلمي جد؟"
"آه والله، كانت بتبقى صدفة في كل مرة سبحان الله. وفي الغالب لما كان سيف بيعزم حد ماما هي اللي بتعمل الأكل وأنا مبحبش أعمل الأكل بخاف الأكل ميعجبش الضيوف. فكنت بكتفي بإني أساعدها. لكن دايماً في اليوم اللي بتيجي فيه إنت كانت بتتعب فجأة وبضطر أنا أحضر الأكل وكنت ببقى خايفة جداً يكون في حاجة مش مظبوطة. وبمجرد ما كنت تمشي كنت بسأل سيف لو الأكل فيه حاجة."
ضحك بخفة وهتف في تلقائية متحدثاً معها وكأنها صديق له:
"لا مكنتش متوقع إنك شيف محترفة كدا. تسلم إيدك ياشفق والله. من هنا ورايح عايز من الأكل اللي كنتي بتعمليه ده كتير."
شقت ابتسامتها طريقها وهي تجيبه شبه ضاحكة:
"من عنيا!"
ثم عادت تكمل طعامها وتجمعت الدموع في عيناها على ذكرها لأخيها وأمها. الألم الذي يسكن قلبها الضعيف لا يمكنها تحمله. فكم اشتاقت لمعانقتهم وكم اشتاقت لأمها وحديثها وصوتها وابتسامتها حتى توبيخها لها. فلو هناك آلة تعود بالزمن كما في الأفلام الخيالية لما ترددت لحظة في استخدامها. انهمرت دموعها دون إذنها، فهبت واقفة وأسرعت لغرفتها بعد أن لاحظت أنه انتبه لدموعها. وبالفعل وجدته يفتح الباب ويقترب ليجلس بجانبها على الفراش هاتفاً في قلق:
"مالك؟"
لم تتمكن من التحكم في شلال دموعها الغزير، فكلما تعصف صورتهم في ذهنها تزداد حدة بكائها. ومعه يزداد قلقه وحيرته. كانت بحاجة ماسة لشعورها بالدفء والحب الذي حرمت منه، ولم تدرك ما تفعله حيث ارتمت بين ذراعيه متشبثة في رقبته بذراعها وتدفن وجهها عند مقدمة صدره أسفل وجهه بالضبط، هاتفة بصوت مبحوح من بين بكائها العنيف:
"وحشوني أوي يا كرم. نفسي أشوفهم مش قادرة أستحمل حياتي من غيرهم. خسرتهم هما الاتنين ورا بعض، كنت لسه ملحقتش أفوق من حزني على سيف وماما كمان اتوفت وراه. في اللحظة دي حسيت إني خسرت كل حاجة وفكرت إني أنتحر وكنت هعمل كدا فعلاً بس تراجعت في آخر لحظة."
ضربت إشارات الإنذار في عقله واضطرب بشدة ولم يعرف كيف يتصرف أو ماذا يقول حتى من فرط ارتباكه. أنفاسها الحارة تلفح رقبته ويداها ملتفة حوله. كل هذا يشعره بالخطر، فهو رجل ورغباته الفطرية خارجة عن إرادته كأي رجل عندما تقترب منه أنثى. ولكنه تحكم في اضطرابه ومد يده متردداً، ثم مررها على ظهرها بسطحية شديدة متمتماً في صوت واضح عليه التوتر محاولاً إيجاد الكلمات المناسبة:
"عارف وحاسس بيكي، لأن نفس الإحساس أنا لغاية دلوقتي بعاني منه. بس الحياة مبتقفش على حد صدقيني وهما أكيد في مكان أفضل منينا. وأنا معاكي ياشفق، إحنا عيلتك دلوقتي. كفاية عياط وادعي لهم وإن شاء الله ربنا يجمعنا بيهم في الآخرة."
خرجت من نوبة بكائها وانتبهت لوضعها، فنالها ما ناله من التوتر والاضطراب. وابتعدت عنه وهي تجفل نظرها وتجفف دموعها متمتمة في صوت خافت ومضطرب:
"آمين. آسفة نكدت عليك الصبح."
رسم ابتسامة عذبة وتمتم في حنو:
"ولا يهمك. قومي اغسلي وشك يلا عشان نكمل فطارنا."
أومأت له بالموافقة ثم استقامت وأسرعت باتجاه الحمام تختبئ فيه من فعلتها الحمقاء. فهي لم تكن أن تتخلى عن خجلها منه، ولكن ليس لهذا الحد. أما هو فمسح على وجهه وهو يزفر بقوة ليزيح ما قد كان يكتم على أنفاسه للتو وهي بين ذراعيه. فقط شعور لا يود أن يشعر به مجدداً. فلوهلة حس نفسه مكبلاً ومقيداً لا يستطيع فعل شيء، واقترابها الحميمي منه جمده بمكانه كالصنم وأفقده السيطرة على مشاعره المضطربة.
***
خرجت ملاذ من غرفتها وقادت خطواتها نحو طاولة الطعام وبدأت تشاركه طعام الإفطار، وهو ينظر لها بأعين ثاقبة وحادة بعض الشيء بعدما سمعها تتحدث في الهاتف منذ قليل وكانت تضحك بعفوية وتتكلم بطبيعية. ولكنه فشل في معرفة مع من تتحدث وفقط فهم من صيغة الكلام أنها تحادث رجلاً. ومنذ تلك اللحظة وقد غلت دماؤه في عروقه. فانتبهت هي لنظراته المريبة لها لتتوقف عن الأكل وتحدقه باضطراب بسيط وتهز رأسها بمعنى "ماذا حدث؟".
أتاها صوته الرجولي الصلب وهو يسأل مباشرة في جدية تامة:
"كنتي بتكلمي مين؟"
غمغمت في بساطة دون تردد في الإجابة وهي مازالت تعقد حاجبيها باستغراب من طريقته ونظراته:
"إسلام. أصل ماما قالتلي إنه كان تعبان امبارح واتصلت أطمن عليه واتكلم معاه شوية."
تابعت تعابير وجهه، فلم تجد منه أي تعابير تخفف من حدة نظراته. وفقط أنزل نظره وأكمل طعامه بصمت. فتأخذ نفسها في التفكير للحظات حتى تغيرت ملامحها من الهدوء واللطف إلى اليأس والضيق. وتركت من يدها المعلقة هاتفة تسأله بوضوح دون مقدمات:
"هتفضل لإمتى تشك فيا كدا يازين؟!"
رفع نظره وألقى نظرة جامدة وقوية عليها دون أن يتفوه ببنت شفة. فابتسمت بمرارة وأسى وهدرت بعبوس:
"كلها كام يوم ونكمل شهر وأنا طول الشهر ده بذلت كل حاجة أقدر أعملها عشان أثبتلك إني ندمت وإني مستحيل أكرر الغلط مرتين وإني عايزاك إنت. بس تقريباً مش أنا اللي فشلت في إني أستعيد ثقتك فيا. لا إنت اللي بتختار إنك متثقش فيا في كل موقف وبتختار إنك تشك فيا. أنا بحاول أعمل المستحيل عشان العلاقة دي تستمر ومخسركش. بس واضح إن إنت اللي مش فارق معاك تخسرني أو لا ومش عايزها تستمر. وإنت كمان اللي عايز تحط خط النهاية لعلاقتنا مش أنا!"
ثم استقامت وهمت بالعودة إلى غرفتها، ولكن صوته أوقفها وهو يقول في لهجة شبه آمرة:
"اقعدي كملي أكل."
همهمت في عبث:
"شبعت. كمل إنت بالهنا والشفا."
ثم دخلت إلى غرفتها وتركته. حتى هو الآخر فقد شهيته عن الطعام. فجعل يستغفر ربه وهو يمسح على وجهه بكفيه. هي مخطئة هذه المرة. ربما هذه هي المرة الأولى له منذ زواجهم التي لم يشك بها. فقط ما داهمه كانت مشاعر غيرة وغضب عارم من أنها تحادث رجلاً وتضحك هكذا معه. ولكن حين عرف أنه أخيها هدأت نفسه الثائرة قليلاً. ولكنها أساءت فهمه ولفظت بكلمات من بين شفتيها لا تعرف مدى صحتها. فهو مثلها يحاول الحفاظ على هذه العلاقة، بل يبذل مجهوداً أكبر منها في نسيان ما حدث والعيش معها حياة طبيعية كأي زوج وزوجة ويواجه صعوبة في التأقلم مع هذه الأوضاع. لهذا تجده غير متوازن في انفعالاته معها. لحظات يكون جميلاً وحنوناً ولحظات يعود لجفائه معها. وهو بالفعل سيبدأ في وضع نقاط حروف عشقه لها. حيث هب واقفاً واتجه خلفها لغرفتها، ثم فتح الباب ودخل ليجدها جالسة على فراشها وقدمها تضرب في الأرض بحركات متتالية وكفها على وجنتها تقرض ظافر سبابتها بحرقة ودموعها تجد طريقها على وجنتيها. فأصدر زفيراً متأففاً ثم تحرك نحوها وجلس بجانبها ومد يده يزيح خصلات شعرها التي تغطي جانب وجهها ويتمتم في خفوت صادق:
"أنا مش عايز أحط خط النهاية ومش عايز اخسرك. وصدقيني بحاول أصدقك وأثق فيكي بس مش قادر. وكل ما بفتكر خداعك ليا برجع للصفر تاني. أنا كمان عايزاك ياملاذ ومش عايز أطلقك. بس لو علاقتنا استمرت بالوضع ده مش هنقدر نكمل لإن لا إنتي هتستحملي ولا أنا. وعلى فكرة أنا مشكيتش فيكي دلوقتي أنا اتعصبت لما افتكرتك بتكلمي راجل غريب وبتضحكي كدا معاه."
هتفت ببكاء حاد وحرقة قلب فهمها من كلامها ودموعها:
"لا إنت مبتحاولش يازين. ومتقولش إنك حاولت لإنك لو كنت حاولت وحاولت تصدقني مكنش وضعنا هيبقى كدا لغاية دلوقتي."
حك ذقنه النامية وصمت لبرهة من الوقت وهو يأخذ شهيقاً قوياً ثم تمتم في نظرة دافئة:
"طيب هدّي لعلاقتنا فرصة إننا نثبت لبعض بأفعالنا ومش هتبقى فرصة ليكي بس لا كمان ليا عشان أثبتلك إني زيك بحاول أحافظ على العلاقة دي ويمكن أكتر منك كمان."
"وهو كل اللي عملته ده لسا ميثبتش ليك يازين؟!"
قالتها باستغراب وبابتسامة ساخرة ليقابل سخريتها برزانته المعهودة ويتمتم في صوت ينسدل كالحرير ناعماً:
"لا ميثبتش لأن علاقتنا تستحق أننا نثبت بأفعالنا ثقتنا وصدقنا وإخلاصنا لبعض. نثبت بالأفعال مش بالكلام."
هدأت نوبة بكائها وسألت في استفهام وحيرة:
"بالأفعال إزاي يعني؟"
ابتسم وأجابها بلطف وحنو:
"دي حاجة تخصك متخصنيش. الفترة الجاية دي فترة اختبار لينا احنا الاتنين وياننجح فيها يانرسب."
"لا بأس، فإذا كان اختبار فكما اجتزت جميع اختبارات الحياة سأجتاز اختبار العشق وسأتفوق عليك." كانت تحدث نفسها بهذه الكلمات. ثم نظرت له وبادلته نفس الابتسامة وهي تهز رأسها بالموافقة لتجده يمد أنامله ويجفف دموعها برقة هامساً في أعين تلمع بوميض مختلف:
"يلا قومي عشان تكملي فطارك."
امسكت بكفه الذي على وجنتها وأنزلته لتطبع قبلة رقيقة بشفتيها على ظاهره وهي تهمس بعاطفة جياشة:
"حاضر."
***
بعد ساعات قليلة داخل مقر شركة العمايري.
خرج حسن من مكتبه ومر من أمام مكتبها في طريقه فتوقف لبرهة من الوقت متردداً. ثم اقترب بعد تفكير عميق وفتح الباب وألقى نظرة متفحصة في مكتبها فلم يجدها به ليعقد حاجبيه باستغراب ويدخل ويغلق الباب خلفه وهو يلقى نظرة متأملة ودقيقة على محتويات مكتبها. وإذا به ينتبه إلى الأجندة المتوسطة التي بحجم الكراسة وجعل يتطلع لها بصمت وفي غلافها الجميل الذي عبارة عن صورة سماء زرقاء وبها لمسات أعطته جمالاً أشد. فابتسم فور تذكره أنها هدية منه قدمها لها في عيد ميلادها السابع عشر عندما أقامت حفل عيد ميلاد فأهدى لها هذه الأجندة ومعها قلم فاخر صناعة مستوردة.
لعلمه في ذلك الوقت حبها للكتابة والقراءة. ولكنه لم يكن يتوقع أنها لازالت تحتفظ بهذه الهدية بعد كل هذه السنوات. فالتقطها وفتحها ليجد بداخلها ذلك القلم الفاخر، فيلتقطه ويتفحصه. بالتأكيد لم يعد يكتب، ولكنها تحتفظ به. أخرجه ووضعه على سطح المكتب، ثم اتجه وجلس على الأريكة وبدأ يفتح صفحات عشوائية ويقرأ ما دونت به.
كانت ملاحظات مراهقة وهي تكتب أحداثها المميزة، بعضها أضحكه والبعض الآخر مر عليه كأنه لم يمر. ولكنه توقف عند صفحة وهو يقرأ ما دونت به بإمعان:
"ربما كنت مخطئة بشأن مفهوم العشق على أنه يقود للجنون. والآن يجب علي الاعتراف بأنه قادني لمستنقع مظلم حبس أنفاسي وحجب رؤيتي، فغرقت في ظلماتي وحيدة دون أن أحصل على أي شيء. وفقط حصلت على الخذلان للمرة الألف وأنا أفشل في تحقيق ما أسعى إليه من العشق. ربما كان يجب علي أن أكون أكثر واقعية وأن لا أتعلق بأوهام تمكنت من أن تتطيح بي إلى أقصى البلاد. ورغم كل هذا مازلت أبحث عن العشق في هذه القلوب الغريبة، ولست متأكدة إلى متى سيتسمر بحثي. ولكن حتمًا ستكون نهاية هذا البحث أما أن أجد ما أبحث عنه أو أتوقف أنا عن البحث ويدب اليأس في قلبي. فأعلن عهد جديد لا يوجد به مكان للعشق في قلبي!"
كان يقرأ وهو يعرف جيدًا بأنها تقصده في كل كلمة، ويأسف بشدة لأنه ربما لن يستطيع أن يبادلها العشق سواء الآن أو مستقبلًا. ويتأسف لها لأنه لن يتمكن من أن يكون دليلها في طريق بحثها عن طرق قلبه. هو يمكنه أن يعطيها كل شيء: معاملته الطيبة، حنانه، عطفه، لطفه، الصداقة، والحب النقي في داخله لها. ولكن عشق بمفهومه الذي يكون بالتحام الأرواح والقلوب والنظرات.. لن يتمكن!
تنهد بعمق ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا بها لتجيب عليه بصوت هادئ، وتسمع سؤاله:
"إنتي فين؟"
غمغمت بخفوت جميل:
"في الكافيه اللي جمب الشركة."
لم يجيب عليها وأنهى الاتصال، مما أصابها بالتعجب والاغتياظ بنفس الوقت، وظنت أنه تطفل منه لا أكثر. وحين عرف لم يكلف نفسه ويسألها عن سبب ذهابها حتى لهناك. ولكنها لم تركز عليه حتى لا تعكر مزاجها بدون داعٍ. أما هو فهب واقفًا ووضع الأجندة بمكانها وغادر يقود طريقه لخارج الشركة بأكملها.
كانت هي تتفحص هاتفها وبيدها الأخرى القهوة ترتشف منها بتأنٍ، وأصابتها الدهشة حين رأته يجلس أمامها على المقعد المقابل لها في الطاولة. فرمشت عدة مرات ثم هتفت بريبة:
"إيه اللي جابك؟"
هدر في هدوء مشجع:
"جاي لنفس السبب اللي جيتي عشانه.. وأهو أسليكي بدل ما أنتي شكلك وحش كده والكافيه كله ياما اتنين صحاب أو ولد وبنت!"
التفتت برأسها حولها وهي تلقي نظرة سريعة على جميع الطاولات لتجد أن ليس هناك طاولة يجلس عليها فرد واحدًا سواها بالفعل. ثم تعود بنظرها له وتقول بعدم تصديق لما قاله للتو:
"حسن أنا بتكلم جد ليه جيت؟!"
التزم الصمت للحظات وهو يطالعها دون أن يجيب، ثم رسم ابتسامة واسعة وقال بمشاكسة:
"عايزة الحق! أصل أنا لقيت نفسي زهقان فقولت آجي اتخانق معاكي شوية."
ضحكت بعفوية ولم تتمكن من كتم ضحكتها وأجابته مستنكرة:
"وهنتخانق قدام الناس هنا؟"
قال مصححًا ومؤيدًا لكلامها في نبرة كانت شبه جادة:
"اممم عندك حق.. طيب قومي نروح البيت عشان نتخانق على راحتنا."
هزت رأسها مغلوبة منه وهي تضحك وقررت مسايرته في مشاكسته الجديدة، وتمتمت متصنعة الجدية هي الأخرى بعد أن استندت بمرفقيها على سطح الطاولة وانحت للأمام قليلًا حتى تقرب وجهها منه في حركة تلقائية تدل على اهتمامها بالموضوع:
"وهنتخانق على إيه بقى ياترى؟!"
استند هو الآخر على مرفقيه مثلها وقال وهو يزال يرسم الحدية المزيفة على محياه:
"ياسلام ده مفيش اسهل من الخناق!!.. كلمتين وقحين مني على كلمتين مستفزين منك وندبها خناقة عادي جدًا، الموضوع أسهل مما تتخيلي."
خرجت منها ضحكة شبه مرتفعة ثم قالت مستهزئة:
"شكلك فايق ورايق النهردا!"
عاد لجلسته الطبيعية وغمغم باسمها بعد أن عاد لطبيعته:
"إنت شايفة إيه؟"
اكتفت بابتسامتها وعادت ترتشف من قهوتها من جديد، حتى سمعته يهتف في جدية حقيقية هذه المرة:
"جهزي نفسك عشان ماما عزمانا على العشا النهردا وممكن نقضي الليلة هناك."
أومأت له برأسها في وجه لا يبدو عليه أي اعتراض، وعادت تكمل قهوتها، ويدخل هو في فقاعة الصمت ويكتفي بمتابعتها في شرود.
***
في مساء ذلك اليوم.......
كانت يسر مستعدة ومتنظرة عودته حتى ينطلقوا ويذهبوا لمنزل عمها. وبينما هي تجلس على الأريكة تنتظره سمعت صوت طرق الباب، فهبت واقفة واتجهت ناحيته لتفتح ظنًا منها أنه هو الطارق. فقبضت على مقبض الباب وفتحت لتتفاجأ بتلك الساقطة المدعوة برحمة! هل جائتها الجرأة التي مكنتها من القدوم إلى منزلها بقدمها! ولكنها على عكس العادي ضحكت يسر وقالت في سخرية:
"إيه جاية تعتذري منه بعد ما عرف حقيقتك!"
دفعت رحمة الباب بيدها في عنف لتفتحه جيدًا ثم دخلت ووقفت أمامها مباشرة صائحة في غل وسخط:
"أنا عارفة كويس إن إنتي اللي قولتي له عشان تكرهيه فيا."
مازالت هادئة ولم تفقد زمام نفسها حيث قالت بابتسامة مستنكرة:
"ده على أساس إنه كان بيحبك مثلًا قبل ما يعرف اللي عملتيه فيه!!"
رفعت الأخرى سبابتها في وجهها بنظرات نارية وأعين مشتعلة وغمغمت بنبرة محذرة، ولكن كل هذه الشراسة لم تؤثر بها خاصة عندما تكون أمام مرأة كيسر:
"اسمعي يايسر حسن ليا من قبل ما يكون ليكي ومش هيكون غير ليا. فالأفضل إنك تطلقي منه وتصلحي اللي عملتيه بينا لأني أساسًا مش هخليكم تتهنوا مع بعض ولا يوم."
أطلقت ضحكة متأججة وأجابتها في شيء من الشيطانية الممتزجة بالدهشة المزيفة:
"إيه ده إنتي جاية تهدديني وفي بيتي كمان! لا وواثقة من نفسك أوي! عجبتني الثقة دي الحقيقة شابو بجد."
قررت رحمة أن تشعل فتيل النيران وهي غير مدركة لعواقبه التي ستعود عليها. فقد أشعلت الفتيل بجانب قنبلة إن انفجرت ستفجرها إلى أشلاء. وهتفت في ثقة حقيقية هذه المرة ونبرة متشفية ولئيمة:
"بالظبط زي ما أنا واثقة بظبط إنك عايشة معاه زي الأخوات. وكمان عارفة إنكم متفقين على الطلاق وعارفة إن الجواز ده اتفاق من البداية.. يعني حسن لا بيحبك ولا نيلة ده مبيطقكيش أصلًا!!"
رواية ضروب العشق الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندى محمود توفيق
قررت رحمة أن تشعل فتيل النيران وهي غير مدركة لعواقبه التي ستعود عليها. فقد أشعلت الفتيل بجانب قنبلة، إن انفجرت ستفجرها إلى أشلاء. وهتفت في ثقة حقيقية هذه المرة ونبرة متشفية ولئيمة:
"بالظبط زي ما أنا واثقة بظبط إنك عايشة معاه زي الأخوات. وكمان عارفة إنكم متفقين على الطلاق وعارفة إن الجواز ده اتفاق من البداية. يعني حسن لا بيحبك ولا نيلة، ده مبيطقكيش أصلًا!"
نجحت في إشعال فتيل النيران والآن هي في الثواني الأخيرة قبل الانفجار. لا يهمها الآن من أين عرفت، ولكن كلماتها أثارت جنونها وهيجت عواصفها المميتة، ولن تهدأ إلا حين تعطيها نصيبًا من هذا الجنون لتعيدها إلى رشدها وتذكرها بقيمتها.
وبدون أي مقدمات، قبضت على رقبتها وخنقتها بعنف ونظرات لا تحمل أي ذرة رحمة أو رفق، وهي ترى الأخرى تحاول التملص من قبضة يدها على رقبتها. ولكنها لا تبالي وهمست في شراسة وشر يناسبها كثيراً:
"بقولك إيه ياحلوة، خليكي بعيدة عني وعن حسن احسنلك. لإن إنتي مش قد الكلام ده ولا قدي. أنا ممكن أمحيكي مش غير ما يرفلي جفن. متحاوليش تستفزيني وتخليني أحطك في دماغي بجد، عشان صدقيني هتندمي."
بدأت الأخرى تختنق بالفعل واصفر لون وجهها وهي لا تقوى على أخذ أنفاسها. فتركتها على آخر لحظة وجذبتها من ذراعها إلى الخارج ثم ألقت على الأرض هاتفة بقرف:
"مش عايزة أشوف وشك تاني. ومتنسيش كلامي ها."
ثم أغلقت الباب بعنف في وجهها واندفعت نحو غرفتها وهي تترنح من شدة الغيظ. فجلست على الفراش وأخذت تهز قدمها بشكل متتالي كدليل على فرط سخطها. ثم هبت واقفة من جديد وأخذت تتحرك ذهابًا وإيابًا في الغرفة وتهتف محدثة نفسها في نفس ثائرة:
"طبعًا هيحبني، ليه ماهو غبي ومعندوش نظر عشان يحب جاموسة زيك مبتفهمش. لا غبي إيه ده، مخه محتاج يتعمله إعادة تركيب بسبب إن بعد ده كله ولسا بغبائه شايفك الملاك بتاعه. وأنا الشيطان والشريرة اللي هتطلع في نص القصة وتفرق بين العشاق. أها بقى ما أصل أنا يسر المستفزة والحيوانة والقذرة والبيئة، وهي ياعيني الملاك الطاهر النقي اللي نزل من السما. لا وهو واثق من نفسه أوي ومغرور. هي مين أصلًا اللي هتحبك غيري ياعديم الإحساس؟ لتكون فاكر نفسك توم كروز، ده إنت تحمد ربك إنك لقيت واحدة تحبك. وياريت بيطمر فيك يا......"
توقفت عن الكلام عندما انتبهت له. فقد عاد للتو ودخل لها على أثر صوت تحدثها المرتفع من نفسها. وكان يقف يستند بكتفه على الحائط ويعقد ذراعيه أمام صدره. وعندما لاحظ توترها قليلًا حين رأته، فأشار لها بيده أن تكمل وهو يبتسم بزيف متمتمًا:
"كملي كملي، متخليش حاجة في نفسك لتجرالك حاجة وابقى أنا السبب."
أخفت ابتسامتها بصعوبة ثم تحركت ووقفت أمامه هاتفة في صرامة واستياء:
"إنت كنت عند رحمة قبل ما ترجع البيت يوم لما كنت مش في وعيك صح؟"
استرجع ذكريات ذلك اليوم محاولًا تذكر ذلك الجزء وهل ذهب إليها أم لا، ولكنه لم يتذكر أي شيء حول ذهابه لها. ليمط شفتيه للأمام بعدم حيلة هاتفًا في صدق ونبرة عادية:
"مش فاكر. بس معتقدش إني روحت. ليه؟"
أغضبتها إجابته بـ "مش فاكر". فإذا لما يذهب ولم يخبرها هو؟ إذا من أين عرفت؟ بالتأكيد هو ذهب لها وأخبرها بكل شيء بينما هو ثملًا، والآن ستقع المصائب فوق رأسيهما بسبب إهماله.
وجدت نفسها تهدر في اغتياظ جلي:
"أهاا مش فاكر! بس فاكر اللي حصل بينا بالتفصيل مش كدا؟"
لم يأخذ حديثها على محمل الجد مطلقًا، حيث قال بابتسامة لئيمة ونظرات تضمر خلفها معاني منحطة:
"أكيد طبعًا. هي حاجة زي كدا تتنسي برضوا. تحبي أحكيلك؟"
رمشت بعينيها عدة مرات في ذهول على آخر كلماته وشعرت بالحمرة تصعد لوجنتيها، ولكنها أبت إظهارها له وتصنعت الثبات أمامه وهي تقول بازدراء يخالطه ابتسامة مستنكرة:
"هو مينفعش اتكلم معاك في مرة وتتكلم باحترام من غير وقاحة!"
غمغم في خفوت ونظرة أشد لؤمًا من سابقها مما زادت من اضطراب نفسها الخجلة:
"إنتي تعرفي عني إني محترم!"
هزت رأسها بالنفي وهي تحت تأثير نظراته واقترابه منها لتسمع منه الرد بعد أن حصل على الرد منها بالنفي:
"بس يبقى منتظرة مني أتكلم باحترام إزاي!"
قالت مؤيدة كلامه في ابتسامة عريضة:
"اممممم في دي عندك حق الصراحة."
بادلها الابتسامة ثم عاد لطبيعته وهتف في جدية تامة:
"طيب يلا عشان منتأخرش، لإن ماما مستنيانا."
التفتت وجذبت حقيبة يدها وهاتفها ولحقت به وارتدت حذائها عند الباب ثم غادرت واستقلت بالسيارة بجواره لينطلق هو محددًا وجهته نحو منزل أبيه.
***
في مساء اليوم......
وقفت أمام الباب مترددة تنظم الكلمات التي ستقولها. بل هي لا تعرف ماذا تقول، ولكنها سئمت من الجلوس بمفردها منذ الصباح وتريد الجلوس معه. أخذت نفسًا عميقًا ثم طرقت برفق على الباب ليأتيها صوته يسمح لها بالدخول. ففتحت الباب وأدخلت نصف جسدها ونظرت له لتجده يباشر أعماله على الحاسوب النقال وأمامه أوراق خاصة بالعمل على المكتب وبيده قلم ينظر إلى الحاسوب ثم يعود للورق ويسجل أشياء. ولكن كل هذه تفاصيل لا تهمها، فقد ثبتت تركيزها على نظارته الذي يرتديها ولأول مرة تراه يرتديها. ليس هذه المشكلة، بل يكمن عمق المشكلة أنها زادت من وسامته أضعافًا. فجذبها من هيامها به صوته الغليظ وهو يهتف دون أن يرفع نظره لها:
"ادخلي ياشفق!"
هزت رأسها بحركة منفرة لتخرج أفكارها الحمقاء من ذهنها وفرت الكلمات من عقلها وتوترة وانعقد لسانها فلم تعرف ماذا تقول. ولكنها استدعت شجاعتها وتحلت بالجرأة المزيفة لتقول في صوتها الطبيعي الذي به بحة أنوثية رقيقة وهي تبتسم ويداها تلفها خلف ظهرها:
"أنا كنت قاعدة برا ومش جايلي نوم من الملل فحبيت أقعد معاك لو مش هعملك إزعاج يعني."
رفع نظره لها وطالعها بابتسامة طاحت بها إلى أعمق نقطة وجعلت الأمر يزداد سوءًا بالنسبة لها. وأشار لها بعينيه أن تدخل وتجلس على الأريكة المتوسطة. فسيطرت هي على عواطفها وأبدت عن سعادتها ثم أغلقت الباب وتوجهت لتجلس على الأريكة المقابلة لمكتبه وتتابعه بعينيها الذي تبتسم قبل شفتيها. كانت تشاهد الأفلام والمسلسلات وترى الأبطال ولا تصدق بوجود هذا النوع من الرجال في الحقيقة. والآن هي مع أحد الرجال الذي لا يختلف عن شخصيات الأبطال المذهلة في كل شيء. وأحيانًا كثيرة تشعر أنها داخل حلم جميل وستستيقظ منه قريبًا، وأن كل هذا ما هو إلا حلم رائع!
خرج صوتها الناعم وهي تسأله في لطف:
"تحب أساعدك في حاجة؟"
"ياريت. بس للأسف مش هتعرفي."
هدرت في ثقة وابتسامة واسعة:
"جربني الأول وبعدين احكم."
تمتم في ضحك خفيف بإيجاب:
"طيب تعالي."
استقامت وجذبت مقعدًا لتجلس بجواره فيمسك هو بدفتر كبير نسبيًا وورقة ووضعهم أمامها هاتفًا في خفوت ساحر:
"بصي، انقل اللي في الورقة دي في الدفتر بنفس الطريقة وافرزيهم بشكل منظم. ها، هتعرفي؟"
أومأت له بالإيجاب ثم التقطت قلمًا وبدأت بإنجاز المهمة التي كلفها بها وهو بجانبها يحاول إنهاء شيء آخر ليأتيه سؤالها المتعجب:
"هو حسن أو زين مش موجودين ولا إيه؟ أصل إنت من الصبح في الأوضة وبتشتغل."
أجابها بهدوء تام:
"موجودين، بس أنا اللي مسكت المشروع ده لإني أفضل من زين وحسن في الحسابات والهندسة والحاجات دي. يعني إحنا بنقسم الشغل بينا وكل واحد فينا متميز في حاجة، ولما بيكون في مشروع أو صفقة زي كدا بيمسكها المتمكن فينا في الموضوع ده."
اكتفت بهز رأسها بتفهم ثم عادت تكمل ما بيدها. وبعد مرور دقائق بسيطة رفعت نظرها عن الدفتر ونظرت له خلسة تتأمله عن قرب. فهذه هي المرة الأولى التي سنحت لها الفرصة بالنظر له عن قرب ولن تكون الأخيرة. تأملت تفاصيل وجهه بنظرات عاشقة. ذقنه الخفيفة وشعره الناعم والجميل الذي يعطي لمسة كستنائية بسيطة. بشرته التي تنضج بالشباب والساحرية. وعيناه الرمادية التي بمثابة مغناطيس تجذبها إليها كلما أبت الخنوع لعشقه. شفتيه حين تنفرج لتكشف عن أجمل ابتسامة رأيتها من قبل. وبينما هي منشغلة بتأمل تفاصيله الجذابة وذائبة بين بحور عشقه ووسامته، نسيت نفسها هي واستندت بمرفقها على سطح المكتب واضعة كف يدها أسفل خدها وتحدق به في ابتسامة شبه خفية وقد فقدت حاسة السمع من شدة تركيزها به. ولم تسمعه وهو يحدثها إلا أنها انتفضت جالسة فورًا حين انتبهت لصوته وهو ينظر لها بحيرة هاتفًا:
"شفق، أنا بكلمك!!"
ابتلعت ريقها باضطراب واعتدلت في جلستها متمتمة في تلعثم وحياء:
"أسفة سرحت شوية بس.. كنت بتقول إيه؟"
قطب حاجبيه وغمغم في نظرات دقيقة لاضطرابها العجيب:
"ولا حاجة. إنتي كويسة يعني؟"
كانت تحاول تجنب النظر إليه وبداخلها تلعن نفسها الساذجة على فعلتها وتود أن تنشق الأرض وتبتلعها وتهتف في ارتباك ملحوظ:
"آهاا كويسة مفيش حاجة."
ثم ابتعدت بمقعدها قليلًا عنه وركزت كامل انتباهها على الورق وهي تقسم بأنها لن ترفع نظرها له مجددًا. فهو يجذبها إليه كالسحر ليغرقها في الأعماق ولا تستطيع الخروج. أما هو فتابعها وهي تبتعد وتضع مسافة شبه كبيرة بينهم وتثبت نظرها على الورق كأنها تتهرب منه. فزاد استغرابه من أمرها وارتباكها المفرط ولكنه لم يعلق وفضل أن يتركها على راحتها!
***
خرجت من المطبخ وهي تحمل على يديها صينية فوقها كاسات الشاي. ثم لفت عليهم وانحنت على زوجة عمها وابنة عمها ليلتقطوا كأسهم فتهتف هدى بحنو:
"يعني أنا عازماكم عشان تحضري إنتي يايسر."
ابتسمت لها وتمتمت في احترام ورقة:
"وفيها إيه يامرات عمي، هو أنا غريبة يعني ده بيتي."
ثم انتقلت ناحية حسن الجالس على الأريكة وانحنت نحوه تمد له كأس الشاي فيبتسم لها ويهتف في لطف:
"شكرًا."
بادلته الابتسامة ثم جلست بجواره لتهتف رفيف في خنق عند تذكرها لشيء:
"الأسبوع الجاي هيبقى أسبوع الحوادث."
نظر لها بريبة وهو يرتشف شايه وينقل نظره بين أمه التي عبست مثل شقيقته حتى وجد أمه تقول بصوت مختنق:
"جدتك جاية هي وميار."
أبدى الدهشة البسيطة وقال بضحك ساخر وجدية في الكلام:
"جدتي وميار! لا ربنا يكون في عون زين!"
تنفست يسر الصعداء وقالت في نفس منفرة من هذا الأمر الذي بات يخنق الجميع وليس زين وحده:
_ هي تيتا مش هتطلع موضوع ميار ده من دماغها بقى خلاص زين اتجوز.
قالت هدى بعدم حيلة:
_ والله ما عارفة يابنتي. أنا شايلة الهم من دلوقتي وخايفة البت ميار دي تعمل مشاكل بين زين ومراته ومش بعيد جدتكم تساعدها. والخوف مش من ده لا القلق الأكبر من زين لأن أنا كنت بهديه بالعافية وهو كان بيعمل حساب لجدته لإنه بيحبها ومبيقدرش يزعلها. وإنتوا عارفينه دماغه قفل يعني لو حاولت ميار تتقرب منه تاني الله أعلم ممكن يعمل إيه. وبذات لو حاولت تضايق ملاذ هي وجدتكم.
لاحظ حسن أن الجو بدأ يشحن بالتوتر والعصبية فقرر أضفاء لمسته الخاصة هاتفيًا وهو يوجه حديثه ليسر ضاحكًا:
_ والله كان نفسي أقول سيبوا ميار للي مبترحمش يسر وهي تظبطها بس الصراحة أنا أخاف على البت وتصعب عليا دي متربية برا وحتة بسكوتة يعني بكلمة واحدة من الجبارة دي مش بعيد يغمى عليها.
انطلقت منهم ضحكة مرتفعة باستثناء يسر التي طالعته باغتياظ وقد اشتعلت غيرتها فملست على كتفه هاتفة بغل:
_ ميصعبش عليك غالي ياحياتي.
لاحظ نظرة الحقد والغيرة في عيناها فانفجر هو ضاحكًا لتهتف رفيف في ثقة وخبث:
_ ليه وهي ملاذ ساهلة استنوا واتفرجوا مش بقولكم هيبقا أسبوع الحوادث.
قالت هدى موجهة حديثها لابنها في رفق وحنان أمومي:
_ ليه ياحسن متاخدش مراتك وتروحوا مكان تاخدلكم شهر عسل ياحبيبي ده إنتوا من ساعة ما اتجوزتوا ومخدتوش أجازة حتى من الشغل.
هم بأن يجيب عليها بإجابة كانت تعرفها جيدًا يسر فقاطعته وقالت في رقة متصنعة البراءة وهي تضمر خلف قناع وجهها المكر الذي لا يستطيع رؤيته سواه هو:
_ لسا كنا بنتكلم إمبارح وقالي هياخدني وناخد أسبوعين في ايطاليا أول ما نفضى من الشغل شوية. هو بيزن عليا من أول ما اتجوزنا وأنا اللي كنت بأجلها.
أفغر عن شفتيه وفتح عيناه منذهلًا مما قالته. وحدق بها في دهشة من الكذبة التي اخترعتها للتو أمامه وأمام أمه وشقيقته. هو لا يصدق هذه الأفعى الجالسة بجواره. ماذا تظن نفسها فاعلة. يأمل أن لا تكون تود الذهاب في شهر عسل بالفعل وإلا لن يكون مسؤولًا عن ردات فعله المعاكسة.
اكتفى بنظرته لها وهو يقول باستنكار يحاول إخفائه أمام أمه:
_ بزن عليكي!!!
قررت إن تكمل كذبتها باحترافية وتلعب على اوتار أعصابه حتى تستفزه وتستمتع بإغضابه فقالت في نظرات حازمة وابتسامة صفراء:
_ أيوة ياحبيبي إنت نسيت ولا إيه؟
فهم من خلال نظراتها أن تنبهه لوجود أمه وشقيقته فجز على أسنانه وهتف يجاريها في كذبتها المستفزة بالنسبة له:
_ لا منستش طبعًا.
رأي في عيناها نظرة متشفية وعلى شفتيها ابتسامة مستمتعة فبادلها الابتسامة وهو يود اقتلاع حنجرتها من رقبتها من شدة الغيظ. لتبادل نظرات الحقد منه ببرود أشد استفزازًا.
***
دخل خلفها الغرفة بعد أن انتهت جلسة حديثهم الجماعية بالأسفل وأغلق الباب ثم اقترب ووقف خلفها هاتفيًا في غطرسة وغضب دفين:
_ إمبارح وايطاليا؟ لا وكمان بزن عليكي ده إيه الحلاوة دي.
التفتت بجسدها له وطالعته بابتسامة خبيثة ومسكت لياقة قميصه تعدلها برقة هاتفة:
_ أصل إنت هتاخدني فعلًا ايطاليا.
_ وأنا المفروض أوافق بقى؟
أماءت له بالإيجاب وهي تزيد من اتساع ابتسامتها وتقول في دلال أنوثي مدروس:
_ للأسف هتوافق لإن مفيش غيرك هياخدني وأنا نفسي أروحها جدًا وهتوديني ياحسن ياروحي.
ابعد يدها عنه في نفور وقال بصرامة:
_ لا مش موافق يايسر ومش هوديكي وياريت بلاش تعيشي دور المتجوزين بجد لإنك عارفة إننا هنطلق.
عادت بيدها وهي تتعمد لمسه لترى مدى تأثيرها عليها وتزيد جرعة الأنوثة والغنج أكثر وهي تهمس:
_ ومين قالك إني بعيش الدور. بالعكس خالص أنا حابة أروحها فسحة مش أكتر وطبعًا مينفعش أروح وحدي لازم تروح معايا. وبعدين إنت مش قولت إننا هنتعامل مع بعض كإننا أصدقاء لغاية ما نطلق اعتبر نفسك بتفسح صحبتك.
لم تؤثر به نظراتها ولكن لمساتها أربكته فدفع يدها وهتف في هدوء أعصاب مثير للعصبية:
_ لا ما أنا نسيت أقولك إني مبصحبش.
يبدو أن الحسنة لن تجدي معه نفع وستستخدم الطريقة التي تجدي نفع معه حيث قالت في لهجة آمرة:
_ وأنا قولت هتوديني ياحسن وهنشوف كلام مين اللي هيمشي.
قهقه باستهزاء ودفعها من أمامه هاتفيًا:
_ هنشوف يامدام يسر.
ثم اتجه وتمدد على الفراش فالقت هي نظرة متفحصة في الغرفة بحثًا عن مكان تنام فيه ولكنها لم تجد. يبدو أن اليوم ستضطر إلى النوم بجوار هذا المنحط. لاحظت هي نظراته المبتسمة بلؤم لها وهو يراها تنقل نظرها في الغرفة فوجدته يشير بيده على جانب الفراش الفارغ بجانبه يحثها على الانضمام له فلوت فمها بغيظ ثم التفت حول الفراش من الجهة الأخرى وتمددت عليه بدورها ورفعت سبابتها محذرة إياه:
_ متلمسنيش!
ضحك بغطرسة واضحة وازدراء على حماقتها. هل تظنه حقًا يتلهف لها ولكي ينعم بليلة أخرى معها. فهو لا يزال حتى الآن يندم على خطئه في تلك الليلة التي اصبحت فيها زوجته فعلاً وقولًا.
فقال لها بجفاء وعدم مراعاة لمشاعرها:
_ إنتي آخر واحدة أصلًا هبقى حابب إني المسها يايسر!
رمقته شزرًا ثم ولته ظهرها وسحبت الغطاء لأعلى جسدها ثم أغمضت عيناها لتخلد للنوم في ظرف دقائق بسيطة.
فتحت عيناها في صباح اليوم التالي وهي تشعر بثقل على جسدها واستغرق الأمر ثواني لتدرك الأمر وتفق من أثر النعاس. حتى فهمت أنه يحتضنها من الخلف وانفاسه المنتظمة والدافئة تلفح عنقها من الخلف وذراعه ملتف حول خصرها يضمها إليه بحميمية. فلجمت الدهشة لسانها والتفتت برأسها للخلف لتجده في ثبات عميق وفي البداية ابتسمت بسعادة وحب لشعورها بهذا الموقف الجميل وهو يحتضنها ولكن اشتعلت غيظًا بمجرد تذكر آخر جملة قالها قبل أن يخلدوا للنوم فلفت ذراعها للخلف تضرب على كتفه برفق وتبتسم في غيظ ليفتح هو عيناه وبمجرد ما أدرك وضعهم ارتد للخلف مبتعدًا عنها في فزع لتهب هي جالسة وتقول متغطرسة في ضحك ساخر تقلده بضبط:
_ إنتي آخر واحدة هبقى حابب إني المسها!!
ثم ألقت عليه نظرة أخيرة في استنكار ووقفت لتتجه نحو المرحاض. فيمسح هو على وجهه متأففًا بضيق.
***
وقفت ملاذ أمام مقر الشركة. ترفع نظرها لأعلى تحدق في هذا البناء الضخم. وتذكرت المرة الأولى التي جاءت بها إلى هنا كانت في عتمة الليل معه بعدما عقد قرانهم مباشرة. لم تسمح لها الفرصة في ذلك الوقت بتأمل ذلك البناء جيدًا ولكن ذكرياته مازالت عالقة في ذهنها ولن يتمكن الزمن من محوها بتاتًا.
أخذت نفسًا عميقًا ثم قادت خطواتها نحو الداخل وهي ترى الجميع يتحرك هنا وهناك مابين رجال ونساء وبحثت عن رفيف أو يسر بنظرها بينهم ولكنها لم تجد فاتجهت نحو الدرج وصعدت للطابق الثاني فوجدت فتاة تمر من جانبها استوقفتها وسألتها في لطف:
_ هو مكتب زين فين؟
قالت الفتاة وهي تشير بيدها للطابق الثالث:
_ في الدور التالت في آخر الدور على إيدك الشمال هتلاقي مكتب وحده هو ده. بس زين بيه معاه اجتماع دلوقتي ومش موجود في مكتبه.
فهمت الآن لما الكل على عجالة من أمره ولما لا ترى أي من أخوته أو يسر في أنحاء الشركة. فأماءت لها وهي تبتسم من خلف نقابها شاكرة إياها بامتنان ثم صعدت للطابق الثالث وتلتفت يمينًا ويسارًا ثم اتجهت يسارًا كما قالت عندما لمحت المكتب. وعندما وصلت فتحت الباب ببطء وادخلت رأسها لتتأكد من وجود أحد أم لا وكان فارغًا فدخلت واغلقت الباب خلفها وهي تتفحص بإمعان. مكتب كبير من اللون الأسود وأريكة فخمة وعصرية تعطي لونًا رصاصيًا وسجادة طويلة من نفس لون الأريكة وكانت الغرفة مكونة من ثلاث حوائط فقط والحائط الرابع عبارة عن زجاج كامل يطل على الشارع مباشرة. أعجبت بطراز الغرفة كثيرًا وظهرت علامات الانبهار على وجهها فاقتربت ناحية الزجاج ووقفت أمامه تتابع حركة السيارات والناس في الشارع ثم عادت بخطواتها نحو مكتبه ووجدت هاتفه على سطح المكتب وبجانبه إطار صغير بداخله صورة لرجل يبدو في عقده السابع أو السادس وتوقعت بأنه قد يكون والده. تنهدت بعمق وتحركت نحو الأريكة لتجلس عليها وترفع النقاب عن وجهها لتتنفس القليل من الهواء الصافي. ظلت بانتظاره إلى ما يقارب الربع ساعة حتى وجدت الباب يفتح ويدخل وهو بيده ملف غلافه من اللون الأحمر ويقلب بين ورقه في تركيز شديد وحين لمحها فزع واصابته الدهشة وأول شيء خرج من بين شفتيه هو:
_ ملاذ!! بتعملي إيه هنا؟
هبت واقفة واقتربت منه هامسة في ابتسامة عذبة:
_ أنا مش قولتلك واخدت الإذن منك الصبح قبل ما تطلع إني هطلع مع صحبتي هشتري كام حاجة. فقولت أعدي عليك وسألت عليك قالولي في اجتماع فدخلت وقعدت استناك.
إعاد ذاكرته لصباح اليوم قبل أن يغادر المنزل. فتذكر أنها بالفعل طلبت منه الإذن وهو سمح لها فاتجه نحو مكتبه ووضع الملف عليه هاتفيًا في حزم بسيط:
_ وليه متصلتيش بيا تقوليلي إنك جاية؟
احست باستيائه أنها جاءت دون علمه فقالت متوترة بنبرة تحمل الأسف:
_ أنا مكنتش ناوية آجي أصلًا بس عديت بالصدفة ودخلت.
لو كنت أعرف إنك هتضايق مكنتش جيت أو كنت اتصلت بيك الأول.
تمتم في حنو وعطف، راسمًا على شفتيه ابتسامة هادئة:
_ أنا مش مضايق، أنا بقول كدا عشان أكون عارف، لإنك جيتي أهو ولقتيني في اجتماع. ولما مبكونش موجود في المكتب، ممكن أي حد يدخل ويطلع، فهمتي ليه.
هزت رأسها بالإيجاب ولم ترد أن يزيد هذا الحوار أكثر من ذلك حتى لا يأخذ منحنى سيء. فتوجهت نحو حقيبة يدها وفتحتها، ثم أخرجت منها كيس بداخله علبة طعام كانت رائحته نفاذة وشهية. واقتربت منه تخرج له واحدة، هاتفة في صفاء وعفوية:
_ كان نفسي فيه، واشتريت واحد ليا وجبتلك معايا.
جذبه من يدها وهو يبتسم، ثم قال في صوت رخيم:
_ شكرًا. مع إني مش بحب أكل المطاعم والمحلات، بس مفيش مشكلة، هاكله عشانك.
حدقته بأعين مليئة بمشاعر جياشة، ثم وجدها تجلس على الأريكة وتبدأ في تناول الطعام الذي أحضرته، ليقول مستغربًا:
_ إنتي هتاكلي هنا؟
قالت بعفوية وحماسية أصابت جزئه الأيسر:
_ اممم، وإنت هتاكل معايا. أنا كنت ناوية إني هاكله في البيت، بس بما إني جيت هنا، فناكل مع بعض.
لم يجيبها، ولكن اكتفى بنظرته التي تتحدث بدلاً عنه، متأملًا إياها بابتسامة خفية وهو يراها تأكل بشراهة كأنها لم تأكل منذ يومين. ثم التقت خاصته، وبدأ هو الآخر يأكل، ولكنه استقام واتجه ليجلس بجوارها عندما أشارت بيدها له أن يأتي بجوارها لتريه شيئًا على الهاتف. كانت بيد تمسك الشطيرة وبالأخرى الهاتف، وتقلب في الصور، تريه مجموعة مختلفة من الأحذية التي رأتها اليوم في تسوقها، تأخذ رأيه وأيهم أجمل. ثم تنتقل لقسم آخر في الصور وتريه إحدى مغامراتها مع أخيها، وتشرح كل صورة وموقفها، فيعم في المكان جو مرح يشوبه الضحك المتبادل بينهما.
على الجانب الآخر من العالم، تحديدًا في أحد منازل ألمانيا الفاخرة، تجلس امرأة سبعينية على مقعد وثير، وبيدها إحدى الكتب باللغة الألمانية تقرأ بها في تركيز شديد، وترتدي نظارتها الطبية. بدت امرأة شامخة وذات قسمات وجه صارمة تنضج بالشدة والقوة. بها قليل من جمال الشباب نتيجة لاهتمامها المفرط بمظهرها وصحتها. تملك جسدًا بصحة جيدة ومتوسط الحجم، ولوهلة من يراها لا يعتقدها تخطت عقدها الثامن أبدًا.
أحست بقبلة رقيقة على وجنتها من الخلف، وسمعت صوت حفيدتها الجميلة تهتف برقة:
_ Guten morgen oma.
التفتت برأسها لها وقالت بابتسامة حانية:
_ صباح النور يا حبيبتي، يلا عشان تفطري قبل ما تطلعي.
قالت ميار في عجالة من أمرها وهي ترفض رفضًا قاطعًا:
_ nein, ich kann nicht.
قالت الجدة في حزم وضيق:
_ مش هينفع ياميار تخرجي من غير فطار. افطري بسرعة، مش هتتأخري على الحفلة.
هرولت ناحية الباب، وقد كانت ترتدي فستانًا بحمالات يصل إلى ركبتيها بالضبط، وتترك العنان لشعرها الأسود. فأرسلت قبلة في الهواء لجدتها، تجيبها بالمصرية أخيرًا وهي تضحك:
_ باي يانينا، مش هتأخر متقلقيش.
ثم خرجت واستقلت سيارة صديقها الذي كان ينتظرها بالخارج بعد أن تبادلا العناق. أما الجدة، فكانت تفكر في ابن أخيها التي أسرعت أمه وزوجته قبل عودتها حتى لا تتعقد الأمور أكثر.
فتحت شفق الباب، ظنًا منها أن الطارق هو "كرم"، ولكنها عقدت حاجبيها باستغراب حين رأت رفيف أمامها. فأفسحت لها الطريق بالعبور وهي ترحب بها بسعادة امتزجت بنظرات الحيرة:
_ ادخلي يارفيف، عاملة إيه. ليه متصلتيش بيا تقوليلي إنك جاية؟
قبضت على رسغها وسحبتها بعدما أغلقت الباب خلفها، وجلسا على الأريكة، لتقول رفيف في وجه مضطرب:
_ أنا جيتلك عشان تشوفيلي حل، لإن أنا حرفيًا في مصيبة.
اتسعت عيناها بهلع، وظهرت علامات الرعب على محياها، وفورًا أجابتها في خوف وقلق بالغ:
_ مصيبة إيه؟ قولي متقلقنيش بالله عليكي أكتر من كدا!
_ زين عايزني أشرف على تعديلات المطعم اللي بابا الله يرحمه كان قافله من سنين، وعايز يمسكني الإدارة بمجرد ما أخلص آخر ترم في الكلية.
هدأت نفسها المضطربة والوجلة، وقالت في هدوء بتعجب:
_ طيب كويس، هي دي مصيبة يعني؟
أكملت وقد ازدادت ملامحها ارتباكًا:
_ استني، ما أنا جيالك في الكلام أهو. عارفة مين بقى المهندس اللي هيكون هناك عشان التعديلات اللي هنعملها وأنا هشرف معاه؟
حدقته بأعين متسائلة تطالب باستكمال حديثها لتعرف من هو الشخص، لتظهر رفيف عن ابتسامة عريضة وبلهاء وهي تقول:
_ إسلام أخو ملاذ.
شهقت بدهشة ووضعت كفها على فمها تكتم ضحكتها، ثم أجابتها بتأكيد:
_ مش ده برضوا اللي حكتيلي قبل كدا عنه وإنك كنتي معجبة بيه؟
قالت وهي تجز على أسنانها من الغيظ والتوتر:
_ ومازالت للأسف، أنا بحاول أتجنبه أصلًا، بقيت كل ما أشوفه مع ملاذ وشوفته كذا مرة في الشركة من فترة، وبقيت أعمل نفسي مش واخدة بالي. آخر واحد توقعت إنه يدخلني في الحوار ده زين، لإنه مبيحبش الاختلاط أصلًا، وحتى في الشركة بيخلي تعاملي محدود مع الموظفين وبيضيّق عليا جدًا.
_ طيب وإنتي مش عندكم تقريبًا أخو يسر ومهندس زينا، ليه مدهوش هو الموضوع ده؟
قالت موضحة الأمر ببساطة أكثر:
_ علاء مش فاضي، وكذلك حسن وكرم، وحتى هو زين مش فاضي. محدش فاضي، كلهم مشغولين الفترة دي جدًا، ويسر ملهاش في شغل الهندسة أوي، فمفيش غيري. وهو بنفسه قالي إنه لو كان ينفع يخلي حد منهم يمسك الموضوع، مكنش أديهولي أبدًا. لإن زين دمه حامي ومتشدد، ده غير إنه بيخاف عليا جدًا زي كرم. بس أنا فاهمة الموضوع، هو واثق في إسلام لإنه الحق يتقال هو محترم جدًا جدًا، وكمان واثق فيا وعارف إني هخلي حدودي في الشغل بس. وده فعلًا اللي هعمله. بس فكرة إني هضطر أتعامل معاه طول الوقت بحد ذاتها قادرة إنها توترني من قبل ما أشوفه. يعني هو زين ملقيش غيره، ما في ألف مهندس!
ضحكت وقالت في صوت رخيم وعقلية رزينة:
_ ولا توتر ولا حاجة، ده شغل وإنتي حطي في دماغك إنه شغل، هتلاقي الموضوع سهل. وكمان عشان متحصلش مشكلة مع زين لو حس إنك بتتخطي حدودك معاه، حتى لو من غير قصد.
أخذت تقرض أظافرها بوجه مرتبك بشكل زائد عن الحاجة، وهي تجيبها بتوتر مبالغ:
_ قلقانة أوي ياشفق. هو كرم مش قاعد صح؟
هزت رأسها بالنفي، لتقول رفيف ضاحكة بعدما تبدل مزاجها بسرعة هائلة:
_ ماما بقت كل يوم تاخدلها ربع ساعة عياط. بتعيطي ليه ياماما؟ أخواتك وحشوني، البيت فضي من غيرهم! واللي يشوفها وهي بتعيط ميشوفهاش وهي بتزن فوق راس كل واحد فيهم عشان يتجوز!
أطلقت ضحكة شبه مرتفعة وقالت باسمة برقة:
_ طبيعي أي أم كدا. هتتعود بعدين على غيابهم وهيبقى الموضوع عادي.
بادلتها الضحك، لتهب شفق واقفة وتقول في لطف:
_ هروح أعملك حاجة تشربيها.
ثم تركتها واتجهت للمطبخ، فبقيت رفيف لدقيقتين بالضبط تحدق في السقف وتنقل نظرها بين أرجاء المنزل وأثاثه المألوف عليها، فداهمها الملل ولم تتمكن من منع نفسها، حيث اندفعت خلفها نحو المطبخ لتكمل حديثها معها بالداخل، ويتبادلا أحاديث مختلفة، بعضها مضحك والآخر جدي.
أسبوع كامل مرت أيامه بروتينية على الجميع دون أن تطرأ أي تغيرات أو أحداث جديدة. ولكن اليوم هو بداية الحوادث التي ستعم على زين بالأخص، فهو يوم عودة الجدة وابنة العم التي تخطت 23 من عمرها وتنبض بالجمال الصارخ وبشرة بيضاء كالثلج مع شعر أسود ناعم وطويل يلمع بسحرية، وجسد أنوثي مثير بإمكانيات أنوثية مغرية.
استقبلهم من المطار حسن الذي رحب بجدته في شوق بالغ، وجعلتها هي تعانقه في اشتياق. وألقى نظرة فاحصة على كتلة الأنوثة التي مع جدته، فهذه الفتاة يرونها كل شهور مرة واحدة، وفي كل مرة تزداد جمالًا أكثر. فلم يضيع الفرصة ليصافحها ويغازلها تحت شعار المزاح. ثم استقلوا بسيارته واتخذوا طريقهم نحو المنزل، وكان كرم وزوجته بانتظارهم أيضًا في المنزل للترحيب بجدته. وجلسوا إلى ما يقارب الساعة يتبادلون الأحاديث والضحك، حتى صعدت ميار لغرفتها لتبدل ملابسها بأخرى وتأخذ حمامًا دافئًا لتزيح عن جسدها إرهاق السفر. وفي هذه اللحظات، رن الجرس معلنًا عن وصول زين أخيرًا هو وزوجته. وكانت الجدة في كامل التشويق لمعرفة المرأة التي اختارها له أمه وفضلها هو عن ابنة عمه.
فتحت هدى الباب ورحبت بابنها ترحيبًا حارًا، وكذلك بزوجته. ثم انتقل هو لجدته وانحنى مقبلًا جبينها وظاهر كفها، متمتمًا:
_ حمدلله على السلامة ياست الكل.
ضمته تعانقه بشوق وتشم رائحته في حب:
_ الله يسلمك ياحبيب جدتك، وحشتني ياولا.
_ وإنتي أكتر والله.
اقتربت منها ملاذ وبدورها قالت لها في تهذيب وهي تصافحها "حمدلله على السلامة". لم تتمكن الجدة من رؤية وجهها بسبب النقاب الذي يخفيه، ولكنها اكتفت بابتسامة صفراء ومزيفة تضمر خلفها الحقد والضيق. ليلاحظها زين ويتضايق، ولكنه لم يبدي أي ردة فعل. واتجه وجلس بجانب والدته، واتخذت ملاذ مقعدًا لها أيضًا بجواره. وبعد دقائق قليلة، وقعت نظرات يسر على الدرج الذي كانت تنزل عليه ميار، فأفغرت شفتيها بذهول مما ترتديه، فقد كانت ترتدي رداء من اللون الأسود يصل إلى أسفل ركبتيها ويغطي فقط أكتافها وبفتحة صدر واسعة بالكاد تخفي مقدمة صدرها. وكان أول واحد يلاحظ ذهول يسر هو حسن الجالس بجوارها، ليلتفت برأسه ويصيبه ما أصابها بالضبط، ومن ثم الجميع بدأوا ينظرون، وآخرهم زين.
رواية ضروب العشق الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى محمود توفيق
ابعد حسن نظره وكذلك كرم وقد بدت عليهم علامات الاستياء البسيط. أما زين فخانه نظره والقى نظرة سريعة عليها كنوع من الفضول، وبمجرد ما وقع نظره عليها اشاح بوجهه فوراً ومسح على وجهه متأففاً في غضب شديد متمتماً:
_ استغفر الله العظيم يارب.
كانت يسر قد اتت قبل زين بلحظات قليلة ولم تتمكن من الترحيب بها، فاقتربت هي منها ومدت يدها تقول في رقة طبيعية منها:
_ Hi!
مدت يسر يدها وصافحتها في عنف هاتفة باغتياظ وغل:
_ هاي ورحمة الله وبركاته ياحبيبتي.
حك حسن ذقنه محاولاً إخفاء ابتسامته التي كانت ستنطلق على شفتيه بعدما رأي قسمات زوجته وردها المليء بمشاعر الحقد على ابنة عمها. أما ميار فاقتربت من ملاذ أولاً تمد يدها لتسلم عليها، ولكن ملاذ رمقتها بنظرة فاحصة كلها غيرة خاصة بعدما عرفت من زوجها قبل أن يأتوا أن جدته كانت تحاول تزويجه من هذه الفتاة المتحررة. ثم صافحتها بخنق ولم تقترب من زين ولم تحاول أن تمد يدها المصافحة لعلمها أنه لا يصافح النساء. وكان واضح على معالمه أنه ينقصه دقيقة أخرى وينفجر بالكل بلا استثناء من فرط غيظه وهو يتحاشي النظر إليها ولا يرفع نظره بتاتاً واحتراماً لجدته فقط هتف بامتعاض دون أن ينظر لها:
_ عاملة إيه ياميار؟
ردت عليه في خفوت هاديء وتوتر من ملامح وجهه المحتقنة بالدماء:
_ الحمدلله كويسة.
كان يسود الصمت المشحون بالتوتر والضيق من الجميع على ما ترتديه أمام أولاد عمها دون احترام لأحد، ولكن زين لم يكن يستطيع تحمل هذه المهذلة حيث وجه حديثه لشقيقته في نظرة صارمة ومخيفة وصوت رجولي أجش:
_ قومي يا رفيف خدي ميار واديها حاجة تلبسها من هدومك.
نقلت ميار نظرها بين الجميع في شيء من الدهشة، وبالأخص جدتها التي اشارت لها بأن تفعل دون جدال، فنهضت ولحقت برفيف إلى اعلى حيث غرفتها. ليصدر هو زفيراً ملتهباً ويزداد سوء غضبه عندما سمع جدته تهتف مدافعة عن حفيدتها:
_ زين ميار متربية طول عمرها في المانيا واتعودت على اللبس ده، كنت قولتلي أنا وأنا كنت هقولها.
هدر في اندفاع وعصبية بصوت به لمسة خشنة مريبة:
_ اللبس ده تلبسه في المانيا ملناش دعوة بيها، لكن هنا تحترم وجودنا.. مش طالعة قدامنا بقميص نوم.
ثم هب واقفاً واندفع لغرفته بالاعلى، وبدون تفكير لحقت به ملاذ. وهدى كانت تنظر في عدم حيلة فهذا ما كانت تخشاه، أما الجدة فقد ظهرت علامات الغضب على وجهها فلأول مرة يصيح بها حفيدها هكذا. ليهتف كرم في هدوء ولطف:
_ متزعليش من زين ياتيتا، إنت عارفاه عصبي. انتي اتكلمي مع ميار بس وفهميها بهدوء.
ثم تحولت نبرته من الهدوء إلى الحدة البسيطة وهو يكمل:
_ لأن هو عنده حق برضوا تلبس اللي عايزاه في المانيا.. بس هنا تحترم وجودنا.
كان حسن يتابع الذي يحدث في صمت وفضل أن لا يتحدث أبداً حتى لا يكون فظاً أكثر من أخيه الكبير. ولتنهي هذا التوتر هدى وهي تهتف معاتبة ابنائها في ضيق:
_ خلاص ياولاد حصل خير، جدتكم لسا جاية من سفر هتضايقوها من أول كام ساعة كدا.. تعالي ياماما اوضتك فوق وغيري هدومك وارتاحي شوية من السفر.
استقامت واقفة ثم اتجهت إلى غرفتها بالأعلى ولحقت بها هدى. وانتهت الجلسة على كرم وزوجته وحسن ويسر. ليقول حسن ساخراً وهو يضحك بشيء من الضجر في اندهاش من جرأتها التي مكنتها من الخروج أمامهم بهذه الملابس الفاضحة:
_ على رأى زين ده قميص نوم فعلاً!
بادله الضحكة الساخرة بنفس الضجر. لتهب يسر واقفة وهي تتنهد الصعداء وتشير لشفق بأن تأتي معها ويجلسوا في أي مكان آخر ويجددوا مودهم الذي عكرته تلك الالمانية الصغيرة!
اغلقت ملاذ باب الغرفة خلفها برفق ورفعت النقاب عن وجهها، ثم اقتربت منه وملست بيدها على كتفه هامسة:
_ ممكن تهدى، الموضوع مش محتاج كل العصبية دي!
صاح منفعلًا:
_ مش محتاج ازاي ياملاذ، إنتي مش شايفة كانت لابسة إيه.. إزاي اصلا قدرت تطلع قدامنا بالمنظر القذر ده!
قبضت على كفه تضغط عليه بلطف وتتمتم برزانة:
_ هي صغيرة لسا وزي ما قالتلك جدتك هي عايشة برا فمتعودة على كدا.
قال ضاحكاً بسخرية على حسن نية زوجته:
_ ميار مش أول مرة تاجي عندنا يا ملاذ، دايمًا بتاجي ولما بتاجي أنا بسكت وبستحمل وعمرها في مالبست اللبس ده.
عقدت حاجبيها وهي تتساءل عن سبب تغير الأمر الآن وتهدر في حيرة:
_ وإيه اللي اتغير دلوقتي يعني؟
قال بتوضيح أشد ونظرة مشتعلة:
_ اللي اتغير إن جدتي مش عجبها إني اتجوزتك، وأكيد موصياها وهي فاكرة إنها لما تلبس كدا أنا هغير رأي وهتجوزها وهطلقك مثلاً.. من الآخر يعني كل ده مقصود وهو ده اللي مجنني ومخليني متعصب كدا عشان فاهم حركاتهم دي كويس أوي.
تركت يده وظهرت علامات الغيظ والغل على محياها. هل تسعى تلك الشيطانة الصغيرة للتفريق بين زوجها بعد كل ما فعلته لكي تحسن علاقتهم؟ بالتأكيد لن تسمح لها بالعبث معها وستضع الحدود لردعها كما يجب!
مدت يدها وقالت بدلال وهي تعبث بقميصه وتنهدم من مظهره:
_ ومين قالك إني هسمحلها أصلاً إنها تفرق بينا حتى لو كانت جدتك.
نظر إلى يدها التي على قميصه وتلمس صدره ونبرة صوتها المغرية ونظرتها، فكاد لوهلة أن ينصاع خلف رغباته، ولكنها اكملت في لؤم:
_ هي جدتك مش عايزاك تاخد اسبوع معاهم هنا.. أنا بقولك نقعد اسبوع وسبلي البت ميار دي.
ابعد يدها بكامل الهدوء حتى لا تؤثر عليه أكثر من ذلك بلمساتها المذهلة، وقال باسمًا بتحذير:
_ ملاذ أنا مش عايز مشاكل!
أجابته ضاحكة بمداعبة محببة لقلبه:
_ إنت تعرف عني إني بتاعت مشاكل برضو ياحبيبي.. اطمن.
واستجمعت ثقتها وشجاعتها لتقترب وتطبع قبلة ناعمة على وجنته، لتذيبه بالكامل على أثرها. ألم تكفيها كلمة "حبيبي" حتى تضع هذه القبلة المسحورة على وجهه؟ فأخذ هو نفساً عميقاً ليخرج قليلًا من النيران التي اشتعلت في أعماقه على أثر قبلة واحدة. ولم يغب عنها وضعه بالتأكيد حيث لاحظت تأثيرها عليه، فابتسمت بعاطفة وتلفتت في الغرفة بحركة دائرية وهي تقول:
_ إيه ده أول مرة ادخل اوضتك.
كانت غرفة هادئة وألوانها تبعث الراحة والسكينة، واسعة إلى حد ما وعلى الحائط لوحة صغيرة مكتوب عليها آية الكرسي. ثم وقع نظرها على الفراش العريض فنقلت نظرها في ارجاء الغرفة بحثاً عن أريكة، وعندما لم تجد شكرت ربها في قرارة نفسها وسعدت لأنها ستقضي أسبوعاً كاملاً وهي بجواره في نفس الفراش. وستأخذ هذا الأسبوع وسيلة لتقوية علاقتهم أكثر ولن تسمح لجدته أو ابنة عمه بأن يشعلوا فتيل المشاكل بينهم!
عادت بنظرها مجدداً له وقالت في جدية وحنو:
_ روح اعتذر من جدتك، مينفعش إنت عليت صوتك عليها برضوا. متخليهاش زعلانة منك وهي لسا جاية من سفر.
أماء لها بالموافقة ثم قرب كفه وملس بابهامه على وجنتها في حنان نابع من عيناه وهو يهمس شاكراً إياها لأنها نجحت في امتصاص غضبه بأقل الكلمات:
_ شكراً ياملاذ.
طالعته بابتسامة عاشقة وأعين تلمع بوميض جميل لتصنع ابتسامتها وعيناها مزيج غرامي رائع. واستقرت هو من عيناه نظرة دافئة أخيرة قبل أن يستدر وينصرف متجهًا إلى غرفة جدته حتى يعتذر منها عما صدر منه من فظاظة وانفعال ليس بإرادته!
فتحت الباب ودخلت بعد أن اخبرتها رفيف بأنه في غرفته. اغلقت الباب خلفها وسمعته وهو يتحدث مع أحدهم عن البحث عن شخص وكان مستاء بشدة ويقول بوضوح "مهو أنا هجيبه يعني هجيبه هيروح مني فين". فتوقفت للحظات تحاول توقع عن
الجمته كلماتها وصنمته في مكانه فأخذ يتطلع إليها بسكون دون أن يتكلم. بل ما قالته كان كافياً لعدم إيجاده الكلمات التي سيجيب عليها بها. فمن جهة ألم قلبه وناره على زوجته التي قتلت بأبشع الصور ونفسه التي لن ترتاح إلا حين تأخذ بثأرها، ومن جهة مسؤوليته تجاهها. والآن فقط فهم كم هو صعب مفهوم التضحية، فعليه أن يضحي إما بثأره لزوجته أو يضحي بها.
حارب توتره الدائم بمجرد ما أن يقترب منها، ومد كفه الكبير بصعوبة يضعه على كف يدها الناعم والصغير محاولاً تهدئتها وإبعاث الأمان إلى نفسها المضطربة والخائفة. وهمس بالقرب منها باسمها في حنو مع قليل من المداعبة ليخرجها من الكآبة المهيمنة عليها:
"طيب يا شفق، وإنتي دلوقتي شوفتيني قتلته ودخلت السجن. أنا تقريباً كل ما أتكلم معاكي بتعيطي لدرجة إني بقيت أخاف أكلمك لتعيطي ومبقتش فاهم في إيه! أكيد عارفة إن الزعل الكتير مضر، وخصوصاً لو كان على بنوتة قمر زيك كدا!"
قال جملته الأخيرة بجرعة زائدة من الرقة أفقدتها توازنها، ولوهلة أحست بأنها ستسقط بين ذراعيه فاقدة لوعيها. حيث حدقت به بأعين هائمة وهي تقول في نفسها برجاء: "توقف، أرجوك لا تنظر لي بعيناك الجميلة هذه وبهذه النظرات الدافئة، فأنا لم أعد أتحمل وسامتك ورقتك." ولكنها عادت لوعيها بسرعة وأجفلت نظرها عنها في خجل واستحياء من مغازلته لها. بل في الغالب كانت خجلة وفي نفس ذات اللحظة ترغب في الابتسام من دهشتها بأنه تغزل بها لأول مرة، وهي تعرف جيداً توتره الشديد منها. فلم يكن الأمر مخجلاً بقدر ما كان مدهشاً بالنسبة لها.
ثم رفع كفه عنها وقال ضاحكاً عندما تذكر شيئاً:
"استني، هوريكي حاجة بس يارب متكونش ماما شالتها."
ثم هب واقفاً واتجه نحو خزانته وفتحها وانحنى للأسفل يفتش عن شيء معين بين الملابس حتى وجدها. وكانت عبارة عن لعبة مهرج شكله قبيح قليلاً. ثم عاد وجلس بجوارها مجدداً. فاخذتها من يده تحدق به باستغراب هاتفة:
"إيه دي؟"
"دي يا ستي طفولتي البائسة. كنت دايماً وأنا صغير بعيط على أقل حاجة، ومش عياط طبيعي، لا ده إزعاج يعني كنت مزعج. فبابا سافر برا مصر لشغل ولقى اللعبة دي بالصدفة وجابهالي مخصوص وهو جاي. اللعبة دي بقى بمجرد ما تعيطي بصوت عالي بتقلدك بس بطريقة كوميدية. وفي مرة بابا حبسني في أوضتي وسابها معايا، وكنت كل ما أعياط من الزعل والضيق إنهم حبسوني، هي تقلدني وأفضل أضحك. طبعاً هي بنسبة لطفل لعبة مضحكة جداً، مع إن شكلها وحش. ولما كنت بعيط قدامهم كانوا بيطلعوها قدامي فتقلدني وأضحك فوراً. فاللعبة دي كانت وسيلة للتخلص من الإزعاج بتاعي، ولغاية دلوقتي محتفظ بيها وكل ما أشوفها أضحك تلقائياً. فأنا هخليها جنبك في البيت في الأوضة عشان كل ما تعيطي كدا تضحكك."
أطلقت ضحكة مرتفعة وقالت تبادله مداعبته في حب:
"اممم، انت عندك حق. أنا فعلاً محتاجة اللعبة دي لأن الفترة دي بعيط بسبب ومن غير سبب."
"أهاا، ما أنا ملاحظ كدا برضوا. أهم حاجة ميكونش السبب أنا بس!"
هزت رأسها بالنفي قائلة من بين ضحكاتها:
"لا، اطمن مش إنت."
أظهرت شفتيه عن ابتسامة عريضة وقال في صوت به لمسة مريحة:
"طيب الحمدلله. يلا قومي عشان ننزل لهم تحت، لأحسن تيتا تزعل لما متلاقيناش."
مدت يدها وجففت دموعها بظهر كفها، ثم استقامت بعد أن نهض هو واتجه نحو الباب، فلحقت به حتى تخرج لهم معه. فهي لازالت لم تتعود على أشقائه وزوجاتهم جيداً وتتوتر منهم. ولكن علاقتها قوية بأمه وشقيقته فقط.
***
داخل غرفة الجدة.
هتفت هي في عتاب وغضب دفين:
"وصلت إنك تعلي صوتك عليا يا زين!!"
أجفل نظره أرضاً في خجل وقال بندم واعتذار صادق:
"أنا آسف، مقصدش والله يا جدتي أعلي صوتي عليكي. أنا فقدت أعصابي ومقدرتش أتحكم في نفسي."
هتفت في حدة وصرامة بضجر:
"أي كان السبب، مكنش ينفع تحرجها كدا قدام الكل. رفيف بتقولي فضلت تعيط في الأوضة لما طلعت فوق."
ضحك باستهزاء وهو يحاول تمالك أعصابه التي على وشك الانفجار من جديد، وقال بنبرة مستنكرة مما تقوله جدته:
"أحرجها! ثم إن إنتي إزاي بتدافعي عنها؟"
"أنا قولتلك إنها متعودة من صغرها بتلبس كدا وأنا مش بتدخل ومش بحب أضيق عليها. البنت لا ليها أب ولا أم وملهاش غيري وغيركم إنتوا وعمك طاهر."
لم يتمكن من حجب نفسه أكثر من ذلك، حيث حدق بجدته بنظرات مريبة وهدر بلهجة مخيفة:
"وهي في بنت محترمة تلبس كدا! ومفيش حاجة اسمها مش بحب أضيق عليها يا جدتي. في حاجة اسمها إن دينا بيأمرنا بالحجاب والاحتشام والأدب والأخلاق. لكن تطلع قدامنا بفستان بالمنظر ده يبقى لازم نحطلها حدود. أنا مكنتش بتكلم لما كنتي بتيجي إنتي وهي كل مرة، بس جبت آخري خلاص."
لم يعجبها كلامه مطلقاً، حيث قالت باعتراض، وفي آخر كلامها ختمته بالشيء الذي زاد من اشتعال نيران غيظه:
"برضوا مكنش ينفع تقولها كدا قدامكم كلكم. وبعدين فهمني إنت إيه مش عاجبك في بنت عمك؟ مش كنت إنت أولى بيها بدل ما أروح اتجوزت بنت لا نعرفها ولا تليق بيك أصلاً."
تمالك أعصابه بصعوبة شديدة ومسح على وجهه متأففاً وهو يستغفر ربه، وقال في هدوء يضمر خلفه إعصار تسونامي:
"مراتي أنا اللي اخترتها وقررت إني أكمل معاها، وطالما قررت القرار ده يبقى أنا شايف إنها تليق بيا. بس برضوا هتكلم معاكي بالمنطق. قوليلي يا جدتي بالله عليكي، هي ميار تليق بيا؟"
صمتت لبرهة وهي تحاول إسكات الصوت الذي بداخلها ويخبرها بأن تجيب عليه بـ "لا"، وقالت بإصرار على رأيها:
"ومتلأقش بيك ليه بقى؟"
تنهد بعمق وقال في رزانة وقد هدأت ثورته الداخلية قليلاً:
"إنتي عارفة إني عصبي ودمي حامي وعندي حدود وقوانين ومينفعش حد يتخطاها، وميار متنفعش مع حدودي وقوانيني. لأن لا هي هتستحملني ولا أنا هستحمل دلعها وأسلوب حياتها اللي اتعودت عليه. من الآخر أنا عايز واحدة تقدر تفهمني وأفهمها. واحدة أقدر أستأمنها على بيتي وولادي وأنا مغمض وتكون على خلق ودين وعاقلة. لكن ميار مستحيل أنا وهي ننفع مع بعض، فعشان كدا أرجوكي يا جدتي طلعي الموضوع ده من دماغك. كفاية أنا تعبت والله."
مازالت لم تتخلى عن رغبتها في تزويجه من ابنة عمها، وخصوصاً بعدما رأت زوجته ولم تستلطفها أبداً. وقالت في استسلام سريع وعجيب بالنسبة له:
"طيب ياحبيبي ربنا يسعدك مع مراتك."
اقترب وقبّل جبهتها في حنو وقال بشيء من الجدية:
"أنا هقعد معاكي الأسبوع زي ما إنتي عايزة عشان خاطرك بس وعشان مزعلكيش، بس أرجوكي خلال الأسبوع ده مش عايز أي حاجة تحصل تضايق مراتي أو توجهي ليها أي إهانة، سواء إنتي أو ميار، لإني مش هضمن ردة فعلي وقتها. احترامها من احترامي يا جدتي!"
رتبت على كتفه برفق مغمغمة بنبرة من الخارج تبدو عادية، ولكن من في جوفها تحمل كل أشكال الغيظ والحقد والمكر:
"حاضر اطمن متقلقش، ده إنت الغالي ابن الغالي ومقدرش على زعلك. ومراتك فوق راسي ياحبيبي."
ابتسم له في دفء، ثم رفع كفها لشفتيه يقبل ظاهره في مشاعر نقية وعذبة، فتبادله نفس نظرة الحب النقية والصادقة وتملس على شعره بكفها الآخر في حنو.
***
في تمام الساعة الثامنة مساءً.
خرج حسن من المنزل وقاد خطواته نحو الأريكة الكبيرة المتوسطة في نصف الحديقة وأمامها طاولة صغيرة فاخرة، وكان في يده كأس الشاي الخاص به. وجلس على الأريكة بجوارها بعدما وجدها تجلس بمفردها في الخارج وقال وهو يرتشف من كأسه:
"قاعدة وحدك ليه؟"
هتفت ميار في بساطة مبتسمة:
"عادي زهقت شوية وحبيت أقعد هنا. وإنت ليه مش قاعد معاهم جوا؟"
أجابها بنبرة صوت عادية:
"بحب أشرب الشاي في روقان."
أماءت له برأسها في تفهم، ثم هيمن الصمت بينهم لدقائق قليلة حتى نظرت له وقالت بمزاح لطيف:
"لما نينا قالتلي في ألمانيا إنك اتجوزت يسر اندهشت الحقيقة."
عاد يرتشف من كأسه مرة أخرى ويجيبها باسمها في شيء من الفتور:
"امممم شوفتي.. هي الدنيا كدا يوم ليك ويوم عليك!"
ضحكت بخفة وأنوثة ليست متكلفة منها، ثم أكملت في ضحك أشد متشبعة بحرارة الحديث:
"لا بس بجد آخر بنت كنت أتوقع إنك تتجوزها هي يسر يا حسن."
قال بضحكة خفيفة في خنق:
"هتصدقيني لو قولتلك وأنا كمان."
اعتدلت في جلستها وأصبحت مواجهة له وهي تقول بتشويق وفضول:
"وإيه بقى إيه اللي خلاك تفكر تتجوزها؟"
سكت للحظات قصيرة يعيد شريط الأحداث التي حدثت قبل أن يتزوجوا وماذا فعلت وكيف استغلت الصور والتسجيلات ضده لكي تصل لمبتغاها وهو الزواج منه، ولا ينكر أنها نجحت بالفعل في إحراز أول أهدافها في معركتهما.
رفع نظره لأعلى بتلقائية، فرأى زوجته في شرفة الغرفة تنظر لها بأعين نيرانية والغيرة قد وصلت لذروتها لديها. وفقط يستطيع وصف نظراتها بأنها كانت تود أن تفتك بالجالسة بجواره. وفي ظرف لحظة وجدها تدخل للداخل فعرف أنها قادمة إليهم. ليقترب من ميار ويهتف ضاحكاً:
"نصيحة مني لو خايفة على نفسك اهربي."
حدقته بحيرة وقالت بتعجب متسائلة:
"أهرب! ليه؟"
"هتعرفي دلوقتي ليه."
ولحظات بالضبط وكانت يسر تتحرك في اتجاههم وهي تبتسم بتصنع. وحده هو استطاع فهم الحقيقة التي تخفيها خلف الابتسامة المزيفة وهي أنها تشتعل بنيران الغيرة. وحين وصلت لهم جذبت مقعد صغير وجلست بجوار ميار، ثم وجهت حديثها له هاتفة في رقة متكلفة:
"إيه ياحبيبي ليه مش قاعد معانا جوا؟"
افتر عن ابتسامة عريضة ومتحمسة لما سيحدث الآن ولم يجب عليها، فقط جلس بإرياحية أكثر على الأريكة مستنداً بساعده على ذراع الأريكة وهو يجهز نفسه لمشاهدة المعركة الكلامية التي ستحدث الآن. وبالفعل تحدثت إلى ميار بشيء من الغيظ ولكنها تخفيه بابتسامة صفراء:
"عاملة إيه ياميار؟"
أجابتها في عفوية وابتسامة عذبة:
"Gut. كنا لسا بنتكلم عنك وبقوله إني مكنتش متوقعة أبداً إنكم تتجوزوا."
ألقت نظرة مشتعلة عليه لتراه يحاول كتم ضحكاته، ثم تعود بنظرها لميار وتهتف في هدوء ما قبل العاصفة:
"مكنتيش متوقعة ليه ياحبيبتي؟"
_ يعني أصل الكل بيشهد دايماً على خناقكم وعارفين إن حسن كان مش بيستلطفك أوي يعني العلاقة ما بينكم مش قد كده.
لم يتمكن من حجب ابتسامته ولكنه أخفاها بيده متصنعاً أنه يحك ذقنه ويقول في قرارة نفسه: "بتقولي إيه يابنت الهبلة هتاكلك!" وبالفعل رأى في عينيها علامات الغيظ والسخط، ولكنها تحكمت في انفعالاتها وقالت باقتضاب:
_ كان.. لكن دلوقتي الوضع يختلف، مش كده ولا إيه ياحبيبي؟
وجهت له سؤالها في نظرات متقدة كلها غيرة وعصبية، ليجيبها ضاحكاً مسايراً إياها في كذبتها العلنية باستمتاع بغيرتها وعصبيتها التي تحاول إخفاءها:
_ اممممم أكيد طبعاً يختلف، ويختلف كتير أوي كمان!
هتفت يسر محدثة ميار في لؤم:
_ ألا قوليلي ياميار، هو الفستان اللي كنتي لبساه الصبح ده مش من مصر صح؟ أصل عجبني أوي وكنت عايزة أشتري زيه.
ارتبكت قليلاً بمجرد ذكر ما حدث بالصباح، ولكنها قررت أن تكون لؤماً أكثر منها وتسكتها تماماً عن الكلام، حيث قالت باسمة باستنكار:
_ وإنتي هتعملي بيه إيه يايسر؟ أعتقد إنك مينفعش تلبسيه لإنك محجبة.
بدأ الحديث يأخذ المنحنى المفضل بالنسبة للشاهد الذي كان يتابع ما يحدث وهو يبتسم، فوجد زوجته تضحك بخبث فاقت مكر تلك الحمقاء التي ظنت نفسها قادرة على الانتصار عليها. حيث قالت في خفوت ماكر ونبرة تقصد بها الإهانة ولكن بشكل غير مباشر:
_ لا ماهو إنتي متعرفيش إن الهدوم دي البنت بتلبسها في بيتها لجوزها بس، مش في العلن عشان أمة لا اله إلا الله تتفرج. بس واضح إن تيتا مقالتش ليكي الكلام ده لإنك لو كنتي عارفة مستحيل كنتي هتطلعي قدام ولاد عمك بالمنظر ده، وللأسف الكل فاهم لبستي كدا ليه، وأولهم زين و......
نقلت ميار نظرها بين حسن الجالس وقد بدت علامات الدهشة على محياه، حيث لم يكن يتوقع أن يكون ردها بهذا القسوة. فقد أصابت الهدف تماماً بكلماتها. ولم يعجبه آخر ما قالته بالأخص في وجوده. فلم يكن هناك داعي لآخر جملة، حيث هتف مقاطعاً إياها بنظرة حازمة ونبرة قوية:
_ يــــســـــر!!!
التزمت الصمت بعدما رأت نظرته الغاضبة، أما ميار فرمقتها شزراً وباغتيظ، ثم هبت واقفة واتجهت لداخل المنزل. فتقول يسر ساخرة بقرف:
_ وكمان ليها عين ترد عليا.. ده إيه البرود ده، أما بنت معندهاش دم صحيح!
ألقى عليها نظرة مستاءة وزفر بنفاذ صبر وهو يشيح بوجهه عنها محاولاً تهدئة نفسه حتى لا ينفجر بها. وفي ظرف لحظة وجدها تثب وتجلس بجواره ملتصقة به وتضربه على ذراعه بخفة هاتفة في غيرة شديدة:
_ شفتك بتضحك معاها.. بتضحك معاها ليه وكنتوا بتقولوا إيه هااا؟
بدأ مفزوعاً من وثوبها المفاجيء إلى جانبه وضربها له على ذراعه، فصاح بها منفعلًا:
_ وإنتي مالك كنا بنقول إيه!
فتحت عينيها على أخرهم مدهوشة من رده، وقالت بعصبية وانفعال أشد منه:
_ أنا متقوليش إنتي مالك.. أنا مراتك ومن حقي اعرف كنت بتقول إيه لما تقعد مع بنت.
أرغمته كلماتها وطريقة عصبيتها على الضحك، ولكنه أيضاً ما زال محتفظاً ببعض الغيظ، حيث دفعها عنه هاتفاً بأعين مشتعلة:
_ الشاي هيتكب عليا!!.. ابعدي كدا بقى دي إنتي لزقة إيه الغلاسة دي.
عادت تلتصق به من جديد قاصدة استفزازه وهي تقول بسخط حقيقي وليس مزيف:
_ مش هبعد وهتقولي كنتوا بتقولوا إيه ياحسن.
رفع كأس الشاي لأعلى يوهمها بأنه سيسكبه عليها ويقول بضحكة بسيطة منذرًا إياها:
_ ابعدي هكب الشاي عليكي لو مبعدتيش والله.
تراجعت للخلف وهي ترمقه شزراً بامتعاض وعيناها تطلق شرارات حمراء، فاطمئن لها وأنزل الكأس ليجدها تهجم عليه وتغرز أسنانها بغل في وجنته، فيرتفع صوت تأوه متألمًا وتثب هي واقفة راكضة بعيداً عنه حتى لا ينال منها، وتسمعه يقول بغضب حقيقي هذه المرة واضعاً كفه على وجنته:
_ آاااه يابنت الـ ........
هزت له كتفها يساراً ويمينًا كوسيلة لزيادة ضجره وهي تضحك بخبث وتشفي، ثم استدارت ودخلت للداخل تاركة إياه يتوعد لها! .........
انتهى اليوم العائلي والجميع رحل باستثناء زين وملاذ اللذين سيقضيان أسبوعًا كاملاً معهم في المنزل بناءً على رغبة الجدة. وقد دقت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل وجميع من في المنزل بمضاجعهم نائمون في ثبات بعد اليوم الطويل والمرهق الذي مر على الجميع بلا استثناء!
كان زين في فراشه جالساً ويستند برأسه على حافة الفراش من خلفه وبيده أحد الكتب الدينية يقرأ بها بتركيز شديد، ولكن تشتت انتباهه بمجرد ما لمحها وهي تخرج من الحمام بعد أن أخذت حمامًا مسائيًا دافئًا وكانت ترتدي منامة بنصف أكمام، ضيقة بعض الشيء على جسدها أي أنها تظهر منحنياتها بوضوح وتصل إلى أسفل ركبتيها ولديها فتحة صدر واسعة بعض الشيء تأتي على شكل مثلث. فقد مر على زواجهم شهر ولم يراها ترتدي شيئًا كهذا قط من قبل، والغريب من كل هذا أنها كانت تتصرف بطبيعية تمامًا ولم تنظر لها مطلقًا، فقط تجفف شعرها بالمنشفة الجافة ومن ثم اتجهت إلى أمام المرآة لتبدأ في تسريحه!
وكانت أفكاره كالتالي: "ماذا تفعل؟ هل تحاول إغوائي؟ أم أنها تحاول أن تسلبني عقلي حتى لا أفكر مجرد التفكير في ميار؟ أي أنها تريد أن لا تجعل أي فرصة بيني وبين أي أفكار معاكسة قد تظهر فجأة في ذهني!" أخذ يحدق بها وهي تسرح شعرها وعيناه لا تنحرف عنها لثانية، ويترك لعينيه الحرية في التأمل بهذه المرأة الفاتنة التي تقف أمامه بملابس مثيرة. ولم يعلم كم مر من الوقت وهو على هذه الحالة حتى وجدها تقف أمامه وهي تبتسم برقة وتتمتم في إحراج بسيط:
_ لو مش حابب أنام جنبك أنا ممكن أنام على الأرض عادي.
يقسم لها أنه لو كان يوجد بهذه الغرفة أريكة لكانت ستجده فورًا عليها. فهو لا يضمن نفسه السيئة عندما تدخل معه في نفس الفراش بملابسها هذه. وبالتأكيد لم يتركها تقضي ليلتها على الأرضية، فأفسح لها في الفراش عن مكان وقال بسخرية وجدية:
_ تعالي جمبي وبلاش هبل قال أنام على الأرض!!
ابتسمت ابتسامة خفية لن يتمكن من مشاهدتها، ثم تمددت بجواره وسحبت الغطاء إلى جسدها وأخذت تتابعه بصمت وهو يقرأ في كتابه. وبعد دقائق اعتدلت في نومتها وقالت بحماس مترددة في طلبها:
_ ينفع ندردش مع بعض شوية لو مش هتضايق؟
ترك الكتاب من يده وأسنده على الفراش بجواره ونظر لها متمتمًا بتنهيدة عميقة:
_ ندردش في إيه ياملاذ!
اقتربت منه واستندت بمفرقها على وسادة الفراش وكفها كان تحت وجنتها وهتفت في وجه بشوش:
_ في أي حاجة. وأنا كنت حابة أسألك عن حاجة كدا.
_ حاجة إيه؟ اسألي!
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تبدأ في سؤالها وهي تقول بهدوء مشجع:
_ يعني أنا كنت عارفة إنك في فترة خطوبتنا مكنتش بتكلمني لإنك كنت خايف تغلط وتقول حاجة وتاخد ذنوب عليها من غير ماتحس. لكن سؤالي بقى هو حرام فعلاً إن البنت تكلم خطيبها؟
ابتسم لها بحنو وأجابها بنبرة متشبعة بحرارة الحديث في ابتسامة ناعمة:
_ لا مش حرام طبعاً ياملاذ وإلا مكنتش هكلمك نهائي. بس مش حرام لما المكالمة تبقى لمجرد السؤال والاطمئنان فقط زي ما كنت بعمل يعني كل كام يوم كنت بكلمك أسأل عليكي وأطمن عليكي وأقفل. أو مثلاً لو كانوا بيتكلموا عن حاجة تخص شقتهم وكدا لازم يتفقوا مع بعض ويتكلموا عشان يجهزوا شقتهم وبرضه بيبقى الكلام بحدود وبضوابط محددة. لكن إيه هو الحرام بقى؟ الحرام اللي بيحصل حالياً ده خطيبي وبتكلم معاه في التلفون بيطمن عليا. وبيطمن عليها دي اللي هي ساعتين أو تلاتة في كلام ملوش لازمة. وعاملة إيه ياحبيبتي ووحشتيني ومعرفش إيه الكلام ده كله حرام زي ما هو حرام إن يبقى في خلوة بينك وبين خطيبك ولازم يبقى في غض بصر وكمان أنه يلمسك أو يمسك إيدك زي ما بيحصل حالياً ده غلط. لإن الخطوبة دي وعد بالزواج مش زواج يعني خطيبك ده غريب عنك واجنبي زيه زي أي راجل ماشي في الشارع غريب. هل هتسمحي لحد غريب يلمسك أكيد لا وهو كذلك مينفعش.
هزت رأسها متفهمة كلامه جيدًا ثم قالت باسمة بمشاكسة:
_ وإنت عشان كده عجلت في الجواز.
_ امممم لإني مبحبش الخطوبة دي نهائي وكنت بتعمد إني مكلمكيش أو أشوفك غير لما تبقي مراتي عشان تبقي كل حاجة حلال ومفيش حاجة غلط.
تمتمت في نظرات غرامية وهائمة في بحور عشقه ونبرة تعزف سيمفونية حب ساحرة:
_ بجد أنا بحمد ربنا كل يوم إنه كرمني بيك يازين.. ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك.
افترت شفتيه عن ابتسامة عاطفية ومد يده يعبث بخصلة شعرها المتمردة هامسًا:
_ طيب نامي يلا عشان الوقت اتأخر. تصبحي على خير.
ثم تمدد على الفراش وهم بأن يوليها ظهره ولكنها أوقففته بقبضة يدها التي على كتفه وقالت بتعجب به بعض المداعبة:
_ مش هتقولي ويخليكي ليا إنتي كمان؟
قهقه بخفة وأجابها معيدًا ما قالته للتو في دفء:
_ ويخليكي ليا ياملاذ. حلو كدا؟
انحنت وخطفت قبلة سريعة من وجنته ثم تمددت بجسدها كاملاً على الفراش وجعلت وجهتها أمامه بالضبط تحدق به وهي تبتسم بسعادة غامرة بعد أن شعرت بدنو هدفها، بينما هو فكان يوليها ظهره لا يرى وجهها الذي يتلون بمائة لون في اللحظة الواحدة من فرط سعادتها. وظلت هكذا لدقائق حتى غلبها النوم وابحرت في عالم أحلامها الخاص، فيلتفت هو برأسه ناحيتها ثم بجسدها كاملاً ويبتسم لها بنفس مشاعر العشق المتبادلة. ويلتقط كفها بحرص شديد ليطبع قبلة ناعمة على ظهره ثم يرفع شفتيه لوجهها ويطبع قبلته الثانية على جبهتها ومن ثم وجنتها وأخيرًا على أعلى كتفها برقة أشد. وحين وجدها بدأت تشعر بلمسات شفتيه المتفرقة على وجهها وكتفها وستستيقظ فابتعد عنها فورًا وأغمض عينه سريعًا متصنعًا النوم!!!! .......
ترجلت رفيف من السيارة في صباح مشرق ودافئ. ووقفت لدقائق وتحدق بالمطعم من بعيد وتفرك يديها ببعضها في توتر. تحاول استدعاء بعضًا من ثقتها بنفسها وشجاعتها لتظهر أمامه في أول يوم عمل بينهم بكامل الثقة والشموخ. ولكنها تعرف حق المعرفة أنها ستذعن لتوترها وإعجابها به بمجرد رؤيته. وفورًا عصفت صورة أخيها في ذهنها فقالت بخوف في قرارة نفسها: "ماذا لو كان زين ينتظرني معه بالداخل..."
لا لا أستطيع، يجب أن أضع حدودًا لاضطرابي ومشاعري الحمقاء هذه.
هندمت من ملابسها جيدًا وقادت خطواتها بكامل الثقة والثبات تجاه الداخل.
بمجرد دخولها استقبلتها الفتاة التي تعمل في الشركة، وقد كلفها أخيها بمهمة مساعدتها حتى لا تبقى بمفردها.
حدثتها رفيف في نظرات تتجول في أرجاء المطعم بأكمله:
"أستاذ إسلام وصل يا رحاب."
أومأت لها بالإيجاب.
وقالت باسمة:
"أها، ومستنيكي جوا عشان نبدأ في الشغل فورًا."
أخذت نفسًا عميقًا ثم قادت خطواتها نحو جزء داخلي في المطعم.
فوجدته يجلس على طاولة متوسطة وأمامه أوراق، بعضها كبير والآخر صغير، ومنشغل بتفقدهم والعمل.
لتتحرك نحوه وتقف قائلة بخفوت:
"أستاذ إسلام."
رفع نظره لها وهب واقفًا فورًا وهو يجذب عكازه ليستند عليه في الوقوف.
ويمد يده مصافحًا إياها في عذوبة.
لتمد يدها وتتصافح معه بسطحية شديدة.
ثم تسحب المقعد المقابل له للأمام وتجلس هاتفة باعتذار بسيط:
"اتأخرت عليك، أنا آسفة بس الطريق كان واقف."
هز رأسه نافيًا يوضح له بساطة الأمر.
ويقول ببشاشة:
"لا متأخرتيش، أنا لسه واصل قبلك بدقايق أساسًا."
افترت عن ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي تقاوم ارتباكها منه.
ثم نظرت إلى الأوراق وعادت بنظرها له مجددًا تهز رأسها بعدم فهم.
ليقول في رسمية تليق بصوته الرجولي:
"تمام، بصي الورق ده فيه كل حاجة ومحتاج قعدة كدا طويلة عشان أفهمك كل حاجة فيه ونشتغل صح. وإحنا بنشتغل فنجان قهوة كدا هيظبط كل حاجة. بتشربي قهوة؟"
تلعثمت لسبب مجهول، هل لرسميته أم لوسامته أم لماذا؟ لا تعرف.
ولكنها نفرت تلك الأفكار واستغفرت ربها في نفسها.
ثم قالت في هدوء تام:
"أكيد بشرب قهوة."
هب واقفًا وتحامل على عكازه موليًا إياها ظهره.
وقبل أن يتحرك خطوة للأمام التفت برأسه ناحيتها.
وقال في ابتسامة أظهرت عن غمازته:
"فطرتي ولا أطلب لك فطار؟"
بادلته الابتسامة التي كادت أن تكون ضحكة.
وقالت بامتنان:
"فطرت الحمدلله، شكرًا."
عاد يوليها ظهره مجددًا وسار مبتعدًا عنها.
ليقوم بتحضير القهوة لكليكما كما قال.
وتركها تتخبط في صراعاتها وهي تعنف نفسها بشدة.
ولوْهلة فكرت بأن تقول لأخيها بأنها لا تريد أن تتولى هذه المهمة.
فمن جهة توترها منه ومن جهة ضميرها الذي يلومها بشدة لأنها تعرف أن تلك المشاعر خاطئة ولا تجوز!! ......
داخل منزل حسن العمايري.......
كانت يسر تمسك باختبار الحمل بيدها وتحدق به بخوف ومشاعر متضاربة.
وتخشى أن تقوم بإجرائه فترى النتيجة إيجابية.
بالتأكيد ستفرح كثيرًا بمجرد تخيل أنها تحمل قطعة منه داخلها.
ولكنها تفكر كيف ستكون ردة فعله يا ترى حين يعرف؟!
اتخذت قرارها النهائي وهو أن تقوم بإجرائه حتى تطمئن نفسها القلقة منذ تأخر موعد دورتها الشهرية عنها لأيام.
استقامت ثم دخلت الحمام وقضت دقائق طويلة.
ثم فتحت الباب وخرجت وهي تحدق بنتيجته والتي كانت تظهر شرطتين!
فشهقت بذهول ووضعت كفها على فمها لا تصدق ما تراه عيناها.
وتهتف بضحكة بلهاء: "أنا حامل بجد!"
خرجت من غرفتها بعد دقائق وبعد أن هيأت نفسها لأخباره بكامل القوة والثبات دون ضعف.
واتجهت إلى غرفته ثم فتحت الباب لتراه يستعد للنزول ويصفف شعره بحرص شديد.
لتهتف في نبرة عادية بعض الشيء:
"رايح فين؟"
التفت لها برأسه وطالعها باستهزاء متمتمًا في حدة:
"أظن حاجة متخصكش."
هدأت نفسها تمامًا بصعوبة.
ثم تحركت نحوه ووقفت بجواره هاتفة في جدية ونظرة مريبة:
"عايزة أقولك حاجة."
القى نظرة عليها بطرف عيناه متعجبًا من نبرتها ونظرتها.
وأحس بأنه أمر جدي بالفعل.
فقال بحيرة:
"في إيه؟ قولي!!!"
أصدرت زفيرًا حارًا استطاع سماعه.
وبكامل شجاعتها وقالت بدون مقدمات:
"أنا حامل."
رواية ضروب العشق الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى محمود توفيق
أصدرت زفيراً حاراً استطاع سماعه وبكل شجاعتها قالت بدون مقدمات: _ أنا حامل _ وكأن صاعقة من السماء أصابته في أرضه فوقف مصدوماً لا يتحرك ولا يتحدث وهو فقط يحاول تكذيب ما سمعته أذناه للتو، هل قالت حقاً أنها حامل !!! لا هذا لا يمكن حدوثه أبداً ولن يسمح له بأن يحدث.. التفت لها كاملاً بجسده وأصبح في مقابلة وجهها مباشرة وهو يقول ضاحكاً بسخرية وعدم تصديق: _ نعم !!!! _ عادت عليه جملته ضاغطة على الكلمات وهي تخرج من فمها: _ زي ما سمعت، أنا حامل يا حسن! _ تحول لجمرة نيران ملتهبة بإمكانها أن تحرق كل شيء حولها وهي أول من سلتحقها نيرانه، حيث فقد السيطرة على نفسه وهيمنت عليه انفعالاته وعصبيته التي لربما أول مرة تراها وجذبها من ذراعها صارخاً بها بصوت جهوري ومخيف: _ حامل يعني إيه هااا، يعني إيه حامل إنتي هتستعبطي !! _ ارتعش جسدها على أثر صرخته وصوته الذي أول مرة تسمعه بهذه النبرة المرعبة وكادت أن تظهر أمامه خوفها ولكنها مازالت يسر الصامدة والقوية حيث دفعت يده عنها بكل قوتها وصاحت به مثلما يصيح بها: _ متعليش صوتك عليا كدا، ماكله بسببك.. إنت السبب في اللي حصل واللي أدى للنتيجة دي _ لم تهدأ ثورته وهيجانه حيث أكمل صياحه بعدم استيعاب: _ محصلتش حاجة بينا غير مرة واحدة حصل حمل إزاي أنا عايز أفهــــــم !!! _ _ وربنا أراد أنه يحصل حمل، هتقول لا لإرادة ربنا !! _ رفع سبابته في وجهها محذراً إياها بنظرات تركت آثاراً سلبية في نفسها وأرعبتها: _ عارفة يا يسر لو دي حركة زبالة من حركاتك عشان تحاولي تجبريني إني مطلقكيش أقسم بالله لأوريكي اللي عمرك ما شوفتيه في حياتك _ فقدت زمام نفسها هي الأخرى وصرخت به في نبرة جلجت الغرفة: _ هتعمل إيه يعني هااا.. قول هتعمل إيه ؟! _ كان يطلق زئيراً مكتوماً من بين شفتيه ويجز على أسنانه بقوة كادت أن تتكسر من فرط الغيظ ثم ابتعد عنها وأخذ يجوب في الغرفة ذهاباً وإياباً وهو يضع كفه على شعره يحاول التفكير في هذه المصيبة التي سقطت فوق رأسه، حتى توقف فجأة وقال في قسوة بالغة ونظرات لا تحمل أي رحمة: _ الطفل ده لازم ينزل _ آخر شيء كانت تتوقعه أن يطلب هذا الطلب، هل حقاً يطلب منها إجهاض طفلهم البريء من كل شيء حدث! وينتظر منها أن توافق بمنتهى السهولة! يبغضها للدرجة التي جننته بمجرد تخيل بأنه سيكون لديه طفل منها وستكون هي أمه ؟!! بالتأكيد هو ليس واعياً لما يطلبه منها ويحتاج إلى من يردعه عن سخافاته هذه، حيث قالت باندهاش وضجر: _ ينزل !!، أنت مدرك إنت بتقول إيه ؟! _ _ أيوة مدرك لأن ده هو الحل الأنسب للمصيبة اللي حطيتني فيها _ استفزها بشدة وصاحت به مندفعة في غضب عارم: _ والمصيبة دي زي ما قولتلك إنت السبب فيها، ذنبه إيه الطفل ده في كل حاجة بينا ملوش ذنب عشان نقتله.. وأنا مستحيل أقتل روح بريئة وأغضب ربنا، ده ابني ولا يمكن أقتله يا حسن، لو إنت مش عايزه فأنا عايزاه _ تصر على زيادة الأمر سوءاً وتجعل من غضبه يتفاقم ويزداد اشتعالاً ولابد من أنه سيفقد زمام نفسه بالكامل إن استمرت بهذه الطريقة! صاح في انفعال مرعب ونبرة أشبه بالسابقة: _ أنا على آخري يا يسر متخلينيش أعمل حاجة أندم عليها بعدين _ وقفت أمامه مباشرة وقالت باسمة بتحدي وسخرية: _ إيه هتسقطني !! _ _ لو لزم الأمر هعمل كدا فعلاً _ قالها بقسوة فاقت كل شيء، فنجح في إخراج حقيقتها الشرسة والجبارة التي لا تقهر حيث هتفت في أعين نارية ونبرة لا تحمل تهاون: _ ولو حاولت تقربلي بس أو تأذي ابني هاخد روحك يا حسن _ ألقى عليها نظرة صامتة ومتقززة ثم استدار وهم بالرحيل ولكن وقف عند الباب والتفت برأسه لها هاتفاً وهو يرفع سبابته في وجهها بلهجة آمرة: _ هتنزليه يا يسر برضاكي أو غصب عنك، وإياكي تقولي لحد إنك حامل فاهمة ولا لا وبذات ماما وجدتي _ ثم تركها ورحل عن المنزل أكمله وبمجرد رحيله جلست على الأرض مستندة بظهرها على الفراش وضمت قدميها إلى صدرها منخرطة في نوبة بكاء عنيفة بصوتها المرتفع وقلبها ينزف من الألم والحرقة !! .......... *** فتح كرم عينيه واعتدل في نومته وهو يفرك عينيه ليزيح عنهم أثر النعاس الذي لا زال يسيطر عليه بعد ليلة الأمس الطويلة، وأمسك بجبهته يفركها بقوة وخنق من ألم الصداع الذي أيقظه من نومه، ثم ألقى نظرة على الفراش بجواره ليجده فارغاً فاعتقد أنها بالخارج، أنزل قدميه من على الفراش واستقام واقفاً وهو يتمطى بذراعيه للخلف ويتثاءب، وكانت وجهته الأولى نحو الحمام الداخلي في غرفتهم فأخذ حماماً صباحياً دافئاً ومنعشاً ثم خرج وهو يرتدي بنطالاً منزلياً أبيض ويترك نصفه العلوي عارياً وبيده المنشفة يحرك برأسه يميناً ويساراً بقوة لينثر قطرات الماء عن شعره ولكنه توقف حين سمع صوت رنين هاتفه فأمسك به وقرأ اسم المتصل الذي كان "مسعد" وأجاب عليه في جدية: _ أيوة يا مسعد ؟ _ _ أيوة يا كرم بيه أنا حاولت أوصل لأي حد من عيلته أو صحابه معرفتش مفيش أي أثر ليه أو ليهم _ ألقى بالمنشفة على الفراش وهو يتأفف بوجه بدأت تظهر عليه قسمات السخط: _ والبنت اللي قولتلك عليها ؟! _ قال وهو يهز رأسه نافياً: _ للأسف برضو ملقتهاش لا هي ولا أمها _ كور قبضة يده بغيظ وقال يحاول تمالك أعصابه: _ طيب يا مسعد خلاص أنا هَشوف _ ثم أنهى الاتصال معه وألقى بالهاتف على الفراش وهو يهتف متوعداً وعيناه تلمع بوميض الانتقام الحقيقي: _ هتروح مني فين مسيرك هتقع تحت إيدي.. لو نزلت سابع أرض هجيبك _ ثم أخرج تيشرت له من الخزانة وارتداه وهو يتجه نحو الباب ليغادر الغرفة ويسير بخطواته نحو المطبخ باحثاً عنها فلم يجدها ثم يخرج ويبدأ بالبحث عنها في غرفة مكتبه الخاصة التي يوجد بها صورة أخيه الضخمة ولكن أيضاً لا أثر لها، فعقد حاجبيه بريبة وبدأ يصيح منادياً عليها: _ شــــفق !!! _ لم يجد إجابة منها فاندفع نحو بقية الغرف يفتش عنها في المنزل الواسع بأكمله وهو لا يتوقف عن منادتها ولكن المنزل كان فارغاً تماماً منها، ليتوقف ويتساءل في حيرة وقلق "إلى أين ذهبت دون أن تخبرني ؟!!!" هو غاضب أساساً والآن سيزداد سخطه الضعفين فكيف لها أن تخرج بمفردها ألم يخبرها ويلق عليها تنبيهاته الجادة بعدم الخروج بدونه، فهو لا يضمن ذلك الوغد ويخشى أن يستغل الفرصة حين تكون بمفردها فيحاول أذيتها ولكنها لا تفهم هذا وتصر على تعريض حياتها للخطر. توجه وجلس على الأريكة الكبيرة وقدماه تهتز من فرط الاستياء ينتظر عودتها وأخذ قراراً بأنه سيحاسبها عند عودتها على إهمالها ولن يشفق عليها كعادته ولن يكون لطيفاً وجميلاً كما اعتادت منه !! وبالفعل مر ما يقارب الخمس دقائق بضبط وعيناه معلقة على ساعة الحائط لا تنزل عنها وعند الدقيقة الخامسة فتحت الباب ودخلت وهي تحمل بيدها أكياس طعام فحدّقها بنظرة جديدة تماماً منه أربكتها وجعلتها تغلق الباب بهدوء وهي تحاول إخفاء توترها من نظرته الغريبة حتى سمعت صوته وهو يسألها بخشونة: _ روحتي فين ؟ _ رمقته بنظرة زائغة ومرتبكة بعد سماع نبرته الجديدة تماماً على مسامعها وتمتمت في تلعثم: _ نـ.. نزلت أشتري كام حاجة من السوبر ماركت اللي جمبنا _ عاد يسألها ولكن بصرامة أشد: _ وأنا منبه إيه عليكي ؟! _ التزمت الصمت وهي تجفل نظرها أرضاً في خجل وضيق عندما تذكرت تنبيهاته لها لتسمعه يقول في نبرة لا تحمل أي رفق أو حنان: _ ردي !! _ غمغمت وهي لا ترفع نظرها له وبوجه واضح معالم الندم: _ منبه إني مطلعش من البيت _ _ والسبب ؟! _ هنا رفعت نظرها له وحدّقته بصمت للحظات فتجده يهز رأسه وبنظرة قوية يخبرها من خلالها أن تجيب على سؤاله فتقول بتوتر وأعين على وشك أن تجتمع بها الدموع: _ عشان ميستغلش الفرصة ويحاول يأذيني _ ليتزين وجهه بابتسامة مخيفة ويكمل بنفس حدته في الكلام: _ طيب ما إنتي عارفة أهو كل حاجة، تطلعي وحدك ليه بقى ؟! _ شعرت بغصة مريرة في حلقها وأنها على وشك البكاء فشدت على محابس دموعها وقالت بصوت ضعيف: _ أنا آسفة! _ ارتفعت نبرة صوته قليلاً وهو يقول بانفعال: _ اعتذارك مش مقبول يا شفق.. لإن اللي حصل ده إهمال منك، لما أمسكه وأخلص عليه سعتها مش هَمنعك وتقدري تطلعي زي ما إنتي عايزة لكن أنا بحاول أحميكي وأحافظ عليكي عشان دي مسئوليتي تجاهك وإنتي مهملة، اللي حصل النهاردة ده ميتكررش تاني مفهوووم _ كان توبيخه لها قاسياً بشدة وبالأخص لأنها لم تعتاد منه على التوبيخ والحدة في الكلام، وفَقَط اعتادت على لطافته ومعاملته الطيبة ورقته في الحديث، فتركت كلماته ونظراته ونبرته أثراً سلبياً في نفسها الرقيقة ونجحت دموعها في اختراق الحصون حيث هطلت على وجنتيها وهي تهز رأسها له بالموافقة والخضوع ثم اندفعت نحو غرفتها تنعزل فيها قليلاً عن أي شيء !! ................ *** نزلت ملاذ من الدرج وهي تلقي عليهم تحية الصباح ثم انضمت لهم على المائدة، وكانت ترتدي بيجامة منزلية لطيفة وهادئة، فكانت نظرات الأربع نساء معلقة عليها وكانت نظرات الجدة وميار مليئة بالحقد والغل على عكس هدى ورفيف التي كانت عادية تزينها ابتساماتهن الصافية ! ثم هتفت هدى متعجبة عندما انتظرت للحظات أن يأتي ابنها خلفها وينضم لهم أيضاً ولكن لم يأتي: _ زين لسا نايم ولا إيه يا ملاذ ؟! _ هزت رأسها بالنفي وأجابت عليها في أدب وابتسامة عذبة: _ لا زين طلع من الساعة 7 عشان معاه شغل مهم واجتماع وقالي إنه هيخلص وياجي يعني ممكن كمان شوية وياجي _ _ طلع من غير مايفطر ؟ _ زمت شفتيها للأمام تؤكد على سؤالها بالإيجاب لتسمع صوت الجدة وهي تهتف بحزم ونظرة متقدة: _ مينفعش تخلي جوزك يطلع من غير فطار _ هي تحاول تمالك نفسها أساساً وهذه المرأة هي وحفيدتها الأفعى يحاولون استفزازها ولكنها ستكون أكثر أدباً ولطفاً فقط احتراماً لزوجها وقالت في وجه نجحت في رسم الابتسامة عليه بصعوبة: _ والله حاولت معاه بس هو كان مستعجل وحضرتك عارفة إنه عنيد أكيد، وقالي هيفطر في الشركة واتصلت بيه قبل ما أنزل ليكم عشان أتأكد قالي فطرت _ قالت ميار بنبرة ماكرة قاصدة إيقاعها في الكلام: _ على حد علمي إن زين مبيطلعش من غير فطار أبداً ومش بياكل من restaurants (مطاعم بالألمانية) _ "إنتِ اصمتي ولا تتحدثي أبداً فكم أود أن أقبض على رقبتك وأخنقك لأحبس أنفاسك للأبد" قالتها ملاذ في قرارة نفسها وهي تحدقها بأعين كلها شرارات الغضب ثم قالت باقتضاب: _ أهآ عندك حق، بس أصل في حاجة كدا مضايقاه وسدت نفسه عن الأكل، تحبي تعرفي إيه هي ؟! _ وضعت رفيف الجالسة بجوارها كفها على قدمها من أسفل المائدة لتهدئها وهي تنظر لها بابتسامة مزيفة ففهمت ما ترسله إليها من خلالها لتصمت وهي تصر على أسنانها بغيظ أما الجدة فقد ابتسمت بلؤم وتبادلت النظرات هي وحفيدتها، وعندما لاحظت نظراتهم شعرت بأنها ستفقد زمام نفسها فهبت واقفة وهي تعتذر منهم وعادت لغرفتها لتتأفف هدى بخنق وتنظر للجدة في جدية وضيق، فتبادلها هي نظرات غير مكترثة، وكذلك رفيف التي لم تتحمل الأجواء الموترة للأعصاب واستقامت وهي تقول: _ أنا رايحة الشغل يا ماما عايزة حاجة _ _ لا يا حبيبتي عايزة سلامتك خلي بالك من نفسك _ أومأت لها بالموافقة ثم اتجهت نحو الباب وفتحته فتندهش بأخيها وهو يحدقها بحنان ثم دخل وبدأ في نزع حذائه عنه وهو يقول: _ السلام عليكم _ ردوا عليه جميعهم تحية السلام فيما عدا ميار ثم اقترب من أمه وقبل رأسها واتجه لجدته يمسك بكف يدها ويطبع عليه قبلة، فترتب على كتفه في حب ليسمع صوت والدته تقول: _ اقعد افطر يا حبيبي _ _ فطرت الحمدلله يا ماما.. إمال فين ملاذ مش بتفطر معاكم ليه ؟ _ أجابته هدى في اختناق: _ طلعت دلوقتي على الأوضة _ حدّق بها بأعين تحاول قراءة ما يحدث بسبب نبرتها ونظرتها ولكنه فشل فسأل في ريبة: _ ليه ! _ ألقت أمه نظرة ممتعضة على الجدة بها شيء من عدم الحيلة لينقل نظره هو لجدته وسرعان ما توقّع الذي حدث لتتبدل حالته من الهدوء والبشاشة إلى الضجر وكانت نظرته لجدته كفيلة لتوضح كل شيء يود أن يقوله لها ثم تركهم واتجه نحو غرفته، وكانت ميار تتحرق غيظاً فهو لم يلقِ عليها نظرة واحدة فقط وكأنها نكرة !!
*** فتح الباب ثم دخل وأغلقه خلفه بهدوء لِيُلْقِيَ نظرة عليها فيجدها تجلس على حافة الفراش وساقيها تهتز بعنف من فرط غيظها وتفرك أصابعها ببعضها، فزدادت ريبته وظن بأن الأمر جديًا بالفعل بما إنها غاضبة لهذه الدرجة، اقترب منها ليجلس بجوارها هامسًا في خفوت: _ حصل إيه تحت ؟! نظرت له وقالت في اقتضاب وأعين تشتعل بنيران حمراء: _ محصلش حاجة بس لو كنت قعدت ثانية واحدة كمان كان هيحصل وكنت هتاجي تلاقيني جايبة بنت عمك الحرباية دي من شعرها لم يبدِ أي ردة فعل وبدا هادئًا تمامًا وهو يعاود سؤالها: _ حصل إيه للعصبية دي كلها ؟! لم تجبْه على سؤاله ولكنها عادت تعيد ما قالته تلك الأفعى الشقراء، تقلدها بحركات يد مضحكة: _ اللي أعرفه إن زين مش بيطلع من غير ما يفطر ومش بياكل من restaurants .. بنت مستفزة صحيح !! ثم عادت تثبت نظرها عليه وهي تهتف بأعين نارية وملتهبة بنيران الغيرة: _ هي تعرف منين إنك مش بتطلع من غير فطار ومش بتاكل من مطاعم !! انحرفت شفتيه لليسار قليلًا لتظهر عن ابتسامة خفيفة، حين رأى نيران الغيرة بعينيها وهي تأكلها أكل وقال بصدق وهو يضحك: _ هي قالتلك كدا !!! ، معرفش عرفت إزاي ممكن تكون جدتي قالت ليها ! _ بس وحياتك لاوريها البنت الرخمة دي هتف ببساطة وابتسامته لم تفارق شفتيه: _ أنا مش قولتلك نرجع بيتنا أفضل بس إنتي اللي صممتي إننا ناخد الأسبوع هنا هدرت في إصرار شديد وعدم تنحي عن قرارها: _ أيوة ومازالت عند قراري ويا أنا يا هي عشان تحرم بعد كدا ما تفكر مجرد التفكير فيك عقد حاجبيه وتمتم في عدم تصديق بوجه سمح: _ إنتي غيرانة للدرجة دي بجد ياملاذ !! توترت وتلعثمت بعدما سمعت ما قاله ولم تعرف بماذا تجيبه، فهيمن عليها الصمت القاتل للحظات وهي تحدق به فقط وتصرخ بعقلها قائلة " هيا اسعفني بسرعة ماذا أجيب عليه ! " وبعد ثلاث ثواني أشاحت بنظرها عنه وهي تهتف في استحياء وصوت مضطرب: _ لا مش غيرة بس هو الكائن ده كل ما بيتكلم بيعصبني أطلق ضحكة مرتفعة على كلماتها لتسترسل هي حديثها بغطرسة: _ وبعدين أغير إيه ! ، أنا أغير من دي !! .. ميار دي آخر بنت ممكن أغير منها وهي معصعصة كدا وشبه خلة السنان ، ثم إني أعقل وأنضج بكتير من كدا ، شغل الغيرة ده للبنات التافهة ، لإن الغيرة دي اعتراف مباشر من المرأة إن في واحدة تاني أجمل منها وأنا الحمدلله واثقة في نفسي كلامها متناقض إلى الحد الذي جعله ينفجر ضاحكًا، فهي تقول بشكل مباشر أنها لا تغار وهي تشتعل من نيران الغيرة وكلماتها التي كلها ذم في ابنة عمه تثبت هذا، ليجيبها من بين ضحكاته: _ أمممم مهو واضح فعلًا إنك مش غيرانة منها لم تثبت نظرها عليه وأعطته نصف استدارة وهي تجلس على الفراش لتوضح له احتجاجها على سخريته منها، فتشعر بجسده يلتصق بها ويحاوط كتفيها بيديه ثم يبعد خصلات شعرها عن عنقها وظهرها وينحني برأسه ناحية أذنها هامسًا في نبرة وقع أثرها على جسدها كرياح باردة في ليلة شتاء مثلجة: _ في بنات كتير أحلى منك أكيد ، بس في نظري أنا مفيش بنت في جمالك ولا أحلى منك ثم أبعد شفتيه عن أذنها ونزل بها إلى رقبتها أسفل أذنها بالضبط طابعًا قبلة عميقة وبعد لحظات طويلة رفع شفتيه وانتظر أن يرى ردة فعلها ولكنها كانت كالصنم لا تصدر أي صوت أو حركة فقط تفغر شفتيها وعيناها بصدمة، ليبتعد عنها تمامًا وهو يبتسم ثم يتجه إلى الحمام وبمجرد رحيله التفتت هي ناحية الحمام ووضعت يدها على رقبتها مكان قبلته وهي لا زالت في حالة ذهول لا تستوعب ما حدث !! *** حل المساء وأسدل الليل ستائره المظلمة ليرتفع ضوء القمر المكتمل في السماء والنجوم الساهرة تعطي منظرًا جميلًا ومريحًا للأعصاب. فتحت هي عينيها واعتدلت في جلستها بعدما أدركت أنها غفوت على مقعدها الهزاز في الشرفة دون أن تشعر وفركت عينيها بخمول ثم هبت واقفة ودخلت للغرفة وأغلقت باب الشرفة لتسدير وتعود لفراشها .. مددت نصف جسدها السفلي وجذبت الغطاء عليه ثم رفعت نظرها إلى ساعة الحائط فوجدتها تخطت الثانية عشر بعد منتصف الليل، لتتنهد بأسى وتسأل نفسها بحزن هل هو غاضب مني لهذه الدرجة فهو لم يتأخر خلال الأيام السابقة لهذا الوقت أبدًا !! وظلت لدقائق مثبتة نظرها على الساعة وهي تحاول تهدئة نفسها بأنه سيأتي الآن وسرعان ما علت ابتسامتها لشفتيها العابسة حين سمعت صوت باب المنزل ينغلق، ولكن أخفت ابتسامتها وبقيت كما هي على وضعها ترسم العبوس من جديد على محياها لتوَهِّمَه بأنها أيضًا غاضبة من طريقته الجافة معها في الصباح، وانتظرته للحظات لكي يدخل وحين فتح الباب فتحة بسيطة والقى نظرة عليها خانتها نظراتها ونظرت له ولكنها أشاحتها فورًا عنه ليفتح هو الباب كاملًا ويدخل ثم يغلقه خلفه ويقترب ناحيتها وهو يلف كلتا ذراعيه خلف ظهره يخفي شيء مجهول كانت ستحترق من فرط فضولها لمعرفته ! ، وحين رأته يجلس بجوارها على الفراش وهو يطالعها بتعويذة شفتيه الباسمة فرفعت رأسها بسيطًا للأعلى رافضة النظر له متصنعة الثبات أمام نظراته وابتسامته وتحدثت نفسها بتحدي " لا مش هضعف قدامه .. مش هضعف !! " وسرعان ما تراجعت حين سمعته يهمس في نبرة نجحت في إيقاعها بشباكه مثل كل مرة: _ أنا آسف ! خنثت وعدها مع نفسها دون تفكير حيث نظرت له وهي تظهر جزء بسيط من ابتسامتها التي اتسعت بشدة وظهرت عن أسنان ناصعة البياض عندما وجدته يسترسل في اعتذاره الجميل مثله: _ عارف إنك زعلانة مني ! ، أنا آسف مكنش قصدي أتعصب عليكي أو أتكلم معاكي بطريقة قاسية سامحيني ، أنا حبيت آجي أعتذرلك ومتأكد إن قلبك طيب ومش هتكسفيني وطبعًا مينفعش آجي أعتذرلك وأنا إيدي فاضية ثم أخرج يديه التي خلف ظهره وهو يمسك بهما علبة من أفضل أنواع الشوكولاتة وأغلاها، لتحدق بالعلبة المتوسطة والممتلئة بأنواع مختلفة من الشوكولاتة في ذهول وتصيح في عفوية وسعادة: _ الله !! ضحك بخفة وقال في نبرة دافئة: _ من خلال معرفتي المحدودة مع رفيف اللي أعرفه إن البنات كلها بتحب الشوكولاتة فقولت أصالحك بدي واتضح إنك من عشاقها غالبًا جذبت العلبة من يده وفتحتها وهي تحدق بالأنواع المختلفة ثم نظرت له وقالت بفرحة شبيهة بفرحة طفلة: _ كله ده ليا وحدي بجد .. أنا بعشق الشوكولاتة بطريقة متخيلتهااش وبدون تفكير غارت عليه وهي تعانقه وتلف ذراعيها حول رقبته هاتفة بامتنان ونبرة عاشقة: _ ميرسي جدًا ، ربنا يخليك ليا ياكرم دهش في باديء الأمر من حركتها المفاجئة وتعلثم كعادته ولكنه مد يده وملس على ظهرها في حنو ورقة وهو يبتسم ثم ابتعدت هي عنه وفتحت العلبة من جديد والتقطت أحد الأنواع المفضلة لديها وبدأت تأكلها برقة وبمجرد ما أدخلت قطعة صغيرة في فمها أصدرت أنينًا متلذذًا وهي تبتسم ومغمضة عينيها، ليجدها تصدر حركات طفولية بجسدها وهي تضحك قائلة: _ الله حلوة أوي ، نفسيتي كانت محتاجة ده بجد ! قهقه بقوة على حركاتها العفوية لتطالعه هي بابتسامة بها شيء من الحياء البسيط ثم مدت يدها بقطعة شوكولاتة إلى فمه لينفر هو قائلًا بنفور: _ تؤتؤ مش بحب الحاجات دي مليش فيها رمقته بنظرة حادة وقالت بحدة مزيفة ونبرة آمرة وهي تخفي ابتسامتها بصعوبة: _ افتح بقك فتحه مغلوبًا على أمره لتضعها في فمه فيغلق هو فمه ويأكلها وعلامات النفور والتقزز بادية على ملامحه، فتضحك هي على منظره وتقول ساخرة: _ طيب والله طعمها جميل جدًا ، ده أنا أخدت pour رهيبة بسببه ليجيبها وهو لا يطيق ذلك الشيء الذي وضعته في فمه: _ أمممم جميلة فعلًا !! ثم التفت خلفه وجذب كوب الماء الممتلئ على المنضدة الصغيرة وشربه دفعة واحدة ليزيل ذلك الطعم الذي يشعره بالرغبة في التقيأ، ويعود يكمل ببساطة: _ أنا عدو الحلويات وأي حاجة مسكرة وعندي حساسية منهم شهقت بفزع وقالت في خوف حقيقي: _ يعني اللي أكلتها دي هتتعبك ! هز رأسه نافيًا وهو يبتسم بلطافة متمتمًا: _ لا مش هتعملي حاجة متقلقيش لتأخذ نفسًا عميقًا بارتياح وتجده يهتف بمرح يسرق القلب: _ هااا نقول صافي يالبن خلاص ؟ أصدرت ضحكة أنوثية رقيقة وهي تفتح شفتيها باتساع وتجيبه مبادلة إياه نبرته المرحة بنبرة قاصدة من خلالها التغزل به: _ حليب ياقشطة أكمل مداعبته لها بعدما فهم نبرتها الخبيثة ونظرتها وقال ضاحكًا: _ أنا بتعاكس ولا بيتهألي !! انطلقت منها ضحكة متأججة وقالت هي ترفع سبابتها متصنعة البراءة: _ لا متفهمنيش صح ! نجحت في إطلاق ضحكته المرتفعة والجميلة وغمغم مشاكسًا: _ هحاول أفهمك غلط ! ثم هب واقفًا واتجه إلى الخزانة وأخرج ملابس المنزل خاصته واتجه إلى الحمام ليبدل ملابسه وهو يلقي عليها نظرة باسمة وبمجرد ما دخل واختفى عن أنظارها أصدرت تنهيدة حارة وهي تبتسم بهيام، فقلبها يتعمق كل يوم أكثر في عشق فريدها ووسيمها !!! ............ *** فتح حسن باب المنزل ودخل ثم أغلق الباب خلفه وبدأ في نزع حذائه عنه وإذا به يسمع صوتها وهي تتحدث في الهاتف فأسرع في نزع حذائه واندفع نحوها بعدما توقع مع من تتحدث وبالفعل بمجرد ما أن وقف أمامها مدت يدها له بالهاتف وهي تبتسم بلؤم: _ خد كلم مامتك اشتعلت نظراته وحدَجْها شَزْرًا ثم جذب الهاتف من يدها بعنف ووضعه على أذنه يجيب على أمه بمضض: _ أيوة ياماما أتاه صوت أمه الضاحك وكانت في قمة سعادتها: _ الف مبروووك يابني أخيرًا ياحسن هشيلك ولاد ياحبيبي .. الفرحة مش سيعاني والله ألقى نظرة مرعبة على يسر وهمس لها في وعيد حقيقي: _ وحياة أمي لأربيكي ثم عاد يجيب على أمه باقتضاب: _ الله يبارك فيكي ياماما _ خلي بالك من مراتك ومتخليهاش تتعب في البيت ولو زعلتها ياحسن حسابك معايا أنا ، الزعل وحش على الجنين وأنا عايزة حفيدي ياجي صحته زي الفل _ حاضر قالها بامتعاض حتى ينتهي من هذا الحديث المستفز ويتفرغ لتلك الأفعى ويلقنها الدرس الذي تستحقه، ولكن بمجرد ما أن انتهت والدته أخذت منها الهاتف الجدة وهي تلقي التهاني عليه وسعادتها لا تختلف عن هدى كثيرًا وهو يكاد يشعر بأنه سينفجر من الغيظ وحين انتهى من حديثه معهم ألقى بالهاتف على الأريكة وصرخ بها بوجه عبارة عن بركان خامد ما زال لم ينفجر حتى الآن: _ أنا قولتلك إيه الصبح ! تجاهلت كلامه وعصبيته وقالت ببرود: _ وأنا قولتلك إني مش هنزله ثم أكملت بخبث: _ تخيل مرات عمي تعرف بإنك عايز تطلقني وإنك مش عايز الطفل وعايزني أنزله ممكن يحصلها إيه وهي تعبانة وعندها القلب قبض على ذراعها بعنف وصاح في صوت جهوري: _ هتنزليه يايسر .. وزي ما بتمثلي وبتكدبي هتكدبي وتقولي إنه الحمل مكملش واجهضتي ابتسمت بمرارة وقالت في خذلان: _ إنت إزاي كدا ! ، إزاي قاسي بالشكل ده ، مفيش ذرة رحمة في قلبك .. الطفل وفهمنا إنه مش فارق معاك طيب وأنا !! إنت بتعرض حياتي للخطر باللي بتطلبه مني ، عمليات الإجهاض دي بتبقى خطيرة هيكون إيه منظرك قدام نفسك وضميرك لو عملتها وحصلتلي حاجة أو متثم دفعت يده عنها وقالت بنفس نبرتها السابقة: _ ده ابنك !! ، أنا كان عندي أمل إنك على الأقل تقول ده ابني ومش هفرط فيه حتى لو إنت مش عايزني وجوازنا ممكن ميكملش بس مكنتش منتظرة منك كدا ومتوقعتش إنك تطلب مني أنزله وتجازف بحياتي قرب وجهه منها وقال في قسوة تليق به وبنظراته القاتلة غير مباليًا لأي مما قالته، فالآن هو لا يرى شيء سوى ذلك الطفل الذي سيربطه بها للأبد ويريد التخلص منه بأي شكل ممكن: _ وأنا مش عايزه عشان منك وإنتي أمه يايسر غامت عيناها بالعبارات بعدما أحست بسكين رُشِقَتْ في صدرها بسبب كلماته المسمومة، في كل يوم تقول بأنها ستصل لمبتغاها حتمًا ولكن يأتي هو ويعيدها للصفر بقسوته، وكانت قد سعدت اليوم بخبر حملها واعتقدت بأنه فرصة أهداها إياها الله لتتمكن من كسب قلبه ويكون لديها وقت أكثر وكانت قد عزمت على استغلال هذه الفرصة أفضل استغلال ولكن دون فائدة. هاجت عواصفها واغتاظت بشدة منه حتى وجدت نفسها تهتف بعدم وعي: _ مفكرتش في الكلام ده ليه يوم لما جيت سكران ومش في وعيك واستغليتني ، مفكرتش ليه في النتيجة دي وحسبتلها حساب ، جاي دلوقتي تقولي الكلام ده !! ،
بس أنا غبية فعلاً أصل منتظرة إيه من واحد عديم مسئولية وقذر وحيوان وسافل وميعرفش شيء عن الرجولة بالاسم بس راجل!
غلّى الدم في عروقه وكأنها وضعته على موقد ملتهب، وأخيراً أطفأت حمّه البركانية معلنًا عن انفجاره الحقيقي والمرعب وفقدانه التام على السيطرة في أفعاله.
فلقد حذّرها الألف مرة من أن تستفزه وتتخطى الحدود الحمراء ولكنها لا تفهم هذا، والآن هي تستحق ما سيفعله.
نزل بكفه الكبير على وجنتها يصفعها بعنف ثم جذبها من خصلات شعرها إليه هامسًا بجانب أذنها في صوت يقذف الرعب في الأبدان:
_ هكتفي بكدا المرة دي لكن المرة الجاية مش هكتفي بده، لإني جبت آخرى منك خلاص ومبقتش طايقك ولا مستحملك.
ثم دفعها بعدم اكتراث لتسقط على الأريكة ويبتعد عنها وهو يرمقها باشمئزاز وغضب عارم....
***
داخل شركة العمايري في صباح يحمل الكثير من المفاجآت العجيبة...!
كان علاء في مكتبه يقوم بإنهاء أعماله الخاصة وبينما هو منشغل ويثبت كامل تركيزه على عمله انتشله رنين الهاتف فكان سيتجاهله لولا أنه لمح اسم المتصل والذي كان والده، ليتأفف بنفاذ صبر ويمسك بالهاتف وهو يجيب عليه مقتضبًا بعدما توقّع سبب اتصاله:
_ الو يابابا.
_ أيوة ياعلاء عامل إيه؟
تمتم علاء في هدوء مختنق:
_ كويس يابابا.. إيه إنت امتى جاي؟!
أتاه صوت أبيه الذي كان طبيعيًا في بدايته ومع نصف الكلام تغيّرت نبرته تمامًا:
_ يومين كمان إن شاء الله..
روحت سلمت على جدتك ولا لا؟!
كما توقّع تمامًا سبب الاتصال وهاهو يتحدث عن الجدة وابنة العم الساقطة ليجيبه بثبات انفعالي:
_ لا مروحتش.
جاءه صوت أبيه الحازم وهو يلقي عليه أوامره:
_ روح سلم عليها وجهّز نفسك عشان لما آجي إنت عارف هيحصل إيه.
صاح بأبيه مندفعًا في عصبية:
_ وأنا قولتلك يابابا مش موافق.. عايز تدبسني في ال**** دي ليه، أنا مالي.
هتف طاهر في غضب عارم:
_ أمال عايزنا نتفضّح، هتتجوزها ياعلاء.
هيمن عليه الصمت لثوان قليلة حتى لمعت عيناه بوميض مخيف وهو يقول بوعيد ونبرة لا تحمل في طيّاتها المزح أبدًا:
_ طيب طالما إنت مصمّم معنديش مشكلة بس محدش ليه دعوة بقى باللي هعمله فيها.
تمالأ يجيب عليه أبيه وفضل عدم الحديث الآن وحين يعود سيتصرّف كما ينبغي مع الجميع وأولهم أمه وابنة أخيه التي تدلّلت زيادة عن اللازم ولم يكن هناك حارس على أفعالها فأقحمت نفسها واقحمتهم جميعهم في نازلة كبيرة!!
.........
***
كان يجلس إسلام على المقعد وعيناه معلّقة عليها وهي تتحرّك هنا وهناك وتلقي الأوامر والتعليمات على الجميع حتى لا يتكاسل أحد منهم عن العمل لدقيقة، وكانت شفتيه تنفرج لتظهر ابتسامة إعجاب..
فقد تمكّنت من ترك بصمتها منذ أول مقابلة لهم في النادي بعدما سكبت القهوة على قميصه..
انتبه لنفسه بعد لحظات طويلة ولما يفعله فهز رأسه نافرًا تلك الأفكار اللعينة التي يفكّر بها وهو يستغفر ربه..
بعدما عاتبه ضميره بشدّة لأنه ينظر لها بهذه النظرات بعدما أَمَنه أخيها عليها، فأشاح بوجهه عنها وهو بهزفرة خنقة ولكن صَكَّ سمعه صوتها وهي تنادي عليه:
_ يا مهندس إسلام تعالى لو سمحت لحظة.
نظر لها وتنهّد بيأس ثم هبّ واقفًا وقاد خطواته خلفها معتكزًا على عكازه، حتى دخلوا لغرفة كبيرة بعض الشيء وكانت موجود فيها الكثير من الأوراق لتبدأ هي في إخراج الأوراق أمامه وتتحدّث معه برسمية تامّة على عكس عادتها وهي تملّي عليه ما سيفعلونه بالضبط ليبدأ هو يشاركها الكلام ويعرض عليها وجهة نظره وبعد دقائق توقّفت عن الحديث وأطرقت رأسها أسفل مغمّضة عينيها بتعب ليقول بريبة:
_ إنتي كويسة؟!
_ آه كويسة دوخت بس شوية!
أجابته بصوت واهن ومرهق ليطيل النظر إليها بتدقيق من قسمات وجهها التي اصفرّ وجهها وبمجرد ما أن أزاح نظره عنها وعاد ينظر للأوراق ويتحدّث من جديد ليجدها تفقد توازنها وتغمض عينيها معلنة عن تغيّبها المؤقّت عن الواقع وقبل أن تسقط يسندها بذراعه وجسدها يرتخي تمامًا..
أصابته الدهشة في بادئ الأمر وهو يحدّق بها وهي بين ذراعيه وفورًا قام بإنقاذ الموقف وإنقاذ نفسه حيث تحامَل على قدمه بصعوبة بعدما سقط العكاز من بيده وسحب مقعدًا كان بعيدًا عنه قليلاً ثم أجلسها عليه بحرص شديد وأسرع ليجلب كوب ماء ثم عاد لها وبدأ ينثر قطرات الماء على وجهها وهو يحدّثها باسمها حتى تفيق ولكن دون فائدة فلجأ للحل الثاني ومدّ يده لأنفها وبدأ يفرك بسبابته وإبهامه على عظمة الأنف العلوية وباليد الأخرى ينثر الماء وبعد لحظات أفاقت أخيرًا وهي لا تقوى على فتح عينيها جيدًا فقط سمعت صوته وهو يهتف بقلق:
_ رفيف ردي عليا إنتي كويسة؟!
أومأت برأسها في إيجاب دون أن تنظر له ليعود ويهتف في نبرة متهمة:
_ طيب أخدك للمستشفى لو حاسة نفسك تعبانة.
خرج صوتها ضعيف ومنخفض:
_ لا أنا كويسة الحمدلله.
اعتدل في وقفته وصاح مناديًا على أحد العمال باسمه ليأتي فورًا ويقول له في هدوء بعد أن أخرج من جيبه نقودًا:
_ معلش روح يا حسين جيب للأنسة عصير وحاجة تاكلها عشان تعبانة.
نظر لها الشاب الذي يكبرهم بسنوات قليلة وقال بعذوبة:
_ ألف سلامة عليكي يا أنسة رفيف.
ردّت عليه في خفوت:
_ الله يسلمك يا حسين.
وفي هذه اللحظة انضمّ لهم زين الذي جاء للتو وحين رأى شقيقته جالسة على المقعد وهي مغمّضة عينيها فاقترب منها وقال في فزع:
_ مالك يا رفيف!!؟
أجابه إسلام بنبرة رجولية عادية:
_ تعبت شوية يا زين.
عاد بنظره لشقيقته ومدّ يده يملس على وجنتها ويقول بحنًى:
_ رفيف يا حبيبتي مالك.. إيه اللي تعبك؟!
_ مفيش حاجة يا زين أنا مرهقة من إمبارح بليل بس.
أحس بحرارة جسدها المرتفعة فحرّك كفه وملس على جبهتها وكافّة وجهها ثم قال في حدّة:
_ حرارتك عالية عشان كدا تعبتي، ليه بتيجي المطعم لما شايفة نفسك تعبانة.
لم تجبْه فهي تشعر بنفسها غير متوازنة ولا تقوى على التحدّث ولكن شعرت به يمسكها من ذراعها ويساعدها على الوقوف هاتفًا بصرامة:
_ يلا تعالي هوديكي للدكتورة.
لم تعترض لعلمها بأن الاعتراض لن يجدي نفعًا معه ونهضت دون مقاومة بينما زين فنظر لإسلام وقال بصفاء:
_ أنا كنت جاي عشان أتكلّم معاك هتصل بيك وهقولك عشان نتقابل.
رَبَتْ إسلام على كتفه قائلًا بابتسامة واسعة:
_ تمام هستني اتصالك.
ثم تابعهم وهو يأخذ شقيقته ويخرج بها ثم يساعدها على الصعود بالسيارة وينطلقوا......
***
داخل منزل حسن العمايري...
ساعات مرّت وهو يحاول الاتصال بها ولكن لا إجابة..
منذ استيقاظه من النوم وهي لا أثر لها بالمنزل فانتابه الفضول حيال أين ذهبت دون علمه، وكان ينوي أن ينهي الشجار القائم بينهم منذ صباح الأمس ويتقبّل الأمر الواقع بعدما أحس في قرارة نفسه بالقلق والخوف من أن يصيبها شيء إن أجرت هذه العملية بالفعل فيعيش في عذاب ضميره الأبدي وكان سيخبرها بتراجعه عن رغبته في إجهاض الطفل ولكنه لم يجدها، والتساؤلات تنهش عقله نهش!!
بعد وقت طويل من محاولات الوصول لها أخيرًا جاءته رسالة منها مدونة بها (أنا في المستشفى يا حسن وداخلة العمليات هجهض الطفل).....!!!
رواية ضروب العشق الفصل العشرون 20 - بقلم ندى محمود توفيق
بعد وقت طويل من محاولات الوصول لها أخيرًا جاءته رسالة منها مدونة بها (أنا في المستشفى ياحسن وداخلة العمليات هجهض الطفل).
حدد برسالتها في ذهول لدقيقة كاملة وسرعان ما أجرى بها اتصال وهو يثب واقفًا ويقول بنفس مضطربة:
"ردي.. ردي"
أنزل الهاتف من على أذنه وهو يمسح على جبهته بعنف هاتفًا في اغتياظ وقلق:
"غبي!! أنا إيه اللي عملته ده."
اندفع نحو غرفته وفي ظرف دقيقتين ارتدى ملابسه وغادر المنزل مهرولًا ليحاول اللحاق بها قبل أن يفت الأوان.
حرك محرك سيارته وانطلق به وهو يفكر بأي مستشفى ستكون! فهي حتى أنها لم تقل له في أي مستشفى موجودة، ولكنه سيجرب الذهاب لأحد المستشفيات مستمعًا لصوته الداخلي الذي يقول بأنها ربما تكون هناك!
وضع هاتفه أمامه ولا يتوقف عن محاولات الاتصال بها. وعندما يأس فكر بأن يجرب آخر محاولة لعلها تنجح حيث أرسل لها تسجيل صوتي يقول فيه بصوت جاد به شيء من الخوف:
"يسر متدخليش العملية أنا غيرت رأي خلاص، عايزة الولد. ردي عليا بقى أبوس إيدك وقوليلي إنتي فين. أنا في الطريق."
وصلتها الرسالة فقامت بتشغيل التسجيل وسمعته وأعادته أكثر من مرة وعيناها تذرف الدموع بحرقة وألم. وعلى شفتيها ابتسامة مريرة وهي تتحدث في قرارة نفسها:
"ليتك تراجعت عن كل شيء قبل فوات الأوان. أهنئك على انتصارك الساحق علي."
قضى النهار كله يبحث في كل مستشفى من الممكن أن تذهب إليها ولكن لا وجود لها في أي مكان. أحس بأنه سيفقد عقله وهو يفكر ويتساءل: ماذا فعلت؟ هل أجهضته أم لا؟ وماذا حدث لها؟ لماذا لا تجيب عليه؟
كلما مرت الدقائق يزداد خوفه ورعبه وتتناطح الأفكار السيئة في عقله حول إصابتها بمكروه وهي تجهض!
أوقف السيارة جانبًا وهو يتأفف بعدم حيلة وملامح وجهه تقوست بعبوس شديد هامسًا لنفسه في نبرة مختلفة:
"روحتي فين بس يايسر."
أعاد رأسه للوراء على المقعد وأغمض عينيه بإرهاق بعد ذلك اليوم الطويل والشاق من البحث عنها. وإذا به يسمع صوت رسالة لهاتفه فانتفض جالسًا بعدما توقع أنها هي.
وبالفعل كانت هي وأرسلت له رسالة صوتية ففتحها ليسمع صوتها الغريب والمبحوح وهو تقول بقوتها المعهودة:
"أنا عندى واحدة صحبتي تعبانة ومش هقدر آجي. متتعبش نفسك وتتصل بيا عشان مش هرد عليك وهقفل التلفون. بكرة الصبح هرجع البيت.. وبخصوص الولد فأحب أقولك اتأخرت أنا نزلته خلاص."
اتسع بؤبؤي عينيه بذهول وهو يستمع لآخر جملة قالتها: "نزلته!!"
ما معنى أجهضته!!! لماذا فعلت هذا؟! ليتها استمعت له للمرة الأخيرة قبل أن تذهب وعرفت بأنه تراجع.
بدا على وجهه علامات الحزن والألم وهو يقول بصوت به شيء من الشجن:
"ليه كدا.. ليييه!"
حاول الاتصال بها على أمل أن تجيب ولكنها أغلقت فور إرسال رسالتها. ليتنهد بيأس ويستدر بسيارته ليعود للمنزل. وسينتظر عودتها في الصباح، فهو ليس أمامه حل سوى هذا الآن!
عاد للمنزل بعد دقائق طويلة وبدل ملابسه ثم تسطح على الفراش وهو يحملق في السقف بسكون وأسى.
ندم!! أجل ندم أشد الندم لأنه طلب منها إجهاضه. ليته لم يفعل كل هذا معها بالأمس. فبعد تفكير عميق أحس بأنه قد يكون شيئًا جميلًا أن يكون لديه طفل بغض النظر عن من هي أمه ولكنه سيظل طفله. وحين تراجع وقرر إخبارها كان الأوان قد فات، والقطر حمل معه طفله وذهب بعيدًا دون رجعة!
حاول النوم ولكن عينيه أبت أن تذيقه الراحة وكان يخطف دقائق صغيرة من النوم ويستيقظ مجددًا حتى أصبحت الساعة 9 صباحًا. فهب واقفًا من فراشه واتجه للحمام ليأخذ حمامًا باردًا.
ودقائق قليلة سمع صوت باب المنزل يفتح فأغلق صنبور الماء فورًا وارتدى بنطاله على عجالة وخرج من الحمام متجهًا نحو الباب ليجدها تنزع حذائها عنها وغير مكترثة له بتاتًا. فيهتف في انفعال حقيقي ممزوج بالاهتمام:
"اليوم كله امبارح برن عليكي ومش بتردي! صحبتك مين دي اللي تاخدي الليلة عندها!! وبعدين إنتي إزاي تروحي تنزلي الطفل وحدك من غير ما تقوليلي إنك رايحة!"
وكأنه نكرة لم تعيره اهتمام. انتهت من نزع حذائها وقادت خطواتها نحو غرفتها بصعوبة من فرط تعبها. ليندفع خلفها ويجذبها من ذراعها صائحًا بها في استياء:
"أنا بكلمك ردي عليا. نزلتيه ليه من غير ما تقوليلي!"
وكأن عقرب لدغتها حين مسك بذراعها لتدفع يده عنها بعنف صارخة به في عينين بها نظرات عجيبة لم يرها من قبل:
"متلمسنيش فاهم ولا لا."
ثم أكملت سيرها نحو غرفتها وهي تهتف بازدراء وألم دفين:
"عملت اللي طلبته مني مش إنت اللي قولتلي أنزله. لو نسيت أفكرك باللي عملته امبارح لما قولتلي مش هنزله ولما قولتلي لو منزلتهوش هسقطك أنا. اديني ريحتك خالص منه وهريحك مني كمان."
هتف في عصبية وعنف:
"وأنا غيرت رأي وكنت عايزة."
وصلت لغرفتها وفتحت الباب ثم دخلت والتفتت له هامسة في وجه محتقن بالدماء ونبرة لا تحمل أي لطف أو حب:
"لا ما أنا بصراحة فكرت ولقيت إني مستحيل أقبل إن ابني يكون أبوه واحد زيك. فاقتنعت برأيك وإن الإجهاض أفضل حل. فنزلته."
كانت تتصنع الثبات والقوة أمامه وهي تتشوق للحظة التي ستنفرد بها مع نفسها لتدخل في نوبة بكائها العنيفة التي لم تتوقف من الأمس.
أما هو فقد نجحت في إسكاته تمامًا بما قالته وأحس بالخزي من نفسه حقًا. ولكن تحولت قسمات وجهه إلى استغراب وهو يراها تفتح الخزانة وتخرج حقيبة الملابس وتبدأ في وضع ملابسها بها. فيهتف في ريبة حقيقية:
"رايحة فين؟"
أجابت بكامل الجفاء:
"راجعة بيت أهلي. وقبل ما أمشي هتطلقني عشان يبقى كل حاجة انتهت ومفيش مجال للعودة تاني."
طلاق!!! هل حقًا هي التي تطلب منه الطلاق! وماذا عن جنون عشقها له؟ هل أصبحت تبغضه الآن؟
استغرق لحظات وهو يتطلع لها مدهوشًا حتى تحدث بحيرة:
"أطلقك! هو إحنا مش متفقين إننا هنطلق بس لما يعدي فترة طويلة شوية على جوازنا؟"
تركت الملابس من يدها بعنف واقتربت منه صائحة بسخط:
"أنا متفقتش على حاجة زي كده أبدًا معاك. ودلوقتي بقولك طلقني يا حسن لأن أنا اللي مبقتش طيقاك خلاص مش إنت. أنا عايزك ترمي عليا يمين الطلاق دلوقتي."
"أنا أحلم. بالتأكيد هذا حلم فهذه ليست يسر أبدًا." كان يهمس لنفسه هكذا وهو يتطلع لها مصدومًا من انفعالها وما تطلبه بجدية تامة لا تحمل مزح مطلقًا.
ولو لَـهَـلْـهَـة أحس بأنه لا يستطيع نطقها وأن يقول لها "إنتِ طالق". فهيمن السكوت بينهم لثوانٍ حتى قال بابتسامة تحمل عدم الاستيعاب لما يحدث:
"طيب رجعي هدومك في الدولاب واهدي الأول وريحي لإنك باين عليكي تعبانة وبعدين نبقى نتكلم. أنا برأي متطلبيش حاجة ممكن تندمي عليها بعدين."
بادلته الابتسامة ولكنها كانت ابتسامة مستهزئة وكلها نقم. حيث قالت بانفطار قلب:
"الحاجة الوحيدة اللي ندمانة عليها وهفضل أندم عليها طول حياتي إني حبيتك واتجوزتك وسمحتلك تلمسني."
تلقت الرد منه بالصمت دون أن يتفوه ببنت شفة. فعادت مجددًا لحقيبتها ووضعت آخر القطع ثم أغلقتها وانزلتها على الأرض بحرص شديد وبطء بسبب آلامها وتعبها. ثم أمسكت بذراعها وسحبتها خلفها ووقفت أمامه هاتفة بشموخ:
"طلقني!"
أخذ يتطلع إليها بصدمة وهو لا يصدق نظراتها ونبرتها المختلفة التي لا تثبت له سوى شيء واحد وهو أنها أصبحت تبغضه بالفعل!
أحس بكف يدها الذي يضرب على كتفه وهي تصرخ بأعين دامعة:
"بقولك طلقني إنت مبتفهمش. مبقتش عايزك خلاص ولا طايقاك."
أتاها صوته الرجولي الغليظ وهو يهز رأسه بالنفي مغمغمًا:
"مش هطلقك يايسر."
أحست بأنها ستفقد زمام دموعها وستتحول أمامه إلى الحقيقة التي تحاول إخفاءها عنه وهي أنها أضعف مما يظن. ففضلت أن تذهب الآن بسرعة وقالت قبل أن تستدير وترحل:
"هتطلقني يا حسن وإلا هرفع عليك قضية وساعتها هتطلقني بالقانون غصب عنك. أنا دلوقتي همشي لإني مش قادرة أشوفك قدامي أكتر من كده وهستنى ورقة طلاقي تجيني فاهم."
ثم استدارت وانصرفت وهي تقاوم آلامها التي تمنعها من المشي بطبيعية. وبمجرد أن رآها سائق السيارة ترجل وحمل منها الحقيبة ووضعها في السيارة بالخلف. واستقلت هي بالمقعد الخلفي وتحركت بها السيارة وهي تعلق نظرها على المنزل بألم يمزق قلبها ودموعها تنهمر على وجنتيها. فهذه ستكون المرة الأخيرة ولن تدخله مجددًا!!
***
كانت على الفراش تحدق به وهو يستعد للخروج ويسرح شعره بعناية شديدة. ثم التقط عطره الرجولي ونثره على ملابسه لتفوح رائحته النفاذة في الغرفة بأكملها فتبتسم هي بغرام.
وعصف بذهنها شيئًا مهمًا فوثبت واقفة وهرولت لتقف بجواره هامسة برقة مبالغ فيها قليلًا:
"كرم!"
حدقها باستغراب وغمغم بنبرة خافتة:
"نعم ياشفق!"
تحركت ببطء لتقف أمامه وتهمس بنبرة لطيفة:
"هطلب منك طلب بس متتعصبش. please!"
رفع حاجبيه وألقى عليها نظرة فهمت من خلالها أن يطلب منها الاسترسال في الحديث. فأخذت نفسًا عميقًا وغمغمت بتوتر:
"صحبتي نهلة اللي شوفتني معاها في المستشفى يوم لما عملت الحادث. خطوبتها بعد يومين وهتزعل أوي لو مرحتش."
تحولت نظرته من الهدوء إلى الحزم واشاح بوجهه عنها متصنعًا الانشغال بتهذيب ملابسه كنوع من الرفض القاطع. فعادت تكمل بسرعة محاولة إنقاذ الموقف:
"لا أنا مش هروح لوحدي.. أنا عايزك تروح معايا."
"بس أنا مش فاضي اليومين دول يا شفق!!"
لفت ذراعيها خلف ظهرها ورسمت لوحة الوجه الحزين على وجهها وشفتيها تقوست لأسفل. ونظرت له بعينان كلها استعطاف كطفلة صغيرة هامسة بتوسل:
"ارجووووك.. ارجوك!"
أثرته نظرتها البريئة والرقيقة. ليظل للحظات يحدق بها بسكون وهو يحاول أن يرفض للمرة الثانية ولكن قلبه لا يستطيع كسر نفسها المتحمسة لحفل خطبة صديقتها. فـتـنـهـد بعدم حيلة وهتف محاولًا عدم إظهار تأثيرها عليه:
"طيب خلاص بس هنروح متأخر شوية وهناخد نص ساعة بس عشان معايا شغل كتير."
قفزت بطفولية وخطفت قبلة سريعة من وجنته هاتفة بفخر واعتزاز:
"أنا ليا طرقي برضوا في الإقناع."
"لا ده عشان أنا قلبي طيب وعلى نياتي بس."
قالها مبتسمًا ببشاشة لتضحك هي ببساطة. ثم تنظر لملابسه وتقول بعدم إعجاب:
"على فكرة الجاكت ده مش لايق."
ألقى على نفسه نظرة تفحصية في المرآة وهتف مندهشًا:
"بجد!"
ابتعدت واتجهت نحو الخزانة لتفتحها وتبدأ في البحث عن سترة مناسبة يرتديها وتكون ملائمة على ملابسه. حتى عثرت على سترة سوداء اللون وليست طويلة. وعادت له وقالت في نعومة:
"دي حلوة والأسود عليك بيبقى رهيب."
تطلع إلى السترة بتفكير ثم لنفسه في المرآة. ففكر بأن لا مانع من التجربة وهم بأن ينزع سترته الذي يرتديها. ولكنها أوقفته ومدت يدها تنزعها عنه برفق وتنظر له بابتسامة عاطفية. ولم يتمكن هو من مجابهة شعوره بالخطر حين اقتربت منه. ولكنه تصرف بثبات وتركها تفعل به كما تحب. حيث نزعت عنه السترة والبسته السوداء وهي تهندم له قميصه من الداخل ولياقته. ولمساتها على قميصه وصدره زادت من الأمر سوءًا له. ثم ابتعدت لتتركه ينظر لنفسه في المرآة فيبتسم بإعجاب ويقول:
"لا تصدقي دي أحلى فعلًا."
كانت تتعمد لمسه حتى تستمتع بمشاهدة توتره وكيف ستكون ردة فعله. ولكنه تمالك نفسه اليوم وحتمًا بأحد الأيام لن يتمكن من السيطرة على اضطرابه منها.
بينما هو فلم يجد الرد منها وفقط رأى ابتسامتها على شفتيها وهي تحدق به. فقال محاولًا إنهاء ذلك الوضع:
"أنا همشي عشان متأخرش. عايزة حاجة؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تجيبه بهدوء:
"عايزة سلامتك."
***
منظر طبيعي مذهل. حيث كانت السماء زرقاء ومزينة بقطع سحاب متفرقة تأخذ أشكالًا مختلفة وأشعة الشمس الدافئة تملأ كل مكان. وتنعكس على صفحة وجهها القمحاوية فتعطيها لمسة أنوثية مغرية مع لون عينيها الزرقاء التي تلمع مع الأشعة الذهبية فتمنحها مزيجًا مذهلًا.
كانت جالسة في الحديقة وتترك لجسدها حرية الاستمتاع بأشعة الشمس غير منتبهة له وهو يقف في شرفة غرفتهم بالأعلى ويتأمل جمالها. وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة. تسحره عيناها أكثر من أي شيء وتجذبه إليها كالمغناطيس. هو لم يعد قادرًا على مقاومة سحرها. لم يعد قادرًا عن حجب رغباته بها. ومع ذلك مازال يقاوم وحتمًا لن يصمد كثيرًا أمامها!!
رفعت نظرها بتلقائية فـتـلـتـقـت عيناها بعينيه لتبادله ابتسامته. ولكن كانت ابتسامة مرتبكة من نظرته لها. وهبت واقفة هي حين سمعته يهتف:
"تعالي."
تحركت ودخلت المنزل وصعدت الدرج متجاهلة نظرات الجدة العدوانية لها حتى وصلت لغرفتهم وفتحت الباب ثم دخلت وأغلقتـه خلفها ببطء هامسة:
"نعم!"
قال بنبرة طبيعية تمامًا ليس بها أي شيء من الحدة أو الغلظة:
"قاعدة تحت ليه؟!"
رغم أن نبرته كانت عادية إلا أن توترها لم يذهب بعد. حيث أجابته بخفوت:
"إنت كنت نايم وأنا صحيت بدري النهاردة ومليت من القعدة لوحدي فنزلت أقعد في الشمس شوية."
سار باتجاهها حتى وقف أمامها مباشرة وهتف بابتسامة سلبت عقلها وبنبرة كانت حانية أكثر ما كانت آمرة:
"طيب يا ملاذ من هنا ورايح لما أكون نايم متتحركيش من جمبي يعني أصحى ألاقيكي جمبي! ولما تنزلي تحت تاني تلبسي نقابك عشان ممكن حد يدخل فجأة.. تمام؟!"
هزت رأسها بالموافقة وهي تحملق به بدهشة من ما يقوله. وقد تحول توترها إلى ريبة حقيقية وحيرة من أمره.
بينما هو فحين تلقى الرد منها بإيماءة رأسها بالموافقة فالتفت بجسده كاملًا وهم بأنه يبتعد عنها. ولكنه التفت لها برأسه وهتف بلطف:
"أنا هاخد شاور سريع. ممكن تجهزيلي هدومي لغاية ما أطلع عشان مستعجل."
أماءت له للمرة الثانية كالمتغيبة وهمست بصوت يكاد لا يسمع:
"حاضر."
انتظرته حتى دخل الحمام وأغلق الباب لتهمس لنفسها بذهول:
"هو ماله!!!"
لما يتصرف معها اليوم بلطف زائد قليلًا وحنو. ذكرها به بعدما عقدوا قرانهم واصطحبها معه لمرتين ليقضوا بعض الوقت معًا. وكان لطيفًا هكذا وحنون ورومانسي. والآن لا تنكر سعادتها لأنها رأت ذلك الجانب منه مجددًا بعدما فقدت الأمل في أن تحظى به مرة أخرى حتى ولو سامحها.
تحركت نحو الخزانة وبدأت في إخراج ملابسه وتجهيزها له كما طلب منها. وبعد دقائق قليلة رأته يخرج ونصفه العلوي عاريًا وفقط يرتدي بنطال منزلي أسود. فـأشـاحـت بنظرها وتصنعت الانشغال بأي شيء حتى لا تنظر له. ولكن عيناها أبت الخضوع حيث كانت تنحرف وتختلس النظر إليه خلسة. فلاحظت الندبة التي في ظهره. ولم تكن ندبة عادية أو بسيطة بل كانت غريبة. حيث أثارت فضولها. فاعتدلت في وقفتها وظلت تحدق به. وتحركت قدماها دون إشارة نحوه ووقفت خلفه ثم مدت أصابعها تضعهم على تلك الندبة وهي تهتف باستغراب:
"إيه دي يا زين؟!"
لمستها تركت أثرًا سلبيًا في نفسه الرجولية التي يحاول كبحها عنها. فالتفت له وقال بصوت رخيم:
"عملت حادث قبل كده."
"حادث!!!"
قالتها بدهشة ليكمل هو بمرارة:
"كنت أنا وبابا ومسافرين لشغل وأنا اللي كنت بسوق. وكنت سايق بسرعة عشان نوصل أسرع. والصراحة مش فاكر كويس إذا كان أنا اللي مخدتش بالي ولا العربية دي هي اللي ظهرت في وشي فجأة. بس بعد الحادث ده بابا اتوفى وأنا كنت بين الحياة والموت لأن العربية مكنش فيها حاجة سليمة. واللي خبطنا فيها كانت عربية نقل كبيرة. بس أنا كان لسا ليا عمر ونجوت بصعوبة و أخدت سنة مبتحركش بعديها. وبمشي على كرسي متحرك. ومع العلاج الحمد لله رجعت أمشي تاني. وفضلت الندبة دي في ضهري عشان تفكرني دايمًا باللي حصل. وكل ما بشوفها أحيانًا بيجي الشيطان في وداني ويقولي إنت السبب. بس بستغفر ربنا وبقول ده قضاء وقدر."
ثم سكت لثانية واستكمل مبتسمًا:
"تعددت الأسباب والموت واحد!"
كانت نظراتها متأثرة ومشفقة عليه. وحين انتهى ابتسمت له بحب وحنو. ثم مدت يدها تضعها على وجنته هامسة بنبرة ناعمة:
"بالظبط إنت ملكش ذنب ده نصيب. وهو كان عمره انتهى على كده. ولو مكنش اتوفى بالسبب ده كان هيموت بأي سبب تاني وبرضوا كان هيموت في نفس اللحظة والدقيقة اللي كتبهاله ربنا. ربنا يرحمه."
هز رأسه بالإيجاب يوافقها على ما قالته وما يقوله لنفسه دومًا كلما يتذكر والده أو صديقه. ويستغفر ربه مرارًا وتكرارًا ليخرج ذلك الشيطان اللعين من عقله.
وجدها تعانقه وتلف ذراعيها خلف عنقه ليمد هو كفه ويمرره على ظهرها برفق مبتسمًا. وبعد لحظات أبعدت رأسها عن كتفه ونظرت له بابتسامة أذابت على آثارها كل ما كان يحاول بنائه طوال الفترة السابقة. وكانت عيناها وابتسامتها سببًا في خروجه عن كهفه الذي اعتكف به قرابة الشهرين وهو يجاهد في كبت رغبته بها. فوجد نفسه بدون وعي يقترب منها. وكان على وشك أن يسرق معها لحظاتهم الغرامية الأولى. ولكن عكر لحظتهم طرق الباب وسماعه لصوت والدته وهي تهتف:
"زين.. زين يا حبيبي."
أعاد رأسه للوراء محاولًا تمالك نفسه المغتاظة من قدوم والدته في اللحظة الخطأ. وهتف:
"أيوة يا ماما."
"يلا يا حبيبي تعالى إنت ومراتك عشان الفطار جاهز تحت وجدتك مستنياكم."
"حاضر يا ماما نازلين وراكي."
لاحظت ملاذ غيظه فكتمت ابتسامتها وابتعدت عنه فورًا بعد أن انتابها الخجل وهمست باستحياء:
"أنا هسبقك على تحت وإنت البس وتعالى."
لم يجيبها واكتفى بنظرته المتقدة ومسح على وجهه متأففًا بعدما انصرفت. وبدأ في ارتداء ملابسه وهو يتحسر على حظه السيء!!
***
في تمام الساعة التاسعة مساءًا.....
فتح كرم الباب ودخل ثم أغلقه خلفه. وكانت أضواء المنزل كلها مغلقة وكأنه فارغ. فعقد حاجبيه بتعجب ومد يده ليفتح المصباح ويضيء المنزل. وبدأ في نزع حذائه عنه ثم قاد خطواته نحو غرفتهم ولم يجدها. فاتجه وبحث في بقية الغرف.
وحين فتح غرفة مكتبه الخاصة وكان ضوء المصباح فيها هادئ من اللون الذهبي. وكانت هي ممدة على الأريكة ومتكورة من فعل البرودة والغطاء يصل لنصف جسدها فقط. وبرغم من ذلك كانت في ثبات عميق. ليسمع صوت الهاتف البسيط بجانب الأريكة على المنضدة مصدرًا نغمة موسيقية هادئة ومريحة للأعصاب. ثم رفع نظره وتطلع إلى صورته مع أخيها وفهم سبب نومها هنا.
يتنهد بعدم حيلة ومد يده يلتقط الهاتف ليغلقه. ثم اقترب منها وانحنى بجزعه للأمام ولتنطلق على شفتيه ضحكة خفيفة حين رأى كفوف يديها الصغيرة وهي ترتدي فيهم قفازات ثقيلة تحميها من البرد وتلف حول رقبتها شال طويل. فمد يده وازاح خصلات شعرها التي تخفي وجهها. ثم رفع الغطاء عنها وانحني إليها أكثر ليحملها على ذراعه ويتحرك بها ناحية غرفتهم.
دفع الباب بقدمه ثم دخل وسار إلى الفراش ووضعها بحرص شديد. امسك بيدها الناعمة ينزع عنها القفازات بلطف وسحب الشال من حول رقبتها برفق. وأخيرًا اتجه إلى قدميها لينزع عنها الشراب الشتوي.
هم بأن يسحب اللحاف الدافئ عليها ولكن وجدها تنتفض جالسة بفزع وهي تضم قدميها إليها بنظرات مرتعدة. ليهمس هو مبتسمًا بنبرة دافئة ليطمئنها:
"اهدئي اهدي ده أنا!!"
أدركت صورته جيدًا فتنهدت بارتياح وهي تضع كفها على صدرها الذي يصعد ويهبط بعنف. وأصدرت زفيرًا حارًا حين شعرت بأنفاسها التي تضيق. فعندما شعرت بلمساته ظنته ذلك الوغد ولذلك وثبت من نومها فزعة. هتفت في عينين مرتعدة:
"اتخضيت وافتكرتك هو. لإن من ساعة اللي حصل في بيتنا لما دخل عليا بقيت أخاف ما أنام لوحدي. والنهاردة نومت غصب عني من غير ما أحس وكنت مستنياك بس مقدرتش أقوم ونمت."
هتف في هدوء وصوت رجولي:
"ميـقـدرش يدخل أصلًا وميقدرش يتجرأ ويقربلك تاني. ولو فكر وهوب ناحية البيت بس الحرس اللي برا هيمسكوه ويجبوه ليا علطول. فاطـمـنـي. لإن مفيش غيري هيدخل عليكي البيت هنا أساسًا."
هزت رأسها بتفهم وهي تقابل كلماته بابتسامة باهتة. ليمد يده على اللحاف ويرفعه على جسدها هاتفًا بمشاكسة:
"الجو مش برد للدرجة دي على فكرة!"
ضحكت وبادلته مشاكسة قائلة:
"لا برد جدًا ده أنا كنت بتنفض من البرد قبل ما تيجي. وأوضة المكتب بتاعتك كانت دافية شوية فقعدت فيها وغلبني النوم."
هب واقفًا ونزع سترته عنه هاتفًا بضحك:
"لا وعلى إيه أنا أجيبلك دفاية وتعيشي جمبها اليوم كله لأن شكلك من النوع اللي بيبرد أوي."
"جدًا فوق ما تتخيل. أنا في بيتنا أحيانًا كنت بمشي وسطهم بالبطانية وكان سيف الله يرحمه يفضل يتريق عليا هو وماما!!"
ابتسم لها بأسى عند ذكرها لشقيقها وصديقه الحميم. ولكن اختفت ابتسامته حين رأى ملامح وجهها التي عبست بانكسار وحزن. ليقترب منها مجددًا ويجلس بجوارها هامسًا في نبرة تنسدل كالحرير ناعمة:
"شفق أنا معاكي ومش عايزك تحسي إنك وحدك أبدًا. اعتبريني سيف ومامتك وكل حاجة. أنا معنديش مانع."
استقرت منها نظرة منطفئة عليه وقالت بصوت متحشرج:
"أنا مش عارفة أوصفلك اللي بحسه كل ما أفتكر إنهم خلاص مبقوش جمبي ولا معايا ولا هشوفهم تاني. بس إنت أكيد حاسس بيا صح؟!"
وضع كل شيء جانبًا وسمع لصوته الداخلي الذي يطلب منه أن يخفف عنها ويحتضنها لعله يهدأ من نيران قلبها الذي هو أكثر من يشعر بآلام الفراق. فمد يده لرأسها وجذبها إليه لتدفن هي وجهها بين ثنايا رقبته وتسمع همسه المتألم:
"صدقيني مش هتلاقي حد حاسس بيكي أكتر مني."
انفجرت في البكاء الشديد وتشبثت بذراعيها حول رقبته بقوة ليسمع نبرتها المتقطعة وهي تهتف من بين بكائها:
"وحشوني أوي يا كرم. نفسي أشوف ماما وأحضنها وسيف وحشني جدًا.. وحشني صوته وهزاره معايا."
لمعت عيناه بالدموع هو الآخر ليجيبها في صوت به بحة بسيطة:
"وأنا كمان وحشني أوي."
أكملت نوبة بكائها وتركها تخرج كل ما في نفسها المكتظ بـآلام وهي بين ذراعيه هامسًا في أذنها يسترسلها في البكاء:
"عيطي!"
ازدادت حدة بكائها وظل يملس على ظهرها حتى أحس بها هـدأت قليلًا. وبعد دقائق أبعدها عنه وتمتم بحنان دفين:
"ها حاسة نفسك أفضل؟"
جففت دموعها بعدما شعرت بأنها أزاحت ثقلًا من على قلبها حين بكت بقوة. فهزت رأسها بالإيجاب. ثم تطلعت له ورأت عينيه اللامعة بالدموع لتبغض نفسها وتلعن أحزانها التي تسبب له الحزن أيضًا. ووجدت نفسها لا تتحكم في دموعها مجددًا وتقول باعتذار وخنق وهي تبكي من جديد:
"أنا آسفة. عارفة إني نكدية وبنكد عليك كل شوية!!"
رغم الأجواء الكئيبة التي صنعتها هي ولكنها نجحت أيضًا في إضحاكه. حيث أجابها بضحكة بسيطة:
"لا إله إلا الله.. افهم بس بتعيطي تاني ليه دلوقتي!؟"
قالت باحتجاج على نفسها وضيق:
"عشان أنا نكدية!!!"
لم يتمكن من منع ضحكته المتأججة وأجابها في رقة من بين ضحكاتها:
"وهو أنا اشتكيتلك وقولتلك إنتي نكدية وأنا مبحبش النكد!! قومي يا شفق بس اغسلي وشك وصلي العشاء لو مصلتهوش وهترتاحي.. قومي."
نهضت من جانبه واتجهت للحمام. بينما هو فضرب كف على كف ضاحكًا. ثم استقام وبدأ في تبديل ملابسه!!
***
دخلت ملاذ المطبخ لتشرب وإذا بها تجد ميار تقف وتقوم بتحضير كوب قهوة. فظنت أنها تحضره لنفسها. تجاهلتها وفتحت الثلاجة لتخرج زجاجة المياه وتسكب في الكوب لتشربه كله. حتى سمعته يسأل بلؤم:
"زين موجود في مكتبه يا ملاذ؟"
التفتت لها بجسدها كاملًا وحدجتها باستحقار قائلة بقرف:
"آه موجود خير."
أكملت ميار بنفس نبرتها المستفزة قاصدة إثارة غيرتها:
"أصل أنا شوفته جاي من بدري من الشغل ومطلعش من Büro (المكتب) وقاعد بيشتغل فقولت أعمله فنجان قهوة."
اشتعلت نيران الغيرة وتأججت حتى كادت أن تصل إلى السقف. فاقتربت منها وهي تحاول تمالك أعصابها المتغاظة وهتفت جازة على أسنانها بقوة:
"زين مش بيشرب القهوة ولو شربها مبيشربهاش غير من إيدي. فأنا من رأي يا تكبيها يا تشربيها لأنه مش هيشربه."
"بس أنا واثقة إنها هتعجبه!"
قالتها بثقة تامة ودلال أنوثي مستفز. ففقدت ملاذ السيطرة على نفسها الملتهبة وجذبتها من ذراعها بعنف هاتفة في تحذير مخيف:
"بقولك إيه يا بت إنتي تبعدي عن زين بالذوق أحسنلك بدل ما والله العظيم أخليكي تندمي على اليوم اللي شوفتيني فيه. فاهمة ولا لا."
تطلعت إليها ميار بنظرات شيطانية غير مكترثة بتحذيرها المباشر لها. ثم دفعتها بعيدًا عنها وامسكت بكوب القهوة الساخن وسكبته على يدها لتصرخ بأعلى صوت أوتيت به. فيجتمع كل ما في المنزل على أثر صراخها وأولهم الجدة التي ركضت إليها فزعة وهي تهتف بهلع:
"مالك يا ميار يا حبيبتي حصل إيه؟"
ابتسمت ميار لجدتها بمكر. ففهمت فورًا حيلتها. ونظرت الجدة إلى ملاذ المتسمرة بأرضها تحدق بهؤلاء الشياطين في ذهول. حتى تجمعوا الجميع وآخرهم زين. وبمجرد دخوله صاحت الجدة بملاذ في غضب موجهة الكلام لزين في الأساس:
"تعالي شوف مراتك اللي بتقولي محدش يضايقها، هي دي اللي اخترتهالوا يا هدى."
هتفت هدى بتعجب وهي تنقل نظرها بين زوجة ابنها وميار التي سرعان ما انهمرت دموعها على وجنتيها:
"حصل إيه يا ماما طيب فهمينا."
هتفت ميار من بين بكائها بصوت مرتجف:
"أنا كنت بعمل قهوة لزين وهي شافتني وفضلت تزعق معايا وتقولي إنتي تعمليله قهوة ليه وإنتي مالك وكبتها عليا."
كانت ملاذ غير مستوعبة ما يحدث ونظرها معلق على ميار وهي تبكي. ولا تجد ما تقوله لتدافع عن نفسها حتى.
لحظات وجاءت رفيف بمرهم للحروق واعطته لجدتها وبدأت الجدة تضعه على ذراعها. ثم رفعت الجدة نظرها إلى ملاذ وقالت بلهجة آمرة ومتشفية:
"اعتذري منها!"
نقلت ملاذ نظرها بينهم جميعهم في دهشة حتى استقر نظرها على زوجها وطالعته بنظرة ضعيفة تتوسله أن لا يصدق هذه التفاهات التي يقولونها.
وبالفعل هو لم يكن يصدق أي شيء. وحين وجد الجدة تنظر له وكأنها تطلب منه أن يجعلها تعتذر. فهتف بخشونة ونظرة قاتلة:
"مراتي مغلطتش عشان تعتذر وأنا واثق إنها متعملش حاجة زي كده. والصراحة أنا معنديش دماغ للمواضيع التافهة دي وكفاية أوي لغاية كده يا جدتي."
ثم نظر لزوجته وقال بنبرة غليظة:
"تعالي ورايا يلا عشان هنرجع بيتنا."
ثم استدار ورحل. فخرجت ابتسامتها تشق طريقها إلى شفتيها وكادت أن تصل إلى أذنها. ثم عادت بنظرها إلى الجدة وحفيدتها ورمقتهم بلؤم وتشفي وهي تبتسم وانحنت ناحية ميار هامسة بنبرة شماتة:
"ألف سلامة يا حبيبتي تعيشي وتاخدي غيرها."
ثم ولتهم ظهرها ولحقت بزوجها. بينما هدى ورفيف فتبادلوا النظرات بينهم وهم يحاولون كبت ابتسامتهم. وكانت الجدة وميار يشتعلان من الغيظ!!
***
دخلت ملاذ خلفه واغلقت الباب ثم وقفت أمامه وهتفت بسعادة غامرة:
"شكرًا."
لم يبتسم ولم يبدي أي نظرات لطيفة. حيث قال بحزم:
"حصل إيه؟"
فهمت أنه يريد الحقيقة التي لم يرها كاملة. فهتفت في بساطة:
"ولا حاجة. أنا كنت نازلة أشرب ولقيتها بتعمل قهوة وهي اللي فتحت الكلام. أنا فكراها بتعملها لنفسها. سألتني زين موجود في المكتب فقولت ليها أيوة. لقيتها بتقولي أصل أنا عاملة القهوة. ليه أنا الصراحة اتغاظت منكرش فشديت معاها وقولتلها تبعد عنك بالذوق أحسنلها. هو ده بس كل اللي قولته والله. وفجأة لقيتها بعدين بتمسك القهوة وبتكبها على نفسها وبدأت المسرحية اللي شوفتها تحت دي. وجدتك لما جات ميار ضحكتلها ففهمت وبقت تسايرها في اللي بتعمله."
أماء رأسه بتفهم. وقد هدأت نفسه الثائرة قليلًا وهدر:
"طيب يلا لمي هدومك عشان نمشي."
أحاطت وجهه بكفيها وقالت في عشق جارف متوسلة:
"حاضر بس ممكن متضايقش نفسك خلاص حصل اللي حصل وأنا مش مضايقة. وكويس أوي إننا هنمشي لإني بقيت مش واخدة راحتي هنا أبدًا."
تأفف بنفاذ صبر وهو مازال يحمل بعض الغضب في نفسه من أفعال جدته. ولكنه أماء لها بنظرات هادئة. وابعد كفيها عن وجهه ليتجه نحو الحمام تاركًا إياها تبتسم بانتصار وفرحة غامرة!!
***
بعد مرور يومين جاء الأب الغائب منذ قرابة شهر. واستقبله الجميع بسعادة وترحيب حار فيما عدا ابنته التي كانت تحاول الانخراط معهم في سعادتهم ولكن بلا فائدة!!
تعتكف في غرفتها منذ يومين وحالتها النفسية تزداد سوءًا كلما يمر الوقت. تتجاهل اتصالاته المستمرة ومحاولاته للتحدث معها وترفض بشدة مكالمته أو رؤيته إلا حين يأتي بأوراق طلاقهم.
وجميع من في المنزل حاولوا فهم أي شيء وما الذي حدث بينهم ليصلهم لهذه المرحلة. ولكن أمها أبت الضغط عليها بعدما رأت وضعها النفسي السيء بسبب فقدانها لطفلها!
فتح طاهر الباب ودخل ثم دخلت خلفه زوجته. ليقترب هو ويجلس بجوار ابنته هامسًا بحنو:
"احكيلي يا يسر حصل إيه بينك وبين حسن."
هتفت الأم بيأس:
"أنا ليا يومين يا طاهر أنا وأخوها بنحاول نفهم منها إيه اللي حصل وهي مبتتكلمش."
نظر لزوجته وهمس:
"طيب سيبنا لوحدنا وأنا هتكلم معاها."
تنهدت بنفاذ صبر واستدارت وغادرت تاركة إياهم بمفردهم. ليمد طاهر يده ويملس على شعرها برفق هاتفًا بخفوت:
"قوليلي يا حبيبتي.. قوليلي عملك إيه بس وأنا هربهولك. مد إيده عليكي؟!"
عصفت بذاكرتها لحظة صفعه لها على وجهها بعنف فقط لأنها رفضت إجهاض الطفل. لتنهمر دموعها على وجنتيها وترتمي داخل أحضان أبيها باكية بقوة. فيهتف هو بصرامة وقلق:
"يسر قولي في إيه متخلنيش أروح أتصرف مع حسن بطريقتي."
ابتعدت عن أبيها وقررت اختراع كذبة جديدة. ولكنها ستكون الأخيرة منذ أن تزوجته. فهي تريد الانفصال عنه دون أي إزهاق لنفسها أكثر من ذلك. وتريد الانفصال عنه في سلام حتى تتمكن من النظر لحياتها براحة.
غمغمت بصوت مبحوح:
"احنا مكناش متفاهمين يا بابا وحصلت كذا مشكلة بينا بس محبتش أقولكم وأقلقكم. وكنا ناوين نطلق بس لما عرفت إني حامل فكرت إن أراجع وأحاول أصلح علاقتنا عشان ابننا. بس لما البيبي نزل قولت خلاص ملوش لازمة نحاول في حاجة ميئوس منها. يعني إني غلطت من البداية لما اتسرعت ووافقت لأني اكتشفت بعدين إن أنا وحسن منفـعـش مع بعض."
حدقها باستغراب وأكمل بخشونة:
"مشاكل إيه اللي توصل بيكم للطلاق وتخليكي مصممة بالطريقة دي على الطلاق؟"
جففت دموعها وقالت متصنعة القوة:
"مشاكل كتير يا بابا صدقني أنا مش قادرة أحكيها. أنا كل اللي عايزاه إني أرتاح دلوقتي. وعايزة أطلق منه."
لم يقتنع وشعر بأن مهما كانت مشاكلهم فهي بالتأكيد لن تصل لحد الطلاق. فقال وقد عادت نبرته للطف والحنو:
"يابنتي إن أبغض الحلال عند الله الطلاق. متتسرعيش وفكري واهدي الأول وبعدين خدي قرارك النهائي. هو النهاردة كلمني وقالي ياعمي أنا بحاول أكلمها وأعتذرلها وهي رافضة تكلمني. وقالي إنه جه البيت هنا قبل ما آجي ومخلتهوش يدخل يشوفك. يعني أي كان اللي حصل بينكم شكله ندمان وعايز يصلح غلطه. وحسن أنا مربيه وعارفه كويس."
قالت بإصرار وغضب بسيط:
"لا إنت متعرفهوش يا بابا. وأنا مش هتراجع. خليه يطلقني بالذوق يا إما هرفع عليه قضية بجد. خلاص مفيش مجال للعودة كل حاجة انتهت."
هدأها وتمتم بعدم حيلة موافقًا على طلبها:
"حاضر يا حبيبتي طالما إنتي عايزة كده ومش مبسوطة معاه. أنا أهم حاجة بنسـبـالـي راحتك وسعادتك. هكلمه بكرة واخليه ييجي يطلقك."
أشاحت بنظرها عن والدها وهي تحاول منع دموعها من السقوط مرة أخرى. فبعد كل ما فعلته لتحظى به ولكي تحظى ولو بجزء بسيط من قلبه وحبه فشلت. ونجح هو في تحطيمها لأشلاء وإطفاء نفسها المضيئة بنور العشق والأمل!!
***
ترجلت شفق من السيارة أمام حفل الخطبة وانتظرته حتى ترجل هو أيضًا والتف ناحيتها. ثم سار بجوارها ليجدها تعقد ذراعها بذراعها لينظر لها متعجبًا. فتقول هي متحججة بالحذاء:
"خايفة أقع عشان الكعب."
ابتسم مغلوبًا على أمره. ثم أبعد نظره عنها وسارا معًا حتى دخلا. فانحنى هو على أذنها وهتفت بصوت مرتفع قليلًا حتى تسمعه بسبب الموسيقى الصاخبة:
"أنا هروح أقعد وإنتي روحي سلمي على صحبتك وتعالي جمبي متقعديش بعيد عني."
فهمت سبب تضيقه عليها لهذه الدرجة ولم تختنق منه. بل قابلت اهتمامه بها بحب وأماءت له بالموافقة. ثم اندفعت بين الحشود لتهنئ صديقتها على خطبتها وتعانقها فقد اشتاقت لها كثيرًا.
بينما هو فذهب وجلس على أحد الطاولات الصغيرة وعيناه معلقة عليها لا يزيحهم عنها للحظة واحدة من فرط قلقه. وبعد لحظات وجدها تقترب ناحيته وجلست بجواره هاتفة في أذنه باسمة:
"بتسلم عليك."
قال بعدم فهم:
"مين؟"
عادت تهتف بعبث:
"نهلة يا كرم صحبتي."
"آه الله يسلمها."
صمتوا لبرهة وهم يتابعون الجميع بسكون. حتى وجدها تقترب بمقعدها منه بشدة وتقرب شفتيها من أذنه. وتبدأ تتحدث معه في مواضيع مختلفة حول المدعوين في الخطبة أو الخطبة بشكل عام. وأغلبها كانت كوميدية. يستمع لها ويكتفي بالابتسامة التي تتحول في بعض الأحيان لضحكة بسيطة. وتبادله هي إياها. حتى وجدها تهتف بجدية:
"أنا هروح الحمام."
غمغم باعتراض بسيط وضجر:
"وبعدين يا شفق اثبتي جمبي أنا قايلك من قبل ما نيجي مش هتتحركي من جمبي."
تمتمت في نعومة:
"متخافش مش هتأخر."
ثم هبت واقفة وابتعدت عنه حتى توارت عن أنظاره بين حشود المدعوين للحفل. ليتأفف بنفاذ صبر وينتظرها إلى ما يقارب الخمس دقائق وهو ينظر لساعة يده كل دقيقة. وبدأ خوفه يسري في أعضائه عندما تخطت السبع دقائق ولم يعد يتحمل. حين وصلت لعشر دقائق ولم تعد. فهب واقفًا واتجه نحو الحمام. ووجد فتاة صغيرة لم تتخطى العشر سنوات تخرج من الحمام. فأوقفها وسألها عنها ووصف لها ملابسها وهيئتها. وهل رأتها في الحمام قبل أن تخرج أم لا. فكانت إجابتها بالنفي. لتتسارع نبضات قلبه. وبدأ عقله في إفراز هرمون الأدرينالين. فتحول لقطعة من النيران الملتهبة. واندفع يبحث عنها في كل مكان من الممكن أن تكون به في إطار الحفل. ولكن لا أثر لها وكأنها تبخرت في الهواء!!