تحميل رواية «فوق جبال الهوان» PDF
بقلم منال سالم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حمل عنها حقيبتها الصغيرة وعلقها على كتفه، ليسير معها بخطوات شبه متعجلة عبر الطرقات الضيقة والأزقة، فقد انتهى بهما المطاف بعد ساعات من استقلال عربة القطار إلى هذا الحي البعيد بتلك المدينة النائية عن بلدتها. لم تتوقع "مروة" أن يكون مستوى المعيشة هنا متدنيًا، فبناءً على ما أخبرها به سابقًا، من المفترض أنه يعيش في منطقة راقية، بها مظاهر الترف والراحة، لكنها رأت عكس ما وصف تمامًا. سألته بقلب متوجس وهي تدير رأسها لتنظر إليه: - هو احنا هنا فين كده؟ أجابها وهو يدفعها برفق للولوج إلى داخل مدخل هذه العمار...
رواية فوق جبال الهوان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منال سالم
يا له من تجبر وتبجح لا يمكن تخيله، فهو يحدث أمام قسم الشرطة، وعلى بعد عدة أمتار من رجال حفظ الأمن والقانون! لقد صدر الأمر الصارم باختطاف ثلاثتهم، وكأنه لا يوجد أي قانون رادع يسري عليهم.
شهقت "دليلة" فزعًا عندما اقترب منها أصحاب الأجساد الضخمة، واحتمت بوالدها، الذي ضمها على الفور تحت ذراعه، وألصقها بصدره ليحميها من بطش هؤلاء العتاة، وراح يصيح فيهم هادرًا:
- محدش يلمس بنتي!
تكلم أحدهم من تلقاء نفسه يحذره:
- يبقى تيجي معانا بالذوق.
رد عليه مكرهًا:
- طيب.
كان مرغمًا على الذهاب بصحبة ابنته إلى الحافلة الصغيرة، ليجنبها التعرض للمهانة أو الخطر.
حاول "كيشو" معالجة الموقف بتوسله غير المجدي:
- يا ريس "عباس"، إنت فاهم الموضوع غلط، دي مكانتش تقصد، ولو تعرف إن "سنجة" تبعكم مكانتش جت واشتكت.
دون أن ينظر إليه خاطبه في استعلاء:
- مكانتش أول مرة ليها.
استغرب للغاية من جملته الغامضة، وسأله:
- تقصد إيه بالظبط؟
أخبره على نفس النهج الغريب الباعث على الارتياب:
- مش أنا اللي بقرر.
سأله بقلب يدق في خوف:
- يعني إيه؟
لحظتها استدار برأسه نصف استدارة لينظر إليه، قائلًا بابتسامة خبيثة:
- الكلام مع "الكوبارة" دلوقت.
جحظت عينا "كيشو" في محجريهما، وأخذ يولول في حسرة:
- يا سنة سودة ومالهاش ملامح!
انقبض قلب "فهيم" بارتعاب وهو يتساءل بعد سماعه لجملته تلك:
- هو في إيه؟
أكد مخاوفه المتزايدة حينما أخبره بتعبير مذعور احتل كافة قسماته:
- وقعنا في إيد اللي ما بيرحمش حد!
رغمًا عنه ارتعدت فرائصه، ونظر إلى ابنته بخوف متعاظم، فما الذي يمكن أن يحدث لهم، وتحديدًا هي؟!
......................................
لم تتوقف عن معاودة الاتصال بكليهما، وما عزز شعورها بالقلق والتخبط هو تجاهلهما التام لمكالماتها المتتالية.
دارت الهواجس في رأس "عيشة"، وأخذت تدور حول نفسها في صالة المنزل، وتتجه للشرفة لتلقي نظرة عابرة على الشارع قبل أن تردد مع نفسها بغير صبر:
- البت ولا أبوها ما بيردوش خالص!
خشيت من تأزم الوضع وتعقده، واستمرت في التضرع للمولى:
- استر يا رب، عديها على خير.
دار في خلدها مهاتفة ابنتها الكبرى، إذ ربما ذهب كلاهما إليها، لكنها أعادت التفكير في الأمر، فلا داعي لإصابتها بالتوتر.
عجزت عن البقاء ساكنة في موضعها، وواصلت التعبير عن قلقها:
- قلبي متوغوش ومش مرتاح.
حينما قرع الجرس، انتفضت ركضًا ناحيته وهي تهتف عاليًا:
- أيوه يا اللي على الباب.
اعتقدت أنهما قد أنهيا ما ذهبا لأجله، لكنها تفاجأت بوجود جارتها السمجة عند عتبة الباب، انقلبت سحنتها، وهمهمت بتجهم:
- ست "اعتدال".
بوقاحتها المعتادة، اقتحمت الصالة دون استئذان، وأردفت قائلة في ودية زائدة عن الحد:
- حبيبتي يا "عيشة"، لاقيت نفسي فاضية، قولت أجي أخد بحسك شوية.
رغمًا عنها اضطرت لاستقبالها مرددة باقتضاب:
- تسلمي.
نظرت إليها "اعتدال" بتفرس، وسألتها في فضول:
- إنتي كنتي مستنية حد ولا إيه؟
أجابتها بعبوس لا يمكن إخفائه:
- "دليلة" وأبوها.
في شيء من التحقيق علقت عليها جارتها:
- أه صحيح أنا شوفتها نازلة معاه من شوية، وكانوا مستعجلين، هو حصل حاجة لا سمح الله؟
اندهشت من ملاحقتها المستمرة لأخبار عائلتها، وتدلى فكها للأسفل مرددة في نبرة ذاهلة:
- هـه!
بطريقتها الخبيثة والماكرة ألحت عليها "اعتدال"، لعلها تصل إلى غرضها وتشبع فضولها النهم لمعرفة ما تخفيه عنها:
- قوليلي يمكن أقدر أساعدك.
تهربت من منحها ما تريد معرفته بادعائها الزائف:
- لأ مافيش، ناقصها حاجات في الكلية فأبوها بيجيبهالها.
لم تبدُ مقتنعة بما تقول، ومع ذلك ردت راسمة على ثغرها ابتسامة صفراء سخيفة:
- وماله، ربنا يخليه ليكم.
كم ودت "عيشة" لو استطاعت طرد هذه المتطفلة من بيتها، لكنها اتخذتها وسيلة لإلهاء عقلها عن التفكير في أسباب تأخر زوجها وابنتهما.
.................................
بشكل غريزي، التصقت "دليلة" بأبيها حينما أُجبر الثلاثة على ركوب الحافلة الصغيرة، حاولت أن تختطف نظرات سريعة عبر النافذة لتنظر إلى الطريق المؤدي إلى هذا المكان القفر المسمى بالتبة العالية.
مالت عليه، وهمست له في أذنه بصوت شبه مرتجف ينم عن مشاعر الذعر المتفشية في داخلها:
- بابا، هو احنا هيحصلنا إيه؟
رغم خوفه المعكوس على تقاسيمه المجعدة، إلا أنه حاول بث الطمأنينة إلى نفسها، فأخبرها بصوت خفيض، وهو يربت على كف يدها:
- ماتقلقيش يا حبيبتي، إن شاء الله كل حاجة هتتحل.
عبرت له عن شعورها دون مواراة:
- أنا خايفة أوي.
مجددًا بذل جهده لتخفيف ما ينتابها من أحاسيس طبيعية بقوله المؤكد:
- متخافيش يا بنتي، محدش هيقرب منك.
قطع وعدًا على نفسه، بألا يسمح لأحدهم، مهما كان يملك من قوة أو سلطان بفعل ما قد يضر بابنته، وإن عنى بذلك التضحية بحياته من أجل صغيرته المدللة.
مضت عدة دقائق، وتوقفت الحافلة بداخل منطقة تبدو للوهلة الأولى مخيفة للغاية لمن هو غريب عنها، انتصبت شعيرات جلد "دليلة"، وتشبثت أكثر بذراع أبيها، الذي حاول حمايتها، وضمها إلى صدره طوال سيرهما إلى الباحة الرئيسية المواجهة لبيت يبدو وكأنه منزل خاص بحاكمها الأوحد.
بالطبع تعلقت الأنظار الفضولية والمتسائلة بهم، خاصة كلما عرجوا على جماعة مجتمعة، فكانوا يهللون بالترحيب بـ "عباس" في توقير، قبل أن يميلوا على بعضهم البعض ليتهامسوا عنهم.
قلة قليلة فقط مضت تتبعهم لتعرف ما الذي يدور معهم.
أُجبر الثلاثة على الوقوف أمام باب المنزل بعدما رأوا إشارة يد "عباس" المرفوعة إليهم في الهواء قبل أن يستدير ناحيتهم ليهتف في استمتاع وتشف:
- جه وقت الحساب.
هوى قلب "دليلة" في قدميها، وكان حال والدها لا يختلف كثيرًا عنها، بالرغم من بذله الجهد ليبدو ثابتًا وهادئًا، إلا أن فرائصه كانت ترتعد، فمن هم على وشك مواجهتهم لا يقبلون بالغفران كخيار.
................................
في غرفة تشبه حجرة المكتب بسبب احتوائها على مكتب ضخم، من خلفه رفوف وضعت عليها عشرات الكتب والمجلدات، بجانب عدة أرائك جلدية، وتبدو من موقعها معزولة عمن حولها من غرف، لكنها كانت الاختيار الأمثل للشقيقين لجعلها حجرة للنقاش والترتيب لمخططاتهما بعيدًا عن تلصص أو تربص المقربين قبل الغرباء بهما.
انفرد "كرم" بشقيقه الأصغر، وسأله باهتمام بعدما أطفأ قداحته التي أشعل بها طرف سيجارته:
- في إيه يا "زهير"؟
جعد أنفه قليلًا، قبل أن يلمس طرفه بإصبعه، ليستطرد موضحًا بنبرة لا تزال غامضة:
- حاجة خدت بالي منها، معرفش إن كنت تعرف حاجة عنها ولا لأ.
رد عليه في اهتمام، ونظراته بالكامل مثبتة عليه:
- رسيني على الحوار.
في نبرة جمعت بين الجد والهزل أجابه:
- الواد "عصفورة" شكله عصفورة.
سكت قليلًا، وكأنه يفكر في مغزى عبارته، قبل أن يأتي رده محملًا بالضغينة:
- أنا بقالي مدة مش مرتاحله.
أضاف "زهير" في نبرة جادة وهو يشير بإصبعه:
- سهل يتكشف، ونعرف بينقل أخبارنا لمين.
هز رأسه بإيماءة موافقة، فتابع الشقيق الأصغر كلامه إليه بهدوء:
- احنا نرميله معلومة، ونشوف، لو وصلت يبقى هو اللي حكم على نفسه بالقاضية.
لم يجادله على الإطلاق، واستحسن اقتراحه متمتمًا:
- ماشي كلامك.
قطع خلوتهما الجادة أحد أتباعهم، فدق على الباب، قبل أن يلج إلى الداخل مستطردًا بصوت شبه لاهث:
- يا "كوبارتنا"، الريس "عباس" جه، ومعاه صحبة.
تساءل "كرم" بحاجبين معقودين:
- مين دول؟
أجابه بعبارات مفهومة له:
- اللي بلغوا الدبابير عن "سنجة".
فرك طرف ذقنه براحة يده في بطء، وأصدر أمره الحاسم:
- خليه يتعامل، وأنا شوية وطالع أشوف الحوار.
هز رأسه في طاعة قبل أن يعقب:
- تمام يا كبيرنا.
عاود بعدها الحديث إلى شقيقه، فخاطبه باهتمام وهو يظهر هاتفه المحمول له ليطلعه على شيء بعينه:
- بص دلوقت احنا عندنا مصلحة مع آ....
انشغل كلاهما بالحديث الجاد عن إتمام مسائل أخرى أكثر أهمية من متابعة ذلك الأمر التافه، والذي يمكن لغيره إكماله وإنهائه دون الحاجة لمشورته.
...................................
فيما بعد، راقبت الأعين الجامعة ما بين نظرات فضولية، ونظرات مرتاعة ذلك التابع حينما عاد إلى موضع اجتماع "عباس" بالثلاثة الدخلاء، وقف خلفه، وهمس له بكلمات مقتضبة في أذنه:
- كبيرنا بيقولك اتعامل، وهو هيخلص اللي وراه ويجيلك.
اتسعت ابتسامته اللئيمة مرددًا وهو يفرك كفيه معًا:
- زي الفل.
قرأ "فهيم" بحكم خبرته الحياتية الكبيرة ما ارتسم من علامات لا تبشر بخير على وجه ذلك اللئيم، فبادر بمحاولة يائسة منه لحل المسألة دون أن تصل للمزيد من التعقيدات:
- يا أساتذة احنا آ...
قاطعه "عباس" قبل أن يتم جملته ساخرًا منه بطريقة هازئة ومغيظة:
- أساتذة ..
هاو! هو أنت فاكرينا في مدرسة يا عم الحاج؟!
تحرج من طريقة إهانته الواضحة، وقال وهو يحاول الحفاظ على ماء وجهه:
- ما أنا مش عارف أناديكم بإيه.
في شيء من الزهو أخبره وهو يضرب على صدره بتفاخر:
- أنا الريس عباس، وإنت هنا في منطقة الكوبارة.
هز رأسه مرددًا:
- ماشي يا ريس.
من جديد تكلم عباس بملامحه الممتعضة:
- وشوف بقى علشان ما نضيعش وقتنا...
اتجه بناظريه نحو دليلة، وأشار إليها بإصبعه في لهجة مهددة:
- بنتك غلطت، ولازم تتحاسب على ده.
غريزيًا اندفع فهيم خطوة للأمام، ليقف أمام ابنته، مشكلًا بجسده حائلًا بينها وبينه وهو يكلمه في نبرة عقلانية، لعله يستوعب سوء الفهم:
- هي ما كانتش تعرف إن الحرامي تبعكم.
لوى ثغره معقبًا بنبرة متحاملة ضدها:
- موضوع سِنجة كده كده هيتحل، أنا بتكلم على إنها موالسة مع الحكومة علينا.
قطب جبينه مرددًا:
- مش فاهم.
أوضح له مباشرة:
- بتبلغ عننا أول بأول.
لحظتها فقط خرجت دليلة عن دور المشاهد الصامت المذعور منذ بداية سخونة الأحداث، لتقول في نبرة هجومية، مدافعة عن نفسها بشجاعة لا تعرف من أين جاءتها:
- وده حصل امتى؟ وأنا أعرفكم أصلًا منين علشان أبلغ عنكم؟!
التف والدها برأسه نحوها يحذرها:
- خلاص يا دليلة اسكتي.
مرة ثانية تكلم عباس موجهًا حديثه إليها على وجه الخصوص:
- رجالتنا عرفوكي يا حلوة أول ما دخلتي القسم برجليكي، ما هو اللي زيك بيتعلم عليه على طول.
اضطرت للرد والذود عن نفسها باستبسال غريب:
- وأنا مالي بيكم؟
ما لبثت أن تحولت ملامحها للضيق الشديد وهي تتم جملتها بنزق:
- إنتو عاملين الحوار ده أونطة علينا!
وقتئذ غامت تعبيرات وجه كيشو، وراح يضع يده على كتف فهيم ليضغط عليه قائلًا في نبرة تحذيرية:
- لِم بنتك يا عم فهيم، كده هي بتولعها مش بتهديها.
وافقه الرأي في اندفاعها الأهوج، وصاح بها يأمرها:
- اسكتي بقى يا دليلة، هو أنا مش مالي عينك؟
اعتذرت منه في التو مبررة:
- آسفة يا بابا، بس هو بيفتري عليا ظلم.
مرة أخرى تكلم فهيم ساعيًا لتلطيف الأجواء:
- يا ريس عباس، أكيد في سوء فهم في الموضوع، ده احنا لسه جايين المنطقة قريب، مالناش دعوة بحد، وفي حالنا.
رد بسخط، وعلى سحنته هذه التكشيرة المنزعجة:
- كل ده ما يخشش دماغي بمليم.
تكلم كيشو من فوره:
- طب قولنا يا ريس عباس نراضيكم إزاي؟
من جديد كرر فهيم اعتذاره:
- أنا محقوقلك يا ريس، وشوف الترضية اللي تعجبك وأنا موافق.
أتته الفرصة على طبق من ذهب لفرض سطوته، فقال بكلمات لا تُرد:
- بص يا عم الحاج، دية الليلة دي كلها علشان تخلص خمسيناية، والنهاردة.
تطلع إليه بعدم فهم، وكأنه أعطاه قطعة من الأحجية لحلها، وليست عبارات واضحة يسهل عليه استيعاب مغزاها، فردد بشكل تلقائي، كأنما يستعلم عما نما إلى مسامعه:
- خمسيناية إيه؟
تولى كيشو دفة الكلام، فأخبره مباشرة:
- خمسين ألف يا عم فهيم!
تدلى فكه للأسفل صائحًا في ذهول مستنكر:
- إيه؟
كانت دليلة مثله على نفس الدرجة من الاستنكار، لكن غيظها من تعنته، ومحاولته إذلالهم جعلتها في أوج عصبيتها، فلم تتمكن من ضبط انفعالاتها أو السيطرة على شعور الحنق الذي تفشى فيها، لتصيح بصوت مرتفع محتجة على إجحافه البين:
- ليه إن شاء الله؟ دي بجاحة وسرقة عيني عينك!
بالكاد جاهد عباس لمنع نفسه من التطاول عليها، فأطلق تحذيره الأخير لها:
- لولا إنك حِرمة وأبوكي واقف قصادي يتذللي كنت عرفتك مقامك.
استفزتها طريقته، فكزت على أسنانها في حنق، وهمهمت بزمجرة غاضبة:
- إنت آ...
في التو تدخل والدها ليمنعها من مواصلة الهجوم اللفظي عليه، وافتعال المزيد من المشاكل بتوسله المستتر:
- بالله عليكي تسكتي.
رأت نظرات الضيق تتجلى في عينيه، فقالت ممتثلة لأمره رغم غليل نفسها المحتقنة:
- حاضر.
كتفت ساعديها أمام صدرها، ونظرت إلى أبيها الذي عاد ليتفاوض مع عباس بشيء من الرجاء:
- يا ابني المبلغ كبير عليا، وأنا راجل ظروفي على أدي، صعب أدبر حاجة زي كده في وقت ساعته.
في قساوة واضحة أخبره:
- مالناش فيه.
تدخل كيشو مقترحًا بحذر:
- طب ينفع يا ريس عباس، عم فهيم يستسمح الكوبارة يقسطله المبلغ، ده بردك راجل كبير وعلى المعاش، وفاتح بيت، وعنده ولايا.
لئلا يبدو منزوع الرحمة، قال على مضض وهو يلوح بكف يده في الهواء:
- خلاص كلمه، وهو صاحب الناهية فيه.
استحسن قبوله بالأمر، فيما دمدمت دليلة بغيظ من بين أسنانها، وبهمس:
- حسبي الله ونعم الوكيل.
وجه عباس أمره لأحد أتباعه بعدما فرقع بأصابعه:
- روح ياض شوف الكوبارة خلص اللي وراه، ولا لسه مشغول، واديله خبر باللي حاصل.
انصاع له مرددًا قبل أن يهرول تجاه المنزل ليلج ويختفي بداخله:
- أوامرك يا ريسنا.
انتهى زهير من مراجعة الأعمال العالقة والتي دون ملاحظات عنها في هاتفه المحمول، ليدسه في جيبه متطلعًا إلى شقيقه الأكبر الذي راح يقول بحبور وهو يرمقه بهذه النظرة المتفاخرة:
- اتفقنا.
شدد عليه زهير بغير تساهل:
- ابعت اللي يخلص، ويحط عليهم.
ربت كرم على كتف شقيقه متمتمًا بشيء من التشجيع:
- زي الفل.
دق التابع الباب مرة ثانية، وولج إلى داخل الغرفة هاتفًا في صوت لاهث:
- يا كبيرنا، الراجل اللي جاي في حوار سِنجة عايز يتكلم معاك.
تساءل كرم مستفهمًا، وقد رفع حاجبه للأعلى:
- هو مش عباس بيخلص معاه؟
أخبره بجدية:
- ما الريس عباس باعتني أبلغك باللي عمله..
ثم سرد له بإيجاز عما جرى، وإلزامه بدفع تعويضًا ماديًا تُقدر قيمته بخمسين ألف جنيهًا، فبدا كرم غير معترض على قراره، وعقب بتجهم ساخط:
- ومطلوب مني إيه؟ أديله إعفا من المبلغ؟
علق التابع بلا نقاش:
- اللي تؤمر بيه يا كبيرنا هيتنفذ.
في حين تنهد زهير بصوت مسموع نسبيًا قبل أن يقترح:
- شوفه عايز إيه الراجل ده، جايز معذور، وسهلها عليه، طالما جاي ندمان.
لم يرد حديثه، وقال بلا ابتسام:
- ماشي كلامك يا زهير.
تحرك شقيقه الأصغر تجاه باب الغرفة متابعًا كلامه إليه بعدما أخرج هاتفه من جيبه:
- وأنا هكلم رجالتنا تظبط حوارنا التاني.
هتف من ورائه في استحسان:
- الله ينور عليك...
ليقوم بتوجيه باقي كلامه للتابع في لهجة آمرة:
- وإنت ياض ناديلي على الراجل ده هنا.
- ماشي يا كبيرنا.
قالها التابع مومئًا برأسه قبل أن يسرع في خطاه لينفذ أمره الصارم في الحال.
بنفس الخطوات الراكضة عاد التابع إلى رب عمله ليخبره بالمستجد، فابتسم عباس معقبًا وهو يثبت نظرته القوية على فهيم:
- حظك حلو، الكبير بنفسه وافق يقابلك.
هلل كيشو في سرور، وكأن الأمل قد عاد ليلوح في الأفق:
- يا فرج الله!
ثم مال على فهيم ليهمس له في أذنه:
- أهوو كده في أمل إنك تعرف تدفع المبلغ على أجزاء.
رد عليه بغير تعبير:
- ربنا ييسر...
سرعان ما أصبحت ملامحه أكثر عبوسًا وضيقًا وهو يُحادث نفسه:
- كنت ناقص ورطة أكتر من كده.
التفت محدقًا في ابنته، وأمرها لتتبعه:
- تعالي يا دليلة.
قبل أن تتحرك خطوة واحدة من موضع وقوفها، اعترض عباس على ذهابها قائلًا بنبرة عالية:
- الكوبارة عايزك لوحدك.
احتج على بقائها بمفردها وسط هؤلاء هاتفًا في توجس شديد:
- بس أنا مش هسيب بنتي.
رفضه يعني إضاعة فرصة ثمينة للتفاوض وتقليل حجم الخسائر، لهذا عَمِد كيشو لنصحه بطريقة تبدو أقرب للرجاء، خاصة مع نظرته المصوبة إليه:
- أنا معاها يا عم فهيم.
على مضض اضطر أن يقبل، واستدار يوصي ابنته:
- خليكي هنا دليلة، وأنا دقايق وراجعلك.
هز رأسه قائلة في طاعة:
- ماشي يا بابا.
قبل أن ينصرف حذره كيشو بجدية شديدة:
- خد بالك من كلامك يا عم الحاج معاه.
فهم رسالته المبطنة في تحذيره، وردد بتضرع وخفوت:
- ربنا يستر.
لينصرف بعدها صاعدًا الدرجات الرخامية، ومن أمامه أحد أتباع عباس ليرشده إلى مكان اللقاء بزعيمهم.
كان من الصعب عليها فهم طبيعة الحياة في هذا المكان المليء بكل ما يحفز النفس البشرية على تقبل الشرور برحابة صدر، وكأنها حقيقة مفروغ منها. بالكاد ضبطت أعصابها، ولاذت بالصمت وهي تسمع التلميحات المستفزة لها، إلى أن فرغ صبرها مع كلام عباس الأخير الموجه إليها تحديدًا:
- اللي حصل النهاردة ده قرصة ودن ليكي، علشان ما تحشريش مناخيرك في اللي مالكيش فيه.
دمدمت في حنق، وقد ساد على تقاسيمها تجهم عظيم:
- والله العظيم احنا في زمن العجب، بقى المجرمين والبلطجية ليهم عين وبيتكلموا؟!
لم يستطع تبين ما تهمهم به، فواصل استفزازها بطريقته السمجة:
- احمدي ربنا إن الكبير دخل في الحوار، وإلا كان زمانك متعلقة مع أبوكي.
في تلك الأثناء، خرج زهير من داخل المنزل ليتطلع إلى عباس أولًا، ثم وقعت عيناه على تلك الشابة، في التو عرفها، إنها نفس الفتاة الباحثة عن المتاعب، تعقدت تعبيرات وجهه، وظهرت حيرة لحظية على ملامحه، أيعقل أن تكون هي المتورطة في مسألة إبلاغ الشرطة عن مشاحنتهم السابقة؟ لم يحتج للتخمين، كان الأمر جليًا ومحسومًا، خاصة مع مرور والدها بجواره، برأس مطأطأ، وخطوات بطيئة، تدل على العجز وقلة الحيلة.
انتبه إلى صوتها الثائر وهي تتواجه مع "عباس" بلا خوف:
- ده على اعتبار إن اللي بتعملوه ده حلال؟!
اغتاظ "عباس" من عدم مبالاتها بشأن تهديداته، وتحفز في وقفته صائحًا بحدة:
- بتبرطمي تقولي إيه؟
تقدم "زهير" ببطء، ليتابع باهتمام ما يدور بينهما من سجال محتدم، حيث ناطحته "دليلة" الند بالند، دون أن تكترث مجددًا لتبعات اندفاعها الطائش:
- بقول العيشة اللي إنتو فيها دي من حرام.
ارتفعت نبرته فبدت أقرب للزئير وهو يهتف مستهجنًا وصفها:
- نعم يا اختي؟
وكأنها تناولت حبوب الشجاعة، فأكدت له بلا خوف:
- أيوه، زي ما سمعت، الحوار اللي عامله مع كبيرك علينا، ده بس علشان تستبيحوا فلوس الناس الغلابة وتلهفوها بأي حجة، وده لأن ما فيش حد قادر يقف قصادكم.
ليبدو جادًا في تهديده المزعوم إليها، أخرج "عباس" زجاجة صغيرة من جيبه، ونزع غطائها المعدني في عصبية، وهو يتوعدها:
- الظاهر إنك عايزة يتعلم عليكي بجد.
كانت مجرد زجاجة دواء لمعالجة تقلصات المعدة، لكونه يعاني مؤخرًا من صعوبات في الهضم، ابتاعها في طريقه إلى هنا من الصيدلية، أو الأحرى أن يقال إنه أخذها بلا مقابل، هداه عقله لاستخدامها كوسيلة لإرعابها وتهذيبها، فقذف ما بها في وجهها مرددًا:
- وأنا ما عنديش مانع.
صرخت من هول المفاجأة، وظنت أنه قذف بسائل مادة ما حارقة في وجهها ليحرق بشرتها ويشوهها، فاستدارت بكامل جسدها بعدما غطت وجهها بيديها للجانب، لتصطدم بحائط بشري لم تتوقع تواجده ورائها.
ضربت "دليلة" برأسها صدر "زهير"، لتتفاجأ به يحاوطها بذراعيه، وكأنه يضمها إلى أحضانه، فرفعت عيناها بذعر إليه، بعدما شعرت بلمسة يده على ظهرها، حملقت فيه بعينين متسعتين، فناظرها عن قرب خطير وهو يستعتبها مبتسمًا بعبثية:
- مش تلمي لسانك أحسن؟
استشعرت التهديد من طريقته الملبكة للأبدان، وما زادها إحساسًا بالحنق منه هو تجرؤه على وضع يده على جسدها، وكأن هناك ما يربطهما معًا، انتفضت مبتعدة عنه، ورفعت يدها في الهواء لتهوي بها على صدغه لتصفعه بقسوة، وهي تنعته في انفعال وثورة:
- ما تلمسنيش يا حــيـــوان!
انصدم الجميع بردة فعلها القوية، فكان "عباس" أول من صاح مستهجنًا تصرفها الأهوج:
- إنت اتجننتي يا بت؟!
هم بالهجوم عليها لولا أن أشار له "زهير" بيده بالتوقف في مكانه، وعدم الاقتراب منها. أدركت "دليلة" حجم الكارثة التي ارتكبتها، وضمت يديها معًا إلى صدرها، لتشعر بموجات من الخوف والترقب تعصف بها، فإلى الآن لم تحل مشكلتها الأولى، لتجد نفسها تتورط في مشكلة أخطر منها، فكيف ستقوم بمواجهة نتائجها الجسيمة؟ نفضة أقوى حلت بها عندما أتى صوت "كرم" من مسافة لا تبدو بعيدة عنها وهو يتساءل في صوت غاضب للغاية:
- إيه اللي بيحصل عندك يا "زهير"؟!!
على ما يبدو رأى "كرم" صفعها لشقيقه في وقاحة منها بعدما تفاوض مع أبيها الذي جاء بصحبته ليتساءل الأخير في ذعر حقيقي:
- "دليـــلة"! إنتي عملتي إيه؟
تعمد "عباس" سكب المزيد من الوقود على النيران المشتعلة بقوله المحفز لإثارة المشاكل وهو يوجه إصبع الاتهام إليها:
- الحق يا كبيرنا، البت دي مش هاممها حد، وطايحة في الكل.
هزت "دليلة" رأسها رافضة ما يحدث، بينما هرول "فهيم" تجاه ابنته، وجذبها من معصمها ورائه، ليحول بينها وبين "كرم" الذي أوشك على الانقضاض عليها، ورجاه في خوف كبير:
- هي ما تقصدش.
قبض "كرم" على كتفه، ودفعه للجانب بخشونة، ليزيحه عن طريقه وهو يزمجر بحنق متضاعف:
- اتركن لي على جنب يا راجل إنت.
اتسعت عينا "دليلة" على آخرهما عندما وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع الوحش الكاسر، كادت تموت رعبًا في جلدها عندما هدر بها بصوته الجهوري المهدد:
- إنتي بقى عاملة نفسك سبع رجالة في بعض وشايفة نفسك علينا؟!!
ظنت أنه الهلاك الحتمي بنزع فتيل غضبه المستعر، وعجزت عن التحرك من موضع وقوفها للفكاك منه قبل أن يبطش بها، أنقذتها العناية الإلهية باعتراض "زهير" له، فوقف بجسده أمامها يمنعه من بلوغها، وخاطبه في جدية وصرامة:
- اهدى يا "كرم".
رد عليه شقيقه الأكبر بعدائية صريحة:
- ما عاش ولا كان اللي ترفع إيدها عليك يا خويا...
ثم مال برأسه للجانب قليلًا ليسدد لها نظرة نارية قاتلة قبل أن يتم جملته بنبرته المخيفة:
- احنا بنعرف نعدل الضلع الأعوج!
بهدوء مثير للريبة تكلم "زهير"، وهو يضع كفيه على جانبي وجه شقيقه ليمسك به منه:
- حوارها معايا أنا.
لم يكن أمام "فهيم" أي حل آخر سوى تهذيب ابنته بصرامة أمام هؤلاء، وإن كانت مرته الأولى التي يلجأ فيها للعنف معها، وإلا لعانت الويلات بخلق المزيد من العداوات معهم. على الفور سحبها من ذراعها بعيدًا عنهما، وانهال عليها بصفعة مباغتة على وجنتها قبل أن يلومها في صوت مرتفع ومحتد:
- عملتي كده ليه يا "دليلة"؟
في البداية ألجمتها الصدمة، وحملقت فيه مدهوشة، لتغرق حدقتيها في بحر من الدموع، قبل أن ترتجف شفتاها هامسة بذهول مستنكر لردة فعله تجاهها:
- بابا!
صفعها على وجنتها الأخرى بواحدة مماثلة في القوة والقسوة وهو مستمر في تقريعها:
- هو احنا ناقصين مصايب؟ ما كفاية الدين اللي بقى في رقبتي بسببك!
تجمدت في موضعها كالصنم، والدموع تنساب من طرفيها بغزارة، ليتطلع الجميع إلى ما يدور بين الأب وابنته بنظرات جمعت ما بين التشفي والتسلية. فاقت الصدمة احتمالها، ففقدت وعيها مع الصفعة الثالثة، وانهارت مغشيًا عليها، لتطرح أرضًا، و"فهيم" يصرخ بندم حقيقي وهو يحاول الإمساك بها قبل أن ترتطم رأسها بالأرضية الصلبة فتتأذى أكثر:
- "دليـــــــلة"!
لو لم يكن حاضرًا للموقف منذ بدايته، لظن أنها تمثيلية رخيصة ومفتعلة لطلب الصفح والعفو؛ لكن كل شيء حدث بشكل غير متوقع ومفاجئ.
لئلا تسوء الأمور أكثر من ذلك، دفع "زهير" شقيقه من صدره بقبضتيه القويتين، وهمس له برجاء:
- امشي يا كبير، وأنا هتعامل مع الحوار ده، هو يخصني من دلوقت.
كعادته لم يستطع أن يرد له طلبًا، وهدر من بين زفيره الحانق، في لهجة مالت أكثر للتهديد:
- ماشي يا "زهير"، بس أحسنلك تعمل اللي يرضيني، أنا مش هقبل تتهان وأسكت.
أكد له وهو يومئ برأسه:
- حاضر، شوف وراك إيه.
انسحب بعدها "كرم" مغادرًا الباحة، وهو يلعن بسباب لاذع، ومن خلفه "عباس" وبعض الأتباع، ليوجه "زهير" أمره للبقية المتواجدة في غلظة وصرامة:
- يالا ياض إنت وهو.. هي مش فرجة.
في التو انفض الجمع، ليبقى "كيشو" في مكانه مترددًا ما بين البقاء والذهاب، ليأتيه الأمر النافذ من "زهير" بالرحيل، فانصرف على الفور، وهو يدعو الله ألا يتورط مجددًا مع هذه العائلة التعيسة.
......................................
لم تستجب "دليلة" لأي من محاولات والدها المستميتة لإفاقتها، ظهر الندم الشديد عليه، فابنته لم تألف نهائيًا قساوته معها تحت أي ظرف، فكانت الصدمة لا تحتمل بالنسبة لها، فأخذ يعتذر لها وصوته يكاد يكون مختنقًا:
- حقك عليا يا بنتي، غصب عني والله.
لم ينتبه إلى "زهير" الذي جثا على ركبته أمامهما، فقد أخذ يشملها بنظرة سريعة تفقدية قبل أن يصدر أمره الموجه إليه:
- عنك شوية يا حاج.
من بين سحابة دموعه المتجمعة في مقلتيه نظر إليه "فهيم" متحيرًا، وسأله في توجس كبير:
- إنت هتعمل فيها إيه؟
لم يجبه، وتفاجأ به يمرر ذراعيه خلف ظهرها، وأسفل ركبتيها، حتى يتمكن من حملها، ثم نهض واقفًا، وسار بها بخطوات سريعة نحو سيارته، ليتبعه "فهيم" في ذعر وهو يسأله:
- إنت واخدها على فين؟
استخدم "زهير" يده بصعوبة في فتح الباب الخلفي لسيارته، وأجلسها بحذر على المقعد، مراعيًا وضع رأسها برفق على الجانب، ليعترض "فهيم" طريقه متوسلًا إياه:
- بالله عليك ما تأذيها، أبوس إيدك، اللي إنت عايزه أنا هدفعه، بس ما تجيش جنبها.
طمأنه بكلامه الغامض وهو يربت على كتفه:
- اركب يا حاج، أنا هرجعكم من مطرح ما جيتو.
فغر فاهه للحظة مذهولًا، يكاد لا يصدق ما سمعه، ليجد "زهير" يدور حول مقدمة السيارة حتى يستقر خلف عجلة القيادة، في التو ركب بجوار ابنته، وحاوطها بذراعه ليريح رأسها على كتفه، مسح على وجهها الرطب بترفق، وعيناه الأبويتان تنظران إليها بأسف وندم.
............................................
لجأ إلى أسلوب الصمت المخيف طوال قيادته للسيارة، ليشعر "فهيم" بمزيد من التخبط والحيرة من أمره الغامض نحوهما، خاصة أنه أبصر نظراته القاتمة إليهما بين الفينة والأخرى، فاستشعر قلبه نية غير محمودة تجاههما، لهذا تساءل بحذر وهو يزيد من ضمه لابنته، وكأنه يحاول حمايتها بكل الطرق المتاحة إليه:
- إنت ناوي على إيه معانا؟
أخبره بغموض جعل البرودة تسري في عروقه:
- مش وقت كلام.
لم ينتبه "فهيم" إلى بلوغه لمنطقة سكنه، بسبب تركيزه الكلي معه، ليدور ببصره بشكل عفوي في الأرجاء عندما سأله:
- ده بيتكم صح؟
أمعن النظر في المكان، مستوعبًا أنه بالفعل وصل إليه، فجاوبه باقتضاب مرتبك:
- أيوه.
ترك المحرك دائرًا، وترجل من السيارة، ليقوم بفتح الباب الملاصق لـ "دليلة" ثم مرر ذراعيه من أسفل جسدها، وقام بحملها دون استئذان منه، وهو يكلمه بلهجة الآمر الناهي:
- وريني ساكنين فين.
كان يعلم مسبقًا بمحل إقامتها، ومع ذلك ادعى جهله به ليجعله يمضي في طريقه أولًا، حتى يتجنب نظراته التي تلاحقه وتحاصره، بل وتطبق على أنفاسه كلما حاول استراق النظر إلى هذه الشابة المثيرة لفضوله واهتمامه.
أطاعه "فهيم" مرددًا وهو يهبط عن السيارة بتعجل:
- حاضر.
ثم سبقه في خطاه ليرشده إلى مكان بيته هاتفًا:
- اتفضل من هنا.
كعادتها الفضولية المتطفلة، وقفت "اعتدال" على بسطة السلم تراقب كل شاردة وواردة تحدث، فلم يغب عن ناظريها رؤية "زهير" وهو يصف سيارته أمام البناية ليترجل منها حاملًا ابنة الجيران الشابة، فدارت برأسها الأفكار المحيرة عن علاقة بعضهما ببعض. اندفعت بنزق، ترحب به، وهي ترسم على وجهها ابتسامة عريضة مستفزة:
- سي "زهير" عندنا؟ منور العمارة يا كبير المنطقة.
ادعت أنها لم تبصرها في البداية، وقالت في خوف مصطنع:
- الله! مش دي "دليلة"؟ هو حصل إيه؟
زجرها "زهير" بخشونة، مهددًا إياها، وهو يحدجها بنظرة قاسية:
- تعرفي تسكتي، ولا أسكتك بطريقتي؟
في التو تخلت عن أسلوبها التحقيقي، وتراجعت للخلف، لتبدي اعتذارها إليه:
- حقك عليا يا كبير..
واصل "زهير" تهديده لها وهو يكمل صعوده للأعلى:
- خشي بيتك واقفلي بابك عليكي أحسنلك.
لم تقل شيئًا، وانصاعت إليه عائدة إلى داخل بيتها، لتقف وراء الباب بعدما أغلقته متسائلة مع نفسها وهي تضع إصبعيها على طرف ذقنها:
- شكل الموضوع فيه إن، ولازم أعرفها!
....................................
بمجرد أن سمعت الطرقات على الباب، أسرعت "عيشة" تجاهه لتفتحه، لتتفاجأ بزوجها ينحيها جانبًا، حتى يفسح المجال لـ "زهير" ليمر بابنتهما وهو يحملها، أرشده إلى مكان غرفتها حتى يتمكن من وضعها على السرير، قبل أن يغادر الغرفة تاركًا الاثنين معها، ما لبث أن انهالت عليه زوجته بأسئلتها المذعورة:
- إيه اللي حصل يا "فهيم"؟ البت مالها؟ ومين ده اللي جايبها؟
رد عليه بصوت لاهث للغاية وهو يشير إليها بيده المرتعشة:
- هقولك بعدين، خليكي بس مع البت دلوقت.
تركها مع حيرتها تأكلها، ليتجه إلى الخارج حيث كان لا يزال "زهير" في انتظاره، راقبه في صمت مغلف بالقلق وهو يعدل من طرفي كمي قميصه، وكذلك ياقته. تحفز في وقفته عندما وجه إليه أمره المشوب بالتحذير:
- لما بنتك تفوق تنبه عليها ما تحتكش بحد...
افترت شفتاه عن دهشة مرتعبة، فأكمل إنذاره إليه:
- والأحسن ما تخرجش، علشان مصلحتها...
لم يكن بالممازح مطلقًا وهو يختتم معه باقي حديثه بجدية أشد، وهذه النظرة الغامضة، والعاكسة لما هو أخطر، مثبتة عليه:
- ده لو إنت خايف عليها بجد .............................. !!!
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم منال سالم
الحالة المزاجية المتكدرة، والتي كان عليها منذ أن رأى شقيقه الأصغر يتلقى هذه الصفعة المباغتة من تلك الشابة المتهورة، وعدم قيامه باتخاذ ردة فعل تليق بالموقف، جعلته في أوج غيظه، وانعكس تأثيرها على تصرفاته بوجهٍ عام، فأصبح أكثر حدة وغلظة في تعامله مع كل من يقابله اليوم.
ظل "كرم" يحاسب الجميع بلا هوادة على أصغر الهفوات، وكأنها جريمة نكراء، حتى أصبح الكل يتجنب الصدام معه، أو حتى الاقتراب منه لإطلاعه على أي شيء لئلا ينالوا نصيبهم من التقريع أو العقاب.
مكث في مطعمه، عند طاولته المخصصة فقط له، وراح يحدق بنظرات نارية محمومة في الطريق الممتد على مرمى بصره، كز على أسنانه متوعدًا:
-آه لو اللي خايف منه حصل تاني!!!
آنئذ اقتحم ذاكرته عدة لقطات تشبه الومضات السريعة، لتذكره بأحوال شقيقه حينما وقع فريسة للحب العذري مع إحدى زميلاته بالكلية، كان ساذجًا للدرجة التي جعلته يصبح مغفلًا أمام الجميع، فلم تكف عن التنمر عليه، ولا جرح مشاعره وإهانته، ليضطر في النهاية للتدخل، وإزاحتها عن طريقه بأسلوبه العتيد، ذاك الذي لا يرأف بأحد، متجاهلًا توسلاته واستجداءاته بعدم التعرض لها، لتنتقل من الجامعة، وتغادر المدينة برمتها تجنبًا لتهديداته.
ورغم لقائه العابر بها، قبل وقت وجيز، في مطعمه ذلك، إلا أنه رأى نظرات الألم والحزن في عيني شقيقه لكونها تذكره بمرحلة ضعفه ومغالبته للمشاعر الإنسانية السامية، تلك التي جعلته أضحوكة أمام الغرباء.
فكيف له أن ينسى حينما كان كلعبة في يدها؟ دمية تتسلى بها، بل وتتباهى باستحقارها له؟ هل يترك الزمن يعيد دورته مع أخرى تظن أنها قادرة على جرحه، والمضي قدمًا في طريقها دون أن تُحاسب على إساءتها؟ هيهات، لن يحدث مطلقًا، طالما أنه لازال باقيًا على قيد الحياة!
...................................
التعبير الذي غطى على كافة ملامحه كان كفيلًا بقذف الرعب في قلبه، وجعله في حالة من الهلع والذعر، كاد "فهيم" أن يجزم أن رئتيه توقفتا عن التنفس، وضيفه غير المرحب به يواصل تحذيره الصارم إليه:
-احنا زعلنا وحش أوي.
ارتجفت أطرافه وهو يرجوه معتذرًا:
-حقك علينا يا معلم...
طالعه "زهير" باستعلاءٍ، والأخير لا يزال يستعطفه:
-هي عيلة وهبلة، وماتعرفش الصح من الغلط.
رد عليه غير مقتنعٍ بحججه وأعذاره المدافعة عنها:
-بس أنا مش شايفها كده!
ثم أتبع ذلك نظرة غريبة من طرف عينه، فتلبك واضطرب، ورغم كونه لم يفهم المغزى الحقيقي وراء جملته الموحية، إلا أن أسلوبه الغامض كان كفيلًا بمضاعفة مخاوفه الأبوية على ابنته العزيزة، لهذا دون ترددٍ كرر عليه اعتذاره بإلحاحٍ:
-أنا محقوقلك، وشوف الترضية اللي عايزها، وأنا تحت أمرك.
أشار له بيده في عدم مبالاة:
-بعدين.
لم يضف المزيد، واتجه "زهير" نحو باب المنزل ليغادر بشكلٍ أكثر غموضًا، لتأتي "عيشة" بعد ذهابه متسائلة في تحيرٍ وقلق:
-مين ده يا "فهيم"؟
أجابها بما جعل أمعائها تتقلص ذعرًا:
-ده القضا المستعجل يا "عيشة"!
تجمدت في مكانها مذهولةً، وعيناها تشيان بخوفٍ متعاظم، ليمر "فهيم" من جوارها هاتفًا بصوتٍ يعبر عن توتره وارتعابه:
-حاسبي أما أطمن على البت.
....................................
تلكأ في نزوله على درجات السلم، متعمدًا التباطؤ أكثر حينما أصبح في مواجهة باب منزل تلك الجارة السمجة، استطاع أن يرى ظلها بوضوحٍ من خلف الزجاج المغبش للباب، فصاح في صوتٍ مرتفع سمعته رغم وجود هذا الحائل بينهما:
-مش هتبطلي أبدًا عادتك الزفت دي!
لم تجرؤ على الاختباء أكثر من ذلك، ففتحت "اعتدال" الباب، ووقفت عند عتبته مستطردة بترحابٍ لزج:
-سي "زهير"، منور عمارتنا كلنا يا سيد الناس.
حدجها بنظرة غير مستساغةٍ لها، فاستمرت في تبريرها وهي تلصق بشفتيها ابتسامة سخيفة متكلفة:
-ده أنا بس واقفة أستنى أشوف إن كنت محتاج حاجة كده ولا كده.
رد عليها باستحقارٍ ظاهر في نبرته:
-هي عادتك ولا هتشتريها؟ !
وكأنها لم تسمع اتهامه المتواري لها بالتلصص على الجيران وتتبع أخبارهم في جملته تلك، لتقول متصنعة الضحك:
-ده احنا نتشرف إننا نخدم...
توقفت لهنيهة عن الكلام لترفع بصرها للأعلى، وكأنها إشارة ضمنية لمقصدها الحقيقي، قبل أن تصرح به بجراءةٍ أزعجته:
-وخصوصًا لو حد قصر معاك من الجيران.
لحظتها تحفز في وقفته، وأنذرها وهو يوجه إصبعه في وجهها:
-أحسنلك تحطي لسانك جوا بؤك، بدل ما تزعلي عليه.
نكست رأسها هاتفة في استعطافٍ مفتعل:
-وأنا أقدر يا سيد الناس أقول حاجة تزعلك؟ يتقطع لساني لو عملت كده.
مال برأسه عليها ليقول من بين شفتيه بما يشبه الوعد:
-هيحصل .. وعن قريب، طول ما إنتي حاشرة نفسك في اللي ملكيش فيه.
بهتت تعبيرات وجهها، وحملقت فيه بعينين متسعتين في ذعرٍ، ليتركها على تلك الحالة المصدومة، ويمضي مبتعدًا عنها، أكمل هبوطه على الدرج، حتى وصل إلى المدخل، أخرج هاتفه من جيبه، ليعبث به قبل أن يضعه على أذنه، انتظر للحظاتٍ حتى أجاب عليه الطرف الآخر، فتكلم بثباتٍ ملقيًا أوامره دون مقدماتٍ تمهيدية:
-أيوه يا "عباس"، تبعت حد من رجالتنا يفضل قصاد عمارة الراجل اللي اسمه "فهيم"، وأتبلغ بكل أخبارهم أول بأول.
جاء رده ملبيًا على الفور:
-اعتبره حصل يا كبيرنا.
لاحت ابتسامة رضا على زاوية فمه، سرعان ما تلاشت بمجرد خروجه من العمارة، حيث وضع قناع الجدية على وجهه، ثم اتجه إلى سيارته، وقف أمام بابه الملاصق لعجلة القيادة، رفع عينيه للأعلى مُلقيًا نظرة ملية على الشرفة الخاصة بمنزلها، وهمهم مع نفسه:
-القدر رماكي في سكتي، يا ترى حكايتك هتخلص معايا إزاي؟
.....................................
تناوبت على تفقدها كل بضعة دقائق، على أمل أن تستفيق من حالة الجمود التي سيطرت عليها، فرغم أنها استعادت وعيها، إلا أنها ظلت بلا حراكٍ، ترقد كالصنم على فراشها، رافضة التجاوب مع محاولاتها المستميتة لحثها على الكلام.
اشتكت "عيشة" لزوجها سوء وضع ابنتهما، فقالت وهي تصب القليل من الماء في الكوب لتستحثها على شربه:
-البت ما بتحطش منطق من ساعة ما جت.
كان "فهيم" جالسًا على الطرف الآخر من سرير ابنته، ينظر إليها بحزنٍ وإشفاق، فلو لم يقدم على تهذيبها بخشونة لربما ظلت عالقة في هذه التبة ولم تعد معه كعقابٍ رادع على تطاولها الأرعن على أحد سادات هذه المنطقة اللعينة. مد يده ليمسح على جبينها بحنوٍ، ورجاها في صوتٍ مليء بالشجن:
-ردي عليا يا "دليلة"، ما توجعيش قلبي عليكي.
بالكاد كبت دموعه الوشيكة وهو يبدي ندمه لها:
-كان غصب عني والله، بس خوفت عليكي منهم، دول ناس شر مابتخافش من حد.
جهلها بتفاصيل ما جرى أغاظها للغاية، فصاحت "عيشة" في تذمرٍ غاضب:
-هو إيه اللي حصل؟ ريحني بدل ما أنا عاملة زي الأطرش في الزفة.
نظر إليها هاتفًا في عبوسٍ مشوبٍ بالضيق:
-وقعنا مع اللي ما بيرحموش يا "عيشة"، ارتاحتي.
ضاقت عيناها باسترابةٍ، فسرد عليها تفاصيل الواقعة المشؤومة، ليُنهي حديثه وهي تلطم على صدرها، وتدمدم في عتابٍ شديد:
-أنا قولتلك من الأول أعدتنا في المكان ده مش هتجيبلنا غير المصايب وبس، احنا مش شبه الناس اللي عايشة فيه، احنا غيرهم.
أحنى رأسه معترفًا بسوء قراره:
-كان معاكي حق.
استمرت في لومه بحرقةٍ:
-أيوه، إنت اللي صممت نقعد في ملكنا، بدل بهدلة المفروش، أدينا بقينا واقعين في بلاوي سودة، الله أعلم هنطلع منها إزاي.
تجرع مرارة اتهاماتها بتقصيره في حماية عائلته، وقال بوجهٍ مكفهر:
-هتصرف يا "عيشة"، مش هنفضل هنا كتير.
ظلت دمائها متحفزة، ثائرة، وهي تنهال عليه بوابل أسئلتها:
-هتعمل إيه يعني؟ وبنتك؟ هنسيبها كده؟
أبقى عينيه الحزينتين على مدللتها قائلًا:
-كله إلا "دليلة"، ولو حكمت هبعتها تقعد عند عمتها، لحد ما الهم ده كله ينزاح.
ردت عليه زوجته بتصميمٍ:
-ولحد ما ده يحصل لازمًا تشوفلنا صرفة في البيت ده ونعزل.
عاود النظر إليها مؤكدًا بنبرة عازمة:
-هيحصل، هتكلم مع "كيشو"، وأشوف صرفة.
رغم أنها كانت تبدو من الظاهر مغيبة ذهنيًا، فاقدة للإحساس من حولها، إلا أن حديث ذويها وقرارهما ببذل كل الجهد لإخراجها من هذا المأزق أشعرها بخطورة الموقف الذي أصبحت فيه جراء تصرفها المندفع، عجزت عن مواجهة أبيها، والاعتذار منه عن اندفاعها الأهوج الذي تسبب في حدوث المزيد من التعقيدات، آه لو لم تنساق وراء تفكيرها المتسرع، إذ ربما لاختلف الوضع كليًا؛ لكن كيف لها أن تتطلع على الغيب وتعلم بالمجهول مسبقًا؟!
......................................
لم يجد صعوبة في الوصول إلى مكان شقيقه، فقد كان يحبذ التواجد في مطعمه، وقضاء غالبية الوقت فيه حينما يكون خارج التبة العالية. اندهش "زهير" لخلو المطعم من رواده برغم كونها ساعة عمل مميزة، على ما يبدو أصدر "كرم" أوامره بغلقه في وجه الجمهور، ليختلي بنفسه، وهذا ما يثير مخاوفه، فمعنى ذلك أنه في قمة غضبه واستيائه.
تقدم ناحيته محاولًا الابتسام قليلًا وهو يسأله، كنوع من الاستهلال للحديث بينهما:
-لسه زعلان ياخويا؟
التفت "كرم" ناظرًا تجاهه بوجهه الغائم، ونظرته القاتمة، ليستطرد معلقًا عليه بنبرة مخيفة:
-أنا لو زعلان مش هتلاقيني قاعد القعدة دي، هتشوف وش ماتتمنهوش لألد أعدائي.
تأكد من ظنونه، وأدرك أنه ما زال على انزعاجه الحانق، فعمد إلى تغيير الموضوع بقوله المتسائل:
-طب إيه؟ مش هناكل؟
أخبره وقد امتدت يده لتقبض على كوب المياه الزجاجي ليعتصره حتى ابيضت سليمات أصابعه:
-هناكل، ونشرب، ونحلي كمان، بس عايز أسمع منك الأول اتصرفت إزاي.
سكت "زهير" ولم ينطق بشيء، فقذف شقيقه الأكبر بالكوب في عصبيةٍ، ليتهشم على الفور ويتناثر زجاجه في أرجاء المطعم محدثًا فوضى واضحة، ليتبع ذلك سؤاله في زمجرةٍ محمومة:
-هتخيب وتنخ ولا إيه؟
رد عليه بهدوءٍ، وقد فهم ما يرمي إليه:
-مش أنا يا "كرم" اللي أطاطي لواحدة.
اعترض على ما وصفه بتصرفه المسالم هادرًا:
-أومال أسمي اللي شوفته بيحصل ده إيه؟
ظل "زهير" محافظًا على هدوئه، ونظر إليه بثباتٍ، ليصيح شقيقه به:
-والمرادي قصاد رجالتنا، مش شوية عيال (...) في كلية!
وكأنه يتعمد وضع الملح الجاف على جُرح نازف بتذكيره بمدى الإهانات التي تعرض لها سابقًا، لم يترك للذكريات المؤلمة الفرصة لاقتحام عقله وتنغيصه، فهتف في صوتٍ انعكست فيه رنة الضيق:
-أنا عارف هتعامل إزاي يا "كرم".
مجددًا أطلق شقيقه الأكبر تحذيره الصارم إليه، والشرر يتطاير من عينيه:
-بقولهالك من تاني، أحسنلك تعمل اللي يرضيني، بدل ما أتعامل باللي ما يرضيكش.
بلا ابتسامٍ علق:
-حاضر يا كوبارتنا، كل اللي إنت عايزه هيحصل.
بقيت عينا "كرم" عليه، وكأنه يسبر أغواره بنظرته النافذة تلك، ليقطع "زهير" تواصلهما البصري بسؤاله المصحوب بابتسامةٍ باهتة:
-هناكل ولا هنقضيها كده؟
فرقع بإصبعيه مناديًا على النادل ليأتي إليه بقائمة المأكولات حتى ينتقي كلاهما ما يرغبان في تناوله، بعدما يقوم بتنظيف الفوضى التي أحدثها في المكان.
....................................
جفاها النوم، ولم تستطع الاستلقاء في الفراش بعد معرفتها بما تعرضت له شقيقتها مع والدها،
مجرد تخيل ذهابهما إلى مكانٍ كهذا جعل بدنها يرتجف، وقلبها يقصف رعبًا، وما زاد من مخاوفها أكثر إلمامها بتفاصيل صدام شقيقتها الصغرى مع أحد هؤلاء الأشقياء!
انتفضت "إيمان" قافزة من على الأريكة في هلعٍ عندما سمعت قرع الجرس، والطرقات المتتابعة على الباب. تقدمت بخطواتٍ بطيئة، ودقات قلبها تكاد تصم أذنيها من فرط قوتها وانفعالها، تساءلت بصوتٍ مرتعش:
- مين بيخبط؟
أتاها صوتًا مألوفًا من الخارج جعل كل مخاوفها تتبدد على الفور:
- افتحي يا "إيمان"، أنا "راغب".
في التو رددت وهي تزيح القفل من المزلاج، وتدير المفتاح لتفتح الباب:
- "راغب"!
تهللت أساريرها حينما رأته أمام عتبة البيت، بمجرد أن وطأ داخل المنزل ارتمت في أحضانه، ضمته بقوةٍ، وراحت تهتف بشوقٍ واشتياق:
- حمد لله على السلامة يا حبيبي...
أبعدها عنه ليحدق فيها بهذه النظرة الغريبة، فسألته وهي تتحرك تجاه الباب لتوصده:
- إنت مش كان ميعاد رجوعك بكرة؟
تجمدت في موضعها بتوترٍ، وقد أتى سؤاله من خلفها محملًا باتهامٍ خفي:
- هو إنتي مش عايزاني كنت أرجع ولا إيه؟
التفتت ناظرة إليه لتقول، وقد ظهر الارتباك على قسمات وجهها:
- أبدًا والله، بالعكس أنا مبسوطة إنك جيت، بس إنت اللي كنت قايلي لسه وراك تدريب وآ...
قاطعها قائلًا في ضيقٍ:
- عايزة عقلي يفضل فيا إزاي بعد اللي حصلك؟
ابتسمت في نعومةٍ لتطمئنه:
- الحمد لله، عدت على خير.
ثم دنت منه واحتضنت راحته بين كفيها، مستشعرة دفئها على جلدها البارد، كاد شعورها بالراحة لوجوده يتغلغل في أعماقها أكثر لولا أن سألها فجأة بما صدمها:
- "إيمان"، إنتي اتسرقتي إزاي؟ وما تقوليش تحت البيت!
فرت الدماء من وجهها حينما أكمل:
- بتاع السوبر ماركت قال إنك ما جبتيش منه حاجة!
أحست بجفافٍ شديد يضرب حلقها، فلعقت شفتيها بطرف لسانها قائلة بصوتٍ مذبذب:
- أنا ...
انتفضت مرتعشة بخوفٍ أكبر عندما استل يده من بين قبضتيها هادرًا بعصبيةٍ ظاهرة في نبرته:
- قولي الحقيقة وما تكدبيش!
لم تجد بُدًا من الاعتراف بذنبها، فقالت وقد راحت الدموع تتجمع في طرفيها رهبةً من تبعات معرفته بتفاصيل كل شيء:
- حاضر، هقولك على اللي حصل بالضبط.
مع كل كلمة كانت تتلفظ بها، كان الدماء تغلي أكثر في عروقه غيظًا وحنقًا مما اعتبره خروجًا عن طوعه، ومخالفته لأوامره بالتزام البيت في غيابه، من أجل زيارة أهلها في موضع إقامتهم الوضيع. لم يصفح لها "راغب" بسهولة ما اعتبره مجازًا استغلالًا لتساهله معها. فأخذ يوبخها بكلماته المسمومة:
- يعني لو ما كنتيش اتسرقتي كنت فضلت مختوم على قفايا ومعنديش خبر باللي عملتيه من ورايا؟!!
بكت "إيمان" وهي تستجدي رحمته:
- والله العظيم أنا كنت هقولك، بس خوفت ترفض زي تملي أروح لماما وبابا وأطمن عليهم.
استمر في لومها بشدةٍ:
- ويا ريتك سمعتي كلامي، وخدتي بنصيحتي، لكن إنتي ركبتي دماغي وعملتي اللي عايزاه، ودي كانت النتيجة.
اعتذرت منه بندمٍ حقيقي، وقد تعلقت بذراعه:
- حقك عليا يا "راغب"، والله ما كنت أقصد أبدًا أروحلهم من وراك، بس ماما وحشتني، وكنت عايزة أصالحها بعد اللي حصل هنا.
انتشل ذراعه من يديها هاتفًا بعصبيةٍ:
- كنتي كلميها تيجي، كان ده أهون عليا.
كفكفت دمعها المسال بظهر كفها، وقالت بصوتها الباكي:
- أنا آسفة، مش هيحصل تاني إني أعمل حاجة من وراك.
رمقها بهذه النظرة المميتة قبل أن يعلق:
- ما ده أكيد، وخصوصًا بعد ما أربيكي.
انكمشت على نفسها خوفًا منه، خاصة حينما رأته يشمر عن كميه، ويكور قبضته، فهرولت مبتعدة عنه لتركض تجاه غرفة نومهما وهي تصرخ:
- لأ يا "راغب"، بلاش!
كز على أسنانه هاتفًا في هسيس غاضب:
- هتروحي مني فين؟
ثم انطلق في إثرها، ليصل إليها قبل أن تتمكن من غلق باب الغرفة، اتكأت عليه بجسدها لتمنعه من الدخول؛ لكنه دفعه بكل قوةٍ فاندفعت للخلف، وأعطته الفرصة للدخول، بالكاد حافظت على اتزانها، وراحت تتراجع بخطوات متعثرة حتى التصق ظهرها بالدولاب، ظلت تنظر إليه بعينين تحتويان قدرًا عظيمًا من الرعب، فصفق الباب بقسوةٍ وهو يتوعدها بلا كلماتٍ بأن يكون تأديبه لها مُجديًا.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منال سالم
الفصل الثالث عشر
قيل أن مرآة الحب عمياء، هذا الوصف ينطبق على طبيعة حالتها معه، فعشقها غير المشروط له، جعلها تتغاضى عن الكثير والكثير من طباعه الحادة، ومساوئه غير المقبولة، حيث أدرجت إفراطه في التعبير عن مشاعره تحت مسمى الغيرة الزائدة لرجل شرقي يهوى أنثاه بجنون. لكن الأمر كان غير ما ترجمه عقلها بتفكيرها الساذج والمحدود. فهو بطبعه شخصية عملية، أنانية، لا يهتم سوى بنفسه فقط، وما يخدم مصالحه، تربى ونشأ على ذلك، وبالتالي لم يكن من السهل تغيير طباعه بين عشية وضحاها، هذا إن انتوى التغيير من الأساس!
كان "راغب" لا يلجأ للتهذيب القاسي إلا في بعض المواقف، معتبرًا ذلك حقًا شرعيًا له باعتباره زوجها، والذي من المفترض أن يقوم سلوك امرأته إن انحرف عن المألوف. ولا تهم الطريقة أو الكيفية طالما أنها تأتي بنتائجها المرجوة في النهاية.
انكمشت "إيمان" على الفراش، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتحاوطهما بذراعيها، أحنت رأسها الباكي في انكسار، وأسى، ولم تكف عن ذرف الدموع الغزيرة، فهي لم تجرم لتنال مثل ذلك الجزاء الشديد منه. كانت ترتجف من الخوف والألم، فجسدها أصبح مكدومًا بفعل لكماته القاسية وضرباته العنيفة، تلك التي لم تترك موضعًا إلا ووضعت آثار عنفه المفرط عليها، حتمًا لن تختفي قبل مرور عدة أيام، وباستخدام الأدوية الطبية.
ولج زوجها إلى الحمام ليستحم بعدما تفصد جسده بالعرق جراء ما بذله من مجهود ليؤدبها، فخرج منه بعد برهة، وهو يلف حول عنقه منشفته القطنية، رغمًا عنها انفلتت منها شهقة مذعورة حينما سألها في صوت، يعبر عن ضيقه:
- هتفضلي كده قلبهالي نكد؟
رفعت عينيها الحمراوين من أثر البكاء تجاهه، لتجده يواصل مخاطبتها في جمود، وبلا ندم:
- مكانتش أول مرة يعني!
وكأنه يذكرها بهذا الطبع السيء الذي حاولت التأقلم معه، وتجنب إخراجه منه طوال الوقت، بل إنها أخفت عن عائلتها الأمر حتى لا تتعقد الأمور وتتفاقم، وجاهدت لتبدو مطيعة له، وملبية لكل أوامره، مما منحه الفرصة لاستغلال سكوتها بإخضاعها أكثر إليه، فإذ ربما إن تسلحت بالقدر الكافي من الشجاعة، وتكلمت لمرة واحدة، لما اضطر للتمادي هكذا معها.
انتشلها من دوامة أفكارها التي غرقت فيها بصياحه وهو يكمل ارتداء ملابسه:
- وإنتي عارفة لما بتخبي عليا الحاجة النتيجة بتكون إيه!!
مجددًا تحملت كامل اللوم بتقريعه اللفظي، فأخبرته من بين دموعها المسالة:
- وأنا مكانش قصدي أعمل حاجة من وراك، أنا كنت بس عايزة أطمن على أهلي.
صاح بها في زمجرة جعلتها ترتجف:
- برضوه بتأوحي في الغلط؟
مناطحته الرأس بالرأس لم يكن من شيمها، لذا أثرت التراجع عن مواجهته أو حتى معاتبته، وقالت في صوت متقطع:
- أنا آسفة.
دنا من الفراش، ليمسك بها من ذراعها، جذبها بقوة طفيفة لتنهض معه، وأمرها:
- قومي اغسلي وشك وحضريلنا الأكل.
الحركة المفاجئة لجسدها الواهن، جعلها غير قادرة على حفظ اتزانها، فترنحت في وقفتها، واستندت على صدره بكفيها لتمنع نفسها من السقوط. لف "راغب" ذراعه حول خصرها ليسندها، وهمس بالقرب من أذنها بأنفاس غلفتها حرارة الرغبة:
- اقفي على حيلك، لسه ليلتنا طويلة!
نظرت إليه بعينين مغلفتين بالدموع رغم اتساعهما، فشدد من ضمته إليها مكملًا بهمس جعل موجة من الرعدات تسري في بدنها:
- وبعدين إنتي وحشتيني.
كانت تواقة لسماع مثل هذه العبارات التي تبدو كالسحر عليها، فتغطي على أي عيوب أو نواقص بشخصيته، ثم مال عليها ببطء، وعيناه لا تبارحان شفتيها، ليلتقم خاصتيها في قبلة طويلة نهمة محملة بالأشواق، اكتسحتها كعاصفة هوجاء، وجعلتها فاقدة للقدرة على التنفس، تراجع عنها فرأى مدى تأثيره عليها، ليقول في انتشاء وزهو:
- عرفتي أنا بغير عليكي ليه؟
ابتسمت في خجل وهي تعترف له:
- بحبك.
لم يقل لها الكلمة الوحيدة التي لطالما رغبت في سماعها منه، وقال وهو يخفض ذراعه ليربت على ردفيها فيما يشبه الصفعات الخفيفة:
- طب يالا يا حبيبتي، ظبطي نفسك.
وكأنها تناست في لحظة ما اقترفه في حقها، لتعود إلى لطافتها ووديتها الحانية معه، فاتجهت إلى الحمام لتغتسل وتبدل ثيابها إلى أخرى جذابة مثيرة، تشعل فيه الرغبة، وتجدد معه مشاعر حبها إليه.
................................
اعتراها في هذه اللحظات الحرجة مزاج متوتر، وكأنها تخوض التجربة لأول مرة، وليس كامرأة محنكة، تعرف كيف توقع بأكثر الرجال تماسكًا وصلابة تحت وطأة الشهوة والرغبة، فمن هي على وشك الزواج به ليس بشخص عادي، يسهل خداعه، أو التلاعب به واستدراجه لفخها، ناهيك عن معرفته الكاملة بتاريخها غير المشرف!
توقعت أن تكون علاقته بها جامدة، جافة، مفروضة عليه كواجب لابد من تنفيذه وإلا لتعرض للعقاب من قبل رؤسائه، إلا أنها تفاجأت به يمارس طقوس الحب معها كزوجين متحابين، تجمعهما علاقة ممتدة لسنوات، حيث نقلها بخبرته وطريقته المتحكمة إلى عالم آخر، عاشت فيه لحظاتها المميزة معه بكل جوارحها، وكأنه وجد في صغر سنها متعة ولذة عجيبة، تختلف كليًا عن تلك التي يشعر بها وهو في أحضان "توحيدة".
حينما فرغ مما يفعل، وهدأت نيران الجسد، استلقى على الفراش، وأشعل سيجارته، ليبدأ في سحب دخانها بعمق إلى رئتيه، اعتدلت "وزة" في رقدتها، ومسحت بنعومة على صدره اللاهث وهي تتجرأ لتأمله بنظرة مطولة. شجعتها تعابيره الهادئة على سؤاله:
- ناوي على إيه يا سي "عباس" بعد كده؟
دون أن ينظر تجاهها قال بصوته الخشن:
- أنفذ كلام كبيرنا.
علمت بالطبع بتفاصيل ما تم تقريره في منزل "توحيدة" حينما كانت فاقدة للوعي، فشككت في احتمالية تنفيذ ذلك، خاصة أن تلك المرأة ليست بالشخصية السهلة التي يمكن التعامل معها، وتقبل ما يفرض عليها بغير مشاكل، لكونها رائدة في مجال المكائد والمؤامرات.
سألته في صوت مهتز، لتتأكد من صحة الأمر:
- يعني هرجع أعيش في بيت "توحيدة"؟
التوى ثغره بابتسامة متهكمة وهو يخبرها:
- ومش بس كده، هتأمري وتنهي زيها!!
شعرت بجفاف في حلقها، فازدردت ريقها، وسألته بتردد:
- وهي.. مش هتعترض؟!
حانت منه نظرة جانبية ناحيتها، وقال بهدوء:
- دي أوامر "كوبارتنا".. ولو مش عاجبها تمشي.
ها قد واتتها الفرصة أخيرًا لإذاقتها من نفس الكأس المرير الذي تجرعته لسنوات وسنوات، خفضت من جسدها عليه لتقبله في صدره، وهي تخبره في امتنان صادق:
- ربنا يقدرني يا سي "عباس" وأسعدك.
وكأنها بحركة العفوية تلك جعلت شرارات خفية تنبعث في سائر جسده، لتوقظ فيه مجددًا مشاعره الذكورية، فلفظ دخان سيجارته قبل أن يطفئ عقبها في منفضة السجائر الموضوعة على الكومود الملاصق للفراش، ليتقلب على جانبه، ويطوق عنقها بكف يده قائلًا بابتسامة بارزة على زاوية فمه:
- وماله، ما إنتي طلعتي حوار يا بت!
فهمت ما ترمي إليه نظرة المتوهجة تلك، بجانب عبارته الموحية، وردت بتدلل كانت واثقة من نتيجته الفعالة معه:
- خدامتك يا سيد الناس!
.....................................
رغم انقضاء عدة أيام منذ الواقعة الأخيرة، إلا أنها ظلت قابعة في المنزل، تلازم غرفتها غالبية الوقت، رافضة الخروج منها. لكن اليوم قررت التخلي عن عزلتها الاجتماعية التي فرضتها على نفسها، وخرجت منها لتمكث مع أمها بالخارج. فرحت "عيشة" لرؤية ابنتها تستعيد عافيتها، فأعدت لها ما لذ وطاب لتتناوله في وجبة الإفطار، راحت تربت برفق وتحنان أمومي على كتفها وهي تستحثها على أكل المزيد:
- كلي يا بنتي، ده إنتي بقالك كام يوم من ساعة اللي حصل وإنتي وشك دبلان، وجسمك خاسس.
لم تبد "دليلة" ممانعة من الإفراط في تناول ما تحب، فقالت وهي تومئ برأسها إيجابًا:
- حاضر.
استحسنت تجاوبها معها وردت:
- يحضرلك الخير يا حبيبتي.
جمعت "عيشة" الصحون الفارغة فوق بعضها البعض، وتابعت باهتمام:
- عايزين نكلم أختك نطمن عليها.
هزت رأسها مرددة باقتضاب:
- ماشي.
تساءلت والدتها بعدها وهي تضع قطعة من الجبن في طبقها:
- ناوية تروحي كليتك إمتى؟
حسنًا، لم تكن مستعدة بعد لمواجهة العالم الخارجي، خاصة بعد إحراجها علنًا، في معقل هؤلاء الأوغاد، فإذ من المحتمل أن يكون الجميع على معرفة بالأمر، وهي لن تتحمل نظرات الغير الفضولية عليها، فكان من الأسلم لها الابتعاد عن مثل تلك الضغوط، لهذا أجابتها بفتور، وهذا التعبير المهموم يكسو وجهها:
- اليومين دول معنديش محاضرات مهمة، وأنا موصية أصحابي يصورولي الناقص.
تفهمت أمها لما تمور به نفسها من انزعاج، وقالت بشيء من التشجيع:
- وماله، واحنا نخلي أبوكي يجيبلك الورق تذاكريه.
ردت باختصار:
- طيب.
انتبهت كلتاهما لرنين الهاتف الخاص بأمها، فاستطردت "عيشة" تقول وقد تركت ما في يدها لتتجه إلى حيث تركت هاتفها المحمول بداخل غرفة نومها:
- ده بينه بيتصل، هروح أكلمه من جوا، لأحسن الشبكة وحشة هنا.
علقت عليها بهدوء:
- براحتك يا ماما.
ابتلعت "دليلة" ما تبقى في صحنها، وجمعت الأطباق الفارغة لتضعها في حوض المطبخ، ثم خرجت إلى الصالة، ومنها إلى الشرفة لتلقي نظرة عابرة على العالم الخارجي. وقعت عيناها مصادفة على مجموعة من ذوي الوجوه المميزة، تلك التي تنتمي لفئة الخارجين عن القانون، فقد رأت أشباههم حينما كانت في التبة العالية ..
للغرابة، كانوا مرابضين في مواجهة شرفتها، وكأنهم تعمدوا الجلوس في هذه الوضعية لمراقبة مكانها. نفرت منهم بشكل لا إرادي، وعاودت أدراجها للداخل وهي تتمتم بضيق:
- أعوذ بالله، أشكال ضالة على الصبح.
اندهشت أمها من حالة العبوس التي كانت عليها، وسألتها باهتمام:
- في حاجة يا "دليلة"؟
أخبرتها وهي تشير بيدها نحو الشرفة:
- جيت أبص من البلكونة شوية، لاقيت ناس قاعدة في وشنا شكلها صعب.
أسرعت ناحيتها لتغلق نافذتي شباكها الخشبي قائلة بتبرم:
- اقفليها، احنا مش ناقصين مشاكل تانية مع حد.
اكتفت بهز رأسها كتعبير عن قبولها بأمرها، فلم ترغب في إثارة المزيد من البلبلة دون داع. تحولت أنظارهما معًا نحو الباب عندما سمعتا قرع الجرس، فتساءلت "عيشة" بشكل آلي:
- مين ده اللي جاي على الصبح؟
أشارت لابنتها بالتوقف حينما همت بالتحرك ناحيته لفتحه، واتجهت بدلًا منها إليه، لتتفاجأ بجارتها السمجة عند عتبته، وهذه الابتسامة السخيفة تملأ كامل وجهها، رددت بشفاه مقلوبة، وكأنها بطريقة غير مباشرة تشعرها بعدم ترحيبها بزيارتها الثقيلة:
- ست "اعتدال"!
كعادتها اقتحمت المكان دون استئذان، وقالت وهي تفتعل الضحك:
- وربنا أنا المفروض أزعل منك، ليل نهار تلاقيني عندك، ومافيش مرة كده تفوتي عليا، ليا حق أزعل ولا لأ؟
بررت بسحنة منقلبة:
- معلش، مشاغل البيت وطلبات الحاج مخلياني مش فايقة لحاجة.
علقت عليها وهي تطوف ببصرها على الصالة:
- عمومًا أنا قلبي أبيض وبسامح على طول....
سرعان ما جمدت ناظريها على "دليلة" لتهتف في حماس مريب:
- الله، ده ست البنات أهي فاقت وراقت!
لم تكن "عيشة" بحاجة لتخمين سبب الزيارة تلك المرة، فطريقتها المستهلكة في تقصي الأخبار جعلتها مكشوفة للغاية، وتأكدت من صدق تخمينها عندما استطردت "اعتدال" موجهة حديثها إلى ابنتها تحديدًا في خبث:
- المرة اللي فاتت خاضتنا عليها لما كانت راجعة غميانة مع سي "زهير".
ما لبث أن غامت ملامح الأخيرة ضيقًا وتجهمًا، فهي بالكاد تحاول تجاوز ما مرت به، لتأتي تلك المرأة اللزجة وتذكرها بما لا تحبذ معايشته، في التو تدخلت أمها لتأمرها بنظرة صارمة، وهذا التعبير الجاد يحتل كامل وجهها:
- قومي يا "دليلة" علقي على الشاي لطنطك "اعتدال".
سألتها الأخيرة في استعتاب سخيف:
- وهو أنا ضيفة؟
ردت عليها بفم ملتو:
- لأ إزاي؟ ما يصحش، يالا بسرعة يا "دليلة".
وكأن في أمرها نجدة من السماء، هربت في التو من الصالة وهي تردد:
- حاضر يا ماما.
مثل العادة، افترشت "اعتدال" الأريكة بأريحية تامة، وتساءلت بلا مقدمات استهلالية، وتلك النظرة الماكرة تصدح في حدقتيها:
- ما قولتليش صحيح، إيه لم الشامي على المغربي؟
تعاملت معها بنفس أسلوبها اللئيم، وسألتها:
- قصدك إيه؟
جاء ردها مباشرًا:
- سي "زهير"، على بنتك.
فهمت ما ترمي إليه، وأخبرتها بحزم:
- مافيش حاجة من اللي في دماغك يا ست "اعتدال"...
ومع ذلك نظرت "اعتدال" لها بتشكك، فاضطرت للكذب عليها وتلفيق حكاية وهمية لإقناعها، لهذا استرسلت في هدوء، محاولة ترتيب أفكارها في رأسها لتخرج منطقية:
- دي كانت صدفة، البت تعبت، ووقعت من طولها، وهو كان موجود، فعرض على أبوها يساعده ويجيبها على هنا، وشكرناه، واتقفل الموضوع.
زمت شفتيها مرددة بغير تصديق:
- والله!
قالت بثبات:
- أيوه، واحنا ناس في حالنا، مالناش دعوة بحد.
ردت بفتور، حيث بدا ما ألقته على مسامعها غير مقنع بالمرة:
- كويس.
صاحت بعدها "عيشة" منادية في رنة صوت شبه منزعجة:
- الشاي يا "دليلة"، لأحسن طنطك "اعتدال" مشغولة ومش فاضية!
برغم تلميحها المفهوم بعدم ترحيبها لها إلا أنها تجاهلته عن عمد ما فاهت به، وظلت ماكثة من أجل إشباع فضولها بتتبع أخبار هذه العائلة، وعن كثب!
بمجرد أن انقضت الإجراءات الخاصة بخروجه من قسم الشرطة، والتي استطالت لبضعة أيام للتأكد من عدم تورطه في جرائم أخرى، انطلق "سنجة" عائدًا إلى التبة العالية لتقديم فروض الولاء والطاعة لمن يملكون زمام أمره. جثا على إحدى ركبتيه، وطأطأ رأسه وهو يمد يده ليمسك بكف "كرم" مرددًا في امتنان عظيم أمام كافة الحاضرين:
- إيدك أبوسها يا "كوبارتنا"...
تركه يفعل ذلك بغير ممانعة، ليتابع كلامه إليه بتذلل:
- لولاك كان زماني عفنت في الحبس.
استطرد "عباس" معلقًا في سخافة:
- مش كل مرة تسلم الجرة يا غشيم.
نهض من رقوده ليقول بعد نحنحة سريعة:
- صح كلامك يا ريس "عباس".
أشاح "كرم" بيده في وجهه يأمره بصبر قليل:
- روح شوف مصالحك، مش ناقصين خوتة.
في التو أطاعه:
- اللي تؤمر بيه.
في حين أشار إليه "عباس" وهو يوجه إليه أمره ليتبعه:
- تعالى معايا يا واد، عايزك في مصلحة.
حك "سنجة" مؤخرة عنقه وهو يرد:
- ماشي يا ريس.
انتظر "كرم" مغادرتهما، وانفضاض الجمع ليتمشى مع شقيقه الأصغر في الباحة، وسأله مباشرة وهو يتفرس في وجهه:
- في جديد في حوار البت إياها؟
توقف "زهير" عن السير، وطالعه بهذه النظرة الغامضة، فما كان من شقيقه الأكبر إلا أن سأله في نبرة لا تبشر بخير:
- ولا شكلك طنشت؟
بلا ابتسام أخبره:
- متقلقش، عندنا حاجات أهم منها دلوقت، بس هي في دماغي!
جملته كانت موحية للغاية، تحمل الكثير من المعاني المبطنة، ورغم هذا لم يقف "كرم" عندها كثيرًا، وخاطبه في لهجة جادة مشوبة بقدر من التهديد:
- وماله، خليني معاك للآخر، علشان محدش يزعل في الآخر!
لم يعقب عليه، وتركه يفرغ ما في جعبته من عبارات منزعجة، لينتقل إلى الحديث عن أعمالهما الخاصة، بالرغم من انشغاله بالتفكير في بعض الأحيان -حينما يختلي بنفسه- في شأن تلك الشابة العصية، خاصة بعدما بلغه بامتناعها كليًا عن النزول وعدم رؤيتها في الشارع منذ المرة الأخيرة التي أحضرها إلى منزلها، وهذا ما جعل فضوله يزداد أكثر حولها.
بدت على تعابير وجهه أمارات الاستياء والانزعاج، خاصة وهو يسعى بكل جهده لإصلاح ما فسد في دراجته النارية. حدق "حمص" في رفيقه متسائلًا باهتمام:
- مالها الماكنة؟ لابخ نفسك بيها ليه من الصبح؟
أجابه "شيكاغو" بتذمر:
- المرايات اتكسرت...
نظر له مصدومًا، فأكملت توضيحه باستياء عارم:
- عيل دغوف دخل فيا بالتوك توك بتاعه!
سأله "حمص" مهتمًا وهو يدور ببصره على بدنها المعدني:
- طب وإنت سبته؟
التوى ثغره بابتسامة متشفية وهو يخبره بعدما غمز بطرف عينه:
- عيب عليك، خدت حقي تالت ومتلت.
في شيء من الفضول تساءل "حمص" وهو يفحص موضع المرآة المهشمة:
- وهتتصرف إزاي؟ هتشتري مرايات غيرها؟
قال بعبوس قد ساد تقاسيمه من جديد:
- وأنا بتاع شرا برضوه؟
قطب جبينه متسائلًا:
- أومال؟
أخبره في ثقة:
- بسيطة، نشوفلنا أي عربية نهبأ عليها، وناخد منها المرايات.
استحسن فكرته الجهنمية مرددًا:
- زي الفل.
لم ينتظر كثيرًا، وشرع في تنفيذ ما هداه إليه تفكيره الشيطاني، فأخذ يجول بعينيه الثاقبتين على السيارات المصفوفة على جانبي الطريق، على ما يبدو وجد واحدة مناسبة، فطوح بيده لرفيقه يأمره:
- أمن المكان لحد ما أقلب العربية دي.
رد عليه "حمص" بإذعان:
- ماشي الكلام.
انطلق "شيكاغو" ناحية هدفه، وتلفت حوله بنظرات سريعة دقيقة، ليقوم بعدها بانتزاع إحدى المرايا الجانبية لهذه السيارة الحديثة؛ لكنها تهشمت أثناء محاولته لفكها، فتركها أرضًا، ثم دار حول السيارة، واستل الأخرى بحذر قبل أن يفر من المكان ليعيد تركيبها في موضعها المخصص بدراجته النارية.
عاونه "حمص" على تثبيتها، واستطرد يعلمه:
- صحيح الريس "عباس" عايزنا نرقد عند بيت حد.
دون أن ينظر تجاهه تساءل وهو يمسح بخرقة قديمة على المرآة لتبدو لامعة وبراقة:
- ليه؟
أجابه وهو يمرر يده على رأسه:
- معرفش لسه، بس دي الأوامر.
لم يبدُ ممانعًا على الإطلاق من تنفيذ ما لا يفهم، وقال وهو لا يزال يتفحص دراجته:
- نخلص، ونطلع على هناك.
لم يضف المزيد، وتعاون معه للتأكد من سلامة وسيلة انتقالهما، قبل التحرك نحو وجهتهما الجديدة.
- إنت بتقول إيه؟
نطق بهذه العبارة في صوت أقرب للصراخ المستهجن بعدما وصلته الأخبار بالتفصيل عن استعانة شريكه "فهيم" بأتباع "الهجام" لتهديده، وذلك بوساطة سمسار المنطقة "كيشو"، ليزداد ثورة وغضبًا من ازدرائه وتحقيره علنًا. أكد عليه تابعه بملامحه الغائمة:
- زي ما سمعت يا حاج "درويش".
ضرب بعكازه في عصبية على الأرضية الصلبة لمخبزه، وهدر في توعد:
- ده نهاره أسود ومهبب!
تساءل تابعه في اهتمام:
- هنتصرف إزاي؟
جاء رده حاسمًا:
- أنا هكلم "العترة"، ولازمًا أخد حقي منه!
لم يجادله مطلقًا، بل أبدى استعداده التام لخوض كافة معاركه ضد الطرف الآخر:
- واحنا جاهزين بالرجالة يا حاج.
كز "درويش" على أسنانه في غيظ، وهسهس من بينهم في وعيد شديد، وشرارات الغضب تنتفض في عينيه الحمراوين:
- ماشي يا "فهيم" الكلب، إن ما ربيتك وعرفتك مين هو الحاج "درويش" ..............................
منذ أن أصبحت مهمشة في بيتها، وأحوالها قد تبدلت، فارتدت الثياب السوداء، ومسحت الزينة عن وجهها، وجلست على الأريكة تنوح وتندب حظها وهي تعقد حول رأسها عصابة من اللون الأسود، وكأنها فقدت عزيزًا تبكي فراقه.
تحسرت "خضرة" على حال ربة عملها، فقد نهش الحزن والقهر في معالم وجهها، وجعلها تبدو أكبر عمرًا بعدما كانت تفيض بالحيوية والدلال. حاولت جاهدة تخفيف وطأة الأمر عليها بمواساتها، إلا أنها ظلت أسيرة همومها، فليس من السهل عليها تهميشها بعدما كانت الآمر الناهي، والأسوأ من ذلك الإتيان بأخرى وضيعة تستحقرها لتشاركها في زوجها.
أعدت تابعتها المخلصة كوبًا من عصير الليمون الطازج، أسندته على الطاولة أمام "توحيدة"، وجلست عند قدميها تسألها في اهتمام مشوب بالضيق:
- هتفضلي لابسة أسود كتير كده يا أبلتي؟
لم تجب عليها، فاستمرت تقول في امتعاض:
- ده حتى وحش عليكي.
حررت "توحيدة" زفيرًا ثقيلًا من صدرها، وأخبرتها بوجوم تعيس:
- ومين يجيله نفس لحاجة بعد اللي حصل؟!
هنا انتصبت بكتفيها، وأخبرتها في نبرة ماكرة لتستحثها على الخروج من قوقعتها المهلكة:
- ما تشمتيش فيكي الأعادي، ده إنتي ست الكل، ومهما حصل مافيش ولا واحدة تقدر على الست "توحيدة".
آنئذ تطلعت إليها بغرابة، فتيقنت أن كلامها المحفز قد بدأ يؤثر فيها، لهذا واصلت على نفس المنوال:
- وبعدين "وزة" مين وبطة مين اللي هتيجي تركب وتدلدل هنا؟!!
قطبت جبينها، وضيقت ما بين حاجبيها بشيء من الاهتمام، لتضيف "خضرة" بنفس الوتيرة المحفزة:
- ده هي ماتجيش مداس في رجلك.
تبدلت تعبيراتها من التعاسة إلى الجدية، خاصة وتابعتها تخبرها في لؤم:
- وفرصتك جتلك لحد عندك تربيها بطريقتك...
تعمدت خفض نبرتها عندما أتمت باقي جملتها الخطيرة:
- أو حتى تخلصي منها!
لحظتها فقط اعتدلت "توحيدة" في جلستها على الأريكة، ونزعت منديل الرأس الكئيب عن شعرها لتقول بتحمس:
- إنتي بتتكلمي صح يا "خضرة".
ابتهجت أساريرها لأنها نجحت في إخراجها من دوامة الحزن التي حبست نفسها داخلها، واستطردت تقول المزيد وقد هبت واقفة:
- ده أنا لحم كتافي من خيرك يا أبلتي.
نهضت "توحيدة" بدورها، وقالت بعزم، ونظرتها الغامضة راحت تشرد في الفراغ أمامها:
- أنا لازم أفرسها وأكيدها، وبعد كده أزحها من طريقي.
فركت "خضرة" كفيها معًا في حماس، وأخذت تردد بتحفيز:
- هو ده الكلام.
حلت "توحيدة" أزرار عباءتها الداكنة، تلك التي تلفحت بها على مدار الأيام السابقة، وهتفت تأمر تابعتها:
- روحي عندي الأوضة، وطلعيلي من الدولاب الحتة المدندشة.
انتفضت بنشاط مهرولة تجاه الغرفة وهي تهتف:
- عينيا يا ست الناس كلها.
أزاحت الأخيرة العباءة عن جسدها وأسقطتها أرضًا، لتخاطب نفسها في عزم، وقد باتت ملامحها أكثر إصرارًا على استعادة ما تملك بكل قوة وتصميم:
- مش "توحيدة" اللي تطاطي لحد أبدًا!
..................................
على غير العادة، حينما خرجت "مروة" من الحمام الملحق بغرفتها، وهي تجفف شعرها المبتل بالمنشفة، تفاجأت بوجود أكثر من تبغض مستلقيًا بأريحية على السرير، بثيابه التحتية فقط، وكلتا يديه تتوسدان خلف رأسه، فانفلتت منها شهقة عفوية، فقد عزف عنها منذ اللحظة التي أخبرته فيها بقدوم ضيفتها الشهرية، لتنصدم بظهوره اليوم هنا، وكأنه يذكرها بأنه لا مناص لها أو مهرب منه.
تطلع إليها "كرم" بعينين جائعتين، طامعتين في تعويض ما فاته، فجسدها البض الذي ما زال رطبًا من أثر الاستحمام، بجانب شعرها المبتل المنسدل على جانب كتفها، استثاراه بشكل كبير، ظل على وضعيته الساكنة، وسألها في تهكم، مستخفًا بهذا التعبير الذاهل المرسوم على كامل وجهها:
- إيه شوفتي بعبع؟
انخفضت يدها بالمنشفة، وسألته في صوت مرتعش:
- إنت.. بتعمل إيه هنا؟
جاء رده متهكمًا، وكذلك نظرته:
- هو إنتي ناسية إن دي أوضتي؟
يبدو أنها تناست حقيقة الأمر، وظنت أن عزلتها وبقائها بعيدًا عن أنظاره سيجعله يغض الطرف عنها، إلا أنها كانت مخطئة! حلت بها رعشة أقوى عندما استطرد بغلظة:
- ولا تكوني مفكرة إنك خلاص عرفتي تضحكي عليا بحجتك إياها، وإنها دخلت عليا..
ارتاعت منه، وتراجعت للخلف بعدما ألقت بالمنشفة من يدها، خاصة حينما وجدته ينهض من رقدته، ويتجه إليها بخطاه البطيئة وهو يكلمها:
- ده أنا سايبك يا قطة بمزاجي، وما يفرقش معايا الحلال من الحرام، طالما عايزك هاخدك على أي وضع.
حوصِرت عند الزاوية، وأصبحت أبعد ما يكون عن الخلاص من الهلاك الحتمي، خرجت من بين شفتيها شهقة صارخة حينما انقض على خصرها ليجذبها منه تجاهه، لم تستطع الإفلات من قبضتيه، ولكزته في صدره بقبضتيها، فاستلذ برفضها له. أبعدت وجهها عن أنفاسه التي تبغضها، لكنه مال عليها برأسه، فشعرت بحرارتها تلفح بشرتها وهو يخبرها:
- وأنا النهاردة نفسي هفتني عليكي.
استخدمت كامل قواها لإزاحته، لكنه كان كالجبل الراسخ، لا يتحرك من موضعه، ارتجفت بقوة وهو ينحني على شفتيها ليقبلهما بضراوة وتملك، انحبست أنفاسها وعجزت عن المقاومة، حرر شفتيها بصعوبة ليخبرها بما جعل جسدها يرتج:
- ومش هحلك من إيدي.
شعرت بتورم شفاهها، وتوسلته في استجداء يائس، مبدية نفورها التام منه:
- ابعد عني.
ضحك مستهزئًا بها، وقال وهو يضيق الخناق عليها:
- أموت أنا في شغل المقاومة ده.
نظرت إليه ببغض أشد، قبل أن تنعته:
- بكرهك، إنت مش بني آدم.
صرخت في فزع، عندما انحنى ليحملها بين ذراعيه، وصوته المشبع بأنفاسه الحارقة يرن في أذنها:
- عارف، وتعالي بقى أما أفكرك أنا مين بالضبط يا مدام!
...................................
امتعضت ملامح "حمص" بشكل ملحوظ وهو يتذوق طعم التبغ الزهيد في جوفه، فأطفأ ما تبقى منها تحت قدمه، ونظر إلى رفيقه بتأفف قبل أن يوبخه:
- ما تغير أم السجاير التعبانة دي!
سخر "شيكاغو" منه قائلًا:
- المرة الجاية هجيبلك مستورد.
حك "حمص" طرف ذقنه، وأشار له بيده هاتفًا:
- طب اطلبنا اتنين شاي في الخمسينة نظبط دماغنا بيهم.
جاء تعقيبه فيما يشبه أحلام اليقظة:
- مافيش حاجة تظبط دماغنا غير حجرين معسل متلغمين.
سرعان ما تحولت أنظارهما معًا تجاه عربة الربع نقل التي تباطأت سرعتها بالقرب منهما، ما أثار ريبتهما هو وجود عدة رجال على ظهرها المعدني، يستعدون للترجل منها، ومن خلفهم جاءت سيارة أخرى هبط منها أحدهم، ومعه رجل كبير في السن. وقتئذ تأهب الاثنان في جلستهما، وبادر "حمص" بالتعليق:
- الظاهر في عوأ هيحصل!
ثبت "شيكاغو" ناظريه على أحدهم، وتكلم وهو يتعمد التواري عن الأنظار:
- مش الواد ده تبع "العتِرة"؟
تساءل "حمص" باسترابة:
- هو باعت ناضورجي ولا إيه؟
رد عليه مؤكدًا ظنونه:
- الظاهر كده.
في التو انتقل لسؤاله التالي بتحفز:
- طب إيه الكلام؟
جاء رده مباشرًا:
- بلغ الريس "عباس" أوام!
- وجب.
ردد هذه الكلمة الموجزة قبل أن يختفي عن الأنظار وهاتفه قد وضع على أذنه، فيما بقى "شيكاغو" في موضعه، يرتكن بظهره على الحائط، ومراقبًا عن كثب لما يدور.
..........................................
أوشكت شمس العصاري على المغيب، فولج "فهيم" إلى داخل غرفته ليأخذ قيلولته بعدما تناول طعام الغداء، في حين جلست "دليلة" على الأريكة تتطلع حينًا إلى ما يبثه التلفاز، وفي أحيان أخرى إلى شاشة هاتفها المحمول.
تنهدت "عيشة" في أسى، وخاطبت ابنتها وهي تطوي الثياب الجافة وترصها فوق بعضها البعض:
- أختك صوتها مكانش عاجبني....
رفعت عينيها عن شاشة هاتفها المحمول، وحدقت فيها وهي تكمل كلامها إليها:
- عايزين نتفق معاها نزورها في يوم، ده بعد ما تقول لجوزها، علشان ما يحصلش زي المرة اللي فاتت.
ردت بنبرة عادية:
- تمام يا ماما.
ما لبثت أن انتفضت في جزع عندما سمعت الدقات العنيفة على باب المنزل، بينما هبت "عيشة" واقفة لتهتف في استنكار:
- مين بيخبط على الباب بالشكل ده؟
قبل أن تتقدم خطوة واحدة لتتفقد الطارق، تفاجأت بالباب يُفتح على مصراعيه، فارتدت عائدة للخلف، وصرخت بذعر وهي تلطم على صدرها:
- يا نصيبتي! إنتو مين؟!!!
التصقت "دليلة" بظهر أمها، وحملقت في هؤلاء الغرباء الذين تسربوا للداخل تباعًا بوجل شديد، فكل شيء في هذه اللحظات الحرجة بدا على الحد الفاصل بين الحلم واليقظة، استدركت حقيقة ما يحدث، هم جماعة غوغاء اقتحمت المنزل بشكل سافر، لتجعلهم محاصرين بداخله ..
عفوًا صرخت عاليًا مستنجدة بأبيها:
- بابا، الحقنا يا بابا!
على إثر ذلك الصوت المدوي، خرج "فهيم" من الداخل مرتديًا منامته، حدق بذهول في هؤلاء الوقحين الذين تجرأوا على اقتحام بيته دون سابق إنذار، وهدر فيهم:
- هو إيه اللي بيحصل هنا؟ إنتو مين؟!!!
سرعان ما اختفت دهشته وحلت تعابير الاستنكار على كامل ملامحه عندما ظهر أحدهم من المؤخرة متقدمًا تجاهه، نطق باسمه مصدومًا:
- "درويش"!!!
وقف الأخير قبالته، ووجه إليه موجة من اللوم والاتهام:
- بتتفق مع جماعة "الهجام" ضدي يا "فهيم"؟ أل يعني بكده بتتحامى فيهم؟
استهجن بشدة ما يقوم به، وصاح فيه بغيظ:
- اللي إنت بتعمله ده ما يصحش يا "درويش".
من الوراء هتفت "دليلة"، وكأنها تبحث دومًا عن وسيلة لإقحام نفسها في المشاكل:
- أنا هطلب البوليس.
قبل أن تضغط على زر الاتصال، حذرها "درويش" بغلظة:
- سيبي اللعبة اللي في إيدك دي يا بت بدل ما أكسره على دماغك.
اشتعل وجهها غضبًا منه، وقبل أن ترد عليه هتف والدها عاليًا:
- ملكش دعوة ببنتي ولا مراتي، كلمني أنا!
ثم خاطبها بلهجته الآمرة وهو يشير بيده إليها:
- خدي أمك وخشي جوا، واقفلوا عليكوا الباب.
اعترضت على تركه بمفرده وسط هذه العصبة من الأشقياء:
- بس آ...
أسكتها بإصراره:
- من غير بسبسة، خشوا جوا!
جرجرتها "عيشة" معها وهي تهمس بصوت مرتعش:
- تعالي يا بنتي، استرها علينا يا رب!
على مضض، تركهما "درويش" يختبئان بالداخل ليصبح في مواجهة غريمه الذي كان يرمقه بنظرات نارية مستنكرة، وانفجر صارخًا فيه:
- طب خليك راجل وواجهني بدل ما تبعت عيل سيس يفرد عضلاته عليا، حتى علشان تكبر في نظر حريمك.
رد عليه مبررًا تصرفاته:
- ما أنا كلمتك بالذوق وطلبت حقي وإنت مارضتش تدهوني.
نظر لها باستحقار، قبل أن يخبره بعناد:
- ولا هتاخده مني عافية كمان!
قبل أن يتفاقم الوضع أكثر من ذلك، انضم إليهم خصومهم الأشداء، واقتحموا المنزل بكل عدتهم وعتادهم، وكان على رأسهم "زهير" فتقدم الصفوف هادرًا بصوته المجلجل:
- طب مش تقولوا إن في حفلة هنا؟ حتى على الأقل نقوم بالواجب.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم منال سالم
أن يجتمع كل هؤلاء المتشاحنين في منزله، وكأن صالته قد تحولت إلى ساحة معركة، تستعد فيها القوات على الجانبين لإشارة بدء الاقتتال.
تقدم "زهير" في خطاه حتى بات في مواجهة "درويش"، فاضطرت ملامح الأخير، وتوترت نظراته، خاصة مع رؤيته للهيئة المتأهبة التي جاء بها إلى هنا فيما يبدو وكأنه ينتوي الانقضاض عليه.
عفويًا ردد لسانه في شيءٍ من الذهول والتوجس:
- معلم "زهير"!
رد عليه بنبرة تهكمية، وهذه النظرة الهازئة تطل من حدقتيه:
- بشحمه ولحمه...
ثم فرقع بإصبعيه مُلقيًا بأمره الصارم على أتباعه الذين اتخذوا مواضعهم حول رجال "درويش"، وكأنهم يفرضون طوقًا مُحكمًا عليهم:
- خدوا الواغش دول ونزلوهم لتحت.
أوشك "درويش" على النطق بشيء ليبدي احتجاجه على تسلطه؛ لكن أخرسه "زهير" بسؤاله المتحفز وهو يرفع يده أمام وجهه:
- عندك اعتراض يا حاج؟
على مضضٍ قال، وقد انقلبت سحنته بشدة:
- لأ، بس إنتو كده بتفتروا جامد، وناسيين أنا تبع مين!!
في أقل من لحظاتٍ تم إخلاء صالة المنزل من الجميع، فيما عدا صاحبه وضيفيه المتناحرين.
ضحك "زهير" ساخرًا من "درويش" قبل أن يستطرد مرددًا بجدية تامة، وهذه النظرة المخيفة تطل من حدقتيه:
- قول للعِترة حبيبك أنا مستنيه، وهو عارف يلاقيني فين!
ثم دنا منه، ومال برأسه عليه ليهمس بالقرب من أذنه:
- ولو اتكرر تاني إنك جيت هنا، هخسرك رجليك!
بهتت تعابير "درويش" مصعوقًا، برزت عيناه بشدة وسأله في غير تصديقٍ:
- إنت بتهددني؟
بثقةٍ عجيبة أخبره، دون أن تهتز عضلة من وجهه القاسي:
- أنا ما بهددش، اللي بأمر بيه بيتنفذ على طول!
غلت الدماء في عروق "درويش"، وعجز عن الرد عليه، فما كان منه إلا أن التفت إلى "فهيم" ليصب جام حنقه عليه:
- إنت كسبت عداوتي يا "فهيم"، فما ترجعش تزعل.
اغتاظ "زهير" مما اعتبره تجاهله لما يفوه به، فوضع يده على كتفه يأمره:
- بصلي هنا، الكلام معايا أنا.
نفض "درويش" قبضته بعيدًا عنه، وقال في وجومٍ ممزوجٍ بضيق:
- لا إنت ولا غيرك يا معلم!
ثم انصرف بعدها مبرطماً بحنقٍ:
- مات الكلام.
شيعه "زهير" بناظريه، وقال باستخفافٍ:
- حلو، نشوف هنطلع على قبر مين الأول نقراله الفاتحة.
ما إن غادر "درويش" حتى التفت نحو "فهيم" الذي بدا مهزوزًا وهو يحافظ البحث عن لفظة البدء لشكره على ما اعتبره مجازًا معروفه معه:
- أنا .. آ..
أشار له "زهير" بيده قبل أن يخاطبه: رافعًا عنه الحرج
- ما تقولش حاجة..
ازدرد الأخير ريقه في حلقه الجاف، وتكلم بترددٍ:
- كتر خيرك يا معلم، أنا مستعد أدفع تمن حمايتك لينا، وآ...
أجبره على ابتلاع باقي جملته المتذللة بقوله المتجاهل له، حينما خاطب أحد أتباعه الأشداء ممن انتظر على البسطة:
- إنت ياض ..
جاء إليه على الفور، فأمره:
- شوف نجار يصلح الباب ده.
امتثل إليه مرددًا وهو يومئ برأسه:
- حاضر يا كبير.
عاود "زهير" التطلع بعدها إلى "فهيم"، فدنا منه إلى أن وقف قبالته تمامًا، رفع يده للأعلى وربت على كتفه قائلًا بنبرة غامضة، جعلت بدنه يقشعر:
- لسه الكلام بينا جاي!
استشعر الخطر من طريقته غير المريحة في الحديث، ومع هذا لم يجرؤ على التفوه بشيء، وظل متسمرًا في موقفه ينظر إليه بقلقٍ وريبة.
دار "زهير" ببصره في الأرجاء، محاولة رؤية "دليلة"؛ لكنها لم تظهر مطلقًا، فبدا منزعجًا قليلًا، وغادر فجأة دون قول شيء، تاركًا بعض أتباعه في المكان للتأكد من إعادة كل شيء لوضعه السابق.
ظلت "عيشة" حبيسة الغرفة مع ابنتها، تتضرع إلى المولى أن يمضي الأمر على خير، وألا تقع العائلة في مزيد من المشاكل، بالكاد حافظت على رباطة جأشها ريثما جاء إليهما "فهيم"، فأقبلت عليه تسأله على الفور:
- إيه اللي حصل؟ ومين دول؟ وهما لسه برا؟
بدأ بالإجابة على سؤالها الأخير:
- لأ مشوا...
انتظرت أن يكمل باقي أجوبته؛ لكن النظرة المهمومة التي تكسو وجهها أوحت بالكثير، جلس على طرف الفراش، ووزع نظراته بين زوجته وابنته، ليستطرد:
- الليلة كبرت أوي يا "عيشة"، وأنا حاسس إني عاجز ومش قادر أعمل حاجة.
لطمت على صدرها مرددة:
- يا لهوي!!
تجمدت نظرته العاجزة على ابنته مكملًا بتوجسٍ أبوي متزايد:
- وبقيت خايف أكتر على "دليلة"!
جملته تلك جعلت قلب "عيشة" يقذف في رعبٍ، فقد احتوت على تلميحاتٍ متوارية باحتمالية تعرضها إما للاعتداء أو الإيذاء كوسيلة للانتقام منه بطريقة مسيئة للسمعة والشرف.
سألته "دليلة" في خوف:
- قصدك إيه يا بابا؟
لم يجبها "فهيم"، وشرد لهنيهة في أفكاره ليحسم أمره في النهاية بعزمٍ شديد:
- إنتي لازمًا تمشي من هنا.
وافقته زوجته الرأي، وقالت بتصميمٍ:
- من صباحية ربنا هتروح عند "إيمان".
زاد عليها بحديثه:
- وأنا هسافر عند عمتها أرتب معاها قعادها عندها.
كانت "دليلة" غالبية الوقت تصغي إليهما دون مقاطعة، إلى أن قررا تغيير نمط حياتها فجأة، لهذا تساءلت في تحيرٍ قلق:
- وكليتي؟ ودراستي؟
أخبرها والدها بصوته الجاد رغم رنة الخوف المتسللة إليه:
- هنعملك أجازة مرضي، وتبقي تيجي على الامتحانات.
هزت رأسها موافقة، بينما تكلمت أمها مؤيدة إياه:
- بالظبط كده، أي حاجة فيها مصلحتك وبُعدك عن الليلة دي كلها هنعملها.
علق عليها "فهيم" مومئًا برأسه:
- خلاص، توكلنا على الله!
تخلل إلى وجدان "دليلة" شعورًا بالارتياح بالرغم من الهواجس التي تؤرقها عن هذا الصراع الذي تورطت فيه بلا داعٍ، إلا أنها كانت واثقة تمامًا من سعي أبويها لدعمها وحمايتها بشتى الطرق!
بالطبع لم تكن كل الأطراف راضية عن مثل هذه القرارات الفجائية والمصيرية، ومع ذلك أُرغم "راغب" على السير مع التيار، والقبول بمكوث شقيقة زوجته لعدة أيامٍ في مقابل مادي مجزٍ؛ لكن ذلك لم يمنعه من الشكوى والتذمر من وجودها، خاصة أن الأمر أصبح ممتدًا لما يقرب من الأسبوع، فهسهس في تبرمٍ وهو يبدل ثياب العمل بأخرى مريحة بعدما عاد إلى بيته:
- شكل أختك هتطول في أعدتها هنا!
علقت "إيمان" سترته على المشجب، وطوت قميصه تمهيدًا لغسله وهي تخاطبه بتعابيرٍ مستاءة من تحامله الزائد على والدها رغم مساهمته المادية في نفقات شقيقتها، لئلا تكون عبئًا عليهما:
- معرفش لسه يا "راغب"، بس هما يومين تلاتة بالكتير كمان، لحد ما تروح عند عمتي.
ردد في سخطٍ:
- أبوكي شكله هيطلع بؤ، وأختى هتبرشط هنا.
لملمت جواربه الملقاة بإهمالٍ عند طرف الفراش، وعقبت بهدوءٍ:
- معلش يا حبيبي، استحمل شوية، مش فاضل كتير.
سدد لها نظرة حادة، ولم يقل شيئًا، واتجه إلى الحمام الملحق بالغرفة ليغسل وجهه وكفيه، فأخبرته وهي تحضر المنشفة له:
- دقايق والأكل هيكون جاهز.
شدها منها، وجفف ما ابتل منه، ثم ألقاها بغير مبالاة على الأريكة، ليستلقي بعدها على الفراش، وضع يده خلف رأسه، وحدق في بقايا أثرها بعدما غادرت الغرفة، وهو يغمغم مع نفسه بنقمٍ:
- حاجة تخنق بجد، الواحد مش عارف ياخد راحته في بيته.
ثم أطلق سبة خافتة، وتمطى بذراعيه منتظرًا نداء زوجته للنهوض وتناول الطعام.
على الجانب الآخر، حاولت "دليلة" قدر المستطاع ألا تكون مصدرًا للإزعاج لشقيقتها وزوجها، فانزوت في غرفة الأطفال غالبية الوقت، لا تخرج إلا للذهاب إلى الحمام الصغير، أو المساعدة في ترتيب المنزل وطهي الطعام حينما لا يكون "راغب" متواجدًا بالبيت تجنبًا لتعليقاته السخيفة وتلميحاته المستفزة.
كالعادة تلقت مساءً مكالمة هاتفية من والدتها قبل أن تذهب للنوم لتفقد أحوالها، فسألتها "عيشة" في اهتمامٍ:
- مرتاحة عندك يا حبيبتي؟
زفرت مليًا، وادعت كذبًا:
- أيوه يا ماما، الحمدلله .. كله تمام.
تابعت أمها الحديث في جدية:
- أبوكي عند عمتك، وإن شاءالله لما يرجع هيوديكي عندها.
مررت "دليلة" يدها في خصلات شعرها المنسابة على الوسادة، وسألتها:
- بس مش هتقل عليها؟ هي عندها عيالها وجوزها!!
سمعت صوت تنهيدة أنفاسها قبل أن تخبرها:
- ده وضع مؤقت، لحد ما الغُمة تنزاح.
تنهدت مثلها، وردت:
- ربنا ييسر.
عادت "عيشة" تسألها في اهتمامٍ:
- هتروحي كليتك بكرة؟
أجابتها وهي تلقي نظرة تلقائية على المظروف الورقي الموضوع على طرف الكومود الملاصق لها:
- أيوه، هقدم الورق اللي بابا خلصه بتاع الأجازة المرضي علشان غيابي عن المحاضرات.
هتفت والدتها تضيف في ارتياحٍ:
- الحمدلله إننا نعرف حد في الصحة، وإلا كان زمانا في حيص بيص.
عقبت عليها ابنتها بسخطٍ:
- ما هو كله ماشي بالواسطة اليومين دول.
استطردت والدتها تخبرها بشيءٍ من التوصية:
- بقولك خلي جوز أختك يوصلك، رجلك على رجله.
امتعضت قسمات وجهها، وسألتها في وجومٍ:
- طب وهو عارف ده؟
في التو أكدت لها:
- أبوكي موصيه، ومقبضه كمان.
جاء تعليقها في شيءٍ من الازدراء:
- على الله يتمر!
ردت عليها أمها:
- أدينا بنعمل اللي علينا معاه، وكله علشان أختك تكون مبسوطة.
همهمت بغير اقتناعٍ:
- أتمنى ده.
واصلت الحديث معها عن أمور شتى إلى أن سمعت رنة أشبه بالضجيج تعلن عن قرب انتهاء شحن بطاريتها، فاختتمت والدتها معها المكالمة بتوصيتها المتكررة:
- خدي بالك من نفسك يا حبيبتي.
حررت زفرة بطيئة من رئتيها قبل أن تهمس:
- حاضر يا ماما.
كالعادة طلبت منها في حنو أمومي:
- وسلميلي على أختك.
ابتسمت قليلًا، وردت:
- ماشي.
أغلقت الاتصال، وأعادت وصل الهاتف بالشاحن، ثم تمددت على جانبها من الفراش، حاولت ألا ترهق عقلها بالتفكير فيما يحمله الغد لها، فلن يكون أخطر من البقاء في هذه المنطقة المشبعة بكل ما هو ملبك للأبدان، خاصة من يفتقرون للنفوذ والسلطة.
أيامه كانت حافلة بالكثير من الأمور المتعلقة بمصالح عائلة "الهجام" وسطوتها، فانشغل عن شأنها، والتهى عن السؤال عن تفاصيل أحوالها، إلى أن أصبح شبه متفرغًا، فاستدعى "حمص" للاستعلام منه عنها، ليتفاجأ بغيابها التام عن منزلها، بل والمنطقة بأسرها، فانقبض قلبه، وبات في قمة غضبه.
هدر "زهير" في بعصبيةٍ، تعجب في قرارة نفسه من سيطرتها عليه، وهو الذي يمتاز بهدوئه وبروده:
- يعني إيه البت ماظهرتش تاني؟ وده حصل من إمتى؟
بحذرٍ واضح عليه، تكلم "حمص" وهو يطالعه بهذه النظرة المترقبة:
- من ساعة ما أبوها خرج معاها الصبح من كام يوم، وهو رجع من غيرها.
أردف "سِنجة" موضحًا:
- وأنا وقت ما استلمت المراقبة من "حمص" ماشوفتهاش لا رجعت ولا ظهرت.
أضاف عليهما "شيكاغو" هو الآخر:
- وأنا شرحه يا ريس.
استمر "إزاي" على هديره الغاضب وهو ينتقل لسؤاله التالي:
- وإزاي معنديش خبر بده من ساعتها؟
بطرف عينه نظر "حمص" إلى "عباس"، وأخبره:
- ما احنا بلغنا الريس "عباس"!
في التو دافع الأخير عن نفسه مبررًا إغفاله عن ذكر مثل هذا الأمر الذي اعتبره –من وجهة نظره- تافهًا، ولا يستحق الذكر:
- أنا يا كبيرنا كنت معاكو في الحوار إياه! ومكونتش مركز في أي حاجة تانية!!
لم يكن وحده المسئول عن هذا الإهمال، فالكل كان ملتزمًا بتلبية أوامر "كرم" والتعامل مع أحد الخصوم الأقوياء لإتمام إحدى الصفقات الهامة للغاية وتسهيل وصول بضائعها باهظة الثمن لوجهتها الأخيرة.
فرك "زهير" طرف ذقنه متسائلًا في تحيرٍ:
- هتكون راحت فين؟
بشكلٍ عفوي علق "حمص" وهو ينظر تجاهه:
- الظاهر إنه سربها من الحتة كلها.
من بعيد تابع "كرم" ما يدور دون تعقيبٍ، خاصة مع احتشاد معظم المتواجدين في الباحة على إثر صوت "زهير" الصاخب لمعرفة أسباب غضبه.
تمهل ولم يقدم على شيءٍ حتى حانت اللحظة المناسبة لتدخله، فأقبل عليهم موجهًا سؤاله اللائم إلى شقيقه تحديدًا:
- إيه فلتت من إيدك؟
فهم "زهير" المغزى وراء أسلوبه المبطن في توجيه اللوم والاتهام، وهمهم بصبرٍ نافد، وهو بالكاد يحاول ضبط أعصابه قبل انفلاتها أكثر من ذلك:
- خلاص يا "كرم"! أنا هتصرف وأعرف طريقها.
وقف شقيقه الأكبر قبالته يحدق في عينيه بنظرة قوية مباشرة، قبل أن يسأله بنبرة تحمل الإنذار في طياتها:
- وبعدها؟ هيحصل إيه؟
سكت ولم يجد شيئًا ليخبره به، فواصل "كرم" الحديث بلهجةٍ لم تكن مريحة مطلقًا:
- أنا عديتلك حوار إنك عامل فيها سبع البرومبة والنِمرة اللي حصلت في بيت أبو البت، وكنت مستني أشوف اللي بعد كده، بس شكلك غاوي يتعلم عليك من النسوان....
غامت تعبيرات وجه "زهير" من إهانته الوقحة، وتشبيهه غير المقبول، لتزداد ملامحه تجهمًا مع تأكيد شقيقه غير الممازح:
- من الآخر، حوارك بقى عندي.
بلا وعيٍ صاح محتجًا:
- ما تتدخلش يا "كرم"!
هزأ منه بتهكمٍ:
- ده على أساس إنك عارف تتصرف فيه؟!
ثم منحه نظرة مستخفة وهو يتابع:
- إنت قلبك رهيف مع الحريم، وأنا غيرك...
احتدت عينا "زهير" بوضوحٍ، في حين أتم شقيقه الأكبر جملته وقد صارت تعبيراته قاسية للغاية:
- ما بيفرقش معايا حد!
في التو رد عليه "زهير" مؤكدًا:
- أنا هتعامل.
ضحك بسخريةٍ قبل أن يقول:
- وريني!
أصبح صوت "كرم" أكثر قتامة وهو يتابع بنبرة جمعت بين الجدية والاستهزاء:
- بس الأول اعرفلي مكانها يا فِتك!
كز "زهير" على أسنانه في غيظٍ، وكور قبضة يده حتى ابيضت سلامياته كدليلٍ على شدة حنقه.
اقترح "عباس" بنزقٍ وكأنه يحاول المساعدة:
- ما جايز تكون البت عند أختها؟
استدار "كرم" برأسه تجاهه، وسأله برنة سخرية ظاهرة في نبرته:
- ودي هنعرف طريقها منين؟ من الأحوال المدنية مثلًا؟!!!
سرعان ما لاحت ذكرى السرقة في عقل "سِنجة"، فتذكر قراءته لعنوان شقيقتها حينما كانت هويتها بحوزته، من فوره تكلم جاعلًا كافة الأنظار تتسلط عليه:
- أنا أعرف يا كبيرنا!
لم تسلم من عباراته السخيفة التي ظل يلقيها على مسامعها طوال بقائه في السيارة وهو جالس بجوارها منتظرًا عودة شقيقتها من داخل جامعتها.
نفخ بصوتٍ مسموع، وغمغم في ضجرٍ وهو ينقر بأصابعه على عجلة الموقد:
- شغال سواق عندكم، كل مصالحي متعطلة بسببكم.
حاولت "إيمان" الابتسام للتغطية على شعورها بالضيق من شكواه التي لا تتوقف أبدًا، وقالت محاولة تخفيف وطأة الضغوط عليه:
- حقك عليا يا "راغب"، دي آخر حاجة هنعملها النهاردة، وبكرة "دليلة" هتمشي.
أشاح بوجهه للجانب، ورد في تعبيرٍ عابس:
- ما هو ده اللي مصبرني.
لمحت "إيمان" شقيقتها وهي تلقي التحية على رفيقاتها قبل أن تودعهن لتهرول ركضًا تجاه السيارة، فتحت الباب الخلفي، واستقرت جالسة على المقعد هاتفة بصوتٍ شبه لاهث:
- سوري، أتأخرت عليكم، بس عقبال ما خدت المحاضرات اللي نقصاني.
تكلم "راغب" متسائلًا وهو يرمقها بهذه النظرة المنزعجة:
- في حاجة تانية ولا أمشي؟
ردت بلا ابتسام:
- لأ، مافيش.
هسهس بصوتٍ خفيض، لم يهتم إن كان مسموعًا لكلتيهما أم لا:
- حاجة تقرف.
التقطت أذنا "دليلة" ما فاه به، وسلطت نظرة نارية عليه، لتهمس بينها وبين جنبات نفسها:
- أنا مش عارفة إنتي مستحملة البني آدم السليط ده على إيه!
حدقت في جانبها من الطريق، متجنبة الحديث إليه، ريثما تعود إلى منزله لتبدأ في الاستعداد لمغادرته وجمع أشيائها.
جمع عددًا لا بأس به من رجاله، وأعطاهم تعليماته ليقوموا بتفقد المنطقة، ودراسة مداخلها ومخارجها، لتحديد نقطة انطلاقهم وانسحابهم، فبدا كل شيءٍ مرتبًا وسلسًا، كذلك أرسل أحدهم للاستفسار عنها من حارس العقــــــار، بحجة رغبة أحد الشباب في التقدم لخطبتها، فأعطاه الحارس وفرة من المعلومات الثرية بعدما تلقى نفحة لا بأس بها من المال.
وحانت لحظة المواجهة المحتومة ..
تباطأت سرعة سيارة "راغب" بالتدريج فور أن انعطف من الطريق الرئيسي نحو الطريق الجانبي المؤدي في نهايته إلى مدخل بنايته.
بحث عن بقعة شاغرة في المنطقة المخصصة لركن السيارات، ليتفاجأ باعتراض أحدهم لطريقه بصورة فجة.
كان ممتنًا لأنه لم يكن يقود بسرعة عالية وإلا لما تمكن من إيقافها في الوقت المناسب، ولتعرض للاصطدام المباشر، ناهيك عن كم الخسائر التي سيتكبدها لإصلاح التالف من البدن المعدني.
قطب جبينه، وضاقت نظراته في استياءٍ من هذا التصرف الأرعن، وصاح مستنكرًا –وبأسلوب هجومي- وهو يلوح بذراعه في الهواء بعدما أخرجه من نافذة السيارة الملاصقة له:
- هو في إيه؟ دي طريقة سواقة؟ مش تفتح يا أعمى!!
انقبض قلب "دليلة" بقوةٍ، فهناك بعض الوجوه المألوفة التي استطاعت التعرف إليها بمجرد أن لمحتهم من جانبها، شحب وجهها على الفور، وهربت الدماء من عروقها، في حين أمعنت "إيمان" النظر فيمن هبطوا من السيارة ليقفوا في مواجهة مقدمة خاصتهم، وهذا السؤال ينطلق من بين شفتيها:
- مين دول؟!!!!
فورًا تعرف "دليلة" على وجه "سِنجة"، خاصة عندما تطوع ليكون أول الظاهرين في المقدمة، فمدت يدها لتضرب على كتف شقيقتها الجالسة أمامها لتنبهها:
- "إيمان"، أنا عارفة الأشكال دي كويس...
أحست "دليلة" بتلاحق دقات قلبها وتصاعدها كالصاروخ دفعة واحدة عندما استدركت خطورة الموقف، وهتفت تقول بخوفٍ مضاعف:
- دول تبع البلطجية إياهم!!!
بمجرد أن نطقت بتلك العبارة، شهقت "إيمان" في ذعرٍ جم:
- يا لهوي!!
ودون أن تلتفت نحوها تساءلت:
- هما هيكونوا عايزين مننا إيه؟ مش كل حاجة خلصت.
ردت تقول في ارتعابٍ:
- ده المفروض!
في نفس الأثناء، انشغل "راغب" بشأن هؤلاء المزعجين، وما زاد من إحساسه بالحنق استعراضهم للقوة أمامه، وتبجحهم بقدرتهم على سد طريقه، فهتف بصيحة أعلى:
- مشكلتكم إيه بالظبط؟!!
من زاوية أخرى لم تكن في مجال الرؤية، تقدم "كرم" تجاه السيارة بخطوات ثابتة، وهناك في يده عصا غليظة، ليصبح على مسافة بضعة أمتار منهم، ثم هتف بصوت جهوري يتضمن الإهانة الفجة والتهديد:
- إنت يا نطع! بطل موتور عربيتك أحسن ما أنيمهالك على الأسفلت!
تحولت عينا "دليلة" ناحيته، وانتابها شعورًا متعاظمًا بالخوف والذعر، فظهور هذا الشخص على وجه الخصوص يعني تعقد الأمور لأقصى درجة!
فجأة دارت في رأسها عشرات الأسئلة الحيرى، فما الذي جرى في غيابها ليأتي بنفسه إلى هنا؟ ألم تتحدث إليها والدتها بالأمس وتخبرها أن كل شيء على ما يرام؟ هل هناك ما استجد ولا تعلم به بعد؟ أم أن ذلك العجوز المدعو "درويش" استعان بجماعته للانتقام من هؤلاء؟ وأصبحوا رغمًا عنهم طرفًا في هذا النزاع الممتد؟
عجزت عن إيجاد أي أجوبة لأسئلتها التي تتزايد مع كل ثانية تمر.
في نفس التوقيت، أدار "راغب" وجهه ناحية صاحب الصوت بعدما استشاطت ملامحه، ليسأله بغضبٍ قد أخذ في التصاعد، وخصوصًا أن إهانته تتم على مرأى ومسمع من زوجته وشقيقتها:
- إنت بتكلمني أنا؟
تعمد "كرم" استحقاره علنًا كنوعٍ من الاستفزاز له، واستمر في الاستهزاء به من موضع وقوفه بقوله المحدد وهو يشير بعصاه إليه:
- هو في غيرك نطع هنا؟!!
اغتاظ "راغب" بشدة من تحقيره، وهدر في غضبٍ مطوحًا بيده في الهواء:
- اتكلم بأدب أحسنلك!
رد عليه بتحدٍ:
- هــأو! ولو ما تكلمتش؟!!!
بحسبةٍ عقلية سريعة أدرك أنه يتعامل مع شخصية توحي بالإجرام الشديد، ومناطحتها ثأرًا لكرامته المهدرة تعني تعرضه للمشاكل، وتورطه في أزمة تبعاتها لا تبشر بخيرٍ، لذلك تراجع على الفور عن معاداته وفضل الانسحاب بأقل الخسائر، ولتأتي حجج ومبررات تخاذله لاحقًا، المهم أن ينجو ببدنه وأملاكه من التعرض للأذى!
ابتلع "راغب" مرارة الإهانة، وخاطبه بصوتٍ أشبه بزمجرة أسد جريح:
- بص يا كابتن أنا مش بتاع مشاكل ولا حوارات، خلي جماعتك دول توسع الطريق، واحنا نشوف سكتنا، وكفى الله المؤمنين شر القــــتال.
لم يستسغ "كرم" حالة الجُبن الظاهرة عليه، والتي لا يمكن التشكيك أبدًا فيها، لذا تقدم ناحيته ببطءٍ، وأخبره بصوتٍ أجش خشن، وعيناه تلمعان بوميضٍ مخيف:
- مش قبل ما أخد اللي عايزه!
جملته كانت غامضة إلى حدٍ ما، فلم يستطع "راغب" تفسير المغزى من ورائها، لذا بديهيًا سأله ليستفهم أكثر:
- اللي هو إيه؟
رفع سبابته ليوجهها نحو أحدهم تحديدًا قبل أن يتكلم مبتسمًا بابتسامةٍ شيطانية:
- الحلوة اللي أعدة ورا.
تدلى فكه للأسفل مرددًا في ذهولٍ صادم:
- أفندم؟
استوعبت "إيمان" ما يقصد، وصاحت مستنكرة مطلبه بشدة:
- ده بيقول إيه ده؟!!
آنئذ أدركت "دليلة" حجم الخطر المهلك المحيط بها، وصرخت مستغيثة وهي تتشبث بظهر مقعد شقيقتها:
- الحقيني يا "إيمان"!
استهجنت بشدة جراءته الوقحة، وهبت للذود عن شقيقتها الوحيدة بهديرها الغاضب:
- اتجنن ده ولا إيه؟
سرعان ما استفاق "راغب" من حالة التيه التي سيطرت عليه للحظاتٍ، وصاح هو الآخر:
- نعم؟ إنت بتهزر؟
نظر له شزرًا قبل أن يتجاهله عن عمدٍ ويلتفت إلى شقيقه صائحًا فيه بغلظةٍ:
- إيه يا "زهير"؟ هتقف تتفرج كتير؟
كان شقيقه الأصغر متواجدًا بالمؤخرة، يبدو وللمرة الأولى مترددًا في شأنٍ ما، يجد صعوبة في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه مسبقًا، لذا سار نحو المقدمة بتثاقلٍ، وعيناه ترتكزان على صاحبة الوجه المذعور الجالسة بالخلف، لم يشتت ناظريه عنها و"كرم" يسأله بتبجحٍ:
- مش البت عجباك؟!!
لم يعلق، فصاح به في لهجةٍ آمرة:
- رد عليا!!!
أجابه بإيجازٍ وقد التفت تجاهه:
- أيوه.
وقتئذ أشار إليه "كرم" ملوحًا بالعصـــا التي يحملها في يده:
- يبقى تاخدها.
وكأنه أصدر حكمًا بالإعــــــدام عليها، ويُنتظر فقط تنفيذه جهرًا..
صرخت "دليلة" في ذعرٍ أكبر يفوق أي شيء قد اختبرته سابقًا في حياتها:
- "إيمان"! إلحقيني، ده بيقول إيه ده؟!!
بتلقائيةٍ بحتة استنجدت "إيمان" بزوجها، وتعلقت بذراعه تهزه بقوة وهي تستحثه في خوفٍ مشوبٍ بالاستنكار:
- اتصرف يا "راغب"، وامشي بينا من هنا أوام!
وضع "كرم" عصاه على الزجاج الأمامي للسيارة، ليبدو جادًا في تهديده وهو يحذره:
- أحسنلك ما تدخلش، بدل ما تندم على عمرك.
انطلق "زهير" تجاه الباب الجانبي المجاور لـ "دليلة"، وحاول فتحه عنوةً وهو يأمرها:
- افتحي الباب!
تمكنت "دليلة" من غلق قفل الأمان في الوقت المناسب، فأنقذها مؤقتًا من وصوله إليها؛ لكن الأمر لم يدم طويلًا، حيث ألقى "كرم" بعصاه لشقيقه الذي تلقفها بسهولة، لينظر إليها مرة ثانية آمرًا إياها:
- ابعدي عن الإزاز.
حملقت فيه بعينين متسعتين، قبل أن تحني رأسها وتخبئها بين مرفقيها حينما أبصرته يضرب بقوةٍ بالعصا على الزجاج ليهشمه، وأزاح بيده البقايا، ليتمكن من فك قفل الأمان، وفتح الباب بسهولةٍ.
امتدت يده لتقبض على ذراع "دليلة" فصرخت الأخيرة في هلعٍ شديد:
- "إيمان" ما تسيبهومش ياخدوني!
وجدت شقيقتها نفسها عاجزة عن صد محاولة اختطافها قسرًا، فضربت كتف زوجها تستحثه على التحرك فورًا لنجدتها:
- "راغب"، الحق أختي يا "راغب"، ما تخليهومش يخطفوها!
ما إن همَّ بالتحرك حتى أمسك به "كرم" من تلابيبه، خنقه عن عمدٍ بقبضته القاسية، وشده إليه في خشونةٍ وهو يهدده بفجاجةٍ:
- خليك في حالك، ما تدخلش!
صاحت فيه "إيمان" بصوتٍ تحول للبكاء:
- إنتو مجرمين!!
اتجه "كرم" بناظريه إليها، وحذر زوجها بتهديدٍ صريح:
- بقولك إيه، هدي الحلوة اللي جمبك، بدل ما نحرمك منها هي كمان!
قاومت "دليلة" محاولة أخذها بكل ما أوتيت من قوة، وعضت قبضته الممسكة بها، فتألم من شراستها، واضطر لتركها، فنجحت في التحرر منه، لتزحف بجسدها سريعًا على المقعد نحو الجانب الآخر من السيارة؛ لكنه كان مُصرًا على أسرها، لذا عاود الإمساك بها من قدميها، فراحت تركله بعنفٍ في وجهه، وصدره، ومع ذلك جذبها إليه ليخرجها من السيارة وسط صرخاتها الانفعالية المذعورة والتي لم تتوقف للحظة.
للغرابة لم يجرؤ أحد قاطني المنطقة على التدخل أبدًا، ولو بدافع الفضول، وكأنهم قد تلقوا تعليمات مسبقة بعدم المساعدة مهما شاهدوا أو رأوا!
بمجرد أن أصبحت "دليلة" تحت قبضته، ألصقها "زهير" بصدره، وطوقها بذراعيه، فاشتدت مقاومتها الهائجة له، فما كان منه إلا أن أدارها إليه، مانحًا إياها نظرة غريبة، وانحنى قليلًا ليحملها على كتفه، ثم سار بها بخطواتٍ أقرب للركض نحو سيارته، ليضعها بالداخل، ومن ورائها صرخة شقيقتها المنادية باسمها في عجز بيّن أخير ويائس، قبل أن تختفي كليًا عن ناظريها:
- "دليـــــــــــــــلة" .............................. !!!.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منال سالم
كان يبدو في جلسته على المقعد الجلدي بداخل سيارته كالصنم، جامدًا، لا يُحرك ساكنًا، يُشاهد ما يجري ويدور وكأنه يتابع بذهولٍ وترقب أحداثًا مشوقة لفيلم تبثه إحدى القنوات الفضائية في عرضٍ أول وحصري، وليس واقعًا يُعاش بالفعل.
صوت صراخها المتواصل بالقرب من أذنه أجبره على الاستفاقة من حالة الغيبوبة الذهنية التي سيطرت على مداركه، فالتفت إلى الجانب ليحدق بنظراتٍ شبه زائغة إلى "إيمان" وهي تهدر به:
- افتح الباب يا "راغب"!
لا إراديًا حرك إصبعه على زر القفل الإلكتروني المتحكم في جميع أبواب السيارة من جهته، لتتمكن من فتح الباب الملاصق لها، فاندفعت بعنفوانها وغضبها على الفور للخارج، لتتجه إلى "كرم"، وتتشاجر معه متناسية خوفها ورهبتها من أمثاله، حيث أمسكت به من ياقته بقبضتيها وصاحت فيه بجنونٍ:
- إنت عايز إيه من أختي؟
رمقها الأخير بنظرة غريبة، غامضة، متمعنة، وراح يتأمل ما تفعله بهدوءٍ مريب، وكأنه يستلذ بما يحدث، فاستمرت في هزه بأقصى طاقتها المدفوعة بالأدرينالين الحانق المسيطر على كافة خلايا جسدها، وهي لا تزال تصرخ في وجهه:
- سيبها، ملكش دعوة بيها! عايزين منها إيه؟
ناظرها عن قربٍ خطير، فلامست فيه ذلك الشيء المحفز لحواسه، خاصة الحسية منها، تلك التي تستثيره، وتدفعه نحو إشباع توقه لفرض سيطرته، والتحكم في زمام الأمور. امتدت يداه لتمسك بقبضتيها، وانتزعهما عنه بلا مجهودٍ يذكر، لتشهق مصدومة من جراءته ووقاحته الفجة، خاصة وهي تستشعر أصابعه وهي تشتد عليها، قبل أن يسألها مبتسمًا في خبثٍ:
- خلصتي يا حلوة؟
حاولت تخليص يديها من بين كفيه القابضين عليها؛ لكنها عجزت عن التحرر منه، فصرخت فيه بهياجٍ أكبر:
- سيب إيدي، يا بلطجي، يا مجرم!
اشتعلت نظراته حنقًا من نعتها الملائم لوصفه، والتفت محدقًا في وجه زوجها الذي ما زال على حالة جموده العجيبة يسأله بتهكمٍ ساخر:
- ما تشوف مراتك يا نطع!!
ما لبث أن أصبحت نبرته مهددة بشكلٍ سافر عندما أتم كلامه:
- ولا مستغني عنها هي كمان؟
آنئذ استفاق من سباته الذهني، ليترجل من السيارة متجهًا إليهما، و"كرم" قد عاود الحديث إلى "إيمان" بتبجحٍ وقح:
- وأنا معنديش مانع أجمعك بأختك!
في التو ردت عليه باستحقارٍ شديد، ووجهها يتضرج بحمرته الغاضبة:
- إنت سافل وواطي!
ضحك هازئًا منها قبل أن يعلق:
- مقولتيش حاجة جديدة.
أخيرًا تدخل "راغب" بعدما تخلص من الحالة السلبية العجيبة التي كان عليها، لينتزع قبضتيه عن معصميها هاتفًا بحدةٍ:
- شيل إيدك عن مراتي!
أدار "كرم" وجهه ناحيته، وسأله بنفس الأسلوب التهكمي المهين:
- إنت موجود أصلًا، ده أنا نسيت إنك هنا!!
بدلًا من التشاجر معه، ورد اعتبار زوجته، والثأر منه لما اقترفه في حقها، ناهيك عن فداحة أفعاله مع شقيقتها المغلوبة على أمرها، تفاجأت "إيمان" به يجذبها من مرفقها ليعيدها إلى السيارة وهو يأمرها:
- تعالي معايا.
تدلى فكها للأسفل في ذهولٍ تام، قبل أن تقاوم سحبه نافضة ذراعها من بين أصابعه لترد بتحدٍ معاند:
- مش هسيب أختي مع البلطجية دول.
عاود الإمساك بها مؤكدًا في صوتٍ هامس وهو يضغط على أسنانه:
- هنتصرف ونرجعها.
رغم انخفاض نبرته إلا أن "كرم" تمكن من سماعه، وصاح يتحداه بترحابٍ:
- لو تقدر وريني!
تكفلت "إيمان" بالرد هذه المرة أيضًا:
- مش هنسيبها ليكم.
فرد ذراعيه على طولهما مبديًا استعداده للمواجهة مرددًا:
- وأنا مستني أشوف هتعملوا إيه!
ثم غمز بطرف عينه مختتمًا كلامه بفجاجةٍ:
- وخصوصًا الحلوة اللي معاك، أصلها مكيفاني.
عبارته الأخيرة كانت موحية للغاية، فصرت "إيمان" على أسنانها تمهيدًا لسبه:
- إنت...
قبل أن تفوه بشيءٍ تندم عليه لاحقًا، منعها "راغب" بأعجوبة وهو يمسك بفكها عنوة:
- ماترديش عليه! سمعاني؟
أزاحت قبضته عنها متسائلة في تحفزٍ مشوب بالغضب:
- إنت هتسيبوهم ياخدوها؟
أجبرها على ركوب السيارة معقبًا في وجومٍ:
- هنرجعها بس بالعقل!
صاحت مستنكرة ما اعتبرته جبنًا يندى له الجبين:
- هو فيها لسه عقل؟ دي هتكون ضاعت مننا للأبد.
نفخ عاليًا، ولم ينطق بكلمة، لينظر إلى المقعد الخلفي للسيارة المتناثر عليه الزجاج المهشم، وهذا الصوت يردد في رأسه:
- أنا كان مالي ومال الحوارات دي!
ظلت عينا "إيمان" مرتكزتان على "كرم" الذي أشار لرجاله ليغادروا المكان، بينما أخذ يتبختر في مشيته المتباهية وهو يدندن بصافرة مستمتعة، كأنما يتعمد إغاظتهما بإظهار مدى سطوته وقوته.
***
في تلك الأثناء، كانت "دليلة" تقاوم محاولة اختطافها قسرًا بأقصى ما تستطيع، ما إن وضعها "زهير" بداخل السيارة، حتى راحت تضرب بيديها، وتركل بقدميها، على أمل أن تنجح في الفكاك من الأسر؛ لكنها فشلت أمام قوته المسيطرة، فتمكن من تحجيم ثورتها، وطوقها بذراعيها مستخدمًا قبضتيه القويتين لتصبح مقيدة، دنا من رأسها وهمس بالقرب من أذنها:
- إهدي..
لم تكف عن الصراخ، فاستمرت تصيح رغم البحة التي نالت من حنجرتها:
- ابعدوا عني يا كلاب، يا مجرمين!
استنجدت بالمارة في الطريق، لعل وعسى يرأف بها أحدهم ويقدم لها يد العون:
- الحقوني يا ناس، أنا مخطوفة.
اضطر "زهير" لتكميم فمها، بوضع يده عليه، فأجبر جوفها على حبس أصوات صراخها وهو يأمرها:
- اسكتي شوية، واهدي كده.
شعر بأنفاسها الحارقة على جلد كفه، فاستنفر تمامًا، وتخبطت أفكاره، لم تكن تلك المخططات على هواه، ومع هذا لم يعترض على تنفيذها، ورضخ لرغبة شقيقه في الظفر بما يطمح ويريد، وإلا لتعامل بطريقته، وهذا جلَّ ما يقلقه، اندفاعه الأهوج!
قام أحد أتباعه بوضع مادة مخدرة على منديل قماشي، وناوله إليه قائلًا بتعجلٍ:
- خد ده يا ريسنا هيريحنا من دوشتها.
اضطر على مضضٍ أن يأخذه منه، ووضعه على أنفها ليجبرها على استنشاق ما به هامسًا:
- متقلقيش، محدش هيأذيكي.
سرعان ما شعر بتراخي أطرافها، وباستكانة جسدها المتشنج، فاستمر في همسه، إذ ربما تشعر بالأمان ناحيته:
- عايزك تتأكدي من ده..
أزاح يده عن فمها فخرجت منه استغاثة أخيرة ضاعت بقيتها بسبب زحف الظلام على وعيها:
- الحقــو...
تثاقل جسدها على كتفه، فحركها قليلًا لتتمدد بجواره على المقعد الخلفي، وأمر تابعه:
- اطلع بالعربية أوام.
استجاب له في الحال:
- تمام يا ريسنا.
استغل "زهير" الفرصة لينظر إلى تلك المستكينة بجواره بنظراتٍ قلقة متأملة لسكونها الزائف، فإن كان قلبه قد رقَّ واستمال إليها بشكلٍ استغرب منه بعد فترة من الجفاف العاطفي، إلا أنه خشي من تبعات ما أقدم عليه إرضاءً لشقيقه!
***
ها قد أتت فرصتها على طبقٍ من فضة، وحانت لحظة الانتقام، وأخذ الحق ممن سلبتها كل شيء، حتى رضيعها البريء لم يسلم من شرها المستطير، أقسمت "وِزة" بأغلظ الأيمان وأشدها بألا تترك عدوتها اللدودة أو تدعها سوى بعد أن تذيقها من نفس كأس الظلم والاضطهاد حتى تدرك مدى البؤس الذي عاشت فيه مثيلاتها ممن لا تملكن حتى حق الاختيار.
تأنقتٍ في ثيابٍ مزركشة، وأفرطت في وضع مساحيق التجميل بشكلٍ ملفتٍ ولا يخلو من الإغراء قبل أن تذهب مع أحد أتباع زوجها إلى بيت "توحيدة". صعدت على الدرج وهي تشحذ قواها المعنوية لهذه المواجهة المصيرية، فإن ارتاعت أو حل بها الخوف لن تنجح في مسعاها. تنفست بعمقٍ حينما وقفت أمام الباب، ثم كورت قبضتها وطرقت عليه بكل قوةٍ. سمعت "خضرة" تهتف من الداخل:
- شوفي مين بيرزع على الباب كده!
هيأت نفسها وتأهبت لبدء أولى خطوات فرض نفوذها، فبمجرد أن فُتح الباب، دفعت إحدى تلك الفتيات بخشونةٍ من كتفها، وأمرتها في عجرفةٍ وتعالٍ:
- وسعي يا مزغودة!
اندهشت الشابة لتصرفها الغريب معها، ورمقتها بنظرة متعجبةٍ، بينما أقبلت عليها "خضرة" تلومها في لهجةٍ محذرة:
- إنتي اتجننتي يا "لوزة"؟
صححت لها جملتها بغرورٍ واضح وهي تشير بيدها للأعلى:
- اسمي الست "لوزة" أو أبلتك لو تحبي يا بت يا "خضرة"!
رددت في استنكارٍ:
- بت!
أعادت على مسامعها ما قيل سابقًا بلهجة صارمة:
- هو إنتي نسيتي إن "الهجام" بنفسه أمر أكون ست البيت ده؟ وأنا جاية أخد وضعي فيه!
على إثر صوتها المرتفع خرجت "توحيدة" من غرفتها لتصيح فيها بنبرة استعلاءٍ ممزوجة بالازدراء:
- مين دي اللي بتتكلم؟ صحيح القوالب نامت، والأنصاص قامت!!
أطلقت "وِزة" ضحكة عالية هازئة منها، لتعلق بعدها بسخرية فجة:
- ياختي إيه الصوت الوحش ده؟ بقرة بتنعر!
في التو غلت الدماء في عروقها، واستشاطت غضبًا وغيظًا من وصفها المهين، لتهب مندفعة نحوها قاصدة الاشتباك معها وهي تصرخ في وجهها:
- مين دي اللي بقرة يا بنت الـ....!!!
بالكاد نجحت "خضرة" في منعها من بلوغها، واستوقفتها بصعوبةٍ قبل أن تمتد يديها لتصل إليها، ويحدث ما لا يُحمد عقباه، وأخذت تتوسل إليها برجاءٍ:
- بالله عليكي يا ستي تهدي.
بينما حذرتها "وِزة" بنبرة غير ممازحة، وهي ترفع حاجبها للأعلى:
- حاسبي على لسانك، بدل ما تلاقي نفسك في كلمة ونص برا المكان كله يا .. "توحيدة".
جن جنونها من أسلوبها هذا، واستمرت في صراخها الثائر بها:
- البت اتخبلت في مخها؟ ما تفوقي لنفسك يا "لوزة"؟ ده أنا اللي عملتك.
مجددًا ضحكت في استخفافٍ، وبترت ضحكتها في المنتصف قائلة بقوةٍ:
- اسمي الست "لوزة"، وكلمتي من هنا ورايح هي اللي ماشية في البيت ده...
ثم تعمدت أن تزيد من استفزازها باستكمال كلامها وهي تشير بيدها نحو غرفة بعينها:
- وروحي يا "خضرة" وضبي أوضتي دي، أصل أنا الشوق هفني أنام فيها!
تصاعد غضب "توحيدة" بشدةٍ عندما أدركت أنها تنوي الانتقال إلى غرفة نومها الرئيسية والمكوث بها كأنها تملكها، وانتفضت تحتج عليها:
- أهوو ده اللي ناقص!!!
نظرت إليها ببرودٍ قبل أن تقول:
- إيه مش عاجبك؟ بتعصي أوامر كبيرنا؟ ده بنفسه اللي حكم يا ادلعدي!!
ثم تركتها تنكوي بنيران حقدها وحنقها، وولجت إلى داخل الغرفة لتنظر بنفورٍ واشمئزازٍ إلى محتوياتها، وهتفت عاليًا متعمدة أن يصل صوتها إلى كل من يقطن هذا البيت:
- يا "خضرة"! تعالي شيلي الزبالة والقرف ده كله، عايزة المكان ينضف من الوساخة اللي كانت فيه! أصل المعلم "عباس" شوية وجاي، فلازم أتوضب وأدلعله، ما أنا مراته مش سد خانة!
على قدر استطاعتها منعت "خضرة" ربة عملها من التشاحن مع هذه المرأة التي تتعمد استفزازها لأقصى درجة، والأخيرة تصيح في هياجٍ متزايد:
- البت دي عايزاني أطبق في زمارة رقبتها.
رجتها في حنكةٍ ومكر:
- اهدي يا أبلتي، بالراحة، مسيرك هتخلصي منها، شوية صبر وكل حاجة هتيجي في وقتها.
وكأن رصيدها من الصبر قد نفد دفعة واحدة، لم تعبأ بنصائحها، وهدرت معاندة:
- وربنا ما هسكت، يا أنا يا هي!!!
***
مذعنًا للظرف الراهن، اصطحب "راغب" زوجته إلى منزل عائلتها لإبلاغ أبويها وجهًا لوجه بما طرأ من تطوراتٍ خطيرة، فاستقبلت "عيشة" الأنباء غير السارة بالعويل والصراخ، فماذا عن "فهيم" إن علم هو الآخر بما جرى؟!
تحول بُكاء "إيمان" مع الوقت إلى نحيبٍ مكتوم، خاصة ووالدتها تلقي عليها بكامل اللوم، فوجهت إليها إصبع الاتهام هاتفة ببكاءٍ مرير:
- سيبتي أختك تروح مننا كده؟ فرطتي فيها كده بالساهل؟!!
فقدت قدرتها على الدفاع عن نفسها، فهي بالفعل لم تقم بدورها كشقيقة كبرى، وتدفع بالغالي والنفيس لإنقاذ شقيقتها المدلــلة من براثن هؤلاء الطغاة الأشرار، اشتد بكائها مرة أخرى في عجزٍ وقهر، وهي لا تجد ما تجيب به عليها!
أمسكت "عيشة" بمنديلها الورقي المهترئ، ومسحت به أنفها الرطب قبل أن تسأل زوج ابنتها الصامت:
- وإنت كنت فين يا "راغب"؟ هانت عليك؟ دي في مقام أختك الصغيرة؟
سدَّ عن عمدٍ أذنيه عما يُقال، فلا طائل من الشكوى الآن، المهم ما سيحدث لاحقًا، اكتفى بالإصغاء إلى عويل حماته وهي تتابع في أسى وحسرة:
- ده شرفنا وعرضنا اللي راح واتمرمغ في الوحل!!!
عادت لتلوم ابنتها بسؤالها:
- طب هقول لأبوكي إيه لما يرجع؟
ارتفع صوت "عيشة" الباكي، خاصة وهي تكمل:
- ده ممكن يطب فيها ويروح مني هو كمان!
ثم أخذت تضرب على فخذيها تارةً، وعلى صدرها تارة أخرى وهي مستمرة في ندبها:
- أعمل إيه يا ربي؟
أخيرًا قرر "راغب" الخروج عن جموده المغيظ، وقال كنوعٍ من إظهار التعاطف اللحظي:
- كل حاجة هتتحل يا حماتي.
صرخت فيه بانفعالٍ مبرر:
- إزاي؟ قولي إزاي؟
وضع يده على مؤخرة عنقه ليفركه، وقال بترددٍ محسوس في نبرته:
- هنشوف، أكيد مش هنسيبها!
فهمت "إيمان" أن زوجها يحاول تخفيف وطأة قساوة الواقع عن والدتها؛ لكنه زاد الطين بلة بحديثه اللزج وغير المقنع، فعلقت للمرة الأولى بفظاظةٍ استغربت حالها منها:
- يا ريت تنقطنا بسكاتك أحسن!
تحرج من وقاحتها غير المستساغة عليه، ومال ناحيتها ليهمس لها محذرًا:
- أنا مش هحاسبك على طريقتك دي علشان مقدر الحالة اللي إنتي فيها، غير كده كان هيبقالي تصرف تاني خالص.
نظرت إليه شزرًا من طرف عينها، ولم تبالِ إن كانت ستنال عقوبة قاسية منه أم لا، فقد سقط من نظرها منذ اللحظة التي تخلى فيها عن حماية شقيقتها المسكينة، وجلس كالأبله يشاهد ما تمر به بجمودٍ لم تتوقعه مطلقًا، وكأنه لا يكترث بمصيرها على الإطلاق. لقد أدركت في هذا الموقف المعقد تحديدًا أنها تغاضت عن الكثير من طباعه الحادة وسماته غير المقبولة في مقابل مواقفه الرجولية التي من المفترض أن تظهر في مثل تلك الظروف الشائكة؛ لكن عدم مبالاته وسلبيته الفظيعة فاقتا ما كان يدفعها للتعايش معه وتحمله، استحقرته للغاية، وأصبحت تتطلع إليه من منظور مغاير كليًا لما اعتادت عليه معه.
انتشلها من تحديقها الشارد فيه هتاف أمها المكلومة:
- يا ترى إنتي عاملة إيه دلوقت يا "دليلة"؟!!!
***
في مكانٍ آخر، شبه معزول عن الحضر، محاط من كل جانب بأسوار حجرية عالية، وأشجار كثيفة تحجب أعين من يمر – مصادفة - بالخارج عما يدور بالداخل، عبرت سيارته البوابة الرئيسية، ليأتي أمره بغلقها بالسلاسل الحديدية، وتشديد الحراسة على غير العادة.
ترجل "زهير" أولًا من السيارة، وألقى نظرة شمولية على محيط أرجاء فيلته، تلك التي كان لا يأتي إليها إلا نادرًا، ثم انحنى بحذرٍ نحو الداخل ليتمكن من سحب "دليلة" ناحيتها، وقام بحملها بين ذراعيه، ليسير بها نحو الدرج الرخامي صاعدًا إياه بخطواتٍ شبه سريعة، سبقه أحد أتباعه ليفتح الباب إليه، وتنحى جانبًا، فمرق من جوارها متوجهًا للبهو المتسع، حيث كانت تنتظره إحدى الخادمات، فسألها بجديةٍ:
- أوضة الهانم جاهزة؟
أجابته وهي تومئ برأسها إيجابًا:
- أيوه يا بيه.
لم يقل المزيد، وواصل مشيه السريع نحو سلم الدرج ليصعده في خفه، ومنه عرج إلى رواق جانبي قصير، يفيض في نهايته لغرفة النوم الرئيسية، دفع الباب الموارب بقدمه، ثم اتجه إلى الفراش الواسع الذي يتوسط الغرفة، ليمدد "دليلة" عليه.
وضعها بحذرٍ قبل أن يطرح رأسها على الوسادة، ثم سحب الغطاء عليها، ومد يده ليمسد برفقٍ على وجنتها هامسًا بما يشبه الوعد:
- غصب عني اللي حصل ده كله، بس اطمني، مافيش حاجة هتأذيكي.
تطلع إليها بنظرة مطولة قبل أن ينصرف من الغرفة موصدًا الباب من ورائه، هبط على الدرجات مجددًا، حيث كانت الخادمة لا تزال تنتظره بالأسفل ليوجه إليها أمره الصارم:
- تفضلي جمب الهانم، ما تسيبهاش للحظة، ولما تفوق تكلميني سامعة؟
ردت في طاعة تامة:
- حاضر يا بيه.
غادر بعدها الفيلا، ليلحق به تابعه متسائلًا:
- على فين يا ريسنا؟
أجابه بعزمٍ وهو يسرع في خطاه:
- راجعين التبة!
***
بدا كالموتى الأحياء حينما تلقى الأخبار الصادمة، فبرزت عيناه، وشحب لون بشرته للغاية، ليفيق من صدمته على سؤالٍ لم يجد له جوابًا حتى هذه اللحظة:
- بنتي كده ضاعت؟!!
ارتاعت "إيمان" من احتمالية تعرض والدها لأزمة صحية جراء عصبيته المفرطة، وهتفت ترجوه في خوفٍ شديد:
- اهدى يا بابا، الانفعال مش حلو علشانك!
صاح في يأسٍ وهو ينظر بعينين زائغتين إلى زوجته وابنته:
- أومال أنا كنت بعمل كل ده ليه؟
ارتفع صوت نشيج "عيشة"، فهتف بإصرارٍ:
- أنا هبلغ البوليس، هي أكيد في الحتة المقطوعة اللي اسمها التَبَّة دي.
بعد لحظاتٍ من الصمت الطويل، والبرود المغيظ، تكلم "راغب" أخيرًا، وقد أجبر نفسه على النهوض من جلسته:
- وتفتكر يا عمي هما أغبية علشان ياخدوها هناك؟
لم تتحمل "إيمان" نبرة صوته، بدا كالهم على القلب، فحذرته في وقاحةٍ:
- يا ريت ما تعلقش، ده موضوع يخصنا.
اغتاظ من تجاوزها معه، وهسهس من بين أسنانه بعدما اقترب منها، ليجبرها على سماعه هو فقط:
- لتاني مرة بتغلطي؟
نظرت إليه بدونيةٍ قبل أن تعقب بعباراتٍ موحية تمس كرامته:
- كنت اتشملل وأقف قصاد البلطجي اللي كان هيجرني مع أختي لولا ستر ربنا.
كاد أن يتشاحن معها لولا أن تدخلت والدتها لتنهر كليهما بضيقٍ:
- مش وقت خناق، خلونا نفكر.
باندفاعٍ أبوي مبررٍ، هتف "فهيم" بتصميمٍ وهو ينتفض مسرعًا نحو باب المنزل:
- أنا رايحلهم، ومش راجع إلا وبنتي معايا!!!
انطلق نحو الخارج، وصوت "إيمان" يلاحقه:
- استنى يا بابا! ما تروحش لواحدك...
سرعان ما التفتت "عيشة" نحو زوج ابنتها ترجوه باستعطافٍ وهي تربت على كتفه:
- انزل يا "راغب" معاه، ما تسبوش يا ابني، الحكاية مش ناقصة.
تجهمت كامل تعابيره، واضطر أسفًا أن يتبعه بغير رضا منه، فلحق به وهو يدمدم مع نفسه:
- حد يروح لقضــاه برجليه .......................... !!!!
رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس عشر 16 - بقلم منال سالم
ضجر وفاض به الكيل من روتين المصالح الحكومية المستهلك للوقت، وللصحة، والأعصاب؛ لكنه كان مضطرًا لإنهاء بعض الإجراءات الخاصة بعمله، وإلا لظل يدور في هذه الدوامة التي لا تنتهي.
وقف "موجي" أمام بوابة المبنى الإداري التابع لهذه الهيئة الحكومية يلهث من فرط الإرهاق، فها هو يوم جديد يمضي عليه وهو يكافح لتخليص ما لديه من مهامٍ إلزامية.
التفت إلى يساره عندما خاطبه زميله متسائلًا في شيءٍ من الاستفهام:
- لسه فاضل حاجات تانية تتختم ولا خلاص كده؟
بعد زفرة بطيئة معبأة بتعب اليوم أجابه:
- الحمد لله، دي كانت آخر حاجة.
رد عليه باسمًا:
- ربنا كريم...
ثم أشار بيده نحو أحد الأكشاك الصغيرة متابعًا:
- تعالى نشرب حاجة قبل ما نركب القطر، لسه قدامنا شوية على ما يجي المحطة.
استحسن اقتراحه، وعلق باقتضابٍ وهو يغلف المظروف البلاستيكي الذي وضع بداخله كافة أوراقه:
- ماشي.
ابتاع له زجاجة من المشروب الغازي، فوقف كلاهما على الناصية يرتشفان هذا السائل الرطب بتلذذٍ.
ليُبادر زميله بسؤاله في فضولٍ مزعج:
- مافيش جديد عن أختك؟
قست نظراته، وقال وهو يحدق في نقطة وهمية بالفراغ:
- يا مين بس يعترني على ابن الكلب اللي غواها!!!
كز على أسنانه مختتمًا جملته:
- وساعتها هقدر أوصلها.
فلمح صاحب هذا الوجه المألوف على مسافة عدة أمتارٍ وهو يتشاجر مع أحد سائقين سيارات الأجرة رافضًا إعطائه مالًا إضافيًا. صوته المرتفع لفت الأنظار إليه، خاصة وهو يهدر بانفعالٍ:
- شايفني مختوم على قفايا، ولا جارر الجاموسة ورايا؟!! إنت خدت حقك وزيادة.
ترجل السائق لمواجهته مبديًا إصراره على أخذ كامل الأجرة بدلًا من تلك المنقوصة التي أعطاها له:
- أنا بقالي ساعة سايق بيك، وأوصلك من مشوار للتاني، وإنت عايز تلهفني؟
رد بتحدٍ:
- هو ده اللي عندي!
أمعن "موجي" النظر في وجهه بتركيزٍ شديد، سرعان ما غامت تعابيره، وصارت نظراته أكثر قتامة، إنه نفس اللعين الذي بات واثقًا من تورطه في هروب شقيقته من كنفه.
ألقى بزجاجة المشروب البارد في عصبيةٍ، غير عاعٍ بباقي السائل الذي تناثر أرضًا، ثم هرع إليه لينقض عليه ممسكًا به من تلابيبه، فصُدم الأخير لرؤيته، واتسعت عيناه في ذهولٍ مرتاع، فقد كان آخر من يتوقع اللقاء به في هذا المكان!
ردة فعله العفوية تجاهه فور أن رآه جعلته يتقين من تورطه في هروبها. هزّه "موجي" بعنفٍ وهو يسأله في صوتٍ عكس غضبه الجم:
- فين أختي يا ابن الكلب؟
تلبك، وتوتر، وصارت بشرته شاحبة نوعًا ما. حاول التماسك، وإظهار صلابة زائفة مدعيًا بالكذب:
- أخت مين؟ أنا أعرفك يا جدع إنت؟
هدر به بجنونٍ وهو لا يزال ممسكًا به من ياقته، رافضًا إفلاته:
- اعمل فيها عبيط!
حملق فيه بترددٍ، فواصل "موجي" هجومه اللفظي المهدد:
- فين "مروة" يا ابن الـ ....؟!!!
حاول "بغدادي" انتشال قبضتيه المحكمتين عنه، وهتف نافيًا باستنكارٍ مصطنع:
- مـ.. معرفش مين دي! هي تلاقيح جتت!
استشاط غضبًا على غضب، وجنَّ جنونه، فاشتدت قبضتيه، وصرخ في وجهه متوعدًا:
- أنا مش سايبك النهاردة إلا لما أوصل لأختي.
حاول المناص منه مرددًا في توجسٍ قلق:
- يا عم سيبني، إنت جاي تقول شكل للبيع؟!
رفض تحريره، واستمر في تهديداته قائلًا:
- انطق وإلا نهايتك على إيدي النهاردة، ومش هيهمني أخش فيك وفيها اللومان!
تابع السائق المشاحنة الدائرة بينهما باستغرابٍ، ومع ذلك لم يتدخل، فقد كان يستحق هذا الحقير التقريع. في حين أسرع زميل "موجي" لمؤازرته، وخصوصًا وهو يعلم مدى تأثير ما فعلته شقيقته عليه.
حاول "بغدادي" استجداء المارة والاستغاثة بهم لمساعدته، فهلل عاليًا:
- يا ناس حوشوه، هيموتني!
قبل أن يقدم أحدهم على تقديم يد العون له، وإنقاذه من براثنه، هتف "موجي" عاليًا موضحًا سبب صدامه معه:
- محدش يتدخل، ابن الكلب ده خطف أختي، ومعرفش ليها طريق.
ضرب أحدهم كفه بالآخر مرددًا:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
بينما قال آخر في شيءٍ من التلطيف:
- حاولوا تتفاهموا سوا، برضوه دي حُرمة بيوت.
بنفس أسلوبه الكاذب والمراوغ، صاح "بغدادي" وهو يحاول نفض يديه عنه:
- ده كداب، أنا معرفش هي فين!
زمجر "موجي" بحنقٍ فيه:
- وأنا المفروض كده أصدقك؟
استفزه برده النزق:
- وأنا مالي بيها أصلًا، وبعدين أختك كانت مدوراها، جاي تحاسبني ليه.
لحظتها فقط كور قبضته، وانهال عليه بلكمة عنيفة في وجهه، ليتبعها بأخرى أكثر ضراوة، جعلته يترنح، ويشعر بهذا الوميض الساطع في رأسه، ناهيك عن آثارهما التي ستظهر على ملامحه.
ليهدر بعدها بسخطٍ مصحوبٍ بالتهديد:
- آه يا ابن الـ ....، قسمًا بالله ما هحلك من إيدي إلا لما توديني عندها، يا إما هاخد روحك!
كاد يفتك به من شدة انفعاله، فقرر زميله التدخل لمنعه من تصعيد الأمور فيما قال وهو يحاول الفض بينهما:
- بالراحة يا "موجي" مش كده!
ازداد الأخير إصرارًا على الانتقام منه، واستخلاص ما يريد من معلومات منه، لذا هتف معاندًا:
- مش سايبه النهاردة...
ثم أمره وهو يشير له بعينيه:
- إيدك معايا!
سحبه كالبهيمة نحو سيارة الأجرة مدمدمًا:
- أنا عندي اللي يخليه ينطق ويقر بكل حاجة.
قاومه "بغدادي" قدر استطاعته، وهتف متسائلًا بذعرٍ بعدما أدرك خطورة الوضع:
- إنتو واخديني على فين؟
توعده بغموضٍ:
- هتعرف يا ابن الـ....، ما تستعجلش على رزقك.
مجددًا استغاث "بغدادي" بالمارة مناديًا في عجزٍ:
- يا ناس إلحقوني.
مستخدمًا قوته طرح "موجي" هذا المقيت على مقدمة السيارة بعدما أدار ذراعه خلف ظهره ليتمكن من تقييده، وإخضاعه له.
ثم حدق في وجه السائق متسائلًا بصوتٍ محموم:
- فاضي يا أسطى؟ هديك فوق حقك بزيادة.
وكأن الفرصة قد واتته للتشفي في ذلك المستفز، فقال بترحابٍ مشيرًا بيده، وهذه الابتسامة الشامتة تعلو ثغره:
- ولو مش فاضي أفضالك.
سرعان ما استقل في مكانه خلف المقود، وانطلق بسيارته إلى حيث يريد "موجي" بعدما دفع الأخير بأسيره الذليل للمقعد الخلفي عاقدًا العزم على عدم تركه مهما كلفه الأمر.
...........................................
الأخبار السارة تأتي تباعًا، فها قد وردته اتصالًا هاتفيًا يفيد بتلقيه دفعة سخية من المال جراء إنجازه لإحدى تلك المهام المستعصية التي كُلف بها.
فسار بتبختر وقد عاد إلى موطن نفوذه بالتبة. سعل بصوتٍ مسموع أثناء سيره في الردهة لكون إحداهن تقوم بكنس الأرض فأثارت سحابة من التراب في محيط الأرجاء.
نهرها "كرم" بصوته الخشن والأجش:
- النضافة واخدة حدها أوي معاكي، مش شيفاني ماشي؟
في التو اعتذرت منه مهابة غضبته:
- حقك عليا يا ريسنا!
أمرها بإشارةٍ من إصبعه:
- نضفي في حتة تانية.
هزت رأسها في طاعة تامة وهي تضم المقشة إلى جانبها:
- حاضر يا كبيرنا.
واصل "كرم" سيره الهادئ إلى أن وصل إلى غرفته، فتح الباب ليلج إلى الداخل ملقيًا نظرة حادة على "مروة" التي انتفضت فزعًا من على الفراش بمجرد أن رأته.
صفق الباب خلفه متسائلًا في نقمٍ، وعيناه لا تحيدان عنها:
- إيه مالك؟ شوفتي بعبع؟
انكمشت في الزاوية رهبةٍ منه، وحدقت في وجهه بذعرٍ لا يمكن إنكاره. في حين بادلها بنظرة غير مبالية قبل أن يتجه إلى الحمام ليغسل وجهه وكفيه، وصوته الأمر يتردد في صدى الغرفة:
- افردي سحنتك شوية بدل بوز النكد اللي ضرباه في وشي ليل نهار؟
لم تجرؤ على التعليق، واكتفت بمراقبته وهو يتحرك في أرجاء الغرفة. تابعته بتلبكٍ شبه فزع وهو ينتزع ثيابه الفوقية ليبقى عاري الصدر. خفضت عيناها على الفور.
ليطالعها بهذه النظرة الغريبة قبل أن يدنو منها. ارتجف كامل بدنها من قربه المصحوب دومًا بما يصيبها بالاشمئزاز والبغض والنفور. شعرت بملمس أصابعه على ذراعها فاقشعر بدنها وانتفضت كأن حية لدغتها.
شعر بالرعشة القوية التي نالت منها، وحدق فيها بنظرة قاتمة غير مقروءة، لتسأله بعدها بصوتٍ متذبذب ينم عن خوفها الواضح منه:
- عايز إيه مني؟
تفاجأت به يطبق على فكها بيده، اعتصره بأصابعه في قوةٍ وتحكم، وراح يدير وجهها ببطءٍ تارة لليمين، وأخرى لليسار وكأنه يفحص ملامحها عن كثب. تقلصت عضلات وجهها عندما شعرت بأنفاسه تلفح بشرتها كلهيبٍ حارق. توقعت أن ينال مبتغاه منها قسرًا كعهده معها؛ لكن للغرابة باغتها ودفعها بخشونةٍ وقسوة للخلف قائلًا بنفورٍ تعجبت منه:
- لأ خلاص، أنا زهقت، الصنف بتاعك معدتش بيكيفني!
غمرها شعورًا قويًا بالارتياح، فعزوفه عنها كان كطوق النجاة لها، فبدت كلماته وإن كانت مسمومة للبدن كإعطائها صكًا لنيل الحرية بالنسبة لها. فتنفست الصعداء، ورددت بخفوتٍ:
- الحمد لله.
ألقى بثقل جسده المتعب على الفراش ليتوسطه، وصوته شبه الناعس يأمرها:
- غوري برا الأوضة، أنا مزاجي عنب، وعايز أنام من غير ما ألاقي حاجة تنكد عليا.
هسهست بصوتٍ خفيض وهي تنظر إليه من طرف عينها قبل أن تفر هاربة من الغرفة:
- يكون أحسن برضوه.
كان على وشك الإطباق على جفنيه ونيل قسطًا من النوم لولا أن صدح هاتفه برنة الرسائل المميزة. التقطه من جيب بنطاله الذي لم يبدله بعد، ورفعه إلى عينيه نصف المفتوحة، فقرأ رسالة أخرى تفيد بملء حسابه بالمزيد من النقود.
ابتهجت أساريره أكثر، وهتف بنشوةٍ وسرور:
- أيوه بقى، هو ده الكلام، الفلوس تجيب فلوس!
...................................
كانت كمن يجلس على أتونٍ من جمرٍ متقد، فقد تم إلقاء كافة محتوياتها خارج غرفتها، وكأنها نكرة، لا تملك أدنى حق هنا، لتضطر مذعنة على الانتقال لإحدى الغرف المخصصة لاستقبال الضيوف المميزين.
فيما استقرت "وِزة" في موضعها بتجبرٍ وغرور، ها هو ناقوس إعلان الحرب قد دق بينهما، والبقاء هنا للأقوى فقط!
راحت "توحيدة" تضرب على فخذيها، وعلى صدرها وصوتها المغلول يهدر عاليًا:
- بقى دي أخرتها؟ أطرد من أوضتي عيني عينك؟
أصبحت نبرتها أكثر حرقةٍ وهي تتابع شكواها فيما يشبه العجز:
- خلاص مابقاش ليا لي سُلطة في البيت ده؟
ربتت "خضرة" على ظهرها برفقٍ محاولة التهوين عليها بكلماتها المواسية:
- اهدي يا أبلتي، ضغطك كده يعلى، وده مش حلو علشانك!
رفعت وجهها لتنظر إليها صائحة في حنقٍ وغضب:
- أنا هموت منقوطة من البت دي، وربنا ما هسكتلها.
ردت عليها بمكرٍ:
- أخد الحق حِرفة، وإنتي سيد من يعمل كده، وما تنسيش إن المعلم "عباس" بيعشقك، وبيموت في التراب اللي بتمشي عليه.
كورت يدها، وضغطت على أصابعها حتى ابيضت سلايماتها مغمغمة من بين أسنانها:
- ده اللي مصبرني، مش عايزة أخسره.
أبدت استحسانها بتعقلها قائلة:
- هو ده الكلام يا أبلتي.
من جديد صرت "توحيدة" على أسنانها هاتفة بتوعدٍ وهي ترفع يدها لتمسك بخصلة من شعرها:
- وحياة مقاصيصي دول يا بنت الأبالسة، أنا هسويكي على الجانبين قبل ما تقولي حقي برقبتي!
........................................
حينما بدأت في الاستفاقة من سُباتها، شعرت بثقلٍ شديد في مداركها، كأنما تجد صعوبة في استعادة وعيها، وبصداعٍ موجع يضرب في رأسها. استغرقها الأمر عدة دقائق حتى باتت واعية تمامًا، لترفع جسدها عن السرير الذي كانت راقدة عليه.
تلفتت حولها في ذعرٍ وخوف، فهذا المكان مجهول لها، لم تكن فيه من قبل.
ما لبث أن بدأت ذاكرتها تنشط، وتستعيد تفاصيل ما خاضته، لتشهق بعدها صارخة في هلعٍ قبل أن تقفز كالمصعوقة من على السرير وهي تتفقد ثيابها. تنهدت في راحة لكونها لا تزال بنفس ملابسها، إذًا ما دار في رأسها من هواجس مرعبة -لهنيهةٍ- بشأن تعرضها للاعتداء ليس صحيحًا.
تجمدت في موضع وقوفها للحظات ريثما تستكشف الوضع، وأخذت تدور ببصرها في الأرجاء، وهذا السؤال الملح يتردد في رأسها "أين أنا؟"
لم تترك "دليلة" نفسها لحيرتها كثيرًا، واندفعت تجاه الباب لتفتحه؛ لكنها تفاجأت به موصدًا، فطرقت عليه بعصبيةٍ وهي تصيح في نبرة صارخة:
- افتحوا الباب ده يا مجرمين!
واصلت الدق بعنفٍ على الكتلة الخشبية، وصياحها يزداد علوًا:
- إنتو خاطفني ليه؟
أخذت تتوعد بتهديدٍ صريح، وكأن ذلك قد يجدي نفعًا بأي حال:
- أنا مش هسيبكم، هبلغ عنكم البوليس!
ما لبث أن اختنق صوتها، وبدا شبه باكٍ وهي تكمل:
- إنتو مش بني آدمين!
بعد عدة دقائق من الصراخ والصياح، وقبل أن تيأس كليًا من سماع أحدهم لها، أتاها صوتًا أنثويًا من الخارج يطلب منها بتهذيبٍ:
- لو سمحتي إهدي.
انتفضت هادرة بها وهي تضرب بيدها التي احمرت من أثر الطرق المتواصل:
- افتحي الباب بقولك.
ردت عليها بهدوءٍ:
- للأسف معنديش أوامر بده.
اغتاظت من ردها، وصرخت فيها بتهديدٍ أرعن:
- افتحي بدل ما أموتلكم نفسي.
رجتها مجددًا بتعقلٍ:
- لو سمحتي اهدي، ولما يجي البيه "زهير" هيفهمك كل حاجة!
استفزها وصفه، فعلقت في احتقارٍ سافر:
- بيه، بقى البلطجي المجرم ده اسمه بيه؟!!!
تألمت قبضتها من كثرة الطرق، ففركتها بيدها الأخرى، وخاطبت نفسها في عزمٍ:
- لازم أخرج من هنا، أنا مش هستنى لما يعمل جريمته فيا!
.......................................
مدفوعًا بنزعة الأبوة المتعمقة فيه، وصل "فهيم" إلى منطقة التبة العالية وهو يرغي ويزبد بغضبٍ متصاعد، يطيح بكل ما يقابله بقبضتيه، وكأنه امتلك قوة خفية تحركه، إلى أن وصل إلى مقر إقامة "الهجام".
لحظتها وقف في الباحة الأمامية للمنزل، لترتفع نبرته المجلجلة:
- بنتي فين يا شوية بلطجية؟ هاتولي بنتي!
اعترض طريقه أحدهم، وحذره بغير مزاحٍ:
- بالراحة على نفسك يا عم الحاج، إنت مش هتستحمل زقة من حد فينا.
استشاط غضبًا وغيظًا من الاستخفاف به، ووكزه في صدره بعنفٍ قبل أن يصيح بحدةٍ:
- وسع منك ليه، أنا عايز بنتي! فين اللي مشغلكم؟
لم يكن قد نام بعد تلقيه الأنباء المحفزة، وبالتالي كان على مقربةٍ من هذا الذي لا يكف عن الصياح، فخرج إليه متسائلًا بتهكمٍ، ونظرة استحقارٍ تعلو وجهه:
- يادي أم الدوشة والصداع، مين اللي عمال ينعر كده؟!
لو كان ما يحدث مع أحد غيره لما تعامل بهذه الطريقة الطائشة المندفعة؛ لكن الطرف المتورط في هذه الكارثة ابنته الغالية، لذا بديهيًا غاب الخوف عنه، واندفع تجاهه ليمسك به من فانلته البيضاء متسائلًا في حرقةٍ وانفعال:
- فين بنتي؟
دون عناءٍ أزاح قبضتيه عنه، ودفعه بقسوةٍ للخلف ليرد عليه متسائلًا في ازدراءٍ:
- مالك داخل بزعابيبك علينا؟ بتزعق وقالب دماغنا، هو احنا طُرش؟!!
ظلت نبرته على حدتها وهو يخاطبه:
- أنا عايز بنتي، وإلا هروح فيكو في داهية.
طوح بيده أمام وجهه قائلًا في شيءٍ من التحدي المشوب بالسخرية:
- ما تروح هو حد حايشك؟! السكة من هناك لو مش عارف!
كانت أعصابه على المحك، وبالتالي أي محاولة لاستفزازه، واستثارة أعصابه كانت لتنجح على الفور، وهذا ما حدث. بلغ "فهيم" ذروة غضبه في ثوانٍ معدودة، لينفجر فيه ثائرًا، وقد اندفع تجاهه ليهاجمه:
- آه يا شوية كلاب يا أنجاس.
هذه المرة تمكن "كرم" من صده، وأمسك به من معصميه مهددًا في غلظةٍ، بعدما صارت تعبيرات وجهه غائمة للغاية، ونظراته كساها السواد الأعظم:
- إيدك لتدفنها، وأنا ما بيفرقش معايا راجل أد أبويا، من عيل بريالة!
لدهشته، لم يشعر أحدهم بتواجد "راغب" مع هذا العجوز الذي يبحث عن ابنته إلا حينما تكلم وهو يحاول التدخل لإبعاد قبضتي "كرم" عن حماه المغلوب على أمره:
- ابعد عنه، هو مش أدك!
وقتئذ التفت "كرم" تجاهه ليطالعه بهذه النظرة الهازئة قبل أن يزدريه بوقاحةٍ، وعلى رؤوس الأشهاد:
- الله، إنت جبت النطع معاك! يا زين ما نقيت يا حاج!
مرة ثانية تعرض "راغب" للتجريح والإهانة، ولا يستطيع الرد حفظًا على حياته، فقال بغيظٍ مكبوت:
- احترم نفسك واتكلم بأدب.
أرخى "كرم" قبضتيه عن "فهيم"، واستدار كليًا ليواجه هذا اللزج متسائلًا في تحدٍ واضح:
- ولو محصلش، هتعمل إيه؟
أطبق "راغب" على شفتيه بحقدٍ، وتراجع خطوتين للخلف، ليقف وراء حماه، فما كان من "كرم" إلا أن يعلق ساخرًا، وبإهانةٍ فجة:
- على طول كده جبت ورا، ما ده تمامك يا (...)!
بحسبة عقلية سريعة أدرك "فهيم" أن العنف، واستعراض القوة، وإن كانت زائفة، لن تجدي نفعًا مع هؤلاء الأشرار معتادي الإجرام، فقلما تجاوبوا مع من يهددهم، وهو ليس بذي شأن ليضعوه في الاعتبار.
لذا بدل نبرته الحادة إلى أخرى مستسلمة راجية وهو يحادثه:
- يا معلم احنا مش بتوع مشاكل، ولا لينا دعوة بحواراتكم، أنا عايز بنتي اللي بسترجاها من الدنيا، هي مالهاش ذنب في حاجة...
عاود "كرم" النظر إليه، فأكمل الأخير في توسلٍ مستجديًا مشاعره الإنسانية، إن كان حقًا يمتلك مثلها، والدموع قد علقت في عينيه:
- وأنا قولتلك قبل سابق أنا مستعد أدفع اللي تؤمر بيه، بس أخد بنتي، ده أمها هيجرالها حاجة من ساعة ما علمت بالخبر.
قابل طلبه ببرودٍ تام، وكأن قلبه مصنوعًا من الحجر:
- مكانش يتعز!
انعكس الذعر على ملامحه، فاستطرد متسائلًا في فزعٍ انتشر في كل أوصاله:
- قصدك إيه؟
رفع "كرم" حاجبه للأعلى، ورمقه بنظرة ذات مغزى، مفادها أنه لا مناص من تخليصها من هذا الجحيم، ليؤكد علنًا على هاجسه الأعظم على الإطلاق بطريقته الفجة في الكلام:
- بنتك دخلت مزاج أخويا، وعجباه.
انسحقت روحه، وهوى قلبه بين قدميه متسائلًا، وعيناه تتسعان بشدة:
- يعني إيه؟
هذه المرة جاءته الإجابة من الخلف، ليدير رأسه ناحية صاحب الصوت القوي:
- يعني أنا هتجوزها!
تدلى فكه للأسفل مرددًا في ذهولٍ ممزوج بالارتعاب:
- إيه؟!!
تقدم "زهير" تجاهه مخاطبًا إياه بجديةٍ وتصميم:
- وبطلب إيدها منك.
ثم مال ناحيته ليقول بالقرب من أذنه، فيما تابع "كرم" تهديده المسموع إليه بتفاخرٍ:
- والأحسن توافق على ده بالرضا، بدل ما أعمل اللي عايزه بالغصب.
لحظتها علق "كرم" مُظهرًا دعمه الكامل لشقيقه وهو يرفع كفيه في الهواء:
- سمعت، وكله بالحلال!
.........................................
في مكانٍ مقفر، بالطريق الصحراوي، حيث تتواجد به فقط العنابر المخصصة لتربية الدواجن والطيور المختلفة، احتجز "موجي" ذلك اللعين في واحدٍ مهجورٍ منهم، فقام بتقييده من يديه وقدميه، وألقاه أرضًا لينهال عليه ضربًا وركلًا ولكمًا إلى أن أعطاه ما يرغب في معرفته.
اعتدل بعدها في وقفته، ومسح الدماء العالق بأصابعه في منديل قماشي أخرجه من جيبه، ثم استطرد متوجهًا بسؤاله إلى زميله الذي رافقه:
- كتبت العنوان؟
أجابه مومئًا برأسه:
- أيوه يا "موجي"...
ثم سلط نظره على ذلك الراقد في دمائه متسائلًا:
- والبغل ده هنعمل فيه إيه؟
قبل أن يبادر بالرد، التفت كلاهما ينظران إلى "بغدادي" وهو يتكلم بلهاثٍ، وخيوط الدماء تنزف بغزارة من كل فتحة في وجهه:
- أنا دلتكم على طريقها، اعتقوني بقى!
بعينين تقدحان بالشر تطلع إليه "موجي" قائلًا بوعيدٍ مهلك:
- مش قبل ما أخد روحك.
آنئذ اختلجت تعبيرات وجهه أمارات الذعر الشديد، خاصة وهو يراه يقترب منه حاملًا بيده صفيحة مملوءة بالوقود، أفرغ محتوياتها على جسده بالكامل، فانتفض الأخير مستعطفًا إياه في هلعٍ:
- حرام عليك، هي اللي اختارت تهرب بمزاجها، أنا مغصبتهاش على حاجة.
ألقى بالصفيحة بعيدًا بعدما انتهى من صب ما فيها عليه، ليقول في نبرة مميتة، خالية من أدنى ذرات الإشفاق:
- لسه الدور جاي عليها، بس الأول أخد حقي منك وأغسل عاري بإيدي.
توسله بشدةٍ لعله يصفح عنه:
- لأ، أبوس إيدك ارحمني.
لم تأخذه به أي رأفة، وقال وهو يشعل طرف القداحة التي أخرجها من جيبه:
- اطلبها من اللي خلقك!
ثم ألقاها عليه ليتوهـــــج جسده دفعة واحدة، وتلتــــهم النيران المستعرة كل جزء فيه بنهمٍ وجوع، وكأنها كانت تتوق إلى ذلك، ليصدح صوته بصيحاتٍ صارخة رجت جدران المكان، إلى أن خبت بالتدريج، وانقطعت، بينما استمرت ألسنة اللهب تحيل جسده إلى فحمٍ ورماد.
حدق زميله مصدومًا من جراءته، وعقب بعدما ابتلع ريقه:
- يا جبروتك يا "موجي"!
بنفس التعبير القاسي الشرس أخبره في وعيدٍ أشد وطأة:
- ولسه الملعونة دي كمان! مش هرتاح إلا لما أســــــ.ـيح دمها!
...............................
كل شيء كان متوقعًا، إلا أن يكون مصير ابنته هكذا، السقوط في ظلمات هذا العالم المستبد بلا رجعة، أي نجاة لها منه؟ كانت الصدمة أقوى من قدرته على الاحتمال، فخــرَّ جسده وتهاوى، ليتلقفه "زهير" بين ذراعيه، فيما قال "كرم" في استهزاءٍ:
- امسك نفسك يا حاج، ده بيبشرك مش جايبلك خبرها!
بصوتٍ ضعيف، يكاد يكون مسموعًا همهم "فهيم" في عجزٍ:
- إلا بنتي!
رد عليه "زهير" بهدوءٍ وهو يعاونه على التمدد أرضًا:
- ده لمصلحتها.
أمسك به "راغب"، وأسند ظهره على صدره بعدما جثا على ركبته مرغمًا، لئلا يبدو غير مبالٍ بما يصير مع حماه المكلوم.
فيما نظر الأخير في انكسارٍ، وراح يتساءل بحسرةٍ:
- طب أقول لأمها إيه؟
أطلق "كرم" ضحكة عالية، ليقول بعدها بتهكمٍ مشوبٍ بالتحذير:
- خليها تبل الشربات، بدل ما تطلع عليها القرافة!
سال الدمع العاجز من طرفه وهو يقول فيما يشبه النعي:
- بنتي راحت بلاش.
كعهده في السخرية والاستهزاء بكل شيء، علق عليه "كرم" مشيرًا بيده:
- لأ اطمن، هنديك وزنها دهب، دي هتبقى مرات "زهير الهجام" وده مش أي حد!
تحولت عينا "فهيم" نحو "زهير" يسأله في نبرة لائمة، وقد غطى الحزن العارم كل ملامحه:
- اشمعنى بنتي أنا؟ في ألف واحدة غيرها.
أتاه رده مقتضبًا وقاطعًا:
- عجباني!
وقبل أن يسأله مجددًا أصدر أمره إليه أولًا:
- روح جهز نفسك للفرح، المأذون شوية وجاي.
فيما وجه "كرم" أوامره لأحد أتباعه ممن شهدوا على هذه المواجهة:
- إنت ياض وصل أبو العروسة لبيته، وعرف الدنيا كلها بجواز المعلم "زهير".
في التو انصاع له:
- وجب يا ريسنا.
عاون "راغب" حماه على النهوض، وخاطبه بصوتٍ خافت في استياءٍ:
- بينا يا عمي، التفاهم مع الناس دي صعب.
رد عليه مستنكرًا موقفه المحايد:
- وأسيب بنتي ليهم؟
أخبره ببساطةٍ، وكأن الأمر لا يعنيه بالمرة:
- خلاص مصيرها بقى معروف، واحنا مش هنقدر نعملها حاجة.
.....................................
يبدو أنه خطط لكل شيءٍ بدقةٍ، فالنوافذ بهذه الغرفة موصدة بإحكام، حتى الحمام الملحق بها كانت نافذة صغيرة وضيقة، لا تتسع لمرور أي جسد بها، فأصبح لا سبيل لها للهروب إلا عن طريق الباب الوحيد المغلق، لهذا باءت خطتها بالفشل قبل أن تشرع فيها.
ذرعت "دليلة" الغرفة جيئة وذهابًا، واعتصرت ذهنها عصرًا محاولة التفكير في طريقة تخلصها من مختطفها. وقعت عيناها على المزهرية، وقررت استخدامها في ضربه على رأسه، بعدما تختبئ بجوار الباب، فحينما يفتحه، ويلج للداخل تنهال بها عليه لتفقده الوعي، ومن ثم تتمكن من الخروج من هذا الجحيم، وبعدها تبحث عن وسيلة للعودة إلى أهلها أو حتى اللجوء للشرطة لحمايتها.
ظلت تنتظر لوقت طويل، لا تعلم كم مضى عليها وهي تترقب مجيئه، تأهبت كليًا وتهيأت للهجوم حينما سمعت وقع خطوات أقدام تقترب من الباب، أمسكت بالمزهرية بكلتا يديها، وانتظرت في بقعة مناسبة تمكنها من الانقضاض عليه بشكلٍ مفاجئ.
حبست أنفاسها في ترقبٍ، وتحينت فرصتها الوحيدة للتحرر من الاحتجاز القسري.
لا تعرف من أين أتتها تلك الجسارة وهي تقدم فعليًا على تنفيذ ما استعدت له، فبمجرد أن فتح "زهير" الباب، اندفعت "دليلة" ناحيته من الخلف، وهي تهوي بيديها الممسكة بالمزهرية على رأسه، لتضربه بقوةٍ وقسوة، فتفاجأ من هجومها المباغت عليه، ولم يتمكن من تفاديها في الوقت المناسب، لتتهشم عليه، ويتأوه متألمًا من الضربة القاسية.
مدفوعة بالأدرينالين الحماسي، انطلقت إلى خارج الغرفة باحثة بعينيها عن البقعة المناسبة لإكمال خطة هروبها. ترددها اللحظي جراء جهلها بتفاصيل تصميم المكان أعطاه الأفضلية للوصول إليها. غريزيًا صرخت "دليلة" حينما رأته مقبلًا عليها وهو يضع يده أعلى رأسه.
صاحت في فزعٍ:
- ابعد عني!
لمحت الدرج فركضت صوبه لتهبط عليه، وهو من ورائها يتبعها ليلحق بها.
لم تتمكن فعليًا سوى من الوصول إلى باب الفيلا، وقبل أن تمتد يدها لتمسك بالمقبض كانت ذراعه الأسبق في الوصول إلى مرفقها، جذبها منه بقوةٍ، فارتدت مرتطمة بصدره، واستندت عفويًا بيديها على كتفيه، وصوت صراخها ارتفع أكثر:
- ابعد عني يا مجرم، سيبني!
طوق خصرها بذراعيه لتصبح محاصرة منه، وأخبرها وهو يرمقها بهذه النظرة المتملكة:
- استحــالة!
هاجمته لفظيًا وهي تجاهد لدفعه بعيدًا عنها:
- إنت حقير، حــيوان!
لم تتمكن من إزاحته، بل على العكس كان يزيد من الضغط عليها بقوة ذراعيه، حتى شعرت وكأن ضلوعها ستتهشم من شدته. حملقت فيه بعينين تشعان بالكره العظيم وهو يخاطبها بإصرارٍ:
- قولي اللي إنتي عايزاه للصبح، مش هسيبك.
قاومت حتى الرمق الأخير، وسألته في حرقةٍ:
- بتعمل كده ليه معايا؟ إنت عايز مني إيه؟
مثل العادة أعطاها الرد الصريح والقاطع:
- لأنك عجباني!
استهجنت ما فاه به، وكأنه بالفعل يرتبطان ببعضهما البعض بالمشاعر الجميلة المرهفة، فكذبته في الحال وبازدراءٍ حاد:
- إنت مصدق اللي بتقوله ده؟! إنت تعرفني أصلًا؟
ابتسم لها قائلًا بمكرٍ:
- ما أنا هتجوزك علشان أعرفك.
نفرت منه بشدةٍ، وتحدته:
- مش هيحصل أبدًا.
زرَّ عينيه قائلًا بتهديدٍ صريح:
- خلاص يبقى إنتي كده عايزة تخسري أهلك كلهم، وأولهم حياة أبوكي!
غلبها الخوف على الفور، فانفلتت منها شهقة أقرب للصراخ، لتسأله بعدها في جزعٍ وقد تبخرت كامل مقاومتها المستميتة دفعة واحدة:
- إنت بتقول إيه ........................... ؟!!!
رواية فوق جبال الهوان الفصل السابع عشر 17 - بقلم منال سالم
جرجر "فهيم" خفي حنين وهو يعود إلى منزله، لم يصدق أنها فرطت في غاليته بهذه السهولة. تخلى عنها مرغمًا ومذعنًا، لأنه عجز عن حمايتها ومنع هؤلاء الأشداء من أخذها قسرًا. لم تقوَ قدماه على حمله، فاستند على زوج ابنته البكرية الذي واصل عدم لومه على موقفه المتخاذل. لتأتي الكارثة الكبرى بإخبار زوجته عما آلت إليه الأمور.
تولى "راغب" الكلام، فيما جلس حماه يدفن وجهه بين راحتي يده.
لتصرخ "عيشة" بعدها في لوعةٍ وقهر:
- بقى دي أخرتها؟ بنتي تتجوز بلطجي ورد اللومان؟!
ثم توجهت باللوم إلى زوجها، فأفرغت فيه غضبها المشحون بعتابها الحارق:
- ليه سيبتها يا "فهيم"؟ ليه؟
أجاب عنها "راغب" بشيءٍ من البرود:
- وهو كان في إيده إيه يعمله يا حماتي؟ دول ناس جبابرة، عالم مفترية، ما يقدر عليهم إلا ربنا!
بينما اغتاظت "إيمان" من رده المستفز، وسألته في نبرة شبه استحقارية:
- وإنت كان دورك إيه في الحوار ده كله؟
تحولت عيناه تجاهها، وفهم ما ترمي إليه بكلماتها الموحية.
ليرد من بين أسنانه:
- مش وقت تبكيت...
ثم دنا منها ليهمس بالقرب من أذنها في امتعاضٍ:
- أنا حكايتكم كلها على بعضها ما تخصنيش، وروحت مع أبوكي علشان محدش يتكلم ويقول إني قصرت.
نظرت له شزرًا قبل أن تعقب بتعبير ازدراء مرسوم على محياها:
- لأ فيك الخير.
أخبرها بعدها بغير مبالاةٍ وهو يخرج هاتفه المحمول من جيبه:
- شوفوا هتعملوا إيه وكلموني.. أنا مصالحي متعطلة.
توجه بعدها إلى حماه وزوجته ليخاطبهما في وديةٍ مصطنعة، وتعاطفٍ زائف:
- أنا أسف يا عمي، بس هما طالبني في البنك، الظاهر في مشكلة هناك، وأنا مضطر أروح.
رفع "فهيم" وجهه إليه ليحدق فيه بعينين كسيرتين، فيما ردت عليه "عيشة" بصوتٍ مختنق:
- كتر خيرك يا ابني، إنت ملكش ذنب.
قال مجاملًا، وهو يلصق بثغره تلك الابتسامة المتكلفة:
- ما تقولوش كده، "دليلة" أختي الصغيرة، وكل حاجة هتتحل...
ليوجه بعدها كلامه إلى زوجته في لطافةٍ مصطنعة:
- خليكي إنتي يا "إيمان" مع أهلك، ما تسيبهومش، وأنا هبقى أكلمك.
كزت على أسنانها في حنقٍ، فأسرع بالمغادرة لتصفق الباب من ورائه بقوةٍ.
راحت بعدها تكلم أمها بجديةٍ وهي تشير بيدها:
- ما تعوليش عليه يا ماما، احنا بقينا في مصيبة.
مسحت بكفها دمعها المسال على خديها متمتمة في حزنٍ:
- وهو احنا طايلين حد يقف معانا؟
استمعوا بعدها إلى صوت الدقات على الباب، فتساءلت "إيمان" في وجومٍ:
- وده مين اللي جاي لينا السعادي كمان؟
لم تترك الأمر يحيرها كثيرًا، فعاودت أدراجها إلى الباب لتفتحه، لتتفاجأ بوجود تلك الجارة المتطفلة عند أعتابه. وقبل أن تبادر بقول شيء، وجدتها تدفعها بقدرٍ من القوة لتزيحها عن طريقها، وتلج إلى الداخل وهي تقول بسعادة مبالغ فيها:
- إزيك يا حبيبتي، ألا صحيح الأخبار اللي مالية الحتة؟
نظروا إليها حيرى، فتابعت بنفس اللهجة المتحمسة:
- أنا قولت جاية الريس "زهير" لحد هنا وراها إنَّ، وظني ما خبش أبدًا.
انفجرت "عيشة" فيها صائحة بالتياعٍ:
- اسكتي يا ست "إعتدال"، احنا في مصيبة!
تطلعت إليها باسترابةٍ وهي تسألها:
- بقى حد يسمي الجواز مصيبة؟
جاء ردها منطقيًا:
- لما يكون من واحد زي ده!
مصمصت شفتيها مرددة بتصعبٍ مفتعل:
- يا ريت كان عندي بنت، وربنا ما كنت أعزها عليه...
اشتعلت نظرات "عيشة" غضبًا من أسلوبها هذا، وكادت تثور في وجهها حينما أضافت بطريقة موحية:
- وبعدين ده أخدها جواز، مش سد خانة!
قطبت جبينها مستفهمة لتتأكد مما وصلها من مغزى غير محمودٍ:
- قصدك إيه؟
أخبرتها صراحةً:
- يعني حلال ربنا، في النور، والكل بقى عارف بده! إنها هتكون مرات "زهير الهجام" مش واحدة مرافقها.
هنا هبت فيها صائحة بانفعالٍ:
- إنتي بتقولي إيه؟
لم يستطع "فهيم" تحمل ما يُقال، فاستأذن بالذهاب، وهو بالكاد قادرٌ على صلب جسده المتخاذل، لتساعده ابنته على السير نحو غرفته.
بينما تابعت "عيشة" لومها لجارتها اللزجة:
- بقى عايزاني أرمي بنتي الرمية دي؟!!
للغرابة، أخبرتها في تفاخرٍ عجيب:
- وهي دي أي رمية؟ ده إنتو بقيتوا في حماية عيلة "الهجام" بذات نفسهم.
صاحت بها باستنكارٍ جلي:
- واحنا مش عايزين الشبكة دي؟
سألتها في استعتابٍ مستهجن:
- بقى حد يرفس النعمة برجليه؟
أخبرتها ببساطةٍ شديدة:
- لو كانت منهم، فبناقص!
في لهجةٍ محذرة أنذرتها "إعتدال" وهي ترفع حاجبها للأعلى:
- لأ إنتي غلطانة، والأحسن ما تقوليش الكلام ده قصاد حد، وإلا هيتفهم غلط، وبدل ما تكسبوا حمايتهم، تاخدوا عداوتهم...
حملقت فيها "عيشة" بنظرات نارية، لتستأنف جارتها كلامها الناصح إليها:
- وبعدين إن كان كوبارتنا هو العضلات واللي بيحمينا، فالريس "زهير" هو العقل، وده ما شاء الله عليه عقله يوزن بلد، فبنتك خدت كنز، فبلاش تضيعه من إيدها!
همت بالاعتراض عليها؛ لكن الحروف لم تغادر جوفها لأن الأخيرة استكملت حديثها بتحذيرٍ أشد:
- وخدوا بالك حكايتكم اتعرفت، ولو الجوازة اتلغت ولا حصل حاجة تعطلها، فده مش هيعدي بالساهل.
تحول غضبها إلى الخوف في غمضة عين، وسألتها بتوجسٍ:
- يعني إيه؟
رمقتها بهذه النظرة المفهومة وهي تخبرها بعبارة أخرى، معناها وصل إليها دون الحاجة للمزيد من التفسير:
- يعني احنا ولايا، وربنا أمر بالستر!
..................................
رغم خطأ تصرفه، إلا أنه كان حريصًا على إبعادها عن موضع الخطر بشكل سري، ودون أن يثير شكوك من حوله. لهذا ادعى "زهير" بطريقة مقنعة إذعانه لرغبات شقيقه في نيل مآربه منها، وذلك باختطافها جهرًا وقسرًا، ليبدو تحت طوعه.
كل ما كان عليه فعله أن يتأقلم ببساطة مع المستجدات الطارئة، ليقينه التام بردة فعل "كرم" غير المتسامحة فيما يخص شئونه. فما إن يعلن عن قبوله، واستحسانه بما فرضه عليه، سيكف عن ملاحقة الأمر بهذا الإصرار العنيد. وحين يتأكد من هدوء الأوضاع وعودة الأمور لاستقرارها، لحظتها فقط يمكنه أن يتخلى عنها، ويدعها لشأنها، مدعيًا أنه لم يعد يكترث بأمره، ولم تعد تستهويه كما كان الأمر في السابق.
بالطبع لم يظهر نواياه لأحدهم، وطمرها في نفسه مثلما اعتاد أن يطمر ما لا يحبذ البوح به، تاركًا غيره يظن فيه ما يظنه، كان ببساطةٍ لا يهتم ولا يبالي!
والوضع كان على النقيض معها، حيث استنفر كل ما فيها عقب جملته التهديدية السابقة.
وصاحت فيه بزمجرةٍ غاضبة:
- إنت مش بني آدم! إيه اللي بتقوله ده؟ بتهددني بحياة أبويا؟
نظر إليها مليًا، فواصلت "دليلة" هجومها اللفظي عليه:
- أنا لا أعرفك ولا إنت تعرفني، يبقى إزاي عجباك وعايز تتجوزني؟!!
تكلم ببرودٍ مستفز:
- أنا بعمل اللي فيه مصلحة الكل.
ازدادت غضبًا على غضب، وهدرت فيه بزئيرٍ حانق:
- نعم؟ هي دي بقى الكدبة اللي بتبرر بيها الجريمة اللي إنت عاملها؟!!!
ظل على جموده، وصلادته، فرفعت إصبعها في وجهه تهدده، وكأنها كالغريق الذي يتعلق بقشة تنجيه:
- يكون في علمك، البلد فيها قانون، وأنا هوديكم في داهية.
ابتسم هازئًا بها قبل أن يخاطبها بثقةٍ تامة تسودها لمحاتٍ من السخرية:
- القانون ده مش هيحمي حد فيكم، لأن قانون عيلة "الهجام" هو اللي ماشي، وبيسري على رقبة الكل، وأولهم عيلتك المبجلة.
هتفت فيه بانفعالٍ، وهي تطوح بيدها في الهواء:
- إنتو مفكرين نفسكم مين؟ الحاكم بأمره؟!!!
أجابها بغرورٍ:
- احنا أصحاب النفوذ والسلطة هنا.
برزت عيناها حنقًا، فأكمل متصنعًا الابتسام:
- ويمكن من سوء حظك إنك وقعتي في طريقنا.
تنفست بعمقٍ لتخنق نوبة غضب أخرى توشك على الانفجار في وجهه، واستطردت وهي تكز على أسنانها:
- تمام، إنت معاك حق، أنا فعلًا غلطانة، وبعترف إني كنت غبية لما فكرت إني بعمل الصح في يوم من الأيام، بس دلوقت عايزة أخرج من هنا وأرجع لأهلي.
انتصب في وقفته، ودس يديه في جيبي بنطاله معلقًا بهدوءٍ:
- للأسف ده مش هيحصل!
سألته بتحفزٍ، وقد تضرج وجهها بحمرة نارية مشتعلة:
- ليه؟
ألصق بثغره ابتسامة سخيفة قبل أن يجيبها:
- لأني هتجوزك.
هنا خرجت عن طور هدوئها لتثور في وجهه بهياجٍ:
- برضوه بيقول نفس الكلام اللي يفور الدم ده!
على عكسها كليًا كان باردًا في رده رغم ثمة التهديد الكائنة في حديثه:
- ما هو لو ده محصلش، أخويا مش هيرحم حد فيكم!
انتفخت أوداجها على الأخير، خاصة وهو يؤكد لها ما تجهله عنه:
- إنتي مش عارفاه كويس، زعله وحش جدًا.
ردت عليه بأنفاسٍ متهدجة:
- ومش عايزة أعرف حاجة، لا نزعله، ولا يزعلنا، احنا من عالم، وإنتو من عالم تاني خالص.
أعاد على مسامعها تحذيره بصياغةٍ أخرى، لعلها تستوعب حجم الكارثة المحيطة بها:
- صدقيني لو "كرم" حطكم في دماغه هتتمحوا كلكم.
- وأنا مش هقدر أحميكي إلا بالشكل ده.
داهمها الخوف، والذعر، وكل شيء يمكن أن يهشمها، فتوسلته بصوتٍ مال للاختناق:
- أنا عايزة أخرج من هنا، لو سمحت طلعني.
صمت للحظةٍ قبل أن ينطق أخيرًا:
- ماشي، هخرجك، وأرجعك بيت أهلك كمان...
لوهلةٍ ظنت أنه عدل عن قراره ليفاجئها بقوله:
- بس علشان تجهزي وتخرجي منه عروسة!
كانت على وشك الاحتجاج عليه، ورفضه مجددًا، إلا أنها تخلت عن هذه الفكرة المجنونة، وقررت مجاراته في أوهامه الواهية إلى أن تتمكن من الفرار من هذا الحصار، وبعدها يمكنها التفكير في أي شيء ينجيها منه، فقالت بتعجلٍ:
- ماشي، أنا موافقة.
نظرته إليها كانت غامضة، مريبة، وكأنه يكشف ما يدور في رأسها من أفكار تتعلق بما لا يحبذ الاعتقاد فيه، ومع ذلك التزم بوعده لها، ونادى على الخادمة يأمرها:
- ليهم يجهزوا العربية.
أتت على ندائه المرتفع، لترد في طاعةٍ:
- حاضر يا بيه.
فيما ظلت عيناه معلقتان بهذه العنيدة التي ترفض الإصغاء لصوت العقل، رغم تبريره لردة فعلها المنطقية في مثل هذه المواقف الصعبة.
......................................
امتدت يدها المرتعشة لتمسك بكوب الماء لترتشف القليل، فالمرارة التي تغلف جوفها تجعل شعورها بالعجز والهوان يتعاظمان. حانت منها نظرة جانبية نحو ابنتها حينما رأتها تخرج من غرفة نوم أبيها، فسألتها في اهتمامٍ رغم الإعياء الظاهر عليها:
- سألتي أبوكي عايز ياكل حاجة؟
هزت رأسها نافية:
- قالي مالوش نفس.
ردت عليها بحزنٍ:
- على رأيه، ومين فايق ياكل ولا يشرب بعد ما حلت علينا المصايب اللي بالكوم؟
جلست "إيمان" بجوارها، وسألتها:
- طب إنتي مش هتاكلي يا ماما؟ إنتي وشك أصفر!
جاء ردها مقتضبًا وقاطعًا:
- لأ...
ثم أخذت تنوح في تحسرٍ:
- كانت شورى مهببة لما جينا سكنا هنا.
تطلعت عليها ابنتها بقلة حيلة، فهي مثلها لا تملك من القوة أو النفوذ ما يخولها لفعل المستحيل. عادت "عيشة" تندب سوء حظ ابنتها في صوتٍ أقرب للبكاء، وهي تضرب بيديها على رأسها:
- يا ترى أختك عاملة إيه دلوقت؟ وفين أراضيها؟ منهم لله الظلمة اللي حرموني منها!
حاولت "إيمان" تهدئتها، فراحت تربت بترفقٍ على ظهرها وكتفها، وأخذت تواسيها بكلماتٍ مستهلكة، ربما لن تجدي نفعًا؛ لكنها قد تطيب خاطرها قليلًا، لتسمع كلتاهما صوت قرع الجرس مجددًا.
زفرت "عيشة" في استياءٍ عارم، وهتفت في انزعاجٍ متزايد:
- شوفي مين تاني، ما احنا مش هنخلص النهاردة!!
علقت ابنتها في تهكمٍ مزعوجٍ:
- الكل جاي يسمع ويعرف الأخبار، ما احنا بقينا حديث الموسم.
فتحت الباب وهي متحفزة للتشاجر مع من جاء؛ لكن تبدد غضبها دفعة واحدة حينما رأت شقيقتها الغالية أمامها. ارتعشت شفتاها وهي تهمس باسمها:
- "دليلة"!
ارتمت الأخيرة في أحضانها، ومرغت رأسها في كتفها وهي تبكي دموع الفرح لرؤياها.
لتقفز "عيشة" من موضع جلوسها صارخة في سعادة كبيرة:
- بنتي، ضنايا.
هرولت ناحيتها لتسحبها من شقيقتها وتضمها إلى حضنها الأمومي، انهالت عليها بعشرات القبلات، وهي تهتف في لوعةٍ:
- حبيبتي يا بنتي، ربنا ما يحرمني من دخلتك عليا.
استمرت على تلك الحال لعدة لحظاتٍ، فيما تساءلت "إيمان" في تحيرٍ:
- معقولة سبوكي بالبساطة دي؟!
ليأتي الجواب سريعًا عندما ولج "زهير" إلى الداخل هاتفًا بابتسامةٍ سخيفة جعلت وجوههن تتحول لمزيجٍ من العبوس والذهول:
- مش هتقوليلي أتفضل يا حماتي؟!
.....................................
قبل برهةٍ، وردته مكالمة هاتفية من أحد معارفه القدامى، ممن تُدخل سيرته السرور على نفسه، لكونه ينتمي لتلك الفئة التي تعد على أصابع اليد ممن يثق بهم، ويمنحهم كامل احترامه. دون ترددٍ أو استقصاءٍ لأي معلومات تخص اتصاله المفاجئ، أبدى على الفور ترحيبه بلقاء مرســاله، لينتظر قدومه في باحة منزله وهو يدخن نارجيلته.
تقدم أحد أتباع "كرم" ليميل عليه هامسًا في أذنه بكلماتٍ ذات مغزى:
- الفار وقع في المصيدة يا كوبارتنا.
احتلت ابتسامة راضية زاوية فمه، وقال وهو يضع المبسم بين شفتيه:
- سيبه على عماه للآخر، لحد ما يلبس، وساعتها ياخد جزاته.
هز رأسه مرددًا قبل أن يعتدل في وقفته:
- أوامرك يا كبير.
انصــرف بعدها ليأتي "عصفورة" إليه ركضًا، ارتكزت عينا "كرم" عليه، وسأله وهو ينفث الدخان في الهواء:
- في إيه ياض؟
أجابه بصوتٍ شبه لاهث:
- في حد طالب يقابلك يا سيد الناس!
بطرف المبسم أشار إليه قائلًا:
- هاتـه.
بعد عدة دقائق، تقدم أحدهم تجاهه، وهو يطوف بنظراتٍ مختلسة على الأرجاء، ليتأمل ما حوله مستكشفًا الأرجاء. أخفض رأسه قليلاً احترامًا له وهو يستطرد قائلاً:
- سلام عليكم.
لفظ "الهجام" سحابة أخرى كثيفة من الدخان من رئتيه، وابتسم مرحبًا به بحفاوة استغربها:
- أهلاً بطرف الحبايب، أنا مصدقتش لما جالتي المكالمة.
تشجع "ناجي" ليرفع أنظاره إليه، فرأى شابًا حسن المظهر، ضخم البنيان، على ما يبدو يتمرن يوميًا بانتظامٍ، ليبدو مفتول العضلات، غير الصورة المتوقعة في ذهنه من مقابلة رجلٍ ممتلئ بالشحم واللحم، مترهل الجسد، كبير في السن، وربما في وجهه توجد علامات الإجرام. ما كان ينقصه ليبدو كحارسٍ شخصي لواحدٍ من الشخصيات الهامة هو ارتدائه لبدلة رسمية، ورابطة عنق أنيقة. تنحنح "ناجي" معلقًا في لباقةٍ:
- احنا نتشرف بيك يا كبير.
ترك "كرم" المبسم من يده، واستقام في جلسته المسترخية، مُسلطًا كافة أنظاره عليه وهو يسأله في اقتضابٍ متحفز:
- خير؟
ازدرد ريقه الجاف في حلقه، وأخبره في هدوءٍ:
- الريس "تميم" عاوز يقابلك .. ضروري.
شدد على كلمته الأخيرة ليؤكد على أهمية الأمر، فما كان منه إلا أن قابل ذلك بترحيبٍ واضح وهو يبتسم في غرورٍ:
- وأنا جاهز، واعتبر اللي عاوزه حصل من قبل ما أعرف إيه هو.
أخرج "ناجي" مظروفًا أبيض اللون من جيب بنطاله، وضعه قبالته على الطاولة البلاستيكية القصيرة، وأردف موضحًا:
- وده عربون المحبة.
امتدت يده لتلتقط المظروف، فضَّهُ من الجانب ليرى الأوراق النقدية الضخمة، ابتسم في حبورٍ، وعلق:
- دايمًا عامر ..
ثم صاح موجهًا أمره لواحدٍ من الرجال المتواجدين خلفه:
- قوم بالواجب مع ضيفنا.
أطاعه الرجل في انصياعٍ تام وهو يومئ برأسه:
- حاضر يا كوبارتنا.
انصــرف بعدها "ناجي" وهو يكاد لا يصدق أنه نجا من هذا المكان الذي يعج بشرور الناس ممن لم يقابلهم مُطلقًا في حياته، في حين طوى "كرم" المظروف، وسار نحو الدرج ليصعد عليه متحدثًا مع نفسه:
- شقاوة زمان راجعة مع الحبايب!
مسح على صدره بحركة دائرية متكررة، ليواصل حديث نفسه المنتشية:
- مش خسارة، ما هو يستاهل برضوه!
.........................................
حاولت عبثًا أن تخفي إحساسها باليأس والإحباط وراء ابتسامة مزيفة، لتقبل على والدها المستلقي على الفراش لتُعلمه بعودتها، فراحت تهلل في حماسٍ متقد يتنافى مع طبيعة ما تمر به حاليًا:
- بابا، أنا رجعت.
كان "فهيم" في حالة من الوهن الشديد، فأعاد صوتها الذي ظن أنه لن يسمعه مجددًا الحياة إليه، ليعتدل في رقدته بصعوبة هاتفًا باسمها:
- "دليلة"!
ألقت بنفسها في حضن أبيها، واعتذرت منه بندمٍ:
- أنا أسفة، حقكم عليا، أنا اللي عملت فيا وفيكم كده.
رد عليها معتذرًا هو الآخر، وصوته يشي بانكساره:
- أنا اللي أسف يا بنتي لأني مقدرتش أحميكي.
من فورها تراجعت عنه لتنظر إليه نظرة منزعجة، ثم هتفت مستنكرة رنة الخذلان المغلفة لنبرته:
- لأ يا بابا، إنت ملكش ذنب، العالم المجرمين دول حاطني في دماغهم من أول مرة روحت القسم أشتكي فيها اللي بيحصل في الحتة.
انفلتت دمعة يتيمة من طرفه، أتبعها قوله المهموم:
- مكانش لازم أسيبك تتورطي في مشاكل معاهم.
خفضت من عينيها لتنظر إلى كفه، ثم احتضنته بين راحتيها، وقالت وهي تجبر نفسها على الابتسام لتبدد الحزن في قلبه بهذه الطريقة البسيطة:
- كله هيتحل يا بابا، اطمن، هما مش واثقين في قوة القانون، ومفكرين إن الحكاية فتونة وبلوي الدراع...
أغمضت عينيها لهنيهة، كأنما تستجمع قوتها المبعثرة هنا وهناك، وعاودت فتحهما لتضيف بعزمٍ:
- وصدقني مش هنولهم اللي عايزينه، وأنا مش هتجوز البلطجي ده غصب، حتى لو حكمت أرتكب جناية وأتحبس، بس ما يطولش شعرة مني..
وجدته يطالعها بغرابةٍ، فاستمرت تضيف على نفس المنوال:
- هما مفكرين إن احنا ضعاف، بس ما يعرفوش إن الظلم والافتراء بيخلي الواحد يتغير ويكون عكس شخصيته.
لم يرمش "فهيم" بعينيه، وظل على جموده المريب، فيما رددت "دليلة" بتنهيدة معبأة بالأشواق:
- المهم دلوقتي إني رجعت وسطكم، وبقيت معاكم...
لتضغط بعدها على شفتيها قائلة:
- وهحاول على أد ما أقدر أماطل لحد ما أخلص من الشبكة السودة دي.
استرابت من سكونه الغريب، وعزوفه عن التعليق، ناهيك عن تلك البرودة المفاجئة التي تسربت إلى جسده، فسألته في قلبٍ قد أخذت دقاته تتسارع بشكلٍ مباغت:
- بابا، إنت سامعني؟ فيك حاجة؟
لم تجد منه ردًا، فتركت كفه لتضع قبضتيها على ذراعيه، هزته منهما برفقٍ وهي تسأله بوجهٍ شبه باهت:
- في إيه مالك؟
كان لا يزال على جموده، بينما اختفى وميض الحياة من عينيه، ليتعاظم بداخلها هذا الشعور المخيف بأنه ليس بخيرٍ. ازدردت ريقها بصعوبةٍ، وهتفت بصوتٍ مرتعش، متقطع:
- بابا، سـ.. سامعني؟
حينما لم تجد منه أدنى استجابة، صرخت عاليًا، وقد تجمدت قبضتاها على مرفقيه:
- "إيمـــان"، تعالي بسرعة، بابا مش بيرد عليا.
صيحتها الفزعة دفعت شقيقتها للمجيء ركضًا، فاقتحمت الغرفة تسألها في جزعٍ:
- بتقولي إيه؟
لحقت بها أمها متسائلة بخوفٍ أكبر:
- ماله أبوكي؟
تنحت للجانب بعدما نهضت عن الفراش لتقول بوجهٍ غابت عنه حمرته:
- مش عارفة.
لم يظل "زهير" بمفرده بالخارج، بل انضم إليهم ليزيح "دليلة" من أمامه وهو يأمرها بعدما جذبها من ذراعها للخلف:
- وسعي كده شوية.
أخذ يتفقد وضعه بدقةٍ وتركيز، ليعتدل في وقفته قائلًا في شيء من التعزية:
- الحق استرد وديعته!
هزت "إيمان" رأسها في عدم تصديقٍ، وهي تسأله بصوتٍ اختنق بشدة:
- يعني إيه؟
فيما صرخت "دليلة" في حـــرقةٍ وهي ترفع سبابتها أمام وجهه:
- ما تقولهاش!
حول ناظريه تجاه أمها ليقول مؤكدًا:
- ادعوله بالرحمة، هو قابل وجه كريم.
انفلتت صرخة مقهورة من "إيمان"، أتبعها عويل زوجته، ليتجه "زهير" بنظرة إشفاقٍ نحو "دليلة" عندما هدرت بصراخٍ يدمي القلوب، وقد تفجرت عيناها بالدموع الغزيرة:
- إياك، بابا مامتش، بابا عايش، عايش!
لتسقط بعدها مغشيًا عليها، فانتفض ناحيتها على الفور في خوفٍ حقيقي شعر به للمرة الأولى، ليتلقفها بين ذراعيه وهو يناديها:
-"دليـــــــلة" ..................................... !!.................................................
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثامن عشر 18 - بقلم منال سالم
لأكثر من مرة ضغط بعصبية على بوق السيارة، ليستحث السائق الذي يتحرك أمامه على الإسراع قليلًا، ألا يكفي الزحام المروري الخانق، ليجد من يتلكأ ويتسكع ببرود ليضيع وقته أكثر؟ يكفيه أنه أمضى ما يزيد عن الساعتين في توكيل إصلاح السيارات ليعيد تركيب الزجاج المهشم بدلًا من ذاك الذي تحطم أثناء عملية اختطاف "دليلة" قسرًا. مجددًا نظر "راغب" في ساعة يده مطلقًا سبة نابية، فمستقبله الذي ظل يخطط لتطويره، والانتقال إلى حياة أخرى مترفة، بات مهددًا بسبب انشغاله بكوارث عائلة زوجته المصون.
تنبه لرنين هاتفه المحمول، فالتقطه من على المقعد المجاور له، ضغط على زر الإجابة، ليأتيه صوت والدته في سماعة الأذن الموضوعة بها متسائلًا:
- عامل إيه يا حبيبي؟ بقالي يومين ما سمعتش حسك.
زفر مرددًا في ضجر واستياء:
- مخنوق والله يا ماما.
سألته بشيء من الاهتمام:
- من إيه يا ابني؟ أوعى تقول مراتك وعيلتها!
برطم في ضيق:
- هو أنا ورايا غيرهم.
شاركته في نفس الشعور المنزعج بسؤالها:
- حصل إيه تاني؟
أخبرها وهو ينعطف بالسيارة نحو مخرج جانبي ليهرب من الاختناق المروري المثير للأعصاب:
- وقعوا مع شوية بلطجية، وخدوا البنت "دليلة" عندهم، أل إيه علشان يجوزوها لواحد سوابق.
استطاع أن يسمع شهقتها قبل أن تلاحقه بسؤالها التالي:
- يادي المصيبة، وإنت عملت إيه؟
أتاها رده شاكيًا:
- مسحول مع أبوها، لحد ما طفحت وجبت أخري.
وبخته في ضيق:
- وإنت مالك أصلًا بحوارتهم دي؟
تعلل بمنطقية:
- مش أخت مراتي.
لم يتفاجأ بها حينما ردت بوقاحة:
- دي كانت جوازة شؤم، حتى ما طلعتش منها بعيل.
كان أحد الصغار يلهو بدارجته أمامه، فانزعج من مماطلته في المرور، فضغط بعصبية على البوق ليجبره على الابتعاد وصعود الرصيف، وصوته المندد يهدر:
- يا ابني حاسب، هي نقصاك.
حين سمعته يصيح في أحدهم بغير صبر سألته:
- إنت فين كده؟
أجابها بعد زفرة سريعة:
- سايق يا ماما، رايح البنك، عندي تقفيل ميزانية وشغل متكوم.
اقترحت عليه فجأة لتظهر حقيقة جحودها العجيب:
- طب بقولك إيه، ما تخلص من الدوشة دي كلها وتركز في مستقبلك ومصلحتك.
سألها مستفهمًا، وقد استحوذ كلامها على كامل انتباهه:
- قصدك إيه يا ماما؟
استمرت على نفس النهج الغامض بترديدها:
- وعلى رأي المثل خسارة قريبة ولا مكسب بعيد.
مل من مراوغتها، وسألها بصبر نافد:
- أنا مش فاهم حاجة، إنتي بتكلميني بالألغاز ليه؟
جاوبته مباشرة ودون مقدمات استهلالية:
- طلق المحروسة مراتك وارتاح من الهم ده كله.
في البداية هتف مستنكرًا:
- إيه اللي بتقوليه ده؟
تابعت مسترسلة لتقنعه:
- اسمع مني وإنت تكسب، ديتها كام مليم من بتوع المؤخر، نرميه على الجزمة القديمة، ولا أقولك خليها ترفع بيه قضية في المحاكم وحليني عقبال ما تكسبها.
قطب جبينه مرددًا في دهشة، تتخللها بعض علامات التردد:
- أطلقها؟ ده ينفع؟
أكدت عليه بثقة، وكأنها أعدت الخطة مسبقًا لحدوث ذلك الأمر:
- آه، غيابي، وخلي المأذون يبعتلها الإشعار على عنوان بيتها القديم علشان ما يوصلهاش خبر.
سألها بعدما ابتلع ريقه:
- والعِشرة اللي بينا؟
ردت عليه بغير اكتراث:
- تغور طالما جاي منها المصايب، إنت عندي أهم، ومصلحتك فوق الكل.
سكت للحظة ليفكر فيما قالت، ليتبع ذلك سؤاله المستفهم:
- طب وإزاي هعيش معاها في نفس البيت؟
كالعادة جاءته الحلول الناجزة بقولها:
- اتحجج بأي حجة، قول إنك مسافر، ولا وراك تدريبات، وتعالى اقعد عندي لحد ما شهور العدة تخلص، وبعد كده نكون ظبطنا كل حاجة، ونرميها برا الشقة وناخد العفش واللي يلزمنا.
في شيء من التردد أخبرها:
- بس كده احنا بنغدر بيها!
لتبدد مخاوفه خاطبته بتشدد، وبما يشبه الإقناع:
- ما تولع بجاز، ده حقك، مش إنت اللي طفحان الدم، ومعيشها في الهنا، هي كانت تحلم بده؟
وقبل أن يعدل عن رأيه فجرت مفاجأة أخرى لم تطرأ على باله:
- وعروستك عندي جاهزة، حاجة تليق بيك، بس نخلص من الشبكة السودة دي الأول.
لم يرفض حديثها بأي شكل أو يستنكره، بل فقط أرجأه لبعض الوقت معللًا أسبابه وهو يبطئ من سرعة سيارته:
- ماشي يا ماما، خلينا نتكلم في ده بعيد، لأحسن وصلت البنك.
بأسلوبها الماكر واللئيم ألحت عليه:
- فكر في اللي قولتهولك، وهتلاقيه لمصلحتك.
- حاضر، ربنا يسهل.
قال جملته تلك وهو ينهي الاتصال معها، ليترجل من سيارته ملقيًا نظرة متأنية على لافتة البنك، لكنه شرد ذهنيًا فيما تحدثا كلاهما فيه، لما لا يسايرها في اقتراحها، ويسعى وراء أحلامه؟ ما الخطأ في ذلك؟!
...................................
بخطوات بطيئة مليئة بالغنج والدلال، خرجت "وِزة" من غرفتها بعدما تأنقت وارتدت المثير من الثياب، لتبدو في أوج شبابها وعنفوانها، أمسكت بطلاء الأظافر، وانتقت الأريكة المواجهة لـ "توحيدة" لتجلس عليها، ثم رفعت قدمها في وجهها على الطاولة الدائرية الصغيرة، وأخذت تُطلي أصابع قدميها بتمهل وهي تعطي أوامرها لمن حولها:
- أوام يا بت إنتي وهي، وضبوا البيت، لأحسن سي المعلم "عباس" على وصول.
نجحت بأسلوبها الاستفزازي البارد في استثارة أعصاب ضرتها، فانتفضت واقفة، ولكزت بيدها قدمها لتزيحها عن الطاولة، قبل أن تحذرها في غلظة:
- بت إنتي، لمي الدور أحسنلك، بدل ما أخليهم يطلعوا عليكي القرافة.
ردت عليها بعنجهية مغيظة:
- إيه ده هو في حد بيتكلم؟ ده أنا قولت بقرة بتنعر!
كزت على أسنانها تنعتها:
- آه يا بنت الـ (...)
بل كادت تنهال عليها أيضًا بصفعها مدوية على خدها، لولا أن تيقظت لها "وِزة" فأمسكت بقبضتها في المنتصف، وأطلقت تحذيرها الصارم عليها:
- حاسبي على نفسك، بدل ما تندمي، زمن "توحيدة" ولى خلاص، ودلوقت زمن سِتك "وِزة"!
استلت "توحيدة" ذراعها منها، ونهرتها بما يشبه المعايرة:
- إنتي شايفة نفسك على إيه يا مفضوحة؟ ولا نسيتي أصلك؟
وضعت الأخيرة يدها في منتصف خاصرتها لترد بتحد:
- الرك على دلوقت يا عينيا.
لم تنتبه الاثنتان لقدوم "عباس" الذي دنا منهما متسائلًا في تحفز:
- في إيه للدوشة دي؟
بمكر الثعالب، أسرعت "وزة" نحوه لتشتكي إليه في صوت حزين، وهي تستدعي دموع التماسيح لاستمالة قلبه، والتأثير على مشاعره، بما تملك من أسلحة أنثوية خفية:
- الحقني يا سي "عباس"، "توحيدة" عمالة تهزقني وتعايرني وتقطمني إكمني بقيت مراتك.
لم تحتج لأدنى مجهود لتنجح في مسعاها معه، فقال في تهكم سافر:
- وهي يعني اللي كانت طاهرة، وما بتسيبش سجادة الصلاة؟ ما الحال من بعضه!
اشتاطت "توحيدة" غيظًا وكمدًا من لؤمها، وراحت تشتكي إليه هي الأخرى:
- يا سي "عباس" دي بنت أبالسة، بتعرف تغفل اللي قصادها وتضحك عليه بألاعيبها.
زجرها مرددًا في خشونة وهو يلوح لها بيده:
- جرى إيه يا "توحيدة"؟ وإنتي شيفاني مختوم على قفايا؟
تراجعت عما اعتبرته ذلة لسانها، وقالت بصوت مرتبك وهي تقترب منه لتمسد على كتفه كنوع من طلب الصفح منه:
- لأ مقصدش.
تفاجأت به يدفعها بعيدًا قبل أن تلمسه آمرًا بجفاء:
- حلي عني مش ناقص صداعك.
شهقت مصدومة لدفعته القوية، فيما نظرت إليها "وزة" بشماتة وتشف، لتحول عينيها عنها عندما أمرها زوجها بعد نحنحة خشنة:
- حصليني يا "وِزة"، ضهري قافش عليا وعايز حاجة أدهنه بيها.
تغنجت بخصرها مرددة في دلال:
- عينيا يا سيد الناس، علاجك عندي.
ثم أشارت بإصبعها نحو "خضرة" تأمرها بعبارات موحية:
- ابعتيلنا الأكل يا بت يا "خضرة"، ولا أقولك خبطي على الباب بعد ما تجبيه، أصل جوزي ما بيحبش يشوف وشوش عكرة على المسا.
بالكاد منعت "توحيدة" نفسها من الانقضاض عليها ومهاجمتها لحظيًا، وإلا لخسرت دعمه أيضًا، وهذا ما بقي لديها حاليًا. أطبقت على شفتيها في حقد حتى تتمكن من ضبط انفعالاتها، لتباعد بينهما متمتمة بحنق وغضب:
- هموت بفرستي منها، خلاص ما بقتش مستحملة.
ردت عليها تابعتها "خضرة" في شيء من التعاطف:
- اصبري يا أبلتي، مسيرك تخلصي منها.
كورت قبض يدها مكملة بغل وكره:
- يا مين يخليني أطبق في زومارة رقبتها!
..................................
كانت وطأة الحقيقة ثقيلة على قلبه، لقد أدرك "فهيم" عجزه عن حماية من هم تحت كنفه، فلم يتحمل هذا الشعور المهلك، وفارق جسده الحياة، ليترك من ورائه عائلة تعاني، وابنة تشعر بالذنب لاعتقادها أنها تسببت في هلاكه.
بعدما فقدت "دليلة" وعيها، حملها "زهير" بين ذراعيه وسط صراخ أمها ونواح شقيقتها. لم يكن بحاجة للسؤال عن مكان غرفتها، فقد زارها سابقًا وهي في نفس الحالة. دنا من فراشها ليمددها برفق عليه قبل أن يخرج من الحجرة باحثًا عن رقم شقيقه في هاتفه المحمول. كان يستدير تلقائيًا برأسه للجانب كلما صرخت "عيشة" باكية رحيل زوجها.
أتاه صوت "كرم" الجاد من الطرف الآخر متسائلًا:
- إنت فين دلوقت؟
أجابه على الفور:
- عند نسايبنا الجداد.
جاء تعقيبه مستمتعًا بعض الشيء:
- قولتلي، مصدقت طبعًا....
وصل إلى مسامعه تلك الأصوات العالية، فتساءل بفضول:
- بس إيه الصويت ده؟
حرر "زهير" زفرة ثقيلة من صدره قبل أن يخبره مستشعرًا تلك الغصة العالقة في حلقه:
- عم "فهيم" مات.
بشكل آلي رد، وكأن الأمر لا يعنيه:
- الله يرحمه.
وقتئذ تعاظم في نفس "زهير" إحساسه بالانزعاج، بل إنه شعر بتأنيب الضمير لوفاته بهذه الطريقة، وعبر عما يجيش في صدره بضيق محسوس في نبرته:
- الراجل مات بحسره على اللي حصل لبنته.
كان تعليقه فظًا إلى حد ما:
- عمره وخلص، هنعمله إيه يعني؟
اغتاظ من بروده في التعامل مع الأمر، وصاح فيه بانفعال استغرب لحاله منه:
- ما تخلنيش أتعصب يا "كرم".
بنفس الأسلوب المتجافي المستفز وبخه:
- أوام كده قلبك رق؟
ببساطة أخبره شقيقه الأصغر:
- علشان أنا متفق معاك إننا مانجيش لا على الغلابة ولا المظلومين، واللي احنا عملناه ده اسمه افترا.
رد عليه في شيء من الاحتجاج:
- مش المحروسة اللي عاملة عقد مع الحكومة ضدنا، ولا إنت بتنسى بمزاجك؟!!
للغرابة وجد نفسه يتخذ صفها ويبرر ما قامت به بتحيز:
- مكانتش تعرف احنا مين، وندمت.
سخر منه بتهكم:
- من دلوقت بتدافع عنها؟!!
قابل سخريته بجدية تامة:
- مش وقته، احنا عايزين نخلص تصاريح وإجراءات الدفن.
رد عليه بنبرة أوحت باستهزائه:
- وماله، وهنعمله أكبر صوان في البلد، وهنجيبله مشايخ وصييتة كمان يقروا عليه.
بدا "زهير" هجوميًا بشكل أكبر وهو يسأله:
- إنت بتتريق؟
امتص غضبته الوشيكة بقوله الهادئ:
- لأ يا "زهير"، عيب عليك، ما هو يعتبر نسيبنا، وفرصة تخلي الكل يجي ويقدموا فروض الطاعة لينا في العزا.
رد عليه بنفس اللهجة الجدية:
- مش فارق معايا أي حد دلوقت غير عم "فهيم" وعيلته.
كعهده الساخر تكلم "كرم" بعزم:
- ماشي يا حنين، خليك معاهم، وأنا هخلص كل حاجة وجايلك.
- سلام.
أنهى معه المكالمة ليتجه إلى الباب الذي قرع جرسه بإلحاح، فتحه ليجد "اعتدال" واقفة أمامه، تفاجأت الأخيرة به، واستطردت في تلبك خشية أن يثور عليها:
- سي "زهير"، معرفش إنك هنا!
تنبهت للصراخ الآتي من الداخل، فتساءلت بعفوية:
- أومال الصويت ده جاي من هنا؟ أصله مسمع في العمارة كلها، وأنا عمالة أدور جاي منين.
أجابها بعدما تنحى للجانب ليجعلها تمر:
- عم "فهيم" مات.
لطمت على صدرها مرددة في صدمة وحسرة:
- يا نصيبتي! ده كان راجل طيب وزي النسمة.
دون أن ينظر ناحيتها، أشار لها بيده آمرًا:
- خشي شوفي الجماعة جوا وخليكي معاهم، لحد ما نجهز كل حاجة تخص الدفنة.
في طاعة تامة ردت عليه:
- من غير ما تقول يا سي "زهير"، دول حبايبي الغاليين.
وراحت تشارك هي الأخرى في النواح والعويل بصياحها المرتفع اللافت للأنظار، كأنما تعطي خبرًا حصريًا لمن تعذر عليه معرفة أسباب هذا الصخب المفزع:
- كبدي عليك يا عم "فهيم"، ملحقتش تفرح ببنتك.
.......................................
كانت كالمغيبة، تتابع مشاهد الدفن كأنما تراها عبر شاشة التلفاز، وليست تعايشها حقًا. ظلت على تلك الحالة الذهنية غير الواعية، تستند على شقيقتها الكبرى من ذراع، وعلى والدتها من الذراع الآخر، ومن حولهم غرباء كثر يقومون بكل شيء حتى وارى جثمانه الثرى.
التفتت برأس ثقيل نحو صوت والدتها حينما تساءلت بصوت باك:
- جوزك لسه مظهرش؟
كفكفت "إيمان" دمعها المسال بمنديلها الورقي، وأخبرتها:
- موبايله مقفول.
أتى سؤالها الآخر مستفهمًا:
- وحماتك؟ مردتش لسه عليكي؟
ردت نافية:
- لأ.
انتقلت للسؤال التالي:
- طب بعتيلها رسالة؟
أجابت باقتضاب:
- أيوه.
لاحقتها بآخر موجز:
- وشافتها؟
ردت باختصار:
- مش عارفة.
حاولت أن تبدو "عيشة" صلبة متماسكة أمام الجمع الغفير، فقد صارت المسئولة عن العائلة الآن. تنفست بعمق، وقالت:
- عمومًا مش وقت عتاب على قلة الأصل، اللي راح غالي ويستاهل البكا عليه طول العمر.
أضافت "إيمان" قائلة وهي تخرج منديلًا آخر من حقيبتها:
- حتى عمتي ملحقتش تيجي من البلد.
ردت عليه مبررة سرعة إنهاء الإجراءات:
- ما كله خلص أوام، قبل ما ندي حد خبر.
طافت "إيمان" بعينيها الدامعتين على عشرات البشر ممن تزاحموا في المقابر بشكل لا يصدق، بل تكاد تجزم أنها لم تكن لتجد موضعًا للوقوف لولا أن ثلاثتهن من عائلته. جففت أنفها الرطب، وقالت في استغراب:
- أنا معرفش الناس دي كلها جت منين، بابا مكانش يعرف حد.
ردت عليها أمها بحزن:
- ولا أنا يا بنتي، ومش قادرة أسأل.
رغم انتهاء كل شيء إلا أن الجميع ظل باقيًا وحاضرًا، وكأنه محظور عليهم الذهاب، لتضطر "عيشة" لسحب ابنتيها بعيدًا عن الجو الخانق، وتجلس على إحدى المصاطب الخشبية القديمة، وبجوارها ابنتيها، لتطل عليهما "اعتدال" قائلة بنبرة مواسية:
- قلبي معاكو يا حبايبي، وربنا سي "فهيم" هيقطع بينا كلنا.
تولت "عيشة" الرد، فخاطبتها في صوت حزين:
- كتر خيرك، هو كان طيب وفي حاله.
في نوع من المجاملة أضافت:
- آه والله، ما يعزش على اللي خلقه.
انضم إليهن "كيشو"، فقال معزيًا:
- البقية في حياتك يا ست الحاجة، لو عوزتم أي حاجة أنا في الخدمة، عم "فهيم" كان في مقام أبويا.
ردت عليه "عيشة" بإيماءة من رأسها:
- تسلم يا رب.
بعد برهة جاء "زهير"، أبقى ناظريه على "دليلة" التي لم تكن تبدو طبيعية مطلقًا، فاستطرد في جدية وهو يشير بيده:
- العربية واقفة برا هتوصلكم البيت، مالوش لازمة تفضلوا هنا.
من تلقاء نفسها تحدثت "اعتدال" كأنما تنصحهن بالانصياع له بطريقة مستترة:
- اسمعوا كلام سي "زهير"، الناس مش هتمشي إلا لما الكوبارة يمشي، وهو شكله مطول.
افتقرت "عيشة" للجدال، وكذلك "إيمان"، فيما كانت "دليلة" لا تعي بعد ما يدور، لتنهض الأولى بدورها هاتفة:
- تعالوا يا بنات.
مرة ثانية فقدت "دليلة" وعيها فجأة، وارتمت بثقل جسدها على والدتها التي عجزت عن حملها، فصاحت "اعتدال" في جزع:
- عيني عليكي يا نضري، تلاقيها كانت متعلقة بأبوها، ومش مستحملة اللي جراله.
انتبه "زهير" لما حدث، فأسرع ناحيتها، وجذبها من مرفقيها بقوة طفيفة تجاهه، لترتمي بثقلها على صدره. طوقها بذراعه أولًا لئلا تسقط، ثم انحنى ليحملها بين ذراعيه، وسار مسرعًا بها إلى الخارج، ليضعها بالسيارة، وشيء ما غريب يحز بقوة في قلبه تجاهها.
...................................
هذه المرة حينما استفاقت من غيبوبتها المؤقتة، أدركت ما فاتها، واستوعبت ما تابعته بعينين خاويتين. لقد فقدت أبيها، ورحل عن عالمها للأبد. كانت كلماته الأخيرة موجعة، مملوءة بالعجز والقهر. لم تستطع مغالبة الشعور المميت الذي ناوشها، آه لو لم تكن عنيدة، طائشة، ومندفعة، لما آلت الأمور إلى ما هي عليه الآن!!
الأصوات المتداخلة القريبة من غرفتها جعلتها تتيقظ أكثر، أرهفت السمع إلى صوت أحدهم تحديدًا، كان "كرم" من يتحدث بالخارج، على ما يبدو يخاطب أحدهم. سارت على أطراف أصابعها لتتفقده، فسمعته يقول:
- من هنا ورايح إنتو مننا، مافيش حاجة هتنقصكم، كأن راجل البيت موجود...
من زاوية غير مرئية له راقبته، وتحولت عيناها للإظلام والغضب حينما وجدته يقول بلهجته الحازمة:
- وشوية بس أما الظروف تعدي هنكمل جوازة أخويا من المحروسة.
ردت عليه أمها بقلة حيلة:
- ربنا يسهل.
فيما تساءلت عمتها التي جاءت من السفر باستغراب:
- أنا معرفش بخطوبة "دليلة"؟ أخويا "فهيم" مقاليش.
نما إلى مسامعها صوتها القائل:
- أصله كان لسه كلام.
استثير ما بداخلها دفعة واحدة، وشعرت بموجة غضب عارمة تجتاحها. زوج الملاعين – الشقيقين - لا يراعيان المصاب الأليم الذي هم فيه، ويتحدثان عن الزواج وخلافه، أي قساوة تلك!
فارت الدماء في عروقها، وانطلقت نحو المطبخ باحثة عن شيء بعينه، لكنها توقفت عند العتبة عندما وجدت شقيقتها تتساءل هاتفيًّا بصوتها المختنق:
- إنت فين يا "راغب" من بدري؟
كانت قد وضعت الهاتف على السماعة الخارجية، جاء صوت زوجها واضحًا ومسموعًا وهو يتساءل ببرود:
- في إيه يا "إيمان"؟ الدنيا طارت، أفتح الموبايل ألاقي مليون اتصال منك!
انفجرت باكية وهي تخبره بأسى:
- لأ مطارتش، بس بابا مـــات!
سكت للحظة، قبل أن يسألها بصوت مهتز:
- إنتي بتهزري؟
صرخت فيه بانفعال:
- بقولك أبويا مات، وادفن، وإنت مش دريان بحاجة، حتى مامتك شافت رسالتي وطنشت.
هتف من فوره:
- أنا جاي حالًا..
انفجرت باكية بحرقة أكبر وهي تلومه:
- بعد إيه يا "راغب"؟ بعد إيه؟!!!
كان قد أنهى المكالمة فلم تصله كلماتها الأخيرة، لترفع "إيمان" رأسها، وتنصدم بوقوف شقيقتها، أقبلت عليها تحتضنها بتلهف، وسألتها:
- "دليلة"، حبيبتي، إنتي كويسة؟
صرخت فيها بألم:
- سايبين اللي قتل بابا أعد برا؟
أبعدتها عنها لتنظر إليها بقلق وارتياب، تفاجأت بها تدفعها بقدر من القوة لتصل إلى أحد الأدراج، فتحته "دليلة" بعصبية، واستلت سكينًا من داخله، لتشهق "إيمان" من ورائها بذهول، وقد تحولت نظراتها للارتعاب، اعترضت طريقها بجسدها متسائلة بتوجس:
- إنتي رايحة فين كده؟!
أظلمت عيناها تمامًا، حتى لم تعد ترى فيهما أي بريق للحياة، لتخبرها بعزم، وبإصرار لا رجعة فيه:
- هاخد روحه زي ما حرمني منه.
رواية فوق جبال الهوان الفصل التاسع عشر 19 - بقلم منال سالم
صوته البغيض إلى قلبها أثار في نفسها المزيد من الكراهية والأحقاد تجاه من ساهما في قهر والدها قبل أن يقضي نحبه حسرة وحزنًا على عجزه في الدفاع عن ابنته.
لم تعرف "دليلة" على من تصب غضبها وحنقها تحديدًا، فاندفعت بلا تردد نحو أول من وقعت عليه عينيها، بعدما طرحت شقيقتها جانبًا لتصرخ في جنون، ووجهها ينضح بحمرته الغاضبة:
- هموتك يا مجرم!
واجهت "كرم" في اندفاعها الأهوج، فرفعت السكين في وجهه لتطعنه بنصله وصراخها يرج بين الجدران:
- مش هسيبك.
لم يبدُ مفزوعًا من رؤيتها تقبل عليه بعنفوانها الحانق، بل قام بثباتٍ من موضع جلوسه، وقبض على ذراعها بقوةٍ قبل أن يتمكن النصل من إصابة أي موضعٍ في جسده، ثبت رسغها المتشنج جيدًا في الهواء، فتلوت صارخة في التياعٍ أشد:
- إنت مجرم!
هنا صرخت "عيشة" في هلعٍ:
- بتعملي إيه يا "دليلة"؟ إنتي اتجننتي؟
بينما صاحت عمتها في ذعرٍ وهي تدق على صدرها فيما يشبه اللطمات:
- يا نصيبتي!
لم يحتج "كرم" أدنى مجهود لانتزاع السكين من يدها، أخذه ببساطةٍ من أصابعها القابضة عليه، ونظر إليها مرددًا باستخفافٍ:
- جرى إيه يا حلوة؟ جاية تموتيني بحتة البتاعة دي؟
فيما أسرع "زهير" بالتحرك صوبهما، لمنع شقيقه من التهور، وخاطبه في شيءٍ من التحيز:
- خلاص يا "كرم".
وكأنه لم يسمعه من الأساس، ظلت عيناه الناريتان مرتكزتين على وجه "دليلة" المشتعل، وواصل استهزائه السخيف بها:
- إحنا بنسلك بيها أسناننا.
ثم تصنع الضحك قبل أن يضيف:
- على الأقل خشي عليا بساطور، حتى أعملك احترام.
مجددًا رجاه "زهير" بصبرٍ نافد:
- كفاية يا "كرم"، سيبها.
كانت لا ترى سواه، فلم تهابه أو تخشاه، لذا استمرت على عدائيتها ناحيته، فتوعدته وهي تحاول التلاحم معه يدويًا:
- هموتك، إنت مجرم.
دون عناءٍ يذكر نجح في صد محاولة هجومها الفاشلة، وقيد معصميها بقبضتيه قائلًا بشيءٍ من التفاخر:
- وأنا إيه غير كده؟
بضيقٍ أكبر تدخل "زهير" لفصله عنها هاتفًا:
- "كرم"، سيبها!
طالعه الأخير بنظرة غير مريحة قبل أن يخاطبه بنبرة موحية:
- هعملك اعتبار المرة دي، وهقدر الظروف.
ثم أرخى أصابعه عنها ليسحبها "زهير" ناحيته قبل أن يتقدم خطوة ليغطيها بجسده، فيما انطلقت "إيمان" نحو "كرم" لتهاجمه هي الأخرى بقبضتيها وهي تصيح في انفعالٍ:
- إنت عايز إيه من أختي؟ ما تقربش منها.
بغير عناءٍ تمكن من الإمساك بها، فاشتدت قبضته على رسغها، قبل أن يلوي ذراعها خلف ظهرها ويضغط عليه، لتشعر بالعجز التام وهي مقيدة منه، لتلفح أنفاسه بشرتها وهو يحذرها من بين أسنانه:
- ما بلاش إنتي يا حلوة! ده أنا بقول عنك العاقلة.
تأوهت من الألم الصارخ الذي عصف بذراعها، فهرعت إليها "عيشة" لتنجدها من بين براثنه في توسلٍ باكٍ:
- كفاية يا معلم، أبوس إيدك، إحنا ولايا، وبناتي زعلانين على أبوهم، من فضلك اعذرهم.
بينما صاحت "إيمان" في صوتٍ متألم:
- سيب دراعي، هيتكسر.
رجته "عيشة" بإلحاحٍ وهي تحاول فك قبضته عن ابنتها:
- علشان خاطري يا ابني.
فيما صرخت "دليلة" وهي تحاول المرور وتجاوز "زهير" لتصل إليه وتتشاجر معه مجددًا:
- ابعد عن "إيمان".
تدخلت العمة هي الأخرى لوقف تصعيد الأمور، واستعطفته:
- بالله عليك يا ابني تهدى، اعذرهم، هما مش في وعيهم.
أمام رجاوات المرأتين حررها رغمًا عنه مرددًا في تحذيرٍ صريح:
- علشان خاطرك بس يا حماة أخويا، غير كده كنت شحنتلك الجوز على بيت "توحيدة"، وهما هناك عارفين يتعاملوا إزاي.
تساءلت العمة في تحيرٍ:
- مين دي كمان؟
استعادت "عيشة" ابنتيها في حضنها، وطوقت بذراعيها الاثنتين لتوبخهما في حدةٍ:
- لموا الدور بقى، وكفاينا فضايح.
رفع "كرم" إصبعه في وجه ثلاثتهن مهددًا:
- بعد ما العزاء يخلص، لينا كلام تاني...
ليوجه بعدها أمره إلى شقيقه وهو يتحرك صوب باب المنزل:
- يالا يا "زهير".
قبل أن يغادر الأخير، التفت مخاطبًا حماته في لهجةٍ شبه ناصحة رغم كون نبرته قد بدت مشدودة نسبيًا:
- ما فيش داعي تظهروا قدامه تاني، لإنه مش هيفوت اللي حصل منكم على خير.
لم ينتظر الرد وانصرف، لتصيح "عيشة" في هياج مواصلة تأنيب ابنتيها على تصرفهما الخاطئ:
- إياك واحدة فيكم تتنقل من جنبي، وخشوا جوه على الأوضة، هو إحنا ناقصين مصايب.
انسلت "دليلة" من أسفل ذراع والدتها لتواجهها هادرة في انفعالٍ مبرر:
- هما دول بقوا عيلتنا خلاص؟ هما دول اللي هيقفوا قصاد الناس، وياخدوا عزا أبونا؟
نكست "عيشة" رأسها في حزنٍ وانكسار، فهي لا تملك القوة أو المقدرة على مواجهة أمثالهما، لتتحدث العمة برثاءٍ:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، بالراحة يا بنتي، كلنا موجوعين لموت أخويا، بس العمل إيه؟
ظلت على عنادها هادرة بتحدٍ، والدموع تطفر من عينيها بغزارةٍ:
- أنا استحالة أقبل بإن شوية البلطجية دول ياخدوا عزا أبويا، سامعين، أنا هقفلهم، حتى لو كنت لوحدي، وكان فيها موتي!!
...................................................
في نفس الأثناء، كان "راغب" قد صف سيارته على مقربة من البناية، نظرًا لكون المقدمة انشغلت بمن ينصبون سرادق العزاء. ترجل منها وهرول نحو المدخل بعدما تأكد من إغلاقها عن طريق جهاز القفل الإلكتروني، ليتجمد في موضعه حينما رأى "كرم" في مواجهته عند المدخل. هربت الدماء من وجهه، وحدق فيه بتوترٍ، بينما رماه الأخير بنظرة استحقارٍ هازئة، ليدنو منه متسائلًا في تهكمٍ صارخ:
- أخيرًا هل هلالك يا سبع البرومبة.
كان آخر من يتوقع اللقاء به هنا، ولم يحبذ رؤيته مطلقًا، لذا حفظًا لماء وجهه حاول "راغب" الرد بحدةٍ طفيفة، ورغم هذا ظهرت نبرته مرتعشة إلى حدٍ ما:
- من فضلك، مش وقت تريقة سخيفة، وخليني أطلع لمراتي والجماعة فوق.
حاول المرور بلا صدام معه؛ لكنه لم يسمح له بذلك، واعترض طريقه عن قصدٍ مانعًا إياه من الصعود، ليرفع كفه للأعلى رابتًا على كتفه بقوةٍ قبل أن يردد ساخرًا:
- أهـا، مراتك، قولتلي..
شعر "راغب" بقبضته تشتد على كتفه، كأنما يعتصر عظمة الترقوة، ليسأله في نبرة تحمل تلميحات مسيئة في طياتها:
- صحيح ما شوفناكش وقت العزا، كنت فين؟ مقضيها ولا إيه النظام؟
استحقاره الدائم له على الدوام جعله متحفزًا للغاية، فنفض قبضته عنه صائحًا بغيظٍ:
- احترم نفسك، أنا لحد دلوقت بتعامل معاك بأدب.
أطلق "كرم" ضحكة قصيرة هازئة به قبل أن يتحداه في ثقةٍ:
- نفسي أشوف قلة أدبك معايا.
وقف "زهير" ورائه ليطلب منه بانزعاجٍ:
- "كرم" مش هنتخانق مع كل من هب ودب، ورانا حاجات عايزين نخلصها.
دون أن يشيح بناظريه عن وجه "راغب" تكلم شقيقه الأكبر في صوتٍ أجش:
- على رأيك، خسارة أضيع وقتي مع فسل زي ده.
استشاط "راغب" غضبًا مجددًا لإهانته المتواصلة، وكز على أسنانه مدمدمًا:
- إنت آ...
قبل أن يفوه بشيءٍ يندم عليه لاحقًا، حذره "كرم" بهدوءٍ:
- خد بالك ليطقلك عرق، وإنت سفيف مش هتستحمل زقة مني!
وليثبت جديته دفعه بخشونةٍ نحو الجدار، فارتد "راغب" للخلف ليرتطم بالكتل الإسمنتية الباردة، أطلق تأوهةٍ خافتة، فيما مضى "كرم" في طريقه مخاطبًا شقيقه الذي تبعه بتعجلٍ:
- بينا يا "زهير" نشوف الرجالة خلصوا الصوان، ولا لسه.
انتظر "راغب" ذهابه ليستقيم واقفًا، فرك موضع الألم بكف يده مغمغمًا في استياءٍ عارم:
- مش ممكن، حيوان!
ليكمل بعدها صعوده للطابق العلوي، وهو يلعن اليوم الذي اضطر فيه للتعامل مع عينة هؤلاء الأوغاد.
......................................
بمجرد أن أصبح كلاهما منفردين، وقبل أن يصلا إلى موضع إقامة سرادق العزاء الذي أوشك العمال على الانتهاء من إعداده، توقف "كرم" عن المسير، والتفت ليخاطب شقيقه الأصغر في نبرة تحذيرية:
- شوف أنا سكت عن اللي حصل فوق علشان عامل لكلمتك اعتبار، مش علشان حد تاني، غير كده قسمًا بالله كنت ربيتهم.
رد عليه مبررًا ما حدث من توترٍ:
- برضه معذورين يا "كرم"، اللي حصل مش سهل، وبعدين هما غيرنا، وطباعهم مختلفة عننا.
التوى ثغره بغير رضا، وتابع مستطردًا وهو يطالعه بهذه النظرة المتشككة:
- بدأت تتغير يا "زهير"، خد بالك.
رد عليه مؤكدًا:
- أنا زي ما أنا، ما فيش حاجة اتغيرت فيا، بس بقدر الظروف.
ابتسم بسخافةٍ، وكأنه لا يبدو مقتنعًا بذلك، ليلكزه في جانب ذراعه قائلًا:
- ماشي يا عم الحساس.
قبل أن يتجها نحو إحدى السيارات التابعة لهما، أتى إليهما أحدهم هاتفًا بصوتٍ شبه لاهث:
- يا كبيرنا، الصوان اتنصب خلاص، وكله في التمام.
استدار "كرم" تجاهه ورد باقتضابٍ:
- ما أنا شايف.
حمحم تابعه مضيفًا في ترددٍ:
- بس في حاجة تانية.
قطب جبينه متسائلًا:
- إيه؟
ابتلع ريقه، وأجابه في احترازٍ:
- رجالة "العترة" موجودين.
انقبضت قسمات وجهه، بينما استطرد "زهير" متسائلًا بتحفزٍ:
- جايين في واجب ولا مناوشة؟
هز كتفيه معقبًا:
- مش عارفين لسه.
أصدر "كرم" تعليماته بوضوحٍ:
- طب خلي الكل يجهز، ما فيش حاجة مضمونة.
- أوامرك يا ريسنا.
....................................
قبل أن يدق على الباب، راح يرتب أفكاره في رأسه، وينتقي من العبارات ما يبرر غيابه غير الطبيعي في يومٍ عصيبٍ كهذا، بالطبع لن تنفع أي حجج أو أعذار واهية؛ لكنه سيلجأ لسلاح العاطفة للتأثير عليها، فهذا ما ينجح دومًا معها. تنفس "راغب" بعمقٍ، وقرع الجرس لتفتح له عمتها، فقدم لها التعزية، قبل أن يهرع إلى غرفة أبيها الراحل، حيث تجلس بجوار شقيقتها على فراشه. استأذن بالدخول قائلًا بصوتٍ رخيم:
- ممكن يا "دليلة" تسيبيني مع مراتي شوية.
سددت له نظرة دونية قبل أن تنهض من موضعها لتغادر، لينتظر بترقبٍ ابتعادها حتى يجثو على ركبته أمام زوجته معتذرًا من فوره، وبندمٍ مبالغ فيه، وهو يمد يديه ليحتضن كفها:
- حقك عليا يا "إيمان"، غصب عني والله، كنت مشغول.
لم تجد العزاء في كلماته الثقيلة، سرعان ما سحبت يدها من راحتيه قائلة بجمودٍ، وقد صارت ملامحها قاسية:
- ما عدتش تفرق.
شعر بالحرج من جلسته تلك، فنهض قائمًا ليضيف بعزمٍ متكلف:
- شوفي إيه ناقص وأنا جاهز أعمله يا حبيبتي، مش عايزك تشيلي هم حاجة.
ظلت تتجاهل النظر ناحيته، وردت بغير اكتراثٍ:
- ما لوش لازمة تتعب نفسك...
بدت نبرتها إلى حدٍ ما موحية وهي تختتم جملتها:
- الغرب قاموا باللي المفروض تعمله.
ثم نهضت بدورها لتترك الغرفة وتخرج للصالة، تبعها في استياءٍ، فالتقى بوالدتها شاكيًا في الحال:
- طب كلميها يا حماتي، حضرتك عارفة الوضع في البنك عندي عامل إزاي.
أخبرته بصوتٍ مهموم:
- سيبها يا ابني، الصدمة صعبة علينا كلنا.
تابع كلامه إليها في شيءٍ من الحرج:
- ده أنا لسه معرفتش ماما، دي هتزعل جدًا، إنتو ما تعرفوش هي كانت بتعزه قد إيه.
وكأن ما يفوه به بغير فائدة، فطاف ببصره عليهن متسائلًا:
- طب شوفوا إنتو عايزين إيه وأنا أعمله.
تباينت ردود أفعالهن، ما بين نظرات مستنكرة، ونظرات مزعوجة، ونظرات غير مبالية على الإطلاق.
...........................................
جلست بغنجٍ على الأريكة، ورفعت ساقها على المسند، لتهزها بحركة رتيبة في الهواء، وهي ترمي من تجلس قبالتها بنظرات استعلاء باردة،
لتمسك بهاتفها المحمول وتلصقه بأذنها، وبيدها الأخرى تداعب شعرها متسائلة في نبرة جاهدت لتبدو جادة:
- على كده إحنا المفروض نعمل الواجب مع الكوبارة ولا لأ يا سي "عباس"؟
جاء رده كالتأكيد:
- ده لازمًا، مش نسايبه.
سألته "وزة" وهي تتصعب بالعلكة التي تلوكها في فمها:
- وأجيب معايا نسوان البيت ولا لأ؟
أخبرها بجدية:
- كله يجي، في قعدة للستات في خيمة صغيرة.
هزت كتفيها في تدلل، وأبدت طاعتها لأوامره:
- ماشي يا سيد الناس.
ثم أنهت المكالمة لتنهض من جلستها المسترخية صائحة فيمن حولها:
- يالا يا بت إنت وهي، سي "عباس" قال الكل يجهز علشان نروح العزا.
عادت لتنظر إلى من تحدجها بنظرات أشبه بالجمرات وهي تتابع:
- مش عايزين نسايبه يقولوا قصرنا معاه في حاجة.
ثم دنت منها متسائلة:
- جاية معانا يا "توحيدة"، ولا ملكيش في الحزن؟
وجدتها تنفجر صائحة فيها:
- أطلع على خرجتك قريب يا رب.
تركتها تغلي بنيران غيرتها، واتجهت إلى داخل غرفتها لتبدل ثيابها على الفور، فيما صاحت "توحيدة" في تابعتها المخلصة:
- بت يا "خضرة"، عملتي اللي قلتلك عليه؟
خفضت من نبرتها قائلة:
- آه يا أبلتي، كله تمام.
انعكس على تقاسيم وجهها ذلك التعبير العدائي الشرس وهي تخبرها:
- أما نشوف هتعدي منها إزاي.
رواية فوق جبال الهوان الفصل العشرون 20 - بقلم منال سالم
لمحتها إحدى الشابات وهي تطحن أحد الأقراص الدوائية، فاسترابت من تصرفها، خاصة أنها كانت تدعي انشغالها بتقطيع ثمار الفاكهة، فلم تتمكن الأخرى الواقفة أمام الموقد من رؤيتها، لتجدها تُلهيها بإحضار شيء ما ريثما تتمكن من وضع المسحوق في الكنكة لتخلطها بقهوتها قبل أن تطفئ اللهيب موبخة إياها على عدم انتباهها لها، ثم تولت بنفسها إعداد فنجان قهوتها، لتناوله لأخرى لتقدمه لها مثلما طلب.
لم تفوت تلك الشابة الفرصة دون أن تسجل ما قامت به "خضرة" في الخفاء باستخدام هاتفها المحمول لعلها تستفيد من الأمر بشيء، ثم توارت عن الأنظار، لتتسلل فيما بعد بخطواتٍ حثيثة بعيدًا عنها، قبل أن تمسك بها، لتتجه من فورها إلى غرفة "وزة"، طوت قبضتها، ودقت على بابها بخفةٍ وهي تستأذنها قائلة:
- ستي؟ أخش ولا بتغيري هدومك؟
سمعت صوتها يقول من الداخل:
- تعالي يا بت.
في التو فتحت الباب، وولجت إلى الداخل لتغلقه بحرصٍ من ورائها، ثم دنت منها هامسة في أذنها، وكأنها تخشى أن يسمعها أحدهم:
- أنا شوفت حاجة كده غريبة، وصورتهالك.
زوت ما بين حاجبيها متسائلة بتحيرٍ:
- إيه هي؟
أخبرتها بحذرٍ وهي ترمش بعينيها:
- تخص "خضرة".
لوت ثغرها تنعتها في استحقارٍ:
- دلدولة اللي ما تتسمى، فرجيني.
أظهرت هاتفها المحمول نصب عينيها لتعرض الفيديو الذي قامت بتسجيله، لتجد "خضرة" وهي تراوغ إحدى الشابات التي أمرتها بإعداد قهوتها، لتسقط في الكنكة ما طحنته من دواء مريب، سرعان ما برزت عينا "وزة" على سعتهما مدمدمة في غضبٍ:
- يا بنت الحرام! كويس إني ما شربتهاش لسه.
اشتعل وجهها بشدة، وتابعت مخاطبة من تقف إلى جوارها:
- ماشي يا "توحيدة" الكلب، كل ده علشان تخلصي مني، مش هنولهالك!
سألتها الشابة بجديةٍ:
- ناوية على إيه يا ستي؟
غامت عيناها وهي تخبرها بتحدٍ:
- خليهم يفتكروا إني شربت القهوة، وأحبس دمهم في الآخر...
ثم دست يدها في جيبها النسائي لتخرج عدة ورقات نقدية، ناولتها إياها كنفحةٍ امتنانٍ لصنيعها معها، وقالت:
- خدي يا بت دول علشانك.
دون ترددٍ أخذت المال، وطوته في راحتها هاتفة في سرورٍ:
- تسلمي يا ستي.
أوصتها "وزة" في لؤمٍ:
- وعايزاكي من هنا ورايح تفتحي عينك وتاخدي بالك من كل حاجة، وتيجي تبلغيني بيها أول بأول، وأنا هشوفك.
انتشت لوعدها بنيل مبتغاها هاتفة:
- من غير ما توصيني يا ستي.
انصرفت بعدها الشابة لتظل الأخيرة تدور حول نفسها في دوائر مفرغة وهي تصر على أسنانها، قبل أن تزفر متوعدة إياها:
- نهايتك على إيدي يا "توحيدة"!
غرقت ملامحها في القسوة وهي تكمل بنفس اللهجة المتشددة:
- حق ابني اللي اتحرمت منه وراح غدر هحاسبك عليه، بس الأول لازم أذلك وأدوقك المر.
..........................................
قبل أن ينعطف السائق عائدًا نحو الطريق الرئيسي، ترجل الاثنان من سيارته، ليعطيه "موجي" أجرته كاملة، وعيناه تطوفان على معالم المنطقة بتركيزٍ وانتباه، أشار لرفيقه بيده ليتابعا السير عبر الأزقة الضيقة، وببعض الإرشادات البسيطة من أهالي المنطقة تمكنا من الوصول إلى وجهتهم؛ لكن تعذر عليهم تحديد موضع البناية المقصودة، لذا تساءل رفيقه متحيرًا:
- إنت متأكد إن ده العنوان؟
هز "موجي" رأسه مسترسلًا في التوضيح:
- أيوه، السواق قالي نخش من ناصية الحارة دي، ونمشي على طول لحد ما نوصل عند أول قهوة تقابلنا، البيت في وشها.
رد عليه بإرهاقٍ:
- بس أنا مش شايف أي قهوة هنا.
اتجه "موجي" ببصره نحو أحد المحال القريبة، فاقترح عليه:
- بينا نسأل عن اللي اسمها "توحيدة" عند العجلاتي ده، يمكن يعرفها.
لم يجادله في الأمر، ومشيا ناحيته، ليبادر "موجي" بإلقاء التحية:
- سلام عليكم.
رد الرجل وهو يطالعهما بنظرة فاحصة:
- وعليكم السلام، خير يا حضرات؟
حمحم مستطردًا في جديةٍ:
- بقولك يا أخ، ما تعرفش بيت الست اللي اسمها "توحيدة" ده فين؟
انقلبت سحنة الرجل بوضوح، وبدا مشمئزًا من مطلبه الذي يتناقض مع هيئته التي تبدو وقورة من الوهلة الأولى، ليرد في امتعاضٍ وهو يشير بعينيه نحو أحد الأبنية:
- استغفر الله يا رب، العمارة اللي هناك، قبل الصوان المنصوب.
بلا ابتسام خاطبه "موجي":
- متشكرين.
همَّ بالمسير لكن الرجل استوقفه ليستفسر منه:
- بس متأخذونيش في السؤال، شكلكم ناس محترمين، إيه اللي موديكم عن الولية البطالة دي؟ يعني سمعتها مسمعة في المنطقة كلها.
تعلل له بحجة واهية لئلا يثير شكوكه:
- أصلنا أغراب ومش من هنا، وفي حد من معارفنا موجود عندها وجايبين أمانة ليه من البلد.
نصحه الرجل بجديةٍ، وكأنه يكترث لأمره من جاءا لأجله:
- ربنا يعافينا، لو ليكم دلال عليه، وبياخد بمشورتكم، خليه يدور على شغلانة تانية بعيد عنها، دي ست نجسة، وكل اللي عندها من نسوان شبهها.
رد عليه مجاملًا:
- تسلم يا أخ، هقوله.
حينما ابتعدا عنه عدة خطواتٍ، كز "موجي" على أسنانه متوعدًا في هسيس مغلول:
- سمعت بودانك؟ أنا مش هسيبها النهاردة.
أمسك به رفيقه من ذراعه، وضغط عليه محذرًا:
- اعقل، الناس بتتفرج علينا.
ظل على غضبه المكتوم مرددًا:
- لازمًا أغسل عاري بإيدي من بنت الـ (...) دي!
مرة ثانية أنذره بضرورة اتخاذ الحيطة في تصرفاته:
- اهدى كده وبالراحة على نفسك، خلينا نتأكد بس الأول إنها موجودة وسطهم، وبعدين يبقالك الكلام.
على غير رضا منه همهم بعبوسٍ شديد:
- ماشي.
تابع كلاهما السير للأمام، ليعرجا على سرادق العزاء، وما إن تجاوزاه حتى وجدا المقهى المنشود، ليهتف "موجي" بتحفزٍ:
- القهوة أهي هناك.
أخبره رفيقه بتعقلٍ:
- احنا نقعد عليها، ونطلب مشاريب زي أي زباين عادية، ونستنى ونشوف.
كان مضطرًا لفعل ذلك ومراقبة الوضع جيدًا، ريثما يتأكد من حقيقة تواجدها بهذا المكان المشبوه، وحينها فقط سيقوم بما يتوجب عليه فعله.
.....................................
حاول أن يبدو مقنعًا في كذبته الخاصة بعدم معرفة والدته بمسألة وفاة حماه المفاجئة، لذا أمسك "راغب" بهاتفه المحمول، ووقف في الشرفة، ليضعه على أذنه بعدما هاتفها، وانتظر لعدة لحظاتٍ قبل أن يرفع من نبرته هاتفًا:
- أه يا ماما ده اللي حصل.
على الجانب الآخر، أتى صوت "نجاح" موبخًا إياه:
- وإنت يعني كان لازم تتسحب من لسانك وتقولهم إنك هتطلبني قصادهم؟
ابتلع ريقه، واستمر على كذبه المريب:
- فعلًا عم "فهيم" غالي علينا كلنا.
فيما واصلت أمه الكلام فيما يشبه الإهانة:
- أوعى تفكر إني هاجي أعزيهم في المكان العرة اللي هما قاعدين فيه، مش هيحصل أبدًا.
فرك طرف ذقنه بتلبكِ غريب، وقال وهو يجوب ببصره على أوجه الجالسات بالصالة:
- اجمدي كده يا ماما، أنا عارف إن الصدمة صعبة علينا كلنا، بس دي مشيئة ربنا.
أمسكت به "إيمان" وهو ينظر إليها بهذه النظرة المتوترة، وبحكم معاشرتها له، أدركت أنه يكذب منذ اللحظة الأولى، لم ينطق بالصدق أبدًا، فإيماءاته الزائدة، وانفعالاته المبالغ فيها لا يمكن أن تنطلي عليها وتخدعها، فيما مضى كانت تمرر له هذه التوافه، ولا تقف عندها كثيرًا، أما الآن فلم تستطع، كان داخلها يغلي منه، بينما استأنفت "نجاح" حديثها السخيف مع ابنها معاندة:
- أبوك لو عايز يجي براحته، إنما أنا لأ، خلاص أنا الناس دي ما بقوش يشرفوني.
أدار ظهره ليتطلع إلى الطريق قائلًا بارتباكٍ شبه متزايد:
- اللي تشوفيه يا ماما، بس استني أنا هجيبك، بدل ما تتوهي.
ردت عليه بحدةٍ، فارتاع من احتمالية سماعهن لنبرتها الحانقة:
- إنت مش سامعني يا "راغب"؟ بقولك مش رايحة في حتة.
قال وهو يكز على أسنانه، ودون أن يجرؤ على الاستدارة لمواجهتهن:
- فاهم يا ماما، وعارف والله.
فجأة هدأت نبرتها الحادة لتسأله في تحيرٍ، كأنما تتأكد مما يخطر بذهنها:
- أهًا، هو إنت بتحور عليهم؟
أجابها باقتضابٍ:
- أيوه.
تنهدت مضيفة على مضضٍ:
- ماشي، شوف وراك إيه، وما تطولش عندك، اتحجج بأي حجة وتعالى عندي، أنا عملالك الأكل اللي بتحبه.
حمحم للمرة الثانية، وقال في جدية:
- حاضر، هكون جنبها .. وهبلغهم كلهم، سلام.
استدار بعدها لينظر إليهن قائلًا بحزنٍ متكلف:
- ماما انهارت لما عرفت.
رمته "إيمان" بهذه النظرة النارية قبل أن تتحول أنظار الجميع بشكلٍ تلقائي تجاه باب البيت حينما سمع قرع الجرس، تولت مهمة فتحه قائلة بوجومٍ وهي تستند على مرفقي أريكتها لتدفع جسدها للأعلى حتى تنهض:
- أنا قايمة أفتح الباب.
أدارت المقبض، واستقبلت "اعتدال" التي أتت مجددًا وهي تحمل هذه المرة صينية عريضة مملوءة بالأطباق المطروح عليها قطعة من القماش النظيف، أسندتها على الطاولة، وتساءلت في اهتمامٍ:
- إيه يا غاليين؟ عاملين إيه دلوقت؟ ناقصكم حاجة؟
لم يجب عليها أحد، ومع هذا ظلت تثرثر كالعادة:
- أنا جبتلكم الأكل ده يقوتكم شوية، حاجة وصاية وربنا...
كاد الجميع أن يتجاهلها لولا أن أضافت في لهجة بدت عادية؛ لكنها انتزعت فتيل القنبلة لواحدة بعينها:
- ده غير إن كبراتنا عمل صوان صغير للحريم، يعني علشان محدش يزعجكم ولا يدهوس البيت عندكم.
شاع الغضب في وجه "دليلة" بمجرد سماعها لكلماتها الأخيرة، شعرت بافتقادها للقدرة على ضبط انفعالاتها والتحكم في أعصابها، لن تتحمل المزيد مما يحدث، أو تقبل بما يفرض عليها دون مقاومة، فيما انتفض "راغب" محتجًا باستنكارٍ، وكأنها الذريعة التي كان ينشدها ليغطي على تقصيره:
- هو البني آدم خلاص بقى مفكر نفسه المسؤول عن اللي يخصكم ولا إيه؟
هنا تدخلت "إيمان" لترد باستحقارٍ:
- طبيعي يعمل كده، إذا كان راجلنا الوحيد مش موجود.
التفت ناحيتها ليخاطبها في شيءٍ من العصبية:
- ده جاي ياخد اللقطة وبس، مش فارق معاه حد.
رمقته بنظرة أخرى مُحقرة من شأنه، لتهمهم بعدها في نفورٍ:
- يا ريتك خدتها إنت ولا سيبت غيرك يركب الموجة.
........................................
بأسفل البناية، وتحديدًا عند المدخل، ازدحم المكان بعدة رجال بدوا على أهبة الاستعداد للتشاجر في أي لحظة. أوقف أحدهم ممن يدينون بالولاء لعائلة "الهجام" ذاك الكهل الذي يتقدمه متسائلًا في لهجة خشنة:
- على فين العزم؟
اغتاظ "درويش" من اعتراض طريقه، وتولى أحد أتباعه الرد عنه، فبدا هجوميًا بعض الشيء تجاه من خاطبهم:
- وسع ياض إنت وهو، مش شايفين الحاج "درويش" قصادكم ولا اتعميتوا في نظرك؟
رد عليه بعدم مبالاة، وكأنه يتحداه:
- لأ أنا عارفه كويس، وجايلنا أوامر ما يخشش جوه.
صاح فيه "درويش" بزمجرةٍ غاضبة:
- أوامر من مين يا روح أمك؟
جاء الجواب مباشرًا:
- من الكوبارة.
تصاعد حنقه أكثر، فهدر به في استخفافٍ:
- هو العزا بقى فيه مين يحضر ومين ما يحضرش؟ ما تقصر في يومك ده.
بحذرٍ ملحوظ خاطبه الرجل:
- شوف يا حاج، إنت على راسنا، بس الكبير مانع حد يطلع فوق إلا بأوامره.
تكلم "درويش" بهدوءٍ ينافي ما يعتمل داخل نفسه الآن:
- طب عرفه إن الحاج "درويش" جاي يعمل الأصول ويعزي مرات صاحبه.
قبل باقتراحه مرددًا:
- ماشي.
خلال بضعة لحظاتٍ كان الرجل يهاتف رب عمله ليطلعه بإيجازٍ على ما يجري، ليأتيه الأمر واضحًا ومحددًا،
فأعلمه به على الفور وهو يشير بيده متنحيًا للجانب:
- اتفضل يا حاج...
وقبل أن يلحق به أيًا من أتباعه أتم الرجل جملته:
- بس لواحدك.
صاح أحد الأتباع معترضًا بغيظٍ:
- نعم؟
رد عليه الرجل بتهديدٍ شبه مستتر:
- إنت مش محتاج سنيدة معاك يا حاج، يا إما نعتبر الواجب اتعمل.
فما كان من "درويش" إلا أن قبل على مضضٍ ليأمر من يحيطون به:
- خليكوا هنا.
وضع قدمه على أول درجات السلم ليتابع بصوتٍ أجش:
- ولو عوزتكم هنادي عليكم.
تكلم الرجل مخاطبًا هؤلاء المتحفزين ببرودٍ يحمل في طياته إهانة متوارية:
- منورين يا... رجالة!
دون تكليفٍ أو دعوة من أحدهم، تولت "اعتدال" من تلقاء نفسها مهمة استقبال الزائرين للبيت، فأقبلت تجاه الباب لتفتحه حينما سمعت الطرقات عليه، لتجد من سبق ورأته عبر العين السحرية لباب بيتها قبل فترة وجيزة متواجدًا عند العتبةٍ، شملته بنظرتها الفضولية وهو يلقي عليها التحية:
- سلام عليكم.
ردت بإيجازٍ قبل أن تسمح له بالمرور قائلة بوديةٍ:
- اتفضل يا حضرت.
وطأ "درويش" للداخل متسائلًا:
- الست "عيشة" مرات المرحوم موجودة؟
أشارت إلى حيث تجلس مرددة:
- أيوه، أهي.
ما إن رأته "عيشة" حتى اندفعت قائمة من موضع جلوسها، أظلمت تعابير وجهها للغاية، لتهب فيه بعاصفة كلامها الهجومية:
- إنت جاي تعمل إيه هنا؟ تشمت في موته؟
حاذر في رده، وقال وهو يشد من قبضته على رأس عكازه:
- بالراحة يا ست، أنا جاي أعزي وماشي.
استغرب "راغب" من انفعاله الغريب، وتدخل بلا داعٍ ليقول ملطفًا:
- اهدي يا حماتي، ما يصحش الراجل موجود في بيتنا.
واتتها الفرصة للخروج من المنزل دون أن يعوقها أحد، فأسرعت "دليلة" ترتدي حذاءها بعدما ضبطت حجاب رأسها، لتندفع بعنفوانها إلى الخارج، بالكاد لحقت بها "إيمان" على بسطة السلم، فقبضت على ذراعها لتستوقفها متسائلة في جزعٍ:
- "دليلة" إنتي رايحة فين كده؟
نفضت يدها عنها قائلة بتصميمٍ:
- نازلة أوقف المهزلة اللي بتحصل تحت.
قصف قلبها بقوةٍ من طريقتها الانفعالية، وسألتها في توجسٍ شديد:
- هتعملي إيه؟
أجابتها بتهديدٍ صريح:
- هرجعهم مكانهم الطبيعي اللي المفروض يكونوا فيه .. السجن!
قالت كلمتها الأخيرة وهي تضغط على كل حرف فيها وكأنها تؤكد على حدوثه فعليًا. ارتعدت فرائصها مما نوت عليه، وحذرتها بخوفٍ حقيقي وهي تعاود الإمساك بها من مرفقها:
- إنتي هتودي نفسك في داهية؟ العالم دول شياطين، مش هيعتقوكي.
لم تصغِ إليها، ودفعتها بشيء من القوة لتفلت منها، مرددة بعنادٍ حانق:
- حاسبي يا "إيمان"، أنا مش هسمح للأشكال الضالة دي تاخد عزا أبويا.
حاولت اللحاق بها هاتفة في مزيد من الخوف:
- "دليلة"، اسمعيني بس، وخلينا نفكر بالعقل.
هبطت قافزة على الدرجات وإصرارها العنيد يسبقها:
- معدتش فيا عقل.
لم تتمكن "إيمان" من إيقافها، وتسمرت في موضعها، بعدما قيدها الخوف، لتظل نظرتها الفزعة ترافقها حتى لم تعد تراها، آنئذ نال منها التردد، فلم تعرف إن كان عليها أن تواصل اللحاق بها، أم العودة وإخبار والدتها بما عقدت العزم عليه.