تحميل رواية «فوق جبال الهوان» PDF
بقلم منال سالم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حمل عنها حقيبتها الصغيرة وعلقها على كتفه، ليسير معها بخطوات شبه متعجلة عبر الطرقات الضيقة والأزقة، فقد انتهى بهما المطاف بعد ساعات من استقلال عربة القطار إلى هذا الحي البعيد بتلك المدينة النائية عن بلدتها. لم تتوقع "مروة" أن يكون مستوى المعيشة هنا متدنيًا، فبناءً على ما أخبرها به سابقًا، من المفترض أنه يعيش في منطقة راقية، بها مظاهر الترف والراحة، لكنها رأت عكس ما وصف تمامًا. سألته بقلب متوجس وهي تدير رأسها لتنظر إليه: - هو احنا هنا فين كده؟ أجابها وهو يدفعها برفق للولوج إلى داخل مدخل هذه العمار...
رواية فوق جبال الهوان الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم منال سالم
قبل عدة سنوات، حينما كان لا يزال في المرحلة الإعدادية، تصادف أن ذهب مع والده إلى أحد الأساتذة المتخصصين في تعليم الخط العربي.
في المدرسة الليلة، حيث تستقبل الطلبة رغم تفاوت أعمارهم قبل غروب الشمس في هيئة مجموعات للتقوية، ليتفاجأ به يوبخه أمام الصغار الذين ينهلون من علمه الفائض، ويتعلمون قواعد الكتابة بشكلٍ صحيح.
صاح يعنفه بشكلٍ جعله يشعر بالحرج:
- عاوزك يا أستاذ "مجاهد" تعلم الحمار ده إزاي يكتب، بدل نبش الفراخ اللي الأساتذة والأبلوات بيشتكوا منه.
حرك المعلم نظارته الطبية على أنفه، فرفعها قليلًا، وقال مبتسمًا نصف ابتسامة لتظهر أسنانه الملطخة بآثار التبغ:
- عينيا.
تابع والده مشددًا، وبغير تساهل، كأنما يمنحه الضوء الأخضر للتعامل مع وضعه:
- ومايهمكش، علمه بالطريقة اللي تعجبك، إكـــسر وأنا أجبس، وإياك يقصر معاك، أنا موجود!!
قال جملته الأخيرة وهو يرمي ابنه بنظرة نارية محذرة، لينكس الأخير رأسه في حرجٍ وضيق، فيما علق "مجاهد" مؤكدًا بثقةٍ:
- اطمن، هخليه يرسم الخطوط مش بس يكتبها...
ليوجه بعدها حديثه إلى الفتى وهو يشير بيده نحو أحد المقاعد الشاغرة في الصف الجانبي:
- روح اقعد هناك يا "عادل".
تحولت عيناه نحو البقعة المشار إليها دون أن يتحرك من موضعه، ليشعر بيد "رجائي" تربت بقوةٍ طفيفة على كتفه قبل أن يأمره:
- اتلحلح، مش سامع الأستاذ؟
على مضضٍ استجاب لأمره المنطوق، وسار نحو أحد المقاعد الخشبية، ليستقر جالسًا بجوار طفلة ذات جديلتين، وضحكة بشوشة، تبدو في المرحلة الابتدائية.
كانت تنظر إليه ببلاهة، فيما ران إليها بنظرة متأففة منزعجة.
ألقى "عادل" بثقل جسده على المقعد، وكأنه يعبر عن احتجاجه على إحضاره إلى هنا بسلوكه المعارض. ظل ينفخ في سأمٍ، وبصوتٍ كان مسموعًا لها.
مالت ناحيته قليلًا لتهمس له متسائلة في تطفلٍ غير مستساغٍ له:
- معاك قلم؟
لم يجبها، فأخرجت واحدًا من مقلمتها القماشية، ومدت يدها به نحوها قائلة في لطافةٍ ثقيلة على قلبه:
- أنا معايا واحد زيادة، اتفضل.
تعامل معها بجفاءٍ ونفور:
- مش عاوز.
وأخذ يخمش بأظافره في سطح المكتب الخشبي القديم، وكأنها وسيلته المتاحة للتنفيس عن غضبه المكبوت. تفاجأ بها تضع القلم الحبري أمامه، ليتبع ذلك قولها الودود:
- خليه قصادك لو احتاجته.
بدأ الأستاذ "مجاهد" في شرح كيفية كتابة بعض الحروف بطريقة النسخة، لينتقل إلى شرح طريقة كتابتها بخط الرقعة، وطلب من الصغار محاولة محاكاته، ليصحح لهم أخطائهم.
بادرت الصغيرة بسؤاله بنفس الأسلوب الوديع اللطيف:
- عايز ورقة؟
بقي على جموده وصمته، ففتحت دفتر أوراقها، وقالت وهي تبحث عن المنتصف:
- أنا هقطعلك ورقة من النص.
انتزعت الورقة، وطرحتها قبالته وهي تخاطبه في وديةٍ:
- خليها معاك.
نظر إليها من طرف عينه بترفعٍ، بينما استمرت تهمس له، كأنما تحاول حثه على مبادلتها الكلام:
- أستاذ "مجاهد" يبان إنه شديد، بس هو طيب أوي...
اتسعت ابتسامتها الرقيقة أكثر وهي تُعرفه بنفسها مستخدمة يدها في الإشارة إليها:
- أنا اسمي "إيمان"، وإنت اسمك إيه؟
نفضة خفيفة عصفت ببدنها عندما سمعت صوت المعلم يناديها بحزمٍ:
- "إيمان فهيم" ركزي معايا.
تورد وجهها بشدة من الخجل، وقالت وهي تحني رأسها في طاعة:
- حاضر.
تبخرت الذكرى البعيدة من عقله، وعاد إلى أرض الواقع، ليجد نفسه يبتسم في سرور. الآن قد تذكرها، إنها تلك المتطفلة التي ظلت تزعجه بلا كللٍ أو ملل خلال أيامه الأولى في مجموعة التقوية، لذلك لم تبدُ ملامحها غريبة عليه عندما التقاها مجددًا وبعد مُضي كل تلك السنوات. كان واثقًا تمام الثقة أنه التقاها فيما مضى؛ لكن شخصيتها المتحمسة قديمًا اختلفت للغاية عن الوقت الحالي، فغدت وكأنها واحدة أخرى غير تلك التي قضى معها عدة أشهر على أمل أن يتحسن مستواه في الكتابة.
انتشله من دوامة سرحانه في ذكرياته صوت والده المعاتب:
- أنا مش فاهم احنا بنعمل هنا إيه بالظبط؟
التفت ناظرًا ناحيته، ليجده ما زال مستمرًا في إبداء انزعاجه:
- ممكن تفهمني يا "عادل"؟
تنهد مجيبًا إياه في هدوءٍ:
- الجماعة واقعين في أزمة، واحنا بنقوم بدورنا معاهم.
اعترض على ما يقوم به مرددًا، وكأنه لم يعد يطيق الانتظار أكثر:
- بس كده الموضوع بقى بايخ وزايد عن الحد، المفروض نسيبهم يتعاملوا مع مشاكلهم بنفسهم.
قال مبررًا سبب ملاحقته لشأنهم:
- هما لواحدهم يا بابا.
أتى تعقيب "رجائي" ساخرًا بعض الشيء:
- والحيطة اللي معاهم ده إيه؟
كالعادة علل له سبب إصراره على عدم تركهم:
- شكله بتاع مشاكل، والحاجات دي محتاجة التصرف بعقل وهدوء.
رفع والده إصبعه محذرًا بضيقٍ:
- "عادل"، أنا مش حابب نحط في موقف بايخ بسبب عنادك.
استطرد مطمئنًا إياه:
- متقلقش يا بابا، أنا عارف بعمل إيه.
بدا التجهم ظاهرًا على قسمات وجه أبيه، إلا أنه ادعى عدم رؤيته لما ينعكس عليه، على أمل أن يطمئن باله. لم يطق "رجائي" البقاء أكثر من ذلك، فقال منهيًا سخافة وضعه بفتح باب السيارة تمهيدًا لترجله:
- أنا هسيبك إنت تتعامل براحتك، وهروح أشوف مصالحنا.
انتفض "عادل" معترضًا على ذهابه:
- بس يا بابا هقول للجماعة إيه؟
قال وهو يغلق الباب بانزعاجٍ:
- ما تقولهمش، محدش فايق لحاجة.
عاد ليجلس في مقعده مرددًا بعد زفرة سريعة:
- براحتك يا بابا...
لترتكز بعدها عيناه على مدخل البناية وهو يتم جملته بصوتٍ مملوء بالعزم:
- بس أنا هفضل مكاني...
***
جملة كانت كالقذيفة، أطلقتها في وجهها، وتركتها تحول جوارحها –معنويًا- إلى أشـــلاء مقطعة إربًا، لتصبح كالصنم لبضعة لحظاتٍ، فاقدة للقدرة على النطق أو التعبير. استغرقها الأمر عدة ثوانٍ حتى استفاقت "إيمان" من حالة الذهول التي سيطرت عليها لتصيح في استنكارٍ جم:
- إيه الكلام ده يا طنط؟
منحتها "نجاح" نظرة استحقار مغيظة، لتهتف بعدها في ازدراءٍ مستفز:
- سمعك تقل ولا إيه؟ بقولك إنتي مابقتيش مراته، هو طلقك من مدة غيابي...
ثم طوحت بيدها في الهواء كأنما تطردها قبل أن تفوه بذلك صراحةً:
- روحي شوفي حالك بعيد عننا.
ارتعشت شفتاها مكررة بقلبٍ منفطر:
- طلقني غيابي.
أشفقت "دليلة" على شقيقتها المصدومة، ووضعت يدها على ذراعها لتشعر بتلك الرجفة التي اعترتها، بينما صرخت "عيشة" مستنكرة بشدة ما وقع على ابنتها من ظلمٍ بين:
- طلقها؟ ليه؟ وعلشان إيه؟ دي كانت قايدة صوابعها العشرة شمع عشانه!!!
جاء ردها وقحًا:
- مابقتش تنفعه.
تدخل "فارس" معلقًا بعدما جاهد لأطول وقت ألا ينطق بشيءٍ فيزيد من تعقيد الأمور:
- هي كانت بيعة ورجع فيها؟ ده جواز يا حاجة!
تحولت نظرات "نجاح" تجاهه، وسألته في رنة مستخفة:
- مين الأخ ده كمان؟!
اخشوشنت نبرته وهو يجيبها:
- أنا ابن عمها الكبير.
تقوست زاوية فمها قائلة بتهكمٍ بائن:
- أها .. قولتيلي، تشرفنا يا حضرت.
كور قبضة يده مانعًا نفسه من الهجوم عليها، فيما عادت "عيشة" لتسألها بنبرة لائمة، وقد غصَّ صدرها:
- احنا قصرنا معاكو في حاجة؟ ليه تظلموا بنتي؟
لجأت "نجاح" للصياح لتنهرها بغلظةٍ:
- بقولك إيه؟ أنا مش ناقصة دوشة ووجع قلب، روحي اتكلمي مع المحامي...
ثم تراجعت خطوة للخلف تمهيدًا لغلق باب منزلها وهي تكمل صياحها بهم:
- ويالا غوروا!
استوقفتها "عيشة" باعتراض الباب قبل أن يغلق بيديها، وسألتها في تحسرٍ:
- استني هنا! وحاجة بنتي وعفشها؟
رمتها بنظرة احتقارية وهي تتحداها بعنجهيةٍ:
- لو ليكي حاجة ابقي خديها، بالقانون.. ده لو عرفتي تثبتي إن ليها حاجة أصلًا!!!
ثم صفقت الباب بقوةٍ في وجوههم، لترفع "عيشة" كفها للأعلى منددة بحــرقةٍ:
- حسبي الله ونعم الوكيل، هتروحوا من ربنا فين؟!!!
ليت الأمور وقفت عند هذا الحد! لكن "إيمان" لم تتحمل مدى الإجحاف الذي تتعرض له دون أن ترتكب ما يُدينها، فانفجرت صائحة في إنكارٍ عظيم:
- مش ممكن اللي بيحصل ده! ده أكيد كابوس! مش حقيقي!
حاولت "دليلة" ضمها إليها، وهتفت ترجوها:
- بالراحة يا "إيمي"، اهدي يا قلبي.
ليصيح "فارس" من خلفهما بتصميمٍ:
- اطمني يا بنت عمي، أنا مش هسيب حقك.
وكأن لوثة عقلية أصابتها، فظلت تصرخ مستنكرة:
- طب ليه؟ أنا عملت إيه؟ أنا أذنبت في إيه؟
زادت شقيقتها من ضمها لها، لتنضم إليها والدتها وتحاوط كلتاهما وهي تخاطب بكريتها المكلومة:
- ما تعمليش في نفسك كده يا حبيبتي.
طفرت الدموع من عينيها بغزارةٍ، وهتفت بصوتٍ باكٍ:
- أكيد أنا بحلم يا ماما، استحالة "راغب" يعمل كده فيا.
دمدم "فارس" في غيظٍ، وقد ضرب بقبضة يده الحائط الإسمنتي:
- واطي وخسيس!
خامرها شعورًا بالدوار، فترنحت قليلًا، حاولت "دليلة" إسنادها بالتعاون مع والدتها التي هتفت ترجوها، كأنما تحاول الشد من أزرها:
- امسكي نفسك يا "إيمان"!
أشارت لهما بالتوقف، وقالت بعنادٍ وهي تكفكف دموعها المسالة على وجنتيها:
- سبوني، أنا لازم أفهم ليه عمل كده.
ثم هرولت تجاه المصعد لتضغط بعصبيةٍ على زر استدعائه، لحقت بها شقيقتها، ومن ورائهما هرولت "عيشة" ولسان حالها يردد:
- يا ربي، احنا مابقناش ملاحقين على المصايب!
***
تحولت نبرتها إلى ندبٍ وعويل حينما ولجوا تباعًا إلى داخل المصعد:
- اترمينا في الشارع واتبهدلنا من بعدك يا "فهيم"
احتج عليها "فارس" فيما يشبه الزمجرة:
- ما تقوليش كده يا مرات عمي، أنا موجود معاكو.
نظرة استحقار حانت من "دليلة" إليه، بدت كما لو كانت تهزأ من جملته الغريبة، لتهمهم بهسيس التقطته أذناه:
- مفكر نفسه واحد مننا!
أسرها في نفسه، ولم يقل شيئًا تعقيبًا عليها، هي لم تخطئ في اتخاذ موقفًا متحيزًا ضده، وهو لم يكن بالبريء الودود المنزه عن أي خطأ، بل على العكس كان مثالًا حيًا لمثيري الشغب، ومسببي الفوضى خلال ريعان شبابه، لتأتي عواقب تصرفاته غير المسئولة بالزج في السجن والمعاقبة على ما اقترف؛ لكنه يسعى حاليًا لترك شقاوة الماضي بما فيها من أحداث لا تدعو للفخر والبدء من جديد.
***
تلكأت "إيمان" في خطواتها فور أن خرجت من المصعد، وكأنها تعيد ترتيب أفكارها في رأسها المشحون بعشرات الأشياء، فيما بقيت "دليلة" ممسكة بها من ساعدها، ونظرتها القلقة مصوبة تجاهها، لتتفاجأ بها تهدر بعزمٍ معاند:
- أنا هروح لـ "راغب" البنك.
لدهشتها دعمتها والدتها في رغبتها قائلة:
- رجلنا على رجلك، ما هو لازم يرسينا على الحوار.
بدا ذلك ضروريًا للوقوف على أساس المشكلة، فانطلقوا تجاه سيارة "فارس" على الفور. ما إن لمحهم "عادل" مقبلين ناحيته حتى ترجل مسرعًا من سيارته ليسير نحوهم متسائلًا باهتمام:
- خير يا جماعة؟ عملتوا إيه؟
ردت عليه "عيشة" بتحسرٍ، وعيناها تعبران عن مدى الألم الذي يجيش في صدرها:
- النصايب مش عايزة تسيبنا.
توجس خيفة من تطور الوضع للأسوأ، فتساءل وعيناه تتجهان تلقائيًا نحو "إيمان":
- حصل إيه؟
تولت "عيشة" دفة الكلام كالعادة، فاسترسلت في حزنٍ جسيم:
- البيه طلع مطلق بنتي غيابي، واحنا مش دريانين.
اعترض "فارس" على إسهابها قائلًا، وتلميحه قد بدا مفهومًا للجميع:
- مش وقته يا مرات عمي نشغل الغُرب باللي يخصنا.
ثارت حفيظة "عادل"، وقال محتجًا على سخافة حديثه:
- لأ معلش، أنا مش غريب ده أولًا، وثانيًا مش هسيب عيلة عم "فهيم" تتبهدل من غير ما أكون جمبهم.
انتصب "فارس" بكتفيه، وكز على أسنانه مدمدمًا، وقد ارتفع حاجبه للأعلى:
- الكلام ده تقوله لما يكونوا معندوهمش راجل، دلوقت أنا موجود...
ثم أشاح بوجهه بعيدًا ليوجه كلامه للبقية:
- اتفضلوا يا جماعة على العربية.
وقبل أن يبادر "عادل" بالرد، وجد يد "فارس" تربت بغلظةٍ على كتفه وهو يودعه بسخافةٍ:
- طريقك أخضر.
اضطر أن يكبت ضيقه منه محافظًا على هدوء أعصابه، وظل باقيًا في مكانه يراقبهم وهو يستقرون في سيارة ذلك المزعج، لحسن حظه، وربما سوء حظ من يناطحه الرأس بالرأس لم يعمل المحرك، وبدا معطوبًا. سمع زمجرة مزعجة منه كلما حاول إدارته وتشغيله بالإجبار.
ضرب "فارس" بيده على المقود هاتفًا في غير صبرٍ:
- هي مش عايزة تدور ليه؟ ما كانت شغالة وزي البلى!
ردت عليه "عيشة" بقلقٍ:
- سمي بالله كده وهي تشتغل.
ليأتي "عادل" متطفلًا عليهم، فتساءل وهو يجوب بنظراته على أوجه الجميع:
- في حاجة يا جماعة؟
من تلقاء نفسها أخبرته "دليلة" في ضجرٍ:
- الموتور شكله عطلان.
ليهمس "فارس" بصوتٍ كان واثقًا أن "عادل" سمعه:
- في ناس وشها فقر!
اقترحت "إيمان" في تعجل:
- تعالوا نشوف تاكسي أحسن.
في التو اقترح "عادل" بأدبٍ:
- لو مافيهاش مضايقة، حضراتكم تقدروا تتفضلوا معايا، وأنا هوصلكم مطرح ما إنتو عايزين.
بدا حله ملائمًا للوضع الحرج الذي وقعوا فيه، إلا أنهم لاذوا بالصمت، فبادر "عادل" بتوجيه سؤاله إلى "عيشة" في تهذيبٍ:
- رأي حضرتك إيه يا حاجة؟
ردت بتحرجٍ بادي على وجهها وكذلك نبرتها:
- والله يا ابني مش عارفة أقولك إيه؟
قال بترحابٍ وهو يلصق بثغره هذه الابتسامة الأنيقة:
- أنا تحت أمركم، والموضوع مافيهوش تعب ولا حاجة لو كنتوا مفكرين ده.
أمام إصراره، ورغبة "إيمان" في اللحاق بمن كان زوجها، وافق الثلاثة، ليصيح "فارس" في غرابةٍ وقد توقف عن محاولة تشغيل المحرك:
- وأنا رجلي على رجلهم.
لم يمانع من تواجده، وإن كان مزعجًا له، المهم ألا يفوته شيئًا مما يدور دون أن يتأكد من سلامة الجميع بمن فيهم هي على وجه الخصوص.
***
تحت اسمٍ مستعار، وبواسطة وساطات خفية، تمكن من نقل شقيقه الأكبر سرًا إلى إحدى المستشفيات الاستثمارية الخاصة، وهو في حالة حرجة للغاية، ليوضع تحت مسئولية فريق من الأطباء من أجل التدخل الفوري لإنقاذه.
ظل "زهير" مشدود الأعصاب، عيناه لا ترفان، بل تكاد تخرجان من محجريهما من شدة غضبه، وقف إلى جواره "عباس" يستجديه وهو يتلفت حوله بتوجسٍ:
- ماينفعش نفضل هنا يا كبيرنا، لازم نمشي، الحكومة قالبة الدنيا، وسهل أي حد ابن حـــــرام يبلغ عننا ونروح في توكر.
لم يعبأ للحظة بحجم التهديدات التي تحيق به، وصاح في تصميمٍ:
- أنا مش هسيب أخويا.
راح يصر على إبعاده قبل أن يمسه الأذى:
- هو موجود مع الناس بتوعنا، وهيطموننا عليه.
تشبث أكثر برأيه قائلًا بلهجةٍ لا ترد:
- قولتلك مش هتنقل من هنا إلا لما أطمن عليه.
كمحاولة أخيرة يائسة منه توسل إليه:
- يا كبيرنا إنت...
أخرسه بغلظةٍ وبإشارة من إصبعه:
- اسكت خالص.
انصاع له مرددًا وقد تراجع مبتعدًا عنه ليتفقد الردهة:
- اللي تؤمر بيه...
***
على الجانب الآخر، تولى أتباع "الهجام" نقل جثمان "توحيدة" إلى مكان مجهولٍ بعدما تم لفه في بساطٍ قديم، ليتخلصوا من جثتها قبل أن تُكتشف جريمة قـــــتلها، فيما تجمدت "وِزة" في بقعة منزوية بأقصى الصالة، منكمشة على نفسها، ورافضة التعامل مع الوضع الخطير الذي أُجبرت على أن تكون طرفًا فيه.
صاح "سِنجة" ملقيًا بأوامره على كافة النساء المذعورات يهددهن بلا هوادة:
- لو كلمة واحدة من اللي حصل هنا خرجت برا هتطير فيها رقابكم، فاهمين؟
لم تجرؤن على الاعتراض، امتثلن بخنوعٍ واضح لكافة أوامره، صرفهن بعد ذلك، واتجه إلى من تدير المنزل ليستحثها على التماسك، فخاطبها في جديةٍ:
- وإنتي يا ست "وِزة" اتعاملي عادي ولا كأن في حاجة.
نظرت إليه في ذهولٍ مستنكرٍ، كفكف دمعها الذي لم يتوقف عن الانسياب بظهر كفها، وهتفت في صوتٍ مرتعش:
- عادي؟ بالبساطة دي؟
كانت لا تزال على رجفتها وهي تشير بيدها نحو الركن الذي تمت فيه تلك المعركة الدموية لتخبره:
- دي جرايم قتل بالكوم، أنا كان مالي ومال الحوارات دي.
قال ببساطة من اعتاد على معايشة تلك الظروف وكأنها نمط حياته اليومي:
- ما يبقاش قلبك ضعيف...
احتدت نظرتها تجاهه، فتابع فيما يشبه التحذير:
- وبعدين ما تنسيش إنك إنتي المسئولة هنا، والرقبة اللي طارت كانت في حمايتك، ده غير الغدر اللي حصل في كبيرنا، يعني من الآخر كده رجلك جت في الخية، والحوار مش هيعديه الريس "زهير" على خير، فأحسنلك تحاولي تظبطي الدنيا، بدل ما رقبتك تحصل "توحيدة".
انتفض بدنها بالكامل، ولطمت على صدغيها هاتفة في جزعٍ:
- يادي النصيبة!
فرك "سِنجة" رأسه، وقال وهو يزفر دفعة ثقيلة من الهواء:
- شكلها هتبقى سواد على الكل...
***
مرت الدقائق كأنها ساعات، حيث بدت عقارب الساعة وكأنها تأبى التحرك إلا بأعجوبة وهو يجلس في ساحة الانتظار بالمشفى، لتظل عيناه معلقتان بتلك الساعة المتدلية في البهو المستطيل، منتظرًا بأعصابٍ متلفة أن يأتي أحدهم لطمأنته. بمجرد أن ظهر طيف ذلك الطبيب من بعيد حتى هب قائمًا من موضع جلوسه ليركض تجاهه، سبقه "عباس" في خطاه متسائلًا بلهفةٍ:
- إيه الأخبار يا دكترة؟
ليلاحقه "زهير" بهتافه القلق:
- طمني يا دكتور!
بحذرٍ واضح حاول الطبيب انتقاء كلماته لينقل إليه ذلك الخبر المفجع:
- احنا عملنا اللي علينا، أخوك كان جاي حالته متأخرة جدًا، وقضاء الله نفذ.
في البداية صاح مستنكرًا ما فاه به:
- إنت بتقول إيه؟
بأبسط العبارات المفهومة أوضح له:
- البقية في حياتك.
بحركة مباغتة قبض على عنقه، وحاول خنقه بيده هادرًا:
- حياة مين؟ أخويا استحالة يموت، سامعني، استحالة يموت!
تفاجأ الطبيب بردة فعله المبالغ فيها، وحاول إزاحة يده التي تقطع الهواء عن مجرى تنفسه وهو يتوسله:
- من فضلك، احنا مالناش ذنب، دي إرادة ربنا.
حاول "عباس" إنقاذ الطبيب من براثنه قبل أن يزهق روحه هاتفًا بقلبٍ مفطور:
- شد حيلك يا كبيرنا.
نجح في إبعاده عنه؛ لكن "زهير" رفض أن يتركه لشأنه، وانقض عليه يلكمه بشراسةٍ وهو يواصل صراخه الجنوني:
- ما تسبنيش وتمشي، بقولك أخويا لازم يعيش.
تفجرت خيوط الدماء من وجه الطبيب الذي لا ذنب له سوى إبلاغه بالخبر المشؤوم، ليضطر "عباس" لاستخدام كامل قواه الجسمانية من أجل إبعاده عنه وهو يرجوه:
- اهدى يا كبيرنا.
بمجرد أن حله من تحت قبضته الدامية، صاح به في عجالةٍ:
- اهرب يا دكترة.
تزحف الطبيب على مرفقيه وركبتيه ليبتعد عنه، والدماء تغرق كامل وجهه، ليرتفع هدير "زهير" الغاضب:
- أخويا اتاخد غدر يا "عباس"، دمه اتصفى على إيد بنت الحرام دي.
أوضح له وسط نوبة جنونه التي استحوذت عليه:
- لأ مش هي بس يا كبير، من قبلها اللي بلغوا عنه ونصبولنا الكمين.
مستخدمًا قوته المكبوتة تحرر "زهير" من قبضتي "عباس"، ووقف بشموخ ماسحًا ما سال من دموعه المقهورة على فراق شقيقه ليدمدم من بين أسنانه بوعيدٍ:
- وأنا مش هسيب اللي غدروه يتهنوا بحياتهم، زي ما خدت عمر "توحيدة"، هاجيب أجل كل اللي اتسببوا في موته بإيدي دي.
لم يمانع استخدامه للعــــنف المفرط على الإطلاق، بل رحب بتحوله الفجائي للشخصية الأسوأ على الإطلاق مرددًا في دعم قوي:
- كل اللي إنت عايزه هيتعمل يا كبير.
أظلمت عينا "زهير" بشدة، وتقلصت عضلات وجهه على الأخير وهو يلفظ وعده الذي لا يمكن الحنث به أبدًا:
- حقك راجع يا "هجام"، وأنا بنفسي اللي هخده!
***
لولا الزحام المروري الغريب في مثل ذلك التوقيت بالطريق الرئيسي، لتمكن من الوصول إلى البنك الذي يعمل به زوجها في وقت أسرع، إلا أن عدم سيولة حركة المركبات بسبب انقلاب إحدى الشاحنات تسببت في حدوث هذا الاختناق. لم يكف "فارس" عن الزفر بصوتٍ مسموع، وكأنما يعبر بشكلٍ غير مباشر عن ضجره من تواجده في سيارة هذا السمج، إلا أن "عادل" حافظ على هدوئه، والتزم بالقيادة في سلاسة رغم المضايقات التي يتعرض لها.
همهم "فارس" فجأة دون مقدماتٍ، محاولًا استفزازه قطعة الجليد الجالسة بجواره:
- مش كنت مشيت مع الحاج أبوك بدل ما احنا معطلينك.
رد عليه بهدوءٍ، وبابتسامةٍ متكلفة:
- هو موصيني مفارقش الجماعة للحظة.
رمقه بنظرة منزعجة قبل أن يخافت من صوته مرددًا:
- ما هو باين، عامل زي اللزقة.
توسطت "دليلة" المقعد الخلفي، وكانت تضم راحتها في كف شقيقتها التي باتت ساهمة غالبية الوقت، وكأن تأثير الصدمة قد انعكس عليها، فقد كانت تبحث عن مكمن الخطأ لتحصل في غمضة عين على لقب مُطلقة! ناهيك عن تعرضها للخداع وسرقة متعلقاتها في غفلة منها.
تأوهت "عيشة" بصوتٍ خفيض قبل أن تولول بغتةً في أسى، لتذكر من حولها بالفجيعة التي عصفت بكيان الأسرة:
- لا عاد لينا بيت ولا متوى يلمنا، عملنا إيه في دنيتنا علشان يحصل فينا كل ده؟
رد عليها "فارس" مواسيًا:
- إن شاءالله أزمة وتعدي يا مرات عمي.
التقط "عادل" فحوى رسالتها المتوارية في شكايتها، فاستطرد بشكلٍ مفاجئ:
- ما تقلقوش من أي حاجة، شقتي موجودة، تقدروا تقعدوا فيها، فيها كل حاجة، وهتكون أمان ليكم.
حلت الصدمة على أوجه الأربعة، وتباينت آثارها عليهم، لتتكلم "عيشة" أولًا بتحرجٍ:
- بس يا ابني احنا كده بنورطك معانا، وإنت ملكش ذنب.
قال مبتسمًا، وليبدد شعورها بالحرج:
- ماتقوليش كده، أنا تحت أمرك.
ظن "فارس" أنها محاولة مكشوفة منه لتحقيق مكسب شخصي على حساب مصيبة العائلة، فقال بترفعٍ:
- متشكرين يا أخ، بس أنا كفيل بعيلتي، وقادر أظبطلهم مطرح.
كعهده معه فهم ما يرمي إليه، وصمم بشيءٍ من التحدي:
- مش وقت استعراض عضلات، إنت مش شايف هما تعبانين إزاي، لما ترتب أمورك يقدروا يروحوا معاك.
قبل أن يهتف معترضًا عليه، صاحت "إيمان" صارخة فجأة وهي تشير بيدها نحو نقطة محددة:
- ده البنك، من فضلك أقف هنا.
- حاضر.
ردد "عادل" كلمته المقتضبة وهو يبطئ من سرعة السيارة، ليتمكن من صفها بمحاذاة الرصيف، فترجلت في الحال منها، وركضت تجاه بوابته التي كانت مغلقة بالفعل.
طرقت بيدها بكل قوةٍ على الصاج المعدني صارخة في انفعالٍ:
- افتحوا الباب، أنا عايزة أقابل "راغب" جوزي.
على إثر الضوضاء والصراخ المتسببة فيهما، هرع إليها فرد الأمن المكلف بمراقبة ماكينات الصراف الآلي، توقف أمامها متسائلًا في جديةٍ:
- خير يا مدام؟ إيه الدوشة اللي حضرتك عملاها دي؟
أشارت له بيدها وهي تواصل صراخها الغاضب:
- افتحوا البنك، أنا عايزة أقابل جوزي.
قابل هياجها بهدوءٍ مدروس:
- مواعيد العمل خلصت من بدري، ومافيش حد موجود جوا، من فضلك امشي.
صرخت في وجهه بحدةٍ:
- بقولك أنا جوزي بيفضل شغال هنا لمتأخر، واسمه "راغب...."
بمجرد أن نطقت بهويته عرفه على الفور، فأخبرها بجديةٍ بحتة:
- يا مدام الأستاذ "راغب" اتنقل فرع البنك التاني من كام يوم، لأنه بقى مديره.
انقضت عليه لتمسك به من تلابيبه صائحة في ذهولٍ متعصب:
- إنت بتقول إيه؟
تفاجأ من ردة فعلها، وقال وهو يحاول إبعاد قبضتيها عنه:
- من فضلك نزلي إيدك.
تدخل "فارس" لإزاحة يديها من على ياقة فرد الأمن قائلًا بضيقٍ:
- ما ينفعش اللي بتعمليه ده يا بنت عمي.
فيما لحق بها "عادل" ليقول هو الآخر بتوجسٍ:
- يا مدام "إيمان" إهدي!
استعادت "إيمان" يديها من قبضتي ابن عمها، واندفعت للخلف صارخة باهتياجٍ مبرر:
- محدش يقولي أهدى وأنا في مصيبة، إنتو مش حاسين بالنار اللي قايدة جوايا.
ازداد صوتها اختناقًا، وتفجـــرت الدموع من عينيها كالبركان وهي تنعي نفسها:
- كل حاجة ضاعت في لحظة، أنا عمري وحياتي اتسرقوا مني!
هرعت إليها "دليلة" وشدتها إلى حضنها لتضمها، طوقتها بذراعيها قائلة في نبرة متعاطفة للغاية، وقد فاضت العبرات من طرفيها:
- علشان خاطري اهدي.
ارتمت برأسها على كتفها، وبكت كما لم تبكِ من قبل، لتقول في نبرة مليئة بالخذلان الشديد:
- أنا اتغدر بيا يا "دليلة"، اتغدر بيا!
افتقرت إلى ما تواسيها به من كلمات، فقد كانت مثلها تعاني من شعوري الفقد والحرمان، فما كان منها إلا أن شددت من ضمها لها، لعلها بذلك تحتوي أحزانها وتشارطها إياها بالطريقة التي تجيدها حاليًا.
ظل "عادل" يراقبها وهي في حالة الانهيار تلك، أقصى ما كان يجوز له فعله هو دعمها معنويًا، ودَّ لو استطاع الإمساك بهذا الجرذ اللعين الذي أذاقها هذا العذاب، وأعطاه ما يستحق؛ لكنه للأسف اختفى ببراعة من الصورة، لتظل وحدها هي المكلومة على مصابها الموجع.
أمسكت "عيشة" بكتف ابنتها وسحبتها إليها لتحتضنها قائلة بصوتها الباكي:
- ما توجعيش في قلبي يا ضنايا، إن شاء الله ربنا مش هيضيع حقك.
سألتها سؤال العاجز الذي لا يملك شيئًا في هذه الدنيا:
- تفتكري هيرجع؟
أوغر صدرها ومزقها من الداخل أنها حقًا لم تستطع النظر تجاه ابنتها لتؤازرها ولو بالكذب، وإلا لاكتشفت الحقيقة المؤلمة، بعجزها عن ضمان استردادها لحقوقها، فقد ضاقت بها السبل بعدما أطاحت قساوة الحياة بكل ما امتلكوا ذات يوم في لمح البصر.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم منال سالم
قراءة ممتعة مع الأحداث ..
ولا تنسوا والدي وجميع مرضانا بالدعاء بظهر الغيب بالشفاء والعافية ...
>>>>>>>>>>>>>>>>
الفصل الثاني والثلاثون
مستعينًا بنفوذه وسلطته غير المحدودة، هيأ كافة الظروف ليتمكن من الانفراد بشقيقه الراحل في غرفة العمليات، قبل أن يتم نقله إلى المشــــــرحة. نظرة طويلة متأملة، ألقاها عليه وهو يدنو من الطاولة المعدنية المسجى عليها، كان يريد لعقله أن يصور هذا المشهد بكل تفاصيله المؤلــمة، ليتذكر أين كان، وأين انتهى به الحال.
سحب "زهير" نفسًا عميقًا، لفظه على مهلٍ ليخنـــق به نوبة الحزن المطعمة برغبة في البكاء حين أوشكت أن تداهمه، مد يده وأمسك بكفه البارد المخضب بالــدمــاء، احتضنه بقوة بين أصابعه، وخاطبه في صوتٍ جاهد أن يبدو هادئًا، إلا أنه كان محفوفًا بالأسى:
-مش احنا كنا اتفقنا ما نفرقش بعض؟
نظرة عتاب سددها له مكملًا في صيغة متسائلة:
-غــدرت بيا وفارقتني الأول يا "كوبارة"؟
رغمًا عنه خــانته عبراته، وزحفت إلى مقلتيه ليقول بتأثرٍ، وكأنه على وشك الانهيار:
-ده إنت اللي كنت حاميني من اللي استهيفوني زمان.
طفرت دمعه من طرفه أتبعها اعترافه قبل أن يغرق في دوامة من الذكريات البعيدة:
-طول عمرك كنت ضهري اللي بتسند عليه.
............................................
انتقل مجازًا إلى فترة الطفولة، حيث كان يداعب هِرة صغيرة، و"كرم" إلى جواره يفوقه طولًا، نظر ناحيته بحماسٍ خاصة حينما أعطاه الطعام ليعاونه في إطعامها، سرعان ما انتاب الأخير الفزع عندما لمح أبيه قادمًا من بعيد، فهتف في وجلٍ وهو يختطفها منه:
-إدارى أوام يا "زهير"، أبوك جاي علينا.
جزع لتصرفه معترضًا:
-بس القطة آ...
ألقاها أرضًا، واستمر يأمره:
-ملكش دعوة، أنا هتعامل، إنت مش أد زعله مش هتستحمل، وهو إيده طارشة، أنا مجربه.
استجاب لأمره على مضضٍ، وتوارى خلف كومة من الأقفاص المهملة حابسًا أنفاسه، فيما ظل "كرم" باقيًا يدعي انشغاله بمحاولة إطعام الهرة، لينتفض بشكلٍ عفوي عندما سمع صوته المتحشرج يسأله بخشونةٍ، وبسمةٍ من الإدانة:
-بتعمل إيه عندك يا واد؟
تنحى للجانب قائلًا بوجه شبه قلق، ليس لأنه يهابه، بل لكونه يرتاع من احتمالية اكتشافه لتواجد شقيقه الأصغر معه:
-مافيش يا كبيرنا.
وقعت نظرت "الهجام" على الهِرة الصغيرة، فصاح في عصبيةٍ وانفعال:
-مين جاب الهبابة دي هنا؟
لم يقل شيئًا، فانقض عليه يمسك به من تلابيبه متسائلًا:
-انطق، أخوك عمل كده؟
نفى في الحال، وهو ينظر في عينيه مباشرة:
-لأ يابا، ده أنا لاقيتها فقولت أربيها.
أرخى أصابعه عنه، ليطالعه باستخفافٍ قبل أن يسأله:
-إيه صعبت عليك؟
رد بعد لحظةٍ من التردد:
-أه..
تفاجأ به يخرج ســـلاحه النـــاري من ظهره، قبض على يده، ووضع المســدس في راحته آمرًا إياه:
-خلص عليها.
حملق فيه مدهوشًا، وبعينين مفتوحتين على اتساعهما، ليكرر أمره عليه بصرامةٍ:
-سمعت الكلام ولا انطرشت؟ بقولك خلص عليها.
ارتعشت يده وهو يصوب الفوهة تجاهها، ليجد والده "الهجام" يجبره على الضغط على الزنـــاد، فأرداها قــــتـــيـــلة في الحال، ودون أن تظهر عليه أدنى مظاهر الرأفة أو الرحمة بالمخلوقات. خفض "كرم" يده وهو بالكاد لا يستطيع إبعاد عينيه عن بقايا رأسها، ولا عن الدمـــاء أجزائها التي تناثرت بشكلٍ فوضوي في الأرجاء. توقف عن التحديق بها عندما أمسك "الهجام" بذقنه ليدير وجهه تجاهه، فنظر إليه مصدومًا، والأخير يخاطبه ببرودٍ تام:
-خد مني الكلمتين الخلاصة.
شعر بأصابعه تضغط على فكه وهو يكلمه بنفس الوتيرة الجامدة:
-في مثل بيقول اللي يصعب عليك يفقرك، بس أنا بقولك اللي يصعب عليك يضعفك...
ثم ترك أصابعه، وتابع بجديةٍ أكبر:
-في دُنيتنا دي محدش بيعمل اعتبار إلا اللي بيخافوا منه، غير كده هيدوسوا عليك، ويدوروا على حد تاني يعملوه كبيرهم، زي ما حصل مع جدك زمان، ولولا إني وقفلتلهم كان زمان رقبتنا تحت رجلين ولاد الكـــلب.
هز رأسه كأنما سمع ما قال، فأطلق والده تحذيره غير المتساهل بنبرة مهددة:
-إيدك ما تتهزش تاني، وإلا هقطعهالك!!
أومأ بالإيجاب، لينصرف بعدها "الهجام" مبتعدًا، فخرج "زهير" من مخبأه ليتساءل بذعرٍ:
-طب هي ذنبها إيه؟
تحرك من موضع وقوفه ليحجب عنه رؤية هذا المشهد الـــدامي، وتحدث إليه في نبرة صارت جادة مثل والده:
-أبوك معاه حق، ماينفعش يبقى في قلبنا رحمة، وإلا هيجوا علينا.
همَّ بالاعتراض عليه؛ لكنه استمر في مخاطبته بصوتٍ غلفه إحساس الحنق:
-أنا شوفت جدي وهو بيتذل، ومش هقبل أشوفك إنت ولا أبويا يحصل فيكم كده.
تكلم "زهير" باختنــاقٍ:
-بس آ...
أسكته قائلًا وهو يحاوطه من كتفيه بذراعه:
-تعالى معايا، أدربك بالمقرطوة على النشان.
............................................
ليتبدل بعدها المشهد إلى آخر، حيث يجلس مع والده وشقيقه، على مصطبة خشبية، و"الهجام" يتفاوض مع أحدهم على تمرير صفقة ما مشبوهة، إلا أن ذلك الرجل رفض دفع المبلغ المطلوب دون الحصول على ما يشبه الحسومات نظير تكرار تعاملهم المتواصل. آنذاك كانت عينا "زهير" مرتكزة على أحد أتباع أبيه وهو يرص فحم الجود المتقد في شكلٍ هرمي داخل قصعة من الصاج، ليضمن انتشار النار بكل قطعة موضوعة فيه، فباتت القطع أقرب إلى الجمرات الملتهبة، أعجبته طريقة اهتمامه بتنسيقها، وكأنه يظهر مواهبه بما يشبه التصميم المعماري، إلا أنه انتفض مرة واحدة عندما وجد شقيقه يمسك بالصاج الساخن بلا خوفٍ، ويقذفها بكل ما فيها تجاه الرجل، ليصرخ الأخير في ألم من السخونة الحـــارقة التي ألقيت في حجره. صاح موبخًا "كرم" في غلظةٍ:
-إنت هبتت إيه ياض إنت!!!!
هدر فيه "كرم" مشيرًا بسبابته تجاهه:
-حِسك ما يعلاش على أبويا، وإلا المرة الجاية هولـــع فيك.
ما لبث أن التفت ذلك الآخر الذي جاء مع الضيف ناظرًا إلى "الهجام" ليعنفه على تجاوز ابنه المسيء مع رفيقه:
-جرى إيه "هجام"؟ من إمتى بنخلي العيال يتكلموا؟
لتبدو نبرته أكثر إهانة وهو يتم جملته:
-ما تخليه يترزع جمب أخوه اللي لسه بيعملها على نفسه.
اِربد وجه "زهير" بالغضب، وكبت ما شعر به في نفسه، فيما قال "الهجام" في برودٍ تام، وكأن ما فعله "كرم" قد استهواه على الأخير:
-ابني راجل من ضهر راجل، وكلامك الـ..... ما يخشش دماغي بمليم، أقولك على الأنأح، اللي بيقوله "كرم" بنفذه على طول، وأنا مش عاجبني التحوير بتاعكم....
ليأتي بعدها أمره الذي لا يرد إلى ابنه:
-ريحنا منه يا "كرم".
بلا ترددٍ أطاعه في الحال:
-أمرك يا كبيرنا.
التقط إحدى زجاجات الخمــر الموضوعة على الطاولة، ليفرغ ما فيها على الرجل الذي هاج فزعًا وقد خمن ما يحدث معه من محاولة للتخلص منه حيًا:
-إنت بتعمل إيه؟ نتفاهم بس طيب...
فيما أمسك "الهجام" بعود الثقاب المشتعل بعدما أشعل طرف سيجارته الموضوعة بين شفتيه ليناوله إلى ابنه وهو يقول بتلذذٍ:
-أشوفك في جهـــنم!
بنفس الثبات الانفعالي أخذ "كرم" العود ليلقيه تجاه غريم والده، إلا أن "زهير" شده منه ليتولى عنه هذه المهمة، حيث التقط كوب أبيه المملوء بالخمـــر وألقى ما فيه تجاه من أهانه، ثم عاجله بالعود المشتعل، لتمسك النيران بجسده كليًا في غمضة عين.
راح يصرخ بجنون وهو يركض بعشوائيةٍ محاولًا البحث عما يُنجيه من هذا العـــذاب الأليم، قبل أن يسقط أرضًا، وصراخه الهادر يرج الأرجــاء، ليسكن تمامًا وألسنة اللهب لا تزال تأكل ما تبقى من جثمـــانه إلى أن غدا كالفحم، و"زهير" يتابع بنظراتٍ متشفية، خلت منها الحياة ما جرى له، ليشعر بقبضة والده على كتفه تمتدح صنيعه:
-براوة عليك يا واد، بقيت شاطر وبتتعلم من أخوك.
ليتوجه بعدها بحديثه إلى "كرم" مشددًا عليه:
-ما تخليش حد يستصغرك مهما كان كبير، إنت أكبر منهم كلهم، إنت سيد الناس.
ثم التفت ينظر تجاه الرجل الآخر الذي كان مصعوقًا مما صار مع رفيقه، ليمنحه أمره النافذ:
-كمل اللي فاضل.
اتسعت ابتسامة "كرم" الشيــــطانية، وقال في امتثالٍ واضح:
-أوامرك يا كبيرنا.
أفــاق من الذكريات على هزة قلقة من "عباس" الذي اقتحم عليه الغرفة ليطلب منه الرحيل:
-الحكومة مرشقة في المكان، لازمًا نمشي حالًا.
تجاهله كليًا، وظل محتضنًا كفه ليخاطبه:
-ما تقلقش ياخويا، مش هسمح لحد يضيع اللي عملته، أنا مكانك وهسد.
ظن "عباس" أنه لم يسمع ما فاه به، فأعاد على مسامعه بتوترٍ:
-يا كبيرنا، عيونا بلغونا إن الحكومة على وصول.
أحنى "زهير" رأسه على كفه ليقبله، وقال بعدما اعتدل في وقفته في لهجةٍ حازمة:
-اعمل اللي قولتلك عليه، وأمن الطريق.
رد مومئًا برأسه:
-حاضر.
قبل أن يتحرك "عباس" للخارج، شدد عليه "زهير" بوجهٍ سادت فيه أمارات الوحــــشية:
-ومش عايز جنس مخلوق يعرف باللي حصله، أخويا مـــات لما الدبابير كانت بتطارده، فاهمني؟
أخبره بانصياعٍ:
-فاهمك يا كبيرنا.
بدت نبرته إلى حدٍ ما غامضة، فيما كانت نظرته مخيفة للغاية وهو يوصيه:
-يتنفذ اللي أمرت بيه بالحرف، سامعني؟
استمر مبديًا طاعته إليه:
-ماشي الكلام.
ليودع بعدها "زهير" شقيقه قائلًا:
-مسيرنا نتقابل تاني يا كبيرنا.
مثلما جاء خلسة، غادر خلسة، ليصدح النداء في المشفى "كود أسود في غرفة الطوارئ"، "كود أسود في غرفة الطوارئ"، مما يعني اندلاع العنف في محيط هذا المكان، حيث تسبب أتباع الهجام في إحداث الفوضى، ليتمكن من التسلل للخارج دون أن يلقي أحدهم القبض عليه، ريثما يوفق أوضــاعه القانونية ليبدو وكأن لا صلة له بالجرائم المتورط فيها شقيقه، فيكمل ما بدأ بطرقٍ أخرى أكثر مكرًا ودهاءً.
..........................................
تعمد الالتفاف والاستدارة بعيدًا عن الطريق المؤدي إلى منزله، ليمنحها الفرصة لاستعادة سكونها، فربما تحديقها الشارد في الشوارع وحركة المارة يهدئ من خواطرها المضطربة ويسكن روحها المتألمة، فتتمكن من التنفيس ولو قليلًا عما تكبته دون أن تشعر بالمزيد من الحرج. كان "عادل" مراعيًا لأقصى الحدود، استطاع أن يفهم من نظرة واحدة إليها ما تعانيه فصمت، فلجأ إلى هذه الوسيلة لمساعدتها.
بينما شعر "فارس" بالضجر من إضاعة الوقت فيما لا يفيد، فتنحنح متسائلًا بشيءٍ من الضيق:
-هو احنا قدامنا كتير على ما نوصل.
دون أن يحيد بعينيه عن الطريق استطرد "عادل" في هدوء:
-قربنا خلاص.
علق عليه في نبرة شبه ساخرة:
-أصل بقالك ساعة سايق، إنت ساكن في المريخ ولا حاجة؟
قال مبررًا بنفس النبرة الهادئة:
-معلش، في زحمة السعادي، فأنا بحاول أدور على طرق فاضية نمشي فيها.
لوى ثغره مغمغمًا:
-ماشي.
ضمت "دليلة" شقيقتها إليها، أراحت رأسها على كتفها، وهمست في أذنها بكلماتٍ مواسية:
-هو ما يستهلكيش يا حبيبتي.
أحست بها ترتجف، فنظرت إليها مليًا، كانت رجفتها نابعة من بكائها الصامت، فاستمرت في مؤازرتها:
-إنتي خسارة فيه.
فيما هتفت "عيشة" في استنكارٍ جلي:
-أومال لو مكانتش قايدة صوابعها العشرة شمع ليه، كان عمل فيها إيه!!!
ليعلق "فارس" من المقعد الأمامي في ضجرٍ، وســيف كلماته يحز في أحدهم على وجه الخصوص:
-بيتهيألي نتكلم لما نكون لواحدنا، مش لازم نصدع الغُرب بحواراتنا.
بقي "عادل" على صمته رغم فهمه لتلميح الجالس بجواره المكشوف، وتعمد تجاهله احترامًا لمن معه، لتردد "عيشة" في حزنٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، هونها علينا يا رب، ده احنا ولايا، وغلابة.
أبطأ "عادل" من سرعة السيارة ليشير بيده نحو أحد الأبنية الحديثة مستطردًا:
-البيت هناك أهوو..
ألقى "فارس" نظرة سريعة فاحصة عليه، كان ضمن مجموعة من الأبراج حديثة الإنشاء في هذا الحي الراقي، ليتدلى فكه للأسفل في شيءٍ من الإعجاب، فقد تفقه ذهنه سريعًا لكون ذلك الشاب وأبيه من الأثرياء، وإن كانا يتعاملان بتواضعٍ مع الجميع. تنبه إليه وهو يقول في تهذيبٍ:
-تقدروا تتفضلوا عندنا لحد ما أجيبلكم المفتاح.
اعترضت عليه "عيشة" بتحرجٍ:
-مالوش لازمة يا ابني.
أصر عليها بتصميمٍ:
-مايصحش يا حاجة، عيبة في حقنا.
لم تجد بدًا من الجدال معه، وأذعنت لمطلبه وهي تبتسم في امتنان، لتستدير تجاه ابنتها تُحادثها:
-تعالي يا "إيمان".
بينما مدت "دليلة" ذراعها لتستحث شقيقتها على الاتكاء عليها قائلة:
-اتسندي عليا يا حبيبتي.
تعمد "فارس" التلكؤ في خطواته ليخرج هاتفه المحمول، وضعه على أذنه مخاطبًا أحدهم دون تمهيدٍ:
-بقولك إيه يا صاحبي، عايزك تدورلي على مطرح للسكن في حتة قريبة من (...)..
أصغى إليه للحظةٍ قبل أن يرجوه:
-أوام الله يكرمك..
عاد للصمت مجددًا، ثم تابع موضحًا شروطه:
-لأ مش مفروش، حاجة تكون تمليك، بس في الحنين كده.
سكت مرة ثانية، وأردف بعدها موصيًا:
-هستنى منك تليفون، سلام.
ليسرع بعدها في خطاه ليلحق بهم قبل أن يتعذر عليه إيجادهم في هذا المكان الغريب.
..................................
دون أن تُشعر ضيوفها الغرباء بالحرج من قدومهم المفاجئ إلى بيتها خاصة مع عدم وجود سابق معرفة بهم، سحبت "سميحة" ابنها بلطافةٍ ليأتي معها إلى المطبخ بحجة مساعدتها في حمل صينية المشروبات والحلوى، لتمسك به من ذراعه وتوبخه بصوتٍ خفيض حينما أصبح كلاهما بمفردهما:
-معقولة يا "عادل" تجيبلي البيت ناس كده من غير ما تعرفني؟
تأكد من خفوت نبرته وهو يخبرها:
-معلش يا ماما هما في ظروف صعب، هفهمك الوضع بعدين.
ردت عليه باستعتابٍ مبرر:
-أنا مقولتش حاجة، بس على الأقل تديني خبر، بحيث أستقبلهم كويس، مابقاش في نص هدومي كده!!
أمسك بكف يدها، ورفعه إلى فمه ليقبله هامسًا بتقدير:
-بالعكس، إنتي مستقبلاهم كويس، أنا بس هجيبلهم مفتاح شقتي اللي فوق يقعدوا فيها.
سألته في ريبةٍ:
-إنت متأكد إنهم مش هيبهدلوا المكان؟
قال وهو يضع يده على صدره:
-أنا ضامنهم.
رفعت حاجبها للأعلى مرددة:
-براحتك، بس ماترجعش تندم.
ابتسم مضيفًا في ثقة:
-يا ماما أنا بساعد حد محتاجني، إزاي أندم؟ ده إنتي اللي معلماني كده.
بادلته الابتسام قائلة:
-ماشي يا حبيبي...
قبل أن يغادر المطبخ استوقفته هاتفة بجدية:
-رايح فين؟ تعالى شيل الحاجات دي، ولا هوديهم أنا لواحدي؟
عاد إليه ضاربًا جبينه بظهر كفه مرددًا:
-لأ طبعًا، إنتي تؤمري.
...................................
كانت قابعة في غرفتها، تستند بظهرها إلى عارضة الفراش، وتضم ركبتيها إلى صدرها، بالكاد حاولت التكيف مع ما عايشته بأم عينيها من مشاهد اغـــتـــيال لا شفقة فيها ولا رحمة، عندما فُتح الباب فجــأة ليقتحم أحدهم حجرتها بتبجحٍ. هبت "وزة" قائمة في ذعرٍ من على سريرها، وصرخت فيه باهتياجٍ:
-إنت مين؟ وبتعمل إيه هنا؟
اندفع تجاهها، وقبض عليها من عنــقها، ليجذبها بخشونةٍ إلى الخارج، وهي تحاول دفعه وضــربه في صدره، لتتفاجأ بزوجها يقف في صالة المنزل، وجميع نساء البيت شبه فاقداتٍ للوعي. مررت نظراتها المصعوقة عليهن واحدة تلو الأخرى، لتسمع أحدهم يقول بصوتٍ لاهث:
-كله تمام يا ريس "عباس".
أبصرت آخر وهو يكمم فم إحدى الشابات بقطعة قماش حينما كانت تقاومه، لتخبو بعدها مقاومتها، وتخر على الأرض مغشيًا عليها. قفز قلبها في قدميها هلعًا، وسألته:
-إيه اللي بيحصل هنا يا سي "عباس"؟
تقدم ناحيتها، وأشار لمن يقبض عليها بتركها، ثم سحبها إليه هاتفًا بلهجةٍ يشوبها الاعتذار:
-حقك عليا يا "وِزة"، بس دي أوامر الكبير.
سألته بعينين فزعتين:
-أوامر إيه؟
أجابها صراحةً بما ضاعف من شعورها بالارتياع أضعافًا مضاعفة:
-الكل يفارقنا.
فهمت مقصده على الفور، فمدت قبضتيها المرتعشتين لتمسك به من ياقته، وراحت تتوسله في رجاءٍ، وقد غلف البكاء صوتها:
-أهون عليك بعد العِشرة اللي ما بينا؟
مسح على وجنتها برفقٍ، وقال بهدوءٍ صدمها:
-ولو إنك خسارة في المــــوت، بس ما تعزيش على اللي خلقك يا "وِزة".
تخشبت من رده الصادم، وتراجعت عنه هاتفة في استهجانٍ جم:
-حرام عليك، احنا ذنبنا إيه؟
سرعان ما امتدت يده لتحيط برأسها من الخلف، فيما أطبقت يده الأخرى على أنفاسها بقطعة من القماش المشبعة بمادةٍ مخدرة، ليأتيها صوته قبل أن تسقط في ظلمات اللا وعي:
-ادعي ربنا يرحمك.
تلقفها بين ذراعيه حينما غابت عن الوعي، وحملها لينقلها إلى داخل غرفتها، قبل أن يخرج للصالة ملقيًا أوامره على أتباعه:
-حطوا كل واحدة فيهم في مكان، وافتحوا الغاز على أخره، وقفلوا الشقة كويس، مافيش مخلوق يطلع من هنا حي.
دون تأخير شرعوا في تنفيذ أوامره بحذافيرها، فقد رسم "زهير" الخطة بالتخلص ممن شهدوا على لحظة اغـــتيـــال شقيقه الغادرة على يد "توحيدة"، حيث أمر "عباس" أتباعه بتخدير كافة قاطني المنزل، ووضع طعام نصف مطهي على الموقد، ليتم بعدها ترك الغاز مفتوحًا، ليبدو وكأن تسريبًا قد صار في المنزل، فتسبب في مــقتـــل الجميع اختناقًا به، وما قد يعزز من اكتمال جريمته النكراء التأكد من عدم دخول أو خروج أحدهم من البناية، بجانب تعطيل الهواتف الأرضية ومنع استخدام المحمول لاستدعاء النجدة.
تحرك "عباس" بعدما اطمأن من نجاح كل شيء، ليفر سريعًا من المكان تاركًا أحد تابعيه جالسًا بالمقهى ليبلغه بالمستجدات التي قد تطرأ بعد ذهابه ................................. !!!!
......................................
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم منال سالم
عمَّ الصمت الممزوج بموجاتٍ من الخجل الأجواء. رغم محاولات "رجائي" استطالة الحديث مع ضيوفه لكسر ذلك الحاجز الوهمي وإشعارهم بالراحة، إلا أنهم مالوا للسكوت تجنبًا للشعور بالحرج من زيارتهم الفجائية لمنزله.
استأذن بالذهاب للداخل، لتستغل "عيشة" الفرصة وتميل على ابنتها الصغرى هامسة في أذنها:
- كويس إننا جبنا معانا كام غيار احتياطي، بدل ما كان يبقى حالنا أصعب من كده.
ردت عليها بنفس الصوت الخفيض:
- الدنيا اتكركبت فوق دماغنا فجأة.
تحولت نظرات والدتها نحو ابنتها البكرية، وقالت في شيء من الأسى:
- الله يكون في عون أختك، شوفي مسهمة إزاي؟
رغمًا عنها تفاقمت مشاعر الغضب بداخلها، وهسهست من بين أسنانها في حنقٍ:
- الكلب الخاين غدر بيها، وهي اللي كانت مستحملة كتير علشان ماتزعلوش.
أخبرتها أمها وهي ترفع عينيها للأعلى كأنما تضرع للسماء:
- ربنا ينتقم منه.
لتضيف "دليلة" في جديةٍ:
- احنا مش هنسيب حقها، هنكلم أي محامي ونشوف إيه اللي المفروض يتعمل.
أيدتها في اقتراحها على الفور:
- أيوه، نفوق بس من الهم ده وناخد حقنا منه.
توقفت كلتاهما عن الثرثرة الجانبية حينما عادت "سميحة" ومن ورائها ابنها الذي حمل عنها صينية المشروبات والحلوى. ابتسمت في وداعةٍ وعاودت الترحيب بهم بلباقةٍ:
- منورين يا جماعة.
ركزت "عيشة" ناظريها عليها، وردت في تحرجٍ واضح:
- شكرًا ليكي يا حاجة، ومتأخذيناش، جينا من غير ميعاد.
قالت في استعتابٍ لطيف:
- ما تقوليش كده، ده البيت بيتكم.
تولت مهمة توزيع كؤوس المشروبات، بجانب أطباق الحلوى الصغيرة على كل فردٍ تباعًا وهي لا تزال تتحدث في وديةٍ:
- اتفضلوا حاجة بسيطة.
فيما لاحظ "عادل" جمود "إيمان"، وشرودها المبرر، فدنا منها قائلًا بنبرة شبه مهتمة:
- اشربي يا مدام "إيمان".
رفعت عينيها الحزينتين تجاهه، وقالت بصوتٍ متحشرج قليلًا:
- ماليش نفس.
جلس على مقربةٍ منها، وحادثها في نبرة توحي بالإصرار:
- معلش، إنتي ماخدتيش حاجة من الصبح، وممكن يجيلك هبوط.
وافقته "عيش" في تصميمه، ونصحتها بالاستجابة لمطلبه:
- اسمعي الكلام يا بنتي، بدل ما تقعي مننا.
لم تملك أدنى طاقة للجدال، فأومأت برأسها في طاعة:
- حاضر.
ثم مدت يدها وأمسكت بالكأس لترتشف قدرًا محدودًا مما احتواه، قبل أن تعيده إلى موضعه الأول، وتلوذ بالصمت المرير.
لتهتف "سميحة" في أدبٍ وهي تلصق بثغرها هذه الابتسامة العذبة:
- عن إذنكم شوية.
بادلتها "عيشة" الابتسام المهذب حينما ردت:
- اتفضلي يا حاجة.
ليقوم "فارس" من موضعه موجهًا حديثه إلى "عادل" في جديةٍ، وعلى وجهه أمارات الضيق:
- بقولك إيه يا كابتن، عايزك في كلمتين على جمب.
لحق به الأخير ليقفا في ركنٍ من الصالة بعيدًا عن البقية، واستطرد متسائلًا بقليلٍ من الاهتمام:
- خير؟
دون تمهيدٍ انتقل إلى صلب الموضوع مباشرةً مشيرًا بيده:
- بص علشان أجيبلك كده من الآخر، أعدة الجماعة عندكم مش هتكون كده مجاني، أه، احنا منحبش نكون مديونين لحد.
انزوت المسافة ما بين حاجبي "عادل"، واحتج على ذلك قائلًا:
- عيب الكلام ده يا حضرت.
ألح عليه بتصميمٍ:
- الحق مافيهوش عيب.
ليجد "عادل" يخبره بعنادٍ يفوقه:
- أنا هعتبر نفسي ما سمعتش اللي قولته.
وهمَّ بالتحرك إلا أن الأخير استوقفه بالإمساك به من ذراعه مرددًا:
- استنى يا جدع إنت، أنا مخلصتش كلامي.
نفض قبضته عنه، ورمقه بنظرة غير راضية عن تصرفه، كاد أن ينطق بشيءٍ لولا أن سمع والدته تناديه بصوتٍ كان مسموعًا إليه:
- "عــادل"، عايزاك شوية.
لم يحد بناظريه عن "فارس" وخاطبه في تجهمٍ:
- هروح أشوف أمي.
شيعه الأخير بنظرة متعجبة مدمدمًا مع نفسه في استنكارٍ:
- هو إيه اللي عيب وما يصحش؟ ما طبيعي أدفع في المطرح اللي هنقعد فيه! قولت كلام عجيب مثلًا!!
بمجرد أن ولج إلى غرفة النوم، تفاجأ "عادل" بإعداد والدته لكومة صغيرة من الثياب المرتبة. نظر إليها بتحيرٍ، وتساءل:
- أيوه يا ماما، في إيه؟
أشارت إلى تلك الرصة المنمقة، وأخبرته في استفاضةٍ:
- بص أنا جهزت كام حاجة جديدة للجماعة، بحيث يلبسوها، أنا خدت بالي إن مش معاهم حاجة...
أدهشه تصرفها المراعي، وتدلى فكه للأسفل كتعبيرٍ عن ذلك، لتظن أنه على وشك الاعتراض عليها، فأوضحت له بجديةٍ:
- والله ما اتلبسوا، دول كانوا جاينلي هدايا من حبايبنا.
سرعان ما احتلت ابتسامة ممتنة شفتيه، وقال في حبورٍ وهو يمد كفيه ليمسك بيدي والدته:
- كتر خيرك يا ماما، والله ما عارف أقولك إيه.
سحبت بهدوء يديها من بين راحتيه، وأخبرته وهي تربت على كتفه:
- اللي بيعمل خير يكمله للآخر، ولا إيه؟
هز رأسه مؤيدًا:
- معاكي حق.
تابعت وصيتها إليه في شيءٍ من التشديد:
- ناولهم الحاجة لما يطلعوا الشقة، قول للست الحاجة مامتهم على جمب، علشان الإحراج وكده.
دون أن تخبو ابتسامته الصافية أبدى طاعته الكاملة لها:
- حاضر.
ربتت مرة ثانية على كتفه، وخاطبته باسمة:
- ويالا نروح عندهم علشان ما يحسوش بحاجة.
ظل محافظًا على ثبات بسمته وهو يرد مقتضبًا:
- ماشي.
كان في قرارة نفسه ممتنًا لكون والدته تنتمي لهذا النوع الحاني من النساء اللاتي قلما ندر وجودهم في هذا الزمان العصيب.
بذهنٍ مملوءٍ بعشرات الأمور، تطلع هذا الشاب إلى العنوان المدون على الورقة التي بحوزته، وبين شفتيه تتدلى سيجارة انقضى نصفها بسبب احتراقها. كان جالسًا على دراجته النارية، وعلى ظهره علق تلك الحقيبة المغلقة. تلفت حوله باحثًا عن رقمٍ يستدل به على مكان البناية المذكور. غمغم دون أن يسقط السيجارة من فمه:
- دي المنطقة، بس العمارة فين؟
فكر في مهاتفة صاحب الطلب الذي استدعاه لتوصيله إليه ليستعلم عن مقر إقامته بالتفصيل، إلا أنه وجد ضالته في الجهة المقابلة. ما لبث أن طوى الورقة في راحة يده، وانتشل السيجارة شبه المنتهية من بين شفتيه بعدما سحب منها نفسًا أخيرًا، ليلقي بعقبها في إهمال خلفه.
قبل أن يتحرك بالدراجة، دوى انفجار هائل من ورائه، حيث عصف بالمكان برمته، مما دفعه بماكينته لمسافة عدة أمتار للأمام، قبل أن يهوي أرضًا، ومن فوقه دراجته، ليدرك الجميع أن البناية الكائن بها منزل "توحيدة" قد أُطيح بها في طرفة عين، وأصبحت بمن كان متواجدًا فيها كأتونٍ مستعر من الجحيم، تتصاعد ألسنة اللهب من كل زاوية فيها.
ارتفعت الصرخات والصيحات المنددة، وامتزجت بالنداءات المتكررة:
- حد يطلب المطافي أوام، الحتة كلها هتولع!!!!
لينهض أحد أتباع "الهجام" من بعيد في توجسٍ، وقد أبصر ما جرى كالبقية، وشاهد كيف تحول المكان إلى بقعة فوضوية تحيط بها النيران من كل جانب، ناهيك عن الضحايا والمصابين الذين نالهم جانبًا من الضرر بسبب تبعات الانفجار العاصف. ركض مبتعدًا وهو يحادث نفسه:
- لازمًا أدي خبر للريس "عباس" باللي حصل.
حينما ولجوا جميعًا إلى منزله، كانت ثمة أشياءٍ لا تزال مغلفة بأوراقها المفضضة مثلما أتت من معرض الأثاث. تحرجت "عيشة" للغاية من المكوث في بيته وهو على هذه الحالة الجديدة، فإذ من المحتمل أنه أعده ليستقبل زوجته في وقتٍ قريب، لذا تساءلت بترددٍ وهي تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى:
- هو احنا هنقعد هنا يا ابني؟
أكد لها بهدوءٍ بعدما أسند الكيس البلاستيكي الذي وضع به الثياب الجديدة على المنضدة المجاورة لباب المنزل:
- أيوه يا حاجة.
على ما يبدو لم تنتبه لما كان يحمل فيه يده، حيث استبد بها الخوف، واسترسلت تخبره في توجسٍ، وكأنها تخشى أن تتسبب في مشكلة من لا شيء:
- بس دي الحاجة جديدة، لسه بورقها، يعني خطيبتك هتزعل لما تعرف إننا بهدلنا البيت وإنتو لسه مقعدتوش فيه.
صحح لها معلومتها الخاطئة بابتسامةٍ مرسومة بعناية:
- أنا مش خاطب...
نظرت له بتشككٍ، فواصل التوضيح بنفس الوتيرة الهادئة:
- قصدي يعني كنت خاطب، ومحصلش نصيب قبل الفرح بكام يوم، والعفش فضل على حالته دي، وقفلت الشقة ومافتحتهاش من ساعتها.
شعرت بالأسف ناحيته بعدما عرفت قصته بإيجازٍ، ورددت:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يعوضك خير يا ابني.
رد بإيجازٍ:
- شكرًا.
من تلقاء نفسها قالت "دليلة" وهي تشير بيدها:
- أنا رأيي نشوف مكان تاني، حرام نبوظ العفش وهو جديد.
نظر تجاهها معترضًا:
- وإيه يعني؟ فداكم أي حاجة.
فيما تدخل "فارس" هاتفًا بنبرة عازمة:
- احنا مش هنطول أصلًا، هما يومين بالكتير أكون ظبطت مطرح لينا.
اتجه ببصره ناحيته ليعقب عليه بهدوءٍ:
- براحتكم خالص، ده بقى مكانكم دلوقت، وأنا الضيف هنا.
استدارت "عيشة" مخاطبة ابنتها وهي تدنو منها:
- إيه رأيك يا "إيمان"؟
وكأنها لا ترى أو تسمع ما يدور من حولها، أحست لوهلة أنها غير قادرة على الوقوف على قدميها، خاصة مع ذلك الدوار الذي غلف رأسها فجأة، فترنحت في وقفتها، فأسرعت "دليلة" ناحيتها لتسندها هاتفة في جزعٍ:
- "إيمان"!!
اتكأت عليها، وألقت بمعظم ثقل جسدها ناحيتها، لتمسك بها "عيشة" هي الأخرى وتسألها في خوفٍ:
- مالك يا ضنايا؟ فيكي إيه؟
أجابتها بوهنٍ، وهي بالكاد تحاول التماسك:
- دايخة شوية.
بخوفٍ نابع من أعماقه تساءل "عادل" في اهتمامٍ مبالغ فيه:
- تحبي أجيبلك دكتور هنا؟
لم تتمكن "إيمان" من رفع رأسها والنظر ناحيته؛ لكنها أخبرته في صوتٍ خافت:
- مافيش داعي.
فيما رددت "عيشة" بنبرة متحسرة، وهي تشملها بنظرة إشفاقٍ:
- يا حبة عيني ماستحملتش اللي جراها، هو اللي شافته قليل.
ودَّ "عادل" لو مد لها يد العون، وحملها قبل أن تفقد الوعي، إلا أنه أثر عدم التجاوز حتى لا يسيء أحدهم الظن به، وقال من فوره بتعجلٍ:
- خلوها ترتاح أحسن جوا...
ثم أشار بيده نحو الردهة الصغيرة الممتدة بين غرف المنزل:
- اتفضلوا من هنا.
سارت "إيمان" على مهلٍ متأبطة ذراعي والدتها وشقيقتها حتى وصلت إلى غرفة النوم الرئيسية، وهناك أزاح "عادل" الغطاء من على الفراش لتتمكن من التمدد عليه، ليتراجع بعدها للخلف تاركًا المساحة لأمها لتدثرها فيه. انسحب بهدوءٍ من الحجرة؛ لكنه وقف بالخارج وأرهف السمع إلى صوت "عيشة" وهي تسألها بلهفةٍ:
- حاسة بإيه يا حبيبتي.
وصلته نبرتها المليئة بالشجن وهي تخبرها صراحةً:
- عايزة أنام، مش عايزة أفوق تاني.
انقبض قلبه بشدة وغامت تعابيره بوضوحٍ، ليسمع صوت أمها يهتف:
- بعد الشر عنك، ماتقوليش كده.
تشتت انتباهه عن متابعة ما يخصها عندما وجد "فارس" يقول بقلقٍ:
- أنا خايف يجرالها زي ما جرى لأختها، احنا مصدقنا الأولى فاقت، تقوم التانية تقع مننا.
وكأنه يشاركه مخاوفه، فقال مؤكدًا:
- إن شاء الله ما يحصلش حاجة، وبعدين أنا موجود...
استرعت كلمته الأخيرة حفيظة "فارس"، فما كان من "عادل" إلا أن صحح له:
- قصدي احنا كلنا موجودين معاهم، مش هنسيبهم.
أومأت برأسه بهزة صغيرة، وصاح متوعدًا:
- وعزة جلال الله لأخد بحقهم من اللي أذاهم!
دعمه في ذلك هاتفًا:
- هيحصل إن شاءالله.
كالداهية، تفكيره جهنمي، يصعب تخمين ما يدور في ثنايا عقله، حتى أنه فاق الشياطين في خداع الغير وتلاعبه بمصائرهم. وقف "زهير" يتطلع من وراء الواجهة الزجاجية الخاصة بالمطعم الذي امتلكه مع شقيقه الراحل للطريق المزدحم بالسيارات والمارة، بنظرات ميتة، خالية من الحياة، فقد كان مكلفًا بحل عشرات المسائل المعقدة في آن واحد.
استغرق في تفكير طويل وممتد ليعيد ترتيب الأمور ووضعها في نصابها الصحيح وفق ما يخدم مصالحه، فقد أصبح رسميًا المسئول عن إدارة شئون جماعته، وعليه ألا يبدو بمظهر الضعف وإلا لافتــرسه أعدائه حيًا. ظل على وضعيته الجامدة تلك، واضعًا يده في جيبي بنطاله القماشي الأسود، لا يُحادث أحدًا، ولا يجرؤ أحدهم على مقاطعته، إلى أن جاء إليه "عباس"، فحادثه بصوتٍ لاهث:
- يا كبيرنا، بيت "توحيدة" راح كله، اتبخر، بقى كومة فحم.
لم ينبس بكلمةٍ، فظن أنه لم يسمعه، وكرر عليه:
- النــار مسكت في كل حتة فيه وآ...
قاطعه قبل أن نهي كلامه قائلًا بنبرة جافة:
- كويس...
ليغدو صوته أكثر قتامة وهو يضيف فيما يشبه الوعد:
- لسه الباقي دورهم جاي.
أجلى صوته الذي أصابته بحة خفيفة متسائلًا بعدها دون أن ينظر تجاهه:
- عرفت مين اللي بلغ عن أخويا وإداهم معلومات عنه؟
بحذرٍ واضح أجابه، وكأنما يخشى البوح بالحقيقة الصادمة:
- أيوه.
أدار "زهير" رأسه ناحيته، وركز بصره عليه، ليتكلم "عباس" مجددًا بعدما ابتلع ريقه:
- البت "سمارة".
مضى "زهير" ينظر إليه نظرة غامضة، مخيفة، تبعث في النفس القشعريرة، ليردف بهدوءٍ أكثر إفزاعًا عن صمته:
- كنت متوقع ده.
فرك "عباس" جبينه متسائلًا في حيرة:
- هنعمل إيه يا كبيرنا معاها؟
عاود النظر إلى الفراغ قبل أن يتحدث بنبرة ثابتة لا توحي بشيء بعينه:
- تجيبهالي هنا.
اكتفى بإظهار طاعته له دون أن يتحرى أكثر عن نواياه تجاهها:
- عُلم.
صمت "زهير" للحظاتٍ قبل أن يسأله:
- خلصت تقرير الطبيب الشرعي؟
أجابه مستفيضًا في الشرح:
- أيوه، كله اتعمل زي ما أمرت، اتبدلت كل حاجة، وهيطلع إن المرحوم مات والدبابير بتطارده.
بلا أدنى تغيير في ملامح وجهه الجامدة همهم:
- حلو..
ثم ألقى نظرة على ساعة يده ليقول بعدها وقد تحرك بعيدًا عن الواجهة الزجاجية:
- فاضل على الجنازة نص ساعة، بينا.
تبعه مرددًا في امتثالٍ تام:
- ماشي يا كبيرنا.
لم يكن لينقطع يومًا عن مكالمتها هاتفيًا لإعطائها موجزًا عن آخر المستجدات معه مهما كان في قمة انشغاله، ليتفاجأ بخبر قدوم زوجته السابقة ومعرفتها بالحقيقة التي جاهد لإخفائها عنها. ارتعش صوت "راغب" حينما سأل والدته مستفهمًا:
- وبعدين حصل إيه؟
أجابته "نجاح" وهي تلتقط حبة من عنقود العنب لتدسها في جوفها:
- خدوا بعض وغاروا في داهية، أومال مفكر إيه؟!!
أفصح لها عما يجوس في نفسه بتوترٍ:
- مكونتش حابب يكون في مشاكل وأنا لسه ببتدي شغلي الجديد.
ردت مؤكدة له باطمئنانٍ عجيب، وكأنها لم تسلب حق أحدهم ظلمًا وزورًا:
- اطمن يا حبيبي محدش فيهم يقدر يعملك حاجة...
ليزداد جحودها وضوحًا عندما أكملت بيقينٍ أعجب:
- وبعدين حتى لو المحروسة راحت لمحامي يرفعلها قضية، شوف هتاخد كام سنة في المحاكم لحد ما توصل لحاجة، هنكون وقتها أنا وأبوك عزلنا، وما بقاش معروف لينا سِكة.
استطاعت أن تسمع تنهيدته قبل أن يتابع فيما يشبه التوصية:
- ربنا يسهل، حاولي بس يا ماما ماتحتكيش بيهم، طنشيهم، لحد ما الفترة دي تعدي.
استرخت أكثر في جلستها، ورفعت ساقها على الطاولة المجاورة لأريكتها، لتخبره مبتسمة بسرور:
- متقلقش عليا، ركز إنت في شغلك يا حبيبي.
جاء تعليقه موجزًا ومودعًا في نفس التوقيت:
- طيب، سلام.
وضعت الهاتف المحمول إلى جوارها، وأمسكت بالطبق بيدها لتضعه في حجرها مرددة بشيءٍ من الاستياء:
- أنا عارفة عامل لشوية الرعاع دول قيمة على إيه!
أكملت تناول حبات العنب باشتهاءٍ وهي تعاود التحديق في شاشة التلفاز دون أن تشعر للحظةٍ بذرةٍ من تأنيب الضمير.
عند قدميه، ركع ثلاثتهم أمامه مكبلين من أياديهم وراء ظهورهم، ورؤوسهم مغطاة بأقمشة سوداء تحجب الرؤية عنهم، ناهيك عن وضع خرق في أفواههم لمنعهم من الصراخ، ليتم انتزاع أول عُصبة عنها على وجه الخصوص. تلفتت "مروة" حولها بذعرٍ لتجد "زهير" قبالتها يرمقها بنظراتٍ لا تبشر بأي خيرٍ. ارتجف كل ما فيها رهبةً منه، كان آخر ما تذكره قبل أن تُختطف، أنها كانت تسير عائدة إلى منزلها وهي تحمل احتياجات البيت من السوق، لينقض عليها عدة أشخاصٍ، ويتم إجبارها على استقلال حافلة صغيرة بعدما ضربها أحدهم على رأسها بقوة، فأظلم كل شيءٍ وغابت عن الوعي، لتستفيق وهي على تلك الحالة المقيدة.
نظرت إلى جانبها فوجدت اثنين مطروحان أرضًا، لا يتحركان، فازداد إحساسها بالرعب، لينخلع قلبها بشدة عندما نهض "زهير" من موضع جلوسه، وتقدم ناحيتها. سحب ما يسد جوفها من قماشٍ بالٍ، فسعلت سعالًا خفيفًا، لتتجرأ على رفع رأسها والنظر إليه بخوفٍ لا يمكن إنكاره. بلعت ريقًا غير موجودٍ في حلقها وسألته بصوتٍ مرتجف:
- إنت.. خاطفني وجايبني هنا ليه؟
أجابها بنبرة هازئة:
- هيكون ليه؟ مش علشان أقوم معاكي بالواجب....
لتتبدل نبرته في التو واللحظة إلى أخرى أصابتها بدفقة قوية من الخوف العظيم عندما أتم جملته:
- زي ما قومتي ما سيدك بالواجب.
هربت الدماء من وجهها، وباتت شاحبة للغاية وهي تعقب محاولة الهروب بعينيها من نظرته المسمومة التي تجردها:
- أنا مش فاهمة حاجة.
انفلتت منها صرخة محملة بتأوهات الألم عندما جذبها من شعرها بغتةً قاصدًا اقتلاعه من جذوره وهو يتهمها مباشرةً:
- بتبلغي عنه يا بنت الـ.......؟!!!
لم تعبأ بإهانته الفجة لشخصها، وواصلت الصراخ وهي تستجديه:
- آآآه، حرام عليك، أنا معملتش حاجة.
انهال عليها بعدة صفعــات متتالية على وجنتيها وهو يصيح بجنونٍ غاضب:
- صح، معملتيش، وأنا راجل مفتري، وبخلص تاري من اللي فكر يأذي أخويا.
بكت بحـــرقة من شدة الألم، ليفرقع بعدها بإصبعيه ليتقدم أتباعه على الفور ناحيته، ليأمرهم:
- اكشفوا وشهم.
نفذوا ما فاه به في الحال، لتنصدم "مروة" برؤية زوجها وشقيقها مضرجان في دمائهما، لحظتها صرخت في هيـــاج:
- عملت فيهم إيه يا مفتري؟!!
استل "زهير" ســــلاحــه الناري من ظهره، وقال ببرودٍ قاسٍ وهو يصوب فوهته تجاه شقيقها أولًا:
- شوفي هتقري الفاتحة على مين الأول.
ليضغط بعدها –دون ترددٍ- على الزنــاد ويصيبه في مقـــتل، فصرخت باهتياجٍ أكبر، لتحل عليها صدمة أشد عندما وجه الفوهة نحو زوجها، وزهق روحه هو الآخر بنفس الجمود المُميت.
كان المشهد دامـــي لأقصى الحدود، لم تصدق ما فعل في لمح البصر، وراحت تصرخ، وتصرخ، وتصرخ، ومع ذلك لم تهتز منه شعرة واحدة، بل كان جامدًا كجلمود الصخر، ألقى بمســدسه لأحدهم، وتناول منه مديته، ليدنو منها بثباتٍ، ثم أخبرها بغير رأفة:
- ودلوقت جه دورك.
لتتفاجأ به ينقض على فكها بيدٍ، وباليد الأخرى غــــرز طرف المدية المدبب في لسانها متعمدًا قطعه، فتفجرت الدماء منه كالنافورة المتدفقة، ليتبع ذلك وضعه لإصبعيه في عينيها ليفقعهما بلا ندمٍ، وهي تكاد لا تستوعب ما تتعرض له من تعــــذيــــب شـــرس.
ما إن فرغ منها حتى جفف دمائها الملطخة ليديه في بنطاله، وقال في نشوة مريضة:
- ارموها جمب أي مقلب زبـــالة، ولو مكتوبلها تعيش يبقى حظها، لو لأ، تبقى حصلت الكلاب اللي راحوا.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم منال سالم
لما وقعت تلك المصيبة بعائلتها، طرأ تغيير كبير على شخصها الناقم طوال الوقت، فأصبحت أكثر صبرًا وتحملًا، لتمد القوة إلى ابنتيها، فيتمكنا من مواجهة الصعاب والأزمات بثبات وقوة.
انفردت "عيشة" بابنتها الصغرى في صالة المنزل، جلستا متجاورتين، لتتحدثا بصوت خفيض لئلا تسمعهما "إيمان"، خاصة أنها كانت مستيقظة، وتمكث بمفردها بالداخل، فاستطردت أمها هامسة في شيء من الجدية:
- سواء قعدتنا طولت أو قصرت هنا، فلازم ماننساش إننا ضيوف، والبيت ده أمانة، كل حاجة فيه المفروض نحافظ عليها، مش عايزين الراجل أو أهليه يشتكوا مننا.
أومأت "دليلة" برأسها قائلة بتفهم:
- أنا واخدة بالي يا ماما، اطمني.
فيما تابعت والدتها مرددة بعزم:
- وأختك لما تشد حيلها وتفوق من الهم اللي هي فيه هندور على مطرح تاني.
ردت باقتضاب، وقد أراحت ظهرها للخلف:
- ماشي.
عادت "عيشة" لتستند بطرف ذقنها على راحة يدها متمتمة:
- أبوكي كان مرتب تروحي عند عمتك، احنا نشوفلنا حتة قريبة منها، وأهوو ابن عمك الكبير موجود يساعدنا نشوف بيعة في الشقة الفقر إياها....
غلف الضيق تعبيرات وجهها، لتختتم كلامها قائلة:
- احنا مجالناش من ورا السكنى فيها إلا الغم.
على عكسها بدت "دليلة" مستاءة من أمر آخر، كان مزعجًا لأقصى درجة، فباحت بما يجثم على صدرها صراحة، وكأنها لا تخشى قول الحقيقة:
- ماما، أنا مش عايزة اللي اسمه "فارس" ده يتحشر معانا في حواراتنا.
اندهشت أمها لتحاملها الزائد عليه، وسألتها مستفهمة:
- ليه يا بنتي؟ ده اسمه ابن عمك ومن العيلة واحنا يعتبر ملزمين منه.
امتعضت قسمات وجهها وهي تخبرها بنفس النبرة المزعوجة:
- ما بينزليش من زور، دمه تقيل، وسخيف، ده غير طبعًا إنه رد سجون.
وكأنها صارت محامية ملتزمة بالدفاع عنه، فبررت تصرفاته الهوجاء بقولها:
- كانت شقاوة شباب زمان، ودلوقت عقل.
أصرت على موقفها المتحيز ضده بتأكيدها:
- هو ما يخصنيش، طول عمره بيضايقني من وأنا لسه عيلة، ماظنش إنه اتغير كتير.
لم تقف والدتها عند هذه النقطة كثيرًا، وانتقلت لموضوع آخر مماثل في الأهمية:
- وبرضوه أختك لازم نشوفلها محامي يجيب حقها من اللي ما يتسمى.
اكتفت بهز رأسها كتعبير عن موافقتها، فيما انتبهت كلتاهما لسماع صوت قرع الجرس، لتوجه "عيشة" أمرها إليها:
- شوفي مين على الباب.
- حاضر.
قالتها وقد سحبت حجاب رأسها من على طرف الأريكة، والتفت به لتتجه في خطوات شبه متعجلة نحو الباب لتفتحه، وجدت "عادل" واقفًا عند العتبة، فابتسمت في ترحيب لتحييه:
- أستاذ "عادل"، اتفضل.
بادلها الابتسام المهذب وسألها:
- أخبارك إيه دلوقت يا آنسة "دليلة"؟
أجابته دون أن تفتر ابتسامتها الصغيرة:
- الحمد لله.
ثم تنحت للجانب لتفسح له المجال للمرور، فاستقبلته "عيشة" بودية ولطافة:
- تعالى يا ابني، اتفضل ده بيتك واحنا ضيوفك.
استعتبها في احترام بائن في طيات كلماته:
- عيب ما تقوليش كده يا حاجة، ده إنتو فوق راسي.
راح يمد بعدها يده الممسكة بكيس بلاستيكي وضعت بداخله بعض العلب المغلفة، قدمها إليها قائلًا:
- ماما باعتة السلام ليكم، وبتقولك دي حاجة بسيطة، وإن شاء الله تعجبكم.
شعرت "عيشة" بالحرج الشديد من المعاملة الراقية التي تلقتها من هذه السيدة الودودة منذ اللحظة التي وطأت فيها المكان، لم يكد يمر يوم إلا وترسل لها ولابنتيها الطعام والحلوى والثياب، بل وتستعلم بإلحاح عن أحوالهن لتتفقد إن كان ينقصهن شيئًا لتحضره إليهن على الفور وكأن ثلاثتهن من العائلة، لا مجرد ضيوف غرباء احتللن منزل ابنها. قالت في خجل وهي تتناول منه الكيس:
- يادي الكسوف، احنا والله ما عارفين نودي وشنا منها فين، هي شايلانا من وقت ما جينا هنا.
بصدق نابع من قلبه أخبرها "عادل"، وقد صدحت ابتسامة مشرقة على محياه:
- احنا يعتبر أهل.
قبل أن تعلق عليه، تفاجأت بابنتها الكبرى تندفع نحو الخارج وهي في عنفوان غضبها، فهتفت تناديها باستغراب:
- "إيمان"!
فيما اعترضت "دليلة" طريقها لتسألها بتوجس:
- رايحة فين؟
انفجرت صائحة بغضب جم في وجهها:
- مش هسيبه الكلب الجبان ده، قسمًا بالله لأوريه.
حاولت إيقافها قبل أن تتهور وترتكب أي حماقة، فاستمرت تعترضها وهي تمسك بذراعيها:
- طب اهدي بس، كل حاجة وليها حل.
بكل ما فيها من مشاعر حانقة، ومنفعلة، نفضت قبضتيها عنها، وصرخت في هياج، لتظهر مدى القهر الذي تكبته بداخلها:
- أنا يتغدر بيا؟ أنا يرميني وينهبني بعد السنين ده كلها؟
ظلت "دليلة" تتوسلها وهي تحاول الإمساك بساعديها:
- علشان خاطري ماتعمليش في نفسك كده.
مجددًا نفضت يديها عنها لتواصل الصراخ:
- ليه؟ علشان إيه؟
سرعان ما قست ملامحها بشكل مخيف، وهدرت بغلظة في شقيقتها:
- حاسبي يا "دليلة" من سكتي، أنا هوصل لمكانه الحقير ده، حتى لو كان في آخر الدنيا.
هذه المرة لم يظل "عادل" متخذًا موقف المشاهد كثيرًا، حيث تحرك من تلقاء نفسه، ليقف في مواجهتها، ويسد عليها الطريق، فنظرت إليه بغيظ، ليخبرها بهدوء واضح، محاولًا امتصاص غضبها المندلع:
- يا مدام "إيمان" اللي بتعمليه ده مش هيفيد، النوعية دي حقك تجيبيه منها بالقانون.
صاحت هازئة في استنكار:
- موت يا حمار...
رفع حاجبه للأعلى، فأكملت بنفس اللهجة المنفعلة:
- أنا هفضل سنين ألف وأدور، وفي الآخر مش هعرف أخد منه حاجة، يبقى أخد حقي بمعرفتي أحسن.
وحاولت تجاوزه لتمرق باندفاع تجاه الباب، إلا أنه واصل اعتراض طريقها، فلم تستطع المناص من حصاره، تقلصت المسافة بينهما، لتصبح أقل من نصف متر، ليقول مؤكدًا، دون أن تتبدل وتيرة نبرته الهادئة:
- اطمني أنا هوكلك أحسن المحاميين اللي هيعرفوا إزاي يحاسبوه على اللي عمله.
تطلعت إليه بتشكك، فثبت عينيه عليها محاولًا طمأنتها بنظرته الواثقة، ليعود "فارس" من الخارج فتفاجأ بكليهما واقفين أمام الباب في حالة من التحفز، فقال بسخط، وقد ساد وجهه تكشيرة غريبة:
- لا مؤاخذة! أنا جيت في وقت مش ولابد ولا إيه الحكاية؟!!
لحظتها فقط اضطر "عادل" أن يتراجع للخلف تجنبًا لتفسير الموقف بشكل خاطئ، لتهتف "عيشة" في استياء:
- تعالى يا "فارس"، شوف بنت عمك، راكبة راسها وعايزة تدور على المخفي "راغب" علشان تنتقم منه.
في التو صاح مستهجنًا طيشها:
- وإنتي عدمتيني مثلًا؟
سددت له نظرة حادة، فاستمر يقول فيما يشبه الوعد:
- أنا ورحمة الغاليين ما هسيبه، ليه وقته، اصبري بس لحد ما ننقل المطرح الجديد.
وقفت "عيشة" إلى جوارها، ورددت في صيغة متسائلة:
- سمعتي بنفسك؟
فيما حاوطتها "دليلة" من كتفيها وسحبتها بحنو ناحيتها وهي تخاطبها:
- تعالي معايا يا "إيمي".
التفتت ناظرة إليها، وقد فاض الدمع من عينيها غزيرًا، ليتبدل صياحها الهائج لبكاء مرير وهي تهمهم بنبرة البائس اليائس من كل شيء:
- قلبي موجوع أوي.
ضمتها إليها قائلة بشيء من المواساة، وهي بالكاد تحاول التغلب على الغصة المريرة التي اجتاحت حلقها:
- حاسة بيكي يا حبيبتي.
لتردد "عيشة" في أسى، وهي ترفع إصبعيها للسماء، كأنما تناجي المولى:
- منه لله الظالم المفتري.
انسحبت الشقيقتان من صالة المنزل وهما تتكئان على بعضهما البعض، بينما ظلت والدتهما مع الشابين، فاستطردت تخاطب "عادل" معتذرة:
- معلش يا ابني، مخدتش بالي، اتلبخت في "إيمان"، ونسيت أسألك تحب تشرب إيه؟
أخبرها في أدب، وقد طأطأ رأسه قليلًا، بجانب وضعه لابتسامة منمقة على ثغره:
- مالوش لزوم، أنا مش غريب، وبعدين أنا كنت جاي أطمن عليكم وأمشي.
تلك الابتسامة اللزجة استفزت "فارس" كثيرًا، فقد أدرك منذ اللحظة الأولى التي التقى بها فيه، أنه يسعى بشتى الطرق ليترك انطباعًا جيدًا لدى نساء عائلته، ليبدو أكثر تأثيرًا منه عليهن، وهذا ما أغاظه للغاية، خاصة مع افتقاره لأي سمات إيجابية تدعم موقفه لديهن، لذلك قابل أسلوبه السلس اللين في التعامل بجفاء وجمود وشيء من الغيرة، فدنا منه، وربت على كتفه يشكره بنبرة لا تبدو ممتنة:
- يدوم يا أخ "عادل"، وأنا خلاص برتب ننقل في ظرف يومين.
نظر إلى موضع يده على كتفه، أزاحها برفق من عليه، وقال معترضًا دون أن تحتد نبرته:
- وليه تتعب الجماعة؟ ما تخليهم براحتهم، الشقة محدش أصلًا قاعد فيها، مالوش لازمة يتبهدلوا، ويا سيدي لو محرجين، أنا ممكن أعمل عقد إيجار بحاجة رمزية بحيث يبقى الوضع طبيعي.
أصر على موقفه مرددًا بعناد:
- مش مستاهلة، أنا مسئول عنهم.
لتتكلم "عيشة" قائلة بامتنان:
- اشكرلنا الحاجة يا ابني على مجايبها.
نظر "عادل" تجاهها قائلًا:
- العفو على إيه بس.
عاود "فارس" وضع يده على منبت كتفه، وهذه المرة سحبه عنوة معه قائلًا بسخافة:
- تعالى أوصلك يا كابتن.
مجددًا أبعد أصابعه عنه، وقال وقد فهم رسالته الواضحة في طيات حديثه:
- اطمن، أنا عارف سكتي كويس.
......................................
ما أسهل التخلص من الضعفاء والدعس عليهم كأنهم حشرات، لا قيمة لهم، وجودهم من عدمه لن يشكل فارقًا بالنسبة له.
لم يندم "زهير" للحظة عما اقترف في حق "مروة" وعائلتها، اقتص من ثلاثتهم، وتركها تصارع الموت في مكب النفايات، لينتقل إلى مكان آخر، حيث وقف في شرفة منزل "فهيم"، يراقب ما يدور بالأسفل من حركة هادئة للمارة والمركبات بعينين تغلفهما سحابة من الظلمة المخيفة، كان منتصبًا في وقفته، صامتًا، سكوته يبث الرعب في الأبدان عن كلامه.
اقتحم المنزل قبل قليل، كاسرًا بابه حينما لم يجد استجابة من قاطنيه، ليتفاجأ به خاليًا من أي مظهر للحياة، التراب يكسو معظم الأرجاء، ولا يوجد دليل على استخدام محتويات البيت مؤخرًا رغم تواجد الثياب والمتعلقات الشخصية هنا وهناك.
بالكاد حافظ على هدوئه، وأرسل أحد أتباعه ليستدعي "اعتدال" من الأسفل، فجاءت إليه على وجه السرعة، لتبدي فروض الطاعة والولاء له وقد وقفت على مبعدة منه:
- سيد الناس!
دون أن يلتفت وينظر تجاهها، خاطبها في لهجة مدنية، وعيناه مثبتتان على مشهد الشارع أمامه، كأنها لا تستحق اهتمامه:
- يعني إنتي الساقطة واللاقطة ما بتفوتيهاش، جيتي على أهم حاجة وطنشتي؟
رغم هدوئه إلا أن كامل فرائصها ارتعدت، فقالت مبررة وهي تحاول السيطرة على الرجفة العظيمة التي نالت من بدنها قبل صوتها:
- والله يا كبيرنا اتصلت عليك كتير علشان أبلغك، بس.. بس وصلنا خبر موت ريسنا "الهجام"، وانشغلنا بالحزن عليه.
جاء تعقيبه غامضًا ومخيفًا في نفس الآن:
- لأ واضح فعلًا.
واصلت تبرير موقفها خشية غضبته المحسوسة:
- والله حاولت أستقصى عن الجدع اللي جه وخادهم، بس كان دبش، وطربش، ومعرفتش أخد منه حق ولا باطل...
صمتت هنيهة واقترحت من تلقاء نفسها:
- جايز يكونوا راحوا عند بيت أختها، ما هما مالهمش متوى إلا هو...
ظل على سكوته، فأكملت في نبرة مملوءة بالحماس، كما لو كانت تملك حلولًا سحرية لمعضلته:
- كمان اللي يقدر يفيدك يا سيدنا أكتر الواد "كيشو"، هو عارف كل حاجة عن عم "فهيم".
عقب جملتها الأخيرة تلك، نادى "زهير" عاليًا، وبصوت أجفلها:
- يا "عباس"!
في التو أجابه بعدما وقف على مقربة منه:
- أيوه يا كبيرنا.
أمره بلهجته التي لا ترد:
- عايز الواد ده عندي.
قال دون أن يجادله:
- اعتبره حصل.
استغلت "اعتدال" الفرصة لتؤكد كذلك على طاعتها الكاملة له:
- وأنا خدامتك يا سيدنا، من غير ما تؤمرني حتى، هتلاقيني آ....
انحشرت باقي جملتها في جوفها، حيث التفت كليًا دفعة واحدة، واندفع تجاهها لينقض عليها ويقبض على عنقها، اشتدت أصابعه قوة على عروقها، فأحست بأنفاسها تختنق، جذبها بخشونة نحو الشرفة، ورمقها بهذه النظرة المرعبة التي لا يمكن أن تنساها مطلقًا وهو يخبرها:
- ما بقيتيش تلزميني.
برزت عيناها على اتساعهما، لتتفاجأ به يدفعها بكل ما أوتي من قوة من الشرفة، فصرخت مستغيثة قبل أن تسقط منها:
- يا لهوي!
ارتطم جسدها الممتلئ بالشحم واللحم بالأرضية القاسية في لحظة من الزمن، فدكت عظامها، ولقت حتفها في التو بعدما انكسر عنقها، لتصبح جسدًا خاويًا قد فارقته الحياة.
كان "زهير" واثقًا تمام الثقة من عدم جرأة أحدهم على إفشاء سر ما حدث علنًا، لتصبح الرواية السائدة في المنطقة، وكأنها حقيقة مفروغ منها، بأن "اعتدال" لقيت حتفها جراء فقدانها لاتزانها أثناء محاولتها تنظيف سجاد منزلها بالسطح، لا أكثر ولا أقل.
......................................
ثرثرتها العفوية قبل أن يسلبها حقها في الحياة، منحته بارقة من الأمل لاستعادتها مرة أخرى، فاتجه بعدته وعتاده إلى البناية التي تقطن بها شقيقتها، متوهمًا أنها متواجدة هناك بصحبتها، وتحتمي بشبيه الرجال.
اقتحم المكان متقدمًا أتباعه دون أن يعبأ بحارس العقار الذي جلس باسترخاء على مصطبته، انتفض ليلحق به مناديًا فور أن رآه يتجاوزه وكأنه نكرة:
- إنت يا أستاذ، إنت يا حضرت! هي وكالة من غير بواب؟
كاد أن يمسك به من ذراعه ليستوقفه، إلا أن "عباس" اعترض مساره، وانقض على يده، دافعًا إياه للخلف، فزام فيه الحارس محتجًا:
- جرى إيه يا أخينا؟ إنتو مين بالظبط؟
بنفس الأسلوب الصلف أخبره:
- ملكش فيه...
ليتبع ذلك تحذيره الصارم:
- ده لو خايف على عمرك!
توجس الحارس خيفة منه، وسأله بصوت خفضه قليلًا، وكأنه يخشى من سماع أحدهم لسؤاله المستريب:
- إنتو مباحث ولا إيه؟
أتاه رده باعثًا على الرهبة:
- أقوى من كده.
شعر الحارس بجفاف مفاجئ في حلقه، وازدرد ريقه متمتمًا:
- استر يا رب!
فيما تساءل "زهير" وهو يضغط على زر استدعاء المصعد:
- فين شقة اللي اسمه "راغب"؟ أنهو دور؟
نظر الحارس إليه حينما أجابه:
- سي الأستاذ "راغب" عزل من فترة.
هبط الجواب الموجز على رأسه صادمًا، فدمدم بوجه شبه محتقن:
- عزل!
أكد عليه موضحًا باسترسال:
- إيوه يا بيه، وأني ومرتي كنا واقفين معاه نلموا العفش، أصله عقبال عندك اتنقل فرع البنك الجديد، بيقولوا بقى بيه كبير أوي هناك.
لحظتها كز "زهير" على أسنانه لاعنًا في حنق متزايد:
- ابن الـ ....
ليتدخل "عباس" مستعلمًا:
- طب متعرفش راحوا فين؟
هز رأسه نافيًا:
- لأ، معنديش خبر.
عاد إليه "زهير" وأمسك به من تلابيبه متسائلًا بخشونة:
- بيت أهله فين؟
انزعج الحارس من ردة فعله المبالغ فيها، وجاوبه وهو يحاول فك تشابك أصابعه القابضة على ياقة جلبابه:
- الست الحاجة أمه كانت ساكنة نواحينا كده، أني مش فاكر بالظبط.
ليشهر بعدها "زهير" سلاحه الناري في وجهه، فبرزت عيناه في محجريهما فزعًا منه، خاصة مع تهديده غير الممازح:
- أحسنلك تفتكر.
بارتجافة بائنة في نبرته هتف فيما يشبه الرجاء:
- حاضر يا بيه، هعصر مخي وأقولك على طول، اصبر عليا دقيقة.
ظن بسذاجة أن ذلك الرجل الحانق ينتمي لإحدى الجهات الأمنية غير المصرح بالحديث عنها، لهذا ارتاع من الإساءة إليه، فيما أمهله "زهير" بعض الوقت ليتذكر أين يقطن ذلك اللعين، وإلا لأفرغ فيه جام غضبه الذي بالكاد يحاول كبحه.
....................................
متعتها المفضلة حينما تفرغ من أعمالها المنزلية، تنسيق باقات الورد الصناعية، وعمل تشكيلات رائعة منها، لتستخدم كقطعة من الديكور، فتعطي مظهرًا أنيقًا، وتسر الناظرين لكونها ببساطة تدوم لمدة أطول ولا تتلف.
لاحظت "سميحة" وقوف ابنها على مسافة قريبة منه أثناء عملها على مائدة السفرة، فخفضت بصرها، وسألته وهي تقص ورقة زائدة من ذلك الفرع البلاستيكي الذي بيدها:
- خير يا "عادل"؟ واقف عندك كده ليه؟
تقدم ناحيتها، وقال وهو يناولها فرعًا آخر لتكمل عملها به:
- ماما ممكن خدمة؟
أخذته منه قائلة بابتسامة بشوشة:
- قول يا حبيبي.
أجلى أحبال صوته، وطلب منها بتردد:
- ينفع كده تطلي على جماعة عم "فهيم" من وقت للتاني تطمني عليهم؟
قطبت جبينها متسائلة باهتمام جاد:
- ليه في حاجة حصلت؟
خرجت من رئتيه تنهيدة عجيبة، جعلتها ترتاب إلى حد كبير في أمره، قبل أن يفرج عن مكنونات صدره بحذر:
- يعني "إيمان" بنتها الكبيرة، نفسيتها تعبانة بعد اللي حصلها، وأنا محرج أسأل عليها.
في شيء من المكر استطردت معلقة عليه:
- أنا ملاحظة إنك شاغل تفكيرك بيها الفترة دي.
هرب من نظرة عينيها التي تكشفه قائلًا بجدية مصطنعة:
- عادي يا ماما، مش النبي وصى على سابع جار.
ضحكت معلقة في استمتاع:
- عليه الصلاة والسلام، ماشي يا "عادل"، هنعمل بالوصية.
وكأن دفقة من السعادة قد غمرته، تحرك تجاهه، وانحنى مقبلًا أعلى رأسها وهو يقول في امتنان كبير:
- ربنا يخليكي ليا يا ماما.
...........................................
مع مثيلاتها من النساء الخبيثات لا يجوز إلا استخدام الحيلة والدهاء لاستدراجها في الكلام، واستخراج ما يريد معرفته منها دون أن تشك للحظة في نواياه، وإلا لاحتالت عليه، وتعاملت معه بحيطة وحرص.
استقبلت "نجاح" ضيفها غير المعروف لتتساءل مستفهمة قبل أن تؤدي واجب الضيافة معه:
- حضرتك قولتلي عايز ابني ليه؟
انتصب "زهير" بكتفيه ليبدو أكثر مهابة وتحكمًا، وأخبرها في هدوء، وهو يتعمد تدخين إحدى سجائره الفاخرة، ليؤكد على مدى ثرائه:
- أنا من عملاء البنك الـ VIP.
أثناء تواجده، حاول أن يستكشف إن كانت "دليلة" متواجدة مع شقيقتها هنا، إلا أنه لم يلجأ للسؤال مباشرة عن الأمر لئلا يزيد من استرابتها، فأطال واستطال في الحديث في أمور جانبية ريثما تحين اللحظة المناسبة لاستجوابها، بينما ظلت "نجاح" تنظر إليه بتشكك، فاستأنف حديثه وهو ينفث على مهل الدخان من بين شفتيه:
- وكان أستاذ "راغب" بيخلص لمعارفي تعاملات كتير، في مقابل عمولات إضافية، وهما رشحوه ليا، بحيث يسهللي شغل البنك المعقد.
ضاقت عيناها باسترابة أكبر، وعلقت في قدر من الإنكار، وكأنها تبدي شكوكها في صحة روايته العجيبة:
- بس ابني مقاليش حاجة زي كده.
بثقة لا يمكن زعزعتها عقب وهو يلصق بطرف ثغره بسمة مقتضبة:
- طبيعي ما يقولكيش، لأن ده شغل خاص، بعيد عن شغله الأساسي.
رفعت حاجبها للأعلى، وسألته:
- والمطلوب إيه؟
جاء رده بسيطًا:
- عايز أتواصل معاه.
ليأتيه سؤالها المتشكك وهي تحدجه بهذه النظرة الفاحصة النافذة:
- مش المفروض رقمه معاك؟
قال وهو يتعمد العبث في ساعة يده الرولكس ليخطف ناظريها:
- للأسف موبايلي اتسرق وضاعت كل البيانات اللي عليه.
بقيت على شكها منه مرددة:
- معقولة!!
مرة أخرى قصد ترك هاتفه المحمول ذي الماركة الشهيرة أمامها، وأخرج من جيبه حافظة نقوده، ليسحب إحدى بطاقاته بإصبعيه، ثم مررها إليها قائلًا:
- وده الكارت بتاعي لو حضرتك مش مصدقاني.
أخذتها منه لتقرأ ما دون عليها، ما لبث أن غطى وجهها تعابير الدهشة والصدمة، فعاودت النظر تجاهه متسائلة بذهول:
- إيه ده؟ هو حضرتك صاحب سلسلة المطاعم دي؟
قال بشيء من الزهو:
- ومش بس كده، في براندات تانية تخصني.
موجة من الطمع غمرتها كليًا، لتقول في نشوة:
- متقلقش ابني هيقدر يحللك كل مشاكلك، دلوقت هو ماسك مدير فرع البنك الجديد، وأي تسهيلات عايزها هيعملهالك.
علق بنبرة ذات مغزى، وهذه النظرة الماكرة تطل من عينيه:
- وأنا هشوفه كويس..
ليخرج من جيب سترته الآخر علبة قطيفة، ناولها إياها قائلًا:
- اتفضلي يا هانم، حاجة بسيطة.
سال لعابها حينما رأت هديته المغرية، فأخذتها على الفور وهي تسأله بفضول:
- إيه ده؟
لم يجبها، وتركها تنظر إلى ما بداخلها، فتفاجأت بوجود سوار يبدو للوهلة الأولى خاطفًا للأنظار، وباهظ الثمن، رفعته نصب عينيها، فالتمع وميضه البراق في حدقتيها، كانت منبهرة بهديته للدرجة التي جعلتها تغفل عن مراقبته الحثيثة لها، استطاع أن يفهم ماهيتها، إنها امرأة طامعة، تسعى وراء الفرص الذهبية، مهما كلفها الثمن. تداركت نفسها أخيرًا، ووضعت السوار في علبته قائلة بضحكة قصيرة مفتعلة:
- احم، شكرًا على ذوقك.
بمكر الثعالب سألها، وكأنه يلقي بشيء عابر:
- أومال فين المدام بتاعته؟ أظن إنها كانت مقيمة مع حضرتك هنا.
هتفت بشكل عفوي، دون أن تكترث لزلات لسانها:
- أعوذ بالله، مدام مين بس اللي تقعد معايا، هو أنا كنت ناقصة؟! خلاص معدتش موجودة، هو طلقها، حاجة بيئة وبلدي، ماتنفعوش.
رد بهدوء لا يثير الشكوك:
- عمومًا هو هيستاهل يناسب ناس أرقى وأعلى في المكانة.
أعجبها تعليقه، فقالت وهذه اللمعة اللئيمة تحتل حدقتيها:
- ده رأيي برضوه، شكلي هتفق أنا وحضرتك كتير.
قال وهو يشيح بنظرته بعيدًا:
- هيحصل.
وضعت "نجاح" علبة القطيفة جانبًا، وأمسكت بهاتفها المحمول لتعبث به قبل أن تناوله إياه قائلة بودية زائدة:
- اتفضل رقم موبايله أهو، ولو في أي حاجة تانية أنا تحت أمرك.
رد مجاملًا:
- شكرًا ليكي يا هانم.
استساغت توقيره لها، وبقيت عيناها معلقتان بالعلبة، ليعيد إليها هاتفها قائلًا:
- اتفضلي، وهستأذن أنا.
لينهض بعدها قائمًا، فقامت بدورها هاتفة:
- ده أنا لسه معملتش معاك الواجب؟
ظل محافظًا على تلك الابتسامة المنمقة وهو يخبرها:
- مرة تانية يا هانم، وفرصة سعيدة.
قالت في حبور متزايد:
- أنا الأسعد.
اصطحبته إلى باب البيت وهي تظن أنها نجحت في اقتناص صيد غاليًا ليكون تحت إمرة ابنها فيحقق كامل الاستفادة منه فيرتقي بوضعه الاجتماعي والمادي. بمجرد أن غادر وغدت بمفردها راحت تصفق بيديها في انتشاء لتهرع بعدها نحو علبة القطيفة لتفتحها، نظرت بانبهار إلى السوار اللامع، وهسهست مع نفسها في غبطة:
- الظاهر هيتفتحلك طاقة القدر يا ابني مع الناس الهاي لايف.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم منال سالم
تعمد أن يأتي اختيار مكان الإقامة الجديد قريبًا من عُصبته السابقة، تلك التي يدين لها بالكثير، ليلجأ إلى حمايتهم إن تطلب الأمر واضطر لمواجهة ذلك اللعين مجددًا، فيكونوا بمثابة درع الأمان ريثما يتمكن من القضاء على خصمه البغيض في معركة متكافئة الطرفين.
راح "فارس" يتفقد البناية من الخارج، كانت مناسبة للسكنى، في منطقة تعج بالنشاط والحيوية. أغلق البوابة الحديدية للمدخل قبل أن يصعد للطابق العلوي ليتجول في المنزل. بمجرد أن وطئ الصالة، راقه ما أحدث تابعه في المسكن من تغييرات واضحة تسر الناظرين، وفي وقت وجيز، فامتدح صنيعه المضني قائلًا بابتسامة عريضة:
-حاجة آخر ألاجة، ما فيش بعد كده!
رد عليه "منصور" مسترسلًا في الشرح وهو يشير بيده:
-أنا حاولت أظبطلك الشقة زي ما أمرت يا معلم، لسه فاضل كام حاجة في الكهربا، على بكرة بالكتير هتكون اتظبطت، وعربية العفش هتيجي كمان شوية تنزل الأوض وتتنصب على طول فيها.
قال بغير مبالاة لما يخصه:
-مش مهم أنا دلوقتي، أنا اللي يهمني شقة الجماعة..
ثم مد يده ليربت على كتفه مكررًا بصيغة أخرى تظهر استحسانه:
-بس الصراحة شغل عالي وعظمة أوي.
ابتسم في نشوة، وقال:
-بنتعلم منك يا معلم.
أخذ يتجول في الصالة، ويده تمسح على مساند الأرائك التي كانت لا تزال ملفوفة بتغليفها البلاستيكي والورقي ليقول في امتنان:
-تعبتك معايا يا "منصور".
رد عليه مجاملًا:
-ده أنت تؤمر يا معلم...
انحنى بعدها ليلتقط ورقة مصنوعة من الكرتون ملقاة بإهمال على الأرضية، وأضاف في همة:
-هروح المحل أتابع العمال.
تابعه "فارس" ما يقوم به بعفوية ليشدد عليه:
-عينك عليهم، لأحسن دول ما بيصدقوا حتى يغيب عنهم ويكروتوا الشغل.
أومأ برأسه مؤكدًا:
-لأ اطمن، أنا فوق دماغهم.
اصطحبه للخارج، ثم أغلق الباب من ورائه، ليتجول بأريحية في أرجاء المنزل وبداخله سعادة غامرة، خاصة بعدما بذل كامل الجهد لينتهي من تجهيزه ليصلح للإقامة بأريحية في وقت قياسي. توقف عند إحدى الغرف على وجه الخصوص، فجال بعينيه في تمهل على الطلاء الوردي أولًا، لينتقل بنظرته الفاحصة للثريا الصغيرة المتدلية من السقف، قبل أن تهبط نظرته على الفراش المرتب بعناية. دنا منه، ومال بجسده عليه ليمسح بيده على الملاءة في ترفق، كأنما يخشى أن يفسد ترتيبها المثالي. ما لبث أن علا ثغره ابتسامة متشوقة وهو يخاطب نفسه في شيء من التمني:
-إن شاء الله تعجبها الأوضة.
حرص كل الحرص على أن يكون أثاثها حديثًا، مزدانًا بألوان فاتحة، تدخل البهجة على النفس، وفي نفس الوقت مريحة للعين. سرعان ما تسرب إليه شعور مقلق من احتمالية رفضها لما يسعى لتقديمه من أجلها، فحسم أمره في التو:
-الأحسن إني ما أقولهاش إني نقيت العفش بنفسي.
لم يطل بعدها البقاء في الغرفة تجنبًا لما ينتابه من أحاسيس مربكة تجاهها، وغادر البيت في الحال لينتقل إلى منزله الآخر الكائن في نفس البناية وبنفس الطابق، ليتابع ما ينقص فيه على أمل أن يلتهي عقله عن التفكير في شأنها.
........................................
ليشرع في تنفيذ خطته الجهنمية بحذافيرها، ويضمن إيقاع فريسته في فخ الطمع المغري، أرسل سيدة ما استأجرها إلى منزلها، بحجة الاستعلام عن عنوان أحدهم؛ لكنها كانت وسيلته غير المشكوك فيها لاستدراجها نحو انتقامه المزعوم بأسهل الطرق وأسرعها خداعًا.
ضغطت المرأة المجهولة على زر الجرس، وانتظرت أن تقوم تحديدًا بفتح الباب لها، لترمقها "نجاح" بنظرة حائرة مستفهمة، قبل أن ينطلق لسانها متسائلًا:
-خير؟ عايزة مين؟
ابتسمت المرأة في ودية، وسألتها بهدوء:
-مش ده بيت الحاج "مدحت"؟
لوت "نجاح" ثغرها معلقة بتهكم:
-لا "مدحت" ولا "مسعد"! أنت غلطانة في العنوان.
قطبت جبينها محتجة باندهاش مصطنع:
-إزاي ده مكتوب هنا جوا العلبة دي؟ حتى شوفي...
وناولتها علبة مصنوعة من القطيفة، لتفتحها وتنظر إلى الورقة الموضوعة بداخلها. التقطتها منها، وقرأت ما كتب فيها قائلة بنفس الأسلوب الجاف:
-أه هو نفس العنوان، بس ما فيش حد بالاسم ده عايش هنا.
لتعيد العلبة إليها، فأخذتها المرأة، وقد بدأ يظهر عليها شيء من الانفعال، لتهتف مستنكرة:
-مش معقول، أكيد حضرتك مش عايزة تستلمي الأوردر، ده محجوز، وما فيش فيه استرجاع...
ثم أخذت تلوح بيدها في الهواء، لتبدو وكأنها تتشاجر رغم أن ذلك حرفيًا لم يحدث، وراحت تصيح في نفاد صبر:
-لو سمحتي هاتي حسابه، وأنت حرة مع المحل.
سرعان ما استفزها ذلك الأسلوب العجيب في النصب، فثارت عليها "نجاح" بحدة:
-أنت عايزة تلبسيني أي داهية وخلاص؟ فكرك أنا مغفلة وعبيطة وهصدق حوارك ده؟ غوري بدل ما أطلبلك البوليس يا نصابة!
توعدتها المرأة بوجه مربد من الضيق:
-بقى كده، طيب.
صفقت "نجاح" الباب بعصبية من ورائها، وصوتها الحانق يندد عاليًا:
-إيه يا أخواتي البلاوي السودة دي!!!
ببراعة شديدة أخفت المرأة تعبيرات الانتشاء التي كانت تقاتل للظهور على محياها، خاصة وهي تندفع تجاه المصعد لتستدعيه، فقد نجحت ببساطة في توثيق مشادتهما المفتعلة عبر الكاميرا المواجهة لبابها، فتظهر لمن يتابع التسجيل وكأنهما على خلاف معين حول شيء ما دفعهما للتشاجر.
............................................
مؤخرًا، أصبح المطعم مقره الدائم حاليًا لإنهاء كافة أعماله وأموره العالقة، فكان ينجز كافة ما يخص شؤونه وهو متواجد به في الغرفة التي تم إعدادها لتكون حجرة مكتبه، وكأنه يخشى العودة إلى التبة لممارسة ما اعتاد على فعله بعدما خسر شقيقه الوحيد.
أثناء انشغاله بمطالعة بعض الأوراق الهامة، جاءه "عباس" على وجه السرعة، ليعلمه بالبشارة:
-كله تمام يا ريسنا، حصل المطلوب.
توقف عما يفعل، ورفع بصره إليه ليستطرد، وتلك الابتسامة المقتضبة قد ارتسمت على طرف فمه:
-زي الفل.
ظل "عباس" منتظرًا أمره التالي، فيما أراح الأخير ظهره للخلف متابعًا في لهجة آمرة ومشيرًا بإصبعه:
-بلغ الصايغ يروح القسم يبلغ عن الحتة الألماظ المسروقة من عنده.
دون جدال هز رأسه في طاعة وهو يرد:
-عُلم.
هم بعدها بالتحرك؛ لكنه تراجع ليستدير ناحيته قائلًا في شيء من التردد:
-ما تأخذنيش يا كبيرنا، أنا بس عندي استفسار كده.
مرة ثانية رفع "زهير" عينيه إليه هاتفًا في تحفز:
-قول.
أجلى أحبال صوته أولًا قبل أن يعبر عما يدور في رأسه من أفكار حيرى:
-ليه اللف والدوران ده كله؟ ما كنا روحنا جبنا الواد الطري ده من قفاه، وخصوصًا إننا عارفين مكانه، وخلناه ينطق ويعترف باللي عايزينه من غير ما نعمل حوارات.
لف "زهير" قلمه الحبري حول أصابعه بحركة دائرية سريعة، وقال في هدوء واثق:
-ولا كان هيأثر عليه أي حاجة، لكن لما يشوف أمه مذلولة، وروحها بين إيديا، هيعمل أي حاجة علشان يطلعها من المصيبة اللي لابساها، ومن غير ما نظهر في الصورة.
حينما تبدد الغموض الذي غلف رأسه وجعل الصورة غير كاملة في ذهنه، أدرك مدى داهية رب عمله، فصاح يثني على ذكائه ونباهته في تفاخر:
-دماغ سم يا كبيرنا.
لكن "زهير" لم يكن مثله في حالة مزاجية رائقة، بل بدا مشحونًا بالغضب الشديد برغم محاولته الظهور بمظهر الهدوء والاسترخاء، إلا أن تعابيره المشدودة وشت بما يجوس في أعماقه. سرعان ما طرح عليه سؤاله التالي في جدية:
-شوفتلي الواد "كيشو" فين؟
أجابه في الحال:
-أه يا ريسنا، مقبوض عليه في خناقة، يومين وهيطلع.
أعطاه أمره غير المردود:
-أول ما يخرج تجيبه عندي.
حرك رأسه في انصياع تام حين رد:
-ماشي كلامك.
انصرف بعدها ليكمل أعماله، بينما نهض "زهير" من موضع جلوسه ليتحرك تجاه الواجهة الزجاجية، دس يديه في جيبي بنطاله، وطاف بعينيه على المارة مرددًا فيما يشبه الوعد:
-مسيري أوصلك حتى لو كنت مستخبية في قمقم!
.....................................
وكأن رصيدها من الكرم والسخاء لا ينضب أبدًا، حيث أعدت "سميحة" ما لذ وطاب، واتجهت إلى ضيفاتها الخجلات لتجلس معهن، فاستقبلتها "عيشة" بترحيب شديد، حدقت في وجهها بتعبير ينم عن شعورها بالامتنان قبل أن تخبرها صراحة:
-تسلم إيدك ورجلك يا حاجة على كل حاجة بتعمليها معانا.
ردت "سميحة" في لطافة:
-يا ريت والله أقدر أعمل أكثر من كده، ما كنتش اتأخرت.
تابعت على نفس الوتيرة الشاكرة:
-كفاية استقبالك الغالي لينا في بيتك، واحنا زي ما بيقولوا كده طبينا عليكم ولا القضا المستعجل.
عاتبتها على كلماتها الأخيرة في رقة:
-عيب الكلام اللي يزعل ده، أنتم ضيوف عزاز، وغاليين عندنا.
قالت باسمة:
-ربنا يكرم أصلك.
بحذر واضح سألتها، وهذه النظرة الجادة قد برزت في حدقتيها:
-أخبار "إيمان" إيه؟
حملقت فيها "عيشة" بقليل من الاستغراب، فأسرعت "سميحة" تبرر لها، قبل أن تسيء الظن بها:
-أصل سمعت من ابني إن نفسيتها تعبانة شوية:
انفلتت تنهيدة طويلة محملة بالأسى من صدر "عيشة"، أتبعها قولها الحزين:
-من بعد اللي شافته من اللي ما يتسمى وهي حالتها لا تسر عدو ولا حبيب.
حاولت مواساتها قائلة:
-بكرة ربنا يعوضها بالأحسن، دي مش نهاية العالم.
ردت وهي تحرك رأسها بإيماءات صغيرة مقتضبة ومتواترة:
-ربنا موجود.
ساد الصمت لبعض الوقت، إلى أن قطعته "عيشة" مرددة في نبرة صارت أكثر جدية عن ذي قبل:
-أنا كنت هفوت عليك أقولك إننا خلاص هنمشي بكرة.
حلت بها صدمة لحظية، وانعقد ما بين حاجبيها مرددة بدهشة كبيرة:
-بكرة؟!
أوضحت لها في قدر من الاسترسال:
-أيوه، "فارس" ابن عم البنات جابلنا مطرح ننقل فيه، واحنا هنلم حاجاتنا ونمشي.
مضت تنظر إليها معقبة بأسف، وكأنما تستحضر في ذهنها ما قد يشعر به ابنها بمجرد أن يعلم عن رحيلها:
-بالسرعة دي؟ أنتم ما لحقتوش تقعدوا.
بشيء من المنطقية أخبرتها:
-مش عايزين نكون ثقال، وعلى رأي المثل يا بخت من زار وخف.
عادت لتستعتبها في هدوء:
-برضه بتقولي ثاني الكلام اللي يزعل!
قالت مبررة:
-اعذريني يا حاجة، أنا بافهم في الأصول، وعارفة اللي يصح وما يصحش، وكفاية استقبالكم لينا في وقت ما كناش عارفين نتصرف فيه.
جاء ردها ودودًا للغاية:
-احنا نعتبر أهل، وهنفضل كده بأمر الله.
ابتسمت لمعاملتها الراقية معها، وهتفت مؤكدة لها:
-بأمر الله، وربنا يديم المحبة بينا.
كل ما شغل تفكيرها بعد انقضاء ذلك اللقاء، هو كيفية إخبار ابنها بمسألة قرار العائلة بالمغادرة، حتمًا لن يتقبل هذا الواقع المرير بسهولة.
.....................................
بعد أيام من المماطلة، والانشغال بأمور أخرى بدت بالنسبة له مصيرية، قصد "عادل" الذهاب إلى عمله على مضض ليتفقد أحواله، ويتابع مع أبيه ما ينقص، فما إن رآه الأخير حتى وبخه في الحال بلهجة لم تكن متسامحة منذ الوهلة الأولى:
-ياه، أخيرًا افتكرت إن وراك شغل ومصالح متعطلة.
تنحنح متسائلًا ببرود مصطنع:
-في إيه يا بابا؟
أتاه تعنيفه منطقيًا:
-في إنك سايب حالك ومالك، وشاغل نفسك بعيلة "فهيم" الله يرحمه، والمفروض تكون بتجهز نفسك اليومين دول علشان تسافر الصين تجيب البضاعة اللي تلزمنا.
كشيء من إراحة الضمير علق عليه:
-حاضر، هانت، أطمن بس إن هم بخير وآ...
أغاظه للغاية إهماله لما يخصه، فقاطعه في غير صبر:
-يا ابني أنت ليه محسسني إنهم مقطوعين؟ ما هم معاهم واحد طول الحيطة شايف مصالحهم، ركز أنت في نفسك،
سامعني؟
لم يرغب في الجدال معه، فاكتفى بمنحه ذلك الرد الذي يريح من يسمعه، ويكفه عن إزعاجه:
- ربنا يسهل.
لم يستسغ "رجائي" الحال الذي غدا عليه ابنه، ومع ذلك فضل أن يتجنب خوض النقاش، فلكل شيء نهاية، ولن يظل الوضع معلقًا هكذا.
بمقلتين مشبعتين بنظرات الحزن والانكسار، تأملت "إيمان" الحقيبة اليتيمة التي جمعت فيها متعلقاتها مع شقيقتها، لتستطرد بعدها ساخرة في مرارة، وهي بالكاد تحاول الابتسام لتخفي وراء بسمتها الباهتة إحساسها الراسخ بالانهزام:
- ماما عاملة حوار في لم الحاجة، وإحنا أصلًا معندناش اللي نلمه، ده معظم الحاجة شاحتينها.
في نبرة متعاطفة حادثتها "دليلة"، وكأنها تبث لها طاقة خفية لدعمها:
- معلش، بكرة ربنا يعدلها، واللي راح يرجع.
انتظرت قليلًا تعقيبها عليها، لتردف "إيمان" في نبرة يائسة للغاية:
- ده الكلام الخايب اللي بنصبر بيه نفسنا، ما فيش حاجة راحت بترجع...
تنهدت بعدها متسائلة في إحباطٍ أكبر:
- ولا إنتي مصدقة إن ده هيحصل؟
كافحت "دليلة" لئلا تستسلم لهذا الشعور المهلك للنفس، فشرعت تستعرض موجزًا لما يجب أن تؤول إليه أوضاعهما لاحقًا:
- اللي إحنا شوفناه ومرينا بيه مش قليل، ومحدش هيقف جنبنا لو فضلنا كده ضعاف، بنعيط ونتقهر على اللي حصلنا، إحنا محتاجين نعتمد على نفسنا علشان نقدر نكمل ونقف على رجلينا ونواجه الحياة مهما كانت قاسية معانا وما بترحمش.
انقبض قلبها من حديثها المملوء بكافة أنواع المشاعر المتناحرة، وراحت تسألها في توجسٍ:
- قصدك إيه؟
كان جوابها بسيطًا للغاية رغم جدية نبرتها:
- لما نستقر في البيت الجديد لازم نشوف لنا شغل، ما ينفعش نستنى اللي يمد إيده في جيبه ويدينا.
اندهشت للغاية من تفكيرها الذي فاق إلى حدٍ كبير سنها، وهتفت تسألها، كأنما تتأكد من شيءٍ ما دار في خلدها:
- تقصدي "فارس"؟
بلا مراوغة أفصحت لها صراحة:
- أيوه، هو نصب نفسه مسئول عنا، وإحنا مش مستنيين إحسانه علشان يدي لنفسه حق مش حقه من الأساس، ويعمل راجل علينا.
ردت عليها بمنطقيةٍ:
- طب ما إحنا يعتبر هنعيش في ملكه.
صححت لها ما قد غفلت عنه نظرًا لتطور الأوضاع بشكلٍ سريع ومتلاحق:
- مين قال كده؟ ما إحنا لينا ورثنا من بابا الله يرحمه، إنتي ناسية ولا إيه؟
رفعت حاجبها للأعلى متمتمة:
- أيوه صح.
فيما استكملت "دليلة" حديثها على نفس المنوال الجاد:
- إحنا المفروض نعمل إعلام وراثة، وبعد ما يطلع، نتصرف في اللي يخصنا، سواء كانت الشقة الفقر اللي كنا عايشين فيها أو نصيبه في الفرن، وبالفلوس نشتري المكان اللي هنسكن فيه.
سألتها مستفهمة وهي تحك طرف جبينها بإصبعيها:
- بس ده معناه إن "فارس" داخل معانا في الورث، ده غير عمتي علشان بابا ما جابش ولاد، صح كده ولا أنا غلطانة؟
سكتت للحظةٍ قبل أن تعلق:
- بصي إحنا الأفضل نشوف محامي يظبط لنا الحوار ده، المهم محدش يبقى له فضل ولا جمايل علينا.
للمرة الأولى منذ فترة طويلة تبتسم في رضا، تفاجأت "دليلة" برد فعلها، وكذلك بموافقتها عندما أخبرتها وهي تضع يدها على منبت كتفها:
- وأنا معاكي.
مدت يدها هي الأخرى لتربت على ذراعها هاتفة في تحمسٍ:
- اتفقنا.
كان لا يزال محلقًا في عالم الأحلام والخيالات الوردية، إلى أن اصطدم بأرض الواقع القاسية. فضح تعبير وجه "عادل" الصدمة الجلية التي شعر بها بعدما أطلعته والدته على ما استجد من أمور، ليهتف في غير تصديقٍ:
- هيمشوا بكرة؟!
أدركت مدى الحزن العميق الذي كسا ملامحه، ورددت وهي تشفق عليه:
- أنا قلت أعرفك، لأن حسيت إن شكلك ما عندكش خبر.
هتف في استنكارٍ متعاظم، كأنما يرفض تصديق ذلك:
- طب ليه كده؟ في حاجة ضايقتهم؟
أكدت له وهي تهز رأسها نافية:
- خالص، بس على حسب كلام الست "عيشة" هما لاقوا مكان تاني، وجاهز إنهم ينقلوا فيه.
بدا كمن تعلق بحلمٍ آيل للزوال، فانهار جالسًا على طرف فراشه، مستغرقًا في صمتٍ مريب، لينتاب والدته إحساسًا بالقلق تجاهه، فجاورته متسائلة باهتمامٍ وهي تضع يدها على كفه:
- مالك يا "عادل"؟
قال وهو يغالب شعورًا مؤلمًا بالعجز والحزن:
- ما فيش يا ماما، بس افتكرت حاجة في الشغل ولازم أروح أشوفها.
كان بحاجة للاختلاء بنفسه بعيدًا عمن قد يكشف ما يجوس في أعماقه تجاه تلك الشابة التي استحوذت على تفكيره وشغلته عن أي شيء آخر منذ أن أصبح متورطًا في مشكلاتها الشخصية طواعية وعن إرادة تامة منه. لم تمانع "سميحة" من ذهابه المفاجئ، وقالت في تفهمٍ مشوب بالتعاطف الضمني:
- طيب يا حبيبي، خد بالك من نفسك.
رد وهو يندفع مسرعًا خارج غرفته لئلا ترى ما ساد على قسماته من كدرٍ شديد:
- بأمر الله.
شيعته بنظرتها الأمومية الحانية، ولسان حالها يدعو له بصدقٍ:
- ربنا يصلح حالك.
رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم منال سالم
جراء قيادته المتواصلة لعدة ساعات متواصلة، آلمته فقرات عنقه، لذلك قرر "فارس" التوقف قبل أن يصل إلى وجهته من أجل نيل قسط من الراحة، وأيضًا أعدها فرصة طيبة لتناول الطعام مع عائلته.
ولج الجميع إلى داخل تلك الاستراحة المتواجدة على الطريق، لتبحث الشقيقتان عن الحمام لغسل وجهيهما، فيما جلست "عيشة" على مائدة صغيرة وهي تنهج من التعب بعدما سبقتهما في الدخول إليه.
أبدت ثناءها على فعلته حينما سحب المقعد البلاستيك، وجلس على مقربة منها:
- خير ما عملت يا ابني، الواحد جسمه قفش من قعدة العربية الطويلة.
ابتسم قائلًا في لطافة:
- هانت يا مرات عمي، قربنا نوصل.
في نبرة غلفها القليل من الأسى واصلت كلامها إليه:
- تعبناك معانا، وإنت ملكش ذنب تشيل همنا.
عاتبها بودّية:
- ما تقوليش كده، أنا ماليش إلا أنتم دلوقت.
ليدير رأسه جهة اليمين حينما خاطبته "إيمان" متسائلة وهي تجفف يدها بمنشفة ورقية:
- هو احنا مش هنروح عند عمتي؟
رد بردٍ قاطع:
- لأ.
لتتوجه هذه المرة "دليلة" بسؤالها المستفهم إليه:
- ليه يعني؟
حاول ممازحتها فاستطرد مبتسمًا:
- وأنا اللي بقول عنك ذكية!
انزعجت مما اعتبرته تلميحًا متواريًا بإهانتها، وبادرت بالهجوم عليه:
- قصدك إيه؟
لاحظ ما شاع في تعبيرات وجهها من علامات استياء صريحة، فأردف موضحًا، وقد اضطرب داخله:
- بهزر معاكي يا بنت عمي، غرضي من اللي بعمله ده، إن احنا نختفي عن الأنظار، نروح مكان محدش يعرفنا فيه، علشان البأف ده ما يوصلناش.
استحسنت "عيشة" حُسن تفكيره قائلًا:
- عين العقل.
فيما جلست "دليلة" في مواجهته، وخاطبته في عزمٍ وإصرار:
- ماشي، بس لازم تبقى عارف أيًا كان المكان اللي هنقعد فيه، فأنا هنزل أدور على شغل مع أختي.
استنكر للغاية إقصائه عن حياتها معاتبًا:
- وهو أنا قصرت معاكوا في حاجة؟
ردت بشيءٍ من الوقاحة:
- احنا مش منتظرين حد يصرف علينا.
ازداد استعتابه لها من نظرته الحزينة وكذلك نبرته:
- حد، هو أنا غريب ولا إيه؟ ما تتكلمي يا مرات عمي.
لئلا يتطور الوضع بينهما إلى صدامٍ محتمل، تدخلت "عيشة" قائلة بحسمٍ:
- وده وقت خناق، احنا لسه على طريق سفر، لما نوصل بالسلامة يبقى يحلها ألف حلال.
ردت عليها "دليلة" في تصميمٍ:
- علشان نبقى على نور من أولها.
بينما علق عليها "فارس" وهو يدفع مقعده بشيءٍ من العصبية لينهض قائمًا:
- لا نور ولا ضلمة!
لم تتغير نظرتها إليه رغم كامل الجهد الذي يبذله من أجل إرضائها، ظلت على عزوفها الصريح مما يخصه، رافضة قبول أقل شيء طالما أنه منه، كان بحاجة لتعويذة سحرية لتشدها للاقتراب منه.
سألته "عيشة" حينما أبصرته يبتعد عن المائدة:
- رايح فين يا "فارس"؟
أجابها دون أن ينظر تجاهه:
- هفول العربية وأرجع.
ما إن ذهب بعيدًا حتى قامت "عيشة" بتوبيخ ابنتها لأسلوبها الفظ في التعامل:
- ما بالراحة على ابن عمك يا "دليلة"، الراجل ما غلطش في حاجة.
رفعت أنفها للأعلى في إباءٍ، وقالت مبررة تصرفها بهذه الطريقة الجافة:
- يا ماما ده أحسن، خلي كل واحد يكون عارف حدوده من الأول ويلتزم بيها.
فيما أيدتها "إيمان" في موقفها قائلة:
- "دليلة" بتتكلم صح يا ماما، وأنا موافقة على ده، وهنزل أدور على شغل معاها.
حملقت فيها "عيشة" باندهاشٍ كبير، وراحت تدمدم بتهكمٍ:
- إيه الجنان اللي طق في دماغكم السعادي!!!
..............................................
من أقاصي الأرض جاء مرتديًا جلبابه الكحلي وعمامته البيضاء المضبوطة بإحكامٍ حول رأسه ليؤدي تلك المهمة المكلف بها، لولا اضطراره للذهاب لما ترك أعماله ومصالحه ليأتي إلى هنا ليتأكد من تسليم بضائعه إلى التجار دون أن تتعرض للسرقة مثلما حدث في المرة السابقة، مما كبّده الكثير من الخسائر المادية.
هبط بطوله الفارع، وكتفيه العريضين من سيارته ذات الدفع الرباعي متوجهًا إلى مكان يبدو أقرب إلى التكية، حيث يحتشد فيه عشرات الرجال من ذوي الثياب المتنوعة ما بين جلابيب وقمصان على سراويل متباينة الألوان، الكل منهمك في عمله وكأنهم في خلية نحل.
ما إن رآه زعيمهم مقبلًا عليه حتى هب واقفًا من على مصطبته ليرحب به بحرارةٍ شديدة:
- عم الناس كلهم عند "العربانية" بنفسه، والله ما مصدق عنيا.
مسح "غيث" على ذقنه الخشنة بيده قبل أن يضع ابتسامة صغيرة مقتضبة على زاوية فمه متسائلًا في لهجة صعيدية أصيلة:
- جيت في ميعادي؟
أجابه "وهبة العرباني" فيما يشبه المدح:
- على الشعرة مظبوط يا واد عمي.
داعب "غيث" شاربه متسائلًا، وكأنه يحاول مناكفة رفيقه القديم الذي بات أقرب لأن يكون فردًا من عائلته الغالية:
- لساتك غاوي شغل شقاوة يا "عُرباني"؟
في التو رفع كفيه إلى السماء نافيًا، وبشدة:
- توبنا إلى الله من زمان، من وقت ما قطعت على نفسي العهد، وأنا ماشي في السليم، دي كلها مصالح ناس بنخلصها ونطلع بحسنة، وكله بما يرضي الله.
مد يده ليربت على كتفه قائلًا وهو يتحرك صوب المصطبة الخشبية ليستقر جالسًا عليها:
- هصدقك بكيفي.
جلس مجاورًا له، وقال باسمًا:
- وأنا أقدر برضه أعصاك! ده أنا حلفت بيمين الله على إيديك.
عاد "غيث" ليسأله بملامح اكتسبت طابعًا جديًا:
- ها، خلصت اللي قولتلك عليه؟
هز رأسه مؤكدًا:
- أيوه، كله تمام يا ريسنا، مسافة ما نعمل معاك الواجب هتلاقي حاجتك قضيت، والبضاعة راحت للتجار واستلمت المعلوم.
رد عليه معترضًا بنفس النبرة الجادة:
- أني مش جاي أضايف.
هتف مستنكرًا عزوفه عن التمتع بكرم ضيافته:
- والله أزعل، إنت عاوزهم يقولوا عني إني بخيل ومعملتش الأصول مع سيد البر الغربي كله؟
أصر على رأيه بقليلٍ من العناد:
- وقت تاني، أني يدوب أخلص معاك، وألحق سكتي.
قبل أن يقنعه بالعكس جاء إليه أحد رجاله هاتفًا في نبرةٍ شبه قلقة:
- ريس "وهبة"، في مرسال جاي من عند جماعة "الهجام" طالب يقابلك دلوقت وضروري.
انقلبت سحنته على الأخير، وغمغم في نفورٍ:
- قطعت سيرتهم ولاد الحرام دول!
فيما تساءل "غيث" بنظرة حادة، وهذا التعبير الحانق قد ساد وجهه:
- إيه اللي فكرهم بيك دلوقت؟
خشي من غضبته التي تلوح في الأفق، خاصة أنه يعلم مثله بمدى وضاعة تلك العُصبة المقيتة، فأخبره بما يشبه الوعد:
- حوار كده هبقى أقولك عليه بعدين.
ليتساءل الرجل في حيرةٍ:
- أقوله إيه يا ريسنا؟
أشار له بيده وهو يأمره:
- دخله.
وقتئذ نهض "غيث" من مجلسه مستأذنًا:
- طيب أسيبك معاه وأشوف مصالحي.
قام "وهبة" بدوره، وهتف محتجًا على الأخير:
- ودي تيجي يا واد عمي، ده إنت كبير القعدة هنا.
أصر عليه بجديةٍ:
- معلش، خليني أشوف مصالحي.
رفض بشكلٍ قاطع:
- وربنا ما يحصل.
ليأتي "عباس" من بعيد فيعاود كلاهما الجلوس على المصطبة، والأول قد بادر بالتحية وهو يرفع يده في الهواء مرحبًا:
- سلام عليكم على الرجالة.
رد عليه "وهبة" بتحفظٍ:
- وعليكم السلام.
وضع يده على صدره مُعرفًا بهويته:
- محسوبكم "عباس" الدراع اليمين للريس "زهير الهجام"، أخو المرحوم "كرم الهجام".
أتى تعليق "وهبة" هازئًا:
- عاوز إيه يا سي دراع...
ابتلع "عباس" على مضضٍ إهانته المبطنة، وحول بصره تجاه "غيث" الذي لم يكف عن رمقه بنظرات قاسية مخيفة، ليلاحظ "وهبة" ما يدور بينهما من حديث صامت، فاستدر من تلقاء نفسه مُصرحًا:
- اتكلم، الدار أمان، ده أخويا وابن عمي.
بكلماتٍ مباشرة دخل في صلب الموضوع متسائلًا:
- الريس "زهير" بيقولك تاخد كام وترفع الحماية عن واحد من رجالتك؟
تقطب جبين "وهبة" حين بادله السؤال بآخر:
- تقصد مين بالظبط؟
ليأتيه الجواب محددًا:
- اللي اسمه "فارس"، ليه حوار معانا وإحنا عايزين نأدبه بمعرفتنا.
استهجن "وهبة" بشدة مطلبه، فتحولت نبرته للحدة وهو يسأله:
- ومن امتى "العُربانية" بيفرطوا في رجالتهم؟
في نبرة استعلاء وتفاخر علق "عباس" عليه:
- كله بالفلوس بيخلص يا عمنا!
واحنا جاهزين للي تطلبه، مهما كان عدد الأصفار!
بالكاد كتم "وهبة" حنقه منه، والتفت ناظرًا إلى رفيقه المقرب يسأله:
-رأيك إيه يا واد عمي؟
دون أن تهتز عضلة واحدة من وجهه الجاد في تعبيراته القاسية، أخبره بنبرة ثابتة، لا تشوبها شائبة:
-هجولك أنا الناهية، احنا ما بنفرطوش في رجالتنا، أيًا كان اللي عملوه، غلطوا نحاسبهم بالأصول.
اغتاظ للغاية من موقفهما الذي اعتبره معاديًا له، ووجه سؤاله إلى "وهبة" كنوعٍ من التحذير:
-ده آخر كلام يا ريس "وهبة"؟
في غرورٍ صريح أعلمه:
-أنا ما بردش كلمة لكبيري.
لحظتها فقط رفع "عباس" سبابته في وجهه مطلقًا تهديده:
-بس خليك فاكر اللي يعادي الهجامة ما بيكسبش!
هذه المرة سخر منه "غيث" حينما عقب وهو يفتح ذراعيه في الهواء:
-هما بيجولوا إيه عندكم يا بحاروة، يا أهلًا بالمعارك.
انسحب "عباس" وهو يشتعل غضبًا من تحديه السافر الذي لم يكن يتوقعه، خاصة أن دفة الحوار تحولت مع ذلك الغريب ليغدو الناهي الآمر في مسألة لا تربطه أدنى صلة بها.
بمجرد أن رحل عن المكان، استدار "غيث" متسائلًا في نبرة شبه مهتمة:
-إيه حوار الواد ده يا "عرباني"؟ سالك ولا؟
أجابه في عبارات موجزة لمعضلته:
-ده واد جدع، ياما خدمني، جالي من قريب قصدني في متوى ليه هو وجماعته، وأنا ما كدبتش خبر، ظبطتله دنيته، وشوية وهتلاقيهم على وصول.
سكت "غيث" قليلًا، ثم حادثه بلهجة جادة:
-نصيحتي ليك ما تورطش نفسك في حوارات وخصوصًا مع اللي لا ليهم عهد ولا مِلة.
رد مدافعًا عنه:
-"فارس" غير الواغش بتوع زمان.
استغرب من تحيزه لصفه، وعاود تكرار جملته عليه:
-أني بنصحك لوجه الله، وإنت حر.
لم يجادله كثيرًا، وأكد له وهو يضع يده فوق رأسه:
-كلامك على راسي من فوق يا سيد الناس.
...................................
بدت وكأن حلول الأرض انتهت جميعًا، وأصبح الأمر متروكًا لرب السماوات والأرض لإنقاذها مما هي فيه، حتى زوجها مع صلاته القوية تعذر عليه إخراجها من محبسها، وصارت مضطربة للمكوث مع ذوات السوابق والشبهات. تأففت "نجاح" من الرائحة الكريهة التي تفوح في غرفة الاحتجاز، وحاولت تغطية أنفها بكم ثوبها، إلا أن ذلك لم يمنع الرائحة البغيضة من النفاذ إلى أنفها وإصابتها بالغثيان. انزوت عند أحد الأركان محاولة تجنب بقية المحتجزات اللاتي كن يتناوشن مع بعضهن البعض من آن لآخر.
اقتربت منها إحداهن، وحاولت مضايقتها عن عمدٍ، فالتصقت بها هادرة بصوتٍ فج وآمر:
-ما تتاخري شوية يا ولية، كان حجز أبوكي ده!!
انتفضت في وجلٍ حينما لامستها، لتهب واقفة وهي تصيح في وجهها بصوتٍ مهتز رغم حدة وتيرته:
-في إيه يا ست إنتي؟ ما تتكلمي كويس، هو أنا جيت جمبك أصلًا؟
نهضت المرأة من موضعها، وناطحتها الند بالند وهي تلكز منبت كتفها بقسوةٍ:
-وإنت تقدري يا حيزبونة، ده أنا أعمل من وشك خرايط.
توجست "نجاح" خيفة من احتمالية امتلاك تلك المرأة العدوانية لأداة حادة ربما تهاجمها بها، وتحدث في أي جزء من بدنها الضرر الجسيم، خاصة أنها تبدو متأهبة لفعل هذا، لذا كان من العقل تجنب الصدام معها، فتراجعت مبتعدة عنها وهي تخبرها:
-خلاص سيبالك المكان كله إشبعي بيه.
اعترضت المرأة طريقها، وأمسكت بها من ذراعها ساخرة منها باستحقارٍ فج:
-هأو، دي منطقتي يا ولية يا خرفانة، وأنا هنا اللي أقرر مين يترزع ومين يقف.
ارتعدت فرائصها من أسلوبها العدائي الشرس، وانكمشت على نفسها مخافة منها، لتهمهم مع نفسها في ذعرٍ كبير:
-إنت فين يا "راغب"؟ سايبني للبهدلة دي إنت وأبوك!
فيما تدخل امرأة أخرى قائلة بشيءٍ من التهكم:
-ما تخفي على تيتة الحاجة يا مِزة، دي ما تستحمل نكشة من بتوعك.
آنئذ أطلقت المرأة الأولى ضحكة رقيعة مجلجلة أتبعها قولها الهازئ:
-على رأيك، ده أنا لو عطست في وشها أجيب أجلها.
ليأتي صوت أحد أفراد الشرطة محذرًا بغلظة من الخارج:
-ما تسكتي يا مَرة منك ليها، خوتوا دماغنا برغيكم...
ثم سكت لهنيهة ونعتهم في اشمئزازٍ:
-داهية تاخدكم يا بُعدة!!
كركرت المرأة ضاحكة في فجاجةٍ، وخاطبته:
-بالراحة علينا يا شاويش، إنت ما لكش في الجنس الناعم ولا إيه؟
رد عليها بنفورٍ صريح:
-لا ناعم ولا خشن، ربنا يرحمنا من أشكالكم الضالة.
استغلت "نجاح" فرصة انشغال تلك الشرسة بالحديث مع فرد الشرطة لتبتعد عن زاوية أخرى، ولسان حالها يردد في خوفٍ متعاظم:
-أنا مش هستحمل أفضل هنا أكتر من كده، أنا ممكن أموت فيها!
....................................
صار في غاية الامتنان لأن والده كان لا يزال محتفظًا بأرقام عائلة "فهيم" بالكامل، لذلك أعاد إرسالها إليه، ليتواصل "راغب" مع "إيمان" هاتفيًا، آملًا ألا تتجاهل اتصاله، فحياة والدته تقف على المحك، وتجاوبها معه هو السبيل الوحيد لإخراجها من تلك القضية الملفقة.
بنظرة مليئة بالخوف تطلع "راغب" إلى ضيفه الجالس بزهوٍ على المقعد عندما استطرد يكلمه:
-معايا رقمها يا باشا.
وضع "زهير" ساقه فوق الأخرى، وضم أصابع كفيه معًا ليضعهم فوق حجره معلقًا بهدوءٍ:
-وريني الشطارة، براءة أمك في إيدك دلوقت.
هز رأسه مرددًا في طاعة تامة:
-حاضر، هعمل كل اللي تقول عليه.
................................................
دعتها الحاجة لتلبية نداء الطبيعة، فتوجهت إلى الحمام، وتركت ابنتيها بمفردهما، فيما انتظر "فارس" خارج الاستراحة بجوار سيارته، متحاشيًا الصدام مع "دليلة" التي تثير أعصابه، وتدفعه للجنون بنفورها منه، كأنه نكرة لا فائدة مرجوة من وجوده.
حينما رن هاتف "إيمان" الموضوع على المائدة المربعة أمامها، نظرت إلى ذلك الرقم الغريب باسترابةٍ وحيرة. في البداية ترددت في الإجابة عليه، لتتدخل شقيقتها ناصحة إياها:
-شوفي مين، مش جايز يكون أستاذ "عادل" بيطمن علينا.
قالت بتشككٍ وقد زوت ما بين حاجبيها:
-بس أنا مسجلة رقمه.
سألتها "دليلة" في جديةٍ:
-هو التروكولر مش مبين مين؟
جاء ردها نافيًا:
-لأ، ما فيش شبكة هنا.
افترضت مجازًا وهي تشير بعينها:
-طب ردي، جايز يكون بيتكلم من تليفون باباه أو مامته.
بدت فرضيتها منطقية، فاستسلمت للأمر قائلة:
-طيب.
ضغطت على زر الإجابة، ووضعت الهاتف على أذنها مستطردة بصوتٍ رقيق مثلها:
-ألو.
لتأتيها الصدمة حينما سمعت الصوت الذي تألفه جيدًا يناديها باسمها في لهفةٍ:
-"إيمان"..
انقبض قلبها، وتقلصت معدتها، فغامرها ذلك الشعور المزعج بالغثيان، خاصة مع رجائه المداعب:
-أوعي تقفلي السكة يا حبيبتي، إنتي وحشتيني أوي.
همست في غير تصديق، وهي تزدري ريقها:
-"راغب"!
لئلا يفوت الفرصة الوحيدة المتاحة الآن لديه في استمالة رأسها والتأثير عليها، راح يبدي ندمه في استجداءٍ:
-أنا آسف على اللي عملته فيكي، كان غصب عني..
على ما يبدو استفاقت من الغيبوبة المؤقتة التي استحوذت على ذهنها، وشلت تفكيرها للحظةٍ من الزمن، فهتفت في نبرةٍ مالت للهجوم:
-غصب عنك؟
أجابها مؤكدًا على ندمه، وإن كان كذبًا، فقط لاستدراجها في الحديث من أجل تحقيق غرض اتصاله الوحيد بها:
-أيوه، كنت مضطر لده، وأنا دلوقت مستعد أصلح غلطتي، بس قوليلي إنتي فين، وأنا هاجي لحد عندك وأصالحك وأعوضك عن كل اللي فات.
انتفضت قائمة من على المائدة، وصرخت في عصبيةٍ، غير عابئة بالأنظار التي اتجهت ناحيتها لتراقبها في فضولٍ:
-تعوضي؟ بالبساطة دي؟ هو إنت مفكرني إيه؟ جارية عندك مستنية إشارة منك علشان تجري عليك تترمي تحت رجلك؟
اربد وجهها بحمرةٍ حانقة للغاية، وتابعت صراخها فيه:
-ده أنا بندم على كل لحظة ضيعتها مع بني آدم حقير زيك.
أتاها توسله المستعطف لعل انفعالاتها الثائرة تهدأ:
-حقك عليا يا حبيبتي، أنا عايزك بس تسمعيني يا "إيمان"، قوليلي إنتي فين بالظبط، وصدقيني أنا هكون عندك، كل حاجة هتتصلح.
ما لم يره "راغب" أنها ألقت بالهاتف على المائدة في عصبيةٍ، وانخرطت في نوبة بكاء عنيفة، لتلتقطه "دليلة" من على السطح الخشبي، وتصيح فيه باستحقارٍ وحدة:
-ليك عين يا بجح تتصل وتكلمها؟
ما إن سمع صوتها هي الأخرى حتى راح يتسول عاطفتها:
-"دليلة"، أختي الصغيرة، قوليلي إنتو فين وأنا.. أوعدك بشرفي إن كل حاجة هترجع زي ما كانت.
صاحت فيه تهدده بقوةٍ:
-دي أحسن حاجة حصلت لـ "إيمان" إنك خرجت من حياتها، انسى إنك تكلمها تاني، وإلا هنعمل فيك محضر.
لامس إقبالها على إنهاء المكالمة، فرجاها كمحاولة أخيرة لإقناعها:
-استني بس يا "دليلة"، اسمعيني من فضلك.
ردت وهي تنعته:
-غور بعيد عننا يا (...)!
تفاجأت كليًا حينما سمعت صوتًا آخرًا لم تكن تظن أنها ستسمعه مجددًا عندما ناداها بهدوءٍ أرعب كل ذرة في جسدها:
-"دليلة"!
ارتجف الهاتف في يدها، وهمست متسائلة بحلقٍ جف تمامًا:
-إنت؟!
ليصدمها "زهير" بعزمه ووعده غير المنكوث الذي جعل أوصاله ترتج كليًا:
-حتى لو كنتي في آخر الدنيا هوصلك...
شلتها المفاجأة، فعجزت عن النطق، ليتابع تهديده المحذر قائلًا:
-الأحسن تعرفيني مكانك، وخلينا نلم الحكاية.
في التو أبعدت الهاتف عن أذنها وأنهت المكالمة وهي على تلك الحالة الذاهلة، مما جعل "إيمان" تتوقف عن البكاء المرير وتتطلع إليها في دهشةٍ وتعجب.
وضعت يدها على كتفها تسألها وهي تمسح بظهر كفها ما بلل وجنتيها من دمع ساخن:
-في إيه يا "دليلة"؟ وشك اتخطف كده ليه؟
ناولتها هاتفها، وأجابتها بأنفاس شبه منقطعة:
-البلطجي كلمني.
برزت عيناها على اتساعهما متسائلة لتتأكد من هوية المتصل الآخر الذي اقتحم المكالمة:
-تقصدي "زهير"؟
أكدت لها تخمينها بصوت مرتجف:
-هو في غيره!
إذا هي مكالمة مرتبة بشكل مسبق ومخطط لها منذ البداية، نطقت "إيمان" بما يدور في ذهنها علنًا:
-معنى كده إن "راغب" موجود معاه...
زادت تعبيراتها تجهمًا، وأضافت في نقم:
-أنا برضوه قولت الجبان استحالة يكون عنده دم أو مشاعر.
فيما تساءلت "دليلة" بتوتر:
-العمل إيه دلوقت؟
كانت "إيمان" كمن يفكر بصوت مسموع، فأردفت:
-احنا لو قولنا لماما على المكالمة دي هتتخض وتخاف.
لتخبرها "دليلة" بعناد:
-وأنا مش عايزة اللي اسمه "فارس" ده يتحشر في حاجة تخصني.
سألتها شقيقتها الكبرى في حيرة:
-طب هنتصرف إزاي؟
صمتت لهنيهة، واقترحت عليها بجدية:
-نكلم أستاذ "عادل"، هو ممكن يفيدنا عن أي حد.
بدا الحل الأمثل حاليًا، فأيدتها:
-صح، معاكي حق.
بلا أدنى تردد أمرتها:
-كلميه أوام، وأنا هراقب السكة علشان لو ماما رجعت من الحمام.
أومأت برأسها مرددة:
-حاضر.
في التو بحثت عن رقمه في قائمة الاتصال المتكرر، لتستطرد بمجرد أن فتح الجانب الآخر من المكالمة:
-سلام عليكم.
جاءها صوته مهتمًا:
-وعليكم السلام.. إزيك يا مدام "إيمان"، أنا كنت لسه هكلمك أطمن عليكم.
بلعت ريقًا غير موجود في جوفها، وأجابته بارتباك:
-احنا كويسين، بس في حاجة حصلت عايزين نقولك عليها.
أخبرها في التو:
-اتفضلي.
سردت له بإيجاز تفاصيل ما جرى قبل لحظات، لتسأله بعدها بترقب:
-رأيك نعمل إيه؟
بهدوء شاب نبرته أبلغها:
-أولًا رقمك يتغير فورًا، محدش يعرف بيه غير القريبين منك، واللي بتثقي فيهم وبس.
هزت رأسها كأنه يراها حينما ردت في امتثال:
-تمام.
تابع بعدها على نفس الوتيرة:
-تاني حاجة...
قاطعته قبل أن يتم جملته لتقول فجأة بتوجس عندما أبصرت شقيقتها تشير لها بيدها:
-طب بص هكلمك تاني لأحسن ماما جاية علينا وهي متعرفش حاجة، سلام.
دون انتظار رده أنهت المكالمة على الفور، لتحدق في والدتها التي أقبلت عليهما بأريحية واسترخاء. كانت كلتاهما ممتنتان لأنها لم تكن شاهدة على ذلك الاتصال، وإلا لتعقد الوسط من جديد، فذهابها إلى الحمام جعلها تغفل عن التطور الخطير الذي حدث قبل برهة. تحولت نظراتهما المرتاعة تجاهها حينما سألتهما وهي تجول بعينيها عليهما في تحير:
-في إيه يا بنات؟ مال شكلكم اتقلب لما شوفتوني؟
نفت "دليلة" على الفور:
-مافيش يا ماما.
شككت في ردة فعلها المريبة، وهتفت مستنكرة:
-عليا برضوه.
تعللت كذبًا بأول شيء طرأ إلى بالها:
-أصل "إيمان" بطنها بتوجعها، وكانت بتدور على حاجة للمغص.
اقترحت بشكل بديهي:
-استني لما يجي "فارس" نقوله يشوفلنا صيدلية قريبة في سكتنا.
فيما تبادلت "إيمان" نظرات متوترة مع شقيقتها وهي ترفض مقترحها بلباقة:
-مالوش لازمة نتعبه يا ماما، دلوقتي هبقى كويسة.
في خطوات متباينة ما بين التعجل والبطء تحركن معًا نحو الخارجة، ليستقيم "فارس" في وقفته متسائلًا بجدية:
-جاهزين يا جماعة؟
تولت "عيشة" الرد:
-أيوه، يالا بينا يا ابني.
لم يخف عليه ما ظهر على وجهي الشقيقتين، فتساءل وهو يساعد زوجة عمه على الاستقرار في مقعدها الأمامي بجواره:
-هو في حاجة حصلت؟ شكل البنات متغير كده ليه يا مرات عمي.
ابتسمت وهي تخبره:
-متقلقش، دي حاجات بنات، ما إنت عارف دلعهم.
بدا غير مقتنع بتبريرها، ومع هذا لم يلح في الأمر كثيرًا، والتف حول مقدمة سيارته ليجلس خلف المقود منطلقًا نحو وجهته.
كانت التعليمات واضحة من جهة "زهير"، عدم التحرك أو المغادرة إلا بعدما يأمره شخصيًا بذلك، لهذا مضت اللحظات طويلة على "عباس" وهو ينتظر في بقعة غير مرئية -مع عدد من أتباعه الذين انتشروا في الأرجاء- لكنها في نفس الوقت قريبة من التكية التي يديرها ذلك المدعو "وهبة"، لعل وعسى يظهر "فارس" على الساحة، فقد أعلمه رب عمله باحتمالية لجوئه إليه من أجل الدعم المادي والحماية، خاصة مع تعذر التصرف في ورث "فهيم" حاليًا، والمتمثل في بيته، وكذلك حصته في المخبز، بسبب المراقبة الحثيثة لرجاله، ناهيك عن ردة فعل "وهبة" القوية تجاه رجله الذي من المفترض ألا يتبعه في الوقت الحالي، فاستنبط أن كلاهما لا يزالان على تواصل، إذًا من المحتمل أن يلتقي به.
صدق حدس "زهير" ولاحت سيارته في الأرجاء، ليتأهب من فوره، ويتعمد التواري عن الأنظار مجريًا ذلك الاتصال العاجل برئيسه، فهاتفه مرددًا:
-ظهروا يا كبيرنا، في عربية قريبهم.
سأله "زهير" في الحال بنبرة لهفى:
-"دليلة" قصادك؟
اختطف نظرة سريعة ناحية جهتها من السيارة، وأكد بما لا يدع مجالًا للشك:
-أيوه يا كبيرنا، أنا شايفها قاعدة ورا.
أصدر له أمره الصارم:
-جهز الرجالة، واخطفوها، بس خد بالك، ده ما يحصلش عند "العربانية".
رد عليه بثقة:
-اطمن يا ريس "زهير"، دي مش أول مرة نخطف فيها حد.
حذره بغير تساهل:
-بس دي مش أي حد! سامع أي غلطة هتكلفنا كتير، وأنا جايلك على طول.
قال بنفس النبرة الجادة:
-في انتظارك يا كبيرنا، والبشارة هتكون جاهزة.
لم ينقطع اتصاله مع "وهبة" طوال المسافة التي قضاها في التنقل حتى وصل إلى البلدة، ومع ذلك أصر الأخير على حضوره إلى التكية فور مجيئه بحجة إيجاد مشتر لورث العائلة وتسليمه العربون مقدمًا ليساعده في تأسيس حياته، لكن في واقع الأمر أراد تحذيره حينما يحادثه وجهًا لوجه من مغبة معاداة عائلة "الهجام"، خاصة بعد أن صار تهديدهم العدائي أمرًا مفروغًا منه.
لم يجد "فارس" بقعة خالية بالقرب من البوابة الرئيسية المؤدية إلى التكية ليصف سيارته بها، لذلك اضطر لركنها أمام عربة الدفع الرباعي، واستدار برأسه مخاطبًا زوجة عمه، وكذلك ابنتيها:
-معلش يا مرات عمي، داخل بس أجيب حاجة من صاحبي اللي جوا وطالع على طول.
ردت بغير ممانعة:
-خد راحتك يا ابني.
ليترجل بعدها من السيارة مسرعًا في خطاه نحو الداخل، فأكملت "عيشة" كلامها إلى ابنتيها متسائلة بريبة:
-مالكم يا بنات، طول السكة ساكتين كده؟
ردت عليها "دليلة" بوجوم:
-عادي يعني، تعبنا من الطريق.
دون أن تستدير ناحيتها عقبت أمها بعد تنهيدة معبأة بأنفاس الإرهاق:
-هانت، معدتش إلا حاجة بسيطة.
غمزت "إيمان" إلى شقيقتها بطرف عينها، وادعت كذبًا:
-تعالي نقف شوية نفك رجلنا.
استشفت أنها ترغب في إبلاغها بشيء قد استجد بعيدًا عن مسامع والدتهما، فتبعتها في صمت، ووقفت كلتاهما عند صندوق السيارة، ليأتي "غيث" متجهًا صوبهما، ومبديًا تذمره من تلك المركبة التي تسد عليه الطريق كليًا وتمنعه من الحركة:
-يادي النهار اللي مالوش ملامح! حد يوجف عربيته إكده؟
وجه كلامه إلى "دليلة" على وجه الخصوص مشيرًا بإصبعه:
-إنتي يا ست، نادي على اللي معاكي يمشي العربية من إهنه.
رفعت رأسها ناظرة إليه قبل أن ترد برسمية:
-استنى شوية وهو جاي يا حضرت.
بدا في أوج ضيقه وهو يخبرها:
-معنديش خَلق ولا صبر أستنى أكتر من إكده...
ثم أمرها بتسلط:
-فين المفتاح خليني أسوجها؟
لم يملك من مخزون الصبر ما يجعله ينتظر حتى ردها، حيث تحرك مسرعًا تجاه الباب ليفتحه، ويفتش بنفسه عن مفتاح إدارتها، وسط ذهول وصدمة الثلاثة، لتبادر "دليلة" بإعاقته قبل أن يجلس على المقعد صائحة في حدة واستنكار:
-إنت بتعمل إيه يا جدع إنت؟
صفقت الباب وارتكنت بظهرها عليه لتمنعه من الدخول، وقامت باتهامه صراحة:
-شكلك حرامي وجاي تعمل حوار.
اشتاط غضبًا من نعتها المسيء إليه، فيما تدخل أحد أتباعه معترضًا على فظاظتها في الرد عليه:
-احفظي لسانك يا حرمة، ده كبير البر الغربي.
ترجلت "عيشة" من السيارة، وألقت نظرة حائرة على ابنتها وهذا الغريب الذي تتجادل معه:
-في إيه يا "دليلة"؟
أجابتها بتحفز، وكامل نظراتها مرتكزة عليه:
-واحد بيقول شكل للبيع.
لتهرع "إيمان" وتمسك بذراع شقيقتها هاتفة في جزع، وهذه النظرة المذعورة تطل من حدقتيها:
-"دليلة"، إلحقي مش ده الراجل اللي تبع البلطجي إياه؟
تلقائيًا أدارت رأسها تجاه الجانب، حيث ظهر "عباس" وأتباعه في مرمى بصرها، فانتفضت كليًا متجاهلة الشجار الوشيك مع هذا الرجل، لترتعش نبرتها مرددة في هلع:
-أه هو، اجري أوام.
ثم اندفعت مع شقيقتها تركضان تجاه بوابة التكية، و"عيشة" تشيعهما بنظرات حيرى وهي تسألهما:
-في إيه يا بنات؟
تفاجأ "غيث" بردة الفعل العجيبة التي صدرت من تلك الشابة الحانقة متناسية اتهامها المجحف في حقه قبل لحظات، لتتركه وتغادر بهذا الشكل المريب، تجمد في مكانه وردد باستغراب:
-إيه اللي بيحصل عاد؟
ليلمح من مكانه "عباس" ومن معه وهم يهرعون عائدين إلى داخل التكية، وكأنهما حقًا يلاحقون الاثنتين، تنبه لصوت المرأة المسنة وهي تصرخ مستغيثة:
-يادي النصيبة، بنتي هتروح مني لو طالوها!
لم يفكر مرتين، بل إنه لم يتردد للحظة في تقديم المساعدة وإغاثة من طلب الغوث، فانطلق مندفعًا نحو الداخل بأقصى سرعته، ومن ورائه رجله يسأله:
-خير يا بيه؟ حصل إيه؟ ؟!!!
.......................................
•
رواية فوق جبال الهوان الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم منال سالم
نظرة سريعة ألقاها على ما يحتويه ذلك المغلف الأبيض الذي ناوله إياه، قبل أن يطويه ويدسه في جيب بنطاله الخفي، ليتطلع إلى "وهبة"، وابتسامة راضية تكسو ملامحه، خاطبه "فارس" في امتنان كبير:
-كتر خيرك على اللي عملته وبتعمله معايا.
رد وهو يربت على منبت كتفه باسمًا:
-متقولش كده يا أبو عمو، احنا أكتر من الأهل.
قال مجاملًا:
-ده العشم.
شدد عليه "وهبة" من جديد:
-لو ناقصك حاجة عرفني، وأنا رقبتي سدادة.
هز رأسه مرددًا:
-أد القول يا صاحبي، هستأذن بقى علشان الجماعة منتظرين برا في العربية.
تحدث إليه وهو يهم باصطحابه إلى الخارج:
-وماله خد راحتك.
منذ أن أوقعها حظها العاثر في طريقه وهي لم تهنأ ليوم، بل باتت أيامها مظلمة، محملة بالمخاطر والأهوال. فزعت "دليلة" لرؤية "عباس" ومن معه، ارتاعت من فكرة أن يتم اختطافها بالقوة، وإعادتها لأكثر من تبغض حاليًا، لهذا ركضت ممسكة بيد شقيقتها بلا تفكير تجاه التكية، لعلها تنجو ببدنها ممن يهددها.
تجاوزت عدة أمتار من الباحة المستطيلة التي تسبق بابها الرئيسي الموارب، حاولت تجاوزه إلا أن أحدهم وقف أمامها ليمنعها، فهتفت بأنفاس لاهثة ترجوه:
-لو سمحت دخلنا أوام، في ناس بتجري ورانا، وعايزة تاخدني بالعافية.
ظن الرجل أنها حيلة سخيفة منهما للتغطية عن فعل مشين قد ارتكبتاه لتوريطه في أمر لا يخصه، فتعامل بواقع المنطق، وسد عليهما طريق الدخول بذراعه، ورفض مساعدتهما قائلًا بجمود:
-يا ست ما تجبيلناش مشاكل، امشي من هنا.
هتفت "إيمان" موضحة له:
-ابن عمنا لسه داخل عندكم دلوقتي، اسمه "فارس حجاب".
تعقدت ملامحه متسائلًا بجدية تامة:
-"فارس العرباني"؟
كانت متذكرة لللقبه الآخر، فهزت رأسها مؤكدة هويته:
-أه هو.
بينما توسلته "دليلة" في رجاء وهي تختطف نظرات هلعة ورائها:
-دخلنا أوام، مافيش وقت.
قبل أن يتمكن الرجل من دفع البوابة الحديدية، كان "عباس" قد بلغها، فأمسك بها من ذراعها، وشدها ناحيته متسائلًا بصوته الذي بعث الرهبة في نفسها:
-رايحة فين؟
شلّها الخوف في مكانها، فعجزت عن الهرب منه، وحملقت فيه بذعر جلي، فيما تدخلت "إيمان" لتصرخ في وجهه بصوت مرتفع:
-سيب إيدها يا مجرم.
استغرقها الأمر لحظة لتستفيق من حالة الصدمة المفزعة التي سيطرت عليها، لتنتفض بقوة محاولة استعادة ذراعها، وصوتها الحانق يجلجل:
-ابعد عني يا حيوان.
همَّ "عباس" بالتعامل معها على طريقته الفظة، إلا أن "غيث" كان قد ظهر في المشهد، ومد ذراعه، ليطوقه من عنقه ويحول دون أخذها قسرًا، وبيده الأخرى ألصق فوهة سلاحه الناري بجبينه، ليصيح مهددًا بلا تردد:
-عارف لو يدك ما تشالتش عنها هجطع خبرك من الدنيا!
اضطر مرغمًا أن يرخي قبضته عنها، فتحررت "دليلة" منه، وتراجعت من فورها للخلف لتحتضن شقيقتها، فيما تكلم "عباس" مدعيًا بالباطل:
-بالراحة يا بلديتنا، دي قريبتي، وهربانة مني.
هدرت "دليلة" مستنكرة تبجحه الفج:
-كداب، محصلش، أنا معرفوش أصلًا.
ليأتي "فارس" من الداخل على عجل، وقد سمع صوتها يرن في الأرجاء، سرعان ما وقعت عيناه على "عباس"، فاندفع تجاهه بعنفوانه وغضبه يريد إزهاق روحه لتجرؤه على المساس بها، انقض عليه مسددًا لكمة عنيفة في وجهه وهو ينعته بشراسة:
-يا ابن الـ (....)، فاكرها لوحدها يا (....)؟!!!
لم يتمكن "عباس" من تفادي الضربة القاسية، لكونه لا يزال يقع تحت تهديد السلاح، ومع ذلك رد ببرود ليستفزه:
-وماله، اضرب، اعمل اللي عايزه، بس مش هترجع معاك...
اشتاطت عينا "فارس" من تصريحه الفظ، وما زاد الطين بلة قوله المؤكد في ثقة:
-دي بقت تخص الريس "زهير"، وهو زمانه على وصول...
ليلتوي فمه بابتسامة مغترة قبل أن يواصل إخباره:
-ما أنا بلغته، وحبايبنا هنا كتار، وشوية وهتلاقي الحتة كلها اتحاوطت برجالتنا.
سدد "فارس" لكمة أخرى أكثر عنفًا نحو فكه وهو يبادله التهديد بآخر:
-وإنت واللي مشغلك مش هتخرجوا من هنا إلا على قبركم!
ضحك في تسلية ليغيظه، رغم الدماء التي سالت من بين أسنانه، والقطع الذي أصاب زاوية فمه.
في تلك الأثناء، حاولت "عيشة" البحث عن ابنتيها وسط حشد الرجال المتزاحم في محيط التكية الخارجي، لتجدهما تلتصقان بالباب المعدني عند نهاية تلك الباحة المستطيلة، فهرعت إليهما لتضمهما إلى صدرها وهي تقول في تخوف كبير:
-بناتي!
تحول "غيث" بناظريه تجاه الثلاثة، وهتف في رجله الواقف بجواره:
-خد الحريم ابعيد عن إهنه يا "وهدان".
سمعه "عباس" فصاح معترضًا، وغير مبال بما قد يناله من عقاب:
-لو اتحركوا من مكانهم مش هيحصل طيب.
اغتاظ "غيث" من تبجحه السافر، فضربه بفوهة السلاح في جانب رأسه مهددًا إياه:
-اجفل خاشمك بدل ما تلاقي راسك مطرح رجليك.
من ناحية أخرى، أراد أحد أتباع "الهجام" أن يفوز بحظوة مميزة لدى رب عمله، فهو يعلم جيدًا مدى سخائه مع من يقدم له خدمات من نوع خاص، وهو يعرف تمام المعرفة بمسألة رغبته في استعادة امرأته التي فقدت منه، لذلك فكر في الهجوم المباغت على "فارس"، وطعنه في ظهره بطعنة غدر تودي بحياته، لم يفكر مرتين، وأقبل بثبات على تنفيذ خطته السريعة، حيث أخرج مديته من جيبه الخلفي، فرد نصلها، وتنقل بخطوات خفيفة متجاوزًا رجال "وهبة" في غفلة منهم، لينطلق بعنفوانه تجاه طريدته، وبثبات مهيب دب النصل بغتة في جانبه، ليصرخ "فارس" من الألم العنيف الذي أصابه، لينظر بعدها إلى بقعة الدماء التي تفجرت منه، وسط ذهول المتواجدين، وصرخات النساء الثلاث.
لا مجال للسياسة أو المساومة فيما يخص شئونه الخاصة، وتحديدًا تلك المتعلقة بما يمتلك. فور أن علم "زهير" من تابعه "عباس" برؤيته لـ "دليلة" وملاحقته لها، حتى ترك ما في يده، واستقل سيارته يقودها بأقصى سرعة ليتمكن من الوصول إليها قبل أن تنساب كالزئبق من بين أصابعه.
طوال طريق قيادته ظل يجري عدة مكالمات هاتفية، يستدعي فيها من يدينون له بالولاء، ويأمرهم بالتوجه إلى منطقة نفوذ "وهبة العرباني" لحصاره، ومنع أي فرد من الخروج، حتى يظفر بمن تستعصي عليه.
ضغطة أخرى بقدمه على دواسة البنزين ليستحث السيارة على الانطلاق على أقصى قدراتها، وهذا الصوت العازم يرن في رأسه:
-هانت، مش هتعرفي تفلتي مني المرادي.
بصورة قانونية تم التنازل عن المحضر الذي اتخذ ضدها، لتتمكن أخيرًا من الخروج من غرفة الاحتجاز بعد أن أمضت ساعات لا تنسى وسط حفنة من أسوأ النساء.
ما إن انتهت من الإجراءات اللازمة لإخلاء سبيلها حتى هرولت "نجاح" ركضًا خارج قسم الشرطة، وكأن أحدهم يطاردها.
سرعان ما ارتمت في أحضان ابنها لتشتكي له ببكاء زائف:
- أنا اتبهدلت أوي يا "راغب"، اتمرمطت جوا.
كفكفت دمعها قبل أن ينساب على خديها لتتابع في استنكار جلي:
- بقى أنا بعد العمر ده كله، أتعامل زي الحرامية والنصابين؟
أحنى "راغب" رأسه على كتفها ليقبلها منه، واعتذر منها في تعاطف كبير:
- حقك عليا يا ماما.
ثارت في وجهه هاتفة بحقد وهي تفتح باب سيارته لتجلس في المقعد الأمامي:
- كانت شورة مهببة يوم ما اتجوزت المخفية دي، ما شوفناش من وراها إلا المصايب وبس.
ساعدها على غلق الباب، وقال في تأفف:
- إنسي يا ماما، وخليني أوصلك البيت.
ردت عليه بوجه ممتعض، وذلك الشعور العارم بالاشمئزاز مستحوذ عليها:
- أنا محتاجة أنضف جسمي من البلاوي الزرقة اللي شوفتها جوا.
أدار "راغب" المفتاح ليعمل محرك السيارة، فخاطبته في غير تساهل:
- ونصيحتي ليك ابعد عن البلطجي ده وأي حاجة تخصه، احنا مش عارفين ممكن يعمل فينا إيه تاني.
كان مقتنعًا كليًا بمقدرته على نسفه مع عائلته من على وجه البسيطة، فأيد كلامها بلا أدنى اعتراض:
- حاضر، هعمل كده.
على كافة الأصعدة، بدا المشهد دمويًا وصادمًا، لم يتوقع أحدهم أن تحدث لحظة غدر مثل تلك التي وقعت، ليقوم أحد رجال "وهبة" بإلقاء القبض على ذلك اللعين وطرحه أرضًا قبل تثبيته في موضعه، وانتشال المدية من يده وتهديده بها.
رغم الخوف الذي سيطر على ثلاثتهن، إلا أنهن رفضن في البداية الذهاب وترك "فارس" يصارع شبح الموت؛ لكنه أصر على مغادرتهن هادرًا رغم الألم الذي يعصف ببدنه:
- امشوا من هنا.
هتفت "عيشة" معترضة، وهي تبكي تأثرًا:
- إزاي نمشي ونسيبك يا ابني وإنت في الحالة دي؟
تحامل على نفسه، ورد عليها بثبات وهو يضغط بيده على موضع نز الدم:
- أنا هبقى كويس يا مرات عمي، ابعدوا إنتو.
إلا أن "عباس" احتج على مغادرتهن صائحًا دون أن يعبأ بالمسدس المصوب إلى رأسه:
- محدش هيتحرك من هنا إلا لما يجي الريس "زهير".
مجددًا ضربه "غيث" بالفوهة مدمدمًا في حنق:
- شكلك ناوي على موتك.
ابتسم باستفزاز ليغيظه ليعلق بعدها عليه:
- مش فارق، طالما كبيرنا هياخد اللي يخصه.
سرعان ما ازداد المكان زحامًا بالمزيد من أتباع "زهير"، ممن لبوا ندائه، فبدا الأمر أشبه بمظاهرة محتشدة، كل من فيها جاء متحفزًا للتشابك وإراقة الدماء.
- خير يا رجالة؟ عايزينها حرب احنا جاهزين!
- واحنا مش عيال كاورك واقفين قصادكوا، والدم هيبقى للركب.
أجرى "غيث" حسبة سريعة لتقدير الموقف، ثم أصدر أمره لرجله الواقف بجوار النساء:
- "وهدان"، خد الحريم يجعدوا جوا، وجفتهم ما تلزمش إهنه وسط الرجالة.
اعترض مرة ثانية "عباس" على قوله بعناد مغيظ:
- أنا قولت مش هيتحركوا.
لحظتها اشتد ذراع "غيث" الملتف حول عنق "عباس" قائلًا من بين أسنانه:
- اقفل خاشمك، ولما كبيرك ياجي نبجوا نتفاهموا...
ليتوجه بعدها بأمره إلى تابعه، وهذه النظرة الغامضة تحتل حدقتيه:
- أوام يا "وهدان"، شوفلهم مطرح جوا بعيد عن القلق اللي حاصل إهنه، عند الفسجية (نافورة) الواسعة.
وكأنه فهم ما بين السطور من طريقته المتوارية في إعطائه التعليمات، ليرد دون مجادلة:
- حاضر يا بيه.
تحرك بمفرده معهن، في حين ظل البقية في حالة تأهب قصوى. ما لم يعلمه "عباس" أو أتباعه، أن بالتكية يوجد مسلك آخر يفضي إلى خارجها من الجهة العكسية، بعيدًا عن المدخل الرئيسي، حيث الميدان الرئيسي المتواجد بمنتصفه نافورة كبيرة، فكانت تلك وسيلته غير المباشرة لإبعادهن عن مكمن الخطر دون الإشارة لذلك بوضوح.
حينما اختفت عائلته بالداخل، تخلى "فارس" عن ثباته الوهمي، لينهار مترنحًا للخلف، فأسرع "وهبة" ليتلقفه بين ذراعيه، قبل أن يمدد جسده الغارق في دمائه على الأرض، وصوته الثائر يتوعد:
- قسمًا برب العزة ما هسيب اللي حصل ده يعدي على خير، والبادي أظلم.
تحداه "عباس" بأسلوبه الباعث على إثارة مشاعر الغضب:
- اللي يخصنا هناخده.
تعمد "غيث" الضغط بساعده القوي على عنقه وهو يهدده:
- ماسمعش حسك واصل!
معتمدًا على ازدياد فئة المناصرين له، عاد "عباس" ليستفزه بسخافة لغوه:
- أنا رأيي تنزل السلاح أحسن، بدل ما يطول وترجع تزعل.
انتفض عرق الرجولة بداخله، فجعله يزأر مهينًا إياه بألفاظ نابية:
- الزعل للـ..... زيك!
احتقن وجهه بشدة من نعته اللاذع، وغمغم في وجوم:
- الله! الله!
- أنت بتغلط كمان؟
لحظتها خرج "غيث" عن طور هدوئه، وانتزع زر الأمان عن سلاحه الناري، ليواصل المضي في تهديده للنهاية قائلًا:
- وأجيب خبرك دلوقت.
تدخل أحد أتباع "زهير" ممن جاءوا للدعم وترجيح الكفة لصالحه:
- نهدى يا رجالة شوية.
ولوح بسلاحه الآلي كوسيلة لإرهابه والضغط عليه لفك حصاره عنه، إلا أن "غيث" رفض تركه، وظل يأسره تحت قبضته.
في حين انضمت عصبة أخرى إلى ذلك النزاع المحتدم ممن هم موالون لـ "وهبة العرباني" ليصبح الموقف أشد خطورة عن ذي قبل.
راح "فارس" يئن من وخزات الألم المنتشرة في جانبه، وقد زاد شعوره بالوهن، ليهتف "وهبة" في وجل:
- اطمن يا صاحبي، أنا جمبك، وهنقلك على المستشفى....
ثم هدر صائحًا في رجاله:
- العربية بسرعة يا واد منك ليه.
بصوت ضعيف، يكاد يكون مسموعًا همس له يوصيه:
- عيلتي أمانة عندك، حافظ عليهم يا "وهبة"، ما تخليهومش يقعوا في إيد الكلب ده.
رد عليه مؤكدًا:
- احنا هنحميهم بروحنا.
شدد عليه وهو يمسك بيده ليضغط عليها:
- بنت عمي ماتسبهاش ليه، سامعني؟
هز رأسه في طاعة وهو يخبره:
- حاضر، بس ما تتعبش نفسك.
أتى أحدهم على وجه السرعة هاتفًا ومشيرًا بيده:
- العربية جاهزة يا ريس "وهبة".
ليصدر بعدها الأخير أمره:
- أوام انقلوه فيها.
كعادته في استفزاز الآخرين صاح "عباس" معترضًا بسماجة:
- محدش هيتحرك من هنا إلا لما يجي الريس "زهير".
هذه المرة لم يتحمل "غيث" تحكمه الفراغ، وضربه بفوهة السلاح في مؤخرة عنقه بقسوة وهو يزمجر في غضب:
- كلامك مايمشيش علينا يا مخبول إنت!
من جديد تدخل المنتمي لفئة الداعمين لـ "الهجام" ناصحًا:
- ما قولنا نهدى يا رجالة، نعمل اعتبار للكبارات اللي حاضرين.
رد عليه "وهبة" بعناد:
- وأني مش هيسيب راجلي يفرفر مني ومعملش حاجة، لازمًا يروح المستشفى.
سأله في جدية:
- والحكومة بتدخل في حواراتنا؟
أصر على رأيه معاندًا بشكل أكبر:
- ملكش صالح، أنا هتعامل.
ليتعاون مع رجاله بعدها في رفع جسد "فارس" عن الأرض ملقيًا بأوامره عليهم:
- بالراحة عليه يا رجالة، انقلوه على المستشفى وطمنوني.
بالكاد تم السماح لثلاثة فقط بالمرور به وهم يحملونه لوضعه بالسيارة، واحتجز الباقي في محيط التكية، ليضيف "عباس" في فجاجة:
- هاتوا الحريم يكونوا قصاد عينا.
بلغه المشين فجر المتبقي من صبر "غيث" ليهم بالاندفاع ناحيته والانقضاض عليه وهو يصيح في وجهه بتعصب:
- أما إنك معندكش لا نخوة ولا خشا، حريم مين اللي يجعدوا قصادك؟
اعترض طريقه "وهبة"، وجاهد لإيقافه وهو يرجوه:
- اهدى يا واد عمي.
عقب عليه بنفس الأسلوب المتحيز الغاضب:
- إنت ماسمعش واد المركوب ده بيجول إيه؟
أخبره في جدية محاولًا السيطرة على انفعالاته الهائجة التي خرجت من قمقمها:
- امسحها فيا، هو مايعرفش إن طبعك حامي.
هتف بإصرار، منتويًا القضاء عليه:
- خليني أعرفه.
قال وسيط آخر في نبرة عقلانية، كمحاولة جادة منه للعمل على تهدئة الأوضاع:
- يا رجالة احنا جايين نلم الدور، ونشوف مين ليه حق وياخده، مافيش داعي نكبر المسائل.
وافقه آخر في الرأي:
- مظبوط الكلام.
ليضيف "عباس" بسماجة وهو يقضم أظافر يده قبل أن يتفلها بحركة مقززة من فمه:
- كبير "الهجامة" على وصول، وهياخد اللي يخصه ويمشي، ويا دار مدخلك شر.
حسبما تم الاتفاق في باحة التكية، توقعت "دليلة" أن تبقى مع عائلتها في منأى عن التهديدات الموجودة بالخارج، وذلك بالبقاء في إحدى الغرف المعزولة في هذا المكان الغريب، إلا أن كل ما فكرت فيه تبدد عندما وجدت نفسها خارج التكية، لتتساءل بشكل عفوي:
- احنا رايحين فين كده؟
أخبرها "وهدان" وهو يستوقف إحدى حافلات الأجرة الصغيرة:
- هناخدوا مواصلة من إهنه وهوديكم عند بنسيون تبعنا.
فيما تساءلت "عيشة" في حزن وهي تنظر إليه:
- و"فارس" يا عمدة؟ هنسيبه كده سايح في دمه؟ ده مالوش إلا احنا.
أجابها وهو يشير لها بالركوب في الخلف:
- معاه الرجالة، اطمني يا حاجة، هما مش هسيبوه.
دعت له بتضرع، وهي ترفع بصرها وكفيها إلى السماء:
- ربنا يناجيك يا ابني وما يضرناش فيك.
جلس ثلاثتهن متجاورات في المقعد الذي يتوسط منتصف الحافلة، وسط بقية من عامة الشعب، لتميل "إيمان" على شقيقتها تهمس لها:
- أنا خايفة أوي يا "دليلة".
خفضت الأخيرة من نبرتها عندما حادثتها:
- وأنا مرعوبة أكتر منك.
لتنعكس على نبرتها وكذلك تعبيرات وجهها أمارات الخوف وهي تتم كلامها:
- لو البلطجي ده وصلي أنا مش متخيلة ممكن يعمل إيه فيا.
أضافت "إيمان" في توجس:
- ده مش طبيعي.
عقبت عليها في رجاء:
- ربنا يستر من اللي جاي.
لتشرئب "إيمان" بعنقها للأمام، حتى تتمكن من الاقتراب من "وهدان" الذي جلس مجاورًا لسائق الحافلة، وسألته:
- معلش احنا هنطمن على ابن عمنا إزاي؟
قال في اقتضاب، وبوجوم متعاظم:
- ماخبرش.
أجبرتها "دليلة" على الاستلقاء بظهرها للخلف، واستطردت تخاطبها:
- مافيش داعي تسأليه، ده مايعرفش حاجة زينا.
في نزق تشدقت "إيمان" قائلة:
- احنا حاجتنا موجودة في العربية.
ليأتي تعليق "دليلة" ساخرًا:
- وده وقته، هنروح نجيبها وسط العصابات اللي واقفة مثلًا؟!
تقلصت أصابعها على هاتفها المحمول، وهمهمت مضيفة:
- كويس إن الموبايلات معانا.
لحظتها شاركتهما "عيشة" الحديث بقولها القلق:
- خير، على الأقل نعرف نطمن على ابن عمكم.
أومأت "إيمان" برأسها مرددة:
- أيوه، ربنا يعديها منها على خير.
غير عابئ بتعطيل حركة سير المرور، وإحداث أزمة فعلية، أوقف "زهير" سيارته في منتصف الشارع، ليترجل منها مسرعًا نحو التكية، حيث يتزاحم الرجال على مختلف جماعاتهم. اخترق الصفوف وتقدم نحو الأمام باحثًا عن تابعه "عباس"، ما إن أبصره حتى وجه إليه سؤاله المباشر:
- فين "دليلة"؟
أشار بيده نحو التكية مجيبًا إياه:
- موجودة جوا.
أخفى "زهير" ابتسامة انتصار تلح للظهور على محياه، ليحافظ على جدية تعابيره وهو يخاطب من حوله بلهجة غليظة معاتبة:
- أظن مش من الأدب إنكم تحجزوا مراتي جوا، أنا عايزها.
لم يبدُ "غيث" راضيًا عما يجري بأي حال من الأحوال، فاستعراض القوة الزائف الذي يقوم به بتسلية من أجل قهر الضعاف أزعجه للغاية، لذلك بدا غير نادم لتدخله في الحوار موضحًا للجمع الغفير:
- ومين جال إنها مراتك؟ على حد علمي إنها لسه ماتجوزتش!
التفت نحوه "زهير" وشمله بنظرة فاحصة مدققة، ليدنو بعدها منه بثبات، ثم أكد له بيقين مبالغ فيه:
- مراتي، وهكتب عليها دلوقت، وبحضور الرجالة اللي واقفة.
ليتحول ببصره بعدها عنه مخاطبًا "وهبة" في خشونة وقوة:
- فينها يا "عرباني"؟
رد عليه الأخير بنبرة موبخة:
- ليك عين تتكلم وإنت غدرت براجلي؟
تقوست زاوية فمه ببسمة مقتضبة، وأخبره بلهجة لم تكن مريحة:
- في دي معاك حق.
دون أن يبدي ذرة ندم واحدة، أشهر سلاحه الناري بعدما أخرجه من حزامه الجلدي الذي يرتديه أسفل سترته، صوبه نحو تابعه المطروح أرضًا، وأفرغ طلقة نارية في رأسه، ليلقى مصرعه في الحال.
صدم الرجال الحاضرين من ردة فعله العنيفة، ولم يجرؤ أحدهم على الاعتراض، ليعيد تكرار مطلبه في هدوء مريب وهو يعيد سلاحه في جرابه:
- عايز اللي يخصني.
أبعد "وهبة" عينيه عن الجثة الملاقاة في باحة التكية ليحادثه:
- تعالى معايا...
قبل أن يتحرك اشترط عليه:
- ولواحدك.
رفع "زهير" كفه للأعلى مصدرًا أمره النافذ:
- استنوا يا رجالة هنا.
لحق به "عباس" محذرًا في توجس:
- لأحسن يغدر بيك يا ريسنا، أنا مش مطمن.
سمعه "وهبة" فانطلق يعنفه:
- الغدر مش طبعنا يا واد الأبالسة!
حدق "زهير" في وجهه قائلًا بسمة من الغرور:
- متقلقش يا "عباس"، أنا كفيل بيه.
ليتحرك بعدها في إثره، والحماس يملأه من رأسه لأخمص قدميه ليستعيد من ظنت أنها غادرت عرينه ببساطة.
من الناحية الأخرى، استغل "غيث" الفرصة لينسل خلسة من بين الرجال المنشغلين بالأحاديث الجانبية، فتراجع بخطوات حذرة رويدًا رويدًا إلى الخلف، حتى تمكن من الابتعاد عن الباحة تمامًا، أسرع في خطاه إلى أن وصل إلى سيارته، تلقائيًا بحث عن سيارة "فارس" التي كانت تسد عليه طريق الخروج، وجدها مصفوفة على بعد عدة أمتار ومغلقة النوافذ، يبدو أن أحد أتباع "وهبة" قد حركها من موضعها ليتمكن من وضع سيارته بالقرب من المدخل، لاستخدامها في نقله إلى المشفى.
على الفور استقل خاصته، واندفع مبتعدًا عن الأرجاء، وهاتفه قد ألصقه بأذنه بعدما هاتف "وهدان". انتظر بأعصاب مشدودة رده عليه، ما إن سمع صوته حتى سأله:
- إنتو فين إكده؟
أتاه صوت الأخير محملًا بالإجابة:
- إقريبين من البنسيون إياه.
تنفس بارتياح لفرارهم في الوقت المناسب، وهمهم في جدية:
- عظيم، جول للي هناك إن دول جماعتي من البندر، وخليهم تحت عينيك، مايغيبوش عنك واصل.
رد في امتثال:
- حاضر يا بيه.
أنهى معه المكالمة، وألقى بهاتفه على المقعد المجاور له، ليركز نظراته على الطريق أمامه، ولسان حاله يقول:
- شكلي دخلت في حوار ماليش فيه، بس الحق عايز اللي ينصره!
فتش عنها في كل زاوية وركن بداخل التكية، تضاءل أمله في الإمساك بها، وتعاظم بداخله إحساسه بالغضب والانفعال.
التفت "زهير" ناظرًا إلى "وهبة" بعدما يئس من معرفة مكانها، ممسكًا به من تلابيبه:
- راحت فين؟ انطق.
وضع "وهبة" يديه على قبضتيه ليزيحهما عنه مرددًا ببرود:
- معرفش، أنا سايبها هنا.
اشتدت قبضتاه عليه أكثر، وهدر فيه يهدده باهتياج:
- إنت هتعملهم عليا؟ ده أنا أنسفك.
بحركة احترافية تمكن "وهبة" من تخليص نفسه مستخدمًا ذراعيه، ووكزه بخشونة في صدره محذرًا بلا تساهل:
- لأ فوق لنفسك يا "هجام"، إنت هنا على أرضي، ووسط ناسي، ما يغركش الكام نفر اللي جايبهم يحامولك، في النهاية الكلمة كلمتي هنا، أنا كبير الناحية!
لمعت عيناه بشر مستطير، وراح يخاطبه في لهجة منذرة، وهو بالكاد يحاول كبح جماح نفسه لئلا يقتله:
- تمام يا "عرباني"، خليك فاكر إني ما بنساش اللي غدر، وما بسامحش في حقي.
بسط "وهبة" كفه أمامه ليطرده في برود وعجرفة:
- شرفت يا "هجام"، زيارة الله لا يعودها.
محملًا بغضبه المكبوت، اندفع "زهير" نحو الخارج، ووجهه يشتعل على الأخير، ليتبعه "عباس" مستفهمًا في تعجب مشوب بالحيرة:
- الله! فين جماعتك يا ريسنا؟
أجابه بزفير ثقيل، كأنما يجد صعوبة في وأد ما يعتريه الآن من مشاعر محتدة وثائرة:
- مشي الرجالة يا "عباس".
في التو صفق الأخير بكفيه قبل أن يرفعهما هاتفًا بصوت مرتفع وصل للجميع:
- شكرًا يا رجالة، الموضوع اتفض، نجاملكم في الأفراح إن شاء الله.
وأسرع في خطاه ليتبع "زهير"، وصوته الفضولي يسبقه في سؤاله:
- غدروا بيك يا كبيرنا؟
لم ينبس بكلمة مما أكد شكوكه، فاستطرد يضيف في حنق:
- اتوقعت ده من ولاد الجنية، كلهم موالسين مع بعض.
دمدم "زهير" من بين أسنانه فيما يشبه القسم، والذي لا يمكن نقضه:
- مش هسيبها تعدي على خير.
تجاوزه "عباس" في خطاه ليقف أمامه معطيًا إياه ما بدا أقرب بالبشارة ليثلج صدره:
- اطمن يا كبيرنا، أنا بعت ورا قريبها اللي يراقبه ويعرف هما تواوه فين.
مد "زهير" يده، وربت على صدغه مادحًا تصرفه:
- طول عمرك ناصح يا "عباس"...
لتعود تعابيره إلى القساوة الشديدة وهو يختتم جملته بما ينذر بالمزيد من الشرور:
- خلينا نشأر عليه، ما أنا كلامي لسه مخلصش معاه.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم منال سالم
نظرة سريعة ألقاها على ما يحتويه ذلك المغلف الأبيض الذي ناوله إياه، قبل أن يطويه ويدسه في جيب بنطاله الخفي، ليتطلع إلى "وهبة"، وابتسامة راضية تكسو ملامحه، خاطبه "فارس" في امتنانٍ كبير:
- كتر خيرك على اللي عملته وبتعمله معايا.
رد وهو يربت على منبت كتفه باسمًا:
- متقولش كده يا أبو عمو، احنا أكتر من الأهل.
قال مجاملًا:
- ده العشم.
شدد عليه "وهبة" من جديد:
- لو ناقصك حاجة عرفني، وأنا رقبتي سدادة.
هز رأسه مرددًا:
- أد القول يا صاحبي، هستأذن بقى علشان الجماعة منتظرين برا في العربية.
تحدث إليه وهو يهم باصطحابه إلى الخارج:
- وماله خد راحتك.
.............................
منذ أن أوقعها حظها العاثر في طريقه وهي لم تهنأ ليوم، بل باتت أيامها مظلمة، محملة بالمخاطر والأهوال. فزعت "دليلة" لرؤية "عباس" ومن معه، ارتاعت من فكرة أن يتم اختطافها بالقوة، وإعادتها لأكثر من تبغض حاليًا، لهذا ركضت ممسكة بيد شقيقتها بلا تفكير تجاه التكية، لعلها تنجو ببدنها ممن يهددها.
تجاوزت عدة أمتار من الباحة المستطيلة التي تسبق بابها الرئيسي الموارب، حاولت تجاوزه إلا أن أحدهم وقف أمامها ليمنعها، فهتفت بأنفاسٍ لاهثة ترجوه:
- لو سمحت دخلنا أوام، في ناس بتجري ورانا، وعايزة تاخدني بالعافية.
ظن الرجل أنها حيلة سخيفة منهما للتغطية عن فعل مشين قد ارتكبتاه لتوريطه في أمر لا يخصه، فتعامل بواقع المنطق، وسد عليهما طريق الدخول بذراعه، ورفض مساعدتهما قائلًا بجمود:
- يا ست ما تجبيلناش مشاكل، امشي من هنا.
هتفت "إيمان" موضحة له:
- ابن عمنا لسه داخل عندكم دلوقتي، اسمه "فارس حجاب".
تعقدت ملامحه متسائلًا بجديةٍ تامة:
- "فارس العُرباني"؟
كانت متذكرة للّقبه الآخر، فهزت رأسها مؤكدة هويته:
- أه هو.
بينما توسلته "دليلة" في رجاءٍ وهي تختطف نظرات هلعة ورائها:
- دخلنا أوام، ما فيش وقت.
قبل أن يتمكن الرجل من دفع البوابة الحديدية، كان "عباس" قد بلغها، فأمسك بها من ذراعها، وشدها ناحيته متسائلًا بصوته الذي بعث الرهبة في نفسها:
- رايحة فين؟
شلها الخوف في مكانها، فعجزت عن الهرب منه، وحملقت فيه بذعرٍ جلي، فيما تدخلت "إيمان" لتصرخ في وجهه بصوتٍ مرتفع:
- سيب إيدها يا مجرم.
استغرقها الأمر لحظة لتستفيق من حالة الصدمة المفزعة التي سيطرت عليها، لتنتفض بقوةٍ محاولة استعادة ذراعها، وصوتها الحانق يجلجل:
- ابعد عني يا حيوان.
همَّ "عباس" بالتعامل معها على طريقته الفظة، إلا أن "غيث" كان قد ظهر في المشهد، ومد ذراعه، ليطوقه من عنقه ويحول دون أخذها قسرًا، وبيده الأخرى ألصق فوهة سلاحه الناري بجبينه، ليصيح مهددًا بلا ترددٍ:
- عارف لو يدك ما تشالتش عنها هجطع خبرك من الدنيا!
اضطر مرغمًا أن يرخي قبضته عنها، فتحررت "دليلة" منه، وتراجعت من فورها للخلف لتحتضن شقيقتها، فيما تكلم "عباس" مدعيًا بالباطل:
- بالراحة يا بلديتنا، دي قريبتي، وهربانة مني.
هدرت "دليلة" مستنكرة تبجحه الفج:
- كداب، محصلش، أنا معرفوش أصلًا.
ليأتي "فارس" من الداخل على عجلٍ، وقد سمع صوتها يرن في الأرجاء، سرعان ما وقعت عيناه على "عباس"، فاندفع تجاهه بعنفوانه وغضبه يريد إزهاق روحه لتجرؤه على المساس بها، انقض عليه مسددًا لكمة عنيفة في وجهه وهو ينعته بشراسةٍ:
- يا ابن الـ (....)، فاكرها لوحدها يا (....)؟!!!
لم يتمكن "عباس" من تفادي الضربة القاسية، لكونه لا يزال يقع تحت تهديد السلاح، ومع ذلك رد ببرودٍ ليستفزه:
- وماله، اضرب، اعمل اللي عايزه، بس مش هترجع معاك...
اشتاطت عينا "فارس" من تصريحه الفظ، وما زاد الطين بلة قوله المؤكد في ثقةٍ:
- دي بقت تخص الريس "زهير"، وهو زمانه على وصول...
ليلتوي فمه بابتسامةٍ مغترة قبل أن يواصل إخباره:
- ما أنا بلغته، وحبايبنا هنا كتار، وشوية وهتلاقي الحتة كلها اتحاوطت برجالتنا.
سدد "فارس" لكمة أخرى أكثر عنفًا نحو فكه وهو يبادله التهديد بآخر:
- وإنت واللي مشغلك مش هتخرجوا من هنا إلا على قبركم!
ضحك في تسليةٍ ليغيظه، رغم الدماء التي سالت من بين أسنانه، والقطع الذي أصاب زاوية فمه.
..........................................
في تلك الأثناء، حاولت "عيشة" البحث عن ابنتيها وسط حشد الرجال المتزاحم في محيط التكية الخارجي، لتجدهما تلتصقان بالباب المعدني عند نهاية تلك الباحة المستطيلة، فهرعت إليهما لتضمهما إلى صدرها وهي تقول في تخوفٍ كبير:
- بناتي!
تحول "غيث" بناظريه تجاه الثلاثة، وهتف في رجله الواقف بجواره:
- خد الحريم ابعيد عن إهنه يا "وهدان".
سمعه "عباس" فصاح معترضًا، وغير مبالٍ بما قد يناله من عقابٍ:
- لو اتحركوا من مكانهم مش هيحصل طيب.
اغتاظ "غيث" من تبجحه السافر، فضربه بفوهة السلاح في جانب رأسه مهددًا إياه:
- اجفل خاشمك بدل ما تلاقي راسك مِطرح رجليك.
من ناحية أخرى، أراد أحد أتباع "الهجام" أن يفوز بحظوة مميزة لدى رب عمله، فهو يعلم جيدًا مدى سخائه مع من يقدم له خدمات من نوعٍ خاص، وهو يعرف تمام المعرفة بمسألة رغبته في استعادة امرأته التي فُقدت منه، لذلك فكر في الهجوم المباغت على "فارس"، وطعنه في ظهره بطعنة غدرٍ تودي بحياته، لم يفكر مرتين، وأقبل بثباتٍ على تنفيذ خطته السريعة، حيث أخرج مديته من جيبه الخلفي، فرد نصلها، وتنقل بخطواتٍ خفيفة متجاوزًا رجال "وهبة" في غفلةٍ منهم، لينطلق بعنفوانه تجاه طريدته، وبثباتٍ مهيب دب النصل بغتةً في جانبه، ليصرخ "فارس" من الألم العنيف الذي أصابه، لينظر بعدها إلى بقعة الدماء التي تفجرت منه، وسط ذهول المتواجدين، وصرخات النساء الثلاثة.
....................................
لا مجال للسياسة أو المساومة فيما يخص شئونه الخاصة، وتحديدًا تلك المتعلقة بما يمتلك. فور أن علم "زهير" من تابعه "عباس" برؤيته لـ "دليلة" وملاحقته لها، حتى ترك ما في يده، واستقل سيارته يقودها بأقصى سرعة ليتمكن من الوصول إليها قبل أن تنساب كالزئبق من بين أصابعه.
طوال طريق قيادته ظل يجري عدة مكالمات هاتفية، يستدعي فيها من يدينون له بالولاء، ويأمرهم بالتوجه إلى منطقة نفوذ "وهبة العرباني" لحصاره، ومنع أي فرد من الخروج، حتى يظفر بمن تستعصي عليه.
ضغطة أخرى بقدمه على دواسة البنزين ليستحث السيارة على الانطلاق على أقصى قدراتها، وهذا الصوت العازم يرن في رأسه:
- هانت، مش هتعرفي تفلتي مني المرة دي.
....................................
بصورة قانونية تم التنازل عن المحضر الذي اتُخذ ضدها، لتتمكن أخيرًا من الخروج من غرفة الاحتجاز بعد أن أمضت ساعات لا تنسى وسط حفنة من أسوأ النساء.
ما إن انتهت من الإجراءات اللازمة لإخلاء سبيلها حتى هرولت "نجاح" ركضًا خارج قسم الشرطة، وكأن أحدهم يطاردها.
سرعان ما ارتمت في أحضان ابنها لتشتكي له ببكاء زائف:
- أنا اتبهدلت أوي يا "راغب"، اتمرمطت جوا.
كفكفت دمعها قبل أن ينساب على خديها لتتابع في استنكار جلي:
- بقى أنا بعد العمر ده كله، أتعامل زي الحرامية والنصابين؟
أحنى "راغب" رأسه على كتفها ليقبلها منه، واعتذر منها في تعاطف كبير:
- حقك عليا يا ماما.
ثارت في وجهه هاتفة بحقد وهي تفتح باب سيارته لتجلس في المقعد الأمامي:
- كانت شورة مهببة يوم ما اتجوزت المخفية دي، ما شوفناش من وراها إلا المصايب وبس.
ساعدها على غلق الباب، وقال في تأفف:
- إنسي يا ماما، وخليني أوصلك البيت.
ردت عليه بوجه ممتعض، وذلك الشعور العارم بالاشمئزاز مستحوذ عليها:
- أنا محتاجة أنضف جسمي من البلاوي الزرقة اللي شوفتها جوا.
أدار "راغب" المفتاح ليعمل محرك السيارة، فخاطبته في غير تساهل:
- ونصيحتي ليك ابعد عن البلطجي ده وأي حاجة تخصه، احنا مش عارفين ممكن يعمل فينا إيه تاني.
كان مقتنعًا كليًا بمقدرته على نسفه مع عائلته من على وجه البسيطة، فأيد كلامها بلا أدنى اعتراض:
- حاضر، هعمل كده.
على كافة الأصعدة، بدا المشهد دمويًا وصادمًا، لم يتوقع أحدهم أن تحدث لحظة غدر مثل تلك التي وقعت، ليقوم أحد رجال "وهبة" بإلقاء القبض على ذلك اللعين وطرحه أرضًا قبل تثبيته في موضعه، وانتشال المدية من يده وتهديده بها.
رغم الخوف الذي سيطر على ثلاثتهن، إلا أنهن رفضن في البداية الذهاب وترك "فارس" يصارع شبح الموت؛ لكنه أصر على مغادرتهن هادرًا رغم الألم الذي يعصف ببدنه:
- امشوا من هنا.
هتفت "عيشة" معترضة، وهي تبكي تأثرًا:
- إزاي نمشي ونسيبك يا ابني وإنت في الحالة دي؟
تحامل على نفسه، ورد عليها بثبات وهو يضغط بيده على موضع نز الدم:
- أنا هبقى كويس يا مرات عمي، ابعدوا إنتو.
إلا أن "عباس" احتج على مغادرتهن صائحًا دون أن يعبأ بالمسدس المصوب إلى رأسه:
- محدش هيتحرك من هنا إلا لما يجي الريس "زهير".
مجددًا ضربه "غيث" بالفوهة مدمدمًا في حنق:
- شكلك ناوي على موتك.
ابتسم باستفزاز ليغيظه ليعلق بعدها عليه:
- مش فارق، طالما كبيرنا هياخد اللي يخصه.
سرعان ما ازداد المكان زحامًا بالمزيد من أتباع "زهير"، ممن لبوا ندائه، فبدا الأمر أشبه بمظاهرة محتشدة، كل من فيها جاء متحفزًا للتشابك وإراقة الدماء.
- خير يا رجالة؟ عايزينها حرب احنا جاهزين!
- واحنا مش عيال كاورك واقفين قصادكوا، والدم هيبقى للركب.
أجرى "غيث" حسبة سريعة لتقدير الموقف، ثم أصدر أمره لرجله الواقف بجوار النساء:
- "وهدان"، خد الحريم يجعدوا جوا، وجفتهم ما تلزمش إهنه وسط الرجالة.
اعترض مرة ثانية "عباس" على قوله بعناد مغيظ:
- أنا قولت مش هيتحركوا.
لحظتها اشتد ذراع "غيث" الملتف حول عنق "عباس" قائلًا من بين أسنانه:
- اقفل خاشمك، ولما كبيرك ياجي نبجوا نتفاهموا...
ليتوجه بعدها بأمره إلى تابعه، وهذه النظرة الغامضة تحتل حدقتيه:
- أوام يا "وهدان"، شوفلهم مطرح جوا بعيد عن القلق اللي حاصل إهنه، عند الفسجية (نافورة) الواسعة.
وكأنه فهم ما بين السطور من طريقته المتوارية في إعطائه التعليمات، ليرد دون مجادلة:
- حاضر يا بيه.
تحرك بمفرده معهن، في حين ظل البقية في حالة تأهب قصوى. ما لم يعلمه "عباس" أو أتباعه، أن بالتكية يوجد مسلك آخر يفضي إلى خارجها من الجهة العكسية، بعيدًا عن المدخل الرئيسي، حيث الميدان الرئيسي المتواجد بمنتصفه نافورة كبيرة، فكانت تلك وسيلته غير المباشرة لإبعادهن عن مكمن الخطر دون الإشارة لذلك بوضوح.
حينما اختفت عائلته بالداخل، تخلى "فارس" عن ثباته الوهمي، لينهار مترنحًا للخلف، فأسرع "وهبة" ليتلقفه بين ذراعيه، قبل أن يمدد جسده الغارق في دمائه على الأرض، وصوته الثائر يتوعد:
- قسمًا برب العزة ما هسيب اللي حصل ده يعدي على خير، والبادي أظلم.
تحداه "عباس" بأسلوبه الباعث على إثارة مشاعر الغضب:
- اللي يخصنا هناخده.
تعمد "غيث" الضغط بساعده القوي على عنقه وهو يهدده:
- ماسمعش حسك واصل!
معتمدًا على ازدياد فئة المناصرين له، عاد "عباس" ليستفزه بسخافة لغوه:
- أنا رأيي تنزل السلاح أحسن، بدل ما يطول وترجع تزعل.
انتفض عرق الرجولة بداخله، فجعله يزأر مهينًا إياه بألفاظ نابية:
- الزعل للـ..... زيك!
احتقن وجهه بشدة من نعته اللاذع، وغمغم في وجوم:
- الله! الله!
إنت بتغلط كمان؟
لحظتها خرج "غيث" عن طور هدوئه، وانتزع زر الأمان عن سلاحه الناري، ليواصل المضي في تهديده للنهاية قائلًا:
-وأجيب خبرك دلوقت.
تدخل أحد أتباع "زهير" ممن جاءوا للدعم وترجيح الكفة لصالحه:
-نهدى يا رجالة شوية.
ولوح بسلاحه الآلي كوسيلة لإرهابه والضغط عليه لفك حصاره عنه، إلا أن "غيث" رفض تركه، وظل يأسره تحت قبضته.
في حين انضمت عصبة أخرى إلى ذلك النزاع المحتدم ممن هم موالين لـ "وهبة العرباني" ليصبح الموقف أشد خطورة عن ذي قبل.
راح "فارس" يئن من وخزات الألم المنتشرة في جانبه، وقد زاد شعوره بالوهن، ليهتف "وهبة" في وجل:
-اطمن يا صاحبي، أنا جمبك، وهنقلك على المستشفى....
ثم هدر صائحًا في رجاله:
-العربية بسرعة يا واد منك ليه.
بصوت ضعيف، يكاد يكون مسموعًا همس له يوصيه:
-عيلتي أمانة عندك، حافظ عليهم يا "وهبة"، ما تخليهومش يقعوا في إيد الكلب ده.
رد عليه مؤكدًا:
-احنا هنحميهم بروحنا.
شدد عليه وهو يمسك بيده ليضغط عليها:
-بنت عمي ماتسيبهاش ليه، سامعني؟
هز رأسه في طاعة وهو يخبره:
-حاضر، بس ما تتعبش نفسك.
أتى أحدهم على وجه السرعة هاتفًا ومشيرًا بيده:
-العربية جاهزة يا ريس "وهبة".
ليصدر بعدها الأخير أمره:
-أوام انقلوه فيها.
كعادته في استفزاز الآخرين صاح "عباس" معترضًا بسماجة:
-محدش هيتحرك من هنا إلا لما يجي الريس "زهير".
هذه المرة لم يتحمل "غيث" تحكمه الفراغ، وضربه بفوهة السلاح في مؤخرة عنقه بقسوة وهو يزمجر في غضب:
-كلامك مايمشيش علينا يا مخبول إنت!
من جديد تدخل المنتمي لفئة الداعمين لـ "الهجام" ناصحًا:
-ما قولنا نهدى يا رجالة، نعمل اعتبار للكبارات اللي حاضرين.
رد عليه "وهبة" بعناد:
-وأني مش هيسيب راجلي يفرفر مني ومعملش حاجة، لازمًا يروح المستشفى.
سأله في جدية:
-والحكومة بتدخل في حواراتنا؟
أصر على رأيه معاندًا بشكل أكبر:
-ملكش صالح، أنا هتعامل..
ليتعاون مع رجاله بعدها في رفع جسد "فارس" عن الأرض ملقيًا بأوامره عليهم:
-بالراحة عليه يا رجالة، انقلوه على المستشفى وطموني.
بالكاد تم السماح لثلاثة فقط بالمرور به وهم يحملونه لوضعه بالسيارة، واحتجز الباقي في محيط التكية، ليضيف "عباس" في فجاجة:
-هاتوا الحريم يكونوا قصاد عينا.
بلغوه المشين فجّر المتبقي من صبر "غيث" ليهم بالاندفاع ناحيته والانقضاض عليه وهو يصيح في وجهه بتعصب:
-أما إنك معندكش لا نخوة ولا خشا، حريم مين اللي يجعدوا قصادك؟
اعترض طريقه "وهبة"، وجاهد لإيقافه وهو يرجوه:
-إهدى يا واد عمي.
عقب عليه بنفس الأسلوب المتحيز الغاضب:
-إنت ماسمعش واد المركوب ده بيجول إيه؟
أخبره في جدية محاولًا السيطرة على انفعالاته الهائجة التي خرجت من قمقمها:
-امسحها فيا، هو مايعرفش إن طبعك حامي.
هتف بإصرار، منتويًا القضاء عليه:
-خليني أعرفه.
قال وسيط آخر في نبرة عقلانية، كمحاولة جادة منه للعمل على تهدئة الأوضاع:
-يا رجالة احنا جايين نلم الدور، ونشوف مين ليه حق وياخده، مافيش داعي نكبر المسائل.
وافقه آخر في الرأي:
-مظبوط الكلام.
ليضيف "عباس" بسماجة وهو يقضم أظافر يده قبل أن يتفلها بحركة مقززة من فمه:
-كبير "الهجامة" على وصول، وهياخد اللي يخصه ويمشي، ويا دار ما دخلك شر.
حسبما تم الاتفاق في باحة التكية، توقعت "دليلة" أن تبقى مع عائلتها في منأى عن التهديدات الموجودة بالخارج، وذلك بالبقاء في إحدى الغرف المعزولة في هذا المكان الغريب، إلا أن كل ما فكرت فيه تبدد عندما وجدت نفسها خارج التكية، لتتساءل بشكل عفوي:
-احنا رايحين فين كده؟
أخبرها "وهدان" وهو يستوقف إحدى حافلات الأجرة الصغيرة:
-هناخدوا مواصلة من إهنه وهوديكم عند بنسيون تبعنا.
فيما تساءلت "عيشة" في حزن وهي تنظر إليه:
-و"فارس" يا عمدة؟ هنسيبه كده سايح في دمه؟ ده مالوش إلا احنا.
أجابها وهو يشير لها بالركوب في الخلف:
-معاه الرجالة، اطمني يا حاجة، هما مش هسيبوه.
دعت له بتضرع، وهي ترفع بصرها وكفيها إلى السماء:
-ربنا يناجيك يا ابني وما يضرناش فيك.
جلس ثلاثتهن متجاورات في المقعد الذي يتوسط منتصف الحافلة، وسط بقية من عامة الشعب، لتميل "إيمان" على شقيقتها تهمس لها:
-أنا خايفة أوي يا "دليلة".
خفضت الأخيرة من نبرتها عندما حادثتها:
-وأنا مرعوبة أكتر منك...
لتنعكس على نبرتها، وكذلك تعبيرات وجهها أمارات الخوف وهي تتم كلامها:
-لو البلطجي ده وصلني أنا مش متخيلة ممكن يعمل إيه فيا.
أضافت "إيمان" في توجس:
-ده مش طبيعي.
عقبت عليها في رجاء:
-ربنا يستر من اللي جاي.
لتشرئب "إيمان" بعنقها للأمام، حتى تتمكن من الاقتراب من "وهدان" الذي جلس مجاورًا لسائق الحافلة، وسألته:
-معلش احنا هنطمن على ابن عمنا إزاي؟
قال في اقتضاب، وبوجوم متعاظم:
-ماخبرش.
أجبرتها "دليلة" على الاستلقاء بظهرها للخلف، واستطردت تخاطبها:
-مافيش داعي تسأليه، ده مايعرفش حاجة زينا.
في نزق تشدقت "إيمان" قائلة:
-احنا حاجتنا موجودة في العربية.
ليأتي تعليق "دليلة" ساخرًا:
-وده وقته، هنروح نجيبها وسط العصابات اللي واقفة مثلًا؟!!
تقلصت أصابعها على هاتفها المحمول، وهمهمت مضيفة:
-كويس إن الموبايلات معانا.
لحظتها شاركتهما "عيشة" الحديث بقولها القلق:
-خير، على الأقل نعرف نطمن على ابن عمكم.
أومأت "إيمان" برأسها مرددة:
-أيوه، ربنا يعديها منها على خير.
غير عابئ بتعطيل حركة سير المرور، وإحداث أزمة فعلية، أوقف "زهير" سيارته في منتصف الشارع، ليترجل منها مسرعًا نحو التكية، حيث يتزاحم الرجال على مختلف جماعاتهم. اخترق الصفوف وتقدم نحو الأمام باحثًا عن تابعه "عباس"، ما إن أبصره حتى وجه إليه سؤاله المباشر:
-فين "دليلة"؟
أشار بيده نحو التكية مجيبًا إياه:
-موجودة جوا.
أخفى "زهير" ابتسامة انتصار تلح للظهور على محياه، ليحافظ على جدية تعابيره وهو يخاطب من حوله بلهجة غليظة معاتبة:
-أظن مش من الأدب إنكم تحجزوا مراتي جوا، أنا عايزها.
لم يبد "غيث" راضيًا عما يجري بأي حال من الأحوال، فاستعراض القوة الزائف الذي يقوم به بتسلية من أجل قهر الضعاف أزعجه للغاية، لذلك بدا غير نادم لتدخله في الحوار موضحًا للجمع الغفير:
-ومين جال إنها مراتك؟ على حد علمي إنها لسه ماتجوزتش!
التفت نحوه "زهير" وشمله بنظرة فاحصة مدققة، ليدنو بعدها منه بثبات، ثم أكد له بيقين مبالغ فيه:
-مراتي، وهكتب عليها دلوقت، وبحضور الرجالة اللي واقفة.
ليتحول ببصره بعدها عنه مخاطبًا "وهبة" في خشونة وقوة:
-فينها يا "عرباني"؟
رد عليه الأخير بنبرة موبخة:
-ليك عين تتكلم وإنت غدرت براجلي؟
تقوست زاوية فمه ببسمة مقتضبة، وأخبره بلهجة لم تكن مريحة:
-في دي معاك حق.
دون أن يبدي ذرة ندم واحدة، أشهر سلاحه الناري بعدما أخرجه من حزامه الجلدي الذي يرتديه أسفل سترته، صوبه نحو تابعه المطروح أرضًا، وأفرغ طلقة نارية في رأسه، ليلقى مصرعه في الحال.
صدم الرجال الحاضرين من ردة فعله العنيفة، ولم يجرؤ أحدهم على الاعتراض، ليعيد تكرار مطلبه في هدوء مريب وهو يعيد سلاحه في جرابه:
-عايز اللي يخصني.
أبعد "وهبة" عينيه عن الجثة الملاقاة في باحة التكية ليحادثه:
-تعالى معايا...
قبل أن يتحرك اشترط عليه:
-ولواحدك.
رفع "زهير" كفه للأعلى مصدرًا أمره النافذ:
-استنوا يا رجالة هنا.
لحق به "عباس" محذرًا في توجس:
-لأحسن يغدر بيك يا ريسنا، أنا مش مطمن.
سمعه "وهبة" فانطلق يعنفه:
-الغدر مش طبعنا يا واد الأبالسة!
حدق "زهير" في وجهه قائلًا ببسمة من الغرور:
-متقلقش يا "عباس"، أنا كفيل بيه.
ليتحرك بعدها في إثره، والحماس يملأه من رأسه لأخمص قدميه ليستعيد من ظنت أنها غادرت عرينه ببساطة.
من الناحية الأخرى، استغل "غيث" الفرصة لينسل خلسة من بين الرجال المنشغلين بالأحاديث الجانبية، فتراجع بخطوات حذرة رويدًا رويدًا إلى الخلف، حتى تمكن من الابتعاد عن الباحة تمامًا، أسرع في خطاه إلى أن وصل إلى سيارته، تلقائيًا بحث عن سيارة "فارس" التي كانت تسد عليه طريق الخروج، وجدها مصفوفة على بعد عدة أمتار ومغلقة النوافذ، يبدو أن أحد أتباع "وهبة" قد حركها من موضعها ليتمكن من وضع سيارته بالقرب من المدخل، لاستخدامها في نقله إلى المشفى.
على الفور استقل خاصته، واندفع مبتعدًا عن الأرجاء، وهاتفه قد ألصقه بأذنه بعدما هاتف "وهدان". انتظر بأعصاب مشدودة رده عليه، ما إن سمع صوته حتى سأله:
-إنتو فين إكده؟
أتاه صوت الأخير محملًا بالإجابة:
-إقريبين من البنسيون إياه.
تنفس بارتياح لفرارهم في الوقت المناسب، وهمهم في جدية:
-عظيم، جول للي هناك إن دول جماعتي من البندر، وخليهم تحت عينيك، مايغيبوش عنك واصل.
رد في امتثال:
-حاضر يا بيه.
أنهى معه المكالمة، وألقى بهاتفه على المقعد المجاور له، ليركز نظراته على الطريق أمامه، ولسان حاله يقول:
-شكلي دخلت في حوار ماليش فيه، بس الحق عايز اللي ينصره!
فتش عنها في كل زاوية وركن بداخل التكية، تضاءل أمله في الإمساك بها، وتعاظم بداخله إحساسه بالغضب والانفعال.
التفت "زهير" ناظرًا إلى "وهبة" بعدما يئس من معرفة مكانها، وممسكًا به من تلابيبه:
- راحت فين؟ انطق.
وضع "وهبة" يديه على قبضتيه ليزيحهما عنه مرددًا ببرود:
- ما أعرفش، أنا سايبها هنا.
اشتدت قبضتاه عليه أكثر، وهدر فيه يهدده باهتياج:
- أنت هتعملهم عليا؟ ده أنا أنسفك.
بحركة احترافية تمكن "وهبة" من تخليص نفسه مستخدمًا ذراعيه، ووكزه بخشونة في صدره محذرًا بلا تساهل:
- لأ فوق لنفسك يا "هجام"، أنت هنا على أرضي، ووسط ناسي، ما يغركش الكام نفر اللي جايبهم يحامولك، في النهاية الكلمة كلمتي هنا، أنا كبير الناحية!
لمعت عيناه بشر مستطير، وراح يخاطبه في لهجة منذرة، وهو بالكاد يحاول كبح جماح نفسه لئلا يقتله:
- تمام يا "عُرباني"، خليك فاكر إني ما بنساش اللي غدر، وما بسامحش في حقي.
بسط "وهبة" كفه أمامه ليطرده في برود وعجرفة:
- شرفت يا "هجام"، زيارة الله لا يعودها.
محملًا بغضبه المكبوت، اندفع "زهير" نحو الخارج، ووجهه يشتعل على الأخير، ليتبعه "عباس" مستفهمًا في تعجب مشوب بالحيرة:
- الله! فين جماعتك يا ريسنا؟
أجابه بزفير ثقيل، كأنما يجد صعوبة في وأد ما يعتريه الآن من مشاعر محتدة وثائرة:
- مشي الرجالة يا "عباس".
في التو صفق الأخير بكفيه قبل أن يرفعهما هاتفًا بصوت مرتفع وصل للجميع:
- شكرًا يا رجالة، الموضوع اتفض، نجاملكم في الأفراح إن شاء الله.
وأسرع في خطاه ليتبع "زهير"، وصوته الفضولي يسبقه في سؤاله:
- غدروا بيك يا كبيرنا؟
لم ينبس بكلمة مما أكد شكوكه، فاستطرد يضيف في حنق:
- اتوقعت ده من ولاد الجنية، كلهم موالسين مع بعض.
دمدم "زهير" من بين أسنانه فيما يشبه القسم، والذي لا يمكن نقضه:
- مش هسيبها تعدي على خير.
تجاوزه "عباس" في خطاه ليقف أمامه معطيًا إياه ما بدا أقرب بالبشارة ليثلج صدره:
- اطمن يا كبيرنا، أنا بعت ورا قريبها اللي يراقبه ويعرف هما تواوه فين.
مد "زهير" يده، وربت على صدغه مادحًا تصرفه:
- طول عمرك ناصح يا "عباس"...
لتعود تعابيره إلى القساوة الشديدة وهو يختتم جملته بما ينذر بالمزيد من الشرور:
- خلينا نشأر عليه، ما أنا كلامي لسه ما خلصش معاه.
رواية فوق جبال الهوان الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم منال سالم
في حالة ما بين الحياة والموت، تم نقله إلى أقرب مشفى حكومي. احتُجز بغرفة الطوارئ لإجراء المطلوب من أجل إنقاذه، لينقل بعد ذلك إلى الرعاية الحرجة، وسط استجوابات ملحة لأتباع "العرباني" الذين ادعوا بالكذب أنهم وجدوه ملقى على الطريق بعدما هجم عليه اللصوص لسرقته. رواية دارجة، متداولة على الألسن، يسهل تصديقها، وتُبعد الشبهات عن رب عملهم.
ما لم يتم وضعه في الحسبان هي المراقبة الحثيثة لأحد رجال "الهجام" لهم، كان جيدًا في التواري عن الأنظار، واستطاع بخفةٍ أن يتسلل إلى داخل المشفى، وباستخدامه لحافز المال تمكن من الحصول على معلومات مفيدة، وفي الحال أرسلها إلى "عباس".
بأعجوبةٍ تمكن "زهير" من ضبط انفعالاته، والظهور بمظهر المسيطر على الأمور حفظًا لماء وجهه أمام من جاءوا لتقديم المساعدة. بمجرد أن صرفهم انطلق تجاه سيارته ليقودها إلى المشفى بعدما صرف غالبية أتباعه لئلا يثير الضجة حوله، وجه أمره إلى "عباس" وقد قست تعابيره للغاية:
- عايزك تعمل لي حوار في المستشفى، تمويه لحد ما أخلص زيارتي.
أومأ برأسه مؤكدًا استجابته لرغبته:
- عامل حسابي...
ثم أخرج هاتفه من جيبه مكملًا بابتسامةٍ شبه مغترة:
- وحتى كاميرات المراقبة، عندي اللي يولع في أم اللي حاطينها.
علق عليه "زهير" باقتضابٍ:
- كويس.
ليشرد بعدها في الطريق مدمدمًا بوعدٍ قاطع وهو يكز على أسنانه:
- فكره إنه خلاها تعرف تفلت من إيدي، غلطان، وما يعرفش أنا مين! وأقدر أعمل إيه!
عاود النظر جانبه عندما تحدث إليه "عباس" وهو يمد يده ببطاقة بلاستيكية تحمل هويةٍ مزيفة لضابط شرطة:
- اتفضل يا ريسنا، الكارنيه المضروب.
التقطه بإصبعيه، ووضعه في جيب قميصه الأمامي معلقًا:
- زي الفل، بينفع في الحاجات دي.
أكد له بما لا يدع مجالًا للشك في قدراته على الاستعانة بأمهر محترفي التزوير في الأوراق الرسمية:
- أومال، ده مخدوم، محدش سهل يقفشه.
قال في شيءٍ من التحدي:
- أما نشوف.
..........................................
في ذلك المكان المتواضع، عتيق الأثاث، قديم الطلاء، والمخصص لاستقبال الزائرين من ذوي الدخل المتوسط، تحدث "وهدان" إلى الموظف المتواجد في منطقة الاستقبال -فيما تشبه الصالة الواسعة- عن ضيوفه الذين جاءوا معه، وطلب منه توفير غرفة خاصة لهن. كان ممتنًا لكونهن يملكن هوياتهن الخاصة، وإلا لتعذر عليه تسجيل بياناتهن مثل بقية النزلاء بالبنسيون.
بعد برهةٍ، كن يجلسن معًا في غرفتهن، فاستطردت "دليلة" متسائلة، وهي تزيح الستار قليلًا لتنظر إلى الطريق وتتفقد المارة، فلا زالت نزعة الشك والاسترابة مسيطرة عليها:
- احنا إزاي وافقنا نيجي مع حد ما نعرفوش؟
ركزت "إيمان" عينيها عليها قبل أن تجيبها بمنطقيةٍ:
- يعني كنا هنعمل إيه ولا نتصرف إزاي وسط العالم اللي ما عندهاش رحمة.
جاء ردها مثيرًا للمزيد من القلق:
- وهو ده اللي نعرفه؟
تنهدت قائلة وهي تهز كتفيها:
- على الأقل أدينا مداريين لحد ما نطمن على ابن عمنا.
فيما تساءلت "عيشة" بتوجسٍ:
- صحيح يا بنات، هنطمن عليه إزاي؟ ده احنا سايبينه يا كبدي سايح في دمه.
التفتت "إيمان" ناظرة إلى والدتها الجالسة بجوارها على طرف الفراش، وحادثتها في تخوفٍ:
- لسه مش عارفة، وخايفة أطلبه ألاقي حد تاني يرد عليا.
تفهمت طبيعة مخاوفها، وشددت عليها:
- طب استني جايز هو يكلمنا.
أومأت برأسها قائلة في طاعة:
- حاضر يا ماما.
انتفضت "دليلة" خوفًا وراح قلبها يدق بقوةٍ عندما سمعت صوت الطرقات على الباب، إلا أن توترها خبا سريعًا مثلما اندلع حينما سمعت صوت "وهدان" المألوف يقول من الخارج:
- أنا جبت الوكل يا هوانم.
في التو وجهت "عيشة" أمرها إلى ابنتها البكرية وهي تلكز منبت كتفها بخفةٍ:
- قومي يا "إيمان" افتحيله أوام.
استجابت لأمرها، ونهضت من موضع جلوسها قائلة:
- طيب.
سارت بخطواتٍ متعجلة نحو الباب، حركت المفتاح في قفله لتفتحه بعدما أوصدته به، وكأنها تزيد بذلك من إجراءات الحماية والتأمين الروتينية. استقبلت "وهدان" بابتسامةٍ لطيفة، وأخذت منه الكيس البلاستيكي المملوء بعلب الطعام المغلفة، ثم خاطبته في امتنانٍ:
- شكرًا يا عمدة، تعبناك معانا.
مرر نظراته سريعًا على ثلاثتهن، وكأن الأمر قد جاءه لتفقدهن دون إشعارهن بذلك، ليرد بعدها وقد خفض بصره:
- ده إنتو أمانة في رقبتي.
هذه المرة تكلمت "عيشة" وقد لحقت بابنتها لتستقبله:
- تسلم وتعيش.
أضاف وقد استعد للمغادرة:
- لو في أي حاجة نقصاكم ازعطوا عليا، أنا قاعد برا.
ردت عليه بإيجازٍ:
- ماشي، كتر خيرك.
بمجرد أن ابتعد عاودت "إيمان" غلق الباب بالمفتاح، وناولت كيس الطعام لأمها التي راحت تفرغ ما فيه لتوزعه بينها وبين ابنتيها.
.......................................
طنين الأجهزة الموصولة به كان مسموعًا لكل من يمرق عبر الرواق المؤدي إلى غرفة الرعاية الحرجة. تفقدت الممرضة "فارس" الغائب عن الوعي باهتمامٍ قبل أن تخبر زميلتها في لهجةٍ جادة وصارمة وهي تعيد وصل المحلول بالإبرة الموضوعة في رسغه:
- تابعي حالته كل شوية، دكتور "مجدي" هيفوت عليه لما يخلص العملية اللي في إيده.
هزت رأسها مرددة:
- ماشي.
قبل أن تنصرف استوقفتها زميلتها متسائلة في شيءٍ من الفضول:
- هو ما فيش حد من أهل المريض جه ولا سأل عليه؟
أجابتها وهي تواصل سيرها نحو الخارج:
- ما اعرفش حاجة بصراحة، كل اللي اتقال لي إنه ناس لاقوه في الشارع، وبطاقته وتليفونه متسابين في الأمانات.
تبعتها زميلتها قائلة في نبرة متعاطفة:
- شكله ابن ناس ومحترم، مسير حد يسأل عليه.
أخبرتها بقليلٍ من الشعور بالأسى تجاه من هو على شاكلته:
- هما ولاد الحرام بيميزوا ده ابن ناس ولا لأ؟ أهوه اللي بيقع تحت إيدهم بيخلصوا عليه!
راحت تتضرع زميلتها للمولى في رجاءٍ:
- ربنا يسترها علينا.
كان يقف بالخارج متربصًا ومترصدًا لكل حركة قريبة من غرفة أكثر من يبغض حاليًا، تحين فرصة خلوها من الطاقم الطبي ليتسلل إلى الداخل وهو يخفي وجهه وراء قناع طبي. أعطى إشارته لتابعه لينفذ مخططه في إحداث الفوضى بمنطقة العيادات الخارجية الملحقة بالمشفى، ليُجبر كافة العاملين على ترك عملهم، والهروب من دائرة الخطر، فينشغل الأمن والبقية بتفريق الجموع وتشتيت الأشخاص المتناحرين.
وقف "زهير" على رأس فراش "فارس" يطالعه بنظرات نارية، لا تنوي أي خيرٍ على الإطلاق، تقدم ناحيته ببطءٍ وهو يتعمد الضغط على موضع الألم في جسده ليُجبره على الاستفاقة، فتجاوب جسد الأخير مع المحفزات الموجعة ليفتح عينيه بوهنٍ، قبل أن يزداد اتساعهما لتعرفه عليه برغم تخبئته لملامحه، انتفض هاتفًا في استنكارٍ كبير رغم حشرجة صوته وضعفه:
- إنت .. دخلت هنا إزاي؟
في غرورٍ مغيظ أجابه:
- ما فيش حاجة تستعصى عليا!
لينحني بعدها عليه، ويقبض على عنقه قاصدًا خنقه وهو يسأله بلا تمهيدٍ:
- وديتها فين؟
رغمًا عنه التصق بالسرير بسبب قوته التي تفوقه حاليًا، ومع ذلك تحداه في جراءة واضحة:
- مش هتقدر توصلها.
استفزته ما اعتبرها شجاعته المتهورة، وأخذ يهدده بغلظةٍ:
- روحك في إيدي يا (...)، أحسن لك تتكلم!
استمر على ثباته في مواجهته قائلًا بالرغم من انحباس صوته، وتقطع أنفاسه:
- ما ياخد .. الروح .. إلا اللي خلقها.
استشاط حنقًا من عدم مبالاته، فزاد من ضغطه على رقبته لتختنق أنفاسه وهو يكلمه بفحيحٍ:
- يبقى إنت اللي حكمت على نفسك بالموت.
رغم الوهن العظيم المسيطر على كل ذرة في جسده، إلا أنه تحلى بالشجاعة لمواجهته حتى الرمق الأخير:
- ولا فارق معايا.
أخرج الوحش الكامن من قمقمه، فأصبح "زهير" مغيبًا، تستحوذ عليه رغبته العمياء في الانتقام الدموي من كل من تسول له نفسه معارضته، أو الوقوف في وجهه، وأخذ ما يملك قسرًا، فأقسم ألا تأخذه به شفقة.
..........................................
في تلك الأثناء، كانت الممرضة قريبة من الغرفة، فلفت نظرها وهي تتطلع بشكلٍ عابر لنافذته من الممر وجود أحدهم بها، أمعنت النظر بتدقيقٍ أكبر، فبدا كما لو كان يهاجم مريضها الضعيف، لم تتردد للحظةٍ، واقتحمت الحجرة صارخة في انفعالٍ:
- إنت بتعمل إيه عندك؟
لم يمهلها الفرصة لطلب النجدة أو الاستغاثة بأحدهم، حيث أخرج مسدسه من جرابه ليصوبه نحوها، ثم ضغط على الزناد، فأرداها قتيلة في الحال، ليرتد جسدها للخلف وترتطم بالمعدات الطبية، قبل أن تسقط غارقة في دمائها.
صُعق "فارس" من ردة فعله غير الرحيمة، وحاول جاهدًا مقاومته، إلا أنه تلقى رصاصة في رأسه جعلته يلقى حتفه هو الآخر، وتموت معه آماله، وأحلامه، وتطلعاته.
أعاد "زهير" وضع سلاحه الناري في جرابه، وضبط من هيئته التي لم تعد مرتبة بعد اشتباكه القصير، تأكد من تغطية وجهه جيدًا، ثم تحرك نحو الخارج وهو يغلي غضبًا لأنه لم يظفر بما جاء من أجله.
.........................................
انحنى على مقدمة سيارته ليتفقد المحرك بعدما أعاد ملء خزان الوقود على آخره ليكفي مسافة الطريق الطويلة طوال رحلة العودة إلى بلدته القاصية، فيما وقف إلى جواره تابعه "وهدان"، واستخدم طرف وشاحه ليمسح تلك البقعة المتسخة عن الزجاج الأمامي، واستطرد يستفهم منه بشيءٍ من التخبط والحيرة:
- ما تأخذنيش يا بيه، بس احنا مالنا ومال حوارات حريم بحري دول؟!
في رنة معاتبة غليظة وجه "غيث" سؤاله إليه، وهذه النظرة المحتدمة تنبعث من عينيه:
- ومن ميتى ما بنجفش مع الحق يا "وهدان"؟
في التو برر له سبب استفساره:
- ما قصدش يا كبير، بس احنا ورانا مصالح، والمفروض نكون عاودنا البلد دلوقت.
أكد له بعدما تراجع للخلف ليضع غطاء السيارة الأمامي في موضعه:
- وده اللي هيحصل...
ثم نفض كفيه معًا، وأمره بنبرته التي لا ترد:
- فوت على الحريم قولهم يجهزوا، هيدلوا معانا البلد.
تدلى فكه للأسفل مرددًا في دهشة متعاظمة:
- وه!!
هدر به بغير ممازحة:
- اللي سمعته، فوت أوام.
أطاعه صاغرًا رغم علامات التبرم التي تكسو تعابيره:
- حاضر يا بيه.
.........................................
لبى أمره، واتجه إلى غرفتهن بداخل البنسيون ليخبرهن بما قرره "غيث" نيابة عنهن، فرفضت "دليلة" بشكلٍ قاطع الانصياع له، بل بدت متشددة على الأخير مع "وهدان" وصرفته من المكان وهو في قمة انزعاجه من ردها لمطلب رئيسه.
ذرعت الغرفة جيئة وذهابًا في حركات متكررة وعصبية، وهتفت في إنكارٍ مستاء مستخدمة يدها في التلويح:
- بلد إيه دي اللي نروحها معاه؟ هو احنا نعرفه أصلًا؟ ده باينه مجنون!!
لم تكن والدتها أو حتى شقيقتها معترضتين على ذلك الرفض، فليس من اللائق إثقال كاهل الغريب بشئونهن. اقترحت "إيمان" بعد تفكيرٍ سريع:
- احنا نبعت العمدة ده يسألنا عن "فارس" عند الراجل اللي كنا موجودين عنده الصبح، وأكيد هيوصلونا بيه.
لتتدخل والدتهما قائلة بجديةٍ:
- طب ما الأحسن بدل الدوخة دي تطلبيه على طول، جايز يرد عليكي، أنا قلبي متوغوش عليه من بدري.
استحسنت رأيها، وأيدته:
- ماشي يا ماما، هجرب.
لتمسك بهاتفها بعدها وتحاول إجراء تلك المكالمة، ليأتيها الرد المسجل والمحفوظ عن ظهر قلب بأن الهاتف مغلق أو غير متاح. ألحت "عيشة" في سؤالها:
- ها، في أخبار؟
قالت وقد انعكست الخيبة على وجهها:
- التليفون مقفول.
لتصبح والدتها أكثر ارتيابًا.
فهتفت وهي تضرب بكفيها على فخذيها:
"كده أنا قلقت بزيادة عليه، ربنا يسترها ويسمعنا خير."
تنبه ثلاثتهن لصوت الطرقات القوية على باب الغرفة، أتبعها صوت "غيث" الصائح:
"يا رب يا ساتر."
من فورها نهضت "عيشة" لملاقاته، رحبت به قائلة بوديةٍ:
"اتفضل يا حضرت."
خفض من بصره متحاشيًا النظر نحوهن، وتابع في لهجة تعبر عن انزعاجه:
"لا مؤاخذة يا هوانم، "وهدان" جالي إنكم ماعوزينش تاجوا معايا البلد."
حاولت "عيشة" أن تبدو مهذبة معه وهي تبدي اعتذارها له:
"كتر خيرك يا عمدة، إنت عملت اللي عليك وزيادة، وده ما يطلعش إلا من ولاد الأصول، وكفاية إننا دوشينك معانا من طالعة النهار، احنا هنستنى "فارس" هنا، وإنت تقدر ترجع لبلدك تشوف حالك."
خاطبها في تصميمٍ معاند:
"يا حاجة ماينفعش أمشي وأهملكم إكده لحالكم، واد الحرام إياه مش هيفوتكم، وتانه وراكم لحد ما يوصلكم."
ردت عليه بعدة تنهيدة متعبة:
"ربنا مع المنكسرين جابر."
أصر عليها بمزيدٍ من الإلحاح:
"ونعمة بالله، بس ربنا أمرنا ناخدوا بالأسباب، والمثل بيجول حرص ولا تخون، فإنتو ضيوفي لحد ما أسلم الأمانة لصاحبها."
ضجرت "دليلة" من مبالغته غير المعقولة في رأيه، فسارت ناحيته لتقف بجوار والدتها، وخاطبته في لهجة رسمية توحي بالاستقلالية:
"متشكرين يا حضرت، احنا مسئولين عن نفسنا."
رفع بصره، واختطف نظرة سريعة تجاهها، قبل أن يوليها ظهره، وكأنه يتجاهلها متعمدًا، ليوجه حديثه إلى والدتها بكلمةٍ لا رجعة فيها:
"إمعاكي يا حاجة ربع ساعة تكونوا ظبطتوا حالكم، وأني هطلع أخدكم، عن إذنك."
ثم انصرف بعدها بخطوات متعجلة، لتفتح "دليلة" فمها أولًا في دهشةٍ، قبل أن تتحول في طرفة عينٍ إلى الغيظ الشديد من تصرفه الفظ معها، حيث راحت تصيح في حدةٍ، وبنبرة قصدت أن تكون عالية حتى تصله:
"هو عامل مش سامعني ولا إيه؟ ولا أنا شفافة قصاده؟"
ردت عليها "عيشة" بتحيزٍ، وكأنها تتخذ صفه:
"خلاص يا "دليلة"، الراجل مغلطش، وغرضه يساعدنا إكمنه شايفنا ستات لواحدنا."
بينما همهمت "إيمان" في شيءٍ من السخرية المريرة:
"راجل عنده نخوة بصحيح، مش زي القُلة اللي كنت متجوزاه."
فيما ظلت "دليلة" على رفضها قائلة:
"بس احنا مانعرفوش برضوه، والله أعلم ممكن يعمل فينا إيه!"
ليأتي تعليق "إيمان" واقعيًا، ويحمل التحذير في طياته:
"مش هيكون أسوأ من البلطجي اللي وقع في قرعتك."
استاءت من وصفها الأخير، وهتفت في تبرمٍ:
"بس بقى مش ناقصة تريقة."
تابعت "عيشة" ما يدور بين الشقيقتين من شدٍ وجذبٍ عادي في مثل تلك المواقف، فقامت بإنهائه على الفور بقولها الحاسم:
"بقولكم إيه احنا معندناش حل تاني، لا فيه فلوس معانا، ولا عارفين حتى مكان المطرح اللي المفروض نسكن فيه، فخلونا مع الجدع ده مؤقتًا لحد ما نوصل لـ "فارس"، وبعد كده ربنا يدبرها من عنده."
لم تملك "إيمان" من الطاقة ما يجعلها تتجادل في هذا الشأن، لذلك رضخت لما هو متاح، وقالت مخاطبة شقيقتها:
"خلاص يا "دليلة" مش وقت عناد."
اتجهت الأخيرة بخطواتٍ متعصبة نحو النافذة لتقول في تذمرٍ وهي تكتف ساعديها أمام صدرها:
"ماشي، براحتكم، بس ما ترجعوش تندموا."
وكأنها لم تقل شيئًا من الأساس، لتملي والدتها أوامرها مجددًا:
"مش ناقصة خوتة، ظبطوا حالكم علشان نمشي."
انتشرت أخبار اندلاع الحريق المؤسف في غرفة المراقبة والتحكم بالمشفى التي من المفترض أن يكون "فارس" محتجزًا بها كالنار في الهشيم، وما تبع ذلك من شجارات عنيفة بداخل العيادات الخارجية، لتزداد الأخبار سخونة بوقوع جريمتي قتل في غرفة الرعاية الحرجة، وتكون الصدمة الأكثر تأثيرًا هو التأكد من كونه الضحية، بجانب ممرضة مسكينة لا ناقة لها ولا جمل تصادف وجودها معه، فقضيت نحبها في هذا الصراع المؤسف.
بكى "وهبة" رحيله الغادر بحزنٍ جلي وحقيقي، ووقف وسط رجاله يردد:
"الله يرحمك يا "فارس"، إيد واد الحرام النجسة طالتك، وأني معرفتش أدافع عنك."
كفكف دمعه بظهر كفه، وراح يتعهد لنفسه:
"إن شاء الله ربنا هيقدرني وأحفظ الأمانة اللي وصتني بيها."
لتصير نبرته أكثر قتامة، بجانب ملامحه، عندما أطلق وعده الذي لا يُرد:
"قسمًا بالله ما هيطول من اللي يخصك شعرة، حتى لو جبنا عاليها واطيها!"
رواية فوق جبال الهوان الفصل الأربعون 40 - بقلم منال سالم
خلال اجتماعهم الدوري، والذي يُعقد أسبوعيًا، ناقشت القيادات الأمنية التقارير الواردة من كافة أقسام الشرطة عن أحدث الجرائم وما تم حله فيها، وكذلك ما يزال قيد التحقيق.
تولى أحد كبار الضباط، ممن يعتلون أعلى المراتب مناقشة قضية "الهجام"، فاستطرد متسائلًا في اهتمامٍ يشوبه الانزعاج:
- لسه مافيش جديد؟
أجابه الضابط الأقل رتبة في شيءٍ من الحذر:
- يا فندم المراقبة مستمرة على "زهير الهجام"، ولحد دلوقت مش قادرين نمسك عليه حاجة تدينه بشكل صريح...
رمقه قائده بنظرة حادة، فأكمل على نفس الوتيرة:
- ده زي ما يكون عارف إننا بنراقبه، ومتعمد يعمل كل حاجة تثبت إنه مواطن صالح.
رد عليه معترضًا:
- مافيش حد بيفضل حريص طول الوقت، لازم في وقت يغلط...
ليسكت هنيهة قبل أن يضيف:
- وبعدين ماينفعش نسيب "مروة" الضحية اللي أرشدت عن أخوه دمـــها يروح هــدر! أنا متأكد إنه ورا اللي حصلها.
علق عليه الضابط مسترسلًا في الإيضاح:
- المشكلة يا فندم إن مكان وقوع الجريمة غير المكان اللي لاقينا فيه الجثة، فصعب نربطه بيها، ده غير طبعًا أخوها وجوزها، كل واحد لاقيناه في مكان مختلف.
أخبره بيقينٍ:
- بس ده ما يمنعش إنه يكون متورط معاهم، مين ليه مصلحة يأذيهم غيره؟
هز رأسه مؤيدًا:
- فعلًا!
تساءل قائده مرة أخرى:
- راجعتوا كاميرات المناطق دي؟
ليأتي جوابه محملًا بالخيبة:
- للأسف برضوه مش كله متركب فيه كاميرات، ده غير إن وقت نقل الجثامين كان بالليل، والرؤية تعتبر متعذرة.
انزعج للغاية مما أسفرت عنه نتائج التحقيقات، وأصدر أوامره الصارمة بلهجته القوية:
- أنا عايز المراقبة تزيد على "زهير"، مافيش نفس يطلع منه إلا ويكون عندي خبر بيه.
رد في طاعة تامة:
- تمام يا فندم.
لينتقل الحوار إلى أمر آخر متعلق بعمليات الاحتيال على المواطنين باستخدام وسائل الاتصال والنصب الالكتروني.
***
بملامحٍ واجمة، ونظراتٍ حادة تعكس ضيقها، جلست "دليلة" على المقعد الخلفي لسيارة الدفع الرباعي ملتصقة بالنافذة بإذعانٍ، وإلى جوارها شقيقتها التي بدت متقبلة لما يجري بهدوء، فيما استقرت والدتهما في الناحية الأخرى، لتتابع بعينين ناريتين "غيث" وهو يُحادث تابعه على مسافة عدة خطواتٍ قبل أن يعود الاثنان معًا ليجلسا في المقدمة.
تولى "وهدان" قيادة السيارة، ليدير "غيث" رأسه ناحية ضيفاته الثلاثة قائلًا:
- السكة طويلة هبابة، فلو عايزين تناموا خدوا راحتكم.
شكرته "عيشة" بامتنانٍ:
- كتر خيرك يا ابني، احنا بس مش حابين نتقل عليك.
قال في شيءٍ من العتاب اللطيف:
- ماتجوليش إكده يا حاجة، احنا نشيلكم فوق راسنا.
امتدحت حُسن أخلاقه قائلة بابتسامةٍ راضية:
- ابن أصول، ربنا يحميك لشبابك...
لتسود نبرتها رنة من القلق وهي تسأله:
- صحيح مافيش أخبار عن "فارس"؟
تنهد مخاطبًا إياها في تحيرٍ:
- والله يا حاجة أني مش عارف أوصل لـ "وهبة" صاحبنا، ربنا يسمعنا خير إن شاءالله.
ردت في تضرعٍ ورجاء:
- يا رب أمين.
أخبرها مجددًا وهو يختطف نظرة سريعة نحو "دليلة" الشاردة في تأمل الطريق من جهتها:
- لو ناجصكم حاجة جولولي، أني رقبتي سدادة.
حافظت على ودية بسمتها حينما ردت:
- تسلم وتعيش.
بينما مالت "إيمان" قليلًا نحو شقيقتها تسألها بصوتٍ هامس، لئلا يسمع حوارهما صاحب السيارة:
- ساكتة ليه يا "دليلة"؟
في نبرة متذمرة اشتكت إليها:
- هقول إيه يعني؟ هو حد بيسمع كلامي مثلًا؟
جاء ردها منطقيًا:
- بالعقل كده احنا هنروح فين واحنا في البلد الغريبة دي اللي لواحدنا؟
لتسخر منها "دليلة" بامتعاضٍ:
- نقوم نوافق على كلام الجدع ده، ونروح معاه مكان الله أعلم هيكون فيه إيه.
ردت عليها مؤكدة:
- ده وضع مؤقت، لحد بس ما نطمن على "فارس"، وبعد كده كل حاجة هتتحل.
بدت غير مقتنعة بردها، لتتحول بناظريها نحو والدتها عندما وجهت إليهما سؤالها الأمومي المهتم:
- عايزين حاجة يا بنات؟
بادرت "إيمان" بالرد في تهذيبٍ:
- تسلمي يا ماما، احنا كويسين.
لتلكزها "عيشة" بيدها في حجرها قائلة بشيءٍ من الإلحاح:
- جربي كده تكلمي ابن عمك تاني.
امتثلت لرغبتها، وأخبرتها بعد لحظاتٍ:
- تليفونه مقفول لسه.
عاد شعورها بالقلق يتغلغل أكثر فيها، فهسهستٍ في حيرةٍ وترقب:
- ربنا يستر ويسمعنا خير.
في تلك الأثناء، حاول "غيث" لأكثر من مرةٍ التواصل مع "وهبة" إلا أنه فشل في الوصول إليه، مما انعكس تأثير ذلك على وجهه، فغطت تكشيرة عظيمة كامل قسماته، ليتساءل "وهدان" مستفهمًا:
- مافيش جديد يا بيه؟
اكتفى بهز رأسه بالنفي دون أن ينبس بكلمة، فيما واصل تابعه القيادة وقد راح الصمت يخيم ببطءٍ على رؤوس الجميع.
***
عاد مضطرًا إلى مطعمه ليتابع أعماله العالقة بالرغم من انشغال ذهنه بالتفكير في كل ما هو متعلق بها، ومع ذلك كان "زهير" يتعامل بعصبيةٍ وضيق مع من يجيء إليه. ففضل المعظم تجنب الحديث معه ريثما تهدأ أعصابه.
لاحقًا أتى إليه "عباس" ليخبره في توجسٍ مرتاب:
- الدبابير حطينا في دماغهم يا كبيرنا.
التفت بمقعده ناظرًا إليه قبل أن يسأله، وسحب الدخان تتصاعد من بين شفتيه:
- في حاجة تانية حصلت؟
أعطاه الجواب التفصيلي المحمل بالتحذيرات:
- عيونا اللي جوا مبلغين إن الراس العليوي فاتحة ملفك، وبتحقق في كل حاجة ليها صلة بيك.
شردت عيناه للحظةٍ، ثم أخبره بغموضٍ وقد اعتدل في جلسته ليطفئ عقب سيجارته المشتعل في المنفضة المصنوعة من الكريستال والموضوعة على سطح مكتبه:
- عايزين نشوف حاجة نلبخهم بيها عننا الفترة الجاية.
هز رأسه مرددًا:
- اللي تؤمر بيه.
أمسك "زهير" بقلمه الحبري، وراح يرسم دوائر مبهمة على ورقة فارغة أمامه، لتتحول بعد برهةٍ إلى اسم ذي معنى، فتحدث في لهجة آمرة وكأنه يقرأ ما خطاه بصوتٍ مسموع:
- صفي حسابنا مع جماعة "العِترة"، وبلغ عن مخازنهم بتاعة البضاعة إياها.
تفاجأ "عباس" بقراره الخطير، وحذره في استرابةٍ:
- بس كده هنفتح على نفسنا جبهة جديدة يا ريس!!!
قال بغير مبالاة بعدما طوى الورقة وألقاها نحو سلة المهملات الموضوعة على مقربةٍ من مكتبه العريض:
- مش فارق معايا، أهوو يتلخبوا مع الدبابير شويتين لحد ما أخلص أنا حواراتي.
مجددًا أذعن لمطلبه قائلًا:
- اللي تؤمر بيه.
عاد "زهير" ويسأله بعينين قاسيتين:
- محدش ظهر لسه منهم؟
هز رأسه نافيًا وهو يجيبه بما يشبه التفخيم:
- لأ لسه، أنا زارع ناسنا قصاد بيت عمتها ما يتنقلوش لا ليل ولا نهار.. بس...
تردد في إبلاغه بالبقية، فأمره بغير صبرٍ:
- بس إيه؟ كمل!
أطلعه مباشرةً على ما يعرف:
- جماعة "العرباني" عاملين جنازة للواد "فارس" إنما إيه، حكاية!
لوى ثغره متمتمًا في نبرة آمرة، وإصبعه موجه نحوه:
- تخلي عينك عليهم، وخصوصًا "وهبة"، ده اللي يعرف أراضيهم.
مرة ثانية أومأ برأسه مؤكدًا:
- اطمن يا ريس "زهير".
غادر بعدها "عباس" ليستغرق "زهير" مجددًا في أفكاره التحليلية عنها. كز على أسنانه متحدثًا إلى نفسه:
- طرف الخيط اللي هيوصلني بيهم عندك يا "وهبة"!
***
احتشدت منطقة المقابر الخاصة بعائلة "وهبة" بمئات الأشخاص ممن أتوا من كل حدبٍ وصوب لأداء صلاة الجنازة على ذلك الفقيد الغالي، فصيته المعروف سابقًا في جماعة "العرباني"، جعل الكثيرون يتوافدون لتوديعه للمرة الأخيرة.
لم يكن ليتم الأمر بسهولة بسبب طبيعة وفاة "فارس" الجنائية، إلا أن الوساطات تدخلت لإنهاء الإجراءات القانونية واستخراج تصاريح الدفن بعجالةٍ، وعلى إثرها قام "وهبة" بنقل جثمانه إلى مقابره الخاصة، ليتم مواراة جسده الثرى، وبعيدًا عن مقابر عائلته الموجودة في بلدته الأخرى، ليتحول الأمر إلى ثأر شخصي، خاصة عندما أصدر أمره الذي لا رجعة فيه بعدما انتهت مراسم الدفن:
- مافيش عزا إلا لما ناخد بتــــار المرحوم، سامعين؟
تحولت نبرته للقتامة عندما صرح بما كان مفهومًا للجميع:
- ومعروف من مين.
هتف أحد أتباعه في طاعةٍ، ونائبًا عن الغالبية:
- تمام يا كبيرنا.
ليأتي أحدهم مسرعًا وهو يصيح في نبرة متلهفة:
- يا معلم "وهبة" مسكنا المقاطيع دول وهما واقفين حدانا.
تحولت الأنظار تجاه من جاءوا مع آخرين وقد تم تقييد أياديهم وراء ظهورهم بالأربطة، ليصيح أحدهم محتجًا بنبرة هجوميةٍ وهو يستنكر اعتقـــاله:
- في إيه يا عم؟ ما تشيل إيدك، هو احنا عملنا حاجة أصلًا؟
دنا منه "وهبة"، وثبت نظراته النارية عليه أولًا قبل أن يطوف على البقية وهو يسأله مستعلمًا، وفي نبرة متعصبة نسبيًا:
- إنت مين ياض إنت وهو؟ مين مسلطكم علينا؟
صدمه برده المستفز:
- احنا واقفين في أرض الحكومة، إيه اشترتوها؟
سرعان ما مد "وهبة" يده ليربت بخشونةٍ على مؤخرة عنقه، كأنما يصفعه عليه، ليقول هازئًا:
- قولبتلي بقى، أر ض الحكومة، وماله يا خفيف...
ثم وجه أمره إلى أتباعه بلا رأفةٍ:
- خدوه على التكية أما تشوف حكايتهم إيه!
قاوم الرجل من يجروه جرًا بعيدًا عن المقابر وهو يهدر عاليًا:
- ما تبعد إنت وهو!
إلا أن أتباع "وهبة" نجحوا في السيطرة عليه، ووأد مقـــاومته في مهدها، ليتم سحبه كالذليل بعيدًا وأحدهم يوبخه:
- انجر وإنت ساكت.
***
الحركة الثابتة للسيارة، حفزت خلايا جسدها المرهقة على الاسترخاء تدريجيًا، والاستسلام لتأثير سلطان النوم، فغفت "دليلة" في مكانها وعيناها تتأملان الطريق الزراعي الذي طغى بأطيافه على مداركها، لتسحبها الذاكرة إلى لمحاتٍ منسية من طفولتها البعيدة.
وقتئذ، كانت لا تزال طفلة في السابعة من عمرها تقريبًا، وتقيم كالعادة خلال العطلات الصيفية مع أبويها وشقيقتها في منزل جدتها بالبلدة. كم أحبت طريقتها البدائية في تفريغ البيض لإنتاج فرخ الدواجن باستخدام مصباح كهربي وصندوق من الكرتون! انبهرت برؤية الأفراخ الصغيرة ذات اللون الأصفر الزاهي وهي تصدر نقنقتها أثناء تناول الحبوب الموضوعة لها.
ودت لو استطاعت رؤيتها وهي تحلق في السماء مثل بقية الطيور، ففكرت في استغلال وقت القيلولة، حيث ترتاح جدتها، لتقوم بإخراج كل فرخٍ على حدا، ودفعه من الشرفة لتستحثه على الطيران، إلا أنه كان يلقى حتفه بمجرد أن تلقيه من على السور، فتحزن لأن محاولتها قد فشلت، وتعاود الكرة من جديد مع فرخٍ آخر، على أمل أن ينجح أحدهم في الطيران.
آنذاك شاهد "فارس" ما تفعله وهو يمر بالصدفة من أسفل بيت جدته، ففزع للمشهد، خاصة عندما أبصر الأفراخ المتوفية المتكومة فوق بعضها البعض، فهرع إلى الداخل معتقدًا أنها ستحاول اللحاق بهم، والقفز من الأعلى مثلهم لتختبر نظريتها الساذجة.
أمسك بها من ذراعها وجذبها إلى الداخل وهو يلومها:
- ينفع اللي عملتيه ده؟
لم تستطع "دليلة" الرد عليه، فبكت بصوتٍ مرتفع لصراخه العالي في وجهها، فخشي أن يعنفها أحدهم أو تُعاقب بقسوةٍ حينما يتم اكتشاف ما فعلته بعفويةٍ، فقرر أن يتحمل المسئولية عنها، وأخرج فرخًا صغيرًا من العشة الكرتونية، وحبسه بين أصابعه مدعيًا أنه على وشك إلقائه، لتأتي جدتهما وتراه وهو يحتبس الفرخ داخل قبضته، فصاحت فيه بانفعالٍ:
- إنت بتعمل إيه يا واد يا "فارس"؟
أعاد وضع الفرخ في العشة وأخبرها بسخافةٍ وهو يغمز بطرف عينه لـ "دليلة":
- برمي الكتاكيت يا نينة علشان يطيروا، بس البت دي خافت وأعدت تعيط.
لطمت جدته على صدرها في جزعٍ، واندفعت تجاهه لتوكزه بقسوةٍ في ذراعه قبل أن توبخه:
- إنت اتهبلت ياوله؟
ثم ألقت نظرة على العشة فاكتشفت نقصان عددهم، لتنظر سريعًا من الشرفة، وترى البقية وقد نفقوا. ضربته بغيظٍ في ظهره قبل أن تزيد من توبيخها له:
- كده موتهم يا عبيط؟ استفدت إيه دلوقت؟
رد بثباتٍ وبما يستفزها، وكأنه يتعمد إبعاد الشبهات عن "دليلة":
- بلعب يا نينة، ابقي فرخي غيرهم!
استشاطت غضبًا من رده، وكررت ضربه في ظهره وهي تتوعده:
- والله لأقول لأبوك يأدبك، ما إنت ناقص رباية وعيارك فالت.
هرب من ضرباتها المتلاحقة قائلًا بغير مبالاة:
- قوليله، مش خايف.
انفعلت أكثر عليه، وانتزعت خفها من قدمها لتقذفه في وجهه، وصوت صراخها الحانق قد ازداد:
- اطلع برا يا وله، ماشوفش وشك هنا تاني!
تفادى ضربتها الأكيدة بأعجوبةٍ، وقال وهو يضحك ليزيد من شعورها بالغيظ:
- لأ هاجي، سلام يا نينة.
ثم اندفع ركضًا نحو الخارج قبل أن تقذفه بالخف الآخر، لتدمدم بعدها الجدة في كدرٍ:
- واد عفريت، أنا عارفة طالع لمين.
تأملت بعينين حزينتين العشة، لتقول في أسفٍ بعدما تناقص عدد ما أنتجته للنصف تقريبًا:
- لا حول ولا قوة إلا بالله! ذنبهم إيه بس يروحوا هدر؟ يا خسارة تعبي ومجهودي فيهم!!
لتظل "دليلة" متسمرة في موضعها وهي تبكي خوفًا ورهبةً من جدتها، فاعتقدت الأخيرة أنها تشعر بالأسف لما حدث للأفراخ الصغيرة، فأقبلت عليها، وسحبتها إلى حضنها لتضمها، ثم مسدت على ظهرها بترفقٍ قبل أن تخاطبها في نبرة تبدلت للحنو:
- ماتعيطيش يا "دليلة"، أنا عارفة هما صعبوا عليكي، بس نعمل إيه في الواد اللي مطفحنا الدم ده، دايمًا تاعبنا معاه.
استفاقت "دليلة" من غفوتها القصيرة وهي تشعر برطوبة غريبة في عينيها، تحسست بأطراف أناملها أسفل جفنيها، فتيقت أنها كانت كانت تبكي أثناء نومها، سرعان ما مسحت ما بلل وجنتيها بحذرٍ، وتساءلت مع نفسها في حيرةٍ وريبة:
- اشمعنى افتكرت الحكاية دي دلوقت؟!
***
لم يكن ليلاحظ أنها كانت تبكي بلا شعورٍ منها إلا حينما استدار فجــأة للخلف ليبحث عن طرف الوصلة الكهربية حتى يتمكن من تمريرها إلى هاتفه المحمول لشحنه، تلقائيًا وقعت عينا "غيث" على وجهها، فرأى دموعها تنساب بتتابعٍ رقيق وهي مستغرقة في النوم، فتعجب من حالها، وقطب جبينه باندهاشٍ ممزوجٍ بقليلٍ من الحيرة والفضول، ليتدارك نفسه بعدما أطال النظر إليها، خاصة حينما تململت في نومتها، فعاود التحديق أمامه مخاطبًا "وهدان" في جديةٍ، وكأنه يغطي على ما فعل للتو من تجاوزٍ غير مقبول:
- لما يجابلك جامع على الطريق وَجِف عنده، عايزين نلحقوا الصلاة.
رد عليه مبديًا استجابته المعتادة لأوامره:
- حاضر يا بيه.
استفاقت "دليلة" من نومها، ومسحت دمعها خلسة، لتتساءل في صوتٍ شبه متحشرج:
- لسه قدامنا كتير؟
تولى "وهدان" الرد عليها، فحادثها في شيءٍ من الرسمية:
- هانت يا ست، جربنا نوصل.
ليتدخل "غيث" في الحوار مقترحًا، وكأنه يسعى لخلق سبل الحوار معها:
- احنا هنجفوا في استراحة إقريب، علشان تريحوا شوية بدل التكتيفة دي.
أوجزت في تعقيبها عليه:
- ماشي.
حرك "غيث" رأسه قليلًا للجانب، ودون أن ينظر تجاهها على وجه الخصوص سألها:
- عاوزة حاجة نجيبوهالك؟
استمرت في الرد باقتضابٍ:
- شكرًا.
أضاف بعدها وهو يعبث بهاتفه:
- أني لسه معنديش خبر عن ولد عمك "فارس".
تنهدت قائلة وهي تشير نحو شقيقتها الغافلة:
- "إيمان" كانت بتحاول تكلمه من بدري بس تليفونه على طول مقفول.
وضع الهاتف على أذنه متابعًا كلامه إليها:
- وأني بكلم جَريبي، هو كان إمعاه، جايز يطمنا.
لم تعرف بماذا تعلق، فاستخدمت الرد التقليدي المعتاد لتبدو مهذبة وفي نفس الآن تنهي الحوار بينهما بلباقةٍ:
- خير إن شاء الله.
تعذر عليه إتمام المكالمة، فصرَّ على أسنانه في استياءٍ، وكبت رغبة ملحة في إطلاق سبة نابية، ليشير بيده نحو واحدة من الزوايا المخصصة لإقامة الصلاة قائلًا:
- وَجِف إهنه.
رد في طاعةٍ:
- ماشي يا بيه.
لتتباطأ بعدها سرعة السيارة وهي تنعطف بالقرب من ذلك المسجد الصغير، ليتحدث "غيث" بصوتٍ مرتفع نسبيًا بعدما استفاق الجميع:
- هنريحوا إهنه ربعاية.
استحسنت "عيشة" فكرته، وقالت وهي تدعك بيدها ركبتها لتخفف من التيبس السائد فيها:
- أه وماله...
لتبدو متحرجة نوعًا ما وهي تكمل كلامها إليه:
- أنا بس ... محتاجة أخش حمام.
قال في تفهمٍ:
- هنشوفولك يا حاجة، متجلجيش.
شكرته في امتنانٍ كبير:
- كتر خيرك يا ابني، مدوخينك معانا.
عاتبها في أدبٍ:
- ماتجوليش إكده.
***
بعد برهةٍ كانت كلًا من "إيمان" و"دليلة" تقفان أسفل تعريشةٍ مصنوعة من سعف النخيل، لتستظلا بها، وهما تستندان بظهريهما على جانب السيارة، بادرت الأولى بالحديث مشيرة بيدها نحو الترعة الصغيرة الظاهرة أمامهما:
- المكان ده مش بيفكرك بالبلد عند نينة الله يرحمها؟!
قالت وهي تستخدم طرف حجابها لتجفف العرق من جبينها:
- بصراحة، مش أوي.
اندهشت للغاية من نسيانها لغالبية تفاصيل الطفولة المشوقة، وراحت تستفيض في إنعاش ذاكرتها بكل ما تذكره:
- إزاي؟ ده احنا قضينا أحلى أيام مع بابا الله يرحمه والعيلة هناك، كنا بنقعد في الغيط، ونصطاد سمك من الترعة، ونطلع على القناطر، ونلعب عند الطاحونة، جايز علشان إنتي كنتي صغيرة فمش هتفتكري معظم اللي عملناه وقتها.
اكتفت بالنظر إليها في عدم اهتمام، لتضيف "إيمان" بعدها بتسليةٍ:
- بس الحق يتقال إنتي كنتي شقية أوي.
بدت إلى حدٍ ما في حالة من الاستغراب وهي تردد:
- أنا؟
أكدت لها بمرحٍ:
- أيوه، كل شوية مصيبة والتانية، بس مافيش زي اللي حصل وقت ما وقعتي في الترعة.
راحت ومضات عجيبة تضيء في عقلها كأنها فلاشات متلاحقة لعدسة كاميرا لا تتوقف عن التصوير. حاولت "دليلة" مقاومة تأثير ما يراودها من شعور مزعج بالإنكار التام:
- مش فاكرة حاجة من دي!
فيما ظلت "إيمان" تستفيض في توضيحها:
- يا بنتي وقتها كنا بنلعب استغماية، احنا والعيال اللي في سننا، وكان معانا "فارس"، كان بيجري وراكي وعايز يمسكك.
تجسدت مشاهد خيالية لما كان يجري آنذاك، أرض خضراء فسيحة، مقسمة إلى أجزاءٍ متفاوتة في المساحة، تنمو فيها محاصيل متنوعة، وعدد من الأطفال يركضون هنا وهناك وهم يلهون في سعادة.
بدت نبرة شقيقتها كالمؤثر الصوتي الذي يظهر في الخلفية حينما يقص الراوي تفاصيل حكايته على جمهور المشاهدين، فأخذت تضيف وهي تستحضر الأحداث في ذهنها:
- إنتي كنتي عمالة تتنططي من هنا لهنا، وفجأة ببص عليكي، ملاقتكيش...
اقتحمت الذكرى عقلها، تذكرت أنها كانت تركض سريعًا أثناء لعبة الغميضة لتهرب من ابن عمها الذي لم يكف عن مطاردتها في كل مرة تسنح له الفرصة لفعل هذا مستخدمًا مســـدســه اللعبة لتهديدها، كانت تمقت الخسارة في مواجهته، فقد اعتاد على التفوق عليها وإلحاق الهزيمة الساحقة بها، ليظل يسخر منها غالبية الوقت، فحاولت الاختباء منه بالركض تجاه المصرف المائي، إلا أن الأرض الطينية الرطبة جعلت قدمها تزل وتسقط في القاع، لتبدأ المياه العميقة في ابتلاعها.
أكد لها صوت شقيقتها ما استعادته ذاكرتها:
- رجليكي فلتت، ووقعتي في الترعة، بس كانت أكبر من دي بكتير، والمياه فيها بتجري بسرعة.
خفق قلب "دليلة" بقوةٍ، فما زال تأثير ابتلاعها للمياه قســرًا يؤلم صدرها، فقد كانت عاجزة عن التنفس، وتقاتـــل لرفع جسدها الضئيل للسطح.
أكملت "إيمان" المشهد المنقوص بقولها:
- ساعتها "فارس" نط وراكي، وحاول يجيبك قبل ما تغرقي، ما هو كان الوحيد اللي بيعرف يعوم فينا.
كانت تخشاه وقتها، وظنت –نظرًا لصغر سنها ومحدودية تفكيرها- أنه قفز ورائها لإكمال مهمته في القبض عليها والتخلص منها؛ لكن هذه المرة كانت عن طريق إغراقها في المياه لمجرد تحقيق النصر عليها، فقاومته، إلا أنه أصر على الإمساك بها، وجرها نحو حافة الترعة، لتؤكد "إيمان" على صحة ما تذكرته:
- شدك، وطلعك، وإنتي كنتي قاطعة النفس، لحقك عمنا الله يرحمه، وأعد يفوق فيكي، وكلنا كنا خايفين بصراحة عليكي.
نظرت إليها بعينين زائغتين، فتابعت:
- ولما سألك وقعتي إزاي، كل اللي كنتي بتقوليه "فارس"، "فارس"، وبس.
لحظتها أحست بوخزٍ في صدرها، فخوفها من الهزيمة جعلها تكرر اسمه بلا وعيٍ لتوحي للجميع بأنه السبب وراء ما حدث لها، وهذا ما أشارت إليه شقيقتها حينما أكملت:
- فافتكر إنه هو اللي زقك، باعتبار إنه متعود يعمل مشاكل كتير، فخد حتت علقة قصادنا، كسر فيها عضمه، ولولا بابا جه واتدخل محدش كان عارف ممكن يحصله إيه.
لم تجرؤ "دليلة" حينها على قول الحقيقة، والاعتراف بكونها المخطئة في الركض نحو موطن الخطر بإرادتها، ولاذت بالصمت، خاصة عندما صدر الأمر الصارم من جدتها بمنع "فارس" من الاقتراب منها كليًا، فارتاحت لما اعتبرته قرارها الحكيم لكونه يجبره على الكف عن مضايقتها تمامًا. كم كانت ساذجة وقتها!
استنكرت تفاصيل هذه الذكرى المأساوية قائلة بجمودٍ، ومحاولة الحفاظ على ثبات نبرتها:
- أنا مش فاكرة حاجة زي كده.
رفعت "إيمان" حاجبها للأعلى مرددة:
- معقولة!
تجهمت تعبيرات وجهها عندما ردت:
- أيوه، ويالا خلينا نقعد في العربية لأحسن أنا تعبت.
لم تجادلها كثيرًا، وقالت وهي تتبعها لتجلس بجوارها:
- زي ما تحبي.
***
على الجانب الآخر، وبجوار المسجد الصغير، تمكن "غيث" أخيرًا من مهاتفة صديقه بعدما فرغ من أداء فرضه، ليأتيه الخبر الصادم بمـــقتل "فارس" أثناء تواجده بالمشفى في ظروف غامضة للعامة؛ لكنها معروفة لمن هو قريب منه. ضغط على أسنانه مدمدمًا في حنقٍ:
- عملها واد الحـــرام إياه!!!
جاء صوته محملًا بمزيجٍ من الأسى والضيق:
- أيوه يا واد عمي، وتـــاره بقى في رقبتي دلوقت.
دون أن يفكر مرتين أعطاه "غيث" وعده له هو الآخر:
- احنا ماهنسبيهوش واصل.
فيما أوصاه "وهبة" بتشديدٍ:
- المهم عايزك تحافظ على الأمانة اللي عندك، لحد ما نجيبوا حق اللي راح.
قال مؤكدًا فيما يشبه اليمين الغليظ:
- اطمن، محدش هيقدر يمسهم طول ما هما معايا.
ليتابع "وهبة" حديثه الجاد هاتفًا:
- وأني مش هشيع حد من طرفي عند قرايبه اللي في البلد يبلغهم، هروح هناك بنفسي، وإياك أشوف حد من طرف واد المحـــروق ده، هجيب خبره ساعتها.
أيد رأيه بلا مراجعة:
- اعمل اللي يلد عليك، وأني معاك فيه.
تساءل بعدها "وهبة" في تحيرٍ:
- هتبلغ الجماعة عندك؟
سكت للحظةٍ قبل أن يُعلمه بما انتواه فعليًا:
- نوصلوا عندي الأول، وبعد كده هجولهم، قبل إكده مش هينفع.
استحسن تفكيره قائلًا:
- الصح أعمله، وطمني.
أنهى "غيث" المكالمة معه، ووقف في موضعه لبرهةٍ محاولًا استعادة هدوء أعصابه، فلم يكن من اللائق أن يعاود الالتقاء بهن وهو على هذه الحالة الحانقة، إلا أنه تعهد لنفسه ألا يترك ثلاثتهن في مواجهة رمز الشر اللعين المسمى بـ "زهير" دون أن يردعه ويمحو ظلامه من على وجه البسيطة.