تحميل رواية «فوق جبال الهوان» PDF
بقلم منال سالم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حمل عنها حقيبتها الصغيرة وعلقها على كتفه، ليسير معها بخطوات شبه متعجلة عبر الطرقات الضيقة والأزقة، فقد انتهى بهما المطاف بعد ساعات من استقلال عربة القطار إلى هذا الحي البعيد بتلك المدينة النائية عن بلدتها. لم تتوقع "مروة" أن يكون مستوى المعيشة هنا متدنيًا، فبناءً على ما أخبرها به سابقًا، من المفترض أنه يعيش في منطقة راقية، بها مظاهر الترف والراحة، لكنها رأت عكس ما وصف تمامًا. سألته بقلب متوجس وهي تدير رأسها لتنظر إليه: - هو احنا هنا فين كده؟ أجابها وهو يدفعها برفق للولوج إلى داخل مدخل هذه العمار...
رواية فوق جبال الهوان الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم منال سالم
بحركاتٍ عصبية ظل يركل بقدمه الحصوات الصغيرة المنتشرة من حوله، وكأنها وسيلته المتاحة حاليًا للتنفيس عن الغضب الحانق الذي يكبته في صدره. مكالمة أخرى هاتفية تلقاها أثناء تواجده بالقرب من المسجد الصغير وكانت عقب اتصال "وهبة" بقليل، حيث أظهر الرقم الصادح على الشاشة اسم والده، فأجاب "غيث" على الفور وفي توقيرٍ واضح بعدما انتصب في وقفته، وكأنه يظهر احترامه الشديد له في غيابه قبل حضوره:
-سلام عليكم، كيفك يا بوي؟ إنت بخير؟
أتاه صوت "زكريا" – والده – يخبره في هدوءٍ:
-وعليكم السلام، الحمد لله يا ولدي، إنت فين دلوجيت؟ هتوصل مِتى؟
سكت لهنيهةٍ، كأنما يحسب بحسبةٍ عقلية المدة الزمنية التي تلزمه ليبلغ مشارف بلدته القاصية، ثم تحدث بقدرٍ من التردد المحسوس في نبرته:
-بعد العشا، بس معايا جماعة ضيوف.
سأله مستوضحًا:
-ضيوف؟ مين دول؟
جاء رده غامضًا بعض الشيء:
-حكايتهم إحكاية، بس مكانش ينفع أسيبهم لوحدهم واصل.
تحولت نبرة أبيه للجدية وهو يأمره في صيغة متسائلة:
-في إيه يا ولدي؟ جول اللي حوصل أوام.
قصَّ عليه ما جرى بعباراتٍ موجزة وفي صلب الموضوع، ليعقب عليه بحسمٍ، وكأنه أعطاه التفويض لمتابعة ما عقد العزم على القيام به قبل سابق:
-اعمل بالأصول واللي أني وجدك ربيناك عليه.
كان ممتنًا لقراره الحكيم، وقال:
-حاضر يا بوي.
أضاف "زكريا" بعدها مؤكدًا ليشعره بالاطمئنان:
-وماتجلجش، أني هظبطلك كل حاجة إهنه.
استحسن تمهيده لهذه المسألة الحرجة بين عشيرته مرددًا:
-الله يكرمك يا بوي.
عاد والده ليوصيه مشددًا:
-خد بالك من الطريق، وامشي على مهلك، ولو الواد "وهدان" اللي بيسوج جوله يهدي.
قال في امتثالٍ مشوبٍ بالاحترام:
-حاضر يا بوي.
أخذ يدعو له بعدها بتضرعٍ:
-تجي إنت واللي معاك بالسلامة يا رب.
رد مؤمنًا عليه:
-اللهم أمين، في حفظ الله يا بوي.
أنهى معه اتصاله وسار عائدًا إلى سيارته، حيث كانت الشقيقتان تنتظران بداخلها، وإلى جوارهما والدتهما المرهقة. جلس "غيث" في مقعد الراكب الأمامي، وتساءل وهو يمرر نظرة سريعة عليهن:
-جاهزين نكملوا طريقنا؟
في نوعٍ من التهكم المنزعج ردت عليه "دليلة":
-هو احنا عندنا option (اختيار) تاني؟
توقفت عيناه عليها للحظةٍ، فالتقت نظرته الحادة بنظرتها المتمردة قبل أن يشيح بوجهه بعيدًا، فيما تساءل "وهدان" بتحيرٍ:
-واه، ده معناته إيه؟
ربت "غيث" على ذراعه بقليلٍ من القوة وهو يخبره باللغة التي يفهمها جيدًا:
-اتوكل على الله يا "وهدان".
رد عليه محركًا رأسه بإيماءةٍ طائعة:
-توكلنا عليك يا رب.
أساليبه غير الرحيمة مع خصومه تجبرهم في نهاية المطاف على الاعتراف بما يريد معرفته، وهذا ما تم مع أتباع "الهجام" حينما احتجزوا داخل التكية. استخلص "وهبة" المعلومات المطلوبة منهم، ووجه أمره الصارم إلى رجاله للتعامل مع أمثالهم:
-يتعمل معاهم الصح، ويتسلموا للحكومة.
سأله أحدهم مستفسرًا:
-مدني ولا جنائي؟
كان يقصد بذلك في حالة العمل بالخيار الأول أن يتم تلفيق تهمة عادية، كالتسبب في اندلاع مشاجرة ما، فوقعت بشكلٍ عابر بين طرفي النزاع، لتنتهي فيما بعد بالمصالحة، وذلك من أجل تأديبهم فقط، أو اللجوء للاختيار الثاني وهو ترتيب قضية متعلقة بتهريب بعض البضائع المهربة كالمنسوجات والعطور بغرض بيعها في الأسواق دون أن يكون لها أي أوراق قانونية، وتكون بمثابة طرف الخيط لتوريط جماعة أخرى تعمل بشكلٍ مخالف وذلك لتلقينهم درسًا قاسيًا.
في بعض الأحيان قد تتطور المسائل إلى شيء أكثر تعقيدًا مثل الاتهام بالإتجار في المواد المخدرة، وهذا بغرض إزاحة بعض الجماعات والعشائر عن الساحة كليًا، ولا يحدث هذا الأمر إلا في الضرورة القصوى، وبعد الاتفاق مع كافة الأطراف المتورطة في خصومة كتلك.
قال "وهبة" بعد نظرة محتقرة تجاه هؤلاء الملاعين الراقدين أرضًا:
-مشيها مدني، ولو ليهم ملف عندهم يشيلوا شيلتهم هناك.
رد رجله في امتثالٍ واضح:
-اللي تؤمر بيه يا معلم.
أصدر أمره التالي إليه وهو يتأهب للمغادرة:
-جهزوا العربية، طالعين على بلد أهل "فارس".
سار مجاورًا له وهو يخاطبه:
-ماشي يا معلم.
لتظل بعض الأعين البعيدة تراقب كافة تحركاته عن كثبٍ، حتى تبلغ بها رب عملهم فورًا بكل ما يخصه.
ظل باله طوال الطريق مشغولًا بكيفية إبلاغ ثلاثتهن بمسألة اغتيال "فارس"، فالتمهيد لمفاتحتهن في هذا الشأن بدا بالغ الصعوبة، فقد كان يخشى من ردة فعلهن بعدما يعلمن بخسارة رجل العائلة الوحيد المسئول عنهن. غرق في صمته وفي شروده بشكلٍ واضح، لتلاحظ "إيمان" حالة الوجوم تلك، فقد اعتادت أن تسمع ثرثرته الهامسة مع تابعه بين الحين والآخر، إلا أنه منذ أن استقل السيارة بعد توقفهم للاستراحة آخر مرة وقد صار على هذا الوضع المريب، حتى مكالماته الهاتفية التي كان يجريها بين الفنية والأخرى باتت مقتضبة ومليئة بالغموض، فلم تستطع تفسير ما يدور خلالها مثل السابق.
لم تترك شكوكها تأكل رأسها بمفردها، حيث مالت على شقيقتها الصغرى لتهمس في أذنها بخفوتٍ شديد بما يجول في خاطرها:
-بقولك إيه يا "دليلة".
سألتها الأخيرة في إيجازٍ، وبنفس النبرة الخفيضة:
-خير؟
أشارت بعينيها نحو "غيث" لتتابع هامسة:
-مش ملاحظة إن العمدة ساكت غالبية الوقت.
تحولت "دليلة" بناظريها نحوه، وأمعنت النظر في جانب وجهه الذي يظهر من ناحيتها، لتعلق بعدها بغير اهتمامٍ:
-عادي يعني.
اعترضت عليها "إيمان" بإصرارٍ غريب:
-يا بنتي بصي كويس، مكانش كده الأول.
افترضت مجازًا بأول شيءٍ طرأ في فكرها:
-جايز أهله إضايقوا لما عرفوا إننا جايين معاه.
زوت "إيمان" ما بين حاجبيها في قلقٍ، فما فاهت به يبدو منطقيًا بدرجة كبيرة، لتستكمل "دليلة" حوارها الهامس معها بشيءٍ من السخرية:
-الطبيعي الناس بترجع لأهلها بفاكهة وحلويات، لكن في حد يخش على أهله ومعاه ناس وراهم مصايب زينا.
وكزتها في جانبها معاتبة إياها:
-وده وقت هزار؟
ردت عليها "دليلة" بامتعاضٍ:
-هعمل إيه يعني، ما أنا قولت كده من الأول، ماينفعش نروح مع حد مانعرفوش لآخر الدنيا لمجرد إن القدر رماه في سكتنا.
هذه المرة وافقتها "إيمان" في اعتقادها، وسكتت لبعض الوقت قبل أن تقترح بنفس الصوت الخافت:
-بصي أنا عندي فكرة، أول ما نوصل بالسلامة نكلم الأستاذ "عادل"، نحكيله اللي حصل، وهو أكيد مش هيتأخر عن مساعدتنا...
تطلعت "دليلة" إليها صامتة، لتضيف شقيقتها أيضًا ما يدعم اقتراحها:
-هو وعيلته كانوا ذوق معانا جدًا، إنتي ناسية مامته كانت بتعاملنا إزاي، وشيلانا من على الأرض شيل.
هزت رأسها مؤيدة فكرتها:
-ماشي، مش هنخسر حاجة.
لتتجه "إيمان" بعينيها نحو والدتها التي سقطت غارقة في النوم بعمقٍ بعدما غلبها الإرهاق المتواصل، فهمست:
-بصي على ماما كده، يا عيني نامت من كتر التعب.
علقت عليها "دليلة" بعد تنهيدة متعبة:
-ربنا يهون عليها وعلينا، المشوار مش سهل برضوه.
أكملت "إيمان" قائلة:
-فعلًا، احنا يعتبر بقالنا يومين على الطريق، مافيش راحة خالص، وهي كبيرة في السن، مش مستحملة بهدلة السفر دي.
هتفت "دليلة" فجأة بجديةٍ:
-استني أسأله فاضلنا أد إيه بالتقريب.
اعترضت عليها شقيقتها بتوجسٍ:
-بلاش بدل ما يضايق!
استنكرت خوفها المبالغ فيه، وعلقت باستهجانٍ:
-مافيهاش حاجة، هو سر حربي؟ دي حاجة عادية.
لترفع من نبرتها بعدها موجهة حديثها إلى "غيث"، وقد تقدمت بجسدها للأمام بعض الشيء لتبدو قريبة منه:
-يا عمدة هو فاضل كتير؟
أزعجه ذلك اللقب العجيب الذي تصر على وصفه به، ومع ذلك دون أن يحيد بنظراته عن الطريق الممتد أمامه أجابها في رسمية:
-جربنا نوصلوا البلد حدانا.
أعادت ظهرها للخلف وهي ترد باقتضابٍ:
-ماشي.
ظن من نبرتها المختصرة أنها انزعجت من أسلوبه الجاف في الحديث، فتكلم مرة أخرى بشيءٍ من الودية وهو يميل بوجهه للجانب قليلًا، مع مراعاة عدم النظر لأي من الشقيقتين، فقط أراد أن يوحي لهما باهتمامه:
-محتاجين حاجة نجيبهالكم في السكة؟ في كام استراحة على الطريق إجريب.
تولت "دليلة" الرد عليه، فخاطبته بغير ابتسامٍ:
-لأ، شكرًا.
لتضيف "إيمان" هي الأخرى كنوعٍ من المجاملة، وبابتسامةٍ باهتة:
-تسلم، احنا تمام.
لم يعلق بشيءٍ، واستغرق في صمته المشحون مجددًا، محاولًا البحث عن أيسر السبل وأسهلها لنقل الأخبار الحزينة إليهن بعدما يصل بهن إلى بلدته.
بمجرد أن علمت بالخبر المفجع أقامت الدنيا ولم تقعدها، راحت العمة تولول بحرقة فراق ابن شقيقها الوحيد غدرًا وأثناء دفاعه عن شرف العائلة، بكت بتحسرٍ وألم على وفاته المباغتة، وما زاد من التياع قلبها دفنه بعيدًا عن مقابر العائلة. حاول "وهبة" امتصاص ما اعتراها من انفعالات مبررة بقوله المؤكد:
-هو ادفن وسط أهله بردك يا حاجة، وربنا وحده اللي عالم معزته وغلاوته عندنا كلنا.
عاتبته في لوعة، والدمع يفيض من عينيها أنهارًا:
-كنت إدينا خبر يا ابني، احنا لينا معارف كتير في البلد، الكل هيحزن عليه، وخصوصًا لما يعرفه إنه ضحى بعمره علشان يحمي بنات عمه.
قال مبديًا تفهمه لموقفها المتحيز:
-معاكي حق يا حاجة، "فارس" مايتعوضش.
سألته في لهفةٍ وهي بالكاد تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة:
-و"عيشة" وبناتها فين أراضيهم؟ ده كان يا حبة عيني مشغول بيهم.
أخبرها في هدوءٍ، محاولًا الحفاظ على سرية مكان إقامة الثلاثة:
-اطمني، هما حدا ناس معرفتي...
ولئلا تسأله عن مكانهن شدد عليها في جديةٍ استغربت منها:
-المهم إنتي تاخدي بالك من نفسك يا حاجة، لأحسن واد الحرام ده مش عاتق...
قذف قلبها بقوةٍ من كلماته الأخيرة، فواصل إخبارها بغير مزاحٍ:
-لو ليكي ناس إقريبين منك اقعدي عندهم الفترة دي لحد ما ناخدوا بتارنا منه.
سكتت قليلًا وكأنها تفكر في شيءٍ ما، لتنطق بعدها بترددٍ:
-بنتي كانت عايزاني أسافرلها.
في التو أوصاها:
-ماتكدبيش خبر وروحيلها، ده أمن ليكي يا حاجة.
كان جادًا في طريقته، فعلقت باقتضابٍ وهي تكفكف عبراتها المنسابة على وجنتيها:
-ربنا يسهل.
أضاف بعد ذلك على نفس النهج الجاد:
-وأنا هسيب كام نفر من تبعي ياخدوا بالهم منك، علشان لو حصل حاجة لا قدر الله.
هزت رأسها في تفهمٍ قبل أن تعود لنواحها المتحسر:
-يا وجع قلبي على فراقك يا "فارس".
تعمد استخدام أسلوب الخديعة والالتفاف عن الحقائق لصرف انتباهه عن مسعاه الفعلي، فعمد إلى نشر إشاعات غير صحيحة بشأن تواجد عائلة المرحوم "فهيم" في بلدته لإبلاغ بقية الأقارب والمعارف عن وفاة "فارس"، لتتناقل الألسن هذه الأخبار المغلوطة وتصل إلى أحدٍ بعينه، فهرع "عباس" إلى "زهير" في مكتبه بالمطعم ليخبره في الحال:
-حصل اللي إنت قولته يا كبيرنا، و"وهبة" راح عند قرايب "فارس" في البلد اللي عايشين فيها، ورجالتنا سمعوا كلام داير إنهم موجودين كلهم هناك.
في التو انتفض قائمًا من على مقعده، دفعه للخلف واندفع مصدرًا أوامره:
-جهزلي مجموعة تطلع معايا، أنا لازم أروح أجيبها بنفسي.
بشيءٍ من التعقل تدخل "عباس" قائلًا، وكأنه يحاول كبح اندفاعه غير المدروس:
-نتأكد بس إنها موجودة يا ريسنا، وبعد كده تتحرك بنفسك، لأحسن يكون كمين.
إنت عارف "وهبة" مش سهل.
صمم على رأيه بعنادٍ أكبر، وغير مبالٍ بتبعات قراره:
-مش هايجي أذكى مني.
لم يجد بدًا من معارضته أمام إصراره، فرضخ لمطلبه هاتفًا بخنوعٍ:
-ماشي كلامك يا كبيرنا.
لينطلق بعدها نحو الخارج، ومن ورائه "عباس" يستمع بإنصاتٍ لكافة أوامره قبل أن يتجه نحو الجراج ليستقل سيارته قاصدًا الذهاب فورًا إلى تلك البلدة.
بناءً على المعلومات السابقة، والمعلومات المستجدة الواردة للجهات الأمنية، تحركت فرق قوات الشرطة نحو المخازن المملوكة لجماعة "العِترة" لتقوم بمهاجمتها، ومصادرة كافة ما فيها من مواد وأشياء مخالفة ومهربة، ليطير الخبر المشؤوم إليه وهو جالس وسط أقرانه يدخن النارجيلة، فهب واقفًا ليصرخ في اهتياجٍ:
-عملها ابن الأبالســـة.
ركل بقدمه في عنفٍ الطاولة المرصوص عليها طعامه وشرابه، لتعيث الفوضى من حوله، وصوت وعيده يجلجل:
-قسمًا بالله لأندمه وأخسره كل اللي عمله.
مدفوعًا بشياطين رأسه الغاضبة راح يصول ويجول صائحًا في هياجٍ متزايد:
-فاكرني زي المرة اللي فاتت هسكت! وربنا ما يحصل، ده على جثتي!!!
تدخل أحدهم لإيقافه راجيًا:
-اهدى يا ريس.
تجاهله عن عمدٍ ليصيح ملقيًا أوامره على الجميع:
-جهزولي الرجالة أوام، هنجيب ناهية الكلب ده.
رد عليه أحد أتباعه في انصياعٍ قبل أن يهرول نحو الخارج لتلبية مطلبه:
-وجب.
لولا ارتفاع مستوى السيارة عن الأرض لعانى الجميع من الاهتزازات المتواترة الناتجة عن السير على التعرجات والنتوءات الظاهرة على طول ذلك الطريق الترابي، والذي أفضى في نهايته إلى تحويطة من الأشجار العالية خلف سور حجري مرتفع يصل على أقل تقدير لثلاثة أمتار.
اندفع عدد من الخفراء والحرس نحو السيارة حينما اقتربت من البوابة الحديدية العريضة، ليصيح أحدهم مهللًا في ابتهاجٍ:
-حمدلله على السلامة يا سعادت البيه، الناحية نورت بوجودك.
دون أن يبتسم "غيث" خاطبه وهو يلوح بيده له:
-تسلم.
أضاف وكأنه يعلمه بما يجري داخل القصر:
-البيه الكبير مستني سعادتك من بدري.
أوجز في رده عليه:
-عارف.
ليبطئ "وهدان" من سرعة السيارة وهو يعبر البوابة ليمر على طريق حجري قبل أن يصفها بمواجهة ذلك القصر المهيب.
لم تكن قد رأت مثيل ذلك القصر الضخم على أرض الواقع سوى فقط في المسلسلات التلفزيونية التي تتابعها. تدلى فك "عيشة" للأسفل وهي تحاول رؤية نهاية ارتفاعه من خلال نافذتها، لتشاركها "إيمان" نفس حالة الانبهار الواضحة، فيما ظلت "دليلة" عازفة عن إبداء اهتمامها بأي شيء يحدث من حولها.
ترجل "غيث" من سيارته، ليهرع نحو والده الذي كان يقف في انتظاره بصحبة عمه "راشد" مستندًا على عكازه، أمام باب القصر الخشبي العريض. في التو أحنى رأسه على يده ليقبله أولًا في تبجيلٍ ثم اعتدل في وقفته لينظر إليه وهو يخاطبه:
-حمدلله على السلامة يا ولدي.
ابتسم قائلًا بهدوء:
-الله يسلمك يا بوي.
فيما سأله "راشد" باهتمامٍ، ونظراته الفضولية تتجاوز كتفيه لتصل إلى من بداخل السيارة:
-كيفك يا ابن خوي؟
أجابه وهو يراقب نظرته الحائرة تلك:
-بخير يا عمي.
ليتساءل "زكريا" بنبرة ذات مغزى:
-هما دول الجماعة؟
أومأ "غيث" برأسه مؤكدًا:
-أيوه يا بوي.
لم يحبذ "راشد" أن يبقى في موضع الجاهل، حيث غلبه فضوله، فتساءل وهو يحاول تدقيق النظر فيمن لا يزال جالسًا بالمقعد الخلفي:
-بتتكلموا عن مين يا حاج "زكريا"؟
رد عليه شقيقه الأكبر بملامحٍ جادة وهو يطرق بطرف عكازه الأرضية:
-هفهمك بعدين...
ثم التفت برأسه نصف التفافة ليأمر الخادمة الواقفة على مسافة قريبة منه:
-نادم يا به على الحاجة الكبيرة تَجي ترحب بالضيوف.
هتفت "سنية" في طاعة:
-حاضر يا سيدي البيه.
واندفعت ركضًا نحو الداخل لتستدعي سيدة القصر لاستقبال الضيفات.
لم تنتظر "عيشة" السماح لها ولابنتيها بالنزول من السيارة، فبادرت بالترجل من تلقاء نفسها، لتتبعها كلًا من "إيمان" و"دليلة"، لكن الاثنتان بقيتا بجوار السيارة، فيما توجهت والدتهما نحو ذلك الرجل المهيب في طلته ذي الجلباب الأسود والقفطان البني لتُحييه:
-سلام عليكم، إزيك يا حاج؟
رمقها "زكريا" بنظرة عادية قبل أن يخفض بصره ليقول بلا ابتسامٍ:
-بخير والحمدلله يا ستنا.
تنحنحت متابعة في شيءٍ من الحرج وهي تشير بيدها:
-احنا أسفين يا حاج عملنالكم قلق ودوشة، ومكانش يصح إننا نيجي كده من غير معرفة سابقة.
عاتبها دون أن يرفع من نبرته:
-ماتجوليش إكده، ده إنتو من طرف "وهبة"، وده في معزة ابني "غيث".
مالت "دليلة" على شقيقتها لتسألها في صوتٍ هامس مستنكر:
-هو احنا أصلًا نعرف "وهبة" ده؟
على الفور حذرتها "إيمان" بشيءٍ من الارتباك:
-ششش، وطي صوتك يا "دليلة"، الناس شكلها هنا ما بيهزروش.
سرعان ما طافت على أوجه الخفراء المجتمعين على مقربة منهما لتتأكد من سبب توتر شقيقتها، وغمغمت في سخرية خافتة:
-خط الصعيد والكلام ده.
أتت من الداخل سيدة تتلحف بعباءة سوداء، وملحفة مماثلة في اللون، تبدو على مشارف الستينات من العمر، أقبلت على الضيفة التي تجهل هويتها إلى الآن لترحب بها في حفاوةٍ، وهذه البشاشة تطل من وجهها:
-يا مرحب بأهل البندر معارف "وهبة".
احتضنتها لأكثر من مرةٍ مقبلة كل وجنة لعدة مراتٍ، و"عيشة" تخاطبها في تحرجٍ:
-أهلًا بيكي يا حاجة.
تعاملت معها بألفةٍ غير معهودةٍ:
-منورين المطرح.
ردت عليها بخجلٍ:
-المكان منور بأهله، واحنا والله ما عارفين نقول إيه يعني على الـ....
قاطعتها قبل أن تتم جملتها رافعة سبابتها في الهواء:
-جسمًا بالله لو جولتي حاجة زي إكده ما هيحصل خير واصل، ده إن ماشلتكوش الأرض نشيلكم فوج راسنا.
قالت في امتنانٍ وهي تستخدم يدها في الإشارة:
-كتر خيرك، أنا اسمي الحاجة "عيشة"، ودول بناتي "إيمان" و"دليلة".
سرعان ما حولت نظرتها المهتمة نحوهما لتقول في استحسانٍ:
-ماشاءالله عليهم، ربنا يخلي ويبارك فيهم.
ليتولى "زكريا" التعريف بهويتها في تقديرٍ:
-دي الحاجة "فاطنة" مَرتي، وأم "غيث" ابني الكبير، بنادم عليها ست الحاجة "أم غيث".
عاودت "عيشة" إظهار امتنانها لاستقبالها الودود:
-اتشرفنا يا حاجة بيكي.
هتفت "فاطمة" قائلة داعية ضيفاتها للدخول:
-مايصحش هنفضلوا واجفين إكده، تعالوا جوا ارتاحوا، إنتو جايين من على سفر كبير.
هزت رأسها مرددة ببسمةٍ صغيرة:
-تسلمي وتعيشي...
ثم استدارت تنادي على ابنتيها:
-تعالوا يا بنات.
تحركت الاثنتان صاغرتين خلف والدتهما، واستمعتا إلى صوت "فاطمة" المرحب بثلاثتهن:
-منورين القصر واللي فيه.
فيما حدجهم "راشد" بنظرة ثاقبة غير مريحة، ليتساءل في انزعاجٍ معكوس على ملامحه:
-الحريم دول يبجوا مين يا حاج "زكريا"؟
لاذ الأخير بالصمت لتتضاعف حيرته أكثر، فأفصح عما يجوس في ذهنه بنبرة موحية بالشك والارتياب:
-وخصوصًا إن احنا عارفين أصل وفصل الواد "وهبة" .........................
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم منال سالم
كانت جالسة باسترخاءٍ على الأريكة الذهبية التي تتوسط غرفة الصالون، وعيناها تتابعان بفتور ما تبثه شاشة التلفاز من عرضٍ تشوقي لواحدٍ من المسلسلات القادمة. لم تكن الابنة المفضلة لدى أبيها، ولم تكن البكرية، كانت ترتيبها الأخير في سلسلة من الشقيقات، لم تعلم إن كان من حسن الحظ أم لا أن نسل والدها اقتصر على الإناث، فأصبحت لدى كل منهن مهمة بعينها، إما زيادة الأملاك، وقف الثــأر، توطيد العلاقات القائمة على المصالح الشخصية.
الاختيار وقع عليها لتكون سببًا في إنهاء خصومة ممتدة بين العائلتين، لم تعشق زوجها، ولم ترغب في الزواج به، إلا أنها كانت مضطرة لتنفيذ قرار كبير العائلة، خاصة بعدما تزوج من خفق الفؤاد لأجله وصار ملكًا لغيرها، فبات جميع الرجال سواسية لديها؛ لكن –وحسبما اعتقدت- يبدو أن لعنة ما طاردتها، فتوفي زوجها بعد فترة وجيزة، لتغدو أرملة، وتعود إلى بيت عائلتها حاملة ذلك اللقب التعيس وهي في ريعان شبابها.
أمسكت "أحلام" بمبرد الأظافر، وراحت تساوي أطرافها لتتناسق معًا. تنهيدة مرهقة قد تحررت من بين شفتيها أثناء ما كانت تتثاءب، فيومها لا جديد يحدث فيه إلا حينما يعود "غيث" إلى البلدة، لحظتها تنتقل للإقامة في قصر عائلته طوال فترة النهار، لتعود وقت المغرب إلى بيتها، على أمل أن يشعر بها يومًا، ويوافق على الزواج منها بعدما فشل هو الآخر في زيجته المشؤومة، تلك التي انتهت بفضيحة زلزلت كيانه، وجعلته عازفًا عن الارتباط مجددًا، آه لو يمنحها الفرصة، لذاق من حلاوة العشق وعذوبته ما يطرب القلب وينعشه!
أتيـت خادمتها صائحة في نبرة متلهفة:
- ست "أحلام"، يا ست "أحلام"!
لم تكلف نفسها عناء الالتفاف للجانب لرؤيتها، وسألتها بفمٍ ملتوٍ:
- في إيه يا به؟ مالك خاوتة دماغي على المسا إكده.
بالكاد التقطت "نعمة" أنفاسها لتخبرتها بأساريرٍ مبتهجة على الأخير:
- البيه "غيث" رجع بالسلامة.
ما إن سمعت اسمه حتى انتفضت من موضعها لتهتف بلوعةٍ واشتياق:
- واد عمي!
واصلت خادمتها إخبارها بنفس القدر من الحماس:
- لسه "سنية" جافلة معايا السماعة ومبلغاني يا ست البنات.
ألقت "أحلام" بمبرد الأظافر على السطح الرخامي للطاولة الموضوعة قبالتها، وأعطتها أمرها وهي تطرح على شعرها الحريري الأسود المسترسل حجاب رأسها:
- أوام هاتي خلجاتي خليني أروح أطمن على مَرَت عمي.
ناولتها عباءتها السوداء لترتديها فوق ثيابها المزركشة، فيما أضافت "نعمة" في شيءٍ من التحذير:
- الحاج "راشد" إهناك بردك.
وكأنها لم تلقِ بالًا لما فاهت به، وقالت بغير اكتراثٍ:
- أهوو أبجي أرجع مع بوي، ولو كان مشى أي حد من الغفر يعاود بيا.
عاونتها على الانتهاء من ارتدائها، لتلقي نظرة سريعة على هيئتها في إحدى المرايا المعلقة على الجدران قبل أن تصدر لها أمرها التالي لتتبعها:
- ياله يا به ماتضيعيش وقتي.
في التو انتعلت "نعمة" خفها لتركض خلفها مرددة:
- وراكي أهوو يا ستي.
.......................................
أصبح مسموحًا لثلاثتهن بالدخول إلى بهو القصر، بَهَر نظراتهن تصميمه الداخلي الأنيق، والذي يتماشى بصورة متناغمة مع لون الأثاث المتنوع ما بين الفاخر والعصري، وكأنه استعراضٍ لمدى ثراء تلك العائلة. تأملت "إيمان" الأرضية اللامعة وخطت بحذرٍ على السجاد كأنما تخشى أن يتسخ بفعل حذائها غير النظيف، فيما وقعت عينا "دليلة" على الصورة الزيتية المعلقة لأحدهم على ذلك الجدار، كان يبدو مهيبًا من الوهلة الأولى، توحي نظرته بالصرامة والقوة برغم كبر سنه.
شتت بصرها عن الصورة التي استرعت اهتمامها عندما تكلمت "فاطمة" لتحادثهن في ترحابٍ:
- اتفضلوا من إهنه.
أشارت إلى غرفة الصالون، حيث كانت فسيحة، يغلب عليها الطابع العتيق رغم حداثة الأثاث بها، إلا أن اختيار كل قطعة فيه نمَّت عن تمسك العائلة بكل ما هو أصيل وقديم. جلست "دليلة" في المنتصف بين والدتها وشقيقتها الكبرى على الأريكة المتسعة، لتقوم "فاطمة" بالجلوس في مواجهتهن، وعلى وجهها ابتسامة بشوشة، استطردت تخاطبهن بأسلوبها الودي الملحوظ:
- ماتشلوش هم حاجة واصل، إنتو هنا فوج راسنا.
ردت "عيشة" في امتنانٍ:
- كتر خيرك يا حاجة، احنا عملنالكم قلق.
استعتبتها في لطافةٍ وهي ترفع حاجبيها للأعلى:
- بردك هتجولي الكلام اللي يزعل؟!
في التو أخبرتها وقد لازمها شعورها بالحرج من كرمها المبالغ فيه:
- ماقصدش والله.
تابعت "فاطمة" قائلة وهي تشير بيدها:
- الجصر أهو جصادكم شِرح وبِرح ويرمح فيه الخيل.
علقت "عيشة" عليها باسمة:
- اللهم زد وبارك.
فيما واصلت "فاطمة" حديثها الودود إليها:
- مسافة بس ما تغيروا خلاجتكم هتلاجوا السفرة جاهزة.
عادت لتشكرها مرة ثانية:
- كتر خيرك والله.
التفتت بعدها "فاطمة" برأسها للخلف لتوجه أمرها إلى خادمتها قائلة:
- بت يا "سنية" الحاجة جاهزة؟
أسرعت ناحيتها مجيبة إياها وهي تومئ برأسها:
- إيوه يا ست الحاجة، كل اللي أمرتي به عملته.
عاودت "فاطمة" النظر إلى ثلاثتهن وهي تكلمهن بابتسامتها التي تشي بطيبة لا مثيل لها:
- هتلاجوا فوق في أوضتكم خلجات نضيفة، غيروا فيهم وهستناكو تحت ناكلوا سوا.
أشارت "عيشة" بعينيها لابنتيها لتنهضا معها، وقالت في إيجازٍ:
- حاضر.
لتقف "فاطمة" بدورها، وتعطي أمرها الجديد إلى خادمتها:
- معاهم يا به، وريهم السكة.
في التو تقدمت للأمام لترشدهن قائلة:
- ماشي يا ست الحاجة.
وقفت عند درج السلم، وأشارت نحوه هاتفة:
- اتفضلوا يا هوانم.
تحركن خلفها على الدرج الرخامي المفروش ببساطٍ أحمر سميك، ليصعدن جميعًا إلى الطابق العلوي حيث تتواجد به غرف النوم على مختلف مساحاتها.
............................................
في غرفة خارجية ملحقة بالقصر من باب جانبي، تشبه المضيفة التي يجتمع فيها أغلب رجال العائلة وكذلك الضيوف، جلس "غيث" مع والده وعمه بناءً على طلب الأخير لمعرفة هوية هؤلاء النسوة الأغراب، خاصة مع عدم اقتناعه بحجة انتمائهن لعائلة "وهبة".
ألح "راشد" بسؤاله الفضولي مجددًا بعدما انصرف الخفير الذي صب الشاي الساخن لثلاثتهم:
- ما جولتليش مين دول يا "غيث"؟ وما تجولش قرايب الواد "وهبة"، احنا عارفين رجالتهم وحريمهم نفر نفر.
بعد لحظة من التفكير أجابه بردٍ محايد، لا يسمن ولا يغني من جوع:
- دول جماعة معارفه من البندر، وهو وصاني بيهم، هيجعدوا إهنه يومين ويروحوا لحالهم.
نظر إليه بتفرسٍ، لينتقل لسؤاله المتشكك التالي:
- وليه ماروحوش عند قرايبه؟ هما أولى بيهم!
أتاه جوابه حازمًا ومستنكرًا في نفس التوقيت:
- وأني من ميتى برد حد جاصدني في خدمة ولا معروف؟!
دبَّ "راشد" بطرف عكازه الأرضية محتجًا:
- ما هو الحكاية دي مش داخلة مخي واصل يا ولد خوي، وأني طالما مش مقتنع لازم أجف على أساسها، وخصوصًا إن الفار بيلعب في عبي.
فيما نفخ "زكريا" في سأمٍ من تطفل شقيقه المزعج، وقال لينهي الحوار في هذه المسألة بشيءٍ من الهزل:
- بعدين ياخوي نشوفوا الفار اللي محيرك ده، اشرب شايك جَبل ما يُبرد.
انزعج "راشد" من طريقة شقيقه في صرف انتباهه عن ذلك الأمر، وهب قائمًا ليقول في تذمرٍ:
- اعتبرني شربته، أني ماشي.
نهض "غيث" ليودعه بلا ابتسامٍ:
- في سلامة الله يا عمي.
لم ينظر تجاهه، وواصل سيره المتعصب نحو الباب، ليسمعه كلاهما وهو يبرطم بضيقٍ قبل أن يصفق الباب من ورائه:
- جبر يلم العِفش.
عاد "غيث" ليجلس مجاورًا أبيه، فتكلم الأخير في هدوءٍ:
- ما تخدش على خاطرك من عمك، إنت أكتر واحد عارف حميته.
هز رأسه معقبًا في تفهمٍ:
- اطمن يابوي، أني مش صغير.
تفرس "زكريا" في وجه ابنه متابعًا بنبرة شبه محذرة:
- المهم شوف هتتصرفوا إزاي مع جماعة "وهبة" وتبلغهم بالخبر المشجؤم إياه.
شعر بانقباضةٍ في قلبه ليضيف بتوجسٍ:
- دي أكتر حاجة أني خايف منيها.
تنهد والده قائلًا وهو يضم يديه معًا فوق رأس عكازه:
- ربك يعديها على خير.
........................................
فاقت غرفة الضيوف توقعات ثلاثتهن، فقد ظنن أنها غرفة عادية، مثل تلك الموجودة في الفنادق زهيدة السعر، إلا أنها كانت على العكس تمامًا، حيث امتازت بفخامة الأثاث، وكِبر حجم السريرين اللذين وضعا متوازيين ليتسعا لعائلة كبيرة الحجم، بجانب دولابٍ ضخم مكون من أربعة ضلف، فيكفي لوضع الثياب وغيرها من المتعلقات الشخصية دون تكديس، أما الستائر فكانت من قماش القطيفة زي اللون الزيتوني الدكان، وحجبت من ورائها شرفة متسعة تطل على الحديقة الخلفية للقصر، بالإضافة إلى حمام خاص ملحق بالغرفة يحتوي على كل ما يلزم للاستخدام الشخصي.
هتفت "إيمان" بشيءٍ من الإعجاب وهي تتأمل تفاصيل المكان:
- ماشاءالله، أنا ماشوفتش كده في حياتي.
ردت عليها "دليلة" وهي تدنو من الفراش لتمعن النظر في العباءات النظيفة المرصوصة بعناية على طرفة:
- شكلهم ناس مش عادية.
فيما قالت "عيشة" بتعففٍ:
- ربنا يزيد ويبارك.
لحقت "إيمان" بشقيقتها، ومدت يدها لتتفحص العباءات المنزلية عن قرب، كانت جميعها بنفس المقاس، مزركشة بالورود الصغيرة، ويغلب عليها الألوان الداكنة، فتنوعت ما بين بني، وكحلي، وأسود.
لدهشتها عندما فتحت واحدة، وجدتها لا تزال ببطاقتها الورقية، وذلك يدل على عدم استخدامها. افترت شفتاها متسائلة بتعجبٍ:
- معقولة الست جيبالنا هدوم جديدة؟
علقت عليها "عيشة" في رضا:
- ربنا بيوقفلنا ولاد الحلال.
في التو بدلت "إيمان" ثيابها، وقامت بارتداء العباءة ذات اللون الكحلي، ودارت حول نفسها قائلة بمرحٍ:
- هي مش مقاسنا صحيح، بس قماشها نوعه كويس أوي.
لتعقب عليها "دليلة" بعدم اهتمام:
- أهي أي حاجة تقضي الغرض.
لكزتها "إيمان" بكتفها في ذراعها قائلة بتدللٍ:
- بس الست متوصية بينا.
لتهتف "عيشة" قائلة بصرامةٍ وهي تشير إلى كلتيهما:
- بطلوا رغي والبسوا أوام، مش عايزين نتأخر على الناس اللي منتظرينا تحت.
امتثلتا لأمرها، وأكملت "دليلة" تغيير ثيابها فارتدت العباءة التي يغلب عليها اللون البني، فيما وضعت "عيشة" العباءة ذات اللون الأسود على بدنها، ليتحركن بعدها خارج الغرفة.
........................................
انطلقت سيارات متفاوتة الموديلات تعج بعشرات الرجال المدججين بمختلف أنواع الأسلـــحة البيضاء بجانب بعض البنــادق والرشاشات الألية نحو التَبَّة العالية بغرض اقتحامها، وإحـــراقها عن بكرة أبيها، والقضاء تمامًا على كل ما فيها. كان "العترة" يجلس في مقعد الراكب في السيارة الرئيسية التي تتولى قيادة هذا الموكب الخطـــير، طرق بيده بقوةٍ على البدن المعدني لبابه مناديًا أتباعه:
- مش عايز يفضل للمكان ده أي أثر، يتمحى من على الوجود.
قال أحدهم نيابة عن البقية:
- ماشي يا ريسنا.
فيما هبط الرجال قفزًا ووثبًا ومترجلين من كافة السيارات، وأسرعوا بالتقدم نحو المدخل الوحيد المؤدي إلى التَبَّة، ومن ورائهم صوت "العِترة" يشدد عليهم:
- والكلب "زهير" يجيلي تحت رجلي هنا...
أشهر ســـلاحه النـــاري في الهواء محذرًا الجميع:
- محدش يمسه، أنا هاخد روحه بإيدي.
رد أحدهم مومئًا برأسه:
- اللي تؤمر بيه.
ليصدر أمره المحمل بدفقاتٍ كبيرة من الحماس:
- هجوم يا رجالة!
انطلقوا مسرعين نحو الداخل، وصيحاتهم المرتفعة تسبقهم، ليحدث التلاحم البدني العنيف بين طرفي المشاجرة، وما بين كرٍّ وفرٍ تدافعت الجموع هنا وهناك حتى غدا المكان في حالة فوضى عارمة.
.......................................
مثل تلك الأخبار العاجلة تنتقل بسرعة البرق إلى الجميع، وصل النبأ إلى "عباس"، والذي بدوره نقله إلى رب عمله الجالس بجواره في سيارته المتجهة إلى حيث يتواجد "وهبة". بحذرٍ بائن على ملامحه استطرد مخاطبًا إياه وهو يحاول التركيز على الطريق أيضًا:
- في أخبار مش ولابد يا كوبارتنا.
تساءل الأخير مقتضبًا وهو يفرك جبينه:
- خير؟
ازدرد ريقه وأبلغه:
- "العِترة" ورجالته هجموا على التَبَّة.
وكأنه لا يعبأ بالكارثة التي حلت على عقر دار عائلة "الهجام"، وتساءل في برود جليدي عجيب:
- فيها حاجة مهمة؟
هز رأسه نافيًا وهو يخبره:
- لأ، احنا نقلنا كل اللي يخصنا في المخازن الجديدة.
أراح رأسه للخلف، وقال بنفس النبرة غير المهتمة:
- سيبوها يشبع بيها، وخلينا نشوف اللي ورانا.
اعترض عليه بانزعاجٍ لم يستطع إخفائه:
- بس سمعتنا يا كبيرنا، دي مهما كان آ...
قاطعه بحزمٍ:
- مش وقته، في أولويات عندي، وأنا مش في بالي غير حاجة واحدة وبس.
لم يرغب في مجادلته، وابتلع ما يريد قوله في جوفه ليمعن النظر في ذلك التجمع المريب لأفراد القوة الأمنية، والمتواجد على مسافة عدة أمتار. جف ريقه في حلقه، وتمتم بشيءٍ من القلق:
- في لجنة قصادنا.
أغمض "زهير" جفنيه، وسأله بهدوءٍ أعجب:
- مش ورقنا سليم؟
رد مؤكدًا بما لا يدع مجالًا للشك:
- أيوه يا كوبارتنا.
فرقع بإصبعيه قائلًا:
- خلاص دوس ما يهمكش.
نفذ مطلبه، وتابع قيادته للسيارة حتى وصل إلى كمين الشرطة المرابض على جانب الطريق. استوقفه الضابط المسئول عنه آمرًا بلهجته الصارمة:
- اركنلي على جمب.
خفض "عباس" من زجاج نافذته، وتساءل وهو يحاول الابتسام بسخافةٍ:
- خير يا باشا؟
أوجز في إجابته:
- رخصك.
في التو أخرجها من الجيب الجلدي المثبت أعلاه، أعطاها له لينظر إليها، وتحدث متصنعًا الابتسام:
- الرخص سليمة وكله تمام.
صاح فيه الضابط بما يشبه الزمجرة:
- مش إنت اللي هتعرفني شغلي.
خاطبه في حذرٍ:
- يا باشا مقصدش.
فيما تحدث "زهير" بهدوءٍ وهو يميل برأسه للجانب ليتمكن من رؤية الضابط:
- سيب الباشا يشوف شغله يا "عباس".
تراجع الضابط مسافة متر بعيدًا عن السيارة، وحادث زملائه بجديةٍ قبل أن يعاود الاقتراب منهما وهو يلقي أمره النافذ:
- لملي بطايق الناس دي كلها واكشف عليها، واللي عليه حاجة حطه في عربية الترحيلات.
اندهش "عباس" من قراره الغريب، واحتج في إنكارٍ جم:
- ليه يا باشا؟ احنا عملنا إيه بس؟
شد الضابط مقبض الباب ليفتحه، وأمره في رنة هازئة نسبيًا:
- انزلي يا حلو.
اضطر على مضضٍ للاستجابة لأمره، بينما خاطب ضابط آخر "زهير" من زاويته:
- منور يا "زهير".
التفت الأخير ناظرًا تجاهه وهو يسأله باستغرابٍ:
- الباشا يعرفني؟
اتسعت ابتسامة الضابط المغترة، وراح يخاطبه في شيءٍ من النشوة:
- أومال؟ ده إنت في نشرة مبعوتة علشانك مخصوص.
قطب جبينه متسائلًا في تعجبٍ:
- مش فاهم.
أجابه وهو يجذب المقبض ليفتح ناحيته من الباب:
- في أمر ضبط وإحضار ليك يا "زهير".
ترجل مرغمًا من موضع جلوسه، وسأله في انزعاجٍ متزايد:
- ده علشان إيه؟ أنا معنديش مشاكل مع حد.
قبض الضابط على ذراعه، ودفعه معه للأمام قائلًا:
- هتعرف لما تروح النيابة، خدوه على البوكس.
تغلب شعوره بالضيق على شعور الصدمة الذي انتابه للحظةٍ، ليجد نفسه في لمح البصر مقيدًا بالأصفاد، وأخرون يقتادوه نحو عربة الشرطة المصفحة، ليهتف معترضًا:
- أنا عايز المحامي بتاعي.
تعمد الضابط تجاهل صيحاته، وواصل عمله مع البقية التابعين لـ "زهير"، ليتم وضعهم بالكامل داخل سيارات الشرطة.
.........................................
احتلت تلك اللمعة المتشوقة عينيها بمجرد أن وطأت قصر عمها الكبير، فكم كانت تمني نفسها لتكون إحدى سيداته، وخليفة لزوجة عمها في تولي شئونه، فقط إن كانت قد تزوجت بابن عمها "غيث"، إلا أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن!
أقبلت "أحلام" على "فاطمة" لتحتضنها بقوةٍ، وأحنت رأسها على جبينها قبل أن تنحني على كفها لتقبله مرددة في وديةٍ وحرارة:
- مَرَت عمي.
جاء رد الأخيرة شبه معاتب:
- فينك يا "أحلام" من بدري؟
لتتحول نبرتها إلى العبثية وهي تخبرها ضاحكة:
- توك ما سمعتي إن "غيث" إهنه جيتي أوام؟
تخضبت بشرتها بحمرة نضرة لتقول وهي تجذب طرف حجابها نحو فمها، كأنما تستحي مما تعرفه عن مشاعرها جيدًا:
- متجوليش إكده يا مرت عمي، إنتي توحشتني جوي جوي.
ردت بغير تصديقٍ:
- لأ واضح.
لئلا تظن أنها تتكاسل عن زيارتها، أخذت تستفيض في التبرير لها:
- وما ليكي عليا حلفان، بفضل أتحايل على بوي عشان يخليني أجي، بس هو راسه وألف سيف أجعد في البيت، وأني على يدك محبوسة ليل نهار هناك، وما بصدق تاجي فرصة أجي إهنه.
ربتت على كتفها بترفقٍ قبل أن تعلق عليها في نبرة أظهرت تعاطفها وكذلك دعمها:
- ياما كان نفسي "غيث" يكون من حدك ومن نصيبك، بس هو رافض الجواز نهائي، وخصوصي بعد اللي عملته فيه مَرَته الأولى.
الجميع هنا مسخرٌ لخدمة مصالح العائلة أيًا كان وضعه، فجاءت زيجة "غيث" هي الأخرى من أجل تلقي الدعم اللازم للظفر بمقعدٍ في البرلمان، ليمنحهم المزيد من النفوذ والسلطة، إلا أن زوجته كانت تبغضه، وأذاقته من صنوف الكراهية والحقد ما دفعه ما لا يتحمله إنسان سوي.
ازدادت الأمور تعقدًا، وأصبح ليله مثل نهاره كالجحيم بعدما خالفت عائلتها وعدها بتقديم الدعم لأحد أبناء عمومته في الانتخابات النيابية، لتصبح زيجته غير مجدية بالمرة، ومع ذلك لم يحاول ظلم زوجته، وتعامل معها بالحسنى والمعروف، ورغم هذا قابلتها بالإساءة الشديدة، لينهي معاناته معها بالطلاق، فأقامت الأفراح لانفصالها عنه، وتزوجت بآخر بمجرد أن انقضت عدتها، ليشعر بالمهانة والذل، خاصة مع تردد بعض الأقاويل المغلوطة بشـأن ارتباطها بذلك الشخص أثناء زواجها منه، إلا أنه وأد تلك الشائعات التي مست سمعته بلا رأفة، وألزم الجميع بمنع التحدث عنها تحت أي ظرف، وإلا لتعرضوا لغضبته الشديدة، فانصاعوا له بعدما رأوا ردة فعله، وظل وحده من يكبت في نفسه مشاعره الانتقامية فقط لئلا يورط العائلة في صراع جديد.
زفرت "فاطمة" الهواء من رئتيها هاتفة في أسفٍ:
- لو مكانش أبوكي ركب دماغه وصمم يجوزك وإنتي لسه بنته صغار كان زمانتك جاعدة معايا إهنه، وعيالكم بتجري حواليا.
التمعت عينا "أحلام" بدمعاتٍ خفيفة متأثرة وهي تعقب:
- الله يسامحه بوي، ظلمني وظلمه، وصمم يجوزني عشان التار يُجف، وفي الآخر أني اللي ترملت، وشبابي راح هدر.
مرة ثانية ربتت على كتفها قائلة في تعاطفٍ:
- بكرة ربنا يعوضك بابن الحلال اللي يستاهلك.
لم تخجل من إخبارها صراحةً بما يعتمل قلبها قبل عقلها:
- وأني مافيش في جلبي غير واحد هو اللي ريداه.
ابتسمت في تعاطفٍ قبل أن تقول بنبرة متضرعة:
- ربنا يهديه.
مالت "أحلام" عليها لتخاطبها في صوتٍ خفيض، وكأنها ترجوها:
- زني عليه أكتر يا مرت عمي، وهو ماهيزعلكيش واصل.
هزت رأسها مرددة في تفهمٍ:
- إن شاء الله، وربك يعمل اللي فيه الخير.
لتتساءل بعدها وعيناها المتلهفتان تبحثان عنه:
- أومال هو فين؟ مش باين ليه؟ لسه جاعد مع عمي؟
أوضحت لها نافية:
- لأ، هو بيتكلم مع جماعة "وهبة".
زوت ما بين حاجبيها متسائلة بقليلٍ من التحير والدهشة:
- مين دول؟
بتلقائيةٍ أخبرتها:
- حريم تبع "وهبة" صاحبه.
سرعان ما قصف قلبها بقوةٍ وهي تردد في انزعاجٍ ملأ تعابير وجهها:
- حريم!!!
تابعت "فاطمة" إخبارها بحسن نية:
- أني معنديش تفاصيل، بس الظاهر إنهم جاصدينه في خدمة كبيرة، وإنتي عارفاه ما يتأخرش عن محتاج واصل.
مدفوعة بشعور الغيرة الذي استحوذ عليها، هتفت "أحلام" معترضة على لجوئهن إليه تحديدًا:
- وما راحوش ليه لـ "وهبة"؟
قالت وهي تهز كتفيها:
- ماخبرش.
اعتصرت "أحلام" قبضة يدها، وضغطت على أصابعها حتى ابيضت سلامياتها وهي تدمدم في صوتٍ خافت:
- يا خبر بفلوس دلوجت يبجى ببلاش.
............................................
حينما جلس مع ثلاثتهن في غرفة الصالون، تأمل هيئتهن التي تبدلت بعدما ارتدين عباءات والدته، كانت "دليلة" الأكثر نحافة بينهن، فبدت كمن يغرق في ثوبها الفضفاض، خاصة وهي تحاول لملمة ذيله لئلا تتعثر فيه، ولولا عظم الموقف وجديته لابتسم على مظهرها الطريف أثناء سعيها لجعله ملائمًا لحجمها الضئيل.
بمجرد أن بدأ "غيث" كلامه، اكتسبت نظرته نحوهن رهبة مخيفة، مما جعل شعورهن بالقلق يزداد، خاصة حينما استطرد ممهدًا بجديةٍ غريبة:
- إنتو عارفين إن كل حاجة بتحصل بأمر الله، ومافيش حاجة بتتم من غير مشيئته، حتى الإنسان منينا، من جَبل ما يجي على الدنيا دي، وهو معروف ميتى هيتولد، وميتى هيفوتها.
لم تملك "دليلة" من مفاتيح الصبر ما يجعلها تخمن الغرض من وراء مقدمته الطويلة، فقالت على عجلٍ، وكأنها على وشك التشاجر معه:
- معلش ممكن توضح يا عمدة إنت مجمعنا ليه؟
ركز بصره ناحيتها، وقال مصححًا في صرامةٍ:
- في الأول أني ماسميش عمدة، أني البيه "غيث"، أو الكبير.
ردت في لمحةٍ من الاستهزاء:
- ده لقب يعني ولا إيه مش فاهمة؟
على مضضٍ تقبل ما شعر به من طريقة كلامها غير الظريفة، وأخبرها:
- الكل متعود يناديني إكده من صغري.
لتنهرها "عيشة" قائلة في توترٍ:
- سيبونا من الفرعيات دلوقت، وخلونا في المهم.
تحول بعينيه ناحيتها قائلًا:
- معاكي حق.
سكت لهنيهةٍ كأنما يستجمع نفسه، وقال بعدما ضغط قليلًا على شفتيه:
- الموضوع يخص "فارس" جريبكم.
في نبرة لهفى سألته "عيشة"، كما لو كانت تتوق لمعرفة ما يثلج صدرها عن أحواله:
- فاق وبقى كويس؟ طمنا عليه إلهي يسترك.
غامت تعابيره بالكامل حينما تحدث إليهن:
- واد الحـــرام إياه طاله وهو عاجز في المشتشفى، وهجم عليه.
ردت عليه "إيمان" مستوضحة:
- قصدك اللي ما يتسمى "زهير".
اكتفى بهز رأسه إيجابًا، لتهتف "عيشة" في هلعٍ وهي تضرب على فخذيها بكفي يدها:
- جيب العواقب سليمة يا رب.
وجد صعوبة في استكمال باقي حديثه، إلا أنه حاذر في اختيار كلماته ليعلمهن بالمصاب الجلل:
- وأمر الله نفذ.
وكأن عقلها توقف عن التفكير، فلم يستوعب التفسير المفهوم لجملته البسيطة تلك، فسألته "دليلة" لتتأكد:
- يعني إيه؟
عاود النظر ناحيتها قائلًا بحزنٍ صريح:
- هو راح عند اللي أحسن من الكل.
صرخت "إيمان" متسائلة في فزعٍ:
- تقصد إنه مات؟
أومأ برأسه متمتمًا:
- إيوه.
انفلتت منها شهقة عالية، كتمتها بيدها، فيما رددت "دليلة" بذهولٍ متعاظم:
- لأ مش ممكن.
لتقول "عيشة" في أسى وقهرٍ:
- لا إله إلا الله! لطفك يا رب.
لم تتقبل الحقيقة من الوهلة الأولى، وأنها لم تكن متورطة في مســألة اغتيـــاله، بل على العكس شعرت بكونها المسئولة عن فقدانه، سرعان ما ارتفع صراخ "دليلة" المستنكر، وشعورها بالذنب قد تغلغل فيها:
- أنا السبب في اللي حصله، أنا السبب!
انتفضت واقفة والدمع يطفر من عينيها بغزارة، وشقيقتها قد نهضت كذلك لتواسيها وهي تبكي بحـــرقةٍ:
- اهدي يا "دليلة".
أبعدت يدها التي امتدت لتمسك بها صارخة فيها:
- شيلي إيدك عني...
لتواصل تعنيف نفسها بقســاوة حديثها اللائم:
- لو مكانش جه معانا واتورط ويانا، كان هيفضل عايش.
انفجرت باكية، وامتزجت نهنهات بكائها مع نواحها:
- أنا كده كل اللي بيعرفني بيمــــوت.
فيما حملق "غيث" في دهشةٍ حائرة في تلك الشابة التي تبدلت أحوالها للنقيض كليًا، وقال بقدرٍ من التعاطف:
- وحدي الله يا أستاذة، كله مجدر ومكتوب.
وكأنه لم تسمع شيئًا، ظلت تصرخ في جنونٍ، وهي تلطم على خديها:
- أنا السبب، أنا أذيته زمان ودلوقت.
واندفعت نحو الخارج في سرعة لتلحق بها شقيقتها محاولة مواساتها، بينما انخرطت "عيشة" في نوبة بكاء تفطر القلوب، وأخذت تولول رحيله الغادر:
- كبدي عليك يا ابني، دمك راح هدر.
أدهشه التغيير الذي حل بـ "دليلة" بعدما علمت بمصرع ابن عمها، وتغاضى عن التفكير في شأنها مؤقتًا، ليرد فيما يشبه الوعد:
- اطمني يا حاجة، حق "فارس" هيرجع، واللي غدر بيه هيتحاسب.
...........................................
مدفوعة بإحساسها الكبير بالذنب، انطلقت على أقصى سرعتها خارج القصر، غير عابئة بنداء "فاطمة" لها، فلم تكن تعي شيئًا سوى أنها الوحيدة الملامة على فقدان حياته غــدرًا، يا ليتها لم تورطه في مشاكلها المهلكة لربما كان لا يزال متواجدًا بينهم!
لحقت بها "إيمان" لتستوقفها عند باب القصر الخشبي، فأمسكت بها من ذراعها ترجوها:
- استني يا "دليلة" علشان خاطري، فهميني رايحة فين السعادي؟
نفضت قبضتها عنها، وقالت من بين دموعها الغزيرة، وبصوتٍ باكٍ:
- أنا بأذي أي حد يقرب مني، أرجوكي ابعدي عني.
عادت لتمسك بها من رسغها هاتفة في خوفٍ:
- ما تقوليش كده.
مجددًا استعادت يدها من أسفل أصابعها لتسألها في ألمٍ متزايد:
- المرة الجاية هيكون الدور على مين فيكم؟ إنتي ولا ماما؟
نظرت لها شقيقتها بعينين غارقتين مثلها في الدموع، فيما استمرت "دليلة" في مخاطبتها بعزمٍ رغم انخراطها في البكاء:
- ما هو مش هيسيب أي حد بحبه غير لما يأذيه علشان يوصلي...
كفكفت دمعها المسال بظهر كفها، وأضافت حاسمة أمرها:
- فأنا ريحاله علشان أنهي حواره معايا، حتى لو كان هيموتني، المهم تكونوا إنتو بخير.
فُجعت لقرارها الصــادم، وصاحت مستنكرة ما اعتبرته طيشها:
- إنتي بتقولي إيه؟
باحت لها فيما يشبه الاعتراف المشوب بالندم الشديد:
- أنا ظلــمت "فارس" معايا، لا عمره سمع كلمة حلوة مني، ولا حتى شاف معاملة كويسة، ورغم كده مـــات غدر علشان يحميني، ضحى بعمره علشان أفضل أنا عايشة...
طفرت الدموع مرة ثانية بقوةٍ من عينيها، لتصيح بعنادٍ رغم خطورة اختيارها:
- هستنى إيه تاني؟ لما يساومني على حياتكم؟
أدركت "إيمان" أن شقيقتها الصغرى لم تكن في حالة ذهنية واعية، تشوش تفكيرها بفعل تأثير الصدمة، وما تقرره الآن نابع عن شعورها الكبير بالذنب وتأنيب الضمير، فخاطبتها بصوت العقل لعلها تستفيق من حالة التيه التي استحوذت عليها:
- اسمعيني يا "دليلة"، إنتي بترمي نفسك في النار، اللي زي ده مش طبيعي، ده شخص مريض.
هتفت بتصميمٍ قبل أن تهرول نحو البوابة الحديدية:
- يكون زي ما يكون، خلاص أنا تعبت.
أسرعت في خطواتها لتلحق بها وهي تناديها في رجاءٍ:
- يا "دليلة" استني بس.
تجاوزت البوابة والخفراء المتواجدين عندها لتهتف قبل أن تركض على أقصى سرعة بعدما رفعت ذيل العباءة لئلا تتعثر فيها:
- خدي بالك من نفسك ومن ماما.
لم تتمكن من اللحاق بها، فقد كانت أكثر خفة عنها في حركتها، فتجمدت في موضعها متسائلة بتحسرٍ، ونظرة العاجز تطل من عينيها:
- أتصرف إزاي دلوقت؟!!!
ركضت عائدة إلى الداخل القصر لتطلب المساعدة ممن فيه، فهم أقدر من يكون على التعامل مع تلك الأزمة الحرجة برويةٍ وحكمة.
........................................
وقفت "أحلام" تتصعب بشفتيها بعدما رأت التصرف الأرعن لتلك الشابة الغريبة، وما زاد من شعورها بالحقد نحوها اعتقادها أنها تعمدت التعالي على سيدة القصر، وتجاهل الرد عليها عندما نادتها، فأخذت تزدريها بتحاملٍ وتحيز:
- أما بت معندهاش لا حيا ولا خشى؟ مش تراعي البيت اللي هي ضيفة فيه؟
على عكسها بدت "فاطمة" متعجبة من حالتها الغريبة تلك، وبررت اندفاعها قائلة:
- الله أعلم إيه اللي حصل وخلاها ترمح بالشكل ده.
بينما ظلت "أحلام" على موقفها المعادي لها مرددة:
- بردك يا مَرَت عمي فيه أصول بنعملوا بيها، ولا حال بنات البندر سايب إكده!!
لتركض "إيمان" صائحة بنبرة مستغيثة أقلقت الجميع:
- الحقيني يا ماما أوام.
على إثر صوتها المستنجد هرعت "فاطمة" إليها متسائلة في توجسٍ:
- خير يا بتي؟ إيه اللي حُصل؟
لتأتي "عيشة" هي الأخرى إليها متسائلة بصدرٍ مضطرب:
- في إيه يا "إيمان"؟
نظرت إلى أمها وهي تجيبها بما جعل قلبها يسقط عند قدميها فزعًا ورعبًا:
- "دليلة" عايزة تروح لـ "زهير".
هتفت مستنكرة رعونة قرارها:
- إيه الجنان ده؟
لتبحث بعدئذ عنها بعينيها متسائلة وهي تمسك بكتفي ابنتها:
- هي فين؟ سبتيها لواحدها؟
أجابتها وقد طأطأت رأسها في أسفٍ:
- جرت برا، أنا ملحقتهاش.
انتاب الفضول "أحلام" فمالت على زوجة عمها تتساءل مستفهمة:
- هما بيتحدتوا عن إيه يا مَرَت عمي؟
ردت عليها بتحيرٍ:
- العلم عند الله.
راحت "عيشة" تلطم على خديها صارخة:
- يا حرقة قلبي على بنتي!
من خلف الجميع استمع "غيث" لما حدث، وتقدم للأمام مرددًا في استنكارٍ غاضب:
- كيف ده يُحصل؟
وكأن في حضوره نجدة إلهية من السماء، التفتت "عيشة" إليه تتوسل مشاعره بقلب الأم المكلوم:
- بالله عليك يا ابني ترجعهالي.
أكد لها بكلمته التي لا ترد:
- اطمني يا حاجة، أني مش راجع إهنه إلا وهي معايا.
فيما تابعت "أحلام" تصرفه بشيءٍ من الحقد والغيرة، ودمدمت في هسيس مستهجن وهي تميل نحو زوجة عمها:
- سامعة يا مَرَت عمي؟ بت البندر هتجرجر زينة شباب البلد وراها؟
لتخبرها "فاطمة" بتريثٍ:
- اهدي بس، خلينا نفهموا الأول إيه اللي حُصل.
صرَّت "أحلام" على أسنانها في غيظٍ، لتحادث نفسها:
- والله مانك هينة يا بت البندر! عينك واسعة وبجحة!
...........................................
وكأن ساقيه تسابق الريح، هرول "غيث" نحو الخارج مناديًا على تابعه "وهدان" ليأتي له بسيارته على عجالةٍ، قبل أن يتجه نحو البوابة الخارجية للقصر ليعنف الخفراء الجالسين على المصطبة، فهدر فيهم بغير تساهل:
- كيف تسيبوا البوابة مفتوحة إكده؟ أي حد يدخل ويخرج بمزاجه!!
رد عليه "بدوي" متعللًا:
- يا بيه سعادتك مادتناش الأمر نجفلوها.
عنفه بوجهه المحتقن من شدة غضبه:
- نجوموا نسيبوها مفتوحة على البحري؟
لم يجرؤ على النطق بالمزيد، ليأتيه الأمر النافذ الذي يجب عليه إطاعته:
- من هنا ورايح محدش لا يدخل ولا يخرج إلا بأمري، فاهمين؟
رد في طاعةٍ:
- حاضر يا بيه.
ليدعس على دواسة البنزين ويقود سيارته على الطريق باحثًا عن ضالته وسط العتمة السائدة.
.........................................
فقدت "دليلة" السيطرة على مشاعرها المنفعلة، وراحت تركض بغير هدى باحثة عن الطريق المؤدي إلى محطة القطار، إذ ربما تلجأ لمساعدة أحدهم لتحصل على تذكرة تمكنها من العودة إلى مدينتها، فتتمكن من اللقاء به وإنهاء ذلك الصراع الدمـــوي الذي طال كل أحبتها.
ورغم الظلام الذي ساد من حولها، إلا أنها لم تكن خائفة، فشعورها بالذنب تغلب على أي مشاعر أخرى قد راودتها. دفعها الأدرينالين الذي تفشى في كامل بدنها على التحرك بخطواتٍ سريعة، وكأنها في سباقٍ مع الزمن، ليلمحها "غيث" من بعيد أثناء بحثه عنها فزاد من سرعة سيارته، ليتجاوزها قبل أن يقطع عليها الطريق ويسده بعـرض السيارة.
شهقت مفزوعة من الحركة الفجائية لقائد تلك المركبة، وتسمرت في مكانها محاولة التقاط أنفاسها، لتتفاجأ بـ "غيث" يهبط عنها موبخًا إياها بغلظةٍ:
- كيف تخرجي من الجصر إكده؟
في البداية نظرت إليه مصدومة من أسلوبه الحاد معها، قبل أن تستعيد زمام نفسها وترد عليه بعنادٍ غير مكترثة بفارق القوى الجسمانية بينهما:
- دي حاجة متخصكش، أنا حرة أعمل اللي عايزاه.
أدرك أنها في حالة غير واعية، تستلزم التعامل بلينٍ وتعقل، فسألها في نبرة قد خبت حدتها:
- وخيتك وأمك مالهومش حق عليكي؟ ده قلبهم انفطر من وقت ما عرفوا اللي نويتي تعمليه.
شعرت بتلك الغصة الجارحة في حلقها وهي تخبره صراحةً:
- ما هو علشان أحميهم أنا هرمي نفسي في النار، المهم محدش يقرب منهم.
كانت صادقة في مشاعرها نحو عائلتها، فلامس ذلك قلبه، ومع هذا تعامل معها بشيءٍ من الصرامة، فقال مشيرًا بيده:
- ده اسمه جنان!
طوحت بيدها في الهواء قائلة بعدم مبالاة:
- يبقى زي ما يبقى.
ظل على أسلوبه المتريث معها وهو يخاطبها بلغة العقل لعل رأسها المتحجر يلين قليلًا:
- يا بت الحلال اغزي الشيطان وتعالي معايا الجصر، وهناك نشوفوا هنعملوا إيه.
ردت عليه بتصميمٍ:
- مافيش حاجة هتتعمل غير اللي أنا عايزاه.
هز رأسه مبديًا عدم ممانعته لرغبتها، وقال:
- وما له، نتحدتوا هناك.
استشعرت وجود لمحة من السخرية في طريقته معها، فتراجعت خطوة للخلف بعيدًا عنه، ونظرت إليه بتحدٍ قبل أن تهتف بتعصبٍ:
- هو إنت بتاخدني على أد عقلي؟ فكرني عيلة مثلًا، وبتضحك عليا بكلمتين؟
ضرب كفه بالآخر مستنكرًا عنادها الأحمق، ودمدم مغتاظًا:
- لا إله إلا الله، هو أني جولت حاجة أصلًا؟!
ليصدح صوت عواء حيوان ما بالقرب منها، فأجفلت، وانتفضت تتلفت حولها خيفة وهي تتساءل:
- إيه الصوت ده؟
قال مفسرًا بهدوءٍ:
- إنتي هنا في الطل، وطبيعي نسمعوا صوت ديابة الجبل.
ضيقت عينيها متسائلة بتشككٍ:
- ديابة! تقصد الديب اللي بنشوفه في الأفلام؟
أومأ برأسه بالإيجاب مؤكدًا:
- إيوه.
لينتصب بعدها في وقفته، ويتخذ وضعية تحفيزية غريبة جعلت شعيرات جلدها تقشعر، خاصة مع أمره غير الممازح:
- خليكي مطرحك.
دق قلبها بقوةٍ، وراحت تضم قبضتيها متسائلة وقد انكمشت على نفسها:
- في إيه؟
يبدو أن ذلك الذئب الشــارد قد وجد طريدته بعدما اشتم رائحتها، فسار على قوائمه مقتربًا منه، وأنيابه تقطر لعابًا مقززًا، لترتجف كليًا عندما أخبرها وهو يشير بعينيه نحو الأمام:
- هو وراكي.
لم تجرؤ على النظر خلفها، وسألته بصوتٍ مرتعش، محاولة الاعتقاد أنه يمزح معها فقط:
- إنت بتهزر صح؟
هز رأسه نافيًا ومحذرًا وقد أخرج من جيب جلبابه ســلاحه النـــاري:
- لع! خدي بالك ليهجم عليكي، ده نابه والجَبر!
تكرر عوائه المصحوب بزمجرةٍ متحفزة، لتستدير ببطءٍ وتجده على مسافة بضعة أمتارٍ منها، فكتمت بيدها شهقة صارخة كادت تخرج من جوفها، لتشعر بقبضة "غيث" على ذراعها قبل أن يجذبها خلفه، ليقف بجسده أمامها مشكلًا حائلًا بينها وبين ذلك الذئب الغادر.
بغير خوفٍ، وبثباتٍ يدعو للإعجاب صوب فوهة مســـدسه نحوه محاولًا التصويب عليه من موضع وقوفه، فضغط على الزناد دون تردد حينما اتخذ وضعيته، ليركض الذئب هاربًا من محيط المكان، فقال "غيث" في استياء بعدما فشل في إصابته:
- فلت ابن المحظوظة!
أعاد وضع المسدس في جيب جلبابه متابعًا وهو يستدير نحو "دليلة" ليكلمها:
- الحمد لله، عدت على خير.
إلا أن الأخيرة لم تستطع أعصابها تحمل كم الإثارة والضغوطات العصيبة في ليلة واحدة، فأغشي عليها وسقطت فاقدة للوعي، ليتلقفها في الحال بين ذراعيه قبل أن يُطرح جسدها أرضًا، وقد جزع لرؤيتها على تلك الحالة الضعيفة، فحملها برفقٍ وهو يردد في قلقٍ عجيب لم يشعر به من قبل نحو أي امرأة:
- يا ساتر يا رب، مالك بس؟ ما كنتي بخير.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم منال سالم
الفصل الثالث والأربعون
في مثل هذه الأوقات الحرجة، ومنذ الوهلة الأولى حينما التقى بها، وهو لم يكن واثقًا مما يفعل تجاهها، فقد أراد حمايتها من أقل المخاطر بكامل جوارحه، وكأنه مكلف بذلك بشكل إلزامي، وليس على غير رغبة منه. نظرة فاحصة جال بها "غيث" على وجهها الساكن قبل أن يدمدم في شيء من السخرية:
- ده ديب، هو أني جولتلك إنه سبع؟
ليتقوس فمه بازدراء وهو يتم جملته في ضيق محسوس بنبرته:
- وفلت من تحت يدي! خسارة الطلقة!
تململت في ذراعيه، فأحس بتلك الخفقة العاصفة تضرب أعماق قلبه، لتنعشه وتوقظه من سباته الذي طال، بدا وكأن أحدهم يمتحن مشاعره الكامنة تجاهها، لم يشعر بمثل ذلك الخوف المبالغ فيه من قبل نحو إحداهن، بدت مختلفة عن البقية، ومع ذلك رفض الانسياق كالأعمى وراء ما راوده من شعور غير مفهوم، ليسير بها بترفق نحو سيارته.
فتح الباب ودفعه للخلف ليتمكن من وضعها في مقعد الراكب بجواره، أراح رأسها بحرص على ظهر المقعد، ثم انتزع عنه وشاحه الذي يلفه حول عنقه ليضعه حولها، كما تعمد إخفاء معظم ملامح وجهها به لئلا يراها أحدهم معه مصادفة، فيسيء الظن لتواجدهما بمفردهما في هذه البقعة النائية، وبالتالي يشرع في تفسير الأمر بشكل خاطئ، ويقوم بإطلاق الشائعات المغرضة بلا داع، وما أسهل نشر الأكاذيب والأقوال المغلوطة بين عامة الناس ولو كان على حساب الأبرياء!
أغلق الباب بهدوء، والتف حول مقدمة السيارة ليجلس خلف المقود، وينطلق عائدًا إلى قصره.
بين الحين والآخر كان يلتفت ناظرًا إليها، فيجدها لا تزال غافية، لم يعرف كيف يتصرف معها، هل يستدعي الطبيب لها؟ أم أن ما حدث لها جراء خوفها الطبيعي من ذلك الذئب المفترس؟ حسم أمره وقرر عدم تضخيم الأمور، ليتركها تستريح، وباكر سيطمئن عليها، فإن كانت بحاجة لمساعدة طبية لن يتأخر في استدعائها مهما كلفه الأمر.
بمجرد أن عبر "غيث" البوابة بسيارته، خفض الزجاج المواجه لناحيته قليلًا، ليتمكن "بدوي" من رؤية جزء صغير من وجهه حينما أصدر أمره غير المردود إليه:
- بجول تاني أهوو، بوابة الجصر ماتتفتحش واصل!
رد عليه خفيره مومئًا برأسه في طاعة:
- ماشي كلامك يا بيه.
عاد ليشدد عليه بلا تساهل، وقد رفع إصبعه للأعلى، وهذه النظرة الصارمة تطل من عينيه:
- مافيش حد يدخل ولا يخرج إلا بأمري، حتى لو كان مين.
في الحال علق بندقيته على كتفه مؤكدًا:
- اللي تجول عليه يا بيه هنفذه.
ثم أكمل طريقه بالسيارة حتى وصل إلى باب القصر، فترجل بعدها متجهًا نحو الجانب الآخر ليتمكن من إخراج "دليلة" وحملها إلى الداخل.
..........................................
ذرعت البهو جيئة وذهابًا وهي تكبت ما يعتمل في نفسها مرغمة، فرؤية ابن عمها وهو يركض في إثر تلك الغريبة أثار في نفسها مشاعر الغيرة والحقد، يا ليته فعل ذلك ولو لمرة واحدة معها! إلا أنه كان يتعامل معها بتحفظ ورسمية، متجاهلًا ما تكنه حقًا لأجله من مشاعر عاشقة.
جلست "أحلام" مجددًا إلى جوار زوجة عمها، وعيناها تقدحان بأمارات الغيظ. ألقت نظرة نارية نحو "عيشة" وابنتها الجالستين على مسافة منهما، ثم مالت نحو "فاطمة" واشتكت إليها بنبرة مغلولة:
- بت البندر شندلت حال واد عمي، شوفتي كيف رِمح وراها؟
على عكسها بررت الأخيرة ما جرى بناء على ما ارتأته:
- معذور، هما أغراب عن إهنه، وهو جادر يعرف سِكتها.
باحت بما يجوس في نفسها من مشاعر ناقمة، كما لو كانت ترغب في التأثير على رأيها لتؤيدها:
- أني مش مرتحالها يا مَرت عمي.
ظلت "فاطمة" على موقفها المحايد، وقالت بغير ابتسام:
- دي أوهام.
وقتئذ، فُتح الباب على مصراعيه، وولج "غيث" حاملًا "دليلة" بين ذراعيه، لتنتفض "عيشة" قائمة، هرعت إليه متسائلة في جزع شديد:
- بنتي! مالها؟ حصلها إيه؟
توقف في مكانه، وأجابها بهدوء:
- غميت من التعب.
فيما تحسست "إيمان" وجه شقيقتها قائلة بتعاطف، وبنبرة أقرب إلى البكاء:
- حبيبتي، مش مستحملة أي حاجة.
نهضت "فاطمة" هي الأخرى من موضعها، وأسرعت ناحيته متسائلة في اهتمام:
- نجيبولها ضاكتور يا ولدي؟
قبل أن يجيب صاحت "أحلام" في لهجة مستخفة، كأنما تهزأ بما حل بها:
- مالكم اتخلعتوا عليها إكده ليه؟ فحل بصل وتشمه وهتجوم تنط زي القرد.
ضغط "غيث" على شفتيه مانعًا نفسه من التعليق بأي حماقة، إلا أن والدته تولت معاتبتها بجدية:
- الملافظ سعد يا "أحلام"، البت صِغار ومش متعودة على البلد إهنه.
ليأتي رد الأخيرة مستفزًا بشكل مغيظ:
- صغار كيف وهي طول النخلة أد إكده؟!!!
لحظتها هدر "غيث" قائلًا بصوته الصارم:
- فضيلي سِكة يامه خليني أطلعها على فوق بدل رغي الحريم الماسخ ده!!
اشتعل وجهها بحمرة منزعجة من إساءته المتعمدة إليها، ومع ذلك لم تجسر على الرد عليه، أطبقت على شفتيها لتمنع نفسها من الكلام، بينما قامت "عيشة" بالإسراع في خطاها لتتقدمه نحو الدرج هاتفة وهي تشير بيدها للأعلى:
- تعالى يا ابني من هنا.
تبعها في صمت، لتظل "أحلام" باقية في مكانها، وكل ما فيها يغلي كمدًا وحقدًا، كزت على أسنانها معاودة شكايتها إلى زوجة عمها:
- شايفة يا مَرت عمي؟ مش جولتلك؟
لم يتغير موقفها نحو ما حدث، فقالت:
- ما هو مايصحش اللي جولتيه عاد، إنتي كده بتجلي في نظر واد عمك.
لولا أن خفضت "أحلام" من نبرتها لبدا صوتها مجلجلًا حينما عقبت عليها بنفس النبرة الحانقة:
- أومال أحط الطين على راسي وأتكتم وأني شايفاه شايلها كيف العروسة في ليلة دخلتها؟!!!
وجدت "فاطمة" عدم جدوى جدالها معها، فأخبرتها وهي تهم بالسير:
- والله إنتي فايجة، خليني أحصلهم أشوف مالها.
لتزداد "أحلام" غضبًا على غضب وهي تشاهد انسحاب البساط من أسفل قدميها لتغدو تلك الغريبة في غمضة عين ذات الحظوة والاهتمام لدى الجميع.
.......................................
لم يطل البقاء في الغرفة، فعندما ممدها برفق على الفراش، تراجع على الفور إلى الخارج، وانتظر مجيء والدته إليه لتخبره عن أحوالها، إلا أن "عيشة" كانت من حضر لتقوم بإظهار عرفانها لجميله المتواصل مع أسرتها، فاستطردت باسمة في حبور وامتنان:
- تعبناك يا ابني معانا وإنت مش ناقص.
تغاضى عن الجزء الأخير من جملتها متسائلًا في جدية واضحة:
- لو محتاجة ضاكتور جولولي، وأني أشيع أجيبه.
هذه المرة تولت "إيمان" دفة الكلام بعدما انضمت إليهما، فأخبرته:
- هي "دليلة" حساسة، مش بتستحمل، وإن شاء الله هتبقى كويسة، زعلها على ابن عمنا اللي راح أثر فيها جامد.
قال في تفهم، وبصوت عبر عن مشاطرته لحزن العائلة:
- الله يرحمه...
ليسكت للحظة قبل أن يتابع وهو يستعد للمغادرة:
- طب لو احتاجتوا لحاجة شيعوا للبت "سنية" وهي هتجولي.
تدخلت "فاطمة" في الحوار مضيفة وقد وقفت على أعتاب الغرفة:
- وأني روحت فين يا ولدي، ما أني معاهم إهنه.
مددت "عيشة" يدها نحو كتفها لتربت عليه قائلة بابتسامة شاكرة:
- كتر خيرك يا حاجة، ربنا يفرحك بأولادك ويجعلهم دايمًا السند ليكي، احنا تعبناكم معانا ودوشناكم.
قالت في استعتاب لطيف:
- متجوليش إكده، ارتاحوا بجى، وماتتكسفوش، ده بيتكم.
أومأت برأسها مرددة:
- تسلمي وتعيشي يا رب.
انصرفت بعدها من الغرفة لتقوم "عيشة" بغلق الباب، والبقاء بصحبتها ابنتيها، وقلبها يئن من الألم على فراق عزيز جديد.
.........................................
في اللحظة التي انفردت فيها "فاطمة" بابنها أثناء نزوله على سلم الدرج، أسرعت لتمسك به من ذراعه لتستوقفه، فنظر إليها متعجبًا، لتخبره في شيء من الفضول الممزوج بالقلق:
- حصل إيه يا ولدي؟
تبدلت تعابيره للضيق وهو يخبرها:
- ما أني جولت، غميت يامه من التعب.
سألته في تشكك، وهي ترمقه بنظرة غريبة:
- ولا في حاجة تانية حصلت؟
قست ملامحه على الأخير، فقد اعتقد أن وراء حديثها تلميحًا خفيًا لم يستسغ له، وسألها بنبرة شبه هجومية:
- حاجة إيه؟
دون أن تراوغه في الرد جاوبته مباشرة:
- يعني مديت يدك عليها، ما أني خبراك حمئي، وخصوصي لو حد مس كرامتك.
رفع كفه للأعلى مصححًا:
- إلا الحريم! وأديكي شوفتي كيف كنت بعامل مَرتي جَبل سابق.
كانت على يقين تام بأن ابنها تحمل الكثير مما لا يطيقه بشر على يد زوجته السابقة التي لم تكف عن إيذائه بتلميحاتها اللفظية ولا بافتعالها للمشاحنات لتصعيد الأمور بينهما، وتعقيد العلاقات بين أطراف العائلتين، ومع ذلك تحلى بفضيلة الصبر معها، واصطبر عليها حتى نضب مخزونه، فالتجأ إلى الطلاق كحل أخير بعدما أعطاها كامل حقوقها، ومتجاهلًا ما قامت به من إساءات نحوه عقب انفصالهما، فقط لتجنيب عائلته الخوض في صراع آخر غير محمود نهايته.
ربتت على ظهره في استحسان، وقالت وهي تبتسم قليلًا:
- ربنا يكملك بعقلك يا ولدي.
عندما نظرت "فاطمة" أمامها تفاجأت بوجود "أحلام"، فقد ظنت أنها غادرت حينما انشغلوا جميعًا بـ "دليلة"، إلا أنها خالفت توقعاتها وظلت ماكثة.
تحركت نحوها متسائلة باندهاش حائر:
- إنتِ لسه إهنه يا بتي؟
ردت عليها، ونظرتها النارية ترتكز على وجه "غيث"، كأنما تحاول اختراق رأسه، ومعرفة ما يدور بداخله:
- جولت أطمن على واد عمي...
لتبدو نبرتها إلى حد ما ساخرة وهي تكمل جملتها:
- بس الظاهر إنه مشغول مع بت البندر.
رمقها بنظرة قاسية، لا تنذر بخير، إلا أنها لم ترتدع، وواصلت القول بما يوغر الصدور ضد أسلوبها السمج المستفز:
- ما هي لونة وحلوة ونغشة، وخابرة كيف تاكل بعقل الناس حلاوة.
حاول "غيث" تجاوزها لتجنب الشجار معها، لكنها اعترضت طريقه لتسأله بنبرة مليئة باتهامات غير بريئة:
- كنت بتعمل إيه وياها يا واد عمي؟
قرأ ما احتوته نظرتها من إدانة خفية، فتعمد الرد بما يكوي قلبها:
- ما يخصكيش الموضوع.
رغمًا عنها كظمت ضيقها في نفسها، وخاطبته بمعسول الكلام لتلين قلبه المتحجر نحوها:
- أني خايفة عليك من كلام الناس، إنت أمرك يهمني، كبير الناحية، وليك سمعتك، والكل بيحترمك ويهابك...
لكن لسانها السليط غدر بها، وانطلق كالسهام المارقة يهين بلا هوادة:
- وهي محروج اللي جابوها ما فرجاش معاي واصل! دي آخرها معانا يومين إهنه وتغور في داهية.
استشاط غضبًا على الأخير لإهانتها الفجة، وحذرها بصوت دوى كالرعد:
- كنك اتخبلتي في مخك؟ الناس في بيتنا ونهينوهم؟ الظاهر إن مخك فوت...
انتفضت بقوة على إثر صيحته القوية، خاصة حينما نادى عاليًا:
- بت يا "سنية"!
بالكاد سيطرت على ارتجاف أطرافها، بينما جاءت إليه الخادمة هاتفة في إذعان:
- إيوه يا سيدي البيه.
أعطاها أمره النافذ دون أن تهتز عضلة من وجهه:
- نادم على حد من الغفر يجي يوصل بت الحاج "راشد" لمطرحها...
لتصير نبرته إلى حد ما تهكمية وهو يتم باقي حديثه:
- لأحسن الديابة مالية المكان، جايز يطلعوا واحد عليها ينهشوا لحمها.
اصطبغت بشرتها بحمرة منفعلة، وقالت بأنفاس محمومة:
- بجى إكده يا واد عمي؟ ماشي.
واندفعت بغضبها وغيظها إلى الخارج وهي تبرطم بكلمات مبهمة، لم تجرؤ "فاطمة" على الاعتراض عليه، وإن كانت منزعجة من كلمات "أحلام" اللاذعة، إلا أنها تتفهم جيدًا مشاعرها الأنثوية النابضة تجاه ابنها، ولذلك راحت تعاتبه على شدته معها:
- ليه إكده يا ولدي؟
نظر إليها بعينين خاليتين من التعاطف، فأضافت:
- بتزعلها وهي غلبانة وخايفة عليك؟ حتى لو هلفطت بالحديت، ما يبقاش إكده.
ظل على سكوته لتستمر أمه في الضغط عليه بأسلوبها الذي يحفظه على ظهر قلب:
- دي بتحبك أكتر من روحها.
قال بحزم، ومنهيًا النقاش على الفور:
- وأني مش عايز أسمع الحديت الماسخ ده تاني، هي بت عمي وبس!
لم تبد راضية تمامًا عن جموده معها، واستمرت في التأثير عليه بإظهار دعمها لها وتعاطفها معها:
- دي حرمت نفسها من الجواز تاني لأجل ما تحن عليها.
قال بجمود صريح:
- محدش جالها تعمل إكده، ولو عايزة تتجوز من بكرة نجوزوها أجدعها راجل في الناحية.
قالت معترضة على ما فاه به:
- ما فيش راجل زيك يا ولدي، وبعدين.. دي أكتر واحدة في الدنيا فهماك.
ظل متشبثًا برأيه بإصرار أشد عنادًا:
- ولو آخر واحدة ماهتجوزهاش يامه، حطوا ده في دماغكم...
لئلا تطيل معه الحديث في مسألتها، أنهاه بقوله وهو يستدير صاعدًا على سلم الدرج:
- تصبحي على خير.
هزت رأسها في أسف، وتمتمت بغير اقتناع:
- أني مش فاهمة بس هي مش عجباك ليه؟!!
........................................
بعيدًا عن شعور الألم الشديد لفقدان أحدهم، كانتا بحاجة للتفكير بروية وعقلانية من أجل تصريف أمورهن لاحقًا. تأكدت "إيمان" من تدثير شقيقتها في الفراش قبل أن تنتقل للجلوس على طرف السرير الآخر لتجاور والدتها التي كانت لا تزال تقرأ في المصحف. وجدت في البداية صعوبة لفتح النقاش فيما هن مقبلات عليه في المستقبل، ومع هذا لا مفر من مواجهة ما هو محتوم. سحبت نفسًا عميقًا وسألتها مباشرة، وبلا تمهيد:
- هنعمل إيه يا ماما بعد ما "فارس" مات؟
توقفت "عيشة" عن القراءة، وأغلقت المصحف لتضعه برفق على الوسادة، ونظرت إليها قائلة بعينين تترقرق فيهما الدموع:
- العمل عمل ربنا.. أنا مش قادرة أفكر، حاسة إني متكتفة، وما فيش في إيدي حاجة أعملها...
انتقلت ببصرها نحو "دليلة"، وأكملت بصوت باك:
- وأختك زي ما إنتي شايفة، بتتصرف من دماغها، ودي أكتر حاجة مخوفاني عليها.
مدت ذراعها لتربت على كتفها قائلة بنبرة مواسية:
- غصب عنها، اللي مرت بيه مش سهل.
كفكفت دمعها المسال قائلة:
- محدش فينا كان يتوقع إنه يشوف الغلب ده كله، لطفك بينا يا رب.
سكتت "إيمان" كأنما تختمر فكرة ما في رأسها، لتنطق بعدها في صيغة متسائلة، وفي نفس التوقيت مراقبة لردة فعل والدتها تجاه اقتراحها:
- إيه رأيك لو كلمنا الأستاذ "عادل"؟ ابن صاحب بابا، هو يقدر يساعدنا، والناس زي ما حضرتك عارفة كانوا كويسين أوي معانا.. وبطبيعة الحال مش هنفضل هنا كتير.
كان تفكيرها منطقيًا، فاقتنعت إلى حد كبير بما قالته مرددة:
- معاكي حق.
استحسنت قبولها للأمر، وعززت ذلك مؤكدة:
- وقت ما أختك تبقى كويسة، وبعدها نتوكل على الله ونمشي خلال يومين تلاتة بالكتير.
أومأت برأسها قائلة:
- بأمر الله.
..........................................
انكوت بنيران غيرتها وحنقها غير المحدودين، فعادت إلى بيت أبيها تسب وتلعن، كانت في أوج انفعالها وضيقها فصبت جام غضبها على كل من يقابلها، لتحاول خادمتها "نعمة" تهدئتها بقولها المحتاط:
- أني خايفة عليكي يا ستي.
كانت كتنين ينفث ألسنة اللهب من جوفه، فهتفت من بين أسنانها المضغوطة:
- دمي محروج من بت الـ..... دي!!
راحت تشكو في حرقة:
- بجى أني أطرد من قصر عمي بسببها؟!
لتضرب كفها بالآخر وهي تدمدم في مزيد من الحنق:
- ما هي الجوالب نامت والأنصاص جامت.
استدارت مخاطبة خادمتها رافعة إصبعها في وجهها:
- روحي شيعي لـ "سحر" الغجرية تجيني أوام.
ترددت الأخيرة في تنفيذ مطلبها، وقالت بعد لحظة من التفكير:
- بس يا ستي لو البيه "راشد" شم خبر إنها خطت إهنه وهو موجود هيولعوا فينا.
كانت على حق في خوفها، فوالدها يمقت وجود أمثال هؤلاء الدخلاء الأنجاس في بيته بسبب أفعالهم المتجاوزة والمليئة بالدجل والشعوذة والخروج عن المألوف.
حينما لاحظت "نعمة" صمتها، ظلت أنها رجحت كفة العقل، فاستأنفت كلامها إليها:
- الصباح رباح يا ست الناس، وأني بنفسي هجيبهالك وقت ما البيه يطلع على الغيط.
دنت أكثر منها، وقالت في ختام حديثها:
- إنتي بس هدي نفسك، وكل حاجة هتبقى تمام.
حدجتها "أحلام" بنظرة محتدة من طرف عينها قبل أن تهدر بها:
- غوري من وشي.
انسحبت من المكان تاركة إياها بمفردها، لتنزع "أحلام" عباءتها عنها وتلقيها عند قدميها مرددة في توعد:
- ماشي يا واد عمي، يا أني يا هي!
....................................
بعد ساعات من الانتظار الطويل في قسم الشرطة، تم استدعاء "زهير" من قِبل وكيل النيابة للتحقيق معه في الاتهامات الموجهة إليه، إلا أن الأخير كان يملك من الدهاء والمكر ما جعله بعيدًا عن الشبهات بشكل رسمي، فاستطرد بكل ثقة وهو يتبادل نظرة غامضة مع محاميه الجالس في مواجهته:
- يا باشا أنا ورقي سليم، ومعنديش مشاكل مع حد.
رد عليه وكيل النيابة بنبرة هادئة لكنها صارمة في نفس الوقت:
- مش إنت اللي هتفهمنا شغلنا.
ادعى الابتسام وعلق بسخافة:
- لأ العفو، بس أنا واثق من شغلي.
قال متمسكًا بسلطته القانونية النافذة في التحقيق معه:
- برضوه مش إنت المسئول عن ده.
تساءل "زهير" مستفهمًا:
- أومال مين؟
جاء رده مباشرًا:
- تحريات المباحث.
جلس "زهير" مسترخيًا، وعقب دون أن تفتر ابتسامته السخيفة:
- عمومًا أنا متأكد من نفسي، وتقدر سيادتك تشوف بالدليل القاطع صحة كلامي.
بلا مقدمات، أملاه وكيل النيابة سؤاله المعني مترصدًا لردود فعله:
- علاقتك بـ "مروة" الشهيرة بـ "سمارة" إيه؟
كادت أن تظهر عليه لمحة من التلبك لمجرد سماع اسمها، إلا أنه حافظ على هدوئه، وثبات بسمته وهو يرد عليه:
- مين دي؟ معلش مش واخد بالي.
رفع حاجبه للأعلى قائلًا في استنكار شبه ساخر:
- مش معقول مش عارف اللي كان أخوك متجوزها؟!
ليأتيه رده مستخفًا:
- أخويا -الله يرحمه- كانت جوازاته كتير، بصراحة مش همشي أسجل وراه.
أخرج وكيل النيابة صورة ضوئية لواحدة من أوراق التحقيق، وضعها أمامه آمرًا إياه:
- بص للورقة دي وإنت تعرف.
كانت الورقة تمثل توثيقًا لصيغة زواج عرفي لا يعرف كيف تمكن أفراد الشرطة من الحصول عليها، وهو الذي يجيد إخفاء الأوراق، حتمًا هناك من يسرب المعلومات خلسة لأحدهم، وعليه اكتشاف أمره حينما يخرج من هنا.
ادعى "زهير" استغراقه في التفكير ليقول في تمهل بعد زفرة سريعة وقد أعاد إليه الورقة:
- أه افتكرتها، كانت هربت باين من عند أهلها ومشت في السكة البطالة، وأخويا اتعطف عليها واتجوزها، بس مطولش معاها كتير، أصلها كانت بعيد عنك يا باشا شمال.
واجهه بسؤاله التالي وهو يتفرس في تعابير وجهه، وكذلك نظرة عينيه:
- تعرف إيه عن موتها؟
قطب جبينه مدعيًا استغرابه للأمر قبل أن يقول:
- هي ماتت؟ الله يرحمها.
صارحه وكيل النيابة متسائلًا بصيغة مستفزة له:
- عارف إنها أرشدت عن أخوك قبل ما الداخلية تصفيه؟
كلماته أصابت وترًا حساسًا، ورغم هذا ظل جامدًا، لا يظهر أدنى ردة فعل، ليردد في دهشة مصطنعة:
- معقولة!
أول مرة أسمع الكلام ده من سيادتك.
ليتدخل المحامي ويتساءل مستفهماً، وقد بدا هجومياً بعض الشيء:
ممكن أفهم إيه علاقة اللي سيادتك بتقوله ده بموكلي؟ يعني أنا مش شايف فيه داعي إننا نتفرع في مسائل فرعية غير مهمة بالمرة، ونبعد عن المشكلة الرئيسية اللي برضه مش عارفين سبب احتجاز موكلي ليها؟!!
على نفس النهج البارد التفت تجاهه ليخبره:
ده شغلنا يا أستاذ.
عاجله بمطلبه بطريقة رسمية:
طيب أنا بطالب إن موكلي يخرج بضمان محل إقامته أثناء استكمال التحقيقات.
أمسك وكيل النيابة بقلمه الحبري، وخاطبه بغير تعبير:
للأسف مش هيحصل لأنه مشتبه في أكتر من حوار، في منهم اللي يخص الأموال العامة كمان.
ثم استدار موجهًا أمره لمن يجلس بجواره عند طرف مكتبه يدون كل ما يقال في التحقيقات:
اكتب عندك، يتم احتجاز المتهم...
وناوله هويته لينظر إليها متابعًا:
سجل اسمه زي ما هو في البطاقة...
ليختتم كلامه معطياً أمره:
لمدة أربعة أيام ويراعى التجديد في الميعاد.
........................................
انفلتت أعصابه حينما انتهت التحقيقات معه، وخرج مكبلاً بالأصفاد الحديدية يجره أحد أفراد الشرطة، فزمجر في محاميه بتعصب مبرراً وهو يجاوره في سيره بالردهة الكئيبة:
أنا مش فاهم أنا محبوس ليه دلوقت؟ وورقي كله سليم.
رد عليه المحامي بهدوء محاولاً امتصاص غضبه:
ده إجراء روتيني بيحصل يا "زهير" بيه طول ما التحقيقات شغالة.
صاح مستنكراً مسألة احتجازه:
أنا واخد بالي من كل تفصيلة، إزاي ده يحصل؟!!
رد عليه وهو يضبط وضعية نظارته الطبية على أنفه:
اللي فاقعك الأسفين مظبطه بحيث يحطك في مغزر لفترة، بس اطمن أنا هطلعك منه زي الشعرة من العجينة.
رمقه "زهير" بنظرة ذات مغزى وهو يوصيه بكلمات مبطنة مفهومة للطرف الآخر:
وحوار البت اللي اسمها "سمارة"؟ أنا ماليش دعوة بيه، فاهمني طبعاً.
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد:
اطمن أنا مظبط كل حاجة.
ليوصيه بجدية أكبر:
وتشوف رجالتي كمان، مش عايز حد ينخ مهما حصل.
تعجل في خطواته ليلحق به هاتفاً، خاصة وفرد الشرطة قد هبط به نحو غرفة الاحتجاز بقسم الشرطة:
حاضر، أنا مشغل المكتب كله لخدمتك يا "زهير" بيه.
...........................................
تمطت بذراعيها وهي تتقلب على جانبها لتبدأ مداركها في الاستفاقة والتيقظ بعد استغراق في سبات طويل وعجيب. اعتدلت "دليلة" في رقدتها، وراحت تدور بعينيها لتتذكر أين أصبحت، شعرت بصداع قوي يفتك برأسها، ففركتها برفق، وقد بدأ عقلها يستحضر المشاهد الأخيرة التي عايشتها.
ما زال هناك ذلك الشعور المؤلم يغص في صدرها، رغماً عنها زحفت الدموع إلى عينيها متذكرة كيف كانت قاسية، مجحفة، ومتعجرفة مع "فارس"، وهو الذي استقبل كل ما تفعله من أمور سخيفة بودية ولطف. تنفست بعمق لتخنق نوبة البكاء التي تداهمها الآن عاقدة العزم على الرحيل، فهمست لنفسها بتصميم:
أحسن حاجة أعملها أمشي قبل ما حد يصحى، الدنيا أمان دلوقت.
سرعان ما بدلت ثيابها بتلك التي جاءت بها، وألقت نظرة وداع أخيرة على والدتها وشقيقتها، لتتسلل على أطراف أصابعها إلى الخارج.
كان لا يزال الوقت مبكراً، وغالبية من في القصر نائمون، لذا لن تسبب أدنى مشكلة في ذهابها، أو هكذا توهمت!
....................................
من أعلى بقعة في سطح القصر، حيث تم إعداده وتجهيزه ليكون مناسباً للجلوس غالبية الأوقات، مراعياً الحفاظ على خصوصية قاطني المكان، بجانب استمتاعهم برؤية المناظر الطبيعية الخاطفة للأنظار على مدى البصر، وقف "غيث" عند حافة السور يتحدث هاتفياً إلى رفيقه، فقد أطلعه الأخير على ما استجد من أخبار، فزف إليه خبر حبس ذلك اللعين، ليقول مادحاً تصرفه:
ملعوبة يا "وهبة".
أتاه صوته عبر الهاتف مردداً:
ولسه لما ناخدوا بتارنا منه، هخسره كل حاجة يملكها الأول، وبعد إكده هجيب حق "فارس".
أصغى إليه "غيث" بانتباه تام وهو يوصيه:
خد بالك من جماعته يا كبيرنا، دول أمانة في رجبتك، دي كانت وصية المرحوم قبل ما يتغدر بيه.
ليعطيه وعده الأكيد:
اطمن هما تحت عينيا، مش هفوتهم واصل.
قال جملته الأخيرة وهو يبصر "دليلة" وهي تخرج من باب القصر متجهة على عجالة نحو البوابة الحديدية المغلقة بالأقفال، فأنهى المكالمة بلا مقدمات ليلحق بها.
.......................................
بقولك افتح البوابة دي!
صرخت بتلك العبارة وهي تركل بقدمها البوابة الحديدية في عصبية واضحة بعدما رفض الخفير الحامل لبندقيته الاستجابة لمطلبها وفتحها لها، ليرد في برود استفزها تماماً وهو خافض لبصره:
معنديش أوامر من البيه الكبير.
استمرت على صياحها الحانق به:
وأنا ماليش دعوة بالبيه بتاعكم، احنا مش في سجن هنا.
قابل هياجها بنفس البرود المغيظ، وقال بسماجة:
أني عبد المأمور يا ست هانم، ممنوع حد يدخل أو يخرج من غير ما البيه يجول.
حينما لم تجد منه أدنى تجاوب معها، هددته في انفعال متزايد وهي تلوح بسبابتها:
افتح بدل ما ارتكب جناية هنا!
لكنه انتصب فجأة ليبدو متأهباً في وقفته، وكأن دورية عسكرية تمر بموقعه لتتفقده. ما لبث أن هز رأسه في طاعة، وتحرك من موضعه، حيث صرفه "غيث" بإشارة من إصبعه، لتلتفت ورائها عندما سمعت صوته الهادئ يحادثها بما يشبه المزاح:
الناس الطبيعية تجوم من النوم تجول صباح الخير، مش يتعاركوا على الصبح.
لن ينكر أنه انزعج لرؤيتها ترتدي السروال الأسود والقميص المطابق لنفس اللون، لم يحبذ أن يراها أحدهم بتلك الملابس وإن كانت متسعة نسبياً، وكأن شعور الغيرة على ما يخصها قد بزغ بداخله فجأة!
لم تكن "دليلة" في حالة مزاجية رائقة لتتقبل أي شيء منه أو من غيره، فظلت على طريقتها المتعصبة وهي تكلمه:
ممكن أفهم إنت قافل البوابة ليه؟ والغفير بتاعك مش عايزني أخرج.
قال وهو يتكئ بظهره على البدن الحديدي للبوابة:
علشان الديابة، احنا ناس بنخافوا على حياتنا، وإنتي شوفتي بنفسك بيطلعوا قصادك كيف العفاريت.
انتفضت لمجرد الذكرى، وقالت بتصميم وهي تكتف ساعديها أمام صدرها:
ماشي، أنا عايزة أخرج دلوقت.
هز رأسه معقباً في لطافة عجيبة:
وماله، نفطروا، ونشربوا الشاي، وبعد إكده تخرجي براحتك وهنوديكي مطرح ما تحبي كمان، ها إيه رأيك؟
اغتاظت من طريقته الغريبة في التعامل معها، وهتفت تعانده بصوت مرتفع:
وأنا مش عايزة أكل.
وضع يده على أذنه ليسدها للحظة وهو يسألها:
طب ليه الزعيق؟ أني بسمع على فكرة، مش أطرش.
نظرت إلى موضع يده قبل أن يخفضها هاتفة في ضيق:
هي نبرة صوتي كده.
أومأ برأسه قائلاً بابتسامة صغيرة:
ماشي، ممكن نوطيها شوية، الناس هنا ماهتستحملش الصريخ والدوشة.
حلت تشابك ساعديها، وتنفست بعمق قبل أن تطلب منه بصوت جاهدت ليبدو هادئاً ومنخفضاً:
لو سمحت افتح الباب أنا عايزة أمشي.
رد عليها مبتسماً:
وهو أني جولت لأ؟ هناكلوا وتمشي على طول.
صاحت مستنكرة في غير صبر:
لا إله إلا الله، نقول تور يقولوا احلبوه!
تصنع الجدية وسألها بإنكار اندهشت منه:
ومين البهيم اللي جال إن التور ينفع يتحلب؟ كانه ما بيفهمش في البهايم صح!
رغماً عنها ابتسمت لظرافته، وحركت رأسها للجانب لتخفي تلك البسمة عنه، فدق قلبه لرؤية لمحة خفية منها تظهر له بشكل عفوي قبل أن تواريها. عاودت التحديق ناحيته مجدداً لتكرر عليه مطلبها إلا أنها شعرت بشيء غير مريح يجتاح رأسها، فسألته بتعجب:
هو إنت بتتهز ليه؟
زوى ما بين حاجبيه متسائلاً في حيرة:
كيف يعني؟
أشارت بإصبعها كأنما توضح له الصورة التي تسود في مخيلتها الآن:
كده.
نظرت إلى حركة إصبعها مفسراً:
توصدي كيف بندول الساعة؟
قبل أن تؤكد عليه جاءت إليهما والدته لتلقي عليها التحية بترحاب:
إصباح الخير عليكي يا بتي، كيف أحوالك النهاردة؟
لحظتها اندفع "غيث" متكلماً، كأنما يشتكيها:
يرضيكي يا ست الحاجة إنها تخرج إكده من غير ما تاكل حاجة.
لوت "دليلة" ثغرها في ضيق، وغمغمت مع نفسها باستياء لصعوبة إكمال خطتها في الهروب قبل أن تستيقظ والدتها وشقيقتها:
هو محدش بيصحى متأخر هنا ولا إيه؟
تنبهت لصوت "فاطمة" المتسائل في قلق:
ليه يا بتي؟ هو واكلنا عفش ولا حاجة؟
قالت نافية على الفور:
لأ أبداً، أنا ماليش نفس، بس عايزة أمشي.
انقبض قلبها لقرارها المريب ذلك، وسألتها:
وأمك، وخيتك؟ عندهم خبر؟
لحظتها تلبكت، وخرجت الكلمات من فمها متلعثمة، مؤكدة على تسللها:
أنا.. أنا.. هستفسر عن حاجة كده، و.. راجعة تاني..
معلش خليه يفتح الباب.
رفع "غيث" كفيه الفارغين للأعلى في الهواء هاتفًا من فوره:
-المفتاح جوا مش معاي.
تحركت "فاطمة" نحو "دليلة"، وتأبطت ذراعها لتجبرها على المسير معها قائلة بوداعة:
-طب مسافة ما ولدي يجيبه تاكلي حاجة، وبعد إكده تخرجي.
تقدمهما "غيث" قائلًا:
-وأني بنفسي هجهزلك العربية.
لم تجد بدًا من الانصياع لهما، وقالت في استسلام بعدما باءت كل محاولاتها بالفشل:
-طيب.
إلا أن قواها خارت فجأة لتلقي بثقل جسدها على "فاطمة" التي جزعت لرؤيتها تفقد الوعي دون سابق إنذار، فحاولت إسنادها وهي تصيح مستنجدة:
-إلحقني يا ولدي.
استدار كليًّا ليجدها ممسكة بها، فأسرع ناحيتها، وانحنى ليحملها بحذر ورفق متجهًا بخطاه متعجلة نحو الداخل، ومن ورائه والدته تردد في توجس مرتاع:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، استر يا رب...
ثم التقت بخادمتها، فأصدرت إليها أمرها على الفور:
-بت يا "نعمة" شيعي حد من الغفر يجيب الضاكتور أوام إهنه!
ردت وهي تهز رأسها:
-حاضر يا ست الحاجة.
لم تنصرف على الفور، تمهلت في خطاها لتبصر "غيث" وهو يصعد بتلك الضيفة الهزيلة إلى غرفته، فقد كانت الحجرة المتاحة حاليًّا لوضعها بها، ابتسمت لنفسها هامسة في تسلية:
-أما إنك بت كهينة بصحيح، أه لو الست "أحلام" عرفت...
رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم منال سالم
استهلكه القلق وهو ينتظر خارج أعتاب غرفته، ريثما ينتهي الطبيب من فحص تلك المسكينة التي كلما احتدم عليها أمر ما تعذر على عقلها استيعابه، فتفقد وعيها تأثرًا. انتصب "غيث" في وقفته لما رأى الباب يُفتح ليخرج منه، هرع نحوه متسائلًا بنبرةٍ وشت بخوفه عليها:
- ها يا دكتور؟ كيف أحوالها دلوقتِ؟
أجابه بلهجة هادئة، وهو يبتسم ابتسامة صغيرة عملية:
- خير إن شاء الله، ضغطها كان واطي، وده طبعًا سبب لها إغماء، بجانب إنها محتاجة تهتم بصحتها كويس، يعني من الفحص الظاهري عندها ضعف عام، والتحاليل هتأكد إن ده.
هتف من فوره قائلًا بعزم:
- شوف المطلوب إيه واحنا هنعمله بمشيئة الله.
هز الطبيب رأسه متابعًا بعدما سجل بعض الملحوظات في دفتر أوراق صغير خاص به:
- ما فيش مشكلة، هبعت حد من المعمل يسحب منها عينة دم، والمهم الفترة دي تاكل كويس، وتبعد عن أي حاجة فيها ضغط نفسي.
قال وهو يتناول منه تلك الورقة التي دُوِّن فيها وصفة دوائية لها:
- حاضر يا دكتور...
لترتفع نبرته نسبيًا وهو يزعق على خادمته:
- بت يا "سنية".
أتته فورًا مرددة في طاعة:
- أيوه يا سيدي البيه.
أشار لها بيده مكملًا إملاء أوامره عليها:
- مع الدكتور لتحت، وخلي حد من الغفر يرجعه الوحدة الصحية تاني.
في التو استجابت لأمره، واصطحبت الطبيب للأسفل، فيما خرجت "فاطمة" من داخل غرفته وهي تقول بشيءٍ من الإشفاق:
- نظري عليها، صغيرة على المرض.
واربت الباب ولم تغلقه، فبدا الأمر مربكًا له، خاصة مع لمحه لها من تلك الفرجة الصغيرة التي مكنته من رؤيتها غافية على وسادته وفي منتصف سريره، ومتدثرة بغطائه. قاوم بأعجوبة تلك الرغبة الشديدة التي تستحثه للذهاب إليها وتفقد أحوالها بنفسه، فقط ليطمئن قلبه الملتاع. جاهد ليبدو رزينًا هادئًا وهو يتساءل:
- فاقت يمه ولا لسه؟
تنهدت والدته قائلة وهي تشير بيدها للخلف:
- في سابع نومة...
ثم ضيقت عينيها متسائلة في شيءٍ من الاهتمام:
- عايز حاجة أجيبها لك من جوه؟
قال نافيًا وقد أشاح بوجهه بعيدًا:
- خليها مرتاحة.
..................................
في تلك الأثناء، استيقظت "عيشة" من نومها وهي تتثاءب في إرهاقٍ، لترفع رأسها ناظرة نحو الفراش الذي من المفترض أن تكون ابنتها نائمة عليه، سرعان ما اتسعت عيناها على آخرهما، كما هوى قلبها في قدميها هلعًا عندما وجدته فارغًا. قفزت من على سريرها مرددة في ارتعابٍ متزايد، وقد راودت رأسها عشرات الهواجس:
- يا مصيبتي! لتكون "دليلة" عملتها وهربت واحنا نايمين.
سحبت حجاب رأسها من على طرف الفراش، ولفته حول رقبتها قبل أن تخرج هامسة في جزعٍ:
- استر يا رب
انخطف لون وجهها، وبدت في حالة غير طبيعية وهي تسير في الرواق، ليأتيها صوت "فاطمة" الودود ملقية عليها التحية:
- صباح الخير عليكي يا ست "عيشة".
وزعت نظرتها المرتبكة بينها وبين ابنها، ترددت للحظةٍ قبل أن تستجمع نفسها لتسألهما في صوتٍ مرتجف ينم عن خوفها الأمومي الكبير:
- أنا آسفة يا جماعة، بس محدش فيكم شاف "دليلة"؟
بعفويةٍ أجابتها:
- هي يا حبة عيني كانت معاي وغميت، فوديناها أوضة ولدي وجبنا لها الدكتور.
لطمت "عيشة" على صدرها هاتفة في وجلٍ:
- إيه؟
حينما لاحظ "غيث" أمارات الخوف متجسدة على وجهها أخبرها مؤكدًا:
- اطمني يا حاجة، الموضوع مش مستاهل، احنا مرضناش نقلّقك على الفاضي، إنتي بردك تعبانة.
صاحت من فورها تطلب منهما:
- أنا عايزة أشوفها.
أرشدتها "فاطمة" إلى غرفة ابنها، والتي تقبع في الناحية الأخرى من القصر:
- اتفضلي من إهنه.
قبل أن تسير مع ضيفتها، خاطبت ابنها قائلة في جديةٍ:
- وإنت يا ولدي ما تعطلش مصالحك أكتر من إكده، روح شوف وراك إيه، وأني هبقى أطمنك بالتليفون.
هز رأسه في تفهمٍ وهو يرد:
- ربنا المعين.
استدار متجهًا نحو سلم الدرج ليجد الخادمة "سنية" تُعلمه:
- سيدي البيه، الحاج "راشد" ناطرك مع البيه الكبير تحت في المضيفة.
هبط على الدرجات متحدثًا إليها في لهجةٍ آمرة:
- أني جاي، وخليكي إنتي مع الحاجة شوفي طلبات الهوانم، وخصوصًا الست "دليلة"، مش عايز حاجة تنقصها واصل.
كعهدها ردت في نبرة مطيعة:
- ماشي كلامك يا سيدي البيه.
لتشيعه بنظرة غريبة مستنكرة حتى اختفى عن ناظريها، فأكملت صعودها للأعلى وهي تصعب بشفتيها وهمست لنفسها بشيءٍ من الريبة والسخرية:
- عشنا وشفنا البيه بنفسه واخد باله من حِرمة!
............................................
بالكاد انتظرت خروج رب المنزل، لتتبعه متسللة فورًا بعدما تلفحت بالملحفة السوداء، وغطت معظم وجهها لئلا يبصرها أحدهم ويتعرف إليها. هرولت بخطواتٍ أقرب للركض متجهة لتلك المنطقة الواقعة على حدود البلدة، حيث يقيم الغجر وعائلاتهم في بيوت مبنية من الخشب والطوب اللبن.
تلفتت "نعمة" حولها في توجسٍ وقلق، لتسرع في خطاها نحو بيت متهالك يشبه الكوخ، نوافذه تكشف ما بداخله، فقط ستائر من القطيفة تحجب أعين المارة عن القاطنين به. أزاحت الستار الموضوع مكان الباب وولجت إلى الداخل منادية:
- يا "سحر"، إنتي إهنه؟
جاءتها امرأة أخرى تعرفها لتسألها في غنجٍ، وهي تمسك بطرف أذنها لتضع فيه قرطًا كبير الحجم ولافتًا للأنظار:
- خير يا "نعمة"؟ إيه اللي حدفك علينا من طالعة الشمس.
شتت عينيها عن القرط المتدلي هاتفة:
- أني عاوزة "سحر".
لتظهر المرأة المنشودة من الداخل وهي ترتدي جلبابًا لامعًا ملتصقًا بجلد جسدها من اللون الفضي، تبرز ساقيها منه بسبب فتحتيه المتسعتين من كلا جانبيه. أبصرتها "نعمة" وهي تنفض شعرها الغجري الكثيف على كتفيها في دلالٍ، لتسألها الأخيرة باقتضابٍ في رنة صوت توحي بعدم مبالاتها بزيارتها:
- خير؟
بنبرة متلهفة أخبرتها:
- ستي بتقول لك تفوتي أي حاجة في يدك دلوقتِ وتيجي معاي حداها.
جلست "سحر" على مصطبتها المغطاة بالكليم، وقالت في تكاسلٍ:
- أني لسه ما اصطبحتش، حبة وهفوت عليها.
رفعت حاجبها للأعلى واستنكرت للغاية تقاعسها عن تلبية مطلب سيدتها، بالرغم من سخائها غير المحدود مع مثيلاتها من منتهزي الفرص، فصاحت في عنادٍ:
- ستي موصياني ما تنقلش من إهنه إلا ورجلي على رجلك.
ثنت "سحر" ساقها، وبدأت في تدليكها برفقٍ، لترد عليها بعد زفرة توحي بالضجر من إصرارها المزعج:
- وأني مش هتأخر، مسافة ما توصلي هتلاقيني في ديلك.
صممت على البقاء وملازمتها حتى تفرغ مما تفعل قائلة:
- بس آ...
قبل أن تتم كلامها هدرت فيها "سحر" تهددها بما جعل كل دواخلها ينتفض خوفًا:
- اخلصي يا "نعمة"، أني لسه ما فوقتش، بدل ما أعمل لك عمل يعرقب لك حياتك، وإنتي مش ناقصة.
سرعان ما أبعدت الخادمة عباءتها السوداء عن صدرها لتتفل في ذعرٍ وهي تردد:
- اللهم احفظنا، ما تعوجيش.. وإدَّاري عن العين، مش ناقصين كلام.
ثم غطت وجهها وتوارت خلف الملحفة لتخرج من المكان في عجالة، ولسانها يلهج بعباراتٍ تدعو الرحمن أن ينجيها من ألاعيب الجن وحبائل الشياطين.
لما انصرفت الخادمة جلست رفيقتها إلى جوارها تستفسر منها في تعجبٍ مشوبٍ بالقلق:
- إنتي مش خايفة يا "سحر" لملعوبك يتكشف ويتعرف إنك بتضحكي على بنت واحد من أعيان البلد؟!!!
هتفت في غير مبالاة:
- هيجرالي إيه أكتر من الهم اللي أنا فيه؟
لتنزع عنها أساور يدها البلاستيكية المزركشة متابعة في أسى وحقد:
- اللي زي دي ربنا مدّيها كل حاجة، حسب ونسب وفلوس ما لهاش عدد، وهي زي الغبية مش حاسة بالنعمة اللي في إيديها، بتجري ورا سراب...
أصبحت نبرتها أكثر قتامة مثل نظرتها المرتكزة في نقطة وهمية تمر عبر أساورها المرفوعة للأعلى حينما تابعت:
- وأنا شغلتي أخليها تصدق إنها هتقدر تمسك السراب ده.
علقت عليها بدهشةٍ:
- يا سلام!
أطلقت ضحكة رقيعة، وتابعت في ثقة وغرور وهي تحرك الأساور في الهواء:
- أومال إيه، هي متعلقة بحبال الهوى الدايبة، ولو فكرت بعقلها هتلاقي إنه ما فيش راجل يستاهل إن المرة تضيع عمرها علشانه، بس تقولي إيه، الحب ياما بيذل.
سألتها في شيء من الفضول:
- وإنتي ناوية تعملي إيه؟
استرخت في جلستها على المصطبة، وقالت وهي تبتسم في مكرٍ:
- هضحك عليها وأفهمها إني معايا اللي يجلب الحبيب ويقرب البعيد ويحقق المراد، وكله بحسابه.
انتشت المرأة من تفكيرها الجهنمي، وراحت تمدحها:
- ده إنتي مخك داهية!
عادت لتضحك بصوتٍ مرتفع قبل أن تقول في زهوٍ، وهذه اللمعة الخبيثة تطل من حدقتيها:
- ده أنا أعجبك.
ألقت بعدها بأساورها على المصطبة، وشردت تفكر في استبدالها بأخرى مصنوعة من الذهب وأغلى المجوهرات.
راجع بتركيز كافة الأوراق التي بحوزته قبل أن يرتبها في ملفات منفصلة حتى يسهل عليه الوصول إليها طبقًا لما يحتاج، ثم وضعها بعد ذلك بداخل حقيبة جلدية سوداء، ليتطلع جانبًا إلى والده عندما سأله وهو يقبض بيده على رأس عكازه:
- كلمت خوك "سليمان" وعرفته إننا جايين؟
هز رأسه قائلًا:
- أيوه يا حاج.
فيما صاح "راشد" محذرًا بملامح شبه واجمة كعادته:
- مش عايزين مصالحنا تخرب زي المرة اللي فاتت.
انتقل بعينيه تجاهه مؤكدًا:
- اطمن يا عمي، أني مرتب كل حاجة مظبوط.
زم شفتيه مبرطمًا:
- أما نشوف.
تحدث "زكريا" من جديد قائلًا وهو يستقيم في جلسته:
- جهز حالك يا "غيث" علشان نتوكل على الله، احنا داخلين على الضحى.
نهض من موضع جلوسه مرددًا:
- ماشي.
همَّ بالمغادرة، لكن "راشد" استوقفه بسؤاله المباغت في فضول:
- أني شايف الدكتور خارج من عندكم، هي الحاجة "أم غيث" بتشتكي من حاجة لا سمح الله؟
ألن يكف أبدًا عن حشر أنفه فيما لا يعنيه! حقًا لم يترك شاردة ولا واردة تخص من يعيش بالقصر إلا وتحرى عنها، فما كان منه إلا أن أعطاه ردًا محايدًا لا يسمن ولا يغني من جوع:
- شوية تعب وهيروحوا لحالهم، ماتحطش في بالك يا عمي.
كان والده مثله، لا يحبذ أبدًا التدخل في شؤون الغير بهذه الفجاجة، وتحت أي مسمى، لذلك عمد إلى تغيير مجرى الحديث بقوله الصارم:
- يالا يا "راشد"، هات التوكيلات اللي حداك في الدار، وما تضيعش وقتك في هلفطة على الفاضي.
انتفض قائمًا، وقال وهو يتجه صوب الباب:
- طيب، هستناكو تفوتوا علي إهناك، سلام عليكم.
بادله "زكريا" التحية مومئًا برأسه:
- وعليكم السلام ورحمة الله.
انتظر ذهاب شقيقه بعيدًا ليتوجه إلى ابنه مستعلمًا:
- إيه حوار الدكتور ده يا "غيث"؟ أني مرضتش أتكلم قصاد عمك.
عاد ليجلس بجواره، وأطلعه على ما حدث بإيجاز، ليصمت والده لبعض الوقت، وكأنه يقلب ما دار في رأسه، لينصحه بعدها في هدوء:
- من رأيي تخليك بعيد عن القصر اليومين دول، لسان الخلق زي المشرط ما بيرحمش.
كان محقًا في تحذيره المبطن، فما أسهل إطلاق الشائعات عن تحري الحقائق! لذا ارتأى ألا يتسبب في حدوث المزيد من التعقيدات بلا داع، فأخبره بجدية بحتة:
- عامل حسابي يا بوي.
....................................
الهمسات الخافتة بجوار أذنيها جعلتها تستفيق من سباتها، لتفتح عينيها ببطء متطلعة إلى سقف الغرفة. استغرقها الأمر عدة لحظات حتى أصبحت في كامل وعيها، التفتت للجانب لتجد والدتها في ختام مكالمة خافتة مع عمتها، تبادلت عبرها الاثنتان مشاعر المواساة والحزن على فقيد العائلة الأخير.
وضعت "عيشة" الهاتف على طرف الفراش، وجلست بجوار ابنتها تسألها:
- حاسة بإيه دلوقت؟
حاولت "دليلة" رفع جسدها للأعلى، واستندت بظهرها على عارضة الفراش قائلة بصوت ما زال متعبًا:
- دايخة شوية.
مصمَصت أمها بشفتيها متمتمة:
- ما إنتي يا حبيبتي عمالة تكتمي في نفسك وده مش حلو، زعلنا على اللي راح عمره ما هيرجعه، احنا مافيش في إيدينا حاجة نعملها غير ندعي بالرحمة.
أصغت إليها "دليلة" وهي تدور بعينيها في أرجاء الغرفة لتتبين تفاصيلها، لم تبدُ مألوفة لها منذ الوهلة الأولى، خاصة مع وجود فراش وحيد ضخم، وخزانة ثياب أكثر عرضًا عن تلك التي كانت موجودة قبل سابق، كذلك لاحظت وجود جلابيب رجالية على مشجب جانبي، بالإضافة إلى قفطان، وأوشحة داكنة الألوان. انتقلت بحدقتيها نحو المرآة المتسعة التي تحوي عدة زجاجات من العطر وأدوات تمشيط الشعر والعناية به، ما باتت واثقة منه أن الغرفة لم تكن بها لمحة نسائية بالمرة، استرعى ذلك فضولها واهتمامها، فتساءلت بعفوية:
- هي دي أوضة مين؟
جاء الجواب تحديدًا من "فاطمة" التي طرقت الباب أولًا ودخلت الغرفة:
- ولدي "غيث".
ما لبث أن انتابتها موجة من الحرج الشديد بعدما علمت بهوية صاحب الغرفة، خاصة وذاكرتها قد تنشطت فجأة وعرضت عليها ومضات خاطفة لجدالهما الأخير قبل أن يتحول كل شيء للإظلام التام. تنبهت إلى والدته التي ما زالت تتحدث إليها في لطافة معهودة:
- مارضاش يصحي الحاجة أمك ويجلجها على الفاضي، فجابك إهنه.
ارتعشت أصابعها من الحقيقة المحرجة، لقد حملها مجددًا، وأتى بها إلى حجرته لتستقر فيها. ضمت يديها معًا، وقالت في خجل وهي تتحاشى النظر ناحيتها:
- أنا آسفة جدًا، لخبطتلكم اليوم، وعملت دوشة من بدري وآ...
انزعجت "فاطمة" من تضخيمها للأمر، فقاطعتها مؤكدة:
- ماتجوليش إكده، ده بيتك.
من خارج الغرفة، وقف "غيث" للحظات مستمعًا إلى صوتها الذي أعاد نبض الحياة إلى صدره، ابتسم في حبور لإفاقتها، وكأن ذلك ما كان يرجو حدوثه قبل الذهاب بعيدًا. تدارك نفسه، وحمحم مرددًا بصوت مرتفع، كأنما يستأذن بالدخول بطريقة مهذبة:
- يا رب يا ساتر.
لحظتها تلبكت "دليلة" من وجوده، فقد أدركت أنها حرفيًا تحتل فراشه وغرفته، كما لو صادرت كل ما فيها وأصبح مملوكًا لها، أطرقت رأسها للأسفل في توتر وحيرة، فيما هتفت "فاطمة" لتستدعيه:
- تعالى يا ولدي.
فعل مثلما فعلت والدته وطرق على الباب، ليتساءل في اهتمام وهو خافض لرأسه:
- كيف أحوالك دلوقت؟
رمشت بعينيها مرددة بصوت متلبك وهي تجاهد للنظر تجاهه:
- الحمد لله...
ليظهر ذلك بوضوح أكبر وهي تعترف له:
- معلش أنا آسفة، احتليت أوضتك وسريرك.
وهمَّت بمغادرة الفراش، فأزاحت الغطاء عنها ليصيح معترضًا على الفور وهو يشير لها بكفيه:
- والله ما إنتي جايمة...
تراجعت منكمشة على نفسها، وطالعته بهذه النظرة المرتبكة، فواصل الكلام وهو يوليها ظهره:
- أني بس هاخد كام حاجة وفايتلك المطرح تجعدي فيه براحتك، ولو مش عاجبك انغيروه لحاجة بتحبيها.
بدا وكأنه أعطاها الضوء الأخضر للتصرف فيما يخصه بلا مراجعة، لذا ردت في امتنان دون أن تنظر تجاهه:
- شكرًا على ذوقك.
جمع سريعًا ما يحتاج إليه ودسهم في حقيبة صغيرة كانت موضوعة بجوار الدولاب، ليقول في شيء من التوصية وهو يسير نحو الباب:
- والدكتور قايل مافيش حركة كتير لأحسن تغمي تاني، ولا إيه يامه؟
توردت بشرتها من تذكيره لما تحاول نسيانه، فيما أكدت والدته على ما أوصى به هاتفة في عزم:
- أيوه مظبوط، وأني بنفسي هتابعها.
نظرة خاطفة ألقاها "غيث" نحو "دليلة" قبل أن يستأذن بالمغادرة:
- خدوا راحتكم، أني ماشي.
ودعته "عيشة" قائلة في ودية:
- اتفضل يا ابني.
لتلحق به "فاطمة" متسائلة:
- مسافر يا ولدي خلاص؟
أخبرها وهو يضم طرفي ياقة جلبابه معًا:
- رايح عند خوي نخلصوا مصالحنا مع أبويا الحاج.
رددت بما يشبه الدعاء:
- ربنا يسلم طريجكم.
مال عليها قليلًا ليهمس لها بنبرة ذات مغزى:
- مش هوصيكي يا حاجة على الجماعة.
ابتسمت له في سرور، وقد فهمت ما وراء ذلك الاهتمام العجيب بفطنتها وخبرتها الطويلة في شأن ابنها، وقالت:
- اطمن، دول في عينيا.
بادلها الابتسام داعيًا:
- ربنا يخليكي لينا.
بالفراسة وحدها استطاعت أن تعي ما يدور في ذهنه وإن لم يصرح بذلك علنًا، نظرًا للوضع الراهن والظروف الحادثة التي تحول دون التطرق لأي مسألة خاصة، لكنها حتمًا ستؤازره فيما يريد.
........................................
أصبح مسموحًا لها بالدخول إلى بيت "راشد" بعدما أصدرت "أحلام" أوامرها للخفراء بفعل ذلك بالرغم من حظر تواجدها قبل سابق. لم يجرؤ أحدهم على مخالفة الأوامر أيًا كانت، فهم ليسوا على استعداد لتحمل تبعات غضب سيدة المكان. بالطبع استغلت "سحر" الفرصة وسارت في خيلاء وتكبر، كما لو كانت صاحبة جاه ومال، تعمدت ألا تأتي سوى بمظهرها الغجري المثير للشبهات، ورنة خلخالها العالية تلفت الأنظار إليها، لتؤكد على احتياج علية القوم لخدماتها وإن كانوا يبغضون وجودها في محيطهم.
أبدت "أحلام" استيائها من قدومها على تلك الهيئة الفاضحة، ومع ذلك تغاضت عن الاستمرار في توبيخها للتطرق إلى الشيء الهام الذي أرسلت إليها من أجله. اختطفت تلك الورقة المطوية من بين أصابعها لما رأتها متسائلة في لهفة:
- إنتي متأكدة إن الحجاب ده مضمون؟
بخبث أكدت لها فيما يشبه الفحيح الهامس، وهي تقف ورائها كشيطان يوسوس في إغراء لذوي النفوس الضعيفة ليقعوا في فخه:
- طبعًا يا ست البنات، ده متجرب وشغال، وكل اللي خدته مني مكملتش سبوع إلا واتجوزت.
شردت بذهنها متخيلة تأثير سحره اللئيم على ابن عمها، ووقوعه في حبها، بل واستجدائها للقبول بالزواج منه، وتمنعها عليه وهي بين أحضانه.
استفاقت من سرحانها اللحظي، وابتعدت عنها مسلطة كامل نظراتها على الورقة المطوية، ثم هتفت وهي تمد يدها الأخرى ناحيتها برزمة من النقود:
- أما أشوف، وساعتها هتاخدي أد اللي معاكي عشر مرات.
ما إن أبصرت عيناها النهمتان المال حتى سال لعابها، في التو أخذته منها قائلة بحماس:
- يدوم العز يا بنت الأصول.
دسته في جيب صدرها، وعدلت من كنزتها الكاشفة على كتفيها مرددة:
- فوتك ابعافية.
لم تهتم بمغادرتها، وظلت مشغولة بما معها.
لسوء حظها، التقت "سحر" عند باب البيت بصاحبه الذي حدجها بنظرة نارية مشمئزة، فبادلته بضحكة رقيعة جعلته يبدو أكثر نفورًا منها، لم تلقِ له بالًا، وسارت بتعجرفٍ متعمدة أن يرن صوت خلخالها في الأرجاء، ليسرع "راشد" عائدًا إلى الداخل وهو يزمجر غاضبًا:
- إيه اللي جاب وش الغراب دي إهنه؟
قفزت "نعمة" فزعًا لرؤيته أمامها، وتلبكت مرددة بارتعاشة ظاهرة على شفتيها:
- سيدي "راشد".
سألها في نبرة متحفزة، وشرارات من الغضب العارم تنتفض في عينيه:
- فينها "أحلام"؟
أجابته مشيرة بيده:
- جوا يا بيه.
انطلق مدفوعًا بحنقه العظيم مناديًا فيما يشبه الزئير:
- بت يا "أحلام"!
خبأت على الفور ما ابتاعته من
- إيوه يا بوي.
سألها في الحال، ووجهه قد صار أكثر إظلامًا:
- وش الخراب دي بتعمل إيه إهنه؟
خشيت إن باحت له بالحقيقة أن تتلقى العقاب القاسي منه، توترت، وتلعثمت وهي تجاوبه كذبًا:
- دي... دي.. كانت جاية جصداني في خدمة.
لم يقتنع مطلقًا بما فاهت به، وصاح مستنكرًا في تحيزٍ حاقد:
- خدمة ولا شر؟ هو أني مش عارفها بت المركوب دي!
ليباغتها بسؤاله المباشر:
- إيه جولتلها تعمل عمل من إياهم؟
في التو انعكست علامات الارتباك على محياها، وتدلى فكها للأسفل محاولة البحث عن إجابة لا تكشف أمرها، تفقه ذهنه لما تفعل من وراء ظهره، فعنفها في ضيقٍ كبير وهو يلكز كتفها:
- ما ده بس اللي واكل مخك التخين.
تأوهت من ضربته القوية، وهمهمت محتجة في تبرمٍ:
- يابوي آ...
أخرسها برفع إصبعه في الهواء صائحًا بنبرته الصارمة:
- ولا كلمة، أني مش هستنى لما يحصل فضايح في داري بعد العمر ده كله.
أطبقت على شفتيها مانعة نفسها من التعليق، ليصدمها بقراره الحاسم:
- اعملي حسابك وقت ما أرجع من السفرية دي هيتكتب كتابك على ولد الحاج "فتيح".
انفلتت منها شهقة مستنكرة قبل أن تصيح معترضة:
- تاني يابوي هتظلمني؟ وأتجوز واحد يدوجني المرار؟
نظر لها ببرودٍ، مبديًا عدم تعاطفه معها، فتجرأت لتعترف له بلا ندمٍ، لعله يدعمها في تحقيق رغبتها:
- أني عاشجة ولد عمي "غيث"، وأني أولى بيه من واحدة غريبة تاجي تاخده مني.
فاجأها برده الجارح لكبريائها كأنثى أولًا، ولمشاعرها كابنته ثانيًا:
- وإنتي ولا في دماغه من الأساس، ولو كان عاوزك كان زمانته عقد عليكي قبل سابق، وأديكي جدامه بجالك سنين ولا فكر حتى يبصلك.
هتفت بصوتٍ بدا مختنقًا، وعلى وشك البكاء:
- بس أني عاوزاه.
أصبح صوته أقرب للصراخ وهو يخبرها بغير تعاطفٍ:
- جولتلك هو مش رايدك، وبعدين من مِيتى بناخد رأي الحريم في الجواز؟ أني بختارلك الأصلح.
أجهشت بالبكاء الشديد لعله يترأف بحالها، إلا أنه تجاهلها كليًا، وأصر على رأيه بتصميمٍ:
- إنتي هتعملي اللي أمر بيه وبس.
ثم تركها وغادر، لتنهار جاثية على ركبتيها قبل أن تلطم على رأسها وهي تنوح في حزنٍ وأسى:
- يا مُرك يا "أحلام"! ارتفع عويلها مع ندبها وقد راحت تدق على صدرها:
- هاتوا الطين وحطوه على راسي علشان بوي يرتاح!
***
حملة تطهير واسعة قامت بها وزارة الداخلية في الآونة الأخيرة، للكشف عن المتواطئين مع العناصر الإجرامية، والقيام بتسريب معلومات هامة من أجل تسهيل عمليات هروبهم والحول دون إلقاء القبض عليهم في قضايا تورطهم وتدينهم أمام القانون، وكان من بين هؤلاء المتآمرين بعض المخبرين من ذوي النفوس الضعيفة ممن مدوا "زهير" بما يفيده في جرائمه الأخيرة، ليصبح محتجزًا بدلائل جديدة تدينه.
انتهى مرة أخرى من التحقيق معه، وسار محاميه إلى جواره في ردهة النيابة محاولًا تهدئته:
- فترة وهتعدي يا "زهير" بيه، كل ده وارد يحصل.
كان يجذبه فرد الشرطة المربوط معه بالأصفاد تجاهه كلما حاول الاقتراب من المحامي، فضجر من شده المتواصل، وصاح في غير صبرٍ، وقد بدا عليه الإرهاق الشديد:
- بلاش كلامك اللي ينقط ده، أنا بتورط بزيادة، شوفلك صرفة وطلعني من هنا.
أومأ برأسه مرددًا:
- حاضر، هتصرف...
ثم سكت للحظةٍ كأنما يرتب أفكاره قبل أن يخبره في ترددٍ محسوس:
- بس عايز أعرفك بحاجة.
نفخ أولًا قبل أن يسأله بحدةٍ:
- في إيه تاني؟
ابتلع ريقه، ونقل إليه الخبر المشؤوم دفعة واحدة وبلا تمهيد:
- المطعم اتحرق!
توقف عن السير هادرًا في صدمةٍ:
- بتقول إيه؟
تابع إطلاعه على تفاصيل الحادثة بترقبٍ:
- ماس كهربي ودمر كل حاجة.
ارتفع صوته الصارخ مستهجنًا:
- وإنت مصدق الحكاية دي؟ أكيد في حد وراها، شوف مين وعرفني.
هز رأسه كالعادة قائلًا:
- لسه التحقيقات شغالة!
مد يده الطليقة ليمسك به من ياقته، جذبه ناحيته في عنفٍ، وحدجه بهذه النظرة الشرسة وهو يأمره:
- أنا ماليش دعوة بالتحقيقات دي، أنا عايز أعرف من اللي بيخرب ورايا....
صاح فيه فرد الشرطة محذرًا:
- اهدى كده يا مسجون!
بالكاد منع "زهير" نفسه من التلفظ بلفظة نابية، ودمدم في حنقٍ:
- ما هو العجل لما بيقع بتكتر سكاكينه!
أكثر ما كان يؤرقه من عودته للسجن مرة أخرى هو عدم وجود الدعم الكافي من الحلفاء، خاصة مع تزايد خصوماته مؤخرًا، حتمًا ستدبر له المكائد للتخلص منه، دون أن يتمكن من النجاة، لذا عليه أن يفكر في بدائل فورية قبل أن يطأ ذلك المكان اللعين.
***
استعانت بزوجة ابنها المقيمة في مركز المدينة، لتعطيها عبر مكالمة هاتفية وصفًا مقاربًا لأحجام ضيفاتها الثلاثة، فتتمكن الأخيرة من شراء ما يحتجن إليه من ثياب نسائية ملائمة، وبعدما ابتاعت المطلوب، أرسلته عبر الشحن البريدي للقصر، لتتفاجأ "عيشة" بإحضار "فاطمة" مع الخادمة لكل هذه المتعلقات الجديدة للغرفة، شكرتها في حرجٍ كبير:
- والله إنتي تعبتي نفسك يا حاجة، احنا وشنا منك والأرض، مش عارفين نقول إيه بس على الكرم الكبير اللي عملاه معانا.
قامت باستعتابها في وديةٍ:
- ما تجوليش إكده، دي حاجة بسيطة، وبعدين أني ليا لي عتاب عندك.
انقبض قلبها بقليلٍ من الخوف، وسألتها بوجه تبدل للقلق:
- خير؟ حصل إيه مننا؟ في حد من البنات ضايقك؟ أو عمل حاجة مش مظبوطة؟
على الفور بددت ما ساورها من شكوك لحظية بتأكيدها وهي تبتسم في بشاشةٍ:
- هو في زي بناتك، يا زين ما ربيتي، بس إنتي حرماني من طلتهم علي، وطول الوجت جاعدين لحالكم في الأوضة، كأنكم في سجن لا سمح الله.
تنفست الصعداء لكون العتاب يخص بقائهن بعيدًا عن محط الأنظار، فعللت لها أسبابها بتحرجٍ:
- مش عايزين نسببلكم إزعاج، وبعدين في ناس داخلة وخارجة عندكم طول اليوم، هيقولوا إيه لما يشوفونا رايحين جايين كده؟!
ردت حاسمة الأمر في الحال:
- وهما مالهم بيكم، إنتو مجامكم عالي إهنه.
نظرت إليها بعينين تلمع فيهما الدمع الخفيف، فقلما قابلت أناس على تلك الشاكلة الفريدة في كل شيء. خاطبتها وهي تبتسم:
- أنا لساني عاجز عن الشكر حقيقي.
لتوصيها "فاطمة" في ألفةٍ:
- خلي البِنتة يروحوا وياجوا على كيفهم في الجصر أو الجنينة، أو حتى يطلعوا الروف فوج، ده متوضب كيف جعدة ولاد الذوات، أني من وجت للتاني تلاجيني فيه، هواه بحري ويرد الروح، ويجدروا يشوفوا البلد كلاتها منه.
ردت عليها وهي تومئ برأسها موافقة:
- حاضر يا حاجة.
ربتت على كتفها قائلة في حبورٍ:
- يحضرلك الخير يا ست "عيشة".
***
انخفض جانب "إيمان" من الفراش عندما جلست شقيقتها الصغرى بجوارها، لتجدها لا تزال ممسكة بهاتفها المحمول ومحدقة فيه بعبوسٍ كبير. تفرست "دليلة" في وجهها بإمعانٍ، لتسألها بعدها بحيرةٍ واستغراب:
- مالك؟ وشك قالب ليه؟
تنهدت مليًا لتخبرها بعدها بانزعاجٍ لم تستطع إخفائه:
- بطلب الأستاذ "عادل" بقالي فترة تليفونه مش بيجمع خالص.
مازحتها ساخرة من عزوفه المريب عن الرد عليها:
- إداكي بلوك ولا إيه؟
في التو نفت عنه ذلك مبدية تحيزها لصفه:
- هو مش بتاع كده أصلًا!
غمزت لها بطرف عينيها متسائلة في مكرٍ:
- أومال إيه؟
تركت الهاتف من يدها، وكتفت ساعديها أمام صدرها لتقول في تحيرٍ:
- مش عارفة والله، بس بحاول أدور على مكان بديل نستقر فيه.
لحظتها التوى ثغر "دليلة" بابتسامةٍ هازئة وهي تحادثها:
- وهو احنا هنعرف نخرج من هنا أصلًا طول ما العمدة ده واقفلنا فيها.
للغرابة وجدت شقيقتها تدافع عنه في تحيزٍ:
- طب والله راجل جدع وشهم، ده محدش عمل معانا اللي عمله من يوم ما جينا هنا.
مؤخرًا، وعلى غير العادة، لم تكن "دليلة" واثقة من عواطفها تجاهه، فكلما تحدث أحدهم عنه، تنتابها تلك الحالة من التوتر والارتباك، وكأنه يحدث في داخلها شيء ما لم تألفه بعد، لذلك لجأت للمناص من التطرق إلى سيرته قائلة بتجهمٍ مصطنع:
- احنا مش هنقضيها كلام عنه.
ردت عليها "إيمان" وهي تستعد للنهوض من موضعها:
- ماشي يا ستي، تعالي نشوف هناكل إيه، وبالمرة نطلع نقعد في الرووف شوية.
استحسنت اقتراحها واقتضبت في ردها غير الممانع:
- طيب.
***
بعد وقت العصاري بقليل، اعتادت "دليلة" على الصعود والجلوس على الأرجوحة مع شقيقتها، وربما التمدد على الأريكة العريضة المريحة عند الزاوية، خاصة مع تشجيع "فاطمة" لهما للاستمتاع بأجواء سطح القصر الذي تحول لبقعة مثالية للاستجمام والاسترخاء وسط الطبيعة الخضراء التي تحد المكان من كل جانب دون أن يقتحم أحدهم خصوصية هذا الموضع المميز. لم تدرك أن "غيث" قد مكث بالأعلى فور أن عاد من سفرته الأخيرة، فقد كان بحاجة لتصفية ذهنه من كم الأفكار التي ازدحمت بها رأسه في الفترة الأخيرة، خاصة مع كونها متعلقة بها.
خفق قلبه بخفقة قوية عصفت بكيانه لما سمع صوتها يقترب، تلبك وتحير في كيفية التصرف حينما تكتشف وجوده. لم يطرأ ببالها مطلقًا أن تلتقيه هنا، فقد توقعت أن تطول مدة غيابه، لذا كانت على سجيتها في كل شيء، وتحديدًا وهي تسترسل شاكية:
- أقسم بالله اللبس ضاق عليا بعد أسبوع من القعدة هنا، كل حاجة بتتعمل بالسمنة البلدي...
رغمًا عنه تطلَّع إليها "غيث" متابعًا ما تقوم به في أريحية تامة، دون أن تعي بعد أنه يقف قبالتها، حيث أمسكت ببطنها المنتفخة نسبيًا مواصلة شكواها بغير انتباه، وهو بالكاد يمنع نفسه من الضحك على طريقتها الطريفة في وصف ما تمر به:
- ده أنا طلعلي كرش، وجناب، ولو فضلت على الحال ده هبقى شبه الكورة، وهتدحرجوني علشان أعرف أتحرك، ده إن ماتحشرتش في الباب.
هذه المرة لم يتمكن من كتم ضحكاته المتسلية، وهو يتخيلها مثلما تحدثت، فانفجر ضاحكًا في سعادة قبل أن يعتذر منها:
- مجصدش والله، بس إنتي دمك خفيف.
جمدتها مفاجأة وصدمة وجوده في مكانها، فحملقت فيه بعينين متسعتين، ليتوقف عن الضحك عندما لاحظ صمتها المريب مكررًا اعتذاره بشكل جدي:
- أني آسف لو ضايقتك.
صرعته تلك النظرة الفاتنة من عينيها إليه، فشعر بتلاحق خفقات قلبه، بل يكاد يقسم أنه على وشك القفز من موضعه في أي لحظة، لينتبه بعدها عندما خفض بصره لكونها ترتدي عباءة سوداء مفتوحة، تظهر من أسفلها منامتها ذات اللون النبيذي والمطعمة بأشكال ورود كبيرة الحجم، على حجاب غير معقود فوق رأسها، تداعب نسمات الهواء طرفيه، فيتحرك في تموجات خفيفة جاعلًا خصلات شعرها تبرز من تحته في جمال وبهاء. تلقائيًا ردد لسانه في إعجاب:
- اللهم صلِ على كامل النور.
تداركت نفسها، وضمَّت طرفي العباءة معًا لتغلقها، ثم أولته ظهرها لتضبط حجابها قائلة في تلبك، وقد غزا وجهها حمرة عجيبة:
- احم.. إنت جيت إزاي؟
فعل مثلها، وأبعد ناظريه عن جمالها الرباني الذي خطف لبه واحتل قلبه دون إنذار مسبق مجيبًا إياها:
- من الباب ده!
ألقت بطرف حجابها المتدلي على كتفها الآخر، واستدارت تسأله مرة ثانية:
- أقصد يعني جيت إمتى؟
تطلع إلى الخضرة الممتدة على مرمى بصره قائلًا:
- من شوية.
عضَّت على شفتها السفلى للحظة، وأخبرته:
- سوري يعني إن كنت قعدة في الروف بتاعك.
لحظتها استدار ناحيتها ليقول لها بصدق، وكأنه لا يستطيع السيطرة على نفسه بعدما اشتهى قربها بشوق:
- أني وكل ما أملك تحت أمرك.
جملته الأخيرة بعثرت حالها بشكل غير متوقع، وجعلتها في أوج ارتباكها، فقالت في تلعثم:
- شكرًا على ذوقك.
لتتبدد الأجواء اللطيفة بأخرى غائمة فور أن هرعت "أحلام" إلى السطح لتلتقط أذناها جملته الأخيرة، وتنكوي بنار الحقد والغيرة، سرعان ما بادرت بالهجوم على "دليلة"، قاصدة إحراجها بوقاحة وتبجح:
- واه، إيه قلة الحيا دي؟ إيه مافيش في وشك شوية احمر تختشي بيه؟
اندهشت من تواجدها، واستنكرت طريقتها المريبة في توجيه الحديث إليها صائحة بشيء من الضيق:
- إنتي بتتكلمي كده ليه؟
ليتدخل "غيث" هو الآخر في الحديث هادرًا بصوته الرجولي الخشن:
- فيه إيه يا بت عمي؟
لم تُشِح بعينيها المشتعلتين عن وجه "دليلة"، وهتفت في نبرة قاسية وموحية:
- فيه إني جاية أحط النقط فوق الحروف، وألزم كل حي بمجامه!
لتبدو نبرتها أكثر إيضاحًا واتهامًا عندما سألتها مباشرة:
- بتعملي إيه لوحدك مع واد عمي يا بت الـ.. بندر؟
على الفور فهمت "دليلة" المغزى الدنيء من وراء سؤالها الخبيث، وعجزت عن الرد عليها، لأن من يراهما ببساطة قد يسيء الظن إليهما، ويفسر الأمر بصورة غير صحيحة، ليتولى "غيث" الكلام من تلقاء نفسه بشكل هجومي منزعج:
- وإنتي مالك؟
هتفت في حُرقة، وقد انتفض ذلك العرق في وجهها:
- لأ مالي ونص وتلات أرباع، هي هنا ضيفة، ماتنساش نفسها.
لم تُطِق "دليلة" سماع المزيد من الإهانات الجارحة، فغادرت على الفور ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها، ليزداد غضب "غيث" من تصرفها غير المراعي، فرفع إصبعه في وجهها يحذرها:
- "أحلام"، لمي لسانك عاد.
قالت بسماجة مغيظة:
- أني بتكلم في الأصول لو كنت نسيتها يا واد عمي...
لتبدو أكثر وضاعة وهي تلقي بتهمها الباطلة:
- راجل وحرمة قاعدين لحالهم في الطل، لأ وقصاد الخلق، وهاتك يا ضحك وكركرة، يبقى اسمه إيه ده؟
هنا أخرسها بزمجرة قوية جعلت جسدها يرتج من طريقته المخيفة:
- ماتنطقيش بحرف زيادة....
حملقت في وجهه بتوجس مرتاع، خاصة عندما تقدم خطوة ناحيتها، لتصبح المسافة بينهما متقلصة للغاية، دلت ملامحه أنه لن يتسامح مطلقًا معها. رماها "غيث" بنظرة قاسية لم تَرَ مثيلتها من قبل، ليحادثها بعدها بصوت منخفض، لكنه بعث الرجفة في كامل أوصالها، بل وجعل قلبها يعتصر ألمًا وبقوة شديدة:
- دي هتبقى مراتي، وإني هتجوزها على سنة الله ورسوله.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم منال سالم
مرة ثانية تفقد هندامه وهيئته، فرفع يده نحو رابطة عنقه ليضبطها ويحكم عقدتها، قبل أن يخفض ذراعه قليلًا ليمررها على ياقتي قميصه، ثم عدّل من وضعية سترته الرمادية، ليلتفت بعدها ناظرًا نحو والدته التي أتت معه اليوم خصيصًا لهذا المطعم الفاخر من أجل مقابلة عروس المستقبل، حيث قام مديره المفضل بترشيحه للارتباط بإحدى معارفه التي تنتمي للعائلات الثرية، فلم يتردد، فحسبما ظن أنها وسيلة سريعة للارتقاء بوضعه على المستوى المادي والاجتماعي، بجانب توطيد العلاقات وتقويتها مع ذوي النفوذ والسلطة، ليرفع من شأنه ويحظى بكل ما رجاه يومًا.
بدت علامات القلق والارتباك ظاهرة بشكلٍ واضح على وجه "راغب"، لعق شفتيه الجافتين، وتساءل في صوتٍ متوتر:
-كده شكلي مظبوط؟
وارتفعت يده للأعلى ليسوي جانب شعره بعدما داعبت النسمات الرقيقة خصلاته الحليقة.
منحته "نجاح" نظرة رضا من عينيها قبل أن تخبره مؤكدة:
-أه يا حبيبي، مظبوط وعلى سِنجة عشرة.
سألها في نفس النبرة المتوترة:
-يعني هعجبها؟
قالت بصوتٍ واثق للغاية:
-ده إنت تعجب الباشا.
امتعضت ملامحه نسبيًا وهو يعلق:
-بس دي مستوى تاني خالص غير اللي احنا متعودين عليه.
دون أن يظهر عليها أدنى تغيير في قسمات وجهها أخبرته "نجاح" ببسمةٍ من العنجهية الممزوجة بالتأفف:
-وماله، إنت تستاهل بنت الباشا، مش الفقرية وش النحس اللي كنت متجوزها.
حينما تطرقت لسيرتها باح لها صراحة بمخاوفه:
-أهو أنا مقلق من الجزئية دي، لما تعرف إني كنت متجوز قبل كده.
ضحكت في مزيدٍ من الثقة قبل أن تقول:
-اطمن، أنا جاهزة بالرد.
سألها مستفهمًا باستغرابٍ حائر:
-هتقولي إيه يا ماما؟
رفعت حاجبها للأعلى، وحركته وهي تخبره في ثباتٍ يدعو للدهشة من قدرتها العجيبة على تزييف الحقائق، وخلق الأكاذيب:
-ما بتخلفش! وإنت صبرت وراعيت ربنا فيها، بس هي طلعت بنت ستين في سبعين جاحدة وناكرة للعيش والمعروف، ده غير لسانها اللي متبري منها، وإنت مكونتش عايز تظلمها، وهي اللي مصانتش العِشرة.
تهللت أساريره مرددًا في لمحةٍ من الإعجاب:
-ده إنتي عملالي فرشة حلوة.
ابتسمت في غرورٍ وهي تخاطبه:
-أومال، لازم تبقى مالي مركزك، وتتكلم بثقة.
كان على عكسها لا يزال قلقًا، متوجسًا من الأمر، لذا تنهد "راغب" متابعًا:
-المدير قايلي إن باباها من رجال الأعمال التقال، اللي بيلعبوا بالملايين، فخايف يرفض إكمني أقل من مستواها.
ردت عليه فيما يشبه التحفيز:
-هو حد طايل يجوز بنته لواحد محترم زيك، ماسك منصب كبير، والكل معتمد عليه.
قال موضحًا لها:
-دلوقت بيحسبوها بالفلوس، هتدفع كام وهتكسب كام.
كان ردها معدًا بشكلٍ مسبقٍ، فأعلمته:
-وماله لو صرفت في الأول، بكرة الملايين دول يبقوا في جيبك لما تتجوزها.
أومأ برأسه قائلًا:
-يا مسهل الحال.
لتغمره موجة أخرى من القلق عندما لمحها قادمة من على بعدٍ وبصحبة والدها، فانتفض قائمًا من موضع جلوسه وهو يقول:
-أهي جت أهي.
ربتت "نجاح" على ظهره تشجعه بعزمٍ:
-افرد ضهرك كده وخليك واثق في نفسك.
قال وهو يضع على شفتيه ابتسامةٍ منمقة:
-حاضر.
تقدمت نحوهما شابة يعكس مظهرها الخارجي منذ اللحظة الأولى مدى ثرائها وذوقها الرفيع في انتقاء ما ترتديه، وما تزين به وجهها، لم تضع سوى الماركات العالمية الشهيرة على جسدها، وكذلك في صبغ بشرتها بمساحيق التجميل، تلك التي تكلف آلاف الجنيهات للحصول على هيئة كتلك.
وقفت قبالتهما وهي متأنقة في ثوبٍ قصير يعلو ركبتيها بمسافة عدة سنتيمترات من اللون الأزرق، فيما عانق رقبتها عقدًا من الماس، ماثله قرطاها المتدليان من أذنيها، أما شعرها المصبوغ بدرجات اللون الأشقر فانطلق متحررًا على طول ظهرها.
ألقت "فادية" عليهما التحية مبتسمة في إباءٍ وكبر دون أن تمد يدها لمصافحتهما:
-هاي.
ابتسم لها "راغب" في ارتباكٍ، قبل أن ينتقل ببصره نحو والدها الذي وقف بدوره أمامه ليبادر على الفور بالترحيب به:
-ازي حضرتك يا "مدحت" بيه؟
رد الأخير بشيءٍ من الرسمية وهو يشير نحو ابنته:
-بخير، "فادية" بنتي، ما إنت عارفها.
بالطبع كان قد التقى بها عدة مرات أثناء إنجازه للمعاملات البنكية الخاصة بكبار العملاء المهمين، وأبدى إعجابه على الفور بمدى براعتها وذكائها في إدارة أعمال والدها بإتقانٍ، قال "راغب" فيما يشبه الغزل:
-وهل يخفى القمر؟
إلا أن "فادية" اعتبرت طريقة وصفه لجمالها موحية بانخفاض طبقته الاجتماعية، فما كان منها إلا أن عبست قليلًا بملامحها لتعبر عن انزعاجها من هذا الأسلوب الشعبي غير اللائق.
فيما تحدثت "نجاح" وهي تبتسم ابتسامة عريضة مبالغ فيها:
-ما شاء الله تبارك الله، هي فعلًا أحلى من القمر.
من طرف أنفها ترفعت في الرد عليها، فبدا متعجرفًا بعض الشيء عندما همهمت:
-ميرسي.
أشار لهما "مدحت" بالجلوس، فاستقر الجميع على مقاعدهم، ليبدو "راغب" أكثر توترًا عن ذي قبل، خاصة وضيفه قد استطرد مباشرة:
-قعدتنا النهاردة حاجة مش رسمية، مجرد تعارف عادي زي ما بيقولوا.
هز رأسه معقبًا وهو لا يزال على جلسته المتحفزة:
-أكيد.
قبل سابق أعلمه مديره برغبة عميله المميز في تزويج ابنته من شخصٍ موثوق فيه، ممن يجيد التعامل في سوق العمل المحفوف بالمخاطر، فتناقش مع والدته في هذه المسألة، ورسمت له الأخيرة الخطط والمخططات ليظهر في الصورة، لعل وعسى يحدث المراد، ويرتبط بمن تنقله نقلة نوعية في كل شيء يخص حياته.
تابع "مدحت" بجديةٍ يشوبها القليل من التحذير:
-ولو حصل القبول ما بينكم نقدر نكمل الخطوبة، بس لازم تبقى عارف إني محتاج أأمن مستقبل بنتي.
تبادل "راغب" نظرة سريعة مع والدته، وعقب باختصارٍ ينم عن شعوره بالقلق والريبة:
-طبعًا.
أضاف "مدحت" مؤكدًا بما جعل لعابه يسيل:
-أنا مش هبخل عليها بحاجة، ومش عايز منك حاجة، بس على الأقل أقدر أضمن حقوقها.
تدخلت "نجاح" من تلقاء نفسها لتتحدث إليه:
-اطمن يا "مدحت" بيه، ابني كلمته زي السيف، لا يمكن يرجع عنها أبدًا.
نظر ناحيتها مرددًا باقتضابٍ:
-هنشوف.
ليعاود التحديق في وجه ابنته مسترسلًا:
-أنا معنديش غير بنت واحدة، وماعمريش أجبرتها على حاجة، وخصوصًا في الخطوبة والجواز، شباب كتير اتمنوا يرتبطوا بيها، بس أنا ليا نظرتي في الناس.
موجة من الخوف غمرت "راغب" حينما شرد للحظاتٍ بذهنه يفكر في مقارنته بهؤلاء الأثرياء، إلا أن القليل من شعور الارتياح تسرب إليه عندما امتدحه بشكلٍ ملحوظ:
-واللي سمعته عنك من مديرك شجعني أشوفك.
استغل تلك النقطة ليقول في حماسٍ:
-وأنا بأكدلك يا فندم هعمل كل حاجة تخليك مطمن ناحيتي.
ابتسم "مدحت" بتكلفٍ، وقال وهو يدير رأسه نحو ابنته ليخاطبها:
-المهم رأي بنتي "فادية" فيك.
توجه "راغب" بناظريه ناحيتها، ليهتف في وديةٍ مصطنعة، وهذه الابتسامة السخيفة تتجسد على ثغره:
-إن شاء الله لما تعرفني أكتر هتطمن.
انعكست تعابير الجدية على وجه "مدحت" حينما قال في نبرة غامضة:
-أتمنى.
مشكلة غير معلومة حدثت في شحنة المستلزمات المكتبية التي تم الاتفاق عليها مع وكلائهم في دولة الصين، مما اضطره للسفر فجأة -وبغير ترتيبٍ- إلى هناك للوقوف على أساس الأزمة، لكنه أثناء ذلك فقد هاتفه المحمول، مما تعذر عليه التواصل معها، وبقي فقط الرقم الدولي الموضوع في هاتفه الآخر، والمدون عليه فقط أرقام عملاء الخارج بجانب عائلته، فصارت أيامه تمر ثقيلة، وببطءٍ، لكونه عاجز عن الوصول إليها أو معرفة آخر أخبارها.
بالكاد تمكن "عادل" من توفيق الأوضاع في فترة وجيزة، بعدما بذل كامل الجهد للتأكد من إرسال الشحنة مرة ثانية بلا عقبات، ليقوم بعدها بحجز تذكرة العودة إلى أرض الوطن.
ما إن أمسك بجواز سفره حتى حادث نفسه في عزمٍ:
-لازم أخد خطوة جادة معاها، مش هسيب الموضوع معلق كده تاني.
استمع إلى صوت المذياع الداخلي المنادي بضرورة التوجه إلى صالة الركوب الخاصة بطائرته تمهيدًا لاستقلالها.
جرجر "عادل" حقيبة سفره، وانطلق مسرعًا نحو وجهته، وكله إصرار على خلق فرصة جادة مع تلك التي اقتحمت قلبه.
اصطدمت في طريق هروبها من وصلة المهانة البشعة التي نالت من سمعتها بلا رأفة، بشقيقتها "إيمان"، فتفاجأت الأخيرة بها تبكي بشدة، وكأن شيئًا ما سيئًا قد حدث لها بعدما اتفقت معها على الجلوس بالأعلى، فسألتها في توجس عظيم وهي تتفرس وجهها بنظرتها القلقة:
- في إيه يا "دليلة"؟
جذبت الأخيرة شقيقتها من يدها، وسحبتها معها نحو الغرفة، لتتحدث إليها بغير تفسير:
- احنا لازم نمشي من هنا فورًا.
ساد الرعب على تقاسيمها بعدما وجدت منها إصرارًا عجيبًا على الذهاب، ولاحقتها بأسئلتها:
- حصل حاجة؟ ما توقعيش قلبي في رجليا؟
لم تخفِ عنها ما تعرضت له من إذلال جراء الموقف السخيف الذي وقع خلال تواجدها بمفردها مع "غيث" بسطح القصر، لتستوعب "إيمان" مدى جدية الوضع خاصة مع مرور العائلة بظروف حرجة تستدعي الابتعاد عن أي مشاكل في الوقت الراهن، لذا راحت تؤيدها في رغبتها:
- معاكي حق، احنا في الأول وفي الآخر ضيوف هنا، أكيد مش هنستنى لما نطرد.
توقفت "دليلة" عن البكاء المرير، وكفكفت دمعها، لتتساءل وهي بالكاد تحاول استعادة انتظام أنفاسها:
- هنقول لماما إيه علشان تقتنع؟
ردت عليها بحيرة مماثلة:
- هنفكر في حاجة.
استغرقت كلتاهما في نوبة من الصمت الاختياري لتقطعها "دليلة" بعد مضي بعض الوقت متشدقة بجدية:
- احنا مش المفروض لينا شقة كان "فارس" جيبهالنا؟
وكأن مصباح عقلها أضاء فجأة، فأخذت "إيمان" تقول في حماسة ظاهرة عليها:
- أيوه، اللي مع الجدع صاحبه، ده اللي اسمه "وهبة".
هزت "دليلة" رأسها معقبة:
- صح، احنا نكلمه وهو يدلنا على مكانها، ونستقر فيها.
تساءلت "إيمان" بتحير:
- بس هنكلمه فين؟ احنا معندناش رقمه.
عبست قسماتها قائلة في قدر من السخرية:
- نجيبه من الـ.. العمدة...
لتخفت نبرتها نسبيًا وهي تكمل جملتها بتشكك:
- ده إن وافق يدهولنا.
ما لبث أن غطى ملامح "إيمان" بعض القلق حينما هتفت بارتعاب:
- بس اللي ما يتسمى!!
كانت تقصد "زهير" بجملتها تلك، فتطلعت إليها "دليلة" بعينين ضيقتين لتخبرها:
- ماظنش إنه عارف سكتها، المهم نبعد عن هنا.
بدت لها الفكرة مقبولة جدًا، وقالت بتأييد واضح:
- ماشي، أنا هفاتح ماما، وإن شاء الله خير.
لحظتها فُتح الباب على مصراعيه لتلج "عيشة" إلى داخل الغرفة، وهي تتساءل في استغراب بعدما التقطت أذناها كلام ابنتها الأخير:
- تفاتحيني في إيه؟
بتفكيرها المحدود والسطحي، ظنت أنه قال كلماته الأخيرة فقط ليكيدها، ليحرِق كبدها، ويجعلها تغار وتلتاع أكثر وأكثر من جفاء معاملته معها فقط لأنها تدخلت في شئونه بشكل سافر، وهذا ما لا يحب مطلقًا.
تجاوزت "أحلام" مشاعر خوفها ورهبتها من "غيث"، ورفضت تركه يمضي في سبيله ليلحق بمن أهانت. اندفعت تسابقه في خطاه، واعترضت طريقه، بل إنها تجرأت لتمد يدها وتمسك به من ذراعه لتستوقفه متسائلة بصوت مغلول:
- رايح ترمح وراها؟
نظر إلى يدها الموضوعة عليها بعينين مشتعلتين كالجمرات، لو كانت النظرات تقتُل لأرداها قتيلة في الحال، نفض قبضتها كالمسلوع صائحًا في غلظة وخشونة:
- ملكيش صالح.
اهتز كلها مع نفضته القوية، ومع ذلك لم تبتعد عن مجاله، وسألته بقلب يئن من عذاب الحب الأحادي:
- اشمعنى هي يا واد عمي؟
بنفس الأسلوب المتجافي الصارم خاطبها:
- ما يخصكيش.
عاندته وصرخت في وجهه بحرقة:
- لأ يخصني، أني أولى بيك منها، ومش هسيب بت البندر تضحك عليك وتاكل بعقلك حلاوة؟
استنكر جملتها الأخيرة بشدة، وقطب جبينه هاتفًا في ازدراء:
- فكراني عيل إصغير إياك؟
سرعان ما لجأت للين والدلال وهي ترجوه:
- يا واد عمي اسمعني، أني ....
صمَّ أذنيه عن أي لغو تقوله، وأمرها في قوة مهددًا وقد تحفز في وقفته:
- بعدي عن طريجي أحسنلك.
سألته في نبرة متحدية، وهذه النظرة المليئة بالعناد والإصرار تصدح في حدقتيها:
- وإن ما بعدتش؟
جاء رده مهددًا:
- يبجى ما تلوميش إلا حالك!
خشيت من تفاقم الخلاف بينهما، لذا رغمًا عنها تنحت جانبًا لتفسح المجال له ليمر، إلا أنها لاحقته بنظراتها الحانقة حتى اختفى من أمامها، لتركل الأرض بقدمها في غيظ، قبل أن تحادث نفسها فيما يشبه الوعد:
- وأني مش هسيبك تروح مني، حتى لو طار فيها رِجاب!
غادرت بعدها السطح وهي تكبت غضبها المندلع بداخلها، لتقابلها زوجة عمها في الردهة، فاندهشت من ذهابها المفاجئ، نادت عليها لتستوقفها:
- مش بعوايدك تمشي بدري يا بتي؟
ادعت أنها مضطهدة، ومغلوبة على أمرها، فاشتكت إليها:
- أني ماليش مكان إهنه يا مَرَت عمي.
شهقت "فاطمة" مصدومة، وسألتها في توجس:
- ليه بتجولي إكده؟
حامت حول الحقيقة، وأخبرتها بما اعتادت على سماعه منها:
- "غيث" جاي عليا جوي، وأني عشجاه، سيباه يدوس على كرامتي لأجل عشجي ليه، بس كتير اللي بيعمله فيا.
ربتت على ظهرها تواسيها:
- اصبري يا بتي.
ردت عليها في التياع واضح:
- لميتي يا مَرَت عمي؟ لميتي؟ وأبوي حلفان ليجوزني؟
وصلها ذلك الخبر اليقين من زوجها، إلا أنها فضلت عدم التطرق إليه دون أن يكون حادثًا على أرض الواقع، فاكتفت بترديد:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
حينما لم تجد بدًا من بقائها، انصرفت وهي تجرجر أذيال خيبتها قائلة بوجوم حانق:
- فوتك بعافية.
شيعتها "فاطمة" بناظريها وهي تضرب كفها بالآخر، لتتحدث في خفوت آسف:
- عشج الجلوب مش بيدنا يا بتي!
الدقائق المعدودة التي فصلته عن اللحاق بها، جعلته يفشل في العثور عليها وإزالة سوء الفهم قبل أن يتطور الوضع للأسوأ، وهذا جلُّ ما كان يخشاه مع شخصية اندفاعية مثل "دليلة"، لن تسمح لأحدهم أبدًا بالعبث بمشاعرها أو الدعس عليها واتهامها ظلمًا وزورًا بما لم تقترفه، ولها كل الحق في ذلك، فامرأة حرة مثلها لن تقبل مطلقًا بالذل أو الهوان!
أدرك "غيث" أن الأمر لن يمر مرور الكرام، وسيكون هناك حتمًا نوعًا من التصعيد غير المرغوب فيه للأمور، لذا فكر مليًا في استباق حدوثها، ومفاتحة والده فيما يريده قبل أن يقدم فعليًا على تنفيذه، ليأخذ منه الإذن أولًا وليعطيه الأمر بالتحرك.
ضم "زكريا" كفيه معًا فوق رأس عكازه متسائلًا بلهجة هادئة، لكنها جادة:
- نويت يا ولدي خلاص؟
في نبرة ثابتة أخبره:
- إيوه يابوي.
لاح شبح ابتسامة باهتة على زاوية فم أبيه، قبل أن يعقب:
- كن أمك كانت حاسة بده من الأول إنك رايدها...
لتبدو نظرته دقيقة أكثر وهو يتم جملته:
- وجالتلي أستنى ولدك هينطج ويجولها جريب إنه عايز يتجوزها.
لم يبدُ متحرجًا من كشف أوراقه أمام والده، وقال في جدية صريحة:
- أني عارف إنه مش وجته، بس لازمًا علشان نجطعوا ألسنة إبليس، محدش ضامن ممكن يتجال إيه.
هز رأسه مرددًا:
- معاك حق يا ولدي، ما فيش أسهل من الخوض في الأعراض...
ليصمت لحظة، قبل أن يبدي دعمه له:
- على بركة الله.. اللي فيه الصالح أعمله، وأني في ضهرك.
استحسن "غيث" تأييده لما يبتغيه قائلًا في امتنان بعدما انحنى ممسكًا بكف أبيه ليقبله:
- تعيش يا بوي.
أظهر له أحدهم مقطعًا مرئيًا مسجلًا لقيام أحد أتباعه بافتعال ذلك الحريق المروع في مطعم خصمه الشهير، لتبتلع النيران كل شيء، ويتحول المكان إلى خراب وركام. ضحك "العِترة" ملء شدقيه، وبصوت مرتفع ينم عن سعادة عارمة، ليمتدح من أنجز هذا الأمر بفخر:
- أيوه كده، براوة عليه الواد ده، هي دي الأخبار ولا بلاش، خليها تخرب على دماغه...
لتتحول بعدئذ تعابيره المنفرجة إلى شيء آخر قاس ومخيف عندما أتم كلامه فيما يشبه الوعيد:
- ولسه لما يشرف جوا اللومان، هعمل معاه الصح كله.
سأله تابعه مستعلمًا:
- ناوي على إيه يا ريسنا؟
أجابه وقد غلفت ظلمة مخيفة كامل عينيه:
- همحي اسم "الهجامة" من على وجه البسيطة.
لم تعارض هذه المرة رغبة ابنتيها في الرحيل عن هذا المكان، وأعدت الحقائب معهما للذهاب فورًا.
نادت "عيشة" على الخادمة لتطلب منها مقابلة سيدة القصر، فأتت الأخيرة إليها وجلست معها بغرفة الصالون لتتفاجأ بعقدها العزم على المغادرة.
استنكرت ما أقدمت عليه حرفيًا بقولها المنزعج:
- معجولة اللي بتجوليه ده؟ تمشوا إكده كيف؟
وألقت نظرة على الحقيبة التي بحوزتهن، لتخاطبها "عيشة" في تصميمٍ غريب:
- كتر خيرك يا ست الحاجة، احنا تقلنا عليكم، وما يصحش نشغلكم بينا أكتر من كده، والحمد لله "دليلة" بقت أحسن، ونقدر نمشي.
اعترضت "فاطمة" عليها بضيقٍ:
- والله ما ينفع واصل.
ظلت على إصرارها قائلة:
- معلش، كل حاجة وليها نهاية، وإنتو معروفكم اللي عملتوه فوق راسنا، وعمرنا ما هننساه.
لتضيف عليها "دليلة" بنبرة ذات مغزى، وكأنه بذلك تسترد اعتبارها وتثأر لكرامتها الجريحة:
- وإن شاء الله بس الظروف تتحسن وهنردلكم كل اللي دفعتوه، احنا ما بناكلش حق حد.
استهجنت للغاية ما باحت به، وعاتبتها في حزنٍ:
- إيه الحديت ده يا بتي؟
فضلت "عيشة" عدم الخوض في المزيد من التفاصيل، لتقول في أدبٍ:
- هنستأذنك يا ست الحاجة، يدوب الوقت أزف علشان نمشي.
تكلمت "إيمان" مخاطبة شقيقتها:
- احنا محتاجين نشوف مواصلة تودينا محطة القطر.
مالت عليها "دليلة" لتخبرها:
- هنشوف أي حاجة أول ما نخرج بس من هنا.
نهضت "فاطمة" قائمة من موضعها لتعلق في استياءٍ عارم:
- أني ماليش حديت في الموضوع ده، لازمًا "غيث" ولدي اللي يجول.
وتركت ثلاثتهن في الصالون لتسرع باحثة عن ابنها، فيما هتفت "دليلة" متحدثة في لهفةٍ، وهي تلقي بنظرة عابرة حولها:
- بينا يا ماما قبل ما تجيبلنا الغضنفر بتاعها يحوشنا.
هزت رأسها مرددة:
- طيب.
......................................
بعد إرهاقٍ طويل، وعمل دؤوب ومتواصل ليل نهار، بجانب شعوره بالانزعاج مما تعرضت له شاغلة العقل والفؤاد، بدا "غيث" متعبًا في نهاية يومه، ويحتاج إلى الراحة.
جلس في غرفته، مستلقيًا على فراشه، يداعب وسادته التي كانت أكثر حظًا منه لتنال شرف احتضانها.
فكرة أن تتواجد بغرفته، بل وتتمرغ في سريره بأريحية كانت مشوقة للغاية، تنهد بعمقٍ متحسسًا ذلك الخافق الذي اضطربت دقاته بمجرد الإتيان على سيرتها.
لم يكن ليصدق أبدًا أنه سيقع ضحية لذاك الحب الذي يخطف القلب من أول نظرة، وها هو اليوم يحدق في سقف غرفته بشرودٍ، وطيفها الآسر يستحوذ على مخيلته.
غرق في نوبة من أفكاره الحائرة باحثًا عن الطريقة الملائمة التي يطرح بها عليها مسألة ارتباطه بها، كاد النوم يتسلل إلى جفنيه لولا أن اقتحمت عليه والدته الغرفة منادية في جزعٍ:
- يا ولدي..
انتفض من رقدته متسائلًا في قلقٍ:
- في إيه يامه؟
أخبرته بأنفاس لاهثة:
- إلحق يا "غيث"، الجماعة عايزين يفتونا السعادي.
قفز عن الفراش متسائلًا وهو يسحب جلبابه المتروك على المشجب:
- جماعة مين؟
قالت بنبرة حزينة وهي تشير بيدها:
- الست "عيشة" وبناتها.
دق قلبه خوفًا من فكرة رحيلها، كيف يمكن أن يسمح لها بالابتعاد عنه هكذا ببساطةٍ بعدما سرقت روحه؟ في التو ارتدى جلبابه صائحًا بتجهمٍ:
- إيه الحديت الماسخ ده؟
وانطلق مسرعًا خارج غرفته يريد منعها من الذهاب قبل فوات الأوان.
..................................
أمام البوابة الحديدية للقصر، ظل الخفير على موقفه رافضًا الاستجابة لثلاثتهن، والسماح لهن بالمغادرة رغم إلحاحهن المهذب عليه، عناده كان عجيبًا ومغيظًا، مما أفقد "دليلة" أعصابها، فصاحت فيه بانفعالٍ طفيف:
- افتح الباب احنا مش في سجن هنا؟
رد عليها ببرودٍ وهو يحكم قبضته على بندقيته:
- معنديش أوامر من البيه الكبير.
صاحت فيه بغضبٍ متصاعد:
- كلام البيه بتاعك يمشي عليك مش علينا.
أمسكت بها "عيشة" من ذراعها، وجذبتها نحوها قائلة بشيءٍ من التحذير:
- بالراحة يا "دليلة".
ردت عليها في غير صبرٍ:
- يا ماما ده ما بيفهمش.
بادرت "عيشة" بالحديث مع الغفير، فخاطبته في لهجةٍ لينة:
- بص يا ابني احنا ضيافتنا خلصت في القصر ده، وعايزين نروح لحالنا، افتح الله لا يسيئك، وبعدين الست "أم غيث" عندها خبر.
ظل معاندًا، ورافضًا الانصياع بقوله المنزعج:
- يا حاجة ما تجلبيليش مع البيه بتاعنا، زعله واعر جوي.
استفزها أسلوبه السخيف في إبقائهن على غير رغبة منهن، فصاحت "دليلة" في حدةٍ:
- على نفسه مش علينا!
لتبدو شبه مغتاظة وهي تبرطم بغير حذرٍ منها:
- أل هيخوفني بالعمدة "غيث" بتاعه!
على الرغم من السخرية الظاهرة في نبرتها بوصفها المعتاد لشخصه، إلا أن تلفظها باسمه للمرة الأولى جعل داخله ينتشي، ونفسه تبتهج، يا ليتها تناديه دومًا هكذا! لكنه أخفى ببراعة ما أنعش روحه، ووضع على وجهه قناع الجدية، ليخاطب "عيشة" تحديدًا متجنبًا النظر نحو من تحدث العواصف في نفسه:
- خير يا حاجة؟ حصل مننا حاجة تزعل لا سمح الله؟
ومع ذلك تعمدت "دليلة" الرد عليه كبديلٍ عنها، فاستطردت في عصبيةٍ:
- لو سمحت قول للغفير بتاعك يفتح الباب خلينا نمشي.
حول بصره نحوها مدعيًا الجهل وهو يسألها:
- حد داسلكم على طرف؟
رأى كيف ظهر الضيق على تقاسيم وجهها، ففهم أن لسان "أحلام" السليط جرحها بقسوة، فأقسم بداخله على حسابها، ليستدير محدقًا في وجه "عيشة" عندما كلمته:
- لأ يا ابني، ده إنتو أهل كرم وولاد أصول متأصلين، بس خلاص الحكاية بوخت.
لتضيف "دليلة" بكلماتها المنتقاة، وكأنها تلومه:
- والله يا ماما احنا مش مجبورين نقعد في مكان احنا ضيوف فيه.
لم يرغب في أن يكون أكثر تعنتًا معها، خاصة وهو يعلم جيدًا مدى الاستياء الذي تشعر به جراء صدامها مع ابنة عمه، فأبدى اعتذاره المفهوم لها دون مقدماتٍ:
- حقك على راسي لو حد ضايقك بكلمة يا ست البنات.
تفاجأت مما قال، لم تتوقع هذه البادرة أبدًا منه، فرمشت بعينيها، وتلبكت، فظهرت وكأنها غير قادرة على الرد عليه، لتتحدث "عيشة" مجددًا موضحة له:
- مش هينفع نستنى أكتر من كده هنا، وبعدين احنا راجعين عند صاحب "فارس" الله يرحمه يعرفنا مكان بيته.
التفت ناظرًا ناحيتها ليسألها في إنكارٍ:
- في أنصاص الليالي؟
اعترضت عليه "دليلة" بتعجبٍ:
- ده احنا لسه العشا.
جاء رده كنوعٍ من الممازحة:
- طالما الشمش غربت يبجى نص الليل.
كتفت ساعديها أمام صدرها، وسألته بنبرة متحفزة، ونظرة التحدي تطل من حدقتيها:
- لا والله؟ ده في عُرف مين بالظبط؟
لم يقاوم تلك البسمة الخفيفة التي استقرت على زاوية فمه وهو يناغشها:
- في عرفنا يا ست البنات!
إلا أن شيء ما غير موضوع في الحسبان قد طرأ فجأة، حيث دوت أصوات طلقات النيران في الأرجاء، فأثارت الفزع والذعر في النفوس، لتصرخ "إيمان" في خوفٍ غريزي:
- إيه الصوت ده؟
صاح فيهن "غيث" بلهجته الصارمة:
- بعدوا عن البوابة.
جاء إليه "زكريا" على وجه السرعة متسائلًا في وجلٍ هو الآخر:
- في إيه يا ولدي؟
التفت تجاهه ليخاطبه:
- ماخبرش يا بوي.
دار "زكريا" ببصره على الثلاثة نساء متعجبًا من تواجدهن بجوار بوابة القصر، فتساءل:
- الجماعة واجفين إهنه ليه؟
كانت "عيشة" على وشك التبرير له، إلا أن الخفير "بدوي" هرول ركضًا وهو يستغيث بما لا يبشر بأي خير:
- إلحق يا بيه، بيجولوا ولاد الليل جطعوا الطريق الجَبلي، وحالفين ليحطوا على البلد واللي فيها.
كان الأمر واضحًا، عودة هؤلاء الملاعين إلى هنا من أجل تصفية الحسابات السابقة نتيجة إبلاغ السلطات الأمنية عن نشاطهم الإجرامي. في التو أصدر "غيث" أمره غير المردود بصرامةٍ وشدة:
- جهز الرجالة أوام، مش هتجوملهم جومة السعادي.
تشبثت "إيمان" بذراع شقيقتها متسائلة في هلعٍ:
- احنا هنعمل إيه "دليلة"؟ هنمشي إزاي من هنا؟
نظرت ناحيتها ترد في تهكمٍ:
- يعني هي الحرب كان لازم تقوم دلوقت؟ أكيد مش هنخرج يعني.
ليصيح "زكريا" فيهن بصوته الأجش:
- خشوا جوا الجصر يا جماعة، الوجفة إهنه خطرة دلوجيت.
كانت "إيمان" أول من ركضت عائدة إلى الداخل وهي تحمل حقيبة الثياب، لتلحق بها "عيشة" داعية الله أن تمر تلك الليلة العصيبة على خير، بينما اعترض "غيث" طريق "دليلة" قبل أن تتمكن من المناص منه، انتابتها رعدة موترة سرت في كل جسدها، لينظر مباشرة في عينيها قائلًا بنبرة عنت الكثير:
- لسه الحديت بيناتنا مخلصش، أدعيلي أرجع بالسلامة ....................................... !!!
رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم منال سالم
الفصل السادس والأربعون
تلك النظرة القوية المفعمة بشيءٍ لم تتبين ماهيته بعد، والتي أرسلها إليها من عينيه الثاقبتين، جعلتها تشعر وكأنها محاصرة تمامًا من قِبَله، لا تجرؤ على معارضته، أو حتى الهروب من محيطه، وكأن مقاومتها تهتز مع وجوده الملبك لكيانها.
ابتلعت "دليلة" ريقها، وهمست في صوتٍ خرج مهتزًا، رغم محاولتها عدم التخلي عن تحفظها معه:
- ربنا يبعد عنك أي شر.
كلمات بسيطة، عفوية، نابعة بصدقٍ منها، نطقت بها لتودعه قبل مغادرته كانت كفيلة بمد "غيث" بطاقة هائلة للانطلاق بشجاعةٍ وإقدام لدحر هؤلاء الفارين من الجبل مهما كانت قوتهم، متسلحًا أولًا بيقينه بالمولى عز وجل في تيسير أمره، ثم برغبته الشديدة في نيل وصالها.
لا تعلم لماذا انقبض قلبها بقوة فجأة، بل إنها ارتعبت من التفكير في احتمالية إصابته وتعرضه للخطر، تخبطت في أفكارها، هل بسبب شعورها بالذنب وتأنيب الضمير جراء ما أصاب ابن عمها، فتخشى أن تكون نهاية "غيث" مثله مأساوية؟ أم أنها لاحظت أنه الوحيد الذي تعامل مع عصبيتها وهياجها بهدوء؟ حيث كان يتقبل ما يصدر عنها دون تعنيف أو قسوة، يُعاتبها بلين الكلام، ويحول الأمر إلى مزاح لطيف فيجبرها على الابتسام ونسيان ما كان يثير أعصابها، حقًا كان مختلفًا عن البقية.
لقد أحست للمرة الأولى بالخوف عليه، فخسارة أخرى لشخصية متفردة مثله، تحمل سمات الشهامة والرجولة لن تحتمل أو تعوض، خاصة بين أحبائه، وهم كُثر.
كانت مرتبكة، شاردة الذهن، فهي لم تعتد على معايشة تلك الأحاسيس الغريبة بعد.
انتشلها من دوامة سرحانها الفجائية في محاولة إيجاد التفسير لما تمر به صوت "فاطمة" المتسائل:
- إنتي بخير يا بتي؟
على ما يبدو كانت تناديها لأكثر من مرة لتطلب منها الدخول إلى القصر والاحتماء بين جدرانه، فلم تنتبه لها، هزت رأسها قائلة وقد دنت منها:
- أيوه..
ثم استجمعت نفسها، وتشجعت لتسألها بعدما وجدتها توصد الباب بالمفتاح والأقفال:
- هما هيقدروا على الناس دي؟
ابتسمت وهي تجاوبها بهدوءٍ واثق:
- إنتي لسه ماتعرفيش ولدي صُح، اللي يخل باتفاج معاه، يبقى نهايته الجَبر.
جملتها كانت مريبة، مليئة بالتهديدات الخفية، فسألتها:
- وأنا المفروض كده أطمن ولا أخاف؟
ربتت على كتفها بترفقٍ، وحادثتها باسترسالٍ دون أن تفتر ابتسامتها الودودة:
- يا بتي ولدي راجل من ضهر راجل، يحامي للضعيف، ويجف ضد الجوي، طالما في الحق، وولاد الليل دول ولاد حـــرام، ياما طلعوا على أهل البلد الغلابة ينهبوا رزق عيالهم ومالهم، وهو وجف مع الحكومة وساعدهم يجبضوا على كبيرهم، تلاقيهم جايين ياخدوا بتارهم، بس إن شاء الله ربنا هينصره من تاني عليهم.
كانت تقدم لها وصفًا مستفيضًا لشخصيته التي استحوذت على اهتمامها، فتشجعت لتسألها في قلقٍ:
- إنتي مش خايفة عليه لأحسن لا قدر الله آ...؟!
قاطعتها قبل أن تتم كلامها قائلة بصرامةٍ رغم رنة الهدوء السائدة في صوتها:
- ما تنطجيهاش، الأعمار بيد الله، ومحدش عارف ميتى ميعاده هيجي، المهم حسن الختام.
أحنت رأسها قليلًا وتمتمت:
- ربنا يستر...
ثم خفضت من نبرتها قدر المستطاع، كأنما تحادث نفسها وهي تتم دعائها المتضرع:
- ويحفظه.
.................................
لم يكن ذلك السيناريو الذي توقع حدثه فور عودته إلى أرض الوطن، فقد كانت هناك مخططات أخرى يرجو الشروع في إتمامها، ليجد نفسه مشغولًا بتفقد حالة والده الحرجة، حيث عانى من تبعات انحباس البول في جسده لفترة طويلة، مما أدى لتدهور وضعه الصحي، واحتجازه بغرفة الرعاية الحرجة، ريثما يسترد عافيته.
بكت "سميحة" فور أن رأت ابنها مقبلًا عليها، وألقت برأسها على كتفه تشتكي في حزنٍ وحسرة:
- أبوك هيروح مني يا "عادل".
كان لا يزال على صدمته الموجعة، فاحتضنها وهو يشعر بالأسى مما سمع من أخبارٍ لا تبشر بخير، ومع ذلك حاول أن يطمئنها قائلًا:
- إن شاء الله هيبقى كويس...
ليتراجع عنها ناظرًا إليها، ومتسائلًا في جديةٍ:
- بس إزاي مقالش إنه تعبان؟
كفكفت دمعها وهي تخبره:
- إنت عارف إنه عنيد، ومابيحبش يقول إنه تعبان أبدًا.
رد عليها معترضًا على تبريرها:
- أيوه، بس في الآخر وصلنا لإيه؟
تنهدت قائلة في قلة حيلة:
- اللي حصل يا ابني.
لم يقف عند تلك النقطة كثيرًا، وتابع:
- خلينا دلوقتي في المهم، أنا هدور على الدكتور وأسأله عن آخر أخبار حالته.
أومأت برأسها موافقة، وقالت:
- ماشي، وأنا قاعدة مستنياك هنا.
مستخدمًا يده في الإشارة نحو أحد المقاعد المعدنية خاطب "عادل" والدته:
- ارتاحي يا ماما، وأنا راجعلك تاني.
ردت عليه وهي تتجه إلى حيث أشار:
- طيب.
ليسير بعدها متجهًا نحو المصعد ليبحث عن الطبيب المسئول عن مراقبة تطور وضعه الصحي ليستعلم منه عن المزيد.
...............................
ما ضير أن تتواجد قربه رغم جفائه لها؟ ألا تعرف ذلك المثل الشعبي الدارج بأن (الزن على الودان أمر من السحر)؟ وأيضًا (وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابًا)؟ إذًا ما الخطأ في إصرارها ومثابرتها لتحقيق ما تريد؟ هكذا أقنعت "أحلام" نفسها – وكذلك والدها- بضرورة الذهاب إلى قصر عمها للمكوث فيه بأمانٍ وسلام مع بقية نساء العائلة، حتى تنتهي الحملة الأمنية المكبرة التي تستهدف الخارجين عن القانون ممن أحاطوا بالبلدة، فإن عاد "غيث" وجدها في استقباله، تظهر لهفتها إليه، وتشعره بالذنب لتجاهله حبها الظاهر كالشمس في كبد السماء، بدا تفكيرها سطحيًا، محدودًا، ومقتصرًا على ما تفكر فيه فقط، لا تضع في حسبانها رغبات الطرف الآخر، ولا حتى مقدرته على مبادلتها المشاعر الحسية النبيلة!
والأهم من ذلك طمعت "أحلام" في أن تستغل فرصة غياب ابن عمها لتستفرد بمن تشكل تهديدًا عليها، فتمعن في إهانتها كيفما تشاء، لتدفعها للمغادرة فورًا.
استقبلتها "فاطمة" بوديةٍ وترحاب، فطلبت منها الجلوس مع ضيفاتها بالصالون، إلا أن تعليقها جاء سخيفًا ومحرجًا عندما التقن بهن:
- كيف أجعد يا مَرَت عمي، واحنا بقينا ضيوف في مَطرحنا؟
في التو عاتبتها "فاطمة" للغوها المسيء:
- عيب الكلام ده يا بتي!!
تحفزت "دليلة" في جلستها، وانزعجت للغاية من وقاحتها الواضحة، ولاذت بالصمت مرغمة، إلا أن "أحلام" لم ترتدع، وواصلت الهجوم العدائي نحوهن، فقالت بغير اكتراثٍ متعمدة الاستمرار في جرح مشاعرهن وكبريائهن:
- العيب إن ناس لا ليها أصل ولا فصل يتعملهم اعتبار عننا!
لم تتحمل "عيشة" بشاعة ما تقوم به من تلميحات فجة تطالها مع ابنتيها بلا داعٍ، فأمرتهما بحزمٍ:
- تعالوا يا بنات، هنطلع فوق...
استجابت الاثنتان لها دون نقاشٍ، فأضافت مخاطبة "فاطمة" في هدوءٍ حاسم:
- خدي راحتك في بيتك يا حاجة، وأعذرينا على طول وجودنا هنا، احنا خلاص هنمشي وقت ما أهل المكان يوصلوا.
احتجت عليها بوجومٍ:
- والله ما يَحصل عاد.
لكن "عيشة" تشبثت أكثر برأيها، وفضلت تجنب النقاش معها في أمر مفروغ منه، فقالت في أدبٍ:
- عن إذنك.
لتنصرف بعدها من غرفة الصالون ونظرات الاستياء مسيطرة على ثلاثتهن، فهتفت "فاطمة" في ضيقٍ وهي تشيعهن بنظرتها الآسفة:
- إكده بردك يا بتي؟
رفعت أنفها للأعلى، وصاحت عاليًا بوضاعةٍ، لعل صوتها المرتفع يصل إلى مسامعهن:
- دول جِبلات، إياكش يحسوا على دمهم، ويغوروا من إهنه!
جذبتها "فاطمة" من ذراعها بقوةٍ، ووبختها في حدةٍ:
- مايصحش، من مِيتى واحنا قلالات الأصل مع أهلنا؟
اندفع لسانها يهين بفجاجةٍ غير مسبوقة:
- دول مش ناسنا، ولا يجربولنا بحاجة يا مَرَت عمي، إنتو بس اللي عملتوا للجِلة جيمة وسعر.
ردت بتعبيرٍ مستاء:
- لا يا بتي، إنتي غلطانة، وأني عاتبة عليكي.
ساد تعبيرات وجهها ظلمة نابعة من نفسها اللئيمة وهي تخبرها:
- إنتي اللي جلبك طيب يا مَرَت عمي، بس أني غير، واعية لمكر الشيطان اللي جواهم.
كانت تقصد بكلماتها الأخيرة "دليلة" على وجه الخصوص، وقبل أن تقول زوجة عمها شيئًا متحيزًا لهن، عَمدت إلى تغيير الموضوع بإرعابها:
- ربنا يستر على واد عمي ورجالتنا من ولاد الحـــرام، بيجولوا طايحين في المكان.
غريزيًا انتفضت مشاعرها الأمومية تجاه ابنها بمجرد أن تطرقت إلى سيرته، وراحت تدعو المولى برجاءٍ كبير:
- عديها على خير يا رب.
ادعت لهفتها عليه، فرفعت كفيها للأعلى قائلة بلوعةٍ مبالغ فيها:
- يا رب آمــــــين!
أخفت "أحلام" ابتسامة خبيثة لاحت على زاوية فمها كنوعٍ من إبداء إعجابها بنفسها الماكرة القادرة على خداع صاحبة القلب الطيب والنية الصافية.
........................................
باستخدام المعلومات التي جمعتها القوات الأمنية، وبالتعاون مع كبار أهل البلدة، تمكن الجميع من نصب فخٍ محكم للإيقاع بالشرذمة المتبقية من هؤلاء المجرمين المختبئين في الجبال والوديان واستدراجهم نحو البلدة لإلقاء القبض عليهم.
وقف "غيث" مع رجال الشرطة يتلقى التعليمات اللازمة لضمان سلامة المشاركين في هذه الحملة المكبرة للإطاحة بفطاحل الإجرام، ليبدأ بعدها الالتحام والمواجهة المباشرة معهم. لم يكن الوضع هينًا، دوى صوت طلقات البنادق والأسلحة الآلية عاليًا، فأفزع الطير والدواب، وكذلك البشر. لم يكن عدد أولئك الأشرار قليلًا، حيث جاءوا بالعدة والعتاد متسلحين للقيام بهجوم ضارٍ وكاسح، ليذيع صيتهم، ويفرضوا سطوتهم، بجانب بث الرعب في النفوس، إلا أن شجاعة الرجال وقفت كالسد المنيع أمام أطماعهم الدنيئة، فأطاحوا بهم، فتشتت جمعهم، وتفرقوا ما بين قتيل وجريح، وقلة معدودة فرت عائدة إلى الجبل لتختبئ به.
أثنى قائد الحملة الأمنية على مجهودات "غيث" في مده بالكثير من المعلومات، خاصة خلال سفرته الأخيرة، فقد كان ينتقل في محيط الجبل بحجة متابعة أعماله، إلا أنه كان يتربص بهؤلاء الأوغاد ويتجسس على أتباعهم، ويستدرجهم بدهاء لنيل أي معلومة عابرة، بل ونقل أيضًا معلومات خاطئة تفيد في خطة إيقاعهم.
ربت "زكريا" على كتف ابنه مادحًا ما قام به:
- تطول عمرك راجل يا ولدي.
ابتسم "غيث" في سرور، وعلق رافعًا بصره للسماء:
- كله بفضل الله وكرمه يابوي.
لاحظ "زكريا" خط الدم النازف بطول مرفقه، فأمره بشيء من القلق:
- نظف جرحك ده.
نظر إلى تلك الإصابة التي تعرض لها أثناء اشتباكه بالعصا مع أحد أولئك المجرمين، وقال باسمًا بغير مبالاة، وكأنه لا يشعر بالألم مطلقًا:
- ماتخافش يا بوي، ده خربوش إصغير، مش حاجة واعرة.
ليتدخل "راشد" في حوارهما قائلًا بعدما فرغ من الحديث إلى القيادات الأمنية:
- أني بعت "أحلام" على الجصر، خوفت تجعد لحالها.
استحسن شقيقه تصرفه قائلًا:
- خير ما عملت.
على النقيض بدا "غيث" منزعجًا فور أن علم بتواجدها هناك، حتمًا لن تمرر الأمر على خير، وستلجأ إلى تكدير صفو من يهتم لشأنها، لتعزز من رغبتها في الرحيل، وهو لم يقم بعد بأي خطوة رسمية، لذا قال بتعجل وهو يشير نحو سيارته المرابطة في الخلفية:
- خلونا نرجعوا ونطمنوا الجماعة، لتلاجيهم جلجانين.
رد عليه والده وهو يهم بالتحرك:
- معاك حق.
تسارعت خطوات "غيث" نحو السيارة، فكل دقيقة تمضي بعيدًا عن "دليلة" تعني خسارته لها.
........................................
قوة المال منحته القليل من الحصانة أثناء فترة حبسه احتياطيًا، لكنها ليست كفيلة لحمايته طوال الوقت، فكان من الطبيعي أن يفكر في وسائل بديلة لتخليص نفسه. أنهى "زهير" علبة سجائره الثانية وهو يتطلع إلى النافذة الحديدية العالية الموجودة في عنبر احتجازه بالسجن، قبل أن يدير رأسه نحو تابعه المخلص ليهمس له بعدما جلس على مقربة منه على فراشه القاسي والخشن:
- أنا مش ضامن عمري هنا.
تساءل "عباس" بصوت خافت وهو يحك جبينه:
- ناوي على إيه يا ريسنا؟
أجابه بغير توضيح، وهذه اللمعة الغريبة تنضح من عينيه:
- مظبط حاجة كده في دماغي تطلعني من هنا.
لم يعبأ تابعه بتفسير مقصده، فهو سيكون شريكه على أي حال فيما يقوم به، لذلك أبدى طاعته العمياء له بقوله المؤكد:
- وماله، اللي تؤمر بيه هيتعمل على طول.
رد عليه وهو يستند بظهره على عارضة سريره المعدني الباردة:
- أمن إنت بس ضهري لحد ما يجي وقت التنفيذ.
نهض من جواره قائلًا بعزم:
- ماشي يا كبيرنا.
........................................
لم يهمها يومًا شعور الآخرين، المهم أن تحظى باهتمامه هو وفقط، لكن ذلك بدا مستحيلًا مع تجافيه المتواصل. ظنت "أحلام" عندما يعود "غيث" من الخارج سيفرح باستقبالها له، اتجهت إليه وهي تطلق زغرودة مبتهجة لرؤياه سالمًا، قبل أن تهلل فرحًا:
- بركة إنك بخير يا واد عمي.
لم يزيف حقيقة مشاعره نحوها، حيث زجرها هادرًا بجمود صريح:
- باه، إيه اللي عتعمليه ده؟
تجاهلت ما رأته من جفاء وبرود، وقالت في لهفة مزعجة:
- فرحانة برجوعك سالم غانم يا كبير الكل.
رماها بنظرة مزدرية قبل أن يدير وجهه نحو والدته التي أقبلت عليه لتحتضنه، وتقبله من أعلى كتفه وهي تقول في سعادة عامرة:
- حمد لله على السلامة يا ولدي.
قبل أعلى رأسها، قائلًا في امتنان وقد لانت نبرته وأصبحت ودية:
- الله يسلمك يامه.
نظرت إليه ملء عينيها، وأخبرته:
- الواحد لازمًا يطلعوا حاجة لله فدا رجوعك لينا يا غالي بألف خير.
أومأ برأسه مؤيدًا اقتراحها:
- هنعملوا إكده...
لتدور عيناه بشيء من اللهفة والشوق باحثة عنها تحديدًا، جاهد ليخفي تعابيره المتعطشة لرؤياها متسائلًا:
- أومال فين الجماعة؟
التقطت أذناه تعليق "أحلام" الوقح:
- إلهي يروحوا في الوبا.
لحظتها استدار نحو عمه ليخاطبه بملامح جامدة كالصخر:
- إنت تعبت معانا يا عمي النهاردة، خد بت عمي وارجعوا داركم ترتاحوا فيها.
هز "راشد" رأسه قائلًا بنبرة مرهقة:
- إمعاك حق يا "غيث"، بينا يا "أحلام".
إلا أنها اعترضت عليه قائلة في عناد:
- مش جبل ما أطمنوا على واد عمي.
نظر إليها شزرًا وهو يرد بملامح قاسية:
- ما أني واجف أهوو كيف الجبل جصادك.
سرعان ما استنفرت حواسه، وساد كيانه اضطرابًا عظيمًا عندما سمع "عيشة" تقول بنبرة من يقرر لا من يخير وهي تتجه صوبه:
- احنا جاهزين نمشي، الحمد لله إن الكل بخير.
قفزت نظرته تلقائيًا نحو "دليلة" التي كانت تقف خلف والدتها، كأنما تحتمي بها، لم يتبين ماهية ملامحها، فقال في شيء من التصميم المحتج:
- اتكلم يا بوي، جول حاجة.
لحظتها وجه "زكريا" كلامه إلى "عيشة" مبديًا اعتراضه على مغادرتها بهذا الشكل المريب:
- مايصحش اللي عتجوليه ده يا حاجة.
أصرت على ذهابها مع ابنتيها قائلة بملامح تأرجحت بين الجدية والحزن:
- معلش، وجودنا طول وبقى بايخ، واحنا لينا رب اسمه الكريم، مش هينسانا أكيد...
لتشعر بتلك الغصة المريرة تجتاح حلقها وهي تكمل بنبرة جاهدت ألا تظهر فيها ضيقها من الإساءة التي تعرضت لها قبل برهة:
- إنتو كتر خيركم على كل حاجة طيبة عملتوها معانا، احنا مش هننسى معروفكم ده أبدًا، ولو ربنا قدرنا في يوم هنرده.
استغرب "زكريا" للغاية من هذا الأسلوب غير المألوف الذي تتحدث به، وعاتبها:
- عيب الكلام ده يا حاجة.
لم يترك "غيث" الأمر معلقًا ما بين الإقناع والرفض، فقال في نبرة حاسمة:
- بعد إذنك يا بوي، أني هتكلم مع الحاجة في اللي جولتلك عليه جبل سابق.
فهم تلميحه المتواري، وأيده مومئًا برأسه:
- وماله يا ولدي.
فيما تساءلت "عيشة" في تعجب وحيرة:
- حاجة إيه دي؟
أشار إليها "غيث" لتسير معه نحو غرفة الصالون قائلًا:
- اتفضلي من إهنه.
تبعته مرغمة لتفك طلاسم ذلك السر الذي يأبى الكشف عنه إلا بالحديث معها منفردًا، في حين ظلت "أحلام" باقية بحجة مساعدة زوجة عمها في إعداد الطعام لعمها والبقية لكونها متعبة، مستغلة فرصة تواجدها لتحاول بشتى الطرق معرفة نواياه التي يطمح بإصرار على تحقيقها.
................................
رتب أفكاره في رأسه أولًا، قبل أن يطلق العنان للسانه ليعلمها بما يريد، فأصغت "عيشة" إلى كل كلمة يقولها "غيث"، فقد أخبرها صراحة عن رغبته في الزواج من ابنتها وذلك لضمان حمايتها أولًا من المخاطر، وثانيًا للتأكد من بقائها مع عائلتها بقصره، دون أن تكون هناك أي حجة مزعجة تدفعهن للمغادرة.
راح رأسها يعمل بأقصى طاقاته ليحلل كل شيء تستمع إليه بالمنطق والعقل، لتحادثه بعدما انتهى من البوح بما في صدره:
- كلامك على عيني وراسي، بس أنا ماليش رأي في الموضوع ده بالذات...
لتبدو أكثر جدية وهي تتم جملتها:
- ومقدرش أغصب على "دليلة" إنها تتجوز حد مش عايزاه.
رد عليه في نبرة هادئة، لكنها مشبعة بالثقة التامة:
- وأني مش عاوز غير بس موافجتك، وسيبي الباقي عليا.
لم ترغب "عيشة" في استغلال الظروف والاستفادة منها بما يحقق جل المآرب لها، كانت تفكر أولًا وأخيرًا في ابنتها، فتكرار نفس المأساة والمعاناة بإكراهها على ما لا تريد لن يكون محمودًا، لذلك أخبرته صراحة عله يتراجع عن الأمر:
- والله يا ابني إنت تستاهل أحسن واحدة في الدنيا، بس إنت عارف ظروفنا ووضعنا كويس، فبلاش تضطر تعمل حاجة ترجع تندم عليها بعدين.
تفهم سبب خوفها وقلقها من إتمام تلك الزيجة السريعة بهذا الشكل الغامض، فهي لا تعلم بعد برغبته فيها من صميم قلبه، ولهذا أكد لها بوعد نافذ لئلا يخسر سلفًا:
- وأني أجسملك إني هراعي ربنا فيها.
تملصت من منحه الرد النهائي بقولها:
- عمومًا هي صاحبة القرار في الموضوع ده بالذات.
فما كان منه إلا أن طلب منها بأدب:
- طب تسمحيلي أتكلمو معاها.
سكتت للحظات، ثم ردت مستسلمة لمطلبه:
- طيب.
..............................
كما هو دأبها، لم تكف "أحلام" عن إلقاء نظرات الازدراء والاحتقار للشقيقتين وهي تنتظر معهما في الردهة، لتتحفز الثلاثة في وقفتهن عندما عادت "عيشة" إلى ابنتيها وبصحبتها "غيث". على الفور تساءلت "إيمان" في لهفة:
- ها يا ماما، هنمشي إمتى؟
لتتفاجأ بها تركز بصرها على شقيقتها الصغرى قبل أن تقول في مزيد من الغموض:
- الأول بس "غيث" هيتكلم مع "دليلة".
خفق قلب الأخيرة في توتر، وضيقت عينيها متسائلة في ارتباك عجيب:
- يتكلم معايا في إيه؟ هو احنا في بينا حاجة؟
أتاها رده قائلًا بابتسامة صغيرة، لكنها ساحرة:
- كل خير إن شاء الله يا ست البنات.
ثم أشار لها لتذهب معه إلى غرفة الصالون، فيما وقفت "أحلام" في موضعها تعض على أناملها غيظًا وغضبًا، كان داخلها يغلي بحرقة، بل إنها شعرت بدمائها الفائرة تتصاعد من أوردتها وتندفع نحو رأسها، لقد ارتاعت كليًا من فكرة أن يفاتحها في مسألة الارتباط بها، ستموت حتمًا قبل أن تشهد ذلك يحدث.
..................................
على نحو هادئ، استطرد "غيث" متطرقًا إلى لب الموضوع مباشرة فور أن جلس بمفرده مع "دليلة"، ليخبرها وهو ينظر بثبات إلى تقاسيم وجهها:
- من غير مجدمات، أني رايد أعقد عليكي.
حسنًا، لم تتبين في البداية مقصد جملته، فسألته بعفوية وقد تقلص وجهها:
- يعني إيه؟
بلا ابتسام قال مفسرًا ببساطة:
- أجصد إني عايز أكتب كتابي عليكي.
هبت واقفة ومعترضة باندفاع:
- نعم!
إيه الكلام الفارغ ده؟
قام بدوره، وحادثها في شيء من الرجاء:
- استهدي بالله الأول يا بت الناس واسمعيني للآخر.
تشبثت برأيها رافضة بعناد كبير:
- من غير ما أسمع، أنا مش عايزة أتجوز حد غصب عني.
هتف مؤكدًا لها دون أن تتبدل نبرته الهادئة:
- ومش هيحصل غير إكده، بس اجعدي واسمعي اللي هجوله، وبعد كده اعترضي براحتك.
عاودت الجلوس على الأريكة، وأصغت إلى مبرراته والتي سبق وأن أخبرها إلى والدتها، لم تقاطعه حتى فرغ من الحديث، لتلوي ثغرها معقبة في امتعاض:
- والمطلوب مني إيه؟ أريح الناس وأتعب نفسي؟
رد مصححًا وهو يحرك رأسه:
- لع، بس نعملوا اللي فيه الصالح ليكي وللكل.
في لمحة من الشك سألته:
- وجوازي منك هيعمل ده؟
لم تتبدل ملامحه الهادئة مطلقًا حين استفاض محاولًا تبديد ما يساورها من شكوك:
- إيوه، أني هجدر أحميكي من اللي ما يتسمى، وفي نفس الوجت محدش يجدر يفتح خاشمه بجعادك إنتي وأهلك إهنه.
ردت معترضة عليه بانفعال شبه بائن:
- ونقعد هنا ليه واحنا لينا مكان تاني؟
لحظتها فقط أصبحت نبرته حادة نسبيًا وهو يبين لها خطورة وضعها:
- وساعتها يوصلك المجصوف على عمره ويخطفك ولا يخسرك أهلك، وجايز يعمل فيكي الأسوأ، يدبحك ولا ياخد شرفك.
ارتاعت لمجرد التفكير في تلك التصورات المخيفة، وشردت لوهلة، ليستغل "غيث" سرحانها ويناقشها بهدوء جاد:
- مش إنتي عايزة مصلحتهم، وتطمني إنهم بخير وفي أمان ويكونوا على طول إمعاكي؟
لم تفكر مرتين وهي تخبره توًا:
- أه طبعًا.
تابع على نفس الوتيرة لإقناعها:
- جوازي منك هيعمل ده كله، وبعدين لما هعجد عليكي، جصدي يعني نكتبوا الكتاب، هيكون بس كلام، حبر على ورج زي ما بيجولوا، من غير دخلة ولا غيره....
نظرت إليه باسترابة، فأضاف مشيرًا بيده:
- ولما نطمنوا إن واد المحروج ده مالوش جومة من تاني هحلك من العقد ده، وتروحي لحال سبيلك، وتعيشي مع أمك وخيتك في أي مطرح أمان ليكم.
لن تنكر "دليلة" أنها كانت تشعر أثناء وجودها معه بالحماية والاحتواء حتى في غمرة الفوضى والاضطراب، كان يبذل أقصى ما يستطيع لإبقائها في منأى عن الخطر. لقد أدركت عن تجربة أنه لم يكن من أولئك الرجال الذين يتهربون من واجباتهم أو ينكثون بعهد قد قطعوه على أنفسهم، ومع ذلك سألته لتتأكد:
- وإيه اللي يضمنلي إنك ما ترجعش في كلامك؟
قال بثقة وهو ينتصب بكتفيه في جلسته الشامخة:
- أني راجل، وكلمتي زي السيف.
رمقته بهذه النظرة الغريبة، كأنما تستكشف جانبًا جديدًا فيه، ليميل نحوها قليلًا وهو يسألها في رنة من الشوق:
- ها، جولتي إيه يا بت الحلال؟
من موضع جلوسها لمحت "أحلام" وهي تقف متلصصة عليهما، تحاول استراق السمع بوقاحة وتبجح، أمسكت بها وهي تنظر لها بهذه النظرة الحقود البغيضة، فتشدقت قائلة بغير وعي، كأنما تنتقم مما فعلته بها في وقت سابق:
- ماشي.
شكك "غيث" في ردها المقتضب، فهي لم تمنحه موافقة صريحة، لذلك تساءل مستفهمًا حتى يستريح قلبه المتحرق شوقًا للظفر بكلمة القبول منها:
- ماشي دي يعني إيه؟
جاء ردها مبهجًا له بشدة:
- موافقة.
سرعان ما تهللت أساريره، وارتسمت ابتسامة عريضة على محياه بعدما أعلنت عن موافقتها للارتباط رسميًا به، وإن كان يعني مجاراتها مؤقتًا لمخططاته، لكنها ستمنحه الفرصة للتودد إليها في إطار شرعي، واكتشاف حقيقة مشاعره نحوها، إن لم تكن مثله أيضًا، ليأتي صوت صرخة منددة من "أحلام" مصحوبة بلطم عنيف على صدرها قبل أن تخر أرضًا فاقدة لوعيها:
- يا خرابي!
رواية فوق جبال الهوان الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم منال سالم
الفصل السابع والأربعون
قد يبدو الأمر مزاحًا بالنسبة لها، وسيلة للثأر وإغاظة من تعمدت إهانتها وجرح كبريائها، إلا أن المسألة كانت على النقيض تمامًا معه، فإن كان قبولها قائمًا على تلك الأسباب اللحظية حاليًا، فإنه سيبذل قصارى جهده ليظهر لها مدى صدق مشاعره ناحيتها، لعل وعسى يتمكن من اختراق ثنايا قلبها، والتربع على عرش حبها.
الصرخة المدوية التي نالت من "أحلام" والمصحوبة بسقطة أرضية قوية جعلت كافة الأنظار تتجه إليها، كانت "فاطمة" أول من هرع ناحيتها، انحنت جاثية على ركبتيها، ومدت يديها لترفع جسدها نحوها متسائلة في جزعٍ:
- حصلك إيه يا بتي؟
وراحت تهزها برفقٍ حتى تستفيق من غيبوبتها الفجائية، فيما تلكأ "غيث" في خطاه وهو يسير تجاههما قائلًا بغير مبالاة:
- دلوقت تبجى كويسة يامه، ماتنخرعيش عليها.
رفعت رأسها لتنظر إليه هاتفة في توجسٍ:
- دي كانت بخير من شوي.
مسح "غيث" على صدره متمتمًا بابتسامةٍ صغيرة لم يمانع من ظهورها على محياه:
- معلش مستحملتش الخبر.
قطبت "فاطمة" جبينها متسائلة بتعجبٍ:
- خبر إيه؟
انتقل ببصره نحو "دليلة" التي انضمت إلى والدتها وشقيقتها الكبرى، ليقول في شيءٍ من السرور:
- إن ست البنات وافجت على إننا نكتبُ الكتاب.
ابتهجت أسارير والدته، وقالت في فرحةٍ غير زائفة:
- ما شاء الله، لولا الظروف يا بتي كنت زغرطت.
لتتدخل "عيشة" في الحوار قائلة بلمحةٍ من التجهم، وكأن الحديث عن هذا الشأن يزعجها بعض الشيء:
- مالوش لزوم يا ست الحاجة، احنا مقدرين الوضع كويس.
فيما مالت "إيمان" على شقيقتها تسألها وهي تجذبها من ذراعها لتثير انتباهها:
- إيه الكلام ده يا "دليلة"؟ مش كنا هنمشي من هنا؟
انخفضت نبرتها إلى حدٍ كبير حينما أجابتها بغموضٍ مشوبٍ بالحيرة:
- ده حل مؤقت، لما نكون لوحدنا هفهمك كل حاجة.
لم يهدأ قلبها، ولا خواطرها، واكتفت بالترديد المقتضب:
- ربنا يستر.
لتتوجه "عيشة" بأمرها إلى ابنتيها وهي تشير لكلتيهما بهذه النظرة الصارمة من عينيها:
- اطلعوا فوق.
تولت "إيمان" الرد، وامتثلت في طاعة:
- حاضر يا ماما.
لتغادر الاثنتان وهما تتهامسان بكلامٍ غير مسموعٍ، بينما صاح "غيث" موجهًا أمره للخادمة التي كانت تقف على مسافة قريبة:
- بت يا "سنية"، هاتي فحل بصل أوام، نفوجوا بيه بت عمي.
أومأت برأسها في انصياعٍ، وقبل أن تركض تسمرت في مكانها عندما أتاها أمره:
- استني يا به
فقد لاحظ أن "أحلام" بدأت تتململ في أحضان والدته، وكأن الأخيرة كانت تتحين فرصة رحيل تلك الكارثة التي تلتصق بابن عمها لتستفيق من إغماءتها العجيبة، حركت رأسها للجانبين هاتفة بصوتٍ واهن، ممزوجٍ بالأنين وهي لا تزال مطبقة على جفنيها:
- آه يا نافوخي.
لم يقتنع للحظةٍ بهذه التمثيلية المكشوفة التي تؤديها بسذاجةٍ، سرعان ما التوى ثغره بابتسامة ساخرة وهو يعقب:
- أهي فاجت أهي من غير حاجة.
في حين قامت "فاطمة" بالمسح على وجهها بلطفٍ وهي تسألها في حنانٍ أمومي:
- مالك يا بتي؟
فتحت عينيها على اتساعهما، وثبتت نظرتها اللائمة على وجه ابن عمها قائلة في ألمٍ وحزن:
- مش جادرة يا مَرَت عمي، سمعت خبر عفش جَوي.
من فوره رد عليها "غيث" ليحبس دمها ويغيظها أكثر:
- ربنا مايجيبش حاجة وحشة، ده الفرح منتظرنا كلياتنا!
اربد وجهها بحمرة حانقة للغاية، جعلته يتأكد أنها كانت تدعي فقدانها للوعي لتفسد عليه سعادته، مثلما اعتادت في الآونة الأخيرة. رماها بنظرة قاسية قبل أن يستدير مخاطبًا حماته المستقبلية:
- بينا نتكلموا بعيد يا ست "عيشة".
ترددت في الذهاب، وسألته في قلقٍ:
- وبنت عمك؟
قال متهكمًا وهو يستحثها على الانصراف معه:
- دي فيها صحة وعافية عن الكل....
ليمرق بجوار الخادمة ويعطيها أمره الصارم:
- وإنتي يا به خليكي جار الحاجة وبت عمي، جايز يحتاجوا حاجة.
أحنت رأسها على صدرها مرددة:
- حاضر يا بيه.
لتتابعه عينا "أحلام" الناريتين حتى اختفى عن ناظريها، فاعتدل في رقدتها، وصاحت مستنكرة وشاكية:
- شايفة يا مَرَت عمي اللي بيعمله فيا؟ يرضيكي إكده عاد؟
اندهشت للغاية من ردة فعلها، فكيف لها أن تبدو بهذه الصحة والقوة وهي قبل ثوانٍ معدودة كانت لا تقوى على رفع ثقل جسدها، تراجعت عنها، ونهضت من موضعها متسائلة:
- وماله "غيث" بيكي؟
وقفت "أحلام" بدورها، وهدرت في عصبيةٍ:
- سابني وراح يتجوز الغريبة، اللي لا ليها أصل ولا فصل.
لتنصدم برد "فاطمة" البديهي، والداعم لرغبة ابنها الذي كان عازفًا عن مسألة الزواج برمتها:
- الجلب وما يريد يا بتي.
استشاطت "أحلام" غضبًا مما اعتبرته ردًا مستفزًا وغير مراعٍ لمشاعرها، فهاجمتها بلا حياءٍ:
- خلاص بجيتي بتعومي على عومه يا مَرَت عمي؟
نظرت لها الأخيرة شزرًا، وقالت وهي تضبط حجاب رأسها الذي تجعد:
- كِنك فُوجتي ومعدتش لوجودي جارك عازة...
وقبل أن تنطق بكلمةٍ لترد عليها، أضافت صائحة في خادمتها:
- بت يا "سنية"، خلي حد من الغفر يوصلوا "أحلام" لدارها.
ثم تركتها وغادرت، لتضرب بقدمها الأرض في عصبيةٍ، ولسانها يدمدم:
- حتى إنتي يا مَرَت عمي؟
ما لبثت أن أخرجت خصلة من شعرها من أسفل حجابها، لتلفها حول إصبعها وهي تهسهس بتوعدٍ، وعيناها تلمعان بالشر والبغض:
- طب وحياة مجاصيصي دول، ما هتكمل الجوازة!
***
أدهشتها موافقة شقيقتها على عرض الزواج المفاجئ، وهي التي كانت دومًا تعارض أي شيء لا يتفق مع رغباتها. تولت "عيشة" إيضاح الأسباب والمبررات لابنتها الكبرى، وما دفعها لتشجيعها على المضي قدمًا في هذا الأمر، لتظل "إيمان" على اعتراضها بخوفٍ طبيعي:
- بس يا ماما احنا كده بنورطها!!
رغم ما يبدو عليها من تحيزٍ وانزعاج، إلا أنها تحدثت إليها بهدوءٍ ومنطقية:
- الناس هنا مختلفين عن أي حد، وده أنسب حل لوضعها، وإنتي ما يرضكيش إن يطلع كلام على أختك بالباطل.
هتفت دون تفكيرٍ:
- لأ طبعًا.
أكدت لها بنفس رنة الصوت الهادئة:
- ده حل مؤقت، وبعد كده هنفض الموضوع...
ثم التفتت مخاطبة "دليلة" التي كانت صامتة غالبية الوقت:
- مش كده ولا إيه؟
لحظتها شعرت بغصة غريبة تضرب في صدرها، تداركت نفسها، لترد باقتضابٍ:
- أيوه.
لن تنكر أن هناك شيء ما في أعماقها قد تحرك مناهضًا لما فاهت به، حيث تمنت ألا ينكث بقسمه، ويتخلى عنها عندما تستقر الأمور، فقد استأنست لطريقته المثيرة للاهتمام في محاولة حمايتها دون أن يعاملها بعنفٍ، أو قسوة، أو يجبرها حتى على فعل ما تكره قسرًا.
***
بداخل أحد المحال الشهيرة المتخصصة في تصميم وبيع المجوهرات الفريدة، وقف "راغب" يتصبب عرقًا وهو يرى ما تنتقيه خطيبته –باعتبار ما سيكون- كهدية من بين تلك المجموعة النادرة لتقديمها في حفل الخطوبة المتكفل به والدها، خشي ألا يكفي ما معه من مال لابتياعها لها، برغم استخدامه لكافة ما حصل عليه جراء بيعه لشقته السابقة.
لفت "فادية" ذلك السوار اللامع حول معصمها، وتساءلت وهي تتأمل أحجاره البراقة:
- إيه رأيك يا دادي؟
قوس "مدحت" فمه في تجهمٍ، وعلق:
- مش بطال.
لتمط شفتيها للحظةٍ قبل أن تعترض في دلالٍ:
- بس I like it (عجبني)، I will take it (هخده).
تنفس "راغب" الصعداء لأن تكلفة شراء ذلك السوار تعادل قيمة كل ما يملك من مدخرات، إلا أنه لاحظ في نفس الوقت ما انعكس على ملامح رجل الأعمال المخضرم من امتعاضٍ جلي، فاستطرد من تلقاء نفسه مبررًا:
- أنا عارف إنها حاجة ماتلقش بـ "فادية" هانم، بس آ...
قاطعه "مدحت" بصوتٍ مرتفع قبل أن يتم جملته هازئًا منه ومحقرًا من شأنه:
- ولما هي ما تلقش بيها بتجيبها ليه؟
غامت تعابيره على الأخير من إهانته الصريحة أمام الجميع، فما كان من "فادية" إلا أن تدخلت ملطفة الأجواء:
- مافيش داعي تحرجه يا دادي؟ إنت عارف الحاجات دي مش بتفرق معايا.
حفظًا لماء وجهه تحدث "راغب" وهو يشد من طرفي ياقة قميصه، كأنما يضبطها:
- إن شاء الله في المستقبل هجيب الأحسن والأغلى.
لتضيف "فادية" هي الأخرى وهي تتعلق بذراع أبيها، كأنما تمارس دلالها الناعم عليه:
- خلاص يا دادي، مافيش داعي تتضايق، It's okay for me (عادي بالنسبالي).
قال حاسمًا الجدال، ودون ترك أدنى مساحة للمناقشة أو الاعتراض:
- زي ما بتحبي، بس أنا هزود عليها اللي يليق باسم عيلتنا.
ارتسمت ابتسامة مشرقة على ثغرها وهي تقول بغير ممانعة:
- sure (طبعًا).
ورغم ذلك ظل حنق "راغب" يستعر بداخله، فلو كان في منزلة حماه الراحل وتصرف معه بهذا الأسلوب الفظ لنال منه بأسلوبه المتعجرف، وأذاقه من سوط لسانه ما يستحق، إلا أنه يقف اليوم كالمذنب الذليل فقط من أجل أن يحظى بالوجاهة الاجتماعية.
***
منذ أن انتشر في الأوساط خبر عقد قران كبير عائلة الحاج "زكريا" على تلك المنتسبة –مجازًا- إلى عائلة "وهبة العرباني"، ولم تتوقف التهنئات ولا المباركات، ومع ذلك قام "غيث" بالتشديد على الجميع بعدم المبالغة في الاحتفال مراعاة لمشاعر العائلة التي لا تزال في فترة الحداد على فقيدها "فارس"، وتم الاتفاق على أن يقتصر الاحتفاء بالعروسين على إقامة سرادق يشدو فيه كبار المنشدين بالتواشيح الدينية، وكأنها ليلة يناجي فيها عباد الرحمن ربهم.
فيما غاصت "أحلام" في أحزانها، تنوح وتندب بعويلٍ وشجن كأنما تجلس في مأتم للعزاء، رأى "راشد" حالة ابنته البائسة فور أن عاد من الخارج، رمقها بنظرة غير راضية، فقد كانت تتشح بالسواد من رأسها لأخمص قدميها، وتدق على صدرها تارة، وعلى فخذيها تارة أخرى، اقترب منها ووكزها بطرف عكازه في قدمها هاتفًا في نبرة مستاءة:
- جعدة في عزا ولا إيه يا به؟
كفكفت دمعها، وردت وهي تستند بطرف ذقنها على مرفقها:
- سيبني في حالي يابوي.
جلس في مواجهتها على الأريكة يطالعها بهذه النظرة الناقمة، واستطرد:
- المفروض تكوني مع مَرَت عمك تساعديها في الجصر!
أتاه تعليقها ساخطًا:
- هو اللي حداها جِليل؟ّ!
لوى ثغره تأففًا، وخاطبها وهو يضم كفيه فوق رأس عكازه:
- لولا حظك الفقري كان زمانك عتتجوزي ابن الحاج "فتيح"، بس الواد انصاب في العاركة الأخيرة، وعايزله يجي شهر ولا تانين عجبال ما يجف على حيله.
خفضت من نبرتها وهي تهسهس داعية عليه:
- إلهي ما يجوم واصل.
واستمرت في نواحها المستفز، لينهض والدها من مكانه مكررًا وكزه لها في جانب ذراعها بقبضته التي كورها قبل أن يأمرها بصرامةٍ:
- فزي وروحي لمَرَت عمك ساعديها، عايزة عمك يجول إننا مش راضيين عن الجوازة؟
أجهشت بالبكاء المرير أمامه، وأعادت على مسامعه ما سئم من سماعه:
- أني المفروض اللي أكون مُطرحها يابوي؟ مش أخدم عليها!
ضجر من لغوها الذي لا تكف عن ترديده، ونهرها مهددًا بغير رأفة:
- بــاه، ما كفاية حديتك الماسخ ده عاد، خلاص جفلنا على السيرة دي، واسمك انعجد على ابن الحاج "فتيح"، ولو خاشمك نطق باسم راجل تاني غيره، أني هجطعهولك!
ولعنها بلفظٍ نابٍ قبل أن يغادر المكان، فبكت أكثر في حرقةٍ وكمد، وهي تكاد لا تصدق أن غيثها يتزوج بأخرى غيرها!
***
وفقًا للتقاليد والأعراف المتبعة من قِبل عائلته، تعمد "غيث" مغادرة القصر والمكوث لدى شقيقه طوال الفترة التي تسبق عقد القران بحجة إنجاز ما لديه من أعمال؛ لكن الغرض الحقيقي من ابتعاده منع ألسنة السوء من استغلال ظروف إقامته مع عروسه في نفس المكان، لنسج حكايات غير واقعية قد تمس الشرف وتطال من السمعة.
وما أسهل انتشار أقاويل الباطل والخوض في الأعراض!
وعلى الرغم من كون الأمر عسيرًا عليه، إلا أنه استحسن البقاء في تلك العزلة الاختيارية، فكيف له أن يقاوم تيار عواطفه إن جرفه الشوق أكثر إليها؟ ومع هذا لم يكف للحظة عن التفكير فيها، يكفيه أن يعيد خياله نسج مشهد ابتسامتها الناعمة وهي تمنحه موافقتها أثناء مناكفتها لابنة عمه المزعجة، فهذه هي الإفادة الوحيدة التي حظي بها من وجودها غير المرغوب فيه، أن حفزتها على القبول نكاية بها.
حاول أن يركز ذهنه على أي شيء آخر باستثنائها، ولكن كان يزداد لهفة إليها. غاص في شروده لبعض الوقت حتى تنبه لصوت زوجة شقيقه وهي تسأله في مرحٍ:
- إيه يا خوي، هتفضل حدانا كتير، مش لازمًا تكون ويا عروستك، ترتبوا لفرحكم؟
اعتدل في جلسته المسترخية على المصطبة احترامًا لوجودها، وأجابها موضحًا:
- إحنا هنعقدوا الأول بس.
ردت عليه وهي تناوله كوب الشاي بعدما صبته:
- وماله، اعقدوا، وبعديها تاجي الليلة الكبيرة.
ارتشف جزءًا منه ليقول بعدها:
- لما ربنا يأذن...
ثم نظر إليها مضيفًا في شيءٍ من المزاح:
- كنك زهجتي مني يا مرت خوي! جولي وأني أفوت الدار.
ظنت "عبير" أنه جاد في قوله، ففزعت ملامحها، وأخبرته وهي تلطم على صدرها توجسًا:
- ينجطع لساني جبل ما أنطجها، ده إن ماشلتكش الأرض أشيلك فوق راسي يا خوي.
ابتسم في حبورٍ، وقال:
- أصيلة يا "أم البنين".
كانت تسعد للغاية من ترديده لذلك اللقب المحبب إلى قلبها، فقد منَّ عليها المولى عز وجل بثلاثة من الأبناء الذكور، جاءوا تباعًا، وهم على نفس القدر من التفضيل والمحبة لديه. دعت له بصدقٍ وهي ترفع بصرها للسماء:
- عقبال ربنا ما يكرمك ويرزقك بالخلف الصالح من عروستك...
لتنخفض نبرتها وهي تسأله في شيءٍ من الفضول:
- هي زينة صح؟
كأنما تجسد طيفها في الفراغ أمامه، فراح يصفها باسمًا:
- كيف البدر في ليلة التمام.
لم تره "عبير" هكذا من قبل، فاسترعى ذلك اهتمامها، وتوالت أسئلتها عليه:
- وعرفتها كيف؟
تحرج من التطرق إلى شأن يخصه، وإن كان يشعر بالراحة في الحديث عمن هواها القلب والعقل، فقال محافظًا على بسمته الصغيرة:
- النصيب جابها لحد عندي.
كانت تفهم طبيعة شخصيته المحافظة، لذلك لم تضغط عليه كثيرًا، واكتفت بالدعاء له:
- ربنا يبختهالك بالخير.
لتخرج من صدره تنهيدة راجية وهو يتمتم في خفوت:
- يا رب.
ما بين إجراءات روتينية سقيمة ومعقدة، ووساطات ملحة هنا وهناك، حاول "عادل" بذل أقصى ما يستطيع لتوفير سبل العلاج المناسبة لوضع أبيه خاصة بعدما تدهورت حالته الصحية في الأيام الأخيرة، وحاجته للتدخل الجراحي الفوري لإنقاذه.
جلس مرهقًا في صالة الانتظار، فأتت إليه "سميحة" تسأله في توترٍ:
- مافيش جديد لسه؟
رد وهو يضع يده على منحنى عنقه ليدلكه:
- الحمد لله لاقيت متبرعين بالدم، واسم بابا نزل في جدول عمليات الأسبوع ده.
تنفست الصعداء، وهمهمت:
- ربنا يسمعنا خير.
ليتفاجأ كلاهما بوجود الطبيب المتابع لحالة أبيه الصحية، وعلى وجهه هذه التكشيرة المريبة، على الفور نهض "عادل" من موضعه متسائلًا:
- في حاجة يا دكتور؟
لم يعرف الطبيب كيف يمهد لحديثه؛ لكنه مضطر إلى ذلك، فمشيئة الله تنفذ قبل أي شيء، ابتلع ريقه الجاف في حلقه، وتشدق:
- أنتم ناس مؤمنين بالله..
دون الحاجة للمزيد من الإيضاح استطاعت "سميحة" أن تستشف ما يريد قوله، فهتفت تسأله في جزعٍ، ودموعها الساخنة تطفر بقوةٍ من عينيها:
- لأ، ما تقولش، جوزي مات؟
طأطأ الطبيب رأسه مرددًا في نبرة مواسية وهو يمد يده ليربت على كتف "عادل":
- البقاء والدوام لله عز وجل.
هبط الخبر المؤسف عليه كالصاعقة، فتخشب في موضعه غير مصدقٍ الأمر، فيما ارتفع صوت "سميحة" الباكي فراق زوجها:
- آه يا حبيبي، يا عشرة العمر، آه!
وكأن عالمه بالكامل قد اهتز دفعة واحدة، وبغير توقع بإعلان وفاته، لم يقوَ "عادل" على الوقوف، وترنح قليلًا، ليسرع بالجلوس على المقعد المعدني، ولسانه يردد في حسرةٍ وألم:
- إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمتك يا رب!
تظاهر بالاستغراق في الاستماع إلى نصائح محاميه الجادة بشأن طبيعة وضعه القانوني طوال فترة بقاء مأمور السجن معهما أثناء زيارته الأسبوعية له، بمجرد أن غادر الأخير لمباشرة عمله بالسجن وتفقد أحوال السجناء، مال عليه وناوله خلسة ذلك القرص الدوائي، فأخفاه "زهير" توًا بداخل جيب سرواله الأبيض، وأصغى إليه وهو يخبره هامسًا:
- الحباية دي مفعولها بيظهر بعد ساعة، فشوف هتاخدها امتى.
سألها مستفهمًا، وبلهجةٍ طغت عليها رنة الاستخفاف:
- ونتيجتها مضمونة؟ ولا هتجيب أجلي وتديني تذكرة للآخرة؟
رد عليه بثقةٍ:
- اطمن، أنا عارف بعمل إيه كويس.
رفع "زهير" يده للأعلى، ومررها على شعره الحليق متابعًا في غموضٍ:
- وأنا مظبط مع "عباس" هيعمل إيه هنا!
ليكمل المحامي قائلًا بنفس الصوت الخافت:
- ووقت ما هتكون في المستشفى يا "زهير" بيه، هنمشي في باقي إجراءات هروبك.
استحسن ذلك التدبير الذي استقر عليه معه معقبًا:
- ماشي الكلام.
حرصًا على حياته، كان بحاجة ماسة للفرار من هذا المحبس اللعين، فالمال وحده لا يضمن بقائه حيًا هنا مهما أنفق واشترى من أتباع، خاصة مع وجود من يضمرون له الشر من قدامى أعدائه.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم منال سالم
منذ أن بات الجميع يعلم عن مسألة عقد قرانها قبل عدة أيام، والقصر لم يهدأ للحظة، فالنساء تأتي تباعًا، وطوال فترة النهار، لتهنئ وتبلغها تحيات باقي أفراد عائلاتهن، وكأنها على معرفة سابقة بالجميع، ومع ذلك تعاملت بلطافة وتهذيب مع كل من جاء إليها، لتدرك لاحقًا أن تصرف هؤلاء نابع عن احترام الكل العميق للعائلة، وخاصة لرجالها الأشداء ذي الصيت الذائع في الأرجاء.
لاحقًا، عندما أصبحت الأجواء إلى حد ما هادئة، صعدت "دليلة" إلى السطح لتجلس بمفردها على الأريكة المريحة، تتطلع بشرود عميق إلى المساحات الخضراء الممتدة على مرمى بصرها، وتفكر فيما آلت إليه أوضاعها خلال الفترة المنصرمة.
كانت مُطاردة، مطرودة، تكافح للبقاء على قيد الحياة، وفي نفس الآن تقاتل للابتعاد عن أخطر أنواع البشر، واليوم هي هنا، في أقصى بقعة يمكن لها أن تتخيل وجودها بها، تتنعم بالسكينة والسلام، وسط أناس لم تربطها بهم سوى الألفة والمحبة الخالصة لوجه الله.
رغمًا عنها صار تفكيرها مؤخرًا يدور حوله تحديدًا، لا تدري كيف استحوذ على اهتمامها بهذه الطريقة العجيبة، وكأنه يملك عصا سحرية تمكن بها من فرض حضوره المهيب عليها، وغدا شأنه يهمها، وهي التي لم تكترث يومًا لرأي الجنس الآخر بها، بل إنها لم تعايش أبدًا هذا القدر الملبك من المشاعر الغريبة المربكة للكيان والوجدان.
لم تتخيل فيما مضى أن تشعر بالضيق لغيابه عنها، فقد رحل للإقامة عند شقيقه –كوضع مؤقت- ريثما يحين موعد عقد القران، لتعلم أنه فعل ذلك تجنبًا للقيل والقال من ذوي النفوس الخبيثة، وكذلك لمنحها الفرصة لتكون على أريحيتها للتحرك في المكان دون أن تشعر أنها مراقبة منه وتحت حصار أنظاره.
لن تنكر أنها افتقدت إلى مشاكستها معه، ومعاندتها المستفزة له، تلك التي كان يقابلها بتعقل ورحابة صدر، ومع ذلك أوغر صدرها هذا الهاجس المزعج باحتمالية تعريضه للخطر إن ارتبط فعليًا بها، وربما فقدانه للأبد مثلما حدث مع "فارس" إن وقع ما تخشاه، وتواجه مع ذلك اللعين "زهير".
سرعان ما انقلبت سحنتها، وأصبح داخلها أكثر اضطرابًا وانزعاجًا، فكيف لها أن تتحمل توريطه في مشاكل لا تخصه ربما تفضي في النهاية إلى مقتله أو تعرضه لإصابة جسيمة؟ وما ذنب عائلته في هذا الأمر أيضًا؟ ألا يحق له أن يستقر ويحظى بزوجة لا تجره إلى حربها الخاصة؟ غامت أفكارها، وانعكس ذلك التعبير الواجم على كامل قسماتها لتبدو متجهمة للغاية.
تحدثت "دليلة" إلى نفسها بصوت شبه مرتفع نسبيًا، كأنما توضح مبرراتها:
- ما هو ده وضع مؤقت، بعد كده هنمشي، وما فيش أي صلة هتربطني بيه.
للغرابة شعرت بغصة في صدرها، فقالت وهي تقاوم رغبة أعجب في البكاء:
- كأنها حدوتة وهتخلص، بلاش أتعشم على الفاضي.
انتشلتها من دوامة أحزانها قبل أن تنخرط فيها حماتها المستقبلية، حيث انضمت إليها لتجلس مجاورة لها وهي تسألها في حنان أمومي:
- قاعدة لحالك ليه يا بتي؟
تصنعت الابتسام، فظهرت ابتسامتها باهتة ومهزوزة حين ردت:
- ما فيش حاجة.
ظنت "فاطمة" أنها تعاني من الإرهاق بسبب الزيارات المتوالية لأهل البلدة، فقالت كأنما تهون عليها تعبها:
- أني خابرة إن الناس ما عتبطلش تاجي تهني، بس دي عوايدنا، شوية وهنرتاحوا.
في وداعة وألفة علقت:
- ربنا يجعلك بيتكم عامر ومفتوح دايمًا لكل الناس.
ليأتيها تعقيبها لطيفًا مثلها:
- بوجودك فيه وسطنا يا زينة البنات.
ردت مجاملة:
- شكرًا لحضرتك.
في البداية لم تكن "دليلة" قد انتبهت للصندوق الخزفي الذي وضعته "فاطمة" بجوارها جراء شرودها، لتجدها تحركه من موضعه وتنقلها ناحيتها قائلة في شيء من التبرير:
- كان بودي يا بتي أعملك حنة كبيرة، بس علشان ظروف الحداد اللي حداكم، وكمان علشان محدش من الخلق يعيب علينا.
حينها تحدثت "دليلة" بينها وبين نفسها، في صوت لم يخرج أبدًا من جوفها:
- الحكاية كلها تمثيلية أونطة.
تنبهت إليها عندما طلبت منها:
- مدي يدك وخدي هديتك من ولدي.
سألتها وقد وضعت الصندوق الخزفي في حجرها:
- هدية إيه دي؟
أخبرتها فيما يشبه الأمر المشوب بقدر من الرجاء:
- افتحيها، ويا رب تعجبك، ده موصيني أجيبلك حاجة مفتخرة.
فتحت "دليلة" الصندوق بحماس، لتتفاجأ بوجود قلادة ضخمة مصنوعة من الذهب الخالص، يكاد حجمها الكبير يغطي كامل صدرها، أظهرتها نصب عينيها مرددة في انبهار تام:
- ما شاء الله.
لقد تذكرت أنها رأت مثيلاتها في المسلسلات التلفزيونية القديمة، ولم تتوقع أن تتلقى واحدة مثلها في حياتها مطلقًا، كانت بالفعل ثقيلة الوزن، ومغرية لأبعد الحدود. أعادت وضعها بالداخل الصندوق وأغلقته، لتقول معترضة:
- بس ده كتير أوي.
اتسعت ابتسامة "فاطمة" المنشرحة وردت في راحة بعدما تيقنت من حوز الهدية على إعجاب العروس:
- ولا كتير ولا حاجة، دي مش من جيمتك.
لتتفاجأ بـ "دليلة" تعيد الصندوق إليها في إصرار رافض:
- أنا مش هينفع أقبلها.
سرعان ما ساد وجهها تعبيرًا واجمًا وهي تسألها مستنكرة:
- به! هتزعليني، وتكسري بخاطر ولدي؟
على الفور نفت موضحة:
- لأ طبعًا، أنا مقدرش أزعل حضرتك بعد كل اللي عملتوه معانا، بس والله ما ينفع أخدها.
لتسألها في مكر، وكأنها تحاول سبر أغوارها واستنباط حقيقة مشاعرها تجاه ابنها البكري:
- ويهون عليكي زعل ولدي؟
توردت وجنتاها خجلًا عندما أتت على سيرته، وقالت وهي تطرق رأسها تحرجًا، متحاشية نظرتها الدافئة التي تغمرها بها:
- أكيد لأ.
تنهدت في ارتياح لكون حدسها كأم أصاب غرضه، وقالت لتشجعها على عدم رفض هدية ابنها:
- وبعدين النبي جبل الهدية.
عقبت وهي تبتسم في صفاء:
- عليه الصلاة والسلام.
......................................
في تلك الأثناء، سارت "أحلام" على أطراف أصابعها بمجرد أن علمت من "سنية" بجلوس الاثنتين معًا في سطح القصر، تسللت بحذر لتتلصص عليهما، وترهف السمع لكل ما تقولاه بأريحية تامة، وهذه الفكرة الشيطانية قد اختمرت كليًا في رأسها، لم لا تسرق أحد مقتنيات "دليلة" وتعطيها لتلك الغجرية لتقوم بممارسة السحر الأسود عليها فتصب عليها كل ما هو ملعون حتى تزهق روحها؟!
بررت لنفسها أن كل شيء مباح طالما أنها ستظفر بما ترغب في حدوثه في نهاية الأمر. ما لبث أن غلت الدماء في عروقها وقد رأت الهدية القيمة التي تلقتها، لم تتمالك نفسها، واقتحمت المكان هاتفة في نبرة تنم عن حقد صريح:
- به! إيه ده كله؟!
النظرة الحاسدة التي برزت في مقلتيها أجبرت "فاطمة" على نهرها بشيء من الحزم:
- قولي ما شاء الله يا "أحلام"!
لتعلق "دليلة" هي الأخرى وقد أغلقت الصندوق الخزفي ووضعت يديها عليه لتواريه عن ناظريها:
- ومن شر حاسد إذا حسد.
لم تحد "أحلام" بنظرتها النارية عن غريمتها، وجلست في مواجهتها قائلة بصوت شبه حانق:
- أبوي بعتني أساعدك يا مرت عمي.
نسمات الهواء التي هبت فجأة، جعلت حجاب رأس "دليلة" المحلول يتطاير ويسقط على كتفيها، ولم تهتم بإعادته فوق رأسها، باعتبارها ترتدي قطعة أخرى من القماش عليها، تلك التي تساعدها في ضبط حجابها الحريري وتحول دون وقوعه. اكتفت بتغطية الصندوق بأكمام عباءتها لتحجب نظرات "أحلام" الحاقدة عنه، بينما رأت "فاطمة" علامات الغيظ جلية على وجه الأخيرة، ومع ذلك حاولت أن تبدو لطيفة معها، لكونها تعلم جيدًا طبيعة تصرفها بهذا الأسلوب المتحيز، واكتفت بقولها:
- فيه الخير.
فيما آثرت "دليلة" عدم الانخراط في أي مشاكل قد تعكر صفو الأجواء مع تلك التي لا تتوانى عن خلق الذرائع لتقول وهي تنهض قائمة دون أن تنتبه لسقوط حجابها من على كتفها، وتكومه على الأريكة:
- هستأذن حضرتك أشوف ماما.
استحسنت "فاطمة" فطنتها، وقالت وهي تبتسم لها:
- خدي راحتك يا بتي...
لتشدد عليها في اهتمام:
- وما تنسيش هدية ولدي.
التفتت متطلعة نحو "أحلام"، كأنما تغيظها، وردت وهي تزيد من ضمها للصندوق الخزفي:
- اطمني، هشيلها في الحفظ والصون.
حينما غادرت السطح، صاحت "أحلام" في كمد وبغض:
- مش كتير ده يا مرت عمي؟
تجاوزت عن المغزى وراء عتابها المتواري، وقالت باسمة وهي تربت على ذراعها:
- عقبال ما نهادوكي نهار جوازك إنتي التانية.
هدرت في سخط، وقد عمت قسماتها تكشيرة عظيمة:
- قولي جنازتي!
تفلت قائلة في وجل:
- بعد الشر عنك يا بتي! ما تقوليش إكده.
وقعت عينا "أحلام" على الحجاب المتروك، فبدت الفرصة مثالية لها لأخذه خلسة، فانتقلت إلى جوار زوجة عمها، ومالت عليها لتحدثها بصوت خافت، ويدها الأخرى تسحب الحجاب لتكوره وتخفيه بين طيات ملحفتها:
- حجة يا مرت عمي عتجيبوا صايتة من مصر؟
أومأت "فاطمة" برأسها مؤكدة:
- إيوه، عمك قال إكده، وخلاص الفراشة نصبوها الرجالة حدا القصر، وأهل البلد كلياتهم معزومين.
لتبرطم "أحلام" في نبرة خفيضة وبنقم وحقد أكبر وهي تبصر بعينيها مدى البذخ الواضح والاهتمام المتزايد بليلة عقد القران:
- ده اللي هيعقدوا على الضيق، أومال لو ما كانتش وش بومة وفقر!
لم تتبين "فاطمة" ما فاهت به، فسألها:
- بتجولي إيه يا "أحلام"؟ أني مش سامعة حديثك.
ردت عليها وهي تسحبها من ذراعها لتنهض:
- بقول بينا جوا يا مرت عمي، لأحسن الشمس سيحت نافوخي.
تنهدت "فاطمة" وهي تتجاوب معها مرددة:
- ماشي يا بتي، وبالمرة نساعدوا البنات تحت، لأحسن الوقت بيفوت قوام.
أخفت "أحلام" الحجاب جيدًا، وتمتمت بنبرة خبيثة، وهذه اللمعة الشيطانية تتراقص في حدقتيها:
- عقبال ما نساعدوا في عزاها!
في سرية تامة، وبعيدًا عن المتلصصين وذوي المصالح المزدوجة، انفرد "زهير" بتابعه الموثوق فيه "عباس" في مكتبة السجن ليتناقش معه حول كيفية تنفيذ خطته القادمة للفرار من السجن، حيث أطلعه على دوره المنوط بفعله في الداخل حينما يصله الخبر بنقله إلى المشفى لإصابته بالتسمم الزائف. وقتها عليه افتعال مشاجرة دامية مع بقية السجناء، لتتصاعد الأمور وتصل إلى حالة من الشغب والفوضى، ولا يهم فيها عدد الضحايا أو الخسائر، فالأمر الأكثر جللًا وأهمية هو إرباك النظام الأمني، وإحداث الدمار بالمنشأة، فيما سيقوم آخرون مدججون بالعدة والعتاد بمحاولة اقتحام المكان من الخارج لزيادة جرعة التوتر والتخريب.
مجددًا سأله "زهير" بعدما راجع معه التفاصيل الدقيقة:
- عرفت هتعمل إيه؟
أومأ برأسه مؤكدًا في شيء من العنجهية:
- اطمن يا ريسنا، هي دي أول مرة، ده إحنا ياما ولعناها.
شدد عليه بغير ممازحة:
- المرادي غير يا "عباس".
رفع إبهامه للأعلى قائلًا:
- وأنا جاهز يا كبيرنا.
تقوس شفتاه عن ابتسامة راضية ليردد بعدها وهو يسترخي في جلسته على المقعد الخشبي:
- حلو الكلام.
غاص بعدها محلقًا في بوتقة تطلعاته وآماله التي ينشد حدوثها، ولما لا وقد أصبحت بينه وبين حريته بابًا وهو على وشك اختراقه؟!
*******************************************
أمسكت بمبرد الأظافر تهذب به أطراف أصابعها في حركة متكررة أثناء جلوسها على الأريكة باسترخاء، راحت "فادية" تهز ساقها المتدلية من على المسند في دلال، لتخاطب والدها باستعتاب ممزوج بالتحذير:
- ما تخف عليه يا دادي شوية بدل ما يهرب مننا.
جمع "مدحت" أوراقه التي فرغ من متابعتها بداخل حقيبته الجلدية، وأخبرها دون أن ينظر نحوها:
- أنا لو ما عملتش كده يا حبيبتي هيشك، وأنا لازم أحسسه أنه حقير وما يسواش...
توقف للحظة عن الكلام ليكور قبضته متابعًا في عزم، وهذه اللمعة الشريرة تبرز في عينيه:
- لحد بس ما أقدر أخليه يسهل لي ورق القرض، وساعتها يبقى يدور على اللي ينجده من الحبس.
ما لم يعلمه "راغب" أن اختيار "مدحت" له ليكون ضحيته الجديدة للاحتيال على البنك وذلك عن طريق تسهيل الإجراءات المطلوبة للحصول على قروض مالية ضخمة، يعقبها الهروب خارج البلاد.
وجه بعدها الحديث إلى ابنته في لهجة جادة وهو ينظر نحوها:
- وإنتِ حرة معاه، حابة تكملي للآخر براحتك، عايزة تخلعي تمام، أنا مجهز كل حاجة، التأشيرات وجوازات السفر.
نفخت في أظافرها قائلة بنعومة:
- بصراحة يا دادي هو عاجبني، الصنف البلدي بتاعه ما جربتوش قبل كده.
باعد عينيه عنها قائلًا:
- عمومًا وقت ما تزهقي إنتِ عارفة هتعملي إيه.
استمرت في هز ساقها وهي تعقب بإيجاز:
- طبعًا (Sure).
**************************************
في ذلك المقهى الشعبي، التقى كلاهما بعد غياب قد طال لفترة من الزمن عند مقدمته يتشاركان معًا الأخبار والهموم. وضع الصبي المسؤول عن تلبية طلبات الزبائن كوبي الشاي أمامهما بجانب قدح السكر قبل أن ينصرف ليباشر عمله. سحب "وهبة" نفسًا عميقًا من المبسم الخاص بنارِجيلته، ليحرر بعدها الدخان من أنفه على مراحل في دوائر متعاقبة، ليدير بعدها رأسه نحو "غيث" ليكلمه وهو يرميه بهذه النظرة شبه المنزعجة:
- مبارك يا واد عمي، ولو إني عاتب عليك إنك تتجوز جبل ما ناخدوا بتار "فارس".
في نبرة تبدو مماثلة لتعبيره الصارم والجاد أخبره:
- هيحصل، بس لازم أحمي أهله الأول، وما فيش طريجة غير إكده، ولا نسيبوه حريمه لكلاب السكك ينهشوا في عرضهم؟
لئلا يسيء فهم نواياه في رغبته العارمة لتحقيق العدالة والثأر من ذلك الوضيع علق عليه في التو:
- ده إحنا نطيروا رجاب اللي يفكر يمسهم، وأني واثق إنك هتصون الأمانة يا واد عمي، وهتجيب حق اللي اتغدر بيه.
اكتفى "غيث" بهز رأسه ليتساءل بعدها بتحفز:
- ما فيش خبر عن واد المحروق إياه؟
أجابه وهو يضع المبسم على طرف الطاولة الصغيرة:
- لساته مجبوض عليه من الحكومة...
صارت تقاسيم وجهه مشدودة نسبيًا وهو يتمم باقي حديثه:
- وما فيش سكة نخشلوا بيها اللومان نجيب أجله من غير ما يد الحكومة تحط علينا.
علق عليه "غيث" بهذا الوجه القاسي:
- ليه وجته يا "عرباني"، اصبر.
استشف من طريقته المتحفزة تلك عزمه على الخلاص منه قريبًا، فقال مبديًا استحسانه لعدم تراخيه عن الأمر:
- أد الجول يا واد عمي...
أخرج "وهبة" من جيبه سلسلة مفاتيح تبدو جديدة، طرحها أمامه على السطح الخشبي للطاولة قائلًا في ثمة من الغموض:
- باقول لك، خد الأمانة دي وصلها لجماعة "فارس".
رفع المفاتيح نصب عينيه متسائلًا:
- إيه دول؟
أجابه مسترسلًا في الإيضاح:
- مفاتيح المطرح بتاعه ودي ورقة بعنوانه، ما هو قبل ما ألحق آخد حقه كان موصيني أضبط لهم مكان يسكنوا فيه قصاد بعض، وكان رايح يوصلهم هناك لولا الأجل سبقه.
وكأن في الأمر شيء أزعجه، خاصة جملته الأخيرة، حيث أضرمت في قلبه -وعلى غير توقع- مشاعر الغيرة، لذا رد بعد زفرة سريعة أراد بها وأد ما يراوده من أحاسيس غير مرغوب فيها:
- الله يرحمه...
ساد الصمت بينهما لبضعة ثوانٍ، ليفكر "غيث" في مسألة ما لفتت انتباهه، دون تأجيل تساءل عما تبادر إلى ذهنه:
- كان عليه دين ولا حاجة؟
وضع "وهبة" يده على عمامته ليضبطها، وقال بغير مبالاة:
- ما تحطش في بالك يا واد عمي، بسيطة.
فيما أصر عليه "غيث" بتصميم:
- والله ما يحصل، لو ليه جنيه عندك جول لي، وأنا هسد دينه.
احتج عليه بعناد مماثل له:
- ده كان واحد من رجالتي.
فاقه في عناده مظهرًا المزيد من الإصرار:
- ويعتبر نسيبي دلوقت، يعني اللي يخصه بقى يخصني.
حاول المناص من هذا الأمر بقوله المحايد:
- سيبها على الله يا واد عمي.
ليرد عليه بغير ممازحة:
- إلا الحقوق يا "عرباني"، شوف كان مديون بكم، وأنا ها أخلص اللي كان عليه....
ثم رفع إصبعه في وجهه محذرًا بلهجة شديدة:
- ومحدش ياخد خبر واصل من جماعته بحديثنا عن الدين ده.
أومأ برأسه مرددًا في طاعة:
- ماشي كلامك يا واد عمي.
صمت ولم يقل المزيد، لكن هذا الشعور المزعج ظل ملازمًا له، يؤرق تفكيره، وينغص عليه سكينته.
*********************************************
حاربت كثيرًا من أجل الظفر به، ولن تتراجع أو تستسلم مهما كلفها الأمر، لذلك انتهزت "أحلام" فرصة مغادرة والدها للبيت لترسل خادمتها للغجرية لإحضارها. كانت تدور حول نفسها في توتر وهي تعتصر كفيها معًا، حينما رأتها مقبلة عليها صرخت في وجهها بنفاد صبر وفي عصبية جمة:
- كل ده تأخير يا بت المركوب؟
على النقيض بدت "سحر" هادئة للغاية وهي ترد عليها:
- أني جيت أول ما شيعت لي البت "نعمة" يا ست البنات.
جذبتها "أحلام" من يدها نحوها، وأجبرتها على الجلوس عند قدميها فور أن استقرت جالسة على الأريكة، لتتساءل الأخيرة بخبث:
- أؤمري يا غالية!
مالت عليها لتهمس لها في نبرة مغلولة:
- عايزاكِ تعملي عمل لواحدة بت حرام منغصة عليا عيشتي.
برقت عينا "سحر" بلؤم وهي تسألها:
- أذية بس؟ ولا نعملوا لها عمل بالضبة والمفتاح؟
أصابتها الحيرة فتساءلت مستفهمة:
- وإيه الفرق؟
هزت كتفيها وهي تخبرها ببساطة:
- الأول سهل يتفك، الثاني هيبقي مستحيل.
وكأنها تعرف تحديدًا كيف تثير اهتمامها بكلماتها المنتقاة، رفعت "أحلام" حاجبها للأعلى متسائلة بمزيد من الفضول والانتشاء:
- ليه؟
أصبح صوت "سحر" كالفحيح حين جاوبتها:
- هنحطوه في جتت حد لسه ميت، يدفن معاه، ويجيب خبر اللي مزعلك.
انشغلت كلتاهما في الحديث ولم تنتبها لـ "راشد" الذي عاد لتوه من الخارج بعدما لمح مصادفة تلك الغجرية القميئة وهي تسير نحو الطريق المؤدي إلى بيته، تبعها دون أن تلاحظه، فثارت ثائرته لوطئها منزله الذي حرم على مثيلاتها من خبثاء البشر. سار بخطوات حثيثة وخفيفة، فتمكن من معرفة ما تدبران له في الخفاء، لحظتها انفجر غاضبًا فيهما، وقد نضح وجهه بحمرة منفعلة:
- إيه اللي أني سامعه ده؟
انتفضت قائمة في فزع على إثر صوته الصادح، وحدقت فيه متمتمة بتلعثم وبارتعاب شديد وكأنها رأت شبحًا:
- بوي!
أشار "راشد" بعكازه نحو "سحر" التي هبت واقفة متسائلًا في استحقار صريح:
- بتعمل إيه بنت الأبالسة دي هنا؟
بالطبع جاءت الخادمة "نعمة" تدلدل رأسها في خزي، ورب عملها يوبخها بغلظة:
- مش أني محرم دخولها الدار عندي؟
تلعثمت وهي تحاول اختلاق كذبة سريعة:
- أصل يا سعادة البيه آ...
فيما تدخلت "أحلام" قائلة بخوف ظاهر عليها:
- هفهمك يا بوي.
إلا أنه انهال بعكازه على ظهرها ليؤدبها هادرًا في عصبية مبررة:
- ومن متى لينا في الأعمال يا بت الكلب؟
تأوهت من الألم الشديد، وصرخت منددة:
- بوي!
كرر ضربه لها قبل أن يستدير مخاطبًا الغجرية في تهديد والتي هرولت ركضًا نحو الباب هربًا من غضبه الأكيد:
- وإنتِ يا ملعونة ملكيش قعدة في البلد، لا إنتِ ولا ناسك، وما بقاش الحاج "راشد" إن ما حرمت دخولكم البلد يا ملاعين.
ثم التفت صائحًا في وجه ابنته التي كانت تمد يدها لتدلك موضع الألم:
- بتخرجي عن طوعي يا بت الـ.....؟
تفاجأت به ينهال عليها ضربًا بعكازه مجددًا، فانطرحت على الأريكة صارخة من الوجع الذي عصف ببدنها وهي تعتذر منه لعله يهدأ:
- وه يا بوي!
بكفاياك عاد، هموت تحت يدك.
لم تأخذه بها شفقة أو رأفة، وقال وهو يوكزها أكثر بالطرف المدبب لعكازه:
- يكون أحسن!
كذلك نالت "نعمة" جرعة لا بأس بها من التقريع والتأديب بالعصا لئلا تشارك سيدتها في أفعالها النكراء، ليصدر بعدها "راشد" أمره غير المردود وسط بكائها المرير والمتحسر:
- رجلك مش هتخطي برا الدار واصل إلا على بيت جوزك يا الجبر.
رواية فوق جبال الهوان الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم منال سالم
كلما انتهت من إعداد طبق مما طهته في المطبخ، أسرعت لوضعه على مائدة السفرة، لتملأها بكل ما لذ وطاب حتى تضمن تناول ابنها المفضل لكل ما يشتهيه بعدما غاب عنها لعدة أيام.
دس "راغب" الملعقة في صحن الأرز، ووضعها في جوفه ليبتلعها دفعة واحدة قبل أن يخاطبها في نبرة مادحة:
- نفسك في الأكل حلو أوي يا ماما...
غرز الشوكة في قطعة اللحم، ولاكها باستمتاع، وهو يتابع:
- بصراحة بستنى أجازة آخر الأسبوع علشان آكل من إيدك، خلاص معدتي تعبت من كتر الأكل الجاهز.
انتشت لأن مجهودها لم يضع هباءً، وراحت تربت على كتفه بحنو، وهي تعلق عليه بنبرة توحي بطمعها:
- كلها حاجة بسيطة وتتجوز وتعيش في يغمة نسايبك إياهم.
ابتسم لها قائلًا:
- هانت.
جلست لتشاركه تناول الطعام، إلا أن صوت قرع الجرس أفسد عليهما وقتهما اللطيف، فتساءل "راغب" وهو قاطب لجبينه:
- ده مين اللي جاي السعادي؟
لوت ثغرها قائلة في تحير:
- مظنش أبوك، كان قال هيقضي اليوم مع أصحابه في النادي.
لاحقها بسؤالها التالي:
- أومال مين؟
أخبرته وهي تنهض من موضع جلوسها على مضض:
- هروح أشوف، كمل إنت أكلك يا حبيبي.
واصل تناول ما أعدته بتلذذ، فيما اتجهت "نجاح" لباب البيت لتفتحه، كعادتها تعاملت بجمود مع زائرها الغريب، فسألته في نبرة شبه محققة:
- أيوه، إنت مين؟
بادلها السؤال بآخر مستفهم:
- ده منزل الأستاذ "راغب ..."؟
رفعت حاجبها للأعلى، وتفرست في وجهه، وما معه من أوراق مؤكدة:
- آه بيته.
انشغل في البداية بتفحص ما معه بتركيز، لينتقل لسؤاله التالي وهو يخرج ورقة ما من بين دفتر أوراقه المرصوصة بانتظام:
- هو موجود؟
كتفت ساعديها أمام صدرها، واتخذت وقفة هجومية وهي تسأله في تحفز:
- ليه؟ مين عايزه؟
استرسل في رده:
- معايا إعلام مسجل الوصول من المحكمة بجلسة رفعاها عليه طليقته...
على الفور استطاعت أن تستشف سبب مجيء هذا الزائر غير المرغوب فيه، فلم تكن المرة الأولى التي يطرق أحد هؤلاء المحضرين بابها، لذا قبل أن يتم جملته للنهاية اختطفت الورقة الرسمية من بين أصابعه قائلة بملامح واجمة للغاية:
- هاته، أنا أمه.
رد عليها ممانعًا:
- بس لازم يستلم هو.
قالت في إصرار، وقد ازدادت تعبيراتها وجومًا:
- هو مسافر، مش هنا.
بنبرة رسمية خاطبها بعدما سمح لها بأخذ الورقة:
- طيب امضي مكانه في الدفتر ده.
- ماشي.
أمسكت "نجاح" بالقلم الحبري، ووقعت حيث أشار لها، لتطويها دون أن تنظر إلى فحواها، ثم أغلقت الباب في وجهه بوقاحة، لتعاود أدراجها إلى الداخل وهي تبرطم بسباب مغتاظ.
لاحظ "راغب" ما بدا على وجه والدته من علامات الضيق، فسألها في استرابة:
- في إيه يا ماما؟
أجابته في عبوس وهي تلقي بالورقة بإهمال بداخل أحد الأدراج:
- أهو وجع دماغ من ناحية اللي ما تتسمى...
لم يتفقه ذهنه عمن تتحدث، فسألها مستوضحًا:
- مين؟
نفخت بصوت مسموع قبل أن تزيح ستارة الغموض في طريقة مزدرية ومستحقرة:
- اللي ربنا بلانا بيها، هباب البرك "إيمان".
تجرع ما تبقى من حساء الشوربة على فم واحد، وسألها بعدما تجشأ:
- إيه جلسة جديدة في المحكمة؟
غمغمت قائلة في حنق:
- هي وراها إلا كده، إياكش تولع مطرح ما هي قاعدة...
لتغلف نبرتها المزيد من العدائية وهي تواصل الكلام:
- تبقى تقابلني إن عرفت تاخد حاجة منك...
سرعان ما ارتسمت ابتسامة متهكمة على زاوية فمها وهي تختتم حديثها:
- ده يوم المحكمة بسنة.
ضيق "راغب" عينيه معقبًا بشيء من التحذير:
- بس أنا سمعت إن في طلعوا قرار من الجهات العليا إن قضايا الأسرة تخلص أوام.
ردت باستخفاف صريح:
- ده كلام على الفاضي، مافيش حاجة من دي هتحصل...
ثم قامت بتغيير مجرى الحديث وهي تعيد ملء صحنه بالمزيد من قطع اللحم المشوية بقولها:
- وبعدين خلينا في اللي يخصك يا حبيبي، إنت داخل على وضع جديد، عايز كل تركيزك.
أيدها في رأيها مرددًا:
- في دي معاكي حق، وخصوصًا إني لسه مش مرتاح لحمايا ده، شكله مش سهل.
قالت كمن يشجعه:
- وإنت قد عشرة من عينته، يجي هو إيه جمب دماغك دي؟!
انتشى من ثنائها الدائم عليه، وقال باسمًا:
- أكتر واحدة مدياني وضعي في البلد دي!
تبدل عبوسها لابتسامة عريضة، وأضافت وهي تتأهب لتناول طعامها هي الأخرى:
- هو أنا عندي أغلى منك؟ ده إنت الحيلة!
................................................
ازدانت البلدة عن بكرة أبيها وأضيئت بعناقيد الإنارة البيضاء، فبات ليلها الحالك كالنهار الساطع، تتلألأ فيه الزينة، وتصدح فيه أصوات الأناشيد والابتهالات، كما ازدحم السرادق المقام على مقربة من القصر بغالبية الأهالي وعائلاتهم ليشهدوا جميعًا على مراسم عقد القران.
لم تهدأ الحركة في صحن القصر ولا بهوه على الأخير، فكانت النساء تنتشر في كل مكان، يصفقن، ويطلقن الزغاريد بين الفينة والأخرى، ويتمازحن فيما بينهن، ونظراتهن الفضولية معلقة بالأعلى، حيث كن ينتظرن بلهفة وشوق رؤية العروس التي كانت لا تزال غائبة عنهن.
على الجانب الآخر، جلست "دليلة" على طرف الفراش بعدما ارتدت ثوبها المحتشم ذي اللون الكريمي، كانت قد تطلعت في وقت سابق إلى ألبوم صور يحوي بعض التصاميم الخاصة بأثواب الأعراس، حيث أصرت "فاطمة" على أن تبتاع واحدًا لها، فاختارت بعد إلحاح وضغط ما ناسبها، لتأتي المصممة لاحقًا وتضبط مقاسات الثوب ليتلاءم مع حجم جسدها.
تبقى لها فقط أن تضع حجاب رأسها، لكنها أرجأت ذلك ريثما تفرغ من وضع لمحات خفيفة من مساحيق التجميل.
قبل أن تبادر "إيمان" بوضع الفرشاة على وجنتها أبعدت يدها، وتحدثت إلى أمها بما يشبه الشكاية:
-أنا قلقانة أوي يا ماما، متوقعتش الزحمة دي كلها.
تطلعت إليها "عيشة" في صمت، بينما استمرت "دليلة" في التعبير عما يزعجها:
-وبعدين احنا المفروض متفقين مافيش حاجة هتتعمل، لا هيصة ولا دوشة، ولا أي حاجة، وشوفي الدنيا عاملة إيه تحت؟
ردت عليها والدتها مبررة بشيء من المنطقية:
-و"غيث" نفذ اتفاقه، ومافيش حاجة اتعملت، بس الظاهر دي عوايد الناس هنا إنها تيجي تبارك وتهني.
ليأتيها تعليقها ساخرًا بعض الشيء:
-وكانوا الأيام اللي فاتت دي بيعملوا إيه؟ بيسخنوا مثلًا؟
لاحظت "إيمان" ما انعكس على وجه شقيقتها من تعابير مستاءة تفسد جمالها، فقالت وهي تبتسم لها:
-اهدي بس يا "دليلة"، الحكاية كام ساعة وهيتفض المولد.
طرقات الباب جعلت ثلاثتهن يتوقفن عن الثرثرة، لتلج "فاطمة" إلى الداخل، فقد كانت تعرج عليهن كل برهة لتتفقد أحوالهن، رأت كيف ظهر الامتعاض على تقاسيمها، وكيف انعقد حاجباها بشكل ملحوظ، فتوجست خيفة من احتمالية حدوث خطب ما ربما أفسد عليها فرحتها، فسألتها على الفور برنة قلق ظاهرة في صوتها:
-خير يا بتي؟ في حاجة حصلت ضايجتك؟
تولت "إيمان" الرد، فقالت وهي لا تزال تبتسم في رقة:
-هي بس مش بتحب الزحمة.
أخبرتها "فاطمة" بجدية وهي تحدق في وجه "دليلة":
-دول حبايبنا وأهلنا وناسنا، مافيش حد غريب.
لتنتفض الأخيرة قائمة ومبدية اعتراضها الصريح:
-هو احنا مش كنا متفقين هنعمل حاجة بسيطة؟
أومأت برأسها مؤكدة:
-حصل.
لتهتف مستنكرة في تبرم:
-أومال ده إيه؟
لم تبدُ "فاطمة" منفعلة بأي حال من ردة فعل العروس المضطربة، بل على العكس سعت إلى تهدئتها، فخاطبتها بلين الكلام:
-مش هنجدروا نمنعوا الناس يفرحوا، دول غلابة وما بيصدجوا يلاجوا حاجة تسعد جلوبهم.
صمتت ولم تعلق على ما فاهت به، لتضيف حماتها في ودية:
-وبعدين يا بتي متجلجيش، وقت ما انعجد الكتاب، كلهم هياخدوا واجبهم ويمشوا، والمأذون جاعد تحت مستني وصول ولدي "سليمان" علشان نفرحوا كلياتنا.
اكتفت بهز رأسها، فواصلت "فاطمة" إخبارها في لطافة:
-بس التوب ما شاء الله حلو جوي عليكي.
أومأت مرة ثانية برأسها، لتوصيها في جدية:
-ماتنسيش تلبسي الكردان عليه.
سألتها في تحير:
-ليه؟
قالت بلا مزاح:
-عوايدنا يا بتي، ما يصحش العروسة تظهر بأجل من قيمتها.
لم تفهم سبب إصرارها على الأمر، إلا أن "عيشة" أيدتها في رغبتها تفهمًا لبعض الأعراف والتقاليد التي تتبعها بعض الأماكن فيما يخص مظهر العروس أمام الغير، وطلبت من ابنتها بلهجة الأم الحازمة:
-اسمعي الكلام يا "دليلة".
رضخت دون جدال:
-طيب.
استحسنت "فاطمة" ردها، وقالت وهي تضمها إلى صدرها لتحتضنها في تحنان:
-هنستنوكي تحت تطلي علينا يا حبيبة جلبي.
لتتراجع بعدها عنها وتتوجه بحديثها إلى أمها:
-وما تنسيش يا حاجة "عيشة" تقري المعوذتين، وربنا يكفينا شر الحاسدين.
قالت مؤمِّنة عليها:
-آمين يا رب العالمين.
عاودت "دليلة" الجلوس على حافة الفراش، فاقتربت منها "إيمان" وهي تحمل الفرشاة في يدها، لتحذرها الأولى بنبرة جادة:
-مش عايزة ميك آب أوفر يتحط.
تقوست شفتا شقيقتها ببسمة متسلية وهي تخبرها:
-إنتي أصلًا حلوة من غير حاجة.
ثم مدت يدها الأخرى وقرصتها في وجنتها لتلتهب وتشتعل بحمرة ساخنة، فتأوهت من الألم وعاتبتها:
-آه بتعملي إيه؟
ضحكت "إيمان" في استمتاع، وبررت لها تصرفها:
-بلون خدودك طالما مش عايزة تحطي حاجة.
دلكت "دليلة" صدغها مرددة في تبرم:
-إنتي كده بتورميهم.
-دي قرصة خفيفة.
-يا سلام.
ظلت كلتاهما تتمازحان بأريحية، لتضجر "عيشة" من مماطلتهما السخيفة، فنهرتهما في جدية:
-يلا يا بنات بلاش دلع.
ردت "إيمان" في طاعة وهي تستعد لاستئناف مهمتها:
-حاضر يا ماما.
..................................
في بداية السرادق، وقف "غيث" مرتديًا جلبابه الأسود الفاخر، وإلى جواره أبيه، وعمه، يصافحون ويقبلون كل من جاء للتهنئة وحضور مراسم عقد القران، ازدحم المكان على آخره، ولم يعد هناك موضع قدم لأحدهم، ففي حضور مثل تلك الأفراح بهجة ومسرة للجميع، حيث يشدو أشهر المبتهلين بالقصائد الرنانة المحفزة، كذلك تكون موائد الطعام عامرة بأشهى المأكولات وأكثرها دسمًا ولحمًا، فتمتلئ البطون، وتطرب الآذان.
تقدم أحدهم لتحية "غيث" مهنئًا:
-مبروك يا كبير الناحية.
مد يده لمصافحته قبل جذبه ناحيته لضمه:
-الله يبارك فيك.
ابتعد عنه داعيًا:
-عقبال الليلة الكبيرة إن شاء الله.
قال مبتسمًا في وقار:
-يا رب.
فيما دنا "وهبة" من رفيقه العزيز قائلًا:
-المأذون مستني نعقدوا يا واد عمي.
رد عليه وعيناه معلقتان بمدخل القصر:
-لما ييجي "سليمان" خوي.
سأله رفيقه مستفهمًا:
-مش كنتوا جيتوا سوا؟
أوضح له وهو يصافح آخر قد أتى لمشاركته فرحته:
-صمم يفوت على أهل مراته الأول قبل ما ييجي حدانا، بقيالهم ياما ماشوفهاش ولا طلوا على العيال.
أبدى "وهبة" إعجابه بتصرف شقيقه الذي ينم دومًا عن أخلاقه الدمثة، وقال:
-طول عمره حنين وقلبه طيب، بيراعي الكل، الصغير والكبير.
ليصدح بعدها صوت أحد الخفراء مهللًا في سعادة:
-سيدي "سليمان" جه يا "غيث" بيه.
ومن ورائه ظهر أحدهم يبدو مشابهًا له في ملامحه، وهيئته الجسمانية، إلا أنه أقصر منه في الطول قليلًا، وكان يحمل على ذراعه أصغر أبنائه، تقدم نحوه هاتفًا:
-مبروك يا خوي.
احتضنه "غيث" في محبة كبيرة، ورد باسمًا في سعادة مماثلة:
-الله يبارك فيك.
ليتساءل بعدها عن زوجته:
-أومال جماعتك فين؟
أجابه وهو يناوله الصغير ليحمله:
-دخلتهم عند الحريم.
ليقوم بعدها بإلقاء التحية على أبيه وعمه، ومن ورائه طفليه، ليقول "غيث" في حماس:
-على بركة الله نبدأ.
صاح بعدها "زكريا" في صوت أجش صارم مخاطبًا خفرائه المنتشرين من حولهم:
-نادي على المأذون يا واد.
قال "وهدان" في طاعة وهو يركض نحو الزاوية التي يجلس عندها المأذون لاستدعائه لإتمام المراسم:
-ماشي يا كبيرنا.
......................................
في تلك الأثناء، كانت "إيمان" قد انتهت من وضع اللمسات الأخيرة على شقيقتها، لتبدو في غاية الجمال والفتنة. أدمعت عيناها في فرحة حقيقية لرؤيتها كعروس بهية الطلة، وإن كان الأمر مزيفًا، لكنها لن تنكر أنها شعرت بالسعادة لمشاركتها أصغر تفاصيل هذا اليوم.
لم تضع "دليلة" حجابًا للرأس بعد، وطرحت على شعرها المعقود على هيئة ذيل حصان وشاحًا مماثلًا للون الثوب، لكونها تعلم أن غالبية الحاضرات بالأسفل من النساء، ومحظور على الرجال الدخول أثناء اجتماعهن، لذلك استجابت للاقتراح بأن تكون على قدر من الأريحية في مثل تلك الجلسة النسائية.
طرقة خفيفة على الباب أدارت الأعناق نحوه، لتفتحه إحداهن وتطل منه متسائلة في أدب:
- سلام عليكم، ممكن أدخل؟
استقبلتها "عيشة" قائلة بابتسامة منمقة:
- اتفضلي.
بادرت بتعريف نفسها وهي تبتسم بخجل، تاركة باب الغرفة مواربًا خلفها:
- أنا "عبير" مرت "سليمان" أخو "غيث" الصغير.
بعدما عرفت بهويتها، في التو صارت نبرتها أكثر حرارة في الترحيب بها:
- يا أهلًا وسهلًا بيكي يا بنتي، على طول الحاجة "أم غيث" في سيرتك الطيبة.
قالت في نبرة مالت للدعاء:
- الله يباركلنا في عمرها.
لتتقدم نحو الفراش وترى العروس التي نهضت للترحيب بها، طافت عليها بنظرة متأملة قبل أن تهمهم في حماس:
- ما شاء الله، تبارك الله، إنتي "دليلة" العروسة؟
هزت رأسها مرددة:
- أيوه.
أضافت في نبرة تعبر عن إعجابها الشديد بمظهرها الرائع:
- سبحان من صور وأبدع.
قالت في وداعة، كرد على مجاملتها اللطيفة:
- تسلمي يا رب.
تفاجأت بها تخبرها بعد ضحكة فرحة:
- ليه حق كبيرنا عجله يطير بيكي، ما هو الجمر ساب مكانه في السما ونزل حدانا.
تحرجت "دليلة" للغاية من هذا الاعتراف غير المتوقع، لتقول "إيمان" في تسلية، وقد أبصرت ما انعكس على ملامح شقيقتها من تلبك، وارتباك:
- يا سيدي على الكلام.
ثم غمزت لها بطرف عينها وكأنها تناكفها، لتهمس لها الأخيرة محذرة بعبوس مصطنع:
- بطلي يا "إيمي".
وزعت "عبير" نظراتها بين ثلاثتهن قائلة في شيء من الحرج:
- أني عارفة إني مجصرة معاكو، وكان المفروض أجي أساعد من بدري، بس والله العيال الله يهديهم ما مخليني جادرة أغمض عيني.
ردت عليها "عيشة" في تفهم، وبرحابة صدر:
- ربنا يعينك عليهم ويحفظهوملك.
لتسألها "إيمان" بفضول:
- هما فين صحيح؟
أجابتها وهي تنظر مجددًا إلى العروس الرقيقة:
- مع عمهم الكبير وسط الرجالة.
لتقتحم "سنية" الغرفة هاتفة بنبرة عالية:
- يا ست "عيشة"، الحاجة الكبيرة بتجولكم المأذون جه.
تحولت كافة الأنظار تجاهها، وخاطبتها "عيشة" وهي تشير بيدها:
- احنا نازلين أهوو.
لتقوم "عبير" بتعديل وضعية الوشاح الخفيف على وجه "دليلة" لتحجب ملامحها الجذابة قائلة باهتمام:
- يالا يا عروستنا، داري بس وشك علشان عيون الناس، وربنا يحفظك من كل سوء.
عودة مرة أخرى إلى داخل السرادق، حيث جلس "غيث" عند يمين الطاولة المستطيلة الموضوعة أمام كافة الحاضرين وإلى جواره والده وعمه، فيما استقر المأذون في المنتصف، وعلى يساره تموضع "وهبة" وبعض كبار عائلته، ليستهل المأذون حديثه بالدعاء قبل أن يتساءل بصوت مسموع للجميع:
- مين وكيل العروس؟
أجاب "وهبة" وهو ينظر إليه:
- هي وكلتني.
تساءل بعدها وهو يمرر بصره على كافة الوثائق الرسمية ليتأكد من صحتها:
- فين بطايج الشهود؟
ناوله أحدهم الهويات مرددًا:
- اتفضل.
تطلع إلى صاحبيها، وتابع وهو يحرك رأسه بإيماءات خفيفة متواترة:
- على بركة الله نبدأ.
بمجرد أن فرغت "دليلة" من التوقيع على وثيقة الزواج حتى انطلقت الزغاريد عاليًا لتشعر وكأنها ستصاب بالصمم من فرط قوتها، إلا أنها لم تعترض على ما يجري احترامًا لما أسمته بالأعراف المتبعة هنا، وفضلت أن تظل مختبئة خلف وشاحها لتتجنب النظرات الفاحصة لها، ليتحول هدوئها الزائف إلى تلبك عظيم حينما هتفت "فاطمة" في بهجة كبيرة:
- الكبير جاي يا حريم يسلم على عروسته.
قامت النساء بضبط أوضاعهن، لتجلسن بوقار وحشمة، فيما غطت مجموعة منهن وجوههن، فهدأت الأجواء فور وصوله، كإعلان صريح عن احترامهن الشديد لشخصه المهيب، لتبادر واحدة منه بتهنئته:
- مبروك يا "غيث" بيه، الله يتمم بخير.
بينما أضافت أخرى وهي تتوارى خلف طرف حجابها:
- عجبال الليلة الكبيرة.
اكتفى بهز رأسه، وعيناه تبحثان بلهفة واشتياق إلى العروس التي اختبأت خلف أجساد النساء، وكأنهن شكلن حاجزًا بشريًا لمنعه من رؤيتها. أقبلت عليه "فاطمة" لتهنئته بسعادة عارمة:
- ألف مبروك يا ولدي، ربنا يفرح جلبك.
انحنى ليقبل كفها أولًا، ثم استقام واقفًا، وقبل أعلى رأسها مرددًا:
- الله يبارك فيكي يامه.
أخذته في أحضانها، وقبلت كتفيه في مزيد من السعادة، لتتراجع عنه هاتفة فيمن حولهما بلهجتها الحازمة المسموعة:
- تعالوا يا حبايب، الوكل جاهز، وخلوا العريس يجعد لحاله مع عروسته شوية.
بغير مجهود نجحت في صرفهن جميعًا، وإخلاء المكان من كل ذلك الزحام الذي حال بينه وبين عروسه، واصطحاب حماته وابنتها الكبرى أيضًا، ليختلي أخيرًا بها.
للحظة ظن أن ذلك لن يحدث أبدًا، خاصة أنه حُرم من رؤيتها لأيام طوال مرت عليه كالدهر. وجدها تجلس على الأريكة، تفرك أصابعها معًا، ويظهر عليها التوتر والربكة، ابتسم لرؤيتها على تلك الحالة الخجلى، فكل ما يصدر منها يسره ويرضيه بشكل لا يمكن وصفه.
تضاعفت فرحته أضعافًا عندما أبصر القلادة التي أهداها لها ترتديها، كانت تليق بها، ولا تستحق أقل منها. لم ينسَ أنه استمر في الضغط على الصائغ الذي تتعامل معه عائلته لصنع واحدة مميزة، لم تضعها أنثى من قبلها، فتكون لها ولأجلها.
ازدادت "دليلة" توترًا مع خطواته التي تقترب منها، شعرت بتلاحق دقات قلبها، بارتفاع صوتها، وكأنها ستصرخ من فرط انفعالها، لم تتوقع أن تصيبها هذه الحالة العجيبة من المشاعر غير المفهومة، إلا أنها لم تمانع معايشتها رغم الهواجس التي كانت تراودها بين الحين والآخر بعدم الانسياق وراء تلك التجربة بكامل جوارحها، فكلاهما سيضطران إلى الافتراق في يوم ما.
استفاقت من سرحانها اللحظي على صوته الذي راح يمتدحها:
- بسم الله ما شاء الله.
نهضت من موضع جلوسها لتواجهه، فحادثها في صوت خفيض:
- مبروك.
ردت في خجل متصاعد:
- الله يبارك فيك.
مد يده ليزيح الحجاب الذي يمنعه عن تأمل وجهها، فانبهر أكثر عندما رأى جمالها غير المتكلف، والذي لم تبذل أي عناء في إظهاره، شعرت بحرارة أنفاسه وهو يهمس في تشوق:
- يا بوي! ما شاء الله!
كلماته وإن كانت بسيطة إلا أنها عكست تأثيرها عليها، فاصطبغت وجنتاها بحمرة ساخنة، ولم تجرؤ على رفع عينيها والنظر إليه، ليهيم في تأملها بشكل مفرط:
- أني أمي فعلًا كانت دعيالي.
لئلا يستمر في التغزل بها، وإرباكها بأسلوبه السلس في اجتذاب الحديث معها تسلحت "دليلة" بالجدية وخاطبته وهي توليه ظهرها:
- ما تنساس، احنا على اتفقنا..
أرادت تذكيره بالواقع المرير إن كان يتعمد التغاضي عنه، فاستمرت تضيف وهي تتحاشى النظر ناحيته:
- كل ده وضع مؤقت.
تفاجأت به يدور حولها ليكون في مواجهتها مجددًا، قبل أن يخبرها باسمًا بسرور:
- خلينا في دلوجيت، نفرحوا شوية.
ثم أسبل عينيه نحوها، فرأت فيهما ما لا يمكن للقلب أن يشكك في وجوده، إنه العشق المتيم، الوله الذي لطالما حلمت به الفتيات، قاومت ما يحاول إظهاره لها عبر نظراته بالالتفاف للجانب، وتحدثت بصوت جاهد ألا يبدو مرتبكًا فيفضح أمرها:
- صحيح الأمانة بتاعة الريس "وهبة" وصلت، شكرًا على كل حاجة عملتوها علشانا.
مرة أخرى تحرك من موضعه ليغدو في مواجهتها، وحافظ على ثبات ابتسامته عندما عقب:
- ما تجوليش إكده، احنا فداكي يا ست البنات.
ليتفاجأ بها تهم بالمغادرة، فانتفض كالملسوع ليستوقفها متسائلًا في عتاب منزعج:
- واه، رايحة فين؟
رأت ذراعه العريض الذي بسطه أمامها ليقطع عليها طريقها، فارتبكت في وقفتها، وأجابته في صوت شبه مهتز وهي تشير بيدها:
- هطلع فوق، الناس مشت.
خفض من ذراعه متابعًا في نبرة تحمل التمني في طياتها:
- مش هتاكلي معاي؟
لم تعرف بماذا تجيبه، فأكمل متصنعًا العبوس:
- ده أني محطتش الزاد في جوفي من الصبح.
وكأن عقلها قد أرهق من عناء مجهود ذلك اليوم الطويل، فلم تستوعب مقصده، فرددت بشكل عفوي:
- إيه؟
ببساطة أخبرها:
- مكالتش يعني.
ردت عليها بسجيتها:
- الأكل كتير ماشاء الله، كل براحتك اللي يعجبك.
زوى ما بين حاجبيه متسائلًا في استغراب:
- وأنا هاكل لحالي إكده؟
لتفاجئه بردها الأعجب:
- أناديلك حد من برا طيب؟
لم يعلم حقًا إن كانت تحاول الهروب من محيطه خجلًا منه، أم أنها لا تستسيغ البقاء بجواره، ومع ذلك ترك ما يحير خلده جانبًا، وطلب منها صراحة، وفي شيء من الرجاء:
- أني عايزك تجعدي معايا شوية، هتكسري بخاطري؟
كانت على وشك رفض مطلبه بتهذيب، استطاع أن يستشف ذلك من تعبير وجهها، فلجأ في التو إلى وسيلة أخرى تستحثها على القبول، بل إنه كان واثقًا من نجاح تأثيرها عليها، فاسترسل في نبرة شبه متهكمة:
- وبعدين لو حد شافك طالعة لحالك عيجولوا مزعلها ودبحلها الجطة من أول يوم.
استفزتها جملته الأخيرة، فتحفزت في وقفتها، وخف ارتباكها للغاية، لتقول في حدة طفيفة:
- إيه دابحلي القطة دي كمان؟
ادعى البراءة قائلًا وهو يرفع كفيه للأعلى:
- هما اللي عيجولوا إكده مش أني!
ليزيد من الضغط عليها بلؤم، أضاف:
- والصراحة دي حاجة تضايج.
في التو قالت بعناد وتحد:
- وأنا مش هسمح حد يقول عني كلمة بالغلط، وأدي أعدة.
لتتجه بعدها إلى الأريكة لتجلس عليها، ومن ورائها يتابعها "غيث" وهو يحاول جاهدًا إخفاء ابتسامته المستمتعة بالأمر.
بعد لحظات جاءت "سنية" وهي تحمل صينية الطعام، وضعتها على المائدة القصيرة المستديرة أمام العروس، وانصرفت بعدما رأت نظرة "غيث" الصارمة التي تأمرها بلا كلام، ليقوم بالجلوس مجاورًا لها، وقلبه يرقص طربًا من فرط سعادته.
لاذت "دليلة" بالصمت، وحدقت في أي شيء إلا وجه "غيث" الذي بدا مترددًا هو الآخر في محاولة جرها للحديث معه، ظل على هدوئه المصطنع قائلًا وهو يقتطع جزءًا من لحم الدجاج المشوي الموضوع في الصحن ليُطعمها إياه:
- اتفضلي.
نظرت إلى يده الممدودة إليها قائلة بابتسامة مترددة:
- مش جعانة، خد راحتك في الأكل.
أصر عليها بتصميم:
- هتكسفي يدي؟
اعتقدت "دليلة" في نفسها أنها إن أصرت على الرفض لظن أنها تترفع عنه، وتتأفف منه، والحال على النقيض، فهي تخشى أن تصنع المزيد من الذكريات اللطيفة معه، فيصبح الأمر مؤلمًا للغاية عندما يبلغ منتهاه، وتضطر للانفصال والرحيل بعيدًا. حسمت أمرها وأخذتها منه لتأكلها قائلة بابتسامة مهتزة:
- شكرًا.
قرأ ما يظهر على تعبيراتها من حيرة، وتخبط، فسعى لترسيخ علاقتهما بدفعها للاستجابة لما يمليه عليها القلب، فطلب منها باسمًا:
- وأني نفسي أدوق دي من يدك.
اتسعت عيناها على الأخير في ذهول، وراحت تخبره في جزع وهي تشير بيدها نحو أصناف الطعام المختلفة التي بدت بالنسبة لها أكثر تعقيدًا من معادلات الفيزياء:
- بس أنا مابعرفش أعمل الأكلات دي، خبرتي على أدي في المطبخ، ده أنا أفشل واحدة تطبخ.
بالكاد منع نفسه من الضحك على طريقتها الخرقاء في وصف مهارتها المتواضعة في الطهي، وقال موضحًا:
- ومين جال إكده؟ أني عايزك تدوجيني الشوربة، أصل يدي مش نضيفة، وخايف أبهدل خلجاتي.
حملقت فيه لجزء من الثانية في صدمة، لتقول بعدما تداركت ما يرغب فيه:
- تمام حاضر.
التقطت الملعقة بيدها، ووضعتها في حساء الشوربة، وقربتها منه بحذر وهي تخاطبه:
- اتفضل.
شاكستها في مكر:
- باين عليها سخنة جوي، برديها الله يكرمك بدل لساني ما يتلسع.
رمشت بعينيها متسائلة في دهشة:
- أنفخ فيها يعني؟ مش هتقرف؟
قال مؤكدًا بهدوء:
- ماتجوليش إكده، ده إنتي مَرتي.
وانتظر على أحر من الجمر أن تستجيب لمطلبه وتنفذه، فاجأته حينما قربت الملعقة من شفتيها الشهيتين، وبدأت تبث أنفاسها فيها بهدوء، ليثور قلبه ويزأر طامعًا في تذوق حبتي الكرز والاستمتاع بمذاقهما على شفتيه، أرجأ أحلامه مؤقتًا، وبذل كل الجهد ليبدو ثابتًا قبالتها إلى أن مدت الملعقة تجاهه، فمال عليها ليرتشف ما فيها بتلذذ وشوق.
زادت ابتسامته اتساعًا، وأخذ يخبرها فيما يشبه الغزل:
- يا بــــوي، مافيش أطعم من إكده.
لتأتي "فاطمة" على حين غرة وتفسد مخططته في قضاء بعض الوقت مع زوجته، فوزعت نظراتها السعيدة بينهما قائلة في ألفة ومحبة:
- ما شاء الله، ربنا يحرسكم من العين.
نظر "غيث" نحوها يحادثها:
- تعالي يامه حدايا.
ردت باسمة وهي تلتصق بـ "دليلة"، لتجبرها على التحرك قليلًا، والاقتراب من ابنها في حركة لئيمة:
- لع، أني هجعد جار عروسة ابني.
لامس جانبها جسده، فاشتعلت الأشواق بداخله، فادعى انشغاله بتناول الطعام، على أمل تنطفئ جمرات التوق المتأججة فيه، فيما تساءلت "فاطمة" في نبرة أمومية:
- ناجصك حاجة يا بتي؟
التفتت أكثر لتنظر إليها عن قرب وهي تخاطبها:
- لأ، الحمد لله كله تمام.
ومع حركتها اللا إرادية تلك، التصقت بجانبه، وكأنها على وشك السقوط في أحضانه إن استدار فقط قليلًا، ويا لها من رغبة يرجو حدوثها فيضمها من ظهرها ويشدها ناحيته ليجلسها فوق حجره! لقد أصبح كمن يجلس على أتون متقد، بل إنه وجد صعوبة في ضبط انفعالاته، وكبح مشاعره الثائرة.
تحدثت "فاطمة" في جدية وهي تناولها حقيبة قماشية صغيرة:
- اتفضلي.
نظرت إلى ما بداخل الحقيبة، فارتسمت علامات الصدمة الجلية على تعبيراتها، وهتفت كمن لدغه عقرب:
- إيه ده؟
أجابتها مبتسمة وكأنه أمر عابر ومعتاد الحدوث:
- نجوطك من الحبايب.
في التو أعادت الحقيبة إليها، وردت رافضة بإصرار:
- أنا ماينفعش أخد الحاجات دي، مش من حقي ده أولًا، ده غير إن جوازنا المفروض إنه صوري، على الورق بس.
لن ينكر "غيث" أنه انزعج من كلامها هذا، فقال في ضيق، وقد انقلبت سِحْنته إلى حد كبير:
- حتى لو على الورج، ده عوايد، واحنا ناس نفهموا في الأصول كويس، وعارفين اللي لينا واللي علينا...
التفتت ناظرة إليه، فوجدته يناظرها عن قرب بعينين حادتين، فارتاعت من نظرته تلك، خاصة وهو يخبرها:
- وكفاية إن جبلت إنك ماتخديش مهر، بس ربنا عالم إنه دين في رجبتي، وهدهولك.
ظلت على موقفها هاتفة بتصميم:
- على فكرة إنتو مكبرين الموضوع، والله ما في داعي لكل ده، أنا مش عايزة حاجة.
لتنضم إليهم "عيشة"، فكان مجيئها كالنجدة، فخاطبها "غيث" وقد هب واقفًا:
- احضرينا يا حاجة.
انقبض قلبها من طريقته المغايرة لما كان عليه قبل لحظات، وتساءلت بتوجس:
- في إيه يا "دليلة"؟ حصل حاجة؟
أجابتها بجدية:
- عايزيني أخد نقوط الجواز، وده ما ينفعش.
تفهمت "عيشة" سبب إصرار ابنتها على عدم تلقي أي أموال، أو هدايا من العائلة، وبدت تؤيدها إلى حد ما في موقفها الرافض عندما تحدثت:
- أنا شايفة إن حوار النقطة وغيرها سابق لأوانه، يعني الظروف والوضع...
قاطعها "غيث" بحسم وحزم:
- ولا جنية هيرجع منهم، عن إذنكم.
وغادر بعدها وعلامات الاستياء تظهر جلية عليه، لتتساءل "دليلة" في استغراب حائر:
- هو زعل ولا إيه؟
ربتت "فاطمة" على كتفها تستحثها على اللحاق به قائلة بقلق:
- ورا جوزك يا بتي، طيبي بخاطره.
لتتدخل "عيشة" موضحة أسبابها:
- الحاجات دي مافيهاش زعل، واحنا المفروض آ...
لم تدعها تكمل حديثها، وقاطعتها بنبرة جادة:
- خلينا نتحددتوا سوا، وهي تشوف جوزها.
هزت رأسها موافقة، ووجهت كلامها إلى ابنتها:
- معلش يا "دليلة" راضيه، مافيش داعي يكون في زعل على الفاضي.
أطاعتها قائلة وهي تتحرك من موضعها لتذهب في إثره:
- طيب.
قبل أن تخرج إلى فناء القصر الأمامي، تأكدت "دليلة" من لف حجابها حول رأسها، لتغطي عنقها الذي كان ظاهرًا، كان المكان من حولها هادئًا، وخاليًا من البشر، والسبب بالطبع معروف، فالكل مجتمع خارج أسوار القصر في السرادق ليحتفلوا معًا.
تجولت بغير هدى في محيط الفناء متسائلة مع نفسها بتحير:
- هو راح فين كده؟
وراحت ترفع من نبرة صوتها لتناديه:
- يا عمدة!
تلفتت حولها باحثة عنه وهي لا تزال تتحدث إلى نفسها في نبرة هزلية:
- حتى الغفر مش موجودين، كلهم أكيد بياكلوا في الصوان برا، ودي حاجة تتساب أصلًا.
حاذرت في خطواتها لئلا تتعثر وهي ترتدي حذائها ذي الكعب العالي، واستمرت تنادي:
- يا عمـــدة!
لتتفاجأ به من خلفها يعاتبها:
- في واحدة تجول لجوزها يا عمدة؟
قفزت في ذعر على ظهوره المفاجئ والتفتت تنظر إليه بنظرة لائمة، فتابع بغير ابتسام:
- أني اسمي "غيث".
ردت عليه تستعتبه:
- على فكرة إنت خضتني.
باعد ناظريه عنها، والتف للجانب ثم رفع وجهه للسماء متسائلًا في تحفز:
- جاية ورايا ليه؟ وإياكي تجولي ماعوزاش النقوط، مش هنتحدتوا في الموضوع ده.
هذه المرة تحركت من موضعها نحوه لتقف في مواجهته، وقالت في تحد:
- ماشي براحتك، أنا هشيلهم أمانة عندي مع الكردان ده، وفي الوقت المناسب هرجعهم.
في تلك الأثناء، نجحت "سنية" في التسلل بحذر تحت أستار الظلام لتتمكن من وضع ذلك الشيء الذي أوصتها "نعمة" بتركه على مقربة من تلك اللعينة بعدما تلقت نفحة لا بأس بها من النقود، استجابة لأمر "أحلام" بالتخلص منها دون أن تثير الشكوك أو الشبهات.
حلت وثاق الكيس القماشي، فتحررت تلك الأفعى السامة مما كان يحتجزها، لتنطلق زحفًا للأمام، وفي اتجاه "دليلة" التي كانت توليها ظهرها، وصوت "سنية" الخافت يهسهس في شر:
- إياكش تلدغها وتجيب أجلها.
اختلست نظرة سريعة نحوها لتتأكد من اقترابه منها قبل أن تخاطب نفسها:
- أما أدارى لأحسن سيدي يشوفني ويجطع خبري.
فيما نظر "غيث" إلى "دليلة" قائلًا بغير تساهل:
- إنتي حرة، اعملي فيهم ما بدالك.
ردت بعناد وهي تشبك ساعديها أمام صدرها:
- أه طبعًا أنا حرة.
لتتفاجأ به وقد قست نظرته وصارت ملامحه جامدة للغاية، خفضت من مرفقيها متسائلة في توتر، خاصة بعدما لمحته وهو يستل مسدسه الناري من جيب جلبابه:
- في إيه؟
لوهلة ظنت أن عنادها أتى بنتائج عكسية معه، فتراجعت بتوتر خطوة للخلف، وأشارت له بكفيها قائلة في صوت مرتجف:
- إنت شكلك متعصب، مش هنكبر الموضوع على الفاضي.
أشهر فوهته للأعلى، فهوى قلبها في قدميها هلعًا، وسألته بغير تصديق، وهي بالكاد تحاول إظهار شجاعة زائفة أمامه:
- إنت هتعمل إيه؟ ماينفعش تجبرني على حاجة مش عايزاها.
خرج صوته آمرًا:
- ما تتحركيش.
تجمدت في موضعها متسائلة بارتعاب:
- هتمــوتني؟!!!
لتخبئ وجهها خلف يديها وهي تحادثه بصوت مال للاختناق، وكأنها على وشك البكاء:
- أنا معملتش حاجة!
تفاجأت به يقبض على معصمها، ويجذبها بغتة منه وبقوته ناحيتها، لترتمي في أحضانه وتلتصق به، وصوته المحذر يجلجل:
- حاسبي.
ليضغط بعدها على الزناد، فتخترق الطلقة رأس تلك الأفعى التي قفزت تأهبًا للدغها غدرًا.
صرخت دليلة ذعرًا كردة فعل طبيعية للموقف المهول، وضمت غيث بغير وعي، فطوقها بذراعه ليزيد من احتوائه لها، لتهتف في نبرة ذاهلة بعدما عرفت الدافع الحقيقي لاستلاله سلاحه:
إيه ده كمان؟ تعبان؟
ظل يحاوطها رافضًا تركها، وسألها في نبرة ممازحة محاولًا تخفيف أجواء ذلك التوتر الرهيب الذي عايشته:
أني مش عارف ليه إنتي بالذات دونًا عن مخاليق ربنا الحيوانات بتجي حداكي؟
ردت عليه ساخرة، وبتلقائية ساحرة:
مغناطيس، شكلي بيعجبهم الظاهر.
لحظتها فقط طالعها من هذا القرب الخطير قائلًا بهمس عذب، كان متأكدًا من نفاذ تأثيره إلى أكثر حصونها تعقيدًا:
وإنتي تعجبي السلطان في زمانه.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الخمسون 50 - بقلم منال سالم
كلمات عفوية أطلقها لسانه مادحًا تلك الحسناء الفاتنة التي ضمها في أحضانه ليحميها من نسمة الهواء العابرة قبل أن تمسها، لتتورد وجنتاها بحمرة مشتعلة ساخنة ومتأثرة بسحر عذوبة حديثه غير الزائف، إلا أن ذلك الشيء المزعج في عقلها ظل يؤرقها وينبهها ويحذرها بشدة ألا تتمادى وتنساق وراء ما يداعب قلبها، لئلا تصبح الأمور أسوأ وأكثر تعقيدًا عند الانفصال.
تداركت "دليلة" نفسها، واستفاقت من اللحظة الرومانسية الحالمة، لتدفع "غيث" بقبضتيها من صدره، وتتمكن من الابتعاد عنه، لتقول في لجلجة محسوسة في نبرتها:
- شكرًا، أنا كان ممكن أروح فيها.
انتصب في وقفته الشامخة، وخاطبها بغير مزاح رغم كون نبرته هادئة، ودون أن يحيد بنظرته العميقة عنها:
- وأني مش هسمح لحاجة تمسك واصل.
تضاعف إحساسها بالارتباك، وخفضت من بصرها لتتجنب نظرته تلك التي تزيد من زلزلة شعورها، لتقول:
- عمومًا.. أنا كنت جاية أطيب بخاطرك، ومش عايزاك تكون زعلان.
غازلها في عذوبة جعلت نبضات قلبها تتسارع للغاية:
- وحد يكون حداه الجمر ويفضل متنكد إكده؟
حمحمت هاتفًة في مزاح لطيف قبل أن تفر هاربة من حصاره الذي يؤثر عليها بشكل غير متوقع:
- احم.. أنا هخش جوا، بدل ما يطلع عليا المرادي أسد.
صاح من ورائها مؤكدًا وهو يضع يده على صدره:
- ولو مليون سبع، أني جادر عليهم بعون الله.
توقفت عن المسير لتنظر إليه بنظرة أخيرة ناعسة، وخاطبته باسمة في رقة:
- تصبح على خير.
بادلها البسمة بأخرى أكثر اتساعًا حين رد:
- وإنتي من أهل الخير.
شيعها بنظرته المتشوقة إلى أن اختفت بداخل القصر، فقال بعد تنهيدة مطولة معبأة بالآمال والأمنيات:
- ربنا يجرب البعيد، وتكوني في حضني على طول.
أثناء التفافه لمح مصادفة خادمته "سنية" وهي تسترق النظر خلسة نحوهما، فقست تعابيره، وبدا متشككًا من وجودها، لم يدع الأمر يمر، وناداها بصوت مرتفع أفزعها:
- بت يا "سنية"، واجفة عندك إكده ليه؟
ارتجف كامل بدنها، وخرجت من مخبأها لتدنو منه، ثم ردت وهي بالكاد تحاول التماسك أمامه:
- سـ..ست الحاجة بعتاني أشوف إن.. إن كنتو محتاجين حاجة يا سيدي البيه.
زجرها بلهجة صارمة:
- لع، اتخفي جوا.
في التو ركضت لتنفذ أمره بعدما ردت بإذعان كامل:
- حـ... حاضر.
.....................................
لم يكن من السهل عليها التأقلم على فراقه بعدما تخطت سنوات زواجهما حاجز الثلاثين بمنتصفها تقريبًا، بدا الاعتياد على غيابه مؤلمًا للغاية، فغرقت "سميحة" في أحزانها أكثر، للدرجة التي جعلتها تهمل في الانتباه إلى صحتها.
جلس "عادل" إلى جوارها على الأريكة، وناولها كوب المشروب الذي أعده لها قائلًا:
- اشربي يا ماما الليمون ده كويس علشانك.
هزت رأسها رافضة بتمنع:
- ماليش نفس يا ابني...
لتنخرط في نوبة بكاء أخرى وهي تكمل في أسى:
- فراق أبوك قطع بيا، ده احنا عشرة سنين مع بعض.
رد عليها مواسيًا:
- هو في مكان أحسن دلوقت، بس علشان خاطري اشربيه.
على مضض تناول الكوب منه لتبدأ في ارتشاف المشروب ببطء، لينتبه كلاهما إلى صوت قرع الجرس، فتساءلت "سميحة" في استغراب وهي تمسح دموعها المسالة بمنشفة ورقية:
- مين اللي جاي السعادي؟
رد عليها وقد قام من موضع جلوسه:
- خليكي مرتاحة، أنا هشوف مين.
اتجه نحو باب البيت ليفتحه، فتفاجأ بوجود عمه "ناصر" عند عتبته، بادر الأخير ملقيًا التحية:
- سلام عليكم.
تجاوز "عادل" عن دهشته اللحظية من زيارته غير المتوقعة في هذا التوقيت المتأخر، ورد عليه بتهذيب:
- وعليكم السلام، اتفضل يا عمي.
سمح له بالدخول ليعرج إلى الداخل هاتفًا في صوت جاف:
- إزيك يا "سميحة"؟
نهضت لاستقباله قائلة بشيء من التحير والدهشة:
- الحمد لله يا "ناصر"، حصل حاجة؟
أجابها بنفس الأسلوب المتجافي:
- هما كلمتين جاي أقولهم وأمشي.
زادت الحيرة بداخل الأم وابنها، ليسترسل "ناصر" متحدثًا بجمود:
- أعمامك مفوضني إنهم عايزين حقهم الشرعي من شراكتهم مع أبوك.
لن ينكر "عادل" أنه انزعج للغاية من ذلك الأسلوب غير المراعي في مطلبهم، واعترض مبررًا سبب ضيقه:
- أبويا لسه ميت من كام يوم، واحنا مفوقناش من اللي حصله.
ليتفاجأ به يخبره ببرود مستفز، وكأن رابط الدم قد انقطع بينهما:
- أبوك مات وادفن، والمثل بيقول الحي أبقى من الميت، ودي حقوق ناس...
بدت نبرته متهمة أكثر عندما اتهمه صراحة:
- إيه هتلهفوا الورث وتاكلوه؟
رد عليه "عادل" مدافعًا:
- حاشا لله، بس يا عمي...
لم يمهله "ناصر" الفرصة لاستكمال حديثه، وحذره بلهجة مالت للتهديد:
- أحسنلك ماتعديناش وترجع الحقوق، بدل ما نجيبها بطريقتنا.
كانت "سميحة" على وشك الاعتراض عليه ومهاجمته لفظيًا، إلا أن "عادل" استوقفها بالإمساك بيدها، فاختتم ضيفهما حديثه:
- أنا قولت اللي عندي، سلام عليكم.
وغادر بعدها لتصيح "سميحة" في استنكار جم:
- شايف أعمامك يا "عادل"؟ هما دول اللي أبوك كان بيطفح الدم سنين عشانهم، أقسم بالله العظيم ما دفعوش جنية في الشركة اللي بيقولوا إنهم شركا فيها...
فاضت عيناها بالدمع الغزير وهي تخبره بما ظنت أنه لا علم له به:
- عمك "ناصر" ده بالذات كان بيجي يعيطله علشان يسلفه، ويسترجاه يسد عنه دينه، فأبوك مخلصوش يفضل طول عمره مديون، وفكر يعمل شركة يجمعهم فيها، واتحمل كل حاجة، وطلعلهم زي دخل شهري من أرباح توكيل البضاعة اللي كان بيجيبها من الصين ويوزعها على المكتبات، هما نسيوا ده كله وافتكروا نفسهم أصحابها بجد؟
كانت لديه خلفية تامة عن كل شيء، فهو من يتولى مسائل استيراد المنتجات وتوريدها، وتوزيع الأرباح لاحقًا على العائلة، فقال بعد زفرة ثقيلة:
- اهدي يا ماما، أنا هحل كل حاجة.
انهارت "سميحة" جالسة على الأريكة صائحة في ألم وحنق:
- حسبي الله ونعم الوكيل، دي أخرت المعروف مع ناس ماتستهلش!
.........................................
قدمت لها والدتها يد المساعدة في تغيير ثوب عقد القران لتكمل ارتداء قميصها المنزلي، وتجلس على حافة الفراش تصغي إلى شقيقتها الكبرى وكذلك أمها عن اليوم. واصلت "عيشة" الحديث، فأضافت وهي تطوي الثياب غير النظيفة لتضعها معًا تمهيدًا لغسلها في وقت لاحق:
- والله كانت ليلة جميلة وخفيفة...
لتتوجه بالكلام إلى "دليلة" فتخاطبها في رنة من الحزن:
- أبوكي لو كان عايش كان فرح بيكي.
ابتلعت الأخيرة غصة علقت تلقائيًا في حلقها تأثرًا بذكراه التي لا تزال حاضرة في قلبها ووجدانها، وردت:
- الله يرحمه برحمته الواسعة...
لتصبح نبرتها أكثر جدية وهي تخبرهما:
- بس كل ده تمثيل، حدوتة وهتخلص بعد كام يوم.
أيدتها "إيمان" في تعليقها الأخير، وزادت عليها:
- بالظبط، احنا خلاص معانا عنوان الشقة بتاعتنا، ونقدر نطلع من هنا على هناك، ونكمل حياتنا في هدوء.
ليقطع عليهن استرسالهن في الحديث الطرقات المستأذنة على الباب، قبل أن تقوم "فاطمة" بفتحه متسائلة في أدب:
- ممكن أخش؟
في التو استقبلتها "عيشة" ودعتها للدخول قائلة بترحاب شديد:
- اتفضلي يا ست الحاجة، ده بيتك ومطرحك واحنا اللي ضيوف هنا.
صححت لها في محبة ولطافة:
- ماتجوليش إكده، احنا بجينا أهل دلوجيت.
لتقترب بعدها من "دليلة" التي نهضت لاستقبالها هي الأخرى، فوجدتها تمد لها يدها برزمة من النقود قائلة:
- خدي يا بتي.
ترددت في أخذها منها، وسألتها في استغراب:
- إيه دول؟
أصرت على وضعها في يدها موضحة:
- نقوط الحاج "زكريا"، هو كان عايز يجيبهم بنفسه، بس اتحرج لتكوني غفيتي.
سرعان ما تبادلت نظرة حائرة مع والدتها قبل أن ترفض هديتها في تحرج:
- مالوش لازمة، أنا أصلاً مش عايزة الفلوس دي كلها ولا ...
قاطعتها بشيء من العتاب:
- هتكسفي كبير العيلة؟ ما تفهميها يا ست "عيشة"؟ مش احنا اتحددتا في ده؟
لتتفاجأ بدعم والدتها لحماتها في رغبتها قائلة بلهجة الأم الحازمة:
- خديهم يا "دليلة".
اعترضت عليها بشيء من الضيق:
- بس يا ماما...
أخبرتها حاسمة الجدال:
- اسمعي الكلام.
اضطرت أن تقبل بالهدية، لتربت "فاطمة" على كتفها في حنان وهي تدعو لها بصدق كبير:
- وعقبال فرحتنا بعوضك يا بتي.
..........................................
لم تستطع التحرك من فراشها بعدما طال الأذى قدميها جراء التقريع التأديبي الذي نالته من أبيها في وقت سابق، فأصبحت مضطرة للاستلقاء عليه ريثما تتعافى، وبالتالي تعذر عليها رؤية خطتها الدنيئة وهي تنفذ فعليًا خلال مراسم عقد القران.
ظلت الأفكار والهواجس تتصارع في رأس "أحلام"، ضجرت من الانتظار الطويل، وبات صبرها معدومًا، فصاحت في خادمتها تسألها:
- ما فيش خبر إكده يا بت؟
نظرت الأخيرة إلى شاشة هاتفها المحمول قبل أن ترد وهي تهز رأسها بالنفي:
- لسه يا ست "أحلام".
عقدت الأخيرة منديل رأسها الأسود، وهمهمت في نبرة مغلولة ساخطة:
- إياكش يكون الحنش جاب أجلها.
علقت "نعمة" مؤمنة عليها:
- يا رب يا ستي.
نضب مخزون صبرها، وأمرتها وهي تشير لها بيدها:
- اطلبي البت "سنية" اسأليها، أني مش هفضل إكده جاعدة على ناري.
أظهرت شاشة هاتفها قبالتها وهي تخبرها:
- أني بكلمها أهوو.
في التو اختطفت "أحلام" الهاتف من يدها، ودمدمت في حنق آخذ في التصاعد:
- ردي يا بت المركوب.
بمجرد أن فُتح إرسال الطرف الآخر حتى صاحت بها بلا أي مقدمات:
- جوليلي يا به في جديد؟
عرفت المتصلة من صوتها، وأجابتها في نبرة صوت مدعية بها الحزن:
- نفدت منها بت الرفدي يا ست "أحلام".
انفلتت منها صرخة عالية منددة، لتلقي بعدها بالهاتف في عصبية على الأرضية وهي تصيح في استنكار غاضب للغاية:
- محروجة هي واللي جابوها.
جزعت "نعمة" لكون هاتفها قد تعرض للتحطيم، وانحنت لتجمع أجزائه قائلة في تبرم:
- اهدي يا ست "أحلام"...
كانت تعلم أن سيدتها ستعوضها عنه ببديل أفضل، مثل كل مرة تنفعل فيها وتتسبب في خسارتها لأشيائها، حاولت إعادة القطع المنفصلة معًا وهي تكمل تحذيرها:
- بالله عليكي ما تصوتي، لأحسن البيه "راشد" يسمعنا وتبجى ليلة.
تجاهلت توسلها وراحت تلطم تارة على صدغيها، وتارة أخرى على رأسها:
- يا مُرك يا "أحلام"! يا جهرة جلبك يا "أحلام".
على ما يبدو كان والدها قد عاد من الخارج ويمر في الردهة بجوار غرفتها، سمع من الفرجة المواربة لبابها صوت عويلها، فدفع الكتلة الخشبية بعكازه مقتحمًا المكان وصوته المستفهم يسبقه ليسألها:
- بتندبي ليه يا بت؟
كفكفت دمعها بظهر كفها، والتفتت ناظرة إليه بعينين حادتين وهي تجاوبه كذبًا:
- ما فيش يا بوي.
وكأنه يتعمد إغاظتها، وإشعال نيران الغيرة بداخلها، فقال مبتسمًا ابتسامة عريضة:
- أما كانت ليلة حلوة صُح...
رمقها بهذه النظرة الشامتة قبل أن يواصل الكلام:
- كانت نجصاكي.
لم تتحمل استفزازه الصريح لها، وسألته في حنق متعاظم:
- إنت بتكيدني يا بوي؟
بدا غير مبالٍ على الإطلاق بمشاعرها المستثارة، وأومأ برأسه قائلًا:
- إيوه، كان زمان ليلتك أجدع لو كان ولد "فتيح" بخير، بس إنتي وش فقر.
على الفور اربد وجهها بحمرة نارية لتصيح مستهجنة:
- بجى إكده يا بوي؟
قبل أن تنفجـــر عصبيتها في وجهه، ضرب بطرف عكازه المدبب الأرضية ينذرها:
- مش عايز أسمع صوت ندب، أني حيلي مهدود وعايز أنام في هدوء.
من ورائه سألته "نعمة":
- ما عملكش حاجة تاكلها يا سيدي؟
نظر إليها من زاويته قائلًا بعبوس:
- لع، أني شبعان.
ليغادر بعدها الغرفة و"أحلام" تنكوي بحقدها وغضبها، انتزعت من على رأسها ذلك المنديل القماشي الذي ترتديه، وعبثت في خصلاته ليبدو فوضويًا وهي تهدر في عجز مشوب بالغل:
- آه لو كانت رجلي سليمة، كنت خربتها على دماغها، وخليت ليلتها سودة ومجندلة عليها وعلى اللي جابوها.
كزت على أسنانها بغيظ أكبر، لتضيف في تحسر:
- نجول إيه، ما أني زي ما بوي جال، فقر!
دار بخلد "نعمة" فكرة ما خبيثة، فطرحتها علنًا لعلها بذلك تساعد سيدتها المكلومة، فبدا سؤالها كما لو كانت تستفهم منها عن مدى معرفتها من عدمه:
- على إكده يا ست "أحلام" البت دي خابرة بجوازة البيه "غيث" الأولانية؟
وكأنها وسوست لها بأسلوبها اللئيم بشيء يمكن أن تستخدمه في إفساد ما بينهما قبل أن ينشأ من الأساس، فهتفت في تحفز وعيناها تلمعان بالشر:
- ولو ما عندهاش خبر أني هقولها .. بس على طريجتي.
........................................
خاصمه النوم وجافاه رغم الإرهــاق الذي نال من كل عظمة في جسده بعد مشقة هذا اليوم، إلا أن مجرد التفكير فيها وهو يضمها، وحضنه يحتويها، جعلت حواسه ومشاعره في أوج يقظتها. لم يعايش "غيث" مثل تلك السعادة من قبل، حتى في زواجه السابق، كان يؤدي دوره المنوط به فقط، متجردًا من أبسط الأحاسيس.
استلقى على ظهره، وحدق في السقف السابح في الظلام مليًا، كم كان يأمل أن تسلم "دليلة" مفتاح قلبها إليه، وتضع ثقتها به، فيمنحها كل شيء يملكه، ارتسمت ابتسامة راجية على ثغره وهو يخاطب نفسه:
- بس لو تحني عليا شوية!
شعر بالضجر من بقائه على تلك الحالة القلقة، فقرر النهوض والصعود إلى السطح ليجلس في الهواء العليل، لعل وعسى ما بقلبه يهدأ.
........................................
حينما صعد إلى الأعلى، لم يتوقع وجودها بهنا، حيث كانت غافية على الأرجوحة، مستلقية تحت ضوء القمر، تعبث النسمات الخفيفة بشعرها الذي انساب وتسلل من خلف حجابها. سار "غيث" على أطراف أصابعه وهو يقترب منها، يخشى أن توقظها خطوات قدميه، فتفسد عليه تأمل ملامحها البريئة والاستمتاع بوجوده بقربها الفاتن.
جثا بحذر على ركبته أمام وجهها النائم، وابتسم وهو يجوب بنظرته الممعنة على تفاصيل وجهها، شعر بتلك الوخزة في يده وهي تستجديه لأن يشعر بملمس بشرتها الناعمة على جلد أصابعه، قاوم بأعجوبة ما يعتريه من رغبات، وراح يتأملها في هدوء، حتى وجدها تحرك جفنيها لتفتح عينيها.
انتفضت مذعورة لرؤيته قريبًا منها إلى هذا الحد، فأثناء اندفاعتها المباغتة تلك ضربت برأسها فكه، فتأوه من الألم، وطُرح إلا الخلف، إلا أنه نجح في الحفاظ على اتزانه، ولم يتمدد أرضًا. قفزت "دليلة" من على الأرجوحة لتقف على قدميها، وسألته في نبرة حرجة متحفزة:
- إنت بتعمل إيه هنا؟
قام واقفًا، وخاطبها في هدوء وهو يدس يديه في جيبي جلبابه:
- جاي أشم الهوا، وإنتي طالعة بالليل إهنه ليه؟
تأكدت من ضبط حجاب رأسها المحلول على شعرها، وتهربت من الرد بقولها:
- عادي يعني.
تقدم ناحيتها، ورمقها بهذه النظرة الدافئة، وهو يستعرض فارق الطول بينهما قائلًا:
- وأني كمان عادي.
أولته ظهرها، وسألته في تردد:
- هو أنت كنت قريب مني ليه؟
شاكسها بمزاحه اللطيف، إذ ربما تسقط قناع الجدية الزائف الذي تختبئ خلفه:
- افتكرت في زرزور ماشي عليكي.
استرعى الأمر انتباهها، واستدارت تنظر إليه متسائلة في ريبة:
- قصدك صرصار؟
هز رأسه مؤكدًا:
- إيوه.
اقشعر بدنها لمجرد تخيل تلك الحشرة تتحرك بأقدامها اللزجة على جسدها، فأخذت كالخرقاء تتقافز أمامه تنفض عنها ما ظنت أنه هاجمها، فأخبرها وهو بالكاد يمنع نفسه من الضحك:
- بكفاياكي عاد، أني جتلته.
تنفست الصعداء، واسترسلت معه بعفوية:
- الحمدلله، أنا بترعب منهم، بعد كده هبقى أعمل حسابي أجيب رش معايا لما أطلع هنا.
رد عليها باسمًا:
- ما تجلجيش عندنا من الرش كتير، وبعدين ما أني مش هسيبك لحالك معاهم، هخلصلك عليهم أول بأول.
ابتسمت في رقة حينما عقبت:
- كويس.
لتسأله بعدها وقد تحركت صوب حافة السور لتقف ملتصقة بها:
- هو أخوك ومراته هيفضلوا موجودين ولا هيمشوا؟
تبعها ليجاورها في وقفتها، وأخبرها:
- إن كان على أمي الحاجة فهي نفسها يجعد على طول إهنه، بس لازمًا يرجع لأجل ما يتابع مصالحنا في البر التاني.
تطلعت إلى الظلام الدامس الذي تتخلله بعض الإضاءات الضعيفة لإنارة الطريق الزراعي الذي تسير عليه المركبات، وتحدثت:
- بصراحة مراته طيبة أوي.
رد عليها بعد تنهيدة نمت عن شيء مزعج:
- ربنا كرمه وعوضه خير، الحمد لله حظه كان أحسن مني.
لحظتها التفتت برأسها إليه لتسأله في فضول:
- اشمعنى؟
صمت للحظة قبل أن يدير وجهه لينظر إليها وهو يمنحها الجواب الصادم:
- جوازتي الأولى ما كانتش أحسن حاجة حصلتلي.
بهتت ملامحها من رده الصادم الذي لم تتوقعه، وتلعثم لسانها وهي تتساءل في صدمة ملحوظة:
- هو.. هو إنت.. كنت متجوز قبل كده؟
أكد لها ما أوغر قلبها:
- أيوه.
وكأن لمحة من التعاسة أصابتها، غامت تعبيراتها، وشعرت بشيء ثقيل يجثم على صدرها، باعدت نظرتها المتألمة عنه، وسألته:
- كانت عاملة إزاي؟
لاحظ ما انعكس عليها من استياء، وقال وهو ينظر أمامه:
- حرمة زي أي حرمة.
ردت متسائلة بشيء يعطيها المزيد من التفاصيل:
- قصدي يعني شبه مين؟
جاء رده مقتضبًا، وساخرًا بعض الشيء:
- شبه الحريم.
لاحقته بسؤالها التالي:
- حلوة ولا وحشة؟
أتاها رده عاديًا وغير مبالٍ:
- ما فرجاش، أهي حرمة والسلام.
وكأن قدرًا من الألم قد نزل بقلبها، فسألته بصوت جاهدت ألا يبدو متأثرًا:
- وليه طلقتها؟
تردد الجواب بين جنبات نفسه:
- أصلها ما تتطقش.
لكن ما سمعته منه كان موجزًا للغاية:
- النصيب.
استحثها فضولها كأنثى، بجانب غيرتها التي اندلعت بداخلها أن تلح عليه مستفسرة:
- مش فاهمة؟!
قال بلهجة صارمة لينهي الحديث عن شأنها:
- ما لوش لازمة نحكي عنها، هي راحت لحال سبيلها، الله يبعدها عنا ويكفينا شرها.
كان صادقًا معها في اعترافه، ومع ذلك شعرت بأن جهلها عما يخصه قد أصابها بالضيق، بل إن الغضب قد راح يعتمل في داخلها.
لئلا تُحرج نفسها أكثر من ذلك، خاطبته بتلك الكلمات التي لا يستسيغ على الإطلاق سماعها:
- عمومًا الموضوع ما يفرقش معايا، دي حياتك وإنتَ حر فيها، تتجوز واحدة ولا عشرة، أو حتى تطلقهم كلهم، براحتك يعني.
أحس بما اعتراها من مشاعر مستاءة، ولجوئها لمثل تلك العبارات القاسية فقط لإحزانه، فعمد إلى ممازحتها:
- الشرع جايِل أربعة بس، وأني ما أخالفش شر ربنا!
رفعت حاجبها للأعلى قائلة:
- يا سلام؟
رد مبتسمًا:
- أومال إيه، هما أربعة وبس!
تعاملت مع الأمر بتحيز شخصي، فأخبرته:
- خلاص لما تطلقهم اتجوز غيرهم، الموضوع ما يهمنيش، أنا مجرد ضيفة هنا عندكم، وشوية وكل حاجة ما بينا هتخلص.
لحظتها فقط توقف عن المزاح ليناديها باسمها مجردًا، وبلهجة خشنة جعلتها تخشاه للمرة الأولى:
- "دليلة!
رفع سبابته في وجهها يحذرها بلا لين:
- إياكِ تنطقي الكلام الماسخ ده عاد.
ليُسمع بعد ذلك صوت دوي طلقة غادرة، فخفق قلبها بذعر قوي، قبل أن يتكرر نفس الصوت المرعب، ليُعلن عن وجود أخرى قد نجحت وشقت طريقها في وسط العتمة الحالكة قاصدة إياه على وجه الخصوص، لتصيبه من الخلف، ومع ذلك أسرع "غيث" بجذبها معه بعيدًا عن مصدر الخطر، قبل أن ينطرح أرضًا، ويستلقي على جانبه وهو مُضرج في دمائه.
صرخت "دليلة" تناديه في فزع وخوف:
- "غيث"!
***
بدأ الأمر معه بعدما تناول ذلك القرص الدوائي بألم بسيط، وفي غضون عدة دقائق تحول إلى وخزات عنيفة لا تُحتمل، فصرخ عاليًا بشكل جنوني وهو يمسك معدته يعتصرها، مما جعل مَن كان متواجدًا معه في عنبر الاحتجاز يستدعون أحد أفراد التأمين لتفقده على وجه السرعة.
جاء مأمور السجن إلى "زهير"، وألقى نظرة تفقدية عليه، فوجد فمه يزبد ويرغي بطريقة مثيرة للشبهات، وحول فراشه قيء وعصارة معدة، غطى فمه من الرائحة المنفرة، وأصدر أوامره على الفور:
- يتنقل مستشفى السجن حالًا.
حمله أفراد الأمن خارج عنبر الاحتجاز وهو في حالة إعياء شديدة، ليتوجه المأمور بسؤاله التقليدي لمن تواجدوا بصحبته:
- حصله ده من إيه؟
نفى أحد السجناء تورطهم في تعرضه للتسمم شارحًا ما جرى:
- ما نعرفش يا باشا، فجأة قعد يصرخ ويقول بطني بتتقطع، ومش قادر، وحالته بقت زي ما شوفت كده.
رد عليه المأمور مشيرًا بسبابته:
- في تحقيق هيتعمل، وهتتعرف الحقيقة.
أكد له السجين بجدية:
- احنا ما لناش يد في حواره يا باشا.
مرر المأمور نظراته على الجميع، وأعطاهم أمره الذي لا يُرد:
- كله يرجع مكانه.
تحركوا عائدين إلى أسرتهم، وهم يتبادلون همهمات خافتة، فيما ظل المأمور على شكوكه الحائرة بشأن ذلك السجين المريب.
***
خارج أسوار السجن المرتفعة، وعلى مسافة تبعد عشرات الأمتار، اجتمع عدد من الرجال الملثمين بالأقنعة والأوشحة السوداء معًا، يراجعون فيما بينهم الخطوات الأخيرة لتنفيذ خطة الاقتحام المباغتة. تحدث أحدهم قائلًا وهو يلوح بيده في الهواء:
- أول ما نخش على قوة التأمين، إنتَ تدوس بنزين على الآخر، وإنتَ تفتح النار عليهم.
ليتوجه بباقي أوامره لمجموعة من رجاله:
- أما إنتوا فهتهجموا من الناحية الثانية.
استدار برأسه نحو الجهة الأخرى، وتساءل:
- معاكوا المدافع والأر بي جي؟
تولى أحدهم الإجابة وأكد له:
- كله تمام يا ريس.
رد مشددًا بغير تساهل:
- مش عايز ولا غلطة فيه، الحوار ده كبير، واحنا عايزين نخلصه.
لينهي حديثه مؤكدًا:
- واللي يتمسك عارف هيتصرف إزاي، مفهوم؟
اتخذوا بعدها وضعية الهجوم، وأكملوا استعدادهم ليأتيهم أمره الأخير وهو يعلق بندقية آلية حديثة الصنع على كتفه:
- يالا يا رجالة، على العربيات!
***
جاءت ساعة الصفر، واندفعت سيارات الدفع الرباعي على أقصى سرعتها تجاه البوابة الحديدية الرئيسية للسجن العمومي تريد اقتحامه، فتحفزت على الفور قوات التأمين المرابطة أمامه لتصد الهجوم المباغت بكل قوة، تلاحم الفريقان، وارتفع دوي إطلاقات الطلقات النارية، فيما وقف أحدهم واضعًا مدفع الأر بي جي على كتفه، ليطلق منه قذيفة مباشرة نحو السور فتسبب في هدم جزء حجري كبير منه، وإحداث الفوضى بأرجائه.
في أقل من لحظات تحول الوضع إلى شيء جنوني، وانطلقت صافرات الإنذار لتشير إلى حجم الخطر الجسيم الواقع في محيط المكان، واشتد اشتباك الفريقين معًا، ليغدو كذلك من الداخل أيضًا، حيث قام "عباس" بتحفيز رجاله المندسين سرًا في كافة عنابر الحجز لافتعال المشاجرات مع السجناء وإشعال النيران بمواد خفية، فأصبحت الأمور على المحك، بل تكاد تخرج عن السيطرة، ليستغل الظروف، ويبحث عن مهرب له وسط ذلك الخراب والتدمير.
***
أثناء انقلاب الأوضاع بداخل السجن، تحركت سيارات أخرى تجاه المشفى الملحق به، لتتولى مهمة اقتحامه، وتهريب "زهير" بعدما نجح في الذهاب إلى هناك بحجة إبقائه لتلقي العلاج والرعاية اللازمة جراء تعرضه للتسمم.
حاول "زهير" تخليص نفسه من الأغلال الحديدية التي تقيده بالفراش إلا أنه عجز، فنادى على أحد رجاله ليعاونه في التحرر منها بعدما لمحه:
- فك الكلبشات دي أوام.
بالفعل، بحركة احترافية بسيطة تمكن من فك القفل، وتحريره، ليقفز من عليه راكضًا نحو الخارج، إلا أن أحد الممرضين اعترض طريقه من أجل إيقافه، فسدد له لكمة في وجهه أفقدته الوعي على الفور، وخاطب من معه قائلًا، وكأن فكرة جنونية قد قفزت إلى عقله فجأة خاصة مع تشابه ثياب حبسه احتياطيًا البيضاء بما يرتديه الممرض:
- حطه على السرير مكاني، عايزهم يفتكروا إني أنا اللي مت هنا.
استجاب لأمره، وعاونه على حمله، وألقاه على الفراش، ثم أعاد تقييده بالأصفاد، ليصدر أمره التالي:
- ولع في المكان كله.
لم يكترث بأي من المرضى الصارخين بطلب النجدة، واشتعلت النيران لتأتي على كل شيء، وتلتهمه بلا هوادة، ليعدو نحو الحرية التي خطط للحصول عليها، فيتسنى له تحقيق ذلك الأمر الذي لطالما رجا حدوثه .. الزواج من "دليلة".