تحميل رواية «فوق جبال الهوان» PDF
بقلم منال سالم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حمل عنها حقيبتها الصغيرة وعلقها على كتفه، ليسير معها بخطوات شبه متعجلة عبر الطرقات الضيقة والأزقة، فقد انتهى بهما المطاف بعد ساعات من استقلال عربة القطار إلى هذا الحي البعيد بتلك المدينة النائية عن بلدتها. لم تتوقع "مروة" أن يكون مستوى المعيشة هنا متدنيًا، فبناءً على ما أخبرها به سابقًا، من المفترض أنه يعيش في منطقة راقية، بها مظاهر الترف والراحة، لكنها رأت عكس ما وصف تمامًا. سألته بقلب متوجس وهي تدير رأسها لتنظر إليه: - هو احنا هنا فين كده؟ أجابها وهو يدفعها برفق للولوج إلى داخل مدخل هذه العمار...
رواية فوق جبال الهوان الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منال سالم
...............................
كانت تسابق الريح في قفزها على درجات السلم&; فغضبها المندلع بداخلها كان يحفز الأدرينالين بجسدها ليقضي على أي شعور بالرهبة&; فوقفت أمام من يسدون عليها الطريق أمام المدخل بغير ارتعاب&; محاولة المرور من بينهم&; وأحد رجال عائلة "الهجام" يسألها:
-على فين يا أستاذة&;
صرخت فيه تهدده باهتياج&;:
-وسع من قدامي أحسنلك.
أصر على إيقافها قائل&;ا بخشونة&;:
-احنا موجودين هنا بأوامر الكوبارة.
انفجرت صائحة فيه بجنون&; وهي تطوح بيدها في الهواء:
-أوامره دي تمشي على أي حد إلا أنا...
ثم لكزته في صدره مكملة وصلة تهديدها باستنفار&; تام:
-وسع منك ليه بدل ما تلاقي بوليس النجدة فوق دماغك.
تدخل أحد أتباع "درويش" في المشادة الكلامية الدائرة بينهما قائل&;ا بسماجة&;:
-عدي الأبلة ياض.
حذره بغلظة&; وهو يوكزه في كتفه بقوة&;:
-وإنت مالك بتدخل ليه&;
اعتبر الأمر إهانة شخصية&; فرد فيما يشبه التحدي:
-لأ مالي ونص.
بدأ الاثنان في التلاحم يدوي&;ا&; لينضم إليهما البقية&; وكأنهم يترقبون هذه اللحظة منذ أدهر&; لتنتهز "دليلة" فرصة انشغالهم بالتناحر الذكوري بين بعضهم البعض لتتسلل إلى الخارج بخفة&; وسرعة&; انتبه إليها أحد أتباع "الهجام"&; فأخرج هاتفه المحمول من جيبه&; ليعبث به على الفور قبل أن يلصقه بأذنه مردد&;ا في عجالة&;:
-ريس "زهير"&; في حوار حاصل لازم&;ا تاخد بيه خبر.
سأله الأخير مستفهم&;ا بغرابة&;:
-الكلام على إيه&;
رد فور&;ا وبقلق&; محسوس في صوته:
-بنت المرحوم خرجت&; وشاكلها مش ناوي على خير.
استطاع توقع الأسوأ من رنة الحدة التي استحوذت على نبرته:
-اقفل&; وأنا هتصرف.
................................
مدفوعة بما يعتريها من مشاعر متحفزة&; ومتأججة&; انطلقت "دليلة" في طريقها قاصدة الذهاب إلى قسم الشرطة&; لتبلغ عن هؤلاء الملاعين&; متهمة إياهم بالبلطجة&; وفرض السطوة والعنف على الأبرياء دون أن تعبأ للحظة بردة فعلهم إن علموا بالأمر .. وحتى لا يعترضها أحد&; انحرفت عن مسارها الرئيسي&; محاولة الانزلاق عبر الأزقة والطرق الضيقة حتى تصل إلى وجهتها.
خرجت أنفاسها حارقة&; ملتهبة وهي تخاطب نفسها في ازدراء&; حانق:
-مابقاش إلا المجرمين والحرامية هما اللي يقعدوا في عزا أبويا!!
ظلت على تحفزها الهائج وهي تنعطف عن زقاق آخر مدمدمة مع نفسها بوعيد&;:
-إن ما طربأتها على دماغهم!
لم تشعر بذلك الذي ظهر من العدم فجــأة&; ليقطع المسافة الفاصلة بينهما في خطوات&; معدودة&; لينقض عليها من الخلف مكمم&;ا فمها بغتة&;&; ومانع&;ا إياها من الصراخ طالبة للنجدة&; قبل أن يلتف ذراعه الآخر حول خصرها ليرفع جسدها عن الأرضية&; لتنتفض مقاومة بشراسة&; تكرار محاولة اختطافها قسر&;ا&; حملها بخفة&; وسار تجاه إحدى السيارات التي تنتظره عند الناصية&; ليقوم أحد الرجال بفتح الباب الخلفي&; قبل أن يجبرها على ركوبها بتصميم&;. ظلت تقاومه بكل ما أوتيت من قوة&; لتشعر بلهيب أنفاس حارقة تلفح بشرتها من الجانب حينما تكلم "زهير" بصوته المألوف&; بالقرب من أذنها في هدوء يشبه ما قبل العاصفة:
-اهدي&; إنتي معايا .......................... !!!
........................................
منال_سالم
&;
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم منال سالم
آن أوان الثأر، ولن يتم ذلك إلا بعد ترتيب مسبق مع أحد تابعيه، حتى يحدث المراد، ويتربع على عرش القوة والسلطة، فقد طال انتظاره للحصول على هذه المنزلة الهامة واستعادة ما سُلب من عائلته قديمًا، لذا بذل "العترة" الغالي والنفيس لشراء ذوي النفوس الضعيفة، وأعد العدة للقيام بهجومه المباغت في هذا اليوم تحديدًا متوقعًا أن يحقق الانتصار الساحق، ويدعس خصمه اللدود تحت قدمه.
من قبيل الاحتياط، توارى "عصفورة" عن الأنظار وهو يتعمد إجراء تلك المكالمة العاجلة ليمنح معلومة ثمينة لمن باعه ولائه. تلفت حوله لأكثر من مرة، قبل أن يؤكد في صوت جعله خفيضًا:
- دي فرصتكم، لو عايزين تحطوا عليهم وما تقوملهمش قومة من تاني!
انتظر لهنيهة ليسمع ما يقوله الطرف الآخر قبل أن يشدد عليه:
- أنا بلغتكم باللي عندي، ومستني الحلاوة، ماتجوش تنسوني ساعتها.
سكت للحظات، ثم أضاف في جدية:
- سلام، علشان محدش ياخد باله.
تنفس بارتياح، وأعاد وضع الهاتف في جيبه، ما إن التفت ورائه حتى وجد "عباس" يقف على مسافة مترين منه، ويطالعه بنظرات نارية شرسة، ليلوي بعدها ثغره معقبًا في تهكم ساخط:
- وليه الاستعجال؟ ما تكمل على راحتك.
وكأنه رأى ملك الموت بأم عينيه، فهربت الدماء من عروقه، وشحب وجهه للغاية، فيما خرج صوته متقطعًا مرتعشًا:
- ريس "عـ.. عباس"!
فرقع الأخير بإصبعيه آمرًا بعض أتباعه:
- هاتوه الكلب ابن الـ .... ده، اشحنوه على الخرابة!
في التو استجابوا لأمره، وانقض عليه اثنان من الرجال الأشداء، ليقيداه من ذراعيه، فصاح في توسل مذعور:
- إنت فاهم غلط يا ريس "عباس"، أنا معملتش حاجة.
أخبره ببرود مميت:
- صح ولا غلط، مش أنا اللي هحاسبك، استلقى وعدك بقى يا حلو من الكوبارة بذات نفسه!
قاوم "عصفورة" انقياده القسري إلى حتفه هاتفًا بفزع عظيم:
- استنوا يا رجالة، اسمعوني بس.
توعده "عباس" بلا رأفة:
- فاكرينا داقين عصافير يا "عصفورة"، ده إنت هيتنتف ريشك ريشة ريشة!
هتف مدافعًا عن نفسه مدعيًا بالكذب، والخوف قد استحوذ على كامل بدنه:
- مظلوم يا جدعان.
لم يُصغِ إليه أحد، وسحبوه سحبًا تجاه إحدى السيارات الخاصة بهم، ليلقوا به بداخلها، قبل أن يستقر بجواره آخر، وتنطلق في مسارها.
...............................
كانت كمن لا يراه وهي جالسة بجواره على المقعد الخلفي، لم تحاول النظر تجاهه ولو لمرة واحدة، رغم إحساسها بأنه لم يبارح نظرته عنها، مقتت للغاية هذا الشعور الموجع بقلة الحيلة، كم ودّت لو امتلكت من القوة والنفوذ ما يُمكّنها من ردعه، ومعاقبته على جرائره معها، أيظن أن الإجبار والعنف قد يجدي نفعًا معها؟ أيعتقد في نسيانها لما صار وأوصل والدها الراحل لهذه الحالة اليائسة؟ إنه لواهم حقًا إن ظن أنها قادرة على تجاوز ما عاشته بسهولة. تنبهت "دليلة" من شرودها المشحون بكل الأفكار العدائية حينما سمعت صوت هذا الغريب المتواجد معهما يقول بلهجة محذرة:
- يا كبيرنا، في وشوش شكلها غريب متجمعة على الناصية.
أمعنت النظر في الطريق محاولة تبين مقصده، بينما استمر الرجل يقول في توجس:
- مش باين عليهم إنهم من الناس اللي نعرفها.
قال "زهير" مفترضًا:
- جايز جايين يعزوا...
تعمد إلقاء كلماته وهو ينظر إلى تأثيرها على ملامحها، وأضاف وهو يقرأ تعبير السخط المرسوم على وجهها المتجهم:
- ما احنا حبايبنا كتير، وما بيفتهومش واجب.
غمغمت بصوت خفيض مستاء، لكنه كان مسموعًا إليه:
- معدتش إلا السرسجية يحضروا!
فجأة صدح الرجل مُطلقًا تحذيره الخطير:
- دول جماعة "العِترة".
ضيق "زهير" عينيه ليتبين صدق ما فاه به، فحينما اقتربت السيارة من محيطهم، شاهد ما تحمله أياديهم من رشاشات آلية وأسلحة متفرقة، ليتحفز على الفور في جلسته، ضاربًا بقبضته على كتف الرجل وهو يأمره:
- اقطع من الطريق ده.
دون تردد أو استفسار لبى أمره، وانحرف بالسيارة في حركة نصف دائرية، أحدثت فيها إطاراتها وهي تحتك بالأسفلت صوتًا عاليًا، لتثير انتباههم، لتنطلق بعدها صيحات استهجان منهم، وكأن نفير الحرب قد صدح.
صرخت "دليلة" فزعًا حينما أُلقي تجاه جانبها من السيارة زجاجة موضوع في فوهتها قطعة قماش مشتعلة، بما تعرف بالمولوتوف، لتتهشم على البدن المعدني محدثة دويًا مخيفًا، قبل أن تنطلق منها ألسنة اللهب الحارق وكأنها قنبلة هائلة. لحسن حظها لم تتعرض للأذى، فيما جذبها "زهير" تجاهه من كتفيها، وأمرها وهو يجبر رأسها على الانحناء:
- انزلي تحت.
فعلت مثلما أمر، وانكمشت على نفسها لتختبئ، وسألته في ذعر مبرر:
- هو في إيه؟
تجاهل منحها الجواب، وظل يأمرها بغير تساهل:
- ما تطلعيش إلا لما أقولك.
كانت المسافة الفاصلة بين المقعد الخلفي والأمامي كفيلة لمواراة جسدها النحيف، فجلست فيما يشبه القرفصاء، وخبأت رأسها بمرفقيها، كما شعرت بيد "زهير" موضوعة على عنقها، كأنما يحاول بطريقة ما حمايتها.
تصاعدت الأحداث بشكل جنوني ومتواتر، حيث تكرر الهجوم العدائي، وألقيت زجاجات المولوتوف من كل اتجاه، لتصبح السيارة هدفًا سهل المنال، بينما استمرت "دليلة" في الصراخ المرعوب:
- يا مــاما! الحرب قامت ولا إيه؟
تجرأت لترفع عينيها للأعلى قليلًا، خاصة حينما أبعد "زهير" يده، فرأته قد أخرج هاتفه المحمول من جيبه، ويضعه على أذنه، لتلمح في يده الأخرى سلاحه الناري سرعان ما انفلتت منها شهقة غريزية خاصة وهو يلوح به هادرًا:
- في كمين معمولنا على أول الحتة يا "كرم"...
دون أن تستوعب ما يدور، تفاجأت به يستخدمه لإصابة أحدهم، فصرخت عاليًا، وخفضت من عينيها بعدما أطبقت عليهما بقوة لئلا تبصر ما يحدث، في حين ظل "زهير" يوجه رجله:
- دوس بنزين.
شعرت بموجة من الدوار تجتاح رأسها عندما التفت السيارة مجددًا بشكل مباغت في دورة كاملة، وبسرعة عالية جعل أنفاسها تنخطف، وقلبها يتوقف للحظة عن النبض، قبل أن يصيح الرجل مرددًا في نبرة عبرت عن قلقه:
- الطريق اتقفل علينا، شكلها مدبرة يا ريسنا.
رد عليه "زهير" في صوت شبه لاهث:
- كان متوقع إن ده يحصل، بس مكوناش عارفين الضربة جاية إمتى؟
فيما صرخت "دليلة" دون أن تجرؤ على النظر للأعلى:
- ده شغل عصابات وعصبجية، أنا عايزة أخرج من هنا.
حذرها "زهير" في لهجة آمرة:
- ما تطلعيش بدل ما تتغربلي.
وكأن ما حولها تحول لساحة من حرب الشوارع، ارتفعت صيحات الاستهجان المصحوبة بأصوات الطلقات النارية، تلك التي لا تعرف من أين تأتي، قبل أن تشعر بقبضة غليظة تجذبها من مرفقها، وصوته المألوف يأمرها:
- حاسبي.
وجدت نفسها ترتمي لا إراديًا في أحضانه، وذراعه القوي يطوقها من ظهرها، لتنظر إليه فارغة الثغر، فيما هشم أحدهم زجاج جانبها من السيارة بعصا غليظة، فظلت تصرخ بلا توقف، ليسحبها "زهير" إلى الخارج هاتفًا:
- تعالي معايا.
لم يكن أمامها خيار آخر، فقد جذبها بقوته خلفه، فكادت تنكفئ على وجهها بسبب عدم قدرتها على مجاراته، فتراجع ليمسك بها ويدفعها من جانب ذراعها للأمام، لتسمع أحدهم يصيح في غضب:
- وراهم أوام، أوعو يفلتوا منك.
اعتقدت أن هلاكها أكيدًا، ولا نجاة لها من تلك المطاردة المحفوفة بكل أنواع المخاطر، لكن على عكس ما ظنت تفاجأت بظهور أتباع "زهير" عندما قادها إلى زقاق جانبي، فراحوا يشكلون عائقًا أمام هؤلاء العتاة، فهتف أحدهم:
- من هنا يا ريسنا.
كانت لا تدري أين تسير أو إلى أين تتجه، انقادت كالعمياء إلى حيث يوجهها الغرباء، لتجد آخرين يقومون بإرشادهما إلى منطقة بعيدة آمنة من التهديد. لم يفلت "زهير" رسغها من أسفل قبضته، وظل يركض بها هنا وهناك وكأن لديه خريطة تامة بأرجاء المكان، إلى أن وصل في النهاية عند بناية آيلة للسقوط، تسمرت في موضعها مصعوقة، وسألته بأنفاس متقطعة:
- احنا فين كده؟
أمرها وهي تشعر بيديه القويتين تدفعان إياها للتقدم:
- تعالي.
قاومته باحتجاج نافضة قبضتيه عنها:
- أروح فين؟ إنت مش شايف المكان ده؟
جال بناظريه حوله، بينما استمرت تهتف في خوف:
- البيت هيقع.
قبض على معصمها مجددًا، وقال بهدوء:
- متقلقيش.
أجبرها على الصعود معه إلى الأعلى، فاعترتها موجة هائلة من الخوف، خاصة مع تهالك الدرج وعدم وجود درابزين للإمساك به، فبدا من العسير عليها الوقوف باتزان وهي تحاول بلوغ الطابق العلوي. بالكاد تمكنت من السير على البسطة المهدمة، متجنبة الحديد البارز من الجوانب، حتى ولجت إلى ما يشبه المنزل، كان المكان شبه معتم، مطموس المعالم، وبالتالي تركته يوجهها إلى حيث يريد. أخفاها "زهير" خلف جدار قائم من الطوب الأحمر، كان في منتصف المنزل تقريبًا ليحجب عنها الأنظار، ويحول دون وصول أي طلقات غادرة إليها.
نظر ناحيتها قائلًا بنفس اللهجة الآمرة:
- خليكي هنا.
كان على وشك المغادرة بعد قوله ذلك، سرعان ما تلفتت "دليلة" حولها محاولة رؤية تفاصيل المكان، فوجدته متهالكًا، وهناك كتل من الحطام والركام منتشرة بشكل فوضوي في كل مكان، بجانب التجمعات الرملية والبقايا العفنة، لذا عفويًا امتدت يدها لتمسك به من مرفقه لتستوقفه، وهي تسأله في ذعر:
- إنت رايح فين وسايبني هنا؟
نظر إلى موضع يدها، فتحرجت من تصرفها اللا إرادي قبل أن تضطر لاستعادها، فأكد لها:
- المكان ده متأمن.
ردت فيما يشبه السخرية:
- إنت بتهزر صح؟ ده كله ضلمة وشكله يخوف واحتمال العمارة تقع، وتطربأ فوق دماغي.
حاول تهدئة روعها بقوله:
- متقلقيش، شوية وراجعلك، المهم ما تظهريش قصادهم مهما حصل.
رغمًا عنها كانت مضطرة للبقاء، راقبته وهو يغادر لتظل بمفردها محاطة بمخاوفها المتزايدة، همهمت مع نفسها باستنكار، وهي شبه ترتجف:
- أنا إيه اللي وقعني الوقعة السودة دي؟
..........................
لم يكن ليدع أي شيء يحرمه من الظفر بثأره، فأرسل عشرات الرجال المدججين بكافة أنواع الأسلحة الآلية، والبيضاء، وما يلزم لضمان التفوق على غريمه اللعين، فتقدم الرجال في حيطة وحذر، بناءً على ما وردهم من معلومات سابقة، لاجتياح معقل عائلة "الهجام"، وتدميره نقطة نفوذه وقوته عن بكرة أبيها. بسهولة تدعو إلى الريبة والشك، تمكن أتباع "العترة" من بلوغ وجهتهم، فأصبحوا في الباحة بمقاومة ضعيفة، شبه محدودة، لا تقارن بما هو معروف عن رجال "الهجام" من شراسة، وقوة لا يستهان بها. تساءل أحدهم بتعجب:
- الحوار فيه حاجة مش تمام، ولا إنت رأيك إيه؟
رد من يقودهم في توجس:
- وأنا حاسس كده برضوه، مش معقول التبة هادية أوي كده.
رد عليه مبررًا:
- ما جايز كلهم في العزا.
قال مؤمنًا عليه:
- احتمال...
ليصدر بعدها أمره المسموع والنافذ لمن حوله:
- المعلم "العترة" قال عايزاها نار قايدة، نجيب عاليها واطيها.
رد الأقرب إليه في طاعة:
- وجب.
لينطلقوا في الحال صوب بيته، لكن قبل أن تطأ أي قدم الدرج، ظهر عشرات الرجال في محيط التبة وحاصروهم من كل اتجاه، وهم يحملون أحدث أنواع الأسلحة الآلية المصوبة إلى رؤوسهم، بدا المكان وكأنه ثكنة عسكرية، مؤهلة لمجابهة أشد الأعداء.
كان "سنجة" أول من ظهر من داخل البيت ليقول باستخفاف، وهو يضع بين شفتيه سيجارته الزهيدة:
- طب مش قبل ما تيجوا كنتوا تدونا خبر؟ حتى كنا قومنا معاكو بالواجب!
دفقة من الخوف والقلق سادت بين رجال "العترة"، ليتساءل أحدهم:
- دول جوم منين؟
تابع كلامه إليهم هازئًا:
- احنا سيبناكو تخشوا الخية برجليكم، وعملنا عليكم كماشة زي ما إنتو شايفين.
ألقى بسيجارته عند قدمه، وخطا فوقها ليسحقها قائلًا بتحدٍ مستمتع وهو يفرك كفيه معًا:
- ورونا بقى هتطلعوا منها إزاي!!
ثم رفع ذراعه للأعلى هادرًا في الجميع:
- هجوم يا رجالة!
في لمح البصر امتلأت الباحة الخارجين بمئات الأفراد المزمجرين في غضب، وممن هم مستعدين للاقتتال حتى الرمق الأخير.
................................
على الجانب الآخر، ظهرت سيارات ربع نقل، تحمل عشرات الأفراد في صناديقها المعدنية، لتتحرك في تتابع منتظم، وكأنها في استعراض واضح للقوى، قبل أن تتوقف في منتصف الشارع الرئيسي لتعيق حركة المرور بشكل تام. ليقوم أحدهم ممن يمتلكون البنية الجسمانية الضخمة بالترجل من السيارة التي تتصدر المقدمة.
انتصب صاحب الوجه الأسمر، والنظرات الشرسة، في وقفته المتبخترة، ليسير مرتديًا بنطاله الجينز القديم، وقميصه الداكن بتفاخر واستعلاء نحو سرادق العزاء، وصوته الأجش يسبقه مناديًا حتى يلفت انتباهه:
- يا "هجام"!
اتجه "كرم" ببصره نحو من يألف صوته جيدًا، رماه بنظرة باردة، غير مهتمة، ليتابع الأخير في شيء من التعجرف:
- مرضتش أجي لواحدي، وجبت ناسي معايا تعزي.
ثم فرد ذراعيه على طولهما، لتعج المنطقة بالمزيد من الرجال وهم يتبارون في إظهار ما يملكون من أسلحة على مختلف أنواعها. لم تهتز شعرة واحدة من رأس "كرم"، ورد باسمًا وهو يملأ صدره بالهواء:
- وماله، كله هيتردلك قريب.
ألقى أحدهم بعصا غليظة في الهواء، ليتلقفها "العترة" قائلًا بما ينم عن نوايا سيئة للغاية:
- ده لو فضلت لسه قاعد فيها.
قبل تحديه الواضح قائلًا بثبات:
- إنت جاي منطقتي تهددني؟ ده حتى عيبة في حقي.
واندفع تجاهه قاصدًا ضربه بيديه العاريتين، ليصيح أحد ما من الخلفية بصوت جلجل في الأرجاء:
- كرسي في الكلوب.
..................................
بينما كانا جالسان على المقهى، وقبل أن تندلع الأزمة، لاحظ "موجي" توتر الأجواء في المنطقة، ليشاطره رفيقه في مراقبة الأوضاع مستفسرًا:
- حاسس إن في عوأ هيحصل في المكان، شايف الناس اللي حوالينا؟
رد مؤيدًا:
- أيوه، أشكالهم ماطمنش...
وقبل أن تدور في رأسه فكرة بعينها عن إرجاء انتقامه، تكلم بحسم:
- بس احنا مش منقولين من هنا.
هز رأسه بالإيجاب قائلًا بقلق محسوس:
- ماشي، خلينا ناخد ساتر جوا القهوة، لحد ما الدنيا تروق.
لم يعارضه، فجمع أشيائه، وانتقل إلى داخل المقهى، باحثًا عن موضع يتيح له رؤية مدخل العمارة، وإن كان من زاوية أبعد.
........................................
انطلقت شارة البدء، والتحم الجمعان معًا بضراوة، وراح أتباع كل فئة يكيلون لبعضهم البعض اللكمات والضربات بكل عنف وعداوة، فيما انقض "كرم" على "العترة" مسددًا لكمة قاسية في وجهه، لكنه تفاداها باحترافية قبل أن يشدد قبضتيه على عصاه الغليظة ليضربه بها على جانبه، فأتت الضربة موجعة ومؤلمة، ليترنح للحظة، ويدعي أنه انحنى أرضًا بعدما فقد اتزانه، وغريمه من ورائه يهزأ به:
- ساعتك أزفت يا "هجام"، في غيرك طلع وهيركب الموجة.
كان غرضه إلهائه وخداعه ببساطة، ريثما يتمكن من القبض على حفنة من التراب بيده وفي الخفاء، احتفظ بها داخل قبضته، ثم اعتدل في وقفته، ورد عليه لاصقًا بثغره ابتسامة سخيفة:
- مفكر حتت البتاعة اللي معاك دي هتقدر عليا؟
بكره شديد أخبره:
- الشومة دي اللي كسرت أبويا بيها زمان، وجه وقت أخدان الحق.
تحداه بأسلوبه المستفز الساخر:
- طب خليك أد كلمتك يا .. راجل، وكمل للآخر!
نجح في استثارة غضبه، فأطلق "العترة" صيحة أشبه بالزئير، قبل أن يرفع ذراعه للأعلى ليكرر نفس الفعلة السابقة، فيما تمكن "كرم" من الإفلات منها ببراعة، لينفض التراب في وجهه، فتناثر مقتحمًا عينيه، لتلتهب الاثنتان في الحال، مما جعله غير قادر على الرؤية.
أعطى ذلك الفرصة والأفضلية لـ "كرم" ليتفوق عليه، حيث ركله بقسوة أسفل معدته فتأوه من الألم القاسي، وانحنى للأمام، ليقوم بعدها بانتزاع العصا من يده، وضربه بها على ظهره عدة مرات متعاقبة، فانطرح أرضًا وتكوم على نفسه محاولًا حماية وجهه وهو يصرخ من الألم الذي عصف بكل جزئية من أطرافه.
................................
الجلبة الهائلة الصادرة بالخارج استحثت الجميع على متابعة ما يدور عبر الشرفات ومن أسطح العمارات، وكانت "عيشة" من بين هؤلاء الذين استحوذ عليهم الفضول، خاصة مع غياب ابنتها الباعث على الخوف، فانطلقت إلى الخارج لتشاهد ما يجري بالأسفل من تضارب عنيف. لطمت على صدرها صارخة في ذعر:
- يادي المصيبة! الشارع كله ماسك في بعضه.
فيما لحقت "إيمان" بها، وتطلعت إلى الشارع، فشهقت هي الأخرى مفزوعة، لتدير رأسها تجاه والدتها التي راحت تندب في خوف أكبر:
- وأختك ما نعرفلهاش طريق، طب افرضي كانت وسطهم؟ هيبقى العمل إيه؟
ربتت على كتفها بترفق، وقالت وهي تضع الهاتف بالقرب من أذنها:
- أنا هكلم "راغب" أشوفه وصل لفين.
أتاها الرد الآلي الذي يفيد بعدم إتاحة هاتفه، فقالت بوجه باهت:
- تليفونه مقفول.
سددت لها "عيشة" نظرة جانبية ناقمة قبل أن تخاطبها في ازدراء:
- هو في مرة نحتاج فيها جوزك في حاجة ونلاقيه؟
كانت محقة في ذلك، فقلما وجدته إلى جوار العائلة في وقت الأزمات. تنهدت مرددة في حزن ممزوج بالخوف:
- عديها على خير يا رب.
طغت عليها غريزتها الأمومية، فهتفت في عزم، غير مبالية بتبعات اندفاعها الأرعن:
- أنا مش هفضل كده واقفة أتفرج ومش عارفة سكة لبنتي، لازمًا أنزل أدور عليها.
اعترضت "إيمان" طريقها، وأمسكت بها من منبتي كتفيها صائحة:
- تروحي فين بس يا ماما والدنيا مقلوبة تحت؟
سرعان ما غشت الدموع عينيها، فقالت بأسى:
- دي أختك ولواحدها، إزاي أهدى؟
تفهمت طبيعة خوفها، فما كان منها إلا أن سحبتها إلى حضنها، وضمتها قائلة بهدوء:
- إن شاء الله هتكون بخير، أنا هطلبها وأشوف هي فين.
لم ترغب في إفزاع والدتها بقول الحقيقة، فشقيقتها حينما خرجت غاضبة من البيت لم تحمل شيئًا في جيبها، طغى شعورها بالاستياء العارم على أي لمحة من العقل، ورددت فيما يشبه المناجاة:
- يا رب نجينا من المهالك.
......................................
فزعها أن تظل هكذا بمفردها في هذا المكان الخرب، وصوت دوي طلقات النار يحاصرها، كانت تموت رعبًا في كل لحظة تمر عليه وهي لا تملك ما تزود به عن نفسها إن تجرأ أحدهم ووصل إليها، وفكر في مهاجمتها. تذكرت أنها نسيت أخذ هاتفها المحمول معها أثناء اندفاعها الأعمى، ولم يكن معها أي نقود لتستخدمها في استقلال وسيلة مواصلات عادية.
ضربت دليلة بيدها على جبينها في ضيق، وظلت تنتظر حتى أوشك صبرها النفاد، فقالت في عناد:
- ما أنا مش هفضل كده كتير في مكاني مستنية البلطجي ده يجي يطلعني من هنا.
تحفزت قائلة بإصرار:
- أنا هرجع البيت بنفسي، واللي يحصل يحصل.
استجمعت جأشها، وخرجت من مخبئها لتتجه نحو البسطة المتهالكة بخطوات بطيئة محاولة تبين طريقها وسط العتمة، إلا أن قدمها تعثرت في أحد أسياخ الحديد البارزة، فتعرقلت، وانكفأت على وجهها، لتصطدم رأسها بقوة بكتلة حجرية أفقدتها الوعي في الحال.
لم يتوقف كرم عن تأديب من ظنه أنه قادر على هزيمته إلا حينما بات جسده ساكنًا لا يتحرك، تركه ينازع الموت، ليستقيم في وقفته الشامخة وصدره يلهث بقوة. مسح العرق الغزير عن ذقنه بظهر كفه، وخاطب الجميع بصوته الجهوري الأجش وهو يطوح بالعصا في الهواء:
- كبيركم أهوو...
توقف الحشد عن التناحر ليتفقدوا ما آل إليه الوضع، فرأوا كيف غدا العترة عبرة للجميع، ليكمل كرم هديره الحانق:
- شايفين؟ مرمي زي الدبيحة بعد ما اتعلم عليه من تاني.
ثم دار بالعصا على أوجه الناظرين إليه من أتباع ذلك الخاسر مضيفًا في زهو:
- وبقيتكم اتعلقوا في التبة، ده لو لسه معندكوش خبر.
صارت نبرته أكثر حدة وهو يتوعدهم:
- أصلها مش هتوقف عند كده.
بدت عيناه عازمتان للغاية، بل وخاليتان من أي نزعة للشفقة أو الرحمة وهو ينهي خطابه القصير، ضاربًا برأس العصا على الأسفلت القاسي:
- بس نخلص الواجب اللي ورانا، وهحاسب كل اللي خانوا.
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم منال سالم
لم يكن من السهل عليه تركها بمفردها في هذا الجو المعبأ بالخطر، لكنه أراد إبعاد الأعين عنها، فلا تتعرض للتهديد أو الإيذاء.
انتهى "زهير" من حديثه لتابعه، وأمره بإحضار السيارة على مقربة من المكان، ليتجه إلى البناية المتهالكة. صعد بحذر على سلم الدرج، لتنفلت منه صيحة مذعورة تنادي باسمها عندما وجدها ملقاة على الأرضية، والدماء تضرج من وجهها:
"دليلة!"
هرع إليها، جثا على ركبته، ثم مد ذراعيه تجاهها ليرفعها من كتفيها بحيطة للأعلى، أدارها برفق، ثم أسندها على صدره، ولف ذراعه حول جسدها ليبقيها في أمان، ثم وضع إصبعه على منحنى عنقها متلمسًا نبضها، تنفس الصعداء لأنها كانت لا تزال على قيد الحياة.
ظن أن أحدهم قد تعرض لها في غيابه، فهتف في استياء نادم:
"يا ريتني ما سيبتك لوحدك!"
خشي أن تسوء حالتها، فمرر ذراعه الآخر أسفل ركبتيها، ثم حملها بحذر ونهض قائمًا، ليعاود أدراجه بها إلى الأسفل.
التقى به تابعه متسائلًا وقد أسرع ناحيته ليعاونه:
"إيه اللي حصل يا ريسنا؟"
رفض أن يساعده وهو يجاوبه:
"مش متأكد بالظبط."
أضاف التابع مؤكدًا:
"المكان كان متأمن، وما فيش حد هوب من هنا."
سارع "زهير" في خطاه نحو السيارة هاتفًا:
"مش هنضيع وقت في الرغي، خلينا دلوقت نوديها على أقرب مستشفى."
سار على نفس سرعته مرددًا:
"ماشي يا كبيرنا."
ثم تقدم عليه ليفتح باب السيارة الخلفي، وضعها برفق على المقعد، ثم جالسها ليسند رأسها على كتفه، وألقى أمره على تابعه:
"طير أوام."
"علم يا ريس."
قال جملته تلك وهو يجلس خلف عجلة القيادة لينطلق بأقصى سرعته إلى المشفى.
..................................
صدرت الأوامر بنقل كافة أتباع "العترة" بما فيهم هو إلى التبة العالية، ليتم التعامل معهم لاحقًا، لتعود الأوضاع إلى هدوئها الطبيعي، وتبدأ مراسم العزاء واستقبال المعزيين. جلس "كرم" في أول السرادق ينفث دخان سيجارته في الهواء، وإلى جواره "عباس"، فمال الأخير عليه يسأله:
"هنبلغ الحبايب كلهم باللي جرى هنا؟"
التوى ثغره بابتسامة مغترة قبل أن يخبره:
"الأخبار زمانها طارت، واتحط خلاص على "العترة"، وشغله كله هييجي لحد عندنا."
في شيء من المدح عقب:
"طول عمرك دماغ يا كوبارتنا."
أضاف "كرم" في استهزاء:
"مفكر إنه بشوية الدلاديل بتوعه عرف أسراري، ده أنا بير غويط، ما لوش قرار..."
لفظ دفعة أخرى من الدخان متابعًا إلقاء أوامره:
"أمن الحتة كويس، ولو في عوأ تاني اتعامل."
هز رأسه مرددًا بابتسامة واثقة:
"حصل من غير ما تقول يا ريسنا."
استحسن رده، ونهض ليصافح أحدهم ممن جاء لتقديم واجب العزاء، متبادلًا معه باقتضاب بعض الأخبار المقتضبة عن الأعمال المشتركة بينهما.
............................
بين الحين والآخر كانت تخرج إلى الشرفة لتنظر إلى المارة، ويدها لا تفارق هاتفها المحمول. ظلت "عيشة" تدق تارة على صدرها، وتارة على فخذها، ولسانها لا يتوقف عن التضرع في خوف مشوب بالرجاء، خاصة بعدما حل المساء ولا يوجد أي خبر عنها:
"استرها يا رب، عديها على خير."
استدارت ناظرة إلى جانبها عندما وجدت "إيمان" تنضم إليها في الشرفة، فهتفت مرددة بتوجس مبرر:
"أختك ما ظهرتش لحد دلوقت."
لم تقل ابنتها شيئًا، ولاذت بالصمت، فيما استمرت والدتها في لومها:
"يا ريتك كنتي قولتيلي ساعتها، كنت اتصرفت ومنعتها تنزل من الأساس."
ردت عليها بعدما ضغطت على شفتيها قليلًا:
"اللي حصل يا ماما، وبعدين احنا كنا ملبوخين في الراجل اللي نصب على بابا الله يرحمه في حقه."
استبد بها الخوف فأكملت على نفس النهج المرتاع:
"أكيد حصلها حاجة، ما هو غيابها ده مش طبيعي."
حاولت تبديد مخاوفها المبررة بقولها المتفائل:
"إن شاء الله هتلاقيها راجعة وداخلة علينا."
ضاق ما بين حاجبي "عيشة"، وسألتها في لهجة شبه مستنكرة:
"والمحروس جوزك طبعًا كالعادة مش بيرد."
قالت مصححة:
"تليفونه مقفول..."
ثم تنهدت مليًا، وأضافت في ضجر، وبدون صوت، كأنما تحادث نفسها:
"أنا مش عارفة اختفى فين هو كمان!!"
عادت لتنظر إلى أمها، وسألتها في جدية:
"هنعزل العزا تحت يا ماما ولا هنعمل إيه؟"
ردت بصوت محبط، ينم عن قلة الحيلة:
"وهو احنا نقدر نقول لأ؟ إنتي شوفتي العالم اللي واقعين معاهم عاملين إزاي."
وافقتها في رأيها، فمن يقدر على مجابهة هؤلاء الأشداء، لتستمع إلى والدتها تدعو في رجاء:
"ربنا يخرجنا منها على خير."
ردت مؤمنة عليها:
"يا رب آمين."
ألقت "عيشة" أمرها الأخير عليها قبل أن تتحرك عائدة إلى الصالة:
"نادي على عمتك، وخلينا ننزل."
"حاضر."
قالت كلمتها الموجزة وهي تتجه إلى حيث تجلس عمتها، فيما حاولت كذلك إعادة الاتصال بهاتف زوجها الذي يبدو وكأنه قد قطع صلته بما يخص عائلتها عن عمد، لئلا تزعجه بمشاكلها.
.................................
بغنج كانت تتعمد المبالغة في إظهاره، خاصة حينما تتواجد معها بنفس المكان. طرحت "وزة" حجابها الأسود على رأسها بعدما أغلقت أزرار عباءتها التي تحمل نفس اللون، لتنظر بترفع واستعلاء تجاه الأريكة الجالسة عليها "توحيدة". تمايلت في مشيتها المائعة، إلى أن اقتربت منها، ثم هتفت قائلة بصوت مسموع للجميع:
"الدنيا هدت دلوقت يا نسوان..."
ركزت بصرها على عدوتها اللدودة التي تكرهها من أعماق قلبها وهي تتم باقي جملتها في لهجة تحمل التحذير:
"بينا نروح العزا، بدل ما كوبارتنا يزعل، وأديكو شوفتوا قلبته عاملة إزاي."
فيما أمسكت "توحيدة" برسغ "خضرة" الواقفة إلى جوارها، لتجبرها على الانحناء ناحيتها، وسألتها في صوت خفيض ينم عن حنقها:
"هي مش المفروض شربت المدعوق إياه؟"
أكدت لها بإيماءة صغيرة من رأسها:
"أيوه يا أبلتي."
سألتها في استرابة، ووجهها يوحي بغليل متصاعد:
"أومال مالها فايقة زي الجن كده ليه؟ المفروض تكون دماغها سافرت دلوقت!!!"
علقت عليها في تحير:
"مش عارفة، هي دي بيجوز فيها حاجة!"
أطلقت "توحيدة" سُبة خافتة، وزادت ملامحها تجهمًا، لتتساءل "خضرة" مرة ثانية في جدية:
"هنعزل العزا تحت يا أبلتي؟"
بامتعاض لا يمكن إنكاره ردت:
"لازمًا، بس مش هنروح مع السناكيح دول، لما يغوروا الأول."
وافقتها الرأي قائلة في طاعة:
"حاضر يا ستي."
عادت "وزة" لتقف في مواجهة "توحيدة" ثم رفعت قدمها للأعلى ووضعتها على مسند أريكتها لتنتعل حذائها أمامها، مما أثار حنقها من أسلوبها المستفز والمغيظ في التعامل، وقبل أن تنطق بشيء محتج، وجدتها تسألها في استخفاف:
"مش ناوية تيجي معانا يا .. "توحيدة"؟"
استندت بيدها على طرف ذقنها، وأخبرتها في استعلاء:
"أنا أروح بمزاجي، مش حتت بتاعة زيك اللي هتمشيني، وتديني الأوامر."
ردت عليها تهددها بانفعال طفيف:
"البتاعة اللي زيي دي اللي هتربيكي، وتطفحك الدم بحق كل حاجة سودة عملتيها فيا..."
غامت عيناها أكثر، وصارت قسماتها مشدودة إلى حد كبير حينما أنهت جملتها:
"اصبري بس على رزقك يا .."
توتو.
اشتعلت توحيدة حنقًا من محاولاتها المستمرة لإخراجها عن شعورها، لذا هتفت تنذرها في غير صبر:
— بت إنتي غوري من قدامك أحسنلك.
قالت وزة في غير مبالاة، مستمتعة بالتحقير من شأنها أكثر:
— دورك جي يا...
ثم أطلقت ضحكة رقيعة مستهزئة بها، فنجحت في استثارة أعصابها، لتتفاجأ بها تقفز من موضع جلوسها صارخة:
— بت إنتي ما تخلنيش أتجن عليكي.
كادت تتشابك معها بالأيدي لولا أن تدخلت خضرة بجسدها، وحالت بينهما هاتفة في جزل، وبأعجوبة، استوقفتها قبل أن تتصرف بحماقة، فتندم لاحقًا على ذلك:
— اهدي يا أبلتي، ما تحرقيش في دمك بسببها.
تراجعت وزة مسافة خطوتين قائلة بازدراء، وهي تشير إليهما بسبابتها:
— النار دي اللي هتحرقكم إنتو الجوز...
قست عيناها بشكل ملحوظ، خاصة حينما اختتمت عبارتها:
— وبكرة تشوفي.
حاولت توحيدة إبعاد تابعتها عن محيطها لتنقض على تلك اللعينة، وصوت صراخها يصدح:
— سيبني يا خضرة عليها، أنا هموتها.
توسلتها في رجاء، وهي تبذل كل الجهد للحول بينهما:
— علشان خاطري أنا يا أبلتي، اهدي بالله عليكي.
غادرت وزة ومن ورائها لحقت بها كافة النساء في هذا المنزل، لتعاود توحيدة الجلوس على الأريكة وصدرها يلهث بقوة، ارتفع صوت أنفاسها وهي تخاطب خضرة في حدة:
— نصيبة واتحدفت عليا، يا ريتني موتـها مع ابنها، ولا كنت سيبتها تعيش وتعمل ريسة عليا!
ردت عليها فيما يشبه الوعد:
— كله في ميعاده هيحصل.
بمجرد أن خرجت من المنزل، وأصبحت على سلم الدرج، توقفت وزة واستدارت ناظرة إلى إحدى التابعات المخلصات لها، سألتها في جدية، وبصوت خفيض:
— ها، سجلتي اللي اتقال؟
أومأت برأسها قائلة وهي تبسط راحتها بالهاتف:
— حصل يا ست وزة.
التقطته منها قائلة في شماتة وحقد:
— توريني هتطلع من المغرز ده إزاي!!!
...................................
لم يتوقف عن هز ساقه في توتر وهو يرتكن بظهره على الحائط البارد، كتف ساعديه أمام صدره، وظلت عيناه مرتكزتان فقط على الردهة المقابلة له، منتظرًا خروج من يطمئنه من غرفة الطوارئ على حالتها الصحية. أطبق على جفنيه للحظة، فسطع في مخيلته صورة وجهها الغارق في دمائه، ومحاولته المستميتة لإفاقتها، إلا أنها ظلت فاقدة للوعي، لا تتجاوب معه، فارتعد داخله من احتمالية تدهور وضعها.
فتح زهير عينيه عندما خاطبه تابعه مستطردًا وهو يشير إلى هاتفه المحمول:
— الكوبارة بيسأل عليك يا ريسنا.
تنهد في إرهاق، وأمره:
— قوله إني في حوار، وجاي بعد شوية.
هز رأسه معقبًا قبل أن ينصرف:
— تمام يا كبير.
غادر بعدها ليتركه بمفرده، فلمح أحد الأطباء قادمًا من على مسافة قريبة، انطلق صوبه متسائلًا بشيء من اللهفة:
— خير يا دكتور؟ هي عاملة إيه؟
أجابه شارحًا وهو يدس يديه في جيبي معطفه الأبيض:
— مخبيش عليك، عندها ارتجاج في المخ، الخبطة ما كانتش بسيطة، واحتمال يكون في مضاعفات، وده مش هيبان إلا لما تفضل محطوطة تحت الملاحظة.
توقع ذلك مما رآه ظاهريًا عليها، انتقل إلى سؤاله التالي مستفهمًا:
— طب هي فاقت؟
انعكست على تعابيره علامات الضيق وهو يخبره بحذر:
— للأسف لسه، ونأمل إنها ما تكونش دخلت في غيبوبة.
وكأن كل ما فيه انتفض خوفًا عليها، فهتف مصدومًا وقد امتدت يداه لتمسك به من تلابيبه:
— غيبوبة؟ اتصرف يا دكتور وعالجها.
ذعر الطبيب من انفعاله المفاجئ، وحاول تهدئته وهو يسعى للفكاك من قبضتيه المحكمتين عليه:
— تمام، احنا هنعمل كل اللي علينا، اطمن.
سرعان ما أرخى أصابعه عنه ليمضي الطبيب مسرعًا قبل أن يثور عليه مجددًا، ويحمله ذنب تقصيره في عمله، وكأنه المتسبب في حادثها المأساوي، ليظل زهير غارقًا في أفكاره المضطربة لبعض الوقت وهذا الصوت اللائم يتردد صداه في عقله:
— دي غلطتي من الأول إني بعدت عنها!
رفع يده أعلى رأسه ليفركها متابعًا حديث نفسه:
— العمل إيه دلوقت؟!
......................................
ترقب بعينين كالصقر مدخل البناية حينما بدأت النساء تخرج منها واحدة تلو الأخرى في تتابع منتظم، توقع أن تظهر في أي لحظة بينهن، فترك موضعه بالمقهى ليتحرك ببطء للأمام، دق قلبه بقوة عندما لمحها تسير في المؤخرة، ورأسها محني بشيء من الخزي، سرعان ما استحوذ عليه غضبه، فهدر عاليًا بما يشبه الزمجرة:
— مروة!
تجمدت في موضعها فجأة، والتفتت برأسها نحو مصدر الصوت الذي تعرفه جيدًا، لتتسع عيناها على سعتهما في ارتعاب حقيقي حينما وجدت شقيقها في مرمى بصرها، لم يطرأ ببالها للحظة أن يتمكن من الوصول إليها، هنا في أقاصي الأرض! ارتجفت شفتاها مرددة بصدمة كبيرة:
— موجي!
استمر في تقدمه ناحيتها هادرًا بغليل حانق للغاية:
— كنتي مفكرة إني مش هعرف أوصلك يا بنت أبويا؟
ارتعش كامل بدنها لرؤيته، عجزت عن الهروب، وكأن قدماها ترفضان الانصياع لرغبتها في الفكاك من بطشه الأكيد، بهتت ملامحها وهمهمت بصوت متقطع:
— أنا .. آ..
قطع المسافة الفاصلة بينهما في خطوتين، ليقبض على رسغها في لمح البصر، شهقت في ذعر كبير، وشعرت بأصابعه تعتصر يدها، لتنظر إليه بعينين زائغتين وهو ينعتها:
— إنتي إيه يا فاجرة؟!!!
لم تجد ما تدافع به عن نفسها، فصدمة اللقاء به شلت تفكيرها بالكامل، وجعلتها عاجزة حتى عن الكلام أو الهرب، ليتابع صياحه بها وهو يزيد من ضغطته القاسية على معصمها:
— عملتي فينا كده ليه يا مجرمة؟
رغمًا عنها أجهشت بالبكاء المرير وهي تحاول تبرير موقفها واستمالة قلبه ومشاعر الرأفة لديه:
— أقسم بالله مظلومة، واللي حصل كله ده كان غصب عني، والله العظيم أنا اتضحك عليا، وواقعة في عرضك.
بدت وكأنها تسخر منه بأسبابها المستفزة تلك لتبرر العار الذي لحق بسمعة العائلة، فما كان منه إلا أن رفع يده الأخرى ليهوي بها وجنتها، فصفعها بقساوة جعلت رأسها يرتج، بينما انفلتت من بين شفتيها شهقة متألمة كانت أقرب للصراخ، فيما واصل تعنيفه اللفظي لها بحرقة و حدة:
— هو إنتي خليتي فيها عرض ولا شرف يا بنت الكلب؟!!
برقت عيناها في هلع أشد عندما أظهر سكينًا مخفيًا ليهددها به:
— اتشاهدي على روحك، أنا هخليكي تحصلي اللي سبقك.
أدركت أن نهاية موتها الحتمية قد حانت، ولا مناص لها منه، إلا أن وزة كانت أول من انتفض لإنقاذها، فقد رأت ما يدور بينهما بعدما خرجت متأخرة من المدخل، لتبحث في عجالة عما يساعدها على تخليصها من هذا المتربص الحقير، فضربته على رأسه بحجارة التقطتها من على الرصيف، لتصرخ بعدها مستنجدة بصوت مفزوع ومرتفع:
— انجدونا يا ناس، الراجل الغريب ده بيتعرضلها.
نجت مروة بأعجوبة من الهلاك الأكيد، لتشعر بذراعين تدفعان إياها للأمام وهذا الصوت الأنثوي يأمرها:
— اجري يا سمارة.
تأوه موجي من الألم، ووضع يده على موضع الضربة ليجد بقعة من الدماء قد اصطبغت بها أصابعه، إلا أنه تحامل على نفسه وصاح في تصميم:
— مش سايبك النهاردة.
سحبتها وزة نحو سرادق العزاء، وصوت استغاثتها يسبقها:
— إلحقنا يا كوبارتنا.
انتفض واقفًا من على كرسيه الخشبي عندما رأى الاثنتان تقبلان ركضًا عليه، فتساءل في تحفز:
— في إيه اللي بيحصل هنا؟
بينما نهض من يتواجدون في محيطه يتابعون باستغراب ما يدور، ليجد كرم أحدهم يركض في إثرهما ليلحق بهما صائحًا بلهاث:
— البت دي تخصني!
ثارت نزعة الذكورة والتملك به، فاعترض طريقه متسائلًا بغلظة:
— مين دي اللي تخصك؟ إنت اتخبلت في مخك؟ البت دي تبع حريمي.
نظر إليه موجي باستحقار قبل أن يلعنه:
— حريمك يا نجس!
مستخدمًا قبضتيه وكزه كرم بقوة في صدره، وقد بدا متهيئًا للتشاجر معه بدنيًا، وبكل عداء وشراسة:
— ده إنت بتغلط بقى؟
أشهر السكينة في وجهه مهددًا إياه علنًا، وبشكل سافر:
— وأخلص عليك لو مبعدتش عن طريقي.
استقبل تهديده باستهزاء ساخر، فضحك أولًا بتسلية، قبل أن يتحداه بجراءة معهودة فيه:
— لا والله، طب قرب كده، وريني المرجلة يا جدع!
بينما اعترض آخرون طريق رفيقه الذي هب لمساعدته محذرًا:
— خد بالك يا موجي!
إلا أن الأخير تجاهله، وبقي بمفرده في مشادته العنيفة مع ذلك الصنديد القوي، حيث لوح في البداية بالسكين في وجهه، وكاد يصيبه بنصلها المدبب، إلا أنه تفاداه باحترافية.
تركه كرم يظن أنه قادر على مجابهته، بل وهزيمته أيضًا بحركاته الخرقاء التي يسهل تخمين اتجاهها، فسحبه إلى خارج السرادق، ليوسع من دائرة الاشتباك، فقد كان مخضرمًا في تلك النوعية من المشاجرات الفردية.
أنهكه واستنزف قواه بهدوء، قبل أن يهجم عليه بكل شراسة وعنف، ليسدد لكمة قاسية في وجهه، أتبعها بضربة مباغتة في عنقه جعلت أنفاسه تختنق، ليعاجله بلكمة أقوى في أسفل معدته، قبل أن ينتزع من يده السكين، ويطرحه أرضًا بضربة أشد عنفًا على ظهره، لينهال عليه بركلات متعاقبة جعلته يتكوم على نفسه، ويئن من الألم الشديد الذي عصف به بضراوة.
انتهت المشاجرة قبل أن تبدأ فعليًا، ليجد موجي نفسه مقيدًا من يديه خلف ظهره، وجاثيًا على ركبتيه في وضع مهين، على مسافة تبعد عدة أمتار عن سرادق العزاء، شبه خالية تقريبًا من المارة، لينطق بصوت أقرب للفحيح:
- أنا عايز أختي.
سأله كرم وهو يمرر النصل على صدغه، كأنما ينغزه به:
- أختك؟
رد عليه في تعصب:
- أيوه أختي اللي فجرت وهربت من البيت علشان تبقى مع اللي زيك.
غرز طرفه المدبب في خده قائلًا بتحفز:
- زيي؟ هي تطول أصلًا؟!!
تأوه من الألم الحارق وهو يشعر باختراقه لجلد وجهه، مستشعرًا تدفق ذلك السائل الأحمر الدافئ منه وانسيابه على ذقنه، ليلطخها.
.............................
في تلك الأثناء، ظلت مروة غالبية الوقت تتوارى عن الأنظار، تخشى أن ترى ما آلت إليه الأمور مع شقيقها الهائج، إلى أن علمت بهزيمته، فخرجت من مخبئها بالسرادق، لتبحث عنه.
وجدته على هذه الوضعية الذليلة. حز في قلبها أن تراه هكذا، مهانًا، يعاني بسبب جريمتها النكراء، فأشفقت عليه، وتقدمت بخطوات حذرة تجاهه قائلة بندم:
- كان غصب عني والله يا موجي، أنا اتضحك عليا من بغدادي الكلب، صدقته ومشيت وراه، وكنت مفكرة إنه هيتجوزني، بس كانت حجة علشان يجرجرني بيها بعيد عن أهلي وناسي.
انتقلت كافة الأعين ناحيتها، وكأن ظهورها مجددًا بعدما استنجدت بمن يحميها فيه شيء من الغرابة، بينما تطلع شقيقها إليها بنظرة نارية، وصاح معترفًا:
- ووصلته وخدت بتاري منه...
انقبض قلبها من كلامه الباعث على الخوف، لتزداد فزعًا على فزع بوعيده العلني:
- ولسه الدور عليكي يا بنت الـ...!
تحولت ببصرها عنه عندما صاح كرم في تهكم، وكأنه يبدي شعوره بالسقم والملل مما يدور من مسرحية هزلية:
- ده إنتي طلع ليكي عيلة يا سمارة جاية تاخد حقها منك، مش واحدة سافلة جاية من الشارع!!
تحول خوفها إلى غضب في طرفة عين، لتصيح في زئير مغتاظ مصححة له:
- أنا بنت ناس ومحترمة، وإنت عارف ده كويس، وبعدين اسمي مروة مش سمارة.
قال بغير اكتراث وهو يلقي بالسكين أرضًا:
- ما تفرقش.
عاد موجي ليلومها بصوت يشي بحزن عميق:
- عملتي فينا كده ليه؟ قبلتي تحطي راسي في الطين وتلبسينا العار ليه؟ قوليلي أنا قصرت معاكي؟ حوشت عنك حاجة؟
هزت رأسها بالنفي، فيما أكمل بصوت معاتب قد ترقق قليلًا:
- ده أنا حرمت نفسي من كل حاجة علشان أجهزك، وأطمن عليكي وأوصلك بنفسي لابن الحلال اللي يستاهلك، ليه تكسريني قصاد الخلق؟ ليه ما بقاش قادر أمشي وراسي مرفوعة زي زمان؟
بكت متأثرة، وتحركت صوبه قائلة بأسف:
- أنا غلطانة يا أخويا، أنا اللي كنت هبلة وغبية، ومشيت ورا شيطان دماغي، سامحني، وأنا قابلة أي حاجة منك، حتى لو غسلت عارك وموتني.
قبل أن تصل إليه امتدت ذراع كرم لتقبض عليها من ساعدها، فشهقت مذعورة، والتفتت برأسها للجانب لتجده يحدجها بنظرة مميتة متسائلًا:
- رايحة فين يا حلوة؟
أجابته وهي تتلوى بمرفقها بقوة محاولة الخلاص من قبضته:
- عند أخويا.
جذبها إليه ليرخي قبضته للحظة عنها قبل أن تتفاجأ به يطوقها من عنقها، مضيقًا عليها الخناق، وصوته يهمس في أذنها:
- مش بمزاجك.
سعلت من ضغطه على مجرى تنفسها هاتفة:
- ابعد عني.
أبصر موجي ما يحدث بينهما من بغض واضح، فانحاز إلى شقيقته لا إراديًا، وحاول النهوض صائحًا بما يشبه الاحتجاج:
- سيب أختي!
نظر إليه باستخفاف، ليرد وهو يميل بفمه على بشرة وجهها، وكأنه يتعمد استفزازه:
- لأ، لما يجيلي الشوق وأزهق، ولا إيه يا مراتي؟
ردد موجي مذهولًا:
- مراته!
نفرت من طريقة تودده الحميمية إليها بهذا الشكل الصارخ أمام أعين الجميع، وكأنه لا يملك أدنى ذرة حياء ليفعل مثل تلك الأمور المتجاوزة علنًا، وهتفت بعينين تفيض منهما دموع القهر:
- أنا مش طايقاك، إنت اتجوزتني غصب.
ارتخى ذراع كرم عن عنقها لتتمكن من التحرر منه، ليصدمها بقوله المتأفف:
- وإنتي ما بقتيش تلزميني زي الأول.
حملقت فيه بغير تصديق، لتجده يأمر من حوله:
- فكوا الأخ ده، ولموا شمل الأسرة مع بعض.
فعل أتباعه ما أمر في التو، وقاموا بتحريره، ليركل بعدها كرم السكين الملقى أرضًا بقدمه تجاه موجي متابعًا بتسلية:
- إنت حر بقى معاها دلوقت، تخلص عليها، تغسل عارك، تطفي نارك، ما يخصنيش...
ليطلق بعدها ضحكة سخيفة قبل أن يكمل:
- أصلها خرجت من ذمتي، وبقت طالق!
ضغط على كلمته الأخيرة فتجمدت نظرتها المذهولة عليه، لقد أعطاها صك الحرية أخيرًا، لتقول وهي تبتسم من بين دموعها:
- الحمدلله يا رب...
ثم التفتت ناظرة نحو شقيقها لتخاطبه:
- وأنا جاهزة ياخويا للي إنت عايز تعمله، أهوو أرحم من الجحيم اللي كنت عايشة فيه.
امتدت يده لتقبض على السكين، وقبل أن يندفع تجاهها، اعترض رفيقه طريقه هاتفًا:
- سيبها يا موجي، أنا هتجوزها...!!!
..........................................
رواية فوق جبال الهوان الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منال سالم
امتلأت معدته بكل ما لذ وطاب، ليتبع ذلك باحتساء فنجان قهوته المفضل، لينتقل ببصره إلى والدته التي لم تكف عن وضع أطباق الحلوى أمامه، فأبدى تذمره لشعوره بالتخمة وعسر الهضم.
استلقى "راغب" بعد ذلك باسترخاء على الأريكة، واستطرد في تثاؤب:
- المفروض أروح أبقى جنب الجماعة، هيقولوا إيه عني؟
جلست "نجاح" مجاورة إياه، وقالت في نبرة شبه هجومية وهي تناوله طبقًا وضعت به القليل من الحلوى الشهية:
- ما يولعوا كلهم، ده أنت نفدت بالعافية من الخناقة اللي حصلت هناك، افرض كان جرالك حاجة؟ كان حد نفعك ساعتها؟
اعتدل في جلسته، وأخذ الصحن منها ليقول بوجوم:
- على رأيك، ده كفاية إني لحقت العربية، وإلا راحت فيها، أنا يا دوب طلعت على أول الشارع وشوفتهم وهما ماسكين في بعض.
لاك قطعة في جوفه، وتساءل:
- بس هقول لـ "إيمان" إيه؟
أخبرته بسحنة منقلبة:
- مشاكل في الشغل، والمدير استدعاكم، أي حجة وخلاص، وأنت ما كنتش عارف ترجع، واللي عندها تعمله.
هز رأسه قائلًا باقتناع:
- ماشي، هفكر في حاجة وأبقى أقولهالها.
تنهدت متابعة في إرهاق، وهي ترفع من صوت التلفاز:
- عقبال ما نخلص من الشبكة السودة دي.
لم يعلق بشيء، وانهمك في تناول الحلوى بشهية مفتوحة، دون أن يهتم حتى بمهاتفة زوجته للاطمئنان على أحوالها، أو حتى معرفة المستجدات لديها.
......................................
منذ البداية أدرك سر غضبه، وتداركه باختياره الذي بدا صادمًا للجميع، لكنه كان راضيًا عنه، فإن كان في وسعه إنقاذ روح بريئة، لِمَا لا تكون هي؟
تطلع "موجي" إلى رفيقه مذهولًا، وهتف بعدما انحل قيده في استنكار جم، وكأنه لا يصدق ما سمعته أذناه:
- أنت بتقول إيه؟ تتجوز دي بعد اللي حصل؟
رد عليه شارحًا بشيء من التعاطف، ويده قد انتشلت السكين لتلقيه أرضًا:
- دي تبقى أختك الوحيدة، اللي كبرت وسطنا، وأنا عارف أنت مربيها إزاي..
افترت شفتاه عن استهجان واضح، فيما واصل رفيقه حديثه الجاد:
- صحيح هي غلطت، بس ما مشيتش في الحرام، اتجوزت واتطلقت، نصيبها كده، وأنا لما تخلص شهور عدتها هتجوزها.
وكأنه سرد ملخصًا موجزًا لحياتها، فمر كشريط سريع نصب عينيها ليُذكرها بمدى حمقها وسذاجتها التي أودت بها للجحيم.
اغرورقت عينا "مروة" بالمزيد من الدموع، وصاحت تستحث شقيقها على أخذ ثأره منها:
- اقتلني يا "موجي" وارفع راسك لفوق، وأنا والله مسامحاك.
نهرها رفيقه في اعتراض حاد:
- قتل إيه وزفت إيه اللي بتتكلمي عنه؟ أنا بطلب إيدها رسمي منك يا "موجي"، وعايزها تبقى مراتي.
ردت عليه في ألم، والدموع تنساب بغزارة من طرفيها:
- وترضى بالفضيحة؟
أخبرها بتصميم:
- ما فيش فضيحة، ده جواز على سنة الله ورسوله....
ثم التف ناظرًا إلى شقيقها مؤكدًا بعزم:
- وقصاد الناس كلها وفي النور.
رد عليه "موجي" بوجه يعكس شعوره بالخذلان:
- والناس هتنسى اللي هي عملته؟
قال في مزيد من الإصرار:
- الناس ما بتسبش حد في حاله، النهاردة مركزين معاك، بكرة مع غيرك، خلينا في اللي يهمنا...
بدت نبرته أكثر تأثيرًا عندما أضاف:
- أنت ما لكش في الدنيا إلا هي، وأنا مش عايزك تروح في داهية وقدامنا الحل اللي يريح الكل.
صمت "موجي" ولم يتفوه بكلمة، فيما واصل رفيقه الكلام:
- وافق بس ومش هتندم، وأنا أقسم لك إني هراعي ربنا فيها.
من على مسافة لا تبدو بعيدة، وقف "كرم" مع أحد أتباعه يراقب الموقف بشيء من الفضول والاهتمام، إلا أنه لم يتدخل مطلقًا، كان فقط يستمتع بمشاهدة ما يدور من مسرحيات سخيفة، لاستمالة القلب واستعطاف المشاعر، وهذا ما لا يملكه من الأساس.
سأله تابعه بجدية:
- رأيك إيه يا كبيرنا؟
رد عليه بملامح صارمة، ونبرة مماثلة:
- اتفرج وأنت ساكت.
قال مومئًا برأسه في طاعة:
- واجب.
لم ترغب "مروة" في إجبار شقيقها على ما لا يريد، فانحنت لتلتقط السكين بعدما وقعت عيناها عليه، لتشتد قبضتها عليه، وتهتف في صوت عازم، وهي تكفكف بيدها الأخرى دمعها المسال:
- وأنا مش هسيبك تحني راسك من تاني.
وجهت النصل إلى بطنها لتطعن نفسها بضرارة قبل أن يصيح من حولها في ذهول وصدمة، ليسرع "موجي" تجاهها ليتلقفها بين ذراعيه هادرًا في عتاب ولوعة:
- عملتي إيه يا مجنونة؟
نظرت إليه بابتسامة باهتة، ورجته:
- حقك عليا يا خويا، قول إنك مسامحني يا "موجي".
بينما صرخ رفيق شقيقها مستنجدًا:
- إسعاف يا ناس أوام.
لم تهتز عضلة واحدة من وجه "كرم"، والتوى فمه بابتسامة متهكمة، لينتفض تابعه متسائلًا في وجل:
- العمل إيه يا ريسنا؟
بجمود شديد قال:
- ما لناش فيه.
بينما أسرع أحدهم بإجراء مكالمة عاجلة لاستدعاء رجال الإسعاف، إلا أن "موجي" كان يفتقر إلى الصبر لانتظار وصولهم، فهتف في لهفة:
- شيلها معايا نشوف أي عربية تنقلنا على أقرب مستشفى.
تعاون الاثنان معًا في حملها، والركض بها نحو أقرب سيارة أجرة بعدما أوقفها أحدهم من أجلهم.
مجددًا تساءل التابع بجدية:
- نروح وراهم يا ريس؟
بنفس الأسلوب الجامد غير المهتم تحدث "كرم" وهو يدس يديه في جيبي بنطاله:
- ما يخصناش الحوار، هما عيلة في بعض، احنا مالنا بيهم.
أومأ برأسه معلقًا:
- اللي تؤمر بيه.
عاود "كرم" أدراجه إلى السرادق ليضيف في عزم:
- فكرني بس لو فضلت "سمارة" عايشة نبعت للمحامي يخلص حوار الجوازة الشؤم دي.
من ورائه ردد تابعه في إذعان:
- حاضر يا كوبارتنا.
بالنسبة له انتهت حكاية شابة أغوتها الحياة بمظاهرها المخادعة، لتبدأ مرحلة أخرى في حياته باقتناص طريدة جديدة قد شرعت في استهوائه.
........................................
وجوه لم تألفها مطلقًا، وأناس لم تقابلهم من قبل، التقوا بها لتقديم واجب العزاء، فتعاملت باحترام وبغير تكليف مع الجميع، إلا أن بالها ظل مشغولًا بتلك الغائبة التي يتحرق قلبها لوعة لمعرفة أي شيء عنها.
لم تحبذ "عيشة" إثارة البلبلة بالإعلان عن اختفائها المفاجئ، فنوعية قاطني هذه المناطق لن يتورعوا عن خلق عشرات الشائعات المغلوطة، تلك التي تمس السمعة والعرض، وادعت كذبًا لتبرير غيابها بأنها في حالة انهيار، ولا تقوى على اللقاء بأحدهم بسبب قلبها المفطور على رحيل والدها الغالي.
انتقلت "اعتدال" للجلوس بجوارها بعدما تجولت هنا وهناك، لتتقصى الأخبار وتتحرى عن المزيد من المعلومات التي تشبع فضولها عن أي شيء وكل شيء.
نظرت إليها "عيشة" متسائلة بعبوس:
- خير يا ست "اعتدال"؟
أجابتها وهي تميل عليها لتتمكن من سماعها وسط الصخب المحيط بهما:
- الواد "كيشو" السمسار عايزك برا، بس مش عارف يخش من الحريم اللي قاعدة.
قطبت جبينها متسائلة:
- وده عاوز إيه؟
هزت كتفيها في تحير، فنهضت بتثاقل من موضعها لتسير بتؤدة نحو الخارج وهي تتلقى المزيد من التعازي الحارة، بالطبع لم تفارقها "اعتدال"، ففضولها استحثها على ملازمتها لمعرفة سبب إصراره على الحديث إليها، إلا أن "عيشة" كانت أكثر فطنة، فصرفتها بلباقة، حيث أوكلت لها مهمة مقابلة المعزيات ريثما تنتهي من حديثها إليه.
وقفت معه بعيدًا عن الضوضاء، وسألته:
- خير يا ابني؟
رد مشيرًا بعينيه نحو زاوية بعينها:
- الريس "زهير" واقف على الناصية محتاج يقولك كلمتين.
استغربت من الأمر، وسألته في استرابة:
- طب ومجاش يقولهم هنا ليه؟
رد بفم مقوس قليلًا:
- مش عارف.
تحركت على مهل تجاهه، ليقف الأخير متحفزًا لرؤياها، سألته بحاجبين معقودين، وعلامات الحيرة تبدو جلية على قسماتها:
- خير يا ابني؟ قالولي إنك طالب تشوفني، في حاجة؟
حرر دفعة ثقيلة من الهواء من رئتيه قبل أن يخبرها دفعة واحدة، وبلا تمهيد:
- "دليلة" بنتك في المستشفى.
لطمت على صدرها صارخة في فزع:
- إيه؟ بنتي؟ جرالها إيه؟
وضع يده على كتفها قائلًا بهدوء، لئلا تثير الأنظار نحوهما:
- ما تتخضيش يا حماتي، دي حادثة بسيطة، حصلت وقت العاركة.
ظلت على لوعتها صائحة في جزع أشد:
- كان مستخبيلنا ده فين..
حادثها بجدية وهو يشير بيده:
- خلصي بس العزا، وأنا هخدك عندها.
عاندته بتصميم:
- أنا مش هسيب بنتي لوحدها.
حذرها بجدية:
- علشان الناس ماتخدش بالها، واحنا مش ناقصين هلفطة على الفاضي.
عادت إلى رشدها، وفهمت ما يرمي إليه من عبارات، لتقول باستسلام رغم شعور الخوف المتعاظم بها:
- طيب يا ابني.
وكأن قدماها لا تساعدان إياها على السير، ترنحت في مشيتها واحتاجت إلى العون للعودة إلى السرادق، فاستندت على ذراع "كيشو"، ولسانها لا يتوقف عن التضرع:
- كملها معانا بالستر يا رب، ده احنا ولايا!
.................................
بأعجوبة تمكنت من الصمود والتحمل ريثما انفض الجمع من حولها لتهرع مع ابنتها الكبرى إلى "زهير"، ليصطحبهما إلى المشفى، بالطبع لم يتركهم "كرم"، وأصر على الذهاب معهم ليستفهم منه عما جرى بالتفصيل. وقفت "عيشة" أمام سرير "دليلة" الراقدة عليه بلا حراك، تطالعها بنظرات متحسرة وفزعة، هزت رأسها مرددة بصوتها الباكي:
- عيني عليكي يا ضنايا، ده إنتي وردة مفتحة، كل ده يحصلك.
شاركتها "إيمان" البكاء، وراحت تردد في ندم وأسى:
- أنا السبب يا ريتني كنت منعتها، ولا كان حد اتعرضلها.
من ورائها تحدث "كرم" بسماجة:
- جرى إيه مزة، مش كفاية ندب بقى، ده حتى مش حلو علشانك!
اشتعل وجهها غضبًا من تعليقه المستفز، وصرخت فيه:
- إنت بتعمل هنا إيه أصلًا؟
قال بتسلية، وهو يغمز لها بطرف عينه:
- جاي أقوم بالواجب، وأنا سيد من يعمله.
صاحت فيه بعصبية:
- اتفضل من هنا.
على إثر صوتها جاء "زهير" بعدما سدد كافة المستحقات المادية للمشفى، ليتفاجأ ببوادر نشوب مشادة كلامية بينهما، من فوره تدخل في الحال لمنعهما من الصدام:
- تعالى معايا يا كبير.
سحبه إلى الخارج، و"كرم" يبدي اعتراضه المتذمر:
- أنا بس مقدر الظروف، غير كده كان هيبقالي تصرف مش هيعجب حد فيكم.
نفخت "إيمان" بصوت مسموع، وبرطمت:
- أعوذ بالله، مصيبة محدوفة علينا.
دفعه "زهير" دفعًا إلى الخارج لتغلق الباب من ورائهما، وتعود إلى والدتها التي تنتحب في حزن واضح، لتسألها:
- جوزك اتصل؟
هزت رأسها نافية:
- لأ، وطلبته موبايله لسه مقفول.
لم تقل شيئًا، لكنها لم تستبشر خيرًا من غيابه المريب، وإن كانت تحاول تكذيب ما يراودها من حدس قوي بشأنه.
.................................
على الجانب الآخر، بدا "كرم" ساخطًا للغاية من تعامل شقيقه بنوع من اللين والرأفة مع من تعد –مجازًا- زوجته المستقبلية، وتمردها عليه كاد يودي بحياة كليهما، إلا أنه أقنعه بأن ما تقوم به ناجم عن إحساسها العميق بالحزن لفجيعتها في والدها، ومع ذلك حذره:
- أنا لحد دلوقت مطول بالي علشان خاطرك، بس يا ريت الحكاية متطولش.
على مضض رد:
- طيب.
سأله في استفهام:
- شكلك هتفضل ملازم السنيورة؟ مش كده؟
أجابه دون أن يظهر أدنى تعبير على وجهه:
- خليني أشوف اللي ناقص وأعمله، ماينفعش أسيبهم لواحدهم، وأكيد واخد بالك من النطع جوز بنتها اللي مجاش.
بغموض مخيف أعلمه، وكأنه يدبر لأمر ما لم يختمر بعد في رأسه:
- النطع ده ليه حوار معايا، بس أخلص من اللي ورايا.
سأله مستعلمًا:
- هتعمل إيه؟
ربت على كتفه قائلًا بإيجاز:
- بعدين بقى ..
ثم غمز له بطرف عينه متابعًا بسخرية مبطنة:
- براءة إنت يا حنين لحد ما أنجز مصالحنا المتعطلة.
كان من المحبذ ألا يعقب على تهكمه، فاكتفى بالصمت، وراقبه وهو يغادر الردهة، ليتحول بعدها بناظريه نحو الحائط الزجاجي ليتطلع إلى "دليلة" التي كانت لا تزال على حالتها تلك. زفر الهواء بإرهاق، وهمهم بلا صوت:
- يا ترى هيحصل إيه بعد ما تفوقي؟
.......................................
ترك من احتجزهم بعد المشاجرة الأخيرة، بمن فيهم من نصب نفسه زعيمًا عليهم، يمضون ليلهم الطويل في ترقب وخوف، ليضمن استنزاف قواهم العصبية قبل أن يشرع في محاسبة كل فرد على حدة، وبدأ بمن خان عهده، ليكون عبرة وعظة لمن يظن نفسه قادرًا على خداعه.
خلف البيت المتسع، في مكان يبدو كغرفة احتجاز، جدرانها رمادية داكنة، خالية من النوافذ، إلا من واحدة علوية، يحاوطها الزجاج، وقضبان من الحديد، بها كراكيب وبقايا أثاث متناثرة بشكل عشوائي عند الأركان، احتشد بعض الرجال حول "عصفورة" حيث تم تقييده من يديه خلف ظهره، بعدما جثا على ركبتيه في وضع ذليل، مهين، منكس الرأس. ظل يصرخ من أثر العدوان الوحشي عليه. طقطق "الهجام" أصابع يديه معًا، قبل أن يبسطهما هاتفًا في صوت أرعب أشد الرجال شجاعة:
- الرحمة دي مش عندي، دور عليها عند غيري.
هتف الرجل يتوسله في ذعر مسيطر عليه:
- يا ريس غلطة ومش هتتكرر.
لم يرأف به، ولم يمنحه نظرة غفران حتى، بل بدا أكثر إصرارًا على تعذيبه حتى النهاية، أقبل عليه وقد تناول سلاحًا ناريًا من أحد أتباعه:
- الغلطة عندي بفورة، ورصيدك في السماح خلص.
ارتاع "عصفورة" في فزع أكبر حين رأى ما بيده، وهدر يستعطفه ببكاء وهو يرتجف كليًا من شدة ارتياعه:
- ده أنا راجلك، دراعك اليمين، طول عمري تحت طوعك.
سحب "كرم" زر الأمان عن سلاحه المعبأ بالذخيرة الحية، وأخبره في هدوء قاتل، وهذا البريق الوحشي يظهر في عينيه:
- دراعي لما يأذيني أقطعه، وإنت خونت العهد.
باتت المسافة الفاصلة بينهما خطوتين، والسلاح الناري مصوب نحو رأسه، مدركًا الحقيقة المؤلمة، أن عمره أوشك على الانقضاء، استخدم آخر وسائله في استجداء شفقته:
- يا كبير، طب ورحمة "الهجام" الكبير ما ...
لم يتم جملته للنهاية، فقد ضغط "الهجام" على الزناد لتتحرر طلقة غادرة استقرت في رأسه، وفجرتها، لتودي بحياته وتنهيها في التو، انتشرت بركة من الدماء حول الجثة المنكبة على وجهها، بصق عليه "الهجام"، وخاطبه كتحذير مستتر لمن يقف من الرجال:
- غلطت لما حلفت بيه، راس أبويا محدش يحلف بيها وهو خاين.
من بين المتابعين وقف "ناجي" يشاهد المشهد الدموي بصدر منقبض، فبالرغم من ارتكابه لبعض الأمور المتجاوزة، إلا أنه لم يصل لهذا القدر من الإجرام والوحشية. ارتد للخلف في تلقائية بعد سماع الطلقة رغم توقعها، ردد مع نفسه في شيء من التوجس، ناظرًا إلى قسوته مع الخائنين:
- يا ساتر، ربنا ما يوقعني معاه.
تنبه مرة ثانية إلى صوته وجفل عندما سمعه يأمر رجاله:
- شفوه، وادفنوه.
علق واحد منهم مطيعًا أمره نافذ الوجوب:
- علم.
رجفة غادرة تسللت إلى بدن "ناجي" وقد أبصره مقبلًا عليه، خاصة أن وجهه لم يظهر عليه الندم لقتله، استدعى شجاعته الهاربة، وتكلم في عفوية:
- أجيلك وقت تاني يا كبير لو مشغول؟!
قال "كرم" في هدوء بارد، كأنما لم يُزهق روح أحدهم قبل لحظات معدودات:
- لأ، أنا فاضي، دي شوية تسالي كده، لسه التقيل جاي ورا.
بدأ بالسير معه نحو الخارج، ومغادرة حجرة التعذيب تلك، لكن اعترض طريقهما أحد الأشخاص، حيث صاح بصوت شبه مندفع، كأنما على عجلة من أمره:
- يا كبير، في حد من طرف حبايبنا من عزبة "العترة" عاوزك في مصلحة.
في نفسه ردد "كرم" مبتسمًا في ازدراء:
- طبعًا جايين يلحقوا الخروف بتاعهم قبل ما يتعلق...
ثم نظر إليه بتعالٍ، ليخاطبه في كلام مبطن:
- الأهم يقدرني، ساعتها هيلاقيني أنا والرجالة.
ابتسم الرجل معقبًا:
- اعتبره حاصل يا "كوبارة"، هافهم منه إيه الحوار وأرسيك عليه.
لوح له بذراعه مرددًا:
- ماشي الكلام.
حمحم "ناجي" قائلًا ببسمة مهزوزة:
- صيتك مسمع يا ريس.
لم يخفَ على "كرم" رهبته منه، فقد استشعر ذلك منذ اللحظة الأولى التي التقى بها فيه، إلا أنه لم يفضح أمره، لكونه ذا صلة مباشرة بمن يعز عليه.
تنفس بعمق، وقال منتصبًا بكتفيه في عنجهية:
- أهم حاجة في شغلانتنا الخطرة دي هي السمعة، لو راحت، يبقى عليه العوض في الهيبة!
لم يستطع سوى مجاراته في رأيه، وإن كان على غير وفاق معه، فتحدث بعد إيماءة خفيفة من رأسه:
- كلام موزون.
توقف "كرم" عن الحركة لينظر إليه متسائلًا بشكل باغته:
- معلمك جاهز يقابلني؟
ابتلع ريقه، وقال بحذر:
- حدد المكان والزمان، وهتلاقينا حاضرين.
اتسعت بسمته المغترة مرددًا وهو يرفع يده ليوكزه في جانب ذراعه:
- حلو، خلينا على السخان، ونتقابل على آخر النهار، وأنا هبلغك معلمك بالمكان، ماشي الكلام؟
هز رأسه مرددًا:
- تمام يا ريس.
فرقع بعدها "كرم" بإصبعيه ليستدعي أحد أتباعه، فهرول إليه ليأمره:
- وصل ضيفنا برا، لأحسن لسه حفلتنا في أولها، وعايزين ننجز قبل ما نطلع الزيارة.
مغادرة هذا المكان كان بالنسبة له طوق النجاة، انطلق "ناجي" على الفور مسرعًا في خطاه، قبل أن يبصر المزيد من الأمور غير المستحبة على الإطلاق.
.......................................
في مكان مقفر، وسط تلك الصحراء القاحلة، حيث الفراغ الممتد من مساحات شاسعة، أبطأت سيارتا دفع رباعي من سرعتهما، لتقفا على مقربة من تلك السيارة، ترجل من السيارتين عدد لا بأس به من الرجال المدججين بالسلاح، يتقدمهم "كرم الهجام" بخطاه الواثقة، وعلى وجهه ابتسامة مسرورة، هلل كاسرًا السكوت السائد في هذا المجهول المخيف:
- والله زمان، أنا مش مصدق عيني.
أتاه صوت "تميم" على نفس القدر من العلو والتحية:
- مرحب بالناس المهمة.
امتدت يده لمصافحة رفيقه، واستطرد قائلًا بزهو لا يخلو من الإعجاب:
- معلم "تميم"، عاش من شافك يا سيد الرجالة.
بادله الأخير المصافحة بعدما تحرك ناحيته لإلقاء التحية عليه مرددًا:
- ريس "كرم".
قهقه ضاحكًا في دهشة مستمتعة قبل أن يعقب وهو يحثه على السير بعيدًا عن الرجال المحاوطين بهما:
- ياه، بقالي زمن ماسمعتش الاسم ده منك ...
استغرب "تميم" من عبارته، بينما واصل "الهجام" التوضيح:
- من أيام أبويا الله يرحمه، لدرجة إني نسيت أصحاب زمان لما كانوا بينادوني زيك كده بيه، ده إنت رجعتني لسنين ورا.
علق "تميم" في هدوء حذر، رغم علامات الضيق الظاهرة على محياه:
- الله يرحمه.
استمر "الهجام" في الشرح مبتسمًا بانتشاء، وكأن ما يرتكبه من جرائم دموية وسيلته المتاحة للتسلية:
- كل الرجالة بتناديني هنا "الهجام"، أو "كوبارتنا"، وأنا بكرمهم .. بس على طريقتي.
آثر "تميم" الصمت، ولفظ دفعة من الهواء المشحون بغضبه من صدره، فتساءل "كرم" مستفهمًا بتعابير اكتسب طابعًا جديًا مغايرًا لما كان عليه قبل ثوان:
- خير؟ وردني إنك عاوزني في مصلحة.
بنفس الضيق البادي عليه أخبره "تميم" بما يشبه الاعتذار:
- معلش هتقل عليك.
عاتبه في وجوم:
- والله أزعل منك لما تقول كده، إنت عارفني، اللي يفديني بروحه، أشيلهاله لآخر العمر.
جال بذاكرة "تميم" لمحة خاطفة من فترة احتجازه بالسجن، حيث تدخل مصادفة في إحدى المرات التي نشب فيها شجار عنيف بين النزلاء، للزود عن "كرم الهجام"، دون أن يكون على صلة وثيقة به، وقتئذ تمكن من منع أحدهم من وخزه غدرًا بسلاح أبيض، وقام بكسر ذراعه، ليعتبر الأخير ما فعله بمثابة توثيق لرابطة أخوية من نوع مختلف، إن احتاجه يومًا وجده إلى جواره. نفض الذكرى عن عقله مؤقتًا، وهتف في غير ابتسام:
- تسلم، ده العشم برضوه.
أخرج "كرم" المظروف الأبيض من جيب بنطاله، وأعاده إليه قائلًا:
- اتفضل.
تناول "تميم" الظرف المألوف منه، ونظر إليه متسائلًا في تعجب:
- إيه ده؟
أجابه مقتضبًا وهو يومئ له بعينه:
- عربونك.
تساءل مرة أخرى في استغراب أكبر:
- بترجعه ليه؟
أخبره باسمًا:
- يا سيدي اعتبر المصلحة اللي عاوزها تحية مني ليك، ده كفاية إني شوفتك.
رفض مبديًا تصميمه:
- لأ معلش، الاتفاق اتفاق.
عارضه في صوت هادئ، ينم عن محبة وأخوية قوية:
- معاك إنت، تؤمر تطاع.
أصر عليه في جدية شديدة:
- ده شغل، ومايزعلش حد.
هتف "كرم" معترضًا بعناد:
- لأ يزعلني أنا، ده أنا مرضتش أكسف الراجل بتاعك، وقولت دي فرصة حلوة أشوفك فيها ...
ثم وضع يده على كف "تميم" ليجبره على إخفاضها قائلًا:
- عين فلوسك في جيبك.
رفع ذراعه للأعلى متجاوزًا يده، وقال رافضًا:
- لأ، لو مخدتهومش هاعتبر المصلحة ملغية.
بدا التردد ظاهرًا على وجهه، فتابع "تميم" بنفس النبرة المصرة:
- اعتبره عرق الرجالة، ده حقهم.
صمت لحظيًا، كأنما يفكر في الأمر، واضعًا يده على طرف ذقنه يفركها للحظات، قبل أن ينطق في نهاية الأمر، وبابتسامة تعلن قبوله لعرضه:
- مش هردك.
أعاد الظرف إلى جيبه، ثم تساءل في نبرة مهتمة:
- ها، مين اللي عليه العين، وخلاك تقابلني؟
غامت عينا "تميم" بشكل مخيف، وأخبره بعد زفير سريع، بجزء لا يضاهي أبدًا ما يكبته في صدره من غليل حارق:
- واحد عاوزك تجيبه عندك، يتمنى الموت ومايطلوش.
هز رأسه معلقًا في ترحيب، كأن المسألة لا تعني شيئًا له:
- بسيطة، لو عاوزني أشفيه كمان ده موجود.
توحشت نظرات "تميم"، وصارت أكثر إظلامًا، عندما خاطبه بحنق متصاعد:
- الموت راحة ليه، وأنا مش عاوزه يرتاح.
تكلم "كرم" في ثقة عارمة:
- اديني اسمه، وعنوانه، وهتلاقيه مشحون في ظرف كام ساعة عندي.
نظر إليه "تميم" بغموض، فأكد له بنفس النبرة الواثقة:
- وشغل نضيف، من غير شوشرة، ولا سين وجيم.
استحسن الأمر، فقال موجزًا:
- حلو الكلام.
انتصب "كرم" بهامته السامقة، والتفت ناظرًا إلى رجاله المجتمعين على مسافة بضعة أمتار، ليضيف في غرور:
- إنت عارف شغلي، يحير المتحير، ومش أنا اللي هاقولك.
حاول الابتسام مجاملًا، فبدت بسمته متكلفة إلى حد كبير، وهو يعلق:
- طبعًا، مش كبير "الهجامة"!
ضحك في استمتاع، وهتف من بين ضحكاته المسرورة:
- أومال!
تساءل بعدها "تميم" في اهتمام:
- وأخوك عامل إيه دلوقت؟ اتخرج من كليته؟
أخبره في تفاخر:
- إنت لسه فاكر، "زهير" خلص من زمان، وبجهزه يبقى خليفتي في الملاعب، ولو إنه مش زيي.
جاء تعقيبه صائبًا في وصفه:
- إنت ملكش زي يا "هجام".
مرة ثانية ضحك وهو يرد:
- على رأيك يا ابن الحاج "سلطان".
أوصاه "تميم" في جدية تناسبت مع ما ينعكس على ملامحه:
- خد بالك منه، العيلة ضهر وسند.
أومأ برأسه مؤكدًا:
- اطمن، أنا أفديه بكل حاجة، وده اللي مخليني ساكت عن حنيته وطيبة قلبه الزيادة.
علق عليه باسمًا:
- مش بقولك إنت ملكش شبه ولا زي.
أشار إليه "كرم" بيده متابعًا:
- طب تعالى أقوم معاك بواجب الضيافة.
اعتذر منه بلباقة:
- معلش ورايا مشاغل.
في وجوم طفيف استطرد:
- إنت كده هتزعلني؟
أتى رده دبلوماسيًا كعادته:
- يا سيدي نقعد سوا لما المصلحة تتقضى.
في نفس أسلوبه المتباهي أكد عليه:
- دي في كلمة ونص تخلص.
هز رأسه مرددًا:
- عارف، أد القول...
ثم مد يده لمصافحته مودعًا إياه:
- ماشي يا كبير "الهجامة"، نتقابل على خير.
أتم جملته ساخرًا:
- أو على شر، إنت عارف ما بيفرقش معايا.
مازحه "تميم" قائلًا بشيء من الدعابة:
- ربنا يكفينا شرك، احنا مش أدك.
على غير طبيعته الصارمة، قابل "كرم" ممازحته الصادقة بمرح معتاد بينهما، ورد عليه، وتلك الابتسامة العريضة تظهر بشكل جلي على محياه:
- على رأيك، ده أنا بلوى للي أحط عليه .....................!!!
...............................................
رواية فوق جبال الهوان الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم منال سالم
أُخمِدت نيران الجسد، وانطفأ لهيب الشوق والرغبة بعد لحظات مثيرة من اللقاء المفعم بالتوق والاشتياق، فاستلقى على ظهره على الفراش يلتقط أنفاسه، لتظل "وِزة" تداعب صدره الناهج بأناملها الناعمة، وهي تملأ أذنيه بمعسول الكلام، حتى بات يتلهف بشدة للبقاء في أحضانها مدة أطول مقارنة بنفس حالته مع "توحيدة"، وكأنها تملك مفاتيح سعادته الخالصة.
استغلت "وِزة" ما تملك من فِتنة مغرية للاستحواذ على عقله، وتطويع مشاعره طوع بنانها، فأصبحت متأكدة من مقدرتها على التأثير عليه، واستمالة رأسه تجاه رغباتها دون مجهود يُذكر. انتظرت ريثما هدأت موجة انفعالاته الشبقة، لتهمس له بحذرٍ:
-سي "عباس"، أنا كنت عايزة أقولك على حاجة مأجلاها أديلي كام يوم.
استرعت طريقتها انتباهه، فسألها بتكاسلٍ وهو يخلل أصابعه في يدها:
-إيه هي؟
رفعت رأسها للأعلى لتنظر إليه عن قربٍ وهي تجيبه:
-فاكر يوم عزا نسايب كوبارتنا؟
زوى ما بين حاجبيه قائلًا باقتضابٍ:
-أيوه.
عضت على شفتها السفلى، وخفضت من نبرتها قائلة بربكةٍ مفتعلة:
-"توحيدة" كانت ناوية تعمل فضيحة وقتها.
شعرت بتصلب جسده وهو يهتف بتحفزٍ:
-مش فاهم.
رمشت بعينيها قائلة على نفس النحو الغامض الباعث للريبة:
-هقولك، بس أحلفك بالله ما تزعل مني، أنا بس مرضتش أعمل مشاكل ساعتها.
في التو اعتدل في رقدته، وزَعَق فيها بغير صبرٍ:
-ما تنطقي يا بت في إيه؟
ها قد واتتها الفرصة على طبق من ذهب، فأفرغت ما في جعبتها مستعينة بأساليب المَسكنة، وما على تلك الشاكلة لتنجح في إقناعه بفداحة جريرتها، ولتدعم صدق روايتها، جعلته يشاهد ما تملك من تسجيل مرئي، ليتأكد تمامًا من تورطها في هذه المكيدة المدبرة.
كز "عباس" على أسنانه مدمدمًا في غيظٍ:
-يا بنت الأبــــالســة!
بحرفيةٍ ومكر استدعت "وِزة" دموع التماسيح لتخبره:
-شوفت بقى، علشان تصدقني لما أقولك إنها بتكرهني، ويا ريت الحكاية كانت على أدي، مكونتش والله هزعل، بس الفضايح كانت هتمس كبيرنا وسط ناسه وعزوته.
في عصبيةٍ ظاهرة عليه، أزاح الغطاء عنه، ونهض من على الفراش ليرتدي بنطاله صائحًا بتوعدٍ غاضب:
-يومها مش فايت.
لحقت به قائلة بحزنٍ مصطنع، وهي تنحني لسحب مئزرها الحريري من على الأرضية لترتديه على قميص نومها المكشوف:
-إنت رايح فين بس يا سي "عباس"؟
أمسك بمقبض الباب، وأدار رأسه تجاهه ليخاطبها في عزمٍ، وهذه النظرة التي لا تبشر بخيرٍ تثور في عينيه:
-هربيها الأول، قبل ما أبلغ الكبير باللي عملته.
وضعت يدها على منبت ذراعه ترجوه في دلالٍ:
-بلاش يا سي "عباس"، أنا مسامحة، هي عدت على خير.
أبعد يدها عنه بخشــــونةٍ طفيفة قائلًا بما لا يبشر بخير:
-واحنا مابنسامحش!
ما لبث أن التمعت تلك النظرة اللئيمة في عينيها وهي تتوقع وقوع أكثر من تبغض في شر أعمالها، وهي تستحق ذلك بالفعل!
.................................
مدفوعًا بغضبه المشحون مسبقًا، انطلق بخطواتٍ متشنجة نحو الصالة، لم يستحِ أو يشعر بالحرج وقد خرج من الغرفة عاري الصدر، لتأتي صيحته الأشبه بزمجرة أسد غاضب حينما هتف مناديًا:
-إنتي يا "توحيدة" الكلب!
فيما تعمدت "وِزة" ألا تظهر في المشهد إلا بعد عدة لحظاتٍ، ريثما تتأكد من انـــدلاع شرارة المشاجرة بينهما.
على إثر صوته الجهوري، المصحوب بإهانته الفجة، انتفضت "توحيدة" قائمة من على الأريكة، لتنظر إليه مصدومة قبل أن تسأله في نبرة لائمة، متعمدة تجريده من لقبه الذي اعتادت أن تردده قبل اسمه:
-بتغلط فيا يا "عباس"؟
اجتمعت نساء المنزل لمشاهدة الصدام بين الاثنين في فضولٍ، ولم تجرؤ إحداهن على التدخل، بل اكتفين بالمشاهدة، وترقب ما ستؤول إليه الأمور بين الثنائي الحانق.
وقف "عباس" قبالتها هادرًا بنفس الصوت الغاضب وهو يطوح بيده في الهواء:
-وفي اللي جابوكي كمان.
وضعت "توحيدة" يدًا على منتصف خصرها، ورفعت الأخرى وألصقتها بجبينها لتخاطبه بما يشبه الازدراء وهي تهز جسدها كأنما تهزأ به:
-الله! الله! طب ليه كده؟ ما كنا حبايب...
ثم انتقلت ببصرها إلى "وِزة" لتكمل جملتها المحملة بإهانةٍ صريحة:
-ولا إنت بقيت خلاص رامي ودانك للـ.... دي؟ّ!
رد عليها في تحيزٍ شديد:
-الـ ...... دي تبقى مراتي يا ......!
سرعان ما خفضت يدها لتدق على صدرها لاطمة وهي تصيح به:
-يا نصيبتي! بتهيني كمان؟
قبض على ذراعها، واعتصره تحت أصابعه في قوةٍ وهو يتوعدها:
-ويا ريتها تقف على أد كده، ده أنا هحط عليكي لما تقولي ارحمني!
بدهاءٍ خبيث، ارتمت "وِزة" عند قدميه، لتمسك ببنطاله ترجوه، وهي تتصنع البكاء:
-خلاص يا سي "عباس"، علشان خاطري أنا.
تجاهلها تمامًا، وحدق بعينين ناريتين في وجه "توحيدة" التي تحدته في حنقٍ:
-فوق لنفسك يا "عباس"، ما تنساش أنا مين.
امتدت يده الأخرى لتطوق عنقها من الخلف، وقربها منه قائلًا بشراسةٍ:
-وأنا هعرفك أنا أبقى مين يا .....!!
في إهـــانة أشد، أجبرها على الانحناء للأمام بالضغط على عنقها بما يملك من قوة ذكورية، ليدفعها بغلظةٍ نحو غرفتها الأخرى، قاصدًا إذاقتها ألوان العــــــذاب على طريقته، لتنهض "وزة" بكسلٍ من جلستها، وهذه الابتسامة الشامتة تزين محياها. نظرت بطرف عينها إلى "خضرة" التي وجهت إليها إصبع الاتهام مباشرة:
-خربتيها وأعدتي على تلها؟
رمتها بنظرة باردة قائلة بتشفٍ:
-خليها تدوق شوية من اللي عملته فيا وفي غيري!
وما هي إلا لحظات واستمع الجميع لصوت صرخات توسل واستجداء من "توحيدة"؛ لكن لا مغيث لها! فيكفي أنها وقعت مع أحد معـــدومي القلب ومنزوعي الرحمة والشفقة حينما ينقلبوا على أحدهم.
....................................
في إحدى زوايا المشفى، وقف مستندًا بذراعه على الحائط الرمادي، يُطالع بعينين ثابتتين إحداهن، ويده الأخرى الممسكة بهاتفه المحمول تلتصق بأذنه، ليأتي صوته الأجش مخاطبًا الطرف الآخر فيما يشبه الانزعاج:
-أنا وردني خبر إن اللي عليه العين اتكل، ملحقتش أوجب معاه.
استمع إلى صوت زفرة "تميم" البطيئة قبل أن يجيء صوته مهمومًا:
-أها .. ما أنا عرفت.
تابع "الهجام" كلامه قائلًا بعزم، وقد استدار ليرتكن بظهره على الحائط:
-طيب بما إن المصلحة اتفركشت، عاوز أقابلك عشان أرجعلك العربون وآ...
قاطعه "تميم" رافضًا بلباقةٍ:
-لأ خلاص، دول طلعوا من ذمتي، مش عاوزهم.
أصر عليه في إلحاحٍ:
-لأ ماينفعش، أنا لازمًا ...
قاطعه رفيقه مرة ثانية مبديًا تصميمه:
-مافيش داعي، كفاية إن الليلة خلصت على أد كده.
ضحك "كرم" للحظة قبل أن يقول مازحًا:
-طول عمرك ابن أصول، وملكش في شغلنا ولا سكتنا.
من جديد سكت "تميم"، ليقطع ذلك الصمت الإجباري ممازحًا:
-نتقابل بقى على خير، ولو إني عارف إن لو اتقابلنا تاني هيبقى على شر.
أتبع ذلك ضحكة قصيرة، ليضيف أخيرًا مختتمًا المكالمة:
-وماتنساس، لو عوزتني في أي وقت، إنت عارف هتوصل لكبير "الهجامة" إزاي.
سمع زفرة أخرى من الهواء ليتبع ذلك قوله المقتضب:
-أكيد.
كان آخر ما نطق به "كرم" قبل أن يغلق الخط:
-سلام يا سيد المعلمين.
ليدس بعدها الهاتف في جيبه، ويتأهب للتحرك تجاه من شغلت لبه مؤخرًا، وبات أكثر اهتمامًا بشأنها.
.......................................
كانت "إيمان" تقف بالقرب من سلم الدرج الذي يصل بين طوابق المشفى، اشتدت قبضتها على الدرابزين، فيما عبست قسماتها وهي تصغي لحجج أخرى جديدة من زوجها الذي أصبح يتجنب التواجد معها بشكلٍ ملحوظ، خاصة مع تأزم الوضع، واضطرار شقيقتها للبقاء تحت الرعاية الطبية بعدما امتدت غيبوبتها لما يقرب من الأسبوع. تسربت حمرة شبه غاضبة إلى بشرتها حينما سألته هاتفيًا في ضيقٍ:
-برضوه مش هتعرف تيجي؟
اعتذر منها كالعادة:
-أنا أسف يا حبيبتي، أنا ملبوخ جدا، والمدير مكلفني بشغل أد كده، وسفر من مكان للتاني.
هتفت مستنكرة، وهي بالكاد تكافح لخفض نبرتها قبل أن تنفجــــر فيه:
-ووسط مشاغلك دي كلها ما بتفضاش خمس دقايق تكلمني فيهم حتى؟!!!
قال بهدوءٍ مغيظ:
-حقك عليا، لما أرجع هعوضك...
لئلا تزيد من ثورتها عليه سألها باهتمامٍ زائف:
-"دليلة" عاملة إيه؟ في جديد؟
ردت بعد زفيرٍ مسموع:
-لسه، أدينا معاها في المستشفى، ومستنين نشوف هيحصل إيه.
قال في تفاؤلٍ:
-إن شاءالله هتبقى كويسة.
ضغطت على شفتيها قائلة:
-يا رب.
سمعته يخبرها بنبرة متعجلة:
-معلش مضطر أقفل، عندي اجتماع، هكلمك تاني.
على مضضٍ غمغمت:
-طيب.
أنهت المكالمة، ووضعت الهاتف في حقيبتها، لتظل باقية للحظاتٍ في موضعها محاولة استعادة هدوئها السابق قبل أن تعود إلى والدتها. التفتت مستديرة للناحية الأخرى لتتفاجأ بوجود "كرم" خلفها، انزعجت من حضوره السقيم، وبادرت بمهاجمته في تحفزٍ، وعلامات الوجوم تملأ سحنتها:
-إنت واقف كده ليه؟!!
التوى ثغره بابتسامةٍ متهكمة قبل أن يعلق ساخرًا:
-الحيطة المايلة مجاش برضوه؟
اتسعت عيناها في حدةٍ، وصاحت به ملوحة بيدها:
-وإنت مالك تتدخل في شئون حياتي ليه؟
غمز لها بطرف عينه مرددًا بعبثيةٍ:
-بوعيكي يا حلوة تبصي كويس وتشوفي فين مصلحتك.
نفخت عاليًا قبل أن تهمهم في سأمٍ:
-اللهم طولك يا روح.
أنقذها من التشاحن معه نداء والدتها من مسافة لا تبدو بعيدة عنها:
-تعالي يا "إيمان"، عايزاكي.
سددت له نظرة احتقارية قبل أن ترد بإهانةٍ مبطنة:
-حاضر يا ماما، لأحسن الجو بقى خانقة والواحد مش ناقص.
شيعها بنظرة غير مريحة وهو يخاطبها باسمًا بسماجةٍ:
-بكرة الجو يفك، زي ما كله بالحنية بيفك!
لم يطل في سخافته معها، لظهور شقيقه في الأرجاء، فركز بصره عليه عندما سأله:
-خلصت مصالحك؟
جاوبه وهو يفرك مؤخرة عنقه:
-كان في طالعة وصاية لواحد حبيبي، بس قضا ربنا نفذ، والمصلحة طارت، فقولت أفوت عليك أطمن على أحوالك.
لم يبدُ "زهير" ساذجًا ليصدق جملته الأخيرة على وجه الخصوص، وعلق في تشكيكٍ:
-أنا برضوه؟
ضحك بسخافةٍ معقبًا بنبرة موحية:
-إنت واللي منك.
فهم ما يرمي إليه دون الحاجة للمزيد من التوضيح، فقد لاحظ تربصــه بشقيقة خطيبته، وملاحقتها كظلها في كل فرصة تسنح له ليزعجها بشكلٍ واضح، وكأنه يحاول فرض شخصه عليها، وهذا لا ينم عن نوايا بريئة! شتت نظرته المنزعجة عنه مجيء إحدى الممرضات لتخاطب حماته وابنتها، ليسمع بعدها تهليل "عيشة" المبتهج:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب، أنا عايزة أشوف بنتي.
-الدكتور قال هيفحصها الأول وبعد كده هنخش عندها.
تيقن أن "دليلة" قد عادت لوعيها، فأصبح هو الآخر متلهفًا لرؤيتها؛ بالكاد كبح نفسه، وانتظر على أحر من الجمر السماح لرؤيتها.
.......................................
مرت الدقائق كأنها ساعات، فأخذت "عيشة" تفرك كفي يدها معًا، وتدعو الله في سرها أن تأتي البشارة مثلجة لصدرها، فتبدد القليل من حزنها الجاثم على قلبها عندما أبصرت ابنتها في وعيها، وتنظر إليها بابتسامةٍ لطيفة، أقبلت عليها لتحتضنها وعيناها تفيضان بالدمع المتأثر:
-حمدلله على السلامة يا حبيبتي.
انهالت على وجنتيها بعشرات القبلات الأمومية،
لتحتضن وجهها بين راحتيها هاتفة:
- ألف بركة إنك بخير.
سألتها دليلة في شيء من التخبط:
- هو إيه اللي حصل؟
أجابتها بصدر ناهج:
- كل خير يا ضنايا، المهم إنك فوقتي، وبكرة تقومي بأمر الله تقفي على رجلك.
اكتفت بهز رأسها، ومررت عيناها سريعًا على المتواجدين بالغرفة، بدت بعض الوجوه غير مألوفة لها، فلم تعبأ بهم، وتساءلت بشكل عفوي:
- أومال بابا فين؟ مش معاكم ليه؟
كتمت عيشة شهقة ملتاعة ممزوجة بصدمة كبيرة، فيما رددت إيمان بذهول أعجب:
- بابا!!!
ليأتي تعليق كرم فجًا بعض الشيء:
- راح للي خلقه يا حلوة!
تحولت بعينيها تجاهه، وهتفت بحاجبين معقودين:
- نعم؟!
مسحت عيشة دمعها بظهر كفها، وأخبرتها على مهل بما يشبه التساؤل:
- أبوكي مات يا ضنايا، إنتي نسيتي ولا إيه؟
وكأنها ألقت بدلو ماء مثلج فوق رأسها، حملقت فيها بعينين مفتوحتين على سعتهما صارخة في إنكار جلي:
- إزاي مات؟ إنتو بتقولوا إيه؟
ثم جالت بعينيها على أوجه من يتطلعون ناحيتها بتعابير متفاوتة، لتكمل على نفس النهج المستهجن:
- ده كان لسه معايا بيعرفني الطريق للكلية بعد ما عزلنا.
بكت والدتها وهي تخبرها في أسى، لعلها تزيح الغشاوة التي تحجب الحقيقة عن ذهنها:
- الكلام ده فات عليه ياما.
أضاف كرم بنفس الأسلوب الجاف غير المبالي:
- أبوكي ميت من كام يوم، معقولة كل ده اتبخر من دماغك؟
سدت أذنيها عما اعتبرته لغوه الكاذب، وصرخت في استنكار شبه مهتاج:
- متقولش كده، إنت كداب، بابا كويس!
وكأنه يستلذ بإزعاجها، فأخبرها ببرود وهو يشير إلى كفيه:
- ده أنا اللي دافنه بإيدي.
هزت رأسها هادرة بجنون:
- أنا عايزة بابا.
حاولت والدتها تهدئتها، فأمسكت بها من رسغيها لتخفضهما وهي ترجوها بصوت مختنق:
- متعمليش كده في نفسك يا حبيبتي.
بشيء من القوة نفضت يديها عنها، وصاحت في عناد، لتتأهب للنهوض من رقدتها:
- حاسبي يا ماما، أنا لازم أروحله.
جاهدت لإعادتها إلى مكانها قائلة برجاء أكبر:
- اسمعيني بس الأول.
لم تكن لتنجح في تثبيتها بمفردها، فتدخل زهير من فوره لإحكام تقييدها بالفراش، حيث طرح يديها على الوسادة، وضغط عليهما بقوة طفيفة وهو يأمرها:
- اركزي.
شخصت عيناها تجاهه، وسألته في عداء:
- إنت مين أصلًا؟ وليه ماسكني؟
تحرك كرم ليقف عند الجهة الأخرى من الفراش، ليصبح مجاورًا لإيمان، قبل أن يقول متهكمًا:
- نسيتي خطيبك كمان؟
نظرت ناحيته للحظة لتدير عينيها نحو زهير هاتفة في إنكار:
- خطيب مين؟ أنا معرفكش!!
دون أن يحيد بعينيه بعيدًا عن إيمان تكلم كرم في سخافة:
- مخها فوت على الآخر، يرضيكي كده يا حلوة؟
تجاهلته مرغمة، لتولي كامل انتباهها إلى شقيقتها التي كانت تزأر وتزمجر في حدة:
- ابعد عني، ما تلمسنيش!
ظنت عيشة أن وضع ابنتها قد ساء، فأمرت الكبرى في لهفة:
- نادي على الدكتور يا إيمان الله يسترك.
بأعصاب متلفة دارت حول نفسها في الردهة تترقب خروج الطبيب من غرفة ابنتها ليُطلعها على آخر ما استجد عليها، كانت هيئتها الهائجة مفزعة، تثير في نفسها المخاوف، لم تكف عيشة عن التفكير بتشاؤم أو الحركة بتوتر إلا حينما تقدم ناحيتها، لتهرع إليه تسأله في جزع:
- بنتي مالها يا دكتور؟
بأيسر الكلمات وأبسطها استطرد شارحًا طبيعة وضعها الطارئ:
- هي بتعاني من فقدان مؤقت للذاكرة، وده طبعًا راجع لتأثير الحادثة اللي تزامن وقت وقوعها مع الظروف النفسية اللي كانت بتمر بيها، فبتخلي العقل يعمل زي حجب مؤقت لبعض الذكريات المؤلمة، كنوع من الحلول لتجاوز الأزمة.
سألته إيمان في نبرة جادة:
- يعني هتقدر تفتكر اللي نسيته؟
قال بهدوء وبعد صمت لحظي:
- مش بين يوم وليلة، بس اللي أقدر أقوله إنها هتبدأ تسترجع لمحات من الأحداث على فترات لحد ما تستعيد ذكرياتها المنسية.
لطمت عيشة على صدرها مرددة:
- كان مستخبيلها ده فين بس؟
فيما تساءلت إيمان باهتمام أكبر:
- والمطلوب مننا إيه يا دكتور؟
رد فيما يشبه النصيحة:
- حاولوا تهيأوا بيئة نفسية سوية ليها، وتعرضوها على حد متخصص يتابع معاها، وأهم حاجة ما تحسسوهاش إنها مش طبيعية.
هز رأسها في تفهم وهي تخاطبه:
- حاضر يا دكتور.
استأذن بعدها بالذهاب:
- عن إذنكم.
أشارت له إيمان بيدها في تهذيب:
- اتفضل حضرتك.
لتنهار عيشة جالسة على أقرب مقعد مولولة في حسرة:
- كبدي عليكي يا بنتي، محسودة من يومك.
في خطوات متباطئة تبعت إيمان والدتها، وجلست تجاورها وهي تردد في صدمة:
- أنا مش قادرة أصدق اللي حاصل مع دليلة.
بينما تابع كرم وزهير ما فاه به الطبيب دون تعليق مباشر، لينزوي الأول بشقيقه الأصغر بعيدًا عن المرأتين، فاستند بكفه على كتفه قائلًا بلؤم:
- جيالك الفرصة على الطبطاب، البت ناسية كل حاجة...
تعمد أن تكون نبرته خافتة إلى حد ما وهو يوصيه غامزًا بطرفه:
- تقدر إنت تعمل عليها حوارات وأفلام وتكمل جوازك منها بدون وجع دماغ، ولا إنت رأيك إيه؟
للغرابة استحسن زهير ما اقترحه، فاستحوذ على نظرته شيئًا غامضًا، ليقول بعدها بعزم وهو يومئ برأسه:
- معاك حق، وأنا فعلًا لازم أخلصه.
رواية فوق جبال الهوان الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم منال سالم
في زهو صريح، وتفاخر لا يمكن التشكيك فيه، تطلع إلى من حوله بسمو وعلو، وكأنه يجلس على عرشه الفخم، وعند قدميه يجثو رعاياه، ينتظرون منه أن يمنحهم عطفه ورضاه.
يبدو أن التاريخ يعيد نفسه، فما أشبه اليوم بالبارحة! لمحات من الماضي غزت عقله ونشطته بما اعتاد والده القاسي على فعله، في مواقف تتطلب الحزم والحسم، فقد كان يجلس هكذا، بجبروته وتجبره، يعطي الأوامر، ويصدر التعليمات، فيما وقف هو بجواره يراقبه ويتعلم منه كيف يكون صلدًا، متحجر القلب والمشاعر، لا يعرف للشفقة عنوان، فالمسؤولية الملقاة على عاتقه تتطلب أن يكون هكذا، وإلا ابتلعه بلا هوادة من يتربصون اللحظة التي يغفل فيها أبيه عنهم.
مُنع منذ الصغر من التنعم بأحضان والدته، ودفء مشاعرها الحنون، ولازم والده الصارم ليل نهار ليحاكيه فيما يقوم به، حتى يغدو نسخة مصغرة عنه، أو ربما الأسوأ منه.
لم يكن ما جمع أبويه في تلك الزيجة قصة حب عادية، أو حتى تولدت بينهما مشاعر المودة بعد استمرار زواجهما لعدة سنوات، وإنما كان لقائهما مقررًا من قِبل كبار العائلات لوأد الصراع، وتهدئة الأجواء المحتدمة بين عتاة الإجرام بعدما صار الاقتتال بينهم شرسًا ولا يرحم.
كلماته كانت لا تزال ترن في أذنيه، فأعيدت على مسامعه، وكأنها قيلت توًا:
- إنت الكبير من بعدي، سامع؟ أخوك غيرك، وإنت مسؤول عنه.
رد عليه "كرم" مومئًا برأسه في طاعة تامة:
- كلامك أوامر يا كبيرنا.
أشار والده بإصبعه للشرذمة المجتمعة على مقربة منه، وتابع في ازدراء:
- شايف الواغش دول، كلهم عاملين زي الديابة مستنين إني أقع، علشان يسنوا سنانهم، وينهشوني، وده مش هيحصل إلا بموتي!
هتف من فوره مؤكدًا بما لا يدع أدنى مجال للشك في وعوده:
- أنا موجود يابا، وهحميك بروحي.
ابتسم في حبور، وأخبره فيما يشبه النصيحة:
- عارف، وبجهزك تكون كبيرهم على حياة عيني، علشان لو جرالي حاجة، ما يغدروش بيك.
مجددًا علق عليه بيقين:
- اطمن يابا، كل اللي هتقوله هنفذه.
عاد من سرحانه في الزمن الغابر ليحدق في الوجوه التي ما زالت تنظر إليه، خاصة بعدما تم الإتيان بـ "توحيدة" لمعاقبتها على ما اقترفت خلسة في حق "وزة"، فرمقها بنظرة نارية لا تنوي خيرًا، وأصدر أمره:
- من النهاردة مالكيش لا حكم ولا سلطان على بيتك، وهتبقي خدامة لـ "وزة".
لم تستطع أبدًا تقبل أن تصبح في مكانة أدنى مما كانت عليه، أن تكون خادمتها الوضيعة هي ربة عملها، لذا بتلقائية مشوبة بالحنق صاحت "توحيدة" محتجة عليه في جراءة غير معهودة منها:
- اللي بيتعمل معايا ده ظلم وافترا.
قابل اعتراضها بقساوة:
- وأنا الظالم يا مرة لو مش عاجبك.
حاولت أن تبدو لينة الكلام معه، لتستحثه على التراجع عن قراره الصادم، فاستجدته:
- يا كبيرنا مش بعد العمر ده كله أتهان، ده أنا طول عمري بعمل كل اللي بتطلبه مني.
رماها بنظرة احتقارية قبل أن يرد بتشدد:
- حتى لو عندك 100 سنة، طالما عصيتي أوامري يبقى تستحملي...
ثم فرقع بأصبعيه مكملًا كلامه الآمر:
- خدوها من وشي، بس الأول خلي الحبايب يزوروها، مش عايز يقوملها قومة من تاني.
هتفت من فورها تتوسله في جزع:
- لأ يا كبيرنا، ما تعملش فيا كده، كانت لحظة شيطان، حقك عليا.
انقض عليها اثنان من رجاله ليقتادوها إلى حيث أمر، جلسة تأديب وتهذيب تؤديها أعتى السيدات وأقساها، لتكسير عظامها، وكسر شوكتها، فتصير ذليلة، مهدورة الكرامة، لا قيمة لها.
قاومت جرها لحتفها بكل ما استطاعت من قوة، وصوت صراخها يجلجل في الأرجاء، ليأتي أمره الصارم:
- اكتموا نفسها مش ناقص دوشة.
وضع أحدهم يده على فمها ليمنعها قسرًا من الصراخ، فيما جرجرها الآخر هادرًا:
- يالا يا ولية.
اختفت عن مرمى نظره، فسادت على قسماته تكشيرة غريبة، جعلتهم يتوجسون خيفة من تبدل أحواله، ليجدوه يهدر آمرًا بأمره النافذ:
- الكل يروح يشوف وراه إيه.
تولى "سنجة" الرد عليه:
- حاضر يا كبيرنا.
انفض الجمع من حوله، وظل "كرم" على وجومه، عاقدًا المقارنة بين حاله قديمًا، وحاله الآن، حيث أدرك أن الفارق اليوم يكمن في كونه لا يزال بلا عزوة حقيقية، بلا أطفال من صلبه يمنحهم القوة والقدرة مثلما تلقى.
راح ذلك الأمر يشغل باله مؤخرًا، فهو بحاجة لمن يعده ويجهزه ليكون خليفته فيما بعد بجوار شقيقه، وقد بدأت فكرة بعينها تختمر في رأسه، ولن يتوانى عن السعي وراء تحقيقها.
................................
باحترافية مصحوبة بليونة شديدة، تمايلت بجسدها في إغراء صريح لتحرك به تلك المشاعر الغافلة، فتستيقظ من سباتها، وتصبح في أوج نشاطها.
لم تكف "وزة" عن الرقص بدلال وهي تقوس ظهرها لتلمس بكتفيها يد "عباس" الذي راح يهلل في غبطة وحماس:
- أيوه بقى دلعني.
أطلقت ضحكة عالية رقيعة، لتعلق بعدها في استمتاع:
- الدلع كله لسيد المعلمين والرجالة...
ثم جلست عند قدميه، لتريح رأسها في حجره، وتابعت في نعومة:
- كبيري وتاج راسي.
احتضن وجهها براحته، وقال باسمًا في نشوة:
- ده أنا مكونتش عايش يا ناس!
التمعت عيناها بهذا الوميض المبتهج وهي تتعهد له:
- ولسه يا ريس "عباس"، معايا هتدوق الشهد كله، ما إنت ريحتني من المصيبة اللي كانت كاتمة على نفسي.
بغير اكتراث عقب، ويده قد ارتفعت لتمسد على شعرها:
- أهي غارت وراحت أيامها، يالا في داهية.
دون أن يخرج صوتها من بين شفتيها همهمت في غل دفين:
- تستاهل، بذنب ابني وذنب كل واحدة افترت عليها!
عادت بعدها لتنهض وهي تقول في صوت دافئ:
- عايزة أبقى في حضنك يا سيد الناس.
فرد ذراعيه على سعتهما مرددًا:
- تعالي يا حلوة.
ما لبث أن ألقت بنفسها في أحضانه، ليضمها بقوة وتملك، ويكتسح شفتيها بقبلات عاصفة جائعة وراغبة في الغرق طوعًا في أنهر عسلها المصفى.
.....................................
مسحة رقيقة ناعمة، قامت بها على وجنتها المتوردة، قبل أن تشد الغطاء عليها قليلًا لتدثرها جيدًا. نظرة أخرى حنونة ومهتمة ألقتها عليها، ثم التفتت متجهة نحو باب الغرفة بعدما تأكدت من استغراقها في النوم العميق.
تنهدت "إيمان" في شيء من التعب، فهدوء شقيقتها الصغرى وتقبلها لوضعها النفسي كان يثير قلقها إلى حد ما، خشيت أن تتعرض لانتكاسة أخرى بعدما تقبلت خبر وفاة والدها بأعجوبة، وذلك حينما تتكشف كافة الحقائق لها.
كان قد مر على عودتها إلى المنزل ما يزيد عن الأسبوعين، والأمور إلى حد كبير مستقرة، حتى الزيارات المعتادة للنساء القادمات للتعزية قلت كثيرًا، وأصبحت الأجواء هادئة.
خرجت "إيمان" إلى والدتها بالصالة، واستطردت تعلمها من تلقاء نفسها وهي تجالسها على الأريكة:
- "دليلة" خدت الدوا ونامت خلاص.
رفعت "عيشة" كفيها للسماء مرددة في تضرع:
- ربنا يشفي عنها ويردلها عقلها.
أضافت ابنتها في شيء من الجدية:
- الدكتور قال فترة وهتعدي، ومسيرها ترجع تفتكر اللي نسيته، المهم ما نقصرش معاها.
ضغطت والدتها على شفتيها للحظة، ثم عقبت:
- أديني بنعمل اللي علينا وربنا عليه جبر الخواطر.
تذكرت "عيشة" أمر ما، فأخبرت به ابنتها توًا:
- صحيح، زمايلها كل شوية يتصلوا بيها يسألوا عنها، وهي مش راضية ترد على حد.
جاء ردها مراعيًا:
- خليها على راحتها، بلاش نضغط عليها.
تنهدت والدتها، وتكلمت بلهجة جادة:
- عمومًا احنا بقينا كويسين يا بنتي، مالوش لازمة تفضلي قاعدة هنا، أكيد جوزك اتضايق من غيبتك اللي طالت!
فيما يشبه التهكم قالت "إيمان"، ونظرة نقم قد انعكست في حدقتيها:
- جوزي، ده مصدق يا ماما والله.
سألتها في توجس:
- ليه كده بس؟
بدا وكأن صدرها مشحون بالهموم، فأفرجت عن قدر محدود منه بقولها المحاذر:
- كل ما أكلمه يقولي خليكي عند مامتك، وابقي طلي على الشقة بالنهار، وباتي عندها بالليل، لأحسن مشغول في سفرياته وتدريباته اللي ما بتخلصش، وخايف أفضل لواحدي!
تساءلت "عيشة" في استرابة:
- مطلوع جديد السفر ده؟
وافقتها الرأي، واعترفت بما يؤرقها:
- أيوه، وأنا مش مرتاحة يا ماما.
أتت نصيحتها إلى حد ما إلزامية:
- يبقى الأفضل تروحي بيتك، بدل ما تلاقي في واحدة تانية لايفة عليه، والرجالة ما بيصدقوا يريلوا على واحدة.
انقبض قلبها، ورددت:
- ربنا يستر.
تنبهت كلتاهما لصوت الدقات المألوف على الباب، فنهضت "عيشة" لتقوم بفتحه، وهي تصيح:
- أيوه يا اللي بتخبط.
بينما اتجهت "إيمان" إلى الداخل لتأتي بحجاب رأسها الذي تركته عند شقيقتها.
بالطبع كان من المتوقع أن تأتي "اعتدال" لزيارتها، فهذا هو توقيت قدومها اليومي لتقصي الأخبار، ونقل المعلومات. ألصقت بشفتيها هذه الابتسامة السمجة، واستطردت:
- إزيك يا غالية؟
تنحت "عيشة" للجانب، ودعتها للدخول قائلة بفتور:
- اتفضلي يا "اعتدال".
بسطت أمام عينيها صينية صغيرة موضوع عليها بعض القوالب الزجاجية، وراحت تخبرها باستفاضة ممزوجة بالفخر:
- بصي بقى عملالك شوية رز بلبن بالمكسرات إنما حكاية، وصفة خدتها من واحدة حبيبتي زيك كده، وقلت لازم تكوني أول واحدة تدوقيها.
قالت مجاملة:
- كتر خيرك، مالوش لازمة التعب ده.
ردت عليها مفتعلة الضحك:
- تعب إيه بس؟ ده الجيران لبعضها...
ثم لمحت "إيمان" وهي تسير في الردهة لتصيح بها:
- شيلي عني يا حبيبتي.
على الفور جاءت إليها، وتناولت عنها الصينية وهي تشكرها، لتقول "اعتدال" في لؤم وهي تربت على كتفها:
- نتعبلك يا رب يوم عوض بالخلف الصالح، لأحسن اللي زيك معاه عيل واتنين وتلاتة.
وكأنها تعايرها بشكل مبطن بتأخر حملها، فسرعان ما حل بوجهها تعبير عابس، وردت بتجهم:
- تسلمي يا طنط.
انسحبت "إيمان" في الحال متجنبة التطرق مع تلك المرأة المزعجة في أي أحاديث جانبية مزعجة.
في التو تدخلت والدتها للرد عليها بتحيز واضح:
- لسه ربنا مأذنش، وبعدين خليها تتهنى مع جوزها قبل ما العيال تلبخها.
كانت كمن منحها مادة ثرية للتحري عنها، لذا بنفس الأسلوب السمج السافر، تساءلت "اعتدال" في تطفل:
- ألا هو صحيح فين؟ بقاله ياما ما بيجيش!
أجابتها بوجه مكفهر:
- مشغول يا "اعتدال".
هزت رأسها معقبة بسخافة:
- أها، قلتيلي، والمحروسة الصغيرة عاملة إيه؟
اقتضبت في ردها عليها:
- بخير.
هتفت "اعتدال" مضيفة بلزاجة:
- بقالي فترة ما شوفتهاش.
ردت عليها "عيشة" بتأفف:
- معلش نايمة، أصل فراق أبوها صعب عليها، كانت روحها فيه.
تصعبت بشفتيها مرددة:
- ما أنا عارفة.
لتغير من مجرى الحديث سألتها "عيشة" في جدية:
- شايك كام معلقة سكر؟
عاتبتها بضحكة سخيفة:
- معقولة بتنسي كل مرة، 4 معالق يا حبيبتي.
دون أن تنظر نحوها همت بالتحرك إلى المطبخ قائلة:
- دماغي أصلها مشغولة ببناتي.
هتفت وهي تشير بيدها:
- كان الله في العون.
قبل أن تتحرك صوبه سمعت قرع الجرس، فقالت وهي تعاود أدراجها تجاهه:
- ثواني أشوف مين على الباب.
أصرت على فتحه بدلًا منها:
- عنك، هو أنا غريبة!
تركتها "عيشة" تستقبل الضيف الزائر، ولحقت بابنتها لتطيب خاطرها بعدما تسمم بدنها بكلماتها المنغصة.
فتحت "اعتدال" الباب، لتصيح مهللة بترحيب حار بعدما رأت من يقف عن عتبته:
- سي "زهير"! منور الدنيا كلها.
استهجن وجودها غير المستساغ، وعنفها بتوبيخ شبه لاذع:
- هو ما فيش مرة أجي فيها للجماعة هنا إلا وألاقيكي؟
افتعلت الضحك السمج، وقالت باستظراف ثقيل:
- ما أنت عارفني يا سي "زهير"، عشرية وأحب الناس.
صحح لها جملتها بفجاجة:
- قصدك حشرية، ومش عاتقة حد.
ثم ولج إلى الداخل ودفعها من كتفها بخشونة ليأمرها:
- يلا من غير مطرود.
لم تجسر على الاعتراض عليه، وقالت في طاعة:
- أنت تؤمر يا كبيرنا.
دمدم في نفور صريح قبل أن يصفق الباب في وجهها:
- ولية صعب.
عادت إليه "عيشة" بمجرد أن سمعت صوته، فألقى عليها التحية في شيء من الأدب:
- سلام عليكم.
ردت عليه بهدوء:
- وعليكم السلام، اتفضل يا ابني.
سار معها نحو الأريكة، فجلس عليها متسائلًا بشكل روتيني:
- عاملة إيه يا حماتي؟
أجابته مبتسمة في وقار:
- الحمد لله في نعمة.
انتقل إلى سؤاله التالي باهتمام ظاهر في ملامحه، ونبرته، وأيضًا نظرته:
- و"دليلة" أخبارها إيه؟
تنهدت أولًا قبل أن تخبره:
- زي ما هي.
سكت للحظات كأنما يبحث عن لفظة البدء، ليأتيه سؤالها الجاد:
- خير يا ابني؟
سحب نفسًا عميقًا، وطرده من رئتيه دفعة واحدة قبل أن يفصح عن نواياه بعزم بائن:
- من غير ما أضيع وقت في رغي كتير على الفاضي، أنا عايز أكمل جوازي من "دليلة".
شلت المفاجأة تفكيرها لحظيًا، فحدقت فيه بنظرات متسعة لبعض الوقت قبل أن تتمتم بتلعثم:
- بس.. آ... هي لسه تعبانة وآ...
قاطعها قائلًا بإصرار أكبر:
- الأفضل نتمه وهي كده بدل ما الحكاية تتعقد أكتر، وأنت فاهمني أكيد.
بالطبع وصل إليها حديثه المبطن دون الحاجة للتفسير، فازدردت ريقها، وماطلته بحنكة:
- طب هشور عليها الأول، وأرد عليك.
قال بتصميم يفوق حججها الفارغة:
- من غير مشورة، ميعاد كتب الكتاب والدخلة على أول الشهر الجديد.
ثم نهض قائمًا ليعلمها مشيرًا بسبابته:
- أنتم شوروا بعض في الفرح وتفاصيله، وبلغوني.
ظلت على دهشتها، تتطلع إليه بفم مفتوح، فيما تابع على نفس الوتيرة العازمة:
- واطمني، الفيلا بتاعتي جاهزة من مجاميعها، مش ناقصها إلا تشريف العروسة.
نهضت بدورها، وقالت معترضة بشيء من الحذر:
- يا ابني أنت كده واخدنا على الحامي.
بلا ابتسام رد:
- لا حامي ولا بارد، ده اللي المفروض يحصل سواء دلوقت أو بعدين.
ثم سدد لها نظرة غامضة منهيًا كلامه:
- هسيبك تظبطي أمورك مع العروسة.
همت بالاحتجاج لكنه بادر بالمغادرة قائلًا:
- سلام.
رددت من ورائه في استنكار:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، طب العمل إيه دلوقت؟
بمجرد أن انصرف، هرعت إليها "إيمان" لتصيح في زمجرة غاضبة:
- إيه الجنان ده يا ماما؟
نظرت نحوها مرددة في تخبط:
- أنا حاسة إني متكتفة، مش عارفة أعمل حاجة!
أخبرتها بانفعال طفيف:
- و"دليلة" أصلًا هتوافق على كده؟
زمت شفتيها قائلة:
- هي مخها فيها أصلًا!
اغتاظت "إيمان" من تعليقها، لتتابع أمها قائلة بعد زفرة سريعة:
- خليني أجس نبضها، وبعد كده نشوف.
فما كان منها إلا أن أذعنت لاقتراحها، وانتظرت مفاتحتها لهذه المسألة الخطيرة، آملة ألا تسوء الأوضاع وتتأزم.
..................................
بكلمات حذرة، وعبارات مختارة بعناية، أطلعت "عيشة" ابنتها الصغرى على ما استجد من أمور تخصها، لتأتي الصدمة الأكبر بإعلان عدم معارضتها على إتمام الزيجة، لتصيح "إيمان" محتجة في صوت شبه مهتاج:
- موافقة إزاي يعني؟
أدارت رأسها ناحيتها، وأخبرتها:
- هتفرق إيه لو اتأجلت؟
ما لبث أن ساد الحزن ملامح "دليلة" الذابلة، وأكملت في صوت مختنق:
- طالما بابا كان عايز ده.
ردت عليها أمها تؤيدها:
- أيوه.. أبوكي هيرتاح في تربته لما يلاقيكي متهنية.
بالكاد منعت "إيمان" نفسها من قول أي شيء، وطالعت والدتها بنظرة ساخطة، لتنتقل ببصرها نحو شقيقتها التي تكلمت من جديد:
- بس أنا مش حابة نعمل فرح ودوشة، يعني كفاية حاجة هادية، على قد العيلة وبس.
ابتسمت لها "عيشة" ابتسامة باهتة، وقالت دون جدال:
- اللي يريحك يا بنتي.
عادت "إيمان" لتنظر إلى أمها قائلة بضيق:
- ماما! عايزاكي برا شوية
سألتها مستفهمة بعدما أصبحت كلتاهما خارج غرفة النوم:
- في إيه يا "إيمان"؟
جعلت نبرتها خافتة إلى حد كبير وهي تسألها مستنكرة:
- أنت هتوافقي على اللي "دليلة" عايزة تعمله ده؟
ردت بتجهم:
- في حل تاني عندك؟
بقيت على استنكارها متسائلة:
- ولما ترجعلها الذاكرة وتفتكر اللي حصلها، هيكون الوضع إيه ساعتها؟
لم تجد ما تخبرها به، فقالت في يأس:
- يبقى ربنا يحلها من عنده، بس دلوقت احنا مش ناقصين مشاكل ولا وجع دماغ.
بلهجة محذرة أخبرتها:
- وجوازها من الناس دي هيحطنا في مشاكل احنا مش أدها!
بصوت مال للحدة ردت عليها "عيشة":
- والمشاكل عملت فينا إيه؟ وخلت أبوكي يموت بحسرته، وبقينا مقطوعين، مالناش حد يصرف علينا، ولا ياخد باله مننا...
انخفض صوتها من جديد ليتحول إلى نشيج، وبكاء مفطور وهي تتم كلامها:
- خليني ساكتة، وكاتمة في قلبي، بلاش تفتحيني يا إيمان، أنا جاية آخري، وما فيش في إيدي حاجة أعملها.
شعرت بما يختلجها من حزن وقهر، فضمتها إليها قائلة بتوجس:
- اهدي يا ماما، الانفعال مش حلو علشانك.
شاركتها البكاء المرير، وأراحت رأسها على كتفها معتذرة منها:
- حقك عليا، أنا كل غرضي مصلحة "دليلة".
رفعت رأسها لتنظر إلى وجهها، ومسحت بيدها دمعها المسال قائلة:
- أنا عارفة ده يا "إيمان"، ومقدرة خوفك، بس محدش بيهرب من نصيبه.
اكتفت بالصمت، وأومأت برأسها في تفهم، لتتطلب منها والدتها في شيء من الرجاء:
- وزي ما أنا خايفة على "دليلة"، برضه قلقانة على حالك مع جوزك، روحي بيتك، وتابعيه.
ردت في طاعة:
- حاضر يا ماما، اللي تشوفيه.
................................
فيما بعد، فعلت مثلما طلبت منها، وعادت إلى منزلها، وتهيأت لاستقبال زوجها الذي طال غيابه عنها، لم تخبره بعودتها لترى تأثير المفاجأة السارة عليه، وقد كان صادمًا بشكل لم تتوقعه عندما رآها قبالته.
حدق "راغب" مذهولًا، وهمهم وهو يبتلع ريقه:
- "إيمان"!
نظرت إليه بتعجب شديد، ليسألها في غرابة:
- بتعملي إيه هنا؟
رنة نبرته كانت غير مريحة لها، فسألته في استعتاب مستاء:
- في حد يقابل مراته كده؟ شكلك مش مبسوط إنك شوفتني؟
تدارك نفسه، وقال وهو يضع على ثغره ابتسامة وديعة:
- لأ يا حبيبتي، مش قصدي، بس مستغرب إنك سايبة أختك في ظروفها دي ورجعتي البيت.
كتفت ساعديها أمام صدرها قائلة بتشكك:
- هي مش محتاجاني دلوقت، وبعدين أنا مقصرة معاك، فلازم أشوف طلباتك.
دنا منها قائلًا بلطافة:
- عادي يا حبيبتي، أنا أصلًا ملبوخ في طلبات المدير ما بين فرع هنا والفرع الجديد.
- ربنا يعينك.
حمحم بعدها مضيفًا وهو يوليها ظهره:
- أنا حتى كنت جاي آخد كام غيار لزوم السفر.
سارت خلفه متسائلة في استرابة:
- مش ملاحظ إنك بقيت تسافر كتير، أكتر من الطبيعي!!!
التفت ليقول متصنعًا الابتسام:
- ما أنا هبقى مدير الفرع، طبيعي أكون مركز معاه، على الأقل الفترة دي.
حز في قلبها أن يكون على هذا القدر من الجفاء، والبعد عنها، انتشلها من شرودها اللحظي قوله الجاد:
- وبعدين أنا خايف عليكي تفضلي لوحدك من غير ما حد يونسك.
نظرت إليه بغير اقتناع، فحافظ على ثبات بسمته الزائفة قائلًا:
- وأختك كمان لازم تحس إنكم جمبها، لحد ما تفتكر اللي نسياه.
عملًا بنصيحة والدتها فيما يخص تحسين علاقتها بزوجها، واستعادة روابط الوصال بينهما، لم تتجادل معه، وأقبلت عليه لتضمه قائلة باشتياق:
- حضنك واحشني أوي.
تفاجأت به يصدها عنه متعللًا:
- خليها وقت تاني يا "إيمان"، مش قادر، مرهق، ويدوب آخد دش وأجهز نفسي للسفر.
وكأنه ألقى بدلو ماء مثلج فوق رأسها، حملقت فيه بعينين مصدومتين، ليقول وهو يسرع في خطاه متجهًا إلى غرفة النوم:
- حضريلنا ناكل سوا قبل ما أمشي.
قالت بإيجاز:
- طيب.
غاب عن ناظريها، لكنها ظلت في مكانها تراقب أثره، وهذا الصوت المتشكك يتردد في رأسها:
- إنت فيك حاجة متغيرة يا "راغب"، ولازم أعرفها!!!
***
مستعينًا برسائل تطبيق الواتساب، والأوامر التي تم تكليف زملائه بها، تمكن "راغب" من خداع زوجته وإيهامها بأنه مسئول عن إدارة الأعمال ومتابعتها فيما يتعلق بتأسيس الفرع الجديد للبنك، وبالتالي فهو غير متفرغ خلال الفترة القادمة. انطلت عليها الخدعة لتضطر للعودة إلى منزل عائلتها، تاركة إياه بمفرده، ليذهب إلى عمله وهو يفكر في الطريقة التي تمكنه من عدم كشفه مسألة تهربه منها.
تنبه إلى صوت أحدهم وهو يخاطبه:
- في حد برا طالب يقابلك بالاسم.
عقد حاجبيه متسائلًا:
- مين ده؟
أجابه وهو يشير بيده:
- مش عارف، بس هو من عملاء الـ VIP
لحظتها انتفض من مقعده مرددًا في سعادة غامرة:
- معقول صيتي سمع للدرجة دي؟
ثم أشار إليه بعينيه متابعًا بلهفة:
- خليه يدخل أوام.
ضبط من ياقة قميصه، وشد طرفي سترته، قبل أن يزين محياه بابتسامة عملية منمقة، سرعان ما اختفت حينما لمح "كرم" قادمًا في اتجاهه، ليصيح مذهولًا وباستهجان متعاظم:
- إنت!!!
رمقه الأخير بنظرة ازدراء صريحة، وولج إلى داخل الغرفة دافعًا إياه للجانب، فارتد جسده للخلف، وسأله وهو يحاول طرده بعدما اقتحم المكان عنوة:
- جاي هنا ليه؟ اتفضل برا، عندي شغل، وفي عملاء منتظريني.
وكزه بخشونة في كتفه قائلًا باستهتار يشوبه التحقير:
- اسكت ياله!
اربد وجه "راغب" بحمرة غاضبة بعد سماعه لإهانته الفجة، وهتف في غير تصديق:
- إيه؟!
أمره "كرم" بنفس الأسلوب المتعجرف، والممزوج بإهانات متنوعة:
- اترزع يا بأف خليني أقولك الكلمتين اللي جاي علشانهم.
لم يتحمل "راغب" طريقته مطلقًا، خاصة وهو يعنف أمام زملائه، فهاجمه في حَمِيَّة:
- إنت بني آدم مش محترم، وأنا هخلي الأمن يرميك برا.
تطلع إليه باستخفاف، ووضع ساقه فوق الأخرى يتحداه:
- وريني.
في التو ذهب إلى الخارج ليستدعي الأمن، لكنه تفاجأ بمدير الفرع يهرع لاستقبال "كرم" في حفاوة عجيبة، حيث كنَّ له الاحترام الشديد وهو يمد يده لمصافحته:
- أهلًا وسهلًا يا باشا، نورت البنك، أنا مصدقتش لما بلغوني إنك هنا.
بتعالٍ ظاهر على وجهه، ونظرته المسددة إلى "راغب"، بادله المصافحة، ليضيف المدير في توقير:
- اتفضل في مكتبي يا فندم.
أخبره وهو يشير بإصبعه نحو "راغب":
- لما أخلص مع الأفندي ده.
هز رأسه في طاعة، والتفت إليه يوصيه:
- "الهجام" باشا من كبار العملاء عندنا، شوف كل طلباته يا "راغب"، وأي حاجة يعوزها تعملها فورًا.
على مضض، وبغيظ مكبوت رد:
- تمام يا فندم.
غادر مدير الفرع ليبقى الاثنان معًا، فبادر "كرم" بالحديث قائلًا في سخرية لا تزال مغلفة بالاستحقار:
- عرفت إنك مش أدي مهما كنت.
حاول "راغب" أن يتصرف بمهنية بحتة، فقال وهو يدعي انشغاله بالتطلع إلى ما يوجد على مكتبه من أوراق:
- خير؟ طلباتك إيه؟
جاء رده صادمًا على كافة الأصعدة:
- عايز مراتك!!
لوهلة، توهم أن ما سمعه خاطئًا، ليستدرك حقيقة نواياه، آنئذ تصلبت عروقه، وحدق فيه مرددًا في دهشة كبيرة:
- نعم!!!
أعاد عليه تكرار جملته بثبات ووقاحة فجة:
- اللي سمعته، أنا عايز مراتك.
انتفضت فيه حَمِيَّتُه الذكورية، فهب لحظتها واقفًا ليصيح فيه بانفعال رغم خفوت نبرته:
- إنت اتجننت!!
لم تهتز عضلة واحدة من وجه "كرم" وهو يخبره بهدوء مغيظ:
- لأ يا دغوف...
لتتحول نبرته إلى التهديد عندما أضاف:
- بس هتسيبهالي بالذوق، ولا أرملها عليك؟
لم يكن بالممازح وهو يخاطبه بهذا التصميم، فما كان منه إلا أن ضرب بيديه على السطح الزجاجي لمكتبه صائحًا:
- إيه شغل المجرمين ده؟!!!
على عكسه استرخى الأخير في جلسته مرددًا بعنجهية:
- أقل حاجة عندي!
في استحقار متبادل هدر "راغب"، كأنما يهينه:
- شكلك شارب حاجة.
رد عليه يحذره:
- إنت اللي شكلك كده مستغني عن حياتك، وأنا معنديش مشكلة أدخلك القبر، مش هغلب!
كز على أسنانه هاتفًا:
- اتفضل من هنا، وهعتبر اللي إنت قولته ده محصلش.
نهض "كرم" من موضعه قائلًا بعناد:
- اللي بعوزه باخده، أيًا كانت إيه الوسيلة، وأنا عايز المدام، أصل إنت ماتنفعهاش يا خرع.
نظر ناحيته مرة أخرى ليرد على إهانته بحدة:
- إنت بني آدم وضيع وسافل.
استفزه بتحديده المقصود:
- ده تمامك؟
لم ينكر أن مواجهة أمثاله لن تكون محمودة على الإطلاق، ليس لكونه من عتاة الإجرام فقط، ومتمرس فيما يخص افتعال المشاجرات مع الآخرين، والتي قد تودي بحياته دون عناء، بل لكونه صاحب الكلمة العليا هنا، خاصة بعدما رأى طريقة تعامل رئيسه في العمل معه. حفظًا لماء وجهه رد عليه "راغب" بصوت مهتز رغم تهديده:
- أنا مش عايز أبهدلك لأنك في شغلي.
بادله التهديد بآخر أشد وطأة منه:
- وبرضوه أنا أقدر أرفدك منه في تكه، وهاخد المدام.
بدا متأهبًا للتشاجر معه، وهمّ بفعل ذلك، حيث شمر عن كميه، وسار ناحيته، فتراجع الأخير متجنبًا إياه هاتفًا في جزع يليق به:
- استنى بس يا أستاذ، خلينا نتفاهم...
قاطعه بصبر نافد وقد حاصره عند الزاوية:
- خلص.
قال بتردد وهو يبتلع ريقه:
- مش هينفع أطلقها دلوقت.
كاد يهجم عليه، ورفع قبضته المتكورة للأعلى تمهيدًا لإعادة تشكيل ملامحه وتغييرها لولا أن أكمل كلامه وهو يغطي وجهه خوفًا من لكمته المباغتة التي قد تحط عليه في أي لحظة فتفسد مظهره كليًا:
- على الأقل لحد ما أختها تتجوز، علشان الدنيا متبوظش.
كان حديثه منطقيًا بعض الشيء، لذا خفض من ذراعه مرددًا:
- ماشي، ما روحناش بعيد...
ثم غمز له بطرف عينه متابعًا:
- الجوازة قربت..
تراجع عنه ليتجه نحو الباب وهو يلقي عليه وصلة تهديده:
- عارف لو كنت بتسوحني، مش هقولك هعمل فيك إيه، ومش إنت بس، ده في أمك وأبوك وبقية العيلة المصونة.
افتقر إلى الشجاعة للرد عليه، وظل قابعًا في مكانه وفرائصه ترتعد، ليسمعه يودعه بنفس الطريقة المهينة:
- سلام يا دغوف.
تنفس الصعداء لذهابه، ودمدم في حنق:
- مصيبة واتحدفت، أعوذ بالله!
عاود الجلوس على مقعده وهو يشعر بتلك الرجفة التي ما زالت تصيب بدنه، ضم كفي يده معًا، وأغمض عينيه للحظات، ليستعيد رباطة جأشه، ثم خاطب نفسه في ذعر:
- كويس إني عملت بنصيحة أمي وطلقتها غيابي...
بسط مرفقيه المرتجفين على سطح المكتب، وأضاف، وعيناه تتحركان بسرعة في توتر وقلق:
- ما فاضلش بس غير إني أفضي البيت وقت الفرح، وساعتها يشبع بيها...!!!
***
دمعة متأثرة نفرت من طرفها وهي تعيد فرز ثياب زوجها الراحل الموجودة في دولابه لاختيار الأفضل منها تمهيدًا للتصدق بها لإحدى الجمعيات الخيرية.
طالت نظرات "عيشة" الحزينة على إحدى ستراته الداكنة، قربتها من أنفها لتشم رائحة بقايا عطره العالقة به، ثم أبعدتها عنه لتخاطب ابنتها البكرية بعفوية:
-أبوكي كان بيحب الجاكيت ده أوي.
تطلعت إليها، وردت باسمة، وهي تحاول التغلب على شعور الألم الذي راح يحز في قلبها:
-كان ذوقه حلو وشيك.
تبسمت والدتها هي الأخرى، وأضافت، كأنما تستعيد لمحات مشوقة من ماضيها مع شريك العمر:
-أيام ما كان لسه شباب، البنات كانت حاطة عينيها عليه، منين ما يروح تلاقيهم وراه...
اتسعت ابتسامتها وامتزجت بدمعات لا تعرف إن كانت حزنًا عليه أم اشتياقًا له، لتردد في صوتٍ أقرب للشجن:
-لسانه حلو وكلامه يخش القلب على طول.
دنت "إيمان" منها، وضمتها من كتفيها قائلة بخفوت:
-الله يرحمه ويحسن إليه.
سرعان ما كفكفت أمها دمعها المسال، وأخبرتها بعزمٍ، حيث بدت نبرتها جادة إلى حدٍ ما:
-عايزين بكرة لما نزوره في تُربته، نبقى نفوت على شقتك، نرتبها وننضفها، فرصة وجوزك مش موجود.
أومأت برأسها معلقة:
-حاضر يا ماما، وهبقى أنادي على مرات البواب تساعدنا.
جاء تعقيبها معبرًا عن انزعاجها من اقتراحها:
-أنا مابحبش دخلة الغُرب عليكي، العين حق، وإنتي مش ناقصة، خلينا أنا وأختك نساعدك.
لم تجادلها كثيرًا، وردت في إذعانٍ:
-ماشي يا ماما اللي تشوفيه.
واظبت كلتاهما على العمل معًا لطي الثياب ورصها بشكلٍ منمق بداخل الحقيبة في وقتٍ وجيز.
................................
في تلك الأثناء، وقف أحدهم في منتصف الشارع تحديدًا، أمام البناية القديمة، منتصبًا بكتفيه، ويطوف بعينين حائرتين على الشرفات بشكلٍ متتابع، وكأنه يحاول تخمين مكان تواجد شيءٍ بعينه في هذه المنطقة. بدا على وجهه الرجولي الإصرار، اشتدت عضلاته، وتأهب للسير تجاه إحدى السيدات التي اكتشف أنها تتابعه باهتمامٍ وتطفل.
وقف أمام شرفتها، وألقى عليها التحية:
-سلام عليكم.
جالت "اعتدال" بعينين فضوليتين على كل تفصيلة فيه، من رأسه لأخمص قدميه، كأنها تضعه تحت عدسة المجهر لفحصه. كان فاره الطول، عريض المنكبين، قمحي البشرة، لديه شارب وذقن نابتة، شعر رأسه قصير، يبدو للوهلة الأولى شخصًا رياضيًا يهتم بإبراز مدى انتفاخ عضلاته، أدركت أنها أطالت النظر إليه، فابتسمت بلزاجةٍ وهي ترد متسائلة:
-وعليكم السلام يا خويا، خير بتدور على حد؟
تساءل مباشرةً وهو يقطب جبينه:
-هو بيت الحاج "فهيم حجاب" فين؟
رفعت يدها للأعلى مجيبة إياه:
-العمارة دي، الدور الأخير.
هز رأسه متمتمًا:
-شكرًا.
همّ بالتحرك نحو المدخل؛ لكنها استوقفته بسؤالها:
-إنت مين يا خويا متأخذنيش يعني؟ أصل احنا مش متعودين على حد غريب يجي يزور الجماعة وخصوصًا بعد وفاة عم "فهيم".
لم يستسغ طريقتها السمجة في افتراض الأمور، وقال وهو يلوي ثغره بتأففٍ:
-واحد قريبهم.
أسرع في خطاه، وتجاهلها عن عمدٍ، لتظل عيناها عليه حتى اختفى بالداخل، وذلك السؤال الحائر قد راح يتردد في رأسها:
-طب أعمل إيه؟ أقول للريس "زهير" ولا أطنش؟!
حسمت أمرها في التو، وقالت وهي تبتسم بخبثٍ:
-خليني أعرفه أحسن، وأهي تبقى بجميلة عنده لما أتزنق في مصلحة.
أخرجت هاتفها المحمول من جيب صدرها، لتضعه على أذنها والحماس يملأها كعادتها حينما تقوم بمثل هذه الأمور المزعجة.
................................
بدا الأمر عسيرًا عليها وهي تتخلى عما يذكرها بزوجها، ومع ذلك أرادت أن تجعل غيره يستفيد بما امتلك في الدنيا، لعل صنيعها الطيب تجاهه يشفع له في الآخرة.
أغلقت "عيشة" ضلفة الدولاب حينما سمعت قرع الجرس على الباب، لتقول وهي تشير إلى ابنتها:
- أنا هروح أفتح، تلاقيها "اعتدال"، ما إنتي عارفة ده ميعاد زيارتها الرزلة، كملي إنتي رص الهدوم في الشنطة.
اكتفت بهز رأسها بإيماءة صغيرة وهي ترد:
- حاضر يا ماما.
مشت بتعجل قليلًا لتتمكن من فتح الباب، لتتفاجأ بأحدهم يلقي عليها التحية وهو يبتسم بتهذيب:
- سلام عليكم، إزيك يا مرات عمي؟
نظرت له بتحير، وهي تستشعر الحرج من جهلها بهويته، لتجده يسترسل في التوضيح لها من تلقاء نفسه:
- معقولة مش عارفاني، أنا "فارس حجاب"، ابن المرحوم "حجاب" أخو عمي "فهيم" الكبير الله يرحمه.
ما إن انتهى من الكلام حتى انفلتت منها شهقة سعيدة، وهتفت مرحبة به بودية وحرارة:
- "فارس"، ده إنت فعلًا، يا أهلًا وسهلًا بيك....
ثم حمحمت بشيء من الخجل وهي تتم جملتها:
- أعذريني يا ابني إني معرفتكيش في الأول.
قال في تفهم، وهو يلصق بشفتيه ابتسامة لطيفة:
- ما أنا برضه كنت غايب بقالي ياما.
تنحت للجانب لتفسح له بالمرور قائلة وهي تشير بيدها:
- تعالى اتفضل.
ولج إلى الداخل بعدما حمحم بخشونة، كأنما ينبه من في البيت لوجوده، فيتخذوا حيطتهم، ليستطرد في جدية:
- البقاء لله يا مرات عمي، أنا كنت عند عمتي وهي اللي قالتلي، فما كدبتش خبر وجيت على طول.
أشارت بيدها ليجلس على الأريكة وهي ترد:
- الدوام لله وحده...
أخرجت تنهيدة مهمومة من صدرها لتتابع:
- أهو ارتاح من الدنيا وهمها.
قال في تبجيل:
- كل من عليها فان.
ليتساءل بعدها مهتمًا:
- وإنتوا عاملين إيه؟ إزي بنات عمي؟ كله تمام معاكو؟
قالت بوجه يشوبه القليل من الحزن:
- الحمد لله في نعمة.
أضاف "فارس" في ندم:
- والله كان نفسي أشوف عمي الله يرحمه أوي، بس اللي مانعني الشديد القوي.
ظلت تومئ برأسها معلقة:
- أنا عارفة ومقدرة.
استمر يوضح موقفه:
- والله لسه خارج من السجن من كام يوم، يا دوب قولت أفوت أسلم على الحبايب فعرفت باللي حصل، يا ريتني كنت برا، ما كنتش سيبتكم لوحدكم في ظرف زي ده.
تنهدت قائلة بتعاطف:
- هو كان بيحبك.
راح يقول هو الآخر، كأنما يشاركها إحياء ذكراه بالحديث عما اعتاد فعله قبل أن يلقى ربه:
- وكان بيزورني دايمًا، لولا إني طلبت منه ما عدتش يتعب نفسه ويجي.
خرج صوت "عيشة" معاتبًا بعض الشيء وهي تشير بسبابتها إليه:
- ما إنت برضه يا "فارس" غاوي مشاكل ووجع قلب، وأمك الله يرحمها غلبت معاك، وإنت ما كنتش بتسمع الكلام نهائي.
رد عليها مدافعًا عن طيشه آنذاك:
- ما باعرفش أسيب حقي، ولا أرد حد استقصدني في حاجة.
أتى تعقيبها لائمًا:
- وحصل إيه بعدها؟ أديك وديت نفسك في داهية بسبب شقاوتك دي، وشبابك وعمرك ضاعوا في السجن.
في شيء من التفاخر رد:
- السجن للجدعان يا مرات عمي.
مصمصت شفتيها هاتفة باحتجاج:
- كلام خايب.
عمد إلى تغيير مجرى الحديث عنه، وقال مبتسمًا:
- سيبك مني دلوقت، المهم البنات اتجوزوا ولا لسه؟
أجابته، ولمحة من الحزن قد ملأت ناظريها:
- "إيمان" الحمد لله ربنا كرمها، ولسه "دليلة" هتتجوز على أول الشهر.
لم ينتبه لما أصاب قسماتها من تعبير واجم، وعلق بتلقائية:
- ياه البنات كبروا، السنين عدت أوام.
على مرمى بصرها ظهرت "إيمان" أمام والدتها لترميها بنظرة متسائلة في صمت عن هوية الضيف، لتتفاجأ بها تناديها عاليًا:
- تعالي يا "إيمان"، ما فيش حد غريب، ده "فارس" ابن عمك "حجاب".
استغرقها الأمر عدة لحظات لتتذكره، فقالت وهي تعقد طرفي حجابها المنزلي المطروح على رأسها معًا بيدها لئلا ينفلت منها قائلة بترحيب ودود:
- معقولة، بقالي زمن ما شوفتكش.
نهض لتحيتها قائلًا في سرور:
- إزيك يا بنت عمي؟ أخبارك إيه؟
ابتسمت في رقة وهي ترد:
- بخير والحمد لله.
نهضت "عيشة" قائمة، وأشارت لابنتها بيدها هاتفة:
- خليكي مع ابن عمك عقبال ما أعملكم حاجة سخنة تشربوها.
في لطافة وألفة علق "فارس":
- أنا مش ضيف يا مرات عمي!
التفتت ناظرة إليه قائلة:
- ما أنا عارفة، وشوية ويكون الأكل خلص ناكل سوا.
ضحك بعفوية وقال في تحمس:
- إن كان كده ماشي.
....................................
نفخ، وزفر، ودمدم مع نفسه بسباب لاذع، لكونها لا تتوقف عن الاتصال به، كان يعلم جيدًا أن وراء مكالماتها السقيمة مطلبًا بعينه، أو رغبة شخصية تطمح في تحقيقها، في مقابل إبلاغه بالمستجد من الأخبار، ولكون الأمور مستتبة هذه الأيام، بدا إلى حد كبير واثقًا أن وراء اتصالها غرضًا يخصها، لذا تجاهلها على قدر المستطاع، إلا أن إلحاحها المتواصل دفعه للرد أخيرًا، فاستطرد في تبرم:
- في إيه؟ كل ده زن!!!
اهتزت نبرتها وهي تخبره:
- أنا قولت بس يا ريسنا أعرفك بالجديد.
بلا صبر صاح بها:
- انجزي.
في لؤم مدروس أجابته لتثير فضوله:
- في واحد طول بعرض جه سأل على بيت عم "فهيم".
أصابت هدفها في مقتل، واسترعى الأمر انتباهه، حيث اشتدت قسمات وجهه متسائلًا:
- مين ده؟
أجابته على الفور، وبما يزيد من فضوله:
- بيقول إنه قريبهم، بس دي أول مرة أشوفه فيها نواحينا.
لم يرغب في إشعارها بأهمية مكالمتها، لئلا تتمادى معه، فزعق فيها بغير صبر:
- حكاية مش مستاهلة مليون اتصال.
ردت مبررة تصرفها:
- أنا باعمل اللي عليا يا كبيرنا، ده إنت أفضالك علينا كلنا، وآ...
لم يمهلها الفرصة للثرثرة الفارغة، فقطع المكالمة معها دون أن يقول شيئًا، ليبقى على حيرته سائلًا نفسه:
- يا ترى مين ده؟!
انتشله من سرحانه الذي غاص فيه صياح شقيقه:
- قدامك كتير يا "زهير"؟
قال وهو يعيد وضع الهاتف في جيبه:
- أنا خلصت.
طوح بيده في الهواء قائلًا بهمة ونشاط:
- طب يالا، ورانا طلعة!
قال باسمًا:
- وأنا جاهز.
....................................
لجأت مؤخرًا لاستخدام الأقراص المنومة لتتمكن من النوم، بعدما تعذر عليها ذلك بصورة طبيعية، حيث أرهقها التفكير الشديد في محاولة إجبار عقلها على استعادة الجزء المفقود من ذاكرتها؛ لكنها رغم هذا كانت تغرق في سلسلة من الأحلام المزعجة والكوابيس غير المفهومة، هذه المرة شعرت "دليلة" خلال استغراقها في النوم وكأنها مطاردة من قِبل مجهول مخيف، أحد لا تظهر ملامحه، يبدو أقرب للظل، وهي تجاهد للركض بعيدًا عنه، لئلا يقبض عليها، أحست بثقل أنفاسها، بعدم قدرتها على الهروب، بأن خطواتها تثقل كلما حاولت التقدم للأمام، ليتبدل المشهد لوالدها وهو يبكي بقهر وعجز، تردد في فضاءات عقلها صوته الحزين حينما خاطبها:
- سامحيني يا بنتي.
لتتطلع إليه بتحير وعدم فهم، قبل أن يغدو المشهد مغايرًا تمامًا، تقف قبالته، ونظرتها مصوبة نحوه فقط، فتجده يرفع يده عاليًا ليصفعها بقساوة غير معهودة منه على وجنتها، ليتبع ذلك توبيخًا لاذعًا منه، قبل أن يزداد شعورها بالاختناق، وتستحوذ عليها رغبة عارمة في الصراخ والبكاء.
...................................
أعطاه أحد العاملين بمكتبته صندوقًا كرتونيًا وضعت فيه بعض المتعلقات الشخصية لزميلهم الكبير الراحل بعدما تم تفريغ خزانته، ليظل يتطلع إليه مليًا حتى انتبه إلى مجيء والده الذي بادر بسؤاله مستفهمًا:
- إيه دول يا "عادل"؟
أجابه بعد تنهيدة سريعة وهو يزيح الصندوق ناحية حافة مكتبه، لئلا تشغل حيزًا كبيرًا من سطحه:
- حاجة عم "فهيم" الله يرحمه.
رد "رجائي" بعبوس:
- الله يرحمه.
تابع ابنه قائلًا:
- أنا محتار نعمل فيهم إيه.
نصحه الأخير حاسمًا الأمر بشكل سريع وفعال:
- بيتهيألي نوديهم لأهله، وهما أحرار يرموها أو يخلوها عندهم.
استحسن اقتراحه مرددًا:
- معاك حق يا بابا، نخلص شغلنا ونبقى نفوت عليهم، وبالمرة نعزي جماعته.
وكأنه فعل شيئًا يدفعه للشعور بالخزي من نفسه، فقال "رجائي" في أسف:
- الواحد وشه منهم للأرض، ما حضرتش لا العزا ولا الدفنة.
برر له "عادل" ببساطة:
- ما احنا كنا مسافرين لما ده حصل، ما كانش في إيدنا حاجة نعملها.
حرر والده زفرة كبيرة من رئتيه، وأضاف:
- عمومًا هي ملحوقة، الراجل كان شايل الشغل هنا، رغم إن ما كانش بقاله كتير معانا.
رد عليه وهو يشبك كفي يده معًا:
- ما بيفضلش من الواحد غير السيرة الطيبة، ربنا يحسن ختامنا جميعًا.
فيما يشبه الوعد، تحدث "رجائي" بجدية:
- المرة الجاية لو ربنا كتب لي زيارة بيته الحرام، هبقى أعمله عمرة.
مجددًا استحسن قراره ودعمه:
- إن شاء الله يا بابا.
........................................
كم افتقد لمذاق حلواها الشهية! فقد اعتاد على تناول ما كانت تعده باشتهاء وهو طفل صغير، ليصبح أكثر تلهفًا على زيارة بيت عمه كلما سنحت له الفرصة لفعل ذلك، إلا أن شقاوته، ورعونته حرمته من الكثير من متع الدنيا البسيطة، فبات أكثر تقديرًا لما يُعيد إليه لحظات الماضي الثمينة.
انتهى فارس من شرب كوب الشاي، والتف متطلعًا إلى زوجة عمه يشكرها في امتنان:
- من يد ما نعدمها.
ردت قائلة بعد ضحكة سعيدة:
- طول عمرك مجامل ولسانك زي السكر، زي فهيم الله يرحمه.
قال وهو يخفض رأسه:
- الله يخليكي يا مرات عمي.
دون تحرج، سألته، كأنما تستعلم عن نواياه المستقبلية فيما يخص أحواله:
- وناوي على إيه يا ابني؟
أجابها بعد زفرة سريعة:
- أبويا الله يرحمه سايبلي اللي يكفيني، هحاول أشوفلي تجارة أظبط بيها حالي.
دعت له بصدق:
- ربنا يكرمك بكل خير.
وزع نظراته بينها وبين إيمان متسائلًا في نبرة مهتمة:
- عملتوا إيه في مسألة المعاش بتاع عمي؟
غامت ملامح ابنتها بشكل ملحوظ، وتولت الإجابة عن أمها قائلة:
- لسه إجراءات الحكومة بتاخد وقت.
لوح بيده في الهواء قائلًا في عزم:
- ما تشلوش هم حاجة، أنا موجود وخير ربنا كتير.
حينها ردت عليه عيشة مجاملة:
- تسلم وتعيش يا ابني.
توجه بعدها فارس بحديثه إلى ابنة عمه، فأردف:
- عايز أتعرف على جوزك يا إيمان.
قالت متصنعة الابتسام المهذب:
- إن شاء الله تشوفه قريب، يرجع بس من مأمورية البنك وتتقابل معاه.
هز رأسه مرددًا:
- بإذن الله.
أضافت عيشة هي الأخرى:
- طبعًا إنت مش محتاج عزومة على فرح دليلة.
استدار ناحيتها بوجهه ليخاطبها:
- أكيد طبعًا، بس المهم إنتو سألتوا كويس على اللي هيتجوزها؟
وقتئذ تبادلت عيشة مع ابنتها نظرات غريبة، غامضة، عكست ترددًا، وقلقًا، وريبة، لتقول بعد صمت أعجب بشيء من الضيق:
- الكدب خيبة يا ابني، احنا وقعنا ولا حدش سمى علينا.
انعقد حاجباه معًا، وهتف في استغراب:
- مش فاهم!!!
قبل أن تمنحه الجواب، تنبه ثلاثتهم لصوت صرخة عالية آتية من الداخل، لتنتفض إيمان قائمة في فزع، وصوت فارس يتساءل باندهاش قلق:
- إيه الصويت ده؟!
على الفور أدركت ما يحدث لتقول بتلقائية شديدة:
- دليلة!
لطمت عيشة على صدرها صائحة في جزع:
- يا نصيبتي لأحسن يكون البت جرالها حاجة!
كان حائرًا بينهما، لا يدري ما الذي يجب عليه فعله، فتساءل وقد وقف مترددًا في مكانه، وعيناه تشيعان كلتاهما وهما تركضان للداخل على الفور:
- هو في إيه بالظبط؟
ظلت تئن، وتبكي، وتجز على أسنانها بقوة في نومها، لتحاول إيمان جاهدة إفاقتها، إلا أنها فشلت، فاضطر فارس للتدخل، واعتذر قبل أن يبدأ في إجبارها على التيقظ، حيث استخدم الماء البارد في رش وجهها به، لتنتفض شاهقة، قبل أن تسكن تمامًا، وتواصل غفوتها وكأن شيئًا لم يكن.
حملق فيها مدهوشًا للحظات، لم يتوقع رؤيتها على تلك الحالة المريضة، فأشفق عليها، كان آخر ما يذكره عنها حينما كانت لا تزال طفلة صغيرة، تركض وتختبئ خلف والدتها كلما رأته قادمًا نحوها، وكأنها تخشى أن يتطاول باليد عليها، فقد اعتاد أن يمازحها مزاحًا ثقيلًا، ينتهي ببكائها وركله في ساقه كنوع من الانتقام منه، ليظل يضحك في استمتاع ليزيد من إغاظتها واستفزازها.
خرج ليجلس بمفرده في الصالة، وانتظر بأعصاب مشدودة عودة زوجة عمه إليه، هرع إليها متسائلًا بنبرة لهفة:
- نطلبلها دكتور ولا نعمل إيه يا مرات عمي؟
أجابته في هدوء:
- دلوقت تبقى كويسة، هي بس من قهرتها وزعلها على أبوها حالها اتبدل.
ضرب كفه بالآخر مرددًا:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، كان نفسي أشوفها في ظروف أحسن.
لينتقل إلى سؤاله التالي المتعجب:
- بس صحيح هتتجوز إزاي وهي بالحالة دي؟ مش المفروض الفرح يتأجل شوية لحد ما تبقى أحسن؟
أحنت رأسها على صدرها متمتمة في يأس:
- يا ريت كان بإيدينا، بس احنا مش أد العريس ولا اللي معاه!
جاء تعليقه عليها ساخرًا إلى حد كبير:
- ليه يعني؟ أهله هيعلقولكم حبل المشنقة؟!
تفاجأ بها تقول في جدية شديدة تناقضت مع لغوه:
- وأكتر من كده كمان.
لحظتها فقط اشتدت عروقه، وأصبحت نظرته قاتمة، لتصير نبرته كذلك شديدة الجدية وهو يسألها مباشرة:
- هي هتتجوز مين بالظبط؟
رواية فوق جبال الهوان الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم منال سالم
بناءً على المعلومات التي جُمعت مؤخرًا من مصادر مختلفة، وكذلك من المرشدين ومعاوني أفراد الشرطة، اجتمعت القيادات الأمنية في مقر القيادة العامة لمناقشة الخطة المقترحة لردع أمثاله من الخارجين عن القانون ومعاقبتهم أشد العقاب. تطلع اللواء المكلف بمتابعة هذه القضية الخطيرة إلى ضباطه قائلًا بلهجة هادئة لكنها جادة للغاية:
- إحنا درسنا كويس نقاط القوة والضعف عندهم، وطبعًا المعلومات المتاحة عندنا سهلت علينا اختراق صفوفهم بسهولة.
تحدث أحد الضباط من تلقاء نفسه معقبًا عليه:
- يتبقى فقط خطة التنفيذ يا معالي الباشا.
فيما أضاف آخر بنفس القدر من الجدية:
- الهجوم المفاجئ ده أسهل وأسرع حل يا فندم.
وزع اللواء نظراته المهتمة بينهم قبل أن يعلق في نبرة يشوبها التحذير:
- هيحصل، بس لازم نتأكد إن ما فيش ثغرات، وإلا كل تعبكم يا رجالة هيروح، ده غير طبعًا الخسائر اللي ممكن تحصل في الأرواح.
مجددًا تكلم أحد الضباط في تحفز:
- معقل زي التبة العالية كان لازم يتهد من زمان.
رد عليه بنفس الهدوء:
- كل حاجة وليها وقتها.
عاد ضابط آخر ليقول بجدية:
- وإحنا سيبناهم يصدقوا إنهم بلعوا الطعم، وإنهم مسيطرين ومالكين البلد، بس كل شيء وليه نهاية.
مرة ثانية تابع اللواء حديثه مشيرًا بيده:
- دلوقت إحنا هنناقش خطط الهجوم المقترحة بحيث نضمن تعاملنا الفوري والحاسم مع المجرمين دول.
في لهجة متفائلة ومليئة بالثقة قال ضابط ما:
- إن شاء الله هنقضي عليهم كلهم يا فندم.
علّلت الهمهمات الموافقة على جملته الأخيرة، ليعكف بعدها الجميع في مناقشة المقترحات التي تحوي خطط الهجوم لتحقيق الانتصار، وسحق وتدمير بؤر الفساد والمفسدين.
.................................
في تؤدة وحذر، سارت متأبطة ذراع زوجها، ويدها الأخرى تتحسس بطنها، فما زالت آثار طعنتها تؤلمها بين الحين والآخر، مما يدفعها للمتابعة بشكل متعاقب مع الطبيب المتخصص للتأكد من تماثلها للشفاء. تطلعت "مروة" إليه من طرف عينها، وسألته في تردد، ونبرتها تكاد تشي بخوفها المشوب بحزنها:
- تفتكر أنا عملت الصح؟
حينما أصبحت الفرصة مهيأة لها لمغادرة المشفى سيرًا على قدميها، كان أول ما قامت بفعله الذهاب إلى مديرية الأمن، والإدلاء بما نما إلى مسامعها من معلومات هامة وخطيرة أثناء فترة إقامتها الجبرية في منطقة التبة العالية، أتى ذلك بعد نصيحة من زوجها لرد الصاع صاعين لمن اغتالوها معنويًا، ولكن بصورة أكثر إضرارًا لهم وإنصافًا لها؛ عن طريق القانون. لم تدخر "مروة" وسعها، وقدمت يد العون للجهات الأمنية فباحت بكل شيء قد يفيد في الخلاص منهم، على أن تظل هويتها سرية، ولا يعلم أحدهم بمساعدتها.
أومأ زوجها برأسه مؤكدًا لها، ووجهه تعلوه أمارات الرضا:
- أيوه، وعلى الأقل تبقي خدتي حقك من ابن الحرام ده.
نفرت دموعها من عينيها تلقائيًا، لم تستطع كبحها، فسألها في شيء من الضيق:
- بتعيطي تاني ليه؟
سحبت نفسًا عميقًا لتخنق به نوبة البكاء العارم التي داهمتها، وأجابته في صدق:
- أنا ما استاهلش أعيش، ما استاهلش أخد فرصة تانية بعد اللي عملته.
توقف عن السير، والتفت ينظر إليها ملء عينيه قبل أن يخبرها في نبرة متعاطفة:
- كل إنسان بتجيله لحظة ضعف ويغلط، وبعدين باب التوبة مفتوح، وربنا بيدينا أكتر من فرصة نرجع، واللي حصلك ما كانش بخاطرك.
جاء حديثه كالبلسم على جراحها، ومع ذلك باغتته بسؤالها النزق:
- لسه مصمم جوازنا يستمر؟ وخصوصًا بعد آ...
قاطعها رافعًا يده أمام فمها هاتفًا بحزم:
- ما تكمليش، والله هزعل...
سرعان ما لانت نبرته حين استكمل باقي جملته:
- إنتي عوض ربنا ليا، وأنا واثق إن ربنا هيكرمني معاكي يا وش الخير.
بشكل عفوي ابتسمت، فاستحثها على السير قائلًا:
- شوفي الوقت سرقنا، وإحنا عايزين نلحق المواصلات بدل ما الدنيا تزحم على الآخر.
اكتفت بهز رأسها، وسارت مستندة عليه وهي تحمد الله سرًا أنه منحها زوجًا طيب القلب، متفهمًا، سمحًا، فتجاوز عن أخطاء الماضي، وأعطاها فرصة لتعيش حياتها بصورة طبيعية من جديد.
...............................
في هذا الزمن العجيب المليء بالأعاجيب، شيء واحد فقط يمكن احتسابه، ألا وهي القوة، فعن طريقها يمكن تحديد مصائر الآخرين. افتقرت "عيشة" إليها، فكانت قليلة الحيلة، قلبها معبأ بالهموم والأحزان، نكست رأسها في خزي، ولم تستطع منح "فارس" الجواب المباشر، مما اضطره لسؤالها مجددًا في نوع من التحفز، وقد انعكست علامات الغضب على محياه:
- ما رديتيش عليا ليه يا مرات عمي؟ هي هتتجوز مين بالظبط؟
وكأن لسانها انعقد، فلم تتمكن من حل عقدته، والنطق بحروف اسمه، استغرقها الأمر عدة لحظات قبل أن يخرج صوتها من جوفها مرددًا في تلعثم:
- "ز.. زهير الهجام".
لم يبدُ الاسم غريبًا بالمرة على مسامعه، بل على العكس تصادم كلاهما لأكثر من مرة في مشاحنات السجناء، وبالأخص مع شقيقه الأكبر. برزت عيناه في محجريهما، وهتف باستنكار تام:
- مين؟!!!
في عفوية ساذجة سألته "عيشة":
- تسمع عنه؟!
تحولت نبرته للتهكم والازدراء عندما جاوبها:
- أومال! مش ده أخوه "الهجام" الكبير؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي تجيب:
- أيوه.
انتقل إلى سؤاله التالي في نبرة بدت هجومية إلى حد ما:
- وإنتو إيه اللي وقعكم مع العالم دي؟
لم تجد ريقًا في جوفها لتبتلعه، وقالت وهي تعاود الجلوس على الأريكة:
- النصيب يا ابني.
جلس هو الآخر في مواجهتها صائحًا بإلحاح:
- لأ أفهم بالظبط كل حاجة.
حررت نفسًا طويلًا محملًا بكتلة ثقيلة من الأوجاع عن صدرها، لتسترسل موضحة تفاصيل ما مرت به العائلة دون ترتيب محدد، ورغم هذا لم ينتبه كلاهما لوجود "دليلة" بالردهة، فأرهفت السمع لكل ما قيل لتكتمل لديها قطع الأحجية الناقصة، وتتضح الصورة المنقوصة، فأزيلت الغشاوة عن ذاكرتها، واستعادت ما فقدته، ليشتعل داخلها حقدًا وغضبًا، قبل أن تنفلت منها صرخة موجوعة، جاءت من أعمق أعماقها، انتفضت "عيشة" على إثر صوتها المفزع، وكذلك "فارس"، لتهرع إليها على الفور وهي تهتف في جزع:
- "دليلة"، إنتي بخير يا بنتي؟
من بين دمعها الغزير واصلت الصراخ هادرة بألم وحرقة:
- قتلوا أبويا بقهرته وزعله، حرموني منه بشرهم وظلمهم.
من ورائها تكلم "فارس" بحذر:
- اهدي بس.
وكأنها لا تراه، استمرت على عويلها، لتأتي "إيمان" من الداخل متسائلة في خوف كبير:
- إيه اللي حصل يا ماما؟
في التو لامتْها أمها بضيق:
- إنتي كنتي فين وسايبة أختك؟
أجابتها بشيء من الحرج:
- كنت في الحمام.
ظلت "دليلة" تصيح باهتياج، ودموعها الحارقة تنهال على وجنتيها:
- قتلوا أبويا الظلمة، حرموني من حضنه وحنانه، والمفروض أقبل وأتجوز المجرمين دول، مش هيحصل، مش هيحصل.
رد عليها "فارس" موافقًا إياها:
- كل اللي إنت عايزاه هنعمله، اهدي بس.
فيما توسلتها والدتها وهي تمسك بها من ذراعيها:
- علشان خاطري يا "دليلة" اهدي.
بينما احتضنتها "إيمان" من كتفيها لتضمها إلى صدرها، وراحت تحادثها في أذنها بتعاطف شديد:
- تعالي معايا يا حبيبتي.
نظرت إليها من طرف عينها، وقالت بإصرار لا يمكن وصفه:
- أنا مش هتجوزه.
أومأت برأسها مرددة:
- ماشي، ماشي.
بالكاد تمكنت من إعادتها إلى داخل غرفتها، لتستحثها بعدها على تناول الدواء المهدئ، حيث سرى مفعوله المثبط لكل ما هو انفعالي في أوصالها، فغرقت رغمًا عنها في غفوة مؤقتة.
.........................................
بينما اشتعلت الأجواء سخونة خارج الغرفة، ظل "فارس" يصول ويجول حول نفسه، ولسانه يصيح بأيمان مغلظة، وكأنها صارت مسألة حياة أو موت بالنسبة له:
- قسمًا بالله ما يحصل، مش هتتجوزه، ولو فيها إيه!!
في شيء من الخوف أخبرته "عيشة" وهي تراقب حركته الغاضبة:
- يا ابني إنت مش أدهم.
توقف عن الدوران لينظر إليها بعينين حمراوين كالجمرات، وسألها في استهجان:
- مين قالك؟
قطبت جبينها بتحير، فتابع في غموض أجفل بدنها:
- ده أنا عندي اللي يخافوا منهم ويترعبوا في جلدهم.
ردت عليه بلوم:
- هو إحنا في عصابات هنا؟ كفاينا غلب وحرقة أعصاب.
زفر الهواء دفعة واحدة، وصاح محتجًا:
- يا مرات عمي إنتو دلوقت ملزمين مني، وأنا مش هسيبكم ترموا نفسكم في التهلكة علشان ناس ولاد أبالسة زي دول.
ارتعشت شفتاها وهي تتوسله:
- يا ابني...
قاطعها باعتراض جم:
- الحوار بقى معايا، وأنا بأقولك أهوه، وعزة جلال الله لهيشوفوا، ومش هيحصل إنها تتجوز حد من نسل الأبالسة دول!!
ارتاعت أكثر أمام إصراره المعاند، وكأن ناقوس الحرب قد دق ليعلن عن معركة حامية الوطيس بين عائلتها المكلومة، وشرور البشر.
......................................
استغرقه الأمر قرابة النصف ساعة حتى يتمكن من الاستدلال على عنوانه في هذه البقعة النائية.
أبطأ "عادل" من سرعة سيارته، ليتطلع بتدقيق إلى أسماء اللافتات التي تزين واجهات المحال، حتى يتأكد من بلوغه وجهته. قطع تركيزه صوت أبيه المتسائل:
- إنت متأكد إن ده المكان؟
بإيماءة مقتضبة من رأسه أجابه:
- بيتهيألي أيوه.
جال "رجائي" بنظرات مليئة بالإشفاق على تفاصيل ذلك المكان الشعبي، والذي أقل ما يقال عنه أنه لا يصلح للسكنى، فمياه الصرف الصحي تسد الطرقات، وتفسد على المارة السير بأريحية، ناهيك عن الرائحة المقززة والعطنة المنتشرة في الأرجاء، بجانب أكوام القمامة والركام المتراصة على الجانبين فيما يشبه التلال الصغيرة. همهم مع نفسه في شيء من النفور:
- سبحان الله، الحال اتدهور بيه في آخر أيامه، محدش يتوقع كده...
أدار "رجائي" وجهه تجاه ابنه يسأله في اهتمام:
- جهزت الظرف اللي قولتلك عليه يا "عادل"؟!
أجابه مستفهماً:
- أيوه، بس تفتكر هيقبلوا بالمساعدة دي؟
تنهد قبل أن يقول:
- أنا هحطه جوا الكرتونة اللي فيها حاجته، وأظن بكده مافيش حرج.
استحسن تفكيره مردفاً:
- حلو جداً.
خيم الصمت من جديد لعدة لحظات، ليقترح "رجائي" بعدها وهو يشير بإصبعه:
- حاول تركن العربية في حتة أمان شوية، وخلينا نكمل الباقي مشي.
سرعان ما استجاب لمطلبه، وطاف ببصره على الأنحاء باحثاً عن غايته وهو يتمتم في طاعة:
- ماشي يا بابا.
لاحقاً، ترجل كلاهما من السيارة ليعرجا عبر الأزقة الضيقة إلى الشارع الرئيسي الذي يمر وسط هذه البقعة السكنية. استوقفهما أحد الأشخاص متسائلاً في تطفل، وهو يدور بنظرة فاحصة على الاثنين، وكأنه قد استراب في أمرهما نظراً لغرابة هيئتهما عن المنطقة:
- خير يا بهوات؟ بتدوروا على حد هنا؟
تولى "عادل" دفة الكلام، واستطرد موضحاً غرض زيارتهما:
- أيوه، احنا عايزين بين المرحوم "فهيم"، احنا جماعة معرفته، وجايين نعزي.
هز رأسه في تفهم، واستدار مشيراً بذراعه نحو أحد الأبنية:
- هناك.. في العمارة اللي في الوش، آخر دور.
ابتسم مجاملاً:
- شكراً.
ثم تحرك مع والده نحو البناية شبه المتهالكة، وهو يكاد يجزم أن أعين الجميع ترافقهما. ولج "رجائي" أولاً إلى مدخل البناية، فهتف ابنه من ورائه:
- امسك يا بابا الدرابزين، السلم هنا مكسور.
علق عليه باقتضاب:
- طيب.
كعادتها المتطفلة المقتحمة لخصوصيات الآخرين، اعترضت "اعتدال" طريقهما بصفاقة متسائلة وهي ترفع حاجبها للأعلى:
- طالعين عند مين يا حضرات؟
نظر لها "رجائي" باستهجان، قبل أن يهمهم بوجوم:
- عند بيت الحاج "فهيم" الله يرحمه.
سألتهما في تشكك، وعيناها تتجولان عليهما بإمعان:
- إنتو قرايبو برضوه؟
هذه المرة رد عليها "عادل" بانزعاج، مشوب بقليل من الهجوم:
- أيوه، في حاجة؟
تصنعت الضحك السخيف، وبررت:
- لأ، بنطمن، أصل أهل الحتة هنا كلهم حبايب، وعارفين بعض.
سقم "عادل" من الحديث إليها، وخاطبه أبيه في توقير:
- اتفضل يا بابا.
انخفض صوت "رجائي" إلى حد كبير هاتفاً بتذمر:
- الناس هنا حشرية أوي.
أيده في وصفه متمتماً:
- فعلاً.
بقيت "اعتدال" واقفة على بسطة السلم تراقبهما بعينيها الفضوليتين، لتهسهس بعدها في حماس:
- أما أكلم سي "زهير" أعرفه.
***
عملاً بالمثل الشائع (اطرق الحديد وهو ساخن) أقنعت "نجاح" ابنها بتفريغ منزل الزوجية من كل الأثاث الموجود به، طالما أن الفرصة لا تزال سانحة لفعل ذلك. لذا مستغلاً فرصة غياب زوجته عن البيت، استأجر "راغب" عدداً من العاملين لنقل كافة المنقولات في عجالة، ومع هذا بدا متوتراً إلى حد كبير، وكأن داخله لا يرضى عما تمليه عليه والدته. ظل يتطلع إليها وهي تعطي أوامرها للعمال، ليدنو منها مبدياً احتجاجه قائلاً وهو يجفف عرقه بمنديل ورقي:
- كان لازم نعمل كده دلوقت؟ ما كنا نستنى شوية يا ماما.
أخبرته بتصميم، غير مكترثة بتبعات الكارثة التي توشك على الحدوث:
- قطمه أحسن من نحته، خلينا نخلص، ونفضنا من الشبكة السودة دي.
ما زال "راغب" على قلقه، فتساءل وهو ينظر تجاه الباب المفتوح:
- طب لو حد من الجيران سأل؟
وكأنها قادرة على استدعاء الكذب بسهولة، فأعطته الحل المثالي:
- قولهم بنغير العفش، فيه سوس وبلاوي سودة...
ما لبث أن تحولت نبرتها للحدة عندما تابعت:
- وبعدين محدش ليه حاجة عندك، إنت حر في حالك ومالك.
ازدرد ريقه، وأكمل تساؤلاته القلقة:
- افرضي "إيمان" عرفت؟
لوت ثغرها مرددة:
- قولها نفس الكلام، وزود عليه إنك عايز توضب الشقة، دي ما هتصدق تفرح.
حرك رأسه موافقاً على اقتراحها الكاذب:
- ماشي.
ليواصل بعدها إعطاء إرشاداته للعاملين ليتوخوا حذرهم أثناء نقل قطع الزجاج لئلا تتهشم.
***
تحسست "عيشة" بيدها المرتعشة قليلاً رأسها الذي راح يطن بصداع فتاك، لتسرع ابنتها بإحضار الدواء المسكن لها. تجرعته مع قليل من الماء، قبل أن تعطيها الكوب الفارغ، وسألتها في توجس:
- أختك عاملة إيه دلوقت؟
أخبرتها وهي تجلس إلى جوارها:
- الحمدلله، نامت، وأنا كل شوية بطل عليها.
من تلقاء نفسه شدد عليها "فارس" بجدية:
- ما تسيبهاش لواحدها يا "إيمان"، بدل ما تتهور وتعمل في نفسها حاجة.
التفتت ناظرة تجاهه، لم تعارضه في اهتمامه وردت بإيجاز:
- حاضر.
فيما وجه حديثه هذه المرة إلى زوجة عمه مشدداً وقد كور قبضته المسنودة على فخذه:
- وأنا بكرر عليكي كلامي يا مرات عمي، أنا مش هسيبكم، وإنتو ملزمين مني.
غلف الحزن نبرتها وهي تفضي إليه بهمومها:
- والله ما عارفة أقولك إيه! احنا في ضيقة ما يعلم بيها إلا ربنا.
قال في ثقة غريبة:
- نسب من الناس دي مش هيحصل! وأنا عندي اللي يقفلهم.
استرابت "إيمان" من طريقته المملوءة بالتحدي، ومع ذلك لم تنطق بشيء، فأحياناً الصمت أبلغ من الكلام، لتستمع إلى والدتها وهي تقول بتضرع:
- ربنا يخلصنا منهم على خير.
تنبه ثلاثتهم لقرع الجرس، فانطلقت "عيشة" تتساءل في ضجر:
- وده مين اللي جاي السعادي؟
بفم منقلب أجابت "إيمان"، ونظرة ساخطة تطل من حدقتيها:
- هو في غيرها الست "اعتدال".
علقت عليها أمها بسأم:
- ما هي مش هتفوت اليوم إلا لما تيجي تاخد أخبارنا.
قامت "إيمان" من موضع جلوسها هاتفة بعزم:
- استني يا ماما أنا هوزعها بطريقتي، احنا مش ناقصين خوتة.
طوحت "عيشة" بيدها قائلة بغير ممانعة:
- يكون أحسن برضوه.
ضبطت حجاب رأسها، وأسرعت في خطاها تجاه الباب لتفتحه، تفاجأت بشخص يماثل والدها في عمره تقريباً، وربما يتجاوزه ببعض سنوات، ومن خلفه يقف شاب يشبهه في الملامح لكنه أصغر سناً.
استفاقت من تحديقها اللحظي على صوته المستطرد:
- سلام عليكم.
حمحمت قائلة بترقب:
- وعليكم السلام.
بنفس الأسلوب الاستفهامي المعتاد تساءل رجائي:
- ده بيت الحاج فهيم الله يرحمه؟
هزت رأسها مرددة:
- أيوه، مين حضرتك؟
عرف عن نفسه منتقيًا كلماته بحذر:
- أنا رجائي، صاحب المكتبة اللي والدك كان شغال معايا فيها.
انزوى ما بين حاجبيها باندهاش واضح، وراح لسانها يردد:
- مكتبة؟
تحولت عيناها نحو ذلك الشاب الغريب الذي استأذنها في أدب:
- ممكن يا آنسة تسمحيلنا ندخل نقابل والدتك لو ما فيش مانع؟
صححت له بعفوية:
- مدام من فضلك.
قال في تحرج:
- آسف جدًا.
ابتسمت في خجل، وقالت وهي تتنحى للجانب قليلًا ليتمكنا من المرور:
- حصل خير، اتفضلوا.
فيما تساءلت عيشة من موضع جلوسها:
- مين يا إيمان؟
تفاجأت بأحدهم يقبل عليها، فنهضت على الفور لتحملق فيه وهو يعيد تعريف نفسه بنفس الطريقة السابقة:
- أنا الحاج رجائي، صاحب المكتبة اللي المرحوم كان بيساعدني في إدارتها.
رحبت به على الفور:
- يا أهلًا وسهلًا، اتفضل.
أضاف رجائي مشيرًا نحو ابنه:
- وده ابني عادل.
ثبتت نظرتها عليه قائلة بودية:
- إزيك يا ابني؟
رد مقتضبًا:
- الحمد لله.
بينما عاد رجائي ليتكلم من جديد شارحًا سبب قدومه غير المرتب له:
- اعذرينا يا حاجة إن كنا جينا من غير ميعاد، بس للأسف كنت مسافر لما وصلني الخبر، وكان لازم أجي أعمل الواجب.
علقت في شيء من المجاملة:
- كتر خيرك.
تقدم عادل نحو إيمان ليناولها الصندوق الكرتوني الذي وضع فيه ما يخص والدها، وخاطبها:
- دي حاجة المرحوم اللي كان محتفظ بيها عندنا في المكتبة، أنا جبتها لحضراتكم.
رغمًا عنها تأثرت بذكرى أبيها الراحل، وأدمعت عيناها، فأخذتها منه دون أن تنطق بكلمة، فيما هتفت عيشة تشكره:
- تسلم وتعيش يا ابني.
عاد رجائي ليضيف في نبرة جادة:
- ولو احتاجتم لأي حاجة في أي وقت، فأنا موجود، وما فيش داعي للكسوف.
هذه المرة تحديدًا تحدث فارس بعدما كان متخذًا موقف المشاهد بإرادته:
- الحمد لله خير ربنا موجود، وأنا مسئول دلوقت عنهم.
استدار رجائي تجاهه، وتحدث إليه بإصرار:
- المرحوم كان في مقام أخويا قبل ما يكون صاحبي، فطبيعي أقف مع عيلته لما يكونوا في أزمة.
باستغراب لا يزال مسيطرًا عليها عقبت إيمان وهي تضم الصندوق إلى صدرها:
- ولو إن بابا ما كانش بيحكي عن حضرتك كتير.
برر لها عادل في صوت هادئ:
- عم فهيم كلامه قليل في الطبيعي.
نظرت ناحيته مومئة برأسها، وكأنها قد اقتنعت بتبريره:
- أها.
حاولت عيشة أن تبدو لبقة مع الضيفين، فقالت في حرج:
- معلش اعذروني دماغي مش فيا، تحبوا تشربوا إيه؟
بلطافة لا تخلو من التهذيب، أخبرها رجائي وقد تقوست شفتاه ببسمة باهتة:
- ما لوش لازمة، احنا جايين نقوم بالواجب ونمشي على طول.
صارت نبرتها نوعًا ما ملحة عندما هتفت:
- عيب ما يصحش.
أصر على موقفه قائلًا:
- مرة تانية إن شاء الله.
عاود عادل مخاطبة إيمان بودية غريبة، لم تستسغ لها، وهو يناولها بطاقة ورقية مدون فيها أهم معلوماته الشخصية:
- ده رقمي أنا هاسيبه معاكي علشان لو احتاجتوا لحاجة.
بتردد ظاهر عليها أخذتها منه قائلة بعبوس طفيف:
- شكرًا.
وكأن زلزالًا فجائيًا قد ضرب بالبيت مرة واحدة، حيث أطيح بغتة بباب المنزل، ليفتح على مصراعيه، قبل أن يقتحم زهير المكان مدفوعًا بعنفوانه وغضبه، طاف ببصره على المجتمعين هادرًا في لوم، وعيناه تطقان بالشرر المستطير:
- وده يصح بردك يا حماتي إن ألاقي أغراب هنا في غيابي؟!
هربت الدماء من وجه عيشة وابنتها البكرية، لتسرع الأخيرة بالالتصاق بأمها، كأنما تبحث عن الحماية المفقودة في وجودها، ليظل صوته اللائم مجلجلًا في محيط المكان:
- ده حتى عيبة في حق الرجالة!
من فوره تقدم تجاهه فارس ليتحداه في جراءة مرعبة:
- ده لما يبقوا رجالة أصلًا...
تفاجأ زهير بوجوده، لتصير ملامحه غائمة بالكامل، فيما استأنف فارس إهانته الفجة له، وهو يندفع ناحيته ليمسك به من تلابيبه غير مبال بردة فعله المنذرة بكل ما هو مهلك ومميت:
- ولا إيه يا دلدول أخوك ............................. !!!!
.....................................
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم منال سالم
استعانت بوالدها لمساعدتها في استخراج الأوراق المطلوبة للحصول على بطاقة هوية جديدة بدلًا من تلك التي فقدتها أثناء السرقة، ثم اتجهت معه إلى أحد مراكز الاتصالات لتعيد تشغيل خط هاتفها المحمول بعدما سُرق، وبعد ذلك عادت إلى منزلها ليقوم والدها باستدعاء أحد هؤلاء المتخصصين في تغيير أقفال الأبواب لتتمكن من الدخول إلى بيتها بأمان.
استغلت انشغاله بمتابعة عمل صانع الأقفال، لتلج إلى غرفة نومها، وتتصل بزوجها بعدما وضعت الشريحة في هاتف قديم لم تعد تستخدمه منذ مدة، حمدت الله أنها كانت لا تزال تحتفظ بنسخة من كافة الأرقام بذاكرة الهاتف، لذا لم تجد صعوبة في مخابرته، وكعهده معها حينما تقع في مأزق، لا يتوانى عن تقريعها، اكفهرت كامل ملامحها وهو يزيد من توبيخه لها:
- قولتلك من الأول، خروجك من غيري في قلة قيمة ليكي.
تنفست بعمق، لتثبط من شعورها بالاختناق الذي ينتهي دومًا ببكائها قبل أن تخبره:
- ما البيت كان ناقصه حاجات.
زاد من لومه لها بترديده الساخط:
- واستفدنا إيه دلوقت غير إنك وقعتي في مصيبة وروحتي القسم؟!
في جنبات نفسها همهمت بلا صوت، وكأنها كانت تنتظر منه ذلك الأمر البسيط، لا أكثر من ذلك:
- ده بدل ما تطمن عليا!!
عادت من شرودها اللحظي لتقول في صوت مختنق، وهذه الغصة الموجعة قد علقت في حلقها:
- ما أنا مكونتش لواحدي يا "راغب"...
أزاحت بطرف إصبعها دمعة نفرت من عينها، وأكملت بصوت يعبر عن شعورها المتعاظم بالضيق والاستياء:
- وبعدين بابا موجود معايا، والحمد لله حل مشكلة مفاتيح البيت، وعلى حسابه كمان.
تعمدت الضغط على كلماتها الأخيرة، لتؤكد له عدم تحمله أي أعباء مادية إضافية، فلا يزيد من تسميم بدنها بعباراته السقيمة، سمعته يقول في شيء من الشماتة والحقد:
- أحسن، خليه يكع من جيبه شوية، ما هو مش هيبقى موت وخراب ديار!
كزت على أسنانها مدمدمة بصوت خفيض:
- استغفر الله العظيم.
تابع كلامه إليها قائلًا بصيغة آمرة:
- بقولك إيه، اتصلي بأمي طمنيها، لأحسن كانت قلقانة عليكي.
وكأنها حقًا كذلك! تشكلت على زاوية فمها ابتسامة ساخرة، فقلما راعت حماتها مشاعرها يومًا، بل على العكس كانت النسخة الأصلية لطباع ابنها، فقد اكتسبها وشربها كاملة منها. على مضض، ردت باقتضاب:
- حاضر.
واصل تحذيره المشدد عليها:
- وإياكي تخرجي من البيت لحد ما أرجع، لو ناقصك حاجة خلي مرات البواب تجيبهالك.
حررت زفرة ثقيلة من صدرها قبل أن ترد في طاعة:
- طيب.
أنهى معها الاتصال دون أن يضيف عبارة أخرى، لتشعر بالمزيد من الإحباط يغمرها، نظرت إلى الهاتف في حزن، وحادثت نفسها بنقم:
- إنه حتى ما قالي كلمة طيبة!
وأدت دموعها في مهدها، وبحثت عن رقم والدته لتهاتفها، حاولت أن تجعل رنة صوتها هادئة وهي تستطرد مستهلة حديثها معها:
- أيوه يا طنط، إزي حضرتك؟
جاء صوتها لائمًا للغاية:
- عملتي إيه يا فالحة في غياب جوزك؟
تحول حزنها لموجة من الحنق، وردت بشيء من الانزعاج:
- ولا حاجة يا طنط، النصيب.
تفاجأت بها توبخها في تحيز وتحامل:
- طول عمرك ماطيورة، مابتركزيش، وأنا نبهت عليكي كتير تشيلي فلوسك وموبايلك في جيوبك.
جاهدت لئلا تخرج عن طور هدوئها، وردت بحيادية:
- مشيئة ربنا.
استمرت حماتها في تعنيفها بحديثها الساخط:
- عيني عليك يا ابني، هتلاحق على إيه ولا إيه؟ ده إنت آ...
قبل أن تزيد من تنغيصها بعباراتها اللاذعة، قاطعتها قائلة بقليل من الانفعال:
- ربنا يخلي بابا هو اتصرف وظبط كل حاجة.
أتى ردها وقحًا:
- وماله، طالما ابني مش هيغرم حاجة.
كورت "إيمان" قبضة يدها فضغطت على أصابعها حتى ابيضت مفاصلها، وأصغت إليها وهي تخبرها بفتور:
- لولا إن عمك تعبان شوية كنت جيت أعدت معاكي، بس رجلي مش قادرة تشيلني.
كالعادة كانت تدعي المرض لتتجنب زيارتها، وكانت ممتنة لذلك، فمن الأفضل ألا تتواجدا معًا، وإلا لاستأنفت وصلة الاستهزاء بها. في النهاية علقت كنوع من المجاملة:
- كفاية سؤالك عليا.
دون مقدمات وجدتها تقول فجأة:
- شكل عمك بينادي، هروح أشوفه، سلام.
مثل ابنها أنهت الاتصال، وكأنها عبء ثقيل قامت بإزاحته عن كتفيها، لتردد "إيمان" مع نفسها بحزن رغم سعيها لادعاء العكس:
- مافيش داعي أضايق نفسي، هي طول عمرها كده، أسلوبها مش هيتغير.
ظلت لعدة لحظات مع نفسها، حتى عادت إلى طبيعتها، فخرجت من الغرفة، وألقت نظرة مدققة على الصالة، كان والدها بمفرده، فدنت منه متسائلة:
- ها يا بابا؟ إيه الأخبار؟
أجابها وهو يختبر المفاتيح بنفسه في موضع القفل:
- الحمدلله، الراجل خلص، وخد حسابه ومشى بعد ما فورلك طبلة الباب القديمة، وركبلك الجديدة، ودي النسخ كلها للمفاتيح.
ثم مد يده بهم نحوها، فأخذتها منه قائلة في امتنان شاكر:
- كتر خيرك يا بابا، دوختك معايا.
ربت على كتفها مرددًا بحنو:
- المهم عندي إنك تكوني بخير وفي أحسن حال.
أدركت مدى الفارق بين مشاعر أبيها المهتمة بأحوالها، وبين زوجها الذي لم يتوقف عن لومها، بالكاد منعت نفسها من البكاء تأثرًا، وهي ترتمي في أحضانه لتقول بصوت شبه مختنق:
- ربنا يخليك ليا، وما يحرمنيش منك أبدًا.
......................................
- عجباك الوقفة، ولا البت؟
سؤال وقح ومفاجئ، استطاع أن يفهم المغزى منه دون الحاجة للمزيد من الإيضاح، فقد كان من النادر أن يُبدي اهتمامًا بإحداهن، لهذا استرعى تحديقه انتباه شقيقه، فلم يضمر الأمر في نفسه، ووجه إليه سؤاله بشكل مباشر، ليأتي الجواب عاديًا، بل فاترًا للغاية حينما استدار ناحيته، لينظر إليه بوجه خال من التعبيرات:
- لا دي ولا دي...
ظلت عينا "كرم" عليه، لا تبارحان وجهه، وشقيقه الأصغر قد همَّ بالتحرك ليستقل المقعد الأمامي في السيارة، لكن قبل أن يستقر في موضع جلوسه لمح "عصفورة" وهو يُحادث أحدهم سرًا، تنبه الأخير له، فاضطربت تعابير وجهه، وكأنه أمسك بالجرم المشهود، أبعد الهاتف عن أذنه ليضعه على الفور في جيبه، وتقدم ناحيته متسائلًا في صوت مهتز:
- أي أوامر؟
رمقه بهذه النظرة غير المريحة قبل أن يقول:
- لأ، خلي الرجالة تطلع.
رد عليه مبتسمًا بسخافة:
- على طول.
خاطب "زهير" شقيقه بعدما سمع صرخات "مروة" المكتومة من وراء الملاءة الملفوفة بها:
- شيل البتاعة دي عنها، خليها تعرف تتنفس.
علق "كرم" في استحسان، وكأن الفكرة قد استهوته:
- وماله، حتى الطلة في وشها أحسن.
أزاحها عنها، فظهر وجهها الحانق، لحظتها انتفضت ثائرة عليه، لكنه قضى على مقاومتها بلا عناء، لتصبح مقيدة كليًا بذراعيه، ابتسم في انتشاء، وأمرها مهددًا:
- اهدي، ولا أسكتك بطريقتي؟
كان "زهير" يشعر بالضجر والضيق من حضوره لمثل هذه المشاحنات الخاصة، فهتف في لهجة آمرة:
- يالا بينا من هنا، لسه ورانا مشاغل.
رد عليه "كرم" غامزًا بطرف عينه:
- أيوه، ده حتى النهاردة دخلتي، ولا إيه يا "سمارة"؟
ردت عليه في غيظ، وهي تتلوى بجسدها محاولة الخلاص منه:
- أنا بكرهك.
زاده نفورها منه انجذابًا أكبر تجاهها، فاشتدت قبضتاه عليها مرددًا بعبثية فظة:
- وأنا مش عايزك تحبيني، أنا عايزك تمتعيني وبس!
كلماته الجريئة كانت تشعرها بالوضاعة والحقارة، فصرت على أسنانها تنعته:
- إنت....
قبل أن تلفظ بكلمة، وجدت قبضته تعتصر فكها، فصرخت متأوهة من الألم، ليتبع هذا تهديده الصريح:
- بلاش تزعليني يا "سمارة"، لأحسن زعلي بتطير فيه رقاب.
ارتجفت من أسفل قبضته، ولم تجرؤ على النطق بشيء، ليحول بصره عنها عندما خاطبه "زهير" في غموض:
- عايزك في حاجة لما نكون لواحدنا يا "كوبارة".
علق عليه بعدما عاود التحديق إليها بنظرة نهمة جائعة:
- وماله، احنا هنروح من بعض فين، ندلع شوية، ونشوف شغلنا شويتين.
....................................
سار معه عبر الردهات المتفرقة بداخل القسم لينهي الإجراءات المتعلقة بوضعه في غرفة الاحتجاز، لكنه تعمد التباطؤ قبل أن يفرغ من آخر خطوة، واطلع على السجلات الرسمية لتسجيل المحاضر، ليتمكن من الحصول على رقم هاتفها المحمول، ثم انفرد بعدئذ بسجينه في الحمام، وأعطاه هاتفه المحمول ليتمكن من محادثة من تسببت في إلقاء القبض عليه خلسة.
وقف المخبر خارج الحمام مراقبًا للممر، وأشار لـ "سنجة" ليتم المكالمة في عجالة، وهو يأمره بقلق منعكس على وجهه قبل نبرته:
- أوام يا "سنجة"، مش عايز أتجازى.
رد عليه وهو يلصق الهاتف بأذنه بعدما ضغط على زر الاتصال بها:
- على طول أهوو.
لمح المخبر أحدهم وهو يدنو من الحمام، فهتف بامتعاض زائف:
- المجاري طافحة، شوف الحمام اللي في الدور التحتاني.
انصرف الرجل، فالتفت نحو "سنجة" يأمره:
- إدارى كده، وماتخليش حد يشوفك.
هز رأسه معقبًا بصبر شبه نافد:
- بس هي ترد الأول.
انتظر على أحر من الجمر ردها عليه، ليكمل الخطة التي رتبها مع المخبر لإخراجه من هنا بأقل الخسائر.
في تلك الأثناء، كانت "عيشة" قد انتهت لتوها من الحديث إلى زوجها، وعلمت منه عن آخر المستجدات مع ابنتهما الكبرى، فاستراح قلبها لكون الأمور مضت على خير معها، خرجت إلى "دليلة" الجالسة باسترخاء على الأريكة وهي تشاهد التلفاز لتخبرها:
- أبوكي لسه قافل معايا، هو راجل في السكة، والحمد لله كله تمام مع أختك.
علقت دون أن تبعد عينيها عن الشاشة:
- خير.
ألقت أمها بثقلها على الأريكة المجاورة لها، وحذرتها بعدما وكزتها في ذراعها:
- إياكي بعد كده تحشري نفسك في أي مشاكل، احنا مش ناقصين بلاوي.
تأوهت بصوت خفيض، وردت بشكل آلي:
- طيب .. طيب.
أضافت والدتها بتذمر، لا يعبر سوى عن قدر محدود للغاية من شعورها بالانزعاج المشوب بالخوف:
- وربنا يهون بأعدتنا هنا.
تنبهت "دليلة" إلى ذلك الاتصال الملح من هذا الرقم الغريب الذي تجهل صاحبه، حتى مع خاصية الكشف على الأرقام المجهولة، كان يظهر لها بحروف غير مفهومة، فأخرست الهاتف، وزفرت في ضيق، فسألتها والدتها مستفهمة:
- مين ده اللي بيتصل؟
ردت بعدم مبالاة وهي تهز كتفيها:
- معرفش، محدش أعرفه.
ظنت "عيشة" أن ابنتها تحاول الاتصال بهما، فهتفت على الفور تستحثها على الإجابة عليها:
- شوفي كده، لأحسن تكون أختك ولا حاجة.
قطبت جبينها متعجبة، فأصرت عليها بتصميم:
- ردي أوام، إنتي لسه هتبصيلي.
أمسكت بالهاتف قائلة:
- ماشي.
بمجرد أن انفتح الخط بينهما، سمعت صوتًا ذكوريًا خشنًا يسألها:
- إنتي "دليلة فهيم"؟
تحفزت في جلستها، واعتدلت متسائلة بقليل من القلق:
- أيوه، مين معايا؟
أجابها بصوته الخشن الذي دب الرعب في قلبها:
- أنا يا حلوة اللي بلغتي عني، ونيمتيني على البورش!
ارتعدت فرائصها، وسألته في صوت مذعور:
- مين؟
لاحظت والدتها الاضطراب الذي كسا ملامحها، فسألتها في استفهام:
- مين يا "دليلة"؟
ضغطت ابنتها على زر السماعة الخارجية للهاتف، لتتمكن أمها من سماع المكالمة معها، فانقبض قلبها برعب حينما عرف "سنجة" عن نفسه:
- الحرامي يا قطة! اللي سرقك إنتي وأختك!
لطمت "عيشة" على صدرها، وبالكاد كتمت شهقة صارخة قبل أن تنفلت من جوفها، لتتساءل "دليلة" في ذعر، وقد شحب لون بشرتها كثيرًا:
- إنت جبت رقمي منين؟
ضحك في استهزاء، ليرد بعدها:
- دي أهيف حاجة أعرف أعملها.
رغم الخوف الكبير الذي استحوذ عليها إلا أنها تشبثت بقدر من الشجاعة، وراحت تهدده:
- أنا هبلغ عنك.
استقبل تهديدها باستخفاف شديد:
- مايبقاش طلقك حامي، اسمعي للآخر علشان ما ترجعيش تزعلي.
مدت "عيشة" يدها لتمسك برسغ ابنتها، وأشارت لها لتصمت، فتابع "سنجة" تهديداته الصريحة:
- أحسنلك تنكري إنك تعرفيني، وتتنازلي عن المحضر، وإلا وشك الحلو ده مش هيبانله ملامح.
قبل أن تنبس بشيء أكمل على نفس النهج:
- أنا عارف أوصلك إزاي، وحتى لو كنت جوا الحبس، عندي اللي ينفذ برا...
لحظتها لطمت "عيشة" على صدغيها بهلع، خاصة وهو يضيف:
- فاتقي شري، وخلصي الحوار ده أوام، وإلا ما تلوميش إلا نفسك.
لم تجرؤ على مناطحته الرأس بالرأس، فحالة والدتها المفزوعة جعلتها أكثر شعورًا بالرهبة والارتعاب، نجح في إيصال رسالته بسهولة، لذا أنهى مكالمته مودعًا إياها بما بدا أشبه بالوعد:
- سلام يا مزة، مستني أشوفك برا اللومان.
ارتجفت يدها الممسكة بالهاتف، وسقط من بين أصابعها، لتنظر بذهول مصدوم إلى أمها التي لم تكف عن اللطم أو العويل:
- يا نصيبتي! يا نصيبتي! يا نصيبتي!
طالعتها ابنتها بنظرات ذاهلة والأخيرة لا تزال تسألها، وكأنها لا تصدق ما جرى توًا:
- اللي سمعته ده مظبوط يا بت؟!
استفاقت "دليلة" من حالة الجمود المرتعب التي كانت عليها، لتهتف فجأة وهي تهب واقفة من على الأريكة:
- أنا هبلغ البوليس، ده بيهددني عيني عينك.
أمسكت بها أمها من رسغها، وجذبتها بقسوة لتجلسها قسرًا وهي تنهرها:
- اتهدي كده وأقعدي، واستني أما يجي أبوكي ونقوله على المصيبة الجديدة اللي مستنيانا.
ردت عليها بغيظ:
- احنا هنخاف من واحد مجرم زي ده؟
أومأت برأسها صائحة في انفعال ممزوج بالفزع:
- أه نخاف، ده عرف طريقك يا "دليلة"؟ مستنية إيه بعد كده؟ لما يسلط أصحابه المجرمين عليكي؟
كانت على وشك الاحتجاج لكنها أخرستها بقولها الحازم:
- احنا نعمل اللي قال عليه، ونفضنا منه الحوار ده.
اعترضت في تبرم:
- يا ماما آ...
أسكتتها مجددًا بحسم أشد:
- ولا كلمة زيادة، وأبوكي لو معملش كده أنا هولعلكم في البيت ده!
غمرته موجة من الارتياح بعدما فرغ من اتصاله الهام، فإن كان حتى تهديده فارغًا، ولا جدوى منه، إلا أنه من غير المعقول أن يستهان به، خاصة مع انتمائه لهذه النوعية من البشر معتادي الإجرام، حتمًا سترتعد منه، وتعاود التفكير في مسألة إخراجه من هذه الورطة العويصة. أعاد "سنجة" الهاتف إلى المخبر، وتساءل في قليل من الغرور:
- عجبتك؟
رد عليه مادحًا:
- أوي، البت كده هتكش وتجيب ورا.
قال في رجاء:
- يا ريت، لأحسن ألبس أنا في الكلابوش وأضيع.
وضع المخبر القيد المعدني حول معصمه، ليخاطبه بعدها:
- بينا على الحجز، قبل ما الصول "صادق" يسأل عنك.
سحبه خارج الحمام وهو يحادث نفسه بانتشاء حالم:
- ولسه لما أقول للريس "عباس" إنها جاية، هطلع بحلاوة زيادة، وأهوو كله رزق ليا ولعيالي.
صارعت ذلك الصداع المؤلم الذي فتك برأسها وهي تستفيق من حالة السبات الغريبة التي سيطرت عليها، استغرقها الأمر عدة لحظات ريثما استوعبت "وزة" أنها لم تعد في بيت "توحيدة" الكئيب، دارت بعينيها في أرجاء هذه الغرفة شبه المألوفة عليها، سرعان ما تذكرتها، إنها حجرة "عباس" الملحقة ببيت عائلة "الهجام"، كانت لا تزال على حالها القديم، سرير عريض، بعوارض ذهبية، وخزانة ملابس على الطراز القديم، تلك التي تصل من الأرضية إلى السقف.
اعتدلت في رقدتها متسائلة في توجس:
- أنا إيه اللي جابني هنا؟
كانت لا تزال بثيابها، اعتصرت ذهنها عصرًا لعلها تتذكر آخر ما حدث، فقط ومضات متداخلة ومبهمة للأحداث الأخيرة، تلك التي انتهت ببكائها المرير على فراق وليدها، هجومها على "توحيدة"، ومحاولة الانتقام منها، شعرت بألم يضرب وجنتيها، فتذكرت كم الصفعات اللاتي نالتها كعقاب منها لإخراسها قسرًا عن قول الحقيقة الموجعة. التفتت كليًا نحو باب الغرفة عندما فتح فجأة لتطل منه عدة سيدات، تقدمت إحداهن نحوها، فسألتها في تحفز مختلط بقليل من الخوف:
- هو في إيه؟
أجابتها المرأة وهي تشير لها بيدها لتتحرك معها:
- يالا يا عروسة علشان نوضبك، دخلتك الليلة على المعلم "عباس".
بدا وكأنها تفاجأت بالحقيقة الواقعة، فشهقت بصوت مرتفع، وقد حلت الصدمة على تعبيراتها، لتنهال عليها بوابل من الأسئلة المتواترة:
- دخلة؟ ومن مين؟ إيه الكلام ده؟
فعل مثلما طلب شقيقه، وأكمل زواجه بها بعقد رسمي، لتصبح امرأته علنًا، وأمام الجميع، رغم عدم اقتناعه بضرورة فعل ذلك، فما يطمح فيه يحصل عليه سواء بالرضا أو القوة.
تلقى عشرات المباركات والتهاني الحارة من كل المقيمين في منطقة حكمه وسلطانه، بأعجوبة أفلت من الصخب المحتفي بزواجه، ليذهب إليها والشوق المطعم بالرغبة يعصف بدواخله.
اقتحم "كرم" غرفته بلا استئذان، ليجد عروسه لا تزال بحالتها التي أحضرها بها، تتلفح بالملاءة، وتنظر إليه بخوف جلي. حدق فيها بتعبير ينم عن رغبة متأججة، تقدم ناحيتها بخطوات بطيئة ومدروسة وهو يكلمها بجدية:
- ولو إني محبش أتربط بحرمة، بس أخويا حكم، وحكمه عندي نافذ حتى لو كان على رقبتي.
واصلت التراجع للخلف باحثة عن مهرب لها منه، لكن لا مفر!
حاصرها عند الزاوية، فالتصق ظهرها بالحائط البارد، رفع مرفقه للأعلى، واستند به على الجدار، ليسبل عينيه القويتين تجاهها متسائلًا:
- مش هتدلعيني بقى يا "سمارة"؟
استشاطت غضبًا من هذا اللقب القميء الذي منحه لها، وكأنه يذكرها بمدى العُهر والوضاعة التي أصبحت عليهما حينما أُجبرت على الاقتران به، شحنت قواها الغاضبة، وضمت قبضتيها لتلكمه في صدره بأقصى طاقة لها صارخة به:
- أنا اسمي "مروة" مش الاسم الزفت ده.
لم تتمكن من إزاحته من موضعه، وكأنه جبل لا يمكن تحريكه، في حين استلذ "كرم" برؤيتها على تلك الحالة الثائرة، وقال وهو ينظر إلى موضع ضرباتها:
- ولا فارق معايا اسمك في البطاقة إيه، أنا بناديكي باللي يعجبني يا "سمارة".
ثم خفض من ذراعه ليلفه حول خصرها قائلًا بعبثية مقززة لها:
- ما تيجي بقى.
نفرت منه، وحاولت إبعاده عنها، فما زاده هذا إلا رغبة فيها، فقالت في صوت يائس:
- مش هينفع...
شدد من ضمه لها، فشعرت بذراعيه تسحقان جسدها الواهن، نظرت إليه في ذعر، وهو يسألها بترقب:
- ليه إن شاء الله؟
حمل وجهها الخائف تضرعًا خفيًا تحت الشحوب الذي ساد فيه حينما استطردت كاذبة، وكأن ذلك أول شيء طرأ على بالها:
- عندي ظروف.
تعقدت ملامحه متسائلًا باستغراب:
- ظروف؟!!
أوضحت له بحذر:
- اللي بتيجي للواحدة.
لدهشتها، انطلى عليه الأمر، وصدقها، فأبعدها عنه ناعقًا بغيظ:
- يادي الهم!
مرر يده أعلى رأسه، وتابع في سأم:
- ليلة فقر من أولها.
لم يقل أكثر من ذلك، انصرف مغادرًا الغرفة وصفق الباب بعنف ورائه، فانتفضت أولًا في خوف، قبل أن يسكن جسدها وتشعر بالارتياح لرحيله.
رددت "مروة" في لهاث:
- الحمدلله يا رب، قدرت أبعده عني كام يوم...
سرعان ما امتلأت قسماتها بتعابير الخوف، وهي تتساءل مع نفسها:
- بس يا ترى بعد كده هتصرف إزاي؟
احتارت، وتحيرت في كيفية التصرف مع شخصه غير القابل للمراوغة، فما نجت منه اليوم لا يمكن الفكاك منه في الغد!
.......................................
وكأن مصائب الدنيا كانت تنقصه لتزداد بواحدة أخرى أكثر قوة وتأثيرًا عن سابقاتها. علم "فهيم" فور عودته إلى المنزل باتصال ذلك البغيض بابنته، وتوقع حدوث الأسوأ إن رفضت تلبية مطالبه، فاضطر إلى اللجوء لمعاونة "كيشو"، عله يسعفه بالحل الناجز، فأقنعه الأخير بضرورة الاستجابة له اتقاءً لشروره غير المحمودة.
ارتدت "دليلة" ثيابها على مضض، ورغم عدم اقتناعها بكل ما يجري، إلا أنها امتثلت مرغمة لأوامر أبويها، وقررت التنازل عن بلاغ السرقة الذي قدمته. سارت خلف أبيها الذي كان يصغي إلى "كيشو" وهو يعاتبه على تسرعه في اتخاذ مثل تلك الخطوة الخطيرة:
- ملاقتش إلا دول يا عم "فهيم" وتقع معاهم...
لم ينبس بكلمة، وأطرق رأسه في أسف، ليستمر "كيشو" في حديثه اللائم:
- و"سِنجة" كمان بالذات، ده هو اللي اشتبك مع "درويش" علشانك.
هبطت المفاجأة على رأسه كالصاعقة، فرفع عيناه إليه مرددًا بهلع:
- يادي المصيبة اللي كانت لا على البال ولا على الخاطر.
تابعت "دليلة" حوارهما الغامض بفضول حائر، خاصة ووالدها يقول في قلق:
- وأنا هعرف منين إنه نفس الحرامي اللي سرق بنتي!!
رد عليه "كيشو" ساخرًا بتهكم:
- أومال يعني فكرك هبعت للراجل ده شيخ جامع مثلًا؟!!
سأله بخوف غريزي مسيطر عليه:
- طب والعمل إيه؟
توقف على مقربة من قسم الشرطة، وأعاد على مسامعه ما نصحه به في وقت سابق:
- احنا نعمل زي ما قال، نتنازل عن المحضر، والمحروسة بنتك تنكر إنها تعرفه وتقول اتلخبطت، ويا رب تخلص على كده.
قال كلماته الأخيرة وهو يرمق "دليلة" بنظرة لائمة، ليحيد ببصره عنها عندما سأله "فهيم" في توتر:
- ليه؟ هو ممكن يحصل مشاكل أكتر من كده؟
أجابه بتعبير واجم:
- ده أقل حاجة ممكن يعملوها معاك إنهم يطلبوا منك دية ولا تعويض! ده إن مكانش يسلطوا حد عليها يرميها بمياه نار، ولا تتعرضلها مجموعة نسوان تدغدغ عضمها!
أصابه الفزع تمامًا، وهتف مستنكرًا بشدة ما لا يخطر على البال:
- كمان؟!!
أكد له بنفس التعبير الغائم:
- أومال مفكر إيه؟ هما ناس خطرين، والتعامل معاهم بحساب، وبنتك راحت لعش الدبابير بنفسها.
لاذت "دليلة" بالصمت مجبرة، فكلامها لن يزيد الأمر إلا سوءًا، آه لو كانت تعلم بتبعات خطوتها تلك، لما فكرت أبدًا في التورط مع هؤلاء الأشرار، واكتفت بالتحسر على ما تم خسارته ماديًا!
دافع "فهيم" عما اعتبرها رعونة واندفاع من ابنته عديمة الخبرة:
- مكانتش تعرف، هي اتصرفت من دماغها.
زفر بثقل قبل أن يدمدم:
- يا ريت يفهموا كده.
أشار له ليتحرك تجاه قسم الشرطة، فتبعه "فهيم" في خطاه مرددًا بتضرع ورجاء:
- استرها علينا يا رب.
بخوف غريزي تعلقت "دليلة" في ذراع أبيها، وكأنها تبحث عن الملجأ والأمان في وجوده بقربها، فحاول بث هذا الشعور المفقود إليها، رغم دفقات الخوف والذعر التي تعتريه الآن.
.......................................
بناءً على أوامره الشخصية، والمشددة، طلب "كرم" منه الانتظار خارج قسم الشرطة، لإحضار تلك التي تسببت في الإبلاغ عن مشاجرتهم قبل سابق، فور أن تخرج منه، ليتم التعامل معها وفق قانون عائلة "الهجام"، لذلك انتظر "عباس" مستندًا بظهره على سيارته المصفوفة على مسافة قريبة من بوابة القسم، وبصحبته عددًا من أتباعه الجالسين بداخل هذه الحافلة الصغيرة.
لمحه "كيشو" حينما خرج من الداخل، فتجمد في موضعه مصعوقًا، فوجوده بنفسه هنا يعني أن الموقف لا يزال متأزمًا، لذا بشكل تلقائي التفت برأسه ناظرًا إلى "فهيم" ليخاطبه:
- شكل الحوار مش هيخلص.
سأله بقلق واسترابة:
- ليه كده؟ ما على يدك البت قصادك سحبت البلاغ!
أخبره بشك، وعيناه تحدقان في وجه "عباس" الذي كان لا يزال مصوبًا نظراته القاتمة على ثلاثتهم:
- مش عارف، بس الدراع اليمين لـ "كوبارتنا" موجود هنا.
استغرب من وصفه، وسأله مستفهمًا:
- مين ده كمان؟
ازدرد ريقه، وقال وهو يشير لهما بالتحرك:
- هقولك بعدين، إن شاء الله ما يكونش جاي لينا، بينا أوام من هنا.
لسوء حظهم اعترض "عباس" طريقهم، مرر ناظريه عليهم ببطء وهو يوجه أمره غير القابل للنقاش:
- وقفوا عندكم!
اقشعر بدن "دليلة" لرؤيته، وانتصبت شعيرات جلدها فزعًا منه، التصقت بأبيها أكثر عندما خاطبها على وجه الخصوص، وهذه النظرة العدائية مثبتة عليها وحدها:
- إنتي بقى اللي عاملة فيها سبع فتوات في بعض؟
تدخل "فهيم" في الحال للذود عن ابنته متسائلًا بقليل من التحفز:
- كلمني أنا يا حضرت، مالك ومال بنتي؟
ساعده "كيشو" هو الآخر في محاولة لم الأمور قبل بعثرتها قائلًا برجاء طفيف:
- لا مؤاخذة يا ريس "عباس"، الجماعة دول معرفتي، في حاجة؟
دفعه "عباس" من كتفه للجانب، وحدثه في استحقار:
- اتركن على جنب شوية ياض.
لم يجرؤ على معارضته، ووقف جانبًا، ليتقدم "عباس" نحو "فهيم" وابنته، ثم مد ذراعه تجاهها ليمسك بها قائلًا، وهذه الابتسامة الشيطانية تبرز على زاوية فمه:
- تعالي يا حلوة معايا.
حال "فهيم" دون وصوله إليه هاتفًا بتعصب أبوي مبرر:
- إيدك عن بنتي.
ارتعبت "دليلة" للغاية مما يدور، وتشبثت بأبيها أكثر مستنجدة به:
- الحقني يا بابا، ما تسبنيش!
أولاهم "عباس" ظهره ليتطلع إلى أتباعه الأشداء الذين ترجلوا عن الحافلة الصغيرة، سار نحوهم، وصوت أمره الصارم يكاد يخرق الآذان:
- اشحنوهم كلهم ................................. !!!
.............................................
رواية فوق جبال الهوان الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم منال سالم
باستخدام الدهاء والمكر، تمكن رجال الأمن من استدراج تلك الشرذمة القليلة المتورطة في إفشاء المعلومات السرية لعتاة الإجرام، ممن يعملون لحساب الطرف المعادي سرًا، عن طريق منحهم المضلل من الأخبار، ليكون وقع المفاجأة والصدمة قويًا على كل الأطراف، وهذا ما حدث بالفعل، حيث تحركت الفرق الأمنية تحت تعليمات القيادات العليا لتنفيذ مخطط الهجوم على واحدة من تلك المجموعات الخطيرة.
لم تكن مجرد مشاهد عابرة تبثها الشاشة الفضية في المسارح السينمائية، بل كان الأمر واقعًا يُعاش حرفيًا، حيث احتدمت المطاردة بين رجال الأمن وأتباع الهجام، بما فيهم "كرم" أثناء محاولتهم إتمام مهمة غير شرعية، ليتعقد الوسط كليًا بظهورهم في المشهد، لتعم الفوضى، ويركض الجميع في كل الاتجاهات نحو السيارات المتناثرة هنا وهناك، لتتحول الطرقات إلى ساحة معركة متنقلة تم تبادل إطلاق النار بشكل مكثف فيها.
استقل "كرم" بجوار تابعه المخلص "عباس" في سيارته الدفع الرباعي، وراح الأخير يدعس على دواسة البنزين ليشق بها الطرقات شقًا، وكأنه يسابق الريح، فيما ظل الأول يلعن بكلمات نابية تعرضه للغدر والخيانة رغم حرصه على إنجاز كل شيء بنفسه.
تلاحقت دقات قلب "عباس" وتساءل وهو يحاول مفاداة إحدى سيارات الشرطة التي تسير في عقبه:
- العمل إيه يا كبيرنا؟
أطل "كرم" برأسه من نافذته، ووجه سلاحه الآلي تجاه السيارة، ليفرغ فيهم خزانته قبل أن يدخل جسده لبدن السيارة قائلًا بصوت حانق:
- حاول تزوغ منهم الملاعين دول.
أضاف "عباس" في توتر متعاظم ظاهر عليه، وقد اشتدت قبضتاه على المقود:
- احنا اتعمل علينا كمين.
بينما راح "كرم" يتوعد في حنق، وتعابير وجهه يكسوها الغضب الشديد:
- ورب العزة ما هسيب اللي غفلنا التغفيلة دي، بس نطلع الأول منها.
أمسك بعدها بهاتفه المحمول ليتواصل مع شقيقه، إلا أنه وجد تجاهلًا منه كالعادة، فدمدم في غير صبر:
- رد يا "زهير"؟ إنت كمان لما بتختفي ما بعرفش أوصلك.
احتدمت المواجهة، وأصبحت مركبة الشرطة قريبة للغاية من سيارته، فهدر "كرم" يأمر تابعه بحزم:
- حاسب يا "عباس"! دوس بنزين أكتر!
فرغت خزانة سلاحه الآلي، فاضطر لاستخدام مسدسه، وبدأ في البحث عن ثغرة يتمكن عن طريقها من إصابة هدفه، وتعطيل سيارة خصمه، لم يكف عن اللعن أو السباب وهو لا يزال يصوب ناحيتهم إلى أن تمكن من إصابة الزجاج الأمامي فتهشم:
- يا ولاد الـ...
بأعجوبة تكاد تكون أقرب إلى المعجزة، نجح "عباس" في الإفلات من قبضة رجال الشرطة، ونجا من الوقوع في فخ الإمساك به، فيما سقط البقية تحت وابل الأعيرة النارية المكثفة. بأنفاس لاهثة التفت ناظرًا إلى "كرم" الذي كان يضغط بيده الممسكة بالسلاح على كتفه الغارق في الدماء ليسأله في توجس شديد:
- إنت بخير يا ريسنا؟
أجابه وهو يزيد من ضغط على موضع الجرح:
- الطلقة جت في كتفي...
ظل يسحب أنفاسًا عميقًا قبل أن يتابع أوامره له:
- ركز إنت بس في السكة، وأنا هكتم الدم.
سأله في تحير، وهو يوزع نظراته بينه وبين الطريق أمامه:
- نطلع على فين كده؟
بعد لحظة من التفكير أعلمه:
- ودينا عند بيت "توحيدة"، وخلي حد من الدكاترة الألاضيش بتوعنا يحصلنا على هناك.
قال في طاعة تامة مومئًا برأسه:
- وجب.
...........................
وردها اتصال هاتفي موجز من "عباس" يخبرها فيه بإعداد البيت لاستقبال "الهجام" دون إعطائها أي توضيح أو تفاصيل زائدة، فظنت أنها زيارة عادية كتلك التي يقوم بها من آن لآخر، بحثًا عمن تمتعه، وتمنحه دفقة أنثوية من السعادة والراحة، لتحظى في النهاية برضاه ونفحة من ماله السخي. انطلقت "وزة" في حماس تصفق بيديها وهي تلقي بأوامرها على الجميع:
- قومي يا بت إنتي وهي وضبوا المكان أوام، "كوبارتنا" جاي على هنا، وعايزاكو تكونوا على سنجة عشرة، محدش عارف مين حظها هيضرب النهاردة.
لتلمح "توحيدة" جالسة على طرف الفراش، ووجهها الذليل يكاد يلامس صدرها من انحنائه، دنت منها، ورمقتها بنظرة احتقارية طافت عليها من رأسها لأخمص قدميها قبل أن توكزها في ذراعها صائحة فيها بنبرة معبأة بالإهانة:
- وإنتي يا "توحيدة" اختفي، سحنتك بتغم النفس، وسيدنا مش ناقص حاجة تقرفه.
نهضت من موضع جلوسها قائلة بوجوم:
- والله وبقالك قيمة يا بنت الـ...
قبل أن تتلفظ بشيء تندم عليه لاحقًا أخرستها "وزة" بالإطباق على فكها، اعتصرته تحت راحتها قائلة بتهديد صريح:
- عندك! إياكي تغلطي، بدل ما تشوفي الوش التاني، وإنتي مجربة قلبة سي "عباس" عليكي، فما بالك بكبيرنا!
ضمت "توحيدة" شفتيها غيظًا، مانعة نفسها من التفوه بسبة مسيئة، لتتحرك إلى الأمام، لكنها تأوهت من الألم فجأة، حيث ركلتها "وزة" بقدمها في ردفها بخشونة، لتستدير ناظرة إليها بعينين تشتعلان كمدًا منها، ليتبع ذلك نعتها المحقر منها:
- يا غوري يا وش الفقر، جيبالنا النحس بأعدتك دي.
لم تجرؤ على الرد عليه، وانسحبت إلى الخارج، لكن داخلها ظل يغلي كأتون متقد، تتمنى فقط لو أتيحت لها الفرصة لتنفجر فيها.
..............................
حلت الصدمة على رأسه حينما أبصر آخر من يتوقع اللقاء به في هذا المكان، وأشد ما أغاظه قيام ذلك المقيت بالهجوم عليه وإهانته بوقاحة على مرأى ومسمع من الجميع.
تغاضى "زهير" عن إساءته التي يمكن أن تسال فيها الدماء كنوع من رد الاعتبار لشخصه، ليسأله مباشرة وهو يزيح قبضتيه عنه:
- إنت بتعمل إيه هنا يا "فارس" يا "عرباني"؟
كلاهما كانا على معرفة وثيقة ببعضهما البعض، فمقر احتجازهما كان مشتركًا لجماعتيهما. فـ "فارس" ينتمي لجماعة "العربان"، ونال اسم شهرته هذا نظرًا لوجوده بينهم، فطغى على لقب عائلته الأصلي. وهم معروف عنهم شدتهم وانحيازهم المتعصب لكل من يقع تحت طائلة أمرهم، خاصة إن تجرأ أحدهم على المساس بهم، ناهيك عن كونهم كثر ومن ذوي النفوذ القوية، تلك التي يصعب الصمود أمام بطشها مهما كنت تملك من شجاعة أو جرأة. فيما كانت كنية "زهير" الشقيق الأصغر لزعيم جماعة "الهجام"، العقل المدبر لإنجاز المهام العويصة، وأحد خصومهم المتناحرين. وإن حرص "كرم" على تجنب الصراع معهم نظرًا لتشددهم الأعمى، إلا أن ذلك لم يمنعه من مواجهتهم في بعض المواقف التي تتطلب إثبات القوة والسيطرة.
ولكون كل جماعة تسعى لفرض سطوتها على البقية، وتولي زمام الحكم مجازًا داخل السجن، وإجبار من فيه على الخضوع لقوانينهم الخاصة نشبت عشرات المشادات العنيفة بين كافة الأطراف، لتضطر القوات الأمنية لفض الشغب الدائر بينهم -باستمرار- بفصل غالبيتهم ونقلهم إلى أماكن احتجاز أخرى لتقليل الاحتكاك.
كان "فارس" خبيرًا في التعامل مع أمثاله من الحقراء، لذا دون سابق إنذار، سدد له لكمة قوية أسفل فكه وهو يرد بعجرفة:
- ملكش فيه.
ارتد "زهير" للخلف من إثر الضربة المباغتة التي كادت تطيح به، لكنه تماسك، وصاح في حنق، وقد نزف خيطًا من الدماء من جانب فمه:
- لأ ليا يا روح أمك...
ثم أشهر سلاحه الناري في وجهه ليهدده بغضب جم:
- وأنا هقتلك، ومش هيفرق معايا تبقى من "العربان" ولا لأ!!
في غير مبالاة، تحداه "فارس" وهو يفرد ذراعيه على امتدادهما:
- طب اعملها كده ووريني!
فيما ارتفعت شهقات كل من "عيشة" وابنتها، وظنتا أن جريمة شنيعة على وشك الوقوع في صالة منزلهما.
من فوره تدخل "رجائي" قائلًا بتوجس:
- يا جماعة استهدوا بالله، ما يصحش كده، احنا جايين كلنا نعمل واجب العزا، مافيش داعي نكبر المواضيع.
غمره في تلك اللحظة حنقًا لا عظم له، فارتفع صياح "زهير" هادرًا:
- هي كبرت خلاص، وهنجيب ناهيتها وقتي.
ارتعدت فرائص "إيمان" وتشبثت أكثر بوالدتها لترتعش شفتاها متمتمة:
- الحقي يا ماما، شكلها مش هتخلص على خير!
ردت عليها بنفس الخوف الكبير:
- استرها علينا يا رب....
ثم استطردت تتوسل وهي تشير بيدها:
- بالله عليك يا "فارس" تهدى يا ضنايا، ده برضوه عريس "دليلة"، وآ...
قاطعها "فارس" قبل أن تنهي كلامها بحسم:
- على جثتي لو ده حصل!
استفزه بتحديه السافر، فانتزع زر الأمان عن سلاحه ليهتف بلا تردد:
- يبقى إنت اللي حكمت على نفسك بالموت!
بابتسامة مغترة خاطبه وهو يستعرض عضلاته أمامه:
- وأنا جاهز.
صدح هاتف "زهير" برنين متواصل، إلا أنه تجاهل الرد عليه، وظل متحفزًا للقضاء على خصمه اللدود، بينما أوشك "عادل" على التدخل للفض بينهما، إلا أن قبضة والده التي التفت حول معصمه جعلته يتسمر في مكانه، لينظر إليه مستنكرًا، والأخير يوصيه بصوت خفيض، وكأنه يريد أن يحافظ على كونهما أطياف غير مرئية في هذا المشهد العصيب:
- إياك، إنت شايفه عامل إزاي؟
همس محتجًا بتحيز:
- يعني هنسكت على الجريمة اللي بتحصل دي؟
ظلت نبرته على خفوتها وهو يخبره في عجز:
- واحنا في إيدنا إيه؟
قال بإصرار معاند رافضًا البقاء في موقف الضعيف المتخاذل:
- في إيدنا نمنعه!
فجأة اتجهت كافة الأنظار تجاه "سنجة" الذي اقتحم المكان ليصيح بأنفاس منفعلة ومتلاحقة:
- إلحق يا ريس "زهير"، في كمين اتعمل على كبيرنا، واحنا مش عارفين نوصله.
جزع للأخبار غير المحمودة، واستدار تجاهه متسائلًا في ذهول مشوب بشيء من الذعر:
- بتقول إيه؟
بالكاد التقط "سنجة" أنفاسه ليقول بارتعاب وربكة:
- احنا محتاجينك دلوقت يا ريس.
أصبح "زهير" مضطرًا للرحيل إلزاميًا، فخفض فوهة سلاحه بعدما أعاد زر الأمان إلى موضعه ليقول في وعيد مخاطبًا "فارس" على وجه الخصوص:
- حظك فلت من الموت النهاردة، بس مش هسيبك تتهنى، استلقى وعدك مني.
لم يبدُ مباليًا للحظة بما اعتبرها تهديداته الفارغة، وهتف في استبسال عجيب:
- مستنيك، وعنواني ما يتوهش...
قبل أن يختتم حديثه الموجه إليه، انطلق "زهير" ركضًا إلى الخارج، ليحاول "فارس" اللحاق به مكملًا كلامه المستفز:
- استرجل بس واسأل عن "فارس العرباني"، وإنت عارف هتلاقيني فين!!!
فيما شعرت "إيمان" بثقل جسد والدتها التي انفلتت أعصابها من كم الضغوطات الرهيبة التي لا تنفك تتركهما ليوم، ابتلعت ريقها، وهمهمت:
- يا لهوي على التوتر اللي احنا فيه!!
كان ذلك ما ينقصها، معايشة أجواء القتل نصب عينيها! بحثت "عيشة" عن أقرب أريكة لتجلس عليها وهي تندب في يأس وحسرة:
- أنا مش حمل ده كله.
اتجه "فارس" عائدًا إليها ليقول معتذرًا ومبررًا:
- حقك عليا يا مرات عمي، بس أنا عارف النوعية دي، أخرها كلام وبس.
اعترضت على طريقته قائلة بخوف أمومي:
- وليه تورط نفسك معاه؟ إنت ناقص بلاوي يا ابني!
قال في جراءة لا يمكن التشكيك فيها:
- أنا أده، وأد جماعته كلها، متخافيش عليا، دول مقامهم تحت جزمتي.
تقدم ناحيتهما "عادل" ليقول دون مقدمات تمهيدية:
- لو تسمحولي يا جماعة أدخل، فأنا من رأيي مالوش لازمة تفضلوا في المكان ده، هو مش هيسيبكم، وهيفضل يضايقكم، فالأفضل تشوفوا بديل.
أيده "رجائي" في اقتراحه، ودعمه:
- وأنا من رأي "عادل" ابني، الأحسن تبعدوا عن القلق ده.
ليضيف ابنه مجددًا:
- وكمان ممكن تبلغوا البوليس إنهم بيهددوكوا.
أتى تعليق "عيشة" ساخطًا ومتهكمًا إلى حد كبير:
- هو احنا ودانا في داهية غير البلاغات!!
زوى "عادل" ما بين حاجبيه مرددًا باستغراب:
- مش فاهم!
في لطافة واهتمام أمسكت "إيمان" بكف والدتها، وأخبرتها في شيء من الإلحاح:
- تعالي نروح بيتي يا ماما، "راغب" مسافر، ومافيش قلق ولا حوارات زي اللي بتحصل هنا.
قبل أن تنطق أمها بكلمة تساءل "فارس" مستفهمًا:
- والدلدول ده عارف سكة بيتك؟
نظرت إليه قائلة بعد لحظة من التردد:
- للأسف.
أيوه.
أخبرها في جدية تامة:
-يبقى الأسلم نشوفلكم مطرح تاني ما يعرفش عنه خبر.
علقت عليه بتصميم:
-ماشي، بس لحد ده ما يحصل إحنا هنفضل في بيتي، أكيد مش هسيب ماما ولا "دليلة" يتبهدلوا.
بدا حديثها منطقيًّا، فقال بعد زفرة سريعة:
-طيب، وأنا هظبط لكم مَكنة أمان الجن الأزرق ما يعرفش يوصلكم فيها.
بشيء من الإرهاق نهضت "عيشة"، وخاطبت ابنتها في لهجة آمرة:
-روحي شوفي أختك وصحِّيها، عقبال ما أجهز.
اكتفت بالإيماء برأسها، وعاودت أدراجها إلى الداخل، لتتابع كلامها إلى ضيفيها اللذين لا يزالا متواجدان بمنزلها:
-أنا آسفة على اللي حصل ده كله، أنتم مالكوش ذنب.
في وقار رد عليها "رجائي":
-ما يصحش الكلام ده، "فهيم" الله يرحمه كان صاحبي، وما ينفعش أشوف أهل بيته في ورطة وما أقفش معاهم.
حانت منها نظرة ممتنة له، وقالت:
-كتر خيركم.
تحدث "فارس" من ورائها وهو يخطو تجاه الضيفين:
-روحي يا مرات عمي اجهزي، وأنا هوصل الضيوف لبرا.
-ماشي.
قالت كلمتها الموجزة وهي تسرع في خطاها نحو الداخل، ليشرع "عادل" في الكلام مرة أخرى بأدب:
-لو تسمح لي يا بابا ممكن أقول حاجة؟
هز رأسه قائلًا:
-اتفضل.
التفت لحظتها محدقًا في وجه "فارس" ليقول بهدوء مغلف بالجدية:
-احنا هنروح مع الجماعة المكان اللي مدام "إيمان" عايشة فيه، يعني زيادة اطمئنان وكده.
اعترض عليه الأخير بوجه منقلب التعبيرات:
-مالوش لازمة، معاهم راجل سداد.
أصر على رغبته قائلًا بتصميم:
-طبعًا، ده أكيد، بس احنا علشان زي ما قلت لك نطمن عليهم، ونتأكد إنهم بخير.
وكأن نزعته الذكورية انتفضت بداخله، فتقدم "فارس" ناحيته، إلى أن أصبحت المسافة الفاصلة بينهما خطوة واحدة، آنئذ وضع يده على كتفه، وربت بخشونة وقوة عليه قائلًا بنوع من العجرفة، كأنما يطرده بشكل مبطن:
-تسلم، ما نجلكش في حاجة وحشة.
فهم ما يرمي إليه من أسلوبه الجاف، وتجاوز عن ذلك، ليسترسل:
-إحنا معانا عربية، هحاول أجيبها قريب من المكان هنا بحيث نوصلكم.
مرة ثانية ربت على كتفه بقوة أكبر، وقال رافضًا عرضه صراحة:
-وأنا عندي عربيتي، ما تتعبش نفسك!
لم يكن الموقف يحتاج لاستعراض للخدمات، فقطع "رجائي" بوادر ذلك التحدي المعاند الظاهر بينهما بقوله الحاسم:
-خلينا نستنى تحت أفضل يا "عادل"، وسيب الجماعة يجهزوا على راحتهم.
على مضض استجاب له مرددًا:
-ماشي.
فيما ودعه "فارس" بغطرسة، وهذه النظرة الحادة مصوبة عليه:
-بالسلامة.
ما إن خرج الاثنان من البيت حتى شرع "عادل" في الشكاية وهو يهبط على الدرجات:
-أسلوبه صعب أوي البني آدم ده.
تفهم "رجائي" طبيعة تصرفاته الفظة، وقال معللًا ذلك:
-اعذره، دول أهل بيته، وإحنا نعتبر زي الغُرب برضوه بالنسبة لهم.
بقي "عادل" على تصميمه هاتفًا:
-بس أنا برضوه مش هسيبهم لحد ما أطمن إنهم بقوا في أمان.
كان والده متيقنًا أن ابنه لن يتراجع عن شيء عقد العزم عليه مهما حاول إثنائه عنه، لذا لم يتجادل معه كثيرًا، واقتضب في الرد:
-طيب.
كانت شقيقتها لا تزال تحت تأثير المهدئ الذي تناولته قبل برهة، وبالتالي تعذر على "إيمان" إفاقتها، بالكاد تمكنت من إلباسها عباءتها فوق ثيابها المنزلية، وأحكمت لف حجاب رأسها حول شعرها، لتستعين بـ "فارس" ليقوم بحملها برفق إلى الخارج، هبط الدرجات بحرص، ومحاولًا الانتباه لخطواته لئلا يتعثر وينكفئ بها على وجهه، فيلحق الأذى بكليهما.
كعادتها المتطفلة السمجة، استوقفتهما "اعتدال" وهي تقف أمام باب منزلها المفتوح، لتتساءل في صفاقة، ونظراتها المملوءة بالاتهامات تجول عليهما في فضول:
-كبدي عليها الغلبانة، على فين العزم كده بيها؟
بادلها "فارس" نظرة احتقار صريحة قبل أن يرد بوقاحة فجة:
-ما يخصكيش!
وضعت إصبعيها على طرف ذقنها، ولامته في استعتاب مصطنع:
-يا دي العيبة! إزاي تقول كده بس؟ ده إحنا هنا كلنا أهل، وقلوبنا على بعض.
جاء رده صادمًا لها:
-في ناس كده ما ينفعش معاها إلا السك على قفاها...
برزت عيناها على اتساعهما، ليكمل في حدة:
-ويالا من سكتي.
اعترضت طريقه بعناد، وأخبرته في لهجة شبه محذرة:
-بس دي تعتبر مرات سي "زهير"، كبير منطقتنا، ولازم ياخد خبر باللي يخصها، ده هو موصيني عليها.
زجرها بغلظة:
-مايهاش على ذمته يا ولية إنتي، وأنا مش هسيب لحمي وعرضي للديابة ينهشوه، وخصوصًا الكلب سيدك!
تدلى فكها للأسفل في ذهول:
-إيه؟!!
كرر عليها بنفس الأسلوب الصارم:
-اللي سمعتيه، ويالا اديني سكة بدل ما أشوطك من قدامي.
في التو تراجعت للخلف هاتفة في غير تصديق:
-كمان!!
تجاوزها "فارس" متابعًا هبوطه للأسفل، لتشيعه "اعتدال" بنظرتها النارية وهي تدمدم من ورائه بقنوط غاضب:
-عشنا وشفنا، بقى أنا أتهزق من واحد زي ده؟
كورت قبضتها، وضربت على الدرابزين هاتفة في توعد:
-وربنا ما سكتاله، أنا ههول الدنيا لسي "زهير" خليه يعلقه في وسط الحتة ويبقى عبرة!
بحذر وحيطة، مدد "فارس" جسد "دليلة" على المقعد الخلفي من سيارته، لتجلس والدتها بجوارها، وتحاوطها من كتفيها لتضمها إلى صدرها، وكأنها تحميها، فيما استقرت "إيمان" جالسة في المقعد الأمامي مجاورة لـ "فارس" الذي استدل منها على عنوان مسكنها. لدهشتها تفاجأت بملاحقة "عادل" ووالده لسيارتهم، ولم تعلق بشيء.
بعد برهة كانت السيارتان تصطفان أمام مدخل بنايتها الحديثة، ترجلت "إيمان" أولًا، وفتحت الباب الجانبي، ليتمكن "فارس" من حمل شقيقتها مرة أخرى، ثم تقدمته لترشده إلى مكان المصعد، بينما ظلت "عيشة" للحظات تتحدث إلى "رجائي" وابنه لتشكرهما على صنيعهما الطيب، طالبة منهما الرحيل بتهذيب، إلا أن "عادل" رفض الذهاب قبل أن يتأكد من استقرار الأسرة.
سرعان ما لحقت بابنتيها، لتقوم بمخاطبة "فارس" في امتنان، وأربعتهم بداخل المصعد:
-تعبناك معانا يا ابني.
رد في هدوء:
-ما تقوليش كده يا مرات عمي، ده إحنا أهل، وواجب عليا أحميكم.
ما إن فُتح الباب المعدني حتى خرجت "إيمان" أولًا، وأشارت بيدها نحو باب بعينه:
-اتفضل، السكة من هنا.
أخرجت مفتاحها من حقيبتها، ودستها في قفله، لتدفع الباب بيدها، وتمدها نحو الحائط حتى تضغط على زر الإنارة، لتجد مفاجأة غير سارة في انتظارها، شهقت مصعوقة عندما رأتها فارغة من أثاثها، بهتت ملامحها، وتخشبت في موضعها غير مصدقة ما تبصره عيناها، لتلحق بها أمها هاتفة في صدمة مماثلة لها:
-يا نصيبتي!
إيه اللي حصل لشقتك؟
استفاقت من ذهولها الصادم، ورددت بمنطقية:
- شكل البيت اتسرق.
لطمت "عيشة" على صدرها هاتفة:
- يادي المصيبة!
هرولت "إيمان" داخل أرجاء الشقة لتتفقدها، فكانت خالية من كل شيء، فيما بعد بعض الصناديق الكرتونية التي تحتوي على ثيابها ومتعلقاتها الشخصية. سمعت صوت والدتها تأمرها في جزع، مبرر:
- نادي على مرات البواب أوام خلينا نفهم اللي حصل!
أومأت برأسها في طاعة، وأسرعت إلى الخارج لتستدعيها، فيما استمر "فارس" في حمله لـ "دليلة"، لتخبره والدتها في حرج:
- حطها يا ابني على الأرض، هتفضل شايلها كده.
اعترض عليها قائلًا بمكابرة:
- ماينفعش، الدنيا مبهدلة، وأنا مرضهاش ليها.
جاءت زوجة حارس البناية على وجه السرعة، فبادرت "إيمان" بسؤالها بصوت قلق، ووجهها يشي بارتعاب بائن:
- هو إيه اللي حصل يا "أم عبده" في غيابنا؟
كانت الأخيرة على قدر كبير من الهدوء، فبادلتها السؤال بآخر مستنكر:
- هو إنتي معندكيش خبر يا ست "إيمان"؟
ضاقت المسافة ما بين حاجبيها وهي تلاحقها بسؤالها المستفسر:
- خبر بإيه؟
تصعبت بشفتيها قائلة، وقد تفقه ذهنها لجهلها التام بما أقدم عليه زوجها في غفلة منها:
- سي "راغب" هو اللي فضى الشقة من العفش وعارضها للبيع.
اتسعت عيناها على الأخير، فيما استطال وجهها في صدمة متعاظمة، لتهتز شفتاها متسائلة بوجل أشد سيطر على كامل بدنها، واجتاح كافة جوارحها:
- بتقولي إيه؟
رواية فوق جبال الهوان الفصل الثلاثون 30 - بقلم منال سالم
كان من الأفضل ألا يعرض نفسه للخطر بعودته إلى التبة العالية مثلما أمره شقيقه عندما تتعقد الأمور ويحدث ما لا يحمد عقباه، إلا أنه تخلى عن حذره، وجازف مسرعًا إلى هناك على أمل أن يجده، خاصة بعدما علم بتعرضه للإصابة أثناء المطاردة مع الشرطة، لكن عيونه المتربصة بأطراف المكان أعلمته بوجود عدة كمائن تنتظر لحظة الإيقاع به في الأرجاء، لذلك اضطر للتراجع، والالتفاف عبر الطرقات بغير هدى.
ضرب "زهير" بيده في عصبية، على تابلوه السيارة، وصاح في تعصب:
- يعني هيكون راح فين؟
نظر "سنجة" تجاهه، واقترح مجازًا:
- ممكن عند بيت "توحيدة"!
برقت حدقتاه بالتماع متحمس، وهتف يأمره في الحال:
- طير على هناك.
استجاب لمطلبه، وضغط على دواسة السيارة لينطلق عائدًا إلى وجهته السابقة دون إضاعة الوقت.
***
الرغبة في الانتقام، راحت تنهش فيها يومًا بعد يوم، فبعدما كانت صاحبة المقام والكلمة العليا، غدت بين عشية وضحاها أقل من خادمة وضيعة في بيتها، وأصبحت حريتها منوطة بمن لا تكف عن إذاقتها صنوف الهوان، لهذا أخذت تفكر في وسيلة لرد اعتبارها ممن اعتبرتهم سلبوها مركز قوتها وسطوتها.
تنصت "توحيدة" خفية على المكالمة التي جاءت لمن تبغض بشدة، وعلمت بقدوم "الهجام" إلى المنزل، لهذا اتجهت إلى غرفتها الموجودة في آخر ركن بالبيت، لتخرج ذلك الشيء الذي خبأته، وواظبت على شحذ طرفه كل ليلة لتضمن بقائه حادًا، وقاطعًا.
فيما أسرفت "وزة" في نثر معطر الجو في الأرجاء لتبدو رائحة الهواء جيدة، خاصة أنها تعد الزيارة الأولى له بعد توليها مهام إدارة جميع من في هذا البيت. ظلت بين الحين والآخر تتأمل هيئتها في انعكاس أي مرآة تقابلها إلى أن أعلمها إحدى الفتيات بنبرة عالية:
- "الكوبارة" جه يا ست "وزة".
ناولتها زجاجة المعطر، وصفقت بيدها صائحة بتحفز:
- طب إخفوا أوام لحد ما أنادي عليكم...
ثم أشارت بإصبعها لإحداهن تأمرها بلهجة لا ترد:
- واللي ما تتسمى "توحيدة" هي ودلدولتها مايظهروش.
أومأت الشابة برأسها قائلة في طاعة:
- عينيا يا أبلتي.
تنفست بعمق، وقالت في رجاء:
- يا رب يجعل قدمي قدم الخير.
تغنجت بخيلاء في مشيتها، ووقفت أمام الباب الموارب وهي تطرح على كتفيها شالًا حريريًا مزركشًا، ثم اشرأبت بعنقها محاولة مطالعة من يصعد على سلم الدرج، لما لمحته قادمًا، راحت تهتف في حماس لترحب به بحرارة وحفاوة:
- منور المكان كله يا سيد الناس والحتة كلها.
وحين ظهر نصب عينيها رأت الدماء الداكنة تغرق ثيابه، فلطمت على صدرها صارخة في جزع شديد:
- يا نصيبتي! إيه اللي حصل؟
تقدم "عباس" في خطاه، ودفعها بخشونة من كتفها هادرًا بامتعاض:
- إنتي هتفضلي واقفة على الباب متسمرة كده كتير، خديلك سكة.
في التو تراجعت للخلف قائلة في خنوع:
- حاضر.
ظلت تتابع بعينين قلقتين الاثنين وهما يلجان إلى صالة البيت، لتغلق بعدها الباب، وتسرع إليهما، والحيرة قد بلغت مبلغها منها. رأت "كرم" يجلس بألم على الأريكة، وتكاد أنفاسه تثقل، شردت في تأملها، لذا صاح "عباس" بغير صبر يأمرها حينما وجدها جامدة في مكانها كالصنم:
- شوفلنا أوام حاجة نكتم بيها الجرح.
انتفضت على إثر صراخه، وقالت ممتثلة له:
- عينيا.
لم تكن إصابة "كرم" بالهينة، بل عانى من فقدانه للدماء، ورغم هذا كابر وتساءل في توجس:
- "زهير" فين؟
سكت للحظة، كأنما يحاول التماسك، ثم انتقل لسؤاله التالي:
- وصله خبر باللي حصل؟
في التو أجابه "عباس" وهو يومئ برأسه:
- أيوه، والمفروض يجي على هنا يا ريسنا.
مد "كرم" يده ليمسك به من منبت كتفه، وتكلم بصعوبة ظاهرة في نبرته:
- لأحسن يكون راح التبة، المكان مش متأمن، والدبابير لابدة هناك.
ظهرت الحيرة على وجه تابعه، فأضاف "كرم" مشددًا:
- اطلبه وخليه يطلع على مكنة من بتوعنا اللي محدش عارف عنها حاجة، وأمن السكة علشان نحصله.
علق عليه في جدية:
- نطمن بس عليك يا كبيرنا، وكل اللي إنت عايزه هيتم…
ليلتفت بعدها برأسه للخلف مغمغمًا في استياء:
- بتعمل إيه البت دي في كل الوقت ده؟
ثم عاود التحديق في وجهه متحدثًا:
- عن إذنك يا كبير هشوف الفقرية دي اتأخرت ليه.
قال بتعب واضح وهو يريح رأسه على الجانب:
- انجز.
***
على الجانب الآخر، حينما تأكدت من قدومه، تأهبت "توحيدة" واستعدت لشيء واحد بعينه، كانت حريصة على عدم انكشاف أمرها، وتوارت عن الأنظار، ثم بدأت تتحين الفرصة المناسبة للثأر ممن أذاقها ما هو أسوأ من الموت، معايشة الذل والمهانة، والانكسار. غشت رغبتها في الانتقام عينيها، وغطت كليًا على أي منطق لديها، فأخذت تعد العدة لتنفيذها بشجاعة، وما عزز من الإقدام على تلك الخطوة المصيرية هو حالة الإعياء التي كان عليها، حتمًا لن يكون قادرًا على مجابهتها بأي حال.
انتظرت على أحر من الجمر أن يغدو بمفرده، فحينما غادر "عباس" مسرعًا خلف الملعونة الأخرى، تلك التي تبغضها من أعماقها، هرعت في خطاها، ويدها قابضة بإحكام على سكينة المطبخ، هاجمته من الخلف بلا تردد، وسددت له طعنة نافذة، اخترق فيها النصل الحاد ظهر الأريكة الإسفنجي، ليصل طرفها المدبب إلى جسده، فتأوه من الألم المباغت الذي عصف به، وقبل أن يستفيق من الصدمة، وجد "توحيدة" أمامه، وعيناها تنضحان بالشر الخالص، لتخاطبه في ابتسامة شيطانية متشفية:
- جه وقت سداد الدين يا كبيرنا.
تحفز في جلسته، وانقض بيده ناحيتها ليمسك بها مرددًا في صوت مطعم بالألم:
- إنتي اتجننتي يا بنت الحرام؟!
سحبت السكين من موضعه في مرة واحدة، فتأوه بشدة، لتحز به صدره بنفس القدر من القوة، تلك التي باتت مدفوعة بها فبرزت عيناه على اتساعهما في ذهول، وصوتها الشامت يتسرب إلى أذنه:
- ما هو كله سلف ودين!
عاودت سحب السكين، ورفعته في الهواء تمهيدًا لتكرار فعلتها بلا أدنى ذرة ندم.
على إثر صوته المرتفع جاء "عباس" من الداخل في عجالة، وبيده قطعة من القماش، وبعض المطهر، ومن ورائه تبعته "وزة" لتتفاجأ بالمشهد الدموي الصارخ، فهدرت في ارتعاب وهلع وهي تدق على صدرها:
- يا لهوي بالي!
ليركض "عباس" تجاهها منتزعًا السكين من يدها قبل أن تدبه في صدره وهو يلعنها في غضب عظيم:
- عملتي إيه يا ...!!
ثم وكزها بقسوة من كتفها بعدما صفعها على وجهها ليطرحها أرضًا، فيما واصلت "وزة" الندب والعويل وهي تضرب بكفيها تارة على صدرها، وتارة على وجنتيها:
- يا نصيبتي! يا نصيبتي! يا نصيبتي!
صوت الطرقات المتلاحقة على الباب جعل بدنها ينتفض أكثر، فاستدارت تنظر تجاهه في جمود مشوب بالفزع، لتستمع إلى صوت "زهير" المألوف يأمر من الخارج:
- افتحوا الباب.
بالكاد تمكنت من استعادة قدر محدود من جأشها لتستجيب لأمره، هرعت ناحيته، وفتحته وكل ما فيها يرتعش، ليدفعها "زهير" بغلظة مقتحمًا المكان، وعيناه لا تصدقان ما تبصراه، خر على قدميه أمام شقيقه، الذي يكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة يسأله في خوف كبير، وهذه الانقباضة الموجعة تعتصر قلبه:
- حصلك إيه يا "كرم"؟
لدهشته أتت الإجابة من "توحيدة"، فضحكت أولًا بهيسترية، وأخبرتهم بفخر، وكأنها نالت جائزة شرفية لإقدامها على ذلك الفعل الشنيع:
- خدت حقي منه، دلوقت أنا ارتحت.
بلا ندم، أو حتى لحظة تفكير، استل "زهير" السكين من يد "عباس" ليدبها في صدرها وهو يلعنها بكل حنق وحقد:
- يا بنت الـ ...!!
صرخة مكتومة انحشرت في جوف "توحيدة"، قبل أن تفارق الحياة، ويد "زهير" لا تتوقف عن طعنها بلا رحمة.
حاول "عباس" إيقافه، لكنه فشل أمام اندفاعه وعنفوانه، لتولول "وزة" من الخلف في حسرة وارتياع:
- يادي المصايب اللي جاية ورا بعض!
أخرسها "عباس" بزمجرة جعلت الدماء تفر من عروقها:
- ولا نفس!
كتمت بيدها فمها، لتجبر نفسها على عدم الصراخ، وقد باعدت عيناها عن الجثة التي تفجرت الدماء من صدرها لتغرق الأرضية من حولها.
في عالم يبدو وكأنه ببعد زمني آخر، راح بين الفينة والأخرى يتطلع إليها بنظرات مختلفة تمامًا عن تلك التي اعتاد أن ينظر إليها في صغرها، وكأن الزمن قد منحها جرعة زائدة من الجمال، فازدادت حلاوة ونضارة بالرغم من علامات المرض المستحوذة عليها مؤخرًا.
نظر "فارس" إلى ابنة عمه التي يضمها بين ذراعيه بتركيز واهتمام، كما لو كان يريد لعقله أن يحتفظ بأكثر صورة مقربة لوجهها، لتظل هذه الذكرى محفوظة في ذهنه لفترة زمنية، إلى أن تتبدل الأقدار، وتتغير الظروف، ويحظى بفرصة طيبة معها، هذا إن سمحت له بالتودد إليها!
علم أن شقاوته في الصغر، وميله للتصرف بتهور ورعونة لن يعطيه الأفضلية لديها، خاصة مع تاريخه الحافل بالمشاحنات، والمعاقبة بالاحتجاز، بجانب ما خلفته ذكريات ارتباطها بذلك اللعين ربيب السجون، ومع ذلك لم ييأس، وترك شعوره بالأمل يناوشه، ويمنحه رغبة يتمنى حدوثها.
بذل الجهد ليبدو وجهه غير مقروء التعبيرات، خاصة حينما كانت تحدثه زوجة عمه، وتطلب منه تركها، أيعقل أن يفعل ذلك بهذه البساطة؟ تحجج بعدم نظافة المكان، ليظل محافظًا على قربها منه، وقلبه يشدو المزيد من ذلك القرب، ولكن بشكل مغاير كليًا!
فضح وجهها تلك الصدمة المتعاظمة التي شعرت بها أمام هول المفاجأة التي هبطت على رأسها كالصاعقة، مضت "إيمان" تنظر إلى زوجة حارس البناية بعينين شاخصتين، تكاد لا تصدق ما ألقته على مسامعها قبل لحظات، عاودت سؤالها بصيغة أبطأ، كأنما تريد التأكد مما فاهت به:
- مش فاهمة؟ يعني إيه الكلام ده؟
زمت "أم عبده" شفتيها مرددة باستهزاء مبطن وهي تشير بيدها:
- هو أنا بتكلم باللاوندي؟ سي "راغب" فضى الشقة من العفش أديله كام يوم، وعارضها للبيع...
لتبدو نظرتها بها لمحة من الفضول المغلف بالاستهجان تجاهها وهي تختتم جملتها:
- هو مدكيش خبر ولا إيه يا ست "إيمان"؟
تولت "عيشة" الرد عليها، فصاحت باستنكار:
- وهو احنا لو كان عندنا خبر ده كان هيبقى حالنا؟
بينما تساءل "فارس" مستفهمًا في لهجة لائمة:
- جوزك عمل الدنيئة ولا إيه؟
أنكرت الحقائق البينة، وصاحت في احتجاج، وهي تخرج هاتفها المحمول من حقيبة يدها:
- أكيد في حاجة غلط في الموضوع! "راغب" استحالة يعمل كده!
طلبت منها والدتها في شيء من الاستجداء:
- كلميه يا بنتي افهمي منه.
اكتفت بهز رأسها، فيما أمرت "عيشة" زوجة حارس البناية:
- امشي إنتي دلوقت، ولما هنعوزك هنناديكي.
تصعبت بشفتيها مرددة بأسلوب يميل للسخط قبل أن تهم بالمغادرة:
- أه، وماله.
اضطربت "إيمان"، وتلبكت، وشعرت بالتخبط العارم، ألصقت الهاتف بأذنها، لتقول بشفتين مرتعشتين بعد لحظة من السكوت المهيب:
- موبايله مش بيجمع.
اقترحت عليها أمها بجدية:
- مقدمناش غير نطلع على أمه، جايز يكون عندها.
في التو وافقت على ما قالت مضيفة عليها:
- أيوه، فعلًا، هو كمان ما بيخبيش حاجة عنها.
هسهست أمها مع نفسها بخفوت:
- استرها يا رب.
في تلك الأثناء، بدأت "دليلة" في التململ بجسدها، لينتبه إليها "فارس"، فاستطرد وقد تحفز في وقفته المنتصبة:
- الظاهر "دليلة" بتفوق.
ما هي إلا لحظة، وفتحت عينيها لتنظر إلى ذلك الوجه القريب منها، انتابتها حالة من الفزع والهيجان، فصرخت به، وهي تحاول الإفلات من بين قبضتيه المحكمتين حولها:
- ابعد عني، إنت ماسكني ليه؟
رد بهدوء محاولًا امتصاص نوبة انفعالها المبررة:
- اهدي بس.
تمكنت من الخلاص منه بعدما وكزته بقوة في صدره، ليتركها، وهو يطالعها بنظرات متعجبة، لتتدخل والدتها لتهدئتها قائلة وهي تسحبها من كتفيها لتضمها إليها:
- متخافيش يا بنتي، إنتي كنتي تعبانة.
حملقت فيها متسائلة بتوتر:
- هو إيه اللي بيحصل؟ واحنا مش في البيت ليه؟
ربتت على جانب ذراعها مرددة:
- دلوقت هنفهمك كل حاجة.
خرجت "إيمان" من بيتها وهي تكاد لا ترى أمامها، لتلحق بها والدتها، وهي تسحب ابنتها الأخرى معها، لكنها ترنحت أثناء محاولتها الحركة، لتسألها أمها في جزع:
- تقدري تمشي؟
رفعت رأسها لتنظر نحوها مرددة:
- أيوه.
تكرر الأمر، وشعرت بشيء من الدوار يجتاحها، فهرع إليها "فارس" لإسنادها، لكنها صرخت فيه بنفور صريح:
- ما تقربش مني.
تخشب في موضعه متفاجئًا من ردة فعلها، وحادث نفسه في وجوم مستنكر:
- إنتي واخدة موقف مني ليه بس؟
اتجه الجميع إلى المصعد، و"دليلة" تتساءل في اندهاش:
-
هي نزلت ليه تاني؟
استغرب من اهتمامه الزائد بشأنها، وبرر ببساطة:
- يمكن رايحة تشتري حاجة، ما تكبرش الموضوع.
لم يبدُ مقتنعًا، وقال في استرابة، وقد لاحظ ما أصاب تعبيرات وجهها من ذهول:
- بس دي مامتها وراها وكمان أختها...
لم يظل جالسًا في مكانه ساكنًا بلا حراك، بل انتفض مترجلًا من السيارة قائلًا بعزم:
- ثواني كده هشوف في إيه.
تسارعت خطواته وهو يسير نحوها على وجه الخصوص، ليوجه سؤاله بشكل عام، لكن نظرته تقصدها هي:
- خير يا جماعة؟!
أقبل "عادل" عليهم مسرعًا في خطواته، لتسبقه نبرته المستفهمة بشيء من القلق:
- خير يا جماعة؟ نزلتوا ليه؟
من تلقاء نفسها تولت "عيشة" الإجابة، وردت في غموض أصابه بالمزيد من الحيرة:
- في مشكلة حصلت، ورايحين نشوف آثارها.
دون أن يستعلم منها عن المزيد من التفاصيل، قال حاسمًا أمره:
- إحنا معاكوا.
هتفت في تحرج:
- مالوش لزوم، كتر خيركم.
بشيء من العجرفة تكلم "فارس"، وقد وقف قبالته:
- دي مسائل عائلية، تخصنا بس، طريقكم غيرنا، وكفاية عطلة لحد كده.
فهم من طريقته المستعرضة تلك أنه يصرفه بشكل مباشر، ومع ذلك ظل على موقفه ليخبره بعناد، وفي تحد مبطن له:
- لأ اطمن، إحنا فاضيين، ما فيش ورانا مشاغل.
لحق "رجائي" بابنه، وتساءل مستخبرًا:
- خير يا حاجة "عيشة"؟ في إيه؟
في شيء من الحرج أخبرته دون أن تمنحه أدنى تفصيلة عن طبيعة الظرف المريب الذي تمر به ابنتها البكرية:
- مشكلة بسيطة، وربنا يسهل هنشوف حلها.
تفاجأ بابنه يخبره في إصرار وهو يشير إليه ليعود إلى السيارة:
- إحنا معاهم يا بابا.
على مضض تحدث، محاولًا ألا يكسر بخاطره في حضورهم:
- طيب.
مرة ثانية انطلقت السيارتان تتبعان بعضهما البعض نحو منزل عائلة "راغب"، و"إيمان" غارقة حتى النخاع في بئر عميق من الحيرة والشك.
....................
لم تكن بحاجة لارتداء قناع الودية أو الوداعة، بل تعمدت الظهور بوجهها الحقيقي أمامهم، لتشعرهم بمدى احتقارها لهؤلاء المزعجين، فاستطردت في برود وعجرفة وهي تطوف بعينيها على أوجه أولئك المجتمعين حول باب منزلها:
- خير؟ جايين برابطة المعلم كده ليه؟
في رنة من العتاب استطردت "إيمان" تخاطب حماتها:
- مش هتقوليلنا نتفضل يا طنط؟
لوت "نجاح" ثغرها مغمغمة بتأفف:
- لأ، مش هينفع، أصلي نازلة.
لن تنكر أنها اعتادت على طريقتها السخيفة تلك في التعامل معها، لكن عائلتها لن تتحمل ذلك، لهذا أرادت أن تنهي هذا اللقاء الثقيل على القلب كالهم بسؤالها المباشر:
- طب "راغب" فين؟
نفخت حماتها عاليًا، كأنما تلمح إلى ضيقها من تواجدها غير المرحب به قبل أن تجاوبها بنفور صريح:
- معرفش.
هتفت مستنكرة عجرفتها الزائدة، وقد بدأت تنفعل قليلًا:
- إزاي يعني؟ مش حضرتك مامته؟ أكيد هيكون قايلك هو فين؟
نظرت لها شزرًا، ليتبع ذلك قولها السخيف:
- والله ابني مش قاصر علشان أدور عليه، هو حر يعمل اللي عايزه.
حاولت على قدر استطاعتها أن تكون هادئة مع أسلوبها السمج المستفز، وطلبت منها في تهذيب، كمحاولة أخيرة لإظهار وداعتها قبل أن تنفجر فيها:
- تمام، ممكن تكلميه وتقوليله يرد على مراته.
في صفاقة منقطعة النظير، لا تحمل ذرة من الإشفاق أو التعاطف، قذفت في وجهها قنبلة أخرى بكلماتها القاسية، كانت أشد في وطأتها عن أي سابقة أخرى مرت بها:
- مش لما تكوني أصلًا مراته...!!