تحميل رواية «جبران العشق» PDF
بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1العشق .. ما به ؟غريب مخيف ساحريسلب الألبابيُسحر العقوليفتت المنطقيكسر الواقعيتخطي المألوفحين تجد نفسك كطفل صغير ليلة العيد فرحا فقط من ابتسامة عابرة فأعرف أنك سقطت في شرك العشق !حين تتدافق دقات قلبك تلكم صدرك حين تبصر طيفها يأتي من بعيد يتلهف لرؤيتها كما يتلهف الظمآن لرشفة ماء .. فأعرف أن قلبك بات عضو ينبض في صدرك ويعيش في جسدها هي ! قبل عدة أعوام من الآن في منطقة صحراوية والليل قد اسدل استاره يغطي المكان سودا تتجمع رجال الشرطة يلفون المكان بحواجز تمنع الاقتراب فلاش الكاميرا لا يتوقف عن التقا...
رواية جبران العشق الفصل الأول 1 - بقلم دينا جمال
العشق .. ما به ؟
غريب
مخيف
ساحر
يسلب الألباب
يُسحر العقول
يفتت المنطق
يكسر الواقع
يتخطي المألوف
حين تجد نفسك كطفل صغير ليلة العيد فرحا فقط من ابتسامة عابرة فأعرف أنك سقطت في شرك العشق !
حين تتدافق دقات قلبك تلكم صدرك حين تبصر طيفها يأتي من بعيد يتلهف لرؤيتها كما يتلهف الظمآن لرشفة ماء .. فأعرف أن قلبك بات عضو ينبض في صدرك ويعيش في جسدها هي !
قبل عدة أعوام من الآن في منطقة صحراوية والليل قد اسدل استاره يغطي المكان سودا تتجمع رجال الشرطة يلفون المكان بحواجز تمنع الاقتراب فلاش الكاميرا لا يتوقف عن التقاط الصور لجثة مشوهة الملامح الملامح ، جثة لرجل يرتدي حلة فاخرة في جيبه عُثر علي هاتف حديث وجواز سفر وساعة يد وسلسلة من الذهب بها صورة فتاة غير ظاهرة الملامح يبدو أن من قتله شوه صورة الفتاة أيضا ... تقرير الطب الشرعي افاد بأن الضحية وليد التهامي ابن رجل الأعمال الشهير مجدي التهامي قُتل بعدة طلقات أصابت القلب والصدر والرئيتين وتم تشويه الجثة بعد قتلها ...
وتوالت الاخبال التي تصدرت الصحف لاسبوعا كاملا
« مجدي التهامي يتوعد الانتقام من قتله ابنه»
« رجال الشرطة لم يجدوا اي بصمات تفيد للفاعل »
« وليد التهامي شخصا غامضا عاش حياته كلها خارج البلاد وجاء ليُقتل هنا »
« وشم ثعبان يأكل نفسه ... وشم غريب حير رجال الطب الشرعي ... منقوش علي ذراع الضحية »
« أغلقت القضية ضد مجهول » !!
الآن مصر ... مديرية أمن القاهرة
في مكتب أحد الضباط يجلس خلف مكتبه ضابط طويل القامة اصلا قسمات وجهه سمراء حادة عينيه خضراء داكنة جسده عريض يمسك في يده قلم يدق بسطحه علي سطح المكتب علي سطح المكتب ينظر للواقف أمامه محتدا غاضبا القي القلم من يده ليصفع سطح المكتب أمامه يصيح في الواقف أمامه :
- بردوا مش هتخرج منها يا جبران .. حتي لو الصبي بتاعك ما رضيش يعترف عليك كالعادة .. اييه عايز تفهمني أن صبيانك كلهم بيحششوا
ارتسمت ابتسامة صغيرة ملتوية علي شفتيه القاسيتين رفع كتفيه لأعلي ضاقت قسمات وجهه حزنا تنهد يزفر أنفاسه متحسرا :
- هنقول ايه بس يا باشا ولاد الحرام بيجروا رجل العيال الصغيرين للكيف وأنت عارف يا باشا سيجارة جابت جيوان وجيوان جاب حباية ، حباية جابت شريط وابتدت الحكاية
تحرك الضابط من خلف مكتبه يضحك ساخرا علي ما يقول استند بظهره إلي المكتب خلفه يكتف ذراعيه أمام صدره يغمغم متهكما :
- دا أنت فنان يا جبران ، دا احنا نقدملك في the voice بقي
رفع جبران يديه يحرك أصابعه أمام وجهه ينظر لهم متفاخرا نظر للضابط يردف مبتسما في ثقة :
- طبعا يا باشا دا أنا نجار والنجارة موهبة وصنعة وشطارة ، مش اي حد يمسك الفاره دي عايز فنان زيه زي الرسام كدة
تحرك الضابط ناحيته يلتف حوله ببطئ يديه في جيبي سرواله يهمهم ساخرا وقف جواره رفع يسراه يحرك سبابته وإبهامه علي ذقنه الحليق يغمغم ساخرا :
- طب يا فنان يا مبدع يا رسام ، مش غريبة شوية أننا نمسك 3 صبيان من صبيانك بكمية حشيش محترمة مستحيل تكون تعاطي !
التف جبران برأسه ناحية اليسار حيث يقف الضابط ، ليلتف بجسده كاملا رفع كفيه لأعلي كأنه يدعو يصيح منفعلا :
- ولاد الحلام ، ولاد الحرام منهم لله ... عاملين شبكة من ورايا وأنا اللي اويتهم في ورشتي وقولت ياكلوا قرشهم بالحلال ..يغفلوني أنا ، دا أنا المعلم جبران السواح ... حسبي الله ونعم الوكيل !
ضحك الضابط عاليا ليتحرك من مكانه عائدا إلي مقعده يردف متهكما :
- بركاتك بقي يا شيخ جبران ... يا عسكري
علا بصوته في جملته الأخيرة ليدخل العسكري الواقف خارج الغرفة ادي التحية للضابط ليشير الضابط ناحية جبران يبتسم متوعدا :
- خد المعلم جبران وخد بالك منه الراجل دا بركة
رفع العسكري يده يؤدي التحية من جديد أمسك بذراع جبران يجذبه معه التفت جبران للضابط قبل أن يرحل رفع يده يرسل سلامه له بابتسامة صغيرة ساخرة ، قبل أن يتحرك بصحبة العسكري دون أدني مقاومة
صوت الاغاني الاجنبية العالية المزعجة يصدح بعنف من سيارتها تحرك رأسها مع إيقاع الموسيقي .. تضعط علي الدعاسات بعنف بطرف حذائها الرياضي تتطاير خصلات شعرها السوداء مع تيار الهواء العنيف ، رفعت نظارتها الشمسية الفاخرة تلقيها بعيدا لتظهر عينيها السوداء اللامعة يحددها الكحل ليزيدها اتساعا مدت يدها تضبط مرآة سيارتها الأمامية لينعكس فيها وجهها الجميل الممتلئ قليلا بلون سنابل القمح التي لفحتها أشعة الشمس قليلا فقط ..جيدها الطويل ... جسدها النحيف ترتدي كنزة بيضاء بحملات عريضة وسروال من الجينز ممزق القدمين وحذاء رياضي ، تركت المقود من يدها للحظات تُخرج أحمر الشفاة من حقيبتها تنظر للمرآة تملئ شفتيها الفارغة ... صدح صوت هاتفها يدق لتزفر حانقة القت أحمر الشفاه من يدها سماعة اذنها البيضاء تجيب متأففة :
- هاي يا غادة
سمعت صوت صديقتها عبر الهاتف تسألها مدهوشة :
- وتر where are you ، أنا دورت عليكِ في الاوتيل كله
تأفتت من جديد تمط شفتيها حانقة كادت أن ترد حين توقفت السيارة التي أمامها فجاءة في إشارة المرور لتزفر حانقة تضرب زامور سيارتها بعنف ارتمت بظهرها إلي ظهر مقعدها تخلل أصابعها في خصلات شعرها كادت أن ترد حين بادرت صديقتها تصيح مذهولة :
- وتر أنتي في العربية ... you are back in Cairo ، ليه
قلبت عينيها ساخرة لتزفر بعنف من جديد تردف في حدة :
- ايوة ، بعد كلام المستفزة ماهي دي عايزاني أفضل إزاي
صاحت صديقتها فيها تحاول إقناعها بالعدول عما تفعل :
- come on وتر كلنا عارفين إن ماهي بتغير منك وقالت كدة عشان تضايقك ، ارجعي بقي مش هنعرف نيجي الجونة تاني عشان خلاص الامتحانات قربت
علي الرغم من أن كلمات صديقتها أشبعت القليل من غرورها الا أنها رفضت العودة ليس ما بعد ما قالته تلك الفتاة وسخريتها منها أمام الجميع أن والدتها هجرت والدها وتركتها تنفر منها ... كورت قبضتها تردف محتدة :
- لاء يا غادة مش هرجع باي
أغلقت الخط في وجه صديقتها تدفع الدعاسات بعنف تصرخ عجلات سيارتها تنطلق بعنف ... عينيها حمراء ، تنفسها سريع تتذكر حديث تلك الفتاة مرارا وتكرارا
«صحيح يا وتر ، أنتي عمري ما جبتي سيرة مامتك ، أنا عرفت أنها سابت باباكِ بعد ما خلفتك ، طفشت منه تقريبا »
تهينها الحمقاء ذات الشعر الصناعي تتشمت بها ومن المخطئ هنا والدتها العزيزة التي جعلتها علكة تُمضع في أفواه الجميع .... نظرت لساعتها ، لتجدها تجاوزت الثانية ليلا حين توقفت بسيارتها في حديقة منزل والدها الضخم نزلت من السيارة تصفع بابها بعنف توجهت للداخل تدس مفتاحها في قفل الباب ... دخلت بخطي سريعة غاضبة تتحرك لأعلي إلي غرفة والدها ، فتحت الباب دون حتي أن تدق لتجد والدها ينام في هدوء ... أرادت أن توقظه ولكنها تراجعت عن الفكرة في اللحظة الأخيرة والدها يفعل الكثير والكثير لأجلها ليس مثل والدتها العاهرة التي تركتها وفرت .... خرجت بخفة من الغرفة تجذب الباب تغلقه بحذر ... توجهت إلي غرفتها تُضئ انوارها لتظهر غرفتها الكبيرة الفخمة الواسعة بفراش يكفي عائلة بأكملها ... دولاب كبير يعج بالملابس والحقائب والأحذية والمجوهرات باهظة الثمن .. ارتمت علي فراشها تتخلص من حذائها ... ادمعت عينيها حين تذكرت سخرية الفتاة من جديد لتضم الوسادة لها تغمض عينيها تُجبر عينيها علي النوم !
رغم أنها الثانية فجرا تقريبا إلا أن النوم رفض رفضا قاطعا أن يزو جفنيها وله كامل الحق فهي تقضي أغلب أوقاتها أما نائمة أو تصطنع النوم لتهرب من شبح وحدتها بين أحلامها ، ذكرياتها السعيدة التي سُرقت منها دون وجه حق ... دفعت ثمن ذنب لا ذنب لها فيه .. قامت من مكانها تستشعر الأرض تحت قدميها أين خفها من نقله من مكانه ، مدت قدميها قليلا تبحث عنه هنا وهناك إلي أن وجدته فابتسمت بخفة توجهت إليه ترتديه بسلاسة توجهت بخطئ ثقيلة عقلها يشعر بالنعاس ويأبي النوم ، ارتمت علي مقعدها جوار الشرفة تستند بكوعها إلي حافة الشرفة تبسط كفها أسفل وجنتها تشعر بنسيم الهواء اللطيف يداعب خصلات شعرها ... فكرت للحظات أن تتحرك تجلب لنفسها زجاجة عصير من المبرد لتعدل عن فكرتها تتثأب ناعسة تشعر بلمسات الهواء تداعب وجهها بخفة كأنها تداعب طفلة صغيرة تهدهدها لتنام فأغمضت عينيها تستند برأسها إلي حافة النافذة ... صوت حركة الأشجار ليس كالمعتاد ، ليس الصوت الذي تعرفه أحدهم يتحرك بين الأشجار صوت تأتي أقدام من عند الشرفة الكبيرة القاطنة هناك علي بعد منها ، أصوات أقدام لا تعرفها صوت باب الشرفة أحدهم يحاول فتحه من الخارج تدافعت دقات قلبها قبل أن تقف تصيح فيه بصوت مرتجف خائف :
- مين ، مين اللي هنا ، يا نجلاء ، يا علي
لا إجابة ، صوت أبواب الشرفة وهي تنفتح علي مصرعيها افزعتها صرخت تركض ناحية باب الغرفة تحفظ عن ظهر قلب أين هو مدت يدها تدير المقبض بعنف الباب لا يُفتح !
شخصت عينيها ذعرا تجذب المقبض بعنف تصرخ عل احد ينجدها ، لا مغيث وصوت خطوات ثابتة منتظمة مخيفة تقترب منها ... تسمع أنفاس حادة غريبة معها في الغرفة ارتجفت نبرتها تهمس مرتعشة :
- مممين .. ااانت ... مممين
لم يعطها ردا بل شعرت فجاءة بملمس منديل ناعم يغطي أنفها حاولت أن تقاوم تصارع الظلام ... رائحة غريبة تقتحم عقلها رغما عنها ثقلت عينيها ليثقل معها جسدها تستلم بعد طول صراع ليلتقطها بين ذراعيه قبل أن تسقط أرضا !
في صباح اليوم التالي قرابة الظهيرة في زنزانة كبيرة الحجم يجلس بين جمع من الرجال من المجرمين وأرباب السجون ... يمتص سيجارة بريئة خالية من اي مواد مخدرة تتعالي ضحكاته علي أحدي الطرفات القديمة من أحد أقرانه في الحجز ، لكز الرجل بكوعه في ذراعه بخفة يغمغم ضاحكا :
- يخربيت شيطانك يا مرسي ، بتجيب ياض النكت الابيحة دي منين
صدم الرجل صدره يتفاخر بحاله يغمغم ضاحكا :
- محسوبك مرجع في الإباحة وقلة الأدب يا سيد المعلمين ، هو احنا في ساعة لما يزورنا المعلم جبران السواح بجلاله قدره
مال الرجل ناحية جبرات لمعت عينيه يخفض نبرة صوته يغمغم متلهفا :
- بقولك يا معلم ما تمن علي حبايبك بحتة بني كدة و لا كدة دول بيقولوا اشعار في حشيش المعلم
امتص جبران نفسا قويا من سيجارته ينفثه علي مهل يتكأ بظهره إلي الحائط خلفه يغمغم عابسا :
- علي عيني والله يا مرسي ... بس ابو دبابير اللي برة دا شادد أوي رميت كل اللي في جيبي قبل ما صبيانه يشدوني هنا
- جبران حامد السواح
صوت باب الزنانة فُتح ليصدح صوت العسكري يصيح باسمه ... قام ينفض الغبار عن سرواله الجينز تقدم ناحية العسكري ليقبض الأخير علي ذراعه يخرج به من الزنزانة ... توجه به إلي غرفة جانبية للزيارة هناك حيث كان ينتظره صديقه وذراعه الأيمن والرجل الثاني من بعده ذلك الشاب الذي يصغره ببضع أعوام يماثله طولا ، جسده متوسط ليس مثله عريض ، عينيه زرقاء !! ، ذراعه الأيمن عينيه زرقاء الأمر كارثي ، بشرته بيضاء لفحتها اشعة الشمس شعره كثيف له غرة كبيرة تغطي جبينه ... هرول حسن سريعا ما أن رآه يعانقه يغمغم يواسيه :
- السجن للرجالة يا سيد المعلمين
ضحك جبران عاليا يربت علي ذراع حسن بشئ من العنف يغمغم من بين ضحكاته :
- ماشي يا أبو الرجال ... قولي اخبار الحتة من غيري ايه ، الواحد بقاله أسبوعين مرمي في المخروبة دي
نفخ حسن صدره يغمغم متفاخرا بذاته :
- عيب عليك يا سيد المعلمين وراك رجالة يسدوا عين الشمس
نظر جبران حوله هنا وهناك في حذر ليقترب خطوتين من حسن يخفض صوته حد الهمس يحادثه حذرا :
- قولي ما عرفتش الواد عمار قال إيه في النيابة
ابتهجت ابتسامة حسن ينظر لجبران منتصرا نظرة عينيه تصرخ بأن كل شئ علي ما يرام ويزيد ... همس حسن فرحا :
- ما هو دا اللي أنا جاي ابلغك بيه يا سيد المعلمين ، الواد عمار رغم أنهم عصروه في التحقيقات إلا أنه ما جبش سيرتك ، وشال الليلة كلها لوحده ، وبكرة بالكتير هتنور بينا من تاني يا سيد الناس
توسعت ابتسامة جبران الخبيثة يحرك رأسه ، من المستحيل أن يخونه أحد رجاله أبدا كم هو حقا يفتخر بهم ربت علي كتف حسن في حين غمغم الأخير سريعا :
- بكرة هتبقي ليلة ، خروجك لازم يتعمله ليلة ويتدبح فيها دبايح كمان !
________________
تأففت للمرة الألف تقريبا ومنبها المزعج لا يتوقف عن الدق امسكته تلقيه من النافذة بعنف انتصفت جالسة ليغطي شعرها الاشعث وجهها فركت عينيها تتثأب ناعسة تمسح وجهها بعنف تحاول أن تستيقظ لتجر قدميها إلي المرحاض نصف ساعة تقريبا وخرجت أخري غير التي دخلت ، شعر كالحرير ينسدل يغطي ظهرها ، أعين واسعة جريئة يحددها الكحل .. بشرة متوهجة بالحياة ... بكنزة وردية وسترة بيضاء وبنطال من الجينز الفاتح يلتصق بساقيها الرفيعة وقفت أمام مرآتها تنظر لنفسها في غرور ارتدت حذائها تنزل لأسفل سريعا بالطبع والدها استيقظ الآن عليها أن تراه قبل أن تغادر إلي جامعتها ، اقتربت من مكتبه لتسمع صوته يتحدث في الهاتف يبدو غاضبا لسبب لا تفهمه ولا تهتم دقت الباب تدخل ... ليبتسم أبيها ما أن رآها ، ها هي وتره الجميلة
ابنة أبيها ما كاد ينطق بحرف اندفعت تقول
- Dad لو سمحت أنا عايزة اشوف ماما اعتقد ان من حقي اشوفها
رفع وجهه فابتسمت عينيه قبل شفتيه ينظر لابنته الوحيدة جل ما يملك من هذه الدنيا أمام عينيه ... ترك القلم من يده يغلق الأوراق امامه تنهد يعاتبها بضيق :
- تاني يا وتر احنا مش كنا قفلنا كلام في الموضوع دا خالص ... وتر أنا كان ممكن بمنتهي البساطة اقولك أن مامتك ميتة ... بس أنا ما حبتش اكذب عليكي ... انما أنك تروحي عندها دا اللي مش هسمح بيه أبدا
احتدت حدقتيها تنظر لوالدها في غيظ اقتربت بخطي سريعة من مكتبه الفاخر وقفت علي بعد خطوة واحدة منه تصيح محتدة :
- لييييه سنين وسنين وأنا بطلب منك اني اشوف ماما وكل مرة يا اما بترفض يا اما بتتجاهلني ... أنا هروح اشوفها ... أنا بس عايزة اعرف مكانها فين
لم يغضب من صرخات طفلته بالعكس ابتسم في سخرية يحرك رأسه بالنفي يردف مبتسما :
- مش هقولك يا وتر عشان مصلحتك أنتي .. صدقيني وتر هانم مش هتستحمل تروح الحارة اللي هي فيها ... هيجيلك صدمة عصبية من بشاعة المكان ... حبيبتي انتي كبيرك تشوفيها علي ال tv
حارة !! والدتها تعيش في حارة كالتي تراها في التلفاز في الأفلام والمسلسلات ... توسعت عينيها في دهشة ... خبت حدتها قليلا تنهدت بقوة تهمس بصوت خفيض حزين :
- بس أنا عاوزة اشوفها ... أنا ما شوفتهاش قبل كدة خالص
تحرك الجالس خلف مكتبه يخطو خطاها ناحيتها مباشرة ... وقف أمامها يحتضن وجهها بين كفيه ابتسم يردف :
- نعمل ديل عشان خاطر عيون وتر ... تروحي تشوفي مامتك في الحارة والا اجبلك العربية الجديدة اللي أنتي عاوزاها
توسعت عينيها مدهوشة كيف يفعل والدها ذلك يخيرها بين والدتها وسيارة !! رمشت بأهدابها عدة مرات تنظر لوالدها توسعت ابتسامتها قبل أن تهتف متلهفة :
- لاند كروز سودا !!
ضحك سفيان عاليا يحرك رأسه بالإيجاب ، هي حقا ابنة أبيها كما قال قبلا ... قبل جبينها يغمغم مبتسما :
- من عيوني يا أحلي وتر في الدنيا
اندفعت وتر تعانق والدها تقبل خده تخبره كم أنها تحبه قبل أن تلوح له سريعا تتوجه إلي جامعتها ... ما إن خرجت من عنده اختفت ابتسامته يتنهد حائرا قلقا يحاول إسكات صوت قلبه المذعور علي ابنته مما سيقدم عليه من شر قد يطول ابنته !
__________________
وقفت وتر بسيارتها في المرآب المخصص لسيارات الطلبة ... نزلت منها مشهد السيارات الفاخرة حولها تُشعرك أنك داخل معرض كبير لبيع السيارات وليس مرآب في جامعة ... ولكن ذلك هو الحال في جامعات الطبقة الراقية علي ما يبدو ، خطت إلي الخارج نظارتها الشمسية السوداء الكبيرة تغطي وجهها توجهت إلي مقهي الجامعة جلست هناك علي احدي الطاولات تزفر حانقة لا أحد هنا بالطبع فجميع صديقاتها لازلن في الرحلة التي قطعتها هي فجاءة ... طلبت لنفسها كوب من العصير ، اخرجت هاتفها تعبث بين صفحات التواصل الاجتماعي في ملل ليقع عينيها ، ليجذب انتباهها قدوم النادل ومعه كوبين من العصير رفعت رأسها للنادل تغمغم ساخرة :
- أنا طلبت كوباية واحدة علي فكرة
- التانية دي ليا لو تسمحيلي طبعا
نظرت للاتجاه الآخر حيث مصدر الصوت لتجد شاب لا يمكن أن تنكر أنه حقا وسيم ملامحه غربية أكثر ، شعره أشقر ، قسمات وجهه بذلك البطل في الفيلم الاجنبي الذي شاهدته قبل عدة أيام في فيلم اجنبي لا تذكر اسمه الآن ، ذلك الشاب تعرفه طارق التهامي ، الشاب الأشهر بين ذكور الجامعة ، هو الذكر المهيمن في القطيع هنا ... جميع الفتيات ينجذب إليه حتي هي انجذبت لوسامته في بعض الأحيان دون أن تُبدي، كرامتها تمنعها من فعل ذلك بالطبع ، أعطته ما يشبه ابتسامة مترفعة تحرك رأسها بالإيجاب ، صرف النادل ليجلس علي المقعد المجاور لها أمامه كوب العصير الآخر ، مد يده يصافحها يغمغم مبتسما :
- طارق التهامي ، مبسوط حقيقي أنك ما رفضتيش طلبي
ابتسمت بتكلف ترفع كتفيها لأعلي قليلا وكأنها تخبره بأن الأمر ليس بتلك الأهمية المفرطة ، هي فقط تحتاج من يملئ فراغ وقتها إلي أن تأتي صديقاتها والفتي وسيم جدا كما قالت قبلا ... امسكت كوب العصير بين شفتيه تضع قشته بين شفتيها ترتشف القليل قبل أن تغمغم مبتسمة في غرور :
- وتر سفيان الدالي
اتسعت عيني طارق في دهشة يغمغم مذهولا :
- بنت سفيان الدالي رجل الأعمال المعروف انتي تعرفي أن والدك ووالدي اعز أصدقاء ... طب ازاي احنا ما نعرفش بعض من زمان
أشبع غرورها لهفته في الحديث عنها وعن والدها كان يتحدث ويتحدث ويتحدث وهي ترد عليه بكلمات قليلة وابتسامات متكلفة ... نظرت لساعة يدها لتقف فجاءة فوقف هو الآخر مدت يدها تصافحه تغمغم مبتسمة :
- سوري يا طارق بس أنا عندي محاضرات دلوقتي !
حاولت أن تجذب يدها من يده فأبي أن يتركها ، يردف سريعا بتلهف :
- طب ايه رأيك بعد ما تخلصي محاضرات نخرج أنا وانتي نتغدي ، نتعرف علي بعض أكتر
قطبت ما بين حاجبيها للحظات تفكر تري بطرف عينيها نظراته المتلهفة لموافقتها فابتسمت برقة تحرك رأسها بالإيجاب .. كاد أن يطير فرحا في حين ضحكت هي برقة تلوح لها بأطراف أصابعها قبل أن تختفي من أمام عينيه وتختفي معها ابتسامته !
________________
تحسست بيديها ملمس الفراش الجالسة عليه .... لتقطب ما بين حاجبيها ، يدق القلق قلبها ...ذلك الفراش يختلف تماما عن فراشها ... ملمسه مغاير لما اعتادت اناملها أن تألف ... أرهفت السمع عل أذنيها تخبرها فقط انها تتوهم ... أين أصوات السيارات في الخارج ... أين تلك الطيور المغردة جوار شرفتها ... صوت الرياح وهو يحرك أوراق الأشجار ... لما صمت العالم فجاءة .... أين هي ... انزلت أحدي ساقيها برفق تتحسس الأرض خوفا من أن تكن بعيدة فتسقط ... ولكن العكس تماما .... الفراش منخفض ... الأرض قريبة منها للغاية ... لم تشعر بالبرودة الناعمة التي اعتادت وجودها علي أرض غرفتها ... بل بساط كثيف ذو شعيرات عالية غاصت قدمها داخله ... انزلت ساقها الاخري ... تمشي الهوينة تمد ذراعيها أمامها خوفا من أن ترتطم في شئ تجهله ... حركت يديها جوارها إلي أن وصلت لحائط استندت بكفيها عليه تتحسسه تمشي معه وكأنه دليلها الخبير ... أين هي وماذا تفعل هنا ومن أحضرها ... فتحت فمها ستصرخ تنادي علي خادمتها ... ربما تعلم ... ولكنها صمتت تماما حين التقطتت اذنيها صوت باب يُفتح تحركت رأسها تلقائيا ناحية الصوت .... تسمع صوت خطوات مختلفة ... خطوات لا تعرفها ....الصوت يقترب منها ... رائحة عطر طفيفة دخلت أنفها .. ازدردت لعابها تسارعت أنفاسها وهي تشعر بصاحب ذلك العطر يقترب .... علي بعد خطوتين منها ... وقف ... علت أنفاسها ... تشعر بأنفاس أخري تشاركها الغرفة ... تركت الحائط تمد يديها أمامها تحركهم بعشوائية خائفة ارتطمت يديها بوجه ... أحدهم يقف أمامها هي لا تتوهم لامست أناملها ملامح ذلك الوجه علها تتعرف علي صاحبه ... ولكن بلا فائدة ... ما تأكدت منه في تلك اللحظة انها تقف أمام رجل من أشواك لحيته التي لامست أطراف أصابعها أبعدت يديها سريعا تضم كفيها تحتضنهم همست بصوت مرتعش :
- مين ... أنت مين
انتظرت الإجابة ليطول الصمت يلف المكان حتي ظنته أبكم ...إلا أن صوته خرج اخيرا سمعت نبرة صوت لم تعرفها أذنيها قبلا ... نبرة يعلوها الاعتذار :
- أنا آسف جدا ... بس انا للأسف خاطفك
توسعت عينيها هلعا وذكريات الليلة الماضية تتدفق إلي رأسها دفعة واحدة بعنف شديد تذكرت كل شئ لترتجف ساقيها ... تعد للخلف تحاول أن تبتعد عن ذلك الخاطف الدنئ لأبعد قدر ممكن ارتعش صوتها تسأله فزعة :
- ليه ، أنا عملتلك إيه ، أنا ما اذيتكش في حاجة ، ارجوك رجعني بيتي ، وأنا هديك اللي أنت عايزه أنا عندي فلوس كتير ، خدهم كلهم بس سيبني في حالي
تسارعت دقات قلبها تستمع إلي خطاه تقترب منها ل
لتغمض عينيها خوفا تعتصر كفيها تفكر في أبشع ما قد يفعله بها ... ولكن ذلك توقف حين انفتح باب الغرفة فجاءة !!!
_________________
وقفت سيارتها من جديد في حديقة منزلها ... تبتسم شاردة ذلك الطارق رائع بكل ما تعنيه الكلمة من معني يكفي روحه المرحة ، طريقته اللبقة ، والأهم من ذلك وذاك وسامته ! ، قضت معه ساعتين في أحد المطاعم العادية التي يأتي إليها طبقات الناس العادية ، لا تعرف كيف يأتي إبن أكبر تاجر سيارات صاحب توكيلات لشركات عالمية لمطعم عادي في أحدي المناطق البسيطة ولكنها استمتعت ، الطعام لم يكن سيئا كما توقعت ... كانت سهرة لطيفة ستكتي عنها في مذكراتها فيما بعد ، خرجت من سيارتها لتري أبيها يقف في صالة المنزل يمسك هاتفه يتحدث فيه يبدو غاضبا حقا سمعته يصيح في المتصل يقول :
- أيوة تذكرة لليونان ... كل الورق جاهز ... بسرعة قبل ما الخبر ينتشر
عن اي خبر يتحدث أبيها قطبت جبينها متسألة اقتربت منه تبتسم لتتوتر قسمات وجهه ما أن رآها يغلق الخط سريعا في حين سألته هي قلقة :
- مالك يا Dad في اي ، أنت مسافر اليونان ولا إيه
بالكاد رسم ابتسامة مرتبكة علي شفتيه احتضنها بين ذراعيه بقوة ، وكأنه يعانقها العناق الأخير يودعها قبل أن يرحل ... ابتعد عنها بعد عدة لحظات يكوب وجهها بين كفيه لثم جبينها بقبلة طويلة تنهد يهمس لها :
- آه يا حبيبتي صفقة سريعة وهرجع علي طول ، تخلي بالك من نفسك وأنا مش موجود ماشي يا وتر !
نعم نعم وصايا أبيها التي لا تنتهي في كل مرة يسافر فيها إلي احدي الصفقات ابتسمت تطمأنه تحرك رأسها بالإيجاب تعانقه هي ليشدد علي عناقها ، ابتعدت عنه تثبل خده تغمغم ناعسة :
- حاضر يا بابي ما تقلقش ، أنا هطلع أنام هلكت في المحاضرات النهاردة
قبلت خده من جديد لتخطو إلي السلم سمعت صوت أبيها ينادي باسمها فالتفتت له مبتسمة :
- ايوة يا بابي
حرك رأسه بالنفي ارتعشت ابتسامة شفتيه يضحك متوترا :
- لا أبدا أنا كنت هقولك اني هبعتلك العربية أول ما أوصل
صرخت سعيدة لتهرول ناحيته تعانقه بقوة تقفز من سعادتها في حين يضحك هو علي ما تفعل ... بعد وقت طويل من الصراخ أخيرا صعدت إلي غرفتها ارتمت علي فراشها كما تفعل كل يوم
_______________
واتي الصباح ودُقت الدفوف والطبول وعلا صوت المزامير ما أن خرج من باب القسم ليضحك علي ما فعل حسن المجنون لم يتبقي سوي أن يحضر له راقصة تتمايل هنا فرحا بخروجه !
أما صباحها هي كان حقا مختلف كانت لا تزال تغط في نوم عميق حين شعرت بيد تحركها بعنف تأوهت متألمة فتحت عينيها قليلا خادمتها تقف أمامها تصيح فيها :
- قومي يا وتر هانم في مصيبة ، البوليس تحت ووالدك حضرتك مش موجود في اي حتة اختفي !!
رواية جبران العشق الفصل الثاني 2 - بقلم دينا جمال
دقّت الدفوف والطبول وعلا صوت المزامير ما أن خرج من باب القسم ليضحك علي ما فعل حسن المجنون. لم يتبقّ سوي أن يحضر له راقصة تتمايل هنا فرحًا بخروجه، ولكن نظرًا لأنهم أمام مركز الشرطة، فوجود راقصة هنا الآن سيدخلهم في قضية جديدة.
التفت جبران برأسه ينظر خلفه، تحديدًا لشرفة غرفة الضابط ذي الأعين الخضراء. رأي نظراته الحادة الغاضبة الذي يوجهها صوبه، لترتسم علي شفتيه ابتسامة كبيرة ساخرة. رفع يده يؤدي التحية للضابط في تهكم، قبل أن يلتفت لحسن الذي حادثه سريعا فرحًا:
- يلا يا سيد المعلمين، الليلة الكبيرة في الحارة وسط أهلك وناسك، الكل مستنيك.
ألقي نظره الأخيرة للضابط قبل أن يخطو بين إلي سيارة التاكسي التي تنتظره. حاسب حسن الفرقة الشعبية ليجلس جوار جبران علي سطح الأريكة الخلفية.
انطلقت السيارة بهم، ليخرج حسن علبة التبغ الخاصة به يمد يده لجبران بسيجارة غريبة الشكل، يغمغم مبتسمًا:
- صباح الفل يا سيد الناس.
التقط جبران السيجارة من يد حسن، يربت علي كتفه مبتسمًا. ليسرع الأخير يشعل له السيجارة بقداحته. امتص جبران الحياة بعنف من تلك السيجارة في فمه، ينفث دخانها يملئ السيارة به. التفت برأسه ناحية حسن، التوي جانب فمه بابتسامة خبيثة يردف ضاحكًا:
- طب كنت بترازي في البت أمل في غيابي؟
نفث حسن هو الآخر دخان سيجارته، امتعضت ملامحه يغمغم حانقًا:
- دي بت فقرية، كل اللي علي لسانها أنا عايزة أعمل المعادلة، عايزة أدخل كلية، عايزة مش عارف إيه كدة... أنا سايبها تجيب آخرها بس برضاها غصب عن عين اللي جابوها هكتب عليها.
تعالت ضحكات جبران، يصدم حسن علي رأسه بخفة يسخر منه ضاحكًا:
- يا حمار أنا قولتلك ألف مرة الستات بتيجي بالحنية مش بالغشومية دي. ثبتها بكلامك مش بالمطوة عشان عارفك غبي، وهي هتقولك شبيك لبيك.
انفجر حسن في الضحك، مد يده في جيب سرواله يخرج مادية سوداء يدها من الخشب، نقش عليها اسم جبران. مد يده بها لجبران يغمغم ضاحكًا:
- بمناسبة المطاوي بقي، مطوتك يا معلم.
التقط جبران المادية من حسن، يحركها أمام عينيه يعطيها ابتسامة صغيرة قبل أن يدسها في جيب سرواله. حين رفع وجهه رأي السائق ينظر له من خلال مرآه السيارة الأمامية، يبدو مذعورًا منه، ليضحك ساخرًا.
مر بعض الوقت قبل أن تقف سيارة التاكسي أمام مدخل الحارة. نزل حسن سريعا يلتف حول السيارة يفتح الباب له لينزل من السيارة. ما أن خطت قدميه خارجًا تعالت أصوات الدفوف من جديد، ها هي السيدات تزغرد عاليا ويندفع جموع الرجال يعانقنه يباركون رجوعه سالما.
لكز حسن الواقف جواره في مرقفه يردف ضاحكًا:
- أومال فين ياض الرقصات؟ هي الليلة مالها ناشفة ليه كدة؟
ضحك حسن يردف سريعا:
- ودي تفوتني بردوا يا معلم! أنا مخلي الشخلعة كلها لليل وآخره، اطلع أنت ريح ساعتين أكيد محتاج تريح جتتك من نومة البرش.
طقطق جبران عظام ظهره ورقبته. حسن محق، عظامه ميبسة من تلك النوم السيئة القاسية علي جسده. أومأ بالإيجاب، يربت علي كتف يبتسم يغمغم:
- والله طلعت يتفهم ياض يا حسن، أنا فعلا جسمي مضحضح من نومة البرش، حاسس أن البراغات هرت جسمي، هطلع آخد حمام وأريحلي كام ساعة وأبقي أنزلكوا.
***
إنها الظهيرة وربما بعدها بقليل، ليست عادتها أن تستيقظ في ذلك الوقت، ولكن صوت الخادمة الذي يلح عليها جعلها تفتح عينيها نصف فتحة صغيرة تنظر لوجه الخادمة لما تبدو مذعورة. كانت تصيح بالكثير ولم يصل لعقلها سوي جملة واحدة:
- قومي يا وتر هانم في مصيبة، البوليس تحت ووالدك حضرتك مش موجود في أي حتة اختفي!
لحظتين فقط وشخصت عينيها ذعرًا، هبت واقفة من فراشها تصرخ مفزوعة:
- أنتي اتجننتي يا سيدة، إيه اللي أنتي بتقوليه دا؟
ملامح وجه الواقفة أمامها لم تكن تمزح بتاتا. مدت سيدة يدها بورقة بيضاء مطوية تتمتم سريعا:
- سفيان بيه سافر الفجر، وسابلك معايا الورقة دي قبل ما يمشي.
نزعت الورقة من يد الخادمة سريعا، تخلل أصابعها في خصلات شعرها تبعده عن وجهها، فتحت الورقة تقرأ ما خط والدها:
«وتر أنا عارف أنك مصدومة، أنا آسف يا بنتي أنا اضطريت آخد قرض بمبلغ كبير من البنك لأني محتاجة في صفقة كبيرة برة مصر، صفقة مش هينفع تمشي بشكل قانوني. هفهمك كل حاجة بعدين، دلوقتي المهم، روحي عند مامتك يا وتر العنوان مع سيدة خديه منها وروحيلها. أنا آسف يا بنتي أنا اضطرين آخد حتي المجوهرات اللي كنت جايبهالك بس صدقيني لما أرجع الوضع هيبقي مختلف تماما. خلي بالك من نفسك يا بنتي وسامحيني.»
تهاوت جالسة علي فراشها، تمسك الورقة في يدها، عينيها شاخصة في ذعر. والدها اقترض مبلغ ضخم من أحد البنك وفر من البلد تاركًا إياها وحيدة. صفقة غير قانونية؟ فيما يتاجر والدها لتصبح صفقته غير قانونية؟ والدها آخذ كل شيء حتى الحلي الخاص بها. الآن هي لا تملك حتى قوت يومها. لا لديها القصر يمكنها بيعه ستجني الكثير من المال، قصر والدها فخم ضخم في أرقي الأماكن في البلد سيُباع بملايين.
خبأت الورقة سريعا بين طيات ثيابها، لتهبط لأسفل. وجدت مجموعة كبيرة من العساكر ورجال يمسكون أوراق يقيمون التحف وأثاث بيتها. قطبت جبينها غاضبة تصيح فيهم:
- انتوا مين وبتعملوا إيه في بيتي؟ امشوا اطلعوا برة!
اقترب منها رجل من حلته الرسمية، عرفت أنه ضابط شرطة، وقف بالقرب منها يردف في حدة:
- لاء مش هيطلعوا يا آنسة وتر، سفيان الدالي والدك خد قرض بملايين من البنك وهرب من البلد ودلوقتي البنك بقي من حقه يحجز علي كل أملاكه. يعني حضرتك اللي هتخرجي، ياريت تلمي متعلقاتك الشخصية وتتفضلي بهدوء.
ارتجف جسدها، يرتد قلبها داخل صدرها بعنف. هي من ستغادر؟ ستترك حياة الترف إلى المجهول؟ إلى أين ستذهب؟ أين سترك بيتها الذي تربت بين جدرانه عمرها كله؟ ملئت الدموع حدقتيها، تجمد جسدها ينخر الألم قلبها. لما لم يأخذها أبيها حتى معه؟ لما تركها تواجه مستقبلًا لا تعرف عنه شيئًا بمفردها دون أي شيء.
ارتمت جالسة على إحدى درجات السلم تشق الدموع وجنتيها، تنظر للمكان متحسرة، خائفة، مقهورة. زفر الرجل الواقف أنفاسه في ضيق، ينظر لتلك الفتاة التي تبكي وكأنهم سرقوا حلواها. اقترب منها يخرج محرمة ورقية من جيبه يمد يده لها به. تنهد يغمغم شيئًا من اللين:
- أهدي يا آنسة وتر، للأسف أنا ما فيش في إيدي حاجة أعملها. أنا كل اللي في إيدي دلوقتي إني أأجل التحقيق معاكي شوية لحد ما حالتك النفسية تهدى.
تحقيق! لما سيتم التحقيق معها؟ ليست هي من فعلت كل تلك الجرائم، بل والدها. رفعت وجهها للضابط تسأله بصوت مبحوح باكٍ:
- تحقيق ليه؟ أنا ما عملتش حاجة عشان تحقق معايا.
حرك رأسه بالإيجاب كأنه يخبرها "أنا أعلم". تنهد يرفع كتفيه لأعلى قليلًا:
- دا إجراء رسمي لازم يتعمل. المهم دلوقتي وأنا آسف أنتي لازم تسيبي البيت. تقدري تاخدي كل متعلقاتك معاكي.
أغمضت عينيها ألمًا، تحرك رأسها بالإيجاب. ركضت إلى غرفتها، دفعت بابها بعنف لترتمي على فراشها تجهش في البكاء. حياتها، أحلامها، مستقبل كل ذلك انهار بما فعله والدها. اختنقت أنفاسها من البكاء وعلقها يكاد يجن من التفكير. صرخت بصوت مكتوم ذبيح. تقدمت الخادمة منها سريعا، جلست جوارها على الفراش تمسح على رأسها بخفة تهمس لها مترفقة:
- أهدي يا بنتي ما تعمليش كدة في نفسك. هنعمل إيه بس دا قضاء ربنا.
لم ترفع وجهها بل اختنقت أنفاسها داخل وسادتها تصرخ مقهورة:
- ليه بابا يعمل كدة؟ ليه يسيبني في موقف زي دا لوحدي؟ أنا مش عارفة هعمل إيه ولا هروح فين.
أمسكت سيدة بيدي وتر تنتزعها من فوق فراشها ببطء، تضمها لأحضانها بتروٍ، تمسح على رأسها بخفة لتنهار الأخيرة من البكاء بين أحضانها:
- هتروحي عند مامتك، أنا عارفة عنوانها وهوصلك لحد هناك بنفسي، أنا وهي عايشين في نفس الحتة.
شهقة عالية خرجت من بين أحضان وتر لترتد من بين أحضان السيدة بعنف. وقفت أمامها تصرخ فيها عينيها حمراء من الغضب والألم، دموعها لا تتوقف عن الهبوط:
- يعني كل السنين دي عارفة هي فين ومش عايزة تقوليلي دا؟ أنا اتحايلت عليكي بدل المرة ألف وكنتي دايما بتقوليلي ما تعرفيش، إزاي دلوقتي بتقولي عايشين في نفس المكان!
وقفت سيدة أمامها ترميها بنظرات حزينة مشفقة، لمعت دموع الحزن والندم في عينيها تهمس لها بنبرة مرتجفة:
- سفيان باشا هددني إني لو قولتلك أنه هيقتلني!
ابتسمت وتر في سخرية. والدها يقتل! والدها لا يمكنه إيذاء قطيطة صغيرة، تلك السيدة أغرتها النقود وأعمتها الأموال فسكتت بملء إرادتها. تحركت ناحية دولاب ثيابها تخرج حقيبتها منها، نظرت لسيدة تردف ساخرة:
- انتي كدابة بابا عمره ما أذى حد، شوفي كدبة غيرها أحسن. دلوقتي تقوليلي عنوان ماما ومش عايزة أشوف وشك تاني!
انقبضت قسمات وجه سيدة حزنًا، تحرك رأسها بالنفي سريعا، فتحت فمها تترجاها أن تصدقها، حين صرخت وتر فيها كارهة:
- سمعتي أنا قولتلك إيه؟ كل اللي أنا عايزاه منك عنوان ماما ومش عايزة أشوف وشك تاني أبدا.
اخفضت الأخيرة رأسها بخزي تقسم أن ما قالته حقيقة. سفيان أشهر مسدسه في وجهها يقسم أنها لو فتحت فمها بمكان والدة وتر دون إذن منه سيفجر رأسها. والدها ليس بتلك الطيبة التي تظنها وتر أبدًا. ابتلعت لعابها تغمغم حزينة:
- حاضر يا وتر هانم.
التقطت ورقة صغيرة تخط عليها عنوان والدتها بالتفصيل. تحركت ناحية باب الغرفة تودعها للمرة الأخيرة:
- مع السلامة يا وتر هانم ربنا يحفظك ويبعد عن كل شر يا بنتي.
وخرجت دون كلمة أخرى من الغرفة ومن المنزل بأكمله.
ضمت ثيابها والدموع تغرق وجهها، تشعر بأنها تعيش في خدعة كبيرة، الجميع يكذب، الجميع يخدعها. لم يعد لها سوى والدتها وتتمنى ألا تكون مثلهم.
ضبت كل ما تملك في عدة حقائب.
حملت إحداها تخطو خطاها عبر سلم المنزل لأسفل.
عيناها تطبع كل جزء في المكان، داخل عقلها دموعها عاجزة عن التوقف.
شعرت بخطوات تقترب منها، نظرت أمامها لتجد ذلك الضابط يقترب منها يحمل عنها الحقيبة وينزل بها لأسفل.
يسألها:
- في شنط تاني فوق؟
رفعت يديها تمسح دموعها، تحرك رأسها بالإيجاب.
ليشير الضابط لاثنين من العساكر يخبرهم آمراً:
- أنت يا ابني إنت وهو اطلعوا هاتوا باقي الشنط.
صعد الاثنان دون كلمة لأعلي.
وقفت هي تقبض علي الورقة التي بها عنوان والدتها ملاذها الوحيد الآن.
اجفلت علي ورقة بيضاء صغيرة أمامها، رفعت وجهها لتجد الضابط يمد يده لها بكارت صغير.
يردف مبتسماً:
- دا الكارت بتاعي لو احتاجتي أي حاجة أنا في الخدمة.
أتمنى الموقف دا ما يخلكيش تاخدي فكرة سيئة عني، دي أوامر ولازم تتنفذ.
رسمت ما يشبه ابتسامة علي شفتيها، تحرك رأسها بالإيجاب دون كلام.
التقطت منه الكارت، تحركت للخارج ليسير جوارها.
أوقف لها سيارة أجرة، يضع العساكر حقائبها في صندوق السيارة.
اعترض طريقها قبل أن تدلف لداخل السيارة، يبتسم قائلاً:
- ممكن رقم موبايلك عشان ابقي ابلغك بميعاد التحقيق.
أخرج هاتفه من جيب سرواله، يمد يده لها به لتلتقطه منه.
تخط رقمها علي سطح الشاشة، عينيها خاوية من كل مظاهر الحياة.
دلتفت للسيارة تخبر السائق بعنوان المكان المراد، لتنطلق بها السيارة بعيداً.
***
يجلس في الخارج علي أريكة كبيرة يستند بمرفقيه إلي فخذيه، يحرك ساقه اليسري بحدة.
يزفر أنفاسه بحدة مختنقا، ما كان يجب أن يفعل ذلك.
لاء بل يجب عليها أن تبقي هنا إلي أن ينتهي كل شئ ويأخذ بحقه من عائلتها التي سببت له ألم.
ينخر قلبه دون رحمة.
ولكن ما ذنب الفتاة صغيرة ضعيفة فقدت بصرها قبل أعوام وأعوام ليأتي هو يختطفها.
تذكر آخر ما حدث بينهم.
Flash back
ينظر لها حزيناً مشفقاً، يري مقلتي عينيها صاحبة لون العسل تهتز بعنف داخل حدقتيها.
ملامح وجهها خائفة منقبضة مذعورة، بالطبع يجب أن تكون وهي تقف أمام خاطفها الذي يعتذر لها عما فعل.
فهو بالطبع شخص مجنون مختل عقلياً.
تقدم ناحيتها ليشعر بارتجافة جسدها تزداد، تشعر بخطواته تسمعها حتي وإن لم تكن تراها.
قاطع ذلك الموقف صوت الباب وهو يفتح.
لتوجه رأسها سريعا ناحية الصوت، رأت كيف أشرقت ملامحها ببصيص أمل.
تهتف بتلهف:
- نجلاء أنتي دي؟ صح.
قطب ما بين حاجبيه يتسأل في نفسه مدهوشاً، كيف عرفت من تكون دون أن تتحدث حتي.
أيعقل أنها تري وتخدع الجميع؟
تقدمت السيدة ناحيتها بخطي سريعة، ما أن صارت جوارها ارتمت الفتاة بين أحضانها.
في حين مسحت نجلاء بكفها الأسمر علي رأسها برفق تحادثها بحنو:
- اهدي يا رسل ما تخافيش يا حبيبتي إحنا بخير وهنمشي من هنا.
رسل، اسم غريب لم يسمعه يعرف اسمها قبلاً، ولكن وقع اسمها في كل مرة يسمعه له إحساس خاص لا يفهمه.
سمع صوتها المتحشرج الخائف بين أحضان خادمتها تسألها مذعورة:
- مين دا يا نجلاء وعايز مننا أيه دا بيقول أنه خاطفني؟ يعني خاطفك أنتِ كمان؟
لم تجد تلك السيدة ما تقوله، لم تعرف حتي بما تخبرها.
جل ما تعرفه أنها استيقظت فجأة لتجد نفسها هنا في البيت الغريب في فيافي الصحراء.
وأمامها ذلك الشاب يعتذر لها عن اختطافه، يخبرها أنه اختطفها لترعي رسل كما كانت تفعل قبلاً.
بادر هو يعرفهم بنفسهم بنبرة هادئة:
- أنا اسمي عز منير الجيار. آه بقولك اسمي ثلاثي ومش خايف.
أنا عارف أنك مالكيش دعوة بحاجة بس للأسف أنا ليا تار كبير مع عيلتك، هما السبب في موت أبويا وأمي.
أنا ليا حق عند عيلتك وأنا مستعد اعمل أي حاجة عشان اخده.
والعجيب والذي أثار استغرابه أنه رآها تخرج من بين أحضان خادمتها تنظر ناحيته تبتسم ساخرة.
تساقطت الدموع من عينيها، نبرة القهر والعذاب التي سمعها في صوتها الساخر كانت لا توصف.
- وأنت فاكر أنك لما تخطفني أنك كدة بتاخد حقك منهم تبقي واهم؟ أنا اصلا ما افرقش معاهم.
ما يفرقش معاهم العامية بالعكس دول عايزين يخلصوا منها.
نغز قوي ضرب قلبه من ملامح الألم والعذاب التي ارتسمت علي وجهها.
نبرة القهر التي احتلت صوتها، رأي كيف جذبتها تلك السيدة لأحضانها من جديد تمسح علي رأسها تهدئها.
كور قبضته يشد عليها، حمحم بخشونة يحاول أن يخرج صوته بارد لا مبالي.
- أنا عارف كل حاجة عنك يا رسل مجدي التهامي من أول تاريخ ميلادك لحد الحادثة اللي حصلتلك واللي حصلك كله بعد كدة.
بس صدقيني كويس أوي اخليكي كارت إرهاب اضغط عليهم بيك.
خرجت من بين أحضان نجلاء تنظر له متقززة لتحادثه باشمئزاز:
- وأنت كدة راجل يعني؟ لما تستقوي علي واحدة ضعيفة؟ لو فعلا ليك حق زي ما بتقول تاخده منهم مش تستخدمني كارت إرهاب.
استشاطت قسمات وجهه غضباً، لم يكن أن الفتاة لسانها سليط ولما تفاجئ.
أليست إبنة الشيطان مجدي والحية شيرين عليها أن تكون مثلهم ذات دماء ملوثة شيطانية سامة لا يمكن أن تكون بتلك البراءة التي تظهر علي قسمات وجهها.
اندفع لخارج الغرفة يصفع الباب خلفه كي لا يؤذيها في موجة غضبه.
Back
عاد من شروده يزفر أنفاسه حانقا حائراً في الآن ذاته.
نظر خلفه حين سمع صوت الباب يفتح ليراها تقف ها هي هناك تمسك بيدها تلك السيدة تتحرك بها ناحيته.
ركز عينيه يري شفتيها تتحرك بهمس خافت كأنها تعد شيئاً ما.
التفت بها إلي اليمين وبضع خطوات أخري اوصلتها للمقعد تحسسته بيديها قبل أن تجلس في هدوء.
ابتسمت توجه لنجلاء:
- 18 خطوة وبعدين يمين وبعدين خمس خطوات حفظتهم.
اختفت ابتسامتها تتحرك ناحيته بعينيها تنظر له مباشرة ليبلع لعابه يضيق عينيه ينظر لها في شك.
تلك الفتاة تخدعهم حين تنظر لك تشعر حقا وكأنها تراك.
قدرتها المذهلة علي تحديد مكان وهوية الواقف دون أن تسمع صوته تخيفه.
ركز انظاره عليها حين ابتسمت تقول في هدوء:
- تعالا نعمل ديل. أنت ترجعني لحياتي تاني وأنا اقسملك إني مش هجيب سيرتك خالص لا أنا ولا نجلاء.
ونهدي فلوس أنا معايا مبلغ كبير في البنك هديهولك كله قولت ايه.
ابتسم في سخرية للحظات قبل أن ينفجر في الضحك.
في حين قطبت هي جبينها متعجبة علي ما يضحك ماذا قالت لينفجر في الضحك بذلك الشكل.
كادت أن تصرخ فيه.
توقفت الكلمات في فمها حين سمعت خطواته تقترب منها.
عادت بجسدها في المقعد إلي أن ارتطم ظهرها بظهر المقعد.
اقترب هو إلي أن صار أمامها مباشرة يقبض علي ذراعي مقعدها.
انحني بجذعه العلوي ناحيتها يري الخوف الصارخ في حدقتيها.
ابتسم ثغره يتفرس النظر لقسمات وجهها يردف ساخراً:
- فلوسك كلها ما تجيش نقطة في بحر اللي عندي.
أنا مش عايز فلوس يا رسل هانم أنا عايز حقي دم بدم.
شخصت عينيها ذعراً دم من؟ هل يفكر في قتلها.
ارتجفت بعنف تشعر بأنفاسه تقترب منها لحد خطير.
ارتجفت نبرة صوتها تهمس له مذعورة:
- ارجوك أبعد ااانا متجوزة!!!
***
وقف التاكسي بعد ساعتان ويزيد.
ساعتان قضتها غارقة بين طوفان بشع من الأفكار أغرق كل جزء من كيانها.
القادم ليس سهلا بل هو الصعب بعينيه.
فتحت نافذة السيارة المجاورة لها تنظر خارجاً لتشخص عينيها في ذهول.
ذلك هو المكان التي تسكن والدتها فيه!!!!!
ابْتَلَعَتْ لُعَابَهَا خَائِفَةً.
مدت يدها في حقيبتها تعطي للسائق نقوده تطلب منه إن يساعدها في إخراج الحقائب من صندوق السيارة ففعل الأخير إكراماً لجمالها!
وقفت جوار حقائبها تنظر للمكان حولها بدهشة.
هذا المكان موجود بالفعل علي أرض الواقع ليس فقط في المسلسلات التي تراها علي التلفاز.
بلعت لعابها مرتبكة كيف ستتصرف هنا وماذا ستفعل وأين ستجد والداها؟
انتشلها من دوامة افكارها العاصفة تلك السيدة التي اصدمت بها بعنف وهي تتحرك حتي كادت تسقطها ارضا.
أغمضت عينيها بألم ترنحت بقوة كادت حقا أن تسقط لتشعر بشئ غريب يحدث هي لم تسقط هناك أحد ما يحاوط خصرها يمنعها من ذلك.
التفتت خلفها سريعا لتجد رجل طويل القامة بشكل كبير يلتقط جسدها الصغير بين ذراعيه.
توسعت عينيها في صدمة عاجزة عن الإتيان بأي رد فعل لتري ابتسامة كبيرة ترتسم فوق شفتيه يغمغم:
- اسم الله عليكِ. ما يقع إلا عدوينك.
انتفضت سريعا تدفعه في صدره بعنف تبعده عنها تهتف بتوتر:
- أنت مين يا أستاذ انت وازاي تمسكني بالطريقة دي؟
رأت ابتسامته تزداد اتساعا خبط علي صدره متفاخرا يهتف بنبرة فخر عابثة:
- علي الهادي بس يا زبادي. اعرفك بنفسي المعلم جبران السواح كبير المنطقة دي.
توسعت عينيها في دهشة.
كبير ذلك الحي ألم تخبرها المسلسلات أنه سيكون رجل ضخم ممتلئ يرتدي جلباب فلاحي ويضع عمامة كرشه يسبقه بامتار.
ولكنها وجدت العكس تماما رجل يبدو في منتصف الثلاثينات جسده رياضي متناسق هل هو مدرب لياقة بدنية؟
طويل القامة يملك غمارتين في وجهه ابتسامته وحدها ذكرتها بنجوم هيوليود.
أسنانه بيضاء مصفوفة بانتظام عينيها سوداء عميقة بشكل مخيف خبيث.
قاطع تأملها به صوته وهو يهتف بفخر مكملا حديثه:
- وأكبر تاجر حشيش في الحتة دي والحتت المجاورة.
الحلوة بقي مين؟
تدلي فكها توسعت عينيها فزعا انتفضت بعيدا تنظر له مذعورة.
ارتجف جسدها خوفا امسكت بهاتفها يهتز بعنف في كف يدها تصيح فيه مذعورة:
- يا نهار أبيض إنت بتقول ايه؟ أنا هبلغ عنك هوديك في ستين داهية أنا معايا رقم ظابط هكلمه حالا.
ما إن أنهت كلامها انفجر جبران في الضحك ظل يضحك حتي أدمعت عينيه ينظر لها بنظرات ساخرة متسلية.
اقترب منها خطوتين دس يديه في جيبي سرواله يرفع حاجبيه مدهوشا يغمغم في براءة ذئب:
- أنا تاجر حشيش المواشي يا آنسة يعني علف المواشي. البرسيم عرفاه؟
تنفست الصعداء تتنهد بعنف الرجل برئ وهي التي اخذها عقلها بعيدا.
عادت تنظر له من جديد حين عاود يسألها:
- ما قولتليش بردوا عايزة مين ولا بتدوري علي مين وأنا أساعدك أنا اعرف كل واحد وواحدة في الحتة دي.
شخص متطفل فضولي لم تحب طريقة كلامه ولا نظرات عينيه الخبيثة.
حمحمت بحدة تردف:
- الست فتحية بتاعت الفجل والجرير.
علا جانب ثغره بابتسامة خبيثة إذا الفتاة هنا من أجل فتحية تري ما علاقتها بها؟
طرقع بأصابعه ليحضر أحد صبيانه يغمغم سريعا:
- اوامر يا سيد المعلمين.
التف جبران برأسه ناحية وتر من جديد يبتسم في خبث يحادث صبيه:
- تاخد شنط الأستاذة توصلها لحد بيت فتحية بتاعت الجرير وترجعلي.
تقدم الفتي سريعا يحاول أن يحمل حقائبها أجمع يحادثها متلهفا:
- اتفضلي. اتفضلي يا استاذة نورتي.
سارت خلفه تنظر حولها هنا وهناك المكان فعلا كما قال والدها.
تراه فقط علي شاشة تلفازها الكبير كيف ستتحمل العيش فيه؟
مستحيل أن تفعل.
جميع النظرات مصوبة إليها بشكل يثير رجفتها خوفا.
التفتت خلفها لتري ذلك الرجل الغريب يتفرسها بنظراته الجريئة دون حياء!
أسرعت الخطى خلف الشاب إلي أن وصل بها إلي عمارة قديمة سلمها يلتف صعجت خلفه إلي الطابق الثاني وضع حقائبها أرضا يدق باب الشقة لتدق دقات قلبها تهدر بعنف ستري والدتها الآن لأول مرة في حياتها.
فتح الباب سريعا لتطل فتحية من خلفه تنظر لابنتها جسدها ينتفض بعنف كانت تعرف أنها ستأتي سيدة اخبرتها أنها ستأتي.
لا تصدق أنها بعد سنوات عجاف من رؤية صورها الصماء ها هي ابنتها أمام عينيها.
أغرقت الدموع وجهها، قلبها يتنفض بين أضلعها.
ابنتها هنا أخيراً بعد لوعة وعذاب، عادت لأحضانها.
اختطفتها من عند باب الشقة، تخبئها داخل أحضانها.
نظر للشاب لما يحدث في عجب، قبل أن ينسحب من مشهد لا يفهم فيه شيئاً.
جذبت فتحية ابنتها لداخل الشقة، تغرزها بين أحضانها.
تسكب عينيها الدمع أنهاراً، تتأوه بعنف من ألم قلبها.
أبعدتها عنها قليلاً، تنظر لقسمات وجهها شبراً بشبر.
تطبع صورتها في كل جزء من كيانها، لتعاود احتضانها من جديد.
تتشقق باكية:
- الحمد لله يارب... الحمد لله... ردتها لحضني تاني.
- آه يا بنتي، كنت هموت وأخدك في حضني من وأنتي عيلة صغيرة.
- منه لله أبوكي هو السبب... هو اللي خدك مني غصب عني.
والدتها هي الآن بين أحضان والدتها، لا تصدق أن هناك دفئ يعادل ويزيد عن دفئ أموال والدها.
وهو دفئ حضن والدتها، والدتها التي لم ترها يوماً.
تبكي بعنف بين أحضانها، تشعر بقلبها على وشك أن ينفجر من سعادته.
جسدها يرتجف فرحاً، رغم كل ما حدث.
عناق طويل دام لساعات، ربما حين قررت أن تبتعد عن أحضان والدتها.
تنظر لها، تتعرف على ملامح وجهها.
تشبها هي، تشبه والدتها كثيراً.
ربما تشبه والدها طباعاً، ولكنها قريبة الشبه لوالدتها.
عينيها السوداء، شعرها الأسود، بشرتها القمحية، قسمات وجهها اللطيفة الجميلة.
أجفلت على صوت والدتها تحادثها بلهفة من بين دموعها:
- أنا ما سبتكيش يا وتر... أنا عمري ما سيبتك يا بنتي.
- أبوكي هو اللي شيطان فاق في شره شياطين الجن والإنس.
- هددني بأبشع تهديدات ممكن تتخيليها، ما أقدرش حتى أقولك عنها عشان أسيبك ليه!
ارتمي بجسده إلى مقعد خشبي على المقهي الشعبي في حيهم.
يصيح في الصبي أن يحضر له الأرجيلة.
عينيه مثبتة على مدخل العمارة التي تسكن فيها فتحية.
يفكر في تلك الفتاة.
يأخذ أنفاس قوية من تلك الأرجيلة، يزفرها بعنف.
شعر بجلوس أحدهم بجواره، قبل أن يلتفت عرف أنه حسن من صوته الذي سأله متعجباً:
- إيه يا معلم، أنت لحقت ريحت؟ دا أنا قولت هطلع أصحيك بالعافية على عشرة كدة.
ضحك جبران ساخراً دون أن يرد.
مد يده يطرق بأصابعه، يعلو بصوته:
- بت يا أمل هاتي أربعة كبدة وزودي الطرشي.
نظر حسن سريعاً ليراها هناك، ها هي أمل العنيدة تقف عند عربة صغيرة تقطع البصل بسكين حاد كبير.
تنفّس بعنف، أمل الجميلة ذات الرأس الصلب.
هامت عيناه بها رغماً عنه، في كل مرة يراها فيها تهيم عيناه بها.
عينيها فيروزية غريبة الشكل، لا يفهم ما لونهما حقاً، ولكنها حقاً مميزة.
تمتلك غمازة رائعة في وجنتها اليسرى.
بشرتها كانت بيضاء قبل أن تأخذ لونها من أشعة الشمس التي تقف أسفلها النهار بطوله عند عربة الأكل هذه.
شعرها كان يود حقاً أن يعرف لونه، ولكنها تخفيه تحت حجاب رأسها.
رآها تقترب تحمل في يديها أطباق الطعام، وضعتهم على الطاولة الصغيرة الفاصلة بينه وبين جبران.
تنظر لجبران دون أن تعيره انتباهاً، تحادثه مبتسمة:
- بالهنا يا سيد المعلمين.
مد جبران يده في جيب سرواله، يخرج ورقة من فئة الخمسين جنيهاً يعطيهم لها، يغمغم مبتسماً:
- خدي يا بت وخلي الباقي عشانك.
نفت برأسها سريعاً، تنظر أرضاً، تغمغم رافضة:
- ودي تيجي بردوا، آخد منك فلوس يا سيد المعلمين.
هنا صاح حسن معترضاً، يعلو صوته الحاد:
- يا سلام، اشمعنى أنا لو خدت منك واحدة جزر من الطرشي بتدفعيني حقها!
صخبت ضحكات جبران، يلكز حسن بمرفقه في ذراعه، يغمغم ضاحكاً:
- وأنت هتجيب المعلم لصبي المعلم بردوا، روحي يا أمل دلوقتي.
نظر الأخيرة لحسن في ازدراء، قبل أن تحمل نفسها ترحل إلى عربتها.
نظر حسن لها حاقداً مغتاظاً، عازماً على كسر شوكتها والزواج بها.
في حين سلط جبران أنظاره ناحية شقة فتحية الصغيرة، يأخذ نفساً حاراً من الأرجيلة، ينفثه بشرود مغمغماً:
- تفتكر مين الحتة اللي طلعت عند الست فتحية؟
تناول صديقه منه الأرجيلة، يأخذ هو الآخر نفساً عميقاً، ينفثه ببطء:
- علمي علمك يا معلم... ابعت عيل من العيال يجيبلك قرارها.
هز رأسه إيجاباً، يحك ذقنه النامية بأطراف أصابعه.
ليصيح بصوته الجهوري:
- واااد يا سلكة.
هرول شاب طويل القامة نحيف إلى حد ما من جبران، يهتف متلهفاً:
- أيوه يا سيد المعلمين.
امسكه جبران من تلابيبه ليجذبه ناحيته، يهمس في أذنه:
- عايزك تعرفلي كل حاجة عن البت اللي طلعت عند الست فتحية من شوية.
هز الفتى رأسه إيجاباً، ينفخ صدره، يغمغم بثقة:
- من عينيا الجوز يا سيد المعلمين، ساعة زمن واجبلك قرار اللي خلفوها.
تركه جبران ينظر له بامتعاض، يضيق عينيه بشك، ليهز رأسه إيجاباً.
ما كاد ذلك الفتى يتحرك بضع خطوات حتى سمع صوت جبران يصيح بحدة:
- رايح فين يا بهيمة.
أشار الفتى إلى البيت القديم أمامه، يبتسم بثقة:
- طالع أسأل الست فتحية هي مين.
هب واقفا ينظر لذلك الأحمق بغيظ، ليصيح فيه:
- وأنا أكتع يعني مش هعرف أطلع أسألها... غور ياض من خلقتي شوفلك حاجة أعملها... جاتكوا الارف.
فر الفتى سريعاً.
ليعاود النظر إلى تلك الشرفة الصغيرة مرة أخرى، لترتسم ابتسامة خبيثة على شفتيه.
تحرك مغادراً، ليجد صديقه يمسك ذراعه يسأله متعجباً:
- رايح فين يا جبران.
نظر لحسن يرفع حاجبه الأيسر، يبتسم بمكر:
- طالع أسأل على الزبادي.
غمز له صديقه بمكر هاتفا:
- طب خد بالك أحسن تتلسع من الزبادي.
رواية جبران العشق الفصل الثالث 3 - بقلم دينا جمال
بين أحضان والدتها ارتمت كطفلة صغيرة سرقوا حلواها، ففرت راكضة تشكو لوالدتها ما فعله صبية الجيران. تجلس جوار والدتها على أريكة بسيطة، أقدامها عالية، رأسها يستقر بين أحضان والدتها تبكيان الشوق معًا. سكن قلب وتر داخل يعانق قلب والدتها، يتعرف عليه للمرة الأولى بعد غياب طال عمرًا.
بعد دقائق طوال، ابتعدت وتر عن والدتها تنظر لها عن كثب، تتفرس النظر لقسمات وجهها. تحرك لسانها يسألها دون وعي:
"ليه، ليه بعدتي عني وسبتيني السنين دي كلها؟ ليه ما فكرتيش ولا مرة واحدة تيجي تسألي عليا أو تشوفيني؟ أنتي بتكرهيني؟"
انهمرت الدموع من عيني فتحية تغرق وجهها. رفعت كفيها المرتجفين تحوط بهما وجه ابنتها، جسدها بالكامل يرتجف بعنف. حركت رأسها بالنفي بعنف تتمتم بحرقة:
"اوعي تقولي كده يا وتر، ربنا وحده يعلم أنا اتكويت ببعدك واتحرق قلبي بنار فراقك، بس منه لله أبوكي شيطان ما فيش في قلبه رحمة. هو السبب، هو اللي بعدني عنك غصب."
حركت وتر رأسها بالنفي بعنف، والدها ليس كذلك أبدًا. ليس لها أبدًا أدنى حق بأن تتحدث عن والدها بتلك الشكل البشع. والدها الصدر الحاني، الملجأ الأول لها منذ أن كانت طفلة، لم تر منه قسوة قط. كيف يكون كما تقول هي؟
احتدت نظرات عينيها تقاطعها في حدة:
"ما تقوليش على بابا كده، بابا ده أطيب وأحن إنسان في الدنيا. أنا واثقة إن اللي حصل شيء كبير منعه إنه ياخدني معاه. بابا عمره ما سابني، عكسك!"
ارتسمت ابتسامة مريرة كالعلقم على ثغر فتحية، وطيف ما حدث قديمًا يمر أمام عينيها بشكل سريع. نظرت لعيني ابنتها لتري صورة حية من عيني سفيان تتجسد داخل حدقتي ابنتها للحظات. شعرت بالخوف منه كما كانت تشعر بالذعر حين تراه. أنزلت يدها من على وجه ابنتها تتمتم بابتسامة تقطر ألمًا:
"هتصدقيني لو حكيتلك؟ هتصدقيني لو قلت لك إن أبوكي عكس اللي انتي فكراه وإنه مش ملاك زي ما انتي فاكرة؟ بالعكس ده أسوأ من الشيطان، حتى الشيطان يخجل إنه يعمل اللي أبوكي كان ولسه بيعمله."
انقبض قلب وتر غضبًا، احتدت عينيها، تحرك رأسها بالنفي بعنف. نفر عرق صدغها ينبض بقوة لتردف في ضيق:
"أنا عايزة أعرف انتي سبتيني وما سألتيش عني ليه؟ مش عايزة أعرف أي حاجة عن بابا عشان أي حاجة هتحاولي تشوهي بيها صورته عشان تبرري ليه سبتي مش هصدقها."
ابتسمت فتحية في مرارة، تومئ بالإيجاب. ربتت على كتف ابنتها بخفة تتمتم بنبرة حزينة حانية:
"يبقى ملوش لازمة تعرفي الحكاية لأنك كده كده مش هتصدقيها. تعالي، أنا مجهزة لك أوضة من ساعة ما سيدة قالت لي إنك جاية."
نظرت لوالدتها لتري دموع الأخيرة تتساقط بحسرة. هل يعقل أن والدها هو المخطئ، هو الشرير؟ نفت الفكرة من رأسها سريعًا. قامت تجذب حقيبتها الكبيرة، تنقلهم تباعًا هي ووالدتها إلى داخل الغرفة. وضعت الحقيبة الأخيرة لتقف تنظر للغرفة التي من المفترض أنها ستمكث فيها بدءًا من الآن. غرفتها القديمة، تكبرها بنسبة تزيد عن تسعين بالمئة. غرفة صغيرة، فراش متوسط الحجم ودولاب ببابين فقط. أين غرفة ثيابها التي كانت تمتلئ بما تريد من ملابس وحلي؟ شرفة صغيرة لها باب من الخشب المضلع. توجهت إلى الشرفة تدفع بابها بخفة. تهدلت قسمات وجهها، كانت تظنها أوسع قليلًا. غرفة صغيرة في الطول والعرض معًا، تملأها رائحة النعناع المزروع في أصص صغيرة معلقة على جوانب الشرفة.
وجهت عينيها للشارع لتري ذلك الجبران يتوجه إلى عمارتهم! قطبت ما بين حاجبيها تفكر لما هو قادم إليهم! ذلك الشخص، نظراته حادة مخيفة، طريقة حديثه، وقفته، ابتسامته، كل ما يتعلق به يصيح بأنه شخص غير مريح، به شيء خبيث مخيف غامض.
أجفلت على دقات على باب المنزل. ها هو جاء. تقدمت بخفة من باب غرفتها تفتح جزء صغير تنظر منه لما يحدث خارجيًا. رأت والدتها تسرع إلى باب الشقة. فتحت الباب لتبتسم في اتساع ما أن رأته ترحب به بحرارة:
"اتفضل يا معلم جبران، اتفضل بيتك ومطرحك."
أفسحت له المجال ليبتسم. خطى إلى داخل المنزل يحمحم بخشونة ليردف بصوته الأجش:
"يا رب يا ستار."
اقتربت فتحية منه تصطحبه إلى غرفة الجلوس. التقطت منشفة صغيرة ملقاة على إحدى الأرائك تنفض الغبار عن مقعد قريب منه تتمتم مبتسمة في ابتهاج:
"اتفضل اقعد يا معلم... بيتك ومطرحك يا سيد المعلمين."
لاحت ابتسامة ثقة صغيرة على شفتيه. يلتف بعينيه في المكان يبحث عنها، لا أثر لها. هل انشقت الأرض وابتلعتها؟ عاد ينظر لفتحية. ربت بكفه على صدره بخفة يغمغم مبتسمًا:
"تسلمي وتعيشي يا فتحية... أخبارك إيه وأخبار فرشة الخضار؟"
ابتسمت تتمتم مبتهجة من زيارته:
"رضا يا معلم الحمد لله، كله من خيرك."
أومأ برأسه ينثني جانب فمه بما يشبه ابتسامة. رفع يسراه يحرك سبابته على طول ذقنه. أراح ظهره إلى ظهر المقعد بإريحية لا تعرف الخجل. ليرفع ساقه يضعها فوق الأخرى يغمغم مبتسمًا:
"الأ قولي لي يا فتحية هي مين الأستاذة اللي طلعت عندك من شوية دي؟"
توترت قسمات وجه فتحية قلقًا. اضطربت حدقتاها تبتلع لعابها في ارتباك. تلعثمت نبرتها تهمس متلجلجة:
"دي، دي... دي بنتي يا سيد المعلمين."
رفع حاجبه الأيسر في دهشة. اعتدل في جلسته يسألها مستنكرًا ما تقول:
"بنتك إزاي يعني؟ فجأة كده طلع لك بنت وكانت فين طول السنين اللي فاتوا؟"
بلعت لعابها في ارتباك مرة تليها أخرى. لا تملك الخيار للكذب عليه ولا تعرف ما تقول. فتحت فمها تود أن تقول شيئًا. طفح الكيل بتلك التي تراقب ذلك الجلف عديم الأخلاق والحياء. دفعت باب غرفتها لتندفع خارجًا تصيح محتدة:
"وأنت مالك أنت بنتها إزاي؟ هو حضرتك ظابط وإحنا ما نعرفش؟"
لمعت عيناه ما أن رآها. التوى جانب فمه بابتسامة لئيمة تخترزها عيناه من أعلى لأسفل ببطء. ليعود سابق جلسته ظهره لظهر المقعد ساقه فوق الأخرى يقيمها. نظراته حسناء شرقية ذات طابع غربي سليطة اللسان بشكل أعجبه.
هرعت والدتها سريعًا تنظر لها في حدة تزجرها بعينيها أن تصمت. وقفت أمام جبران تغمغم سريعًا في توتر:
"امسحها فيا أنا يا سيد المعلمين، البت غشيمة ما تعرفكش... حقك عليا يا معلم."
توسعت حدقتا وتر في دهشة. والدتها تطلب السماح بشكل مهين. من يكون ذلك الشخص لتخشاه والدتها لذلك الحد؟ في حين اعتدل هو وقف عن المقعد ينظر لتلك التي ترميه بنظرات شرسة حادة. لتتسع ابتسامته تلمع حدقتاه في تحدي. دس يديه في جيبي سرواله الجينز القديم يوجه حديثه لوالدتها:
"كوباية شاي يا فتحية."
الوقح يطلب ضيافته بمنتهى الصفاقة. كادت أن تصرخ فيه حين بادرت والدتها تغمغم سريعًا بتلهف:
"من عينيا يا معلم."
وتركتهم ودخلت بخطى سريعة إلى الداخل، بالطبع إلى المطبخ. اشتعلت أنفاس وتر غضبًا. لو كان والدها هنا لما كان ذلك البربري الواقف أمامها تجرأ على الاقتراب حتى من محيط ظلها. نظرت ناحيته لتراه يرمقها بنظرات خبيثة شرسة. يخطو ناحيتها لتعود هي تلقائيًا للخلف خطوتين فقط. وكادت أن تتعثر في قطع الأثاث. ليسارع بالامساك برسغ يدها يجذبها بخفة لتقف قبل أن تسقط. حافظ على رسغها في كفه يتشدق مستمتعًا:
"على الهادي بس يا زبادي، إيه الجميل متضايق ليه؟ شكلك مش طايقني."
رمته بنظرة اشمئزاز غاضبة لتنزع رسغها من كفه بعنف. شدت على أسنانها بعنف تحادثه في غيظ:
"طب كويس إنك خدت بالك. ده أنا افتكرتك ما بتحسش."
اختفت ابتسامته يتأتأ في جفاء. تبدلت نظرات عينيه إلى أخرى حادة. رسم ابتسامة جافة على شفتيه. قست نبرة صوته يردف:
"وليه الغلط بس يا بنت الذوات؟ أنتي عشان ضيفتي وفي مكاني أنا مش هحاسبك. معلش خليها علينا."
فارت دماء عروقها غضبًا. وكلمة وقح تدوي صداها في رأسها بلا توقف. ابتسمت ساخرة تشير بسبابتها له من أعلى لأسفل بإذراء تتمتم ساخرة:
"مكانك أنت يا بتاع البهايم. لما تتكلم اتكلم على قدك. أنت لسه مش عارف أنت بتكلم مين."
ودون حرف آخر دخلت لغرفتها تصفع الباب في وجهه بعنف. وهو يقف يبتسم في وعيد. إهانة تليها أخرى. يبدو أن تلك الحسناء ليست لطيفة كما ظن. ارتفع بصوته حتى تسمعه يحادثها متوعدًا:
"وماله مصيرك يا ملوخية تيجي تحت المخرطة!"
قالها ليخطو خطواته إلى الخارج يجذب الباب يصفعه خلفه بعنف. لتتنفس الصعداء خلف باب غرفتها المغلق.
في الأسفل... وقفت عند عربة الطعام الخاصة بزوج والدتها. تتحرك هنا وهناك تنظر لاصابع يدها التي تغرق في دماء تلك اللحوم تقطعها بسرعة اعتادت عليها منذ سنوات. منذ أن كانت في التاسعة من عمرها وهي تقف عند تلك العربة تعمل فيها بملء إرادتها لتجني الأموال بعد الحادث الذي أصاب زوج والدتها وجعله قعيدًا. الرجل لم يبخل عليها بشيء في حياته. كان يعاملها كابنته. ربما لو كان والدها معهم الآن ولم ينفصل عن والدتها لما كان عاملها بذلك الحنو والعطف. ابتسمت ساخرة. والدها الذي لم تره منذ سنوات. لما تذكرته الآن. زفرت بعنف تنفض عن رأسها جميع الأفكار السيئة. تركز فيما تفعل. عليها أن تنتهي منه سريعًا لتكمل مذاكرتها. لم يتبق سوى القليل على امتحان المعادلة. ابتسمت تشجع نفسها. ستصل لما تحلم إليه. ستحصل على شهادة جامعية مهما كلفها الأمر من جهد وعناء. ستصبر إلى أن تصل.
أجفلت على دقات قوية على سطح زجاج العربة. رفعت وجهها تنظر للفاعل لتزفر أنفاسها حانقة. وضعت السكين من يدها بعنف تردف حانقة:
"هو يوم مش معدي أنا عارفة. نعم خير."
ابتسم حسن في سخرية يجذب مقعد من الخشب يجلس أمام العربة. يضع ساقًا فوق أخرى أشار بيده يحادثها بعجرفة:
"أنتي يا بت اعملي لي سندويشين كبدة حلوين كده، أحسن سندوتشاتك كلها مالهاش طعم زي اللي بتعملها."
اشتعلت أنفاس أمل غضبًا. تقبض على يد السكين بعنف تغرزها في قطعة اللحم أمامها. وكم تمنت أن تكون رقبته بدلًا من قطعة اللحم. رمت السكين بعنف على سطح الطاولة أمامها تبتسم في اصفرار تحادثه من بين أسنانها:
"شطبنا خلاص، فوت علينا بكرة."
ابتسم حسن ساخرًا وقف من مكانه. توجه إليها التف ليصبح جوارها ينظر لطبق اللحم الجاهز الممتلئ أمامها مستهجنًا كذبتها الحمقاء وطريقتها الحادة. مد يده يلتقط قطعة لحم صغيرة ناضجة يضعها في فمه يلوكها ببطء يردف ساخرًا:
"طب خدي بالك عشان الكبدة اللي خلصت ناقصة ملح وابقي زوديها شوية شطة."
أحمر وجهها غضبًا مما يفعل. التفتت له ترمقه بنظرات تقدح شررًا. في حين تعلقت عيناه بخصلة صغيرة شقراء تدلت من حجابها. شقراء!! الجميلة الغاضبة شقراء. مد يده دون وعي يرغب في أن يمسك بتلك الخصلة ليجد في لحظة نصل سكين كبير أمام وجهه. أوقف يده يقطب جبينه ينظر لها غاضبًا. في حين احتد صوتها تهدده:
"ايدك لو اتمدت هقطعها لك. مش كل الطير اللي يتاكل لحمه. لو أنت ذراع المعلم جبران والكل بيخاف منك، أنا بقي لاء. أنا ما حلتش في الدنيا غير أبويا وأمي وكرامتي وشرفي. اللي يفكر يدوس على حاجة منهم أدوس على رقبته!"
ابتسم حسن في إعجاب. سرعان ما أخفاه قبل أن يطفقها بنظرات ساخرة تشملها من أعلى لأسفل يتهكم منها:
"طب براحة أحسن الكبدة تشيط. وبعدين ما تفخمش في نفسك أوي كده، ده انتي عاملة زي البت سميرة بيرة اللي في فيلم الفرح. مش من جمالك أوي يعني خلاص هموت عليك."
أنهى كلماته السامة ينظر لمقلتيها مباشرة ليري ألمًا يصرخ دون صوت داخل فيروز عينيها التي لم ير أجمل منها في حياته. تجعله على استعداد تام أن يضحي بنفسه فقط ليحصل عليها. زفر أنفاسه بعنف يدس يديه في جيبي سرواله يغمغم ساخرًا:
"اعملي السندوتشات يلا من الكبدة الخلصانة والا والله هشيلك العربية دي من مكانها وابقي قابليني لو رجعت لك تاني."
أخرج من جيب سرواله ورقة بعشرين جنيهًا يلقيها أمامها يبتسم بعجرفة:
"خلي الباقي بقشيش عشانك."
قبضت على كف يدها تلجم غضبها. كم تود فقط لكمه بعنف أو تشويه وجهه الوسيم ذاك بسكينها. ابتسمت في هدوء كي تفقد ه لذه انتصاره عليها. التقطت وضعت النقود في درج صغير تعد له ما أراد. انتهت لتضعهم داخل حقيبة صغيرة من البلاستيك الشفاف. مدت يدها بهم له. لينظر لها من أسفل لأعلى مط شفتيه يتمتم بلامبالاة:
"لاء سديت نفسي خلاص مش عاوز. خليهم لك!"
وغادر. تركها تقف كالتمثال يدها ممدودة وغادر يلوح لها ساخرًا. قبضت على الحقيبة في يدها بعنف. لولا أنه طعام لكانت ألقتها أرضًا.
***
فتحت وتر باب غرفتها ما أن تأكدت من رحيل ذلك الجيران الغريب. اندفعت بعنف تبحث عن والدتها إلى أن وجدتها في مطبخ صغير تقلب شيئًا ما على الموقد. قبل أن تنطق بحرف باردت والدتها تعاتبها بحدة:
"وتر، اللي انتي قولتيه للمعلم جبران ده ما ينفعش. أنتي ما تعرفيش الراجل ده جبروت وما حدش يقدر يكسر كلمته."
تهكمت قسمات وجهها استندت إلى الباب جوارها تعقد ذراعيها أمام صدرها تردف ساخرة:
"مين بقي المعلم جبران اللي شوية وهتبوسي إيده ده؟ كل الأوفر عشان هو كبير المكان."
تركت فتحية المعلقة من يدها التفتت إلى ابنتها تنظر لها قلقة. وتر عكسها تمامًا. ساخرة ثائرة غاضبة دائمًا. ابتلعت لعابها خوفًا عليها اقتربت منها تحادثها قلقة:
"بصي يا وتر... مالكيش دعوة بالمعلم جبران خالص... هو راجل طيب... بس ما بيحبش حد يغلط فيه... بيحب الناس تفخمه وانتي هنتيه. ولو حصل دا تاني أخاف يأذيكي يا بنتي."
نظرت وتر لوالدتها للحظات في ذهول قبل أن تنفجر في الضحك. ضحكت طويلًا حتى أدمعت عينيها تردف من بين ضحكاتها العالية:
"بطني وجعتني من الضحك. أنتي عايزة تفهميني يا ماما إن حتة البلطجي ده يقدر يأذيني؟ ده كبيره بتاع بهايم زي ما قالي."
زفرت فتحية أنفاسها حانقة اقتربت من وتر تمسك برسغ يدها تحادثها محتدة:
"وتر بطلي ضحك أنا ما بهزرش. بعد غياب سنين رجعتي لحضني ومش هخلي عندك يضيعك مني تاني. المعلم جبران كبير الحتة دي وكلمته مسموعة من الكبير قبل الكبير. ما حدش يقدر يقوله تلت التلاتة كام. هو ورجالته حاطين إيديهم على المنطقة ما فيش حركة بتحصل فيها غير لما بتكون عنده... عشان كده بقولك ابعدي عنه خالص.. ما تخليهوش يحطك في دماغه."
توسعت عينيها في دهشة مما ينزل على أذنيها من كلمات والدتها الغريبة. تشعر في لحظة أنها باتت داخل فيلم عربي قديم. رمشت بعينيها عدة مرات تتمتم مذهولة:
"إيه يا ماما اللي انتي بتقوليه ده؟ حاطين إيديهم على المكان ويحطني في دماغه ورجالة إيه كل ده؟ كل ده بيعمله بتاع أكل البهايم!"
زفرت فتحية أنفاسها حانقة للمرة الألف تقريبًا. وتر لا تفهم. نفذ بها الصبر لتقاطعها محتدة:
"وتر جبران تاجر مخدرات مش تاجر أكل بهايم... المعلم جبران السواح أكبر تاجر حشيش في الحتة دي والمناطق اللي حوالينا... لسه خارج من السجن النهاردة."
شخصت عيني وتر في فزع. تاجر مخدرات!!! كلمة تردد صداها في عقلها بعنف. إذا كان يخدعها وهي كحمقاء صدقته ببساطة. أقسمت على تلقينه درسًا لن ينساه. ستزج به في السجن من جديد. هرعت لغرفتها تغلق بابها عليها تبحث بين حقائبها بلهفة إلى أن وجدته. الكارت الخاص بالضابط. رفعته أمام عينيها تقرأ اسمه المكتوب على سطح الكارت. الرائد زياد ظافر نور الدين.
أمسكت هاتفها يديها ترتجف بعنف تكتب الرقم الموجود على سطح الكارت على هاتفها. وضعت الهاتف على أذنها تستمع إلى دقاته التي استمرت للحظات قبل أن تسمع صوت الضابط:
"آنسة وتر... ازيك أخبارك إيه، أنتي كويسة أقدر أساعدك في حاجة؟"
جلست على فراشها تتنفس بعنف. ارتجف صوتها تهمس مرتبكة:
"آآ... أنا عايزة أبلغ عن واحد."
سمعت صوته يردف سريعًا يهدئها:
"طب اهدي بس وفهميني واحد مين وأنتي فين دلوقتي."
تنفست بعمق مرة تليها أخرى إلى أن شعرت بدقات قلبها تهدأ قليلًا عن السابق. تردف تخبره بكل شيء:
"أنا في منطقة (...) في هنا واحد بلطجي عامل نفسه كبير المنطقة وليه رجالة في كل مكان. لاء وكمان تاجر مخدرات بيبع حشيش ومخدرات اسمه..."
توسعت عيني وتر في ذهول حين نطق الضابط اسم جبران قبل أن تقوله هي. كادت أن تسأله كيف ومتى علم بالاسم حين بادر هو يكمل:
"أنا مسافة السكة هكون عندك وهشده لك شدة محترمة. هفهمك كل حاجة لما أجي. ما تخافيش!"
ودعته تغلق معه الخط تتنفس بعنف تبتسم في ظفر. لتختفي ابتسامتها قلقًا. ما يحدث اليوم كثير للغاية أكثر مما قد تحتمله أعصابها حقًا. لا ينقص أي شيء سوى تلك الصرخات المذعورة التي صدحت فجأة تملئ الشارع وكأن الحرب قد شدت أوزارها!
رواية جبران العشق الفصل الرابع 4 - بقلم دينا جمال
رواية جبران العشق الفصل الخامس 5 - بقلم دينا جمال
ها هي تقف بين جمع من السيدات جوارها والدتها تنظر للجميع بتقزز تكاد تتقئ ذلك الجلنف عديم الأخلاق والحياء والأدب خيريها بين أسوء اختيارين وضعها بين المطرقة والسندان حرفيا حين صاح يهددها
Flash back
اقترب منها خطوة تليها أخري وأخري حاولت فتحية النطق بحرف ليرميها بنظرة قاتلة اخرستها تماما ظل يقترب منها إلي أن وقف أمامها مباشرة اغمضت عينيها مذعورة تستمع إلي صوته المخيف يهمس لها متوعدا :
- بصي بقي يا بنت الذوات من اتنين يا تنزلي زي الشاطرة تنضفي الكرشة والممبار بإيدكي الحلوين الناعمين دول مع النسوان اللي تحت
فتحت عينيها علي اتساعهما تقززت قسمات وجهها تحرك رأسها بالنفي سريعا الفكرة نفسها كفيلة بجعلها تدخل في غيبوبة طويلة المدي ... لتري ابتسامته تزداد خبثا واتساعا غمزها بطرف عينيه يتشدق متلذذا :
- يبقي الحل التاني شوفتي أنا طيب إزاي .. هجيب المأذون واكتب عليكي وقتي وتبقي سهرتنا صباحي يا بنت الذوات قولتي إيه
توسعت عينيها هلعا تتزوج مَن ؟ ذلك البربري الهجمي تاجر المخدرات لا بالطبع لن يحدث ستفعل أي شئ آخر عدا ذلك خاصة وهو ينظر لها تلك النظرة المخيفة التي تشبه نظرة أحد ممثلي افلام التحرش القديمة تلجلجت الأحرف من بين شفتيها تهمس مرتعشة :
- هنننزل مع الستتات اللي تحت
ابتعد عنها خطوتين يدس يديه في جيبي سرواله يحرك لسانه علي أسنانه العليا يتمتم ساخرا :
- وماله يا بنت الذوات ... فتحيية خدي الأمورة خدي الأمورة تنضف الكرشة
Back
وضعت يدها علي أنفها لا شئ يُبعد تلك الرائحة المقززة أبدا .... رأت أحدي السيدات تقترب في يدها سكين كبير اقتربت من ذلك المتكوم أمامهم تشقه بعنف من المنتصف لينتفح علي مصراعيه ... وانبعثت الرائحة تضرب رأسها ما أن رأت ما تحوي أمعاء ذلك الحيوان زاغت عينيها لتسقط أرضا فاقدة للوعي صرخت فتحية مذعورة ترتمي بجسدها أرضا جوار ابنتها تصيح مرتعبة :
- وتر يالهوي يالهوي الحقوني يا ناس البت قطعت النفس ، وتر ردي عليا يا بنتي ، الحقني يا معلم جبران
تقدم منهم ينظر للمسطحة أرضا يبتسم ساخرا لم تتحمل فقط الرائحة فسقطت أرضا فاقدة للوعي وأتت لها الجراءة لتستدعي الشرطة للقبض عليه ... اقترب منهم دني قليلا بجذعه يحملها بين ذراعيه ... خفيفة بشكل غريب تدلت ذراعيها بين يديه وهو يتوجه بها إلي شقة والدتها فتحية تهرول الخطي خلفه ... فتحت له باب الشقة تتقدمه سريعا إلي غرفتها تفتح لها بابها ليستند بركبته علي سطح الفراش يضعها فوقه ... ينظر لوجهها وهي نائمة ليبتسم متهكما التفت لفتحية التي تنظر لابنتها مذعورة ليردف في جمود :
- ما تخافيش عليها أوي كدة دي نايمة ... اسمعيني كويس يا فتحية بنتك دا أول يوم ليها وسطينا بداية قصديتها كفر معايا ... خليها تختفي من قدام عينيا خالص لمصلحتها فاهماني يا فتحية
حركت فتحية رأسها بالإيجاب سريعا لينظر لوتر نظرة خاطفة قبل أن يخرج من الغرفة ومن المنزل بأكمله
علي صعيد آخر بعيدا في الصحراء ... صرخت وصرخت تلوت بجسدها بين ذراعيه وهو يحملها تصرخ فيه بقهر وغضب وخوف دموعها تنهمر كالشلال علي وجهها :
- يا حيوان يا قتال القتلة ... نجلاء ، عملتلك ايه عشان تموتها ... أنا عايزة نجلاء حرام عليك ... أنا ماليش في الدنيا غيرها .. حرام عليك ... موتني أنا كمان ، أنا السبب ، أنا اللي قولتلها نهرب .. موتني أنا
امتعضت ملامحه شفقة عليها وهي تبكي كطفلة صغيرة فقدت والدتها وجهها أحمر دموعها تنهمر بعنف تشهق عاليا حتي تختنق أنفاسها وضعها علي فراشها في غرفتها لتضم ركبيتها لصدرها وكأنها لا تشعر بألم قدميها والدماء النازفة منها ... أحضر صندوق الإسعافات اقترب يجلس جوارها ليراها توجه عينيها إليه لحظات وبدأت تصرخ فيه بحرقة :
- حرام عليك موتها ليه دا أنا ماليش غيرها في الدنيا ، كلهم بعدوا عني وسيبوني .. بقيت عالة علي الكل إلا هي ... موتني زي ما موتها ، لو فاكر أنك بتنتقم منهم لما خطفتني تبقي مغفل أبويا وأمي أصلا كانوا عايزين يموتوني هما نفسهم مش عايزني ... منك لله حسبي الله ونعم الوكيل فيك ، ربنا ينتقم منك
ادمعت عينيه بل انهمرت دموعه حالها ذكرها بحاله حين رأي جثة والديه أمام أرضا حمحم بعنف يجلي صوته المختنق يهمس لها :
- ما قتلتهاش ... نجلاء عايشة ... اقسملك عايشة
توسعت عينيها في دهشة شقت ابتسامة كبيرة شفتيها لتمد يديها في الهواء تحاول الإمساك بيديه مد كفيه لها لتشد عليهما حركت رأسها بالإيجاب عدة مرات تردف سريعا بتلهف :
- عايشة ، بجد عايشة ... نجلاء عايشة .. طب هي فين أنا عايزة اشوفها بالله عليك
فتح صندوق الإسعافات يخرج منه معقم وشاش ورباط طبي يغمغم في هدوء :
- هخليكي تشوفيها بس استني اعقم جرح رجلك
توجست ملامحها خيفة منه لم يصدر منها ردا لا بالإيجاب ولا بالرفض فأعتبر صمتها موافقة علي ما قال فحص جرحها خوفا من وجود قطعة زجاج عالقة فيه ولم يجد سوي القطعة الكبيرة التي جذبها هو قبلا وضع بعض المعقم علي قطعة قطن صغيرة يحركها علي طول جرحها بخفة لتنكمش ملامحها ألما تضم كف يدها لم يكن يهمها في تلك اللحظة سوي أن تري نجلاء بأي شكل كان فقط تتأكد أنها علي ما يرام وكل شئ سيصبح بخير ... انتهي من تنظيف جرحها يلفه لها بالشاش رفع وجهها يسألها متهكما :
- جوزك دا بقي بيحبك أو أنتي بتحبيه
قطبت ما بين حاجبيها مستنكرة سؤاله للحظات غطي الألم حدقتيه ارتسمت ابتسامة باهتة علي شفتيها تغمغم بخواء فارغ :
- مالكش دعوة !
رفع كتفيه لاعلي مط شفتيه قليلا يغمغم ببساطة :
- لاء ليا أنا شخص فضولي ، لو ما قولتليش مش هخليكي تشوفي نجلاء
تنهدت تزفر أنفاسها حانقة لتغمغم محتدة :
- ايوة بحبه وبيحبني ارتحت كدة
صمت ما قابلها بعد ذلك كان صمت من ناحيتها ، صمت اقلقها خاصة وهي تشعر بحركته وأنفاسه تقترب تضاربت دقات قلبها تزحف بجسدها للخلف حتي ارتطمت بظهر الفراش شعرت به قريب للغاية أنفاسه تضرب أذنيها وصوته همسه يقشعر له جسدها حين غمغم يهمس ساخرا :
- بيجاد التهامي ما بيحبش حد ، دا شخص أناني معدوم الضمير مستعد يدوس علي الكل عشان مصلحته ، صدقيني أنا عارفه كويس ...
حركت رأسها بالنفي بعنف زوجها ليس كذلك ... صحيح أنه لا يحبها تزوجها فقط من أجل الأموال التي عرضها والدها عليه ليرضي ويتجوز بالأميرة الكفيفة ولكنها تحبه للأسف تحبه منذ أن كانت مراهقة صغيرة لم يعرف قلبها غيره احتد صوتها تصيح فيه :
- ما اسمحلكش تتكلم عنه بالشكل دا ، دا ابن عمي وجوزي ... لو كان موجود دلوقتي ما كنتش اتأجرت وعملت اللي عملته
وضحك تعالت ضحكاته يسخر مما قالت شعرت به يبتعد عنها ... وقف أمامها يضع يده علي خاصرته يتشدق ساخرا :
- وهو فين بقي ابن عمك وجوزك وحبيبك راميكي ليه ... يا ماما فوقي انتي ما تفرقيش معاه
أغمضت عينيها وتجسدت الحسرة علي قسمات وجهها يطعن الألم قلبها وملامحها وكأنها أسودت من الحزن والالم رأي دمعات بسيطة تهطل من خلف جفنيها المغلقين تومأ برأسها بالإيجاب تحشرجت نبرتها تهمس بحرقة :
- عندك حق أنا ما افرقش معاه ، ما افرقش مع حد خالص ، تعرف أنا حبيته ولسه بحبه ... بحبه أوي ، رغم أنه اتجوزني في صفقة مع بابا بس لسه فاكرة وهو بيبوس رأسي بعد كتب كتابنا و بيقولي مبروك يا عروسة ... أرجوك خدني عند نجلاء كفاية كدة
شحبت ملامحه ألما وندما علي حالها حين قرر إيذاء الشياطين اختار الملاك الوحيد بينهم ... ملاك حزين يتألم مثله ... اقترب منها مد يده يمسك بكف يدها لتسحب كفها من يده بعنف مسحت دموعها بكفي يدها تردف محتدة :
- أنا حافظة الطريق لبرة الأوضة
أمسك كفها من يدها يجذبها برفق من الفراش حاولت أن تتملص من كفه بعنف ليصيح متأففا :
- عشان رجلك مش هتعرفي تدوسي عليها ، اسندي علي إيدي
احتدت قسمات وجهها تبدو غاضبة للغاية منه استندت علي كف تسرع خطاها إلي الخارج لم تكن تكذب سريعا حفظت طريقها بقدرة اذهلته هو شخصيا ، فتح الباب ليراها تلتف برأسها هنا وهناك وكأنها تبحث عن بصيص ضوء أمانها في الظلام .. قامت نجلاء من مكانها علي الأريكة ما أن رأتها تقدمت بخطي سريعة ناحية وتر لترتمي الأخيرة بين أحضانها تشهق في بكاء بعنف تتحسس وجهها بيديها تردف بحرقة :
- نجلاء أنتي عايشة صح .. صح أنتي ما سبتنيش ... انتي هنا
انهمرت الدموع من عيني نجلاء تضم رسل لأحضانها تحاول أن تطمئنها تمسح علي رأسها برفق تحادثها بحنان :
- ايوة يا رسل ، ايوة يا حبيبتي ما تخافيش أنا هنا ... تعالي يا بنتي اقعدي عشان رجلك
اخذت يدها من يد عز تعود بها إلي غرفتها ، في حين وقف هو ينظر لكفه حيث كانت تستند شد قبضته الأخري يغمض عينيه ضرب قبضته في الحائط بعنف يضع يده علي فمه يجهش في بكاء صامت حاد ... ليترك المكان بأكمله يخرج راكضا
وضعت رسل رأسها بين أحضان نجلاء ترتجف من الخوف تتمسك بها كالقطة الصغيرة ارتجفت نبرتها تسألها :
- هو ايه اللي حصل يا نجلاء ، مش احنا كنا هربنا منه ، مش كان نام زي ما قولتيلي
خرجت تنهيدة طويلة متعبة من بين شفتي نجلاء تحرك رأسها بالإيجاب تغمغم في عجب :
- ايوة يا بنتي ، أنا كمان مش فاهمة ايه اللي حصل هو شرب بوقين من العصير وبعدين لقيت راسه ميلت ونام فجاءة واحنا بنجري لقيته ظهر قدامي من خوفي منه صرخت ... هددني اني لو ما رجعتش البيت هيقتلك ... سمعت ساعتها صرختك .. جيت احط انادي عليكي حط ايده علي بوقي وهددني انه هيموتك ... خوفت عليكي وجريت علي البيت ..وبعدين سمعت صوتك بتصرخي وهو شايلك وجاي بيكي علي البيت
همهمت تحرك رأسها بالإيجاب الآن فقط فهمت ما حدث ذلك الثعلب شك في أمرهم رشفتين من العصير لم يكن لهما أدني تأثير عليه الوغد عديم المشاعر خدعها بموت نجلاء كانت لتموت لو حدث لها مكروها أغرقت رأسها بين أحضان والدتها تهمس بنبرة خاملة خائفة :
- اوعي تسيبني أبدا يا نجلاء ، أنا ماليش غيرك في الدنيا ... كلهم رموني مش عايزني
ادمعت عيني نجلاء تنظر لها مشفقة حزينة تطمأنها أنها لن تتركها ابدا ، رفعت عينيها تنظر للواقف عند باب الغرفة ينظر لها هو الآخر حزينا مشفقا عازما علي تغيير الكثير مما كان ينوي عليه
في صباح اليوم التالي
حركت رأسها بعنف للجانبين أصوات غريبة غير مألوفة تتسلل لرأسها بعنف أصوات مزعجة وكأنها تصرخ
( خزززززين يا بصصصصصل
مجنوووووونة يا قووووطة )
( أي حاجة بلاستيك باتنين ونص قربي يا مدام ، تعالي يا عروسة ... دي صناعة بلدنا )
( عرررررايس يا بتنجان ، البتنجان العرايس لاحلي عرايس والتلاتة بعشرة )
تأففت تحرك رأسها بعنف علها تُبعد تلك الأصوات المقززة ... فتحت مقلتيها فجاءة تنظر حولها ترمش بعينيها عدة مرات سريعا تحاول أن تتذكر ... تلك ليست غرفتها شئ فشئ وضرب سيل من الذكريات رأسها ... انكمشت ملامحها في اشمئزاز حين تذكرت آخر ما حدث ، قربت أنفها من ثيابها تشتمها بتقزز رائحتها مزيج مقزز من الطين والعرق وغبار المكان المقزز ورائحة عطر غريب اشتمتها قبل فترة قليلة ما كادت تتحرك وجدت هاتفها يدق نظرت للطارق لتجده طارق صديق الجامعة جلست تعدل خصلات شعرها تحمحم تجلي صوتها فتحت الخط تضع الهاتف علي اذنها تهمس بصوتها الناعم ! :
- هاي صباح الخير يا طارق
سمعت صوته يردف متغزلا :
- صباح الورد والفل والياسمين ايه يا بيبي مش هتيجي الجامعة ولا إيه دا أنا مستنيكي من ستة الصبح
توجست ملامحها خيفة من أن يكن خبر ما فعل والدها قد انتشر في الجرائد وعلي صفحات التواصل الإجتماعي بالطبع ذلك سيحدث زفرت أنفاسها بعنف تحاول أن تردف برقة :
- تؤ I am out of mood ممكن اجي بكرة
تهدلت نبرة صوته حزنا يغمغم :
- ولو إني هموت واشوفك النهاردة بس ماشي هستناكِ بكرة .. باي يا بيبي
ودعته تغلق معه الخط لتزفر أنفاسها حانقة تشد علي خصلات شعرها بغيظ ... توجهت إلي شرفة غرفتها تفتحها تنظر بتقزز للمشهد الرائع الذي تطل عليه غرفتها الحارة بكل ما فيها من عشوائية وهجمية تكاد تقتلها ... لمحته عينيها يقف أمام طاولة كبيرة خارج المحل يمسك بآلة غريبة لا تعرفها ينحت في قطعة خشب ملقاة أمامه .. تتحرك يديه بخفة فنان محترف ... رأت ذلك الشاب صاحب الأعين الزرقاء يقترب منه يعطيه كوب من الشاء ليلكزه جبران يشير له لفتاة تخرج من احدي العمائر القدمية لمعت عيني الشاب ما أن رآها ليهرول خلفها سريعا يسرع الخطي إليها ! لتقطب جبينها تتسأل ماذا يريد ذلك الرجل منها ولما يبدو متلهفا لتلك الدرجة حين رآها ... شعرت في تلك اللحظة بأعين مسلطة عليها تحركت بعينيها ناحية جبران لتراه ينظر اليها مباشرة !
نظراته كانت مزيج غريب من الخبث والوعيد غمزها بطرف عينيه لتبتلع لعابها مرتبكة دخلت إلي غرفتها توصد باب الشرفة ... خرجت من الشرفة ومن الغرفة بأكملها تبحث عن والدتها في الشقة لم تجدها وجدت صينية مغطاه بقماشة زاهية اللون كشفتها لتقطب جبينها مدهوشة ذلك الطعام تراه فقط في التلفاز معدتها لن تتحمله ارتمت علي أحدي الارائك تخفي وجهها بين كفيها تزفر أنفاسها بعنف والدها كان محق هي لن تستطيع العيش هنا لن تستطيع أبدا !
_______________
علي صعيد آخر في مكان قريب منهم تحركت أمل ناحية موقف السيارات لتأخذ سيارة أجري كبيرة ما يطلق عليها اسم ( ميكروباص ) اليوم أولي امتحانات المعادلة الخاصة بها طوال الطريق تدعو في نفسها أن تستطيع أن تجيب عن جميع الأسئلة عليها أن تحصد درجات عالية لتلتحق بالجامعة جلست علي أول اريكة بالداخل جوار النافذة لتشعر بأحدهم يجلس جوارها نظرت له لتشحص عينيها في ذهول حين رأته يجلس جوارها ذلك الوقح ألم يكتفِ بصفعة واحدة اشاحت بوجهها بعيدا وكأنها لم تره من الأساس انتظرت بضع دقائق إلي أن امتلئت السيارة ليصعد السائق خلف المقود الذي ما أن رأي حسن استدار له يغمغم مرحبا وكأنه رأي وزيرا :
- اهلا اهلا بالمعلم حسن ، دا الميكروباص نور والله أخبار المعلم جبران ايه ، احنا كلنا صبيانه وفي خدمته هو بس يأشر
رفع حسن يده يربت علي صدره ابتسم يغمغم ببساطة :
- تسلم يا شكري دا من ذوقك يا أبو الكرم اتكل علي الله يلا واطلع
حرك الرجل رأسه بالإيجاب يرحب به للمرة الأخيرة بحرارة قبل أن يدير محرك السيارة الضخمة ينطلق بها يعلو بصوته يحادث الركاب :
- الأجرة مع بعض يا حضرات ما عدا أنت يا معلم حسن عندي دي المرة ، واحدة من جمايلكوا علينا إنت والمعلم
قلبت أمل عينيها ساخرة من الموقف برمته فتحت حقيبة يدها تأخذ منه ثلاثة جنيهات تمد يدها لها بالسائق ليردف الأخير يعيد جملته :
- الأجرة مع بعض يا آنسة
تأففت حانقة خاصة حين رأت أن الركاب من الخلف يعطون النقود لحسن الجالس جوارها ينظر لها بجانب عينيه يرفع حاجبه الأيسر يراقب ما تفعل لم تعرف ما تفعل مدت يدها بالنقود إلي حسن ليلتفت برأسه إليها نظراته حادة غاضبة همس بصوت حاد يتوعدها :
- شيلي فلوسك أحسن قسما بالله ما هخليكي توصلي الإمتحان بتاعك
تهدجت أنفاسها غضبا مما يفعل لتوجه انظارها للسائق تصيح محتدة :
- علي جنب يا اسطا
قتمت حدقتيه السوداء كاد السائق أن يوقف السيارة حين حادثه حسن محتدا :
- كمل يا شكري ما تقفش ... لسه الآنسة محطتها ما جاتش
تدلي فمها في دهشة حين رأت السائق يكمل طريقه وكأنها لم تقل شيئا ... نظرت حولها رأت الركاب حولها يرمقنها بنظرات ما بين شك وحيرة وشفقة ... زفرت أنفاسها تستند برأسها إلي النافذة المغلقة جوارها تغمض عينيها يآسة لا فائدة !
_________________
في الجامعة في أحدي المقاهي التي يرتداها النخبة وأبناء صفوة المجتمع علي أحدي الطاولات يجلس جمع صغير مكون من عدة فتيات وثلاث شبان يتوسطهم طارق النويري الذي يوجه أنظاره لهاتفه .. رفع وجهه حين لكزه صديقه الجالس جواره يحادثه ضاحكا :
- ايه يا طروقة مالك مش مركز معانا ليه ، معقول وتر الدالي سرقت قلب طارق النويري بالسرعة دي
ابتسم طارق ابتسامة ملتوية يلتقط كوب العصير الموضوع أمامه يرتشق منه القليل من خلال القشة الصغيرة وضع ساق فوق أخري يضطجع بظهره إلي ظهر المقعد يتمتم ساخرا :
- لاء وأنت الصادق فلوس سفيان الدالي هي اللي سرقت قلب طارق النويري
تعالت الضحكات من الجمع القليل الجالس ليردف الشاب مرة أخري :
- بس أنا سمعت أن سفيان الدالي فلس وخد قرض كبير وهرب برة البلد
حرك طارق رأسه بالنفي يتشدق متهكما :
- دي إشاعات هبلة لو كان حصل حاجة زي دي كنت هتلاقي الخبر مالي الجرايد و السوشيال ميديا ، سفيان الدالي عنده فلوس لو رصها فوق بعض هتعدي برج خليفة
اسبلت أحدي الفتيات أهدابها الكثيفة تلف أحدي خصلات شعرها الأشقر المصبوغ حولها أصابعها تغمغم حانقة :
- بس علي فكرة وتر مش حلوة ، أنا لو ولد أبدا ما ابصلهاش حتي لو باباها عنده مليارات
صدحت ضحكات طارق العالية قرب مقعده من مقعدها يلف ذراعه حول خصرها مال برأسه ابتسم في خبث يتشدق ساخرا :
- ماهي ، بيبي الجامعة كلها عارفة أنك بتغيري من وتر ، عشان خدت منك جايزة الجمال الهبلة بتاعتكوا دي السنة اللي فاتت
اشتعلت عيني ماهي غضبا كادت أن تقول شيئا حين طبع طارق قبلة سريعة علي رقبتها يهمس لها بولة أجاد تزيفه :
- بس أنتي في عيني أحلي بنت في الدنيا
أرضت كلماته غرورها فارتسمت ابتسامة مغترة تعلو ثغرها تسبل رموشها ترفرف بها بوداعة تكاد تطير من الغرور ابتعد طارق يعتدل في جلسته لمعت عينيه يغمغم في خبث :
- الدنيا كلها عارفة أن وتر هي نقطة ضعف سفيان الوحيدة مستعد يعمل أي حاجة عشان خاطر وتر حبيبة بابي ، لما وتر تبقي خاتم في صباعي هتتوسطلي عند أبوها من خلالها هتحكم في اللي أنا عايزه من أملاك سفيان ما هو مش هيقدر يزعل بنته وجوز بنته
خرجت شهقة حادة من بين شفتي ماهي قبضت علي ذراعه تصيح فيه محتدة :
- هتتجوزها يا طارق أنت اتجننت
نظر لكف يدها التي تقبض علي ذراعه ليمد يده يجذبه بخفة يجلسها علي قدميه !!! مد يده يمسح علي وجنتيها بخفة يغمغم ساخرا :
- جواز مصلحة يا بيبي ... أعوض بيه الخسارة اللي وقعت علي دماغي بسبب بيجاد باشا اللي خد شركات السياحة كلها مقابل أنه يتجوز رُسل العامية ... الشركات دي كانت من حقي أنا
بس معلش ملحوقة وسفيان الدالي وبنته هيعوضوا كل الخساير !!
______________
توقفت سيارة الأجرة أخيرا علي أحد جانبي شارع رئيسي نزل حسن ومن بعده أمل التي أسرعت الخطي تحاول الابتعاد عنه ولكنه كان كظلها يتبعها إينما ذهبت وقفت فجاءة التفتت له تنظر له كارهة نافرة شدت علي أسنانها تهمس له محتدة :
- أنت عايز مني إيه يا حسن ما تسيبني في حالي بقي
ابتسم في هدوء يدس يديه في جيبي سرواله الجينز رفع كتفيه يردف ببساطة :
- أنتي عارفة أنا عاوز منك ايه ، وعارفة إني مش هسيبك في حالك غير لما توافقي
شدت أصابعها علي الكتاب في يدها احمرت عينيها تحاول الا تبكي في الشارع ... ليحمر وجهها بالكامل منعت نفسها بصعوبة من أن تصرخ في وجهه لتهمس في غيظ :
- وأنا مش عيزاك أفهم بقي ، أفهم أنا مش عايزة غير إني أكمل تعليمي وبس سيبيني في حالي في ألف بنت في الحتة تتمناك بس أنا لاء ، اعملك ايه عشان تحل عني
- وافقي نتجوز
غمغم بها ببساطة وكأنه يدعوها لكوب من الشاي ... توسعت حدقتيها في ذهول مما قال في حين دني هو برأسه قليلا يردف بهدوء يحاول أن يستمع لنصيحة جبران :
- وأنا مش عايز من الألف دول غيرك يا أمل ... لو علي تعليمك أنا موافق أنك تكمليه ، لو دي حجتك أنا موافق واقسملك إني عمري ما همنعك عنه ، ها قولتي ايه نتجوز بعد ما تخلصي امتحانات
رفعت كفها الأيسر تمسح وجهها بعنف تحادث جلمود صخر لا يفهم حركت رأسها بالنفي بعنف تحادثه غاضبة :
- لا يا حسن مش هنتجوز ، أنا مش هتجوز بلطجي وتاجر مخدرات . أنا عايزة اتجوز شخص طبيعي مش مهم غني ولا فقير المهم يكون شريف ومحترم ، فلوسه حلال حتي لو قروش ... أنت فلوسك كلها حرام من تجارة الحشيش والمخدرات والبلطجة والفردة اللي عملينها علي البياعين ... أبعد عن طريقي يا حسن أنا وأنت مش شبه بعض
تحركت إلي مدرستها ما أن قالت له ما قالت تتمني فقط لو أن كلماتها تؤثر فيه عله يبتعد عنها ، ثبتت مكانها حين علا بصوت يحادثها :
- أنا هستناكي علي القهوة اللي قدام المدرسة ركزي في الامتحان كويس
زفرت أنفاسها حانقة تسرع خطاها للداخل
_____________
في الحارة تعبت من الالتفاف حول نفسها .. لا خبر واحد عن قضية والدها وذلك الشئ حقا عجيب ولكن سعيد في الآن ذاته ، هكذا لن يعرف أحد ما حدث ستظل وتر هانم الدالي كما كانت دون أن تهتز صورتها ولكنها سئمت من المكوث هنا وشعرت بالجوع وذلك الطعام ليس بكافي ... توجهت إلي حقيبة ثيابها تبحث بينها عن شئ ترتديه وكعادتها بدأت تُلقي كل ما في الحقيبة إلي أن افرغتها حولها أرضا ارتطمت يدها بشئ غريب في جيب الحقيبة قطبت جبينها تفتح الجيب لتتوسع عينيها في ذهول حين رأت مبلغ ضخم من المال يرتص جوار بعضه يعلوه ورقة صغيرة بيضاء فتحتها سريعا لتجد رسالة أخري من والدها
( وتر يارب تكوني لقيتي الرسالة دي ، الفلوس دي أنا سايبها ليكي ، حاولي تخليها تكفيكي لحد ما أرجع ، خدي بالك يا وتر ما تروحيش بيها أي بنك .. وما تصرفيش مبالغ كبيرة مرة واحدة عشان البوليس ما يشكش فيكي ... أنا هرجع كويس يا حبيبتي ، خلي بالك من نفسك )
توسعت ابتسامتها تضم الورقة لأحضانها تضحك من شدة سعادتها تقبل الورقة مرة بعد أخري تردف سعيدة :
- حبيبي يا بابي أنا كنت واثقة أنك مش هتسيبني كدة أبدا ...
سحبت جزء يكفي من الأموال تغلق جيب الحقيبة تضع فيها الملابس من جديد تغلقها جيدا حملتها تضعها في دولاب ملابسها تغلقه بالمفتاح القديم وقفت تستند بظهرها إلي دولاب الثياب تبتسم سعيدة توجهت تبدل ثيابها علي أقل تقدير ستحصل علي إفطار يليق بها الآن ....
بدلت ثيابها إلي بنطال من الجينز ممزق من عند القدمين و« تيشرت أسود » بربع كم صففت شعرها كذيل الحصان وضعت نظارتها الشمسية فوق رأسها تأخذ طريقها للخارج نزلت تهرول علي درجات السلم خرجت من البوابة تتحرك بثقة لتتوجه أنظار الجميع إليها ينظرون إليها ما بين تهكم ودهشة واستياء ... لمحتها والدتها الجالسة هناك علي مقعد صغير من الخشب أمامها فرشة كبيرة يعلوها الخضروات لتشهق مصعوقة ضربت بيدها علي صدرها تغمغم مذعورة :
- يا نهار ابوكي أسود ايه اللي انتي مهبباه دا يا وتر
قامت تهرول إليها وقفت أمامها تعترض طريقها قبضت علي ذراعها تحركت عيني فتحية تجوب ملابس ابنتها الشبه موجودة تغمغم مذعورة :
- ايه اللي أنتي مش لابساه دا يا وتر .. يا بنتي أحنا هنا في حارة مش في فيلا أبوكي ... اطلعي بسرعة غيري الملط دا
تأففت وتر تعقد ذراعيها أمام صدرها تحرك ساقها اليسري بحدة تغمغم بامتعاض :
- ماما أنا هدومي كلها كدة ، دا style لبسي وبعدين أنا هروح اجيبلي فطار ياكله بني آدمين مش القرف اللي فوق دا ، وما تقلقيش أنا معايا فلوس
كادت فتحية أن تقول شيئا حين أصفر وجهها فجاءة لتشعر بحرارة جسد تأتي من خلفها توجست عينيها قلقا التفتت برأسها ببطئ خلفها لتجد الوقح عديم الأخلاق يقف خلفها لا يفصله عنها سوي بضع خطوتين علي الأكثر يكتف ذراعيه أمام صدره يقيمها بنظراته رفع سبابته وإبهامه يحركهم علي طول ذقنه يغمغم ساخرا :
- دا مولد سيدي العر*يان ، ايه اللي بنتك مش لابساه دا يا فتحية ، اوعي تكون رقاصة ومفهماكوا أنها بتشتغل ممرضة
تلعثمت الأحرف بين شفتي والدتها في حين انفجرت الدماء في عروق وتر التفتت له بجسدها وأمام الحارة بأكملها كان كفها يهوي علي وجهه !!
رواية جبران العشق الفصل السادس 6 - بقلم دينا جمال
صمت حل على الجميع، توقفت جميع الأصوات. حل السكون على المكان، حتى أصوات العصافير توقفت. صمت لا يُسمع منه حتى صوت الهواء. الجميع يقف، جمدتهم الصدمة، أوقفت الدماء في عروق الجميع. صوت الصفعة لا يزال يتردد في آذانهم. الجميع خائف، مترقب نهاية تلك الجريئة، صاحبة اليد الطويلة التي ستُقطع على أقل تقدير، إن لم يقتلها جبران.
أما فتحية، فلَطَمَت خديها تنظر لوتر مذعورة، تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها هي وابنتها. منظر جبران كان حقاً مرعباً. عيناه حمراء كالدماء، أنفاسه العالية المتسارعة. عروق يديه ورقبته ووجهه، جميعها تصرخ غاضبة.
في حين، لم تهتز عينا وتر حتى. هي ليست مخطئة لتخاف. هو الوقح عديم الحياء والأدب، كلماته سامة مقززة تشبهه. ولكن، رغم عنها، ارتجف جسدها خوفاً حين بدأ يصدح بصوت غاضب يصيح فيها:
"أنا المعلم جبران السواح، اللي رجالة بشنبات يخافوا يعدوا جنب ضله، تيجي حتة بت زيك بنت امبارح تديني أنا بالقلم!"
ارتجفت حدقتاها خوفاً مما قد يقدم على فعله. في حين تقدمت والدتها، وقفت أمامها تتوسله حرفياً أن يعفو عن ابنتها:
"حقك عليا يا معلم، امسحها فيا أنا. البت هبلة وعشيمة ودلع أبوها فيها، خليها مش عارفة هي بتعمل إيه. حقك عليا، أبوس إيدك سامحها."
"إيه اللي انتي بتقوليه دا يا ماما؟"
صرخت بها وتر محتدة من توسل والدتها المهين له.
التفتت فتحية لها، ترميها بنظرة حادة تصرخ فيها خوفاً عليها:
"اخرسي، ما أسمعش صوتك. لهضربك باللي في رجلي."
توسعت عينا وتر في ذهول، تنظر لوالدتها مصدومة، تشعر بالإهانة مما قالت لها أمام جميع أهل الحي. في حين ابتسم جبران في سخرية، أزاح فتحية من طريقه، يقترب من تلك الواقفة تكاد تنصهر من الغضب. كف ذراعيه أمام صدره يتمتم بالتواء:
"بس قانون السواح اللي بحكم بيه، اللي غلط لازم ياخد جزائه. أنا راجل ابن بلدي، عمري ما أرفع إيدي على واحدة ست، وما ينفعش بردوا أكسر قانوني يا بنت الذوات. عشان كده هيكون حسابك إنك تنضفي الورشة بتاعتي. هخرج الرجالة يريحوا ساعتين، وهقعد بنفسي أشرف على إيديكي الناعمين دول وهما بيكنسوا ويمسحوا. وأظن كده عداني العيب."
توسعت عينيها في ذهول، تنظر لوالدتها التي تنفست الصعداء، وكأن حكم الموت رُفع عن ابنتها توا. في حين بعض السيدات يرمقنها بنظرات احتقار وتشفي، والرجال بدأوا يؤدون ما قال:
"عداك العيب يا معلم."
"اللي غلط لازم ياخد جزائه."
"طول عمرك راجل ابن بلد، بس بنات اليومين دول بقوا معدومين الرباية."
تدلت فكها في ذهول. هي الجانية، المخطئة. الآن كيف يفكر هؤلاء الناس؟ هل جنوا جميعاً؟
صوت زقزقة عصافير عالي بشكل مزعج جعل النوم ينسحب رويداً رويداً. كشفت عن جفنيها لتظهر عينيها العسلية. تشعر بألم بشع يطرق ثنايا رأسها بعنف. يبدو أنها نامت أكثر من اللازم بعد ما حدث ليلة أمس. لها كامل الحق أن تنام ليلتين بالكامل.
انتصفت جالسة، تمسح وجهها من أثر النوم. أنزلت قدميها من الفراش، تشعر بذلك البساط ذو الخيوط الناعمة وكأنه يدغدغ قدميها. ابتسمت رغماً عنها، تتحرك إلى المرحاض. تسع خطوات، تحسست بيدها الباب أمامها إلى أن وصلت إلى المقبض.
توجهت إلى الداخل، تغسل وجهها. بحثت بيديها إلى أن وجدت فرشاة أسنانها والمعجون الخاص بها، لتقطب جبينها في عجب. ذلك الرجل أخذ كل متعلقاتها، حتى فرشاة الأسنان؟
انتهت، لتخرج من المرحاض، تلف شعرها بمنشفة. توجهت إلى مرآة الزينة، تحسست بيديها إلى أن شعرت بالمشط الخاص بها، لتبتسم. أمسكته، تنفض المنشفة عن رأسها، تمشط خصلات شعرها بخفة.
في تلك اللحظات، دق هو الباب. سمحت للطارق بالدخول، ليخطو للداخل يبتسم بخفة. ما أن رآها تتحرك، عيناه على قسمات وجهها، توقف عند عسل عينيها، ينظر لمعانها وابتسامتها البسيطة التي تعلو ثغرها.
أجفل من شروده بها حين سمعها تغمغم ساخرة:
"البحلقة في الناس عادة غريبة جداً."
توسعت عيناه في ذهول، وشكه يزيد أن تلك الفتاة ترى وتخدع الجميع. حمحم يسألها مستنكراً:
"أنتِ عرفتي منين إن أنا ببصلك؟ أنتِ بتشوفي صح؟"
ابتسمت في بساطة، تحرك رأسها بالنفي. التفتت له بجسدها بالكامل، تكتف ذراعيها، تردف مبتسمة:
"أنت عارف فين المشكلة؟ إن الأفلام والمسلسلات والروايات بردوا صدرت فكرة إن الكفيف ده شخص عاجز، معاق ذهنياً، ما بيعرفش يعمل حاجة لوحده. وهو زيه زيك بالظبط، ما يفرقش عنك حاجة. أنت بس زايد عنه بحاسة البصر. هو بيقدر يستخدم باقي حواسه... الصوت، الريحة، التركيز، الشعور. في الطبيعي لو بصيت لحد لفترة طويلة وفضلت مركز معاه، هيحس بيك، ولا إيه؟"
حرك رأسه بالإيجاب، يهمهم متفهماً. يبدو أنه كان يحمل صورة خاطئة تماماً، وصاحبة أعين العسل صححتها له.
اقترب منها، يمسك في يده باقة من الياسمين. ما أن بات بالقرب منها، مد يده لها بالباقة، ليراها تغمض عينيها تستنشق رائحة الياسمين، لترتسم على شفتيها ابتسامة جميلة. تعشق ورد الياسمين، لا تزال تتذكر شكله، جمال أوراقه الصغيرة، رائحته المميزة.
فتحت عينيها، تقطب ما بين حاجبيها، تسأله مدهوشة:
"أنت عرفت منين إن أنا بحب الياسمين؟"
ابتسم، يضع الباقة في كف يدها. رفع كف يده، يبعثر خصلات شعره، يشعر بالحرج، وكأنه فقط مراهق صغير. حمحم يتمتم متوتراً:
"نجلاء قالتلي إنها دايماً بتجيبلك ياسمين الصبح."
زادت دهشتها حيرة. ذلك الرجل كيف يكون خاطفها وهو يعاملها بذلك الشكل الغريب؟
ارتسمت ابتسامة متوترة على شفتيها. كادت أن تقول شيئاً حين غزا أنفها رائحة شهية، رائحة تعرفها جيداً. ابتسمت تتمتم مدهوشة:
"بان كيك! نجلاء بتعمل بان كيك. هو إحنا مخطوفين في فندق خمس نجوم؟"
ضحك بخفة عالياً، مد يده ليمسك بكف يدها، فسحبت يدها من يده. احتدمت عينيها تردف متضايقة:
"أنا متزوجة. أنا لو في إيدي ما أخليّكش حتى تدخل أوضتي، لأن ده عدم احترام لجوزي، حتى لو هو ما بيحبنيش."
سمعت زفرة حادة غاضبة تخرج من بين شفتيه. دخلت نجلاء في تلك اللحظة، تحادثها مبتسمة:
"رُسل، يلا يا حبيبتي عشان تفطري."
تحركت، تمر من أمامه، ليختلط عطرها مع الياسمين، يعطي مزيجاً خاصاً ضرب كيانه بالكامل.
تحرك خلفها إلى طاولة الطعام، ليراها تجلس على الطاولة. وضعت نجلاء طبق الطعام أمامها، تحادثها مبتسمة:
"أنا عملتلك أربعة، لو عاوزة تاني قوليلي، عشان عرفاكي بتحبيها سخنة وغرقاها عسل زي ما بتحبيها."
رأت ابتسامتها الساخرة التي احتلت ثغرها، لتردف متهكمة:
"بان كيك وياسمين وأوضة بحمام خاص وسرير بمفارش حرير. إحنا مخطوفين ولا في منتجع سياحي؟ ده أنا لما أعوز أهدي أعصابي، هبقى أتصل بيه يخطفني تاني."
ضحك رغم عنه، يضع يده على فمه حتى لا تسمع صوت ضحكاته القصيرة. صاحبة حس فكاهي جيد. اقترب، يجلس على الناحية الأخرى من الطاولة، يراقبها مبتسماً وهي تأكل. لتنظر نجلاء له في تعجب، تقطب ما بين حاجبيها. ذلك الرجل غريب، يحتجزهم هنا رغماً عنهم، ويجبرها أن تخبره بالأشياء التي تحبها رسل. حين أخبرته أن رسل تحب تلك الكعكات، جلب الكثير من العلب من العلب سريعة التحضير، ومعها شراب العسل الخاص بها. جلب فاكهة البرتقال بكمية كبيرة، يخبرها:
"اعملي لها عصير برتقال فريش، طالما بتحبه مفيد أكتر ليها من المعلب!!"
***
انتهت من امتحانها أخيراً. كان سهلاً، وربما هي فقط من رأته كذلك، لأنها كانت تأكل الكتب الفترة الماضية. وقفت في باحة المدرسة تتنهد حانقة. ذلك الحسن ينتظرها خارجاً. كيف ستتخلص منه وهو يقف لها بالمرصاد، كالغراء يلتصق بها ولا مفر منها.
أجفلت على يد وُضعت على كتفها، لتجدها إحدى زميلاتها تحادثها مبتسمة:
"إيه يا أمل، واقفة كده ليه يا بنتي؟ مش هتمشي؟"
تنهدت حانقة للمرة الألف تقريباً. أرادت أن تسألها إن كانت تعرف مخرجاً آخر غير ذلك، حين بادرت الفتاة تقول من جديد:
"بقولك إيه؟ ما تيجي معايا. هنخرج من الباب اللي عند الحمامات اللي ورا. في محل في آخر الشارع بيبع هدوم، عاجبني فيه طقم وكنت عايزة أقيسه وتقوليلي رأيك فيه."
ابتسمت فرحة، وكأنها وجدت النجدة التي ستنقذها، فوافقت دون أن تدري أن خلف تلك النجدة فخ الموت!
تحركت بصحبة يمنى، زميلتها. علاقتهما ليست صداقة صحيح، ولكن الفتاة الآن تساعدها دون أن تدري، وهي حقاً ممتنة لذلك. خرجت معها من ذلك الشق الغريب عند المراحيض القديمة. لم تأتِ لهنا قبلاً، لم تكن تعرف بوجود ذلك المكان. خرجت منه على زقاق جانبي ضيق للغاية، رائحته مقززة، مظلم، وكأن الشمس لم تطئه يوماً.
نظرت ليمنى، لتلمح طيف ابتسامة خبيثة على شفتيها. لم تفهم لها سبباً. في لحظة، شعرت بأحد ما يتحرك خلفها، وقبل أن تلتف، يد كممت فمها والأخرى قيدتها. رفضت بجسدها بعنف، تنظر ليمنى مذعورة، لتقترب الأخيرة منها، تغمغم كارهة شامتة:
"أنا بكرهك بشكل ما تتخيليهوش يا أمل. عاملة فيها الطالبة المثالية، وبعمل معادلة وهدخل الجامعة، وحاطة مناخيرك في السما، وأنتِ حتة بياعة على عربية كبدة. أنا مش هسمحلك تكوني أحسن مني."
تلوت بجسدها بعنف، تنظر للواقفة أمامها مذعورة. تحرك رأسها نفياً، حاولت الصراخ فلم يخرج منها سوى أنين عالٍ بعض الشيء. ذلك الشاب الذي يمسك بها، مال يهمس جوار أذنيها بصوت مقزز أرجف جسدها:
"أنتِ حلوة أوي. يمنى ورتني صور ليكي كتير أوي. عارفة أنا هعمل فيكي إيه؟"
"هرجعك بطن أمك زاحف يا روح أمك."
صدر صوت حسن بالقرب منهم، يصدح عالياً غاضباً. مما نظرت له، لتجده يخرج من ذلك الباب عند المرحاض القديم. نظرت يمنى له مذعورة. في حين تنفست أمل الصعداء. صحيح أنها تكره حسن حد الموت، لكنه لن يتركها في أيديهم.
في لحظة، كان كف حسن يهوي على وجه يمنى بصفعة قوية للغاية. صرخت من الألم وسقطت أرضاً على وجهها. تحرك بخطى سريعة ناحيتهم، ليدفعها الشاب ناحيته يحاول الفرار. إلا أن حسن وصل إليه، أمسكه من تلابيب ملابسه من الخلف، يدفعه لأحد الجدران، يغرز وجهه في الجدار بعنف، يصيح فيه محتداً متوعداً:
"بقي حتة عيل *** زيك يحط إيده عليها؟ ده أنا أقطعلك إيديك ورجليك وأمشيك تزحف على وشك!"
ارتجف الشاب فزعا، ليلمح بعينيه يمنى هناك. كانت على وشك الركض، إلا أن أمل وقفت أمامه تمنعها من التقدم خطوة أخرى. مدت أمل يدها، تقبض على خصلات شعر يمنى بكل ما يعتمر في قلبها من خوف مما حدث. جذبتها بعنف، رفعت يدها الأخرى تصفعها على وجهها بقوة، تصرخ فيها:
"أنا اديتك الأمان، لا عمري آذيتك لا بقول ولا بفعل. رايحة فين؟ انتي فاكرة إنها هتعدي ببساطة كده؟ فكراني هقعد أعيط؟ ده إحنا هنحطك تحت رجلي."
وبالفعل، ذلك ما حدث. دفعتها أمل بعنف، تسقطها أرضاً. خلعت حذائها، جثت فوقها تضربها بعنف، ويمنى تصرخ من الألم تتوسلها أن ترحمها.
ارتسمت ابتسامة كبيرة على شفتي حسن، ينظر لها متفاخراً. تلك الفتاة حقاً ستكون زوجة رائعة. التفت برأسه، لتختفي ابتسامته. اقترب برأسه منه، يهسهس متوعداً:
"اللي بيغلط عندنا لازم يتعلم عليه، عشان كل ما يفكر يغلط تاني، يفتكر اللي حصل ويرجع تاني زي الكلب."
أخرج حسن مديته في حركة خاطفة، فتح نصلها الحاد. في لحظة، كان جرح طويل يقسم ظهر الفتى نصفين. جرح يؤلم ولا يقتل، من يد خبيرة تعرف جيداً ما تفعل. صرخ الشاب من الألم. صرخاته مع صرخات يمنى جعلت كل من في المدرسة يخرج إليهم، ومنهم المدير الذي صرخ غاضباً ما أن رآهم:
"إيه اللي انتوا عاملينه ده؟ وقعتكم سودا. طل واحدة جايبالي بلطجي وبتضربوا بعض. أنا هوديكم القسم وهما يتصرفوا معاكم يا شوية غجر."
أشار للعمال أن يمسكوا بهم إلى أن تأتي الشرطة. أمسكت إحدى العاملات بأمل، تجذبها بعنف من فوق يمنى، التي أمسكت بها أخرى، يجذبهن بعنف إلى داخل المدرسة. في حين ألقى حسن الشاب أرضاً يتلوي من الألم. تحرك في هدوء إلى داخل المدرسة، وقف في الباحة بالقرب منها. أشعل سيجارة، ينفثها ببطء. اقترب منه أحد المعلمين يصيح فيه:
"يا بجاحتك! اطفي يا واد السيجارة دي."
رفع حاجبه الأيسر مستهجناً، ساخراً مما قال. أبعد السيجارة عن شفتيه، ينفث دخانها الملتوي جانب فمه بابتسامة ساخرة، يلف حلقة المادية حول سبابته اليسرى، يغمغم بالتواء:
"بتقول حاجة يا أستاذ؟"
نظر الرجل للمادية في يده متوتراً، ليتركه ويرحل، يغمغم مع نفسه:
"شوية بلطجية ما شافوش تربية."
التفت حسن برأسه، ينظر ناحية أمل، ليراها تنظر أرضاً، تقبض كفي يدها. رفعت وجهها تنظر إليه. رأى في عينيها نظرة كره ونفور واتهام، كأنه تصرخ دون صوت: إن ما حدث بأكمله بسببه هو!
***
ها هي تقف هناك في ورشة النجارة الخاصة بها. تمسك في يدها عصا مكنسة قديمة. أمامها سطل ممتلئ بالماء وقطعة قماش قديمة. وأمامها يجلس جبران على مقعد من الخشب، يضع ساقاً فوق أخرى. بجواره، بجواره النارجيلة (الشيشة)، ينفث دخانها بتلذذ. أشار برأسه لها أن تبدأ، ابتسم يردف ساخراً:
"إيه يا بنت الذوات، واقفة ليه؟ يلا ابدأي. عايز أشوف الورشة مراية. نشوف وشك الحلو ده فيها."
وقفت ثانية، اثنتين، ثلاثة. تمر أمام عينيها حياتها بالكامل في منزل والدها، كيف كانت أميرة بحق. والآن ها هي هنا تحت رحمة بلطجي رد سجون.
اعتصرت يديها عصا المكنسة، تسارعت أنفاسها غضباً. لن تسمح له بأن يذلها أبداً. ألقت المكنسة بعيداً، تدفع السطل بقدمها بعنف، ليسقط أرضاً بما فيه من مياه، يغرق الأرض. اندفعت ناحيته تدفع النارجيلة أرضاً لتنكسر هي الأخرى. وقفت تصرخ فيه دون خوف:
"أنت فاكر نفسك مين عشان تحط قانون وأحكام وثواب وعقاب؟ رئيس ولا حاكم؟ أنت بلطجي رد سجون، تاجر مخدرات. ما بتعملش حاجة في حياتك غير إنك بتأذي الناس اللي عمالة تسقفلك دي. فوق، لو هما خايفين منك، أنا لأ. لو أنت فاكر نفسك حاجة، فأنت ولا حاجة. صفر على الشمال، صفر مؤذي لازم يتمسح من الدنيا كلها."
طفح كيله. رغم أنها لم تقل سوى الحقيقة كما يعرف هو والجميع، إلا أنه غضب. احمرت حدقتاه، تكاد تنفجر من الغضب. في لحظة، كان يقبض على ذراعها، يجذبها خلفه وهي تصرخ فيه أن يتركها. الجميع يراقب، خائف، مدهوش، متعجب. توجه بها إلى العمارة التي يقطن فيها، لتلطم فتحية خديها فزعاً:
"يالهوي، يالهوي! ده هيموتها. منك لله يا وتر."
ركضت خلفهم تصيح فزعة:
"أبوس إيدك يا معلم، أنا هاخدها ونمشي من الحتة كلها. أبوس إيدك، أنا اتحرمت منها سنين. ما تأذيهاش."
جلمود صخر لم يهتز لتوسلاتها. أكمل طريقه دون أن ينظر خلفه، يكاد يخلع ذراعه في يده. تلك الصغيرة، تمادت كثيراً. أهانته مرتين في يوم واحد. صفح مرة، أما الثانية فلا، أبداً لن يفعل. جذبها خلفه إلى شقته، يدفعها للداخل، دخل يصفع الباب خلفه!!
***
جاءت سيارة الشرطة وأخذت الجميع إلى أقرب قسم من المنطقة التي توجد فيها المدرسة. في غرفة الضابط المسؤول عن التحقيق، وقف الأربعة. فُتح الباب ليدخل الضابط المسؤول عن التحقيق، يتحدث للعسكري الواقف خلفه:
"هو كريم فين يا باشا؟"
يرد العسكري سريعاً:
"جاء بلاغ يا باشا عن جريمة قتل، وكريم باشا راح هناك."
التفت الضابط برأسه ينظر لهم، ليعاود النظر للعسكري:
"والبهوات دول جايين في إيه؟"
مرة أخرى عاد العسكري يجيب سريعاً:
"محضر شغب يا باشا في مدرسة التجاري البنات القريبة من هنا. كانوا بيضربوا بعض، وواحد منهم عوّر التاني بمطوة."
زفر الضابط أنفاسه حانقاً. دخل إلى الغرفة، خلع سترة حلته، يضعها على حافة مقعده، يجذب ربطة عنقه، يتمتم حانقاً بصوت خفيض للغاية:
"أنا أصلاً ما بحبش الجرفتات دي، بتخنقني."
رفع وجهه، ينظر لهم، يغمغم ساخراً:
"أهلاً بالشباب المكافح. إيه يا حبايبي، دي عيلة أوي؟ واضح إن بابا وماما ما ربوش، وجاييني أنا أربي بقي. وماله، نبدأ التربية من أول السطر. بطايق البهوات والهوانم."
وضع كل منهم بطاقته على سطح المكتب أمام الضابط. نظر لها واحدة تلو الأخرى، أمسك إحداها، يدق بها على سطح المكتب بخفة، يغمغم ساخراً:
"حلو أوي... يعني كلكم عيال، ما عدا حسن بيه. ما شاء الله، راجل بيعرف يضرب. إيه بقي اللي حصل بدل ما أرميكم كلكم في السجن؟"
هنا تدخلت أمل تحادث الضابط:
"هتصدقني يا باشا؟"
ابتسم الأخير، ينظر لها في هدوء، أشار لنفسه يتمتم:
"هصدقك."
بدأت أمل تقص عليه ما حدث كاملاً، وهو يتابع عن كثب حركات يديها، انفعالها، يتفرش ملامح وجهها، يتأكد من صدق كلامها. ظل صامتاً حتى بعد أن انتهت، فقط انتقل بعينيه إلى الفتاة الواقفة جوارها، يسألها:
"الكلام اللي قالته ده حقيقي؟"
ارتجفت عينا يمنى فزعاً، تحرك رأسها بالنفي سريعاً، تصيح متلعثمة:
"كذذذابة، دي كذذذابة. أنا شوفتها هي والراجل بيبوسوا بعض. كنت ماشية أنا وابن خالتي مروحين، زعقنا فيهم، فراحت هي قعدت تضرب فيا، وهو ضرب سمير. وإحنا مالناش ذنب. مش كده بردوا يا سمير؟"
حرك الفتى رأسه بالإيجاب سريعاً، يصدق على كذبتها. في حين ابتسم الضابط في هدوء، همهم يحرك رأسه بالإيجاب، يردف ساخراً:
"لأ صادقة، صادقة. أنتِ عارفة اللي يضحك إيه؟ إن أنتِ فاكرة نفسك تقدري تضحكي على لوا؟ يا بنتي، أنا الشيب اللي في راسي ده شاف من عينتكم أشكال وألوان."
قام من مكانه، يلتف حول المكتب، وقف أمام ذلك المدعو سمير، يدس يديه في جيبي سرواله، يغمغم في بساطة:
"هي بقي كانت عايزة إيه؟ تغتصبها عشان تكسر مناخيرها، مش كده؟"
نظر الفتى له مذعوراً، يبتلع لعابه الجاف كالصحراء. يحاول أن يكذب، ولكن هيبة الرجل مخيفة أكثر من اللازم. وجد نفسه تلقائياً يحرك رأسه بالإيجاب. ليلتف الضابط برأسه ناحية يمنى، يرفع كتفيه لأعلى، يشير بيسراه إلى سمير، ينظر لها ساخراً كأنها يخبرها: انظري، لقد اعترف بكل شيء. رفع يده، يربت على وجه الفتى بعنف، مرة تليها أخرى.
توجه ناحية حسن الواقف جوار الفتى. وقف أمامه، يقطب ما بين حاجبيه، يسأله:
"أنا شوفتك في حتة قبل كده. شوفتك فين؟ فين.... مش فاكر، بس أنا واثق إني شوفتك قبل كده في قضية في سجن في مصيبة. ما هو أصل الجرح اللي على ضهره ما يعملوش غير فنان محترف."
نظر لحسن بحدة، لينظر الأخير له متوتراً. لما يشعر بالقلق منه؟ قد قضى أغلب حياته بين الأقسام أساساً، ولكنه لا يعرف شيئاً بداخله يحثه بأن يعترف بكل جرائمه ما أن ينظر لوجه الرجل الواقف أمامه. إحساس مخيف ينبعث منه. حمحم، يريد أن يقول شيئاً، حين انفتح الباب فجأة ودخل كريم يلهث بقوة، يوجه حديثه للواقف أمامه مدهوشاً، يشكره بكل أدب:
"خالد باشا! يا نهار أبيض! هو حضرتك اللي بتحقق معاهم بنفسهم؟ ما كانوا اترمو لحد ما أجي. تعبنا حضرتك والله يا باشا."
ابتسم خالد في هدوء، توجه يلتقط سترة حلته. اقترب من الضابط، يغمغم مبتسماً:
"لأ أبداً ما فيش حاجة. الواد المتعور والبت اللي معاه هما اللي عملوا المشكلة. على العموم، المساعد بتاعك سجل كل أقوالهم. خش كمل شغلك."
ألقى سترته على ذراعه، التفت برأسه، ينظر لحسن قبل أن يغادر، ليبتلع الأخير لعابه متوتراً. ما به ذلك الرجل ينظر له هكذا؟
رواية جبران العشق الفصل السابع 7 - بقلم دينا جمال
الهجمي البربري عديم الأخلاق ألقاها بعنف ناحية أحدى الأرائك، لتسقط على وجهها. من الجيد أن الأريكة سميكة، وإلا لكانت تأذت. رفعت وجهها تنظر له حانقة غاضبة. انهمر شعرها شلالاً يغطي وجهها. توجست حدقتاها تنظر لهيئته الشرسة المخيفة. قميصه مفتوح حتى منتصفه، شعره مبعثر، وجهه غاضب حاد، عروقه نافرة، عيناه حمراء كالجمر.
اقترب منها بخفة كفهد يتربص بفريسته. في لمحة، بات أمامها. هبط بجذعه العلوي قليلاً يصرخ فيها بعلو صوته:
"إنتِ عايزة إيه يا بت أنتِ؟ من ساعة ما رجلك خطت الحارة دي وأنا عمال أعديلك غلطة ورا غلطة ورا غلطة. تضربيني بالقلم وتهنيني قدام أهل الحتة. أنتِ عارفة أنا أقدر أعمل فيكي إيه؟ أبسط حاجة إني ما أخرجكش زي ما دخلتي."
توسعت عيناها في هلع حين فهمت المعنى الخبيث في جملته. تجمد جسدها غير قادرة على الإتيان بحركة واحدة. ابتلعت لعابها خائفة، ارتجفت حدقتاها تهمس بصوت ترتعش:
"إنت متقدرش تعمل كدة. إحنا مش غابة هنا."
ضحك عالياً بملء شدقيه، وضع يديه على خاصرته يتأتأ ساخراً:
"لأ، إحنا في غابة فيها السباع بتاكل الغزلان اللي زيك."
في تلك اللحظة، صدح صوت دقات الباب. والدتها تصرخ باسمها من الخارج، تتوسل جبران أن يفتح لها الباب ألا يؤذي ابنتها. تحرك جبران ناحية باب المنزل لتقف هي سريعاً من مكانها.
فتح جبران الباب بعنف لِتندفع فتحية إلى الداخل تبحث عن ابنتها بأعين متلهفة خائفة. هرولت إليها ما أن رأتها تجذبها لأحضانها تحمد الله أنها بخير. نظرت لجبران تحادثه متوسلة بأعين تنهمر منها الدموع:
"ربنا يخليك يا معلم. أنا عارفة إنك مش هتأذيها. امسحها فيا يا سيد الناس وأنا مش هخليك تلمح طيفها تاني، أو هاخدها ونمشي من الحتة كلها."
توجه جبران إلى أحد المقاعد، ارتمي بجسده إليه يضطجع بظهره إلى ظهر المقعد، وضع ساقاً فوق أخرى. رفع يمناه يحرك سبابته وإبهامه على شعيرات ذقنه النامية، يغمغم في حدة:
"ما فيش مشيان من هنا لأ أنتِ ولا المحروسة بنتك. ودا اعتبره آخر تحذير. أنا حذرتك مرة واتنين. التالتة تابتة. غلطة كمان واقسملك بالله هوريكي البلطجية وأرباب السجون بيعملوا إيه، ماشي يا حلوة."
انفجرت أنفاسها غضباً. لا، لن ترضخ كما يظنها. ابتعدت عن أحضان والدتها تصيح فيه:
"لأ، مش فاهمة. إنت مين عشان تتحكم فينا بالشكل ده؟ تقرر إني أقعد ولا أمشي؟ أنا وتر سفيان الدالي. سفيان الدالي اللي لو كان موجود دلوقتي ما كانش حتة بلطجي زيك اتجرأ حتى إنه يعدي من جنب ضلي."
انطوى جانب فمه بابتسامة لئيمة. ينظر لها والدته لا تتوقف عن لكزها بمرفقها علها تصمت. والأخيرة كقطة شرسة تأبى إلا تظهر أظافرها في وجه من يفكر الاقتراب منها. فتح فمه يريد أن يقول شيئاً ليصدح صوت أحد رجاله يصرخ من أسفل:
"الحق يا معلم جبران. المعلم طاهر جايب رجالتة وعايزها عركة!"
انتفض من مكانه. توجه سريعاً ناحية الشرفة ينظر منها. احتدت عيناه، خرجت من بين شفتيه سبة بذيئة. ليندفع إلى الداخل يخرج سلسلة ضخمة من الحديد لفها حول يده ليهرول إلى أسفل.
تحركت بصحبة والدتها سريعاً إلى الشرفة. توسعت عيناها هلعاً تنظر للمجزرة التي تحدث بالأسفل، خاصة حين نزل جبران يصرخ فيهم غاضباً:
"طاهر يا طحان! لا عاش ولا كان اللي يتعدى على منطقة المعلم جبران!"
على الجانب الآخر، يقف رجل طويل القامة ضخم الجثة ببطن ممتلئ وجلباب صعيدي وعمامة فوق رأسه. ذلك هو الشكل الذي تعرفه عن "معلمين الحواري". ابتسم ذلك الرجل لتظهر أسنانه الصفراء ذات سن الذهب، يغمغم ساخراً:
"لا عاش وكان وهيحط على المنطقة وكبيرها. مش عامل لي فيها المجرم النزيه وما بترضاش تبيع الحشيش لأهل منطقتك، وواخد أحسن منطقة حاطط إيدك عليها غصب واقتدار. أنا بقي مش هسيبها يا جبران. أنا المعلم الجديد هنا."
ابتسم جبران في هدوء ساخر ينظر للرجال الذي يقفون حوله يمسكون بعصيان غليظة وسكاكين كبيرة ضخمة يتربصون برجاله. ضحك عالياً بخفة، يحرك السلسلة في يسراه بخفة، يشير بينما لهم بأن يقتربوا. ما حدث بعد ذلك كان مجزرة بكل ما تعنيه الكلمة. الكثير من الصرخات تصدر من كل حدب وصوب. البعض خائف فزع يهرول بعيداً، والبعض الآخر يدافع باستماة. أما جبران فسلسلته امتلأت بالدماء. من يحاول الاقتراب تلسعه بعنف، كما أنها سوط وربما أشد قسوة وعنفاً.
الوضع كان مخيفاً كارثياً. صاحت وتر مذعورة:
"لأ لأ لأ. أنا هكلم زياد، هو اللي هيتصرف. مت الهمج دول، دول بيموتوا بعض."
ما كاد تخرج هاتفها من جيب سروالها، نزعته فتحية منها بعنف. نظرت لها مدهوشة، لتصرخ فتحية فيها غاضبة:
"إنتِ عايزة إيه يا وتر؟ عايزة جبران يموتك؟ دا تاني يوم ليكِ هنا وخلتيه مستحلفلك. بلغتي عنه وضربتيه بالقلم وهزقته. كفاية بقى، بقي مستنيالك غلطة وما حدش هيقدر يمنعه عنك."
توسعت عيناها في ذهول ترمش بعينيها عدة مرات. لا، لا، لن تبقي في تلك الفوضى. هؤلاء الناس مجانين، لا يعقلون شيئاً. اجفلت على صوت أحد الرجال يصيح فزعا:
"الحكومة على أول الشارع يا معلم!"
ارتسمت ابتسامة متشفية شامتة على شفتيها. توجهت أنظارها للشارع تشاهد سعيدة ما سيحدث. بالطبع سيتم إلقاء القبض على كل هؤلاء، وأولهم البربري عديم الأخلاق. توسعت عيناها في ذهول حين رأت الوضع يتبدل لحظات. الجرحى تم جذبهم إلى مداخل البيوت القديمة. اختفت الأسلحة البيضاء في لحظات، وبات الوضع مجموعة من الأناسي يقفون جوار بعضهم البعض. ها هو جبران يقف جوار ذلك الرجل المسمى طاهر، تعلو ضحكاتهم معاً!
وقفت سيارة الشرطة في منتصف الحارة. نزل منها أحد الضباط لا تعرفه، يوجه أنظاره للجميع ليصدح بصوت حاد غاضب:
"أومال فين الخناقة والمجزرة اللي كانت قايمة دلوقتي يا جبران؟"
توسعت عينا جبران في دهشة، يصيح سريعاً:
"خناقة إيه يا باشا؟ لا سمح الله. دا المعلم طاهر جاب أهل منطقته جايين يباركولي على خروجي براءة من القضية."
صمت للحظات قبل أن يردف بابتسامة مبطنة بالسخرية:
"المخبر بتاعك يا باشا بيوصلك معلومات غلط. أنا كاشفه من زمان بس ما رضتش أقولك، قولت راجل غلبان عنده عيال ياكل عيش. إنما ما توصلش إنه ينقلك معلومات غلط يا باشا. الناس جاية تقوم بالواجب يا باشا."
احتدت عينا الضابط غضباً. بين الجموع كانت انتظاره موجهة على المخبر الذي زرعه هنا. من أخبره بوجود معركة دامية في الحي. التفت الضابط يعود إلى سيارة الشرطة، يصيح متأففاً:
"اطلع يا ابني، هو يوم باين من أوله."
تحركت سيارة الشرطة وجبران يرفع يده عند رأسه يحيهم بابتسامة كبيرة:
"باشا والله نورتنا في الشوية الصغيرين دول. طب استنى أشرب حاجة. مع ألف سلامة يا باشا. شرفت ونورت."
اختفت السيارة من أمام أعينهم، ليفتح جبران مديته في لحظة يوجهها إلى عنق طاهر، وبيده الأخرى يكمش تلابيب جلبابه بعنف، يصيح فيه محتداً:
"اسمعني كويس يا طاهر يا طحان. رجالتك اترمت زي الكلاب، وأنا لو كنت عايز أموتهم ما كانوش خدوا في إيد رجالتي غلوة. وأنت لو رجلك النجسة دي خطت جوا منطقتي تاني هقطعها لك، مش بس هكسرها لك. فاهم يا طحان؟"
ارتجفت حدقتا الرجل بعنف، يهز رأسه بالإيجاب سريعاً ليدفعه جبران بعنف أسقطه على ظهره أرضاً، يصيح فيه:
"يلا غور من هنا. دقيقة لو شفت خلقتك العكرة هخلي مطوتي تنحت وشك اللي شبه وش التور."
هرول الرجل من أمامه كما لو كان يهرول من الموت. ليغلق جبران مديته يلفها حول إصبعه بخفة، يحادث صبيانه متفاخراً بهم:
"الله ينور يا رجالة. لآخر اليوم راحة ليكوا يلا."
وكم بدا الرجال سعداء من كلمات بسيطة للغاية. توجه جبران إلى إحدى مقاعد المقهى الشعبي في حيه، يصيح في الصبي الصغير:
"واد يا مصطفى الشيشة بتاعتي وكوباية شاي تقيل سكر زيادة. وابعت عيل من عندك يجبلي شقتين فول وطعمية من عربية عمك سيد وقوله يزود الفلفل في الطرشي."
رفع رأسه ينظر إلى شرفة منزله التي لا تزال تقف فيها. ما أن رآها تنظر له في ذهول وكأنها ترى عرضاً سينمائياً حياً للمرة الأولى، ضحك ساخراً على منظرها، ليغمزها بطرف عينيه. تلك الفتاة حاولت هز صورته أمام الجميع، ولكن بما فعله قبل قليل، عادت صورته لتعلو من جديد.
نفق دخان النارجيلة الكثيف من بين شفتيه. وقفت سيارة أجرة، نزل منها حسن ومعه أمل. مشهد الفتاة المزري حين نزلت من السيارة يخبره بوضوح أن كارثة قد حلت. وبالطبع من فعلها غيره الأحمق ذراعه الأيمن الذي لا يفقه في الدنيا شيئاً سوى العنف! ألقى ذراع النارجيلة من يده، تقدم إليهم سريعاً، وقف أمام الفتاة يصيح فيها:
"مالك يا بت؟ هو الواد دا عملك حاجة؟ انطقي يا بت ما تخافيش."
ظلت أمل صامتة للحظات طويلة، قبل أن تسقط أرضاً فجأة فاقدة للوعي أمام الجميع.
***
حل الليل عليهم. تجلس في غرفتها تقرأ أحد الكتب، تتلمس الأحرف بأصابعها. تضحك وتبكي مع كل مشهد تتأثر به في تلك الرواية. جوار الشرفة تجلس على مقعد من الجلد في عالم آخر، تتوه مع صفحات الكتاب. حين سمعت دقات على باب الغرفة. زفرت حانقة. تلك ليست دقات فتحية. سمحت له بالدخول، لتسمع خطواته تقترب منها شيئاً فشئ. سمعته صوت صينية تقريباً تُوضع على الطاولة الصغيرة أمامها. ليجذب له مقعد، جلس أمامها ينظر لها يسألها بفضول:
"هو إنتِ بتقرأي الكتاب دا إزاي؟ أنا مش فاهم حاجة."
زفرت حانقة تغلق الكتاب بعنف. رفعت يدها تزيح خصلة متدلية من فوق جبينها، تغمغم محتدة:
"مش شغلك على فكرة. ممكن بقي تسيبيني أكمل باقي الرواية. عايزة أعرف البطل هيعمل إيه."
ارتسمت ابتسامة عابثة على شفتيه. قام يحمل مقعده ليجلس جوارها قريباً منها. ابتسم يغمغم:
"احكي بصوت عالي. عايزة أعرف الرواية دي فيها إيه."
زفرت بعنف من جديد تصيح محتدة:
"إنت ممكن تنزلها من على النت على فكرة. ممكن تتفضل بقي!"
"أنا ما بعرفش أقرا."
غمغم بها بنبرة خافتة حزينة بها بعض الخزي والخجل. وكأنه يخجل من كونه لا يعرف القراءة. شعرت بالحرج مما قال. حمحمت متوترة، تفتح أول صفحات الكتاب تروي له ما بين دفتي روايتها المفضلة. توقفت عن القراءة في المنتصف تسأله:
"بس إنت بتقول إن عيلتك غنية أوي. إزاي ما بتعرفش تقرا؟"
سمعت زفرة طويلة حزينة تخرج من بين شفتي ذلك الجالس جوارها. يتمتم بصوت باهت:
"الظروف يا أستاذة. كل واحد عنده سر هو منه وبيداريه. على رأي الأستاذة اللي مش فاكر اسمها إيه وهي بتغني."
لا تصدق أنها تضحك على المزحة التي قالها خاطفها. الوضع برمته غريب. الاختطاف، المكان، الرجل، كل شيء غير طبيعي. سمعته يتمتم متذمراً كطفل غاضب:
"ممكن تكلمي بقي. عايز أعرف إيه اللي هيحصل."
تنهدت بعمق، تحرك رأسها بالإيجاب، فتحت صفحات الرواية تعاود القراءة منها من جديد. أما هو فكانت عيناه مثبتة عليها، يتابع حركة شفتيها، ضحكتها، تكشيرة جبينها، حركة أصابعها، خصلات شعرها المائلة. عسل عينيها وهو يضحك ويغضب ويحزن مع كل مشهد.
سلسبيل عذب يود أن ينظر إليه للأبد ليظل يرتوي منه دون شبع! لم يستطع منع كف يده حين امتدت تزيح إحدى خصلات شعرها خلف أذنيها. لتنتفض. كادت أن تبتعد عنه حين قبض على رسغ يدها يهمس لها بنبرة شغوفة يملؤها شيء ما غير مفهوم تماماً:
"إنتِ ليه حلوة كدة وليه مخلصة ليه أوي كدة؟"
حاولت نزع يدها من يده بعنف تصيح فيه غاضبة:
"أبعد عني. سيب إيدي. أنا غلطانة من الأول إني قررت أقرأ لشخص زيك، شخص وقح وقليل الأدب."
ترك رسغ يدها لتبتعد عنه سريعاً. لا تعرف أين تذهب. شعرت في تلك اللحظة بالتشويش. تقدمت للأمام تحرك يديها في الهواء تحاول الوصول لباب الغرفة. حين سمعت ما جمد الدم داخل عروق جسدها:
"على فكرة بيجاد الزوج المخلص مدمن المخدرات مات من كذا يوم في المصحة وهو بيتعالج. مات بجرعة زايدة جوه المصحة!!"
***
بيت لا بل قصر من القصور الفخمة التي تقف أمامها عاجزة عن وصف جمالها بالأحرف. المكان فاخر فخم بشكل يعجز اللسان عن التعبير عنه، تملئه الحراسة من كل حدب وصوب. داخل القصر الكبير في غرفة الجلوس يرتمي على الأريكة يعبث في هاتفه يحادث إحدى الفتيات. حين انفتح باب المكتب الضخم وخرج منه رجل في منتصف عمره، طويل القامة، عيناه كالعسل، ملامحه حادة مظلمة وكأن الشر يسكن هنا داخل صدره يعثو في الأرض فساداً ثم يعود لموطنه من جديد. ابتسم ساخراً ما أن رأى ولده ليغمغم متهكماً:
"أهلاً أهلاً طارق باشا، معقولة ما فيش سهرات النهاردة."
رفع طارق عينيه عن شاشة هاتفه يحادث أبيه مبتسماً:
"لأ أبداً، أنا خارج بعد شوية. بس ماما قالتلي إنك مجدي باشا التهامي عايزني. خير يا بوب؟"
زفر مجدي أنفاسه بعنف. ليقترب من ولده جلس على المقعد جواره يستند بمرفقيه إلى فخذيه، يغمغم بنبرة قاتمة خبيثة:
"مروان السروجي صاحب شركات الحديد والصلب المشهورة عارض علينا نص حصته بربع التمن مقابل رُسل. شافها وعجبته وعايزاها ليه. هو صحيح راجل مجنون ميوله مريضة شوية، بس دي صفقة ما تترفضش وإحنا كده كده مش مستفادين حاجة من رُسل."
توسعت عينا طارق، يوم بعد يوم يثبت له أبيه أنه لا يمت للإنسانية بصلة، على أتم استعداد أن يبيع الجميع مقابل مصلحته هو فقط. حمحم يغمغم مدهوشاً:
"أيوه بس مش رُسل مخطوفة أصلاً."
ارتسمت ابتسامة قاتمة على شفتي مجدي، اسودت نبرته شرا، يغمغم ساخراً:
"وأنت فاكر إن أنا ما أقدرش أعرف هي فين في أقل من ساعة؟ هديك العنوان، تروح مع رجالتنا تجيبها وتيجيلي على (.....) عشان نسلمها لمروان على طول وناخد حصتنا، وكده كده بيجاد مات وخلصنا منه!"
الليلة تنفذ.
رواية جبران العشق الفصل الثامن 8 - بقلم دينا جمال
ارتمت تبكي قسوة ما حدث لها قبل سويعات قليلة من غدر صديقة لم تؤذها يومًا، من همسات بشعة لن تنساها أبدًا. لولا وجود حسن في تلك اللحظة لكانت قد اغتيلت بأبشع شكل. كان لا تشكره ولا تمتن له، حتى هو السبب من البداية، هو من اضطرها للخروج من ذلك الباب الخلفي حتى لا تراه، حتى لا يلتصق بها كالعلكة في طريق عودتهم. يكفي ما فعله بعد أن خرجا من قسم الشرطة.
**Flash back**
تم إخلاء سبيلهما بعد أن أخذ الضابط اعتراف سمير. وانهارت يمنى تصرخ بحقد منها أنها كانت فقط تريد إيذاءها. خرجت من القسم وهو يسير جوارها، تنظر أرضًا، عيناها شاردة، قسمات وجهها مجهدة، حزينة، لا تصدق ما حدث قبل قليل، كان كصفعة مدوية على وجهها. ألا تثق في أي أحد كان أبدًا.
أُجلفت على يد حسن تمسك بكف يدها. حاولت جذب يدها من يده بعنف، ليحكم قبضته على رسغها. أوقف سيارة أجرة، يدفعها لتدخل إليها وجلس جوارها يخبر السائق بوجهتهم. جلست جواره صامتة، متجهمة، غاضبة منه، تكاد تنفجر في أي لحظة، خاصة حين سمعته يهمس لها محتدًا:
"اصبري لما نروح، أنتِ إيه اللي خلاكِ تخرجي معاها من الباب اللي ورا؟ لو ما كنتش دخلت أدور عليكِ في المدرسة بعد ما البنات كلها خرجوا، يا عالم كان هيحصل فيكِ إيه."
احتقنت عيناها بالدماء، الغضب يأكل خلاياها. لا ينقصها سوى أن يرمي باللوم عليها الآن. التفتت له برأسها، لم تهتم أين هم، لم تهتم بالسائق الذي يجلس أمامها. صرخت فيه محتدة، غاضبة:
"أنت مالكش أي حق أنك تجيب اللوم عليا وأنت السبب. أنا آه خرجت معاها من باب المدرسة اللي ورا بس عشان أخلص منك ومن لزقتك فيا، أنت السبب ولو كان حصلي أي حاجة هتبقى بسببك أنت."
وهنا فاض الكيل به هو الآخر ليصدح صوته عنيفًا، غاضبًا:
"أنا السبب؟ أنا اللي قولتك اعرفي واحدة شمال كانت هتوديكي في ستين مصيبة؟ لزقة إيه يا بت؟ هو أنا بتحرش بيكِ؟ دا أنا عايز أتزوجك على سنة الله ورسوله."
دفعته في صدره بعنف، تصرخ فيه بشراسة:
"وأنا مش عيزاك يا أخي، افهم بقى! هفضل أقولك كام مرة أنا مش عيزاك، ما بحبكش، ما بطقش أشوف وشك. أنت إيه ما بتحسش؟ ما عندكش دم؟"
تنفس بعنف، هاجت دماؤه غضبًا، كور قبضته يشد عليها، يمنع نفسه بصعوبة من أن يصفعها بعنف على ما قالت. احمرت عيناه غضبًا، لمح بطرف عينيه السائق ينظر لهما من مرآة السيارة الأمامية، يتابع باهتمام شديد ما يحدث وكأنه يشاهد عروض الأفلام مثلًا. كبح غضبه، يهسهس متوعدًا:
"صبرك عليا لما نروح!"
**Back**
أُجلفت على يد والدتها تهزها برفق، وصوتها الملتاع تسألها بحرقة:
"مالك يا أمل؟ حصلك إيه يا قلب أمك؟ الواد حسن دا عملك حاجة؟"
حركت رأسها بالنفي، تنهدت متعبة، منهكة، تقص على والدتها سريعًا ما حدث. شهقة فزعة خرجت من بين شفتي سيدة، توسعت عيناها فزعًا قبل أن تجذب ابنتها لأحضانها، تصيح بحرقة:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيها، منها لله ربنا ينتقم منها. الحمد لله يا بنتي أنك بخير، دا أنا كنت هجنن لما أغمي عليكِ في وسط الحتة."
اقتربت فتحية منها، جلست جوارهم، تربت على كتف سيدة بخفة تخفف عنها:
"الحمد لله يا سيدة، هي بخير أهي، اهدي يا أختي... الحمد لله أنك بخير يا أمل يا بنتي."
ارتسمت ابتسامة شاحبة على شفتي أمل، تحرك رأسها بالإيجاب.
أما وتر، فكانت تجلس في جانب الغرفة على أحد المقاعد، زفرت أنفاسها غاضبة منذ ساعة ويزيد وهي تجلس هكذا منذ أن فقدت تلك الفتاة الوعي. هرولت والدتها تساعد سيدة، تلك السيدة التي كانت تعمل خادمة في فيلا والدها. حملا الفتاة معًا، يدخلان بها إلى منزل سيدة، رأت رجلًا قعيدًا يجلس على مقعد متحرك، ما أن دخلت، ملامح الفزع التي رأته على وجهه أخبرتها أنه أبوها، ولكن الغريب أنه لا شبه بينه وبين أمل.
قامت من مكانها، اقتربت منهم، شئ ما بداخلها يريد أن يواسي تلك الفتاة. توجهت إلى الجانب الآخر من الفراش بعيدًا عن سيدة ووالدتها، حمحمت بخفوت لتنظر أمل. ابتسمت بخفة، تمد يدها لها لتصافحها، تغمغم مبتسمة:
"أنا وتر، وأنتِ أمل صح؟"
ارتسمت ابتسامة بسيطة على شفتي أمل، صافحتها، تجذبها بخفة لتجلس جوارها، تغمغم مبتسمة:
"أيوه طبعًا عرفاكِ، ماما يا أما حكتلي عنك كتير أوي، قالتلي قد إيه أنتِ جميلة ومرحة وروحك حلوة."
ابتسمت وتر مجاملة لما قالت، تومئ بالإيجاب في صمت.
في حين في الأسفل، جلس حسن على المقعد على المقهى الشعبي أمام جبران، يقص عليه ما حدث سريعًا. ليربت جبران على كتفه بخفة، يغمغم متفاخرًا:
"جدع والله يا واد يا حسن، بس بردوا غشيم ما بتعرفش تتعامل مع جنس حوا. هقولهالك للمرة الألف يا ابني، دول ما بيجوش غير بالحنية."
تأفف حسن حانقًا، يرتشف ما تبقى من كوب الشاي الموضوع أمامه، يغمغم حانقًا:
"جبران إنت عارف أنا لا ليا ولا في جو التلزيق دا، أنا عايز أتزوجها وبس كده. أنا لو عليا اطلع أطلب إيدها دلوقتي."
ضحك جبران عاليًا، ليقف من مقعده، اقترب منه يجذب ذراعه ليقف هو الآخر، ليردف ضاحكًا:
"طب والله ما أنا مزعلك، تعالا نطلع نطلب لك إيدها، نجيب بس كيلو حلويات ندخل على الناس."
ابتسم حسن مبتهجًا كأنه طفل صغير، يومأ بالإيجاب سريعًا. تحركا معًا لمحل صغير لبيع الحلويات الشرقية، ابتاع صحنًا كبيرًا من الحلويات، يتحرك بصحبة حسن إلى منزل أمل. وقف حسن في مدخل العمارة السكنية أمام جبران. أخرج مشطًا صغيرًا من جيب سرواله يمشط خصلات شعره المبعثرة. في حين ابتسم جبران ساخرًا. قميص حسن مجعد، عليه آثار بعض الدماء، سرواله الجينز قديم، يرتديه فقط في الورشة، وحسن يهتم فقط بخصلات شعره المبعثرة!
دفع في كتفه، يغمغم ضاحكًا:
"اطلع يا نحنوح قدامي، خلينا نطلب لك البت ونخلص من هبلك."
**_________**
على صعيد آخر، جلست على فراشها متجمدة، عيناها تزرف الدموع بلا توقف. بيجاد مات، من أحبت عمرًا وتمنت أن يبقى، مات هكذا فجأة دون مقدمات، دون أن يحبها، دون أن تراه مرة أخرى. لم تكن تريد شيئًا في هذه الدنيا بقدر أن تراه، أن يحبها كما أحبته.
جلست هكذا لساعات، رغم محاولات نجلاء المستميتة للتخفيف عنها، حتى صرخت فيها تطردها من الغرفة، وهي لأول مرة تفعل ذلك. ارتمت بجسدها على الفراش، تضم ركبتيها لصدرها، تغمض عينيها، تشهق في البكاء بحرقة، قلبها يرتجف بعنف.
في حين في الخارج، جلس هو على مقعد بالقرب من غرفتها، يقبض على يدي المقعد بعنف. صوت بكائها المتواصل لم ينقطع منذ أن أخبرها بموت زوجها المدمن. لا يعرف كيف أحبت ذلك الرجل بكل ما به من شر وسوء. الحمقاء أحبت شيطانًا دون أن تدري!
قام من مكانه يود الدخول إليها، حين تناهى إلى أسمعه صوت سيارة تقترب. نظر من النافذة الكبيرة، لتلمح عينيه سيارة دفع رباعي كبيرة تقترب. في مقدمتها يجلس طارق!
"مجدي التهامي إذا بعث برجاله..."
اندفع تجاه غرفة رسل، أغلق بابها بالمفتاح من الخارج، ليندفع إلى أعلى، غطى وجهه بقناع أسود يخفي ملامحه. لا يجب أن يعرفوا من هو الآن على أقل تقدير. حمل بندقية حديثة للغاية، خرج إلى شرفة غرفته، يصوب ناحية عجلات السيارة باحترافية شديدة. قبل أن تخطو السيارة إلى داخل منزله، كانت رصاصته قد أصابت إحدى العجلات، وبعدها الأخرى، لتنحرف السيارة عن مسارها، تقف بعد مجهود. ولكن رصاصته لم تمنع من في الداخل من أن يخرجوا له.
نزل طارق أولًا، وخلفه عدة رجال ضخام الجثة مسلحين. صوب بندقيته ناحية أحد الرجال، يطلق رصاصة اخترقت ساقه ليسقط الرجل أرضًا يصرخ من الألم. ليتأهب البقية، يلتفون حول طارق من جميع الجوانب، يشهرون أسلحتهم في وضع الاستعداد، يطلقون النيران في كل حدب وصوب. علّ إحدى الرصاصات تصيب ذلك الذي يحاول إبعادهم قبل أن يخطو حتى إلى الداخل.
صوت الباب الخلفي؟! أحدهم يقتحم منزله من الاتجاه الآخر، ذلك ما لم يحسب له حسبان. ركض يحمل سلاحه إلى الجانب الآخر، ليجد سيارة أجرة تلتف حول البيت تحاول اقتحامه. وجه بندقيته إلى رأس السائق، رصاصة واحدة وتنقلب السيارة بمن فيها. ليصدح في عقله صوت صرخات مقهورة تصرخ فيه:
"حرام عليك قتلته ليه؟ منك لله ربنا يحرق قلبك زي ما حرقت قلبي عليها."
احمرت عيناه تكاد تنفجر منها الدماء. اخفض بندقيته إلى إطارات السيارة، يطلق عليها الرصاص. في تلك اللحظة، سمع صرخة نجلاء المذعورة. يبدو أنه تأخر كثيرًا واقتحم طارق المنزل وانتهى الأمر. إذا حان وقت المواجهة!!
نزل إلى أسفل في هدوء، ليجد أحد الرجال يمسك بنجلاء، وطارق يشهر مسدسه إلى رأسها، يصرخ فيها:
"رسل فيها قبل ما أفجر دماغك."
"اتكلم معايا أنا يا طارق يا تهامي!"
صاح بها بصوت حاد، جهوري، واثق، ليلتفت طارق إليه، يقبض على مسدسه، يشهره في وجهه. ابتسم في سخرية، يغمغم ضاحكًا:
"أنت بقى اللي عامل فيها جوبا وعمال تضرب رصاص علينا من فوق... طب يا عم القناص... أنا هسيبك عايش وارجعلي اختي. شوفت بقى أنا كريم وطيب إزاي."
صدرت ضحكة عالية، مجلجلة بين شفتي عز، يحرك البندقية في يده بخفة، وكأنه معتاد على ذلك منذ وقت طووويل. لم ينساه عقله، حرك رأسه بالإيجاب يتشدق ساخرًا:
"أيوه طبعًا، هو في زي طيبة قلب مجدي التهامي ولا حنية شيرين هانم، ولا كرم طارق ابنهم، ولا قذارة وليد اللي مات دا."
توهجت عينا طارق بنيران الغضب، أشهر مسدسه في لحظة في وجه طارق، يصيح فيه محتدا:
"ما تبقاش إلا كلب زيك ملوش دية يتريق على عيلة التهامي. أنا بجادل معاك ليه أصلًا؟ كبيرك رصاصة وتترمي زي الكلب."
صوت زمجرة ليث عالية جعلت الجميع يلتفون إليها، حتى طارق. استغل عز ما حدث ليجذب المسدس من يد طارق في لحظة، يشهره في وجهه، ويده الأخرى تكبس على زر في جهاز تحكم صغير، ليصدر صوت فتح بوابة من الحديد. صوت عالٍ تبعه صوت زمجرة أسد عالية من الباب المفتوح، وبخطوات راكضة يركض ليث ضخم ناحيتهم. صرخوا مذعورين، حتى طارق قفز بعيدًا مذعورًا. في حين ابتسم عز في سخرية، وقف الليث جوار عز متأهبًا، ينظر لهم، يكشر عن أنيابه الحادة المخيفة. ضحك عز عاليًا، مد يده يمسح على شعر الليث كما لو كان كلبًا أليفًا. نظر لطارق، يغمغم ساخرًا:
"أنا بصراحة ما بحبش الكلاب، كائنات مملة، كل واحد بيربي اللي شبهه. يعني أنت مثلًا يا طارق لو قررت تربي حيوان هتربي تعبان، وفي الأغلب أنت اللي هتلدغه بسمك. فانتوا دلوقتي قدامكم حل من اتنين، يا تمشوا على رجليكم، يا تعشوا أرسلان جعان، الراجل ما حطتلوش أكل النهاردة."
ابتلع طارق لعابه مذعورًا، يحاول ألا يبدو خائفًا، ولكنه حقًا كان مذعورًا. زمجر من جديد ليقفز طارق للخلف، ارتجفت الأحرف من بين شفتيه، يغمغم:
"ماشي، بس افتكر إن مجدي التهامي مش هيسيبك. يلا يا رجالة."
انسحبوا، بل فروا من أمامه ركضًا إلى سياراتهم، تفر بهم بعيدًا. ليرفع عز يده، ينزع القناع عن وجهه، ألقاه بعيدًا. احتدت مقلتيه، اسودت ملامحه غضبًا، ليجذب الهاتف من جيب سرواله بعنف، يطلب رقمًا ما. انتظر للحظات قبل أن يجيب الطرف الآخر، ليصرخ فيه:
"مجدي التهامي لسه ***، الكلب بعت ابنه ياخد رسل عشان يبيعها لمروان. ما يعرفش إن أنا اللي بعتله مروان يعرض عليه العرض ده. لأ، أنا هختفي بيها خالص. أنا اللي كنت عايزاه يعرف مكاني عشان أعرف هيعمل إيه مع عرض مروان. ده ما اترددش لحظة، أنت متخيل... طيب طيب اقفل سلام."
أغلق الخط، يتنفس بعنف، رفع يديه يكاد يقتلع خصلات شعره من جذورها غضبًا. أعاد الليث إلى مكانه. ليتوجه إلى غرفتها، فتح الباب بالمفتاح الذي معه، ليجدها تغط في نوم عميق. المخدر الذي أرغم نجلاء على وضعه لها في كوب العصير، أبعدها عن كل ما حدث قبل قليل. ارتسمت ابتسامة عذبة، حزينة على شفتيه، مال يقبل قمة رأسها، لينحني بجذعه العلوي، يحملها بين ذراعيه بخفة، يهمس لها بشغف:
"مش هسمحلهم يلوثوا ملاك زيك!"
**______________**
منذ دقائق وهم يجلسون في غرفة المعيشة للمنزل الصغير. جبران يجاور حسن، أمامهم صابر، زوج والدة أمل، على مقعده المتحرك، ينظر لهم متوترًا، ما سر زيارتهم المفاجئة والمتأخرة أيضًا. حمحم صابر للمرة الألف تقريبًا، يغمغم بنفس الجملة:
"منورين والله."
رفع جبران يمناه، يربت على صدره بخفة، ابتسم يردف:
"بنورك يا عم صابر. بص بقى يا عم صابر... المثل بيقولك إن كبر ابنك جوزه. أمل وأنا مش هلاقي لحسن. حسن ده مش بس صاحبي، ده ابني وأخويا الصغير، أحسن من بنتكم الآنسة أمل."
ابتسم حسن في توسع، يحرك رأسه بالإيجاب. في حين توترت قسمات وجه صابر. لا هو ولا سيدة ولا حتى أمل سيوافقون على تلك الزيجة. ابتلع لعابه، يغمغم متوترًا:
"ده شرف لينا طبعًا يا معلم جبران، مجيتك هنا لوحدها شرف لينا. بس يا معلم البت أمل عايزة تكمل علامها وما بتفكرش في الجواز دلوقتي. معلش ربنا يرزق المعلم حسن بالأحسن منها."
تجهم وجه حسن غضبًا، كاد أن يقول شيئًا، يصرخ فيه، حين قبض جبران على يده يمنعه من فعل ذلك. نظر لصابر، يغمغم في ضيق:
"أنت كده بتصغرني يا عم صابر وأنا مكبرك وجايلك بنفسي. وبعدين حسن مش معارض إنها تكمل تعليمها وهي في بيت جوزها. يعني كده ما عندكش حجة."
وجه حسن انظاره إلى وجه صابر، ليراه مترددًا، حائرًا. رأى في عينيه الرفض، يبدو أن أمل ليست الوحيدة التي ترفض الزيجة. حاول صابر أن يجد كذبة أخرى، لعله ينجد ابنته من تلك الزيجة المشؤومة. ارتجفت شفتيه حين فتح فمه يبحث عن شيء ما ليقوله، ليبادر حسن، ينهي الحديث بنبرة حادة، أردف:
"بصي يا عم صابر من الآخر عشان أجبهالك من أبوها. أنا جاي طالب إيد الآنسة أمل على سنة الله ورسوله، وبإذن الله الدخلة الخميس الجاي، نقرا الفاتحة."
من خلف باب غرفتها الشبه مفتوح، تطل برأسها تختلس النظرات لما يحدث في الخارج، تستمع مذهولة هي ووُتر الواقفة خلفها. ما سر هذه الجرأة بأن يحددوا كل شيء بتلك الطريقة؟ وقفت أمل تكبح جماح غضبها لدقائق طويلة للغاية، إلى أن نطق حسن جملته الأخيرة، فانفجرت، انطلقت إلى الخارج. وقفت أمامهم تصرخ في حسن بشراسة:
"الفاتحة دي تقراها على روحك! أنا وأنت مش هنتجوز لا النهاردة ولا بكرة ولا بعد ميت سنة. أنت إيه يا أخي؟ بدل المرة مليون أقولك مش بحبك، مش عيزاك، مش هتجوزك. كان هيحصلي مصيبة النهاردة بسببك وأنت جاي بكل برود تحدد ميعاد الفرح. ده أنا أموت نفسي قبل ما أبقى مرات واحد زيك."
"أمل!"
صرخ بها جبران محتدا، يوقف سيل كلماتها المتدافعة من فمها كالحجارة. هب واقفًا، يوجه انظاره لصابر، يصيح فيه:
"جري إيه يا عم صابر؟ ده إحنا حتى ضيوف في بيتك."
انتقل بانظاره إلى أمل، يوجه إليها حديثه الغاضب:
"وأنتِ يا ست أمل، حسن ما قالكيش امشي مع صاحبتك الشمال من باب المدرسة اللي ورا؟ إحنا دخلنا البيت من بابه نطلب إيدك على سنة الله ورسوله. لو على تعليمك قالك هتكلميه، رافضة ليه بقى ولا هو عند وخلاص؟"
هنا تدخلت وُتر، ذلك الوقح يفرض رأيه على الجميع. هنا كادت أن تخرج، حين جذبت والدتها ذراعها بعنف تمنعها من ذلك، همست لها محتدة:
"اتهدّي بقى! جبران أصلًا مستحلف لك على غلطة. مالكيش دعوة بحاجة يا وُتر أنتِ فاهمة؟"
زفرت أنفاسها حانقة من خوف وسلبية والدتها المبالغ فيها. أومأت بالإيجاب على مضض، لتطل بوجهها من شق الباب الصغير من جديد، تختلس النظر لما يحدث في الخارج.
رأت سيدة تتقدم منهم تحاول الدفاع عن ابنتها. بنبرة أكثر لينا قالت:
"يا معلم جبران، الجواز قسمة ونصيب. والبنت مش رايدة حسن، هنغصبها عليه. دي بنتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا."
لم يهتم جبران بما قالته سيدة تمامًا. ظلت عيناه مثبتة على أمل، يديه في جيبي سرواله. عاد يسألها من جديد:
"لسه ما جاوبتيش على سؤالي، إيه السبب اللي مخليكِ رافضة حسن؟ وما تقوليش ما بحبوش. لو كل اتنين ما اتجوزوش عشان ما بيحبوش بعض، ما كانش في حد اتجوز في البلد دي... شوفي لك سبب غيره."
توسعت عينا أمل مدهوشة. ألا يكفي أنها لا تقبله، لا تحبه؟ ذلك السبب يكفي لها ويزيد. زفرت أنفاسها بحرقة، تردف محتدة:
"عايز سبب تاني؟ تاجر حشيش فلوسه حرام، وأنا مش هحط في بوقي لقمة حرام من فلوسه. السبب ده كويس."
أومأ جبران برأسه في هدوء تام، ابتسم يهمهم متفهمًا:
"كويس جدًا... بس الحقيقة حسن ما بيتاجرش في الحشيش. هو دراعي اليمين في كل حاجة صحيح، إلا موضوع الحشيش ده. رفض يدخل فيه من سنين. يعني فلوسه مش حرام ولا حاجة. كده ما بقاش ليكِ حجة."
اصفر وجه أمل في ذهول ممتزج بفزع من القادم، خاصة حين توسعت ابتسامة جبران، يغمغم مبتسمًا:
"كده العروسة ما عندهاش حجة للرفض. آخر الشهر بإذن الله كتب الكتاب والفرح في ليلة واحدة. أنا سايب لك وقت كبير أهو تجهزي العروسة يا أم العروسة."
تدخل حسن يردف سريعًا:
"مش محتاجة جهاز، الشقة جاهزة من كله. أنا عايزها بشنطة هدومها. إن شاء الله تكون الشنطة فاضية وأنا هملأها بمعرفتي."
يضحك جبران عاليًا، يصدم حسن في كتفه بخفة، يتشدق ساخرًا:
"يا واد اتقل شوية، دا إيه العريس المدلوق ده... بردوا الفرح آخر الشهر تكون العروسة خلصت امتحاناتها وبقت فاضية."
تحركت عيناه ينظر لوُتر التي تتابع بذهول ما يحدث منذ البداية، ليتلوي ثغره بابتسامة خبيثة، يتمتم:
"ومين عارف مش يمكن يبقى الفرح فرحين!"
توسعت عينا وُتر في ذهول، تضع يدها على فمها تمنع شهقتها، تراقبهم وهم يغادرون. ما أن أغلق جبران الباب تقريبًا!! فتحت هي باب الغرفة، اندفعت للخارج تصرخ فيهم محتدة:
"انتوا إيه السلبية والجبن اللي انتوا فيه ده؟ أنت يا عمو صابر إنت اللي كان المفروض تقوله لأ يعني لأ... وأنتي يا أمل إزاي تستكتي كده... صرختي مرة واتنين وسكتي... هتتجوزي اللي اسمه حسن ده غصب عنك عشان البلطجي ده أمر!"
"الثالثة ثابتة يا بنت الذوات!!"
سمعت صوته يغمغم بها من خلفها بخبث، لتشخص عيناها ذعرًا. التفتت برأسها سريعًا، تدعو أن تكون فقط يُهيئ لها لتراه يقف عند باب المنزل، لم يغلقه بالكامل! لما عاد من جديد؟ اقترب يلتقط السجائر الخاصة به، يدسها في جيب سرواله، أعطاها ابتسامة ملتوية قبل أن يخرج من المنزل، يصفع الباب خلفه بعنف!
**______________**
صوت موج البحر وصوت عصافير مغردة، يبدو أنه الصباح. ولكن الصباح أين؟ فتحت عينيها، تكمش ما بين حاجبيها، تشعر بألم بشع يفتت رأسها. انتصفت جالسة، لتتلمس الفراش أسفلها، ملمسه مختلف عما كان قبلًا. رائحة الهواء نفسه مختلفة، وكأن بها ملح البحر، رائحة اليود ظاهرة. الهواء نفسه ملمسه مختلف. نزلت عن الفراش، بساط آخر غير الذي استشعرته قبلًا، حتى علو الفراش عن الأرض مختلف. ذلك لا يعني سوى شيء واحد، أنها في مكان آخر. ولكن كيف ومتى؟ لا تتذكر سوى الفاجعة التي سمعتها بالأمس. كانت تبكي بحرقة وفجأة نامت دون مقدمات.
انفجر قلبها حزنًا من جديد، انزلقت دموعها تغطي وجنتيها. أُجلفت على صوت الباب يُفتح، رائحة عطره تعني أنه هنا. سمعت خطواته تقترب منها، جلس أمامها لينخفض الفراش قليلًا. تنهيدة طويلة خرجت من بين شفتيه قبل أن يهمس لها في هدوء:
"امبارح جه أخوكِ طارق عشان ياخدك."
رأت قسمات وجهها تشرق في لهفة، تحرك رأسها في جميع الاتجاهات كأنها تبحث عنه. لهفتها والأمل التي ارتسمت على وجهها جعلته يتردد في إخبارها ما حدث بعد ذلك:
"أبوكِ كان عارف مكانك من أول يوم خطفتك فيه... حسيت إنك مختلفة عنهم وإنك مالكيش ذنب في حاجة، فقولت إني هرجعك له. بس قبلها قررت أعمل حاجة كده. مروان السروجي ده رجل أعمال معروف بميوله المريضة. اتفقت مع مروان أنه يعرض على أبوكِ نص حصته بربع التمن والمقابل يكون أنت. كان نفسي حتى يتردد، ولكن كل ما أدا ومادا وبيثبت مجدي أنه أسوأ من الشيطان نفسه. امبارح حاول طارق ياخدك عشان مجدي يديكِ لمروان... المرة دي مستحيل يعرفوا يوصلوا لنا."
ملامح الصدمة التي ارتسمت على وجهها جراء ما قال كانت كشظايا ارتدت في روحه. هو، عينيها احمرت، تنهمر منها الدموع بعنف. بدأت تحرك رأسها بالنفي، تصيح فيه:
"أنت كذاب! أنت بتقول كده عشان تخليني أكره بابا. هو بيحبني، هو بيحبني، أنت كذاب."
وصمتت، صمت حين سمعت صوت آخر صوت يخرج من هاتف أو مسجل صوت لحديث دائر. ميزت صوت والدها مع شخص آخر، صفقة بيع وشراء وهي الثمن.
"- مجدي، أنا بعرض عليك نص حصتي في الشركة وبربع التمن اللي ممكن أي خبير اقتصادي يتمنها، بس بشرط."
"- وإيه شرط مروان باشا؟"
"- رسل، بصراحة أنا شفتها صدفة مرة، بنتك حلوة أوي يا مجدي، لا حقيقي أحلى من كده ما شوفتش."
"- أيوه بس دي عامية هتعمل بيها إيه؟"
"- مش فارقة معايا، أنا كده كده مش هحتاج عينيها في حاجة. ها موافق ولا لسه عايز تفكر؟"
"- موافق طبعًا، حدد الوقت والمكان وأنا هجيبهالك!"
لم يتردد والدها، لم يتردد لحظة واحدة وهو يبيعها كسلعة. لا تصدق ما تسمع أذنيها لما! مروان تعرفه بالطبع، كانت تجمع أخباره الفاسدة قبل أن يحدث لها ما حدث. ارتجفت بعنف، احتضنت جسدها بذراعيها، تتحرك للأمام وللخلف، تهذي من الألم:
"كل حاجة هتبقى كويسة، كل حاجة هتبقى كويسة. أكيد ده مش صوت بابا، ده صوت متفبرك. بابا ما بيبيعنيش كده، مش كده صح يا عز؟"
حاولت أن يمسك كف يدها برفق، لتدفعه بعنف، تصرخ فيه:
"ابعد عني! انتوا السبب، انتوا اللي عملتوا فيا كده. أنا كان عندي أصحاب، كان عندي حياة، كل ده راح ورضيت. اتجوزت الإنسان الوحيد اللي حبيته في عمري كله ومات. وبابا... بابا باعني بأرخص تمن ممكن، ودلوقتي أنت خاطفني، أنت عايز مني إيه؟!"
"- عايز أتزوجك!!"
رواية جبران العشق الفصل التاسع 9 - بقلم دينا جمال
"عايز اتجوزك"
جملة سمعتها أذناها ولم يصدقها عقلها. من الذي يريد الزواج ممن؟ خاطفها يريد أن يتزوجها. خاطفها الذي حماها من أن تكن سلعة رخيصة تُباع لمجنون والدها.
كانت على وشك بيعها. عقلها لا يزال يرفض استيعاب ما سمع وتأكد. والآن يأتي هو يريد الزواج منها. ارتسمت ابتسامة ألم تعتصر شفتيها. تحرك رأسها بالنفي بعنف. خرجت من بين شفتيها ضحكة ساخرة مشبعة بالألم لتصيح بحرقة قلبها:
"عايز تتجوزني! أنت خاطفني هنا وحابسني. أنا ما بحبكش. البني آدم الوحيد اللي حبيته مات."
ما إن نطقت كلمتها الأخيرة ارتجفت شفتيها بعنف. سكبت عينيها الدمع بحوراً. جملة واحدة تتردد في صدع كيانها الممزق: "بيجاد مات".
أخفت وجهها بين كفيها تنهمر الدموع منها. جسدها يرتجف بعنف من شدة بكائها. تجمعت الدموع في مقلتيه هو تنزلق إلى وجهه الشاحب تبلل لحيته المبعثرة. حمحم يحاول إقناعها بالموافقة:
"أنا ما آذيتكيش يا رُسل لأني اتأكدت أن مستحيل يكون ليكي ذنب في اللي أهلك عملوه. مجدي حاول يبيعك مرة عشان مصلحته ومش بعيد يكررها تاني وتالت وعاشر. اللي باع قلبه للشيطان ما يعرفش لا ضمير ولا رحمة."
عند تلك الجملة رفعت وجهها فجأة عن كفيها تتسع حدقتاها في دهشة تملكت كيانها مما قال توا.
"أنا لو أضمن أنك هتبقي في أمان لو رجعتك ليه صدقيني أقسم لك مستعد أرجعك دلوقتي حالا. رسل جوازنا مش هيبقى أكتر من حبر على ورق. ورقة تمنع مجدي من أنه يحاول يلعب بيكي."
اضطربت حدقتاها تهتز بعنف تنفي برأسها مرة بعد أخرى.
"فكري يا رسل. أنا هسيب لك مهلة لحد بليل واللي أنتِ عايزاه أنا هعمله."
قام من مكانه متجهاً ناحية باب الغرفة ليسمع صوتها تسأله قلقة:
"هي نجلاء فين؟ مش سامعة صوتها."
"نجلاء ليست هنا ولن تأتي. أرسلها إلى منزل بعيد بصحبة أطفالها حتى تكن في مأمن من شر مجدي ورجاله."
"سافرت تشوف ولادها وهترجع قريب. عن إذنك."
فتح باب الغرفة وخرج بهدوء يجذب الباب خلفه. رفعت يديها تضعها فوق رأسها. لا تفهم لما يحدث لها كل ذلك. بأي ذنب تُعاقب.
استيقظت صباحاً على صوت الباعة الجائلين. متى سينتهي ذلك العذاب؟ تأففت بعنف تضع الوسادة على رأسها علها تحجب عنها لحن أصواتهم الشاذ المنفر البغيض دون فائدة. قامت بعنف تفرك عينيها بعنف تتثاءب ناعسة. ألا ينام أهل ذلك الحي؟ وقعت عينيها على ساعة الحائط لا تزال التاسعة. لما كل تلك الضوضاء؟ مدت يدها تلتقط هاتفها تتصفح سجل المكالمات، الرسائل، جميع صفحات التواصل الاجتماعي التي تملكها. لا شيء. لم ترسل لها أي من صديقاتها ولو رسالة واحدة. ابتسمت ساخرة. ذلك ما كانت تتوقعه حقاً.
قامت تلملم خصلات شعرها بيديها، توجهت إلى المرحاض بالخارج. اغتسلت رغماً عنها بالدلو والكوب الصغير. خرجت من المرحاض إلى غرفتها تبدل ثيابها إلى أخرى لتذهب لجامعتها. تبتعد عن ذلك الحي المقزز ولو ساعات.
ما إن خرجت من غرفتها رأت والدتها تدخل من باب المنزل. ابتسمت فتحية ما أن رأتها. في حين أعطتها وتر نظرة واجمة. كانت تحلم أن ترى والدتها ولكن بعد ما حدث منها لا تحلم سوى أن تعود لبيتها بين أحضان والدها. والدها وحده يكفي. حملت حقيبة يدها تتوجه إلى الخارج دون أن توجه لوالدتها ولو كلمة واحدة.
لتزفر فتحية أنفاسها حزينة تناديها سريعا:
"وتر استني يا بنتي مش هتفطري؟"
لم تلتفت لها حتى فقط غمغمت بجفاء:
"لأ شكراً. هبقى آكل في الجامعة. عن إذنك."
تحركت من جديد لتغادر لتسمع صوت والدتها تحادثها من جديد بنبرة أكثر حزماً وقلقاً:
"ابعدي من طريق جبران خالص يا وتر."
ابتسمت في سخرية دون إجابة. تحركت للخارج تسرع خطاها إلى خارج العمارة السكنية. توجهت تتحرك سريعا ناحية الشارع الرئيسي. لا ترغب في أن ترى طيفه من بعيد حتى. ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. وقفت حين ظهر أمامها فجأة من العدم وكأنه شبح. تجنبت النظر إليه في حين كان يتفرس هو النظرات إليها. ارتسمت ابتسامة كبيرة على ثغره يتشدق بسماجة:
"يا صباح الفل. إيه الزبادي رايح فين الصبح كدة؟"
تنفست بعنف تكور قبضتها تشد عليها تُخرس لسانها قصراً عليها أن تتجنبه حتى يمل من مضايقتها ويتركها. ظلت تنظر بعيداً فقط قالت بلامبالاة:
"رايحة جامعتي. ممكن تعديني لو سمحت؟"
رفع حاجبيه في دهشة يبتسم ساخراً. باتت القطة وديعة وأخفت أظافرها الآن. تلك القطة لا تعلم أنها جاءت له في الوقت المناسب ليعقد مع اسم والدها أكبر صفقة في تاريخ حياته. سيفوز عاجلاً أم آجلاً. أفسح لها الطريق لتتحرك. يبتسم كرجل نبيل. ما أن مرت من جواره سمعته يهمس لها بمكر خبيث:
"فاضل على الحلو تكة."
ابتلعت لعابها مرتبكة لتسرع في خطاها إلى الشارع الرئيسي. استقلت سيارة أجرة تخبر السائق بعنوان جامعتها. فتحت دفتر صغير تنظر لما كتبت فوق صفحاته. تحديات قديمة خاضتها مع ذاتها وأصرت على النجاح فيها. استلت قلماً رقيقاً من حقيبتها تفتح صفحة بيضاء تكتب فوق سطحها: "التحدي الجديد جبران".
كطالبة في قسم يهتم بعلم النفس ودواخل الذات البشرية. قسم اختارته رغم أن أباها كان على أتم استعداد أن يرسلها لجامعة في الفضاء إن أرادت. ولكن شغفها بعلم النفس وخاصة علم الجريمة جعلها ترغب وتصر على الالتحاق بقسم علم النفس لتصبح فيما بعد طبيبة نفسية. رسمت دائرة كبيرة حول اسم جبران يتفرع منها عدة خطوط تحاول أن تفهم لغز شخصيته. شكله الخارجي لا يليق تماماً مع شخصيته. هل هو مصاب بانفصام في الشخصية ربما؟ لا يجب أن تستبق الأحداث. عليها أن تصبح أقرب من شخصية جبران بحذر تخترق دواخله.
في الأيام الماضية اكتشفت عنه عدة جوانب في شخصيته. أولهم أنه شخصية سريعة الغضب. ردود أفعاله لا تتناسب مع شدة انفعاله. حين أخذها قصراً إلى شقته توقعت الكثير من رد فعله الغاضب. ولكن التهديد فقط كان حليفه. وكأن جزءاً يصارع آخر بداخله. ثانياً أنه شخص نرجسي يحب التحدث عن نفسه والتفاخر بما أنجز. وأخيراً شخص متناقض. يبيع المخدرات ويرفض بيعها لأبناء حيه. معادلة لا تفهمها مما يزيد شكها أنه فعلاً مصاب بانفصام في الشخصية.
أجفلت على صوت السائق يخبرها:
"وصلنا يا أستاذة."
رفعت وجهها تنظر بدهشة إلى باب جامعتها. كم مر من الوقت وهي تحاول تحليل شخصية جبران حتى سرقها الوقت ولم تشعر بالطريق. أعطت السائق نقوده لتنزل من السيارة. تضع نظاراتها الشمسية السوداء فوق عينيها تمشي بثقة. ما حدث معها هي ووالدها لم يُكتب عنه ولو خبر واحد. لذلك لا أحد يعلم. دخلت إلى جامعتها تتوجه إلى قاعة المحاضرات. رآها طارق من بعيد لترتسم ابتسامة ماكرة على ثغره. يبحث عن ماهي لغاية خبيثة في نفسه.
"ما حدث بالأمس لن يتم أبداً. ما قاله جبران لن يحدث. لن أصبحت زوجة ذلك البلطجي الجاهل الأحمق. يريد منها أن تصدق أن حسن لا يعاونه في بيع المخدرات. نعم نعم ستصدق لأنها بلهاء ساذجة كما يظنها."
يكفي أن والدتها رفضت نزولها إلى (عربة الكبدة) حتى لا يتعرض لها حسن من جديد. ارتمت بجسدها على الأريكة في منزلها تمسك بمذكرات المادة القادمة تنظر للأحرف شاردة. حين دُق الباب ألقت الأوراق من يدها. ذهبت إليه تفتح النافذة الصغيرة في الباب القديم العتيق ليظهر طفل صغير من أطفال الحي يمسك في يده حقيبة هدايا. قطبت جبينها تفتح له الباب تسأله:
"عايز إيه يا حمادة؟"
مد الطفل يده لها بالحقيبة يغمغم مبتسماً في براءة:
"طنط أمل. عمو حسن بيقولك أنه بيرمي التماسي وباعت لك دي."
ترك الحقيبة أمام باب منزلها وركض ينزل لأسفل. صاحت باسمه عدة مرات ولكنه لم يلتفت لها حتى. أخذت الحقيبة تعد للداخل. أغلقت الباب تنظر إلى ما تحوي لتجد ما يلي: بضع قطع من الشوكولاتة الذائبة، ولعبة صغيرة على دب، وبضع من أكياس التسالي. ابتسمت ساخرة. هل يظن أن بهداياه السخيفة تلك يستطيع شراء موافقتها؟ ألقت الحقيبة بعيداً تعود إلى الأريكة من جديد. ما أن جلست سمعت صوت الباب يدق مرة أخرى لتتأفف حانقة. قامت من مكانها تغمغم مغتاظة:
"مش هنخلص بقي. باعت إيه المرة دي لب وسوداني؟"
توجهت تفتح النافذة الصغيرة من جديد لتتوسع عينيها في دهشة حين رأت حسن تلك المرة هو من يقف أمامها. كم أرادت أن تغلق وجهه على النافذة. تدق عنقه في الباب. أحلام تمنتها خاصة مع ابتسامته الواسعة التي تعلو شفتيه وصوته وهو يتشدق يستفزها:
"صباح الفل يا فل. أنا قولت اطلع أطمن على خطيبتي. وبعدين ما تفتحي هتسيبي خطيبك واقف برة. دي الأصول بردوا يا بنت الأصول."
استفزتها كلماته الوقحة. الأحمق عديم الأخلاق لا يملك خلية عصبية واحدة تُرسل إشارات لمخه اليابس أنها لا تطيقه. كتفت ذراعيها أمام صدرها تغمغم محتدة:
"كُخ خبطة في نفوخك يمكن تحس يا بعيد. بقولك ما بطيقكش. تقولي خطيبي؟ أنت فاكر بهداياك الرخيصة إني هوافق على الجواز منك؟"
ألقى ما تبقي من السيجارة في يده أرضاً يدعسها بحذائه بعنف. اعتدل واقفاً يقترب من حديد الشرفة. التهبت عيناه غضباً يحادثها محتداً:
"تعرفي أن أنا أقدر دلوقتي أكسر الباب اللي أنتي مستخبية وراه دا وأجيبك من شعرك وأكتب عليكِ سواء برضاكِ أو غصب عنك وأقصلك لسانك يا مراتي يا حلوة. فابلعيه أحسن ما أبلعهولك أنا."
خافت من نبرة التهديد المخيفة في صوته. ولكنها ظلت واقفة ثابتة تحاول ألا تظهر أنها ترتجف حرفياً. رغم عنها ارتجف صوتها حين أردفت تحادثه بهدوء عله يقتنع محاولة يائسة للمرة الأخيرة:
"يا حسن أرجوك افهمني. أنا حاولت أتكلم معاك كتير بالعقل وأنت رافض حتى تسمعني. أنا مش عايزة أتجاوز. على الأقل مش دلوقتي. أنا أكمل تعليمي وأشتغل وأعيش حياتي برة الحارة. عايزة أحقق أحلامي. صدقني فيه بنات كتير يتمنوا أنك تشارولهم حتى. أنا لأ. ارجوك افهمني بقي!"
انتهت تنظر إليه لتري الصمت والسكون يحتل قسمات وجهه. للحظات طويلة ظل صامتاً هادئاً بشكل مخيف. ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغره ليدب الأمل قلبها. ربما هناك بصيص نور في قلبه تأثر بما قالت. إلا أن سقف أحلامها سقط فوقها حين ابتسم يغمغم ساخراً:
"آخر الشهر يا أمل. ما تنسيش تجيبي لي بيجامة الفرح على ذوقك. سلام يا حبيبتي."
تحرك ونزل تاركاً إياها تقف كلوح جليد. لم يتأثر كالعادة وكأنه حائط من فولاذ ترتد الكلمات كالرصاصات دون أن تحدث ولو خدشاً واحداً فيه.
***
انتهت من محاضراتها إلى مقهى الجامعة المعتاد. جلست على إحدى الطاولات تضع سماعتي أذنيها تنظر للأوراق أمامها عن كثب. يجب أن تنتهي من البحث قبل موعده. أجفلت على حركة جوارها لتنزع إحدى سماعتيها بحركة تلقائية. نظرت للفاعل لتجدها ماهي تقف أمامها تبتسم كعجوز شمطاء حاولت إجراء عملية تجميل ففشلت. تكتف ذراعيها أمام صدرها تنظر لوتر من أعلى لأسفل تبتسم ساخرة:
"أهلاً أهلاً بوتر هانم الدالي. بنت سفيان الدالي النصاب الحرامي اللي خد من البنك مليارات وهرب برة البلد ورماكِ هنا يا حرام. يا ترى بقى يا وتر بتمسحي سلالم ولا بتغسلي عربيات عشان تصرفي على نفسك زي الأفلام؟"
حية لا ترغب في شيء سوى أن تضايقها. ابتسمت في هدوء ترمقها بنظرات مشمئزة من أعلى لأسفل تغمغم ساخرة:
"ماهي بليز شغل التعابين دا قديم أوي. أنا عارفة إنك بتكرهيني و Guess what أنا كمان مش بطيقك. كل اللي بتعمليه دا عشان تحاولي ترضي غرورك المريض أنك انتصرتي عليا لأنك عارفة من جواكِ إني أحسن منك في كل حاجة. ولو زي ما بتقولي بابا حرامي ونصاب كانت الصحافة والسوشيال ميديا اتقلبت. بطلي فبركة أخبار يا حبيبتي تلمي بيها لايكات."
وقامت التقطت نظاراتها الشمسية تضعها فوق عينيها تتحرك إلى الخارج حين سمعت صوت يصيح باسمها بلهفة:
"وتر استني يا وتر."
توقفت مكانها عن الحراك تنظر هناك لتجد طارق يأتي مهرولاً إليها. وقف بالقرب منها يلتقط أنفاسه يغمغم مبتهجاً:
"كويس إني لحقتك. أنا عامل حفلة بإذن الله بعد ما أرجع من السفر وأنتِ لازم تكوني أول الحضور. أنتِ لازم تيجي يا وتر صدقيني مش هقبل أي أعذار مهما كانت."
ابتسمت له. طارق شخص لطيف ربما تهوره إلا أنه شخص لطيف. أومأت بالإيجاب تتمتم مبتسمة:
"أكيد هاجي. ابعت لي رسالة باليوم والمكان وأنا هاجي طبعاً. عن إذنك عشان متأخرة."
ودعها بحرارة صاحبتها ابتسامة كبيرة إلى أن اختفت من أمام عينيه. اقتربت ماهي منه. وقف أمامه وجهها يشتعل غيظاً وغضباً تهمس لها حاقدة:
"طارق أنت لازم تاخد لي حقي من البت دي. أنا ماهي هانم حتة بتاعة زي دي تهزقني."
ارتسمت ابتسامة خبيثة على شفتي طارق يدس يديه في جيبي سرواله الجينز يغمغم متوعداً:
"ما تقلقيش يا بيبي. الحفلة قربت. هي يا دوب نقطتين في أي كوباية عصير ومش هتدري بالدنيا وكاميرا حلوة في أوضة النوم توثق اللحظة الجميلة وسفيان وبنته وفلوسهم هيبقوا بين إيديا."
***
عادت إلى الحارة بعد ساعة تقريباً. تمشت بين طرقاتها إلى أن وصلت للفرشة الصغيرة التي يترص فوقها الخضار. ابتسمت والدتها ما أن رأتها تدفع إليها بمقعد عالي قليلاً عن الأرض لتجلس عليه. الأخيرة تنهدت متعبة تنظر للناس حولها تشعر بأنها غريبة في بلد لا مكان للغرباء فيها. تنهدت مرة أخرى. أجفلت على صوت والدتها تسألها:
"عملتي إيه في كليتك؟"
أعطتها ما يشبه ابتسامة جافة تومئ لها دون كلام. تنهدت تتمتم تعبة:
"هاتي المفتاح لو مش هتطلعي عشان أنا تعبانة وعايزة أنام."
أعطتها فتحية المفتاح. كادت وتر أن تقوم لتبادر والدتها تردف سريعا بتلهف:
"وتر خليكِ معلش يا حبيبتي قاعدة جنب الفرشة خمس دقايق. ما تبيعيش حاجة. أنا هتفق بس مع الواد برعي اللي بيجيب من التجار يجيب لي معاه بكرة ملوخية عشان خلصت."
لم تفهم حرفاً مما قالت والدتها ولكنها فقط أومأت لها بالإيجاب. ظلت مكانها تنظر لحزم الخضراوات الصغيرة تتساءل في نفسها حزينة كيف استطاعت أن تعيش والدتها ببضع قروش من تلك الفرشة! أجفلت على صوت امرأة حاد مزعج تتشدق بعلكة ضخمة تسألها:
"أومال فين الست فتحية. بقولك يا حبيبي عايزة ربطة شبت ورابطة بقدونس ورابطة كزبرة عشان المحشي بس استنضفي ما تجيبيش حاجة ورقها أصفر."
نظرت للسيدة ليتوقف عقلها عن العمل للحظات. كيف تستطيع تحمل ذلك الكم الضخم من مساحيق التجميل على وجهها دون أن يتآكل؟ ما العبث الذي تريده هي حتى لا تعرف ما الفرق بينهم؟ كادت أن تخبرها أن تنتظر والدتها حين ظهر هو أمامها من جديد. زفرت أنفاسها تلعنه بكل ما تعرف من لغات داخل نفسها. توجه بانظاره إليها يتشدق مبتسماً:
"إيه دا معقولة بنت الذوات بقت بتبيع بنفسها. دا أنا أشتري الفرشة كلها عشان عيون الست فتحية."
"أزيك يا معلم."
أردفت بها تلك السيدة بنبرة بها خلاعة لم تعجبها. شعرت بأنها تحاول تقليد صوت جرس إنذار مزعج. ابتعد برأسه عن وتر ينظر للسيدة الواقفة أمامه. تتشح بعباءتها السوداء التي التصقت بها كجلد ثانٍ على رأسها حجاب أسود يأتي هدية مع العباءة. ولكن لم تكن من طريقة استخدامه أبداً أن يخرج نصف شعرها المصبوغ بتلك الصفرة الزاهية خارج الحجاب. تشدقت بابتسامة واسعة تنظر للواقف لتهتف بقلق:
"الا صحيح يا معلم سمعت عن المرض الجديد دا اللي ظهر في الصين بيقولوا اسمه كورونا. كورونا. الواد محمود قالي اسمها بس نسيته."
ارتفع جانب فمه بابتسامة ساخرة يرمق تلك الجالسة أرضاً بنظرة جانبية متهكمة. نفض يديه يدسها فيها جيبي بنطاله الجينز يهتف:
"كورونا إيه يا ولية دي كلها إشاعات. أنتي بتصدقي ولا إيه؟"
انفعلت تلك الواقفة لتحرك يدها بانفعال ليدوي صوت أساورها الذهبية العريضة تهتف سريعا محتدة:
"لأ يا معلم الخبر حقيقي. أصل بعيد عنا وعن السامعين الصين دول عالم معفنة. دول بياكلوا فيران وخفافيش. آه والله. بيقولك إيه بقى تاني قال إيه البتاع دهو اللي اسمه الفيروس بيقف على السطوح الصلبة. أنا سمعتها كدة في التلفزيون."
ارتسمت ابتسامة واسعة عابثة على شفتي جبران ينظر للواقفة أمامه ليغمغم بصفاقة:
"طب وانتي خايفة ليه من الكورونا دي؟ الكورونا هي اللي تخاف منك يا ولية!!!"
تعالت ضحكات تلك السيدة بطلاقة كأنها أجراس مزعجة بينما اتسعت عيني الجالسة أرضاً تراقب ما يحدث بذهول. لا تصدق وقاحة ذلك الرجل الواقف أمامها وتلك السيدة. على ما تضحك تحديداً؟ ماذا يحدث في حي المجانين ذاك؟ رأت والدتها تأتي ناحيته. لتقم سريعا لم تنتظرها لتظل أسرعت الخطي إلى منزل أمل لتخبرها بخطتها التي فكرت فيها الليل بطوله!
وكما وعد أوفى. تركها النهار بالكامل تفكر بين أمواج البحر تصارع ذكريات الماضي وشعور الألم ومرارة الفقد وحرقة القلب الحزين. ستوافق لا خيار لها سوى ذلك. تتمنى ألا تكون فقط تستجير من النار بالرمضاء. تنهدت بعمق حين سمعت صوت دقات على باب الغرفة لترتسم على ثغرها ابتسامة ساخرة. خاطفها ذو خلق عالٍ يدق الباب قبل أن يدخل ولا يدخل قبل أن تسمح له. تنهدت بعمق تستعد للقادم. سمحت له بالدخول تستمع إلى خطواته تقترب من فراشها قبل أن ينطق بحرف بادرت تقول هي بغصة مريرة:
"أنا موافقة أتزوجك بس زي ما قولت لي جوازنا مش هيبقى أكتر من حبر على ورق."
وافق سريعا دون تردد. اقترب منها يمسك بكف يدها لتسحب كفها سريعا. فحمحم يقول:
"هاتي إيدك. أنتي لسه ما تعرفيش المكان. المأذون بره."
توسعت عينيها في دهشة!!! كان يعلم أنها ستوافق. لم يكن لها خيار آخر على كل حال. ولكن كيف سيتم الأمر بتلك السرعة؟ ارتجف كفيها. رأى كيف اضطربت حدقتاها ليتنهد يردف في هدوء:
"أنا مش بغصب عليكِ صدقيني. لو مش عايزة ارفضي. اللي أنتي عايزاه أنا هعمله."
تنهدت قلقة لتقم سريعا. الأفضل الطرق على الحديد وهو ساخن قبل أن تجن من التفكير!! وافقت. تحركت معه للخارج يمسك بكف يدها. تشتم رائحة يود البحر في كل مكان. توجه بها إلى أحد المقاعد جلست هناك في صمت في حين تحرك هو ليعقد قرانه بها. بعد قليل ستصبح زوجته!!!
رواية جبران العشق الفصل العاشر 10 - بقلم دينا جمال
زوجته باتت زوجته في دقائق معدودة خطت اسمها علي وثيقة الزواج ووصمتها بإبهامها وهي تجلس مكانها علي المقعد سمعت صوته يودع الحضور أصوات الاقدام تبتعد وصوت باب فُتح فدخل كالنسيم كالعليل قبل أن يغلق من جديد ابتلعت لعابها خائفة مرتبكة باتت زوجته معه تحت سقف واحد تتمني فقط أن يوفي بعهده معها فلا حيلة لها في مقاومته زاد وجيب نابضها حين شعرت بحرارة جسده قربها
ارتجف جسدها برعشة ظاهرة جف حلقها فكرت في أسوء ما يمكن ما أن يحدث لتشد بأصابعها في ذراع الكرسي الخشب تحفر فيه بأظافرها كل ذلك الرعب توقف فجاءة حين سمعت صوته يحادثها بنبرة هادئة كلماته وكأنها تبتسم لها :
- تحبي تتمشي علي البحر شوية
توسعت حدقتيها في دهشة ما به ذلك الرجل يعاملها بطريقة أفضل من ذويها والديها لم يحنوا يوما عليها لم يكن يعاملها بشكل جيد سوي وليد أخيها الذي مات غدرا ليأتي الغريب الخاطف يعاملها بشكل كانت قد نسته من الأساس ... اومأت برأسها في صمت لتشعر بيده تمسك بكفها سرت رعشة خفيفة في جسدها ، رعشة شعرت بها قديما ونسيتها فيما بعد تنهدت متوترة تتحرك معه تخلصت من حذائها تتحرك حافية القدمين علي الرمال الندية تسمع صوت أمواج البحر تشرع بنسيمه البارد يتغلغل في كيانها ... تركت كف يده ليقطب جبينه قلقا يراقبها وهي تتوجه صوب البحر تتحرك إلي أن لامست المياة قدميها ليري ابتسامة صغيرة مشرقة تحلق علي سطح عناب شفتيها ... خصلات شعرها تتطاير مع الهواء .... حورية البحر باتت لديها قدمين وها هي خرجت من بين موج البحر لتقف أمامه تبتسم في حزن يوجع قلبه تنهد بعمق اقترب منها لا يحيد بعينيه عنها إلي أن بات علي بعد خطوات بسيطة منها حمحم يردف في هدوء :
- خليكِ مكانك هجبلك جاكت عشان الدنيا برد وراجع علي طول
كانت تود أن ترفض ولكنه أسرع في خطاه إلي الداخل لتتبدل ابتسامتها بأخري مريرة تنسكب الدموع من عينيها كانت تريد ذلك الحنان منه بيجاد ، كانت تريد أن يعانقها ولو لمرة واحدة كانت ترغب في حبه كم عشقه قلبها ولم تحصل علي شئ سوي الخسارة وطعنات الخيانة ومِن مَن أبيها ... دوامة سوداء سوداء تغرق فيها تجذبها لأن تكمل طريقها بين أمواج البحر إلي الخلاص وبالفعل سمعت صوت حزنها وقلبها المنفطر تحركت إلي الداخل أكثر فأكثر تشعر بالمياة تتوحد بها ينسجمان كالروح والجسد تحثها أن تكمل طريقها واطاعتها تكمل سيرها حتي ما عادت قدميها تلمس الأرض حركت ذراعيها تصارع أمواج الظلام الداخل تغرق بملئ إرادتها ابتسمت تغلق عينيها آخر ما سمعته صوت خاطفها وهو يصرخ باسمها مذعورا !!
______________
في شقة أمل في غرفتها تجلس علي فراشها ووتر أمامها تقنعها بخطتها علها توافق وتنفذها لتضع حدا لذلك البلطجي عديم الأخلاق تنهدت بقوة تزفر أنفاسها حانقة :
- يا أمل مش هيحصل حاجة مش هيقدر يأذي لا باباكي ولا مامتك وزياد معانا ... حسن والبلطجي التاني ممشين كلامهم ولا كأنه أمر إلهي دول عالم مجانين
قطبت أمل ما بين حاجبيها تتعجب من شخصية الجالسة أمامها كانت تظنها شيئا آخر عن ما هي عليه ... حمحمت تردف محرجة :
- معلش سامحيني لو هضايقك بكلامي بس أنا بصراحة ما كنتش فكراكي كدة خالص ، أنا كنت فكراكي بنت راجل غني مدلعة وشايفة نفسك وباصة للناس بقرف يعني من لبسك وطريقة كلامك مع جبران في الحتة تحت
ارتسمت ابتسامة باهتة علي شفتي وتر تومأ بالإيجاب ضحكت بخفة تردف :
- علي فكرة كل الناس بتفتكرني كدة مع اول وتاني معاملة لينا ، أنا عارفة أن ستايل لبسي غريب بس دا ما يمنعش إني مش شخصية مستهترة ومش شخصية جد أوي
نظرت أمل لها متعجبة لم تفهم ما تقول وفهمت وتر أنها لم تفهمها لتبتسم تشرح لها :
- أنا قصدي أن ستايل لبسي هو اللي الاستايل السائد في البيئة اللي كنت فيها .. وقصدي بردوا اني بعرف ابقي أمتي وتر هانم المدلعة بنت الناس الاغنيا وامتي ابقي زي ما أنتي شايفة ... أنا علي فكرة بحب علم النفس جدا ومتفوقة في دراستي جداا واحيانا كتيرة بنزل تدريب فئ مستشفيات تبع أصحاب بابي
ابتسمت أمل تصدق علي تلك المقولة الشعبية أنه يحب أن تعرف الشخص جيدا قبل أن تحكم عليه تنهدت بعمق تردف مبتسمة :
- صدق اللي قال تعرف فلان آه اعرفه عاشرته لاء يبقي ما تعرفوش ، خلاص أنا موافقة علي خطتك ... كلمي زياد وربنا يستر وهو يوافق
ابتسمت وتر في حماس تعتدل في جلستها التقطت هاتفها تطلب رقم زياد تفتح مكبر الصوت لحظات معدودة وسمعت صوته يقول مبتهجا :
- آنسة وتر كويس أنا كنت لسه هكلمك ، أنا لقيتلك شقة كويسة في منطقة محترمة
ارتسمت ابتسامة صغيرة علي شفتي وتر تحادث زياد :
- تعبتك معايا والله يا زياد باشا ، بس سامحني معلش أنا غيرت رأيي المكان هنا مش بطال بس محتاج تتعود عليه ، أنا طالبة من حضرتك خدمة تانية لو ينفع
أردف سريعا دون تردد :
- آه طبعا ينفع اتفضلي
نظرت أمل لوتر في تعجب ما به ذلك الرجل يسعي لخدمتها بأي شكل كان تنهدت وتر تردف بحذر :
- بس ارجوك ما تفهمنيش غلط أنا فعلا محتاجة مساعدتك ، أنت طبعا عارف جبران ودراعه اليمين حسن
احتدت نبرة زياد في اللحظة التالية يردف محتدا متوعدا :
- لو عملك اي حاجة قوليلي وأنا ارميهم في الحجز هما الاتنين
هنا تملكت الدهشة من أمل تماما توسعت عينيها وفغرت فاهها بشكل مضحك وضعت وتر يدها علي فمها حتي لا تضحك حمحمت تردف :
- لاء الحكاية مش كدة بص أنا هشرحلك ، حسن عاوز يتجوز بنت في الحارة اسمها أمل ، تقدر تقول أنا وهي أصحاب رغم محاولاتها المستميتة لرفضه إلا أنه مصمم يتجوزها حتي لو غصب عن الكل ، لو حبسته أو شديته زي ما بتقول هيعند أكتر وهيحطها في دماغها اكتر واكتر فاحنا لازم نحط بينه وبينها حاجز
همهم زياد متفهما ما تقول ليردف بنبرة هادئة :
- ايوة ايوة فاهمك ولو اني افضل أنه يتحبس بصراحة ويتعمله محضر عدم تعرض ، ايه هو بقي الحاجز دا
- أنت قصدي حضرتك
أردفت بها وتر فجاءة دون مقدمات ليسود صمت مخيف من ناحيته توترت نظرت كل من أمل ووتر لتردف وتر بحذر :
- زياد باشا حضرتك سامعني ... أنا عارفة أنه عرض غريب بس لو حضرتك خطبت أمل ولو لفترة مؤقتة لحد بس ما نلاقيلها حل ونبعدها عنه أحسن دا بيرتب أنه يتجوزها خلاص آخر الشهر غصب عنها ، لو حاضر رافض الفكرة ما فيش اي إحراج خالص والله
وصمت مرة أخري ما به ذلك الرجل مع الصمت تبادلت مع أمل نظرات قلقة من رفضه خطتها بالكامل تقوم علي موافقة زياد بعد صمت طويل اخيرا اطلق رصاصة الرحمة :
- ماشي يا آنسة وتر أنا موافق ولو إني افضل اننا نمشيها قانوني بس عشان خاطرك انتي
شقت ابتسامة كبيرة شفتيها كادت أن تصرخ من فرحتها لتحمحم سريعا تردف سعيدة ممتنة :
- أنا متشكرة جدا جدا جدا حقيقي في انتظارك في اي وقت عشان تيجي تتقدم لأمل بجد مش عارفة اشكر حضرتك ازاي
أنهت معه المكالمة تنظر لأمل تغمغم سعيدة :
- هيجي بكرة ، بكرة حسن هيخاف حتي أنه يرفع عينه فيكِ دا شخص سمج ولزقة
حركت أمل رأسها بالإيجاب سريعا تؤيد ما تقول وتر ، داخلها تتمني أن يمر الأمر علي خير
__________
لهث بعنف وهو يحملها بين ذراعيها يدخل بها إلي المنزل نابضه علي وشك أن ينفجر قلقا عليها حين رآها في المياة علي وشك أن تغرق هرع اليها يركض قفز في المياه انتشلها في اللحظة الأخيرة قبل أن تغوص ويبتلعها البحر
وضعها علي الفراش ملابسه تلتصق به تغرق في المياة تماما كثيابها وقف للحظات حائرا لا يعرف ما يفعل هرع إليها يربت علي وجهها يتمتم مذعورا :
- رسل ، رسل فوقي يا رسل ، فوقي أنا آسف سامحيني ارجوكي ما تسبنيش يا رسل ... رسل
تنفس الصعداء حين شهقت بعنف تسعل بعنف تخرج ما اقتحم رائتيها من مياة وهو يسندها بين ذراعيه إلي أن استطاعت أن تتنفس من جديد وقبل أن تدرك اي شئ كان يجذبها لأحضانه يطوقها بذراعيه يشدد علي كونها حية بين ذراعيه ... أما هي شيئا فشئ بدأت تعي ما يحدث ما أن شعرت به يعانقها صرخت فيه تدفعه عنها بعنف ليتركها نظر لها قلقا ليري دموعها تنهمر بحرقة ومن ثم صاحت تصرخ فيه :
- ما سيتنيش اموت ليه ، أنا مش عايزة أعيش ... أنا ما عنديش حاجة اعيش عشانها
أنا عايزة أموت ، أنا ما عنديش حتي حد يطبطب علي وجعي ... حتي ماما هي اللي رمتني قالت أنا مش عايزة العامية تقعد في بيتي عشان منظري قدام صحباتي
شيرين الحية لا قلب لها وهو يعرف ولكن تلك ابنتها كيف لم يرق قلبها لها ...قاطع صرخاتها صوته حين صاح محتدا :
- بس كفاية ... مش أنتِ اللي لوحدك اللي اتظلمتي أنا شوفت ظلم ما يتحملوش بشر لو شوفتئ ربعه ما كنتيش هتقدري تعيشي يوم كمان .. قومي لو سمحتي غيري هدومك وتعالي نامي شكلك تعبانة محتاجة تنامي
لم تستمع إلي ما قال ارتمت بجسدها للخلف تكورت حول نفسها تغمض عينيها انتفض سريعا ما أن رآها تفعل ما تفعل ليصيح :
- انتي بتعملي ايه قومي يا رسل مش هتنامي بهدومك وهي غرقانة كدة هتتعبي
لم تهتم بما يقول فقط لم تفتح مقلتيها حتي ليتنهد حانقا وضع يديه علي خاصرته تلعب دور الطفلة العنيدة هو ملك اللعب هنا ارتسمت ابتسامة ماكرة علي شفتيه تحرك من مكانه ناحيتها يمد ذراعيه شهقت بعنف حين حملها بين ذراعيه تجمدت للحظات جحظت مقلتيها تحاول أن تعي ما فعل الآن توترت قسماتها تحادثه متوترة :
- لو سمحت نزلني ما ينفعش كدة ، احنا في بينا اتفاق
ضحك بخفة ينزلها أرضا يحتفظ بها بين ذراعيه تخبت بين يديه بعنف لتسكن فجاءة حين سمعته يهمس عابثا :
- ما تقلقيش أنا عمري أبدا ما هكسر الاتفاق اللي بينا يا حورية البحر
- حورية البحر !
همست بها متعجبة مذهولة كانت تحب شخصية حورية البحر وهي صغيرة تتمني أن تحصل علي زعنفة جميلة مثلها كانت أحلام طفلة لم ترغب في الكثير زادت دهشتها اضعافا حين سمعته يهمهم يكمل عابثا :
- أيوة مش أنتي بردوا وأنتي صغيرة كنتي بتحبي الحورية ونفسك يبقي عندك ديل زيها عشان تروحي لمدينة اطلانتس وتقابلي الملك شيبان
شهقت بعنف من سيل المعلومات المخجلة التي تخرج من بين شفتيه كيف حصل عليها تلعثمت الأحرف من بين شفتيها تسأله مدهوشة :
- أنت عرفت الكلام دا كله إزاي مين قالك عليه
فك حصار ذراعيه من حولها ابتسم بالتواء يغمغم ضاحكا بخفة :
- دا سر الخلطة يا حورية البحر ، يلا روحي غيري هدومك مش هتنامي بالشكل دا
مال برأسه في اللحظة جوار أذنيها يهمس لها بنبرة عابثة :
- ولا تحبي أجي اساعدك
توسعت عينيها فزعا ارتدت للخلف خطوتين تحرك رأسها بالنفي سريعا ... حمام الغرفة أين كان استخدمته اليوم مرتين من الصعب أن تنسي مكانه تخبطت بضع لحظات تحاول استعادة تركيزها وصلت الي مقبض الباب قبل أن تدلف سمعته يغمغم عابثا :
- علي فكرة أنا علقتلك هدومك جوا يا حورية البحر
دلفت إلي المرحاض سريعا تغلق الباب عليها استندت بظهرها إلي الحائط تتنفس بعنف ذلك الرجل ما به لما تغير في لحظات ما بال كلماته باتت جميعها عابثة ماكرة كيف عرف تلك الذكري القديمة مع من أوقعت نفسها يا تري !!
________________
انتصف الليل في غرفة مكتب لا يمكن أن تراها سوي في الصور وربما يحالفك الحظ لتراها مرة واحدة في العمر لمحة خاطفة غرفة مكتب في جحم شقة يسكن فيها عائلة من خمسة أفراد .... السيراميك الذي يغطي الأرضيات ربما رأيته قبلا في احدي أفلام هوليوود .. مكتب ضخم من خشب الزان فوقه جهاز حاسب محمول ( لاب توب ) يجلس مجدي التهامي يحادث صديق عمره ورفيق دربه منذ أعوام واعوام عت طريقة مكالمة ( فيديو )
صدح صوت سفيان من جهاز الحاسب يحادث مجدي في ثقة :
- ما تقلقش يا مجدي الصفقة خلاص فاضل فيها ابيات وتم القصيدة وهنبقي ملوك السوق السودا مش في مصر بس في الوطن العربي كله
ارتسمت ابتسامة قاتمة كابتسامة ابليس علي شفتي مجدي يهمهم سعيدا رفع كأس النبيذ الخاص به يغمغم متلذذا بانتصاره :
- في صحة ملوك العالم السفلي ... في انتظار رجوع الجوكر
علي الجانب الآخر في غرفة مظلمة لا يظهر منها سوي كرسي من الجلد أحمر اللون فخم يسلط الضوء عليه يجلس سفيان فوقه يضع ساقا فوق أخري تجلس علي أحدي اذرعه المقعد عاهرة بفستان أحمر قاتم لا يستر منها شيئا يلف يسراه حول خصرها في حين يده الأخري تمسك بكأس من النبيذ يرتشف ما فيه باستمتاع اختفت ابتسامته فجاءة يحادث مجدي محتدا :
- مجدي ، ابعد طارق ابنك عن وتر عمال يحوم حواليها مش معني إني بعيد إني مش زارع ألف عين وسلاح حواليها اللي هيفكر يقرب منها هنسفه حتي لو كان ابنك يا مجدي ، زي ما اشتركنا سوا في قتل وليد وبعده بيجاد
ما تزعلش بقي لو قتلتك طارق
لم تتبدل قسمات وجه مجدي لم يظهر عليها لا خوف ولا قلق وكأن لا مشاعر يعرفها لا عقله ولا قلبه فقط ابتسم يغمغم ساخرا :
- أنا قتلت ابني وبعده ابن اخويا لما فكروا يقفوا قدامي ... بس طارق لاء يا سفيان دا وريثي الوحيد دلوقتي ، أنا اوعدك أنه هيبعد عن وتر نهائي
تمايلت العاهرة بشكل فج تحاوط رقبة سفيان بذراعيها ليضحك عاليا يوجه انظاره لمجدي يتشدق في خبث :
- طب يا ميجو نكمل بعدين وسيبني اشوف شغلي مع بنت رئيس المافيا الروسي
تعالت ضحكات سفيان الماجنة قبل أن يمد يده يغلق جهاز الحاسب ... عاد مجدي بظهره إلي ظهر المقعد يمسك كأس النبيذ في يده يضحك بخفة يغمغم ساخرا :
- طول عمرك شيطان يا سفيان !
لحظات فقط وسمع صوت صرخات تأتي من الخارج تنهد بسأم شيرين من جديد تلك السيدة يرغب في إطلاق احدي الرصاصات علي رأسها وينتهي منها ومن مشاكلها ... وضع الكأس علي سطح المكتب يتحرك للخارج ليجد زوجته الحبيبة تمسك بأحدي الخادمات الصغار تكيل لها بالصفعات تنهد حانقا من أفعالها تقدم يستل الفتاة من بين يديها يصيح فيها محتدا :
- شيرين أنا خلاص جبت اخري منك مش كل شوية جننوتك تطلع لو سمعت صوت جنانك دا تاني مش هرميكي في مصحة تتعالجي من القرف اللي بتضربيه لاء ، هضربك بالنار انتي عارفة أنا ما عنديش عزيز ولا غالي
نظرت له السيدة الجميلة صاحبة الشعر الأشقر المصبوغ عينيها الخضراء صاحبة العدسات الصناعية وجهها النضر المحقون بمواد تجميل
جسدها الرشيق المنحوت بعملية جراحية باهظة الثمن ! ... ابتسمت تكتف ذراعيها تتمتم ساخرة :
- جري ايه يا مجدي أنت ما بتزعقش أوي كدة غير وأنا بضرب الخدامات ولا عشان بيشوفوا مزاجك وبعدين بدل ما تزعقلي كدة روح شوف الواد اللي اختفي برسل كان زمانك دلوقتي كسبان من وراها صفقت بملايين
أحمر وجهه غضبا من سخريتها اللاذعة بقسم أن يجد رسل وذلك الحشرة الذي فكر في أن يتحداه ويريده قتيلا بعد أن يريه العذاب الوانا ... التفت يعطي شيرين ظهره يمسك برسغ يد الخادمة يجذبها خلفه إلي أعلي يحادثها :
- بقولك يا شيري أنا مشغول ، ما تطلعيش الأوضة دلوقتي !!!
ابتسمت في سخرية اعتادت علي رغباته المريضة المقززة مع الخادمات وخاصة القاصرات !!
___
الساعة تجاوزت الثانية ليلا ومع ذلك النوم لم يعرف طريقه لعينيها تفكر في الغد بحماس شخصية لازالت تحيرها ذلك الرجل لغز عليها حله تنهدت بعمق تتحرك من فراشها إلي الشرفة الصغيرة خرجت إليها تنظر للحارة الفارغة قطبت جبينها متعجبة لما ورشة جبران مفتوحة في اللحظة التالية رأته يخرج من باب ورشته المفتوح ينظر هنا وهناك بحذر يحمل حقيبة سوداء كبيرة من القماش تشبه حقائب السفر بالطبع بها المخدرات نزلت تجلس أرضا حتي لا يراها تراقبه من بين اعمدة سور الشرفة وهو يتحرك ناحية شارع جانبي ، وأكثر ما تكرهه في نفسها هو الفضول قامت سريعا تلتقط هاتفها تسللت علي أطراف أصابعها تأخذ المفتاح تهرول سريعا علي سلم البيت تكمل ارتداء حذائها علي السلم .... خرجت من العمارة لتلمح طيفه هناك بعيدا عند نهاية الشارع ها هو جبران هناك تحركت بخفة تترك مسافة بينهما تتبعه في الظلام تقبض علي هاتفها بعنف تحرك إلي تقاطع جانبي مظلم لتقف عند بداية التقاطع تطل برأسها للداخل ضوء ضعيف من كشف يمسك به الرجل الآخر لم تنتظر اخرجت هاتفها تصور ما يحدث تسمع حديثهم بدأ الرجل الآخر الحديث :
- معلم جبران الفلوس أنا سيبتها كاملة مع رجالتك ... فين البضاعة بقي
القي جبران الحقيبة ناحية الرجل يغمغم :
- فلوسك تمام يا سيد ودول ال10 كيلو اللي طلبتهم حشيش أصلي فرز أول افتح وعاين
لم يفتح الرجل الحقيبة فقط قبض علي ذراعيها يغمغم سريعا :
- من غير ما افتح يا معلم هي أول مرة نتعامل مع بعض .. حشيش المعلم جبران نوع فاخر
من الآخر
ضحك جبران بخفوت يحمل الكثير من الثقة كانت محقة اذا حين اجزمت أن ذلك الرجل نرجسي يحب من يمجد فيه ... راته يودعه لتحفظ المقطع سريعا التفتت خلفها حين شعرت بحركة جوارها لم تجد شيئا فقط قطة صغيرة تركض حين عادت تنظر ناحية جبران رأته امامها مباشرة !!!!! يشق ثغره ابتسامة شيطان مخيف يغمغم في خبث :
- رايحة فين يا بنت الذوات !!
_____________
طبعا لو حلفتلكوا أن النت قطع امبارح مش هتصدقوا بس ربنا يعلم النت حقيقي قطع عشان كدة اول ما جه نزلت الفصل وما استنتش لبليل
لقيت تعليقات كتير أوي بتقول ازاي رسل اتجوزت من غير ما تنقضي شهور العدة يا جماعة رسل كان مكتوب كتابها بس ما جمعهاش ببيجاد بيت ولو ساعة واحدة فملهاش عدة اصلا