تحميل رواية «جبران العشق» PDF
بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1العشق .. ما به ؟غريب مخيف ساحريسلب الألبابيُسحر العقوليفتت المنطقيكسر الواقعيتخطي المألوفحين تجد نفسك كطفل صغير ليلة العيد فرحا فقط من ابتسامة عابرة فأعرف أنك سقطت في شرك العشق !حين تتدافق دقات قلبك تلكم صدرك حين تبصر طيفها يأتي من بعيد يتلهف لرؤيتها كما يتلهف الظمآن لرشفة ماء .. فأعرف أن قلبك بات عضو ينبض في صدرك ويعيش في جسدها هي ! قبل عدة أعوام من الآن في منطقة صحراوية والليل قد اسدل استاره يغطي المكان سودا تتجمع رجال الشرطة يلفون المكان بحواجز تمنع الاقتراب فلاش الكاميرا لا يتوقف عن التقا...
رواية جبران العشق الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم دينا جمال
تجلس في لجنة الامتحان تنظر إلى الورقة شاردة، عينيها سارحة.
بعد أن قال ما قال في سيارة الأجرة، لم ينطق بحرف آخر، في حين عقد لسانها كأنه التف يرفض الكلام.
أردت أن تبرر، أن تخبره بالعكس، أن تزيح تلك الحقيقة من رأسه، ولكن لا شيء، لم يخرج من فمها شيء...
وصلت السيارة أمام باب مدرستها فنزلت بصحبته، وفقط كلمة واحدة قالها قبل أن يتركها متجهاً إلى المقهى الشعبي أمام مدرستها مباشرة ببضع خطوات:
- حلي كويس ولينا كلام تاني بعدين.
لم يردف بحرف آخر، التفت وغادر.
القَتْ ناحيته نظرة أخيرة قبل أن تدخل إلى مدرستها، تحاول التركيز في ورقة الامتحان أمامها.
أجابت على الكثير من الأسئلة، تبقى فقط القليل عليها أن تركز لتنتهي، لا يجب أن يشرد عقلها الآن.
تنهدت تزفر أنفاسها بعنف، لا يجب، ما عليها أن تفعل الآن وقد اكتشف خدعتها، ما الذي سيحدث بعد الآن...
اجفلت على صوت خافت يأتي من جوارها، نظرت بطرف عينيها جوارها لتجد إحدى زميلتها تحاول أن تهمس لها بشيء ما:
- أمل السؤال التاني يا أمل... السؤال التاني.
نظرت لها بطرف عينيها بازدراء لتشيح بوجهها بعيداً متقززة منها، تهمس لها:
- أنا ما بغشش حد.
احتقن وجه الفتاة غضباً تنظر لأمل في غيظ، تعقد في نفسها أمراً، من الجيد أن المراقب الواقف هناك أحد أقاربها، بالطبع سيصدقها هي.
التفتت فجأة ناحية أمل تصيح فيها:
- ما تذاكري قبل ما تيجي أنا مش هغشش حد خلي عندك دم بقي مش عارفة أحل.
توسعت عيني أمل في ذهول تنظر لها مذهولة، ما بها تلك الفتاة لما تصيح فيها هكذا...
اقترب المراقب منهم يغمغم محتداً:
- في إيه يا روان حصل إيه.
وقفت تلك المدعوة روان تنظر للمراقب تصيح غاضبة:
- الحقني يا عمو سمير البت دي بقالها نص ساعة عمالة تقولي أغششيني وأنا بقولها ما بغشش حد وهي مش ساكتة وأنا كده مش عارفة أركز في الامتحان كده هسقط.
شهقت أمل مذهولة مما قالت تلك الفتاة تقلب الحقائق، هبت واقفة تصيح تدافع عن نفسها:
- كذابة أقسم بالله العظيم كذابة هي اللي كانت عايزة تعش مني وأنا قولتلها لأ.
لم يصدقها بالطبع لن يفعل... مد يده يسحب ورقة أمل بعنف من أمامها يردف محتداً:
- لو فعلاً كانت عايزة تعش منك كنتي زعقتي زي ما هي عملت دلوقتي.. قدامي هنعملك محضر غش والامتحان ده ملغي.
شخصت عيني أمل فزعاً تحرك رأسها بالنفي تصرخ باكية بحرقة:
- كذابة أقسم بالله هي اللي كذابة أنا ما غشتش من حد أرجوك صدقني هي اللي كدابة مش أنا...
لم يصدقها فقط ابتسم في سخرية يتحرك لخارج اللجنة، كان عليها أن تفعل شيئاً ما، هرعت إلى حقيبتها الموضوعة خارجاً جوار الباب رقمَه، كان أول رقم ارتعش صوتها تصيح باكية:
- الحقني يا حسن!
ولم تكمل، جذب المراقب الهاتف من يدها بعنف يصرخ فيها:
- كده هيبقى المحضر اتنين محضر غش ومحضر استخدامك للموبايل في اللجنة هي بقي كبرت في دماغي وهخليكي تعيدي السنة دي كلها.
- دا عند أمك عارف أمك يلا.
صدح صوت حسن عند بداية السلم، يبدو أنه أتى راكضاً، خلفه يتحرك المدير يحاول تهدئته:
- يا حسن باشا اهدي أكيد في سوء تفاهم.. سمير هو في إيه.
نظر سمير لحسن باشمئزاز ليوجه حديثه للمدير يردف غاضباً:
- ومين دا كمان.. أنت هتسكت على إهانته ليا يا سيادة المدير... ولا هو جاي يبلطج عشان السنيورة اللي بتغش من أصحابها وكمان مش عاجبها.
حركت أمل رأسها بالنفي، انهمرت الدموع من مقلتيها، هرعت إلى حسن اختنقت نبرتها تتمتم بحرقة:
- والله يا حسن كذاب هي بتتبلي عليا أنا ما غشتش من حد وعايز يعملي محضر ظلم عايزني أعيد السنة كلها أنا ما صدقت وصلت لهنا.. ما تخليهوش يعمل كده يا حسن عشان خاطري.
وانخرطت في البكاء وضعت يديها على وجهها تشهق في بكاء عنيف...
احمرت عيني حسن غضباً لا يرغب في شيء في تلك اللحظة سوى أن ينتزع ماديته ويمزق بها عنق الواقف أمامه...
مد يده يربت على كتف أمل برفق... تركها متجهاً إلى المراقب وقف أمامه يمد يده له يغمغم في هدوء:
- رجعلها الورقة بتاعتها عشان تلحق تكمل حل الامتحان...
ابتسم الواقف في سخرية ينظر له باستخفاف رفع سبابة يسراه يشير لحسن بازدراء:
- وأنت بقي اللي هتخليني أعمل كده.
اتسعت ابتسامة حسن يومئ له بالإيجاب، دس يده في جيب سرواله سحَرَحْ حافظته الجلدية يخرج منها كارت تعريفي خط عليه (المقدم حسن كمال شريف الدين).
أصفر وجه الواقف خوفاً لترتسم ابتسامة ساخرة على شفتي حسن، من الجيد أنه لا زال يملك تلك البطاقة..
مد يده يسحب الورقة من يده أعطاها لأمل يمسح على رأسها برفق يغمغم مترَفْقاً:
- خشي كملي امتحانك يا أمل وما تخافيش أنا مش همشي من هنا غير وايدك في إيدي.. روحي كملي امتحانك.
أومأت برأسها بالإيجاب سريعاً تمسح دموعها بكفي يدها عادت أدراجها إلى داخل الصف تنظر بقهر لتلك التي كادت أن تودي بمستقبلها أدراج الرياح لولا حسن!!
عجباً عجباً هذا عجب حسن وهو من يخرجها من المشكلات الصعبة الآن...
تنهدت تنفض ما حدث من رأسها مؤقتاً، تبقى القليل فقط عليها أن تنتهي...
مرت ربع ساعة إلى أن انتهت، أغلقت الورقة تعطيها للمراقب الآخر...
خرجت تبحث عن حسن هنا وهناك لتجده في مكتب المدير الذي يحاول تهدئته:
- يا حسن باشا خلاص اهدي اللي دا سوء تفاهم وأنا أقسمت لحضرتك إني هحول المراقب للتحقيق.
- مش كفاية.
صاح بها حسن كور قبضته يضرب بها سطح المكتب أمام المدير لينتفض الأخير بزفرة لعابه خائفاً توترت قسمات وجهه يغمغم:
- طب إيه يرضي حضرتك واحنا نعمله.
رآها، لمح انعكاسها في زجاج غرفة مكتب المدير ليلتفت خلفه سريعاً، رآها تقف هناك كطفلة صغيرة وحيدة بدون مأوى، اقترب منها سريعاً أمسك بكف يدها يوجه حديثه للمدير:
- أنا هعرف شغلي معاه أقسملك بالله اللي حصل دا مش هيعدي على خير أبداً... يلا يا أمل.
خطى معها خطوة واحدة للخارج ليعود يلتفت إليهم يغمغم محذراً متوعداً:
- ابقى أعرف إن ورقتها اتعلم عليها أو حصل فيها أي مشكلة قسم بالله ما هيهمني وههدم المعبد على رأس أصحابه.
دون كلمة أخرى رَجَعْ تاركاً خلفه ذلك المراقب ينزف الدماء من فمه وأنفه بعد عدة لكمات غاضبة سقطت على وجهه من يد حسن السليمة...
خرج بها من المدرسة يشعر بكفها يرتجف داخل كف يده، كانا في الشارع لم يستطع ضمها فقط وقف أمامها يمسك ذراعيها بين كفيه يحادثها مترَفْقاً:
- اهدي يا أمل ما حدش يقدر يأذيكي طول ما أنا حي على وش الدنيا.
رفعت وجهها ببطء ارتجفت حدقتيها بعنف اختنق صوتها تهمس مقهورة:
- أنا اتظلمت يا حسن.. اتظلمت وكان هيضيع مستقبلي بسببها هي اتبلت عليا وهو قرايبها كان بيحامي ليها.
حرك رأسه بالنفي يشدد بخفة على ذراعيها يغمغم سريعاً:
- لا عاش ولا كان اللي يقدر يظلمك وأنا على وش الدنيا يا أمل... أنا ضربته وخليته يتحول للتحقيق ولسه هوقفه خالص عن العمل هدفعه تمن اللي عمله غالي أوي هو وقريبته.
أومأت له دون أن تنطق بحرف ليعطيها ابتسامة هادئة يحادثها:
- تعالي نقعد نتغدا في أي مكان.. تهدي وتاخدي نفسك كده وبعدين نروح.
وافقته، لم تكن في حالة نفسية تسمح بالرفض فوافقت ليترك ذراعيها، أمسك كف يدها يتحرك معها إلى أحد مطاعم الوجبات السريعة الشهيرة المنتشرة في كل مكان تقريباً.
____________
تقف في الشرفة الصغيرة في منزلهم في أسوان تشاهد المياه الجارية أمامها والمعابد البعيدة بالكاد تلمح ظلالها المهيبة الشامخة، الطيور تحلق في السماء والقوارب السياحية تجوب المكان...
لا تنكر المكان جميل هادئ نقي بشكل خلاب، ولكنها لا تفهم ليه أتى بهم لهنا ومن هم الذين كانوا يطاردوهم.
تنهدت بعمق تحاول أن تجد طرف خيط صغير بيجاد يرفض الإفصاح عن شيء يحول كل أحاديثهم إلى كوميديا هزلية بخفة ظله السخيفة التي تكاد تقتلها.
اجفلت حين شعرت بيده تلتف حول خصرها ورأسه يهبط برفق على كتفها يهمس لها حانقاً وكأنه طفل غاضب:
- على فكرة بقي لعنة أجدادنا الفراعنة هتحل عليكي عشان مش راضية تخليني أحيكلك قصة بناء المعابد معبد معبد.. يا بنتي دا أنا مرشد سياحي ممتاز.
وضعت يديها فوق يده تزيح ذراعيه التفتت وقفت أمامه تنظر لعينيه مباشرة لترى ابتسامة انتصار تعلو ثغره وكأن فقط رؤيتها له تجعله ينتصر..
تنهدت حانقة تردف بحدة:
- بيجاد بطل تاخد كل حاجة بهزار أنا محتاجة أفهم ومن حقي أفهم مين الناس اللي كانت بتطاردنا دي وليه احنا هنا وهنفضل هربانين لحد إمتى.
ابتسم يحرك رأسه موافقاً ما تقول، اقترب خطوة واحدة يحتضن وجهها بين كفيه، ثقلت أنفاسه يهمس لها بصوت خفيض متخم بالمشاعر:
- هقولك بس هعمل حاجة الأول.
اضطربت حدقتيها تتسارع دقات قلبها أغْضَمَتْ عينيها تنصهر كقطعة ثلج يحتضن شعلة نار وهو يلحم بركان عاطفته المتأججة بعُنَابْ شفتيها العذب لحظات خارج الكون في الفضاء الواسع لا أحد غيرهم في مدار العشق الخالص...
ابتعد عنها يسند جبينه على جبينها يلهث بعنف يهمس لها:
- أنا بحبك يا رسل... انسي كل حاجة في الدنيا وخليكي معايا هنا بعيد عن الشر والظلم اللي جوا مجدي وشيرين... أنتي مراتي يا رسل أنتي الوحيدة اللي بقيالي في الدنيا دي أنا ما حلتيش في الدنيا دي غيرك... انسي كل اللي فات وتعالي نبدأ من أول وجديد.
على الرغم من أنها كانت في دوامة تُغْرِقْها حرفياً ولكن عقلها كان هنا يعمل يفهم يحلل يرفض ما يقال الآن، انتشلت نفسها بعيداً عنه تنظر لعينيه تردف في حدة:
- لا يا بيجاد دي بداية هشة مالهاش أساس... أنا من حقي أفهم وأنت لازم تقولي يا إما كده يا إما كل واحد يروح لحاله.
وتركته تدخل للمنزل ليلحق بها سريعاً التقط رسغ يدها داخل كفه يمنعها من الابتعاد، حاولت جذب رسغها بعنف من داخل كفه تصيح فيه:
- أبعد عني يا بيجاد سيب إيدي.
جذبها إليه لتشهق بعنف حين طوقها بذراعيه يحتجزها داخل صدره يصيح فجأة غاضباً:
- عايزة تفهمني.. أقولك إيه اللي بيحصل مجدي أبوكي بيساومني يا أرجع قناص ليهم زي الأول يا يقتلك.. كان عايز يخطفك عشان يساومني بيكي فهمتي بقي أنا مخبي عليكي ليه.
جحظت مقلتيها فزعاً تحرك رأسها بالنفي بعنف دقات قلبها تؤلمها، والدها لا مستحيل والدها يرغب في قتلها!!
جسدها ينتفض بين يديه، لم يكن يجب أن تعلم، كان محقا في إخفاء الأمر عنها. شهقت بعنف وكأن الحياة تفارقها، ملأ الألم نبرة صوتها وهي تسأله: - يعني هو اللي بعت الناس اللي ضربت علينا نار؟ حرك رأسه بالنفي ليزيد الأمر تعقيدا، لم تعد تفهم شيء مطلقا مما يحدث حولها، في حين أردف هو: - اللي بعت ناس تضرب علينا رصاص دا واحد من أعدائي، كان عايز يموتني لما عرف مكاني... لما هربنا منه ووصلت هنا لقيت أبوكي بيكلمني وبيعرض عليا تهديده: الحقيقة يا إما أرجع للشغل معاهم يا هيقتلك قدام عينيا. بقيت جامدة تنظر للفراغ عينيها، وكأنها زجاج تعكس شظايا روح تهشمت من الألم. لحظات طويلة من الصمت شقتها صرخة مدوية خرجت من بين شفتيها... صرخة ألم صاح بها قلبها بعد أن فاض به الكيل، لترتمي برأسها على رأس بيجاد تشهق في البكاء تصرخ بحرقة: - ياريتك ما قولتلي! يارتني ما سألتك.. هو بيعمل كدة ليه يا بيجاد؟ هو ليه بيكرهنا أوي كدة؟ احنا أذيناه في إيه... طول عمره قاسي بس كنت بقول حتى لو قاسي علينا أكيد بيحبنا، بس يقتل وليد ودلوقتي عايز يقتلني! دا شيطان! شيطان مش بني آدم أبدا. وانفجرت في البكاء وهو يحتضنها، ينظر للفراغ يعلو ثغره ابتسامة ساخرة. هل يخبرها بأن والدها هو من قتل والدتها بعد ولادتها لها، بعد أن جعلها تتنازل له عن أملاك عائلتها بالكامل؟ لا، بالطبع لا، يجب أن تعلم! تلك المستشفى الفخمة المهيبة، ربما لن ترها سوى على التلفاز أو الصور المعروضة على صفحات التواصل الاجتماعي، ولكن ها هو يمكث داخل إحدى غرفها الفاخرة المخصصة لكبار الزوار، وهو بالطبع من كبار الزوار، يكفي أنه ابن مالك المستشفى... يضجع بجسده إلى وسادة ناعمة من الريش، ينظر للفراغ، الشاش الطبي يلتف حول ذراعه الأيسر وفخذه الأيمن. عرف حين دخل إلى المستشفى أن رصاصات المسدس لم تكن رصاص حي، بل تلك الطلقات التي تستخدم لصيد الطيور. ابتسم ساخرا: قتلوه دون أن يموت، يال كرم أخلاقهم الحميدة. سينتقم، يقسم أنه سيفعل، سيرد لهم الصاع صاعين، سيمشي وفق خطتهم إلى أن يضع يده على وتر، ومن هنا سيبدأ الانتقام. فقط تصبح بين قبضتها، وهو سيجعلها نسخة ميتة مشوهة الروح مثل شيرين والدته، يقسم أنه سيجعلها تدمن أعتى أنواع المخدر، يلقيها لهم جثة تحتضر أمام أعين أبيها، فقط الصبر هو ما يحتاج إليه... اجفل على صوت الباب يفتح، بالطبع ماهي ومن غيرها، يلتصق به كالغراء. التفت برأسه ينظر للفاعل ليجد أبيه، ها هو والده الحبيب الحنون أتى لزيارته ليطمئن أنه لم يمت. لم يستطع إخفاء نظرات الكره والحقد التي ملأت حدقتيه حين رآه، ليبتسم مجدي ساخرا، اقترب يجذب مقعد يجلس جوار فراش طارق يغمغم ببساطة: - حمد لله على سلامتك يا طارق... معلش هي قرصة ودن بس عشان سفيان يهدي... دا كان حالف يقتلك بالبطء بس أنا رفضت وهو عشان خاطر صحوبيتنا. تعالت ضحكات طارق الساخرة، يالهم من أصدقاء سوء يحبون بعضهم البعض كثيرا. نظر لوالده يردف متهكما: - والله أنا من زمان شاكك في علاقتك أنت وسفيان صاحبك. احتدت عيني مجدي غضبا حين فهم المعنى المقزز في كلمات ابنه، ليرفع يده يصفعه بظهر يده على فمه بعنف، صفعة قاسية شقت جانب ثغره، في حين أردف مجدي غاضبا: - حط لسانك جوا بوقك وبطل خطرفة لأقطعه وأكلهولك، إنت فاهم؟ لم يجيب، فقط أشاح بوجهه في الاتجاه الآخر، يشد على قبضته المغلقة بعنف، احمرت عينيه غضبا. وفي حين وقف مجدي من مكانه يغلق زر حلته يغمغم ساخرا: - حمد لله على السلامة يا حبيبي، خف بسرعة بقى عشان البيت يرجع ينور بيك... واجهز عشان سفيان بيجهز الضربة القاضية للي اسمه جبران، دا هتخلصنا منه خالص. التفت برأسه ناحية أبيه، قطب ما بين حاجبيه يسأله: - هتعملوا معاه إيه؟! ارتسمت ابتسامة سوداء على شفتي مجدي، مال ناحية أذن طارق يهمس له متلذذا العذاب: - هندخله السجن وهندخل واحد من رجالتنا هناك يقتله!! ربت على كتفه برفق يغمغم مبتسما: - جهز نفسك يا عريس، مش عايزين فضايح بقى. وتركه وغادر، ليومئ طارق بالإيجاب، سيكون على أتم استعداد ليحول حياتها جحيما!! أخيرا هدأت، منذ أن جلست بصحبته في ذلك المطعم وجسدها يرتجف بعنف. أين ذهبت أمل القوية ذات اللسان السليط؟ ترتجف كطفلة خائفة من وحوش أسفل الفراش. بعد كوب العصير الثالث تقريبا بدأت تهدأ شيئا فشيئا، إلى أن هدأ جسدها وانتظم تنفسها. ربت على يدها يغمغم مبتسما: - هروح أجيبلنا الأكل. وافقت بإماءة صامتة، تراقبه وهو يتحرك بعيدا، تبتلع لعابها الجاف مرتبكة الآن وقد اكتشف حيلتها. ماذا ستفعل؟ لا شيء، لن تفكر في خطط أخرى، عليه أن يعرف أنه هو السبب، هو من تزوجها غصبا، ليس من العدل أن تبادله العشق غصبا.. خدعة دنيئة صحيح، ولكنها لم تكن تملك غيرها في الوقت الحاضر... هو من سيقرر ماذا سيفعل، وتتمنى فقط لو يطلق سراحها وينتهي هذا العرض الهزلي للأبد... تنهدت بعنف تنظر ناحيته لتراه يتقدم ناحيتها، يمسك بيمناه السليمة حامل طعام عليه شطائر اللحم وقطع البطاطس والمشروبات الغازية، وضعه أمامها على الطاولة. مدت يدها تبعد الغطاء عن شطيرته ليبتسم ساخرا يردف: - كفاية تمثيل يا أمل! أنتي مش مضطرة تمثلي عليا تاني، لما نروح حاجات كتير هتتغير. لا تعرف لما شعرت بالقلق من تلك الجملة، وكأن بها وعيد مبطن خبيث... فتحت فمها تريد أن تقول شيئا ما حين فجأة بدأت الحركة حولهم تحدث فيها اضطرابا... عدد كبير من الحراس يلتف حول المكان من الخارج، والبعض منهم دخل إلى المطعم. التفتت برأسها هي وحسن ينظران للخارج من خلال زجاج المطعم، ليروا سيارة سوداء وقفت أمام باب المطعم. هرع أحد الحراس يفتح بابها لينزل منها رجل ما... رجل ما أن رآه حسن هب واقفا.. اختفت أنفاسه إثر رؤيته له، وشريط عذاب طويل يمر أمام عينيه ينتهي بصرخة والدته قبل أن تفارق الحياة... التفت ناحية أمل يقبض على كفها بيمناه، جذبها بعنف لتقف ليصيح فيها: - يلا لازم نمشي! لم تفهم ما به، ولكن حالته تبدو مريعة، عينيه مضطربتان تتحركان في كل مكان وكأنه يبحث عن مخرج، كف يده بارد يرتجف برعشات خفيفة ولكنها تشعر بها... المطعم له باب واحد فقط، تحرك إليه ليخرج معها ليجد الحراس يسدون الطريق أمامه، يمنعوه من الخروج. تقدم أحدهم يحادثه: - حسن باشا احنا آسفين جدا، ما تقدرش تخرج دلوقتي، كمال باشا والد حضرتك عايزك. تقدم حسن ناحية الحارس يقبض بينما على تلابيب ملابسه يصرخ فيه غاضبا: - أنا هخرج يعني هخرج، اوعي من طريقي بدل ما أقتلك! - لسه عصبي ومندفع وسريع الغضب يا حسن، أومال هما فصلك من الخدمة ليه؟ صوته... صوت والده الكريه الذي لم يكره شيء بقدر كرهه لسماع صوته. ترك ثياب الحارس يلتفت ناحية أبيه الواقف على بعد قريب منه، يبتسم في استهتار كعادته، يدس سيجارة تبغ كوبية ضخمة بين شفتيه... فتح كمال ذراعيه يغمغم في سخرية تمتزج بالضحكات: - أهلا بعودة الابن الضال!! تقف أمام غرفة الرعاية المركزة حيث تمكث والدتها. الطبيب طمأنها أنها بخير وتستجيب للدواء، وذلك حقا لأمر هام تتمنى لو تفيق قريبا. اجفلت حين وضع جبران يده على كتفها يغمغم مبتسما: - مش الدكتور طمنا أن ماما بخير؟ يلا بقى نروح قعدتنا، هنا مالهاش لازمة. أومأت موافقة، تنظر ناحية والدتها تودعها للمرة الأخيرة قبل أن ترحل. شبك جبران يدها في يده، يتحركان في الشوارع بين الشروق والشمس في السماء ترحل والليل يأتي برفق رويدا رويدا، والهواء الساخن يبدو أكثر برودة ينعش الروح. تتحرك معه بين شوارع لم تخطها قدميها يوما، تبتسم في سعادة تشاهد واجهات محال الثياب ومحال الأطعمة المختلفة، التي تتراص جوار بعضها البعض، والعجيب جميعها مزدحمة. تراقب بابتسامة واسعة وهو يراقبها بابتسامة توازيها اتساعا.. أشار لها إلى بائع مثلجات متجول يغمغم: - تيجي أجيبلك آيس كريم من عند الراجل دا؟ ولما لاء هزت رأسها بالإيجاب، تتحرك معه ناحية بائع المثلجات وقفت أمامه تغمغم: - عايزة توت وفستق وبلوبيري. عقد الرجل جبينه ينظر لها ولجبران، ليحمحم جبران يغمغم: - هاتلها واحد مانجا على فراولة. ابتسم الرجل يلتقط قطعة بسكويت يملأ نصفها بنكهة المانجو والنصف الآخر فراولة، أعطاه جبران نقوده يعطيها المثلجات. رفعت كتفيها تأخذها منه، ليست كما أرادت ولكنها تبدو جيدة... رأت كورنيش النيل أمامها لتغمغم سريعا: - جبران النيل اهو، تعالا نقعد هناك زي ما بيحصل في الأفلام. ضحك عاليا يهز رأسه يآسا، تقدم معها إلى شاطئ النيل، جلست على حافة سور عالي تؤرجح قدميها... ليخرج هاتفه من جيبه يشير لها: - وتر بصيلي هنا. نظرت لهاتفه تضحك برقة وهو يلتقط لها الصور، ذهب إليها يجلس جوارها، مدت يدها له بمخروط المثلجات، ابتسم يحرك رأسه بالنفي. شردت عينيها في الفراغ للحظات قبل أن تلتفت له تغمغم فجأة: - أنا عايزة ورد. - كيلو الكباب أفيد يا يسرية. غمغم بها ضاحكا لتنفجر في الضحك هي الأخرى، انزلق المخروط من يدها ليسقط أرضًا. توقفت عن الضحك تنظر له بصدمة لتدمع عينيها، انهرت الدموع تغطي وجنتيها تتمتم ساخرة: - أنا عارفة أن الدنيا بتكرهني من زمان وهي بتاخد مني كل حاجة حلوة، حتى الحاجات البسيطة... مش كدة يا جبران؟ لما الدراما لأجل أن المثلجات سقطت؟ ليست بجريمة بشعة أرتبكها القدر في حقها كما تنوح الآن. قام من مكانه يغمغم ببساطة: - مش مستاهلة دراما يا وتر، هجبلك غيره. نفت برأسها بعنف لتهب واقفة تمسح دموعها بقوة تغمغم في إصرار: - لا مش عاوزة، أنا عاوزة أروح، يلا نروح. شبك كفها في كفه يتحركان بين الطرقات إلى حيهم، استوقفه في طريقهم متجر ورود صغير للغاية، دخل إليه بمفرده واشترى لها وردة واحدة حمراء اللون، وضعها برفق بين خصلات شعرها، غمزها بطرف عينيه يغمغم مشاكسا: - أديني جبتلك الورد اهو يا يسرية، تعالي بقى نجيب الكباب. وفعل ذلك حقا، وقف أمام مطعم يبيع ذلك اللحم المشوي واشترى لهم طعام العشاء. تأبطت ذراعه تسير جواره في الحي، ليميل على إذنها يغمغم بخبث: - مش ناقص غير ازازتين بيرة مشبرين وكدة تبقى اتعشت أوي. انتظرت إلى أن صارا داخل مدخل عمارتهم، لتصدمه على صدره تغمغم حانقة: - بطل.. أنا طالعة أنام... ابقى اتعشى لوحدك بقى. ابتسم عابثا يلاعب لها حاجبيه، تقدمت له لأعلى وهو خلفها، عند الطابق الذي تسكن فيه روزا انفتح باب شقتها فجأة، واطلّت عليهم بقميص للنوم يكاد يكون شفاف، تحمل في يدها حقيبة قمامة صغيرة. شهقت وتر حين رأت منظرها لتندفع ناحية جبران تغطي عينيه بكفيها تصيح في صفا: - خشي جوا! صاحت صفا تعتذر خجلة من الموقف لتندفع للداخل توصد الباب سريعا، لتزيح وتر يدها من على عيني جبران لترى ابتسامة خبيثة تعلو ثغره، يتشدق ساخرا: - على فكرة شوفت بردوا. احتقنت عينيها غيظا لتصدمه بساقها في ركبته بغيظ، تندفع لأعلى... في تأوه هو يمسد ساقه يغمغم مدهوشا: - يا بنت المجنونة أما علقتك الليلة دي. اندفع خلفها لحقها قبل أن تغلق الباب، دخل إلى الشقة يصفع الباب بعنف، شمر عن ساعديه يلوح على ثغره ابتسامة ماكرة، يتشدق مستمتعا: - تعالي بقى يا بنت الذوات. صرخت تضحك عاليا تركض من أمامه وهو خلفها، ما أن التقطها بين ذراعيه تضحك وهو معها، صدح صوت دقات عنيفة للغاية على باب الشقة. تركها يقطب جبينه متعجبا، تحرك لباب الشقة يفتحه ليندفع عدة عساكر لداخل الشقة، خلفهم زياد الذي وقف أمام جبران يبتسم في اتساع متشفيا بانتصار، نظر لغريمه يغمغم شامتا: - مش قولتلك نهايتك على إيدي...
مطلوب القبض عليك يا معلم هاتوه !
رواية جبران العشق الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم دينا جمال
ابتسم جبران ابتسامة ساخرة.
نظر لزياد مستهجناً.
مد يديه للعسكري القادم نحوه ليضع الأصفاد في يديه وكأنه شيء معتاد، اعتاد أن يحدث له قبل ذلك مراراً وتكراراً.
التفت بوجهه ناحية وتر التي تنظر له وعيناها متسعتان في ذعر.
ليعطيها ابتسامة هادئة يحاول أن يطمئنها بها.
هزت رأسها بالنفي سريعاً.
اندفعت ناحيتهم، وقفت في المنتصف بينه وبين زياد تصيح في الأخير محتدة:
"إنت عايز منه إيه يا زياد؟ جبران ما عملش حاجة، ابعد عنه بقى."
شخصت عينا زياد ينظر لها مذهولاً، وتر تدافع عن جبران بشراسة! هي التي كانت قبل عدة أيام فقط تخبره أنها لا تطيق النظر لوجهه، كيف؟
في حين صدح صوت جبران باسم وتر:
"وتر، وبعدين عيب لما تزعقي وأنا واقف."
التفتت تنظر له مذهولة، عيناها تتسعان في ذهول. هل هذا فقط ما يهمه؟ الرجل على وشك أن يُزج به في السجن الآن؟
لتجده يبتسم، يوجه حديثه لزياد:
"معلش يا باشا، المدام بس خايفة عليا. يلا يا باشا."
وتحرك مع العسكري في هدوء وسلاسة، وكأنه ذاهب في نزهة.
وزياد خلفهم.
وضعوه في سيارة الشرطة لتتحرك السيارة به.
وهي تقف تراقب من شرفة منزلهم، تبكي خوفاً عليه.
تشعر بالعجز، لم تعرف لمن تلجأ لمساعدته في تلك اللحظة.
لم يطرأ في رأسها سوى اسم والدها.
هرولت إلى هاتفها تمسكه، جسدها بالكامل يرتجف بعنف وكأنه يُصعق.
وصلت إلى رقم والدها، تضع الهاتف على أذنيها.
ما إن سمعت صوت والدها صرخت مذعورة تبكي بحرقة:
"بابا الحق، جبران زياد قبض عليه، عشان خاطري يا بابا ما تأذيهوش!"
لحظات قليلة من الصمت، لا يُسمع سوى صوت أنفاسها المتسارعة الخائفة.
ليأتي صوت والدها يخبرها في هدوء تام:
"عرفتي بقى إني أقدر أأذيه بإشارة من صباعي وأنا قاعد مكاني بمكالمة. أقدر أخليه يقضي اللي باقي من عمره مرمي في السجن."
وضعت يدها الأخرى على فمها تمنع شهقاتها حتى لا يسمعها أبوها.
حركت رأسها بالنفي بعنف، تنهمر الدموع تُغرق وجهها.
لتسمع صوت والدها يكمل:
"بس زي ما دخل ممكن يخرج بمنتهى البساطة. بشرط!"
"شرط؟" بالطبع والدها يجب أن يقايض حتى مع ابنته. يبدو أن والدها لديه وجه آخر لم تعرف به قبلاً وتكتشفه الآن شيئاً فشئ.
حاولت تمالك شتات نفسها. ألا تظهر ضعفها وهي تردف:
"شرط إيه؟"
ضحك سفيان لبضع لحظات قبل أن يردف يحادثها:
"دا إنتي حبيتيه بقى يا وتر؟ مين كان يصدق إن وتر هانم اللي ما بيعجبهاش العجب تحب حتة بلطجي رد سجون. هقولك الشرط بعدين، دلوقتي أنا عايز منك إنك هتنفذيه. قولتي إيه؟"
"أي شرط خبيث شيطاني يريد والدها وعداً لتنفيذه."
ترددت لبضع لحظات، لتومئ بالإيجاب. تهمس له:
"موافقة، هنفذ اللي تقول عليه، بس جبران يخرج."
"ساعة وهيخرج."
أردف بها سفيان بثقة لا مثيل لها، ليغلق معها الخط.
لتشرد عيناها في الفراغ، تفكر قلقة على ما وافقت تحديداً.
على صعيد آخر، في قسم الشرطة، في إحدى الغرف.
وقف جبران في غرفة مكتب زياد، ينظر له وهو يجلس فوق سطح مكتبه أمامه، يناظره بشزرات غاضبة حادة.
ارتسمت ابتسامة شامتة تعلو شفتيه.
يغمغم متهكماً:
"مش قولتلك أنا اللي هلبسك البدلة الحمرا؟ خلاص، كل الأدلة اللي معانا ضدك، والصبي بتاعك اللي اتمسك بالبضاعة اعترف عليك."
لم تتغير تعابير وجه جبران، فقط ابتسم. عقد ذراعيه أمام صدره، يغمغم مبتسماً:
"صبي مين واعترف على إيه يا باشا بالظبط؟ يا باشا، إنت جايبني من بيتي من حضن مراتي."
نطق جملته الأخيرة في سخرية، ينظر ل عيني زياد متحدياً.
لتسود عيني الأخير غضباً.
وقبل أن يحدث شيء، دقات على باب الغرفة.
تلاها دخول العسكري يمسك في يده بطاقة تعريف لشخص ما.
نظر زياد لاسم الشخص على البطاقة ليقطب جبينه متعجباً.
يوجه حديثه للعسكري:
"ادخله يا ابني، لما نشوف آخرتها."
خرج العسكري، غاب للحظات، ليدخل غرفة المكتب سفيان الدالي بصحبته أحد المحامين الكبار أصحاب الاسم والصيت الذائع.
اقترب سفيان بلهفة من جبران، يوجه حديثه إليه:
"جبران، ما تخافش يا ابني. أستاذ منير محامي شاطر، وأكيد فيه لبس في الموضوع."
توسعت عينا جبران في دهشة، ما الذي يحدث هنا تحديداً؟ سفيان قلق عليه هو؟
وزياد لا يقل دهشة عن جبران، ينظر لسفيان مصعوقاً. كان يظن أن ذلك الرجل سيساعده ليحصل على محبوبته، والآن هو هنا ليساعد عدوه؟
اقترب المحامي من زياد، يصافحه بابتسامة متكلفة، يغمغم في هدوء:
"ياسر منير، المحامي الحاضر مع المتهم جبران. أقدر أعرف حضرتك إيه سبب احتجاز موكلي؟"
ابتسم زياد ساخراً، ينظر إلى سفيان ومن ثم جبران. عقد ذراعيه أمام صدره، يغمغم متهكماً:
"أبداً، تهمة بسيطة خالص، تجارة مخدرات. اتقفش مع واحد من صبيانه شنطة مخدرات واعترف عليه."
ابتسم المحامي بهدوء تام، يغمغم في ثقة:
"حضرتك عارف إن تهمة المخدرات بالذات لازم يبقى ليها معايير خاصة. إن الحرز اللي اتلمك يكون في حيازة موكلي، وده ما حصلش. وحضرتك بتقول إن الصبي هو اللي اعترف عليه. في الأغلب، ممكن المتهم يقابل موكلي."
ومن جديد عاد زياد يبتسم في سخرية. ما يحدث هنا خدعة أو لعبة خيوط يحركها شخص ما.
سفيان الدالي يجلس في منتهى الغرور على المقعد المجاور لمكتبه.
أمامه المحامي.
ضغط على الزر المجاور لمكتبه يستدعي العسكري الواقف خارجاً، يطلب منه إحضار المتهم.
غاب العسكري لبضع دقائق، ليدخل ومعه رجل لم يره جبران قبلاً. ليس أحد رجاله، ذلك الشخص صدقاً لا يعرف من يكون، ولماذا يُلقى عليه التهم جزافاً؟
قام زياد من مكانه متجهاً صوب المتهم.
وقف بالقرب منه، يغمغم ساخراً:
"عماد السيد، قولي يا عمدة، شنطة المخدرات اللي كانت معاك تبع مين؟"
نظر ذلك المدعو عماد إلى سفيان، ليزدرد لعابه خائفاً مرتبكاً.
أنزل رأسه أرضاً، يغمغم:
"تبعني أنا يا باشا."
هنا قطب زياد ما بين حاجبيه مندهشاً. اندفع ناحية عماد، يصرخ فيه غاضباً:
"أنت يا راجل أنت! مش قولت إنها بتاعت جبران السواح؟ غيرت قولك في طرف ساعة؟ دفعولك كام بقى عشان تطلعه منها؟"
هنا تحدث جبران، يدافع عن نفسه:
"الراجل ده أنا ما أعرفوش يا زياد باشا، وتقدر تسأل كل أهل الحتة. الراجل ده مش من الحتة بتاعتنا أصلاً."
"أنا تبع المعلم طاهر الطحان، هو اللي اداني الشنطة وقالي أقول كدة على المعلم جبران عشان يتحبس والمنطقة تفضاله يحط إيده عليها."
أردف بها ذلك المدعو عماد في نفس واحد تقريباً.
لينظر زياد له بشك، نفضه بعيداً عنه.
يتوجه لباب الغرفة، يصيح في مساعده بأن يتوجه لمنطقة طاهر ويحضره له.
أغلق الباب، ينقل نظره بين جميع من في الغرفة. ما الذي حدث هنا ليقلب دفة الأحداث لتلك النقطة؟
على صعيد آخر، في قصر فخم كقصور بشوات العصر القديم.
قصر شامخ شاهق الارتفاع بشكل مخيف.
في إحدى الغرف، على فراش ضخم عريض يستلقي جسده جوار جسدها.
كلاهما غائب عن الوعي، لا يعي ما يحدث حوله الآن.
بدأ هو يستفيق أولاً، يتأوه متألماً من جرح كتفه ومن ألم كالمطارق يشق رأسه.
انتصف بجهد شاق، يجلس على الفراش.
ينظر حوله، توسعت عيناه في فزع حين أدرك أين هو.
غرفته القديمة، كيف ينساها وقد لاقى فيها عذاباً تبكي له صخور الجبال حزناً.
ثبتت عيناه على الفراغ في الغرفة، وتوسعت حدقتاه ألماً، يتذكر كل لحظة مرت به هنا.
في تلك الأثناء، بدأت أمل تصحو هي الأخرى.
سمعها صوتها تتأوه متألمة.
كيف وصلا لهنا؟ هو حتى لا يتذكر أي شيء إطلاقاً.
انتصفت أمل جالسة جواره، أمسكت ذراعه تسأله مذعورة:
"إحنا فين يا حسن؟ وإيه اللي جابنا هنا؟ حسن، إنت متخشب كده ليه؟ حسن رد عليا، ما تخوفنيش."
التفت لها بعد لحظة، عيناه حمراوان، ترى دموع ألم تجتزها بعنف في مقلتيه.
خرج صوته مبحوحاً بتعذيب:
"إحنا لازم نمشي من هنا دلوقتي، مش هينفع نفضل هنا."
حركت رأسها بالإيجاب. سريعا قامت سريعا بصحبته متوجهين إلى باب الغرفة.
لم يكادا يقتربا منه، فُتح من الخارج وظهر ذلك الرجل المدعو كمال.
شعرت بيد حسن الممسكة بيدها تنتفض بعنف.
ما أن رأه ذلك الرجل، حقاً مخيف.
ابتسامته خبيثة، عيناه زرقاوان وكأن بها جليد خاوٍ من الحياة.
حسن يشبهه لحد كبير.
لا إرادياً شدت على يد حسن، تعود خطوتين للخلف لتصبح خلف ذراعه.
ما فعلت جعل قوة خفية تلتحم في أوصال حسن.
شعور أنه المسؤول عن أمان تلك الواقفة خلفه تحتمي به، جعل نظراته تصبح أكثر حدة وحزم.
يحاول أن يتغلب على خوفه من الواقف أمامه، والذي ليس سوى أبيه.
احتدمت نبرة صوته، يصيح فيه:
"إنت عايز مني إيه يا كمال باشا؟ أنا سبتلك الجمل بما حمل من سنين. عايز منه إيه تاني؟"
ضحك كمال عالياً في سخرية، يطفق حسن بنظرات خبيثة بها شيء غير آدمي، لا تمت لمشاعر الأبوة بصلة.
اقترب خطوتين، يغمغم في بساطة:
"عايز ابني حبيبي، الوارث، يرجع لبيته. كفاية طفشان بقى، ما زهقتش من أرصفة الشوارع والشغل مع اللي اسمه جبران ده في الشمال؟ أنا باعد إيد الحكومة عنك من سنين، بس كفاية كده، لازم ترجع، ولا إيه؟"
حرك حسن رأسه بالنفي بعنف، احمر وجهه ونفرت عروقه، يصرخ محتداً:
"أنا مش ابنك وعمري ما هرجع للقرف ده تاني. عايز ترميني في السجن؟ السجن أرحم من العيشة معاك ألف مرة."
ومن جديد عاد كمال يضحك عالياً.
رفع كتفيه لأعلى، يغمغم ببساطة:
"وماله يا حبيبي، أرميك في السجن، وآخد الحلوة اللي وراك دي لواحد من رجالي."
شهقت أمل مذعورة، تتمسك بذراع حسن، جسدها يرتجف هلعاً.
ليشدد حسن على كفها، ينظر لوالده كارهاً.
كم يريد أن ينحر عنقه كما فعلت والدته، انتحرت بسبب ذلك الشيطان الواقف أمامه.
عاد خطوة للخلف مع أمل، لعله يحميها من قبضة يد ذلك الشيطان.
صرخ بصوته كله:
"هقتلك يا كمال، قسماً بالله هقتلك لو فكرت تمس شعرة منها. لا أنت ولا حد من كلابك."
يعرف أن والده سريع الغضب.
في لحظة اختفت ابتسامة كمال وأسود وجهه غضباً.
ينظر لحسن متوعداً، مقسماً على كسر شوكته.
طرقع بأصابعه ليدلف إلى الغرفة أربعة رجال ضخام الجثة بشكل مخيف.
أشار كمال إلى حسن، يغمغم متشفياً:
"كتفوا حسن باشا وهاتوا الحلوة اللي وراه دي، نفرجه عرض مباشر."
صرخت أمل مذعورة، وحسن يحاول باستماة إبعاد هؤلاء الرجال عنه.
جرح كتفه لم يساعد، بالإضافة إلى أنهم أربعة وهو واحد.
تكالبوا عليه يقيدون حركته، وهو يصرخ بعنف يحاول تحرير جسده منهم.
تمكن اثنان منه، في حين أمسك أحد الاثنين الباقين بشعر أمل يجرها بعنف ناحية كمال.
ألقاها أرضاً تحت قدميه.
صرخ حسن يتوعد لأبيه:
"هقتلك، قسماً بالله هقتلك. سيبها بقولك، سيبها."
ضحك كمال متشفياً.
أشار إلى أحد حراسه، يحادثه ساخراً:
"عارف فيلم الكرنك؟ عايز أشوفه لايف. يلا، مستني إيه؟ وبعدها ندبحها زي ما حصل مع مرات أحمد السقا في خطوط حمرا. ولا إيه يا حسن؟"
وجه كمال أنظاره ناحية حسن الذي اصفر وجهه ذعراً، يصرخ يحاول بعزم ما فيه أن يحرر نفسه من قبضة الحراس، وهو يرى ذلك الرجل يجر زوجته من شعرها إلى الفراش.
ها هو المعلم طاهر يقف أمام مكتب زياد داخل الغرفة، يخفض رأسه خزياً، يغمغم نادماً:
"الكذب خيبة يا بيه، أنا اللي زقيت الواد عماد على المعلم جبران عشان يقول إن البضاعة بتاعته عشان أشيله من الحتة وأحط أنا إيدي عليها."
أشار زياد إلى الجالس جواره يكتب المحضر، يغمغم حانقاً يمليه ما حدث للتو، لينهي كلامه قائلاً:
"وعليه، تقرر الإفراج عن المتهم جبران رزق السواح بضمان محل إقامة، وإحالة المتهم طاهر مرعي الطحان والمتهم عماد السيد إلى سرايا النيابة."
ابتسم سفيان منتصراً، ينظر لجبران.
تلاقت عيناه للحظات مع عيني طاهر، ليخفض الأخير رأسه مذعوراً من ذلك الشيطان الجالس أمامه.
ربما شيطان الجن أقل شراً منه.
قام سفيان سريعاً، وقف جوار جبران، وضع يده على كتفه، يغمغم مبتهجاً:
"كفارة يا جوز بنتي، مش بتقولوها بردوا عندكم كده، كفارة؟ يلا، تعال أوصلك، زمان وتر هتموت من القلق عليك. خليت البت تحبك، ماشي يا عم؟"
نظر جبران له مدهوشاً، ما الذي يجري هنا؟
أخذه سفيان من يده إلى سيارته.
صرف السائق وأصر على أن يقود هو.
جلس وجبران جواره، متوجهين إلى الحي الشعبي.
الصمت يكسو المكان، صمت كسرته ابتسامة سفيان الغريبة.
التفت لجبران، نظرة سريعة قبل أن يعاود النظر أمامه، يغمغم:
"أنا عايزك تشتغل معايا يا جبران، إنت جوز بنتي وأكتر واحد آمن له دلوقتي، وعلي العموم، شغلتك بسيطة وأنت شاطر فيها أوووي."
رواية جبران العشق الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم دينا جمال
- أنا عاوزك تشتغل معايا يا جبران أنت جوز بنتي وأكتر واحد اامنله دلوقتي وعلي العموم شغلانتك بسيطة وأنت شاطر فيها اوووي
كلمات تبدو في الظاهر بسيطة عادية خرجت من بين شفتي والد زوجته ولكن خلف المعني البسيط معني آخر خبيث مبطن.
التف برأسه له يسأله بابتسامة بسيطة:
- شغلانة ايه يا سفيان باشا بالظبط؟
ضحك سفيان بخفة، نظر لجبران بجانب عينيه ليعاود النظر للطريق أمامه يغمغم:
- أنا عندي مصنع بيعمل كراسي وصالونات موبيلا زي ما بتقولوا عنها وأنا عارف أنك نجار شاطر وأنا بصراحة ما عنديش وقت للمصنع دا فايه رأيك لو توليت أنت إدارته؟
صمت للحظات قبل أن يلتفت برأسه إلي جبران، ابتسم في تهكم يغمغم ساخرا:
- ولا أنت كنت فاكرني عايزك في حاجة تانية؟
بادله جبران بابتسامة متهكمة، كل منهم ينظر للآخر والحرب الباردة قائمة.
غمغم جبران من بين ابتسامته الواسعة:
- هفكر!
فقط كلمة واحدة ليدهس سفيان الدعاسات أسفل قدميه بعنف لتنطلق السيارة بهم بعنف، دقائق ووصلت إلي الشارع الرئيسي المجاور للحي.
نزل جبران من السيارة، انحني بجذعه ينظر لسفيان الجالس بداخلها، ارتسمت ابتسامة صفراء علي ثغره يغمغم:
- ما تتفضل يا عمي ولا الوقت أتأخر بقي وأنت أكيد مشغول مش فاضي؟
ابتسم سفيان متهكما يردف ضاحكا:
- بتمشيني بالذوق يا جوز بنتي بس معلش أنا هبقي ضيف رخم... هركن العربية واحصلك أصلي عايزك في موضوع مهم.
خبت ابتسامة جبران، يومأ علي مضض، تحرك يتجه للحي يزفر أنفاسه حانقا، كان يمني نفسه بليلة خاصة والآن.
دخل الحي ليري وتر تقف في الشرفة، عينيها تخترز الطريق بتلهف، الخوف يأكل قسمات وجهها بشراسة.
رفع يده يلوح لها، يبتسم ليمطأنها أنه هنا، رأي كيف هدأت قسمات وجهها وشقت ابتسامة واسعة شفتيها، هرولت للداخل لتفتح باب المنزل.
مرت في طريقها علي مرآة صغيرة في الصالة لتشهق مذعورة من منظرها، شعرها مبعثر، عينيها حمراء، خطين من الكحل الأسود يحفران وجهها، وضعت يدها علي فمها، رآها وهي تشبه نداهة الحقول، هرولت إلي المرحاض تصفع وجهها بالماء لتسرع إلي غرفتهم تعدل من زينة وجهها قبل أن يصعد.
لم تكن هي وحدها من تنتظره في الشقة الصغيرة في الطابق الثالث، هناك من تنتظر علي أحر من الجمر هي الأخري.
ولكن الفرق أنها بكامل زينتها، وقفت خلف باب شقتها تستمع إلي خطواته وهو يصعد إلي أن وصل إلى الطابق.
فتحت باب شقتها سريعا، اندفعت ناحيته دون مقدمات، وقفت أمامه دون أن تلامسه تغمغم مذعورة:
- معلم جبران أنت بخير؟ أنا شوفت البوليس بياخدوك.. حرام عليهم بجد أنت عملت ايه عشان ياخدوك من بيتك في نص الليل؟
كم هي لطيفة تلك الصفا التي تقف أمامه، لطيفة وجميلة، جميلة بشكل مخيف حقا تجعلك تقف حائرا أمام براءة ملامحها المبالغ فيها وخبث عينيها المخيف، خليط غريب غير مفهوم.
رسم ابتسامة مجاملة يغمغم:
- أنا كويس يا آنسة صفا، كان سوء تفاهم.
أراد أن يتحرك ليصعد، لتتحرك هي الأخري تقف أمامه تغمغم مرتبكة:
- الحمد لله يارب أنك بخير، أنا عارفة أن الوقت مش مناسب بس أنا كنت عايزة اشكرك علي اللي عملته عشاني في الشارع.
لما تأخر لتلك الدرجة، حركت ساقها اليسري بسرعة متوترة، توجهت إلي الباب تفتحه لتسمع صوته يأتي من أسفل.
قطبت ما بين حاجبيها، ارتدت حذائها تنزل الدرجات بحذر، تنظر لأسفل لتتوسع عينيها غضبا حين رأته يقف أمام تلك الملونة يبتسم يحادثها.
- ما حصلش حاجة يا آنسة صفا، دا واجبي وأنا ما اسمحش إن حد يضايق واحدة في منطقتي أبدا.
- طول عمرك شهم يا معلم.
صاحت بها وتر غاضبة وهي تطوي الخطي ناحيتهم سريعا، نزلت إليهم، وقفت أمامه تنظر لعينيه، وافقت علي شرط لا تعرف ماهيته لصالح أبيه فقط لأجل أن يخرجه، وهو هنا يتغزل في تلك الصفراء.
- بقالي ساعة فاتحة الباب مستنياك تطلع وأنت واقف تضحك مع الآنسة صفا، اقولك بات عندها يا جبران؟
ودون حرف آخر هرولت لأعلي، ليصعد يهرول خلفها يصيح سريعا:
- وتر استني يا وتر... استني والله أنتي فاهمة غلط.
في حين وقفت هي تبتسم متلذذة بانتصار.
توسعت عينيها حين رأت سفيان يقف أمامها يبتسم هو الآخر، يطفقها بنظرات ساخرة من أعلي لأسفل، رفع يديه يصفق لها ببطئ يغمغم متفاخرا:
- لاء تربية صاحب الظل بصحيح... روزا الجميلة ولا أنا غلطان؟
توترت نظراتها للحظات لتنفي برأسها سريعا تغمغم محتدة:
- روزا مين يا أستاذ أنت، أنا اسمي صفا وبعدين مين الظل دا... أنت غلطان في واحدة تانية.
ضحك سفيان بخفوت، ضحكة خبيثة مشبعة بالسخرية، التف حولها ببطئ يهمس لها:
- روزا الجميلة وجه نحتته الملائكة وقلب أودعته الشياطين، مش دي الجملة اللي محفورة علي باب أوضتك في قصر صاحب الظل باللاتيني، خليفة سونيا جرهام ولا ايه يا روزا؟
في لحظة تبدلت نظراتها المرتبكة إلي أخري ثابتة واثقة فارغة من اي مشاعر، واستقامت وقفتها وارتفع رأسها في غرور وابتسامة جنية.
من أعماق النيران ارتسمت علي شفتيها، جذبت يده سريعا تدخله إلي شقتها، أغلقت الباب لتقترب منه، تحرك اصبعها السبابة علي كتفيه تلتف حوله تغمغم ساخرة:
- سفيان الدالي هنا ليه... روزا هنا عشان صاحب الظل عايز يضم جبران لينا، أنت بقي عايز ايه؟
روزا حقا محترفة، كم يحب تلك الشيطانة.
قبض على رسغها الذي يتحرك على ذراعه يقربها منه بعنف لترتطم بصدره، قرب فمه من اذنها يهمس ساخرا:
- هو عايز يجنده وأنا عايز اقتله، we are not the same.
وضحك، رفع كفه يمسح على وجنتها بخفة، ثقلت أنفاسه يهمس لها بنبرة خبيثة بلكنة روسية ممتازة:
- أنتِ حقا إبنة الشيطان.
توسعت عينيها فزعا تنظر له مذهولة، ليفتح هو الباب، آخر ما سمعته كان صوته العالي وهو يصعد درجات السلم لمنزل ابنته:
- يا وتر يا حبيبة بابا ما تبقيش عصبية كدة.
أغلقت باب منزلها تستند عليه تتنفس بعنف تنظر للفراغ مذعورة، كيف عرف سفيان ذلك اللقب!
***
في شقة جبران، اندفعت ناحية وتر ناحية غرفة نومهم تفتح دولاب الثياب بعنف تخرج حقيبتها القتها على الفراش تفتحها على مصرعيه تنزع الملابس تلقيها داخلها بعنف.
هرع جبران خلفها، وقف أمامها يمنعها من أن تكمل ما تفعل يغمغم سريعا:
- يا وتر بطلي جنان بالعقل كدا، لو حبيت اخونك هخونك على السلم يا بنتي والله هي اللي وقفتني.
احتدت نظراتها لتكمش قطعة الثياب في يدها تلقيها عليه تصيح غاضبة:
- مش مبرر، كان ممكن تسيبها وتمشي، مش واقف تضحك وتهزر معاها ولا كأن في نجفة هتموت من القلق عليك، كدا.
داعبت ثغره ابتسامة خبيثة مشاكسة، يقبض على قطعة الثياب التي القتها عليه يتحرك صوبها يسحق المسافة الفاصلة بينهما.
لتتوتر حدقتاها للحظات، تحاول أن تحافظ على ثباتها، لن تضعف أمامه، هي غاضبة وجدا.
عادت خطوتين للخلف لتشهق حين تعثرت بطرف البساط أسفلها وارتطم جسدها بسطح الفراش الوثير لتتسع ابتسامة جبران يغمغم ضاحكا:
- السجادة دي جدعة بفلوس حلال.
قبل أن تتحرك لتقوم، اقترب هو سريعا، ارتكز بركبته على سطح الفراش يقبض على رسغيها بخفة داخل كفيه لتصيح فيه حانقة تتلوي غاضبة تصرخ فيه أن يتركها:
- سيبني يا جبران روح لست صفا بتاعتك خليها تقف تضحكلك تاني، أنا هموت من القلق عليك وأنت واقف تضحك وتهزر ولا علي بالك اصلا، أنا بكرهك.
نزل برأسه بالقرب منها يغمزها بطرف يسراه يغمغم مشاكسا:
- افتكر أن اللي بيكره حد ما بيغيرش عليه ولا ايه، وبعدين في حد يكره جوزو حبيبه أبو عياله؟
توقفت عن التحرك، هدأ غضبها قليلا فقط، كادت أن تستسلم حين دق باب منزلهم وصدح صوت والدها من الخارج:
- وتر يا حبيبة بابا انتوا لحقتوا نمتوا ولا ايه؟
ابتسمت متشفية حين احتقن وجهه غضبا، تحركت شفتيه يتمتم بشئ ما لم تسمعه، ابتعد عنها يتحرك للخارج يفتح الباب لوالدها الذي ابتسم في سماجة ينظر لجبران ساخرا، توجه ناحية أحد المقاعد جلس يضع ساقا فوق أخري يوجه حديثه لجبران:
- واقف ليه يا جبران ما تقعد يا جوز بنتي دا البيت بيتك حتي، وتر حبيبتي اعملي لي فنجان قهوة.
سبه جبران في سره ينظر له حانقا والأخير يبتسم له باستفزاز يثير الأعصاب غضبا!!
***
منذ ساعات وهي ترتمي بين أحضانه ترتجف تبكي بلا توقف تقبض على قميصه ترفض الابتعاد عنه ولو للحظة وهو يلف ذراعيه حولها يحاول طمئنتها ينظر للفراغ نظراته تحمل مزيحا حزينا من الألم والكسر، كادوا ان يغتصبوا زوجته أمام عينيه.
Flash back
وجه كمال انظاره ناحية حسن الذي أصفر وجهه ذعرا يصرخ يحاول بعزم ما فيه أن يحرر نفسه من قبضة الحراس وهو يري ذلك الرجل يجر زوجته من شعرها إلى الفراش، ألقاها فوقه يجثم فوقها، يقبض على رسغيها، يمزق ثيابها، يعري جسد زوجته.
وهي تصرخ باسمه لينقذها وهو يقف عاجزاً بين ايدي الرجال يقاوم يصرخ دون إجابة، وكان حله الأخير أنه ارتمي بجسده أرضاً أسفل قدمي والده يتوسله بنبرة ذليلة منكسرة:
- أبوس ايدك يا بابا سيبوها وأنا هعمل اللي أنت عاوزه... والله هعمل كل اللي تؤمر بيه بس سيبوها.
ابتسم كمال في غرور وهو يرى حسن أخيرا يعود لذلك الطفل الذليل الذي يتوسله ليأخذ.
أشار بيده للحارس ليبتعد عن أمل، مد كمال يده يربت على رأس حسن يغمغم متشفيا:
- هو دا حسن ابني اللي أنا اعرفه اللي ما يخرجش عن طوع أبوه أبدا... هسيبك ترتاح يا حبيبي خد مراتك في حضنك احسن شكلها مرعوب أوي وهنكمل كلامنا بعدين.
أشار لحراسه لينسحبوا جميعاً من الغرفة وهو خلفهم، نظر لحسن يبتسم ساخراً قبل أن يجذب باب الغرفة يغلقه بالمفتاح من الخارج.
لم يستطع رفع رأسها، لم يجرؤ على فعلها، لن يستطيع أن يراها بعد ما حدث لها بسببه، إلا أنها هي من هرولت إليه ارتمت بين أحضانه تشهق في البكاء، فما كان منه إلا أنه طوقها بذراعيه يبكي في صمت.
Back
نزلت دموعه دون صوت يشدد على احتضانها خوفا عليها من القادم.
سمع صوتها تهمس مرتعدة من بين شهقاتها المتتابعة:
- أنا عايزة أمشي من هنا يا حسن.
عليهم أن يفعلوا ذلك ولكن كيف، والده يحتجزهم، بحث في ثيابه عله يعثر على هاتفه، لا شيء بالطبع، أخذوا هاتفه وهاتف أمل، توقف عقله عن العمل للحظات قبل أن يتذكر، هو هنا في غرفته القديمة، كان يخبئ هاتف أسفل ثيابه في الدولاب، يتمني فقط أن يجده.
التف برأسه في أنحاء الغرفة يتأكد إلا كاميرات مراقبة هنا.
هرع إلى دولاب ثيابه يبحث أسفل الثياب إلى أن وجده، هاتف قديم بطاريته الصغيرة موضوعة جواره، يتمني فقط أن يعمل، وضع البطارية به.
يحاول فتحه بعد عدة محاولات، أنارت الشاشة، البطارية ضعيفة، عليه أن يتذكر سريعا أي رقم ليساعده، صدم رأسه بقبضته يحاول التذكر قبل أن ينفذ شحن الهاتف.
توسعت عينيه ليضغط على الأزرار سريعا، لا وقت للتردد، يتمني فقط أن يساعده من سيطلبه.
رنين الهاتف مرة والثانية والثالثة إلى أن سمع صوته ليغمغم متلهفا:
- زياد ما فيش وقت أنا حسن، أنا محبوس أنا وأمل في فيلا كمال اللي على الصحراوي بسرعة بالله عليك الحقنا.
صمت الأخير للحظات قبل أن يسمعه يغمغم ساخرا:
- إيه حيلك حيلك، أنا إيه اللي يخليني أساعدك أصلاً أنا مالي ما تتخطف ولا تتقتل حتى ما تتصلش بيا تاني يا صديقي القديم سلام.
وأغلق الخط في وجهه، صاح حسن غاضباً باسمه ليسمع صوت صافرة قادمة من البطارية، انتهى الشحن، فقط مكالمة واحدة لم تؤتي ثمارها، نظر لأمل عاجزاً، خائفاً من أن يأخذ أي خطوة وهي بصحبته خوفاً عليها من أن يؤذوها.
اقترب منها لتحتمي به تخبئ جسدها الظاهر من أسفل ملابسها الممزقة بين أحضانه تبكي بحرقة:
- أنا عاوزة أمشي والنبي يا حسن أنا خايفة ليجوا تاني مشيني من هنا أبوس إيدك.
غص قلبه ألماً يومأ لها، سيخرجها من هنا بأي شكل، حتى لو أعطى حريته وربما حياته ثمناً لانقاذها.
***
تثائب جبران للمرة العاشرة تقريباً ينظر لحماه العزيز بأعين شبه مغلقة وهو يشرح مميزات العمل عنده، تبقى أن يخبره أن العمل لديه في مصنع الأخشاب سيكسبه أجنحة وقوة خارقة ويجعله يطير.
خرجت وتر من المطبخ تحمل أكواب العصير للمرة الثانية، وضعتهم على الطاولة تجلس جوار جبران لتستيقظ حواسه الناعسة، التصق بها ينظر لسفيان باهتمام زائف، يلف ذراعه الأيمن حول كتف وتر التي نظرت له حانقة.
تحاول إبعاد يده غاضبة ليبتسم هو متسلیاً بغضبها يلاعب حاجبيه مشاكساً ليضحك سفيان يغمغم:
- خلاص بقي يا توتا ما تبقيش حمقية كدا، وبعدين يا ستي لو البت دي مضيقاكي أنا هخلص منها خالص، مبسوطة كدة يا ستي؟
انتقل بعينيه إلى جبران يسأله مبتسماً:
- ها يا جبران قولت ايه موافق تيجي تشتغل معايا؟
قبل أن يرد علا صوت دقات باب منزلهم، الرحمة، الساعة تجاوزت الثالثة ليلاً، من سيأتي الآن؟
قام سريعاً يفتح الباب ليجد سيدة والدة أمل هرعت إلى الداخل تصيح مذعورة:
- الحقني يا معلم جبران حسن وآمل خرجوا من الصبح بدري عشان امتحان أمل ولحد دلوقتي ما رجعوش وموبيلاتهم الاتنين مقفولة.
أنا قلبي واكلني على بنتي حاسة أن في مصيبة حصلتلهم.
شخصت حدقتيه قلقاً، حسن اختفى، هرع يركض للخارج ليلحق به سفيان يغمغم سريعاً:
- استني يا جبران يا ابني أنا أقدر أساعدك!!
***
أتى الصباح في مكان بعيد تماماً، قصر فخم تحيط به حديقة كبيرة بها أرجوحة كبيرة على أحد الجوانب ومقاعد استراحات فخمة وطاولة كبيرة حولها مقاعد من الخشب تتراص.
جلست هي على أحد المقاعد تنظر للاشجار حولها تغمض عينيها يلامس خديها نسيم الهواء، لا تعرف حقاً لولا مكوثها مع تلك العائلة الغريبة المجنونة بكل المقاييس لما كانت خرجت من قوقعة خوفها ولو قليلاً، وكأنها تتعافى فقط بالضحك معهم بالانسجام مع نسيجهم، جميع من في هذا البيت يملك طابع خاص به ولكنهم معاً صورة نادرة الوجود.
ابتسمت بخفة تنظر لذلك الذي يخرج من باب المنزل يهرول، مر في طريقه عليها ليبتسم لها يغمغم سريعا:
- صباح الفل يا حياة عن إذنك معلش عندي حالة ولادة مستعجلة، هروح اسمي المولود حسام وأجي.
ولوح لها سريعا ليغادر، لتضحك هي، حسام ابن صاحب البيت، ذلك الشاب مجنون يعشق اسمه بدرجة غريبة، زوجته لطيفة حساسة كثيرة البكاء ولكنها مرحة مشاكسة مثله.
مرت عدة دقائق قبل أن يخرج صاحب البيت، ذلك الرجل الذي تشعر في بيته حقاً بالحياة من جديد.
عند باب المنزل من الداخل كانت تقف زوجته، ما عرفته في فترة مكوثها هنا أن ذلك الرجل يعشق زوجته بدرجة لم تعرفها سوى في الروايات وقصص العشق المأساوية التي تنتهي بموت أحد البطلين أو كلاهما.
ودعته زوجته بعناق طويل قبل أن يتحرك في طريقه لسيارته، مر بها فابتسم جذب المقعد المجاور لها يغمغم مبتسماً:
- صباح الخير يا حياة، ها عاملة ايه النهاردة؟
ابتسمت خجلة تومأ برأسها بالإيجاب تهمس مرتبكة:
- الحمد لله أحسن، أنا بجد مش عارفة أشكر حضرتك إزاي على كل اللي بتعمله عشاني أنت ودكتورة لينا ودكتور قاسم وكل اللي في البيت.
ابتسم برفق يردف ببساطة:
- تشكريني على إيه يا بنتي، أنتي زي لينا بنتي، قومي بس انتي كدة وانشفي وأشوفك أحلى بنوتة بتضحك وتبقي كده شكرتيني وزيادة... يلا همشي أنا عشان ورايا شغل كتير لو احتاجتي حاجة ما تتكسفيش تطلبي أبداً.
وقف عن مقعده ليرى سيارة سوداء تقف في حديقة منزله من الداخل، نزل زياد من السيارة ليتحرك خالد توجه إليه، مد زياد يده سريعا يصافحه يغمغم معتذراً:
- خالد باشا صباح الخير، أنا آسف لو جاي بدري، أنا بس كنت عايز أشوف حياة قبل ما أروح شغلي لو ينفع يعني.
ابتسم خالد في اصفرار نظر لساعة يده ليعاود النظر إليه يغمغم:
- معاك عشر دقايق، ما أنا مش فاتحها كافيتريا أشواق، عشر دقايق وثانية هقدر أوردر للحراس إنهم يرموك بره، يلا روحت.
توسعت عيني زياد قلقاً ليرىع إلى حياة جذب المقعد المجاور لها يغمغم سريعا متوتراً:
- ما فيش وقت طمنيني عليكي بسرعة انتي كويسة عاملة ايه دلوقتي.
قطبت جبينها متعجبة من حالته ليقاطعها يردف سريعا:
- مش وقت اندهاش يا حياة بالله عليكي خالد باشا كلها دقايق وهيرميني برة الفيلا طمنيني عليكي مبسوطة هنا.
أومأت له سريعا تخبره بإيجاز سريع عن كرم أهل البيت في كل شيء حتى في المشاعر ليبتسم مطمئناً على حالها.
تنهد بارتياح يهمس لها:
- الحمد لله، ما تعرفيش أنا الفترة اللي فاتت كنت هتجنن عليكي ازاي، الحمد لله أنك بخير.
ابتسمت خجلة من كلماته، هل يا ترى سيأتي اليوم ويحبها زياد وهي أيضاً تقع في حبه ويكونوا معاً أسرة صغيرة؟ خبث ابتسامتها في اللحظة التالية حين تذكرت ما فعله بها صاحب الظل، أخذ منها كل شيء حتى قدسية جسدها العذراء، زياد لن يقبل الزواج منها بعد أن يعرف أنها ليست عذراء، أدمعت عينيها قهراً وألماً، قامت من مكانها تخفض رأسها أرضاً في خزي تهمس بصوت خفيض مختنق:
- عن إذنك يا زياد أنا تعبانة ومحتاجة أنام.
تركته وهرعت إلى الداخل دون أن تعاود النظر إليه، وقف ينظر في أثرها مدهوشاً لما تغيرت في لحظة، سمع صوت يأتي من جواره يتمتم في هدوء:
- مسكينة حياة الشيطان دا سلب منها كل حاجة حتى روحها دبحها عشان يرضي مرضه، محتاجة راجل بجد عشان يعوضها عن كل اللي شافته، تعرف لو ابني الكبير ما كانش متجوز أنا كنت جوزتهاله.
فهم، فهم المعنى المبطن الخفي في كلمات خالد الواقف جواره ليومأ له متفهماً، سيكون ذلك الرجل الذي يجب أن يدخلها يقدم لها نعيم الدنيا كتعويض بسيط عما لاقت وسيفعل.
***
على الجانب الآخر في تلك المنطقة الصحراوية كان لا يزال القمر ظاهراً ولو قليلاً حين وقفت سيارة كل من مجدي وسفيان في حديقة المنزل، تحركا معاً إلى داخل القصر ليجدا صاحب الظل في انتظارهما بالداخل، قام يحتضن كل منهما يرحب بهما بحرارة، جلسا على مقاعد متقاربة في غرفة الصالون أمامهما طويلة قصيرة الأرجل تتراص فوقها زجاجات الخمر والأكواب.
مال سفيان بجسده يلتقط إحدى الزجاجات يصب في كأس كل واحد منهم، وضع الزجاجة على الطاولة ليرفع الكأس لأعلى يغمغم مبتسماً:
- في صحة وصول صاحب الظل بالسلامة.
اصطدمت الكؤوس ببعضها مصدرة صوت مميز مزعج، رفع كل منهم الكأس إلى فمه يرتشفه جرعة واحدة، وضع صاحب الظل كأسه يوجه حديثه لسفيان.
تحديداً:
- انتوا طبعاً عارفين إن انتوا درعاتي هنا، انتوا هنا ملوك السوق السودا وأنا ما أقدرش أقولكوا بتعملوا إيه عشان أنا بعزكم، بس يا سفيان باشا جبران السواح يلزمني يعني ما تحاولش تقتله أنا محتاجه يمكن بعد كده أنا اللي أقتله.
ضحك سفيان ساخراً يضطجع بظهره إلى ظهر المقعد الوثيق يغمغم متهكماً:
- معقولة دا أنا قولت إنك أول واحد هتطلع أمر إنك تصفيه بعد ما اتجوز خطيبتك اللي كانت هتبقى مراتك ولا إيه يا وليد؟
ضحك وليد عالياً يزيح القناع الفضي عن وجهه يلقيه بعيداً يغمغم:
- أنت عارف يا عمي إني مستعد أعمل أي حاجة عشان أحافظ على مكاني هنا على القمة، بنتك حلوة وكل حاجة بس شغل جبران عندي أهم، وبعدين بمنتهى البساطة تقدر تطلقهم وساعتها طارق هيكتب عليها بس صوري قدام الناس وتيجيلي تاني، إنت عارف أنا كنت أول لمسة أنا اللي حافر بصمتي على ضهرها!
رواية جبران العشق الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم دينا جمال
من داخل ذلك القصر البعيد تتصاعد الضحكات الشيطانية الماجنة. لازال ثلاثتهم كما هم يتفاخرون بأن الشيطان بكى خوفًا منهم.
رفع وليد الكأس لفمه يرتشف ما فيه جرعة واحدة. رفع سبابه اليسرى يمسح أسفل شفتيه يغمغم ضاحكًا:
"على الرغم من إني عملت كتير عشان أكسر مناخير بنتك يا سفيان، بس هي حقيقي أبهرتني. على العموم، ملحوقة. أنا عندي أساليب كتير، كتير أوي."
غمغم بجملته الأخيرة وهو يملأ كأسه من جديد. ينظر للفراغ شارداً للحظات، تذكر فيهم تلك الفتاة حياة!!
قبل أن يجفل على صوت مجدي أبيه يوجه حديثه إليه:
"بيجاد رافض الشغل معانا تمامًا. كل التهديدات مش جايبة معاه سكة، بلس إننا مش عارفين نوصله أصلاً. العمل إيه دلوقتي؟ أنا واثق إنك تقدر توصله."
ارتسمت ابتسامة قاتمة ساخرة على شفتي وليد. عاد برأسه للخلف يغمض عينيه يتمتم ساخرًا:
"بيجاد صديقي الغبي، زيه زي مراد بالظبط."
فتح عينيه يعتدل في جلسته يغمغم بلامبالاة:
"خلاص مش مهم. بيجاد هو قناص ما فيش زيه أبداً صحيح، بس مش عايزين نتأكد بس إنه بعيد وما بيدورش ورانا. أهو ياخد باله من رُسل. حاولت أخطفها وهي في المستشفى عشان أخليها تحت حمايتي، بس هو هرب بيها."
لحظات من الصمت. كل من في الغرفة ينظر للآخر مترقباً. قبل أن يعاود مجدي سؤال سفيان تلك المرة:
"عملت إيه مع كمال؟"
ابتسم سفيان متفاخرًا بما صنعت يداه. استند بمرفقيه إلى فخذيه يغمغم:
"اتفقّت معاه إنه يخطف ابنه والبت مراته ويحبسهم عنده. ولما جبران عرف جريت معاه، وبإتصالي قولتله على مكانهم، وروحنا جبناهم من هناك."
امتعضت قسمات وجه مجدي تعجباً مما فعل ليسأله مستهجناً:
"إيه الهبل دا! طالما هترجعهم، بتقول لكمال يخطفهم ليهم أصلاً؟ أنا افتكرتك هتقوله يقتلهم!!"
تعالت ضحكات سفيان الخبيثة. نفى برأسه بخفة يغمغم ساخرًا:
"لأ أبداً، أنا مش هستفيد حاجة من موتهم. أنا بس كنت بلف حبل الجميل حوالين جبران عشان ألفه على رقبته بعد كده من غير ما حد يشك فيا. وخصوصاً وتر. بس ابنك مُصِر إننا ما نقتلوش، هنعمل إيه بقى؟ طلبات صاحب الظل أوامر."
ابتسم وليد مستهجناً دون رد. ينظر للجالسين أمامه. آباء انتُزع معنى الأبوة من قلوبهم. آباء؟ بالطبع لا، بل مردة غلبت الشياطين شرًا. وهو لا يختلف عنهم كثيراً. يكفي أنه غدر بأقرب صديقين لديه لأجل أن يظل على عرش القمة. قتل واحد، واحتجز بيجاد وجعله يدمن المخدرات. لولا أنه فقط هرب منهم لكان الآن لحق بمراد. ارتسمت ابتسامة عابثة على ثغره حين تذكر تلك الحياة التي احتجزها داخل جدران قصره. يريد أن يستعيد لعبته الصغيرة. من الصعب أن يحصل عليها وهي في بيت لواء الشرطة هذا، ولكنه سيجد حلاً ليسترد ما حطمت يداه!!
***
قرابة التاسعة صباحاً. وقفت سيارة أجرة في الشارع الرئيسي المقابل لحيهم. أعطى جبران للسائق نقوده لينزل من المقعد المجاور له. تحرك يفتح الباب الخلفي، أمسك بيد حسن يساعده على النزول. جسد صديقه وكأنه متجمد. أمل تلتصق بذراعه مذعورة. رغم أنهم ابتعدوا عن منزل كمال، إلا أن ما حدث لها بداخلها لن تنساه بسهولة. ينظر جبران لحسن ليراه ينظر للفراغ شارداً. عينيه حزينة، نظراته مزيج مؤلم من الضعف والكسر. قبض حسن على ذراع جبران يستند عليه يجر ساقيه جراً لداخل الحي.
هرولت سيدة إليهم تنظر لابنتها مذعورة تصرخ هلعة:
"أمل مالك يا قلب أمك؟ في إيه؟ حسن انتوا كنتوا فين؟ ما تنطق عملت إيه في البت؟"
صرخت غاضبة فيه حين لم يأتها رد منه. ليتدخل جبران سريعاً. وقف أمامها احتدت نظراته يهمس من بين أسنانه:
"ست سيدة، إحنا في الشارع وأنا مش عايز أعلي صوتي عشان إنتي ست كبيرة. روحي على بيتك وأنا هكلمك أقولك تروحيلهم امتى."
توسعت عينا سيدة بحدة تصيح فيه بحرقة:
"إنتي عايزاني أسيب بنتي وهي جاية متبهدلة؟ والله أعلم المجنون دا عمل فيها إيه؟"
بدأ المارة في الشارع ينتبهون لتلك المشادة التي تحدث هناك. فوقفوا يشاهدون. لتلتهب عيني جبران غضباً مما حدث، خاصة وأن حسن يقف كالتائه لا طاقة له بأن يجادل الآن.
نظر لمن حوله يصرخ فيهم محتداً:
"إنتوا واقفين بتتفرجوا على إيه؟ هو فرح؟ يلاااا! كل واحد يروح لحال سبيله."
انفض الجمع في لحظات. ليبعد جبران سيدة عن طريق حسن يحادثه مترفقاً:
"خد مراتك واطلع ارتاحوا شوية."
دون أي يصدر منه أي إجابة. تحرك نحو منزله وأمل تتشبث به بعنف. ظل جبران يقف يقبض على رسغ يده يمنعها من اللحاق بهم حتى اختفوا من أمام عينيه. فالتفت لسيدة يهمس لها متوعداً:
"إنتي ست كبيرة وأنا ما بمدش إيدي على واحدة ست. لولا كده كنت عرفتك إزاي تعلي صوتك عليا في الشارع. لو رجلك عتبت شقة حسن قبل ما أكلمك تروحيلهم، هزعل أوي وربنا ما يوريكي زعلي. يلا على شقتك."
وقفت سيدة تنظر لجبران ما بين خوفاً وغضب. تأرجحت مشاعرها. ازدردت لعابها تومئ برأسها على مضض. تحركت تعود لمنزلها. ليصيح جبران باسم أحد رجاله الذي جاء إليه مسرعاً ليردف جبران بحدة:
"عمر، ما تتحركش من مكانك هنا. ولو سيدة ولا جوزها جم، بلغني على طول وما تخليهمش يطلعوا. مفهوم يا عمر؟"
أومأ الشاب سريعاً دون اعتراض. ليأخذ جبران طريقه إلى منزله يتذكر ما حدث قبل ساعات من الآن.
***
Flash back
خرج يركض من منزله يمسك هاتفه يحاول طلب رقم حسن مرة بعد أخرى والهاتف مغلق. يسمع صوت سفيان يصيح من خلفه يطلب منه أن ينتظره، أنه يقدر على مساعدته. وقف مرغماً ليلحق سفيان به يتنفس بعنف يغمغم لاهثاً:
"يا ابني حرام عليك جرتني وراك... قولي هتعمل إيه؟"
"هدور عليه في كل حتة. هبلغ البوليس. هقلب الدنيا لحد ما الاقيه."
غمغم بها جبران محتداً. ليبتسم سفيان ساخراً في نفسه. تلك المشاعر النبيلة تذكره بصداقته هو ومجدي؟! أمسك بذراع جبران قبل أن يتحرك يغمغم سريعاً:
"إيه كل ده؟ أنا هعرفلك هو فين دلوقتي. حماك واصل أوي ما تقلقش هنلاقيه."
أخرج هاتفه من جيب سترته يجري مكالمة مع أحدهم. قال عدة كلمات استمرت المكالمة بينهم لما يزيد عن عشر دقائق كاملة. لينهي مكالمته بجملة واحدة:
"ابعتلي اللوكيشن وخلي رجالتنا تسبقني على هناك. كمال شريف الدين مش سهل."
توسعت عينا جبران ذعراً على حسن حين وصل اسم كمال إليه. أنهى سفيان المكالمة ليبادر جبران يغمغم قلقاً:
"هو حسن عند كمال؟"
أومأ سفيان بخفة ليرفع يده يربت على كتف جبران. ابتسم يحاول طمأنته يغمغم مترفقاً:
"ما تقلقش يا ابني، رجالتى سبقونا وإحنا يلا بينا نلحقهم."
هرول جبران سريعاً بصحبة سفيان إلى سيارة الأخير. أخذ جبران مقعد السائق يدهس الدواسات أسفل قدميه بعنف يسير حسب وصف سفيان للطريق. دقات قلبه تتسابق ذعراً مع الرياح. أخيراً وصلوا. نزل يركض من السيارة وخلفه سفيان إلى باب المنزل يدق الباب بعنف. فتحت إحدى الخادمات الباب ليندفع جبران للداخل يصرخ باسم حسن. خرج كمال من إحدى الغرف يمسك في يده سلاحه يوجهه ناحية جبران يصيح فيه:
"إنت اتجننت يا حتة بلطجي! إنت جاي تتجهم على بيتي دا؟ أنا أقتلك! إنت إزاي قدرت تدخل من البوابة أصلاً؟"
"دخل معايا أنا يا كمال. حراسك مستحيل يمنعوا سفيان الدالي، ولا إيه؟"
غمغم بها سفيان بعجرفة طاووس وهو يدخل من باب المنزل. ليخفض كمال سلاحه. ابتسم يغمغم مرحباً:
"سفيان باشا الدالي عندنا! يا اهلاً المكان نور بوجودك والله."
ابتسم سفيان ساخراً ليتحرك للداخل. وقف جوار جبران يغمغم في هدوء:
"أنا مش جاي أتدامف يا كمال. أنا عايز حسن ومراته. عايز أشوفهم."
تحرك كمال إلى أحد المقاعد جلس يضع ساقاً فوق أخرى يشعل تبغ كوبي ضخم يدسه بين شفتيه. ضحك يغمغم ساخراً:
"عايز تشوف ابنك ومراته؟ ليس يا باشا. إنت فاكرني خاطفهم ولا إيه؟ حد بيخطف ابنه ومرات ابنه بردوا."
"آه، إنت وتقتلهم كمان عشان مصلحتك يا كمال الكلب!"
صاح بها جبران محتداً. كاد أن يهجم على كمال يقبض على عنقه حين أمسك سفيان بذراعه يمنعه من فعل ذلك. في حين ابتسم كمال في سخرية تحمل الكثير من الوعيد. هنا عاد سفيان يوجه حديثه لكمال:
"بص يا كمال، أنا لحد دلوقتي بتكلم بالحسنة. وأكيد إنت سامع في السوق وعارف قلبة سفيان الدالي عاملة إزاي. فنصيحة حسن ومراته ينزلوا لو إنت خاطفهم. بدل ما أبسط حاجة، همشيها قانوني وهتتفضح في كل مكان. أسهم الشركات هتقع في الأرض. العملا هيبطلوا يتعاملوا معاك. هتشهر إفلاسك. النهارده الضهر قولت إيه؟"
وأمام ما قال سفيان بهدوء مثير للأعصاب. أشار كمال لأحد حرّاسه يغمغم:
"هاتوهم."
تحرك الحارس سريعاً لتتحرك عيني جبران بلهفة مع الحارس ينتظر على جمر النار ظهور صديقه. إلى أن رآه يهبط درجات السلم، أمل تتعلق بذراعه ترتدي سترته فوق ثيابها. نظرة عينيه خاوية من أي حياة. هرع إليه يسأله متلهفاً:
"إنت كويس يا حسن؟ مالها أمل؟ رد عليا يا ابني، ما تقلقنيش عليك."
فقط جملة واحدة هي من نطقها وهو ينظر لوجه صديقه يشعر بالضعف يفتت روحه:
"أنا عايز أمشي يا جبران. خرجني من هنا."
أومأ سريعاً يمسك بيد صديقه يسنده للخارج. لم يهتم أن سفيان أخبره أنه سيظل هنا ليناقش إحدى الصفقات مع كمال. كل ما يهمه الآن هو صديقه المحطم التي يمسك بيده. أوقف سيارة أجرة يفتح الباب الخلفي ليجلس وأمل بين تخبئ وجهها داخل صدره حرفياً على المقعد المجاور للسائق. يخبره بالعنوان ليأخذه عائدين للحي.
Back
تنهد جبران قلقاً على حال حسن. يصارع رغبته في أن يعود إليه الآن. عليه أن يترك ليأخذ ولو قسط قصير من الراحة ليلملم شتات نفسه. أخذ طريقه لورشته بدل من أن يتجه لمنزله.
في حين على صعيد آخر في منزل حسن. حين دخلا معاً إلى المنزل. تركته تهرول إلى غرفتها تختبئ أسفل غطاء فراشها. تقوقعت حول نفسها تبكي بحرقة. أما هو فارتمى على مقعد في الصالة وضع كفيه على فمه يكتم صوته وبكى بحرقة. يتحرك للأمام وللخلف جسده يرتجف، ينتفض. ما حدث إعادة لنقطة الصفر. لازال ذلك الطفل الضعيف البائس الخائف الذي يتوسل والده باكياً ليعفو عنه. ولكن تلك المرة كانت الأبشع. وهم ينتزعونها من بين أحضانه بقسوة. يحاولون انتهاك براءتها. مضت ساعة تقريباً. هي تبكي وهو في حال أسوأ. إلى أن قرر الآتي...
قام من مكانه يمسح وجهه بكفيه. يحرك عظامه المتجمدة إلى غرفتها. وقف هناك ينظر لها يشعر بمدى عجزه الذي أوصلها لتلك الحالة. دخل إلى الغرفة. اقترب من فراشها يجلس على طرفه. انتفضت هي خائفة حين شعرت بأن أحد ما يقترب منها. هدأت قليلاً حين رأته. مد يده يكوب وجهها بين كفيه. لم ترسم شفتيه سوى ابتسامة صغيرة شاحبة. خرج صوته يغصه البكاء:
"أنا آسف. آسف على اللي عيشتيه بسببي... من أول ما ضغطت عليكي عشان نتجوز لحد النهاردة. حاولت والله إننا نبدأ صفحة جديدة بس واضح إنها مش مكتوبة لينا... أنا عايزك تعرفي حاجة بس إن أنا عمري ما حبيت ولا هحب واحدة غيرك. مش هقدر أعرضك للي شفتيه النهاردة ده تاني... أنا آسف إني كنت ضعيف ما عرفتش أحميكِ منهم. سامحيني يا أمل."
جذبها برفق يضمها لأحضانه. يطوقها بذراعيه لعدة لحظات قبل أن يبعدها عنه قليلاً فقط. ثم قبل جبينها بقبلة طويلة. ليبتعد عنها ينظر لعينيها. غمغم بابتسامة شاحبة:
"إنتِ طالق يا أمل!!"
***
"- يا حياة يا حبيبتي ما ينفعش الحبسة اللي إنتِ فيها دي يا ماما. يلا قومي هنخرج يعني هنخرج."
غمغمت بها لينا الشريف مترفقة تأخذ مكانها جوار تلك الفتاة حياة على الأريكة. لتحرك الأخيرة رأسها نفياً خوفاً من أن تخرج لتجده يقف خارجاً وتعود لذلك العذاب من جديد. تنهدت لينا بضيق ولكنها لم تكن لتأيأس أبداً. لينا لا تيأس ببساطة هكذا. بدأت فقرة الإلحاح التي تؤتي ثمارها دائماً مع الجميع وخاصة زوجها الحبيب. لم تجد حياة مهرباً من إلحاح لينا ما يقارب نصف ساعة كاملة وهي لا تتوقف عن محاولة إقناعها بالذهاب معها. تنهدت تومئ مرغمة لتتوسع ابتسامة لينا تعانقها سعيدة:
"يلا قومي غيري هدومك. هوديكي مول هايل. بصي هيبقي يوم جميل. يلا بسرعة."
اضطربت حدقتا حياة قلقاً تشعر بأن شيئاً سيئاً سيحدث. قامت رغماً عنها تبدل ثيابها إلى أخرى. تعمدت أن تتأخر ما يقارب ساعة عل لينا تلغي تلك الفكرة ولكن دون فائدة. وجدتها تنتظرها أسفل السلم على شفتيها ابتسامة لا تختفي تقريباً. أمسكت لينا بيد حياة تخرج بها من باب المنزل إلى الحديقة حين تنتظرهم إحدى السيارات وخلفها سيارة حراسة. جذبت لينا حياة جذباً إلى السيارة. أخيراً جلست جوارها على الأريكة الخلفية لتتنهد تردف:
"أخيراً يا شيخة ساعتين بقنع فيكِ عشان نخرج. اطلع يا عم طلعت بسرعة قبل ما تنزل تجري من العربية."
ضحك السائق بخفة يدير محرك السيارة لتتحرك السيارة وخلفها سيارة الحراسة إلى خارج أسوار القصر. وجهت حياة انظارها إلى الطريق تنظر له متوترة. حدس غريب بداخلها ينبئ عن حدوث شئ سيئ. ابتلعت لعابها خائفة خاصة حين اختفت المباني من حولها وبات الطريق من الجانبين صحراء صفراء رمالها تلمع تحت أشعة الشمس وقت الظهيرة. الطريق شبه فارغ تماماً. نظرت للينا جوارها لتبتسم لها الأخيرة تطمئنها. ما هي إلا لحظات وما كانت تشعر بالخوف منه حدث. صوت سيارة تأتي مسرعة من خلفهم. نظرتا معاً للخلف سريعاً ليجدوا سيارة دفع رباعي سوداء تطلق الرصاص على إطارات سيارة الحراسة لتقترب منها تصدمها بعنف لتنقلب السيارة بمن فيها. الصحراء صرخت حياة مذعورة تصرخ في لينا:
"قولتلك بلاش نخرج! اهو لقاني! إنتي مش عارفة هو بيعمل فيا إيه!"
وضعت يديها على أذنيها تصرخ تبكي بحرقة. لتصرخ لينا في السائق أن يسرع. تحاول الاتصال برقم خالد بضع دقات إلى أن سمعته يجيب:
"أيوة يا حبيبتي."
"خالد الحقنا في عربية ورانا ضربوا نار على عربية الحرس ووقعوها في الصحرا."
صرخت لينا مذعورة لتصرخ من جديد من الصدمة. لم يكن في حسبانهم أن يكون هناك سيارة أخرى. وقفت أمام سيارتهم بالعرض تسد الطريق. ألقت لينا الهاتف من يدها تسمع صوت خالد يصرخ باسمها مذعوراً. لتحتضن حياة تخبئ وجهها بين ذراعيها. خرج عدة رجال من السيارة متوجهين إليها. لتوجه لينا حديثها للسائق:
"ما تتكلمش يا عم طلعت. اعمل اللي يقولوا عليه بس."
توجه أحد الرجال إلى مقعد السائق يجذبونه خارج السيارة. ليتوجه رجل آخر إلى الباب الخلفي فتحه ينظر لهما معاً يبتسم من تحت قناعه. ليأتي دور لينا هنا تحادثه بحدة:
"صدقني ما تحاولش. إنت أكيد عارف إنت جاي تخطف مين. فنصيحة مني بلاش."
ضحك الرجل عالياً دون أن ينطق بحرف. ليدخل بجذعه إلى السيارة يجذب حياة من بين ذراعي التي صرخت بشراسة تتمسك بها بعنف. من الباب الآخر فتح أحد الرجال الباب يمسك منديل مخدر كتف لينا يضعه على أنفها لتخور مقاومتها تفقد الوعي. حملها الرجل لخارج السيارة. ليدخل هو إلى السيارة جذب حياة إلى أحضانه يهمس لها بخبث مخيف:
"اشتقت للعب مع الصغيرة!!"
***
باقي الفصل بكرة بإذن الله في ميعاده.
ما نزلش امبارح لأن امبارح كان تصحيح العربي بتاع سنة رابعة. عارفين عمر لما كان بيقول لسارين أمك كانت بتفتح الباب أروح مرمي على الكنبة نايم من التعب.
دا حرفياً اللي حصل. كان يوم متعب بشكل رهيب بس الحمد لله عدى.
استنوا بقى لسه التقيل جاي بكرة.
اشتاق لها!
علا ثغره ابتسامة يأسه في خضم تلك الأحداث التي تحدث لهم. إلا أنه حقاً اشتاق لها. ترك ورقة ( السنفرة ) من يده بعد أن تأكد أن لوح الخشب الماثل أمامه دون أي شقوق في نعومة الحرير تقريباً. ليحمله بخفة يضعه مع أقرانه. صاح باسم أحد صبيانه ليأتي له مسرعاً يغمغم:
"اُؤمُر يا سيد المعلمين."
ألقى له جبران المفاتيح الخاصة بالورشة. مط ذراعيه يغمغم ناعساً. لم يذق للنوم طعماً منذ الأمس تقريباً:
"بقولك إيه ياض أنا طالع أريح ساعتين. خليك هنا لو كلمتك وقولتلك اقفل تتربس كويس وتطلعلي المفاتيح."
وتحرك متوجهاً صوب العمارة المقابلة له. صعد درجات السلم إلى أن وصل للطابق. دس المفتاح في قفل الباب دخل يغلق الباب بخفة. المكان هادئ بشكل مبالغ فيه. فقط صوت اندفاع المياه القادم من المرحاض هو الصوت الوحيد الذي يكسر الصمت هنا. دخل يرتمي بجسده إلى الأريكة يتمدد على سطحها يعقد ذراعيه خلف رأسه. مر أمام عينيه طيف ذكرى قديمة ليبتسم ساخراً على حاله. كان عاشق ساذج أبله وقع في فخ العشق المسموم. يتذكر حين كان يخبرها بوله لا مثيل له:
"أنا بحبك يا كارمن! بحبك أوي لدرجة ما أقدرش أوصفها أبداً. إنتي مش بالنسبة لي خطيبتي اللي كلها كام يوم وتبقى مراتى بس لأ، إنتي حياة ساكنة جوا قلبي."
وكان الرد منها ابتسامة خجولة ووجنتيها التي تورّدت خجلاً. لتسحب يدها من يده تفركهم متوترة خجولة. كم كانت ناعمة، خجولة، هشة كورقة زهرة جورية تخشى ضمها فتتفتت.
عاد من ذكراه وابتسامة ساخرة تعرف طريقها إليه. كم أراد أن يبصق على وجهه. أجفل على صوت المرحاض يُفتح وخرجت هي تتهادى الخطي. شعرها القصير تقطر منه المياه بفستان منزلي يعبر حدود ركبتيها ببضع إنشات. استند بكفيه إلى سطح الأريكة يعتدل في جلسته يطلق صفيراً طويلاً عابثاً:
"طول عمري أسمع أن ولاد الذوات حلوين، بس أول مرة أعرف إنهم حلوين أوي كده."
ابتسمت بخفة تلقي المنشفة من يدها على أحد المقاعد. توجهت إليه حين ربت على الأريكة جواره يدعوها فلبت النداء. جلست جواره تبتسم ليمد يده يتلمس خصلاتها الشبه مبللة. يزيحها عن وجهها فاردفت هي مبتسمة:
"أحضر لك الأكل؟ من امبارح ما أكلتش."
حرك رأسه بالنفي بخفة ابتسم يغمغم ناعساً:
"أنا جعان نوم... قفلت الورشة وقولت اطلع أريح ساعتين."
قام تمسك بكف يده تجذبه ليتحرك معها إلى غرفة نومهم. وقعت عينه على ظهرها لتغيم حدقتاه حزناً من تلك الخطوط المخيفة. دخلا إلى الغرفة لتترك يده تحادثه مبتسمة:
"نام شوية وأنا هسرح شعري وأعمل الغدا وأصحيك."
نظر لكف يدها وهو ينسحب من يده. رفع وجهه ينظر لها على ثغره ابتسامة كبيرة. مد هو يده يمسك برسغها يجذبها إليه على حين غفلة لتشهق بخفة ترمي على صدر تستند بكفيها عليه. سمعت صوته العابث يغمغم ضاحكاً:
"بقيتي ست بيت ممتازة يا بنت الذوات."
ضحكت هي الأخرى تومئ له بالإيجاب. من كان يصدق حقاً أن ذلك سيحدث. مالت تستند برأسها إلى صدره تنهدت تهمس بارتياح:
"عارف يا جبران أنا حاسة إن فيا حاجات كتير أوي اتغيرت. أولهم إني رجعت أثق في نفسي فعلاً وأنا حاسة من جوايا إني مش مشوهة أو ما عنديش نقص زي ما كنت بحس في الأول."
"جبران..."
همهم يحثها أن تكمل كلامها لترفع رأسها عن صدره اردفت تحاول إقناعه:
"وافق على عرض بابا وتعالى نخرج من المكان ده وتبعد عن المخدرات والحشيش والقرف ده كله عشان خاطري."
كاد أن ينفجر ضاحكاً يخبرها بأن والدها الملاك هو مالك ذلك السوق الأسود بالكامل. ولكنها لن تصدقه بالطبع. لذلك فضل أن يغير الموضوع تماماً. مال برأسه جوار أذنها يهمس لها بشيء ما لتضحك رغماً عنها تصدمه على صدره بخفة تومئ له بالإيجاب لتتوسع ابتسامته. انحنى بجذعه يحملها بين ذراعيه ليلتف بها في دوامة تصعد أعلى غيمة تراقص قطرات المطر تخت الغيوم في يوم خريفي بارد. يكتب معها صفحة جديدة في دفتر حياتهم الزوجية الغريبة. استندت برأسها إلى صدره تنظر لوجهه وهي يتسطح جوارها إلى الفراش. ابتسمت تغمغم محتدة:
"عارف يا جبران لو خليتني أحبك وكسرت قلبي هعمل فيك إيه."
اختفت ابتسامتها شيئاً فشيئاً. كسي الحزن عينيها في لحظة تبدلت وكأنها أخرى. حتى نبرة صوتها ملئها الأمل وهي تغمغم بقهر:
"ما تعملش كده يا جبران. أنا ما بلحقش أرمم نفسي."
نظرت له تهمسه راجية:
"إنت مش هتعمل كده صح؟"
اضطربت حدقتاه في تلك اللحظة تحديداً. شعر بالخوف الشديد من أن تعرف الماضي. لا يجب أن تعرف. لن تسامح أبداً. أومأ لها بالإيجاب لتبتسم مطمئنة. قاطعهم صوت دقات على باب المنزل ليقم سريعاً يلتقط ثيابه. خرج من غرفة النوم إلى الصالة لتتحرك من الفراش. فتحت باب الغرفة قليلاً تختلس النظر خارجاً لتجد جبران يقف في الصالة وأمامه شاب تقريباً في بداية العشرينات. جسده نحيل يرتجف. هالات سوداء قاتمة أسفل عينيه. حدقتاه مضطربة تهتز بعنف. اقترب الفتى من جبران يكاد أن يقبل يده يتوسله باكياً:
"أبوس إيدك يا معلم. هما قالولي إنك تقدر تساعدني. أبوس رجلك أنا بموت. جرعة واحدة وهديك اللي إنت عاوزه."
شهقت وتر تضع يدها على فمها. أدمعت عينيها تنظر لجبران في صدمة. تحرك رأسها بالنفي بعنف تتمنى ألا يفعل. إلا أن ما فعله كان ابتسامة خبيثة ارتسمت فوق ثغره. كتف ذراعيه أمام صدره يوجه حديثه للفتى بصوت خفيض حاد:
"وطي صوتك. إنت اتجننت؟ ولو إنه مش مجالي بس أنا معايا كام ورقة بشيلهم للحبابيب. بس سرّعها حراق حبتين."
حرك الفتى رأسه بالإيجاب سريعاً يدس يديه في جيبي سرواله يخرج حفنة كبيرة من المال يدفعهم ناحية جبران يغمغم بصوت يرتجف:
"أهم. خدهم. خدهم كلهم بس هاتها."
أخذ جبران النقود من الفتى يعدها ببطء وكأنه يتلاعب بأعصاب الواقف أمامه. ابتسم يدس النقود بجيب سرواله ليخرج من الجيب الآخر كيس صغير شفاف اللون به تلك المادة البيضاء. ذلك السم الذي قضى على ذلك الشاب الواقف أمامه. نظر الفتى للكيس في يده وكأنه ينظر لحياته حرفياً. انتزع الكيس من يد جبران ليدفعه جبران خارج الشقة. دفعه خارجاً يغلق الباب في وجهه يغمغم ساخراً:
"مش خدت اللي إنت جاي عشانه؟ يلا بابا وريني عرض أكتافك. ما أشوفش خلقتك تاني."
فتحت هي الباب تفاجئ بها تقف أمامه. توترت حدقتاه متمنياً ألا تكون استمعت أو رأت ما حدث توا. وهي فقط تقف تحرك رأسها بالنفي. تنظر له وكأنه رجل آخر لا تعرف كيف يملك كل ذلك القدر من الشر والأذى. شعرت بالاشمئزاز من نفسها لما حدث بينهم. مريض نفسي حاول اغتصابها والآن تاجر مخدرات وصمها بالسخرية. كمن استجار من النار بالرمضاء. هبطت دموعها تحادثه مشمئزة:
"إنت إزاي كده؟ إزاي تقدر تلبس ألف وش وقناع عشان تداري بينهم حقيقتك البشعة دي؟ ما صعبش عليك الولد ده؟ كل اللي بتفكر فيه الفلوس وبس. أنا الغبية اللي عملت عمياء عشان ما أشوفش حقيقتك البشعة دي. مستحيل تكون نفس الشخص اللي كان معايا من دقايق بس... أنا قرفانة منك ومن نفسي. طلقني يا جبران. أنا مش هقعد على ذمتك دقيقة واحدة."
ظل صامتاً يستمع إليها إلى أن انتهت فابتسم يدس يديه في جيبي سرواله. أخرج ما فيهم يضعهم على الطاولة الصغيرة يغمغم ببساطة:
"إنتي متجوزاني وإنتي عارفة ومتأكدة إني تاجر حشيش. أنا آه ماليش في المخدرات بس إنتي عارفة مجاملات السوق. مش هستفيد منهم بحاجة فبيبعهم للي عايز. عيل زي ده لو ما خدتش مني هياخد من غيري. إنتي فاكرة لو أنا ما ادتلهوش هيكتشف إنه شخص ضايع ويروح يتعالج ويغير حياته للأحسن ويغير العالم؟ فوقي يا حبيبتي. ده لو ما خدش السم ده هيروح يقتل ولا يعمل أي جناية. بالعكس ده أنا كده منعته من أنه يعمل مصيبة."
لا تصدق حقاً أنه يبرر ما فعل بتلك الجدية والإقناع. شخصت عيناها مصعوقة مما سمعت منه. تحرك رأسها نفياً بعنف تصرخ فيه:
"إنت بتبرر إيييييه؟ هي المخدرات بتدمر والحشيش بتاعك ده لاء؟ ما هو سم هو كمان."
"وإنتي جاية تكتشفي دلوقتي إنه سم؟"
أردف بها بنبرة ساخرة مستهجنة لتحرك رأسها نفياً تنساب دموعها. ابتسمت تغمغم بألم:
"عندك حق. أنا اللي كنت بضحك على نفسي من الأول. بس خلاص. أنا مش هينفع أضحك على نفسي تاني بعد اللي شوفته. طلقني يا جبران."
نطقتها لينفي برأسه موافقته على ما قالت. لن يطلقها. لن يتركها. ليس الآن. لن يعيدها لسفيان الآن. اقترب منها إلي أن صار على بعد خطوة واحدة. رفع يديه يكوب وجهها بين كفيه يغمغم مترفقاً:
"وتر اهدي يا حبيبتي. لو ما كنتيش شوفتي اللي شوفتيه دلوقتي ده ما كانش كل ده حصل. فخلاص ولا كأنك شوفتي حاجة. انسي اللي حصل ده خالص. وترجع حياتنا زي ما كانت."
أنهى كلامه بغمزة من عينه اليسرى ليكمل عابثاً:
"تعالي تعالي نكمل كلامنا المهم اللي كنا بنقوله جوا."
أبعد كفيه عن وجهها ليمسك بكف يدها. فكانت الأسرع. أبعدت كفها عنه. رفعت يدها في لحظة تصفعه!! تنظر له مشمئزة كارهة نافرة. احتدت عينيه غضباً ليقبض على مرفقها بعنف يصيح فيها:
"إنتِ اتجننتي؟ بتمدي إيدك عليا؟ هو أنا عشان بعاملك كويس تسوقي فيها؟ اسمعي بقى يا بنت سفيان الدالي. الراجل الشريف اللي فلوسه كلها حلال. طلاق مش هطلق. خروج من هنا مش هيحصل. وعلي الله إيدك تكرري اللي عملتيه ده تاني هتشوفي مني وش. *** خلينا كده حلوين مع بعض زي ما كنا."
لم تخف من تهديده. نزعت يدها من يده بعنف ارتدت عدة خطوات للخلف. رسم الألم خطوطه فوق شفتيها تمتم ساخرة:
"كده صح. إنت كده ظهرت على حقيقتك اللي كنت بتداريها ورا قناع الراجل الشهم الطيب. وأنت أبعد ما تكون عن الرجولة أصلاً!!"
احتدت عينيه غضباً. كم أراد صفعها على فمها على ما تتفوه به وكيف تطعن كرامته ورجولته بما تقول! شعر بالدماء تفور في رأسه. سيؤذيها إن لم يفجر غضبه على شيء آخر. أمسك زُهيرة كبيرة يلقيها بعنف إلى الحائط لتُحدث صوت مدوي كالانفجار. لم تهتز. وقفت تنظر له ساخرة تطفقه بنظرات احتقار. رغم أن في تلك اللحظة كل خلية بها كانت حقاً ترتجف خوفاً، ولكنه لا يجب أن يعلم ذلك. اقترب منها يصرخ حتى نفرت عروقه:
"حاسبي على كلامك. ما تخلينيش أندمك عليه. أنا نازل عايز لما أرجع ألاقيكم رجعتوا وتر اللي كانت في حضني من نص ساعة بس. اللي شوفتيه ده أبوكِ هو السبب فيه. بس إنتي ما تعرفيش حاجة خالص."
تحرك غاضباً توجه إلى غرفة نومهم يلتقط قميصه ألقاه على كتفه ليخرج من المنزل صافعاً الباب خلفه بعنف. وقفت تنظر في أثره ترتجف حدقتاها. يتساءل القلب خائفاً أين هو جبران؟
***
على صعيد آخر على مقربة منهم كثيراً. هناك حيث غطى الحزن بستارته السوداء على حياتهم. يسدل ستار النهاية. أمل في غرفتها تنظر للفراغ عينيها شاردة حائرة، خائرة القوى. ما حدث لم يكن هيناً لا عليها ولا على حسن. لازالت تتذكر مشهده حين ارتمى أرضاً يتوسل والده أن يرحمها. في تلك اللحظات صدقت حقاً ما قاله لها جبران عن والده وكم هو قاسٍ. الرجل حقاً أبشع مما قد تتصور. والآن النهاية. انتهت الحكاية قبل أن تبدأ من الأساس ربما.
أجفلت خائفة على صوت حركة جوارها لتري حسن يقف عند باب غرفتها يحمل حقيبة ثيابه. ابتسامته شاحبة حزينة. حرك شفتيه يتمتم:
"أنا همشي. البيت بيتك. كده كده أنا كنت كاتب الشقة دي باسمك. لو حابة تفضلي فيها تبيعيها، إنتي حرة التصرف فيها."
صمت للحظات وكأن يعيد استعادة ثباته من جديد. رفع وجهه ينظر لقسمات وجهها للمرة الأخيرة. تنهد بعمق يهمس لها نادماً:
"أنا آسف يا أمل على اللي عيشتيه بسببي. وآسف أوي إني ضغطت عليكِ عشان تتجوزيني بالطريقة دي. صدقيني لو رجع بيا الزمن هبعد عن حياتك خالص عشان ما تشوفيش اللي حصلك بسببي. أنا آسف. عن إذنك."
تحرك للخارج. وقفت عند باب المنزل من الداخل. التفت برأسها ينظر لها ولو لآخر مرة قبل أن يفتح الباب غادر يجذبه خلفه بخفة ليغلقه. وهكذا نقطة في نهاية السطر. وكأن كتب نهاية الحكاية دون حتى أن يخبرها. إلى أسفل توجه ليجد جبران يجلس على أحد المقاعد على المقهى في حيهم ينفث سيجارته بعنف يبدو غاضباً. تحرك إليه يرتمي على المقعد المجاور له وضع حقيبته أرضاً. شردت عينيه يستند بمرفقيه إلى ركبتيه يغمغم في سخرية مريرة:
"أنا طلقت أمل يا جبران. ما كانش ينفع أدخلها حياتي من الأول وأنا ابن كمال شريف الدين. الشيطان معدوم الشعور اللي وصل أمي أنها تنتحر من اللي شافته منه. ومش صعب عليه يستخدم أمل كارت إرهاب ليا. شخص مريض بشع. أنا بس عايز أعرف إشمعنى دلوقتي؟ ما أنا بقالي سنين بعيد. ليه دلوقتي؟"
ربما لأن الشياطين بدأت تجتمع في مجلس الشر يحيكون مؤامرتهم الجديدة!!
***
حين بدأت تصحو فتحت عينيها بصعوبة من تأثير ذلك المخدر. وجدت نفسها ممدة على فراش في غرفة قاتمة مخيفة غريبة. تنهدت بملل حانقة. لما يجب أن تكون دائماً الغرفة التي يتم اختطافها فيها غرفة كئيبة مظلمة مليئة بالخردة كالافلام القديمة. انتصفت جالسة. من الجيد أنهم لم يربطوا يديها ولا قدميها. رأت حياة تجاورها الفراش يبدو أنها لم تستيقظ من تأثير المخدر بعد. هزت كتفها برفق توقظها:
"حياة فوقي يا حبيبتي. حياة فوقي."
سمعت أنيناً متألم يخرج منها شيئاً فشئ. حاولت فتح عينيها إلى أن استطاعت أخيراً. وقعت عينيها على وجه لينا للحظات تنظر بها تقطب جبينها إلى أن بدأت تستعيد ما حدث. توسعت عينيها هلعاً لتهب جالسة تنظر حولها مذعورة. ارتجف صوتها تغمغم هلعة:
"إحنا فين؟ هو هنا. هو رجعني ليه؟ مش قولتلك. قولتلك بلاش نخرج. إنتي ما تعرفيش حاجة. ما تعرفيش هو عمل فيا إيه."
غطت وجهها بيديها خائفة تتحرك للأمام وللخلف جسدها ينتفض. ذُعرت لينا من مشهدها مدت يدها تربت على شعرها برفق. جذبتها تخبئها بين ذراعيها تهمس لها تطمئنها:
"اهدي يا حياة. ما حدش هيأذيكي. خالد جاي. إن ما كانش وصل أصلاً زمانه بيعمل منهم طبق اليوم."
لم تضحك حياة على تلك الطرفة السخيفة. في حين ضحكت لينا وكأن شيئاً لا يحدث. مما جعل حياة تنتفض من بين ذراعيها تصرخ فيها محتدة:
"إنتي جايلك نفس تضحكي في الكارثة دي إزاي؟"
ارتسمت ابتسامة مريرة على شفتي لينا. رفعت وجهها لحياة ابتسمت تغمغم ساخرة:
"لأني اتخطفت قبل كده حوالي 3 ولا 4 مرات. منهم خالد نفسه عمل نفس المشهد اللي حصل لنا من شوية وكمان ضرب على السواق نار. كان موقف مرعب. أنا لو حكيتلك يا بنتي على اللي شوفته كتاب واحد مش هيكفي. فاهدي كده وما تخافيش. خالد حاطط Gps في السلسلة اللي معايا ومش بعيد يكون زارع واحدة في رقبتي وأنا ما أعرفش."
لم تطمئن أبداً. فصاحب الظل هنا سيأتي في أي لحظة. سيعيدها للعذاب من جديد. وقد تحقق ما كانت تخشى حين فُتح الباب ودخل. شهقت بعنف وكأن الحياة تنتزع منها حين رأته. حتى وإن غطى القناع وجهه. تشبثت بذراع لينا تبكي بحرقة. تحرك رأسها بالنفي بعنف. نظرت لينا إلى من دخل. احتدت عينيها. توجه حديثها لحياة:
"اهدي يا حياة. هو ما يقدرش يأذيكِ. أنا حقيقي بشفق عليه. أصل هو اللي رمى نفسه بنفسه في النار."
ضحك صاحب الظل عالياً لينحني للأمام قليلاً. بحركة نبيلة قديمة. رفع وجهه قليلاً يغمغم بخفة:
"اعتذاري للطبيبة الجميلة على وجودها غير المقصود هنا. ستأخذكِ سيارة أجرة خاصة للعودة إلى حيث كنتِ."
تمسكت بيد حياة بقوة تنظر للواقف أمامها تردف بحدة:
"أنا وحياة. أنا مش هتحرك من هنا من غيرها."
علا ثغر وليد ابتسامة ساخرة لم ترها لينا من خلف القناع. ليعاود الانحناء مرة أخرى يغمغم:
"اعتذاري من جديد. ولكن حياة زوجتي وأنا اشتقت لها. أشكركم لحسن استضافتها الفترة الماضية. أرجوكِ أسرعي فزوجك على وشك الوصول لهنا ويبدو حقاً غاضباً."
تشبثت حياة بلينا كما يتمسك الغريق بقشة نجاته الأخيرة. لتحرك لينا رأسها بالنفي بعنف تصرخ فيه غاضبة:
"حياة مش مراتك يا مريض. وأنا همشي من هنا من غيرها ومش هسمحلك تقرب منها أو تمس شعرة منها."
طفح به الكيل قبل أن يفقد أعصابه. وصله إنذار من الحرس أن هناك اقتحام شرس من الشرطة. عليه أن يسرع. لذلك اقترب من لينا التي وقفت تتحداه بنظراتها تخبئ حياة خلف ظهرها. فما كان منه إلا في حركة خاطفة أخرج زجاجة مخدر من جيبه ينشر رذاذ المخدر على وجهها. في لمحة صرخت لينا فيه تدفعه بعيداً عنها ولكن بعد فوات الأوان. المخدر حقاً كان أقوى من أن تتحمله. بدأت الأرض تدور وهي تتشبث بيد حياة بآخر ذرة مقاومة باقية لها ولكن دون فائدة. اقترب وليد ينزع حياة من بين يديها. نفس زجاجة المخدر كانت تعرف طريقها إليها. خارت قواها بين يديه وهي تصرخ. انفتح شق في الأرض وكأن الأرض انشقت لتبتلعهم. اختفى بها تحت الأرض حرفياً لتسمع صوت طلقات رصاص كثيفة وصوت خالد يصرخ في من حوله:
"الGps بيقول إنها هنا. فتحوا الأبواب دي كلها."
أصوات الأقدام تركض. طلق رصاص انطلق يكسر قفل الباب. دخل خالد يركض إلى الغرفة يصرخ باسمها مذعوراً. هرع إليها ينتشلها مذعوراً عن الأرض يربت على وجنتها بخفة يصرخ مذعوراً:
"لينا، لينا ردي عليا يا حبيبتي. إنتي كويسة؟"
"حياة..."
همست بها بأحرف خرجت من بين شفتيها بصعوبة لتشير إلى الأرض. ضمها لأحضانه يحاول طمأنتها يردف سريعاً:
"هنلاقيها يا حبيبتي. الفريق كله هنا ومعاهم زيدان. ما تقلقيش مش هنخرج من غيرها."
انسابت دموعها قهراً. جسدها بالكامل مخدر حتى شفتيها تجاهد لتحريكها. لن يجدوها مهما حاولوا. فالشيطان ابتلعها تحت الأرض.
حملها بين ذراعيه يتحرك بها للخارج وهي فقط تمد يدها تشير للأرض. تهبط دموعها في صمت. حين خرج بها اقترب زيدان منه يغمغم سريعاً:
"الحمد لله يارب إنك بخير يا ماما. إحنا قلبنا الدنيا على البنت اللي اسمها حياة مش موجودة. زياد هيتجنن. مالهاش أثر!!"
***
يبدو أن حياة ستطول إقامتها الفترة القادمة عند صاحب الظل.
وجبران يفكر جدياً في عرض سفيان.
رواية جبران العشق الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم دينا جمال
رحل وتركها تجلس على الأريكة في صالة منزلهم، تنظر للفراغ الذي يماثل روحها ضياعًا. لا تجد ما تُسكن به ذلك الألم البشع الذي يغزو خلاياها. المشهد لا يختفي من أمام عينيها، الشاب وهو يرتجف، يتوسله لأجل ذلك السم، ونظرة عينيه القاسية، ابتسامته الخبيثة، كلماته التي لا تزال تطرق عقلها بعنف. لم تطلب منه أن يكن البطل الخارق ويصلح العالم، ولكن على الأقل لا يفسده بيديه. كيف يمكن أن تكون يديه بذلك الحنو حين يضمها إليه؟ هي نفس اليد التي تدفع السم لمثل ذلك الشاب المسكين.
انحدرت دموعها، عقلها مشوش، لا تعرف ما عليها أن تفعل. تتركه؟ تصر على موقفها وتطلب الطلاق؟ شيء داخلها يؤلمها مع تلك الكلمات. مجرد فكرة أنها ستخرجه من حياتها تؤلمها. أحبته، ولا تنكر. إذا هو ربح الرهان.
توسعت عينيها حينها، تتذكر كلمات التحدي الذي وعدها بها:
« تعالي نتجوز يا وتر، من باب التغيير. اعتبريه تحدي، أنا أعرف أنك بتحبي التحديات أوي. يا تثبتي أني غلطان وإنك فعلاً ما حبتنيش، وساعتها بكامل إرادتي وأقسم لك هروح أسلم نفسي وأعترف بكل جرايمي. يا تثبتي لي أنك حبتيني، وساعتها بردوا مستعد أسيب كل حاجة ونبدأ مع بعض صفحة جديدة. »
ربح التحدي، وسيُلزمه بكلمته. ستخبره أنها أحبته، ستطلب منه أن يفي بكلمته. ألم يتفاخر أمامها مراراً وتكراراً أن كلمته عهد لا يُخلفه أبداً؟ ارتسمت ابتسامة أمل واسعة على ثغرها. جبران شخصية نرجسية، لا ترضخ للعناد أبداً. لذلك عليها أن تشعره بأنه هو من انتصر لينفذ لها ما تريد.
قامت سريعًا، عليها أن تتجهز قبل أن يأتي. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. دَق هاتفها، نظرت للمتصل لتجد اسم أمل يُضيء الشاشة. فتحت الخط سريعًا، تضع الهاتف على أذنها، تغمغم متلهفة:
"ألو يا أمل؟ أنتي كويسة يا حبيبتي؟ جبران قالي إنكم بخير بس محتاجين راحة، عشان كده ما رضتش أتصل بيكي. أمل ردي عليا، ساكتة ليه؟"
صمتت وتر، قطبت جبينها، ترهف السمع ليصل صوت بكاء أمل وشهقاتها إليها، وجملة ممزقة بالكاد سمعتها:
"أنا محتاجاكي يا وتر، أرجوكي تعالي."
تغمغم سريعًا دون تردد:
"أنا جايلك حالًا، خمس دقايق وهبقى قدامك."
أغلقت معها الخط، لتقع عينيها على ساعة الحائط. لا تزال العاشرة، الوقت لم يتأخر لحد كبير. توجهت سريعًا إلى غرفتها، بدلت ثيابها إلى فستان طويل مغلق، عليه إلا يغضب في ذلك الوقت تحديدًا، إلى أن تحقق ما تريد، وليكن للحديث بقية بعد ذلك.
أخذت طريقها لأسفل. ما أن خرجت من مدخل العمارة، وقعت عينيها على جبران يقف عند ورشته، يمسك بمنشار كبيرة، يجز بعض الأجزاء الزائدة من باب كبير أمامه. رفع رأسه، يمسح جبينه بكفه، لتقع عينيه عليها. احتدت نظراته، ليلقي المنشار من يده. توجه ناحيتها، أمسك بيدها، يعود بها إلى المدخل. وقف أمامها يهمس محتداً:
"أنتي رايحة فين؟ وإزاي تنزلي في الوقت دا ومن غير إذني يا بنت الذوات؟"
تنهدت بعمق، تحاول ألا تصرخ في وجهه هي الأخرى. رسمت ابتسامة بسيطة، تربت على يده بخفة، تغمغم برقة:
"رايحة عند أمل يا جبران. كلمتني وهي منهارة من العياط وطلبت مني إني أروح لها ضروري. ممكن أروح؟"
قطب جبينه، ينظر لها متعجباً. منذ متى وهي تأخذ الإذن بذلك اللطف؟ إلى ما تخطط وتر تحديداً؟ تنهد، يزفر أنفاسه بحدة، يومئ لها. لتشكره بابتسامة واسعة. تحركت لخارج المدخل. التفتت له قبل أن تخرج، تحادثه مبتسمة:
"لما أرجع من عند أمل، في موضوع مهم عايزة أتكلم معاك فيه."
وأعطته ابتسامة لطيفة وغادرت. ليقف مندهشاً، ينظر لها وهي تتوجه للعمارة القريبة منهم، يتساءل في نفسه مدهوشاً: ما بها وتر؟ ألم تكن في الانفصال عنه قبل نصف ساعة فقط؟ ضرب كفاً فوق أخرى، أخذ طريقه عائداً للورشة، يغمغم مع نفسه ساخراً:
"على رأي اللي قال مستهون بالستات يا أخويا، دولا مجانين."
على صعيد آخر، أخذت وتر طريقها سريعًا لشقة أمل. دقت الباب سريعًا عدة مرات، ليُفتح بعد لحظات. ارتمت أمل بين أحضان وتر تبكي. ما إن رأتها، تحركت وتر بها لداخل الشقة، تغلق الباب. جلست بجوارها على الأريكة في الصالة، تحاول أن تفهم ما حدث. ولكن أمل لا تتوقف عن البكاء أبدًا. بعد ربع ساعة تحديدًا، هدأت عما كانت عليه. أبعدتها وتر عن أحضانها، تحادثها قلقة:
"إيه في يا أمل؟ فهميني مالك وحصل إيه وكنتوا فين؟ جبران ما رضيش يقولي حاجة خالص... أهدي وفهميني."
رفعت أمل يديها، تمسح الدموع عن وجهها بعنف، تحاول أن تهدأ ولو لدقائق، تتنفس بعنف مرة بعد أخرى. نظرت لوتر، تقبض على كف يدها، تغمغم بقهر:
"هقولك."
وبدأت تقص لها ما حدث منذ الأمس القريب. وتر تتابع بأعين مذهولة ما تسمع. ودموع أمل لا تتوقف. أنهت كلامها بشهقة بكاء عنيفة، تلتها صوتها المبحوح:
"حسن اتكسر قدامي يا وتر... وطى تحت رجلين أبوه عشان يرحمني من رجّالته. لسه فاكرة نظرة عينيه لما كنا في أوضته، كان عامل زي الطفل الصغير المرعوب. أنا ما كنتش مصدقة جبران عن اللي قاله عن أبوه، بس شوفت بعيني. شوفت هو قد إيه شخص بشع مريض."
مدت وتر يدها، تربت على كتف أمل برفق، تحاول تهدئتها قليلًا. لم تستطع وتر أن تُخفي سؤالها الملح:
"أنا عارفة إنه مش وقته، بس أنا عندي سؤال. أنتي حبيتي حسن يا أمل ولا لأ؟"
تجمدت أمل للحظات، تنظر لوتر. أغمضت عينيها، تحرك رأسها بالنفي. انسابت دموعها من خلف عينيها المغلقة، تغمغم بغصة مؤلمة:
"حسن بني آدم كويس جداً، عكس ما هو مبين للناس. بس أنا ما قدرتش أحبه. كل ما أحاول أعاند وأقول استسلم وأحبه، أفتكر اللي عمله وإنه اتجوزني غصب عني، فـ أحس بالنفور منه وإني حتى مش عايزة أشوفه... عشان كده أحسن ليا وليه إننا اتطلقنا. كده أحسن، يمكن بعد كده أدي لنفسي فرصة أحبه."
ابتسمت وتر، تربت على يدها، تؤمئ لها بالإيجاب، كأنها تخبرها أن ما تفكر فيه الآن هو الصواب. عادت أمل تحادث وتر بنبرة راجية حزينة:
"ممكن تباتي معايا النهاردة يا وتر؟ أنا مش عايزة أكلم ماما، هتفضل تفتح في الموضوع عشان تعرف اللي حصل وهتقلبها مندبة، وأنا ما عنديش طاقة لكل ده."
كم أرادت داخلها أن ترفض، لديها محددة لليوم، ولكنها لم تقدر على ذلك. ابتسمت لها، تحرك رأسها بالإيجاب. التقطت هاتفها، تغمغم:
"حاضر يا حبيبتي. هكلم جبران بس الأول أقوله!!"
***
سيُجن عقله على وشك الانفجار. بحث عنها في كل مكان، حتى في ذلك النفق الذي أخبرتهم به تلك الطبيبة. لا أثر لها. لم يجد سوى دبوس شعرها ملقى في النفق تحت الأرض. خرج منه على فضاء واسع ناحية مصنع مهجور. بحث فيه شبرًا بشبر، ولم يجد أي شيء. لا أثر لها. هل ذلك هو عقابه لأنه رفض مساعدة حسن وزوجته؟ كاد أن يصدم رأسه في حائط غرفة مكتبه، حين انفتح الباب ودخل خالد ومن بعده زيدان. توجه ناحية صديقه، يحاول التخفيف عنه:
"اهدئ يا زياد. هنلاقيها والله. إحنا مش ساكتين، في أقرب وقت هنلاقيها."
نظر زياد إلى صديقه. عينيه زائغة، وجهه شاحب، شعره مبعثر، منظره مُذري للغاية. صاح منفعلاً:
"هنلاقيها فين وإمتى؟ وعلي ما نلاقيها هيكون عمل فيها إيه؟ دا مريض ومجنون. اللي عمله فيها مش شوية. دا ممكن يقتلها. أنا اللي غلطان، ما كانش لازم أبعدها عني أبداً."
ترك المكتب وخرج يهرول من المكان بأكمله. تنهد زيدان حزينًا، ينظر ناحية خالد، يحادثه قلقًا:
"وإيه العمل يا خالي؟ زياد عنده حق، دا ممكن فعلًا يقتلها."
حرك خالد رأسه بالنفي، يحاول تحليل ما حدث، يردف في تروٍ:
"لأ. لو كان عايز يقتلها، كان ضربها رصاصة وسابها مرمية في المخزن عشان زياد يلاقيها جثة. خصوصًا إنه أكيد عارف صلة القرابة بينها وبين زياد. هو في الأغلب خاطفها. يا إما عشان يساوم زياد بيها، يا إما في غاية تانية في نفسه. هو الوحيد الأدري بيها."
هناك عند زياد، أخذ سيارته ينطلق بها إلى مقابر العائلة. عينيه حمراء، تزرف الدموع، جسده يرتجف خوفًا وغضبًا. يتخيل الكثير من المشاهد البشعة التي يمكن أن تكون تحدث لها الآن. يشعر بتلك العضلة التي تنبض تتمزق من الألم. أوقف السيارة أمام سور المقابر من الخارج. نزل منها سريعًا، يتحرك بخطى سريعة متلهفة إلى قبر عائلتهم، حيث يمكث أسفل التراب أبويه وشقيقه الكبير الذي كان بمثابة والده. جلس على ركبتيه أمام القبر وبكى. انهمرت دموعه بعنف، يتمتم بحرقة:
"أنا خايف يا بابا. مرعوب يا مراد. أنا مش قوي ومغامر زيك يا مراد. أنا طول عمري كنت بستخبي ورا ضهرك لحد ما سبتني وبعدت. قولتلي هتبقى جنبي دايماً وبعدت. هربت. أنا مش لاقيها يا مراد. مش عارف هو بيعمل فيها إيه دلوقتي. يا ريتك كنت موجود. أنا محتاج إيدك أتسند عليها يا بابا. أنا خايف... خايف أوي."
تسارعت الدموع من عينيه بحرقة، ليخفي وجهه بين كفيه، يشعر بالعجز، لا شعور غيره يسيطر عليه.
***
منتصف الليل. صوت الساعة الكبيرة في الغرفة وهي تعلن عن انتصاف الليل، أيقظها من ثباتها. فتحت عينيها تتأوه بعنف، ألم بشع يضرب رأسها. فتحت عينيها شيئًا فشيئًا، ترمش عدة مرات. إضاءة الغرفة ساطعة بشكل مبالغ فيه. استندت بكفيها إلى الفراش، تحاول أن ترفع جسدها عنه، لتشعر بملمس ناعم للغاية أسفل كفيها. انتصفت جالسة بعد جهد شاق، تنظر حولها هنا وهناك. عينيها ترتجف ذعرًا. هو من اختطفها. أعادها إلى العذاب من جديد. حاولت القيام من الفراش علها تهرب، ولكن جسدها أبي ذلك. تشعر بخدر غريب يسيطر على أطرافها. بالكاد رفعت جسدها قليلًا. خدر لن تستسلم له. حاولت بصعوبة التحرك إلى حافة الفراش، لتنزل منه، تمسك بالمفرش، تدفع بجسدها. تجمدت. هربت الدماء من جسدها بالكامل، حين سمعته يغمغم ساخراً:
"رايحة فين بس بالعقل كده؟ إنتي أصلًا مش قادرة تقومي من السرير. هتقدري تمشي؟"
لن تنظر خلفها. أغمضت عينيها بقوة، تحاول إقناع نفسها أن ما يحدث الآن لا يحدث فعلًا. هي فقط في كابوس مخيف وستستيقظ. كابوس بشع وستصحو منه الآن. انسابت الدموع تغطي وجهها، تسمع صوت حذائه يقترب من الخلف، يصدم الأرض أسفله بخفة، وكأنه يلدغه. تحرك وليد، وقف أمامها، يكتف ذراعيه أمام صدره. ابتسم، يغمغم ساخرًا:
"فتحي عينيكي يا حياة، دا مش حلم."
شهقت بقوة، تفتح عينيها على مصراعيها، تبكي بحرقة. ليته كان حالمًا تلك المرة. بدأت تدفع بجسدها للخلف علها تهرب منه، فابتعد هو عنها، ذهب إلى الأريكة في الغرفة، جلس هناك، يضع ساقًا فوق أخرى. يمسك بكأسه، ابتسم، يغمغم ببساطة:
"بس تعرفي، حقيقي أنتي وحشتيني. وحشني تمردك وخضوعك. وحشني الحياة اللي في حياة."
مختل كلماته مريضة مثله. تذكرها بكل ما فعله. ذهب تأهيلها النفسي هباءً منثورًا. ما أن عادت إليه، لم تملك سوى البكاء المذعور. حياتها على المحك. ليته يقتلها فقط دون عذاب. شهقت بعنف، ترتجف الأحرف بين شفتيها:
"إنت عايز مني إيه تاني؟... أرجوك ارحمني بقى. أنا ما عملتش اللي قلت عليه. ما قدرتش. اقتلني."
ابتسم وليد في اتساع، يرتشف ما في كأسه جرعة واحدة. ضحك بقوة، يغمغم ساخرًا:
"ما أنا عارف إنك ما عملتيش. إنتي فاكراني فعلًا باعتك عشان الفيلم الهابط ده إنك تغويه ونصوره خالص؟ أنا باعتك عشان زياد باشا يشوف اللي حصل لبنت خالته. قرصة ودن صغيرة يمكن يبعد. بس هو غبي. كبيره معايا رصاصة وهخلص منه. أما إنتي..."
وضع الكأس من يده، قام متجهًا نحوها، لتدفع جسدها للخلف بعنف، كادت أن تسقط من الفراش. ليقبض على رسغ يدها، يستند بركبته إلى سطح الفراش. صرخت مذعورة، ما أن أمسك بكف يدها. تحرك رأسها بالنفي بعنف، تحاول جذب يدها من يده:
"حرام عليك. ابعد عني... ارحمني بقى. حرام عليك. إنت عايز مني إيه تاني؟"
ترك رسغها بخفة، لترتد للخلف، ارتطمت بسطح الفراش. ليقف أمامه، يدس يديه في جيبي سرواله. تنهد، يتمتم ببساطة:
"أبدًا. أنا الفترة دي قاعد لوحدي عشان روزا مشغولة، وأنا ما بحبش أكون موجود في صمت. محتاج ونيس معايا، فـ قولت اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش. فـ خطفتك."
نظرت له بحقد. كم تتمنى أن تكون أشجع قليلًا، فتقبض على عنقه، تزهق روحه، تراه يتعذب كما فعل معها. غمغمت محتدة:
"إنت مريض مش طبيعي."
ضحك وليد من جديد، رفع كتفيه لأعلى، يغمغم ببساطة:
"حبيبتي، في المكان اللي إحنا فيه ده دلوقتي، طبيعي إنك تكون مش طبيعي. إنما مش طبيعي إنك تكون طبيعي. فاهمة حاجة؟"
ظلت تنظر له وهي ترتجف خوفًا. ليبتسم، يغمغم في هدوء:
"شكلك جعانة، وأنا كمان جعان. هخلي حد من الحراس يجيبلنا أكل. إحنا لسه بينا كلام كتير، يختلف تمامًا عن كلام زمان."
تحرك ليغادر الغرفة، ليسمعها تصرخ فيه بحرقة:
"ليه خطفتني تاني ليه؟ أنا ما قولتلهمش أي حاجة عنك ولا حتى عن شكلك عشان تبعد عن حياتي خالص. عايز مني إيه تاني؟"
التفت لها، ابتسم، يغمغم بلامبالاة:
"وأنا مش هخاطر إنك تقولي يا حبيبتي. أنا ضحيت بكتير أوي عشان أوصل للمكان. قتلت بإيدي أعز أصحابي عشان أنا أبقى الملك. مش مستعد أخاطر ولو بواحد في المية إنك مثلًا تكشفي شخصيتي. حاولي ترتاحي وتغيري هدومك على ما الأكل ييجي... هجيلك تاني يا حياة."
وخرج، يغلق الباب عليها من الخارج. وضعت يديها على فمها، تصرخ دون صوت. كل ذرة بها تحترق خوفًا. شحب وجهها، تتذكر صندوق الأفاعي، وكم تمنت الموت في تلك اللحظة قبل أن تراه من جديد!
***
الثانية بعد منتصف الليل. في مكان آخر يبعد كثيرًا عن منزل صاحب الظل. هناك من يحرك الجميع كأنهم عرائس تلتف بخيوطه دون أن يعلم أي منهم. في غرفة نومه، تنتظره الجميلة بغلالة سوداء قد لا تخفي شيئًا. تنتظره على أحر من الجمر. تنظر للباب متلهفة. دقات قلبها تتسارع. فُتح الباب، لتتسع عينيها في صدمة سعيدة. تنظر له، تخترز عينيها كل شبر من وجهه. لم تره منذ سنوات. هرعت إليه، ترمي بين أحضانه، تبكي بحرقة، تتمسك به كالغريق. تمتم بانفعال:
"سراج! أنت عايش بجد؟ أنا مش مصدقة نفسي. وحشتني يا سراج... وحشتني أوي. مجدي دمرني لما فهمني إنه قتلك. خلاني أدمن المخدرات غصب عني. قتل ابننا يا سراج. عذبني سنين وسنين وهو بيفكرني كل لحظة إنه قتلك."
ظل سراج صامتًا، ينظر للفراغ بعينيه الرمادية. لا شيء يطفو بالداخل، لا غضب، لا ضيق، لا شيء. فراغ كالزجاج مصمت. جل ما فعله أنه حرك شفتيه، يهمس لها:
"ابننا عايش. ما ماتش. مجدي ما قتلوش."
شخصت عينا شيرين في صدمة. شهقة عنيفة خرجت من بين شفتيها. ابتعدت عن سراج، تلعثمت تردف سريعًا:
"عايش؟ عايش بجد؟ طب هو فين؟ عايزة أشوفه. ابننا فين يا سراج؟"
"في الحارة، في مكان بعيد تحت عيني. ما تقلقيش. هروحله بنفسي قريب."
غمغم بها سراج في هدوء تام. لتحرك شيرين رأسها بالإيجاب، تضحك سعيدة، طفلها حي في مكان ما، ستراه قريبًا. ارتمت بين أحضان سراج من جديد، تغمغم:
"أنا بحبك أوي يا سراج... بحبك أوي أوي."
صرخت من الألم حين قبض على خصلات شعرها بعنف، يبعدها عنه. نظرت له مذهولة. وجهها يصرخ ألمًا، في حين هزها هو بعنف، يصيح فيها:
"بتحبيني وأنتي في حضن سفيان الدالي مش كده؟ أنا هدفعك تمن خيانتك ليا. إنتي والكلب اللي اسمه سفيان ومجدي. كلكم هتدفعوا التمن غالي أوي!"
***
الثالثة بعد منتصف الليل. اقترب الفجر على البزوغ. لازال الظلام يسيطر على الحي الفارغ. وقف في منتصف حيه، يبتسم ثملاً. يبدو أنه أسرف كثيرًا في شرب الكحوليات، وأضاف إلى ذلك أنه أراد تجربة السم الذي يبيعه، وحقًا أعجبه ذلك الشعور. يشعر بأنه يخلق فوق الغيوم وهو يقف على الأرض. نظر لشرفة أمل المغلقة. زوجته الحبيبة تركته ليعانق الوسائد وذهبت لتمكث مع صديقتها زوجة صديقه. مسكين حسن، ينام كالطفل منذ ساعات. تحرك إلى منزله، صعد الطابق الأول، والثاني، عند الثالث في طريقه. فُتح باب شقتها، تمسك بحقيبة نفايات، تضعها خارجًا. ترتدي غلالة بيضاء ناعمة مثلها، تضع شالًا خفيفًا على ذراعيها العاريتين. ابتسم ثملاً، يترنح واقفًا. لتقطب هي جبينها، تسأله قلقة:
"معلم جبران، إنت كويس؟ مالك شكلك تعبان."
ضحك في خبث، ليتقدم صوبها، يخترزها بنظراته من أعلى لأسفل. نظرت له، تتصنع أنها مرتبكة، خائفة:
"مالك يا معلم؟ إنت بتبصلي كده ليه؟"
تحركت للخلف وهو يخطو للأمام، إلى أن دفعها داخل شقتها بعنف، لتسقط أرضًا. نزع قميصه بعنف، يدخل إلى شقتها، يصفع الباب خلفه!!!
***
الصباح الباكر. ربما لا تزال السابعة. مدت يدها، تضعها على الفراش جوارها. لما المكان فارغ بارد؟ فتحت عينيها سريعًا، تبحث عنه. لا أثر له. انتصفت، تفرك عينيها ناعسة، تلملم خصلات شعرها بيديها. نفضت الغطاء عنها، ترتدي خفها المنزلي، توجهت إلى المرحاض، تدق الباب:
"بيجاد... بيجاد أنت جوه؟"
لا رد. إضاءة المرحاض مغلقة، يعني أنه ليس بالداخل. ومع ذلك فتحت الباب، فلم تجد أحد. تحركت هنا وهناك بين أركان منزلهم الصغير في أسوان، تنادي باسمه، تبحث عنه كما لو تبحث عن طفل صغير. لا أثر له في المكان بالكامل. خرجت للحديقة الصغيرة خارج البيت، تبحث عنه. لا أحد. لا أثر له. السيارة تقف مكانها. أين هو إذا؟ شعرت بالخوف يتملك كيانها. عادت للداخل، تبحث عن هاتفها. التقطت بيدين ترتجف، اتصلت بهاتفه، لتسمع صوت رنين الهاتف يأتي من الصالة. توجهت إليها، لتجد الهاتف يقبع جوار التلفاز. توجهت إليه، تمسكه بين يديها. ارتجف جسدها ذعرًا. أدمعت عينيها. بيجاد وكأنه اختفى. هل انشقت الأرض وابتلعته؟ هبطت الدموع من عينيها أنهارًا. التفتت خلفها سريعًا، حين سمعت صوته وهو يصفر وصوت مفتاحه يدخل إلى قفل الباب. ارتجف قلبها، لتشق شفتيها ابتسامة واسعة، حين رأته يدخل من باب المنزل. هرولت إليه، تكاد تركض، ارتمت بين أحضانه تبكي بحرقة، تتشبث بقميصه. عقد بيجاد جبينه مندهشًا من رد فعلها. أغلق باب المنزل، تحرك بها إلى الداخل قليلًا، يسألها قلقًا:
"مالك يا رُسل؟ بتعيطي كده ليه؟ حصل حاجة؟ حد جه هنا؟"
نفت برأسها، تتمسك به. قضت بضع دقائق تحاول أن تستجمع رابطة جأشها. ابتعدت عنه، تمسح دموعها بكفيها، تسأله:
"إنت كنت فين يا بيجاد؟ أنا اتخضيت لما صحيت ما لقيتش ليك أثر. افتكرت بعد الشر حصلك حاجة."
ارتسمت ابتسامة كبيرة على شفتيه. كم يعشق حين تخاف عليه، وكأنه فقط طفل صغير. يتوعد داخله لذلك الطبيب الأحمق الذي أعطاه المخدر، فمفعوله انتهى قبل المدة المحددة بساعات. من المفترض ألا تستيقظ إلا بعد ثلاث ساعات من الآن. اقترب منها خطوة واحدة، يحتضن وجهها بين كفيه، يحادثها مشاكساً:
"كنت باخد جولة حرة يا ماما رُسل. ما تخافيش عليا أبداً."
خرجت ضحكة خافتة من بين شفتيها. كورت قبضتيها، تصدم صدره بخفة، ليتأوه، يصطنع الألم. وضع كفه على قلبه، يصيح بأداء درامي مبالغ فيه:
"آه يا قلبي... قلبي اتخبط... قلبي اتسرق."
ضحكت على ما يفعل. لينظر لها، يبتسم. لم يكن يظن يومًا أنه سيعشق ابن قاتل أبيه لتلك الدرجة. عمه الحبيب قاتل والده. كم يرغب في نهش قلبه حيًا على ما فعله. ولكن رُسل لا ذنب لها. لن يجعلها تدفع ثمن جرائم والدها المقززة. الحياة بينهما أكثر من رائعة، لا ينقصها سوى أن رُسل ترفض لسبب غير مفهوم اقترابه منها. جميع محاولاته للتقرب منها بائت بالفشل. لم يكن الوقت المناسب ليفعل ما يفعل، ولكن الفضول يقتله. رفع يده، يبسطها على وجنتها بخفة، ابتسم، يسألها دون مقدمات:
"رُسل، ممكن ما تتهربيش من سؤالي المرة دي بجد. إنتي ليه رافضة إني أقرب منك؟ ليه حاسس إن في حاجز بينا؟ مع إنك عارفة إني بحبك، وأنا واثق إنك بتحبيني. يبقى ليه يا رُسل؟"
اضطربت حدقتاها بعنف، ليضيء أمام عينيها مشهد قديم لطفلة صغيرة لم تكمل العاشرة، ويد آثمة تقطف بتلات جسدها، تعثو في روحها قبل جسدها فسادًا. وابتسامته المخيفة التي كانت دائمًا ترتسم على ثغره ما أن يراها. سفيان صديق والدها، الذي كان يتحرش بها وهي طفلة، ووالدها أبدًا لم يصدقها، وربما كان يصدقها ولكنه لم يهتم أن صديقه كان يفعل ذلك بابنته. لم تكن تعرف أن دموعها تمردت، تغطي وجنتيها، إلا حين شعرت بيده تمسح دموعها بخفة. تحركت مقلتاها له، لتري نظراته الحزينة القلقة:
"أنا واثق إنك مخبية عليا حاجة يا رُسل. في إيه يا حبيبتي؟ دا أنا جوزك. لو ما قولتليش أنا هتقولي لمين؟ أنا وإنتي مالناش غير بعض دلوقتي."
خافت أن تخبره فيذهب إلى سفيان. وسفيان هذا أبعد ما يكون عن البشر، شيطان متنكر. حركت رأسها بعنف، ترفع كتفيها، تمسح دموعها بعنف. ابتسمت، تتمتم مرتبكة:
"أنا بس كان نفسي أعمل فرح وألبس فستان أبيض... وليد وحشني أوي. قلبي بيوجعني لما بفتكر إن أخويا اتقتل غدر، بعد ما قرر يتوب ويبعد عن قرفهم."
لم يقتنع تمام الاقتناع بما تقول، لكنه ابتسم، يومئ لها. سيعرف عاجلًا أم آجلًا ما بها. فقط ينتهوا من دائرة الشر تلك. مد ذراعيه، يضمها لأحضانه، يمسح على رأسها برفق، يغمغم مترفقًا:
"ولو إني مش مصدقك، بس ماشي... قريب هعملك أكبر فرح في البلد، وأحلى فستان تختاريه. تمام كده؟"
أومأت له، تزدرد لعابها مرتبكة. أبعدها عن أحضانه، يغمغم مبتسمًا:
"تعالي يلا نخرج نفطر ونقضي باقي اليوم بره."
ابتسمت، تحرك رأسها بالإيجاب. سريعًا، تركته ودخلت إلى غرفتها تبدل ثيابها. لتختفي ابتسامة بيجاد. دس يديه في جيبي سرواله، ينظر في أثرها، يفكر. يتذكر أنه يملك ذلك المصل الغريب الذي يجبر من أمامه على قول الحقيقة. عقله يلح، وقلبه يرفض. تنهد حائرًا، حانقًا. يتمنى أن يكون أنقذها من مستنقع الشر قبل أن يطالها.
***
في منزله القديم الصغير الذي كان يسكنه قبل الزواج، يقف في شرفته الصغيرة. التبغ لا يفارق شفتيه. عينيه لم تذق النوم. مقلتيه حمراء كالدماء. يديه ترتجف بين الحين والآخر. سنوات قضاها يستعيد نفسه، يبني ما هدمه أبيه، ليعاود هدم كل ما بناه. شعوره بالعجز والضعف أمام جبروت أبيه. توسله له ليرحم زوجته من براثن رجاله. هدم روحه الثائرة. هو لم يخضع يومًا لجبروت أبيه. وكانت القشة التي قطمت ظهر البعير حين انتحرت والدته أمام عينيه. ترك كل شيء وهرب. كسر كل القيود. سينتقم. يقسم أنه سيفعل. كور قبضته، يضرب بها سور الشرفة بعنف. سيأخذ بثأره، وثأر والدته، وثأر زوجته. اجفل على صوت رنين هاتفه برقم جبران. قطب جبينه. جبران لا يستيقظ باكرًا. لما يطلبه الآن؟ بالطبع كارثة. فتح الخط، وقبل أن ينطق بحرف، سمع صوت جبران يحادثه متوترًا:
"حسن، تعال لي بسرعة. أنا في كارثة. بسرعة يا حسن."
أغلق الخط، ليتحرك حسن سريعًا لخارج منزله، يفكر قلقًا. تُرى ما الكارثة التي حلت يا جبران؟
على صعيد قريب، في الطابق الثاني، قبل نصف ساعة من الآن. قطب جبينه منزعجًا. صوت أنين يصاحبه بكاء يأتي بالقرب منه. صوت لا يتوقف، يتكرر بشكل مزعج. حاول فتح عينيه مرة بعد مرة. الصداع ينهش عقله. ليته لم يجرب ذلك السم الذي يبيعه. لا ينكر أنه قضى ساعات أسعد من الخيال، يحلق وقدميه ثابتة على الأرض. يصرخ، يضحك، يراقص نسيم الهواء، يداعب قطرات المطر. يعيش الوهم. يضحك مع الخيال. ولكن الاستيقاظ بعد انتهاء مفعول ذلك السم هو العذاب بعينه. فتح عينيه بصعوبة، يمسد جبينه بكف يده. لما ذلك الألم البشع؟ بدأت الرؤية تتضح أمامه شيئًا فشئ، ليقطب جبينه متعجبًا، متألماً. أين هو؟ بيت من هذا؟ بسط كفيه، يستند ليشعر ببرودة الأرض تحت كفيه. ما الذي يحدث؟ رفع جسده بصعوبة عن الأرض، لتتسع عينيه ذهولًا حين رأى صدره العاري. نظر جواره، ليري آثار دماء. بحث برأسه حوله، ليجد تلك الفتاة صفا تجلس هناك، تلتصق بالحائط، تضع يدها على فمها، تبكي، تغطي جسدها بأحد مفارش الطاولة البيضاء الذي تلطخ بالدماء. توسعت عينيها فزعًا حين رأته يستيقظ. ليبدأ جسدها بالارتجاف بعنف، لتصرخ فيه بحرقة:
"حرام عليك. حسبي الله ونعم الوكيل فيك. أنا عملتلك إيه عشان تضيع مستقبلي وحياتي؟ خدت مني شرفي غصب عنك. منك لله. ربنا ينتقم منك."
وانخرطت تبكي وتلطم وجنتيها بعنف، تصرخ مقهورة. وهو يقف كالصنم، لا يصدق في أبعد كوابيسه أنه قد يفعل ذلك أبدًا. مد يده إلى خصلات شعره، يشد عليها بعنف، يحاول أن يفكر في حل ما. مد يده سريعًا، يبحث عن هاتفه، إلى أن وجده. يطلب رقم حسن، يطلب منه المجيء سريعًا.
أغلق الخط، ينظر لها مشفقًا، حزينًا. حاولت التحدث:
"صفا، أنا..."
قاطعته تصرخ بحرقة:
"اخرس! مش عايزة أسمع صوتك منك لله. ضيعتني وضيعت حياتي."
لحظات، وسمع جبران صوت أقدام حسن تصعد. فتح الباب سريعًا قبل أن يكمل طريقه لأعلى. وقف حسن مكانه، ينظر لجبران مدهوشًا:
"جبران!! إنت بتعمل إيه هنا؟"
جذبه من يده سريعًا، يدخله للمنزل، لتشخص عينيه فزعًا حين أبصر صفا على حالتها تلك. ليعاود النظر لجبران، يهمس لها مصعوقًا:
"إنت عملت إيه؟ الله يخربيتك."
جذب جبران يد حسن، يقف به بعيدًا. وقف أمام يشعر بالعجز لأول مرة في حياته. تلعثم، يردف متوترًا:
"ما أعرفش. مش فاكر. كانت أول مرة أجرب الزفت اللي أنا ببيعه ده، وما دريتش بنفسي غير دلوقتي. وهي عمالة تصوت وتلطم. أعمل إيه؟ أنا ما كنتش واعي لأي حاجة خالص والله يا حسن."
تنهد حسن، يزفر أنفاسه حانقًا. التف برأسه، ينظر للفتاة مشفقًا على حالها، ليعاود النظر لجبران، يهمس له محتداً:
"مش هينفع نسيبها كده. لازم نتصرف. دي ممكن تموت نفسها بعد القرف اللي أنت هببته."
"والعمل!"
وأردف بها جبران متوترًا، يشعر وكأنه ألقى بنفسه في النار دون أن يشعر. ليشد حسن على كفه، يفكر، يحاول إيجاد حل. جبران إن تزوج منها، ستنتهي علاقته بوتر نهائيًا. الحل هنا بيده هو. رفع رأسه لجبران، يغمغم حائرًا:
"مش عارف. بس مش هينفع تتساب كده. إنت علاقتك بوتر أصلًا على شعرة. لو عرفت اللي حصل، تبقى علاقتكم انتهت. وبرضه البنت دي مالهاش ذنب. ومش هقدر أقولك اتجوزها في السر، لأنها مصيرها هتتعرف وهتبقى سؤ سمعتها بردوا."
رائع. حسن صديقه الذي أحضره ليجد له حل لتلك الكارثة، يغلق جميع الحلول الممكنة أمام وجهه. زفر بعنف، يغمغم محتداً:
"إنت بتقفلها في وشي. أعمل أنا دلوقتي؟ أروح أرمي نفسي في النيل؟"
حرك حسن رأسه بالنفي. تنهد بعمق، ربت على كتف صديقه، يغمغم:
"إنت صاحبي يا جبران، وكفاية إنك أنقذتني من بيت كمال. وبعدين أنا خلاص طلقت أمل."
فهم جبران إلى ما يرمي حسن. ليحرك رأسه نفيًا بعنف، يردف متجهماً:
"لأ يا حسن. إنت مش هتشيل شيلتي. أنا اللي غلطت، وأنا اللي هدفع تمن غلطتي."
هنا صرخت صفا أو روزا بحرقة:
"إنتوا بتحدفوني لبعض؟ بتجاملوا بعض على حسابي؟ أنا لا هتجوزك ولا هتجوزه. أنا هبلغ عنه وأوديه في ستين داهية."
تحرك حسن، يلتقط قميص جبران من على الأرض، يدفعه إليه. يدفع جبران نفسه إلى باب الشقة، يصيح فيه محتداً:
"اطلع شقتك، وأنا هتصرف. يلا."
تفاجأ جبران من رد فعل حسن. كاد أن يرفض، لكن حسن دفعه بعنف غريب لخارج المنزل، يغلق الباب في وجهه.
تحرك حسن عائدًا إلى مكان مكوث صفا. أحضر مقعدًا، يجلس بالقرب منها. لتصرخ فيه:
"إنت كده بتحميه صح؟ إنتوا إزاي حيوانات كده؟ لا عندكوا قلب ولا ضمير."
رفع حسن كفيه، يحاول تهدئتها، يغمغم سريعًا بترفق قليلًا:
"أهدي بس وهنتفاهم وهتتحل. دلوقتي مش هتستفيدي أي حاجة لما تبلغي عن جبران غير الفضيحة. لأن معلش يعني، في ألف طريقة وطريقة نطلعه بيها من القضية دي."
شخصت عينيها ذعرًا، لتسكب الدموع بغزارة، تصرخ بحرقة:
"حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا. لو أنا أختك، ترضي يحصلي كده؟ كنت برضه هتقول كده؟ ربنا يدوقكوا من نفس العذاب. أنا هفضحه، هقول للناس كلها على اللي هو عمله فيا."
تنهد بعمق. مسكينة تلك الفتاة، يشفق عليها حقًا. ولكن جبران صديقه أولًا وآخرًا. عليه أن يتصرف وينهي تلك الكارثة. قاطعها، احتلت نبرته، يحادثها:
"ممكن تهدي؟ ما أنا ممكن أقولك أنا لا عندي أم ولا أخت، وأسيبك تخبطي دماغك في الحيطة، وشوفي مين هيصدقك لو قولتي إن جبران كان بايت عندي. أنا عايز أساعدك. إن كان على اللي حصل، أنا هتجوزك وهعملك فرح. هيبقى زيك زي أي عروسة في الحارة هنا. ما حدش هيعرف حاجة. هنتجوز فترة اللي إنتي عايزاها، وبعدين هطلقك، وهطلع نفسي أنا اللي غلطان. الظالم اللي بهدلك. ها، قولتي إيه؟ صدقيني دا أسلم حل عشان تكملي حياتك اللي جاية. قولتي إيه؟"
اضطربت حدقتاها بعنف. تكور قبضتها بغل، تشد عليها. خطتها كلها ذهبت هباءً منثورًا. جبران الأحمق سقط نائمًا دون أن يمسها حتى، منذ ساعات وهي تجهز لمشهدها كفتاة ضعيفة تم اغتصابها حتى يتزوج بها كما توقعت. ليأتي ذلك الحسن يدمر خطتها في لحظات. عليها أن تخبر المايسترو أن الخطة حدث بها تغير كبير. اصطنعت القلق ببراعة، تغمغم بحرقة:
"مش عارفة... مش عارفة."
وضعت يديها على وجهها، تبكي بحرقة. ليتحرك حسن من مكانه، يغمغم بهدوء:
"أنا هسيبك تفكري، والأفضل تختاري الحل اللي في مصلحتك. عن إذنك."
تحرك للخارج. فتح الباب، لتشخص عينيه حين رأى وتر تصعد السلم هي الأخرى. نظرت له مدهوشة. قطبت جبينها، تغمغم مستنكرة:
"حسن!! إنت بتعمل إيه هنا؟"
وقف للحظات، يحاول أن يبحث عن مبرر ما ليقوله، فلم يجد شيئًا. عقله مرهق للغاية. فجذب الباب، أغلقه بعنف. تجاوز وتر وكأنها غير موجودة، يسرع للأسفل. لتنظر الأخيرة في أثره، تقطب جبينه قلقة. نظرت إلى باب شقة صفا المغلقة، تتساءل. تُرى ماذا كان يفعل حسن هنا صباحًا عند تلك الفتاة في شقتها!!!
تحركت لأعلى سريعًا، فتحت باب المنزل بالمفتاح، لتسمع صوت المرش. جبران في المرحاض. إذا... جلست على أحد المقاعد، تحاول تفسير ما حدث. حين خرج جبران من المرحاض، يجفف شعره بمنشفة صغيرة. اقتربت منه، تغمغم سريعًا ما أن رأته:
"جبران، أنا شفت حسن صاحبك نازل من شقة البت اللي تحت دي... تفتكر كان بيعمل إيه عندها؟"
ابتلع لعابه مرتبكًا، لا يجد ما يقوله. تجاوزها متجهًا إلى غرفة النوم، يحاول أن يبدو هادئًا:
"لما أنزل هبقى أسأله. وبعدين حسن مالوش في الشمال. ما تقلقيش على صاحبتك."
تحركت خلفه، وقفت أمامه، تبتسم برقة. طوقت عنقه بذراعيها، تردف:
"مش صاحبتي بردوا. ولازم أقلق عليها. المهم، في حاجة مهمة عايزة أقولك عليها. فاكر التحدي اللي كان بينا قبل ما نتجوز؟"
قطب جبينه، يحرك رأسه بالإيجاب. لتتورد وجنتيها خجلًا. تلعثمت تردف على استحياء:
"فاكر لما قولتلي لو إنت فزت في التحدي وأنا حبيتك، إنك هتبعد عن كل القرف ده ونبدأ صفحة جديدة أنا وإنت في مكان بعيد؟"
حرك رأسه بالإيجاب من جديد، لتقترب منه، تنظر، تبتسم. تنظر لقسمات وجهه. فتحت فمها لتخبره أنها حقًا أحبته، حين لمحت عينيها خدوش أظافر عند أسفل فكه ورقبته. لم ترها من بعيد. رفع عينيها إليه، تسأله مستنكرة:
"إيه الخدوش اللي على رقبتك دي يا جبران؟"
توترت حدقتاه. ارتسمت ابتسامة مرتبكة على ثغره، يغمغم ضاحكًا:
"دي قطة واحد صاحبي بهدلتني امبارح... المهم، كملي. بعد أنا وإنتي في مكان بعيد."
ضيقت حدقتاها، تنظر له. نظراتها تملؤها الشك. لتتنهد، تنفض أي أفكار عن رأسها. تردف:
"ماشي يا جبران، هصدقك. لو إنت فعلًا كسبت التحدي ده، هتنفذ اللي قولتلي عليه."
حرك رأسه بالإيجاب في هدوء. لترتسم ابتسامة جميلة على ثغرها. تغمغم برقة:
"أنا بحبك يا جبران!!"
***
حل الصباح وهي لم تنم منذ الأمس. ربما لأن جسدها استقبل كمية كبيرة من المخدر في يوم واحد. شردت عينيها في الفراغ، خائفة. ذلك المجنون لا يفهم أي لعبة مريضة يمارسها الآن. منذ الأمس لم تره. فقط بعث لها مع أحد حراسه عربة كالتي تظهر في الأفلام، يتراص عليها أشهى أنواع الطعام. لم تجرؤ على الاقتراب منه خوفًا من أن يكون وضع به شيئًا ليخدرها من جديد. أغمضت عينيها لعدة دقائق، لتستيقظ مفزوعة خوفًا من أن يكون هنا. حين يحاول جسدها أن ينام، تذكره أنها هنا في وكر الشيطان. فينتبه خوفًا من أن يحدث له شيء. فذاكرة الجسد لا تنسى بسهولة.
اجفلت مذعورة حين فُتح باب الغرفة وطل منه. عادت للخلف تلقائيًا، تلتصق بالحائط خلفها، تنظر له مذعورة. أما هو فابتسم. نظر لعربة الطعام، ليعاود النظر إليها، يردف معاتبًا:
"معقولة يا حياة؟ ما أكلتيش حاجة خالص من إمبارح؟ ينفع كده يعني؟ ولما تتبعي من قلة الأكل."
مجنون يمارس إحدى ألعابه النفسية. تثق في ذلك. سيؤذيها، سيفعل. تقدم خطوتين للأمام، يردف مبتسمًا:
"على فكرة كده مراد هيزعل منك. مش كنتي بتقوليله بردوا يا بيه مراد وأنتي صغيرة؟ كيوت أوي إنتي يا حياة."
شهقت بعنف، تنظر له مذعورة. كيف مراد مات؟ أخبرها زياد أنه مات. تلعثمت، تردف مذعورة:
"مات... مراد ميت... زياد قالي."
ضحك وليد عاليًا، ليقترب من جديد، حتى صار على بعد خطوتين منها. حاولت الهرب، ليمد ذراعيه يحتجزها بينهما، هو والحائط خلفها. ضحك، يردف ساخرًا:
"زياد ده ما يعرفش حاجة خالص... دا كان هيموت ويقتل أخوه عشان ياخد ترقية. إنتي متخيلة هو قد إيه مريض!!"
رواية جبران العشق الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم دينا جمال
زياد دا ما يعرفش حاجة خالص ... دا كان هيموت ويقتل أخوه عشان ياخد ترقية أنتي متخيلة هو قد ايه مريض !!
ظلت للحظات طويلة تنظر له وكأن علي رأسها الطير عقلها لا يفهم ولو حرف واحد مما قال من شدة خوفه ربما أو لأن كلماته غريبة لا تُعقل ربما تلعثمت تهمس مذعورة:
- أنا مش فاهمة حاجة زياد ليه هيقتل مراد ومراد عايش إزاي.
ابتسم ثغره ليرفع يديه عن الحائط ابتعد عنها ذهب إلي الأريكة يجلس هناك انحني بجذعه إلي الطاولة أمامه يسكب كوب عصير برتقال مد يده لها به ... نفت برأسها لا تعرف أي سم وضعه به ... ليبتسم من جديد قام من مكانه متجها إليها لتشهق وكأن روحها تُزهق مد يده بالكوب يردف مبتسما:
- خدي اشربي دا وتعالي اقعدي وأنا هفهمك اللي عايزة تفهميه.
امسك كف يدها ليجعلها تُمسك بالكوب تركها وتوجه الي الأريكة من جديد سكب كوبا آخر من عصير البرتقال لنفسه اتكأ بجسده إلي الأريكة يضع ساقا فوق أخري يرتشف نصف الكوب تقريبا جرعة واحدة ليغمغم ساخرا:
- ما فيهوش سم يا حياة ما تخافيش.
اشار إلي مقعد قريب منها يردف مبتسما في هدوء:
- اقعدي عندك لو مش عايزة تقربي.
اضطربت حدقتيها تنظر له بحذر إلي ما يخطط تحديدا كيف يمكن أن يكن الشخص ونقيضه في آن واحد إلي ما يسعي بتصرفاته تلك ماذا يريد منها توجهت الي المقعد جلست هناك بعيدة عنه ولكنها لا تزال في قبضته داخل بيته غرفته تجلس أمامه ولو يفصل بينهم امتارا مجرد الفكرة جعلت الدموع تترقرق بعنف داخل مقلتيها لتسمعه يردف بهدوء وكأن شيئا لم يكن:
- مش عايزة تعرفي إجابات اسألتك زياد ليه هيقتل مراد وهو مراد عايش ولا ميت.
توجهت مقلتيها تنظر إليه خائفة من أن تجيب بالإيجاب أو الرفض فظلت صامتة واعتبر هو صمتها موافقة ليردف مكملا:
- بصي يا ستي أنا ومراد ابن خالتك كنا أعز أصدقاء من حوالي عشر سنين وأكتر ... من غير تفاصيل كتير مالهاش لازمة مراد كان العقل المدبر لكل عملية تهريب عملناها شخص ذكي دماغه دي الماظات زي ما بيقولوا ... وطبعا زياد اتبري منه من ساعتها وحلف أن نهايته هتكون علي ايده وجو الأفلام العربي القديمة دا ... المهم يا ستي في آخر كام سنة مراد افتكر أنه ممكن ياخد مكاني ويبقي هو ال boss ودا ما ينفعش خالص هو صاحب عمري آه إنما الخيانة في قانونا تساوي الموت .. أنا حقيقي زعلت لما قتلته ... بس بما أننا كنا أصحاب فترة طويلة فهو كان حكالي عنك قبل كدة كتير ... ما انكرش اني أول ما خطفتك كان هدفي في الأول وفي الآخر اني أكسر زياد بس مراد كان اخويا مش صاحبي وكان دايما بيقولي أنه بيعتبرك أخته الصغيرة ... فعشان كدة خطفتك تاني من ناحية احرق قلب زياد ومن ناحية تانية في حاجات كتير ناوي أعملها كنوع من أنواع الاعتذار عن اللي حصل مني قبل كدة.
مجنون نقطة في نهاية السطر علي الرغم من أنها تعرف وتثق في ذلك ولكن ما قاله الآن يفوق حد استيعابها مراد كان يعمل معهم وقُتل وزياد كان يريد أن يقتل أخاه وكل ما حدث لها انتقاما من زياد الذي لم تره في حياتها سوي مرة او اثنين ... شعورها بالألم الآن لا يوازي شظية واحدة من شعورها بالغضب لهيب الانتقام يشتغل بين أوردتها لم يعد لديها ما تخسره ستقتل ذلك المختل عاجلا وليس آجلا.
رفعت كوب العصير إلي فمها ترتشف منه القليل لترفع وجهها إليه بالكاد ارتفعت دفتي شفتيها ترسم شبح ابتسامة مرتعشة علي ثغرها لن تكون الدمية التي يحركونها بعد الآن.
***
تحبه !! بتلك السرعة وقعت في حبه .. لا وتر اذكي من أن تبادر هي وتعترف بحبها ظل صامتا ينظر لعينيها الناعسة ابتسامتها الرقيقة العذبة يديها التي تلتف حول عنقه برفق تداعب خصلات شعره ... رأي كيف توترت حدقتيها حين لم يعلق علي اعترافها المفاجئ بحبها له لتردف من جديد بنبرة اشد نعومة:
- مش كان بينا اتفاق مش كدة لو حبيتك واعترفت بدا تبعد عن كل القرف دا وتبدأ صفحة جديدة معايا أنت وعدتني بكدا ولا ناسي.
الآن فقط فهم وتر تحاول بالحيلة أن تبعده عن ما هو فيه وتر لم تحبه بعد ... ظلت ملامحه هادئة جامدة لترتجف حدقتيها قلقا من صمته كادت أن تسأله لما هو صامت لتلك الدرجة حين ارتفع رنين هاتفها زفرت حانقة تبتعد عنه تلتقط هاتفها لتجد رقم صديقتها فتحت الخط تضع الهاتف علي اذنها:
- ايوة يا سو في اي.
سمعت صوت صديقتها تغمغم سريعا:
- وتر دكتور فؤاد هيدي النهاردة درجات أعمال السنة وباعت علي جروب الدفعة اللي مش هيحضر المحاضرة دي هيشيل المادة بليز يا وتر حاولي تيجي بسرعة.
أغمضت عينيها تشد علي كفها ليس الآن لما في ذلك الوقت تحديدا تنفست بعمق تردف سريعا:
- حاضر يا سو أنا جاية.
اغلقت معها الخط تنظر لجبران بضع لحظات في صمت عله يقول شيئا ولكنه لم يفعل لتزفر غاضبة تردف ببعض الحدة:
- أنا عندي محاضرة مهمة في الجامعة ولازم اروحها.
توقعت أن يرفض لسبب مجهول توقعت الا يوافق ... الا أنه فقط ابتسم اومأ برأسه يغمغم ببساطة:
- غيري هدومك بسرعة طالما المحاضرة مهمة هستناكي برة.
خرج من الغرفة يجذب الباب يغلقه خلفه لتشد علي أسنانها غاضبة تغرز أظافرها في كف يدها ليتها لم تخبره بما قالت لم تتوقع أن يكن رد فعله هو الصمت !! ابدلت ثيابها سريعا تحركت للخارج لتجده يقف هناك لمعت عينيه بنظرة إعجاب ما أن رآها وتر تعرف جيدا متي تكن وتر ابنه رجل الأعمال سفيان الدالي كل ما فيها ينضح رقيا الثياب النظارة الحقيبة الحذاء حتي وهي تقف تبدو كعارضة ازياء ماهرة لا منافس لها اقترب منها مبتسما امسك بكف يدها يغمغم مبتسما:
- تعالي هوصلك وامشي من قدام الجامعة لو مش عيزاني ادخل.
وكم أرادت أن ترفض ولكنها ببساطة وافقت اومأت له بالإيجاب لتتحرك بصحبته إلي سيارة أجرة جلست جواره تخبر السائق بعنوان الجامعة ... تجلس هي وهو والصمت منذ متي والصمت طرف ثالث في علاقتها المشاغبة مع جبران ما الذي حدث هل اعترافها جاء في وقت خاطئ ربما !! وربما هو لم يحبها من الأساس تنهدت تشرد في تفكير عميق إلي أن وصلوا إلي الجامعة التفتت برأسها إليه تحركت مقلتيها علي وجهه للحظات قبل أن تهمس تطلب منه بخفوت مُحبَط:
- تعالا معايا واستناني في الكافتريا ... بابا شريك في الجامعة وبنسبة كبيرة كمان يعني ما يقدروش يرفضوا دخولك.
اومأ موافقا دون أن يعقب لتعطيه شبح ابتسامة رقيقة مدت يدها تفتح باب السيارة ليفتح الباب المجاور له أعطي للسائق نقوده لتتوجه إليه تشبك كف يدها في يده يتوجهان إلي البوابة ليُفسح لهم الأمن الطريق دون أن تنطق بكلمة حرفيا لم يجرؤ اي منهم علي اعتراض طريقها اختطف لها نظرة سريعة بجانب عينيه يبتسم في نفسه ساخرا وتر لا تشبهه لا تشبه حياته التي تحاول أن تضع نفسها فيها ... تحرك بصحبتها إلي أحد المقاهي الفاخرة في الجامعة تركت يده لتنظر لساعة يدها تغمغم سريعا:
- جبران أنا لازم امشي عشان ألحق المحاضرة مش هتأخر عليك بايو.
هرولت تُسرع الخطي إلي أحد المباني الضخمة وهو فقط يراقبها إلي أن اختفت من أمام عينيه تماما قام من مكانه يسأل أحد العمال عن مكان المرحاض نظر له العامل بريبة ليشير إلي أحد المباني القريبة تحرك جبران إلي هناك فتح باب المرحاض ليدخل إلي ممر طويل به احواض بيضاء فاخرة تتراص جوار بعضها صنبور المياة هنا يفوق الخيال جمالا والكثير من المرايا المرحاض فاخر مميز ولكن لم يكن ذلك ما جذب انتباهه حقا .... ولكن جمع الشباب الذي يتراوح أعمارهم ما بين التاسعة عشر والثالثة والعشرون علي اكثر تقدير هو من جذب انتباهه لمجموعة تجلس أرضا علي أرض المرحاض الباردة أحدهم يمسك ملف أوراق أحدي المحاضرات ينثر فوق سطحه خط طويل مستطيل من مادة بيضاء مخدرة اخرج من جيب سرواله ورقة نقديه بفئة المئاتين جنية يلفها في يده يستخدمها كمعبر لنقل المادة السامة إلي داخل عقله لن ينسي مشهد الفتي وهو يضطجع بظهره إلي الحائط خلفه يبتسم في انتشاء عينيه ضائعة تائهة ، أما الشاب الجالس جواره فيزيح أحد أكمام قميصه للخلف ينظر لصديقه الجالس جواره من الاتجاه الآخر يهمس له محتدا:
- اخلص يلا اديني الزفتة دي عشان اديهالك أنا كمان.
حين ازاح الشاب قميصه رأي جبران عروقه الزرقاء الداكنة التي اقتربت من أن تصبح سوداء بفعل ذلك السم لم يتحرك جسده شُل بالكامل يراقب بجذع ذلك السن المدبب وهو يخترق ذراع المادة السم الأبيض يندفع إلي أوردته مشهد قاسي مؤلم خاصة مع ابتسامة الفتي الواسعة التي علت شفتيه ما أن تحرك السم في دمه والثالثة يضع علي ساقيه طبق من الزجاج به تبغ السجائر ومعه قطعة سوداء يعرفها ، يعرفها جيدا مادة الحشيش الذي يتاجر فيها بكل اعتزاز وفخر ، الشاب يعمل باحترافية علي جمع تلك المواد معا في لفافة تبغ واحدة أخرج قداحته يشغل التبغ في يده ليخرج من بين شفتيه دخان رمادي قاتم ... ها هو السم الذي يببعه بين يدي أحد الشباب الفتي علي أكثر تقدير لا يصل لسن الواحد والعشرون لم يستطع أن يضل واقفا هنا تحرك ليغادر ليصل إليه صوت أحد هؤلاء الشباب يتفاخر ضاحكا:
- انتوا عارفين امبارح الصنف كان سوبر أوي حقيقي سجارتين وبدأت أطير وفجاءة جوعت.
نزلت من اوضتي اخلي حد من الخدامين يحضرلي آكل شوفت بنت الشغالة اللي بتشتغل عندنا شديتها جري علي الأوضة من غير ما حد يشوفنا وكلت يا سيدي.
تعالت ضحكات الشباب الماجنة من حوله ليكمل ذلك الشاب يتفاخر من جديد:
- أمها فضلت تصرخ وتطلم وتعيط وتعمل حركات الأفلام دي ...راحت ماما طرداهم ورميالهم فلوس وهددتهم أنها مش عايزة تشوف وشهم تاني.
وقف مكانه جسده يرتعش بعنف يشد علي قبضته تتسارع أنفاسه في الخروج من رئتيه يتذكر ما قاله لوتر:
«لو ما خدتش مني هياخد من غيري انتي فاكرة لو أنا ما ادتلوش هيكتشف أنه شخص ضايع ويروح يتعالج ويغير حياته للأحسن ويغير العالم فوقي يا حبيبتي دا لو ما خدش السم دا هيروح يقتل ولا يعمل اي جناية بالعكس دا أنا كدة منعته من أنه يعمل مصيبة ».
نعم منعه وغيره من ارتكاب مصائب وساعدهم في ارتكاب كوارث جرائم لا تُغتفر خرج يهرول الخطي خارج ذلك المستنقع الذي شارك هو ومن معه في صنعه بأيديهم ، خرج من المرحاض يعود إلي حيث كان عينيه شاردة تتخبط بين شعوره بالندم وما يجب عليه أن يفعل ...اجفل علي حركة جواره أحدهم يجذب المقعد المجاور له نظر للفاعل ليجد طارق !! الأحمق هنا لولا أنه فقط لا يريد افتعال فضيحة لكان هشم عظام وجهه الذي يضحك غير مباليا بشئ شد علي كف يده نظر له باحتقار يهمس حانقا:
- أنت عايز ايه دلوقتي ،قوم من قدامي احسنلك بدل ما اخليهم يدورولك علي قطع غيار للي باقي منك.
ضحك طارق بخفة يضجع بجسده إلي ظهر إلي ظهر المقعد خلفه يضع ساقا فوق أخري يغمغم ساخرا:
- ما تبقاش قفوش كدة يا جبران يعني أنت سرقت خطيبتي واتجوزتها وأنا ما عمتلكش حاجة مع اني اقدر ما اخرجكش من هنا علي رجليك بس أنا مش هعمل كدة عارف ليه عشان أنت صعبان عليا.
احتدت عيني ينظر له حانقا يستدعي كل ذؤة ثبات به قبل أن ينقض علي عنق ذلك الاحمق يبرحه ضربا في حين عاد طارق يردف ساخرا:
- آه والله صعبان عليا بس حقيقي وتر دي طلعت شيطانة وكسبت في التحدي اللي بينا ... مش هقعد ارغي وأنت في الأغلب مش هتصدقني فخد دي أحسن.
أخرج من جيب سرواله شريحة صغيرة وضعها علي الطاولة أمامه ليردف ساخرا:
- صدقني هتنبسط أوي لما تشوف اللي هنا ... سلام يا جبران هنتقابل تاني قريب.
قام من مكانه ليغادر نظر لجبران يبتسم باستفزاز يلوح له وهو يرحل انتظر الأخير إلي أن اختفي من أمام عينيه ليرفع تلك الشريحة أمام عينيه ينظر لها عن كثب تري أي خدعة وضعها طارق في تلك القطعة الصغيرة ليدمر علاقته بوتر.
أخرج هاتفه من جيب سرواله وضع به الشريحة ولم يجد الوقت ليري شيئا حين شعر بيدها تحط برفق علي كتفه وصوتها الرقيق تعتذر منه:
- معلش اتأخرت عليك الدكتور خلص أخيرا.
نظر لساعة يده المحاضرة لم تتجاوز النصف ساعة اي محاضرة تلك !! ابتسم لها قام من مكانه ليرحلا لتهمس تخبره:
- هو ينفع نروح نشوف ماما بقالي كتير ما روحتلهاش.
ومن جديد ابتسم يومأ برأسه لتزفر أنفاسها حانقة لما يتقمص دور الأخرس الآن !.
***
علي صعيد آخر في الحارة تحديدا في شقة أمل حيث تجلس والدتها جوارها تلح عليها أن تعرف سبب انفصالها المفاجئ هي وحسن وسر اختفائهما وأين كانا وأمل صامتة لا ترد فقط تنظر بعيدا عينيها شاردة اجفلت حين صرخت بها والدتها:
- انتي هتفضلي ساكتة كدة كتير لا راضية تقوليلي اتطلقتوا ليه ولا كنتوا فين.
وهنا فاض بها الكيل لما لا تقدر والدتها أنها حقا في حالة نفسية لا تسمح لها بالحديث لما ذلك الإلحاح المؤذي هب واقفة تصرخ بجزع:
- كفاية أسئلة يا ماما ارحميني ... عايزة تعرفي كنت فين أبو حسن خطفنا عشان يرجع حسن تحت رحمته تاني ولما رفض الحراس بتوعه كانوا هيعتدوا عليا لولا حسن ... بعد اللي حصل حسن قرر يبعد عن حياتي عشان ما اتأذيش تاني ولأني ما اقدرتش أحبه كدة مبسوطة سيبني في حالي بقي.
تركها تُسرع الخطي لداخل غرفة نومها تلقي بجسدها إلي الفراش تبكي بحرقة ، تجمعت الدموع في عيني سيدة لتلحق ابنتها سريعا تقدمت تجلس علي الفراش جوارها مدت يدها تمسح علي خصلات شعر ابنتها برفق اختنقت نبرتها بغصة باكية تهمس لها بحرقة:
- مبسوطة في أم هتبقي مبسوطة لما تعرف أن بنتها حصلها اللي حصلك لما بنتها العروسة تتطلق في أول جوازها ... أنا قولتلك من الاول بلاش منها الجوازة دي وانتي اللي حكمتي رأيك الله أعلم هو كان مهددك بإيه قولتلك هقف جنبك بس أنتي ارفضي وانتي بردوا عاندتي ووافقتي ... قومي يا أمل.
مدت سيدة يديها تمسك بذراعي أمل برفق تجذبها لتجلس مدت كف يدها المرتجف إلي وجه ابنتها تزيل عنه الدموع تردف تحادثها:
- أنا لما خلفتك اصريت إني اسميكي أمل عشان تكوني الأمل اللي ينور حياتي بعد اللي عمله ابوكي وهرب وسابنا كنت كل ما بحس إن الدنيا بتتهد من حواليا ببص ليكي ... أنتي مش خلصتي امتحانات المعادلة آخر مادة امتحنتيها من كام يوم انزلي افتحي العربية علي ما النتيجة تطلع وأنا واثقة أن ربنا هيجبر بخاطرنا وتدخلي الكلية قومي يا بنتي ما تستسلميش للحزن أبدا.
الكلام سهل بسيط للغاية ولكن الفعل أصعب بكثير ستراه بين لحظة وآخرة أن نزلت للشارع من جديد وستجن من التفكير والحزن أن بقيت هكذا في قوقعة سجنها السوداء يبدو أن والدتها محقة عليها أن تأخذ الخطوة الأولي لالهاء عقلها إلي أن يتم الإعلان عن نتيجتها ارتسمت شبح ابتسامة مترددة علي ثغرها تومأ لها بالإيجاب لتتوسع ابتسامة سيدة تحتضن ابنتها تدعو في قلبها بحرقة:
- يارب اجبر بخاطرها يارب اجعل حظها أحسن من حظي.
ابعدتها عنها بخفة تحتضن وجهها بين كفيها تشجعها مبتسمة:
- يلا يا حبيبتي عايز أمل بنتي حبيبتي اللي نا كنش يقدر اجدعها تخين يقولها تلت التلاتة كام قومي يلا !!.
في الأسفل توجه حسن إلي الورشة بدلا عن جبران نزع قميصه يلقيه بعيدا يمسك تلك الأداة التي يطلق عليها ( الفارة ) يعمل علي مسح وتسوية وتشذيب وإزالة زوائد الخشب من لوح الخشب الكبير الجاثم أمامه حتي يبدأ جبران في نحت الشكل الخارجي لدولاب ثيابيده تتحرك بعنف أنفاسه تلهث تتسارع العرق يغطي جبينه الدماء تركض داخل أوردته بعنف قلبه يلكم صدره غاضبا رفع وجهه ليمسح جبينه براحة يده تصمنت يديه وعينيه وهدأ القلب الغاضب حين رآها تتحرك قادمة صوبه راقبتها عينيه وهي تقترب أكثر ليعاود قلبه لكم صدره شوقا تحركت تتجاوز الورشة تتوجه إلي عربة الطعام الخاصة بها الذي يباشرها علي مقعده المتحرك صابر زوج والدتها توجهت إليه تقبل كف يده وجبينه ربتت علي كتفه برفق تتمتم بما يشبه ابتسامة:
- ارتاح يا بابا أنا هقف علي العربية من هنا وجاي ... خلي بالك منه يا ماما.
ابتسمت سيدة لابنتها تومأ لها لتدفع المقعد المتحرك بزوجها تتوجه به إلي أعلي تحركت هي تقف خلف زجاج العربة تمسك بالسكين لتباشر العمل دون مقدمات أما هو فوقف يراقبها ازدرد لعابه مرتبكا يحاول الا ينظر ناحيتها ولكن عينيه الخائنة لم تطع عقله العاصي وخانته تتحالف مع قلبه المشتاق لها ... تنهد حانقا يلج لداخل الورشة حتي لا يراها ارتمي علي أريكة قديمة داخل باحة الورشة الداخلية يخفي وجهه بين كفيه يتنفس بعنف يبتسم رغما عنه سعيد لرؤيتها لأنها لم تجعل الحزن ينهش قلبها التقط أنفاسه وقف يشجع نفسه سيخرج ويكمل عمله فقط ...تحرك للخارج يباشر عمله من جديد لم يمنع عينيه من اختلاس النظرات إليها بين لحظة واخري يري ابتسامتها يشعر بالغيرة لأنها لغيره يزفر أنفاسه حانقا لكثرة عدد الزبائن أمام العربة ولكن ما يمطئنه حقا أن لا رجل في تلك المنطقة يجرؤ علي مغازلتها ببساطة أمل غرزت سكينها في كف يد رجل حاول التحرش بها مرة فلم يجرؤ أحد علي أن يعيدها من جديد نفض رأسه بعنف حين اطال النظر إليها دون أن يدري أنه حتي يفعل يسب ثباته الواهي في تلك اللحظات خرجت صفا من عمارتهم السكنية ترتدي جلباب أسود اللون وحجاب يماثله سودا توجهت صوب حسن مباشرة وقفت بالقرب منه اضطربت حدقتيها ارتعش كفها تهمس له بنبرة خافتة كسيرة:
- أنا موافقة ... موافقة اتجوزك.
ارتسمت ابتسامة حزينة متألمة علي ثغره رفع رأسه ينظر لأمل يخترز قسمات وجهها يطيل النظر إلي عينيها وكأنه يودعها !.
***
تلك المرة سمح لها الطبيب بالدخول لغرفة والدتها فدخلت سريعا وقفت جوار فراشهت امسكت بكف يدها تحضتنه بين كفيها تقبله انسابت دموعها تهمس لها بصوت خفيض حزين:
- أنا آسفة يا ماما ... آسفة علي كل كلمة وحشة قولتها ليكي ما كنتش اعرف والله أنك مريضة يارتني كنت أعرف سامحيني يا ماما وقومي أنتي وحشتيني أو.
يدخلت أحدي الممرضات توجهت إليها تحادثها:
- معلش يا آنسة بس لازم تخرجي الدكتور قال خمس دقايق بس.
وضعت كف والدتها برفق جوارها علي الفراش تمسح علي رأسها مالت تقبل جبينها تهمس لها:
- هجيلك تاني يا ماما.
تحركت لتخرج من الغرفة حيث ينتظرها جبران علي مقاعد الإستراحة أمام الغرفة ما أن خطت قدميها خارج الغرفة شعرت فجاءة وكأن رأسها يلتف جسدها يصبح أكثر برودة تشعر فجاءة بالغثيان !!ما أن خطت قدميها خارج الغرفة شعرت فجاءة وكأن رأسها يلتف جسدها يصبح أكثر برودة تشعر فجاءة بالغثيان وضعت يدها علي ثغرها ليهرع هو إليها أمسك بسلة صغيرة فارغة للقمامة كانت جواره يضعها بالقرب منها لتفرغ كل ما في جوفها فيها بعنف جعلت أحدي الممرضات القريبة تتوجه إليهم تردف سريعا:
- سلامتها المدام تعالوا في حمام قريب أهو.
ترك جبران السلة جانبا أمسك بكف يدها ينظر لها قلقا يديها باردة وكأنه يمسك قطعة ثليج في يده تنهد قلقا يلف ذراعه حول كتفيها يشد علي جسدها برفق تحرك معها إلي المرحاض. وقفا أمام الحوض ليفتح الصنبور يملئ كفه بالماء يمسح علي وجهها برفق يحادثها قلقا:
- مالك يا وتر ... انده دكتور طيب.
حركت رأسها بالإيجاب كانت متعبة ، متعبة للغاية شعور سئ يداهمها لا تعرف سببه ولكنها حقا بحاجة إلي طبيب الآن وحالا اهتزت حدقتي جبران قلقا يومأ لها بالإيجاب سريعا رفعها بين ذراعيه لترتمي برأسها علي صدره. خرج بها من المرحاض وجد الممرضة أمامه ليخبرها سريعا:
- أنا عايز أي دكتور بسرعة بالله عليكِ.
اومأت الممرضة سريعا بالإيجاب تشير له إلي أحدي الغرف الفارغة توجه إليها يضع وتر علي سطح الفراش برفق أمسك بكف يدها يسألها قلقا:
- مالك يا وتر فيكي ايه ما انتي كنتي كويسة.
ارتسمت ابتسامة شاحبة علي ثغرها تشيح بوجهها تجاه الباب حين سمعته يُفتح واطلت منه الممرضة ومعها وطبيبة توجهت الأخيرة إلي الفراش تفحص وتر بلا دقة تسألها أسئلة عادية عشوائية انتهت من فحصها السريع للغاية لتنظر لجبران تتمتم مبتسمة:
- مبروك المدام حامل!!!
توسعت عيني جبران ينظر لوتر مدهوشا ليراها تنظر ناحيته في ذهول هي الأخري .. في حين خطت الطبيبة بعض اسماء الادوية والعقاقير علي ورقة الكشف تعطيها لجبران تغمغم:
- دي أدوية وفيتامينات لحالتها نصيحة المستشفى هنا مش قد كدة دا كارت العيادة بتاعتي برة أفضل بكثير من هنا عن اذنكوا مبروك مرة تانية.
تركتهم ورحلت في هدوء خلفها الممرضة ليجلس هو علي حافة فراشها ينظر للفراغ مذهولا حامل !! لا الوقت غير مناسب تماما لهذا الطفل القادم حرب علي جميع المستويات ، وتر ستكره الطفل لأنه منه حين تعرف الحقيقة ماذا عليه أن يفعل الآن التفت برأسه إليها ينظر لها عدة لحظات في صمت قبل أن يجبر شفتيه علي رسم ابتسامة صغيرة يردف:
- مبروك يا وتر جه بدري شوية بس دا أمر ربن.
رفعت وجهها إليه تحرك رأسها نفيا لا هي من المستحيل أن تكن حامل والآن تحديدا كيف !! نفت برأسها من جديد تردف سريعا:
- الدكتورة دي كدابة أنا مش حامل يا جبران أنا واثقة أن أنا مش حامل.
ادهشه رفضها لما ترفض التصديق ربما هو أثر الصدمة عليها لم تكن تريد أن تصبح حاملا منه في حين نزعت هي إبرة المحلول المتصل بيدها قامت من فراشها توجهت تقف أمامه تردف محتدة:
- الدكتورة دي كدابة أنا واثقة أنها بتقول كدة عشان نروح لها عيادتها اللي برة إنما أنا مش حامل.
هنا وقف من مكانه أمسك بذراعيها يسألها بنزق:
- مالك يا وتر للدرجة دي مش عايزة تحملي مني مش أنتي اللي كنتي لسه بتقوليلي بحبك ايه اللي اتغير مسافة ما روحنا الجامعة.
وصلت إلي ما تريد والتقط طرف الخيط الذي ألقته إليه نزعت ذراعيها من كفي يده عادت للخلف عدة خطوات تردف محتدة:
- وكان ردك ايه لما اعترفتلك ولا حاجة ، سكوتك حسسني اني أكتر بني آدمة غبية في الكون عشان قررت اعترفلك بحبي.
اقترب خطوة واحدة يفتح ذراعيه بحركة درامية تعبر عن تعبه يردف محتدا:
- هنا بقي ال point ازاي بحبك يا جبران وقبلها بيوم واحد بس طلقني يا جبران وأنت مش راجل وأنا ذئب بشري وكل الكلام دا ازاي اقنعيني أنتي ازاااي نمتي صحيتي لقيتي نفسك بتحبيني ؟!
استمعت إلي ما قال جيدا ولكن عقلها توقف عند كلمة واحدة تلك الكلمة الإنجليزية التي نطقها جبران بطلاقة شديدة قاطعته قبل أن يكمل تسأله مدهوشة:
- point أنت جبت الكلمة دي منين يا جبران عرفتها إزاي اصلا.
توترت حدقتيه للحظات يكاد يصفع جبينه براحة يده حمحم يردف سريعا بسخرية:
- دا اللي أنتي سمعتيه من كلامي ، سمعتها من عيل من العيال بتوع جامعتكوا بيقولها لبت تقريبا متجوزها عرفي وبيخلع منها ..أنا لو عايز ابقي ابن ذوات زيكوا هبقي يا بنت الذوات بس انتوا عمركوا ما تعرفوا تبقوا زيي.
زفرت حانقة من ذلك النرجسي مُحب ذاته صاحب القدرة الخارقة علي قلب موازين جميع القضايا لصالحه إذا لتضرب وتر الأبوة داخله اشارت بيديها إلي بطنها ابتسمت تردف ساخرا:
- وافرض طلعت حامل فعلا ... هتستني لما يجي اليوم تشوف فيه ابنك زي الولد اللي جالك هيبوس ايدك عشان شمة مخدرات ساعتها بقي هتديله إنت الكيس بإيدك عشان ما يعملش مصيبة.
كلماتها حقا ضربت شئ ما داخله جعلت دقات قلبه تتقافز ذلك الشعور المخيف يعرفه خاضه قبلا قبل أن يقرر تغير موازين كل شئ في حياته ... ابتسمت وتر في أمل لتردف سريعا:
- أنت مش مصدق أن أنا بحبك ودا حقك ما تصدقش بس افرض بجد طلعت حامل هتصرف علي طفل صغير بفلوس حرام هستنتي لما يكبر ويبقي نسخة من اللي أنت بتبيع ليهم السم دا.
انتفض كمن لدغه عقرب ينفي برأسه بعنف لتتسع ابتسامتها اقتربت منها سريعا تمسك كف يده تبسطها علي بطنها تنظر لعينيه مباشرة تهمس بحذر:
- عشان خاطره هو يا جبران أبعد عن الطريق.
تحركت مقلتيه علي قسمات وجهها قبل أن ينزل بعينيه إلي يده المسطحة علي بطنها عاد ينظر لعينيها ابتلع لعابه يردف:
- الموضوع مش بسيط زي ما انتي فاكرة يا وتر مش مجرد ما اقول أنا عايز ابعد هبعد في ناس أكبر مني ممكن يصفونا كلنا علي قرار زي دا لو جه فجاءة اديني وقت وأنا أوعدك وحياتك أنتي اللي وفي بطنك سواء كان بنت ولا ولد إني هبعد عن الطريق دا نهائيا.
علا ثغرها ابتسامة كبيرة واسعة لتهرع إلي أحضانه تطوق عنقه بذراعيها لتحاوط يديه جسدها يدس رأسه عند رقبتها يطبع جسدها علي جسده ليسمعه تهمس سعيدة:
- شكرا بجد شكرا أوي.
ارتسمت ابتسامة حزينة صغيرة علي ثغره يومأ لها لحظات مرت قبل أن يخرجا معا من الغرفة تتشابك أيديهم كل منهم ينتظر الغد الافضل القابع داخل أحشائها الآن.
***
استقلا معا سيارة أجرة تلك المرة أيضا كان الصمت حليفهم وتر تفكر في القادم وجبران يفكر في تلك الشريحة السوداء في جيب سرواله تري ما بها حين وقفت السيارة عند مدخل الحي كان المصلون في الكسج خ انتهوا من آداء صلاة المغرب ... أوصلها جبران إلي مدخل عمارتهم يحدثها مبتسما:
- اطلعي انتي ارتاحي أنا هروح اشوف حسن والورشة وهحصلك.
ودعته بابتسامة ناعمة انتظر إلي أن صعدت ليتحرك صوب ورشته ما أن اقترب رأي حسن وهو يحاول اختلاس النظر لأمل .. نظر مندهشا ناحية عربة الطعام تلك الفتاة حقا من فولاذ هو حقا مندهش من قوة تحملها اتجه صوب حسن وضع يده علي كتفه فجاءة ليجفل الأخير التفت إلي جبران زفر أنفاسه يغمغم حانقا:
- ايه يا جبران خضتني مش كدة يا اخي.
ضحك بخفة لتعلو شفتيه ابتسامة خبيثة ماكرة لاعب حاجبيه يردف عابثا:
- ما أنت اللي مش مركز عينيك في طاسة الكبدة لو نفسك فيها قولي اجبلك شقتين.
زفر حسن أنفاسه ساخرا يشيح بعينيه عن جبران إلي لوح الخشب أمامه يكمل ما كان يفعل ليتوجه جبران بعينيه ناحية أمل وعربة الطعام قطب ما ببن حاجبيه مستنكرا المشهد ليعاود النظر لحسن يردف:
- ايه دا في اي هي رجالة الحتة كلها ملومة علي العربية ليه كدة هي بتبيع ببلاش النهاردة ولا ايه.
ترك حسن ورقة السنفرة من يده ابتسم ساخرا يردف:
- لاء وأنت الصادق الست أمها قالت في الحتة كلها إن بنتها ما استحملتش العيشة مع البلطجي واتطلقت فالكل جاي ينول الرضا أنا ماسك نفسي بالعافية من إني أروح اولع فيهم بالعربية بصبر نفسي أنها موقفة كل واحد عند حده وما حدش يقدر يمد بكلمة حتي.
همهم جبران متفهما الوضع برمته الآن نظر ناحية حسن من جديد حين أردف الأخير:
- البت اللي اسمها صبا وافقت علي جوازي منها كلها كام يوم والمصيبة دي هتتحل ما تقلقش.
ابتسم جبران في خبث ينظر للفراغ لمعت عينيه يحرك اصبعيه السبابة والابهام علي ذقنه يغمغم ساخرا:
- عندك حق هي كلها كام يوم فعلا عايزك ترتب فرح تحكي وتتحاكي بيه الحتة كلها بس ما تعرفش حد مين العريس ومين العروسة خليها مفاجأة ساعتها.
لم يهتم حسن كثيرا ولكن يبدو أن جبران لديه خطة كالعادة فقط وافق في صمت علي ما قال ليربت جبران علي كتفه من جديد يردف:
- وطالب منك خدمة كمان روح لأمل خليها تحبك من اول وجديد حسن علاقتك بيها اتعامل معاها بطبيعتك مش وش الجحش اللي بتلبسه لما بتشوفها.
توسعت عيني حسن في دهشة لا يفهم ما الذي يريده جبران تحديدا كيف يطلب منه تجهيز زفافه علي تلك الفتاة بعد عدة أيام ويطلب منه في الآن ذاته أن يُعيد علاقته بأمل كاد أن يرفض حين قاطعه جبران:
- حسن أنا ليا عندك جميل مش كدة ودا رد جميلي وعلي فكرة أنا هسأل أمل أن كنت عملت اللي قولتلك عليه ولا لاء ... تصبح علي خير يا أبو علي لما تخلص ابقي اقفل الورشة كويس عشان البضاعة اللي فيها.
لوح له ليتركه ويصعد تاركا إياه في حيرة من أمره جبران بات يتحدث بالالغاز حتي معه !! تثآب ناعسا يمط عظامه اليابسة من أثر ذلك المجهود العنيف منذ ساعات تحركت عينيه صوب أمل مباشرة ينظر لها دون أن يختلس النظر هو جائع معدته تزمجر لا تمؤ فقط والطعام أمامه وجبران أخبره أن عليه إصلاح علاقته بها إذا أيسر طريق لقلب حسن أمل !تحرك صوبها وهي لم تره كانت شاردة الذهن تفكر في ماذا في ذلك الذي يتقدم صوبها دون أن تره في تلك الفتاة التي جاءت تقف أمامه تحادثه في شئ ما لا تدري ما هو ... في الأيام الفائتة بينهم في الكثير يديه تمسك بالسكين الكبيرة تقطع بها الخبز العربة مزدحمة منذ ساعات والعدد لا يقل رجال الحي هنا ليجددوا عرض الزواج بعد إن أخبرت والدتها الجميع حرفيا أنها انفصلت هي وحسن اجفلت علي صوت أحد الرجال يغمغم:
- اللي واخد عقلك يا استاذة أمل يلا بالله عليكي الأكل.
زفرت حانقة حركت السكين بعنف علي رغيف الخبز لتغوص السكين في كف يدها صرخت من الألم في لحظة رأت دماء غزيرة تندفع من كفها في اللحظة التالية رأيته جوارها يمسك بقطعة قماش يسد بها سيل الدماء يصرخ في الواقفين غاضبا أن يبتعدوا.
اختفت الأصوات أجمع من حولها لم تعد تسمع سوي صوت أنفاسها السريعة حتي صوته وهو يصرخ لا تسمعه جل ما يحدث أنها تري المشهد كمتفرج صامت أصم يقبض علي يدها يصرخ في الناس أن يبتعدوا من أمامه يلف ذراعه حول كتفيها يدفعها برفق لتسير معه أراد للحظات أن يحملها ولكنه تراجع وأخيرا وصل معها إلي الصيدلية علي مقدمة شارعهم.
دخل إلي الصيدلية لتعود الأصوات من جديد حين سمعت يحادث الطبيب الواقف قلقا:
- ايديها اتعورت جامد من السكينة شوف مالها بسرعة بالله عليك لو محتاجة مستشفي اوديها حالا.
تحرك ذلك الطبيب الشاب صاحب القامة المديدة والابتسامة الجذابة بتلك الغمازات التي تحفر وجنتيه حفرا منذ أن أتي ليعمل في حيهم وفتيات الحي أصابتهم الكثير من الأمراض اقترب من أمل ينزع قطعة القماش عن يدها جلب قطعة قطن ومطهر ينظف الدماء عن الجرح ينظر له عن كثب لينظر لحسن يتمتم:
- للاسف محتاج خياطة ... أنا اقدر اخيطه ليها لو حابب.
تردد للحظات قبل أن يومأ له موافقا جذب الطبيب مقعد آخر يجلس أمام أمل يحضر حقيبة إسعافات بدأ بتعقيم الجرح جيدا ليحضر زجاجة مخدر يضع منها علي الجرح يحادثها بابتسامة واسعة ولهة:
- ما تقلقيش يا آنسة أمل دا مخدر مش هتحسي بحاجة خالص.
رفع حسن حاجبيه مستهجنا ينظر لذلك العاشق الذي علي وشك أن تخرج القلوب المضيئة من حدقتيه وضع يده علي كتفه يشد عليه بعنف ابتسم يغمغم من بين أسنانه:
- مدام ...مدام أمل ، المدام مراتي يا دكتور إيهاب.
نظر له الطبيب من جانب عينيه يبتسم ساخرا مستهجنا وكأنه يسخر منه لشئ ما لا يعرفه هو !!عمل ذلك المدعو إيهاب علي الجرح في يد أمل بخفة ومهارة إلي أن انتهي ليلف يدها بالقطن المعقم والشاش تركها وغاب لعدة لحظات قبل أو يعود ومعه حقيبة صغيرة بها عقاقير مسكنة يحادثها مبتسما:
- دي مسكنات وخافض للحرارة عشان لو حرارتك ارتفعت بسبب الجرح لازم تغيري علي الجرح كل يوم ويوم وتبعدي عن الماية لو ما قدرتيش تيجي ابعتيلي اي حد وأنا اجي اغيرلك عليه بنفسي.
احتدت عيني حسن غضبا يحاول أن يمسك زمام غضبه قدر استطاعته كلمة أخري وسينقش تحفة فنية رائعة علي وجه ذلك الفتي ... دس يده في جيب سرواله يغمغم:
- متشكرين لتعبك يا دكتور حسابك كام عشان المدام تعبانة وعايزين نروح.
من جديد عاد ينظر له الطبيب تلك النظرة الساخرة لما ينظر له ذلك الفتي بتلك الطريقة !! أخبره إيهاب بالمبلغ ليضع حسن النقود علي سطح المكتب أمامه يلقيهم له ينظر له محتدا ... خرج بصحبتها من الصيدلية لتنظر له مرتبكة همست تشكره متوترة:
- متشكرة يا حسن عن إذنك.
كاد أن يوقفها ويقول شيئا ولكنه تراجع وهي تحركت تضع يدها السليمة علي قلبها تشعر به يتقافز بعنف ما حدث قبل قليل وجوده قلقه يده التي احتوتها الي صدره يتحرك بها متلهفا وكأنه يفقد جزء من روحه كل ذلك ترك أثرا ليس بسيطا ... ارتسمت ابتسامة صغيرة علي شفتيها توجهت إلي عربة الطعام ساعدتها أحدي سيدات الحي لتغلقها.
أما هو فارتسم علي ثغره ابتسامة واسعة يتحرك بلا هدي بين ارجاء الحي يتذكر يدها التي شدت علي كفه تلقائيا حين شعرت بألم وذلك الطبيب الاحمق يعقم جرح يدها وكم اشتاق للمسة يدها الناعمة ... وقعت عينيه علي شابين يتحركان جواره نظر أحدهما اليه يبتسم ساخرا ليميل علي أذن زميله يهمس له بشئ ما فضحك الآخر وتحركان يبتعدا عنه وقف يقطب ما بين حاجبيه مستنكرا ما به ذلك الحي اليوم ما حدث منذ بداية اليوم جعل عقله في دوامة من الحيرة يحاول إيجاد حل لمشكلة جبران ولكنه كان يلاحظ بين حين وآخر نظرات بعض الشباب والرجال له ولم يهتم ليعرف سببها ولكن الآن هناك شئ خاطئ يحدث في هذا الحي ... تحرك يعود إلي الورشة سريعا يصيح باسم عمر أحد صبيان جبران:
- واااد يا عمر تعالا هنا.
جاء الفتي إليه مهرولا يغمغم متوترا:
- ايوة خير يا معلم حسن.
نظر حسن حوله ليعاود النظر صوب عمر يغمغم محتدا:
- هو في ايه النهاردة الناس دي بتبصلي كدة ليه ... هي الحارة اتجننت ولا ايه.
ارتبكت نظرات ذلك المدعو عمر لا يعرف حقا ماذا يجب ان يقول حمحم يغمغم متوترا:
- ما فيش حاجة يا معلم ما حصلش حاجة.
توسعت عيني الفتي ذعرا حين قبض حسن علي تلابيب ثيابه بعنف يجذبه نحوه يتوعده غاضبا:
- ولا انطق في اي والا والله هشيل رقبتك من مكانها.
حرك الفتي رأسه بالإيجاب سريعا ابتلع لعابه الجاف مرة بعد أخرى تلعثم يردف مذعورا:
- اااصل بصصراحة .. السست سيدة أم الست أمل حماتك ... قالت يعني ...انك يعني ططلقت بنتها وهي لسه عروسة عششان عشششان عشششان- ما تنطق يلا.
صرخ بها حسن غاضبا بعد أن نفذ صبره ليردف عمر سريعا:
- عشان أنت يا معلم مالكش في الجواز فطلقتها وهي عروسة من غير ما تلمسها.
شخصت عيني حسن في ذهول فك أصابعه عن ثياب الواقف أمامه ينظر أمامه مذهولا الآن فقط فهم سر نظرات الطبيب ونظرات الشبان في الحي ... اشتعلت مقلتيه غضبا وكأن الدماء تغلي تفور في كل خلية من جسده الغضب يرج جسده رجا يبدو أن ما سيفعله لن يكون هينا إطلاقا !!.
***
هناك علي صعيد آخر يُبعد كثيرا عن سابقه علي فراش فخم داخل غرفة نومهم ترقد شيرين بين أحضان مجدي !! تستند برأسها علي صدره في حين يمسح هو بيده علي خصلات شعرها وابتسامة كبيرة تغطي ثغره ارتجفت حواسه يشعر بالسعادة تتغلل كيانه حين سمعها تهمس له من جديد بنبرة إعتذار يشوبها الندم:
- أنا بحبك أوي يا مجدي أنا حقيقي ما اعرفتش أنا بحبك قد ايه غير بعد ما اتخطفت وشوفت خوفك ولهفتك عليا لما لقيتني ... سامحني يا مجدي سامحني علي كل السنين اللي ما عرفتش أحبك فيها زي ما حبتني أنا آسفة ... آسفة أوي.
وانخرطت بعدها في البكاء بحرقة تخبئ وجهها صدره تبكي ليطوقها بذراعيه يقبل جبينها مرة أخري يهمس لها مترفقا يحاول تهدئتها:
- شيرين اهدي بطلي عياط عشان خاطري ... خلاص يا شيرين أنا مسامحك والله .. أنا بحبك ، بحبك أوي من سنين كل اللي كان مجنني وحارق قلبي أنك مش شايفة حبي ليكي ... إنما أنا والله بحبك من قبل ما سراج نفسه يحبك.
أمسك بذراعيها بخفة يبعدها عنه جلس يُجلسها جواره احتضن وجهها بين كفيه يقبل جبينها يردف:
- شيرين إحنا ما بقناش صغيرين آه ... بس صدقيني أنا اقدر اعوضك عن كل اللي شوفتيه معايا هحققلك كل اللي تحلمي بيه كل اللي أنا عايزه منك هو حبك ليا بس مش طالب غير قلبك بس.
رفعت وجهها تنظر له تبتسم في وداعة رفعت يديها تمسح دموعها المتساقطة ابتسمت مرتعشة تومأ بالإيجاب ارتمت بجسدها بين أحضانه تلف ذراعيها حول جسده ابتسمت كأفعي تتلون تهمس برقة حزينة:
- قلبي وعقلي وروحي ملك ايديك أنا مش عارفة ازاي كنت غبية عشان أجري ورا سراب أحرم نفسي من كل الحب دا سامحني يا مجدي.
استندت برأسها الي كتفه تنظر للفراغ تبتسم في خبث مخيف تتذكر.
flash back
سراج بات مخيف مجنون هو الآخر كانت بين أحضانه تخبره كم تحبه وفجاءة دون سابق إنذار صرخت من الألم حين قبض علي خصلات شعرها بعنف يبعدها عنه نظرت له مذهولة وجهها يصرخ ألما في حين هزها هو بعنف يصيح فيها:
- بتحبيني وأنتي في حضن سفيان الدالي مش كدة ، أنا هدفعك تمن خيانتك ليا أنتي والكلب اللي اسمه سفيان ومجدي كلكوا هتدفعوا التمن غالي أوي.
وبعدها جرعة خالصة من الألم المكثف لم تكن تعرف أن سراج مريض نفسي يعاني من مرض السيطرة لم تعد تشعر بشئ من الألم غابت عن الوعي حين فاقت وجدت نفسها تقف أرضا يديها معقلة إلي سلاسل ضخمة تتدلي من منتصف سقف الحجرة تقبض علي يديها تجبرها علي الوقوف وراته يجلس هناك يضع ساقا فوق أخري يرتشف كأس من النبيذ بتلذذ بالكاد فتحت مقلتيها وخرج صوتها المبحوح من الصراخ تهمس بهذيان من الألم تنساب دموعها بحرقة:
-ليه يا سراج دا أنا بحبك أوي ... مجدي هو اللي كان بيجبرني إني اعمل كدة معاه وسفيان كانت غلطة كنت واخدة جرعة كبيرة من الزفت اللي مخدي خلاني ادمنه صدقني أنا قرفت من نفسي أوي لما فوقت وعرفت اللي حصل.
ترك كأس النبيذ من يده ليقترب منها وقف أمامها يقبض علي فكها بعنف يقرب وجهها منه يغمغم ساخرا:
- أنا عارف يا روحي بس دا قانون مبدأ عندي اللي غلط لازم يتحاسب وأنا ما اقدرش اغير قانوني عشان خاطر مين من كان يكون وبعدين ما تبقيش شكاءة بكاءة أنتي ما شوفتيش ربع اللي شافته روزا ومع ذلك روزا ما نزلتش دمعة من عينيها طول عمرها.
لم تستطع أن توقف سيل بكائها جل ما فعلته أنها اردفت تكمل:
- مجدي ... مجدي زمانه قالب الدنيا عليا كدة ممكن يعرف أنك عايش.
ضحك سراج عاليا يرتشف ما بقي من كأسه جرعة واحدة يغمغم ساخرا:
- ما تقلقيش ياروحي مجدي فاكر أنك اتخطفتي وهو دلوقتي بيدور عليكي وأنا هبعتك لأخويا حبيبي عشان تكملي خطتنا ..عايزك يا قلبي تقنعي أخويا أنك حبيته وأنك كنتي غبية عشان بتحبي واحد ميت عايزه يصدق فعلا أنك حبيته فاهمة يا شيرين.
حركت رأسها بالإيجاب سريعا ستفعل اي شئ لتبتعد عن ذلك الحجيم كانت تظن أن الحياة مع مجدي حجيم اتضح انها النعيم بعينيه مقابل ما حدث لها هنا علي يد من أحبت عمرا كاملا رفعت وجهها إليه تهمس:
- وبعدين اعمل ايه بعد كدة.
دس يديه في جيب سرواله يخرج المفاتيح يفتح قفل السلاسل لتسقط شيرين أرضا قدميها لا تقدر علي حملها شيئا فشئ بدأت تغيب عن الوعي لتسمع صوته الخبيث يهمس لها قبل أن تغيب عن الوعي تماما:
- لاء بعدين دي أنا هبغلهالك بطريقتي ...نامي يا روحي لما تصحي هتلاقي نفسك في حضن جوزك حبيبك ما تنسيش ها جوزك حبيبك!!.
Back
اجفلت من شرودها علي صوت مجدي يسألها قلقا:
-شيرين أنتي نمتي يا حبيبتي.
رفعت يدها سريعا تمسح دموعها قبل أن يراها ابتعدت عنه قليلا تغمغم بنعومة:
- لا يا حبيبي أنا بس كنت متطمنة أوي وأنا في حضنك مش عايزة ابعد عنه تاني أبدا.
ابتسم مجدي في سعادة قلبه يكاد يرقص فرحا لا يصدق أن حلمه المستحيل تحقق بعد سنوااات طوال !!.
علي جانب آخر في جناح بعيد في نفس الطابق في غرفة طارق يرقد طارق علي فراشه يدخن التبغ تتسطح ماهي علي صدره تحادثه شامتة:
- يعني أنت خلاص اديته الكارت اللي فيه الفيديو بتاعها.
ارتسمت ابتسامة ثعلبية خبيثة علي شفتي طارق يحرك رأسه بالإيجاب يردف متلذذا:
- ايوة وطبعا واحد بدماغ جبران هيعتبر اللي في الفيديو إهانة جامدة ليه ومش بعيد يطلقها أو علي أقل تقدير يسود عيشيتها زي ما بيقولوا عندهم في الحواري ... يجي بقي دوري طارق ، سو عيلة واطية قدرت اشتريها بالفلوس كل ما اعوز اشوف وتر هخليها تكلمها وتقولها تعالي يا وتر في محاضرة مهمة تعالي علي طول وفي المحاضرة تقولها خدي يا وتر جبتلك معايا عصير زي ما حصل النهاردة واديتها أول جرعة !! أو اخليها تروحلها البيت تزور صاحبتها وواخده معاها العصير ولسه اللي جاي احلي يا وتر.
رواية جبران العشق الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم دينا جمال
رواية جبران العشق الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم دينا جمال
ابتهج سفيان ضحك سعيدا يرحب بجبران بحرارة.
رفع يده الأخرى يربت على كتف جبران ويغمغم: "أهلاً بك في عالم الكبار يا جوز بنتي... بكرة من بدري هبدأ أعرفك على قوانين اللعبة عشان على نهاية الأسبوع لازم تكون جاهز إنك تستلم الصفقة، مفهوم؟"
أومأ جبران بالإيجاب دون تعابير واضحة، ارتسمت فقط ابتسامة خفيفة وحركة سريعة من رأسه بالإيجاب.
انسحب من الغرفة ليجد خادمة في انتظاره لترشده إلى غرفة زوجته.
تحرك خلفها ينظر هنا وهناك، المكان رائع فخم بشكل يثير غيظه.
وصلت الخادمة أمام باب غرفة مغلقة لتنحني له احتراماً وتغادر.
قبل أن يدق الباب، سمع صوت خطوات تصعد إلى السلم. نظر خلفه ليجد سفيان يتوجه إلى غرفته. ابتسم سفيان له يلوح له قبل أن يختفي خلف باب غرفته المغلق.
أدار جبران المقبض، دخل الغرفة ليرى وتر تجلس على مقعد أمام مرآة زينة تمشط خصلات شعرها القصيرة، ترتدي منامة قصيرة من اللون الأبيض.
ابتسم، اقترب منها يسألها قلقاً: "عاملة إيه دلوقتي؟ لسه حاسة إنك تعبانة؟"
أومأت بالنفي، ابتسمت لتقوم، التفتت له تلف ذراعيها حول عنقه تغمغم: "لأ، حاسة إني أحسن كتير من ساعة ما جيت هنا، حقيقي البيت كان واحشني أوي."
شردت عيناه بعيداً عنها وكأنه لم يسمعها، فارتبكت ظنته يتضايق مما قالت. ابتسمت تردف سريعاً: "بس دا ما يمنعش إني بحب شقتنا اللي في الحارة جداً، أنا بس بكره المكان هناك عشان شغلانتك... أنت وعدتني إنك هتسيبها صح يا جبران؟"
أومأ لها شارداً، يضحك داخله ساخراً. تركها وهو الآن على وشك أن ينغمس مع والدها داخل الأمواج بعد أن كان فقط يسبح على الشاطئ.
أمسك رأسها برفق يطبع قبلة صغيرة على جبينها يغمغم حائراً: "تعالي ننام يا وتر، الأيام الجاية هتبقى طويلة أوي شكلها."
قطبت جبينها، لا تفهم لما يبدو قلقاً لتلك الدرجة. لف ذراعه حول كتفيها يتحرك بصحبتها إلى الفراش. تمددت بجواره.
ما أن سطح جسده على الفراش، نظر حوله يبحث عن مياه يشعر بعطش شديد. اعتدل ينزل من الفراش يحدثها: "هروح أجيب مياه، خليكي مرتاحة، أنتِ تعبانة."
خرج من الغرفة ليجد باب غرفة سفيان يُفتح. خرجت منه الخادمة التي كانت توصله قبل قليل تمسح دموعها سريعاً، ملابسها شبه ممزقة، علامات يدي سفيان ظاهرة على كتفيها ووجهها. ارتبكت الخادمة هلعة ما أن رأته لتفر سريعاً لأسفل.
وقف جبران للحظات ينظر لباب غرفة سفيان قبل أن يتخذ قراره ويتجه إليها. دق الباب ليسمع صوته يأذن بالدخول.
فتح الباب ليدلف إلى الغرفة.
هالته ما رأى من... انتفض حين وجد سفيان فجأة يقف أمامه وكأن الأرض انشقت وأخرجته. يبتسم في خبث مخيف يتشدق ساخراً: "خير يا جوز بنتي، جاي هنا؟ مش قولتلك حاول تنام عشان بكرة عندنا شغل كتير."
حرك رأسه بالإيجاب، كان عطشاً والآن لم يعد كذلك. انسحب يغلق الباب خلفه. فضوله أخذه لينزل لأسفل عله يرى الخادمة.
تحركت قدماه إلى أسفل، رأى ضوءاً يأتي من غرفة كبيرة، تحرك ناحيتها بهدوء ليسمع صوت نحيب امرأة تتحدث مع شخص ما بحرقة: "أنا تعبت، تعبت من الباشا بيعمله فينا، منه لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيه، دا شيطان مش بني آدم أبداً."
يأتي الرد لها من صوت امرأة بجوارها يبدو أنها إحدى الخادمات أيضاً تحادثها مشفقة حزينة: "هنعمل إيه بس، اتكتب عليها الظلم والقهر والعذاب."
ليعود صوت الخادمة تتحدث بحرقة: "أنا هبلغ عنه أول ما الصبح يطلع، هروح أقرب قسم وأبلغ على اللي بيعمله فينا، لازم الشيطان دا يتحاسب."
تتردف الخادمة الأخرى سريعاً يصرخ الهلع في نبرة صوتها المرتجفة: "إنتي اتجننتي! إنتي عايزة الباشا يقتلك؟"
ولم يكمل باقي الحديث. انتفض حين وضع أحد ما يده على كتفه. التفت خلفه ليجد وتر تقف خلفه. ابتسمت تسأله: "قلقتني عليك، كل دا تأخير... جبت مياه؟"
نفي برأسه لتبتسم هي. توجهت إلى إحدى الغرف، عادت بعد لحظات. حاول هو فيهم استراق السمع ولكن الصوت فيهم كان قد اختفى تماماً. عادت تمسك دورقاً من الزجاج وكوب. ابتسم لها يأخذهم منها. تحرك معها إلى أعلى.
بدأ حقاً يشعر بالخوف في قصر الشيطان هذا.
***
حياة بها شيء منذ الصباح. منذ أن جاء إليها أبيه بصحبة سفيان وهي تبدو خائفة أكثر من اللازم. تحتجز نفسها في الغرفة ترفض الطعام.
صعد إليها فتح الباب يدخل إليها ليجدها تجلس هناك على مقعد جوار الشرفة تضم ركبتيها لصدرها تنهمر دموعها بلا توقف.
تأفف حانقاً يركل الباب بقدمه بخفة. كم يكره دراما الفتيات.
تحرك يجذب مقعد جلس أمامها يرفع ساقاً فوق أخرى. استند بمرفقه إلى ذراع المقعد يسند ذقنه إلى راحة يده، تثاءب يغمغم ناعساً: "فيه إيه يا حياة؟ مالك من ساعة ما مجدي وسفيان كانوا هنا وأنتِ على حالك دا؟ أنا مش فاهم مالك."
رفعت وجهها إليه تنظر لوجهه، خاصة لعينيه. خبيث لا يختلف عنهم، وكيف يفعل وهو قائدهم.
أبعدت بعنف خصلات شعرها التي تدلت تغطي غرتها. ابتسمت في حسرة تردف بنبرة تقطر ألماً: "من زمان... لما كان عندي خمس سنين بابا وماما خدوني وهاجروا بره عشان بابا يشتغل مع عمي في ورثهم من جدي اللي عمي خده وقال لبابا إنه فتح بيه مطعم كبير بره. كانت حياتي أجمل ما تكون... لمدة خمس سنين لحد ما بابا وماما ماتوا سوا في حادثة عربية."
ضحكت بمرارة تكمل ساخرة: "وفجأة اتحول عمو الطيب لواحد تاني بشع ما عندوش قلب. مجرد ما بابا مات حول المطعم لنايت كلاب وخلاني حتة خدامة فيه عشان يرضي يخليني أروح المدرسة وأكمل دراستي. حكاية سندريلا الشهيرة، الخدامة الجميلة. ووافقت واشتغلت خدامة لمدة 12 سنة كاملين... يا أما عرض عليا إن أبقى عاهرة عنده وأنا كنت برفض وأصرخ فيضربني ويقولي: 'إنتي هتعيشي وتموتي خدامة'. لحد من سنة جه النايت كلب عمري ما أنساه، نظرة عينيه، ابتسامته، إيده وهي بترفع الكاس وعينيه مركزة معايا. شاور لعمي وبعدها شاور عليا."
**Flashback**
على أريكة من الجلد الأحمر جلس سفيان متكئاً يضع ساقاً فوق أخرى. عيناه تتحرك مع حركة تلك الخادمة الصغيرة النحيلة وهي تنظف إحدى الطاولات. حاول أحد الشبان أن يمسك بيدها لتجذب يدها منه بعنف تبتعد عنهم. أعجبته شراستها للغاية. أشار لصاحب المكان الذي اقترب منه سريعاً ينحني احتراماً يغمغم مرحباً: "سفيان باشا، شرف ليا وجودك في النايت كلاب بتاعي. أوامرك يا باشا."
رفع يده يشير إلى حياة يوجه حديثه للواقف بجواره: "أنا عايز البنت دي، سعر ليلة معاها كام؟"
نظر الرجل إلى ما يشير سفيان ليتنهد حانقاً. ابنة أخيه الحمقاء على وشك أن تجعله يخسر سيل ضخم من النقود. ابتسم يردف معتذراً: "أنا آسف يا سفيان باشا، دي بنت أخويا وهي لسه بتول وبترفض تطلع مع أي حد خالص."
توسعت ابتسامة سفيان الخبيثة ورغبته تزداد قتامة في أخذ الفتاة. أخرج دفتر شيكات من جيب سترته يخط مبلغ 250 ألف دولار. رفع الورقة أمام عيني الرجل يتشدق ساخراً: "ربع مليون دولار مقابل ليلة؟ يا تقول آه يا أقطع الشيك حالاً."
انتفض الرجل يأخذ الشيك من بين يدي سفيان يغمغم ككلب يلهث: "حالاً يا باشا، تكون عندك. اتفضل على جناحك."
ضحك سفيان مستمتعاً. يتحرك إلى إحدى الغرف جلس هناك خلع سترته يلقيها على سطح الفراش ليسمع صوت صراخ فتاة يأتي من الخارج. لم يبالي لحظة واحدة فقط ووجد الباب يُفتح ودخلت الفتاة. يقبض أحد الحراس على شعرها يجذبها بعنف لتسير معه وهي تصرخ تتلوي تحاول الفرار بنفسها. ألقاها الحارس داخل الغرفة لتسقط على وجهها ليخرج سريعاً يغلق الباب خلفه من الخارج.
هرعت حياة إلى الباب المغلق تدق عليه بيديها تصرخ بحرقة: "أرجوكم افتحوا لي! أرجوك عمي، سأعيش خادمتك للأبد ولكن افتح لي لا تتركني هنا، افتحوااا لي!"
"أتمنى تكوني خلصتي صريخ."
أردف بها سفيان بنبرة ساخرة. التفتت حياة خلفها سريعاً لتنتقض واقفة. مصري لهجته عرفتها. انزوت إلى نهاية الغرفة تصرخ فيه: "أبعد عني أبوس إيدك، ما تعملش حاجة. عشت سنين عمري كله أحافظ على كرامتي على نفسي، ما تأذنيش أبوس إيدك."
ضحك سفيان في سخرية لتفهم حياة من ضحكاته إن كلماتها بالكامل لم تؤثر به إطلاقاً، خاصة حين تحرك من مكانه متوجهاً إليها بنظرة شر مخيفة تحتل مقلتيه. اقترب منها بخطى بطيئة وابتسامة خبيثة لتلتفت حولها كفأر مذعور على وشك أن يقع في مصيدة.
اندفعت تركض بعيداً ليعترض طريقها يطوق جسدها بذراعيه. صرخت، تلوت، استطاعت بأعجوبة أن تدفعه بعيداً. حاولت أن تقفز من النافذة ليمسك بساقها يجذبها سقطت أرضاً، تركله بقدميها ليبتعد عنها. ركلته في وجهه ليبتعد عنها يسبها بأبشع الألفاظ، يصرخ فيها: "يا بنت الـ****، إنتي فاكرة إنك هتهربي مني؟"
قامت أقرب ما وجدته أمامها سكين صغير. لا تعرف سبب وجوده. أمسكته ليضحك ساخراً عليها يردف متهكماً: "قديم أوي الشغل دا. تعالي بالتراضي أحسنلك."
انهمرت دموعها فزعاً تنفي برأسها بعنف تعود للخلف إلى أن صارت جوار النافذة. اقترب هو سريعاً في تلك اللحظة لترفع السكين تغرزها في كتفه دون حتى أن تعي أنها فعلت ذلك. صرخت مذعورة حين صرخ هو من الألم لتقفز من النافذة هرباً منه.
**Back**
خرجت من بين شفتيها ضحكة ساخرة تردف بمرارة: "دا اللي حصل. أنا بحكيلك ليه أصلاً؟ أنت زيك زيّه وأسوأ. أنت فعلت فيا حاجات بشعة عمري ما هقدر أنساها."
انهمرت دموعها تخفي وجهها بين كفيها. في حين ظلت تعابيره جامدة بلا أي مشاعر. فقط قام من مكانه وخرج هكذا فقط.
***
الثالثة فجراً لازال في مكتبه أمامه مئات الأوراق. خربشات هنا وهناك يحاول أن يجدها، كل الخيوط مغلقة لا أثر لها.
أضجع بظهره إلى ظهر المقعد يصدم رأسه فيه بعنف. أين هي؟ يبدو أن الأرض حقاً انشقت وابتلعتها.
صوت دقات على باب المكتب. انفتح الباب ليدخل عامل توصيل طعام لأحد المطاعم.
أزاح بيجاد القبعة عن رأسه ليقوم زياد من مكانه يصافحه. فبادر زياد يسأله قلقاً: "ها، إيه الجديد عندك؟ لقيت حياة؟"
نفي زياد برأسه يزفر بعنف يغمغم يأساً: "مالهاش أثر. ما فضلش غير مخرج واحد إنها تبقى موجودة في الحفلة. المهم، إنت هتخش الحفلة دي إزاي؟"
ابتسم بيجاد في سخرية قام يتحرك صوب الأوراق على المكتب أمسك أحدهم يردف ساخراً: "هروح بصفتي القناص. القناص اللي يا إما قتل القناص اللي هيروح يصفي دم كل الشياطين اللي هناك... هاخد حقي وحق مراد أخوك وحق مراتي اللي رموها وكانوا عايزين يبعوها، حق الكل يا زياد. وصلك أول دليل."
ابتسم زياد في ثقة يومأ برأسه بالإيجاب يتوعد لقتلة أخيه. اقتربت النهاية، اقتربت للغاية.
***
جاء الصباح. استيقظت وتر تشعر بخمول يصاحبه وهن وصداع مؤلم. ذلك الشعور الذي بات يلازمها مؤخراً ولا ينتهي إلا بعد أن تأخذ أقراص الصداع. أين هي؟ إذا بحثت عنها بجنون لا أثر لها ولا أثر لجبران أيضاً. جزت على أسنانها بعنف تشد على خصلات شعرها. تنفست بعمق تحاول أن تهدأ. تحادث نفسها: "أهدي يا وتر، أهدي. هاخد دش وأنزل أسأل جبران، أكيد معاه."
سريعاً اغتسلت وبدلت ثيابها. نزلت لتجد جبران ووالدها يجلسان في الوصول والحديث بينهما يطول. سكتا معاً ما أن رآها لتتجه هي ناحيتهم. ابتسمت لتغمغم بصوت يرتجف: "صباح الخير عليكوا... جبران، ما شوفتش برشام الصداع بتاعي؟"
تخلص منه ولكنه لم يخبرها. نفي برأسه. لتشعر بجسدها يفور غضباً. تذكرت صديقتها لديها منه ستذهب إليها وتأخذه منها. ابتسمت تردف من جديد: "طب أنا هروح الجامعة عندي محاضرات مهمة."
قام جبران ليوصلها بكف يده يردف سريعاً: "وتر هتروح بعربيتها يا جبران، إحنا لسه عندنا شغل كتير. يلا يا حبيبة بابا، المفاتيح في العربية."
ودعتهم لتهرع للخارج سريعاً. تحركت بسيارتها للخارج وجبران يجلس بالداخل مع سفيان يستمع إلى كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالسوق الأسود.
ليقاطعهم صوت صرخة إحدى الخادمات. هرع جبران سريعاً خلف الصوت إلى غرفة الخادمات. دخل مع صوت النواح ليجد تلك الخادمة التي رآها أمس تمسك في يدها سكين قطعت به شرايين يدها، أجمعت انتحرت. وفي الأغلب لا...
أجفل على صوت سفيان الذي يأتي من خلفه يغمغم ساخراً: "تؤتؤتؤ... يلا أهو قضاء وقدر. هنادي الحراس عشان يودوها لأهلها."
التفت جبران ينظر لسفيان وهو يغادر بهدوء. نقل عينيه بينه وبين الخادمة المسكينة. يقسم أنه يشعر بالذعر.
***
دخلت وتر إلى الجامعة تبحث عن صديقتها في كل مكان لا أثر لها. تحاول الاتصال بها هاتفها مغلق دائماً.
وقفت في منتصف إحدى الباحات تكاد تصرخ من الألم. انتفضت على صوته يأتي من خلفها: "مالك يا وتر؟ شكلك تعبانة، حاطة إيدك على دماغك ليه؟ أنتي مصدعة ولا إيه؟"
طارق ذلك الخبيث. كم تكرهه. تحركت لتغادر لتسمع صوته الخبيث يتشدق: "على العموم لو مصدعة أنا معايا برشام زي اللي بتستخدمه سو وأحسن."
ثبتت مكانها تتنفس بعنف. ابتلعت لعابها عدة مرات. عادت إليه مجبرة تسأله على مضض: "فين؟"
اتسعت ابتسامته الخبيثة. رفع كتفيه لأعلى قليلاً يغمغم ببساطة: "معايا في العربية، لو عايزة تعالي معايا."
أومأت بالإيجاب على مضض تسير معه مرغمة إلى سيارته الفاخرة. تقدم منها سريعاً يفتح لها الباب لتدخل. نظرت له باستنكار فاردف هو: "ادخلي يا بنتي، على ما أشوف حطيته فين، أنا برمي حاجتي في أي حتة."
جلست ليغلق الباب. التفت يجلس بجوارها. أخرج لها شريط الأقراص يعطيها قرصاً واحداً فقط. أخذته بلهفة. أعطاها زجاجة مياه لتبتلع القرص سريعاً وهو يراقبها بابتسامة متشفية، شامته، خبيثة.
ارتخت على مقعدها ما أن بدأ مفعول المخدر يسري في دمها ليضحك هو. أدار محرك السيارة يتحدث في هاتفه: "أيوه يا فتحي، فضيلي شقة الزمالك، أنا جاي دلوقتي!!!"
***
هتلاقوا رواية ورد أبيض وغرابيب سود _ ورواية ضلع أعوج استقام لينتقم في معرض الرباط في المغرب في جناح إبداع بجناحها رقم C36 في.
ابتسم كثعلب ظفر بغزالة برية. اختالت الخطي لتثير غريزته للظفر بها. نظر لها وهي تنام بعمق أثر ذلك المخدر. مد يده يمسح على وجنتها بخفة. حملها بين ذراعيه يدخل بها إلى المصعد إلى الطابق الخامس عشر، تتسارع دقات قلبه للفوز بها. تبقى فقط دقائق ويحصل على ما أراد منذ أشهر طوال.
وقف المصعد ليخرج بها منه. دس المفتاح بصعوبة في قفل الباب وهو يحملها ليخطو بها للداخل. يغلق الباب بقدمه يصفر لحناً رتيباً مخيفاً. توجه إلى غرفة نومه وضعها يسطحها على فراشه يبتسم في خبث. تلمع عينيه. مد يده إلى أزرار قميصه يخلعه على عجل. جلس بجوارها على الفراش يغمغم منتشياً: "شوفتي بقي يا وتر إنك لفيتي؟ لفيتي ورجعتي لحضني تاني... أنتي بتاعتي أنا، السلمة اللي هتوصلني لأملاك الدالي."
مد يده يتحسس يتحسس وجهها نزولاً إلى عنقها. لم تتحرك يديه أكثر حين سمع صوتها الغاضب يأتي من خلفه: "طارق، أنت هتلمسها بجد ولا إيه؟!"
توقفت يديه، احتدت نظراته جز على أسنانه غاضباً. التفت ينظر لها قبل أن يتحرك غاضباً. قبض على رسغ يدها يحادثها محتداً: "إنتي إيه اللي جابك هنا يا ماهي؟ وبعدين ألمسها ما ألمسهاش مالكيش فيه أصلاً."
شدت يدها من يده غاضبة تدفعه في صدره تصرخ حانقة: "لأ ليا! الخطة دي حاطينها أنا وأنت سوا. إحنا اتفقنا إنك تجيبها هنا وتصورها بس مش إنك تلمسها. زي ما اتفقنا بردوا إننا نبتز صاحبتها سو بنفس الطريقة عشان تديها المخدرات وتخليها تدمن."
قبض على يدها بعنف بجذبها خارج الغرفة يغلق الباب على وتر. قبض على شعر ماهي يهسهس لها متوعداً: "إنتي تخرسي! مش أنا اللي واحدة **** تقولي أعمل إيه وما أعملش إيه. إنتي عاهرة يا حلوة، أقضي معاها وقت لطيف. غير كده ما تدّيش لنفسك أكبر من حجمك."
شعرت بألم ينغرز في روحها أثر كلماته السامة. أدمعت عينيها تشعر بالإهانة. رغم ذلك نظرت تغمغم حاقدة: "أقسم لك يا طارق إنك لو لمستها ههد لك المعبد على الكل وهروح لسفيان باشا أقوله على خطتك كلها. إنت بتاعي أنا بس يا طارق، مش هسمحلك تلمس واحدة غيري أبداً."
دفعها طارق بعنف لترتطم بالحائط خلفها يصدم كفه بالحائط غاضباً. كم ود لو يقبض على عنق تلك الحية حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة. ولكن الوقت لا يسمح. فقط يصل إلى ما يريد وسيقتلها بأبشع طريقة.
وُجدت. نظر لها يتنفس بعنف يغمغم بنبرة هادئة تحمل في داخلها وعيداً مؤجلاً: "ماشي يا ماهي، تعالي بقي ساعديني عشان نصورها عشان تفتكري إني فعل عملت معاها زفت."
ابتسمت ماهي متصرة تومأ سريعاً بالإيجاب. تحركت بصحبته إلى غرفة النوم تنظر لوتر النائمة في عالم آخر بابتسامة شامتة.
***
طريق العودة من القاهرة لأسوان أخذ أكثر من المعتاد بثلاث ساعات كاملة بسبب حادث ضخم على الطريق. يتمنى فقط لو يجد رُسل لا تزال نائمة بفعل المخدر. وصل أخيراً فتح الباب ليجدها تجلس على الأريكة تنظر أرضاً. ابتلع لعابه مرتبكاً يغمغم ضاحكاً: "صباح الفل يا روحي، صحيتي بدري يعني؟ لاء، إحنا متأخر فعلاً، أنا قصدي..."
صمت. تجمدت الضحكات على ثغره حين رفعت وجهها له. ترفع شريط أقراص المخدر أمام عينيه. توسعت عينيه مدهوشاً كيف وجدته. حمحم يردف سريعاً: "دا... دا... الشريط بتاعي. قبل ما تفهمي غلط، أنا عندي أرق وما بعرفش أنام من غيره."
قامت من مكانها تخطو إليه. وقفت على بعد خطوتين تنظر له دون كلام. اهتزت الدموع في عينيها لترفع يدها فجأة تصفعه بعنف تصرخ فيه: "أنا شوفتك، شوفتك امبارح وأنت بتحط منه في كوباية العصير قبل ما تديهالي. عملت نفسي شربتها ودلقتها. سمعتك وأنت بتكلم حد بتقوله إني خلاص نمت ومش هحس بيك وأنت هتسافرله دلوقتي. أنت بتعمل إيه يا بيجاد؟ أنت لسه شغال في القرف بتاع زمان مش كده؟ كل اللي أنت قولته دا كان كذب وأنا الغبية اللي طول عمري بحبك."
ابتعدت عنه تضرب بكفيها على قلبها تصرخ بحرقة: "من وأنا عيلة صغيرة لما كنت بتيجي مع عمو سراج وأنا متعلقة بيك وبحبك. حتى لما حصلتلي الحادثة والدنيا كلها اسودت في وشي كانت نقطة النور الوحيدة إني بقيت مراتك. لما عرفت إنك إنت اللي خطفتني وإنك ما متتش كنت أسعد إنسانة في الدنيا. سامحتك على كل القرف اللي في حياتك، كنت بس عايزة أفتح عشان أشوفك. صدقتك عشان أنا غبية وساذجة مالهاش حد. ما كانش ليا غير وليد اللي مات."
وانخرطت تبكي بحرقة تخفي وجهها بين كفيها. وهو يقف كالصنم لا يفهم ماذا حدث، ما سر حالتها. لما انفجرت فيه دون سبب.
اقترب منها بحذر. وضع يده على كتفها برفق لتزيح يده بعنف تصرخ فيه بعنف: "ابعد عني، ما تحطش إيدك عليا. أنا بكرهك يا بيجاد، أنت زيك زيهم بتتعامل معايا على إني ساذجة، هتعرف تضحك عليا."
نفذ صبره وفاض به الكيل. وقف أمامها يمسك ذراعيها بين كفيه يصيح بعلو صوته: "بسسس! بطلي اللي إنت بتعمليه دا واسمعيني. أنا آه حطيتلك مخدر بس مش عشان أي هبل من اللي في دماغك، أنا كان لازم أسافر وخفت عليكي. قولت هتبقي نايمة على ما أرجع بدل ما تخافي وهي لوحدها."
ضحكت عالياً بسخرية على ما يقول. عذر واهٍ أحمق. دفعته بعنف بعيداً عنها تصرخ فيه: "عذر أقبح من ذنب."
قاطع تلك المشاحنة دقات على باب المنزل. توترت رُسل لا أحد يدق عليهم الباب أبداً. ليندفع بيجاد إلى أحد الأدراج يخرج مسدسه. تحرك بحذر إلى الباب يفتحه ليظهر سفيان!!
من خلف الباب شهقت رُسل مذعورة ما أن رأته لتهرع تختبئ خلف بيجاد تتمسك بثيابه ترتعش تهمس مذعورة: "ابعده عني يا بيجاد، ابعده عني ما تخليهوش يعمل فيا كده تاني..."
وجه بيجاد سلاحه نحو رأس سفيان يلف ذراعه حول رسل يردف محتداً: "عملك إيه يا رُسل؟ هو الراجل ده إذاكِ؟"
أومأت مذعورة ترتعش بعنف تقبض على ملابس بيجاد تتلعثم من شدة خوفها: "وأنا صغيرة، وأنا صغيرة كان بيفضل يلمسني بشكل وحش أوي، كنت دايماً بقول لبابا بس ما كانش بيصدقني."
احتقنت الدماء في عينيه. الآن فقط فهم سر خوف رُسل منه، من أن يقترب منها بالطبع. تتذكر ما فعله بها ذلك المخنث. التفتت ناحية سفيان يشد أجزاء سلاحه يصيح فيه محتداً: "هقتلك."
وقبل حتى أن تخرج الرصاصة من مكانه مد سفيان يده ينزع الجلد عن وجهه ليظهر وليد. توسعت عيني بيجاد في ذهول. ليتقدم وليد يأخذ رُسل بين أحضانه يغمغم محتداً: "ما تخافيش يا رُسل، موته على إيديا."
شهقت رُسل مذعورة تنظر لأخيها الذي من المفترض أنه ميت ولكنه ها هنا حي. وليد هنا الشخص الوحيد الذي كان تشعر معه بالأمان قديماً. أخفت رأسها بين أحضانه تجهش في البكاء. في حين نظر وليد إلى بيجاد يغمغم مبتسماً في حبور: "أهلاً بابن العم!!"
***
جبران ذهب بالأمس وبات هو المسؤول الآن عن الحي بكل ما فيه. أنهى جولة جبران المعتادة من تفقد المحال والباعة الجائلين. انتهى من غرفة النوم ليقوم رجاله بوضعها على إحدى عربات النقل لتُسلم إلى أحد معارض الأثاث. ها هو الآن الساعة اقتربت من الثالثة عصراً يجلس على مقعد من الخشب في المقهى الصغير الشعبي يحتسي الشاي. يختلس النظر إلى عربة الطعام بين حين وآخر حين معشوقته تقف هناك ومعها والدتها تساعدها في التقطيع فيدها لا تزال مصابة.
لمحت عينيه تلك الممرضة صفا تخرج من عمارتها ليتحرك إليها سريعاً قبل أن تخرج من الحي. وقف يعترض طريقها يهمس لها غاضباً: "إنتي رايحة فين؟"
تلجلجت كفتاة ضعيفة خائفة عادت للخلف خطوة واحدة تهمس مرتعشة: "كنت رايحة أجيب حاجة بسرعة وجاية."
قبض على كف يدها يجذبها معه يعود بها إلى شقتها. انتزع المفتاح من يدها يفتح باب شقتها يدفعها للداخل ليدخل خلفها. وقف أمامها يشهر سبابته أمام وجهها يحادثها غاضباً: "خروج من هنا قبل ما أكتب عليكي عشان نخلص من البلوة دي مش هيحصل. لو رجلك عتبت برة الباب دا هكسر عضمك، إنتي فاهمة؟"
ارتجف جسدها تشعر حقاً بالذعر. لأول مرة تصرخ هي تصرخ من أعماق قلبها المطعون ألف طعنة: "انتوا بتعملوا معايا كده ليه؟ أنا ذنبي إيه؟ ذنبيييييه؟ أنا استنزفت من وأنا طفلة صغيرة، الدنيا بتنهش فيا، انتوا اللي عملتوا فيا كده، انتوا اللي خليتوني كده، ارحموني بقى، أنا تعبت!!"
لم يفهم معظم، لم يتأثر بانهيارها الغريب ذاك. فقط تركها. ألقى لها المفاتيح تركها وخرج يجذب الباب. صاح باسم عمر أحد صبيان جبران الذي جاء مسرعاً. ربت حسن على كتفه يردف بصوت حاد عالٍ لتسمعه من في الداخل: "تقف هنا. لو قالتلك أنا بموت ما تخليهاش تخرج، فاهم؟"
أومأ له الفتى سريعاً. نظر حسن لباب المنزل المغلق ليكمل طريقه لأسفل.
في الداخل انتزعت روزا هاتفها تحاول الاتصال بصاحب الظل. هاتفه مغلق لا فائدة، والمايسترو لا تملك له رقم هاتف من الأساس. هو فقط من يصل إليها حين يريد ويبدو أنه لا يريدها الآن. ارتمت على ركبتيها أرضاً تغرز أظافرها في خصلات شعرها تشد عليه بعنف. صرخت بغيظ لتدفع بالهاتف إلى الحائط بعنف ليتهشم فتات. هشمت بيدها نقطة الاتصال الوحيدة بينها وبينهم.
على صعيد آخر لم تنزاح عيني أمل عن مدخل عمارة جبران منذ أن رأت حسن يتوجه إلى تلك الممرضة الحسناء. اشتعلت نيران الغيرة في قلبها حين أمسك بيدها يعود بها إلى منزلها. ما الذي بينه وبين الممرضة؟ هل حقاً سيتزوج منها؟ ولكن لا مستحيل، هو لازال يحبها ينتظر موافقتها على العودة إليه. إذا لم... انتفض حين رآها وهرول إليها كالمسحور. أجفل على صوت ذلك الطبيب وهو يغمغم: "مساء الفل. إزيك يا آنسة أمل؟"
زفرت أنفاسها حانقة. ذلك اللزج يلتصق بها كالعلكة وكم تكره ذلك. نظرت إليه تبتسم ابتسامة صفراء على مضض: "بخير يا دكتور إيهاب الحمد لله، شكراً لسؤالك."
حمحم متوتراً رفع يده يضعها على رقبتها يبتسم مرتبكاً. حمحم من جديد يردف متوتراً: "يارب دايماً. أنا بس كنت عايز أسأل لو ينفع يعني أجي أشرب معاكوا الشاي بكرة بعد العشا بإذن الله."
توسعت حدقتاها قليلاً. كانت على وشك الرفض تماماً حين بادرت والدتها من خلفها تردف مرحبة بحرارة: "تنور وتشرف طبعاً يا دكتور إيهاب، هنستناك يا ابني."
ابتهجت الابتسامة على شفتي إيهاب ليودعهم سعيداً قبل أن يغادر. التفت أمل إلى والدتها تحادثها غاضبة: "إيه اللي إنتي قولته دا؟ على العموم هيجي وهيترفض لأني هرجع لحسن خلاص."
ابتسمت سيدة في سخرية لتمسك بالسكين تكمل ما كانت تفعل. نظرت لأمل بجانب عينيها تغمغم ببساطة: "هترجعيله إزاي؟ إذا كنت سامعة بودني دي صبيان المعلم جبران وهما بيقولوا إن الفرح اللي بيتنصب قدامك دا يبقى فرح المعلم حسن على البت الممرضة."
جمدتها الصدمة. شخصت عيناها وهدرت النابض يتألم من الصدمة. نظرت صوب حسن الذي خرج لتوه من مدخل العمارة لتلقي ما في يدها أجمع تركض صوب شقتها. تتساقط دموعها رغماً عنها. رآها حسن ليهرع خلفها ينادي باسمها لتسرع إلى شقتها. دخلت تصفع الباب تركض صوب غرفتها تغلق بابها عليها. تكورت خلف الباب المغلق تبكي بحرقة تضرب صدرها بعنف تصرخ محتدة: "غبية أنا غبية! ما كانش لازم أصدقه... ما كانش لازم أسيبك تحبه... أنا الغبية!"
***
منذ ساعات طوااال وسفيان يشرح له كل صغيرة وكبيرة في عالمهم القذر. أبعد سفيان سيجاره الكوبي الفخم عن شفتيه يغمغم: "الشحنة اللي جاية لينك نسبة 30 في المية فيها أنت المسؤول قدامي عن توزيعها. خد بالك دا يعتبر اختبار ليك. لو اتكشفت هنصفيك. أظن مفهوم."
أومأ جبران في هدوء. ترتسم ابتسامة غرور على شفتيه أعجبت سفيان كثيراً. أردف جبران يسأل: "هي الشحنة اللي جاية كبيرة عشان بس أعرف نسبة الـ 30 في المية دي قد إيه؟"
سحب سفيان أنفاس سيجارته بعنف ينفثها ببطء في الهواء. ابتسم يغمغم: "أكبر مما تتخيل. الفترة اللي فاتت كانت الداخلية شادة حيلها جامد ومعظم الموزعين اللي تحت إيدينا اتمسكوا بالبضاعة بتاعتهم فالنصف زي ما بتقولوا شاحح في السوق. واحنا عاوزين نعوض الخسارة دي عشان كده كان لازم تفتح سوق جديد مع الطبقة الشعبية نوردلهم صنف عالي بسعر قليل."
أومأ جبران متفهماً الوضع. قطب جبينه يسأل من جديد: "طب والصفقة بتاعتكوا دي هتدخل إزاي لما بتقول الداخلية شادة حيلها؟"
رفع سفيان كتفيه لأعلى يغمغم ببساطة: "مش بتاعتنا دي يا جبران. هما عليهم يدخلوا البضاعة أو المصلحة على سليمان المسلمي واحنا علينا نستلم وندفع. في حاجات الأفضل ما نشغلش بالنا بيها. المهم دلوقتي مين هيساعدك في التوزيع؟"
أردف جبران ببساطة: "حسن والرجالة بتوعي. وما تقلقش منهم، أنا أضمن ولائهم برقبتي وحسن صاحب عمري ودراعي اليمين مستحيل يغدر بيا."
تأفف سفيان ساخراً. دعس ما بقي من سيجارته في المطفأة الزجاج أمامه ليعود بظهره يضجع إلى ظهر الأريكة الوثير يغمغم متهكماً: "في شغلتنا دي ما فيش حاجة اسمها صاحبي ولا أخويا ولا حتى ابني. لو ساقتك العواطف تبقى مع ألف سلامة. فاهم يا جوز بنتي؟"
نظر جبران له بصمت للحظات قبل أن يسأله فجأة دون مقدمات: "أنت كنت عارف اللي هيحصل لوتر في المستشفى مش كده؟"
لم يحصل على الإجابة مباشرة بل حصل عليها من الابتسامة الساخرة التي ارتسمت على شفتي سفيان. ليكور جبران كف يده يشد عليه بعنف. تسارعت أنفاسه يردف غاضباً: "مين اللي عمل فيها كده؟ اسمه بس وأنا هقلب الدنيا عليه."
ضحك سفيان عالياً ليقترب يستند بمرفقيه إلى فخذيه يغمغم بدراما مخيفة: "هشششش ما ينفعش نقول هو مين. عامل زي اللورد فولتدمورت، ما ينفعش نقول اسمه."
وعاد يضحك من جديد. في تلك اللحظة دخلت وتر من باب المنزل في حالة هستيريا بشعة تبكي بلا توقف. انتفض جبران خوفاً عليها ما أن رآها ليهرع إليها يسألها فزعاً: "مالك يا وتر فيكي إيه يا حبيبتي؟ ردي عليا."
ظلت تبكي ويرتجف جسدها ليحملها بين ذراعيه وضعها جالسة على أقرب أريكة جلس بجوارها يحاول ضمها لحضانه يردف سريعاً: "يا حبيبتي ردي عليا حصل إيه."
هنا جاء سفيان سريعاً اقترب من ابنته يسألها متلهفاً: "مالك يا حبيبتي؟ مين ضايقك؟ قوليلي وأنا أهد الدنيا على دماغه."
حاول جبران ألا ينظر إليه متقززاً. الرجل مبدع في التمثيل بشكل يثير رغبته في القيء. انتبه لوتر التي ترتجف بين أحضانه بعنف. عد نص ساعة تقريباً بدأت تهدأ أخيراً فابتعدها عنه برفق يمسح بكفيه الدموع التي أغرقت وجهها يردف مترفقاً: "فيكي إيه يا وتر؟ إيه اللي زعلك يا حبيبتي؟"
أدمعت عينيها تنظر لوجهه طويلاً. يمر أمامها المشهد الذي استيقظت به عارية بين أحضان طارق. لا تتذكر حتى كيف فعلت ذلك. حاجتها لذلك الدواء أوصلتها لخيانة زوجها دون حتى أن تدري. أشاحت بوجهها بعيداً. رفعت يدها تسمح ما بقي من دموعها بعنف تغمغم بخواء فارغ من الحياة: "طلقني يا جبران."
***
- وليد إنت... إنت إزاي عايش؟ أنا مش فاهم حاجة. أنت اتضربت بالرصاص قدام عيني.
صرخ بها بيجاد مذهولاً ينظر لوليد في دهشة لا يصدق أنه حي. كيف يفعل وقد قُتل أمام عينيه لفظ أنفاسه الأخيرة أمامه. في حين ابتسم وليد في هدوء يمسح على شعر رُسل يوجه حديثه لبيجاد: "أنا هحكيلك كل حاجة!!!"
رواية جبران العشق الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم دينا جمال
ابتسم كثعلب ظفر بغزالة برية.
اختالت الخطي لتثير غريزته للظفر بها.
نظر لها وهي تنام بعمق أثر ذلك المخدر.
مد يده يمسح علي وجنتها بخفة.
حملها بين ذراعيه يدخل بها إلي المصعد إلي الطابق الخامس عشر.
تتسارع دقات قلبه للفوز بها.
تبقي فقط دقائق ويحصل علي ما أراد منذ أشهر طوال.
وقف المصعد ليخرج بها منه.
دس المفتاح بصعوبة في قفل الباب وهو يحملها ليخطو بها للداخل.
يغلق الباب بقدمه.
يصفر لحن رتيب مخيف.
توجه إلي غرفة نومه وضعها يسطحها علي فراشه.
يبتسم في خبث تلمع عينيه.
مد يده إلي أزرار قميصه يخلعه علي عجل.
جلس جوارها علي الفراش يغمغم منتشيا:
- شوفتي بقي يا وتر أنك لفيتي، لفيتي ورجعتي لحضني تاني... أنتي بتاعتي أنا، السلمة اللي هتوصلني لأملاك الدالي.
مد يده يتحسس وجهها نزولا إلي عنقها.
لم تتحرك يديه أكثر حين سمع صوتها الغاضب يأتي من خلفه:
- طارق أنت هتلمسها بجد ولا إيه؟!
توقفت يديه.
احتدت نظراته.
جز علي أسنانه غاضبا.
التفت ينظر لها قبل أن يتحرك غاضبا.
قبض علي رسغ يدها يحادثها محتدا:
- أنتي إيه اللي جابك هنا يا ماهي وبعدين ألمسها ما ألمسهاش مالكيش فيه أصلا.
شدت يدها من يده غاضبة تدفعه في صدره تصرخ حانقة:
- لاء ليا! الخطة دي حاطينها أنا وأنت سوا، إحنا اتفقنا أنك تجيبها هنا وتصورها بس مش أنك تلمسها. زي ما اتفقنا بردوا إننا نبتز صاحبتها سو بنفس الطريقة عشان تديها المخدرات وتخليها تدمن.
قبض علي يدها بعنف بجذبها خارج الغرفة يغلق الباب علي وتر.
قبض علي شعر ماهي يهسهس لها متوعدا:
- انتي تخرسي! مش أنا اللي واحدة **** تقولي أعمل إيه وما أعملش إيه. أنتي عاهرة يا حلوة أقضي معاها وقت لطيف غير كدة ما تديش لنفسك أكبر من حجمك.
شعرت بألم ينغرز في روحها أثر كلماته السامة.
أدمعت عينيها تشعر بالإهانة.
رغم ذلك نظرت تغمغم حاقدة:
- أقسم لك يا طارق إنك لو لمستها لههدك المعبد على الكل وهروح لسفيان باشا أقوله على خطتك كلها. إنت بتاعي أنا بس يا طارق مش هسمح لك تلمس واحدة غيري أبداً.
دفعها طارق بعنف لترتطم بالحائط خلفها.
يصدم كفه بالحائط غاضبا.
كم ود لو يقبض على عنق تلك الحية حتى تلفظ أنفاسها الأخيرة.
ولكن الوقت لا يسمح.
فقط يصل إلى ما يريد وسيقتلها بأبشع طريقة.
وُجدت.
نظر لها يتنفس بعنف يغمغم بنبرة هادئة تحمل في داخلها وعيد مؤجل:
- ماشي يا ماهي تعالي بقي ساعديني عشان نصورها عشان تفتكر إني فعل عملت معاها زفت.
ابتسمت ماهي متتصرة تومأ سريعا بالإيجاب.
تحركت بصحبته إلى غرفة النوم تنظر لوتر النائمة في عالم آخر بابتسامة شامتة!!
***
طريق العودة من القاهرة لأسوان أخذ أكثر من المعتاد بثلاث ساعات كاملة بسبب حادث ضخم على الطريق.
يتمنى فقط لو يجد رُسل لا تزال نائمة بفعل المخدر.
وصل أخيرا فتح الباب ليجدها تجلس على الأريكة تنظر أرضا.
ابتلع لعابه مرتبكا يغمغم ضاحكا:
- صباح الفل يا روحي صحيتي بدري يعني لاء إحنا متأخر فعلاً. أنا قصدي...
صمت.
تجمدت الضحكات على ثغره حين رفعت وجهها له ترفع شريط أقراص المخدر أمام عينيه.
توسعت عينيه مدهوشا كيف وجدته.
حمحم يردف سريعاً:
- دا، دا... الشريط بتاعي قبل ما تفهمي غلط. أنا عندي أرق وما بعرفش أنام من غيره.
قامت من مكانها تخطو إليه.
وقفت على بعد خطوتين تنظر له دون كلام.
اهتزت الدموع في عينيها.
لترفع يدها فجأة تصفعه بعنف تصرخ فيه:
- أنا شوفتك، شوفتك امبارح وأنت بتحط منه في كوباية العصير قبل ما تدهالي. عملت نفسي شربتها ودلقتها. سمعتك وأنت بتكلم حد بتقوله إني خلاص نمت ومش هحس بيك وأنت هتسافر له دلوقتي. أنت بتعمل إيه يا بيجاد؟ أنت لسه شغال في القرف بتاع زمان مش كدة؟ كل اللي أنت قولته دا كان كذب وأنا الغبية اللي طول عمري بحبك.
ابتعدت عنه تضرب بكفيها على قلبها تصرخ بحرقة:
- من وأنا عيلة صغيرة لما كنت بتيجي مع عمو سراج وأنا متعلقة بيك وبحبك. حتى لما حصلت لي الحادثة والدنيا كلها اسودت في وشي كانت نقطة النور الوحيدة إني بقيت مراتك. لما عرفت أنك أنت اللي خطفتني وأنك ما موتش كنت أسعد إنسانة في الدنيا. سامحتك على كل القرف اللي في حياتك كنت بس عايزة أفتح عشان أشوفك. صدقتك عشان أنا غبية وساذجة مالهاش حد. ما كانش ليا غير وليد اللي مات.
وانخرطت تبكي بحرقة تخفي وجهها بين كفيها.
وهو يقف كالصنم لا يفهم ماذا حدث.
ما سر حالتها لما انفجرت فيه دون سبب.
اقترب منها بحذر وضع يده على كتفها برفق.
لتزيح يده بعنف تصرخ فيه بعنف:
- ابعد عني ما تحطش إيدك عليا. أنا بكرهك يا بيجاد، أنت زيك زيهم بتتعامل معايا على إني ساذجة هتعرف تضحك عليا.
نفذ صبره وفاض به الكيل.
وقف أمامها يمسك ذراعيها بين كفيه يصيح بعلو صوته:
- بسسس بطلي اللي انتي بتعمليه دا واسمعيني. أنا آه حطت لك مخدر بس مش عشان أي هبل من اللي في دماغك. أنا كان لازم أسافر وخفت عليكِ. قولت هتبقي نايمة على ما أرجع بدل ما تخاف وهي لوحدها.
ضحكت عالياً بسخرية على ما يقول.
عذر واهي أحمق.
دفعته بعنف بعيداً عنها تصرخ فيه:
- عذر أقبح من ذنب.
قاطع تلك المشاحنة دقات على باب المنزل.
توترت رُسل لا أحد يدق عليهم الباب أبداً.
ليندفع بيجاد إلى أحد الأدراج يخرج مسدسه.
تحرك بحذر إلى الباب يفتحه ليظهر سفيان!!
من خلف الباب شهقت رُسل مذعورة ما أن رأته لتهرع تختبئ خلف بيجاد تتمسك بثيابه ترتعش تهمس مذعورة:
- ابعده عني يا بيجاد، ابعده عني ما تخليهوش يعمل فيا كدة تاني.
وجه بيجاد سلاحه نحو رأس سفيان يلف ذراعه حول رسل يردف محتداً:
- عملك إيه يا رُسل؟ هو الراجل دا إذاك؟
يأومأت مذعورة ترتعش بعنف تقبض على ملابس بيجاد تتلعثم من شدة خوفها:
- وأنا صغيرة، وأنا صغيرة كان بيفضل يلمسني بشكل وحش أوي. كنت دايماً بقول لبابا بس ما كانش بيصدقني.
احتقنت الدماء في عينيه.
الآن فقط فهم سر خوف رُسل منه.
من أن يقترب منها بالطبع تتذكر ما فعله بها ذلك المخنث.
التفتت ناحية سفيان يشد أجزاء سلاحه يصيح فيه محتداً:
- هقتلك.
وقبل حتى أن تخرج الرصاصة من مكانه مد سفيان يده ينزع الجلد عن وجهه ليظهر وليد.
توسعت عيني بيجاد في ذهول.
ليتقدم وليد يأخذ رُسل بين أحضانه يغمغم محتداً:
- ما تخافيش يا رُسل موته على إيديا.
شهقت رُسل مذعورة تنظر لأخيها الذي من المفترض أنه ميت ولكنه ها هنا حي.
وليد هنا الشخص الوحيد الذي كان تشعر معه بالأمان قديماً.
أخفت رأسها بين أحضانه تجهش في البكاء.
في حين نظر وليد إلى بيجاد يغمغم مبتسماً في حبور:
- أهلاً بابن العم!!
***
جبران ذهب بالأمس وبات هو المسؤول الآن عن الحي بكل ما فيه.
انهى جولة جبران المعتادة من تفقد المحال والباعة الجائلين.
انتهى من غرفة النوم ليقوم رجاله بوضعها على إحدى عربات النقل لتُسلم إلى أحد معارض الأثاث.
ها هو الآن الساعة اقتربت من الثالثة عصراً يجلس على مقعد من الخشب في المقهى الصغير الشعبي يحتسي الشاي.
يختلس النظر إلى عربة الطعام بين حين وآخر حين معشوقته تقف هناك ومعها والدتها تساعدها في التقطيع في يدها لا تزال مصابة.
لمحت عينيه تلك الممرضة صفا تخرج من عمارتها.
ليتحرك إليها سريعاً قبل أن تخرج من الحي.
وقف يعترض طريقها يهمس لها غاضباً:
- أنتي رايحة فين؟
تلجلجت كفتاة ضعيفة خائفة عادت للخلف خطوة واحدة تهمس مرتعشة:
- كنت رايحة أجيب حاجة بسرعة وجاية.
قبض على كف يدها يجذبها معه يعود بها إلى شقتها.
انتزع المفتاح من يدها يفتح باب شقتها يدفعها للداخل ليدخل خلفها.
وقف أمامها يشهر سبابته أمام وجهها يحادثها غاضباً:
- خروج من هنا قبل ما أكتب عليكي عشان نخلص من البلوة دي مش هيحصل. لو رجلك عتبت برة الباب دا هكسر عضمك انتي فاهمة.
ارتجف جسدها تشعر حقاً بالذعر.
لأول مرة تصرخ هي تصرخ من أعماق قلبها المطعون ألف طعنة:
- إنتوا بتعملوا معايا كدة ليييه؟ أنا ذنبي إيه ذنبي إييييه... أنا استنزفت من وأنا طفلة صغيرة الدنيا بتنهش فيا انتوا اللي عملتوا فيا كدة انتوا اللي خليتوني كدة ارحموني بقي أنا تعبت!!
لم يفهم معظم.
لم يتأثر بانهيارها الغريب ذاك.
فقط تركها القي لها المفاتيح تركها وخرج يجذب الباب.
صاح باسم عمر أحد صبيان جبران الذي جاء مسرعاً.
ربت حسن على كتفه يردف بصوت حاد عالٍ لتسمعه من في الداخل:
- تقف هنا لو قالت لك أنا بموت ما تخليهاش تخرج فاهم.
أومأ له الفتى سريعاً.
نظر حسن لباب المنزل المغلق ليكمل طريقه لأسفل.
في الداخل انتزعت روزا هاتفها تحاول الاتصال بصاحب الظل.
هاتفه مغلق لا فائدة.
والمايسترو لا تملك له رقم هاتف من الأساس.
هو فقط من يصل إليها حين يريد ويبدو أنه لا يريدها الآن.
ارتمت على ركبتيها أرضاً تغرز أظافرها في خصلات شعرها تشد عليه بعنف.
صرخت بغيظ لتدفع بالهاتف إلى الحائط بعنف ليتهشم فتات.
هشمت بيدها نقطة الاتصال الوحيدة بينها وبينهم!!
على صعيد آخر لم تنزاح عيني أمل عن مدخل عمارة جبران منذ أن رأت حسن يتوجه إلى تلك الممرضة الحسناء.
اشتعلت نيران الغيرة في قلبها حين أمسك بيدها يعود بها إلى منزلها.
ما الذي بينه وبين الممرضة؟
هل حقاً سيتزوج منها؟
ولكن لا مستحيل هو لازال يحبها ينتظر موافقتها على العودة إليه.
إذا لم انتفض حين رآها وهرول إليها كالمسحور.
أجفلت على صوت ذلك الطبيب وهو يغمغم:
- مساء الفل أزيك يا آنسة أمل.
زفرت أنفاسها حانقة ذلك اللزج يلتصق بها كالعلكة وكم تكره ذلك.
نظرت إليه تبتسم ابتسامة صفراء على مضض:
- بخير يا دكتور إيهاب الحمد لله شكراً لسؤالك.
حمحم متوتراً رفع يده يضعها على رقبتها يبتسم مرتبكاً.
حمحم من جديد يردف متوتراً:
- يارب دايماً. أنا بس كنت عايز أسأل لو ينفع يعني أجي أشرب معاكوا الشاي بكرة بعد العشا بإذن الله.
توسعت حدقتيها قليلاً كانت على وشك الرفض تماماً حين بادرت والدتها من خلفها تردف مرحبة بحرارة:
- تنور وتشرف طبعاً يا دكتور إيهاب هنستناك يا ابني.
ابتهجت الابتسامة على شفتي إيهاب ليودعهم سعيداً قبل أن يغادر.
التفت أمل إلى والدتها تحادثها غاضبة:
- إيه اللي أنتي قولتي دا؟ على العموم هيجي وهيترفض لأني هرجع لحسن خلاص.
ابتسمت سيدة في سخرية لتمسك بالسكين تكمل ما كانت تفعل.
نظرت لأمل بجانب عينيها تغمغم ببساطة:
- هترجعيله إزاي... إذا كنت سامعة بودني دي صبيان المعلم جبران وهما بيقولوا إن الفرح اللي بيتنصب قدامك دا يبقى فرح المعلم حسن على البت الممرضة.
جمدتها الصدمة.
شخصت عينيها وهدر النابض يتألم من الصدمة.
نظرت صوب حسن الذي خرج لتوه من مدخل العمارة لتلقي ما في يدها أجمع تركض صوب شقتها.
تتساقط دموعها رغماً عنها.
رآها حسن ليهرع خلفها ينادي باسمها لتسرع إلى شقتها.
دخلت تصفع الباب تركض صوب غرفتها تغلق بابها عليها تكورت خلف الباب المغلق تبكي بحرقة تضرب صدرها بعنف تصرخ محتدة:
- غبية أنا غبية ما كانش لازم أصدقه... ما كانش لازم أسيبك تحبه... أنا الغبية!
***
منذ ساعات طوااال وسفيان يشرح له كل صغيرة وكبيرة في عالمهم القذر.
أبعد سفيان سيجاره الكوبي الفخم عن شفتيه يغمغم:
- الشحنة اللي جاية لينك نسبة 30 في المية فيها أنت المسؤول قدامي عن توزيعها. خد بالك دا يعتبر اختبار ليك لو اتكشفت هنصفيك اظن مفهوم.
أومأ جبران في هدوء ترتسم ابتسامة غرور على شفتيه.
أعجبت سفيان كثيراً أردف جبران يسأل:
- هي الشحنة اللي جاية كبيرة عشان بس أعرف نسبة الـ 30 في المية دي قد إيه؟
سحب سفيان أنفاس سيجارته بعنف ينفثها ببطء في الهواء.
ابتسم يغمغم:
- أكبر مما تتخيل. الفترة اللي فاتت كانت الداخلية شادة حيلها جامد ومعظم الموزعين اللي تحت أيدينا اتمسكوا بالبضاعة بتاعتهم فالنصف زي ما بتقولوا شاحح في السوق واحنا عاوزين نعوض الخسارة دي عشان كدة كان لازم تفتح سوق جديد مع الطبقة الشعبية نوردلهم صنف عالي بسعر قليل.
أومأ جبران متفهماً الوضع.
قطب جبينه يسأل من جديد:
- طب والصفقة بتاعتكوا دي هتدخل إزاي لما بتقول الداخلية شادة حيلها؟
رفع سفيان كتفيه لأعلى يغمغم ببساطة:
- مش بتاعتنا دي يا جبران. هما عليهم يدخلوا البضاعة أو المصلحة على سليمان المسلمي واحنا علينا نستلم وندفع. في حاجات الأفضل ما نشغلش بالنا بيها. المهم دلوقتي مين هيساعدك في التوزيع؟
أردف جبران ببساطة:
- حسن والرجالة بتوعي وما تقلقش منهم أنا أضمن ولاءهم برقبتي وحسن صاحب عمري ودراعي اليمين مستحيل يغدر بيا.
تأتأ سفيان ساخراً.
دعس ما بقي من سيجارته في المطفأة الزجاج أمامه ليعود بظهره يضجع إلى ظهر الأريكة الوثير يغمغم متهكماً:
- في شغلتنا دي ما فيش حاجة اسمها صاحبي ولا أخويا ولا حتى ابني. لو ساقتك العواطف تبقي مع ألف سلامة، فاهم يا جوز بنتي.
نظر جبران له بصمت للحظات قبل أن يسأله فجأة دون مقدمات:
- أنت كنت عارف اللي هيحصل لوتر في المستشفى مش كدة؟
لم يحصل على الإجابة مباشرة بل حصل عليها من الابتسامة الساخرة التي ارتسمت على شفتي سفيان.
ليكور جبران كف يده يشد عليه بعنف تسارعت أنفاسه يردف غاضباً:
- مين اللي عمل فيها كدة اسمه بس وأنا هقلب الدنيا عليه.
ضحك سفيان عالياً ليقترب يستند بمرفقيه إلى فخذيه يغمغم بدراما مخيفة:
- هششش ما ينفعش نقول هو مين. عامل زي اللورد فولتدمورت ما ينفعش نقول اسمه.
وعاد يضحك من جديد.
في تلك اللحظة دخلت وتر من باب المنزل في حالة هستيريا بشعة تبكي بلا توقف.
انتفض جبران خوفاً عليها ما أن رآها ليهرع إليها يسألها فزعا:
- مالك يا وتر فيكي إيه يا حبيبتي ردي عليا.
ظلت تبكي ويرتجف جسدها ليحملها بين ذراعيه وضعها جالسة على أقرب أريكة جلس جوارها يحاول ضمها لأحضانه يردف سريعاً:
- يا حبيبتي ردي عليا حصل إيه؟
هنا جاء سفيان سريعاً اقترب من ابنته يسألها متلهفاً:
- مالك يا حبيبتي مين ضايقك قوليلي وأنا أهد الدنيا على دماغه.
حاول جبران ألا ينظر إليه متقززاً.
الرجل مبدع في التمثيل بشكل يثير رغبته في القيء.
انتبه لوتر التي ترتجف بين أحضانه بعنف.
يعد نصف ساعة تقريباً بدأت تهدأ أخيراً فابعدها عنه برفق يمسح بكفيه الدموع التي أغرقت وجهها يردف مترفقاً:
- فيكي إيه يا وتر؟ إيه اللي زعلك يا حبيبتي؟
أدمعت عينيها تنظر لوجهه طويلاً يمر أمامها المشهد الذي استيقظت به عارية بين أحضان طارق.
لا تتذكر حتى كيف فعلت ذلك.
حاجتها لذلك الدواء أوصلتها لخيانة زوجها دون حتى أن تدري.
أشاحت بوجهها بعيداً رفعت يدها تسمح ما بقي من دموعها بعنف تغمغم بخواء فارغ من الحياة:
- طلقني يا جبران.
***
- وليد إنت، أنت إزاي عايش أنا مش فاهم حاجة أنت اتضربت بالرصاص قدام عيني.
صرخ بها بيجاد مذهولاً ينظر لوليد في دهشة لا يصدق أنه حي.
كيف يفعل وقد قُتل أمام عينيه لفظ أنفاسه الأخيرة أمامه.
في حين ابتسم وليد في هدوء يمسح على شعر رُسل يوجه حديثه لبيجاد:
- أنا هحكيلك كل حاجة!!!!
رواية جبران العشق الفصل الأربعون 40 - بقلم دينا جمال
الصمت ... الصمت فقط هو ما يُسمع. صوته يراقص نسيم الهواء المتسلل من النوافذ المفتوحة. يقف الثلاثة؛ رُسل تختبئ بين أحضان أخيها، وبيجاد ينظر صوب وليد مدهوشًا، لا يُصدق أنه حي. صديق العمر حي، كيف وقد قُتل أمام عينيه؟
اقترب منه خطوة تليها أخرى، إلى أن صار أمامه. يحرك مقلتيه على وجه وليد، يتأكد أن ما يراه أمامه هو حقيقة حية، لا وهم من نسج خياله. رفع يده يلمس ذراعه، ليعود للخلف خطوتين، يتمتم مذهولًا:
"وليد! أنت عايش؟ إزاي؟ وحكاية إيه اللي هتحكيها لي؟ أنت اتقتلت قدام عينيا. إزاي عايش؟ أنا مش فاهم حاجة."
لف وليد ذراعه حول كتف رُسل، يتحرك بصحبتها إلى أقرب أريكة. جلس هناك، تجلس جواره. أشار لمقعد قريب منه، يوجه حديثه لبيجاد:
"اقعد يا بيجاد، وأنا هفهمك كل حاجة."
تحرك بيجاد بصعوبة إلى المقعد. جلس هناك، ينظر لوليد. عقله إلى الآن في حالة صدمة، لا يعي ما حدث. ينظر لوليد بأعين جاحظة مدهشة. تنهد وليد بعمق، يغمغم:
"فاكر آخر مشهد بينا يا بيجاد؟ لما انضربت بالرصاص قدامك؟ خلاص الدنيا ضلمت قدامي، وكنت فاكر إن ده الموت. بعد مدة مش عارف هي قد إيه، فوقت لقيت نفسي في أوضة شبه المستشفى، ولقيت سفيان ومعاه مجدي باشا أبويا قدامي. سفيان بضحكته المستفزة بيقولي إنه كان يقدر يقتلني، بس عشان مجدي صاحبه، وإني مجبر أكمل شغل معاهم، يا إما هعيش كلب تحت رجليهم، ويخلوني أدمن المخدرات زي ما عملوا معاك. وروني فيديو ليك وأنت في المصحة."
ادمعت عينا وليد، يشدد على احتضان رُسل، يغمغم بنبرة تقطر ألمًا:
"كنت بموت وأنا شايفك بتصرخ من الوجع. قررت إني أنتقم منهم، لازم يدفعوا التمن غالي. وافقت عشان آخد حقي وحقك وحق مراد. واتحطت جثة مشوهة هنا في مصر، واتقال إنها أنا... وبقيت صاحب الظل اللي بيمشي الكل بأمره."
هب بيجاد واقفًا، يشير صوب وليد، يصرخ فيه محتداً:
"أنت صاحب الظل! أنت اللي كنت عايز تخطف رُسل من المستشفى وبعت رجالتك ورانا عشان يقتلونا؟"
حرك وليد رأسه بالنفي سريعًا. أبعد رُسل عنه برفق، اقترب من بيجاد، يغمغم سريعًا بانفعال:
"لا والله يا بيجاد، أنا ما كنتش عايز آذيكم. أنا كنت عايز أخطف رُسل عشان أحميها من مجدي وسفيان. وبعت رجالتي ليكوا عشان يجيبوا عندك عشان تبقوا في حمايتي. بس سفيان الكلب بعت رجالتة هو كمان وضربوا عليكوا نار، فأنت افتكرت إنهم تبعي."
صمت ساد الأجواء للحظات، قبل أن يمد وليد كفيه، يمسك بذراعي بيجاد، يغمغم:
"بيجاد، أنت أخويا مش بس صاحبي.. أنا وافقت أكمل في القرف ده بعد ما كنا قطعنا على نفسنا عهد أنا وأنت ومراد إننا نبطل. عشان آخد حقنا منهم.. أنا دوخت عليكوا لحد ما عرفت مكانك هنا عشان أجلك وأحكيلك الحقيقة.. حط إيدك في إيدي يا صاحبي، ووعدك يوم الحفلة هيدفعوا التمن غالي أوي."
ادمعت عينا بيجاد ألمًا حين تذكر الماضي، عهد الأصدقاء الذين فرقهم الغدر. ليندفع يعانق صديقه، يغمغم محتداً:
"هيدفعوا التمن غالي.. غالي أوي يا وليد."
ارتسمت ابتسامة خبيثة سوداء على شفتي وليد، يربت على ظهر صديقه بخفة، يغمغم بإصرار:
"أوي أوي يا صاحبي!!"
أبعده عنه بعد لحظات، يغمغم متلهفًا:
"المهم دلوقتي، انتوا لازم تيجوا معايا. مش هينفع تفضلوا هنا أكتر من كده. لازم تبقوا تحت حمايتي لحد ما نخلص."
التفت لشقيقته، يغمغم مبتسمًا في رفق:
"يلا يا رُسل، هاتي هدومك وهدوم بيجاد بسرعة."
أومأت له بالإيجاب، لتقترب منه تعانقه سعيدة، قبل أن تهرول للداخل سريعًا. فالتفت بيجاد لوليد، نظر للقناع في يده يسأله مرتابًا:
"اشمعنى وش سفيان اللي لبسته؟"
نظر وليد للقناع في يده متقززًا، تنهد يردف ساخرًا:
"الوش الوحيد اللي كان لايق شوية مع جسمي. وش مجدي عليا حاجة كده عالم سمسم تفطس من الضحك."
ضحك بيجاد بخفة، يكور كفه، يصدم وليد بخفة في ذراعه، يغمغم مبتسمًا في حنين:
"حمد لله على سلامة رجوعك للحياة يا صاحبي.. وحشتني أوي يا وليد."
تلك المرة ادمعت عينا وليد، ليرفع يده سريعًا، يغمغم متألمًا:
"أنا عشت سنين مستني اللحظة اللي هنتجمع فيها تاني. وكان نفسي مراد يبقى معانا."
غامت عينا بيجاد ألمًا، يكور قبضتيه، يشد عليهما، يغمغم متوعدًا:
"هناخد حقه يا وليد، وهندفعهم التمن غالي أوي."
أومأ وليد سريعًا في إصرار. اقترب موعد الانتقام والأخذ بالثأر...
خرجت رُسل من غرفتها في تلك اللحظة، تحمل حقيبة ثياب كبيرة. ليسرع بيجاد يأخذها منها. اشاحت بوجهها بعيدًا عنه، لا ترغب في رؤيته. اقترب وليد من شقيقته، يغمغم ضاحكًا:
"ده واضح إن فيه خناقة كبيرة أوي، والحمار ده مزعل البرنسيس بتاعتي."
انهمرت الدموع من عيني رُسل، تعانق شقيقتها، تغمغم بين ذراعيه بحرقة:
"وحشتني أوي يا وليد.. الحمد لله يا رب إنك عايش.. اوعي تبعد عني.. اوعي تسيبني تاني ليهم يا وليد، عشان خاطري."
أبعدها وليد قليلاً عنه، يكوب وجهها بين كفيه، يمسح دموعها بإبهاميه، يحدثها مترفقًا:
"مش هبعد يا حبيبتي، مش عايزك تخافي من أي حاجة، طول ما أنا وبيجاد جنبك، ماشي يا حبيبتي."
أومأت بالإيجاب، تبتسم بين دموعها المراقة، ترفض التوقف. ليميل وليد، يقبل جبينها، يهمس لها مرتبكًا:
"حبيبتي، أنا لازم، معلش، ألبس الوش ده تاني. لأني هنا في مصر شخص ميت. ظهوري بوشي هيبوظ كل حاجة. ما تخافيش مني، ماشي؟ أوعدك إني هجيبلك حقك من الكلب ده، وقدام عينيكِ."
اهتزت حدقتاها قلقًا، تومئ بتردد. ليبتعد عنها للخف، يتوجه إلى إحدى المرايا، يحاول ضبط ذلك القناع جيدًا على وجهه، إلى أن صار سفيان هو من يقف أمام المرآة، لا وليد. نظر سريعًا ناحية رُسل، يغمغم مطمئنًا:
"ما تخافيش يا حبيبتي، خليكي مركزة مع صوتي."
ارتعشت ابتسامة صغيرة على ثغرها، تومئ مرتبكة. اقترب بيجاد، يمسك بكف يدها، لتنزع كفها من كفه غاضبة، تتوجه صوب وليد. أمسكت بيده، تتحرك معه للخارج، ليتنهد بيجاد حانقًا، يتحرك خلفهم إلى السيارة التي تنتظرهم بالخارج.
***
على فراشها الوثير، تجلس عيناها تزرف الدموع بلا توقف. تنظر لفراغ غرفتها، تشعر بالاشمئزاز من نفسها، مما وصلت له دون أن تدري. أغمضت عينيها قهراً، ليمر أمامها ما حدث وكأنه شريط عرض بطيء.
Flash back
فتحت عينيها بصعوبة، تشعر بصداع بشع يطرق رأسها بعنف. وخز مؤلم يدق كل مكان. رغم ذلك، قاومت. فتحت مقلتيها، تشعر بسياط حادة تضرب جسدها أجمع. أول ما وقعت عليه عينيها، كانت غرفة غريبة لا تعرفها. حتى قطب جبينها قلقة. نظرت جوارها قلقة، لتشخص عينيها، تشهق مذعورة حين رأت طارق يتسطح جوارها، صدره عارٍ. نظرت لنفسها، لتصرخ فزعة، تحكم غطاء الفراش حولها.
استيقظ طارق على صوتها، ليراها تنكمش على نفسها بعيدًا، تنظر له بضياع، تتمتم بلا توقف:
"ده حلم... أنا بحلم... ده ما حصلش... ده حلم."
ابتسم هو ساخرًا، ليعتدل جالسًا، يمط ذراعيه في الهواء. نظر صوبها، يغمغم متهكمًا:
"لا يا روحي، ده مش حلم. أنتِ هنا في بيتي، في سريري."
شهقت بعنف، تضع يدها على أذنيها، تحرك رأسها بالنفي بعنف، تنفي ما يقول. ذلك لم يحدث، لم يحدث أبدًا. ليتجه هو صوبها، امسك بيديها، يبعدها عن أذنيها، ينظر لها، يبتسم متشفياً:
"لأ، حصل. حصل يا وتر. تحبي تشوفي الصور والفيديو الحلو اللي بينا؟ صدقيني، هيعجبك أوي أوي."
صرخت غاضبة، لتصعفه بعنف، تصرخ فيه:
"أنت كلب، وقذر! أنا هوديك في ستين داهية. هموتك بأيديا."
ضحك طارق عالياً، يمد يده يود أن يلمس وجنتيها، لتنفض يده بعنف، تبص على وجهه. مسح وجهه، يغمغم ساخرًا:
"وماله... من حق الجميل يتدلع. دلوقتي قدامك حل من اتنين: يا تكوني good girl وتطلقي من اللي اسمه جبران ده، ونتجوز أنا وأنتي... يا تزعليني وأنا زعلي وحش، وحش جدا. هبعتله الصور والفيديوهات، وأنتي بصراحة، بعد حباية الصداع، كنتي مضيعة خالص. الفيديو جامد... قدامك لآخر الأسبوع بعد الحفلة، يا إما تطلقي، يا إما هخليه هو يطلقك ويقرف حتى يبص في وشك. أنا مش فاهم إزاي أصلاً ما كانش قرفان من ضهرك المشوه ده، ولا كان قرفان."
أغمضت عينيها قهراً، تنساب الدموع من قلبها قبل عينيها. على مضض، أومأت بالإيجاب. ليتحرك من الفراش، ذهب إلى مقعد قريب، يجلب لها ثيابها، ألقاها على الفراش، ينظر لها ساخرًا قبل أن يخرج من الغرفة.
وضعت يدها على فمها، تصرخ بصوت مكتوم، تشهق في بكاء عنيف، يرتجف جسدها بلا توقف. قامت سريعًا، ترتدي ثيابها، تمسك بحقيبتها، خرجت من الغرفة، تنظر له بقرف. تحركت لتغادر الشقة، لتسمعه يغمغم ساخرًا:
"استني يا بيبي، مفاتيح عربيتك أهي. هتروحي إزاي؟ إحنا بعيد عن فيلا بابي جدا."
التفتت سريعًا، لتراه يشير إلى طاولة قريبة منها، وُضعت المفاتيح إليها. اندفعت تلتقطها بعنف، تحركت لتغادر، ليعترض طريقها، يرفع شريط الأقراص أمام وجهها. ارتسمت ابتسامة كبيرة شامتة على ثغره، يتمتم متشفياً:
"برشام الصداع هتحتاجيه كتير الفترة الجاية!!"
اعتصرت مقلتيها ألمًا، تنتزع الشريط من يده بعنف، تبصق على وجهه، لتندفع للخارج، تهرول، لا تعرف حتى كيف وصلت للمنزل.
Back
أجفلت على صوت الباب يُفتح. دخل جبران يحمل في يده كوب عصير ليمون. اقترب يجلس جوارها، يمسح على رأسها برفق. ضحك بخفة، يحاول أن يمازحها:
"لسه بتعيطي؟ أنا قولت هتهدي شوية بعد ما تاخد الشاور بتاع ولاد الذوات ده. انتي قعدتي بتاع ساعة ونص في الحمام."
لم تبتسم حتى، ليتنهد قلقاً. شيء ما حدث لها، شيء سيء للغاية. مسح دموعها مرة بعد أخرى، يضم رأسها لصدره، يغمغم مترفقاً:
"مالك يا حبيبتي؟ احكيلي حصل إيه. انتي ما بتخبيش حاجة عليا يا وتر... في أي حاجة، ما تقلقنيش عليكِ كده."
حركت رأسها بالنفي بين أحضانه بعنف، تختبئ هناك داخل قلبه. رفع رأسها قليلاً، يحاول جعلها ترتشف القليل من العصير، لعلها تهدأ. فعلت بصعوبة، لتتكور بين أحضانه، ترتجف بعنف، إلى أن تعب عقلها، وأرهق الخوف جسدها، فنامت رغماً عنها.
نظر لها وهي نائمة، وبقايا الدموع تُغرق خديها، متألماً. مسح على رأسها بخفة، يدثرها بالغطاء. حين سمع دقات خافتة على باب الغرفة، تحرك سريعاً قبل أن تستيقظ من الصوت. فتح الباب، ليجد إحدى الخادمات تنظر أرضاً في ارتباك، تهمس سريعاً:
"جبران باشا... سفيان باشا بيبلغ حضرتك إنك تنزل، لأن فيه ضيوف تحت، عاوز يعرف حضرتك بيهم."
أومأ لها يشكرها، عاد للغرفة، ينظر لوتر ليطمئن أنها لا تزال نائمة. خرج بخفة من الغرفة إلى أسفل. قرب نهاية السلم، رأى سيدة غريبة لم يرها قبلًا تصعد لأعلى. وقفت أمامه على بعد ثلاث درجات منه، تبتسم في غواء. لينظر لها مشمئزًا على ما تفعله. لا ينكر أنها جميلة، ملابسها وشكلها يبدو عليهم الثراء الفاحش، كحال كل شيء هنا. وقف جانباً ليُفسح لها الطريق لتصعد، فابتسمت ساخرة. مرت من جواره، لتتعثر عن قصد، كادت أن تسقط، فأسرعت تستند بكفيها إلى صدره، تُسبل عينيها بنعومة، تهمس له:
"سوري، أصلي كنت هقع."
ابتسم على مضض، يومأ له، لتعود تسبل عينيها من جديد، تردف تسأله برقة:
"ما اتعرفش بيك. ما كنتش أعرف إن سفيان عنده ولاد لطاف."
ابتسم من بين أسنانه، أمسك بكفيها، يبعدها عن صدره، يغمغم متأففاً:
"أنا جوز بنته، مش ابنه."
توسعت عيناها قليلاً في دهشة، أشارت له، تغمغم مذهولة:
"معقولة؟ أنت المعلم بتاع الحارة اللي بيتكلموا عنه؟ ده أنت شكلك أنضف منهم كلهم. تعرف أنا لو ما كنتش متجوزة، كنت أكيد هحب أتجوز معلم زيك. محظوظة وتر."
غمزته بطرف عينيها، تبتسم في غنج، تلوح له بأطراف أصابعها وداعاً، تكمل طريقها لأعلى. ليبصق في أثرها، يغمغم متقززاً:
"ده إيه الولية الشمال دي؟ هو ما فيش حد عدل في المخروبة دي..."
أكمل طريقه لأسفل، ليسمع صوت ضحكات سفيان العالية تأتي من مكتبه، تحركه صوباً. يدق الباب، ليسمع صوت سفيان يطلب منه الدخول. خط للداخل، ليقوم سفيان، يفتح ذراعيه، يرحب به بحرارة:
"أهلاً أهلاً بجوز بنتي.. تعالا يا جبران، أعرفك بصديقي عمري مجدي... صديقي وصاحبي وشريكي في الشغل كله، حتي في الصفقة بتاعت آخر الأسبوع."
نظر جبران صوب الرجل الذي يتحدث عنه سفيان. نفس الهيئة تقريباً، حلة فاخرة، سيجار ضخم، شعر أبيض، وجهه ممتلئ قليلاً. قامة مديدة، أقصر من سفيان قليلاً. عينيه سوداء مخيفة، بها من الخبث ما لم يقل سفيان تماماً. اقترب يصافحه مبتسماً:
"أهلاً وسهلا يا مجدي بيه."
ابتسم مجدي، يقيم جبران بنظارته، ليمد يده يصافحه باستعلاء، يوجه له ابتسامة باردة. ليبتسم جبران ساخراً. جلس الثلاثة، ليوجه سفيان حديثه لمجدي:
"قولي صحيح، أخبار شيرين معاك إيه دلوقتي."
ابتسم مجدي، يضطجع بظهره إلى ظهر المقعد، ينفث دخان سيجارته، يغمغم مبتسماً:
"ياريتها كانت اتخطفت من زمان. من ساعة اللي حصل، وهي بقت واحدة تانية خالص. زي ما بيقولوا، بتتمنالي الرضا، أرضي بس."
ضحك سفيان عالياً، يصدم مجدي في كتفه بخفة:
"أيوه يا عم، عايش في العسل. أهي العروسة جت أهي."
غمغم بها مرحباً حين دخلت تلك السيدة. نظر جبران سريعًا ناحية الباب، ليجد تلك السيدة التي كانت تتحرش به. نظر صوب مجدي، يحرك رأسه للجانبين، ينظر له، يتخيل قرنين فوق رأس مجدي، لينفجر ضاحكًا. ما أن تخيلهم، نظر مجدي له مستنكرًا، ليحمحم سفيان سريعًا:
"إيه يا جبران؟ بتضحك على إيه؟ ما تضحكنا معاك."
"أصل العروسة طلعت خبرة." قالها جبران ضاحكًا، ليتذكر ذلك المشهد من الفيلم القديم تقريبًا.
حمحم سفيان محرجا، يلكز جبران في ذراعه ليتوقف عن الضحك، في حين أردف سفيان مكملاً:
"ابنك طارق عمل إيه؟"
اعتدل مجدي، يغمغم مبتسمًا في زهو:
"ما تقلقش، طارق مظبط كل حاجة عشان الحفلة."
وبدأ يشرح له إنجازات ابنه العظيمة التي يقوم بها لإنجاح الحفل، ليقلب جبران عينيه ساخرًا. تحرك يغادرهم، يود أن يصعد ليطمئن على وتر. في طريقه للخروج من الغرفة، وجد ذلك المدعو طارق يدخل، يبتسم له ابتسامة مستفزة. لينظر له جبران بسخرية، كاد أن يكمل طريقه، حين استوقفه شيء واحد. وتر منذ أيام وهي ترتدي قلادته التي يتدلى منها موس ليس بحاد. أخذتها منه كهدية لنفسها. السؤال الآن، لما تتدلى تلك القلادة من عنق طارق؟