تحميل رواية «جبران العشق» PDF
بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1العشق .. ما به ؟غريب مخيف ساحريسلب الألبابيُسحر العقوليفتت المنطقيكسر الواقعيتخطي المألوفحين تجد نفسك كطفل صغير ليلة العيد فرحا فقط من ابتسامة عابرة فأعرف أنك سقطت في شرك العشق !حين تتدافق دقات قلبك تلكم صدرك حين تبصر طيفها يأتي من بعيد يتلهف لرؤيتها كما يتلهف الظمآن لرشفة ماء .. فأعرف أن قلبك بات عضو ينبض في صدرك ويعيش في جسدها هي ! قبل عدة أعوام من الآن في منطقة صحراوية والليل قد اسدل استاره يغطي المكان سودا تتجمع رجال الشرطة يلفون المكان بحواجز تمنع الاقتراب فلاش الكاميرا لا يتوقف عن التقا...
رواية جبران العشق الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم دينا جمال
صدمة، صدمة أشبه بصاعقة حلت على رأسه. يقف متصنمًا وكأنه جماد نُحت من صخر. بالطبع، حلم. ما يحدث أشبه بفيلم يمكن أن يراه على شاشة التلفاز، لا يحدث في الواقع أبدًا.
كان يشد ساقيه بعنف، يجبرها بأن تتحرك إليها. حتى بات أمامها، نزل على ركبتيه أمامها، يمعن النظر لقسمات وجهها. أيعقل أنها هي؟ لم يرها منذ سنوات طوال. كانت طفلة حين سافرت مع خالته وزوجها. هدر قلبه بعنف حين بدأت تنتفض.
تنهمر الدموع من مقلتيها، تصرخ مذعورة:
"لا، أبوس إيدك بلاش تدخلني هنا. هعمل كل اللي أنت عاوزه، ارحمني."
ارتجف جسده غضبًا، احمرت مقلتيه. يحاول ردع دموعه. إن كانت حياة ابنة خالته أو لا، تلك الفتاة رأت عذابًا لا يُحتمل. مد يده يمسح على رأسها برفق، إلى أن هدأ جسدها الخائف المرتعش.
هنا، تحرك سريعا إلى غرفة النوم. يتذكر أنها كانت تمسك حقيبة صغيرة في يدها حين أتت لهنا. دخل الغرفة ليراها ملقاة جوار الفراش. أخرج محتويات حقيبتها أجمع. لم يجد ورقة واحدة تدل على هويتها. ما وجده كان فقط قلادة قديمة، هي نفس القلادة الموجودة في الصورة القديمة.
فتح القلادة ليرى صورة خالته وزوجها. هنا توقف قلبه، وتجمدت الدماء في عروقه. انهمرت الدموع تتمرد على ثباته الواهي. حين رأى حياة من جديد، رآها وقد فقدت الحياة.
***
ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغرها، تنظر للأوراق أمامها. تحرك القلم بين يديها. يظن أنها بما يفعل ستسامح، ستغفر. واهم، أحمق. وضعت القلم على سطح المكتب، تزفر أنفاسها بعنف، تشد على كفيها غاضبة. تنظر أمامها محتدة. حسن يحاول أن يثبت لهم أنه الزوج المحب الحنون، بعد أن أجبرها على الزواج منه بصور سخيفة خدعها بها دون أن تدري.
زفرت أنفاسها بعنف، تشرد فيما حدث قبل عدة ساعات من الآن.
**Flash back**
كانت نائمة. آخر ما تتذكره أنها أبعدت صينية الطعام عن الفراش واتكأت بجسدها إليه. لم تشعر بنفسها إلا وقد نامت رغما عنها، نوم متقطع يتخلله كوابيس بشعة. بدأت تستيقظ مع صوت من بعيد يهمس باسمها. فتحت عينيها قليلا. الصورة أمامها لا تزال مشوشة، ضبابية. رأته وظنت أنها لا تزال تحلم في كابوس مخيف، فصرخت بأعلى صوتها.
انتفض هو مذهولا حين بدأت تصرخ. يحاول تهدئتها:
"أمل، أمل... فوقي يا أمل."
تحرك إليها، أمسك ذراعيها يهزها علها تستفيق مما هي فيه. جاور صوت صرخاتها صوت سيدة وهي تصرخ مذعورة باسم ابنتها. وصوت خطواتها تهرول إليهم. فُتح الباب ودخلت سيدة مفزوعة. هرعت إلى أمل تجذبها إلى أحضانها تسألها خائفة:
"مالك يا أمل، في إيه يا قلب أمك... عمل فيكِ إيه يا حبيبتي؟"
ومن ثم وجهت أنظارها ناحية حسن، تنظر له بمقت، تصرخ فيه:
"أنت عملت إيه في البت؟ منك لله يا أخي، حسبي الله ونعم الوكيل فيك... يا بت اهدي، ردي عليا، مالك؟"
ابتسم حسن في سخرية، يغمغم متهكما قبل أن يوليها ظهره ويغادر:
"بنتك بفستان الفرح يا ست سيدة، صباح الفل."
خرج وجذب الباب يغلقه. لتُبعد سيدة أمل عنها، تنظر لفستان زفافها. رفعت وجهها إليها تسألها:
"أومال بتصرخي ليه يا بت؟ هو ضربك ولا إيه؟ قوليلي لو ضربك، أطلع أنسل اللي في رجلي على جتته."
وهنا بدأت تستيقظ وتستفيق، وتعي ما يحدث حولها. أعطت لوالدتها شبح ابتسامة لتطمئنها. مسحت وجهها بكفيها لتغمغم:
"أنا كويسة يا ماما، ما تخافيش. أنا بس طول الليل بحلم بكوابيس، فكنت فاكرة إني في كابوس، فصرخت."
تنهدت سيدة بارتياح قليلا. نظرت للغرفة حولها، المكتب، الكتب، الفراش، دولاب الملابس، الشرفة الصغيرة. عادت تنظر لابنتها، اقتربت تلتصق بها تهمس لها:
"قوليلي حصل إيه امبارح؟ أوعى يكون اعتدى عليكِ يا بت وأنتِ خايفة ولا مكسوفة تقوليلي؟ دا أنا أمك... صارحيني يا بنتي."
ابتسمت أمل في ترفق، تحاول أن تطمئن والدتها. مدت يدها تربت على كف يد والدتها تخبرها بما حدث بالأمس، باستثناء موضوع الصور لأنه كان مقلب سخيف خدعها به. تنهدت بعمق تنهي كلامها:
"بس يا ماما، دا كل اللي حصل. شيلت صينية الأكل وقولت همدد على السرير، ما حستش بنفسي ونمت، بس كانت نومة وحشة أوي كلها كوابيس."
أصابت الدهشة والحيرة عقل سيدة من تصرفات حسن المتناقضة، وكأنه الشئ ونقيضه. ربما هو فعلا يحب ابنتها، وصد أمل المتكرر له هو من دفعه للزواج منها بذلك الشكل. باتت هي الآن التي تبحث عن مبررات لحسن عما فعله؟ يكفي أنه فطر قلب ابنتها لتكرهه للأبد.
مدت سيدة يدها تمسح على شعر ابنتها، لتُوجه أمل أنظارها إليها، فابتسمت سيدة تحادثها بترفق:
"أنا مش عارفة أقولك إيه يا أمل. أنا طول الليل بدعي ربنا أنه ما يأذكيش، والحمد لله ربنا استجاب. أنا مش هقولك عيشي واستحملي، لأني عارفة وشاهدة يا بنتي أنتِ قد إيه نفسك توصلي وتحققي حلمك. كل اللي أقدر أقولهولك أن لو حسن منعك عن حلمك دا، أنا قبله ههد المعبد على دماغه. ما ترضيش وتسكتي على أي إهانة منه ليكِ... خلي كرامتك تاجك يا بنتي، فاهماني يا أمل."
ابتسمت أمل، تؤمئ برأسها. كادت أن تقول شيئا حين دق حسن الباب ولم ينتظر الإذن ليدخل. فتح الباب ودخل يحمل صينية عليها كوب عصير وبعض الحلوى. ها هو حسن يتصنع دور الزوج النبيل ويقدم هو بنفسه الضيافة لوالدة زوجته. حمحم، يضع الصينية جوارها، ابتسم يوجه حديث جاف لوالدتها:
"نورتينا والله يا حماتي، البيت بيتك طبعًا."
حرك رأسه ناحية أمل يوجه حديثه لها:
"أمك جايبة صينية فطار برة. كلي وما تعمليش زي العشا. أنتِ مش عيلة صغيرة عشان أفضل أقول كلي كلي. أنا نازل لجبران وهبقى أجيب غدا وأنا جاي."
وغادر، تاركًا كل منهن تنظر في أثره بأعين جاحظة من الدهشة. قطعتها والدة أمل تزجه حديثها لابنتها:
"يعني هو طيب ولا شرير ومفتري؟"
ضحكت أمل على ما قالت والدتها بعفوية، تضرب كفًا فوق أخرى. بعد جلسة طويلة مع والدتها، ودعتها وغادرت. فقامت هي واغتسلت، وخلعت فستانها الأبيض. أمسكته تنظر له بابتسامة ساخرة، لتلقيه بعيدًا، لا ترغب في رؤيته من جديد.
**Back**
منذ ذلك الحين، وهي تجلس على مكتبها تنظر للأوراق شاردة. ليس فيه، ولكن في المستقبل المرهون بموافقته. لن تخدع إن رفض أن تكمل حلمها، ولكن إن كان يريد أن يرفض، لما أحضر كلها تلك الكتب والملخصات؟ ربما يتلاعب بها ليرميها بالطامى الكبرى. لم تعد تثق به.
أجفلت على صوت الباب ورائحة طعام ذكية. دخلت معه تقريبًا. هل أحضر طعامًا من محل المشويات على ناصية شارعهم؟ تلك رائحة شواءه المميزة. أصدرت معدتها مواء ضعيف تخبرها بأنها لم تتناول شيئًا منذ أمس. ويزيد. تجاهلت صوت معدتها الملح.
ما كادت توجه أنظارها للورقة أمامها، شهقت مفزوعة حين أدار المقبض يدخل الغرفة بعنف. وقف عند باب الغرفة ينظر لها غاضبًا ليصرخ فيها محتدا:
"بردوا ما كلتيش؟ بتعاقبيني كدة يعني؟ عايزة تموتي نفسك؟"
تهدجت أنفاسها غضبًا، هبت واقفة من مقعدها. احتل الكره نظرات عينيها، تصرخ فيه:
"أنت مالكش دعوة بيا، أكل ما أكلش، أعيش أموت... مالكش دعوة بيا."
اشتدت أصابعه على المقبض يستمع إلى صراخها فيه لأكثر من عشر دقائق، إلى أن انتهت ووقفت تنظر له تتنفس بعنف. ليتوجه إليها، قبض على رسغ يدها يجذبها معه رغما عنها إلى الخارج. حاولت بإستماتة. نزعت يدها من كفه دون فائدة. جرها إلى طاولة الطعام. وقف أمامها، ابتسم يغمغم ببساطة مستفزة:
"عروسة بقي وبتدلع، بس ما فيش عروسة تقول لعريسها مالكش دعوة بيا. ماشي يا حبيبتي، أنا لذيذ أهو ومش هتعصب، بس ما اسمعش كلمة مالكش دعوة بيا دي تاني أبدًا."
كلمته الأخيرة نطقها بشيء من الحدة أخافتها، ولكنها لم تظهر أمامه. ظلت تنظر له في حقد. في حين جذب هو المقعد لها وطال بينهما الصمت. تنظر له تتحداه كأنها تخبره أنها لن تفعل. فابتسم في خبث، مد يده يلتقط قطعة لحم مشوي صغيرة يدسها في فمه، ابتسم يغمغم ساخرًا:
"اقعدي أحسن وكلي. معدتي بتنوح من الجوع، دا أنا سامع صوتها من على باب الشقة."
نظرت له باشمئزاز، تحركت لتغادر عائدة لغرفتها. لتشعر به يقبض على رسغها بعنف مخيف. جذبها للخلف لتصبح أمامه في لحظة. كان يصرخ في وجهها غاضبًا:
"اقعدي كلي، وإلا والله..."
قاطعته قبل أن يكمل ما يقول، تصرخ في وجهه بحرقة:
"دا اللي أنت بس بتعرف تعمله، تلوي دراع اللي قدامك، تهدده، تجبره يعمل أي حاجة بس لأنك عاوزه يعملها. حقيقي أنا بكرهك يا حسن، وكنت أتمنى من كل قلبي إني اتجوز زياد وما اتجوزكش أنت."
أرادت أن تصفعه بكلماتها، لعله يستفيق مما يفعل. وكأنها الهبت موقد انسكب فوقه الجاز أطنانًا. واقترب منه قبس صغير. أفلت رسغ يدها وتركها تتحرك إلى غرفتها. في اللحظة التي كادت فيها أن تغلق الباب، تحرك هو إليها يدفعها للداخل، يوصد الباب عليهما معا وهو بالداخل معها.
***
يمسك ورقة صنفرة كبيرة يعمل على مكتب صغير قبل أن يرسله لمحل الدهانات ليأخذ لونه النهائي قبل التسليم للزبون. لاحظ في الشارع حركة غريبة غير مفهومة في الشارع من حوله. لما معظم الشباب يمسكون حقائب للهدايا، ومنهم من يرتدي قمصان حمراء، والفتايات ما ذلك اللون الأحمر الذي ضرب في ثياب معظمهن؟ هل احتل الشياطين حيه وأصبح الجميع خدم لهم، لذلك يرتدون لون النار؟
أشار إلى أحد صبيانه يسأله:
"خد ياض يا عمر، هو في إيه؟ هو الشارع ولع وأنا مش موجود ولا إيه؟ إيه كل الأحمر دا؟"
ابتسم الفتى ابتسامة واسعة يغمغم سريعا:
"صباحية مباركة يا سيد المعلمين. لا يا معلم، دا النهاردة عيد عند الخواجات، بس تقريبا بهت على المصريين زي ما تغسل أبيض وملون كدة مع بعض. اسمه الفلانتين يا معلم، كل واحد مصاحب ولا خاطب ولا متجوز ملزم يجيب للست بتاعته هدية، وإلا هتخلي يومه أسود مش أحمر."
صرفه جبران ووقف ينظر للمشهد الذي أمامه يتكرر كل عام تقريبًا. بابتسامة ساخرة، ضرب كفًا فوق أخرى، يتعجب مما يرى أمامه، يغمغم متهكمًا:
"والله وبقي للفلفل والتين عيد يا بلد."
لمعت عيناه للحظات، ولما لا، ليجرب هو الآخر. التقط قطعة، يمسح يده من بقايا الأخشاب. تحرك ناحية أحد المحال في الحي، اشتري منه شيئًا ليتوجه عائدًا إلى بيته من جديد. دس المفتاح في قفل الباب، دخل بخفة ليسمع صوت وتر يصرخ من أحد الغرف. تحادث أحدهم وتبدو خائفة، غاضبة، ترتجف:
"أنا هقوله على الحادثة يا بابا خلاص، حتى لو طلقني... هو كان تحدي أصلا وخسرت فيه من قبل ما أدخله... أنا مستنياك ترجع لأني أكيد مش هيبقى ليا مكان بينهم بعد كدة. طيب يا بابا، سلام."
أغلقت الخط لتخفي وجهها بين كفيها تجهش في البكاء. لم يرد أن تعرف أنه استمع لها. عاد إدراجه إلى باب الشقة، فتحه يغلقه بقوة لتستمع له. وعلا بصوت ينادي عليها:
"وتر، أنتي فين يا بت؟"
سمع صوتها قادمًا من ناحية المطبخ، تحاول أن تجعل نبرة صوتها طبيعية:
"أنا في المطبخ يا جبران، بعمل نسكافيه."
تحرك إليها، يتنهد بعمق. سيعرف كل شيء، ولكن في وقته. دخل إلى المطبخ يبتسم ابتسامة واسعة، يغمغم فجأة:
"كل فلفل تين وأنت طيبة يا وتر."
ضحكت عاليًا رغما عنها على محاولته اليائسة لنطق تلك الكلمة دون فائدة. ليحمحم محتدا غاضبًا من ضحكاتها، يزمجر متأففا:
"أنتِ بتضحكي على إيه دلوقتي؟ أنا اللي غلطان إني قلدت العيال الفرافير أم بناطيل مقطعة دول وجبتلك هدية زيك."
توسعت عيناها في دهشة. هل أحضر لها هدية حقًا؟ زادت دهشتها حين اقترب منها يبسط يسراه برفق على عينيها، يحجب عنها الرؤية، يحثها على السير للأمام. تسارعت دقات قلبها تفكر في الكثير من الأشياء الرائعة التي يمكن أن يكون قد أحضرها. وقفت فجأة ليسحب يده من فوق عينيها لتنظر لما أحضر. تجمدت الابتسامة على شفتيها. توسعت حدقتاها في ذهول تشير إلى ذلك الشيء مدهوشة:
"إيه دا؟!"
قبض بكفه على قطعة اللحم الكبيرة الحمراء، رفعها في يده. ابتسم يغمغم بزهو:
"دي حتة لحمة حمرا تستاهل بوقك. قاطعها من عند الواد سعد الجزار، بس مش عايز أقولك ما فيهاش لا عصب ولا دهن. حاجة كدة تتاكل نية. ها، إيه رأيك؟ هدية فخيمة مش كدة؟"
ضحكت بيأس، محاولة فاشلة، ولكنها تبقى محاولة. خرج بها خارج إطار شخصيته السيئة. حاول أن يهديها شيئًا من وجهة نظره هو. ابتسمت تحادثه بهدوء:
"اللي بيجيب لحد هدية يا جبران، بيجيب الهدية اللي هتسعده، مش اللي هتسعدك أنت. بس على العموم شكرا أنك افتكرتني."
ابتسم، ظل صامتًا للحظات طويلة قبل أن يزفر أنفاسه بعنف، يردف فجأة:
"بصي يا وتر، أنا لا بتاع لف ولا دوران ولا بعرف أزوق الكلام. من الآخر يا بنت الناس، حادثة إيه اللي مخبياها عليا ومش عايزة تقوليلي عليها؟"
في لحظة، تبدلت السعادة التي كانت تعلو وجهها إلى خوف. ضرب قلبها، شحب وجهها واضطربت حدقتاها. ارتجفت الأحرف من بين شفتيها تسأله متلعثمة:
"حادثة إيه؟ إيه الكلام اللي أنت بتقوله دا؟"
أمسك كف يدها يجذبه معه إلى الأريكة، يجلسها وجلس جوارها. ابتسم يغمغم ضاحكًا:
"عارفة يا وتر، أنا أكتر حاجة شدتني ليكِ صراحتك وثقتك وأنك ما بتخافيش. بس اللي قدامي دي مش وتر. حادثة إيه يا وتر اللي مخبياها عليا؟ أنا من حقي أعرف، ولا إيه؟"
نعم، محق. كان يجب أن تخبره قبل الزواج، ولكنها ترددت. خافت، لا تعرف، ولكنها لم تجرؤ على إخباره. تجمعت الدموع في عينيها تلقائيًا ما أن تذكرت ما حدث. ارتجف جسدها لتحتضن نفسها بذراعيها، تحاول أن تبث الأمان لنفسها. نظرت ناحية جبران، ارتسمت ابتسامة عذبة تصرخ ألمًا على شفتيها، تغمغم:
"أنا آسفة لو خبيت عليك، واسفة في اللي هقولهولك. أرجوك سامحني... أنا اتعرضت لحادثة اغتصاب يا جبران، من مريض نفسي من سنة في مستشفى كنت بتدرب فيها وأنا طالبة. دا غير أنه شوه ضهري بجزء من أساس مكسور."
غصت نبرة صوتها واختنقت بمرار الألم. انهمرت الدموع من مقلتيها، ترتجف بعنف، تتحرك للأمام وللخلف، تهمس بحرقة:
"حاولت أقاوومه والله وصرخت يمكن حد يسمعني أو ينقذني، لكن ما حصلش. كتفني وكان بيشوه في ضهري بجزء مدبب من إزاز كسره من المكتب. كنت حاسة أنه بيسلخ روحي من جسمي. صرخت كتير وما حدش سمعني. ضهري كله كان بينزف ووجع بشع وهو مبتسم ابتسامة مريضة. زقيته وجريت ناحية باب الأوضة، بس لحقني. ما لحقتش أهرب منه، والله ما لحقت."
رواية جبران العشق الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم دينا جمال
سكتت. أخرجت ذلك العبء الذي كان يجثم على صدرها منذ عام. كانت تريد أن تكون طبيبة نفسية. وللسخرية، إنها قضت ما يزيد عن ستة أشهر كاملة تتلقى علاجًا نفسيًا مكثفًا لتتجاوز ما حدث لها. قضت أيامًا تصرخ بلا توقف من بشاعة ما مرت به.
أغمضت عينيها تتذكر المشهد مرارًا وتكرارًا. عذاب لم تنساه أبدًا.
والصمت كان رد فعله الذي أخافها. ظل صامتًا، صامتًا، لم ينطق بحرف. حركت رأسها ناحيته ببطء شديد إلى أن تقابل وجهها بوجهه. الدموع تتدافع من مقلتيها. أما هو، فكان الصمت يكمم فمه، والكثير من المشاعر تتأرجح داخل مقلتيه. لكم كيانه بعنف ما بين صدمة وغضب وألم. يرغب في صفعها لأنها خدعته، وفي ضمها لقلبه لأنها تتألم.
كسر صمته بجملة واحدة:
"وريني ضهرك."
أغمضت عينيها ألمًا، تومئ له بصمت. أولته ظهرها، ترفع ردائها قليلًا حتى ربع ظهرها وأقل. لمحت عينيه خطوطًا غائرة تركت أثرًا لن يُمحى. مد يده يتلمسها بأصابعه، وبيده الأخرى رفع سترتها يكشف ظهرها. أغمض عينيه للحظة يحاول أن يعي بشاعة تلك الخطوط التي حفرت ظهرها وكم الألم الذي تعرضت له، وذلك المجنون يفعل بها ذلك.
أعاد سترتها كما كانت. رآها كيف احتضنت نفسها وهبطت دموعها بغزارة وألم قوي. نغز قلبه. قام من مكانه، تركها ودخل إلى المرحاض. أغلق الباب عليه، يهرول إلى حوض الغسيل، يدس رأسه تحت صنبور المياه. برودة المياه لا تُطفئ تلك النيران المتأججة بصدره. جسده وكأنه كتلة من لهب مستعر. اختلطت مياه الصنبور بمياه مالحة نزفت من عينيه. رفع وجهه للمرآة، وضع يده على فمه وصرخ دون صوت. تحرك كالمجنون ذهابًا وإيابًا. وقف عند أحد الجدران، استند عليه بجسده ليصدم رأسه بالحائط. كم يرغب فقط في أن يرى من فعل بها ذلك ليمزق أحشاءه. سيجده حتى وإن شق الأرض سيفعل.
ظل بالداخل لفترة طويلة قبل أن يخرج ملابسه بالكامل شبه مبللة. لم يجدها في الصالة حيث تركها. تحرك إلى غرفة نومهم ليجدها تجمع ثيابها في حقيبتها. توقف ما أن رآه يدخل إلى الغرفة. وجهت له ابتسامة شاحبة باهتة تردف:
"أنا آسفة، أنا عارفة إني كان المفروض أقولك قبل ما نتجوز. أنا بلم هدومي أهو خلاص وماشية. تقدر تطلقني في أي وقت تحبه. بابا قرب يجي من السفر وهمشي من المكان كله، فارجوك ما تقولش لحد على اللي قولتهولك لحد ما أمشي على الأقل."
تحرك من مكانه يلتقط الثياب من يدها، يعيدها إلى دولاب ملابسها. أمسك الحقيبة يفرغ محتوياتها داخل الدولاب، فسقطت الثياب مبعثرة. ألقى الحقيبة جانبًا، يغلق دولاب الملابس بكفيه بعنف. تحرك تحت نظراتها متوجهًا إلى فراشهم. جلس فوق سطحه ينظر لها يتمتم متعجبًا:
"أنتِ رايحة فين بالظبط؟ في عروسة تسيب بيت جوزها بعد يوم جواز؟ أنتِ عايزة الناس تقول متجوزة عيل، لمؤاخذة."
لم تفهم ما يقول، عقدت ما بين حاجبيها تنظر له مستفهمة. فابتسم، ربت على الجزء الفارغ جواره. فتنهدت، تحركت تجلس جواره تنظر أمامها للفراغ. تحركت شفتيها تسأله بخواء فارغ:
"ليه عملت كدة؟"
مد يده يمسك بطرف ذقنها برفق، أدار رأسها ناحيته. طفت ابتسامة صغيرة فوق ثغره يحادثها:
"عشان أنتِ مراتي، وعشان أنتِ مالكيش أي ذنب في اللي حصل. مش معقول أبدًا تكوني مريتي بالعذاب ده كله وأنا أحكم عليكي بالإعدام لذنب ما عملتيهوش."
تجمعت الدموع في مقلتيها تنظر له مدهوشة. ذاك آخر ما توقعته رد فعله. لم تكن رأت كيف انقبضت قسمات وجهه غضبًا، احمرت عيناه، شد أسنانه بعنف، يهمس بشراسة متوعدًا:
"أقسم لك إن هلاقِي اللي عمل كدة وهحاسبه. هدوقه من نفس الكاس."
تهدجت أنفاسها، ثبتت مقلتيها عليه، تضطرب بعنف على قسمات وجهه. انهمرت دموعها خطوطًا على وجنتيها، غصت نبرة صوتها تغمغم مدهوشة:
"أنا ما اتوقعتش أبدًا إن ده يكون رد فعلك."
ظل ينظر لها للحظات، يعاند رغبته في جذبها لأحضانه. ولكن حين نظرت له ولمعت عيناها، شدها إليه في لحظة. شعرت بجسدها يحط على صدره العريض ويديه تطوقها. رأسه فوق رأسها يثبتها داخل أحضانه. لا تصدق أنها بين ذراعيه يحتضنها. لم ينفر منها. يديه تمسح على ظهرها وكأنه يعتذر لها عن بشاعة ما لاقت. بكت بحرقة تغرق وجهها داخل صدره. علا صوت بكائها، تتابعت شهقاتها لتسمع صوتًا يخبرها مترفقًا:
"اصرخي يا وتر، طلعي النار اللي في قلبك جوا حضني، اصرخي."
وفعلت. تمسكت تصرخ بحرقة ومشاهد ما حدث تُعاد أمام عينيها. أغمضت عينيها بعنف تصرخ داخل صدره صرخات يمتصها جسده لتهشم روحه. يشد بذراعيه على جسدها حتى هدأت شيئًا فشئ. بدأت صرخاتها تخبو وصوت بكائها يخف. أمسك ذراعيها يبعدها عنه قليلًا. رسم ابتسامة دافئة يطمئنها بها يردف:
"أنا راجل جدع وابن بلد أعرف إن كان اللي قدامي صادق ولا بيحور عليا. لاء، ده أنا أعجبك أوي يا بنت الذوات. يلا يا بت روحي اغسلي وشك وشوفيلنا لقمة ناكلها."
ابتسمت كطفلة صغيرة طمأنها أبوها أن لا وحوش أسفل فراشها بعد اليوم. تذكرت شيئًا. نظرت له تغمغم مبتسمة:
"عاوز تاكل إيه؟ أنا بعرف أعمل سموكم سالمون تحفة وبعرف كمان أعمل نجرسيكو وسوشي وباستا بالمشروم والوايت صوص."
قطب ما بين حاجبيه يحاول أن يفهم أسماء الأدوية التي نطقتها وما علاقتها بالطعام. ابتسم يغمغم سريعًا:
"اسم الله عليكِ. شايفة كل اللي قولتيه ده ارميه في الزبالة. اقلعي الكعب العالي والبسي الشبشب. افتحي التلاجة هتلاقي حلة بامية وحلة ملوخية أمك عملاهم وكنت جايب لها 2 كيلو لحمة تسلقهم. سخني كل ده وحطيهم على الترابيزة ومعاهم بصلتين ولمونة ورغيفين عيش. يلا يا بت على طول على ما أغير هدومي."
ضحكت بخفة تومئ له. خرجت من الغرفة تتحرك سريعًا إلى المطبخ. لتختفي ابتسامته. اندثرت تمامًا. شد على كفيه. تضاربت دقات قلبه. تكلم صدره بعنف. همس بحرقة:
"إزاي أحاسبك على ذنب كنت أنا السبب فيه؟ قسما بالله لأجيب اللي عمل فيكِ كدة وهخليه يتمنى رحمة الموت."
أغمض عينيه بعنف يضرب بقبضته على فخذه. قام من مكانه يبدل ثيابه ليخرج إليها.
أما هي، فتحركت إلى المطبخ تفكر في رد فعل جبران. توقعت العكس تمامًا. توقعت أن يثور ويغضب. توقعت حتى أن يعنفها. أهون الأمور أن يطلقها ويطردها خارجًا. ولكن تفاجئت حقًا. تقبل الوضع، احتواها داخل أحضانها. أخرجت صرخات قلبها على صدره. كيف يكون الشخص وعكسه في شخص واحد. تنهدت بعمق، تفتح المبرد تخرج ما فيه. حتى الصحون الفارغة وضعتها في حوض الغسيل وبدأت في تسخين الطعام ووضعه في الصحون. تنقله إلى الطاولة. خارجًا. العجيب في الأمر أنها لا تشعر بالضيق وهي تفعل ذلك. وهي التي كانت تأنف من أن تحمل كوبًا من مكانه. وضعت الطعام على الطاولة. بحثت حولها في المطبخ إلى أن وجدت سلة بها البصل. أخذت اثنين كما طلب، كما أخذت الخبز والليمون. حين خرجت من المطبخ وجدته يجلس على طاولة الطعام يزيح أكمام سترته للخلف. أزاح المقعد المجاور له ما أن رآها. وضعت ما في يديها أمامه. تجلس بجانبه. قطع قطعة ليست صغيرة من الخبز أمامه يغمسها في طبق (الملوخية). اقترب بها منها، يغمغم مبتسمًا:
"افتحي بوقك يا بنت الذوات."
ضحكت بخفة تأكل ما في يده. ليرتجف جسدها. سرت قشعريرة باردة تتحرك في أوصالها حين مسح على ظهرها من فوق ملابسها. يسألها مترددًا:
"هي العلامات دي بتوجعك؟"
حركت رأسها بالنفي، تبتسم بألم يقطر من بين شفتيها. ليمسك بالملعقة يخرج قطعة لحم من الطبق أمامه. أمسكها في يده يقربها من فمها يغمغم ضاحكًا:
"أحسن علاج للزعل اللحمة. اسمعي مني دي وصفة مجربة."
لم تستطع سوى أن تضحك على ما يقول، ليضحك هو الآخر. يغمغم واثقًا:
"شوفتيها. اديكي ضحكتي لما شوفتيها بس."
***
الهمجي البلطجي شبه الرجل دخل خلفها يغلق الباب عليهم. واهم أن ظن أنها ستخافه. حتى وإن كانت تخافه بالفعل، لن تدعه يتمتع بلذة انتصاره عليها أبدًا. وقفت أمامه بثبات تنظر له بتحدي. صحيح أنه تشعر أنه كبركان غضب على وشك أن ينفجر في لحظة، ولكنها لم تهتم. فقط صرخت فيه محتدة:
"اطلع برة! أنا مش عاوزة أشوفك!"
وانفجر في لحظة. كان أمامها، قبض على ذراعيها يهزها بعنف، يصرخ فيها بعلو صوته:
"بقي زياد بتاعك ده أحسن مني؟ ويارتيك اتجوزتيه هو!"
دق قلبها بعنف خوفًا، يبدو غاضبًا عليها. ألا تثير غضبه أكثر حتى لا يؤذيها. من يعرف ما الذي يمكن أن يفعله بها. ولكنها لم تصمت. أرادت أن تؤلمه كما ألمها. أن تشعره بالعذاب التي شعرت به حين استيقظت في غرفة غريبة وعرفت أنه اختطفها وهددها بصور وهمية زائفة. مر كل ذلك أمام عينيها لتصرخ فيه محتدة:
"أيوه أحسن منك ألف مرة وكنت هبقى أسعد إنسانة في الدنيا لو اتجوزته. على الأقل ظابط عنده أخلاق ومحترم مش زيك بلطجي ما تعرفش غير لوي الدراع."
عليها أن تهرب، ولكن للأسف لا سبيل هنا. الغرفة مغلقة والمفتاح في جيبه والشرفة بعيدة عنها وهو يقبض على ذراعيها. لن تستطيع أن تتحرك.
ارتعبت حين رأت وجهه يشتعل نارًا. عيناه التهبت. يده انغرست في ذراعيها على وشك أن تمزق لحمها. يبدو أنها تعدت الخطوط الحمراء بما قالت. دون مقدمات، ترك ذراعيها وشق ثوبها. شهقت مذعورة تحتمي بذراعيها بحركة غريزية سريعة. تحركت تعود للخلف مذعورة وهو يتحرك صوبها، يديه تتخلص من قميصه بعنف. عيناه مثبتة عليها، يحادثها بشراسة متوعدًا:
"أنا كان نفسي أبدأ معاكي صفحة جديدة. كان نفسي تحسي بحبي ليكِ. كنت هقف جنبك لحد ما تحققي كل اللي نفسك فيه. كنت هجبلك كل يوم هدية بتحبيها. كنت هعمل حاجات كتير أوي عشان تسامحيني عشان جوازنا يستمر وينجح. زياد بتاعك ده حلو عشان ظابط. طب ما أنا كمان ظابط بس مفصول من الخدمة وأحسن إنهم فصلوني. زياد بتاعك ده كان مساعد عندي."
شهقت مذهولة مما يقول. ضابط؟ كان ضابط وفصلوه وزياد يعرفه، بل كان مساعده أيضًا. ما ذلك الذي تعرفه؟ لم تسأل. هو أكمل وهو يقترب بنبرة ساخرة متلذذة:
"عايزة تعرفي فصلوني ليه؟ عشان زي ما قالوا أنا شخص عنيف سريع الغضب بفشل في مأمورياتي فاتفصلت وخلعت الأسود ولبست الأزرق واشتغلت فيه. أنا مش آسف على اللي هعمله، بس أنا ما حدش يهين كرامتي ولا يقارني بحتة عيل كنت بقوله أعمل إيه وما تعملش إيه!"
ارتجفت خوفًا حين ألقى قميصه بعيدًا. يكفي ما عرفته عنه توا وها هو الآن على وشك الاعتداء عليها. لمحت عينيها سكين الفاكهة على طبقه. اندفعت تلتقطه. أمسكت يديها ترتعش بعنف، صرخت فيه:
"لو قربت مني أنا هموتك!"
لم يعبئ بتهديدها. اقترب في لمحة يقبض على رسغ يدها. صرخت مذعورة تحاول جذب يدها من يده تصيح فيه:
"أوعى! سيبني! ابعد عني يا حيوان، هموتك لو قربت مني! أنا هقتلك!"
ارتجف جسده. شعر ببرودة قارسة تجتاحه بعنف وذكرى بعيدة تصرخ في رأسه لسيدة تبكي تمسك سكين تصرخ تقاوم قبل أن تطعن نفسها. سقطت أرضًا غارقة، ماتت بين يديه. حرك رأسه نفيًا بعنف. ذكرى لا تذهب، لا تختفي.
وبدلًا من أن يترك يدها، قبض على رسغها بعنف يطعن السكين في صدره!
***
الليل في مستنقع الشياطين لا نهار له يطول ويطول. في غرفتها تجلس هناك على أريكة تمد ساقيها. زجاجة نبيذ كبيرة تمسك بها في حين في يدها الأخرى تمسك بصورة لرجل تنظر له تبكي بعنف. تنظر لصورة الرجل بشوق تحتضنها بين حين وآخر تقبلها كل ثانية تقريبًا. فُتح باب الغرفة ليدخل مجدي. ابتسم ساخرًا ما أن رأى زوجته المصون تمسك بصورة أخيه تحتضنها وكأنها تحتضنه هو. العاهرة! ألا تخجل؟ صفع الباب يغلقه بعنف. فلم توجه حتى أنظارها له، فقط ظلت تنظر للصورة في يدها. خلع سترة بدلته يخرج منها قداحته. اقترب منها ينزع الصورة من يدها يحرقها أمام عينيها. فلم تفعل شيئًا، فقط ابتسمت ترفع زجاجة النبيذ إلى فمها تتجرع منها بشكل نهم. أنزلتها بنبرة ثملة ساخرة وجهت حديثها لمجدي:
"مش مهم عندي منها مليون نسخة، حتى لو حرقتهم كلهم. هو موجود في قلبي يا مجدي. ده اللي هيجننك إنك رغم كل اللي عملته إني لسه بحبه هو حتى بعد ما مات، مش كده؟"
صفعها بعنف لتضحك عاليًا. رفعت الزجاجة إلى فمها تتجرع ما بقي فيها قبل أن تلقيها بعيدًا. وقفت تترنح في خطواتها. اقتربت تبسط يديها على صدر مجدي. ابتسمت شامتة تغمغم ثملة:
"إحساسك بيبقى إيه يا مجدي وأنت عارف إني بحب أخوك؟ بتخيله هو مكانك؟ خونتك معاه قبل ما يموت وحملت منه وأنت قتلت الجنين يا قاسي القلب."
لطمها من جديد لتسقط أرضًا على وجهها. رفعت وجهها عن الأرض تضحك عاليًا. ظلت تضحك لدقائق طويلة قبل أن تتحول ضحكاتها لدموع بحرقة. صرخت فيه:
"أنت كنت عارف إني بحب أخوك وهو بيحبني ومع ذلك أصررت تتجوزني غصب عني وعنه وعن الكل."
أكمل خلع ثيابه في هدوء تام. فقط نظر لها. ابتسم متلذذًا بما فعله يغمغم:
"أنا عمري ما حبيت أخويا. كان لازم آخد منه أكتر حاجة حبها عشان أحرق قلبه وقلبك. أنا حبيتك قبله وأنتِ رفضتي حبي ورحتيله هو. وفي الآخر أنا برضه اللي فزت اتجوزتك وعيشتك ملكة. بس عشان انتي عاهرة رميتي نفسك في حضن أخويا في أول فرصة. ساعتها وعدتك إني مش هقتلك. أنا هموتك كل يوم بدل المرة ألف."
وفعلًا لاقت معه العذاب ألوانًا. يكفي أنه أجبرها على إدمان المخدرات حتى يعذبها ليعطيها ذلك السم حين تحتاج إليه. شعرت بكم كبير من الغضب هجمت عليه تريد قتله. فأسرع هو يقبض على يديها وهي تصرخ تتلوي بين يديه:
"هقتلك يا مجدي! أنا هموتك! هقتلك زي ما قتلته وقتلت روحي!"
أمسك يديها في كفه الأيسر وكف الأيمن كان لا يفعل شيئًا سوى لطمها على وجنتيها بعنف. نزفت الدماء من أنفها وشفتيها وهو يتحرك بها إلى الخلف إلى فراشهم. رماها فوقه بعنف. حركت رأسها نفيًا بوهن تحاول دفعه بعيدًا عنها. يكفي نهشًا في روحها كلما أراد. محاولات واهنة من جسد ثمل وعقل خامل وروح معذبة. لم تقاوم كثيرًا. آخر ما سمعته كان جملته المعتادة:
"فتحي عينك يا شيرين. اللي قدامك مجدي مش سراج. سراج مات. أنا اللي قتلته بإيديا!"
***
تتذكرون وصف الأديب الكبير نبيل فاروق عن سونيا غرهام. وجه نحتته الملائكة وقلب أبدعته الشياطين. وصف يليق إلى حد كبير بتلك التي تقف أمام مرآة زينتها الآن سلاسل من حرير الذهب تتموج على ظهرها المشدود ذو الخصر النحيف. أعين خضراء وكأنها حبات زيتون نضجت في ربيع عينيها الغناء. بشرة بيضاء تكاد تكون شفافة بشكل غريب. أهداب كثيفة تظلل حبات الزيتون وشفتين كحبات التوت. قامة ليست بالطويلة. جسد ممشوق وكأن ميجين الحسناء وهبتها حسنها. وجاءت سيرن نداهة البحور السبع تودعها. صوتها العذب. واشتغلت نيران الشر فرحًا بميلاد شيطانة جديدة بحسن قاتل وقلب لا يعرف الرحمة. تشكلت روزا الفاتنة. هاهي تلتف حول نفسها تبتسم في وداعة. أرجو ألا تصدقوها.
فُتح باب غرفتها. نظرت من خلال سطح مرآتها له وهو يدخل للغرفة لتبتعد عنها. اقتربت منه تلف ذراعيها حول عنقه. حاولت تقبيله ليشيح برأسه عنها. ابتسم ساخرًا يردف:
"روزا، توقفي عن محاولة قتلي بذلك السم الذي تضعينه على شفتيكِ."
انكمشت قسماتها حزنًا، أسدلت أهدابها الكثيفة تترجاه بوداعة:
"هيا حبيبي، صدقني لن يقتلك. فقط ستمرض لبضعة أيام. سأخرج فيهم بعيدًا عن قصرك. الملل منذ أن أرسلت تلك المقززة حياة إلى مصر وأنا لا أجد ما أتسلّى به."
حرك رأسه نفيًا بعنف. فك حصار ذراعيها عن عنقه يغمغم برفض قاطع:
"لا روزا. تركتكِ خارجين قبل أسبوعين. النتيجة عشر قتلى في وضح النهار. أنا لن أخاطر بانكشاف شخصيتي بعد كل ما فعلته."
صدمته في صدره بعنف تصيح فيه:
"أنا من فعلت وليس أنت يا صاحب الظل. روزا البريئة ذات النظرات الناعسة هي من خدعت الحمقى حتى صدقوها. أنا من أوصلتك لما أنت فيه الآن."
ابتسم ساخرًا يحرك رأسه بالإيجاب. دس يديه في جيبي سرواله يردف متهكمًا:
"نعم نعم، أعرف. روزا الجميلة هي صاحبة الفضل على صاحب الظل العظيم. وماذا فعل صاحب الظل؟ قتل كل من أرادت روزا. حتى تلك الفتاة حياة فعلت بها ما طلبتي فقط لأنها تفوقت عليكِ في الدراسة. ماذا تريد روزا الآن؟"
اقتربت منه أكثر، لفت ذراعيها حول عنقه. قربت رأسها منه تهمس له جوار أذنيه:
"قتل رُسل العمياء!"
رواية جبران العشق الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم دينا جمال
رواية جبران العشق الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم دينا جمال
تجاوزه ودخل وكأنه لا يقف من الأساس.
بخطى مختالة كالطاووس، تحرك سفيان داخل صالة شقة سفيان. ينظر لأثاث الشقة نظرات تملؤها الازدراء والاحتقار.
توجه ناحية أحد المقاعد وجلس فوقه، يضع ساقاً فوق أخرى. نظر صوب جبران، ارتسمت ابتسامة واسعة على ثغره، يغمغم ساخراً:
- أنت بقي المعلم جبران السواح اللي ضحكت على بنتي واتجوزتها؟ طيب بهدوء وبشيك بالمبلغ اللي تحبه طلقها، والا أنا ما بحبش أستخدم الطرق التانية.
ظل جبران صامتاً للحظات قبل أن ينفجر في الضحك. دفع الباب بيده بعنف ليرتد يُغلق محدثاً صوتاً عالياً.
تحرك صوب مجلس حماه العزيز، جلس على المقعد المقابل له. ابتسم يغمغم ببساطة:
- منور والله يا سفيان باشا. البيت بيتك يا حمايا. استنى أنده لك وتر هتلاقيها نايمة عروسة جديدة بقي، أنت فاهم.
وغمزه بطرف عينيه ليوصل له إيحاء معين، مما جعل وجه سفيان يشتعل غضباً. في حين علا جبران بصوته يصيح باسم زوجته:
- وتر، وتر يا عروسة اخرجي ما تتكسفيش. دا أبوكي جاي يبارك لنا.
في اللحظة التالية، انفتح باب الغرفة بلهفة. خرجت وتر تبحث بعينيها عن والدها. هرولت إليه ما أن رأته، ليضمها بين أحضانه. وقف يحتويها بين ذراعيه، يمسح على رأسها بخفة، يغمغم مشتاقاً:
- وحشتيني يا حبيبتي. خلاص أنا رجعت وكل العك اللي حصل دا أنا هصلحه، حتى لو اضطريت إني أخلص منه خالص.
وجه جملته الأخيرة إلى جبران يتوعده بنظرة قاسية، فابتسم جبران ساخراً من وعيده. تلاقت عينا سفيان بعيني جبران للحظات، كل منهما ينظر للآخر متحدياً، قبل أن يبعد سفيان ابنته عن أحضانه. أمسك ذراعيها بين كفيه يحدثها مبتسماً:
- يلا يا حبيبتي غيري هدومك. مش لازم حتى تجهزي أي شنط ليكِ.
توجست عينا وتر قلقاً. نظرت لطرف عينيها لجبران، لا تعرف ماذا تقول. قبل أن تنبت بحرف واحد.
وقف جبران من مكانه، تحرك إليهم يوجه حديثه لسفيان:
- أنت راجل كبير وأنا محترمك عشان أنت حمايا وفي بيتي. إنما مراتي مش هتخرج من بيتي.
أزاح سفيان ابنته من المنتصف، اقترب خطوة من جبران. ابتسم يغمغم متهكماً:
- مراتك! أنت فاكر أن وتر هانم الدالي ممكن تتجوز واحد زيك أنت؟ أحسن لك تاخد الشيك وتسيب بنتي تيجي معايا. أنا لحد دلوقتي بتكلم بالحسنة، شوية كمان مش هتسمع صوتي من صوت الرصاص.
ضحك جبران من جديد. مد يده يمسك برسغ يد وتر، جذبها ناحيته بخفة، يلف ذراعه حول خصرها، ألصق خدها بثغره، يبصم عليه قبلة عميقة متسلية. ابتسم يوجه أنظاره لسفيان، يغمغم ساخراً:
- أنا بحب صوت الرصاص أوي. إنما مراتي مش هتخرج من بيتي إلا لو هي بنفسها قالت أنها مش عايزة تعيش معايا.
نظر سفيان له محتداً غاضباً. انتقل بعينيه إلى ابنته، يوجه حديثه إليها:
- قولي له أنك مش هتعيشي. خلينا نمشي من المكان دا. أنتي مكانك مش هنا يا وتر، يلا بينا.
اضطربت حدقتاها حائرة. أتوافق وتعود لحياتها السابقة؟ وتر هانم ابنة رجل الأعمال، الفتاة المدللة التي تأمر تُطاع، تعيش في قصر تستقل سيارات فارهة، يأتي ما تحلم به برمشة عين. ولكن جبران، هل ستتركه هكذا ببساطة؟ ما فعله معها جعل هناك بذرة مشاعر صغيرة نمت داخلها له. هل ستُنتزع تلك البذرة قبل أن تُروى؟ حتى والدها يبدو غاضباً وجبران أيضاً يبدو غاضباً. والحرب إن اشتغلت بينهما سيخسر الجميع. والدها لا يتحرك دون حراسته، وجبران ورجاله. الوضع سيء.
قاطع تلك الدوامة صوت دقات على باب المنزل. هرولت من ذراع جبران إلى الباب، علّ الطارق يساعد في حسم ذلك الموقف أو حتى تهدئته. فتحت الباب لتجد والدتها!
لم يكن ينقصها سوى أن يكن الطارق قرب الثالثة فجراً، هي والدتها ووالدها هنا يتشاجر مع زوجها.
اندفعت روحية إلى داخل شقة جبران. وقفت بالقرب منهم تنظر لسفيان وكأنها تنظر للموت الذي حضر دون سابق إنذار. وكأن شريط عرض طويل يمر أمام عينيها. سفيان الدالي، رجل الأعمال الذي أغوى الخادمة المسكينة حتى سقطت في شباكه بعلاقة محرمة نتجت عنها أنها باتت تحمل بطفلة. ها هو سفيان، ها هو الشيطان.
ارتجفت حدقتا روحية حين رأت ابتسامته الساخرة، عينيه التي لا تتوقف عن فحصها. دس يديه في جيبي سرواله يحادثها ساخراً:
- أزيك يا فتحية؟ عاش من شافك. شوفتي بقي أنا أطيب منك إزاي؟ جبت لك بنتك اللي أنتِ سبتيها وهربتي لحد عندك. بس ما توصلش إنك تجوزيها في غيابي. أنا سفيان الدالي، بإشارة من صباعي أحرق لك المكان دا عاليه وواطيه.
هنا بدأ جسد فتحية يرتجف بعنف والدموع تغزو مقلتيها والألم ينهش قسمات وجهها، قبل أن تصرخ بحرقة:
- أنت شيطان! لاء، دا الشيطان مستحيل يبقى بنفس شرك وقسوتك.
التفتت برأسها تنظر ناحية ابنتها، احترقت عينيها بالدموع التي هطلت تجري على وجهها، تصيح بحرقة:
- أنا كنت بشتغل خدامة في فيلا الباشا. حاول مرة واتنين وتلاتة أنه يغويني عشان أكون له في الحرام وأنا رفضت. عارفة لما رفضت عمل إيه؟ خلي واحدة من الخدمين، منها لله، تحط لي مخدر في الأكل.
Flash back
على طاولة المطبخ في فيلا فخمة يمكن أن تراها فقط على شاشات السينما، تجلس فتاة شابة في بداية ربيع عمرها، ربما هي في العشرين من عمرها. تنظر للفراغ تفكر شاردة. عليها أن تجد حلاً، تبحث عن عمل آخر. المصيبة أنت شبه يحتجزها هنا. أدمعت عينيها، ألن يتوقف عن محاولة جرها لفخه؟ أخفت وجهها بين كفيها تبكي بحرقة. إلى متى ستظل تدافع عن شرفها؟ حقها، لما يصر على سلبها منها؟
أجفلت خائفة حين غزت رائحة عطره المخيفة المكان. رفعت وجهها إليه، ارتجفت حدقتاها ذعراً حين رأته يقف داخل المطبخ تحديداً أمام الطاولة مباشرة يتفحصها بنظراته الجريئة، الفجة، المخيفة. عينيه السوداء تلمع بلهيب أسود مخيف. طوله الفارع، صدره العريض، يبعثان فيها إحساساً مخيفاً بالرهبة. قسمت وجهه وكأن شيطاناً نحتها. العاملات هنا تراه وسيماً وهي تراه شيطاناً يعثو في الأرض فساداً.
اهتزت شفتيها مذعورة، خاصة حين اقترب، جذب المقعد الملاصق لها يجلس فوقه. مد يده يحاول أن يلمس وجنتها، لترتد للخلف مذعورة. ضحك مستمتعاً. اقترب برأسه منها، يغمغم ساخراً:
- مش ناوية تسلمي بقي يا توحة؟ صدقيني دا أنتِ هتشوفي معايا النعيم. أنا لو عايز آخدك بالغصب هعمل كدة، بس أنا بحب الرضا. ها، قولتي إيه؟
انهمرت الدموع تغطي وجهها، تحرك رأسها بالنفي بعنف، تحاول الابتعاد عنه، لتكتم قسمات وجهه. يغمغم متوعداً:
- بس افتكري أنك أنتِ اللي رفضتي.
وقام من مكانه وخرج من المطبخ. لتنهمر دموعها قهراً. شعرت بأحد ما يربت على كتفها برفق. نظرت للفاعل لتجد ميادة زميلتها في قصر الشيطان. شهقت بعنف، ترمي بين أحضان ميادة، تنهار في البكاء. والأخيرة تواسيها قدر استطاعتها:
- اهدي يا فتحية، ما تعمليش في نفسك كدة. هو أكيد مش هيعمل لك حاجة. هو بس عايزك تسلمي له وأنتي رفضتي خلاص، أكيد مش هيعمل لك حاجة.
لم تقتنع بكلمات ميادة، ولكنها حاولت تطمئن نفسها بها. أومأت لها بقهر، لتبعدها ميادة عنها، تربت على كتفها برفق، تحادثها مبتسمة:
- أنا هجيب لك تاكلي. من الصبح ما حطتيش لقمة في بوقك.
ابتعدت عنها، تحضر طبق طعام فاخر! وضعت داخله ما لم تره أعين فتحية. تقدمت منها، تضع الطبق أمامها على الطاولة، تحادثها مبتسمة:
- كلي يا حبيبتي وما تشيليش هم. ربنا هيعدلها. يلا كلي.
جائعة كانت حقاً جائعة. أمسكت الملعقة بيديها ترتجف. على الرغم من أنها لم تذق للطعام طعماً منذ مدة طويلة، إلا أنها كانت تدفع الطعام إلى حلقها وكأنه يرفض ابتلاعه. عدة معالق وبدأت تشعر بشيء غريب يحدث لها. هي واعية، عقلها يعمل، عينيها تتحرك، ولكن جسدها يخمل وكأنه ينفصل عن عقلها. ارتمت على ظهر المقعد تنظر لميادة. حركت لسانها تهمس لها:
- ميادة الحقيني، أنا مش عارفة مالي. حاسة كأن جسمي اتشل.
لحظة تبدلت ابتسامة ميادة اللطيفة لأخرى خبيثة. اقتربت من فتحية تربت على رأسها، تغمغم ساخرة:
- سامحيني يا توحة، بس أنتِ مش أحسن مني. وزي ما أنا سلمت للشيطان، أنتي كمان لازم تسلمي.
جحظت حدقتا فتحية ذعراً، خاصة حين توجهت ميادة إلى باب المطبخ تفتحه، تستدعي الواقف خارجاً:
- اتفضل يا سفيان باشا، هي في انتظارك.
فقط رأسها هي ما تحركها بالنفي بعنف، تبكي بقهر. ها هو يدخل إلى المطبخ بابتسامته المخيفة، اقترب منها، مال برأسه يهمس لها مهسهساً:
- مش قولت لك افتكري أن أنتِ اللي رفضتي يا توحة. كان ممكن أخليها تحط لك مخدر وتنامي خالص، بس أنا عايزك واعية لكل اللي هيحصل وتشوفي عقاب اللي يرفض سفيان باشا إيه.
شهقت مذعورة حين رفعها بين ذراعيه يحملها كالعروس، يتحرك بها إلى الخارج تحت نظرات ميادة المتشفية. لم يخرج منها سوى صرخات مذعورة حاولت بها مقاومته مع جسدها المخدر المشلول، لتتعالى ضحكاته المخيفة، يردف ساخراً:
- اصرخي زي ما أنتِ عايزة، ما حدش هيسمع أو هيسمعوا ويعملوا طرش.
توجه بها إلى إحدى الغرف، ها هي النهاية تقترب. حين مد جسدها على الفراش، جلس جوارها ينزع الحجاب عن رأسها، يتحسس خصلات شعرها. تحاول أن تبعده عنها برأسها. همست تترجاه:
- أبوس إيدك ورجلك يا باشا ارحمني.
مد يده يتخلص من سترته، يفتح أزرار قميصه ببطء، يتلذذ بنظرات الذعر البادية في عينيها، يغمغم متلذذاً:
- ما قولتلك يا توحة، قولتلك تعالي بمزاجك. أنتِ اللي اخترتي العذاب.
وكلمة النهاية كانت بداية العذاب كما يجب أن يكون. سلخ روحها وترك الجسد ينزف. وتلك كانت فقط البداية. سفيان لم يتركها، اتخذها أسيرة لرغباته المريضة، محتجزة في غرفة صغيرة بها مرحاض، يدخل لها بالطعام في أطباق من الكرتون الرقيق حتى لا تحاول الانتحار كما حاولت قبلاً. مر شهر عليها وهي حبيسة تلك الغرفة، تصرخ النهار كله، تدق الباب المغلق علّ أحدهم يشفق عليها ويفتح لها. وتصرخ الليل كله وهو ينتزع روحها بلا رحمة.
لا تعرف ما حدث، فقط شعرت فجأة بدوار حاد وكأن الأرض تميد من تحتها. لم تشعر سوى بوخز مؤلم ضرب ذراعها. فتحت عينيها بالكاد، حركت جفنيها لتري سفيان ومعه رجل آخر يتحدثان. لم يكن عقلها واعياً تماماً بما يقول. جملة واحدة فقط هي من فهمتها جيداً:
- ألف مبروك، المدام حامل!
حامل، الكلمة كانت كصفعة أيقظت عقلها من ثباته. لم تنسِ ابتسامة سفيان أبداً، وكأنه حقق نصراً عظيماً بجعلها تحمل منه. قصره، كلماتها التي قالها لها قبلاً:
- مبروك، أنا مستني على نار وريث سفيان الدالي!
Back
صدمة، صمت، لا صوت سوى صوت شهقات فتحية المتتابعة وهي تقص ما حدث لها. وجهت كلماتها الأخيرة لابنتها تصرخ بحرقة:
- استني لما ولدت وخدك من حضني جوا المستشفى وسبني مرمية هناك. حاولت كذا مرة أشوفك بس كان بيخلي الحراس بتوعه يطردوني كل مرة. أبوكي سفيان باشا الدالي أقذر من الشيطان لدرجة أنه كان بيعمل علاقات بالغصب مع الشغالات الصغيرين اللي بيخدموا عنده.
وتر تقف هناك عند باب المنزل المغلق، عينيها على وشك أن تخرج من مكانها من هول ما سمعت. كانت تعيش سنوات في كنف والدها، تراه أعظم الرجال، وهو ليس إلا مغتصب دنئ به كل صفات الشر والخبث. حتى هي جاءت من علاقة محرمة.
ثقلت قدماها تجرها جراً حيث يقف والدها. وقفت أمامه، عينيها تغشاها الدموع، حركت حدقتيها المرتعشة على قسمات وجهه، تشهق في البكاء، تحادثه بحرقة:
- مش صح؟ قولي أن اللي بتقوله دا مش صح، قولي أنه كذب، قولي أنك ما تعملش كدة.
ارتسمت ابتسامة بسيطة على شفتي سفيان، مد يده يضعها على كتفها برفق، يحادثها:
- وتر حبيبتي، اهدي.
دفعت يده بعيداً بعنف، تصرخ فيه بحرقة:
- ابعد إيدك عني، إياك تفكر تلمسني. أنت مش بابا. أنت مين؟
انهارت في البكاء. ليقترب جبران منها سريعاً، فارتمت بين أحضانه تتعلق به، تصرخ بحرقة:
- امشي من هنا، امشي اطلع برة. أنا مش هروح معاك في حتة. أنا مش عايزة أشوفك تاني.
- وتررر.
أردف بها سفيان بحدة، ليمد يده في جيب سترته، يخرج عدة أوراق تبدو قديمة. اقترب منها يفتح الورقة أمام عينيها، يصيح فيها غاضباً:
- أنا سكت وما رضتش أتكلم عشان ما تعرفيش الحقيقة، بس طالما بتتهمني بالقرف دا كله، يبقى لازم تعرفي الحقيقة. امسكي افتحي دول وشوفي.
رميتها بنظرة عتاب كارهة. ابتعدت عن جبران قليلاً، تلتقط الأوراق من يده، تفتحهم. ما أن وقعت عينيها على أول ورقة، شهقت بعنف، جرت عينيها على الكلام من ورقة لأخرى. رفعت وجهها تنظر لوالدتها بأعين حادة مذهولة، تحركت بمقلتيها لوالدها تسأله بحذر:
- الكلام ده حقيقي؟
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي سفيان، دس يديه في جيبي سرواله الفاخر، يغمغم ببساطة:
- الورق قدامك أهو، وديه لأكبر محامين في البلد لو طلعت ورقة واحدة مزورة، يبقى أنا شيطان زي ما كانت بتقول عني. عندك قسيمة جوازنا أنا ومامتك وشهادة ميلادك وصورة ليا أنا وهي في الفرح، وتقرير من الدكتور النفسي اللي كانت بتتعالج عنده أنها بيجيلها هلوسة وبتشوف حاجات ما بتحصلش. ولما طلبت منها نروح مستشفى كانت عايزة تاخدك وتهرب وضربتني بالسكينة، دا أنا خدت منها بالعافية. كانت عايزة تموتك.
أخرج سفيان كفيه من جيبي سرواله، يفتح أزرار قميصه الأولى، كشف عن أعلى كتفه ليريهم جرح السكين الذي لا يزال أثره حتى الآن. جحظت عينا وتر مدهوشة تنظر ناحية والدتها. في أسف، مسكينة، والدتها تعاني من الهلاوس!
ما قاله كله لم يحدث من الأساس. هنا صرخت فتحية بحرقة:
- كذاب، والله العظيم كذاب. ما تصدقيهوش يا وتر. والله هو اللي عمل كدة. هو يقدر يشتري أي حد عشان مصلحته.
احتدمت عينا سفيان غاضباً. تلك الحمقاء لن يسمح لها بتدمير علاقته بابنته. وتر، بطاقته الرابحة في الخطوة القادمة تحديداً. نظر لابنته يحادثها معاتباً:
- أنا مش مصدق فعلاً أنك مصدقاها يا وتر. أنتي عايشة معايا بقالك كااام سنة؟ عمرك شوفتيني حتى بصيت لواحدة من الخادمات عشان أعمل حتى اللي هي بتقول عليه دا؟
محق، لن تنكر. والدها لم يفعل ذلك أبداً. دائماً ما كانت تستمع إلى أحاديث الخادمات أن والدها شخص حازم، صارم، قاسٍ، ودائماً ما يرفق كلهم كلمة، لكنه شخص محترم، لا ينظر لأي منهن نظرة واحدة خبيثة أو سيئة.
وقفت في المنتصف بين والدها الذي ينظر لها معاتباً على تصديق تلك الكلمات المشينة عنه، ووالدتها التي تبكي بحرقة تنفي برأسها ما يقول سفيان. حركت رأسها للجانبين. نظرت ناحية جبران الذي يقف صامتاً، صمت غريب، لم يعلق حتى، وتلك ليست من عادات جبران.
تدخل جبران وقتها يوجه حديثه لفتحية:
- يا ست فتحية، اللي بتقوليه دا يجي في الأفلام بس، إنما ما يحصلش. معلش يا ست فتحية، بس أنا مش مصدق الحكاية اللي أنتِ بتقوليها دي.
نظرت فتحية لجبران مدهوشة، لتؤيد وتر الفكرة. تفسير والدها منطقي أكثر. اقتربت من والدتها تمسك بذراعيها بخفة، تحادثها بترفق:
- ماما، المرض النفسي أبداً مش عيب يا حبيبتي.
توسعت عينا فتحية في ذهول، انفرجت قسمات وجهها مدهوشة في ألم. لا تصدق ما تقوله. مرض نفسي! باتت هي المريضة هنا وسفيان هو المحق. الجميع صدقه وباتت هي المجنونة.
اندفعت تركض لخارج المنزل. صاحت وتر باسمها، تركض خلفها. وخلفهم جبران يصيح فيهم محتداً، في حين التوى ثغر سفيان بابتسامة خبيثة قاسية. رفع هاتفه، أذنه يتمتم بكلمتين فقط:
- فتحية نازلة دلوقتي. اقتلوها وافتحوا الرصاص على الكل، ما عدا وتر. لو اتصابت بشظية هغرب لكوا كلكم.
نزلت وتر تركض خلف والدتها وخلفها جبران يصيح باسمها. ما أن خرجت للحي، تعالت أصوات الطلقات من كل مكان. فجأة تحول الحي الهادئ لساحة حرب. الصدمة جمدتها مكانها، ليصرخ جبران باسمها. ركض صوبها ينتزعها من هناك. نزل بها وراء صندوق قمامة كبير. حاول تثبيتها بين ذراعيه وهي تصرخ فيه مذعورة:
- ماما، يا جبران! ماما برة هيموتوها.
حاول أن تنتفض ليعيدها مكانه، يهمس لها بحدة:
- ما تتحركيش من هنا. أنا هخرج أشوفها. أو عي تتحركي يا وتر.
أومأت سريعاً. تحرك ليغادر، لتمسك بذراعه. التفت لها ليري عينيها الدامعة، تهمس له خائفة:
- خلي بالك من نفسك.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغره، يومأ برأسه بالإيجاب. تاهت عينيه في قسمات وجهها للحظات وصوت الرصاص كالرعد حولهم. ربت على يدها بخفة قبل أن يتركها.
_________________
قبل تلك الأحداث بنصف ساعة فقط، كانت تقف في غرفة نومهم تنظر له وهو ممدد أمامها على الفراش، يلتف شاش أبيض حول كتفه الأيسر. حسن عاش حياة بشعة كما قال جبران، ولكن ما ذنبها هي؟ أيجب أن تحب؟ لم يحب القلب فقط لأنه أحبها؟ عانى وتعذب، وهي أيضاً عانت ولاقت من العذاب أشواطاً.
تحركت عينيها إلى كتبها، تعقد في نفسها أمراً. ستعيش، سترضى، ستخضع، بل ستخدعهم جميعاً. ستمثل الرضا إلى أن تصل إلى غايتها، ثم تلقيه خارج حياتها. لن تدع يمس ولو شعرة واحدة منها. ستمثل ببراعة دور الزوجة المحبة الراضية إلى أن تجد حلاً لتنتهي منه للأبد.
أجفلت حين سمعت صوته يأن متألماً. أولي دروس خداعها. نظرت له كارهة. أجبرت ساقيها على أن تهرول إليه. اقتربت منه تحادثه قلقة:
- أنت كويس؟ تحب أطلب الدكتور؟
فتح عينيه قليلاً ينظر صوبها ليعقد جبينه مندهشاً. لما تبدو قلقة عليه؟ يشعر بألم ليس هين في كتفه الأيسر. ابتلع لعابه الجاف، يهمس بنبرة خافتة متعبة:
- أنا آسف على رد فعلي. أنا وعدتك إني مش هلمسك غير برضاكِ. أرجوكِ ما تكرريش اللي أنتِ عملتيه دا تاني. مش هستحمل تموتي أنتِ كمان. أنا عارف أنك...
قاطعته قبل أن يكمل بنبرة هادئة متمهلة قالت:
- أنا موافقة أديك فرصة يا حسن. موافقة نفتح صفحة جديدة أنا وأنت مع الدنيا.
توسعت حدقتاه ذهولاً. وافقت؟ لا يصدق. هل تمزح؟ لا، لا تمزح. وافقت حقاً؟ انفرج ثغره عن ابتسامة واسعة. تحركت حدقتاه سريعاً على قسمات وجهها، لا يصدق عقله، لا يصدق وقلبه يرقص فرحاً. استند على ذراعه الأيمن لينتصف جالساً، نظر لأمل يتمتم مدهوشاً:
- بجد يا أمل؟ بجد موافقة؟ أنتِ قولتي موافقة؟
بصعوبة بالغة رسمت ابتسامة لطيفة على شفتيها، تومئ له بالإيجاب. تقدمت تجلس جواره على حافة الفراش، مدت يدها تربت على كفه بخفة، تردف:
- أيوه يا حسن، أنا موافقة.
في لحظة كان يجذبها لأحضانه، يدخلها إلى صدره، يطوقها بذراعه السليم. وتنهيدة حارة طويلة خرجت من بين شفتيه. ودقات قلبه تقيم احتفالاً صاخباً سمعته أذنيها الساكنة على صدره. أغمضت عينيها قهراً، تمنع دموعها بأعجوبة. رفعت كف يدها المرتجفة تربت على صدره لينفجر عشقه أنهاراً ويفور قلبه يصرخ باسمها.
قاطع تلك اللحظات صوت صرخات وصوت الرصاص. انتفضت أمل مذعورة، ليهب حسن سريعاً، فتح باب الشرفة الصغيرة في غرفة أمل، ليجد الشارع وكأنه استحال في لحظة لساحة معركة مخيفة. رأى بينهم وهو يخرج من خلف صندوق قمامة كبير، يركض سريعاً بين تلك الطلقات. ليصرخ باسمه خائفاً عليه. اندفع يركض للداخل يلتقط قميصه الممزق من السكين. صرخت فيه أمل:
- رايح فين يا حسن؟
- جبراااان تحت.
صرخ بها حسن وهو يركض للخارج. جبران كان محقاً حين أخبره أن عليهم حيازة أسلحة نارية تحسباً لأي موقف. توجه إلى مخزن صغير يجاور السلم، يخرج بندقيتين قنص. ركض من هنا لهنا، يختبئ خلف الحوائط. ينزل أسفل صناديق القمامة إلى أن بات بالقرب من جبران. دفع إليه بالبندقية، يختبئ جواره خلف عربة الكبدة الخاصة بأمل. صرخ حسن في جبران:
- هو إيه اللي بيحصل ده؟
- سفيان الدالي هنا، أكيد دول رجاله. دا راجل مجنون فتح الرصاص على الكل.
صرخ بها جبران محتداً. نظر لحسن يغمغم متوعداً:
- أنا بلغت البوليس. اضرب من غير ما تقتل. أنا هروح أشوف فتحية فين، أحمي ضهري.
أومأ حسن ليكسر جزء صغير من زجاج العربة. يخرج منه مقدمة البندقية، يسند حافتها على الحامل الخشبي بدلاً من ذراعه الأيسر. أسقط ثلاثة رصاصة أصابت هدفها في الذراع مباشرة. عينيه تتحرك مع جبران ليجده يتوجه ناحية فتحية الملقاة أرضاً مصابة بأحد الرصاصات!
أطلت وتر برأسها، لم تعد تستطيع الصبر أكثر. أصوات الصرخات وطلقات النيران لا تتوقف. تحركت برأسها لتلمح جبران يركض هناك ناحية والدتها. توسعت عينيها ذعراً لتصرخ باسم والدتها. ركضت من خلف الصندوق تصرخ باسم والدتها بحرقة. لم تستمع إلى صوت جبران وهو يصرخ فيها بأن تتوقف.
أحد الخونة في رجال سفيان وجد الأميرة المدللة. ركز مؤشر القنص إليها. لاحظ جبران النقطة الحمراء التي استقرت على صدرها، موضع قلبها. صرخ مذعوراً لكي تبتعد، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان. في لحظة انطلقت الرصاصة من البداية صوبها مباشرة.
رواية جبران العشق الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم دينا جمال
جبران لم يكن قريباً منها، لم يكن لديه أي فرصة لإنقاذها، ولكن سفيان كان قريباً منها كثيراً، وهي لم تلاحظ.
وقف أمامها في لحظة لتخترق الرصاصة ذراعه الأيسر. في لحظة كان يستل مسدسه، التفت للفاعل. في أقل من رمشة، خرجت طلقة من مسدسه إلى رأس القناص القريب لترديه قتيلاً.
صرخت وتر مذعورة باسم والدها. ما أن نزل سفيان لأسفل، توقفت أصوات الرصاصات وانسحب جميع رجاله حين وصل إليهم معلومة أن الشرطة اقتربت. اختفى الجميع وخمد الغبار، وأخيراً هدأت العاصفة.
الغريب في الأمر أنه لم يكن هناك إصابات سوى فتحية الملقاة أرضاً غارقة في دمائها، وسفيان الذي أصابت الطلقة ذراعه. أما سيل الرصاص الذي انطلق، كان يتوجه صوب المحال المغلقة والحوائط، وكأنه كان فقط للتشتيت.
صرخت وتر باسمها، والدتها تقف في المنتصف حائرة، والدها يقف أمامها وهو مصاب، ووالدتها تغرق في دمائها. عقلها تعب مما حدث اليوم، فقامت بملء إرادتها بالانسحاب عن الواقع.
تلقاها سفيان بين أحضانه قبل أن تسقط أرضاً، يصرخ في رجاله.
ليهرول جبران إليها، حاول جذبها من بين أحضان سفيان، يصيح باسمها قلقاً.
في لحظة كانت صافرات الشرطة تدوي في كل مكان وسيارات الإسعاف. نظر جبران لحسن حين اقتربت السيارات ليفهم الأخير إشارته سريعاً. كان يُخفي بندقيته وبندقية جبران داخل المخزن القديم كما كانا.
وقفت سيارة الشرطة لينزل زياد منها، تقدم ناحيتهم يصيح في العساكر بأن ينقلوا فتحية سريعاً إلى سيارة الإسعاف. وقف أمام جبران يرميه بنظرات حادة يهمس له متوعداً:
"استغليت غيابي واتجوزتها، بس اقسملك هدفعك التمن."
انحنى جبران بجزعه يحمل وتر بين ذراعيه، نظر لزياد في تحدٍ يغمغم:
"هنتحاسب بعدين يا باشا، المهم دلوقتي اتطمن على مراتي."
تركه متجهاً بها إلى إحدى سيارات الإسعاف. لتُقْتم عيني زياد يتوعده بالكثير. توجه إلى سفيان يغمغم سريعاً:
"سفيان باشا حضرتك مصاب، اتفضل معايا عربيات الإسعاف موجودين."
نظر سفيان عن كثب لذلك الرجل الواقف أمامه، يبدو أن بينه وبين جبران عداء كبير، ربما سيفيده قريباً، قريباً جداً.
انطلقت سيارات الشرطة والإسعاف إلى أقرب مستشفى من الموقع الموجودين فيه. جبران في إحدى السيارات، وتر ممدة على الفراش أمامها وقناع تنفس وبعض المحاليل التي لا يعرف ماهيتها تتصل بيديها، لما كل ذلك؟ هي فقط فقدت الوعي.
أما في السيارة الأخرى، حاولوا إجراء إسعافات سريعة لجرح رصاصة سفيان، وأمامه ترقد فتحية بين الحياة والموت. دقات قلبها شبه منخفضة للغاية، يحاول المسعفون الابقاء على أجهزتها الحيوية تعمل إلى أن يصلوا للمشفي. نظر سفيان لها حاقداً يغمغم في نفسه:
"حظك معانا ناس في العربية، لولا كدة كنت خنقتك بأيديا وخلصت منك."
ما هي إلا دقائق ووصلت سيارة الإسعاف لوجهتها. نزل المسعفون سريعاً يضعون كلا في مكانه. وتر في إحدى الغرف، سفيان إلى غرفة الطوارئ، وفتحية سريعاً إلى غرفة العمليات.
وقف جبران في ممر المستشفى، تحديداً أمام غرفة العمليات حيث ترقد روحية. يفكر سفيان، السبب بالطبع من غيره سيكون، ولكن الرصاصة التي كادت أن تصيب وتر وتلقاها سفيان بدلاً منها، ما مغزاها؟
زفر أنفاسه حانقاً حين رأى ذلك زياد المستفز يقترب منه يوجه له نظراته الحادة غاضبة. وقف أمامه يحادثه متوعداً:
"صدقني لو عرفت أن ليك يد في المجزرة اللي حصلت دي، هلبسك البدلة الحمرا يا جبران."
ابتسم جبران في سخرية يوجه أنظاره لباب غرفة العمليات المغلقة. طال الوقت ولم يخرج أحد ليطمئنه. انتفض حين فُتح الباب، ترك زياد يتحرك. الطبيب يسأله متلهفاً:
"طمني يا دكتور، الست فتحية كويسة؟"
أومأ الطبيب برأسه بالإيجاب ينزع قناع وجهه. تنهد يغمغم في هدوء:
"الحمد لله، قدرنا نطلع الرصاصتين من جسمها، بس للأسف حصل حاجة ما كناش متوقعينها. المريضة دخلت في غيبوبة غير مبررة، في الأغلب سببها نفسي عشان ما فيش سبب عضوي ليها. حتى هتفوق منها امتى للأسف ما نعرفش، هينقلوها العناية المركزة دلوقتي، دعواتكم."
فتـحية المسكينة لم تتحمل ما جناه عليها الشيطان، اختارت الهروب من عالمه المظلم الملوث بعد أن أظهر أنها مجنونة مختلة أمام ابنتها. كم يشفق عليها.
تركه زياد وتحرك إلى غرفة سفيان. لا فائدة من استجواب فتحية وهي داخل غيبوبة، ربما لدى سفيان الإجابة. دق الباب ودخل ليجده يجلس على الفراش يستند بظهره إلى عارضة الفراش، يلتف شاش طبي حول جزء محدد من ذراعه الأيسر. حمحم يغمغم بابتسامة بسيطة:
"حمد لله على سلامتك يا سفيان باشا. لو تقدر ممكن ندردش في كلمتين عن اللي حصل."
ابتسم سفيان في لباقة يعتدل في جلسته يغمغم:
"اتفضل يا زياد باشا، أنا كويس وأقدر أتكلم، الدكاترة أدوني بنج موضعي على مكان الرصاصة، بس الحمد لله أن الجرح ما كانش خطير."
جذب زياد مقعد من أحد جوانب الغرفة ووضعه جوار فراش سفيان، جلس فوقه يغمغم في بساطة:
"مش هنعتبره تحقيق رسمي، هنقول أنها دردشة مع سفيان باشا الدالي، اللي من كام شهر كان هربان برة البلد واتحجز على كل ممتلكاته، وفجأة اتشال اسمه من لايحة المطلوبين ورجعت الفلوس للبنك والبنك شال إيده من على أملاكك، وعرفت كمان أن سفيان باشا اتبرع بمبالغ ضخمة للبلد، مش غريبة دي."
نظر سفيان ملياً لذلك الشاب الماثل أمامه، قبل أن تلتوي شفتيه بابتسامة بسيطة يردف:
"أنت عارف إن كل رجال الأعمال ممكن يحصلهم أزمات مالية فجأة، ودا اللي حصلي، فعشان كدة للأسف اضطريت أعمل كدة، ومجرد ما الأزمة دي اتحلت رجعت تاني لبلدي وسددت ديوني. أنا بحب مصر جداً وما أقدرش أعيش براها، عشان كدة اتبرعت بمبالغ ضخمة في كل المشروعات الجديدة تقريباً تكفير عن ذنبي في حق بلدي."
همهم زياد متفهماً ما حدث. رجل أعمال شريف كما يزعم، تعذر في بعض الأموال فاقترضهم بطريقة ملتوية قليلاً، ولكنه في النهاية أثبت حسن نيته وأعاد النقود لمكانها ومعها مبلغ ضخم تبرعات، ولا يستبعد أبداً أن يجده غداً في لقاء تليفزيوني على أحد البرامج يحكي قصة نجاحه. كل ذلك لا يهمه، هو يبحث عن هدف واحد: وتر!! هدف سيسعى جيداً للحصول عليه.
عاد ينظر لسفيان يغمغم مبتسماً:
"ممكن تحكيلي إيه اللي حصل بالظبط."
أومأ سفيان برأسه بالإيجاب ليغمغم سريعاً:
"أنا كنت رايح الحارة أجيب بنتي، البلطجي اللي اسمه جبران ضحك عليها واتجوزها، روحت أرجع بنتي وحصل خناقة بيني وبينه وبين فتحية طليقتي، ولأن فتحية من زمان عندها هلاوس، نزلت تجري في الشارع ووتر نزلت وراها ووراهم البلطجي دا. خوفت على بنتي منه ليعملها حاجة، نزلت وراهم على طول. مجرد ما نزلت بدأ الرصاص ينزل علينا من كل حتة، الحرس بتاعي ما كانوش عارفين يتصرفوا، والحمد لله إني لحقت بنتي. أنا واثق أن البلطجي دا هو السبب، هو اللي كان عاوز يموتني."
شردت عيني زياد في الفراغ ليحرك رأسه بالنفي. عاد ينظر لسفيان يغمغم حاقداً:
"أنا صحيح بكرهه ونفسي أخلص منه بأي شكل، هو اللي مأخر ترقيتي، بس مش هو. الطلقات اللي لقوها رجال المعمل الجنائي لبنادق قنص حديثة إيطالية، وجبران حتة بلطجي في حارة مش هيعرف يجيب منهم أبداً."
احتـدّت أعين سفيان غضباً. كان يريد أن يتخلص من ذلك الجبران وبشكل قانوني حتى لا يشك أحد به، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. ولكن لا يزال في الكوب الفارغ بعض قطرات من الماء. زياد يكره جبران، وببعض الحيلة المشتركة سيقضي على زوج ابنته العزيز.
في تلك الأثناء، تحرك جبران إلى غرفة وتر راكضاً حين أخبرته الممرضة أنها استيقظت تصرخ وتضرب في الجميع من الضرر عليها أن يتم حقنها بمهدئ، وقد تم حقنها قبل فترة قصيرة. فتح باب الغرفة ليراها تصرخ في الجميع، تدفع الممرضات بعنف إن حاولن الاقتراب منها. هرع إليها يصيح باسمها قلقاً:
"وتر!"
تحركت برأسها إليه لتركض من بينهم، هرعت إلى أحضانه تصرخ فزعة:
"كان هنا يا جبران، كان هنا... كان عايز يأذيني تاني.. بيقولولي أنه حلم، أنا ما بحلمش يا جبران، أحلامي كلها كوابيس بعد اللي عمله فيا."
وكلماتها لم تكن سوى خناجر من حديد سائل يصب على قلبه ويغرز فيه في آن واحد. أدمعت عينيه حزناً على حالها، يشدد على احتضانها. ظلت هكذا للحظات طوووويلة قبل أن تنتفض من بين ذراعيه تسأله مذعورة:
"ماما يا جبران، ماما حصلها حاجة، ماما كويسة مش كده؟"
ابتسم مترفقاً يومئ لها، يمسح بكف يدها على وجهها يغمغم في هدوء:
"الحمد لله يا وتر، قدر ولطف. الدكاترة بيقولوا أنها كويسة، بس دخلت في غيبوبة نفسية، مش فاهم يعني إيه، بس هما قالوا كدة."
توسعت عينيها ألماً، هو لم يفهم، وهي فهمت. مسكينة والدتها، ظلت تعاني من الهلاوس، والآن ها هي داخل غيبوبة لا تعرف متى ستستيقظ منها. رفعت عينيها له تهمس له راجية:
"وديني عند ماما يا جبران، عاوزة أشوفها."
امتعضت قسمات وجهه ينظر إلى ما ترتدي بملابس البيت في مستشفى حكومي، ألف عين ستشاهد عرضاً مجانياً من ذراعيها وذلك الطوق المفتوح في مقدمة ملابسها. ما العمل؟ نظر لقميصه الملئ بالغبار وبعض بقع الدماء لينزعه عنه، نفضه في الهواء، يدخل يديه في ذراعي القميص. تلك المرة لم تعترض، وقفت هادئة صامتة تراقب ما يفعل. أغلق أزرار القميص أجمع ليميل على أذنها يهمس عابثاً:
"معلش يا بنت الذوات، هو القميص مترب وعليه دم واحتمال يكون فيه حشرات، بس اهي حاجة تقضي الغرض."
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيها، بالكاد ابتسمت على دعابته. أمسك بكف يدها يتحرك بها إلى حيث غرفة العناية المركزة. وقفت خارجاً تنظر لوالدتها من خلال حاجز الزجاج. ارتكزت بكفيها عليه تنظر لها وهي ساكنة، جسدها يتصل بالكثير من الأجهزة الطبية. انسابت دموعها تغمغم بصوت خفيض ملتاع:
"أنا ما لحقتش أعرفها يا جبران، من ساعة ما جيت واحنا دايماً بنتخانق، دايماً بقولها بابا أحسن منك، طلعت مريضة وأنا ما أعرف... سامحيني يا ماما وقومي عشان خاطري."
لف جبران ذراعه حول كتفيها يشد من أزرها يغمغم مترفقاً:
"هتبقي كويسة يا وتر، ادعيلها وهي هتبقي بخير."
نظرت له ارتسمت ابتسامة حزينة على ثغرها، تومئ له بالإيجاب. ستكون بخير، والدتها ستكون بخير. أجفلت على صوت والدها بالقرب منها يغمغم حزيناً مشفقاً على حال زوجته السابقة:
"هتبقي كويسة يا فتحية، مش هسيبك أبداً، هنقلك من المستشفى دي لأكبر مستشفى في مصر، مهما كان كنتي في يوم مراتي، دا غير أنك أم بنتي."
تحرك بعينيه إلى وتر ينظر لها مطمئناً يردف:
"ما تخافيش يا وتر، أنا مش هسيب ماما يا حبيبتي."
نظر له جبران بطرف عينيه، ذلك الرجل مبدع في التمثيل بشكل لا يصدقه عقل.
***
على صعيد آخر، مع بداية شروق شمس اليوم التالي، رن في غرفتها صوت هاتف أو منبه، رنين منتظم مزعج سخيف. حاولت تجاهله مرة بعد أخرى دون فائدة. قطبت جبينها منزعجة، فركت عينيها من آثار النعاس، تأففت حانقة. فتحت عينيها تكشف عن مقلتيها لتصرخ مذهولة في نفس اللحظة، تري!!! عادت ترى من جديد بعد سنوات توقفت عن عدها. كيف حدث ذلك؟ هل هو فقط حلم؟ هبت جالسة سريعاً، رفعت يديها تحركها أمام عينيها، ترى ها هي أصابعها تحركت بعينيها في كل مكان في الغرفة، تنظر للحوائط للسقف للطاولة والدولاب والسجادة، وبيجاد. بيجاد!! عادت عينيها إليه تنظر له دون كلام. ها هو بيجاد، لم تكن لتنسى شكله أبداً. يقف أمامها يمسك بباقة ورود كبيرة وعلبة حلوى، وضعهم بجوارها على الفراش. قلبه يدق بعنف، نظرات الدهشة والانبهار في عينيها تخبره أن الجراحة قد نجحت. تجمعت الدموع في مقلتيها تهمس بصوت مبحوح يرتجف:
"أنا شايفة، أنا شايفة يا بيجاد... أنا بشوف، أنت اهو ودي إيدي، أنا بشوف."
وكأنه دلواً من ماء بارد سُكب على رأسه في يوم صيفي شديد الحرارة، فأنعش الحياة فيه من جديد. هرع إليها، أمسك يدها يجذبها من الفراش لتقف. لم يعطها حقاً للاعتراض، كانت بين أحضانه، كانت داخل قلبه قبل صدره. كان يكمش على جسدها بذراعيه. تحركت الدموع تسيل من خلف جفنيه المغلقين، تنهد يغمغم بحرقة:
"الحمد لله يا رب، الحمد لله، قبلت توبتي."
بعد دقائق طويلة، أبعدها عنه قليلاً فقط، ينظر لقسمات وجهها وكأنه يراها للمرة الأولى. كيف كان أحمق وغفل عن كل ذلك الجمال؟ يراها بأعين جديدة كما تراه هي. همست باسمه، تحركت عينيها على قسمات وجهه ليحتضن وجهها بين كفيه في لحظة، يجذبها إلى صحراء شاقة جافة متعطشة لقطرة ندى من تويج شفتيها. توسعت عينيها تنظر له مدهوشة، تحاول مقاومة نحله العطش للرحيق. لم تجد نفعاً للمقاومة، وربما هي لم تقاوم من الأساس، فاستسلمت له عشقا وشغفا بمحب تعشقه وتكابر. لحظات طويلة سرقوها مما يحدث حولها، إلا أن صرخت مذعورة بين يديه على صوت انفجار قوي أتى من خارج الغرفة. ثبت رأسها بين أحضانه يحاول تهدئتها:
"هشش، أهدي، أنا هخرج أشوف في إيه، ما تخافيش."
لثم جبينها بقبلة صغيرة قبل أن يخرج من غرفتها. قلبه يتدافع داخل صدره، لا يصدق ما حدث بينهم توا. توجه سريعاً إلى حيث يركض الأطباء. غرفة مخزن قديمة يبدو أنها مهجورة وربما حدث ماس كهربائي فيها. حين دخل وجد تجمهراً كبيراً في الغرفة، الجميع ينظر لأحد الحوائط الذي تنزف منها الدماء من جملة مكتوبة بخط كبير من الدماء: (صاحب الظل هنا).
توسعت عينيه فزعاً، صاحب الظل عرف مكانه، وها هو اقترب. اندفع يركض لغرفة رسل يصرخ باسمها مذعوراً!!!
***
"تعلن شركة مصر للطيران عن قدوم الرحلة 320 القادمة من مطار لندن الدولي..."
صدح ذلك الصوت في أرجاء مطار القاهرة الدولي. هبطت الطائرة بسلاسة على أرض القاهرة لتخرج من باب الطائرة تضع نظارتها الشمسية الكبيرة على عينيها. تحركت للخارج، لم تقف سوى لحظات، إجراءات الوصول لديها انتهت قبل وصولها من الأمس. تعلقت أعين البعض بالجميلة الحسناء التي نزلت الأرض تتمشى بهم هكذا. تحركت تبحث عن الحارس الذي ينتظرها إلى أن وجدته. عرفته بهويتها لينحني لها قليلاً باحترام. تحركت خلفه إلى سيارة سوداء ضخمة، من المستحيل أن تعرف من يمكث داخلها. فتح لها الحارس الباب لتتوسع ابتسامتها ما أن رأت صاحب الأعين الرمادية المخيفة. ألقت بنفسها بين أحضانها تغمغم سعيدة:
"اشتقت للمايسترو، ولم يمر على رؤيتي له سوى يومين على أكثر تقدير."
لمعت عينيه المخيفة يسألها بصوته الأجش:
"أين صاحب الظل؟"
تنهدت تردف سريعاً:
"سيأتي مساء اليوم في طائرته الخاصة، وربما أتى سلفاً دون أن يخبرني، أنت تعرف صاحب الظل، لن يخاطر باكتشاف هويته أبداً."
ضحك المايسترو عالياً بسخرية يردف متوعداً:
"حمقاء لا تعلم، صاحب الظل هنا، ذهب لرسل في المستشفى وفجر إحدى الغرف، وربما يكون اختطفها أيضاً... ماذا أفعل؟ بروزا الجميلة وقد تأخرت عن إبلاغي بتلك المعلومة الهامة."
ارتجف جسد روزا فزعا. صاحب الظل بات يتصرف دون أن يخبرها. الموت سيكون أقل ألماً مما قد يفعله بها ذلك المريض المجنون القاطن أمامها. ابتلعت لعابها تغمغم مرتعشة:
"ما يراه سيدي المايسترو صحيحاً... ولكني أطمع في عفوك يا أبي... ارجوك أبي اصـفح عن خطأ ابنتي."
احتـدّت عيني سراج! غضباً. تلك الحية تحاول أن تعزف على أوتار عطفه. يكفي أنها ابنة ألد أعدائه حتى لا تأخذه بها لا شفقة ولا عطف. قبض على خصلات شعرها يغمغم محتداً:
"ستتجرع روزا الجميلة العذاب كؤسا."
رواية جبران العشق الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم دينا جمال
تنظر للزجاج الفاصل بينها وبين والدتها. الأطباء منعوا الزيارة تمامًا. حزينة، لأنها ليست حزينة بالقدر الكافي عليها. ربما لأنها لم تعتاد على وجودها في حياتها. ابتسمت بيأس، وتوجه أنظارها لجبران الجالس جوارها. يستند برأسه إلى الحائط، يعلو جزعه سترة من القطن الأسود دون أكمام. كانت أسفل قميصه التي ترتديه الآن. ربما علاقتها بجبران باتت أكثر قوة من علاقتها بوالدتها. يكفي أن جبران تفهم حادثتها ولم ينتقص منها ولو للحظة.
أجفلت حين فتح جبران عينيه يوجه إليها نظرة دافئة. رسم ابتسامة صغيرة متعبة على ثغره. يميل بجسده للأمام قليلاً، يحادثها مترفقًا:
"تعالي نروح يا وتر. قعدتنا هنا مالهاش لازمة، وبعدين شايفة مناظرنا عاملة إزاي؟ دا إحنا ولا المقفوشين في شقة مفروشة. ناقص بس الملاية اللي بتيجي في الأفلام كلها دي."
ضحكت حزينة، تومئ له بالإيجاب. تحتاج لذلك، تحتاج للراحة لأن تغلق عقلها وكأن شيئًا لم يحدث حتى لا تُجن.
قامت من مكانها متوجهة إلى غرفة والدتها. وقفت عند حاجز الزجاج تنظر لوالدتها. أدمعت عينيها، تهمس لها حزينة:
"هجيلك تاني يا ماما."
عادت إليه، ليبتسم. أمسك بكف يدها. التفت ليغادر، ليجد سفيان يقف أمامه. ينظر له مستنكرًا ما يحدث. توجه بعينيه إلى ابنته. ابتسم يسألها متعجبًا:
"ماشية رايحة فين يا وتر؟ دا أنا كلمت الخدم في الفيلا الجديدة وهيجيبولك هدوم مع السواق دلوقتي بدل القرف اللي أنتِ لابساه دا. إيه القميص دا يا وتر؟ مش من مقامك يا حبيبتي."
نظر جبران له مستهجنًا، ليلوي جانب فمه بابتسامة ساخرة متهكمة. لف ذراعه حول كتفي وتر، يقربها منه. وجه عينيه لسفيان. كاد أن يقول شيئًا، حين بادرت وتر توجه حديثها لوالدها:
"بابا أرجوك. أنا حقيقي تعبانة جدًا دلوقتي. أنا هروح مع جبران ونبقى نشوف هنعمل إيه بعد كده. عن إذنك."
ابتسم جبران متشفّيًا، يوجه لحماه العزيز ابتسامة انتصار شامتة. تحرك بصحبة وتر للخارج، لتعصف عيني سفيان غضبًا. يغمغم في نفسه ساخرًا:
"شبل صغير بيلعب فرحان بنفسه. أنا هوريك لعب الذئاب يا جبران."
أمام المشفى، أوقف جبران سيارة أجرة. تعجب السائق من منظرهم. ظل طوال الطريق يرميهم بنظرات استنكار متعجبة. إلى أن وصلوا إلى الحارة. أعطى جبران للسائق نقوده. خرج من السيارة يمسك بيدها يخرجها.
أطلت على الحي من جديد، لتري حسن ورجال جبران ورجال الحي يتحركون هنا وهناك. يحاولون إصلاح ما أتلفته الرصاصات الغاشمة من خسائر لا ذنب لهم فيها.
اقترب حسن منهم ما أن رآهم، يوجه حديثه لجبران:
"الرجالة شغالين من ساعة ما البوليس مشي وبنرمم كل حاجة. طمني أخبار الست فتحية إيه؟"
شدد جبران ذراعه الأيسر حول كتف وتر. رفع يمناه يربت على كتف حسن السليم. يغمغم مرهقًا:
"بإذن الله هتبقى كويسة. معلش يا حسن هتعبك. خلي بالك من الدنيا، هريح ساعتين عشان رجليا مش شيلاني وهنزل استلم مكانك."
أومأ حسن له بابتسامة بسيطة. ليتحرك جبران بصحبة وتر إلى عمارتهم السكينة. عينيها تتحرك هنا وهناك، تنظر للرجال وهم يعملون. يتناغم مبهر حقًا.
صعدت مع جبران إلى أعلى. متعبة، مستنزفة القوى. لم تنتهِ الليلة كما توقعت تمامًا. ما أن فتح جبران باب المنزل، هرعت سريعا إلى غرفتهم. ارتمت على الفراش تلتف حول جسدها تعانق نفسها بذراعيها. تنتفض. لم تعد تستطيع الصمود أكثر.
دخل جبران خلفها. ألقى مفتاحه على الطاولة الصغيرة جوار الفراش. ارتمى جوارها على الفراش. منهك، خائر القوى. ابتسم ساخرًا. كم هو محظوظ حين ظن أنه أخيرًا سيصل لزوجته الحسناء، وجد نفسه يمسك ببندقية يحاول أن ينجو بحياتهم جميعًا.
التفت لها ليقترب أكثر. أحاط جسدها بذراعيه، يضم ظهرها لصدره. وهي لم تقاوم، بل بالعكس، قبضت على أحد ذراعيه. تتنفس بعنف. تحاول ألا تبكي. تحاول منع عقلها من الانفجار. باكية بعد ما حدث وفعلت. بل فعل هو. حين همس لها مترفقًا:
"نامي يا وتر. نامي وما تخافيش من أي حاجة. أنا جنبك. مش هسيبك."
لم تكن تحتاج سوى تلك الكلمات لتسلم مقاليد الخوف والقلق والحيرة والإنهاك. وتغمض عينيها وتغط في النوم.
رفع يده يمسح على خصلات شعرها بخفة. يبتسم في سخرية. وتر تحرك جزء هناك صغير يختفي داخل جدران قلبه خزيًا. جزء قد أقسم ألا يظهر للنور من جديد. وتلك العابثة نبشت لتخرجه.
"غامّت حدقته حزنًا. وضع كف يده على ظهرها. أي ألم بشع قد شعرت بسببه. هو المخطئ ويقسم أن يجد الجاني ليذوقه عذاب ما فعل."
***
يركض كالريح، يسابق الطير إلى غرفتها. فتح بابها بعنف، يبحث عنها بعينيه متلهفًا. ليراها هناك جوار الشرفة تنظر للخارج، تبتسم كطفلة صغيرة رأت الحياة توا. سحرته طَلّته للحظات. قبل أن ينتفض سريعًا. أحضر حقيبة ثيابها. يجمع المبعثر منها فوق بعضه البعض. تعجبت رسل مما يفعل. اقتربت منه تسأله مدهوشة:
"في إيه يا بيجاد؟ إيه اللي حصل؟"
ركض إلى دولاب ثيابها يحضر لها أحد فساتينها. دفعه إليها، يغمغم سريعًا:
"في ثواني تغيري. لازم نمشي من هنا. عرفوا مكاننا."
لم تفهم شيئًا. ولكن الوضع يبدو خطيرًا. اندفعت إلى المرحاض تبدل ثيابها. ما أن خرجت، لم يعطها فرصة للرد. أمسك برسغ يدها يجرها خلفه سريعًا. يقبض على الحقيبة بيده الأخرى. توسعت عيناه فزعًا حين رأى من بعيد عدة رجال ضخام الجثة في ملابسهم السوداء يبحثون بين الممرات. من الجيد أنهم لم يروه. جذب يد رسل إلى أقرب غرفة مغلقة. أسند جسدها للحائط. يضع يده على فمها، يهمس لها بصوت خفيض للغاية:
"هششش. ما تطلعيش صوت."
أومأت بالإيجاب. تضاربت دقات قلبها هلعًا. قبل فترة قليلة جدًا فقط كانت على وشك أن تطير فرحًا لأنها ترى من جديد. والآن ماذا؟ تختبئ داخل غرفة مطفآت قديمة مليئة بالغبار وخيوط العنكبوت المتشابكة. وبيجاد يقف أمامه معها. ولكن عينيه تختلس النظرات لما يحدث خارجًا. عينيه ليست هنا.
زفرت أنفاسها حانقة. ليشعر هو بالهواء الساخن يضرب كف يده. نظر لها قلقًا، يهمس بصوت خفيض للغاية:
"أنتِ كويسة؟"
أومأت له بالإيجاب. محرجة. ابتعد عنها قليلاً ليخرج مسدسه من غمده. تأكد من أن الطلقات به كاملة. تحرك للخارج. التفتت لها يهمس قلقًا:
"أوعي تتحركي من هنا. عشان خاطري يا رُسل."
أومأت له بالإيجاب. خائفة عليه ومنه. لا تريده أن يقتل من جديد. التفت ليغادر. ليشعر بها تقبض على كفه سريعًا. التفت لها لتهمس له تترجاه:
"عشان خاطري أنا ما تقتلش حد. كفاية اللي عملته زمان."
ابتسم لها مطمئنًا. تحرك للخارج بخفة. يطل برأسه ليلمح الرجال أصحاب الملابس السوداء يتجهون للخارج. رحلوا. من الجيد أنهم فعلوا. عاد لها بعد لحظات. توجه إليها. كبّب وجهها بين كفيه. تنهد يهمس بارتياح:
"مشوا. يلا إحنا كمان لازم نتحرك بسرعة."
أمسك بكف يدها يتحرك بها سريعًا إلى المرآب. حيث ترك سيارته هناك. يتحرك بسرعة بالكاد تجاريه. تختلس النظرات للأشياء حولها. ها هي تري، ولكن لا وقت لتري أي شيء. ما أن دخل بها إلى المرآب. اقتربا من السيارة ليسمعا صوتًا يصرخ من خلفهم:
"أهم هناك. أهم."
التفت بيجاد خلفه في لحظة. وقبل أن يخرج الحارس سلاحه، كان يستل مسدسه من غمده. ولم يتردد كفه الذي طُبع على الرصاص أن يطلق على ذراعي الحارس اليمنى واليسرى. صرخت رُسل مذعورة. فتح بيجاد لها الباب يدفعها للداخل سريعًا. يلقي عليها الحقيبة. ليدخل جوارها في لحظة. كان يدير محرك السيارة. ينطلق بها مسرعًا. وخلفه الحراس يحاولون اللحاق بهم بسيارتهم. ابتسم بيجاد في خبث. ينظر لهم من خلال مرآة السيارة الأمامية. في لحظة جنونية متهورة التف بسيارته ليصبح وجهًا لوجه للسيارة القادمة نحوهم. رفع جسده لأعلى. ساعده على ذلك سقف السيارة المتحرك. ليطلق رصاصتين أصابتا عجلات السيارة الأمامية. ضحك ساخرًا. قبل أن يعود لمقعد السائق. يلتف بالسيارة يكمل طريقه مسرعًا. يبتسم في ثقة. كان قد نسي تلك اللذة التي تضرب خلاياه حين تصيب رصاصته الهدف.
التفت يسألها:
"إيه رأيك فيا؟"
هنا تحدثت. كانت صامتة منذ البداية. تنظر لما يفعل مذعورة. عيناها تملؤها دموع الخوف والكره والألم. التفتت له برأسها تهمس كارهة:
"أنت مجرم. ما تفرقش عنهم حاجة."
غضب كثيرًا هو. حتى لم يقتلهم. هم من كانوا سيقتلونهم لو تركهم هكذا. أوقف السيارة بعنف على أحد جوانب الطريق. أمسك ذراعيه يصيح محتدًا:
"أنا مش مجرم. أنا كنت بدافع عنك وعن نفسي. بطلي المثالية اللي أنتِ فيها دي. الدنيا اللي أنتِ عايشة فيها مش وردي يا رُسل. ومع ذلك أنا ما رضتش أقتلهم عشان خاطرك. لو كنت سبتهم كانوا خلصوا علينا. افهمي دا. وبعدين بطلي عياط. العياط غلط عليكي أصلًا."
ظلت تنظر له بأعين دامعة تملؤها الدموع. ليتنهد يأسًا. جذبها إليها يلصقها في صدره. يطوقها بذراعيه. يهمس لها مترفقًا:
"أنا مش مجرم يا رُسل. أنا والله كنت خايف عليكي. مش خايف على نفسي."
أومأت له بالإيجاب داخل صدره. ليبتسم يتنهد بارتياح. وقبل أن يأتي بهمسة أخرى، سمع دقات خفيفة على الزجاج. فتحه ليجد أحدهم يقف أمامه. يبتسم ابتسامة واسعة كبيرة. يغمغم ساخرًا:
"مساء الخير. اعذروني لو قاطعت المشهد الرومانسي دا."
***
في سيارته السوداء العالية يجلس على الأريكة الخلفية. يضطجع بظهره إلى ظهر الأريكة. حدقتاه تغيم بعاصفة سوداء غاضبة. توعد للجميع. جبران وفتحية ووتر. سيأخذها رغما عن الكل. ابنته لن تبتعد عنه. بإمكانه قتل فتحية في أي لحظة الآن. حتى مع وجود حراسة الشرطة أمام غرفتها. ولكنه سيبقي إلى حياتها مؤقتًا فقط. حتى تعود ابنته لأحضانه.
تحركت السيارة يقودها السائق بسرعة كبيرة إلى منزل مجدي صديقه ورفيق الكفاح في التجارة السوداء. وقفت السيارة في حديقة منزله. لينزل سفيان منها. توجه للداخل. فتحت له الخادمة الباب. دخل ليجد شيرين أمامه. مسطحة على أريكة كبيرة تمسك زجاجة نبيذ. يرتع حولها ما يزيد عن عشر زجاجات فارغة. تنهد ساخرًا على حالها. في حين ابتسمت هي بغنج. تحركت بخطى متعثرة. تتعثر في خطواتها إلى أن وصلت إليه. استندت بكفيها إلى صدره. ابتسمت تغمغم بخمول ثمل:
"سفيان الدالي عندنا يا مرحبا. وحشتني يا سيفو. شيري ما وحشتكش؟"
رفع يده السليمة يبعد يديها عنه. عاد خطوتين للخلف. يغمغم بجفاء:
"مدام شيرين. ما ينفعش اللي بتعمليه دا. مجدي موجود."
صدحت ضحكة عالية من بين شفتي شيرين. اقتربت أكثر تطوق عنقه بذراعيها. ابتسمت في غنج تغمزه بطرف عينيها. تهمس له متدللة:
"ما تخافيش يا سيفو. مجدي وطارق مش هنا."
نظر لها بحذر. شيرين المجنونة ربما تحاول الإيقاع به. أخرج هاتفه من جيب سرواله. يطلب رقم مجدي. لحظات وسمعه يجيب:
"أهلاً يا سفيان. ها عملت إيه مع اللي اسمه جبران؟"
"داقّص عليه." سفيان سريعًا ما حدث لينهي كلامه متمثقًا بثقة: "أنا هخليه يقول حقي برقبتي وهيطلقها غصب عنه. أنت فين دلوقتي؟"
"أنا في الشركة. قدامي ساعة بالظبط خلاص بقفل ورق آخر صفقة. يعني ساعتين بالكتير وهروح."
"أنت فين؟"
"عندك في البيت."
غمغم بها سفيان دون تردد. ينظر لشيرين التي تتمايل أمامه بغنج يشعل حواسه. جف لعابه. ينظر لها كمفترس وجد غزالة برية تتغنج أمامه. أجفل على جملة مجدي:
"طب اطلع أوضتك أو استناني في المكتب. وسيبك من المجنونة شيرين. أنا مش هتأخر. وهجيب طارق معايا. هسلمهولك تعمل فيه ما بدالك."
وأغلق معه الخط. لترتسم ابتسامة خبيثة على شفتي سفيان. تحرك إليها وعينيه السافرة تسبر أغوارها. أمسك بكفها يجذبها معه لأعلى. إلى غرفة مجدي تحديدًا. على فراش صديقه المقرب. كان زوجة صديقه تستلقي على صدره. بعد أن جمعتهم نيران المتعة المحرمة. مدت شيرين يدها تتلمس الشاش الموضوع حول جرح سفيان. تغمغم بنعومة:
"تعرف أنا بحبك قد إيه؟"
ضحك سفيان ساخرًا. يقرب سيجارته السميكة من فمه. يمتص أنفاسها بعنف. نفسها في فراغ الغرفة. انثنى جانب فمه بابتسامة ساخرة:
"أيوه أيوه بتحبيني. أنا ومجدي وسراج وسبعة آخرون."
اعتدلت جالسة ترفع الغطاء تداري بها عُريها المقزز مما فعلت. أخذت السيجارة من يده تسلب أنفاسها بعنف. يديها ترتجف متوترة. قبل أن تلقيها أرضًا. نظرت لسفيان أدمعت عينيها تصيح بقهر:
"أنا ما حبتش في حياتي غير سراج. حبيته أوي. كان نفسي أبقى مراته. لكن مجدي الشيطان فرق بينا واتجوزني غصب عني. وأنا أصغر منه بـ20 سنة. جابني خدامة بالغصب أربي عياله. وليد ورسل. حتى طارق. كلهم مش ولادي. شخص بشع مريض. أيوه خنته مع سراج وحملت. وكان نفسي أشيل ابني منه ولو لدقيقة واحدة بس. هو قتله وقتل سراج وحرق قلبي بدل المرة ميت مرة. أنا بكرهه هو وولاده كلهم. ونفسي أخلص منهم بأي شكل."
اعتدل هو الآخر جالسًا. مد يده يربت على كتفها. يدافع عن صديق السوء:
"شيرين. مجدي ما حبش في حياته غيرك. كان نفسه بس إنه يحس أنك ممكن تحبيه في يوم. لكن أنتِ بخيانتك ليه فطرتي قلبه."
تعالت ضحكات شيرين الساخرة:
"انظروا من يتحدث عن الخيانة. سفيان صاحب الأخلاق الحميدة الذي يخون صديقه الآن."
التفتت له تغمغم ساخرة:
"ضحكتني يا سيفو. بيبي أنت على سرير صاحبك بتخونه مع مراته."
احتدمت عينا سفيان. ينظر لها غاضبًا. تلك الحية صاحبة اللسان السليط. ارتدي ثيابه. ينظر لها باشمئزاز. يغمغم متقززًا:
"كانت نزوة. أنتِ اللي جريتي رجلي. أنا ماشي. ولما مجدي يجي هبقى أجيه."
طفقها من أعلى لأسفل بنظرات اشمئزاز. قبل أن يتركها ويرحل. لتضحك رغما عنها. ظلت تضحك كثيرًا. نظرت لصورة مجدي التي تقابل فراشهم. قتمت حدقتاها تغمغم:
"سراج راجع وهيدفعكم كلكم التمن. اصبر يا مجدي أنت وسفيان."
***
في غرفة مظلمة. ربما هي غرفة قبو. يدخل إليها الضوء خلسة من بعض الشقوق. تقف في منتصف الغرفة. ذراعيها تعلو لأعلى مقيدة بسلاسل من حديد مثبتة في السقف. جسدها بالكامل تملئه الكدمات وصفعات السوط. ودماء تنزف من جروحها. جسدها يحتضر. ووجهها كما هو سليم. فقط يتألم. يصرخ من الألم. ولكن لا خدش واحد فيه. منذ ساعات وهي على ذلك الحال. حتى فقدت شعورها بذراعيها من الأساس.
سمعت صوت الباب يُفتح. ودخل هو. ينظر لها بحالتها تلك. جذب مقعد يجلس فوقه. يبتسم متلذذًا. كمريض نفسي هرب توا. وضع ساقًا فوق أخرى. يوجه حديثها إليها:
"هل روزا الجميلة تعلمت الدرس؟"
اخفضت رأسها تحرص على عدم النظر لعينيه. بالكاد خرج صوتها مبحوحًا. تهمس بخنوع:
"نعم سيدي. روزا الجميلة خادمتك لن تُخطي من جديد."
ابتسم في سخرية. أمسك بجهاز تحكم صغير. ضغطة واحدة وانفتحت السلاسل. لتسقط على الأرض بعنف. تكورت حول نفسها للحظات. ترغب في البكاء. لم تبكِ يومًا. وكم أرادت ذلك منذ أن كانت طفلة. وقعت في يد مجنون. انتفضت تجر جسدها جرا. حين سمعته يأمرها بأن تقترب منه. جرت نفسها تجلس على ركبتيها أمامها. تخفض رأسها لأسفل. ظل ينظر لها مستمتعًا بما يراه. مال بجزعه إليها. يمسك بذراعيها بلطف شديد. جذبها تجلس جواره. مد يده اليمنى لها بكوب ماء. شربته بأصابع ترتجف. أخذه منها يلقيه بعيدًا ليتشوه بعنف. مد يده لها يجذبها داخل أحضانه. يمسح على رأسها بيمناه. يغمغم في رفق:
"روزا الجميلة تعرف أن سيدها يفعل ذلك حتى تتعلم ألا تُخطئ. روزا لا يجب أن تُخطئ. تذكرين؟"
صرخ قلبها وجسدها وروحها تتعذب من الألم. منذ سنوات توقفت عن عدها. وهي زُرعت رغما عنها في ألم ذلك المجنون. لا مفر لها منه. لا منقذ. فتحت عينيها في الدنيا لتجد نفسها في كنف مجنون مريض نفسي. ما عاشته في طفولتها لا وصف لها سوى العذاب. هو من شكل شخصية الشيطانة روزا الجميلة. هو من صنعها.
أجفلت مرتعدة على صوته الخبيث:
"هل يحتاج الأمر كل ذلك التفكير روزا؟"
ارتعدت فرائصها. تغمغم سريعًا دون تردد:
"بالطبع سيدي. أنت دائمًا محق. أنا المخطئة."
توسعت ابتسامته النرجسية المريضة. يبعدها عن أحضانه. يمسك طرف ذقنها برقة بين أُصبعيه. ينظر لعينيها. يرى دموعها. ليبتسم ساخرًا يتهكم منها:
"بربك روزا. تلقيتِ مني أسوأ من هذا ولم أرِ دموع عينيكِ يومًا. روزا الجميلة لا تبكِ. أنسيتِ؟"
أومأت له سريعًا. ليمسح على خديها برفق. قبل وجنتها بخفة. تنهد بعمق يردف:
"بسبب ما فعلتي لن يعد صاحب الظل يثق فيكِ. علينا التحرك أسرع. انظري لصورة هذا الرجل."
أخرج من جيبه صورة لرجل ما. لا تنكر الرجل يبدو شرقياً وسيماً. ابتسامته بها قدر مخيف من الثقة. نظرت للمايسترو من جديد حين ابتسم يكمل:
"جبران السواح. تاجر مخدرات لازال يعتبر تلميذًا في السوق السوداء. سفيان يسعى جاهداً لقتله لسبب شخصي تافه. أما أنا فارغب في أن أجعله صاحب الظل الجديد. هو وصديقه بدلاً من مجدي وسفيان. لذا يا قلب المايسترو عليكِ مهمة سهلة جدًا. سأرسل روزتي الجميلة إلى حيث يسكن جبران. لن يقاوم سحرها كثيرًا. ستستخدم سحرها ليسقط رهينة إشارة يدها. كما كان صاحب الظل لسنوات. نحن من نحرك خيوطه. لعبتي الجديدة بعد أن أقتل الجميع."
ابتسمت هي الأخرى ابتسامة مريضة متلذذة. تومئ له بالإيجاب تغمغم دون تردد:
"بالطبع سيدي. المايسترو. من دواعي سروري أن أقيد دمية جديدة في شباك خيوطك."
ضحك سراج عاليًا. يهمهم راضيًا. الشيطانة الصغيرة. كم يحبها. لأي درجة أحسن تربيتها. كبّب وجهها بين كفيه. يغمغم بابتسامة واسعة:
"على روزا الجميلة أن تستعد لشخصيتها الجديدة. لا مجال للخطأ. روزا. سأدعك تستمعين هناك. والعب أنا الحمقي هنا."
***
استيقظ بعد سويعات قليلة. لا يعرف لما. ولكن عقله يرفض النوم. رغم أن جسده يكاد يختصر من الإرهاق. فتح عينيه يتنهد مرهقًا. نظر لها وهي تنام. قسمات وجهها منقبضة. هل ترى كابوسًا؟ مد يده يمسح على رأسها بحنو. مرة بعد أخرى. سمعها تهمهم وهي نائمة. تبدو خائفة. وهي تصيح بحرقة أثناء نومها:
"حد يلحقني. الحقووووني. يا بابا الحقنيييي."
وبدأت تصرخ. لينتفض مفزوعًا. هل ترى الحادثة بذلك الشكل المتكرر دائمًا؟ أم فقط وقع ما حدث أثر عليها نفسيًا. مد يدها يحركها بخفة. يصيح باسمها:
"وتر. وتر. اصحي يا وتر. وتر."
فتحت عينيها فجأة تصرخ مذعورة. تتنفس بعنف. انتصفت جالسة تتنفس بعنف. وضعت يدها على صدرها تشعر بنبضها سينفجر. نظرت لجبران تغمغم بارتياح:
"كان كابوس بشع أوي يا جبران. تخيل. أنا حلمت أن ماما اتضربت بالنار هي وبابا. أصل هو رجع من السفر وجالنا هنا. بجد كان كابوس بشع. أنا شكلي نمت وأنا مستنية."
نظر لها متفاجئًا. لا يعرف كيف يخبرها أن ما تخبره به الآن ليس كابوسًا. بل هو واقع عاشته. وفقط تمنى عقلها أن يصبح من مخض الخيال.
كاد أن يقول شيئًا. حين ابتسمت تهمس برقة خجولة:
"عارف حلمت بردوا إن كنت هقع وأنت مسكتني. وكنت حاضني. على فكرة أنت وقح حتى في الأحلام."
"ما كانش حلم يا وتر." نطقها داخل نفسه. ولم يجرؤ لسانه على النطق بها. مغفل أنه نزع قميصه عنها بعد أن نامت لتبقى بثياب المنزل. وارتدى هو سترة منزلية على جسده.
أجفل حين بسطت كفها على وجنته. تبتسم له تهمس تشكره:
"شكرا يا جبران. أنك فضلت جنبي وما سبتنيش. حتى بعد اللي عرفته عني."
ما بها وتر؟ هل فقدت الذاكرة فجأة؟ ولما يشعر هو بالتوتر من حالها خوفًا عليها أن يكون أصابها صدمة أثرت عليها. نظر ناحيتها مرتبكًا. كاد أن يقول شيئًا. حين انفجرت في البكاء. ارتمت بين ذراعيه تشهق في البكاء بعنف:
"كان حلم يا جبران صح. كل اللي حصل دا كان حلم. صح؟ قولي صح."
شهقت واختنقت أنفاسها من البكاء. وهو لا يجد ما يقوله. فقط يحاول مواستها. ما بك يا جبران؟ منذ متى ولسانك يعجز عن التعبير لذلك الحد؟ أخيرًا خبا صوت بكائها. تنهد بعمق. يظنها نامت. حين رفعت رأسها عن صدره. تبتسم وكأن ألم العالم أجمع تجسد فوق ابتسامتها. لتسأله بقهر:
"هي ليه الدنيا بتكرهني يا جبران؟ أنا ما عملتش حاجة وحشة في حد خالص."
اعتدلت في جلستها. جسدها يرتجف بشكل مخيف. هل ستصاب بنوبة صرع بذلك الاهتزاز؟ ابتعدت عن الفراش تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا. تقضم أظافر يديها. وقفت فجأة تنظر له. عيناها تصرخ ألمًا. ابتسمت تضحك ساخرة. تحادثه:
"عد معايا. من وأنا صغيرة ما أعرفش مين ماما. كان كل البنات بيتعايرني من وأنا طفلة أن ماما سابتني وهربت. كانوا بيبعدوا عني. ويخلوا كل أصحابنا يبعدوا عني. الكل كان بيبص لي باحتقار. عارف وأنا في ثانوي جه ولد يقولي أنه معجب بيا. بس قالوا له أن ماما خانت بابا وهربت. عارف عمل إيه؟ بص لي بقرف وقالي أنا مستحيل أرتبط بواحدة مامتها خاينة. هي أكيد خاينة زينها."
انهمرت دموعها بعنف تشهق بقوة. تكمل بقهر:
"اتعودت أكون لوحدي. ولقيت نفسي في كتب علم النفس. لازم أبقى دكتورة علم نفس أسمع الناس. عشان أنا عمري ما لقيت حد يسمعني. لأول مرة أحس بوجودي. أحس بسعادة في حاجة بعملها. بعدها، اغتصبني وعذبني يا جبران. مهما قولت لك أنا اتعذبت قد إيه مش هتحس بربع عذابي. أنا دخلت مستشفى شهور أتعالج من الاكتئاب. رغم كل دا قمت من تاني. قمت بشخصية جديدة. شخصية مغرورة بتعامل الكل باحتقار عشان يحترموني."
وشهقت تلتقط أنفاسها. خارت قواها بعنف. لتسقط على ركبتيها أرضًا:
"شخصية بكرهها. بس الكل بيحترمها. أنا كنت بعامل الكل على أنه خدامين عندي. لما جيت هنا لقيت نفسي بتعامل بطبيعتي دي. أنا ومش أنا. أنا تعبت يا جبران. هي ليه الدنيا بتكرهني أوي كده."
توجه إليها سريعًا. نزل على ركبته أمامها. أمسك ذراعيها بين كفيه. نظر لعينيها. يغمغم في حزم:
"أنتِ أقوى بنت في الدنيا. عاملة زي النجمة بتضوي عتمة الليل. الدنيا ما بتكرهكيش يا وتر. مامتك هتبقى كويسة. أنا واثق من دا. وأنتِ لو عايزة ترجعي لحياتك اللي فاتت. أنا عمري ما هغصبك تفضلي على ذمتي غصب عنك. أنتِ غالية عندي يا وتر. غالية أوي. بكفّر عن ذنبي في حقك. أنا السبب في اللي أنتِ فيه دا. أنا آسف يا وتر."
لم تفهم ما يقصد. وظنته فقط يواسيها. ابتسمت حزينة. ارتمت بين أحضانه. تشدد على عناقه. ليمسح على ظهرها بخفة. تجمدت يديه حين سمعها تهمس بيأس:
"أنا عايزة أبقى مراتك يا جبران. عايزة أعيش على طبيعتي. عايزة أحس إني أنا بتاعت زمان. عايزة أخلف منك. أنا عايزة أبقى مراتك يا جبران."
نطقتها وهي تبتعد. تنظر لعينيه مباشرة. ليفهم ما تعني. ويفسره بأن حالتها النفسية السيئة هي السبب. وفي الأغلب ستندم بشدة بعد ذلك. ابتسم يغمغم بهدوء:
"ما أنتِ مراتي يا وتر. ومش هسيبك أبدًا."
تجمدت الابتسامة فوق شفتيها. انطفأت عيناها ألمًا. زفرت أنفاسها بحرقة. تهمس بجملة واحدة:
"عشان أنا مشوهة. مش كده. أنا آسفة."
حمقاء. تفسر الوضع كما تريد هي. تحركت من أمامه لتغادر. لتشهق بعنف حين طارت في الهواء قليلاً. واستقرت بين ذراعيه. نظرت له مدهوشة. لتري ابتسامته الخبيثة:
"أنا اللي غلطان يا بنت الذوات. إني قولت أقلد العيال بتوع المسلسلات وأراعي حالتك النفسية. دا أنتي حرم المعلم جبران السواح. مش عيل من العيال السيكي ميكي."
ودارت الدوامة ما بين الخوف والارتباك. ومشاعر كرفرفة أجنحة النسور تضرب الجميع. وكلمات غزل تُعزف تلطخ ثوب العذراء الأبيض بالدماء. حين حاولت شهرزاد الحديث بعد صمت طويل. سكتت مصدومة هي الأخرى. حالتها لا تقل دهشة عن حالة وتر. وجبران ينظر لها دون كلام. كيف تكون اغتصبت وهي عذراء!
نظر لها يغمغم مدهوشًا:
"أنتِ عذراء يا وتر!"
رواية جبران العشق الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم دينا جمال
عذراء!
لم تُغتصب ولكن كيف؟ ما قاله الطبيب، تقرير الفحص، ثورة غضب والدها العارمة كادت أن تحرق المستشفى بمن فيها.
تقف في المرحاض منذ أكثر من نصف ساعة، عينيها متسعة في ذهول، عاجزة حتى عن الإحساس. الحركة، سقطت أرضاً على أرض المرحاض الباردة، تضم ركبتيها لصدرها، تتذكر ما حدث لها وكأنه يحدث الآن أمام عينيها.
Flash back
سعيدة، تبتسم في حماس، بعد أشهر من التدريب أخيراً ستقابل أول حالة بمفردها، ستمارس مهنتها التي لم تحصل على شهادتها بعد، ولكنه يُعد تدريباً جريئاً قليلاً. خطت لداخل المصحة النفسية التي يمتلكها أحد أصدقاء والدها المقربين، ذلك الرجل تراه كثيراً عندهم، ربما تتذكر أن اسمه (مجدي!).
ما أن دخلت، توجهت إلى مكتب المدير مباشرة، الذي استقبلها بحفاوة، يرحب بها:
- أهلاً أهلاً، وتر هانم، شرفتي. مجدي باشا كلمني وفهمني كل حاجة... اتفضلي معايا.
منعت نفسها من أن تصرخ من شدة سعادتها، سعادة لم تكن تعرف أنها ستكون قصيرة. اصطحبها المدير إلى غرفة أخرى، فتح بابها، يتقدمها إلى الداخل. لحقت به لتجد غرفة مكتب أنيقة بشكل مبهر، على الرغم من أنها تعيش حياة الترف، إلا أن الغرفة أدهشت طبيبة صغيرة تتطلع للمزيد، خاصة حين رأت لوح من الخشب حُفر عليه اسمها على سطح المكتب. توسعت عينيها اندهاشاً، تنظر للطبيب، ليبادر هو مبتسماً:
- دا مكتبك، مجدي باشا أمر أن يبقى ليكِ مكتب خاص للتدريب، مجرد ما تخلصي دراستك مكانك محفوظ هنا عندنا.
شدت على قبضتها حتى لا تندفع تعانقه. ما يحدث الآن هو الحلم الجميل الذي تمنته كل يوم وتحقق أخيراً. ألقت نظرة شاملة على المكان، عادت بعينيها إلى المدير حين أردف يقول مبتسماً:
- اتعرفي على مكتبك، على ما أبلغ التمريض يجيبولك الحالة.
شقت ابتسامة واسعة شفتيها، تومئ له بالإيجاب. خرج مدير المستشفى من الغرفة، يغلق الباب خلفه، لتصرخ سعيدة، تلتف حول نفسها، تكاد تطير فرحاً. اقتربت من مكتبها تتلمسه بأصابعها، ترسمها بخطوط أحلامها الوردية، الكثير من النجاح. توجهت إلى مقعدها، جلست هناك، اضطجعت إلى ظهر المقعد الوثير، تحادث نفسها:
- أول خطوة في الطريق يا وتر، بكرة هتبقي من أشهر الدكاترة النفسيين... كل دا بيجيبوا المريض، يلا بقي.
لم تكد تنهي جملتها، حتى سمعت صوت دقات على باب غرفتها. لم تسمح حتى للطارق بالدخول. دخل دون إذن، لتجد المدير بنفسه، وجواره يقف رجل طويل القامة، عريض الجسد، يعلو وجهه ابتسامة غير مريحة بالمرة. ذلك هو المريض الذي قرأت الملف الخاص به. ماذا كان اسمه؟ نعم، آدم. مصاب بانفصام في الشخصية بسبب صدمة نفسية شديدة تعرض لها. آدم شخص هادئ، منطوي، قليل الكلام، ولكن تلك الابتسامة التي تعلو ثغره تقول الكثير.
دخل المدير يجذب آدم معه، أوقفه جواره، وضع يده على كتفه، يوجه حديثه لوتر:
- دا آدم يا دكتورة وتر، الحالة بتاعتك، أعتقد أنتي قريتي ملف الحالة بتاعه قبل كده.
أومأت بالإيجاب سريعاً، ليعاود المدير كلامه:
- تحبي أفضل موجود في الجلسة بما أنها أول جلسة ليكِ؟
كم أرادت أن توافق على عرضه، ولكنها لم ترده أن يأخذ فكرة أنها خائفة، وأنها لن تستطيع التعامل مع الحالة بمفردها، لذلك حركت رأسها بالنفي، تغمغم مبتسمة:
- لاء، اتفضل حضرتك، أنا هتعامل من هنا.
ابتسم له، ابتسامته كان بها شيء من السخرية ممتزج بالشفقة. خرج من الغرفة، يجذب الباب خلفه. تحركت هي في تلك اللحظة من خلف مكتبها، تبتسم في هدوء. خاضت الكثير من التجارب، صحيح أنها التجربة الأولى بمفردها، ولكنها لن تفشل. اقتربت منه، تمد يدها لتصافحه، تبتسم في خفة:
- آدم مش كده؟ أنا وتر.
نظر لكفها الممدود، يرفع حاجبه الأيسر ساخراً، ليمد يده هو الآخر، يمسك بكف يدها، يصافحها في هدوء. جيد، إشارة جيدة. حاولت سحب يدها من يده، لتجده يحتجز كفها في كفه. توترت قسماتها، نظرت له لتري ابتسامته تزداد اتساعاً. حاولت أن تبدو هادئة، تردف:
- آدم، لو سمحت، سيب إيدي.
ولكنه لم يفعل، بل جذبها ناحيته بعنف، ترك كفها يطوق خصرها بيديه. ارتجف جسدها للحظات، تحاول أن تهدئ. نظرت له، تغمغم في هدوء:
- آدم، اللي أنت بتعمله دا ما ينفعش، ومش هيخوفني. أنا هنا عشان أساعدك، فبعد إذنك شيل إيدك وأبعد.
ولكنه لم يفعل، بل جذبها إليه حتى التصقت بصدره رغماً عنها. مال على أذنها يهمس لها في خبث:
- مش هبعد يا دكتورة، هما اللي قالولي أعمل كدة، وأنا داخل هنا عشان أعمل كدة.
هنا بدأت تشعر بالخوف. من هم؟ وماذا سيفعل؟ اضطربت حدقتاها ذعراً، تسأله بصوت يرتجف:
- هما مين؟ وتعمل إيه؟
ضحك عالياً، ضحكات مخيفة دوي صداها في كل جزء من المكان. أحكم قبضته عليها بأحد ذراعيه، ليخرج من جيب سرواله قطعة زجاج مدببة، يهمس لها متشفياً:
- تعرفي أني بحب الرسم أوي، بحب أنقش فني، بس مش على الورق ولا الحيطان، على جُتت الميتين والعيشين.
صرخت مذعورة حين فهمت ما يقصد. دفعته بكلتا قبضتها بعنف، ليتركها بملء إرادته. تركض ناحية باب الغرفة، الباب كان موصداً بالمفتاح. من أغلقه؟!
صرخت مذعورة تدق الباب بكفيها، تصرخ عل أحد ينجدها:
- الحقووووني! حد يلحقني! افتحولي الباب يا بااااااباااااااا!
صرخت وصرخت، ولم يسمع أحد. صرخت من الألم حين قبض على خصلات شعرها، تلوت بين يديه، تحاول دفعه بعيداً عنها، تخدشه بأظافرها، تفعل المستحيل ليتركها. إلا أنها دفعها بعنف إلى الأريكة في الغرفة، غاص وجهها في وسادة الأريكة حين رماها على وجهها. حاولت أن تلوذ بنفسها، لتصرخ متألمة حين شعرت بركبته تضغط على ظهرها، يثبتها على سطح الأريكة. صرخت من الذعر والألم، خاصة حين شق ملابسها من الخلف. رفع قطعة الزجاج تلمع أمام عينيه، دنا منها يهمس بصوت مخيف:
- هما اللي قالولي أعمل كدة، قالولي أشوهك.
وصمت للحظات، ليردف بنبرة أشد قتامة:
- واغتصبك.
صرخت بلا صوت، جرت دموعها تغطي وجهها، والآهات من روحها تصرخ، تتعذب. تشعر بنصل الزجاج يحفر في ظهرها. الألم كان أبشع من أن تتحمله، فانسحبت عن الواقع. غابت عن الوعي، ترجو فقط أن يكن كابوساً. كانت بين الوعي واللاوعي، حين بدأت تصحو على الدنيا من جديد. رأت والدها يقف أمامها، وأمامه يقف طبيب يحادثه مشفقاً:
- أنا آسف جداً يا سفيان باشا، في اللي هقوله، بس وتر بنت حضرتك اتعرضت للاغتصاب، دا اللي أثبته تقرير الطب الشرعي.
Back
خرجت شهقة عنيفة من بين شفتيها. ذكرى بشعة لا تحب أن تتذكرها أبداً، ولكن كيف؟ ما قاله الطبيب، لا تفهم شيئاً. اجفلت على صوت دقات على باب المرحاض، وصوته يغمغم قلقاً:
- وتر، افتحي الباب يا وتر... وتر، أنتي كويسة؟ افتحي الباب يا وتر.
استندت على أرض المرحاض الباردة، توجهت بخطى فارغة إلى حوض الغسيل، صفعت وجهها بالمياه بعنف. فتحت الباب، لتري جبران يقف أمامها. سألها سريعاً ما أن رآها:
- أنتي كويسة؟
مد يده يتلمس وجنتها، لتتسع عينيه قلقاً:
- جسمك تلج، وهدومك مبلولة ليه كدة؟ وتر، ردي عليا.
تحركت بخطى فارغة، خاوية من الحياة، متجهة إلى الفراش. وقفت أمامه، لتري دليل براءتها هناك، مدموغاً على سطحه الأبيض. مدت يدها تنزع مفرش الفراش بعنف، تلقيه بعيداً. اندست تحت الأغطية الوثيرة، تضم ركبتيها لصدرها، ترتجف من عنف الذكرى التي داهمتها.
اقترب جبران منها، جلس جوارها، مد يده يمسح على خصلات شعرها برفق، يغمغم قلقاً:
- وتر، طب قومي كلميني.
أمسك بذراعيها بخفة، يجلسها جواره. عينيها شاردة، تنظر للفراغ البعيد. تحدثت بعد لحظات صمت:
- أنا مش فاهمة حاجة يا جبران، أنا افتكرته... بعد ما نسيته، افتكرته، افتكرت اللي عمله فيا...
انسابت دموعها فجاءة، ليأخذها بين أحضانه. تشبثت بصدره، تشهق في البكاء، يرتجف جسدها بعنف. دمعت عينيه هو الآخر، وجملة واحدة تتردد في عقله، جملة يتذكرها جيداً:
(اكسروا شوكتها، شوهوا عنجهيتها، وهي هتبقى تحت إيديكوا غصب عنها).
ضم شفتيه، يحاول ألا يصرخ. هو السبب في العذاب التي تحياه. هو من فعل بها ذلك. هو الجاني في حقها دون أن تعرف ذلك. الصدر التي تلجأ إليه، تبكي عنده، تحتمي به، هو الجاني في حقها. هو من ألقاها داخل ذلك الألم البشع.
أمسك بذراعيها، يبعدها عنه، يحتضن وجهها بين كفيه، يمسح دموعها. رسم ابتسامة كاذبة على ثغره، يغمغم ضاحكاً:
- بقي كنتي بتضحكي عليا يا بنت الذوات، وطلعتي ورد ورود؟ بس ولاد الذوات حلوين أوي. ما تيجي أحكيلك حدوتة تاني.
بالكاد ارتسمت ابتسامة خفيفة على ثغرها، ليتنهد بعمق، يردف ضاحكاً:
- بطلي عياط بقي. عيلة عيوطة! حد يتجوز المعلم جبران ويعيط يا بت؟ دا أنا ملك الكيف والمزاج العالي... تيجي نضرب سجارتين؟
ضحكة صغيرة خرجت من بين شفتيها، لتصدمه. على صدره، تغمغم بصوت بح من العياط:
- ملك قلة الأدب! أنت مبسوط أنك تاجر مخدرات؟
- مخدرات إيه بس؟ مين قال إن تاجر مخدرات؟ أنا تاجر حشيش علف البهايم يا بنت الذوات.
نطقها بالتواء، يلاعب حاجبيه مشاكساً، لتضحك عالياً رغماً عنها، تشعر برغبة ملحة في أن ترتمي بين أحضانه، ففعلت ببساطة. مسح على رأسها حين سمعها تهمس:
- أنا شكلي هحبك والله يا جبران.
ابتسم حزيناً. لو علمت الحقيقة، لما نظرت في وجهه من الأساس. تنهد بعمق، يهمس لها مترفقاً:
- نامي يا وتر.
أومأت بالإيجاب، تتعلق بأحضانه كطفلة صغيرة. انتظر إلى أن نامت، ليسطح جسدها على الفراش برفق، دثرها بالغطاء. تحرك من مكانه، خرج من الغرفة ومن المنزل إلى أسفل، حيث وجد حسن منهمك مع رجاله. اقترب منه، يربت على كتفه السليم، يغمغم:
- اطلع ارتاح يا حسن، كفاية كدة، أنت تعبان. هبعتلك حد من الصيدلية يغيرلك على الجرح.
ابتسم حسن مرهقاً، قواه استنزفت في الساعات الماضية. تحرك لأعلى، حيث ترك أمل بعد أن أعطته أمل في مسامحته. دس المفتاح في الباب. ما أن دخل، رآها تهرول من المطبخ إليه، ارتمت بين أحضانه، تغمغم ملتاعة:
- حرام عليك نفسك يا حسن، إنت متصاب في كتفك، كنت هموت من القلق عليك. تعالي، أنا عملتلك الأكل، غير هدومك على أحطه.
ابتعدت عنه، توجه له ابتسامة رقيقة، طبعت قبلة خاطفة على وجنته، لتفر هاربة. شخصت عينيه ذهولاً، ما يحدث الآن أشد من أن يستوعبه عقله. أمل تغيرت تماماً. ارتسمت ابتسامة كبيرة على ثغره. تحرك إلى غرفته، جرح كتفه يشتعل كالنار. نزع قميصه، ليجد الجرح ملتهب، والخيط الجراحي من الحركة العنيفة ممزق، والشاش الطبي غارق في الدماء. نزعه بعنف، يكاد يصرخ من الألم. وقف ينظر لانعكاس الجرح في المرآة أمامه. المنظر بشع، يحتاج للتنظيف والتقطيب من جديد.
خرج من المرحاض، يشعر بحرارة قوية تجتاح جسده. رأسه يثقل. اقترب من الفراش بخطى تترنح، إلى أن وصل للفراش، ارتمي عليه فاقداً للوعي.
________
في الأسفل، تحرك جبران يساعد رجاله في طلاء أحد الجدران. في عز انشغاله، وقفت في منتصف الحي سيارة أجرة. لم ينتبه لها في البداية، ولكنه فعل بعد ذلك حين رأي جميع الرجال حوله أصابها شلل، تقف كالأصنام. نظر إلى ما ينظر رجاله، لتتشخص عينه هو الآخر، ينظر لحورية من الجنة نزلت على الأرض. حورية رقيقة بفستان أسود وحجاب من لون بشرتها الأبيض، تحمل حقيبة كبيرة في يدها. تقف حائرة، لا تعرف أين تذهب. ترك ما في يده، يتوجه إليها. وقف أمامها يسألها:
- عايزة مين يا أستاذة؟
ارتسمت ابتسامة بسيطة على ثغرها، تغمغم بصوت كزقزقة عصفور يغني:
- على المعلم جبران، قالولي أنه كبير المكان هنا. أنا ممرضة بشتغل في المستشفى اللي على الناصية دي. أنا لسه منقولة النهاردة من الصعيد، قالولي أنه ممكن يجيبلي شقة أقعد فيها. ما تعرفش الاقيه فين؟
كاد أن يرد عليها، حين دق هاتفه برقم حسن، فتحه يرد، ليسمع صوت أمل تصرخ مذعورة:
- الحقني يا جبران! حسن قاطع النفس، قلبه ما بيدقش! حسن مات!
رواية جبران العشق الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم دينا جمال
على فراشه في غرفة نومه، جسده مسطح. جبينه يتفصد عرقًا، يهذي بالعديد من الكلمات غير المفهومة. يتمتم باسم والدته واسم أمل. خيوط من الدموع تنساب من عينيه المغلقة. يرى والده وما كان يلاقيه وهو طفل، يراه أمام عينيه. يشعر بذلك العذاب وكأن صفعات السوط تنزل على جسده الآن. صرخة عذاب خرجت من بين شفتيه، ومشهد ذبح والدته لنفسها يهجم عليه.
فتح عينيه فجأة، يصرخ مذعورًا، يلهث بعنف. وقعت عيناه على جبران الواقف أمام فراشه، وآمل تقف عند باب الغرفة تبكي، وشخص ما قريب منه للغاية. ابتلع لعابه الجاف، يتنفس بعنف ليسمع صوتًا ناعمًا يحادثه مترفقًا:
"ما تشدش جسمك يا أستاذ عشان الجرح ما يفتحش تاني."
نظر لمن تحدثت، لتتسع عيناه في دهشة. الفتاة تكاد تُضئ من شدة جمالها غير الطبيعي بالمرة. تحرك لسانه يتمتم مدهوشًا:
"هو أنا مُت ودخلت الجنة ولا إيه؟"
احمرت وجنتا روزا خجلًا، اجادت صبغة على وجنتيها. في حين ضحك جبران ساخرًا. اقترب أكثر من فراش حسن، يدس في جيب سرواله، يغمغم ساخرًا:
"بذمتك دا منظر واحد هيورد على جنة، وبعدين هو كل شوية أمل تكلمني تصوّت."
حسن قاطع النفس:
"ما تنشف كدة يا أبو الرجالة، أنت قلبت حسنية ياض من ورايا ولا إيه؟"
نظر حسن لجبران مغتاظًا، ليبتسم الأخير يستفزه. في حين كانت روزا منهمكة في إعادة تضميد جرح كتفه. المخدر الذي وضعته على الجرح بعد تنظيفه جعله لا يشعر بالألم. انتهت مما تفعله، لتلف رباطًا طبيًا نظيفًا على الجرح. وقفت مستقيمة تنظر له، تبتسم في حياء:
"حمد لله على السلامة، خد بالك الجرح محتاج اهتمام... أنا ممكن أبقى أغيّرك عليه من وقت للتاني."
التفتت برأسها ناحية جبران، ابتسمت في وداعة بريئة، تسأله على استحياء:
"ممكن حضرتك تقولي معلش ألاقي فين المعلم جبران؟"
نظر حسن لجبران، يرفع حاجبه الأيسر ساخرًا، يتمتم متهكمًا:
"أنت قايلها أن اسمك هيثم ولا إيه؟"
ضحك جبران عاليًا، يربت على كتف حسن السليم، يسخر منهم:
"خليك في خيبتك يا أخويا، دي كلها ساعتين زمن وهلاقي أمل بتصوّت الحقني حسن بيفرفر."
سبة بذيئة خرجت من بين شفتي حسن، يوجهها لجبران، ليرد عليه الأخير ينعته بلفظ لا يقال أبدًا. توسعت عينا روزا، أصفر وجهها، تصيح مفزوعة:
"إيه اللي انتوا بتقولوه دا، استغفر الله العظيم يارب... أنا هنزل أسأل أي حد في الشارع عن إذنكوا."
"أنت بتفهمي بصوابع رجلك صح؟ دا ما هو حسن لسه قايله أن اسمك هيثم ولا إيه، يبقى هو مين؟"
أردفت بها أمل ساخرة، تنظر لتلك العروس الملونة التي سرقت أنظار الجميع.
نظرت روزا إلى جبران محرجة، ليحمحم الأخير، يغمغم في هدوء:
"تعالي معايا يا أستاذة هنتكلم تحت... خلي بالك من نفسك يا أبو علي."
أفسح لها المجال لتتقدمه. نظرت أمل لها باشمئزاز وهي تتحرك، تخرج من الغرفة. في حين ابتسم حسن، يبدو أن أمل تغار عليه. نظرت أمل ناحية حسن نظرة خاطفة، تغمغم حانقة:
"هروح أجيب لك أكل أحسن نفسك زمانها جزعت من الحلويات."
توسعت ابتسامة حسن، يكاد يرقص فرحًا. في حين خرجت أمل من الغرفة، ليعلو ثغرها ابتسامة ساخرة على ثغرها. حسن الأحمق ظن حقًا أنها تغار، كان عليها أن تظهر بمظهر الزوجة الغيورة حتى يصدق حقًا أنها بدأت تحبه حقًا. حملت صينية الطعام تعود بها للغرفة، لتراه انتصف جالسًا، يستند إلى عارضة الفراش بظهره. اقتربت تضع الطعام بجواره على الفراش، جلست في الاتجاه الآخر، تشيح بوجهها بعيدًا، تتدلل في تصنع. ارتسمت ابتسامة صغيرة على ثغره حين غمغمت حانقة:
"على فكرة بقي أنا أحلى منها."
مد يده السليمة برفق ناحية ذقنها، يحرك وجهها إليه. ابتسم يهمس بعشق صادق:
"أنتِ ست البنات كلهم."
تبعثرت أوراق مشاعرها من همسه الخفيض المفعم بطوفان مخيف من المشاعر. تحاشت النظر لعينيه، ابتلعت لعابها الجاف كصحراء لم ترتوي بقطرة ندى يومًا. لتشعر بيده تتحرك ليبسط كفه على خدها، وتنهيدة حارة تخرج من بين شفتيه. يهمس لها:
"بصيلي يا أمل."
ترددت للحظات، استجمعت رباطة جأشها، ترفع مقلتيها إليه، لتسمعه يكمل:
"أنا مش هقول الكلام دا تاني عشان أنا ماليش في الكلام الملزق بتاع عيال اليومين دول، بس اللي عايزك تعرفيه إني ما حبتش حد في حياتي غيرك. ما تستنيش مني إنك تسمعي كلمة بحبك عشان مش هقولها تاني، بس هبقي دايما في ضهرك، هبقي الإيد اللي تسندي عليها، الظهر اللي تتحامي فيه، البلطجي اللي هيزحف أي حد يضايقك ولو بكلمة على وشه."
صمت للحظات يلتقط أنفاسه، لا يعرف حتى كيف يقول تلك الكلمات الغريبة الآن. راقب تعابير وجهها، ليراها تنظر له باهتمام، تنتظر أن يكمل ما بدأه. ليتنهد بعمق، يكمل مبتسمًا:
"ما تطلبيش مني ورد ودباديب والهبل دا، بس اطلبي عينيا أدهالك بطيب خاطر... كيلو الكباب أحسن يا يسرية."
ضحكت على مزحته الأخيرة، ولم تردف بحرف. ما قاله رائع، بل أكثر من رائع. إن كانت تزوجته بإرادتها، إن كانت تحبه، إن لم يجبرها بخسة أن توافق على الزواج منه مرغمة، كلماته لا فائدة منها الآن. رسمت ابتسامة لطيفة على ثغرها، تتمتم بخفوت:
"ربنا يخليك ليا يا حسن... يلا نتعشى، ورايا مذاكرة قد كدة، وأنت كمان محتاج ترتاح. سمعت البت الصفرا قالت إيه، لازم ترتاح."
ضحك عاليًا، ينظر لها، يلاعب حاجبيه مشاكسًا. أمسكت قطعة لحم تدسها في فمه، تلوي شفتيها مغتاظة، تصيح بدلال:
"على فكرة أنا مش متغاظة، بس هي فعلًا صفرا."
***
وقف أمامها في مدخل عمارة حسن السكنية، يكتف ذراعيه أمام صدره، يستمع إليها وهي تردف بخجل:
"أنا آسفة، ما كنتش أعرف أن حضرتك المعلم جبران، أنا اسمي صفا، منقولة من الصعيد هنا. واحد عامل ابن حلال من المستشفى هو اللي دلني عليك، وقالي أنك ممكن تساعدني... وادي الأوراق كلها أهي عشان تتأكد لو مش مصدقني."
ظل يتفحصها بنظرات صامتة لعدة دقائق، يحاول أن يسبر أغوارها، قبل أن يبتسم في هدوء، يتمتم:
"اتفضلي معايا يا آنسة صفا، مش آنسة بردوا؟"
ابتسمت في خجل، تؤمئ له بالإيجاب. تحركت خلفه إلى عمارة سكنية قريبة من مكانهم. صعد معها إلى الطابق الثاني، وقف أمام باب شقة مغلقة. دس يده في جيب سرواله، يخرج سلسلة مفاتيحه، فتح الباب، يضيء مصباح الإنارة لتظهر شقة صغيرة الحجم بها بعض الفرش البسيط. خطى لداخل الشقة وهي خلفه، أشار للمكان حوله، يغمغم:
"دي شقة صغيرة كنت بأجرها للطلبة المغتربين اللي فلوسهم على قدّهم، شوفيها لو تنفعك."
أخذت جولة سريعة، وكأنها حقًا تستكشف المكان، قبل أن تعود إليه. ابتسمت متوترة، تغمغن بحرج:
"حلوة جدًا... المهم بس ما يكونش إيجارها غالي."
ظل ينظر إليها دون كلام. ليسأله فجأة دون سابق إنذار:
"أنتي بتقولي أنك من الصعيد، إزاي أهلك في الصعيد موافقين أنك تيجي تعيشي هنا لوحدك؟"
توترت حقًا من سؤاله، لم تتوقع منه ذلك السؤال أبدًا. عليها أن تتصرف، أن تكسب تعاطفه، ولم تجد أفضل من الدموع. دمعت عيناها، تهمس بصوت خفيض مختنق:
"أنا أهلي ماتوا، أنا ماليش حد في الدنيا غير ربنا. تعبت من العيشة في الصعيد وكلام الناس اللي ما بيخلصش... قولت أروح بلد جديدة ما حدش فيها يعرفني، يمكن يكون حظي فيها أحسن."
همهم متفهمًا، يحرك رأسه بالإيجاب. يغمغم مبتسمًا:
"على العموم الشقة قدامك أهي، ارتاحي من السفر وهنشوف موضوع العقد دا بعدين. عن إذنك أنا طالع شقتي... أنا ساكن فوقيكي بدورين على فكرة."
ابتسمت على استحياء، تؤمئ له، تشكره بصوت هامس خجول. تحرك يغادر. أغلقت الباب خلفه لترتمي على أحد المقاعد. إلى الآن الخطة تسير وفق رسم المايسترو، كما قال بالحرف الواحد. أضجعت بجسدها إلى ظهر المقعد، تتنفس بعنف. على الرغم من تدني المستوى التي تراه الآن، ولكن الذعر الذي احتل وجه جبران حين أخبرته تلك السيدة لا تذكر اسمها أن صديقه مريض، جذبها حرفيًا من يدها، يهرول لأعلى. حيث رأت حسن. من الجيد أن تشعر أن هناك من يهتم لأجلك. شعور لم تجربه يومًا. كيف تجربه وقد نشأت بين أحضان مريض نفسي شوه طفولتها ومراهقتها. نزع عذريتها غصبًا وهي في سن السابعة عشر. حرص على تدمير كل ذرة نور بها، شكل منها مسخًا لا يعرف الرحمة ليحقق أهدافه المريضة، وقد نجح.
فتحت عينيها، ترتسم ابتسامة خبيثة على ثغرها. ها هي هنا، يفصلها عن منزل جبران طابقين فقط، وستنال هدفها قريبًا.
***
في قصر سفيان الدالي، حين حل الليل، كان يجلس في غرفة مكتبه على أريكة سوداء وثيرة من الجلد. ومجدي يجلس على مقعد بالقرب منه. تحدث مجدي بنزق:
"أنت بتلعب يا سفيان. إنت مش قولتلي أنك عندي في البيت؟ أروح تقولي لأ، أنا عندي، تعالا. هي استغماية."
لم يبالِ سفيان بما قال مجدي، فقط رفع كأس نبيذه، يرتشف منه على مهل. نظر لمجدي يسأله:
"ابنك فين؟"
زفر مجدي أنفاسه حانقًا، ليلتقط كأسًا هو الآخر، يسكب من زجاجة النبيذ القابعة أمامه. ارتخى جالسًا في مقعده، يضع ساقًا فوق أخرى، يغمغم بلا اكتراث:
"جاي ورايا... ما قولتليش بردوا مشيت ليه."
دفع سفيان ما في كأسه إلى فمه، جرعة واحدة. يحرك الكأس الفارغ في يده. نظر لمجدي يغمغم ساخرًا:
"مراتك المجنونة حاولت تتحرش بيا... دي شكلها لسعت على الآخر. تخيل هددتني لو مشيت أنها هتقولك إني عملت معاها علاقة. أنا مش فاهم أنت ليه مش راضي تركب كاميرات مراقبة في الفيلا."
قامت عينا مجدي غضبًا، ليشرب ما في كأسه بالكامل دفعة واحدة، يتوعدها بالعذاب عند عودته. ولكن الأهم الآن، التفت لسفيان، يغمغم سريعًا:
"عرفت آخر الأخبار؟ صاحب الظل هنا في مصر."
توسعت عينا سفيان مندهشًا، اعتدل في جلسته، يردف مذهولًا، قلقًا:
"صاحب الظل جه امتى وجاي يعمل إيه أصلًا؟ ليكون جاي يصفينا؟"
حرك مجدي رأسه بالنفي، يخرج من جيب سترته رسالة أنيقة، مد يده بها لسفيان. فتحها الأخير سريعًا، ينظر لما خط على سطحها، ليجد التالي:
« صديقي العزيز مجدي... طال غيابي عن مصر، انشغلت في الكثير من الأعمال، مرت أشهر طويلة على آخر لقاء لنا. زيارتي لن تطول، كم أرغب في رؤيتك، ولكني لا أستطيع. فأنا أبتعد عنك كبعد الصحراء عن الأمطار. لك مني مئة تحية، قسمها بينك وبين صديقنا الثالث سفيان، وأتمنى أن ألقاكم قريبًا، ربما عند اكتمال قمر الصداقة سنفعل. »
نظر سفيان لمجدي، يغمغم ساخرًا:
"هو قاعد في الفيلا القديمة اللي في الصحراوي عند الكيلو خمسين، هو القمر هيكمل امتى بقي؟"
فتح مجدي هاتفه، يبحث داخل أحد التطبيقات، قبل أن يرفع وجهه لسفيان، يغمغم:
"بعد بكرة."
ابتسم سفيان ساخرًا. ذلك الرجل كالعقرب، لا يستهان بلدغته أبدًا. قاطع جلستهم دقات على باب الغرفة. سمح سفيان للطارق بالدخول. ليدخل طارق، يبتسم، وقف أمامهم، يغمغم مرحبًا:
"حمد لله على السلامة..."
لم يكمل خفا صوته، ودوى صوت رصاصات مسدس سفيان الذي سحبه من جواره في لحظة دون أن يرمش. كان يصيبه برصاصتين، إحداها في ذراعه الأيمن، والأخرى في ساقه اليسرى. ارتمى طارق أرضًا، تكور حول نفسه، يصرخ من الألم. ومجدي لم يهتز له جفن، فقط عاد يملئ كأسه من جديد، وكأن شيئًا لم يكن. قام سفيان من مكانه، وقف أمام طارق الملقى أرضًا، وضع يده على خصره، يغمغم ساخرًا:
"لولا بس إني وعدت مجدي إني مش هقتلك، كان زمان الرصاصة في قلبك مش في رجلك. ولو كنت لمست بنتي في غيابي، كنت بعتك أعضاء بشرية."
التفت إلى مجدي، يغمغم ضاحكًا:
"كلم حراسك يجوا يشلوه يرموه في المشافي بتاعتك."
تنهد مجدي مرهقًا من الجميع، أخرج هاتفه، يحادث أحد حراسه. لحظات ودخل حارسان ضخما الجثة. ليوجه مجدي حديثه إليهم:
"شيلوا طارق باشا واطلعوا بيه على المستشفى بتاعتي، هما هناك مستنينه."
نظر طارق لوالده مذهولًا، يكاد يبكي من الألم كالأطفال. لم يكن عليه أن يظن أن والده لن يؤذيه. كيف وقد قتل ابنه البكر بيديه، وكان على وشك أن يضحي برسول أعمال مريض لأجل صالحه. ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغره، حين أردف سفيان ببساطة:
"ما تطولش في العلاج بقي، على ما أخلص وتر من البلطجي دا في نفس اليوم هتكتب كتابك عليها."
كان يعرف أنه يعيش بين مجموعة من المرضى النفسيين، ولكنه لم يتأكد من ذلك سوى الآن. أسنَده الحراس، لا قدرة له على الحركة من الأساس، وخرجا به من الغرفة. ليرتمي سفيان جالسًا، رفع كأسه، يصدمه بكأس مجدي بخفة. نخب اختلالهم العقلي على ما يبدو.
منذ متى وهي هنا؟ لا تعرف. الشمس شرقت وغربت، وهو لم يعد. لم تره. المكان غريب، مخيف بالنسبة لها. لم تخرج من غرفتها منذ أن تركها ذلك الرجل الذي يدعي قاسم، الذي أخبرها بأنه يكون والد زياد الضابط. كم رغبت في أن يظل هنا ولا يرحل. لم تشعر بالأمان إلا معه، إلا وهو يتحدث وكأنه والدها، من كان هنا. زمجرت معدتها بشراسة، تلح عليها أن تأكل ولو لقمات قليلة تسد بها جوعها. تحركت مرغمة للخارج، تمشي بحذر، تتلفت حولها في كل مكان، تخشى أن ترى وجه الشيطان من جديد. بحذر شديد توجهت إلى المطبخ، فتحت البراد لتجد الطعام يقبع هناك. أخرجت طبقًا صغيرًا به جبن ورغيف خبز واحد، جلست منكمشة في أحد جوانب الصالة تأكل، تنظر حولها بهلع، كل لحظة وآخرة. قربت لقمة الطعام من فمها لتنهمر دموعها دون سابق إنذار، تشهق في بكاء عنيف موحش. لم تخطئ، لم تفعل شيئًا لتفعل بها الحياة ما فعلت. لم ترتكب ذنبًا جللًا، ليكن جزاؤها أن تقع في قبضة مريض مختل هشّم كل ذرة بها. رمت الطعام من يدها، تخبئ وجهها بكفيها، تبكي بحرقة، تنعي نفسها. فلن تجد من يواسي أبدًا.
انتفضت مفزوعة على صوت دقات على باب المنزل. وقعت عيناها على الباب لتهز رأسها بالنفي بعنف. لن تفتح، لن تدعه يدخل، لن تدعه يؤذيها من جديد. رأت من أسفل الباب طرف ورقة بيضاء يدخل للداخل، ومن صوت الأقدام تبتعد. قامت بخطى مرتجفة ناحية الورقة التي بات نصفها تقريبًا داخل الشقة. مالت تلتقط الورقة، فتحتها لتشخص عيناها فزعًا. صرخت من أعماق روحها والذعر يأكل قلبها. رمت الورقة من يدها، تحرك رأسها بالنفي بعنف، تعود للخلف، تصرخ مذعورة:
"لا... لا مش هرجعله تاني، لأ... مش هيعذبني تاني... لأ."
ركضت إلى المطبخ، تمسك السكين الكبير. ارتجفت حدقتاها والدموع تغشي عينيها. تنظر لرسغ يسراها، ويدها اليمنى تهتز بالسكين بعنف، يكفي لاقت ما يكفي ويزيد. قضت سنوات من الذل في منزل عمها، والحياة لم تكتف بذلك أبدًا. ألقاها في بوتقة من العذاب المنصهر كالحمم. شهقة بعنف وهي تحرك نصل السكين الحاد على رسغ يدها، تشعر بشرايينها تتمزق والدماء تنفجر من يدها. وقفت تنظر لدمها وهو يراق أمام عينيها، تبكي بعنف، إلى أن بدأت تشعر بالدوار وجسدها يزداد برودة، وستار أسود أُسدل أمام عينيها، ولم تعد تشعر بشيء إطلاقًا.
أخيرًا انتهى من الكثير. وقف بسيارته أمام عمارته السكنية. نزل يلتقط الحقائب البلاستيكية من جواره. دق هاتفه برقم مساعده في العمل، ليمسك الهاتف بيمناه واليسرى يحمل بها الحقائب. صعد لأعلى، يوجه حديثه لمساعده:
"أيوه زي ما قولتلك الصبح، الحراسة تزيد على الست اللي اسمها فتحية، والدكتور والممرضة اللي معاك ال ID بتاعهم بس هما اللي يدخلوا، غير كدة لأ..."
فتح الباب بصعوبة، خطى لداخل الشقة، يكمل حديثه مع مساعده:
"أيوه أيوه، وحطلي مخبر ولا اتنين جداد في الحارة بتاعت الزفت جبران، أما نشوف آخره."
توجه إلى المطبخ ليضع الحقائب، لتتجمد ساقاه، شخصت عيناه ذعرًا. سقطت الحقائب من يده وتهاوى الهاتف أرضًا، وصرخة مذعورة خرجت من بين شفتيه باسمها. يبدو أنه تأخر، تأخر كثيرًا حتى فقدت حياة الحياة.
***
في منزل قديم، من يراه من الخارج يظنه مهجورًا. يجلس الشيطان على عرشه هناك، يغطي وجهه بقناع أسود. يقف أمامه حارسان. ارتعتشت نبرة أحدهم، يردف:
"سيدي صاحب الظل، لقد فقدنا أثرهم. السيارة كانت فارغة، والسيارة الأخرى قام بيجاد بتفجيرها. لم نعثر عل..."
لم يكمل. اخترقت الرصاصة رأسه، ليسقط صريعًا. نظر صاحب الظل للرجل الآخر، يغمغم ساخرًا:
"أتعرف لم أحبه يومًا. لم يجلب لي أخبارًا سارة قط... والآن اذهب وأحضر روزا الجميلة، أخبرها أن صاحب الظل ينتظرها."
"لا داعي، فروزا الجميلة هنا."
التفت لمصدر الصوت، ليجدها تقف أمامه تبتسم. شعرها الأشقر يتطاير مع الهواء.
رواية جبران العشق الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم دينا جمال
لا داعي فروزا الجميلة هنا.
التفت لمصدر الصوت ليجدها تقف أمامه تبتسم. شعرها الأشقر يتطاير مع الهواء. ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغره، في حين ابتسمت هي برقة تقطر سما.
رفع يده يصرف الحراس ليقترب منها. يُسمع صدى كعب حذائها الرفيع يمزق الصمت. قام صاحب الظل من مكانه يقترب منها عدة خطوات. وقف أمامها ينظر لها دون كلام للحظات. عينيه حادة غاضبة. ابتسمت ساخرة، لم ترمش عينيها حتى حين رفع يده ونزل بها بعنف على وجهها.
التف وجهها للاتجاه الآخر من عنف صفعته، ولكنها عاودت النظر له من جديد تبتسم وكأن شيئًا لم يكن، وكأنها لم تصفع توا. مد يده يقبض على فكها بعنف يقرب وجهها منه. سمعته ينعتها بأنها عاهرة خائنة، قبل أن يصيح فيها محتداً:
- أين كانت الجميلة قبل أن أفصل رأسها الآن؟
ابتسمت ساخرة لترفع يدها تبسطها على وجنته تتمتم بنعومة:
- اشتقت لصاحب الظل، كان عليك أن تأتي أبكر.
أبعد يده عن فكها يدسها في جيب سرواله، ينظر لعينيها ذات النظرات الثابتة. تدحرجت عينيه إلى ثغرها. ابتسامة ناعمة كسم الأفعى. هو أكثر من يعرفها. تحرك إلى إحدى الأرائك الوثيرة، أشار لها بسبابته أن تقترب منه، ففعلت. تحركت تتغنج الخطى، جلست جواره تضع ساقاً فوق أخرى. جذبت سيجارة من علبته تدسها بين شفتيها، أشعلتها بقداحته تنفث دخانها في الهواء ببطء.
التفتت له تغمغم:
- إن رفعت يدك مجدداً أقسم سأجعلك تشتاق إليها... أنا أحذر مرة وأقتل الثانية، فهمت؟
لم يجيب، فقط ابتسم ساخراً. لتميل هي بجسدها تطفئ السيجارة بعنف في طبق زجاج على سطح الطاولة أمامهم. التقطت زجاجة النبيذ تفرغ لها وله معا. سكبت كأسين، مد يدها له بأحدهم. التقطته منها لتردف في هدوء:
- تريد أن تعرف أين كانت الجميلة؟ جئت لهنا لنمد أذرعاً جديدة لنا بدلاً من العجوزين. صدقا، ألم تمل منهما؟
قطب ما بين حاجبيه. تقصد مجدي وسفيان، ولكن ماذا تعني بأذرع جديدة؟ رفع كأسه يرتشف منه يغمغم:
- مجدي وسفيان حكام السوق السودا هنا في مصر. إيديا اللي بحركها هنا في مصر.
همهمت تتفهم ما يقول، لتتجرع ما بقي في كأسها دفعة واحدة. التفتت بجسدها إليه تغمغم في هدوء:
- عارفة، وعارفة أنك مستحيل تستغني عنهم. بس تعالا نبصلها من جهة تانية. مجدي وسفيان تعاملهم كله مع الطبقة الغنية في كل دولة هما مسؤولين عنها والجامعات الخاصة والانترناشونال. الناس اللي زينا من الآخر. إحنا عايزين دم جديد في الشوارع والحواري وبين الجامعات. الحكومة الموظفين والعمال، كل دول بعيد عن أيدينا عشان مجدي وسفيان رافضين يتعاملوا مع الطبقة دي.
بدأت تجذب بكلماتها انتباهه. وضع الكأس من يده ينظر لها يحثها أن تكمل. لتبتسم منتصرة. مالت تلتقط الزجاجة من جديد تملئ كأسه وكأسها. صدمت كأسها بخاصته في حركة خاطفة تكمل بثقة:
- بعد بحث بسيط قدرت أوصل لتاجر حشيش. صحيح هو صغير وعلي قده، بس إحنا نقدره نكبره. شخص ذكي من معلوماتي عنه إنه عنده طرق جديدة لتوزيع الحشيش وكمان لسه شاب ودي بوينت ممتازة. فإحنا هنغير نشاطه من حشيش لمخدرات... أنت عارف إن فيه أنواع من الهيروين بتطلع رديئة وبتتأكسد بسرعة. فبدل ما نخسر فلوسها نوزعها للناس اللي زي دول، هتبقى كنز بالنسبة ليهم.
اللمعت عينه والفكرة تطرق في رأسه بعنف. روزا صاحبة الأفكار السامة. نظر لها وهي ترتشف ما في كأسها ببطء. تنظر ناحيته هي الأخرى لتبتسم تردف بالروسية:
- إن استطعنا ضم ذلك الشبل الصغير إلينا سنحكم قبضتنا على البلد بأكملها. لن نخسر جرام مخدر واحد. لذلك قررت أن أذهب إلى الحي متنكرة بهيئة ممرضة مسكينة والتقيت بجبران. يجب أن أخبرك أن الرجل يضج بالعنفوان، شخص مثله سيفيدنا أكثر مما تتخيل.
حرك رأسه بالإيجاب يوافق فكرتها الخبيثة. ربما عليهم فعلاً أن يضخوا دماً جديداً ليسري فيها سمهم الأبيض. عاد ينظر إليها يسألها:
- ولما لم تخبريني من البداية؟ لما جئتي لهنا دون علمي؟
حان الوقت لتستخدم روزا سلاحها الأكثر براعة. وضعت الكأس من يدها فوق الطاولة. اقتربت منه تجلس بين أحضانه. طوقت عنقه بذراعيها تبتسم في رقة:
- لم تكن لتوافق. أنت ترفض خروجي من القصر، فكيف على سفري لبلد أخرى؟ عليك أن تثق بي أكثر من ذلك حبيبي. فأنا فعلت كل ذلك منذ البداية لأجلك أنت فقط. قتلت حتى أخي لأجلك. هل تظن أن روزتك ستخونك يوماً؟
وصدق كم كانت بارعة وكم كان أحمق ليصدق تلك النظرات الناعسة التي صدقها قبله الكثيرون وانتهى بهم المطاف قتلى على يدي صاحبة النظرات الرقيقة. رفع يده يمسح على وجنتها اليسرى بخفة. ارتسمت ابتسامة ساخرة على ثغره يغمغم في هدوء يفجر به القنبلة:
- على ذكر ذلك أخيكِ، لا يزال حياً. بيجاد لم يمت.
توسعت عينيها في ذهول. أصفر وجهها في دهشة. بيجاد حي؟!! كيف وهل يعلم المايسترو بتلك المعلومة؟ الكثير سيتغير بعد تلك المفاجأة غير المتوقعة. بيجاد حي!!... أجفلت تنظر له حين غمغم ساخراً:
- هل الجميلة خائفة؟ لا تخافي، لن أدعه يمس منكِ شعرة. سأقتله قبل أن يفكر في فعل ذلك.
أومأت له بالإيجاب سريعاً. ارتمت بين أحضانه تطوق جزعه بذراعيها تغمغم سريعاً:
- نعم اقتله، لا تدعه يعثر علي... سيكشف السر. اقتله قبل أن يفعل هو.
شردت عينيها في الفراغ تنظر بعيداً. أسودت نظرات عينيها في حقد. بيجاد حي، شقيقها الأحمق المغفل الذي شق الأرض ليعثر عليها. صحيح أنه كان لا يفعل شيئاً منذ أن وجدها سوى أنه يحاول تعويضها عن سنوات فقده لها، ولكنها تكرهه وستظل تفعل. قامت بقتله مرة وستكررها مئة مرة إن سنحت لها الفرصة لتفعل!! تذكرت آخر ما دار بينها وبين المايسترو.
Flash back
- عليكِ أن تعودي لصاحب الظل أن يثق بك من جديد. روزا، إن لم تفعلي ذلك سأسلخ روحك.
نبرة صوته وهو يقولها دبت الفزع في أوصالها.
أومأت له سريعاً كطفلة مرتعبة من وحش أسفل الفراش. ابتسم في شر. مد يده يمسح على خصلات شعرها يكمل في هدوء:
- عليك إقناع صاحب الظل أن جبران سيكون أكثر من مفيد. وسأخبرك بما ستقوليه تحديداً. احذري الخطأ روزا. على جبران أن يثق بكِ أكثر من صاحب الظل حتى أظهر أنا أمامه ونقضي على الجميع. فهمتي؟
حركت رأسها بالإيجاب سريعاً. فهمت وحفظت ولن تخطئ أبداً. ليضحك عالياً يجذبها من رسغها بعنف إلى حيث غرفته ليمزق من روحها جزءً جديداً.
Back
عادت من شرودها وصوت ضحكاته لا يزال يتردد في أذنيها. ابتعدت برأسها عن صاحب الظل حين سمعته يهمس لها:
- أنا أثق في الجميلة، لا تحاولي خيانتي. أقسم سأقتلك بين أحضاني.
صمت للحظات قبل أن تتبدل نبرة صوته بأخرى مخيفة:
- اشتقت للجميلة بين أحضاني، وبالطبع الجميلة اشتاقت لي، أليس كذلك؟
لم يعطيها فرصة للإجابة على سؤاله. حملها بين ذراعيه كالعروس، وهي لا تكاد تختلف عن العروس شيئاً. عروس لم تملك خيوط حياتها يوماً. عروس هم من يحركوها، يقتل بإيديهم ويلقي اللوم عليها. اختفى بها خلف باب إحدى الغرف.
وللحديث بقية لن نستطيع الحديث عنها.
***
إنها الواحدة بعد منتصف الليل، وهو لا يزال يجلس على الأريكة في صالة منزله. التبغ في فمه يزفر دخانه بعنف. يفكر بسخرية تقطر ألماً. كيف انتهى به الحال لهنا... حين رآها لأول مرة.
بذلك الشموخ والعنفوان ظن أنهم لم يكسروها بأن خطته لم تتم. كان سعيداً لأنها لم تتم. لم يعرف أنه فقط كان قناعاً تخفي به بقايا روحها. بقايا هو من فتتها. هو من ساعدهم دون أن يدري. لذلك كان يجب أن يكون جزاءه أن يعيش معها الألم الذي تسبب فيه. أن يراها وهي تتعذب فيما اقترفت يداه. إن يكوي بنيران قهرها.
ارتمي بجسده يتسطح على الأريكة يفكر في القادم. رفع يده ينظر لكفه ليبتسم ساخراً. كان يعيش قديماً أجمل قصة حب يمكن أن يخطها قلم، ولكنه خسر كل شيء.
حتى نفسه. لا يزال بتذكر كف يدها الصغير وهو يختبئ في كفه. نظرات عينيها الناعسة الخجولة، ضحكاتها الغنائية. كل شيء بها كان مثالياً، ولكنه فقط كان.
تحرك من مكانه إلى غرفته. رأى وتر تتكور حول نفسها في منتصف الفراش. ما فعله خاطئ. ما كان يجب أن ينجرف خلف تلك الدوامة. لم يكن عليه لمسها من الأساس. ستكرهه حين تعلم الحقيقة وستكره نفسها لأنها سمحت له بلمسها.
اقترب منها جلس بجوارها يمسح على خصلات شعرها يتنهد حزيناً نادماً. وتر عليها أن تكرهه. وتر لا يجب أن تحبه. سيكون جرحها مضاعفاً حين تنكشف الحقيقة أمامها. الحقيقة التي ستعرفها عاجلاً أم آجلاً. لن يكسر قلبها للمرة الثانية، يكفي ما فعله بها.
مال يطبع قبلة خفيفة على رأسها. جذب الوسادة الأخرى وغطاء خفيف يتحرك للخارج. ارتمي بجسده على الأريكة يعقد ذراعيه خلف رأسه يتمتم بجملة واحدة:
- لازم أخليها تكرهني. سامحيني يا وتر.
***
الثانية بعد منتصف الليل. يقف أمام غرفة الطوارئ التي فيها منذ أكثر من ساعة. يكاد القلق يفتت قلبه إلى شظايا. يده تقبض على الورقة التي رآها ملقاة بجوارها. الشيطان بعث لها برسالة لتبث الذعر فيها. جملة واحدة أرسلها لها:
(اشتقت للعبث مع الصغيرة أمام صندوق الأفاعي)
ذلك الشيطان فعل بها أسوأ مما قد يتخيله عقله. صندوق من الأفاعي؟ التخيل فقط جعل جسده يرتجف. أجفل حين فتح الطبيب باب الغرفة ليخرج منه. هرع إليه يسأله قلقاً:
- طمني يا دكتور، هي كويسة مش كدة؟
ابتسم الطبيب يربت على كتفه يغمغم:
- ما تقلقش يا زياد باشا، الجرح ما كانش عميق. وقفنا النزيف وخيطنا الجرح وعوضنا الدم اللي نزفته. بس نصيحة، لازم تتابع مع دكتور نفسي شاطر.
أومأ له موافقاً. سمح له الطبيب برؤيتها ليتقدم لداخل الغرفة. رآها تجلس على الفراش تنظر للضماد الذي يغطي جرح يدها تبكي في صمت. جذب مقعد يجلس بجوارها. أجفلت تنظر ناحيته مذعورة. ارتجفت حدقتاها حين رأته. اختنقت نبرة صوتها تهمس بحرقة:
- ليه ما سبتنيش أموت؟ هيرجعني، هيأذيني... حرام عليك، أنا كنت عاوزة أرتاح بقي.
أقسم على جعله يدفع الثمن. دس يده في جيب سترته يخرج الصورة القديمة. قربها منها يحثها على أخذها. ارتجفت أصابعها تمسك بالصورة. توسعت حدقتاها قليلاً حين وقعت عينيها على ما بداخل الصورة. صورتها وهي والدتها وخالتها من ذلك الفتى الصغير. لا تذكر. رفعت وجهها تنظر له مدهوشة. ليبتسم مترفقاً يومئ لها بالإيجاب. تنهد بعمق يهمس برفق:
- أكيد مش هتفتكري الصورة دي. أنتي ومامتك وأنا وماما.
شخصت عينيها في ذهول. توقف عقلها عن الاستيعاب لبضع لحظات. لا تفهم ما يقول. ماذا يعني هو ووالدته؟ والدته التي تكون خالتها إذاً هو؟ ولكن كيف؟ تلعثمت تهمس:
- خالتي سناء؟ أنت ابنها؟ إزاي... أنا مش فاكرة غير أبيه مراد.
انطفأت عينيه حين نطقت اسم أخيه الأكبر. ابتلع غصته يهمس مختنقاً:
- مراد الله يرحمه مات من كذا سنة. جيت أصحيه الصبح لقيته ميت. أنتي إزاي مش فكراني يا حياة؟ أنا زياد الواد الرخم اللي كان بيسرق منك المصاصات.
وضمت بعيدة أضاءت في عقلها. تذكرت زياد. لم تقابله سوى بضعات مرات قليلة وهي طفلة صغيرة. نظرت له تميل برأسها قليلاً لليمين تحاول أن تجد وجه الشبه بينه وبين الطفل في الصورة. عينيه وأنفه وشعره هي العوامل المشتركة بين الصورة والحقيقة. شعور طفيف بالأمان حين علمت أنهم أقرباء. ربما يحميها. سمعت يردف في حزم:
- أنا عارف إنك ممكن ما تصدقنيش. بس أقسم لك بالله إني مش هسمح له يمس شعرة واحدة منك. وهدفعه تمن اللي عملوه فيكي غالي أوي. خلي عندك ثقة فيا يا حياة. مش عايزك تخافي أبداً طول ما أنا على وش الدنيا.
حركت رأسها بالإيجاب بتردد. أعطاها ابتسامة هادئة. لتعقد ما بين حاجبيها تغمغم بحذر:
- بس إزاي؟ أنت بتقول أنك ابن خالتي وجوز خالتي كان ميت من زمان. أومال مين الراجل اللي قال أنه باباك دا؟
ذكية حياة. عليه أن يعترف أنها حقاً ذكية. ابتسم متوتراً يمسد رقبته محرجا:
- بصراحة دا كان دكتور نفسي وأنا اللي قلت له يقول أنه والدي. خوفت لما تعرفي أنه دكتور نفسي ترفضي تتكلمي معاه.
علا ثغرها ابتسامة ألم. نظرت للفراغ بشرود. باتت مريضة نفسية مثيرة للشفقة الآن. انتفضت حين مد يده يربت على كف يدها لتسحب يدها سريعاً. في حين أردف هو:
- ما تخافيش مني يا حياة. المهم دلوقتي لازم نوديكي مكان أمان. عرف مكانك عندي لحد ما أوصله.
اضطربت حدقتاها خوفاً. ليتناهى إلى أسماعهم صوت شجار يأتي من الخارج. تحرك زياد للخارج يرى ما يحدث. ليرى طبيبة تقف أمام رجل ما تحادثه حانقة:
- بقي كدة يا خالد؟ بتقول للممرضة يا جميل؟
- يا بنتي دي قد بنتي.
أردف بها الرجل ضاحكاً. في حين ظلت تلك الطبيبة تنظر له حانقة قبل أن تتركه وتتجه إلى إحدى الغرف تصفع الباب بعنف. نظر زياد عن كثب لوجه الرجل لتتسع عينيه في دهشة يغمغم مذهولاً:
- خالد باشا!!
نظر خالد لمن صاح باسمه يغمغم مع نفسه بصوت خفيض حانق:
- اتفضحت. يقولوا عليا إيه دلوقتي؟ لأ دا أنا راجل أوي في بيتي. ماشي يا لينا.
ذلك الشاب يعرفه أحد أصدقاء زيدان. اقترب الشاب منه سريعاً يغمغم متلهفاً:
- أنت جيتلي نجدة من السما والله يا باشا. أنا عايز حضرتك في موضوع مهم أوي.
بدأ زياد يشرح له بشكل سريع ما حدث. وخالد يومئ له متفهماً ما يقول. أنهى زياد كلامه يقول:
- دلوقتي هو عرف أنها عندي وأنا مش هخاطر أنها تفضل عندي أكتر من كدة. أنا حرفياً مقطوع من شجرة. حضرتك تقدر تساعدني مش كدة؟
ابتسم له الأخير في هدوء يربت على كتفه يحادثه بجد:
- موضوع حياة دا أبسط جزء في الموضوع. المهم دلوقتي أننا نمسك الشبكة دي كلها من أول صاحب الظل لحد أصغر ديلر فيهم. هاتها عندي في الفيلا. ما حدش هيقدر يقربلها وهي في بيتي.
لم يعترض زياد. وافق سريعاً. عليه أن يطمئن على أن تكن حياة في مأمن بعيداً عن أذرع الشر. ومن ثم سيتفرغ للقضاء عليهم واحداً تلو الآخر.
تحرك زياد بصحبة خالد إلى غرفة حياة. دخل أولاً حمحم يوجه حديثه إليها:
- حياة... دا خالد باشا. يبقي خال واحد صاحبي. الفترة الجاية هتكوني عنده. ما حدش هيقدر يوصلك وأنتي في بيته.
تحركت حياة بعينيها إلى ذلك الرجل الذي جلس على مقعد زياد ينظر لها يبتسم في هدوء. تحركت بعينيها إلى زياد تهمس بتلعثم متوترة:
- وأنت هتيجي معايا؟
- لأ. ما أنا مش فاتحها لوكاندة أشواق.
غمغم بها خالد ساخراً. ليحمر وجه حياة خجلاً. في حين حمحم زياد محرجا. اقترب من فراش حياة من الاتجاه الآخر يهمس لها مترفقاً:
- مش هينفع. ما تخافيش هتكوني في أمان عنده. دا سيادة اللوا. ما حدش يقدر يقرب من بيته. هو راجل طيب والله بس هو بيحب يهزرنا كدة كل شوية. راجل كبير بقي معلش نستحمله.
خرجت ضحكة خفيفة من بين شفتي حياة. توأم برأسها بالإيجاب في حين غض هو شفتيه مغتاظاً. رفع كفه الأيسر يشير لزياد أن يقترب منه يغمغم متوعداً:
- زيزو تعالا يا حبيبي عايزك في كلمتين برة.
توترت قسمات وجه زياد قلقاً. يتذكر حديث زيدان عن لكمات خاله التي لم يكن يسلم منها. تحرك معه للخارج. ليجد تلك الطبيبة تقترب منهم. توجه خالد إليها يهمس لها ببضع كلمات. لتومأ له متفهمة ما يقول. تركتهم وتوجهت إلى غرفة حياة. ليشمر خالد عن ساعديه يقبض على تلابيب ملابس زياد يجذبه إلى مكتب لينا يغمغم متوعداً:
- تعالا يا حبيبي أنا هوريك الراجل الكبير. ولو راجل استحمله!
***
ربما هي الخامسة فجراً. أشعة الشمس تسطع على مهل تُضئ المكان بنورها تبدد عتمة الليل. وقفت أمام منزلهم الصغير تنظر لأشعة الشمس وهي تنعكس على مياه النيل. أين هي؟ في منزل صغير في محافظة أسوان بعيداً في الجنوب. تنظر حولها تري الدنيا من جديد. لم تسنح لها الفرصة وهي تهرب مع زوجها من فيلم أكشن حدث. بعد أن رأت الدنيا بلحظات. ذلك الذي دق على زجاج سيارة بيجاد. كان أحد أصدقائه لا تعرفه. لم تره قبلاً. ولكنه هو من ساعدهم. نقلهم في سيارة أخرى. سلم مفاتيحها لبيجاد. رحلة طويلة من الصمت استمرت لساعات. أري أن وصلوا هنا بعد منتصف الليل. كان التعب قد آكل منهم وشرب. المنزل لم يكن فيه سوى غرفة واحدة للنوم. لم يكن لأي منهم طاقة حتى للجدال. لذلك انسحب بيجاد دون نقاش. ألقى بجسده على الأريكة في الصالة. لحظات وغط في النوم. وهي بالمثل.
الآن فقط استيقظت. فتحت عينيها فجأة تشهق بعنف. تنظر لكفي يدها. لازالت تري. لم يكن حلماً. قامت من فراشها تنظر من الشرفة لتفغر فاهها مدهوشة. أين هم؟ المكان يبدو أكثر من رائع. ولكن أين هم.
تحركت إلى حقيبتها تلتقط ثيابها. بحثت إلى أن وجدت مرحاض صغير سيفي بالغرض. اغتسلت وبدلت ثيابها. ألقت نظرة خاطفة على بيجاد يغط في نوم عميق بسكون طفل صغير. ليس قناص قاتل رصاصته لا تخطئ هدفها. فتحت باب المنزل بهدوء خرجت منه. مشت بضع خطوات لتري شط مياه النيل بالقرب منهم. تأملت المكان حولها بأعين طفل صغير. في خضم انسجامها مع ما حولها. شعرت بيديه تطوقها من الخلف ورأسه تحط على كتفها بخفة. يهمس لها:
- حرام عليكِ. وقعتي قلبي. افتكرت في حاجة حصلتلك.
وضعت كفيها على يديه تبعده عنها. التفتت له تسأله:
- إحنا فين يا بيجاد؟
أشار إلى بناء ضخم مهيب على مرمى بصرهم يقع بعيداً عنهم. ابتسم يغمغم:
- انتي ما خدتيش معبد أبو سمبل في المدرسة ولا إيه؟ إحنا هنا في أسوان يا قلب بيجاد. هنقضي أحلى شهر عسل.
قطبت ما بين حاجبيها. لا تفهم ما يقول. شهر عسل؟ قبل عدة ساعات فقط كانوا يهربون من الموت من مسلحين يطاردوهم بأسلحتهم. وهو هنا الآن يريد أن يقضي شهر عسلهم المزعوم!! رفعت سبابتها أمام وجهه تحادثه محتدة:
- أنا عايزة أفهم كل حاجة. مين الناس دي وإحنا ليه بنهرب؟ أنا مش عروسة تشدها وراك مطرح ما تروح.
ابتسم يأساً قبل أن يفاجئها يحملها بين ذراعيه. صرخت فيه مغتاظة تتلوي بين ذراعيه تصدمه على صدره. في حين ضحك هو عالياً يغمغم:
- أزعجتي أجدادنا الفراعنة في نومتهم. إحنا آسفين يا حتشبسوت. عندي دي يا ملكة مصر. إحنا نخش جوا بيتنا وأنا هشرحلك ليه بنوا المعابد معبد معبد.
***
أشرق الصباح واستيقظت هي من ثباتها. ليلة الأمس كانت مريعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. انهيار وبكاء وكوابيس لم تتركها لحظة. ولكنها الآن أفضل. نظرت جوارها لتجد الفراش فارغاً. لا تزال الثامنة. جبران لا يذهب إلى ورشته باكراً. إذاً أين هو.
تحركت لخارج الغرفة لتقع عينيها عليه نائماً على الأريكة. اقتربت منه جلست على ركبتيها جواره تبتسم. مدت يدها تمسد على وجنته وهو نائم. طبعت قبلة خاطفة على جبينه. ليفتح عينيه. رأته يبتسم لها للحظة فقط قبل أن تختفي ابتسامته تماماً وتتغير نظراته بأخرى باردة ساخرة. لم ينطق بحرف فقط تحرك متجهاً إلى المرحاض صافعاً الباب تاركاً إياها تتسائل عن ما به. هل زهدها فجأة بعد أن نالها؟ نفضت تلك الأفكار السامة من رأسها. سمعت صوت دقات على باب المنزل. توجهت تفتحه ليطل عليها فتاة جميلة بشكل يخطف الأنفاس. تمسك بين يديها طبق طعام به قطع كعك. ابتسمت تهمس برقة:
- هو دا بيت المعلم جبران؟ أنا صفا جارتكوا الجديدة. أنا كنت عاوزة المعلم في حاجة ضروري.
دون كلمة واحدة صفعت وتر الباب في وجهها. تلك الفتاة تبدو سامة بشكل مخيف. رأت خبث مرعب يتراقص في مقلتيها كاللهب. خرج جبران من المرحاض يجفف وجهه بمنشفة صغيرة. رفع المنشفة عن وجهه يسألها:
- مين على الباب يا وتر؟
ابتسمت في هدوء رفعت كتفيها تغمغم ببساطة:
- دا الراجل اللي بياخد الزبالة بس قولتله ماعندناش النهاردة.
رواية جبران العشق الفصل الثلاثون 30 - بقلم دينا جمال
ابتسم لها مطمئناً. اقترب من فراشها يحادثها مترفقاً:
"حياة، الدكتور كتب لكِ على خروج. أنا جبت لكِ هدومك."
اضطربت حدقتاها خوفاً. جلس جوارها على الفراش على بعد قريب منها، يمسك أحد كفيها بين يديه. تلاقت مقلتاها بعينيه ليبتسم، يهمس لها:
"ما تخافيش يا حياة. ما حدش هيقدر يمس شعرة منك. قسماً بالله لهدفعه تمن اللي عمله فيكِ بموته. خلي عندك ثقة فيا، أنا عمري ما هأذيكي يا حياة."
رغماً عنها، ترقرق الدمع في مقلتيها. أومأت له خائفة، لا تعرف ما عليها أن تفعل. هي فقط تسير مع التيار، تسير وفق ما يقولون، وتتمنى فقط ألا تعاني من جديد. رفعت وجهها إليه، تنظر لابتسامته الهادئة بين كدمات وجهه المتفرقة. ماذا حدث له؟ كيف أُصيب؟ كان بخير قبل بضع ساعات فقط. اختفى بصحبة ذلك الرجل، وحين عاد كانت الكدمات تتواجد في عدة مناطق متفرقة من وجهه.
كادت أن تسأله عما حدث حين دُق الباب وظهرت تلك الطبيبة الجميلة صاحبة الأعين الزرقاء، تغمغم مبتسمة:
"حياة، جاهزة عشان هنتحرك."
قام زياد سريعاً، يومأ برأسه بالإيجاب، يغمغم:
"أيوه يا دكتورة، جاهزة. هنحصل حضرتك."
ابتسمت لينا تهز رأسها بالإيجاب. تركتهم وخرجت. وقف زياد يمد يده إليها. ترددت للحظات قبل أن تضع كفها في كفه. شد يدها برفق لتقف. يمسك حقيبة ثيابها بيده الأخرى. شدد على يدها يهمس لها مطمئناً:
"ما تخافيش يا حياة، أنا جنبك دايماً. مش هسيبك."
تحركت قدماها ترتجف. خطواتها بالكاد تحملها. تشعر بالبرد وهم في الصيف. خرجت معه من الغرفة لتجد ذلك اللواء الذي كان في غرفتها ومعه الطبيبة التي علمت منها أنها زوجته، يقفان يتشاجران وكأنهم أطفال. لا تصدق أن رجلاً مثله بهيبة مخيفة يقف يضحك مع زوجته بتلك البساطة.
التفت خالد لهم ما أن خرجوا. نظر لوجه زياد ليبتسم ساخراً، في حين توترت قسمات وجه زياد. ذلك الرجل يمتلك قبضة مؤلمة حقاً. الآن فقط عرف لما كان زيدان يخاف من خاله. كل ذلك القدر.
اقتربت لينا من حياة تمسك بيدها تحادثها مبتسمة:
"تعالي يا حبيبتي، صدقيني هتنبسطي معانا أوي. ده إحنا عايشين في العباسية على رأي خالد."
تحركت بصحبتها للخارج، تغمغم بحماس وهي تضحك:
"عندك مثلاً جاسر، ده مجنون رسمي. ولا حسام ابن خالد الكبير، متزوج سارة بنت عمه، بس إيه؟ واد سكر كدة هو ومراته. ولينا بقى بنتي وولادها ياسين ووتين، حبايب قلبي. وخصوصاً ست توتا، قلب جدها."
وبدأت تتحدث بلا توقف، وحياة تتابعها بابتسامة صغيرة قلقة. تحركت معها إلى سيارة سوداء. ليفتح أحد الحراس الباب. شهقت حياة خائفة حين تذكرت حراس صاحب الظل. تتمسك بذراع لينا لتربت الأخيرة على كتفها تهمس لها تطمئنها:
"ما تخافيش، ده حسن الحارس بتاع خالد. أصل أنا زوجة رجل مهم. اركبي يا حبيبتي."
نظرت حياة حولها لتجد زياد يقف خلفها على بعد عدة خطوات. اقترب منها يغمغم:
"اركبي يا حياة، ما تخافيش. أنا هفضل معاكِ لحد ما أوصلك. ما تخافيش."
أمسك بكفها يسندها لتصعد للسيارة. جلست لينا جوارها. أغلق زياد باب السيارة عليهم. توجه لمقعد السائق، سيوصلهم ويعود لهنا من جديد ليأخذ سيارته. إلا أن خالد أخبره حين جلس جواره:
"ادي مفاتيح عربيتك لحسن، هيجيب عربيتك ورانا بدل ما ترجع تاني."
وحقاً كان ممتناً لذلك. أعطى المفاتيح للحارس وأدار محرك السيارة. حرك مرآة السيارة الأمامية ليرى حياة من خلالها. ابتسم لها حين ظهر انعكاسها في سطح المرآة. ليمد خالد يده يعدل المرآة لوضعها الأول. نظر لزياد يتمتم ساخراً:
"مش عربية خالتك هي، ما تحركش حاجة من مكانها. ويلا اطلع. عامل زي المتخلف حسام بالظبط."
حمحم زياد محرجا، يتحرك بالسيارة. تجلس حياة خلفه تستند برأسها إلى النافذة تراقب الحياة من خلف الزجاج. السيارات، المارة، الطفلة الصغيرة التي تمسك بيد والدها تعبر الشارع. كانت يوماً مثلها طفلة صغيرة تضحك، تمسك بيد والدها، تقفز سعيدة في الطرقات قبل أن تأخذ منها كل شيء. انسابت دموعها دون إرادة منها. لتنتفض حين شعرت بيد تمسح على رأسها. نظرت جوارها لتجد تلك الطبيبة تبتسم لها في حنان. جذبتها بخفة إلى أحضانها، تطوقها بذراعيها، تمسح على خصلات شعرها برفق، تهمس لها بحنو:
"كل حاجة هتبقى كويسة، صدقيني. ما تشيليش هم حاجة. إحنا جنبك، مش هنسيبك أبداً. ولا إيه يا خالد؟"
نظر للفتاة مشفقاً، حزيناً على حالها. ابتسم يومأ لها بالإيجاب. التفتت بجسده لها يغمغم:
"اللي يدخل العربية دي يعتبر نفسه خلاص فرد من عيلة السويسي. عيل من عيالي زيك زي لينا وحسام وجاسر وبدور. ما تخافيش يا بنتي، طول ما أنا فيا نفس، ما حدش يمس شعرة منكوا."
ارتمت ابتسامة مرتجفة متوترة على ثنايا روحها الخائفة. أومأت لهما بالإيجاب، تتمنى لو أنهم صادقين فيما يقولون. تحركت مقلتاها لزياد لتراه يبتسم حزيناً، عينيه حمراء. كم يرغب في أن ينفجر، يصرخ، يبكي، يلكم قلبه بعنف.
دقائق ودخلت السيارة إلى شارع ضخم تحوطه الأشجار من الجانبين. به تحركت السيارة إلى بوابة كبيرة شاهقة الارتفاع. أمام الحرس يتراص. فُتحت البوابة لتشق السيارة تكمل طريقها عبر حديقة واسعة بها أرجوحة كبيرة على أحد الجوانب، ومقاعد استراحات فخمة، وطاولة كبيرة حولها مقاعد. نظرت بذهول للمكان حولها. وقفت السيارة ليفتح خالد باب السيارة، يترجل أولاً. ربتت لينا على يد حياة تردف مبتسمة:
"يلا يا حبيبتي، انزلي."
نزل زياد سريعاً يفتح لها باب السيارة. مد يده يمسك بيدها، يبتسم يطمئنها. نزلت تنظر حولها. على بعد قريب منهم رأت طفلة صغيرة تركض سعيدة، تتعثر الخطى ناحيتهم، ناحية جدها، تصرخ سعيدة بكلمة:
"تودو!"
ابتسمت على سعادة الطفلة وهي تحاول الركض ناحية ذلك الرجل المدعو خالد. ليتحرك الأخير ناحيتها سريعاً يحملها من الأرض، يقذفها لأعلى فتتعالى ضحكات الصغيرة. ليعانقها، يشبع وجهها الصغير المنتفخ تقبيلاً وهي تضحك في سعادة.
لحظات وظهر طفل صغير في عمر الفتاة تقريباً يركض ناحية جده هو الآخر. ليضحك. انتشله خالد يحمله على ذراعه الآخر، يدغدغه بوجهه. مد يده داخل سترته يخرج الكثير من الحلوى يعطيها للصغيرين. لتنظر له مدهوشة. من يصدق أن صاحب تلك الهيبة يحمل كل ذلك القدر من الحلوى في سترته.
"أبوووي!"
صيحة ضاحكة تأتي من شاب كبير خرج من سيارته توا يتابع معهم ذلك المشهد الغريب. أسرع الشاب الخطى إليهم يفتح ذراعيه يريد عناقه. ما أن اقترب دفعته الصغيرة بكفيها تنظر له غاضبة. لفت ذراعيها حول عنق جدها وتخرج لسانها للواقف أمامهم. ليضحك خالد عالياً يوجه حديثه لحسام:
"امشي يا أهبل."
اختطف وتين من بين ذراعي خالد يرفعها لأعلى. رفع حاجبيه يحادثها حانقاً:
"أنتي يا بت بتزقي خالك؟ دا أنا اللي مخرجك للدنيا يا شبر إلا نص. دا أبويا أنا يا بت."
أنزلها أرضاً ليندفع يعانق خالد سريعاً. يخرج لها طرف لسانه. أحمر وجه الصغيرة قبل أن تنفجر في البكاء. تغمز سروال حسام تحاول إبعاده بعيداً عن جدها. ليدفعه خالد يحادثه محتداً:
"أوعى يا حيوان. عيطت يا متخلف."
أخذ حسام ياسين من بين ذراعي خالد يغمغم حانقاً:
"بسسس. أنا هاخد ياسو حبيب قلب خاله اللي شبهي دا، واشبع بالسوسة اللي شبه جعفر أمها."
انحنى خالد يحمل الصغيرة التي تعلقت برقبته تخفي رأسها في صدره. كل ذاك يحدث وحياة تراقب في دهشة. ماذا الذي يحدث هنا تحديداً؟ وقفت لينا جوارها وضعت يدها على كتفها تغمغم ضاحكة:
"أهلاً بيكي في مورستان عيلة السويسي. هتنبسطي معانا جامد!!"
دقت الباب من جديد. ألم تستحِ بعد أن أغلقت الباب في وجهها تدقه من جديد؟ أبعد جبران المنشفة عن وجهه يلقيها على أحد المقاعد. توجه هو يفتح الباب ليجد تلك المدعوة صفا تقف أمامه تمسك بصحن مغطى تبتسم في حرج تغمغم:
"أنا آسفة إني خبطت بدري كده، بس أنا كنت عايزة أديك حضرتك الطبق ده. عملاها بإيدي، يارب تعجبك."
ابتسم لها مجاملاً. مد يده يأخذ الصحن من يدها. كاد أن يشكرها حين فجأة وجد وتر تندس في الفراغ الصغير الفارغ جواره. تنظر لصفا وما في يدها. ابتسمت في سخرية:
"أنتي مين أصلاً وعايزة إيه من جوزي على الصبح؟ شكراً، إحنا ما بنقبلش هدايا من حد."
أنزلت صفا وجهها سريعاً. ارتعشت يديها الممسكة بالطبق. اختنق صوتها تغمغم:
"أنا... أنا... أنا آسفة. عن إذنكم."
"استني يا آنسة صفا. وتر، خشي جوه."
أردف بها جبران بصرامة ينظر ناحية وتر محتداً. التفتت وتر تنظر لصفا باشمئزاز قبل أن تندفع للداخل تصدم ذراع جبران بغيظ في طريقها للداخل. وقفت على بعد خطوات منها تضع خصرها تنظر له وهو يبتسم كرجل مهذب نبيل يأخذ الصحن من يدها. يغمغم مبتسماً:
"متشكر يا آنسة صفا. بإذن الله النهاردة هنكتب العقد ومش هنختلف إن شاء الله."
ابتسمت له على استحياء. تومأ برأسها بخفة لتنزل السلم. دخل جبران مرة أخرى يغلق الباب. التفتت ليجد وتر تقف أمامه تغمغم حانقة:
"إيه؟ عجبتك كيوت مش كده؟"
قطب ما بين حاجبيه يغمغم مستفهماً:
"كيوت إزاي يعني؟"
ضحكت رغماً عنها. ذلك الرجل لا فائدة منه أبداً. أخذت الطبق من يده تضعه بعيداً لتقترب منه من جديد. لفت ذراعيها حول عنقه تتمتم مبتسمة:
"سيبك من البت دي، ما تستاهلش نتخانق بسببها. قولي المهم، ليه نمت على الكنبة امبارح؟"
ابتلع لعابه يحاول أن يبدو ثابتاً بارداً لا يبالي. رفع ذراعيه يفك ذراعيها من حول عنقه يغمغم بلامبالاة:
"أصل لقيتك نايمة بعرض السرير. قولت بلاش أضايقك. حطيلي الفطار عشان عايز آكل لقمة قبل ما أنزل أفتح الورشة."
وتركها ودخل سريعاً إلى غرفة النوم يغلق الباب خلفه. وقفت مكانها تنظر لباب غرفة نومهم المغلقة. وسؤال واحد يتردد في عقلها: ما به جبران؟ نظرت للطبق أمامها حانقة. لولا أنه طعام لدفعته أرضاً. وضعته بعيداً. تضع أطباق الطعام على الطاولة. خرج جبران من الغرفة. وقفت بعيداً تنظر له تتأمله. كانت تظن أنها ستتزوج من رجل أعمال من طبقات المجتمع الراقي، يتأنق يومياً بحلة فاخرة ورابطة عنق تتماشى مع فستانها في سهراتهم. لم يخطر في أحلامها أن يكون زوجها معلم حواري وربما يتاجر في المخدرات أيضاً. اقترب من الطاولة الصغيرة يقتطع جزء صغير من الخبز يغمسه في طبق الفول. رفع وجهه لها يغمغم ساخراً:
"ما تقربي يا بنت الذوات، ولا مالكيش في الفول والفلافل؟"
خطت ناحيته. فلم يفعل ما فعل قبلاً. لم يجذب المقعد المجاور له لتجلس عليه. جذبت المقعد بعنف ليحتك بالبساط أسفله بعنف. جعله يغمغم حانقاً:
"السجاد هيتنسل براحة."
لم تفهم ما قال. فقط جلست جواره تنظر للطعام الموضوع أمامها شاردة. ما به جبران؟ أليس من المفترض أن اليوم، كما يقولون هنا في الحي (صباحيتهم)؟ إذاً ما به يعاملها بذلك البرود؟ هل يظن أنها كانت تخدعه حتى لا يقترب منها؟ هل نفر من جسد المشوه طوفان من الأفكار السامة أغرقها؟
لفت رأسها ناحيته تسأله مباشرة:
"في إيه يا جبران؟ أنت متغير في معاملتك ليه؟ مش ده اللي كنت مستنياه منك في يوم صباحيتنا زي ما بتقولوا هنا عندكوا؟"
تلاقت عينيها بخاصته. رأت الكثير من الكلمات التي يود قولها ولكنه لم ينطق بحرف واحد. فقط ابتسم، ربت على كف يدها واشاح وجهه يكمل طعامه.
أحمر وجهها غضباً من رد فعله الغير متوقع بالمرة. انتفضت واقفة تصرخ فيه:
"في إيه يا جبران؟ أنت بتعاملني كده ليه؟ لو فاكر إني كنت بخدعك، فأنت شفت العلامات اللي على جسمي. ولا عشان العلامات اللي على جسمي قرفت مني عشان مشوهة، مش كده؟ ندمت إنك اتجوزتني؟ لو ندمت، أكلم بابا يجي ياخدني وتطلقني."
زفر أنفاسه حانقاً ليهب واقفا فجأة. ضرب قبضته على سطح الطاولة بعنف ليصيح فيها محتداً:
"بنت انتي! اتظبطي على الصبح وبطلي التخاريف اللي عمالة تهلفطي بيها دي. أنا قولتهالك مرة واتنين وعشرة، أنا راجل ضهري، لا ليا في اللف ولا اللوع. بطلي بقى مسرحية البؤساء اللي أنتي عاملاها دي."
اتسعت حدقتاها شحب وجهها من جهومه القاسي عليها. ترقرق الدمع في مقلتيها. ابتعدت عنه بضع خطوات لتصيح فيه بحرقة:
"طلقني يا جبران. طلقني. أنا مش عايزة أعيش معاك."
تقدم خطوتين فقط وكان أمامها. قبض على ذراعيها يصيح غاضباً:
"أنا مش لعبة في إيدك يا وتر هانم. أنتي مش جاية هنا تعملي سفاري. الوضع يعجبك، يبقى عايزة أبقى مراتك يا جبران. الوضع ما يعجبكيش، يبقى طلقني يا جبران."
ماذا يحدث؟ لما ينهار العالم من حولها من جديد؟ لما يغرق بها طوق نجاتها الأخير الذي كان يحاول جاهداً انتشالها من أمواج ماضيها البشع؟ رفعت وجهها تنظر لعينيه لتراه هناك. ها هو جبران الذي تعرف بنظراته الشغوفة المليئة بالعنفوان الممتزج بالحنو. يقف بعيداً داخل عينيه. انتشلت جسدها من بين ذراعيه. تخاذلت نبرة صوتها تغص مختنقة ببكائها:
"كنت فاكراك غير الكل يا جبران، بس طلعت جرح جديد معاهم."
اندفعت تركض إلى الغرفة تصفع الباب بعنف. انهارت خلف باب غرفتهم المغلق تضم ركبتيها لصدرها. شهقت تبكي بعنف. تحرك سريعاً إلى باب غرفتهم رفع يده يود فتحه ولو بالقوة ليطمئن عليها. لتتوقف يده في اللحظة الأخيرة. اختلط صوت بكائها بشهقات عنيفة تتابع. وضع رأسه على الباب. أدمعت مقلتيه يهمس نادماً مع نفسه:
"سامحيني يا وتر، كنت السبب في عذاب زمان وفي عذاب دلوقتي. ما تحبينيش يا وتر، أنا ما أستاهلش إنك تحبيني."
تحرك ينزل من المنزل متجهاً إلى الورشة. رأته روزا من شرفة منزلها لتبتسم في خبث. أسرعت تبدل ثيابها بأخرى. التقطت هاتفها تطلب رقم ما:
"أيوه، لما أشارولك تعمل اللي اتفقنا عليه. أنا نازلة دلوقتي، سلام!!"
استيقظت صباحاً لتجد نفسها على فراشها في غرفتها في منزل حسن. جوارها كتاب إحدى المواد. شهقت مذعورة. الامتحان! نظرت للساعة، تبقى ساعتين. تنهدت بارتياح. لا يزال لديها وقت. قامت سريعاً تضب فراشها. خرجت من غرفتهم لتجد والدتها تقف في الصالة تضع الإفطار على طاولة الطعام الصغيرة. ابتسمت أمل سعيدة تصيح باسمها. لتقترب سيدة منها تعانقها تغمغم:
"صباح الفل يا حبيبتي. كنت لسه هصحيكي. اقعدي افطري يلا عشان تلحقي امتحانك."
ابتسمت تومأ لها سريعاً. نظرت لباب غرفة حسن المغلق لتتنهد حانقة. عليها أن تكمل ذلك الدور الذي تكرهه وتدخل إليه الإفطار لأنه مريض. التفتت لوالدتها تغمغم:
"هفطر حسن الأول عشان تعبان وأجي أفطر يا ماما."
لم تتحرك خطوة واحدة حتى سمعت والدتها تغمغم:
"حسن فطر من بدري. ما هو اللي كلمني أجي عشان أكون معاكي قبل ما تروحي الامتحان."
اتسعت حدقتاها في ذهول. هو من فعل ذلك؟ يريد أن يثبت الآن أنه رجل جيد يسعى بكل طاقته لإنجاح تلك الزيجة. وذلك لن يحدث أبداً. التفتت لوالدتها تغمغم مبتسمة:
"طب كويس أنه فطر. أنا هروح أغير هدومي وأجي نفطر سوا."
هربت من أمام نظرات والدتها قبل أن تسألها. ألم يتحسن علاقتهم بعد؟ لما لا تزال تأخذ غرفة لها تستقل بنفسها بعيداً عن زوجها؟ أسئلة كثيرة قرأتها في وجه والدتها ولا إجابة لأي منهم عندها. بدلت ثيابها، ضبت حقيبة يدها الصغيرة. خرجت لوالدتها تجلس جوارها على طاولة الطعام تدس اللقمات في فمها شاردة. سمعت صوت باب غرفته يُفتح. فالتفتت برأسها له لتراه يخرج منها يرتدي ثيابه. هل سيخرج؟ ألم تخبره تلك الممرضة الملونة أن عليه الراحة؟ قبل أن تسأله بادر هو قائلاً:
"أنا جهزت. افطري براحتك وتعالي عشان أوصلك."
اصفر وجهها فزعاً. ذلك ما لم يكن في الحسبان. لا أحد من زملائها يعلم أنها تزوجت وهو لن يتوانى عن التفاخر بأنه ربحها. رسمت ابتسامة قلقة رقيقة على شفتيها. اقتربت منه عدة خطوات إلى أن صارت أمامه لتهمس له:
"بلاش يا حسن، أنت تعبان ولازم ترتاح لجرحك يفتح تاني. وبعدين أنا مش صغيرة يا حسن، ما تخافش عليا."
حرك رأسه بالنفي. رفع يده السليمة يربت على وجنتها برفق يغمغم مصراً:
"أصل لازم أكون معاكي في امتحاناتك. وبعدين أنا كويس، ما تقلقيش عليا. يلا خلصي فطارك عشان أوصلك."
حافظت على ابتسامتها أمام وجهه. ما أن أولته ظهرها تبدلت ابتسامتها وعلا الغيظ قسمات وجهها. تدعو فقط أن تمر الساعات القادمة دون أن تصرخ في وجهه وتخبره كم تكرهه. لا تضمن أي فعل أهوج قد يفعل ويحرجها به.
التقطت حقيبة يدها تودع والدتها. تحركت أمامه لأسفل. ما أن نزلا شبك يده السليمة في كف يدها. لتزفر أنفاسها حانقة. اليوم لن يمر أبداً. أعطته ابتسامة لطيفة تتحرك بصحبته لخارج الحي. أوقف سيارة أجرة فتح لها باب السيارة الخلفي. جلست ليجلس جوارها. انطلقت السيارة وهي ممتعضة الوجه مقطبة الجبين. ليميل عليها يهمس لها ساخراً:
"أنا عارف إنك مش طايقاني، بس حاولي تعدي اليوم وابقي زودي جرعة التمثيل شوية بعد كده."
شخصت عينيها فزعاً. صدمة عقدت لسانها. نظرت له مذهولة لا تجد ما يقوله. في حين ابتسم هو ساخراً يدس سيجارة رفيعة بين شفتيه يشعلها بقداحته يزفر أنفاسها من خلال النافذة المفتوحة.
ربما هي المخطئة. ما حدث أثر عليها جعلها حساسة بشكل مبالغ فيه. قامت من خلف الباب المغلق تنزع ثيابها. ارتدت إحدى ثيابها الثمينة ذات الأحجام القصيرة. قميص بلا ذراعين يصل لحافة بنطال جينز ممزق عدة خطوط بالعرض يظهر قدميها. صففت شعرها ليميل على أحد كتفيها. التقطت حقيبة يدها تنزل لأسفل. عليها أن تتحرك لأي مكان. ستذهب لوالدتها وربما تمر بوالدها ومن ثم النادي. يملأ روحها شحنة سلبية سيئة للغاية عليها أن تتخلص منها بأي شكل.
نزلت من عمارتهم السكنية لتجد جبران يقف في منتصف الشارع. أين قميصه؟ ها هو ترتديه تلك الصفراء. تبكي بعنف تجلس على أحد المقاعد في الورشة جوارها عدة سيدات من الحي. وأمام جبران أرضاً ملقى شاب مدمي الوجه من لكمات جبران الغاضبة.
اقتربت تحاول أن تفهم ما حدث. ليلمحها جبران بملابسها تلك. احتدت عينيه. اقترب منها يقبض على رسغ يدها يجذبها معه لداخل الورشة في غرفة صغيرة يضعون فيها الثياب حتى لا تتسخ. وقف أمامها يصرخ غاضباً:
"أنتي إزاي تخرجي بالمنظر ده وازاي تخرجي من غير إذني؟ أنتي اتهبلتي!"
الآن هو الغاضب. هي من يجب أن تصرخ. ففعلت. صرخت فيه تردف حانقة:
"ما تزعقليش! أنت عارف إن ده استايل لبسي من زمان وأنا كنت جاية أقولك إني هخرج. أنا بقى اللي عايزة أعرف إيه اللي خلاك تديها قميصك ومقعدها في ورشتك؟ ما تتجوزها أحسن!!"
أشهر سبابته أمام وجهها. جز على أسنانه يغمغم حانقاً:
"واحدة بتعيط في نص الشارع وواحد مرمي قدامك يبقى إيه؟ الحيوان اللي مرمي برة ده اتحرش بيها وقطع هدومها. فسترتها بقميصي، ما أنا يا إما قمصاني سترتك."
"طبعاً وأنت أي واحدة بتلبسها قميصك بتتجوزها، مش كده يا معلم جبران؟"
صرخت بها وتر بشراسة. ليبتسم الأخير ساخراً. يشيح بوجهه بعيداً عنها. وقفت هي تتنفس بعنف لدقائق. لم تفعل شيئاً سوى أنها ارتمت بجسدها بين أحضانه تطوق عنقه بذراعيها تقبله!!
لم يقاوم. لم ينفر. لم يبعدها. بل ضمها لأحضانه، يلحم عنفوان شغفه يبدد به خوفها من معاملته. ضم رأسها لصدره يطوقها بذراعيه يربت على ظهرها بخفة يهمس مع نفسه:
"مش هقدر يا وتر. مش هقدر أعاند نفسي وأقهر قلبك. بس يارب وقتها تسامحيني."
عند الباب شبه المغلق رأت ما حدث بالداخل كاملاً. لتقتم عينيها سوداً وكأنها تنشق طويلاً كالحية. ابتسمت في خبث. ستكون أكثر من سعيدة وهي تحصل على لقب زوجة المعلم جبران الثانية!!