تحميل رواية «جبران العشق» PDF
بقلم دينا جمال
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ل 1العشق .. ما به ؟غريب مخيف ساحريسلب الألبابيُسحر العقوليفتت المنطقيكسر الواقعيتخطي المألوفحين تجد نفسك كطفل صغير ليلة العيد فرحا فقط من ابتسامة عابرة فأعرف أنك سقطت في شرك العشق !حين تتدافق دقات قلبك تلكم صدرك حين تبصر طيفها يأتي من بعيد يتلهف لرؤيتها كما يتلهف الظمآن لرشفة ماء .. فأعرف أن قلبك بات عضو ينبض في صدرك ويعيش في جسدها هي ! قبل عدة أعوام من الآن في منطقة صحراوية والليل قد اسدل استاره يغطي المكان سودا تتجمع رجال الشرطة يلفون المكان بحواجز تمنع الاقتراب فلاش الكاميرا لا يتوقف عن التقا...
رواية جبران العشق الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم دينا جمال
أغمضت عينيها مذعورة بعد سيل الاعترافات التي خرجت من بين شفتي سفيان أو الشيطان.
احتضنت نفسها بذراعيها ترتجف.
لا تملك القدرة على فتح عينيها، إلا أنها لم تعد تسمع شيئاً.
صوت خطوات سفيان اختفى من الغرفة.
فجأة، دون سابق إنذار، وفهمت لما اختفى حين سمعت صوت أذان الفجر يصدح من الجامع القريب منهم.
فتحت عينيها سريعاً، المكان فارغ هادئ بشكل مرعب.
لا تسمع سوى صوت الأذان.
شعرت بأنها داخل أحد أفلام الرعب الأجنبية.
فما كان منها إلا خرجت تركض من الغرفة.
رأت في طريقها حراس سفيان جميعهم قتلى.
صرخت مذعورة تركض من ذلك الجحيم إلى الخارج.
لا ترى في ذلك الظلام سوى ضوء مأذنة الجامع الكبيرة.
ركضت ناحيتها علها تجد هناك من تحتمي به.
اقتربت أكثر تشعر وكأن ألف قدم تركض خلفها.
وصلت أخيراً، لم ترَ سوى رجل كبير مسن على وشك الدخول للجامع.
هرولت إليه تستنجد به.
وقفت أمامه ترتجف تصرخ مذعورة:
"الشيطان، الشيطان."
لتنهار أرضاً فاقدة للوعي.
لم يعد عقلها قادر على استيعاب كل ما حدث.
آخر ما سمعت كان صوت العجوز وهو يصيح يطلب المساعدة ممن حوله.
لم يمر الكثير، وربما مر جل ما حدث.
فتحت عينيها فجأة تصرخ مذعورة من كابوس رأت فيه سفيان وعينيه حمراء كالدماء.
انتفضت جالسة تلهث بعنف تنظر حولها مذعورة.
أين هي؟
أبصرت سيدة تجلس أمامها ترتدي ثوب فلاحي تنظر لها مشفقة حزينة.
ارتجفت تسألها:
"أنتِ مين وأنا فين؟"
ابتسمت السيدة في هدوء تجلب لها كوباً من الماء.
أعطته لها تردف مترفقة:
"أنتِ بخير يا بنتي، ما تخافيش. أنا فاطمة، مرات الحج طاهر، الراجل اللي أنتِ استنجدتي بيه قبل ما يغمى عليكِ."
تذكرت ذلك العجوز التي وقفت أمامه تصرخ أنها رأت الشيطان.
رفعت كفيها إلى وجهها تجهش في البكاء.
تشعر في اللحظة أنها طفلة خائفة ضائعة.
الشخص الوحيد الذي كانت تعرفه في هذه الدنيا تبين أنه آخر.
استخدمها كدمية، استغلها بأبشع الطرق ليمارس جنونه وأساليبه المريضة عليها.
ولكنها لا تعرف غيره.
الأمر أكثر من بشع كونها لا يربطها بالدنيا سوى مريض يعذبها.
ارتجفت مذعورة حين شعرت بيد تمسح على رأسها.
رفعت وجهها إليها تنظر لها ضائعة.
لتردف فاطمة بحزن على حالها:
"مالك يا بنتي، وحدي الله كدة وأهدي، كل مشكلة ليها حل."
تجعدت روزا ما بين حاجبيها تقطعت نبرتها من البكاء تسأل الجالسة أمامها:
"يعني إيه أوحد الله؟"
توسعت عيني فاطمة في ذهول، عقلها لا يترجم أن تلك الفتاة لا تعرف.
نظرت لها مشفقة لتغمغم سريعاً:
"يعني تقولي يا بنتي لا إله إلا الله، أنتِ مسلمة يا بنتي؟"
لا تعرف، ربما هي كذلك.
والدها الحقيقي اسمه سراج محمد نور الدين، هي كذلك أليس كذلك؟
حركت رأسها لا تعرف بالإيجاب أو النفي.
انسابت دموعها تغمغم حائرة وكأنها تهذي:
"أنا بابايا الحقيقي اسمه سراج محمد نور الدين، بس أنا ما شوفتوش قبل كدة ولا عمري عرفته... أنا، أنا، أنا كنت عايشة مع الشيطان، ما اعرفش، أنا خايفة خايفة أوي."
جذبتها السيدة فاطمة بين ذراعيها تمسح على رأسها.
لتتسع عينيها مدهوشة، لم تجرب أن تبكي بين أحضان والدتها، لم تبكي من الأساس.
كيف تفعل، والدموع بند محظور في قاموس المايسترو.
تشبثت بأحضان السيدة كغريق وجد طوق نجاته.
أخيراً، لتنفجر في البكاء، ينفجر سيل من الدموع أحتبسته لأعوام.
في الأيام الثلاثة التالية كان الجميع يعمل وكأنها خلية نحل لا تتوقف.
الشرطة وزياد يلقون القبض على باقي أعضاء تلك الشبكة المتشعبة في أرجاء مصر بالكامل.
بيجاد لا يتحرك من جوار رُسل.
أما جبران فنصف الوقت مع حياة والنصف الآخر يحاول نيل مسامحة وتر.
ولكن للأسف حياة تتحسن ببطء شديد، ترفض الحياة تقضي معظم وقتها صامتة شاردة.
وتر ترفض تماماً مسامحته.
توجه جبران إلى الطبيب المسؤول عن حالة وتر حين أخبرته الممرضة أن الطبيب يريده.
دق باب مكتبه، دلف للداخل.
ابتسم الطبيب وقف يصافحه يشير له للمقعد المجاور لمكتبه.
يغمغم مرحباً:
"اتفضل يا أستاذ مراد، أنا عندي ليك أخبار كويسة، شكلك قلقان."
ابتسم جبران يتنهد بارتياح، كان يظن أن وضع وتر قد ساء أو أن هناك كارثة حدثت.
فتح الطبيب الملف أمامه يردف:
"كانت حركة ذكية منك أنك تبدل حبوب المخدرات بحبوب للصداع بتسبب حالة من النوم العميق، وعشان كدة نسبة المخدر اللي في جسم مراتك قدرنا نتخلص منها في وقت قياسي، خصوصاً أنها ساعدتنا جداً، كانت فعلاً عايزة تتعالج."
توسعت ابتسامته وقلبه يدق فرحاً، إذا وتر الآن باتت بخير أخيراً.
هنا أغلق الطبيب الملف أمامه استند بمرفقيه إلى سطح المكتب يردف حذراً:
"بس خد بالك، مرضى كتير من اللي تخلصوا من الإدمان بيجيلهم حالة اكتئاب شديدة في الفترة بعد شفائهم، وكثير منهم بيرجع تاني للإدمان للأسف عشان يرجع يحس بشعور السعادة اللي مخه مش بينساها بسهولة، عشان كدة لازم تفضل جنب المدام الفترة الجاية، والأفضل المتابعة مع دكتور نفسي."
أومأ جبران موافقاً.
قام يصافح الطبيب ابتسم يردف:
"متشكر جداً يا دكتور، أقدر أخدها ونخرج النهاردة؟"
ضحك الطبيب بخفة يومأ له.
التقط دفتر أبيض يخط عليه بضع أنواع من الأدوية.
مزق الورقة من الدفتر يعطيها لجبران يغمغم مبتسماً:
"أنا بالفعل كتبتلها على تصريح خروج وتقدروا تخرجوا طبعاً النهاردة، هي ومدام رُسل بردوا. أتمنى ما نشوفكوش تاني هنا غير لما ربنا يرزقكم بمولود وتيجوا تشوفوه في السونار."
ضحك جبران على خفة ظل الطبيب.
أخذ منه الورقة ودعه يخرج من الغرفة.
يسرع خطاه إلى حيث غرفتها.
فتح بابها متلهفاً ليراها تخرج ثيابها من الدولاب الصغير تضعهم داخل حقيبة ثيابها.
بادرت ساخرة قبل أن يقل شيئاً:
"الدكتور صرح لي بالخروج، عارفة الممرضة قالت لي."
وضعت قطعة الثياب مكانها.
رفعت رأسها إليه تعقد ذراعيها أمام صدرها ابتسمت تردف ساخرة:
"خير، جاي ليه خلاص؟ أنت وصلت رسالتك للنهاية، أنا بقيت كويسة وزي الفل. تتفضل دلوقتي تخرج من حياتي بلا رجعة."
أغلق باب الغرفة.
اقترب بخطواته منها يتوجه صوب دولاب الثياب يخرج ما بقي منه يخشره داخل الحقيبة بشكل عشوائي.
يغلق السحاب.
رفع وجهه إليها أمسك كتفيها بين كفيه يردف قلقاً:
"ماشي، أنا مستعد أخرج من حياتك، بس أنتِ هتروحي فين؟ أملاك سفيان الدالي كلها اتحجز عليها. أنا عرفت من زياد أنهم هيفرجوا عن جزء كبير من أملاكه، بس دلوقتي مش هيدخلوكِ الفيلا أصلاً."
ابتسمت في سخرية، حقاً لا تبالي.
من قال أنها ترغب في نقود والدها الملوثة؟
أمسكت ذراع الحقيبة تنفض خصلات شعرها القصيرة للوراء تردف بإباء:
"وطبعاً هتعرض عليَّ إنّي أقعُد عندك لحد ما يفرجوا إن أملاك سفيان باشا، بس لاء، أنا مستعدة أقعد في الشارع ولا إني أرجع أعيش معاك في بيت واحد."
زفر حانقاً وتر العنيدة.
لم يفكر في تلك اللحظة سوى أن يحملها على كتفه كرجل الكهف يعيدها إلى عش الزوجية رغماً عنها.
ولكن تعليمات الطبيب عليه مراعاة حالتها النفسية.
تحركت لتغادر، ليسارع وقف أمامها يردف سريعاً:
"أنا هبات في الشارع. روحي أنتِ الشقة وأنا مستعد أبَات في الورشة، بس مش هسيبك تمشي كدة."
لم تعر كلامه اهتماماً من الأساس.
تحركت لتغادر، ليقطع طريقها يردف سريعاً:
"طب بصي، روحي اقعدي في شقة والدي وأنا هاخد زياد يقعد معايا."
ومن جديد لم تنظر له حتى.
حاولت أن تتحرك إلى اليمين أو اليسار علها تتخلص منه.
زفرت حانقة تلقي الحقيبة أرضاً تصرخ فيه:
"أبعد عنننني! أنا مش هقعد في أي حتة تبعك. أنا مش عاوزة أشوفك في حياتي تاني خالص. خليك راجل وطلقني."
هنا تحديداً، ألقى شخصية مراد اللطيفة جانباً.
صاح جبران غاضباً بأن عليه تولي الأمر الآن.
انحنى يلتقط الحقيبة أمسكها بيسراه.
أمسك برسغ يدها يردف محتداً:
"بقي كدة يا بنت الذوات، معاملة ولاد الذوات ما نفعتش أهي."
حملها بين يديه كالعروس لتتلوي بين ذراعيه بعنف تصرخ فيه:
"أنت فاكر إنك كدة جامد صح وأنا خلاص هنهار وأقول دا مش قادر يبعد عني. صدقني أنا بكرهك أكتر مما تتخيل، حتى لو حبستني جوا حضنك هيفضل بيني وبينك طريق طووويل عمرنا ما هنتجمع فيه تاني."
شعر بالاختناق مما قالت.
ارتجفت يديه يتحاشى النظر لعينيها كي لا يرى كم هي نافرة كارهة.
أومأ لها اختنقت نبرته يردف:
"والدتك فاقت من الغيبوبة بقالها فترة، بس كانوا خافيين الخبر لحد ما العملية تخلص. هي دلوقتي في شقتها. هوديكي ليها."
أنزلها أرضاً برفق.
رفعت يدها تنزع نظارتها من فوق خصلات شعرها تغطي بها عينيها.
تتحرك أمامه بإباء رأسها مرفوع لأعلى تمشي بثقة.
ليس من السهل أن يمتلكها غيرها.
إلى خارج المستشفى.
أوقف سيارة أجرة جلس جوار السائق وهي بالاريكة لتعود بهما السيارة إلى الحي بعد غياب طويل.
أما في غرفة حياة كانت تنظر كالعادة إلى الحديقة.
حين رأت جبران يخرج بصحبة تلك الفتاة زوجته.
انكمشت قسماتها خوفاً.
جبران رحل وتركها.
كانت على وشك البكاء.
حين دُق باب غرفتها.
ظنت الطارق زياد، فزياد مختفٍ منذ أيام.
فُتح الباب لترتسم ابتسامة تلقائية على شفتيها.
ما أن رأتها أمامها قامت سريعا من مقعدها هرولت إليها تحتضنها.
أدمعت عيني لينا تضم حياة إليها بقوة تهمس تعتذر منها:
"أنا آسفة يا حياة، والله يا بنتي ما كنت أعرف أن دا هيحصل."
ابتعدت حياة عنها هزت رأسها بالنفي سريعاً تردف:
"أنا مش زعلانة منك، كفاية اللي عملتوه عشاني."
"هي لينا كدة تحب العياط زي عينيها."
نظرت حياة لقائل تلك الجملة لتري باقة كبيرة من الحلوي تدخل إلى الغرفة.
أزاحها الرجل قليلاً ليظهر وجهه.
ابتسمت حياة اقتربت منه حين مد يده لها بالباقة يغمغم ضاحكاً:
"لينا فضلت تقولي نجيب ورد وأنا أقولها أبداً هنجيب حلويات. عاملة إيه يا حياة دلوقتي؟"
ابتسمت خجلة تومأ برأسه تهمس له أنها بخير.
وضعت الباقة جانباً اتجهت لينا تجلس جوارها على الأريكة.
في حين ارتمى خالد على الفراش يفرد ذراعيه تثأئب يغمغم ناعساً:
"اطلعوا برة واطفوا النور وشغلوا المروحة."
توسعت عيني لينا في دهشة.
ماذا يفعل زوجها المجنون الآن؟
في حين وضعت حياة كفيها على فمها حتى لا يسمع صوت ضحكاتها.
حقاً اشتاقت لتلك العائلة وما يفعلون.
قطبت لينا جبينها مغتاظة تحادثه حانقة:
"خالد أنت بتعمل إيه، خالد إحنا مش في البيت، بطل هزار."
قلب عينيه متهكماً اعتدل جالساً يستند بمرفقه إلى فخذه يوجه حديثه:
"صحيح يا حياة، بقي تطلعي تجري في المستشفى وأنتِ بتصرخي. أنا ما عرفتش أربي والله ما عرفت، لا أنتِ ولا القصيرة أم لسان أطول مني أنا شخصياً اللي قاعدة جنبك دي."
لم تستطع حياة سوى أن تضحك خاصة مع تعبيرات وجه لينا اللطيفة وهي غاضبة.
قضوا بضع دقائق يتحدثون عن كل شيء تقريباً.
إلى أن توقفت حياة نظرت لخالد تسأله مرتبكة:
" حضرتك قولتلي إنهم خلاص هيتحاكموا ما بين المؤبد والإعدام، طب وليد وراني ورقة جواز واسمي ممضي عليها، أنا كدة مراته."
"همهم خالد متفهماً لينفي برأسه يغمغم: "لا ما تخافيش، إحنا فعلاً لقينا الورقة دي لما فتشنا فيلته، بس توقيعك اللي عليها مزور، يعني يبلها ويشرب مايتها. ما هو طبيعي أصل ما فيش بني آدمه هتتجوز خنزير برضه."
ضحكت حياة مرتبكة تفرك يديها متوترة، خائفة من أن يخرج وليد من السجن مرة أخرى ويذقيها ما عانته قبلاً.
اضطربت حدقتاها تنظر لخالد تسأله قلقة:
"يعني هو حضرتك متأكد إنهم مش هيخرجوا تاني خالص؟ أنا قصدي يعني وليد."
"بنفي قاطع حرك خالد رأسه يردف ساخراً: "ابقي سوسن لو وريته نور الشمس تاني. ما تخافيش يا حياة. قوليلي بقي الأهم، إيه رأيك ترجعي تعيشي معانا تاني؟"
ابهجت ابتسامة لينا لتمسك كفي حياة تردف سريعاً قبل أن تنطق:
"أيوه يا حياة، تعالي يا حبيبتي دا بيتك والله. بذمتك أنتِ بتحسي بينا إنك غريبة؟"
اخفضت رأسها خجلاً تحركه بالنفي.
لا تشعر بينهم أنها غريبة، ولكنها لا يمكنها العودة هناك من جديد.
رفعت رأسها ابتسمت تحادث لينا:
"عمري ما حسيت إني غريبة، بس سامحني مش هينفع أجي تاني، أنا بحاول ألاقي نفسي بعد كل اللي حصلي، أكيد هلاقي الطريق اللي أبدأ منه."
أدمعت عيني لينا تضم حياة لأحضانها تربت على رأسها تهمس:
"أنا واثقة أنك هتلاقيه يا حياة."
كادت الأخيرة أن تقول شيئاً حين قاطع تلك اللحظة صوت شخير خالد وهو نائم.
نظرت لينا صوب الفراش لتجده احتل الفراش الصغير من جديد يغط في النوم.
ابتسمت لينا يائسة تضرب جبينها براحة يدها لتضحك حياة على ما حدث.
الراجل الغامض بسلامته متخفي بنضارة.
غمغمت بها أمل حانقة وهي تمسح طاولة الطعام قبل أن تضع الأطباق عليها.
تشد على أسنانها غاضبة.
ذلك المنفصم أما أن يطاردها في كل مكان يخبرها كم يحبها، وأما إن يتعامل معها وكأنها غير موجودة من الأساس.
لا يتحدث معها أكثر من ثلاث جمل ثم يدخل إلى غرفته ويغلق الباب خلفه وهكذا ينتهي اليوم بينهم.
زيجة أكثر، إيهاب ذلك المختل يبعث لها رسائل تهديد ليل نهار.
وهي حقاً لا تهتم، ماذا في يده أن يفعل من الأساس؟
لا شيء.
هو فقط غاضب مما حدث، وهي تعذره.
الموقف كان حقاً سيئاً.
تنهدت بعمق حين وصل إليها صوت المفاتيح الخاصة به.
ها هو قد جاء.
دخل إلى المطبخ يضع أكياس الفاكهة جانباً يلقي عليها سلاماً عابراً.
ومن ثم إلى غرفة نومه ليبدل ثيابه.
دق هاتفه برقم إحدى صديقاتها فتحت الخط لتسارع الأخيرة تردف متلهفة:
"أمل، النتيجة طلعت بس في الكنترول وبيقولك مش هتظهر غير بعد 48 ساعة. أنا مش قادرة أستنى، أنا مرعوبة أوي يا أمل."
دون أن تجيب صديقتها بكلمة، أغلقت الخط تشعر بقلبها على وشك أن يخرج من الخوف.
انتفضت تهرول إلى غرفة حسن.
فتحت الباب لينظر لها مندهشاً ترك أزرار قميصه الذي كان على وشك خلعه.
يغمغم متعجباً:
"في إيه مالك؟"
تحركت الخطوات الفاصلة بينهم.
تحرك يديها بعشوائية تلعثمت الأحرف بين شفتيها تغمغم متلهفة:
"حسن، النتيجة طلعت في الكنترول. أنت تعرف تعرفها مش كدة؟"
كان يود أن يرفض ليضايقها.
ولكن لهفتها وهي تتحدث لم تسمح له بفعل ذلك.
أومأ فقط.
أمسك بهاتفه يجري عدة اتصالات إلى أن وصل إلى الشخص الذي يريد:
"أيوه أيوه، اسمها أمل. أمل صابر."
قاطعته قبل أن يكمل تردف سريعاً:
"يا حسن، صابر دا جوز والدتي. أنت إزاي نسيت؟ أنا اسمي أمل مجدي، أمل مجدي محمود التهامي!!"
ما هو مجدي وسفيان أصحاب.
حسبي الله فيهم.
طيب تنويه بقي عشان الواحد يقدر يكمل حياته بدون جلطات دماغية.
إمبارح كان يعتبر يوم فاضي بعكس النهاردة.
أنا طول النهار في مشاوير حرفياً قسماً بالله دماغي هتنفجر من الصداع.
فكان من باب أذكى أن الفصل ينزل امبارح.
ولكن بسبب بعض التعليقات على واتباد اللي أنا بكتفي بحذفها منعا للدخول في جدالات مالهاش داعي.
حسيت فعلاً من ناحية الرواية بنفور بشع امبارح.
قدامي اللاب والأفكار جاهزة بس مش طايقة، مش عايز أكمل.
ودا إحساس أنا كنت نفضته من حياتي ومكتفية بالتعليقات اللي حرفياً فوق راسي من جمالها وحقيقي أنا بشكركم جميعا عليها.
فكنت خدت القرار تماما إني بمجرد نهاية جبران العشق ما فيش روايات تاني هتنزل هناك.
اعتزل ما يؤذيك يا عزيزي.
وأنا واحدة مرت بفترة مرض طويلة وصحتي على قدي والله.
أنا تراجعت عن القرار حالا وأنا بكتب الكلام دا لسببين.
أولهم الناس اللي بتتابع ومناقشات أفراد العيلة وازاي بيتسابقوا مين وصل الأول ومين كتب كومنت قبل التاني ومين توقعه أصح.
والسبب التاني إني لحد دلوقتي في عز حالتي حزنا بدخل على تعليقات للعشق قيوده الخاصة.
عايزة أقولكوا أن الناس في التعليقات كومنتاتهم عسل بتضحك أكتر من الرواية.
حاجة أخيرة سامحوني في الرغي.
وأنا في الجامعة الدكتور الخاص بمادة الرواية والقصة القصيرة كان بيقولنا أن الرواية عاملة زي الهيكل العظمي والكاتب من حقه يكسوه لحما كما شاء من خياله.
جملة عمري ما نسيتها.
فحضرتك دا خيالي عجبك كان بها وجودك شرف ليا على راسي.
ما عجبكش مش مجبر تتابعه تماما في أفضل منه ألف مرة.
تحياتي وعذرا للإطالة.
يا حسن صابر دا جوز والدتي.
أنت إزاي نسيت؟
أنا اسمي أمل مجدي، أمل مجدي محمود التهامي!!
أغمض عينيه يشد بيديه على الهاتف.
كيف نسي؟
واسم مجدي التهامي كان الدافع في البداية ليقترب منها.
ربما يكن لديها أي معلومات عن نشاط والدها غير المشروع.
ولكنه اكتشف العكس تماماً.
أمل لا تعرف حتى شكل والدها.
لا تعرف أنه المليونير الكبير.
عاشت عمرها في فقر قاسٍ ووالدها يملك الملايين.
ومن الأفضل أنها لا تعرف.
وهو لن يخبرها أبداً.
لن يفيدها شيء سوى الألم حين تعلم حقيقته، خاصة بعد موته الآن.
حمحم بعنف يستعيد وعيه يحادث الطرف الآخر يخبره باسمها بالكامل.
انتظر لبضع دقائق وهي تقف جواره تتسارع دقات قلبها خوفاً تقضم أظافرها متوترة قلقة.
إلى أن سمعته يردف من جديد:
"أيوه أيوه، بجد. طب شكراً جداً. معلش بقي أزعجناك... حبيبي تسلم يارب... مع السلامة، سلام."
أغلق الخط يلقي الهاتف على الفراش يتحاشى النظر إليها.
لتقترب منه سريعا.
امسكت ذراعيه تسأله قلقة:
"أنت ساكت ليه يا حسن؟ اللي رد عليك قالك إيه؟ نجحت طيب ولا لاء؟"
ظل ينظر بعيداً لدقيقة كاملة مرت عليها عاما.
قبل أن تتحرك عينيه إليها.
كم ود أن يتركها تزداد تلهفاً فقط ليضايقها.
ولكن كيف يفعل وهي تكاد تبكي من الخوف؟
رسم ابتسامة صغيرة على ثغره يغمغم:
"مبروك يا أمل، مدير الكنترول قالي أنك نقصتي عن الدرجة الكاملة درجة واحدة. يعني مبروك عليكِ نجاح المعادلة. ومجرد ما النتيجة تظهر بشكل رسمي هاخد ورقك وأقدمك في كلية تجارة."
شخصت عينيها تنظر له مذهولة وهو يتحدث بأريحية وكأنه يخبرها بالنشرة الجوية.
يحاول عقلها ترجمة ما قال.
نجحت أخيراً بعد مجهود مضني شاق.
أخيراً نجحت في الوصول لما تريد.
تسارعت الدموع إلى مقلتيها تركت ذراعيه ترتمي بين أحضانه.
لفت ذراعيه حول عنقها وبكت تغمغم سعيدة:
"أنا نجحت يا حسن، هدخل الكلية أخيرا... أنا نجحت."
وقف ثابتاً يخبر جسده بحدة أنه لن يعانقها، لن يتأثر بسعادتها.
لن يفعل أي شيء لتعرف أنه غاضب.
فماذا فعل؟
رفع ذراعيه يعانقها يخطفها بين أحضانها.
يشتم نفسه داخله ويبتسم سعيداً يهمس لها فرحاً:
"مبروك يا أمل."
بعد عناق طويل دام لدقائق طويلة جحظت عينيها على صدره تُدرك ما فعلته.
تخطبت وجنتيها خجلة حمحمت تتحرك بخفة.
ليجفل هو الآخر من تلك الفقاعة الناعمة.
أبعدها عنه وقف أمامها يرسم ابتسامة هادئة يغمغم:
"مبروك يا أمل، لو حابة نروح أي مكان عشان تحتفلي يعني بنجاحك أنا ما عنديش مانع."
كانت على وشك أن ترفض إلا أنه أردف يبادر:
"هغير هدومي على ما تغيري، ما تتأخريش."
وتوجه صوب الدولاب يخرج ثيابه يشرع في التخلص من ملابسه.
لتسرع للخارج جذبت الباب وقفت في الممر تبتسم تشعر بسعادة غامرة.
التفت حول نفسها عدة مرات قبل أن تهرع إلى غرفة ملابسها تبدل ثيابها.
خرجت من الغرفة لتراه ينتظرها خارجاً.
قام من أن خرجت اقتربت منه ليمد كفها لها.
ابتسمت تضع كفها في كفه خرجا معاً نزلا إلى سيارته.
فتح لها الباب جلست ليجلس جوارها قبل أن يدير محرك السيارة.
دق هاتفه أخرجه من جيب سرواله ليقطب جبينه متعجباً ما أن رأى اسم المتصل.
فتح الخط يغمغم:
"أيوه يا عم أشرف خير."
صمت للحظات قبل أن تتغير قسمات وجهه إلى السخرية.
يغمغم مستهجناً:
"ما يغور في ستين داهية مش هاجي."
ومن جديد صمت يستمع للطرف الآخر ليتنهد بعنف يزفر أنفاسه حانقاً:
"حاضر يا عم أشرف جاي مسافة السكة."
أغلق الخط يشد يقبض كفيه بعنف.
دق على سطح المقود عدة مرات يحاول أن يهدئ.
تنهد بعمق قبل أن يلتفت لها يغمغم:
"معلش يا أمل اطلعي وهخرجك يوم تاني، في مشوار مهم لازم أروحه ومش هينفع تبقي معايا."
لم تعترض فيبدو أن شيئاً سيئاً قد حدث بالفعل.
أومأت في صمت خرجت من السيارة.
ظل يتابعها إلى أن أخذت المصعد ليدير محرك السيارة يتوجه مجبراً إلى وجهته.
وصلت سيارة الأجرة إلى الحي أخيراً بعد طول غياب.
عادا إلى هنا.
نزلت وتر أولاً.
أعطى جبران للسائق نقوده ليأخذ حقائبها من السيارة.
التفت يبحث عنها ليزم شفتيه حانقاً.
ها هي في نهاية الشارع بالقرب من منزل والدتها.
كيف تحركت بتلك السرعة؟
لا يعرف.
تحرك خلفها سريعاً.
وقفت أمام باب الشقة كانت على وشك دق الباب.
حين أخرج هو المفتاح من جيبه يفتح لها الباب.
فما كان منه إلا أنها انتزعت المفتاح سريعا قبل أن يأخذه.
تغمغم محتدة:
"مش من حقك أبداً يبقي معاك المفتاح."
دلفت للداخل لتقف في الصالة.
ها هي عادت لبداية كل شيء.
التفتت حولها متلهفة تبحث عن والدتها لتجدها تخرج من المطبخ.
أدمعت عينيها ما أن رأتها.
كم ظلمت والدتها وتجنت عليها.
اتهمتها بالجنون لتتضح أنها هي ووالدتها لم يكونا سوى ضحايا لوالدها المريض.
هرولت إلى والدتها لتفتح فتحية ذراعيها تأخذ ابنتها بين أحضانها.
أجهشت وتر في البكاء تغمغم من بين شهقاتها العنيفة:
"سامحيني يا ماما أنا آسفة، حقك عليا سامحيني."
جذبت فتحية وتر تجلس جوارها على إحدى الأرائك تمسح على خصلات شعرها برفق تدمع عينيها على ما صابها.
غمغمت سريعاً:
"أنا مسمحاكِ يا قلب أمك، عمري ما أزعل منك أبداً. كفاية اللي صابك، المعلم جبران قالي على كل حاجة. الحمد لله أنك بخير يا بنتي. منه لله الشيطان. الحمد لله أن ربنا بعده عننا."
أومأت وتر توافق كلام والدتها.
ابتعدت عنها تتفحصها بعينيها تسألها قلقة:
"أنتِ كويسة بجد يا ماما وفوقتي من الغيبوبة أمتي؟"
ارتبكت عيني فتحية تنظر صوب جبران.
هل تخبر وتر أنها لم تكن في غيبوبة من الأساس والطبيب أُمر بقول ذلك أمام سفيان حتى لا يفكر في قتلها من جديد؟
لاء، وتر ستكرهها أن عرفت.
ابتسمت تردف مبتسمة:
"من مدة بسيطة. أنا كويسة ما تخافيش يا بنتي. لما فوقت الظابط زياد والمعلم جبران قالولي على اللي حصل. المهم دلوقتي أنك رجعتي لحضني يا بنتي."
وعادت تضمها من جديد تمسح على رأسها.
هنا حمحم جبران اقترب يجلس على مقعد قريب منهم يغمغم مبتسماً:
"حمد لله على السلامة يا حماتي. وتر هتقعد معاكِ لحد ما تطمن عليكِ خالص وبعدين ترجع بيتها."
ابتسمت ساخرة دون أن تنظر إليه.
في أجمل أحلامه لو عادت إليه من جديد.
أبعدت فتحية وتر عنها تغمغم مبتسمة:
"أنا هقوم أشوف الأكل دا أنا بعمل فيه من الصبح من ساعة ما المعلم جبران قالي أنكوا جايين."
قامت فتحية صوب المطبخ.
اتجهت ليتحرك جبران سريعا يجلس جوار وتر.
أسرع يمسك رسغ يدها قبل أن تقوم.
التفت له تهمس محتدة:
"سيب إيدي."
"هسيبها. اسمعيني بس أنا عايز منك خدمة."
غمغم بها سريعا قبل أن تذهب وتتركه.
نزعت يدها من يده بعنف كتفت ذراعيها أمام صدرها تنظر له تضيق حدقتيها غاضبة.
ليتنهد هو بعمق يغمغم:
"حياة بنت خالتي. اسمعيني."
وبدأ يقص عليها سريعاً ما حدث معها.
فأدمعت عيني وتر.
كانت تظن أنها تعيش حياة بائسة وأن الجميع خانها.
لتأتي حياة تخبرها أنها كانت تعيش في جنة حرفياً.
أنهى جبران كلامه ليمسك بكفي يدها تنهد يغمغم حائراً:
"أنا مش عارف أعمل إيه. حياة مالهاش دلوقتي في الدنيا غيري أنا وزياد. هي محتاجة حد يرجع ثقتها في الدنيا تاني. بقت مقتنعة أن كل الناس عايزة تأذيها. أنتِ دكتورة نفسية تقدري تتعاملي معاها صح. أنا عايز يبقي جنبها دايماً ومهما كان أنا راجل وهتتكسف مني وهيبقي في حرج في التعامل بينا. مش هقولك تعالي شقتنا وهي هتيجي هناك. هجيبها تعيش معاكِ هنا. ينفع؟"
لم تتردد للحظة.
أومأت موافقة سريعا لتتسع ابتسامته.
مال إلى جبينها يطبع قبلة صغيرة هناك يغمغم لها ممتناً:
"ربنا يخليكِ ليا يا ست البنات!"
سرت قشعريرة خفيفة في جسدها عقب ما فعل.
لتبتسم لا إرادياً.
من الجيد أنه قد غادر بالفعل قبل أن يرى ابتسامتها.
في المستشفى في إحدى الغرف تجلس هناك تنظر لسطح المرآة.
لا تنحاد عينيها عنها.
نظراتها إليها شاردة وكأنها تنظر إلى عرض سينمائي يمر أمام عينيها يُعاد مراراً وتكراراً.
دُق الباب فلم تجب.
لم تلاحظ من الأساس.
أدار زياد مقبض الباب ودخل.
تقدم يجذب مقعد جلس جوار فراشها ينظر لها عن كثب للحظات.
قبل أن يحمحم بخشونة يغمغم:
"مدام شيرين، أنا الرائد زياد. الدكتور قال إن حالتك بقت مستقرة وتقدري تتكلمي. هو سؤال واحد، اسمك اتذكر في التسجيل اللي كان في أوضة مكتب سفيان يوم تسليم العملية وكنتي موجودة واتصابتي برصاصة. إيه علاقتك بيهم لأنك دلوقتي من ضمن دايرة المشتبه فيهم. ومن يعرف مش يمكن تكوني بريئة؟"
ابتسمت في سخرية.
بريئة؟
انتزعت الحياة براءتها منذ سنوات.
تحركت عينيها عن المرآة تنظر لوجه زياد.
امسكت المرآة تلقيها بعيداً فتهشمت بعنف.
دوي لها صوت مخيف ورغم ذلك ظل زياد مكانه ثابتاً لم يتأثر.
ضحكت شيرين عالياً ساخرة تردف متهكمة:
"بريئة؟ تصدق صح! أنا ممكن أكون بريئة وعنايات هانم هي السبب في كل اللي حصلي. هي السبب في العذاب دا كله. حكمت عليا وعلى ولادها بالعذاب. ست بشعة عمرك ما هتشوف في قسوتها أبداً."
قطب زياد جبينه متعجباً من تلك السيدة التي تتحدث عنها.
في حين اضطربت حدقتا شيرين تزوع وكأنها ترى الماضي يتجسد أمام عينيها.
احتضنت نفسها بذراعيها ارتجفت نبرة صوتها تتمتم:
"أنا كنت بحبه أوي، أكتر بني آدم حبيته في الكون. كنا أنا وهو زمايل في الكلية أربع سنين كنا بنعشق بعض. في يوم أصر إني أجي معاه عشان يعرفني على والدته وأخوه الكبير. مش هنسي نظرة مجدي، نظرة بشعة حسيت أن عينيه بتنهش في جسمي لدرجة إني رجعت لورا كام خطوة عشان استخبي ورا سراج من عينين أخوه. مجدي كان أخو سراج كبير بس مش نفس الأب. عنايات هانم كانت بتحب مجدي أضعاف حبها لسراج رغم أن سراج أصغر من مجدي بحوالي 18 سنة. سراج كان أكبر مني بسنتين بس أما مجدي كان أكبر مني ب20 سنة."
صمتت تنساب دموعها بلا توقف تتذكر ما حدث معها.
Flash back.
على طاولة كبيرة فخمة للطعام جلس كل من مجدي وسراج وعنايات والدتهم على رأس الطاولة.
أما هي فتجلس على المقعد المجاور لسراج تنظر متوترة خائفة لشقيقه الذي يكاد يأكلها بنظراته المخيفة.
أما نظرات والدتها فكان بها من القسوة ما بث الذعر في أوصالها.
مالت صوب سراج تهمس له مرتبكة:
"سراج، أنا عايزة أمشي، أنا مش مرتاحة هنا."
ابتسم سراج في هدوء يربت على كف يدها يهمس لها:
"مالك بس يا بنتي ما تخافيش، أنا معاكِ أهو، وبعدين دول والدتي واخويا ما حدش هيأذيكِ."
ابتلعت لعابها خائفة تومأ له على مضض.
قامت من مكانها تستأذن منهم أنها تريد الذهاب للمرحاض.
فنادت عنايا بقسوة على أحد الخدم ليدلها على طريق المرحاض.
تحركت شيرين خلفه لينظر سراج إلى والدته يغمغم مبتسماً:
"هي دي شيرين، هي دي البنت اللي سرقت قلبي أربع سنين. أنا عايز اتجوزها يا ماما."
دخل مجدي ارتشف من كأس العصير أمامه يغمغم ساخراً:
"ذوقك يقرف زيك. البت دي مش مستوانا."
كور سراج كفه غاضباً يصدم به سطح الطاولة يغمغم محتداً:
"مجدي لو سمحت ما تتدخلش. أنت أخويا الكبير وأنا بحترمك بس مش من حقك تهينها بأي شكل من الأشكال."
ضحك مجدي ساخراً ليترك لهم غرفة الطاولة ويغادر.
ارتسمت ابتسامة خبيثة على ثغره يتحرك صوب المرحاض الذي قصدته الجميلة قبل قليل.
ما أن اقترب من بابه وجدها تفتحه من الداخل.
شهقت شيرين مذعورة ما أن رأته أمامها.
A
ليدفعها مجدي لداخل المرحاض يغلق الباب عليهم من الداخل.
عادت شيرين للخلف تنظر له مذعورة تغمغم خائفة:
"هو في إيه حضرتك لو سمحت ما ينفعش كدة، أنت لو قربت مني أنا هصرخ."
ضحك مجدي ساخراً يتقدم صوبها ليهدر قلبها خوفاً.
فتحت فمها لتصرخ ليسرع هو يغطي فمها بكفه ابتسم يغمغم في خبث:
"أنتِ تعرفي أنك حلوة أوي. لا حقيقي جميلة أوي أوي. مش هقولك بقي عجبتيني وحبيتك من أول نظرة وجو الأفلام الهندي دا... بس سراج بيحبك وأنا بكره سراج، ف وحياة أمي ما هيتجوزك. لو روحتي قولتيله أخوك بيكرهك ومش عايزنا نتجوز مش هيصدقك أصل سراج دا أهبل أوي. بس أوعدك أن الجوازة دي مش هتتم."
ابتعد عنها يخرج من المرحاض غمزها بطرف عينيه قبل أن يخرج.
لتسقط أرضاً ترتجف خوفاً.
ما إن استعادت جزء صغير من ثباتها خرجت تركض من المرحاض ومن المنزل بأكمله.
خلفها سراج يصرخ باسمها قلقاً.
وهو يقف عند النافذة الكبيرة يرتشف من كأس نبيده يبتسم ساخراً.
Back.
عادت من ذكراها تنظر لوجه زياد.
ضحكت عالياً تردف بحرقة:
"هربت من سراج بقيت ما بكلموش. ما بنزلش الجامعة. ما بردش عليه. كنت خايفة ومرعوبة من مجدي أخوه. لحد ما في يوم بليل لقيت سراج باعتلي رسالة أنه هيجيلي بكرة الصبح ياخدني ونكتب الكتاب ونحط والدته واخوه قدام الأمر الواقع. كنت مرعوبة بس بحاول اطمن نفسي إني لما ابقي مرات سراج مجدي مش هيعملي حاجة. أنا مقطوعة من شجرة ما حدش هيقف قصاد مجدي غير سراج. بس مجدي كان أسرع أوي من سراج."
Flash back.
في غرفة نومها في شقتها الصغيرة كانت في تلك الحالة الغريبة بين الوعي واللاوعي.
حين شعرت بيد تستبيح حرمة جسدها.
أحدهم يحرك يديه على جسدها بشكل مقزز.
فتحت عينيها مذعورة لتشهق مرتعدة حين رأت مجدي أمامها يبتسم في خبث من جديد.
غطى فمها بكفه مال صوبها يبتسم يغمغم متلذذاً:
"مش هيلحق يجيلك الصبح يكتب عليكِ. أنا هاخدك منه الأول. هاخيرك بين حلين شوفتي أنا طيب ازاي يا تطلعي معايا بهدوء للمأذون اللي برة نكتب كتابنا، يا اغتصبك وبردوا هتطلعي معايا نكتب الكتاب. تختاري إيه؟"
أزاح يده من على فمها لتغرق الدموع وجهها تهمس مرتعشة:
"أنت بتعمل كدة ليه؟ حرام عليك دا اخوك وأنا بحبه وهو بيحبني."
"حبك برص أنتِ واخويا. اخلصي مش فاضيلك أصل مراتي حامل عقبالك كدة وعايز اروح اباركلها واخدها في حضني."
انكمشت قسماتها متقززة منه.
ذلك الرجل أبشع ما يكون.
بصقت في وجهه لتتسع ابتسامته.
مس
رواية جبران العشق الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم دينا جمال
حل الليل وإلى الآن لم يعد حسن. كان من المفترض أن يكون اليوم سعيدًا جدًا بالنسبة لها بعد أن حصدت الدرجة التي أرادت، وصلت إلى حلمها الذي ظلت تحلم به كثيرًا، ولكنها الآن لا تشعر سوى بالقلق.
حاولت الاتصال به، كانت ستقول أي عذر إن أجاب، ولكن هاتفه مغلق. تحركت ذهابًا وإيابًا في محيط صالة المنزل.
انتفضت حين وجدت هاتفها يدق. هرولت تلتقطه، رقم غريب، ربما حسن ويتصل بها من رقم آخر. فتحت الخط سريعًا قبل أن تنطق بحرف، سمعت صوتًا ليس بغريب يغمغم متوعدًا:
"قسما بالله يا أمل، يا أدفعك الثمن غالي أوي، صبرك عليا أنا ه..."
ولم يكمل حين أغلقت الخط.
تلقي الهاتف بعيدًا، ليس الوقت المناسب لتهديدات إيهاب العقيمة الذي يظن عبثًا أنها ستخيفها.
سمعت صوت صافرة المصعد بالقرب منها، هرولت تركض إلى الباب. من العين الصغيرة به نظرت للخارج، تنفست الصعداء حين رأته، لتهرول بعيدًا عن الباب. تجلس على الأريكة تشاهد القناة أمامها دون حتى أن تعرف ماذا تعرض، فقط حتى لا تظهر قلقة عليه. راقبت عيناها الباب بلهفة إلى أن سمعت صوت المفتاح الخاص به، فوجهت عينيها بعيدًا.
حاولت اختلاس النظرات إليه ما أن دخل. رأته يمسك علبة حلوى كبيرة في يده، وضعها على الطاولة جانبًا. هنا رفعت وجهها إليه، ملامح وجهه حزينة، مجهدة، عينيه حمراء. هل كان يبكي؟
لم ينطق بحرف. أسرع خطاه إلى الداخل إلى غرفته، دخل يغلق الباب خلفه. قطبت جبينها متعجبة من حالته الغريبة. توجهت ناحية الطاولة، فتحت غطاء علبة الحلوى لتجد كعكة كبيرة مزينة، كُتب على سطحها: "مبروك النجاح يا أمل". ارتسمت ابتسامة صغيرة سعيدة على ثغرها.
وضعت الغطاء مكانه لتتجه صوب غرفته. دقت الباب فسمعت صوته. قطبت جبينها مستنكرة ما به، صوته وكأنه كان يبكي. فتحت الباب فجأة دون أن تخبره، لتراه يشيح بوجهه بعيدًا، يحرك كفه على وجهه.
حمحم يردف دون أن ينظر إليها:
"أيوه يا أمل، خير، في حاجة؟"
ظلت واقفة للحظات قبل أن تأخذها قدماها صوبه. وقفت أمامه تنظر له وهو ينظر بعيدًا. جلست على حافة الفراش جواره تسأله قلقة:
"مالك يا حسن؟ أنت كنت بتعيط؟ حصل إيه؟ عم أشرف اللي كنت بتكمله ده كان عايزك ليه؟"
التفت إليها بعد صمت طويل. لتشخص عيناها ذهولًا حين رأت عينيه التي انهمرت منها الدموع فجأة دون سابق إنذار.
ارتعشت شفتاه ليرمي بنفسه بين ذراعيها، يختبئ داخل أحضانها وكأنه طفل صغير خائف. اهتز جسده بعنف وعلا صوت بكائه. فما كان منها إلا أنها طوقته بذراعيها. اضطربت عينيها تهمس له مذعورة:
"مالك يا حسن، فيك إيه؟ طب اهدى، اهدى، ششش، خلاص اهدى طيب."
رفعت يديها تمسد على خصلات شعره. استمر الوضع على ذلك الحال إلى ما يقارب نصف ساعة، إلى أن سمعته يهمس بنبرة مختنقة:
"أنا مش ابن كمال. كمال يبقى جدي مش أبويا. والدتي كانت بنت كمال الكبيرة، كان مخلف بنت واحدة من بنت عمه اللي اتجوزها وهو صغير وخلفت بنت وماتت. أمي الله يرحمها غلطت، كانت بتحب واحد مش مستواهم زي ما كمال بيه كان شايف. كان عندها وقتها 18 سنة. كان في ألف طريقة يبعد بيها بنته عن الشاب ده، بس هو اختار يحبسها زي الحيوانات. مرات كمال التانية اللي أمي اللي أنا أعرفها صعب عليها حالها وهربتها وصمت."
وزاد رجفة جسده. لتحرك يديها سريعا ما بين رأسه وظهره تحنو عليه كطفل صغير. خرجت شهقة بكاء قوية من بين شفتيه. يكمل بحرقة:
"لقاهم، وعشان يعاقب والدتي على هروبها قتل جوزها قدام عينيها. ما هي كانت اتجوزته وخدها حبسها تاني. كانت كارثة ليه لما عرف أنها حامل. وللأسف بسبب حبسها وضعف جسمها كان بيمنع عنها الأكل بالأيام. ماتت وهي بتولدني."
كمال قرر يقتل الطفل.
هنا شهقت أمل مذعورة من بشاعة ما تسمع. ليبتسم ساخرًا يومأ لها. يكمل:
"بس جميلة مراته باست إيديه حرفيًا عشان يسيب الطفل يعيش. واقنعته أنه يبقى ابنه. وده اللي عمله. راح سجل الطفل باسم حسن كمال. ولأنه كان بيكره والدي وشايفني وصمة عار والسبب في موت أمي، كان بيعاملني أبشع معاملة من وأنا طفل صغير."
انهارت دموعه. تتمسك به تشد بيديها على قميصه تبكي معه. ابتعد هو عنها، انتزع قميصه يشير لعلامات حروق مستديرة هنا وهناك. يردف ساخرًا:
"تخيلي طفل عنده خمس سنين كان بيتحرق لو وسخ هدومه وهو بيلعب. كنت عايش في فيلم رعب أنا وجميلة. كنت بشوفه دايما بيضربها. كنت بترعب منه وأنا عيل صغير، فكانت تجري عليا وهي مش قادرة تتحرك تاخدني في حضنها تطبطب عليا. بس حتى هي سابتني بدري أوي يا أمل. ما قدرتش تستحمل اللي كان بيعمله فيها. انتحرت!"
لسه فاكر لما صرخت من كتر ضربه وزقته لأول مرة. هربت منه تجري على المطبخ. أنا كنت مستخبي هناك وشوفتها. ابتسمتلي وكأنها بتودعني ومسكت السكينة ودبحت نفسها.
هنا بدأ جسده يرتجف. يري المشهد يُعاد أمامه وكأنه يحدث توا. فاندفعت أمل تجذبه لأحضانها ليتعلق بها يصرخ بحرقة:
"ماتت يا أمل! الحضن الوحيد اللي كنت أعرفه في حياتي. ما فيش إيد من بعدها طبطبت عليا. عشت سنين سودا مع كمال وأنا فاكر أبويا وهتجنن كل ما أكبر وأفهم هو بيعمل معايا كده ليه... لحد ما بالصدفة لقيت مذكرات جميلة الله يرحمها وفهمت كل حاجة."
انتزع نفسه عن ذراعيها يمسك بهما بين كفيه. يبتسم في سخرية مريرة يردف متألما:
"عارفة لما روحت واجهته بالحقيقة دي؟ ابتسم وقالي: احمد ربنا، أنا خليتك ابني وباسمي بدل ما تكون لقيط ابن حرام. خليت ليك قيمة وأنت أصلا نكرة!"
وكم شعرت بالغضب والألم والشفقة حين عرفت حقيقة ما عانى منذ أن كان طفلاً لا ذنب له في شيء. ترددت للحظة قبل أن تمد كفيها إلى وجهه تمسح دموعه. فأغمض عينيه يبتلع غصته يهمس لها ساخرًا:
"عشان كده كنت متمسك بيكِ بشكل رخيم عشان حبيتك وعشان أنتِ شبهها يا أمل. ابتسامتها ولمعة عينيها. كان نفسي ألاقي الحضن اللي اتحرمت منه من سنين. بس كنت غلطان وفرضت نفسي وكرهتك فيا والعلاقة بينا باظت خلاص."
نفت برأسها سريعا. احتضنت وجهه بين كفيها ليتفتح عينيه ينظر لها. توسعت عينيه قليلًا فقط في دهشة حين أردفت تهمس مرتبكة:
"حسن، أنا بدأت معاك صفحة جديدة من ساعة رجعنا بعد ما اتخطفنا. بعد ما طلقتني وسبت ليا حرية اختياري إني أرجعلك أو لأ. لما جيتلنا البيت طلبت إيدي تاني. أنا والله كنت هرجعلك بس أمي بقى ربنا يسامحها. قالتلي إن الفرح بتاعك. أنا عارفة إني غلطت إني ما سألتكش. حسن، أنا بحبك!"
ارتد للخلف قليلًا. عينيه جاحظة تكاد تخرج من مكانها. ابتسم ونزلت دموعه. رفع يديه يمسك بيديها التي تحاوط وجهه. يقرب كفها من فمه يلثم باطنه بقبلة طويلة شغوفة. جذبها لأحضانه يقبل قمة رأسها. تنهد يهمس بوله:
"وأنا عمري ما كرهتك يا أمل. أنا بس كان نفسي تعرفي أنا بحبك قد إيه. كنت ولا زلت عايش أعيش معاكي كل اللي ما عرفتش أعيشه لوحدي."
ابتسمت سعيدة تستريح برأسها إلى صدره. حمحمت بخفة تسأله حذرة:
"إنت كان مالك أول ما جيت وإيه التليفون اللي جالك وأنا معاك ده؟"
"كمال مات." همس بها فجأة دون مقدمات، دون حزن حتى. توسعت عينيها مدهوشة. زفر هو بحرقة يكمل:
"كان بيتصل بيا عشان لازم أبقى موجود في العزا. لما روحت وشوفته وهو جثة لا حول ليه ولا قوة افتكرت كل اللي عمله فيا ده. حاول حتى يأذيكِ أنتِ عشان بس يقهرني. عشان كده ما كنتش عاوز أروح عزاه. ما شلتش نعشه. بس دخلته بأيدي قبره وأنا بدعي إن ربنا ياخد حقي وحق جميلة وحق بنته وحق أبويا اللي قتله. ووقفت مجبر آخد عزاه. أملاكه كلها بقت ليا، ما أنا الوريث الوحيد ليه!"
وصمت وصمتت. لم تسأله المزيد وهو لم ينطق بحرفٍ آخر، فقط يحتضنها إلى أن وجدته فجأة يبعدها عنه. أمسك بكفها يجذبها من الفراش لتقف. خرجا معًا من الغرفة يحادثها مبتسمًا:
"يلا نقطع تورتة نجاحك. هاتي الأطباق من المطبخ."
ابتسمت تومئ. توجهت تحضر طبقين والسكين وشوكتين. في حين أخرج هو الكعكة من مكانها يضعها في منتصف طاولة فارغة. وضعت ما جلبت جوار الكعكة ليخطو إليها. لف ذراعه حول كتفيها مال بأذنه يهمس لها بشغف:
"مبروك يا أحلى أمل. ادتيهولي الدنيا. ما تيجي نيجي ونجيب مليجي على رأي جبران."
ضحكت خجلًا تنفي برأسها. أمسكت السكين تشير إلى الكعكة تغمغم مبتسمة:
"ما تسبقش الأحداث يا حسن. كلنا محتاجين وقت. يلا نقطع الكيكة!"
***
تسطحت على فراشها في غرفتها في شقة والدتها تنظر لسقف حجرتها شاردة. أخبرها أنه سيذهب ليُحضر قريبته ولم يعد من وقتها ولم تهتم. لم تعتد تهتم عليها أن تكرر تلك الجملة كثيرًا حتى تقتنع بها!
تنهدت تشعر بالاختناق. قامت تتجه صوب شرفتها فتحتها على مصراعيها. وقفت هناك فتذكرت أول مرة رأته هنا حين اصطدمت به. "كادت حقًا أن تسقط لتشعر بشيء غريب يحدث، هي لم تسقط. هناك أحد ما يحاوط خصرها يمنعها من ذلك. التفتت خلفها سريعًا لتجد رجلًا طويل القامة بشكل كبير يلتقط جسدها الصغير بين ذراعيه. توسعت عينيها في صدمة عاجزة عن الإتيان بأي رد فعل لتري ابتسامة كبيرة ترتسم فوق شفتيه يغمغم:
"اسم الله عليكِ، ما يقع إلا عدوينك."
انتفضت سريعًا تدفعه في صدره بعنف تبعده عنها تهتف بتوتر:
"إنت مين يا أستاذ إنت وازاي تمسكني بالطريقة دي؟"
رأت ابتسامته تزداد اتساعًا. خبط على صدره متفاخرًا يهتف بنبرة فخر عابثة:
"على الهادي بس يا زبادي... أعرفك بنفسي المعلم جبران السواح كبير المنطقة دي."
ضحكت. جبران يعاني من نرجسية مفرطة. نرجسية أحببتها. يا ليته ظل فقط جبران وظلت هي ابنة الذوات وظل والدها هاربا. كانت ستتحمل ألم فراقه، ولكن ألم ما عرفته عنه وما فعل بها حقًا لا يُحتمل. كانت على أتم ثقة من أن والدها لا يمكن أن يخطئ. والآن هي على أتم ثقة من أنها أكبر بلهاء سمعت عنها وعرفتها.
وقفت لما يزيد عن نصف ساعة إلى أن بدأت تشعر بالنعاس. يبدو أنه لن يأتي الليلة وبالطبع لن يفعل. لما؟ لأنه هناك في قسم الشرطة يديه مقيدة بالأصفاد. يدفعه أحد الضباط أمامه ليتفح العسكري باب زنزانة صغيرة لا يوجد بها سوى شخص واحد. دفعه الضابط بعنف يحادثه محتدا:
"اترمي يا ضنى عندك لحد ما نشوف لك أي مخروبة نوديك فيها."
دخل جبران إلى الزنزانة التي يوجد بها طارق. في الظلام لم يستطع أن يتبين طارق ملامح الشخص الذي ولج إلى الداخل. جلس جبران بعيدًا يحاول النظر إلى وجه طارق من خلال بصيص النور القادم من الخارج. ليراه يغمض عينيه يستند برأسه إلى الحائط خلفه. فابتسم يغمغم ساخرًا:
"عجبت لك يا زمن طارق باشا التهامي مرمي في الزنزانة."
فتح طارق عينيه سريعًا يلتفت برأسه إلى مصدر الصوت. إن كان لم ير الصورة فقد تعرف حتمًا إلى الصوت. ابتلع لعابه يغمغم بنبرة متلعثمة ترتعش:
"جبران، إنت إيه اللي جابك هنا؟"
ابتسم جبران في شراسة لينتفض من مكانه. تقدم من طارق يقبض على تلابيب ملابسه. رفعه عن الأرض يلصق ظهره بالحائط يهمس له متوعدًا:
"لو نفسك طلع هقطع خبرك، هندمك أوي على اللحظة اللي حطيت فيها إيدك الو*** دي على مراتي يا كلب."
ارتجف طارق بين يديه يغمغم سريعا مذعورا:
"ما لمستهاش والله ما لمستها. ماهي كانت معايا وهددتني إني لو لمستها هتقول لأبوها. ماهي مجنونة بغرتها عليا خصوصًا من وتر. فما عرفتش المسها. أنا بس أوهمتها إني عملت كده عشان تطلق منك وتتجوزها أنا وآخد أملاك سفيان الدالي. والله العظيم ما لمستها."
ضحك جبران ساخرًا يقبض على فك طارق بعنف يردف متهكمًا:
"بتغير عليك يا بيضة؟ عيبك إنك أهبل وفاكرني زيك. ادتني كارت ميموري فيه وتر متفبرك لوتر وهي بتتريق عليا. ما أنا جاهل بقى مش هعرف الفيديو ده بجد ولا لأ."
احتلت عيني جبران كم أراد أن يشوه معالم وجهه ولكنه تذكر تحذيرات زياد. سيضع أخيه في موقف سيء إن فعل ذلك ولكنه لم يستطع السيطرة على قبضته فلكمه مرتين ألقاه أرضًا يبصق عليه. ليتحرك يدق على الباب الحديد. فتح له العسكري الباب ليخرج يعود لمكتب أخيه. اقترب زياد منه سريعا ما أن رآه يسأله:
"أوعى تكون ضربته؟ أنت قلت لي عايز تعرف هو عمل إيه في وتر بس ومش عايز ده يتسجل في محضر رسمي."
كتف جبران ذراعيه يغمغم بلامبالاة:
"يا عم ما تخافش أوي كده. هما بوكسين بس مش هيعملوا ولا حاجة."
احتلت نظرات زياد اقترب من جبران يدفعه في صدره يغمغم حانقًا:
"ما فيش فايدة. من ساعة ما البيه رجع وأنا معرض مستقبلي وشغلي للخطر عشان خاطر جنابك. بعمل كل حاجة عشانك وأنت مهما أقول. لا حياة لمن تنادي. وتر كان معاها حق. وتر!"
ماذا قالت وتر لأخيه ليحقد عليه بذلك الشكل؟ عاد زياد لمقعده يغمغم بحدة:
"اتفضل روح يا مراد. أنت خلاص مهمتك خلصت. وجودك تاني هنا ملوش لازمة. المرحلة الجاية بتاعتنا إحنا. شاكرين أفضالك."
زياد يطرده وبشكل مهين للغاية. بالكاد كبت زمام غضبه. التفت ليغادر المكان قاصدًا المستشفى حيث توجد حياة.
***
في صباح اليوم التالي قرابة الثامنة صباحًا عادت أصوات الباعة الجائلين لتقلق نومها من جديد. فتحت عينيها ولاحت ابتسامة صغيرة على ثغرها. اشتاقت للعودة للبداية. قامت من الفراش تتوجه صوب النافذة فتحتها على مصراعيها. لتتسع عينيها في دهشة حين رأته عاد مكانه لورشته. صوت النافذة المزعج جذب انتباهه ليرفع رأسه لها. ابتسم يغمزها بطرف عينيه. لتنصدم مكانها تنظر له مذهولة. عاد جبران السواح بأفعاله الغريبة من جديد.
نفضت رأسها سريعا لتتحرك للداخل. فتحت باب غرفتها لترى والدتها في الصالة بصحبة تلك الفتاة حياة يتشاركان طعام الإفطار. حياة تبدو مرتبكة. نظرات عينيها غير مستقرة. رعشة خفيفة تسري في يديها بشكل منتظم. تقبض على ثوبها بأصابع يسرها. تلك الفتاة عانت من الكثير على ما يبدو. ألقت عليهم التحية تغمغم مبتسمة:
"صباح الخير، هروح بس أغسل وشي وأجي أفطر معاكم."
تحركت تختلس النظرات لحياة في طريقها. لتراها تتابعها بعينيها بحذر. عيني حياة ترتكز مع الأجزاء التي لم ترها من المنزل. فبالنسبة لها هي أجزاء مظلمة غامضة وفي الأغلب تشكل لها مصدر خطر.
اغتسلت خرجت من المرحاض على صوت جرس الباب. لترى جبران يقف أمامها يمسك (حزمة) من الجرجير في يده. ابتسم في اتساع ما أن رآها يمد يده لها بالجرجير يردف:
"صباح الفل. ما لقيتش ورد، والست فتحية قالت طبخلنا سمك النهاردة. قولت السمك حبيب الجرجير."
"طبخلنا؟ إيه النون دي؟ أنت ناوي تتغدا معانا ولا حاجة؟"
غمغمت بها وتر ساخرة تلقي المنشفة من يدها بعيدًا. ليضيق عينيه يغمغم حزينًا:
"اخس عليكِ يا بنت الذوات. ما كانش العشم. مستخسرة فيا اللقمة وأنا راجل شقيان. هي دي بوسي؟ هي دي ملاك الرحمة؟"
لم تضحك. قاومت بصعوبة. باتت تعرف خدعته. يحاول جعلها تضحك بأي شكل لينتهي الجدال بينهما. قلبت عينيها ساخرة تجاوزته لتسمعه يردف من خلفها:
"طب والجرجير؟ آه يا عدوة الرومانسية."
تحرك لينضم إليهم حين دق هاتفه برقم زياد. نظر للرقم غاضبًا. ظن أنه يتصل يود الاعتذار. فتح الخط يضع الهاتف على أذنه ليسمع أخيه يصرخ فيه:
"إنت اتجننت يا مراد؟ بتتصرف من دماغك من غير ما تقولي. إنت إزاي تاخد حياة من المستشفى من غير ما تقولي. إنت مالك ومال حياة أصلاً؟ إنت هتزيط فيها؟ كل القرف اللي شافته بسببك وبسبب صاحبك. واخدها عشان تكمل عليها. حياة فين يا مراد؟ هو السبب!"
كلمات زياد حقًا قاسية. لما بات يكرهه؟ لما كل ذلك الغضب يعامله وكأنه حثالة لا قيمة لها! لم يجيب بكلمة. فقط أغلق الخط. يغلق الهاتف بعد ذلك. تحرك صوب حياة جلس على المقعد المجاور لها يغمغم مبتسمًا:
"أنا واثق إن أنتِ ووتر هتبقوا أعز أصحاب. مش عايزك تتكسفي. لو احتاجتي أي حاجة كلميني أو خلي وتر تقولي. ماشي يا حبيبتي."
ابتسمت حياة ممتنة تومئ برأسها. تجاهلت وتر ما يحدث. مدت يدها لتأخذ كوبًا من الشاي فأسرع هو يأخذه بدلاً منها. نظرت له حانقة فابتسم عابثًا يغمزها بطرف عينيه. لتغمغم مغتاظة:
"يارب عينك تعلق."
ابتسم ليقوم من مكانه. اقترب منها مال ناحية أذنيها يهمس لها:
"في حاجة مهمة بجد عايز أقولك عليها بس مش هينفع هنا قدامهم."
وقبل أن توافق جذب يدها بخفة يجذبها معه إلى الشرفة الخارجية. أغلق باب الشرفة من الداخل. اقترب منها يهمس لها:
"طارق ما لمسكش. أنا كنت هطلع روحه في إيدي واعترف لي إنه كان بيوهمك بس عشان تطلقي مني وتتجوزك هو عشان عاوز أملاك أبوكِ."
ضحكت ساخرة. من المفترض أن تكون سعيدة بخبر كهذا، ولكن إحساسها أنها دائمًا تُستغل من الجميع ليس بشيء هين. الجميع يعاملها على أنها معبر ليصل لأبيها؟ أزاحت خصلات شعرها خلف أذنيها. توجه عينيها إلى الحي أمامها ترفض النظر إليه تتمتم متهكمة:
"ما يفرقش عنك كتير. هو استغلني عشان يوصل لأملاك بابا، وأنت استغلتني مرتين. أول مرة عشان تثبت مدى ذكائك الخارق والتانية عشان توصل لبابا. شوفت بقى إنك أسوأ منه."
لم يقل شيئًا. لم تسنح له الفرصة. حين وقفت سيارة زياد ونزل منها الأخير ويبدو أنه يشتعل غضبًا. تركها جبران وخرج من الشرفة. في حين اندفع زياد صوبهم. توجه جبران يفتح الباب حين دقه زياد بعنف. ما أن ظهر جبران أمامه لكمه زياد بعنف ليرتد الأخير أرضًا. سقط ينظر لأخيه مذهولًا. في حين صرخت حياة مذعورة.
قام جبران غاضبًا قبض على ثياب أخيه يصرخ فيه:
"إنت اتجننت يا زياد؟ بتمد إيدك عليا؟"
دفعه زياد بعنف ليرتد جبران للخلف ينظر لأخيه مدهوشًا مما يفعل. في حين صاح زياد محتدًا:
"بتدي نفسك أكبر من حجمك ليه؟ فووووق! كل القرف اللي إحنا شوفناه ده بسببك إنت. عذاب كل واحد هنا إنت السبب فيه. حبيت تثبت إنك مش فاشل فقمت ناجح في المخدرات. لاء، إنت فاشل وهتعيش وتموت فاشل زي ما بابا كان دايما بيقول عنك."
صرخت كل من وتر وحياة وفتحية حين اشتبك الشقيقان في عراك دام. جبران يصرخ يسب زياد، وزياد يتهكم من جبران ينتقده بأنه فاشل كما قال أبيه. إلى أن جذب زياد مسدسه. اندفع جبران يقبض على المسدس. كل منهما يحاول جذبه من الآخر. فكانت النتيجة رصاصة خرجت تشق طريقها وصوت وتر تصرخ مذعورة باسم:
"جبرااااان!"
***
"ده شيطان ودخل ما بينكم يا جماعة. في أي صلوا على النبي."
صوت طلق ناري شق الصرخات الغاضبة وصرخات النساء المذعورة. تليه صوت وهي تصرخ باسم جبران. سقطت أرضًا ترتجف تنظر للمسدس وهو يسقط من يد زياد أمامها. جبران يرتمي على أحد المقاعد تلطخ الدماء قميصه من رصاصة أصابت ذراعه الأيمن. توسعت عيني زياد ذعرًا ليندفع صوب جبران يصرخ فزعًا:
"مراد، مراد أنا آسف. يلا يلا هنروح مستشفى بسرعة."
حاول الاقتراب منه ليدفعه جبران بعيدًا بيده السليمة. تأوه متألمًا يحادثه محتدا:
"امشي يا حضرة الظابط. ما تقلقش مش هبلغ عنك. رد لجميل من جمايلك عليا."
قامت وتر سريعا اقتربت منه تلف ذراعه السليم حول رقبتها تحاول أن تجذبه من مقعده تغمغم صارخة:
"إنتوا لسه هتحكوا؟ قوم معايا بسرعة."
ابتسم وهي تحاول جذبه ليقف معها يستند عليها. وتر صاحبة الجسد النحيل استطاعت أن تقيم جسده أفضل من أخيه الواقف هناك. تحرك معها لأسفل ليلحق بهم زياد. أشار إلى سيارته يغمغم سريعا:
"طب هوصلكوا لأقرب مستشفى ومش هتشوفوا وشي. تعالي، ورحمة أبوك يا مراد ما ترفض. دمك هيتصفى."
نظر لوتر يومأ لها موافقًا ليسرع زياد يفتح لهم باب السيارة الخلفي. ساعدت وتر جبران على دخول السيارة لتجلس جواره. جسدها يرتجف رغما عنها. تكره أنها تبدو خائفة لأنها في حقيقة الأمر مذعورة لا فقط خائفة. حين رأته إلى ذلك المقعد والدماء تسيل من ذراعه دارت بها الدنيا. توقف كل شيء وكأن الكون نفسه توقف. تكرهه ولا ترغب في مسامحته. وكاد ذلك النابض الأحمق أن ينفجر خوفًا حين ظن أن مكروها أصابه. أجفلت تشعر بألم صفعة خفيفة على ذراعها العاري وصوته يغمغم حانقًا:
"نازلة بنص كوم يا بنت الذوات ليه؟ متجوزة خروف؟ حسابنا لما نروح يا بنت فتحية."
لم تندهش. ربما قبلًا كانت ستفعل. أما الآن فقط ابتسمت تشيح بوجهها بعيدًا حتى لا يرى ابتسامتها. أسرع زياد إلى أقرب مستشفى أوقف السيارة نزل منها سريعا يفتح الباب المجاور لجبران يساعده رغما عنه. توجهوا إلى الطوارئ لتقف زياد ووتر بالخارج. تتحرك الأخيرة ذهابًا وإيابًا تفرك يديها متوترة قلقة. في حين يستند زياد إلى الحائط يصدم رأسه فيه. كاد أن يقتل أخيه. لما؟ لأنه شعر بالغيرة منه!! الغضب أعمى بصيرته بشكل مخيف. تمكن منه شيطان نفسه. ظلًا هكذا لأكثر من ساعة. هو يكاد يقتل نفسه من الندم وهي على وشك أن تحترق من القلق. أخيرًا خرج الطبيب لتهرع وتر إليه تسأله فزعة:
"طمني يا دكتور، جبران كويس؟"
أومأ لها الطبيب مبتسمًا أزاح القناع من على وجهه يغمغم:
"الحمد لله. الرصاصة في الكتف بعيد عن أي منطقة حساسة. هو دلوقتي تحت تأثير البينج هيفضل لحد بليل تحت الملاحظة وبعدها يقدر يخرج. تقدروا تتطمنوا عليه."
ابتسمت تتنهد بارتياح. شكرت الطبيب تسرع لغرفته. دخلت الغرفة لتراه مستلقيًا على الفراش وكأنه فقط نائم. لا اختلاف سوى ذاك الشاش الذي يلف كتفه الأيمن. بحثت عن قميصه لتجد موضوعًا جانبًا. اقتربت من فراشه جلست جواره تمسك بأصابع يده السليمة. أدمعت عينيها تغمغم بحرقة:
"على فكرة أنا لسه بكرهك ولسه مش مسامحاك. ما تفتكرش إن اللي حصل ده هيغير حاجة. هو أنا يعني عشان قلبي المهزق ده كان هيقف من الخوف عليك ابقى سامحتك؟ لاء طبعًا. أنا عمري ما خليت قلبي يتحكم في قراراتي على فكرة. يعني أنا بردوا بكرهك."
مالت بجسدها تضع رأسها على ذراعه السليم. انسابت دموعها تخفي رأسها داخل صدره تغمغم متلعثمة بحرقة:
"أنا خايفة يا جبران. أنا فجأة دنيتي اتهدت. بابا كان أكتر شخص بحبه في الدنيا دي. اكتشفت إن أنا بالنسبة له كنت كارت يستخدمه وقت ما يحب. أنا بحاول إني كويسة بس أنا مش كده. أنا بنهار زي كل حاجة كانت حلوة في حياتي. ما تمشيش زيهم. حتى لو ما سامحتكش أفضل جنبي. مش عايزة أحس إني خايفة تاني. أرجوك."
"أنا جنبك صدقيني. لو اتهدت الدنيا كلها أنا عمري ما هسيبك يا بنت الذوات."
غمغمت هي بها كأنه هو من يقولها. لتمد يديها تسمح دموعها. رفعت وجهها إليه تهمس له:
"مش أنت كنت هتقولي كده بردوا؟"
سكتت تنظر لقسمات وجهه المسترخية. لتريح رأسها على صدره تضع ذراعه السليم عليها تسحب الغطاء تتدثر به معه تغمض عينيها.
في حين يقف زياد على باب الغرفة ينظر لهما معًا حزينًا نادمًا. أدمعت عينيه ينظر لكفي يده. خرج يجذب الباب يغلقه عليهم. يجلس خارجًا. حقًا لا يجد مبررًا لما فعل.
***
على صعيد آخر في سيارة بيجاد تخطو الطريق إلى حيث البداية. الكوخ الصغير المطل على البحر. ليعيد بناء كل شيء من نقطة الصفر. نظر بطرف عينيه إلى رُسل الجالسة جواره. عينيها شاردة في الفراغ. تنهد قلقًا وحدسه يخبره بأن رُسل لم تفقد ذاكرتها. وخاصة مع تقرير الطبيب أن لا سبب عضوي لذلك. نفى برأسه سريعا. ربما هو فقط يتوهم. مد يده يشبك أصابعها بكفها لتبتسم متوردة خجلًا. نظرت له بجانب عينيها لتخفض انظارها سريعا تهمس له خجلًا:
"بيجاد، ما ينفعش كده. سيب إيدي عشان تعرف تسوق."
قرب كفها من فمه يطبع قبلة صغيرة هناك. اتسعت ابتسامته يغمغم لها بشغف:
"بحبك يا رُسل. بحبك أوي. أنا بحمد ربنا كل لحظة إنك كويسة وبخير. عايزة تعرفي إحنا رايحين فين؟"
ابتسمت تومئ برأسها سريعا. ليشير بيده إلى منزل صغير بدأ يظهر على مرمى بصرهم أمامهم البحر مباشرة. يردف مبتسمًا:
"هنا. الكوخ ده أنتِ بتحبيه أوي. فقولت نقضي فترة النقاهة هنا. وبعدين نرجع لأن في كمية شغل على دماغي. اااه يا ما."
ضحكت رُسل على ما يفعل. توقفت السيارة بجوار الكوخ ليترك كف يدها. ما أن نزلت عانقتها رياح باردة تمتزج بنسيم أمواج البحر. سحرت عينيها بجمال المكان حولها. كانت هنا قبلاً تشعر بكل شيء. أما الآن تشعر وترى. ابتسمت تتنفس بتروٍ تحاول إدخال أكبر قدر من الهواء حولها إلى رئتيها. اقترب منها يمسك بكفها يسيران على الرمال إلى الكوخ. فتح لها الباب لتدلف أولاً. أضاء الإنارة لتبصر المكان حولها. ذاك المكان كانت هنا قبلاً تشعر بجزء منها يعرف ذلك المكان. وضع بيجاد الحقائب جانبًا ليقترب منها. التصق ظهرها بصدره ليحاوط ذراعيها بذراعيه يلثم وجنتها بقبلة صغيرة. يغمغم مبتسمًا:
"هنقضي هنا أحلى شهر عسل مع أحلى رُسل في الدنيا."
ابتسمت خجلًا تومئ له. لتشهق متفاجئة حين حملها بين ذراعيه. يتحرك نحو السلم الخشبي إلى الطابق العلوي. يغمزها يغمغم عابثًا:
"عندنا شوية مواضيع هامة لا تحتمل التأجيل أكثر من كده. وبعدين هننزل نتعشى ونتفسح. المهم دلوقتي ليا واحد صاحبي بيقول جملة حكمة هقولهالك."
جوادلف إلى غرفتهم ليدفع الباب بقدمه يوصده عليهم من الداخل.
***
هاتفه يدق مرة بعد أخرى ولا رد. فتحت عينيها متأففة من صوت رنين هاتفه المتكرر. رفعت يدها تفرك مقلتيها. نظرت للمكان حولها لتقطب جبينها قلقة. انتفضت سريعا حين أدركت أنها في غرفة حسن. لحظات قبل أن تتنهد بارتياح. لم يحدث شيء مما ظنت. انتهى حفلهم الصغير ليُصر على أن تنام بين أحضانه وهي لم تعترض إطلاقًا! نظرت للساعة لتراها تجاوزت الواحدة ظهرًا. مدت يدها صوب حسن توقظه:
"حسن يا حسن اصحى. الساعة عدت 1. أنت كده اتأخرت جدًا."
ارفع وجهه لها يفتح عينيه قليلًا. ابتسم لها ليضع الوسادة فوق رأسه يغمغم ناعسًا:
"ديتها جزا. سيبني بقى أكمل نوم. الواحد ما نامش بالعمق ده من زمان."
ضحكت يائسة على ما يقول. أمسكت بهاتفه تقرأ الاسم الموجود المضيء على سطح الشاشة (زياد). قطبت جبينها غاضبة لتغلق الخط. التفتت إلى حسن تردف محتدة:
"حسن، زياد بيتصل بيك ليه؟ بعد اللي عمله وما رضيش يساعدنا ليه يتصل بيك كمان؟"
أبعد الوسادة عن رأسه يعتدل جالسًا يتثأب ناعسًا قبل أن يبتسم لها. مسح بإبهامه على وجنتها بخفة يغمغم:
"لو زياد كان ساعدني كانت الخطة كلها هتبوظ يا أمل. لأن الموبايل كان متساب مخصوص عشان يعرفوا أنا هتصل بمين. الحل الأسهل إني أكلم جبران. بس أنا اتصلت بزياد وقولت له إننا مخطوفين عشان يوصل لجبران المعلومة. لو زياد كان اتدخل وأنا وهو أصلاً ما بننطقش بعض زي ما معروف كان اتشُك فيه وفيا وفب جبران والدنيا باظت تمامًا. فهمتي؟ هاتي بقى أرد عليه."
لوت شفتيها فهمت ولكنها غير راضية. أعطته الهاتف الذي عاد يدق من جديد. ما أن فتح حسن الخط وصل إليه صوت زياد وهو يغمغم محتدا:
"ساعة ونص بحاول أكلمك. تعالي لي بسرعة على مستشفى (.....) مراد تعبان."
انتفض حسن من فراشه يقبض على هاتفه بعنف يصرخ في زياد خائفًا:
"إنت بتقول إيه؟ أنا جاي حالا. مسافة السكة."
أغلق الخط ليهرول إلى المرحاض يصفع وجهه بالماء سريعا. لحقت به أمل تسأله قلقة:
"في إيه يا حسن؟ في مشكلة ولا إيه؟"
جذب منشفة خرج من المرحاض إلى دولاب ثيابه يبحث بينهم سريعا يغمغم متلعثما:
"جبران في المستشفى. أنا لازم أروح له حالا."
لم تنتظر هرولت هي الأخرى لتبدل ثيابها. يجب أن تكون بجوار وتر. وتر لم تتركها في أسوأ لحظاتها وعليها الآن أن تفعل المثل. لم يعترض حسن حين رآها تبدل ثيابها تلحق به لتذهب معه.
***
فتح عينيه لا يعرف كم من الوقت مر هنا ولكنه استيقظ الآن. أول ما جذب عينيه هو شعرها القصير. رأسه يستند على صدره! يدها التي تمسك بيده السليمة. ابتسم سعيدًا يشكر زياد في نفسه. ليته فعل ذلك قبلًا. مال برأسه قليلًا يطبع قبلة صغيرة على مقدمة رأسها. شعرت بها ففتحت عينيها فجأة. نظرت له للحظات تحاول أن تعي ما يحدث قبل أن تشهق تبتعد عنه. نزلت من الفراش توليه ظهرها حتى لا يرى وجهها المحترق خجلًا. حمحم تفرك يديها تغمغم متلعثمة:
"حمد لله على السلامة. أنا ما كانش قصدي أضايقك. أنا بس امبارح ما نمتش كويس فنمت من غير ما أقصد. هنادي الدكتور."
تحركت صوب الباب فتحته لترى زياد يجلس خارجًا. نظرت له مشمئزة من أعلى لأسفل لتشيح بوجهها بعيدًا عنه تغمغم على مضض:
"جبران فاق. ممكن زياد باشا يشوف الدكتور فين؟"
وقف زياد سريعا يومأ برأسه ليتحرك يسرع الخطى صوب مكتب الطبيب. أما هي فعادت للغرفة أغلقت الباب تجلس بعيدًا على مقعد يجاور الباب تنظر لكل ركن في الغرفة إلا هو. فابتسم عابثًا وضع يده السليمة على كتفه يتأوه بصوت تعمد جعله خفيضًا كأنه يريدها ألا تسمع إطلاقًا. رفعت عينيها إليها لتضطرب مقلتيها قلقًا حين رأته يتألم. ابتلعت لعابها تعلثمت تحاول ألا تبدو قلقة:
"إنت كويس؟ الدكتور جاي على العموم دقيقة وهيبقى هنا."
لم يرد. فقط تأوه تلك المرة بصوت أعلى عن سابقه لتنتفض من مكانها. تقدمت صوبه تزيح يده عن كتفه تنظر للشاش الأبيض قد يكون الجرح قد فُتح من جديد ولكن لا شيء الشاش نظيف. رفعت وجهها إليه تغمغم سريعا:
"حاسس بإيه طيب؟ الجرح تاعبك أوي كده؟ أنا هروح أشوف الدكتور."
تحركت خطوة لتغادر ليقبض على رسغها بيده السليمة. حين لفت وجهها إليه احتقنت عينيها غضبًا خاصة حين رأت نظراته المتسلية العابثة. لتدرك أنه فقط كان يخدعها!! حاولت سحب رسغها من يده بعنف تصيح فيه:
"سيب إيدي يا جبران وبطل شغل الأفلام الهندي ده. مش معنى إني قلقت عليك يبقى خلاص بحبك. أنا ما بحبكش."
جذبها بقوة لتشهق من عنف شدته لها. ارتطمت جبينها بجبينه. حاولت أن تتملص من بين يديه ليمسك رقبتها من الخلف بكف يده. تأوهات تصيح فيه:
"سيبني! إنت ماسكني كده ليه؟ إنت بتخانق بلطجي زيك في الحارة؟"
ابتسم يحرك مقدمة أنفه على أنفها يهمس لها بنبرة شغوفة محبة:
"أنا بحبك، بحبك أوي يا وتر. نفسي بس تسامحيني يا بنت الذوات."
أغمضت عينيها حتى لا تنظر لمقلتيه. نزعت نفسها من بين يديه تعود لمقعدها البعيد قبل أن يدخل الطبيب ومعه زياد. نظر جبران إلى زياد ساخرًا يحادثه:
"إيه يا حضرة الظابط؟ ما تقلقش. قولت لك مش هجيب اسمك. ده أنت أخويا مهما كان."
وقف زياد بعيدًا ينظر أرضًا. إلى أن أنهى الطبيب فحصه وجه حديثه لجبران يغمغم متعجبًا:
"إنت غريب أوي. فيه علامة رصاصة في كتفك التاني ودلوقتي مضروب رصاصة في كتفك ده. على العموم الوضع مستقر. تقدر تخرج لو حابب وأنا كتبت الأدوية بتاعتك مع زياد باشا. حمد لله على السلامة."
شكره جبران خرج الطبيب من الغرفة ليدخل بعده بلحظة حسن ومعه أمل. اقتربت أمل من وتر تعانقها. في حين تقدم حسن من جبران يغمغم قلقًا:
"جبران إنت عامل إيه دلوقتي؟ زياد اتصل ببا وبيقولي إنك في المستشفى. حصل إيه واللي في كتفك ده جرح ولا رصاصة ولا إيه بالظبط؟"
في حين على جانب آخر أمسكت أمل بيد وتر تخرج بها من الغرفة تهمس لها:
"والله كنت حاسة إني ممكن ألاقيكي بلبس البيت. جبت لك معايا فستان. تعالي نسأل أي ممرضة على أوضة فاضية تلبسيه فيها."
ابتسمت وتر تومئ لها. أوقفت أمل إحدى الممرضات تسألها عن غرفة فارغة لتشير لها الممرضة إلى غرفة قريبة منهم. دخلتها بصحبة وتر تخرج لها الفستان من حقيبة صغيرة في يدها. أعطته لها عند باب الغرفة:
"أنا هستناكي بره على ما تخلصي عشان ما حدش يفتح الباب عليكي."
ناولتها الفستان لتدخل وتر إلى الغرفة. وقفت أمل خارجًا تنظر شاردة إلى الحائط أمامها قبل أن يظهر حاجز أمامها. نظرت لمن وقف لتتسع عينيها. ما إيهاب هنا الآن؟ حمحمت تحاول أن تبدو هادئة:
"إيهاب، بص أنا عارف إنك متضايق وإن ده موقف سخيف جدًا. وأنا حقيقي آسفة على الموقف ده. إنت دكتور ناجح وشخص محترم وألف بنت تتمناك."
لم يدعها تكمل. رفع كفه أمام وجهها ابتسم حاقدًا يهمس لها:
"إنتِ فاكرة إن أنا كنت خاطبك عشان سواد عيونك بجد ولا إيه؟ ده أنا كنت هوريكِ الأمرين بعد الجواز. بسببك إنتِ اتأذت هي جوزها لواحد في الصعيد وبعدت بسببك. مش هتفرحي في حياتك وهي لأ. صبرك عليا يا أمل."
وغادر تركها تنظر له مقطبة الجبين قلقة لا تفهم حتى من يقصد بكلامه هذا.
في غرفة جبران، الصمت سائد بين ثلاثتهم. حسن وجبران يتبادلون أطراف الحديث بين حين وآخر وزياد على حاله دون حراك. قام حسن من مقعده حمحم يوجه حديثه لجبران:
"أنا هشوف أمل راحت فين."
وخرج من الغرفة يجذب الباب خلفه. وساد الصمت بين الجاني والمجني عليه. زفر جبران ساخرًا يوجه حديثه لزياد:
"إنت هتفضل باصص في الأرض كده كتير؟ إيه ما وراكش شغل يا باشا؟ ما تتفضل وتسيب أخوك الفاشل المؤذي في حاله."
رفع زياد وجهه في تلك اللحظة ليرى جبران عينيه الحمراء كالدماء. دموعه التي ارتكزت داخل مقلتيه. وما أن رفع وجهه انسابت على وجنتيه. اقترب من جبران يلقي برأسه على كتفه السليم ينتحب باكيًا كطفل صغير. ظل الأخير ثابتًا يحاول ألا يتعاطف معه ولكنه لم يستطع. رفع يده يربت على رأس شقيقه. زفر يتمتم بنبرة جافة:
"طب خلاص بطل عياط. إنت مش عيل صغير. خلاص يا ابني بقى."
تنهد جبران يعني لتلين نبرته قليلًا. مسح على رأس شقيقه يهمس له مترفقًا:
"خلاص يا زياد. كانت ساعة شيطان وراحت لحالها. وأنا الحمد لله كويس."
نفى زياد برأسه بعنف قبل أن يبتعد عن جبران ينظر أرضًا. غضت نبرته يغمغم مختنقًا:
"لا يا جبران دي غيرة مش ساعة شيطان. أنا غرت منك رغم كل اللي حصلك. أنا غرت لما لقيت حياة اتعلقت بيك وهي مش راضية حتى تتكلم معايا. غرت لأنك اتنفضت تضرب وليد عشان اللي عمله في حياة وأنا ما ضيعتهاش مني ورجعت له تاني. ويا عالم عمل فيها إيه. ما قدرتش أحميها يا مراد. حملتك أنت الغلط عشان أرضي ضميري بأنك السبب في اللي حصلها. وفي الآخر كنت هقتلك. أنا آسف والله آسف. صدقني مش هوريك وشي تاني أبدا. خد بالك من حياة."
أومأ جبران برأسه بالإيجاب ليمسح زياد دموعه تحرك للخارج. نظر لجبران يودعه فرأى الأخير ينظر بعيدًا. أخفض رأسه ظن للحظات أن شقيقه سيصيح باسمه يمنعه من المغادرة. إلا أن ذلك لم يحدث. خرج من الغرفة يجذب الباب خلفه ليتحرك مهرولًا خارج المستشفى.
***
بعيدًا في مكان آخر تجلس على كومة قش صغيرة على سطح البناية تنظر للشمس وهي تغرب تودعها بابتسامة صافية. تلوح لها وداعا. قامت تنفض الغبار عن ثيابها حين استمعت إلى صوت السيدة فاطمة تنادي عليها. أغلقت قفص الدجاج قبل أن تنزل لأسفل على سلم البيت الصغير. دخلت إلى المطبخ تغمغم مبتسمة:
"أيوه يا ماما فاطمة. كنت بقفل على الفراخ فوق السطح."
التفت فاطمة لها تنظر لها بحنان. وقلبها يعتصر ألمًا كلما رأت الفتاة الواقفة. لم تكن سوى طفلة نهشتها الحياة بقسوة. طفلة لم تكن تعرف أي شيء سوى ما زرعه ذلك الشيطان فيها. أما الآن فالطفلة تزهر بتروٍ تتفتح بتلاتها من جديد. ربتت فاطمة على كتفها برفق تردف:
"شيلي معايا الأكل عشان عمر ابن أخو الحج طاهر جاي عندنا النهاردة زمانه على وصول."
ابتسمت روزا تومئ برأسها تحمل الأطباق إلى غرفة الخارجية استراحة الضيوف كما يسمونها. تضعها على طاولة ذات أقدام قصيرة. تتحرك بخفة من المطبخ للغرفة. أخذت طبق الحساء توجهت للخارج تضعه على الطاولة حين سمعت حمحمة خشنة من الحج طاهر تليها صوته يرحب بضيفه:
"يارب يا ستار. خش يا عمر يا ابني هتتكسف في بيت عمك."
رفعت وجهها تنظر للقادم توا لتشخص عينيها فزعًا. شهقت بعنف تعود بأقدامها للخلف بحركة تلقائية. في حين احتلت نظرات عمر اقترب منها يصيح محتدا:
"إنت بتعملي إيه هنا يا بت إنتِ؟ مالك ومال الناس دول جاية توسخيهم ليه؟"
انهارت دموعها خوفًا تحرك رأسها تنفي ما يقول. خرجت فاطمة على صوت عمر الغاضب لتقترب من روزا تسحبها من بين يدي عمر تعاتبه بحدة:
"في إيه يا عمر إنت مالك ومالها دي ضيفة. بقى دي طريقة تعامل بيها البت الغلبانة؟"
شخصت عيني عمر في ذهول علت نبرة صوته يردف منفعلًا:
"غلبانة دي تعبانة. إنتوا ما تعرفوهاش. سيبيها يا حجة لو سمحتي دي مكانها التخشيبة. تحشيبة إيه دي مكانها مشنقة عشماوي."
صرخت روزا مذعورة بين أحضان فاطمة تتمسك بها. تحرك رأسها نفيًا بعنف لتربت فاطمة على ظهرها برفق تحاول أن تطمئنها:
"ما تخافيش يا بنتي مش هياخدك. ما تخافيش."
ليصرخ عمر من جديد مستنكرًا ما يحدث:
"إيييه؟ في إيييه؟ إنتوا فاكرينها ضحية بجد ولا إيه؟"
هنا انتفضت روزا من بين ذراعي فاطمة التفتت لعمر الذي ينظر لها متقززًا يرميها بنظرات اشمئزاز. لم تشعر سوى وهي تصرخ من أعماق روحها الممزقة دموعها لا تتوقف عن الانهمار:
"أيوه أنا ضحية. لما أفتح عيني في الدنيا على راجل مريض الكرباج ما بيسيبش إيده ابقى ضحية. لما يغتصبني وأنا لسه عيلة ما كملتش 17 سنة ابقى ضحية. لما كنت بجلد وبتعامل زي الحيوانات مع أقل غلطة. بقيت بخاف أغلط. بخاف حتى أتنفس. سنين وأنا ممنوع حتى أعيط زي أي بني آدمة. شوفت حاجات عمر ما عقلك هيستوعبها. أنا عشت مع الشيطان نفسه. أنت واقف بتتفرج على الصورة ومقرف منها إنما أنا اللي غرقت في الوحل. أنا مش هوسخهم والله. أنا ما صدقت حد يطبطب عليا. أنا عمري ما حد طبطب عليا. عمري ما عرفت يعني إيه حب، خوف، حنية. عايز تصدق أو لأ مش فارقة معايا. أنا عايزة أشوف بيجاد وبعدها ارميني في السجن أو وديني للمشنقة. أعمل اللي أنت عاوزه."
رواية جبران العشق الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم دينا جمال
رواية جبران العشق البارت الثالث والخمسون 53 بقلم دينا جمالرواية جبران العشق الفصل الثالث والخمسون 53اللي غرقت في الوحل أنا مش هوسخهم والله ، أنا ما صدقت حد يطبطب عليا ، أنا
عمري ما حد طبطب عليا عمري ما عرفت يعني ايه حب ، خوف ، حنية عايزة تصدق
أو لاء مش فارقة معايا ، أنا عايزة اشوف بيجاد وبعدها ارميني في السجن أو
وديني للمشنقة أعمل اللي أنت عاوزه