تحميل رواية «جواد ودهب» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جواد التهامي: قبل أن يفقد بصره كان قلبه متحجرًا، ولكنه يمتلك بعضًا من اللين لمن يستحقه، ولكن بعد ما حدث معه انتزع قلبه من داخل صدره ووضع مكانه حجرًا لا يلين. رغم استحالة عودته لسابق عهده إلا أن الله أرسل له طاقة نور، فهل سيراها ببصيرته أم أنه سيظل أعمى البصر والبصيرة؟ سنرى. دهب المنصوري: بريئة حد النقاء، لا تعلم أي شيء عن العالم الخارجي إلا قليلًا فقط. قضت سنوات عمرها السبعة عشر داخل جدران منزل أبيها الذي شيده ليكون حصنًا لها من مهالك الحياة. ماذا سيحدث لها حينما تجبرها الحياة على الخروج منه؟ سن...
رواية جواد ودهب الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فريدة الحلواني
بعد أن سألها بتمنٍ يشوبه الرجاء:
هل تخاف ابتعاده عنها؟ هل تريده جانبها؟ هل تتمناه كما ظل طيلة السنوات الماضية يحلم بها؟ هل اشتاقت لأيامه معها؟
نظرت له مطولًا وهي تبحث في ملامحه عن فارسها المغوار، الذي كان يدافع عنها ببسالة ويقف لأبويها بالمرصاد إذا ما فكر أحدهما أن يبكيها. هو الوحيد الذي ذاقت على يده معنى الحنان والأمان، أمانها الذي افتقدته بغيابه عنها.
تنهدت بعمق وقررت أن تزيح عن كاهلها كل ما عانته في بعده عنها. ستلقي همومها على كتفه، وهي كلها ثقة ويقين أنه سيحملها عنها، فهو جوادها.
دهب: عارف، أنا فاكرة كل حاجة حصلت زمان. مش اللي حصل منك لأ، اللي كنت بتعمله معايا. حنيتك عليا اللي عوضتني عن قسوة أمي وسلبية أبويا معاها. اهتمامك بيا وكل حاجة كنت بطلبها منك بتجبلي منها كتير. رجوعك من الكلية يوم إجازتك، كنت تجيلي أنا الأول تطمن عليا قبل ما تروح السرايا حتى عشان تسلم على أهلك أو تغير لبسك وترتاح من السفر. كنت أجمل حاجة في حياة طفلة مالهاش حد غيرك. كنت بتلعب معايا كأنك من سني. كنت معوضاني عن حياة كاملة كان نفسي أعيشها. أنا مزعلتش منك أبدًا يوم اللي حصل. كنت صغيرة بس كنت حاسة إنك موجوع وبتحارب روحك عشان متأذنيش. دمعتك اللي نزلت على كتفي لحد دلوقت حاسة بيها. كانت زي النار حرقت جلدي وعلمت فيه. كنت مخلي حياتي وردية يا جواد.
شهقت بقوة وأكملت: لما كانوا بيزعلوني وأنت مسافر أو ماما تضربني، كنت أعيط شوية صغننة بعدين أمسح دموعي بسرعة وأقول: "مش هعيط دلوقت، لما يرجع جواد هشتكيلوا وأعيط براحتي عشان هو الوحيد اللي هيمسح دموعي."
بكت بقوة وهي تقول: أكتر حاجة قهرتني إنها حرقت كل العرائس والألعاب اللي كنت جايبها لي. مسابتش أي حاجة منهم. حسيت إن قلبي هو اللي اتحرق وأنا شايفة النار بتاكل كل حاجة بحبها. كانت عايزاني أنساك، بس في نفس الوقت بتفكرني وبتهددني بالوحش اللي أنت عملته. طب هو معقول يكون حد كويس معايا ديما وبمجرد ما يعمل حاجة واحدة بس وحشة نبعد عنه ونكرهه؟ مبطلتش تضربني غير بعد ما قعدت من المدرسة، وكانت ديما تهددني لو قولت لبابا إنها ضربتني هتقوله على اللي أنت عملته زمان. أنا بنتها الوحيدة، ليه تعمل فيا كل ده؟ من يوم ما أنت خطبتني وهي بتبصلي بكره. حتى الحاجة اللي أنت اشتريتها لي، مخلتنيش أشوفها. فضلت هي وخالتي زينب يرصوها في الدولاب وطلعت لي الفستان ده بس. بس خالتي عجبها الشنط والجزم، هما اللي شوفتهم.
عارف، أنا متأكدة إن أول ما هنرجع البيت هتهددني لو مسبتكش هتقول لبابا على اللي حصل زمان.
شهقت بقهر وأكملت: عارف، أنا عارفة المكان ده بتاعك، فاكراه من وأنا صغيرة. لما روحت هناك من فترة أول مرة بعد ما كبرت، كنت محتجالك أوي يا جواد. جازفت وروحت هناك بالليل عشان بس أكون في مكان أنا واثقة إن مفيش حد بيدخله غيرك. كنت بشم ريحتك فيه. قعدت تحت الشجرة بتاعتنا وأنا حاسة إني مسنودة عليك أنت مش على جزع الشجرة. اطمنت وادّفيت، وحسيت بشوية أمان كنت هموت وأحس بيهم. قعدت أكتر من ساعتين أتنفس جامد وأشم كل نسمة هوا في المكان، يمكن فيهم نفس خرج منك أنت. لما شوفتني هناك عرفتك على طول. كان نفسي أترمي في حضنك وأقولك: "أتأخرت على دهبك ليه؟ سيبت دهبك ليه يا جواد؟" بس كنت خايفة. خوفت تعرفني وتزعل مني عشان خرجت بالليل. خوفت في لحظة غضب تقول لبابا، بس كانت حاجة جوايا بتقولي: "لاااااا جواد عمره ما يعمل حاجة تأذيكي."
لما ركبت معاك على الحصان، ولما مدت لي إيدك، ولما اتعلقت في رقبتك، كنت بسحب كل نفس بيخرج منك، أدخله جوايا، عشان أطمن إنك بجد جواد. حسيت إني طايرة من الفرح اللي محستش بيه من بعدك. بس زعلت عشان معرفتنيش، وزعقت لي عشان اتعلقت في رقبتك. بس برضه فرحت إنك جيت عندنا تاني يوم. خوفت شوية إنك هتفتن عليا، بس جوايا إحساس إنك جاي عشاني أنااااا، جاي ترجع دهبك اللي اتسرقت منك. مش عارفة ليه حسيت بكده، بس كنت مبسوطة، وبس.
صمت مهيب حل على المكان ولا يسمع فيه غير أصوات تنفسهم العالي. وصغيرتنا تنظر له في انتظار رده على كل حرف تفوهت به.
بعد فترة، أخذ يمسح على وجنتيها الناعمة بحنان وهو يتمنى أن يراها بعينه، ولكن قلبه يراها ويحفظ ملامحها عن ظهر قلب. ولِمَ لا وهي ابنة قلبه المتيم بها، قلبه الذي ذاق مرارة الفقد، واحترق بنار شوقه لها.
أخرج هاتفه من جيبه وضغط على زر ثم قال: بابا.
أتاه الرد من أبيه فقال له بهدوء وصوت حزين استشفه أبيه بسهولة: بابا لو سمحت حاول تأخر رجعتك للسرايا أنت وعمي محمد شوية.
ابتعد أبيه عن محمد ومن معه ثم قال بقلق: في حاجة حصلت يا ابني؟ مالك صوتك زعلان.
زفر جواد بهم وقال برجاء لأول مرة: أرجوك يا بابا، أنا مش قادر أتكلم دلوقت بس محتاج تعمل اللي طلبته منك، أرجوك.
عبيد: حاضر يا ابني هعطله شوية ومش هرجع بيه غير لما ترن عليا.
جواد بامتنان: شكرًا، سلام.
ترك الهاتف بجواره بعد أن أغلقه نهائيًا حتى لا يقاطعه أحد وهو يتحدث معها.
أمسك كفها وقبله بعشق ثم قال: أنا بقالي سنين مستني اللحظة دي، اللحظة اللي هقعد معاكي وأحكيلك كل اللي حصل، وأفكرك بيا، أفكرك بجواد اللي رباكي على إيده، ومكنش يهمه حد في الدنيا غيرك. كل حاجة في دنيتي كانت بتيجي من بعدك يا ذهبي. أول ما حسيت إن مشدود لِك لومت نفسي، بس قولت: "وليه لأ يا جواد، البنات بتكبر بسرعة كلها كام سنة وتبقى أحلى عروسة، وتبقى ليك، خليك جنبها وحافظ عليها لحد ما ييجي اليوم ده." اهتميت بيكي كأنك بنتي، كنت بحكيلك حاجات محدش يعرفها عني، كأنك صحبتي. بس بيني وبين نفسي كنت بقولك بحبك، وأنا بتخيلك بنوته زي القمر. أمك كانت كارهة وجودي في حياتك بس مهتمتش. يوم اللي حصل كنت لسه راجع من السفر، دخلت البلد وأنا ناوي أجيلك زي ما اتعودنا. بس لقيت أحمد ابن عمي مستنيني عند مدخل العزبة وصمم ياخدني معاه حنة الواد سعيد، وجابها لي من ناحية إنه هيفرح إن جواد بيه حضر حنته، قالي نص ساعة وأمشي. فعلًا روحت معاه قولت هبارك لسعيد وأقعد عشر دقايق وأجيلك جري. جابلي قهوة أنا طلبتها منه، بس بعد ما شربتها حسيت بحاجة غريبة. محبيتش أقعد، أول ما طلعت من عنده وسيبت أحمد لقيت أمك بتتصل بيا تقولي: "دهب قاعدة في الجنينة مستنياك وزعلانة عشان فاكراك مش جاي." استغربت أوي وقتها، إذ كان هي مش بطقني ولما بجيلك بيبقى هاين عليها تطردني. بس قولت أكيد أنتي زعلانة وصعبتي عليها. على ما وصلت عندك كان في حالة غريبة فيا وهلاوس بتروح وتيجي قدام عيني. أول ما شوفتك حسيت إنك كبيرة، مش العيلة الصغيرة اللي أعرفها. جريت عليكي وحضنتك جااامد. وقتها بس عرفت إن حد حطلي حاجة في القهوة لأني لما حضنتك مكنش حضن بريء، كنت عايزك، عايز حبيبتي اللي شايفها قدامي شابة جميلة. بقيت أحضنك جامد وأنا بعافر عشان أبعد ومقربش. مكنتش هقدر أئذيكي، بس كنت تعبان من جوايا. وقت ما نزلت دمعتي على كتفك كنت بحارب نفسي، ولا قادر أنزلك وأمشي ولا هقدر أعمل فيكي اللي عقلي بيصورهولي. بمجرد ما بوستك في خدك وأنا ناوي إني أمشي، لقيت أمك جاية علينا وهي قايدة نار وبتقولي: "أنت بتعمل إيه في البت؟ أنت طلعت بتاع عيال؟" وكلام كتير، كله غلط وإهانة مش حابب أكرره. ضربتك بالقلم قدامي وأنا مشلول، ديابة بتنهش في لحمي، وعقلي تقريبًا غايب عن وعيه. لولا إني مدرب على أقسى درجات ضبط النفس أنا كنت هغتصبك يا دهب، بس حبي ليكي منعني حتى إني ألمسك.
سيبتها تشتم وتهدد ومشيت. مقدرتش أرجع السرايا، روحت مكاني وأنا بضرب دماغي في الشجرة عشان الوجع اللي فيها. رميت نفسي في الترعة عشان جسمي يهدي، وطلعت من الميه نمت مكاني محستش بنفسي غير وفارس بيصحيني وبيقولي: "أمك قالبة الدنيا عليك."
ابتسم بهم وأكمل: رجعت السرايا وأنا مش شايف قدامي وجسمي سخن وحرارتي ارتفعت، كنت بترعش. بس أمي لأول مرة متهتمش بكل ده، أول ما شافتني ضربتني بالقلم وقالتلي: "عايز تغتصب دهب! العيلة أم عشر سنين هانت عليك؟ الحمد لله إن أمها لحقتك قبل ما تضيع البت." قبل ما تكمل كنت وقعت مغمى عليا. نقلوني المستشفى وطلع عندي حمى بس مهمنيش تعبي وطلبت من الدكتور ياخد مني عينة دم ويعمل تحليل شامل. كان كل همي إني أثبت براءتي من التهمة دي، مع إني ملمستكيش. بس أمك بقى كبرت الموضوع على الآخر. نتيجة التحاليل طلعت تاني يوم والدكتور اكتشف إني كنت أخدت منشط جنسي قوي مع برشام هلوسة. أمي وقتها عرفت إني بريء وإنها ظلمتني لما صدقت كلام أمك وعملت معايا كل ده من غير ما تسمع مني. طلعت من المستشفى على القاهرة ومنها سافرت السودان من غير ما أودع أهلي. أنا اللي طلبت من القائد بتاعي إني أسافر. قعدت هناك سنة، مشوفتش أهلي، مشوفتكيش، وآخر ذكرى خدتها معايا وأنا مسافر إن كان ممكن أضيعك. قررت إني أبعد على طول، بس مقدرتش، والله ما قدرت. بعد ما رجعت مفتحتش الموضوع مع أمي ولا فارس، واتعاملت عادي. بس غصب عني لقيتني بسأل على أخبارك. كنت باجي في نص الليل أستخبى في الزرع عشان بس أشوفك من بعيد وأنتِ قاعدة في البلكونة. سنة ورا التانية وعشقك بيكبر جوايا وأنا شايفك بتكبري يوم بعد يوم. خوفت حد ياخدك. بقيت من غير ما أظهر في الصورة بطفش كل العرسان اللي كانوا بيتقدمولك من وأنتِ في تالتة إعدادي. وبعد اللي حصل لرضوى وأبوكي قعدك، الناس بدأت تنسى إنك موجودة بس برضه كان في شباب عايزين يتقدمولك، بعدتهم عن طريقك بشكل عمرك ما هتتخيليه. وأبوكي فكر إن محدش بقى يتقدملك بسبب اللي حصل لبنت عمك. كبرتِ سنة ورا سنة وبقيتي تسمعي أغاني نجاة. أكتر حاجة بتحبيها ليها عيون القلب والطير المهاجر. كان قلبي بينزف دم لما ألمحك من بعيد وأنتِ بتتنهدي لما تسمعيها بتقول: "وبعتنا مع الطير المهاجر سلام وعتاب، ليه غبت عنا يا نور عيونا وحكايتك إيه؟" ببقى عايز أصرخ وأقولك: "أنا جنبك مبعدتش." بس كنت بخاف عليكي مني. اتجوزت وخلفت عشان أنساكي مقدرتش، بقيتي بتجري في دمي يا ذهبي. امتلكتِ من قلبي وروحي. لما حصلت الحادثة واتعميت، حسيت بالقهر، معقول مش هشوفك تاني؟ يئست، وقولت كده خلاص، خلصت الحكاية اللي مبتدتش م الأساس. أقولك اتعذبت قد إيه؟ أقولك جواااد بكى كام مرة؟ أقولك فكرت في إيه عشان أوصلك؟ كنت بحب فيكي وأتخانق معاكي، وأصالحك، كل ده بيني وبين نفسي يا دهب. جواد بقى مجنون بيكي.
مزق قميصه لتتناثر أزراره حولها وسط شهقاتها، وحينما خلعه عنه أمسك يدها ووضعها فوق خافقه وهو يمررها عليه ويقول بجنون عاشق أضناه الفراق: فتحي عينك وشوفي وشم اسمك على قلبي يا دهب. برغم إني عارف الوشم حرام، بس ذنب عشقك مش عايز أتوب منه، ولا حابب أتوب. أنا حبيت عذاب عشقك يا دهب. مراتي ماتت، وأمي بتزن عليا أتجوز عشان تشوفلي ولد يشيل اسمي، وأنا برفض. خلاص عملتها مرة في لحظة يأس بس اكتشفت إني اتعذبت أكتر، ههههه، لأني حسيت إني بخونك مع مراتي يا دهب. قولت لنفسي هتتحمل عذاب بعدها عنك، ولا اشتياقك ليها، ولا إنك بتلمس غيرها، ولا ولا ولا، كتيييير يا دهب. حلفت ما هكون لغيرك لو عشت بقيت عمري عازب ولوحدي. لحد ما أمي عملت تمثيلية خايبة إنها تعبانة وكده ولازم أتجوز هههههه. كنت ناوي أعترض وأسيب لها السرايا زي كل مرة شهر ولا اتنين. بس مش عارف ليه المرة دي حسيت قلبي بيدق جامد، وعقلي بيقولي أصبر وشوف العروسة مين.
كل حاجة جوايا اتجمدت وقت ما قالت اسمك بعد ما سألتها مين العروسة. لحظة الدنيا لفت بيا. بس السنين اللي فاتت علمتني القسوة والجحود. قلبي بقى مكانه حجر. فوقت بسرعة وعملت نفسي معترض وكده، وكأن جوايا اتنين، واحد بيعترض، وواحد طاير من الفرحة. هههه حتى لما قعدت مع نفسي بقيت بقنع نفسي بيكي وكأنك مش حبيبتي اللي شوفت ده كله عشانها وبسببها.
يوم كتب كتابنا مكنش المفروض ألمسك، بس كنت هموت لو ملمستكيش. كنت عايز قلبي يصدق إنه لقاكي يا ذهبي. ضعت وتوهت واتعذبت واتوجعت في بعدك، كنت عايز أصالح قلبي اللي مات من بعدك. كنت عايزه يحس بيكي وأنتِ بين إيديا، مراااتي، حلالي.
الكل عارف إنك معايا. لما لمست شفايفك بس اطمنت إنك بجد، مش حلم مالي كنت ديما أحلمه بيكي ومعاكي. هههه اتصدمت لما اتهمتيني بالتحرش، بس قولت: "والله لو قولتي إني مغتصب مش متحرش بس مش هسيبك."
تاني يوم جيتلك ونطيت من البلكونة زي أي عيل مراهق، بس غصب عني. مش قادر أصدق إنك بقيتي ليا يا ذهبي. قلبي اللي كان ميت رجعت له الحياة تاني على إيدك. بقيت مش قادر أبعد عنك، مش متحمل اليومين اللي فاضلين على الفرح.
كوب وجهها وأكمل بنبرة تقطر عشقًا: هموووت عليكي يا ذهبي.
دهب، أين دهب الآن؟ عقلها الصغير لا يحتمل كل تلك الحقائق، وقلبها البريء لن يتحمل كل تلك المشاعر التي لم ولن تتخيلها في أقصى أحلامها. كره عماه في تلك اللحظة كثيرًا، كان يتمنى أن يرى ملامحها وهو يعترف لها بكل ما يجيش داخل صدره.
نطقت بهمس من بين بكائها: كل ده عشاني؟ كل ده عيشته بسببي؟ أنت قولتلي بحبك يا ذهبي.
قبلها، قبلها، قبلها، بنهم، بجوع، بوجع، باشتياق.
بتأكيد، وأخيرًا الكثييير من العشق.
ثم فصلها وقال: مش لاقي كلام يوصف اللي حاسس بيه.
أمسك كفها واضعًا إياه فوق خافقه الذي كاد أن يقفز خارج صدره وقال بهدوء ينافي حربه الداخلية: حطي إيدك على قلبي، شوفي بيدق إزاي. هاين عليه يخرج من مكانه ويدخل جواكي، يمكن وقتها تقدري تحسي باللي شايله ليكي طول السنين دي كلها.
وضع كفه فوق صدرها هو الآخر وأكمل: كنت بتخيل إني هبقى عايز أسمع منك كلمة بحبك يا جواد، بس صدقيني لو قولتلك إن نبض قلبك وصلي أحلى من ميت كلمة حب. نفسك اللي بتحاولي تكتميه أحلى من أي أغنية ممكن أسمعها وأهدي لك كلامها.
مال عليها برفق ثم ألصق شفتيه بخاصتها دون تقبيل وهو يقول بهمس مليء بالمشاعر: بعشقك يا ذهبي، بموووت في التراب اللي بتمشي عليه. لا شوفت ولا هشوف ولا عايز أشوف غيرك. عايز أسمع منك كلمة واحدة، كلمة واحدة بس هتداوي كل جروحي ووجعي في بعدك.
سحب نفسها الخارج منها وأكمل بتمني: عايزاني يا دهب؟
لم تجب ولكن قلبها الذي تسارعت دقاته تحت يده أكثر أجاب عنها، ولكن هذا الجواد العاشق لم يكتفِ، يريد أن يسمعها من ثغرها قبل أن يلتهمه. حينما طال صمتها قال برجاء: أنا مطلبتش منك تقولي بحبك، لأنها متطلبش، بس أسمع منك كلمة عايزك. قولي إنك عايزاني يا دهب وأنا ههد الدنيا عشان خاطرك، هكون ليكي أكتر ما كنت، وهعوضك عن أي حاجة وحشة شوفتيها وأنا بعيد عنك. ريحي قلبي، يا بنت قلبي.
همست له وهي تلامس شفاه: بتمناك، يا جواد.
آه، هكذا تأوه بفرح، بعشق، بوجع.
بدموع حبيسة تأبى الظهور، لن يقبلها، لن يلمسها اليوم. اليوم فقط حبيبته ستسكن أحضانه، يبثها الأمان الذي تحتاجه، يؤكد لها وجوده مجددًا في حياتها، يطمئنها ويدفيها بحنانه. وبعد ذلك يعلمها فنون عشق الجواد وينهال منها كل ما حرمه على حاله طيلة سبع سنوات عجاف.
أبعد وجهه عنها ثم ضمها برقة قاسية، ملس على شعرها وهو يقول بأجمل ابتسامة ظهرت يومًا على محياه: شعرك طول يا ديبو.
ابتسمت وهزت رأسها له. ظلت تسحب رائحته مع تنفسها وكأنها مدمنة وها قد وجدت جرعتها. أما هو فقد انفصل عن العالم أجمع في تلك اللحظة الحالمة. صمتت الألسنة ولكن للقلوب رأي آخر.
بالأسفل كان الوضع مغاير تمامًا. فقد كانت تلك الجاحدة تزرع الأرض ذهابًا وإيابًا وهي تكاد تجن. لا هي استطاعت أن تأخذ ابنتها وترحل، ولا هي قادرة على الاتصال بزوجها الذي تأخر كثيرًا نظرًا لهاتفها المغلق ولم يتم شحنه حتى الآن، والكل يجلس بسكون بعد أن حاولوا معها كثيرًا ولم تستمع لأحد.
أما إيمان، فكانت تجلس وكأن أسفلها جمر من نار وهي تنظر لتلك الحقيرة وهي تتخيل أنها تفصل عنقها عن جسدها. تذكرت كيف حرمتها من ولدها الغالي لمدة عام لم تره فيه. كيف مدت يدها عليه لأول مرة في حياتها. لن تنسى نظرته لها قبل أن يفقد وعيه إلى الآن، ولن تنساها إلى الممات. شردت فيما حدث يومها وما جعلها تفعل ذلك.
فلاش باااااااك
وقفت إيمان تتابع العاملات وهن يرتبن السرايا بعد خروج الرجال إلى عملهم بقلب منقبض بعدما اكتشفت صباحًا أن جواد لم يبيت في جناحه الليلة الماضية، وكل محاولاتها للوصول إليه باءت بالفشل بعدما حاولت الاتصال به وهاتفه مغلق.
وجدت توحيدة تدخل عليها بوجهها المتجهم جعلها تنقبض أكثر.
دون أن تلقي التحية كما اعتادت وقفت قبالتها وقالت: عايزاكي في كلمتين يا حاجة.
إيمان: طب قولي صباح الخير الأول، مالك يا توحة؟
توحيدة: لو سمحتي مش عايزة أتكلم قدام حد.
نظرت لها إيمان بذهول من أسلوبها الفظ وكأنها تنوي العراك. تقدمت تجاه غرفة المكتب وهي تقول بغضب مكتوم: تعالي يا أم دهب ندخل المكتب.
بمجرد أن دلفا سويًا وأغلقت الباب خلفها وجدتها تقول بهجوم: لو جواااد مبعدش عن بنتي أنا هفضحوا ساااامعة.
اشتعل رأس إيمان غضبًا وقالت بمدافعة: أنتِ اتجننتي؟ إزاي تتكلمي كده على ابني وفضيحة إيه اللي بتهددي بيها يا توحيدة؟
ردت بخبث غاضب وقد أتقنت دورها ببراعة وساعدها في تعزيز موقفها دموع التماسيح التي انهمرت كالشلال: ابنك كان هيغتصب دهب إمبارح بالليل يا حاااااجه.
بهت وجه تلك المسكينة وقالت بتيه: أنتِ بتقولي إيه؟ استحالة.
توحيدة: أقسم لك بالله وحياااة بنتي اللي محلتيش غيرها إن ابنك كان هيضيعها، ده اللي حصل. كانت بتلعب في الجنينة ولما لقيتها اتأخرت طلعت أبص عليها لقيت ابنك قاطع فستانها ونازل فيها بوس، والبت مقطعة نفسها م العياط بس كان كاتم بوقها عشان محدش يسمعها.
شهقت بقوة وجلست على أقرب مقعد وكأنها لم تستطع الوقوف أكثر: جريت عليها عشان أخلصها منه، والحمد لله لحقته قبل ما، أنتِ فاهمة بقى. وبرغم إن أي واحدة مكاني كانت صوتت ولمت عليه الدنيا، بس أنا ربنا ألهمني الصبر وأول حاجة جات في بالي العشرة اللي بينا وأنتِ والحاج عبيد متستاهلوش الفضيحة دي.
إيمان بصدمة: جواااد، مش ممكن ده، روحه فيها، استحالة.
وقفت توحيدة وقالت قبل مغادرتها: هو ابنك بات في البيت انهارده يا حاجة مع إنه وصل إمبارح من قبل صلاة العشا؟ اعتبريها بنتك وخدي حقها، وأنا مش هجيب سيرة لمحمد وهقفل الموضوع نهائي بيني وبينك، بس بشرط جواد يقطع رجله من عندي ويبعد عن بنتي نهائي.
فقط ألقت عليها نظرة أخيرة لترى تأثير ما فعلته عليها، ثم غادرت بهدوء ينافي الحريق الذي أشعلته توًا.
توقف عقل إيمان عن العمل لعدم قدرتها على تخيل ما حدث. اشتعلت غضبًا وقد غفلت عن أن ولدها تربية يدها لا يفعلها أبدًا. سحبت الهاتف من جيبها وطلبت رقم فارس وحينما رد عليها قالت بغضب جم: جوااااد فين؟
فارس: في إيه يا ماما؟
إيمان بأمر: تقب وتغطس وتجيبهولي من تحت الأرض سااااامع، أنا هستناكم في جناحه يلااااا.
أغلقت الهاتف في وجه ابنها وصعدت إلى الأعلى تنتظره على أحر من الجمر. أما فارس فشعر أن الأمر جلل فتحرك فورًا تجاه مكان أخيه الخاص فهو طالما مختفٍ إذا فهو هناك، وقد صدق حدسه. وجد أخيه ممددًا فوق الأرض يغط في نوم عميق ولكن بحالة مزرية. أفاقه سريعًا ودون أن يسأل عن تلك الحالة من كثرة رنين هاتفه برقم أمه. أما جواد فكان رأسه يدور مما جعله يتحرك معه دون ممانعة.
بمجرد أن دخل جناحه هو وأخيه وجد أمه تصفعه على وجنته بقوة لأول مرة وهي تصرخ به بجنون: كنت هتغتصب عيلة يا حقييييير؟ هي دي آخرة تربـ...
قبل أن تكمل وجدت والدها يقع أرضًا فاقد الوعي.
صرخت بجزع وحمله فارس فوق كتفه بخوف وأخذه إلى أقرب مشفى.
وبعدما ظهر التحليل الذي صمم على إجرائه، لم يعاتب أمه ولم يدافع عن نفسه، بل ظل يومان محجوزًا داخل المشفى وبعدها سافر دون أن يودع أحدًا. ولكنه قص لأخيه ما حدث.
وما شفى غليلها قليلًا هو فارس ومصطفى فقد افتعلا شجارًا مع ذلك الحقير وقاموا بضربه ضربًا مبرحًا حتى كسر ساقه دون التطرق لما فعله بناءً على رغبة جواد قبيل سفره.
ومن بعدها تفاجأت أن توحيدة تتعامل معها بطريقة طبيعية وكأن شيئًا لم يحدث.
بااااااااك
فاقت من شرودها على رنين هاتف هدى وما كان غير جواد يقول لها: هدى هاتيلي فستان من عندك لدهب.
تحكمت في صدمتها بصعوبة حتى لا تثير غضب توحيدة أكثر ثم قالت: حاضر يا جواد ثواني وهكون عندك.
توحيدة بجنون: عمل إاااايه في البت؟ أنتوووو حابسني هنااااا وهو زمانه اغتصبها.
توحيييييييده، هكذا صرخت بها إيمان بعدما فاض بها الكيل. تصنمت مكانها تنتظر الآتي فهي تعلم تلك السيدة جيدًا إذا ما غضبت تحرق الأخضر واليابس.
أكملت إيمان بتحذير قوي وكلمات ذات مغزى لن يفهمها غيرهم: كفاااايه لحد كده، أنتِ واثقة ومتأكدة إن عمره ما هيعملها حاجة. لو مش عشان خاطرها،
نظرت داخل عيناها بقوة وأكملت بمغزى: عشان ابني ميقدرش يخون أبوها اللي مأمنه عليها وعايز يفرح بشرفها يوم صبحيتها. اعقلي بقى واقفلي الكلام لحد هنا. الرجالة زمانها على وصول ومش عايزة حد يحس بحاجة ساااامعة.
جلست مكانها ببهوت بعد ما وصلتها الرسالة المبطنة التي قصدتها بين حديثها الغامض.
طرقت هدى الباب بخجل وانتظرت أن يأذن لها بالدخول.
أما هو فقد كان يجلس مع صغيرته كما كانا منذ فترة إلى أن شعر بهدوئها فقام بفتح هاتفه مرة أخرى ليطلب من زوجة أخيه أن تأتي لها بثياب بدل التي مزقها في لحظة جنون.
حينما سمع طرق الباب قال: ثواني يا هدى.
قبل رأس تلك المستكينة بأحضانه ثم قال برفق وهو يحملها ليجلسها بجانبه: ثواني حبيبي وراجعلك.
تحرك نحو الباب وقام بفتحه، وبمجرد أن رأته هدى بجزعه العلوي عاري نظرت له بعتاب أخت فقال لها بهدوء حزين: محصلش حاجة.
هي تعرف أنه لا يكذب أبدًا فابتسمت له وقالت: لو احتجت أي حاجة رن عليا.
فقط تركته بعدما أعطته ما بيدها وهبطت للأسفل سريعًا.
أما هو فعاد إلى صغيرته التي تجلس باستكانة ولأول مرة لا يهمها ما حدث ولا ما سيحدث فيما بعد، فقد وقف عقلها عند اعتراف جوادها بما حدث وبما يكنه لها من مشاعر. أصبح عقلها فارغًا إلا من كلماته التي داوت جروح سنين عاشت فيهم مهمشة مع الكثير من الألم والوحدة القاتلة.
جلس على عقبيه أمامها ثم ترك ما بيده ليمسك كفها ويقبله برقة ويقول: غيري هدومك يا ديبو عشان عايز أتكلم معاكي شوية.
أكمل بمزاح وقح: أنا آه صحيح أعمى بس إن أتخيل شكلك كده كفيل إني آكلك، وأنا الصراحة هموووت وأعملها.
صرخت به بخجل كعادتها: جوااااااد.
جواد، مجددًا، وبتلك الطريقة المغوية. جوادك ليس براهب صغيرتي. هكذا حدث حاله قبل أن يمد يده ليحتضنها ويهديها قبلة راغبة في كل إنش فيها. أما يده فقد عرفت طريقها إلى نهديها الظاهران بسخاء بعدما شق ثيابها. لم تعترض ولم تخاف، بل تركت مشاعرها تتحرك بحرية معه وكأنها ريشة في مهب ريح عشقه التي حولت قلبها لقارب بشراع يتحرك مع ريحه كيفما شاء، ولا يهم إلى أي شاطئ سترسي عليه طالما هو معها لن يهمها شيء ولن تشغل بالها بأي شخص في الكون. هو فقط من يستحق اهتمامها، بعدما أهداها اهتمامه طيلة عمرها حتى في غيابه.
قد اكتشفت الآن سر زيارات دلال المتكررة لها واستغلال ذهاب أمها لتحضر لها الضيافة حتى تسألها سريعًا عن حالها أو تعطيها أسطوانة عليها مجموعة أغاني لمطربتها المفضلة. كل هذا من تخطيطه هو.
عادت إلى أرض واقعها الذي أصبح وردي، كما تعتقد، على يده التي تتحسس أنوثتها برغبة جامحة وهو يوزع قبلاته المحمومة فوق جيدها ومقدمة صدرها. شعرت بالإثارة وتنفسها بدأ يعلو إلى أن وجدته يقف أمامها ويميل عليها ليرفعها من خصرها لافًا ساقيها حول خاصته ثم تحرك بها تجاه الحائط ليسندها عليه. تاه عقله وغفل عن الوقت الذي يمر بهم والجميع في انتظاره. قلبه يشتاقها، يحتاجها، يريدها حد الجنون. ولكن، جواد، تعقل قليلًا، ليس اليوم. اليوم خصيصًا لا يجب عليك لمسها بعد كل تلك الاعترافات، اجعلها تتذكر أحضانك الحانية فقط بعد اعترافك لها، ليس وقت الجنس أو الرغبة الآن، لا يجب أن تفعلها الآن. أفيق أيها الأحمق.
ابتعد فجأة بعد صراخ عقله بتلك التنبيهات الهامة. أسند جبهته على خاصتها وهو يتنفس بلهاث. تحدث بصعوبة وبصوت متحشرج: بحبك يا ذهبي، وعايزك أوووي. بس مش دلوقت ومش انهارده. عايز كل اللي تفتكريه في اليوم ده، كلمة بحبك اللي خرجت من قلبي، ورجوعك لحضني. حصن أمانك رجعلك يا دهب.
لفت ذراعيها حول عنقه ودفنت رأسها في تجويفه ثم قالت: في كل الأحوال مش بفتكرلك غير الحلو، يا جواد.
داخلها أضافت ياء الملكية فأصبح: جوادي.
ضمها بحب وتحرك بها تجاه المرحاض ثم أنزلها وقال: طب يلا حبيبي اغسلي وشك وغيري هدومك وأنا هلبس عشان ننزل.
أمسكت ذراعه بخوف فقبل رأسها وقال بثقة: اطمني، طول ما أنتِ معايا محدش هيقدر يعملك حاجة. ثقي فيا يا ذهبي، أنا هاحميكي من الدنيا، حتى من أمك وأبوكي.
شعرت بالطمأنينة تحتل كيانها فابتسمت له وقالت: أنا بثق فيك.
أعقبت قولها بالتحرك تجاه وشاحها الملقى أرضًا ثم أخذت الثوب الجديد ودلفت المرحاض دون حديث.
أما هو فزفر بارتياح لم يشعر به منذ سنين ودلف إلى غرفة ثيابه ليرتدي قميص جديد بدلًا عن الذي مزقه وقام بمهاتفة والده ليخبره أنه قد حان الوقت لعودته مع وعد أن يقص له سبب كل هذا.
هبط بها فوق الدرج وهو يشد على خصرها الذي يحاوطه بمنتهى التملك وجميع العيون مسلطة عليه، وتلك المتجبرة تنظر له بكره وغل لا تقوى على إخراجهما بعد كلمات أمه التي فهمتها جيدًا. الآن يجب عليها التصرف بحكمة وتنحني لتلك الرياح العاتية حتى تمر. فإذا ما فكرت أن تضغط على جواد أكثر ستجبر أمه على فتح دفاتر الماضي والتي إذا فتحت ستدمر الجميع. حسنًا، اصمتي قليلًا وسياتي الوقت الذي تستطيعي محو هذا الجواد من على وجه الأرض. أما تلك الطفلة هي تعلم جيدًا ماذا ستفعل معها. صبرًا.
روان بمزاح لتلطيف الأجواء: متنا من الجوع يا عم جواد حتى الرجالة اتأخروا انهارده.
قبل أن يجيبها وجد توحيدة تقول بجمود: فين تليفوني يا ست دهب؟ أكيد مكنتيش فاضية تشحنيه.
دهب بخوف: الفون في شنطتي يا ماما أهيه جنبك أصلًا مخدتهاش معايا.
جزت على أسنانها وقالت: أكيد أبوكي وخالتك قلقانين دلوقت.
جواد: تعالي يا حبيبتي اقعدي على ما الأكل يجهز وعلميلي على الحاجات اللي عجبتك عشان أبعت أجيبها الصبح خلاص مفيش وقت.
نظر له الجميع بذهول، عن أي أشياء يتحدث بعد كل ما حدث، من حبيبة، يا الله.
لم تستطع تمالك حالها فصرخت به بغل: ...
رواية جواد ودهب الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فريدة الحلواني
جلس الجميع في غرفة الصالون الكبيرة بعدما عاد الرجال من الخارج، وقدمت لهم إيمان وليمة كبيرة على الغداء.
بعد أن احتسوا أكواب الشاي الساخن، بدأ محمد الحديث قائلًا بتساؤل:
مالك يا أم دهب؟ شكلك متضايق من ساعة ما رجعت، ودهب كمان شكلها معيطة.
كادت أن ترد عليه إلا أن جواد كان الأسرع حينما قال بخبث:
زعلانة مني يا عمي.
محمد باستغراب:
ليه يا ابني؟
جواد:
عشان عايز دهب تقعد هي ومامتها هنا اليومين اللي فاضلين عالفرْح.
نظر له الجميع بذهول، من أين جاء بهذا الحديث؟
محمد:
ميصحش يا ابني، الناس تقول علينا إيه؟ البت لازم تطلع من بيت أبوها، يبقى كده من حقها تزعل.
رد عليه بتعقل:
افهمني يا عمي، بكرة الصبح بأمر الله العفش الجديد هيوصل... والمفروض دهب ومامتها وكمان خالتها مع الجماعة هنا هيفرشوا وكده... أنا مش حابب مراتي تخرج كل يوم مالبيت عشان تيجي هنا ترتب حاجتها... أنا بأقول تقعد اليومين دول هنا وترجع يوم الحنة وكده يوم الفرْح هتخرج من بيتك برضه.
أخذت توحيدة تسب فيه داخلها وتتوعد له؛ هذا الخبيث الماكر يريد أن يحميها مني ولكن هيهات.
توحيدة:
ومين قالك إنها هتيجي ولا هتخرج مالبيت؟... أنا وخالتها اللي هنعمل كل حاجة، يعني اطمن مش هتطلع مالبيت.
نظرت دهب لأبيها بحزن وهو شعر بغصة في قلبه.
إيمان:
إزاي يعني يا توحة؟ هو في عروسة متفرحش بفرش بيتها؟
هدى:
طب هتعرف مكان الحاجة إزاي لو مش هي اللي حطاها بإيديها؟
جيهان:
أنا نفسي قعدت هنا قبل الفرْح أربع أيام أنا وماما وأخواتي عشان المسافة وكده، ولما خلصت رجعت بيت أهلي.
توحيدة:
بنتي متعرفش الكلام ده ولا تفهم فيه، يعني وجودها زي عدمه.
هنا قرر محمد أن يرد كرامة ابنته الغالية، والتي بعثرتها أمها أرضًا، فقال:
دهب دي ست البنات وست بيت شاطرة... ولا إيه يا أم دهب؟
اهتزت بداخلها رعبًا من تهديده المبطن، ولكن قبل أن تصلح ما أفسدته وجدت جواد يقول بعصبية مكبوتة:
عمي!... سيبك من كلام النسوان ده عشان مش هنخلص دلوقت، أنا قولتلك وجهة نظري... كون دهب تعرف تعمل حاجة أو لا دي حاجة تخصني أنااااا...
مد يده ممسكًا بكفها البارد دون خجل وقال:
وأنا قابلها زي ما هي... حتى لو مش بتعرف تمسك كوباية حتى عجباني وشاريها... بس اللي أنا واثق منه وحاسس بيه إنها هتبقى أشطر ست فالدنيا... المهم قولت إيه يا عمي؟
عبيد:
أنت هتعمل فرق بينا ولا إيه يا محمد؟ كلام جواد صح، أنا عارف هو بيغير عليها ومش عايزها تروح وتيجي قدام الناس.
نظر محمد لابنته، وحينما وجد داخل عينيها نظرة الرجاء التي قتلته رد قائلًا:
في بيتها يا حاج، بيتك زي بيتي الحكاية واحد... خليها وأمها ترجع معايا تجهز اللي هيحتاجوه وتجلكم الصبح بأمر الله مع جهاز دهب.
صفقت الفتيات بفرحة وقالت روان:
الللله ده إحنا هنسهر للصبح يا دودو!... مصطفى بالله عليك وأنت راجع حبة حاجات صغيرة كده فضلة خيرك حبة كنزات وشيبسي ولب وفسدق وكاجو وبس مش عايزة أتقل عليك.
نظر مصطفى إليها بغيظ وقال.
"ليييييه ياما هو ابن عمك يتجوز وأنا أدفع؟"
جواد ببرود: "عندك مانع؟"
مصطفى بخوف مصطنع: "لا يا كبير..." نظر لزوجته وأكمل: "حاجة تاني يا روحي؟"
ضحك الجميع عليه، فقاطعتهم توحيدة وهي تقول بغيظ: "طب يلا يا أبو دهب نرجع البيت عشان ألحق أجيب الحاجة وأجي تاني."
محمد: "أنتِ ما خدتيش بالك من اللي قلته؟ أنتِ هتباتي في بيتك النهاردة عشان تجهزي حاجة البت اللي هتطلع بكرة... بنتي هتبات في بيت أخويا وبيت جوزها."
صمتت بغل ولم تستطع التفوه بحرف آخر.
جلس عباس في منزل متهالك في قرية مجاورة لقريتهم مع رجل يرتدي ثياب الشيوخ... العمة والجلباب، ويمسك في يده مسبحة كبيرة يحركها بين أصابعه.
عباس: "هااا يا شيخ عبادي إيه الأخبار؟ الواد سافر من إمبارح بالليل وشاف المكان وبيقولك مليان ميه وكل ما يشفطوها ترجع تاني."
عبادي: "المكان مرصود برصد شديد يا حاج، ولازمه شغل جامد وأنت وابنك ماعندكوش صبر."
عباس: "ما احنا صابرين بقالنا شهرين، وأنت عارف الشغل ده لما بيطول ريحته بتفوح، كفاية اللي خسرناه قبل كده."
عباس: "عندك استعداد تزفر المكان؟" نظر عباس له باستغراب وقال: "يعني إيه؟ ندبح فيه دبيحة يعني؟"
عبادي بخبث: "من ناحية هتدبح... هتدبح بس مش حيوان... بني آدم."
جحظ عباس عينه بذهول وقال برعب: "لا لا لا، ملناش في الحكاية دي، اتصرف يا عبادي أنت وعفاريتك، إنما مش هتوصل للقتل أبدًا."
عبادي باستهانة: "اصبر بس، أنت مش هتقتل حد... أنا عايز دم رحم بنت بنوت تكون لسه مفتوحة."
عباس: "مش فاهم."
عبادي: "…………"
عاد محمد وزوجته إلى المنزل وهو يغلي بداخله كالمرجل... نظرات الانكسار داخل عين ابنته الغالية ذبحته... علم أن تلك الحقيرة فعلت لها شيئًا، فهو يعلم ملامح ابنته إذا ما كانت خجلة أو حزينة... بمجرد ما أغلق الباب خلفهما هجم عليها ممسكًا حجابها بقوة وهو يصرخ بغل: "عملتي إييييه فالبت، خليتيها قاعدة نفسها مكسورة كده؟ ااانطقي."
ارتعبت من فعلته وقالت كذبًا بصراخ: "واللله ما عملت حاااااجة، دي حتى من ساعة ما وصلنا وهي قاعدة مع جواد فوق لوحدهم."
لطمها فوق وجهها بقوة وهو يقول: "اااأنتِ لسه ليكي عين تتبلي على البت يا بنت الكلب يا بتاعت السحر والشعوذة؟... كان زمان بأسمع كلامك وأنا معمي بسبب السحر اللي بليتيني بيه عشان أسيب حبيبتي وآخدك أنتِ... وبعد ما أخدتك ما اكتفيتيش بكده، فضلتي تجددي الأعمال والوساخة بتاعتك عشان أفضل تحت طوعك... لولا أن ربنا أراد يكشفك وخلاني أسمعك وأنتِ بتتفقي مع الدجال بتاعك، كان زماني لسه متغيب عن الدنيا..." ألقاها أرضًا بقوة وأكمل بغل سنين: "أنا قاعد معاكِ بس عشان دهب ما تحسش بحاجة، وعشان بوستي رجلي واتذلّيتي ليا عشان أخليكي على ذمتي حتى لو هنعيش إخوات... وأنا وافقت لأن خلاص حياتي ضاعت، يبقى مش هضيع حياة بنتي كمان... فاكرة قولتيلي إاااايه وقتها؟" زفر باختناق وقال: "ما علينا، الكلام مش هيرجع اللي راح... لو فكرتي تعملي حاجة لدهب اليومين اللي فاضلين لها، أقسم برب العزة هتشوفي مني اللي عمرك ما تتخيليه، هطلع عليكي غلب السنين اللي عشتهم في عذاب بسببك، سااااامعة!"
وقفت بألم ودموع تماسيح وهي تقول باستعطاف: "حقك عليا، مش هعملها حاجة، أنا بس خايفة عليها والله، الواد لافف وداير وبنتنا هبلة، خايفة يضحك عليها وتفضحنا."
صرخ بها بكره: "ااااخرسي... ده جوووزها مش ماشي معاها فالحرام يا بنت الكلب."
اقتربت منه وقالت برجاء: "خلاص حقك عليا... هعمل كل اللي أنت عايزه بس أنت ارضى عني... ما تعبتش من الهجر؟ بقالك خمس سنين وأنت هاجرني... ده ولا شرع ولا دين يقول كده."
محمد بكره: "قلتلك هطلقك وأنتِ اللي رفضتي ووافقتي إننا نعيش إخوات..." نظر لها بازدراء وأكمل: "مع إن اللي شبهك ما تعرفش يعني إيه أخوة... إنسانة حقيرة كل اللي يهمك نفسك وبس، حتى لو على حساب ناس اتكسرت قلوبهم بسببك."
صرخت به بحقد: "اااأنت لسه بتحبهااااا بعد كل السنين دي؟... أهي متجوزة ومخلفة بدل العيل اتنين... وأنت لسه بتفكر فيها... أنا ما ظلمتهاش، أنا اللي حبيتك قبلها وأنت كنت بتعاملني كويس لولا هي اللي لفت عليك وخطفتك مني."
ضحك بغل ثم قال: "أنتِ مصدقة نفسك؟... لسه ما زهقتيش من الأسطوانة الكدابة دي؟... أنتِ كنتي عارفة إن أنا وهي بنحب بعض، وهي عشان كانت هبلة بتحكيلك على كل حاجة... وأنتِ استغليتي طيبتها وفرقتينا... دانتي يا شيخة شيفاها عايشة في مرار وذل محدش يتحمله، وكل ما تيجي تستنجد بيكي تبهدليها وتسمي بدنها... خليتيها تحس إن الطلاق عااار... وكل ما تشتكيلك تقوليلها: استحملي عشان عيالك... وأنتِ كل اللي همك إنها تفضل على ذمة راجل حتى لو هتموت من الجوع ولا الضرب، لأنك واثقة لو اتطلقت أنا هغورك في ستين داهية وهتجوزها... منعتيها تجيلك وأنا موجود... منعتي عيالها يدخلوا البيت عشان ما أغرش وأقول عايز ولد، وأنتِ عارفة إنك عمرك ما هتعرفي تجيبهولي... ومن جبروتك فهمتيها هي وبنتك إن أنا اللي مش عايز العيال، قال عشان خايف على بنتي منهم... أنتِ إييييه؟ شيطاااانة، منك لله، حسبي الله ونعم الوكيل فيكي... عذبتيني وخونتي أختك وكرهتي بنتي في عيشتها... وكل ده كوم، والذنب اللي وقعتيني فيه وهفضل لحد ما أموت وأنا ضميري بيعذبني بسببه..." احمرت عينه وقال بشر: "بس خلااااص، اللي كانت مخلّياني أسكت هي بنتي، وأهو اطمنت عليها مع راجل هيعرف يحميها من شرك... مش هسكتلك بعد كده، ساااامعة!"
خلعت ثوب الاستكانة الذي كانت ترتديه وظهرت على حقيقتها حينما قالت بشر: "فكر بس ترميني وهتكون في نفس اليوم جوه السجن... أنت عارف أنت عملت إيه وأنا اللي شاهدة عليك، هروح أعترف بكل حاجة، وابقى وريني بقى هتعمل إيه."
نظر لها بانكسار ثم قال: "منك لله، ربنا ينتقم منك..." أعقب قوله بالخروج من المنزل هاربًا منه بعد أن شعر بعدم قدرته على التنفس في وجود تلك الحية الرقطاء.
انقضى اليوم وهم يجلسون بأريحية في سرايا التهامي بعد اختفاء العقارب من محيطهم.
طرق باب السرايا، فقامت دلال بفتحه، وجدت شابًا يبدو عليه أنه عامل توصيل، وحينما سألته ماذا يريد قال: "جواد بيه التهامي طالب أوردر وأنا جيت أسلمه."
دلال: "خليك هنا ثواني."
دلفت مكان التجمع وقالت: "جواد بيه، في واحد عايزك بره بيقول طالب منه أوردر."
قام جواد من مجلسه وتوجه معها إلى الخارج، وحينما وصل قبالة الشاب قال: "مدام بوسي بعتت كل اللي طلبته؟"
الشاب: "أيوه يا فندم ومتغلفين زي ما حضرتك طلبت."
أخرج ورقتين من النقود فئة المئتين جنيه ثم أعطاهم للشاب وهو يقول: "تمام، خد دول عشانك..."
فرح الشاب بما أعطاه إياه وذهب على الفور، أما هو مد الحقيبة لدلال وهو يقول: "طلعيهم جناحي وسيبيهم على السرير."
أخذتها منه وغادرت سريعًا، أما هو عاد إلى مكانه وهو يتخيل ما سيفعله مع تلك الغافلة عن نواياه الخبيثة.
انقضت السهرة بسلام وذهب كلٌ إلى غرفته إلا هو وأمه ودهب.
إيمان: "تعالي يا دودو معايا أوصلك لأوضتك."
كادت أن تتحرك إلا أنه ضغط على خصرها المحاوط به بذراعه وهو يقول: "دهب هتنام معايا... اا... قصدي في أوضة حبيبة يعني."
إيمان بذهول: "ما ينفعش يا ابني."
مثل الغضب وقال: "إيه يا ماما، هو أنا عيل صغير هتقوليلي إيه ينفع وإيه ما ينفعش؟... وبعدين ما تخافيش على دهب مني... أنتِ مش واثقة فيا ولا إيه؟"
نظرت له أمه بغيظ وقالت: "تصدق صدقتك... هايل يا فنان."
انطلقت ضحكة جميلة من تلك الصغيرة لأول مرة يسمعها أحد، جعلت قلبه ينبض بجنون ويقول بوقاحة: "طب أنا راضي ذمتك يا أم جواد، بعد الضحكة الحلوة دي ينفع أسيبها؟" تحرك بها رغمًا عنها وهو يكمل: "يلا يا حاجة... عبيد زمانه مستنيكي عشان تنيميه، وبكرة ورانا بلاوي، يلا يلا."
وقفت تنظر في أثره بذهول وهو يصعد الدرج بها ثم فاقت من صدمتها وقالت: "الواد خد البت وطلع يا لهوووي... قال مش واثقة فيا قال... أقطع دراعي لو ما دخل عليها ابني وعارفاه... مش هيرحم البت الغلبانة."
جاء فارس من ورائها وهو يقول بمزاح: "أنتِ بتكلمي نفسك يا أمي؟" وضع يده على جبهتها ثم قال: "لا مش سخنة الحمد لله." نترت يده بعنف وقالت صارخة: "لاااازم اتجنن قدام مخلفاكم يا خلفة سوووودة... أنا مني لله عشان ما عرفتش أربيكم..." تحركت تجاه الدرج وهي تكمل: "أنا عارفة ولادي صيع وهيفضحوني... أعمل إيه بس يا ربي؟"
وقف فارس ينظر في أثر أمه بصدمة ثم قال: "الولية اتجننت هههههه، احنا نجنن بلد وربنا... أهملي كوارع يا مامي..." في لحظة كان يصرخ بعدما ارتطم خف أمه في وجهه فقال بغضب مازح: "والله عيب على الرجولة... عيب على فرق الطول حتى."
إيمان من الأعلى: "هات الشبشب يا صايع خليني أتخمد."
فارس: "حاضر يا أمي."
أغلق الباب خلفه بعد أن دلف بها إلى الداخل وهو ما زال محاوطها.
وقفت معه في منتصف الصالة الواسعة ولا تعرف ما يجب عليها فعله أو قوله... ولكنها وجدت نفسها تقول بتلجلج: "ااا... أنا... اا... هدخل أنام، تصبح على خير."
أحكم قبضته عليها وهو يقول: "تنامي فين؟"
دهب: "في أوضة حبيبة زي ما قلت لطنط."
جواد بخبث: "وأهون عليكي تسيبيني لوحدي؟... طب هطلع هدوم إزاي؟ أنتِ ناسيه إني ضرير؟"
قالها بحزن مصطنع انطلى على تلك البريئة مما جعلها تنهر حالها فقالت سريعًا: "آسفة والله ما قصدتش... بس... ااا... طب أنت كنت بتعمل إيه الأول؟"
رد ببراءة مطلقة: "ماما كانت بتساعدني."
تنهدت بحيرة ثم حسمت أمرها وقالت وهي تمسك كف يده لتساعده على السير وهو يكاد يموت من كتم ضحكاته: "طب خلاص تعالى أساعدك حاضر."
دلفت معه إلى الداخل وساعدته في الجلوس فوق الفراش ثم اتجهت صوب غرفة الثياب وما كادت أن تدخلها إلا أنها انتبهت لشيء فعادت له وسألته باستغراب: "جواد... أنت طلعت إزاي تي شيرت بدل اللي قطعته لما كنا هنا الصبح؟... أنت بتضحك عليا صح؟"
رسم الحزن على ملامحه ببراعة وقال: "الله يسامحك... أنا قعدت أحسس وأول حاجة جت في إيدي مسكتها ولبستها من غير ما أعرف حتى معدولة ولا مقلوبة."
لامت حالها على ظنها السيء به وعادت أدراجها لتأتي له بثياب مريحة وظلت توبخ نفسها على إحزانه بعد كل ما فعله لأجلها.
عادت إليه وهي تقول بخجل: "اتفضل... أنا آسفة..." وضعت الثياب بيده ووقفت تنتظر رده.
قرر هو الاستمرار فيما يفعله حتى لا تعترض على ما سيقوله.
وقف ليتجه إلى المرحاض وهو يقول بصوت غاضب: "ما تتأسفيش يا دهب، واضح إنك مش مستوعبة لحد دلوقت إنك متجوزة أعمى والمفروض تساعديه في أي حاجة... الكيس اللي على السرير فيه هدوم ليكي عشان تغيري اللي أنتِ لابساه ده... اتفضلي يلاااا ادخلي غيري بسرررعة."
انتفضت من صراخه وقامت بخطف الحقيبة وهرولت إلى الداخل وهي مرتعبة.
أما ذلك الذئب ابتسم باتساع وهو يقول: "لازم أزعق يعني؟... ستات ما تجيش غير بالعين الزرقا هههه."
وقفت تنظر لمحتوى الحقيبة بذهول ووجهها سينفجر من الحمرة التي انتشرت به.
فقد وجدت به بيجامة ستان هوت شورت وجزئها العلوي قطعة صغيرة ذو حمالات رفيعة... وأخرى بنطال برمودة وأيضًا القطعة العلوية شبيهة بالأولى... وقميصان نوم... لا يوجد بهما قماش من الأساس... حتى الثياب الداخلية لم ينساها وقد أحضر لها مع كل طاقم ما يخصه منها... وقفت بحيرة ما بين خجلها من تلك الثياب ومن خوفها منه... مجرد أن سمعته يصرخ باسمها حسمت أمرها واختارت أكثرهم احتشامًا... بدلت ملابسها وخرجت له... وبرغم أنها تعلم أنه لا يراها إلا خجلها كان الغالب عليها.
وقفت قبالته وهو ممدد فوق الفراش ويغطي جسده كله إلى ذقنه بالشرشف... قالت بهمس: "أنا غيرت... أعمل إيه؟"
جواد بأمر غاضب: "اتفضلي نامي جنبي... بقالنا يومين ما نمناش وبكرة اليوم مرهق، يلاااا."
انتفضت من صرخته وتوجهت سريعًا للجهة الأخرى للفراش وتمددت على حافته حتى كادت أن تقع من فوقه.
زفر بحنق ثم قام بإلقاء الشرشف أرضًا وسحبها بيده لتصبح ملتصقة به.
شهقت بفزع حينما وجدته عاريًا إلا من شورت قصير فقالت برعب: "ااا... أنت عريان ليه؟... مش لبست ليه؟"
ملس على وجهها بحنان ثم قال: "أنتِ ما تعرفيش إن عندي حساسية؟"
قضبت حاجبيها وقالت باهتمام: "حساسية من إيه؟"
جواد: "من الهدوم..."
دهب: "إزاي يعني؟ هو في حاجة اسمها كده؟ طب ما أنت طول اليوم لابس."
جواد بوهن: "لا دي بتجيلي لو نمت بهدوم حتى لو خفيفة بصحى الصبح جسمي كله أحمر... حتى البوكسر اللي لابسه عشان خاطرك ده أول ما أصحى هلاقي مكانه الحساسية منتشرة."
دهب بحزن حقيقي: "يا حراااام... ألف سلامة عليك... طب ما فيش علاج؟"
سيأكلها... قسمًا بمن أحل القسم سيلتهمها من لطافتها وبرائتها التي تذيبه عشقًا بها.
قرب رأسها بيده ليلتقم شفتيها في قبلة رقيقة ثم فصلها وقال: "يسلم لي أبو قلب حنين... أحلى ديبو فالدنيا كلها."
ابتسمت بخجل وقالت بهمس: "شكرًا."
جعلها تضع رأسها فوق ذراعه وهو يتحكم في نفسه بصعوبة بالغة حتى لا يهجم عليها ويلبي نداء جسده الذي يأمره بإتيانها... والآن... ظل محتفظًا بها داخل حضنه ثم قال بهمس: "وحشتيني يا دهبي..." رفعها بخفة فهي لا تزن شيئًا مقارنة به ومددها فوقه فشعر بتخشب جسدها... ملس على ظهرها بحنان وقال: "اهدي يا حبيبي، أنتِ معايا... مع جواد... جوزك... أمممم فاكرة وأنتِ صغيرة كنتي بتركبي على ضهري زي الحصان؟"
ضحكت بهدوء وقالت: "أيوه فاكرة وكنت بتتعور في إيدك من كتر ما بتلف بيا الجنينة كلها."
ابتسم بحنين للذكرى ثم قال بخبث: "أهو أنا قعدتك كده زي زمان بالضبط مع اختلاف الوضع... سهلة أهيه."
وكزته في صدره بخفة وقالت بغيظ: "جوااااد أنا مش عيلة للدرجة دي عشان تضحك عليا."
انطلقت ضحكاته الرجولية والتي جعلتها تنظر له بوله ثم قال من بينهم: "بنتي الحلوة كبرت وابتدت تفهم أهو..." ملس على ظهرها بإغواء وهو يقول: "طب قدام كبرتي... وابتديتي تفهمي... مش حاسة إني هموت عليكي؟"
ردت عليه بخجل: "مش عارفة... حاسة آه... بس مش عارفة... مكسوفة... وخايفة... والصراحة أنت قليل الأدب قوي."
ضحك من قلبه وهو يقول: "يا بنتي أنتِ كده هتبوظي سمعتي... قلة الأدب لسه ما جتش."
نظرت له بذهول فأكمل بصوت يملأه الرغبة: "أنا عايزك يا دهبي... راجل عايز مراته... عاشق محتاج لحبيبته... عارف إنك مش فاهمة ومش عارفة... ومعندكيش أي خلفية عن اللي بيحصل... بس اديني فرصة أقربك مني... لأني هتجنن وأحس إنك عايزاني زي ما أنا عايزك... نفسي أعيش شعور مبادلتك ليا شغفي بيكي بشغف أكبر... بس أنا مش مستعجل... هصبر عليكي وهمشي معاكي الطريق... خطوة بخطوة... لحد ما نوصل سوا لبر الأمان... وإحنا أيدينا حاضنة بعض..." قبلها بعشق خالص ثم قال: "تمام يا دهبي... تسمحيلي أدخلك دنيتي؟... ينفع تنوريها ببرائتك؟... لأني تعبت من الضلمة اللي عايش فيها بقالي سنين... مشتاق لنورك يا دهبي."
لم تجد ما تجيب عليه به إلا أن تسند رأسها فوق كتفه وتحاوط عنقه بيديها.
أخذ رد فعلتها دليلًا على موافقتها... ضمها بحنان أولًا ثم تحول الحضن إلى لمسات مغوية فوق ظهرها نزولًا إلى مؤخرتها... يتحسس بيده كل إنش بها وكأنه يراها... وهذا ما يزيده إلا رغبة بها... يخاف من جموحه وتهوره... ولكن فلينهل منها ما يستطيع الوصول إليه في الوقت الحالي... وبعد بضعة أيام لن توقفه على ما ينتويه.
رفعها بتمهل ليضعها بجانبه ممددًا إياها على ظهرها ثم اعتدل ومال عليها ليلتقم شفتها السفلى فقط ويمتصها باستمتاع... أخذ يبدل بين شفتيها ويسحب لسانها ليمتصه بنهم ويده بدأت تعتصر نهديها بجنون... هبط بقبلاته على جيدها الناعم وهو يقول بصوت متهدج من فرط الرغبة: "بعشقك يا دهبي... كنت ميت من غيرك... حلمت بيكي كتيييير..." مع آخر كلمة نطقها كان يمد يده داخل بنطالها ليعبث في أنوثتها... فوجدها تغلق ساقيها عليه وتتصلب... مد يده الأخرى ليخرج أحد نهديها ثم وضع حلمتها بين شفتيه وأخذ يمتصها بنهم ويده لا ترحمها... حتى شعر بارتخاء جسدها فعلم وقتها أنها قد غابت عن الواقع وتأججت شهوتها مثله وما يؤكد ذلك شبقها المسال فوق يده... زاد من حركته داخل أنوثتها حتى أصبحت تتلوى ودموعها تنهمر من ألم الشهوة التي تشعر بها وتريد الخلاص... وهو كان يمتلك من الخبرة ما يجعلها تذوب معه و... أسفله.
لا تعلم ولم تشعر أنه جردها من ملابسها فأصبحت عارية تمامًا ويده ترسم ملامح جسدها وتستكشفه بمتعة... تمدد فوقها ليوزع قبلاته على صدرها المغوي ويلتقمه بفمه تارة ويقضمه بأسنانه تارة أخرى.
ثم في لحظة خاطفة...
رواية جواد ودهب الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فريدة الحلواني
لم يَبِت في منزله بالأمس، بل ذهب يجلس في مكانٍ بعيد داخل سيارته. يتذكر حبيبته الأولى والأخيرة، الفتاة الصغيرة التي كان يراقبها سرًا في طريقها لمدرستها الثانوية، إلى أن أتته الفرصة ليحادثها ويعترف لها بعشقه لها. اكتشف أنها أيضًا تحبه في صمت، ولمَ لا وهو ابن الجيران حلم فتيات القرية وقتها. ظلت علاقتهما سرًا لمدة ستة أشهر إلى أن قرر خطبتها.
كانت تقص كل شيء لأختها الوحيدة، ولكن من طيبة قلبها غفلت عن نظرات الحقد التي كانت تنظر لها بها. تركتها تحلم وهي رسمت خطتها الحقيرة وتحركت أسرع مما يجب. وفي اليوم الذي كانت تنتظره زينب وتحلم به طوال الشهور الماضية، تجهزت وتزينت على أساس أنه سيأتي لطلب يدها من والدها، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان. وجدته يطلب يد أختها توحيدة.
صدمة حلت عليها أفقدتها النطق. لم تعاتب أيًا منهما، كتمت جرحها بداخلها وفقط. أما هو فكان مغيبًا تمامًا. برغم الغصة المتحكمة في خافقه وشعوره أن هناك شيئًا خاطئًا، إلا أنه كان مسلوب الإرادة. تزوج تلك الحقيرة في خلال شهر، ومن بعدها تخاصمت مع زينب ومنعتها أن تدخل بيتها خوفًا من أن تكشف الحقيقة وتعرفه أنه كان يحبها هي.
لم يتقابل معها إلا في المناسبات العائلية. كان يتعذب من نظرات الخذلان والقهر التي تملأ عينيها وتوجهها له، ولكنه حقًا كان يجهل سببها. مر أكثر من خمس سنوات لم تتزوج فيهم زينب، إلى أن تقدم لخطبتها هذا النذل. وقتها فعلت توحيدة كل ما في وسعها حتى يوافق أبويها عليه، لدرجة أنها ساعدته سرًا بإعطائه أموالًا ليجهز غرفة نوم في منزل أمه، كي لا تطول فترة الخطبة، إلى أن أصبحت زينب زوجته. وقتها ارتاحت قليلًا. لم تهتم بما تعانيه تلك المسكينة، بل ظلت تعنفها إذا اشتكت منه. واستمرت أيضًا في تجديد السحر لزوجها، إلى أن جاء اليوم الذي اكتشفها فيه بعد أن كان عائدًا إلى المنزل في وقت مبكر وسمعها تتحدث مع ذلك الدجال لتتفق معه على ميعاد التجديد.
عاد من ذكرياته المؤلمة وهو يمسح دمعة هربت رغمًا عنه. ولكن حينما التفت لجانب الطريق وجد محبوبته تمشي مثل الأموات، ولكن ما جعل قلبه يعتصر ألمًا هو علامات الضرب الظاهرة على وجهها. أراد أن يهبط من سيارته ليحادثها ويطمئن عليها. ولكن هو لم يعترف لها بالحقيقة حتى الآن، فهو في نظرها خائن، ضحك عليها وتسلى بها ثم خطب أختها، لتعيش بوجع الغدر طوال عمرها. برغم أنها تحاول التعامل بشكل عادي، إلا أنه يشعر بألمها وبداخله أضعافه.
لم يستطع تمالك حاله فهبط سريعًا ووقف أمامها وهو يقول:
"هو اللي ضربك كده صح؟"
نظرت له بقسوة وقالت لتذكره:
"صباح الخير يا جوز أختي."
نظر أرضًا حتى لا يصرخ بها ويسمع العالم أنه مظلوم، ولكن في الوقت الحالي لن يستطع فعلتها. عاد بنظره لها وقال:
"أنتِ رايحة البيت عندنا؟"
زينب:
"توحيدة مكلماني من بدري عشان أساعدها في لم حاجة دهب قبل ما الشاور يطلع بعد الضهر، بس كنت مستنية الصيدلية تفتح عشان آخد مسكن وأقدر أكمل اليوم."
محمد:
"طب تعالي أوصلك، إحنا طريقنا واحد أنا كمان راجع البيت."
نظرت له بألم وعتاب ثم قالت قبل أن تغادر:
"عمر ما كان طريقنا واحد، ولا هيكون يا جوز أختي."
لم يذق طعمًا للنوم بعدما قضى ليلته يمازحها تارة ويذيقها من عشقه تارة، وتارة أخرى يشرح لها ما يحدث بطريقة مبسطة حتى غفت فوق ذراعه. ظل يملس فوق شعرها بحنان ويقبل رأسها كل فينة وأخرى. لم يغفو بل ظل مستمتعًا بما يفعله إلى أن أشرقت شمسه بعد أن قررت تلك القطة أن تشفق عليه وتستيقظ من ثباتها العميق. فتحت عيناها ووجدته بتلك الحالة. ابتسمت بعشق وقالت:
"أنت صحيت يا جواد؟ صباح الخير."
قبلها بحب وقال بفرحة:
"صباح كل حاجة حلوة مدام أنتِ في حضني يا دهبي، بس أنا لسه منمتش."
حاولت الاعتدال إلا أنه منعها وهو يقول برفق:
"خليكِ مريحة لحد ما تفوقي."
نظرت له بحزن وقالت:
"أنت مش بتعرف تنام جنب حد."
عقد حاجبيه وبعد أن فهم مقصدها ضحك بصخب ثم قال:
"يا روحي هو أنتِ أي حد؟ أنتِ حبيبتي. أنا بس محبتش أضيع لحظة محسش بيكي فيها وأنتِ جنبي. قعدت جنبك كده مستنيكي تصحي عشان شمسي تطلع تنور يومي، لا دنيتي كلها."
ابتسمت بفرحة وقالت:
"بجد يا جواد؟ أنا كل ده؟"
ضمها بتملك عاشق وقال:
"أنتِ أكتر من كل ده يا دهبي. باختصار أنتِ رديتِ في جواد الروح بوجودك جنبه بعد ما كان عايش ميت. خليكي جنبي أوعي تبعدي مهما حصل."
أغمض عينه وأكمل بنبرة غامضة:
"مهما يحصل أو مهما أعمل افتكري إني بعشقك. أوعي تسيبيني يا دهب، أووووعي."
جلس مكانه على رأس طاولة الطعام وبجانبه تجلس دهبة، ولكنه سحب المقعد لتكون ملتصقة به تحت نظرات فاطمة التي نهشت الغيرة صدرها، وفرحة أمه وأبيه. أما أحمد الذي عاد بالأمس فكان ينظر لها بإعجاب واضح مما جعل زوجته تلاحظ وتدمع عيناها قهرًا. أما فارس ومصطفى فقد غمز الأول للآخر وقال بمزاح:
"أنت هتقعدها على حجرك يا درش ولا إيه؟"
مصطفى:
"كنت في جرة وطلعت لبره والله يا أبو الفوارس."
يعلم أنهم يقصدونه هو وصغيرته إلا أنه لم يشغل باله، بل مال عليها وهو يقول بعد أن وضع لها مكعبات جبن مستورد:
"حبيبي جبتلك جبنة كيري عارف إنك بتحبيها."
همست له:
"شكرًا."
حبيبة بلطافة وكأنها امرأة كبيرة:
"هي دي مامي الجديدة يا بابي؟ دي حلوة أوي جبتها منين؟ بس أنا أحلى على فكرة هاااا."
ضحك الجميع عليها ورد عليها أبيها بحنان:
"أنتوا الاتنين قمرات يا حبيبة أبوكي."
عباس بغباء:
"وأنت عرفت إزاي يا ابن أخويا؟ ولا شوفت بنتك من سنتين ولا عارف شكل مراتك اللي أمك اختارتها؟"
صمت رهيب يشوبه الغضب شعر به الجميع. ولكن ما لم يتوقعه أحد أن يأتي الرد من تلك الخجلة التي تتشبث بذراعه خوفًا ممن حولها، حينما شعرت بتشنج جسده بجانبها وجدت لسانها ينطق دون إرادة منها وهي تتذكر قوله لها منذ قليل: "خليكي قوية متخافيش من حد دوسي عالكل وأنا في ضهرك."
دهب:
"على فكرة بقى جواد كان مربيني وأنا صغيرة وعارف شكلي كويس، وكمان العمى عمره ما كان عمى البصر. الأعمى هو اللي بيبقى أعمى البصيرة لما يكون قلبه مليان سواد."
قبل يدها أمام الجميع، أطلق مصطفى وفارس صافرات عالية. صفقت الفتيات الثلاث بفرحة عارمة. كل هذا وهي تمسك ملابسه بقوة وترتعش. لا تصدق أنها فعلتها، وكل هذا الاحتفال من أجلها. إذا كانت أمها الغالية حاضرة الآن لكانت وبختها أمام الجميع.
ابتسم لها وقال بهمس مشجع:
"هي دي دهبي القديمة اللي مكنتش بتخاف من حد، أنا متأكد إنها زهقت مالحبسة وقررت تتحرر من جواكي."
إيمان:
"والله يا بنتي يسلم لسانك، هو ده الكلام الصح."
عباس بغيظ:
"مكنتش كلمة اتقالت تعملوا عليها الفرح ده كله."
فارس باستهزاء:
"دي طيرت جبهتك يا عمي مش قصفتها بس."
جواد:
"خلص يا فارس أنت ومصطفى عشان العمال زمانهم على وصول."
ماما دلال والبنات هيلحقوا يفضوا حاجتي قبل ما الناس توصل.
إيمان:
"أيوه يا حبيبي بأمر الله هنلحق ما أنا هساعدهم أنا والبنات، ودهب كمان."
رد عليها بمزاح وقح:
"لا متتعبيش دهب اليومين دول، خليها قاعدة وتقولكم بس تعملوا إيه."
عبيد بغيظ مازح:
"والله ما عرفت أربي."
جواد بضحك لأول مرة:
"قول حاجة جديدة يا حاج."
طار قلب أبيه فرحًا بعدما عاد ولده المرح بعد أن غاب عنه منذ سنين قال بعين دامعة:
"وحشتني ضحكتك يا ابني، بقى لي سنين مسمعتهاش. ربنا يسعدك وتفضل الضحكة منورة وشك زي زمان."
تأثر الجميع بهذا الحديث ولم يتدخل أحد بين الابن وأبيه، بل أكملوا طعامهم بنهم ونفس مفتوحة وهم يستمتعون بحلاوة تلك اللحظة التي أثلجت قلوبهم.
كانت توحيدة تجمع أشياء ابنتها وهي متجهمة الوجه فسألتها زينب بطيبة:
"مالك يا توحة شكلك زعلان؟ في حاجة حصلت؟"
نظرت لها بكره وحقد لم تمحوه السنين، ولكن كعادتها تتلون مثل الحرباء. مثلت البكاء وهي تقول:
"زعلانة عشان البت اللي حيلتي خلاص هتسيبني وتمشي. حاسة إنها اتخطفت خطف كده مني."
ابتسمت لها زينب وقالت:
"ربنا يسعدها يا توحة، أهو جالها اللي يستاهلها، أنتِ المفروض تفرحي، ده البلد كلها ملهاش سيرة إلا سعد بنتك وهناها عشان أخدت جواد التهامي. ما شاء الله تبارك الرحمن، شكل ومركز وعيلة يعني كامل من كله."
توحيدة بغل:
"بس أعمى، ذنبها إيه بنتي العيلة دي تعيش مع واحد ضرير؟ افرضي جرالها حاجة هيساعدها إزاي ولا هيجيب أهله يساعدوها بداله؟"
زينب بغضب مكتوم:
"استغفر الله العظيم، ليه كده يا أختي؟ ده قدر ربنا وممكن يحصل لأي حد فينا."
ها قد جاءتها الفرصة لتفتعل معها مشاجرة لتمنعها من دخول منزلها مرة أخرى. فإذا كانت قد سمحت لها قبل ذلك بزيارتها بسبب وجود دهب، وبالتأكيد كانت تضمن أن زوجها لن يتحدث فيما حدث قديمًا، ولكن الآن فمن الممكن أن يقص لها ما حدث وهنا تكون المواجهة التي منعتها طوال السنوات الماضية.
نظرت لها بغضب وقالت بصراخ:
"أنتِ بتفولي عليااااااا! أيوه كده اظهري على حقيقتك. أنتِ بتتمني لي الشر أكمن ربنا كرمني براجل محترم وبيموت فيا ومش مخليني محتاجة حاجة. غيرتك مني توصلك لكده؟ أنا خلاص فاض بيا منك. من انهارده لا أنتِ أختي ولا عايزة أعرفك ولا رجلك تعتب باب بيتي تاني ساااااامعة؟ توحيييييييدة!"
تصنمت مكانها حينما استمعت صراخ زوجها وهو يقف أمام الغرفة وينظر لها بشر، بعد أن رأى تلك المسكينة تقف بذهول وعيناها تزرف دمًا بدل الدمع. بهت وجهها وارتعبت أن يفشي سرها أمام أختها، ولم تجد كذبة تقصها عليه كي تنقذ الموقف.
أما الأخرى فتحركت ببطء تجاه الباب دون أن تتفوه بحرف، فاعترض طريقها وهو يقول بأمر جعل جسدها يرتعش رعبًا من هيئته التي لأول مرة تراه عليها:
"راااااايحة فين هااااااا؟ هتهربي تااااني؟ هتسيبيها توجعك وتبعدك تاااااني؟"
"محمددددد!" صرخت به تلك الحقيرة حتى يصمت، ولكن قد فاض به الكيل فأكمل بجنون:
"عايزة تسجنيني؟ أنا موافق أرحم من العيشة معاكي."
زينب ببكاء:
"صلوا على النبي بلاش تعملوا مشكلة بسببي، أنا أصلاً تعبانة وكنت همشي."
محمد بجنون:
"اخرررررسي! بطلي جبن! جه وقت الحقيقة يا زينب. لازم أبرئ نفسي قدامك حتى لو كان آخر يوم في عمري سااااامعة؟"
قص عليها كل ما فعلته أختها الحقيرة بقهر رجل أُرغم على حياة لم يتمناها. وبعد أن انتهى أخرج هاتفه من جيبه وطلب رقمًا، وحينما جاءه الرد قال في عجالة:
"عبيد تعالى لي بسرعة البيت."
عبيد بقلق:
"في إيه مالك؟"
رد بعصبية مفرطة:
"بقووولك عايزك دلوقت وبسرعة."
تحرك عبيد خارج السرايا بهرولة تحت استغراب الجميع وهو يقول:
"خمس دقايق وهكون عندك اقفل."
أغلق معه وقال:
"عبيد جاي وهيحكيلك اللي حصل ومين اللي فك لي العمل اللي بنت الكلب دي كانت بتعمله عشان تصدقي."
صرخت توحيدة بغل:
"أيوه أنا عملت كده عشان أنا اللي حبيتك الأول وهي خطفتك مني! أنا ما أجرمتش أنا خدت حقي منها!"
زينب بصدمة وقهر:
"لييييييه؟ ليه ده أنا أختك! كنت بحكيلك كل حاجة وكنتِ عارفة أنا بحبه قد إيه؟ طب خطفتِ حبيبي مني، ليه ترميني لواحد ابن ستين كلب مطلع عيني ومسود عيشتي؟ رفيق قال لي إنك أنتِ اللي طلبتِ منه يخطبني ودفعتي له فلوس كمان. لحد دلوقت بيعايرني هو وأمه، ولما مصدقتوش وقلت له أختي استحالة تعمل كده أنا هسألها، ضربني وكسر لي دراعي. ما هو مش عايز يخسر حنفية الفلوس اللي مفتوحة له. مصعبتش عليكي ولا مرة من كتر الضرب."
والإهانة والذل والجوع اللي عايشة فيه... طب انتي اتجوزتيه خلاص... ترميني ليه في النار... عملت لك إيه... ردي...
وصل عبيد في تلك اللحظة وقال بغضب: يا ريت وصلت لكده وبس.
نظر الجميع له فأكمل: كل اللي محمد حكاه لك صح يا زينب، واللي أنا هكمله ليكي مش هيخطر على بال إبليس... أختك دي شيطانة ومدمرتش حياتك أنتي وصاحبي بس لا...
كان الوضع مغاير تمامًا في سرايا التهامي، فقد احتلت البهجة أركانها، والكل يعمل بفرحة ونشاط مع الكثير من الزغاريد والأغاني الصاخبة.
أما صغيرتنا فكانت ضحكاتها تملأ جناح الجواد بعدما أخذت إيمان وهدى وحتى روان وجيهان يمازحنها بأحاديث النساء في مثل تلك المناسبات.
خرجت الضحكات من قلبها... نسيت خجلها... نسيت خوفها من التجمعات... حتى نسيت أمها التي ستأتي بعد قليل وتنغص عليها ذلك اليوم الجميل... فما عاشته هنا منذ الأمس حتى الآن أعاد لها شخصيتها المرحة التي يشوبها العناد... كانت هكذا وهي طفلة إلى أن اختفى جوادها من حياتها فتحولت إلى ما هي عليه الآن.
مازحتها دلال قائلة وهي تجمع الثياب الذي أحضرها لها بالأمس: جواد بيه طلع مش سهل والله، بصي جايب إيه، أمال باقي شوارك هيكون عامل إزاي؟
برقت عيناها وقالت بخجل: طنط عيب.
انطلقت ضحكاتهم الصاخبة تحت سمع هذا الجواد الذي يقف بالخارج وهو يتلظى على جمر شوقه لها بعد سماع ضحكاتها التي أطربت قلبه... هل يتحمل... لا والله.
ترك أخيه مع الرجال الذين يحملون الأثاث ودخل إليها سريعًا ثم قال بغيرة حارقة للجميع: اتلموا شوية بقى، أنتم ناسيين الرجال اللي بره.
صمت الجميع برعب فأكمل بأمر: تعالي يا آنسة عايزك في المكتب... والتف بجسده واتجه إلى غرفة مكتبه لينتظرها.
أما هي فتصنمت مكانها ولم تتحرك فنبهتها إيمان قائلة: روحي يا دودو شوفيه عايز إيه يا حبيبتي.
دهب بتيه: هو عايزني أنا؟
ضحكت هدى بخفة وقالت: هو في آنسة غيرك يا دودو، روحي يا بنتي ده دخل دخلة قطعت لي الخلف والله.
دلفت له وهي تفرك كفيها بتوتر ووقفت قبالته ثم قالت بصوت خفيض: نعم.
جواد بجمود: اقفلي الباب.
أغلقت الباب وقبل أن تستدير بجسدها ناحيته كان يلصقها به ويصحقها بجسده وهو يحيطها بيديه التي أسندها فوق الباب ثم قال بجنون: ينفع الصوت اللي مالي الدنيا ده؟
دهب برعب: أنا ما اتكلمتش.
ضغط عليها أكثر وقال بنبرة خرجت من جحيم غيرته عليها: ضحكتي... ضحكتي ضحكة حرقت قلبي... ليييه حد يسمعها غيري هاااااا انطقي!
دمعت عيناها رعبًا ولم تستطع الرد عليه، أمسكها من خصرها ثم رفعها لتجابه طوله والتهم شفتيها في قبلة ساحقة ليعاقبها على ما فعلته به حتى تذوق ملوحة دموعها، ففصلها وقال بهوس: قلبي اتحرق وأنا سامع ضحكتك الحلوة دي والرجالة مالية المكان... محدش له حق يسمعها غيري... اعتصر جسدها بيده وأكمل بجنون: مش كفاية إنهم قادرين يشوفوكي وأنا لاااا... ارحميني يا دهبي... أنا بتحرق من غيرتي عليكي... بتجنن وأنا مش شايف الناس بتبص لك إزاي... حافظي على نفسك مني... وعشاني... أنا خايف عليكي مني.
دهب ببكاء: أنا ما اقصدش والله... أول مرة حد يهزر معايا كده... أول مرة حد ياخد رأيي في حاجة... لا دول بياخدوا رأيي في كل حاجة تقريبًا... فرحت ونسيت كل حاجة... وبقيت أضحك من قلبي... ما عرفتش إنك هتزعل... آسفة.
اعتصر قلبه حزنًا عليها ولكن لم يلوم حاله فهو عاشق يموت غيرة على صغيرته فلتتحمل جنونه بها... أهداها قبلة رقيقة ثم فصلها وقال: مش هقدر أحس إني غلطان... بس... لما سمعت ضحكتك افتكرتك وأنت في حضني من شوية وكنت هموت عليكي... خلاص ما بقتش قادر أبعد... بس لما افتكرت الرجالة اللي حوالي... قلبي اتعمى زي عيني... ما بقاش شايف غير إنهم بيتخيلوا شكل اللي بتضحك... وبيتمنوها... ضمها بجنون وأكمل: وأنتي بتاعتي محدش له حق يتخيلك غيري... أنا بعشقك يا دهبي... قلت لك استحملي جنوني بيكي... أسندها بذراعه ثم ملس على وجنتها بيده وأكمل بهمس يشوبه الرجاء: هتستحملي عشقي المجنون بيكي يا دهبي... ولا هتقولي تعبت... وتبعدي؟
كادت أن ترد إلا أنه أكمل بهذيان: بس اعرفي إن ما عندكيش حرية الاختيار على فكرة.
نظرت له بذهول ولم تستطع منع ضحكتها التي خرجت غصبًا من بين دموعها وعقلها لا يستوعب هذا الجنون... من أين يترجاها أن تتحمله وكيف يسلبها حق الاختيار.
ابتسم وقال بغلب: بتقولي مجنون صح؟
هل يقولون إنها طفلة... لا والله من يحتويها بين يده الآن أكبر طفل رأته عيناها... سحبت نفسًا عميقًا وأخرجته بتمهل ثم قالت بتعقل: لما بعدت عني... انعزلت عن الدنيا عشان ما كنتش عايزة فيها غيرك... تفتكر لما رجعت لي حياتي... ممكن أشوف غيرك؟
شوفني ببصيرتك يا جواد عشان تقدر تحس بيا... وما تقساش عليا... أرجوك.
جواد... تاه جواد... وقف عقل جواد... خفق قلب جواد... زادت نبضاته حد الجنون... دمه يغلي في عروقه وكأنه جمر ملتهب... ماذا حدث لك أيها السليط... أخرستك ببضع كلمات... ولكن... تلك الكلمات أحيت قلبك من جديد... هل تفهم معناها أيها الأحمق؟
تسرع حينما قال: أنتي بتحبيني يا دهبي؟
احمر وجهها خجلًا ولم ترد ولكن قلبها الخافق الذي شعر به نظرًا لالتصاقها به وشى بها، فضمها بجنون وهو يوزع فوق وجهها قبلات كثيرة يقول من بينها: مش مهم... ما تقوليهاش دلوقت...
بحبك... هموت عليكي يا دهبي... قطع وصلة عشقه طرقًا على الباب فزفر بحنق ورد بعصبية: نعمممم!
إيمان بخبث: اتلم يا سافل وهات البت عشان أبوك اتصل وقال جايين في السكة... لم نفسك ما تفضحناش... وفقط تحركت وهي تبتسم بفرح... أما هو فضحك بصخب وهو يقول بمزاح: أمي دي قفشاني دايماً.
دهب: كده... فضحتني... يعني هي عارفة أنت بتعمل إيه؟
سيدق رأسها... سيقطع لسانها الذي اعتاد على تلك الكلمات التي تثير أعصابه... تحكم في حاله بصعوبة وقال بعد أن أنزلها: دهب روحي اعدلي نفسك قدام المراية عشان مش عايز أتعصب عليكي.
ردت بطفولة: يعني أنت تغلط وكمان تتعصب، إيه ده يا ربي!
وضع يده في جيبه وقال: أنتي بتكلميني وحاطة إيدك في وسطك صح؟
جحظت عيناها وقالت بذهول: عرفت إزاي... أنت شايفني؟
ضحك... ضحك حتى جرحت أحباله الصوتية... ماذا يفعل بها... هدأ قليلًا وقال: احفظيها... أنا أعمى... بس عارف إن دي حركتك من زمان لما تقولي... إيه ده يا ربي... لازم بعدها تحطي إيدك في وسطك... حبيت أتأكد إن بنوتي ما اتغيرتش.
ابتسمت بفرحة وقالت: أنت صح... وفقط... وقفت أمام المرآة تعيد وضع حجابها الذي أفسده ذلك... السافل... ثم خرجت معه لترى ماذا ستفعل.
بعد قليل امتلأت السرايا بالعمال الذين يحملون الأثاث الجديد وبعض أهالي القرية الذين حضروا للمساعدة بعد أن أتى محمد وعبيد بشوار العروس ومعهم تلك الحية التي برغم أن حياتها انقلبت رأسًا على عقب بعد أن انكشفت حقيقتها أمام أختها وعبيد الذي كان يعلم بكل شيء منذ البداية... إلا أنها أتقنت تمثيل الفرحة... وأدت دور أم العروس على أكمل وجه وكأن شيئًا لم يحدث... ولكن نظراتها الغريبة لابنتها لاحظتها تلك الصغيرة بسهولة، فتشبثت بذراع إيمان التي تقف بجانبها فانتبهت لها وقالت بحنان: مالك يا دودو؟
دهب بهمس: خايفة... أصل في ناس كتير وأنا مش بحب كده.
ربتت على يدها وقالت بحنو: لازم تتعودي يا حبيبتي، خلاص انسي العزلة اللي كنتي فيها وبعدين أنا جنبك مش هسيبك لحظة.
ردت عليها بطفولة ورجاء: بجد؟
ابتسمت لها وقالت: آه بجد، دي وصية جواد يا دودو، قال لي يا ماما ما تسيبيش دهب لحظة.
ابتسمت بفرحة وتحاشت النظر لأمها التي تجاورها فاطمة وينظران لها بتوعد... ماذا سيحدث إذ اجتمعت عقربة وحية رقطاء... الستر يا ستير.
مرت الأيام المتبقية بسرعة البرق فقد انشغل الجميع في ترتيب عش الزوجية ولم يخلو ذلك الوقت من مشاكسات جواد لصغيرته وكأنه عاد مراهقًا من جديد... فقد أقامت هي وأمها في السرايا كما طلب جوادها من قبل... حتى كان من المفترض أن يذهبوا إلى منزلهم قبل يوم الحناء بليلة ولكنه أصر ألا يتركوا السرايا إلا يومها، وقد أرسل معهم أمه وهدى، وبرغم جنون فارس نظرًا لبيات حبيبته لدى دهب إلا أنه اضطر أن يتحمل بعدها تلك الليلة من أجل أخيه الغالي فقد طلب منه ذلك نظرًا لخوفه على دهبه من أن تحزنها تلك الحية التي يقلقه صمتها المريب.
والغريب في الأمر أن توحيدة لم تعترض بل لم تحتك بدهب ولم تغضبها في تلك الفترة، كل ما كانت تفعله هو النظر لها بوعيد أرعبها.
تجمعت النساء في منزل دهب للاحتفال بيوم الحناء كما المتعارف عليه... وحينما أرادت توحيدة أن تهتم بتنظيف جسد ابنتها مثلما يحدث مع العرائس وجدت إيمان ترفض رفضًا قاطعًا وهي تقول: لاااا ما تتعبيش نفسك، جواد جايب لها صاحبة أكبر بيوتي سنتر في مصر جاية دلوقت هي وبنتين عشان يجهزوا دهب من كله.
جنت توحيدة وقالت: إزاي يعني... أنا لا يمكن أسمح إن بنتي تتكشف على حد غريب... كان المفروض ياخد رأيي الأول.
إيمان بتجبر: هو اتفق مع دهب وأظن دي حاجة تخصهم، واحد عايز يدلع مراته إيه اللي يزعلك... وبعدين الحاجات اللي في دماغك دي بقت موضة قديمة وبلدي أوووي يا توحة... دلوقت في حاجات جديدة بيشتغلوا بيها ده غير الماسكات والحمام المغربي... حاجات كتير محدش فينا هيفهم فيها.
وقفت تغلي كالمرجل ثم قالت وهي تجز على أسنانها: عاجبك الكلام ده يا ست دهب، ده أنتي كنتي في جرة وطلعتي لبره... هتسيبي الغرب يشوفوا جسمك؟
إيمان بغضب: إياكي تفكري تنكدي على البت سامعة... مش هسمح لك تكسري فرحتها... شردت بعيدًا وقالت: دي أمانة في رقبتي... وإذا كنت فرطت فيها قبل كده دلوقت لااااا... نظرت لها بقوة وأكملت: طبعًا فهماني ياااا... توحة.
اهتزت بداخلها رعبًا من تلك الكلمات التي فهمت.
معناها على الفور، ولكن لن تخرج مهزومة. تحولت في لحظة وقالت بحزن لتستعطف تلك البريئة:
"خلاص استغنيتِ عن أمك يا دهب، وأخذوكي مني. وأنا ماليش غيرك، غسلوا دماغك عشان تكرهي أمك حبيبتك اللي مالهاش غيرك."
كادت أن ترد عليها من بين دموعها المنهمرة إلا أنها وجدت هدى تدخل عليهم وتقول بتهليل:
"الناس وصلوا يا دودو، حتى الست الحنانة وصلت. أنا وصّيتها ترسم لك الحنة في الأماكن اللي جواد وصاني عليها."
أعقبت قولها بغمزة وقحة مما جعلها تحمر خجلًا وتضحك إيمان عليها. أما تلك الحقيرة فنظرت لهم بغل وقالت قبل أن تتركهم وترحل:
"احتليتوا بيتي وكأنه بيت أبوكم!"
احتضنت إيمان تلك الباكية بحنان ثم قالت:
"كبري دماغك منها يا بنتي، حقك عليا أنا."
أبعدتها ثم نظرت داخل عينيها وقالت بقوة:
"النهاردة حنتك يا دهب، وبكره فرحك على جواد، الغالي، اللي ما حبش ولا هيحب حد قدك في الدنيا. اسأليني أنا على عذابه في بعدك. ابني كان بيبكي بدل الدموع دم في حضني وهو بيتقطع من جواه ويقول لي: مش قادر أتحمل يا ماما، وحشتيني، بس مش هقدر أقرب منها. تخيلي واحد أطول مني وظابط قد الدنيا يبكي زي العيل وهو بيشتكي لأمه. وأنتِ اللي شفتيه وعشتيه ما كانش قليل يا بنتي. انسِي، وافرحي، اليوم ده بييجي في العمر مرة واحدة، مش بيتكرر تاني. عيشيه بكل تفاصيله، لأنك لو فكرتِ تركزي معاها وتزعلي، هتعيشي طول عمرك ندمانة إنك ضيعتِ فرحة عمرك عشان حاجة ما تستاهلش."
نظرت بحنان وأكملت:
"فهماني يا قلب الغالي؟"
ابتسمت لها وأخذت تمسح دموعها وهي تشعر أنها ولدت من جديد وبداخلها طاقة هائلة تريد إخراجها على هيئة رقص، غناء، صخب، ضحك. ستفعل كل شيء يصبح ذكرى سعيدة لهذا اليوم. لن تسمح لأحد مهما كان أن يسرق فرحتها وينتزع منها عشقها. ارتمت في أحضان تلك الأم الحانية وهي تقول:
"ربنا يخليكِ ليا يا ماما."
ابتعدت وقالت برجاء:
"ممكن أقول لك يا ماما؟"
ضمتها إيمان بحب وقالت:
"أحلى ماما سمعتها يا أحلى دودو."
مسحت هدى دموعها التي هبطت تأثرًا بما حدث وحاولت المزاح قائلة:
"يا سلام يا ست ماما، يعني راحت عليا أنا وأولادك؟ طب والله لأقول لجواد إنك عمالة تحضني في دهب."
ضحكن معًا تزامنًا مع دخول العاملات اللائي أرسلهن جوادها ليهيئنها ليوم الزفاف.
بعد أن تعرفوا عليها وجدوها متشبثة في إيمان خوفًا ولن تجد بداخلها الجرأة على كشف جسدها أمامهم، وفي ظل محاولات إقناعها رن هاتف إيمان باسم غاليها فابتسمت وهي ترد عليه قائلة:
"جئتِ في وقتك والله."
فهم عليها وقال:
"ادهالي."
أعطت الهاتف لدهب وبعد أن وضعته على أذنها وجدته يقول بحنو:
"ادخلي البلكونة عشان تتكلمي براحتك يا ديبو."
تحركت تجاه الشرفة فوجدته يقول:
"حبيبتي، إحنا اتفقنا على إيه؟ أنا مش هبعت لك حد يضرك يا روحي، لو مش واثق فيهم مليون في المية ما كنتش بعتهم لك، وكمان هدى هتفضل معاكِ مش هتسيبك."
زفر بحنق وأكمل:
"مع إني هموت من الغيرة عشان هيشوفوا حاجتي بس معلش كله يهون عشان خاطر عيونك."
دهب بهمس:
"بس أنا مكسوفة أوي يا جواد، ما بقتش خايفة أوي بس هموت من الكسوف."
ضحك بهدوء ثم قال بوقاحة:
"افضلي قولي جواكِ: أنا بعمل كده عشان خاطر حبيبي. مش أنا حبيبك يا دهبي؟"
احمر وجهها خجلًا وقالت:
"جواد!"
نفخ بقوة وقال بجنون:
"يا بنت، خلي الكام ساعة اللي فاضلين دول يعدوا على خير أنا ماسك نفسي بالعافية."
دهب:
"الله، وأنا عملت إيه؟"
جواد بعشق:
"جواد بطريقتك دي بتجننيني يا ديبو، ببقى عايز آكل شفايفك الحلوة اللي بتنطقها. عرفتِ عملتِ إيه؟"
ضحكت بهدوء وقالت:
"طب خلاص، حقك عليا."
جواد:
"حبيبتي والله حبيبتي. يلا روحي للناس اللي مستنياكِ دي، أنا قلت بس أكلمك عشان تطمني."
دهب باستغراب:
"وأنت عرفت منين إني خايفة؟"
تنهد بعشق خالص وقال:
"قلبي قال لي، يا بنت قلبي."
ها قد جاء اليوم المنتظر وطلت صغيرتنا بأبهى صورة يمكنك أن تراها يومًا. بكى والدها فرحًا بها وحزنًا عليها. تجمدت توحيدة مكانها بعدما رأتها بكل هذا الجمال. طار قلب إيمان والفتيات فرحًا بعدما رأوها بذلك البهاء.
أما جوادها فقد فعل لأجلها ما لم يخطر على عقل بشر.
والجميع تفاجأ بفعلته إلا فارس ومصطفى الذين نفذوا ما يريده.
قد خالف كل التوقعات بدلًا من أن يرتدي حلة أنيقة مثل أي رجل في ذلك اليوم، ارتدى جلبابًا أبيض فوقه عباءة سوداء شفافة. لف فوق رأسه عمامة سوداء. جهز فرسه بسرج من فضة جعل مظهره مبهرًا للغاية. أحضر جملًا ووضع فوقه هودجًا ملكيًا جهزه خصيصًا لها. كان ذلك حلمها وهي صغيرة.
حينما سمعوا صوت الطبول والأصوات الصاخبة خرجت هدى وجيهان إلى الشرفة وحينما رأوا هذا المنظر شهقوا ودمعت عيناهما من الفرحة.
هرولت هدى إلى الداخل وهي تقول بصراخ:
"ماما! جواد جاي بالأدهم وجايب هودج لدهب."
تصنمت مكانها وعقلها لا يستوعب ما سمعت. عادت بذكراها سريعًا إلى أكثر من سبع سنوات حينما كانت تجلس معه في الحديقة وقد أحضر لها عروسًا بفستان أبيض كما طلبت منه قبل أن يسافر.
مازحها قائلًا:
"لقيت لعبة عريس لابس بدلة بس شكله ما عجبنيش."
دهب بجدية:
"أحسن، مش عايزاه لابس كده أصلًا."
جواد:
"ليه يا ديبو، ما العريس لازم يلبس بدلة."
دهب:
"لا، أنا هخليك تلبس قفطان أبيض وتلف عمة سودة عشان شكلها أحلى من البيضة وتركب حصان، وكمان تعمل لي بيت كبير فوق جمل زي بتاع الملكة عارفه؟"
نظر لها بذهول وقال:
"آه عارفه، بس أنا هلبس كده ليه؟"
دهب بحنق:
"عشان أنت عريسي يا جواد افهم بقى! إيه ده بس يا ربي!"
عادت من شرودها على إيمان وهي تبكي وتقول بفرحة عارمة:
"الله أكبر عليك يا ابني يحميك من العين."
لم تصدق ما رأته عيناها. أما هو حينما سمع زغاريد النساء علم أنها تقف في شرفتها. رفع رأسه تجاهها وكأنه يراها وعلى محياه أجمل ابتسامة رسمت على وجهه يومًا حتى ظن من حوله أنه يراها.
هبط بها والدها إلى الأسفل وخرج بها حتى وصل إليه. وجده هبط من فوق جواده ويقف أمام الباب في انتظارها بقلب لهف.
أمسك كفها ووضعها في يده وهو يقول بدموع:
"أنا سلمتك حتة مني يا ابني، حافظ عليها."
ثم همس:
"وعوضها."
رد عليه بنبرة تقطر عشقًا والجميع يقف في سكون تام تبجيلًا لهذا الموقف المؤثر:
"في قلبي وفي دمي اللي بيجري فيه، وأنت عارف."
ابتسم الأب فرحًا. أما هو، ماذا يفعل؟ ضمها بحنو وهو يهمس لها قائلًا:
"نورتِ قلبي ودنيتي يا دهب الجواد."
أعقب قوله بحملها وتحرك بها عدة خطوات مع صوت فارس الذي ينبهه بذكاء لطريقه وهو يقول:
"الجمل قاعد بأدب أهو، شكله خايف منك يا جواد هههه."
فهم على أخيه وتحرك تجاه الصوت. وضعها بتمهل داخل الهودج وقلبها يكاد يقفز من مكانه فرحًا وخوفًا. انطلقت أصوات الأعيرة النارية وأصوات الطبول والزغاريد بعد أن جعل الجمل يقف بها ثم صعد فوق جواده وهو محتفظًا بلجام الجمل في يده.
بدأ الفرس يمشي بتمهل وحركات راقصة ببراعة فرحًا بصديقه وهي تشاهد فرحته المرتسمة على وجهه من الأعلى.
كان المشهد حقًا رائع.
رواية جواد ودهب الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فريدة الحلواني
ما بك يا قلبي؟ قد آلمتني من شدة فرحتك. اصبر قليلًا، قليلًا فقط. أشعر بلهفتك، باشتياقك، بتمنيك لوجودها بين يديك الآن... لكن مهلًا، صبرت كثيرًا، ما بقي إلا القليل.
اهدأ أيها الجواد. ستودي بهيبتك إلى التهلكة أمام الجميع إذا اتبعت جنونك. ترى ماذا تفعل الآن؟ بالتأكيد تنتظرك. هل يصح أن تتركها تنتظر؟ ألم تعلم أنها تخاف بدونك؟ ألم تجرب لهيب الانتظار؟ لما إذًا تتركها تذوق ويلات وجع الانتظار؟
كل هذا الجنون كان يدور داخل خلده وهو مفصول تمامًا عما يحدث حوله من احتفالات ورقص وغناء وموائد مليئة بشتى أنواع الأطعمة. لا يهمه كل هذا، كل ما يريده أن يصعد لها، فقد انتظر ساعة من بعد وصولهم. ألا يكفي هذا؟
تحرك من مكانه واتجه ناحية ركن بعيد ليستطيع التحدث مع أمه بعيدًا عن هذا الصخب.
وقف في مكانٍ هادئ وقام بالاتصال عليها، وحينما ردت قال بلهفة:
"أنتي فين يا ماما؟"
إيمان:
"فوق في جناحك يا حبيبي."
جواد:
"طلعتيها زي ما قولتلك ولا أمها قعدتها مع النسوان عشان يبحلقوا فيها؟"
نظرت لتوحيدة التي تنظر لها بغل ثم قالت:
"ثواني هدخل أكلمك من المكتب."
ألقت نظرة لهدى مفادها: "متتحركيش من هنا." فهمت عليها دون حديث.
أغلقت الباب خلفها وقالت:
"يابني أنا عملت زي ما قولتلي، دخلنا بيها ومقعدتش حتى والله الناس باركولها وقدمولها الهدايا وهي واقفة اديتها لهدى وخدتها وطلعت."
جواد باهتمام:
"والحيزبونة... أكيد زعلتها صح؟"
إيمان:
"كانت هتتشل عشان البت تقعد بس أنا صممت وطلعت معانا بس متخافش مدخلتهاش أوضة النوم ومش سيباها أنا وهدى... بس عمالة تبص للبت بصات غبية لما مخلياها ميتة في جلدها يا حبة عيني."
جواد:
"خلي هدى معاها وهاتي بنت الكلب دي وانزلي عشان أنا داخل دلوقت."
إيمان بذهول:
"إزاي يابني لسه بدري؟ عشان الناس اللي جيالك من آخر الدنيا... اصبر شوية ومتخافش عليها والله أنا مش هاسيبها."
جواد بتصميم:
"مامااااا... أنا قولت كلمة... تولع الناس أنا أصلًا زهقت وحاسس إنهم بيتفرجوا عليا... اتخنقت يلا عشر دقايق وهدخل سلام."
وأغلق معها، وقبل أن يخطو خطوة وجد أخيه يقول:
"إيه يابني الجنان ده؟ الناس تقول عليك إيه؟"
جواد بهمجية:
"###... يلا عشان أنا مش هقعد دقيقة واحدة."
تفهم أخيه موقفه وإحساسه فأمسكه من ذراعه وقال بمغزى:
"أوعى يا جواااااد."
فهم ما يعنيه أخيه فرد بتنهيدة حارة:
"مش قادر يا فارس هموووت."
فارس بتعقل:
"بعيد الشر عنك يا حبيب أخوك... أنا حاسس بيك والله... بس اصبر فات الكتير مبقاش إلا القليل... متبوظش كل اللي عملناه."
جواد:
"مش هتاخد بالها."
فارس:
"خلينا في المضمون... وغلاوة دهب عندك اسمع كلامي... والأيام جاية كتير."
جواد بحزن:
"بس ده أهم وأحلى يوم كنت بتمناه من سنين يا فارس."
رد عليه أخيه بمهادنة:
"كله يتعوض مدام بقت معاك وربنا يجعل كل أيامكم اللي جاية خير."
زفر بهم وقال:
"ماشي... خلاص والله... بس يلا خليني اطلع اتخنقت."
وصلا إلى منتصف الحديقة فأشار فارس إلى مصطفى فاتجه ناحيتهم سريعًا. وجد فارس يخرج سلاحه الناري ويرفعه للأعلى ليطلق عدة أعيرة نارية. فهم مصطفى ما يريده فقام بفعل المثل. وقف عبيد بجانب محمد وقال بغيظ:
"الواد اتجنن وشكله هيسيب الفرح ويطلع... يا ولاد الكلب هتفضحوني... العيال اتجنت."
ابتسم محمد وقال بفرحة:
"كنت عارف إن جواد مش هيقعد أكتر من كده."
التفت إليه وأكمل بقلب ممزق:
"سيبه يفرح بحبيبته يا عبيد الناس ملهية في الأكل والرقص."
التف حوله الرجال ليقوموا بتهنئته ولكن ذلك الخبيث... أراد أن يكسر فرحته فقال بغل:
"مبروك يابن عمي... استنى أجي أوصلك ولو محتاج مساعدة أنا موجود."
صمت الجميع بوجل في انتظار رد هذا الذي فهم المعنى مثلهم. أشار له ليقترب وكأنه سيهمس له ولكن بمجرد أن تحرك وجد رأس جواد ترتطم بأنفه الذي خرج منه شلالًا من الدماء تزامنًا مع صرخاته المتألمة. ضحك الجميع عليه أما هو فقال باستهزاء وقح:
"كنت عايز تردلي الجميل لما ساعدتك يوم فرحك يابن عمي... بس للأسف أنا أساعدك آآه... إنما... أنت فاهم بقى."
رفع يده كإشارة للتحية وقال بصوت جهوري:
"شرفتونا يا رجالة، البيت بيتكم."
صعد إلى الأعلى بمصاحبة أمه وتوحيدة وسط زغاريد النساء العالية.
كان يصعد بهيبة حاول الحفاظ عليها ولكن قلبه الملهوف يأمره بالإسراع.
وصل أخيرًا... فتحت له هدى. وقف في منتصف الصالة وقال بتبجح:
"شكرًا... نورتونا والله... شوفوا ضيوفكم بقى."
نظرت له بصدمة مع شهقتها العالية فابتسم وقال:
"أنا مش بطردهم... أنا بس خايف الضيوف تزعل."
توحيدة بغل لم تستطع كتمانه:
"والللله من أولها بتطردني من بيت بنتي... "
نظرت له بخبث وأكملت:
"عالعموم كويس إنك طلعت بدري عشان تخلص وتسلمني شرف البت عايزة أطمن قبل ما أمشي."
شهقت إيمان وهدى بذهول من تلك المتبجحة.
أما هو جز على أسنانه وقال بغضب مكتوم:
"ميخصكيش."
برقت عيناها وقالت:
"هو إيه ده اللي ميخصنيش؟ دي بنتي... لازم أطمن."
أكملت بكره وكذب:
"مش يمكن عملت فيها حاجة وهي صغيرة وجاي دلوقت تصلح غلطتك؟"
بكت... نعم بالطبع تبكي قهرًا من ذلك الحديث السام والذي يخرج من من... من أمها... يا اللللله!
لم ينتوِ الانتظار أكثر... أمسكها من ذراعها بقوة وسحبها خلفه إلى الداخل وسط صرخات استغاثتها ولكن أحدًا لم يتحرك من مكانه.
أغلق عليهم باب المكتب وقال وهو يغرس أظافره في لحمها بتهديد صريح:
"لحد هنااااا وكفاية يا بنت الكلب... أنتي اللي جبتيه لنفسك... قسمًا برب العزة لو ما غورتي في ستين داهية من هنا وأنتي حاطة في بوقك أوسخ جزمه لكون مبيتك انهارده في السجن... وأنتي عارفة ليه كويس... لو حابة تفتحي الدفاتر القديمة... دوسي لدهب على طرف بس... هخليكي تشوفي الجحيم على الأرض وتتمني الرحمة ومطوليهاش... ساااااامعة... ولا أجيبلك صباح؟"
جحظت عيناها رعبًا بعد سماع كل هذا... ولكن ما جعلها تموت رعبًا هو ذلك الاسم... من أين سيأتي بها الآن؟
خرجت في صمت مهيب دون النطق بحرف وفي طريقها للأسفل وجدت فاطمة أمامها فقالت بتعجل قبل أن يراهم أحد:
"لازم تخلصي بسرعة قبل ما يفوق م اللي هو فيه... جواد ناوي يفتح في القديم ولو ده حصل..."
نظرت لها بتهديد وأكملت:
"مش هروح في داهية لوحدي يا... بنت أختي."
حاولت إيمان وهدى تهدئتها ببعض الكلمات الحانية خاصًا بعد خروج تلك الحقيرة دون أن تنظر لهم ولكنها حقًا كانت تتألم بداخلها.
خرج لهم جواد بعد أن تمالك أعصابه وقال بهدوء:
"سيبيها يا ماما أنا هعرف أهديها."
ضحكت هدى محاولة المزاح:
"آآآه تهديها ولا تهدها يا لئيم؟"
ضحك معها وقال:
"أيهما أقرب."
تحركت إيمان تجاه الباب وهي تقول:
"كفاية علينا لحد كده، اطردنا مرتين في خمس دقايق يلا يا هدى ناخد اللي باقي من كرامتنا اللي اتبعزقت ونمشي."
صدقت تلك البريئة ما تقوله فاتجهت لها سريعًا تتمسك بها وتقول:
"لا يا ماما متزعليش هو ما يقصدش اقعدي براحتك والله."
ضحك الجميع عليها... ووجدت ذلك الوقح يحاوط خصرها ويقول:
"دي حركات الأم المصرية سيبك منها... يلا يا حاجة طريقك أخضر ورايا ناس عايز أهدها... قصدي أهديها يعني وكده."
ضحكوا عليه بصخب وهو يغلق الباب خلفهم باستعجال وما زال يحبس صغيرته تحت ذراعه... ارتعش جسدها مع صوت الباب ولكنه لم يعطها الفرصة حينما شعر بتململها.
حملها بذراع واحدة واتجه بها للداخل ثم جلس على الأريكة المواجهة للباب واضعًا إياها فوق ساقيه ودون أن يتفوه بحرف التهم ثغرها في قبلة صاعقة وكأنه ظمآن ووجد نهرًا من العسل الصافي أخذ ينهل منه بنهم... فصلها وقال بصوت لاهث:
"مكنتش هقدر أتكلم غير لما أعمل كده."
كوب وجهها وقال بصوت يقطر عشقًا:
"وحشتيني يا دهبي... أخيرًاااا."
لم تستطع الرد عليه من خجلها.
ملس على وجنتها بحنان ثم قال:
"عايزك تنسي أي حاجة حصلت... انسي السبع سنين اللي مكنتش موجود فيهم معاكي... انهارده هتبدئي من جديد... هتتولدي في حضني وهتفضلي فيه... محدش أبدًا هيقدر يبعدك عني ولا يعملك حاجة طول ما أنا موجود... أنا سندك وضهرك... وأمانك من الدنيا وما فيها... حطي دماغك على كتفي واسندي عليه من غير ما تفكري ولا تشيلي هم... اتفقنا حبيبي؟"
ردت عليه بهمس:
"اتفقنا."
قبلها برقة وهو يحاول أن يتمالك حاله حتى لا ينقض عليها ويخيفها ثم فصلها وقام بحملها ليتوجه بها نحو الداخل وهو يقول:
"تعالي بقى نكمل كلامنا جوه عشان نبقى براحتنا يا دهبي."
أنزلها فوق الأرض في وسط غرفة نومه ثم قال وهو يحاول فك طرحتها:
"أنتي مغيرتيش فستانك؟"
ردت عليه بخجل:
"ماما كانت عايزة تغيرلي بس ماما إيمان رفضت وقالتلها جواد موصيني تفضل بيه."
ترك ما يفعله وعقله يعمل كالمرجل... فهو بين نارين... نار قلبه التي تطالبه بفعل ما يريد... ووعده الذي أعطاه لأخيه... لمن ستكون الغلبة؟
بالطبع لقلبه المتلهف.
قال بتسرع وهو يتجه نحو غرفة الثياب:
"خليكي زي ما أنتي متتحركيش ثواني وراجعلك."
دلف سريعًا وهو ينزع عنه ثيابه بتعجل ثم وقف أمام المرآة وأسند كفيه فوق التسريحة يحاول ألا يفعلها... ولكن... لن يستطيع... سيموت قهرًا إن لم يفعلها.
بعد لحظات خرج إليها وبيده علبة كبيرة ملفوف حولها شريط ستان أحمر وفوقها علبة صغيرة مغلفة بالقطيفة الزرقاء... حاول التمهل ولكن وجيب قلبه لم يعطه الفرصة.
ترك ما بيده فوق الفراش ثم وقف قبالتها وعيناه تتطلع لكل إنش فيها وكأنه يراها.
حتى هي لاحظت ذلك فقالت باستغراب:
"أنت شايفني؟"
حزن بداخله وقال:
"أنتي ليه مصممة دايمًا تفكريني إني أعمى... أنا بمشي عيني عليكي عشان أحاول أتخيلك... بس شايفك بقلبي."
دمعت عيناها حزنًا من غبائها وقالت باعتذار:
"آآسفة والله آسفة مقصتش... آآآ... أصل."
ابتسم وقال:
"محصلش حاجة يا دهبي... تعالي أساعدك عشان تغيري."
احمرت خجلًا وقالت:
"آآآ... لا... أنا هعرف لوحدي."
لف ذراعه حول خصرها بقوة وقال:
"انسي... أنا بقالي سنين بحلم باللحظة دي... أخلعك فستانك بإيدي."
قبلها بقوة وأكمل:
"وألبسك قميص النوم بإيدي."
كان يخلع عنها طرحتها وهو يتحدث... شعر بتخشب يدها بعدما أسندت على صدره واكتشفت أنه عارٍ... لم يهتم بل أكمل ما يفعله بعد أن فتح سحاب فستانها... أزاحه عنها ويده الفاجرة كانت تلمس ما يظهر من جسدها بوقاحة... ولم يكن لديها القدرة على الاعتراض... ضمها لصدره ودفن رأسه في تجويف عنقها يوزع قبلاته المحمومة عليها وفي نفس الوقت يحل وثاق حمالة صدرها التي نزعها عنها ورماها أرضًا... بمجرد أن شعر بملمس مقدمتها الناعم الذي لامس صدره... فقد آخر ذرة تحكم داخله.
حملها من خصرها لافًا ساقيها حول خاصته والتهم ثغرها بأسنانه الحادة إلى أن تذوق طعم الدماء ولكنه حقًا... لم يهتم... فقد أصبح مغيبًا تمامًا عما يفعله... تحرك بها نحو الفراش ولكن في طريقه ألصقها بالحائط بعنف ثم أسندها من خلفها لينزل على مقدمتها يلتقم حلمتها بجنون... صرخت ألمًا فابتعد وقال بهوس:
"أنتي حلوة أوي يا دهبي... مش هقدر أمسك نفسي... آسف."
وفقط... ظل يوزع عضاته حول رقبتها ومد يده ليمزق لباسها التحتي حتى يستطيع إدخال يده في أسفلها ليثيرها أكثر وتتقبل ما سيفعله بها... ومعها... وجد شبقها قد أغرق يده فأخذها إلى الفراش دون حديث يُذكر... وضعها عليه ووقف قليلًا... يتنفس بعنف... مال بهدوء ينافي ثورته ثم مد يده يتحسس مقدمتها اليمنى وآخر جزء في بطنها ثم قال:
"رسمتي عليهم الحنة؟"
هزت رأسها علامة الموافقة فقرصها من ودريتها وقال:
"ررردي عليا... أنا أعمى مش هشوف هز رأسك."
آآآآه... هكذا صرخت ألمًا فمال عليها يقبلها برقة ويقول بهمس مغوي:
"وجعك؟"
قبلها وقال:
"حقك على قلبي حبيبي."
وفقط... التهمها... لم يترك إنشًا في جسدها إلا ووضع فوقه علامة ملكيته... والصغيرة تتأوه ألمًا ورغبة لا تعلم ماهيتها حتى الآن... جن جنونه حينما لامس أسفلها بفمه... فقام بعض ظهرها فـ... آآآآآه... مد يده يداعب ورديتها ووحشه الثائر قد وصل لذرته... ارتفع ليتمدد فوقها ويقول بهمس ويده تعتصر مقدمتها ووحشه يحتك بأسفلها...
"دي الحاجة اللي قولتلك عليها... هي اللي فاضلة بينا يا دهبي."
نظرت له بعدم فهم وجسدها أصبح متصلبًا أسفله... فما كان منه إلا أن يكتم ثغرها بفمه ويخترقها... صرخت بداخل فمه وتشنج جسدها رعبًا من هول ما حدث... فإذا كان تقرب منها في الأيام السابقة... فإنه لم يقل لها على ما سيحدث الآن... تغيب عقله عن ألمها وتشنج جسدها... كل ما يشعر به الآن أنه... بداخلها... ودماؤها الطاهرة أغرقت وحشه... شعر بسخونتها فوقه... ظل ثابتًا ولكنه فصل قبلته لتتنفس... وقال:
"مبروووك يا دهبي."
بكت بقوة وحاولت إبعاده عنها والرعب احتل كل خلية بها فما كان منه إلا أن يضم يداها الاثنتين بيد واحدة ويرفعهما فوق رأسها وهو يقول:
"اهددددي... خلاص... مفيش وجع تاني."
أكمل بصوت يملأه الرغبة مع بدء تحركه داخلها:
"مش هقدر مكملش... هخلص وأفهمك... اهدي."
كانت تغلق عيناها بقوة وتبكي برعب... ففي أقصى تخيلاتها لن يخطر ببالها ما يفعله الآن... ضيق فتحتها اللهبة فغفل عن ألمها وخوفها... سأراضيها فيما بعد... الآن... استمتع بحبيبتي أسفل جسدي المشتاق لها... هكذا قال لحاله وهو يسرع من حركته حتى ينتهي سريعًا ويراضيها... ويعلمها... ويفهمها ما حدث... آآآآآخ... هكذا زمجر بصوته وهو يأتي بخلاصته داخلها... عندما انتهى لم يخرج منها بل ارتمى فوقها بعد أن ترك يدها وأخذ يوزع قبلات فوق ثائر وجهها وهو يقول بجنون...
"بقيتي مراتي بجد يا دهبي... مش قادر أصدق... هتجنن."
ردت عليه من بين بكائها المرير:
"آآآ... آآآيه اللي أنت عملته ده... أنا خايفة ومش فاهمة."
هنا فقط عاد لرشده فاعتصر جفنيه وهو يعض شفته السفلى غيظًا من حاله... تنهد بعمق ثم استل وحشه من داخلها وحرك جسده من فوقها حتى يجلس فوق الفراش ويسحبها داخل أحضانه مثل الرضيع.
أخذ يملس على شعرها بحنان ودموعها التي تلامس جلده أحرقته وجعلته يريد قتل حاله ولكن... وسط سبابه اللاذع داخله وجد ثغره يبتسم بحلاوة حينما ارتعش جسده تزامنًا مع تذكر شعوره منذ قليل... مختل... حقًا مختل أيها الجواد.
قبل أعلى رأسها بقوة حتى يفيق ويحاول تهدئتها.
ملس فوق ذراعها وقال بحنو:
"حبيبي ممكن تهدي عشان تقدري تفهمي اللي هقوله."
ردت من بين شهقاتها:
"مش... عارفة... قلبي وجعني... وكمان... آآآ..."
لم تستطع إكمال حديثها الذي فهمه على الفور... ربّت على كتفها وقال:
"سلامة قلبك من الوجع يا حبيبي... أنتي بس عشان مش فاهمة اللي حصل حاسة بخوف... والوجع التاني دي حاجة طبيعية عشان أول مرة يحصل كده بمجرد ما هقعدك في مية دافية جسمك هيفك."
دهب بهمس:
"مش فاهمة."
همس.
بداخله: افهمها بلدي ولا علمي دي، أوف يا ربي!
أبعدها قليلًا ليُقوِّم وجهها ويقول برفق:
هفهمك كل حاجة وهشرحلك بالتفصيل، بس استنيني ثواني وراجعلك.
قبلها بسطحية وأكمل:
تمام حبيبي.
كادت أن تهز رأسها، لكن تذكرت ما حدث قبل قليل فقالت:
حاضر.
وضعها برفق فوق الفراش، ثم اتجه إلى المرحاض وفتح صنبور المغطس حتى امتلأ بماء دافئ ووضع به زيوتًا عطرية يستعملها دائمًا لتساعده على الاسترخاء.
خرج لها مجددًا ثم حملها بين ذراعيه وهو يقول:
تعالي بقى عشان تقعدي في ميه سخنة وأنا بشرحلك.
أعقب قوله بقرص خلفها التي أسفل يديه.
دفنت رأسها بصدره وهي تقول بخجل مميت:
عيب يا جواد، أنت قليل الأدب أوي بجد.
ضحك بصخب وهو يجلس داخل الماء ويجلسها بين ساقيه ثم قال:
مرحلة العيب عدت خلاص.
ضمها إليه من الخلف وأكمل:
إنما ليفل قلة الأدب جاي في الطريق مش هيتأخر يعني، هههههه.
وضعت يدها فوق وجهها لتداريه من شدة خجلها ووقاحته التي ظهرت عليه ببذخ. حينما وجدت يده تستبيح مفاتنها بفجور، أمسكت يده التي تعبث أسفلها لتوقفه عما يفعل، فقام بامتصاص شحمة أذنها ثم قال:
بدخلك الميه يا حبيبي عشان تخفي بسرعة.
ما هذه البراءة الكاذبة التي يتحدث بها.
ردت عليه بغيظ:
على فكرة بقى أنا بدأت أفهم حركاتك قليلة الأدب دي، بس خلاص مش هتضحك عليا تاني.
ضحك ضحكات رجولية أهلكتها ثم قال وهو يقرص بظهرها بمزاح:
حلو أوي إنك فهمتي حركاتي، بس مش عشان ما أعملهاش تاني، عشان تساعديني فيها.
التفت له بجسدها لتقابل وجهه بوجهها ثم قالت بجدية:
جواد هو اللي حصل ده عادي، ولا أنت بتستغل إني مش فاهمة حاجة؟
صمت للحظة ثم قال بجدية:
اللي حصل ده هو اللي المفروض يحصل عشان تتحولي من بنت لست، بس الطريقة بتختلف من راجل للتاني، في راجل غبي بياخد شرف مراته عافية، وفي بيصبر عليها، وفي بيعاملها بحنية.
دهب:
وأنت بقى أنهي فيهم عشان ما كنتش مركزة؟
ابتسم وقال بعشق:
أنا كل دول في بعض، وضيفي عليهم إني راجل عاشق، يعني أخدتك بغباء، وعاملتك بحنية، وأهو قاعد صابر عليكي عشان تهدي شوية وأكمل.
نظرت له بذهول وقالت:
تكمل إيه أنت حتى ما قلتش حاجة، جوااااد!
أمسك شعرها بعنف والتهم شفتيها بقبلة جامحة ثم فصلها وقال بتهدج:
أهي جواد دي مش هتخليني أعرف أقول كلمة.
دهب بأنفاس لاهثة:
يعني إيه؟
أخذ يشرح لها بهدوء ما حدث وطبيعة العلاقة بين الزوجين بمنتهى التعقل، ولكن يده التي أهلكت أسفلها كانت بعيدة كل البعد عن هذه الحكمة التي يتحدث بها. نظف لها جسدها بحنو وهو يحاول إسكات وحشه الثائر، ولكن كيف يفعلها وصغيرته تجلس بين يديه.
أنهى حديثه بقبلة سطحية ثم قال:
فهمتي حبيبي؟
دهب بخجل:
آه فهمت، بس آآآه.
بدأ يوزع قبلاته الرطبة فوق عنقها من الخلف ويد تضاجع أسفلها والأخرى تفرك حلمتها وهو يقول بصوت ملأه الرغبة:
مش وقت كلام، أنا فهمتك، سيبيني أشبع منك شوية وبعدها نكمل.
قضم كتفها ثم أكمل:
ما تكتميش نفسك يا دهب، عايزة تقولي حاجة قوليها، حسسيني إنك معايا ومبسوطة باللي بيحصل.
أعقب قوله بفركها بقوة ثم أدخل إصبعين داخل فتحتها حتى يضاجعها بهم، والجميلة أصبحت في عالم آخر ولكنها تجهله. فلتتركه يفعل ما يريد ما دام في الحلال وبمعرفة الجميع. بدأت تتأوه باسمه وهو يثور أكثر كلما شعر بشبقها المنسال فوق إصبعيه. رفعها بخفة وفي لحظة كان يجلسها فوق وحشه لتخترقها. فآآآه. اعتصر مقدمتها بيديه ثم زمجر بجنون حينما وجدها تفرك فوقه بجهل. أمسكها من خصرها وبدأ يحركها فوقه بقوة وحينما وجد الوضع غير مريح لهما، قام بإبعادها ثم أمرها أن تركع داخل الماء وتسند بيدها فوق حافة المغطس. فعلت ما أراد وركع هو خلفها. اخترقها بجنون وأسند يدًا واحدة بجانب يدها واليد الأخرى حاوط بها خصرها ليحكم إغلاقه عليها ولوجه بها. ارتطام جسديهما معًا، صوت الماء الذي يتناثر حولهما من شدة حركته، كل هذا جعل مشاعرهما تثور حد اللعنة. حتى تلك البريئة غاب عقلها وتركت العنان لآهاتها الولهة بالخروج من حنجرتها، وجوادنا يسبح في النعيم إلى أن أتى بخلاصة بعدما جعلها تأتي بمائها مرتان فقط، والآتي أكثر ولكن صبرًا جواد.
بعد أن أنهى استحمامهما معًا قام بتجفيف جسدها برفق وألبسها ذلك الثوب الذي كان داخل العلبة ذات الشريط الأحمر والذي كان عبارة عن ثوب حريري من اللون الأحمر الناري، ملتصق بجسدها المغوي، ذو فتحة مثلثية تصل إلى سرتها، وفتحتان من جانب ساقيها لنصف ساقيها. ربط لها عقدته حول عنقها ثم أمسك العلبة الصغيرة وأخرج منها سلسالًا من الذهب الأبيض ويُتدلى منه جواد أسود مرصع بفصوص الذهب. أغلقه حول عنقها ثم قبله وقال:
يا رب تعجبك.
أمسكتها بيدها ونظرت لها بإعجاب صارخ ومن فرحتها التفت لتحتضنه وهي تقول بفرحة عارمة:
الله دي تحفة!
ضمها بفرحة لسعادتها وقال:
دي جواد الدهب، عملتها مخصوص علشانك يا حبيبي.
ضمته بحنو وقالت:
ربنا ما يحرمني منك.
ضمها أكثر وهو يرفعها من فوق الأرض واتجه بها نحو غرفة الثياب. أنزلها برفق أمام المرآة ووقف خلفها. ضمها بقوة ومال على كتفها يسند رأسه عليه ثم قال بصوت أهلكه العشق:
بصي في المراية وشوفي شكلنا مع بعض يا دهبي، قوليلي شايفة إيه، أنا هشوف بعيونك، لايقين على بعض.
أعقب قوله بطبع الكثير من القبل الرطبة فوق جيدها، والجميلة تنظر له بوله وقلبها يخفق بجنون.
قال بصوت متهدج هامس:
قوليلي شايفة إيه؟
ردت بهمس وله:
شكلنا حلو أوي يا جواد، ههه أنت صحيح أطول مني كتير، بس حاسة إننا بنكمل بعض.
ضمها أكثر وقال بفرحة:
إحنا مش بنكمل بعض، إحنا واحد يا حبيبي، خليها في دماغك.
ضغط على صدرها وأكمل:
وفي قلبك.
ابتسمت بحب وقالت:
حاضر.
حملها كما هي وهو يقول:
تعالي ناكل عشان جعان جدًا.
جلس بها فوق الأريكة وأمامه طاولة موضوع عليها طعام شهي ثم قال:
أكليني بقى.
برقت عيناها وقالت:
إزاي يعني؟
رد ببراءة خبيثة:
أنا مقعدك على رجلي ومش هعرف أحسس عشان أوصل للأكل.
داعب مقدمتها وأكمل:
أنتِ أكليني وأنا أحسس هنا، آآآه قصدي أمسكك من هنا عشان ما تقعيش.
جزت على أسنانها بغيظ ولم تجد بدًا من وقاحته. أمسكت ملعقة لتضع داخلها بعض حبات الأرز ثم مدتها له ووضعتها داخل فمه.
أكلها بنهم وهو يقول:
كلي واحدة ليكي بقى.
ابتسمت وأكلت من نفس الملعقة ثم قطعت قطعة لحم وحينما كادت أن تضعها داخل شوكة أحس بحركتها فقال:
أكليني بإيدك، مش عايز شوك.
وضعتها بين إصبعيها وحينما اقتربت من فمه أمسك يدها وسحب ما بها داخل فمه ولكن ليس قطعة اللحم فقط بل إصبعيها الذي أخذ يمتصهما بفجور ويده الأخرى ألهبت حواسها بما تفعله بجسدها فقالت بارتعاش:
جوااااد، سيب إيدي عشان أكمل أكل.
رد عليها بصوت متهدج:
جواد مش عايز غير دلوقت يا دهبي.
بدأ يوزع قبلات محمومة على مقدمة مقدمتها وهو يقول:
مش عارف أمسك نفسي، خلاااص اتجننت.
في منزل محمد المنصوري بعد أن عاد هو وتلك الخبيثة حينما انتهى حفل الزفاف.
بمجرد ما أغلق الباب قال بجمود:
هتقعدي هنا لحد السبوع بتاع دهب وبعدها تشوفي نفسك هتروحي فين وبكده أبقى عملت اللي عليا، كفاية كده.
ردت بجنون:
هتطلقني وتخليها تطلق عشان ترجعلها صححححح؟ ده بوعدك أنت وهي على جثتي لو سبتكم تتهنوا ببعض.
رد عليها بغضب:
أنتِ سمعتيها بنفسك إمبارح، رفضت كل ده وقالت لو هتموت مش هتسيب بيتها وعيالها وهي خلاص اتعودت على الوجع، أنا اللي مش قادر أعيش معاكي أكتر من كده.
ردت عليه بخبث:
ومش خايف من السجن؟
نظر لها بكره وقال:
أشرق صباح جديد على سرايا التهامي، وقد قضوا ليلة من أجمل الليالي عليهم جميعًا إلا اثنان. فاطمة التي ظلت طوال الليل تموت غيظًا وغيرة وهي تتخيل ما يحدث الآن، وذلك النذل أحمد والذي أخبر زوجته أنه انتقى عروسًا ممن حضرن الفرح أمس وقام بخطبتها منها.
لم تجد شيئًا تفعله غير البكاء على سنين عمرها التي ضاعت هباءً.
لم يتركها إلا حينما غفت بين يديه، أممم لا نعلم أهي غفوة أم فقدت وعيها مما فعله بها. حينما استيقظ من غفوته القصيرة كما يعتقد، وجدها ما زالت نائمة بين ذراعيه وهو يضمها من الخلف. ابتسم بفرحة ثم قبل كتفها وهو يقول:
أحلى يوم صحيت فيه في حياتي.
زادت قبلاته فجورًا وهو يقول بتجبر:
كفاية نوم عليها لحد كده.
زادت لمساته فجورًا إلى أن سمع شهقتها المذعورة فقال بصوت لاهث:
ده أنا يا حبيبي ما تخافيش.
ردت بأنفاس مضطربة:
آآآه، أنت بتعمل إيه؟
سحب شحمة أذنها داخل فمه ثم قال:
واضح إنك نسيتي اللي حصل إمبارح وأنا لازم أفكرك.
فقط أخذ يعبث في جسدها المغوي وهي ما زالت على وضعها إلى أن اخترقها من الخلف وظل يتحرك داخلها بجنون.
وقفت إيمان في وسط المطبخ وهي تقول بصوت يملأه الفرحة:
يلا يا بنات شهلة شوية العصر قرب يأذن، عايزة أطلع الفطار للعرسان.
ضحكت دلال وقالت:
تلاقيهم لسه نايمين يا حاجة.
هدى بمزاح:
ده لو كان جواد رحم البت الغلبانة وسابها تنام من أصله.
إيمان بغيظ:
الله أكبر أنتم هتقروا على الواد، سيبوه في حاله ده ما صدق يفرح يا حبة عيني.
دلفت عليهم تلك الحرباء وهي تقول بغيظ:
أم دهب جت هي وقرايبهم، مش هتطلعوا تقولوا للكونتيسة تنزلهم ولا إيه؟
جيهان بغل أرادت أن تخرجه من داخلها:
وأنتِ ماالك، النار أكلاكي ليه هاا، تولع الناس المهم تكون مع واحد بيحبها ويقدرها.
صمت الجميع بحزن على تلك المقهورة ولكن العقربة لن تصمت، ردت عليها بكيد:
أنا مش هرد عليكي عشان عارفة إنك عايزة تفشي غلك في أي حد، هههههه بس خلاص يا حلوة جوزك خطب بت زي البدر المنور وكلها شهر ويجبهالك تخدميها.
صرخت إيمان بغضب:
اخرسي قطع لسانك، ما هو واطي شبهك وبكره يندم على عملته السودة لما يخسر جوهرة زي جيهان.
في مكان بعيد عن قرية التهامي جلس رجل في أواخر الثلاثينات داخل مكتبه وهو يدخن بشراهة. هو بعيد كل البعد عن تلك القرية ولكن كل ما يحدث فيها يصله أولًا بأول. لم ينم ليلته بعدما علم بما حدث. قلبه يعتصر ألمًا على محبوبته التي ترك القرية منذ سنين هربًا من عذاب حبها المستحيل. يا ترى هل تتألم، أهانها، أوجعها، يا ليتني كنت بجوارك كي أرى بعيني بهاءك، متى أكون بجانبك حتى أداوي جروحك النازفة. ألقى بكل ما أمامه على مكتبه بغضب جم ثم قال بجنون:
كفاية كده، كفااااية، مش هسيبها تاني.
فقط أمسك هاتفه وطلب رقمًا ما وحينما أتاه الرد قال بأمر.
دللها، أغدق بحنانه عليها، حممها بيده، مشط شعرها برفق، ألبسها بيده ثيابًا فضفاضة، ساعدها في لف حجابها، عاملها كقطعة الماس. كل هذا فعله معها منذ أن نهل من عسلها وكان يريد المزيد إلا أن أمه التي اتصلت به لتخبره بوجود أهلها قطعت عليه ما كان يريد فعله. ارتدى ثيابًا بيتية مريحة وخرج محاوطًا لخصرها ثم أغلق باب غرفتهم وفتح الباب الرئيسي للجناح. وجد أبيه وأبيها، أمه وأمها، زوجات أخويه، فارس ومصطفى، وباقي العائلتين في الأسفل.
رحب بهم بود وهو محتفظ بها ولم يعطِ فرصة لأحدٍ أن يلمسها حتى بالسلام وحينما أرادت هدى احتضانها قال ببرود:
ممنوع اللمس يا ماما سلمي من بعيد.
نظروا له بذهول فقال أبيها:
وأنا مش هبارك لبنتي ولا إيه؟
رد عليه بوقاحة:
وهي لما كانت في بيتك كنت بسلم عليها أنا ولا بلمسها؟ واحدة بواحدة.
شدت ملابسه من الخلف وهي تكاد تذوب خجلًا فقال لها ببراءة:
خايف عليكي يا روحي عشان كنتي تعبانة وآآآه.
باااااس! هكذا صرخ أبيه ليخرسه عن تكملة وقاحته، ثم قال بإحراج:
اتفضل يا محمد، ادخل يا أخويا معلش أنت عشرة عمري وعارف إن معرفتش أربي.
ضحك الجميع على ما قاله وجلسوا سويًا يقدمون التهاني والهدايا حتى قالت توحيدة بتبجح:
خلاص سلمنا وقعدنا.
وقفت وهي تكمل بأمر:
قومي معايا يا دهب ندخل أوضتك.
كادت أن تطيعها كما اعتادت إلا أنه أحكم غلق ذراعه على كتفها وقال:
لاااا.
نظرت له توحيدة وقالت بجنون:
يعني إيه لا؟ عايزة أطمن على بنتي.
رد ببرود:
بنتك قدامك زي الفل مش محتاجة تدخلي بيها جوه.
توحيدة بفجر:
وشرفهاااا مش من حقي أشوفه هو كمان؟
رد بتجبر:
لا مش من حقك، شرف مراتي يخصني أنا، وأنا بقولك أنتِ وأبوها قدام أهلي بنتكُم عفيفة وكانت بنت بنوت وأنا اللي فتحتها، هااا أُوضح أكتر ولا تمام كده؟
شهقت النساء بخجل من تلك الكلمات الوقحة أما أبيها لأول مرة يشعر بالخجل فتلك التي يتحدث عنها ابنته. أبيه، مصطفى، فارس، نظروا لبعضهم بقلة حيلة ولم يعد باستطاعتهم التفوه بحرف.
أما هي، يا ويلها من ذلك الجواد سليط اللسان، دفنت حالها بجانبه كي تختفي عن أعين الناظرين ولكن هيهات.
أمها الحبيبة لن تصمت، صرخت به وقالت:
أنت قليل الأدب وأنا بردو مصممة أشوف الشاشة.
جواد:
تصحيح، أنا عديم الأدب، أبويا ما كانش فاضي يربيني، ولو موتِ قدامي مش هتشوفي حاجة، تماااام!
صرخ بآخر كلمة نطقها جعلها تنتفض.
أطلقت إيمان وهدى الزغاريد العالية حتى تُسمع من بالأسفل فهذه إشارة على رؤية شرفها في تلك الأماكن وغيرها، فإذا ما أطالوا الصمت أكثر من ذلك سيعطون الفرصة للقيل والقال واتهام تلك البريئة بما ليس فيها.
توترت الأجواء كثيرًا ولكن عبيد بحكمته أصلح الموقف حينما قال:
مش محتاجين نشوف حاجة يا ابني دي حاجة تخصك أنت ومراتك، وبعدين ما شاء الله شكلكم باين عليه الفرحة ربنا يسعدكم ويرزقكم بالخلف الصالح يا رب.
أمن الجميع على دعائه وقال هو لأبيه بمزاح وقح:
كتر أنت بس يا حاج من دعواتك والحاجة تزود من الأكل أبو سمنة بلدي وأنا أوعدك بعد سبع شهور أجيبلك توأم.
هز أبيه رأسه بيأس وضحك الجميع عليه وقال مصطفى:
أنت الجواز أثر على عقلك تسع شهور يا ابني مش سبعة.
رد ببرود:
لا أنا هخليها تولد في السابع عشان أخلص وألحق أجيب غيرهم.
ههههههههههه هكذا انطلقت ضحكاتهم الصاخبة ولكن قطعتها فاطمة حينما دلفت عليهم بهمجة وهي تقول:
...
كانت "دهب" واقفه برا الأوضة ومسندة راسها على الباب، وبتعيط بصمت، وحاسة إن قلبها بيتقطع على حالة "جواد" اللي وصل لها.
سمعت صوت "جواد" وهو بيناديها، فمسحت دموعها بسرعة، ودخلت له بابتسامة خفيفة.
قربت منه، ومسكت إيده بحنية، وقالت:
"أنا جنبك يا حبيبي، ما تقلقش".
بص لها "جواد" بعيون كلها تعب، وقال:
"أنا خايف أوي يا دهب، خايف أضعف تاني، خايف أرجع للشرب".
حضنته "دهب" بقوة، وقالت:
"أنا معاك، ومش هسيبك لوحدك، وهنعدي المرحلة دي سوا، صدقني".
غمض "جواد" عينه، وهو بيتمسك بإيدها، وكأنه بيستمد منها القوة.
بعد أيام، خرج "جواد" من المستشفى، ورجع البيت مع "دهب" و"يوسف".
كانت الأيام اللي فاتت صعبة أوي عليهم كلهم، بس "دهب" كانت مصدر القوة والأمل لجواد.
كانت بتعامله بحنية وصبر، وبتشجعه إنه يرجع لحياته الطبيعية.
في يوم من الأيام، "دهب" كانت قاعدة مع "جواد" في الجنينة، وهو بيلعب مع "يوسف".
بصت له "دهب" بحب، وقالت:
"أنا فخورة بيك أوي يا جواد، أنت قوي، وقدرت تتغلب على كل الصعاب".
ابتسم "جواد" لها، ومسك إيدها، وقال:
"أنا ما كنتش هقدر أعمل كل ده من غيرك يا دهب، أنتِ اللي رجعتيلي الحياة".
باس "جواد" إيدها، وشكر ربنا على "دهب" اللي دخلت حياته، وغيرتها للأحسن.
وبكده، "جواد" و"دهب" قدروا يتخطوا كل الصعاب، ويبنوا حياة جديدة مليانة حب وسعادة.
النهاية.
رواية جواد ودهب الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فريدة الحلواني
دلفت فاطمة بملامح يملأها الحقد وهي تنظر لهذا الذي يحكم ذراعه حول كتف تلك الصغيرة دون أن يهتم بمن حوله.
نظرت له وقالت بحقد:
الناس زهقت وعايزين يمشوا، ممكن تسيب السنيورة تنزل تسلم عليهم ولا هتفضل مكلبش فيها كده؟
إيمان:
في إيه يا بت، ما بالراحة!
جواد:
انزلي يا ماما اشكريهم... دهب مش هتقابل حد.
صدمة حلت عليهم بعد هذا القرار الغريب، فسألته أمه باستغراب:
إزاي يا ابني؟ ما ينفعش، أنت عايز الناس تاكل وشنا؟
جواد بغيرة حارقة:
يولعوا! أنتِ عايزاني أسيب مراتي تقعد في وسط ناس ياكلوها بعنيهم، وكل واحدة بقى ترجع بيتها تحكي لجوزها، ولا لو كان عندها بهايم تقعد تتحسر إنها ما أخدتهاش لواحد فيهم... مش ده اللي بيحصل؟
عبيد بحكمة:
يا ابني إحنا في بلد أرياف، ولو العروسة ما ظهرتش هيتكلموا عليها بالباطل، وأنتَ ما ترضاش تشوه سمعة مراتك.
جواد بعناد:
ميتين أبوهم كلهم... أنا عارف مراتي وده المهم.
أخذ الجميع يحاول إقناعه تحت نظرات العقربتين الحاقدة، ولو كانا بيدهم لأشعلوا النار فيهم جميعًا.
اقتنع أخيرًا بشرط.
هبط معها للأسفل وهو يحاوطها بتملك، ثم ابتسم للجميع وقال:
شرفتونا يا جماعة... شكرًا لتعبكم معانا... بس دهب تعبانة شوية ومش هتقدر تقعد معاكم... وفقط!
مال وحملها سريعًا ثم اتجه بها إلى الأعلى وكأنها دمية يحركها كيفما يشاء.
وقفت النساء وكأن على رؤوسهم الطير، أما تلك الأم المسكينة وضعت يدها فوق رأسها وقالت بغلب:
يا ابن الجزمه... هو ده اللي هنزل بشرط إني أقعد معاها ومش هطول تحت... منك لله يا جواد... فضحتني في وسط النسوان!
نظرت هدى لروان وجيهان كي يحاولا إنقاذ الموقف.
هدى بضحك خجل:
ههههه معلش يا جماعة عريس جديد بقى وكده.
جلست النساء وهن يتهامسن بأحاديث وقحة، بسبب تلك الفعلة الشنعاء والتي لم يفعلها أحد قبله.
أما توحيدة... لا أجد لها وصفًا، بالتأكيد تعلمون ما حالها الآن.
دلف بها وقبل أن يتفوه بحرف... صرخت به وهي في قمة غضبها وقالت:
ينفع كده! أودي وشي فين من الناس! أنتَ فضحتني!
غضب كثيرًا من تلك الكلمة... دون أن يشعر تقدم منها وسحبها من ذراعها، ثم لفه خلفها بقوة ثم ضغط عليه وقال تحت صراخها:
إياكي تعلي صوتك عليّا... فاهمة!
بكت بقوة وقالت:
بلاش دراعي ده بالله عليك... هيتخلع.
عقد بين حاجبيه باستغراب وهو يعتقد أنها تقول هذا كي يتركها، ولكن قبل أن يضغط عليه مرة أخرى صرخت من أعماق قلبها بألم مميت.
انقبض قلبه وتركها فورًا ثم لفها إليه وقال:
أنتِ ما ضغطيش أوي عشان تصوتي كده.
أمسكت كتفها بيدها وقالت من بين دموعها الحارقة:
كتفي ده مخلوع ثلاث مرات قبل كده.
جواد بذهول:
إزاي يعني؟ وقعتي عليه؟
نظرت له بقهر وقالت:
لا ماما كانت بتضربني جامد وتشدني منه لدرجة إنه بيتخلع.
جواد بجنون:
بنت الكلب! طب وأبوكي سكتلها؟
دهب:
ما يعرفش أصلًا... كانت بتبعت للممرضة تيجي البيت تردهولي... (شهقت بقوة وأكملت): من غير بنج.
جواد بجنون:
وطبعًا تهددك لو فكرتي تقولي لأبوكي هتقوله على حكايتك معايا صح؟
هزت رأسها بتأوه، فجذبها إلى أحضانه وهو يحملها بحنو ثم يقول برقة منافية لغضبه الداخلي:
اهدي يا حبيبتي... حقك عليّا... ما قصدتش... هنروح للدكتور بالليل عشان نطمن عليكي.
وضعها فوق الفراش بتمهل وجلس جانبها يقبّل رأسها بجنون وهو يعتذر مرارًا وتكرارًا... إلى أن هدأت وقالت:
خلاص مش زعلانة والله.
جواد بندم:
وجعك صح؟
دهب:
لا خف شوية.
تحرك من جانبها واتجه إلى الداخل... ثم عاد وفي يده عبوة دهان... ساعدها في خلع فستانها الواسع وهو يقول:
المرهم ده هيسكّن معاكي بسرعة لحد ما نروح للدكتور.
تركته يضع لها الدهان وقالت:
ما لوش لزوم، أنا هبقى كويسة... (أكملت بغضب طفولي): بس هخاصمك على فكرة... ما تكلمنيش تاني بس.
ابتسم ومال يقبّل عنقها من الخلف وهو يقول:
حقك على قلبي... أهون عليكي يا دهبي؟
ردت بعتاب:
ما أنا هونت عليك تضربني تاني يوم جوازنا.
ضمها من الخلف وقال بمزاح:
أنا يا دوب لويت دراعك، خلاص خليتيها ضرب؟ أنتم الحريم بتهولوا المواضيع قوي.
وكزته بذراعها السليم وقالت:
يا سلام... بردو ما لكش كلام معايا.
بدأ يلمسها بإغواء وهو يهمس في أذنها:
ما تهونيش على قلبي أسيبك زعلانة... لازم أصالحك.
مر أسبوع منذ الزفاف... لم يخرج جواد من جناحه غير مرة واحدة حينما ذهب بها للطبيب دون أن يخبر أحد، وقام بعمل أشعة على كتفها وذراعها حتى يطمئن قلبه المتألم عليها.
أعطاه نوعين من الدهان تستمر عليهما حتى يشفي تمامًا.
وعاش معها في النعيم... لم يتركها أبدًا... إذا غفى تكون بين يديه... وإذا جلس تصبح فوق ساقيه... ودائمًا يفعل معها ما يحلو له... وقد علمها الكثير من وقاحته وفرح كثيرًا حينما بدأت تتجاوب معه.
أما الباقي... فقد مرت عليهم تلك الأيام في ترقب حذر... والبعض ينتظر الفرصة لتنفيذ ما يخطط له.
اليوم هو ما يسمى سبوع الزواج... وقد أقام الدنيا وقلبها رأسًا على عقب حينما رفض رفضًا قاطعًا استقبال ضيوف مجددًا وقال لأمه:
قولي لبنت الكلب دي ما تجيبش حد من قرايبها... وإلا أقسم بالله هكرشهم كلهم، وأنتِ يا ماما قولي لقرايبنا إني مسافر أنا وهي أو مش هنعمل زفت ده، ماشي.
غضبت إيمان حقًا تلك المرة وقالت:
أنتَ فعلًا مش متربي! عايزاني أطرد الناس دي؟ عمرها ما حصلت ولا هتحصل.
جواد:
خلاص قابليهم أنتِ وقولي لهم تعبانة... دهب مش هتنزل لو الدنيا اتهدت... وده آخر كلام عندي.
تركته إيمان وهبطت إلى الأسفل وهي غاضبة للغاية وتفكر في حل لتلك الكارثة الذي وضعها فيها ابنها المخبول... إلى هذه الدرجة يغار عليها... من النساء... يا ويلك أيتها الصغيرة من ذلك العاشق المختل.
نظرت له بحزن وقالت:
ليه كده يا جواد؟ زعلت مامتك بسببي... كان ممكن أنزل شوية وأطلع بسرعة، دول كلهم ستات.
رد بجنون:
ولا ستات ولا رجالة... أنتِ أصلًا مش هتعتبي بره البيت.
ظنت أنه يقصد السرايا... ولكن ذلك المختل انتوى أن يحبسها في جناحه دومًا.
جلست تلك الحرباء مع محمد المنصوري ونظرت له باستهزاء وهو يقول:
أنا خليت اتنين من العمال ينضفوا بيت أبوكي القديم... لمّي حاجتك عشان ترجعي من سبوع البت على هناك وأنا هجيب المأذون بكرة وأطلقك.
انطلقت منها ضحكة صاخبة حتى دمعت عيناها تحت صدمته من ردة فعلها وظن أنها قد جُنّت.
قطعتها فجأة ثم قامت بإخراج ورقة من جيبها... كانت صورة من تقرير طبي قديم... أعطتها له وقالت:
طب شوف دي وبعدين ابقى اتشرط براحتك.
أخذ الورقة وبمجرد أن قرأ محتواها نظر لها بصدمة وقال:
ده كذب! أنتِ عارفة إني بريء... أنا سيبتك تهدديني بالسجن كل الفترة دي وأنا فاكر إنه مجرد كلام وخلاص عشان تفكريني باللي حصل.
توحيدة بشر:
لا طبعًا ده من غبائك... أنا ما رضيتش أعرفك إني معايا دليل يلف حبل المشنقة حوالين رقبتك عشان ما تاخدش احتياطك، وكمان كنت قاعدة في بيتي قدام الناس معززة مكرمة... إنما لما تفكر تكسرني وتشمت الناس فيّا عشان يخلالك الجو مع حبيبة القلب يبقى لاااا... عليّا وعلى أعدائي.
رد عليها بوهن وانهزام:
أنتِ شيطانة... ما كفاكيش اللي عملتيه فيّا كل السنين دي... لسه عايزة تدمريني وتنهي حياتي... ويا ريت على حاجة عملتها... أنتِ عارفة إن كله كان من تخطيطك... أنا ما عملتش حاجة وربنا عالم إني بريء.
ضحكت بمكر وقالت:
الحكومة ما لهاش في الحلفان يا عنيّة، كله بالورق والمستندات.
محمد بقهر:
والمطلوب؟
توحيدة بتجبر:
تنسى حكاية الطلاق دي نهائي وخلينا عايشين زي ما إحنا... وتلم الزفت جواد من ناحيتي وتخليه يسيبني أروح لبنتي وأقعد معاها براحتي.
محمد:
عايزة منها إيه تاني... ما كفاكيش اللي عملتيه فيها طول السنين اللي فاتت... لسه عايزة تدمريها أكتر... حرام عليكي!
ردت بغل:
أنا ما عملتش حاجة أنا كنت بربيها... ولا كنت عايزها تجيب لك العار زي بنت أخوك... قوصر الكلام، قولت إيه؟
قام من مجلسه متجهًا نحو الخارج وهو يقول:
لله الأمر من قبل ومن بعد... حسبي الله ونعم الوكيل.
ضحكت بشماتة إلى أن سمعت صوت سيارته التي ركبها وغادر سريعًا... قطعت ضحكاتها وقالت بحقد:
قال يطلقني قال... ويرجع لبنت الكلب السهونة... ده بعدك أنتَ وهي... ولما أقرر أمشي هكون قضيت عليكم.
أعقبت قولها بإخراج هاتفها وطلبت فاطمة وحينما ردت عليها قالت بتجبر:
إيه الأخبار عندك يا بت؟
فاطمة:
مش راضي ينزلها تحضر السبوع وأمه هتتجنن منه.
توحيدة:
كده أحسن، خليها محبوسة فوق ده لمصلحتنا.
فاطمة بعدم فهم:
يعني إيه؟ طب واللي ناويين عليه؟
توحيدة:
الناس بعتولي الحاجة اللي اتفقنا عليها... هجيبها لك وأنا جاية دلوقت... والباقي عليكي بقى... وقعدها فوق مصلحة لينا يا خايبة، عشان لما يحصل المراد محدش هيقدر يشك فيكي لأن ببساطة أنتِ مش بتطلعي عندها خالص فهمتي؟
فاطمة:
أنتِ دماغك سم يا خالتي.
توحيدة بغرور:
لو ما كنتش كده ما كانش زمانك متنغنغة في العز يا روح خالتك.
فاطمة بغيظ مكتوم:
طب هنبدأ أمتى؟
توحيدة:
أول ما يرجع شغله عشان ما يلحقهاش.
انقضى اليوم بثقل رهيب بعدما جاء المدعوون لحضور سبوع العروس الغائبة عنه... بالطبع لم يطل أحد الجلوس وذهب الجميع سريعًا وبقي فقط عائلة التهامي كلها ومعهم توحيدة ومحمد.
عباس:
ابنك ده عجيب يا عبيد! إزاي يعني ما يحضرش سبوع جوازه؟
عبيد بتعقل:
كل واحد حر في تصرفاته وجواد ما بقاش صغير عشان حد يقوله يعمل إيه وما يعملش إيه.
توحيدة بطيبة:
عندك حق يا حاج هو حر... بس ليّا طلب عندك... الناس الغريبة مشيت أهي... قوله بقى نطلع نبارك لهم ونقطهم فوق وأهو نفرح البت الغلبانة دي اللي طلعت من حبسة أبوها دخلت لحبسة جوزها اللي شكلها هتبقى أصعب.
نظر لها الجميع باستغراب من استكانتها أما محمد فنظر لها بغل مكبوت.
أما عبيد فوجد أن حديثها عقلاني فقال:
فعلًا عندك حق يا أم دهب... أنا هكلمه... ثواني.
أخرج هاتفه وطلب ولده وحينما رد عليه قال:
الناس مشيوا يا جواد بيه... بس أهلها وإحنا كمان عايزين نبارك لها ونديها نقوط العروسة، ينفع نطلع ولا عندك مانع؟
خجل من أبيه وقال:
لا طبعًا يا بابا... اتفضلوا ده بيتك يا غالي.
صعدوا جميعًا ليقدموا لها التهاني... وقامت جيهان وهدى وروان بمساعدتها في تقديم الضيافة لهم تحت سعادتها الغامرة... والغريب في الأمر أن أمها لم تتدخل... بل لم تتحرك من مكانها.
مازحتها روان قائلة:
الواد جواد عمل فيكي إيه يا ديبو! ده طلع مش سهل.
ابتسمت بخجل فقالت جيهان بود:
والله ما هتلاقي حد يحبك قده يا بنتي، هو صحيح طبعه صعب شويتين تلاتة بس كلمة حاضر بتريحه.
هدى بمزاح:
بس مش كل حاجة حاضر يا بت عشان ما يركبش ويدلدل رجليه هههه... هاااااااا!
هكذا شهقن أربعتهم وقطعوا ضحكاتهن حينما دلف عليهم وهو يقول بغضب:
نهار أبوكم أسود من قرن الخروب... أنتم داخلين تساعدوها ولا تقوموها عليّا يا بت منك ليها!
وقفن بأفواه مفتوحة من هول الصدمة... نظر لتلك المتصلبة وقال:
وأنتِ... إيه... عجبك كلامهم؟
ردت سريعًا كعادتها:
لا لا لا أنا ما ليّش دعوة هما اللي قالولي.
روان بغيظ:
آه يا جبانة! بعتينا في لحظة.
جواد:
يلا يا حلوة أنتِ وهي على بره، أنا اللي هساعد مراتي.
هرولت الفتيات للخارج برعب أما هو اقترب منها بشر خبيث وقال:
إيه؟
عادت للخلف وقالت:
إيه إيه؟
حاصرها بين جسده وطاولة المطبخ ثم فجأة مال عليها مقبلًا إياها بنهم... فصلها وقال:
وحشتيني.
نظرت له بذهول من بين لهاثها وقالت:
جواد... أنتَ بتتحول!
ضحك بصخب وأمسك صينية كبيرة متراص فوقها كاسات زجاجية شفافة مليئة بعصير المانجو الطازج ثم قال:
تعالي فضّيلي الطريق يا بنتي... حبيبك أعمى.
قام فارس من مجلسه سريعًا ليحمل عن أخيه ما بيده ويقدمه بدلًا عنه وهو يقول:
عنك يا عريس، ما تتعبش نفسك.
جواد بمزاح:
حبيب أخوك والله.
دلف عليهم في ذلك الوقت أحمد الذي عاد من الخارج لتوه وحينما سأل إحدى الخادمات وأخبرته بوجودهم بالأعلى.
ألقى السلام على الجميع ثم تقدم من جواد والذي يقف محاوطًا لدهب... نظر لها بوقاحة وهو يقول:
مبروك يا عريس...
تشبثت بملابسه من الخلف وألصقت جسدها به أكثر حينما خافت من تلك النظرات الغريبة عليها وغير المريحة بالمرة... غلى الدم في عروقه حينما فهم خوفها ولكنه أراد أن يتأكد... ترك هذا الحقير دون رد ثم مال عليها هامسًا بغضب مكتوم:
بص لك بطريقة وحشة صح؟
تشبثت أكثر في ثيابه مما أكد له ظنه فقال بغضب:
اطلع بره.
بهت وجه أحمد من هول الصدمة... أما الباقي وقفوا بوجل في انتظار معركة حامية.
أحمد:
بتقول إيه؟
سحب جواد دهب ليحميها خلف ظهره ويخفيها عن تلك العيون الوقحة ثم قال وهو يجزّ على أسنانه:
سمعت ولا تحب تخرج على نقالة؟
انتفض عباس من مجلسه وقال مدافعًا عن ابنه:
عيب عليك والله يا جواد! هو غلطان إنه طلع يقدرك ويبارك لك.
جواد:
مش هقولها تاااااني.
هرول أحمد إلى الخارج سريعًا دون أن يتفوه بحرف بعد أن فهم أن تلك الصغيرة وشّت به.
لحق به أبوه وهو يقول لعبيد بغضب:
يا خلفة الشوم والله يا ولاااد!
أرادت جيهان أن تنسحب هي الأخرى خجلًا من فعلة زوجها المشينة والتي رأتها بأم عينيها إلا أن إيمان أمسكتها وقالت بحنو:
أنتِ تبعنا إحنا مش هما... ده بيت أخوكي يا هبلة.
روان بمزاح:
ما أنا قاعدة آكل كاجو وفسدق مالي جواد جايبه للبونيه أهو... ولا كأن حصل حاجة... عادي يعني يا جيجي خليكي باردة يا روحي... حاكم الرجالة دول لو ركزتي معاهم هتتجلطي.
نظر لها مصطفى وقال بذهول:
وحياة أمك؟
ردت ببراءة:
هو أنتَ في زيك يا روحي؟ أنا بقول على الرجالة الوحشين.
ضحك الجميع على مزاحها الذي جعل الجو يهدأ قليلًا وعاد الجو الصافي مرة أخرى مع سكون العقربتين... المريب.
كانت تهم أن تخرج من باب السرايا لتعود إلى منزلها بعد انتهاء عملها ولكن أوقفها نداءه فالتفتت له وقالت:
خير يا سي محروس في حاجة؟
محروس:
اصبري شوية رؤوف جاي ياخدك دلوقت.
نظرت له باستغراب وقالت:
وإيه اللي هيجيبه هنا السعادي؟
محروس:
قلت ما دام مش عايزاني أوصلك يبقى ابنك يجي ياخدك عشان ما تطلعيش لوحدك دلوقت.
نظرت له بغيظ وقالت:
وأنتَ بأي حق تعمل كده؟ أنا مش قلت لك ميت مرة ما لكش دعوة بيّا، وبعدين ده البيت أهو خطوتين من هنا.
محروس بجدية وهو يرى ولدها يأتي من بعيد:
حقي... حقي فيكي سنين عمري اللي ضاعت... ومش هسيب حقي تاني يا دلال سامعة... روحي مع ابنك ولينا كلام بعدين عشان أنا فاض بيّا الكيل خلاص... يلااا!
نظرت له بذهول بعد أن انتفض جسدها من صوته الغاضب ولكن... ما جعلها تصدم حقًا هو تحوله بعدما وقف قبالته ابنها وسلم عليه سلامًا رجولي ثم قال:
حبيبي جدع ما تأخرتش.
رد عليه رؤوف وكأنه اعتاد التحدث معه دومًا:
ما أنا خلصت مذاكرة يا عمي من شوية زي ما قلت لك وراجعت لياسين الواجب بتاعه لقيته حله صح.
ربت محروس على كتفه وقال بتشجيع:
عفارم عليك وأنا واثق في كلامك وعارف إنك قد وعدك ليّا... يلا خد أمك وروح وأنا هفضل واقف لحد ما تدخلوا البيت ونتقابل الصبح بأمر الله.
تحركت مع ولدها وما زالت الصدمة تحتل كيانها... ما الذي يحدث... منذ متى وهم يتحدثون سويًا بل من الواضح أنهم أصبحوا قريبين من بعضهما للغاية... نظرت لولدها وقالت:
هو إيش عرف محروس باللي بتعمله يا ولا؟
ضحك الصبي وقال وهو يفتح باب المنزل:
يااااه أنتِ قديمة أوي يا ماما... عم محروس من يوم ما جالي المدرسة وإحنا بقينا صحاب وطول اليوم بيكلمني وبيتابع مذاكرتي أنا ويس وأنا الصراحة مش بخبي عليه حاجة.
ذهب الجميع بعد قضاء أمسية رائعة مليئة بالضحك والمزاح من بعد كلمات روان أصبح الكل يلقي المزحات المضحكة... وقد قدموا أظرف بيضاء مليئة بالنقود كهدية للعروس كما المتعارف عليه... قبل أن يهبط فارس إلى الأسفل قال لأخيه:
نازل الشغل إمتى؟ الدنيا كلها فوق دماغي أنا والغلبان ده... (أشار على مصطفى الواقف معهم وقال): أنا عظمي بيدعي عليك يا جواد.
رد عليهم ببرود:
يومين وهنزل، يلا اخلع أنتَ وهو بقى مش فاضي لكم... وفقط أغلق الباب في وجههم دون أن يهتم.
كانت في ذلك الوقت تلك الحرباء تتنصت عليهم وابتسمت بخبث حينما علمت ميعاد مغادرته السرايا.
تمدد فوق الفراش منتظرًا حبيبته التي كانت تتزين له كما اعتادت في الأيام المنصرمة فقد قال لها منذ أول يوم:
أنا بشوفك بقلبي وبحس بيكي بروحي... هزعل وقلبي هيوجعني لو فكرتي تكبري دماغك وما تهتميش بشكلك ولا لبسك على أساس إني مش هشوف اللي أنتِ عاملاه علشاني.
نفت تلك التهمة البشعة عنها وأصبحت تبالغ فيما ترتديه حتى لا تشعره بعجزه.
استنشق عبيرها الهادئ وسمع صوت خطواتها المتمهلة فابتسم تلقائيًا وبداخله فرح للغاية ويريد أن يصفق تصفيقًا حارًا لنفسه... فهو قام بعمل إنجازًا عظيمًا في الأيام المنصرمة إذ جعلها تتقرب منه وتصبح أكثر تحررًا بعد أن تخلت عن بعض خجلها معه... جلست قبالته وقالت:
تحب أعمل لك حاجة تشربها؟
سحبها لتجلس فوقه كما اعتاد وقال بوقاحة:
لا عايز حاجة آكلها... (قبلها بفجور وقال): بس عايزها مسكرة بزيادة.
ضحكت بدلال وقالت:
جواد... أنتَ مش بتشبع.
عبثت يده في مفاتنها وهو يقول بتهدج:
وأشبع ليه... أنا عايز أفضّل كده... جواكي... وفي حضنك... ونفسي أنتِ كمان تبقي كده زي... نفسي أحس بلهفتك عليّا يا ديبو... ما فيش مرة أنتِ اللي بتقربي... أنا ديما اللي ببدأ.
ردت عليه بخجل طفيف:
ما أنا بتكسف... يعني... وبعدين أنتَ ديما معايا... آآآ... يعني.
فهم ما تعنيه فقام بلمس ثدييها بإغواء وهو يقول:
طب أنا هرجع شغلي كمان يومين هشوف بقى لما أغيب عنك اليوم كله هتعملي إيه لما أرجع لك.
شعر بتصلب جسدها فقال بقلق:
مالك يا حبيبتي؟
دهب بصوت مرتعش بعد أن تملكها الخوف من ابتعاده:
أنتَ هتسيبني لوحدي... أنا بخاف.
ضمها لصدره بحنان وقال:
تخافي من إيه يا حبيبتي؟ أنتِ في بيتك ومحدش يقدر يعمل لك حاجة.
دون إرادة منها غرزت أظافرها في جلد ظهره العاري وهي تضمه باحتياج ثم تنهدت بحزن وقالت:
جواد... أنا كنت ببقى قاعدة في أوضتي خايفة برغم إني في بيتي بردو بس ما كنتش بطمن شوية وأحاول أنام غير لما بابا يرجع.
استغرب من حديثها وشعر أن وراءه كارثة... ربت على ظهرها بحنان وقال بمهادنة:
ليه يا حبيبتي... كنتِ بتقعدي لوحدك مثلًا ومامتك بتخرج؟
هزت رأسها داخل صدره علامة الرفض... قام بإبعادها قليلًا ثم كب وجهها وقال بحنان:
احكي لي كل اللي مخبياه عني يا ديبو... انسي إني جوزك... احكي لجواد صاحبك اللي كنتِ بتحوشي دموعك لحد ما أرجع عشان تعيطي في حضني وتشتكي لي.
ألقت جسدها عليه بقوة لأول مرة ولفت ذراعيها حوله ثم انفجرت في البكاء وهي تقول:
أنا تعبت أوي في بعدك يا جواد... اتضربت واتهنت... واتحرقت...
ضمها بقوة وقال بصوت حاول أن يظهر طبيعيًا رغم ناره المشتعلة داخل صدره:
يعني إيه اتحرقتي يا دهب؟
ضمته أكثر وقالت:
ماما والراجل بتاعها حرقوني بعد ما أنتَ مشيت آخر مرة وما رجعتش تاني.
شعر أن عقله توقف في تلك اللحظة ولكن... يجب ألا يشعرها بناره المنقادة حتى يعلم كل ما مرت به في غيابه... ملس على وجنتها برفق وقال:
كملي حبيبتي عملوا فيكي إيه؟
شهقت بقهر وقالت من بين دموعها الغزيرة:
في راجل شكله غريب كان بيجي البيت لما بابا بيخرج... يقعد مع ماما كتير وكانت بتحبسني في أوضتي وتخوفني عشان ما أخرجش... بعد اللي حصل... آآآآ... أنا من كتر خوفي وضربها ليّا كنت بأعمل... (شهقت بمرار وأكملت): كنت بأعمل حمام وأنا نايمة... جابت الراجل ده وقالت لي هيعالجني عشان ما أعملهاش على نفسي تاني... قعد قدامي وفضل يقول كلام مش فهماه وكان في بخور كتير ودخان كتير... فضل يتكلم يتكلم وأنا مغمضة عيني عشان خايفة من شكله وفجأة ماما كتفتني جامد وهو حط حتة فحمة مولعة على رجلي... صرخت... ماما كتمت بوقي وهو حسيت إنه حط حاجة مكان الحرق يمسحوا بيها.
ناااار... كل ما يشعر به نار تأكل أحشائه ولكن مضطر ألا يظهر هذا الغضب حتى تكمل... سألها برفق غاضب:
حرقوكي فين؟
دهب:
في ضهري... بعدها ما كنتش قادرة أتحمل الوجع... الراجل مشي وهي أخدتني المستشفى... والدكتور عالجني... بعدها بأسبوع ودتني تاني للدكتور وعمل لي عملية تجميل عشان كانت سايبة علامة جامدة.
ضمها بعنف... يريد إخفاءها بين ضلوعه... جردها من ثوبها القصير الشفاف ومد يده يتحسس ظهرها... وبخبرته شعر بملمس غريب أسفل ظهرها... تلك البقعة ملمسها مغاير تمامًا لباقي جلدها الناعم... كيف جعلت جموحك واشتياقك لها أن يتحكم بك ولا تشعر بذلك... أنتَ أيها الغبي لم تترك أنشًا في جسدها إلا ولامسته بيدك أو بشفاك... كيف لم تلحظ هذا الفارق... غبي يا جواد غبي... هكذا نهر حاله بداخله ولكنه.
قال برفق مغاير لهياجه: "وبعدين... عمل إيه تاني يا ديبو... كملي."
قالت دهب بشهقات متقطعة: "ولا حاجة طبعًا مقدرتش أقول لبابا... وهو أصلًا مكنش بيبص لي حتى وأي حاجة بتقولها بيصدقها... بعد كده... مبقاش يجي زي الأول ومعملش معايا حاجة تاني... بس كنت بشوفه لما بيجي من البلكونة... كنت باستخبى جوه الدولاب... أو تحت السرير... ومن خوفي كنت بعملها على نفسي... بس كنت بحاول أنظف المكان بسرعة عشان متعرفش وتخليه يحرقني تاني."
اكتفى بما قصته عليه... لن يسألها عن شيء آخر حتى لا يرهقها... والأيام قادمة وسيعلم كل ما حدث معها... سينتقم لها من كل من آذاها شر انتقام... صبرًا.
احتواها بين ذراعيه وظل يملّس عليها بحنان أب قلبه موجوع على ابنته... حتى غفت فوق صدره فقبّل رأسها وقال بهمس: "كنت حاسس بكل ده... قلبي اللي بيحس بيكي كان بيوجعني وأنا بعيد عنك... وقتها كنت بحس إن فيكي حاجة يا بنت قلبي... عمر إحساسي بيكي ما كدب... وغلاوة دموعك وقهرتك... هأجيب لك حقك... وهأخليهم يتمنوا الرحمة وميطولوهاش."
مر يومان دون جديد، وها قد جاء اليوم الذي سيترك الجواد دَهَبه ليعود إلى عمله... جهزت له ثيابه بناءً على طلبه وهي بعقل شارد... شعر بها فقال: "تعالي يا ديبو."
تحركت تجاهه فسحبها لتجلس فوق ساقه ثم ملس على وجنتها بحنان وقال: "حبيبي مكشر ليه؟"
قالت دهب بكذب: "لا أنا بضحك."
قرصها وقال: "هااااا... قلنا إيه... إلا الكذب."
ردت سريعًا: "الصراحة زعلانة عشان هتسيبني."
قبلها بعشق ثم فصلها وقال: "اسمها هتروح الشغل مش هتسيبني... حد يقدر يسيب روحه يا حبيبي؟"
ابتسمت له وقالت: "ربنا يخليك ليا."
ضمها بحنان وقال: "هأقول لماما تجيب لك فونها النهاردة وهأفضل أكلمك طول اليوم، تمام حبيبي... وكمان أنتي هتفضلي هنا مش هتنزل لي تحت... والبنات هيطلعوا يقعدوا معاكي... وحبيبة اللي ماسكة نفسها بالعافية عنك الأيام اللي فاتت هتقعد معاكي تصدعك... يعني مش هتبقي لوحدك."
ردت بصدق: "بس كل دول مش أنت يا جواد."
نبض قلبه بقوة، ولكن أراد أن يتأكد مما فهمه من بين حروفها فقال بتمهل: "مش فاهم... تقصدي إيه؟"
تنهدت بهم ثم قالت: "أقصد إن كل دول بحبهم... بس أنا مش بحس بالأمان غير في وجودك... بقالي سنين منمتش غير هنا... كنت بنام شوية صغيرة وأصحى مفزوعة... بس هنا... ومعاك... لو نمت ساعة واحدة بس... بحس إني كنت نايمة اليوم كله."
قبلها... قبلها... التهم ثغرها بعشق مجنون... بقلب لهيف قد فاض به الكيل من عشقه المتضخم داخله... فصلها وقال بأنفاس لاهثة: "بعشقك يا دهبي... بعشقك."
رغم استغراب الجميع لعدم فطوره معهم إلا أن أحدًا لم يعلق... خرج الرجال إلى عملهم وقامت النساء بأعمالها الروتينية... غافلين عن تلك الحية التي تنتظر الفرصة لتبخ سمها في تلك البريئة... وها قد أتتها الفرصة على طبق من ذهب.
قالت إيمان: "بت يا عنبة اعملي كوباية عصير مانجة لدهب واعملي فراولة لحبيبة وطلعيهم بسرعة يلا."
فعلت تلك الخادمة الصغيرة ما أمرتها به ووضعت الأكواب في صينية صغيرة... اتجهت للخارج متوجهة نحو الدرج وقبل أن تصعد وجدت هدى تهتف باسمها... التفتت لها وقالت: "نعم يا ست هدى."
قالت هدى: "اطلعي الحنينة هاتي عروسة حبيبة وخديها معاكي بالمرة."
عادت الخادمة عدة خطوات ثم وضعت ما بيدها فوق الطاولة وهي تقول: "حاضر يا ستي والله ما عارفة اشمعنى العروسة دي بالذات اللي متشعلقة فيها، ده عندها لعب بالكوم."
ضحكت هدى وقالت: "دي اتصلت بيا مخصوص عشان تقولي عليها، يلا خلصي بلاش لكاعة."
عادت هدى إلى النساء... وخرجت عنبة للحديقة... وتسللت تلك الحية التي كانت متوارية خلف أحد الأعمدة بعد أن التفتت يمينًا ويسارًا... وبعدما تأكدت من عدم وجود أحد... تحركت سريعًا بعد أن أخرجت عبوة صغيرة من جيبها... أفرغت بعضًا من محتواها داخل المشروب الخاص بدهب وقلبها يخفق رعبًا... أنهت ما تفعله وعادت لمخبئها سريعًا.
راقبت المكان لعدة لحظات حتى وجدت عنبة تعود من الخارج وتأخذ الصينية ثم صعدت بها إلى الأعلى.
هنا فقط تنفست الصعداء وقررت الخروج متجهة إلى غرفتها سريعًا دون أن يراها أحد... أو هكذا تعتقد.
انتشرت الضحكات الصاخبة في جناح الجواد... ضحكات خرجت من قلب الطفلتين اللتين تمزحان وتلعبان بفرحة... أتت عليهما الخادمة بما تحمله فقالت حبيبة بفرحة: "أخيرًا... عروستي!"
ضحكت دهب وقالت بود: "تعبتي نفسك ليه يا عنبة... أنا عندي عصير كتير هنا."
قالت عنبة بطيبة: "تعبك راحة يا ست البنات... الحاجة اللي بعتها لك أنتي وحبيبة."
أخذت منها الأكواب وقالت بمزاح: "والله ماما عسل وحاسة بينا، عارفة إننا هنتلهي في اللعب ومش هنعمل حاجة."
أعطت حبيبة عصير الفراولة الذي تعشقه وارتشفت هي كوب المانجو دفعة واحدة ثم أنهته وقالت: "تصدقي كنت عطشانة جدًا."
ضحكت عنبة وقالت قبل أن تغادر: "بالف هنا على قلبك."
جلس داخل مكتبه يتابع الأعمال المتراكمة عليه ومعه أخيه... شعر بقبضة تعتصر قلبه فجأة فوضع يده فوق خافقه عله يهدأ قليلًا.
انتبه فارس له فقال بقلق: "مالك يا جواد أنت تعبان؟"
رد بشرود: "قلبي وجعني مرة واحدة مش عارف ليه..." قبل أن يرد عليه وجده يقول بهمس مرتعِب: "دددهب!"
عقد فارس بين حاجبيه وقال: "مالك متخوفنيش عليك."
أمسك هاتفه سريعًا وقال: "الحاجة..." هكذا طلب الهاتف رقم أمه... انتظر الرد وهو يجلس على جمر ملتهب وألم قلبه يزداد عنفًا بداخله.
في ذلك الوقت كانت تشعر ببداية ألم عنيف يقطع أحشائها وحبيبة تجلس أمامها تبكي خوفًا عليها ولا تعلم ماذا تفعل.
قالت حبيبة بدموع: "أنا هنزل أقول لتيته..." قبل أن تتحرك سمعت صوت الهاتف فقالت لها دهب بوهن: "هاتي الفون بسرعة."
أعطته لها بيد مرتعشة فقامت بفتح الخط وقبل أن ينطق كانت تهمس له بوهن: "الحقني... جواااد..." وفقط وقع الهاتف من يدها تزامنًا مع صرخات حبيبة المذعورة.
أما ذلك العاشق الذي أخبره قلبه أن حبيبته ليست بخير... انتفض من مجلسه وهو يصرخ بجنون: "ددددددهب!"
فزع فارس من صراخ أخيه وعدم قدرته على الرؤية وهو يتخبط في حواف المكتب... اقترب منه سريعًا وأمسك ذراعه وهو يقول: "اهددددي... مالك؟"
صرخ به بجنون: "روحني البيت بسرررررعة... دهب تعبانة... أنا مش شاااايف!"
اعتصر قلب فارس ألمًا على أخيه وقام بسحبه لأول مرة منذ الحادثة يساعده على التحرك وهو يقول: "تعالى نرجع السرايا إن شاء الله خير..." خرج بأخيه متجهًا إلى السيارة وهو يهاتف زوجته وحينما ردت عليه قال بوجل: "اطلعي بسرعة لدهب عشان تعبانة."
هرولت هدى إلى الخارج بشكل أثار ريبة الجميع مما جعلهم يلحقونها بخوف.
وصلوا جميعًا أمام الجناح ولكن أول من دلف كانت هدى وإيمان التي صرخت بفزع حينما وجدت دهب ممدة أرضًا وأسفلها بقعة من الدماء.
رواية جواد ودهب الفصل السادس عشر 16 - بقلم فريدة الحلواني
كاد يجنّ، قمة العجز تملّكت منه في غضون الدقائق التي استغرقها فارس وهو يقود بجنون ليصل في أسرع وقت لحبيبة أخيه.
عقله يعمل في جميع الاتجاهات، يحاول أن يفصل قلبه عن عقله كي لا يخسرها، ولكن كيف له هذا؟ في الأخير هو بشر، مجرد رجل عاشق نسي كل ما تعلمه وفعله طوال عمره في لحظة شعوره بخسارتها.
أخرج هاتفه وقال بغضب: دكتورة يسرا.
جاءه ردها على الفور فقال: مراتي بتنزف، نص ساعة وهكون عندك، فضّي العيادة فورًا.
فقط، أغلق الخط في وجهها تزامنًا مع وقوف أخيه أمام بوابة السرايا الداخلية.
بمجرد أن هبط من السيارة وجد تلك الحقيرة تأتي تجاهه وهي تقول ممثلة القلق: مالك يا جواد؟ في حاجة يا ابني؟
لم يهتم، بل أسرع إلى الأعلى وخلفه أخيه.
وحينما وصل إليها صرخ بقهر: دهب!
إيمان ببكاء: أهي يا ابني، أنا محركتهاش من مكانها.
هبط على ركبتيه ودموع حبيسة تلحّ للخروج ولكنه أبى أن يخرجها الآن وهو يتحسس نبضها، ثم مدّ يده ليلمس بقعة الدماء التي اتسعت ويفركها بين إصبعيه كنوع من الاختبار.
أغمض جفنيه بقوة ثم بدون حديث حملها بين ذراعيه وكاد أن يتحرك إلا أنه تفاجأ بتوحيدة تصرخ به: عملت إيه في بنتي؟ موتّ البنت!
إيمان بجنون: اخرسي! سيبيه يلحق البنت اللي بتنزف الأول يا غبية.
توحيدة بأمر: أنا هاجي معاك عشان أوديها للدكتور بتاعي، مش هأمن لغيره.
هنا طفح الكيل، حبيبته تنزف بين يديه ونبضها ضعيف وتلك الحقيرة تتشاجر معه.
صرخ بجنون: فارس! أبعد بنت الكلب دي، أبعدي!
سحبها فارس بغل من ذراعها وألقاها بعيدًا مما جعل جواد يخرج من الجناح وهو يقول بصوت عالٍ أثناء جريه: هدي! اقفلي الجناح، مش عايز حد فيه خالص! حالًا!
نظرت هدي لكلا من توحيدة وفاطمة اللتان ما زالتا تقفان بالداخل بعد أن خرجت روان وجيهان ليحاولا تهدئة الأطفال المزعورين، خاصة حبيبة، وقالت: أنتم واقفين كده ليه؟ مسمعتوش جواد قال إيه؟ اتفضلوا بقى عشان أقفل وأحصلهم.
فاطمة بحقد: طالعين يا أختي يعني قاعدين فالجنة؟
فاقت توحيدة من صدمتها بعد أن وقعت أرضًا بسبب دفع فارس لها، هرولت خلفهم وهي تسب وتلعن في جواد وأخيه وكل ما يشغلها أن تلحق بهم لتكمل باقي خطتها.
اتصلت بمحمد وقالت بصراخ كاذب: الحق يا محمد! دهب!
وقع قلبه في قدميه رعبًا وقال: مالها دهب؟ عملتي فيها إيه؟
توحيدة: معملتش حاجة ومعرفش مالها، كنت جاية بالصدفة أشوفها لقيتها سايحة في دمها، والزفت اللي بليتنا بيه خدها وجري بيها، وفارس ضربني. شوف أخد بنتي فين يا محمد، أنا عايزة بنتي.
أغلق معها واتصل على فارس الذي يقود السيارة بسرعة فائقة وأخيه يجلس بالخلف وبين ذراعيه تلك الغائبة عما يحدث حولها.
رد فارس بجزل: عمي، أنا سايق عشان ألحق بنتك، تعالى على مركز الدكتورة يسرا. سلام.
فقط، أغلق معه لينتبه للطريق.
قالت إيمان التي تجلس بجانبه: ربنا ينجّيكي يا بنتي، إيه اللي صابك بس؟
ضمها جواد بقوة، وضعف أصاب قلبه من شدة خوفه عليها، همس في أذنها بوجع: أوعي تسيبيني بعد ما لقيتك يا دهبي، جواد يموت من غيرك، هقع وهتعمى بجد لو سبتيني يا وجعي.
وصل أخيرًا إلى المركز الطبي الذي يعرف صاحبته جيدًا، وبمجرد أن وقفت السيارة أمام الباب، وجد الطبيبة في انتظاره ومعها طاقم طبي كامل وفراش نقال، وضعها فوقه وسار بجانبه وهو يمسك يدها بتملك.
تركها فقط أمام غرفة العمليات الصغيرة والمجهزة للتعامل مع بعض الحالات البسيطة.
ربّت فارس على كتفه وقال بغموض: أنا خدت بالي من اللي عملته في العربية، حقك مقدرش أنطق كلمة، بس عشان خاطرها هي، هي بس يا جواد خد بالك واتصرف زي ما اتعودت، تمام؟
نظر لأخيه وقال: متخافش.
فقط، أسند ظهره على الحائط المجاور للباب وشرد بعيدًا، عقله يعمل ويحلل ما حدث، أما قلبه فكان بالداخل، معها.
حضرت توحيدة مع زوجها ويرافقهم عبيد الذي وقف قبالة ابنه يربّت على كتفه ويقول: سليمة يا ابني إن شاء الله.
زفر بوجع ولم يستطع الرد.
محمد بحزن: مال دهب يا جواد؟ هي دي أمانتي ليك؟ أنت عملتلها إيه؟
لم يلقِ بالا لما يسمعه ولكن أخيه هو من رد عنه وقال: عملها إيه إزاي يعني؟ إحنا كنا في الشغل وكان بيتصل يطمن عليها، أول ما سمع صوتها تعبان رحلها جري.
نظر له محمد بتيه وقال: يعني مش هو السبب؟ وأنت مضربتش أمها؟
تدخل عبيد بحسم: مش وقت الكلام ده، نطمن عالبت وبعدين نفهم.
توحيدة بدموع التماسيح: أنا عايزة بنتي ماليش دعوة، وكمان أنا مش مطمنة للدكتورة دي، أنا كلمت دكتور فخري اللي عارفينه من زمان وهو جاي في السكة بعربية إسعاف عشان ينقلها المستشفى بتاعته.
نظر لها الجميع بصدمة من ذلك القرار الذي اتخذته وحدها.
أما جوادنا المهموم قرر أن يطيح بها وليحدث ما يحدث، تحرك تجاهها بغضبٍ جم، ثم أمسكها من فوق حجابها بعنف حتى أنه كاد ينخلع عنها وقال بتهديد صريح: عارفة يا بنت الكلب، لو ما غورتيش من وشي، عليّ الحرام من ديني لأكون قاتلك ومخلص الدنيا من شرك.
نظر داخل عينيها وقال بوعيد: عارفة لو ليكي يد في اللي حصلها، مش هرحمك، سامعة!
لحقه فارس سريعًا وأمسك به وقال بمغزى: أنت اتجننت يا جواد؟ دي أمها يا أخي استحالة تأذيها، وبعدين ما هي كانت لسه داخلة الجنينة لما وصلنا، اهدى وبلاش تخلي زعلك على دهب يأثر على عقلك.
تركها، وصمت الجميع، والكل يفكر فيما يخصه، حتى انقضت ساعة ببطء مميت، خرجت بعدها الطبيبة وقالت: اطمنوا يا جماعة، الحمد لله عدت على خير.
جواد بصوت يملأه الوجع: قوليلي فيها إيه يا دكتورة لو سمحتي، متخبيش عليا.
نظرت له وقالت بمغزى: اطمن، هي بس كان في بوادر حمل بس واضح إن بسبب العلاقة الحميمة مكملش.
توحيدة بغل: حمل إيه؟ دي بقالها اتناشر يوم متجوزة!
يسرا: واضح إنه حصل ليلة الدخلة وكان معاد التبويض بتاعها يا حاجة، عادي بتحصل.
نظرت لجواد وأكملت: بما إنك جوزها اتفضل معايا عالمكتب عشان أقدر أفهمك اللي حصل بشكل أوضح بدون إحراج.
جلس أمام الطبيبة وقال بذكاء: إيه اللي مش عايزة تقوليه قدامهم يا يسرا؟ أنا عارفك من نبرة صوتك.
ابتسمت الطبيبة بود وقالت: طول عمرك ذكي ولماح، من أيام ما اشتغلت معاك في آخر مهمة وأنا فهمت دماغك.
جواد بنفاذ صبر: اخلصي مش وقت تطبيل.
يسرا بغيظ: يا ساتر، دايماً دبش.
تنفست بعمق وقالت بجدية: احمد ربنا يا جواد إنك لحقتها، لو كنت اتأخرت ساعة واحدة بس كان زمانها شايلة الرحم.
انقبض قلبه ألمًا وقال بوهن: يعني إيه؟
يسرا: النزيف اللي حصل لمراتك من خبرتي أقدر أقولك إنه مش طبيعي، أنا أخدت عينة وهحللها بنفسي عشان أتأكد من شكوكي، وطبعًا كل اللي قولته بره مش صح بس أنا اضطريت أقول كده لأني عارفة حساسية وضعك وكمان مضمنش مين معاك ومين عليك.
جواد برعب: طب هي حالتها إيه دلوقت؟
يسرا: طبعًا وقفت النزيف واديتها إبر مضادة للمادة اللي أنا شاكة إنها دخلت جسمها، يعني الحمد لله بقت تمام بس جدار الرحم اتضر شوية فهنضطر نأجل موضوع الحمل يعني عالأقل ست شهور لحد ما رحمها يرجع لحالته الطبيعية.
جواد بثقة: مش مهم حمل خالص، المهم هي.
يسرا بابتسامة: لا مش للدرجة دي، ده إجراء احتياطي مش أكتر والله، هي زي الفل متقلقش.
زفر بهم وقال: طب أنا عايزك تفضيلي المركز خالص الأيام اللي هتقعدها فيه، مش عايز غيرك أنتِ وممرضة واحدة بس تكوني بتثقي فيها وعلى ضمانتك، وأنا متكفل بمرتبات الناس اللي هتقعد من الشغل الكام يوم دول وكمان اللي هتطلبيه عشان قفل المكان.
يسرا بزعل: كده برضه يا جواد؟ والله زعلت منك، دأنت أنقذت حياتي، جاي دلوقت مش عايز تديني فرصة أرد جزء من جمايلك عليا؟
قبل أن يرد عليها سمع أصواتًا عالية بالخارج.
توحيدة: لازم دكتور فخري يكشف عليها عشان أطمن يا محمد، مش كفاية اتهنت قدامك وسكت، كمان مش عايز أطمن على بنتي!
دكتور فخري: المركز هنا مش مجهز لحالة دهب اللي وصفتها لي الحاجة، أنا جبت عربية إسعاف معايا عشان أنقلها فيها.
همست يسرا لجواد بجدية: جواد، أنا بعد ما شوفت الدكتور الزفت ده، أحب أؤكدلك إن الموضوع فيه أنّه، أنت عارف إنه مرتشي وشغله كله شمال.
وقف قبالة الطبيب وقال بهدوء ما قبل العاصفة: دقيقة، دقيقة واحدة لو مكنتش اختفيت من المكان، قسمًا بربي لتكون في قبرك الليلة، سامع!
انتفض الطبيب ذعرًا وغادر دون أن يتفوه بحرف، فهو يعرف هذا المتجبر حق المعرفة، ولن يستطيع مجابهته فلتحترق تلك الشمطاء، الأهم حياتي.
جلست روان وهدي وجيهان في حالة من الحزن البالغ على تلك الرقيقة التي دخلت قلوبهم من أول لحظة رأوها فيها، حتى الأطفال، لم يمرحوا كما عادتهم وحبيبة، تلك الصغيرة التي تلقت صدمة لن تنساها جلست منزوية وحدها بعد أن رفضت أن يجلس معها أحد.
اقترب منها محمود ابن عمها وقال بهدوء: تيجي ألاعبك بالمرجيحة؟
هزت رأسها برفض ولكنه لم ييأس فقال متصنعًا التعب: أنا تعبان خالص.
انتفضت بخوف وقالت بدموع: ليه؟ أنت هتبقى زي دهب وياخدوك المستشفى؟
ملّس على شعرها بحنو وقال: لا أنا بس عشان مكلتش.
حبيبة ببراءة: قول لمامّتك تعملك أكل.
محمود بحزن حقيقي: ماما مش فاضية وكمان مش بعرف آكل لوحدي.
نظر لها برجاء وأكمل: تاكلي معايا يا بيبة؟
حزنت عليه كثيرًا فهو قريب لها للغاية فقالت بطيبة: ماشي بس حبة صغننة عشان أنا زعلانة.
ابتسم لها برفق ثم أمسك كفها الصغير وقال وهو يتحرك بها تجاه المطبخ: تعالي نقول لدادة دلال تعملنا سندوتشات وتجبهالنا عند المرجيحة.
تحركت معه بهدوء، ولا تعلم أن شبيه عمه يفعل كل ذلك كي يخرجها من حالة الصمت المسيطرة عليها.
هدي: الواد ده حنية الدنيا فيه بس أمه هتدمره.
روان: محدش يعرف فاطمة دي قدي.
تنهدت بحزن وأكملت: أيام ما أبويا وأخويا كانوا بيملوا دماغي كره وسواد ناحية عمي وولاده كانت هي أكتر واحدة بتبخ سمها، لولا مصطفى حبيبي هو اللي رد لي عقلي وخلاني مسمعش ليهم.
جيهان: نفسي أعرف ناقصهم إيه عشان يحقدوا على عمو عبيد وولاده كده، بس هقول إيه.
ذرفت دموعها ولم تستطع تكملة حديثها.
اقتربت منها هدي وضمتها بحنان ثم قالت: أنتِ قولتي لأهلك إنه خطب وهيتجوز عليكي؟
جيهان بقهر: اتصلت ببابا قولته، بهدلني وقالي حقه يتجوز بدل الواحدة أربعة قدام قادر يصرف عليهم، وأنتِ ولا أول واحدة ولا آخر واحدة جوزها يجبلها ضرة.
شهقت بقهر وأكملت: قال وأنا اللي مردتش أكلم أمي عشان مسمعش منها الكلمتين دول، فكرته ممكن ينصفني، المشكلة إني مش هتحمل الوضع ده مش حبًا فيه، لا والله، لأني عارفة إني هعيش مذلولة، بس برضه هروح فين؟ أهلي قفلوا بابهم في وشي.
روان بحزن: حقك عليا والله، أنا كلمته كتير بس هو مصمم وكمان بابا مقويه.
جيهان: شكلي هاخد بناتي وهطفش منهم كلهم ومحدش هيعرفلي طريق.
هدي بحكمة: اصبري، اصبري لحد الآخر وصدقيني لو لقيتي الوضع فوق احتمالك أنا بنفسي هخلي فارس وجواد هما اللي يخلصوكي منه.
جلس جانبها يملّس على شعرها بحنان ويقول بداخله: فوقي يا دهبي أرجوكي، مش قادر أستحمل وجع قلبي عليكي، فتحي عينك بس خلي شمسي تطلع، وغلاوتك في قلبي اللي هيموت عليكي لأجيبلك حقك.
نظر أمامه وأكمل بتصميم: حتى لو هديت كل اللي عملته في سنين، لأجل عيونك أنتِ بس، هخسر كل حاجة، المهم تفضلي معايا وبس، يا عشق قلبي ووجعه.
وصغيرته شعرت به وقررت أن ترحمه، أنت بألم طفيف وهي تحاول فتح جفونها.
انتفض بقلبٍ وجِل وهو يحاول ضمها بهدوء ثم قال: قومي يا دهبي، افتحي عينك عشان جوادك يرجع يشوف بيها.
همست اسمه بوهن، ضمها أكثر وقال: يا قلب جواد وحياته اللي ملهاش لازمة من غيرك، اتكلمي يا حبيبي، سمعيني صوتك عشان روحي تترد فيا.
أمسكت ثيابه بضعف وقالت: إيه اللي حصل؟ أنا فين؟
رفعها بتمهل ووضعها داخل أحضانه ثم قال: إحنا فالمستشفى حبيبي عشان تعبتي شوية.
ردت عليه بصوت ضعيف: أنا آخر حاجة فكراها لما شربت المانجا وبعدها بطني وجعتني جامد وأنت كلمتني، مش فاكرة حاجة تاني.
انتفضت بوهن وقالت بذعر: حبيبة؟ حبيبة كانت بتعيط وخايفة.
ربّت على ظهرها بحنو وقال: اهدي حبيبي، هي كويسة متخافيش، وأنتِ أغمى عليكي وأنا جيتلك على طول.
تنهد بهم وأكمل: كنت قاعد بشتغل مع فارس، فجأة قلبي وجعني، عرفت وقتها إن فيكي حاجة عشان كده اتصلت أطمن، قلبي عمره ما كدب عليا من ناحيتك يا دهبي.
كوب وجهها وقال بجدية: عايز أطلب منك حاجة، بس أرجوكي تفهميني ومتزعليش وتساعديني.
نظرت له باهتمام وقالت: حاضر، مش هزعل، بس أنا مش بعرف أساعد حد.
قبلها برفق وقال: لا هتعرفي، أنا واثق فيكي حبيبي.
دهب: طب قول.
خرج لهم بعدما أراحها فوق الفراش وقال بجدية: فارس، هاتلي كام واحد من رجالتنا ووقفهم على باب المركز تحت وهنا، واتصل بمصطفى يجيلي حالًا.
محمد بحزن: في إيه يا ابني؟ ليه كل ده؟ ودهب فاقت ولا لسه؟ أنت رافض أي حد يدخلها وقاعدين مش فاهمين حاجة.
جواد بهدوء: لسه مفاقتش، أنا قولت للدكتورة تحقنها بمهدئ عشان تفضل نايمة أطول فترة ممكنة، مش هتحمل تفوق وتتوجع.
عبيد: مش مهم يا ابني، المهم إنها بخير.
جواد: بخير يا بابا الحمد لله، اتفضل حضرتك خد الجماعة وارجعوا البيت، القعدة ملهاش لازمة.
توحيدة بمسكنة: أنا مش هقدر أسيب بنتي، أنا هفضل معاها.
جواد بحسم: محدش هيفضل معاها غيري، وهي كده كده نايمة يعني وجودك زي عدمه.
إيمان: طب يا ابني اللي يريحك، أنا هرجع مع أبوك، وكمان شوية هجيلك تاني أجيبلك هدوم ليها وأكل كمان.
ذهب أربعتهم وظل أخيه منتظرًا وصول مصطفى الذي أتى لهم بعد فترة قصيرة.
تحدث جواد بجدية وقد اتخذ قراره الذي لن يثنيه أحد عنه.
قال بحسم: فارس، أنت هتفضل هنا متتحركش مهما حصل والرجالة هتفضل معاك، وأنا هسافر أنا ومصطفى حالًا القاهرة.
فارس بعصبية: أنت اتجننت يا جواد؟ أنت كده هتهد كل اللي عملته.
رد عليه بتصميم: ريّح نفسك أنا مش هرجع عن اللي في دماغي.
وجه حديثه لمصطفى قائلًا: جاي معايا ولا إيه؟
مصطفى: معاك طبعًا.
وقفت سيارة مصطفى التي كان يقودها وبجواره جوادنا الجامح أمام إحدى البنايات الشاهقة القابعة داخل إحدى أرقى أحياء مدينة القاهرة.
هبطا منها سويًا وبعد إحكام إغلاقها بالقفل الإلكتروني دلفا سويًا ثم صعدا بواسطة المصعد الكهربائي إلى الطابق العاشر والذي لا يوجد به غير باب واحد، فتحه مصطفى وأفسح له المجال.
وبمجرد أن دخلا اثنتيهما تحول هذا الجواد إلى أسدٍ غاضب، تحرك تجاه غرفة نومه الخاصة وفتح خزانة الثياب، أخرج منها حلة سوداء أنيقة يصاحبها قميص من نفس اللون وبدأ تبديل ما يرتديه بها.
مصطفى بتردد: أنا مش هقدر أعارضك في اللي ناوي عليه، إنما حبيت أفكرك إنك متراقب.
جواد: عارف وعامل حسابي متخافش، مش بسيب حاجة أبدًا للصدفة.
فقط، أنهى ما يفعله وسحب مفتاح سيارة أخرى غير التي أتيا بها، ثم اتجه إلى المطبخ ومنه خرج من باب خلفي يؤدي إلى الجهة الأخرى للبناية.
ضغط على زر في يده فأصدرت السيارة صوتًا دليل على فتحها.
اتجه ناحية باب السائق وفتحه بعصبية ثم صعد خلف المقود وأغلقه خلفه بإحكام.
أغمض عينيه لبعض ثوانٍ ثم قام بالنظر للمرآة الأمامية، مد يده داخل عينه ليخلع عنها تلك العدسة الشفافة في شكلها، ولكن مهمتها أن تحجب الرؤيا عنه ليصبح حقًا، أعمى.
وضعها داخل جرابها الخاص ثم أدار محرك السيارة وانطلق سريعًا إلى وجهته.
بعد أن صمم جواد أن يذهب الجميع لم يجد محمد له رغبة في العودة إلى المنزل مع تلك الحقيرة، اقترح عليه عبيد أن يأتي للجلوس معه على أن يعودا ليلًا للاطمئنان عليها.
انتهزت هي الفرصة وعادت وحدها وبمجرد أن أغلقت الباب اتصلت بشبيهتها وحينما جاءها الرد قالت بغل: كل حاجة باظت، ابن الكلب خربلي كل اللي خططت ليه.
فاطمة بذعر: إزاي؟ أوعي يكون كشفنا؟
توحيدة باستهزاء: أنتِ هبلة يا بت؟ وهو لو كان كشفنا كان زماني بكلمك.
فاطمة: فهميني طيب إيه اللي حصل.
توحيدة: أنا جيت زي ما اتفقت معاكي على أساس أسأل عليها، صدفة يعني، وكنت متفقة مع فخري إن هوديهالو عشان يشيل الرحم، طبعًا معرفش إني هلاقي الزفت جواد، أخدها عند الدكتورة يسرا يا أختي ولما صممت وعملت الشويتين بتوعي عشان فخري ياخدها عنده، مسك فيّا وبهدلني.
فاطمة بغل: أنا معرفش إيه اللي رجعه، إحنا كان ترتيبنا كله إنه يكون في الشغل وأنتِ تاخديها لفخري وعلى ما يوصله الخبر ويحصلك عالمستشفى يكون الدكتور شال الرحم وخلصنا.
توحيدة: ده اللي هيجنني، إيه اللي رجعه؟ دي حتى معاهاش تليفون عشان تتصل بيه يلحقها.
فاطمة: طب وبعدين ده الشيخ كان مرتب حاله على الرحم بتاعها، مش هو قال لعباس، عايز دم رحم بكر لسه مفتوحة، كده كل حاجة باظت.
توحيدة: لا لسه الموضوع في إيدينا، هو قال قبل ما يهل عليها هلال الشهر العربي الجديد يعني قدامنا حوالي أسبوعين نقدر نعمل فيهم اللي عايزينه.
فاطمة بخوف: أنا مش هقدر أحطلها حاجة تاني يا خالتي كده هروح في داهية.
توحيدة: اطمني ربنا ستر والدكتورة الهبلة افتكرته حمل ونزل لما نام معاها، وعالعموم لو معرفتيش أنتِ، أنا هبقى أخلي محمد يعزمهم عندي في يوم وأحطلها أنا الدوا، ووقتها محدش هيلحقها.
فاطمة بفضول: أنتِ ليه يا خالتي بتكرهي دهب كده؟ دي بنتك اللي محلتكيش غيرها.
توحيدة بغل: تغور هي وأبوها يا نن عين خالتك، أنا أبويا وأهلي وعيالي القرش، وبس.
أوقف سيارته المعتمة أمام بوابة مبنى جهاز المخابرات الحربية، وبمجرد أن رآه مسؤول الأمن فتحها له على الفور وهو يؤدي له التحية العسكرية.
صعد إلى الطابق الثالث ومشى في طرقاته وهو يدق الأرض بقدميه ولم يلقِ بالا لكل من يؤدي له التحية العسكرية ويقفون له احترامًا، ولما لا؟ وهو الرائد جواد التهامي، من أكفأ ضباط المخابرات الحربية، وأكثرهم شراسة وعنفًا، تجنبه الجميع وهو يسير بينهم في هيئة غاضبة، فبرغم وسامته التي ظهرت بوضوح مع ارتدائه تلك الحلة السوداء الفاخرة، مع طوله الفارع وجسده العريض، ناهيك عن عيونه السماوية التي أصبحت ملبدة بالغيوم فكان مظهره، حقًا، مرعب.
دون أن يلقي بالا أن ذاك الذي سيقتحم مكتبه الآن هو رئيس الجهاز، أمسك المقبض وأداره بهمجية ثم دلف للداخل وأغلق الباب وراءه بقوة ثم قال لذلك الذي انتفض خلف مكتبه: تعالى يا جواد! البلد محتاجاك، ماشي؟ ابني اللي مشفتهوش ومراتي يتقتلوا، ماشي؟ أتعمى وكنت هموت، ماشي؟ كمل عشان بلدك، ماشي؟ عيش أعمى بجد عشان تكشفهم، ماشي؟
صرخ بقهر وهو يضع يده على خافقه المتألم ثم أكمل: إنما قلبي لا، سامع؟ دي بالذات، لا يا باشا سامع؟ قولتلي متخافش، قولتلي هنحميها، قولتلي كل حاجة عارفينها، صح؟ تقدر تقولي إزاي مادة محرمة دوليًا وصلت ليد الـ***؟
فين حرس الحدود هاااااا؟ كنت هخسرها في لحظة، لولا إني حسيت بيها. أنا مش هكمل، تمام.
تركه يخرج غضبه الذي له كل الحق فيه، ولكن عند تلك النقطة التي لن يسمح له بفعلتها. وقف منتصبًا كقائد أعلى في الجيش وصرخ به:
"ثاااابت يا حضرة الظااابط!"
فرد جسده سريعًا ثم رفع يده بجانب رأسه وقال بغل:
"تمام يا فندم."
هكذا أعاد له رشده ولو قليلًا. اتجه إليه ووقف قبالته ثم ربت فوق كتفه وقال:
"حقك تزعل، بس مش من حقك أبدًا تنسى إنك ظابط في الجيش وإن احترامك للقائد بتاعك ده واجب عليك. وبعدين يا حضرة الظابط إحنا كلنا عارفين إن روحنا على كفنا، في أي لحظة ممكن نموت فدى تراب البلد. كام مرة اتمنيت تستشهد وإنت بتحارب الإرهاب أيام ما كنت قائد كتيبة صاعقة. حتى لما اخترناك تبقى واحد من ظباط المخابرات لكفاءتك، كنت برضه بتختار المهمات الصعبة عشان بس تنول الشهادة. جاي دلوقت تقول لي مش مكمل؟ مش جواد التهامي أبدًا اللي يهرب من واجبه تجاه بلده، مهما كان الثمن."
رد عليه بانهزام عاشق:
"أنا روحي فدى بلدي، بس هي لااااا. مش هكلمك على أساس القائد بتاعي، لا هكلمك على إنك كنت في يوم وما زلت أبويا التاني اللي كمل تربيتي ووصلني للي أنا فيه. قلب ابنك اتوجع قد إيه على إيدك وأنا شايف اللي بيجرالها ومش قادر أقرب. كام مرة جات لي حمى لما كنت بحس إن فيها حاجة، والدكاترة يقولوا سبب نفسي مفيش حاجة عضوية. ومحدش كان بيصدقني غير لما تجيلك الأخبار وتعرف إنها مكانتش بخير. إنت نفسك كنت بتستغرب، إزاي ممكن حد يحس بحد كده. أنا أموت فدى بلدي، بس هعيش إزاي من غيرها؟ طب هتحمل وجعها إزاااي؟ عارف لو كان الرحم اتشال، كانت هتدمر أكتر ما هي مدمرة. أنا مكنش هيفرق معايا أقسم بالله، بس هي مكنتش هتتحمل. وجعها بيحرق قلبي. ليه مش عايز تفهم؟ عارف، أنا اتصبت كتير، وجروح الطعنات اللي أخدتها مالية جسمي. حتى الحادثة ووجعها، كل ده ميجيش واحد على المليون من الوجع اللي بحسه لو دمعة نزلت منها. أنا بعشقها يا ريس، افهم ده."
كاد القائد أن يبكي بعدما سمع هذا الحديث الذي خرج من أعماق قلبه، المتألم على صغيرته، والتي عانت كثيرًا وهو عاش سنواته المنصرمة يتألم في صمت لوجعها، ويصبر حاله أن الأيام ستمر، وستكون معه وله، وحينها سيعوضها عما عانته.
ربت على يده التي وضعها فوق خافقه مع آخر كلمة تفوه بها وقال:
"وحياة ابني اللي اتمنيت يكون من صلبي لأحطهم تحت رجليك، تعمل فيهم اللي يشفي غليلك."
جلس جواد بتعب فوق أقرب مقعد ثم قال:
"يسرا لسه هتحلل دمها بس أنا من خلال خبرتي مفيش غير مادة واحدة بس هي اللي تعمل كده. وصلتلها إزاااااي؟ أنا هتجنن كل ما نقول خلاص قربنا وهنخلص منهم يتسربوا من بين إيدينا زي الماية. عايشين وسطنا وبيعملوا كل البلاوي دي ومش قادرين نمسك عليهم حاجة."
القائد ويدعى يامن:
"هنوصل، بأمر الله هنوصل. مش هيبقي أصعب من القضايا اللي كنا فاقدين الأمل فيها واتحلت. بس أنا عايز الرائد جواد التهامي اللي اسمه بيرعب أكبر المجرمين وأخطرهم. اركن العاشق على جنب عشان تقدر تحلها بسرعة وتعيش بأمان إنت وحبيبتك."
جواد:
"..."
اليوم، لن أسألكم ماذا سيحدث، بل...
اليوم، ستبدأ قصتنا. فلنرَ إذا كنا نستطيع فك الألغاز، أم لا.
رواية جواد ودهب الفصل السابع عشر 17 - بقلم فريدة الحلواني
دلفت الطبيبة إلى تلك التي تمثل أنها غافية، كما اتفق معها جوادها وأكد عليها حينما قال:
"أول ما تسمعي صوت الباب اعملي نفسك نايمة."
ابتسمت يسرا على تلك البريئة حينما لاحظت اهتزاز جفونها وهي تحاول إغلاقها بإحكام.
هزت رأسها بتعجب وتذكرت ما قاله لها هذا الغريب.
فلاش باك
___________
جواد: أنا همشي... عندي مشوار مهم كام ساعة وراجع بأمر الله... مش عايز حد يدخلها غيرك، أنا فهمت الكل إنها واخدة مهدئ ونايمة.
يسرا: تمام ما تقلقش، وأنا كل فترة هدخل أطمن عليها.
جواد بتحذير: مش عايزها تعرف اللي حصل.
يسرا باستغراب: ما هي أكيد هتسألني.
صمت جواد للحظات ثم قال بخبث: قولي لها اللي حصل لها بسبب العلاقة وكده.
يسرا بذهول: إزاي؟ إيه اللي دخل ده في ده؟... هاااا أنت بتغتصب البنت يا جوااااد!
نظر لها بصدمة ثم قال بغضب: دي مراااتي يا زفتة، اغتصب إيه؟... كل الحكاية إنها ما عندهاش خبرة نهائي عن أي حاجة، ولما بنكون مع بعض مش ببقى... أمممم... مش عارف أشرح لك... بصي هي بتبقى مبسوطة وكده، بس جسمها غصب عنها بيتخشّب ومش قادرة تشيل حاجز الخوف من جواها مهما أعمل... فأنتِ بقى تفهميها بالراحة إنها لازم تتعامل عادي وجسمها يبقى مسترخي عشان ما يحصلش كده تاني، فهمتي؟
ضحكت يسرا وقالت بغيظ: آآآه يا لئيم، بتستغل الموقف لصالحك... وبعدين الكلام ده ما يدخل دماغ عيل صغير، استحالة تصدق.
ابتسم جواد وهمّ وقال: العيل بيفهم أكتر من مراتي... أنتِ مش عارفة حاجة... المهم اعملي زي ما بقول لك بس، وملكِيش دعوة.
باااااااااك
____________
عادت من تلك الذكرى وهي تقترب من الفراش ثم جلست على حافته وقالت بمزاح:
"أنا عارفة إنك عاملة نفسك نايمة... زي ما جواد اتفق معاكِ."
انتفضت من مرقدها وشهقت ثم قالت بطفولة:
"هو قاااالك؟"
ضحكت يسرا بصخب هادئ ثم قالت:
"يا حبيبتي أنا الدكتورة ولازم أعرف... المهم أنتِ عاملة إيه دلوقت؟ حاسة بأي وجع؟"
دهب بكذب:
"هاا... لا مفيش أنا كويسة."
ابتسمت لها وقالت بمزاح:
"قولي يا دودو لو في أي حاجة عشان جوزك ما يعلقنيش على باب المركز هههه ده عايزني كل شوية أديكي مسكن عشان ما تتألميش."
ابتسمت دهب بحب وقالت:
"كويسة والله، هو بس شوية مغص من هنا..."
وضعت يدها أسفل بطنها لتشير لمكان الألم ثم أكملت:
"بس بسيط يعني."
يسرا:
"أنا مش حابة أكتر من المسكنات، بس لو واجعك قوي ممكن أحطهولك في المحلول."
تعمدت يسرا ألا تفحصها أولًا وأن تفتح معها ذلك الحديث الودي حتى ترتاح لها تلك الصغيرة... كي تتقبل ما ستقوله لها دون خجل.
اعتدلت دهب لتسند ظهرها على ظهر الفراش وهي تقول:
"لا أنا مش بحب آخد علاج كتير... شهدت للحظة ثم أكملت: أصلًا مش متعودة عليه... بس عايزة أفهم سبب اللي حصل... سألت جواد بس قال لي لما تخفي هفهمِك."
نظرت لها برجاء وأكملت:
"ممكن تفهميني؟"
يسرا:
"هفهمِك طبعًا... واضح إنك أثناء العلاقة الحميمة بتبقي مش مرتاحة."
نفت تلك التهمة عنها وقالت سريعًا:
"لا والله أبدًا."
ابتسمت يسرا وأكملت بهدوء:
"ما أقصدش إنك رافضة... أنا قصدي إنك مش بتخلي جسمك مسترخي... يعني مش بتبقي على راحتك أو تخلي جسمك يتحرك من غير قيود أنتِ بتفرضيها عليه... وطبعًا جوزك بيكمل لأن المرحلة اللي بيوصلها ما فيهاش رجوع... مع ضعف حجمك بالنسبة لحجمه حصل... أمممم... زي جرح صغير كده في عنق الرحم عمل شوية نزيف صغيرين... بس كده."
شردت دهب لعدة لحظات تحلل ما سمعته واكتشفت أن كلامها صحيح، فهي إذا كانت تشعر بمتعة فيما يحدث إلا أنها بمجرد أن يخترقها يصبح جسدها متصلبًا دون إرادة منها.
نظرت للطبيبة وقالت بحزن يشوبه الخجل:
"أيوه صح... ده بيحصل."
علمت يسرا أن جواد محق فيما قاله، وأنها ليس لديها أي خبرة أو معلومات عما يحدث، فقررت أن تنصحها وتمدها ببعض المعلومات لتستفيد منها تلك الجميلة الهادئة.
يسرا بلطف:
"ممكن تعتبريني أختك الكبيرة أو حتى مامتك ونتكلم مع بعض بصراحة."
ابتسمت دهب وقالت ببراءة:
"أيوه ممكن... جواد قال لي إنه بيثق فيكِ وأنا بصدقه."
ابتسمت لها وبدأت الحديث بجدية:
"واضح إنك ما عندكِش أي خلفية عن العلاقة... بصي حبيبتي العلاقة الجنسية بين أي اتنين بتقوم على الرغبة في المقام الأول... وكل واحد بيحاول يرضي جسمه لما يكملها للآخر... فبيحصل مداعبة بين الزوجين وفي الوقت ده بتنسي أي حاجة وتسيبي جسمك يعبر عن رغباته... يعني تتحركي معاه... تلمسي جوزك برغبة... بمعنى أوضح... بتلغي عقلك في الوقت ده اللي بيقول لك مثلًا لا كده عيب أو لا أتكَسّف... أو أو أو... وتفكري بس إنه حلالك وكل حاجة بينكم مباحة، وزي ما هو بيديكي حقك في العلاقة أنتِ كمان لازم تديله حقه... إنه يحس بالاستمتاع معاكِ... عشان ما تبقاش العلاقة من طرف واحد هو اللي بيدي بس."
"حتى لو مثلًا الراجل بيكون أناني في العلاقة ومش بيهتم بزوجته... الست تقدر تغيره وتخليه يهتم بيها... يعني تلبس لبس مغري... تلمسه بإغواء... تدلع عليه... تحاول بذكائها تأخر وقت العلاقة لحد ما هي كمان تحس إنها شبعت جنسيًا وجابت شهوتها... دي العلاقة العادية... إنما بقى لما يكون الاتنين بيحبوا بعض الموضوع بيختلف كليًا... لأن قلبهم اللي بيحركهم مش الشهوة بس... وبيبقى كل واحد حرفيًا عايز ياكل التاني... ومش بيشبع منه... والحب اللي جواه ومش لاقي كلام يعبر عنه بيه... بيطلعوا في العلاقة... يعني ممكن يعمل معاكِ حاجات تستغربيها وتقولي إزاي بيلمسني كده... وأنتِ كمان ممكن تستغربي نفسك وتقولي أنا إزاي عملت كده وكنت قليلة أدب قوي... بس ده القلب هو اللي حركك... ولما تجتمع الشهوة والحب بتبقي طايرة في السما ومش عايزة الوقت ينتهي بينكم أبدًا."
كانت تركز في كل حرف تسمعه منها... والذي يؤكد عشق جوادها لها... فما يفعله معها فاق كل الحدود... وكانت حقًا مصدومة من تصرفاته الفاجرة معها... وبرغم أنه شرح لها ما يحدث بينهما ولكن بطريقة علمية.
صمتت يسرا لتعطيها الفرصة تستوعب ما قالته ثم أكملت:
"كل حاجة بين الراجل ومراته حلال... إلا إنه يجامعها من الدبر... فتحة الشرج يعني... وفي ناس بتحرّم إن الزوج يداعب زوجته بصوابعه لما يدخلهم جوه... وفي ناس بتقول حلال... بس أي حاجة وكل حاجة غير كده... عادي وحلال بل واجب عليكم أنتوا الاتنين... الرسول عليه الصلاة والسلام قال فيما معناه يعني.. لا تأتوا نساءكم كالأنعام... يعني حرام الراجل يعمل العلاقة من غير ما يداعب زوجته... أو ما يريحهاش... والست الذكية هي اللي تقدر ترضي جوزها وتلبي طلباته... بل كمان تتفنن في تجديد نفسها... وأسلوبها و... وقاحتها معاه عشان تخليه دايمًا مشتاق لها وما يبصش لغيرها... فهمتي يا جميلة؟"
هزت دهب رأسها بفهم وهي تحلل ما سمعته ثم قالت بخجل:
"طب واللي ما كانتش تعرف حاجة عن الكلام ده... وكمان بتتكسف قوي، تعمل إيه؟"
يسرا:
"اللي ما تعرفش ممكن تسأل حد يكون مصدر ثقة وقريب منها.."
ضحكت وأكملت بمزاح جاد:
"واللي بتتكسف بقى تفتكر إن كده بتقصر مع جوزها، ومصيره يزهق منها ويبص لغيرها."
شهقت دهب بفزع وقالت:
"هاااا بجد ممكن يتجوز عليا؟"
يسرا بخبث:
"ممكن، وبعدين جوزك ما شاء الله حلو وشخصية وهيبة يعني أي واحدة تتمناه... وأكيد في كتير بيحاولوا يقربوا منه."
دهب بخوف:
"طب أعمل إيه أنا مش عايزاه يشوف حد منهم... إيه قلة الأدب دي هما مش عارفين إنه متجوز؟"
ضحكت يسرا وقالت:
"النوعية دي مش بتفرق معاها متجوز أو لا..."
نظرت لها بجدية وأكملت:
"أنتِ بتحبيه يا دهب؟"
احمر وجهها خجلًا ولكنها هزت رأسها علامة التأكيد.
ابتسمت يسرا بود وقالت:
"يبقى سيبي نفسك ليه وهو هيحافظ عليكِ... وسيبي قلبك هو اللي يحركك... الغي الكسوف من جواكِ لأنك مع حبيبك وحلالك... والغي الخوف من جواكِ لأنك في أمان مع جواد... ما حدش في الدنيا هيحبك ويخاف عليكِ قده... اسأليني أنا."
دهب باهتمام:
"وعرفتِ إزاي؟"
يسرا باختصار:
"بدون دخول في تفاصيل مش وقتها... هو أكيد هيحكي لك عنها... أنا أعرف جواد من سنين... الأول اتعرفنا عن طريق شغل كنت بعمل عملية لصاحبه... وبعدها اشتغلنا مع بعض وبقينا صحاب وأكتر من الأخوات... شفت قد إيه هو بيعشقك... عشت معاه عذابه في بعدك... حتى لما اتجوز... ههههه... كان حاسس إنه بيخونك مع مراته... آه والله كان بيقول لي كده ههههه."
ابتسمت دهب بفرحة وقالت بجدية:
"طب ممكن تنصحيني أعمل إيه عشان أخليه مبسوط؟"
أكملت بغيرة:
"وما يبصش لغيري؟"
يسرا:
"خلي حبك ليه يطلع من قلبك من خلال تصرفاتك معاه... قربي منه وحسي إنكم واحد... اديله حقه وخدي حقك منه... الغي الكسوف بينكم وخلي حبك ليه هو اللي يحركك... افتكري دايمًا إنه جوزك حلالك وكل حاجة بينكم مباحة..."
ابتسمت وغمزت لها بمغزى ثم أكملت:
"كل ما تلاقي نفسك هتتكسفي افتكري إن جوزك مز وهيَتخطَف منك... هتلاقي نفسك بتاكليه أكل ههههههه."
عاد إلى شقته الخاصة بعد أن وضع خطة محكمة مع قائده وقد هدأ قليلًا عما كان منذ بضعة ساعات.
مصطفى باهتمام:
"اتأخرت ليه يا جواد؟ قلقت عليك بس ما رضيتش أتصل."
جلس بإرهاق فوق المقعد ثم قال:
"على ما اتفقنا وخلصنا كلام... المهم أنا اتصلت بسليمان يجي يقابلنا قبل ما نرجع."
مصطفى:
"ده هيتجنن خلاص عقله طار."
جواد:
"حقه... أنا حاسس بيه بس هو ناره أصعب مني... على الأقل أنا حبيبتي ما حدش لمسها... إنما هو حبيبته بقت ملك لغيره لا ومخلفة منه... وياريتها مرتاحة في عيشتها... يعني عذابه عذابين."
مصطفى:
"أكتر واحد اتظلم... منه لله أبوها رفضه عشان أحمد الكلب."
جواد:
"أبوها كلب فلوس زي أحمد وعباس... برغم إنه عارف إن سليمان بيحبها من وهو صغير بس اختار أحمد عشان يستفاد منه وما همهوش راحة بنته."
مصطفى:
"ده لما عرف إنه هيتجوز عليها اتجنن وكان مصمم يرجع البلد يقتله... بس كلمته وهديته... بس مش مطمن له."
جواد:
"عشان كده قلت له يجي هنا لازم يعقل ويمسك نفسه شوية بدل ما يبوظ كل حاجة بجنانه ده."
مصطفى:
"فارس كلمني وعلى آخره منك... بيقول لي إنك قلعت العدسة وأنتوا في العربية.. هههههه وشاكك إنك قلعتها يوم فرحك."
ابتسم جواد وهمّ وقال:
"يوم فرحي قعد يأكد عليا ما أقلعهاش عشان دهب ما تاخدش بالها... ووعدته بس ما قدرتش ما أشوفهاش بالفستان الأبيض... كنت هموت لو ما عملتهاش... والنهاردة... حسيت فعلًا إني أعمى لما سمعت صوتها تعبان وأنا مش شايف أتحرك... ما صدقت ركبنا العربية عشان أقلعها وأشوف اللي بيحصل حواليا."
مصطفى:
"ربنا يستر والحرباية ما تكونش أخدت بالها."
جواد:
"لا ما أعتقدش كانت مشغولة بإنها تنقل دهب مع الـ... عشان ياخدها."
مصطفى:
"طب إيه الجديد وأنت ناوي على إيه؟"
وصلت إيمان مع زوجها ومحمد إلى المركز الذي تحول إلى حصن آمن...
وجدوا فارس يجلس على أحد المقاعد وحده فسأله أبوه باهتمام:
"إيه الأخبار يا ابني؟"
فارس:
"لسه نايمة... بس الدكتورة كل شوية بتدخل تطمن عليها وقالت لي إنها بخير الحمد لله."
محمد بحزن:
"ربنا يطمنا عليها... أنا هتجنن نفسي أعرف إيه اللي حصل وأخوك مقفل الدنيا ومش مفهم حد حاجة."
عبيد:
"إحنا قلنا إيه يا محمد من ساعة ما مشينا وأنا بفهم فيك وبقول لك اصبر... أنا أبوه ومش مفهمني بس أنا واثق فيه وأكيد سفره ده وراه حاجة مهمة."
محمد:
"والله أنا بحاول بس بنت الكلب دي مبوظة أعصابي زي ما أنت شايف وعمالة ترن مش ساكتة وأنا لازم أعمل إني مصدقها زي ما فهمتني بس خلاااااص يا نااااس مش قادر أتحمل أكتر من كده."
أشفق عليه فارس وقال:
"معلش يا عمي... مش لوحدك كلنا متحملين التَعابين دول لحد ما ربنا يخلصنا منهم... بس اللي متأكد منه إن بعد اللي حصل ده جواد هيعمل المستحيل عشان يخلص الحكاية بسرعة..."
أكمل بمغزى:
"وكمان ممكن يقرر إنه يعمل العملية مش هيتحمل يفضل كده."
إيمان بتضرع:
"يااااارب يا ابني ده يوم المنى يوم ما يرجع يشوف تاني... والله أنا قلت من الأول إن دهب هي اللي هتشجعه يعملها."
ابتسم عبيد داخله وقال:
"هتفضلي طول عمرك هبلة يا عشرة عمري الطيبة وعيالك التيران دول هيفضلوا يشتغلُوكي بكلمة هههه."
دلف إلى جناحه ليبدل ثيابه بأخرى جديدة وهو يقول بكيد:
"هدخل آخد دش على ما تجهزي لي هدوم حلوة عشان معزوم على العشا عند خطيبتي."
نظرت له بذهول ولكنها قررت أن تنفجر، وليحدث ما يحدث، كفاها إهانة.
صرخت بقهر:
"أنت إيه يا أخي؟... إيه التلَندَالة اللي أنت فيها دي؟... بعد كل اللي عملته فيا... ما كفاكش؟... عايز تقهرني أكتر من كده إيه؟... طريقة زبالة ومعاملة زي المومس واستحملت... ذل وقلة تقدير واستحملت... خيانة ووساخة وقرف واستحملت... ده أنت كنت تكلم الأوساخ بتوعك في نص الليل وأنا نايمة مش حاسة وأقوم ألاقي الباسكت مليان مناديل من القرف اللي بتعمله... كأنك مش متجوز ولا حتى كل يوم والتاني مع واحدة... استغليت إن أهلي مش في ضهري ورافضين طلاقي منك اللي طلبته من أول ست شهور... واتماديت في اللي بتعمله... كرهتني في عيشتي وفي نفسي... بس كنت بصبر نفسي وأقول معلش بكرة يعقل كل الرجالة بيجيلها فترة وتتهبل وتخون مراتاتها... المهم ما حدش يعرف ولا حد حاسس باللي فيا... إنما توصل إنك تجيب لي عيلة عشان تعملها ست عليا... لاااااااا... مش هقبل وهطلق منك حتى لو قعدت أشحت ببناتي في الشارع أكرَم لي من اللي هعيشه معاك أنت وهي."
وقف ينظر لانفجارها ببرود ولكن شخصيته النرجسية أبت أن تقبل إظهار قذارته بتلك الطريقة... على حين غفلة... لطمها فوق وجنتها بقوة جعلتها تصرخ ألمًا وهي تضع يدها فوق وجهها بصدمة، وما كادت أن تتحدث إلا أنه فاجأها بجذب خصلاتها بقوة.
ثم قال بغل:
"أنتِ مفكرة نفسك مين هاااا؟... أنا اشتريتك بفلوسي يا بت... أبوكِ ولا يقدر يفتح بوقه معايا عشان الشيكات اللي على بياض اللي ماضي لي عليها... ده أنا اللي باكل أهلك يا بنت الكلب... بفلوسيييي... بفلوسي أشتري اللي أنا عايزه وأنا اشتريتك عشان بس أقهر ابن الكلب اللي كان عينه منك وبيتحداني... أنا هتجوز كمان أسبوعين وهجيبها هنا على فرشتك وأنتِ تغوري تقعدي مع بناتك... وهتخدميها ورجلي فوق رقبتك..."
ألقاها أرضًا بغباء ثم صرخ:
"ساااااامعة!"
عاد إليها وهو أصبح على مشارف القرية، بضع دقائق وتصبح بين ذراعيه، يشعرها باشتياقه لها. برغم أنه حادثها كثيرًا عبر هاتف الطبيبة، إلا أن قلبه العاشق لن يرتاح إلا برؤيتها أمامه وداخل أحضانه.
عاد من شروده على حديث مصطفى وهو يقول:
"البس العدسات يا ابني ما تفضحناش."
جواد:
"ما فيش حد هناك عادي، أبقى ألبسها الصبح."
مصطفى بغيظ:
"أنت هتستهبل؟ إيه ما صدقت شلتهم؟ جواد ما تضيعش كل اللي عملته، مهما حاولت تتصرف كأنك أعمى مش هيبقي زي ما أنت أعمى فعلًا."
زفر جواد بحنق وقال:
"خلاص بقى، قلت هلبسها الصبح، أنا هبات معاها والكل هيمشي."
ألقى السلام على أبويه وأخيه ومحمد ثم قال:
"إيه الأخبار يا فارس؟"
قبل أن يرد عليه أخيه، وجد محمد يحدثه بعصبية:
"أنت هتفضل مانعني أشوف بنتي لحد إمتى؟ ما ينفعش كده يا ابني، قلبي واكلني عليها، عايز أشوف بنتي يا جواااد."
زفر بحنق ثم قال ببرود:
"ثواني طيب، هدخل أشوفها وبعدين أدخلكم."
نظر محمد له بذهول ولكنه لم يهتم. اتجه إلى غرفتها بقلب لهيف، وبمجرد أن أغلق خلفه الباب، وجدها تمثل النوم، ولكنها فتحت عيناها بفرحة حينما اشتمت عطره المميز. ابتسمت بفرح وقالت:
"جواااد."
هرول جواد إليها واختطفها بين ذراعيه برفق قوي وهو يقول بعشق خالص:
"وحشتيني يا قلب جواد وعمره."
أبعدها قليلًا وأخذ يتطلع لها بوله وهو يقول:
"عاملة إيه يا حبيبتي؟ حاسة بوجع؟ في أي حاجة بتألمك؟"
ابتسمت له وقالت:
"لا كويسة، الدكتورة كل شوية تديني مسكن زي ما أنت موصيها."
ملّس على وجنتها وقال:
"قلبي بيوجعني لما بشوفك تعبانة يا دهبي."
أعقب قوله بتقبيلها بنهم واشتياق والكثير من الخوف، ثم فصلها وقال:
"كلهم بره عايزين يشوفوكي، هتقدري ولا تعبانة؟"
دهب:
"لا كويسة والله، خليهم يدخلوا."
بمجرد أن أعطاهم الإذن بالدخول، عاد يجلس جانبها ويضمها إليه بإحكام. وجد أبيها يهرول تجاهها يريد أن يحتضنها، وكاد أن يتحدث إلا أن هذا المتجبر ضمها أكثر بذراعيه، ويده امتدت ليمنع أبيها من الاقتراب وهو يقول:
"اطمن من بعيد."
محمد بجنون:
"لاااا أنت زودتها أوووي، دي بنتي."
همست في أذنه بحزن:
"ده بابا يا جواااد، وبعدين ماما ما كانتش بتخليه يحضني كتير."
نظر لها بغيظ وقال بهمجية:
"أنا بقى مش هخليه يحضنك خااالص يا قطة، اتهدي بقى."
خافت من عصبيته ودفنت رأسها تحت ذراعه لتتواري عن الأنظار المصدومة.
عبيد:
"يااابني مش كده، الراجل هيتجنن على بنته من الصبح."
جواد ببرود:
"أهي قدامه زي الفل الحمد لله، ولا هو لازم تفعيص عشان يرتاااح؟"
إيمان بجنون:
"واااللله ما شوفت رباية، مالك يا واد مكلبش في البت ليه؟ ادينا فرصة نطمن عليها، عيب كده."
جواد:
"اطمنوا، هو أنا منعتكم؟ بس من بعيد."
استسلموا جميعًا لجبروته وظلوا يحادثونها من أماكنهم ويطمئنوا عليها بحب إلى أن انقضت أكثر من ساعة، فوجدوه يقول بقلة ذوق:
"يلا بقى يا جماعة اتكلوا على الله عشان نرتاح شوية، اليوم كان طويل ومرهق."
نظر لها وقال:
"مش أنتي تعبانة وعايزة تنامي؟"
نظرت له بصدمة فأكمل:
"أهو شوفتوا، تعبانة ومحتاجة ترتاح."
سبّه أبيه سبه نابية، ونظر له محمد بغل، أما إيمان فقالت بقلة حيلة وهي تتجه للخارج:
"أبقى هات قمصان مقاسات خاصة عشان تحطها جواه وتقفل عليها بالمرة."
نظر لها باهتمام وقال بجدية:
"يسلم لي دماغك يا إيمي، طب والله فكرة."
أخيرًا، هكذا قال بتهدج بعدما اختلى بصغيرته ووضعها داخل أحضانه. شعر بها تلف ذراعيها حول خصره وتسند رأسها فوق صدره.
جواد:
"عملتي إيه وأنا مش موجود؟"
دهب:
"فضلت نايمة كتير، بس دكتورة يسرا قعدت معايا كتير أوووي."
قبل رأسها وقال:
"وحشتيني يا ديبو."
تذكرت حديث الطبيبة فقررت أن تأخذ خطوة ولو بسيطة تجاهه. أخذت نفسًا عميقًا، ثم رفعت رأسها من فوق صدره واقتربت من وجنته، وضعت فوقها قبلة رقيقة للغاية ثم قالت بهمس:
"وأنت كمان."
صدمة، صدمة حلت عليه وهو ينظر لها بذهول بعد أن وضع يده مكان القبلة. تمالك حاله وقال بخبث ليتأكد مما فكر فيه:
"أنتي بتتحرشي بياااا؟"
انتفضت بين يديه وقالت سريعًا كعادتها:
"والللله أبداااا، اااا... أنا بعمل زي ما الدكتورة قالت لي عشان ما تبصش لواحدة تانية أو تتجوز عليا."
انطلقت ضحكاته الرجولية الصاخبة حتى دمعت عيناه. أراد أن يلتهم تلك البراءة التهامًا، ولكنه سيصبر حاله إلى أن يتم شفائها على خير. أيضًا سيشكر تلك اليسرى كثيرًا، بل سيكافئها على ما فعلته.
قبل أن تبرر موقفها مجددًا ودموعها تهدد بالهطول، وجده يقول:
"حبيبتي بهزر معاكي، أنا كلي ملكك، اعملي فيا ومعايا كل اللي أنتي عايزاه."
أعقب قوله بالتهام شفتيها ويده استباحت مقدمتها يعتصرهم برغبة تملكت منه. حاولت أن تبادله ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا، ما جعله يأكل ثغرها بجنون. ابتعد وقال بأنفاس لاهثة:
"هموت عليكي يا دهبي، أعمل إااايه؟"
دهب بهمس خجل:
"وأنا... كمان."
كاد يجن، حبيبته تريده، صغيرته تشتاقه، بدأت تتجاوب معه برغم صعوبة التوقيت الذي اختارته لذلك، ولكن مع هذا الجواد، لا يوجد مستحيل.
نظر لها برغبة جامحة وقال: "..."
رواية جواد ودهب الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فريدة الحلواني
كاد يجن... حبيبته تريده... صغيرته تشتاقه... بدأت تتجاوب معه برغم صعوبة التوقيت الذي اختارته لذلك، ولكن مع هذا الجواد... لا يوجد مستحيل.
نظر لها برغبة جامحة وقال: وحشتك بجد يا دهبي.
احمرت خجلًا ولكنها تحاول التغلب عليه فقالت: أوووي يا جواد... أنا أصلاً مش ببقى مرتاحة وأنت بعيد.
التهمها... حقًا التهمها ثم ابتعد سريعًا ووضعها فوق الفراش وهو يقول: خليك هنا حبيبي ثواني وراجعلك.
أعقب قوله بالخروج سريعًا من غرفتها متجهًا نحو غرفة الطبيبة والتي اقتحمها دون إذن وهو يقول: هي لسه بتنزف.
انتفضت يسرى من فوق مقعدها وقالت بغيظ: منك لله هتقطعلي الخلف.
جواد بتعجل: اخلصي يا يسرى لسه في نزيف ولا إيه؟
ردت عليه باستغراب: أنا وقفت النزيف من بدري وعملتلها تنظيف للرحم كمان... يعني ممكن لو نزل يكون نقط بسيطة مش أكتر... ضيقت عيناها وأكملت: أنت ناوي على إيه؟
ابتسم باتساع وقال: ولا حاجة بطمن بس... المهم تعالي أدلها مسكن قوي.
يسرى بجنون: يابني الله يهديك البت كويسة مفيش داعي للي أنت عامله ده.
جواد: ملكيش فيه أنا أدرى بيها منك.
نظرت له بمغزى وقالت بوقاحة تشبهه، ولما لا، فهم أصدقاء منذ أكثر من ثماني سنوات: واد أنت... أنت ناوي على إيه، السرير ضعيف مش هيتحملك.
ضحك وقال: هبقى أجيبلك غيره... اخلصي يا زفتة.
نفذت ما أراد وهي مشفقة على تلك الصغيرة من جموحه... أغلقت الباب خلفها وهي تقول بضحك: الله يهدك يا جواد البت عصفورة قدامك... هتاكلها... هييبح يلا أما أروح أكلم أبو العيال يمكن يختشي على دمه ويحس... هههه الواد فتح نفسي السافل.
أغلق الباب بالمفتاح كإجراء احتياطي ثم اتجه إليها وهو يخلع ثيابه تحت ذهولها مما يفعله... وحينما وصل قبالتها قالت بذعر: مالك يا جواد أنت هتعمل إيه؟
رد ببراءة منافية لفجوره: هدخلك تاخدي دش يا قلب جواد... أنا عارف إنك قاعدة متضايقة من ريحة العلاج والبنج وكده.
دهب: أيوه صح عندك حق... خليك وأنا هقدر أتصرف لوحدي متخافش أنا كويسة خالص والله.
حملها بين ذراعيه وكأنها لم تقل شيئًا واتجه بها نحو المرحاض الصغير وقام بإنزالها... خلع ثيابها بتمهل قاتل وكلما انتهى من قطعة وزع قبلاته مكانها... إلى أن وصل للباسها التحتي والذي أدخل يده من تحته ليلامس أسفلها ويدلكها برفق ثم أخرجها ونظر إلى يده لم يجد بها أثرًا لأي دماء فابتسم باتساع وهو يفتح مرش الماء.
كانت تتابع أفعاله بصمت ولكنها قالت باستغراب: أنت جيت هنا قبل كده... أصل شايفاك حافظ المكان معدتش الخطوات زي ما عملت في أوضتي.
عض على شفته السفلى بغيظ من نفسه ولكنه قال وهو يتصنع الحزن: أنت مش شايفاني بحسس على المكان الأول... برضه لازم تفكريني.
احتضنته من خصره بقوة وقالت باعتذار: آسفة والله آسفة ما قصدش أنا اللي بييجي في دماغي بعمله والله.
كاد أن يصفق بحرارة لحاله على براعته... أمسك خلفها بيديه واعتصرهما وهو يقول: خلاص ما حصلش حاجة... تعالي ناخد دش سوى... وفقط... أوقفها تحت مرش المياه الدافئة وأخذ ينظف جسدها برقة بالغة تنافي هياجه الذي يأمره باغتصابها... بدأ يملس عليها بإغواء حتى ذابت بين يديه وشبقها سال على بأساقيها... هنا وصل لمبتغاه... فلتكن ملحمة.
أغلق المياه وجفف جسدها بمنشفة صغيرة ولم يخرج بل رفعها لتحاوط خصره بساقيها وألصقها بالحائط... وضع يده تحت خلفها ثم قال: أنا عايزك يا حبيبي... مش هقدر أصبر لما أروح... أمسك كف يدها ووضعها فوق وحشه وقال بجنون: هيتجنن عليكي... التهم ثغرها بفجور... حرفيًا كان يضاجع بلسانه ويده تفرك حلمتها حتى كادت أن تزهق روحها... تحرك بها للخارج ثم وضعها فوق الفراش وهو يقول بجنون: يسرى أدتك مسكن قوي عشان تقدري تتحملي اللي هيحصل... مال عليها دون تقبيل وقال بهمس وقح: مش قادر أقاوم جمالك... عض شفتها السفلى وهبط بقبلاته المحمومة إلى الأسفل حتى أمسك مقدمتها ونظر له بشهوة وقال قبل أن يلتهمه: كل حاجة فيكي بيرفكت... أعقب قوله بالتهام حلمتها بفمه ويده امتدت أسفلها يضاجعها بها إلى أن أتت مائها فقال بمزاح وقح: يلا عدي معايا جبتيهم أول مرة... عضها وقال: نكمل بقى.
نظرت له بولة وقالت بأنفاس لاهثة: يعني إيه جبتيهم دي؟
ضحك بقوة وقال: لما أخلص هفهمك... نظر داخل عيناها وقال بهياج: هعلمك حاجات مالي بحبها... رفعها للأعلى حتى تستند على الفراش ثم حاوطها بركبتيه وظل يتقدم منها إلى أن أصبحت وحشه أمام وجهها تحت خجلها الشديد وعدم علمها بما عليها فعله... مررها بلطف فوق وجهها ثم بمنتهى الهدوء المنافي لهياجه قال: افتحي بوقك يا دهبي.
فرقت بين شفتيها ولكنها صدمت حينما وضعه بينهما وهو يقول بجنون... آآآخ... بعشقك يا ديبو... أعقب قوله بتحريك خصره مع ذهولها مما يفعله ولكنه لم يتحمل عدم تجاوبها فقال بهياج: اتحركييي معايا... حينما وجدها جاهلة زفر بقوة ثم قام بإخراجه وهبط يقبل كل ما تطاله شفتاه وأسنانه إلى أن وصل أسفلها فقام بالتهامها... مرارًا وتكرارًا... حتى أتت بمائها مرة أخرى.
هنا سمح لوحشه بالولوج بها حتى يرتوي من نعيمها الذي يفقده عقله... ظل يسمعها أعذب كلمات العشق والجميلة تئن وتتأوه بخجل... وحديث الطبيبة ما زال يدوي داخل عقلها فتحاول التجاوب معه... إذا لم تكن تعرف ما عليها فعله... فعلى الأقل... لم يتصلب جسدها أسفله بل... شعر بفرك بسيط أسفله مما جعل قلبه يطير فرحًا... ووحشه يعبر عن تلك الفرحة بالإسراع فيما يفعله... إلى أن زأر كالأسد وأطلق حممه داخلها... زفر براحة... ولم يتمدد فوقها كما يفعل... بل ألقى بجسده فوق الفراش وسحبها لتكون فوقه.
أخذ يملس على ظهرها برفق ويقبل رأسها قبلًا كثيرة تعبيرًا عن امتنانه لوجودها فقط... في حياته.
هدأت أنفاسهما قليلًا فسألها باهتمام: حاسة بوجع... في حاجة تعباكي حبيبي؟
دهب بهمس: لا كويسة... ابتسمت بحب فشعر بها وقال: بتضحكي على إيه؟
دهب: أنت مجنون.
جواد بذهول: أناااا... ده الكل بيحلف بعقلي يابنتي هههههه.
ضحكت معه ثم قالت: مليش دعوة بحد... أنت مجنون معايا.
جواد: إزاي مش فاهم؟
تنهدت بعشق وقالت: أنت في حوالي أسبوعين خلتني أعيش كل المراحل اللي ممكن واحدة تمر بيها في حياتها.
جواد: ممكن توضحي مش فاهم.
ارتفعت قليلًا لتنظر له وتقول: يعني يوم الخطوبة حسستني إنك عايزني برغم إن المفروض إننا منعرفش بعض... تاني يوم حسستني إني بنت السلطان وخطرت بروحك عشان بس تطلع البرج اللي محبوسة فيه وتشوفني.
ملست على ذقنه برقة وأكملت: وبعدها بيوم... حسستني إني ملكة محدش له حق يشوفني ولا يلمسني وإن كل الدنيا تحت رجلي... لما جبتلي مدام بوسي البيت ولما خلتني أغير البيجامة اللي لابساها برغم إن كلهم ستات.
بعدها بيوم: لقيتك بطلي والفارس اللي بيحميني بسيفه حتى من أقرب الناس ليا... لما حاميتني من أمي وصممت إني أقعد في السرايا... حتى لما رجعت البيت يوم الحنة بعت مامتك وهدي معايا عشان ماما ما تقدرش تزعلني.
يوم فرحي: عملت اللي حلمت بيه وأنا طفلة وكنت نسيته أصلًا وكأن كان بينا قصة عشق بقالها سنين وأخيرًا بقينا لبعض.
وبعد ما اتقفل علينا باب واحد... عاملتني كأني أجمل ست في الكون... ما زعلتش من جهلي... ما تضايقتش من عدم تجاوبي معاك... فهمتني واحدة واحدة...
تنهدت بحب وأكملت: والنهاردة حسيت بتعبي... وجتلي جري... قلبت الدنيا عشاني... وفي الآخر... حسستني إنك هتتجنن من غيري...
أنت في كل مكان عملت ذكرى حلوة... هفضل فكراها طول عمري... كوووول ده في أقل من شهر... طب باقي حياتي هتبقى إزاي... طب أنا أعمل إيه عشان أردلك كل ده.
قبلها برقة جامحة وقلبه يرقص فرحًا على ما سمعه منها... ثم فصلها وقال برجاء عاشق: كل لحظة هتمر علينا هخليها ذكرى حلوة... كل لحظة وأنت معايا هعشقك أكتر وهقرب أكتر... ومش عايز منك حاجة غير إنك... تحبيني... نفسي تحبيني يا دهبي.
قالها بصوت يصرخ رجاء وتمني.
لم تتحكم في لسانها بل قلبها الصغير هو.
من ردت عليه بتلقائية كعادتها: أنا أصلًا أصلًا بحبك يا جواد.
انتفض جسده أسفلها، شعر بجمر ملتهب يسري داخل عروقه بدلًا من الدم، جحظت عيناه من أثر الصدمة، قالتها، لا، لم تقصد، تمهل جواد، اسألها عما تعنيه حتى لا تحلّق فوق سماء عشقها، ثم تسقط أرضًا صريعًا لهواها.
سألها بتمهل مميت وكل خلية في جسده تصرخ بتمنٍ، هل تعني المعنى الحرفي للكلمة: بتحبيني إزاي يا دهب؟ عشان كنا صحاب من وأنتِ صغيرة وكده؟
ابتسمت بعشق خالص وقررت أن تترك لجام مشاعرها وتجعلها تنطلق خلف هذا الجواد الجامح، فما فعله معها، وما بثه لها من أمان وثقة، يجعلها تصعد فوق ظهره وتغمض عيناها، وتتركه ينطلق بها بين دروب الحياة، دون الخوف من السقوط أو أن تتوه بين حناياها، هو يعلم الطريق جيدًا، هو جوادها، هي وفقط.
دهب: وأنا صغيرة، حبيتك عشان كنت بتلعب معايا، وكبرت شوية وبقيت صاحبي الوحيد، وكبرت شوية كمان وبقيت آنسة ليها مشاعر بتتحرك، من غير توجيه لقيتها رايحالك، وبعدت عني، وقت ما كنت أنت كل حيات طفلة لسه بتخطي أول خطوة، جوه قلب مشفتش في حنيته.
أنا كبرت على وجعك يا جواد، كل يوم بيعدي وأنت بعيد بحس بحبك بيكبر جوايا جنب وجعي من بعدك، كنت بفرح لما دادة دلال تيجي تسأل عليا، وقلبي بيقولي هو اللي بعتها، كنت ديما بصبر نفسي وأقول: هو مسافر شغل وهيرجع زي ما كان بيعمل، ما اديتش لعقلي فرصة للحظة يفكر إنك نسيتني.
هطلت دموعها وأكملت بحزن: لما اتجوزت، أنا تعبت وحرارتي وصلت أربعين، وقتها حسيت إن خلاص، مفيش جواد، عقلي قالي كده، بس حاجة جوايا بتقولي لاااا، جوادك لسه جوادك، مش هيبقي لحد غيرك.
عمري ما أنسى يوم فرحك، دادة وداد جاتلي، كنت في البيت لوحدي، لقيتها بتديني شوكولاتة بيضاء وبتقولي: جواد باعتلك الشوكولاتة اللي بتحبيها يا دودو، عشان تعرفي إنه مش ناسيكي، خلاني سبت الشغل والناس والفرح وبعتني ليكي مخصوص.
وقتها زعلت وقولت هو فاكرني عيلة، بس لما بدأت أكبر فهمت رسالتك، فهمت إنك بتقولي أنا مش ناسيكي.
شهقت بقوة وأكملت: لما ماما كانت بتضربني، كنت بستخبي جوه الدولاب وأطلع الورقة اللي كنت رسماها أنا وأنت، هي الحاجة الوحيدة اللي فضلت منك بعد ما حرقت كل اللعب اللي جبتها لي، فاكرها؟ وقتها قولتلك ارسملي قلب كبير جواه حصان، أنت رسمته وأنا بعد ما مشيت لونته، القلب أصفر بلون الدهب والحصان أسود وعيونه زرقا، كنت أشتكي للورقة وأحكيلها كأنك أنت.
قضيت سبع سنين من عمري وأنا بستنى اللحظة اللي هترجع فيها وأشكيلك، وأحكيلك عن كل عذابي ووجعي.
ديما بقف في البلكونة، عشان بس تكون معدي مرة صدفة وأشوفك، بكت بمرار وأكملت: كنت بتوحشني أووووي يا جواد، أووووي، أنا مليش غيرك، حلم طفولة، ومراهقة، وشباب، حياااااة، حياة كاملة عشتها معاك بس بيني وبين نفسي.
كانت أكبر مخاوفي إنك تكون نسيتني، كنت بقف بالليل في البلكونة وأبص للسما وأقول: يارب ما تخليهوش ينساني، بلاش ينسى دهبو اللي ما كانش ليها غيره، ولا هيكون.
لما روحت المكان بتاعك وشوفتني، كنت عايزة أترمي في حضنك، كنت محتاجة أدفن نفسي فيه، وبرغم اللي حصل يومها، بس كنت أسعد واحدة في الدنيا.
لقيت حبيبي، شوفت حبيبي، قعدت بين إيدين حبيبي، كنت عايزة أقولك خليني معااااك، ما تسيبنيش، قلبي صرخ بيها، بس لساني ما قدرش ينطقها.
أنا بحبك يا جواااد، بحبك حب طفلة محدش حن عليها غيرك، وبحبك حب مراهقة شافت فيك فارس الأحلام، وبحبك حب شابة شافت فيك الراجل والسند والأمان، وبحبك حب زوجة، بتتمنى تعيش عمرها جوه حضنك.
أنا جاهلة في عالم الحب يا جواد، علمني، وربيني، وفهمني.
زي ما كنت بتعمل معايا وأنا صغيرة، أنا أهو بين إيديك وعريت قلبي ليك زي ما عريت جسمي، وبقولك أنا عايزة أعرف أحب، عايزة أعرف أعيش، عايزة أفهم، عايزاك يا جوااااد، عايزاااااك، بكل ذرة في كياني، أنت بتجري في دمي، يا جواااادي.
قاموس اللغة أصبح عقيمًا، لن نجد بين سطوره كلمات تعبر عما يشعر به.
هل يبكي؟ هل يقبلها؟ هل يختطفها في عناق ساحق يحطم به ضلوعها؟ عجزت يا جواد، شُل جسدك عن الحركة، غاب عقلك، ولكن، قلبك يصرخ بداخلك، أنفاسك لاهثة حد الاختناق، تحرك يا رجل، ما بك؟
بمنتهى الهدوء، بل كانت حركته أشبه بميت يضعوه في قبره ولكن، دبت فيه الحياة مرة أخرى، وتولدت داخله طاقة ليمزق كفنه ويخرج للنور، نور دهبه، مثيل شعاع الشمس التي أطلت على سمائه المظلمة أنارتها بضوئها البهي.
ارتفع بجسده ليسند على ظهر الفراش وعينه مثبتة داخل عينيها، عدلها لتجلس فوقه ثم أمسك يدها ووضعها فوق خافقه الذي كاد يحطم قفصه الصدري من شدة نبضاته وقال بصوت شجي: أول مرة في حياتي ما ألاقيش كلام أقوله، أول مرة أحس إني مشلول، أول مرة أحس إني أعمى.
بجد، مش لاقي كلام أرد بيه عليكي، جسمي مشلول عشان خايف أحضنك ووقتها هكسر عضمك بين إيديا، حاسس إني أعمى عشان ما شفتش كل ده جوه عنيكي يا دهبي، فرحة قلبي بوجودك في حياتي من تاني نسيتني إحساسي بيكي، كنت بفهمك وأعرف اللي جواكي من غير ما تتكلمي، بس اتشغلت بفرحتي بيكي، عنك.
عمري ما نسيتك لحظة، ولا لحظة يا دهبي، حتى لو كنت في مهمة شغل وأنا في الجيش كانت صورتك قدام عيني ومالية قلبي، أنا كمان كنت بتعب وحرارتي بتعلي لما بحس إنك تعبانة، يوم فرحي كنت بموت، فضلت متحمل طول الحفلة وضاغط على نفسي وقلبي، بس جيت في الآخر ما قدرتش، ضغطي ارتفع لدرجة إني نزفت وأغمي عليا، ما كنتش قادر أتحمل إن واحدة تانية هتبقى في حضني غيرك، نقلوني المستشفى قعدت يومين، وبعد ما طلعت قعدت شهر مش قادر ألمسها، لحد ما أمي كلمتني وجابتها لي من ناحية الحرام والحلال وإن حقها عليا أقرب منها وكمان كوني راجل ممكن يتقال عني كلام مش كويس لو الوضع استمر أكتر من كده.
أنا ما كنتش بقرب لها غير وأنا مغيب يا دهبي، لازم أشرب حاجة تغيب عقلي، ولما أفوق كنت بموت من الوجع، قلبي يصرخ ويجلدني، أنت خنت دهبك.
بعدها بشوية يئست، بقيت أعرف ستات عليها، وأتمنى أشوفك في أي واحدة، بس مفيش حد فيهم كان دهب، كلهم فلصو.
القائد بتاعي هو اللي رجعلي عقلي لما لقاني دخلت في طريق مش بتاعي، وقتها قالي كلمة عمري ما هنساها كأنه ضربني بالقلم على وشي عشان أفوق قالي: بتحبها ومش ليك يبقى نصيب، إنما ما تضيعهاش عشان ضعفك.
فوقت ورجعت أركز في شغلي وألهي عقلي عن التفكير فيكي، بس قلبي كان بيبكي دم، لأنه رافض فكرة نسيانك.
لو في كلمة غير العشق تعبر عن اللي جوايا كنت هقولها، ضغط على يدها الملامسة لخافقه وأكمل: بس ده ما رجعش يدق تاني غير لما ضمك في حضنه، لما لمسك، لما بقيتي ليه وملكه، كنت خايف أسحبك للضلمة اللي بقالي سنين عايش فيها، بس أنتِ نورك كان أقوى يا دهبي، زي حتة دهب بتلمع تحت الشمس.
وضعت رأسها فوق صدره بهدوء، تنهدت براحة، ملس على شعرها، قبل رأسها.
ولتصمت الألسنة وندع القلوب ترتاح قليلًا، قليلًا فقط بعد كل ما عاناه سويًا رغم بعد المسافات، ولكن، كانا يعيشان نفس العذاب، نفس الوجع، نفس المعاناة، والكثييييير من نفس، الاشتياق، والتمني.
صباحًا مشرقًا محملاً بنسمات الهدوء والراحة الذي غفى على إثرها العاشقان بعد أن أزاح كل منهما ثقل عشقه الذي أرهق قلبه عن الآخر.
سمع طرقًا خفيفًا فوق الباب ولكنه ملح، فقال بصوت ناعس: مين؟
يسرا بغيظ: أنت فاكر نفسك في بيتكم، قوم يا بيه الساعة سبعة والكل هيتجمع دلوقتي.
زفر بحنق وقال: الله يحرقك يا شيخة، روحي يا يسرا، امشي.
تململت فوقه بعد أن أيقظها صوته الغاضب، لم تخف اليوم، بل أهدته قبلة هادئة فوق خافقه وقالت بابتسامة: مرة واحدة اعترف إنك غلطان، إحنا في عيادة يا جواد مش في بيتنا.
ابتسم براحة وقال بغيظ: هو أنا عملت حاجة يا بنتي ما أنا نايم أهو جاية تصحيني سبعة الصبح.
اعتدلت قليلًا وقالت بمرح غاب عنها لسنوات: أنت بريء يا جوااد، هما كلهم نوتي ووحشين أنت بس اللي صح.
ضحك من قلبه ثم قرص حلمتها بفجور وقال: طب صالحيني بقى عشان النوتي دي زعلتني.
دهب بغيظ: عيب بقى، عيب، أكيد أهلنا زمانهم جايين، نظرت له بمرح وقالت: جواد هو أنا ليه حاسة إننا في أوتيل وجايين نقضي شهر عسل مش واحدة مريضة والمفروض محجوزة في مستشفى وكده.
هل يأكلها؟ لن يعطي لنفسه فرصة للتحليل، التهم ثغرها بنهم ثم قال بصوت يملأه الفرح: حمد الله عالسلامة.
نظرت له وقالت: أنا خفيت من امبارح أصلًا.
جواد: لا يا حبيبتي مش عشان كنتي تعبانة، ملس فوق وجنتها وقال بحنين: عشان حبيبي اللي كان مش بيبطل هزار ولا لماضة رجعلي تاني، خليكي كده، رجعي دهب اللي كان صوت ضحكتها بيملي الدنيا، ولسانها الطويل اللي ما كانش بيسكت لحد، وبجاحتها في أخذ الحق، أنا عايزها يا دهبي، رجعيها لي.
سألته بهمس: تفتكر هترجع؟ بعد كل اللي شافته هتقدر ترجع تاني؟
قام بدغدغتها بمرح وهو يقول: هي رجعت أصلًا أصلًاااااا!
ملأت ضحكاتها الصاخبة المكان حتى سمعه من بالخارج فقام فتقبيلها غيظًا حتى يسكتها.
حضر في ذلك الوقت جميع عائلته فسمعوا أصوات الضحك.
هدى: اللهم صلي عالنبي، جواد فاكر نفسه في مارينا ولا إيه؟
عبيد بغيظ: هيجلطني، بقى إحنا ما نمناش طول الليل من الزعل عليهم وهو مقضيها مسخرة ومش مراعي المكان اللي هو فيه.
تحرك فارس تجاه الباب وطرقه بقوة وهو يقول بمرح: إحنا جيناااا، اطلع من الماية بقى وكفاية أخدت غطسين هههههه.
سبه من الداخل وهو يرى صغيرته احمر وجهها خجلًا حتى كادت أن تبكي وهي تقول: شووووفت فضحتني أهو تاني.
جواد ببرود: لا ما شوفتش، أنا أعمى.
جلس حولهم الجميع بعد حضور محمد وعقربته السامة، كان الجو مبهجًا حقًا عكس المتوقع بعد أن ظل عبيد يوبخ ابنه وولده الغالي يرد عليه ببرود.
حتى هدى لم تتركه، بل ظلت تلومه بخبث حتى تغضب أبيه منه أكثر.
نظرت لها دهب بضحك وقالت بتساؤل: أنتِ عمالة تسخني الدنيا.
عليها مع إني ملاحظة إنكم قريبين لبعض، أكنه أخوكي مش أخو جوزك.
رد عليها جوادها الملتصق بها دون خجل:
أصل أنا كنت عامل معاها الواجب هي والواد ده، وليا عليهم جمايل كتير.
نظر لهم وأكمل بغيظ:
ومش هسيبها على فكرة هتردوها.
فارس مدعيًا الغضب:
وأنا كل اللي عملته معاك يا جاحد ومردتهاش!
جواد:
لأ طبعًا لسه كتير.
دهب:
ليه يعني؟ أنت عملت معاهم إيه؟
جواد:
هقولك الحكاية من أولها وأنتِ احكمي يا دهبي.
صرخت هدى:
يا لهووووي هيفضحني!
جواد:
بس يابت.
نظر لصغيرته وقال بجدية مازحة:
كنت معزوم على فرح ابن القائد بتاعي، وفارس شبط فيا. قال إيه كان زهقان. المهم شاف الأبلة يومها وقلبه وقع. جالي وقالي أنا في عرضك وطولك وكل الارتفاعات عايز أشوفها. المهم صعب عليا.
قاطعه فارس قائلًا:
صعبت عليك ولا طمعت في العربية الجديدة اللي مركبتهاش غير مرة يا مفتري!
رد ببرود:
مش موضوعنا. المهم يا حبيبي جبتله كل تحركاتها. بس البت كانت زي الغفر، مالبيت للكلية والعكس. ملهاش أصحاب. طبعًا حاول يكلمها ولحس الأسفلت عشان ترضى عنه وتكلمه. وده حصل إزاي بقى؟ كل شوية أروح لأبوها وأطلب منه بمنتهى البرود إنه يعزمني عنده في البيت عشان أكل المدام لا يعلى عليه. المصيبة بقى إن أمها أكلها ما شاء الله زفت ميتاكلش. بعد كل عزومة لازم أعمل غسيل معدة.
هدى بغضب:
جوااااد دي أمي!
جواد:
ودي معدتي اللي أمك دمرتها يا قطة. المهم. طبعًا الغلبانة اتغشت فيه وطبت زي الجردل. جات بقى المشكلة. كان فاشل في دراسته وبياخد السنة في اتنين لحد ما وصل سنة رابعة وبلط فيها. هيا بقى شرطت عليه مفيش جواز غير لما يخلص جامعة وجيش كمان. بصي زي الجزمة. أوسخ جزمة حطها في بوقه وعمل اللي طلبته. ولحظة الحلو الخدمة بتاعته كانت عندي. وقتها بقى كنت بغطي عليه عشان يزوغ ويروح يقابلها ويرجع.
كان الجميع يستمع له بضحك صاخب حتى دمعت عيناهم. فارس يضرب فوق رأسه من فضح أمره. هدى احمرت خجلًا من حديثه.
أما مصطفى فقال بامتنان لزوجته:
عرفتي بقى قيمة إنك تتجوزي ابن عمك. أهو متفضحناش زيهم.
رد جواد بتهديد:
أنت بالذات تسكت. سي ديهاتك كلها معايا. فاكر. آآآ.
وضعت يدها بسرعة فوق فمه وقالت بصراخ إشفاقًا عليهم:
خلاااااص مش عايزة أعرف باااس.
نظرت روان لزوجها بتهديد وقالت:
ماسك عليك إيه خايف أعرفه يا مصطفى؟
قبل أن يدافع عن حاله، جاءتهم الطامة الكبرى حينما قال عبيد:
اهدي يا بنتي أنتِ وهي وهي. التلاتة بسم الله ما شاء الله مشوفتش في صياعتهم.
نظر له الثلاث شباب بخوف فلم يهتم وأكمل وهو يشير إلى جواد:
بالذااات السهون اللي لازق فيكي ده. فضايحه كانت دولي مكتفاش بالمحلي وبس.
نظرت دهب له بشر وقالت:
يعني إيه بقى الكلام ده؟
أغمض عينه بغيظ ثم قال بمهادنة:
أبدًا يا حبيبي أصل الجيش بتاعي كان في سينا وطبعًا هناك منطقة سياحية وكده. القائد بتاعي كان بيفتخر بيا قدام بابا عشان بشجع السياحة. بابا بقى الله يسامحه فهم غلط.
جحظت عين أبيه وقال:
يخربيتك ده أنا صدقتك!
ضحك الجميع بمرح. حتى جيهان التي لم يكن لديها ذكريات مثلهم كانت تشعر بسعادة تجاههم وتدعو لهم بدوامها.
أما محمد فكاد أن يبكي وهو ينظر لابنته التي عادت لها روحها المرحة من جديد. وتلك الحية تمثل الضحك معهم ومن داخلها يغلي. مثلت الفرحة وقالت:
أهم حاجة إنك بقيتي كويسة يا قلب أمك. أنا بقول مفيش داعي بقى للقعدة هنا.
نظرت لجواد وأكملت بمهادنة:
بعد إذنك طبعًا يا جواد يابني أنا هاخد دهب تقعد عندي كام يوم عشان أهتم بيها بدل ما أروح وأجي كل يوم وهيبقى قلبي واكلني عليها بردو.
إيمان بغيظ:
يعني إحنا هنقصر معاها؟ ده أنا أشيلها جوه عنيا.
جواد بهدوء وقد اتخذ قراره سابقًا:
اهدوا يا جماعة أنا هطلع من هنا عالقاهرة. هقعد هناك كام يوم نغير جو أنا وديبو.
مصطفى بصراخ:
ياااا غلبك يا قرمط أنت لسه هتغير جو وتسيب الشغل!
فارس:
لأ كده كتييير أنا اتفحت الأيام اللي فاتت.
نظر لأبيه وأكمل:
ما تحكم على ابنك يا حاج.
عبيد:
أنا فوضت أمري لله فيكم من زمان.
جلست داخل غرفتها بعد أن رحل ولداها إلى المدرسة. لم تذهب إلى عملها منذ ما حدث خشية مقابلته في الطريق. تشعر بحالة ضعف يشوبها الحنين لأيام كانت تملأها البهجة والحب. تذكرت كيف تعرفت عليه. كيف حاول أن يتقرب منها. كيف كانت تجاهد حالها حتى تبتعد. ولكن في الأخير غلبها عشقها له واستسلمت لعلاقة بريئة دامت لستة أشهر. وفي اليوم الذي كانت تحلم به وتنتظره بفارغ الصبر. جاءت موجة عاتية هدمت قصرها الذي شيدته من الرمال.
تذكرت السنوات التي قضتها وحيدة تتجرع آلام الغدر والخذلان. كيف كانت ترفض من يطرق بابها طلبًا للزواج. ماذا فعلت أختها الحبيبة كي تجعلها توافق على هذا النذل الذي ابتليت به؟ فقد ملأت عقل أبيها الراحل بكلام كاذب يمس سمعتها وأن أهالي القرية يعتقدون أنها بها شيئًا مشينًا لذلك ترفض كل من يتقدم لها.
تمت الخطبة وأخذ منها حلقها الذهبي بحجة أنه يريد إكمال ثمن غرفة النوم التي سيشتريها. لم تكن تعلم أنه قبض مقابل زواجه منها مقدمًا ولكنه طمع في المزيد.
تذكرت عدد المرات التي طلبت النجدة من أختها كي تتدخل وترحمها من العذاب الذي تعيشه ليلًا ونهارًا. كم مرة ذهبت لها وهي مليئة بالكدمات. ولكن في كل مرة كانت تتحجج أن الطلاق وصمة عار ستلحق بها ما حييت.
دلف عليها بهمجية وهو يقول:
أنتِ سبتي الشغل ليه يا بت؟ هببتي إيه عشان يمشوكي؟
زفرت باختناق فلم يكن لديها طاقة للعراك وردت عليه بهَم:
أنا اللي مشيت يا رفيق محدش مشاني.
رفيق:
وهتصرفي منين يا حلوة؟ إذا كان الكام ملطوش اللي بتقبضيهم كل أول شهر مش بيكفوا وبتقعدي تذني على دماغي عشان أشتغل.
نظرت له بحزن وقالت:
تعبانة. تعبااانة ياخي آآآيه مش من حقي أرتاح زي البني آدمين؟
رفيق:
ارتاحي ياختي بس متجيش تقولي العيال عايزة حاجة. المهم. اتصرفيلي في ألف جنيه عشان محتاجهم ضروري.
نظرت له بذهول وقالت بغضب مكبوت:
وأجبهوملك منين إن شاء الله؟
رفيق ببرود:
من أي حد من معارفك زي ما بتتصرفي لعيالك.
زينب:
أنا بستلف مية متين ده آخري وربنا يعلم بردهم إزاي. ولولااادي هاااا. إنما أنت. مش مكفيك إنك رامينا من غير ولا مليم كمان عايزني استلفلك. ياخي اتقي آآآالله الرحمة مطلوبة بردو.
علم أنها لن تنفذ مطلبه. انتهزها فرصة حتى يبرحها ضربًا كما أوصته أختها مقابل مبلغ مادي بسيط وكانت حجتها. أنها لم تحضر زفاف ابنتها. وقد كان. جذبها من شعرها وانهال عليها بيده وقدمه يضرب كل ما يطاله من جسدها الضعيف تحت صرخاتها المستغيثة والتي لم تهتم بها أمه الجالسة بالخارج بل كانت تقول:
أيوه كده ربيها بنت الكلب دي أنا عارفة متفرعنة على إيه قولنالها ألف مرة تغور هي وعيالها مش عايزينها. هي اللي معندهاش كرامة ولازقة فيك. طبعًا ماهي هتروح فين يا حسرة اللي مالهاش أهل ولا صحاب يسألوا عنها وأختها زهقت من حقدها وسواد قلبها عليها.
هذا العاشق. أضناه الفراق. كان يصبر حاله على بعدها. ولكن لم يكن بمقدوره التحمل أكثر. سيموت إن لم يراها. يعلم تحركاتها. يتقصى أخبارها التي تؤلم قلبه. يريد أن يراها فقط. لم يحادثها ولكن. سيترك عيونه تخبرها أنه معها. أنها ما زالت في قلبه. وتجري في دمه. رغم بعد المسافات لم ينساها. رغم امتلاك آخر لها لم ينساها. رغم مرور السنين. لم ولن ينساها.
تفاجأ الجميع بدخول سليمان عليهم ذلك الشاب صاحب الخمس وثلاثين عامًا. هو أيضًا من عائلة التهامي ولكن من الفرع الفقير فيها. كان مجتهدًا طوال عمره عمل في مصانع عبيد التهامي منذ الصغر ليكمل تعليمه ويساعد أبيه الذي كان مجرد مزارع في أراضي التهامي أيضًا. عشقها منذ الصغر. كافح وعافر حتى يصل إليها. حلم كثيرًا بها ولكنه فاق على اصطدامه بصخرة الواقع. أبيها الغالي اختار من يملك المال.
ترك القرية وغادر متجهًا إلى القاهرة بعد أن اقترح عليه جواد صديقه الصدوق أن يتولى إدارة فرع المصنع هناك. وهو يثق في كفاءته. وافق على الفور لعدم قدرته على احتمال وجوده في مكان واحد معها وقد أصبحت ملكًا لآخر.
ابتعد بجسده ولكن قلبه وعقله ما زالا هناك. معها. لم يكف عن تتبع أخبارها طيلة تلك السنوات. وفي الوقت الذي بدأت المشاكل تظهر على السطح وعلم بها الجميع. قرر أن يعود إلى قريته ويحاول الوصول إليها لينقذها. منعه في ذلك الوقت جواد و.
سليمان:
السلام عليكم.
انتبه له الجميع وردوا السلام. منهم ببهجة. ومنهم باستغراب. ومنهم بغيظ. ولكن. شخصًا واحدًا فقط خفق قلبه واعتصر ألمًا بمجرد سماع صوته. فهل لها أن تنساه؟ من كان كالظل لها أينما تكون يتواجد قبلها. كانت صغيرة لم تفقه شيئًا. تركت القلب الذهب. وخدعت بسبب كلام أهلها. بالقشرة التي بمجرد أن طالتها قطرات الماء التي انهمرت من عيونها. ظهر صداها.
تقدم منهم واحدًا تلو الآخر وسلم عليهم بود. وحينما وقف قبالتها مد يده المرتعشة ليلامس كفها لأول مرة. ولكن تمالك حاله حتى يستطيع وضع تلك الورقة التي جهزها مسبقًا ليعطيها إياها دون أن يلاحظه أحدهم.
تصلب جسدها حينما شعرت بها ولكن دون إرادة منها سحبت يدها التي تضم تلك الورقة ولا تعلم لما تتمسك بها بتلك القوة وكأن بداخلها. حياة.
رواية جواد ودهب الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فريدة الحلواني
كنت في أول جامعة وراجع تعبان من الطريق، شفت بنوتة جميلة سمارها بيضاهي جمال القمح وهو بيتمايل تحت الشمس جوه السنابل الذهبي اللي برضه كانت لون حجابك.
مشيت وراكي لحد ما عرفت بيتك. فضلت أتابعك من بعيد، وكل مرة تخطفي دقة من قلبي وتسكنِي في حتة منه، لحد ما احتلتيه ومبقاش ملكي. اشتغلت بدل الشغلة اتنين وتلاتة، عافرت ونحت في الصخر عشان وأنا بساعد أهلي وبكمّل تعليمي أقدر أحوّش تمن شبكتك. خلصت الجامعة وأنا لسه بحلم باليوم اللي هدق على بابك فيه. ما ردتش أقرب منك، خفت عليكي وقلت اصبر يا سليمان الحلال أحلى. ويوم ما قررت أطلبك من أبوكي لقيته بيقولي: "كفاية أخواتها الاتنين بيكملوا عشاهم نوم، أنا هجوزها للي يرفعنا معاه ويعيشها مرتاحة ما تحتاجش لحد".
ادبحْت. وكنت مصمم إني أحاول عشان أوصلك بس للأسف أبوكي كان باع وقبض التمن واتجوزتي في أسبوع.
سيبت البلد ومشيت على أمل إني أنساكي، مقدرتش. أقسم بالله حاولت واتعذبت بس مقدرتش. حبك كان وشم قلبي خلاص. قلت أتمنالك السعادة، بس معرفتش أدعيلك. بعد سنة وأنا فاكرك عايشة متهنية، عرفت الوساخة اللي بيعملها جوزك ومعاملته الزبالة ليكي. متستغربيش، أنا آه بره البلد بس بعرف أخبارك أول بأول. النفس اللي بتتنفسيه بيوصلني. قولي عليا مجنون، قولي مختل، قولي مريض نفسي، بس أهم حاجة عايزك تقوليها إني عااااشق. قرر يحارب عشان يرجع حلمه اللي اتسرق منه، ومش هتنازل عنه حتى لو كان غصب عنك انتي شخصيًا. اسمعي ونفذي اللي هقوله بالحرف لأنك لو معملتيش بيه هعرف وهعاقبك. أنا عارف إنك مش هتقدري تسيبي السرايا ولا تطلبي الطلاق، بس من انهارده تباتي مع بناتك وإياااكي يلمس إيدك. لو فكرتي بس تخالفي كلامي هطلع ميتين أهلك ساااامعه. وهعرف. حطي كده في دماغك. استنيني مش هغيب عليكي. هخلصك منه انتي وبناتك اللي كانوا المفروض يبقوا حتة مني، بس مش مهم، المهم إنهم منك، بنات حبيبتي، زينة البنات وأحلاهم.
٠١٠……… ده رقم فوني، مش عايزك ترني عليا دلوقت، بس في يوم هتحتاجيه احفظيه زي اسمك، يا أحلى وأجمل سماره شافتها عيوني.
بحبك.
كان هذا فحوى الخطاب الذي وضعه سليمان في يد جيهان، بعد أن عادت من زيارة دهب، أغلقت باب جناحها عليها وظلت تقرأ فيه وكلما أنهته أعادت قراءته مرة أخرى ودموعها منهمرة كالشلال. هل يوجد أحد على وجه الأرض يحبها بتلك الطريقة وهي لا تعلم؟ أين كنت منذ سنين؟
هكذا كانت تفكر، ولكن أنبها ضميرها الحي وقالت: "انتي هتخيبي يا جيهان ولا إيه؟ مهما كان المر اللي عايشة فيه بس ما توصلش إنك تعرفي واحد على جوزك. هتروحي من ربنا فين؟". أمسكت الخطاب لتمزقه حتى لا تفكر في صاحبه ولكن، حقًا يدها عجزت عن فعلتها. طوته كما كان وقامت بإخفائه داخل ثيابها التي تجهزها للانتقال إلى غرفة الفتيات كما أمرها زوجها الحقير، ليس تنفيذًا لكلام هذا العاشق.
استعد جواد مع دهب للخروج من المركز الطبي بعد أن فحصتها الطبيبة بعناية وأكدت على تعافيها تمامًا، وقد قرر أن يسافرا غدًا صباحًا إلى القاهرة بناءً على إلحاح والدته ألا يغادر ليلًا حينما قالت له برجاء: "يابني الصباح رباح ما توجعش قلبي عليكم، أنا ما بحبش سفر الليل ده، وبعدين أخوك ولا مصطفى أي واحد فيهم هيوصلكم ويرجع تاني حرام. بات الليلة في السرايا ومن الفجر اتكلوا على الله".
وقد كان، عادوا جميعًا إلى السرايا وقبل أن يدلفوا من الباب الداخلي وجدوا من تهتف باسم عبيد وهي بحالة مزرية: "حاااج عبييييد!".
انتبه الجميع لهذا الصوت وما كان غير تلك البائسة زينب. فبعد أن أبرحها هذا النذل ضربًا تركها غارقة في دماء جبهتها التي جرحت حينما ارتطمت بحافة الفراش. لا تعلم المدة التي ظلت هكذا فيها، لم تشعر إلا بولديها حينما عادا من المدرسة ووجداها بتلك الحالة. ظلا يصرخان ويستغيثان بجدتهم ولكن لا حياة لمن تنادي. حاولوا إفاقتها أكثر من مرة وحينما فشلوا ذهب أحدهم ليستغيث بأحد الجيران. جاءت معه جارتهم وحينما فشلت في إفاقتها أحضرت سيارة أجرة ونقلوها إلى الوحدة الصحية. قاموا بتقطيب جرحها وتعليق محلول به بعض الأدوية، إلى أن فاقت بعد عدة ساعات، وجدت ولديها غافيين على أحد المقاعد.
اتخذت قرارها الذي لا رجعة فيه، بعد أن تحسنت حالتها قليلًا. اصطحبت ولديها واتجهت إلى سرايا التهامي ولحسن حظها وجدتهم جميعًا.
تحرك عبيد وفارس إليها وحينما وقفا قبالتها قال الأول بوجل: "مالك يا أم أمير إيه اللي عمل فيكي كده؟".
نظرت له بقهر وقالت: "أنا واقعة في عرضك يا حاج".
لم يرد عبيد أن يتحدث أمام الأطفال حتى لا يجرحهم الحديث يكفي ما عانوه فقال بحكمة: "البيت بيتك يا أم أمير تعالي نتكلم جوه. محموووود!". أتى إليه الصبي وقال: "نعم يا جدي".
عبيد بحنو: "خد أخواتك العبوا سوي لحد ما أخلص".
اصطحب الصبي أطفالها تحت نظراتها الممتنة واتجهت هي معهم إلى الداخل. حينما وجدت فاطمة تجلس في البهو رفضت الجلوس وقالت: "معلش يا حاج لو هزعجك أنا عايزة أتكلم معاك أنت والحاجة على انفراد".
دلفوا ثلاثتهم غرفة المكتب وبمجرد ما أغلق الباب قالت ببكاء مرير: "أنااا تعبت. أقسم بالله تعبت ومش قادرة أتحمل. مش عشان اللي حصل قبل الفرح لاااا. أنا ومحمد حكايتنا انتهت من زمان بس أنا عايزة ألحق نفسي قبل ما في يوم أموت مقتولة وعيالي يتبهدلوا من بعدي. أنا مستعدة أشتغل خدامة عندك بلقمتي يا حاج وإن شاء الله أقعد في الجنينة بس خلصني منه". شهقت بقوة وأكملت بقهر: "أنا تعبت ومليش حد ألجأ له بعد ربنا غيرك. أنت عارف اللي فيها. مليش حد". أنهت حديثها وهي تكاد تختنق من شدة بكائها حتى إيمان بكت حزنًا عليها. قامت باحتضانها بحنو وقالت: "اهدي يا حبيبتي عشان ما تتعبيش، الإلهي يتشل في إيده البعيد. هقول إيه منك لله يا توحيدة آذيتي الكل بشرك وعايشة في وسطنا اللي يشوفها يقول ملاك".
عبيد بجدية: "اسمعيني يا زينب كويس يعلم ربنا إنك زي أختي. أنا كنت شاهد على حكايتكم من الأول وشفت قد إيه محمد اتعذب وتعب في حياته. كل حاجة هتتحل بأمر الله. أنتي هتقعدي هنا في بيت أخوكي معززة مكرمة لحد ما أخلصك منه، وبعدها يحلها ألف حلال مش هنسبق الأحداث". نظر لزوجته وقال: "جهزي لها جناح فوق يا حاجة وشوفي الأولاد حابين يناموا معاها ولا تجهزي لهم أوضة لوحدهم".
نظرت له زينب من بين دموعها وقالت بخزي: "كتر خيرك يا حاج بس أنا مش هقدر أعيش عالة عليكم أنا هشتغل و...".
قاطعتها إيمان بجدية حانية: "بطلي الكلام الخايب ده يا بت أنتي. دانتي أختي ويعلم ربنا غلاوتك عندي". أكملت بمزاح حتى تخفف عنها: "أخيرًا هلاقي حد أرغي معاه غير دلال. البنات بيفقعوا مرارتي يا أختي ومحدش فيهم بيريحني".
صعدت فاطمة سريعًا إلى غرفتها واتصلت بتوحيدة وحينما ردت عليها قالت: "الحقي يا خالتي أختك جات السرايا وهي شكلها أكلة علقة بنت كلب وبتستنجد بالحاج الكبير".
توحيدة بغل: "بنت الكلب. يبقى ناوية عليّا بمنعه بقالي سنين بس ده بعدها. وعبيد قالها إيه يا بت؟".
فاطمة: "معرفش دخلوا المكتب من بدري ولسه ما خرجوش".
صمتت للحظات ثم قالت: "اقفلي بسرعة عشان ألحق أتصرف وأي جديد بلغيني بيه سلام".
أغلقت معها وقامت بمهاتفة رفيق وبمجرد أن أتاها رده قالت بغضب: "أنت هببت إيه يا منيل على عينك؟".
رفيق: "في إيه بس؟ أنتي مش قولتي أديها علقة محترمة؟ فتحت لها دماغها وسبتها غرقانة في دمها مش حاسه بالدنيا".
توحيدة بغل: "آااهي فاقت يا زفت وراحت بعيالها لعبيد".
رفيق برعب: "يا نهار أبوها أسود. دي أول مرة تعملها. والحاج مش هيرحمني، دبريني أعمل إيه؟".
توحيدة بخبث: "تختفي من البلد خااالص لأنه لو طالك هيجبرك تطلّقها".
رفيق: "هروح فين طيب؟". أكمل بطمع: "وبعدين صاحبك مقشفر على الآخر والكلام ده محتاج مصاريف".
توحيدة بغيظ: "طول عمرك كلب فلوس. اتهبب تعالى بسرعة خد لك قرشين واتاوه في أي مصيبة لحد ما أتصرف أنا في البلوة السودة دي".
أراحها فوق الفراش برفق وهو يقول: "ارتاحي حبيبي شوية على ما أجهز لك الحمام".
دهب: "ما تتعبش نفسك. أنا هقوم آخد دش وأغير هدومي أنا كويسة والله".
قبلها بسطحية وقال: "تعبك راحة على قلبي يا دهبي. عايزك تريحي جسمك عشان ما تتعبيش وإحنا مسافرين".
نظرت له بفرحة وقالت: "يااااه أنا فرحانة أووووي. أول مرة هأخرج من البلد".
ابتسم بفرحة وقال: "ومش آخر مرة بإذن الله. احلمي بس وأنا عليّا أحقق لك كل اللي نفسك فيه. أنا عايزك تفرحي وبس يا دهبي".
احتضنته بعشق وقالت: "ربنا ما يحرمني منك يا جوادي".
ضمها بفرحة وقال: "قلب جوادك وروحه".
بعد أن وضعها داخل المغطس كما أرادت، تركها واتجه للخارج، وهنا اختفت ابتسامته. أمسك هاتفه وطلب رقمًا ما وحينما جاءه الرد قال بجدية غاضبة: "إيه الأخبار؟".
رد عليه فهد وهو أحد رجاله: "ما فيش جديد يا باشا أحمد ده مش سهل مش عارفين نعمل معاه إيه".
جواد بعصبية حاول أن يكتمها حتى لا تسمعه صغيرته: "أنا مشغل معايا شوية ## يعملوا حاجة من غيري؟ يعني إيه مش سهل أنت هتستهبل؟ اسمع اللي هأقول لك عليه وتنفذه بالحرف ساااامع!".
كتم فهد غضبه من تلك الإهانة وقال: "إحنا كل يوم بنغرق البير وهما فاكرينه مياه جوفية. كمان حطينا جهاز تصنت جوه الكوخ اللي بيتقابلوا فيه. حضرتك شوف اللي عايزه وإحنا تحت أمرك يا فندم".
جواد: "لا مش كفاية. زود الميه أكتر، وكمان عوني وفؤاد لازم حد يدخل بينهم دول هما المفتاح اللي هيوصلنا".
فهد: "يا باشا دول مش بيفارقوا بعض أبدًا. حتى التعليمات اللي بتيجي لهم من بره بتوصلهم هما الاتنين".
صمت يفكر للحظات ثم قال: "أنا عايز حد يزرع أجهزة عند عبادي وتوحيدة. هما دول مفتاح اللغز. الباقي مجرد عرايس بيحركوها زي ما هما عايزين".
فهد: "تمام سعادتك. من بكرة هيكون عندك أكفأ المهندسين في المجال ده، بس حضرتك عليك إنك تفضي المكان وتأمن لنا دخول القرية".
جواد: "من الناحية دي اطمن. أنا هتصرف. بكرة الساعة عشرة بالدقيقة يكون على أول مدخل البلد وأخليه يلبس زي عامل صيانة للغاز وأنا هبعت اللي يستقبله".
سمع صوتها تهتف باسمه فقال سريعًا: "اعمل اللي قلت لك عليه وقول لي وصلت لإيه سلام". أغلق معه وترك الهاتف ثم اتجه إليها سريعًا وهو يقول: "أيوه حبيبي محتاجة حاجة؟".
دهب بخجل: "عايزة أطلع بس ما جبتش هدوم معايا".
ابتسم بخبث وقال وهو يتقدم منها: "وهتحتاجي الهدوم في إيه بس؟ ده حتى الجو حر". أعقب قوله بخلع شورته القصير ورفع قدمه ليدخل المغطس ويجلس خلفها. ضمها من الخلف ثم قبل عنقها بوله وقال: "وحشتيني يا دهبي أوووووي".
دلف جناحه بإرهاق وما كاد أن يتحدث إلا أن قلبه انقبض حينما وجدها تبكي. هرول إليها ثم جلس جانبها وكوب وجهها بحنان وهو يقول: "مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟ حد زعّلك؟".
نظرت له روان بندم يصرخ من بين دموعها وقالت: "آسفة يا مصطفى. سامحني".
ارتعش جسده قلقًا عليها وسألها باهتمام: "أسامحك على إيه بس؟ ما إحنا كويسين الحمد لله. احكي لي مالك؟".
شهقت بقوة وقالت: "آسفة عشان ما كنتش بصدقك. عشان في يوم سمعت كلام أبويا وأخويا ومشيت وراهم. وكنت هأكره عمي وولاده. لا ده أنا كمان كنت هأكرهك فيهم. بس أنت كنت عارف إنهم ما يستاهلوش كده. وحاولت معايا وصبرت عليّا، بس كان لسه برضه أهلي بيأثروا عليّا. لحد النهارده. النهارده بس عرفت إن كان معاك حق في كل كلمة قلتها، وقد إيه كنت غبية وهأضيع جوزي وهأخسر ناس ما شفتش منهم غير كل خير".
ضمها باحتواء وقال بمهادنة: "إيه اللي حصل؟ احكي لي يا حبيبتي ما تخافيش".
تمسكت به وقالت: "هأحكي لك، عشان ولا أنت ولا هما تستاهلوا الغدر. أنا مش عايزة أؤذي أخويا، بس يمكن لما تعرف تلحقه وترجعه من الطريق اللي ماشي فيه".
توجس خيفة أن تكون علمت بحقارة أخيها وأفعاله ولكنه فضل الصبر إلى أن تأتي بما لديها.
روان: "كنت طالعة أكلم أحمد عشان ضرب جي جي وكمان سابت الجناح وراحت عند بناتها، قبل ما أخبط على الباب سمعته بيقول...".
فلاش باااااااك
____________
أحمد: "أنتي اتجننتي يا فاطمة جايالي هناااا؟ افرض حد شافك. هتودينا في داهية الله يخرب بيتك".
فاطمة: "ما تهدي كده وابلع ريقك. اطمن كله دخل أوضته محدش بره".
أحمد: "طب كنتي اتصلتي بيّا وقلتي اللي عايزاه".
فاطمة: "أنت عارف في حاجات ما تنفعش في الفون. المهم الكبير بيقولك عايز ست حتت".
أحمد: "دي اتجننت ولا إيه؟ أجيب لها منين كل ده؟ الحكومة مفتحة عنيها على الآخر وأنا لسه من أسبوعين باعت لها أربع عيال".
فاطمة: "معرفش اتصرف، دانت نص شحاتين البلد تحت إيدك، خلي أي واحدة منهم تجيب لك كام عيل حتى من بتوع الشوارع مش لازم خطف المرة دي هما محتاجين قطع غيار مش عيال صحيحة".
أحمد: "مش عارف بس العدد كبير وأنا مشغول بحكاية المقبرة اللي عمالة تطلع ميه دي".
فاطمة: "اخلص يا أحمد إحنا ما نقدرش نقول للناس دي لا. إحنا مش قدهم يا حبيبي".
أحمد: "نفسي أعرف خالتك اتلمت على الناس دي منين وإزاي وإيه اللي دخلها السكة دي. الغريبة إن اللي يشوفها يقول عليها رابعة العدوية".
فاطمة: "كل ده ما يخصناش يا روحي إحنا اللي يهمنا الحسابات اللي مهربينها في بنوك سويسرا وبس".
أحمد: "يعني إحنا عارفين نتمتع بيها؟ ما هي كل ما نقول كفاية تسحبنا معاها وتقول آخر عملية. وشكلنا مش هنخلص".
فاطمة بغل: "أنا عن نفسي هأصبر لحد ما أخلص مالي هنا وهأخلع على بره من غير ما أقولها".
أحمد: "وأنا معاكي طبعًا".
ضحكت بعهر وقالت: "ومراتك القديمة والحلوة الجديدة هتعمل فيهم إيه؟".
أحمد: "هأديهم استمارة ستة يا حلوة، أومال هأخدهم معايا يعني؟".
اقتربت منه بدلال عاهر وقالت: "طب كفاية رغي بقى عشان تعبانة وعايزة أقضي معاك ساعتين".
ضم خصرها بذراعه وقال: "ساعتين بس؟ هههه أنتي ما يكفكيش الليل بطوله". أعقب قوله بالتهام شفتيها وهو يزيح عنها ملابسها دون أن يتحرك ضميره.
وضعت روان يدها فوق ثغرها وعيناها كادت أن تخرج من محجرها بعدما سمعت كل هذا بل الأدهى هو خيانتها لزوجها الخلوق فارس، وهذا النذل يخون ابن عمه وفي عقر داره، منتهى القذارة.
بااااااااك
_________
أنهت حديثها وهي تكاد تختنق من شدة البكاء. احتواها بين ذراعيه وبداخله يغلي كالمرجل، ولكنه يجب عليه أن يعالج الأمر بحكمة حتى لا تخرب له كل ما خططوه في كل تلك الفترة المنصرمة.
ربت على ظهرها وقال: "اهدي حبيبتي عشان تقدري تستوعبي اللي هأقوله".
روان: "هو في حاجة تتقال بعد كل ده يا مصطفى؟ أنا هتجنن مش قادرة أستوعب إنهم بالبشاعة دي آثار وتجارة أعضاء وخيانة. أنا هموووت".
مصطفى: "بعد الشر عنك اهدي. كل حاجة وليها حل".
خرجت من أحضانه ونظرت له بشك ثم قالت: "أنت كنت عارف صح؟ ما اتفاجئتش باللي حكيته؟ هاااااا؟ أوعى تكون شغال معاهم".
نظر لها بذهول وقال: "أنتي هبلة؟ أنا كده برضه؟".
روان بحيرة: "طب لو مش معاهم عارف وساكت على البلاوي دي كلها ليه؟".
رد كذبًا: "عشان خايف عليكي وعلى ولادنا. أحمد شافني وأنا بتصنت عليه هو وأبوه. وهددني لو جبت سيرة لأي حد حتى لو أنتي، هيقتل العيال ويبيع أعضائهم. خفت عليكي وعلى ولادي واضطريت أسكت".
روان بجنون: "معقووولة يقتل ولاد أخته؟ هي وصلت للدرجادي وكمان بابا معاه؟".
مصطفى برجاء: "حبيبتي عشان خاطري. عايزك تتعاملي عادي ولا كأنك سمعتي حاجة دول مجرمين". أكمل ليخيفها: "لو خايفة على ولادك انسي اللي سمعتيه وهما بقى أكيد ربنا هينتقم منهم. ولو حسوا إنك عارفة هيفكروا إن أنا اللي حكيت لك ووقتها مش هيترددوا لحظة إنهم يقتلوني".
ألقت حالها فوق صدره وأجهشت في بكاء مرير وهي تكذب حالها، لا تستطيع تصديق ما حدث برغم أنها سمعت بإذنها.
أما هو فكان يفكر في حل سريع حتى لا ينفضح أمرهم.
أشرق صباح جديد محمّلًا بالمفاجآت التي ستوضح لنا بعضًا مما يحيرنا.
كما اعتادت كل صباح تجلس أمام الفرن تصنع أشهى الفطائر بينما هذا العاشق لا يكل ولا يمل من التقرب منها ولا إعطائها زهرة كل يوم مع قالب حلوى حتى لو صغير.
محروس: "صباح الخير على ست البنات".
نظرت له دلال بغيظ وقالت: "أنت يا راجل مش شايف إننا كبرنا على حركات العيال دي؟ آخرة اللي بتعمله ده إيه يا محروس؟ أنا عيالي بقوا أطول مني".
محروس بجدية: "آخرته هتبقى في بيتي إن شاء الله ودماغك الناشفة دي هأكسرها لك".
نفضت يدها من الطحين ثم وقفت قبالته وقالت بجدية: "اسمعني يا ابن الحلال عشان ترتاح وتريحني. أنا بقالي عشر سنين قاعدة من غير راجل. تعبت وشقيت عشان أربي عيالي وكنت الأب والأم ليهم. مش هآجي بعد ما كبرت وعيالي بقوا رجالة هأجيب لهم جوز أم".
محروس بتصميم: "عيالك هما عيالي يا دلال وعمري ما هأكون لهم جوز أم. أنتي عارفة إن بحبك من زمان ولما اتجوزتي أنا فضلت أعذب لحد ما بقى عندي خمسة وتلاتين سنة ولما أمي تعبت وصممت إني أتجوز عشان ألاقي اللي يخدمني اتجوزت أم منه بس ربنا ما كتبش عليّا أعيش مقسوم نصين جسمي مع واحدة وقلبي مع التانية. ماتت وهي بتولد منه عرفت وقتها إني مش مكتوب لي أعيش مع غيرك. وبقالي سنين صابر عليكي يا بنت الناس بس خلاص كفاية كده إحنا بنكبر مش بنصغر واللي جاي مش قد اللي راح. وافقي يا دلال وأنا أوعدك إن هأكون أب لولادك قبل ما أكون جوزك وراجلك اللي تسندي عليه وأنتي مطمنة. وبنتي بتكبر ومحتاجة أم تبقى قريبة منها. أديكي شايفة طول اليوم تلف ورايا في الجنينة وأنا مش عارف أهتم بيها. خلينا نلم العيال في بيت مليان دفء ونربيهم سوي. ونتسند على بعض لما نعجز".
دلال بتردد: "بس أنا ما أقدرش أسيب الشغل هنا مش عشان الفلوس لا والله. أنت عارف الحاجة بتعاملني زي أختها ومش بترتاح ولا بتثق في حد غيري".
محروس بمهادنة: "ما أنتي هتبقي معاها في نفس المكان أنا طول عمري عايش في البيت اللي في الجنينة وهو حلو وشرح ما أنتي عارفاه يعني بدل ما تطلعي وتدخلي من السرايا هتبقي جنبها على طول".
دلال بتردد: "الصراحة مش عارفة مكسوفة من نفسي ومن عيالي. أقولك اعتبر إن ما تكلمناش في حاجة وشوف لك واحدة ببال رايق".
نظر لها بغيظ وقال: "تصدقي بالله أنتي عايزة قلمين يفوقوكي يا بقرة أنتي، بأقولك بحبك من زمان تقولي لي شوف لك غيري. أنا هأكلم الحاج انهارده وأطلب إيدك منه وغصب عنك هتوافقي. غوووري بقى شوفي بتهببي إيه على ما أروح لرؤوف المدرسة".
نظرت له بذهول وقالت: "أنت اتجننت يا راجل وهتروح لابني ليه؟".
تركها وهو يقول بهم: "أنتي تجنني بلد يا مطلعة عين أهل الراجل. وما لكيش فيه ابني وأنا حر أنا وهو". وفقط تركها وهو يملأه العزم أن ينفذ ما قاله.
أما هي فأفاقت من صدمتها وهي تبتسم ببلاهة ولكنها انتفضت حينما سمعت إيمان تقول بغيظ: "تصدقي بالله أنا لو مكانه كنت جبت من الطين وحطيت فوق دماغك يا بهيمة أنتي".
دلال: "ليه بس يا حاجة وأنا عملت إيه؟".
إيمان: "عملك أسود ومهبب يا أختي بقى الراجل عمال يحايل فيكي ويلف وراكي وأنتي عاملة نفسك صغيرة على الحب جتك خيبة. ده حتى عيالك نفسيتهم هديت وما بقتش أشوف الكسرة اللي في عينيهم من ساعة ما قرب منهم ولقوا فيه الأب اللي محتاجينه. ربنا بعت لك العوض اللي تستاهليه يا قلب أختك بعد المر اللي شفتيه طول حياتك. بلاش تتبطري على النعمة محروس راجل جدع وبيحبك وشاريكي مش هتلاقي زيه صدقيني".
دلال بحيرة: "طب الناس هتقول عليّا إيه؟ والعيال هيقبلوا إن أمهم تتجوز أنتي عارفة تفكير الصبيان يا حاجة".
إيمان بتعقل: "الناس تولع يا حبيبتي محدش فيهم مد لك إيده في يوم ولا حد حس بدمعتك ومسحها. ولو على العيال فالراجل طلع بيفهم قرب منهم وصاحبهم وحسسهم بقيمة وجوده في حياتهم يعني هيطيروا من الفرح لما يعرفوا إنه هيبقى أب ليهم".
دلال: "طب والزفت أبوهم تفتكري هيسكت؟".
إيمان: "ده بقى سيبيه على الحاج لو فكر بس يهوب ناحيتك أنتي ولا العيال هيوقفه عند حده".
ابتسمت دلال بفرحة وقالت بتدلل: "أنتي شايفة كده يا حاجة؟".
إيمان بغيظ: "شايفة الفرحة هتنط من عينك يا ست سعاد حسني نسوان هم على رأي المثل عيني فيه وأقول أخيه".
في جناح فارس استيقظت هدى قبله كما اعتادت وقامت بروتينها اليومي في هدوء حتى لا تقلقه، ولكنها وجدت حالها لا تريد تركه والنزول إلى الأسفل. شعرت أنها تشتاقه برغم أنه معها دائمًا. نظرت تجاهه بخبث ثم بدلت ثيابها سريعًا بأخرى مغوية وتقدمت تجاه الفراش واندست بين ذراعيه. أخذت توزع قبلات هادئة فوق وجهه وهي تقول بهمس: "يلا حبيبي اصحى هتتأخر". لم تتلق منه أي رد. بدأت يداها تسير بإغواء فوق جسده وشفتاها تنثر قبلات مشتاقة فوق صدره، وحبيبها شعر بها إلا أنه أراد أن يتدلل عليها قليلًا رغم رغبته التي تأججت داخله من تحرشها به وجسدها الملتصق بجسده. شعرت بوحشه التي انتصبت على الفور ولكنه ما زال يمثل النوم، فقالت بغيظ: "طب خليك نايم بقى أنا هأقوم عـ... آاااه!". قطعت حديثها بزعر حينما وجدته يضمها بذراعه ويصعد فوقها وهو يقول: "تقومي فين يا دودو؟ مش تكملي اللي بدأتيه؟".
نظرت له بشقاوة وقالت بدلال أهلكه: "خضتني يا فارس. أنا ما بدأتش حاجة أنا كنت بصحيك".
قبلها بجموح ثم قال: "وجسمك اللي بيفرك تحتي ده إيه؟ بيعمل لي مساج؟".
ضحكت بصخب ثم قالت وهي تتحسس وجهه: "حبيبي وحشني أعمل إيه؟ صحيت من بدري وأنا حاسه إني هاموت عليك". عضت شفتها السفلية بإيحاء وأكملت: "حاولت أمسك نفسي ما قدرتش. يرضيك أقعد بقهرتي؟".
بدأ يتحسس جسدها المغوي وينزع عنها تلك القطعة الشفافة وهو يقول: "لا طبعًا. يبقى عيب في حقي والله". وفقط، بدأ يلتهم ثغرها ويعتصر مقدمتها بجنون، ولكن حبيبته كانت تشعر بجموح يجعلها تأكله أكلًا.
أبعدته عنها بصعوبة ثم قالت بأنفاس لاهثة: "أنا اللي عايزة أفطر بيك انهارده". غمزت له بعهر وأكملت: "ممكن؟".
ابتسم باتساع بعد أن فهم مقصدها. تحرك من فوقها وتمدد فوق الفراش وهو يقول برغبة جامحة: "ممكن جداااا".
اعتدلت حتى تجلس على ركبتيها ونظراتها الجائعة توشي بما تنتويه. التهمت رقبته ثم صدره وظلت تمتص جسده هبوطًا إلى أن وصلت لوحشه. نظرت لها بشهوة ولعقت شفتاها بلسانها. أمسكتها بيديها تملس عليها برفق اللهبة ثم مالت عليها تمتصها بنهم، وحينما مد يده ليضاجع بها أسفلها جن جنونها وأسرعت من حركتها ويدها تعبث في كل ما تطاله من جسده.
وصل إلى ذروته فشعرت به. ابتعدت ثم جلست فوقه وأدخلت وحشه الثائر داخل فتحتها، ومن هنا بدأ الجنون. ظلت تقفز فوقه بإثارة وهو يزمجر بمتعة. صوت تأوهاتها ومقدمتها اللذان يتحركان مع حركاتها، مظهرها المهتاج، كل هذا جعل منه ثورًا هائجًا سيحطم دواخلها بوحشه.
اعتدل بنصفه وقلبها تحته سريعًا ثم رفع ساقيها فوق كتفه وأخذ يلج بها بسرعة جنونية، والجميلة تتأوه بعهر يعشقه، إلى أن شعر برعشتها، فقام بقذف حممه داخلها وهو يضغط وحشه داخلها بقوة. لم يخرج منها بل تمدد فوقها يقبلها بحب ثم قال: "أحلى صباح ده ولا إيه؟". غمز لها بوقاحة وأكمل: "يا ريت تكتري من التحرش بتاع الصبح ده. أصل بحبه أوي".
ضحكت بدلال وهي توكزه في صدره وتقول: "أنت بتحبه في كل الأوقات يا روحي".
قبلها بسطحية وقال: "هو في حد يكره النعمة يا قلب روحك؟".
أما في غرفة جوادنا الثائر دائمًا، كان يتقلب على جمر ملتهب، فهو لم يروي عطشه واشتياقه لصغيرته ليلة أمس. فبرغم اقترابه منها حينما كانت في المرحاض إلا أنه لم يرض وحشه الذي يريدها دومًا. وجدها غافية فوقه بسلام، عارية، مثله، وكما طلب منها. وحشه منتفض، مقدمتها يثيران جنونه، شعرها الحريري يغويه. ماذا يفعل؟ قلبه يشتاقها، جسده يحتاجها وبشدة. هل تصبر أيها الجواد الجامح؟ لن أستطع. ألاعبها قليلًا ثم أتركها تغفو كما يحلو لها.
هكذا أقنع حاله وهو يملس على حلمتها برفق، بعد أن وضع وحشه بين شفرتيها بطريقة طولية. حاول أن يتحرك أسفلها برفق عله يهدأ قليلًا، ولكن كيف له هذا وهو عنوان للجموح؟ أصبحت حركاته أكثر رغبة ويده امتدت خلفها تعتصرها. هنا الجميلة فاقت بخضة بعدما كانت تظن أنها داخل حلم. نظرت له بذهول بعدما أفاقتها يده التي تعبث بمؤخرتها وقالت بصوت ناعس: "بتعمل اااايه؟".
نظر لها برغبة وحرك وحشه بقوة وهو يقول: "مش أنا اللي بعمل". وضع إصبعه داخل فتحتها وأكمل بصوت يملأه الرغبة: "قلبي اللي بيعشقك عايزك. جسمي اللي ما بقاش قادر يهدى في قربك عايزك". كوب وجهها وقبلها بفجور ثم فصلها وقال: "بعشقك يا دهبي وما بقتش قادر على بعدك، بس بحاول أمسك نفسي عشان ما تتعبيش".
ابتسمت له بحب وقالت بخجل طفيف: "مش تعبانة يا جوادي. اطمن".
نظر لها بشهوة وقال: "متأكدة؟".
هزت رأسها فقرصها وقال: "هاااا إحنا قولنا اااايه؟".
ضحكت بمرح وقالت: "خلاص بقى المفروض إنك تتخيل إني بهز راسي. بتكسف يا جواااااد".
يا غلب جواد اللي قلبه هيقف منك. أعقب قوله بالتهام شفتيها السفلى ثم العليا ويداه تعبث في كل إنش في جسدها. لم يطل مداعبته لها اليوم لشدة رغبته التي وصلت إلى ذروتها.
قلبها سريعًا وتمدد فوقها، ثم اقتحمها بجنون وهو يقول: "مبسوطة يا دهبي؟ عايزاااني؟".
ردت بأنفاس لاهثة من فرط الرغبة التي تملكت من كل ذرة في كيانها: "مبسوطة أوووي. آاااااه. عايزااااك. عايزاه ديما. حبيبي".
هل قالت حبيبي؟ زمجر بقوة وقال وهو يسرع من حركته: "أنتي قولتي حبيبي؟ آاااخ. قوليها تااااني. قوليهاااااا".
دهب بجنون: "حبيبي، حبيبي، بحببببك، آاااه، يا جوااااادي".
هكذا صرخت وهي ترتعش أسفله ومائها يسيل فوق وحشه التي لم يستطع التحكم فيها أكثر من ذلك فتركها تطلق ما تحتويه داخلها.
تمدد فوقها يوزع على وجهها قبلات رطبة وهو يقول: "فرحان أوي يا دهبي، عشان بدأتي تتجاوبي معايا". قبل ثغرها بعشق خالص وقال: "بعشقك يا دهبي".
حاوطت عنقه بذراعيها وقالت: "وأنا كمان".
ضحك بفرحة وقال: "اللهم صل على النبي يا فرحة قلبك يا جواد". ظل يمازحها قليلًا، وضحكاتها تطرب قلبه.
حتى قالت من بين ضحكاتها بمزاح: "خلاص كفاية بالله مش قادرة. قوم بقى عشان عايزة آخد دش وأصلي بقالي يومين ما صليتش".
اعتدل من فوقها بعد أن تذكر شيئًا هامًا. سحبها لتجلس فوق ساقه وقال: "حبيبي في حاجة مهمة راحت من بالي أسألك عليها من أول الجواز".
نظرت له وقالت بقلق: "حاجة إيه؟ أنا مش خبيت عليك أي حاجة".
ملس فوق شعرها برفق وقال: "مالك يا حبيبي خفتي ليه؟ أنا بس عايز أسألك أنتي عارفة الفرق بين الاغتسال من الجنابة والاغتسال العادي؟".
نظرت له بعدم فهم وقالت: "يعني إيه مش فاهمة؟".
قبلها بسطحية وقال: "هأفهمك حبيبي. أي حد بيستحمى عادي تمام. إنما الراجل ومراته لما بيناموا مع بعض بعد ما العلاقة بتخلص بيبقى اسمهم جُنُب (جُنُب بضم الجيم والنون). الاغتسال من الجنابة بيبقى مختلف عن الاستحمام العادي".
دهب باهتمام: "إزاي طب علمني؟".
جواد: "بصي حبيبي أنتي بتقفي تحت الدش الأول عادي بتغسلي جسمك تمام. بعدها بتتوضي وضوء كامل ما عدا رجلك تمام. بعدها بتغسلي نص جسمك اليمين الأول. بعدها بتغسلي نص جسمك الشمال. بعدها بتكملي الوضوء بغسل رجلك. دي طريقة الاغتسال من الجنابة. ممكن وقتها لو هتصلي تصلي عادي من غير وضوء تاني لأنك أصلًا اتوضيتي. إنما لو بتستحمي عادي يفضل إنك تتوضي عشان تصلي. فهمتي حبيبي؟".
احتضنته بحب وقالت: "ربنا يخليك ليّا بجد يا جوادي أنا أول مرة أعرف الكلام ده".
ضمها بعشق وقال: "هأعلمك كل حاجة واحدة واحدة حبيبي". قبل كتفها وقال: "بعشقك".
بعد أن خرج زوجها لعمله، ارتدت ثيابها سريعًا ثم خرجت من المنزل. صعدت في توكتوك وأعلمته بوجهتها، وما كانت إلا الوحدة الصحية التي دلفت داخلها ومنها إلى المرحاض. أغلقت الباب جيدًا ثم أخرجت من حقيبة يدها عباءة سوداء ومعها نقاب أسود. قامت بارتدائهم فوق ثيابها ونظرت في المرآة لتتأكد من هيئتها.
خرجت بتمهل وكأنها واحدة أخرى غير التي دخلت منذ قليل. وجدت سيارة أجرة تقف أمام الوحدة الصحية ويبدو أنها تنتظرها.
صعدت في المقعد الخلفي ثم قالت: "عفارم عليك يا سيد ديما مواعيدك مظبوطة. يلاااا اطلع".
رواية جواد ودهب الفصل العشرون 20 - بقلم فريدة الحلواني
كان لها إمامًا في صلاة الضحى لأول مرة منذ زواجهما.
كان قلبها يخفق بشدة، خشوعًا للمولى عز وجل، وفرحًا بهذا الموقف الجليل.
أنهى فرضه ثم التفت لها وقال بأجمل ابتسامة:
"تقبل الله يا حبيبي."
ردت عليه بصوت يملأه البهجة:
"منا ومنك بإذن الله."
سحبت كف يده ووضعتها داخل كفها الصغير ثم قالت:
"أنا هسبح على إيدك وأنت تسبح على إيدي، وناخد الثواب مضاعف."
ابتسم بإشراق وفعل ما طلبته دون أن يتفوه بحرف.
ولكن ما جعل قلبه يخفق بشدة وتجحظ عيناه ذهولًا، حينما انتهيا من التسبيح ووجدها تقرب كفه إلى ثغرها وتقبله من الداخل ثم قالت بابتهال:
"ربنا يديمك نعمة في حياتي يا جواد."
اختطفها في عناق ساحق وهو يقول:
"أنتِ اللي أكبر نعمة ربنا كرمني بها، ولو فضلت أشكره عليها بقيت عمري مش هيكفي."
التفت العائلة حول مائدة الإفطار دون جواد ودهب، فسأل عبيد باهتمام:
"هو جواد لسه نايم؟"
إيمان بحزن:
"لا صحي من بدري بس هيفطر فوق."
عبيد:
"ليه هي دهب لسه تعبانة؟"
إيمان:
"لا كويسة بس مش عايزها تنزل من الجناح ومحبش يسيبها تفطر لوحدها."
جيهان:
"هما مش مسافرين؟"
إيمان:
"أجل سفره لبكرة عشان عنده أوراق مهمة عايز يمضيها قبل ما يسافر."
أحمد:
"وهو هيفضل حابسها فوق ولا كده خلاص عزل عيشته عننا؟"
روان بغضب مكبوت:
"وأنت مالك هو حر شاغل نفسك ليه؟"
عباس:
"في إيه يا بنت مالك هبّيتي في أخوكي زي البابور كده ليه؟"
أغمض مصطفى عينيه غيظًا من تلك البلهاء، هو يعرفها جيدًا لا تستطيع كتمان ما بداخلها.
تدخل في الحديث وهو يغمز لها في الخفاء:
"معلش يا عمي أصلها زعلانة مني وطلّعته على أخوها، يستحملها عادي دي مالهاش غيره."
عباس:
"ومزعلها ليه إن شاء الله هو أنت تلاقي زيها؟"
ارتبك مصطفى بداخله ولكنه جمع شتاته سريعًا وقال:
"أصلها عايزة تسافر القاهرة مع دهب تغير جو وأنا مش راضي."
تدخل فارس ليسانده بعد أن أرسل له رسالة بالأمس يخبره بما سمعته روان فقال:
"دي عدوى وجات للنسوان كلها حتى هدى عايزة تسافر، وجيجي برضه."
نظرن له بذهول ولكن لم يكذبه أحد فقال عبيد بمغزى:
"والله البيت هناك كبير لو جواد وافق يسافروا كلهم أهو يغيروا جو هما والعيال شوية."
إيمان:
"طب والمدارس يا حاج؟"
عبيد بمزاح:
"قال يعني بيروحوا! إحنا بنرمي فلوسنا في الأرض يا حاجة العيال اعتمدوا على الدروس الخصوصية، عليه العوض."
فاطمة بغل:
"وأنا ماليش نفس أغير جو معاهم ولا إيه؟"
رد جواد الذي استمع لكل ما حدث:
"هو أنا طالع رحلة ولا مصيف؟ كل واحدة تترزع جنب جوزها يا قطة أنتِ وهي، أنا مسافر أهدي أعصابي أنا ومراتي ولا أحرقها."
هدى بهمس لفارس:
"جبتلنا التهزيء أهو، مبسوط كده؟"
نظر لها ببراءة وقال:
"وأنا مالي ده مصطفى."
إيمان بزعل:
"برضه سيبتها فوق يا ابني، يعني هتفضل محبوسة كده اليوم كله؟"
جواد:
"معلش يا ماما أنا كده مرتاح أكتر بعدين أطلعلها في أي وقت، وحبيبة معاها كمان."
نظر لمحمود وقال:
"حبيب عمك خلص أكل عشان عايزك قبل ما أمشي."
وقف الصبي وقال:
"أنا شبعت الحمد لله."
اتجه ناحيته ولكن أوقفته تلك العقربة وقالت بحقد:
"اقعد كمل أكلك طبقك زي ما هو، لو مكملتوش مش هحطلك تاني سامع؟"
نظر لها الطفل بجمود وقال:
"أساسًا تيتا اللي بتجهزلي أكلي أنا وإخواتي يا ماما، بعد إذنك."
تركها وأمسك يد عمه الغالي ليتحرك معه إلى الخارج.
جواد بأمر:
"يا ريت تخلصه بسرعة عشان سليمان مستنينا في المصنع."
اهتزت يد جيهان عند سماع اسمه ولكنها تمالكت حالها حتى لا يشعر بها أحد ونظرت إلى الطعام ولكن، مر في عقلها كل حرف قرأته في الخطاب والآن فقط اكتشفت أنها تحفظه حرفًا حرف.
وصلت توحيدة إلى بناية متهالكة في القرية المجاورة لقريتهم ودلفت لها.
وجدت عبادي في انتظارها وحينما رآها قال:
"أخيرًا البرنسيسة حنت علينا وفكرت تيجي."
جلست توحيدة على أحد المقاعد ثم رفعت نقابها وأخرجت علبة سجائر من حقيبتها وأشعلت واحدة منها وهي تضع ساقًا فوق ساق وقد تحولت تمامًا من تلك المرأة الريفية البسيطة، إلى أخرى متجبرة.
نفثت دخانها وقالت:
"اخلص يا عبادي معنديش وقت أضيعه في الكلام الفارغ ده، إيه الأخبار؟"
عبادي:
"كله تمام يا برنسيسة."
توحيدة بغضب:
"تفاصيل يا زفت عايزة أعرف كل اللي حصل بالحرف، الجماعة زعلانين عشان مقصرين في الشغل اليومين دول."
عبادي:
"مانتِ شايفة الحكومة مفتحة عينها إزاي بقالنا سنتين من ساعة فريد ما مات وإحنا بنطلع الحاجة من البلد بطلوع الروح وأحمد وعباس زي قلتهم الصراحة مش عارفين يعملوا حاجة من بعده."
توحيدة:
"كل ده بسبب ابن الكلب جواد قولنا هنخلص منه بس طلع زي القطط بسبع ترواح نفد منها حتى وهو أعمى مش سايب حاجة تعدي من تحت إيده."
عبادي:
"أنا لحد دلوقتي نفسي أعرف إيه اللي ركب فريد معاه إحنا كنا عاملين حسابنا إنه بيركب العربية لوحده."
"اللي تبعنا وممشي شغلنا هو اللي يموت واللي عايزين نخلص منه هو اللي يفضل يقرف في اللي جابونا."
توحيدة:
"خلاص اللي حصل حصل، المهم ملقتش حل للمية اللي مش بتخلص دي؟"
عبادي:
"كل يوم يسحبوها وتبقى فاضية ميعديش ساعتين وترجع تتملي تاني، الرصد عليها جامد يا مدام ومش هيتفك غير برحم البنت."
توحيدة:
"أنا هتصرف أنت مش قولت لسه قدامنا وقت لحد ما يهل عليها هلال الشهر الجديد لسه قدامنا كام يوم، المهم اسمع التعليمات الجديدة ونفذها بالحرف."
عبادي:
"أنتِ برضه لسه مش مأمنالي، إحنا بقالنا عشرين سنة بنشتغل مع بعض ولحد دلوقتي مش عايزة تعرفيني على اللي مشغلنا كلنا واللي محدش يعرفه غيرك."
توحيدة بغضب:
"وهقولك زي كل مرة، ملكش فيه بلاش تدخل نفسك في جحر التعابين يا عبادي اللي بتاخده مش شوية، أنت عليك تسمع وتنفذ وبس سامع؟"
ارتعب من صراخها وقال بمهادنة:
"تحت أمرك يا برنسيسة، أنا بس كنت عايز أحس إنك بتثقي فيا مش زي أي حد مشغلاه تحت إيدك وبعدين متى بقى هنتمتع بالفلوس اللي معانا، أنتِ كل مرة تقولي خلاص هانت ولسه زي ما إحنا."
توحيدة:
"على أساس إنك دافن نفسك هنا، هههههههه أمال السهرات الحمرا بتاعة كل أسبوع دي إيه، ده غير كباريهات شارع الهرم اللي مفيش واحد فيهم ميعرفكش يا... ما علينا اسمع بقى الجديد ونفذه بالحرف."
اجتمع أربعتهم داخل مكتب جواد وبدأ الحديث قائلًا بغيظ:
"برضه نفذت اللي في دماغك وجيت، أنا مش نبهت عليك لما كنت في القاهرة إنك تصبر؟"
سليمان بقهر:
"مقدرتش، وأنت بالذات متلومنيش أنت الوحيد اللي المفروض يحس بيا لإنك مجرب."
جواد:
"حاسس وعارف بس الصبر يا أخي هانت خلاص."
سليمان بجنون:
"بقالنا كام سنة بنقول هانت هاااا، مش عارفين نمسك حاجة عليهم، كلامهم في الفون عادي، تحركاتهم عادية، يبقى إيه بقى، ده حتى أحمد بالعافية قدرنا نعرف المكان الجديد اللي شغال فيه، هنوصل متى بس، أنا تعبت."
مصطفى:
"اهدأ مفيش حاجة هتتحل بالعصبية وجواد مش مقصر ولا هو ولا الفريق بتاعه الرجالة مبيناموش."
فارس:
"الناس دي شغالة مع حد تقيل أوي وعارفين هما بيعملوا إيه."
جواد بغموض:
"مدام مسكت طرف الخيط يبقى الباقي هيكر متقلقوش."
سليمان:
"أنت وصلت لحاجة جديدة، طمني بالله عليك."
جواد:
"دي أسرار شغل يا حبيبي أنتو ليكوا القشرة إنما التفاصيل متخصكمش."
فارس:
"دبش، دبش بيتحدف منك يا أخي."
جواد:
"سيبك من شغل العيال ده واسمعوني كويس وتنفذوا اللي هقوله بالحرف، مش عايز غلطة تمااام."
وقف محمد وعبيد في وسط أرضه الزراعية الشاسعة يتابع عمل المزارعين كما اعتاد، ولكنه ابتعد كثيرًا حتى يقص لرفيقه ما حدث بالأمس.
اشتعلت النار داخل صدر محمد وهو يستمع لما حدث لحبيبته فقال بجنون:
"ضربهاااا، تااااني ابن الكلب، وهي، خلاااص أنا مبقتش موجود عشان عايزة تشتغل خدااامة عندك."
عبيد بعصبية:
"إيه خدامة عندي دي يا حمار أنت، دي أختي وأنت عارف كده كويس، بس البنت نفسها عزيزة وده اللي جه في دماغها عشان متبقاش عالة على حد، وأنت عارفه إنها استحالة تلجألك يبقى تهدأ كده ومتخربش الدنيا، هي قاعدة عندي معززة مكرمة لحد ما أخلصها من ابن الكلب الواطي ده."
محمد:
"هتعمل معاه إيه، خليه يطلقها."
عبيد بغيظ:
"مش لما ألاقيه."
نظر له محمد بعدم فهم فأكمل:
"هرب، بعتله رجالة البيت امبارح أمه قالت إنه مسافر ولما سألت عليه أهل البلد، ناس شافوه وهو رايح على الموقف وركب ميكروباس القاهرة."
محمد بجنون:
"أكيد الحرباية هي اللي قالتله يعمل كده."
عبيد بتعقل:
"طبعًا عرفت إن زينب جاتلي وبكده أنا هجبر الكلب ده إنه يطلقها وده اللي بتحارب بقالها سنين عشان ميحصلش، كان لازم تبعده، بس هو يعني هيفضل هربان على طول مصيره هيظهر."
محمد بقهر:
"وأنا هفضل تحت رحمته لحد ما يظهر؟"
عبيد:
"عيب عليك يا صاحبي أنا اتحركت من قبل ما أقابلك."
محمد بلهفة:
"عملت إيه طمني؟"
ابتسم عبيد وقال:
"بعت المحامي ياخد تقرير طبي من الوحدة الصحية بحالتها، وبعدها هيروح يعمل محضر في المركز عشان نثبت حالة."
محمد:
"يعني هتحبسه؟"
عبيد:
"دي حاجة مفروغ منها بس أنا غرضي من كده إنها لما ترفع قضية طلاق يبقى معاها اللي يخلي القاضي يحكملها من أول جلسة وكمان هي ادت الحاجة التسجيلات وفيديوهات النسوان اللي كان بيبتزهم، معرفش ليهم لازمة ولا لا بس المحامي قالي حتى لو مش هيتاخدوا مع حيثيات القضية، كفاية إن القاضي يعرف وساخته."
احتضنه محمد بفرحة وقال:
"أنت ونعم الأخ يا صاحبي مش عارف أقولك إيه."
ربت عبيد على ظهره بود وقال:
"طول عمرنا في ضهر بعض."
أكمل مازحًا:
"ابعد بقى عشان الفلاحين بتبص علينا وكده هنتفهم غلط والهيبة هتروح هههههه."
جاء إليهم رجل يرتدي جلبابًا أبيض وبيده مسبحة زرقاء يحركها بين إصبعيه وقال بوجه بشوش:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
ردا عليه السلام وقال عبيد بترحيب:
"شيخ رمزي الدنيا نورت بجيتك لينا والله والبركة هتحل."
ع المكان
ابتسم الشيخ بود وقال: "الله يباركلك يا حاج."
محمد: "عامل إيه يا شيخنا؟ معلش مقصّر بقالي فترة ومش بصلي معاك جماعة."
رمزي: "ما أنا لما لقيت الغيبة طوّلت، قلت أجي أطمن عليك، لعل المانع خير."
زفر محمد بهم وقال: "الحمد لله على كل حال يا شيخنا."
رمزي: "ربنا يصلحلك الحال يا بني، وأنا موجود في أي وقت تحتاجني فيه."
نظر لعبيد وأكمل: "قاصدك في خير يا حاج."
عبيد: "اؤمرني يا شيخ."
رمزي: "في بنت يتيمة هتتجوز وخطيبها كمان على قد حاله، لو تقدر تساعدهم بأي حاجة، وأنا أعلنت بعد صلاة الظهر عن اللي عايز يتبرعلها."
عبيد بطيبة: "شوف كل اللي ناقصهم، وأنا رقبتي سدادة من غير ما تلم تبرعات."
ضحك رمزي ببشاشة وقال: "متطمعش في الخير والثواب كله لنفسك، خلي غيرك ياخد الأجر يا حاج."
جلست هدى وجيجي وروان لدى دهب في صالة الضيوف الخاصة بجناحها، وهن يتمازحن ويتحادثن حديث النساء تحت خجل صغيرتنا لعدم اعتيادها على هذا المزاح.
هدى بضحك: "دودو عمالة تحمر وتخضر من كلامنا... هههه، أمال بتعملي إيه مع جواد؟"
دهب ببراءة: "مش بعمل حاجة."
روان بغيظ: "ياااا خيبتك يا هبلة! هي في واحدة متجوزة جواااد ومتعملش حاجة؟ طب دي مراته الله يرحمها كانت بتعمل في نفسها البدع... كل يوم تصبغ شعرها لون شكل... وأشي تاتو على كتفها... وأشي ضوافر مش عارف إيه... ده غير قمصان النوم اللي مكنتش بتقلعها ليل نهار..."
دمعت عين دهب وشعرت بالغيرة مما تسمع، ولاحظ ذلك الجميع فنهرتها جيجي بغيظ: "لسااانك عايز قطعة من لغلوغه يا بهيمة انتي! ده كلام تقوليه؟"
روان: "مش بوعيها عشان تحافظ على الواد المز اللي متجوزاه."
هدى: "اسكتي... اسكتي الله يحرقك! بتوعيها ولا بتحرقي دمها يا حمارة انتي؟"
دهب بحزن: "خلاص محصلش حاجة، أنا مش زعلانة."
هطلت دموعها رغماً عنها وأكملت: "ما هي كانت مراته بردو عادي يعني."
هدى برفق: "الله يرحمها، أنا مش عايزة أجيب سيرة الأموات، بس هقولك عشان تريحي قلبك يا حبيبتي... انتي عارفة إن أنا وجواد زي الأخوات وبنتكلم مع بعض كتير... اسأليني أنا عن عذابه وهو معاها... وكان بيعاملها بطريقة لو واحدة غيرها كانت اطلقت منه... بس هي كانت متمسكة بيه وبتعمل ده كله عشان تحاول تخليه يشوفها ويقرب منها... بس هو... ولا كان بيفرق معاه كل ده."
جيجي: "اللي اكتشفته إن جواد بيحبك يا دهب ومن زمان كمان... وواضح إنك بتحبيه... يبقى قربي منه وشيلي الكسوف من بينكم يا حبيبتي عشان تقدري تمتعيه ويمتعك."
هدى بجدية مازحة: "طب مش أنا فارس بيحبني والكل عارف... وبثق فيه أكتر من نفسي... بس بردو مش بسيبه أبدًا!"
دهب: "يعني إيه؟"
هدى بوقاحة: "يعني يا حبيبتي الرجالة كلها عند الجنس واحد، وأنا مش بخليه يبطل يقرب مني ولا ليل ولا نهار، وبعمل معاه البدع عشان أملي عينه ومخليهوش يبص لغيري."
روان بوقاحة: "بتصفي الراجل يعني وبتهد حيله عشان ميبقاش عنده صحة لغيرها هههههههههه."
ضحكن ثلاثتهن، أما تلك البريئة ابتسمت دون أن تفهم ما معنى هذا الحديث المشفر بالنسبة لها وقالت: "يعني إيه؟"
هدى: "يا لهووووي دي انتي ميح خالص!"
اقتربت منها وقالت بحكمة: "بصي يا دودو، الرجالة كلهم دماغهم واحدة، لو واحد اتجوز اللي بيحبها أو اتجوز عادي بيبقى أهم حاجة عندهم الجنس... ولو كان بقى راجل حلو كده وشخصية بيتغر في نفسه لما يلاقي الستات هتتجنن عليه... وطبعًا في ستات عايزة الحرق مش بيهمها ده متجوز ولا لأ، المهم إنها تاخده ليها وخلاص."
"الست الشاطرة بقى تعمل إيه؟"
دهب باهتمام: "إيه والنبي قولي."
ابتسمت هدى وقالت: "تبقي مهتمة بنفسها وبيتها... ودايمًا لابسة ومتزوقة... وتبقي متجددة يعني متخليش العلاقة روتينية... جننيه، خليه ديما مشغول بيكي... يا ترى لما أرجع البيت هتكون لابسة إيه... يا ترى هتعمل معايا إيه."
"وأهم حاجة تهتمي بنفسك حتى لو عليكي البريوت بردو تلبسي قمصان نوم عادي وتحطي ميكب، عشان بردو ميفكرش إنك بتلبسي كده عشان عايزة حاجة... لا خليه يحس إن ده العادي بتاعك."
"خليه ديما مشتاقلك... الراجل وقت ما بيكون مع مراته ويلاقيها بترضيه مبيقدرش يستغني عنها يا حبيبتي... وكمان انفخي فيه."
ضحكت جيجي وقالت: "هو ناقص نفخ يا هدى؟"
هدى: "أيوه يا أختي مهما كانت شخصيته، الراجل بيبقى عامل زي العيل الصغير، بيفرح لما يحس إن مراته تقوله أنت مفيش زيك... بس خلي بالك لازم تعملي كده وأنتي حريصة بردو إنه يحس إن انتي كمان مفيش زيك، يعني متقلليش من قيمتك عشانه، بدل ما يتغر عليكي ويفكر نفسه اللي مفيش منه..."
دهب: "فهمت شوية، بس أنا بتكسف، يعني ألبس وكده ماشي، بس أقرب منه أتكّسف أوووي."
روان بغيظ: "يا بنت الهبلة، جوزك ده كان مقطع السمكة وديلها، ولما ربنا تاب عليه النسوان مسبتهوش في حاله ولحد دلوقت بيجروا وراه... طب داحنا مرة كنا معزومين في فرح رجل أعمال كبير في القاهرة... يا لهووووي دخلنا الفرح من هنا والستات عينيها بقت تطلع قلوب لما شافوا جواد... حسيتهم هيغتصبوه وربنا هههههه."
هدى: "آه وقتها كل واحدة فينا كلبشت في جوزها مسبتهوش طول الفرح إلا جواااد... يا أختي سهون كده وحاسس بكل اللي بيحصل حواليه وعامل نفسه تقيل، معبرش حد مع إنهم كانوا لابسين لبس مسخرة."
دهب بغيرة: "طب أنا عايزة أبقى زيهم."
جيجي بطيبة: "أنتِ أحسن منهم كلهم يا دودو وأحلى كمان، واللي يخليكي تكسبي حب جواد ليكي... وهو قدم لك كل حاجة... جه الوقت اللي أنتِ تاخدي خطوة عشان تقربي منه وتكسري كل الحواجز الوهمية اللي جواكي."
طرقت إيمان باب غرفة زينب وحينما سمعت الإذن دلفت بابتسامة بشوشة وهي تقول: "لاااا بقولك إيه، هو انتي جاية تحبسي نفسك بين أربع حيطان؟ ده حتى البنات الجزم اعتمدوا إنك معايا وطلعوا من الصبح عند دهب ومحدش شاف وشهم من وقتها، حتى الأكل دبسوا دلال وعنبة فيه."
ابتسمت زينب بهم وقالت: "أنا مش عارفة أقولك إيه يا حاجة على اللي عملتوه معايا."
إيمان بحنو: "معملناش حاجة يا أختي... قومي خدي دش وغيري هدومك وتعالي ننزل نقعد في الجنينة قصاد العيال... أنا جبتلك عبايات جديدة والله ما لبستها لحد ما نشوف حد يشتريلك انتي والعيال كل اللي تحتاجوه."
زينب بخجل: "كتر خيرك يا حاجة، معلش والله أنا طلعت من الوحدة على هنا حتى كتب العيال مجبتهاش..."
بكت وأكملت: "كنت بهرب من الموت يا حاجة، خوفت أرجع البيت أخد هدوم وحاجة المدرسة يعملوا فيا حاجة تاني."
احتضنتها إيمان برفق وقالت: "عين العقل يا حبيبتي... اهدي وصلي على النبي وكل حاجة هتتحل."
أبعدتها وأكملت بثقة: "الحاج هيرفعلك قضية طلاق وهيخلصك منه... بعد الصبر جبر يا عبيطة، وربنا مش بيخيب ظن حد لجأله... صلي وادعي إن ربنا يوعدك بقاضي ابن حلال يحكم لك من أول جلسة."
سافر أحمد وأبيه إلى المكان الذي يعمل فيه رفاقه حتى يتابع آخر التطورات، وبعد أن وجدوا الوضع يزداد سوءًا صرخ بهم عباس: "أنا صارف لحد دلوقت فوق الربع مليون جنييييه ولسه مفيش حاجة."
فؤاد: "كل حاجة على إيد ابنك يا حاج، إحنا مش مقصرين."
عوني: "أصعب مكان اشتغلنا فيه مش عارف ماله معصلج كده ليه."
أحمد بجدية: "سيبكم من الكلام ده كله وركزوا معايا."
انتبه الاثنان له فأكمل: "أنا نويت أعمل شغل لحسابي، معايا ولا عليا؟"
ارتعد فؤاد في داخله من هذا القرار المتهور وقال: "بس ده فيه خطورة عليك يا ريس... ليه تدخل نفسك في وجع قلب، ما إحنا اتعودنا نطلع الحاجة ونسلمها للجماعة وهما بيتصرفوا."
أحمد بطمع: "بياخدوها بربع تمنها ويبيعوها بملايين... أنا أولى بالفرق ده كله."
عوني: "شكلك لقيت مشتري."
أحمد: "أيوه لقيت واحد تقيل أوي يعرف الناس اللي بره هبعتلهم عن طريقه وهو ليه عمولة وبس."
أمسكت فاطمة هاتفها وطلبت رقمًا ما وحينما جاءها الرد قالت: "إزيك يا شيكة، عامل إيه يا واد؟"
شيكة: "تو ما افتكرتي إن ليكي أخ تسألي عليه يا واطية."
فاطمة: "لم نفسك يا زفت أنت... مش بيوصلك المعلوم كل شهر عايز إيه تاني؟"
شيكة: "بيوصلني يا أختي بس أمك قرفاني مش راضية تاخد مليم من اللي بتبعتيه."
فاطمة بغل: "خليها تموت من الجوع إدام عاملة فيها خضرة الشريفة."
شيكة: "أنتِ عارفة إنها من زمان كده، من أول ما عرفت إنك اتلميتي على خالتك وهي غضبت عليكي."
فاطمة: "آآآه مانا عارفة، دانا بحمد ربنا إن لما فريد اتقدملي مكنتش تعرف إنه تبعها وإلا مكنتش هتوافق أبداً."
شيكة: "هي ليه بتكره خالتي توحيدة كده ومش عايزانا نعرفها؟"
اهتزت بداخلها ولكن تمالكت حالها وقالت: "آآآ... وأنا عارفة يا أخويا... تلاقي غيرة عشان توحيدة ربنا مديها من وسع وأمك من يوم يومها وهي عايشة في الفقر."
شيكة: "مش عارف بس في سر كبير... أمك مش بتطيقها وبيركبها ميت عفريت لما حد يجيب سيرتها."
فاطمة: "كبري دماغك المهم... عايزاك في شغل مهم."
شيكة: "قولي."
فاطمة: "..."
عاد في وقت متأخر وهو يشعر بالإرهاق... فاليوم كان لديه الكثير من الأعمال... ما بين عمله في مصنع اللحوم... وما بين عمله الخاص بالمخابرات...
بعد أن ألقى السلام على عائلته المتجمعة في بهو السرايا، صعد سريعًا إلى صغيرته التي اشتاقها حد الجنون.
فتح الجناح بمفتاحه الخاص وقد أزال عن عينه تلك العدسات الحاجبة للرؤية حتى يمتع عينه بصغيرته الجميلة، ولكن... بمجرد أن أغلق الباب وقف متصنمًا مكانه... لا يقوى على الحراك... شُل جسده... نسي ثباته الانفعالي وهو يرى أمامه حورية من الجنة... هبطت من السماء لتسكن بيته... كما سكنت روحه من قبل.
وقفت قبالته بمظهرها البهي... فقد عملت بنصائح الفتيات لها وقررت أن تتخلص من خجلها وتحطم جميع الأسوار الواهية المشيدة داخلها وتحجبها عن نعيم حبيبها... حبيبها الذي فعل من أجلها الكثير... وكان لها حياة كاملة منذ صغرها.
ارتدت قميصًا شفافًا من اللون الأسود الذي أظهر بياض بشرتها الحليبية... تركت شعرها الحريري حرًا وجمعته على كتفها الأيمن... زينت وجهها البهي ببعض مساحيق التجميل البسيطة لعدم خبرتها في فعل ذلك... تعطرت بعطرٍ هادئ مثلها... أضاءت شموعًا فواحة أعطتها إياها هدى... جهزت بيدها طعامًا مصنوعًا بمقادير العشق الذي يملأ قلبها.
بمجرد أن سمعت صوت سيارته تقف بالأسفل تأكدت من هيئتها وهرولت سريعًا لتكون في استقباله.
طال انتظارها وهي تتابع عينه التي تأكلها وتجعلها تجزم أنه يراها... ولكنها لن تجرؤ على سؤاله... قررت كسر هذا الصمت المهيب وقالت برقة: "حمد الله على سلامتك... واقف مكانك ليه؟"
أعادته إلى صوابه بصوتها الدافئ فقال سريعًا ولكن رعشة صوته كادت أن توشي به: "آآآ... أصل شميت ريحة غريبة ومسمعتش صوت حواليا... وقفت أحاول أسمع أي صوت... ما أنتِ عارفة أنا بعتمد على حاسة السمع عشان أعرف اللي بيدور حواليه."
ابتسمت بعشق وقد صدقت حديثه كما اعتادت... تقدمت منه وأمسكت كفه برقة وهي تقول بفرحة: "أصل حاطة شمع فواح... وجهزتلك العشا بإيدي... وآآآآ..."
خجلت أن تصف له ما ترتديه فشعر بها وابتسم ثم قال بخبث: "وإيه يا حبيبي كملي... عشان خاطري."
عضت شفتها السفلى كي تتغلب على خجلها ثم قالت بهمس: "آآآ... وكمان لبست وكده... آآآ... عشان أستقبلك."
ضم خصرها بذراعه ثم رفعها للأعلى... ووضع يده خلف رأسها... ليهديها قبلة جامحة... عاشقة... ممتنة... فرحة... وراغبة حد الجنون.
ثم فصلها وقال: