تحميل رواية «جواد ودهب» PDF
بقلم فريدة الحلواني
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جواد التهامي: قبل أن يفقد بصره كان قلبه متحجرًا، ولكنه يمتلك بعضًا من اللين لمن يستحقه، ولكن بعد ما حدث معه انتزع قلبه من داخل صدره ووضع مكانه حجرًا لا يلين. رغم استحالة عودته لسابق عهده إلا أن الله أرسل له طاقة نور، فهل سيراها ببصيرته أم أنه سيظل أعمى البصر والبصيرة؟ سنرى. دهب المنصوري: بريئة حد النقاء، لا تعلم أي شيء عن العالم الخارجي إلا قليلًا فقط. قضت سنوات عمرها السبعة عشر داخل جدران منزل أبيها الذي شيده ليكون حصنًا لها من مهالك الحياة. ماذا سيحدث لها حينما تجبرها الحياة على الخروج منه؟ سن...
رواية جواد ودهب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فريدة الحلواني
عضت شفتها السفلية كي تتغلب على خجلها، ثم قالت بهمس:
"آآآ... وكمان لبست وكده... آآآ... عشان أستقبلك."
ضم خصرها بذراعه ثم رفعها للأعلى، ووضع يده خلف رأسها ليهديها قبلة جامحة عاشقة ممتنة، فرحة وراغبة حد الجنون. ثم فصلها وقال:
"قلبي بيقولي إن اللي بين أيديا أحلى بنوتة، وأجمل ست ممكن تشوفها عنيا لو كنت بشوف."
مرر يده على مفاتنها الظاهرة بسخاء وأكمل بصوت متهدج:
"أنتِ كل حاجة فيكِ حلوة يا دهبي، صوتك بس كفيل إنه يخليني عايز أفضل في حضنك أطول وقت."
ابتسمت بحب وقالت:
"ربنا يخليك ليا يا جوادي."
أعقبت قولها بطبع قبلة رقيقة فوق ثغره، ويدها تملس على الجزء الظاهر من عنقه.
أصابته حالة من الذهول، هذه ليست دهبة الخجولة، ما سر هذا التحول الكبير يا ترى؟ تحرك بها تجاه الأريكة ثم أجلسها فوق ساقه وقال وهو يملس فوق وجنتها برفق:
"هو في حد طلعلك انهارده يا ديبو؟"
ردت عليه بتلقائية:
"روان وهدى وجيجي، قعدوا معايا معظم الوقت."
جواد بخبث:
"و اتبسطتِ معاهم؟ أقصد يعني أخدتِ عليهم وكده ولا ضايقوكي؟"
دهب بتسرع:
"لا لا لا بالعكس، دول جمال خالص، هزروا معايا وضحكنا كتير. وبعدين قعدوا ينصحوني إني أقرب منك عشان الستات اللي هتموت عليك ما تقربش منك."
أكملت بغيظ يشوبه الغيرة:
"وكمان حكولي على الفرح اللي كان مليان ستات استغفر الله العظيم عريانة وهيموتوا عليك."
جواد بمهادنة:
"ياااه، دول حبوكِ أوي وحكولك عني كمان، وقالولك إيه تاني؟"
دهب:
"علموني إزاي أهتم بيك بس ما أنفخكش أوي عشان ما تتغرش عليا."
هنا ولم يتمالك حاله، إذ انطلقت ضحكاته الرجولية بصخب تحت ذهولها. كاد أن يلتهمها على براءتها التي تزيده عشقًا لها. غضبت منه وقالت:
"أنت بتضحك عليااااا؟"
ضمها بحنان وهو يحاول الهدوء ثم قال:
"يا حبيبتي أنا بضحك من فرحة قلبي بيكِ."
ابتعدت قليلًا وقالت:
"بجد؟"
قبلها بنهم ثم قال:
"جد الجد كمان."
ابتسم وأكمل:
"عشان كده عملتِ كل ده النهارده؟"
نظرت له وردت بصدق:
"الصراحة مش عشان كلامهم وبس."
أخذت نفسًا عميقًا وأكملت:
"كمان عشان أنا حابة كده، حابة أتعلم إزاي أبقى ست صح، حابة أكبر يا جواد، مش هعيش طول عمري طفلة مش فاهمة حاجة. عايزة أحافظ عليك وأكون أم شاطرة."
دمعت عيناها وأكملت بحزن:
"هعوض ولادي عن كل اللي اتحرمت منه، كل اللي احتجته من أمي وما لقتهوش هعوضه في ولادي."
ملست على ذقنه وأكملت بعشق خالص:
"هعلمهم يبقوا شبهك في كل حاجة، ياخدوا قوتك وشخصيتك وعنادك، بس الأهم إنهم ياخدوا حنيتك اللي ما شفتش زيها في حياتي."
ربت على وجنتها وقال برفق:
"هتبقي أجمل وأحن وأشطر أم في الدنيا، أنا واثق فيكِ يا دهبي."
ابتسمت بفرحة ثم تحركت من فوق ساقيه وأمسكت كفه لتساعده على الوقوف وهي تقول:
"طب يلا قوم معايا، أنا جهزتلك الحمام على ما تاخد دش أكون جهزت الأكل."
ابتسم بفرحة وقال بمزاح:
"اللهم صلِّ يا فرحة أمك بيك يا أبو الجود."
ضحكت بدلال وهي تسير معه إلى الداخل، وحينما وجدته يتواقح بيده فوق خلفها وقفت وقالت بغيظ:
"بطل قلة أدب بقى."
رد بمنتهى الهدوء:
"يا حبيبتي كان في ناموسة، خوفت تقرصك."
نظرت له بغيظ وقالت:
"ناااموسة؟ وشوفتها إزاي بقى؟"
اصطنع الحزن وقال:
"سمعت زنتها يا ديبو، ما شفتهاش."
خجلت من تسرعها ولم تجد ما تقوله، قررت إكمال الطريق ولكنها صرخت بذعر حينما صفعها بفجور فوق خلفها.
"آآآآه."
"كنت بموتها."
هكذا رد عليها ثم ضحك بصخب وهو يكمل طريقه دونها. وقفت تنظر في أثره بصدمة وهي تقول بهمس:
"هيهيجني بجد، والله هتجنن."
أنهى حمامه المنعش وحينما خرج لها وجدها تقف بجانب طاولة الطعام تنتظره. لمح ما تحتويه الطاولة المزينة بالورود الحمراء والشموع المضيئة فابتسم بفرحة ولكنه لم يظهرها حتى لا تشك في أمره.
جواد:
"أنا خلصت يا ديبو، فينك يا حبيبتي؟"
دهب:
"أنا جنبك أهو، يلا تعالى كل وقولي رأيك."
أمسك كفها وقبله بعشق ثم قال:
"كفاية إنه من إيدك عشان يطلع أجمل حاجة يا روحي."
جلس في مقعده على رأس الطاولة وجلست في المقعد الملاصق له كما وضعه مسبقًا، وبدأت في وضع الطعام في طبقه الخاص ثم جهزت طبقًا لها وقالت:
"عملتلك مكرونة بشاميل وستيك مشوي."
نظرت له بحنين وأكملت:
"أنا فاكرة إنك كنت بتحبهم أوي."
ابتسم وبدأ يأكل أول قطعة، أغمض عينه باستمتاع وقال بإعجاب حقيقي:
"اللللله، تسلم إيدك. عمري ما دوقت بشاميل بالجمال ده، والستيك تحفة."
طار قلبها فرحًا وقالت:
"بجد بالله عليك؟"
جواد بصدق:
"و غلاوتك عندي الأكل خرافة. ماما قبل كده قالتلي إنك بتعمليها حلو بس ما تخيلتش إنها بالطعامة دي كلها. لا وأحلى حاجة إنك مغرقاها موتزاريلا."
نظرت له بانتباه وقالت:
"جوااااد... هو أنت اللي كنت بتبعتلي تشكيلة الجبنات كل أول شهر صح؟"
مثل عدم الفهم وقال:
"جبنة إيه؟ مش فاهم."
دهب:
"جوااااااد!"
ضحك وقال:
"عرفتِ مفتاحي، قولي جواد بطريقتك دي وأنا هعترف على طول."
ابتسم بحزن طفيف وأكمل:
"ماما كانت جاية من عندكم زعلانة عشانك ولما سألتها إيه اللي حصل قالتلي: رُحت أزور توحيدة عشان عيانة لقيتها مبهدلة البنت يا حبة عيني."
جواد بغضب:
"ليييه؟"
إيمان:
"من ساعة ما قعدوها من المدرسة وهي بتحب تقف في المطبخ ونفسها الصراحة حلو في الأكل. حبت تعمل مكرونة بشاميل وعايزة جبنة موتزاريلا ترشها عالوش زي ما شافت في البرنامج. أمها المعفنة بهدلتها وقعدت تزعق وتقولها عيشي عيشة أهلك، أنتِ آخرك فلاحة، جبنة إيه، وكلام كتير كده. كسرت نفس البنت اللهي تنشك في قلبها."
"زعلت أوي بس ما كانش بإيدي حاجة أعملها غير إني أبعتلك كل اللي تحتجيه عن طريق ماما عشان تعملي كل اللي نفسك فيه."
دهب بعشق:
"ملاكي الحارس."
جواد باستغراب:
"إيييه؟"
اقتربت منه ولأول مرة تنحي خجلها تمامًا وتجلس فوق ساقه، حاوطت عنقه بيديها ثم ملست عليه وقالت بحروف تقطر عشقًا:
"أنت ملاكي الحارس يا جوادي. دايمًا كان قلبك حاسس بيّ وروحتك كانت محوطاني. حاجات كتير بدأت أفهمها بعد جوازنا، وعرفت إنك كنت السبب فيها."
جواد:
"زي إيه يا دهبي؟"
دهب بشقاوة:
"أممممم، زي العريس اللي كان متقدملي وتاني يوم اتحجز في المستشفى عشان عضمه متكسر، ولا التاني اللي برده سبحان الله ساب البلد كلها تاني يوم، و... آآآآه."
قطعت حديثها بصراخ بعدما جذبها من خصلاتها بجنون وهو يقول بغيرة حارقة:
"وأنتِ زعلانة إني كسرت عضمه ولا زعلانة على اللي طفشته من البلد هاااا؟ انطقي."
لأول مرة لا تخف منه بعد أن وجدت نيران الغيرة تنطلق من عيناه التي تلبدت بالغيوم بعد أن كانت سماء صافية، وبرغم ألمها ضحكت وقالت بمزاح:
"آآآآي... براحة يا وحش مش كده. أنا بحكيلك بس عمري ما شفتهم والله."
اغتاظ أكثر من مزاحها فترك خصلاتها وقام من مقعده ثم حملها بهمجية فوق كتفه وهرول تجاه غرفته وهو يقول:
"أنا هوريكِ الوحش هيعمل إيه."
صرخت بصخب وهي تقول لإغاظته:
"أنت طلعت نوتي زي الدكتورة، نزلني يا جوااااد."
بالفعل استمع لها وأنزلها، ولكن... كيف فعلها هذا المختل؟ بمجرد أن دلف بها جناحه أنزلها ولكن لم يفلتها من بين ذراعيه. قام بقطع ثيابها فصرخت بذعر حقيقي، ولكنه لم يهتم وقال:
"مش أنتِ اللي صحيتِ الوحش؟ استحملي يا قلب الوحش."
أعقب قوله برفعها ليواجه وجهها بخاصته والتهم شفتيها بقبلة دامية، جامحة، متطلبة، أفرغ فيها ناره الملتهبة. حاولت أن تبعده عنها بعدما تألمت ولكنه... زاد جموحًا وتحرك بها تجاه الفراش الذي ألقاها عليه ثم فصلها وقال بجنون:
"ما تجيبيش سيرة حد غيري."
اعتصر مقدمتها بيديه وأكمل:
"أنتِ بتاعتي أنا وبس."
خافت حقًا، نظرت له وهي تحاول ألا تبكي وقالت:
"جواااد ما تخوفنيش منك، أنا كنت بهزر."
اهتز خافقه بعد تلك الكلمات فمال عليها وتمدد فوقها. قال من بين أنفاسه اللاهثة:
"أنا بموووت من الغيرة عليكِ، نار بتحرق قلبي يا دهبي، بلااااش... بلاش غيرتي عشان نارها ما تحرقكيش."
مدت يدها تملس على وجهه برفق وقالت بتعقل:
"يا حبيبي أنا ما أعرفش غيرك، ومش عايزة أعرف غيرك. حتى اللي كنت بحكيلك عنهم أنا عمري ما شفتهم، ولا حتى أعرف أساميهم."
قاطعها بغيرة طفولية:
"وأنتِ عايزة تعرفي أساميهم ليه؟"
ابتسمت بقلة حيلة وقالت:
"ومين قال بس إني عايزة أعرفهم؟ أنا بوضحلك مش أكتر يا حبيبي."
نظر لها بفرحة عاشق وقال:
"يعني أنا حبيبك بجد يا دهبي؟"
ردت عليه بحروف تقطر عشقًا:
"حبيبي وقلبي وروحي وكل ما ليّ."
هل يبحث عن أحرف تناسب هذا الحديث الذي جعل قلبه يتضخم؟ لا... لن ولم يجد. فليمزق قاموس اللغة ويصبح أبكم. فليترك جسده يحاول إخراج مشاعره الملتهبة. بمنتهى الهدوء الجامح، مال عليها يوزع قبلات رطبة فوق سائر وجهها، وبمنتهى الشغف، التقم شفتها السفلية يمتصها وكأنها إكسير الحياة. وحينما وجدها تحاول لمس جسده بيدها الصغيرة بما أنها لن تستطع مجاراة قبلته التي أصبحت أكثر شراسة وهو يبادل بين شفتها السفلية والعليا ولسانه لم يترك أنشًا داخل ثغرها لم يتذوقه، حتى أنه سحب لسانها يمتصه بجنون وكأنه إكسير الحياة.
إكسير الخلود، هذا ما شعر به وهو يلامس شبقها السائل بين فخذيها حينما داعب أنوثتها. هل يترك قطرة منه تذهب هباء؟ لا. هبط بقبلاته إلى عنقها الذي تحول إلى بقع حمراء، ثم وصل إلى طعامه المفضل، مقدمتها المستديرتان باكتمال. اعتصر أحدهما والآخر... أممممم... حرفيًا، أكله أكلًا، بل افترسه حتى شعرت أن حلمتها ستقطع بين أسنانه. والمليحة أصبحت أكثر تطلبًا وإظهارًا لمشاعرها، فقد ملأت تأوهاتها الغرفة وجسدها الذي يفرك أسفله أثار جنونه.
أخذ يمتص جلد بطنها إلى أن وصل إلى مبتغاه. وزع على مقدمة أسفلها قبلات محمومة، ثم ارتفع بجسده وأمسك ساقيها ليباعد بينهما وينظر لما بينهما بشهوة عارمة. نظر لباقي جسدها إلى أن رآها تعض شفتها السفلية برغبة. ابتسم ومد يده يداعبها بتمهل جعلها تجن فصرخت به:
"جوااااااد!"
رد بصوت يملأه الرغبة:
"قلب جواد... مالك يا دهبي؟"
أصبحت لمساته أكثر فجورًا وهو يعلم جيدًا ما يفعله وأكمل:
"... مااااالك؟"
أغلقت ساقيها على يده العابثة بقوة وقالت بتأوه:
"آآآه... مش... عارفة... بس وجعتني."
قرص بظرها وقال:
"اسمها... هيجتني... اسمها..."
"عيزااااك!"
صرخت بجنون:
"عيزااااك... آآآه... جوااا... آآآه..."
هكذا صرخت بشهوة تملكت منها حينما أبدل يده بفمه الذي امتص شفتيها بجوع، ليسحب كل قطرة تسيل منها وكأنها عسلًا مصفى. أدخل لسانه في فتحتها ليضاجعها به ويده تعتصر أي مكان تصل له... حتى...
رفعها ليدخل يده تحت خلفها ويداعبها بيده لتزداد جنونًا. لا يعلم كم مضى من الوقت وهو يلتهمها بفجور، ولا كم مرة أسالت شهدها داخل فمه، ولكن وحشه الذي على وشك الانفجار يطالبه بالرحمة. ارتفع عنها بهمجية وقرر أن يخرج وحشه حقًا من داخله. حرك جسدها ليضع رأسها ناحية ظهر الفراش بعد أن كانت تنام بطريقة عرضية ثم قبلها وقال:
"أحلى حاجة إنك جبتي السرير فورفورجيه (نوع من السرير النحاس أو الحديد ظهره عبارة عن أعمدة)."
نظرت له بعدم فهم فقام بقضم ثغرها بأكمله بين أسنانه ثم اعتدل متجهًا إلى غرفة الثياب وهو يقول بتعجل:
"هتفهمي دلوقت، ثواني."
هي لم تسأله وهو لم ينتبه ولكن لا بأس.
عاد إليها وبيده حزامان من الجلد، أثار دهشتها فقالت:
"أنت جايب دول ليه؟"
صعد فوق الفراش ليحاوطها بركبتيه وهو يقول بتهدج:
"عايز أنام معاكِ بطريقتي يا دهبي."
ملس على أسفلها وأكمل برجاء:
"ممكن... تسمحي لي؟"
ابتسمت له وقالت:
"حبيبي براحتك."
وفقط، أمسك يدها وربط طرف الحزام بها ثم ربطه في أحد أعمدة الفراش وفعل ذلك في الأخرى تحت ذهولها. نظر لكل أنشٍ فيها وهي ممددة بتلك الطريقة التي تثيره، ودهشتها وبراءتها مع جهلها، جعله أكثر رغبة فيها.
وزع قبلاته الرطبة بتمهل جامح، من أول مقدمة رأسها إلى أن وصل أسفلها. وبعد أن أثارها بمنتهى الهمجية، رفع ساقيها فوق كتفه واخترقها بقوة، بشغف، بشهوة تملكت من كل خلاياه. أغمض عينه باستمتاع وهو ثابت داخلها، ولكن أطربه تأوهها العالي. بدأ يتحرك ببطء ويراقب انفعالاتها، وحينما وجدها اهتاجت وبدأت تتلوى محاولة فك يديها، أسرع ووجه بها وقام بقرص ساقيها بقوة فـ...
"آآآآه!"
ثم صرخت بشهوة وهي تنطق اسمه وكأنه مفتاح الخلاص.
"آآآآخ!"
هكذا زمجر بصوت مرعب مهتاج، وأصبحت حركاته داخلها أكثر عنفًا وجنونًا وهو يباعد بين ساقيها. ترك واحدة ومد يده يقرص حلمتها حتى أصبح جسدها يتحرك بجنون إلى أن أتت رعشتها للمرة التي لا تعرف عددها وشعرت بالتعب حقًا. قرر أن يرحمها مؤقتًا فقط، ويطلق حممه داخلها، حتى ترتاح قليلًا وبعدها يكمل ما يريده بشكل أكثر صخبًا.
حل وثاقها وأخذ يقبل مكانه بحب وهو يسألها باهتمام بعد أن فاق قليلًا من جنونه:
"وجعتك؟"
ردت بصوت لاهث:
"لاااا."
أخذها بين ذراعيه وتمدد جنبها ودون إرادة منه يجد فمه ما زال يوزع قبلاته على وجهها ويقول:
"بحبك يا دهبي، بعشقك. عايز أفضل كده، مش قادر أبعد عنك ونفسي في حاجات كتير حلمت إني أعملها معاكِ بس خايف تزعلي أو تضيقي مني."
قبلته برقة ثم قالت:
"أنا عمري ما أزعل منك، بالعكس أنا فرحانة إنك حابب تعمل معايا كده، وعايزة أتعلم منك كل اللي يرضيك زي ما أنت بترضيني."
ابتسم بفرحة وقال:
"طب تعالي ناخد دش وناكل وبعدها أعلمك."
أنهى حمامه الكارثي معها والذي كان مليئًا بالوقاحة والتحرش، والكثير من المشاعر الصادقة، وبعدها صمم أن يظلا عاريان. جلس على مقعده أمام الطاولة وحينما أرادت الجلوس على مقعدها سحبها وأجلسها فوق ساقه، ولكن كيف... جعل ظهرها مقابل صدره وسحب إحدى ساقيها ووضعها بجانب ركبته وفعل بالمثل في الأخرى تحت ذهولها فقالت بغيظ مازح:
"بذمتك دي قاعدة حد يقعدها؟"
ضحك وقال:
"اثبتي أنتِ بس عشان أركز."
دهب:
"تركز في إيه؟"
جواد ببراءة:
"في الأكل."
انصاعت له، قام بإمساك الشوكة وملأها طعام ثم وضعها داخل فمها وحينما أرادت أن تفعل المثل أمسك يدها ثم وضعها فوق وحشه التي بدأت تنتصب وقال بتهدج:
"اهتمِّي بده وأنا ههتم بالأكل."
عن طعام يتحدث ذلك المختل؟ ذلك الوضع كفيل أن يجعلها تفقد صوابها وتثار حد الجنون. أغمضت عيناها بوله وبدأت تحرك يدها برفق فوق وحشه. يده ارتعشت من شدة الإثارة. لم يستطع إكمال إطعامها بعد أن ناولها بعض اللقيمات، ترك ما بيده وأمسك مقدمتها يضغط عليهم بجنون، وما كان منها إلا أن تسرع حركة يدها دون إرادة منها. أمالت رأسها للجانب حتى تعطيه الفرصة ليلتهم عنقها وشحمة أذنها بفجور.
صوت تأوهاتهم أصبح يملأ المكان حتى فقد السيطرة على حاله. جذبها من خصلاتها بعنف حتى يستطيع التهام ثغرها بجموح وهو يحرك جسدها من فوقه حتى يجلسها أرضًا أمامه. وقتها فصل قبلته الدامية وقال بصوت مرعب:
"موووووصليه."
لم يمهلها الفرصة للفهم، بل أمسك رأسها وحشر وحشه داخل فمها وبدأ يحرك رأسه بقوة وهي تحاول مجاراته.
نظر فوق الطاولة المليئة بالطعام والمقبلات، وجد ضالته. أبعدها عن وحشه وهو يقول:
"نامي عالأرض يا دهبي يلااااا."
تمددت فوق الأرض بطاعة، أمسك زجاجة الكاتشب وجلس على ركبتيه بين ساقيها ثم سكبها على سائر جسدها. ضاجعها بعينيه. أمسك وحشه بيده ليداعب أسفلها أولًا حتى تأوهت باسمه وسال شبقها. مال عليها يأكل جسدها المليء بهذا اللون الأحمر، ولم يشعر بأسنانه التي غرست في لحمها، والجميلة أصبحت تتأوه بعهر جديد عليها وتطالب بالمزيد.
"آآآآه... جوااااااد..."
أين جواد؟ جوادنا يأكل طعامه المفضل.
بعد أن انتهى من كل نقطة فوقها قام بلف جسدها حتى تمددت على بطنها. نظر لها بشهوة ثم صفع خلفها بهياج وهو يقول:
"آآآآخ... مش قاااادر... كل حاجة فيكِ كاملة."
أعقب قوله بوضع وحشه بين فلقتيها وحركه بفجور حتى سمع استغاثتها:
"جوااااد... ارحمني."
هنا تمدد فوقها وباعد بين ساقيها ثم قام بولوجها بعنف جعلها تصرخ ألمًا فقال بجنون:
"آآآهدي... حبيبتي... بحبك... مش هقدر... أعمل بالراحة... جسمي قايد نار... مش هيطفيها غير صوت جسمي وهو بيهبد في جسمك... أنا..."
آه... آه... لم تستطع إكمال جملة واحدة وهو يلج بها بسرعة جعلتها تكاد تختنق من شدة لهثها وهيجانها الذي أصبح جليًا له حينما حاولت فرك جسدها أسفله لتأتي بخلاصها.
كلما ارتعش جسدها أسفله جعله يزيد من سرعته وعنفه، ويده التي لفها حولها تنهش مقدمتها نهشًا، حتى سمعت صوت زمجرة قوية تصاحبها قضم ظهره بأسنانه. وقتها فقط شعرت بحممه تحرق أحشائها حينما انطلقت من وحشه داخلها.
ها قد قرر أن يكبح جنونه قليلًا بعد أن أرهقها طوال الليل. لم يشبع منها، ولم تعارضه، بل جعلها متطلبة مثله، أو تحاول مجابهته.
أجلسها داخل أحضانه وفي يده هاتف جديد قد جلبه لها مع عدة أشياء، ولكنه حينما دلف جناحه ووجدها بهيئتها المهلكة ترك الحقائب من يده ونسي أمرها تمامًا.
فرحت كثيرًا بهذا الهاتف وقالت:
"أنا مش قادرة أوصفلك فرحتي قد إيه، ربنا يخليك ليا يا حبيبي."
ملس على شعرها وقال:
"قلب حبيبك إنتي يا ديبو. المهم أنا سجلتلك رقمي وهتلاقي فيه يوتيوب تقدري تتفرجي على اللي إنتي عايزاه فيه. وبس."
دهب:
"يعني ما فيهوش حاجة تانية؟"
جواد بغيرة:
"وإنتِ عايزة حاجة تانية في إيه؟"
دهب:
"أقصد ألعاب يعني أتسلى فيها."
صمتت للحظة وأكملت بتذكر:
"أومال بقية الشنط دي فيها إيه؟"
ابتسم باتساع وقال:
"ده لبس ليكي."
انتفضت من فوقه وقالت بفرحة:
"بجد؟"
هرولت سريعًا لتجلب الحقائب، ولكنها حقًا تصنمت مكانها حينما أخرجت أول قطعة منها ووجدتها عبارة عن ثياب عاهرات، هذا أقل وصف لها.
فكانت عبارة عن جورب من الشبك يصل إلى آخر ساقيها وآخره مشبك يصله بلباس تحتي عبارة عن ثلاث حبال ويخرج منه عدة أشرطة
رواية جواد ودهب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم فريدة الحلواني
انقضى أسبوعٌ هادئٌ هدوءَ الأسد الذي ينتظر الانقضاض على فريسته.
عاش جوادنا مع دهب في جنةٍ كان يتمنى دخولها، ولكنه كان يشعر بالقلق من حدوث حمل برغم طمأنة الطبيبة له.
قرر أن يقطع الشك باليقين، فقام بالاتصال بها وهو يجلس وحده داخل مكتبه، وحينما جاءه ردها قال:
"بقولك يا يسرا، الإبرة اللي أدتيها لدهب دي عشان تمنع الحمل مضمونة ولا هتتعلقي؟"
ضحكت بغيظ وقالت:
"يعني مفيش سلامو عليكم وعدتها اتعودت، إنما الدبش اللي بترميه ده هيجلطني."
جواد:
"اخلصي يا بت مش فاضيلك."
يسرا:
"يااا بت، طب بلاش تراعي إني دكتورة وليا وضعي، اعمل حساب لفرق السن اللي بينا."
سمعت زفرة حانقة فأكملت:
"خلاص، اطمني الحقنة مضمونة، هتأجل الحمل ست شهور، ولو حابب تكمل يبقى تجيبهالي بعد المدة ما تخلص."
صمتت لحظة وقالت:
"أنت بتسأل ليه؟"
جواد بوقاحة:
"بطمن عشان آخد راحتي وكده."
يسرا بجنون:
"والله ما شفت ربع ساعة تربية، قال يعني هيفرق معاك، البت عصفورة يا واد، راعي فرق الأحجام وخف عليها شوية، مش قدك هي ههههههه."
وهي كانت غاية في السعادة، تنعم بكل مظاهر الدلال والرغد، ولكن داخل قفصٍ من ذهب.
أما العقربتان فقد باءت كل محاولاتهما لوضع هذا الدواء مرة أخرى لتلك الغافلة بالفشل الذريع، وقد تأكد جواد هو والدكتورة يسرا من أن ما دخل جسدها هي المادة التي كانا يشكان بها.
وها نحن اليوم نجد تلك الحرباء تضع خطة محكمة لتجعلها تتناوله، فقد نفذ الوقت منها ولا يوجد أمامها إلا اليوم، هو آخر فرصة وإلا كل شيء خططت له سينهار ويذهب أدراج الرياح.
بعد أن خرج محمد المنصوري لعمله صباحًا، أمسكت هاتفها وقامت بالاتصال على أحمد، وحينما رد عليها قالت بغضب ولكن بصوتٍ خفيض نظرًا لوقوفها في منتصف الحديقة:
"عارف لو فشلت النهاردة إني أحطلها الدوا هتبقى أنت السبب، وأتحمل عقاب الجماعة ليك بعد ما أشيل إيدي منك."
رد عليها بغضب وهو يقود سيارته:
"وأنا ذنبي إيه، أنتي عايزة تلبسيني مصيبة وخلااااص."
توحيدة:
"لو كنت سمعت كلامي وعملت فرحك من يومين كنا هنقدر ندهولها في الزحمة وخلصنا ومحدش كان هيحس بينا."
أحمد:
"طب ما أنا حاولت بس عمي مرضاش، قالي مش فاضيين، وكمان أنتي متخيلة إنه هيخليها تحضر هاااوو، ده مش بينزلها من الجناح، حتى البنات خفت رجلها من فوق عشان مش بيحب حد يدخل عنده كتير."
توحيدة باستفهام:
"أمال مين بيقعد معاها؟"
أحمد:
"حبيبة بنته ساعات تقعد معاها وساعات تنزل تلعب مع العيال."
توحيدة بخبث:
"حلو أوي، يبقى دي فرصتي الوحيدة النهاردة، اسمعني كويس ونفذ اللي هقولك عليه."
جلست داخل جناحها حزينة بسبب شعورها بالملل، دلفت لها حبيبة والتي ارتبطت بها وأحبتها كثيرًا وقالت بمزاح طفولي:
"هنلعب إيه يا دودو النهاردة، أقولك نلعب بابجي عشان بغلبك فيها."
ابتسمت لها وقالت بلطف:
"هتزعلي لو قولتلك مش قادرة ألعب النهاردة؟"
اقتربت منها الطفلة وقالت:
"مالك يا دودو؟"
نظرت بشر وأكملت:
"أوعي يكون جواد زعلك."
ضحكت معها وقالت:
"لا مش مزعلني، بس زهقت من القعدة لوحدي."
حبيبة:
"تعالي ننزل الجنينة."
زفرت بهم وقالت:
"مش بيرضى ينزلني يا بيبو."
حبيبة بغيظ:
"أنا هعرف أتصرف معاه، يعني إيه ده بقي؟"
ضحكت دهب بقوة وقالت:
"لحقتي تتعلميها مني، إيه ده بقي ده؟ هههههههه."
ضحكت معها الطفلة وحاولت إلهائها فقالت:
"طب بلاش نلعب، اعمليلي شعري ضفيرات كتير زي من زمان."
ضحكت بصخب على لطافتها وقالت:
"اسمها ضفاير مش ضفيرات، واسمها من يومين مش من زمان."
لوحت الطفلة بيدها علامة الملل وقالت:
"مش هتفرق كتير، المهم إنك فاهمة."
تفاجأت إيمان وزينب بدخول توحيدة عليهما، والغريب أنها لم تبدِ أي ردة فعل لوجود أختها، بل ألقت السلام بطيبة وجلست على أحد المقاعد وهي تقول بحزن:
"مع إني زعلانة من يوم اللي حصل في المستشفى بس قلبي أكلني على بنتي، قولت أجي أبص عليها، ينفع ولا ممنوع يا حاجة؟"
إيمان بوجل:
"وإيه اللي هيمنع أم من بنتها يا توحة، بس جواد مش بينزلها هنا، استني أتصل بيه."
انتفضت من مجلسها وقالت بتعجل:
"لا لا مفيش داعي، أنا هطلع أطمن عليها وأمشي على طول، بعد إذنك."
أعقبت قولها بالتحرك سريعًا تجاه الدرج حتى تضعهم أمام الأمر الواقع ولا يمنعها أحد.
نظرت إيمان في أثرها بذهول، أما زينب فقالت بقلق:
"توحيدة وراها حاجة كبيرة، معقول تيجي لحد هنا وتشوفني وتسكت كده، ربنا يستر ما تكونش ناويه تنكد على البنت الغلبانة."
إيمان بحيرة:
"والله ما عارفة أعمل إيه، خايفة أتصل بجواد وأقوله يعمل مشكلة، وخايفة أسكت يجي يبهدلنا عشان ما بلغناش."
زينب:
"مش عارفة، أنتي أدرى بابنك، بس أنا من رأيي ترني عليه تعرفيه."
أمسكت هاتفها وطلبت رقم ولدها وهي تقول:
"صح عندك حق."
أنزلت الهاتف من على أذنها وقالت:
"مشغول معاه مكالمة."
زينب:
"اصبري شوية وجربي تاني."
في تلك الأثناء كان محمود يخرج هاتفه من جيبه ويتصل بعمه، وحينما أتاه الرد قال سريعًا وبهَمْس:
"عمو، مامت طنط دهب هنا."
انتفض جواد من مجلسه وقال بوجل:
"جاءت امتى؟"
محمود:
"لسه حالًا، أنا شايفها بتسلم عليهم واتصلت بيك أول ما دخلت على طول زي ما اتفقت معايا."
جواد بتعجل:
"برافو عليك يا حبيب عمك، اسمعني كويس، عينك على حبيبة، دي أمانة في رقبتك، أنت هتحميها طول ما أنا مش موجود."
محمود برجولة:
"ما بسيبها غير لو طلعت عند طنط ومفهمها تتصل بيا قبل ما تنزل من عندها."
جواد:
"جدع يا ابن قلبي، اقفل وهكلمك تاني وركز في كل حاجة حواليك، سلام."
أغلق معه واتصل بهدى، وحينما ردت عليه قال وهو يتحرك من مكتبه يتجه للخارج:
"عزززت، ابعتلي فارس بسرررعة، أيوه يا هدى الحرباية فين؟"
هدى بذهول:
"وأنت عرفت منين؟"
جواد بجنون:
"أااااخلصي!"
انتفضت زعرًا وقالت:
"هي لسه داخلة يا دوب سلمت على ماما و... ثواني... شكلها طلعت لدهب مش شيفاها أصل أنا في المطبخ."
صرخ بها:
"اطلعي بسرعة وما تسيبيهاش معاها مهما حصل."
تحركت نحو الدرج وهي تقول بخوف:
"في إيه يا..."
دخل فارس لأخيه وهو يقول:
"في إيه؟"
جواد بتعجل:
"تعالى روحني البيت."
لم يعطه الفرصة ليسأل وتحرك للخارج وأكمل حديثه مع هدى التي قطعت كلامها حينما سمعت صوت زوجها وقال:
"طلعتي؟"
هدى:
"أنا أهو في آخر السلم، بس يا جواد أنا الصراحة مكسوفة، أكيد الست عايزة تقعد مع بنتها."
صرخ بها وهو يصعد داخل السيارة:
"اسمممعي اللي بقولك عليه، مفيش وقت بسرررررعة!"
هدى بوجل:
"حاضر أنا قدام الباب، اقفل؟"
جواد:
"لا خلي الفون مفتوح بس اقفلي الشاشة."
نفذت ما قاله وطرقت فوق الباب.
بالداخل بعد أن مثلت توحيدة الحب على تلك البلهاء، والأخرى رحبت بها بحفاوة، طلبت منها أن تصنع لهم عصيرًا طازجًا كي يحتسوه سويًا، وبينما كانت دهب في الداخل سمعت توحيدة طرق الباب فقالت بغضب مكتوم وهي تتوجه لفتحه:
"ده مين الرزل اللي جاي دلوقتي، أنا ما صدقت مشيت البت الصغيرة."
وجدت هدى قبالتها تبتسم لها باتساع وتقبلها من وجنتيها وهي تقول بترحيب شديد:
"أهلًا أهلًا يا طنط إيه الغيبة دي كلها، والله ماما لسه قايلا لي إنك هنا، قولت أطلع أسلم عليكي."
أنهت قولها بالجلوس على أحد المقاعد تحت نظرات توحيدة الحارقة والتي ردت عليها بتبجح:
"أااه أهلًا يا حبيبتي، كنت أكيد هسلم عليكي وأنا نازلة، بس حبيت أقعد مع بنتي شوية على انفراد، من يوم جوازها وأنا مش عارفة أتلم عليها."
احمر وجه هدى خجلًا بينما سبها جواد بأفظع الألفاظ بعدما فهم ما تريد، وأخذ يتضرع ألا تتركهم هدى بعد هذا الحديث الخبيث.
خرجت لهم دهب وهي تحمل صينية موضوع عليها ثلاثة أكواب من عصير المانجو وتقول بحب:
"سمعت صوتك وأنا في المطبخ، قولت أعمل حسابك معانا مع إني زعلانة منك."
كادت أن ترد عليها إلا أن توحيدة قاطعتها قائلة بغضب:
"هو ده وقت عتاب لسلفتك، هو أمك ما وحشتكيش وعايزة تقعدي معاها، ما أنتم كل يوم مع بعض."
هنا وقع قلب جواد ظنًا منه أن هدى ستغادر فورًا وقد قارب على الوصول فصرخ بأخيه:
"سررررع أكتررررر!"
ولكن تلك الفطنة فهمت أن في الأمر شيئًا خاطئًا، طلب جواد صعودها لهم سريعًا، تصميم تلك الحرباء على الانفراد بتلك البريئة، إذا فلتتحملي قليلًا وبعدها سيظهر كل شيء.
هكذا فكرت هدى بحكمة قبل أن تتصنع المزاح وهي تقول:
"ههههه كده برضه يا طنط، طب والله إحنا كمان مش بنشوفها، جواد قافل عليها من بعد ما نزل شغله."
توحيدة بغل:
"ليييه هو أخدها يحبسها، لو مش واثق فيها أكمن البيت كله رجالة، آخد بنتي في بيتي ولما يبقى يثق فيها ولا حتى يجبلها بيت لوحدها يبقى ياخدها، يلا يا بت غيري هدومك وتعالي معايا."
نظرت الاثنتان لها بذهول، ولكن كانت الطامة الكبرى هو دخول جواد عليهم بعد أن سمع آخر حديث لها فقال بغضب:
"تيجي معاكي فين، هي مش في عصمة راجل ولا إيه، أنتي جاية تزوري بتك ولا تخربي عليهاااااا؟"
تصاعد الغضب داخلها بعد فشلها فيما أتت من أجله فهي قد كانت تعتقد أنها تستطيع وضع تلك المادة السامة لابنتها حينما تختلي بها، ستقوم بإلهائها أو طلب شيئًا ما منها ووقتها تضعه لها ولكن تلك الخبيثة هدى أفسدت الأمر الذي كان قاب قوسين أو أدنى من تنفيذه.
واكتمل الفشل بمجيء هذا المتبجح.
إذًا لا يوجد غير الهجوم وأخذها معها بأي طريقة.
توحيدة بصراخ غاضب:
"أيوه هخرب عليها، بنتي تقعد معايا في بيت أبوها مطلقة أحسن ما تعيش مع واحد شكاك ومش بيثق فيها، حابسها بين أربع حيطان، أااايه خايف من أخوك ولا ولاد عمك هاااااا؟"
نظرت لتلك الباكية المتشبثة في ذراعه بخوف وأكملت:
"لو ما جتيش معايا حالًا لا أنتي بنتي ولا أعرفك ساااااامعة!"
كان يقف واضعًا يده في جيبه ببرود ظاهري، تركها تصرخ، تهدد، تفعل ما تريد، وكأنه أمام رقعة شطرنج، يترك خصمه يأكل منه ما يريد، وفي لحظة يحرك قطعته الرابحة ويقول:
"كش ملك!"
ساد الصمت قليلًا والكل تجمع على هذا الصراخ، لم يجرؤ أحد على التدخل، يقفون بتحفز في انتظار ردة فعله.
وهو، دون أن يحيد نظره عنها ولكن بحذر حتى لا تكتشف أمره، أخرج يده من جيبه ثم وضعها فوق يد صغيرته المحتمية به وهو يقول:
"ماما، خدي دهب عندك، في أوضتك، لحد ما أتكلم كلمتين مع حماتي على انفراد."
كادت أن تصرخ فنظر تجاهها بحِدَّة وقال بهدوء أخافها:
"كلمتين، وبس، وبعدها هعملك اللي يريحك، ويريحني، اتفضلوا يلا مش عايز حد هنا."
تحركت النساء جميعًا للخارج، ولكن دهب نظرت له نظرة مستغيثة ألا يستمع لتلك الأم البشعة ويتركها لها. وكأنه سيراها، لم يطاوعه قلبه أن يتركها خائفة بل قال:
"تعالي يا دهب."
اقتربت لتقف قبالته، كوب وجهها ثم طبع قبلة حانية فوق جبينها وقال بهمس حانٍ، واثق، ثابت:
"ما تخافيش."
و فقط، أغمضت عيناها للحظة باطمئنان ثم تحركت مع أمه وأغلقت الباب خلفها.
حل الصمت المريب ولم نسمع إلا صوت أنفاس تلك الحية الغاضبة.
شد جسده بتحفز وقال:
"هاتي مالآخر وقولي بتعملي ده كله ليه؟"
توحيدة بغل:
"أنا عايزة بنتي، مالآخر أنا مش راضية عن الجوازة دي من الأول بس قولت يمكن تعوضها عن اللي أبوها بيعمله معاها."
و حبستها اللي كانت فيها... بس أنت طلعت أسوأ منه، يبقى حبسه بحبسه، تقعد معايا أحسن.
"هايل يا فنانة..." هكذا قال داخله باستهزاء قبل أن يرد عليها بهدوء:
"دهب مراتي ومفيش قوة في الأرض هتقدر تاخدها مني..."
صمت للحظة ثم ألقى قنبلته بمنتهى الخبث:
"زي ما أنتِ حاربتي وعملتي المستحيل قبل الممكن عشان توصلي لحبيبك ويبقى ملكك، أنا كمان هعمل كده... ولا إيه رأيك؟"
نظرت له بصدمة وعقلها يعمل في جميع الاتجاهات. أيعلم شيئًا عنها؟ أم أن عبيد قص له ما حدث قديمًا؟ قطعت الشك باليقين حينما سألته بوجل:
"تقصد إيه بكلامك ده؟"
هنا... نقف له تحية وإجلالًا لعقله الخبيث الذي قرر أن يكشف لها جزءًا من قذارتها... دون أن يجعلها تعلم أنه يبحث عن ماضيها المخجل، بل إنها موضوعة تحت مجهره.
جواد:
"يعني باختصار أنا بحب دهب وعملت كتير عشانها... وصلتلها ومش هسيبها... وأنتِ عملتي كتير عشان محمد ووصلتيلو..."
صمت للحظة ليثير أعصابها ثم أكمل بتمهل حارق:
"ولما حسيتي إنه ممكن يضيع منك... قتلتي."
شهقت بزعر وكادت أن تفقد وعيها من هول الصدمة، من أين علم بذلك الحديث؟ إذًا ماذا تعلم عني أيضًا أيها الجواد؟ صرخت به بجنون:
"أنت اتجننت، وصلت بيك الحقارة إنك تتهميني بجريمة عشان بس عايزة أحافظ على بنتي!"
ضحك بصخب غاضب ثم قاطعها فجأة وقال:
"صباح... فاكراها ولا الزمن نساكي يا... حماتي؟"
جحظت عيناها بصدمة وقالت بتلجلج:
"آآآ... صباح مين؟"
جلس على المقعد ثم وضع ساقًا فوق الأخرى وهو يشعل سيجارة ليحرق أعصابها معها وقال:
"اقعدي عشان تسمعيني كويس وأجيبلك مالآخر عشان نخلص."
جلست بهم وداخلها يغلي كالمرجل، من أين عرف تلك الصباح؟ نعم هي تذكر أنه هددها بها قبلًا ولكن... عقلها ذهب في اتجاه آخر غير الذي ستسمعه الآن، وسيقلب حياتها رأسًا على عقب.
نفث دخانًا كثيفًا من فمه ثم قال:
"بعد ما اتبليتي عليا زمان عشان أبعد عنها... بعدت، وقولت حقها، خايفة على بنتها مني عشان أكبر منها وكده... ومن غير ما أحكيلك أنا اتعذبت قد إيه عشان أقدر أبعد وأحافظ عليها... كنت قاعد في مكتبي قبل الحادثة بيوم... لقيت واحدة داخلة عليا معرفهاش... المهم... قالتلي اللي عمري ما تخيلت إني أسمعه... زمان سمعت طراطيش كلام في البلد عن حقارة محمد المنصوري اللي كان على علاقة بزينب أختك، وبعد ما عشمها خلى بيها واتجوزك أنتِ... مهتمتش أوي... بعد ما صباح عرفتني هي مين اتأكدت إن الموضوع فيه حاجة غلط، واللي تعمل كده... يبقى أكيد زمان عملت اللي أوسخ منه."
أخذ نفسًا آخر من سيجارته وأكمل:
"قالتلي إزاي ضحكتي عليها واستغليتي فقرها وحوجتها، وإنها مجرد بنت يتيمة اتبهدلت في الميتم اللي عايشة فيه عشان تجوزيها لجوزك... حبستيها في بيتك... مخلتيهوش يقرب منها غير وقت التبويض اللي أصلًا كنتِ مخليا دكتور فخري يديها منشطات عشان تضمني حملها من أول شهر."
"مراعيتيش إنها عيلة عندها خمستاشر سنة؟... مفكرتيش في الضرر اللي ممكن يحصل ليها وهي مريضة قلب؟... كل اللي همك إنها تخلف وتاخدي ابنها تنسبيه ليكي وبس."
"قولتي إنك حامل ومنعتي أي حد يجيلك البيت عشان الغلبانة اللي حابساها فيه وعشان محدش يكتشف كدبك."
"لما وصلت للشهر السابع مجالكيش صبر... اتفقتي مع الزبالة اللي تبعك يحقنها بدوا يعملها طلق ولادة... وفي نفس الوقت جوزك الحقير اغتصبها... كل ده خلى قلبها ميستحملش... والمفروض إنك مخططة لكل ده عشان تموت وهي بتولد..."
"بس ربك كريم وكان كاتب لها عمر جديد... ولدت دهب والقلب وقف... فخري خاف لأنه من سوء حظه كان معاه دكتور تاني عارف بوساخاته كلها والبت صعبت عليه... أنعشها ورجعها تاني للحياة."
"هدد فخري إنه هيبلغ عنه... طبعًا خاف وحكاله على اللي."
حصل و إنه لو ما عملش كده و سمع كلامك هتحبسيه.
معرفش ماسكه عليه إيه.
المهم... فاقت صباح والدكتور حكالها على اللي حصل.
البنت خافت خصوصًا إنها يتيمة مالهاش حد، حتى دار الأيتام اللي أخدتيها منه مش هينفع ترجع له تاني.
قررت إنها تفضل ميتة في نظرك وتهرب.
فخري بلغك بموتها وحط جثة تانية مكانها.
جابها منين معرفش.
سلمك دهب.
وهي هربت مع الدكتور.
عيشها في محافظة تانية.
خلاها تخدم أمه القعيدة ولحد الآن هي عندهم.
قعدت سنين مش بتخرج مالبيت وقلبها هيقف من خوفها واشتياقها لبنتها.
بس مش بإيديها حاجة تعملها.
لحد ما قررت إنها تتغلب على خوفها وترجع البلد بعد ما كبرت وشكلها اتغير، وكمان دهب كبرت وهتفهم وهتقدر ومش هتقدروا تأذوها وقتها.
سألت عن أكتر حد ممكن يقف جنبها ويساعدها ترجع بنتها وينتقم لها منكم.
الدكتور قالها الوحيد اللي ممكن يساعدك هو جواد مش أبوه، لأن عبيد صاحب محمد ومعرفش إذا كان ممكن يداري على صاحبه ولا لأ، بس ابنه مش بيهمه حد ولو ليكي حق هتاخديه.
حكتلي كل ده ووعدتها إني هجيب لها حقها من حبايب عينيكي.
بس للأسف تاني يوم عملت الحادثة.
وفضلت أكتر من سبع شهور بره البلد وطبعًا هي عرفت وخافت ترجع البلد تاني وأنا مش موجود.
بس أنا تواصلت معاها بالفون أول ما رجعت ووعدتها إني هرجع لها بنتها.
زفر بغضب مفتعل وأكمل: لأن كمان وقتها هرجع حبيبتي اللي حرمتيني منها وأنتقم منك.
أكمل كذبًا: قعدت حوالي سنة ونص بحاول أوصل لأي أوراق تثبت كل الكلام ده للأسف معرفتش.
حاولت أتواصل مع أي حد م اللي كانوا شغالين وقتها مع فخري معرفتش.
والدكتور اللي هربها لما كلمته قالي كل كلامها صح بس للأسف فخري ما سابش أي دليل يدينه.
لما طلبت منه يشهد باللي حصل خاف وقالي أنا مش قد فخري.
فخري بقى عامل زي الغول اللي بيقف في طريقه بيأكله.
أنا سيبت البلد كلها بسببه لما حاربني في شغلي.
اتجوزت دهب وأنا لسه بدور على دليل.
وما جبتش سيرة لأي حد عن كل ده.
وصباح بتتواصل معايا دايمًا تطمن على بنتها اللي ما شافتهاش.
سيبتك تعيشي الدور للآخر.
وصبرت عليكي.
بس واضح إنك عايزة تملكي الأب وبنته ومحدش يشاركك فيهم.
أنا كشفت لك كل أوراقي.
أنا هسكت وهفضل باعد صباح عنك ومفيش مخلوق في الدنيا هيعرف السر ده غيري.
بس بشرط.
تبعدي عن دهب.
مش هقولك تنسي إنك أمها.
أنتي برضه ربتيها وكبرتيها.
بس حدودك السؤال عنها بأدب وبس.
وإلا صدقيني هفتح عليكي أبواب جهنم لو فكرتي أعمل تحليل دي إن إيه.
آه نسيت أقولك إن ممكن أعمل كده بس أنا مش حابب.
يعني بمنتهى البساطة أقدر أثبت كلامي.
ابتسم بكيد وأكمل: أنتي حماتي برضه ما تهونيش عليا.
آخر حاجة لو فكرتي مجرد تفكير تقولي لفخري ولا تجيبي سيرة الدكتور ده وتخليه يوصلك ليه عشان تعرفي مكانها ولا حتى تضروه، صدقيني ههد المعبد على دماغ اللي خلفوكي وهتفتحي على نفسك أبواب جهنم.
بلاش تعاديني.
كل اللي اتقال بينا هنا مش هيطلع بره الباب ده.
نظر تجاهها بغضب وقال بصوت عالي: اتفقناااااا.
مر يومان منذ ما حدث.
لم تظهر فيهم تلك الحرباء ولا نعلم فيما تفكر.
ولكن لا بأس سنعلم لاحقًا.
دعونا ننتبه لما يحدث داخل سرايا التهامي بعد أن حدد أحمد موعد زفافه بعد ثلاثة أيام من الآن.
وقد كانت جيهان تموت قهرًا.
ليس حبًا في ذلك الحقير.
بل حزنًا على حالها واضطرارها أن تكمل حياتها معه.
لن تتحمل تلك الفكرة.
قررت الخروج عن صمتها.
ذهبت لأكثر شخص يستطيع مساعدتها.
جواد.
اتصلت به في وقت متأخر بعد أن خلد الجميع إلى النوم وقالت: أنا آسفة يا جواد لو قلقتك.
بكت بقوة وأكملت: بس عايزة أتكلم معاك ضروري ومش حابة أتكلم قدام حد.
جواد بحنو: اطلعي يا جيجي إحنا لسه صاحيين.
أغلق معها وقال لدهب التي تجلس بثياب عارية داخل أحضانه: حبيبي قومي بسرعة البسي حاجة عشان جيجي طالعة.
أهي بتخبط.
ارتدى ثيابه سريعًا وخرج ليفتح هو الباب إلى أن تنتهي صغيرته من ارتداء زي محتشم كما أمرها.
تنحى جانبًا وهو يقول: ادخلي.
دهب ثواني وجاية.
جلست على أقرب مقعد وقالت بإحراج: آسفة.
والله آسفة إني أزعجتكم في الوقت ده.
بكت بقهر وأكملت: بس أنا مليش حد ألجأ له بعد ربنا غيرك يا جواد.
أنت عارف إني معتبراك أخويا.
دلفت عليهم دهب وهي تقول بحزن لأجل تلك المسكينة: اهدي يا جيجي كل حاجة وليها حل إن شاء الله.
جواد: شوفي إيه اللي يريحك وأنا هعمله أيًا كان.
حتى لو عايزة تتطلقي.
هطلقك منه ورجله فوق رقبته.
نظرت له جيجي بامتنان وقالت: عارفة إنك تقدر.
بس أنا حقيقي مشوشة مش قادرة أفكر.
أنا مش هقدر أتحمل الوضع ده أبدًا.
وفي نفس الوقت مش هقدر أطلق.
أهلي رافضين الفكرة وقالولي مش أول واحدة جوزها يجيب لها ضرة.
وهو طبعًا أنت عارف إنه أزبل إنسان ممكن تقابله في حياتك.
أنا مش عارفة أخد قرار.
لو صممت أطلق ولا هربت.
هروح فين أنا وبناتي.
هنعيش فين ولا هعمل إيه مش عارفة.
أعقبت قولها بشهقات عالية ثم أكملت: ده عايزني أفرش لهم جناحي بعد ما طردني منه عشان يتجوزها فيه.
بيقولي أنتي خلاص دورك انتهى معايا هتعيشي خدامة ليا أنا وهي مقابل إني أسيبك مع بناتك اللي ممكن أحرمك منهم في لحظة وأحرق قلبك عليهم.
قولي أعمل إيه.
بكت بقوة ولم تستطع التحدث.
رد عليها بتعقل: تمام أنا هبعدك عن هنا فترة تهدي وتفكري كويس وأي قرار هتاخديه أنا معاكي وفي ظهرك.
حتى لو هتطلقي ما تشيليش هم لأي حاجة.
هتعيشي معززة مكرمة أنتي وبناتك في أي مكان تختاريه وده وعد مني.
نظرت له بصدمة يشوبها الفرحة وقالت: بجد.
طب هبعد فين وإزاي.
جواد: هسفرك مع دهب القاهرة تقعدوا في شقتي اللي هناك الكام يوم دول لحد ما الفرح يعدي.
كده كده كنت واعدها بقالي فترة بس انشغلت وما قدرتش أسافر.
فرصة كويسة منها ما تحضريش ومنها تفكري براحتك من غير ضغط.
فرحت كثيرًا بهذا القرار ووافقت في الحال.
صباحًا.
وبينما كاد أحمد أن يخرج من السرايا مع باقي رجال العائلة أوقفه جواد قائلًا أمام الجميع بأمر لا يقبل النقاش: أنا مسافر آخر النهار أنا ومراتي القاهرة.
هاخد جيجي والبنات معايا.
نظر له أحمد بذهول وقال: أنت بتقرر على أي أساس.
أنت هتحكم على مراتي كمان.
جواد بتجبر: لأ بحكم عليك أنت.
عايزك تفكر بس تعترض وأنا ألغي لك الجوازة بكلمة مني.
وأنت عارف إني أقدر.
نظر له بغل ثم نظر لتلك الواقفة ترتعش خوفًا وقال بغضب: مااااشي يا ابن عمي مش هكسر لك كلمة.
أنت كبيرنا برضه.
غووووري إلهي ما ترجعي وأخلص منك يا سودة.
أعقب قوله بالخروج مهرولًا وهو يتوعدها بداخله.
وصلوا ثلاثتهم مساءً القاهرة واصطحبوا معهم حبيبة ومحمود وابنتا جيهان.
كان يغلي من داخله غيظًا وهو يقول: الموضوع قلب رحلة.
هستفرد بالبت إزاي بس.
منك لله يا أحمد الكلب أنت السبب.
أعجبوا كثيرًا بتصميم الشقة الراقي ومساحتها الواسعة المكونة من طابقين وقرروا أن يرتاحوا قليلًا اليوم وفي الغد ينطلقوا مع جواد في رحلة مليئة بالمرح.
أو هكذا يعتقدون.
قبل أن يخلد للنوم وجد هاتفه يصدح باسم سليمان.
أغمض عينه بغيظ وقام بالرد عليه وقال: استغربت إن اتصالك اتأخر والله لأننا بقالنا ساعتين واصلين هههه يا ابني اهدي كده وخليك تقيل.
سليمان برجاء: عايزة أتكلم معاها يا جواد.
جواد بهمجية: لييييه شايفني مركب قروووون ما تلم نفسك يا ض.
تمالك هذا العاشق حاله وتحمل وقاحته حتى يصل لمبتغاه فقال برجاء: أنت عارف اللي فيها.
وكنت مكاني في يوم من الأيام.
أرجوك يا صاحبي خليني أكلمها.
أطمنها إني معاها ومش هسيبها لوحدها تاني.
خليها وهي بتفكر في اللي جاي تحطني في حساباتها.
عايز أكون جنبها يا جواد وأنت عارف إني هحافظ عليها.
أنا مش عايز أخرج معاها.
أنا بس هجيلك أتكلم معاها في بيتك.
زفر بحزن وأكمل: خليها تعرف إني موجود.
استسلم جواد لطلب صديقه رحمة به.
وإشفاقًا عليه.
أعلن موافقته وذهب ليحادث جيهان بجدية.
بعد أن اتصل بها لتسبقه إلى بهو الشقة.
وجدها تجلس في انتظاره فقال بتعقل: في ضيف جاي دلوقتي.
عشانك.
نظرت له بحيرة وقالت: ضيف.
وعشاني.
جواد: سليمان.
بهت وجهها واهتزت من داخلها ولكن قالت بتعجب: سليمااان.
وآآآ.
عايزني في إيه.
أنا ما أعرفوش.
جواد بغيظ: بت أنتي هتشتغليني ما أنتي عارفة إنه بيحبك من زمان لولا ابن الكلب ده هو اللي خطفك منه عشان يقهره وينتقم منه.
حاول الهدوء وأكمل: أنا عند وعدي ليكي أي قرار هتاخديه سواء بوجود سليمان أو بعدم وجوده أنا معاكي فيه.
بس نصيحة مني.
اسمعيه.
يستاهل إنك تسمعيه.
سمع قرعًا فوق الباب فقال بضحك: الواد كان بيكلمني وهو تحت البيت ولا إيه.
فتح له وقال بمزاح: أنت جيت هنا قبل ما تكلمني عشان عارف إن قلبي ضعيف وهقبل صح.
ابتسم سليمان وقال بامتنان: عمري ما هنسالك الموقف ده.
كل اللي عملته معايا كوم.
وإنك توافق على مجيئتي دلوقتي ده كوم تاني.
ابتسم له بهدوء وقال: لو مش واثق فيك وعارف إنك جدع وتستاهل ما كنتش وافقت.
ادخل هي جوه في الصالون.
أمسكه من تلابيبه وقال بهمجية: بس بروح أمك تختصر في الكلام هااااا.
أنا هراقبك من فوق.
عيني عليك.
رد عليه بمزاح ولن يهمه تهديده: تراقبني إزاي يا ابني.
أنت أعمى.
نسيت ولا إيه.
تركه وعض على شفاهه السفلية غيظًا ثم قال: بتلوي دراعي يا #.
غوووور بقى هي نص ساعة وما أشوفش خلقة أهلك هنا.
دلف إلى جناحه بغيظ وجدها تقف في انتظاره وهي تقول بتساؤل: في إيه يا حبيبي ومين اللي جه تحت.
اقترب منها وقبلها بعنف دون مقدمات ثم قال وهو يحملها ليتجه بها نحو الفراش: حبيبك متغاااااظ.
تعالي أفش غيظي فيكي يا قلب حبيبك وبعدين أفهمك.
دلف عليها بقلب يخفق بشدة.
كاد أن يشق صدره ويهرول لها.
يرتمي بين يديها.
يركع تحت أقدامها ويقول بابتهال: أنا ملكًا لكي.
دعيني أحيا معك.
وبك.
هكذا كان يتمنى قلبه.
وقف قبالتها بهدوء ينافي الفوضى العارمة التي ألمت بدواخله.
وهي تقف ثابتة ظاهريًا ولكن.
تشعر أن قدميها أصبحا هلامًا.
ستقع في أي لحظة.
ولكن يوجد بداخلها شعور أن تلك اليد الممتدة للسلام عليها.
لن تتركها تقع أبدًا.
بادلته التحية وقالت بصوت مرتعش: جواد قالي إنك عايزني.
خير.
سحب نفسًا عميقًا ليدخل أكبر قدر من الهواء إلى صدره الذي ضاق به ثم أخرجه وقال: قريتي جوابي.
زاغت ببصرها وقالت كذبًا: قريته وقطعته.
أفتكر إن مش أصول أبدًا إنك تعمل كده مع ست متجوزة.
أنت فاكرني إيه هااااا.
أثارت جنونه.
شل عقله عن التفكير لإيجاد ردًا مناسب لتلك البلهاء حتى تعود لرشدها.
لم يتمالك حاله إذ أمسك ذراعها بقوة ونظر لها بغضب شديد وهو يقول بصوت محترق: فاكرك اااااااايه.
فاكرك البنت اللي سرقت قلبي من أول مرة شوفتها.
فاكرك حبيبتي اللي فضلت متابعها أربع سنين.
أربع سنين وأنا بجري وبلف زي الطوووور في الساقية عشان أوصلها.
وفي لحظة.
أول ما مديت إيدي عشان أخبط بابك.
خطفك مني.
تعرفي حسيت بإااااايه.
تعرفي اتعذبت قد إااايه.
تعرفي عملت إيه في نفسي عشان أنساكي.
هربت منه دمعة دون أن يشعر بها وأكمل بقهر رجل أضناه العشق المحال وهو يضرب بقبضته فوق خافقه بجنون: تعرفي ده حس بإيه يوم فرحك.
كنت بموووووت.
عقلي مش قادر يتخيل إنك بقيتي لراجل غيري.
مش عايز أتخيل اللي هيعمله معاكي.
بكى.
وآآآه من دمعة رجل حرق بنار الغيرة.
هيلمسك.
هيشوف جسمك.
هياخد اللي حلمت بيه سنين.
هيزرع فيكي بزرته ويخلف حتة منك ومنه.
صرخ بقهر: اتجنيييبت.
اتحرقت.
حسيت بسكاكين بتقطع في قلبي وأنا بتخيل كل ده.
قولت عليكي ## نفسك.
بس رجعت لومت حالي، إزاي أقول على حبيبتي كده؟ ده حلالها، هي ما عملتش حاجة غلط. تعرفي كان شعوري إيه وأمك كانت جاية تغيظ أمي بصور فرحك؟
شوفتها. شوفت فستانك الأبيض اللي حلمت بيه.
أكمل بقهر: بس لبستيه لغيري. لما أبوكي رفضني كنت بأفكر آخدك وأهرب. بس قلت لااااا، مش إنتي اللي تعملي كده. أنا هاخدك منه غصب عنه وهأجيبلك الفستان بإيدي وأفرح قلبي اللي هيموت عليكي بيه.
أغمض عينه وأكمل بضعف: بس لبستيه لغيري.
مهما أوصفلك شعوري وقتها مش هتتخيليه.
نظر لها بقوة وعنفوان عاشق لن يترك حبيبته مهما حدث: بس خلاص، كل سنين العذاب دي راحت ومش هترجع تاني. عارفة ليه؟ عشان أنا قررت آخد حقي اللي الدنيا استكثرته عليا وسرقته مني. مش هترجعي البلد تاني، ومش هتعيشي على ذمته تاني.
أكمل بنبرة أهدأ قليلًا وبحروف تقطر عشقًا: وهتبقي ليا، مراتي وحبيبتي وأم ولادي. عوض ربنا ليا على اللي اتحملته في بعدك. هحبسك في حضني اللي باقي من عمري. وإذا كنت كل السنين اللي فاتت بأدعي ربنا ياخدني عشان أترحم من العذاب اللي كنت عايش فيه، دلوقت هأدعيله يطول في عمري أضعاف عشان بس أعوض كل لحظة أتمنيتك فيها وما لقتكيش.
رواية جواد ودهب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم فريدة الحلواني
إلى الحاضر الغائب في كل زمان ومكان.
كنت جوادًا عاصيًا على الجميع... وكانت مهرتك جامحة... تحولت من أجلها إلى فارس... استطاع أن يمسك لجامها... بكلمة... في يومٍ ما همستُ في أذنها: "أعشقك"... همستُ لك: "أذوب فيك عشقًا".
كنت لها ماضيًا مليئًا بالبهجة... وحاضرًا مليئًا بالحياة... ومستقبلًا... تحاوطه روحك... تصنع حولها هالة تحجب عنها رؤية العالم لها...
ألا تعلم أن عيني لم ترَ غيرك؟ لا ترهق حالك حبيبي... مهرتك أصبحت أسيرة قلبك... دلفت بكل إرادتها... تربعت داخله... أغلقت بيدها قفله... ألقت مفتاحه في أعمق نقطة داخل محيط الحياة... حُبست داخل قلبك بهدوء... وأهدتك روحها بطيب خاطر.
تأكد أنك وتيني... وأنك أنت... أنت فقط... الحقيقة الوحيدة في حياتي.
وما بقي... مجرد أضغاث أحلام... أنت فقط... الرؤيا الصالحة... أدعو الله أن يحققها لي.
ستظل... دائمًا... جوادًا جامحًا... داخل قلبٍ من... ذهب.
أحبك... وفقط... فلتذهب قواميس اللغة إلى الجحيم ولا يبقى منها إلا... أحبك.
________________
يومان... يومان مرا عليها من بعد مواجهة جواد لها... بل وتهديده أيضًا... "لن تحادث أحدًا"... أغلقت هاتفها... بل أغلقت باب غرفتها... لم تخرج منه... عقلها يعمل في جميع الاتجاهات... تذكرت كيف حدث كل ذلك.
كانت تعلم أنها بلا رحم... لن تستطيع أن تصبح أمًا... أخفت سرها على زوجها الذي كان عقله مغيبًا تمامًا بسبب السحر الذي تجدده له دائمًا.
أقنعته أن لديها مشاكل تمنع حملها وأنها تحاول أن تجد حلًا من خلال متابعة الطبيب فخري لها... وحينما فشلت تلك المحاولات الواهية...
مثَّلت دور الزوجة المضحية وأقنعته بالزواج من تلك الطفلة اليتيمة... لم تخبره بمرضها... والطفلة فرحت... وقبلت عرضها السخي... كان يكفيها أنها ستُرحم من جحيم الميتم... أقنعتها أنها ستصبح أختًا لها وما يُرزق به من ذرية سيقومان بتربيتهم سويًا... صدقتها... تزوجت به... ولكن تلك الخبيثة كان لها تخطيطٌ آخر... فقد رتبت ميعاد الزواج تزامنًا مع أيام التبويض والذي نشطته بأدوية لتتأكد من حدوث حمل من الشهر الأول.
تركته معها في تلك الأيام فقط.
وبعدها أبعدته عنها إلى أن تأكدت من حملها... ظلت حبيسة غرفتها طيلة سبعة أشهر... لم تجعله يمسها خلالهم بحجة خوفها على الحمل... ولكن قد نفد صبرها وملت من ذلك الوضع.
فلاش باااااااك
____________
جلست أمام فخري داخل مكتبه وقالت بتجبر:
"بقولك إيه يا فخري أنا زهقت... اعمل حاجة تخلي الزفتة دي تولد في السابع."
فخري:
"صعب يا توحة، البت صغيرة وعندها القلب دي ممكن تموت فيها."
توحيدة بتجبر:
"وإنت عايزها تعيش ليه؟ خليها تغور وخدها قطع غيار، مش كفاية جابت لي بنت."
فخري بخبث:
"أنا عندي فكرة هتخليكي تضربي عصفورين بحجر... تخلصي منها والبت تبقى بنتك... وفي نفس الوقت تخلي جوزك تحت رحمتك باقي حياتك كلها."
نظرت له باهتمام وقالت:
"قول بسرعة."
فخري:
أخرج من درج مكتبه نوعين من الحبوب ثم مدهما لها وقال:
"ده منشط جنسي فاخر مالآخر، حطي منه في الأكل أو عصير أي حاجة... وسيبيهم مع بعض واخلعي إنتِ مالبيت خالص... مش هيلاقوا غير بعض... وقتها مش هينام معاها بس لا هيغتصبها وهي هتبقى على آخرها وهتقبل منه أي حاجة... قلبها مش هيتحمل كل ده... طبعًا هتتعب... هتجبهالي وأنا بقى هولدها بحجة إن الاغتصاب عملها ولادة مبكرة... هي ورزقها بقى يا طلعت عايشة يا لأ... بس بحالة قلبها دي ممكن تموت في إيده قبل ما توصل هنا."
توحيدة بفرحة:
"يسلم دماغك يا فخري، عمري ما شكيت في ذكائك من أول ما اتعرفنا على بعض واشتغلنا سوي."
تم المخطط بنجاح ولكنه لم يخبرها بما حدث داخل غرفة العمليات حينما أنقذها الطبيب الآخر... مخافة منها فهي ذو سطوة وكلمة مسموعة لدى إحدى المنظمات... أعد لها تقريرًا طبيًا أن الفتاة تعرضت للاغتصاب مما أدى إلى الولادة المبكرة ونظرًا لحالة قلبها وصغر سنها لم تتحمل وفارقت الحياة.
لم يتعب حاله في إيجاد جثة بديلة بل ملأ الكفن المزعوم بالأقمشة وأوهمها أنه تولى أمر الدفن حتى لا تثير الشبهات حولها... وقتها محمد المنصور كان يموت رعبًا بعدما أخبرته بهذا الحديث وأنها دفعت مبلغًا كبيرًا لذلك الفخري حتى يتكتم على الأمر... وبما أن الفتاة لم يعرف بها أحد فالأمر سيظل طي الكتمان.
صدقها وظل تحت سيطرتها عدة أعوام وحينما اكتشف أعمال السحر... هاج وماج ولم تعرف كيف تخلص منه وحصن نفسه وبعدها قرر أن يطلقها... وقتها أخرجت هذا التقرير وهددته به.
باااااااك
__________
عادت من شرودها وهي تقول بحيرة:
"هيفيد بإيه إن أبهدل فخري عالي عمله... هو اللي بيخلص لي شغلي وكمان لو عرف إني عرفت مش هيسيب الدكتور في حاله... والزفت جواد هيعرف وهيفضحني. أحسن حل إني ما أجيب سيرة لحد... بس هعرف أوصل لبنت الكلب دي بطريقتي وأخلص منها بإيدي."
كانت سرايا التهامي تتزين لاستقبال العروس الجديدة ولكن دون بهجة...
مما أثار غضب عباس وابنه.
قال لإيمان معاتبًا إياها:
"جري إيه يا حاجة؟ هو أحمد ده مش وي ابنك؟... شايلة إيدك من كل حاجة وسايبة الخدم هما اللي يعملوا التجهيزات."
إيمان:
"وأنا مطلوب مني إيه يا حاج؟ أنا عرفتهم اللي عليهم يعملوه وبتابعهم بنفسي."
عباس:
"بس مش شايف حد مهتم يا حاجة... حتى أخته الوحيدة قافلة بابها عليها وكأن هي اللي هيجيلها ضرة."
إيمان:
"الصراحة جيجي ما تستاهلش اللي ابنك عمله فيها، البت بقى لها كام سنة معانا ما طلعتش منها العيبة، مش هاين عليا أساعده على ظلمها."
أحمد بغيظ:
"ولما جوزتي ابنك على مراته كان عدل؟"
إيمان بغضب:
"جوازة الشؤم والندامة... كلكم عارفين إيه اللي جبره يتجوز على مراته، مش هنفتح في اللي راح."
فاطمة بغل:
"هو كان يطول واحدة زيي؟ أنا اللي اتنازلت وقبلت بيه ويا ريتُه راجل زي بقية الرجالة... راميني وسايبني زي البيت الوقف ولا مني متجوزة ولا مني مطلقة."
إيمان بصراخ:
"اخرسي قطع لسانك يا فاجرة، ابني سيد الرجالة... لو كنتِ عدلة كان راعى ربنا فيكِ بس إنتِ تطفشي بلد..."
نظرت لها وأكملت بكيد:
"وبعدين ما هو غصب عنه لو مش قادر يشوفك ست لأنه معاه ست الستات اللي مالية قلبه وعينه."
جن جنونها ولكن لم تستطع الرد... هرولت إلى الأعلى وبمجرد أن أغلقت غرفتها أخرجت هاتفها وطلبت رقمًا ما وحينما أتاها الرد قالت بهمس غاضب:
"اسمعي أما أقولك، إنتِ لازم ترجعي البلد حالًا... أنا موافقة عالي قولته... إنتِ صح... مش هنرتاح ولا نعرف نشتغل غير لو خلصنا منهم... أنا موافقة."
كان الوضع في القاهرة مغايرًا تمامًا... فقد ملأه الأطفال بهجة وهم يمرحون مع جواد الذي أصبح أكثر مرحًا.
جلس يلاعب محمود لعبة الريست ويمثل أنه هُزم... يصفق الأطفال تحية له... تقف حبيبة ابنته تشجع محمود بحماس...
دهب وجيجي يضحكون من قلبهم... اغتاظ جوادنا من تكالبهم عليه فصرخ بابنته بغيظ:
"يا بنت الكلب شجعي أبوكي مش ابن عمك."
وقفت تلك الطفلة واضعة يديها في خصرها وقالت:
"أنا أصلًا أصلًا متغاظة منك وفرحانة فيك."
نظر لها بذهول وقال:
"متغاظة... وأصلًا أصلًا..."
نظر لحبيبته وقال:
"إنتِ عديتي البت..."
رجع لابنته وسألها بغيظ:
"ومتغاظة مني ليه يا حبيبة أبوكي؟"
انفجرت به وكأنها كانت تنتظر الفرصة:
"عشان إنت زعلت دودو... هو إنت مقعدها لوحديتها ليه هاااا... لو خايف إن الحرامية يخطفوها... محمود هيضربهم... هو قال لي اقعدي معايا عشان الحرامية مش يخطفوني... إنت تخرج وتمشي وتركب عربية وهي قاعدة يا حرام... ليه بقى هاااا... ده إيه ده بقى ده؟"
كان ينظر لها بصدمة... هل من تتحدث أمامه طفلة؟... وصغيرته علمتها حديثها المميز... نظر لها بوعيد... خافت منه... وقالت لدهب:
"تعالي يا بيبو جنبي... عيب تكلمي بابي كده... أنا مش زعلانة."
حبيبة بغضب لذيذ لوحت بيدها علامة الحنق وقالت:
"بلا بيبو بلا زفتات بقى... أنا زهقتني منه..."
عقبت دهب بهمس مسموع:
"اسمها زهقت مش زهقتني..."
لوحت الطفلة مرة أخرى وقالت:
"مش موضوعنا يا دودو، سيبيني أركز بقى."
هنا جن جنونه... لم يتحمل ما يحدث أمامه... الاثنان اتحدا ضده... وسار بينهم لغة وحوار... وتفاهم.
انتفض من مجلسه تحت ضحكات من حوله الصاخبة واتجه لتلك المصيبتين كما أسماهما... صرخ الاثنان وقبل أن يحاولا الهرب كان ممسكًا بهما من ملابسهما من الخلف... رفع ابنته للأعلى معلقًا إياها والأخرى كادت أن تختنق من التفاف الثياب حول رقبتها من شدة جذبه لها.
صرخ بهم بغيظ:
"إنتوا بتتفقوا عليا؟"
نظر لابنته وقال:
"هي عينتك محامي ولا اشتكت مني؟"
حبيبة بصراخ:
"مش لازم تقول... أنا شفت عمايلك الزرقة معاها."
نظر بذهول وقال:
"مين الولية دي؟"
أعاد نظره لصغيرته وقال:
"وإنتِ بدل ما تقوليلها عيب... ماسكة القاموس وبتصلحي مخارج الألفاظ يا أبلة؟"
نظرت له بوداعة وقالت:
"جوااااد عيب كده... ضيعت هيبتي قدام البنت وباقي الأطفال."
مال عليها هامسًا بغل:
"طب وأنا هيبتي اللي هيلعبوا بيها الكورة دلوقتي بعد... أم... جواااااد... دي أعمل فيها إيه؟"
كادوا يختنقون من كثرة الضحك فقالت جيجي بصعوبة:
"خلاص يا جواد سماح المرادي، مش هيعملوا كده تاني."
محمود:
"عشان خاطري يا عمو نزل بيبو وهي هتعتذر لك."
حبيبة بعناد:
"لأ مش فيه أي عزازات... هو اللي هيخرجنا للملاهي تعبيرًا عن أخطائه."
هنا... لم يتحمل حقًا... تركهم ووقع فوق المقعد من كثرة الضحك... ودهب ازداد ولهها به... لِما أصبح وسيمًا لهذه الدرجة؟... أبفعل ضحكته الساحرة... أم من شدة اشتياقي له رغم وجوده معي طوال الليل؟
دون إرادة منها وجدت حالها تسرح في ملامحه وهي تتذكر ما فعله معها ليلة أمس... بحركة غير إرادية خرجت منها بعفوية... عضت على شفتها السفلى.
وهذا الخبيث التقطها بسهولة وعلم ما يدور داخل عقلها البريء... فليكن صغيرتي... سأعيد لكي ذكرى ليلتنا الصاخبة... ولكن بالفعل لا بالتخيل.
وبما أنه أمهر من يستغل الفرص قال بأمر لا يقبل النقاش:
"جيجي جهزي الولاد وأنا هطلع مع ديبو نجهز... بس لو حد خبط على الباب يستعجلني هلغي الخروجة تمام."
صفق الأطفال فرحًا بهذا القرار... أما جيجي فهمت عليه فغمزت لتلك التي تذوب خجلًا وابتسمت لها بحب.
صعد بها بتعجل وهو يشعر باشتياق قلبه الشديد لها... أغلق بابه وألصقها به ثم بفعها مقبلًا إياها بجموح عاشق... أرهقه الابتعاد ثم فصلها وقال بصوت يملأه العشق:
"وحشتيني يا حبيبتي... وعايزك."
استغل فرصة وجوده في القاهرة والتي جعلها حجة ليحضر بعض الاجتماعات التي تخص مهمته القائم عليها.
بعد أن تركهم في شقته تحت حراسة مشددة ولكن في الخفاء... ذهب مع السائق الخاص به إلى فرع المصنع... قابل سليمان والذي كان يجهز له ثيابًا وبعض الأدوات اللازمة لتغيير هيئته حتى يستطيع الخروج من المصنع بشخصية مغايرة تمامًا له... يعلم أنه مراقب ولكن هو يملك من الذكاء ما يجعل حيله لا تنضب أبدًا.
تخفى في زي أحد العمال وخرج من الباب الخلفي... نظر بتمعن حوله ليتأكد أنه لا يوجد أحد ممن يراقبونه... مشى بطريقة ثابتة إلى أن وصل إلى أحد الشوارع الجانبية وهناك وجد سيارته السوداء المعتمة تقف في أحد الجوانب... صعد داخلها سريعًا وبمجرد أن أغلق الباب زفر بهم وقال:
"يا رب... خليك معايا ساعدني أخلص عليهم عشان أخلص بقى... تعبت."
وصل إلى مقر جهاز المخابرات بعد أن أبدل ثياب العامل بحلة أنيقة ودلف بهيبته وشموخه إلى أن وصل إلى مكتبه... جلس خلفه وقال للمجند المسؤول عن خدمته:
"البهوات جهزوا للاجتماع؟"
المجند:
"في انتظار سعادتك يا باشا من نص ساعة في القاعة."
أخرج سيجارة ثم أشعلها بتمهل وقال:
"تمام بلغهم خمس دقايق وهكون هناك... اعمل لي قهوة والحقني بيها."
جلس على رأس طاولة الاجتماعات بكل هيبة وعلامات التجبر تظهر جلية على ملامحه.
علم من يجلسون أمامه أن اليوم لن يمر بسلام.
نظر لهم بهدوء مميت وهو يخرج سحابة دخان كثيفة من فمه ثم وضع ساقًا فوق الأخرى بعد أن أراح ظهره للخلف وقال:
"هاااا أشجوني... وصلتم لإيه؟"
ابتلع الجميع لعابه بوجل... بدأ فهد الحديث قائلًا:
"كل تحركاتها في البيت عادية يا فندم حتى المكالمات اللي بتعملها ما فيهاش أي حاجة تدل على أي حاجة خااالص... بس لاحظت إن في بعض المكالمات بتطلع تعملها في الجنينة ومش بتاخد أكتر من خمس دقايق."
أحد الضباط ويدعى مهند:
"حاولنا نعرف إذا كان معاها خط تاني غير اللي بتستخدمهم بس للأسف موصلناش لأي حاجة."
ضابط آخر ويدعى شريف:
"حتى أحمد وعبادي وفاطمة كلامهم عادي جدًا... بس في حاجة غريبة لفتت انتباه الرجالة اللي بيراقبوا البيت."
اعتدل في جلسته بانتباه فأكمل شريف:
"في بنت صغيرة كل يوم الساعة عشرة الصبح بتروح لتوحيدة تديها كيس عيش... ولما استعلمنا عن البنت طلعت مجرد عيلة أمها بتخبز وتبيع للمعارف والجيران."
جواد:
"اسمها إيه البنت دي؟"
نظر شريف إلى أحد الأوراق المتناثرة أمامه وقال:
"ماجدة يا فندم وأبوها ميت وأمها..."
أوقفه جواد بكف يده وأكمل عنه:
"عارفها أمها أرملة وبتصرف عليها هي وأخواتها."
زوى بين حاجبيه وقال بذكاء:
"الكمية قد إيه تقريبًا يا شريف؟"
شريف باستغراب:
"مش عارف بصراحة يعني ده عيش عادي."
خبط بكفيه فوق الطاولة وقال بعصبية:
"إنت أهبل ولا عبيط؟... إنتوا مش عارفين في شغلنا أي حاجة وكل حاجة مهما كانت تافهة بتفرق... وإن الحاجات الصغيرة هي اللي بتوصلنا لآخر الخيط."
فهد:
"حضرتك آآآ..."
قاطعه بصراخ غاضب:
"حضرتي إيه؟... واحدة عايشة هي وجوزها لوحدهم اللي هو أصلًا مش بياكل لقمة في البيت من بعد جواز بنته تقدر تقولي هتحتاج عيش ليه كل يوم وبتعمل بيه إيه هااااا؟... بسأل على الكمية عشان أعرف إذا كان ده طبيعي لو مثلًا عدد قليل إنما مش هيبقى طبيعي أبدًا لو كان الكيس مليان... مع إن في الحالتين الموضوع في حاجة مش طبيعية."
نظروا له بصدمة من تلك الأفكار التي لم تخطر على بال أحدهم ولم يستطع أحد التفوه بحرف.
نظر لهم باستهزاء وقال:
"مش لاقي لكم وصف بجد يعني لو مشغل معايا عيال لسه متخرجة جديد كانوا فهموا ونفذوا اللي بأفكر فيه من غير ما أقوله."
نظر لمهند وقال:
"أخبار شيكا إيه؟... آخر تحركاته من بعد ما كلم أخته آخر مرة."
فهد:
"........."
تحركوا جميعهم خارج قاعة الاجتماعات وتركوه وحده بعد أن ظل الاجتماع ما يقارب الخمس ساعات وقد اعتصرهم عصرًا... لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أن ناقشهم فيها وأعطى أوامره بتنفيذ بعض القرارات التي اتخذها ليقضي على هؤلاء الحقراء والذين كان معهم أخيه الراحل.
فريد الذي كانت علاقته به سيئة للغاية بل وصلت حد الكره من تجاه الآخر له... لا يعلم لمَ... ولا يعلم أيضًا ما جعله يخرج عن السرب ويضل طريقه ليمشي قدمًا مع هؤلاء الحقراء.
تذكر حينما قدم استقالته بناءً على طلب أبيه... رفضها القائد وقال له:
"استقالة مرفوضة طبعًا."
جواد باستغراب:
"ليه يا فندم؟ أنا عندي ظروف تمنعني إني أكمل في الجيش... أهلي محتاجيني وأنا ما أقدرش أقولهم لأ."
القائد:
"قرار ترقيتك ونقلك لجهاز المخابرات اتمضى من القائد الأعلى يا جواد... إذا كان أهلك محتاجينك... بلدك محتاجالك أكتر."
جواد بحماس:
"وأنا أفدي بلدي يا فندم... بس..."
القائد:
"ما فيش بس، إنت عارف إن رجالة المخابرات مش بيظهروا ومحدش يعرف مين اللي شغال فيها... أنا هأقبل الاستقالة عادي جدًا والكل هيعرف إنك سيبت الخدمة... وملفك هيتنقل للجهاز... أعتقد إنك تقدر توفق ما بين شغل العيلة وشغلك ولا إيه؟"
وافق على الفور وهو يطير فرحًا... كان يعمل ويجتهد ليصل إلى تلك المكانة والتي يستحقها عن جدارة... عمل متخفيًا تحت ستار أعمال العائلة لمدة أربع سنوات.
لم يكن يعلم شيئًا عن تلك المنظمة التي تديرها توحيدة وأخيه إلى أن قام بعمل الحادث الذي راح ضحيته أخيه وزوجته الحامل... وهو كان بين الحياة والموت لمدة شهر كامل وبعد أن بدأ يتعافى وفاق من الغيبوبة... اكتشف أنه فقد بصره.
حزن كثيرًا حينها ولكن حمد ربه وسافر إلى ألمانيا لإجراء عملية أخرى من المفترض أنها ستعيد بصره مرة أخرى.
رافقه أخيه... ولكنه لم يكن يعلم أن قائده وفهد يرافقانه في الخفاء أيضًا.
تمت العملية بنجاح وعاد له بصره مرة أخرى بعد أن جلس شهرين في ظلمته الحالكة.
تفاجأه بدخولهم عليه في غرفة المشفى في نفس اليوم الذي كان سيغادر فيه.
فلاش بااااااك
___________
القائد:
"حمد الله على السلامة يا سيادة الرائد."
التفت له وقال بذهول:
"يامن باشا وفهد... آآآ..."
فهد بابتسامة:
"اهدأ بس وهنفهمك كل حاجة."
جلس ثلاثتهم ومعهم فارس الذي لا يفقه شيئًا مما يدور حوله واستمع إلى القائد وهو يقول:
"أولًا حمد الله على سلامتك... أنا كنت متابع مع الدكتور الألماني حالتك من الأول وطمني إن ما فيش أي آثار للعملية ونظرك رجع زي الأول."
فهد:
"إحنا كنا معاك على نفس الطيارة بس إنت عارف طبعًا بأسماء مزيفة..."
القائد:
"ودلوقتي يا بطل ناوي على إيه؟... مش شايف إن الإجازة طولت وكفاية كده؟"
جواد بابتسامة متوجسة:
"تمام يا فندم أنا راجع الصبح بأمر الله وهأكون في شغلي بعد يومين."
القائد بأمر:
"بس إنت مش هترجع مصر يا جواد... إنت هتطلع من هنا على اليابان."
نظر فارس وجواد إليه باستغراب وقال الأخير بحيرة:
"في شغل هناك يعني؟... بس أنا كل المهمات اللي بأمسكها جوه مصر."
فهد:
"ما هي مهمة جديدة جوه مصر بس لازم تسافر اليابان الأول."
جواد بجدية فهو لا يحب الألغاز:
"أفهم لو سمحت... محتاج توضيح."
تنفس القائد بثقل وقد قرر أن يفصح له عما حدث وعن طبيعة مهمته الجديدة والتي ستكون أصعب ما قام به في حياته... ليس فقط لخطورتها... بل لأن المتورطين فيها أحد أفراد عائلته.
القائد:
"إنت عارف طبعًا إن شغلنا ما فيهوش مشاعر ولا قرابة مهما كانت درجتها."
انقبض قلبه توجسًا مما هو آت... أكمل القائد بجدية:
"رجالتنا رصدت تحركات غريبة على الحدود ولما بحثوا... اكتشفوا إن في بعض المهربين بيدخلوا مواد كيميائية مسرطنة... نقطة بس تتحط جوه أي ترعة... الزرع كله يتشبع بيها... وطبعًا هتتنقل للناس اللي هيأكلوا من الزرع ده والحيوانات كمان... المهم مسكنا طرف الخيط ومشينا وراه بقى لنا سنة... اكتشفنا إنهم زي ما بيدخلوا المواد دي البلد... بيهربوا آثار وبيتاجروا في الأعضاء البشرية... ده غير تجارة البشر اللي بيبيعوهم للأجانب."
جواد بصدمة:
"يا نهار أسود كل ده؟... طب وقدرتم توصلوا للي بيدير الشبكة دي يا فندم؟"
نظر له القائد بحزن وقال:
"للأسف عرفنا... بس مش قادرين نمسك عليهم أي حاجة، بيشتغلوا بذكاء وحرص شديد... حتى الناس اللي مسكناها ما اعترفوش على أي حد."
أخذ نفسًا عميقًا وأكمل:
"متخفيين في قوة قرية من القرى الريفية... وبيستخدموا مصنع تصدير لحوم لتهريب الآثار أو الأعضاء."
هنا انقبض قلب الأخوين ونظرا لبعضهما البعض وكلا منهما أتاه نفس التفكير... هذا الحديث عنا... نحن.
سأله جواد بقلب وجل:
"مين في عيلتي اللي متورط يا فندم؟"
نظر يامن وفهد لبعضهما بحزن وقال الأخير:
"عمك وأحمد ابنه وتوحيدة... وأخوك ومراته."
انتفض الأخوان من مقعدهما بحنون... لم يستطيعا تصديق ما حدث... "أخانا... له يد في كل تلك الحقارة؟... لا... مستحيل..."
كان ضربًا من الجنون إذ صرخ جواد قائلًا:
"استحالة يا فندم... ممكن أصدق أي حاجة إلا إن فريد أخويا يعمل كده."
فارس بحزن:
"مش ممكن... طب ليه؟ إحنا الحمد لله ربنا كرمنا من وسع مش محتاجين حاجة... يمكن في حاجة غلط أو حد عايز يورطه."
يامن:
"للأسف كل المعلومات اللي وصلتنا بتأكد إنه كان ليه دور كبير في المنظمة..."
نظر لجواد وأكمل:
"الحادثة كانت مدبرة يا جواد... بس اللي ما كانش في حساباتهم إن فريد يكون معاك."
جلسا الأخوان مرة أخرى بهم ولم يستطيعا التفوه بحرف... كان مظهرهما مثيرًا للشفقة حقًا... احترم فهد ويامن صمتهما وقررا أن ينتظرا قليلًا حتى يلملما شتاتهما الذي تبعثر بعد تلك الطامة الكبرى.
وبما أن هذا الجواد يملك من القوة ما يجعله يتحمل تلك الصدمة الموجعة... نحى جواد التهامي جانبًا... وأحضر شخصية الضابط... فقط... نظر للقائد بقوة وقال:
"عايز ملف القضية يا فندم... هأدرسه وبأمر الله محدش هيوقعهم غيري... بس ما دام الموضوع كله هنا ليه هأسافر اليابان؟"
يامن:
"لأنك لازم تفضل أعمى..."
نظر له بعدم فهم فأكمل:
"هما قرروا يتخلصوا منك لأن بعد ما سيبت الخدمة ومسكت المصنع مبقوش قادرين يهربوا حاجة عن طريق المصنع فكان الحل الأمثل إنهم يقتلوك عشان فريد يرجع يتحكم في كل حاجة من تاني ويمشي لهم الشغل."
فارس بصدمة:
"يعني فريد كان عارف إنهم هيقتلوا أخوه ووافق؟... طب ركب معاه العربية ليه؟"
فهد:
"تقريبًا كانوا متفقين يخلصوا من جواد بس ميعاد التنفيذ محدش بلغه بيه... أو... مش عارف النقطة دي لغز بالنسبة لنا."
يامن:
"إنت هتطلع من هنا على اليابان هتقعد ست شهور... هتدرب عند جماعة تعاليم الساموراي عشان تتعلم إزاي تعتمد على حواسك من غير ما تكون شايف... هتلبس عدسة شفافة مش هتغير لون عنيك بس مش هتخليك تشوف حاجة... وعشان الموضوع يبقى مقنع أكتر وفي نفس الوقت تقدر تمشي الشغل من غير ما عمك وابنه يستغلوا النقطة دي هتتعلم طريقة براون للقراءة والكتابة... هتشتري جهاز يحول أي مستند عادي للطريقة دي بحيث إنك تبقى عارف إيه اللي بتمضي عليه."
"كده هما هيتحركوا بحرية أكبر وإنت هيكون عندك فرصة تكشفهم بشكل أسرع... أكيد طبعًا هيستغلوا فترة غيابك عشان يهربوا شغلهم... إحنا هنسيبهم يعملوا اللي عايزينه عشان يطمنوا لحد ما ترجع... والباقي عليك."
باااااااااك
________
أغمض عينه بحزن وقال بداخله:
"ليه يا فريد... لييييه... الله يرحمك."
اليوم هو حفل زفاف هذا النذل على عروسه الجديدة... جهز السرايا بكل ما يلزمه الاحتفال... كانت إيمان وهدى يموتان غيظًا مما يحدث حولهم خاصًا تبجح أهل تلك الفتاة حينما جاءوا إلى السرايا في الأيام المنصرمة لتجهيز جناحها وتوضيب أغراضها.
هدى بغيظ:
"هما ليه محسسنا إنهم بقوا أصحاب المكان وإحنا ضيوف تقال عليهم؟"
إيمان:
"سيبيهم يفرحوا لهم يومين بس وعزة جلال الله لأكون مطلعَة كل ده عليها الصفرا دي... فاكرة نفسها هتبقى ست البيت."
زينب:
"لأ وإنتِ الصادقة هي جاية وفاردة قلوعها هي وأهلها من البداية عشان تلاقي النذل ده موصيها على كده... مش هو قال لجيجي إنها هتبقى خدامة عندها؟... ده من بجاحته اتصل بجواد عشان يرجعها تحضر الفرح بس إلهي يجبره ابنك بهدله وما رضاش أبدًا."
هدى:
"بني آدم برأس حمار والله جيجي خسارة فيه ولو بيفهم يبقى هيندم على اللي عمله فيها."
إيمان:
"أنا اللي مزعلني روان قافلة على نفسها ومش عايزة تحضر... البت دي فيها حاجة متغيرة مش عارفة مالها."
هدى:
"ما إنتِ عارفة بتحب جيجي قد إيه أكيد زعلانة عشانها."
جلست جيجي بحزن مع دهب والأطفال يمزحون حولهم... حاولت دهب أن تفتح معها بعض الأحاديث البعيدة كل البعد عما يحدث اليوم في سرايا التهامي... تفاعلت معها ولكن بعقل شارد وقلب حزين على حالها... ليس حبًا في هذا الحقير ولكن... قهرًا على حالها.
دلف عليهم جواد وقال:
"أنا جعان هو ما فيش حاجة تتاكل؟"
ابتسم بخبث وأكمل:
"ولا تحبوا نخرج نتعشى بره؟"
صرخوا جميعًا حتى الأطفال في نفس الوقت:
"لااااااااااا."
اصطنع الذهول وقال:
"ليييه؟... أنا مش خرجتكم إمبارح وكنتم مبسوطين؟"
نظروا له بصدمة وردت دهب بغيظ:
"اللي هو فين يا جواد هاااا؟... تاخدنا في العربية من قدام البيت لحد باب المطعم اللي كان فاضي أصلًا أصلًا... حتى ما فيش أي جرسونات فيه... الأكل جاهز على الترابيزة... يلا كلوا... يلا نمشي... وصلنا البيت... إيه الحلاوة دي يا حبيبي بس... خلتني طايرة من السعادة والله."
ضحكت جيجي والأطفال أما هو رد ببرود يملأه الغيرة:
"وإنتِ عايزة تمشي في الشارع مثلًا؟... ومحتاجة الجارسون في إيه؟... بدل ما تقولي لي شكرًا يا حبيبي إنك فضيت المطعم مخصوص عشان آخد راحتي وكمان خليتهم يجهزوا الأكل قبل ما نوصل عشان محدش يقتحم خصوصيتنا."
دهب بغيظ:
"إنت ليه محسسني إنك كنت عازمني على عشا رومانسي وورد وكده؟"
حبيبة بغضب:
"فين الملااااهي يا سي باباتي هاااا؟... إنت أصلًا أصلًا قلت هتودينا..."
جواد ببرود:
"هو مش كان في إير كيدز وإنتوا اللي ما رضيتوش تلعبوا فيها يبقى مين اللي غلطان؟"
حبيبة بغيظ:
"إحنا اللي غلطانين عشان خرجنا معاك أصلًا أصلًا..."
أعقبت قولها بالتحرك وترك المكان بأكمله.
نظر في أثرها بغيظ وقال:
"إيه الولية دي؟"
استغلت فاطمة انشغال الجميع في تجهيزات الزفاف وقامت بالتسلل للأعلى حتى وصلت أمام جناح جواد... أخرجت مفتاحًا من جيبها ثم قامت بوضعه داخل الباب وأدارته ليفتح ثم دلفت سريعًا وأغلقته خلفها.
ماذا سيحدث يا ترى؟
سنرى.
رواية جواد ودهب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم فريدة الحلواني
اليوم ستتحرر من قفصها الذي حُبست فيه طيلة سبع سنوات، لم يكن قفصًا من ذهب كما يقولون، بل كان مصنوعًا من حديد صدئ.
حُبست بإرادتها ورغمًا عنها في ذات الوقت، عاشت داخله وهي تحاول كتم أنفاسها لأطول وقت حتى لا تستنشق رائحة صدئه العفن.
اليوم سيدخل رئتيها هواء نقي، سترى نور الشمس الذي نسيت لونه وسط تلك الظلمات التي عاشت بها.
ولكن تساءلت داخلها: هل أستطيع الطيران بعد أن قُطع جناحاي؟ لا يهم حتى لو عشت معاقة لا أستطيع حتى التحرك، يكفي أنني حررت نفسي من ذلك الجحيم.
كانت تلك كلمات جيهان التي دارت بداخل عقلها وهي في انتظار حضور أحمد ليتمم إجراءات الطلاق كما أجبره جواد، جواد الذي فعل معها ما لم يفعله أهلها.
جواد الذي كان لها نعم الأخ والسند طوال الشهر المنصرم، فقد رفض رفضًا قاطعًا أن يرضخ لمطالب عمه عباس وأحمد أن يعيدها كي تحضر حفل زفاف زوجها.
رغم صعوبة الموقف إلا أنها كانت تشعر بسلام نفسي لم تشعر به من قبل، لمجرد ابتعادها فقط عن محيط ذلك النذل.
صغيرتها أيضًا أعجبها المكان وارتاحت فيه رغم عدم خروجها منه إلا مرتين فقط، إلا أنها كانت تشعر حقًا أنها حرة لأول مرة، لم تتخيل أن مجرد ابتعادها عن تلك القرية التي عانت داخلها ويلات العذاب سيشعرها بكل تلك السعادة.
فلاش باك
_____________
كانت تنظر من الأعلى وهي متخفية خلف أحد الأعمدة إلى حبيبها بفخر وشعور غامر بالسعادة وهو يقف بكل هيبة وشموخ والكثير من التجبر أمام أحمد وأبيه حينما حضروا لاسترجاع جيهان والفتيات بعد أسبوعين من الزفاف، كانت تجاورها جيهان التي يأكلها الرعب منذ مجيئهم.
جلس الرجال الثلاثة معًا في صالة الاستقبال وبدأ عباس الحديث قائلًا بمهادنة:
أخبارك إيه يا ابن أخويا والعيال عاملين إيه؟ وحشونا والله قلت أجي أطل عليهم ما دام استحلّيتوا القعدة عندها.
قبل أن يرد عليه كان أحمد يقول برعونة:
لاااااا جايين ناخد مراتى وبناتي اللي بقالهم أكتر من عشرين يوم ولا شفتهم ولا أعرف عنهم حاجة، أنت قلت هتقعد يومين لحد ما الفرح يعدي وأهو بقالكم ثلاث أسابيع، إيه بقى؟
جواد ببرود جعلهم يصدمون:
بس هي مش هترجع تاني يا ابن عمي.
نظروا له بذهول، حاول أحمد التحكم في أعصابه وهو يقول:
معناته إيه الكلام ده وبأي حق تحكم على مراتي؟ أنت مالك ومالنا؟
جواد:
هي اعتبرتني أخوها ولجأت لي عشان أطلقها منك، وأنا عمري ما أرد حد محتاج لي أبدًا وأنت عارف.
عباس بمحايلة:
يا ابني هي ولا آخر واحدة ولا أول واحدة جوزها يتجوز عليها، وبعدين حقه يخلف ولد يشيل اسمه، بدل ما تعقلها بتقويها عليه.
كان أحمد يعلم بمجيء سليمان إلى هنا عدة مرات من رجاله الذين يقفون لمراقبة المنزل، وقد جن جنونه هو لا يريدها ولكنه لن يتركها له مهما كان الثمن.
أحمد بغضب:
لا لا لا أنا عارف اللي فيها، أنت مخطط لكل ده عشان خاطر صاحبك اللي كل يوم والتاني هنا، اخص على الرجولة.
هل يصمت؟ لا والله، انتفض من مجلسه وتقدم تجاه الصوت وفي لحظة كان يمسكه من تلابيبه ويكيل له عدة لكمات موجعة، إلى أن نجح عباس في تخليص ولده من بين يديه والذي كان عاجزًا تمامًا عن الدفاع عن نفسه.
عباس بصوت عالٍ:
عيب عليكم أنتم الاثنين، اعملوا لي اعتبار، هتمسكوا في خناق بعض.
جواد بصراخ:
قوووول لابنك يعرف هو بيقول إيه بعدين لومني، هو فاكرني # لا إيه، كلكم عارفني كويس، ومراته اللي عايز يخوض في شرفها دي ما تستاهلش ضوفرها حتى.
سليمان جاء لي مرتين عشان أمضي ورق مهم محتاجه يطلع بيه على المينا الفجر، أنا مش محتاج أبرر اللي بيحصل في بيتي، بس عشان خاطرها هي أنا قلت... صمت للحظة وأكمل بخبث:
وبعدين أنت إيش عرفك، أنت بتراقبنا ولا إيه؟
زاغ ببصره ونظر لأبيه كي ينقذه من تلك الورطة التي وضع حاله فيها فقال عباس بتلجلج:
آآآه ده واحد صاحبه هو اللي شاف سليمان وقاله، كلام عادي يعني ما يقصدش يوصل أخبار.
جواد بلؤم:
صاحبه... في المرتين كان معدي صدفة.
أحمد:
لا هو قال لي مرة بس وأنا اللي توقعت إنه بيجي على طول، ما علينا حقك عليا بس أنا راجل وبغير على أهل بيتي وأنت عارف إنه كان عايزها من زمان لما عرفت إنه جاء هنا اتجننت.
جواد:
لا اطمن هي قاعدة في بيت راجل، أنت عارف إن أهل بيتي مش بيتشفوا على أي حد مهما كانت صلتي بيه، يعني لا شافها ولا شافته ولا يعرف بوجودها هنا من الأساس.
عباس:
طب يا ابني انده عليها تقعد مع جوزها يتفاهموا سوى يمكن ربنا يصلح الحال.
وقف جواد وقال:
تمام... بس اللي عايزاه هو اللي هيحصل أيًا كان قرارها.
صعد للأعلى وجدهما متصنمتين مكانهما إذ كان من المفترض أن يختفيا بالداخل، قال لهما بغيظ:
طب اهربوا... اعملوا أي حاجة بدل الوقفة السودة دي ولا عشان أعمى اعتمدتوا أني مش هعرف بوقفتكم دي... ناسيين إني بسمع النفس اللي طالع منكم.
دهب بتسرع:
ما أنا كنت بتصنت ولما لقيتك طالع خفت وما عرفتش أهرب.
نظرت لها جيجي بغيظ وقالت:
ما شاء الله عليكي... ربنا يخليكي لينا يا دودو وتفضحنيا ديما كده.
جواد:
المهم أنتي سمعتي اللي حصل وهتنزلي معايا دلوقت.
متخافيش، صممي على قرارك وأنا في ضهرك.
جيجي بارتعاش: بس أنا خايفة يجبرني أرجع.
جواد: أنتي هبلة يا بت؟ مش لسه بقولك متخافيش؟ أنتي في بيت جواد التهامي وحمايته، افهمي كده.
دهب بفرحة: أنتي مش شوفتي ضربه إزاي وأنا كنت هصقفله بس أنتي مسكتي أيدي، يبقى إزاي تخافي بقى؟
التف لها وقال بغيظ مازح: حبيبي ما شاء الله عليه.. تصقفيلي.. حقيقي ربنا يخليكي لي.
التف لجيهان وقال: يلا عشان نخلص من القرف ده.
دلفا اثنتيهما، وجدت أحمد ينظر لها بغل وتهديد معتمدًا على عدم رؤية جواد له.. أخفضت عيناها أرضًا وكل خلية بداخلها ترتجف.
عباس بطيبة زائفة: تعالي يا بنتي اقعدي مع جوزك ربنا يصلح حالكم، وأنا هطلع بره مع جواد.
هنا وجدت عقلها يجبر لسانها على الصراخ وهي تقول: لااااااااا مش هقعد معاه لوحدي... مفيش حاجة ممكن تتقال بينا تخليني أرجع عن قراري.
أحمد بتهديد مبطن فهمت معناه: ويا ترى أبوكي عارف بقرارك ده ولا هيتفاجئ؟
فهمت ما يعنيه ولكنها قررت أن تنتزع الخوف من داخلها وتخرج ما كتمته طوال سنوات، نظرت له بقوة لأول مرة وقالت: آآآه لو قصدك عشان وصولات الأمانة اللي أنت ممضيّاني عليها عشان أفضل تحت رحمتك ولا أقدر أسيب لك البيت ولا أقدر أطلق، وإن كل ما أروح أشتكيله يرجعني ليك تاني بسببهم... أحب أقولك اسجنه...
نظر لها بصدمة هو وأبيه فأكملت بقهر: آآآيوة هو مش أنا بنته... أنا بقولك اسجنه... مش هيفرق معايا... أنا أصلاً عمري ما حسيت إنه أب لي... عمره ما كان سند لي... باعني ليك... ما همّهوش أنا عايزة إيه... هان عليه عذابي وقهرتي... هان عليه الذل اللي شايفك معيشاني فيه... اختار يبيعني أنااااااا عشان هما يعيشوا كويسين بفلوسك.
شهقت بقوة وأكملت: فكر في نفسه... فكر في أخواتي... بس أناااااا ما كنتش من ضمن حساباته... حتى لما كنت بروح أزورهم... كان بيشوف عيني اللي بقت مطفية بعد ما كانت شقاوة الدنيا فيها ومش ببطل ضحك ولا هزار... شاف روحي اللي ضاعت مني... شاف نفسي اللي بقت مكسورة بعد ما كنت عايشة وأنا حاسة إن مفيش مني اتنين ولا في حد أحسن مني.
أبويااااااا باااااعني... سامعين... باعني عشان يعيش مرتاح هو وباقي أخواتي... مش مهم على حساب إيه.. ولا مين... عارفين أنا ما دعيتش عليه... بس بكيت لربنا وقلت له... أنت اللي شاهد وعارف عملوا فيا إيه... وأنا اتعذبت قد إيه... أنا مش عايزة حقي في الدنيا من اللي ظلموني.
هصبر وهتحمل عشان في الآخرة أشوفك هترجع حقي إزاي.
أنا عايزة حقي في الآخرة عشان يبقى أشد وأقوى.
حتى أمي... ههههههههه... أمي كان كل اللي هامها إنها تتفشخر بجوازة بنتها لواحد زيك... ما تعرفش إنك أذبل وأحقر إنسان ممكن حد يقابله... كاد أن ينهرها إلا أنها ضحكت بقوة أذهلته ثم أكملت... زعلان أوووي... تؤ تؤ تؤ... أخص عليا... كشرت عن أنيابها وقالت بصوت ميت فارق الحياة منذ سنين: أنت راجل صح؟... طب هو في راجل يعرض مراته على صحابه؟
عباس بغضب: إيه الكلام ده أنتي اتجننتي يا بت؟
جيهان بجنون: لاااا ما اتجننتش... بعد ما كنت بلبس واسع ومحترم ابنك بقى يجيب لي فساتين ضيقة ما تتلبسش غير في أوضة النوم... عشان بس أحضر معاه فرح ولا حفلة... وهو داخل بيا بدل ما يحاوط عليا ويحميني من العيون اللي بتنهش لحمي اللي عراه... بقى يبص للي بيأكلني بعينيه وهو مبتسم كأنه بيقول له... بص أنا معايا إيه.
إنسان مريض... كل يوم مع واحدة زبالة شبهه... ولو اتكلمت ولا حاولت أعترض كان يضربني... كان بيربط بوقي بمنديل عشان ما صرخّش وتسمعوني... كان بيضرب كل حتة في جسمي إلا وشي.
عشان محدش يعرف إنه ضربني... ولما أرقد في السرير من الوجع يقول لكم إني بتدلع... ولا يا حرام عشان هو راجل سبع ومفيش منه خلاني مش قادرة أتحرك.
حاجات كتير استحملتها بس للأسف مش هقدر أقولها عشان مش بجحة زيه... عارفين... أنا ما ليش عيلة... ما ليش حد... أنا لوحدي...
نظرت لجواد بكل قوة رغم دموعها المنهمرة وشعورها بالانكسار يحرق دواخلها ثم قالت: بس أنا اعتبرتك أنت أخويا... وسندي اللي ما ليش غيره... أنا اتسندت عليك يا أخوياااااا... ما توقعنيش.
وفقط... هرولت إلى الأعلى حتى وصلت مكان وقوف دهب التي التقطتها بين ذراعيها... وجدتها ترتعش بعنف فقالت ببكاء حزنًا عليها: اهدي... أنتي بتترعشي كده ليه... أنا خايفة.
جيهان بهمس مرهق: متخافيش... ساعديني أدخل الأوضة... مش قادرة أمشي.
وقف جواد بكل جبروت وهو يغلي بداخله بعد ما سمعه من تلك التي اتخذته سندًا وهو أبدًا لن يخذلها... قال كلمته التي لن يسمح بالاعتراض عليها مهما كان الثمن: هطلقها... التف مكان وقوف عمه وأكمل: لو مش عايز تعاديني يا عمي وتخسر شغلك معايا... خلي ابنك يطلقها من غير مشاكل.
أحمد بجنون: عايز تفصل شغل العيلة عشان خاطر بنت الكلب دي؟
جواد بهدوء خطر: لو محتاج لسانك يتقطع... اغلط فيها تاني... اتفضلوا بقى عشان عندي شغل وهستنى ردك عليا... يا عمي.
تحركا للخارج بعد طردهم الصريح ولم يقو أحد منهما على التفوه بحرف.
وصلا القرية واتجها إلى بيت أبو جيهان وحينما فتح لهم هجم أحمد عليه بغل وقال: عارف يا ابن الكلب أنت لو مرجعتش بنتك الـ#### النهاردة بكرة هتكون في الحبس.
ارتعب الرجل وقال: في إيه بس يا ابني وأرجعها منين فهمني بالراحة.
عباس: أنت عارف إنها قاعدة في مصر من قبل الفرح عند الزفت جواد وكل ده مش راضي يرجعها، رحنا النهاردة عشان نجيبها هي والبنات قال لنا عايزة تطلق.. ووقفت بهدلتنا ما خلتناش قادرين ننطق وطبعًا متحامية في اللي قوي قلبها.
أبيها بخوف: يعني أنتم ما قدرتوش عليه عايزين تصدروني أنا في وش المدفع... أنا مش قد جواد التهامي يا خلق.
أحمد: اسمعني كويس عشان ما أطلعش ميتين أهلك... أنت هتسافر الصبح مع السواق بتاعي هيوصلك لهناك تقول له أنت أولى ببتك واللي عايزاه هعمله بس عيب ما تقعدش في بيت أبوها... تعمل قرد المهم ما ترجعش من غيرها وإلا قسمًا بالله لأكون قاتلك مش حابسك بس... وأنت عارفني... ساااااامع.
ففي اليوم التالي ذهب إليهم رغماً عنه وقلبه يرتجف رعبًا من مواجهة ذلك المتجبر ولكنه وضع بين المطرقة والسندان... ماذا يفعل؟
جلس معه محاولًا إقناعه بعودتها معه ممثلاً دور الأب الحنون والذي يخاف على ابنته من كلام الناس عليها وألقى بوعود كثيرة أنه سيقف بجوارها مهما كان الثمن.
تركه يدلي بدلوه وحينما انتهى وقف من مجلسه واضعًا يده داخل جيبه ثم قال: خلصت... شايف الباب ده... أشار تجاه باب الخروج ثم أكمل: تطلع منه حالًا... ارجع للي بعتك وقول له جواد هيسيب لك فرصة أسبوع لو ما كنتش عنده أنت والمأذون تاني يوم اعتبر نفسك أنت وأبوك بره المصنع... وأنت يا راجل يا مهزأ أنت يا اللي بايع لحمك... انسى إنك ليك بنت اسمها جيهان ما تفكرش حتى تقول اسمها بينك وبين نفسك... سااااامع.
انتفض الرجل بفزع من صراخه وهرول إلى الخارج حتى ينجو بحياته من ذلك القاسي والذي يعلم علم اليقين أنه أشد خطرًا عليه من أحمد.
باااااااااك.
__________
دهب: مالك يا جيجي مسهمة كده ليه؟ مش المفروض تبقي فرحانة إنك هتخلصي منه... ولا ندمتي على قرارك ده؟
نظرت لها بعين عاد بريقها بعدما غمرها الأمل وقالت: أنتي هبلة يا دودو؟ أندم إيه يا بنتي؟ أشحال ما كنتي شايفة كل حاجة... أنا بس كل الحكاية إني حاسة جوايا بهدوء غريب... خايفة أفرح... خايفة أصدق إن خلاص كلها أقل من ساعة وهتحرر من العبودية... النهاردة هتعتق من العبودية يا دودو... هخرج من سوق الجواري اللي اتبعت فيه برخص التراب فهماني؟
ابتسمت دهب بود وقالت: فاهماكي وحاسة بيكي والله... إذا كان أنا بمجرد ما سيبت البلد وجيت هنا وأنا حسيت إني اتحررت من سجن عشت فيه عمري كله فما بالك أنتي... نظرت لها بخبث وأكملت: يلااا أهو تخلصي منه عشان حبيب القلب يرتاح باله بقى ويبطل ينطل لنا كل شوية ده جواد هيتجنن منه... ههههههه فاكرة لما لبس هدوم عامل توصيل وجابلنا بيتزا عشان الناس اللي تبع الزفت ده ما تشوفهوش... ههههههه وبناتك يا عيني لما استغربوا شكله ضحك عليهم وقال لهم دي لعبة جديدة هلعبها معاكم وصدقوه.
ضربتها بالوسادة وقالت بغيظ: اتلمي هااااا وبعدين خلاص خليتيه حبيب القلب... هو أنا قعدت معاه غير مرة يا جزمة؟
دهب: يا هبلة ما هو الواد بيتقرب من بناتك اللي بقوا يحبوه أكتر من أبوهم ليه؟ مش عشان يكسبك... أنتي عارفة إني احترمته جدًا... كان بيجي عشانهم وما طلبش من جواد إنه يشوفك ولا يكلمك... كل همه البنات يقربهم ليه ويخليهم يتقبلوه.
تنهدت جيهان بهم وقالت: عارفة والله يا دودو وهما كمان اتعلقوا بيه جدًا لدرجة إن ريتاج بتقول لي ياريته كان هو بابا... بناتي ما شافوش الحنية دي كلها ولا الاهتمام غير منه... بس أنا خايفة ومشوشة... مش عايزة أعيد تجربة الجواز دي تاني.
دهب بغضب طفيف: لا بجد أصلاً أصلاً تبقي مجنونة لو رفضتيه... ده بيموت فيكي يا بنتي وعلى حسب اللي سمعته إنه كان بيحبك من زمان وما قدرش ينساكي ولا يتجوز غيرك... اسمعي مني ربنا بيطبطب على قلبك بيه وبيراضيكي ويجبرك بعد كل اللي شوفتيه... ما ترفضيش النعمة بإيديكي.
انتهت إجراءات الطلاق بحضور فارس وجواد والمحامي الخاص به والذي استغرب أحمد وجوده ولكنه لم يعلق إلا حينما وقع على وثيقة الطلاق وجده يخرج ورقة من حقيبته ويمدها له وحينما سأله ما بها قال جواد بحزم: ده تنازل منك عن حضانة البنات عشان ما تفكرش تقرفها ولا تاخدهم حجة تلوي ذراعها بيهم.
انتفض أحمد من مجلسه وقال بغل: أنت كماااان عايز تحرمني من بناتي... ده بعدك... مش ماضي على حاجة.
نطق جواد اسم المحامي ففهم ما يريده فورًا... أخرج بعض الأوراق الأخرى من الحقيبة ومدها لعباس والذي ما إن قرأ محتواها انتفض هو الآخر وقال بجنون: ليييييه كده يا ابن أخويا ما هو طلقها زي ما طلبت مجهز عقود فض الشراكة ليه؟
فارس بغيظ: ما تخلص بقى يا عمي أنت وابنك هو كده كده اتجوز وأنت عارف ابنك واطي هياخد البنات كوبري عشان يجبرها ترجع له لأنه عارف إن ما لهاش حد يوقف له... اخلص بقى أنت وابنك خليها تشوف حالها بعيد عنكم... أظن إنك يا أحمد ما كنتش بتشوفهم غير صدفة يعني مش فارقين معاك من أساسه.
ذهب الجميع... ظلت تنظر إلى الورقتين بذهول وعيناها تهطل منها أنهارًا... ورقة طلاقها... طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه... ورقة تنازله عن ابنتيها... ماذا تفعل... تصرخ... ترقص؟
بماذا تعبر عن تلك الفرحة التي لا تتحملها؟
وقفت دهب جانبها ثم حاوطت كتفها بذراعها وربتت عليها وهي تقول: افرحي وبلاش دموع ربنا خلصك منه... وكمان جواد طلع عينه وأخد منه كل حقوقك أنتي والبنات يعني طلعتي كسبانة نفسك وبناتك وحقكم كمان.
كادت أن تكمل إلا أن جوادها الهمجي سحبها من ذراعها ليبعدها عنها بغيظ وهو يقول: واسيها من بعيد يا قطة مش لازم تلزيق.
نظرت له بذهول وقالت: عايز تزعل براحتك بس هموت لو ما عرفتش... عرفت إزاي إني لازقة فيها؟
كعادته رده حاضر دائمًا قال ببساطة: سمعت صوت طبطبتك عليها عادي يعني.
ستجن حقًا ستجن... قالت بغيظ: طب والله أنا حاسة إنك بتشوف وبتستعبط يا جواااااد.
مثل الحزن ببراعة وقال: تمام يا دهب... بس كل ما تقتنعي إن جوزك أعمى هيكون أريح لينا احنا الاتنين ولا زهقتي؟ أعقب قوله بالتحرك للأعلى فورًا وعلى وجهه أخبث ابتسامة يمكنك أن تراها يومًا.
أما تلك البريئة دمعت عيناها وقالت بحزن: والله ما أقصدش أنا كنت بهزر.
جيهان بتعقل: اطلعي راضيه أنتي عارفة الموضوع ده حساس بالنسبة له، بعدين كلنا كنا مستغربين تصرفاته في الأول عشان ما حسيناش إنه مش بيشوف وكده... بس مع الوقت اتعودنا خلاص.
صعدت إليه ودموعها منهمرة ندمًا على ما تفوهت به... وجدته يجلس فوق الأريكة وبيده سيجارة يدخنها ووجهه متجهم للغاية... اقتربت منه وقالت وهي تقف أمامه مثل الطفل المذنب: أنا آسفة... أصلاً أصلاً ما أقصدش والله بجد.
كاد يبتسم على هيئتها القابلة للالتهام ولكنه تحكم في حاله بصعوبة ولم يرد عليها كي يرى ردة فعلها.
وقفت للحظات وحينما يئست منه شجعت حالها وتقدمت لتجلس فوق ساقيه.
ملست على لحيته النامية وقالت بهمس مغوٍ لم تقصده: جوااااد.
أبوووس أيدك بلاش جواد دي دلوقت... كده هنهار... هكذا قال داخله ولكنها لم ترحمه إذ حركت أناملها الرقيقة فوق وجهه وهي تقول: جوادي... حقك عليا... أنا كنت بهزر معاك... يعني أنا لي مين غيرك أتكلم معاه براحتي.
لن يصمد... والله حاول الصمود... ولكن تلك البراءة والدلال... والعشق الذي يصرخ داخل عيناها يجبره على الانهيار.
مال عليها بهدوء ليلامس شفتيها بخاصته وهو يقول: صالحيني عشان زعلان.
همست له دون أن تبتعد وعيناها تلمع بشقاوة اعتادت عليها في الفترة المنصرمة: قول لي أصالحك إزاي وأنا مستعدة أعمل اللي نفسك فيه بس ارضى عني.
كاد أن يرد عليها بوقاحة بعد أن وصل لمبتغاه إلا أن قرعًا فوق الباب أوقفه... زفر بحنق وقال: مين؟
رد عليه الصبي من الخارج بصوت حزين وقال: أنا محمود يا عمو... ممكن أكلمك؟
شعر أن ابن قلبه به خطب ما... قبلها بسطحية وقال: هشوفه وأجيلك يا حبيبي.
وقف قبالة الطفل وقال بحنو: مالك يا حبيب عمك في حاجة حصلت؟
محمود بحزن: ماما كلمتني وزعقت لي عشان أرجع البلد.
جز جواد على نواجزه غيظًا ثم قال: هي كلمتك... قالت لك إيه؟
محمود: قالت لي... أنت خلاص نسيت تار أبوك وأنت عيل أهبل... اللي قتل أبوك ضحك عليك... وقالت لي إنها جاية مصر تزور تيتا وأهلها وهتعدي عليا عشان تاخدني معاها...
صمت للحظة وأكمل بانكسار: وأنا مش عايز أروح معاها يا عمو... ما تخليهاش تاخدني... أنا بقيت أخاف منها بعد ما شوفتها وهي بتحط حاجة لطنط دهب زي ما قلت لك... وقتها عرفت إنها كانت بتكدب عليا وهي اللي بتأذيكم مش العكس... بكى... طفل اكتشف حقارة أمه فلم يتحكم في دموعه وبكى بقهر.
ولكن حضن أبيه الروحي الذي رباه كان دومًا ملاذه الوحيد ليشعر بالأمان الذي حرم منه طوال سنواته الثماني... لم يجده لا في أب... ولا في أم.
ضمه بقوة وقال: ابن جواد ما يخافش من حد أبداً... أنا معاك وعمري ما هسمح لحد يؤذيك حتى لو كانت أمك... فاهم... أبعده قليلًا وأكمل: مش أنت بتثق فيا؟
محمود بتأكيد: جدًا يا عمو.
جواد: وأنا بثق فيك وبعتبرك راجل بدليل إن بعد ما اتكلمنا وأنت حكيت لي على اللي شوفته أنا خليتك تحمي بنتي صح... وكمان ما قلتش لأي حد على السر ده... يبقى أنا بعتبرك راجل... ومفيش راجل بيخاف.
اسمعني كويس يا ابن قلبي... في ناس بتتولد يتيمة وفي ناس أهلها بيبقوا وحشين... ده مش سبب أبدًا إنك تطلع وحش زيهم... أو تطلع صايع عشان يتيم... الإنسان اللي بيعمل نفسه يا حبيبي... لو أنت من جواك عايز تبقى كويس لو عايش في وسط مجرمين مش هتبقى زيهم... ولا عايز تطلع وحش لو عايش في جامع هتبقى وحش بردو.
أنت ربنا اختار باباك الله يرحمه... مامتك جواها مش حلو أو بتكره الناس... بس قصاد ده عندك أنا اللي اعتبرتك ابني وصاحبي من يوم ما اتولدت... جدك وستك اللي بيموتوا فيك واستحملوا اللي أمك بتعمله عشان خاطرك... يبقى أنت تبص لكل الناس اللي بتحبك وأنت بتحبهم وتطلع زيهم... عارف إنه صعب شوية عشان مهما كان دي أمك... بس كل ما تكبر هتلاقي نفسك بتميل للصالح عشان أنت جواك كويس وأصلك طيب.
شرد بعيدًا وأكمل وهو بداخله نية لتأهيله لما هو قادم: أنت هتكبر معايا وفي حضني... حضن أبوك اللي رباك وعايزك تبقى صاحبه وسنده لما يكبر... اللي عايزك تبقى أخو عيالي بأمر الله وتعلمهم اللي علمتهولك وتبقى راجلهم... توعدني إن مهما حصل هتفضل ابني اللي ربيته ووثقت فيه... وإنك مش هتخلي حاجة تأثر عليك مهما كانت.
ارتمى الطفل داخل صدر عمه وقال برجولة تعلمها منه: أوعدك... أوعدك يا عمو وهبقى راجل ومش هخلف وعدي أبدًا.
ضمه جواد بقوة حانية وقال: بابا... قول لي بابا يا حبيبي... لو حاسسها من جواك قولها.
ابتسم الطفل بفرحة عارمة وضمه أكثر وهو يقول: بابا... كان نفسي أقولها لك من زمان بس كنت مكسوف... أنت أحلى بابا في الدنيا... ربنا يخليك لي... يا بابا.
مرت سيارة فخمة داخل إحدى الحارات الشعبية والتي اعتاد ساكنيها على رؤيتها كل فترة... فمن لا يعرف فاطمة... ابنة تلك المرأة الطيبة والتي لا تشبهها نهائيًا... في ليلة وضحاها تفاجئوا بزواجها من فريد التهامي... ذلك الثري الذي انتشلها من بين أنياب الفقر... برغم رفض أمها إلا أنها أصرت على ذلك وتزوجته رغماً عنها.
فتح لها السائق الباب كما اعتاد وهبطت بكل غرور من السيارة الفارهة وبداخلها تشعر بانتشاء حينما رأت نظرات الانبهار داخل عيون المارة... كما يحدث دائمًا في كل مرة تأتي لزيارة أمها... برغم أن الأخيرة لا تريدها إلا أنها لها غرضًا من ذلك.
وصلت إلى سطح البناية المتهالكة بأنفاس لاهثة وهي تشعر بالضجر من تلك الحقارة المحيطة بها... فقد اعتادت على حياة الرفاهية ونسيت أنها ولدت وعاشت هنا.
فاطمة: إزيك يا أما؟ لسه بردو قاعدة جنب عشة الفراخ عشان تلمي البيض وتبيعيه؟ أنتي ليه مصممة تصغريني قصاد الناس هااااا... عايزاهم يقولوا إني جاحدة... عايشة في العز وسايبة أهلي مش لاقيين ياكلوا... طب أنا ومش راضية تاخدي مني حاجة... طب شيكا ابنك ليه رافضة إنه يصرف عليكي ويريحك من القرف اللي أنتي فيه ده؟
نظرت لها الأم والتي تدعى سهير بقهر وقالت: أنا ما بدخلش جوفي لقمة حرام... وإذا كانت الحية اللي ربنا ينتقم منها سحبتك أنتي وأبوكي وأخوكي لسكتها... أنا عمري ما هكون معاكم أبدًا سامعة... ولو مستعرية مني تقدري ما تجيش هنا تاني واعتبري إن أمك ماتت زي أبوكي ما مات في السجن.
تأففت فاطمة بنزق وقالت: كل مرة نفس الأسطوانة آآآيه ما بتزهقيش... خالتي توحيدة اللي بتقولي عليها حية ومش طايقاها هي السبب في الجوازة السعد والهنا اللي اتجوزتها... وهي السبب بردو إن ابنك يفتح ورشة لحاله بدل مرمطته عند اللي يسوى واللي ما يسواش... إنما أبويا اللي مات في السجن هي ما لهاش صالح بيه هو اللي مشي في الشمال احنا مالنا.
وقفت سهير وقالت بغضب: أنتي لسه فاكراني هبلة وهصدق... أبوكي كان شغال صنايعي وبيأكلنا بالحلال... أول ما دخلت علينا دخلتها السودة سحبته للسكة اللي بيروح فيها ما بيرجعش... حتى لما اتمسك ما اعترفش عليها ليه معرفش... ومات فجأة إزاي بردو معرفش.
منها لله ضيعت جوزي وعيالي... زي ما أبوها ضيع أمي زمان.
فاطمة بتأفف: خلصنا بقى من أم الأسطوانة المشروخة دي... الواد شيكا فين عايزاه ضروري وتليفونه مقفول من الصبح.
سهير: معرفش ومش عايزة أعرف... ربنا يصلح لكم حالكم ده اللي أقدر عليه... أعقبت قولها بالاتجاه ناحية الغرفة البسيطة التي تسكن فيها... لحقتها تلك العقربة وهي كلها عزم على أن تجعلها ترضخ لها كما طلبت منها خالتها.
جلست جانبها على إحدى الأرائك المتهالكة وقالت: يا أما... يا أما يا حبيبتي أنا صعبان عليا الشقى والذل اللي أنتي فيه... أنا ما بيجيليش نوم والله وأنا حاسة إنك نايمة على مرتبة تقطم الضهر وأنا متنعمة فوق ريش نعام... بآكل أحلى أكل وأمي حبيبتي بتاكل طقة وتجوع باقي اليوم لو الفراخ ما باضتش... طب بذمتك ينفع؟
لو مكاني هترضيها؟
سهير بقوة: لو بالحلال كنت جيت وقعدت معاكي يا بنت بطني إنما أبلع اللقمة إزاي وأنا عارفة إنها من مال حرام... شردت بعيدًا ثم أكملت بحزن عميق: أمي زمان مشت في الحرام وذاقت مرارة واتبهدلت... وأنا مش هعيد الزمن تاني يا بنتي... الحرام آخرته وحشة.
وأنا خايفة عليكي أنتي وأخوكي... ربنا رزقك براجل زي الفل ومحترم، ليه ما تحافظيش عليه وتمشي تحت طوعه؟... وتسيبي سكة خالتك... أنتي مش محتاجة حاجة، وأهل جوزك مقتدرين وربنا كارمهم من وسع... أنا لحد دلوقتِ مش قادرة أصدق إن المرحوم ده ابنهم.
انتفضت فاطمة من مجلسها وقالت بصراخ غاضب:
"مش هرجع يا ماما! سامعة؟ مش هرجع... لحد ما يكون معايا اللي يعيشني ملكة بقية عمري من غير ما أحتاج لحد."
"مش هبقى زيك... أرضى بواحد أكبر مني ياكلني يوم ويوم لا... ولا زي أمك اللي أبوكي ضحك عليها وخد شرفها وفي الآخر رماها... لما لقت نفسها حامل باست رجله عشان يسترها وبرده مرضاش... طفشت وسابت البلد وهي حامل فيكي... اتلطمت وجاعت ونامت في الشارع لحد ما واحد ابن حلال عطف عليها... عرف حكايتها وعشان هو راجل كبير وما بيخلفش اتجوزها وكتبك باسمه لما أبوكي رفض يعترف بيكي... عشتوا عيشة الفقر والجوع أنتي وأمك، حتى لما كبرتي واتجوزتي برده اخترتي واحد من توبك... كنتي عايزاني أفضّل مكملة في القرف ده؟ هاااا... ردي عليا."
سهير بغضب أقوى:
"طب ولو أبويا الحقيقي ما كانش ضميره صحي قبل ما يموت وقال لتوحيدة على اللي حصل زمان... لو ما كانش جابها لحد هنا عشان تقنعني أسامحه وإننا نبقى أخوات... لو ما كانتش ظهرت في حياتنا كنتي هتعملي إيه؟ كنتي هتبيعي لحمك للي يدفع؟"
فاطمة بتصميم:
"أهي ظهرت وطلعتنا من الفقر اللي إحنا فيه... وهي اللي أقنعت فريد بيا... وهي برده صاحبة فكرة إني أهددهم بالولد عشان يجوزوني واحد من إخواته بعد ما مات... يعني هي السبب في كل اللي وصلت له واللي لو الدنيا اتهدت مش هرجع عنه... ساااامعة!"
رواية جواد ودهب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم فريدة الحلواني
قرر أن ينهي تلك اللعبة التي طال انتظار نهايتها. قد عمل بجد واجتهاد ليمسك في يده أطراف جميع الخيوط، ولن يجعل أحدًا منهم يفلت أبدًا.
جلس داخل مكتبه في جهاز المخابرات مع أعضاء فريقه وابتدأ الحديث قائلًا:
"فهد، رفيق معاه كام عيل؟"
فهد:
"من ساعة ما نزل القاهرة خاطف تلاتة، والنهاردة من الصبح بيحاول بس مش عارف."
جواد:
"نزل قوة من القسم التابع للمنطقة اللي ساكن فيها واعمل مداهمة وأنت معاهم."
شريف:
"طب ليه يا فندم؟ ما هو لسه عايز عدد أكبر وكنا هنراقب الولاد وهما بينقلوهم عشان نعرف مخبأهم."
جواد بذكاء:
"لا، كده كده لو انتظرنا ممكن يهربوا من المراقبة وممكن اللي مسؤول عن المكان اللي بيخزنوا فيه الأطفال يعمل زي اللي قبله وما يعترفش عليهم."
فهد:
"قولنا إيه اللي في دماغك يا ريس وإحنا معاك."
جواد:
"هَنوقعهم واحد واحد وهنبدأ بالصغيرين، ومش هنقول في التحقيقات الرسمية معاهم إننا نعرف بانتمائهم للمنظمة. بمعنى رفيق هيتمسك بتهمة خطف أطفال، بعدها عبادي بتهمة الدجل، وهكذا. وبكده نبقى قطعنا إيديهم ورجليهم، ووقتها هيتوتروا وتفكيرهم هيتشل، وأكيد غلطهم هيكتر. إحنا بقى هنكون مراقبين كل حاجة من بعيد لحد ما يغلطوا الغلطة اللي توقعهم في إيدينا، فهمتوا؟"
مهند:
"فهمت سيادتك. هما بسبب وقوع رجالتهم واحد ورا التاني هيفقدوا تركيزهم وحرصهم، فبالتالي غلطاتهم هتزيد وإحنا نكون منتبهين لكل ده، صح كده؟"
جواد:
"صح كده. إحنا لو قعدنا مستنيين نمسك الراس الكبيرة مش هنوصل، إنما لما نوقع الناس اللي بيثقوا فيهم هيضطروا يشغلوا غيرهم، ووقتها ممكن نزرع حد تبعنا."
شريف:
"في حد في دماغك يا ريس ولا..."
ابتسم جواد بخبث وقال:
"ولا إيه بس؟ أنت تعرف عني كده ههههههه."
كانت إيمان تتابع العاملات كما اعتادت، ومعها روان وهدى وزينب التي ما زالت تقيم لديها. وجدت تلك الخبيثة شبيهة زوجها تدخل عليهم وهي تضع كمية كبيرة من مساحيق التجميل التي شوهت وجهها، مرتدية عباءة حمراء ضيقة للغاية ووشاح بنفس اللون ولكن موضوع بإهمال متعمد ليظهر نصف خصلاتها الصفراء.
نظرت هدى وروان لبعضهما وحاولا كتم ضحكاتهما على ذلك المظهر والتي تعتقد صاحبته أنها أيقونة جمال.
أما إيمان تركت ما بيدها وقالت بغضب:
"أنا كام مرة قلتلك ما تخرجيش من أوضتك بالمنظر المقرف ده!"
ردت عليها دعاء، عروس أحمد الجديدة والتي تبلغ من العمر عشرين عامًا:
"الله يا مرات عمي! مش عروسة وعايزة أفرح بنفسي وحاجتي، هو أنا جايبة كل الهدوم دي عشان أقعد بيها بين أربع حيطان؟"
إيمان:
"لا جيباها لجوزك يا حبيبتي، تلبسيهالو في جناحكم. أنتِ متجوزة في بيت عيلة مليان رجالة، ما يصحش حد يشوفك بالمنظر ده. دِ أنتِ يا بت العباية هتتفرتك عليكي، وإيه كيلو البودرة اللي مغرقة بيه وشك ده؟"
ردت عليها بدلال مصطنع:
"عاجب جوزي وهو قالي البسي يا حبيبتي اللي أنتِ عايزاه وخدي راحتك."
روان بغضب:
"عشان ديوث، بيعرض لحم مراته عالرجالة! أنتِ يا بت أنتِ أنا مش طايقاكي من ساعة ما دخلتي علينا بوشك الشؤم ده، الحبايب كلها غابت عن البيت. تِغوري تغسلي خلقتك مالقرف ده وتلبسي حاجة محترمة، يا إما ما تطلعيش من جناحك وإن شاء الله تقعدي فيه عريانة، سااااامعة!"
حاولت هدى تلطيف الأجواء فقالت:
"بالراحة يا روان، هي تلاقيها مش عارفة عوايدنا وأحمد أكيد ما وعّاهاش."
روان:
"بالرااااحة إيه! بقالنا أسبوع بنكلمها ومفيش فايدة. خلت الرجالة بطلوا يجتمعوا على سفرة واحدة من كسوفهم من منظرها بعد ما إحنا نبهناها وفارس ومصطفى كلموا الزفت أحمد ومفيش فايدة. أنا باكل مع جوزي في أوضتنا وأنتِ كمان، وجواد قاعد في مصر هو ومراته وجيجي بقالهم أكتر من شهر. إحنا من إمتى اتفرقنا كده يا هدى وكل واحد بقى ليه طبق لوحده ياكل فيه؟"
دعاء بغيظ:
"أنا ما منعتش حد، هما اللي متغاظين مني وزعلانين على السودة اللي غارت في داهية."
هنا ولم تستطع الفتاتان السكوت عن تلك الإهانة، هجما عليها في وقت واحد. جذبتها هدى من شعرها وروان من ملابسها وظلتا تكيلان لها اللكمات والعضات الموجعة.
زينب بوجل:
"الحقي يا حاجة هياكلوا البت!"
إيمان ببرود:
"خليهم يربوها، تعالي نكمل الأكل قبل الحاج ما يرجع."
صرخت هدى بغل:
"إياكِ تجيبي سيرتها على لسانك، ساااامعة!"
روان:
"دي ستك وتاااج راسك يا صايعة، أنا عارفة جابك من أنهي داهية!"
صرخت دعاء بألم وقالت مستغيثة:
"الحقوووووني! حرمت، والله حرررررمت!"
تركاها الاثنان لتقع أرضًا وهما يتنفسان بقوة فقالت روان:
"غووووري ما أشوفش وشك هنا تاني، خلي الرجالة ترجع تتلم تاني يا وش الفقر."
رغم وجع جسدها إلا أنها هرولت إلى الأعلى لتنفد بحياتها من تلك الشرسات.
نظرت هدى في أثرها وقالت:
"تصدقي ارتحت، فشيت غلي فيها بنت الكلب دي."
روان:
"ولسه أنا هحرمها تطلع بره أوضتها. البت يا أختي دخلت علينا برجلها الشمال فرقت الكل."
هدى:
"مصطفى وفارس اتكسفوا يقعدوا في نفس المكان وهي كده، وأخوكي ولا هو هنا، ده مبسوط بيها وفاكرهم غيرانين منه الأهبل."
روان:
"فينك يا جيجي، والله خسارة. كانت قمة في الاحترام والأدب، سبع سنين ما شفناش منها حاجة وحشة ولا عمرها غلطت في حد ولا زعلت حد منها."
هدى:
"المهم سيبك منها خليها تغور، وجيجي الصراحة بقى من غير زعل ربنا رحمها من أخوكي، ما كانش يستاهلها من الأساس."
روان:
"عندك حق والله، بس صعبان عليا البنات وإنها مش هتبقى معانا خلاص."
هدى:
"ما إحنا بنكلمها كل يوم ولما تستقر في مكان نبقى نزورها بحجة بنات أخوكي، يعني مش هنقطع بيها، بس كده أحسن، خليها تترحم من الذل اللي كانت هتشوفه على إيد أخوكي والعقربة اللي بلانا بيها، قال البيت كان ناقص عقارب، مش كفاية الأرملة السوء اللي معانا رايح يجيب لنا أم أربعة وأربعين هههههههه."
كان الوضع متوترًا جدًا داخل مكتب فارس الذي سأل باستغراب:
"مالك يا مصطفى متعصب على العمال ليه، وبقالك فترة متغير؟ أنت فيك حاجة؟"
وقف مصطفى يصرخ به:
"أنا زهقت! أييييه مفيش غير جواااد؟ طب أهو بقاله أكتر من شهر سايب الشغل على دماغنا وإحنا متحملين، بس البني آدم طاقة. هنفضل كده لحد إمتى نتعب ونشقى وفي الآخر هو اللي يتصفق له؟"
فارس بغضب:
"احترم نفسك يا مصطفى واعرف أنت بتقول إيه! أنت إيه اللي جرالك؟ من إمتى وأنت بتفكر كده؟"
مصطفى بغل:
"من دلوقتي يا فارس. أنا من حقي يكون ليا وضع في مالي مش مجرد شغال عند أخوك. كده كده بشقى وبتعب يبقى أعمل كده في شغلي لوحدي مش للكل."
فارس بتوجس:
"يعني إيه؟"
مصطفى بتصميم:
"يعني أنا عايز أفصل الشغل معاكم، عيالي أولى بشقايَه."
صمت مهيب حل على المكان بعد تلك الكلمات غير المتوقعة والتي لا يصدقها عقل.
تمالك فارس صدمته وأراد أن يعرف ما الذي أصاب رفيق دربه فقال بمهادنة:
"أنا مش هحاسبك على اللي قلته في لحظة غضب، بس من حقي أعرف السبب. إحنا طول عمرنا إخوات ومفيش حاجة فرقت بينا. مرينا بمواقف كتير مع بعض ومشاكل أكتر، بس في كل مرة بنطلع منها أقوى من الأول ومحدش فينا ساب إيد التاني. قولي مالك وأنا أوعدك اللي فيه راحتك أنا هقف معاك فيه."
جلس مصطفى فوق المقعد بحزن وقال:
"اتخنقت يا أخي. كل الناس شايفاني مجرد تابع لجواد، مليش أي شخصية ولا قرار. إمبارح زعقت لعامل كان مقصر في شغله وخصمت منه اليوم، راح اشتكى لجواد وقاله اعتبر نفسك ما سمعتش حاجة. مش أول مرة يعملها. كل ما آخد قرار يعارضني فيه، مش شايف حد غيره صح."
فارس:
"طب ما إحنا طول عمرنا بنسمع كلامه وبنمشي بشورته، إيه اللي جد؟"
مصطفى بغضب:
"اللي جد إن الناس بقت تقولها في وشي يا فارس. النهاردة بفهم عامل على حاجة قالي قدام الكل هبقى أسأل جواد بيه الأول."
"حتى مراتي طول عمرها شايفاني مليش شخصية، كنت بعارضها وأحاول أغير فكرتها، بس خلاص كل حاجة بقت واضحة للكل."
"ولا أنا ولا أنت لينا قيمة ولا هيتعمل لنا قيمة طول ما كل حاجة في إيده."
فارس بغضب:
"لا لا لا! اتكلم عن نفسك، ملكش دعوة بيا خاااالص. ده أخويا اللي مليش غيره، وأي حاجة يعملها أنا معاه فيها، ولا هقول ده بيلغي شخصيتي، ولا هغير منه."
نظر له بغضب حزين وأكمل:
"أنت شكلك في حد معبي دماغك، بس تمام شوف اللي يريحك وأنا بنفسي هقول لجواد ينفذهولك. خلاص، قدام الشيطان دخل بينا عمرنا ما هنصفي لبعض. هاااا ناوي على إيه؟"
مصطفى بتبجح:
"أنا همسك مصنع مصر مكان فريد الله يرحمه. أنا أولى من سليمان، وكمان هاخد مراتي وولادي ونقعد في شقتي هناك."
فارس باستهزاء:
"ده أنت مخطط ومرتب كل حاجة! طب مش شقتك دي في وش شقة جواد برضه؟ ما أنت هتبقى معاه."
مصطفى:
"لا هيبقى ليا بيت لوحدي. عادي زيه زي أي جار في العمارة لو مش عايز نفضل ولاد عم."
في تلك الأثناء كان أحمد يقف بالخارج ويبتسم بخبث، وبعدما سمع آخر قرار، فقد رآه منذ قليل وهو يتجه ناحية مكتب فارس بوجه متجهم فلحقه كي يعرف ماذا حدث، تحرك من مكانه وهو يفكر في شيئًا ما.
أما بالداخل بعد أن حل الصمت لبضع ثوانٍ، استمع مصطفى لمن يقول له من خلال سماعة الأذن:
"كااااات! هايل يا فنان! المشهد اللي بعده بقى."
كتم ضحكته بصعوبة وقال بهمس:
"عجبتك يا أبو الجود؟"
جواد:
"إلا عجبتني، ده أنا صدقتك يا ابني! لا لا لا أنت جواك مواهب مدفونة، فكرني أطلعها بعد ما نخلص. المهم قوم بقى اطلع من المكتب وأنت زعلان وكمل اللي اتفقنا عليه، هو خلاص غار في داهية."
انتفض رفيق من مجلسه بعد أن كسر باب شقته المستأجرة في إحدى المناطق النائية والتي يخبيء داخلها الأطفال الذين اختطفهم منذ أيام بناءً على أوامر.
توحيده
وقف مبهوتًا حينما وجد قوة من الشرطة تقف أمامه، ويقول قائدها بحزم:
"فتش المكان يا عسكري منك ليه بسرعة."
ارتعش رفيق وقال برعب:
"آآآ... في إيه يا باشا؟ أنا راجل غلبان جاي أدور على لقمة عيش."
نظر له فهد باستهزاء هو والضابط الآخر وقال:
"هنشوف... هنشوف نوع أكل العيش اللي أنت جاي تاكله."
خرج اثنان من المجندين من إحدى الغرف ومعهم ثلاث أطفال يبكون برعب، وقال أحدهم:
"تمام يا فندم، لقينا الثلاث عيال دول جوه."
فهد بحنو:
"بتعيط ليه يا حبيبي؟"
أحد الأطفال:
"عايز ماما... الراجل ده أخدني... وقالي هوّدّيك لماما."
نظر بغضب لرفيق وقال:
"ده أنا هطفحك اللي أكلته يا ابن الكلب... خدوه!"
أخذ رفيق يصرخ أنه بريء وأن الطفل يكذب، ولكن لم يسمعه أحد.
ابتسم فهد وأخرج هاتفه وطلب جواد، حينما جاءه رده قال:
"تمام يا باشا."
جواد:
"خليهم يروّقوه في القسم ومحدش يسأله على أي حاجة غير خطف العيال... التحقيق يمشي عادي زي ما اتفقنا... خلص وبلغني باللي هيحصل، مش عايز غلطة."
صرخت توحيده بجنون عبر الهاتف بعدما جاءها خبر إلقاء القبض على رفيق من أحد رجالها، والذي كانت مهمته مراقبته، فهي لا تثق في أحد أبدًا وتضع مراقبة على كل من يعمل تحت إمرتها.
قالت بجنون:
"إزاااي؟ إيه اللي وصلهم ليه؟ ده محدش يعرف عنه حاجة!"
الرجل:
"مش عارف يا ريسة، أنا اتفاجئت بيهم وأول ما خدوه قولت أبلغك."
توحيده:
"اطلع عالقسم بسرعة شوف حد من حبايبنا هناك... اعرف منه إيه الحكاية وبلغني بسرعة."
أغلقت في وجهه وهي تكاد تجن، ولأول مرة تتخلى عن حرصها ولم تخرج لتتحدث خارج المنزل كما اعتادت. جلست على أحد المقاعد وهي تغلي من الغضب وتقول:
"طول عمرك غبي... أكيد حد كشفك."
نظرت للأمام وأكملت بشر:
"هعرف قبضوا عليك إزاي، ولو كان الموضوع يخصني... يبقى مش هتكون أغلى ماللي راحوا."
دلف عليها في تلك الأثناء زوجها، وفي لمح البصر تحولت من شيطان إلى ملاك هادئ وهي تقول بحنو:
"حمد الله عالسلامة يا محمد... أحضرلك العشا؟"
نظر لها باستهزاء وقال:
"أنتِ متعبتيش من الأسطوانة المشروخة بتاعت كل يوم دي؟ إيه مبتزهقيش؟ عارفة إني مش طايقك وعارفة إن لا يمكن آكل حاجة من إيدك وبرضه مصممة تعيشي الدور."
توحيده بمهادنة:
"مش هتعب ومش هيأس لحد ما تحس بيا وتعرف إني عملت كل ده من حبي ليك... وهفضل وراك لحد ما تسامحني وترجعلي تاني."
نظر لها بقهر وقال:
"هو أنا كنت معاكي بإرادتي عشان أرجعلك؟ أنا مصممة تكذبي الكذبة وتصدقيها... أنتِ غيّبتي عقلي وخدتيني بالغدر... لعبتي عليا دور الست المضحية وجوزتيني عيلة مكملتش ستاشر سنة عشان الخلفه... محسّتش بنفسي غير وأنا متهم بالاغتصاب والقتل... إزاي معرفش بس اللي أنا متأكد منه إنك عملتي فيا حاجة خلتني مش حاسس باللي بعمله... مش جديد عليكي... وفي الآخر مقعداني معاكي تحت التهديد بالتقرير اللي بيثبت إنها ماتت بسببي... تفتكري بعد ده كله ممكن أسامحك؟"
هز رأسه بيأس وتركها دون أن يضيف حرفًا آخر وصعد إلى الأعلى ليستريح داخل غرفة ابنته الحبيبة والتي اتخذها مسكنًا له بعد زواجها.
صدح صوت هاتفها معلنًا عن تلقي اتصال، حينما نظرت له برغم أنها وجدت رقمًا غير مسجل إلا أن قلبها أخذ يخفق بقوة، نعم إنه رقم سليمان الذي حفظته عن ظهر قلب كما أمرها في خطابه.
مدت يدها بارتعاش كي تنهي المكالمة، ولكن رغماً عنها وجدت حالها ترد عليه وتقول بصوت مهزوز:
"السلام عليكم... مين معايا؟"
ابتسم بعشق بعد أن شعر أنها تعرف هويته وقال:
"معاكي قلبي اللي خطفتيه يا سماره... معاكي واحد هيموت عليكي... معاكي قلب طاير من الفرح بعد ما حس إن حلمه قرب يتحقق... عرفتي مين ولا أقول كمان؟"
ضحك بخفة وأكمل:
"يا ريت تكوني معرفتيش عشان أكمل اللي هتجنن وأقوله."
حاولت مداراة ابتسامتها ورسم الجدية على ملامحها وهي تقول:
"أستاذ سليمان... حضرتك ميصحش اللي بتعمله ده... يعني لو سمحت بلاش الكلام ده حضرتك آآآآآ."
قاطعها بمزاح:
"آآآآيه يا بت كمية حضرتك دي؟ أنتِ ليه محسساني إنك بتكلمي مديرك في الشغل وأنتِ مقدمة على وظيفة وخايفة تترفضي؟"
حاولت كتم ضحكتها ولكن خرجت منها رغماً عنها فقال بفرحة:
"أيوه كده ده النبي تبسم."
جيهان:
"عليه أفضل الصلاة والسلام... "
تنهدت بحزن وقالت:
"وآخرة ده كله إيه؟ جيت كلمتني وكأني كان بينا قصة حب وأنا غدرت بيك... ومن بعدها عمال تتقرب من البنات لحد ما علّقتهم بيك... ودلوقت هتبدأ شغل التليفونات بقى وكده... بلاش تضغط عليا أرجوك... أنت عارف أنا مريت بإيه... مش سهل عليا إن أبدأ حياة جديدة وأنا مش عارفة أداوي روحي اللي مليانة جروح."
رد عليها بنبرة تقطر عشقًا:
"أولًا فرحتيني عشان البنات اتعلقوا بيا ويعلم ربي إني حبيتهم من قلبي وحاسس إنهم بناتي أنا... مش عشانك لا أنا حبيتهم بجد..."
تنهد بعشق وأكمل:
"أما بقى جروحك واللي أنتِ شوفتيه... أنا مش هقولك أوعدك إني أجبلك حقك... لأن بيكي أو من غيرك هنتقم منه على كل اللي عمله فيا وفيكي."
"أما روحك المجروحة يا سمارتي... قلبي هيداويها وهيطيب خاطرها... هيفرحها ويعشقها... ويعوضها كل المر اللي شافته وهي بعيدة عنه."
"ده وعد قلبي ليكي يا عشق قلبي اللي مقدرش ينساكي... ووجعه اللي عاش فيه سنين وأنتِ بعيدة عنه..."
تنهد بهم وأكمل بتمني:
"مصدقة وعد قلبي يا سماره؟"
ابتسمت بحالمية وقالت بهدوء صاخب:
"مصدقة... وواثقة فيه."
أرادت أن تفاجئ حبيبها بشيء جديد حينما يعود إليها بعد انتهاء عمله.
برغم علمها بعدم قدرته على رؤيتها إلا أنها لا تضع لهذا الأمر حسابًا، بل تتزين له وتظهر بأبهى طلة، يكفي شعوره بها وثناؤه عليها وكأنه يراها.
وقفت أمام خزانة الثياب بحيرة، تحاول أن تنتقي شيئًا مثيرًا ومختلفًا. ابتسمت حينما وجدت ضالتها، وما هي إلا عباءة مصنوعة من قماش حريري لامع. حينما ارتدتها أصبحت كجلد ثانٍ لها من شدة ضيقها، لها فتحتان من جانبي ساقيها يصلا إلى نصف فخذيها، وفتحة صدر من المفترض أن تغلق بأزرار ولكنها تركتها مفتوحة لتظهر جوانب نهديها. ارتدت معها خلخال فضي لتكمل الهيئة بعد أن ربطت مقدمة شعرها بمنديل أحمر لامع وتركت خصلاتها تنسدل خلف ظهرها.
ضحكت بصخب وهي ترى هيئتها في المرآة وقالت:
"الرقاصة جت يا ولاد... كان نفسي يبقى عندي حلق كبير عشان أكمل المنظر بس مش مشكلة كده تمام."
تمددت فوق الفراش تعبث في هاتفها، شاهدت بعض الفيديوهات الخاصة بتعليم وضع المكياج، وحينما سمعت صوت سيارته أغلقت الهاتف سريعًا واندست تحت الغطاء ممثلة النوم، فقد قررت فعل ذلك كي ترى ما سيفعله حينما لا يجدها في استقباله كما اعتاد منها دومًا.
دلف جناحه بإرهاق بعد أن وجد المكان خاليًا من الجميع، علم أن جيجي والأطفال خلدوا إلى النوم وبالتأكيد صغيرته تنتظره في جنتهم الخاصة.
ولكنه لم يسمع لها صوتًا، ولم تقم باحتضانه كما تفعل حينما تراه، ركز قليلًا فسمع صوت تنفسها العالي، اتجه ناحية الفراش ومسد فوقه فوجدها نائمة.. أو هكذا مثّلت.. ولكنها فاشلة في فعل ذلك إذ وشى بها صعود وهبوط صدرها تحت يده. ابتسم بخبث وقبلها برقة فوق وجنتها ثم قال بهمس:
"أنتِ نمتي يا ديبو؟ يا خسارة كنتِ وحشاني... وفقط."
اعتدل مرة أخرى واتجه إلى غرفة الثياب كي يبدل ملابسه.
اعتدلت وقالت بحزن:
"والله وأنت كمان وحشتني بس أنا كنت عايزة أشوفك هتعمل إيه لما تلاقيني نايمة... يا حرام ده طلع طيب وصعبت عليه... أوووف أعمل إيه يا ربي بقى؟"
كان في ذلك الوقت قد خلع عنه ثيابه وبقي بلباسه الداخلي فقط. وقف أمام المرآة يخلع عنه تلك العدسات الحاجبة للرؤية ويضعها في علبتها المخصصة لها. نظر إلى وجهه يمينًا ويسارًا وهو يقول:
"دقني طولت... عايز أخفها شوية."
في تلك الأثناء كانت قد قررت أن تتسلل بهدوء وتلحق به لتفاجئه وتمزح معه، ولكنها تصنمت موضعها وهي تكتم أنفاسها حتى لا يسمعها، بعدما رأته يفعل ذلك. لا تعلم كيف عادت إلى الخلف بهدوء، ودواخلها ترتعش. جلست فوق الفراش وهي تقول بجنون:
"جواد بيشوف... لالالا... أكيد أنا فهمت غلط... مش ممكن."
انتفضت بزعر حينما سمعته يقول:
"أنتِ صحيتي يا حبيبي؟"
وضعت يدها فوق قلبها الذي يخفق بجنون وقالت:
"خضتني يا جواد."
شعر من صوتها أن بها شيئًا ما. جلس قبالتها ثم مسد على وجهها وهو يقول:
"اهدي حبيبي متخافيش... أنا جيت لقيتك نايمة دخلت غيرت وجيت لقيتك صاحية."
كانت تنظر داخل عينيه كي تستشف ما بداخله، أهو يراها حقًا؟ أم تخيلت؟ لأول مرة في حياتها، تقرر ألا تفصح عما بداخلها حتى تتأكد بنفسها من صدق ما رأته بعينيها.
مثّلت المزاح وقالت:
"لا أنا كنت عاملة نفسي نايمة ولما لقيتك دخلت تغير قعدت عشان أخضك... هههههه بس أنت اللي خضتني."
لم يقتنع ولن يقتنع بما قالته، فإذا كانت تحاول مداراة شيء ما، فهي فاشلة في ذلك الأمر. اهتزاز حدقتيها، صوتها المرتعش، جسدها النابض، كل هذا يدل على كذبها. حسنًا ذهبي، سأعلم ما بكِ وسأحاسبك على تلك الكذبة البلهاء، لن أسمح لكِ أن تخفي عني شيئًا مهما كان.
إذا كانت الصغيرة قد كبرت، فلن تكبر عليّ أبدًا.
قبلها بهدوء ثم فصلها وقال:
"اعتبريني اتخضيت يا حبيبي... لابسة لي إيه بقى انهارده؟"
كل منا داخلها أنثى ماكرة بالفطرة، وقد قررت أن تستخدم معه مكر النساء لتعلم الحقيقة.
وقفت قبالته وبدأت تمرر يدها فوق
رواية جواد ودهب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم فريدة الحلواني
يعلم الله كم يجاهد حاله حتى لا يلتهمها. يعلم الله كم يكبح جماح عينه بشق الأنفس حتى لا ترى كل تلك الفتنة التي تحاوطه. رغم ثباته الانفعالي، رغم قوته، رغم كل ما تعلَّمه، إلا أن تلك الصغيرة أضاعت كل هذا أدراج الرياح. رُغمًا عنه اهتز بؤبؤ عيناه حينما حاوطت وجهه وهي تنظر له بتركيز وتقول بوله أذابه:
وحشتني يا جواد اوي.
اقتربت أكثر بوجهها حتى لامست شفتيه بخاصتها دون تقبيل كما يفعل دائمًا، وأكملت:
برغم إنك كنت معي الصبح بس حاسه إني مشتاقة لك أوي.
تحركت فوقه بهدوء خطر أشعله أكثر وقالت:
هو أنا موحشتكش يا جوادي؟
فلتذهب خطته إلى الجحيم، فليذهب كل شيء إلى أعماق الجحيم. برغم توجسه وشعوره القوي أن صغيرته بها شيئًا ما، إلا أنه الآن لن يُرهق حاله في تحليل تصرفاتها. فلتأكلها الآن وبعدها ستكتشف ما بها.
لم ينتظر ولن ينتظر، إذ كان أفضل رد على سؤالها هو التهام ثغرها المغوي بقبلة جامحة، كانت الغلبة فيها لأسنانه التي قضمَتها بعنف إلى أن سال منها الدماء.
لم تهتم بذلك الألم الذي اعتادت عليه منه، بل قررت أن تعيش معه أول ليلة وهي على يقين أنه يراها، هكذا أخبرها قلبها العاشق. واهتزاز عينه مع حركاتها اللئيمة جعلها توقن أنها على حق. فلننتظر ولنصبر حتى تفقد سيطرتك أيها الجواد الجامح وتشي بحالك دون أدنى مجهود من دهبك البريئة التي ستتعلم الخبث على يدك، كما علمتها فنون عشقك وما زالت تنهل من علمك الذي لا ينضب.
عبثت في شعره الناعم بجنون وبدأت تفرك نصفها السفلي فوق وحشه المنتصبة. بادلته جموحه بجموح أكبر، حاولت مجاراته، وبرغم سرعته إلا أنه كان منتشيًا بمحاولتها معه.
مررت يدها فوق عنقه إلى أن وصلت لصدره الصلب. عبثت قليلًا في شعيراته ثم حاولت أن تبعده عنها بصعوبة حتى نجحت. نظرت له وقالت بلهاث:
النهاردة حابه أطبق اللي اتعلمته منك.
نظر لها بذهول فرح وقال:
مش فاهم يا ديبو.
عضت شفتها بفجور أهلكه، ورغمًا عنه تحركت عيناه لترى تلك الحركة المميتة بالنسبة له. ابتسمت بخبث وقالت وهي ما زالت تحسس فوق صدره:
إيه اللي مش مفهوم يا روحي بس؟
تحركت فوقه ببطء وأكملت:
شكلك جاي تعبان، وكل مرة أنت اللي بتعمل كل حاجة، أنا بقى النهاردة حابة أجرب إني أنا اللي أعمل.
قبلته بسطحية وأكملت:
وأنت تقعد زي الباشا تشوف تلميذتك شاطرة.
غمزت بعينها وأكملت:
ولاااااا.
ارتعش جسدها حينما شق ما ترتديه بمنتهى الهمجية، ثم كتّف يداها ووضعهما خلف ظهرها وأمسكهما بيد واحدة. انهال على رقبتها بقبلات محمومة وهي قرَّبت مقدمتها له برغم ميلها إلى الوراء بدلال. علت أصوات تأوهاتها والتي خرجت منها بدلال أهلكه مما جعله يقضم مقدمة مقدمتها بجوع فـ:
آه، جوادي.
ابتعد وقال بلهاث:
قلب وعقل جوادك يا حبيبي، أنا ملكك، اعملي كل اللي نفسك فيه.
دفعته بيدها الصغيرة حتى يميل للوراء إلى أن تمدد على ظهره. ثم تحركت بتمهل مهلك من فوقه إلى أن وقفت فوق الأرض بين ساقيه. أزاحت عنه لباسه التحتي وهي تنظر داخل عيناه. وبعد أن أبعدته، مالت تداعب وحشه بيداها وما زالت تراقبه. أغمض عينه بانتشاء حينما شعر بثغرها يحاوط وحشه بهدوء عنيف. أمسك بغطاء الفراش وهو يزمجر بهياج بعد أن أسرعت من حركاتها. لم يستطع التحمل أكثر.
اعتدل بسرعة وسحبها من خصلاتها حتى يلقيها مكانه وينهال من شهدها. تاهت معه ونسيت ما كانت تنتويه. وفي ظل حربها الداخلية بين عقلها الذي يحاول أن يجعلها تنتبه لجوادها وتراقبه، وقلبها الذي يجبرها على التمتع بما يفعله، وما بين ذلك وذاك، شعرت به يخترقها بعد أن رسم على جسدها لوحة فنية. في كل مرة يلجها يشعر وكأنها مرته الأولى، نفس اللذة، نفس المتعة، نفس الانتشاء، نفس شعوره بالغضب حينما يطلق حممه داخلها، ونفس السؤال: لماذا لا أظل داخلها دائمًا؟
تمدد فوقها يلهث بقوة ويوزع قبلاته الحانية كما يفعل دائمًا. انقلب ليتمدد على ظهره ويسحبها فوق لينعم بملمس جسدها الناعم. ظل يملس على شعرها ويرتبه وهو يحاول تنظيم أنفاسه.
وهي عادت إلى أرض الواقع ولكن بداخلها يعيد كل ما حدث منذ لحظات. كادت تجن، فبرغم أن في بعض اللحظات شعرت بضعفه واهتزاز عينه، إلا أنه في المجمل كان يتصرف بطبيعته التي اعتادت عليها.
قررت أن تنتظر وتراقبه دون أن يشعر، ستحاول حتى تكشف الحقيقة، والتي إذا ما تأكد ما رأته ستنقلب حياتها رأسًا على عقب.
أفاقها من شرودها قبلة فوق خصلاته وصوته الرخيم وهو يقول:
مالك يا حبيبتي سرحانة في إيه؟
حاولت الرد بهدوء وهي تقول:
أبدًا، بس حاسه إني هادية من جوايا، اممم مش عارفة يمكن موضوع جيجي شاغلني، يمكن زعلانة من جوايا عشان ماما مش بتسأل عليا، حتى بابا برغم إنه بيكلمني كل يوم بس حاسه إنه في حاجة مزعلاه.
ارتفعت قليلًا ونظرت داخل عينه وأكملت:
أنا إحساسي عمره ما كدب عليا يا جواد، حتى أنت برغم إنك بتعاملني كويس بس حاسه إن في جواك حاجة، لسه بتعاملني كطفلة، أنا ممكن تصرفاتي تبان إني صغيرة بس أنا من جوايا كبيرة، بفهم وبحس، وبعرف الصح من الغلط.
ملست على ذقنه وأكملت:
بعرف أكتم السر، وبعرف أفكر في حلول لأي حد ياخد رأيي في حاجة.
تنهدت بحزن وأكملت:
نفسي تعاملني على إني مراتك، تتكلم معايا، تحكيلي يومك، لو في حاجة مضايقاك تقولي عليها، أنا مش هكبر في السرير وبس، المفروض أبقى كبيرة في كل حاجة.
دمعت عيناها في آخر الحديث. اعتدل بوجل ليسند ظهره للخلف وسحبها لتجلس بين ذراعيه وقال بحنو:
يا حبيبتي أنا مليش غيرك، أنتِ كل حياتي. عارف إن خوفي عليكي زيادة شويتين، عارف إني شكاك بدليل إني مخليتكيش تدي رقمك لأي حد حتى أبوكي، بس غصب عني، أنا بعشقك، هقولك بس متقوليش عليا مريض.
انتبهت له وأكمل:
أنا كان ليا علاقات، كان معظمهم ستات متجوزة، من كتر اللي شوفته معاهم فقدت الثقة في كل الستات، بس كنت بقول لأ أكيد في ستات كويسة، بس جات فاطمة خلتني أصمم على رأيي.
سألته بفضول:
ليه، عملت إيه؟
زفر بحنق وقال:
مش هقدر أقولك تفاصيل حاليًا. المهم، مش بحب أحكيلك يومي لإنه طبعًا مليان رجالة، من جوايا بحس إني بغلي لو جبت سيرة راجل قدامك، مخليتكيش تستعملي فونك غير معايا عشان أقطع بذور الشك اللي ممكن تكبر جوايا لو اتصلت في مرة لقيتك بتتكلمي، مش قلة ثقة فيكي، لأ ده شك جوايا مش عارف أتخلص منه.
ببعدك عن أي حاجة وكل حاجة تفتح الباب ده، أنتِ بالذات مش عايزك تدخلي الحتة دي.
نظر لها بعشق وأكمل:
أنا جوايا ضلمة يا دهبي مش عايز أسحبك ليها، عايز نورك هو اللي ياخدني.
بخاف عليكي من الدنيا من أهلي، حابب براءتك ومش عايز وساخة الدنيا تطولك، ممكن تقولي عليا مريض، بس أنا يا حبيبتي عارف نفسي غبي، عشان كده بقفل أي باب ممكن يخليني أدخلك دايرة الشك، فهمتي حبيبتي؟
ردت عليه بحكمة:
فاهمة يا قلب حبيبك، بس لازم تتغير، أنت عارفني كويس مش محتاج أكلمك عني، غير إني بعشقك ومش شايفة غيرك، أنا بخاف ربنا ولا أخلاقي ولا تربيتي تسمحلي إني أبقى زي أي واحدة عرفتها.
مش معنى إنك تشاركني تفاصيل حياتك يبقى هفكر في غيرك، بالعكس ديما هشوفك الراجل الوحيد في الدنيا.
لما قولت لبابا إنك جبتلي فون، استغرب إنه بيكلمني على موبايلك، بس محبش يسألني، بس أنا اتكسفت من نفسي أوي، يعني معرفش رقمي ومش قادرة أكلم بابا منه، روان وهدى بيكلموني مع جيجي، طب شكلي قدامهم إيه؟ ليه تقلل مني؟ أنت مش بتشك فيا، بس مش مديني ثقتك يا جواد، وعمر ما في حياة بتنجح بالحب بس.
رد بهمجية:
يعني إيه؟
ابتسمت بهدوء وقالت:
يعني الحب هو الأساس وأهم حاجة بين اتنين، بس عمره ما هيكبر ويقوى غير بالثقة والأمان. لما كانت ماما بتضربني وأستخبى جوه الدولاب عشان أفتح الرسمة بتاعتنا، كان جوايا مش ثقة بس، لأ كان جوايا يقين إنك هتيجي تنقذني وتدافع عني، يمكن ده اللي خلاني أتحمل وأقدر أكمل من غير ما أنهار.
ثقتي فيك ملهاش حدود، أنت ملخص كلمة الأمان بالنسبالي، بس للأسف مش هحس إن حياتي كاملة غير لما تبادلني الثقة دي.
مش هلومك على اللي فات، بس هزعل منك في اللي جاي، مش هعرف أعاتبك أو أقول الكلام ده تاني، بس هزعل من جوايا وقلبي هيزعل، وأنا مش عايزة قلبي يشيل منك يا جواد، أرجوك بلاش توصلني لكده.
احتضنها بقوة بعد أن شعر بخفقان قلبه. هو يجيد قراءة ما بين السطور. صغيرته بها خطبٌ ما. رسائلها التي حاولت إيصالها من خلال هذا الحوار يؤكد هذا الشعور.
ماذا بكِ صغيرتي؟
سأعرف. وقتها لن أرحمك.
مر ثلاثة أيام في هدوء لم يحدث فيهم أي جديد غير أن توحيدة وأتباعها تأكدوا أن القبض على رفيق مجرد صدفة ليس أكثر ولا توجد صلة بهم.
أما جيهان فقد بقيت في القاهرة تحت حماية مشددة أحاطها بها جواد، فقد ترك ثلاثة رجال أسفل البناية لحمايتها. وأكد عليها بعدم فتح الباب لأي شخص فقال لها مؤكدًا:
الباب ده واللي في المطبخ مصفحين وليهم باسوورد، وفي كاميرات مراقبة بره، بس بردو متفتحيش لأي حد مهما كان مين، بصي لو فارس أخويا جالك من غير ما أنا أتصل بيكي متفتحلوش.
جيجي بخوف:
للدرجادي، في إيه يا جواد متخوفنيش؟
جواد:
مفيش أكتر من إني ببالغ في حمايتك أنتِ والبنات، اسمعي كلامي وبس.
جلس بجانب أمه وقال بهمس:
ماما أنتِ متأكدة إنك نضفتي الجناح كويس بعد ما قولتلك إن الكلبة دي دخلت فيه؟
إيمان بهمس غاضب:
أيوه يا ابني متقلقش أنا مسحته بميه وملح، وكمان مشغلة سورة البقرة طول الليل والنهار، منها لله البعيدة.
جواد:
الحمد لله إني شوفتها يا ماما وكمان قعدتنا هناك أكتر من شهر ونص جابت نتيجة أكيد والعمل اللي كانت رشاه مفعوله راح، اصبري عليا وأنا هعرف أربيها على كل وساختها دي.
إيمان بحزن:
أنا هتجنن من ساعة ما كلمتني يا ابني، ليه تعمل كده، عايزة تخرب عليكم ليه؟
جواد:
عادي يا ماما هي جواها سواد مش عايزة حد يبقى كويس.
عبيد بغضب:
أنت هتنفذ كلام مصطفى يا جواد، الواد ده إيه اللي جراله؟
جواد بهدوء:
براحته يا بابا، لسه مكلمني وجاي هو والمحامي عشان يفصل ورثه عننا.
عباس بفرحة داخلية:
والله أنا حاولت معاه بس هو مصمم حتى روان لمت حاجتهم خلاص وهيسافروا بكرة.
روان ببكاء حقيقي وقهر:
غصب عني، أخدني معاه غصب عني، أنا مش عايزة أمشي من هنا ولا موافقة إنه يفصل من العيلة.
حاوطتها هدى بذراعها وقالت بحنو:
معلش حبيبتي، ربنا يهدي الحال، إحنا هنكلمك كل يوم زي ما إحنا وأنتِ هتجيلنا وإحنا هنسافرلك، متقلقيش.
دلف مصطفى بوجه متجهم ومعه المحامي الخاص به وقال:
سلامو.
عليكم... عمي المحامي جهز العقود، يا ريت نخلص عشان أنا هسافر الصبح.
وقف جواد بفيظ وقال: اتفضل يا بيه في المكتب ولا هتقعدوا في وسط حريمك؟
مصطفى بغضب: لييييه شايفني ديوث؟
صرخ بهم عبيد: احترم نفسك أنت وهو... أنتُ أيه خلاااص مبقاش واحد طايق التاني؟... إيه اللي جرالكم؟
تحرك جواد تجاه المكتب، ولحقه الآخرون دون حديث.
فاطمه: هي الكونتيسه دهب هتفضل كده فاصلة عيشتها عننا يا ماما؟... حتى لما الرجالة بتطلع على شغلها مش بتنزل تقعد معانا ولا بتساعد في أي حاجة... هو احنا هنفضل نخدمها كده؟
إيمان بغضب: تخدميها ازااااي يا حرباية أنتِ وهي مش بتطلع من جناحها؟... حتى اللقمة مش بتاكلها معانا... (نظرت لها بقوة وأكملت): طلعي دهب من دماغك يا فاطمة عشان اللي هيوقفك جوااااد... وأنتِ عارفة بقي.
تدخلت دعاء في الحديث قائلة: طب هي ليه مش بتقعد معاكم يا مرات عمي؟... أنا مشوفتهاش خالص.
هدى بغيظ: خليكي في حالك يا بت أنتِ... تهمك في إيه عشان تشوفيها ولا لأ؟... أهي ربنا ريحها من الأشكال العكرة دي.
اجتمعت قوى الشر... توحيده... أحمد... عبادي... داخل منزل الأخير يتباحثون فيما بينهم انضمام مصطفى لهم وكيفية إخراج رفيق من محبسه.
عبادي: أنا خايف من حكاية مصطفى دي... ممكن يكونوا زعلانين شوية وهيرجعوا تاني.
أحمد باستهزاء: ليه هما مخطوبين ولا إيه؟... بقولك مصطفى أخد المحامي وراح السرايا عشان يفصل نصيبه بعقود يعني مش مجرد كلام وخلاص.
توحيده: برضه نصبر شوية، أنت كل اللي عليك تجس نبضه وتشعلل النار بينهم أكتر... أهم حاجة تبعد عن طليقتك خالص اليومين دول وشيل المراقبة اللي حاططها عليها... خليه يعرف إنك الطرف المظلوم وجواد هو اللي وقع بينكم.
أحمد: ما أنا سبت أبوها زي ما قولتيلي... ومتكلمتش خالص في الحكاية دي.
توحيده: كده أحسن مش عايزين نفتح علينا النار من كل ناحية... أديكوا شايفين رفيق اتمسك... وشيكو ابن أختي سايق العوج ومش راضي يكلم فاطمة ولا يرد عليها في اللي طلبته منه، حتى لما راحت تقابله بحجة إنها هتزور أمها... مرجعش البيت غير لما مشيت.
عبادي: يعني هو عايز يسيب الشغل معانا ولا مش عايز يعمل اللي طلبناه منه؟
توحيده: لأ مجابش سيرة الشغل بس شكله مش عايز يعمل اللي طلبناه في الآخر.
عبادي: أنا من رأيي نهدي اللعب شوية لحد ما نعرف نطلع رفيق ويكون في وقت كفاية نقدر نقنع مصطفى إنه يستغل معانا لأنه هينفعنا أووي... كده هو أخد مكان فريد في مصنع القاهرة يعني لو ضمناها معانا هنرجع نهرب شغلنا عن طريقه زي ما كان فريد بيعمل.
توحيده: أنت صح لازم نهدي شوية بس ده ميمنعش إننا نقفل الشغل القديم وبرضه هشوف آخر التعليمات وهبلغكم بيها... يلا بقي عشان اتأخرنا مش عايزة حد يشك فينا... قوم يا أحمد نط من الشباك اللي ورا بس اتأكد إن مفيش حد واقف برا... وأنا هطلع زي ما جيت وهبلغكم بالجديد بكرة.
جلست روان تبكي بقهر داخل جناحها... فهي ترفض ما فعله زوجها وبداخلها خوف كبير أن يكون والدها وأخيها هما من جعلاه يفعل ذلك.
دلف إليها بوجه حزين على حالها وقال: مش ناوية تبطلي عياط أنتِ بقالك يومين على الحال ده؟
ردت عليه بغضب: لما تقولي إيه اللي خلاك تعمل كده أبقي أبطل يا مصطفى... أنا هتجنن... دانتو طول عمركم إخوات ومفيش حاجة أبدًا قدرت تفرق بينكم... بين يوم وليلة كده تهد كل ده؟
مصطفى: أنتِ تزعلي لما جوزك يبقي ليه كيان لوحده؟
روان: محدش بيعيش لوحده يا مصطفى... العزوة بتقوي مبتضعفش... أنتوا كنتوا إيد واحدة وبتكبروا سوى ومحدش فيكم بيدي فرصة لحد إنه يقع لأنكم ديما ماسكين إيد بعض... إزاي هتقدر تكمل لوحدك؟... إزاي هيهون عليك تبعد عن إخواتك؟
دانت كنت هتموت وقت حادثة جواد... وكنت هتتجنن لما عمي عبيد صمم يجوز فارس للعقربة عشان أنت عارف إنه هيتوجع... يبقي إزاي تبيع كل ده قولي ازاااااي؟
مصطفى بصراخ وبداخله يتمزق من أجلها ولكن لا يستطيع أن يخبرها عن تلك الخطة: خلاااااص بقي... أنا أخدت قرار ومش هرجع فيه ومضينا العقود... وأنتِ كل اللي عليكي تكوني معايا في أي مكان وبس.
ابتسمت بفرحة حينما رأت اسمه ينير الهاتف... فتحت الخط وقالت: أنت معندكش شغل... كل نص ساعة تكلمني.
ضحك وقال: بديلك فرصة تشحني الفون عشان ميفصلش.
المهم... ادخلي المطبخ.
زوت بين حاجبيها وقالت: اشمعنى؟
سليمان: .......
رواية جواد ودهب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم فريدة الحلواني
من منا لم يُخدع؟ من منا لم يُخان؟ من منا لم يذُق مرارة الفقد؟ من منا لم يتجرّع كأس الخذلان؟ من منا أعطى ثقته لمن لا يستحقها؟ من منا أجبرته الحياة على الانهزام رغم قوته؟ من منا لم يعافر ويكافح وفي الأخير لم يحصل على ما يريد؟
كلنا عشنا تلك المواقف، هزمنا وكُسرنا، بل تحطمنا فوق صخرة الحياة القاسية، ولكن:
ما زلنا نتنفس، إذا فلنعيد ترميم كسرنا، ونترك روحنا تتنفس حتى ننطلق مرة أخرى، فلا خذلان سيؤلمنا، ولا حياة ستكسرنا، ولا غياب أحدهم سيضعفنا.
اصنعي نفسك بنفسك، اربتي على قلبك بيدك، تصدي لكل محاولات الجميع لإفشالك، كوني وحدك جيشًا كاملًا يواجه طغيان الظلم، تستطيعين، أثق وأؤمن بذلك، فقط اتركي قوتك تخرج للنور، قفي واقبلي التحدي، ستنتصرين، كلي يقين بانتصارك، فقط ثقي أنتِ في حالك كما أثق أنا بك.
أحبك، ولن أتخيل أبدًا أن تخذليني.
اتجهت جيهان إلى المطبخ وما زال الهاتف فوق أذنها. وقفت في المنتصف ونظرت حولها لم تجد شيئًا فقالت:
"أنا دخلت أهو ومفيش حاجة."
سليمان:
"قربي من الباب."
تقدمت نحو الباب ونظرت من العين السحرية، شهقت بقوة وعيناها دمعت حينما رأته يرتدي زي عامل نظافة ويقف مبتسمًا لها وهو يقول:
"وحشتيني يا سماره، عارف أن مش هينفع تفتحيلي، بس كفاية أني بشم الهوا اللي بتتنفسي منه."
هبطت دموعها وقالت بصوت مختنق:
"أنت ليه بتعمل كده؟ هو أنا أستاهل كل ده؟"
رد عليها بنبرة تقطر عشقًا وقال:
"أنتِ تستاهلي أكتر من كده بكتير يا حبيبتي، بحاول أعوض اللي فاتني معاكي زمان، عايز أعيش دور الواد الحبيب اللي كان بيروح للبت بتاعته عند المدرسة، وعايز أعيش دور الشاب اللي كبر واعترف لحبيبته بعشقه ليها، وعايز أعيش دور اللي أخيرًا خطبها."
تنهد باشتياق وأكمل:
"أخيرًا خطب حبيبته، واللي بيتمنى يقدر يعرفها قد إيه هو بيعشقها لحد ما تبقى مراته، وفي حضنه، وفي بيته. عرفتِ أنا بعمل ليه كده ولا حابة تسمعي كمان؟"
جيهان:
"أنا مش عارفة أقولك إيه، بجد كتير عليا كل ده والله."
سليمان:
"كل ده قليل عليكي، ومش عايزك تعملي حاجة ولا تردي عليا، أنا هصبر وهتحمل لحد ما قلبك يدق ليا، وقتها هتلاقي نفسك بتتكلمي من غير ترتيب، قلبك اللي هيخرج اللي جواه غصب عنك يا سماره."
ابتسمت بحب وقالت:
"أوعدك مش هتصبر كتير، اللي زيك يستاهل كل الحلو اللي في الدنيا، كفاية وقفتك جنبي ومعاملتك لبناتي، وكل اللي بتعمله علشانه، ربنا يخليك لينا."
صرخ بفرحة وهو يقفز بجنون ويقول:
"يا بركة دعاكي ياما، البت بتدعيلي يخليني ليها، قلبي هيقف وربنا!"
ضحكت بصخب من قلبها لأول مرة وقالت:
"بس يا مجنون هتفرج الجيران علينا."
تقدم نحو الباب ووضع جبهته عليه وقال بعشق خالص:
"أنا نفسي العالم كله يسمعني مش الجيران بس وأنا بقول... بعشقك يا سماره."
كاد أن يكمل وصلة عشقه ويخرج لها ما يشعر به إلا أنه وجد مكالمة أخرى على الانتظار وحينما نظر للهاتف قال برعب:
"يا نهار أسود، أبو لهب، خليكي معايا ثواني."
أبدل المكالمة وقال بتملق:
"أبو الأجاويد واحشني يا رجال!"
جواد بغيظ:
"يعني لو خلصت الهبل اللي بتعمله يا روميو يا ريت تشيل كيس الزبالة وتاخده وأنت نازل أهو تبقى عملت شغلك."
عض على شفته السفلية بغيظ ثم قال:
"عشان لابس هدوم الزبال يعني؟ أنا اتمرمط يا صاحبي، وياريت تقدر اللي بعمله وتسيبني أشوفها."
جواد بصراخ:
"تشوف مين يا روح أمك؟ اخلص يا زفت وانزل حالًا بدل ما أعلقك!"
زفر بغيظ وقال:
"هنزل... حاضر... خلاص... إيه القرف ده؟ سلام."
عاد إلى حبيبته التي كانت تضحك بصخب على حديثه وقال بابتسامة عاشقة:
"مش هو بهدلني، بس كله يهون قصاد الضحكة الحلوة دي، بحبك... يا..."
قبل أن يكمل وجده يتصل به مرة أخرى فصرخ بغيظ:
"اقفلي أنا غاير قبل ما يعلقني!"
حمل كيسًا أسود مليئًا بالقمامة وهبط الدرج سريعًا وهو يسب ويلعن في هذا الجواد الظالم.
أما هي فقد أسندت ظهرها على الباب وهي محتضنة الهاتف وعلى وجهها أجمل ابتسامة يمكنك أن تراها يومًا.
جلست تفكر بعدما ذهب إلى عمله صباحًا، ماذا تفعل معه؟ لن تواجهه، بل ستجعله يكشف عن حاله، ولكن ماذا أفعل وقتها؟ أغضب منه؟ أبتعد عنه؟ قلبي الخائن يرفض تلك الأفكار.
نظرت للأمام وقالت بتعقل:
"اهدي يا دهب متظلميهوش أكيد لو كان شكك في محله وطلع بيشوف هيكون في سبب قوي خلاه يعمل."
كده... بس كان المفروض يعرفني... أنتي بالنسبة له عيلة متعرفيش حاجة عن الدنيا، هيثق إزاي إنك مش هتقولي لحد؟
وقفت من مجلسها وقالت بتصميم:
"اثبتي له إنك كبرتي... خليه يثق فيكي بالفعل... المواقف هي اللي بتبني الثقة يا ديبو."
ابتسمت بخبث وأكملت:
"بس مفيش مانع إني ألاعبه شوية... قال كل شوية يعيش الدور ويقول لي... أنا أعمى... تقبلي الوضع... وأنا هبلة أعيط وأعتذر... طب والله يا جوادي لأطلع عليك كل ده."
دلفت عليها حبيبة، تلك الكارثة الصغيرة، وقالت:
"أنتي مجنونة يا دودو... بتتكلمي مع الشبح؟"
ضحكت بصخب وقالت:
"أبوكي جنني يا بيبو."
حبيبة بغيظ:
"كان مجنون برضه لما كنت بصحيه من النوم."
نفضت يدها بملل وأكملت:
"بس خلاصتي بقى أنتي صحيتيه مكاني عشان كده جنونك."
كادت أن تختنق من كثرة الضحك وحاولت التحدث قائلة:
"بيبو أنتي الضماير والحروف ومخارج الألفاظ عندك ضايعة خالص يا روحي."
ابتسمت لها الطفلة وقالت بلماظة:
"ليه حاسة إنك بتشتميني... بس هسامح عشان كلمة روحي العسل دي."
أعقبت قولها بغمزة شقية جعلت دهب تنظر لها بصدمة وتقول:
"هقول إيه مانتي بنت جواد هتطلعي عالمة ذرة يعني... لازم تاخدي وقاحته."
حبيبة بغيظ:
"اشتميني بحاجة أفهمها عشان أرد عليكي ماشي."
حملتها بمزاح ومددتها فوق الأريكة، ظلت تدغدغ فيها والصغيرة تموت ضحكًا وتترجاها أن تتركها.
تركتها بعد فترة وجلسا يهدئان قليلًا، لمعت في رأسها فكرة خبيثة وقررت أن تنفذها في الحال.
دهب:
"أنا هدخل أغير وأرجع لك يا بيبو."
حبيبة:
"بس مش اتأخرتي بقى عشان نلعب."
أبدلت ثيابها إلى أخرى، عبارة عن شورت قصير وبادي كب لا يداري إلا نصف نهديها، حتى بطنها تظهر منه.
بمجرد ما رأتها الطفلة جحظت عيناها وقالت:
"أنتي رايحة البحر... جواد هيحرقك."
ضحكت دهب وقالت بخبث:
"لا مش رايحة البحر أنا بس حرانة شوية وبعدين مفيش حد غيرنا... أنتي عارفة أنا نفسي آكل آيس كريم بس يا خسارة محدش يعرف يشتري النوع اللي بحبه غير جواد."
حبيبة بفطنة:
"خلاص اتصلي بيه ويجيب لنا سوى."
دهب:
"والله فكرة تعالي نكلمه فيديو سوى أنا وأنتي وتقولي له."
أمسكت هاتفها بعد أن أجلست الصغيرة فوق ساق واحدة كي يظهر جسدها بوضوح وهي تدعو الله أن ينزع تلك العدسات حتى يراها إذا كانت هي من تحجب عنه الرؤية. وقد استمع الله دعائها إذ كان يجلس وحده داخل مكتبه وقد خلع تلك العدسات ليريح عينه قليلًا كما يفعل دائمًا، وبينما كان منهمكًا في عمله وجد هاتفه يصدح بالنغمة المخصصة لحبيبته، ولكنه عقد حاجبيه بغرابة وهو يقول:
"بتتصل فيديو؟"
لم يفكر مرتين بعد أن انتابه القلق إذ أنها لأول مرة تفعلها.
ويا ليته لم يرد... ويا ليت قلبه اللعين لم يخفق قلقًا عليها... بمجرد أن ظهرت أمامه بتلك الهيئة برقت عيناه دون شعور منه... عاد إلى رشده حينما رأى تلك الابتسامة الخبيثة ولمعة عيناها تشي ما تحاول فعله... ابتلع لعابه بصعوبة وحاول تمالك أعصابه وهي تراقب كل تفصيلة تصدر منه... وقد تأكد حدسها وما رأته بعينيها.
قطعت هذا الصمت حبيبة حينما شاورت لأبيها بيدها وهي تقول:
"هاااي يا بابتي... وحشتني قلت أشوفك."
كادت أن تقبل الصغيرة امتنانًا لها فقد قالت سبب هذا الاتصال من تلقاء نفسها وأنقذتها من استجوابه لها.
جواد بصوت مهزوز وهو يحاول ألا ينظر لها:
"وأنتي كمان وحشتيني يا حبيبة أبوكي... آآآ... ديبو فين؟"
دهب بدلال وهي تتقدم أكثر من الهاتف:
"أنا أهو يا... جوااااد."
سب جواد... ولعن جواد... وسيحرق جواد حيًا... إذ أنه لا يستطيع نهرها على ما ترتديه... والذي اكتمل هلاكه بعد نطقها اسمه.
قال بعصبية غير مبررة:
"أنتوا متصلين تدلعوا وأنا عندي شغل."
ردت عليه بهدوء وصوت ناعم:
"لا يا جوادي أصل حبيبة كان نفسها تشوفك."
لعقت شفتيها بلسانها وأكملت:
"وأنا هموووت وآكل آيس كريم... بالفانيلا... فاكر لما جبتها لي من كام يوم... أمممم طعمها كان يجنن."
وهل ينساه؟ لا والله... كانت أجمل وأشهى مثلجات ذاقها يومًا... كاد أن يسرح في تلك الذكرى إلا أن ابنته لحقته قائلة:
"هتجيب لي يا بابتي ولا لا؟"
جواد بتيه:
"هاااا... آه هجيب لك."
ضحكت دهب بصخب وقالت:
"أنت اتعديت من بيبو وهتتكلم زيها يا جوادي."
"ملعون أبو جوادك اللي جابوه يا شيخة... البت دي شكلها مش مظبوط... وحياة أمي يا دهب لو اللي في دماغي صح لاااا... خليها مفاجأة."
هكذا حدث حاله وبعدها عاد إليه ثباته الانفعالي وقال ببرود:
"يلا اقفلوا عشان عندي شغل وهجيب لكم كل اللي عايزينه."
صمت للحظة وقال بخبث:
"ويا ريت بلاش فيديو كول تاني عشان ممكن يكون حد معايا في المكتب... وأنتي أكيد قاعدة من غير حجاب طبعًا."
حبيبة بتسرع:
"دي قاعدة أصلًا أصلًا من غير هدوم يا بابتي."
جز على أسنانه بغيظ وها قد أعطته ابنته الحبيبة الفرصة فقال بغضب:
"يعني إيه... أنتي عريانة؟"
خافت الطفلة من صراخه وانكمشت داخل أحضان خبيثتنا البريئة التي ضمتها بيد وقالت بهدوء:
"لا يا حبيبي طبعًا مش عريانة... أنا لابسة هوت شورت وكب... أحمر."
نار... نار انقضت داخله حينما رآها تملس على جسدها وهي توصف ما ترتديه... أغلق الخط... هكذا فقط... لن يتحمل أكثر.
انتفض من مجلسه وتوجه سريعًا نحو المرحاض ليضع رأسه تحت الماء البارد لعله يطفئ ناره.
اعتدل وقال وهو ينظر لنفسه من خلال المرآة:
"في حاجة... البت بتأكد مني... طب عرفت إزاي... استحالة يكون حد قالها... لازم أتأكد... وساعتها مش هرحمك يا... دهبي."
وقف رفيق وبيده الأصفاد أمام الضابط المسؤول عن التحقيق معه وهو يرتعش رعبًا حينما ضرب على سطح المكتب بكف يده وقال بصراخ:
"ما تخلص يا رووووح أمك بقى لنا تلت أيام بنحقق معاك... قول كنت خاطف العيال ليه ومين شغال معاك."
رفيق:
"أنا مخطفتش حد أنا لقيتهم تايهين... صعبوا عليّا يتبهدلوا في الشوارع... قلت يقعدوا عندي لحد ما يبان لهم صاحب..."
الضابط:
"يا سلاااام... طب يا أبو قلب حنين مسلمتهمش ليه لأقرب قسم؟"
رفيق:
"خوفت ألبس تهمة يا باشا وأنا راجل فلاح على قدي ولسه نازل مصر من كام يوم أدور على شغل بعد ما الحال ضاق بي في بلدي."
طرق الباب ثم دلف عسكري وقال:
"باشا في محامي اسمه إبراهيم عبد المنعم عايز يدخل."
جز رفيق على أسنانه ليكتم غضبه بعدما علم هوية ذلك الرجل والذي يكون المحامي الخاص بالحاج عبيد والموكل برفع قضية الطلاق لزينب.
ألقى السلام وقال:
"أنا إبراهيم عبد المنعم المحامي الخاص بالسيدة زينب عدلي زوجة رفيق... كنت عايز أطلب من حضرتك صورة من المحضر عشان أرفقها مع مستندات قضية الطلاق اللي رافعاها عليه."
نظر لرفيق وأكمل:
"ولو ممكن حضرتك تسمح لي أقعد معاه خمس دقايق يمكن يحلها معايّة ودي بدل المحاكم."
وقف الضابط وقال:
"مفيش مشكلة... أنا هسيبكم مع بعض وهرجع أكمل التحقيق."
غادر المكتب وتركهم وحدهم فبدأ رفيق الحديث قائلًا بغل:
"أنسي أنا مش هطلق وهسيبها متعلقة كده زي البيت الوقف."
ضحك المحامي باستهزاء ثم قال:
"أنت أهبل يا ابني... بص شوف نفسك فين... أنت بعملتك السودة دي سهلت علينا الموضوع... بصورة المحضر ده هتاخد حكم من أول جلسة... بس أنا حابب أقول لك على عرض يا تقبله يا ترفضه وفي كلتا الحالتين مش هيفرق كتير."
رفيق:
"وإيه بقى العرض ده يا متر؟"
إبراهيم:
"تطلقها دلوقت مقابل إن الحاج عبيد يتكفل بأتعاب المحامي اللي أنا بنفسي هخليه يمسك قضيتك المهببة دي ويطلعك منها زي الشعرة من العجين... إيه رأيك؟"
نظر له رفيق بشك وقال:
"وأنا إيش ضمني متكونش بتضحك عليّا؟"
إبراهيم بحنكة:
"وهستفاد إيه لما أعمل كده... أنا من الأساس قضيتي مضمونة وكل اللي عايزه أختصر الوقت وأخلص الحكاية بسرعة وبعدين أنت عارف الحاج عبيد كلمته سيف... يبقى تفكر في مصلحتك أنت كده كده هتطلقها يبقى استفاد منها."
شرد رفيق يفكر بعمق في ذلك العرض المغري بالنسبة له، فهو لا يملك المال ليحضر محامي يدافع عنه، وبالطبع توحيدة وأعوانها لن يقفوا بجانبه، وهو كل ما يكسبه من عمله معها ينفقه على صالات القمار المدمن له، حتى حينما لا يجد معه ما يكفي للمقامرة ينتهز أي امرأة أقامت معه علاقة ويبتزها كي يأخذ منها ما يريد.
رفيق:
"أنا موافق بس بشرط... تتنازل عن كل حقوقها آآه أنا مش هدفع ولا نفقة ولا مؤخر ولا ليّا دعوة بعيالها متجيش في يوم تطلب مني جنيه واحد تمام."
نظر له المحامي بغيظ وقال:
"موافق... هي أصلًا مش عايزة منك حاجة... أعتقد إنها متعودة على تحمل المسؤولية وبتصرف على عيالها في وجودك يبقى مش هيفرق معاها عدمه ولا إيه."
رفيق:
"ماشي يا متر بس وحياة أبوك استنضف المحامي اللي هتجيبه لي عشان يخلصني من القرف ده."
نظر له بخبث وأكمل:
"ويا ريت تقول للحاج يبعت لي معاك عشرين ألف كده أمشي بيها نفسي هنا وأنت جاي بكرة تتمم إجراءات الطلاق."
المحامي:
"مش فاهم عشرين ألف إيه وبكرة إيه أنا جايب المأذون معايّة بره."
ضحك رفيق بغل وقال:
"لا معطلكش يا متر... بكرة تجيب لي عشرين ألف جنيه وأنا أطلق... مرضتش أزود المبلغ عشان متقلش عليه دول بس لزوم السجاير والأكل."
نظر له بغضب وقال:
"أنت إنسان بشع بجد..."
وفقط تركه وغادر وهو في قمة غيظه يعرف أنه حقير ولكن لهذه الدرجة... لم يتخيل.
سمعت طرقًا على باب جناحها بعد أن تركتها حبيبة لتلهو مع الأطفال بالأسفل، ارتدت إسدالها وذهبت لتفتح... وقفت بوجل حينما رأت فاطمة ودعاء أمامها... قالت بتلجلج:
"آآآ... أهلًا."
نظرن لها بحقد وغيرة وقالت فاطمة بخبث:
"أهلًا بيكي يا حبيبتي... دعاء مرات أحمد الجديدة عايزة تتعرف عليكي... أصلها مشفتكيش خالص."
اتجهت الاثنتان دون استئذان إلى الداخل وجلسنا على إحدى الأرائك ببرود.
دعاء بحقد:
"يا ما شاء الله الجناح بتاعك لوحده قصر... كل ده قاعدة فيه لوحدك!"
دهب:
"أنا وجوزي وحبيبة."
فاطمة:
"هو برضه لسه مش عايزك تنزلي تحت... على فكرة أنتي زي أختي الصغيرة وأنا بوعيكي... مش كل حاجة تقولي حاضر وطيب كده هيركبك ويدلدل رجليه... وبعدين هو معقول مش بيثق فيكي للدرجة دي حابسك كده بين أربع حيطان؟"
دعاء بغيرة مازحة:
"والله أحسن إنه حابسها أنتي عايزة رجالتنا تشوف الحلاوة والجمال ده كله قدامها أنتي عايزة تخربي علينا ولا إيه يا بطة؟"
دهب بغضب:
"عيب على فكرة ميصحش الكلام ده... أنا ست محترمة وجوزي مفيش زيه اتنين."
دعاء بقلق فقد أخبرتها فاطمة أنها بلهاء لا تفقه شيئًا ولكن من الواضح أن القطة ظهر لها مخالب:
"ههههه أنتي زعلتي ده أنا بهزر معاكي يا حبيبتي مقصودش والله."
فاطمة:
"جرى إيه يا دهب البت جاية لحد عندك تتعرف عليكي... هي دي أصول الضيافة اللي اتربيتي عليها... بدل ما تقدمي لنا حاجة وترحبي بينا تبهدلي البت كده؟"
نظرت لها دهب بذهول وقالت:
"أناااا... والله ما حصل يا ماما الحاجة دي فا..."
قاطعتها فاطمة سريعًا وقالت:
"دي دعاء بتهزر يا حاجة... إحنا نازلين."
إيمان بخبث:
"إيه اللي موقفكم هنا... أنتوا مش المفروض تكونوا قاعدين بره في الصالة اللي اللي جابكم عند أوضة النوم مع إنها بعيدة؟"
دهب سريعًا:
"فاطمة قالت عايزة ترجع ودخلت بسرعة على أساس الحمام اللي بره بصيت عليها لقيتها مكملة لجوه... ولما سألتها داخلة أوضة نومي ليه بهدلوني هما الاتنين."
أمسكتها إيمان من خصلاتها وقالت بغل:
"كنتي عاااايزة تدخلي أوضة نومهم ليييببه... انطقي؟"
فاطمة بصراخ:
"كداااااابة والله ما حصل اسألي دعاااااء."
خافت دعاء مما يحدث فقالت وهي تتجه للخارج:
"أنا معرفش حاجة... أنا ماااالي..."
هربت سريعًا حتى تفلت من براثن تلك المرأة القوية.
تركتها إيمان بعنف وقالت:
"غوووري من وشي ولما الرجالة تيجي أنا هقول لهم على اللي حصل وهما بقى يعرفوا بطريقتهم كنتي عايزة إيه من هنا."
لم تتفوه بحرف بل هرولت سريعًا تختبئ داخل غرفتها كي تهاتف خالتها وتخبرها بما حدث وبعدما قصت عليها كل شيء اشتعلت النار داخلها ولكن في الأخير تمالكت حالها وأخبرتها بما يجب عليها فعله.
اتجه محروس داخل بنايته الصغيرة ليتابع ما يفعله العامل الذي أتى به كي يقوم بدهان الحوائط قبل أن يأتي بأثاث جديد، فقد اتفق مع دلال بعد أن تقدم لخطبتها ووافقت عليه وقد بقي على إتمام زواجهم بضعة أيام لا يطيق انتظارها.
محروس:
"شد حيلك يا حمو عشان الحيطة تلحق تنشف قبل العفش ما يوصل."
حمو:
"قربت أخلص يا عم محروس وعاملها لك وصاية كمان... والله أنا فرحان لك من قلبي أنت والست أم رؤوف طيبين وتستاهلوا بعض."
محروس بفرحة لم يحاول يداريها:
"دي ست الستات والله يا حمو ربنا يقدرني وأعوضها عن الغلب اللي شافته في حياتها."
دلفت عليهم العروس وكأنها عادت شابة صغيرة وقد أحضرت معها أكوابًا من الشاي ومعهم بعض المقرمشات بعد أن ألقت السلام قالت بود:
"الله ينور يا أسطى."
حمو باحترام:
"الله يخليكي يا ست أم رؤوف عقبال ما أعمل شقة ولادك إن شاء الله."
أخذ عنها ما تحمله وقال بحب:
"تعبتي نفسك ليه بس كنتي رني عليّا وأجي أخدهم."
ابتسمت له بامتنان وقالت:
"تعبك راحة يا سي محروس أنا قلت أجيب لكم تصبيرة على ما الغدا يجهز."
محروس:
"تسلم إيدك يا ست الستات... منة فين مش باينة."
دلال:
"مقعداها جنبي في المطبخ عشان تخلص الواجب اللي عليها قبل ما تتلهي في اللعب مع العيال."
محروس:
"والله البت ما بقت فالحة غير لما اهتميتي بيها بقت شاطرة خالص وبتجيب درجات حلوة."
نظرت له بحب وقالت:
"وعيالي محسوش إنهم بقوا زي باقي زمايلهم وليهم ضهر يتسندوا عليه غير من بعد ما أنت اقتربت منهم وعاملتهم زي ولادك... ربنا يقدرنا ونربيهم ونكبرهم ويكونوا سند لبعض... قادر يا كريم."
حضر الرجال ليلًا وقبل أن يذهب كلُّ إلى غرفته كي يبدل ملابسه وقفت إيمان في المنتصف وقالت بجدية:
"محدش يطلع ثواني عايزاكم في موضوع مهم... عنبة بت يااااا."
حضرت الخادمة سريعًا وقالت:
"نعمين يا ست الحاجة."
إيمان:
"اطلعي نادي فاطمة ودعاء بسرعة من فوق."
هرولت الفتاة للأعلى، بينما وقف عبيد يسأل بوجل:
"مالك يا حاجة، في إيه؟"
أحمد:
"أنا جاي هلكان ومش فاضي لوش الحريم ده يا مرات عمي."
نظرت له باحتقار ولم تكلف نفسها عناء الرد عليه.
حضرت الاثنتان ووقفتا أمامهما برعب.
إيمان:
"جواد ممكن تنزل دهب هي كمان؟"
جواد:
"لااااا."
لم تعقّب على رفضه، بل قامت بقص كل ما حدث للجميع، وبعد أن انتهت قالت:
"يا ريت بقى تعرفوا منهم كانوا عايزين إيه من دهب وأوضتها."
دعاء بخوف:
"أنا ماليش دعوة، أنا كنت طالعة أتعرف عليها، فاطمة اللي كانت عايزة تدخل."
فارس بغضب:
"كنتي بتعملي إيه فوق؟ أنتِ محدش هيسلم من شرك."
هنا، جاءتها الفرصة كي تنفذ كل حرف قالته لها تلك الحية الرقطاء. نظرت لفارس وقالت بدموع انهمرت فجأة:
"أيوووه كنت عايزة أدخل أوضتها، عااارف ليه؟ عشان أشوف العز والهنا اللي حتة عيلة عايشة فيه. عاملها جناح بمساحة السرايا كلها."
"غيرت، أيوة غيرت منها وقلت أشوف فيها إيه زيادة عني عشان جواد بيه بجلالة قدره بيسيب الدنيا ويجيلها، وأناااااا، أنا جوزي هاجرني بقاله أكتر من ثلاث شهور، ومن الأساس من أول ما اتجوزني ما بيلحقش يقعد معايا أسبوع ويغضب ويسيب أوضتي بالشهرين والثلاثة."
نظرت لعبيد وأكملت بقهر:
"يرضيك كده يا حاج يا اللي بتصلي الفرض حاضر وحاجج بيت ربنا؟ عقوبة هجر الزوجة إييييه يا حاج؟ هو أنا مش زي الحريم اللي هنا؟ كل واحدة جوزها مدلعها ومهنيها، وأنا عايشة منبوذة، مليش حد أشتكيله ولا ليه حد ياخد لي حقي."
"ردوا علياااااااا، ده عدل ربنا؟"
لم يستطع أحد الرد عليها، ولكن جواد التفت تجاهها وقال ببرود لم تتوقعه:
"أيوة برده ما فهمتش دخولك أوضة نومي هيفيد بإيه في كل الهري اللي قلتيه ده، أنا عايز أفهم قبل ما أتصرف بطريقتي اللي أكيد مش هتعجب حد."
ارتبكت بداخلها ولم تستطع إيجاد كذبة تنقذها من هذا الذئب، ولكن جاءتها النجدة من عباس الذي قال بلؤم:
"تلاقيها قالت تشوف مراتك بتلبس إيه عشان تعمل زيها."
جواد بصراخ:
"تصدق إنك راجل ناقص، ولو ما كنتش عمي كنت قطعت لسانك."
صرخ عبيد بغضب:
"بااااااس، إيه مش عاملين لي أي اعتبار؟"
نظر لأخيه وقال:
"اعقل كلامك قبل ما تقوله، أنت ما بقتش صغير على القرف ده."
"وأنت يا فارس، لازم تعدل بينهم يا ابني، لو هي غلطت فهمها واصبر عليها، إنما تهجرها ده ذنب كبير."
فارس بعصبية وقد طفح به الكيل:
"من الآخر أنا مش طايقها، أنا بحب مراتي ومش قادر ألمس غيرها. أنتم ظلمتوني بجوازي منها، وأنا حاولت أتحمل بس مش قادر."
ابتسمت هدى بفرحة وهي تجلس بجانب روان ونظرت له بعشق خالص، وكل ما يشغلها كيف تكافئه على ما قاله أمام الجميع.
جنت فاطمة من تلك الإهانة التي وجهها لها أمام الجميع، صرخت بغل:
"خلاااااص طلقني وادوني حقي أنا وابني وأنا هاخده وأمشي."
جواد:
"خدي حقك، وامشي. محدش هيمنعك إنما محمود التهامي مش هيخرج من بيت أهله. أعتقد إني قلت كده كتير بس واضح إنك غبية مش قادرة تفهمي ده."
فاطمة بغل وغضب أعمى:
"إنسى، مش هسيبلك ابني. مش كفاية إنك قلبته عليا من بعد ما رجع معاك من مصر، الله أعلم قلت له إيه خليته مش طايقني."
عبيد بحسم:
"اسمعي يا بنتي، أنا من أول ما دخلت السرايا برغم اعتراضي عليكي إلا إني كنت بعاملك بما يرضي الله. رغم أفعالك بس كنت بكبر دماغي. غصبت على ابني يتجوزك عشان خاطر حفيدي وقلت يمكن تتغيري، بس واضح إن اللي في الطبع عمره ما يتغير. أنا مش هقدر أجبر ابني تاني عليكي وأنتِ ليكي حرية الاختيار. يا تعيشي على ذمته عشان تربي ابنك وما تستنيش منه أي حقوق وده أنا مش هقبله، يا إما يطلقك وتاخدي كل حقوقك وفوقيهم خمسة مليون جنيه مقابل التنازل عن حضانة محمود لعمه، وأنا بنفسي هجيبهولك تشوفيه كل أسبوع مش هحرمك منه. إيه رأيك؟"
حل الصمت على الجميع بعد أن تفاجأوا بهذا القرار الذي لم يتوقعه أحد، والكل في ترقب هل ستوافق أن تجلس دون أن يرافقها رجل، أم ستختار حريتها والتمتع بالمال الذي ستأخذه من تلك العائلة وتبدأ من جديد.
نظرت فاطمة للجميع وقلبها يغلي حقدًا بعدما رأت الشماتة ظاهرة عليهم والتمني أن تختار المغادرة، إلا أحمد وأبيه ينظران لها بتحذير ألا توافق على العرض الأخير.
لم تهتم بكل هذا بل فكرت في مصلحتها الشخصية وفقط. نظرت لعبيد بقوة وقالت:
"..."
رواية جواد ودهب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم فريدة الحلواني
الجميع يقف في ترقب، الكل متوجس، جميعهم يتمنون أن توافق على عرض الحاج عبيد كي ينتهوا من كتلة الشر التي زُرعت بينهم دون إرادة منهم.
لم يلتفت أحد لذلك الصبي المختبئ في أحد الأركان بقلب خافق، ينظر لأمه وكأنها ستختفي من أمامه فجأة، ينظر لها بدموع حبيسة يتمنى أن تختاره هو، فإذا ما اختارت المال ستقطع آخر ذرة أمل داخله، في أن يكون له أماً رحيمة مثل باقي رفاقه.
أما تلك الأفعى، فكانت بداخلها حربٌ: أتأخذ المال بل وتطالب بالمزيد ثم تضعه على ما جمعته من عملها المشين وتهرب بعيدًا لتتمتع بكل هذا؟ أم تبقى هنا كما أمرتها توحيدة كي تنفذ لها باقي مخططها؟ نظرات أحمد وعباس التهديدية جعلتها ترتعب، قررت أن تتلاعب بالجميع حتى لا تخرج خاسرة من بينهم.
فاطمة: اديني فرصة أفكر وأبلغك قراري الأخير.
تنفس الجميع بهِمّ، ولكن هناك أمل في التخلص منها ما دامت ستفكر في الأمر، إذاً بالتأكيد هي طامعة في المزيد ولن يبخلوا عليها بأي شيء تطلبه مقابل التخلص منها.
أما ولدها، أغمض عينه بقهر وانهمرت دموعه حزنًا على حاله، قَتَلَ آخر أمل كان بداخله، لم يتبقَ داخله إلا حقيقة واحدة، أمه ستبيعه مقابل المال.
خرج من مخبئه بعد أن مسح دموعه ووقف في المنتصف ينظر للجميع بعيون خالية من الحياة، ثم نظر لتلك الجاحدة التي تفاجأت به ونظرت له بغضب وهو يقول لعمه الحبيب والذي يعتبره كل ما له في تلك الحياة القاسية:
بابا، أرجوك اديها اللي عايزاه بس متخليهاش تاخدني. أنت وعدتني إنك هتكون جنبي، وتربيني، قولتلي أقولك بابا، متتخلاش عني.
بينما أخفض جواد رأسه ليلتقط ابن قلبه داخل أحضانه ليبثه الأمان، كانت تلك الخبيثة تصرخ قائلة بغل:
آه قول كده بقى قومت الواد عليا وكرهته فيا، خليته يقولك يا بابا، اوعى تصدقه يا محمود ده بيضحك عليك.
وضع الطفل يده فوق أذنه حتى لا يسمع صوتها، أما جواد فضمه أكثر وقال بصوت كالرعد:
اخرسي، كلمة تاني ومش هتباتي فيها، هتطلعي من غير ولا مليم وأنتِ عارفة إني أقدر أعملها، سواء قعدتي أو لا دي حاجة تخصك، بس ابني ملكيش أي علاقة بيه، سامعة.
وفقط اتجه ناحية الدرج حاملًا الطفل معه ليصعد به إلى جناحه.
بكت النساء قهرًا عليه والجميع ينظر لها باحتقار، لم تهتم تركتهم دون حديث وداخلها يغلي كالمرجل، خسرت ولدها، الجميع يكرهها، لديها مال وستحصل على المزيد، لما لا تترك كل ذلك خلف ظهرها وتنطلق إلى الخارج لتعيش كما يحلو لها؟ هكذا كانت تفكر بعد أن أغلقت باب غرفتها عليها.
نظرت للأمام وقالت:
هنتقم منهم وأتمتع بفلوسي ويبقى مخسرتش حاجة.
داخل تلك الشقة البسيطة للغاية كانت تجلس سهير أم فاطمة تنظر إلى ولدها وهو يدخن بشراهة، وجهه متجهم للغاية ويبدو عليه الحزن.
قررت أن تسأله للمرة الخامسة خلال اليوم عله يخرج ما يكنه داخله لها ويرتاح قليلًا، فهي في الأخير أم قلبها يأكلها على أولادها حتى لو كانوا جاحدين.
اتجهت إليه وجلست بجانبه فوق فراشه الصغير، وضعت يدها اليمنى فوق رأسه فنظر لها باستغراب، ابتسمت له بهدوء وأخذت تردد بعض السور القرآنية الصغيرة كي يهدأ قليلًا.
لا يعلم لما لم يمنعها أو ينهرها كما يفعل معها دائمًا، بل أغمض عينه وترك روحه تغوص بين حروفها الهادئة ووجيب قلبه يزداد بداخله.
أنهت ما كانت تفعله ثم ربتت على يده وقالت بحنو:
مالك يابني، قولي فيك إيه فضفض وأنا هسمعك، بلاش تكتم جواك لتتعب، أنت بقالك كام يوم عالحال ده حتى أختك اللي مكنتش بتبطل تكلمها مبقتش ترد عليها، حتى لما جات تزورنا قفلت تليفونك عشان متكلمهاش، ده غير شغلك اللي سايبه وقاعد في البيت مش عايز تقابل حد، قولي يا بني وريح قلبي.
نظر لها بحزن وعيون تملأها الدموع لأول مرة وقال:
قرفان من نفسي ياما، مش طايق نفسي ولا طايق حد.
سهير:
ليه بس إيه اللي حصل اتخانقت مع حد، أختك زعلتك.
شيكو بقهر:
زعلان من حالي ياما، مش لاقي نفسي، مش طايق أبص في وشي في المراية، حاسس إني مخنوق روحي بتطلع مني، إيه اللي مشاني في السكة دي.
عارفة، من كام يوم كنت واقف على ناصية الشارع سهران لوش الفجر زي عادتي، فجأة العيال سابوني ومشوا على غير العادة، وقفت لوحدي شوية أشرب سيجارة، لقيت عم الشيخ معروف جاي عليا ومن غير ما ينطق كلمة سحبني من إيدي ودخلني الجامع، أنا معرفش مشيت معاه إزاي، محستش بنفسي غير وجسمي كله بيترعش أول ما خطيت برجلي جوه، وقفت اتصمرت مكاني، قولتله مينفعش، أنا مقدرش أدخل هنا.
ابتسملي وقالي (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، ألا بذكر الله تطمئن القلوب) قالها ثلاث مرات وأنا مش قادر أوقفه وحاسس قلبي بيرتجف، وقفت قدامه تايه، خدني من إيدي تاني ورحنا اتوضينا وأذن للفجر، من أول ما سحبني من إيدي وأنا بحاول أعترض أمنعه، بس كأني متكتف مش قادر أقوله لا.
لما وقفت أصلي خوفت لقيت جسمي كله بيتنفض، مش عارف أركز في الصلاة ولا قادر أعيط، كل اللي في دماغي وجوايا إزاي أنا بجح كده، واقف بين إيدين ربنا بعد كل البلاوي اللي عملتها.
خوفت ياما، خوفت وكنت عايز أقطع الصلاة وأجري بعيد عن المكان، مكنتش عايز أوسخه، بس كملت الصلاة بالعافية وأول ما خلصت طلعت جري عشان محدش يكلمني.
ابتسم باستهزاء وأكمل:
أصلهم كانوا مستغربين وجودي وسطهم، كأنهم بيقولولي إيه اللي جابك مكانك مش هنا، أنت مش زينا.
كانت تبكي بهدوء وهي تسمعه بقلب فرح، يبدو أن ولدها سيمن الله عليه بالتوبة، حينما وجدته أنهى حديثه نظرت له بابتسامة حلوة وقالت:
فعلاً أنت مش زيهم.
نظر لها بكسرة فأكملت:
أيوه يا حبيبي أنت ممكن تكون أحسن منهم بس مش حاسس.
ضحك باستهزاء وقال:
أنا، أنا اللي عملت بلاوي سودة وغضبت ربنا في كل حاجة أحسن من الناس اللي بتصلي الفجر في الجامع، والنبي ياما متضحكي عليا أنا مش عيل صغير قدامك.
سهير بجدية يعلمها ولدها جيدًا:
قسماً بربي أنا ما بضحك عليك، أنت شايفهم بيصلوا صح، بس تعرف كل واحد جواه إيه، يمكن قلبه أسود وبيحقد عالناس، يمكن حسودي، يمكن أكل حق حد، أنا مبقولش إنهم وحشين، بس هما مشيوا في طريق ربنا وبيأدوا فرضه، أنت بقى ربنا سحبك ليه يا حبيبي.
نظر لها بعدم فهم فأكملت:
أنت واقف مع العيال الفاسدة اللي مصاحبهم، فجأة سابوك ومشيوا وأنت بدل ما تطلع البيت فضلت واقف، الشيخ سحبك من إيدك وأول مرة يعملها من غير ما يخاف إنك تبهدله، مشيت معاه غصب عنك مش قادر تمنعه، كل ده يابني ترتيب ربنا.
ربنا شايف إن جواك طيب وعايزك في طريقه، حب يشيل الغمامة من على عينيك وينور قلبك بنوره عشان أنت تستاهل تكون كويس.
اسمعني يابني، كل بني آدم مننا جواه الخير وجواه الشر بس أنت اللي بتختار مين يكسب مين، مرة واحد راح لحكيم وقاله أنا جوايا ذئبين بيتصارعوا مع بعض تفتكر مين اللي هيكسب، الحكيم قاله اللي بتاكله أكتر.
يقصد بالذئبين الخير والشر، واللي هياكله أكتر يعني هيقويه بأفعاله، هو اللي هينتصر، أنت مشيت في سكة غلط والله يسامح اللي كان السبب، بس قلبك من جوه نضيف خسارة إنه يتملي سواد، ارجع عن الطريق ده يابني وتوب، ربنا فاتح باب التوبة ديماً مبيقفلهوش، بس أنت روحله، قوله حقك عليا يا رب، ابكي واتحايل عليه يقويك على نفسك، ادعيله وقوله، أنا نفسي ضعيفة وشيطاني قوي، قويني عليهم وخد بإيدي يا رب، عمره ما هيردك أبداً.
بكى بحرقة وقال:
بعد كل الذنوب دي تفتكري هيقبلني.
ردت عليه بيقين:
طبعاً ربنا قال استغفروني أغفر لكم، وعد ربنا لينا إنه يغفر وإلا مكنش يبقى اسمه الغفور، وعدنا إنه يرحمنا ولا مكنش يبقى اسمه الرحيم.
مهما كانت ذنوبك التوبة هتغسلها، بكت وأكملت:
أنت عارف حكاية أمي، زنت، أمي كانت زانية وجابتني من الحرام، بس ربنا بعتلها اللي تتهدى على إيده ويعلمها ويفهمها، عاشت عمرها كله تصلي وتستغفر وتبكي لربنا يسامحها، ماتت وهي ساجدة، الحمد لله قلبي ارتاح لما شوفت حسن الخاتمة واتأكدت إن ربنا غفرلها.
كلنا ذنوب يابني، بنغلط ونتوب ونغلط ونستغفر، هو ده البني آدم، بس الفرق في واحد الدنيا بتلهيه ومش بيفكر يقرب من ربنا، وفي واحد قلبه لسه حي وبرغم معصيته إلا إنه بيخاف من جواه.
وأنت ربنا بيحبك وعايزك، اوعى تقوله لا، روحله وقرب منه، هيسامحك وهيرحمك وهيقويك عالدنيا، أنا واثقة من كده.
شيكو ببكاء:
بس أنا ظلمت ناس كتير.
سهير:
اللي تقدر ترد مظلمته ردها واللي متقدرش اطلب من ربنا يردها عنك، بس أهم حاجة تبقى قوي ومتضعفش ولا تخلي الشيطان يأيسك من رحمة ربنا.
نظرت له وأكملت بقهر:
وأهم من شياطين الجن، شياطين الإنس يابني اوعى تخليهم يأثروا عليك ويرجعوك للطريق بتاعهم، أنا عارفة إن خروجك منهم صعب ومش هيسيبوك في حالك، بس أنا واثقة فيك وعارفة إنك قدها، قوم يابني، قوم استحمي، اغسل نفسك من ذنوبك واتوضى وصلي ركعتين لله.
ابكي وأنت ساجد خلي دموعك تنضف قلبك من جواه واطلب من ربنا يسامحك ويقويك، هياخد بإيدك لما يلاقيك صادق في توبتك ومش هيسيبك أبداً.
نظر لها من بين دموعه وهو يترجاها بعينه أن تؤكد حديثها الذي أثلج قلبه وفتح داخله طاقة نور ستضيء حياته الآتية، بأمر الله.
هزت له رأسها بابتسامة جميلة بعد أن فهمت ما يدور داخله.
عقله وقالت:
"أيوة هيقبلك ويغفرلك... هو ده يقيني بربنا."
بعد أن صعد جناحه مع ولده الروح، لم يفتح بمفتاحه كما اعتاد، بل طرق الباب. يعلم أن صغيرته تنتظره دائمًا بثياب مهلكة ولن يقبل أن يراها أحد بها حتى لو كان طفلًا. وقفت خلف الباب تنظر من العين السحرية، وحينما وجدته يحمل الطفل سحبت إسدالها الموضوع جانبها وارتدته سريعًا ثم فتحت له وقالت:
"حمد لله ع السلامة... إيه ده محمود كمان!"
نظرت لهم بقلق وقالت:
"ماله هو تعبان؟"
بعد أن تحرك للداخل جلس ومعه الصبي الذي كان صامتًا صمتًا مريبًا وقال:
"حبيبة نامت؟"
دهب:
"يا دوب لسه مدخلاها تنام بس آآآ..."
قاطعتها الطفلة التي أتت من الداخل وهي تقول بتذمر:
"أنا صحيتي يا ببتي... مراتيك بتنام بيبو بعافية."
نظر لها بغيظ وقال:
"مراتيك وبتنام! تعالي يا كارثة حياتي... مفيش نوم انهارده، هنسهر سوي."
محمود بهدوء:
"أنا عايز أنام يا بابا."
رد عليه متصنعًا المزاح:
"لااااا مفيش نوم غير لما أغلبك دور شطرنج ولا أنت خايف أغلبك؟"
محمود بوهن:
"مش هقدر... مش عايز."
جواد:
"دهب... خدي حبيبة واعملي لنا كيك عشان نفسي فيها."
فهمت أنه يريد أن يختلي بالصبي. أمسكت يد الطفلة وقالت بمزاح:
"ماشي بس بالله أبقى كل شوية أطمن عليا عشان بيبو بتجنني في المطبخ."
حبيبة بغيظ:
"بيبو مش تجنكيكي يا دود، أنا أساعدك بس."
بعد أن تأكد من مغادرتهم التف للطفل وقال بحكمة:
"أنا مش هقولك متزعلش... حقك... الموقف صعب عليك أو على أي حد مكانك... بس اللي أنا متأكد منه إنك مش هتخلي اللي حصل يأثر عليك... هنتخطاه سوي... أنت اخترت أكون أب ليك... وأنا اعتبرتك ابني من يوم ما اتولدت... حط في دماغك إن ابني مش ضعيف أبدًا... هيزعل آه بس مش هيخلي زعله يغيره... حاسس إنه موجوع بس مش هيخلي وجعه يكسره... يا ابني الحياة كلها مشاكل، الجدع اللي يقف ويواجه ومهما كان صعوبة اللي بيمر بيه ميخلهوش يغيره من جواه... بالعكس كل مشكلة وكل وجع وكل كسرة هتمر بيها... خدها سلاح تحارب بيه الدنيا عشان أنت أقوى من كل ده... هتقع وتقوم وتكمل... في ناس بتعمل كده لوحدها... من غير ما تحتاج لحد لأنها مالأساس ملهاش حد... بس بتعمل من نفسها جيش كامل تحارب بيه غدر الدنيا... وفي ناس شبهك كده عندها اللي بيحبها ويخاف عليها وديما ماسك إيدها عشان متوقعش."
سحب كفّي الصبي وضمه داخل كفه الكبير وقال بقوة:
"وأنا ماسك إيدك وعمري ما هسيبها أبدااااا... طول ما فيا نفس مش هسيبك تقع... وواثق فيك وعارف إنك هتفضل ماسك فيها عشان لو وقعت تشدني وتساعدني."
نظر له الطفل باستغراب وقال:
"أناااااا... أنا صغير إزاي هعمل كده؟"
ابتسم بحب وقال:
"أنت عمرك ما كنت صغير... سنك صغير آه... إنما عقلك كبير وشخصيتك قوة... وآه عادي تشدني... مش لما بتحس إني متضايق بتقعد تهزر معايا لحد ما تخليني أضحك؟"
هز رأسه علامة الموافقة وقال:
"أيوة عشان مش بحبك زعلان."
جواد:
"يبقى أنت كده مسكت إيدي وشدتها عشان تخرجني من زعَلي... فهمت يا حبيبي أنا أقصد إيه... عايزك قوي... ارجع العب مع إخواتك... ركز في مذاكرتك."
ضحك بخفة وأكمل بمزاح حتى يخفف وطأة الحديث:
"وأهم حاجة تاخد بالك من البلوة السودة اللي جوه دي... دي لوحدها هتنسيك الدنيا والله يا ابني... كفاية لما تقف تحط إيديها في وسطها وتردح لك زي الولية المطلقة عشر مرات."
ضحك محمود بصخب على هذا الحديث وقال:
"أيوة هي مشكلة بس طيبة أوووي يا بابا، متزعلهاش عشان بزعل."
ضيّق عينه وأمسكه من ملابسه من الخلف وقال بغضب مازح:
"ماااا... إيه يا نحنوح... مزعلش مين يااض دي تزعل بلد... وبعدين ليه حاسس إنك بتسبل كده بعينيك وأنت بتتكلم عنها؟"
رد عليه ضاحكًا:
"هو التسبيل بيتحس يا بابا؟"
هزه جواد بقوة وقال:
"آآآآآه يا حبيب أبوك... عشان أعمى قلبي بيحس ببلاويكم السودة... واد أنت أنا مش مرتاح لك... أنت بتسبل للبت بجد؟"
محمود بقوة:
"بنت عمي وأنا أولى بيها يا بابا."
جواد بجنون:
"نهاااارد أبوك أسود وبتقولها في وشي... إيه البجاحة دي يااض!"
خرجت لهم في تلك الأثناء البلوة المتحركة... وقفت وقفتها المعتادة وقالت بغيظ:
"تربيتك يا بابتي... سيبه بقى عشان هو صبحتي ومش بحب حد يزعله."
وقف من مجلسه وهو مازال ممسكًا بملابس الطفل معلقًا إياه في الهواء وتحرك تجاهها بغضب حتى يمسكها هي الأخرى... صرخت الطفلة بخوف وهرولت تجاه طاولة الطعام وهي تقول:
"أنت هتعلقني معاه... لالالالا!"
محمود بصراخ:
"آآآه يا واطية بتبِيعيني!"
مثل جواد أنه يبحث عنها وهو يقول بصراخ:
"تعااااالي هنا يا بنت الكلب... أنت بتستعَميني!"
خرجت لهم دهب وهي تضحك بقوة... أمسكت حبيبة لتحميها وقالت بغيظ حقيقي:
"هتستعَمَا لك لييييه... مش أنت بتشوف بودنك... يبقى خلاص اعرف مكانها بقى!"
نظرت له داخل عينيه بقوة جعلت شكه يتأكد... ابتسم وقال بمهادنة ومسكنة:
"بس لما يكون في دوشة مش بعرف أركز يا ديبو... هتساعديني أمسكها؟"
كادت أن تشق ملابسها من ذلك البريء الخادع... لو لم تكن رأته بعينيها وتأكدت بطريقتها لكانت الآن تعتذر منه... بل تبكي ندمًا على حديثها الذي أحزنه وذكّره... بعماه.
تمالكت حالها وقالت بمزاح:
"لا مش ممكن عشان بيبو حبيبتي وبتلعب معايا طول اليوم."
محمود بغيظ:
"طب أنا هفضل متعلق كده؟"
همس في أذن جواد قائلًا:
"بابا نزلني بقى الهيبة هتروح قدام البت... وبنتك لسانها طويل وهتفضحني وسط العيال."
أكمل بخبث:
"وبعدين ينفع الحريم يتحدوا مع بعض وإحنا الرجالة نمسك في بعض؟"
التف تجاهه وقال بجدية زائفة:
"تصدق صح... كده العيبة هتروح... تعالى نلاعبهم كوتشينة بدل الشطرنج عشان نكسبهم ونرجع هيبتنا."
محمود:
"صح يا كبير هو ده الكلاااام."
بعد أن استقر داخل شقته المقابلة لخاصة جواد في القاهرة، فقد غادر القرية صباحًا وحيدًا دون زوجته وأولاده... فقد رفضت المغادرة معه علها تستطيع الضغط عليه ببعدها عنه ليرجع عما فعله... حتى الآن لا تتخيل أن مصطفى الذي كان يعشق جواد وفارس استطاع الابتعاد عنهم.
وهو لم يحبذ الضغط عليها... انصاع لرغبتها مؤقتًا حتى تستطيع تقبل الأمر وتنتقل معه للعيش في القاهرة... هذا ما كان في الظاهر أما السبب الحقيقي لتركها... سنعرفه لاحقًا.
أمسك هاتفه وقام بالاتصال بها وحينما جاءه ردها قال بصدق:
"وحشتيني يا حبيبتي."
ردت عليه من بين بكائها:
"لو وحشتك ما كنتش سبتني."
مصطفى بقلق:
"أنت بتعيطي؟ مالك يا حبيبتي طمنيني."
بكت أكثر وقالت:
"مقهورة يا مصطفى حاسة إن البيت بيتهد طوبة طوبة... إحنا عشنا في السرايا دي طول عمرنا عيلة واحدة... حتى بابا وأخويا برغم حقدهم على عمي وعياله بس برضه كنا سوي... فجأة طلعوا أبشع مما أتخيل وأكيد نهايتهم يا الموت يا الحبس... فاطمة عمالة تخلص على عيال عمي واحد واحد... وأنت..."
شهقت بقوة وأكملت:
"أنت اللي كان روحك فيهم فجأة تفصل شغلك وحياتك عنهم... واللي مقطّع قلبي محمود."
مصطفى بحزن:
"ماله؟"
قصت له روان ما حدث منذ قليل وبعد أن انتهت قالت:
"بنت الكلب مهانش عليها تراضي الواد بكلمتين ولا حتى تقوله حاجة تطيب خاطره... لا، وقفت تزعق في جواد... الواد قهران يا عيني."
مصطفى بحكمة:
"جواد هيعرف يداويه متقلقيش... وإحنا مسيرنا نرجع... محدش بيستغني عن أهله."
ردت عليه بفرحة يشوبها التمني:
"بجد يا مصطفى... يعني ممكن لما تقعد كده وتهدى ترجع عن اللي عملته... ترجع هنا تاني في وسطنا ومع إخواتك اللي بيحبوك... أنا مش قادرة أتخيل إن كل واحد مننا هيعيش في مكان... لما كنت بتسافر بترجع في نفس اليوم أو بالكتير تاني يوم... ببقى هتجنن عليك اليوم ده... بس ببقى عارفة إنك راجع... إنما دلوقتي..."
لم تستطع إكمال حديثها وبكت بحرقة... جعلت قلبه يتمزق ألمًا عليها... للحظة كاد أن يلقي بكل شيء عرض الحائط ويعود لها... يضمها بين ذراعيه... يطمئنها... يثبت لها أنه معها... ولكن... لن يفعلها ويفسد ما خططوا له... سيعود... سيعوضها... سيحتويها... سيكون لها عائلة كاملة بعد أن تفقد هؤلاء الجبناء... قريبًا... قريبًا جدًا.
أنهوا العشاء الذي لم يخلُ من المزاح وجلسوا أربعتهم أرضًا يلعبون... لعبة الكوتشينة... انقسموا إلى فريقين... جواد ومحمود... دهب وحبيبة.
ولكن ذلك الخبيث جعلهم يشدون شعرهم من الغيظ.
صرخت دهب بجنون:
"ده سادس ولد تقش بيه... جوااااااد أنت بتغش!"
حبيبة بغيظ:
"بيتسرق يا ديبو، حرامي يعني!"
جواد:
"أنا حرامي يا بنت الكلب... وأنت يا أختي أنا جايبهم من عند أبويا... ذنبي إيه إن الولاد بتحبني... احمدي ربنا إنهم مش بنات."
نظرت له بغيظ ثم قالت لمحمود:
"محمود ملكش دعوة بيه وخلي ضميرك صاحي... مش هو بيغش؟"
محمود بخبث:
"لا طبعًا بابا أكتر واحد عنده ضمير... ده أنا نفسي أبقى زيه."
صرخت به:
"لااااااااا كفاية جواد واحد في العيلة!"
مر يومان على آخر الأحداث... لم تخرج فاطمة من جناحها نهائيًا ولم تلتقِ بأحد... حتى طعامها تطلبه من الخادمة وتأكل وحدها.
أما محمود فقد اهتم به جواد كثيرًا في تلك الفترة حتى إنه جعله يبيت معه ليشعره أنه فعلًا أبوه.
اليوم... عقد قران دلال ومحروس وقد أصر عبيد أن يتم داخل السرايا.
لم يحضر أشخاص كثيرة... الاثنان ليس لديهما عائلة كبيرة... بعض الأقارب لدلال... وأخت واحدة لمحروس... والأولاد و... عائلة التهامي.
كان يرتدي ثيابه حتى يهبط لحضور الحفل الصغير... وجدها تقول ببراءة مزيفة:
"مش عارفة ألبس أنهي فستان... الأزرق ولا الأسود؟"
ترك ما بيده والتف لها قائلًا باستغراب:
"وأنت هتلَبسي ليه؟ في حد طالع عندك؟"
ردت عليه بطريقة عادية ولكن داخلها تصميم:
"لا عشان أنزل الفرح."
جواد بهدوء خطر:
"معلش مش فاهم... فرح إيه اللي هتنزليه؟"
دهب:
"إيه يا جواد... كتب كتاب طنط دلال وعمو محروس... ما أنت بتلبس عشان تحضر أهو."
حاول التحكم في غضبه وقال بهدوء خطر:
"وأنت أخدت قرارك كده من نفسك... ملكيش راجل تاخدي إذنه؟"
ارتعشت بداخلها رعبًا من نبرته المحذرة ولكنها مثّلت الشجاعة وقالت:
"قرار إيه اللي آخده لوحدي... أنا أصلًا أصلًا عارفة إنك هتنزلني معاك... ده فرح وكله هيحضر، إشمعنى أنا؟"
جز على أسنانه غيظًا وقال بغضب مكبوت:
"إشمعنى ااااأنتي... من إمتى الكلام ده يا هانم... إذا كنت مش بنزلك تقعدي مع أهلي هسمح لك تحضري فرح... إزااااي يعني؟"
دهب بغضب وغصبًا عنها على صوتها:
"وفيها اااإيه... أنا اتخنقت من الحَبسة... نفسي أشوف ناس وأتكلم معاهم... نفسي أعيش عيشة طبيعية... فرقت إيه وجودي هنا عن بيت أهلي... ده أنا حتى هناك كنت بخرج الجنينة أو أقف في البلكونة... إنما هنا محبوسة بين أربع حيطان وكل حاجة ممنوعة."
جُن جنونه... صغيرته ستتمرد عليه... وهذا ما لم يسمح به أبدااااااا... وضع يديه داخل جيبه وقال ببرود:
"مفيش نزول يا دهب... ودي عيشتك... ارضي بيها وتقبليها عشان متتعبيش يا قطة."
اعتاظت من بروده وصرخت به:
"لااااااا مش هقبلها يا جواااااد... أنا مش جارية عندك عشان تتحكم في النفس اللي بيخرج مني... أنا بني آدمة وليا كيان مش هعيش عمري كله ملغية من حياة الكل."
هنا لم يتحمل... القطة أظهرت مخالبها عليه... العصفور يريد أن يخرج من قفصه... سأقتل تمردك قبل أن يبدأ... يعلم أنها تأخذ حضورها لذلك الحفل حجة كي تنفس عن غضبها منه بعد أن تأكدت أنه ليس بأعمى... تخاف المواجهة فاختارت الصمت على أن تؤدبه بطريقة أخرى... لااااا... لن يحدث... جواد التهامي لن يرضخ أبداااا... لن يسمح بابتزازه ولا الضغط عليه حتى يعترف من تلقاء نفسه.
في لحظة... كانت خصلاتها بين يديه يجذبها بقوة وهو يصرخ قائلًا:
"اسمعيني كويس يااااا دهب... آآآآآوعي تفكري تعلّي صوتك عليا ولا تفرضي رأيك حتى... أناااااا واااااحد بشك في نفسي... مش هقدر أخلي مراتي تقعد وسط ناس ممكن حد يبص لها... زي ما حبستك جوه قلبي سنين لحد ما بقيتي ملكي... هحبسك بقية عمرك جوه بيتي... محدش هيلمحك... مش هفتح باب الشك ليكي يا دهب... ولا هسمح لك تفتحيه ساااااامعة؟"
بكت.
بقهر وقالت: مش ذنبي إنك كده، أنا واثقة في نفسي وعارفة أخلاقي، أنت بقى مش عايزة تصدق ده، دي حاجة ترجعلك، بس أنا مش هقبلها، ومش هكون زوجة لواحد مش بيثق فيَّا، سامع.
شعر بحريق يأكل صدره، أتريد تركه؟ لم يشعر بحاله إلا وهو يجذبها معه، كي تتحرك للخارج تحت صراخها من ألم رأسها وخوفها منه. ألقاها فوق الفراش مثبتًا إياها بيد، والأخرى مزق ثيابها بجنون وهو يقول: أنا بقى هأعرفك إنك زوجة الشكاك، وهأخليكِ تتأكدي إنك مش هتنفعي لغيره، ولا من غيره. أعقب قوله بالتهام رقبتها، وظل يقضمها بأسنانه بعد أن رفضت بقوة تقبيل ثغرها.
صرخت برعب: لاااااا عشان خاطرِي، أنا آسفة والله آآآسفة، ما أقصدش اللي قلته، أبوس إيدك ما تعملش فيا كده.
كان حرفيًا يأكلها بأسنانه، ويده تستبيح جسدها بعنف، لم يسمعها، ولا يرى أمامه غير غيابها عنه وهي بين يديه.
أصبحت عارية تمامًا أسفله، أحكم إغلاق ركبتيه عليها، تخلص من ملابسه بهمجيّة، وكلما حاولت الهروب أمسكها بغباء، حتى أصبح عاريًا هو الآخر.
كتّف يدها ورفعها فوق رأسها، ضم ساقيها التي تحاول تحريكهما بركبتيه، مال عليها بملامح إجرامية وعيون حمراء ينطلق منها لهيب الغضب والغيرة، ثبت نظره داخل عينيها المرتعِبة وقال بهمس غاضب ملتهب مجنون: ...
رواية جواد ودهب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم فريدة الحلواني
رغم اعتصار قلبه ألمًا مما يفعله معها، رغم دموعها المنهمرة التي تحرق روحه، رغم ضعفه تجاهها، إلا أن غيرته كانت أقوى من كل ذلك. جعلت منه أعمى البصر والبصيرة، أعمى قلبه عن رؤية وجعها، فقد إحساسه بآلامها. كل ما يراه الآن عيون الرجال التي ستراها، كل ما يسمعه الآن كلماتها المتمردة عليه، كل ما يشعر به الآن شكه القاتل في جميع النساء، واعتقاده أنه إذا تركها ستتحول مثل فاطمة، زوجة أخيه التي كانت السبب الرئيسي لما هو عليه. فقد كان أول تعارفهم عليها فتاة بسيطة ذات لباس محتشم، لا ترفع عيناها من الأرض، وبرغم رفض عبيد لها بسبب الفارق الاجتماعي الكبير، إلا أن مظهرها خدعهم جميعًا، وظلوا يقنعون فيه حتى وافق. وبمجرد أن خطت أولى خطواتها داخل السرايا، تبدلت لأخرى أقل ما يقال عنها فاجرة. ثيابها أصبحت عارية، تقربها منه في الخفاء من أول شهر في زواجها، إلى أن اعترفت بحبها المزعوم له، وأن أخيه لا يكفيها في الفراش.
تلك الكلمة بالذات، مع علاقاته النسائية الكثيرة، والتي كانت فيها معظمهم خائنات لأزواجهن، جعلته يضاجع ذهب ليلًا ونهارًا حتى تكتفي ولا تشعر بالنقص في تلك النقطة بالذات. وقد حاول بكل الطرق الممكنة وغير الممكنة أن يجعلها تعتاد على الممارسة بكثرة، حتى أصبحت أكثر تطلبًا منه، ولا تستطيع البعد عنه يومًا واحدًا.
كتف يدها ورفعها فوق رأسها، ضم ساقيها التي تحاول تحريكهما بركبتيه. مال عليها بملامح إجرامية وعيون حمراء ينطلق منها لهيب الغضب والغيرة. ثبت نظره داخل عيناها المرتعبه وقال بهمس غاضب ملتهب:
"آسفة، تبوسي إيدي عشان منامش معاكي، خلاص كرهتيني، مش طايقة لمستي على جسمك يا ذهب."
هزت رأسها بهستيرية علامة الرفض وقالت بصوت مختنق من الرعب والبكاء:
"لا مش كده، عمري ما أقدر أكرهك."
بكت أكثر وهي تقول:
"أنا بحبك يا جواد، افهم ده، ومش بشوف راجل غيرك، بس كارهة اللي عايز تعمله دلوقت معايا. طول عمرك حنين عليا، ومن بعد جوازنا خلتني أتمنى لمستك."
شهقت مثل الأطفال وأكملت:
"أنا عايزة جواد حبيبي، أنا خايفة. عايزة اللي قالي أنتِ بنت قلبي، هو لو بنتك غلطت هتضربها؟"
نظرت داخل عيناه وقالت:
"بص في عيني وقولي إنك هتضربني، هتغتصبني عشان تثبت إنك جوزي."
نظر لها دون أن يهتز ولا يعلق على طلبها وقال:
"أهو ببص في عينك، بس عشان أقولك، بعشقك، مجنون بيكي. واللي بعمله مش قلة ثقة فيكي أبدًا، ده عيب فيا. قولتيهالك قبل كده وهقولها تاني، أنا بقفل باب الشك من ناحيتك، أنتِ بالذات لا، مش هقدر أشك فيكي، بس مش بثق في غيرك. النسوان اللي رافقتهم كانوا بيبقوا جوازهم نايمين جنبهم وهما بيكلموني، آآآه."
قاطعته بطفولة:
"يعني إيه رافقتهم؟"
نظر لها بذهول يشوبه الغيظ ولكنه هدأ قليلًا فابتسم بغلب وقال:
"مخلتنيش أندمج وأقول الكلمتين."
مال عليها ليقبلها فابتعدت بخوف.
كوب وجهها بيديه وثبت عينه داخل خاصتها وقال بحسم:
"هنزل، هنزل دلوقت عشان سامع الفون عمال يرن، مش هتأخر، بس هرجعلك وهنتكلم وهعرف مخبية عليا إيه. وبتعملي أي حاجة وكل حاجة عشان بس تعبري عن زعلك مني، بس للأسف بياض قلبك مش عارف يتغير لونه، وبراءتك غلبت الخبث اللي بتحاولي تتعلميه يا ذهب."
اهتزت حدقتيها بقلق بعد أن فهمت مغزى حديثه ولكنها صمدت أمام هذا الهجوم المباغت وقالت:
"أنا مش خبيثة على فكرة، أنت اللي لئيم. وآه زعلانة منك وكتير كمان، ولو أنت عارف ذهبك كويس هتعرف إيه اللي مزعلني منك. ولو بتثق فيا زي ما بتقول هتواجهني."
بالأسفل، كان الجو مبهجًا للغاية، وقد أعدت إيمان كل ما يلزم لحفل صديقتها التي تعدها أختًا لها. دلال ليست مجرد عاملة لديها بل اتخذتها صديقة مخلصة لم تخذلها يومًا. عاشت معها معاناتها لحظة بلحظة، تعلم جيدًا كيف تعذبت وتعبت أعوامًا طويلة وهي تعيش دور الرجل الحاسم المسؤول، ودور الأم الحانية التي تحتوي أطفالها. وقد نجحت في ذلك، ولكن بداخلها مجرد أنثى بحاجة لأحدهم يشعرها بأنوثتها ويتحمل معها أعباء الحياة. كانت تحتاج سندًا وقد عوضها الله برجل، معه تضع رأسها على وسادتها ليلًا وهي على يقين أن لها حضنًا حانيًا يحتويها ويربت على قلبها، وظهرًا قويًا تستند عليه.
جلست جانبه بفرحة رغم خجلها وكأنها عادت فتاة مراهقة ستزف إلى حبيبها، هكذا تشعر. رغم نظرات النساء المعتادة في تلك المواقف وتهامسهم بغباء على سنها أو كيف ستجلب لأولادها زوج أم، والكثير من تلك الكلمات السامة التي إن لم يتفوهوا بها تظهر بوضوح داخل أعينهم الحاقدة. لم تهتم ولن تهتم، فقد عوضها الله وجبر خاطرها، ستفرح وتعيش وتكمل مسيرتها ويدها بيده، وليحترق العالم بعدها.
هبط من فوق الدرج بملامح باردة كعادته إلا أن داخله حربًا ضروس. هل يواجهها؟ كيف ستكون ردة فعلها؟ يعلم أنه سيحتويها ويطيب خاطرها، ولكن لم يكن ذلك وقته أبدًا.
هدى بفرحة:
"أهو جواد وصل."
نظرت له وأكملت:
"المأذون بقاله ساعة مستنيك."
مالت عليه وأكملت بهمس مازح:
"لازم تاخد الجرعة قبل ما تنزل، اتهد شوية، ربنا عالمفتري."
لم يلتفت لها بل قال بهدوء بارد:
"نتلم عشان مبيتش جوزك في الشغل وأخليكي طول الليل زي القردة لوحدك هاااا."
هدى بتملق:
"لاااا."
يا باشا دانت تعمل الي عايزه، حتى لو لسه محتاج تريح اطلع براحتك.
جواد بخبث: طب وكتب الكتاب اللي متأجل بقاله ساعة؟
هدى: يكش يولع وإحنا مالنا ههههههه.
جلس عبيد أمام محروس وبينهما المأذون، فقد قرر أن يكون وكيلًا لها حتى يُعلي من شأنها أمامه، حتى لو كان يعلم أنه يحبها ويريدها، ولن يُغضبها يومًا. يجب أيضًا أن يعلم جيدًا أن لها عائلة تساندها وتقف في وجه كل من تسول له نفسه أن يدعس لها على طرف.
محروس، ذلك العاشق الكبير، يردد خلف الشيخ ما يقوله، وتكاد أنفاسه تزهق من شدة خفقان قلبه. قلبه الذي لا يصدق أن حبيبة عمره، والتي تمناها منذ أن كان شابًا، الآن أصبحت زوجته، وسترافقه ما بقي من عمره. ياااااااا الله! هكذا قال قلبه قبل لسانه حينما سمع الجملة المشهورة: بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما بالخير.
بعد أن قدموا واجب الضيافة للجميع، بل وأعدوا وليمة كبيرة تحتوي على كل ما تشتهي الأنفس، جاء وقت المغادرة بعد أن انفض التجمع.
دلال بدموع وامتنان صادق: أنا مش لاقية كلام أقوله أشكرك بيه يا حاجة على كل اللي عملتيه معايا. ربنا يجبر بخاطرك ويراضيكي في ولادك وأحفادك، ويكفيكم شر ولاد الحرام.
احتضنتها إيمان بحب وقالت: كفاية عليا الكلمتين دول. إحنا إخوات يا بت ومفيش شكر بينا. افرحي يا قلب أختك وعيشي، محروس راجل طيب وجدع ويستاهلك. وأنتي كمان تستاهلي العوض الجميل بعد كل المر اللي عشتيه.
ابتعدت عنها وأكملت بمزاح: أنا جهزت للولدين أوضة يباتوا فيها انهارده، ومنه كمان هتبات مع لوجي. غمزت لها بمغزى وأكملت: عشان تاخدي راحتك يا حبيبتي، وعنبة ودتلك صينية العشا من شوية.
دلال بخجل: ليه بس يا حاجة، ما هو العيال ليها أوضها، بلاش نتقل عليكم أكتر من كده.
إيمان بوقاحة: الراجل بقاله سنين صابر ومستني ومصدق طالك يا هبلة. إيه، هيعبرلك عن اللي جواه على وضع الصامت؟ كفاية صمت يا حبيبتي.
كانت تتحدث عبر الهاتف بغضب مع رفيق، والذي كان مجتمعًا مع أحد الرجال التابع لهم، والذي ذهب لزيارته بناءً على طلب تلك الحية.
توحيدة: اسمع يا ابن الكلب، أنت عارف لو طلقتها لكون قتلاك سامع؟ أنا هبعتلك محامي يطلعك من المصيبة دي بس إياك تسمع كلام عبيد سامع.
رفيق بخوف: طب أعمل إيه؟ أنا بقالي يومين بلاوع فيهم، مردتش أعمل حاجة غير لما أقولك. وبعدين ما هي كده كده رافعة قضية، وإبراهيم المحامي راجل عوقر وهيقلقها من أول جلسة.
توحيدة: المحاكم حبالها طويلة، والمحامي اللي هبعتيهولك هيطلعك منها. اعمل اللي بقولك عليه وملكش دعوة، وإلا أنت عارف أنا ممكن أعمل فيك إيه. وفقط أغلقت الهاتف في وجهه وقالت بغل: هكون قتلاك وقتلاها يا محمد قبل ما تكون معاها. مش هسمحلك بعد كل اللي عملته تاخدها.
طلبت رقمًا آخر وانتظرت الرد، وحينما جاءها قالت بتهديد: أنتي فاكرة إن ابنك يقدر يطلع مننا بسهولة؟ انسي يا سهير، مش هيطلع غير بالدم.
أخرجت سهير من داخلها نمرة شرسة ستدافع عن ولدها لآخر نفس. قالت بغضب جام: لااااا اسمعيني أنتي بقى عشان تعرفي أنتي هتواجهي مين.
صمتت للحظات حتى تثبر أعصابها ثم قالت: شيكا مش راجع لطريقك تاني. زي ما ربنا هداه وكرهه في عمايله الوسخة، هدعي ربنا يهديلي بنتي. ولو فكرتي بس تقربي منه هكلك بسناني.
ضحكت توحيدة بفجور وقالت بغل: هتعملي إيه، هتحدفيني بالبيض اللي بتستنيه كل يوم؟ ولا هتسيبي عليا فرختين يعضوني؟ فووووووقي، اعرفي أنتي بتقولي إيه ولمين عشان متندميش.
ضحكت سهير باستهزاء وقالت بثقة: لا يا حبيبتي، ولا بيض ولا فراخ. بس حاجة أبسط من كده. هطلع الورق اللي إداهولي جوزي قبل ما تقتليه وهسجنك أنتي واللي معاكي بيه، إيه رأيك بقى؟
انقبض قلب توحيدة رعبًا وقالت: ورق إيه؟ أنتي فاكرة نفسك هتخوفيني بالكلمتين دول، محدش ماسك عليا حاجة.
سهير بثقة وتجبر: اللي فاكر نفسه عارف كل حاجة، بيطلع في الآخر أكبر مغفل. هقولك معايا إيه عشان بس تعرفي إني مبقولش كلام على الفاضي.
الله يرحمه قبل ما يتحبس ضميره صحي، بس للأسف بعد فوات الأوان. قبل ما يتقبض عليه بيوم قعد معايا وحكالي كل حاجة من أول ما دخلتي علينا البيت مع أبوكي، لحد ما بدأتي تلفي عليه عشان تغويه لطريقك، وإقناعك ليه إن فاطمة تتجوز فريد عشان تجيب رجله ويشتغل معاكي. غويتي الكل زي الشيطان. مشي معاكي في سكتك السودة، والبت زغللتي عنيها بالفلوس والعز اللي هتعيش فيه.
بس الحمد لله كان قلبه حاسس أنك غدارة. سجلك المكالمات اللي بينكم. صور كل مرة يسلمك فيها العيال اللي بيخطفهم. سرق من عند فاطمة الورق المزور اللي كنتم بتطلعوا بيه بضاعتكم الوسخة عن طريق مصانع اللحمة.
حتى تليفون فريد سرقه واحتفظ بيه. لأن المرحوم من كتر غروره وكبره اتعمى وحس إن محدش يقدرله على حاجة. سايب كل حاجة تخص شغلكم على التليفون. من أول صور البنات الصغيرة اللي بتبيعوها زي الجواري لبيوت الدعارة، لحد الآثار اللي بتتهرب. حتى الأعضاء اللي بتهربوها معايا إثبات بيها.
وكووووووول ده سلمه ليا قبلها بيوم، ولما اتحبس وروحت زورته قالي أوعي حد يعرف حاجة عن اللي معاكي، ده أمان لحياتك أنتي والعيال. وصاني أبعد عيالي عن سكتك، بس للأسف، كنتي لافة عليهم زي التعبان محوطاهم من كل ناحية.
بس الحمد لله ابني رجع لربنا وتاب. ولو فكرتي تمسي شعرة منه مش هقولك هعمل إيه. هسيبك لخيالك.
توحيدة بجنون: أنتي متعرفيش أنا شغالة مع مين. أنتي مش قد الناس دي يا سهير. أنا هجيلك بنفسي آخد كل الحاجات دي وهسيبلك ابنك اشبعي بيه. وإلا اترحمي عليه هو وبنتك كمان.
سهير بغضب: أنسي، ده أماني الوحيد، إياك مفكرة إني هصدقك. فكري بس تقربي منهم، أقسم بالله هولع فيكي سااااااامعة. وفقط أغلقت الهاتف في وجهها وهي تتنفس بقوة.
رفعت عيناها إلى السماء وقالت بابتهال: يااااارب لجل خاطر حبيبك النبي اقف معانا واكفينا شرهم.
صعد مرة أخرى لجناحه بعد أن اطمأن على ولده الروحي، والذي طلب منه أن ينام الليلة مع رؤوف، فهما صديقان رغم فارق السن. وانتهز الفرصة أيضًا وأعطى كارثته الصغيرة لتبيت مع أمه حتى يختلي بصغيرته الكبيرة وينهي ما حدث.
يعلم أنها تبكي. يشعر بألمها. ولكن هو ممزق بينها وبين واجبه، بينها وبين شكه المرضي، بينها وبين هوسه بها. فلنرى كيف سيخرج من ذلك المأزق والذي لم يضع له حسابًا في ذلك الوقت.
دلف بخفة إلى الداخل وأغلق الباب خلفه. لم يجدها في انتظاره كما اعتاد دائمًا. إذًا جواد حبيبتك أعلنت العصيان.
ذهب، ديبو، هتف باسمها لم ترد. تحرك تجاه جناحه. بحث عنها لم يجدها. خلع تلك العدسات التي أصبح يمقتها، وبمجرد أن خرج من جناحه ليبحث عنها بالخارج، لمح ضوءًا خفيفًا يظهر من تحت عقب باب غرفة حبيبته، ابتسم وقال بغيظ: دي غضبت بس بدل ما تروح بيت أبوها راحت الأوضة التانية. عض شفته بجنون وأكمل وهو يتجه ناحيتها: ليلة أبوها سودة.
فتح الباب بهمجية وصرخت هي بسبب ارتطامه الشديد بالحائط. انتفضت من مجلسها وقالت بغضب: في حد يعمل كده بردو؟ إيه ده بقى ده؟
وضع يده داخل جيبه. شد جسده الطويل ليقف بشموخ وهو يقول: من غير بقبقة. إيه اللي جايبك هنا؟ وليه مستنتنيش زي كل يوم؟ أنا مش قولتلك هنزل نص ساعة وأطلع نتكلم.
غلى الدم في عروقها من بروده. بتلك الأفعال يزيد غضبها وسخطها عليه. نظرت له وعيناها تعكس صورة ذهب القديمة والتي قررت أن تخرجها من محبسها ثم قالت وهي تكتف يديها أمام صدرها: والمفروض أسمع كلامك صح؟ تضربني وتزعقلي وعادي؟ كنت هتغتصبني وعادي؟ بتحاسبني على عمايل ستات زبالة معاك وعادي صح؟ بت... صمتت في الأخير بعد أن كادت أن تعرفه أنها اكتشفته. ولكنها فضلت أن تصبر لآخر لحظة. تريد إعطائه فرصة كي يثبت لها ثقته بها ويحكي هو من تلقاء نفسه ما جعله يداري عنها شيئًا هامًا كهذا.
نظر لها بعمق وقال بملامح خالية: وبت إيه يا ذهب؟ كملي سكتي ليه؟ طلعي كل اللي جواكي بالمرة.
اهتزت رغمًا عنها. فهي تخاف من هدوئه أكثر من فوران بركان غضبه. وهي مهما مثلت القوة لن تستطيع مجابهته. فهو جوادها الجامح والذي فشلت حتى الآن في ترويضه.
لفت بصرها في كل الاتجاهات وقالت: آآآ... ولا حاجة. أنا قولت كل اللي عندي أصلاً أصلاً. وياريت تسيبني عشان مصدعة وعايزة أنام.
رد بهدوء خطر وقال: تمام مش هتكلم يلا تعالي عشان... تنامي... في... أوضتك. هكذا ضغط على كل كلمة حتى يصلها تحذيره ألا تفكري حتى فيما انتوته.
ردت عليه بعناد رغم فهمها مقصده: أنا هنام هنا. لو سمحت اديني مساحتي الشخصية. أنا من حقي أنام مكان ما يريحني. وآخد أي قرار يرضيني. أنا ليا كياني وشخصيتي اللي مهما كنت بحبك مش هلغيها.
نظر لها وهو يضيق عينيه وقال بشك أقرب لليقين: مساحتك... وشخصيتك... وكيانك...
"بُت، أنتِ سمعتي رضوى الشربيني انهارده؟"
نظرت له بصدمة وقالت بتسرع: "هاااا، وعرفت منين؟ أنت بتراقبني يا جوااااد!"
ماذا يفعل؟ حقًا لا يعلم ماذا يفعل. أيُعاملها كأنثى ناضجة كانت منذ قليل تعاتبه على أخطائه معها بمنتهى العقلانية والرقي؟ أم يعاملها كطفلة تظن أنه يراقبها وتعترف بكل سهولة؟ نظر لجسدها المُنهَك وهو يكمل تفكيره العميق. أيُعاملها كأنثى مُنهَكة؟ لم ير متعة مثل التي عاشها معها.
أخرجته من كل هذا حينما قالت بتصميم: "اتفضل لو سمحت، محتاجة أرتاح."
في لحظة، فقط مجرد لحظة، كان يحملها فوق كتفه بمنتهى الهمجية ويتجه بها إلى جناحهم وهو يقول بتجبر: "ما ياكلش معايا كلام نصيرة المرأة ده يا حبيبي."
صرخت به بغضب حقيقي: "نزلني يا جوااااد، اديني مساحتي عشان أقدر أفكر."
جلس فوق الأريكة وهو محتفظًا بها ويحاول التحكم بها وهي تحرك جسدها بين يديه لتهرب من براثنه فصرخ بها: "ااااااهدي يااااابت."
تصنمت مكانها خوفًا ودمعت عيناها. ملس على وجهها بحنان مخالف لجنونه وهو يقول: "اغضبي وازعلي وخدي مساحتك، هناااا، مش في أي مكان تاني، تمام يا حبيبي؟"
ردت عليه بحزن: "يا سلاااااام، فين المساحة دي؟ يعني هنام على طرف السرير مثلًا وأحط مخدة بينا؟"
ابتسم ببراءة خادعة وهو يقول: "لا مش للدرجة."
نظرت له بعدم فهم فأكمل وهو يسحقها بين ذراعيه: "يعني إحنا بنام وإحنا حاضنين بعض أوووي."
ضغطها أكثر بحنين وأكمل: "أو بتنامي فوقي عشان أحس إننا واحد."
أبعدها قليلًا ليرى ردة فعلها وهو يكمل: "ممكن أخف الحضن شوية، يعني مش لازم ألزق فيكي أوي. نامي على آخر دراعي."
نظر بتهديد وقال: "وده آخري على فكرة قبل ما تعترضي، تماااام؟"
دمعت عيناها بحزن وقالت: "ليه مصمم تعاملني على إني عيلة؟ ليه مش عايز تصدق إني كبيرة من جوايا؟ ليه مدي نفسك كل الحق إنك تتحكم فيا وتعرف النفس اللي بيخرج مني؟ وأنا ما اعرفش عنك حاجة؟ مش عايزة أتعب منك يا جواد. مش هزهق ولا أقدر أكرهك، ولا قلبي هيطاوعني إني أزعل منك. بس قصاد ده كله هتعب وهكره ضعفي وحبي ليك."
بكت وأكملت بهمس يائس: "أرجوووك، مش عايزة أكره ضعفي وحبي ليك. عايزة أحس إن ضعفي معاك هو سر قوتي. مش عايزاك تستقوي عليا زيهم يا جواد. أنت بالذات مش هأتحملها منك وهتوجع."
"لو كنت الأول مغلوبة على أمري وما أقدرش حتى أظهر زعَلي ولا اعتراضي، أنا دلوقتي بقوّي نفسي بيك وبقيت أقدر أرد، وأدافع عن حقي، والتُّهَم ما بقتش أخاف من حد أبداااااا. بلاش تكسرني عشان كسرتك أنت بالذات معناها الموت، مالهاش تصليح... يا جواد."
تمزق قلبه. حقًا لم يستطع تحمل ألم خافقه بعد سماع تلك الكلمات التي أصابته في مقتل. حتى عقله اليابس ظل يسب فيه بأبشع الألفاظ على ما فعله مع تلك البريئة.
مسح دموعها بشفتيه بمنتهى الرقة مما جعلها تغمض عيناها، وتنتظر ربتته على قلبها الموجوع. لم يخلف ظنها أبدااااا كما اعتادت منه.
تحول التهام دموعها إلى قبلات متفرقة وهو يقول من بينهم بصوت مليء بالأسف والندم والعشق: "حقك على قلب جواد... يا قلب جواد وروحه."
كوب وجهها بيديه ونظر داخل عيناها عن قصد تلك المرة وقال: "أنا غلطان... بس قلبك هيسامح حبيبه صح؟ هتتحمليني وتصبري عليا؟ لحد ما يجي الوقت اللي أقدر أقولك كل اللي أنتِ عايزة تعرفيه، ويومها أوعدك وعد جواد لدهب... وعد الحصان الأسود جوه قلب من دهب... مش هأخبي عليكي حاجة أبدًا... مجرد وقت، كل اللي محتاجه منك مجرد وقت بس مش أكتر."
قبلها بعشق خالص ثم فصلها وأكمل وهو قريبًا منها للغاية: "عالجيني... داوي جوادك يا دهبي... خليه ينسى كل القرف اللي عاشه قبلك... خليكي قوية... اسحبيني من ضلمتي وسوادي... لنورك وبياض قلبك... حاوطيني بروحك... خليني أشوفك أنتِ بس... أعمي عيني وقلبي عن أي حاجة أو أي حد غيرك."
"أنتِ حبيبتي وقلبي وروحي... ونور عيني اللي بأشوف بيه."
قبلها برقة وسألها برجاء: "ممكن... أستاهل منك تعملي معايا كده ولا..."
كوبت وجهه بيدها الرقيقة وقالت: "أنت تستاهل أكتر من كده... أنت تستاهل كل الحلو اللي في الدنيا... هأصبر عليك... وهاداويك... وهأطبطب على قلبك... وهأكون معاك لآخر نفس... وهأصدّق وعد الحصان الأسود لقلبه الدهب... عشان عمره ما خلف وعده... أنا بأحبك."
فقط، هكذا فقط عتاب العشاق. اعتذر وقبلت بطيب خاطر. طلب منها الانتظار، وافقت وكلها يقين أنه سيخبرها لاحقًا. ترجاها أن تداويه وستفعل حتى آخر نفس يخرج منها. لن تمل ولا تكل حتى يشفى من وسواسه الذي ينغص عليها حيلتها معه.
التقم شف*تيها في قبلة جامحة... عاشقة... متطلبة.
كاد أن يشق شف*تها السفلى وهو يسحبها بأسنانه بعد أن امت*صها. ضا*جع فم*ها بل*سانه. عدلت جلستها لتحاوطه بسا*قيها لتكون فوق وح*شه المتض*خمة والتي تحتاجها الآن وأكثر من أي وقتٍ مضى.
لا يعلم كيف كان يتخ*لص من ثيا*بها المح*تشمة والمُه*لكة في ذات الوقت، حتى يصل إلى مقد*متها الذي بمجرد أن أمس*كهما بيده التقم حلم*تها يق*ضمها بجنون ويده تفرك الأخرى، والصغيرة تتحرك فوقه بنفاذ صبر وتتأوه بع*هر اعتادت عليه في الآونة الأخيرة.
ابتعد قليلًا ليقول بله*اث: "بأعشقك يا دهبي."
عضت شفتيها بع*هر وقالت به*ياج: "ودهبك عايزة تأكلك."
أعقبت قولها بالتحرك للخلف حتى جلست على ركبتيها بين سا*قيه. فتحت حز*ام البن*طال ثم سح*ابته. ساعدها بنفاذ صبر على خ*لع بن*طاله وما يليه.
ظهر أمام وجهها وح*شه المنت*فض بجنون. نظرت له بش*هوة عارمة وهي تل*عق ثغ*رها بن*هم. ثم أمس*كته بي*دها برقة هائ*جة، ولم تستطع الصبر أكثر، الته*مته الت*هامًا داخل ف*مها وهي تأن باستمتاع.
زم*جر به*ياج: "واااااخ."
أمسك خص*لاتها ليح*ركها أسرع وهو يحاول التما*سك أمام كل تلك المت*عة التي تشعره بها.
"اااااخ... مش قاااادر... أسرعي يا دهبي."
وفي ظل ما تفعله والجنون الذي أص*ابه، كان هاتفه يصدح باسم فهد مرارًا وتكرارًا. لم يلقِ بالًا له إلا حينما وجده يلح في الاتصال.
سحب شعرها ليبعدها بغضب وهو يسب هذا الفهد المسكين بالأل*فاظ النا*بية جعلتها تش*هق بذهول. سحب هاتفه من جيب بنطاله الملقى أرضًا. فتح الخط وقال بعصبية مفرطة: "اااااااايه؟"
انتفض فهد رعبًا من صراخه ولكنه تمالك حاله وقال سريعًا: "مصيبة يا باشا."
تمالك جواد حاله سريعًا وقال بلهاث: "في إيه؟"
فهد: "......"
رواية جواد ودهب الفصل الثلاثون 30 - بقلم فريدة الحلواني
لا يعرف ماذا يفعل في تلك الكارثة، فقد وقف في منتصف الغرفة يدور فيها بجنون وهو يحادث فهد قائلًا بصراخ:
ازااااي ده حصل؟ أنت مش حاطط عليهم مراقبة غفلوك إزاي أنت والـ... عليهم؟
فهد بغضب مكتوم:
يا فندم الرجالة عينيهم مغفلتش عن البيت، بس هما لما لقو عربية محملة أقفاص كتاكيت وطلعوا كام واحد البيت، الرجالة افتكرت إنها طلباهم عشان تربيهم يعني ما هي شغلتها.
جواد:
الرجااالة اااااافتكرت؟ هو في شغلنا في حاجة اسمها افتكرت ولا خمنت يا حضرة الظابط؟ بكره الصبح دور نفسك مكتب أنت وهو. المهم تابعت اللي حصلهم ولا افتكرت برضه؟
فهد بغيظ:
تابعت يا فندم.
صمت للحظة وأكمل بتوجس:
التلت رجالة اللي طلعوا بالكتاكيت كتفوها هي وابنها وربطوا بوقهم، ضربوهم علقة موت وقلبوا الشقة، تقريبًا كانوا بيدوروا على حاجة ولما ملقوهاش هربوا.
جواد:
ومين اللي وداهم المستشفى؟
فهد:
واحدة من الجيران كانت طالعة بالصدفة ولما لقتهم مغمى عليهم وغرقانين في دمهم صوّتت ولمت أهل الحارة اللي بلغوا الشرطة. طبعًا ظابط القسم عمل معاينة ونقلوهم بالإسعاف بس لسه مبدأوش التحقيق.
دلف إلى غرفة الثياب وهو ما زال يتحدث وسحب ثيابًا نظيفة وهو يقول:
تطلع حالًا عالمستشفى، أمنع أي تحقيق لحد ما أوصلك.
فهد باستغراب:
حضرتك هتيجي بنفسك؟ طب والمراقبة اللي عليك؟
ضحك جواد بغل وقال:
طبعًا هاجي بنفسي ما أنا مش هقدر أعتمد عليكم بعد ما خلاص قربنا نوصل بغبائكم هتضيعوا كل اللي عملناه. أما بالنسبة للمراقبة... خسارة أرد عليك.
وأغلق الخط في وجهه وخرج ليتجه إلى المرحاض، ولكنه توقف ببهوت حينما وجد صغيرته تجلس فوق الأريكة بعد أن ارتدت قميصه وتبكي بهدوء، فهو أسهب في الحديث دون أن يلتفت لها.
تحرك تجاهها وجلس على عقبيه، أمسك كف يدها مقبلًا إياه بعشق ثم مد يده يمسح دموعها وقال:
بتعيطي ليه يا حبيبي؟
نظرت له وقالت بصدمة:
هو اللي أنا فهمته صح؟ اااا... أنت لسه شغال؟
قاطعها بحسم:
ظابط، لسه ظابط، بس محدش يعرف. وتعمّدت إني أتكلم قدامك عشان أثبتلك إني بثق فيكي، عارف إنك مش هتكشفي سري، عشان كده اتكلمت براحتي. أنتِ وعدتيني إنك هتصبري عليا شوية وقت لحد ما أقدر أحكيلك كل حاجة، أنتِ لسه عند وعدك صح؟
نظرت له بتيه من بين دموعها وقالت:
وهو في ظابط أعمى؟
ابتسم بخبث وقال:
آه بتعامل بالسمع وبس.
قالت بغيظ:
جوااااد!
قبلها بعنف ثم قال:
قلب جواد اللي كبرت وبتتلام على اللي مربيها.
دهب بقوة:
أو ممكن مستنية تثبتلي ثقتك فيا زي ما اتكلمت دلوقت عادي من غير ما تقفل في الكلام زي عادتك.
ابتسم لها بعشق وقال:
أنا مش بثق في حد غيرك يا دهبي. تاني هقولك أنتِ نور عيني اللي بشوف بيه وقبل ما أشوفك بعيني، شايفك بقلبي وحافر ملامحك جواه.
دهب بحزن:
ده مش رد على كلامي.
قبل عيناه بوله وقال:
شايفك بعيونك الحلوة.
قبل وجنتيها وقال:
شايف أجمل بنوتة.
قبل ثغرها برقة وقال:
شايف وحاسس ومتمتع بأجمل ست في الكون.
بكت بحزن وقالت:
طب ليه كل ده؟ ليه ضحكت عليا؟ أنا مستاهلش منك كده، أبدااااا.
قام من أمامها ليجلس جانبها ويجلسها فوق ساقيه، ضمها داخل صدره بحنان وأخذ يربت على ظهرها ويقبل رأسها كثيرًا. برغم عمله الهام الذي من المفترض أن يتحرك في الحال ليلحق بتلك الكارثة، إلا أنه لن يستطيع تركها بهذه الحال، فليحترق العالم، حبيبته أهم.
أبعدها قليلًا وقال بمهادنة:
حبيبي بلاش بكي، عشان أقولك إني بشوف يبقى هحكيلك السبب، وده مينفعش في الوقت الحالي، مش عدم ثقة فيكي، لا وغلاوتك في قلبي، بس الموضوع كبير ويخص شغلي وأي غلطة صغيرة هيكون تمنها حياتي.
نظر لها بقوة وأكمل:
عندك استعداد إني أموت بـ...
وضعت يدها فوق ثغره لتمنعه من إكمال هذا الحديث الذي ألم قلبها لمجرد تخيله وقالت:
بااااس، أوعي تقولها، عشان خاطري.
ألقت حالها فوق صدره وضمته بخوف وهي تقول:
أنا مقدرش أعيش من غيرك، كنت صابرة على بعدك عشان كنت مستنياك وواثقة إن مهما الوقت عدى أكيد هترجع لدهبك، مش هتسيبها تضيع، متضيعنيش يا جواد أنا مليش غيرك.
احتواها بحنان عاشق وقال:
عمري، أبداااا. حد يضيع روحه يا حبيبي.
أبعدها وأكمل مازحًا حتى يخفف عنها قليلًا:
المهم دلوقت مش هينفع واحد سريع كده قبل حبيبك ما يسافر.
ابتسمت من بين دموعها وقالت بدلال فطري:
تؤ، روح لشغلك يا حضرة الظابط، خليه ينفعك.
ضحك بصخب ثم قال:
يولع الشغل يا قلب حبيبك، أنا أصلًا أصلًا هروح أنفخ اللي جابوهم عشان القطعة الزبالة دي، دانا مقهووور أقسم بالله.
ضحكت معه بحلاوة وقالت:
أصلًا أصلًا، عالعموم، أصلًا أصلًا ده عقاب ربنا ليك على اللي عملته فيا. يلا بقى قوم البس عشان متتأخرش على شغلك.
غمزت له بشقاوة وأكملت بغنج لذيذ:
يا ظبووووتي.
صرخ بجنون:
يالهووووي، هو أنا قادر على جواااد لما هقدر على ظبوطك؟
لامس مفاتنها بوقاحة وأكمل:
طب ما تظبطي ظبوطك قبل ما يلبي نداء الوطن.
ضحكت من قلبها على أفعاله وما يتفوه به وهي تحاول الهرب منه.
ابتسم بهدوء وقال:
مش زعلانة مني صح؟ خليني أمشي وقلبي مرتاح.
مالت لتقبل موضع خافقه ثم اعتدلت وقالت بحكمة:
قلبي مش بيزعل منك، بس عقلي محتاج يفهم. يمكن اللي خلاني أهدى شوية إنك فعلًا أثبتلي ثقتك فيا حتى لو بنسبة صغيرة، تكفيني عالأقل دلوقت. وزي ما وعدتك إني هصبر لحد ما يجي الوقت المناسب وتفهمني، هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أثبتلك إني قد الثقة دي، وعمري ما هخذلك، أبدًا.
بعد أن تأكد من عدم وجود أحدًا بالسرايا، هبط الدرج سريعًا وبهدوء. اتجه ناحية المطبخ ومنه إلى الحديقة الخلفية. التفت يمينًا ويسارًا وحينما تأكد أن المكان خالي، هرول تجاه الإسطبل ومشى خلفه في مكانًا ضيق بينه وبين سور السرايا. أزاح بعض الأخشاب والأشجار المقطعة وفتح بابًا صغيرًا سريًا لا يعرفه غيره وأخويه، كانوا يستخدمونه في الصغر للهروب ليلًا من عبيد ليقضوا سهراتهم بالخارج ويعودوا دون أن يشعر أحدًا بهم.
أعاد كل شيء في مكانه وحينما أصبح بالخارج تأكد من خلو المكان. صعد سيارة صغيرة تخص محروس في الظاهر، وإنما في الحقيقة هي تخصه هو ليهرب بها ممن يراقبونه. وصل بها إلى أطراف القرية ووقفها في مكانًا خالي اعتاد عليه وأبدلها بأخرى حديثة ثم انطلق بها سريعًا متجهًا إلى القاهرة وهو يجري العديد من المكالمات الهاتفية الهامة والتي يرتب من خلالها ما سيفعله حينما يصل، حتى يصبح كل شيء جاهز فور وصوله.
وقف فهد مع الضابط المسؤول عن التحقيق فيما حدث ويبدو أنه سمج للغاية، فقد كان يتأفف بنزق حينما أخبره الطبيب أن حالتهما لا تسمح بأي استجواب.
الضابط:
يعني إيه مش هينفع أستجوبهم هما في غيبوبة يعني؟ إيه القرف ده؟ عايز أروح أنا.
الطبيب بغضب مكبوت:
يا فندم حضرتك لو مش قادر تصبر اتفضل ولما حالة المرضى تسمح هبلغ العسكري.
الضابط بتكبر:
أنت اتجننت مش عارف بتكلم مين؟ بتمشيني من بيت أبوك؟ طب إيه رأيك إني هاخد أقوالهم، ودلوقت.
كاد أن يتحرك إلا أن فهد أمسكه من ذراعه بغل بعد أن حاول التحكم في أعصابه كثيرًا، ولكن فاض الكيل.
نظر لفهد بغضب وقال:
إيه اللي بتهببه ده يا زفت أنت؟ أوعي كده أنت مين؟
خرج الشرر الملتهب من أعين فهد وهو يقول بثبات يحسد عليه...
ويضغط على ذراعه أكثر:
"لو مش عايز النجمتين اللي فرحان بيهم دول يطيروا... اتحرك من هنا فورًا... سامع؟"
نظر له بوجل، ولكنه استجمع شجاعته وقال بعصبية:
"ومين بقى اللي هيطيرهملي يا شبح؟"
مال فهد على أذنه وهمس له ببعض الكلمات، ثم ابتعد وهو يبتسم بشماتة حينما ازدرد الضابط ريقه وقال برعب:
"أااا... يا فندم أنا..."
قاطعه فهد بحسم:
"ولا كأنك عرفتني تمام لو خايف على مستقبلك... اتفضل شوف رايح فين والصبح تكون موجود هتلاقي المحضر جاهز."
ترك ذراعه وربت فوق كتفه بقوة وقال بتحذير:
"تمام ياااا... شبح."
بمجرد أن وصل المشفى دلف إلى الجراج الخاص بالسيارات، وجد شريف في انتظاره. صعد بجانبه وقال:
"حمد الله عالسلامة يا باشا."
جواد بهمجية:
"مش راجع من الحج أنا أخلص. عملت اللي قلتلك عليه؟"
جز شريف على أسنانه ليكتم غيظه وقال:
"قبل وصولك بنص ساعة كل الكاميرات متعطلة سواء هنا أو حوالين المستشفى..."
مد يده بحقيبة وقال:
"وده كل اللي طلبته حضرتك."
أخذها منه وأخرج محتوياتها وهو يقول:
"تمام اتفقت مع الدكتور... وفي كام واحد تبع الـ..."
شريف:
"اتفقت معاه. هدخل أنا على أساس ممرض وحضرتك دكتور... وفي اتنين تبعها قاعدين قدام الأوضة بيتابعوا كل حاجة بس مش بيدخلوا... ووقت ما كان فهد بيمنع الظابط إنه يدخل بعدها اتكلم بصوت عالي مع الدكتور عشان يفهمهم إنه واحد من وزارة الصحة وكان بيهدد الظابط بالوزير والإعلام وكده."
بعد أن ارتدى زي الأطباء الخاص بالمشفى ووضع كمامة طبية تداري معظم وجهه... ارتدى أيضًا نظارة طبية سميكة وأمسك في يده ملفًا... تظاهر أنه يفحصه... سار على جانبيه الطبيب المختص وشريف وهو متخفٍ في زي أحد الممرضين.
دلف إلى الغرفة المحتجزة فيها سهير وابنها فقط بناءً على توجيهات فهد. بمجرد أن أغلقوا الباب خلفهم نظر لهم ببعض الشفقة.
تقدم من فراش سهير والتي كانت إصابتها أخف كثيرًا من ولدها... والذي حماها من هؤلاء الجبناء حينما أحاطها وتمدد فوقها حتى لا يطالها أذاهم... فلم تتضرر إلا من بعض الكدمات البسيطة وجرح في جبهتها هو الذي أدى إلى فقدان وعيها.
أما هذا المسكين فقد كسرت ذراعه... وحدث له شرخ بسيط في الجمجمة وكدمة كبيرة في قفصه الصدري... ناهيك عن الكثير من الكدمات متفرقة في أنحاء جسده.
لذلك كان ما يزال غائبًا عن الوعي بينما أمه تنظر له بقهر وتبكي على ما أصابه.
جلس أمامها جواد وابتسم بهدوء تحت نظراتها المكسورة، وقبل أن تتساءل عن حالة ولدها... جحظت عيناها حينما نزع عنه الكمامة والنظارة... تعرفت عليه في الحال وقالت بخوف:
"أااا... جواااد بيه... أااانت... أااا."
جواد:
"اهدي... اهدي يا ست سهير أنا مش جاي أضرك."
نظر لها بنظرات يبث لها الطمأنينة من خلالهم وأكمل:
"أنا جاي أساعدك أنتي وابنك عشان تخلصوا من القرف اللي حواليكم... وتعيشوا بأمان."
خافت أكثر وقالت:
"أااا... دول شوية حرامية يا باشا."
جواد بحسم:
"عشان أنا مش بحب اللف والدوران هجبلك م الآخر... دول رجالة أختك توحيدة اللي محدش أصلاً يعرف إنكم أخوات... وعملوا فيكم كده عشان تعترفي على مكان الورق وتليفون فريد... كده تمام ولا نسيت حاجة؟"
حلت عليها صدمة أفقدتها النطق... فهي تخيلت أنه مثل أخيه بما أنه يعلم كل هذا... وبخبرته استشف ما تفكر فيه فقال بهدوء:
"أنا مش تبعهم يا حاجة... وعرفت المكالمة اللي دارت بينكم لأني مراقب تليفوناتها... وأقولك إثبات كمان... أول مرة تكلمك من الرقم ده وأول مرة تفتح في الكلام كده من غير ما تتكلم بالألغاز صح؟"
سهير بذهول:
"أيوه صح عرفت منين؟"
ابتسم بهدوء وقال:
"لأني ببساطة مراقب كل خطوط تليفوناتها... وفي الفترة الأخيرة ضغطت عليها من كل الاتجاهات عشان تتوتر فتفقد حذرها وتغلط..."
ضم قبضته بقوة وأكمل بغل:
"وساعتها هتقع في إيدي ومحدش هيرحمها."
"خلاصك أنتي وابنك من الكلاب دول في اتحادك معايا عشان نقضي عليهم... لو أنتي عارفاني أو سمعتي عني من المرحوم أو بنتك يبقى هتتأكدي إني ولا زيهم ولا معاهم... وإني إحنا في مركب واحدة كلنا مهددين منهم في أعز ما لينا... نحط إيدينا في إيد بعض ونقضي عليهم... ولا يفضل كل واحد لوحده وهما اللي يخلصوا على اللي بنحبهم؟"
أعقب قوله بالنظر إلى ابنها المسجى فوق الفراش لا يشعر بما يدور حوله.
اقتنعت بحديثه بسهولة... فهي تعرفه جيدًا وتعلم أنه لا ينتمي لهؤلاء الجبناء... أخذت قرارها سريعًا وقالت:
"وأنا معاك يا باشا... أااا... بس... بنتي."
جواد بحسم:
"حقك تقلقي عليها لأنك أم... بس يا ترى هي متعرفش اللي عملته توحيدة فيكم... بمعنى إنها بايعاكم من زمان يا حاجة وأنتوا أصلاً بره حساباتها... هي كل اللي يهمها نفسها وبس... ولو عايزة تقطعي الشك باليقين اتصلي بيها من فون الدكتور وقوليلها على اللي حصل... شوفي رد فعلها إيه."
أرادت أن تريح ضميرها لآخر لحظة حتى لا تندم لاحقًا... وتغلق باب "لو" إلى الأبد.
طلب لها رقم ابنتها الحرباء وفتح مكبر الصوت ثم أعطاها إياه. جاءها الرد منها فقالت بوهن:
"فاطمة أنا أمك."
فاطمة بنزق:
"خييير عايزاني أتوسطلك عند خالتي عشان تعتقك أنتي واللي عاملي فيها شيخ على آخر الزمن؟"
سهير بذهول:
"أنتي عارفة اللي عملته فينا وسكتي؟... حتى مفكرتيش تيجي تطمني علينا؟"
بكت بقهر.
فاطمة بلا مبالاة وجحود:
"تستاهلوا أكتر من كده، ولو م طلعتيش الورق والتليفون اللي جوزك الحرامي سرقه بعد موت فريد أنا بنفسي اللي هخلص عليكم... آآآه يا روح ما بعدك روح... ياااااما."
أغمضت عيناها ودموعها انهمرت بقهر بعد أن أغلقت الهاتف في وجهها ولم تعطها فرصة للحديث... مدت يدها لتعطيه الهاتف وهي تقول بانهزام:
"لله الأمر من قبل ومن بعد... هفضل أدعيلها بالهداية لآخر نفس فيا... بس برضه هقولك كل حاجة يا باشا."
بكت أكثر وأكملت:
"بدل ما أخسر الاتنين كفاية واحد وربنا يصبرني."
جواد:
"تمام عايزك تحكيلي كل حاجة جوزك قالهالك قبل ما يقتلوه وكمان مكان الورق والفون."
سهير:
"طلب مني أروحله زيارة عن طريق المحامي... ولما روحتله قالي..."
فلاش باااااااك
_______________
سهير بحزن:
"خير يا أبو شيكا عايز مني إيه تاني؟"
الزوج بندم:
"أنا ندمان يا سهير وبعتلك عشان تسامحيني..."
سهير بقهر:
"أسامحك على إيه ولا إيه؟... على السكة الحرام اللي مشيت فيها وسحبت عيالي الاتنين معاك؟ ولا على خيانتك ليا مع أختي؟... رد أسااامحك على إيه؟"
الزوج بكسرة وترجي:
"على كل حاجة... أنتي طول عمرك قلبك طيب وقريبة من ربنا ادعيلي يسامحني أنا عارف إنهم هيخلصوا عليا عشان كده جبتك."
نظرت له بقلق وقالت:
"يعني إيه الكلام ده؟"
نظر لها بحزن وقال:
"واحد من الرجالة مهانش عليه العيش والملح... قالي إنهم اتفقوا يخلصوا مني عشان معترفش عليهم ولا الحكومة تنخور ورايا ويعرفوا باقي التنظيم."
سهير برعب:
"طب ما تعترف بكل ده والحكومة تحميك!"
ضحك بهم وقال:
"حكومة إيه اللي تحميني؟ مش بقولك أنتي طيبة... المهم عشان مفيش وقت... أنا كنت حاسس بالغدر من ناحيتهم من زمان... أول ما فريد مات وسافرنا نعزي فيه سرقت التليفون بتاعه اللي كان بيستخدمه في شغلتنا... كان مغرور وفاكر إن محدش يقدرله على حاجة وشغله أخوه الظابط مقوي قلبه... أنا خبيته عشان يبقى ده أماني منهم... بس الظاهر اللي بيدخل عش الدبابير مبيطلعش منه غير بالموت."
"هقولك على مكانه وخبيه بمعرفتك... أوعي تجيبي بيه سيرة لحد أبدًا... لو قدرتي تقنعي عيالك إنهم يبعدوا يبقى كسبتيهم... التليفون ده هو أمانك أنتي والعيال يا سهير أوعي حد يشم خبر بيه... وأنا واثق إنك مش هتستخدميه غير وقت اللزوم."
باااااااااااااك
________
"بس هو ده اللي حصل أول ما روحت طلعته من مكان ما قالي وخبيته بمعرفتي بعد ما فتحته وعرفت كل اللي فيه."
جواد:
"طب والورق اللي قولتي عليه؟"
ابتسمت بهم وقالت:
"مفيش ورق يا بيه أنا قولتلها كده عشان تخاف وتبعد عن عيالي... أنا لما فتحت التليفون عرفت تقريبًا اللي بيعملوه... قولت أخترع حكاية المستندات عشان يبقى معايا بدل الدليل اتنين فهمت؟"
جواد:
"أمّم فهمت... اسمعيني كويس... في رجالة تبعهم بره... طبعًا هي اللي بعتاهم الله أعلم عشان يخلصوا عليكم ولا يهددوكم... وكمان عشان يعرفوا أنتي هتقولي إيه في المحضر."
"أنتي هتقوليلي على مكان الفون وأنا هقدر أوصله بطريقتي... كمان ساعتين هتتنقلي أنتي وابنك لمكان تبعي... وهيكون معاكم ظابط ودكتور مقيم الأربعة وعشرين ساعة زيادة أمان... بمعنى أوضح أنتي وابنك هتختفوا لحد ما نخلص من ولاد الكلب دول... اطمني هجبلك حقك أنتي وهو..."
نظر للأمام وأكمل:
"حقنا كلنا."
أشرقت الشمس بعد ليلة عصيبة قضاها أبطالنا، فقد ظلت دهب مستيقظة طيلة الليل قلقًا على روحها التي غادرت معه. برغم أنه كان يهاتفها كلما سنحت له الفرصة إلا أنها لن تطمئن إلا بعودته لها سالمًا.
تفهمت موقفه دون أن يقص عليها أي تفاصيل عن حياته. هي تعشقه وتثق فيه... لم لا تصبر عليه؟ لم لا تقف جانبه حتى يتخطى ذلك الوقت العصيب الذي يمر به؟ لم تدع مجالًا للشيطان أن يتدخل بينهم ويشعل نار الخلاف؟ لم تتمسك بالعناد الذي يخرب معظم العلاقات؟ فلو صبر كل منا على الآخر... لو تفهمنا وقبلنا أعذار الطرف الآخر... لو تعاتبنا برقي ولم نخفِ شيئًا بداخلنا... لم تدمرت معظم العلاقات في زماننا هذا.
الصبر... الثقة... العتاب اللين... هم قواعد أي علاقة ناجحة... تلك قناعتها... وذلك تفكيرها الراقي رغم صغر سنها... فبرغم أن ما فعله كان صعبًا... وإذا كان أحدٌ مكانها لكان وضع كرامته أمام عينه مع غضبه مما فعل... ولكانت الدنيا انقلبت رأسًا على عقب وزاد الموقف تأزمًا.
هو كان عنيفًا معها ولكنه راضاها... اعتذر منها... لم يستطع إكمال ما بدأه معها... في وسط انهيارها رأت لهيب الغيرة ينطلق من عينيه العاشقة... لذلك تحدثت معه بلين كي يعود له رشده... ولا يكسر روحها في لحظة غضب سيندم باقي عمره عليها.
ركع أمامها... قبل يدها... طيب روحها... ربّت على قلبها... واعتذر كثيرًا ماذا ستطلب منه أكثر من ذلك؟
تلك كانت أفكارها والتي قطعها رنين هاتفها... سحبته سريعًا وقالت:
"حبيبي طمني عليك."
ابتسم بعشق وقال:
"اطمني يا قلب."
حبيبك، أنا تقريبًا خلصت شغل وراجع بأمر الله.
دهب: يعني لما يصحوا ما أقولهمش إنك نايم زي ما اتفقنا؟
نظر إلى ساعة يده وقال:
لا خلاص، الساعة ستة... يعني ساعة ونصف بإذن الله هأكون عندك... هأدخل عادي من باب السرايا، أكيد وقتها أمي اللي هتكون تحت بتحضر الفطار... هأبقى أقولها إني كنت في الجنينة شوية بأطمن على الأدهم.
دهب بطفولة:
نفسي أركب معاك زي المرة اللي فاتت... كانت جميلة، بس المرة دي هتكون أجمل.
جواد بخبث:
اشمعنى؟ إيه اللي هيفرق يا حبيبي؟
ابتسمت بعشق خالص وقالت:
المرة اللي فاتت كنت واحشني وكنت محتاجة لحضنك... بس ما قدرتش ولا أقول ولا أحضنك... بس المرة دي غير... بقيت جوزي... وأقدرت أقولك إني بأعشقك مش بأحبك بس... هأحضنك وهأحط راسي على صدرك قدام الدنيا بحالها... هأطير معاك فوق حصان حتى لو من غير جناحات... مجرد وجودي جوه قلبك بيخليني طايرة في السما.
تنهد بحنين وقال بنبرة تقطر عشقًا:
كلامك بيداويني قلبي اللي بيتوجع لما أبعد عنك لحظة... وبيحسسني قد إيه أنا شيطان وربنا رزقني بملاك زيك... حبيبتي حقك على قلبي... أنا مش عارف كنت هأعمل كده إزاي... بس كلامك فوقني في الوقت المضبوط... ما كنتش هأسامح نفسي أبدًا لو كان حصل حاجة... مش زعلانة صح؟
ابتسمت بحب وقالت:
مش بأعرف أزعل منك أصلًا أصلًا... وبعدين أنت صالحتني كتير واعتذرت أكتر... وكمان أنا اللي بدأت بالغلط... عارفة طبعك صعب وعارفة إنك مش هتنزلني... بس كنت عايزة أتخانق معاك وخلاص عشان متغاظة منك... يلا حبيبي عدت على خير الحمد لله، ربنا ما يدخلش بينا شيطان.
ابتسم بفرحة ثم قال بخبث وقح كعادته يستغل الفرص:
لا لا لا، قلبي بيقول لي إنك لسه زعلانة... بصي، البسي السالوبيت اللي جبتها لك من فترة... اللي لبستيها من كام يوم عشان تكتشفي إذا كنت شايفك ولا لا... بالله البسيها بقى عشان أصالحك بضمير.
ضحكت بصخب وقالت:
أنت لئيم أوووي على فكرة، بتستغل كل الفرص... يعني هو أنت اللي زعلان عشان ألبس وأصالحك... ولا أنا اللي زعلانة عشان تجيب لي هدية وتصالحني بيها؟
رد ببراءة لا تمت له بصلة:
إحنا الاثنين واحد يا حبيبي، ما فيش فرق بينا ولا إيه؟
جذت على أسنانها وقالت بغيظ:
ردك حاضر.
بعد مرور عدة ساعات، كان مهند متخفيًا في زي عامل صرف صحي، ومعه اثنان من رجاله. وقفوا معًا أمام مجموعة من الأطفال في الطريق التي تمر منه ماجدة لتوصل الخبز لتوحيدة مثل كل يوم. حينما رأوها تقترب، مال على أحد الأطفال وقال بخبث:
البت دي بتبص لك بقرف على فكرة.
الطفل بغضب:
مين مااااااجدة؟ بت بياعة العيش، ده أنا أفرومها.
مهند:
ولا تقدر تعمل حاجة، البت شكلها جامدة وممكن تضربك ويبقى شكلك وحش قدام صحابك.
غضب الطفل من هذا الحديث وذهب سريعًا ليقف أمامها في منتصف الطريق ويقول:
أنتِ يا بت، بتبصي لي بقرف؟
ماجدة بصراخ:
بت أماااا تبتك يا بغل أنت!
كاد أن يصفعها إلا أنها ألقت كيس الخبز من يدها بعيدًا وأمسكت في الطفل وبدأ الشجار.
انتهز أحد رجال مهند الفرصة والتقط الكيس وتخفى خلف أحد الأشجار. قام بتفتيشه جيدًا حتى وجد به ورقة مطوية. فتحها فوجد داخلها عشرة أسطر مليئة بالأرقام المتفرقة. أخرج هاتفه والتقط عدة صور لتلك الورقة ثم أعادها مكانها وأغلق الكيس.
اتجه إلى الأطفال والذي بدأ مهند الفصل بينهم حينما أشار له بالانتهاء. أعطاه للفتاة وهو يقول:
بترمي نعمة ربنا في الأرض، حرام عليكِ يا بنتي... خذي العيش أهو وشوفي رايحة فين، ما لكِ دعوة بحد.
تفرق التجمع فسأل مهند باهتمام:
لقيت إيه، طمني؟
الرجل:
لقيت جوه رغيف ورقة مسطرة مليانة أرقام... صورتها كذا مرة ورجعتها مكانها عشان ما تتشوكش في حاجة.
مهند بإعجاب:
براااافو عليك، اتصرفت صح جداااا... يلا بسرعة على المقر عشان نحلل الشفرة ونبلغ الباشا.
صعدوا السيارة الخاصة بهيئة الصرف الصحي وتحركوا بها سريعًا خارج القرية.
بعد فترة وصلوا إلى مقر الاجتماعات. قام مهند بتوصيل الهاتف إلى شاشة عرض كبيرة. ظهر أمامهم تلك الصور الملتقطة.
فهد بتفكير:
دي شفرة، الله يخربيتك يا توحيدة... مش ناوية تريحنا بنت الكلب... عايزين يومين على ما نفكها.
مهند بخوف:
لاااا، أبوس إيدك، يومين إيه؟ أنا بلغت الباشا وبعتها له... قال لي الأرقام دي بدل الكلمات، كل رقم بيدل على حرف... والأرقام مكتوبة كل كام رقم قريب من بعض وبعدها مسافة وهكذا.
فهد بجنون:
أنا بقى لي يومين ما نمتش يا نااااس... هانأخذ قد إيه على ما نعرف كل رقم بيدل على أنهي حرف وبعدها نجمع الكلمة بعدها الجملة... يا لهووووي، إلهي أشوفك محروقة يا بنت الكلب.
ضحك مهند وقال:
ما تولولش زي الولية المطلقة... إحنا أربعة، كل واحد يمسك سطرين يحللهم وبأمر الله يكونوا عاملينها بالطريقة السهلة، يعني الألف 1، الباء 2، التاء 3 وهكذا.
فهد بقلة حيلة:
اطلب لي جردل قهوة يا ابني عشان أفوق... يلا ربك كريم.
انكبوا أربعتهم على تلك الورقة ولسوء حظهم كانت مشفرة بالطريقة الصعبة والتي تعتمد على ترتيب الحروف بأرقام عشوائية. ظلوا هكذا إلى أن قاربت الساعة على الحادية عشر مساءً. وأخيرًا كان فهد يفك شفرة آخر كلمة.
جمعوا الكلمات ودلت على كارثة ستقلب الدنيا رأسًا على عقب.
اضطر فهد أن يتصل بجواد الذي كان يتابعهم على مدار الساعة ليطمئن إلى ما توصلوا له.
كان يجلس على إحدى الأرائك ويضم دهب بذراعه وهما يشاهدان بعض موديلات الثياب والتي لأول مرة يشاركها في تلك الأشياء.
تصاعد رنين الهاتف فقام بالرد سريعًا وهو يقول بلهفة:
إيه الأخبار، طمني؟
ابتلع فهد لعابه وقال بوجل:
كارثة يا باشا... آسف بس بجد مصيبة.
انقبض قلب جواد وقال بهدوء ينافي ثورته الداخلية:
قول.
فهد:
..........