تحميل رواية «حبيسة قلبه المظلم» PDF
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد عدة أعوام ..” تبقى يومين وتخرج من هنا …” قالها صديقه وهو ينظر إلى ملامحه التي سيطر عليها التجهم بشدة ..” ماذا حدث ..؟! ملأ الضيق ملامحك فجأة ..؟!” نظر إليه نديم وأجاب :-” تبقى يومين يا مجد.. يومان وأخرج من هنا وأنا أعلم جيدا ما ينتظرني في الخارج ..” أردف وعيناه تنظران الى الأفق البعيد :-” هل تعلم ..؟! أحيانا أتمنى ألا أخرج من هنا … ادعو الله أن يأخذ أمانته قبل الخروج .. لم أخشَ يوما من شيء إلا إنني الآن أخشى وبشدة من المواجهة .. ” تغضن جبينه برفض :-” أخشى من مواجهة المجتمع ، الأهل والأصحاب ....
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة علي
مر الوقت عليها بطيئًا للغاية. عقلها يصور لها أفظع الأشياء وقلبها يبكي دمًا على من تسببت في أذيته بسبب تهورها وعنادها.
كان عليها أن تتوخى حذرًا منه، وهي تدرك مدى حقارته وشيطنته. كان عليها أن تفكر جيدًا قبل أن تخطو خطوة كهذه.
بالكاد سيطرت على دموعها التي هددت بالهطول وهي تقف في منتصف الممر المؤدي إلى الغرفة التي يوجد بها أكرم وحوله مجموعة من الأطباء.
انتبهت أخيرًا إلى والديها اللذين تقدما نحوها بقلق بعدما اتصلت هي بهما تخبرها بما حدث بشكل مختصر.
"ماذا حدث؟ وكيف هو وضع أكرم؟"
سألها والدها بخوف شديد على ابن أخيه وهو يتأمل وضعها السليم تمامًا، بينما والدتها تحتضنها برفق، فتجيبه مريم بنبرة ضعيفة:
"لا أعلم، الأطباء معه الآن."
ثم هطلت دموعها على وجنتيها بغزارة، فأخذت والدتها تحتضنها وهي تحاول تهدئتها، عندما عاد والدها يسألها:
"ماذا حدث بالضبط يا مريم؟ من فعل به هذا؟"
ابتعدت مريم قليلًا من بين أحضان والدتها، تنظر إليه برعب لا إرادي، بينما نهرته والدتها بضيق:
"هذا ليس الوقت المناسب لسؤال كهذا، دعنا نطمئن على أكرم أولًا ولكل حادث حديث."
عادت مريم تلقي نفسها بين أحضان والدتها محاولة الهرب بعيدًا عن أسئلة والدها التي لا طاقة لها أبدًا لسماعها.
انتفضت بعيدًا عندما وجدت الطبيب يخرج من الغرفة الموضوع بها أكرم، لتركض نحوه تسأله بلهفة وخوف نابع من أعماقها:
"كيف وضعه؟ هل هو بخير؟"
منحها الطبيب ابتسامة هادئة وهو يجيب:
"بخير، صحيح تعرض للعديد من الكسور والإصابات في مختلف أنحاء جسده، لكن الحمد لله لم تتأثر أعضاؤه الحيوية بها."
تنهدت براحة، بينما أضاف الطبيب بجدية:
"سيبقى في المشفى لعدة أيام حتى تشفى أغلب كسوره تمامًا."
هزت مريم رأسها وهي تردد بلهفة واضحة:
"بالطبع، بالطبع سيبقى."
ثم سارعت تجلس على أحد الكراسي الموضوعة جانبها ودموعها تتساقط على وجنتيها من جديد.
أرعبتها فكرة أن يصيبه شيء بسببها، وهي التي تبجحت وتحدت ذلك اللعين دون أن تضع حسابًا لما سيصدر منه.
والأسوأ من ذلك، إنه هددها بكل وضوح، ومع ذلك عاندت وأبت أن تستمع لتهديداته، وها هو أكرم يدفع ثمن عنادها الغبي.
شعرت بكف والدتها تربت على كتفها محاولة التهوين عليها ببعض الكلمات، بينما والدها يجري اتصالًا مع عمها في الخارج يخبره بما حدث.
بعد مدة قصيرة، طلبت منها والدتها مغادرة المشفى معهما، فلا داعي لبقائها معه، وهو سيبقى الليل بأكمله نائمًا غير واعٍ لأي شيء كما أخبرهم الطبيب، لكن مريم أبت ذلك، حيث رددت بإصرار لا يقبل جدال:
"لن أتركه حتى يستيقظ غدًا وأطمئن عليه."
وبالفعل، اضطر والداها للمغادرة بعدما أخبروها إنهما سيكونان عندها غدًا باكرًا.
قضت مريم الليل بأكمله معه، تبكي أحيانًا وتهدئ أحيانًا أخرى، حيث تفكر لا إراديًا بعمار وهوسه الشديد بها.
نعم، لقد أدركت الآن إنه مهووس بها بشكل لا يقبل جدال.
مثلما أدركت كم إنه رجل مجرم ومخيف، مرعب في ردود أفعاله المتطرفة.
أخذت طوال الليل تفكر في كيفية التصرف مع شخص مثله.
شخص لا يرحم، لا يهدأ، ولا يبالي.
ولأول مرة تفهمت ليلى واستوعبت سبب تصرفها الذي كان مجنونًا من وجهة نظرها.
ليلى كان معها الحق فيما فعلته، فلولا زواجها منه لربما كان نديم في عداد الموتى الآن، وبالرغم من رفضها القاطع لتضحية أختها بحياتها في سبيل الحفاظ على حياة آخر، لكنها تتفهم موقفها، ففكرة أن يتعرض شخص للأذى بل الموت بعدما رفضت أنت إنقاذه تبدو صعبة بل مرعبة.
كانت الأفكار تنهشها بلا رحمة وعقلها يصور لها الكثير.
بعد هذه الحادثة، لم يعد أي شيء كالسابق، وعمار بات واضحًا في تصرفاته وردود أفعاله، فالقناع الذي كان يرتديه في بادئ الأمر خلعه ليظهر وجهه الشيطاني بكل وضوح، متبجحًا هو به دون أدنى تردد أو خجل.
وهل يعرف أساسًا شخص مثله الخجل؟
انقشع ظلام الليل وحل الصباح أخيرًا، وهي ما زالت مستيقظة تمامًا.
جاءت الممرضة للاطمئنان على أكرم، وبعدها الطبيب، حيث استيقظ أكرم أخيرًا وقد بدا الألم والضعف واضحًا عليه.
جاء والداها ومعهما ليلى للاطمئنان عليه، بينما اتخذت هي ركنًا بعيدًا تراقب ألمه الذي تشعر به ينخر قلبها دون رحمة، مذكرًا إياها كل لحظة بأنها السبب في كل هذا.
وأخيرًا، استطاعت الخروج من المشفى بعدما تحججت بذهابها إلى منزل أكرم لتجلب بعض احتياجاته، لكنها في الحقيقة كانت تستعد للذهاب إليه ومواجهته.
مواجهة تدرك إنها خاسرة، لكنها لن تكون مريم إن بقيت في المشفى تبكي بين جدرانها وتندب حظها.
دلفت إلى شركته بملامح تقطر غضبًا.
وبالرغم من ملامحها المنهكة وهيئتها المبعثرة، كانت تبدو في أوج قوتها وتحفزها.
اتجهت نحو المصعد ودخلته لتضغط على زر الطابق الذي يوجد به مكتبه.
خرجت بسرعة منه متجهة إلى مكتبه، عندما وقفت السكرتيرة في وجهها تخبرها وهي تشير إلى الغرفة المجاورة لغرفة مكتبه:
"عمار بك لديه اجتماع الآن."
"ابتعدي عن وجهي."
قالتها وهي تندفع نحو قاعة الاجتماعات غير آبهة بأي شيء، ليتجمد مكانه للحظة وهو يراها تتقدم نحوه بنظرات مشتعلة متحفزة، قبل أن تنقض عليه غير مهتمة بمن يوجد في الغرفة من موظفين ومدراء أقسام.
"أيها النذل الحقير، سأقتلك بيدي هاتين وأخلص العالم من شرك."
حاول الثبات أمام جميع الأنظار المتجهة نحوه بدهشة وعدم تصديق، فهدر بصوت ثابت قوي:
"اخرجوا جميعًا من هنا، هيا ماذا تنتظرون؟"
خرج الجميع بسرعة لتبقى هي لوحدها معه.
"اهدئي يا مريم، اهدئي."
قالها ببرود يحسد عليه، وهي ما زالت تقبض على ياقة قميصه بعنف، فصرخت بعصبية مجنونة:
"كاد أن يموت بسببك، بسببك أنت."
قبض على كفيها اللتين ما زالتا ممسكتين بياقة قميصه مرددًا بهدوء:
"لكنه لم يمت، وكوني على ثقة إنني لم أكن أنوي قتله، ما حدث مجرد تحذير بسيط لا غير."
ابتعدت عنه بيدين مرتجفتين تهتف بخوف حقيقي:
"أنت لا يمكن أن تكون طبيعي، أنت..."
توقفت لا تستطيع إكمال حديثها، وقد هطلت دموعها على وجنتيها بغزارة أخيرًا، فما حدث فاق قدرة تحملها.
نهض من مكانه ووقف أمامها مرددًا وهو يحاول احتضان وجهها:
"اهدئي يا مريم، هو بخير، اطمئني."
دفعته وهي تقول بضعف:
"ابتعد عني، اتركني وشأني."
ثم سارعت تجذب منديلًا ورقيًا تجفف به دموعها، فهي لا ترغب أن يرى مدى ضعفها بعد كل ما مرت به طوال ليلة البارحة.
"هل أصبحت أفضل؟"
سألها بنبرة ناعمة وهو يتأمل وجهها الذي استعاد قليلًا من هدوئه وطبيعته المعتادة، لترفع عينيها نحوه بصمت قبل أن تومئ برأسها دون رد، وهي تفكر إن شخصًا كهذا يجب أن تتعامل معه بطريقة مختلفة.
طريقة لا تشبه تحديها وتهورها.
"جيد."
قالها بهدوء، لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تسمعه يسألها باهتمام:
"هل ترغبين بشرب شيء ما؟ تبدين مرهقة."
ردت بسرعة:
"لا أريد، يجب أن أذهب."
وقبل أن تتحرك، كان يقبض على شعرها بقسوة جعلتها تصرخ وجعًا، قبل أن ينحني هامسًا بجانب أذنها:
"إلى أين يا صغيرة؟"
نظرت له بدهشة من تغير حاله في لحظة واحدة، لتسمعه يهتف بنبرة قاسية متوعدة:
"ستأخذين عقابك كاملًا طالما أصبحت بخير."
وقبل أن تستوعب ما يحدث، كان يدفعها على الحائط خلفها، قابضًا على فكها بأنامله التي كادت أن تكسر عظام فكها، بينما لسانه يردد بصوت مخيف:
"كيف تجرؤين على الدخول هنا والتسبب بفضيحة كهذه لي؟"
همست بضعف وهي تحاول دفعه دون فائدة:
"ابتعد، أرجوك."
لكنه لم يبال بكل هذا، وهو يقرب وجهه من وجهها، لتشعر بأنفاسه الكريهة تلفح وجهها، قائلًا بصوته القاسي:
"ماذا تظنين نفسك يا صغيرة؟ هل تظنين إنك قادرة على أن تتحديني؟ هل تظنين إن هناك مخلوقًا على وجه الأرض يستطيع الوقوف في وجهي؟ أيتها البلهاء الغبية، كنت أظنك أذكى يا مريم، لكنك أثبتِ لي إنك لست سوى حمقاء صغيرة تتصرف برعونة وطيش."
اشتعلت عيناها من تلك الكلمات الغبية التي يطلقها عليها.
حاولت أن تدفعه، لكنه شدد من قبضته، لتصرخ وجعًا، فيكفي ما مرت به الليلة السابقة ليأتي هذا الحقير ويضاعف من ألمها الجسدي.
"أرجوك..."
همستها مجددًا والدموع بدأت تأخذ طريقها على وجنتيها، لتجده يحرر فكها أخيرًا، لكن سرعان ما قبض على عنقها بقوة مخيفة، وهو يهتف بقوة وتجبر:
"إياك أن تكرريها يا مريم، إياك أن تتحدي عمار الخولي مهما حدث، لإن النتيجة ستكون سيئة للغاية، أسوأ مما تتصورين."
كان يتحدث ببطء، بينما عيناها جحظتا تمامًا ورغبتها في الحصول على الهواء وصلت أوجها.
شعرت إنها ستموت لا محالة، قبل أن يحرر رقبتها أخيرًا، لتنتفض بسرعة وهي تسعل بشدة.
توقفت عن سعالها أخيرًا وهي تشعر بروحها تعود إليها، لترفع وجهها المفزوع نحو وجهه الذي ينظر إليها بكل قوة وصلابة ممكنة، فتسارع للخروج من مكتبه ركضًا، غير مبالية بأي شيء، فهي الآن لا تريد سوى الفرار من جحيمه، ولكن قبل أن تتخطى مكتب سكرتيرته، كان تسقط أرضًا فاقدة الوعي.
ركض خارج القاعة نحوها ما إن سمع صوت سكرتيرته تصرخ بفزع، ليجدها منحنية نحوها تحاول إيقاظها.
صاح بها وهو ينحني نحو مريم:
"ابتعدي أنت."
ثم سارع يحملها، وهو يصيح مجددًا بنبرة آمرة:
"اتصلي بالطبيب حالًا."
دلف بها إلى القاعة مجددًا ووضعها على الكنبة، وهو يميل بوجهه نحوها، يربت على وجنتيها برفق هامسًا لها:
"أفيقي يا مريم."
رفع وجهه بعيداً عنه صارخاً بصوته الجهوري:
"الطبيب بسرعة.."
عاد ينظر إلى ملامحها الساكنة بقلق وصاح من جديد:
"هاتي ماء فورا.."
ثم نهض من مكانه متجهاً نحو طاولة الاجتماعات الطويلة، حيث أخذ قنينة الماء واتجه بسرعة نحوها.
بدأ يرمي قطرات من الماء بخفة على وجهها أكثر من مرة، حتى بدأت ملامحها تتشنج قليلاً وعيناها ترمشان بضعف.
فتحت عينيها أخيراً لتجده يطالعها بنظرات تشع خوفاً، لتبتلع ريقها وهي تحاول الاعتدال في جلستها عندما هتف بها بسرعة:
"لا تتحركي.. الطبيب قادم.."
وقبل أن تعترض، كان الطبيب يدخل بالفعل ويتجه مباشرة نحوها. لفحصها، بينما أمر عمار سكرتيرته:
"هاتي شيئاً تشربه.. عصير بارد.."
أذعنت السكرتيرة لطلبه وذهبت تجلب العصير البارد لها، بينما عاد عمار ينظر إلى مريم التي بدورها كانت مستسلمة تماماً بين يدي الطبيب الذي فحصها باهتمام، قبل أن يبتسم بهدوء وهو يشير إلى عمار:
"هبوط في الضغط.. يبدو إنها لم تتناول شيئاً منذ مدة.. الإرهاق واضح عليها.."
أضاف مشيراً على عمار بملامحه المترقبة:
"يجب أن تتناول شيئاً يساعد في رفع ضغطها.. كما إنها تحتاج إلى الراحة والنوم لفترة جيدة.."
أومأ عمار برأسه متفهماً، بينما تقدمت السكرتيرة منهم وهي تحمل عصير البرتقال الطازج، فأخذه عمار منها بعدما أشار لها أن ترافق الطبيب إلى الخارج.
"اشربي.."
قالها وهو يمد قدح العصير لها بيده، لتنظر إلى القدح بجمود للحظات قبل أن تأخذه وهي تفكر إن العناد لا جدوى منه، فهي بحاجة شديدة لتناول هذا العصير كي تستطيع النهوض والعودة إلى المنزل.
أخذت تتناول العصير ببطء عندما وجدته يتجه نحو الطاولة يحمل شيئاً ما من فوقها ويتقدم به نحوها.
وضع عمار طبق الحلويات أمامها وهو يخبرها:
"تناولي هذه أيضاً.."
وضعت القدح جانباً وهمت بالنهوض بعدما قالت بسرعة:
"شكراً.. لا أريد.."
ولكن عاد الدوار يهاجمها مجدداً، فسارع يقبض على ذراعها يمنعها من السقوط، لتنتفض بفزع قبل أن ترفع عيناها نحوه، فتلتقي مقلتاها الزرقاوين بعينيه الخضراوين، لتتفاجئ بهما تتأملانها بلهفة وقلق واضح.
حررت ذراعها من قبضته بسرعة وهي تتحامل على نفسها وتسير مبتعدة عنه خارج المكان، لتسمعه يقول بجدية:
"بإمكانك الانتظار قليلاً حتى يرتاح جسمك قليلاً ثم تغادري بعدها.."
إلتفتت نحوه تتأمله بإمتعاض للحظات قبل أن ترد ببرود:
"مجرد ابتعادي عنك سيجلب لي الراحة.."
ابتسم بهدوء وقال:
"الآن فقط اطمأننت إنك عدت لسابق عهدك طالما لسانك الطويل عاد لطبيعته مجدداً.."
رمقته بنظرات حادة مشتعلة قبل أن تشيح بوجهها وتندفع خارج المكان، مقاومة رغبتها الشديدة في ضربه بأي شيء يحطم وجهه.
أفاق عمار من شروده على صوت رنين هاتفه الموضوع على طاولة الاجتماع، فاتجه نحوه وحمله ليجد جيلان تتصل به.
رد عليها ليسمعها تقول بسرعة:
"أريد الخروج مع أصدقائي.. أنا بحاجة للترفيه عن نفسي قليلاً.. ارجوك لا ترفض.."
"اخرجي يا جيلان.."
قالها بنفاذ صبر ثم أغلق الهاتف في وجهها، فلا مزاج لديه بعدما حدث، لتحمل دلال أخته الذي لا ينتهي.
أما جيلان فنظرت إلى الهاتف بمشاعر مختلطة.. حزينة لرغبته الواضحة في صرفها، وسعيدة لإنها حصلت على موافقته، فسارعت تفتح حسابها وتتواصل معه كي تخبره بموافقة أخيها على خروجها معه.
يوم جديد يمر عليها بعد فقدانها لوالدها وآخر شخص تبقى لها في هذه الدنيا.
يوم جديد تستيقظ به على حقيقة فقدانه وهي مجبرة على التعامل معها وتقبلها، فلا حل آخر أمامها.
نهضت من فوق سريرها مقررة تجاوز أحزانها، فهناك الكثير ينتظرها.
الإنعزال عن العالم ليس حلاً، والبكاء طيلة اليوم لن يغير تلك الحقيقة.
كما إنها لا تستطيع أن تبقى في سريرها تبكي وتنتحب طوال الوقت، فهي مرتبطة بعمل تحصل منه على لقمة عيشها ولن تستطيع الغياب عنه أكثر.
هي باختصار لا تمتلك الرفاهية التي تجعلها تعتزل العالم حزناً لأيام طويلة.
خرجت من غرفتها تتجه نحو الحمام لتغسل وجهها، عندما لمحت حنين نائمة بعمق على الكنبة.
اتجهت لا إرادياً نحوها ووقفت أمامها تتأملها بصمت، وعقلها يذكرها بوقوفها جانبها اليومين السابقين وإصرارها على المبيت معها، حتى إنها طلبت من مي العودة إلى منزلها، فهي ستبقى معها ولن تتركها مهما حدث.
ولأول مرة تشعر بهذا الشعور الذي لم تشعر به يوماً.
شعور الأخوة.. شعور أن تكون لها أختاً تهتم بها وتحبها وترعاها.. شعور لم تظن يوماً إنها ستمر به، حتى جاءت حنين تحمل بداخلها كل الحنين الممكن والرغبة الصادقة لمشاركتها هذا الشعور.
تنهدت وهي تفكر إنها أحبتها رغماً عنها.. رغماً عن كونها ابنة تلك المرأة.. رغماً عن تلك السنوات التي قضتها بعيدة عنها.. رغماً عن كل شيء.
تنهدت بصمت قبل أن تتجه نحو الحمام، حيث غسلت وجهها عدة مرات، ثم خرجت نحو غرفتها، حيث أخرجت ملابس الخروج لها قبل أن تضعها على السرير وتتجه نحو المطبخ لإعداد الفطور لهما.
وضعت إبريق الشاي على النار، ثم أعدت البيض المقلي قبل أن تبدأ إعداد المائدة.
انتهت من إعداد المائدة واتجهت نحو حنين توقظها بتمهل.
فتحت حنين عينيها، ثم انتفضت من مكانها تسألها بسرعة وقلق:
"هل أنت بخير؟"
ابتسمت حياة وهي تجيب بهدوء:
"نعم بخير.. انهضي واغسلي وجهك كي نتناول طعام الإفطار.."
أضافت وهي تتجه نحو الداخل:
"سأرتدي ملابسي وأخرج حالاً.."
حدقت حنين في أثرها بدهشة للحظات، فليلة البارحة لم تتوقف عن البكاء لحظة واحدة، واليوم هي تبدو هادئة للغاية، حتى إنها أعدت الفطور لهما.
نفضت هذه الأفكار عن رأسها وهي تبتسم بهدوء على حال أختها اليوم، ثم نهضت من مكانها تتجه نحو الحمام.
خرجت بعدها وهي تجفف وجهها بالمنشفة، لتتجه نحو طاولة الطعام وتجلس عليها منتظرة خروج حياة التي خرجت بالفعل بعد لحظات وهي ترتدي ملابسها المكونة من بنطال أسود فوقه قميص أسود اللون بالطبع، وترفع شعرها القصير على هيئة كعكة صغيرة.
سألتها حنين بذهول:
"هل ستخرجين اليوم؟"
أجابت حياة بعدما جلست أمامها على الطاولة:
"سأذهب إلى العمل.. فعملي في الصيدلية يبدأ صباحاً في العطلة.."
أومأت حنين برأسها وشعرت بالراحة لا إرادياً، فالعمل سيخفف عنها الكثير ويشغل تفكيرها.
سمعت حياة تهتف بجدية:
"أنت لن تبقي هنا لوحدك بالطبع.."
ردت حنين بعدما إرتشفت القليل من الشاي:
"سأخرج معك وأذهب إلى المنزل ثم أعود على الغداء عند موعد عودتك.."
قالت حياة بجدية:
"أنت لست مضطرة للبقاء طوال الوقت معي.. بالتأكيد لديك مشاغل أنت أيضاً.."
قاطعتها حنين بسرعة:
"لا يوجد لدي شيء.. أنا أريد البقاء بجانبك بالطبع إذا لم يكن لديك مانع.."
التزمت حياة الصمت، لتهتف حنين بتردد:
"هل يزعجك بقائي معك هنا يا حياة؟"
تنهدت حياة وهي تجيب بصدق:
"إطلاقاً.. لكن أنا فقط يهمني ألا تكوني مجبرة على البقاء معي خوفاً من تركي لوحدي.."
أضافت بهدوء:
"أنا بخير وسأصبح أفضل.."
هتفت حنين بجدية:
"أنا لست مجبرة على أي شيء.. أنا باقية معك لإنني أرغب بذلك.."
ابتسمت حياة بضعف، ثم سألتها بعد لحظات بتردد:
"ألن يزعج هذا والدك؟"
ردت حنين بسرعة وصدق:
"أبدا.."
أضافت بتروي:
"والدي ليس سيئاً يا حياة.. على العكس تماماً.. حتى كان يود أن يعزيك بنفسك لكن.."
قاطعتها حياة بهدوء:
"أنا لم أقل إنه سيئاً.. أنا لا أعرفه من الأساس كي أحكم عليه، كما إنني لا أحمل أي ضغينة نحوه.."
"ولكنك تحملين الكثير ضد ماما.. أليس كذلك؟"
وضعت حياة كوبها جانباً بتأهل، بينما شعرت حنين إنها استعجلت في حديثها، فقالت بسرعة:
"حسناً.. لا داعي للتحدث بهذا الموضوع الآن.."
نهضت حياة من مكانها وأشارت إليها قائلة:
"غيري ملابسك ما إن تنتهين من طعامك كي نخرج سوياً.."
هتفت حنين وهي تنهض من مكانها قائلة:
"أنا انتهيت من طعامي أصلاً.. سأغير ملابسي حالاً.."
ثم اتجهت بسرعة لتغيير ملابسها، بينما أخذت حياة تلملم الصحون والأكواب الموضوعة على المائدة.
بعدها خرجتا الأختان من المنزل، حيث ذهبت حياة إلى الصيدلية، بينما اتجهت حنين إلى المنزل لتجد والدتها في استقبالها.
إرتمت داخل أحضانها بسعادة، قبل أن تجلس معها وتحكي لها ما حدث وذهاب حياة إلى العمل.
شعرت أحلام بالقليل من الراحة فقالت:
"جيد إنها عادت إلى العمل.. سيلهيها عملها قليلاً.."
أومأت حنين برأسها مؤيدة حديثها، عندما أضافت والدتها:
"سآتي معك مساءً وربما أبيت أيضاً معكما.."
قالت حنين بجدية:
"من الأفضل ألا تبيتي معنا.."
هتفت أحلام بحزن:
"هي سترفض.. أليس كذلك؟"
قالت حنين بتعقل:
"لا أعلم.. ولكن أنا وهي نقترب من بعضنا تدريجياً، لذا وجودك الليلة ربما يجعل الوضع غير مريحاً.."
أضافت بجدية وهي تلاحظ تكدر ملامح والدتها:
"حسناً.. ثقي بي.. كل شيء سيصبح أفضل وفي أقرب وقت.. فقط أعطني الفرصة لذلك.."
ابتسمت أحلام وقالت وهي تربت على كفها:
"حسناً.. أنا أثق بك بالطبع.."
سألت حنين بعدها:
"كيف حال أبي؟"
ردت أحلام بجدية:
"بخير الحمد لله.."
أضافت وقد تذكرت أمراً ما:
"صحيح.. اليوم سنذهب إلى منزل عمك.. فهناك شاب تقدم لخطبة نانسي.."
إمتعضت ملامح حنين وهي تهتف بنبرة جافة:
"جيد.. مبارك لها.. وكان الله في عون من يبتلي بها هي وأختها.."
كتمت أحلام ابتسامتها بصعوبة من موقف ابنتها الواضح تجاه بنات عمها، بينما نهضت حنين وهي تقول:
"سأصعد إلى غرفتي لأستريح قليلاً.."
لكنها توقفت على صوت والدتها تخبرها:
"صحيح.. أخوك سيعود قريباً.."
نظرت إليها تهتف بدهشة:
"حقاً.. هل ينوي الاستقرار هنا؟"
أجابت والدتها بجدية:
"لا أعلم.. ولا يهمني ذلك.."
أتمنى فقط ألا يعكر مزاج والدك بكلامه وتصرفاته، خاصة إن والدك يكاد يطير فرحًا بعودته.
أومأت حنين برأسها وهي تفكر في عودة أخيها المفاجئة بعد كل هذه السنوات، وفي داخلها تتساءل إذا ما غيرت تلك الفترة الطويلة شخصيته وجفاءه الصريح نحو أبيها، بل ونحوها أيضًا.
جلس نديم أمام والدته وهو يبتسم ويقول:
"هل تحبين تناول الشاي أم القهوة؟"
أجابت وهي تبتسم له:
"لا أريد شيئًا حبيبي، أريد الجلوس معك والتحدث قليلًا."
عاد بظهره إلى الخلف قليلًا وقال:
"مجيئك هنا لسبب ما، أليس كذلك؟"
سألته مستغربة:
"كيف علمت؟"
تنهد وقال:
"من البارحة كان يبدو عليك أنك تودين التحدث معي بشيء ما، ومجيئي اليوم رغم أنك كنت البارحة معي يؤكد لي ذلك. ماذا يحدث؟ أخبريني."
صمتت لوهلة تتمعن فيها النظر إلى ملامحه قبل أن تقول بجدية:
"سأتحدث، ولكن عدني أن تكون صريحًا معي ولا تستعجل في ردود أفعالك."
رد بهدوء:
"أعدك بذلك."
نطقت أخيرًا:
"حياة."
نظرت إليه بدهشة قليلًا قبل أن يسألها بملامح متجهمة:
"ما بها حياة؟"
أردف بلهجة ساخرة قليلًا:
"لم أعهد غالية تنقل الأحاديث بهذه السرعة."
قالت بسرعة:
"ما علاقة غالية بالأمر؟"
استرسلت بتريث:
"ليلى أخبرتني بكل شيء."
احتدت ملامحه فورًا وهو يسأل بصوت متحفز:
"بماذا أخبرتك ليلى؟"
ترددت صباح قليلًا، لكنها حسمت أمرها وتحدثت:
"أخبرتني أنها جاءت هنا إلى شقتك وأنك تبدو مهتمًا بها."
قاطعها بجدية:
"هذا شيء يخصني وحدي، ولا أسمح لأي شخص أن يتدخل به."
هتفت والدته معترضة على حديثه:
"وأنا لست أي أحد، أنا والدتك وأكثر من يهمها أمرك."
أضافت بنبرة هادئة جادة:
"هناك شيء ما يحدث بينك وبين تلك الفتاة، وأنا من حقي أن أعلم بما يحدث."
رد نديم بجدية:
"لا يحدث أي شيء، التقينا مرات قليلة وجمعتنا بعض الأحاديث العامة، أحاديث فقط لا غير."
"هكذا فقط؟ هل تعني أنك غير مهتم بتلك الفتاة؟"
سألته بملامح قوية، فالتزم الصمت دون أن يستطيع إنكار اهتمامه بها.
"اسمعني يا نديم، تلك الفتاة لم أرها سوى مرتين، كانت تبدو جيدة، لكنني بالطبع لن أحكم عليها بناءً على هاتين المرتين. أثق بك كثيرًا، وأثق أن رغم كل ما مررت به، ما زلت شهمًا ذو أخلاق عالية كما كنت دائمًا."
تلاقت نظراتها الواثقة بنظراته المهتزة قليلًا، لتسترسل بنفس الجدية والقوة:
"إذا كنت تريد الفتاة، فأنا لن أقف في طريقك، لأنني سأكون على يقين بأنك وجدت بها الشيء الذي يجعلك تختارها هي دونًا عن الجميع. لست الأم التي تفضل الفوارق الطبقية أو أي فوارق مهما كانت على سعادة ابنها. لم أفكر يومًا بهذا ولن أفعل. لكن ما أريده منك ألا تستعجل بأي خطوة تخطوها، وأن تتأكد مما تريد قبل أن تخطو أي خطوة، والأهم ألا تقسو على نفسك كثيرًا يا نديم. لا تعذب نفسك لأجل ماضي انتهى. مهما كان الماضي صعبًا ومهما كان مؤلمًا وقاسيًا، تذكر أنه انتهى."
صمت ولم يجيب، لكن ملامح وجهه كانت تنطق بالصراع الذي يعتمل داخله.
أخذت تتأمل صمته لمدة حتى قالت لتخرجه عن صمته:
"وماذا عن ليلى؟"
سألها هو الآخر:
"ما بها ليلى؟"
تنهدت ثم أجابت:
"أريد منك أن تبتعد عنها قدر المستطاع."
عادت ملامحه لتجهمها وهو يقول:
"أنا بعيد عنها بالفعل."
"لكنها ما زالت تتأمل عودتكما."
قالتها بتأني، ليبتسم بتهكم وهو يقول:
"إذا أخبريها بوضوح أن آمالها هذه مستحيلة."
هتفت بجدية:
"وجود مشاعر متبادلة بينكما لا يجعلها مستحيلة بالنسبة لها."
صمت مجددًا بعد سماعه جملتها، لتسأله بتمهل:
"هل ما زلت تحمل مشاعر نحوها يا نديم؟"
حدق بها للحظات قبل أن يجيب بابتسامة باهتة:
"وهل تظنين أن مشاعري نحوها ستنتهي بسهولة؟"
أضاف بسرعة:
"ولكن اطمئني، أنا أستطيع ترويض مشاعري هذه وكتمها داخلي جيدًا."
تطلعت إليه بألم، وفي داخلها تتمنى لو تنتهي تلك المشاعر بدلًا من بقائها داخله تعذبه باستمرار.
دلفت ليلى إلى غرفة مريم بعدما فتحت ضوء الغرفة، لتجدها جالسة على سريرها بملامح واجمة.
قالت وهي تجلس بجانبها على السرير:
"متى استيقظت؟"
أجابتها مريم بنفس الوجوم:
"منذ قليل."
سألتها ليلى:
"هل ستذهبين إلى المشفى؟"
صمتت مريم للحظات قبل أن تجيب:
"كلا، أنا متعبة للغاية وأرغب بالبقاء في الفراش لوقت طويل."
ابتسمت ليلى وقالت:
"سأجلب لك شيئًا لتناوليه."
قاطعتها مريم:
"لا أريد، لا أرغب بتناول أي شيء الآن."
سألتها ليلى بقلق:
"هل أنت بخير؟ تبدين في أسوأ حالاتك."
حاولت مريم رسم ابتسامة مصطنعة على شفتيها وقالت:
"لا تقلقي علي، فقط بسبب الصدمة."
أومأت ليلى برأسها متفهمة، لتسمع مريم تسألها:
"أرى أنك أفضل من الأيام السابقة، تبدين مرتاحة نوعًا ما."
ابتسمت ليلى وهي تقول:
"سأتطلق من عمار في أقرب وقت، أليس هذا شيئًا يدعو للراحة برأيك؟"
سألتها مريم مجددًا:
"متى موعد الجلسة؟"
أجابت ليلى:
"بعد أسبوع، تخيلي أسبوع وسأتحرر منه نهائيًا."
ابتسمت مريم بضعف، تحاول أن تخفي ألمها بل خوفها مما هو قادم.
قالت مريم أخيرًا:
"سأنام مجددًا."
ابتسمت ليلى بتفهم، ثم نهضت من مكانها واتجهت خارج الغرفة بعدما أغلقت أضوائها.
تمددت مريم على سريرها مجددًا بعينين مفتوحتين، وعقلها يفكر بما يحدث وما يجب أن تفعله.
أفاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها، فحملته لتجده يتصل بها.
اعتصرت الهاتف بين يديها للحظات قبل أن تحسم أمرها وتجيبه.
جاءها صوته يسألها باهتمام:
"كيف أصبحتِ الآن؟ أردت الاطمئنان عليك."
أجابته بجمود:
"بخير."
حل الصمت بينهما، ومريم تستمع إلى صوت أنفاسه الهادرة.
هتفت أخيرًا تنهي هذا الصمت المقيت:
"ستطلق ليلى، أليس كذلك؟"
سألها هو الآخر بدلًا من أن يجيبها:
"هل تريدين مني تطليقها؟"
"ماذا برأيك أنت؟"
سألته بنبرة متهكمة، ليخبرها بخفوت:
"سأطلقها يا مريم، سأطلقها ولكن ليس الآن، لم يحن وقت طلاقها بعد."
هدرت به وقد فقدت أعصابها:
"ماذا تريد منها؟ اتركها وشأنها، ألم يكفك ما فعلته بها؟"
رد عليها بفتور:
"أخبرتك أنني سأتركها وقريبًا أيضًا. اسمعيني يا مريم، بما أنك فتحت هذا الموضوع معي، فسأخبرك شيئًا هامًا. أخبري ليلى أن تتراجع عن دعوة الطلاق، وأنا سأطلقها قريبًا جدًا وبكل هدوء وسأمنحها كافة حقوقها."
"لماذا تريد أن تؤجل الطلاق؟ إلى أين تخطط بالضبط؟"
عاد يصمت مجددًا، بينما ملامحها ازدادت تحفزًا لسماع إجابته المنتظرة، لكن خيب آمالها وهو يقول:
"أخبريها بذلك فقط، ولا أريد منك شيئًا آخر."
ثم أغلق الهاتف في وجهها دون أن ينتظر منها ردًا.
بعد مرور يومين.
وقفت أمام المرآة تلقي نظرة أخيرة على ملابسها المكونة من بنطال جينز ضيق فوقه قميص أزرق اللون ذو حمالات رفيعة.
رفعت شعرها على هيئة ذيل حصان ووضعت القليل من المكياج على وجهها.
دلفت خديجة إلى غرفتها ووقفت تتأملها عندما سألتها:
"ستذهبين الآن يا جيلان؟"
ابتسمت جيلان وهي تستدير نحوها تخبرها بسعادة:
"نعم يا خديجة."
أضافت كاذبة:
"صديقاتي ينتظرنني في المقهى القريب من شارعنا."
ثم حملت حقيبتها وطبعت قبلة على وجنتها قبل أن تخرج بسرعة من المكان، تاركة خديجة تتابع أثرها بقلق وتوجس.
بعد مدة، كانت جيلان تجلس أمام سامر تتطلع إليه بخجل، بينما الأخير يتأمل ملامحها الجميلة بسعادة، مفكرًا إنها جذابة بحق رغم صغر سنها.
"أنا سعيد كثيرًا لرؤيتك يا جيلان، أم أناديك جيجي كما أحب؟"
ردت بصوت متحشرج:
"ناديني كما تشاء."
ابتسم وعاد يسألها مشيرًا إلى المكان حوله:
"هل أعجبك المكان؟"
أجابت وهي تتأمل المكان حولها والذي يبدو مختلفًا عن الأماكن المعتادة هي على ارتيادها:
"نعم، إنه جميل."
قال بهدوء:
"تبدين غير معتادة على المطاعم المتواضعة كهذا المطعم، لكنني فضلت أن أجلبك إلى هنا كي لا يرانا أحد من معارفك."
ابتسمت بهدوء ولم ترد عندما جاء النادل يحمل الطعام لهما.
بدآ في تناول الطعام حتى انتهيا منه، ليهتف سامر بها:
"هل ترغبين بتناول شيئًا ما أم نخرج من هنا ونذهب إلى مكان آخر؟"
قالت بسرعة وحماس:
"دعنا نخرج من هنا، فأنا لا أحب الأماكن المغلقة."
أضافت بعدها:
"لكن سأذهب إلى الحمام أولًا لأغسل يدي."
"حسنًا."
تفضلي.
نهضت من مكانها وهي تبتسم له، ثم عادت بعد مدة.
لينهض من مكانه وهو يقول:
هيا بنا.
سارت جاريه حتى ركبت سيارته، لتشعر بقليل من الدوار.
عادت برأسها إلى الخلف قليلاً، ليسألها باهتمام:
هل أنتِ بخير؟
أجابته بتعب واضح:
أشعر بدوار شديد و...
توقفت عن الحديث، وقد بدأت الرؤية تضمحل أمامها تدريجياً، حتى اختفت تماماً بعد لحظات، لتسقط فاقدة الوعي أمامه.
نظر إليها بابتسامة خافتة، ثم قاد سيارته متجهاً إلى المنزل المعد لاستقبالها.
بعد مدة، كانت جيلان ممددة على السرير، وسامر يقف أمامها يتطلع إليها من الأعلى برغبة شديدة، سرعان ما ألجمها وهو يبدأ في عمله الذي جاء لأجله.
بعد عدة ساعات.
فتحت جيلان عينيها بتعب، دون أن تستوعب ما يحدث بعد.
لحظات قليلة وانتفضت من مكانها، تتأمل جسدها العاري بعدم تصديق، قبل أن تشهق برعب وهي تجذب الغطاء نحوها، تغطي به جسدها العاري بحركة لا إرادية.
وجدت سامر يفتح الباب ويدلف إلى الداخل بملامح سعيدة، حيث قال:
أخيراً استيقظت الجميلة.
صرخت وهي تشدد من وضع الغطاء على جسدها:
أنت ماذا تريد مني؟
ابتسم بهدوء وهو يجلس جانبها، واضعاً أمامها بعض الصور التي التقطها لها وهي عارية تماماً.
لتهطل دموعها من عينيها بغزارة، وهي تردد بصوت مرتجف:
لماذا؟ لماذا فعلت هذا؟
حمل الصور بعيداً وقال بصوت جاف:
دعينا من البكاء والنواح الآن، لا داعي لأن أخبرك ماذا سيحدث لو انتشرت تلك الصور في كل مكان، أو أرسلتها إلى أفراد عائلتك.
قبضت على كفه تتوسله، غير منتبهة إلى الغطاء الذي انزاح عن جسدها:
ارجوك لا، أخي سيقتلني، ارجوك.
تأمل جسدها برغبة دفينة، لتنتبه إلى نظراته نحو جسدها العاري، فتسارع لتغطيته، بينما أخذ هو يقول بأنفاس لاهثة:
أنتِ جميلة، جميلة جداً، ولولا إن الباشا يفضل العذراوات، لكنت أول من يتمتع بك.
ارجوك.
قالتها بضعف وبكاء مؤلم، لكنه لم يتأثر، فهو معتاد على كل هذا.
قال بجدية، مبعداً عينيه عن جسدها:
اسمعيني جيداً، هذه الصور لن تخرج من عندي ولن يراها أحد إذا نفذتِ ما أريد.
سألته بنبرة مرتجفة:
ماذا تريد؟
أجاب بهدوء:
ليلة واحدة مع أحد الرجال المهمين عندنا، وبعدها سأحرق تلك الصور جميعاً ولن يبقى لها أي أثر.
أجفلت تسأله مجدداً بعدم فهم:
ماذا تعني بليلة واحدة؟
صاح بضيق، ظناً منه إنها تدعي البراءة:
لا تمثلي البراءة الآن، أنتِ تعلمين جيداً ما أقصد. اسمعيني جيداً، إما أن تنفذي ما أريده، وإلا سأرسل تلك الصور لجميع أفراد عائلتك.
ودون وعي منها، كانت تتوسله باكية:
سأفعل ما تريده، لكن لا ترسلها لأحد، أرجوك. أخي سيقتلني حتماً إن رآها.
***
كانت حياة تقف في الصيدلية، تعمل كعادتها، عندما فوجئت به يدلف إلى الداخل.
نظرت إليه بدهشة من قدومه، لكنها كتمت دهشتها وهي تراقب تقدمه نحوها بابتسامة خافتة.
وقف أمامها وسألها:
كيف حالك؟
حمدت ربها إنه لا يوجد في الصيدلية غيرها، فأجابت بهدوء:
بخير الحمد لله.
قال بجدية:
كنت أود رؤيتك وتعزيتك من أول يوم، لكنني ترددت خوفاً من أن أسبب أي إزعاج لك.
أخذت نفساً عميقاً، ثم قالت بهدوء:
لا عليك، اتصالك كان كافياً.
ابتسم يسألها:
يبدو إنكِ بالفعل لا ترغبين برؤيتي.
تنهدت بصوت مسموع، وسألته:
ماذا تريد يا نديم؟
أجابها بجدية:
أريد التحدث معك، يعني نجلس في مكان ما ونتحدث.
أضاف بسرعة:
يجب أن أتحدث معك يا حياة، لا ترفضي من فضلك.
نبرته حملت بعض التوسل، وملامحه تنطق بالرجاء، فهزت رأسها موافقة وقالت:
حسناً سنتحدث، ولكن بعدما ينتهي عملي.
قاطعها متسائلاً:
متى سينتهي عملك؟
أجابت بجدية:
بعد نصف ساعة يأتي زميلي ويستلم الصيدلية مني.
قال بسرعة:
جيد، سأنتظرك في المطعم الموجود في آخر الشارع.
أومأت برأسها موافقة، ليمنحها ابتسامة أخيرة تحمل الكثير، قبل أن ينصرف من أمامها، تتابعه هي بنظراتها حتى اختفى، وداخلها تشعر إن هناك شيئاً ما سيتغير بعدما سيقوله.
بعد أكثر من نصف ساعة، جلست نديم أمامه، تتأمل ملامحه التي انشرحت تماماً ما إن وصلت.
سألها وهو يشير إلى النادل أن يقترب:
ماذا تحبين أن تتناولي؟
ردت بسرعة:
عصير فقط.
طلب من النادل أن يجلب لها عصير البرتقال، ثم عاد ينظر إليها ويقول:
كيف حالك الآن؟
أجابته بجدية:
بخير الحمد لله، كل شيء بدأ يعود إلى وضعه المعتاد.
ابتسم مردداً:
هكذا الحياة، تصر على الاستمرار كما هي رغم كل شيء.
سألته بجدية:
كيف عرفت مكان عملي؟
أجابها ببساطة:
غالية من أخبرتني بمكان الصيدلية التي تعملين بها، وأخبرتني أيضاً بمواعيد عملك.
هكذا إذا.
قالتها بهدوء، بينما جاء النادل ووضع العصير أمامها، لتشكره بابتسامتها الهادئة.
نظرت إليه بصمت، ليبتسم هو ويقول:
هل تعلمين إنني اشتقت لأحاديثنا سوية؟
ارتجف قلبها لا إرادياً، وهي لا تعرف ماذا تقول.
همت بالرد، لكنها سمعت صوت هاتفها يرن.
حملته لتجد ثامر يتصل بها.
عقدت حاجبيها بتفاجؤ من اتصاله، لكنها أجابته تتلقى تعزيته، فهو لم يعلم بما حدث إلا اليوم.
سمعها نديم وهي تودعه، وقد أدرك من حديثها إن المتصل هو أستاذها الجامعي والذي تقدم لخطبتها.
شعر بالضيق من اتصاله بها، وتحفزت ملامحه كلياً وهو يسألها:
ماذا كان يريد منك؟
سؤاله كان بارداً جافاً، فوجدت نفسها تهتف بدهشة:
عفواً!
قال بصوت شديد الحنق:
أتحدث عن أستاذك، ألم ترفضيه؟ لماذا يصر على التواصل معك؟
أجابته ببرود، وهي تفكر إنه ليس من حقه التدخل في شؤونها التي لا تعنيه على الإطلاق:
هذا ليس من شأنك يا نديم، لا أحب أن تتدخل فيما لا يعنيك.
ألهذه الدرجة!
سألها مصدوماً بما قالته، لتحاول السيطرة على ضيقها وهي تسأله بجدية:
ألا ترى إن في سؤالك تدخلاً في خصوصياتي؟
صمت للحظات، قبل أن يجيب بما صدمها:
وماذا لو أخبرتك إنني لا أسأل بدافع التدخل، بل بدافع الاهتمام؟
سألته غير مصدقة:
اهتمام؟ ماذا تقصد؟
تنهد بتعب، ثم قال بعدما ارتشف قليلاً من الماء أمامه:
حسناً سأتحدث. عندما رأيتك لأول مرة، لم أظن أبداً إنك ستصبحين بكل هذه الأهمية بالنسبة لي، لكن منذ أول حديث جدي جمعنا، وأنت لمستِ شيئاً داخلي.
صمت يتأمل ملامحها المتوترة، ليبتسم ويكمل:
ربما تستغربين ما أقوله، لكنكِ في مدة قصيرة أصبحتِ تعنين لي الكثير.
كان يعلم إنه سيعري الكثير من مشاعره أمامها خلال حديثه هذا.
لقد أخذ وقتاً كافياً للتفكير واتخاذ القرار المناسب.
وقد أدرك خلال هذا الوقت إنه لا يرغب بالابتعاد عنها، حتى لو كان ذلك تفكيراً أنانياً منه.
الفترة السابقة كانت كافية له كي يدرك مدى رغبته في وجودها وحاجته لها.
هتف أخيراً:
لا تنظري إلي هكذا، في لقائنا الأخير أخبرتك أن ترحلي، أن تذهبي ولا تعودي، أن تحذفيني من حياتك. هل تعلمين كم كنت أقسو على نفسي وأنا أخبرك بهذا؟
لماذا؟
سألته بصوت مبحوح قليلاً، ليجيب بجدية:
لأنني مررت بما يكفي ليجعلني عاجزاً عن منحك أي شيء، لإنك تحملين من البراءة والمحبة ما يجعلني أخشى عليك مني، لأنني أخاف أن أتسبب في تعاستك دون قصد، أخاف أن أدمرك في زحمة مشاعري المتزاحمة والكثير من الأشياء التي أسعى إليها مستقبلاً.
صمت متذكراً كل ما ينتظره وما يسعى عليه، وأولهم انتقامه المنتظر ممن تسبب في سجنه ودمر حياته.
ذلك الانتقام الذي يدرك صعوبته وما سيحمله له.
انتقام ربما لن يخرج منه حياً، لكنه أقسم على نيله مهما حدث ومهما كانت النتيجة.
عاد يتطلع إليها ليجدها تتأمله بصمت.
تنهدت بتعب، ثم سألته وفي داخلها تريد أن تنهي كل هذه الألغاز المحيطة بها وتفهم ما يريده بوضوح:
ماذا تريد مني بالضبط يا نديم؟ أخبرني بوضوح.
تأملها بصمت للحظات بدت كالدهر عليها، قبل أن يجيب ببطء:
أريدك.
صمت مجدداً يتأمل ملامحها الذاهلة، قبل أن يضيف بتروٍ:
أريدك معي، جانبي، فأنا أحتاجك أكثر من أي شيء.
حل الصمت المطبق بينهما مجدداً، صمتاً ثقيلاً للغاية عليهما.
نظراتهما المتبادلة توحي بالكثير.
يرى ترددها وتوجسها واضحاً، وترى هي رجاءً خالصاً في عينيه.
هو يريدها، يريدها لحاجته لها، ولكن هل يكفي هذا بالنسبة لها؟ هل تكفي حاجته لبقائها جواره؟
نطقت أخيراً:
ألا ترى إن ما تقوله يجعل قبولي غير منطقي؟ هل تعلم أين المشكلة؟ المشكلة إنك لا تعرف ما تريد ولست واثقاً من أي شيء.
رد بسرعة ينفي حديثها:
كلا، أنا بالفعل أريدك.
لأنك تحتاجني، ولكن عندما تنتهي حاجتك، هل ستبقى تريدني؟
أنت تظنين إنني أريدك لغرض الحاجة فقط.
قالها بعدم تصديق، قبل أن يقول بحسم:
أنا أريدك يا حياة، وعندما أقول أريدك، فهذا يعني إنني أرغب برباط رسمي يجمعنا، زيجة تستمر إلى الأبد.
ارتجف جسدها بالكامل ما إن نطق كلماته تلك، لتسأله بنبرة ضعيفة:
لماذا أنا؟
أجابها بصدق:
لأنكِ بكِ كل شيء أريده، كل شيء تمنيته، لأنكِ أكثر من يناسبني وأكثر من يصلح لذلك.
تنهد ثم قال بتردد:
أعلم إن مستقبلي المهني انتهى، وربما أنتِ تفضلين أن تتزوجي من شخص لديه مستقبل مهني مضمون.
قاطعته بجدية:
لا تخلط الأمور ببعضها من فضلك.
أنا لا أفكر بهذه الطريقة وأنت إن كنت تعرفني بحق ستدرك ذلك جيدا .."
" إذا أخبريني يا حياة.. هل تقبلين الزواج مني ..؟!"
سألها بصوت حاسم قوي لتنظر إليه بملامح تائهة وقلبها يرغب بالقبول وعقلها يخبرها أن ترفض فهي ستدخل في دوامة صعبة لا تضمن كيف ستخرج منها .. دوامة هي في غنى عنها ..
دلفت الى غرفتها وهي تحمل صينية تحتوي على بعض الأطعمة التي تفضلها هي عادة ..
تقدمت نحوها ووضعت الصينية أمامها على السرير وهي تتأمل وجهها الشاحب تماما ..
" تناولي طعامك حبيبتي .."
قالتها وهي تربت على كتفها برقة لتهز جيلان رأسها وهي تأخذ الملعقة تحمل بها القليل من الطعام وتضعه داخل فمها بحركة آلية فقط كي تظهر أمام خديجة بصورة طبيعية …
ابتسمت خديجة بعطف وهي تتأملها وفي داخلها تدرك إن هناك شيء ما يحدث معها فطوال اليومين السابقين كانت تبدو في أسوأ حالاتها ورغم إن وضعها النفسي كان سيئا منذ وفاة والدها لكن اليومين السابقين كانا الأسوء على الاطلاق ..
قررت أن تتواصل مع أخيها فعليه أن يعلم بما يحدث مع أخته ..
كم تشعر بالشفقة على تلك الصغيرة وما تعانيه في سنها هذا بينما أخيها يتجاهلها تماما مكتفيا بإرسال الأموال لها وكأن الأموال ستغني عن وحدتها المؤلمة ..
اتجهت خارج غرفتها وقد عقدت العزم على الإتصال به حالا بينما وضعت جيلان الملعقة جانبا ما إن خرجت خديجة وعاد الألم يرتسم على ملامح وجهها الرقيقة ..
سمعت صوت رنين هاتفها فجفلت مكانها وهي تتخيل إنه المتصل ..
جذبت الهاتف من فوق الطاولة بيد مرتجفة لتجد إسم إحدى صديقاتها يهتز على الشاشة ..
رفضت المكالمة ورمت الهاتف على الطاولة مجددا وأنكمشت على نفسها تماما بخوف حقيقي وهي تحتضن ساقيها أمام صدرها بذراعيها …
لقد أخبرها إنه سيتصل بها في أقرب وقت كي تتجهز للقاء الباشا خاصته وإذا إمتنعت عن ذلك فصورها سوف تنشر في كل مكان …
عادت دموعها تتساقط على وجنتيها بغزارة وهي تتخيل ما سيحدث معها وما سيفعله ذلك الرجل بها ..
رغم برائتها وعدم إدراكها لطبيعة ما سيفعله ذلك الرجل لكنها تدرك إنه يريد إستغلال جسدها ..
تحول بكائها الى شهقات فسارعت تضع كف يدها على فمها تكتم شهقاتها بصعوبة …
إنتفضت من مكانها مجددا على صوت رنين هاتفها فسارعت تجذبه لتجد رقما غير مسجلا يضيء الشاشة ..
أرادت ألا تجيب لكنها تذكرت تهديداته فضغطت على زر الإجابة بأنامل مرتجفة ليأتيها صوته الكريه يخبرها :-
" عزيزتي جيجي .. من الجيد إنك أجبت على إتصالي بسرعة .. هذا يدل إنك إستوعب إنه لا يوجد مفر لكِ مني .. موعدك مع الباشا سيكون بعد الغد .. سأنتظرك أمام نفس المقهى في تمام الساعة الخامسة عصرا .. لا تتأخري ولا تفكري بعدم المجيء لإن النتيجة لن تعجبك .."
سقط الهاتف جانبها بينما عادت هي تضع كفها على فمها تكتم شهقاتها والدموع الحارقة تغطي وجهها تماما ..
اما في الخارج سمعت خديجة صوته وهو يقول بعد تنهيدة بدت لها متعبة :-
" حسنا يا خديجة .. سأمر عندها يوم الجمعة وأفهم ما يحدث مع حضرة المدللة .. "
" أشكرك حقا يا بك .. إعذرني على إزعاجك لكنني مضطرة لذلك فوضعها يقلقني للغاية .."
" انتبهي عليها حتى آتي وأراها بنفسي .. "
أغلقت الهاتف بعدها لتتنهد خديجة بقلق وهي تدعو ربها أن تحسن زيارة أخيها لها قليلا من نفسيتها ..
……………………………………………………………..
أغلق عمار هاتفه بعدما أنهى محادثته مع خديجة ورماه بإهمال على المكتب أمامه ..
أغمض عينيه بإرهاق وهو يعود برأسه الى الخلف قليلا ..
عادت أفكاره تتجه نحوها لا إراديا يتسائل إذا ما أخبرت ليلى بحديثه ..
خمسة أيام تبقت على موعد الجلسة وهو لا يريد أن يطلقها الآن ..
هو سيطلقها عاجلا أم آجلا لكن ليس الآن …
يحتاج الى بعض الوقت يتأكد من خلاله من بعض الاشياء قبل أن يمنحا حريتها مع كافة حقوقه وهو بدوره سيتفرغ لمريم .. مريم الذي سيفعل أي شيء لينالها ..
فتح عينيه وعاد متقدما بجسده أماما ما إن سمع طرقات على باب مكتبه يتبعه دخول سكرتيرته تخبره :-
" راغب الهاشمي في الخارج يريد مقابلتك .."
دهشته كانت كبيرة فقدوم راغب الهاشمي بنفسه الى مكتبه أمرا صادما ..
" أدخليه فورا .."
قالها وهو يستعد لرؤيته عندما دخل راغب بملامحه الجامدة قليلا ملقيا التحية عليه لينهض عمار من مكانه مرددا بهدوء لا يخلو من التهكم :-
" كبير عائلة الهاشمي بنفسه هنا .. كان عليك أن تخبرنا قبلها بقدومك كي نجهز إستقبالا يليق بك .."
تجاهل راغب كلماته وهو يجلس على الكرسي أمامه بعدما حياه بإقتضاب بينما عمار يحاول إكتشاف سبب قدومه فشخص مثل راغب الهاشمي لا يسعى لزيارة
كهذه إلا إذا كان هناك أمرا هاما جدا خلف زيارته ..
ربما إشتكت جيلان له وأخبرته بإهماله لها ..؟!
فكر بهذا لكن سرعان ما أزاح أفكاره جانبا فراغب لن يأتي بنفسه إليه فقط لإن إبنه عمه إشتكت له من أخيها بل في داخله يعلم إنه لن يهتم حتى لو فعلت ذلك وجيلان نفسها لن تشكو وضعها لراغب أو أيا من أفراد عائلتها فعلاقتها بهم محدودة للغاية ..
" ماذا تحب أن تشرب ..؟!"
سأله عمار بجدية مزيحا أفكاره جانبا ليهتف راغب برسمية :-
" قهوة سادة إذا أمكن .."
هتف عمار بإبتسامة رسمية هو الآخر :-
"بالطبع .. "
ثم طلب من السكرتيرة أن تجلب لهما القهوة ..
" إذا ما سبب تشريفك لنا راغب بك ..؟!"
سأله عمار بهدوء رغم فضوله المتفاقم لمعرفة سبب الزيارة ..
هتف راغب مجيبا على تساؤله :-
" لدي عرض لك …"
قاطعه عمار :-
" بخصوص أي شيء ..؟!"
أجاب راغب بجدية :-
" بخصوص شركة عمي الذي أصبحت أنت مسؤولا عنها بعد وفاته …"
ابتسم عمار بخفة وقال بنبرة ذات مغزى :-
" رحمة الله عليه .. في الحقيقة فاجئني تصرفه .. آخر ما توقعته أن يمنحني أنا مسؤولية ميراث جيلان حتى تتم عامها الحادي والعشرين .. توقعت أن يختار أحدا من إخوانه او أبنائه .. بل توقعت أن يختارك أنت يا راغب بك كونك كبير العائلة و.."
قاطعه راغب بهدوء مصطنع :-
" بالتإكيد كان لديه وجهة نظر معينة في إختياره .."
رد عمار مؤكدا :-
" عمك يدرك جيدا إن لا أحد سيحافظ على مال ابنته كأخيها .. فضل مصلحة ابنته على أي إعتبارات أخرى .. "
هز راغب رأسه مرددا :-
" هذا ليس مهما .. المهم هو العرض الذي أتيت لأجله .."
اومأ عمار برأسه يطلب منه الحديث ليضيف راغب بهدوء المعتاد :-
" أنا أريد شراء الشركة منك بمبلغ قدره .."
كان المبلغ خياليا بحق لكن عمار يدرك إن الشركة هذه بالذات أرباحها قادرة على تعويض هذا المبلغ تماما ..
راغب الهاشمي يدرك جيدا أهمية هذه الشركة وهو يسعى جديا لإستردادها منه ..
أنهى راغب حديثه ليتأمل عمار بملامحه الساكنة تماما قبل أن يقول الأخير :-
" لو كنت مكاني ، هل ستبيعها …؟!"
انفتحت الباب ودلفت السكرتيرة وهي تحمل فنجاني القهوة حيث وضعت أمام راغب فنجانه ثم عمار قبل أن تنسحب خارجة من المكان ليجيب راغب بجديته المعهودة :-
" دعنا نتحدث بصراحة يا عمار … الشركة كانت لنا من الأساس .. عمي ورثها من جدي رحمة الله عليه .. بكل الأحوال نحن أحق بها من أي أحد .. "
" وجيلان ورثتها من والدها .."
قالها عمار بقوة ليومأ راغب برأسه مرددا :-
" نعم هو كذلك ولكن شركة كهذه لا يجب أن تخرج من العائلة .. نحن الأحق بهذه الشركة وبإدارتها .. "
هتف عمار بتحفز :-
" جيلان من العائلة راغب بك .. يعني الشركة لن تخرج من عائلتكم واذا كنت تقصدني أنا بحديثك فإدارتي لهذه الشركة وضع مؤقت حتى تكبر جيلان وتدير هي شركتها بل أملاكها بنفسها .."
قال راغب بصراحة :-
" كلا ستخرج .. جيلان ابنتنا هذا أمر لا خلاف عليه ولكنها ما زالت صغيرة على تحمل مسؤولية شركة كهذه .. انا أفكر بعيدا يا عمار .. سيأتي يوم وتتزوج جيلان وحينما ستصبح هذه الشركة ملكا لزوجها ومع مرور الوقت ستصبح خارج إطار شركات الهاشمي .. نحن الأحق بملكية هذه الشركة .."
هتف عمار هازئا :-
" كان عليك أن تخبر جدك رحمه الله بهذا الكلام قبل أن يمنح ملكية هذه الشركة لعمك والذي منحه بدوره لجيلان .."
هتف راغب بقليل من الحدة رغم ضبطه الشديد لأعصابه :-
" انتبه على إسلوبك وأنت تتحدث معي يا عمار .."
صاح عمار ساخطا :-
" وأنت إنتبه على ما تقوله .. تتحدث وكأن جيلان هذه ليست واحدة منكم .. تريد أن تأخذ منها شركة والدها والتي هي أحق الناس بها .."
نهض راغب من مكانه مرددا بقوة :-
" انا سآخذها مقابل مبلغ خيالي يا عمار .. مبلغ يفوق قيمة الشركة حتى .. أنت تعلم جيدا إن راغب الهاشمي لا يظلم أحدا ولا يأكل حق أحد …"
رد عمار ببرود مقصود :-
" مختصر الكلام .. طلبك مرفوض .. انا لن أبيع شركة أختي ولو عرضت علي أضعاف هذا المبلغ .."
منحه راغب إبتسامة باردة قبل أن يقول بنبرة جافة :-
" كما تريد .. لكن تذكر دائما إنني سأنال هذه الشركة .. بإرادتك أو إجبارا عنكِ .."
ثم تحرك بهدوء خارج مكتبه تتابعه أنظار عمار الحانقة وهو يردد بجفاء:-
" هذا ما كان ينقصني .. خلاف مع راغب الهاشمي كي تكتمل السعادة ..!"
……..:…………………………………………………….
جلست غالية أمامه تهتف بضيق :-
" إذا أنت مصر على قرارك ..؟!"
اومأ برأسه وهو يجيبها بجدية :-
" نعم يا غالية ولن أتراجع عنه .."
تأففت غالية وقالت :-
" ولكنه حقك .. أنت يحق لك في شركة والدي ما يحق لي وله .. بدلا من أن تفتح مشروعا خاصا بك وتبدأ من الصفر بإمكانك أن تأخذ الشركة الثانية .. الوضع سيكون أسهل وهذا حقك .."
قاطعها بتمهل :-
" انا أريد أن أبدأ من الصفر .. أفضل هذا .."
أضاف بغموض لم تنتبه له :-
" وحقي في أملاك والدي لن يمسه أحد ..
أنا فقط أنتظر الوقت المناسب وحينها كل ذي حق سينال حقه.
أردف بجدية:
أنا ووسام اتفقنا على كل شيء وسنبدأ التنفيذ خلال أيام.
أومأت برأسها على مضض ثم ابتسمت وهي تهتف بصدق:
وفقك الله يا نديم.
آمين حبيبتي.
هتفت بعدها وقد تذكرت أمراً ما:
صحيح.. هل ذهبت إلى حياة أم بعد؟
أجاب وقد تذكر أمر زيارته إلى حياة وذلك الحديث الذي جمعهما:
بلى ذهبت وتحدثت معها أيضاً.
سألته بفضول:
عن أي شيء تحدثتما؟
صمت قليلاً ثم قال وهو يبتسم بخفة:
عرضت الزواج عليها.
اتسعت عيناها بدهشة حقيقية جعلته يبتسم على تلك الصدمة المرتسمة على وجهها بوضوح قبل أن تهتف بقليل من البلاهة:
ماذا فعلت؟
رد وهو ما زال مبتسماً:
عرضت الزواج عليها يا غالية.
هكذا.. بهذه السرعة..
قالتها بعدم تصديق قبل أن تضحك وهي تهتف بتهكم:
منذ أسبوع كنت تود قطع علاقتك بها وبعد أيام قليلة تعرض الزواج عليها.
أضافت وهي تبتسم بسعادة:
لكنه قرار مناسب.. أنا سعيدة لأجلك.
لا تفرحي كثيراً فهي لم توافق على عرض بعد.
قالها بقليل من الإحباط لتبتسم وهي تقول بثقة:
ستوافق.. هي فقط تحتاج إلى بعض الوقت.
أطلق تنهيدة صامتة ثم قال بصدق:
أتفهم ذلك.. أتفهمه كثيراً.
أردف بملامح مهمومة:
رغم رغبتي الشديدة بالحصول على موافقتها لكنني لا أستطيع أن أمنع نفسي من الخوف مما هو قادم.. الخوف من أن يضرها وجودي معي.
قالت غالية بسرعة تحاول إزالة هذا الشعور عنه:
بالله عليك لا تفكر هكذا.. أنت لن تضرها يا نديم.. أنت لا يمكن أن تضر أحداً.
ابتسم بمرارة وقال:
نديم لم يعد كالسابق يا غالية.. تغيرت الكثير من الأشياء داخلي.. الفترة التي قضيتها في السجن تركت آثارها داخلي.. آثار ربما لم تنتبهي عليها ولكنني أدركها جيداً.. أشياء كثيرة داخلي ما زلت عاجزاً عن تجاوزها.
تطلعت إليه بشفقة بينما تنهد هو بصوت مسموع قبل أن يسألها:
صحيح.. هل عمار ما زال مقيماً في الفيلا؟ أقصد يعني هل يتردد دائماً في الفيلا ويبات فيها؟
أجابته رغم دهشتها من سؤاله:
كلا.. منذ ما حدث مع ليلى وهو لا يأتي إلى الفيلا أبداً.. أتذكر إنه أتى مرة واحدة فقط حيث صعد إلى غرفته مباشرة وخرج بعد أقل من ساعة.
سألته بعدها:
لماذا تسأل عنه يا نديم؟
منحها ابتسامة باهتة وهو يجيبها:
مجرد سؤال عادي لا أكثر...
نظرت إليه بعدم اقتناع لكنها آثرت الصمت بينما سرد هو بأفكاره بعيداً مفكراً إن عليه البدء بأولى خطواته المنتظرة.
من يراك اليوم لا يصدق إنك ليلى التي كانت يائسة محطمة منذ أيام.
قالتها مريم وهي تتأمل أختها التي تقف أمام المرآة تضع الحمرة على شفتيها مرتدية فستاناً أرجوانياً رائعاً وشعرها الأشقر الحريري منسدل بشكل جذاب على ظهرها.
كانت تبدو مشعة حقاً وكأن ليلى القديمة عادت بل خرجت من سباتها الذي طال لأعوام.
من الآن فصاعداً ستريني هكذا دائماً...
قالتها وهي تلتفت نحوها وتقف أمامها بابتسامة رائعة وفتنتها الطاغية سيطرت على المكان.
تأملتها مريم بجمالها الأرستقراطي الجذاب قبل أن تهتف بصدق:
أنت تدركين بالتأكيد مدى جمالك بل فتنتك يا ليلى.. دوماً ما كنت الأجمل بيننا جميعاً.
لماذا تقولين هذا الآن؟
سألتها ليلى مستغربة لتبتسم مريم وهي تقول بجدية:
ربما كي تعلمي إنك تستحقين الأفضل بكل شيء.. ربما كي تدركي قيمة نفسك يا ليلى.
سألتها ليلى مستنكرة حديثها:
ألا أفعل ذلك يا مريم؟
لم تجبها مريم بل تجاهلت سؤالها وهي تبتسم وتربت على وجهها مرددة بحب:
لكن اليوم أنت بالفعل تبدين في أروع حالاتك.. مشعة كالشمس.. ما رأيك أن نخرج ونسهر في أحد الأماكن؟
لم لا؟ أنا أريد الخروج حقاً.
قالتها ليلى بحماس قبل أن تسمع صوت طرقات على الباب ثم تدخل الخادمة تخبرها:
عمار بك ينتظر في الأسفل يا هانم.
هتفت مريم بقرف:
هادم اللذات ومفرق الجماعات.
لكن ليلى لم تهتم ولم تنزعج بل ابتسمت وهي تخبر الخادمة:
أخبريه إني قادمة حالاً.
ثم نظرت إلى مريم تخبرها بثقة فاجأت الأخيرة:
تجهزي كي نخرج سوياً بعد ذهابه.
ثم سارت بخطواتها المترفة خارج غرفتها.
دلفت ليلى إلى صالة الجلوس لتجد عمار هناك والذي نهض من مكانه يتأملها من رأسها حتى أخمص قدميها بملامح لا تحمل أي تعبير قبل أن يلتوي فمه بابتسامة صغيرة وهو يهتف بتهكم واضح:
يبدو إن الانفصال عني منحك جمالاً وحيوية بل وسعادة أيضاً.
سألته وهي تجلس أمامه واضعة قدماً فوق الأخرى:
ألديك شك في هذا؟
جلس أمامها هاتفا بابتسامة مستفزة:
أدرك جيداً كم عانيت معي لكن حبيب قلبك يستحق هذه المعاناة.
سألته بجدية دون أن تظهر ضيقها من حديثه:
ماذا تريد يا عمار؟
أجابها بهدوء:
جئت لأخبرك إنني سأطلقك يا ليلى.. بل وسأمنحك كافة حقوقك.
هتفت بسرعة:
لا أريد أي شيء منك سوى حريتي.
ثم سألته باستغراب:
ولكن ما سبب تغيير رأيك فجأة؟
لم تظهر على ملامحه شيء وهو يجيب:
عدة أسباب أهمها...
قاطعته بضيق:
لا يهمني معرفتها.. أياً كانت أسبابك فهي لا تهمني.. المهم إنني سأتطلق.
اسمعيني أولاً يا لولا فهناك شيء ما يجب أن تعلمينه.
هتفت بنفاذ صبر:
تفضل وقل ما لديك.
ابتسم وهو ينهض من مكانه مقترباً منها قبل أن يضع أمامها ظرفاً أبيض متوسط الحجم ويهمس لها:
افتحيه.
نظرت إليه بقلق قبل أن تجذب الظرف وتفتحه بأنامل متوترة لتخرج مجموعة من الشيكات والتي تحمل أرقاماً خيالية جميعها تحمل توقيع والدها.
ما هذه؟ هذه مزورة بالتأكيد.
قالتها وهي تنتفض من مكانها بعنف ليهتف بها محذراً:
اخفضي صوتك.. لا يجب أن يسمع أحداً فهناك شيئاً آخر مهماً من الأفضل ألا يسمعه سواك.
ما هذه الشيكات؟ هل كان والدي يتدين منك وأنا لا أعلم؟
سألته لاهثة ليهتف بجدية:
كلا ليس مني.. كان يتدين من غيري.. من بعض أصدقائه من رجال الأعمال وأنا اشتريت هذه الشيكات منهم بعدما دفعت لهم المبلغ المطلوب وبالتالي أصبح دينه عندي.
هزت رأسها بعدم تصديق وهي تهتف:
ولكن تاريخ هذه الشيكات من أعوام.. ثلاثة أعوام وأكثر.. لماذا ظهرت الآن؟
ابتسم مردداً بمكر:
لقد خبأتها لوقت الحاجة.. كنت أنتظر الوقت المناسب كي أظهرها أمامك.. وها قد جاء الوقت المنتظر.
وماذا عن أبي؟ كيف لم يسدد ديونه؟ كيف سمح لنفسه أن يبقى تحت رحمتك؟
ضحك مردداً:
أبوك لا يعلم إن الشيكات أصبحت عندي.. المسكين صدق كلام أصحاب الشيكات الأصلية بإنهم سينتظرونه حتى يستطيع إيفاء ديونه فتمادى بدوره وتجاهل كافة الديون خاصة وإن شركته لا تربح سوى القليل جداً والذي بالكاد يكفي مصاريفه.
هزت رأسها تردد بعدم تصديق:
لا أصدق.. كيف وصل به الحال إلى هنا؟ كيف؟
هتف بنبرة ماكرة وابتسامة خفية:
مسكين.. لديه بدل المنزل اثنان.. وزوجته الثانية متطلبة كثيراً.
تجمدت ملامحها وهي تستمع إلى حديثه لتهتف بعدم تصديق:
ماذا تقول أنت؟ أية زوجة؟
قال بجدية:
والدك متزوج بأخرى منذ أعوام ولديه طفلاً منها أيضاً.. طفلاً جميلاً لديه شعر أشقر لا مثلك وعينين زرقاوين حادتين فاتنتين كعيني أختك.. لو تراه يا ليلى.. يشبهكما كثيراً.
أضاف وهو يتأمل ملامحها المحتقنة كلياً:
لا تلوميه يا عزيزتي.. الرجل كان يريد صبياً يحمل اسمه ووالدتك عجزت عن منحه الصبي الذي يتمناه.
أخذت تهز رأسها بعدم تصديق والألم يسيطر على كل خلجاتها لتجلس على الكنبة خلفها بوهن وعقلها لا يستوعب ما حدث بيننا هتف هو أخيراً مخبراً إياها ما تبقى في جعبته:
اسمعيني يا ليلى.. هما شرطان لا ثالث لهما.. إن لم تنفذيهما سأقدم الشيكات كلها إلى الشرطة وحينها الله وحده يعلم كم سيسجن والدك كما إن خبر زواج والدك الثاني سيكون وقعه صعباً على والدتك المسكينة والتي بالتأكيد لن تتحمل صدمة كهذه في زوجها الحبيب.
تأمل نظراتها المليئة بالوجع وقال مضيفاً:
ما أريده منك ليس صعباً على الإطلاق.. تؤجلين الطلاق لفترة.. فترة قصيرة وسأطلقك أنا بنفسي بعدها.. هذا أول شيء أما الشيء الآخر فهو إنك لن تفعليها وتخبري نديم بالسبب الحقيقي وراء زواجك مني.. لن تخبريه بتهديداتي لك ولا بأي شيء خاص بيننا.. التزمي بشروطي وأنا أعدك إنني لن أفعل ما يؤذي والدك وعائلتك مهما حدث.
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة علي
لا يعرف لماذا عاد إليها مجددا بعدما تركها منذ ساعات.
كانت غائبة عن العالم بأكمله تحتضن جسدها داخل سريرها وكأنها تحصن نفسها بنفسها من الغدر والألام.
منذ أن تركها وعقله لا يكف عن التفكير بها وقلبه يؤلمه بقسوة كلما تذكر ما أصابها بين ذراعيه.
وعندما يأس من تجاوز ما رآه وفشل في التوقف قليلا عن التفكير بوضعها وجد نفسه يقرر العودة إليها راغبا برؤيتها بوضعها الساكن كي يهدأ قلبه قليلا رغم إدراكه إن قلبه لن يهدأ حتى تعود كما كانت وهذا شيء مستحيل.
فتح باب الشقة ودلف إلى الداخل بخطوات هادئة ليجد الشقة مظلمة تماما لا يضيئها سوى الضوء المنبعث من النوافذ في ساعات الفجر الأولى.
سار بخطوات رتيبة نحو غرفتها وفتح الباب بحذر.
دلف إلى الداخل بتردد لينصدم عندما وجد سريرها فارغا.
فسارع بالتوجه نحو الحمام الملحق بغرفتها ليجده خاليا.
ركض بسرعة خارج غرفتها متجها إلى غرفة خديجة كي يوقظها متأملا أن تكون عندها.
لكنه توقف أثناء مروره من جانب المطبخ ليميل برأسه قليلا فيتجمد مكانه مما يراه.
تقدم أخيرا بخطوات مترددة نحوها ووقف أمامها وهو يراها تميل بجسدها على الحائط خلفها.
لا يعلم إذا ما كانت تغط في نومها أم فاقدة للوعي.
ذراعيها تلتفان حول جسدها والسكين مرمية داخل حضنها.
دار بصره حول جسدها يتأكد من عدم وجود أي إصابة ليزفر أنفاسه براحة من فكرة أن تكون تسببت بأي أذى لنفسها رغم وضوح حقيقة إنها كانت تنتوي فعل ذلك.
مال بجسده نحوها يبعد السكين ويرميها جانبا قبل أن يفك ذراعيها اللتين تحيطان جسدها.
ثم حملها بين ذراعيه فتتململ قليلا بإنزعاج ليدرك إنها نائمة بالفعل وليست فاقدة للوعي.
سار بها عائدا نحو غرفتها ليضعها على سريرها بعناية قبل أن يجذب الغطاء نحو جسدها يغطيه بالكامل.
تأملها بنظرات لا تصدر منه مطلقا.
نظرات مليئة بالحنان الشديد الممزوج بالألم.
نظرات نالتها جيلان فقط ولن ينالها سواها.
وكيف لا وهي قطعة ممن كانت روحه.
قطعة من والدته.
غامت عيناه بذكرى سوداء وما كانت تنتويه جيلان ذكرته بما فعلته والدته.
ذكرى بشعة لا يود تذكرها وهو يرى والدته غارقة في دمائها بعدما قطعت شرايينها.
تلك الصورة التي لا يمكن أن تختفي من عقله.
صورة تزوره بين الحين والآخر تذكره ببشاعة ما رآه وعاشه.
والدته وهي تلتقط أنفاسها الأخيرة بين ذراعيه توصيه على أخته بما تبقى منها من أنفاس متقطعة.
ترجوه أن يحميها وكأنها كانت تشعر بما سيصيب ابنتها يوما ما.
ومع هذا تركتها بكل أنانية ورحلت.
أغمض عينيه بقوة محاولا السيطرة على تلك الدموع الحارة التي تكونت داخلهما.
كانت المرة الوحيدة التي بكى فيها وأقسم بعدها ألا يبكي مهما كلفه الأمر.
وها هو اليوم يقف أمام أخته التي كادت أن تفعل بنفسها كما فعلت والدته مسبقا.
كاد أن يخسرها كما خسر من قبلها بنفس الطريقة البشعة.
إعتصر قبضتي يديه بقوة وفتح عينيه اللتين بدتا شديدتي الإحمرار متأملًا جيلان النائمة بسلام.
متمتما بوجع:
لماذا يا جيلان؟
لماذا يا صغيرتي؟
ثم انحنى بوجهه مجددا نحوها متأملا ملامحها الرقيقة الهادئة متذكرا كيف كانت تنتفض جزعا بين ذراعيه منذ ساعات.
مرددا بينه وبين نفسه بوعيد:
سأنتقم ممن فعل بك هذا يا جيلان.
سأذبحه بين يدي كما ذبحك يا صغيرتي.
سأخذ حقك كاملا يا أختي.
ثم طبع قبلة طويلة على جبينها قبل أن يعتدل بوقفته مجددا يلقي عليها نظرة أخيرة.
وقبل أن يهم بالرحيل كانت يدها تمسك يده وصوتها المنخفض الضعيف يرجوه وقد تغضنت ملامحها كليا رغم إنغلاق عينيها:
عمار.. لا تتركني.
وأمام أنينها الخافت ورجائها المؤلم لم يستطع سوى الإنحناء نحوها مجددا يهمس لها بنبرة مطمئنة:
أنا هنا يا جيلان.
بجانبك يا صغيرتي.
لن أتركك مهما حدث.
في صباح اليوم التالي.
فتحت حياة الباب لتجد حنين أمامها ترمقها بنظرات خجلة.
لتبتسم حياة بهدوء وهي تفسح لها المجال لتدخل.
دلف حنين إلى الداخل ثم إلتفتت نحو حياة التي أغلقت الباب خلفها واتجهت نحوها.
فهتفت حنين تسألها:
كيف حالك؟
ابتسمت حياة وهي تجيبها:
بخير.. وانت؟
ردت حنين بهدوء:
بخير الحمد لله.
أضافت بتردد:
ترددت بالمجيء إليك.
فكرت ربما تكونين منزعجة مني.
قاطعتها حياة بسرعة وجدية:
لست منزعجة منك يا حنين.
ربما إنزعجت قليلا وقتها لإنك تصرفت من تلقاء نفسك ووضعتني في موقف لم أرغبه.
ولكن إنزعاجي منك إنتهى منذ ذلك الحين.
قالت حنين برجاء:
والله انا لم أقصد إزعاجك.
انا فقط رغبت أن ينصلح الوضع بينك وبين ماما.
رغبت أن نكون عائلة واحدة سويا.
رغم الألم الذي سيطر على حياة مما تسمعه لكنها أخفت ذلك وهي تبتسم وترد:
لا بأس يا حنين.
أتفهم رغبتك جيدا.
لكن أرجوكِ لا تضغطي علي.
الأمر أصعب مما تظنين يا حنين.
صدقيني لو كان بيدي.
صمتت تبتلع غصتها داخل حلقها.
لتسمع حنين تسألها بحزن:
ألهذه الدرجة يا حياة؟
سارت حياة نحو الكنبة وجلست عليها وقالت بألم ظهر جليا في نبرتها:
أنتِ لا تدركين ما عايشته ولا تدركين إحساس الوجع والخذلان الذي لطالما شعرت به بسبب ما فعلته والدتك.
تقدمت حنين نحوها وجلست بجانبها تخبرها بتوسل:
لكنها ندمت وحاولت إصلاح الوضع مرارا.
أدركت خطأها في حقك منذ أعوام.
قاطعها حياة بنبرة متألمة:
وماذا عن خطأها في حق أبي؟
كيف ستصلحه يا حنين؟
حاولت حنين التبرير قائلة:
كانت صغيرة وغير مدركة.
قاطعتها حياة بقوة:
كانت زوجة تخلت عن زوجها بسبب فقره وطمعها.
كانت أم تخلت عن ابنتها لأجل نفسها ورغباتها.
مهما حاولت التبرير لن تجدي مبررا واحدا يخفف من سوء تصرفها.
أضافت وهي تبتلع شهقة مليئة بالعذاب داخل صدرها:
أنا تعذبت كثيرا بسببها يا حنين.
تعذبت لدرجة إنني كنت أتمنى لو كانت.
توقفت عن الحديث ولم تستطع التفوه بالمزيد.
لتسمع حنين تكمل نيابة عنها:
لو كانت ميتة.
أليس كذلك؟
أومأت حياة برأسها وهي تكتم شهقاتها بصعوبة.
لكن دموعها أبت أن تصمد فهطلت على وجنتيها بغزارة.
شاركتها حنين البكاء وهي تدرك مدى صعوبة ما عايشته أختها ومدى الألم الذي تعاني منه.
كانت المرة الأولى التي تدرك بها كم العذاب الذي مرت به وأدركت إن معها كل الحق في عدم غفرانها خطأ والدتها في حقها.
مسحت حياة دموعها بأطراف أناملها وهمست لأختها:
حسنا توقفي عن البكاء.
توقفت حنين عن البكاء بصعوبة ثم قالت أخيرا بصوت ضعيف:
ولكن أنا لا دخل لي بكل هذا.
أنا أختك ولا ذنب لي بما فعلته.
أضافت وهي تقبض على كف حياة:
أنتِ لن تنفري مني بسببها.
هتفت حياة بسرعة وصدق:
أبدا لن أفعل ذلك.
أنا احبك حقا يا حنين وأشعر بالسعادة لوجودك في حياتي.
ابتسمت حنين رغم ألمها.
ل تنهض حياة من مكانها وهي تهتف بها:
تعالي معي هيا لنجهز الطعام لنا سويا.
فأنا لم أتناول فطوري بعد.
نهضت حنين وسارت معها وقد عادت السعادة تكسو ملامحها وبدأت تشارك حياة في إعداد طعام الفطور لكليهما.
خرج من مكتب سكرتيرته وهو يتأفف بضيق.
فعمار الخولي مختفي منذ أيام ولا أحد يعرف سبب إختفائه.
لولا إنه يعلم جيدا مدى جديته في عمله وسمعته التي تسبقه في مجاله لشعر إنه تورط معه.
لكن عمار لا يغيب هكذا فجأة إلا إذا كان هناك ما يستحق.
وأثناء مغادرته مكتبه بنية الخروج من الشركة تذكرها.
فلمعت عيناه بشقاوة تناسبه وهو يتوجه نحو مكتبها الذي يعلم طريقه جيدا.
وأمام باب مكتبها ووقف للحظات قبل أن يطرق على الباب بخفة.
ليأتيه صوتها تسمح له بالدخول.
فتح الباب ومد رأسه قليلا قبل أن يتجه الى الداخل متأملًا إياها وهي منكبة على مجموعة من الملفات.
قبل أن ترفع رأسها أخيرا ما إن بادر بالتحية.
أنت.
همست بها غالية بضيق ظهر جليا على ملامحها.
ليمنحها فراس إبتسامة صافية أبرزت أسنانه البيضاء المتراصة قبل أن يقول بهدوء ظاهري:
نعم انا.
كيف حالك يا آنسة غالية؟
بدا رسميا في حديثه على غير العادة.
لكنها تجاهلت سؤاله وهي تبادره بسؤال آخر:
ماذا تفعل هنا؟
إختفت إبتسامته فجأة وكست الجدية ملامحه وهو يقول بنفس الهدوء:
جئت خصيصا لرؤيتك.
كي أعتذر منك.
عقدت حاجبيها تسأله بقليل من الإستغراب:
تعتذر مني؟
لماذا؟
أجابها مبتسما بخفة:
أعتذر عن تصرفاتي معك وطريقة حديثي الغير لطيفة إطلاقا في المرتين اللتين تحدثت فيهما معك.
تصرفت بقليل من الوقاحة.
قاطعته بنزق:
بل الكثير من الوقاحة وقلة الحياء يا سيد فراس.
تجاهل ما قالته على مضض وهو يردف بنفس الإبتسامة:
وها أنا أعتذر منك يا آنسة غالية وأود أن تمنحيني فرصة لأصحح نظرتك نحوي والتي بالطبع ستكون سيئة للغاية بعد تصرفاتي تلك.
تأملته للحظات قبل أن ترد بإقتضاب:
إعتذارك مقبول سيد فراس.
اما عن نظرتي نحوك فلا أظن إنها مهمة بهذا القدر كي تسعى الى تصحيحها.
قاطعها بلهفة ظهرت صريحة في عينيه:
بل أهم مما تظنين.
صمتت ولم ترد.
فأكمل بجدية:
آنسة غالية.. هل تسمحين لي بدعوتك على الغداء ظهر اليوم؟
فوجئت بطلبه.
ورغم إنزعاجها الواضح منه ومن تصرفاته السابقة إلا إن داخلها كانت هناك رغبة سخيفة بقبول طلبه.
وهو الذي رغم تصرفاته الوقحة عديمة الحياء احتل تفكيرها عدة مرات منذ أن إلتقت به.
وما سبب هذه الدعوة؟
سألته بتردد.
ليجيب بصدق:
فرصة للتعرف على بعضنا.
انا حقا معجب بك وأرغب في التعرف عليكِ.
ولا أظن إن هناك مشكلة اذا ما إلتقينا وتحدثنا على الغداء في أحد المطاعم.
أرادت أن توافق.
لكنها شعرت إنها بالفعل تخون مبادئها خاصة وهو يبدو لها غير مريحا وحديثه السابق يمنحها شعورا بعدم الأمان معه.
فهتفت بجدية ترفض طلبه بصرامة:
أعتذر حقا سيد فراس لكنني لست معتادة على الخروج وتناول الطعام مع الغرباء.
وللغرابة وجدته يبتسم بتحفظ وهو يردد بنفس الهدوء:
يحق لك بالطبع.
أكرر إعتذاري عن تصرفاتي السابقة.
عن إذنك.
وخرج بهدوء كما جاء.
فشعرت بالضيق يغزوها لا إراديا.
وهي التي كانت تتوقع إصراره على دعوته لها.
لكنه فاجئها بتصرفه الغير متوقع.
أنهى مكالمته مع وسام وهو يغمره شعور السعادة الذي إفتقده لزمن طويل.
كل شيء في هذه الأيام يسير لصالحه.
موافقة حياة كانت أكثر ما أسعده ومشروعه مع صديق عمره قيد التنفيذ.
كل شيء يتقدم بشكل جيد.
ابتسم بخفة وهو يعود برأسه قليلا الى الخلف مغمضا عينيه للحظات.
وشعور الراحة الذي يسكنه يروقه كثيرا.
عاد يفتحهما مجددا وهو ما زال محتفظا بإبتسامته.
فحمل هاتفه يقلب به قبل أن يتوقف للحظات أمام منشور تظهر به فتاة شقراء جميلة تبتسم للكاميرا وهي تحمل باقة من الزهور البيضاء بين يديها.
لا يعرف لماذا ذكرته تلك الفتاة بها بجمالها الناعم وإبتسامتها التي عشقها لزمن.
غامت عيناه بالعديد من الذكريات التي جمعتهما سويا والحنين ملؤه إجبارا عنه لها ولأيامهما وعشقهما الذي لا يماثله عشق.
مر في ذاكرته مشهدا لهما منذ أعوام عندما كانا في بداية إكتشاف مشاعرهما.
حيث كان هو في العشرين من عمره وهي لم تتخطى عامها السادس عشر بعد.
حينما كان ينظر إليها وكأنها الكون بأكمله.
وبين يديها بدايته ونهايته.
سألها بقلب أدرك العشق معها وبها:
أخبريني ماذا تريدين وسأنفذه حالا.
منحته إبتسامة عاشقة وهي تحرك رأسها بتفكير قبل أن تجيب:
أريد منزلا كبيرا يطل على البحر.
حديقته واسعه تملؤها زهور التوليب المفضلة عندي.
ابتسم وهو يهز رأسه موافقا ويتسائل مجددا:
أكملي.
توقفت للحظات تتأمل إبتسامته الشغوفة.
لتقول وهي تتنهد بحرارة:
أريدك أن تحبني للأبد وحتى ما بعده.
أريدك أن تحبني إلى ما لا نهاية.
أحاط وجهها بكفيه يخبرها وعيناه تحاصران عينيها اللامعتين:
سأحبك دائما وأبدا والى ما لا نهاية.
كان وعدا قطعه على نفسه يوما وأوفى به لسنوات.
وعدا كلما تذكره كلما شعر بروحه تتمزق وحسرة شديدة تلازمه لخسارته عشقا كهذا.
تنهد بنفس الحسرة التي ما زالت تسكنه محاولا إبعادها هي وذكرياتهما عن رأسه.
نهض من مكانه يحمل هاتفه معه واتجه نحو الشرفة يأخذ نفسه عدة مرات.
وكأنه يفضي بمكنونات قلبه الى الليل بظلامه وقمره ونجومه اللامعة.
فتح هاتفه مقررا الإتصال بها.
وقد قاده قلبه وعقله إليها.
فهي وحدها من تستطيع إخراجه من حالته تلك وتعيد إليه توازنه.
وكأنها باتت مسكنا لآلامه التي لا تعد.
سمع صوتها الرقيق يجيبه بهدوئه المحبب.
فأخذ نفسه مجددا وهو يخبرها:
اشتقت إليك.
يكاد يرى إبتسامتها الخجلة وهي ترد عليه بتساؤل خجول:
ماذا يفترض أن أقول الآن؟
ابتسم وهو يرد:
أخبريني كم إشتقتِ إلي.
ضحكت بخفة وقالت:
كف عن طريقتك هذه يا نديم.
ألم أخبرك إن هذا لا يجوز الآن؟
قال بضيق:
وماذا أفعل يا حياة؟
أين الخطأ في أن أعبر لكِ عن شوقي؟
هل سأنتظر خطبتنا أيضا لقول هذا؟
هتفت بصوت منخفض على إستيحاء:
يفترض هذا.
تنهد وهو يردد:
حسنا يا حياة.
سأنتظر حتى تمر الأيام القادمة وأخطبكِ رسميا وحينها لا شيء سيمنعني من قول بل وفعل ما أريد.
لم تجيه فقرر تغيير الموضوع متسائلا:
ماذا تفعلين؟
أجابته بجدية:
أشاهد التلفاز مع حنين.
حنين تبيت معك الليلة؟
سألها بإهتمام.
لأجيبه:
حنين تبيت معي أغلب الليالي منذ وفاة والدي.
هتف بجدية:
أرى إنك سعيدة بوجودة معك.
ردت بعفوية:
كثيرا يا نديم.
أنا سعيدة بوجودها حقا.
لأول مرة أكون ممتنة هكذا لوجود شخص ما بحياتي.
هتف بضيق مصطنع:
ألم تكوني ممتنة لوجودي في حياتك إذا بهذا الشكل يا حياة؟
قالت ضاحكة تمازحه:
أنت من المفترض أن تكون ممتن لوجودي في حياتك يا بك وليس العكس.
رد بجدية:
وأنا كذلك بالفعل.
أنت ماذا؟
سألته بصوت متحشرج قليلا.
ليجيب بصدق وهدوء:
أنا ممتن حقا لوجودك في حياتي.
أنت لا تدركين ما تمنحينه لي بوجودك يا حياة.
صمت قليلا يأخذ نفسه ثم يضيف بصوت متهدج:
أنت أفضل شيء حدث لي منذ سنوات.
هتفت بصوت ضعيف متقطع:
نديم توقف.
سألها بدهشة:
لماذا تريدين مني التوقف؟
أجابته بخفوت:
لإنك عندما تتحدث عني بهذه الطريقة تجعلني أشعر بأشياء كثيرة.
أشياء أخشى أن لا تستمر طويلا.
سألها متعجبا حديثها:
ماذا تعنين؟
ردت محاولة تغيير الموضوع:
ليس مهما.
أخبرني عن مشروعك وإلى أين وصلت به؟
عاد الحماس يغزوه من جديد وهو يحدثها عن آخر تطورات مشروعه مع صديقه وما يفعلانه.
وهي تستمع له بنفس الحماس محاولة إزاحة أفكارها السلبية بعيدا.
بعد مرور عدة أيام.
وقفت أمام المرآة تتأمل مظهرها للمرة الأخيرة قبل أن تبتسم برضا.
حملت حقيبتها واتجهت بخطواتها الأنيقة خارج غرفتها.
لتمر أثناء سيرها نحو الطابق السفلي بغرفة شقيقتها.
توقفت للحظات تطرق على باب غرفتها فيأتيها صوت مريم يسمح لها بالدخول.
فتحت الباب ودلفت الى الداخل تبتسم بخفة.
قبل أن تبهت ملامحها لا إراديا وهي ترى حالة أختها بمظهرها الكئيب المتعب.
هل أنتِ بخير يا مريم؟
سألتها ليلى وهي تتقدم نحوها بقلق.
لتمنحها مريم إبتسامة ضعيفة وهي تجيب:
انا بخير.
لا تقلقي.
كيف تكونين بخير وأنتِ بهذه الحالة؟
سألتها ليلى بعدم تصديق.
خاصة إنها المرة الأولى التي ترى بها مريم بهذا الوضع المزري.
لتجيبها مريم بصوت مرهق:
إنها موجة اكتئاب طبيعية لا أكثر وسأخرج منها بخير قريبا جدا.
عادت ليلى تسألها بتوجس:
ماذا يحدث معك بالضبط يا مريم؟
الفترة السابقة لم أكن بمزاج يسمح لي بالتواصل مع أي أحد لذا لم أنتبه لوضعك هذا.
ردت مريم بجدية محاولة رسم إبتسامة مصطنعة على شفتيها:
أخبرتك ألا تقلقي بشأني.
انا حقا بخير.
هل تشاجرت مع أكرم؟
لم تدرك ليلى إن سؤالها ضاعف من ألم شقيقتها.
التي ردت بمرارة:
لقد فسخت خطبتي من أكرم يا ليلى.
صاحت ليلى بدهشة:
ماذا تقولين أنت؟
لماذا فعلت هذا؟
أطلقت مريم تنهيدة متعبة وهتفت برجاء:
اتركيني الآن من فضلك يا ليلى.
لا رغبة لي بالتحدث نهائيا.
ألم أتركك مسبقا عندما طلبتي مني ذلك؟
امنحيني بعض الخصوصية من فضلك وأعدك إنني سأخبرك بكل شيء فيما بعد.
نظرت ليلى لها بتردد.
لكنها لم تستطع فعل شيء سوى الموافقة.
فأومأت برأسها ثم قالت:
حسنا انا سأذهب الآن.
متى ما إحتجتني ستجدينني معك.
سألتها مريم بإستغراب:
إلى أين ستذهبين؟
أجابتها ليلى بعد تردد دام للحظات:
سأذهب لنديم.
سألتها مريم مجددا بدهشة:
لماذا ستذهبين إليه؟
أجابتها ليلى بعدما أطلقت تنهيدة طويلة:
سأخبر نديم بكل شيء يا مريم.
سأخبره بالحقيقة كاملة.
ثم أضافت بتصميم وعزيمة:
لقد آن الأوان لنتحد سويا ونقف في وجه عمار وشره اللا محدود.
تأملتها مريم بعدم تصديق وهمت بالتحدث.
لكن ليلى لم تمنحها فرصة للحديث.
حيث خرجت بسرعة عاقدة العزم على رؤية نديم وإخباره بكل شيء.
تاركة مريم تتابع آثرها وهي تفكر اذا ما كان تصرف أختها في هذا الوقت تحديدا صحيحا أم خاطئا.
اندفع الى داخل مكتبه بملامح غاضبة مخيفة.
لينتفض عمار من مكانه متأملًا مظهره هذا بدهشة.
قبل أن يصيح وقد تملكه الغضب هو الآخر:
ماذا يحدث هنا؟
كيف تقتحم مكتبي بهذا الشكل؟
صاح راغب بالسكرتيرة التي تبعته محاولة إيقافه:
اخرجي حالا من هنا فهناك حديث مطولا يجمعني مع مديرك.
نظرت السكرتيرة الى عمار بقلق.
ليشير راغب إليه بحزم وغضب:
أخبرها أن تخرج حالا فهناك شيئا هاما يجب أن تعرفه.
أشار عمار الى السكرتيرة أن تخرج.
بينما تقدم راغب نحوه بملامح متحفزة.
قبل أن يرمي بمجموعة من الصور في وجهه.
التقط عمار احدى الصور ليتجمد مكانه وهو يرى أخته عارية تماما في الصورة.
رمشت عيناه للحظات غير مصدقا ما يراه.
قبل أن يهبط ملتقطا بقية الصور ليراها عارية بوضعيات مختلفة.
شعر براغب يقترب منه وعيناه تشتعلان بوميض حارق يهدر به:
هل هذه هي الأمانة التي كلفك عمي برعايتها يا بك؟
هل هذه أختك التي صرحت بأعلى صوتك إنك المسؤول الوحيد عنها وعن رعايتها؟
انظر الى صورها جيدا.
انظر الى الفضيحة التي تسببت بها أختك المصون بسببك وبسبب رعايتك المثالية لها.
رفع عمار أنظاره الجامدة نحوه.
ليسمعه يردف بإنفعال مخيف:
بسببك أنت سمعة عائلتنا ستتدمر تماما.
بسببك وبسبب أختك هددني شاب حقير لا يساوي دينارا واحدا بفضيحة من العيار الثقيل عن طريق هذه الصور.
ألقى عمار الصور جانبا وإستند على مكتبه بأنفاس مقطوعة.
قبل أن يسمع راغب يقول أخيرا بصوت متسلط قوي:
اسمعني جيدا يا عمار.
سأقول ما عندي وأنت مجبر على تنفيذه.
لا خيار آخر أمامك.
ليس لأجلي ولأجل عائلتي فقط بل لأجل سمعة أختك المصون والتي ستنتهي تماما إذا ما إنتشرت هذه الصور.
نظر له عمار بصمت للحظات.
قبل أن يهمس متسائلا:
ماذا تريد؟
أطلق راغب تنهيدة صامتة.
قبل أن يخبره:
ستنتقل وصاية جيلان إلينا.
و ستنتقل هي بدورها للعيش معنا في منزل العائلة تحت رعايتي أنا شخصيا.
وإذا لم أوافق؟
سأله عمار بتجهم.
ليرد راغب بقوة:
لا خيار آخر أمامك.
تلك الصور انا من سيدفع ثمنها لتختفي تماما والمقابل هو إنتقال وصاية جيلان بكل ما تملكه لي.
صمت عمار لوهلة يوازن الأمر داخل عقله.
قبل أن يهتف بعد لحظات:
إذا اسمعني جيدا يا راغب.
كي ننهي هذه المهزلة تماما ونحافظ على سمعة جيلان وصورة عائلتك المصون سأقدم لك عرضا ذهبيا.
عرضا يحفظ لك سمعة عائلتك من جهة ويمنحك ملكية شركة عمك التي أردتها مسبقا من جهة.
سأله راغب متعجبا مما يقول:
عرض ماذا؟
تأمله عمار للحظات.
قبل أن يقول بحسم:
تتزوج أنت أو أحد أبناء عائلتك من جيلان لمدة محددة وبشروط معينة.
وفي المقابل ستحصل على ملكية الشركة لك وبدون أن تدفع دينارا واحدا حتى بها.
كان يجلس على احدى الطاولات ينتظر قدومها.
وهي التي اتصلت به مساء البارحة ترجو لقائه لسبب هام رفضت ذكره في الهاتف.
ورغم ضيقه من هذا اللقاء الذي لم يرغب به فهو لا يريد أي تواصل معها في هذه الفترة على الأقل.
إلا إن نبرتها المتوسلة أجبرته على الموافقة.
وها هو ينتظرها في المقهى الذي اتفقا على اللقاء به.
دلف ليلى الى المقهى تحرك بصرها في ارجاء المكان تبحث عنه.
قبل أن تجده يجلس على احدى الطاولات الموضوعة في أحد أركان المكان.
أحاطته بنظرات مليئة بالحنين والشوق.
قبل أن تسيطر على مشاعرها المتدفقة نحوه وهي تسير اتجاهه بخطواتها الأنيقة.
رفع نديم عيناه نحوها عندما شعر بقدومها.
فتأملها لا إراديا بخصلاتها الشقراء التي تلتف حول وجهها وملامحها الذي شعر بالشوق لها رغما عنه.
فستانها الزهري الرقيق بتصميمه الأنيق المعتاد والذي يغطي جسدها النحيل بأناقة غير متكلفة.
حاول السيطرة على مشاعره التي ثارت رغما عنه وحنينه الذي سيطر عليه للحظات.
بينما سحبت هي كرسيا وجلست أمامه تبتسم برقتها المعهودة.
كيف حالك؟
سألته بنبرتها الأنثوية الرقيقة.
ليجيبها بصوته الجاد الثابت:
بخير.
وانتِ كيف حالك؟
ردت وهي تتنهد بصوت منخفض:
أحاول أن أكون بخير.
صمت ولم يرد.
بينما شملته هي بنظراتها الناعمة.
قبل أن تتنهد بصوت مسموع مجددا وتشبك أناملها على الطاولة ثم تتحدث بجدية:
نديم انا أحتاجك.
أنت أكثر من يستطيع الوقوف بجانبي وإنقاذي من عمار.
حدق بها مستغربا.
قبل أن يسأل:
ما به عمار؟
ماذا فعل مجددا؟
أجابته بملامح مضطربة:
لقد تراجعت عن دعوة الطلاق بسببه.
بسبب تهديداته.
لوى فمه يسألها ساخرا:
بم هددكِ مجددا؟
أجابته بضيق تتجاهل سخرياته:
يملك شيكات تحمل مبالغ طائلة ضد والدي ويهددني بحبسه إذا لم أتراجع عن دعوة الطلاق.
توقفت عن حديثها لتجده صامتا.
فأضافت بلهجتها الناعمة الحزينة:
انا لم أعد أستطع التحمل يا نديم.
لا أطيق البقاء على ذمته لحظة واحدة بعد الآن.
أريد الإنفصال عنه بأي ثمن.
سألها أخيرا متوقفا عن صمته:
وماذا تريدين مني أن أفعل؟
كيف يمكنني مساعدتك مثلا؟
هتفت بعينين مترجتين:
انا بحاجتك يا نديم.
أرجوك ساعدني.
كل ما حدث معنا وعانيناه بسببه.
بسبب عمار.
يجب أن نضع حدا له يا نديم.
يجب أن نتحرر من قيوده التي فرضها علينا.
نحن سويا بإمكاننا الإيقاع به.
إذا تخلصنا منه ستنتهي جميع مشاكلنا وحينها من الممكن أن نعود سويا.
سوف تساعدني يا نديم.
سوف نواجه عمار سويا.
قاطعها بتمهل يخبرها بما جعلها تتجمد مكانها لفترة طويلة:
انا خطبت حياة يا ليلى.
جمودها اللحظي انتهى أخيرا.
فأخذت ملامح وجهها ترتجف كليا وشعرت بجفاف شديد في حلقها.
همست ببحة تنذر ببكاء شديد:
نديم.
كان نداؤها له توسلا منها وكأنها تريده أن ينفي ما قاله.
أن ينكر.
رؤيته لها بهذا الوضع المزري ألمه بشدة.
لم يرغب يوما أن يتسبب بألمها رغم تسببها بألمه لمرات.
لم يرغب يوما أن يراها بهذا الوضع الموجع.
فمها حدث تظل هي ليلى.
ليلاه.
همس بصوت متهدج يعكس مشاعره المثارة في هذه اللحظة:
ليلى.
انا اسف حقا.
لكنها بدت وكأنها لم تسمع ما قاله.
إعتذاره لم يصل الى مسامعها حتى.
بدت وكأنها في عالم ثاني.
نهضت من مكانها تجذب حقيبتها بيدين مرتجفتين.
تسير بخطوات سريعة رغم تعثرها خارج المكان.
أراد أن ينهض من مكانه ويتبعها.
لكن شيئا ما منعه.
خوفه من إنكشاف مشاعره نحوها مجددا يخيفه.
ليس بعدما جاهد كي يخفي مشاعره تلك داخل قلبه بعيدا عن مرأى الجميع.
ليس بعدما استطاع تجاهل ما يحمله نحوها.
ضغط على أعصابه المتعبة وبقي مكانه يطالع خروجها من المقهى منهارة بثبات ظاهري.
بينما قلبه يخفق بعنف مؤلم.
اما هي فلا تعرف كيف ركبت سيارتها وكيف قادتها رغم إنهيارها المفزع.
لا تعرف كيف وصلت الى منزلها وركضت الى غرفتها منهارة.
قبل أن تسقط بين ذراعي والدتها التي لحقتها بفزع تشكو لها ألامها ومدى خذلانها ممن ضحت بكل شيء لأجله.
دلف الى قصر عائلته بملامحه الجامدة كالعادة.
صعد درجات السلم متجها الى جناحه.
ليجد زوجته هناك تلعب مع طفليها على أرضية المكان.
وقد بدت له كطفلة صغيرة تشاركهما اللعب بملامح طغت عليها الطفولية البحتة.
ألقى التحية ببروده المعتادة.
لتنهض هي من مكانها ترمقه بنظراتها الفارغة المعتادة.
بينما يركض طفليه نحوه بفرحة لقدوم والدهما.
انحنى نحويهما يقبلهما بالتساوي.
قبل أن يرى زوجته وهي تتقدم نحويهما وتطلب منهما الخروج وترك المجال لوالدهما كي يغير ملابسه ويستريح قليلا.
خرج الثلاثة من الجناح.
ليتابع آثرها بملامح ساخرة مفكرا إنها لا تتعب نفسها وتبقى معه للحظات حتى تساعده في تجهيز حمامه او تحضر له ملابسه كما يفترض أن تفعل أي زوجة مكانها.
تجاهل أفكاره تلك وقد إعتاد على جفائها معه.
سحب له ملابسا أخرى مريحة واتجه نحو الحمام الملحق بجناحه.
خرج بعد مدة وهو يجفف شعره بالمنشفة.
ثم أخذ ينهدم ملابسه ويسرح شعره قبل أن يضع عطره رجولي المفضل.
حمل هاتفه وأجرى إتصال بأحدهم بشأن العمل.
ثم هبط الى الأسفل متجها الى مكتبه.
وأثناء مروره الى هناك طلب من احدى الخادمات أن تطلب من والده أن يأتيه الى مكتبه ليتحدث معه.
دلف الى مكتبه وجلس على الكرسي الرئيسي عائدا بظهره الى الخلف.
مفكرا مجددا بحديث عمار معه وما توصل إليه بعد حديثه.
لقد فكر كثيرا في عرضه ولم يجد أمامه حلا أفضل من القبول.
وبعد أن قرر قبول عرضه كان عليه أن يفكر بمن يتزوج ابنة عمه.
وبعد تفكير طويل لم يجد أمامه سوى واحدا فقط يصلح لهذه الزيجة.
بل ليكن صريحا فالزيجة نفسها هي من تصلح له.
دلف والده إلى المكتب.
لينهض بسرعة من مكانه مستقبلا إياه مرحبا به بحرارة.
قبل أن يطلب منه الجلوس مكانه على رأس المكتب.
لكنه رفض وجلس على الكرسي الجانبي.
ليأخذ راغب مكانه على الكرسي المقابل له.
ماذا هناك يا راغب؟
أنت لا تطلبني هنا في المكتب إلا إذا كان هناك شيئا مهما.
سأله والده بإهتمام لمعرفة ما يريده منه ولده الأكبر وكبير العائلة من بعده.
ابتسم راغب وقال بصوته الجاد الصلب:
هناك أمر هام يجب أن تعرفه.
هو بالأحرى قرار إتخذته.
قرار سيكون لصالحنا جميعا.
سأله والده بدهشة:
أي قرار يا راغب؟
صمت راغب قليلا ثم هتف مجيبا:
كنت عند عمار الخولي منذ يومين.
تحدثت بشأن وضع جيلان.
هناك العديد من الأمور التي تجددت بيننا.
ظهر الإهتمام بوضوح على ملامح أبيه.
الذي عاد يسأله بتحفز:
وما هي هذه الأمور؟
رد راغب بتمهل:
لقد وافق عمار الخولي على بيع شركة عمي لي.
لكن بمقابل.
يعني هناك إتفاق حدث بيننا يناسبنا نحن الإثنان.
سأله الأب بنفاذ صبر من إسلوب ابنه المراوغ:
علام إتفقتما يا راغب؟
أجابه راغب بهدوء وتروي:
يجب أن يتزوج أحدٌ منا من جيلان مقابل الحصول على الشركة.
بهتت ملامح الأب غير مستوعبا ما يتفوه به ابنه.
قبل أن يسأل بتوجس:
عمار عرض عليك هذا يا راغب؟
زفر راغب نفسه ثم قال:
نعم يا ابي والمقابل حصولنا على ادارة الشركة.
وانا وجدت عرضه مناسبا لنا من جميع النواحي.
من جهة تعود الشركة لنا ومن جهة تصبح جيلان مسؤولة منا وتبقى أمام أنظارنا حتى تكبر وتستطيع حماية نفسها والحفاظ عليها.
نظر إليه والده بعدم إقتناع.
قبل أن يهتف بترقب:
هناك شيء خاطئ في هذا الأمر.
مالذي يجعل عمار الخولي يطلب شيئا كهذا بعدما أصر على تولي مسؤولية أخته كاملة بل رفض أن يتواصل أيا منا معها؟
ماذا يحدث يا راغب وأنا لا أعلمه؟
أخبرني يا بني.
ألا تثق بي يا أبي؟
ألا تثق بأي تصرف يصدر مني؟
صمت الأب ولم يجب.
بينما تنهد راغب بقوة وقال مصرا على سؤاله:
أخبرني يا أبي.
هل تشك بأن أتصرف بشكل خاطئ أو يسيء لأي منا؟
هز والده رأسه نفيا ورد بصدق:
ابدا لا شك لدي بهذا.
إذا ثق بي يا أبي وامنحني موافقتك على قراري.
فأنا لن أتخذ أي خطوة دون موافقتك.
تأمله والده قبل أن يهتف بنبرة ذات مغزى:
أدرك جيدا إن هناك شيء ما يحدث في الخفاء وأتمنى ألا يكون نفس الشيء الذي أفكر به.
ولكنني سأمنحك موافقتي يا راغب لإنني أثق إنك ستفعل ما هو لصالح الجميع وأولهم ابنة عمك اليتيمة.
ابتسم راغب براحة.
بينما عاد يسأله والده بفضول:
ولمن ستزوجها يا راغب؟
أجابه راغب بجدية:
لقد إخترت مهند يا أبي.
مهند أخي هو من سيتزوجها.
جحظت عينا الأب وهو يردد تصديق:
مهند يا راغب.
ألم تجد سواه؟
مهند لا يصلح لها يا راغب.
على العكس يا أبي هو أكثر من يصلح لهذه الزيجة.
قالها راغب بثقة.
ليهتف الأب بجدية:
مهند بكل جموحه وتمرده لا يصلح لها يا بني.
الفتاة صغيرة جدا وبريئة ولن تستطيع تحمل أخيك بكل تصرفاته وأنانيته المفرطة.
وماذا عن تلك الفتاة التي يحبها؟
هل نسيتها؟
كيف سيتزوج من جيلان وهو مغرم حد الجنون بها؟
ابتسم راغب بخبث وقال:
أساسا تلك الفتاة هي أحد الأسباب التي جعلتني أختار مهند لهذه الزيجة.
صدقني يا أبي كل ما أفعله هو لصالح الجميع وتلك الفتاة سأعرف جيدا كيف أتخلص منها تماما.
لكن بعدما يتزوج مهند من جيلان.
وكيف ستقنعه بقبول هذه الزيجة؟
أخوك لن يوافق يا راغب.
ابتسم راغب بنفس الثقة وقال وهو يتراجع الى الخلف بإسترخاء:
دع هذا الأمر لي.
انا أعرف جيدا كي أجعله يوافق على هذه الزيجة.
اطمئن انت.
ما يهمني هو ابنة عمك يا راغب.
الفتاة أصغر من أن تتحمل جنون أخيك وتطرفه.
ليتك إخترت أحدا غيره.
صمت راغب ولم يرد مفكرا في مهند والذي سيحتاج الى اقناعه بهذه الزيجة.
إضافة الى معرفة شروط عمار التي ينوي عليها قبل الزيجة.
عاد يتحدث مع والده مجددا محاولا طمأنته بشأن هذه الزيجة مقنعا إياه إنها ستكون الأفضل للجميع.
خرجت من منزلها أخيرا بعد إنعزال تام دام لأيام.
لقد إعتزلت الجميع محاولة التركيز مع نفسها ومراجعة أفكارها جيدا قبل أن تجد حلا لكل تلك الفوضى المحيطة بها.
يكفي إنها فسخت خطبتها من أكرم خوفا من ذلك المجنون وتصرفاته المتطرفة.
فضلت أن تحافظ على حياة أكرم حتى تجد حلا للآخر الذي تستغرب صمته الفترة السابقة.
كل شيء يحيط بها يبدو فوضويا وحالة أفراد عائلتها تثير قلقها.
رغم إنها من اختارت الإنعزال عنهم.
ليلى معتكفة داخل غرفتها كالعادة.
ووالدها مسافرا كما أخبرتها والدتها التي تبدو في مزاج متعكر بشكل دائم.
ركبت سيارتها واتجهت نحو المطعم الذي قررت لقاء صديقتها به.
اختارت أن تقابل صديقتها المقربة كمحاولة منها لتبديل مزاجها السيء قليلا.
أوقفت سيارتها بجانب المطعم وهمت بالنزول.
عندما توقفت وهي تراه يخرج من المطعم مع تلك الفاتنة.
يبدوان كزوجين حميميين.
تابعتهما بعينيها وهما يركبان سيارته ذات الطراز الحديث.
لتحسم أمرها وتقرر اللحاق بهما.
تبعتهما حتى توقفت السيارة أمام إحدى العمارات الفخمة الموجوده في أرقى أحياء البلاد.
ليهبط الإثنان منها ويدلفان الى داخل العمارة.
ركنت سيارتها جانبا وسارعت تدخل العمارة.
لتتوقف للحظات تسأل بواب العمارة عن رقم شقته فيخبرها عنه.
اتجهت الى هناك.
وبعد مدة كانت تقف أمام باب الشقة تتنازع أفكارها بين الضغط على جرس الباب والهروب من هنا حالا.
حسمت أمرها بعد لحظات طالت قليلا لتضغط على جرس الباب.
عندما لم يفتح احد الباب لها.
عادت تضغط على الجرس مجددا بإصرار اكبر.
ظلت ترن جرس الباب حتى فتحت الباب فجأة.
لتشهق بفزع وهي تتراجع الى الخلف.
قبل أن تتطلع إليه وهو أمامها بوجه متجهم وقميصه مفتوح الأزرار بالكامل.
يثبت ما كان يفعله في الداخل وقطعته هي بمجيئها.
تلاقت النظرات.
عيناها الزرقاوان بدتا مليئتين بالكره والنفور.
أما عيناه فكانتا جامدتين كعادتهما لا توحيان بأي شيء مما يدور داخله.
تحدث أخيرا بصوت هادئ بطيء قليلا:
ماذا تفعلين هنا وفي هذا الوقت يا مريم؟
أردف متسائلا بنظرات غامضة ونبرة جامدة:
هل تراقبينني يا مريم؟
نقلت نظرها بينه وبين بوسي التي أتت خلفه بملامح تسيطر عليها الدهشة وقليل من الفزع.
ثم عادت تحاوطه بنظراتها المحتدة تهتف بصوت هازئ وإبتسامة متهكمة تعلو ثغرها:
أبدا.
لست مهما بالنسبة لي كي أفعل شيئا كهذا بالطبع.
لكن حظك العاثر أوقعك معي وجعلني أراك بالصدفة البحتة معها وأنتما تخرجان من ذلك المطعم.
لم يرف له جفن وهو يتسائل من جديد:
وما المطلوب الآن؟
تقدمت الى الداخل تمنح بوسي نظرات مترفعة.
حيث وقفت بينها وبين عمار الذي يشملها بنظراته المستفزة.
عادت تنظر إليه فزاد غيظها منه ومن إستفزازه ولا مبالاته.
أنت تخون ليلى يا هذا وتسألينني عن المطلوب؟
صاحت به بعدم تصديق.
لتسمعه يستفهم ببرود:
وما علاقتكِ أنتِ بالأمر؟
لماذا تتدخلين فيما لا يعنيكِ لا أفهم؟
إنها أختي يا هذا.
وأنت للأسف الشديد زوج أختي.
خرجت منها منفعلة.
لتجده يردد بنفس البرود مصححا بسخرية صريحة:
زوج أختكِ ولستُ زوجك يا مريم.
سألته بغضب مكتوم:
المعنى؟
إخرجي حالا من شقتي يا مريم ومرة أخرى لا تحشري أنفك فيما لا يعنيكِ.
رفعت حاجبها تردد بإستخفاف:
يبدو إنك لم تستوعب بعد ما يحدث.
أنا كشفت خيانتك لأختي يا عمار.
جيد.
هل نمنحك جاهزة ذهبية لإكتشافك أمرًا مهما كهذا عزيزتي مريم؟
إشتعلت نظراتها بشدة.
بينما تشكلت إبتسامة متسلية على شفتيه وهو يميل نحوها هامسا لها:
غريب.
رغم إنني أعرفك منذ سنوات إلا إنها المرة الأولى التي ألاحظ فيها مدى جمال عينيكِ وخاصة حينما تغضبين.
همت بضربه على وجهه.
لكنه كان أسرع منها وهو يقبض على كفه ويسحبها خلفه خارج الشقة.
دفعها قليلا ثم مال نحوها يخبرها بملامح متحفزة راغبة:
أنا لم ألمس إمرأة منذ عدة أيام وهذا أمر جديد علي تماما.
رغبتي كانت في أوج لحظاتها إثارة عندما أتيت أنتِ وقاطعتني.
إذا لم تذهبي من هنا حالا فسأفرغ كل رغبتي بكِ بدلا من تلك التي تنتظرني في الداخل وسأكون أكثر من سعيدا بهذا.
ارتجفت ملامحها من مجرد التخيل.
فسارعت تبتعد عنه وهي تزمجر برفض.
فيصرخ بها بقوة جعلتها تقفز بمسافة كافية بعيدا عنه:
اذهبي من هنا حالا.
منحته نظرة حادة متوعدة أخيرا.
وهي تهتف داخلها بنفس التوعد:
نهايتك ستكون على يدي يا عمار.
أعدك بهذا.
ثم سارعت تهبط درجات السلم.
تاركة إياه يتابعها بملامح متهكمة ورغبة شديدة بالضحك تسيطر عليه بسبب منظرها وهي تبتعد عنه كفأر مذعور منذ لحظات.
دلف الى الصيدلية ليجدها تعمل كالعادة.
عندما رفعت وجهها لتتفاجئ به أمامها.
أضائت الإبتسامة وجهها الجميل وهي تسأله بفرحة:
ماذا تفعل هنا؟
تقدم نحوها يبادلها إبتسامتها وهو يقول:
جئت لشراء دواء للصداع من هنا.
سألته بقلق ظهر بوضوح على محياها:
هل انت مريض؟
رد بسرعة:
كلا لست مريض.
في الحقيقة جئت لرؤيتك وإخبارك إنني سأنتظرك في نفس المطعم القريب من هنا كي نتناول الطعام سويا بعد انتهائك من عملك.
وفي نفس الوقت وجدتها فرصه لشراء دواء الصداع الذي أحتاجه بعض الأحيان ونفذ من عندي.
سارعت تجلب الدواء له حيث وضعته أمامه وقالت:
لا تستعمل الدواء بإستمرار فهذا يضرك.
ابتسم وهو يأخذ الدواء منها ويدفع ثمنه قائلا:
أعلم ذلك ولكن أحيانا يكون الصداع شديد فلا أطيق تحمله.
سألته بقلق عاد يكسو ملامحها مجددا:
هل يتكرر دائما؟
ابتسم مرددا بخفة:
لا تقلقي يا حياة.
إنه أمر طبيعي ويحدث كثيرا.
أضاف وهو يحمل كيس الدواء:
سأنتظرك في المطعم.
أومأت برأسها وعادت تبتسم له.
ليودعها ويخرج من المكان.
انتهت من عملها وخرجت من المكان تتجه الى المطعم حيث ينتظرها هو.
دلفت الى هناك واتجهت الى نفس الطاولة التي جلسا عليها المرة السابقة.
جلست أمامه و تحدثا قليلا.
قبل أن يأتي النادل ويأخذ طلباتهما.
أخبرها بعدما ابتعد النادل عنهما:
عيدميلاد غالية الأسبوع القادم.
سيكون يوم الثلاثاء.
هي ستتصل بك بالطبع وتدعوك بنفسها.
كل عام وهي بخير.
لكنني لن أستطيع المجيء.
قاطعها بجدية:
بل ستأتين يا حياة.
هذه فرصة لكي تتعرفي على والدتي عن قرب.
أساسا الحفلة صغيرة والضيوف محدودين.
توترت ملامحها وهي تهتف:
ألا ترى إنك تستعجل قليلا؟
تجاهل توترها وهو يقول بجدية:
على العكس تماما.
انا أساسا فكرت في أن نعلن خطبتنا في نفس اليوم.
هتفت بدهشة:
بهذه السرعة؟
أضافت تسأله بقلق:
ووالدتك؟
ماذا عنها؟
أجابها بجدية محاولا إزاحة قلقها جانبا:
والدتي لديها علم مسبقا بما يجمعنا وهي لم تمانع إطلاقا.
صمتت ولم تعرف ماذا تقول.
فوجده يكمل بجدية:
في حفلة العيدميلاد ستجدين الفرصة للتعرف على أقاربنا.
انا واثق من كونهم سيحبونك وأنتِ الأخرى ستفعلين.
ابتسمت بإرتباك دون رد.
لتسمعه يسألها بإصرار:
ستأتين ، أليس كذلك؟
أومأت برأسها ثم أجابت بعدما تنهدت بصمت:
سآتي يا نديم.
ابتسم براحة.
بينما فكرت هي لا إراديا اذا ما كانت ليلى ستكون من ضمن الضيوف أم لا.
حاولت أن تبعد أفكارها هذه جانبا وتتجاهل أمر الحفلة حتى يحين وقتها.
هم نديم بالحديث عندما رن هاتفها.
فحملته لتجدها حنين من تتصل بها.
أجابتها حياة وهي تبتسم لا إراديا ما إن رأت إسمها.
لتختفي إبتسامتها وهي تسمع حنين تنتحب على الهاتف مرددة إسم والدتها من بين بكائها.
فتتجمد الحروف على شفتيها بعدم إستيعاب لما يحدث.
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة علي
خرجت حياة من الغرفة التي تمكث فيها والدتها بملامح يظهر عليها التعب الشديد.
لقد قضت الليلة السابقة في المشفى مع حنين بجانب والدتها التي تم نقلها إلى المشفى بعد إصابتها بجلطة مفاجئة.
يوم كامل حتى استقرت حالتها وتم إخراجها من غرفة العناية المركزة ليتنفس الجميع الصعداء قليلاً.
بقيت حياة بجانب حنين ووالدتها التي كانت تبحث عنها بوضوح رغم ضعفها الشديد وعدم مقدرتها على الحديث حتى، حيث كانت تتحرك بأنظارها بحثاً عنها.
وما إن تراها حتى تظهر الراحة بوضوح على ملامحها وكأنها تخشى رحيلها.
ورغم بقائها في المشفى عن طيب خاطر، إلا أن هناك داخلها شعوراً من الذنب يسيطر عليها، فهي تشعر إن ما أصاب والدتها كان بسببها في المرتبة الأولى بعد أن رفضت قربها بشكل صريح وقاسٍ.
جلست حياة على أحد الكراسي الموضوعة في الممر الطويل في المشفى، عاقدة ذراعيها أمام صدرها تفكر في وضع والدتها وفي الخطوة التي يجب أن تتخذها في الأيام القادمة.
شعرت بظل يتكون أمامها فرفعت وجهها قليلاً لترى زوج والدتها يبتسم لها بهدوء.
ذلك الرجل الذي قابلته لأول مرة البارحة وقد تأملها بلطف محاولاً طمأنتها.
رجلاً يمتلك وجهاً لطيفاً وأسلوباً دافئاً محبباً.
سألها متأملاً ملامحها المرهقة:
"حنين بقيت في الداخل، أليس كذلك؟"
أومأت برأسها دون أن تجيب ليضيف:
"تبدين مرهقة كثيراً. ما رأيك أن تشاركيني شراب كوب من القهوة في الأسفل عند كافتيريا المشفى؟"
لم تستطع أن ترفض خاصة وإنها بالفعل تحتاج إلى تناول القهوة الآن أكثر من أي وقت.
نهضت من مكانها تسير بجانبه بصمت حتى وصلا إلى الكافتيريا في الطابق الأرضي ليطلب منها الجلوس على أن يذهب هو ويجلب القهوة لكليهما.
جلست بتعب على الكرسي وهي تتنهد بصوت مسموع والأرهاق يسيطر عليها كلياً.
جاء زوج والدتها بعد مدة وهو يحمل صينية يوجد بها كوبان من القهوة ومعهما شطيرة شهية.
وضع أحد الكوبين أمامها وكذلك الشطيرة وهو يهتف بها:
"تناوليها فأنتِ لم تأكلي شيئاً بعد فطور الصباح."
ردت بجدية:
"وحنين كذلك رفضت أن تأكل أي شيء."
رد بهدوء:
"سنأخذ لها طعاماً هي الأخرى."
هزت حياة رأسها بتفهم ثم بدأت تشرب من قهوتها وتتناول لقيمات صغيرة من شطيرتها.
انتهت أخيراً لتشكره قائلة:
"أشكرك على الوجبة اللذيذة."
منحها ابتسامة دافئة وهو يرد:
"لا داعي للشكر، أنتِ بمثابة ابنتي يا حياة."
توترت ملامحها لا إرادياً مما قاله، فأضاف وهو ما زال متحفظاً بابتسامته الودودة:
"هل تسمحين لي بالتحدث معك قليلاً يا حياة؟"
أومأت برأسها تجيبه:
"بالطبع تفضل."
تنهد ببطء ثم قال:
"سأتحدث بصراحة. ألا تنوين مسامحة والدتك بعدما أصابها؟ أنتِ رأيتِ بأم عينك وضعها وما كان سيحل بها لولا رحمة الله. كنا سنخسرها لا سامح الله."
قاطعته بتردد:
"أنت تعتبرني جزءاً من مسؤولية ما حدث، صحيح؟"
قاطعها بصدق:
"أبداً والله. ما حدث هو قضاء وقدر. صحيح والدتك كانت حزينة للغاية طوال الفترة السابقة بسبب رفضك لها، لكن ما حدث هو قدر مكتوب لا بد منه. أنا لا أحملك مسؤولية ما حدث ولا ألومك على رفضك، لكن دعيني أخبرك بما يجب علي إخبارك به."
صمتت تنتبه لحديثه حيث استرسل بجدية:
"والدتك تحبك كثيراً يا حياة. تحبك لدرجة لا تتصورينها. ربما هي أخطأت، أخطأت خطأً جسيماً، ولكن من منا معصوم من الخطأ يا ابنتي. والدتك عانت كثيراً في بعدك عنها. سنين طويلة كانت تعاني بدونك. أنا وحدي من كان يشهد على معاناتها. لم تكتمل لها يوماً فرحة بسبب عدم وجودك جانبها. لم تشعر يوماً بطعم السعادة الحقيقية في غيابك. حسناً، سأخبرك شيئاً لا يعلمه سواي."
أنصتت له حياة باهتمام ليأخذ نفسه ثم يقول:
"بعد سنوات قليلة من زواجنا وبعدما يأست من قبولك العيش معها، طلبت الطلاق. أرادت أن تتركني وتترك ابنتها ظناً منها إنك ستقبلين العيش معها حينها. هل تصدقين ذلك؟ كانت مصرة على قرارها حتى عندما هددتها بأخذ حنين منها. فضلتك علينا يا حياة ولولا إن حنين مرضت وقتها ما كانت لتتراجع."
سألته حياة بدهشة:
"بم مرضت حنين؟"
أجاب بملامح ظهر عليها الحزن:
"أنت لا تعلمين ذلك بالطبع. حنين تعاني من داء السكري المزمن."
"معقول!"
هتفت بها حياة بعدم تصديق ليومئ برأسه وهو يقول مؤكداً:
"نعم تعاني منه منذ الطفولة."
هتفت حياة بدهشة وألم:
"كيف لم أنتبه؟"
ابتسم بألم مردداً:
"حنين حريصة ألا تجعل أي أحد يشعر بمرضها."
أدمعت عينا حياة لا إرادياً، فهمس محاولاً طمأنتها:
"لا تقلقي، حالتها مستقرة فهي ملتزمة بمواعيد الدواء وفي النظام الغذائي المعد لها."
هزت حياة رأسها وحاولت السيطرة على ألمها لتسمعه يتنهد بقوة ثم يقول:
"ما أردت إيصاله لك إن والدك أخطأت في بادئ الأمر، لكنها كانت مستعدة لفعل أي شيء في سبيل تصحيح خطأها. هي أرادت التضحية بي وبابنتها الأخرى لأجلك. ألا يكفي هذا لتسامحيها يا حياة؟ ألا يكفي وضعها البارحة وهي تصارع الحياة لتغفري لها خطأها في حقك؟ الأم لا تعوض يا حياة. تذكري هذا وتذكري أيضاً إن وصال والدتك هو واجب عليك وفرض من الله إن لم تلتزمي به سيكون عقابه وخيماً. فعقوق الوالدين من الكبائر يا حياة. لا تنسي ذلك يا ابنتي."
خفق قلب حياة بقوة ولأول مرة تنتبه على هذه النقطة التي غابت عنها دائماً، عقوق الوالدين! هل ستصبح هي عاقة مع والدتها وتتحمل إثماً كهذا فقط لإنها ترفض الصفح عنها؟
لقد أمر الله الأبناء برعاية والديهم ووصالهم واحترامهم وحبهم رغم كل شيء ومهما بدر منهم، وها هي تقاطع والدتها وترفض وصالها لأعوام، فكيف ستكون عقوبتها عند الله؟
أجفلت لا إرادياً من مجرد التخيل فتغضنت ملامحها بقوة، بينما سمعت زوج والدتها يقول وهو يبتسم مجدداً:
"ما رأيك أن نأخذ الشطائر والعصائر ونصعد إلى حنين؟"
بادلته ابتسامته تنفض تلك الأفكار عنها وتقول:
"هيا بنا."
نهض الاثنان من مكانهما واتجها إلى مكان بيع الأطعمة والمشروبات حيث سيشتريان بعض الشطائر والمشروبات ويأخذانها معهما للأعلى.
***
وقفت حياة تنظر إلى حنين التي تعدل وضعية والدتها التي ملت من تمددها على السرير وأرادت أن تجلس قليلاً على سريرها بدلاً من بقائها على وضعيتها تلك.
اعتدلت أحلام أخيراً في جلستها فمنحت حنين ابتسامة ضعيفة وشكرتها بخفوت ثم عادت تنظر إلى حياة التي تتأملها بملامح ساكنة وصمت لا ينتهي.
كانت قد أخذت وقتاً طويلاً تفكر به، تفكر فيما ستفعله مع والدتها بعدما تستعيد صحتها.
كيف ستتصرف معها وهل ستعود لوضعها السابق وتجافيها مجدداً؟
لقد ترك حديث زوج والدتها داخلها أثراً عميقاً، ومع خوفها من عقوق والدتها الذي أدركت عقوبته جيداً تشتتت أفكارها كلياً ولم تعرف ماذا تفعل.
وجدت نفسها ترغب بالصفح عن والدتها، وللحظة شعرت إن غفرانها لما فعلته في الماضي سيكون لأجلها هي أولاً قبل الجميع، فهي عانت لسنوات طويلة مما فعلته والدتها وعانت من الكره الذي تحمله داخلها نحوها.
أصعب شعور هو أن تكره من يفترض أن تحبه أكثر من الجميع.
فكيف لها أن تكره والدتها التي كانت يجب أن تكون أحب شخص على قلبها؟
هي الآن تريد أن تسامحها ليس لأجلها هي فقط، بل لأجل نفسها.
تريد التحرر من قيد الكراهية الذي قيدت نفسها به.
تريد أن تمنح قلبها الراحة، فهي من تربت على يد والدها الذي علمها معنى الطيبة والمراعاة.
معنى المحبة والغفران.
هي التي تتعامل مع الجميع بطيبة وتمنح كل من تعرفه المحبة الخالصة.
هي التي لا تعرف معنى القسوة ولا تستطيع كره أي شخص مهما كان، فكيف تمنح كل هذه القسوة والكراهية لوالدتها؟
كيف تنسى إن محبة والدتها ورعايتها هي واجب وفرض عليها من الله عز وجل؟
كيف تنسى عقوبة عقوق الوالدين؟
كيف نسيت كل هذا وكيف عاقبت والدتها لسنين دون أن تراعيها وتراعي نفسها هي أيضاً؟
فكرت كثيراً وكثيراً حتى أخذت قرارها الذي شعرت بعده براحة لا مثيل لها.
سمعت حنين تخبر والدتها إنها ستخرج لتتحدث مع الطبيب عن موعد خروجها، ففهمت إن أختها الصغرى تريد أن تترك لها المجال لتتحدث مع والدتها وشكرتها في داخلها على هذا التصرف.
منحت والدتها ابتسامة مرتبكة وهي تتجه نحوها وتجلس على الكرسي المجاور لها تسألها:
"كيف أصبحت الآن؟"
منحتها والدتها ابتسامة خفيفة وأجابت:
"أفضل قليلاً وسوف أصبح أفضل بكثير لو بقيت جانبي."
هتفت حياة بجدية:
"الطبيب قال إنها جلطة خفيفة وعليكِ أن تنتبهي أكثر المرات القادمة كي لا تتكرر بشكل أصعب من هذه المرة."
بدت إن والدتها غير مهتمة بما تقوله، فاهتمامها ينصب عليها فقط وعلى وجودها جانبها وكأنها غير مصدقة إن ابنتها تجلس أمامها وتتحدث معها.
تحدثت أحلام بنبرتها الضعيفة التي تدل على مدى تعبها:
"حنين أخبرتني إنك بقيت طوال الليلة السابقة هنا."
أومأت حنين برأسها تجيبها:
"نعم فعلت."
ثم مازحتها:
"ألم تكوني ترغبين ببقائي؟"
لكن والدتها لم تهتم لمزحتها وهي تسألها بلهفة ممزوجة برجاء شديد:
"هل سامحتني يا حياة؟ هل سامحتني يا ابنتي؟"
هزت حياة رأسها دون رد لتأخذ والدتها نفساً عميقاً يدل على مدى ما كانت تحمله داخلها من ألم وعذاب جراء ابتعاد ابنتها عنها.
نظرت إلى حياة تهمس بتوسل مؤلم:
"اقتربي قليلاً مني، أريد احتضانك."
ردت حياة بصوت محتقن:
"أخاف أن أؤلمك وأنتِ ما زلت متعبة."
قاطعتها والدتها بسرعة وتوسل:
"ما يؤلمني حقاً هو ابتعادك عني. تعالي لأحضاني يا حياة فقد كنت أريد هذا لسنوات طويلة."
تقدمت حياة نحوها بتردد تميل بجسدها قليلاً لتجذبها والدتها نحوها تحتضنها بكل ما تملك من قوة تستنشق رائحتها التي اشتاقت لها بشدة.
أغمضت حياة عينيها تمنع دموعاً حارقة ترقرق داخلهما بينما شعرت بارتجاف جسد والدتها الذي كان ساكناً منذ لحظات، فأدركت إن والدتها تبكي.
لم تتحمل حياة الموقف ولا حقيقة وجودها بين أحضان والدتها التي حرمت منها لسنوات منذ أن كانت طفلة صغيرة لا تفقه شيئاً، فهطلت دموعها على وجنتيها وأخذت تبكي رغماً عنها.
شددت والدتها من احتضانها تهتف رغم مرضها وتعبها:
"لقد انتظرت هذه اللحظة لسنوات طويلة حتى ظننت إنها لن تأتي أبداً."
ثم أخذت نفساً عميقاً وهمست بسعادة ظهرت في نبرتها الخافتة:
"الحمد لله الذي أعادك لأحضاني بعد كل هذه السنوات يا حبيبتي. الحمد لله. أشكرك يا الله."
حاولت حياة أن تبتعد عنها قليلاً كي لا تؤثر عليها، فهي ما زالت في عز مرضها، لكن والدتها أبت أن تتركها.
همست حياة لها وهي تبتعد بجسدها قليلاً عن أحضانها:
"أنتِ ما زلتِ مريضة، لا يجب أن تتعبي مهما حدث."
تأملت والدتها وجهها الباكي وهمست وهي تحتضنه بين كفيها:
"أنا بأفضل حال بعدما حدث. لا أحتاج لأي شيء آخر بعد الآن."
ابتسمت حياة بخفة بينما عادت والدتها تحتضنها بعدم تصديق وهي تأخذ نفسها عدة مرات وتردد بينها وبين نفسها:
"الحمد لله. الحمد لله."
***
خرجت حياة من عند والدتها بعد حديث قصير جمعهما حيث تركتها ترتاح قليلاً وربما تنام، لتجد حنين تجلس على أحد الكراسي بملامح مجهدة.
اقترب منها وقد تذكرت وضعها الصحي فسألتها بقلق:
"حنين، هل أنتِ بخير؟"
رفعت حنين وجهها نحوها تبتسم لها بخفة وهي تجيبها:
"أنا بخير، لا تقلقي."
أضافت تسألها وهي تنهض من مكانها:
"هل تصالحتما أخيراً؟ طمئنيني وقولي نعم بالله عليك."
ابتسمت حياة وأومأت برأسها لتقفز حنين من مكانها وهي تبتسم بسعادة وتحتضن حياة بقوة حتى كادت حياة أن تقع أرضاً من دهشة ما حدث.
ابتعدت عنها حنين تصيح بعدم تصديق:
"أنا سعيدة للغاية، سعيدة لدرجة لا تتخيلنها."
ابتسمت حياة ولم ترد، بينما قبضت حنين على يدها وجذبتها تجلس بجانبها وأخذت تثرثر معها.
بعد مدة قليلة رأت حياة زوج والدتها يتقدم منهما ومعه شاب طويل ووسيم يشبهه قليلاً.
نهضت حنين من مكانها تهمس لا إرادياً:
"نضال."
تقدم الرجلان نحوهما عندما مال نضال نحو حنين يحتضنها بخفة بعدما حياها لتبادله حنين احتضانه بتردد.
تحدث نضال قائلاً بلباقة:
"أنا حزين لما حدث لوالدتك، الحمد لله على سلامتها."
أجابته حنين بابتسامة حزينة:
"شكراً يا نضال."
أشار والده إلى حياة معرفاً عنها:
"هذه حياة، ابنة أحلام."
ثم أشار إلى حياة معرفاً عن ابنه:
"وهذا نضال يا حياة، ابني الكبير."
ابتسمت حياة بخفة تحييه:
"أهلاً بك."
مد نضال يده نحوها يتأملها بتمعن وهو يرد تحيتها:
"أهلاً حياة، تشرفت بمعرفتك."
وضعت حياة كفها في كفه ثم سحبته وهي تبتسم برقة جعلته يتأمل ابتسامتها الدافئة بملامح متحفزة قليلاً قبل أن يمنحها ابتسامة رسمية.
سمع والده يخبره إذا ما يريد رؤية زوجته فأومأ برأسه يسير معه إلى الداخل تتبعه حنين، بينما رفضت حياة الدخول متعللة إنها ستجلس قليلاً هنا للراحة.
جلست حياة على الكرسي مجدداً تعبث في هاتفها عندما وجدت نضال يخرج بعد لحظات، وللغرابة وجدته يقترب منها ويجلس بجانبها يسألها:
"إنها المرة الأولى التي أراك فيها مع إنني كنت أسمع عنكِ أحياناً من والدتك وهي تتحدث عنك. هل تصالحتما أخيراً؟"
فوجئت حياة من معرفته بمشكلتها مع والدتها بل وجرأته في حديثه، فوجدته يبتسم بخفة وهو يقول وقد أدرك ما تفكر به:
"لا تستغربي حديثي، لقد كنت مقيماً مع والدي في منزله لسنوات، لذا أعرف الكثير عن والدتك كوني كنت مقيماً دائماً معها هي الأخرى."
أضاف وهو يتأملها بتمهل:
"أنتِ لا تشبهين والدتك أبداً، تختلفين عنها كلياً. أظن إن اختلافك عنها لا يقتصر على الشكل فقط بل الشخصية أيضاً."
همت حياة بالرد لكن قاطعها صوت تعرفه جيداً ينادي عليها وهو يتقدم نحوها، لتنهض من مكانها بسرعة تستقبله بابتسامة أضاءت وجهها:
"نديم."
"كيف حالك؟"
سألها بعدما ألقى نظرة عابرة على نضال الذي كان يجلس بجانبها، ثم عاد يمنح كامل انتباهه لها ليجدها تبتسم بسعادة لوجوده وهي تجيبه:
"أنا بخير."
"وماذا عن والدتك؟ كيف أصبحت الآن؟"
أجابته بجدية:
"هي أفضل بكثير، لقد حدثت الكثير من الأشياء التي أود إخبارك عنها."
قال بسرعة وهو الآخر يتوق للتحدث معها:
"دعينا نخرج قليلاً من هنا نذهب إلى أحد المطاعم، نتناول الطعام ونتحدث قليلاً."
في هذه الأثناء خرجت حنين من عند والدتها، فاقتربت نحو نديم ترحب به بسعادة.
رد نديم تحيتها بابتسامته المعهودة قبل أن تشير حنين بعفوية إلى نضال تسأل نديم:
"هل تعرفت على أخي يا نديم؟"
أشارت حنين إلى نضال تهتف:
"نضال أخي الكبير."
ثم أشارت إلى نديم:
"وهذا نديم، صديق حياة."
لكن نديم قاطعها بنبرة مقصودة:
"خطيب حياة يا حنين، لقد خطبتها ووافقت ولم يتبقَ سوى إعلان الخطبة."
هتفت حنين معتذرة:
"آسفة، ظننت إنكما لا ترغبان بإعلان ذلك قبل ارتداء الخواتم."
ابتسمت حياة بحرج، بينما رد نديم محتفظاً بابتسامته متجاهلاً نضال الذي ظل جالساً مكانه يرمقه بنظرات باردة:
"لا عليكِ."
هم أن يشير لحياة بأن يذهبا، لكن قاطعهم وصول زوجة عم حنين ومعها ابنتها نانسي التي فوجئت بوجود نديم هناك، فسارعت ترحب به بعدم تصديق وسعادة انتبه لها الجميع.
ارتبك نديم كلياً عندما رآها خاصة بوجود حياة، فرد تحيتها بجفاء مقصود قبل أن يقبض على يد حياة ويهتف بهم جميعاً:
"حسناً، نحن سنخرج الآن ونعود فيما بعد."
ثم سارع يسير مع حياة مبتعداً عنهم تتابعه نانسي بأنظار غير مصدقة قبل أن تسأل حنين بغضب مكتوم:
"من تلك الفتاة يا حنين؟ هل تعرفينها؟"
ردت حنين بجدية:
"إنها حياة، أختي الكبرى."
قاطعتها نانسي تسألها بدهشة:
"وماذا تفعل أختك مع نديم؟"
ردت حنين ببساطة:
"إنها خطيبته، لقد خطبها وهي وافقت."
تجمدت ملامح نانسي لثوانٍ، بينما أخذت والدتها تصيح عليها تطلب منها التحرك إلى الداخل بعدما انتهت من الحديث مع نضال وتبادل التحية.
التفتت نانسي نحو والدتها بملامح متجهمة لتهمس والدتها لها:
"لم تحيي نضال يا نانسي."
هتفت نانسي من بين أسنانها:
"أهلاً نضال."
رد نضال بنفور شديد منها:
"أهلاً نانسي."
ثم أخبر أخته إنه ذاهب، بينما سارت نانسي مع والدتها إلى داخل الغرفة لرؤية زوجة عمها، بينما عقلها مشغول تماماً بما سمعته من حنين.
***
في قصر الهاشمي.
كان راغب يجلس في مكتبه منتظراً قدوم أخيه بفارغ الصبر ليتحدث معه بموضوع زواجه من جيلان.
سمع طرقات على باب غرفته يتبعها دخول مهند بملامحه المتجهمة، حيث اتجه نحوه وجلس على الكرسي أمامه بإهمال متسائلاً بضيق صريح:
"خير يا باشا، ما سبب طلبك رؤيتي بعد كل ما حدث؟"
هتف راغب بجدية:
"هناك آداب للتحية يا مهند، أم معاشرتك لابنة تاجر المخدرات أنستك تلك الآداب؟"
رد مهند معترضاً:
"لا تجلب سيرتها الآن، كما إنك لم تترك مجالاً لأي شيء بيننا بأفعالك السوداء."
سأله راغب وهو يعود بجسده إلى الخلف مسترخياً في جلسته:
"وماذا فعلت أنا؟"
هتف مهند بملامح حاقدة:
"قطعت جميع الطرق في وجهي، جمدت كافة أرصدتي في البنوك ولولا إن تلك الشقة باسمي لكنت طردتني منها دون شك."
صاح راغب بصوت قوي ثابت:
"أنت من أجبرتني على هذا بتصرفاتك الهوجاء يا مهند."
صاح مهند بدوره:
"ماذا فعلت أنا؟ كل هذا لإنني أحببت تقى وأردت الزواج منها؟"
ضرب راغب بقبضتي يديه على المكتب مردداً بعصبية:
"ابنة تاجر المخدرات يا مهند، تريد الزواج من ابنة تاجر المخدرات. هل هذا ما تريده؟ تريد أن تدمر سمعتنا بسبب مشاعرك التافهة الغبية."
قاطعه بحدة وتحذير:
"مشاعري ليست غبية يا راغب، أنا أحبها ولا يوجد مخلوق على هذه الأرض يستطيع منعي عنها."
ضغط راغب على أعصابه كي لا ينفعل في وجهه الآن، فهو يخطط بشكل مختلف والغضب لن يفيده إطلاقاً في مخططه.
سمع أخيه يتنهد بصعوبة ثم يسأله:
"على العموم، هذا ليس موضوعنا. أنت لم تجلبني إلى هنا للتحدث بهذا الموضوع بالتأكيد. لماذا طلبت رؤيتي يا راغب؟"
ابتسم راغب بخفة وقال:
"هذا بالضبط ما أريده، نتحدث عما أريده منك وطلبتك لأجله."
نظر مهند إليه بترقب، بينما هتف راغب بجدية:
"أريدك في موضوع هام، شيء ستقوم به وفي المقابل سأحقق لك ما أردته طويلاً."
سأله مهند بتوجس:
"ماذا تقصد بما أردته طويلاً؟"
رد راغب بفتور:
"تهاجر خارج البلاد مع حبيبة قلبك. أليس هذا ما تريده وتخطط له منذ مدة؟"
أومأ مهند برأسه رغم عدم تصديقه لوجود شيء يجعل راغب يساعده في تحقيق ما يريد.
نهض راغب من مكانه وسار نحوه حتى وقف أمامه وقال بصوت جاد:
"اسمعني يا مهند. أنا بعد كل ما حدث تأكدت من كونك لن تتخلى عن تلك الفتاة مهما حدث ونحن بالمقابل لن نتقبل وجودها بيننا. لذا أفضل حل أمامنا هو أن تهاجر إلى الخارج وتعيش معها هناك بعيداً عن الجميع لوحدكما، وهذا سيخفف من وطأة الوضع علينا فلا أحد سيعلم بزواجكما سوى أفراد العائلة المقربين كونكما ستعيشان بعيداً، وحتى لو قررتما العودة بعد سنوات ربما سينسى الناس حينها موضوع والدها وسمعة عائلتها القذرة."
تجاهل مهند حديثه الأخير وسأله بجدية:
"وما المطلوب مقابل هذا؟ ماذا تريد مني أن أفعل كي تهيء لي الفرصة الكاملة للسفر والاستقرار خارج البلاد؟"
ابتسم راغب ملء فمه ثم قال:
"تتزوج."
انتفض مهند من مكانه يصيح بعدم تصديق:
"ماذا تقول أنت؟ أتزوج؟"
أومأ راغب برأسه ثم قال مؤكداً حديثه:
"تتزوج جيلان ابنة عمك لمدة عامين كاملين. عامين فقط وتطلقها بعدها ثم تأخذ حبيبتك المصونة وتسافر بعيداً، وأنا سأمنحك حينها كل الدعم المادي لتحقق ذاتك في الخارج وتعيش حياة محترمة."
"هل جننت يا راغب؟ أنا أريد الزواج من تقى وأنت تريد تزويجي من جيلان؟ ثانياً جيلان ما زالت قاصرة. كيف ستزوجني منها؟"
رد راغب ببساطة:
"ستتزوجها بعقد شيخ حتى تبلغ عامها الثامن عشر لنوثق العقد في المحكمة."
سأله مهند بعدم استيعاب:
"ولم كل هذا؟ ما الغاية من زواجي من جيلان؟"
أضاف بنفس الاستغراب:
"ثانياً جيلان تلك أليست تحت وصاية أخيها؟ كيف سيقبل أن يزوجني إياها؟ مالذي يحدث بالضبط أنا لا أفهم؟"
تنهد راغب ثم قال محاولاً تبسيط الموضوع له:
"الموضوع أشبه باتفاقية حدثت بيننا يا مهند. نحن نريد أن نستعيد ملكية شركة عمك التي أورثها لجيلان وسنحصل عليها مقابل زواجك منها. الأمر أشبه بصفقة. أنت تتزوج جيلان لمدة عامين وفي المقابل نحن نحصل على ملكية الشركة وحق وصاية الفتاة حتى تنتهي المدة وبعدها كل شخص منكما يذهب في حال سبيله."
هتف مهند بعدم اقتناع:
"هناك حلقة مفقودة في الموضوع. مالذي يجعل أخيها يوافق على هذا؟ ما غايته من تزويج أخته لي؟"
أضاف يتسائل:
"ولماذا أنا بالذات من يتزوجها؟ ألم تجد غيري؟"
سأله راغب بحدة:
"من مثلاً؟"
هتف مهند بتهكم:
"أنت مثلاً."
"هل نسيت إنني متزوج؟"
قالها راغب باستنكار ليردد مهند بسخافة:
"وضعك لا يختلف كثيراً عن وضع العزاب."
رمقه راغب بنظرات نارية لم يبالِ مهند بها وهو يضيف:
"ليتزوجها أحداً من إخوانك أو أبناء عمومك."
قال راغب بنفاذ صبر:
"أنا اخترتك أنت ولا داعي لأذكرك كم ستستفيد من هذه الزيجة وإنها الطريقة الوحيدة التي ستحقق من خلالها غايتك."
"ولكن عامان كثير. عامان حتى أستطيع الزواج من تقى والسفر خارجاً."
ضحك راغب بخفة ثم قال بتهكم:
"تتحدث وكأنكما لستما متزوجان عرفياً منذ عامين مسبقاً."
سأله مهند مصعوقاً:
"كيف علمت؟"
عاد راغب يضحك مجدداً ثم أشار لنفسه قائلاً:
"أنا راغب الهاشمي يا مهند، لا شيء يخفى عني."
ابتسم مهند بسخرية مردداً:
"طبعاً، أنت راغب الهاشمي. كيف تناسيت هذا للحظة واحدة؟"
هتف راغب أخيراً بنفاذ صبر:
"المهم أخبرني، ماذا قررت؟ هل موافق على الزواج من ابنة عمك؟"
صمت مهند قليلاً قبل أن يقول بعد لحظات:
"امنحني وقتاً أفكر به قبل أن أمنحك الجواب النهائي."
***
دَلفت صباح إلى صالة الجلوس بعدما أخبرتها الخادمة بقدوم ليلى لرؤيتها.
وجدت صباح ليلى جالسة بملامح يظهر عليها الإرهاق الواضح، فتقدمت نحوها تحتضنها برفق وتسألها عن حالها عندما اندفعت ليلى باكية بين أحضانها.
حاولت صباح تهدئتها محاولة أن تفهم ما يحدث معها وسبب بكائها عندما سمعت ليلى تسألها بنبرة باكية متقطعة:
"لماذا لم تخبريني يا خالتي؟ لماذا أخفيتِ عني ما حدث؟"
"عن ماذا تتحدثين يا ليلى؟ ما الذي أخفيته عنك يا ابنتي؟"
سألتها صباح بعدم فهم لترد ليلى باكية:
"خطبة نديم من حياة."
سألتها صباح بعدم فهم:
"من أخبرك بهذا يا ليلى؟"
أجابتها ليلى وهي تكفكف دموعها:
"نديم هو من أخبرني بهذا يا خالتي، لقد خطبها يا خالتي. لا تقولي الآن إنك لا تعلمين بذلك، أنت تعلمين لكنكِ لا تودين إخباري بأمر الخطبة كي لا تحزنيني."
قالت صباح بسرعة:
"أقسم بالله لا علم لدي بما تقولينه، إنها المرة الأولى التي أسمع بها كلاماً كهذا منك."
سألتها ليلى بعدم تصديق:
"كيف يعني؟ هل يعقل أن يخطب نديم الفتاة دون علمك أم إنه يخبرني هذا كي يقطع أي أمل لي بعودتنا سوياً؟"
ظهرت بوادر الأمل على ملامح ليلى مجدداً فقالت صباح بسرعة:
"اسمعيني يا ليلى، قد يكون ما يقوله نديم صحيح، أو قد يكون بالفعل ينوي خطبة الفتاة لكنه لم يتخذ تلك الخطوة بعد."
أضافت بعدما أطلقت تنهيدة طويلة:
"حسب علمي نديم يريد الفتاة بالفعل، أريدك أن تعلمي هذا كي لا تستمرين في تصديق آمالك الكاذبة."
هتفت ليلى بعدم تصديق:
"كم هو سهل عليكِ أن تقولي هذا؟ تتحدثين عن الأمر بكل هذه البساطة يا خالتي؟"
أضافت بهمس مبحوح باكي:
"تتحدثين وكأنكِ لا تدركين إن هذا يعني موتي، يعني نهايتي."
"كلا يا ليلى، لا تفعلي هذا بنفسك يا ابنتي، لا يوجد شيء يستحق منك كل هذا."
قالتها صباح محاولة التخفيف عنها، لكن ليلى أضافت باكية:
"إنه نديم يا خالتي، حب حياتي. لماذا لا أحد يفهم علي؟ لماذا لا أحد يستوعب مدى ألمي ومعاناتي؟ نديم يا خالتي هو حب الطفولة والمراهقة والشباب، هو حلمي الذي تمنيته طويلاً."
ردت صباح بلهجة باكية هي الأخرى:
"هكذا النصيب يا ابنتي، ما العمل؟"
صاحت ليلى معترضة:
"ليس النصيب يا خالتي، هذا ما تريدونه أنتم. تريدون إبعاده عني بكافة الطرق."
"وهل لديك حل آخر يا ليلى بعد كل ما حدث؟ بعد زواجك من عمار؟"
صدح صوت غالية التي جاءت منذ مدة واستمعت لحديث والدتها مع ليلى، فالتفتت والدتها وليلى الباكية نحوها تتأملان ملامح غالية الثابتة والتي أضافت بجدية:
"هذا الحل الأفضل للجميع. أنتِ اخترتِ التضحية بحبك لنديم وتزوجتِ من أخيه، وهو من حقي أن يبدأ مع الفتاة التي يريدها."
صاحت ليلى بصوت محتقن:
"أنا فعلت هذا لأجله."
"ليلى."
همستها صباح برجاء، لكن ليلى تجاهلتها وهي تضيف بدموع لاذعة:
"فعلت هذا لأجله يا غالية، ضحيت بسنوات من عمري حفاظاً على حياته. اخترت الموت على ذمة عمار في سبيل أن يعيش هو."
سألتها غالية بتوجس وعدم استيعاب:
"ماذا تقصدين يا ليلى؟ كيف يعني لأجله وحفاظاً على حياته؟"
أجابتها ليلى بملامح ثابتة رغم الدموع التي تغطيها:
"عمار هددني بحياة نديم يا غالية. هددني إنه سينهي حياته داخل السجن إن لم أتزوجه أو يبليه بتهمة أخرى تؤدي به إلى حبل المشنقة."
هزت غالية رأسها نفياً تردد بعدم تصديق:
"كذب، عمار لا يمكن أن يفعل هذا. هو كان يهددك فقط. نعم هو لا يحب نديم، لكن ليس لدرجة أن يقتله. عمار لا يمكن أن يقتل أخيه."
صاحت ليلى متهكمة:
"لكن يمكنه أن يتهمه ظلماً بقضية الإتجار بالممنوعات ويتسبب في حبسه لسنوات."
تجمدت ملامح غالية لما سمعته، بينما أخذت ليلى تهز رأسها بتأكيد على ما قالته.
تحدثت غالية أخيراً بنبرة مبحوحة وعيناها تتوسلان ليلى أن تكذب ما سمعته:
"عمار لم يفعل هذا. هو لا دخل له بما حدث مع نديم."
"بل له كل الدخل. عمار من وضع تلك الممنوعات في الصيدلية وبلغ الشرطة عنه. عمار وراء كل ما حدث لنديم يا غالية."
انهارت غالية باكية حتى إنها استندت على الطاولة جانبها، فسارعت والدتها تحاول إسنادها عندما أجلستها بسرعة الكرسي لتسمعها تهمس باكية:
"مستحيل، مستحيل."
ثم رفعت وجهها الباكي تنظر إلى والدتها وهي تسألها ببكاء:
"لماذا يا أمي؟ لماذا فعل هذا؟ لماذا دمر حياته بهذا الشكل؟"
انتفضت من مكانها تقف وهي تصيح بتصميم:
"يجب أن أراه، يجب أن أتحدث معه."
لكن صباح سارعت تقف في وجهها تمنعها:
"توقفي يا غالية، لن تذهبي إليه ولن تتحدثي معه."
بينما هتفت ليلى بترجٍ هي الأخرى:
"عمار لا يجب أن يعلم إنكِ علمتِ بكل شيء يا غالية، وإلا سيحاسبني أنا. ارجوكِ لا تخبريه بشيء. من فضلك."
قالت غالية بصوت منهار:
"لماذا يفعل هذا بنا؟ ما الذي فعلناه ليؤذينا بهذه الطريقة؟ حرام والله حرام."
"أنا السبب، أنا من أوصلت الأمور إلى هنا."
قالتها صباح وهي تسير بشرود بعيداً عنهما وتجلس على الكنبة منكمشة على ذاتها.
سألتها ليلى بتوجس وهي تتبادل النظرات مع غالية التي توقفت عن بكائها:
"ماذا تقصدين يا خالتي؟"
نظرت صباح إليهما ثم قالت بوجع:
"عمار يحاسبنا على ما حدث لوالدته، يحاسبنا على تطليق حسين لها. يحاسبنا على انتحارها."
شهقت ليلى بعدم تصديق، بينما همست غالية بضعف:
"انتحارها؟ هل ماتت والدة عمار منتحرة؟"
أومأت صباح برأسها وأخذت دموعها تهطل بغزارة لتهمس بضعف وهي تغالب دموعها:
"أنا السبب، أنا من دمرت حياة ابني. ليتني لم أتزوج حسين، ليتني تركته لها."
ثم نهضت تخرج من المكان ودموعها تتزايد، تاركة ليلى تتبادل النظرات القلقة مع غالية.
"ماذا سيحدث الآن؟"
سألت ليلى بحيرة، لتجيب غالية بتعب:
"لا أعلم، لا أعلم شيئاً يا ليلى."
"سأذهب أنا إذا."
قالتها ليلى وهي تتجه لحمل حقيبتها عندما أوقفتها غالية تهمس بتردد:
"أنا آسفة يا ليلى، آسفة على كل شيء."
ابتسمت ليلى بضعف وهمست:
"لا تعتذري يا غالية، أنتِ أختي أيتها الحمقاء."
جذبتها غالية تحتضنها بقوة وقد أدركت مدى قسوتها عليها وهي التي فعلت كل شيء لأجل حماية أخيها.
ابتعدت ليلى عنها أخيراً وهي تهتف بها:
"حسناً، لا تبكي. كفي عن البكاء واستعدي لحفلة عيد ميلادك بعد الغد."
هتفت غالية بتهكم:
"ميلاد في أجواء كهذه."
ردت ليلى بسرعة:
"سنقيم أجمل حفلة عيد ميلاد لكِ يا غالية. إياكِ أن تهتمي بأي شيء، أنتِ فقط تجهزي جيداً لميلادك. حسناً."
ثم طبعت قبلة على وجنتيها وودعتها، تاركة غالية تتابع أثرها بتفكير قبل أن تتجمد ملامحها وهي تتذكر إنها دعت كلا من حياة وأختها إلى حفلة الميلاد، فكيف ستكون ردة فعل ليلى على رؤيتهما؟
***
بعد مرور يومين.
وقفت غالية في منتصف الحديقة المزينة بطريقة أنيقة وجذابة تتحدث مع بعض الموجودين بسعادة، حيث توزع ابتساماتها على الحضور المنحصرين في أفراد عائلتها، حيث أقاربها من جهة الأب والأم وبعض الأصدقاء والجيران.
كانت تتلقى التهاني من الجميع، فهي محبوبة من الأغلبية.
اتجهت نحو الطاولة الطويلة الموضوع عليها قالب كيك مكون من عدة طبقات يحمل صورة شديدة الجمال لها.
أخذت تتفقد الأطعمة والحلويات الموضوعة جانباً عندما وجدت ابن عمها يقترب منها وهو يهنيها بلباقته المعهودة:
"ميلاد سعيد يا أجمل غالية."
استدارت نحوه تبتسم بسعادة وهي تجيبه:
"أشكرك يا شريف، سعيدة حقاً بوجودك ومبارك عليك شهادة الدكتوراه يا دكتور."
ابتسم يتأملها بإعجاب واضح ورد:
"أشكرك يا غالية."
ثم أضاف متأملاً عمار الذي وصل إلى الحفل وتقدم نحوهما:
"ها قد جاء أخيكِ الأكبر."
تجهمت ملامح غالية لا إرادياً وهي تستدير لتقابل ملامح أخيها الباردة كالعادة، حيث حياها راسماً ابتسامة مصطنعة كالعادة:
"كل عام وأنتِ بخير يا غالية."
ثم قبلها على وجنتيها بخفة، وقد انتبه لجفائها الواضح اتجاهه والغير معتاد منها، لكنه لم يهتم.
حيا شريف ابن عمه الذي سأله عن أحواله، ثم أخذ يتحدث معه قليلاً قبل أن ينسحب متجهاً إلى إحدى الطاولات، وفي أثناء سيره تبادل النظرات مع صباح حيث منحها نظرة ذات مغزى، لتشيح صباح وجهها بعيداً عنه وتشغل نفسها بالتحدث مع بعض ضيوفها.
***
وصلت ليلى مع عائلتها بعد مدة، حيث سارعت غالية تستقبلهما بسعادة.
احتضنها خالتها أولاً تبارك لها عيد ميلادها، وكذلك فعل زوج خالتها، ثم حيتها مريم بجفاء مقصود باتت تحمله لعائلة خالتها ككل.
جاء دور ليلى حيث احتضنتها بسعادة شديدة لانصلاح الأمور أخيراً بينها وبين غالية التي لطالما كانت بمثابة أختها.
"كل عام وأنتِ أجمل وأحلى غالية. سيكون عاماً مليئاً بالنجاحات والمفاجآت إن شاء الله، والأهم أن يأتي فارس الأحلام الذي تنتظرينه بإذن الله."
ضحكت غالية وهي تردد:
"ما زال لديكِ أمل في ذلك؟ عن نفسي فقدت الأمل في مجيئه."
بادلتها ليلى ضحكاتها ثم قالت مازحة:
"أنتِ فقط اختاري أحدهم وسنجلبه حتى لو غصباً عنه."
ضحكت غالية بقوة، بينما انتبهت ليلى لوجود عمار فتجهمت ملامحها، لكن غالية همست لها:
"تجاهليه وكأنه غير موجود."
ابتسمت ليلى وقالت بجدية:
"هذا ما سأفعله."
ثم أشارت لها وهي تتحرك بعيداً:
"سأتركك ترحبين بضيوفك وأرحب أنا بمن أعرفهم."
ثم سارت بفستانها الأحمر الأنيق ترحب بالموجودين من معارفها بملامح مرتاحة سعيدة.
اتجهت نحو خالتها وقبلتها من وجنتيها بسعادة، فأخذت والدتها تتأملها بقليل من الراحة وهي ترى تحسن أحوالها بوضوح.
اتجهت ليلى نحو مريم التي تجلس على نفس الطاولة لكن بعيداً على طرفها الآخر، يكسو الوجوم ملامحها، فسألتها وهي تجلس جانبها:
"ما بك يا مريم؟ لم كل هذا الوجوم؟ ابتسمي قليلاً."
ردت مريم بجفاء:
"تعلمين إنني لم أرغب بالمجيء، لكن والدتك من أجبرتني على القدوم."
زفرت ليلى أنفاسها وقالت بجدية:
"لا بأس، لا تظلي هكذا بملامحك هذه، ستجذبين الأنظار إليك."
حاولت مريم أن ترخي ملامحها قليلاً لتبتسم ليلى لها قبل أن تنهض من مكانها وتتجه نحو مكان المشروبات لتأخذ مشروباً بارداً تتناوله عندما شعرت بأحدهم يقف جانبها ويأخذ مشروباً هو الآخر.
التفتت نحوه لتجده صلاح ابن عم غالية، فهتفت تحييه:
"صلاح، كيف حالك؟"
ابتسم صلاح وهو يجيبها:
"أنا بخير، وماذا عنك؟"
أضاف يتأملها بإعجاب طالما خصها به:
"أرى إنك تزدادين جمالاً وجاذبية مع مرور الزمن."
ضحكت من أعماقها وهي تقول:
"ما زلت عابثاً كما أنت."
"عابث ولكنني صادق في نفس الوقت."
قالها وهو يغمز لها بفكاهة لتبتسم له، فيتأملها بإعجاب شديد متأملاً ملامحها شديدة النعومة والجاذبية، حيث بشرتها ناصعة البياض وشعرها الأشقر الطويل.
فستانها الأحمر يجعلها تخطف الأنظار من الجميع.
ابتلع ريقه محاولاً إزاحة أنظاره بعيداً عنها مذكراً نفسه إنها ما زالت زوجة ابن عمه، وإن علم مثل غيره عن احتمالية انفصالهما.
وعند هذه الفكرة لم يستطع منع نفسه من الاستدارة نحوها مجدداً وسؤالها:
"كيف هي أحوالك مع عمار؟"
وعندما لاحظ تغضن ملامحها أضاف مبرراً:
"أعني سمعت إنكما على وشك الانفصال."
ابتسمت بضعف وهي ترد:
"سيحدث هذا، قريباً بإذن الله."
بالكاد أخفى فرحته وهو يقول:
"لا بأس، أنتِ تستحقين الأفضل، هو الخاسر بالتأكيد."
تنهدت ثم شكرته برقة:
"أشكرك حقاً يا صلاح."
"لم أقل شيئاً خاطئاً يا ليلى، أنتِ تستحقين الأفضل بكل شيء."
ارتبكت ملامحها قليلاً فمنحته ابتسامة عذبة، ثم استأذنته بالرحيل عندما التقت أنظارها بأنظار عمار الذي كان يتابعها منذ قليل، ليمنحها ابتسامة ملتوية، فتشيح بوجهها وهي تكز على أسنانها بقسوة قبل أن تقرر تجاهله والاستمتاع بالحفلة كما قررت مسبقاً.
***
تقدمت صباح من غالية حيث جذبتها بعيداً عن أصدقائها تسألها:
"ألن يأتي نديم يا غالية؟ لقد بدأ الحفل منذ حوالي ساعة ولم يأتِ بعد."
أجابتها غالية:
"سيأتي يا ماما بالطبع."
ثم أضافت بتردد:
"لكن حياة ستأتي معه."
عقدت صباح حاجبيها تسألها:
"هل ينوي أن يعلن خطبته منها اليوم؟"
"لماذا تقولين هذا؟"
سألتها غالية باستغراب لترد صباح بجدية:
"إذا ما معنى مجيئها معه سوى إنه يريد جعل علاقتهما علنية؟ في الحقيقة هذا ليس الوقت المناسب أبداً خاصة إن ليلى تبدو سعيدة ومنطلقة للغاية."
أومأت غالية برأسها وهي تؤيد والدتها:
"أنا قلقة من ردة فعلها عندما ترى حياة معه. يا إلهي، ليلى لا تستحق كل هذا العذاب. أشعر إننا سبب فيما يحدث معها."
توقفت عن حديثها وهي ترى زوجة عمها رحاب تتقدم إلى الداخل وخلفها ابنتيها ونانسي، لتهتف بوالدتها بعدم تصديق:
"ماذا تفعل نانسي مع زوجة عمي يا ماما؟"
تجهمت ملامح صباح دون رد، حيث أقبلت رحاب والفتيات عليهما، فرحبت غالية بهن على مضض، ثم أخذتهن صباح إلى إحدى الطاولات.
جاءت ليلى ووقفت بجانب غالية تسألها بغيظ:
"ماذا تفعل تلك المخبولة هنا يا غالية؟"
ردت غالية بغيظ:
"لا أعلم، عمتي رحاب هي من جلبتها."
عادت ليلى تسألها:
"ألن يأتي نديم يا غالية؟"
توترت غالية وأجابتها بصوت منخفض قليلاً:
"من المفترض أن يأتي ولكنه تأخر."
ثم توقفت عندما رأته يدلف ومعه كلا من حياة وحنين.
نظرت إلى ليلى التي تجمدت في مكانها وهي تراه يقترب منهما مع حياة التي تجاورها أختها.
وقف الثلاثة أمامهما حيث ابتسم نديم لأخته وسارع يحتضنها وهو يهنيها بعيد ميلادها.
بادلته غالية احتضانه رغم توترها ثم قبلته من وجنتيه قبل أن ترحب بحياة التي حيتها بخجل وهنأتها بعيد ميلادها، ثم عرفتها على حنين التي فعلت المثل.
نظر نديم إلى ليلى بملامحها الباهتة وعينيها اللامعتين، فقاوم نبضات قلبه التي نبضت ألماً لأجلها ورسم ابتسامة مصطنعة على وجهه وهو يحييها.
ردت ليلى تحيته بضعف ثم تحركت بآلية مبتعدة عنهم متجاهلة الجميع، لتنظر حياة إلى نديم الذي تابع أثرها بوجوم قبل أن يلتفت لها مبتسماً بخفة قابضاً على كفه يجذبها معه كي يعرفها على والدته.
سارت حياة جانبه باستيحاء شديد عندما اقترب نديم من الطاولة التي تجلس عليها والدتها، لتنهض صباح من مكانها تستقبلهما بابتسامتها المعهودة.
"مرحباً حبيبتي."
قالتها صباح بابتسامة وهي تحتضن حياة وتقبلها من وجنتيها، ثم عرفها نديم على حنين لترحب بها صباح هي الأخرى.
عرف نديم خالته وزوجها الجالسين على نفس الطاولة مع والدته على حياة وأختها، قبل أن يتجه معها إلى طاولة أخرى يجلس عليها بعضاً من أبناء عمومته، والذين سارعوا يرحبون به ويستقبلونه بسعادة، ليعرفهم على حياة واحداً تلو الآخر وكذلك حنين، قبل أن يجلسوا على نفس الطاولة معهم.
***
مرت ساعة أخرى.
كانت حياة قد تعرفت على أغلب أقرباء نديم وتجاذبت أطراف الحديث مع العديد منهم.
في بادئ الأمر شعرت بالخجل الشديد والذي ظهر بوضوح عليها، لكن مع مرور الوقت وبوجود نديم وبطبيعتها العفوية اللطيفة استطاعت أن تتفاعل مع الموجودين تدريجياً.
همس لها نديم منتشلاً إياها من الحديث الذي جمعها مع بعضاً من أبناء عمومته:
"الجميع أحبك يا حياة كما توقعت."
ابتسمت له وهي تسأله:
"حقاً؟"
ضحك وهو يجيبها:
"ألا ترين بنفسك؟ لقد خطفتِ قلوب الجميع بلطفك وعفويتك."
ابتسمت بقليل من التوتر فشعرت بكفه يقبض على كفها مؤازراً لها ولسانه يهمس بعذوبة:
"لا تتوتري أبداً ولا تقلقي من شيء طالما أنا معكِ."
ابتسمت له بامتنان ثم هتفت بجدية:
"سأذهب إلى دورة المياه لتعديل شعري."
"حسناً."
قالها وهو ينهض من مكانه معها يدلها على مكان دورة المياه، لتذهب إلى هناك دون أن تنتبه على تلك التي لحقتها والتي كانت تتابعه منذ قدومها معه بغل.
سارت خلفها ثم توقفت في منتصف الممر المؤدي لدورة المياه تهتف بعلو صوتها:
"ابنة البواب والأمير."
توقفت حياة في مكانها للحظات تحاول استيعاب ما تسمعه قبل أن تلتفت بملامح جامدة لتجد نانسي أمامها ترمقها بملامح هازئة وهي تضيف:
"التسمية أو الصفة المناسبة لكما أنتِ وهو."
اقتربت نانسي منها بخطوات مدروسة وقالت وهي ترمقها بنظرات مستهينة من رأسها حتى أخمص قدميها:
"غريب هذا الشاب حقاً، يترك جميع الفتيات وحوله ويختارك أنتِ. أليس غريباً حقاً يا حياة؟ ألا توافقينني الرأي؟"
تأملت ملامح حياة التي تشنجت كلياً بشكل يوحي برغبتها الشديدة في البكاء، لتهتف بتشفي:
"برأيك لماذا اختارَكِ أنتِ دوناً عن الجميع؟ لماذا اختار ابنة البواب زوجة له تحديداً؟ لإنكِ وحدكِ من تناسبيه، لإنكِ الوحيدة من سترضى به بوضعه الجديد. هل فهمتِ لماذا اختاركِ أنتِ يا حياة؟ هل استوعبتِ أخيراً سبب تمسككِ به؟"
أضافت بقسوة متجاهلة عيني حياة الباكيتين:
"أنتِ أفضل واحدة بالنسبة له، أكثر من تليق به، لم يكن ليختار غيرك."
ومن بعيد قاطعها صوتاً أنثوياً رغم رِقته يحمل الكثير من الفظاظة:
"بالطبع لم يكن ليختار غيرها، وخاصة أنتِ يا نانسي، مختلة عقلياً لا تصلح لأي شيء في هذه الحياة. المكان المناسب لأمثالكِ هو المصحة النفسية."
استدارت نانسي إلى الخلف تتأمل ليلى التي جاءت خلفها وقد استمعت لحديثها المستفز المؤلم.
"كيف تجرؤين؟"
صاحت نانسي وهي تهم برفع يدها لتصفعها، فالتي تقف أمامها هي عقدتها الأولى والأخيرة.
قبضت ليلى على كفها تخبرها بقوة وتحذير:
"لم يخلق بعد من يرفع يده في وجهي وخاصة مخبولة مثلك. اخرجي من هنا حالاً يا نانسي قبل أن أتصرف بشكل لا يعجبك. أنتِ إنسانة مريضة يجب أن تتعالجي في أقرب فرصة من أمراضك وأوهامك أيتها المختلة."
اشتعلت عينا نانسي بقسوة، بينما هدرت ليلى بها:
"اخرجي من هنا حالاً بل غادري الحفلة بأكملها قبل أن أفاجئك بتصرف لن يعجبك أبداً، فأنا أيضاً أستطيع افتعال الفضائح مثلك تماماً."
أبعدتها نانسي عنها بعنف ثم غادرت المكان مسرعة، لتتأمل ليلى حياة التي أشاحت بوجهها جانباً تمسحه بأناملها ويبدو إنها تكفكف دموعها.
"لا تتضايقي من كلامها، إنها مجرد مختلة لا يؤخذ على حديثها. لقد حاولت قتلي مسبقاً لنفس السبب."
رفعت حياة نظراتها غير المصَدقة لتشير ليلى إلى جانب رأسها وهي تضيف:
"ضربتني بحجارة كبيرة تسببت لي بجرح عميق احتاج إلى عدة غرز."
توقفت ليلى عن حديثها تتأمل تلك الماثلة أمامها والتي سرقت حبيبها منها، وقد تناست ما حدث منذ لحظات.
تلاقت عيناها الباردتان بعيني حياة المترددتين، حيث أخذت تتأملها بتمعن للمرة الأولى، فهي غريمتها التي لم تتوقع يوماً وجودها.
مرت نظراتها العابرة على ملامح وجهها الناعمة ببرائته المعهودة والتي يسيطر عليها الخجل الشديد في تلك اللحظة.
ربما تخجل من حقيقة ما اقترفته في حقها.
"عادية" هذا الوصف المناسب لها، وقد طمأنها هذا قليلاً.
فتاة عادية ذات مستوى مادي واجتماعي لا يرقى بكافة الأحوال لمستواها، وهي التي ولدت لعائلة كبيرة ثرية معروفة في جميع الأوساط الراقية.
كل شيء كان بها عادياً، ورغم هذا تشعر بالغيرة الحارقة منها ولا ترغب في رؤيتها أمامها بكافة الأحوال.
أما الأخرى، فرغم خجلها وترددها الواضح كانت تتأملها بتركيز للمرة الأولى.
جمالها الأرستقراطي كان واضحاً للعيان.
كانت تشبه أميرات القصص الخيالية التي لطالما قرأت عنهن.
كل شيء بها يشي بمدى جمالها ورقيها وأصلها الرفيع.
هي في الحقيقة لم تهتم يوماً بشيء كهذا ولم تضع نفسها في مقارنة مع أي أنثى على وجه الأرض، لكن هذه المرة الوضع يختلف تماماً، فهذه المرأة الواقفة أمامها بكل بهائها وروعتها وملامحها الواثقة كانت كل شيء بالنسبة له.
كانت امرأة حياته وحب عمره، وهذا كان كافياً لتدرك صعوبة ما ستقبل عليه.
ولأول مرة ترغب في الابتعاد، الهرب وعدم المجازفة بمشاعرها وقلبها، رغم إدراكها إنها سقطت بالفعل في عشقه ومنذ زمن طويل.
كانت النظرات المتبادلة بينهما لا توحي بما يدور في داخل كلا منهما، وكانت ليلى أول من تحدثت بصوت هادئ ناعم لكنه قوي بما فيه الكفاية:
"أنتِ مغرمة به تماماً."
لم تتوقع حياة أن تخبرها بهذا، وحاولت تذكر إذا ما فعلت شيئاً يدل على عشقها الشديد نحوه، فهي حريصة على عدم إظهار هذا حتى أمامه هو.
"لا تتفاجئي، أستطيع جيداً معرفة ما تحملينه داخلك من مشاعر شديدة نحوه، يكفيني أن أنظر إلى عينيكِ وهما تتأملانه وأدرك مدى هيامكِ به."
أضافت بابتسامة ضعيفة مريرة:
"لا أحد يدرك الأشياء جيداً سوى من جربها، وبصفتي عاشقة منذ الأزل أستطيع قراءة مشاعرك بكل وضوح."
تلعثمت في حديثها:
"أنا..."
ثم حاولت أن تشد من أزرها وهي تقول بجدية:
"أنا فقط..."
لكن ليلى قاطعتها بصوت حازم:
"لا داعي للإنكار يا حياة."
وفي المقابل ردت حياة بملامح ارتسمت عليها الجدية:
"لن أنكر."
ثم استرسلت بنظرات لامعة ونبرة حالمة:
"أنا بالفعل مغرمة به."
توقفت عن حديثها وهي تلاحظ تعكر ملامح ليلى قليلاً لتضيف بنبرة صادقة:
"أنا آسفة، لم أكن أرغب بإزعاجك، لكن أنتِ من بدأت الحديث."
قاطعتها ليلى بملامح احتَدت قليلاً وصوت واثق تدعي عدم الاهتمام:
"لم أنزعج أبداً، لإنني أدرك جيداً إن جميع ما تشعرين به هو من طرفك أنتِ فقط، مثلما أدرك جيداً إن مشاعرك هذه لن تغدو متبادلة يوماً من طرفه هو."
تقدمت خطوتين نحوها تضيف بنبرة جادة:
"ابتعدي عن نديم يا حياة، قربك منه لن يجلب لكِ سوى الألم والعذاب. أنتِ فتاة رقيقة ولطيفة وتستحقين أن ترتبطين بمن يحبك ويقدرك جيداً، لا بشخص قلبه ملك لامرأة واحدة منذ الأزل وللأبد."
***
في الخارج وقف نديم ينتظر خروج حياة التي تأخرت في الداخل، وقد سيطر عليه القلق لا إرادياً لسبب لا يعلمه.
رأى نانسي وهي تخرج بملامح مكفهرة قبل أن تتلاقي عينيها الحانقتين بعينيه المدهوشتين، لتتجاهله تماماً وهي تسير بعيداً عن المكان.
مر وقت أكثر ولم تخرج حياة، فهم بالدخول إليها لكنه وجدها تخرج بملامح يسيطر عليها الألم والوجوم، فسار نحوها يسألها بقلق عما أصابها، لكنه فوجئ بليلى تخرج خلفها.
تلاقت عيناه بعيني ليلى الثابتتين ليقبض على كف حياة ويجرها معه نحو الحفلة مجدداً عاقداً عزمه على تنفيذ ما أراده.
أما داخل الحفلة وقفت غالية تتأمل تلك الهدية التي جلبها لها الحارس بعدما أخبرها إن رجلاً أنيقاً في مقتبل العمر أعطاها له وطلب منه أن يوصلها لها.
فتحت الهدية لتشهق لا إرادياً متأملة ذلك العقد الماسي بتصميمه الرائع، قبل أن تجذب الكارت المرفق معه والمكتوب عليه بخط شديد الأناقة:
(أتمنى أن تعجبك هديتي، لم أجد شيئاً أغلى منه يليق بك، كل عام وأنتِ الأغلى يا غالية. فراس…)
لمعت عيناها وقد خطفت كلماته قلبها كما فعل العقد تماماً.
أما عمار الذي كان يقف في ركن بعيد يتأمل المدعوين بجمود، قيل أن يسمع صوت رنين هاتفه فيجيب على المتصل والذي لم يكن سوى راغب الذي أخبره بوضوح:
"لقد وافق مهند على الزيجة. متى نلتقي لنتفق على كل شيء؟"
تشكلت ابتسامة منتصرة على ثغره قبل أن يخبره:
"مساء الغد نلتقي."
وفي نفس الأثناء سحب نديم حياة الواجمة من كفها ووقف بها في منتصف المكان طالباً من الجميع الانتباه له.
رفعت غالية وجهها من فوق الهدية منتبهة لأخيها وهي تتبادل النظرات مع والدتها، كذلك رفع عمار وجهه من فوق هاتفه ينظر إليه.
خفق قلب ليلى بعنف وتوترت نانسي وإمتعضت ملامح مريم كلياً عندما هتف نديم أخيراً:
"جميع الموجودين هنا، أنتم مدعوون الجمعة القادمة هنا في نفس المكان حيث سأقيم حفل خطبتي على حياة."
تجمعت الدموع داخل عيني ليلى التي لم تستطع الصمود أكثر، فسارعت تركض خارج المكان ودموعها تتساقط على وجنتيها، تتبعها مريم التي لم تستطع ترك أختها تخرج لوحدها في وضع كهذا.
بينما شحبت ملامح نديم كلياً من تصرف ليلى، لكنه أخفى ذلك وهو يرسم ابتسامته بصعوبة على وجهه متلقياً المباركة من الجميع، غير منتبهاً إلى ملامح حياة التي بهتت كلياً وبدت في عالم آخر بتلك اللحظة وما حدث اليوم يفوق قدرتها بمراحل.
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة علي
كانت تتأمل هديته بسعادة بالغة، غير مستوعبة بعد مدى روعة ما أهداها إياه، عندما وجدت والدتها تدلف إلى المكان أخيرًا، يتبعها أخيها.
أغلقت الهدية بسرعة ووضعتها جانبًا، ثم نهضت تحتضن أخيها وهي تردد بسعادة:
"أشكرك على هديتك يا نديم.. أعجبتني حقًا."
ربت على ظهرها وهي ما زالت تحتضنه، قبل أن يبعدها قليلاً وهو يهمس بصدق وحب:
"تستحقين أكثر.. فأنتِ الغالية يا غالية."
ضحكت بسعادة على هذه العبارة التي كان دائمًا ما يرددها والدها، واليوم جاء دوره هو في ترديدها.
نظرت إلى والدتها التي جلست جانبها تتأملهما بسعادة حقيقية. فرغم كل ما تمر به، إلا أن رؤية ولديها تجمعهما كل هذه المحبة والترابط تجعلها أسعد ما يكون.
اتجهت غالية نحو والدتها تقبلها من وجنتيها وتشكرها على هديتها هي الأخرى، قبل أن تهتف مشيرة إليهما:
"كانت حفلة رائعة، أليس كذلك؟!"
أومأ نديم برأسه وهو يجيب:
"نعم، رائعة ككافة حفلات أعياد ميلادك."
أضافت غالية:
"أشعر بالكثير من الإرهاق بعد هذا اليوم الطويل المتعب."
سمعت والدتها تخبرها:
"اذهبي وارتاحي.. خذي حمامًا دافئًا ثم نامي بعدها.. لقد تعبتِ كثيرًا اليومين السابقين في الإعداد للحفلة."
شعرت غالية أن والدتها لا تريد منها أن ترتاح بقدر ما تريد منها أن تترك المساحة لتتحدث مع نديم. فمنحتها ابتسامة هادئة وقالت وهي تومئ برأسها:
"معك حق.. سأصعد إلى غرفتي وأخذ حمامًا طويلًا وأنام فورا بعدها."
ثم عادت تقبل والدتها من وجنتيها وتودعها، ثم قبلت أخيها هو الآخر وتحركت خارج المكان، تاركة نديم مع والدته التي أشارت له بالجلوس أمامها.
جلس نديم أمام والدته مبتسمًا بخفة، مرددًا بجدية:
"قولي ما لديكِ.. أنا أعلم أنك تريدين قول الكثير."
تنهدت والدته بصوت مسموع، ثم سألته بجدية:
"ألا ترى إنك استعجلت بأمر إعلان خطبتك؟! ألم يكن من المفترض أن تنتظر قليلاً؟!"
هز نديم رأسه نفياً ورد بسرعة:
"أبدًا.. على العكس تمامًا، أنا اخترت الوقت المناسب لذلك."
سألته بحذر:
"إذا هل أنت واثق من مشاعرك يا نديم؟! هل أنت متأكد من خطوتك هذه؟!"
أجاب بصدق ظهر في عينيه:
"أنا أريد حياة.. أريدها أكثر من أي شيء…"
قاطعته والدته بتمهل:
"أنا أتحدث عن مشاعرك يا نديم…"
قاطعه هو بدوره:
"دعي مشاعري جانبًا.. أنا أريدها بشدة ولا أريد غيرها."
أخذت والدته نفسًا ثم قالت بتأني:
"كيف أضع مشاعرك جانبًا يا نديم وهي الأساس؟!"
سألها بجبين متغضن:
"ماذا تقصدين؟!"
أجابت بجدية:
"أنت تهرب من مشاعرك.. تحاول أن تسيطر عليها أو تخفيها تمامًا من خلال إدخال أخرى لحياتك.. أخرى ستتخذها مسكنًا لك ظنًا منك أنه من خلالها ستتخطى مشاعرك وتتناساها."
قاطعها على الفور مدافعًا عن نفسه:
"كلا يا أمي، الأمر ليس هكذا بالطبع.. ليس هكذا أبدًا.. نعم مشاعري ما زالت ملك ليلى، لكن حياة ليست بديلاً أو مسكنًا كما تظنين.. حياة هي حياة جديدة أريد أن أعيشها.. حياة هي المنحة الإلهية التي أتتني في وقت كنت أحتاجها به أكثر من أي وقت آخر.. حياة هي الشيء الوحيد الذي أردته بكل ما في، وأنا أدرك جيدًا ما ستمنحني إياه وما بإمكاني أن أغدو معها وبوجودها."
"وهي.. ماذا عنها؟! هل تعلم إنك ما زلت تحب ليلى؟! هل تعلم إن مشاعرك نحوها هي حاجة لا أكثر؟!"
رد بعصبية خفيفة:
"ليست مجرد حاجة.. أنا لا أحتاجها فقط.. علاقتي بحياة ورغبتي بها أكبر من مجرد احتياج.. شيء لا يمكنني وصفه.. لكنه شيء كبير ومهم جدًا.. أما عن مشاعري فهي تخصني لوحدي.. لا يحق لأحد محاسبتي عليها."
هتفت صباح بقوة وسيطرة:
"لا تكن أنانيًا يا نديم.. أنت تخطبها ومشاعرك ملك لأخرى.. هي تستحق أن تكون في قلبك ليس سواها أحد."
تنهد بقوة ثم قال:
"أمي، أنا لم أخبرها إني أحبها.. لم آتِ على ذكر سيرة المشاعر من الأساس.. لم أخدعها."
"إن سألتك عن مشاعرك ستخبرها الحقيقة إذا؟!"
كان سؤالها محيرًا ومربكًا، وظهرت الحيرة في عينيه. فابتسمت والدته بنظرة ذات مغزى وقالت:
"هذا ما كنت أعنيه يا نديم، وهذا أكثر ما يخيفني."
"مم.. تخافين بالضبط يا أمي؟!"
سألها حائرًا مرتبكًا، لتجيب بصدق:
"أخاف على تلك الفتاة التي أدخلتها في دوامة معقدة كهذه.. أخاف عليها أن تفيق يومًا على حقيقة إن لا مكان لها في قلبك.. أخاف عليها من انتهاء كل ما تريده وتحتاجه منها فيصبح وجودها باهتًا في حياتك.. لا أريد لها هذا لإنها لا تستحق هذا أبدًا.. هل فهمت مم أخاف يا نديم؟! هل فهمت يا بني؟!"
ألقت كلماتها الأخيرة ونهضت من مكانها تتجه خارج الغرفة، يتابعها نديم بنظراته الزائغة وهو يشعر بمرارة شديدة في حلقه وشيء ثقيل يجثم على صدره بعدما سمعه من والدته.
***
جلست على سريرها في غرفتها التي أعدتها والدتها لها، بعدما ارتدت بيجامتها الحريرية ورفعت شعرها القصير عاليًا على شكل كعكة صغيرة.
تراجعت بجسدها إلى الخلف تفكر بما حدث اليوم وتصرف نديم الذي فاجأها للغاية. فلم تعرف ماذا تفعل وكيف تتصرف.
لم يكن أمامها سوى مسايرته فيما قاله، والمشكلة إن مسايرتها تلك تعني إن الخطبة ستتم في موعدها الذي حدده.
تنهدت بتعب عندما سمعت صوت طرقات على باب غرفتها، فسمحت للطارق بالدخول.
دلفت حنين إليها مبتسمة وهي ترتدي بيجامتها وترفع شعرها الطويل عاليًا.
اتجهت تجلس بجانبها وهي تهتف بجدية:
"الحفلة كانت جميلة."
قالتها حنين وهي ما زالت تبتسم، لتومأ حياة برأيها وهي تؤيد حديثها:
"نعم، هي كذلك."
أردفت حنين بنفس الابتسامة:
"أنا سعيدة حقًا لأجلك.. لم أكن أتوقع أن يخطبك نديم اليوم تحديدًا.. لكن كيف سنخبر ماما بهذا الأمر؟! أليس من المفترض أن يخطبك منها؟!"
هزت حياة رأسها وقالت:
"في الحقيقة لا أعلم ما يجب أن يحدث.. ولا أعلم كيف سأخبر والدتي بما حدث اليوم."
تأملت حنين وجه أختها الذي لا يدل على أي فرحة بما حدث، فسألتها مستغربة:
"ألستِ سعيدة يا حياة؟!"
صمتت حياة قليلاً ثم أجابت بصدق:
"الأمر ليس بكوني سعيدة أم لا.. الأمر يختلف تمامًا.. أنا حائرة ومترددة وأشعر إن كل شيء يحدث بسرعة غريبة.. أشعر إنني غير راضية عن كل هذا."
أضافت بخفوت لم تسمعه حنين، التي تبدلت ملامحها السعيدة بخطبة أختها إلى أخرى واجمة:
"أشعر إن كل شيء يحدث لغاية.. غاية يريدها هو، وأنا من سأحققها له ليس سواي."
سمعت حياة حنين تسألها فجأة:
"أنت تحبين نديم، أليس كذلك؟!"
ردت حياة بسرعة:
"بالطبع أحبه.. أحبه كثيرًا."
"لماذا إذا تظنين إن الخطبة حدثت بسرعة؟! طالما تحبينه، أين تكمن المشكلة ولمَ التردد من الأساس؟!"
سألتها حنين بتعجب، لتصمت حياة ولا ترد. فتأملت حنين ملامحها المتجهمة لتسألها بجدية:
"هل هناك ما تخفينه عني يا حياة؟! أقصد هل هناك شيء ما يخص علاقتكما يجعلك مترددة بل خائفة هكذا؟!"
تنهدت حياة ثم أجابت:
"أنتِ لا تعرفين أي شيء عنا يا حنين.. لا تعرفين كيف بدأت علاقتنا بل كيف التقينا.. لا تعرفين ماضي نديم وما مر به."
ابتلعت حنين ريقها وسألتها بتوجس:
"وما هو ماضي نديم يا حياة؟! أخبريني فشعور القلق داخلي يزداد بسرعة مخيفة."
نظرت حياة إليها بتردد قبل أن تخبرها بخفوت:
"نديم كان مسجونًا لسنوات.. مسجونًا بتهمة بيع مواد ممنوعة في صيدليته."
صرخت حنين بعدم تصديق:
"بيع ماذا؟! ومسجون أيضًا؟! يا إلهي…"
قالت حياة بسرعة توبخها:
"اصمتي يا حنين.. ستفضحيننا."
تشنجت ملامح حنين وهي تسألها بعدم تصديق:
"كيف تقبلين بشيء كهذا يا حياة؟! كيف تقبلين أن تتزوجي بسجين سابق و..؟!"
قاطعتها حياة بسرعة مدافعة عنه:
"نديم بريء.. لقد سجن ظلمًا.. أنا أثق بهذا أكثر من أي شيء."
صمتت حنين ولم تتحدث، بينما أكملت حياة بقوة:
"موضوع سجنه آخر ما يهمني.. فأنا أحبه وأثق ببراءته."
سألتها حنين بوجوم:
"إذا مالذي يهمك؟!"
أخفضت حياة وجهها قليلاً قبل أن ترفعه وتأخذ نفسها ثم تجيب:
"خطبته السابقة.. فهو كان خاطبًا لابنة خالته ويحبها بشدة، وأنا أشعر إنه ما زال يحبها رغم كل ما حدث بينهما."
سألتها حنين بفضول:
"ومالذي حدث بينهما؟!"
ترددت حياة قليلاً لكنها أجابتها:
"فسخت خطبتها منه بعد دخوله السجن وتزوجت من أخيه."
تمتمت حنين بعدم تصديق:
"يا إلهي.. لا أصدق هذا."
أضافت بضيق:
"وطالما إنك تشعرين إنه ما زال يحبها، مالذي يجعلك تربطين نفسك به؟!"
توترت ملامح حياة وهي ترد:
"أنا أحبه يا حنين وهو اختارني بنفسه.. هو أرادني زوجة له.. ربما شعوري هذا غير حقيقي وربما ما يوجد داخله مجرد شوائب ماضي سيتخلص منها عاجلاً أم آجلاً."
"في الحقيقة لا أعلم ما أقوله.. لكن الوضع يبدو لي معقدًا للغاية.. من جهة سجنه لسنوات وأسباب سجنه، ومن جهة مشاعره تجاه خطيبته السابقة والتي هي في نفس الوقت زوجة أخيه.. لا أعلم لماذا أشعر إنك ستدخلين في مشاكل وتعقيدات أنتِ في غنى عنها."
توقفت حنين عن حديثها تتأمل ملامح أختها المضطربة لتضيف بجدية:
"وماذا عن والدتي؟! هل تظنين إنها ستقبل به زوجًا لك بعدما تعلم بأمر حبسه؟!"
هتفت حياة بسرعة مدافعة عنه بإستماتة:
"أخبرتك إنه بريء، كما إنني كبيرة بما فيه الكفاية لاختيار شريك حياتي المناسب لي."
هزت حنين رأسها بعدم اقتناع، قبل أن تتبادل نظرات ذات معنى مع أختها التي أشاحت بوجهها بعيدًا تحاول الهرب من نظرات حنين التي تخبرها بما تخشى منه.
***
ساعات طويلة مرت والنوم يجافيها، وعقلها لا ينفك عن التفكير بما حدث اليوم وما ينتظرها مستقبلاً.
نهضت من فوق سريرها بملامح يسكنها الإرهاق، ومع هذا لم تستطع النوم.
خرجت من غرفتها متجهة إلى الخارج، وتحديدًا إلى الحديقة الخارجية للفيلا.
كانت حديقة الفيلا واسعة وجميلة، والجو رائع في هذه الأشهر من السنة، حيث الهواء الدافئ يلفحها قليلاً فيمنحها القليل من الإنعاش.
أخذت تسير في الحديقة المظلمة، ما عدا قليل من الضوء ينبعث من الأضواء المعلقة في أطراف المكان، وعقلها يعاود التفكير بنفس الموضوع.
تذكرت كلمات حنين واستنكارها لما قالته وارتباطها بنديم رغم كل التعقيدات المحيطة به.
تعترف هي بدورها بكل هذه التعقيدات، لكن هناك شعور قوي داخلها يخبرها إنها ستتجاوزها ويتجاوزها هو معها.
شعورها يخبرها إنهما سيتحرران سويًا من كل مساوئ الماضي ويعيشان الحياة التي لطالما حلما بها.
ربما نديم يراها طوق نجاته من ماضيه المعقد وما يمر به، لكنه لا يعلم إنها ترى به حلم عمرها الذي انتظرته لسنوات.
فهي دومًا ما كانت تؤمن بالحب والإرتباط برجل تحبه، رجل تحارب الحياة معه وتبني معه أسرة فشلت هي في الحصول عليها.
كانت تبحث عن هذا الرجل دائمًا وكأنها تنتظر ظهوره، وعندما وقعت عيناها على نديم عشقته.
عشقته بحق رغم كل شيء ورغم كل ظروفه وما عرفته عنه.
عشقته وهي تدرك إنها لن تعشق سواه، لذا وجدت إن عليها أن تحارب.. تحارب في سبيل العشق الذي لن يزورها مجددًا بعده.
أخذت نفسًا عميقًا عدة مرات، ثم التفتت تهم بالعودة عندما اصطدمت بوجوده أمامها يرمقها بذات النظرات الغريبة التي لم ترتح لها مطلقًا.
كتمت شهقة مذعورة كادت أن تخرج منها، بينما تحدث هو بصوت رجولي رخيم:
"ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت من الليل؟! ألم تستطيعي النوم مثلي؟!"
ابتلعت ريقها وهي تجيبه:
"نعم.. فقدت قدرتي على النوم."
سألها باهتمام:
"كيف كانت حفلة اليوم؟!"
ردت بهدوء مصطنع:
"جميلة."
أومأ برأسه وهو يبتسم بخفوت، بينما تأملت ملامحه الوسيمة والحادة في نفس الوقت بتردد.
"لقد مر الكثير على آخر مرة كنت فيها هنا."
قالها ويبدو إنه يفتح معها مجالاً للحوار، وهي بطبيعتها العفوية سألته:
"لماذا؟! متى آخر مرة كنت فيها هنا؟!"
رد وهو يزفر نفسه بعدما رفع بصره عاليًا يتأمل السماء المظلمة بنجومها اللامعة:
"لقد غادرت البلاد هنا في التاسعة عشر من عمري.. لأجل دراستي الجامعية.. ولم أعد حتى قبل يومين.. بقيت أكثر من ثمانية أعوام في الخارج."
سألته باهتمام:
"ألم تضجر هناك لوحدك؟!"
أخفض وجهه يمنحها ابتسامة خاصة وهو يجيب:
"لم أكن لوحدي.. والدتي كانت معي وبعضًا من أقاربها."
تمتمت بتفهم:
"أها.. جيد."
"وأنت..؟! أين كنتِ تسكنين سابقًا؟! مع والدك؟!"
أجابت وقد ظهر الحزن عليها تلقائيًا ما إن جلب سيرة والدها:
"نعم كنت أسكن معه.. كنا سويًا لوحدنا."
بدا مترددًا وهو يقول:
"كنتِ تقاطعين والدتكِ، أليس كذلك؟!"
تعجبت من معرفته، لكنها أومأت برأسها دون رد، ليتفهم رغبتها بعدم الحديث فيصمت هو الآخر رغم رغبته بالتحدث معها أكثر.
وجدها تهتف ويبدو عليها الخجل:
"حسنًا سأذهب إلى غرفتي.. عسى ولعل أستطيع النوم هذه المرة."
ثم هتفت بنبرة رقيقة قبل رحيلها:
"تصبحين على خير."
تابعه ا وهي ترحل دون انتظار جوابه، ليهتف بخفوت وتثاقل:
"وأنتِ من أهل الخير.. يا حياة."
دلفت حياة إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها.
جلست على سريرها تعبث في هاتفها عندما فوجئت به يتصل بها.
اضطربت قليلاً لكنها أجابته أخيرًا، فسمعته يقول:
"ما زلتِ مستيقظة حتى الآن."
ردت:
"نعم.. لم أستطع النوم رغم محاولاتي لذلك."
"أنا أيضًا لم أستطع النوم."
قالها بجدية، فسمع صوت تنفسها الثقيل، فسألها باهتمام:
"ماذا كنتِ تفعلين إذا؟!"
ردت بصدق:
"كنت في الحديقة.. تمشيت قليلاً وتحدثت مع نضال ثم صعدت إلى غرفتي."
"تحدثتِ مع من؟!"
سألها بغضب مكتوم، لتجيب ببساطة:
"مع نضال.. ابن زوج والدتي.. رأيته في المشفى."
قاطعها بضيق:
"هل يقيم معكِ في نفس المنزل؟!"
أجابته ببديهية:
"بالطبع.. أليس منزل والده؟!"
سألها مجددًا من بين أسنانه:
"وهل ستبقين أنتِ مقيمة في منزل والدتي؟!"
ردت وهي تتنهد بصمت:
"لا أعلم.. يجب أن أتحدث مع والدتي بشأن هذا الموضوع.. أود كثيرًا العودة إلى منزلي فأنا لم أعتد على المبيت خارجه."
قال بسرعة:
"بالطبع يجب أن تعودي."
"ماذا حدث يا نديم؟! هل يزعجك وجودي في منزل والدتي؟!"
سألته بتعجب، ليجيب بجدية:
"يزعجني قليلاً.. فوجودك مع شاب غريب في منزل واحد لا يعجبني."
هتفت بسرعة وعفوية:
"لكن نضال يبدو شابًا محترمًا وهو ابن السيد أشرف وأخو حنين."
هتف نديم بنزق:
"وما علاقة هذا بما قلته؟! أنا لا أحب أن تسكن خطيبتي في منزل مع شاب غريب عنها."
ابتسمت وهي تقول:
"لم أصبح خطيبتك بعد يا نديم."
رد معاندًا:
"ستصبحين بعد أيام قليلة."
"لا أحب أن تتحكم بي."
نطقتها بصدق، فرد بتجهم:
"هناك أمور يحق لي التحكم بها يا حياة."
شعرت بالتعب والرغبة في النوم تسيطر عليها، فهتفت تنهي الحوار بعدما زاغت عينيها بشدة:
"تصبحين على خير يا نديم.. نتحدث لاحقًا إن شاء الله."
بالكاد استطاعت سماع صوته وهو يودعها، لتتثاءب بخفة قبل أن تسقط على سريرها نائمة بعمق.
***
في صباح اليوم التالي.
تجلس على مكتبها بانتهاش شديد، والتهاني تنهال عليها من أغلب الموظفين.
عقلها ما زال شارداً في هدية البارحة، وقلبها يرفرف من السعادة كلما تذكرت كلماته.
حملت هاتفها تتأمل رقمه الذي حصلت عليه من سكرتيرة عمار، تطالعه بتردد.
تريد الاتصال به وشكره على هديته من جهة، وتتردد على فعل ذلك من جهة أخرى.
حسمت أمرها أخيرًا وضغطت على زر الاتصال، فهي يجب أن تشكره على هديته الغالية في كافة الأحوال.
لحظات قليلة وجاءها صوته الرخيم، فتنحنحت تهتف بصوت مبحوح:
"صباح الخير سيد فراس.. أنا غالية.. غالية الخولي."
رد عليها بهدوء وترحيب:
"أهلاً غالية هانم.. كيف حالك؟! سعدت باتصالك حقًا."
ابتسمت بخفة وهي تجيب:
"أنا بخير، وأنت بالتأكيد تعرف سبب اتصالي."
رد مراوغًا:
"أظن إنني أعرفه."
ضحكت وهي تقول:
"لا داعي للمراوغة يا بك.. اتصلت بك لأشكرك على الطقم، رغم إنه لم يكن هناك داعٍ لهدية غالية كهذه."
هتف بصدق:
"الغالي لا نجلب له سوى الغالي مثله يا غالية."
ابتسمت بصمت، بينما عقب هو على حديثه يسألها باهتمام واضح:
"هل أعجبك الطقم حقًا؟!"
أجابت بصدق:
"أعجبني كثيرًا، وأعجبني الكارت وما مكتوب فيه أكثر."
رد بخفة:
"كتبت ما أشعر به بكل عفوية ممكنة."
ضحكت بخفة، بينما قال هو برجاء:
"أريد رؤيتك الآن حالًا يا غالية أكثر من أي وقت."
أضاف بشوق ظهر جليًا في نبرته:
"أريد رؤية وجهك الصبوح وطلتك البهية.. اسمحي لي بذلك."
تنحنحت بتردد قبل أن تهتف بصوتها المبحوح قليلاً:
"حسنًا.. أين تريد أن نلتقي؟!"
قال بسرعة ولهفة:
"في أي مكان ترغبينه."
ابتسمت وقالت:
"هناك مطعم أحبه كثيرًا.. يمكننا أن نلتقي به."
ثم أعطته اسم المطعم واتفقت على لقائه بعد ساعة.
وبالفعل بعد حوالي ساعة دلفت غالية إلى المطعم لتجده يجلس على إحدى الطاولات ولم ينتبه لوصولها بعد.
سارت بخطواتها الأنيقة نحوه لينتبه لوجودها أخيرًا، فينهض من مكانه بلا وعي متأملًا طلتها الأنيقة الرائعة بإعجاب ظهر بعينيه البنيتين.
وصلت إليه أخيرًا وهي تمنحه ابتسامة رقيقة وتمد يدها نحوه بتحية، فيلتقط هو يدها ويقبلها بخفة أرسلت القشعريرة داخلها.
جلست أمامه بعدها تطالعه بقليل من الحرج، قبل أن تهتف بصدق:
"ربما لم تصدقني لو أخبرتك إنها المرة الأولى التي أجلس بها مع شخص غريب في مكان عام."
قال بسرعة:
"أصدقك بالطبع.. بل وأعلم هذا قبل أن تخبريني عنه."
سألته باستغراب:
"ومن أين تعلم؟!"
رد وهو يبتسم بثقة:
"أعلم الكثير عنك يا غالية.. ولا تسألي من أين تعلم، فأنا لي مصادري الخاصة."
لم يعجبها ما قاله، لكنها تجاهلته وهي تسأله:
"إذا ما غايتك من رؤيتي..؟! لماذا أصررت على رؤيتي يا فراس؟!"
ابتسم مرددًا بهدوء:
"ألم أخبرك إنني أشتاق لرؤية وجهك الجميل وطلتك الرائعة."
حذرته بنبرتها القوية:
"فراس!! انتبه على كلامك، فأنا لن أقبل بأي من كلماتك السابقة وغزلك الفج."
ضحك متراجعًا إلى الخلف قليلاً، ثم قال بصدق:
"صدقيني أنا لست بهذه الوقاحة التي تظنينها.. لكن جمالك من يجبر الشخص على التحدث بطريقة كهذه.. ألا تدركين قيمة جمالك يا غالية؟!"
رفعت رأسها بشموخ تردد بثقة:
"بل أدركه جيدًا."
غمغم بخفوت:
"إذا لماذا تلوميني على تغزلي بك..؟! كيف تريدين مني ألا أتغزل بك وأنا أمامي توجد أكثر امرأة جمالاً وأنوثة رأيتها في حياتي."
شعرت بالخجل يغزوها، لكنها تماسكت وهي تصر على رأسها:
"حتى لو.. لا يجب أن تتحدث بهذه الطريقة الفجة.. طريقتك غير مقبولة إطلاقًا بالنسبة لي."
هتف بصدق:
"أعدك إنني لن أكررها.. صدقيني أنا لست هكذا دائمًا.. لا أعرف كيف أقنعك بهذا."
ردت بحيادية:
"دع الأيام والمواقف تثبت لي ذلك."
ابتسم ثم أشار إلى النادل كي يجلب لهما قائمتي الطعام.
بعد مدة اختار كل منهما ما يريده ودون النادل طلباتهما ورحل.
عاد ينظر إليها راسماً فوق ثغره ابتسامة صادقة، بينما تقابله هي بابتسامة خفيفة عندما وجدته يقول:
"أنتِ لا تدركين مدى سعادتي بوجودنا سويًا هنا.. لم أصدق نفسي عندما وافقتِ على رؤيتي."
ردت بصدق وبحة أنثوية مميزة:
"في الحقيقة أنا ترددت كثيرًا في قبول عرضك، لكنني وجدت نفسي أرغب بإعطائك فرصة."
"هذه فرصة لكلينا يا غالية، فأنا جدي للغاية وأرغب أن نتعرف على بعضنا جيدًا قبل أن نأخذ خطوة أكثر جدية مستقبلاً."
اضطربت قليلاً لكنها سيطرت على اضطرابها وهي ترد بثقة:
"حسنًا.. سيكون أمامنا الكثير من الوقت لنتعرف على بعضنا.. لا مانع من ذلك طالما كل شيء يحدث في إطار لا يخلو من الصدق والاحترام."
طالعها بإعجاب وهو يرى بها كل مميزات المرأة التي يحبها.. جمال وثقة وذكاء.
لا يعلم لماذا تذكر أخرى لم تحمل كل تلك الميزات متجمعة فيها كغالية، لكنها سكنت قلبه وسيطرت عليه رغم كل شيء وما زالت تسكنه حتى الآن.
حاول طردها بعيدًا عن أفكاره والتركيز مع تلك الفاتنة التي تجلس أمامه، فهي من رحلت عنه واختارت تركه.
أفاق من شروده على صوت رنين هاتفه، فأجاب بعدما اتسعت ابتسامته قائلاً:
"أهلاً حبيبي.. حسنًا سأمر عليك اليوم.. سأجلب لك كل ما طلبته.. لا تقلق.. أوصل قبلاتي لجدتك."
أغلق الهاتف وقال مشيرًا إليها:
"هذا ابني.. يوصيني أن أجلب له ما طلبه صباحًا من ألعاب."
شحب وجهها لا إراديًا وهي تسأله:
"هل أنت متزوج؟!"
ضحك بخفة وأجاب:
"بالطبع لست متزوجًا يا غالية.. كنت متزوجًا.. أما الآن فأنا منفصل.. منفصل ولدي صبي في السادسة من عمره."
فاجأها ما قاله، فلم تتوقع هذا عنه، وشعرت كأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسها.
منفصل ولديه طفل أيضًا.. يا لحظها العاثر.
حاولت رسم ابتسامة مصطنعة على ثغرها تخفي بها شعورها هذا، فخرجت ابتسامتها مرتعشة قليلاً كارتعاشة جسدها عندما سمع ما قاله.
***
دلفت حياة إلى صالة الجلوس حيث تجلس والدتها مع أختها.
استقبلتها والدتها بابتسامة سعيدة مرحبة عندما سألتها وهي تبتسم لها بدورها:
"كيف أصبحت اليوم؟!"
أجابتها والدتها وهي تعتدل في جلستها، حيث تستدير نحو الكرسي الذي جلست عليه هي:
"بأفضل حال طالما أنتِ معي."
ابتسمت حياة بخفة، بينما قالت حنين وهي تنهض من مكانها بحماس:
"سأعد لكما عصير البرتقال الطازج.. كنت أنتظر قدومك كي نتناوله سويًا."
"حسنًا."
قالتها حياة بابتسامة، لتخرج حنين من المكان، فتبتسم حياة لوالدتها بتردد واضح.
سألتها والدتها باهتمام:
"هل تودين قول شيء ما يا حياة؟! تبدين متوترة على غير العادة."
تنحنحت حياة وقالت بعد لحظات:
"تعرفين نديم، أليس كذلك؟!"
أومأت والدتها برأسها وهي تهمس بتذكر:
"ذلك الشاب الذي كان والدك يعمل في منزله."
هزت حياة رأسها ترد:
"نعم.. هو بذاته."
"ما به؟!"
سألتها والدتها، لتجيب حياة:
"تقدم لخطبتي… وأنا وافقت."
صمتت قليلاً ثم أضافت:
"وأنا وافقت."
صمتت والدتها قليلاً تتأمل ملامح ابنتها المحرجة، لتبتسم محاولة إزالة الإحراج من عليها:
"حسنًا.. من الطبيعي ألا تفكري بأخذ رأيي، فنحن لم نكن نتحدث سويًا قبلها و…"
قاطعتها حياة بجدية:
"أنا آسفة، لكن كل شيء حدث بسرعة."
ابتسمت والدتها مرددة بتسامح:
"لست منزعجة منك."
أضافت تسألها بحماس وهي تقبض على كفيها:
"أخبريني.. هل تحبينه؟!"
أومأت حياة برأسها بخجل، ثم قالت بجدية:
"هناك أمر هام يجب أن تعلمينه بخصوص نديم."
حدقت والدتها بها باهتمام، لتقول حياة بتردد واضح:
"نديم كان مسجونًا لعدة سنوات."
جحظت عينا والدتها وهي تردد بعدم تصديق:
"كان ماذا؟! مسجونًا؟!"
هزت حياة رأسها دون رد، لتسألها والدتها بصوت مرتجف:
"لماذا؟! ما هي تهمته؟!"
أجابتها حياة بصعوبة:
"بيع مواد مخدرة وممنوعات في صيدليته."
أضافت بسرعة:
"لكنه بريء.. أنا أثق بهذا."
طالعتها والدتها تردد مستنكرة:
"كيف توافقين عليه يا حياة؟! خريج سجون؟! وبالطبع تم سحب رخصة الصيدلة منه ولا يمكنه مزاولة مهنته مجددًا."
أومأت حياة برأسها وهي تخفض بصرها للأسفل، لتسألها والدتها بضيق:
"هل أنتِ واعية لتصرفك؟! هل تستوعبين ما أنتِ مقبلة عليه؟! كيف توافقين أن تربطي حياتك بشخص مستقبله مجهول بل لا مستقبل له."
رفعت حياة بصرها تدافع عن نديم بقوة:
"نديم سيبني مستقبلاً جديدًا لها بعيدًا عن مهنته الأصلية.. هو ليس أول من يمر بشيء كهذا… وهو مظلوم.. مظلوم يا ماما، وأنا بالطبع لن أتخلى عنه وأظلمه كالبقية.. أنا سأقف معه وأساعده في إحياء مستقبله من جديد."
أضافت بجدية وإصرار:
"أنا أحبه ماما.. أحبه كثيرًا.. أحبه ولن أحب غيره، ولهذا سأقف معه دائمًا وأتقبله كما هو بكل ما فيه."
نظرت والدتها إليها بعدم رضا، بينما نهضت حياة من مكانها وقالت بحسم:
"أنا أخبرتك بوضعه وما حدث معه مسبقًا، وأخبرتك أيضًا إني متمسكة به حتى آخر رمق.. القرار لكِ بعد الآن.. إما أن تتقبلين ارتباطنا وتباركيه، أو ترفضيه تمامًا.. في الحالتين أنتِ حرة في قرارك."
رحلت بعدها، تاركة والدتها تتابعها بملامح مكفهرة غير مصدقة بعد ما سمعته من ابنتها الكبيرة.
***
كانت تسير داخل غرفتها ذهابًا وإيابًا وهي تفكر بما حدث البارحة.
لقد أعلن خطبته منها، بل حدد الأسبوع القادم موعدًا لحفل الخطبة.
داس عليها بكل قسوة ممكنة وأعلن ذلك أمامها، غير مبالٍ بها وبمشاعرها.
كيف طاوعه قلبه على ذلك..؟! كيف استطاع فعلها..؟!
أدمعت عيناها مجددًا وكأنها لم تكتفِ من بكائها طوال الليلة السابقة.
هطلت دموعها بغزارة وهي تشعر بروحها تختنق بشدة، فحب عمرها يضيع من بين يديها ويذهب لأخرى.
زفرت أنفاسها وهي تمسح دموعها بأناملها، تحاول أن تسيطر على نفسها، فالبكاء لن ينفعها.
عليها أن تكون قوية وتحارب في سبيل عشقها، لا أن تبقى في مكانها تبكي وتندب حظها.
توقفت عن البكاء أخيرًا، وفي عينيها تصميم وعزم.
سارت نحو خزانة ملابسها وأخرجت لها ملابس أنيقة بدأت في ارتدائها.
وضعت المكياج الذي يخفي آثار بكائها، ثم رفعت شعرها الأشقر عاليًا وحملت حقيبتها وخرجت من المكان.
حمدت ربها إنها لم تقابل أحدًا من عائلتها في طريقها، فلا ينقصها أن تسمع عبارات المواساة من أي منهم، خاصة بعدما فعلته البارحة ورحيلها منهارة من الحفلة بشكل مخزٍ ستأخذ وقتًا طويلاً حتى تتجاوزه.
ركبت سيارتها وقادتها متجهة حيث شركته.
وصلت إلى هناك بعد مدة وهبطت منها متجهة إلى مكتبه.
دلفت إلى الداخل بعدما سمحت السكرتيرة لها بالدخول، لينهض من مكانه مستقبلاً إياها بابتسامة واسعة مستفزة، مرددًا بشماتة:
"كنت أعلم إنك ستأتين بعدما حدث البارحة.. الموقف كان صعبًا للغاية.. أعلم ذلك."
سألته بملامح مستنفرة:
"متى ستطلقني؟!"
أجاب ببرود:
"أخبرتك مسبقًا.. سأطلقك عندما يحين الوقت المناسب."
هتفت بتهكم:
"الوقت المناسب سيأتي عندما يتزوج نديم من تلك الفتاة."
"ذكية يا لولا."
رددها عمار بسخرية، لتهتف وهي تكز على أسنانها بغيظ:
"ألن تتوقف عن حقارتك مهما حدث..؟! ألا يكفيك ما فعلته بنا جميعًا حتى الآن؟!"
هتف بلا مبالاة وهو يتأملها بقوة:
"أنا لم أجبرك على شيء يا ليلى.. ارفعي دعوة طلاق كما تريدين.. اذهبي وأخبري نديم الحقيقة.. لكن دون أن تلوميني على ردة فعلي."
أضاف وعيناه تسيران على ملامح وجهها الكارهة بتمهل:
"لا تلوميني عندما أسجن والدك، ولا تلوميني عندما أؤذي أحدًا من أفراد عائلتك.. أنت تدركين جيدًا إنه بإمكاني فعل الكثير."
أومأت برأسها تكتم غضبها بصعوبة:
"نعم أعلم.. أعلم مقدار إجرامك.. أعلم مدى قذارتك.. أعلم إنك تفعل كل شيء قذر وحقير ممكن.. لا تقلق يا عمار.. أنا أكثر من يعلم هذا."
"جيد لولا.. أنت تعلمين كل هذا والقرار في النهاية لكِ."
احتدمت نظراتها كليًا وهي تطالعه، قبل أن تقترب بوجهها من وجهه تهمس له بقوة:
"ستدفع ثمن كل هذا غاليًا يومًا ما يا عمار.. أعدك بهذا."
ثم اندفعت خارجة من المكان، متجاهلة دموعها التي تساقطت من عينيها بغزارة، يتابعه هو بنظراته المتهكمة، قبل أن تدلف سكرتيرته تخبره بقدوم ضيوفه وهما راغب ومهند الهاشمي.
***
كان عمار يجلس على مكتبه، مقابله يجلس كلا من راغب ومهند يتبادلان النظرات، بينما عمار يتابعهما ببرود.
نطق عمار أخيرًا:
"إذا أنت موافق على الزواج من أختي يا مهند؟!"
أجاب مهند من بين أسنانه وهو يرمق أخيه بنظرات حانقة:
"نعم موافق."
نظر عمار إلى راغب وقال مشيرًا إليه:
"راغب بك.. الزواج مقابل ملكية الشركة.. بمجرد زواج مهند من جيلان ستحصل على ملكية شركة عمك الراحل، هذا بالنسبة لكم. أما بالنسبة لجيلان…"
صمت قليلاً ثم قال وهو ينظر إلى الأخوين:
"فهناك شروط تخص هذه الزيجة يجب أن يعلم بها مهند وأنت أيضًا."
"أية شروط؟!"
سأله مهند بضيق، ليبتسم عمار ببرود وهو يجيب:
"مبدئيًا أملاك جيلان المتبقية ستبقى تحت تصرفي حتى تبلغ عامها الحادي والعشرين وتتصرف هي بها كما تشاء.. وهذا سيتم تسجيله بعقد صريح وواضح."
رد مهند بلا مبالاة:
"لا تهمني أملاكها في جميع الأحوال."
"جيد."
قالها عمار باقتضاب، قبل أن يضيف:
"ستتزوج منها لمدة لا تزيد عن عامين.. حيث ستقضي عامها الدراسي الأخير في الثانوية كزوجة لك، وما بعدها من فترة تسبق الجامعة.. بعد دخولها الجامعة ستطلقها بكل هدوء، ولن نطالب بأي حقوق تخصها من مؤخر صداق وغيرها."
هتف راغب نيابة عن أخيه:
"ولكن نحن سنكتب لها مؤخر صداق يليق بها كإحدى بنات الهاشمي."
قاطعه عمار بفتور:
"هذا شيء خاص بكم.. إن أردتم ذلك فلن أمنعكم بالطبع."
أضاف بعدها بجدية:
"من حديثي قبل لحظات واضح جدًا إن أكثر ما يهمني مستقبلها الدراسي.. لذا ستجلب لها مدرسين خصوصيين في جميع المواد الدراسية يتابعون معها دراستها، ولن تبخل عليها بأي شيء يخص الدراسة."
أومأ مهند برأسه على مضض، بينما أكمل عمار بنبرة بدت أكثر قوة هذه المرة:
"والأهم من هذا كله.. ستعدني ألا تسمح لأيًا كان أن يؤذيها ولو بكلمة.. ستحميها من الجميع وتحافظ عليها جدًا.. لن يؤذيها أو يجرحها أي أحد.. لن أقبل أن تتألم أو تجرح أو تهان، وإذا حدث ذلك فتصرفي حينها لن يعجبك يا مهند.. وأنت يا راغب بك شاهد على حديثي."
هتف راغب بجدية:
"جيلان ابنة عمنا يا عمار.. تهمنا كثيرًا مثلما تهمك.. لن يمسها أحد بسوء.. كن واثقًا من ذلك."
هتف مهند بنفاذ صبر من هذا المتعجرف وأسلوبه الذي لا يطاق:
"هل هناك شروط أخرى؟!"
أومأ عمار برأسه وقال:
"نعم.. آخر شرط."
صمت قليلاً ثم قال:
"لن تلمسها أبدًا."
هتف بها عمار بغلظة، ليسأله مهند بعدم إدراك لمقصده:
"عفوًا؟!"
كرر عمار حديثه بقوة وثبات:
"لن تلمس جيلان مهما حدث.. لن تقترب منها طوال فترة زواجكما.. زيجتكما ستكون على الورق فقط."
تبادل مهند مع أخيه نظرات غير مصدقة، قبل أن يعاود النظر إلى عمار مرددًا ببلاهة:
"هل تمزح معي؟!"
لكن عمار حافظ على جديته وهو يضيف بتحذير:
"وإن فعلتها يومًا ولمستها يا مهند فسأقتلك بيدي هاتين.. هما عامان فقط بل أقل، ويذهب كلا منكما لحال سبيله.. عامان لن تقترب منها ولو بالخطأ حتى."
تجمدت ملامح مهند تمامًا وهو يرد بجفاء:
"لا تقلق.. لم أكن أنوي فعل ذلك من الأساس.. فأنا لا أهوى معاشرة القاصرات."
"هذا رائع."
قالها عمار بصلابة، قبل أن يضيف بابتسامة رسمية لا تخلو من التصنع:
"اتفقنا إذا."
***
دلف عمار إلى غرفتها بعدما طرق على الباب بخفة.
تأملها وهي تجلس على سريرها ترسم على إحدى الأوراق البيضاء، وتركيزها بالكامل منصب على تلك الورقة.
"جيلان.. أريد الحديث معك."
قالها بصوته الرخيم، لتنتبه إليه فترفع وجهها نحوه تقابل ملامحه الصلبة، ليتقدم نحوها ويجلس جانبها متأملًا تلك الورقة بما تحويه من شخابيط لا تعني شيئًا.
نظرت إليه جيلان بتساؤل، فهتف بصوت متحشرج قليلاً لا يخلو من التردد:
"ستتزوجين ابن عمك…"
تشنجت ملامحها كليًا، ليخرج صوتها أخيرًا يتسائل بضعف:
"ماذا قلت؟!"
كرر ما قاله بقوة أكبر:
"قلت ستتزوجين ابن عمك مهند يا جيلان."
هزت رأسها نفيًا تعترض على حديثه رغم ضعفها الواضح:
"كلا.. أنا لا أقبل.. مستحيل."
قبض عمار على ذراعها يخبرها بجدية وصدق:
"جيلان اسمعيني.. هذا أفضل لك.. أنا أحاول أن أرد لك شرفك وكرامتك من خلال هذه الزيجة."
"أنت تذبحني مجددًا."
قالتها ببرود سيطر عليها فجأة، ليهتف برجاء يصدر لأول مرة منه:
"افهميني من فضلك.. أنا أفعل كل هذا لأجلك.. أنت يجب أن تتزوجي.. لا حل آخر أمامنا سوى هذا."
هتفت والدموع بدأت تملأ عينيها وشفتاها أخذتا ترتجفان:
"لا أريد.. لا أريد أن أتزوج.. ولا أريد أبناء أعمامي.. أنا لا أحبهم أصلًا.. أكرههم جميعًا."
"جيلان.. ثقي بي من فضلك."
انتفضت من مكانها تهتف بدموع لاذعة:
"أنت تريد التخلص مني.. تريد إعطائي لهم كي تتخلص من مسؤوليتي التي تزعجك.. تريد تسليمي لأولئك الذين يكرهوني ويكرهون والدتي أكثر من أي شيء."
أضافت باكية:
"سيؤذوني يا عمار.. سيعذبوني."
تقدم عمار نحوها قابضًا على كتفيها بقوة مرددًا:
"أقسم لك إنني أفعل ذلك لأجلك.. أنا لا أريد التخلص منك يا جيلان.. أنا أريد مساعدتك.. أريد أن تستعيدي شرفك كي تستطيعي العيش برأس مرفوع.. زواجك من ابن عمك هو الحل.. وأنا أعدك إنه زواج مؤقت سينتهي بأسرع وقت، ولكنك ستكسبين نفسك بعدها."
هزت رأسها نفيًا وهي لا تتقبل فكرة الزواج أبدًا، بينما أضاف عمار بتأكيد:
"لن أسمح لأيًا منهم أن يؤذيكِ.. لن يستطيعوا فعل ذلك لإنني سأعاقبهم بقسوة إن فعلوا.. سأكون جانبك في جميع الأحوال.. تأكدي من ذلك."
"لا أريد.. لا أريد أن أتزوج.. اتركني هكذا.. لا أريد أي شيء."
قالتها بإصرار باكي، ليتنفس بصعوبة ثم يصرخ بها غاضبًا:
"ماذا تريدين إذا..؟! تبقين هكذا..؟! تعتزلين العالم في غرفتك بعدما فقدتِ شرفك.. تريدين أن تبقي بلا شرف.. نحن في مجتمع لن يتقبل ما حدث لك مهما حدث.. تريدين البقاء طوال حياتك تعانين من عار ما حدث لك."
انتفض من مكانه قابضًا على ذراعها بقسوة مرددًا بعصبية مخيفة:
"أخبريني من فعل ذلك.. أعطيني اسمه.. أخبريني هيا.. سأقتله.. لن أرحمه."
"لا أعرفه.. لا أعرفه.. أخبرتك بذلك."
صرخت بها بأعلى ما يمكن، قبل أن تسقط أرضًا وهي تضرب صدرها بوجع وانهيار، ليتأملها عمار بألم شديد، قبل أن ينحني نحوها محاولًا احتضانها، فتدفعه بقوة.
كرر محاولاته لأكثر من مرة حتى استجابت له أخيرًا وقد فقدت قوتها تمامًا وبدأت في فقدان وعيها تدريجيًا.
وقبل أن تفقد وعيها بين ذراعيه كان آخر ما رددته:
"لا أعرفه.. لا أعرفه.. لا أريد الزواج.. لا تزوجني منه."
***
فتح نديم باب شقته ليجد ليلى أمامه تطالعه بنظرات ثابتة تخفي خلفها الكثير.
"ليلى."
همس بها بتردد، لتدلف إلى الداخل وتغلق الباب خلفها جيدًا، قبل أن تشير إليه أن يتقدم إلى الداخل ليتحدثا.
سار خلفها حتى وقفا في منتصف صالة الجلوس، حيث استدارت له تسأله بقوة وثبات رغم ألمها الشديد منه:
"لماذا فعلت هذا..؟! لماذا يا نديم؟!"
سألها بعدم فهم:
"عن ماذا تتحدثين بالضبط يا ليلى؟!"
ردت بنفاذ صبر:
"أتحدث عن خطبتك من تلك الفتاة.. لماذا تفعل بي هذا؟! هل تحاول أن تنتقم مني من خلالها؟!"
رد بجدية رغم ضيقه من تفكيرها هذا:
"أنتِ أكثر من يعلم إنني لا أفكر بهذه الطريقة ولن أفعل.. أنا أريد حياة زوجة لي ولهذا خطبتها."
"أنت تدمر نفسك وتدمرني معك وتدمرها هي أيضًا."
قالتها بجدية، قبل أن تضيف بعتاب مؤلم:
"تتخلى عن حبنا بكل قسوة ممكنة."
"حبنا."
هتف بها ساخرًا، قبل أن يضيف:
"حبنا لم يعد موجودًا يا ليلى.. حبنا انتهى منذ زمن.. أنتِ قتلتِ حبنا بما فعلتيه.. قتلتيه عندما تزوجت بآخر.. آخر كان أخي."
صاحت بدموع حارقة:
"كنت مجبرة.. مجبرة وأنت أكثر من يعلم هذا."
"وهذا لن يغير من حقيقة إنك أصبحتِ ملكًا لأخي.. لن يغير من هذه الحقيقة شيئًا."
قالها بخيبة واضحة، لتهتف بأسى:
"لم أكن ملكه يومًا يا نديم.. كنت لك دائمًا.. ملكك أنت حتى وأنا على ذمته."
منحها ابتسامة متهكمة، لتجد نفسها تهتف بلا وعي:
"أنا لم أصبح ملكًا لغيرك يا نديم أبدًا.. حتى إنني لم أمنح نفسي لعمار ولا مرة واحدة طوال تلك السنوات."
تغضنت ملامحه بقوة وهو يسمع ما تقوله، فسألها بارتباك:
"ماذا تقصدين؟!"
ردت بصلابة:
"أقصد ما فهمتِه.. زيجتي من عمار لم تكن حقيقية أبدًا.. كانت على الورق فقط.. طوال سنوات لم أسمح له أن يمتلكني.. وعندما كاد أن يفعلها طعنت نفسي.. فضلت الموت على أن أكون له."
هز رأسه نفيًا يرفض تصديق ما تقوله.. هل زواجهما كان على الورق فقط..؟! هل حاولت الانتحار يومها لهذا السبب..؟!
سمعها تضيف والدموع الحارقة تتحرر من عينيها وتسقط فوق وجنتيها بغزارة:
"لم أكن أسمح لنفسي بأن أكون ملكًا لغيرك.. لم أكن لأسمح بهذا أبدًا ومهما حدث.. فأنا لك أنت فقط يا نديم.. لك وحدك وللأبد."
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة علي
تململت في نومتها بعدما سمعت صوت أختها تحاول إيقاظها.
لقد بقيت مستيقظة طوال الليل بعد تركها له بتلك الطريقة، فعادت إلى المنزل بملامح جاهدت كي تجعلها طبيعية. حمدت ربها إنها لم تجد سوى والدتها التي حيتها بإقتضاب مقصود، ثم صعدت إلى غرفتها بأقصى سرعة.
طوال الليل كانت تبكي أحياناً، وتتوقف عن البكاء أحياناً أخرى، حيث تفكر مجدداً بكل شيء يحدث معها. ثم تعود كلماته القاسية تخترق عقلها، فتنهال الذكريات عليها مجدداً، لتنخرط في بكاء مرير لا ينضب.
فتحت عينيها أخيراً، تتأمل حنين التي جلست بجانبها على سريرها تسألها بقلق:
"هل أنتِ بخير؟ إنها المرة الأولى التي تبقين بها نائمة كل هذا الوقت."
اعتدلت حياة في جلستها تسألها بصوت مبحوح قليلاً:
"كم الساعة الآن؟"
ردت حنين بجدية:
"قاربت الثانية ظهراً."
سيطرت الدهشة على ملامح حياة للحظات، غير مصدقة إنها نامت حتى الثانية ظهراً. لكنها عادت وتذكرت إنها لم تغفُ فعلياً حتى الساعة السادسة صباحاً.
"لقد تأخرت في النوم قليلاً البارحة."
قالتها بخفوت، لتومئ حنين برأسها قبل أن تنهض من جانبها تخبرها:
"غيري ملابسك بسرعة، ثم اتبعيني إلى الطابق السفلي فالغداء سيجهز بعد قليل."
هزت حياة رأسها بعدم استيعاب لما تسمعه، وقد عادت ذكريات ليلة البارحة تهاجمها مجدداً.
انتبهت أخيراً على مغادرة أختها غرفتها، لتغمض عينيها وهي تعود بظهرها إلى الخلف، تحاول طرد تلك الأفكار المؤلمة بعيداً عنها.
جذبت هاتفها الذي أغلقتُه البارحة في طريق العودة، لتقرر فتحه أخيراً. فتجد عشرات الاتصالات منه، بل ورسائل لم ترغب بقراءة ما فيها. فأغلقت الهاتف مجدداً، وهي تستند بظهرها على السرير، تشرد بما حدث وكيف انقلبت سهرتهما هكذا.
نهضت من مكانها أخيراً، تتجه نحو الخزانة التي تحوي ملابسها بخطوات رتيبة.
أخرجت ملابس لم تدرك حتى إذا ما كانت متناسقة أو لا، وسارعت ترتديها وهي تفكر إنها ستتحدث مع والدتها بعد الغداء، رغم عدم رغبتها في التواصل معها في أي شيء، لكنها مجبرة على ذلك.
كلام نديم البارحة أعادها إلى نقطة الصفر، فعاد نفورها من والدتها يطفو على سطح مشاعرها من جديد.
غيرت ملابسها وسرحت شعرها، قبل أن تهبط درجات السلم بملامح جاهدت لجعلها عادية.
وجدت حنين مع والدتها في صالة الجلوس، فألقت التحية بخفوت، قبل أن تجلس على مسافة منهما بصمت، لتسمع والدتها تسألها بنبرة بدت لها مترددة:
"هل كنتِ البارحة مع ذلك الشاب الذي يريد خطبتك؟"
تأملتها حياة للحظة بنظرات لا توحي بشيء، قبل أن تومئ برأسها وهي تجيب باقتضاب:
"نعم، كنت معه."
زمّت أحلام شفتيها تردد بعدم رضا واضح:
"فكري مجدداً في قرارك يا حياة. أنتِ تستحقين شخصاً أفضل."
عادت حياة تتأمل والدتها مجدداً، وقد بدت نظراتها هذه المرة غير مريحة، فشعرت أحلام إن ابنتها ستقول شيئاً يشابه نظراتها الجافة قليلاً.
"نديم غني للغاية."
قالتها بصوت بارد لا حياة فيه، فتتأمل نظرات والدتها التي بدت في البداية غير مستوعبة سبب ما قالته. لكن حياة أكملت بنفس النبرة:
"ورث أموالاً وشركات عن والده."
شعرت والدتها بالبرودة تغزو روحها، وقد بدأت تستوعب سبب هذا المسار الذي اتخذته حياة في حديثهما. لتضيف حياة بنبرة لا تخلو من القسوة، وهي تشدد على كل حرف يصدر منها:
"أعلم جيداً ما تفضلينه في الرجال عموماً، ونديم لديه ما ترغبينه أكثر من أي شيء. لديه الكثير من المال والأملاك، وبالتالي سيجعلني أعيش حياة مرفهة رغيدة. بل ربما ستكون حياتي أفضل من حياتك أنتِ أيضاً، فوالده رحمه الله أغنى من زوجك حتى."
أنهت حياة كلماتها، لتلاحظ الجمود الذي كسى ملامح والدتها، بينما حنين تتطلع إليها بلوم دون أن تتفوه بحرف واحد.
صمت تام سيطر على المكان. صمت امتد للحظات مرت كالدهر على ثلاثتهم، خاصة حياة ووالدتها.
أخيراً كسرت أحلام هذا الصمت، حيث هتفت بصوت هادئ، رغم الألم الشديد الذي ظهر في عينيها:
"أنا كنت أتحدث عن وضعه كونه سجين سابق وفي تهمة كهذه. كنت أفكر في مصيرك ومصير أولادك مستقبلاً عندما يدركون ماضي والدهم."
"أخبرتك إنه بريء."
قالتها حياة بهدوء لا يخلو من الجمود. لتهتف والدتها بجدية، محاولة نحي ألمها جانباً في هذه اللحظة:
"الناس والمجتمع لا يدركون ذلك. بالنسبة لهم، هو مجرم كان يتاجر في الممنوعات."
قاطعتها حياة بقوة وثبات:
"لا يهمني الناس ولا المجتمع. لا يهمني أي أحد. أنا أثق كونه بريء، وهذا أكثر من كافي بالنسبة لي."
تبادلت مع والدتها النظرات، قبل أن تستمعا إلى صوت أقدام أحدهم تقترب منهما. فوجدا أشرف يتقدم نحوهم، ملقياً التحية عليهما، حيث قد عاد لتوه من عمله.
بعد الغداء.
دلفت حياة إلى غرفتها، تتبعها والدتها، حيث طلبت حياة منها أن تتحدث معها على انفراد، وفضلت أن يتم الحديث في غرفتها.
أغلقت أحلام الباب خلفها، ثم وقفت بالقرب منها، تتأمل ابنتها التي تقف مقابلة لها، تعقد ذراعيها أمام صدرها، تبدو متأهبة لقول شيء ما.
"أسمعك يا حياة."
قالتها والدتها بجدية، وهي تتأمل تردد ابنتها الذي ظهر بوضوح على ملامحها.
تردد سرعان ما سيطرت عليه حياة، وهي تتحلى بالثبات، وتخبرها بهدوء:
"سأغادر اليوم وأعود إلى منزلي."
تجهمت ملامح والدتها للحظات، قبل أن تسألها بنبرة خافتة منزعجة:
"لماذا؟"
أضافت تسألها مجدداً بلهفة:
"ألستِ مرتاحة هنا؟ هل أزعجكِ أحد؟"
ردت حياة بسرعة:
"أبداً. الأمر ليس كذلك. أنا فقط أشتاق لمنزلي. أرغب بالعودة إليه. ذلك هو منزلي حيث قضيت فيه كل سنوات عمري."
أضافت بجدية وصدق:
"لكنني سآتي دائماً إلى هنا لأجلك ولأجل حنين."
قاطعتها والدته بترجٍ:
"لا تفعلي هذا يا حياة. لم يمر سوى القليل جداً على بقائك هنا، حتى إنني لم أشبع منكِ بعد. لا تغادري الآن. انتظري قليلاً من فضلك. أنا لم أصدق موافقتك على البقاء هنا بجانبي. لم تسعني الفرحة وقتها، لتأتين وتخبريني بعد أيام معدودة إنك ستغادرين."
"افهميني من فضلك. أنا بالفعل لا أرتاح سوى هناك. أعدك إنني سأزورك دائماً."
قاطعتها والدتها مجدداً بألم:
"ولماذا لا تعيشين معي كما يفترض أن يحدث مع كل أم وابنتها؟"
تنهدت حياة وقالت بخفوت موجع:
"هذا الكلام لا يناسبنا نحن، وأنتِ تعلمين هذا. سنوات وكلا منا تعيش في عالمها لوحدها. لذا ما تقولينه غير منطقي على الإطلاق."
"لكنني كنت أرغب بوجودك معي طوال تلك السنوات. كنت أريد أن تعيشي معي بين أحضاني. وأنت تعلمين هذا جيداً يا حياة."
ردت حياة بجمود لم يقتصر على نبرة صوتها فقط، بل كسا ملامحها أيضاً:
"لم أكن لأفعل ذلك. لم أكن لأتخلى عن والدي."
همست أحلام بألم:
"لكنكِ تتخلين عني أنا، أليس كذلك؟"
إسترسلت بصوت موجوع:
"رفضتني سابقاً وتفعلين المثل مجدداً."
صاحت حياة بلا وعي:
"هل أصبح الذنب ذنبي الآن؟ أنا من رفضتكِ بينما أنتِ كنتِ الضحية. هل هذا حقاً ما ترينه وتشعرين به؟ متى تستوعبين بعد إنكِ المذنبة الأولى في كل شيء؟ متى ستفهمين مقدار ذنبكِ في حقي وحق والدي، بل مدى أنانيتكِ وجحودكِ؟"
تطلعت إليها والدتها بعينين باكيتين تهذي بعدم تصديق:
"أنتِ لم تسامحيني بعد. لم تغفري لي ذنبي كما أخبرتني. ما زلتِ تتحدثين بنفس الطريقة السابقة وترينني بنفس السوء."
"الغفران ليس سهلاً يا والدتي العزيزة، خاصة في حالة كحالتنا. لكنني مع هذا أحاول. أحاول أن أنسى وأسامح. أحاول بإستمرار والله يشهد على ذلك. أحاول أن أتجاوز كل ما مررت به. أن أتناسى على الأقل. أحاول أن أقوم بواجبي نحوكِ كما يتطلب الدين والمنطق. ماذا يمكنني أن أفعل أكثر من ذلك؟ ماذا تنتظرين مني أكثر؟"
توقفت حياة عن حديثها بأنفاس لاهثة، وقد شعرت إن هذا الحديث كان قاسياً عليها مثلما كان قاسياً على والدتها.
"أنا أخطأت، نعم أعترف بهذا، لكنني أدركت خطأي بعد أعوام قليلة وجاهدت لإصلاحه."
قالتها والدتها بقوة وثبات، لترد حياة بألم:
"هناك أخطاء يصعب تجاوزها، خاصة عندما تأتي من أقرب الناس إليك."
أضافت والدموع بدأت تأخذ طريقها على وجنتيها:
"أنتِ لا تعلمين ما عايشته بسببكِ وما شعرت به. لا تعلمين كيف استطعت تقبل ما فعلتيه وتناسيه وإدعاء عدم الإهتمام بما فعلته. أنا وصلت لمرحلة تمنيت فيها لو متُ بدلاً مما فعلتيه!"
وضعت أحلام يدها على فمها تكتم شهقة كادت أن تصدر منها، بينما إسترسلت حياة وهي تهز رأسها بإبتسامة متألمة:
"نعم تمنيت ذلك. فشعور الفقدان أهون بكثير من شعور النبذ والخذلان. نعم تمنيت ذلك مراراً، حتى إنني تمنيت لو كذب والدي علي وأخبرني إنكِ ميتة ولستِ حية ومتزوجة من آخر وجدته أفضل منه."
هزت والدتها رأسها نفياً عدة مرات، تحاول أن تكذب ما سمعته، عندما قالت أخيراً بصوت باكي:
"أنا أخطأت نعم، لكنني كنت مضطرة لذلك. كنت صغيرة ولم أتحمل الفقر والحاجة. كنت أرغب بحياة مترفة."
كنت أشعر دائماً إنني أستحق حياة أفضل بكثير من تلك الحياة البائسة التي أعيشها.
هذا ليس مبرراً.
قالتها حياة بإباء، لتومئ أحلام برأسها وهي تمسح دموعها بأناملها وتقول:
معك حق، هذا ليس مبرراً بالفعل. لكنني كما أخطأت حاولت تصحيح خطئي، حاولت التواصل معك مراراً لسنوات، لم أمل يوماً من تلك المحاولات.
بعد ماذا؟ لقد تأخرت كثيراً على ذلك، لقد تأخرت لدرجة إنني كبرت وفهمت ما يحدث، فهمت سبب غيابك، فهمت وليتني لم أفهم فتلك كانت أسوأ طعنة تلقيتها في حياتي.
حياة.
قالتها والدتها وهي تحاول التقدم نحوها واحتضانها، لكنها ابتعدت وهي تضيف باكية:
ربما قد يكون كلامي قاسياً للغاية، لكنه لن يوازي قسوة ما مررت به وما شعرت. كان أسوأ شعور مررت به عندما أدركت إن أول وأقسى ألم تلقيته في حياتي جاء من الشخص الأقرب لي، ممن يفترض إنها الأقرب لروحي وقلبي، منك أنت، أمي.
أكملت بنشيج خافت:
عليك أن تعلمي أيضاً إنني حاولت، حاولت تجاوز مشاعري هذه وفتح صفحة جديدة معك حتى البارحة. كلمات قليلة سمعتها من أحدهم كانت كافية لتحطيم جميع محاولاتي البائسة لأدرك إنني لن أتحرر من ألم تخليك عني مهما حدث.
أنهت كلماتها واندفعت خارج الغرفة ودموعها تهطل على وجنتيها بغزارة.
هبطت درجات السلم بخطوات سريعة ثم اتجهت نحو الباب المؤدي للحديقة عندما توقفت على صوت نضال يناديها مستغرباً حالتها تلك وخطواتها الراكضة.
إلتفتت نحوه بنصف إستدارة فرأى وجهها الباكي قبل أن يجدها تندفع خارج المنزل غير آبهة بندائه القلق عليها.
***
دلف إلى الشقة التي تمكث بها أخته بعد غياب يوم كامل.
أطلق تنهيدة بطيئة وهو يتقدم إلى الداخل ليجد خديجة تخرج من غرفتها وهي تحمل صينية الطعام والذي يبدو إن شقيقته لم تمس منها شيئاً.
هزت خديجة رأسها بأسف ليتنهد مجدداً وهو يتقدم إلى غرفتها.
طرق على الباب بخفة ثم دلف إلى الداخل ليجدها تجلس على السرير تحتضن جسدها بذراعيها وملامحها شاردة تماماً كأنها في ملكوت آخر.
اقترب منها وجلس بجانبها قبل أن يلمس على شعرها بكفه فيراها تنكمش على ذاتها لا إرادياً.
تقدم نحوها أكثر يحيط جسدها بذراعيه يهمس لها بصوت خافت:
لا تخافي يا جيلان، أنا عمار، شقيقك.
شعر بارتجافة جسدها تخف تدريجياً ليجذبها نحو صدره وأنامله ما زالت تمشط شعرها الناعم برقة وحنو.
ظلا على هذه الوضعية لمدة من الزمن حتى أبعدها عنه قليلاً يتأمل عينيها اللتين تتحركان في جميع أنحاء الغرفة بعيداً عن وجهه.
انظري إلي يا جيلان.
أمرها بصوت هادئ رقيق لترفع عيناها في وجهه فتلمع الدموع الحبيسة داخلهما بينما بدأت شفتاها ترتجفان كالعادة.
شعر بنار حارقة تشتعل داخل صدره وهو يراها حالتها تلك ووضعها المأساوي بينما هو عاجز عن فعل أي شيء لها.
عاجز عن مداواتها بل الأسوأ إنه عاجز عن نيل حقها من ذلك المجرم الذي لا يعرف عنه أي شيء فالطبيب أخبره بل حذره بوضوح ألا يتطرق إلى هذا الموضوع الآن فحالتها النفسية لن تتحمل ذلك وهو بدوره لا يعلم أي شيء عما يحدث فلا يعرف كيف حدث ما حدث وكيف تعرضت أخته لكل هذا.
حتى الصور التي أرسلها ذلك الحقير لراغب لم تفيده بشيء بعدما لم يتواصل ذلك النذل مع راغب مجدداً لكي يتفق معه على المبلغ الذي يريده وهذا الأمر يقلقه ويقلق راغب بشدة فتصرف كهذا يبدو مريباً وتبعاته تثير القلق في نفوسهم.
لماذا لا تتناولين طعامك؟
سألها بجدية لتجيب بصوت منخفض بالكاد يسمع:
لا أريد.
أغمض عينيه للحظة قبل أن يفتحها وينحني نحوها محيطاً وجهها بكفيه محاصراً عيناها بلونهما الذي يماثل لون عينيه مردداً بهدوء وقوة في ذات الوقت:
لا تفعلي هذا بنفسك، ولا تخفضي وجهك وتتحدثي بهذه الطريقة، أنت لم تفعلي شيئاً يجعلك تتصرفين بهذه الطريقة، لا تخجلي ولا تشعري بالعار يا جيلان فأنت ضحية والجاني هو من يجب أن يشعر بذلك.
ارتجفت شفتاها مجدداً وهذه المرة لم تستطع السيطرة على دموعها فهطلت على وجنتيها بحرقة ليجذبها مجدداً نحوه صدره يهدهدها كطفلة صغيرة وهي بالفعل كانت طفلة تحتاج الكثير.
هش لا تبكي، لا تبكي يا صغيرتي.
أبعدها قليلاً عنه متأملاً وجهها الباكي بينما جسدها ما زال مرمياً داخل أحضانه فهتف بهيمنة وتسلط يليق به:
ما عاش من يبكيك وأنا حي يا جيلان، أقسم بربي سآخذ حقك كاملاً وسأجعلك ترين ذلك بنفسك.
أقسم بربي إنني سأفعل المستحيل لأعيد لك شرفك وأستعيد حقك كاملاً.
ابتلعت غصتها داخل حلقها دون رد لتسمعه يهتف برجاء:
فقط كوني قوية وساعديني يا جيلان، لا أريد أن تبقي هكذا، محطمة وضائعة.
عندما لم يجد رداً منها قبض على كفها يرجوها مجدداً بلطف أكبر:
كوني أقوى يا جيلان ولا تستمري في حالتك تلك، جاهدي مع نفسك لتتجاوزي ما حدث وأنا معك، خطوة بخطوة.
تأملته بوجع فشدد من قبضته قائلاً:
اتفقنا يا جيلان.
أومأت برأسها أخيراً على مضض ليمنحها ابتسامة خفيفة مصطنعة قبل أن يهمس بنبرة متأنية:
أنت تدركين جيداً إنني لا أريد سوى مصلحتك، تعلمين هذا جيداً، أريدك أن تثقي بي يا جيلان، وأن توافقي على ما سأقوله.
سيطر الخوف على ملامحها بينما أكمل هو بجدية وتروي:
ستتزوجين ابن عمك يا جيلان.
انتفضت مبتعدة عنه بسرعة البرق تصيح بلا وعي:
لن أتزوج، لا أريد.
حاول التقدم نحوها مردداً برجاء:
جيلان ارجوك.
لكنها ابتعدت عنه أكثر تصرخ بقوة:
لا أريد، أنا لا أريد أن أتزوج، لا أريد ذلك.
أضافت تهمس بنحيب مكتوم:
لا تفعل بي ذلك، ارجوك.
جيلان أنا أريد مصلحتك، أريد أن أعيد لك شرفك.
قالها بصدق لتهز رأسها نفياً وهي تصر على رفضها:
لا أريد، لا أريد.
أغمض عينيه محاولاً السيطرة على أعصابه للحظات قبل أن يفتحها ويقول بجدية:
افهميني يا جيلان، أنت الآن صغيرة، لكنك ستكبرين يوماً ما وتفهمين ما أقصده، أنا أريد حمايتك، حماية شرفك الذي لن أسمح لأي شخص أن يمسه بحرف واحد، الزواج سيفعل كل هذا، سيكون زواجاً مؤقتاً يا جيلان، عامان فقط وينتهي، لن يجرؤ أحد على إيذائك طوال هذين العامين كما إنني سأكون بجوارك دائماً، والله لن أتركك لحظة واحدة بدوني ولن أسمح لأي شخص أن يمسك بسوء حتى ذلك الذي سيصبح زوجك.
أضاف بجدية متأملاً بكائها الصمت:
أقسم برحمة أمي التي هي أمك لن يمسك أي مخلوق بسوء فأنا سأكون معك وجوارك دائماً وأبداً.
لحظات وارتفع صوت نحيبها أكثر ليجذبها بقوة نحوه صدره فتتمسك هي بأحضانه وصوت شهقاتها العالية تمزق قلبه وحقيقة إنه سبب كل ما حدث تقتله بلا رحمة.
***
شعرت بجسده الثقيل يسقط على السرير جوارها فرفعت جسدها قليلاً تسأله وهي تتأمل ملامحه المرهقة:
أين كنت يا مهند؟
أجابها وهو مغمض عينيه:
كنت في الملهى مع أصدقائي.
زمت شفتيها تردد بعبوس:
تركتني منذ البارحة لتسهر مع أصدقائك.
لم يجبها بل اكتفى بهمهمة خافتة لتتقدم نحوه وتضع يدها على صدره تسأله بقلق:
أنت بخير، أليس كذلك؟
فتح عينيه يتطلع إليها للحظات قبل أن يسأل ببرود:
تخافين علي يا تقى؟
ردت بسرعة:
بالطبع أخاف عليك يا مهند، أنت زوجي وحبيبي وكل شيء بالنسبة لي.
أضافت وعيناها ظهر فيهما الألم والخوف:
أنا فقط أخاف أن تتركني يا مهند، أخشى أن تتخلى عني.
رفع جسده قليلاً موازياً لارتفاع جسدها قائلاً بجدية:
أخبرتك إنني لن أفعل ذلك مهما حدث، ثقي بي يا تقى.
أومأت برأسها دون رد بينما تقدم هو نحوها يلمس جانب وجهها بأنامله قبل أن يهمس وهو يقرب شفتيه من شفتيها:
اشتقت لك يا تقى.
ضحكت برقة وهي تبادر بتقبيله:
أنا أكثر شوقاً لك يا قلب تقى.
جذبها نحوه يعانقها بحميمية بينما أنامله أخذت تزيح حمالات قميص نومها لينجرفا سوياً يتبادلان الشوق داخلهما بإستمتاع.
بعد مدة كانت تقى تفترش صدره العاري بينما مهند يمرر أنامله فوق ذراعها بصمت.
رفعت وجهها قليلاً تتأمل ملامحه الخشنة الوسيمة قبل أن تطبع قبلة بطيئة على وجنته تتبعها بقبلة أخرى على شفتيه بادلها إياها بسرعة.
ابتعدت عنه أخيراً تهتف بصوت لاهث:
سأقتلك يا مهند إذا فكرت إن تلمس يوماً أي واحدة غيري.
أضافت حيث ظهر التملك واضحاً في نظراتها المجنونة:
جسدك محرم على أي امرأة سواي حتى شفتيك محرمتين على غيري، إن فكرت يوماً أن تلمس سواي فلن أتردد لحظة واحدة في قتلك ثم قتل نفسي بعدها.
تعجب من نظراتها في تلك اللحظة والتي بدت غير طبيعية فسارع يعتدل في جلسته يجذب جسدها العاري سوى من غطاء خفيف يستره داخل صدرها يخبرها بهدوء:
لن أفعلها يا تقى، أنا أحبك أنت ولا أرغب بسواك.
رفعت عينيها نحوه تتأمله بصمت للحظات قبل أن تقول وهي تمرر إصبعها على ذقنه النابتة قليلاً:
ليس بيدي يا مهند، أحبك بل أعشقك، أموت فيك حباً، أهيم بك يا مهند، حاول أن تستوعب قوة مشاعري ارجوك.
أضافت وعيناها تشتعلان بنيران حارقة:
أغار بجنون وفكرة أن تشاركني أخرى بك تقتلني دون رحمة.
لا توجد أي واحدة تشاركني بك يا تقى، جيلان مجرد زوجة على الورق فقط لا غير، أما واقعياً فأنت زوجتي الوحيدة وحبيبتي أيضاً.
تمتمت بعبوس:
اسمها جيلان إذا.
أضافت بجمود:
أحاول التصديق يا مهند، لكنني لا أتخيل أن تكون زوجتك لعامين ولا تلمسها ولو لمرة واحدة.
تنهد بتعب ثم قال:
والله لن أفعل، كيف أجعلك تصدقين ذلك؟
أغمض عينيه بإرهاق لثواني قبل أن يفتحها ويقول بجدية:
زواجي سيكون على الورق فقط، وهذا ليس قراري لوحدي بل قرار البقية.
ماذا تعني بالبقية؟ هل تمزح معي؟
رددتها بعدم تصديق، ليزفر أنفاسه بتعب قبل أن ينهض من فوق سريره ويجذب بنطاله ويرتديه.
توقف أخيراً أمامها، حيث استندت هي على ركبتيها فوق السرير مشدّدة من وضع الغطاء على جسدها، بينما تحدث مهند أخيراً، مفكراً إنها ستقتنع بالطبع بعدما تعلم باتفاقه مع عمار.
"إحدى شروط أخيها لقبول هذه الزيجة هو عدم لمسها مهما حدث. اشترط عليّ أن يكون زواجي منها على الورق فقط."
"ما هذا الشرط المجنون؟!"
غمغمت بها بعدم تصديق، قبل أن تضيف باستغراب:
"هل يوجد شخص عاقل يشترط هذا؟ لماذا يريد تزويجها لك إذا؟"
تمتم مهند ببرود:
"هذا ما حدث وهذا ما أراده، وأنا بالطبع سأنفذه، لأنني من الأساس لم أكن أنوي الاقتراب منها مهما حدث."
اتجه بعدها نحو خزانة ملابسه، يجذب ملابس بيتية خفيفة ويتجه نحو الحمام ليأخذ حماماً سريعاً، بينما نهضت تقى من مكانها وجذبت قميص نومها وارتدته قبل أن تجلس على السرير مجدداً، تفكر فيما قاله مهند وهذا الشرط المجنون من أخ العروس.
خرج مهند بعد مدة من الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة، لتنهض من مكانها وتتقدم نحوه، تهتف بجدية:
"هناك شيء سأقوله يا مهند."
"تحدثي يا تقى."
قالها مهند وهو يحمل عطره ويرش الكثير منه على رقبته وجسده، ليسمعها تقول:
"ألم تفكر للحظة واحدة في شرط أخو الفتاة الغريب؟ هل ترى شرطاً كهذا منطقياً؟ ألم تسأل نفسك ما الغاية من هذا الشرط وما الغاية من هذه الزيجة إذا طالما ستبقى على الورق فقط؟"
التفت نحوها يعقد حاجبيه، مفكراً إنه لم يفكر للحظة في سبب الشرط لأنه من الأساس لا يهتم، فكل ما يريده أن يحصل على حريته وجزء من ميراثه كما وعده راغب، أما أي شيء آخر فلا يهمه.
تنهدت تقى بصوت مسموع، ثم قالت ببطء مقصود:
"السعي لتزويجها منك في هذا السن الصغير مع شرطه بعدم لمسها لا يدل سوى على شيء واحد."
تجمدت ملامح مهند، وقد استوعب أخيراً مقصد تقى، التي أضافت بثقة:
"هناك فضيحة أخلاقية يسعى أخوها لإخفائها من خلال هذه الزيجة. فضيحة لا يريدك أن تكتشفها، لذا وضع هذا الشرط غير المنطقي. من الواضح أن تلك الفتاة ارتكبت إثماً كبيراً، وأنا أجزم إنها ليست عذراء، وأخوها يسعى لإعادة شرفها الضائع من خلالك."
***
كانت تقف أمام البحر تتأمل أمواجه الهادئة بملامح هادئة، رغم الألم المحفور داخل قلبها.
تشعر بثقل كبير يجثم على صدرها، وهي تفكر إن ما عاشته في الآونة الأخيرة يفوق قدراتها حقاً.
تتذكر حياتها سابقاً قبل مرض والدها ودخول نديم حياتها، ثم ما تبع ذلك من عودة والدتها إلى حياتها، فتجد إن كل شيء كان أفضل.
تنهدت بألم عندما شعرت به يقترب منها ويمد يده نحوها بقدح من القهوة، فتناولته منه وهي تشكره بخفوت.
وقف جانبها يتأمل البحر بدوره، يرتشف القليل من قهوته قبل أن يسألها باهتمام صادق:
"هل أصبحت أفضل الآن؟"
أومأت برأسها وهي تجيب بخفوت:
"نعم، الحمد لله."
التفتت نحوه تشكره بنفس الخفوت:
"أشكرك يا نضال."
"على ماذا تشكريني يا حياة؟ لم أقم سوى بواجبي."
تنهدت بصمت وهي تتذكر لحاقه بها وهي تبكي، حيث أوقفها يسألها بقلق عن سبب انهيارها الغريب، فتجيبه باكية إنها متعبة وتحتاج إلى الابتعاد عن المنزل قليلاً.
همت بالتحرك، ليسألها عن وجهتها، فتخبره إنها ستذهب إلى البحر كعادتها عندما تكون حزينة، فتتفاجأ به يعرض عليها إيصالها إلى هناك بإصرار جعلها تضطر أن توافق وتسمح له بتوصيلها.
وفي أثناء الطريق، بدأت تستعيد رباطة جأشها، حيث توقفت عن البكاء أخيراً وهدأت قليلاً، لتشكره بحرج عندما وصلا إلى هناك.
فيبتسم في وجهها قبل أن يخبرها إنه يمكنه مرافقتها، فربما تحتاج إلى رفيق يخفف عليها حزنها هذا أو يشاركها أسباب بكائها، فتوافق بتردد على عرضه، ليهبطا سوياً عند البحر، حيث سألها إذا ما تفضل شيئاً ما، فتخبره إنها تريد القهوة، ليخبرها إنه يفضل القهوة أيضاً، ثم يتجه ليجلبها لكليهما.
منحته ابتسامة خافتة وهي تعاود النظر نحو البحر، لتسمعه يسألها بعد لحظات:
"ألن تخبريني سبب بكائك على هذا النحو؟"
رفعت بصرها نحوه تتأمله قليلاً قبل أن تجيب بخفوت:
"لقد تشاجرت مع ماما قليلاً."
أومأ برأسه متفهماً، بينما عادت هي تنظر نحو البحر تتأمله مجدداً بنفس الصمت.
"ستذهبين إلى الشركة غداً، أليس كذلك؟"
قالها مذكراً إياها بموعد مقابلتها في شركة الأدوية التي يملكها صديقه، فأجابته بسرعة:
"نعم، سأذهب بالتأكيد."
أضافت بجدية:
"أظن إن علي العودة سريعاً لجمع أغراضي قبل أن يحل المساء."
عقد حاجبيه يسألها بتعجب:
"لم ستجمعين أغراضك؟"
ردت بجدية:
"سأعود إلى منزلي."
"ظننتك سوف تستقرين في منزل أبي."
قالها مستغرباً ذلك، فوجدها تغمغم بخفوت:
"كلا، بقيت هناك الأيام السابقة بسبب والدتي وما حدث معها، لكنها طالما تحسنت سأغادر اليوم."
سألها بتريث:
"هل هذا سبب شجاركما؟"
ردت بوجع:
"هو أحد الأسباب، لكنه ليس الوحيد."
صمت قليلاً ثم قال:
"أشعر إن علاقتك بوالدتك ليست طبيعية. يعني لا أقصد التدخل بالطبع، لكن أشعر دائماً بوجود فراغ غريب بينكما."
رمقته بنظراتها البائسة، لتبتسم بانكسار وهي تقول:
"هذا صحيح. علاقتنا بالفعل ليست طبيعية."
سيطرت على ملامحها المتألمة قبل أن تتبع:
"لقد حدثت الكثير من الأشياء في الماضي تجعل هناك العديد من الحواجز بيننا."
"أتفهم هذا."
قالها ببرود، قبل أن يضيف بصوته الثقيل:
"بل أنا أكثر من يتفهمك، لأنني مررت بنفس ما مررت به، ولكن مع الطرف الآخر."
رفعت نظراتها المدهوشة نحوه، ليمنحها ابتسامة هادئة تخفي الكثير خلفها:
"نعم، لا تتفاجئي هكذا. انظري مرة واحدة لي ولوالدي، وستدركين ما أعنيه."
"لكن والدك يحبك."
قالتها بإقرار وهي تتذكر سعادته بعودته، ليهتف بدوره:
"ووالدتك تحبك أيضاً."
صمتت تترقب بقية حديثه، فيقول بجدية:
"لكن حبهما مهما بلغ ليس كافياً لتعويضنا يا حياة."
أضاف وهو يتفحصها بنظراته:
"في كل مرة أنظر فيها لك، أرى نفسي يا حياة، وأخشى حقاً أن يتطور الألم داخلك وتصبيحي مثلي يوماً ما."
"ماذا تقصد؟"
سألته بنبرة متردد، ليمنحها ابتسامة ودودة قبل أن يقول:
"ليس مهماً ما أقصده يا حياة."
أضاف وهو يتنهد بصمت:
"دعنا نغادر، فالوقت قارب على الغروب."
أطاعته وهي تسير معه نحو سيارته، حيث ركبت جواره ليتجه عائداً إلى المنزل.
أوقف سيارته أمام المنزل، ليلتفت نحوها يخبرها بجدية:
"انزلي أنت، فأنا لدي موعد هام سأنهيه وأعود ليلاً."
هزت رأسها بتفهم، قبل أن تهبط من سيارتها تتجه نحو المنزل، لتتوقف على صوته وهو يناديها، فتلتفت نحوه لتجده يفتح باب سيارته ويهبط منها متقدماً نحوها، قبل أن يقف أمامها يتأملها بصمت للحظات، ثم يقول:
"لا تجعلي أي شيء يؤثر سلباً عليك. لا تسمحي لأي شخص أن يؤلمك ويتسبب في بكاؤك مهما حدث."
توترت ملامحها، بينما أضاف وعيناه تحاصران عينيها بطريقة غريبة:
"ابتعدي عن كل ما يؤذيك، ولا تسمحي لأحد أن يكون سبباً في تعاستك، فأنت تستحقين أن تكوني سعيدة دائماً، لا يعكر صفو سعادتك أي شيء."
ابتلعت ريقها بتوتر وهمت بالحديث، لكنها فوجئت به يمد كفها يربت بها على ذراعها وهو يضيف أخيراً:
"أتمنى أن تفكري مجدداً في أمر مغادرتك المنزل، فوجودك معنا يسعدنا كثيراً."
منحها أخيراً ابتسامة صافية، لتبادله حياة ابتسامته تلك بتوتر، غافلة عن تلك العينين المشتعلتين اللتين تراقبهما منذ أن وصلا إلى المنزل.
كان نديم يراقبهما بانفعال مكتوم، متأملاً ابتسامة نضال الصافية وتلك اللمعة الخاصة في عينيه، وابتسامة حياة المرتبكة، فيشعر بنيران حارقة تجتاح روحه بلا رحمة.
***
وقف عمار بجانب أحد أصدقائه يتأمل الموجودين في هذا الحفل، والذي لم يكن سوى حفل زفاف ابن أحد رجال الأعمال المهمين في البلاد، والذي تجمعه به علاقة جيدة، بل يشتركان في عدة صفقات مهمة.
كان يتابع الحفل بملل، فهو في مزاج لا يحتمل أي نوع من الحفلات.
تأمل راغب الهاشمي، الذي دلف إلى الحفل برفقة بعضاً من أفراد عائلته، متأملاً تلك التي تتأبط ذراعه باستغراب، فيهمس لصديقه بتساؤل:
"هل راغب الهاشمي متزوج يا ضياء؟"
ضحك ضياء بخفة، ثم قال:
"نعم، ألا تعلم؟"
رد عمار بجفاء:
"ظننته عازباً."
ابتسم ضياء بخفة وقال:
"متزوج وأب لطفلين أيضاً."
"طفلين؟"
همس بها عمار بدهشة، قبل أن يتأمل تلك التي تقف بجانبه تتبادل التحية مع بعض الموجودين بملامح ناعمة بسيطة، بل إن كل شيء بها بسيط، بدءاً من فستانها المحتشم للغاية وتسريحتها الكلاسيكية، ووجهها الذي يكاد يجزم إنه شبه خالٍ من مساحيق التجميل.
لا ينكر إنها تحمل قدراً من الجمال رغم بساطتها، لكن هناك شيء بها مبهم.
عقد حاجبيه بتعجب وهو يلاحظ انكماش جسدها عندما لف زوجها ذراعه حول خصرها، وكأنه ليس زوجها ووالد طفليها كما أخبره صديقه، بل انتبه أيضاً لنظرات راغب الصارمة، والتي تخفي الكثير وتحمل رسائل مبطنة لها، جعلتها ترسم ابتسامة كاذبة على شفتيها.
أفاق من تأملاته على صوت صديقه يخبره:
"إنها لا تخرج معه سوى نادراً. أكاد أجزم إنها المرة الأولى التي أراها في حفلة لا تخص العائلة."
"غريب."
تمتم بها عمار بتعجب، ليسمع صديقه يضيف:
"نعم، هو غريب بالفعل."
أضاف وعيناه تلمعان بمكر:
"أنت لم تر خطيبته السابقة. كانت شعلة مثيرة."
حدق عمار به مستغرباً، ليبتسم ضياء وهو يهز رأسه ويضيف:
"الجميع يحسده عليها، لكنها تركها فجأة وسط دهشة الجميع، ليتزوج بعدها من ابنة خالته."
أضاف بأسف:
"الكثير يقولون إن تلك الناعمة سرقته منها، مع إنني لا أصدق ذلك، فهي تبدو بريئة هادئة، بينما الأخرى كانت قوية متوهجة."
هتف عمار بغلطة:
"لا تغرك المظاهر يا ضياء."
لا أحد يعلم ما يوجد خلف هذه الواجهة البريئة الناعمة.
"معك حق."
قالها ضياء بجدية قبل أن يمازحه:
"أنت بالطبع لا تعلم أيًا من هذا لإن لديك دوما أشياء أهم."
تجاهل عمار مزحته وعاد يرتشف من كأس عصيره القليل لينسحب صديقه متجهًا إلى أحد معارفه لغرض التحية. أخذ يدور ببصره في أرجاء المكان قبل أن تتجمد نظراته للحظات وهو يراها تتقدم نحوه بشكل لم يتوقع أن يحدث يومًا.
لقاءه بها لم يكن في الحسبان.
لكن يبدو أن القدر يخطط بشكل مختلف تمامًا. شكل لا يشبه ما يسعى هو إليه.
لا ينكر أن هناك شيئًا ما تحرك بداخله فرؤيته لها أعادت إليه ذكريات بعيدة.
ذكريات يدرك جيدًا أنه تجاوزها ولكن أثرها ما زال موجودًا بداخله.
لم تتغير كثيرًا. ما زالت فاتنة كما هي. وما زال كل شيء بها مميزًا. مثاليًا.
"كيف حالك؟"
سألته بتروٍ بينما عيناها تلتهمان تفاصيله لا إراديًا.
تغير كثيرًا وازداد وسامة. لطالما كان وسيمًا بملامحه الرجولية الجذابة وعينيه الخضراوين.
ملامحه وسيمة لا تخلو من الحدة التي تضاعف من جاذبيتها.
خشن هو في شكله وأسلوبه وتصرفاته لكن خشونته محببة.
عيناه هو الأخرى طافت على ملامحها ببطء.
توقف أخيرًا وأجاب ببرود:
"بخير. وأنت؟"
ابتسمت وهي تجيب بعذوبة:
"أنا بخير."
"متى عدت من الخارج؟"
سألها بنفس البرود فتعجبت من معرفته بأمر سفرها لتجيبه:
"منذ خمسة أشهر تقريبًا."
أومأ برأسه متفهمًا ثم سألها:
"وماذا عن زوجك؟ سمعت إنه من أكبر رجال الأعمال."
قاطعته بقليل من الحسرة:
"تطلقت."
حسرتها وهي تتحدث كانت واضحة.
تأملت جمود وجهه المريب فسألته بتردد:
"وماذا عنك؟ ألم تتزوج بعد؟"
هز كتفيه يجيب ببساطة:
"بلى تزوجت."
ابتسمت بخفة وهي تردد متسائلة:
"ومن سعيدة الحظ؟"
ابتسم مرددًا باستخفاف:
"بالتأكيد ليست سعيدة حظ وهي تتزوج بزير نساء مثلي."
فهمت مغزى حديثه فتنحت مرتبكة قليلاً لتسمعه يقول بابتسامة ماكرة:
"على العموم زوجتي تعرفينها جيدًا فهي صديقتك المقربة."
عقدت حاجبيها بتساؤل ليردف بنبرة متسلية:
"أنا تزوجت ليلى يا شيرين."
والصدمة المرسومة على وجهها جعلته ينتشي كليًا بكل غريب.
"ليلى؟!"
همست بها بعدم تصديق ليومأ برأسه وهو يبتسم لها باستهزاء فتهمس بصوت مرتجف قليلاً:
"مبارك لكما الزيجة."
اكتفى بإيماءة من رأسه مدعيًا عدم الاهتمام بينما عيناه تلتقطان كل خلجات وجهها عندما سمع صوتًا مرحًا يصدر خلفه ليجدها تتقدم وهي تهمس بعدم تصديق:
"شيرين! متى عدت؟"
ابتسمت شيرين بتصنع وهي تستقبل تحيتها وترد عليها:
"أهلاً مريم. لقد عدت منذ أشهر قليلة."
تأمل عمار فستانها المفتوح بملامح غير راضية بينما ابتسمت مريم وهي تسأل بعفوية فهي لطالما أحبت شيرين التي تعرفها منذ الطفولة فهي صديقة ليلى المقربة طوال سنوات الدراسة:
"حقا؟ الحمد لله على سلامتك. كيف حالك وما أخبارك؟"
ابتلعت شيرين غصتها وهي تغمغم:
"لقد تطلقت."
تمتمت مريم بأسف:
"أوه آسفة لذلك. لا بأس. سيعوضك الله خيرًا بدلًا منه."
أضافت بثقة:
"الرجال لا يوجد أكثر منهم وأنت جميلة ورائعة وتستحقين أفضلهم."
ابتسمت شيرين برقة وقالت:
"أشكرك على إطرائك يا مريم."
بادلتها مريم ابتسامتها وقالت بحماس:
"ليلى ستفرح بعودتك كثيرًا يا شيرين. لا أظن أنك اتصلت بها بعد؟"
نظرت شيرين نحو عمار بملامحه اللامبالية ثم عادت تنظر إلى مريم وتجيب:
"كلا لم أفعل."
ثم همست معتذرة وهي تريد الفرار بسرعة:
"اعذريني يا مريم لكنني يجب أن أغادر الآن. أراك مجددًا إن شاء الله."
ثم انسحبت بسرعة تاركة مريم تتابع أثرها بتعجب قبل أن تلتفت نحو عمار تتأمله بملامح مزدريّة لتهم بالانصراف لكنه سارع يقبض على ذراعها يهمس لها بهيمنة:
"إلى أين يا صغيرة؟ ألن تلقي التحية على زوج أختك على الأقل؟"
رمقته بنظرات حارقة ليحذرها:
"لا تنسي إننا في حفل عام والأنظار ستتجه نحونا فورًا في حال صدر أي تصرف متهور منك."
زمت شفتيها بعبوس قبل أن تبتسم بتصنع فيبتسم بدوره لها بتهكم قبل أن يسألها:
"ماذا تفعلين هنا؟"
تجهمت ملامحها وهي تجيب ببرود:
"العروس صديقتي المقربة."
عقد حاجبيه يردد بتعجب:
"غريب. لا يبدو على العروس أنها صغيرة لهذه الدرجة."
احتدت ملامحها وهي تقول:
"ليست صغيرة. لقد تجاوزت عامها الحادي والعشرين."
منحها ابتسامة هازئة دون رد لترمقه بنظرات كارهة قبل أن تتحرك بعيدًا عنه تاركة إياه يتابعها بملامح محتقنة من فتحة فستانها الواسعة.
***
بعد مدة من الزمن في منتصف الحفل.
وقف بجانبها يتأمل الحفلة أمامه بملامح جامدة لا توحي بشيء بينما عقله وقلبه وروحه معلقة بها.
هي التي تقف بجانب بكل خيلاء تنظر إلى الموجودين بملامح مبتسمة برسمية بينما داخلها يحترق غضبًا وغيظًا من ذلك المتخلف الذي يصر على اقتحام حياتها فتجده أمامها على الدوام يفرض نفسه عليها بكل سماجة ممكنة.
نظر إليها بطرف عينيه متأملًا فستانها الجريء كالعادة بطوله الذي بالكاد يصل إلى منتصف فخذها وتلك الفتحة الواسعة التي تظهر المسافة بين ثدييها بسخاء.
"ألن تكفي عن ارتداء الفساتين الفاضحة يا مريم؟"
استدارت نحوه على الفور تمنحه نظرة نارية ولسانها يهتف بحدة خافتة:
"ما شأنك أنت؟ أنا أرتدي ما يعجبني وما أجده لائقًا بي."
"وهل تجدين قميص النوم هذا يليق بك؟"
قالها ببرود وهو يتأملها بوقاحة مقصودة مما جعلها بالكاد تسيطر على عصبيتها وهي تخبره بغضب مكتوم:
"احترم نفسك ولا تتدخل مرة أخرى فيما لا يعنيك."
التوى فمه بابتسامة متهكمة ليومأ برأسه وهو يردد بصوت هازئ:
"كما تريدين يا آنستي."
صدح صوت الموسيقى الهادئة عاليًا في أرجاء المكان حيث بدأ البعض يتجه إلى ساحة الرقص ويرقص على هذه الموسيقى.
شهقت بصدمة عندما وجدتة يقبض على كفها ويسحبها معه اتجاه ساحة الرقص.
ضغطت على أعصابها بقوة وإضطرت إلى مسايرته كي لا تتسبب بفضيحة في المكان فشعرت بذراعيه القويتين تلتفان حول خصرها من الجانبين تجذبانها نحوه أكثر.
لفت ذراعيها حول عنقه وهي ترمقه بنظراتها المحتدة فوجدته يبتسم لها بهدوء مستفز.
"أنت ماذا تريد بالضبط؟ هل تنوي التسبب بفضيحة علنية لنا؟"
سألته بخفوت وملامح مشدودة لتسمعه يرد بنفس الهدوء المغيظ:
"لماذا تقولين هذا؟ ما الخطأ الذي فعلته الآن؟"
كزت على أسنانها وهي تهتف بنبرة ساخطة:
"رقصنا سويًا هكذا هو خطأ كبير بل ومثير للشبهات أيضًا. ماذا سيقول الناس عنا؟"
أجاب ببساطة كادت تقتلها:
"ليقولوا ما يقولون. الناس يتحدثون بالسوء دائمًا وبكل الأحوال."
"ربما أنت معتاد على التحدث عنك بسوء أما أنا فالجميع يحترمني ويذكرني بالخير."
خرجت منها قوية صلبة لتجده يبتسم ملأ فمه وهو يتحدث قائلاً:
"ثقتك الشديدة بنفسك هي أحد أسباب إعجابي الشديد بك يا مريم."
ردت ببغض وعداء واضح:
"لا أريد إعجابك يا عمار ولا أحبه من الأساس."
هز رأسه بعدم اكتراث ثم استمر في مراقصتها عندما حاولت التحرر منه لكنه منعها من ذلك وهو يخبرها بصرامة:
"لن أسمح لك بالابتعاد عني قبل توقف الموسيقى."
نهرته بضيق:
"ماذا تفعل أنت بالضبط؟ أنت تتصرف بجنون."
ثم هتفت بسرعة وترجٍ عندما وجدت أكرم يدلف إلى القاعة:
"لقد جاء أكرم. اتركني من فضلك."
سألها بصوت متصلب:
"هل تخشين أن ينزعج من رقصنا سويًا؟"
لم تجبه بل اكتفت بنظراتها المحتقنة فأمرها بصوته الحازم رغم انخفاض نبرته:
"أجيبي."
أجابت بصوت متشنج:
"لا أرغب بإثارة ضيقه أو إزعاجه."
"هل تحبينه؟"
سألها بملامح قاتمة وهو يلاحظ خوفها على أكرم وشعوره عندما يراهما سويًا ليجدها تنظر إليه بعينين محتقنتين فيكرر السؤال بقوة وإصرار أكبر.
نطقت أخيرًا بصدق:
"نعم أحبه."
ظهر الألم على ملامحها عندما اشتدت قبضته حول خصرها فخرج صوتها ضعيفًا:
"أنت تؤلمني يا عمار."
"ابتعدي عنه يا مريم."
نظرت له بعدم استيعاب ليكمل بصوت صارم آمر:
"ابتعدي عنه أفضل لك وله."
صاحت بعدم تصديق:
"أنت مجنون حقًا."
ثم أضافت بقوة ولا مبالاة:
"لن أبتعد عنه يا عمار وإياك أن تتعامل معي بهذه الطريقة مرة أخرى وتتآمر علي."
حررت رقبته من ذراعيها وهمت بالابتعاد عنه عندما شعرت بكفه الخشن يقبض على رسغها بقسوة بينما صوته يهمس بجانب أذنها:
"ابتعدي عنه بإرادتك قبل أن تفعلي ذلك إجبارًا."
التفتت بعينيها الثائرتين نحوه تسأله بتردد:
"ماذا تقصد؟"
شعرت بالتوجس من تلك النظرة الشيطانية التي ظهرت في عينيه الخضراوين بينما يخبرها بتوعد:
"هناك طرق كثيرة للتخلص منه يا مريم. طرق لن أتردد في استخدام أقساها لإبعاد هذا الغبي عنك."
"أنت مريض."
قالتها بكره ظهر واضحًا على ملامحها النافرة لتتسع ابتسامته وهو يرد ببرود:
"أنا مريض بك يا قطتي."
"عمار."
همست بها بخوف فقال بسرعة:
"لا تخافي مني أبدًا يا مريمتي."
أضاف بنبرة آمرة:
"استعدي فسنغادر الحفل سويًا."
همت بالاعتراض لكنه سبقها بنبرة لا تقبل نقاشًا:
"كفي عن الاعتراض دون فائدة."
ستغادرين معي حيث سأوصلك إلى منزلك.
أضاف بقوة وتسلط وهو يرمق أكرم الغير منتبه له حتى الآن:
أنا لن أمنحه الفرصة لينفرد بك مهما حدث يا مريم.
كانت تجلس جواره في سيارته وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتتأفف بصمت بينما يضع هو كل تركيزه على الطريق أمامه.
استدارت تنظر إلى الجانب وهي تشعر بالحنق والضيق مما يحدث معها بينما عقلها يفكر في الطريقة المناسبة للتعامل مع هذا المختل الذي يجلس بجانبها وكيفية التخلص منه في أسرع وقت.
استدارت نحوه بعدما وجدته يخرج هاتفه الذي أخذ يرن من جيبه ليجيب على المتصل بسرعة قبل أن يصرخ بصوت عال:
متى حدث هذا؟ سآتي فورًا.
ثم سارع يتجه بسيارته نحو الاتجاه المعاكس وقد ضاعف من سرعتها لتهتف مريم بقلق:
ماذا حدث وأين سنذهب؟
صاح بها بصرامة:
آخرسي ولا تفتحي فمك بكلمة.
لا تعرف كيف مر الطريق عليهما وكيف وصلت سالمة بعدما كاد أن يفتعل أكثر من حادث بسبب قيادته المجنونة.
أوقف سيارته أخيرًا أسفل إحدى العمارات الراقية وهبط منها متجها بسرعة إلى الداخل لتنظر خلفه بتردد قبل أن يغلبها فضولها لمعرفة ما يحدث فتحسم أمرها وتلحق به بنفس السرعة.
ارتقت درجات السلم خلفه كما فعل بدلًا من المصعد لتجده يتجه نحو شقة في الطابق الثاني فيضغط على الجرس بعنف.
تقدمت هي نحوه لاهثة لتجد سيدة كبيرة في السن تفتح الباب فيندفع إلى الداخل لتتبعه هي وفضولها يصل ذروته.
تبعته إلى الغرفة التي قصدها لتنصدم بشيء ما يصطدم بالحائط جانبها بعدما رمته فتاة صغيرة لا تتجاوز الخامسة عشر من عمرها.
تأملت الفتاة بملامحها المجنونة بينما عمار يقف على مسافة منها يتحدث بصوت ناعم لا يليق به:
جيلان، اهدئي من فضلك.
لكن تلك الجيلان لم تهدأ فعادت تحمل بعض الأغراض التي لا تعرف من أين تجلبها وترميها في اتجاهات متفرقة فتنكمش مريم بذعر من أن تتعرض لإصابة على يدها.
تقدم عمار نحوها هامسًا بتوسل:
اهدئي يا جيلان. أنا هنا. معك. بجانبك.
أضاف وهو يراها تنكمش على نفسها:
جيلان حبيبتي. أنا معك وبجانبك.
جحظت عينا مريم لا إراديًا وهي تستوعب ما يقوله لتلك الفتاة الصغيرة بل الطفلة كما تراها أمامها.
اللعنة. هل وصلت به الدناءة إلى هنا؟ يتخذ تلك الطفلة عشيقة له.
ربما زوجته يا مريم.
همست بها لنفسها ونفورها منه يزداد عندما وجدته يحتضن تلك الصغيرة بين ذراعيه بينما الأخيرة تنتفض بخوف.
أنت بيدوفيلي يا عمار. يا إلهي. لا أصدق.
أكملت تهتف بصوت عال ونظرات محتقرة:
بيدوفيلي أيضًا أيها الوغد.
تجمدت نظرات عمار عليها وقد بدت مخيفة بشكل جعلها تدرك إن عقابها هذه المرة سيكون أسوأ مما تتخيل.
حمل عمار جيلان بين ذراعيه متجها به نحو السرير ثم وضعها عليه برفق ليجدها فقدت وعيها تمامًا.
تطلع إليها بألم قبل أن ينهض من مكانه متجها نحو مريم فوقف أمامها قبل أن يصيح بصوت عال:
هاتي بعضًا من الماء يا خديجة.
ثم عاد يرمقها بنظراته الجامدة فيأمرها:
وأنت انتظري في الخارج حتى أتصل بسائقي كي يأتي ويأخذك فلا يمكن أن تعودي بسيارة الأجرة وأنت ترتدين قميص النوم هذا.
أغادر؟ كررها من فضلك. أنا لن أغادر يا عمار.
أضافت بعينين محتقرتين:
أنا سأتصل بالشرطة وأخبرهم إنك تغرر بقاصر. الآن تأكدت إنك مريض حقًا وتحتاج إلى علاج فوري وعاجل.
شهقت بعنف عندما قبض على ذراعها يصيح بها بحزم:
اخرجي من هنا حالا فآخر ما أرغبه سماع كلامك الغبي مثلك. سبحان الله كلما أراك تحدث مصيبة جديدة معي. وجهك لا يجلب لي سوى المشاكل.
أضاف وهو يبعدها عنه بنفور:
تشبهين طائر البومة حقًا. وجهك شؤم علي دائمًا.
وقبل أن تتخصر وترد عليه كان صوته القوي الحازم يصيح بها:
اغرب عن وجهي هيا.
وأمام ثورته المخيفة لم تملك أن تفعل شيئًا سوى الركض خارج الغرفة.
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل العشرون 20 - بقلم سارة علي
غادر المكان بسرعة وملامحه تنطق بالكثير.
اختار المغادرة أفضل من التحدث معها بعدما رآه حيث لا يثق بردة فعله وقتها، خاصة مع ذلك الغضب الذي سيطر عليه كليًا وهو يراها تقف قبالته وتبتسم له بإرتباك خجول.
بينما الأخير يتأملها بعينين مشعتين بهما شيئًا خاصًا استطاع تمييزه بسهولة.
ضغط على مقود سيارته بعصبية وتشتت لينتبه على رنين هاتفه أخيرًا.
والذي أخرجه من حالته تلك ليجذبه فيرى والدته تتصل به.
أجاب على الهاتف مجبرًا رغم عدم رغبته في التحدث مع أحدهم.
عندما جاء صوت والدته يسأله عن أحواله باهتمام ولهفة.
أجابها يخبرها إنه بخير قبل أن يسمعها تطلب منه القدوم إلى الفيلا.
أراد الرفض فلا رغبة له في رؤية أحد الآن.
هو يحتاج إلى الانفراد بنفسه قليلًا وموازنة الأمور داخل عقله.
هم بالرفض لكن سمع والدته تضيف بنبرة تحمل قلقًا واضحًا:
"غالية ليست على ما يرام يا نديم.. أريدك أن تأتي وتتحدث معها فأنت أقرب إليها مني."
صمت قليلًا قبل أن يسأل وقد انتقل القلق إليه:
"هل حدث شيء ما لا أعلمه؟!"
ردت والدته بجدية:
"تعال وتحدث معها بنفسك وهي ستخبرك بكل شيء."
أضافت بتنبيه:
"لكن لا تجعلها تدرك إنني من طلبت منك ذلك."
"حسنًا سآتي."
قالها بصوت لا يخلو من التعب قبل أن يودعها ويغلق هاتفه مغيرًا وجهته حيث الفيلا الخاصة بعائلته.
***
تجلس على سريرها كالعادة تلقي نظرة بين لحظة وأخرى نحو هاتفها.
فهو اتصل بها عدة مرات طوال اليوم وهي بدورها تجاهلت كافة اتصالاته مقررة التمسك بقرارها الذي أخذته.
حملت هاتفها تفتحه وتقلب فيه دون اهتمام حقيقي قبل أن تفتح حسابه على الفيسبوك.
وتتأمل صوره للحظات فيرف قلبها لا إراديًا نحوه.
لكنها تنهر نفسها فورًا.
تحاول إقناع نفسها إن الأمر لا يستحق كل هذا التهويل.
فهي كانت منذ أيام لا تطيق ذكره حتى فمالذي تغير ليؤثر بها هكذا وبهذا الشكل.
أم إنها من كانت تصطنع كرهه ومن داخلها كانت تنجذب إليه بشدة؟!
نهرت نفسها بقوة فهو رغم كل شيء لا يناسبها.
وهي شعرت بذلك منذ أول لقاء.
فكلامه الجريء وصراحته الفجة لم تعجبها بتاتًا.
فهي رغم تحررها الفكري بل المظهري أيضًا لكنها دومًا ما كانت تضع حدودًا صارمة مع الرجال حولها.
لذا فهو لم يلقِ استحسانها منذ البداية.
وجاء موضوع طلاقه وطفله ليزيد الطين بله.
أخذت تقلب في حسابه بفضول فلم تجد سوى بضع صور.
توقفت عند إحداهن حيث كانت تجمعه بطفله يبتسم له بوجه صافٍ وحبه الشديد لابنه واضح داخل عينيه.
أغلقت الهاتف بسرعة تنهر نفسها مجددًا على دخولها حسابه والتقليب به.
لقد اتخذت قرارها وعليها الالتزام به.
وأما عنه ومحاولاته للتوصل معها فستعرف كيف تقطع هذا التواصل تدريجيًا.
سمعت صوت طرقات على باب غرفتها.
ونهضت من مكانها لتتجه نحو الباب وتفتحه فتجد نديم أمامها.
قفزت تحتضنه بسعادة وهي التي لم تره منذ يوم ميلادها.
قبل أن تبتعد عنه بعد لحظات تسأله بقليل من الاستغراب:
"أليس غريبًا وجودك هنا وفي هذا الوقت؟!"
ابتسم بخفة وقال:
"جئت لأراكما أنتِ ووالدتي خاصة إن عمار ليس موجودًا هنا هذه الأيام."
عقدت حاجبيها تسأله بتعجب:
"كيف علمت بعدم قدومه هنا؟! هو بالفعل لم يأتِ إلى هنا سوى مرتين بعد حادثة ليلى حيث يدخل غرفته لدقائق ثم يغادر بعدها."
رد بسرعة:
"أمي أخبرتني بذلك."
أضاف يسألها:
"هل ستتركيني واقفًا عند الباب؟! ألن تطلبي مني الدخول؟!"
قالت بسرعة وهي تضرب على جبينها بيدها:
"بالطبع تفضل."
ضحك وهو يدلف إلى الغرفة مغلقًا الباب خلفه.
قبل أن يجلس على الكنبة الموضوعة جانبًا فتجلس هي بدورها جانبه تسأله:
"إذا كيف حالك؟! وكيف حال حياة؟! لم أتواصل معها بعد عيد ميلاد حيث انشغلت ببعض الأمور لكنني سأتصل بها غدًا."
رد باقتضاب:
"بخير."
سألته بحماس:
"متى ستقيمان حفل خطبتكما؟! هل ستطلبها من والدتها أم.."
قاطعها بسرعة وعاد الضيق يغزوه مجددًا:
"اتركينا من حياة الآن."
ثم أضاف بنبرة جعلها طبيعية كي لا تشك غالية بشيء:
"هي الآن مشغولة في وضع والدتها الصحي لذا سنؤجل كل شيء حتى يستقر وضعها وتطمئن هي عليها."
ابتسمت قائلة:
"شافاها الله وعافاها."
أضافت بجدية:
"وما أخبار عملك؟! هل بدأت بتنفيذ المشروع؟!"
قاطعها مجددًا:
"اتركينا مني الآن.. أريد التحدث معك."
"يبدو إن مجيئك إلى هنا ليس عفوياً كما توقعت."
قالتها بخفة ليبتسم وهو يقول:
"ذكاؤك دومًا ما يثير إعجابي يا شقيقتي."
ضحكت بعفوية ثم قالت:
"ماما من طلبت منك المجيء لأجلي، أليس كذلك؟!"
تنهد وقال:
"هي لم تقل شيئًا سوى إنك لست على ما يرام."
أكمل يتساءل بهدوء:
"ماذا يحدث معك إذا يا غالية؟!"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
"ليس شيئًا مهمًا يا نديم.. مجرد شاب يحاول التقرب مني."
"من هو؟!"
سألها بهدوء محاولًا السيطرة من ضيقه من فكرة أن يتقرب شاب من أخته.
لكنه يدرك إن غالية لم تعد صغيرة كما إنه يثق بحكمتها ورزانتها.
لذا فلا داعي للخوف لكن رغما عنه يغضب قليلاً من الفكرة أو ربما يغار على شقيقته وحيدته.
"شاب عادي يا نديم.. اسمه فراس ولديه أعمال مشتركة مع شركتنا."
صمتت قليلًا ثم قالت بصراحة فهي لا تحب الكذب عمومًا خاصة مع شقيقها الذي تجمعها به علاقة وطيدة:
"حاول أن يتحدث معي أكثر من مرة بل أرسل لي هدية يوم ميلادي."
سألها وقد تغضن جبينه بضيق واضح:
"هل أخذتيها؟!"
ابتلعت ريقها وهي تومئ برأسها لينتفض من مكانه مرددًا بعصبية:
"كيف تأخذينها؟! كيف تأخذين هدية من شخص غريب؟! كيف تتصرفين هكذا يا غالية؟!"
نهضت غالية من مكانه محاولة تهدئته وقد فاجأتها ردة فعله التي لا تشبه بتاتًا شخصيته العاقلة الرزينة المتفهمة دائمًا.
لتقول بصوت متهدج متوتر قليلًا:
"اهدأ يا نديم.. أنا كنت سأعيدها له."
قاطعها بغضب:
"عيد ميلادك منذ ثلاثة أيام يا غالية.. ماذا تنتظرين كي تعيديها له؟!"
أضاف وهو يحاول السيطرة على غضبه بعدما رأى اضطراب ملامحها:
"افهمي يا غالية.. إنه أمر غير مقبول أن تقبلي هدية من شخص لا يجمعك به أي رابط."
ابتلعت غالية غصتها وقالت:
"معك حق.. لقد أخطأت وسوف أصحح خطئي."
تنفس بقوة ثم قال:
"ماذا حدث بعدما أرسل لك الهدية..؟!"
ردت بصوت خافت متحشرج:
"التقيت به في أحد المطاعم.. تحدثنا قليلًا و..."
صمتت ليسألها بنفاذ صبر:
"وماذا؟!"
ردت بنفس الخفوت:
"وجدت إنه لا يناسبني."
سألها بملامح هائجة وعينين مشتعلتين:
"هل ضايقك؟! هل تصرف بطريقة غير لائقة معك؟!"
أجابت بسرعة ونفي:
"كلا أبدًا.. على العكس تمامًا.. كان محترمًا في حديثه لكن..."
توقفت مجددًا تنظر إلى ملامح أخيها المترقبة لتضيف بتجهم:
"مطلق ولديه طفل."
تجهمت ملامح نديم تمامًا بعدما قالته.
ليهتف بسرعة ودون تفكير:
"مرفوض.. إياك أن تفكري مجرد التفكير به.. أعيدي له هديته واقطعي علاقتك تمامًا به.. لا أنا ولا أمي سنقبل به.. هل فهمت يا غالية؟!"
كان يتحدث بلهجة شعرت بها قاسية و ملامح وجهه الأخرى كانت باردة حانقة بشكل جديد عليه.
وهي التي كانت تنتظر ردة فعل مختلفة منه فهو لطالما عرف كيف يحتويها ويساندها في كل شيء.
أومأت برأسها تكتم دموعها.
ورغم إنها قررت مسبقًا قطع أي مجال للتواصل معه لكن سماعها لرفض أخيها القاطع آلمها بشكل غريب.
"كنت سأفعل ذلك أساسًا."
هز رأسه متفهمًا قبل أن يقول بقوة:
"لا تكرريها يا غالية.. لا يصح أن تقبلي أي هدية من شخص لا تعرفينه ولا يجمعك به أي شيء."
هزت رأسها موافقة ثم رفعت بصرها نحوه لتجد ملامحه محافظة على جمودها.
قبل أن يهتف بجدية:
"لا أعلم لماذا أشعر إن هناك شيء داخلك تأثر به ولكن تأثرك به خطأ شديد عليك إصلاحه بسرعة.. مطلق ولديه طفل يا غالية.. الفكرة لوحدها مزعجة ولا أظن إنك مستعدة لتعيشي ما عاشته والدتي بوجود طفل آخر لزوجها من امرأة غيرها.. لا أنا ولا والدتي سنقبل أن تعيشي نفس الوضع وتصبحين نسخة جديدة من والدتي.. أنت تدركين جيدًا ما عاناه الجميع بل عايشتي كل هذه المعاناة والتي ما زالت مستمرة.
لذا انفذي بجلدك كما يقولون واختاري رجلًا لم تسبقك أخرى إليه قبلك ولا يمتلك طفلًا من امرأة سواك."
ألقى كلماته الأخيرة على مسامعها وغادر.
لتغمض عينيها عينيها بوجع ثم تفتحها وهي تفكر إن ما قاله نديم صحيحًا للغاية.
وإن قاله بطريقة قاسية قليلاً لكن الحقيقة مهما كانت قاسية ستظل أفضل بكثير.
ومن جديد تتأكد إن قرارها هو الصحيح وبالتالي لا رجعة لها عنه.
***
تسير داخل صالة الجلوس ذهابًا وإيابًا وعيناها لا تفارقان تلك المرأة التي تقف في نهاية المكان.
وفي ملامحها حزن شديد مخلوط بالرجاء.
توقفت مريم تتطلع إلى المرأة بتفكير للحظات قبل أن تتقدم نحوها وصوت كعب حذائها العالي يصدح في المكان.
تأملتها خديجة وفستانها المفتوح أثار استنكارها.
لكنها لم تظهر ذلك بالطبع.
بينما وقفت مريم أمامها تصطنع ابتسامة وهي تسأل بلطف كاذب:
"تلك الفتاة..
أكملت تدعي النسيان:
"ماذا كان اسمها؟!"
ردت خديجة بخفوت:
"جيلان."
هتفت مريم بسرعة:
"آه نعم جيلان.. ما علاقتها بعمار؟!"
صمتت خديجة تتأملها مفكرة بما يجب أن تقوله.
وفكرة إن عمار لا يخبر أحدًا عن وجود أخته سيطرت عليها.
وبالتالي هي لا تستطيع أن تتفوه بشيء قد لا يرضيه.
"دعيه هو من يخبرك."
قالتها خديجة بهدوء.
لتضغط مريم فمها بقوة تمنع نفسها من قول شيء غير لطيف.
عندما فتح الباب وخرج عمار من الغرفة يخبر خديجة:
"هي نامت الآن.. ابقَ معها حتى الصباح.. أنا سأغادر الآن وأعود خلال ساعات.. قبل الفجر ستجديني هنا.
ومع هذا إذا حدث أي شيء اتصلي بي.. غدًا ستأتي الأخصائية النفسية باكرًا فكوني جاهزة لاستقبالها."
هزت خديجة رأسها بتفهم ثم استأذنته ودلفت إلى جيلان.
بينما استدار هو أخيرًا نحو مريم ليجدها ترمقه بنظرات مستهجنة.
قبل أن تقول بنبرة هجومية:
"من تلك الفتاة وماذا فعلت بها كي تصل إلى هذه الحالة يا عمار؟!"
لكنه اكتفى بأمرها:
"اتبعيني يا مريم."
أخوك يسبقها بخطوات.
عندما صاحت بعناد:
"لن أتحرك خطوة واحدة قبل أن تخبرني من تلك الفتاة وماذا حدث معها؟! أنت المسؤول عن وضعها هذا.. أنا متأكدة من ذلك."
وقف لفترة في مكانه موليا ظهرها له محاولًا ضبط أعصابه.
لكنها تقدمت نحوه ووقفت جانبه تصرخ به:
"الفتاة تبدو في أسوأ حالة ممكنة.. تتصرف كالمجانين.. وضعها مؤلم.. مالذي فعلته بها بالضبط..؟! لأي درجة ألمتها..؟! هل كنت تعذبها..؟؟ هل غررت بها..؟! اغتصبتها..؟!"
أضافت وهي تقبض على ذراعه بقوة تصيح بها بكره أعمى:
"إنها ما زالت في طور الطفولة.. طفلة كهذه كيف وصلت لهذه الحالة..؟! كيف أصبحت هكذا..؟! ماذا فعلت بها يا عمار..؟! بأي طريقة أذيتها..؟!"
توقفت عن حديثها وهي تراه يحرر ذراعه من قبضتها.
ثم يقبض بدوره على رقبتها دافعًا جسدها نحو الخلف حيث ارتطم جسدها النحيل بالحائط.
لحظات وحرر رقبتها من سجن كفيه.
ليتحدث وهو يثبتها على الحائط خلفه بذراعيه:
"أهملتها.. عاملتها بقسوة.. تركتها وحيدة في عالم موحش كهذا حتى جاء من استغل وحدتها وضياعها.
جاء من اغتصبها بكل وحشية فقتل كل شيء بها وجعلها بالشكل الذي رأيتيه الآن.
مجرد حطام أجاهد لتجميعه.. أفعل المستحيل كي أنقذها من ذلك الظلام الذي وقعت فيه وأنا أدرك جيدًا إنها لن تتحمل ما حدث بسبب عمرها الصغير وبرائتها الفطرية."
زفر نفسه بقوة ثم قال أخيرًا بألم تراه لأول مرة على وجه ذلك الرجل الذي عرفته ظالمًا متجبرًا لا يهزمه شيء:
"إنها أختي يا مريم.. جيلان أختي.. هل أدركت من تكون هي وماذا حدث معها وكيف أصبحت هكذا؟!"
ابتعد عنها بعدها يوليها ظهره مجددًا ويمسح على وجهه يكفيه.
بينما همست هي بصوت غير مسموع وعدم تصديق:
"أخته."
لحظات قليلة واستدار نحوها نصف استدارة يخبرها بصوت آمر والجمود عاد يكسو ملامحه:
"اتبعيني هيا كي أوصلك إلى منزلك."
أضاف بعدها بصوته القوي:
"ولا تفتحي فمك بكلمة واحدة طوال الطريق لإنني لا أرغب بسماع أي شيء في الوقت الحالي."
***
في صباح اليوم التالي.
خرجت من مقر الشركة بملامح فرحة وهي تشعر إن عملها في هذه الشركة سيضيف لها الكثير.
تثق بذاتها وقدرتها على إثبات وجودها حتى تصبح موظفة دائمة.
فهي تعلم جيدًا إنها تمتلك كافة المؤهلات لذلك.
دائمًا ما كانت تطمح للتفوق في مجال دراستها وتحقق ذاتها رغم الظروف الصعبة المحيطة بها.
لكنها كانت مصرة على إثبات وجودها وساعدها ذكاؤها في ذلك.
فاجتهدت طوال سنوات دراستها في المدرسة لتحصل على معدل عالٍ جدًا في الثانوية يؤهلها لدخول كلية الطب.
لكنها اختارت الصيدلة بدلًا عنها.
فهي من وجهة نظرها تحمل مستقبلًا أفضل ويمكنها التقدم بها والنجاح بسرعة أكبر.
وها هي اليوم تخطو أولى خطواتها الحقيقية.
انتبهت لرنين هاتفها فأخرجته من حقيبتها لتجد نضال يتصل بها.
أجابته فورًا:
"مرحبًا نضال."
جاءها صوته الرجولي الرخيم يقول:
"أهلًا حياة؟! أخبريني.. كيف كانت مقابلتك وكيف وجدتِ الشركة..؟!"
ابتسمت بخفة تجيبه:
"المقابلة جيدة للغاية والشركة أفخم بكثير مما توقعت."
قال نضال بجدية:
"لقد حدثني سامر بعد خروجك.. هو معجب بملفك جدًا.. لم تخبريني إنك الأولى على دفعتك في العامين السابقين.. فوجئت عندما أخبرني بذلك."
تنحنت تجيبه:
"أخبرتك إنني متفوقة في مجال دراستي حتى إنني لا أحتاج إلى توصية.. ألا تتذكر..؟!"
رد عليها بهدوء:
"بلى أتذكر."
صمت للحظة ثم قال:
"لكن أنت تكوني من المتفوقين شيئًا وأن تكوني الأولى على دفعتك شيئًا آخر."
"ماذا تقصد؟!"
سألته وهي تشعر بوجود شيء ما خلف حديثه.
فسمعته يقول بجدية:
"سأخبرك بما أقصده عندما ألتقيك مساءً."
ردت بجدية:
"أنا غادرت المنزل صباح اليوم."
شعرت بالانزعاج في نبرته وهو يقول:
"بهذه السرعة."
ثم أضاف بلهجة جادة:
"على العموم سنتحدث لاحقًا فهناك شيء مهم سأخبرك إياه."
ودعها بعدها لتغلق الهاتف وهي تنظر إليه باستغراب وشعور الارتباك بسببه يداهمها مجددًا.
وفي تلك اللحظة تذكرت نديم وتمنت لو كان هو من يتصل بها ويطمئن عليها.
فتخبره بسعادة عما حدث وربما يتحدثان سويًا عن مستقبلها وما ينتظرها.
شعرت بغصة شديدة تحكم قلبها فحاولت أن تسيطر على ارتجافة قلبها بألم صريح.
لتشير إلى إحدى سيارات الأجرة مقررة العودة إلى منزلها عازمة على إزاحة نديم من أفكارها حاليًا.
رغم إدراكها جيدًا صعوبة ذلك.
***
دلفت إلى غرفة أختها بعدما طرقت على باب الغرفة أكثر من مرة.
أغلقت الباب خلفها وتقدمت إلى الداخل لتجد مريم تجلس على سريرها والغطاء يغطي النصف السفلي من جسدها.
ترتدي بيجامتها الخفيفة المكونة من شورت قصير وتي شيرت ذو حمالات رفيعة وتضع السماعات في أذنها.
ورغم إن عيناها مفتوحتان لكنها بدت شاردة في ملكوت آخر.
ويبدو إن صوت الموسيقى الصاخب جعلها لا تشعر بدخولها إلى غرفتها من الأساس.
اقتربت منها وجلست جانبها لتشعر بها أخيرًا.
فتزيل سماعاتها بسرعة وهي تبتسم بخفة متأملة مظهر ليلى الأنيق.
ورغم إن ليلى دائمًا ما كانت أنيقة للغاية بل هي تحرص دائمًا على انتقاء كل ما هو أنيق ومميز.
وبالتالي طلتها هذه شيء معتاد بالنسبة لها.
لكن ما جذبها حقًا ملامحها التي استعادت جزءًا من حيويتها بشكل أسعد قلبها وجعل الأمل يعود داخلها بأن تتجاوز ليلى محنتها تلك أخيرًا.
"صباح الخير."
قالتها ليلى بابتسامة صادقة.
لترد مريم تحيتها وتضيف متسائلة:
"ما سر كل هذه الأناقة..؟! هل لديك موعدًا هامًا..؟!"
ابتسمت ليلى وردت بهدوء:
"شيئًا كهذا… ربما لا تعلمين بعد لكنني باشرت عملي في الشركة البارحة."
هتفت مريم بتعجب:
"ستعملين في الشركة..؟! غريب."
أومأت ليلى برأسها وهي تهتف بخفة:
"هو غريب قليلًا خاصة إن مجالي دراستي مختلف تمامًا.
إضافة إلى إنني لم أرغب يومًا في العمل في مجال التجارة."
صمتت لوهلة ثم قالت:
"لكنني غيرت رأيي وأحببت أن أشارك والدي في إدارة الشركة."
إسترسلت بنبرة مقصودة:
"وأنتِ بالطبع ستنضمين إلينا بعد تخرجك."
ابتسمت مريم وقالت بحماس:
"ربما سأتدرب في الأشهر القادمة من العطلة."
"سيكون رائع."
قالتها ليلى تدعمها في قرارها مفكرة إن عليها التوغل في الشركة وعلى مريم أيضًا فعل ذلك.
بعد اكتشافها لوجود أخ يشاركهما في كل شيء.
هتفت مريم بتردد:
"ولكن ما سبب هذا التغيير..؟! هل حدث شيء لا أعرفه..؟!"
حركت ليلى كتفيها تردد ببساطة:
"أدركت إن لا شيء يستحق ما كنت أفعله وأدركت إنني خسرت سنوات من عمري هباء دون أن أحرز أي تقدم ولو بسيط في حياتي."
عقدت مريم حاجبيها تسألها بحيرة:
"ولم الآن بالذات أدركت هذا..؟! ما الذي تغير..؟!"
زفرت ليلى نفسها ثم قالت:
"ليس مهمًا يا مريم كل ما تسألين عنه.. المهم إنني أدركت واستوعبت وهذا بحد ذاته يكفيني حاليًا."
"أنا سعيدة لأجلك حقًا يا ليلى… ربما كنت أقسو أحيانًا عليكِ في حديثي لكنني كنت أريد مصلحتك.. كنت أريدك أن تخرجي من تلك الشرنقة التي سجنتِ بها نفسك."
ابتسمت ليلى رغم ألمها لتلك الذكريات.
ثم قالت وهي تربت على كف مريم:
"لم أنزعج منك يومًا يا مريم.. أنا أتفهم جيدًا سبب ذلك وأعلم إن غايتك الوحيدة هي مصلحتي وأتفهم أيضًا طبعك الحاد قليلًا."
"إذا متى ستتطلقين من ذلك الوغد..؟!"
قالتها مريم بحماس.
لتختفي ابتسامة ليلى بشكل أثار قلق مريم.
التي سمعت أختها تجيب أخيرًا بهدوء وثبات:
"لن أتطلق منه يا مريم.. الآن فقط.
طبعًا… لكنني سأتطلق في المستقبل القريب وفي الوقت الذي أحدده أنا."
تجهمت ملامح مريم وهي تستمع إلى ما تقوله أختها.
لتسألها فجأة وبوجوم:
"هل تراجعت عن دعوة الطلاق..؟!"
اكتفت ليلى بإيماءة من رأسها.
لتزم مريم شفتيها بعبوس قبل أن تهم بقول شيء ما.
لكن ليلى سبقتها وهي تقول بجدية:
"هذه المرة لم أتراجع لأجله وليس خوفًا من عمار أيضًا.. هذه المرة تراجعت لأجلي.. لأجل مصلحتي."
"أنا لا أفهم أي شيء."
هدرت بها مريم بعبوس.
لتقول ليلى بثقة:
"ستفهمين كل شيء وحينها ستدركين إن تصرفي هو الصحيح."
أضافت بترج:
"فقط كوني جانبي يا مريم فأنا أحتاج دعمك هذه الفترة أكثر من أي شيء."
سارعت مريم تقول:
"بالطبع سأكون معك.. أنا دائمًا جانبك يا ليلى.. أنتِ أختي الوحيدة.. ليس لي سواك ولستِ لي سواي."
سيطر الضيق على ملامح ليلى للحظات من حديث مريم.
وهي تتذكر أمر أخيها السري.
لتهتف بابتسامة مريرة:
"نعم نحن فقط لا غير."
أضافت تدعي التفكير:
"هل تعلمين..؟! ربما لو كان لدينا أخ سيكون الوضع مختلف قليلًا."
عقدت مريم حاجبيها تردد بنبرة مستهجنة:
"كيف سيختلف..؟!"
قالت ليلى عن قصد تحاول اكتشاف ردة فعل مريم.
رغم إن داخلها تدرك ردة فعلها جيدًا:
"يعني ألا يقولون وجود الأخ نعمة.. يعني الأخ سندًا لأخواته و..."
قاطعتها مريم بتهكم:
"ما هذا الكلام القديم يا ليلى..؟! أنت بالطبع تمزحين.. لا أظن إنك تفكرين حقًا بهذه الطريقة المتخلفة."
ابتسمت ليلى بتوتر وقالت:
"أنا فقط أفكر إن وجود أخ معنا ربما كان أفضل لنا حيث يقف بجوارنا ويحمينا."
قاطعتها مريم بعنفوان:
"لا طبعًا.. الأمر لا يفرق أبدًا.. أنا وأنتِ ندعم بعضنا دائمًا ولسنا بحاجة لأي شخص.. وإذا كنت ترين نفسك بحاجة لأخ حقًا فاعتبريني أخوكِ وستجديني دومًا سندك لك بل سأقتل من يحاول الاقتراب منك أو إيذائك."
ضحكت ليلى رغم دموعها التي تراكمت داخل عينيها تأثرًا.
لتعانق مريم بخفة وهي تقول:
"أنتِ حقًا وجودك نعمة في حياتي."
بادلتها مريم عناقها ثم ابتعدت عنها.
لتسمع ليلى تقول بتأني:
"أنا فقط أحيانًا أفكر قليلًا.. ما الذي يجعل والدي يكتفي بنا دون أن يحصل على صبي يحمل اسمه ويرث اسمه عائلته..؟! أنت تعلمين إن الرجال يريدون الصبي دائمًا مهما أحبوا بناتهم.. فكيف إذا كان الرجل كوالدي بمكانته وثروته وفوق هذا وحيد عائلته..؟!"
مطت مريم شفتيها تردد:
"نصيبه يا ليلى.. أراد الله أن تخسر والدتي رحمها أثناء حملها الثالث بل وخسرت الصبي الذي كانت تحمله أيضًا.. ووالدك بدوره تقبل هذا فجميعنا ندرك مدى حبه لها."
ابتسمت ليلى بسخرية لم تنتبه مريم لها.
والتي أكملت بشرود:
"رغم اختلافي معه في أغلب الأمور إلا إنني لا أستطيع أن أنكر إعجابي الشديد نحوه في هذه النقطة… هو يحب والدتي كثيرًا ويساندها كثيرًا خاصة أمام أخواته اللاتي يتفنن في تذكيرها دومًا بعدم قدرتها على إنجاب الصبي الذي سيرث اسم جدك المبجل."
صمتت ليلى ولم تعلق.
فكل ما دار في بالها في تلك اللحظة ردة فعل مريم عندما تعلم الحقيقة.
والتي تدرك جيدًا إنها ستكون مخيفة للغاية.
***
كان يعمل على بعضًا من ملفات العمل عندما رن هاتفه.
فسارع يجيب على المتصل والتي لم تكن سوى الطبيبة النفسية التي أرسلها لجيلان صباح اليوم.
سيطر الوجوم على ملامحه وهو يسمع حديث الطبيبة التي أخبرته عن التزام جيلان الصمت وعدم رغبتها في قول أي شيء.
لتحترم هي بالتالي رغبتها وتنسحب مقررة المحاولة معها مرة أخرى بعد يومين.
"ما العمل إذا يا دكتورة..؟!"
قالها عمار بصوت قلق.
ليأتيه صوت الطبيبة الجاد:
"نحن ما زلنا في البداية يا سيد عمار.. لم تمر سوى أيام معدودة على الحادثة.. أنت يجب أن تدرك إن الأمر ليس سهلًا وإن ما يحدث معها وتصرفاتها طبيعية للغاية."
تنهدت ثم أضافت:
"سيد عمار.. جيلان مرت بتجربة بشعة جدًا لفتاة في سنها بل إنها تجربة بشعة لأي فتاة في أي عمر كان.. هي ستحتاج إلى علاج طويل وصبر كبير.
لكن كن واثقًا إنها ستشفى.. نعم شفائها سيأخذ وقتًا طويلًا لكن تأكد إنني سأعالجها بإذن الله..
فقط الصبر يا سيد عمار.. هي تحتاج لعلاج طويل وربما يصل لسنوات.. لكن لا تقلق مع مرور الوقت سأعرف كيف أحصل على استجابات ولو بسيطة منها وتدريجيًا ستتفاعل معي.. نعم شفائها تمامًا قد يستغرق سنوات.
لكن خلال هذه السنوات ستتحسن أوضاعها تدريجيًا وبعد كل فترة ستجدها في حال أفضل من السابق."
"اطمأننت قليلًا بعد كلامك هذا يا دكتورة."
ردت عليه بسرعة:
"اطمئن سيد عمار وثق بي وأنا أعدك إن حالتها ستتحسن مع مرور الوقت.. على الأقل اليوم كانت هادئة صامتة وإن لم تتجاوب معي.. أنا أيضًا سأكتب لك مهدئات تحتاجها قليلًا هذه الفترة."
"حسنًا أنا أعتمد عليك يا دكتورة وكلي ثقة بك."
قالها بجدية قبل أن ينهي المكالمة.
وهو يتنهد بقليل من الراحة وكلام الطبيبة أراحه كثيرًا.
فهذه الطبيبة تعتبر الأفضل في البلاد وقد عالجت حالات ميؤوس منها كما أخبره أحد أصدقائه.
قرر أن يعود ويضع تركيزه أمام أحد الملفات.
عندما فوجئ بليلى تقتحم الباب والسكرتيرة تتبعها محاولة منعها.
استدارت ليلى نحوها تصيح بها بحدة:
"ألا تفهمين..؟! أنا زوجته ويحق لي الدخول إلى مكتبه دون إذن منك."
نظرت السكرتيرة إلى عمار.
لتستدير ليلى نحوه برأس مرفوع وملامح ثابتة.
فيشير عمار إلى السكرتيرة:
"اخرجي أنت الآن."
خرجت السكرتيرة فورًا.
بينما نهض عمار من مكانه متقدمًا نحوها حتى وقف قبالها على بعد مسافة قصيرة يسألها بسخرية:
"هل لي أن أعرف سبب تشريف المدام مكتبي المتواضع..؟!"
وقبل أن تجيب أضاف بجدية:
"إذا كان موضوع الطلاق سبب مجيئك فأخبرتك مسبقًا إنني لن أطلق حتى."
ردت بسرعة وثبات:
"لا أريد الطلاق."
تعجب مما تقوله.
لكنه نحى تعجبه جانبًا وسأل ببديهية:
"لماذا أتيتِ إذا..؟!"
ابتسمت بهدوء قبل أن تجيب بسلاسة:
"أتيت لأخبرك إنني تراجعت عن دعوى الطلاق… كما إنني سأسافر معك إلى روما كممثلة عن شركة والدي لأجل الصفقة التي اتفقتما عليها."
ضحك هازئًا مرددًا بخفة:
"ومن سيقبل بهذا..؟!"
تفاجأت بها تتقدم أكثر منه.
تقف أمامه وتواجهه حيث العين بالعين ونبرتها ثابتة حازمة لا تقبل جدالًا:
"ستقبل يا عمار.. ستقبل إجبارًا عنك.. من الآن فصاعدًا الأمور ستسير كما أريد أنا وأنت بدورك ستتقبل هذا."
هناك شيء ما تغير بها.
ليس شيئًا واحدًا بل أشياء.
كانت تبدو امرأة أخرى.
قد يبدو الشكل نفسه لكن الروح مختلفة.
ونظرة العين تنبئ بشيء ما قادم.
شيء لا يمكن أن يستهين به.
هو أذكى من أن يستهين به.
بدأت اللعبة إذا وعليه أن يشرع كافة أسلحته ضدها.
التوى فمه بإبتسامة جانبية وهو يقول:
"ثقتك الكبيرة مثيرة للإعجاب حقًا."
شملها كاملاً بنظراته متأملًا فستانها الأسود الأنيق والذي يصل إلى منتصف ساقيها ذو أكمام مربعة تغطي النصف العلوي من ذراعيها.
وترتدي من الأسفل حذاء أنيق للغاية لونه مائل للكريمي ذو كعب عالٍ رفيع.
بينما قلادة طويلة قليلًا ناعمة من نفس اللون الكريمي تزين رقبتها.
شعرها الأشقر مصففًا بعناية وملامحها الجذابة تضع عليها القليل من مستحضرات التجميل.
بدت طلتها مميزة تجمع بين الرقي والجاذبية.
هتف أخيرًا وهو ينتهي من تفحصها:
"بل إن كل شيء فيكِ يثير الإعجاب."
تنهدت مرددة بعدم مبالاة:
"سنسافر سويًا إلى روما."
سألها بهدوء:
"ما سبب ما تفعلينه..؟! تراجعك عن الطلاق ورغبتك في السفر معي..؟!"
أضاف بنبرة ماكرة:
"هل هي محاولة منك لإثارة غيرته..؟!"
رمقته بنظرات باردة ثم ردت:
"شيء لا يخصك.. أنا حرة فيما أفعله.. والتراجع عن دعوة الطلاق يصب في صالحك أيضًا على ما أظن."
"كما تريدين.. أنا فقط أتمنى حقًا ألا يكون تصرفك هذا بدافع إثارة غيرته لإنني بصراحه أحزن كثيرًا وأنا أراك لا تهتمين بشيء سواه ولا يشغل بالك غيره."
كزت على أسنانها قبل أن تخبره بقوة:
"لا تتدخل فيما لا يعنيك.. أخبرتك مسبقًا إن هذا الأمر برمته لا يخصك."
"ألستِ زوجي ويحق لي الاهتمام بك وتنبيهك عندما تحاولين إيذاء نفسك."
قالها بعبث.
لترميه بنظرات كارهة قبل أن تطلق تنهيدة مسموعة ثم تقول:
"أريد عنوان منزل والدي الثاني."
أضافت قبل أن يتحدث هو:
"أنا متأكدة إنك تعلم عنوان منزله… أريده من فضلك."
تأملها قليلًا ثم اتجه نحو مكتبه يحمل هاتفه يبحث عن عنوان المنزل فيه.
حيث حفظه في هاتفه.
عاد نحوه ورفع شاشة الهاتف أمامه لتسحبه بسرعة تقرأ العنوان تحفظه عن ظهر قلب.
أعادت له الهاتف وهمت بالتحرك خارجًا.
عندما فوجئت به يهتف بها:
"حاولي ضبط أعصابك يا ليلى… لا تتصرفي بتطرف ولا تسمحي لإنفعالك أن يسيطر عليك.. كوني أقوى منها وتصرفي بطريقة تحافظين من خلالها على مكانتك ومكانة والدتك.. حاولي التصرف بطريقة ذكية بلا تهور قد يقلل منك أمامها."
رمقته بنظرات متعجبة مما يقوله.
ليبتسم بخفة وهو يقول:
"لا تستغربي حديثي.. تذكري إنني مررت بوضع مشابه لوضعك بل عايشته لسنوات.. أعلم مقدار صعوبة ما تشعرينه مثلما أعلم مقدار خوفك من تلك المواجهة.. فقط تحلى بالقوة والشجاعة الكافية فالمواجهة ليست سهلة أبدًا."
ابتلعت ريقها بضعف أخفته بقوة.
ثم سارعت تخرج من المكان.
تاركة إياه يتابعها.
وهناك شعور ضئيل من الشفقة تكون داخله نحوها.
سرعان ما قتله في مهده.
وهو يهز رأسه بخفة مقررا العودة إلى عمله.
***
أمام الفيلا الخاصة بزوجة والدتها وقفت ليلى تتأمل الفيلا من داخل سيارتها.
تتطلع إلى الفيلا من الخارج متأملة فخامتها.
وهي التي تقع في إحدى أرقى مناطق البلاد.
لكن على الطرف الآخر من العاصمة مما يجعل المسافة بين الفيلا خاصتهم وهذه بعيدة للغاية.
أغمضت عينيها للحظات قبل أن تفتحها وتحسم أمرها.
حيث فتحت باب السيارة وهبطت منها متقدمة إلى الداخل.
ليسمح الحارس لها بالدخول بعدما أخبرته إنها تريد رؤية الهانم صاحبة الفيلا.
دلفت إلى الداخل تتأمل الحديقة الواسعة.
حيث بدت الفيلا توازي الفيلا خاصتهم من ناحية الفخامة والرقي.
لكن يبدو إنها أصغر حجمًا من خاصتهم.
فتحت الخادمة لها الباب لتلج إلى الداخل.
حيث تقدمت خلفها نحو صالة الجلوس.
لتتأمل ذلك الصبي الصغير وهو يركض نحو الخادمة يطلب منها شيئًا ما لم تنتبه عن ماهيته.
وهي تتأمله بشعره الأشقر وعيناه الزرقاوان.
وقد بدا شبيهًا بوالدها بل بمريم أيضًا التي لطالما شبهها الجميع بوالدها.
ابتلعت غصتها داخل حلقها.
وهي ترى الطفل يتأملها بنظرات متسائلة.
قبل أن يذهب مع الخادمة.
لتشعر بالغضب يملؤها في تلك اللحظة.
وفكرة إن هذا الطفل الصغير أخيها بدت غير مقبولة بالنسبة لها.
"مساء الخير."
سمعت صوت أنثوي يقتحم المكان.
لتلتفت بسرعة نحوها فتتجمد مكانها للحظات تستوعب ما تراه.
تلك المرآة تعرفها جيدًا.
كيف لا وهي ابنة خال أبيها التي دوما ما كانت تراها في المناسبات.
بل وتزور منزلهم دائمًا مع أفراد عائلة والدها عندما تدعوهم والدتها في أغلب المناسبات الخاصة بهم.
تلك المرأة التي كانت تبدو لطيفة للغاية.
بل إن والدتها تمدحها دائمًا وتخبرها إنها طيبة.
بل والأسوأ كانت تتعاطف معها بعد طلاقها مرتين.
"أنتِ..؟!"
قالتها ليلى بعدم تصديق.
بينما تغضن جبين المرأة للحظات.
قبل أن تحاول رسم ابتسامة على وجهها مرحبة بابنة زوجها الكبرى:
"أهلًا ليلى.. كيف حالك..؟!"
لكن ليلى هتفت بعدم تصديق:
"أنتِ هي زوجته."
هزت رأسها وهي تجيب بهدوء:
"نعم أنا زوجته وأم طفله."
"لا أصدق.. لأي درجة أنتِ حقيرة ووضيعة..؟!"
قالتها ليلى بملامح مشمئزة.
لتصيح بها الأخرى:
"لا أسمح لك.. لا تتجاوزي حدودك معي يا ليلى.. أنا زوجة والدك وأم أخيك.. لا تنسي هذا."
ضحكت ليلى بسخرية ثم قالت:
"وتملكين الجرأة لتتحدثي أيضًا."
"لم أرتكب ذنبًا لأخجل."
توقفت عن حديثها وهي تستمع إلى رنين جرس الباب.
يتبعه دخول والدها الذي يبدو إن هناك من أخبرهم بقدومها.
وقف والدها في المنتصف ينقل بصره بين الاثنتين.
لتبدأ ليلى الحديث تشير إليها بقوة لا تخلو من السخرية:
"هذه يا بابا.. هذه من تزوجتها على أمي.. هذه من اخترتها زوجة لك وأم لطفلك…
ضحكت تضيف:
"أليست هذه ابنة خالك المسكينة..؟! البريئة التي تطلقت مرتين دون ذنب..؟! ابنة خالك التي كانت تأتي لمنزلها وتستقبلها والدتي أفضل استقبال..؟؟ كيف استطعت فعلها يا بابا..؟! كيف تزوجت بها..؟!"
هتفت زوجة والدها بقوة:
"اسمعيني جيدًا.. والدك لم يفعل شيئًا خطأ.. هو من حقه أن يحصل على الصبي الذي يريده."
هتفت ليلى بجدية:
"من الجيد إنك تعلمين جيدًا إن زواجه منك بدافع الحصول على صبي ليس إلا… إذا أنت تدركين إنك مجرد وعاء يحمل الصبي الذي يريده لا أكثر."
"أنا لا أسمح لك.. على الأقل أفضل من والدتك التي عجزت أن تمنحه صبيًا واحدًا حتى."
"سهام اصمتي."
قالها والدها بنبرة حازمة.
لكن ليلى أوقفته بإشارة من يدها وقالت:
"دقيقة من فضلك يا بابا.. تلك التي عجزت عن منحه صبيًا واحدًا لو قطعت نفسك إربًا إربًا ولو أصبحت خادمة أسفل قدميه لن تصلي إلى مكانتها…
تلك التي تسخرين منها هي زوجته الأولى وحبيبته وأم ابنتيه.. تلك التي تتحدثين عنها بهذا الشكل كونت عائلة ناجحة لسنوات وكانت نعم الزوجة التي يفتخر بها زوجها دائمًا وأبدًا.
بينما كنت تنتقلين أنت من زيجة فاشلة لأخرى فأصبحت تبحثين عن أي رجل يقبل بمطلقة مثلك.
لكنك لم تجدي أم تظنين إني لا أعرف تاريخك الأسود في محاولاتك للحصول على زوج يقبل بك..
تلك التي تتحدثين عنها هي الزوجة الأولى والوحيدة أمام الجميع.. أما أنت فكما قلت منذ لحظات.. أنت مجرد وعاء لا أكثر.
ولو كان والدي يحترمك حقًا لما تزوجك وأنجب منك سرًا دون أن يتجرأ ويخبر والدتي بالحقيقة لإنه يعلم جيدًا إنها لن تبقى على ذمته لحظة واحدة وهو بدوره لا يتحمل خسارتها..
لإن والدتي لا تقبل برجل تشاركها به أخرى مثلك أنت..
والدي يحبها لدرجة اختار أن تعيشان انت وابنك الذي تتباهين فيه في الظلام فقط كي لا يخسرها."
تأملت ليلى ملامح زوجة أبيها التي تشنجت تمامًا.
لتسمعها تقول بثقة:
"عماتك يعلمن بزواجنا."
وبالرغم من ألمها مما سمعته إلا إنها لم تظهر ذلك.
خاصة وهي كانت تتوقع معرفة عماتها بالأمر.
لذا ابتسمت ببرود وقالت:
"أعلم.. ولكن ماذا عن البقية..؟! بقية أفراد العائلة..؟! الأصدقاء..؟! العامة…؟!
لا أحد يعلم سوى عماتي وبالتأكيد أخوانك… ولكن أمام الجميع وفي مجتمعنا والدتي هي الزوجة الوحيدة."
"ليلى من فضلك."
قالها والدها برجاء.
لترمقه بنظرات كارهة جعلت قلبه ينتفض بين أضلعه من نظرات لأول مرة يراها من ابنته الكبرى.
بينما أكملت ليلى بقوة وثبات:
"أقسم لك يا سهام إنك لن تهنئي لحظة واحدة في حياتك بعد الآن."
أشارت إلى والدها تصيف عن قصد:
"هذا الرجل والدي وسيظل والدي وإن كنت تظنين بإنجابك الصبي ستأخذينه منا فأنت مخطئة..
هو والدي وأنا وأختي لن نتنازل عن حقنا فيه مهما حدث.
أما حق والدتي فسوف أسترده منك عاجلًا ليس آجلًا."
"أم ولدي."
قالتها سهام بقوة وشموخ مستفز.
لتهتف ليلى بعدم فهم:
"عفوًا..؟!"
فترى سهام وهي تضع كفها على بطنها التي انتبهت لأول مرة على انتفاخها الضئيل:
"أنا حامل مجددًا… الطبيبة أخبرتني إنه صبي… ستحصلين على أخ ثانٍ قريباً يا ليلى."
تجمدت ملامح ليلى بعدم تصديق لما تسمعه.
هناك أخ ثانٍ سيأتي على الطريق.
زوجة والدها تحمل ذكرًا آخر.
الوضع يتقدم نحو الأسوأ.
وماذا عن والدته..؟!
ما وضعها في كل هذا..؟!
***
نظرت حياة إلى هاتفها بشرود بعدما انتهت من مكالمتها مع نضال.
الذي اتصل بها يطلب رؤيتها للتحدث معها في أمر مهم جدًا.
لم تفهم ما يريده منها وسبب إصراره على رؤيتها.
ووجدت نفسها حائرة بين القبول أو الرفض.
وهو يطلب منها أن يلتقيها في أحد الأماكن العامة.
تنهدت بصمت وهي تتذكر قبولها عرضه واتفاقها على مقابلته في مطعم اختارته بنفسها مضطرة لذلك.
بسبب شعورها بالخجل من أن ترفض طلبه.
لكنها الآن تشعر بالندم على القبول.
فهي لا تحبذ مقابلته لوحديهما دون علم نديم.
الذي رغم ما حدث بينهما تشعر بضرورة إخباره.
أساسًا خروجهما سويًا البارحة وذهابهما إلى البحر كان تصرفًا خاطئًا أنبت نفسها عليه كثيرًا.
لكنها بالفعل كانت منهارة لدرجة لم تنتبه لما تفعله.
زفرت أنفاسها بضيق مفكرة فيما ستفعله وكيف ستتصرف.
فكرت ولمعت فكرة في ذهنها سارعت لتنفيذها.
بعد حوالي ساعة دلفت حياة مع حنين إلى المطعم.
حيث ينتظرها نضال.
والدي تعجب عندما رأى أخته مع حياة.
فهتفت حياة بسرعة بعدما ألقت التحية:
"جلبت حنين معي لإننا متفقين منذ البارحة أن نذهب مساء اليوم إلى المول القريب من هنا للتسوق."
هز نضال رأسه رغم إدراكه إنها تقصدت جلب حنين معها لعدم رغبتها برؤيته لوحدها.
ورغم ضيقه من وجود حنين.
لكن إعجابه بها وبتصرفها زاد كثيرًا.
جلستا الفتاتان أمامه.
عندما أشار للنادل حيث دون الأخير طلباتهما.
هتفت حياة تسأله:
"إذا ما هو الشيء الذي أردت رؤيتي لأجله..؟!"
ابتسم بهدوء ثم قال:
"هناك عرض رائع يقدمه سامر صديقي لك."
عقدت حياة حاجبيها بتعجب.
بينما حنين تراقب ما يحدث بعدم رضا.
هتف نضال بجدية يشرح لها مقصده:
"سامر ليس مجرد مديرًا للشركة فقط.. هو أيضًا أحد المسؤولين الأساسيين في قسم البعثات في وزارة التعليم.
عندما رأى درجاتك وتفوقك بل وتحدث معك ورأى كم تتمتعين بثقة واضحة وذكاء أدركه بفطنته وجد بك المؤهلات المناسبة لإرسالك في بعثة إلى الخارج."
"بعثة إلى الخارج..؟!"
هتفت بها حياة بعدم تصديق.
ليومئ نضال برأسه وهو يبتسم بهدوء.
بينما سألت حنين بجدية:
"أين يعني..؟! في أي بلد..؟!"
أجاب نضال بجدية:
"كندا… هناك حيث ستكمل سنتها الأخيرة في إحدى أعرق الجامعات على حساب الدولة وبعدها يمكنها أن تقدم على الدراسات العليا."
هتفت حنين أخيرًا بنبرة ذات مغزى:
"غريب سامر هذا.. من مقابلة واحدة قرر أن يرسلها في بعثة كهذه لا يحصل عليها سوى القليل جدًا جدًا."
هتف نضال بجدية وعيناه تتأملان حياة الساهمة:
"أين الغريب في ذلك يا حنين..؟! هو وجدها تستحق."
هتف بعدها مشيرًا إلى حياة التي انتبهت إلى ما يقوله:
"إنها فرصة لا تقدر بثمن.. فرصة لن تأتيك سوى مرة واحدة يا حياة… هناك في كندا ستجدين كل ما هو أفضل… أنت بالطبع تدركين مدى التطور هناك."
صمتت حياة ولم تعرف ماذا تقول.
ما يقوله نضال لم تتوقع أن يحدث في أبعد أحلامها.
بعثة إلى كندا هي حلم يتمناه الأغلبية.
هناك حيث سيكون مستقبلها مضمون بل حياتها بالكامل مضمونة.
هناك حيث ستثبت نفسها وتتألق في مجال دراستها وربما تصل إلى مراتب عالية.
تعلم جيدًا مدى صعوبة نيلها في بلادها المتأخرة علميًا بمراحل عن كندا.
هل تفعلها وتوافق..؟!
هل تترك كل شيء خلفها وتسافر هناك حيث بداية جديدة ومختلفة كما قال نضال..؟!
وماذا عن نديم..؟!
هل ستتركه هو الآخر..؟!
ابتسمت بسخرية مريرة وهي تهمس لنفسها بألم:
"تتحدثين وكأن تركك له سيؤثر به لهذه الدرجة.. أفيقي يا حياة.. أنت مجرد دواء… دواء يوجد له مئة بديل… دواء لجروحه التي تسببت بها أخرى.. أخرى هي من قتله تركها له وليست ترككِ أنتِ له من سيفعل..!!"