تحميل رواية «حبيسة قلبه المظلم» PDF
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد عدة أعوام ..” تبقى يومين وتخرج من هنا …” قالها صديقه وهو ينظر إلى ملامحه التي سيطر عليها التجهم بشدة ..” ماذا حدث ..؟! ملأ الضيق ملامحك فجأة ..؟!” نظر إليه نديم وأجاب :-” تبقى يومين يا مجد.. يومان وأخرج من هنا وأنا أعلم جيدا ما ينتظرني في الخارج ..” أردف وعيناه تنظران الى الأفق البعيد :-” هل تعلم ..؟! أحيانا أتمنى ألا أخرج من هنا … ادعو الله أن يأخذ أمانته قبل الخروج .. لم أخشَ يوما من شيء إلا إنني الآن أخشى وبشدة من المواجهة .. ” تغضن جبينه برفض :-” أخشى من مواجهة المجتمع ، الأهل والأصحاب ....
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سارة علي
صاحت سهام بحدة :-
” ماذا تقول انت ..؟! انت تهذي بالتأكيد …”
عادت ليلى تجلس مكانها تتأملها بشماتة بينما أكملت سهام بنظرات حارقة :-
” انت تضعني أمام الأمر الواقع .. تمنحني ورقة سخيفة من المفترض إنها تضمن حق ولدي بينما كل شيء في الواقع يبقى تحت سيطرتك …”
هتف بهدوء مصطنع :-
” هذه الورقة ستضمن لك حقوقهما مستقبلا بعد عمر طويل .. وطوال حياتي أنا سأتولى مسؤوليتهما كاملة .. يعني سأقوم بكل واجباتي في حياتي وبعد مماتي سينالان حقوقهما كاملة .. ماذا تريدين أكثر من هذا ..؟!”
هتفت بنبرة طامعة :-
” أريد حقوقهما كاملة على أن تكون تحت تصرفي …”
” تحلمين ..!!”
قالها بصوت حازم قبل أن يضيف :
” انا لم أمت لعد لتطالبي بهذا ..”
رددت سهام هازئة :-
” وحتى لو مت .. لن تمنحني حق التحكم بأي شيء حتى يبلغان سن الشرد ..”
هتف مذهولا :-
” إذا أنت ما يهمك في الحقيقة هي الأملاك وليس ولديكِ ..”
نظرت ليلى الى والدها بشفقة بينما قالت سهام بإباء :-
” توقف يا أحمد .. انا أطالب بما هو حقي …”
نهض أحمد من مكانه فوقفت ليلى لا إراديا تنظر إليه بحذر وقلق من أن يحدث معه شيء سيء وهو الذي خرج لتوه من المشفى عندما سمعت والدها يقول :-
” لا حقوق لكِ عندي .. ”
أكمل بقوة وهيمنة :-
” الشيء الوحيد الذي ستنالينه مني مؤخر طلاقك ونفقتك .. ”
أضاف متحكما بكل شيء هذه المرة :-
” حتى ولدك لن تأخذينه بعد الآن والطفل القادم سآخذه منك حالما تلديه فمن مثلك لا تؤتمن على ولديَّ … ”
نظرت له ليلى بألم لا إرادي مفكرة في وضع الطفلين بينما قالت سهام ببرود :-
” جيد إنك ستمنحني حقوقي كاملة لكن ضع في بالك إنني لن أرضى بهذا .. سأحارب لأنال حقوق ولديَّ ومعهما حضانتهما …”
ضحك أحمد بخفة قبل أن يردد :-
” لا تكوني واثقة الى هذا الحد فأنت لا تعرفيني جيدا يا سهام .. انت لم ترِ حتى الآن سوى جانب معين مني .. يمكنني أن أُريكِ جوانب أخرى كثيرة أثق جيدا إنها ستصدمك ..”
صاحت ليلى فجأة بلا وعي :-
” توقفا أنتما الإثنان .. انا لا أصدق ما تفعلانه .. تتحدثان بهذه الطريقة وتتحديان بعضيكما متناسيين وجود طفل وحده من يتحمل نتائج هذه التصرفات وطفل أخر قادم في الطريق ..”
أكملت تشير إليها بنبرة حزينة مؤنبة :-
” يوجد طفلان بينكما … يجب أن تفكران بهما في كل خطوة تخطيانها وفي أي تصرف تقومان به …”
هدرت سهام بحدة :-
” والدك من فعل هذا .. لو كان يهتم لأمر طفليه لمنحني ما أريد وأنهى هذه المهزلة …”
أخذ أحمد نفسا عميقا يحاول السيطرة على غضبه بينما همست ليلى بنفور :-
” انت لا يمكن أن تكونِ أم … الأم لا تفعل هكذا .. لا تستغل أطفالها … لا تزيد عليهما …”
” وما أدراكِ أنتِ بالأمومة يا حلوتي ..؟! هل جربتها مسبقا وأنا لا أعلم..؟!”
قالتها سهام بتهكم لتهمس ليلى وهي ترمقها بإحتقار :
” لم أجربها بعد ولكنني رأيتها أمامي وأعرف قيمتها وأهميتها … أعرف إن الأم بحق هي من تفعل أي شيء كي تبقى بجانب أطفالها .. تحميهم وتفديهم بروحها إذا إقتضى الأمر .. أعرف جيدا إن الأم بحق هي من تفضل راحة وسعادة أطفالها على كل شيء وأولهم نفسها ..!!”
همت سهام بالرد لكن أحمد قال بجدية :-
” إنتهينا يا ليلى .. واحدة مثلها لن تفهم هذا .. هي لا تستحق أن تكون أم ..”
نظرت له سهام بحدة عندما قال مضيفا :-
” إنظري إلي .. سأعقد إتفاقا معك .. ”
تأملته ليلى بقلق بينما أكمل هو بهدوء :
” سأمنحك مبلغا ماليا ضخما يضمن لكِ حياة مرفهة حتى آخر عمرك ومعه عقد الفيلا بشرط أن تتنازلي عن حضانة الطفلين لي فأنا لا أريد لهما أن ينشئان مع أم مثلك …”
هزت ليلى رأسها برفض مفكرة بوضع الطفلين اللذين سوف ينشئان بدون أمهما بينما تأملته سهام بملامح جامدة عندما همست أخيرا تتسائل ببرود وقد أدركت إن جميع الطرق باتت مغلقة تماما في وجهها مثلما أدركت إنها خسرت طليقها الى الأبد فهو بات يعرفها جيدا وتمثيل البراءة ومحاولة كسب عطفه لن تجدي شيئا :-
” كم المبلغ …؟!”
جحظت عينا ليلى بعدم تصديق رغم إدراكها مدى حقارة تلك المرأة بوضوح عندما أخبرها أحمد بالمبلغ لتصمت سهام للحظات تدعي التفكير قبل أن تجيب أخيرا بحسم :-
” موافقة ..”
لم تتحمل ليلى الموقف أكثر فإندفعت خارج المكان بعصبية تاركة والدها يكمل أتفاقه مع زوجته ..!
اندفعت الى غرفة والدتها حيث كانت فاتن تجلس هناك منعزلة منذ وصول سهام لتنتفض من مكانها وهي تجد ليلى تتقدم نحوها ترتمي داخل أحضانها عندما إحتضنتها فاتن بقوة لتشهق ليلى باكية داخل أحضانها ..
ربتت فاتن على ظهرها وهي تشدد من إحتضانها تتسائل بقلق :-
” ماذا حدث يا ليلى ..؟! ماذا حدث يا إبنتي ..؟!”
كانت ليلى مستمرة في بكائها تفرغ من خلاله آلامها التي لا تنتهي .. المشاكل التي تحيطها من جميع الجوانب دون توقف ..
كانت تبكي الماضي ومعاناتها .. تبكي ما حدث بين والديها .. تبكي خوفها على شقيقتها من عمار وآلمها على ما حل بأخيها المسكين الذي لا يعي لشيء والآخر الذي لم يبصر النور بعد …
ظلت على هذه الوضعية بينما أخذت والدتها تهدهدها بحنان كطفلة صغيرة حيث أخذت تخفف عنها بالكلام الذي تبعته بقراءة آيات من القرآن الكريم حتى هدأت ليلى أخيرا بين أحضانها ..
بعد لحظات إبتعدت ليلى وهي تمسح وجهها بكفيها ثم تأخذ أنفاسها عدة مرات عندما إسترخت ملامحا أخيرا وقد ساعدتها نوبة البكاء العنيفة التي سيطرت عليها في التخفيف من ثقل روحها ..
سألتها والدتها وهي تربت على ذراعها بحنو وإهتمام :-
” ماذا حدث يا روحي..؟! ماذا يحدث معك يا ليلى ..؟!”
ردت ليلى بصوت مبحوح :-
” لا شيء …”
أكملت وهي تنظر الى والدتها بمقلتيها الحمراوين وهي تضيف بتروي :-
” انا فقط متعبة قليلا هذه الأيام ..”
قالت فاتن بجدية رغم قلقها :-
” أنتِ تضغطين على نفسك كثيرا يا ليلى والأسوء إنك لا تشاركين همومك وضغوطاتك أحد … تحدثي يا إبنتي .. أخبريني عما يحدث معك .. شاركينا همومك يا ليلى ..”
ربتت ليلى على كف والدتها تردد بإبتسامة مصطنعة :-
” انا بخير .. مشاكل بسيطة معتادة ليس إلا ..”
أضافت بعينين شاردتين :-
” ضغوطات الفترة السابقة ومع تبعها من مواجهة بابا مع طليقته قبل قليل فجرت الألم داخلي ..”
أضافت بعينين عادت الدموع تغزوهما :-
” سهام هذه بلا قلب يا ماما .. تخلت عن طفليها لأجل المال ..”
شحبت ملامح فاتن وهي تتسائل بعدم إستيعاب :
” ماذا تقولين يا ليلى ..؟! كيف يعني تخلت عن طفليها لأجل المال ..؟!”
شرحت لها ليلى :-
” لقد عرض بابا عليها مبلغا ماليا مقابل التنازل عن حضانة عبد الرحمن والطفل القادم وهي وافقت ..”
صاحت فاتن بعدم تصديق :-
” وكيف يفعل والدك شيء كهذا ..؟! ألم يفكر بطفليه ..؟! كيف يمكنهما العيش بدون والدتهما ..؟!”
قالت ليلى بسرعة:-
” لا تلوميه يا ماما .. هو مضطر لذلك وإذا وضعنا العواطف جانبا سنجد إن تصرفه هو الصحيح ..!”
همت فاتن بالتحدث عندما قاطعتها ليلى بجدية :-
” سأخبرك ما حدث قبل قليل وستتأكدين إن الحق مع بابا ..!”
ثم سردت لها ما حدث بين والدها وسهام حتى وصل الأمر الى هنا عندما زفرت والدتها أنفاسها بضيق وهي تردد :-
” لا أصدق ما يحدث ..”
أكملت بشفقة :-
” واقعيا كلاهما لا يهماني ولا يستحقان الشفقة .. فقط الطفل المسكين وأخيه القادم هم من يجعلاني أشفق عليهما وأتمنى لو لم ينتهي الوضع بين والدك وسهام بهذه الطريقة لأجل الصغيرين ليس إلا ..”
تمتمت ليلى بخفوت :-
” وانا مثلك يا ماما .. أشفق عليهما من مصيرهما القادم …!!”
أضافت وهي تهمس لوالدتها بحب :-
” شكرا لك يا ماما ..”
سألتها فاتن بإستغراب :-
” علام تشكرينني يا صغيرتي ..؟!”
ردت ليلى بإبتسامة شاحبة :-
” على كل شيء .. على أمومتك الرائعة وعطائك الذي لا ينتهي .. على حنانك الدائم ورعايتك المذهلة .. شكرا لك يا ماما .. شكرا لوجودك في حياتنا .. شكرا كثيرا ..”
ابتسمت فاتن بعينين دامعتين قبل أن تجذبها داخل أحضانها مجددا تضمها بحنو أمومي بالغ ..!
………………………………………………………………
أراد فراس أن ينتفض من مكانه ما إن سمع حديث شقيقه لكنه لم يستطع فهدر به :-
” انت جننت حتما .. أتزوج من ..؟! تلك العاهرة ..؟!”
قال فادي بجمود :-
” هي أصبحت عاهرة بسببك .. بسبب ما فعلته بشقيقتها المسكينة .. انت دمرتها تماما وجعلتها تلجئ لهذا الطريق ..”
ضحك فراس مرددا بعدم تصديق :-
” انت تدافع عنها ..”
هز فادي رأسه نفيا مؤكدا :-
” أبدا لم أفعل … هي أخطئت خطئا جسيما ولكن هذا لا يلغي حقيقة إنك سبب الخطأ الأساسي وليتك إكتفيت بهذا بل كدت أن تقتلها لذا عليك أن تدفع ثمن أخطاؤك وبعد تفكير طويل وجدت إن هذه الطريقة الوحيدة لذلك رغم إنها لن تغير من حقيقة ما فعلته بها وما تسببت به لها من آلام ومحاولة قتلك لها .. ”
” هذا جنون .. انا لن أتزوج منها وانت لا يمكنكِ أن تجبريني على ذلك ..”
قالها فراس بنبرة عصبيك ليرد فادي ببرود :-
” لا تراهن على ذلك فأنا أستطيع فعل ذلك وأكثر …”
ابتسم فراس ساخرا وقال :-
” حقا وكيف ستفعل ذلك يا سيادة المقدم ..؟!”
إبتسم فادي بنفس البرود وهو يقول :-
“لدي أكثر من طريقة يا فراس لكنني سأختصر الحديث .. ”
رمقه بنظرات ماكرة وهو يضيف بتمهل :-
” ذلك الفيديو ، هل تتذكره ..؟! ”
سأله فراس بتوجس :-
” أي فيديو ..؟!”
رد فادي بهدوء مغيظ :-
” الفيديو الذي صورته فرحة لك ..”
قال فراس بعدم إستيعاب :-
” لقد أخذته وحذفته وإنتهى أمره تماما ..”
إتسعت إبتسامة فادي وهو يقول :-
” صحيح نسيت أن أخبرك .. لقد إحتفظت بنسخة من الفيديو عندي … كنوع من الذكرى يعني ..”
قال جملته الأخيرة هازئا لينتفض فراس من مكانه فيتأوه ألما قبل أن يردد :-
” انت تكذب .. تهددني فقط .. انا أعلم هذا جيدا …”
” أبدا لا أفعل ..”
قالها فادي وأضاف وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله ويبحث عن الفيديو قبل أن يظهره فيقدمه نحو فراس الذي تأمله بعينين جاحظتين قبل أن يحاول الإنقضاض عليه وهو يصرخ بها :-
” لماذا إحتفظت به ..؟! لماذا ..؟!”
أكمل وهو يلتقط أنفاسه :-
“انت وعدتني …”
قاطعه فادي وهو يقبض على كتفيه بقسوة :-
” وانت وعدتني وخلفت وعدك .. هذا الفيديو ما كان ليرى النور لو لم تتصرف هكذا .. لو لم تخذلني يا شقيقي العزيز .. لكن لا بأس .. ستدفع ثمن اخطائك .. خطئا تلو الآخر ..”
هدر فراس من بين أسنانه :-
” لم تكتفِ بما فعلته بي .. لم تكفيك تلك الرصاصة التي ضربت بها قدمي …”
إبتعد فادي عنه يردد لاهثا :-
” كنت تستحقها …”
قال فراس ساخرا عن قصد :-
” نعم أستحقها .. طالما الأمر يتعلق بغالية هانم فأنا أستحق ذلك بل وأكثر ..”
” ماذا تقول انت ..؟!”
سأله فادي بعدم إستيعاب وغضبه يزداد من أخيه ..
” كنت تفعل هذا لأجلها …”
قالها فراس بتهكم ليصيح فادي محذرا :-
” ما هذا الهراء الذي تتفوه به ..؟! هل جننت ..؟!”
ضحك فراس دون مرح وهو يضيف متعمدا :-
” كانت خطيبتي يا فادي .. كنت تفكر بها وهي خطيبتي .. ”
أكمل وعيناه تقسو بنظرات جامدة :-
” كيف جرؤت على هذا ..؟! كيف سمحت لنفسك بهذا ..؟! تتحدث عن الإحترام والشرف وأنت كنت تفكر بخطيبتي يا هذا …”
أنهى جملته الأخيرة بإنفعال مكتوم ليتقدم فادي نحوه يقبض على ياقة قميصه مرددا بصياح :-
” إخرس يا فراس .. لو كنت في حالة غير هذه لما تركتك سليما ..”
هتف فراس بإستفزاز :-
” كلا لا تفعل .. قم بضربي لأجلها كما ضربتني بتلك الرصاصة لأجلها .. غالية هانم ..”
” توقف …”
قالها وهو يكز على أسنانه قبل أن يضيف بصوت قوي :-
” هذه الأفكار لا توجد سوى في رأسك القذر .. رأسك الذي يصور لك إن الجميع مثلك يا فراس .. غالية لا تعنيني بشيء … انا تصرفت معها كما تصرفت مع فرحة لكنك كالعادة لا ترى إلا ما يصوره لك عقلك المريض …”
” أنت وقفت في وجه شقيقك الأكبر لأجلها ..”
قالها فراس بحقد ليقاطعه فادي بحزم :-
” لأجل الحق .. لأجل الحق يا فراس ..!!”
قال فراس بسخرية باردة :-
” جيد .. إستمر على هذا المنوال ولا تنسى إنها كانت خطيبتي يا فادي كما لا تنسى أيضا إنها ليست هينة أبدا فالتي تتعامل مع عاهرة لأجل الإيقاع برجل وتبتزه بهذه الطريقة القذرة تمتلك من الجرأة ما يفوق التصور و لا يمكن أن تمنحها ثقتك أبدا لإن شخص مثلها يمكنك توقع منها أي تصرف مهما بلغت جرئته وقذارته .. ”
” يكفي حقا يا رجل .. انت بالذات لا يمكنك أن تتحدث عمن حولك بهذه الطريق وأنت بأكملك غارق في وحل من القذارة …”
قال فراس ببرود :-
” ومع هذا سأحذرك للمرة الأخيرة .. تلك الفتاة ليست هينة … لا تسمح لها أن تسيطر عليك ..”
هدر فادي بحزم :-
” أخبرتك إنه لا يوجد شيء بيننا ..”
ضحك فراس بخفة وقال :-
” سنرى .. سنرى يا شقيقي العزيز …”
رمقه فادي بنظرات محتقرة قبل أن يندفع خارج المكان يتابعه فراس بتوعد ..!!
………………………………………………………….
فتحت جينا الباب لتجد حياة أمامها بملامح جامدة كليا فتطلعت لها بقلق قبل أن تسألها :-
” هل أنت بخير ..؟!”
دلفت حياة الى الداخل وإتجهت نحو صالة الجلوس حيث رمت حقيبتها على الكنبة وجلست جانبها بنفس الملامح الجامدة تماما لتتقدم جينا نحوها وتجلس جانبها تسألها بإهتمام وتوجس :-
” ماذا حدث يا حياة ..؟! لماذا تبدين بهذا الشكل ..؟! ماذا حدث معك ..؟!”
همست حياة أخيرا بصوت متحشرج وعينين تشكلت الدموع بهما رغم جمودهما التام :-
” طلقني .. ”
” ماذا ..؟!”
هتفت جينا بعدم فهم :-
” ماذا تقولين ..؟! كيف يعني طلقكِ ..؟!”
إبتلعت حياة ريقها ثم قالت بصوت مبحوح :-
” انا ونديم تطلقنا يا جينا .. إنتهى كل شيء .. إنتهينا …”
ضمتها جينا وهي تردد بمواساة :-
” حسنا اهدئي .. يوجد حل لكل شيء ..”
قالت حياة بألم :-
” ألم تفهمي بعد يا جينا ..؟! نحن إنتهينا بالفعل هذه المرة ..!!”
همست جينا وهي تعانقها أكثر :-
” حياة من فضلك ..!!”
لكن حياة فاجئتها وهي تبتعد عنها قليلا تردد بجمود وثبات :-
” لكن هذا أفضل .. هذا ما كان سيحدث أساسا ..جيد ما حدث …”
نهضت من مكانها وقالت تستأذن جينا :-
” أريد أن أرتاح قليلا يا جينا ..”
قالت جينا بشفقة :-
” بالطبع حبيبتي .. خذي راحتك …”
تحركت حياة بآلية متجهة نحو الغرفة التي أعدتها جينا مسبقا لها ..
دخلت الى هناك وجلست على سريرها بتعب عندما خلعت حذائها ورفعت الغطاء لتتمدد بجسدها فوق السرير وترمي الغطاء بثقله فوقها …
شددت من ضم الغطاء نحوها وأغمضت عينيها تريد النوم لا غير ..
حاولت أن تنام دون فائدة فمشاعرها كانت تضغط عليها دون رحمة ..
مريج من الألم والحسرة والخيبة والقهر ..
كل شيء كان يضغط عليها والذكريات تغزوها دون رحمة ..
ذكرياتهما سويا بما فيها من حلو ومر ..
كلماته الأخيرة تتردد داخل رأسها فتتذكر نظرة الخيبة في عينيه .. خيبة كانت هي سببها هذه المرة فيتضاعف شعور القهر داخلها ..
لم تتحمل أكثر فهطلت دموعها بغزازة فوق وجنتيها ..
دموع حارة أغرقت وجهها وعقلها لا يكف عن التفكير بكل ما حدث …
لم تكن تريد هذا .. لم تكن ترغب بنهاية كهذه .
لم تكن تريد أن تؤذيه وتؤذي نفسها ..!!
كانت تبكيه وتبكي نفسها ..
كانت تتألم لأجله كما تتألم لأجلها ..!
تبكي وجعه كما تبكي وجعها …
تحاول أن تقنع نفسها إن هذا الأفضل له ولها فتعود وتتذكر نظراته وحديثه وخيبته فيزداد وجعها ويتضاعف بكائها ..
ظلت تبكي بصمت لأكثر من ساعة عندما شعرت بجينا تفتح الباب وتتقدم نحوها حيث أتت لتطمئن عليها لكنها فوجئت بها مستيقظة وهي تبكي بصمت ..
تقدمت نحوها وجلست جانبها على السرير تهمس بحزن :-
” حياة ارجوك لا تفعلي هذا …”
إزداد بكاء حياة وقد بدأت شهقاتها تعلو فقالت جينا بتوسل :-
” حبيبتي لا تفعلي هذا .. كل شيء سيتحسن …”
ثم حاولت جعلها تنهض من نومتها فإعتدلت حياتها في جلستها ليظهر وجهها كاملا مغطى بالدموع ..
” اهدئي يا حياة ..!”
مسحت حياة وجهها بكفيها عندما تحدثت أخيرا بنبرة مرتجفة :-
” انا اتألم يا جينا .. لا يمكنني تحمل ما حدث …”
أضافت تكتم شهقاتها :-
” أشعر بألم شديد في قلبي يا جينا .. ألم لا يمكن تحمله ..”
همست جينا وهي تردد :-
” طالما تحبينه لهذه الدرجة ، لماذا تركتيه ..؟!”
أجابت حياة بصوت باكي متقطع :
” لإنني لا يمكنني الإستمرار هكذا .. دون مشاعر .. دون حب .. لا يمكنني أن أبني آمالا كاذبة بإنه سيحبني يوما وهو لن يفعل أبدا .. أستجدي المشاعر دون فائدة ..”
أضافت وهي تحدث نفسها ويبدو إنها نست جينا تماما حيث تحدثت بالعربية التي لا تفهما الأخيرة :-
” هو لم يحبني ولن يفعل .. انا مجرد دواء لمشاعره .. مجرد تخدير لا أكثر .. مشاعره لم تتحرك نحوي يوما .. مهما حاولت ومهما فعلت لن أنجح في ربح قلبه .. هو لن يحبني أبدا … ”
أضافت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة :-
” لكن لا بأس .. سأنساه .. هو ليس أول شخص لم يستطع أن يحبني .. هاهي والدتي لم تحبني يوما ومع هذا تجاوزتها وتجاوزت ما إقترفته بحقي .. لن يكون ألم خسارته أكبر من ألم خسارة والدتي ..!!”
كانت جينا تتابعها بحزن عندما إستدارت حياة نحوها وهي تردد وقد تذكرت وجودها :
” لقد إنتهى كل شيء .. حدث ما كان يجب أن يحدث … هكذا فقط …”
أكملت بعدما أخذت نفسا طويلا :-
” يجب أن أتقبل الحقيقة كما هي فأنا أساسا من سعيت لهذا ..”
” ستكونين بخير .. لا تقلقي ..”
قالتها جينت بدعم لتبتسم حياة بحزن وهي تقول بثبات مصطنع :-
” أساسا أنا بخير .. بخير تماما ..”
أنهت كلماتها لتعاود دموعها التساقط فتجذبها جينا نحوها تعانقها بزن لتنهار حياة باكية بين أحضانها مجددا ..
بقيت على هذه الحال لفترة حتى هدأت قليلا فأخذت نفسها ثم قالت تشير الى جينا :
” يجب أن أتخطى ما حدث وأفكر بما هو قادم ..”
سألتها جينا بتوجس :-
” ماذا تعنين ..؟!”
ردت حياة بجدية :-
” لا داعي لبقائي هنا بعد الآن .. يجب أن أعود من حيث أتيت ..”
” ولكنكٍ بدأت دراستك هنا بالفعل .. ”
قالتها جينا بجدية لتقول حياة بصوت مرهق :-
” سأكملها هناك ..”
أضافت بصوت حاسم :-
” يجب أن أعود الى البلاد في أقرب وقت حتى لو إضطررت لتأجيل هذه السنة الدراسية بأكملها..”
……………………………………………………
دلف الى شقته بعدما قضى عدة ساعات في الخارج يتجول في سيارته دون وجهة محددة ..
عقله تعب من كثرة التفكير فلم يتوقف لحظة واحدة عن التفكير بما حدث وكيف آلت الأمور بينهما وإنتهيا بهذه الطريقة ..!!
كان يشعر بخليط من مشاعر الغضب والألم والخيبة والضياع ..
الإختناق طغى عليه كليا خاصة عندما عاد الى شقته فشعر بألم حاد يخنق روحه دون هوادة وهو يتأمل الشقة الفارغة وقد إستوعب حقيقة إنه وحيدا بها دونها ..
ورغم ذكرياتهما القليلة هنا ورغم إنهما لم يبقيا هنا سوى مدة قصيرة لكنه شعر بروحها تتجسد في جميع الأماكن ورائحتها تسيطر على المكان ولمستها في كل تفصيلة …
أغمض عينيه بتعب قبل أن يفتحها ويلقي مفاتيحه فوق الطاولة بإهمال يتبعه بهاتفه عندما توجه بجسد مرهق نحو غرفته …
دلف الى داخل غرفته وهوى بجسده فوق السرير ورغما عنه عاد يفكر بها .. بكل شيء .. بذكرياتهما القليلة سويا … بكل لحظة تشاركها .. بكل حديث دار بينهما .. بكل وجع تقاسماه .. !
لماذا فعلت هذا ..؟! لماذا تركته ..؟!
عاد يسأل نفسه مرارا فلا يجد إجابة واضحة ..
لإنه لم يحبها …؟! وهل الحب مهما لهذه الدرجة ..؟!
هل صور لها عقلها إن الحب أساس نجاحهما سويا وإنهما بدونه لن ينجحا أبدا ولن يستطيعان الإستمرار ..؟!
هذا تصور سخيف لكنه لا يلومها بشكل مطلق ..
فهي تتصرف بهذه الطريقة لإنها لم تعش ما عاشه ..
لم ترَ الحب بصورته الحقيقة ..
حقيقته التي لا تشبه ما يتصوره الناس عنه ..
الحب ليس كما تعتقد هي .. هو ليس منبع السعادة وليس أساس الحياة والعلاقة الزوجية ..
هي لن تفهم هذا ولكنه يفهم ذلك ..
ما جمعه بها ليس الحب وهذا بحد ذاته كان سيكون كافيا لبناء علاقة حقيقية متينة لا تعتمد على المشاعر فقط .. المشاعر التي تؤذيك أكثر مما تسعدك ..!!
لكنها لم تفهم هذا ولن تفعل ..
عقلها يفكر بطريقة واحدة فقط ..
لديها إعتقاد راسخ داخلها إن الحب هو أساس كل شيء وبدونه لا يكتمل أي شيء ..
إعتقاد سخيف فما بينه وبينها ليس حبا ولكنه مهما وعميق ..
ما يجمعهما أشياء كثيرة ربما أعمق من الحب حتى ..
ليتها تفهم إن روحه تعلقت بها وإن وجودها في حياته جاء ليملأ تلك القطعة الناقصة في حياته ..
هي بإختصار نصفه الثاني الذي يكتمل به كل شيء وتتوازن به مشاعره وروحه ويرتاح كيانه كليا ..
ليتها فقط تدرك هذا .. ليتها تستوعب هذا ..
إعتدل بجسده يستند على السريز خلفه وهو يمسح وجهه بكفيه لينظر نحو السقف بعينين غائرتين قبل أن يتمتم بضياع :-
” يا إلهي .. متى سينتهي كل هذا .. ؟! متى سأجد راحتي المنشودة ..؟! متى سأصل الى سلامي النفسي ..؟!”
تسائل مرارا دون رد ..
عادت الذكريات تغزوه .. ذكريات تجمع بين ماضيه وحاضره ..
عاد عدة سنوات الى الوراء ..
عندما كان شابا يافعا مليئا بالحياة ..
تذكر كيف كانت تسير حياته بشكل مثالي ..
كل شيء يسير بالشكل الذي يريده …
كل شيء كان مثاليا ..
تذكر حبه لليلى .. مشاعره القوية نحوها .. حبه الصادق لها ..
تذكر ما تشاركه معها من حب ومشاعر صادقة بدأت منذ المراهقة ..
تذكر نجاحه وتفوقه في دراسته ثم عمله ..
مدى التقدم الذي حققه في كل خطوة كان يخطيها ..
تذكر كل شيء حتى وصل الى ذلك التاريخ عندما لم يعد أي شيء كما كان ..
عندما تلقى تلك التهمة الشنيعة وألقي في السجن لسنوات ..
تذكر ضعفه وألمه حينها ..
تذكر زواج محبوبته من أخيه ..
تذكر عذاب الحب الذي حطم قلبه بل كيانه كاملا ..
رجولته تحطمت كليا بزواج ليلى من عمار الذي لم يكتفِ بتحطيم مستقبله ..
تذكر إنكساره وخذلانه …
تذكر كيف تحول الى شخص آخر محطم تماما بارد القلب والمشاعر مليء بالندوب التي لا تشفى ..
تذكر ما تلى ذلك من خروجه من السجن ومعاناته وعذابه وشعوره بالضياع التام رغم وجوده وسط عائلته وأصدقائه ..
كل شيء بدا حوله مظلما تماما حينها حتى دخلت هي حياته وأرغمته على الخروج من قوقعته ..
يوما تلو الآخر كان يتعلق بوجودها في حياته …
يوما تلو الآخر كان يغرق معها تماما فينسى كل شيء عداها ..
هي وحدها من إخترقت ظلامه ..
هي وحدها من منحت روحه المشتعلة السكينة وهي وحدها من منحته الحياة التي ظن إنه فقدها دوم رجعة ..
لكنها خذلته .. مرة تلو الآخرى .. خذلته مرارا ولم ترأف بحاله .. خذلته دون تردد .. خذلته كما فعل الكثير من قبلها …!
شعر بالدموع تملأ عينيه لا إراديا مفكرا إن خذلانها هي بالذات كان أصعب ما يكون والأصعب منه هو أن يطلقها ..
لكنه لم يجد حلا آخرا ..
ليس بعد كل ما فعلته …
ليس بعدما أذته مرارا وتكرارا ..
كان لا بد أن ينهي هذه المهزلة ..
لا بد أن يمنحها حريتها وهي التي بدت مقيدة تماما معه .. تدعي السعادة كذبا .. تفقد روحها وحيويتها مع مرور الأيام .. !!
هو لم يخطأ في تصرفه .. كان لا بد أن يحررها ويحرر نفسه … هكذا أفضل .. أفضل لكليهما ..
أخبر نفسه بذلك قبل أن يتأمل السرير فيتذكر وجودها بين أحضانه في الليالي الأخيرة فيختنق حلقه بوجع عندما نهض من فوق سريره وإتجه خارجا ..
جلس على الكنبة وحمل هاتفه عندما وجد عدة رسائل أتته من كنان …
تجاهلها كليا قبل أن يحسم أمره وهو يجري إتصالا يحجز تذكرة طيارة له فهو قرر العودة الى البلاد ومواجهة خصمه بنفسه …
لا فائدة من بقاءه هنا بعد مغادر حياة حياته ..
سيعود مجددا وهذه المرة سينال حقه بيده حتى لو كلفه ذلك حياته بأكملها ..
…………………………………………………………
في صباح اليوم التالي ..
كانت تقف أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة على هيئتها إستعدادا لمغادرة المنزل متوجهة الى الشركة التي غابت عنها البارحة …
إنتهت من إعداد نفسها عندما سمعت صوت طرقات على باب الغرفة يتبعها دخول مريم التي ألقت تحية الصباح قبل أن تتسائل بسرعة :-
” صحيح ما سمعته يا ليلى ..؟! بابا سيمنح سهام تلك مبلغا ضخما مقابل التنازل عن حضانة الطفلين ..؟!”
إلتفتت ليلى نحوها تتأملها عن قرب قبل أن تهز رأسها بصمت مؤكدة صحة ما سمعته لتتقدم مريم نحوها وهي تسألها مجددا :-
” وهل برأيك ستبتعد عن حياتنا نهائيا بعدها أم ستعود بعد فترة و …”
قاطعتها ليلى بجدية :-
” أظن إنها ستفعل ولكن ليس هذا ما يهمني الآن ..!”
سألتها مريم بإهتمام :
” ومالذي يهمك إذا …؟!”
ردت ليلى بتفكير :-
” من أين سيأتي بابا بهذا المبلغ الضخم ونحن نمر في أزمة مالية شديدة هذه الفترة ..؟!”
تمتمت مريم :-
” لم أفكر بهذه النقطة في الحقيقة ولكن انتِ معك حق ..”
عادت ليلى تتأمل ملابسها البيتية فتسألها :-
” ألن تذهبي الى الجامعة اليوم ..؟!”
ردت مريم بلا مبالاة :-
” كلا فلا يوجد لدينا شيء مهم ..”
قالت ليلى بعدم رضا :-
” الدراسة بدأت منذ شهر تقربين وانتِ ما زلت تراوحين في نفس مكانك ولم أركِ تذهبين الى جامعتك حتى اليوم ..!”
قالت مريم بسرعة كاذبة :-
” أبدا والله .. انا ذهبت عدة مرات لكن لا يوجد دوام فعلي .. ”
أضافت تمازحها :-
” كما إنهم لا يحاسبوننا على غيابنا المستمر .. في النهاية هم يريدون المال فقط وأي شيء غيره ليس مهما …”
” وهل انت سعيدة بذلك ..؟! ثانيا حسب علمي فإن جامعتك صارمة نوعا ما رغم كونها جامعة خاصة وحتى لو لم تكن كذلك فأنتِ يجب أن تهتمي بدراستك يا مريم أم تريدين أن ترسبي في نصف المواد ككل علم وتأخذي مادتين معك الى المرحلة التي بعدها .. لا تنسي إنك في المرحلة الأخيرة وهذا الوضع لم يعد مقبولا .. نحن ننتظر تخرجك بسلام لا رسوبك مجددا ..”
ظهر الضيق على ملامح مريم التي هتفت بإنزعاج :-
” فهمت ..”
ثم همت بالتحرك خارج الغرفة عندما أوقفتها ليلى تردد بحزم :-
” لم أنتهِ من حديثي بعد ..!”
إستدارت مريم نحوها ترمقها بنظرات حانقة لتسألها ليلى بنبرة جافة :-
” هل هناك ما يحدث معك ولا علم لنا به ..؟!”
أخفت مريم التوتر الذي سيطر عليها بمهارة وهي تهز كتفيها مجيبة :-
” ماذا سيحدث معي مثلا ..؟! لا يوجد أي شيء ولو كان هناك لأخبرتكم بالتأكيد .. على الأقل كنت سأخبرك انت ..”
تقدمت ليلى نحوها ووقفت أمامها تمنحها نظرات هادئة لكن قوية وهي تهمس لها :-
” أتمنى ألا يكون هنا ما لا أعرفه .. أتمنى ألا تصدميني يوما بك وبتصرفاتك .. ”
سألتها مريم بتردد :-
” لماذا تقولين هذا الآن ..؟!”
أخذت ليلى نفسا عميقا ثم قالت :-
” مجرد تنبيه … انا أخشى عليك يا مريم … اتمنى أن تحكمي عقلك جيدا ولا تتصرفي بطريقة تجلب المشاكل لكِ ولنا أيضا .. لا أنا ولا ماما ولا حتى بابا سنتحمل مصيبة جديدة تقع فوق رؤوسنا .. لقد إكتفينا حقا يا مريم ..”
هدرت مريم بإنفعال ؛
” مالذي تقولينه انتِ ..؟! منذ متى وأصبحت مصدرا للمصائب لكم ..؟! اطمئني يا ليلى .. لن أفعل أي شيء يزعجكم ولن أرتكب أي مصيبة كما طلبتِ …”
تمتمت ليلى بتمهل :-
” أتمنى ذلك حقا يا مريم .. رغم كل شيء أنا أثق بك فلا تخذليني من فضلك ..”
تقاطعت نظراتها بنظرات شقيقتها التي إرتبكت كليا فإبتسمت لها ليلى بتصنع قبل أن تغادر الغرفة متجهة الى الطابق السفلي لتجد والدتها تجلس في صالة الجلوس تحمل بيدها كوبا من القهوة وتبدو شاردة لأبعد مدى …
” صباح الخير ..”
قالتها ليلى وهي تبتسم برقة لتنظر إليها والدتها وقد أيقظتها تحيتها من شرودها فتبادلها إبتسامتها وهي ترد تحيتها قبل أن تسألها بعدها :-
” كيف أصبحت اليوم ..؟!”
ردت.ليلى بخفة :-
” بخير جدا .. لا تقلقي …”
عادت فاتن تسألها وهي تضع الكوب على الطاولة أمامها :-
” إلى أين ستذهبين … ؟!”
ردت ليلى على الفور :-
” الى الشركة …”
أضافت تسألها هي هذه المرة :-
” تبدين لست بخير … هل هناك مشكلة ما ..؟!”
قالت فاتن بجدية :-
” ليست مشكلة … انا فقط أفكر بما هو قادم …”
قالت ليلى على الفور :-
” تتحدثين عن قرار الطلاق الذي أجلتيه بعدما أصاب والدي …”
هزت فاتن رأسها وهي تضيف :-
” نعم هذا وغيره أيضا .. ”
قالت ليلى بدعم صادق رغم ضيقها الداخلي من فكرة إنفصال والديها :-
” انا معك في أي قرار تتخذينه .. المهم أن تكوني سعيدة ومرتاحة ..”
قالت فاتن بصدق :-
” أعلم ذلك عزيزي .. لكن القرار ليس هينا كما يعتقد الجميع .. الطلاق بعد سنوات وأنت وشقيقتك في هذا العمر تبدو صعبة جدا وغير مقبولة ومسامحة والدك أصعب بكثير .. انا حقا لا أعرف ماذا أفعل .. منذ أن إستقر وضع أحمد وعاد الى هنا وبدأت أفكر .. وفي كل مرة لا أصل الى قرار نهائي .. أفكر في الطلاق وتبعاته .. لا أهتم لنفسي ومظهري ولكن انت وشقيقتك جل ما يهمني .. لن أتحمل ما ستتعرضان له من أحاديث ومضايقات وأشياء كثيرة في مجتمعنا الغبي و …”
قاطعتها ليلى بجدية :-
” انت قلتيها .. مجتمع غبي وانت لست مجبرة لأن تضغطي على نفسك فقط لأجل إرضاء المجتمع .. لست اول من تتطلق من زوجها يا ماما .. ها أنا أمامك .. مطلقة أيضا والله وحده يعلم ما يقولنه عني وراء ظهري وكيف ينظرون إلي ..”
قالت فاتن بسرعة :-
” وضعك يختلف عن وضعي يا ليلى .. انت ما زلت صغيرة وأمر طلاقك وارد .. نعم سيتحدثون عنك لكن ليس بقدر ما سيفعلونه معي .. فكرة طلاقي بعد تسعة وعشرين عاما من الزواج تبدو صادمة كما إن الأمر لا يتعلق بي .. لو كان الأمر يتوقف علي فقط لتطلقت دون تفكير ولكن أنت ومريم … أنتما في عمر سيجعل الطلاق صعبا جدا ونظرة المجتمع لكما ستؤذيكما .. أنتما في سن حرج يصعب فيه تقبل إنفصال الأبوين … هل تفهمينني يا ليلى ..؟!”
هزت ليلى رأسها بإيجاب مرددة :-
” أفهمك بالطبع … ولكن انا فقط أخبرك ألا تفكري بنا وتضغطي على نفسك لأجلنا … مهما حدث فأنا ومريم نستطيع تدبير أمورنا ..”
همست فاتن بضعف :-
” أعلم إنكما تحاولان التخفيف عني .. لا تريدان أن تكونان سببا في ترددي أو تراجعي مجبرة … ”
صمتت ليلى ولم ترد بينما أخذت فاتن نفسا عميقا قبل أن تقول وهي تصطنع إبتسامة هادئة :-
” حسنا حبيبتي .. إذهبي انتِ الى الشركة .. لا أريد تعطيلك أكثر …”
تقدمت ليلى نحوها وضمتها برفق تهمس لها :-
” تذكري إنني دائما هنا جانبك ومعك في جميع قراراتك …!”
………………………………………………………….
هبطت من غرفتها متجهة الى خارج الفيلا عندما سمعت والدتها تنادي عليها فإلتفتت تبتسم لها بعذوبة لتسألها صباح :-
” إلى أين تذهبين يا غالية ..؟!”
ردت غالية بخفة :-
” الى الشركة …”
أكملت بجدية :-
” يجب أن أباشر عملي ..”
قالت صباح بقلق :-
” حبيبتي انتِ ما زلت تحتاجين الى الراحة ..”
تغضن حبين غالية وهي ترد :-
” انا بخير يا ماما .. لا تقلقي ..”
أكملت وهي تتقدم نحوها وتقبلها من وجنتيها :-
” انا بخير .. لا تقلقي .. ابنتك قوية يا ماما .. لا شيء يمكن أن يكسرها .. اطمئني …”
ربتت صباح على وجنتها تردد بحب :-
” ابنتي الشجاعة .. حماكِ الله وحفظكِ لي ..”
غادرت غالية الفيلا حيث ركبت سيارتها مقررة التوجه إليه ..
كانت ترددت كثيرا طوال ليلة البارحة في أمر الذهاب إليه وشكره على ما فعله لأجلها فهو أنقذها من مصيبة حتمية بل وضرب أخيه بالرصاص بسببها ..
ظلت مترددة حتى حسمت أمرها أخيرا وقررت التوجه نحوه صباح اليوم وشكره وأخذ هدية معها له كتعبير عن إمتنانها ..
أخذت تفكر في هدية مناسبة تهديها لحضرة الضابط المغرور أثناء قيادتها سيارتها قبل أن تلمع عينيها بمكر وتبتسم بشكل رائق وهي تتوجه نحو أحد أشهر متاجر الورود …
إشترت باقة ورد مميزة بلون ورودها الصفراء ثم غادرت المتجر متوجهة حيث مكان عمله ..
دلفت الى مركز الشرطة فتوجهت جميع الإنظار لها كالعادة خاصة مع باقة الورد التي تحملها ..
سارت بثقة حيث مكتبه عندما توقفت جانبه وهي تسمع صوت صياحه على أحد المتهمين فتراجعت قليلا تسمع حديثه الغاضب حتى طلب من الضابط أن يذهب به الى السجن مجددا ..
تأملت الورود بخفة وهي تتخيل ردة فعله على هذه الهدية المختلفة عندما تقدمت بثقة نحوه حيث دلفت الى مكتبه وهي تردد بإبتسامة هادئة :-
” صباح الخير ..”
نظر لها بعدم إستيعاب متأملا إبتسامتها الرائقة بملامحها التي بدت فائقة الحيوية والجمال ثم طلتها شديدة الأناقة كالعادة ..
كانت أنيقة بشكل مبهر وجميلة بشكل مرهق …
سارت نحوه تتهادى بخطواتها الأنيقة المعتادة وتنورتها الأنيقة المنفوشة قليلا تحيط ساقيها بأنوثة فائقه خاصة بلونها الأزرق الجذاب بينما القميص العلوي بلونه الزهري يمنحها طلة شديدة الرقي والأناقة ..!
مدت يدها بباقة الورد نحوه وهي تبتسم برقة..
” ما هذا الآن ..؟!”
سألها وهو يطالع باقة الورد بإستغراب لتجيب ببساطة :-
” ورد .. إشتريته لك .. تعبير بسيط عن إمتناني لما فعلته لأجلي وإنقاذي من مصيبة كبيرة كادت أن تحل بي …”
رفع حاجبه مرددا بعدم تصديق :-
” ورد ..!! تهديني وردا ..”
أضاف وهو يتأمل المكتب حوله :-
” ورد وهنا ..!! في مركز الشرطة ..”
وكأنه إستوعب أخيرا مكان وجودهما فهدر بإنفعال وهو الذي لم يفهم بعد لماذا تصر القدوم الى مقر عمله :-
” ألم أخبرك مسبقا ألا تأتي هنا …؟! ألم أحذرك من ذلك ..؟! ماذا تفعلين هنا يا غالية ولماذا تصرين على عنادك معي ..؟!”
تجمدت ملامحها وهي ترد بقوة وثبات :-
” عفوا ..!! أعاند من ..؟! من أنت أساسا لأعاندك ..؟! أنت لا تهمني يا سيادة المقدم كي أفكر في معاندتك ..”
أكملت وعيناها تتشدقان بكبرياء:-
” ثانيا انت لست وصي علي لتتحكم بتصرفاتي .. انا حرة فيما أفعله .. آتي الى مركز الشرطة أو أذهب الى السجن حتى .. أنا حرة وأنت لا يحق لك أن تمنعني من القدوم هنا فحسب علمي هذا المكان عام ومفتوح للجميع …”
ردد ساخرا :-
” كما تشائين يا آنسة غالية .. تعالي هنا يوميا بل يمكنك المبيت أيضا إذا أردت ..”
توقف عن حديثه عندما وجد أحد الجنود يدخل وهو يجر خلفه رجلا وجهه مليء بالكدمات ورأسه يحوي جرحا كبيرا غائرا فتأملته غالية بقلق عندما قال الجندي ببساطة وهو معتاد على أمور كهذه :-
” هذا الرجل ضربته زوجته ضربا مبرحا يا سيادة المقدم بعدما جمعت أخواتها ليساعدنها في ذلك ..”
شهقت غالية لا إراديا وهي تستدير نحوه ليبتسم ببرود مغيظ وهو يردد بمكر :-
” هاته يا سليم وإطلب للهانم فنجانا من القهوة الثقيلة فليلتها طويلة معنا ولا تنسى أن تجلب الرجل الذي شنق زوجته بعدما حرق جسدها كاملا كي نكمل التحقيق معه ..”
رمقته بنظرات حادة وهي تردد ببرود مصطنع :-
” عادي جدا .. انا لا أخاف أساسا …”
أشار فادي لسليم :-
” خذ الرجل الآن يا سليم وهاته بعد قليل عندما أطلب منك فلدي حديث مهم مع الهانم …”
خرج سليم ومعه الرجل عندما تقدم نحوها يردد بمكر :-
” لا تخافين إذا ..”
قالت بكبرياء :-
” نعم لا أخاف .. أساسا لمَ سأخاف ..؟! هذه قضايا عادية نراها دائما في التلفزيون والمجلات .. ”
أكملت تثرثر بعفوية :-
” هل تعلم كنت سأصبح محامية ..؟! نعم لا تستغرب هذا .. كنت أميل إلى دراسة القانون لكنني غيرت رأيي فجأة ودرست هندسة الحاسوب .. لو كنت درست القانون وأصبحت محامية لكنت تعاملت مع حالات كهذه بإستمرار ..”
قال ساخرا :-
” حينها كان سيكون لديكِ سببا كافيا لمجيئك الى مركز الشرطة بإستمرار ..”
رمقته بنظرات باردة وهي تقول :-
” انا من حقي أن آتي هنا متى ما أرادت .. الشرطة في خدمة الشعب دائما .. لا تنسى هذا يا حضرة الضابط..”
سأل فادي مراوغا :-
” حسنا أيها الشعب .. ما هي الخدمة التي تحتاجها من الشرطة هذه المرة ..؟!”
ردت بدلال عفوي :-
” الشعب لا يريد خدمة هذه المرة .. الشعب يريد أن يشكر الشرطة فقط….”
إبتلع ريقه لا إراديا وقد إضطربت نبضات قلبه بسخافة بينما قدمت هي باقة الورد له مجددا فأخذها بصمت عندما قالت وهي تشير إليه :-
” شكرا مجددا .. ”
همت بالمغادرة ليوقفها مغمغما :-
” لا داعي لأن تشكرينني ..”
أكمل بجدية :-
” أساسا أنا يجب أن أعتذر منك على ما فعله فراس بكِ والذي كنت سببا فيه …”
إلتفتت نحوه تردد بإبتسامة هادئة :-
” إعتذارك وصل من خلال ما فعلته ذلك اليوم .. أنت أنقذتني يا فادي وهذا يكفي ..”
تقدم نحوها بعدما وضع باقة الورد على المكتب جانبا وقال :-
” حتى لو .. يجب أن أعتذر مجددا .. ”
أكمل وهو يتأملها بتمهل :-
” ولكن إعتذاري سيكون مختلفا قليلا ..”
عقدت حاجبيها تتسائل بإستغراب :
” كيف يعني ..؟!”
قال بجدية :-
” إذا دعوتكِ على العشاء كطريقة للإعتذار ، هل ستوافقين ..؟!”
نظرت له بتردد فشعرت بقلبها يضغط عليها بقوة أن توافق بينما عقلها يخبرها أن ترفض وتهرب ..
وبين قلبها وعقلها كانت الغلبة لقلبها الذي جعل لسانها ينطق بلا وعي :-
” موافقة …”
غادرت بعدها المكان يتابعها هو بعينيه عندما عاد نحو مكتبه عندما حمل باقة الورد يتأملها بعينيه بينما عاد عقله يعمل ويخبره إنه مخطئ ..
لم يكن عليه دعوتها على العشاء ولا تبادل الأحاديث معها بهذه الراحة .. لم يكن عليه فعل هذا كله ..
ما كان عليه أن يتصرف بهذه الطريقة ويسمح لها أن تتغلغل داخله بهذه الطريقة ..
نهر نفسه بقوة مخبرا إياها إنها مجرد شخص عادي ..
شخص جمعته به الظروف وحالما ستنتهي تلك الظروف سيخرج من حياته كما دخلها ..!
………………………………………………………..
كان يسير داخل مكتبه يجري إتصالا مع أحد رجاله الذي يخبره إن فراس لا آثر له لا في شركته ولا منزله ..
آمره أن يبحث عنه في كل مكان قبل أن يغلق الهاتف وهو يتمتم بتوعد :-
” أين ستهرب مثلا .. ؟! سأجدك يا فراس وحينها لن يرحمني أي شخص منك …!”
دلفت سكرتيرته تخبره عن وجود ليلى في الخارج ليتمتم بينه وبين نفسه :-
” هذا ما كان ينقصني .. ليلى هانم ..!!”
طلب منها أن يدخلها لتدلف ليلى الى الداخل وتتقدم نحوه وهي تردد بفتور :-
” صباح الخير .. أتمنى ألا يكون لديك عمل عام سأشغلك عنه ..”
ردد بتهكم :-
” حتى لو كان لدي مئة عمل ، أترك جميع أعمالي لأجلك يا لولا … ”
رمقته بنظرات حانقة قبل أن تتقدم نحو مكتبه حيث تجلس على الكرسي المقابل لكرسيه وتضع حقيبتها على الطاولة أمامها فيتبعها هو متجه نحو مكتبه بدوره ويجلس على كرسيه في مقدمة المكتب ..
سألها :-
” ماذا تشربين ..؟!”
ردت ببرود :-
” لا أريد شيئا .. لم آت هنا لأشرب ..”
سألها ببرود :-
” لماذا أتيت إذا ..؟!”
ردت بهدوء مصطنع :-
” لأتحدث معك بأمر الشيكات .. أريد أن نصل الى إتفاق معين بخصوصنا ..”
قال وهو يعود الى الخلف بجسده :-
” انت قلتِ إنك ستعملين على تسديد تلك الشيكات من خلال أرباح الشركة …”
” حسنا .. أريد منك أن تساعدني في ذلك …”
” كيف يعني ..؟؟”
سألها مستغربا لترد بتروي :-
” سنعمل سويا … ”
إستخري في جلسته مرددا بسخرية :-
” ليلى هانم سليمان ستضع يدها في يد مجرم حقير مثلي …”
منحته نظرات هادئة تماما وهي تردد :-
” للأسف سأفعل خاصة عندما أُدرك إن المجرمين أمثالك هم من يمنحونا ما نريده ويحققون غاياتنا ..”
تقدم بجسده نحوها يتسائل :-
” هل تخليت عن مثاليتك فجأة يا ليلى ..؟!”
رد وهي تزفر نفسا بطيئا :-
” ليس تماما .. لكنني قررت وضعها جانبا لإنها واقعيا لن تفيدني .. ”
ضحك مرددا بعدم تصديق :-
” هل هذا تأثير تخلي نديم كليا عنك ..؟!”
لم تبدُ على ملامح وجهها أي ردة فعل وهي تقول :-
” ليس من شأنك ..”
تمتم عمار بمكر :-
” معك حق … ليس من شأني أبدا .. المهم … انت إذا ستضعين يدك في يدي ونتشارك سويا … ”
هزت رأسها مؤكدة حديثها ليبتسم مرددا بغلظة :-
” وأنا غير موافق …!!”
نظرت له بدهشة سرعان ما أخفتها وهي تردد بجمود :-
” انت حر ..”
نهضت من مكانها وقالت بجدية :-
” لكن هناك شيء هام يجب أن تعرفه ..”
نظر لها بصمت عندما أضافت بهدوء لا يخلو من القوة :-
” انا تغاضيت عن أفعالك السابقة في حقي … قررت نسيان ما حدث .. تركتك لعقاب الله يا عمار وقررت أن أبدأ من جديد .. ”
لم يبدُ على ملامحه أي تعبير عندما أكملت وهي تميل بجسدها نحوه تستند على حافة المكتب بكفيها :-
” لكن حذارك أن تعاود الكرة مجددا .. أياك أن تفكر في إيذائي أنا وكل من يخصني مجددا يا عمار لإنني هذه المرة لن أصمت ولن أتوانى عن محاربتك بكل ما أملك بقوة ..”
” هل تهدديني ..؟!”
سألها هازئا لترد بثبات :-
” إعتبره تهديدا .. ضع في بالك فقط إنني لست ليلى القديمة .. التي أمامك هي ليلى جديدة .. ليلى صنعتها الأيام والأزمات والآلام .. ليلى صلبة بما يكفي لتقف في وجهك انت ومن يحاول أن يقترب منها وممن يخصها .. ”
أنهت كلماتها الأخيرة بحزم وغادرت تاركة إياه يتابعها بنظراته وإبتسامة هازئة تشكلت فوق ثغره وهو يردد :-
” أتوق حقا لرؤية وجهك الجديد يا لولا ..”
……..:…………………………………………………
عادت القصر بعد جلستها المعتادة مع منى التي بدأت تشعر بتحسن جديد في كل مرة تجلس بها معها ..
تلك الجلسات تفيدها نوعا ما ومنى تلك رائعة حقا تعرف كيف تتحدث معها وتحاورها دون أن تضغط عليها مما جعلها ترتاح معها كثيرا وتعتاد عليها وتشاركها تفاصيلا جديدة في كل مرة تلتقي بها …
كانت تشعر بالأمل يسيطر عليها في كل مرة تخرج من عندها وهي تخبر نفسها إن كل شيء سيتحسن والحياة سوف تبتسم لها أخيرا خاصة بوجود عمها الذي يدعمها بقوة وأسرة عمها حيث جميعهم لطفاء معها ما عدا شخص واحد تكره وجوده حولها رغم قلته …
اتجهت نحو جناحها بملامح سعيدة عندما غيرت ملابسها حيث إرتدت فستان قطني خفيف ورفعت شعرها الطويل بشكل ذيل حصان ثم وضعت عطرها المفضل برائحة الفراولة وغادرت الجناح متجهة الى الأسفل وهي تشعر برغبة شديدة في التحدث مع أحدهم كهمسة التي تحبها كثيرا او توليب اللطيفة جدا او زوجة عمها .. حتى هالة التي تعرفت عليها منذ أيام معدودة بدت لها لطيفة جدا ومرحة بشكل أجبرها على تبادل الأحاديث معها براحة والتخلي عن تحفظها المعتاد ..
ليس النساء فقط ففيصل كذلك أصبح قريب منها نوعا ما وراجي بهدوءه ورزانته محببا لها حتى راغب رغم هيمنته وسلطته يعاملها بلطف شديد …!!
شعرت لأول مرة إنها محظوظة في وسط عائلة حقيقية تهتم بها وتسعى لإسعادها وعلى رأسهم عمها الحبيب ..
سألت الخادمة التي كانت تنظر لها بغرابة :-
” أين الجميع ..؟! لم لا أرى أحدا ..؟!”
ردت الخادمة وهي تبتسم بطريقة غريبة :-
” توليب هانم خرجت مع هالة هانم للتسوق .. همسة هانم غادرت مع زهرة هانم لزيارة أقاربهما .. والبقية في العمل …”
هزت رأسهت بتفهم وقالت :-
” سأشاهد التلفاز في صالة الجلوس إذا ..”
ثم سارت الى هناك مفكرة إنها ضجرت من البقاء في جناحها ..
ما إن دلفت الى صالة الجلوس حتى صدمت بوجوده بينما نظر هو لها بتهكم وهو يهمس بسخافته المعتادة :-
” ما بالك مصدومة هكذا ..؟!”
أرادت أن تهرب بسرعة لكنها منعت نفسها وهي تخبر نفسها من جديد أن تتحلى بالثقة والقوة فسارت بخطوات رزينة نحو الكنبة المقابلة له وجلست عليها …
كان يتأملها ببرود وهو يراها تدعي القوة واللا مبالاة بطريقة مضحكة قليلا عندما تنحنحت تسأله عن جهاز التحكم بالتلفاز فسألها :-
” هل تريدين مشاهدة التلفاز ..؟!”
هزت رأسها بصمت ليحمل الجهاز والذي كان موضوعا جانبه عندما أخذ يقلب في القنوات دون أن يسألها عما تحب مشاهدته فنظرت له بغيظ قبل أن تشاهده يتوقف عند إحدى محطات الكرتون ..
” ما هذا الآن ..؟!”
سألته بضيق ليردد بخفة :-
” فيلم كرتون .. ”
سألته مجددا :-
” ومن أخبرك إنني أريد مشاهدة الكرتون …؟!”
هتف متهكما عن قصد :-
” ومالذي ستشاهده فتاة في سنك سوى أفلام الكرتون .. أخبريني .. ما هو كرتونك المفضل ..؟! سبونج بوب أم سندريلا ..؟!”
ردت وهي تكاد تضربه بتلك الفازة فوق رأسه :-
” الأميرة النائمة …”
هتف ساخرا :-
” وبالطبع ستكونين أنتِ الأميرة ..”
ردت بنبرة هجومية :-
” بل سأكون الساحرة الشريرة التي ستلقي تعويذة فوق رأسك تجعلك تنام للأبد وتريح البشرية من غلاظتك ..!!”
تأملها للحظات بعينين ناعستين فشعرت بالتوتر يسيطر عليها وقد تأكدت إنها تسرعت في حديثها فعظت لسانها وهي تؤنب نفسها قبل أن ترفع وجهها بثقة زائفة عندما نهض من مكانه وتقدم نحوها لتنكمش على نفسها فتشهق وهو يميل بجسده الضخم فوق جسدها يحاوطها بذراعيه من الجانبين ..
” ماذا تفعل ..؟!”
سألته بنبرة مرتجفة فيهتف وهو يبتسم بخبث :-
” تتطاولين علي إذا .. ”
همت بالتحدث لكنه أوقفها متابعا :-
” تتجاوزين حدودك كثيرة يا جيلان .. ماذا تحاولين أن تثبتي من ذلك …؟! هل تحاولين إخباري إنك تغيرت ..؟! كبرت مثلا ..؟!”
هتفت رغم ذعرها من قربه :-
” انا بالفعل تغيرت .. تغيرت كثيرا ..”
ابتسم بخفة قائلا :-
” عليك أن تشكرينني إذا ..”
تغضن جبينها وهي تسأله :-
” ولم سأشكرك ..؟!”
رد بثقة :-
” لإنه لولاي ما كنت لتتغيري .. انا سبب تغييرك يا جيلان ..”
تمتمت بسخط :-
” أبدا لم تكن سببا في ذلك .. ”
أضافت وهي تنظر له بقوة جديدة عليها :-
” انت كنت شخصا دخل حياتي وقتما كانت مليئة بالخراب .. لم تغير شيئا سوى إنك زدتَ من عذابي وآلمي لكن رغم كل شيء نهضت بنفسي وتجاوزت هذا الخراب ليس بسببك انت او غيرك .. بل بفضل الله سبحانه وتعالى وعمي عابد من بعده .. عمي عابد الذي إنتشلني في لحظة كنت على وشك خسارة حياتي فيها .. أما أنت والبقية فجميعكم إستغليتموني بشكل أو بآخر .. كنت ضحيتكم جميعا مهما حاولتم أن تنكروا هذا ..”
أراد أن يرد لكنه لم يستطع .. وجد نفسه عاجزا عن الرد فبقي يتأملها عن قرب بصمت مريب عندما سمع صوت نحنحة خفيفة ليستدير فيجد هالة أمامه لتنتفض جيلان بسرعة مستغلة الموقف وهي تخرج من المكان فتضحك هالة بخفة وهي تتسائل بمكر :-
” ماذا يحدث هنا ..؟!”
رد مهند بلا مبالاة :-
” لا شيء ..”
رددت هازئة :-
” واضح ..!!”
تجاهل سخريتها وهو يتسائل :-
” أين كنت إذا ..؟!”
أحابت بصوت خافت :-
” كنت مع توليب نشتري أغراض لأجل عيد ميلاد جيلان ..”
عقد حاجبيه مرددا بتعجب :-
” عيدميلاد جيلان اليوم ..؟!”
هزت رأسها وهي تضيف :-
” نعم ونحن سنحتفل به .. جهزنا كل شيء ولم يتبقَ سوى الفستان حيث ذهبت توليب لتجلبه بعدما حجزناه منذ يومين ..”
” عادت هالة وعادت أجواء الحفلات والمفاجئات ..”
ضحكت مرددة بتفاخر :-
” دائما وجودي يفرق يا ابن خالتي وانت بالذات لا تنكر إنك سعيد لوجودي هذا …”
” سأكون سعيدا أكثر إذا عدت بشكل نهائي …”
قالها بصدق لتبتسم وهي تقول :-
” لم يتبقَ سوى القليل ..”
ربت على كتفها فتسأله :-
” ماذا ستجلب هدية لجيلان إذا ..؟!”
أدهشه ما قالته فردد قائلا :
” في الحقيقة لم يخطر على بالي شيء معين فأنا لم أكم أعلم بعيدميلادها من الأساس ..”
” يمكنني مساعدتك في إنتقاء شيء مناسب ..”
قالتها هالة بصدق لتلمح على شفتيه إبتسامة ماكرة وهو يقول ويبدو إنه لم يسمع عرضها أساسا :-
” لكن لا تقلقي سأجلب لها أفضل هدية … إنها جيلان العزيزة ..”
ثم تحرك مبتعدا تتابعه هالة بدهشة لتغمغم بينها وبين نفسها :-
” اللعنة .. هذه النظرة أعرفها جيدا .. لا يأتي من ورائها خيرا أبدا ..”
………………………………………………………
فتحت عيناها الخضراوان على صوت رنين هاتفها فتثائبت بتعب وهي تجذب الهاتف تتأمل الرقم الغريب بإستغراب قبل أن تجيب فيأتيها صوت رقيق :-
” مرحبا شيرين …”
ردت شيرين بحيرة :-
” أهلا ، من معي ..؟!”
تنحنت مريم وهي تعرف عن نفسها :-
” انا مريم … ”
إندهشت ملامح شيرين للحظات من هذه المكالمة التي أتت بسرعة بينما هي كانت تستعد للتحدث مع مريم لكن مريم سبقتها وإتصلت هي بها ..
همست شيرين بصوت مبحوح تبتلع دهشتها من هذا الإتصال السريع والغير المتوقع :-
” أهلا مريم …”
سألتها مريم بتردد :-
” هل يمكنني رؤيتك يا شيرين ..؟!”
أضافت بضيق خفي :-
” نحن يجب أن نتحدث ..!”
أخذت شيرين نفسا عميقا ثم قالت :
” حسنا يا مريم … يمكننا بالطبع …”
قالت مريم بسرعة :-
” شكرا كثيرا يا شيرين .. هل يمكننا أن نلتقي الآن ..؟!”
سألتها شيرين :-
” أين أنتِ …؟!”
أخبرتها مريم بمكان المطعم الذي تنتظرها فيه فوافقت شيرين على الذهاب ….
نهضت من فوق سريرها وإتجهت الى الحمام الملحق بغرفتها .. وقفت أمام المغسلة تغسل وجهها عدة مرات قبل أن تجففه فتتأمل ملامحها الجميلة بصمت إستمر قليلا وعقلها يخمن ما ستقوله مريم فتجبر نفسها على الإستعداد لسماع العديد من الصدمات عن زوجها ..
خرجت بسرعة تغير ملابسها حيث إرتدت ملابس بسيطة للغاية مع حذاء رياضي خفيف وإكتفت برفع شعرها عاليا ..
غادرت الفيلا متجهة الى المطعم الذي إختارته مريم لتجدها هناك بالفعل ..
وقفت تتأملها للحظات تشاهد الصمت الذي يسيطر على ملامحها وقد بدت مريم هادئة تماما عكس ما توقعت فلا يظهر عليها أي قلق أو توتر ..
أخذت نفسا عميقا تعزز ثقتها بنفسها وقدرتها على تحمل سماع أي حديث مهما كان عندما تقدمت نحوها ترسم إبتسامة رسمية على شفتيها قابلتها مريم بواحدة مماثلة لها وهي تغمغم وقد إرتسم الخجل على ملامح وجهها لا إراديا :-
” أهلا شيرين …”
سحبت شيرين كرسي لها وجلست فوقه لتجيب تحيتها فتسألها مريم :-
” هل ترغبين بتناول شيء ما ..؟!”
ردت مريم وهي تهز رأسها نفيا :-
” شكرا يا مريم .. ما أريده هو سماعك ..”
أضافت بجدية :-
” كنت سأطلب منك أن نلتقي لكنكِ سبقتني …”
كحت مريم بخفة ثم قالت بنبرة خرجت ثقيلة :-
” أردت أن ألتقيك لأشرح لك ما حدث ذلك اليوم … ”
سيطر الوجوم على ملامح شيرين بسرعة ما إن تذكرت الموقف فتنحنحت مريم تضيف بحرج :-
” شيرين انا آسفة حقا …”
رمقتها شيرين بنظرات متعجبة قليلا فتضيف مريم بخجل :-
” لقد تصرفت بشكل غبي بل بشكل منحط لكنني أقسم لك إنني إضطررت لهذا فقط لأجل شقيقتي .. لأجل ليلى يا شيرين …”
قالت شيرين بهدوء:-
” أعلم ذلك .. أعلم إنك فعلتِ هذا لأجل ليلى .. لكن تصرفك كان خاطئا جدا يا مريم وغير لائق أبدا .. ”
أضافت تؤنبها :-
” انت شابة محترمة وواعية و من عائلة معروفة .. كيف تلجئين لتصرف كهذا ..؟! كيف تفكرين أساسا أن تفعلي شيئا كهذا ..؟!”
قالت مريم بسرعة :-
” والله كنت مضطرة لأجل ليلى … لم أفكر سوى في كيفية إنقاذها …”
قاطعتها شيرين قائلة :-
” فقررتِ أن تلبي رغبة عمار وتمنحينه جسدك مقابل الشيكات …”
رسمت مريم الدهشة على ملامحها وهي تردد مدعية الغباء :
” رغبة عمار ..؟!!”
أضافت بحاجبين معقودين :-
” هو من أخبرك بهذا .. ”
همت شيرين بالتحدث لكن مريم سبقتها :-
” كلا ، هذا تخمينك أنتِ يا شيرين .. عمار لن يفعل شيئا كهذا .. بالتأكيد لن يتهم نفسه بشيء كهذا حتى لو بدافع تحسين موقفي أمامك ..”
تحدثت شيرين أخيرا بحزم :-
” انا لست غبية يا مريم … أعلم جيدا إن تصرفك هذا نتيجة طلبه هو ..”
قالت مريم بجدية :-
” كلا يا شيرين .. أقسم لك .. عمار لا دخل له .. هو لم يطلب مني شيء كهذا أبدا ..”
ضحكت شيرين مرددة بعدم تصديق :-
” هل تعتقدين إنني غبية ..؟! إنظري إلي يا مريم .. أعرف عمار جيدا مثلما أعرفك .. انت ما كنتِ لتلجئين لتصرف كهذا لو لم تجدِ رغبة مسبقة من عمار …”
شعرت مريم إنها أخطأت الحديث فشيرين أذكى من أن تصدق إدعائاتها الكاذبة وإنها عرضت نفسها على عمار من ذاتها ..!!
” إنظري سأكون صريحة معك أكثر ..”
قالتها مريم بتأني لتأخذ شيرين نفسها ثم تقول بجدية :-
” أتمنى هذا حقا …!!”
تحدثت مريم بتردد قليلا :-
” انت تعلمين كيف تزوج عمار بليلى … بالتأكيد هو أخبرك …”
ردت شيرين بإختصار :-
” تزوجته مجبرة بعدما هددها .. أعلم ذلك جيدا يا مريم ..”
هزت مريم رأسها بتفهم ثم إسترسلت :-
” عمار بعدما طلق ليلى لم يتركها وشأنها فهو لديه شيكات تتجاوز قيمتها السبعة ملايين دولار ويستطيع إستخدامها ضدها متى ما أراد وهذا ما جعل ليلى خائفة دائما ومتوجسة حذرا منه .. انا لم أتحمل هذا أبدا .. لقد عانت ليلى لسنوات وأنا لم أتحمل رؤيتها تعاني أكثر فقررت التصرف ومساعدتها .. وقتها ذهبت الى عمار وطلبت منه أن يتنازل عن الشيكات .. ترجيته ولم يقبل وعندما أصريت فاجئني بإنه عرض علي الزواج ..”
تأملتها شيرين بعينين مصدومتين عندما أضافت مريم بلهجة حزينة :-
” قال وقتها لي الزواج منه سرا مقابل الشيكات .. حينها رفضت بقوة .. غادرت دون رجعة لكن رؤيتي ليلى تنهار كل يوم أكثر بسبب الضغوطات حولها جعلتني أراجع نفسي ..”
قاطعتها شيرين بتجهم :-
” فقررتِ أن تفعلين ما فعلته ..”
” كلا ، لم أفعل ذلك أولا … بل ذهبت إليه قبل زواجه منك بأيام قليلة .. بالطبع لم أكن أعلم إنكما ستتزوجان .. أساسا لم أكن أعلم بأي شيء .. أخبرته إنني موافقة ومستعدة لتنفيد ما يريد لكنه رفض …”
أكملت وهي تتأمل صمت شيرين المريب :-
” رفض وأخبرني إنه سيتزوج .. ظننته يمزح لكنه أكد لي حديثه وأخبرني إنه سيتزوج بك فهو يحبك منذ سنوات ولولا زواجك وسفرك لكان متزوجا بك منذ أعوام .. وعندما سألته عن عرضه السابق لي أخبرني إنه تراجع كليا عنه فهذا العرض كان قبل عودتك الى حياته وإنه يحبك ولن يتزوج غيرك حتى لو سرا …”
سألتها شيرين بعدم رضا :-
” طالما إنه أخبرك بهذا لماذا فعلتِ ما فعلته ..؟!”
ردت مريم بعجز :-
” لإنني كنت عاجزة .. فكرت مرارا ولم أجد أمامي سوا هذا الحل .. كان تصرفا أحمقا جدا .. أعلم هذا ولكنني كنت عاجزة تماما ..!! ”
أضافت بعينين دامعتين :-
” راهنت على شخصية عمار التي أعرفها .. على مدى قذارته وحقارته وإنه لن يتردد لحظة واحدة في إمتلاكي إذا ما عرضت نفسي عليه لكنه فاجئني عندما رفضني بقسوة وأظن إنك أتيت بنفسك وسمعتِ رفضه .. ”
نظرت شيرين لها بعدم إقتناع عندما أكملت مريم بتوسل :-
” صدقيني يا شيرين .. هذا ما حدث ..”
قالت شيرين أخيرا :-
” انا لا يمكنني التصديق يا مريم .. لا يمكنني تصديق إن عمار لا يرغب بك وإنك لجئت لتصرف كهذا فقط لإنه أراد إمتلاكك مسبقا .. ”
” ولكن هذه الحقيقة ..”
قالتها مريم بحذر لتبتسم شيرين مرغمة وهي تردد:-
” لإنني أعرفك وأعرف زوجي جيدا فلن أصدق هذا الكلام .. ربما يكون جزءا مما قلتيه صحيحا لكن هناك أشياء خفية لم تذكريها .. ”
قالت مريم بسرعة :-
” أقسم لك إن هذا كل شيء .. كيف أجعلك تصديق هذا يا شيرين ..؟! لكن هذا كل ما حدث …!”
نظرت شيرين لها بصمت إستمر للحظات قبل أن تهتف بنبرة حاسمة :-
” إذا كنتِ تريديني أن أصدق ما تقولينه فإثبتي لي صدق حديثك …”
” كيف ..؟!”
سألتها مريم بدهشة لتقول شيرين بنبرة ثابتة قوية :-
” سأخبرك يا مريم ..”
………………………………………………………….
مساءا …
طرقت هالة على باب جناح جيلان لتسمع صوتها يسمح لها بالدخول ..
تقدمت الى الداخل وهي تهتف بمرح :-
” مساء الخير يا حلوة ..”
كانت جيلان ممددة فوق سريرها كعادتها حيث تنام فوق بطنها وأمامها لوحة ترسم عليها بتركيز عندما رفعت وجهها من فوق اللوحة وردت وهي تبتسم :-
” اهلا هالة ..”
” ماذا تفعلين ..؟!”
سألتها هالة بإهتمام وهي تتقدم نحوها لترد جيلان وهي تعتدل في جلستها :-
” أرسم كالعادة ..”
جذبت هالة الرسمة الغير مكتملة تتأملها وهي تقول بصدق :-
” رائعة .. انت فنانة يا جيلان ..”
ضحكت جيلان بخجل وهي تردد :
” ليس لهذه الدرجة ..”
قالت هالة بجدية :-
” انا لا أجيد المجاملة يا جيلان .. انت موهوبة للغاية ورسمك رائع ..”
أضافت وهي تضع اللوحة فوق السرير مجددا :-
” والآن إنهضي هيا .. عليكِ أن تستعدي ..”
سألتها جيلان بإستغراب :-
” أستعد لماذا …؟!”
ردت توليب والتي دخلت تتبع هالة :-
” ما تاريخ اليوم يا جيلان ..؟!”
نظرت جيلان لهما بغرابة قبل أن تهمس أخيرا :-
” اليوم هو يوم ميلادي …”
قالت هالة بسرعة :-
” بالضبط ونحن بهذه المناسبة أعددنا حفلا صغيرا لك.. ”
منحتهما جيلان إبتسامة مرتعشة قليلا وهي تتمتم :-
” شكرا لكما .. ”
أكملت وقد ترقرقت الدموع داخل عينيها :-
” آخر مرة إحتفلت فيها بعيد مولدي قبل وفاة والدتي .. منذ ذلك الوقت وأنا لم أحتفل بعيد ميلادي أبدا ..”
إختنق حلق هالة وترقرت الدموع داخل عينيها عندما تذكرت والديها بينما تقدمت توليب نحو جيلان وإحتضنتها مرددة :-
” وها سنحتفل به مجددا .. ”
أكملت وهي تنتبه الى هالة الساهمة :-
” والآن يجب أن تغيري ملابسك بسرعة وترتدي هذا الفستان قبل أن نقوم بتزيين شعرك ووجهك …”
أخذت جيلان الحقيبة المتوسطة الحجم فقالت توليب وهي تشير لهالة :-
” الفستان إختيار هالة ..”
قالت هالة بصوت مبحوح وهي تبتسم لها :-
” أتمنى أن يعجبك ..”
إبتسمت جيلان بإمتنان وهي تهتف :-
” شكرا يا هالة .. شكرا يا توليب .. أنتما رائعتان حقا …”
قالت توليب ممازحة :-
” نعلم هذا جيدا عزيزتي ..”
بينما قالت هالة :-
” هيا إرتدي الفستان بسرعة كي نبدأ بتجهيزك …”
سارت جيلان نحو الحمام بينما قالت توليب لهالة :-
” أنت ستصففين شعرها ..”
هزت هالة رأسها ثم أضافت :-
” وسوف نضع لها مكياجا خفيفا للغاية يلائم عمرها ..”
قالت توليب بجدية :-
” إنها جميلة أساسا لا تحتاج الى المكياج ..”
أيدتها هالة :-
” معك حق .. أتمنى أن يعجبها الفستان ..”
قالت توليب بسرعة :-
” سيعجبها بالطبع ..”
أكملت تتسائل :-
” همسة تشرف على إعداد الطاولة والصالة أليس كذلك ..؟!”
قالت هالة بجدية :-
” نعم وفيصل وراجي يساعدانها في ذلك ..”
” وماذا عن مهند ..؟! هل سيأتي ….؟!”
سألتها توليب بإهتمام لتنظر هالة لها قبل أن تهمس :-
” أعتقد ذلك ..”
سألتها توليب بتعجب :-
” ولماذا تهمسين هكذا ..؟
ردت هالة بجدية :-
” كان يبدو وكأنه يخطط لشيء ما .. إنه ماكر وانت تعلمين هذا ..”
قالت توليب بضيق :-
” اللعنة ، لا أريده أن يفسد ما نفعله ..”
قالت هالة بثقة :-
” ومن سيسمح له بهذا ..”
ضحكت توليب بشقاوة عندما وجدتا جيلان تخرج بذلك الفستان الزهري الرقيق والذي يلائم سنها …
هتفت توليب بمرح بينما أطلقت هالة صفيرا لا إراديا قبل أن تقول بإعجاب شديد :-
” انت مذهلة يا جيلان ..”
تمتمت جيلان بخجل فطري :-
” شكرا …”
جذبتها هالة من يدها وأجلستها أمام طاولة التجميل وهي تسأله :-
” والآن أخبريني كيف تحبين أن أصفف شعرك ..؟!”
” أحب أن أتركه منسدلا كما هو ..”
قالت هالة بجدية :-
” حسنا كما تريدين ولكن دعيني أضع عليه لمسه خفيفة … قليل من التموجات التي ستمنحه رونقا خاصة ..”
” حسنا …”
قالتها جيلان مبتسمة بينما قالت توليب بسرعة :-
” انا سأذهب لهمسة وفيصل وأرى إذا ما يحتاجان شيئا ثم أعود فورا ..”
خرجت بعدها تاركة هالة مع جيلان حيث بدأت بتصفيف شعرها بعناية ..
………………………………………………………..
………………………………………………………..
كانت الأجواء جميعها تشير الى وجود إحتفال بدءا من الصالة الواسعة المزينة بطريقة جذابة رائعة وطاولة دائرية واسعة موضوعة في منتصف صالة الجلوس موضوع عليها كعكة ميلاد كبيرة نوعا ما وأشهى أنواع الحلويات والعصائر …
كان سيف ونزار يمرحان وسط البالونات التي تزين المكان بينما العائلة مجتمعة حيث تجلس زهرة بجانب زوجها يقابلهما كلا من راغب وراجي وعلى الجانب الأخير يجلس فيصل الذي لا يتوقف عن إطلاق الأحاديث المرحة وبجانبه مهند الصامت أغلب الوقت ..
تقدمت همسة والتي كانت تشرف على إعداد طعام العشاء عندما قالت زهرة بجدية :-
” أتيت أخيرا .. إجلسي وإرتاحي يا إبنتي .. انت حامل ولا يجب أن تجهدي نفسك ..”
قالت همسة وهي تتجه حيث جلست جانب زوجها على الجانب الآخر :-
” انا بخير خالتي .. لا تقلقي .. فقط كنت اتأكد من إعداد كل شيء ..”
همس لها راغب متسائلا بإهتمام :-
” هل تشعرين بتعب ما ..؟! تبدين مجهدة ..”
ردت وهي تنظر له :-
” انا بخير .. لا تقلق ….”
هز رأسه بصمت عندما قال فيصل :-
” متى سنرى جيلان يا جماعة .. لو كانت عروس لتجهزت منذ وقت ..”
قال راجي ساخرا :-
” انت لا تمتلك قليلا من الصبر .. كان الله في عون من تتزوجها …”
” تركنا الصبر لك يا سيادة الطبيب ..”
قالها فيصل ساخرا بنفس الطريقة عندما دلفت توليب تهمس بمرح :-
” ما أجمل هذه الجمعة .. ”
قال فيصل متذمرا :-
” أين جيلان ..؟! انا متحمس جدا لرؤيتها ..”
رمقه مهند بنظرات ممتعضة بينما غمزت توليب له :-
” ستأتي بعد قليل مع هالة …”
لحظات وجاءت جيلان تسير بجانب هالة بملامح خجولة بينما قالت هالة وهي تشير لها بسعادة :-
” ما رأيكما بهذه التحفة النادرة الجميلة ..؟”
نهض فيصل من مكانه وأطلق صفيرا عاليا بينما قالت زهرة منبهرة :-
” ما أجملك يا جيلان … ماشاءالله .. حماكِ الله يا صغيرتي …”
تقدم فيصل نحوها وقبص على كفها وجعلها تدور حول نفسها لا إراديا وهو يقول منبهرا :-
” ما هذا الجمال يا فتاة ..؟؟ تبدين مبهرة …”
ضحكت جيلان برقة بينما كانت هالة تنظر نحو مهند بنظرات خفية فلاحظت وجوم ملامحه عندما نهض عابد يبعد إبنه الصغير وهو يحتضنها متمتما :-
” ميلاد سعيد يا صغيرتي … كل عام وأنتِ بخير يا جيلان ..”
” شكرا عمي ..”
قالتها جيلان وهي تبتسم له برقة عندما نهضت زهرة تعايدها تتبعها همسة التي إحتضنتها وهي تردد على مسامعها :-
” ميلاد سعيد جيلان .. تبدين جميلة جدا ..”
قالت جيلان وهي تشير الى توليب وهالة :-
” الفضل لهالة وتولاي ..”
ضحكت همسة بسعادة بينما تقدم راغب يحتضنها بأخوية أقرب للأبوة وهو يردد :-
” كل عام وانت بخير يا جيلان ..”
شكرته بسعادة عندما تبعه راجي هو الآخر يبارك لها ليأتي دور مهند الذي كان قد نهض من مكانه بتثاقل وتمتم على مضض :-
” كل عام وانت بخير ..”
شكرته بإقتضاب عندما قالت توليب بحماس :-
” لنبدأ الإحتفال إذا ..”
قاطعها عابد بجدية :-
” هناك ضيف لم يأتِ بعد .. سنتتظره اولا .. ”
قالت هالة بسرعة :-
” ما زال الوقت مبكرا أساسا ..”
قال عابد وهو يشير لتوليب وهالة :-
” هالة وتوليب .، شكرا كثيرا على ما فعلتماه .. كل شيء يبدو رائعا .. ”
قال فيصل مازحا :-
” هالة و تولاي دائما ما كانتا المتعهدتين الرسميتين لإحياء المناسبات والحفلات والتجمعات العائلية …”
قال راجي قاصدا إغاظته :-
” على الأقل يقومان بشيء مفيد يا فيصل ..”
منحه فيصل نظرات متوعدة ليحتضنه راجي مرددا :-
” لا تحزن وانت ايضا لديك أفعال مميزة ..”
قال راغب متهكما :-
” يكفي عدد الفتيات اللواتي دخلن حياته حتى الآن .. إنجاز يستحق التقدير حقيقة ..”
زفر فيصل أنفاسه بضيق بينما قال عابد بجدية :-
” توقفوا عن هذا .. نحن نحتفل الآن …”
ابتسم الجميع عندما تمتم راغب وهو يشير إليهم :-
” فلنبدأ الإحتفال إذا ..”
صاح نزار الصغير بمرح :-
” شغلوا الأغاني …”
أشارت هالة له وهي تحمل هاتفها :-
” حالا يا نزار بك .. ”
قال فيصل وهو يرفع أحد أقداح العصير ويتناول رشفة منه :-
” شغلي أغنيتنا المفضلة كي نرقص عليها سويا .. ”
تمتمت هالة تقصد إغاظته :-
” في أحلامك .. لقد توقفت عن الرقص معك منذ زمن ..”
اتجه فيصل خلفها يحاول إلتقاط الهاتف بينما ضحكت توليب وهي تتقدم نحويهما تردد :-
” إتركها تفتح الأغنية يا فيصل …”
تملصت هالة من بين ذراعيه وسارعت تربط الهاتف بالجهاز الألكتروني وهي تردد بمرح :-
” معكم هالة الشامي ، أشهر دي جي في البلاد لإقامة المناسبات ..”
ثم شغلت إحدى الأغاني الراقصة وجذبت جيلان تراقصها فإندمجت جيلان معها رغم خجلها عندما جاءت بعدها أغنية أخرى حماسية فجذب فيصل جيلان من كفها وبدأ يراقصها ليتفاجئ بها ترقص بشكل إحترافي فسألها بجدية :-
” كيف تجيدين الرقص بهذه الطريقة يا فتاة ..؟!”
ردت جيلان وهي تراقصة بمهارة :-
” انا أتدرب على رقص الباليه منذ أن كنت طفلة صغيرة ولم أتوقف عن ذلك حتى وفاة والدي ..”
أدارها فيصل بحركة خاصة فدارت حول نفسها قبل أن يلتقطها هو داخل أحضانها فتتابعها زهرة وهي تغمغم بإعجاب :-
” إنها ترقص بشكل رائع ..”
أيدها عابد عندما إتجهت أنظاره لا إراديا نحو إبنة فوجده يتابع ما يحدث بنظرات واجمة وملامح غير راضية بتاتا ..!!
……………………………………………………….
بعد مدة من الزمن ..
خرجت جيلان الى الحديقة تتأمل السماء التي بدأت تظلم تدريجيا بسعادة وقد شعرت إن اليوم هو أفضل أيامها …
لم تشعر بتلك السعادة من قبل …
سعادة مختلفة تماما وإهتمام لم تحظَ به منذ سنوات ..
شعرت بحركة خلفها فإستدارت لتجده أمامها فإنكمشت ملامحها لا إراديا ..
قال وهو يبتسم بخفة :-
” لا تخافي .. لست هنا لأضايقك مجددا ..”
سألته بريبة :-
” ماذا تريد إذا ..؟!”
” ميلاد سعيد عزيزتي ..”
قالها وهو يبتسم بهدوء مريب لترد بخفوت لا يخلو من الحذر :-
” شكرا …”
مد يده بعلبة متوسطة الحجم مرددا :-
” هذه هدية بسيطة ..”
سألته بتردد دون أن تأخذ الهدية منه :-
” ألست منزعجا مني بعدما حدث ..؟!”
رد مدعيا النسيان :-
” عم تتحدثين ..؟! عما حدث اليوم ..؟!”
قالت بتردد :-
” بل عن أمر الشيك …”
قالتها وهي ما زالت تتذكر ذلك الموقف وما تبعه من نظرات صدر منه ليبتسم بهدوء مرددا :-
” أبدا .. في الحقيقة تصرفك كان مزعجا لكنني لم أهتم .. تغاضيت عن تصرفك هذا لإنك سبق وقدمت لي معروفا كبيرا ..”
سألته بحيرة :-
” أي معروف ..؟!”
رد وهو يبتسم بخبث :-
” أردت الإنفصال عني .. صدقيني أسعدني ذلك كثيرا … أنت أنقذتني من زيجة لم أرغبها يوما ..”
وعلى عكس ما توقع إنفرجت ملامحها وهي تردد :-
” حقا ..؟! أنا أيضا لم أرغب بها ..”
أكملت ببراءة :-
” المهم إننا إنتهينا من هذا الأمر ..”
هز رأسه مرددا بإبتسامة :-
” نعم ، الفرق واضح جدا .. الطلاق كان له تأثير إيجابي عليك حتى إنك تبدين أكثر جمالا من قبل ..”
احمرت وجنتاها ليهمس :-
” ألن تأخذي الهدية وتفتحيها ..؟!”
” حسنا ..”
قالتها وهي تلتقط العلبة منه بخجل ليهمس لها مجددا بنظرات ماكرة :-
” إفتحيها هيا ..”
بدأت تفتح الشريط الذي يغلف العلبة فإبتسمت له بتردد وهي تفتح صندوق العلبة عندما صرخت وهي تقفز رعبا بعدما سقطت العلبة من يدها ليصيح بحزم :-
” ما هذا التصرف الغبي ..؟!”
همست برعب :-
” ما هذا ..؟! ”
جذب الكائن الأخضر يعيده داخل العلبة مرددا ببرود :-
” ضفدع ..!! ألا تعرفين الضفدع ..؟؟ ألم تر ضفدع في حياتك ..؟! ”
صاحت بأنفاس لاهثة :-
” ولماذا أتيت به ..؟!”
رد وهو ما زال ممسكا بالضفدع :-
” هدية لك ..”
صرخت بلا وعي :-
” هدية ..؟!!! تهديني ضفدعا ..”
مط شفتيه مرددا ببراءة مفتعلة :-
” ظننتك تحبين الحيوانات …”
همست ورغبة في البكاء تعتريها من شدة خوفها من ذلك الكائن الصغير :-
” لا أحبه .. إبعده عن وجهي .. إنه مقزز ..”
هتف مفتعلا التعجب :-
” مقززا ..!! على العكس تماما .. إنه لطيف جدا حتى إنه يشبهك .. إنظري إليه …”
صرخت عندما وجدته يحاول تقريبه منها مجددا :-
” إبعده عني ..”
” حسنا حسنا .. ”
تمتم بها وهو يعيد الضفدع داخل الصندوق ويغلقه ليقترب منها فتنكمش بعيدا عندما قال مبتسما :-
” هذا شيء بسيط .. انتقام يناسب عمرك الصغير و تصرفاتك الطفولية .. كوني حذرة في المرة القادمة لإنني أنتقم بطرق مختلفة عادة .. طرق لا تناسب الصغار أمثالك ..”
هم بالتحرك عندما همست بضيق ولا وعي :-
” كان معها حق أن تهرب منك .. انت متوحش ..”
عاد ينظر إليها فعاد الرعب يغزو ملامحها عندما همس لها بتهديد :-
” أدخلي لسانك في فمك بدلا من أقصه لك … ”
أضاف بثقة :-
” كما إنها لم تهرب مني .، انا من تركتها ..”
همت بالتحدث عندما جاءت هالة وأنقذت الموقف وهي تردد بحذر :-
” ماذا يحدث هنا ..”
قال مهند ببرود :-
” كنت أعايد جيلان ..”
قالت جيلان وهي تتقدم نحوها بإنزعاج طفولي :-
” أهداني ضفدعا يا هالة .. هل تصدقين ذلك ..؟
جحظت عينا هالة عندما إلتوى فم مهند بخبث لتتمتم هالة بخفوت :-
” ماكر لعين ..”
ثم أشارت هالة لجيلان :-
” إنه يمزح هالة ..، هذا هو مهند .. مزاحه ثقيل قليلا ..”
قالت جيلان :-
” بل كثيرا .. ثقيل كثيرا ..”
” والله معك حق ..”
قالتها هالة وهي ترمقه بنظرات معاتبة عندما غادرت جيلان المكان لتتقدم هالة نحوه تهتف مؤنبة :-
“هل تمزح يا مهند ..؟! ما هذا التصرف السخيف ..؟؟”
إبتسم مهند عندما أكملت هالة بتذمر :
” كنت أعلم إنك تخطط لشيء ما ..”
وفجأة إندفع مهند ضاحكا بقوة فاجئتها لتهتف ببرود :-
” هذا ليس مضحكا يا مهندد..”
بالكاد توقف عن ضحكاته وهو يقول :-
” لو ترينها كيف بدت وهي تقفز فزعا من الضفدع ..”
” يا لك من خبيث .. وتضحك ايضا ..”
قالتها هالة منزعجة ليستمر في ضحكاته وهو يتحدث :-
” بدت كفأرة مذعوة يا هالة .. منظرها مضحك جدا ..”
زفرت هالة أنفاسه عندما أشارت له :-
” تعال نجلس ونتحدث …”
توقف عن ضحكاته وهو يتبعها لتجلس على عشب الحديقة وهي تتربع في جلستها فيجلس هو جانبها عندما سألته :-
” إذا ، ألن تخبرني عما يحدث معك يا إبن الخالة ..؟!”
رد مهند كاذبا :-
” مشاكل إعتيادية يا هالة …”
” هل تمزح ..؟! زواجك من تقى سرا وما تبعه من مشاكل غير زواجك من جيلان وتطليقك لها .. كل هذا وتقول مشاكل إعتيادية ..؟!!!”
قال مهند بتجهم :-
” بالنسبة لي كذلك ….”
سألته هالة بتردد :-
” كيف وافقت أن تتزوج من قاصر يا مهند .. انت تعلم إن هذه جريمة .. جريمة لا يمكن تقبلها ..”
تمتم بلا مبالاة :-
” إبن خالتك الأكبر من أراد ذلك يا هالة وأنا فقط نفذت أم إنهم لم يخبروكِ بهذا …”
” بل أخبروني ولم أستوعب بعد كيف يتخذ راغب قرارا كهذا ..”
قال مهند بجدية ؛-
” توقفي عن التحدث وكأن راغب ملاكا لا يخطئ ..”
قالت هالة بحزم :-
” هى ليس ملاكا أبدا ولكن قراراته تكون دائما ما كانت صحيحة وفي محلها ..”
” إذا أنت تدعمين قراره ..”
سألها ببرود لترد بنفي :
” إطلاقا .. انا لا يمكنني تقبل أمر كهذا وصدقني لو كان شخصا غير راغب لتصرفت بشكل مختلف .. ”
أضافت بصدق :-
” أنا أشفق عليها يا مهند .. إنها صغيرة وبريئة ..”
أكملت تتأمله بغيظ :-
” لا أعلم كيف تحملت شخصا جلفا باردا مثلك ..”
التزم الصمت عندما أكملت متعمدة :-
” إنها جميلة حقا .. لا أفهم كيف لم تقع في غرامها ..”
ردد مذهولا :-
” هل تمزحين يا هالة …؟! إنها صغيرة جدا .. ”
رددت ضاحكة :-
” ولكنها جميلة .. كأنها قطعة بسكويت مغطاة بالشوكولاته .. ستندم إنك لم تتناولها ..”
هتف ممتعضا :-
” تناوليها أنت ..”
ضحكت بخفة وهي تردد :-
” هي حقا so cute ..”
هز رأسه بعدم إكتراث لتتأمله فتهمس له :-
” تغيرت كثيرا يا مهند ..”
رد وهو يتنهد بصوت مسموع :-
” الجميع يتغير .. كلما نتقدم في العمر كلما نتغير يا هالة ..”
أضاف وعيناه تتأملانها كليا :-
” وأنت أيضا تغيرت .. تغيرت عن السابق ..”
هزت كتفيها تردد :-
” انا ما زلت كما أنا .. ربما كبرت ونضجت فقط ..”
” بل نضجتي كثيرا … ويبدو إنك تجاوزت الماضي ..”
قالها بخفوت لترفع بصرها نحو السماء تتجاهل النظر إليه فيتسائل بتردد :-
” ألن تسألي عنه ..؟!”
ردت وهي تلتفت نحوه بحدة :-
” كلا ..”
أكملت بجدية بعدما هدأت ملامحها :-
” أنا مرتبطة حاليا يا مهند ..”
نظر لها بدهشة لتومأ برأسها مؤكدة ما نطقته فيسألها بإهتمام :-
” حب أم ..”
قاطعته بقوة :-
” بالتأكيد حب .. لو لم أكن أحبه ما كنت لأرتبط به ….”
هز رأسه بصمت وهو يفكر إنها كبرت .. كبرت أكثر من اللازم …
” أليس لديك فضول ولو بسيط لتعرفي أي شيء عنه ..؟! ما حدث معه ..؟! إذا ما سأل عنكِ ..؟!”
ردت بشكل حاسم :-
” كلا يا مهند ولا تفتح هذا الموضوع مجددا وإلا لن أتحدث معك أبدا …”
ثم نهضت من مكانها تتجه بعيدا يتابعها مهند بتعجب من ضيقها الغير مبرر ليزفر أنفاسه ببطء ..
………………………………………………………….
كانت توليب تسير بجانب هالة عندما رن هاتف الأخيرة لتصيح بسعادة :-
” إنه كرم ..”
ثم إبتعدت وهي تجيب عليه تتابعها توليب بملامح سعيدة سرعان ما إختفت وهي تتأمل لهفتها لمحادثة حبيبها فسيطر الألم على ملامحها كليا وهي تتذكره ..
تتذكر حبها العقيم نحوه فتنهر نفسها وهي تبتعد وداخلها تدعو لإبنة خالتها أن تتوفق في علاقتها مع كرم فهي الأخرى عانت يوما ما من الحب مثلها تماما لكن وجود كرم في حياتها غيرها نحو الأفضل وهاهي تعيش أفضل أيامها معه بينما هي ما زالت تراوح مكانها منذ سنوات .،
إتجهت الى الداخل وتحديدا الى صالة الجلوس عندما إنصدمت بوجود أثير إبن عمتها والذي يبدو إنه جاء منذ قليل ..
لم تتوقع مجيئة وأرادت أن تخرج وتنبه تلك التي إنشغلت بمحادثتها مع حبيبها لكن إشارة راغب نحو ابن عمته مرددا :-
” لقد جاء أثير يا توليب ..”
تقدمت نحوه وهي ترسم إبتسامة مرحبة فينهض من مكانه مرحبا بها يحتضنها بأخوية بينما والدتها تقول معاتبة :-
” من الجيد إننا رأيناك يا أثير .. نحن أصبح لا نراك سوى كل عام مرة ..”
رد أثير بجدية :-
” العمل يا زوجة خالي .. صدقيني انا أغلب وقتي خارج البلاد ..”
” ليت والدتك كانت موجودة اليوم ..”
قالها عابد بجدية ليهتف أثير :-
” انت تعلم إنها أضطرت للسفر مع والدي منذ إسبوع …”
ابتسم عابد متفهما بينما أرادت توليب التحرك خارج وتنبيه ابنة خالتها لكن الآوان قد فات عندما تقدمت هالة تردد بمرحها الصاخب المعتادد:-
” ألم يأتِ ضيفكم الموقر بعد لنطفئ الشمع ..”
ثم سرعان ما تجمدت مكانها وهي تراه أمامها وجها لوجه ..
بعد كل هذه السنوات يتواجهان مجددا .. !
سيطرت على رباطة جأشها بحزم وهي ترسم الإعتيادية على وجهها عندما تقدمت نحوه لأجل تحيته ..
تلاقت العينان بنظرات خاطفة يتبعها سلام بارد جدا .. صوتها المنخفض بالكاد ألقى التحية بإختصار :-
” أهلا ..”
هكذا فقط .. دون مصافحة حتى .. ودون أن تنطق إسمه حتى … إكتفت بكلمة مختصرة وبترت ما يليها كما بترت حكايتهما منذ سنوات ..!!
إتجهت بسرعة تجلس جانب فيصل وكأنها تحتمي به بينما سيطر الوجوم على ملامح أثير كليا ..
وجوم أخفاه بمهارة وهو يتبادل الأحاديث مع راغب وراجي بينما عيناه تنظران بين الحينة والآخرى نحوها رغما عنه فيجدها مندمجة في حدثيها مع توليب وفيصل وكذلك الصغيرة جيلان غير مهتمة بوجوده على الإطلاق ..
إبتسم داخله بسخرية مفكرا إن هذه عاداتها فهي لم تهتم يوما ولن تفعل ..
لحظات قليلة وتقدمت الخادمة تشير الى عابد بجدية :-
” لقد وصل عمار بك مع زوجته يا سيد عابدد..”
إستيقظت صباحا بحماس جديد تماما عليها ..
البارحة كان أجمل أيام حياتها بحق ..!!
كل شيء كان مثالي …
كانت سعيدة بشكل لا يوصف ..
إرتسمت إبتسامة واسعة على شفتيها وهي تتذكر تفاصيل ليلة البارحة وحفل ميلادها الذي تحتفل به لأول مرة منذ سنوات ..
كل شيء كان رائعا .. الجميع كان محبا ودودا …
كل يوم تقضيه في قصر عمها تشعر بألفة أكبر وتحب سكان هذا القصر أكثر ..
الجميع لطيف معها .. تشعر بمحبتهم الصادقة ورغبتهم في حمايتها بل وإسعادها …
البارحة كانت ليلة مميزة .. بدءا من ظهورها بذلك الشكل الجذاب المختلف عن عادتها ثم الحفل الذي تم إعداده بشكل رائع رغم بساطته ثم الإحتفاء الذي لاقته من الجميع مما جعلها سعيدة منطلقة طوال الأمسية ..
رقصت مع فيصل كثيرا ومع هالة وتوليب وتعرفت لأول مرة على أثير إبن عمتها زمرد عن قرب ..
تألقت بحق وتفاعلت مع الأجواء بأريحية شديدة عليها حتى توترها الذي سيطر عليها بمجيء أخيها إختفى بعد لحظات عندما علمت إن عمها هو من دعاه في لفتة راقتها كثيرا وتغلغلت الراحة داخلها عندما تعامل راغب ومهند معه بهدوء ورحب به الجميع هو وزوجته التي إحتضنتها بمحبة صادقة فإستمرت السهرة بشكل هادئ كما بدأت …
أهداها أخيها هدية لم تفتحها بعد وودعها في نهاية السفرة بعدما كان حريصا على إطفاء شمعة عيدميلادها السابع عشر وهو يخبرها قبل رحيله أن تزوره في منزله وتبقى عنده لأيام فهو منزعج من إنقطاعها عنه الفترة الأخيرة ..!
وعدته إنها ستزوره قريبا فغادر وهو مرتاحا قليلا بعدما عادت تتجاوب معه بهدوء وأريحية نوعا ما إفتقدها الفترة السابقة ..!
الجميع أيضا منحوها هدايا لم تفتحها بعد ولكنها سعدت بها كثيرا ..
تجهمت ملامحها عندما تذكرت مهند الغليظ بتلك الهدية السخيفة فمطت شفتيها وهي تردد بنفور :-
” تافه … عديم الإحساس ..”
أبعدت تلك الأفكار السلبية عنها عندما نهضت من مكانها ترفع الغطاء عنها بحماس فتظهر بيجامتها الزهرية الخفيفة لتتجه نحو الهدايا الموضوعة بعناية فوق الطاولة التي تتوسط الجناح ..
كانت الهدايا كثيرة فكل فرد أهداها هدية خاصة منه ..
سارعت تسحب هدية عمار أولا فوجدته أهداها عقدا ماسيا يحوي على ثلاث حروف متسلسلة وهي حرفها وحرفه و حرف والدتها وقد إرتبطت الحروف الثلاثة بسلسلة من أحجار الزمرد الناعمة المماثلة للون عينين ثلاثتهم ..
إنتفض قلبها بسعادة وهي تتأمل السلسلة بعينين دامعتين .. كانت رائعة وأروع ما فيها الحروف الثلاثة خاصتها وهي ووالدتها الراحلة وأخيها …
نهضت من مكانها بجسد مرتجف من شدة السعادة التي منحتها رغبة عارمة في البكاء عندما اتجهت تحمل هاتفها وتتصل به ..
لحظات قليلة وجاءها صوته المتلهف يتسائل بقلق :
” جيلان .. هل انت بخير ..؟!”
إبتسمت لا إراديا تطمئنه فيبدو إن إتصالها في هذا الوقت المبكر قليلا أقلقه :-
” انا بخير ..”
سمعت صوت تنهيدته المرتاحة فأضافت وهي ترفع القلادة أمام عينيها تتأملها بحب وفرحة ظهرت خلال نبرة صوتها :-
” شكرا على القلادة .. إنها رائعة ..”
ابتسم وهو يسألها بفرحة إنتقلت له :
” هل أعجبتك حقا …؟
ردت بسرعة :-
” أعجبتني كثيرا .. أحببتها حقا … شكرا كثيرا يا عمار …”
همس عمار بجدية :-
” هذه هدية بسيطة لكنها مميزة .. أساسا إحترت فيما أجلبه لكِ .. لو بيدي لجلبت لكِ أغلى وأثمن شيء في العالم ..!”
قاطعته مبتسمة :-
” يكفيني أن تكوني دائما معي يا عمار .. ”
أضافت تهمس بصوت مبحوح مرتجف قليلا :-
” وجودك جانبي هو أثمن شيء تقدمه لي ..”
قال بسرعة وقد إختقنت أنفاسه داخل صدره :-
” انا دائما بجانبك يا جيلان .. سأبقى بجانبك دائما .. انتِ أغلى شيء عندي .. لن أتركك لحظة واحدة بعد الآن حتى موتي ..”
قالت بسرعة وخوف لا إرادي :-
” بعيد الشر عنك .. لا تقل هذا يا عمار .. انا لا يمكنني العيش بدونك .. لا تفعل من فضلك ..”
إبتسم يسألها بسعادة :
” هل سامحتني يا جيلان ..؟! هل غفرتِ لأخيكِ خطأه ..؟!”
ردت بخفوت وعيناها تلمعان بدموع حبيسة :-
” سأسامحك بشرط …”
سألها بسرعة :-
” ما هو ..؟؟ شروطك أوامر يا أختي …؟!”
إبتلعت غصتها داخل حلقها وهي تهمس :-
” إذا وعدتني إنك لن تتخلى عني أبدا مهما حدث وستقف دائما جانبي وتحبني بحق ..”
قاطعها بصدق :-
” انا أحبك يا جيلان .. لطالما أحببتك وسأبقى كذلك .. أعترف إنني أهملتك كثيرا وإن مشاغل الحياة والمشاكل حولي سرقتني منك كليا .. انا أخطأت كثيرا في حقك ولن أسامح نفسي أبدا على أخطائي تلك ولكن أريدك أن تسامحيني يا جيلان فأنا لا يمكنني تحمل عدم مسامتحك لي …”
ابتسمت من بين دموعها التي تساقطت بحرارة فوق وجنتيها وهي تهتف :-
” سامحتك يا أخي …”
إبتسم مرددا بفرحة بالغة :-
” بهذه المناسبة .. متى ستأتين عندي إذا ..؟!”
ردت بجدية :-
” غدا بإذن الله .. بعد زيارتي للطبيبة سآتي عندك ..”
سألها مهتما :-
” هل تلك الطبيبة جيدة ..؟! هل تشعرين بالراحة معها ..؟!”
أجابت بجدية :-
” كثيرا يا عمار .. إشكر لي شيرين التي نصحتك بذهابي إليها .. لقد إرتحت معها كثيرا وأحببتها أيضا ..”
” هي أساسا زوجة شقيق شيرين .. تعلمين ذلك بالطبع ..؟!”
ردت وهي تومأ برأسها :-‘
” نعم أخبرتني بذلك ..”
قال بعدها :-
” حسنا جيلان .. ننتظرك انا وشيرين غدا .. وضعي في رأسك إنك سوف تبيتين عندنا بضعة ليالي ولا مجال للرفض ..”
ابتسمت مرددة :-
” ان شاءالله .. ”
أضافت بتردد :-
” سأقول شيئا ..”
هتف متعجبا :-
” قولي ما تريدينه يا جيلان .. لا تترددي ..”
هتفت بخفوت :-
” شيرين زوجتك رائعة يا عمار .. إنها جميلة ولطيفة بشكل لا يوصف .. انت محظوظ بها ..”
سألها محتارا :-
” انها كذلك فعلا ولكن ما سبب هذا الحديث ..؟!”
قالت :-
” انت ربما لا تعلم ولكن شيرين لم تتوقف عن التواصل معي طوال الفترة السابقة بل كانت تدعمني طوال الوقت وتلتقي بي بعد مغادرتي العيادة ..”
” كنتما تلتقيان طوال الفترة السابقة ..؟!”
قالها مصدوما لتقول بسرعة :-
” إلتقينا مرات قليلة لكنها تتصل بي يوميا ونتحدث .. هي ساعدتني كثيرا … شيرين رائعة .. أتمنى أن تعتني بها يا عمار فهي تستحق كل الحب والرعاية …”
أضافت بجدية :-
” هي مميزة جدا ومثالية جدا وأنت الآخر تبدو مختلفا للغاية منذ أن تزوجت منها .. انا سعيدة حقا بوجودها في حياتك وأتمنى ألا تفترقان أبدا مهما حدث ..”
قال بثقة يطمأنها :-
” انا وشيرين لن نفترق مهما حدث … سنبقى سويا حتى آخر العمر ..”
ابتسمت براحة قبل أن تودعه بينما أغلق هو الهاتف وشعور الراحة والإستقرار ملأه تماما بعد هذه المكالمة مع أخته ..!
……………………………………………………….
تأملته وهو ينهي إتصاله مع أخته وقد سيطرت الراحة تماما على ملامحه فسألته بإهتمام :-
” كيف حالها جيلان ..؟!”
إلتفت نحوها حيث تأملها للحظة قبل أن يبتسم لها بطريقة غريبة وهو يجيب بينما يتقدم نحوها :-
” جيدة جدا …”
سألته بعدما وقف أمامها يحاوط خصرها بذراعيه :-
” تبدو سعيدا ..”
ردد بإنشراح :-
” جدا ..سعيد جدا يا شيرين .. جيلان سامحتني يا شيرين ..”
إنتقلت السعادة إليها وهي تردد :-
” أخبرنك إنها ستفعل .. هي تحبك ولا يمكنها أن تبقى غاضبة منك ..”
أضافت وهي ترفع سبابتها بتحذير :-
” ولكن إنتبه جيدا .. لا تحزنها مجددا يا عمار .. إذا فعلتها مجددا فلن أضمن لك غفرانها ..”
انحنى يقبل طرف سبابتها وهو يقول بثقة :-
” لن أحزنها أبدا يا شيرين .. انت تعلمين مدى غلاوتها عندي ..”
قاطعته بجدية :-
” المهم هي من تدرك ذلك وان تجعلها انت تشعر بذلك في كل لحظة … ”
أضافت وعينيها تلمعان بقوة :-
” انت أخيها .. أقرب شخص لها .. ستظل تحتاجك أنت أكثر من غيرك .. أنت سندها يا عمار … كن على قدر تطلعاتها ولا تخذلها من فضلك ..”
ابتسم بهدوء قائلا :-
” يستحيل أن أفعل ذلك بعد الآن ..”
ابتسمت بصمت عندما أضاف بجدية :-
” لقد تحدثت عنك أيضا ..”
عقدت حاجبيها تسأله :-
” حقا ..؟! ماذا قالت ..؟!”
رد وهو يمرر أنامله فوق وجنتها :-
” مدحتك كثيرا وأخبرتني عن تواصلك اليومي معها بل ولقائكما أكثر من مرة …”
ابتسمت مرددة بخفة :-
” حاولت أن أفعل أي شيء يساعدها ..”
” انت بالفعل ساعدتيها كثيرا .. لو تسمعينها كيف تتحدث عنك ستدركين إنك ساعدتها كثيرا جدا ..”
همست بسعادة :-
” أنا أحب جيلان حقا .. هي فتاة جميلة وتستحق السعادة ..”
قال وهو يميل نحوها أكثر وذراعيه ما زالتا تحاوطان خصرها :-
” لقد أخبرتني شيئا أعتقد إنه أكثر شيئا صحيحا سمعته في حياتي ..”
” شيء ماذا ..؟!”
سألته بإهتمام فأجاب مبتسما :-
” قالت إنني محظوظ بك جدا .. وانا كذلك بالفعل ..”
ضحكت برقة قبل أن تشاغبه :-
” من الجيد إنك تدرك ذلك …”
أضاف وعيناه تتأملانها عن كثب :-
” تمنت ألا نفترق أبدا مهما حدث …”
إرتبكت ملامحها قليلا وهي تردد :-
” لن يحدث شيء كهذا بإذن الله ..”
غمغم بثقة :-
” بالطبع لن يحدث .. انا لست غبي لأفرط بك يا شيرين .. انت يا شيرين لا يمكن أن تتكرري .. إنسانة لا تأتي في العمر سوى مرة واحدة وانا لست غبيا لأخسركِ بعدما ربحتك …”
قالت وعيناها تنظران إلى عينيه الخضراوين بقوة وعزيمة :-
” يسعدني كلامك يا عمار .. المهم أن تتمسك به للنهاية ..”
ظهرت الحيرة على ملامحه وهو يسألها :-
” لماذا أشعر إن هناك شيء غريب يسيطر عليك هذه الأيام ..؟!”
أضاف يسألها بضيق :-
” هل بسبب ذلك الموقف ..؟!”
قاطعته بحرص :-
” ليس تماما .. انا فقط منزعجة قليلا .. يعني ذلك الموقف ومقاطعه ماما ووليد لي ..”
زفر أنفاسه مرددا بتمهل :-
” صدقيني يا شيرين .. انا لم أكذب عليكِ بشأن ذلك الموقف مع مريم أما والدتك وأخيك فصدقيني سوف يسامحانك .. وإذا لم يفعلا سأحرص أنا على التحدث معهما بنفسي ..”
قالت بسرعة :-
” كلا يا عمار .. لا تفعل شيئا كهذا ..”
هتف بجدية :-
” لكنني أريدك سعيدة يا شيرين .. سعادتك منقوصة دون عائلتك .. انا أشعر بذلك مهما حاولتِ الإنكار ..”
إبتلعت غصتها وهي تردد بنبرة محتقنة:-
” لا بأس .. لا بد أن ينتهي هذا الخلاف .. ”
أحاط وجهها بكفيه يسألها بقلق :-
” انت لست نادمة على زواجك مني أليس كذلك ..؟! لم تندمِ على الوقوف في وجه عائلتك لأجل الزواج مني ..؟!!”
رمقته بنظرات هادئة وهي تجيب بتروي :-
” حتى الآن لست نادمة يا عمار وأتمنى ألا تجعلني أندم يوما ما على ذلك …”
” هذا لن يحدث أبدا ..”
قالها بثقة لتبتسم بضعف وهي تهمس له :-
” يمكنني تحمل كل شيء يا عمار بإستثناء شيء واحد فقط .. خذلانك ..”
بالكاد سيطر على ملامح وجهه وهو يهتف بعدما جذبها داخل أحضانه :-
” لن أخذلك مهما حدث يا شيرين … أنت أجمل شيء حدث لي وأفضل شخص دخل حياتي وسأكون أكبر مجنون إن خسرتك ..”
أغمضت عينيها بعدما إستسلمت لأحضانه تقاوم تلك الدموع الحبيسة داخلها قبل أن تفتحها مجددا وهي تدعو ربها أن يكون صادقا معها ولا يخذلها فهي لن تتحمل ذلك أبدا ..
لن تتحمل خذلانه بعدما منحته كل شيء وأحبته كما لم يفعل أحدا مثلها ..
………………………………………………………
تقدمت جيلان نحو الهدايا بعدما أنهت مكالمتها مع عمار ..
بدأت تفتح الهدايا بحماس وقد أعجبتها الهدايا التي أتتها من جميع أفراد العائلة بدئا من عمها وزوجته وابناء عمومها وعمتها زمرد التي أرسلت لها هديتها مع إبنها رغم سفرها منذ فترة مع زوجها في رحلة عمل بل أثير نفسه قدم لها هدية منه هو وكذلك هالة والجميع دون إستثناء ..
جميع الهدايا كانت جميلة وثمينة وأعجبتها وخاصة هدية شيرين التي منحتها هدية غير هدية عمار فكانت الهدية عبارة عن زوج من الأقراط الماسية الرائعة المرصعة بحجر الزمرد …
ابتسمت وهي تتأمل القرطين قبل أن تحمل هاتفها مجددا وترسل رسالة لشيرين تشكرها على هديتها …
نهضت من مكانها بعدها وأخذت تحمل الهدايا وتضمها في خزانتها بسعادة حقيقية وهي تعد نفسها إنها لن تنسى ذكرى هذا الميلاد المميز مهما حدث …
انتهت أخيرا مما تفعله لتبحث عن ملابس مناسبة لها فأخرجت بنطال برمودا من الجينز الأزرق ومعه قميص زهري اللون كالعادة ذو أكمام مربعة تصل الى ربع ذراعها …
وضعت البنطال والقميص على السرير ثم أخذت بعدها ما تحتاجه من أشياء ودخلت الى الحمام مقررة أن تأخذ حماما دافئا طويلا ..
بقيت في الحمام لأكثر من نصف ساعة حيث إسترخت داخل مياه البانيو الدافئة المليئة بالصابون ذو الرائحة العطرة وأغمضت عينيها بإستمتاع ..
خرجت بعدها وجذبت المنشفة تجفف بها جسدها والإنتعاش يسيطر عليها عندما إرتدت روب الإستحمام وخرجت بشعرها الطويل المبلل خارج الحمام …
وقفت أمام المرآة وسحبت المشط لتسرح شعرها الطويل دون أن تجففه حيث فضلت تركه مبللا منتعشا ..
انتهت من تسريح شعرها لتسارع بوضع عطورها المفضلة برائحة الفراولة التي تستخدما دونا عن غيرها ..
اتجهت بعدها نحو السرير ورفعت الملابس وبدأت ترتديها عندما توجهت بعدها نحو المرآة مرة أخرى ورفعت شعرها أماما من الجانبين قليلا بينما تركته حرا طليقا من الخلف ..
إبتسمت وهي تتأمل مظهرها الذي بدا طفولي نوعا ما قبل أن تحمل هاتفها وتخرج من جناحها ومنه الى الطابق السفلي عندما رحبت بها إحدى الخادمات وهي تخبرها :-
” هل تتناولين فطورك الآن يا هانم …؟!”
أجابتها جيلان وقد فهمت إنها تأخرت عن موعد الفطور اليومي وهي التي ظنت نفسها إنها إستيقظت مبكرا :-
” في الحقيقة لا داعي لتجهير مائدة كاملة .. سأتناول شيئا خفيفا في المطبخ ..”
ابتسمت الخادمة تقول :-
” كما تريدين يا هانم .. الخدم جميعهم تحت أمرك .. إطلبي منهن ما تشائين …”
ابتسمت وهي تهز رأسها قبل أن تتجه نحو المطبخ مقررة تناول شيء خفيف ..
دلفت الى المطبخ لتتفاجئ بزوجة عمها تعد شيئا فهمست مبتسمة :-
” صباح الخير عمتي زهرة ..”
كانت قد إعتادت في الفترة الأخيرة مناداتها بعمتي زهرة بعدما أخبرتها زهرة بذلك وهي تذكرها إنهم في العادة ينادون زوجة العم بلفظ عمتي ففعلت جيلان مثلما قالت ..
استدارت زهرة نحوها تبتسم وهي ترحب بها :-
” صباح النور حبيبتي .. إستيقظت إذا .. تعالي وسأنادي لك الخادمة لتعد لك الفطور ..”
قالت جيلان بسرعة :-
” لا داعي لذلك .. سأتناول شيئا خفيفا ..”
سألتها زهرة :-
” هل تحبين أن أجهز لك شيئا ..؟! بيض مثلا او أومليت أو ساندويش معين ..؟!”
ردت جيلان مبتسمة بخجل وإمتنان :-
” شكرا لك ولكن لا داعي لذلك .. سأتناول التوست مع المربى مع عصير البرتقال …”
” حسنا حبيبتي .. خذي راحتك ..”
قالتها زهرة قبل أن تعاود التحرك في المطبخ الذي كان خاليا من الخدم على غير العادة ..
اتجهت جيلان نحو الثلاجة وفتحتها لتخرج منها علبة المربى بالفراولة قبل أن تسحب قطعتين من التوست التي تم تحضيرهما مسبقا فدهنت كلتيهما بالمربى ..
وضعت القطعتين فوق صحن شفاف ثم جذبت قدحا متوسط الحجم وأخرجت عصير البرتقال الطبيعي وصبته في القدح قبل أن تحمل الصحن والقدح وتضعهما على الطاولة مقابل زهرة التي كانت تعمل على نفس الطاولة من الجهة المقابلة …
جلست جيلان على الكرسي بعدما سحبته ثم قالت بعدما قضمت قطعة صغيرة من التوست خاصتها:
” هل تعدين الكيك …؟!”
اومأت زهرة برأسها وهي تجيب :-
” نعم حبيبتي .. الكيك بالشوكولاتة .. ستحبينه كثيرا …”
ابتسمت جيلان بينما قالت زهرة وهي تنكب على عملها :-
” أنا أجيد صنع كيك رائع يا جيلان .. سيعجبك بالطبع …”
قالت جيلان بسرعة :-
” بالطبع سيعجبني .. أساسا أنا أعشق الكيك بالشوكولاته والفراولة ..”
دخل فيصل الى المطبخ ليتسائل بدهشة :-
” مالذي تفعلينه يا ماما ..؟!”
ثم ألقى التحية على جيلان قبل أن تجيبه زهرة :-
” أعد الكيك يا عزيزي …”
رفع فيصل حاجبه مرددا :-
” غريب .. منذ متى وأنت تعدين الطعام يعني ..؟!”
قالت زهرة بغيظ :-
” من اليوم .. هل لديك مشكلة .. ثانيا انا لا أجهز الغداء او العشاء مثلا ..!! لقد أحببت أن أعد الكيك لكم فأنا أعلم إنكم تحبون الكيك الذي أعده ..”
ابتسم فيصل وهو يسحب كرسي له بجانب جيلان مرددا :
” انا فقط إندهشت .. آخر مرة رأيتك فيها وأنت تقفين في المطبخ منذ عامين او اكثر ..”
قالت زهرة بضيق :-
” لا تبالغ … أتذكر إنني أعددت طعام الغداء لكم قبل سنة وشهرين …”
” ماشاءالله عليكِ حقا .. لا يفوتك شيء ولا تنسين شيء …”
كتمت جيلان ضحكتها بينما رمقته زهرة بنظرات حانقة قبل أن تضيف :-
” لو كان بيدي لدخلت المطبخ بإستمرار لكن والدك يمنعني من ذلك فهو يرفض أن أبذل مجهودا في الطبخ وما شابه بينما هناك من يمكنه القيام بذلك ..”
قال فيصل ممازحا :-
” يخاف عليك يا حبيبة الروح ..”
ابتسمت جيلان لا اراديا بينما رددت زهرة بثقة :-
” بالطبع يخاف علي .. وهل يوجد أغلى مني عنده ..؟!”
أكملت وهي ترمقه بنظراتها :-
” والدك رجل بحق .. يحترم المرأة ويقدرها ..”
مط شفتيه مرددا :-
” جميعنا نفعل يا ماما ..”
توقفت زهرة عما تفعله وهي تردد بتجهم :-
” وهل إحترام المرأة يكمن في خداعها يا فيصل ..؟!”
توترت ملامحه بينما بهتت ملامح جيلان عندما سأل فيصل مدهوشا :-
” ماذا حدث يا ماما …؟! لماذا تقولين هذا ..؟!”
ردت زهرة بحدة :-
” إسأل نفسك يا حبيب ماما .. ماذا فعلت بمها ابنة شادية ..؟! هل تتذكر أم نسيت بعدما إنشغلت بأخرى غيرها ..”
” يا إلهي ..”
قالها فيصل بضيق وهو يضيف :-
” ها قد بدأنا دلال الفتيات الممل ..”
قالت زهرة بعصبية :-
” الفتاة منهارة حرفيا بسببك ووالدتها عاتبتني .. بسببك ولأول مرة أشعر بخجل كهذا .. تمنيت أن تنشق الأرض وتبتلعني ..”
هتف فيصل بعدم استيعاب :-
” ولماذا تخجلين ..؟! انا لم أفعل شيئا خاطئا ..”
كادت أن تضربه بأول شيء يقع في طريقها عندما هدرت من بين أسنانها :-
” إخرس يا فيصل ولا تجعلني أفرغ غضبي فوق رأسك ..”
تمتم فيصل ببرود :-
” والله انا لم أجبرها على شيء .. هي من رمت نفسها علي وكانت أكثر من سعيدة .. تواعدنا لفترة ثم مللت .. ماذا كانت تنتظر مني مثلا ..؟! زواج وما شابه ..؟!”
” اسمعني يا فيصل .. قسما بربي إن لم تتوقف عن أفعالك هذه فسيكون لدي تصرف مختلف معك .. بنات الناس لسنَ لعبة في يديك ولا تنسى إنه لديك أخت شابة .. ضع تولاي أمام عينيك وأنت تعبث مع البنات حولك ..”
” انا لا أجبر أي واحدة على مصاحبتي ..”
صاحت بحنق :-
” توقف عن هذه النغمة الغبية .. هذه مجرد حجة سخيفة تتخذها انت وأمثالك من الشباب لتبرير أفعالكم الغبية …”
أضافت بتروي :-
” يا بني .. كسر القلوب ليس هينا .. يوما ما سيعاقبك الله ويأخذ حق جميع الفتيات اللواتي فعلت بهن سوءا منك .. فكر في عقاب الله يا بني وفي شقيقتك وفي بناتك مستقبلا إذا رزقك الله بفتيات مستقبلا .. الحق لا يضيع عند الله يا ولدي ولو بعد مئة عام ..”
تمتم بخشونة :-
” حسنا يا ماما …”
هدرت بعدها بتحذير :-
” وإياك ثم إياك أن تقترب من إحدى بنات صديقاتي …”
أضافت بحزم :-
“حذرتك مسبقا وسأكررها .. العبث مع الأقارب والمعارف والأصدقاء تحديدا ممنوع يا فيصل .. هذه المرة الأخيرة التي أحذرك فيها .. المرة القادمة سأخبر والدك بكل شيء ..”
نهض من مكانه مرددا ببرود :
” فهمت ..”
ثم خرج من المكان بتجهم لتنظر زهرة الى جيلان وهي تردد :-
” والله سوف يصيبوني هؤلاء الأولاد بالجنون خاصة فيصل .. سيقتلني يوما ما بسبب تصرفاته ..”
قالت جيلان محاولة تلطيف الأجواء :
” لا بأس .. سيتغير بالطبع ..”
تمتمت زهرة بخفوت :-
” اتمنى ذلك ..”
أضافت بجدية:-
” هو ومهند لا يتوقفان عن إغضابي والتسبب بالتعب لي … ”
ابتسمت جيلان تردد بحذر :
” دائما ما يكون بعض الأولاد يضايقون والديهم بتصرفاتهم أكثر من البقية ..”
هزت زهرة رأسها وهي تجيبها مؤدية :
” معك حق … بالنسبة لي فيصل ومهند سبب كل المشاكل التي تقع فوق رأسي أنا وعابد .. عكسهما تماما راجي فهو الوحيد الذي كان مريحا جدا وهادئا ولا يفتعل المشاكل رغم إنه ماكر جدا وذكي بشكل مخيف .. تولاي كذلك لم تتعبني .. أما راغب فكان يتعبني بسبب هيمنته وتسلطه المبالغ فيه فأنا لم أكن أستطيع فرض سلطتي عليه كأم منذ طفولته ربما .. لكن على الأقل كان منذ الصغر واعيا ورزينا ولا يركتب الأخطاء عكس هذين الآخرين اللذين لا يتوقفان عن التسبب بالمشاكل لي ولوالدهما ..”
تنهدت وهي تضيف برجاء :-
” أتمنى أن يهديهما الله ويتوقفا عن تصرفاتهما الحمقاء ..”
قالت جيلان بجدية :-
” امين ..”
منحتها زهرة إبتسامة قبل أن تقول :-
” أكملي فطورك هيا ..”
أضافت :-
” بعدما تنتهين من فطورك سارعي لإخراج الفراولة وتقطيعها لقطع متوسطة الحجم حيث سأزين بها الكيك ”
ضحكت جيلان وهي تردد بحماس :-
” سأفعل .. شكرا كثيرا ..”
قالت زهرة وهي تبتسم لها بحنو :-
” لا شكر بيننا يا صغيرتي ..”
………………………………………………………
كانت تجلس بجانبه وهو يقود سيارته تتأمل الشارع بشرود …
صمت لا ينتهي يحيل بينهما ..
فراغ تتسع فجوته دون توقف …
حياة باردة تماما لا روح فيها …
توقف بسيارته أمام إشارة المرور ليلقي نظرة جانبية عليها متأملا وجهها الذي ينظر للجهة الأخرى وكأنها تتعمد ألا تلتقي نظراته بنظراتها وألا يرى ملامح وجهها قدر الإمكان ..
كان معها في زيارتها عند طبيبتها النسائية والتي طمأنتهما على صحة الجنين الذي ينمو بشكل طبيعي جدا …
طفلهما الثالث قادم في الطريق وكل شيء بينهما كما هو لم يتغير ولو بمقدار ضئيل ….
أطلق تنهيدة صامتة وعقله يخبره إنه يتحمل جزءا من مسؤولية ما يحدث … جزءا كبيرا وأساسيا فيعود كبرياءه يتغلب على تفكيره هذا ويخبره إنها سبب بداية كل شيء وأي شيء حدث كان بسببها هي أولا ..
إعتصر مقود سيارته بقبضته وهو يشعر بالغضب يكتسحه بقوة … غضب يسيطر عليه منذ سنوات فيروضه هو بأقصى مقدار يمتلكه من القوة وكم يخشى من تلك اللحظة التي سينتهي بها صبره ويتحرر غضبه فيبتلعها هي قبل الجميع دون رحمة …
أخذ نفسا عميقا قبل أن يهدأ قليلا وهو يحرك مقود سيارته بعدما تحول لون إشارة المرور للون الأخضر …
بعد حوالي عشر دقائق مال بسيارته نحو أحد المطاعم فنظرت له مستغربة عندما ركن سيارته في كراج المطعم وهو يخبرها :-
” سنتناول الفطور هنا ثم نعود الى القصر …”
لم تعلق أبدا حيث هبطت من سيارته تسير بجانبه الى داخل المطعم عندما إستقبلهما النادل وأخذهما الى إحدى الطاولات قبل أن يسألهما عما يحبان تناوله فيطلب منه راغب أن يعد مائدة الفطور لهما …
ابتعد النادل ليسألها وهو يسترخي في جلسته على مقعده :-
” هل أعجبك المكان ..؟!”
ردت بهدوء :-
” جميل …!!”
صمت للحظات قبل أن يقول بجمود :-
” هل تعلمين إنني لا أتذكر آخر مرة كنا فيها سويا لوحدنا …؟!”
ردت بنفس الجمود :-
” لكنني أتذكر .. قبل عام تقريبا .. عندما أجبرتني على تناول العشاء معك خارجا كي نبدو مثل أي زوجين طبيعين أمام العائلة …”
هز رأسه متذكرا فقال بتهكم :-
” صحيح ، لا بأس يا همسة … كنت مضطرا لذلك .. انت بالطبع لا يرضيك أن نثير تساؤلات وتكهنات من حولنا …”
قاطعته ساخرة :-
” بالطبع … أساسا هذا أهم شيء .. أن نرضي من حولنا ونمنحهم الصورة المثالية التي توقفهم عن الحديث والتساؤل ….”
همس من بين أسنانه :-
” لا تتوقعي مني أن أضحي بصورتي المثالية وإستقراري الأسري أمام من حولي لأجل أفكارك الغير مهمة …”
حدقت به بصمت للحظات قبل أن تنطق بتكلف :-
” لم تكن صورتك يوما مثالية ولن تكون .. انت لست مثاليا يا راغب بل على العكس .. انت بعيد تمام البعد عنها .. انت تدعي المثالية بينما حقيقتك عكس ذلك ..”
هزأ منها مرددا :-
” وانت البريئة المسكينة .. الضحية التي تعاني من مثاليتي المزيفة …!!”
هزت رأسها نفيا قبل أن ترد :-
” انا لست ضحية … طالما أعيش معك داخل هذه الصورة بإرادتي فهذا لا يعني إنني ضحية .. الضحية هي من تفعل شيئا ما مجبرة أما أنا فلست مجبرة أبدا …”
منحها نظرات جامدة قوية عندما تقدم النادل يحمل على المائدة المتحركة العديد من الأطباق التي تحتوي أشهى أنواع أطعمة الفطور ..
بدأ النادل يضع الأطباق أمامهما مع أكواب العصير إضافة الى إبريق الشاي الساخن وكوبين خاصين بتناول الشاي جانبه ..
ابتعد أخيرا ليأمرها راغب ببرود :-
” تناولي طعامك …”
ثم سحب شوكته وبدأ يتناول طعامه عندما فعلت هي المثل وبدأت تتناول الطعام على مضض …
تحدث بعدها قائلا بجدية :-
” أظن إننا سنعرف جنس الجنين بعد شهرين من الآن … ”
ردت بخفوت :-
” تقريبا …”
قال بجدية :-
” إذا كانت فتاة فسوف تسمينها انت …”
” غريب .. بالعادة انت من تختار الأسامي ولست أنا …”
قالتها بوجوم ليقول بجدية :-
” أنا أختار أسامي الصبيان وانت الفتيات .. ”
أكمل ببرود :-
” ثانيا أتذكر إنني سألتك عن رأيك في إسمي الولدين قبل تسميتهما وأنت وافقت ..!!”
ردت بحيادية :-
” لإن الإسمين أعجباني … ”
” جيد ، أين المشكلة إذا ..؟!”
سألها بضيق لترد بهدوء :-
” ليس هناك اي مشكلة .. انا تعجبت فقط ..”
أضافت تقول بعفوية :-
” أم إنك تجعلني من إسمي الفتاة لإنك لا تميل الى إنجاب الفتيات كما تفرح بالصبيان ..؟!”
همس مندهشا :-
” ما علاقة هذا الآن ..؟!”
أكمل بجمود سيطر عليه كليا :-
” اطمئني يا همسة .. انا لا أميز بين الصبي والفتاة .. على العكس تماما .. لو جائت فتاة هذه المرة فسأفرح بشدة وأدللها أضعاف دلال أخويها ..”
إبتلعت ريقها تردد :-
” لم أقصد .. هذا فقط ما خطر على بالي عندما قلت إنني سأسمي الفتاة …”
رد بجدية:-
” لإنها فتاة .. فكرت إنك ستحبين هذا فأنا أعلم مدى حبك للفتيات الصغار عموما ورغبتك دائما في إنجاب فتاة ..”
نظرت له بدهشة من إدراكه لرغبتها الشديدة منذ المراهقة أن تنجب فتاة يوما ما وهي التي كانت تتخيل نفسها دائما أما لفتاة صغيرة جدا وجميلة تحبها بشدة وتعتني بها وتختار لها أجمل الفساتين وتسرح شعرها وتشتري لها الدمى …!!
تجاهلت أفكارها وهي تردد بإختصار :-
” لنرى أولا نوع الجنين ثم نفكر في مسألة الإسم ..”
حمل شوكته وهو يردد :-
” لكنني إخترت إسمه بالفعل إذا كان صبيا ..”
ثم قال بجدية بعدما مضغ طعامه :-
” إذا كان صبيا سوف إسميه إبراهيم …”
رددت بدهشة :-
” إبراهيم …”
اومأ برأسه وهو يضيف بنبرة عادية :-
” نعم ، على إسم والدك ..”
حملت قدح الماء جانبها ترتشف منه قليلا قبل أن تضعه فوق المائدة مجددا وهي تهمس :-
” غريب .. ”
سألها بعدم فهم :-
” ما الغريب في الأمر ..؟!”
أكمل يتسائل ببرود :-
” ألا تودين أن يحمل أحد أبنائك إسم والدك …؟!”
نطقت بنفس الخفوت :-
” الأمر ليس هكذا .. انا فقط تعجبت من تفكيرك هذا …”
همس بصوت بارد لا يخلو من التهكم :-
” عادي .. أنت دائما تشعرين بالتعجب من تصرفاتي ..!!! لا جديد أبدا ..”
نظرت إليه وهي تردد بهدوء :-
” ربما لإنك دائما ما تتصرف بطريقة تفاجئني وتثير تعجبي وحيرتي ….”
مال نحوها وعيناه ترمقانها بقوة تحملها نبرته وهو يردد :-
” الخلل ليس في تصرفاتي .. الخلل عندك يا همسة .. أنت من تفشلين دائما في توقع تصرفاتي لإنك لا تعرفينني عن قرب ..”
تحدثت بجمود :-
” ربما لإنني لا أريد هذه المعرفة ..”
ضحك مرددا بصوت هازئ :-
” كلا ، أنت لا تعرفين ذلك .. لا تجيدينه مثلما لا تجيدين أغلب الأشياء …”
شعرت بالإهانة الشديدة من كلامه فرفعت ذقنها وهي تتحدث مدعية اللا مبالاة :-
” جيد … من حسن حظك إنني لا أجيد أغلب الأشياء لإنني لو فعلت لما كنت باقية هنا بجوارك …”
ابتسم مرددا بخفة :-
” واضح جدا … على العموم الطريق أمامك مفتوح .. يمكنك المغادرة متى ما أردت …”
نهض من مكانه يتابع جمود ملامحها التام فيضيف وعيناه ترمقانها بإزدراء شديد :-
” لكن عليكِ قبلها أن تدركي جيدا ما ستدفعينه ثمنا لمغادرتك … ”
أنهى كلماته مرددا قبل أن يضع مبلغا من المال فوق الطاولة و يتجه خارج المكان :-
” أنتظرك خارجا حتى تنهين طعامك ..”
تأملته وهو يغادر بملامح متشنجة تماما قبل أن تسحب المنديل تمسح به كفيها و فمها ثم تنهض من مكانها تتبعه وشعور الإختناق يسيطر عليها تماما …
……………………………………………………….
دلف الى مكتبه في القصر ليجد مهند يجلس هناك في إنتظاره فغمغم بضيق :-
” ما هي المصيبة الجديدة التي أتت بك عندي ..؟!”
سأله مهند متجاهلا ما قاله :-
” هل لديك بعضا من الوقت لي ..؟!”
رد راغب وهو يتجه نحو الكرسي الموضوع خلف المكتب ويجلس عليه :-
” اليوم عطلة يا مهند .. لا أشغال لدي ..”
قال مهند متهكما :-
” واقعيا انت مشغول حتى في يوم العطلة ..”
سأله راغب متجاهلا ما قاله بدوره :-
” إذا ، ماذا هناك ..؟!”
تأمل مهند ملامح أخيه التي بدت مشدودة على غير العادة فسأله ببرود :-
” تبدو لست بخير .. هل هناك مشكلة ما ..؟!”
سيطر راغب على أعصابه التي كانت متشنجة بشدة بسبب زوجته ليرد بهدوء مصطنع :-
” أبدا .. قل ما لديك .. أسمعك ..”
سأله مهند بجدية :-
” أين تقى يا راغب ..؟!”
رد راغب ببرود :-
” لا أعرف ..”
” توقف عن ذلك وأخبرني عن مكانها ..”
قالها مهند بقوة ليردد راغب بصدق هذه المرة :-
” حقا لا أعرف .. لقد رحلت بعدما تحدثت معها وعلمت إنني أعرف حقيقة ما فعلته ولا أدري أين ذهبت …”
رفع مهند حاجبه مرددا بعدم تصديق :-
” وانت تركتها تذهب بهذه السهولة ..؟؟ لا يمكنني تصديق ذلك ..”
سأله راغب ببرود :-
” وماذا كان يجب أن أفعل ..؟!”
قال مهند :-
” انا أعرفك جيدا يا شقيقي العزيز .. انت لن تترك تقى دون عقاب يليق بتصرفها لذا أخبرني أين هي من فضلك بدلا من إدعاء إنك تركتها دون أن تفعل بها أي شيء ..”
” ولكنني لا أدعي يا مهند .. انا بالفعل تركتها .. اضافة الى إنك لا تعرفني جيدا لإنك لو كنت تعرفني لأدركت إنني لن أنتقم منها ولن أفكر في ذلك أساسا .. هل تعرف لماذا ..؟!”
نظر له مهند بترقب ليسترسل راغب :-
” لإن مشكلتي مع تقى كانت واحدة فقط .. وجودها في حياتنا وتلونها لأجل الإنتماء الى عائلتنا بالكذب والخداع لذا بعدما كشفتها تماما بشكل يجعلها لن تفكر مجددا بالإقتراب من العائلة لم يعد هناك حاجة لفعل أي شيء معها ..فكرة الإنتقام لا تعنيني خاصة إنها لم تؤذِ أحدا يخصني عداك أنت وكونك كنت مستسلما لما يحدث راضيا بخداعها لك ومتمسكا بها رغم علمك بحقيقتها فأنا لن أتنازل وأنتقم منها لأجل عيونك يا مهند … لن أسعى لنيل حقك منها وأنت من سمحت لها بأن تفعل ما فعلته ..”
انتفض مهند من مكانه مرددا بعصبية مخيفة :-
” انا يجب أن أجدها .. يجب أن أجدها وأحاسبها على ما فعلته ..”
قال راغب بحزم :-
” توقف عن هذه التصرفات الصبيانية … علام تحاسبها ..؟؟ انت من سمحت لها بأن تتصرف هكذا .. أنت من أدخلت حرباء مثلها حياتك فلا تأتي الآن وتدعي إنك المسكين الذي تم خداعه …”
ضرب مهند سطح المكتب بقبضتيه مرددا :-
” لقد خانتني يا هذا …”
قاطعه راغب بنفس البرود المستفز :-
” لم تخنك .. واقعيا لم يكن هناك رجل في حياتها غيرك .. أما عن حملها بتلك الطريقة الشيطانية الحقيرة فهو يعتبر خيانة من نوع آخر .. ”
أضاف متعمدا :-
” وسأكررها يا مهند .. طالما إخترت أن تدخل واحدة مثلها حياتك فعليك أن تتحمل نتائج إختيارك هذه …”
أضاف وهو يحاول إمتصاص غضبه هذه المرة :-
” إنساها يا مهند .. تلك الفتاة انتهت من حياتك .. دعها تذهب الى الجحيم .. انا وانت نعرف جيدا إنك لم تحبها يوما وإن تمسكك بها بدافع العناد والتحدي ليس إلا .. لا داعي أن تكذب على نفسك وعلينا جميعا بعد الآن .. لقد أنقذك الله من هذه الشيطانة وتخلصت منها فلا تسعى لإدخالها حياتك من جديد وتخريبها ..”
قال مهند بغضب لمع داخل عينيه الزرقاوين :-
” إنها زوجتي يا راغب .. لا تنسى هذا ..”
قال راغب بجمود :-
” ما بينكما مجرد ورقة تم تقطيعها … هي لم تعد زوجتك هذا إذا إعتبرنا ما كان بينكما زواجا ..”
أضاف وهو يتأمل ملامح أخيه الغاضبة :-
” انا أعلم جيدا مقدار صعوبة ما تمر به .. أتفهمك يا مهند .. لكن صدقني أنا أفعل كل هذا لأجلك .. أنا أريد مصلحتك ..”
قاطعه مهند ضاحكا بخفة :-
” انت تريد مصلحتي .. لا أصدق هذا … ”
تقدم راغب نحوه ووقف أمامه قائلا بصدق ظهر بقوة في عينيه :-
” انا لا أريد شيئا سوى مصلحتك يا مهند .. حتى لو كانت طريقتي خاطئة بشكل ما ولكنني كل ما فعلته كان لأجلك …”
” نفس كلام والدك سابقا .. دائما ما تدعيان إنكما تفعلان هذا لأجلنا .. دائما ما تدعيان إنكما تريدان مصلحتنا وتدركانها أكثر منا ..”
قالها مهند بإنفعال مكتوم وهو يضيف :-
” السنوات تمر وأنت ووالدك لا تتغيران .. تتصرفان بنفس الطريقة وتتخذان دور الوصي علينا …”
قال راغب بهدوء متفهما حالته في هذه اللحظة :-
” ولكن في المرتين سواء انا او أبي كان معنا حق ..”
صاح مهند :-
” أبي لم يكن معه حق أبدا …”
سأله راغب متجاهلا ما قاله عن أبيه :-
” وأنا ..؟! ألم يكن معي حق بخصوص تقى …؟؟ ”
لم يجبه مهند فأضاف راغب بجدية :-
” هل تعلم .. ؟! الشيء الوحيد الذي كان يصبرني على تصرفاتك وتمسكك اللعين بها إنني كنت أدرك جيدا إن تمسكك بدافع العناد ليس إلا .. محاولة سخيفة للإنتقام من والدي ومني … ”
أضاف بجدية :-
” انت تعتقد إننا نحرمك من كل شيء ترغبه لأجل مصلحتنا … كلا يا مهند .. تقى تحديدا انا لم أرفضها لإنها لا تناسب عائلتنا .. لم أرفضها بسبب والدها المتهم بقضايا مشينة .. صدقني لو كانت تقى فتاة جيدة كنت سأضطر لتقبلها خاصة لو كنت بدورك تحبها حقا .. ربما لم أكن محبا لوجودها بيننا لكنني كنت سأتقبلها فقط لأجلك .. لإنك تحبها ولإنها تستحق .. لكن منذ البداية وأنا أدركت حقيقتها وإنها فتاة مستهترة عديمة التربية .. ولو تتذكر فدائما ما كنت أقف ضد صداقة توليب بها وأطلب منها أن تنهي هذه الصداقة والحمد لله قبولها بالزواج عرفيا منك أكد لي صحة تفكيري وإنني لم أظلمها أبدا .. ”
أخذ راغب نفسا عميقا ثم أشار الى مهند الذي ظهر تضارب مشاعره على وجهه :-
” أخبرني مالذي أخطأت به يا مهند لتتعامل معي بهذه الطريقة وتلقي فوق رأسي جميع هذه الإتهامات …؟! مالذي فعلته معك يجعلك تنظر إلي كشخص مؤذي ديكتاتوري لا يفكر سوى بنفسه ومصالحه ..؟؟”
سأل مهند متهكما :-
” ألست كذلك يا راغب ..؟!”
ضرب راغب على سطح المكتب مرددا :-
” كلا ، انا لست كذلك .. وانت تدرك ذلك جيدا .. تدرك ذلك يا مهند فلا تدعي عكس الحقيقة ..”
نطق مهند بصوت ثابت رغم حشرجة نبرته :-
” كنت ذلك في نظري .. كنت دائما كذلك حتى تلك المرة التي تخليت بها عني … انت تتذكرها بالطبع .. تتذكر عما أتحدث .. عندما خذلتني يومها يا راغب … ”
أخذ نفسا عميقا ليضيف بخفوت متألم :-
” قبل ذلك اليوم كنت أظنك سندي .. انت لم تكن أخي الكبير فقط يا راغب بل كنت أبي أيضا ..”
قاطعه راغب بصدق :-
” وانت كنت بمثابة ابني يا مهند .. كنت ولا زلت ..”
ضحك مهند مرددا بمرارة :-
” نعم ، ولهذا تخليت عني في أول مرة إحتجتك بها … تركتني أواجه والدك بمفردي وانت تدرك جيدا إن لا أحد يستطيع الوقوف في وجه عابد الهاشمي عداك انت …”
قال راغب مدافعا عن نفسه :-
” لم أتركك يا مهند .. والله لم أفعل … انا دعمتك ولكن بشكل سري … إفهمني يا مهند .. وقتها وقفت في المنتصف بينك وبين والدي .. كنت محتارا .. من جهة والدي الذي يعتبرني سنده و شريكه ومؤازره الأول في جميع الأمور ومن جهة انت .. شقيقي الصغير الذي أحبه أكثر من نفسي ولا أريد سوى سعادته .. ”
” فإخترت طرف والدي الذي جعلك إمتدادا له في المستقبل فلم يكن من المنطقي أن تخذله وتخسر تلك المكانة ..”
قالها مهند بسخرية ليهتف راغب بحزم :-
” لا تخلط الأمور ببعضها … وقتها لم أكن راضيا عن قرارك وكنت متفقا مع وجهة نظر والدي ومع هذا لم أقل هذا .. إتخذت موقف الحياد بينما إتفقت مع راجي على دعمك سرا … سعينا للوصول الى حل ولكن أبناء الصافي سبقونا وزوجوا الفتاة .. ”
ضحك مهند مرددا :-
” ومن السبب في ذلك ..؟! أليس والدك ..؟! ”
سأله راغب بجمود :-
” ماذا كنت تنتظر من والدي ..؟! أن يضع يده في يد أكبر منافس له في السوق ..؟!”
قال مهند بعينين لمعتا بقوة :-
” إذا أنت تعترف أن والدي فضّل أعماله وتجارته علي وعلى مشاعري …”
قال راغب بقوة :-
” ليس هذا السبب الوحيد .. أبي لم يكن يرغب بمصاهرة تلك العائلة .. فهم بالرغم من كونهم عائلة راقية ومن نفس طبقتنا لكنهم عائلة وصولية في نفس الوقت .. عائلة باطنهم يخفي الكثير من السواد والحقد … أفراد العائلة نفسهم كانوا على عداء سافر مع بعضهم فكيف سيكونون معك وانت الغريب عنهم والأسوء إنك ابن أكبر منافسيهم ..؟! لم يرد والدي أن تدخل في دواما عائلة الصافي الذين لم يكن ليتوانوا لحظة واحدة عن تمزيقك كليا … ”
” مبررات واهية ..”
قالها مهند مبتسما بإستهزاء ليرد راغب :-
” هذه ليس مبررات .. هذه حقيقة ..”
تنهد راغب بعدها ثم قال :-
” إنسى الماضي يا مهند .. لقد رحل الماضي بكل ما فيه .. نحن أبناء اليوم … ”
أكمل بصدق :-
” انا لم أتخلى عنك كما كنت تعتقد .. اقسم لك إنني كنت أسعى لمساعدتك لكنهم سبقوني …”
قاطعه مهند :-
” هل تتذكر عندما قررت فسخ خطبتك من يسرا …؟!”
عقد راغب حاجبيه متسائلا بتعجب :-
” مالذي ذكرك بهذا الموضوع الآن ..؟!”
هتف مهند ساخرا :-
” كنت ما زلت صغيرا حينها .. لم أكمل عامي الثامن عشر حتى .. ورغم ذلك وقفت معك حينها .. واجهت والدك ووالدتك وأخبرتهما أنهما لا يحق لهما أن يجبرانك على الإستمرار في علاقة لا تريدها .. رغم صغر سني وقتها لكنني دافعت عنك بضراوة لإنني كنت أحبك وأريد راحتك وسعادتك التي فقدتها بسبب تلك الخطبة ..”
قال راغب بصدق :-
” أقسم بالله وبحياة ولدي وطفلي القادم يا مهند إنني دائما ما كنت أريد المثل لك وأسعى لها وإن جميع تصرفاتي كانت بدافع حمايتك ولأجل مصلحتك وحتى في موضوع جوليا فأنا سعيت لجمعك بها وبإمكانك أن تسأل راجي وهو سيخبرك بكل شيء .. لماذا لا تصدقني حقا لا أفهم …؟!”
منحه مهند إبتسامة خائبة وهو يقول :-
” حتى لو صدقتك فلن يتغير شيء …”
” سيتغير كل شيء عندما تفهم إن لا أحد سيحبك بقدر عائلتك يا مهند .. عندما تدرك جيدا إنك أهم عندنا من أي شيء … إستوعب هذا من فضلك ولا تقسو على نفسك وعلينا أكثر … ”
منحه مهند نظرات باهتة قبل أن يهز رأسه وقد سيطر عليه الضياع كليا في تلك اللحظة ..
تأمله راغب بملامحه تلك فجذبه نحوه يعانقه بأخوية خالصة والغريب إن مهند إستسلم لعناقه فكانت هذه المرة الأولى التي يتعانق بها الأخوين منذ سنوات ..!!
…………………………………………………………
فتح عينيه بتعب وهو الذي نام لمدة طويلة جدا …
اكثر من ثلاثة عشر ساعة وهو نائم .. ربما هذه أكثر مدة نام فيها طوال حياته ..
إعتدل في جلسته فشعر بألم في ظهره ليتأوه بصمت قبل أن يتأمل المكان حوله بإرهاق يسيطر على كل إنش من جسده ..
تأمل هاتفه لا إراديا فتذكر موعد طائرته نهاية الإسبوع أي بعد ستة أيام ..!!
نهض من مكانه مقررا إنهاء كافة الإجرائات التي يجب أن ينهيها قبل سفرها ولكن قبلها عليه أن يتصل بصديقه داني ويخبره بأمر مغادرته البلاد هنا بعد أيام ..
حمل هاتفه وإتصل به يخبره بقرارة المفاجئ والذي صدم صديقه مكتفيا بإجابات مختصرة كاذبة عن أسباب عودته بهذه السرعة ..
أنهى إتصاله مع داني فإتجه نحو المطبخ يعد له كوبا من القهوة …
حمل كوبه بعد مدة وإتجه نحو الكنبة التي تتوسط صالة الجلوس فجلس عليها وبدأ يتناول قهوته عندما رن هاتفه فرفعه ليجدها غالية تتصل به …
أجابها بعد لحظات ليأتيه صوتها المتهلف كالعادة وهي تسأل عليه وتخبره عن مدى إشتياقها له ورغبتها برؤيته ..
أراد أن يخبرها إنه سيعود وستراه بالفعل بعد أيام لكنه كان قد قرر أن يخفي الأمر عنها وعن والدته حتى عودته لكن ما تبع ذلك وهي تسأله :-
” كيف حال حياة يا نديم ..؟! لقد إشتقت لها هي الأخرى كثيرا ..!! ما أخبار دراستها ..؟! وما أخباركما سويا …؟! ”
صمت ولم يعرف ماذا يجيب وفي نفس الوقت إستغرب من سؤالها الأخير فخمن إنها لاحظت توترا خفيا أثناء حديثها السابق مع حياة أو معه …
سمع صوتها يسأله بتوجس :-
” لماذا لا تجيب يا نديم ..؟! هل حياة بخير ..؟! هل أنتما بخير .؟!”
نطق أخيرا وبحسم :-
” نحن تطلقنا …!!”
صاحت بعدم تصديق :-
” ماذا تقول ..؟! تطلقتما ..؟!”
رد بهدوء مصطنع :-
” نعم يا غالية .. انا وحياة تطلقنا ..”
تسائلت بعدم إستيعاب :-
” كيف يعني هذا ..؟! كنتما بخير منذ يومين ..؟! كيف تتطلقان ..؟! ماذا يحدث معكما يا نديم ..؟!”
رد نديم ببرود :-
” عادي يا غالية .. نحن تطلقنا مثلنا مثل أي زوجين يقرران ذلك … لماذا تضخمين الموضوع ..؟!”
” توقف يا نديم من فضلك ولا تثير غضبي الآن ..”
قالتها بعصبية مكتومة وهي تضيف :-
” أخبرني ماذا ولمَ تطلقتما ..؟!”
رد وهو بالكاد يسيطر على إنفعاله :
” هي أرادت الطلاق وأنا طلقتها …!!”
هتفت غالية بصدمة :-
” هكذا ..!! بكل بساطة ..!!”
هتف ساخرا :-
” وهل يفترض بي أن أجبرها على البقاء معي وهي لا تريد ذلك ..؟!”
سألته غالية بإتهام صريح :-
” ومالذي جعلها تطلب الإنفصال ..؟! مالذي جعلها ترفض البقاء معك ..؟!”
رد بجمود :-
” إسأليها هي ..”
صاحت منفعلة :-
” بل أسألك أنت .. ماذا فعلت بالفتاة ..؟! لماذا طلبت الإنفصال بهذه السرعة …؟! مالذي فعلته بها لتسعى لذلك ..؟! ”
هتف غير مصدقا :-
” هل تستوعبين ما تقولينه يا غالية ..؟! بمَ تتهميني بالضبط ..؟!”
هتفت بحزن :-
” لا بد إنك أذيتها .. آلمتها كثيرا مما جعلها تنفصل عنك بهذه السرعة ..!!”
سألها بخيبة :-
” هل تعتقدين ذلك حقا ..؟!”
ردت بصوت متحشرج :-
” حياة تعشقك .. لو لم تكن أذيتها كثيرا ما كانت لتتخلى عنك …”
قاطعها بأنفاس ضائقة :-
” لكنها فعلت .. تخلت عني .. تركتني ورحلت ..”
قالت غالية غير واعية إنها تضغط على جرحه بقسوة :-
” بالتأكيد هناك سبب قوي دفعها لذلك .. هناك سبب يا نديم … أليس كذلك يا شقيقي ..؟!”
هدر منفعلا بغضب شديد :-
” انا السبب يا غالية .. هل إرتحتِ الآن ..؟! هل منحك جوابي هذا الراحة ..؟! نعم أنا أذيتها وآلمتها لدرجة جعلتها تفر هاربة مني .. هل إرتحت الآن..؟!”
” ماذا يحدث يا نديم ..؟! ما بالك تتحدث هكذا …؟! حسنا انا تسرعت لكن دعني أفهم ..”
قالت جملتها الأخيرة وقلبها تمزق ألما وهي تسمع نبرة التعب واليأس في نبرة صوته لتضيف بهمس موجوع :-
” ماذا حدث يا نديم ..؟! انا غالية .. شقيقتك .. أخبرني من فضلك .. دعني أفهم كي أساعدك ..”
هتف بصوت يائس :-
” لا أحد يمكنه مساعدتي .. لا أحد يستطيع …”
همست بنبرة شبه باكية :-
” لماذا يا نديم ..؟! انا يمكنني فعل أي شيء لأجلك .. فقط دعني أفهم .. لماذا طلقت حياة ..؟! لماذا أرادت هي الإنفصال ..؟! أنتما كنتما متفاهمين وهي تحبك و …”
قاطعها بضعف :-
” نحن لم نتفاهم يوما يا غالية .. واقعيا انا وهي كنا مختلفين في كل شيء ..”
” كيف يعني ..؟! انت أساسا تمسكت بها بسبب هذا … بسبب إحساس الهدوء والراحة الذي كنت تشعر به معها .. كنت مستقرا هادئا تماما في وجودها … حياة كانت نقطة إتزانك يا نديم وانت كنت حبيبها وحبها لك كان كالشمس واضح لا خلاف عليه .. كيف آلت الأمور بينكما الى هنا …؟! كيف حدث هذا فجأة ..؟! مالذي تغير ..؟!”
همس بجمود :-
” المشكلة الحقيقية إنني لم أكن لها ما تريد … لم أحقق لها ما تمنته دائما … ”
” ماذا تقصد ..؟!”
سألته بحيرة ليرد بوجع :-
” لم أحبها يا غالية … ”
أضاف وحلقه يختنق كليا :-
” لم أبادلها حبها الواضح للجميع كالشمس وهي بدورها لم تتحمل هذا فإختارت الرحيل …”
حل الصمت المطبق بينهما .. صمت امتد للحظات قبل أن تهمس بتساؤل :-
” ومن قال إنك لا تحبها …؟! ”
رد ببديهية :-
” انت تعرفين مشاعري نحوها لم تكن يوما حبا .. مشاعري ناحية حياة مختلفة .. هكذا كانت دائما …”
” وعلى أساس حكمت إنها ليست حبا ..؟! وإذا لم تكن مشاعرك نحوها حبا فماذا ستكون إذا ..؟!”
لم يجبها .. إلتزم الصمت مفكرا إنه سأل نفسه هذا السؤال فلم يجد جوابا منطقيا عليه …!
رد أخيرا بجهل حقيقي :-
” لا أعرف يا غالية …”
هدرت به :-
” أيها الغبي الأحمق .. إنظر الى حالتك وانت تتحدث ومدى الألم في نبرة صوتك وستدرك حقيقة مشاعرك نحوها …”
ختمت حديثها بأنفاس لاهثة قبل أن تغلق الهاتف في وجهه :-
” سأقول شيئا أخيرا قبل أن أغلق الهاتف .. حاول أن تدرس مشاعرك ناحية حياة جيدا فإذا لم تكتشف انت بنفسك حقيقة ما تشعره نحوها لن ينجح أي أحد في ذلك .. انت وحدك من تستطيع فعل ذلك لا احد سواك …مع السلامة يا نديم .. ”
……………:……………………………………………..
حملت حياة هاتفها وأخذت تنظر إليه بتردد …
يجب أن تتصل بوالدتها وتخبرها بأمر طلاقها ورغبتها بالعودة الى البلاد بأسرع وقت فهي يجب أن ترتب أمر عودتها الى البلاد والى جامعتها السابقة وهذا يجعلها بحاجة الى المال إضافة الى مساعدة أحدهم وبما إنها لا تمتلك أحدا سوى والدتها فهي مضطرة أن تخبرها بذلك ..
فتحت هاتفها وأخذت تبحث عن رقم والدتها فتطلعت لها للحظات تذكرت خلالها رفضها لهذه الزيجة فسارعت تغلق الهاتف وهي تتأفف بضيق ..
جلست على السرير تنظر الى الهاتف بضياع شديد قبل أن تحسم أمرها وتكتفي بكتابة رسالة مقتضبة لحنين تحتوي على كلمتين :-
” انا تطلقت …”
ثم سارعت تغلق الهاتف وتضعه على السرير قبل أن تتمدد جانبه ..
لحظات قليلة وإنتفضت من مكانها على صوت رنين هاتفها فوجدت حنين تتصل بها ..
حملت الهاتف وأجابت عليه بتردد ليأتيها صوت حنين المتلهف :-
” ماذا هذه الرسالة يا حياة ..؟! هل هذه مزحة ..؟؟!”
إبتلعت حياة غصتها وهي تنفي ما قالته أختها :-
” كلا يا حنين .. انا بالفعل تطلقت …”
صرخت حنين بعدم تصديق لتتجاهل حياة صرختها وهي تضيف :-
” أخبري والدتي بالأمر فأنا أحتاج أن أعود الى البلاد في أقرب وقت .. ”
” ماذا تقولين يا حياة ..؟! كيف يعني تطلقتي ..؟!
سألتها حنين بعدم إستيعاب لتردد حياة بتوسل :-
” من فضلك يا حنين .. ارجوك لا تبدئي الآن .. لا طاقة لدي بالحديث عن أي شيء .. تحدثي مع والدتي فقط .. هذا كل ما أريده منك … ”
” حسنا ..”
قالتها حنين بخفوت لتودعها حياة وهي تعاود التمدد على سريرها ليهتز هاتفها مجددا فتزفر أنفاسها بملل عندما جذبت الهاتف تنظر إليه وهي ما زالت على وضعيتها لتجد ماذي تتصل بها ..
تأملت إسمها للحظات قبل أن تضع الهاتف جنبها بعدما رفضت المكالمة لكن ماذي عادت تتصل بها …
زفرت أنفاسها بضيق وهي تعاود رفض المكالمة عندما وجدتها تبعث لها رسالة بعد لحظات كتبت فيها :
( أين أنتِ يا حياة ..؟! لماذا لا تجيبين ..؟؟ هل أنت بخير ..؟! أجيبيني من فضلك وإلا سآتي الى الشقة بنفسي لأطمئن عليك ..)
إعتدلت حياة في جلستها تتأمل رسالتها بتجهم لتتنهد بضيق قبل أن تجيب على رسالتها بأختصار :-
“(اهلا ماذي .. انا بخير .. فقط لا أريد التحدث مع أحد الآن .. ولا داعي أن تذهبي الى الشقة لإنني تركتها منذ أيام …)
وضعت هاتفها جانبا وقد رفعت ساقيها نحو جسدها تحيطهما بذراعيها بينما عينيها تتأمل المكان أمامها بشرود …
أفكارها عادت تتمحور حوله مجددا فيعود الألم ينهش قلبها دون رحمة والشوق يعصف بكيانها كليا ..!
عادت يهتز هاتفها مجددا فصاحت بعنف :-
” ماذا تريد هذه أيضا ..؟! ألا تفهم إنني لست بخير ولا أريد التحدث مع أحد ..؟!”
سمعت صوت طرقات على باب غرفتها فهتفت بخفوت :-
” ادخل …”
دلفت جينا تسألها بقلق :-
” هل انت بخير ..؟!”
حملت حياة هاتفها وهي تقول :-
“هذه تتصل بي دون توقف رغم إنني أخبرتها إنني لا أرغب بالتحدث مع أحدهم … ”
سألتها جينا بحيرة :-
” هل هي صديقتك ..؟!”
ردت حياة بتعب :-
” ليس تماما ..”
أضافت وهي تمنحها الهاتف الذي عاد يرن مجددا :-
” أجيبيها يا جينا وأخبريها بإختصار عما حدث وإنني لا أريد التحدث مع أحد حاليا …”
” حسنا ..”
قالتها جينا وهي تسحب الهاتف وتضيف على مكالمة ماذي الذي هتفت بسرعة :-
” ماذا حدث يا حياة ولماذا تركتِ المنزل ..؟!”
ردت جينا بسرعة وهي لم تفهم لغتها العربية:-
” عفوا انا لا أفهم ما تقولينه … ”
سألتها ماذي بالإنجليزية :-
” من انت ..؟!”
ردت جينا :-
” انا صديقة حياة .. حياة لا ترغب بالتحدث مع أحدهم الآن .. هي مرهقة قليلا ..”
تمتمت ماذي :-
” هل تركت شقة زوجها حقا ..؟! ”
ردت جينا بعفوية :-
” نعم تركتها .. لقد إنفصلت عن زوجها ..”
صاحت ماذي بفرحة عفوية :
” حقا ..؟! ”
عقدت جينا حاجبيها وهي تردد بإقتضاب :-
” نعم … ”
قاطعتها ماذي تسألها بإهتمام شديد :-
” يعني تطلقت ..؟!”
ردت جينا بضيق واضح :-
” نعم ، والآن يجب أن أغلق فأنا مشغولة للغاية ..”
ثم أغلقت الهاتف في وجهها وأعطته الى حياة التي سألتها بتوجس :-
” ماذا هناك ..؟!”
ردت جينا بنبرة جعلتها عادية تماما متجاهلة الإنزعاج الذي أصابها عندما سمعت نبرة تلك المدعوة ماذي بعدما معرفتها بخبر الإنفصال والتي تكاد تجزم إنها كانت سعيدة للغاية :-
” لا شيء عزيزتي .. سأتركك ترتاحين .. حسنا ..”
ثم منحتها إبتسامة مطمئنة وهي تخرج من الغرفة وتغلق الباب خلفها تاركة حياة تتطلع الى آثرها بتعب قبل أن تتمدد مجددا على السرير وتتخذ وضعية الجنين هذه المرة محيطة جسدها بذراعيها ..
………………………………………………………………….
ما إن أغلقت هاتفها حتى صرخت بسعادة ..
لا تصدق ما سمعته .. لقد تطلقا .. هكذا بكل سهولة …
يا لك من محظوظ من عمار ..
في الحقيقة لم يكن عمار المحظوظ الوحيد هنا فهي أيضا محظوظة …
نعم هي تعترف إنها معجبة بذلك البارد حقا .. المغرور الذي يدعي العفة والإحترام أمامها ..
في البداية كان عاديا بالنسبة لها لكن رفضه المستمر لها جعلها تنجذب إليه ..
ربما لإنها لم تعتد على الرفض أو ربما إعتادت على إنجذاب الرجال نحوها ورغبتهم الشديدة في الحصول عليها ليأتي هو ويرفضها بكل تبجج مستفز ..
نعم إستفزها وإستفز بشدة غرور الأنثى داخلها مثلما تغلغل الإعجاب داخلها نحوه في كل مرة كانت تراه فيها وتحاول الإقتراب منه فلا تجد سوى الصد كردة فعل وحيدة …
فتحت هاتفها مجددا وأسرعت تتصل بعمار الذي أجابها بعد لحظات مرحبا :-
” اهلا ماذي الحلوة ..”
هتفت بمحبة حقيقية :-
” إشتقت لك ..”
رد بصدق :-
” وأنا أكثر يا حلوتي ..”
قالت بصوت مفعم بالحماس :-
” لدي أخبار رائعة لك .. ”
سألها مهتما :-
” أخبار تخص نديم ..؟!”
” وهل يوجد غيره ..؟!”
سألته بخفة ليسألها بلهفة :-
” ماذا حدث ..؟؟ هل من جديد ..؟!”
ضحكت بفرحة وهي تقول بسعادة كمن ربح جائزة ذهبية :-
” لن تصدق يا عمار .. لقد طلق زوجته ..”
نهض عمار من مكانه بسرعة مرددا بعدم تصديق :-
” انت تمزحين بالطبع ..؟!!!”
قالت بسرعة :-
” أبدا .. لقد عرفت بذلك منذ لحظات .. لقد تطلقا وحتى هي تركت شقتهما … ”
ابتسم بإتساع وهو يقول :-
” لا أصدق … بهذه السرعة ..!!”
ضحكت مرددة :-
” حتى أنا لم أصدق .. حدث ما كنا نريده قبل أن أتدخل وأضع بصمتي الخاصة حتى ..”
أكملت بخبث :-
” هذا يدل إنك محظوظ جدا يا ميرو ..”
تجاهل ذلك اللقب الذي تتعمد إغاظته من خلاله وقال :-
” دائما ما كنت محظوظ .. ”
أضافت بجدية :
” ولكن الحظ وحده لا يكفي عزيزتي ماذي .. ”
” إذا ..؟! مالذي تريده بعد ..؟!”
سألته بإهتمام ليرد بمكر :-
” لقد حدث الطلاق ولكن هذا ليس كافيا … يجب أن ننهي هذه العلاقة من جذورها .. نبترها تماما يعني ..”
ابتسمت مرددة :-
” انت مشكلة حقا …”
قال بجدية :-
” ربما يتراجعان ويعودان لبعضهما خاصة إذا لم يكن هناك سبب قوي للطلاق لذا نحن يجب أن نستغل ما حدث جيدا و نقتل أي مجال للعودة بينهما ….”
أضاف بعدها :-
” سأعتمد عليك يا ماذي .. ”
قالت بثقة :-
” كل شيء سيحدث كما تريد .. اطمئن …”
ابتسم مرددا بثقة مماثلة :-
” أثق بذلك أكثر من أي شيء ..”
ودعته وأغلقت الهاتف لتتجه بعدها نحو المرآة تتأمل ملامحها الفاتنة فتلمس خصلات شعرها السوداء وهي تبتسم بمكر شيطاني أصبح مخيفا في تلك اللحظات وعينيها تلمعان بقوة وشراسة قادرة على حرق أعتى الرجال دون تردد ..
………………………………………………..
خرجت حنين من غرفتها متوجهة الى غرفة والدتها ..
طرقت على باب الغرفة ثم فتحتها بعد لحظات لتجدها فارغة فعرفت إن والدتها ليست في غرفتها ..
هبطت الى الطابق السفلي لتجد والدتها تجلس في صالة الجلوس تتابع التلفاز عندما تقدمت نحوها بتردد لتهمس :-
” ماما …”
إلتفتت أحلام وردت وهي تبتسم لها :-
” نعم حبيبتي …”
ثم تسائلت بقلق وهي تتأمل ملامح إبنتها الغير طبيعية :-
” ماذا هناك يا حنين ..؟!”
تقدمت حنين نحوها وجلست جانبها تهتف :-
” لقد حدث شيء ..”
قالت أحلام بسرعة وقلق :-
” تحدثي يا حنين .. لا تثيري ذعري …”
تمتمت حنين :-
” لقد تحدثت حياة معي منذ قليل …”
هتفت أحلام وهي تقبض على ذراعها بلهفة:-
” هل حدث شيء معها .. ؟! هل أصابها مكروه ..؟!”
هزت حنين رأسها وأجابت بسرعة :-
” كلا ، هي فقط .. تطلقت ..!!”
تجمدت ملامح أحلام للحظات قبل أن تهمس بعدم إستيعاب :-
” ماذا ..؟! تطلقت ..؟!”
اومأت حنين برأسها وهي تضيف بخفوت :-
” نعم ، أخبرتني بذلك وطلبت مني أن أخبرك بأمر طلاقها فهي تريد العودة الى هنا بأسرع وقت .. تحتاج الى أحد يساعدها ..”
نهضت أحلام من مكانها تردد بسرعة :-
” سأسافر لها فورا …”
نهضت حنين بدورها وقالت :-
” بالطبع ستفعلين … وانا سآتي معك …”
دلف أشرف ومعه نضال الى داخل الفيلا عندما ركضت أحلام نحوه تهتف بملامح حزينة :-
” يجب أن أسافر الى حياة بأسرع وقت يا أشرف ..”
شحبت ملامح نضال بقلق بينما تسائل أشرف بخوف :-
” ما بها حياة يا أحلام ..؟!”
أجابت أحلام بصوت باكي :-
” تطلقت …. ”
اتسعت عينا أشرف بعدم تصديق بينما إنفرجت ملامح نضال لا إراديا عندما همست أحلام بتوسل :-
” يجب أن أسافر لها حالا .. ارجوك …”
قال أشرف بسرعة :-
” حسنا ستفعلين .. سأحجز لك في أول طيارة تذهب الى هناك ..لا تقلقي .. ”
همست بترجي :-
” بسرعة من فضلك ..”
تدخل نضال مرددا :-
” سأتولى أنا هذا الأمر .. سأتحدث مع صديق لي يعمل في إحدى شركات الطيران وأحاول توفير مقعد في أقرب رحلة ممكنة ..”
” من فضلك يا بني .. ستقدم لي معروفا ..”
قالتها أحلام بدموع حبيسة بينما هتفت حنين بسرعة :-
” إحجز مقعدين يا نضال فأنا سأذهب معها كذلك …”
قالت أحلام بسرعة وهي تلتفت لها :-
” كلا يا حنين .. لن تأتي معي .. ”
عقدت حنين حاجبيها تردد بحزن :-
” لماذا ..؟!”
أجابت أحلام بجدية :-
” هكذا أفضل .. أحتاج الى الإنفراد مع حياة في وقت كهذا ..”
قال أشرف متفهما رغبة زوجته :-
” والدتك معها حق يا حنين … من الأفضل أن تكون مع حياة لوحدها ..”
هزت حنين رأسها بتفهم عندما قال نضال :-
” سأتصل الآن ..”
ثم أخرج هاتفه من جيبه وأجرى إتصاله مع صديقه عندما جلست أحلام على الكرسي جانبها بتعب بينما زوجها يربت على كتفها بدعم ..
أنهى نضال مكالمته بعد دقائق ليتجه نحوهم قائلا :-
” غدا موعد الطائرة في تمام الساعة الحادية عشر مساءا …”
هتفت أحلام تشكره :-
” شكرا حقا يا نضال …”
هتف نضال مبتسما برسمية :-
” لا شكر على واجب ..”
أكمل بعدها بتساؤل :-
” هل هناك شخص ما يستقبلك ..؟!”
ردت أحلام بسرعة :-
” لا أعلم .. انا حتى لا أعلم أين حياة ..؟؟ هل هي في منزل زوجها ..؟!”
إستدارت نحو حنين تسألها :-
” ماذا أخبرتك هي بالضبط ..؟!”
ردت حنين بخفوت :-
” لم تقل أي شيء … فقط أخبرتني إنها تطلقت وإنها لا ترغب بالتحدث حاليا …”
همست أحلام بألم :-
” بالتأكيد هي منهارة الآن …”
قال نضال بتردد :-
” برأيي إنكما ستحتاجان الى شخص ما يتولى المسؤولية هناك خاصة إذا ما قررت حياة العودة ..”
قاطعته أحلام بسرعة :-
” هي أساسا إتصلت بحنين لأجل العودة …”
قال نضال بجدية :-
” لهذا أقول إنكما تحتاجان الى شخص يرافقكما وينهي أي إجرائات يجب أن تتم هناك ..”
قالت حنين وهي تنظر إليه بجدية :-
” ربما يتصالحان يا نضال .. لم نستعجل في أمر كهذا ..؟!”
رد نضال بفتور :-
” تقولين إنها تطلقت .. أي صلح سيحدث …”
قالت حنين بنبرة ذات مغزى :-
” لا أحد يعلم ما سيحدث .. ربما هناك مشكلة ستأخذ وقتا وتنتهي …”
قال أشرف بدوره وهو ينظر الى ولده :-
” حنين معها حق .. لا داعي للإستعجال ..”
ليضيف :-
” وإذا حدث ما تقوله فسأسافر أنا لهما وأنهي جميع الأمور وأعود بهما الى هنا ..”
نهضت أحلام من مكانها تردد :-
” عن إذنكم .. سأذهب لأتصل بحياة عسى ولعل تجيبني واطمئن عليها ..”
” إتصلي بها مع إنني لا أظن إنها ستجيب ..”
قالتها حنين بحزن لتقول أحلام بقلق :-
” فقط أريد. الإطمئنان عليها ..”
” تعالي معي .. سنحاول أن نتصل بها ..”
قالها أشرف وهو يجذبها من كفها ليسيران نحو الطابق العلوي عندما نظرت حنين الى أخيها بنظرات غريبة ليسألها نضال ببرود :-
” ما بالك تنظرين إلي هكذا ..؟!”
ردت بحزم :-
” توقف عما تفعله يا نضال … ”
سألها مبتسما ببرود :-
” ومالذي أفعله ..؟!”
قالت بضيق :-
” انت تفهم ما أعنيه .. حياة تحب نديم لذا لا تحاول ولا تتأمل عبثا ..”
ضحك نضال بخفة قبل أن يردد بإستهزاء :-
” تحبه جدا يا حنين .. الحب بينهما كبير لدرجة إنهما تطلقا بعد شهرين من زفافهما .. يا لها من قصة حب عظيمة …”
قالت حنين بتجهم :-
” سيتصالحان قريبا .. حياة تحب نديم ولا يمكنها أن تتركه بسهولة ..”
رد نضال بثقة ؛-
” صدقيني .. مهما كانت تحبه فهذا لن يغير الحقيقة ..”
سألته بوجوم :-
” وما هي الحقيقة ..؟!”
رد ببساطة :-
” إن هذه الزيجة كانت خطئا منذ البداية وإن حياة تدفع ثمن عجلتها وإنجرافها خلف مشاعرها دون تفكير .. لقد أخبرتها هذا يوما وحذرتها من الإستعجال لكنها أبت أن تقتنع بحديثي والنتيجة كما ترينها أمامك عزيزتي .. طلاق بعد مدة قصيرة جدا لا تكاد تذكر …”
أنهى كلماته بإبتسامة ماكرة قبل أن ينسحب من المكان تاركا حنين تطالع آثره بإنزعاج شديد ..
………………………………………………………..
مساءا ..
دلفت ليلى الى الفيلا لتسأل الخادمة عن والدتها فتخبرها إنها في غرفتها ترتاح قليلا ..
هزت رأسها بتفهم وهي تتجه لتصعد الى الطابق العلوي مفكرة في حفل زفاف اليوم والذي يخص إحدى صديقاتها منذ أيام الدراسة ..
حفل جاء في وقت غير مناسب على الإطلاق لكنها مضطرة أن تذهب فالعروس إحدى أقرب صديقاتها وستحزن كثيرا في حالة عدم حضورها …
سارت بملامح مرهقة نحو غرفتها عندما توقفت للحظة تسمع صوت صياح عبد الرحمن ومحاولات المربية لتهدئته ..
توقفت للحظات حائرة قبل أن تحسم أمرها وتتقدم الى داخل غرفته وهي تسأل المربية :-
” ماذا يحدث يا هيلدا ..”
ردت المربية بلكنتها العربية المكسرة :-
” عبد الرحمن يرفض تناول طعامه ..”
إتجهت ليلى بأنظارها نحو الصغير الذي كان يبرم شفتيه للأسفل وملامحه واجمة تماما …
للمرة الأول تدقق النظر في ملامحه فبدا شبيها بها وشقيقتها وبالتالي شبيها بوالدها حيث ورث الشعر الأشقر والبشرة ناصعة البياض منهما وكذلك لون عينيها العسلي المماثل للون عيني والدها أيضا …
كان عبد الرحمن بدوره يتأملها بتدقيق قبل أن يتسائل بصوته الطفولي المنزعج :-
” من أنت ..؟!”
إبتسمت ليلى لا إراديا وقد شعرت بتأنيب الضمير عندما أدركت إنها تجاهلت الصغير تماما منذ قدومه رغم إنه كان لديها ما يكفيها من مشاكل تجعلها عاجزة عن التفكير به لكنها لامت نفسها كثيرا وهي تتقدم نحوه تبتسم له بحنو وهي تعرف عن نفسها :-
” انا ليلى …”
ثم أضافت وهي تنحني نحوه :
” أختك …”
تقوس حاجبيه بطريقة محببة وهو يهتف بعدم إستيعاب :-
” أختي ..؟! كيف يعني ..؟!”
إبتسمت بخفة وهي تقول شارحة له :-
” بابا أحمد يكون والدي أيضا وبالتالي أنا أختك …”
أضافت تسأله :-
” لماذا ترفض تناول الطعام ..؟!”
رد وهو ينظر الى الخادمة بضيق :-
” انا لا أحب هذا الطعام …”
” حقا ..؟! وماذا تحب إذا ..؟!”
سألته بإهتمام ليرد وهو يلعق شفتيه :-
” أريد البرغر مع البطاطا …”
قالت هيلدا متدخلة :-
” أخبرتك إن هذا الطعام ليس صحي يا عبد الرحمن ..”
صاح عبد الرحمن بها :-
” لا تتدخلي …”
همست ليلى بحزم لا يخلو من اللين :-
” لا تصرخ بها يا عبد الرحمن .. إنها إمرأة تكبرك سنا .. عيب أن تتصرف هكذا وترفع صوتك عليها …”
عقد عبد الرحمن ذراعيه أمام صدره وأخذ يتأفف بضيق فنظرت له ليلى بدهشة من تصرفاته قبل أن تتمتم بينها وبين نفسها :-
” يبدو إننا سنعاني كثيرا معك أيها الأشقر الصغير ..”
ثم عادت تبتسم له قبل أن تقول بنفس الصوت الحازم :-
” إعتذر من هيلدا يا عبد الرحمن ..”
هم عبد الرحمن أن يرفض لكن نظرة عينيها الحازمة جعلته يتراجع وهو يردد بخفوت :-
” آسف هيلدا ..”
ثم أخفض نظراته نحو الأسفل لتبتسم ليلى وهي تربت على وجنته بحنو :-
” أحسنت يا صغيري .. ولإنك إعتذرت سأمنحك جائزة صغيرة …”
رفع وجهه المتلهف نحوه يردد :-
” جائزة ..؟!!”
اومأت برأسها وقالت :-
” سأطلب من الخادمة أن تجهز لك البرغر والبطاطا المقلية .. حسنا ..؟!”
صفق بسعادة لتبتسم وهي تتأمل ملامحه الطفولية الجميلة عندما شعرت برغبة شديدة في معانقته وتقبيله …
جذبته نحوها تحتضنه ثم تقبله من وجنتيه قبل أن تنهض من مكانها وتشير الى هيلدا :-
” ستجهز الخادمة عشاءه وتجلبه .. حسنا ..”
هزت هيلدا رأسها بتفهم بينما همت ليلى بالمغادرة عندما فوجئت به ينادي عليها بإسمها فإلتفتت نحوه لتجده يحرك كفه أمامها مرددا بإبتسامة :-
” باي ليلى …”
ضحكت بسعادة وهي ترفع كفها بدورها وتحركها بنفس الطريقة :-
” باي عبد الرحمن ..”
غادرت بعدها الغرفة لتجد مريم تخرج من غرفتها وهي ترتدي ملابس الخروج فسألتها وهي تضيق عينيها :-
” أين تذهبين الآن يا مريم ..؟!”
ردت مريم بجدية :-
” سأتناول العشاء مع صديقاتي …”
عقدت ليلى ذراعيها أمام صدرها وهي تردد :-
” حسنا لا تتأخري ..”
رفعت مريم حاجبها تردد :-
” ما هذا الآن …؟! ما رأيك أن تحددي لي موعدا للعودة …؟!”
منحتها ليلى نظرة صامتة لكنها تحمل الكثير من المعاني قبل أن تتحرك من أمامها عندما أوقفتها مريم تسألها :-
” ما بالك تنظرين إلي هكذا ..؟!”
نظرت ليلى نحوها تجيب وهي تهز كتفيها :-
” ما بالها نظراتي ..؟!”
ردت مريم بجمود :-
” غريبة .. هناك شيء ما خلفها …”
ردت ليلى وهس تبتسم بإتساع :-
” ربما تتوهمين يا مريم …”
أضافت وهي تربت على كتفها :-
” إذهبي الى موعد عشائك بسرعة فمن غير اللائق أن تتأخري على صديقاتك ..”
أنهت كلماتها وإتجهت نحو غرفتها تاركة مريم تتابع رحيلها بحيرة وهي أصبحت متيقنة إن هناك شيء يحدث مع ليلى يجعلها تتصرف معها بتلك الطريقة ..
…………………………………………………………..
بعد مرور ساعتين ..
تقدمت الى داخل القاعة التي يقام بها حفل الزفاف بفستانها الأسود ذو التصميم الجذاب وشعرها المصفف بعناية حيث ينسدل بخصلاته الشقراء المموجة على جانبي وجهها ..
إستقبلتها والدة العروس مرحبة بها قبل أن تتجه ليلى نحو العروس التي إستقبلتها بسعادة فتبارك لها وللعريس ثم تتجه بعدها نحو احدى الطاولات حيث يجلس عليها مجموعة من أصدقائها وأشخاص تعرفهم ..!!
جلست تتبادل الأحاديث مع أصدقائها الذين لم تلتقِ أغلبهم منذ مدة طويلة ..
مرت حوالي ساعة عندما نهضت من مكانها تستأذن حيث إتجهت نحو الحمامات النسائية تعدل مكياجها قبل أن تخرج فتسير نحو الحديقة الخارجية كي تبتعد قليلا عن صوت الموسيقى العالي وتستمتع بنسمات الهواء اللطيفة في هذا الفصل المميز ..!
أخرجت هاتفها من حقيبتها وأخذت تنظر إليه بتردد قبل أن تحسم أمرها وتقرر مراسلته بعدما حاولت الإتصال به أكثر من مرة دون إجابة ..
إحتارت فيما ستكتبه له عندما حسمت قرارها أخيرا وهي تكتب بأنامل مرتجفة :-
( انا آسفة يا زاهر .. لم يكن علي التصرف بهذه الطريقة ولا قول هذا الحديث .. أعتذر حقا ..)
ثم ضغطت على زر الإرسال ثم أخذت بعدها نفسا طويلا وزفرته ببطأ ..
سارت بعدها عائدة نحو القاعة مجددا عندما إلتقطت عيناه قدومها وهو الذي كان يتابعها منذ وصولها الى الحفل …
وقفت ليلى في مقدمة القاعة تتأمل الحفل مبتسمة عندما تقدم نحوها ووقف جانبها لتنظر له بتعجب فيبتسم برسمية وهو يخبرها :-
” لم أتوقع أن أراك هنا .. يبدو إنه يوم حظي بالفعل …”
همست بتعجب :-
” عفوا .. من أنت ..؟!”
صدح صوت إحدى الأغاني الكلاسيكية الهادئة عاليا عندما جذبها نحو جسده يراقصها غير آبها بردة فعلها وصدمتها من تصرفه عندما همس لها وهو يسيطر على جسدها بين ذراعيه :-
” كان من المفترض أن نلتقي مسبقا ..”
همست بحدة :-
” كيف تجرؤ على تصرف كهذا ..؟!”
ابتسم مرددا ببساطة :-
” ماذا فعلت ..؟! راقصتك دون إذنك ..”
أكمل وهو يردد ببرود:-
” لو كنت سألتك ما كنتِ لتوافقي ..”
هتفت هازئة :-
” فأجبرتني على ذلك وأنت تسحبني من ذراعي وتراقصني … ”
” يمكنك التوقف عن الرقص ..”
قالها متحديا لترد بقوة :-
” لست أنا من تتصرف بطريقة تثير الأنتباه والتكهنات ..”
ابتسم بنفس الطريقة مرددا بثقة :-
” أعلم .. ”
” من أنت وماذا تريد ..؟!”
سألته بتجهم ليرد معرفا عن نفسه :-
” كنان نعمان .. ”
أضاف وعيناه تلتهمان ملامحها الرقيقة :-
” إنها المرة الأولى التي أراكِ فيها وجها لوجه .. على الطبيعة يعني .. أنا أعرفك جيدا ولكن شكلك على الواقع أجمل بكثير من الصور ..”
همست تتسائل وهي تضغط على أسنانها :-
” لم تجب على سؤالي .. ماذا تريد مني ..؟!”
رد بحيادية :-
” أريد الكثير ..”
إحتدت ملامحها فظهر العبث على ملامحه وهو يضيف :-
” ولكن الآن أريد شيئا واحد ..”
سألته ببرود :-
” وهو ..؟!”
رد ببديهية :-
” شراكة .. صفقة مهمة مع شركة والدك .. صفقة ستدر على شركتكم بالكثير ..”
لاحت التساؤلات في عينيها فيضيف :-
” سوف تساعد في حل الضائقة المالية التي تعانون منها ..”
قالت بسرعة :-
” لا توجد ضائقة مالية او ما شابه ..”
قاطعها بهدوء مليء بالثقة :-
” انا أعلم كل شيء يا ليلى .. لا داعي أن تقولي عكس الواقع .. ”
سألته بريبة :-
” ماذا تعلم ..؟!”
رد بجدية :-
” أعلم كل شيء ومستعد للوقوف جانبك ومساندتك حتى تستعيدي كل شيء كما كان ..”
سألته بجمود :-
” والمقابل …؟!”
رد مبتسما بكياسة :-
” شيء بسيط جدا …”
سألته بتردد :-
” ما هو هذا الشيء ..؟!”
أجابها بخفوت :-
” سأخبرك ولكن ليس هنا .. غدا سأكون عندك في الشركة …”
تراجعت خطوة الى الوراء فهمس ورائحة عطرها الهادئة سيطرت على حواسه تماما :-
” بالمناسبة عطرك رائع … ”
شعرت بلسانها ينعقد عندما أضاف بلطف لا يناسبه :-
” الرقصة إنتهت يا ليلى ..”
سحبت كفها من حصار كفه على الفور وإندفعت تبتعد عنه يتابعها هو بأنظاره التي إحتضنتها كليا فيخبر نفسه إنها مختلفة في كل شيء …
يمني نفسه بقرب سيناله يوما ما ولكن ليس الآن فلديه ما هو أهم ..
سينتهي من عمار الخولي أولا ثم يتفرغ لها ولكنه لن يغفل منذ هذه اللحظة عن تتبعها بإستمرار فلا تغفل عيناه عنها حتى يأتي الوقت المناسب ويقتحم حياتها كما أراد وقرر ..
اما هي فسارت بتوتر بعيدا نحو الجهة الأخرى من القاعة عندما إصطدمت بإحداهن التي إعتذرت بسرعة فإعتذرت ليلى بدورها قبل أن تسمع الفتاة تردد بفرحة :-
” هذه انت يا ليلى .. كيف حالك ..؟!”
ابتسمت ليلى عندما وجدتها احدى صديقاتها المقربات في الجامعة:-
” نائلة .. كيف حالك .. يا إلهي كم تغيرت .. لكنكِ جميلة كعادتك ..”
ابتسمت نائلة وهي تردد :-
” ليس بقدر جمالك أيتها الشقراء اللامعة ..”
ضحكت ليلى وهي تردد :-
” لن تتوقي عن إطلاق هذا اللقب حتى بعد كل هذه السنوات ..”
قالت نائلة بسعادة :-
” ولن أتوقف .. ”
أضافت تسألها بإهتمام :-
” كيف حالك ..؟!”
ردت ليلى وهي تتنهد :-
” بخير الحمد لله ..”
تقدم النادل نحوهما فسحبت ليلى العصير وكذلك نائلة عندما وقفت نائلة جانبها تثرثر بمرح وعفوية كعادتها …
سألتها فجأة من بين حديثها :-
” من أين تعرفين كنان نعمان ..؟!”
نظرت ليلى لها بدهشة وهي تردد :-
” لا أعرفه … هل تعرفينه انت ..؟!”
ابتسمت نائلة مرددة بخفة :-
” بالطبع أعرفه .. انه رجل اعمال مشهور وله ثقله في البلد ..”
أضافت ضاحكة :-
” كنتما ترقصان سويا منذ لحظات .. كيف لم تعرفينه ..؟!”
هتفت ليلى بنباهة :-
” لماذا تفاجئت إذاً عندما رأيتني بعدما إصطدمت بك وأنت رأيتني مسبقا وأنا أرقص …؟!”
هتفت نائلة مبتسمة :-
” دائما ما كنتِ نبيهة … ”
أكملت بجدية :-
” عرفتك من الفستان يا هانم .. في الحقيقة لم أرَ وجهك وهو يراقصك .. كنت توليني ظهرك ولكن كان داخلي فضول لمعرفة الفاتنة التي يراقصها كنان نعمان ..”
” ما بالك تتحدثين عنه بكل هذه الأهمية ..؟!”
سألت ليلى بإنزعاج عندما قالت نائلة بتعجب :-
” انت حقا لا تعرفينه يا ليلى …”
” ومن أين سأعرفه بالله عليك .. انا لم أهتم يوما بعالم التجارة والأعمال …”
قالتها ليلى بجدية عندما هتفت نائلة :-
” لكنه كان صديق زوجك أقصد طليقك ..!!”
” تقصدين عمار ..؟!”
سألتها ليلى بذهول لتمازحها نائلة :-
” وهل تزوجتِ سواه ..؟!”
سألتها ليلى مجددا بعدم إستيعاب :-
” كان صديقه حقا ..؟!”
اومأت نائلة برأسها وهي تؤكد ما قالته :-
” نعم يا ليلى .. كنان كان صديق مقرب لعمار والجميع يعرف بعلاقتهما الوطيدة منذ أيام الجامعة …”
أصافت بجدية :-
” لا أفهم كيف لا تعرفينه وهو كان أقرب أصدقاء طليقك ثم أضحى عدوا له …!”
” وهل أنا مجبرة أن أتعرف على جميع أصدقاء عمار يا نائلة ..؟!”
قالتها ليلى بملل قبل أن تسألها وقد إنتبهت لحديثها :-
” لكن ماذا تقصدين بإنه أصبح عدوه ..؟!”
شرحت لها نائلة :-
” عمار وكنان كانا صديقين لسنوات طويلة حتى إن هناك مشاريع تجارية جمعتهما نتيجة لصداقتهما لكن حدث خلاف مفاجئ وتحولا الى عدوين وأصبحا ينافسنان بعضهما بشراسة ..”
تمتمت ليلى بخفوت :-
” غريب حقا ..”
قالتها نائلة بنبرة جادة لتنظر لها ليلى بتعجب عندما أكملت نائلة :-
” إنه ليس هينا أبدا ..”
” وما شأني به أساسا ..؟!”
قالتها ليلى بحنق عندما قالت نائلة بجدية :-
” طالما راقصك يعني وضعك في رأسه …”
أكملت وهي تغمز لها :-
” وهو جذاب وخطير جدا ..”
هزت ليلى رأسها بنفي :-
” تبالغين حقا ..”
قالت نائلة بجدية :-
” انا لا أبالغ .. إنه جذاب بالفعل .. مختلف ومميز ولكن الأهم من ذلك كله إنه زير نساء من الدرجة الأولى ..”
رفعت ليلى حاجبها عندما أكملت نائلة وهي تميل نحوها :-
“معروف في الأوساط الراقية بعلاقاته النسائية المتعددة إضافة الى كونه لا ينتقي سوى أجمل النساء وخاصة المشاهير من الممثلات وعارضات الأزياء وغيرهن …”
” لماذا تخبريني بهذا الآن ..؟!”
سألتها ليلى بتجهم لتهز نائلة كتفيها وهي تقول :-
” بدافع التحذير ليس إلا ..”
” هو لا يهمني أساسا …”
قالتها ليلى بجدية قبل أن تنظر أمامها مجددا غافلة عن ذلك الذي لم يتوقف عن متابعتها بجميع تحركاتها طوال الحفل وعقله يخطط بكل ما يمتلك من مكر ودهاء للوصول إليها ..
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سارة علي
عاد الى الفيلا التي يقطنها مع زوجته حديثا متأخرا قليلا بعد يوم طويل قضاه بين العمل والتفكير بحديث مريم ..!!
مريم التي صدمته بما قالته عن زوجته ..
زوجته التي لم ينطلِ عليها كذبه فقررت أن تتقصى بنفسه عن الحقيقة لتضعه وتضع نفسها في موقف محرج مع مريم التي لم تتوانى لحظة واحدة عن كشفها أمامه ..
مريم التي يدرك جيدا إنها لم تفعل ذلك إلا لتدمر علاقته بشيرين كونها تحمل غاية خلف هذا ..
ليس حبا فيه بالطبع بل هناك سبب خفي وراء تصرفاتها ..
سبب شبه متأكد منه ..!!
هبط من سيارته متجها الى داخل الفيلا عندما دلف الى هناك بعدما فتحت الخادمة له الباب ليسمع صوتها وهي تتحدث مع إحداهن ..
ألقى التحية بإقتضاب شعرت به وهو يتقدم يرمي بجسده فوق الكنبة مسترخيا في جلسته تماما وهو يتابعها بعينيه ..
أنهت مكالمتها وإتجهت تبتسم له برقة وهي تسأله :-
” هل أطلب من الخادمة تجهيز المائدة …؟!”
هتف بجدية وهو يشير على المكان جانبه ؛-
” تعالي وإجلسي جانبي ..”
إتجهت تجلس جانبه بملامح مليئة بالإهتمام عندما سألت :-
” هل تحدثت مع جيلان ..؟!”
عقد حاجبيه يتسائل بإهتمام :-
” ما بها جيلان ..؟! هل حدث شيء ما ..؟!”
أجابت بسرعة :-
“كلا لم يحدث شيء لكن كان من المفترض أن تزورنا اليوم …! ”
هتف وقد تذكر هذا الأمر :-
” صحيح لم تأتِ ..”
نهض من مكانه مسرعا يتصل بها عندما جاءه صوتها الرقيق يحييه فسألها بسرعة :-
” لماذا لم تأتِ اليوم كما إتفقنا يا جيلان..؟! هل حدث شيء ما ..؟! هل أنتِ بخير..؟؟”
ردت بسرعة :-
” نعم بخير ..”
أضافت برقة :-
” فقط معدتي متعبة قليلا لهذا عدت الى القصر فورا بعد جلسة العلاج .. أعتذر عن عدم مجيئي .. سأحاول أن آتي غدا ..”
سألها مجددا بقلق :-
” ما بها معدتك ..؟! جيلان ..!! هل أنت مريضة ..؟! هل أجلب لكِ طبيب ..؟! ”
قاطعته بسرعة :-
” فقط متعبة قليلا .. معدتي تؤلمني قليلا وأشعر بالغثيان … لا تقلق .. منذ فترة وتأتيني أعراض مشابهة ثم تنتهي بعد ساعات قصيرة كما إنها أعراض خفيفة .. ”
هتف متمهلا :-
” منذ فترة وأنتِ تعانين من آلام بالمعدة .. لماذا لم تخبريني ..؟!”
قاطعته تطمأنه :-
” صدقني آلام خفيفة والأكثر عادة هو الغثيان الذي يصيبني صباحا .. ”
زفر أنفاسه مرددا بجدية :-
” غدا صباحا ستذهبين الى الطبيب .. سآتي بنفسي وأخذكِ ..”
قالت بترجي :-
” انا بخير حقا يا عمار .. وكي تتأكد سآتي غدا بنفسي إليك .. ”
أضافت بخفوت :-
” انا حقا بخير وسترى ذلك بنفسك غدا لكن دعنا من أمر الطبيب فأنا لا أحب زيارة الأطباء ..”
تمتم بعدم إقتناع :-
” حسنا يا جيلان .. سأنتظرك غدا .. إعتني بنفسك ..”
ودعها أخيرا لتسأله شيرين بقلق واضح :-
” ماذا حدث ..؟! هل هي مريضة ..؟!”
أجاب يخبرها بإختصار عما أخبرته به عندما قالت شيرين بجدية :-
” ليتها تعيش معنا يا عمار .. برأيي إن مكانها بجانب أخيها في منزله أفضل كما إنني سأكون دائما جانبها ومعها في جميع الأوقات ..”
قال وهو يوافقها :-
” معك حق .. ”
أضاف يشرح لها :-
” لكن الأفضل أن أتركها على راحتها مؤقتا .. لن أضغط عليها حتى ترتاح نفسيتها تماما .. وعندما يأتي الوقت المناسب سأطلب منها أن تستقر معنا ..”
قالت شيرين مؤيدة..
” معك حق .. من الخطأ أن نضغط عليها في الوقت الحالي ..”
أردفت :-
” في النهاية سوف تستقر هنا معنا .. بالتأكيد ستفعل لإنك أقرب شخص لها ..”
ردد بشرود :-
” وهذا ما سيحدث .. بالتأكيد سيحدث …”
نظر بعدها نحوها لتتأمل نظراته التي بدت مختلفة وتحمل شيئا ما فسألتها بجدية :-
” هل هناك شيء ما يا عمار ..؟! لماذا تنظر إلي هكذا ..؟!”
هتف بصوت هادئ لكنه قوي :-
” لماذا لم تخبريني إنك تحدثت مع مريم أو بالأحرى إلتقيت بها ..؟!”
سيطرت الدهشة عليها بوضوح ..
لم تصدق إن مريم أخبرته بلقائهما …
إبتسم على ملامحها التي ما زالت كما هي منذ سنوات .. شفافة تماما لا تجيد إخفاء إنفعالاتها وما يطرأ عليها من تحولات ..!!
هتفت أخيرا بعدما سيطرت على صدمتها مما سمعته مستجمعة قواها :-
” نعم إلتقيت بها وتحدثت معها .. كنت أريد سماع الحقيقة منها …”
سألها بتهكم متعمد :-
” وهل سمعتها ..؟! هل حصلتِ على الحقيقة كاملة يا شيرين …؟!”
ردت متجاهلة تهكمه الصريح :-
” هي أخبرتني إنك عرضت الزواج عليها سرا مقابل التنازل عن الشيكات وهي رفضت لكن هذا كان قبل قرارك بالزواج مني ..”
سألها ببرود :-
” وهل صدقتها ..؟!”
ردت بصدق :-
” ليس تماما .. لا يمكنني الجزم ولكنني ما زلت أشعر إنها تكذب ..”
إلتوى فمه وهو يسألها :-
” وكيف ستتأكدين ..؟!”
همست ساخرة :-
” ماذا يحدث يا عمار ..؟! هل ستبقى تتحدث بهذه الطريقة ..؟!”
قاطعها وقد إشتعلت عيناه كليا :-
” هل تصرفك كان صائبا يا شيرين ..؟! هل الموقف الذي وضعتني ووضعتي نفسك به كان لطيفا ..؟!”
قاطعته بجمود :-
” انت تتحدث عن الإتفاق الذي عرضته على مريم ..”
قاطعها بعصبية :-
” نعم ، الإتفاق الذي رفضته مريم ولم تكتفِ بهذا بل سارعت لتأتي وتخبرني بما طلبتيه منها وهي تتبجج بتصرفات زوجتي التي تدل على عدم ثقتها نهائيا بي وجعلتنا مصدرا للسخرية أمامها …”
إبتلعت ريقها وهي تردد بخفوت :-
” أردت الحقيقة فقط لا غير ..”
إنتفض من مكانه مرددا بصوت غاضب :-
” الحقيقة لن تأخذينها من مريم .. إفهمي هذا .. إستوعبيه ..”
أكمل وهو يشير لها بكفه :-
” مريم تلك التي كنتِ تدافعين عنها رغم الوضع المخزي الذي رأيتها عليه وأصريت على دفاعك ومبرراتك عنها سارعت لتفضحك أمامي دون تردد … لم تفكر لحظة واحدة لتفعل هذا ..”
نهضت من مكانها تسأله بغضب مكتوم :-
” لماذا ..؟! لماذا فعلت مريم هذا ..؟! بالتأكيد هناك شيء ما … انا متأكدة من هذا …”
نظر لها بقوة مرددا :-
” تريد تخريب زيجتنا .. تسعى لذلك بقوة .. زيجتنا هي السبب الذي جعلني أتراجع عن طلبي بالزواج منها … وبالتالي جعلها تخسر الأمل الوحيد للتخلص من تلك الشيكات .. ”
قاطعته تصيح منتفضة :-
” وأنت كيف تفعل هذا ..؟! كيف تعرض الزواج عليها ..؟! كيف ..؟!”
قال ببرود :-
” وأين المشكلة في ذلك ..؟! كانت تعجبني .. فقررت نيلها وهذه الطريقة الوحيدة أمامي …”
هتفت بذهول :-
” و تقولها بهذه البساطة ..؟! هل تعي يا عمار ما تتفوه به ..؟!”
قال بلا مبالاة :-
” نعم ، مبدئيا أنا أتحدث عن شيء حدث قبل عودتنا سويا يعني لا يحق لك محاسبتي .. ثانيا انا مثلي مثل أي رجل .. كان لي علاقات نسائية وكنت أرغب بالنساء ومريم مثلها مثل أي إمرأة ، أعجبتني فقررت الحصول عليها بهذه الطريقة ولكن عند عودتنا سويا وقررت خطبتك أنهيت الأمر كليا …. ألم تخبرك هي بهذا ..؟!”
هزت رأسها وهي تهمس :-
” نعم ولكن ما لا أستوعبه حقا إنك فكرت بها .. بشقيقة زوجتك ..”
صحح لها :-
” طليقتي … ليلى طليقتي يا شيرين والأهم إنك تتحدثين عن زواجي من ليلى وكأنه زواج طبيعي .. بالله عليك لا تعيشي دور الصدمة مما فعلته .. اولا زواجي بليلى كان لسببب محدد وبالتالي لا يمكن إعتباره زواج إعتيادي ولعلمك انا كان لدي علاقات مع العديد من النساء أثناء زواجي منها ..”
جحظت عينيها بينما يضيف بنفس الصراحة :-
” ولا تدعي الصدمة مجددا لسماعك هذا فأنت تدركين إنني لم أكن قديسا أبدا ولدي العديد من التجارب قبلك وسأكررها مجددا ، انت لا يحق لك محاسبتي لإن جميع ما حدث سواء ما يخص مريم او غيرها كان قبل زواجنا بل حتى قبل عرض الزواج نفسه ..”
منحها نظرة أخيرة حادة وهو يردد منهيا الحوار :-
” أتمنى ألا تفعلي هذا مجددا .. تصرفات كهذه لا تليق بك يا شيرين .. عن إذنك .. أحتاج بضع ساعات من النوم بعد يوم عمل طويل ومرهق جدا .. ”
غادر المكان تاركا إياها تتابعه بعينين لامعتين بفعل الدموع الحبيسة التي ملأتها تماما بعد هذه المواجهة التي حدثت بينهما والتي كانت قاسية على مشاعرها …
………………………………………………………..
بالكاد أفاق من صدمته وهو يتقدم نحوها راكضا بعدما إستوعب ما حدث ….
كان صاحب السيارة قد سبقه وهبط من سيارته متجها نحوها بفزع بينما تقدم بعض الناس في الشارع نحوها أيضا ..
إندفع نحوها يصرخ بإسمها ..
كان مرعوبا بشدة وعقله لم يستوعب تماما ما فعلته بنفسها …
رفع وجهها بين ذراعيه يصيح بإسمها بهلع بينما تجمع بعض الناس حوله يتابعون ما يحدث بملامح متأسفة والبعض الآخر وقفوا يتابعون من بعيد عندما أخذ صاحب السيارة يردد :-
” والله هي من رمت نفسها أمامي .. والله الخطأ لم يكن مني …”
عندما تدخل أحدهم يصيح به:-
” دائما ما تقولون هذا .. حسبي الله .. ما ذنب الفتاة لتخسر حياتها بسببك ..”
تدخل رجل آخر يردد بسرعة :-
” الفتاة ما زالت حية على ما يبدو .. سارعوا بإنقاذها أفضل من هذه الأحاديث الجانبية ..”
بدأ صلاح يستعيد إستيعابه عندما سمع ما قاله الرجل الأخير والذي تبعه آخر يؤيده :-
” ليتصل أحدكم بالإسعاف…”
لكن صلاح كان قد أفاق أخيرا من صدمته وإستوعب ما يحدث وما ينتظره وينتظرها فقال وهو يحملها :-
” إنها زوجتي .. سآخذها الى المشفى ..”
قال صاحب السيارة التي إصطدمت بها :-
” ضعها في سيارتي بسرعة ..”
لكن صلاح قاطعه وهو يسير بها نحو سيارته التي كانت تصطف في مقدمة الكراج عندما تبعه حراس كراج الفندق الذين جاؤوا يساعدونه :-
” سآخذها بسيارتي …”
ثم طلب من احد الحراس أن يفتح له السيارة ليضعها في الخلف ويغلق الباب قبل أن يجلس في مقعده يحرك سيارته متجاهلا الرجل الآخر الذي وقف للحظات يتسائل عما يفعله قبل أن يحسم أمره ويركض نحو سيارته مقررا إتباعه فقلبه لن يطمئن حتى يفهم ما حدث رغم إنه لا ذنب له في الحادث وهي من رمت نفسها أمامه …
أخذ صلاح يقود سيارته وأثناء قيادته كان أخرج هاتفه من جيب بنطاله وسارع يتصل بأخيه وهو يتجه نحو المشفى التي يعمل بها ويمتلك جزءا كبيرا من أسهمها في نفس الوقت ..
أخذ يدعو ربه أن يجيب شقيقه على إتصاله فحدث ما أراد عندما أجابه شريف بصوت لا يخلو من التعجب :-
” أهلا صلاح ..”
سأله صلاح بسرعة :-
” أين أنت الآن يا شريف ..؟!”
رد شريف بإستغراب :-
” في المشفى .. ماذا هناك ..؟!”
قال صلاح بسرعة :-
” أنا آتي إليك ..”
قاطعه شريف بعدم تصديق :-
” كيف يعني ستأتي إلي ..؟! متى عدت من الخارج أساسا ..؟!”
هتف صلاح بعصبية تملكت منه :-
” دعك من هذا الآن .. نانسي صدمتها سيارة .. سآتي بها حالا عندك .. ”
” ماذا تقول انت ..؟! حسنا انا في انتظارك ..؟!”
” سأصل بعد قليل .. إنتبه لا أحد يعلم إننا هنا ..”
قالها منهيا حواره عندما زاد من سرعة سيارته وقد ساعدته الطرق التي كانت مفتوحة عموما في هذا الوقت من اليوم فوصل بعد مدة قصيرة قليلا الى المشفى عندما عاد يتصل بأخيه الذي أخبره إنه في طريقه إليه ومعه من يساعده في نقلها الى الطوارئ ليتم فحصها كليا وتشخيص حالتها ومدى خطورتها محذرا إياه ألا يحركها أبدا فربما تكون مصابة بكسر ما خطيرا في أحد عظام جسدها ..
وبالفعل بعد لحظات جاء صلاح ومعه من يساعده من ممرضين عندما تم نقل نانسي الى الداخل حيث الطوارئ ليستقبلها طبيب شاب يعمل تحت إشرافه فيسارع للقيام بالإجرائات المطلوبة في حالتها هذه بينما هتف صلاح بخوف :-
” ماذا سيحدث الآن ..؟!”
هتف شريف الذي كان في وضع لا يسمح له بالتحدث مع أحدهم او مسايرته حيث تركيزه كله منصاب على نانسي الفاقدة للوعي :-
” إخرج انت الآن يا صلاح .. لا يجب أن تبقى هنا ..”
وقبل أن يتحدث صلاح كان يشير الى احد الممرضين :-
“خذه الى غرفتي من فضلك ..”
غادر صلاح على مضض يتبع الممرض بينما بدأ شريف في عمله المعتاد في هذه الحالات مع الطبيب الآخر ..
مر بعض الوقت تم خلالها القيام بالإسعافات الأولية التي تولى الطبيب الآخر أمرها ثم ما تبعه من أشعة وتحاليل بينما بقي شريف ينتظر النتائج عندما تقدم الطبيب نحوه أخيرا فيسأله شريف بقلق :-
” ماذا حدث يا عصام …؟! ما وضعها أخبرني ..؟!”
قاطعه عصام يسأله بجدية :-
” دكتور شريف .. ألم تكن تعرف إن المدام حامل …”
وتلك كانت الصدمة الحقيقة بالنسبة لشريف الذي إستوعب أخيرا ما يحدث وتأكدت شكوكه الأولى عندما قرر شقيقه الزواج بهذه السرعة ..
………………………………………………
كان يسير داخل غرفة شقيقه الخاصة في المشفى ذهابا وإيابا وعقله لا يتوقف عن التفكير وتخيل أبشع السيناريوهات ..
ماذا سيحدث لو ماتت ..؟! هل سيعيش حياته بالكامل يحمل ذنبها فوق رقبته ..؟! كيف ستحمل عذاب الضمير وقتها ..؟!
لعن نفسه ولعن تلك الليلة التي جمعته بها ..
لولا تلك الليلة ما كان ليحدث كل هذا ويصلان الى هنا ..
لقد تدمرت حياة كليهما ..
أغمض عينيه برعب حقيقي وهو يتخيل إنها ستموت .. ستخسر حياتها .. وسيكون هو سبب هذا ..
” يا إلهي ..”
قالها بخفوت وهو يقبض على خصلات شعره البنية المجعدة الكثيفة بأنامله ….
سيطر عليه الإختناق فأخذ يصيح بإنفعال مكتوم :-
” لماذا حدث كل هذا ..؟! لماذا ..؟!”
أكمل بنفس الإنفعال يلومها :-
” لماذا لم تجهضيه ..؟! لماذا إحتفظت به ..؟! لماذا يا نانسي ..؟!”
أخذ نفسا عميقا عدة مرات قبل أن يقول وهو يحاول أن يبعد الذنب من فوق كاهله :-
” كلا انا لست مذنبا .. هي السبب .. هي من تسببت بهذا لنفسها .. هي من أذنبت بحق نفسها .. هو لا دخل له .. لم يخطأ بما فعله .. كان يريد صالحها كما يريد صالحه ..”
توقف عن أفكاره وهو يشاهد دخول أخيه بملامح قاتمة الى المكان ليتقدم نحوه وهو يسأله بلهفة :-
” ماذا حدث .. ؟! ”
ردد بقوة تخفي خلفها غضب مخيف :-
” هل كنت تعلم إنها حامل ..؟”
شحبت ملامح صلاح للحظات قبل أن يهتف بسرعة :-
” لا يجب أن يعلم أحد بهذا من فضلك .. ستكون فضيحة كبيرة في حقها وحقنا ايضا ..”
صاح به بغضب أذعره قليلا :-
” هل هذا ما يهمك الآن ..؟! هذا ما تفكر به في وضع كهذا ..!!”
” انت لا تفهم .. انا أفكر بها قبلي … لا يجب أن يعلم أحد بأمر الحمل .. ستلتصق تلك الفضيحة بها حتى نهاية العمر …”
قالها بجدية ليهمس شريف بقرف :-
” انت حقا تثير إشمئزازي …”
” من فضلك لا تفعل الآن .. أنا أتيت بها الى هنا بسرعة كي تساعدني ..”
أضاف يتوسله :-
” عالج الأمر بسرعة قبل أن تحدث فضيحة لا يمكن السيطرة عليها …”
لم يتحمل شقيقه أكثر فلكمه بقوة على وجهه ليسقط صلاح أرضا والدماء إنفجرت من أنفه ..
مسح أنفه بسرعة ونهض من مكانه يردد بترجي :-
” ارجوك يا شريف .. عالج الأمر من فضلك .. ”
قاطعه شريف بعصبية :-
” ماذا أعالج بالضبط ..؟! انت تخطيت كل الحدود المسموحة بتصرفك هذا …”
أضاف وهو يتأمله بعينين محتقرتين غير مصدقا إلى أي مرحلة من الحقارة والإستهتار وصل شقيقه :-
” أنت حتى لم تسأل عن وضع الفتاة ..!! لم تهتم حتى إذا ما زالت حية أم فقدت حياتها ..! لم تفكر سوى بالفضيحة ..”
قاطعه صلاح يتسائل بتلعثم :-
” ماذا تعني بحديثك هذا ..؟!”
شحبت ملامح وهو يتسائل بخوف تملك منه :-
” هل تعني إنها ماتت ..؟! هل نانسي ماتت يا شريف ..؟!”
منحه شريف نظرة قاتمة ليقبض صلاح على كفه يرجوه:-
” لماذا لا تجيب يا شريف … نانسي حية ، أليس كذلك …؟!”
أبعد شريف كف أخيه من نفور وهو يردد :-
” نعم ما زالت حية … لكن وضعها خطير …”
” كيف يعني ..؟! ماذا سيحدث الآن ..؟!”
سأله صلاح مجددا عندما تنهد شريف يخبره مرغما :-
” الحادث شديد لكن من حسن حظها إنه لم يتسبب لها بنزيف داخلها أو كسور خطيرة .. لكن هذا لا ينفي إن حياتها وحياة الطفلين بخطر …”
هتف صلاح غير مصدقا :-
” قلت طفلين ..؟!”
هز شريف رأسه وهو يؤكد :-
” نعم .. نانسي حامل بتوأم .. ”
أضاف يتسائل ساخرا :-
” ألم تكن تعلم ..؟!”
هز صلاح رأسه نفيا وهو يضيف متسائلا بتوتر :-
” لم تفقدهما إذا ..؟!”
رد شريف بجمود :-
” حتى الآن كلا لكن الخطر عليها وعليهما شديد للغاية ويمكن أن نخسرها لا سامح الله او نخسر أحد الطفلين أو كليهما في أي لحظة ….”
أضاف أخيرا وهو يتنهد بقوة :-
” أتمنى أن تنجو نانسي من هذه الحادثة بسلام .. اما عن الطفلين فلا أعرف ماذا أقول حقا .. يجب أن أدعو لهما أيضا بالنجاة لكنهما لا يستحقان حياة كالتي سيعشينها مع أب مثلك يا صلاح …”
لم يتحدث صلاح عندما أضاف شريف :-
” لكنني سأحاول أن أنقذهما قدر المستطاع فهذا واجبي كطبيب ..!!”
إبتلع صلاح ريقه وهو يهز رأسه متفهما عندما أنهى شريف الحوار :-
” سيتم نقلها الى غرفة العناية حيث ستخضع هي والطفلين الى المراقبة المستمرة حتى نرى ما سيؤول إليه وضعهما ..”
أنهى حديثه وهم بالتحرك خارجا ليذهب عند نانسي عندما قبض صلاح الى ذراعه فنظر له شريف بجمود لينطق صلاح :-
” لا تنسى يا شريف .. ما حدث سيبقى بيننا ..”
رمقه شريف بنظرات باردة وهو يبعد ذراعه من قبضته متجاهلا حديثه خارجا من المكان يتابعه صلاح بقلق بديهي وهو يسأل نفسه :-
” يا إلهي .. ماذا يجب أن أفعل الآن ..؟!”
………………………………………………..
في صباح اليوم التالي ..
كان يقف أمام المرآة يسرح شعره البني الناعم قبل أن يحمل عطره المفضل من إحدى أشهر وأغلى الماركات العالمية فيضع منه فوق عنقه والجزء العلوي من جسده ..
جذب ساعته الثمينة يرتديها ثم هم بإلقاء نظرة أخيره على هيئته ببذلته الرسمية الأنيقة عندما رن هاتفه فحمله ليرى إسم والدته يسطع فوق الشاشة …
أجاب عليها ليأتيه صوتها المعاتب كعادتها :-
” أين أنت يا كنان ..؟! لماذا لا تجيب على إتصالاتي ..؟!”
رد بجدية :-
” صباح الخير يا والدتي العزيزة .. إعذريني لكنني كنت مشغول تماما طوال البارحة ولم أجد الوقت لأتصل بك بعدها …”
قالت بحنق خفي :-
” ألم تجد خمس دقائق لتتصل بي بعد هذا الكم من الإتصالات ..؟!! لا أصدق حقا يا كنان .. ”
أضافت بضيق صريح :-
” لا يجوز ما تفعله حقا .. انا والدتك .. لا يجب أن تتجاهلني مهما حدث ..”
تنهد وهو يردد :-
” حسنا شريفة هانم .. أعدك إنني لن أكررها مجددا … ”
تمتمت بجدية :-
” أنت تسخر مني يا كنان .. أعلم ذلك ..”
قال بحنق :-
” ماذا قلت الآن …؟! مهما قلت لا يرضيكِ .. مالذي يجب أن أفعله بالله عليك ..؟! لا أفهم حقا ..”
أضاف بعدم تصديق :-
” هذا كله لإنني لم أجب على إتصالاتك …”
قاطعته بجمود :-
” بل لإنك تعمدت تجاهلها كما إعتدت أن تفعل …”
قاطعها بحدة خفية :-
” لم أتعمد يا ماما … أنتِ فقط من تعتقدين هذا … ”
زفرت أنفاسها تردد :-
” مرة واحدة فقط إعترف بأخطائك …”
هتف متململا :-
” للأسف هذا أصعب شيء بالنسبة .. إنها عادة موروثة لدينا .. لا نجيد الإعتراف بالإخطاء مثلما لا نجيد الإعتذار وأشياء أخرى ..”
هتفت متهمكة :-
” تقصد إنك ورثت صفاتك هذه مني ..”
ردد وهو يتأمل نفسه بالمرآة أمامه :-
” وكلي فخر لهذا ..”
قالت بتباهي :-
” بالطبع يجب أن تفعل ..أنت إبن شريفة هانم نصار … إسمي لوحده فخر لك وللجميع …”
ضحك بخفة وهو يردد :-
” ارجوك يا ماما لا تبدئي الآن وتتحدثي عن تاريخ عائلتك العريقة الطويل الذي لا نهاية له.. ”
أكمل عن قصد :-
” وإلا سأتحدث حينها عن تاريخ عائلة والدي التي لا تقل أصالة وعراقة عن تاريخ عائلتك ..”
تمتمت متجاهلة ما قاله :-
” على العموم انا إتصلت بك لأطلب منك أن تأتي غدا الى القصر عندنا حيث ستجتمع العائلة على الغداء ..”
أكملت بجدية :-
” لن أسمع أي أعذار .. ستتواجد غدا يا كنان .. لا مفر لك من ذلك …”
رد بجدية :-
” سأفعل يا ماما .. ستجديني قبل الجميع في القصر .. هل تريدين شيئا آخرا …؟!”
غمغمت بخفوت :-
” أتمنى ذلك …”
أنهى مكالمته مع والدته أخيرا ليتنفس الصعداء وهو يخرج مغادرا الفيلا الواسعة التي يسكن بها لوحده بعدما ترك منزل عائلته منذ سنوات طويلة مقررا أن يستقر في منزل خاص به فهكذا أفضل بالنسبة له ..
غادر الفيلا مخبرا الخادمة إنه لن يتناول فطوره الصباحي عندما أشار الى السائق يخبره :-
” إلى مجموعة شركات آل سليمان …”
ثم جلس في الجزء الخلفي من السيارة يقلب في هاتفه متابعا أعماله لكنه توقف عن ذلك بعد قليل وهو يستوعب إن أفكاره لم تكن مع أعماله بل كانت تتمحور حولها ..!!
أخذ ينظر الى الخارج من النافذة يتأمل الشوارع المزدحمة قليلا عندما وصل أخيرا الى الشركة …
فتح السائق الباب له ليهبط من سيارته متجها الى داخل الشركة عندما توجه نحو الطابق الذي يوجد به مكتب المدير للعام والذي يعلم جيدا إنها تستقر به حاليا بدلا من والدها …
تقذم نحو السكرتيرة يعرفها عن نفسه لتنهض الأخيرة مرحبة به بسرعة قبل أن تتجه ركضا لتخبر ليلى عن قدوم كنان نعمان الى الشركة …
بالكاد إبتلعت ليلى صدمتها وهي تهتف بها :-
” دعيه يدخل …”
ثم سارعت تجلس على كرسيها غير مصدقة إنه أتى بهذه السرعة ….
تأملته وهو يتقدم نحوها بملامحه الرجولية الواثقة يمنحها إبتسامة شديدة الرسمية وهو يلقي التحية عليها لتنهض من مكانها وهي تمنحه إبتسامة رسمية تماثل إبتسامته وترد تحيته عندما تأملت يده السمراء الممدودة فوضعت كفها بتردد خفي داخل كفه ليضغط عليه بخفة قبل أن يحرره وهو يتوجه نحو الكرسي المقابل ويجلس عليه بكل ثقة واضعا قدما فوق الأخرى يتأملها بتفحص جعلها تتوتر قليلا لكنها سارعت تسيطر على توترها وهي تجلس مكانها تتسائل مقررة أن تبدأ هي الحديث وليس هو :-
” تفضل كنان بك … ما سبب هذه الزيارة المفاجئة ..؟!”
رد بجدية :-
” لا أعتقد إنها مفاجئة أبدا ليلى هانم فنحن سبق وتحدثنا في الحفلة ..”
قاطعته بسرعة :-
” نعم ولكنني لا أتذكر إنني وافقت على عرضك …”
هتف بدوره بثقة :-
” لكنك لم ترفضِ في نفس الوقت .. ولا أظن إنك سترفضين في وضع كهذا …”
” ماذا تعني بوضع كهذا ..؟!”
سألته بقليل من الحنق ليهتف برزانة :-
” لا تفهميني بشكل خاطئ ولكنني رجل صريح وأظن إنكِ كذلك …”
منحته نظرات واجمة قليلا عندما أضاف :-
” وضع شركتكم سيء للغاية وإذا لم تسارعِ في إنقاذها ستنهار حتميا … ”
سألته بملامح متحفزة :-
” وأنت من سيفعل ..؟! أنت من ستنقذ الشركة ..؟!”
ردد بثقة :-
” بالطبع .. وسأعيدها مثل الأول بل أفضل مما كانت حتى …”
سألته مباشرة :-
” لماذا ..؟! مالذي يجعلك تفعل هذا ….؟! مالذي يدفعك للدخول في شراكة كهذه …؟!”
كان يريد أن يجيبها إنه يفعل ذلك لأجلها لكنه تراجع وهو يردد بغموض :-
” سأحتفظ مبدئيا بأسبابي لنفسي حتى يحين الوقت المناسب ..!!”
رفعت حاجبها تردد :-
” عفوا ..؟! أنا لن أدخل في شراكة معك حتى أفهم مالذي يدفع رجل اعمال ناجح مثلك للدخول في شراكة مع شركتنا التي كما قلت قبل لحظات إنها في وضع سيء تماما وعلى وشك الإنهيار ..!!”
ابتسم بخفة وهو يقول :-
” بم تخصكِ أسبابي وماذا ستغير بالنسبة لك …؟! من المفترض إن ما يهمك هو الإتفاق نفسه وما سينتج عنه وكيف سيتحسن وضع شركتكم من خلالها أما بقية الأشياء فليست مهمة لكِ على ما أعتقد ولن تؤثر في أي خطوة سنخطوها …”
لم تجبه عندما هتف بجدية :-
” فكري جيدا يا ليلى هانم .. صدقيني شراكتك معي ستنقذ شركتكم … أعدك إنك ستلاحظين الفرق خلال مدة قصيرة .. بإمكانك أن تسألي عني وعن مدى نجاح أعمالي وتقدم شركاتي في مختلف المجالات وستدركين إلى أي مدى ستكون هذه الشراكة في مصلحتك ..”
نهض من مكانه يردد أخيرا :-
” سأمنحك وقتا تفكرين به كما إنني سأرسل لك التفاصيل التي تخص الإتفاقية التي ستتم بيننا كي تحددي قرارك بناء عليها .. سأطلب من سكرتيرك حسابك الألكتروني .. حسنا ..”
نهضت من مكانها وهي تغمغم :-
” حسنا …”
منحها إبتسامة أخيره وهو يودعها تاركا إياها تتابعه بنظراته حتى غادر المكان وقد سيطر الجمود عليها كليت للحظات .. جمود تبعه قلق وتوتر كبيرين ..
…………………………………………………
مساءا ..
غادرت الشركة أخيرا بعد يوم طويل قضته تدرس وضع الشركة بالكامل مقررة إنه بات عليها أن تكون أكثر جدية وتتحمل المسؤولية كاملة فوالدها لا ينوي العودة حاليا وبالتالي هي مجبرة على تحمل مسؤولية الإدارة والتصرف كمديرة للشركة حتى يعود هو ويتولى مسؤولية ..
في الواقع ليست متذمرة مما يحدث وإمتناعه عن العودة بقدر قلقها الشديد لقراره هذا والذي تشعر إن خلفه شيء ما .
التغيرات واضحة على والدها ورغم تحسن وضعه الصحي بناء على حديث طبيبه الخاص إلا إنه تصرفاته وكلامه يبثان القلق داخلها …
في الكثير من المرات تشعر إنه يتعمد أن يتحدث معها بتلك الطريقة ويلقي تلك الكلمات على مسامعها مثلما يتعمد ألا يعود للإدارة وكأنه يجهزها ويجعلها مستعدة ل …
منعت أفكارها من الوصول الى تلك النقطة وهي تتجه نحو سيارتها بحركة سريعة وتفتح بابها ثم تجلس خلف المقود بملامح جامدة كليا ..
لا يمكن أن يكون ما تفكر به صحيحا ..
والدها بخير والطبيب طمأنها عليه …
وضعه الصحي جيد ..
بالتأكيد هذه الأفكار من وحي خيالها .. مجرد هواجس لا وجود لها ..
ورغما عنها عادت تفكر بنفس الطريقة فتتخيل خسارتها لوالدها التي لن تقوى على تحملها أبدا ..
ترقرقت الدموع داخل عينيها وهي تتوسل الله سبحانه وتعالى ألا يحدث هذا .. ألا تخسر والدها ..
ليس والدها تحديدا ..
هو تحديدا لن تتحمل فقدانه ..
ليذهب كل شيء الى الجحيم ويبقى والدها حيا ..
شعرت بالإختناق يغزو صدرها وروحها والعبرات أغشت عينيها تأبى الهطول …
ضغطت على زر التحكم بالنافذة لتفتحها فتتنفس الهواء الطلق وهي تأخذ نفسها عدة مرات وتحاول السيطرة على عبرات عينيها المتراكمة..
في تلك اللحظة كانت خائفة بل مذعورة تماما ..
فكرة فقدان والدها تخنقها كليا دون رحمة ..!!
الآن فقط أدركت إن جميع الخسارات قابلة للتعويض عدا الخسارات التي تمس عائلتها …
تراجعت الى الخلف مغمضة عينيها وهي تحاول أن تطرد تلك الأفكار السلبية من رأسها حيث تخبر ذاتها إن والدها بخير ولن يصيبه مكروه بإذن الله ..
فجأة رن هاتفها فجذبته تحمل بقلب مذعور عندما لمحت إسمه …
لم تصدق إنه يتصل وقد بدا وكأنه شعر بحاجتها الماسة لوجود أحدهم جوارها في هذه اللحظة ..
لم تنتظر أكثر وهي تجيبه تهمس بصوتها المختنق :-
” زاهر …”
هتف بهدوء :-
” مرحبا ليلى ..”
همست بنبرة متحشرجة :-
” اهلا زاهر .. ”
أضافت تسأله وهي تجاهد لخنق عبراتها داخل عينيها :-
” كيف حالك ..؟!”
رد بنبرة عادية:-
” انا بخير .. وانت ..؟!”
” بخير ..”
قالتها بخفوت كاذب فهي ليست بخير أبدا عندما حل الصمت بينهما .. صمت إمتد للحظات ..
همست ليلى أخيرا بتردد :-
” سامحني يا زاهر .. لقد أخطأت في حقك ..”
قاطعها بصوته الرخيم :-
” توقفي يا ليلى .. لقد إعتذرت أساسا عن طريق تلك الرسالة التي أرسلتها لي ..”
همست بحزن :
” ولكنك لم تجب عليها .. ظننتك إنك لم تقبل إعتذاري ..”
قال بجدية :-
” لم أقرأها حتى صباح اليوم لكنني أجلت الرد عليكِ لإنني كنت مشغولا قليلا ..”
سألته بإهتمام :-
” هل هناك شيء ما ..؟! ”
قاطعها بجدية:-
” كلا ، أمور عمل فقط لا غير ..”
تمتمت بخفوت :-
” حسنا …”
سألها بجدية وهو يهم بإنهاء :
” هل تريدين شيء ما قبل أن أغلق..؟!”
أرادت أن تخبره إنها تريد رؤيته لكنها تراجعت وهي تردد :-
” كلا .. شكرا لك ..”
أضافت بسرعة تمنعه من إنهاء المكالمة :-
” فقط أردت أن أسألك عن شيء ..”
قال نيابة عنها :-
” تسألين عما حدث بشأن الخطبة .. لا تقلقي .. لقد تحدثت مع والدي وأخبرته بحقيقة الأمر وفعلت نفس الشيء مع والديكِ صباح اليوم ..”
تملكتها الدهشة مما قاله غير مصدقة إنه تصرف بهذه السرعة لكنها همست بنبرة ضعيفة :-
” لم أكن أسأل عن هذا الأمر يا زاهر ..؟!”
سألها :-
” إذا عما كنت ستسألين ..؟!”
هتفت بخيبة :-
” لا شيء .. يعني ليس مهما .. حسنا وداعا ..”
” توقفي يا ليلى ..”
قالها بسرعة قبل أن يسألها بعدها :-
” قولي ما لديك يا ليلى ..”
هتفت بإباء :-
” أخبرتك إنه ليس مهما …”
قال بإصرار :-
” لكنني أريد أن أعرف …”
أكمل بعدها :-
” هل تضايقت مني يا ليلى ..؟! لا أظن إنتي قلت أو فعلت شيئا يضايقك ..”
تنهدت وهي تجيب :-
” كلا لم يحدث هذا .. انا فقط لا يوجد شيء لدي أقوله حاليا .. لا تضغط علي من فضلك ..”
” حسنا .. كما تشائين ..”
قالها وهو يضيف :-
” لكن متى ما أردتِ أن تتحدثي أو تخبريني شيئا ما فلا تترددي في الإتصال به ..”
” بالتأكيد…”
قالتها بعينين محتقنتين وهي تودعه عندما أغلقت الهاتف وتراجعت بجسدها الى الخلف تأخذ أنفاسها مجددا ..
لحظات قليلة وإهتز هاتفها يخبرها عن وصول رسالة فسارعت تفتحها ظنا إن زاهر أرسل لها شيئا ما لكنه وجدته رقما غريبا ففتحت الرسالة لتقرأ ما بها عندما إتسعت عيناها وهي تقرأ محتوى الرسالة :-
” مبارك طلاق نديم يا ليلى .. الساحة باتت مفتوحة أمامك مجددا .. ”
سارعت تتصل بالرقم الذي أرسل الرسالة عندما وجدته مغلقا لتقبض على هاتفها وهي تهز رأسها بعدم تصديق ..
ما معنى هذه الرسالة ومن أرسلها ..؟!
مالذي يحدث بالضبط ..؟!
هل يعقل إن ما قرأته صحيح أم إن هناك أحد ما يتلاعب بها ..؟!
ولو كان هذا حقيقيا فمن له المصلحة في أن يخبرها بشيء كهذا ومن أين علم بهذا الخبر أساسا …؟!
تزاحمت أفكارها للحظات قبل أن تهمس بعينين قاتمتين :-
” عمار …!!”
…………………………………………………
وقفت أمام المرآة تلقي نظرة أخيرة على هيئتها وملابسها المكونة من بنطال جينز يلتصق بجسدها فيبرز أنوثتها الخطيرة فوقه قميص أبيض اللون ذو تصميم جذاب ومختلف بقماشه من نوعية الدانتيل الجذاب والذي يغطي ذراعيها حتى منتصفها ..
شعرها مصفف بعناية ومكياجها متناسق جدا …
تعترف إنها تشعر بالحماس الشديد لهذه الليلة ..
كلا لن تنكر هذا ..
هي تشعر بالحماس الشديد للخروج مع سيادة المقدم المغرور والتعرف عليه عن قرب …
في بادئ الأمر أرادت رفض دعوته لكنها لم تستطع فوافقت في النهاية وهاهي تتجهز للخروج معه بعدما دعاها على العشاء متحججا بهذه الدعوة كإعتذار بسيط عما فعله شقيقه لكنها تجزم إنه يكذب وهذه الدعوة ليست سوى رغبة منه لرؤيتها والتعرف عليها كما ترغب هي … !
ابتسمت وهي تلقي نظرة أخيرة على هيئتها عندما رن هاتفه برقمها فردت عليه ليأتيها صوته الرخيم يخبرها :-
” انا أمام الفيلا ..”
قالت بسرعة :-
” سأخرج حالا ..”
ثم سارعت تحمل حقيبتها وتلقي نظرة أخيرة على نفسها في المرآة قبل أن تغادر غرفتها بحماس ومنه الى خارج الفيلا حيث كان يصف سيارته الى الجانب لتتجه نحوه بينما كان هو ينظر أمامه دون أن ينتبه إليها حتى فتحت الباب ليلتفت بسرعة يتأملها وهي تصعد السيارة وتجلس جانبه بينما تلقي التحية عليه ..
تأملها مبهورا للحظات بجمالها الآخاذ الذي سيطر على الأجواء تماما ونبرة صوتها المميزة مع إبتسامتها العذبة …
كانت ساحرة تماما .. هذا الوصف الدقيق لها ..
رد تحيتها بخفوت عندما نظرت له تبتسم برزانة بادلها إياها وهو يسألها :-
” هل أنت مستعدة للمغادرة ..؟!”
هزت رأسها وهي تجيبه :-
” مستعدة ..”
عاد يسألها :-
” إلى أي مطعم تفضلين أن نذهب ..؟!”
ردت بجدية :-
” ليكن مطعم من إختيارك ..”
رفع حاجبه مرددا :-
” من إختياري أنا …”
هزت رأسها تسأله :-
” هل هناك مشكلة ..؟!”
قال مبتسما :-
” أبدا ولكن ربما لن يعجبك ذوقي في المطاعم ..”
مطت شفتيها وفضولها دفعها لتتعرف على ذوقه في إختيار المطاعم التي يرتادها :-
” لنجرب إذا …”
سألها وهو يميل نحوها قليلا :-
” هل أنت واثقة ..؟! ربما تندمين فيما بعد ..”
ردت وهي ترفع ذقنها بشموخ :-
” انا لا أندم أبدا ….”
منحها إبتسامة خافتة وهو يهز رأسه قبل أن يحرك سيارته منطلقا بها وهو يهتف :-
” جيد إذا .. سآخذك الى أحد المطاعم المفضلة بالنسبة لي بل يكاد يكون أفضلهم عندي …”
نظرت له بحماس سرعان ما خمد وهي تتأمل تلك المنطقة الشعبية التي دخلت بها سيارته الضخمة الراقية
بموديلها الحديث جدا ..
كانت تتأمل الشوارع المليئة بالناس الذين لم تلتق بهم مسبقا وكيف ستلتقي بهم وعالما يتمحور حول فئة معينة من المجتمع ..؟!
همست لنفسها تخبرها إن المطعم ليس هنا بالتأكيد وإن هذه المنطقة هي مجرد مؤدية للمطعم ليس إلا لكن أمالها تبخرت على الفور وهي تجده يصف سيارته على الجانب ويهبط منها لتسارع تفتح باب السيارة وتهبط بدورها تتابعه بذهول وهو يتبادل التحية مع بعض الرجال هناك الذي رحبوا به بحفاوة عندما أشار لها بعينيه أن تتقدم نحوه فسارعت تسير إتجاهه متجاهلة النظرات التي تتأملها بتعجب شديد عندما سارت جانبه متجهة الى داخل المطعم محاولة تدارك صدمتها ..
بعد قليل من الوقت ..
كانت تتأمل المكان حولها بملامح تجمع بين الإستغراب وعدم الإرتياح ..
مطعم شعبي للغاية وجميع من فيه ينتمي لطبقة لا تذكر إنها تعاملت معهم في حياتها ..
الأجواء بدت غريبة للغاية فالمطعم مزدحم للغاية والعاملون يتحركون هنا وهناك يحاولون أن يواكبوا من الزخم في المكان ..
” استرخي في جلستك يا غالية وتذكري إنك من منحتني حرية الإختيار ..”
ردت وهي تعتدل في جلستها وقد بدت من عالم مختلف تماما عن بقية الموجودين في المطعم خاصة بتلك الملابس الراقية التي ترتديها والتي رغم بساطتها تمنحها طلة راقية فخمة لا تناسب بساطة المكان :-
” انا مسترخية .. يعني لا مشكلة عندي .. انا فقط أشعر إنني ..”
صمتت للحظة ليسألها بجدية :-
” إنها المرة الأولى التي تدخلين فيها مكان كهذا صح ..؟!”
أومأت برأسها وقبل أن ترد أتى النادل يضع لمياه أمامها وآخر يتبعه يضع وعائين يحويان حساء العدس…
ابتعد النادلين لتجيب على سؤاله :-
” المشكلة ليست في المكان نفسه .. يعني فقط لو كنت أخبرتني لكنت إرتديت ملابس تلائم المكان قليلا ..”
ضحك مرددا :-
” لا أظن إنك تمتلكين ملابس تلائم هذا المكان من الأساس ..”
زمت شفتيها تردد بعبوس :-
” كنت سأرتدي بنطال جينز مع تيشرت عادي قليلا .. ”
ابتسم يهتف بجدية :-
” المشكلة ليست في الملابس فقط .. المشكلة فيكِ أنتِ يا غالية ..”
سألته بتجهم :-
” كيف يعني المشكلة في أنا ..؟!”
رد بجدية وهو يتأملها بعينيه المتفحصتين :-
” يعني انتِ حتى لو إرتديت ملابس قديمة بالية سوف تبقين كما انتِ .. جميلة ولامعة وحضورك طاغي في أي مكان تدخلينه ..”
شعرت بالخجل مما يقوله فسحبت الملعقة بتردد ترتشف القليل من الحساء دون أن تنتبه على نوعه لتزم شفتيها بعبوس وهي تردد:-
” عدس .. حساء عدس ..”
” ألا تحبينه ..؟!”
سألها وهو يكتم ضحكته من ملامحها النافرة كليا لترد بجدية :-
” لا أطيقه ..”
ابتسم بخفة ثم سألها :-
” هل تريدين أن أغير المكان ..؟! أخذكِ الى مطعم مناسب ..”
قاطعته بجدية :-
” كلا ، سأبقى هنا … أساسا المكان يبدو لطيفا ..”
قالت حملتها الأخيرة كاذبة ليسألها بجدية وقد أدرك كذبها بلمحها واحدة على عينيها :-
” إذا ماذا ستتناولين ..؟!”
ردت بتعجب :-
” ألا توجد قائمة طعام ..؟!”
رد بجدية :-
” توجد لكن ليست مهمة لإن الطعام هنا واضح ومعروف .. إما المشويات او الزر مع اللحم او الدجاج المشوي والكثير من المرق ..”
هتفت ببلاهة :-
” رز ولحم ومرق الساعة التاسعة مساءا ..!!”
كتم ضحكته بصعوبة مرة اخرى لتهتف بخفوت :-
” حسنا .. المشويات لا بأس بها .. ”
” ألا تحبينها ..؟! أخبريني بصراحة .. هل تتناولين المشويات عادة ..؟!”
ردت بصدق :-
” بالطبع أحبها وأتناولها .. أحب الكباب كثيرا ..”
ابتسم وقال بثقة :-
” إذا كوني واثقة إنك ستتناولين أطيب وجبة كباب في حياتك هنا …”
رفعت حاجبها مرددة :-
” سنرى يا سيادة المقدم ..”
أشار فادي الى النادل الذي جاء مرحبا به سعيدا بقدومه قبل ان يطلب منه فادي أن يجلب طبقين من المشويات له ولغالية …
” أنت زبون معتاد هنا ..؟!”
سألته بإهتمام ليرد بجدية :-
” نعم وآتي دائما ..”
سألته بعفوية :-
” كيف تعرف هذه الأماكن والمطاعم ..؟؟ يعني انت ثري و ..”
قاطعها موضحا :-
” انا بطبيعتي أتردد على مختلف الأماكن .. اليوم تجديني في احد ارقى المطاعم وغدا تجديني في مطعم شعبي في منطقة نائية ربما .. طبعا طبيعة عملي ساعدتني على ذلك .. كما إنني أمتلك أصدقاء من جميع الطبقات والأهم إنني أواكب أي مكان مهما كان اختلافه ..”
أضاف بصدق :-
” ولأكن صريحًا فأنا أعشق الطعام الشعبي والمطاعم الشعبية عموما لإن طعامهم رائع ودسم وفيه لذة خاصة لا أشعر بها وأنا جالس ببذلتي في ذلك المطعم الراقي بهدوءه الممل ..”
ابتسمت مرغمة على حديثه ليضيف وهو يغمر لها :-
” اخرجي معي عدة مرات وأعدكِ إنكِ بعدها ستأتين بنفسك الى هنا ولا تجدين اللذة في طعام كالذي تحدينه هنا …”
” لا تكن واثقا هكذا ..”
قالها وهي تنط شفتيها قبل أن تضيف بجدية :-
” انا منحتك حرية اختيار المكان الملائم مع إنه كان من المفترض أنا من أختار ..”
” هل تنكرين إنني سألتك عن المكان الذي تحبين الذهاب إليه ..؟!”
سألها مصطنعا الدهشة لترد بخفة :-
” نعم ولكنكِ أخبرتني أيضا إن هناك مكان رائع معتاد أن تذهب إليه وانا بدوري تحمست و..”
قاطعها ضاحكا :-
” بذمتك أليس المكان رائعا ..؟!”
تأملته بعينيها بعدم اقتناع عندما جاء النادل ووضع طبقي المشويات أماميهما ومعهما السلطان والخبز الحار ..
من حسن حظها إن هناك شوكة موضوعة بجانب سكينة وملعقة فسحبت الشوكة تقطع قطعة صغيرة من الكباب أمامها وتتناوله ليسألها بإهتمام :-
” أخبريني ..؟! كيف الطعام اذا ..؟!”
ردت مرغمة لإن الطعام كان فائق اللذة بالفعل :-
” لذيذ جدا ..”
ابتسم وهو يسحب قطعة من الخبر ويبدأ في تناول الطعام بطريقة بدت لا تشبه طريقتها أبدا بينما أكملت هي تناول الطعام بالشوكة والسكين غافلة عن عيناه اللتين لا تفارقها وهو يتأملها تتناول قطع صغيرة للغاية من الطعام ببطأ فيبتسم مرغما مفكرا إنه صدمها صدمة عمرها عندما أتى بها الى هنا ولكنها رغم كل شيء ورغم إندهاشها حاولت مجاراته وهذا إن كان يدل على شيء فهي ليست مغرورة او متعجرفه كما كان يظن ..!!
هي فقط ذكية وراقية وواثقة بنفسها ..
إرستقراطية بالفترة وجميلة .. جميلة جدا ..
توقف عن أفكاره ينهر نفسه فهو لا يجب أن يفكر بها بهذه الطريقة أبدا ومهما حدث ..!!
………………………………………………………
بعد مدة من الزمن ..
إنتهيا من تناول الطعام الذي وجدته غالية رائعا عندما قال وهو يتأمها مبتسما :-
” أتمنى أن يكون الطعام أعجبك حقا ..؟!”
ردت وهي تبتسم له :-
” جدا .. كان معك حق .. إنه رائع ..”
سألها بجدية :-
” هل تتناولين الشاي معي ..؟!”
هزت رأسها بقليل من التردد عندما أشار فادي للنادل يطلب منه أن يجلب إثنين من الشاي لهما …
عاد ينظر إليها لتشكره :-
” أشكرك حقا على هذه العزومة …”
أضافت بجدية وهي تتأمل الأجواء حولها :-
” كتت بحاجة لهذا النوع من التغيير خاصة بعد الأجواء الأخيرة التي مررت بها ..”
رد مبتسما :-
” على الرحب والسعة ..”
أضاف يسألها بإهتمام :-
” أتمنى ألا تكوني تقصدين بحديثك هذا فراس فأنا شعرت إنك تخطيتِ ما حدث نوعا ما ..؟!”
قالت بسرعة تنفي أفكاره :-
” كلا الأمر لا يتعلق به .. انا بالفعل تخطيت ما حدث ..”
هتف بجدية :-
” يسعدني هذا حقا يا غالية خاصة إنني كنت سببا لما حدث ..”
قالت بجدية :-
” لا تقل هذا من فضلك .. حتى لو كنت سببا فما فعلته كان كافيا لمحو أي ذنب قد تشعر به …”
قال ممازحا :-
” من كان يصدق إننا سنجلس يوما هكذا ونتحدث بهذه الأريحية ..؟!”
هتفت بدورها :-
” في الحقيقة إذا كان هناك شيء فاجئني حقا ولم أصدق إنني سأشهده يوما فهو إبتسامتك…”
رفع حاجبه مرددا :-
” كيف يعني ..؟!”
أجابت بصدق :-
” طوال المرات التي رأيتك فيها لم تكن تبتسم إطلاقا ..هذه أول مرة أراك تبتسم ..”
رد بصراحة :-
“في الحقيقة وجودك لم يكن يروقني وبالتالي كان يصعب علي الإبتسام حتى لو مجاملة …”
منحته نظرة باردة وهي تردد :-
” في الحقيقة وانا كذلك .. أساسا هذا كان واضحا علي وانت بالتأكيد لاحظته ..”
تأمل النادل وهو يضع الشاي أماميهما فيردد وهو يرفعه ويرتشف منه قليلا :-
” نعم كان واضحا ويسعدني …”
سألته بتجهم :-
” لماذا يسعدك …؟!”
رد بجدية :-
” لإنه كان يثبت مدى تأثرك بحديثي الذي كنتِ تنكرينه .. انا كشفت غايتك منذ اول يوم وهذا ما جعلكِ تنزعجين مني …”
هتفت ببرود :-
” ليس تماما .. واقعيا انت لم تكتشف اي شيء .. نعم أدركت إن هناك غاية خلف موافقتي على تلك الخطبة لكنك لم تدرك غايتي وما أخطط له ..”
رد بجدية :-
” من الأفضل ألا نتطرق لهذا الموضوع ..؟!”
رفعت حاجبها وهي تردد :-
” لماذا يعني ..؟!”
تنهد وهو يقول :-
” لإن رأيي بهذا الموضوع تحديدا لن يعجبك ….”
تمتمت بخفوت:-
” لا أنكر إن رأيك صحيح ولكن انا كنت مضطرة وفرحة من شجعتني لهذا ..”
أضافت وهي تطلق تنهيدة :-
” صدقني أحيانا أشعر بالندم لإنني تصرفت بطريقة غير لائقة ولكن عندما أتذكر نتاج هذا التصرف حيث عاد تميم الى حضن والدته تعود الراحة تغزوني …”
سأله سؤالا كان يلح عليه دائما :-
” أليس غريبا أن تهتمي بأمر تميم الى هذا الحد ..؟!”
نطرت له بصمت للحظات قبل أن تجيب أخيرا بخفوت :-
” لإنه ذكرني بأخي الكبير الذي عايش لسنوات طويلة بعيدا عن والده .. وهذا ما آثر بشكل كبير على شخصيته بل وعلاقته بنا وبجميع من حوله ..”
” كنت تخشين أن يصبح تميم مثل أخيك ..”
قالها بصراحة لا تخلو من الجرأة فأجفلت لا إراديا قبل أن تهز رأسها بصمت عندما قال بصدق :-
” لا أعلم ما هو عليه أخيك الآن تماما لكنني بشكل أو بآخر أصبحت شبه متأكد إن الأهل وتحديدا الأب والأم سببا رئيسيا في ما يعايشه أولادهم من مشاكل وما يصبحون عليها من نسخ مشوهة مستقبلا …”
” معك حق .. العائلة تتحمل مسؤولية هذا بشكل كبير …”
قاطعها بخفوت :-
” ولكن هذا ليس مبررا كافيا لتصرفاتهم السيئة … والدليل إن هناك من ينشئون وسط أقذر العائلات ومع هذا يكبرون كأشخاص أسوياء دون أن تتأثر نفوسهم بماضيهم وحتى لو تأثروا نفسيا فليس من الضروري أن يتسببوا بإيذاء من حولهم …”
” تتحدث وكأنك تعايش. تجربة مماثلة …؟!!”
قالتها بجدية ليبتسم مرغما وهو يقول :-
” هذا صحيح …..”
أرادت أن تسأله إذا ما كان يقصد فراس أم غيره لكنها تراجعت عن ذلك عندما باغتها قائلا :-
” لكن رغم كل شيء يظل أخيك .. لا تنسي هذا … ولا تنسي إن أخوتكما تجعل محاولة تقويمه وإصلاحه واجب عليك …”
هتفت بصدق :-
” سنوات وأنا أحاول ذلك … منذ أن كان والدي حيا .. ولم أجد أي نتيجة أو إستجابة ولو بسيطة …”
قال بثقة ؛-
” لا بد أن يأتي يوم ويدرك قيمتك عندما يتذكر مواقفك الجيدة معه وحينها سيتغير …”
قالت بحسرة :-
” لقد فات الآوان … للأسف لم يعد هناك مجال لذلك …”
هتف بإصرار على موقفه :-
” لا أحد يعلم ما سيحمله المستقبل .. المهم أن تتمسكي بموقفك وتسعي دائما لتذكيره برابط الأخوة بينكما ….”
ابتسمت مرغمة وهي تردد :-
” انت تتحدث هكذا لإنك لا تملك أخوة من أم ثانية .. عمار لإنه من أم ثانية لا يرانا أخوته … يعتبرنا غرباء …”
أضافت بجدية :-
” ليت والدي بقي مع والدته ولم يطلقها … ليته لم يفعل ما فعله .. ما كنا سنصل الى هنا …”
” والدتك كانت الثانية إذا..؟!”
هزت رأسها وهي تتأسف داخلها فهي لطالما كرهت الزوجة الثانية وكانت تكره أي إمرأة تأخذ رجلا من زوجته وحتى بعدما أدركت إن والدتها تزوجت والدها وهو متزوج غيرها لم تتغير نظرتها تلك رغم حبها الشديد لوالدتها لكن مبادئها كانت ثابتة وربما هذا ما يجعلها تنظر الى والدتها بلوم في بعض الأحيان لكنها تتجاهل هذا بعدها وهي تذكر نفسها إنها والدتها التي تحبها وعليها أن تتجاهل تلك الحقيقة المرة فقط لإنها والدتها ..
……………………………………………..
تقدمت نحو أخيها الذي كان يعمل على حاسوبه فسألته بجدية :-
” هل أطلب من الخادمة تجهيز العشاء لك …؟!”
رد نضال وهو يرفع نظره من فوق حاسوبه نحوها :-
” شكرا يا حنين .. لكنني لا أتناول الطعام ليلا عادة ..”
هزت رأسها عندما عادت تسأله :-
” متى يفترض أن تصل والدتي الى هناك ..؟!”
رد وهو ينظر الى ساعة يده :-
” بعد حوالي ستة ساعات تقريبا ..”
همت بالتحرك عندما تقدم والدها يبتسم لهما فبادلته إبتسامته وهي تلقي نفسها بين أحضانه عندما تمتم بخفة :-
” صغيرتي الجميلة …”
ضحكت برقة بينما هتف وهو يشير إليها :-
” تعالي وإجلسي .. هناك شيء هام أريد إخبارك به… كما إن أخيك هنا وهو يجب أن يعرف ما سأقوله ..”
تسائل نضال بحيرة :-
” ماذا هناك ..؟!”
جلست حنين جانب والدها الذي قال بجدية :-
” هناك شاب تقدم لخطبة حنين ..”
علت الدهشة ملامح حنين بينما هتف نضال بإهتمام :-
” حقا ..؟؟ من هو ..؟!”
رد أشرف بجدية:-
” إبن صديقي محمود … لقد تحدث معي وأخبرني برغبة إبنه الصغير بخطبة حنين …”
أكمل بجدية وهو يتأمل ملامح ابنته الصامتة :-
” انا بالطبع لست موافقا ولكنني يجب أن أخبرك بكل الأحوال فمن حقك أن تعرفي بأمر كهذا كونه يخصك ..”
سأل نضال مجددا :-
” لماذا لست موافقا ..؟! هل الشاب سيء …؟!”
قال أشرف بسرعة :-
” إطلاقا .. إنه شاب ممتاز .. لكن حنين ما زالت صغيرة حدا .. هي لم تتجاوز عامها التاسع عشر .. ما زال الوقت مبكرا على الخطبة ..”
هز نضال رأسه متفهما قبل أن يسأل حنين :-
” ما رأيك أنت يا حنين ..؟! ”
ردت بجدية :-
” كما قال والدي .. انا ما زلت صغيرة .. ما زال الوقت مبكرا جدا على الإرتباط …”
ابتسم أشرف يربت على كتفها :-
” أحسنتِ صغيرتي .. الآن فكري في مستقبلك ودراستك .. جامعتك ستبدأ بعد أيام قليلة وكل شيء عدا هذا ليس مهما الآن ..”
نهض من مكانه وإستأذن متجها الى غرفته للراحة عندما نظرت حنين بطرف عينيها الى نضال الذي كان يتأملها بنظرات مريبة فسألته :-
” هل هناك مشكلة ما يا نضال ..؟!”
” ليست مشكلة .. فقط هناك نصيحة صغيرة سأقولها ..”
نظرت له بإهتمام عندما قال بجدية :-
” من لا يشعر بك لا يستحق أن تمنحينه ولو جزءا صغيرا جدا من مشاعرك .. مشاعرك غالية فلا تمنحينها إلا لمن يستحقها ويقدرها ويدرك قيمتها جيدا ..”
تلعثمت وهي تهتف :-
” لم أفهم .. لماذا تقول هذا الآن ..؟! انا ..”
قاطعها بإقرار :-
” كرم .. ”
اتسعت عيناها بهلع عندما اضاف :-
” تعرفين إنني صريح ولا أجيد المراوغات ..”
أضاف بتمهل :-
” انت أختي وأنا من حقي أن أخشى عليك مثلما من واجبي نصحك وتوجيهك …”
نظرت له بإهتمام فقال عن قصد :-
” مهما بلغت قوة مشاعرك لشخص ستتخطينها يوما ما طالما مشاعرك تلك لا تجد صدى مقابلا لها …”
همست بتلعثم وقد أحرجها إنها باتت مكشوفة أمامه :-
” أنا … أنا لا أهتم أساسا و ..”
ابتسم بخفة مرددا :-
” من الجيد إنك لم تنكري …”
قاطعته بصدق :-
” لم أرتكب شيئا مشينا لأنكره .. ”
أضافت وعيناها تلمعان بقوة :-
” مشاعري نحوه ليست إثما او شيئا سيئا أخجل من الإعتراف به أو أسعى لإخفائه …”
تنهد وهو يردد بصدق :-
” بالطبع يا حنين .. إنظري إلي .. أنت ما زلت صغيرة .. صغيرة جدا .. مشاعرك ليست ثابتة إطلاقا .. ستتغير تلك المشاعر وسيأتي اليوم الذي تكتشفين فيه إن مشاعرك تلك لم تكن بتلك القوة التي تعتقدينها ..”
همست بخفوت :-
” أتمنى ذلك حقا …”
أضافت وهي تبتسم بعذوبة :-
” شكرا يا نضال .. ”
هم بالرد لكنه توقف وهو يسمع صوته يتردد قريبا منهما لتتجهم ملامحه كليا بينما يسيطر التوتر على ملامح حنين خاصة عندما وجدته يتقدم منهما مبتسما بخفة وهو يردد :-
” جئت لتوديعكم قبل السفر ..”
أضاف وهو ينظر نحوها بإهتمام :-
” كيف أصبحت يا حنين ..؟!”
ليأتي رد أخيها الذي وقف مواجها له كدرع حامي لمشاعرها التي إضطربت كليا :-
” حنين بخير يا كرم .. ما حدث في حفل الزفاف مجرد نوبة إعتيادية ومرت بسلام ..”
ابتسم كرم مرددا بنبرة ودودة :-
” حماك الله يا حنين والحمد لله على سلامتك ..”
إحتقنت ملامحها وهي تردد بخفوت :-
” شكرا ..”
لكن سرعان ما سيطرت الصدمة على ملامحها وهي تسمعه يردد :-
” هل يمكننا التحدث على إنفراد ..؟!”
نظر نضال نحوه يسألها بقوة :
” ماذا هناك يا كرم لتتحدث عنه على إنفراد ..؟!”
همس كرم مستنكرا :-
” أريد أن أخبر حنين بشيء يخصها و ….”
قال نضال بحنق :-
” وهل أنا شخص غريب …؟! انا أخيها .. يمكنك أن تتحدث ..”
تسائل كرم متفاجئ من نبرة ابن عمه العدائية :-
” ماذا يحدث يا نضال ..؟!”
قالت حنين بسرعة تحاول السيطرة على الوضع :-
” تحدث يا كرم .. أسمعك …”
هم كرم بالتحدث لكن أوقفه صوت رنين جرس الباب عندما تأمل ثلاثتهم الخادمة وهي تتقدم لتفتح الباب ..
تصنم نضال مكانه وسيطرت الدهشة تماما على حنين وهي تتعرف على المرأة التي أتت الى منزل والدها فهي لم تكن سوى طليقة والدها وأم أخيها ..
السيدة إنتصار العمري ….
…………………………………………….
في قصر عائلة الهاشمي ..
تمددت على سريرها بملامح مرهقة بعد قضائها يوما كان مرهقا الى أكبر حد …
منذ الصباح وهي تتألم والغثيان يسيطر عليها ..
أطلقت تنهيدة طويلة وهي تضع كفها على بطنها وذلك الألم في معدتها يعود مجددا …
لحظات قليلة والألم بدأ يزداد ورغبتها بالتقيؤ ازدادت بقوة حتى نهضت من مكانها مسرعة متجهة نحو الحمام لكن قبل أن تصل الى المغسلة كانت تسقط أرضا حيث فرغت ما في جوفها على ارضية الحمام المرمرية ..
تقيأت اكثر من مرة حتى شعرت إن معدتها فرغت تماما من كل شيء ..
بالكاد نهضت من مكانها والدوار سيطر عليها تماما عندما خرجت من الحمام تستند على الحائط وألم معدتها ورغبتها في التقيؤ تزداد …
أطلقت صرخة فزعة وهي تستمع صوت إرتطام الفازة الموضوعة جانبها بعدما إرتطم كف يدها بها دون قصد ليسمع هو صوت صرختها عندما كان مارا جانب جناحها متوجها الى جناحه …
وقف للحظات ينظر الى باب الجناح المغلق بتردد وعقله يخبره أن يغادر لكن صوت صرختها في هذا الوقت بعد منتصف الليل أقلقه فقرر أن يدخل ويرى ما يحدث ..
لم تنتبه إليه وهو يتقدم نحوها بل لا تعلم متى جاء أصلا حيث سألها بقلق عما يحدث ..
انتفض جسمها في موجة بكاء عارمة سيطرت عليها وما حدث أوجعها كثيرا …
شعرت به ينحني نحوها يسألها بقلق مضاعف وهو يستمع الى أنينها الخافت :-
” جيلان ..! أنت بخير ..؟!”
شعر بإرتجاف جسدها فسارع يحملها بين ذراعيه متجها بها حيث السرير ..
وضعها على السرير الذي شعرت به باردا للغاية هذه المرة قبل أن ينحني مجددا نحوها يسألها بإهتمام :-
” ماذا حدث ..؟! هل تناولت شيئا من الخارج ..؟! ”
أجابته وهي تمسح دموعها :-
” أبدا … لم أتناول شيئا منذ الصباح .. ”
اومأ رأسه بتفهم قبل أن يقول بجدية :-
” سأجلب لك دواء من الأسفل تتناولينه…”
لكن قبل أن ينهي كلماته كانت تنتفض من مكانها مجددا تتجه نحو الحمام تفرغ ما يحتويه جوفها من جديد …
تأملها وهي تخرج من الحمام بملامح شاحبة مرهقة تستند بكفها على الحائط جانبها وكفها الآخر موضوع فوق بطنها …
هتف بسرعة وهو يخرج هاتفه :-
” سأتصل بالطبيب ليأتي ويراكِ …”
ثم تذكر إنه لا يعرف رقم طبيب العائلة فغمغم بملامح عابسة :-
” سأذهب الى راغب وأخذ منه رقم الطبيب ..”
خرج تاركا إياها تجلس على السرير بضعف وألم قبل أن تجد الباب يفتح مجددا حيث دخل مهند تتبعه زوجة راغب التي تقدمت نحوها بقلق تسألها عما تشعر به …
” سيأتي الطبيب حالا ..”
قالتها وهي تربت على شعرها بحنو بينما يجاور مهند أخيه راغب الذي أخذ يراقب ما يحدث بصمت رغم قلقه من أن تكون الفتاة تعاني من مشكلة ما …
جاء الطبيب أخيرا ليبدأ في فحصها بوجود زوجة راغب بينما خرج كلا من راغب ومهند من الجناح ..!!
خرج الطبيب أخيرا من الجناح يتأمل كلاهما بصمت قبل أن يسأل :-
” كم عمرها ..؟!”
تعجب مهند من سؤاله لكنه أجاب بجدية :-
” في السابعة عشر من عمرها ..”
عاد الطبيب يسأله بفتور وقد خمن هويته :-
” أنت زوجها ، أليس كذلك ..؟!”
اومأ مهند برأسه وشعور القلق تضاعف داخله بينما عاد الطبيب يلقي نظرة متأسفة عليها قبل أن يشير الى مهند بضيق خفي :-
” الفتاة حامل .. ”
تجمدت ملامحه تماما بينما رمقه الطبيب بنظرات نافرة فكيف لشاب في عمره أن يتزوج من مراهقة لم تبلغ سن الرشد حتى ..؟!
” لا داعي أن أخبرك إن عمرها الصغير وجسدها الصغير يحتاج الى رعاية خاصة … ”
لم يكن يسمع ما يقوله الطبيب بل عيناه كانتا تنظران أمامه بجمود بينما راغب لم يكن منتبه من الأساس لنظرته حيث صدمته بما سمعه سيطرت عليه تماما …
خرج مهند يودع الطبيب بملامح محتقنة قبل أن يرى راغب يرمقه بنظرات مشتعلة وأول ما خطر على باله بعدما علم بحمل جيلان هو موقف عمار وما سيفعله بعدما يدرك ما حدث وما فعله أخيه الأحمق والذي فشل في الحفاظ على الفتاة الصغيرة رغم تحذيره عدة مرات وإخبارها مرارا وتكرارا إن الفتاة أمانة في رقبته …
اما في الداخل وقت همسة مكانها متصنمة بعدما سمعت ما أخبر الطبيب به زوجها وشقيقه بينما لم تكن جيلان سمعت شيئا حيث كانت مرهقة تماما عندما همست تخبر همسة :-
” أريد النوم .. انا مرهقة جدا ..”
بالكاد سيطرت همسة على صدمتها وهي تتجه نحوها تساعدها في النوم حيث دثرتها جيدا وهي لم تستوعب بعد متى حدث هذا وكيف هي حامل طوال هذه المدة ولم يشعر أحد …
لكنها تذكرت إن جيلان ما زالت صغيرة والفترة السابقة عانت من عدة أشياء لذا من الطبيعي ألا تدرك إنها حامل فهي لا تفهم بالطبع الأعراض التي كانت تصيبها …
خرجت من الجناح بملامح يملؤها الحزن وهي تتخيل صدمة الفتاة المسكينة بهذه الحقيقة المرة عندما وجدت زوجها واقفا قرب الجناح بملامح جامدة فتقدمت نحوه تنظر له بخيبة عندما عاد مهند إليهما لترمقه همسة بنظرات شديدة اللوم تجاهلها وهو ينظر الى راغب مرددا بخفوت :-
” راغب انا …”
لكن سرعان ما صفعه راغب على وجهه بقوة لتشهق همسة بصدمة بينما يضع مهند كفه على جانب وجهه مكان الصفعة وهو ينظر الى أخيه بعينين تشكلت الدموع داخلهما لأول مرة ..
…………………………………………………….
كان يهم بالخروج من شقته لينهي بعض الإجرائات التي تنتظره عندما فوجئ بها تقف أمام باب شقته ما إن فتح الباب لتتسع إبتسامتها وهي تهتف بسعادة :-
” صدفة جميلة …”
ثم دفعته وهي تتقدم الى داخل الشقة ليتبعها بعينيه قبل أن يتقدم نحوها تاركا الباب مفتوح :-
” ماذا تفعلين هنا ..؟!”
إلتفتت تنظر إليه تهتف بنبرة معاتبة :-
” لم أتوقع هذا الإستقبال منك يا نديم .. كن ألطف قليلا على الأقل ..”
قال ببرود :-
” إنظري إلي .. لست فارغا لهذه التفاهات .. غادري فورا هيا ..”
هنفت بتحدي :-
” وإذا لم أفعل …”
منحها نظرات قاتمة قبل أن يقول :-
” إبقي هنا كما تريدين .. سأغادر أنا .. ”
هم بالتحرك عندما سارعت تركض نحوه تقبض على ذراعه ليبعد قبضتها من فوق ذراعه بنفور ..
” أنتِ ماذا تريدين بالضبط يا هذه ..؟!”
سألها بحنق وهو يضيف :-
” هل أنت مجنونة …؟!”
همست وعيناها تتأملانه بجنون حقيقي :-
” نعم مجنونة … مجنونة بك ”
همس وهو يهم بدفعها :-
” توقفي بالله عليك .. لا ينقصني سوى هذا الآن ..”
همست وعيناها السوداوان غرقت رغما عنها في زرقة عينيه :-
” تمتلك عينان رائعتان حقا … تجببرانني على الغرق فيهما ..”
قاطعها وهو يبعدها برفق :-
” ماذي من فضلك ..”
همست وهي تقترب منه أكثر تغويه بملامح فائقة الأنوثة ورائحة عطرها القوية تخترق حواسه :-
” ماذا حدث الآن ..؟! انت لم تعد مرتبطا … انت حر الآن …”
مد كفه فوق ذراعها يدفعها بتمهل لتقبض على كفه وتسحبه فوق موضع قلبها تهمس بصوت شديد النعومة :-
” وضعت يدك هنا فوق قلبي كي تشعر بنفسك بتلك الخفقات العالية فيه .. نبضاته تقرع كالطبول …”
مالت نحوه أكثر تراهن على هذه اللحظة الفاصلة .. ستجعله يستسلم مجبرا لا مخيرا فهي تمتلك من السحر والإغواء ما يجبره هو وغيره على الخضوع دون مقاومة …
” أنا أريدك .. كلا ليس هذا فقط .. انت ..”
صمتت تدعي التردد قبل أن تقول بتلعثم كاذب :-
” انا أغرمت بك منذ اللحظة الأولى .. قد يكون ما أقوله غريب وغير منطقي .. مفاجئ ولكنه حقيقي .. انا أحبك يا نديم …”
لحظات قليلة مرت وهي تنظر إليه بقوة وسحر آخاذ حيث تحاوط وجهه بنظراتها شديدة الجاذبية والتأثير عندما فوجئت به يهمس ببرود أشعل غيظها :-
” هل إنتهيت ..؟!”
تراجعت الى الخلف قليلا فأكمل وهو يشير نحو الباب :-
” يمكنك أن تغادري الآن …”
إبتعدت خطوتين ونظراتها تكاد تحرقه حيا من شدة الغضب لتهمس من بين أسنانها :-
” ما بالك أنت يا هذا ..؟! من تظن نفسك ..؟! لماذا تتصرف وكأنك قديس ..؟!”
رد بجمود :-
” كلا انا لست قديسا .. بل على العكس تماما .. انا شخص مليء بالأخطاء …”
صمت قليلا ثم قال :-
” هل تعلمين إن أحد أعظم أخطائي التي إرتكبتها ولم أسامح نفسي عليها يوما ولن أفعل هو معاشرتي لإحدى العاهرات .. ”
شحبت ملامحها عندما أضاف بقوة :-
” كان خطئا جسيما لم ولن أسامح نفسي عليه ولا أنوي تكراره أبدا …”
أنهى كلماته وهو يشلمها بنظرة واضحة التفسير عندما تشنجت ملامحها بغضب شديد وقبل أن تنطق كانت حياة تطرق على الباب بخفة قبل أن تمد رأسها نحو الداخل وهي تنادي :-
” هل أنت هنا يا نديم ..؟!”
ليلتفت كلاهما نحوها بصدمة لم تقل عن صدمتها عندما رأتهما هي بدورها ..
ظلت واقفة مكانها للحظات تنظر إليهما بثبات غريب وملامحها صامتة تماما لا تظهر أي إنفعال كما هو متوقع ..
كلاهما كانا ينتظران ردة فعلها …
ماذي تتوق لردة فعل منطقية .. تريدها أن تغضب وتثور وتتهمه بالخيانة وستعزز هي ذلك وقتها وتنال مرادها …
اما نديم فكان يترقب .. ملامحه هادئة تماما .. عيناه ثابتتان … كل شيء به يتسم بالهدوء الظاهر وكأن وجود ماذي معه في شقته أمرا عاديا ..
كان يتقصد إظهار هذا … لن يسارع ويبرر او يشرح سيكتفي بهدوء تام وبساطة في التصرف لكن داخله هو ينتظر .. يترقب ويخشى من ردة فعل ستهدم رباطا آخرا بينهما ..
فلو ظنت حياة به السوء هذه المرة ستكون قتلت شيئا جديدا بينهما …
هو لن يتجاوز الجرح الذي سببته له بإصرارها على تركه دون تراجع أو تفكير كي يتقبل شكوكها به إو إتهامه بالخيانة ..
إذا فعلت هذا فستكون قضت على أهم شيء يشعر به نحوها ..
الإحترام والإعجاب وسيفهم حينها إنها لم تعرفه يوما .. لم تفهمه بما يكفي وربما لم تحبه أيضا كما تدعي وتعتقد هي ..!!
وأخيرا نطقت بهدوء بدا مترسخا في نبرة صوتها ونظرات عينيها العادتين تماما :-
” مرحبا ..”
أضافت وهي تشمل ماذي بنظراتها :-
” أهلا ماذي .. غريب .. ماذا تفعلين هنا ..؟!”
أضافت تبتسم بشكل بدا طبيعي جدا :-
” ألم تخبرك جينا إنني تركت الشقة هنا ..؟!”
تلعثمت ماذي للحظة وقد خاب ظنها تماما وهي التي كانت تنتظر ردة فعل معاكسة ..
سرعان ما سيطرت على تلعثمها وهي تجيب بنفس الإبتسامة التي تحمل خلفها طيا من الخبث شعرت به حياة لأول مرة :-
” أتيت لأتحدث مع نديم …”
أضافت وهي تلمس ذراعه بكفها :-
” شعرت إنه بحاجة الى الصحبة بعد إنفصالكما ..”
حافظت حياة على إبتسامتها وهدوئها :-
” لم لا ..؟! أمرٌ جيد .. جميعنا نحتاج الى الرفقة خاصة عندما نعايش فترات صعبة …”
أبعد نديم كف ماذي برفق كي لا يجذب إنتباه حياة وهو يردد ببرود متجاهلا قدوم حياة :-
” عن إذنكما .. لدي عمل هام يجب أن أنجزه ….”
أضاف وهو يشير الى حياة :-
” يجب أن أغادر الآن …”
لكنها قاطعته فورا :-
” نديم إنتظر لحظة …”
توقف مكانه دون أن ينظر نحوها فأشارت هي الى ماذي تمنحها إبتسامة باردة تماما هذه المرة :-
” يمكنك المغادرة أنت يا ماذي .. أريد التحدث مع نديم بأمور خاصة بيننا ..”
هزت ماذي رأسها بنفس البرود وهي تتحرك خارج الشقة دون أن تنبس بكلمة واحدة عندما نظر نديم أخيرا نحوها يسألها ببرود مقصود :-
” نعم ..؟!!”
سألته بتردد :-
” كيف حالك ..؟!”
رد بنبرة عادية :-
” جيد .. ”
تنحنت تهتف بحرج :-
” أتيت لجمع أغراضي و …”
قاطعها مدعيا عدم الإهتمام :-
” حسنا .. الشقة مفتوحة أمامك .. إفعلي ما تشائين …”
أضاف عن قصد :-
” حاولي ألا تتركي شيئا أبدا لإنني سأغادر الشقة خلال أيام …”
سألته بإهتمام :-
” لماذا ستترك الشقة ..؟!”
رد ببرود :-
” سأعود الى البلاد .. ”
كادت أن تخبره إنها ستفعل لكنها تراجعت وهي تكتفِ بهزة من رأسها عندما هم بالتحرك لتوقفه مجددا :-
” نديم …”
أخذ نفسا عميقا ثم إستدار نحوها يرمقها بعينيه وهو يسأل :-
” نعم يا حياة …؟!”
تسائلت بإرتباك:-
” متى أتت ماذي ..؟!”
رد بحزم :-
” منذ قليل ..”
أضاف وعيناه تنظران إلى عينيها بقوة :-
” إذا كان لديك أسئلة أخرى فلا داعي لطرحها لإنني لن أجيب عليها ..!!”
سألت بملامح شاحبة :-
” ماذا تعني ..؟! انا لا أفهم ..”
رد بتهكم :-
” انتِ تفهمين .. مثلما أنا أفهم عليك جيدا … أدرك ما يجول داخل عقلك وإلى أي منحنى تتجه أفكارك ورغم هذا فأنا لن أبرر ولن أشرح أي شيء لإنكِ لا تمتلكين الحق أساسا في الحصول على أية مبررات منتظرة …”
إحتقنت ملامحها وهي تهمس ببحة متألمة :-
” هل إنتيهت ..؟!”
لم يجبها بل بقي يتابعها بصمت عندما أضافت :-
” لا أحب طريقتك هذا .. لا تفرغ غضبك مني بهذه الطريقة ..”
هم بالتحدث فأوقفته بحزم :-
” لا تتحدث من فضلك .. لا تقل شيء يدمر ما بيننا أكثر …”
إبتسم هازئا وهو يقول :-
” لم يبقى بيننا شيئا سليما كي يُدمر ..”
إبتلعت غصتها وهي تهتف :-
” عليك أن تعلم إن سؤالي ليس للدافع الذي تعتقده أبدا .. انا أعلم إنك لست كذلك .. ”
تنهدت وهي تسترسل :-
” سألت فقط لإنني إستغربت وجودها بهذه السرعة فيبدو إنها سارعت تركض إليك ما إن علمت بأمر إنفصالنا …”
سألها عاقدا حاجبيه :-
” أنت من أخبرتها ، أليس كذلك ..؟!”
ردت بحذر :-
” ليس تماما .. كانت تتصل بي بإستمرار وانا لم يكن لدي مزاج يسمح للرد عليها فردت جينا عليها وأخبرتها بإختصار عما حدث ..”
أردفت بجدية :-
” توقعت إنها ستفعل ذلك ..”
نعم توقعت لا تنكر بعدما أخبرتها جينا عما شعرت به أثناء مكالمة ماذي ومعرفتها بخبر الإنفصال فأخذت تراجع تصرفات ماذي منذ البداية وتتذكر رأي نديم بها وضيقه من وجودها في حياتهما وما تبعه من ذلك حتى شعرت إن تلك الفتاة ليست لطيفة كما إعتقدت وقد أكدت لها رؤيتها اليوم شعورها هذا ..
” انا رغم كل شيء حدث بيننا أثق بك .. أعلم إنك لست من هذا النوع ولن تكون ..”
” أي نوع …؟!”
سألها وهو يلوي فمه بتهكم لاذع لترد بجدية متجاهلة تهكمه :-
” يعني انت لا تركض خلف النساء ولا تسارع لرمي نفسك بين أحضان أول أنثى تطرق بابك … لست من النوع الذي ينجرف في علاقات عابرة مع ماذي او غيرها … انت لست هكذا أبدا …”
قال بجمود :-
” من الجيد إنكِ ترين بي صفة جيدة كهذه …”
قالت بصدق وعيناها لمعتا بعشق يحتل كل إنش من خلاياها :-
” انت مليء بالصفات الجيدة … انت رجل رائع وأقرب للمثالي …”
همس وهو يمنحها نظرات لائمة :-
” و لهذا تركتني …؟!”
ردت بألم نبع من عينيها البنيتين :-
” ربما المشكلة تكمن بي … الخلل عندي وليس عندك … ”
ردد بقسوة :-
” نعم ، ربما هكذا بالفعل …”
هزت رأسها تبتلع دموعها التي كانت على وشك الهطول عندما هتفت مغيرة الموضوع :-
” ماذي رهيبة .. لم تنتظر يومين حتى على مغادرتي الشقة لتأتيك راكضة ..”
هتف يقلدها بتهكم :-
“لماذا تقولين هذا ..؟! إنها فتاة مسكينة حقا وليست سيئة كما تبدو …!!”
منحته نظرة جامدة وهي تردد:-
” أخطأت في ذلك … جل من لا يُخطئ…”
هتف ببرود :-
” معك حق .. الجميع يخطئ دون إستثناء .. ”
أضاف يبتسم بإقتضاب :-
” من الجيد أدركت خطئك أخيرا عسى ولعل تدركين البقية …”
أكمل يرمقها بثبات ونظرات مقصودة تماما :-
” لكن إنتبهي .. هناك أخطاء لا يمكن تصحيحها بسهولة .. لذا كوني حذرة وأنت ترتكبين أخطائك القادمة يا حياة ..!!”
رمشت بعينيها وهي تردد :-
” اخطائي القادمة ..؟!! لن يكون هناك أخطاء قادمة بإذن الله ..”
أضافت تسأله :-
” هل ستعود الى البلاد حقا ..؟!”
اومأ برأسه وهو يجيب :-
” نعم ، سأعود خلال أيام كما ذكرت منذ قليل .. ”
هزت رأسها بتفهم ليضيف بجدية :-
” هل يمكنني المغادرة الآن أم إن هناك شيئا أخر ..؟!”
نظرت إليه للحظات قبل أن تهز رأسها نفيا عندما هم بالمغادرة لتنادي عليه فيتوقف للحظات قبل أن ينظر نحوها فتهمس بنبرة ضعيفة :-
” انا أيضا سأعود الى البلاد قريبا جدا …”
تلاقت نظراتهما للحظات … لحظات قليلة قطعها وهو يبعد عينيه عن عينيها ويكتفي بإيماءة مختصرة من رأسه وهو يغادر الشقة لتبقى هي وحدها في أركان الشقة التي عاشت بها معه لشهور قليلة تدرك جيدا إنها لن تنساها أبدا وستبقى مطبوعة في قلبها وذاكرتها الى الأبد …!!
……………………………………………………..
لحظات قليلة تبعت تلك الصفعة عندما إنطلق مهند خارجا من القصر بأكمله بسرعة شديدة …
اتجه نحو سيارته وحركها متجها خارج القصر يسير بأقصى سرعته دون توقف ودون وجهة محددة …
كان يضغط بأنامله على مقود سيارته بينما عيناه حمراوين تماما وتلك الدموع التي تشكلت بهما بدأت تغشيهما مما أجبره على التوقف جانبا ليغمض عينيه بقوة شديدة بينما أخذ صدره يعلو ويهبط بشدة جعلته يشعر إنه سيفقد حياته من شدة غضبه وقهره وإنفعاله …
فتح باب سيارته وإندفع خارجا منه عندما أخذ يركلها بقدمه وصوت صياحه الذي بدا كزئير أسد محبوس في حفرة مظلمة ضئيلة جدا تصاعد مصاحبا لركلاته التي لن يتوقف عنها حتى شعر بالألم يغزو قدمه بفعل الضربات الشديدة ليبتعد عدة خطوات متكئا على قدميه بإنهاك وأنفاسه عادت تعلو وتهبط دون توقف …
كان يود أن يصرخ بصوت أعلى .. يود أن يصيح ويصيح دون توقف ..
كان يود أن يبكي .. أن يفرغ تلك الطاقة المليئة بالتعب والوجع داخله ..
لمَ كل شيء حوله يزداد تعقيدا مع مرور الوقت ..؟؟
إلى متى سيبقى يدفع ثمن أخطائه السابقة ..؟!
هو أخطأ كثيرا ويعترف بهذا …
لكن ما يحدث معه يفوق قدرته على التحمل …
بعد كل ما مر به وبعدما بدأ يستشعر اخطائه التي إرتكبها في حق نفسه قبل الجميع جاء هذا الخبر كصفعة مدوية فوق وجهه تخبره إنه لا أمل له بالتحرر من ذنوب الماضي ولا مجال للعودة عن الطريق الذي سلكه …
هو الذي شعر برغبة شديدة في التراجع .. التوقف عن تلك الأفكار المسمومة التي لم يزرعها سواه في رأسه .. النظر بشكل أكثر عمقا و جدية لجميع من حوله…
هو الذي كان ينوي أن يفتح صفحة جديدة في حياته … يتحرر من قيود الماضي التي كبل هو بها نفسه لا أحد غيره .. أن يدرك قيمة ما لديه وأن يوازن بين رغباته المجنونة وواقعه ..
كل ما أراده وما خطط له ذهب سدى ….
جيلان تحمل طفله …
طفلا أتى نتيجة فعلته المتهورة … تصرفا أرعنا يشابه جميع تصرفاته التي إرتكبها طوال السنوات الماضية ..
لكن هذه المرة الوضع يختلف .. تصرفه هذا لا علاج له وخطأه لا يمكن تخطيه أبدا ..
هناك طفل آتٍ في الطريق … طفل جاء نتيجة غبائه وغروره الذي جعله ينال جيلان قسرا ليس لرغبة فيها بل لأجل إثبات حقيقة معينة يستغلها ضدها وضد شقيقها ليسقط هو في النهاية في بئر عميق مظلم تماما نتيجة تصرفه وطيشه ..
ماذا سيحدث الأن ..؟!
هل سينجب طفلا حقا ..؟! ومِن جيلان ..؟؟ جيلان بحق الله ..!!
سيصبح أبا لطفلا من فتاة صغيرة قاصر لم تبلغ سن الرشد بعد ..
مراهقة لا يعلم عنها شيئا سوى إنه تزوجها لفترة قصيرة مضطرا ليس إلا ..
أي حظ عاثر يمتلك ليتورط في ورطة كهذه وأي مصيبة تلك التي وقع بها ..؟!
مسح على وجهه متجاهلا التعب الذي يكاد يفتك بكل جزء من جسده عندما توجه نحو سيارته يجر أذيال خيبته خلفه فصعد في مقعده الأمامي ليتأمل ملامح وجهه المنهكة عندما وقع بصره لا إراديا فوق جانب وجهه الذي صفعه شقيقه بقوة جرحته في الصميم ..
أغمض عينيه بقهر مفكرا إن هذه الصفعة أعادت كل شيء بينهما كما كان حيث نقطة الصفر..
هذه الصفعة صنعت شرخا جديدا بينهما وهو الذي كان يعتقد إن الشرخ القديم بدأ يلتئم أخيرا …
اما في قصر الهاشمي ..
أخذت همسة تتابع زوجها وهو يسير داخل غرفة نومهما في جناحهما الضخم ذهابا وإيابا بملامح شديدة الغضب بينما أخذ السباب ينطلق منه دون توقف ..
لا تتذكر إنها رأته يوما على هذه الحالة من الغضب وفقدان السيطرة على أعصابه ..
لطالما كان جامدا صلبا لا يظهر غضبه لكن اليوم بدا منفعلا بشكل مخيف …
شهقت بصمت عندما حمل أحد عطوره الثمينة ورماه أرضا لتنتفض من مكانها تتقدم نحوه تهتف بفزع :-
” توقف يا راغب بالله عليك ..”
أضافت بتوسل :-
” اهدأ من فضلك وحاول أن تفكر وتجد حلا و ..”
قاطعها بإنفعال ؛-
” أي حل بالله عليك ..؟! من أين سأجد حلا ..؟! الفتاة حامل .. حامل منذ مدة ونحن لا نعلم شيئا … ”
أضاف بغضب مخيف :-
” اللعنة عليك يا مهند .. اللعنة عليك أيها الغبي .. إلى متى سأتحمل أخطائك الغبية ..؟! كيف سأصحح خطئك اللعين هذه المرة ..؟!”
عقدت ذراعيها أمام صدرها بملامح يائسة بينما أخذ هو يسير ذهابا وإيابا وعقله لا يسعه التفكير مما ينتظرهم …
” ماذا سأقول لوالدي والأهم ماذا سنقول لعمار الخولي وكيف سنتعامل مع ردة فعله حينها ..؟!”
تملكها القلق بينما أضاف وهو يكز على أسنانه :-
” بسببه أصبحت في موقف غبي كهذا .. موقف لم أمر به طوال حياتي .. لأول مرة في حياتي يفعل أحدهم بي هذا .. انا منحت كلمتي لعمار والآن سأبدو ضعيفا غبيا فشلت في الحفاظ على كلمتي ووعدي له .. ”
أضاف يهمس بتوعد مجنون :-
” بسبب شقيقي الأحمق حدث كل هذا .. بسببه هو .. الغبي .. جعلني أبدو كالأبله امام ذلك الحقير .. نكس رأسي أمام عمار بل أمام الجميع ..”
قالت همسة بخفوت سمعه :-
” انت ايضا تتحمل المسؤولية يا راغب وليس مهند وحده ..”
نظر إليها بعينين مشتعلتين عندما إسترسلت بشجاعة :-
” كان عليك أن تتوقع حدوث شيء كهذا عندما قررت تزويج جيلان من مهند بل وأصريت على أن تبقى جيلان معه في جناحه .. ماذا كنت تنتظر ..؟! هل تعتقد إن مهند قديس مثلا ..؟!”
أضاف وهي تهز كتفيها :-
” برأيي انت وعمار من تتحملان المسؤولية أولا قبل مهند نفسه حتى .. انت من خططت لهذه الزيجة وعمار من وافقك عليها .. أنتما ألقيتما بالفتاة المسكينة يين أحضان مهند دون تفكير في عمرها الصغير ولا وضع مهند نفسه بينما مهند وافق مجبرا وجميعا نعلم ذلك وجيلان لا حول لها ولا قوة ولم تكن تعلم أساسا بما يحدث …”
هتف بعصبية مكتومة :-
” هل هذا الكلام المناسب برأيك ..؟! هل هذا ما يفترض أن تقولينه وانا في حالة كهذه ..؟!”
قالت بجدية :-
” أنا أقول الحقيقة فقط .. ”
أكملت وهي تتنهد :-
” حاول أن تهدأ يا راغب وتفكر جيدا … لقد حدث ما حدث .. لا حل آخر أمامنا سوى القبول بالأمر الواقع ..”
أضافت والقلق يساورها اتجاه مهند الذي غادر القصر منفعلا :-
” انا قلقة على مهند بشدة .. لم يكن عليك أن تصفعه هكذا يا راغب ..؟! إلى أين سيكون ذهب ومتى سيعود ..؟!”
رد بغضب :-
” إلى الجحيم .. ذهب الى الجحيم يا همسة …”
منحته نظرات لائمة عندما هتف بها بصرامة :-
” برأيي الأفضل أن تنامي وتتركيني لوحدي فأنا لا ينقصني سوى تأنيبك ولومك الآن …”
همست بجمود :-
” كيف سأنام وأنت تتجول في الغرفة ذهابا وإيابا دون توقف ولا تتوقف عن إطلاق الشتائم والسباب ..؟!”
منحها نظرة قاتمة وهو يسحب هاتفه من فوق الطاولة جانبها يخبرها :-
” سأترك الجناح بأكمله لك يا همسة .. فلتهنئي بنومك من فضلك ..”
ثم إندفع خارج الجناح لتتأمل خروجه المندفع بعصبية شديدة بضيق قبل أن تتنهد بتعب وقد ضغطت عليها أحداث الليلة بشدة ..
…………………………………………………
هتف أخيرا وكأنه إستوعب وجودها أمامه :-
” ماما .. ماذا تفعلين هنا ..؟!”
هتفت والدته ببرود وهي تتجه بأنظارها نحو حنين التي تقف جانبه :-
” هل هذه الطريقة المناسبة لتستقبل بها والدتك يا نضال ..؟!”
هتف كرم مقررا الإنسحاب بعدما شعر بتوتر الأجواء حوله :-
” حسنا .. لأغادر أنا الآن أفضل .. عن إذنكم ..”
لكنه توقف وهو يستمع الى سؤال إنتصار المهتم :-
” أنت كرم أليس كذلك ..؟!”
رد كرم بعدما أوما برأسه :-
” نعم يا هانم .. سعدت بلقائك ..”
سألته بإهتمام كاذب :-
” كيف حالي والدتك تهاني …؟!”
رد وهو يرمقها بهدوء :-
” بخير الحمد لله …”
إنتقلت بأنظارها نحو حنين تتأملها قليلا قبل أن تهتف بإبتسامة خفيفة ساخرة :-
” أختك كبرت يا نضال …”
إحتقنت ملامح حنين قليلا عندما إسترسلت إنتصار ببرود:-
” أين والدتك يا صغيرة ..؟! أليس من المفترض أن تتواجد لإستقبال ضيوفها ..؟!”
همت حنين بالرد لكن صوت نضال الصارم جعلها تتراجع وهو يخبرها :-
” أوصلي كرم الى الخارج بنفسك يا حنين … ”
فهمت حنين إنه يصرفها بطريقة غير مباشرة عندما أشار كرم لها بعينيه كي يغادران تتبعها أنظار زوجات أبيها والتي بالرغم من سكونها تحمل حقدا دفينا واضحا …
خرجت حنين بجانب كرم عندما توقفا قريب الباب لتهتف هي بجدية :-
” أعتذر عن الموقف الذي حدث بالداخل وأيضا أعتذر نيابة عن نضال وطريقة حديثه معك .. هو فقط كان غاضبا قليلا قبل مجيئك ..”
هز رأسه مغمغما بصدق :-
” لا داعي للإعتذار يا حنين .. أتفهم موقفه ..”
نظرت له بإستغراب عندما تدراك حديثه فقال وهو يبتسم لها بجدية :-
” على العموم يجب أن أغادر . سآتي مجددا لتوديع عمي …”
سألته بإهتمام :-
” ماذا كنت تريد أن تقول لي ..؟!”
رد بسرعة بديهية :-
” أبدا .. فقط كنت سأخبرك إنني جاهز لمساعدتك إذا ما أردتِ الدراسة في الخارج ..”
إبتسمت تردد بإمتنان :-
” شكرا يا كرم ولكنني سأداوم هنا في احدى الجامعات الخاصة .. لقد تم قبولي رسميا وسأبدأ دوامي بها قريبا ..”
سألها بإهتمام :-
” حقا وماذا ستدرسين..؟!”
رد بجدية :-
” العلوم .. علوم الكيمياء ..”
قال مشجعا :-
” تخصص جميل ومهم ..”
بادلته إبتسامته بأخرى خجول عندما تنهد وهو يقول :-
” حسنا ، هل تودين شيئا مني قبل مغادرتي ..؟!”
هزت رأسها نفيا وهي تقول :-
” أبدا .. يمكنك الذهاب …”
هز رأسه وهو يتمتم :-
” مع السلامة …”
ردت تحيته بخفوت عندما تحرك مغادرا فأخذت هي تتابعه حتى صعد سيارته لتستدير نحو الخلف وهي تضع كف يدها على خافقها الذي أخذ ينتفض داخل أضلعها بعنف بينما بقي هو ساكنا مكانه يتأملها للحظات وهو يلعن غبائه الذي جعله يفكر في التحدث معها بموضوع حساس كهذا …
حديثه كان سيجرحها أكثر فهي لن تتفهم سببه ولن تستوعب مقصده الحقيقي ..
أشار لنفسه قائلا :-
” سوف تكبر وتفهم يا كرم .. هي ما زالت صغيرة .. عندما تكبر ستفهم إن مشاعرها كانت مجرد مشاعر مراهقة كاذبة مندفعة ليس إلا …”
ثم سحب هاتفه من جيبه يتأمل صورته هو وحبيبته التي تحتل الشاشة فيزفر بضيق وهو يتذكر شبه إنعدام التواصل بينهما منذ عودتهما الى البلاد فهي دائما منشغلة إما مع شقيقتها أو في الخارج مع توليب وفيصل أبناء خالتها او مع صديقاتها القدامى وغيرها من أشياء تسردها بإختصار عليه تبرر من خلال ذلك سبب إنشغالها الدائم عنه منذ وصولها الى البلاد ..
نقر على حروف الشاشة المضيئة يرسل لها :-
” إشتقت لك يا هالة …”
ثم ضغط على زر الإرسال وأغلق هاتفه وهو يتنهد بملل بينما قلبه يشتاق لها بشدة فيخبر نفسه إنه لم يتبقَ سوى بضعة أيام ويعودان الى أمريكا ويقضيان أغلب أوقاتهما سويا ..
……………………………………………………….
تقدم نضال نحو والدته يتسائل بحنق :-
” مالذي أتى بك الى هنا ..؟!”
سألته ببرود :-
” وهل هناك ما يمنعني من ذلك ..؟!”
أضافت عن قصد :-
” أم إن زوجة والدك ترفض وجودي هنا ..؟!”
زفر مرددا بضجر :-
” ما علاقة هذا الآن ..؟! انا اتسائل بوضوح فأجيبي بنفس الوضوح ، ماذا تفعلين هنا ..؟!”
ردت بقوة :-
” أتيت لأجلك بعدما تركتني وسافرت بل وتجاهلت إتصالاتي طوال المدة السابقة …”
هتف بسخرية متعمدة ؛-
” حقا ..؟! وما المشكلة في ذلك ..؟! قررت أن أفسح لك المجال لتقضي وقتك كاملا مع زوجك …”
” لا تتواقح ..”
قالتها بجزم وهي تضيف :-
” توقف عن التحدث معي بهذه الطريقة ..!!”
” آية طريقة …؟!”
سألها بإستفزاز لترد بجدية :-
” وكأنني إرتكبت جرما عظيما ..”
هز رأسه يردد بنفي :
” كلا ، من قال هذا لا سامح الله ..؟! انت لم ترتكبي جرما أبدا .. انتِ فقط تصرفتِ بشكل يصعب علي تقبله لذا أنا قررت الإنسحاب من حياتك بعد قرارك الأخير فعلام تلومينني بالضبط ولماذا أتيت هنا أساسا ..؟!”
هتقت بعدم تصديق :-
” أنت تنوي مقاطعتي حقا ..؟! تنوي أن تتركني للأبد .. وأنا التي فنيت حياتها لأجلك .. أنا التي ضحت بسنوات عمرها لأجلك ..”
هدر ببرود :-
” حسنا توقفي عن هذه المناحة .. طريقتك هذه لم تعد تجدي نفعا معي .. غادري من هنا بسرعة ولا تعودي مجددا .. إذهبي لزوجك …”
قبضت على ذراعه تصيح به :-
” إنتبه على حديثك يا نضال .. انا والدتك .. لا يحق لك أن تتحدث معي بهذه الطريقة ..”
أضافت بقوة :-
” انت في الثلاثين من عمرك يا هذا .. لست صغيرا لكي لا تفهم كيف يجب أن تتحدث مع والدتك وتحترمها..!!”
ضحك مرغما وهو يردد :-
” حقا ..؟! الآن تذكرتِ إنني في الثلاثين من عمري ..!! لماذا لم تتذكري هذا وأنت تتزوجين مجددا وأنا في هذا العمر دون مراعاة لي ولمظهري أمام الجميع …؟!”
” ما به مظهرك .. لم أفعل شيئا حراما .. لقد تزوجت على سنة الله ورسوله ..!!”
قالتها بعناد ليرد ببرود :-
” حسنا هنيئا لك .. لكن عن نفسي لا يمكنني تقبل هذا .. انت حرة في قرارك لكن لا تنتظري مني تقبله او التعامل معه ولا يمكنكِ إجباري على هذا …”
صاحت بعدم تصديق
” أنا أمك يا هذا .. انت مجبور أن تتعامل معي وتحترمي وترعاني ..”
هتف ببرود متأصل به :-
” بالله عليك لا تفعلي هذا .. هل تظنين إن حديثك هذا سيؤثر بي حقا ..؟! ”
توقف عن حديثه عندما وجد والده يهبط درجات السلم متقدما نحويهما برزانة بينما كانت حنين ما زالت في الخارج تمتنع عن الدخول حتى تغادر والدة نضال فهي لا تريد أن تختلط بها بأي شكل من الأشكال ..
” اهلا إنتصار ..”
قالها والده محييا والدته برزانة لتبتسم إنتصار بسخرية وهي تردد :-
” أهلا أشرف ..”
أضافت وهي تتأمله عن كثب :-
” أصبحت عجوزا …”
هتف ببرود :-
” ماذا تتوقعين بعد كل هذه السنوات مثلا …؟! هل سأبقى شابا كما أنا … ؟! ”
هتفت بإستهزاء :-
” بالطبع لا .. لكن هذا لا يعني أن تبدو أكبر من عمرك بعقدين وأكثر ..”
قال ببرود مستمر :-
” تركت الشباب والجمال لك يا إنتصار ..”
هتفت بغرور متأصل بها :-
” بالطبع عزيزي .. كنت ولا زلت الأجمل والأصغر ..”
إستغفر نضال داخله محاولة السيطرة على غضبه من تصرفات والدته التي إستطردت تتسائل :-
” أين زوجتك يا أشرف ..؟! أليس من المفترض أن تسارع لإستقبال ضيوفها كأي سيدة مجتمع راقي ..؟! أم إنها لا ترغب برؤيتي هنا …”
هم نضال بالرد لكنه والده أوقفه بنظرات حازمة وهو يخبرها بصبر طويل :-
” أحلام ليست هنا .. هي مسافرة ..”
همست بتهكم تدعي التصديق :-
” صدقت.. صدقت …”
زفر نضال أنفاسه بعصبية بينما هتف أشرف بدبلوماسية :-
” تفضلي يا إنتصار .. لا يجوز أن تبقي واقفة هنا …”
همست ببرود :-
” وأخيرا قال أحدكم كلمة منطقية في هذا المنزل ..”
ثم تحركت بغرور الى الداخل ليأمر أشرف ولده :-
” إذهب خلف والدتك وانا سأذهب وأرى أين ذهبت أختك وآتي فورا ..”
ثم تحرك الى الخارج ليجد حنين تقف في الحديقة تقلب في هاتفها عندما نادى عليها فسارعت تركض نحوه ليسألها :-
” لماذا تقفين في الخارج يا حنين ..؟!”
ردت تبتسم كاذبة :-
” أبدا .. ودعت كرم .. ثم إنشغلت في التحدث مع صديقتي ..”
سألها والدها مدهوشا :-
” متى أتى كرم ومتى غادر ..؟!”
ردت بجدية :-
” أتى لتوديعك قبل سفره لكنه غادر عندما أتت والدة نضال وقال إنه سيأتي مجددا ويودعك قبل سفره ..”
” حسنا ، تعالي الى الداخل ..”
سألته بحذر :-
” هل والدة نضال ستبقى هنا ..؟!”
سألها بجدية :-
” هل أزعتجك بشيء يا حنين ..؟!”
ردت بسرعة :-
” أبدا .. مجرد إستفسار ليس إلا ..”
تنهد وهو يقول :-
” هي ضيفة في منزل وعلينا أن نضيفها بأفضل طريقة ..”
أضاف وهو يربت على وجنتها بحنو :-
” وبما إن والدتك ليس هنا فأنتِ ستتولين مهمة ضيافتها ..”
” أنا ..؟!!!”
قالتها بعدم تصديق ليهز رأسه وهو يقول :-
” بالطبع يا حنين … لقد كبرت وآن الآوان لتتعلمي الأصول والواجبات …”
هزت رأسها وهي تردد على مضض :-
” حسنا …”
ثم دلفا الى الداخل لتتجه حنين الى المطبخ تطلب من الخادمة تجهيز الضيافة بينما عاد أشرف الى صالة الجلوس ليجد نضال يتأمل والدته التي تجلس بتفاخر كعادتها بوجوم شديد ..
تقدم أشرف وجلس قبالتها يتسائل :-
” كيف حالك يا إنتصار ..؟!”
ردت إنتصار وهي تضع قدما فوق الأخرى :-
” بأحسن حال كما ترى ..”
أضافت وهي تنظر الى نضال :-
” أتيت لرؤية إبني الذي لم يرفع سماعة الهاتف ويتصل بي منذ عودته الى هنا ..”
قال أشرف بحيادية :-
” إعذريه يا إنتصار .. ربما كان مشغولا …”
قالت بعدم تصديق :-
” مشغول عن والدته …”
تدخل نضال مرددا من بين أسنانه :-
” أخبرتك إنني لا أريد التواصل معك بعد الآن…”
قاطعه أشرف بحزم :-
” توقف يا نضال .. لا يجوز أن تتحدث بهذا الإسلوب مع والدتك ..”
لوت إنتصار فمها تردد بسخرية متعمدة :-
” ونعم التربية يا نضال .. تتجاهلني وتقرر مقاطعتي ثم ترفع صوتك علي .. لم يتبقَ سوى أنت تضربني …”
” إنتصار من فضلك ..”
قالها أشرف بتنبيه لتهز كتفيها وهي تردد :-
” ماذا قلت الآن ..؟! هل أخطأت ..؟! ماذا تفسر تصرفاته هذه ..؟! أنت فشلت في تربية ابنك .. ابنك الذي يتجاوز حدوده مع والدته ..”
هتف نضال ببرود :-
” ولماذا لم تنجحي أنتِ في إصلاح فشله في تربيتي وأنا أُقيم معك منذ إثني عشر عاما ..”
هدر أشرف بحزم :-
” يكفي توقفا .. ما هذه الطريقة ..”
همت إنتصار بالحديث لكنها تراجعت وهي ترى حنين تتقدم أمام الخادمة التي تحمل الضيافة لتزم شفتيها بعبوس عندما إبتسمت لها حنين تردد :-
” مرحبا بك يا هانم ..”
بالكاد ردت إنتصار بنبرة شديدة الإقتضاب :-
” أهلا ..”
” تعالي يا حنين … إجلسي جانبي ..”
قالها أشرف وهو يشير الى المكان جانبه عندما تقدمت حنين وجلست جانبه لتتأملهما إنتصار للحظات قبل أن تتمتم :-
” إبنتك كبرت وأصبحت شابة جميلة يا أشرف ..”
ابتسم أشرف وهو يربت على كتف حنين :-
” هل رأيت يا إنتصار ..؟! الأولاد كبروا ..!!”
مطت شفتيها وهي تضيف :-
” لكنها ليست جميلة بالقدر الذي توقعته ..”
منحها نضال نظرات نارية لتكمل تدعي العفوية :-
” انا لم اقصد .. هي بالطبع جميلة .. لكنها لم ترث شقارك وعيونك الملونة كنضال .. تشبه والدتها كثيرا ..”
هم أشرف بالرد لكن حنين سبقته وهي تهتف بإبتسامة واثقة :-
” معك حق .. انا لم أرث ملامح بابا لكنني ورثت صفاته … كما إنني محظوظة لذلك لإنني لا أحب العيون الملونة والشعر الأشقر عموما .. لكن بابا ونضال إستثناء لذلك بالطبع ..”
أنهت جملتها الأخيرة وهي تنهض من مكانها تضيف :-
” عن إذنكم .. يجب أن أذهب الى غرفتي الآن
…”
ثم تحركت بخفة خارج المكان ليهتف نضال بوالدتها :-
” ما هذا الذي تفعلينه بالضبط ..؟!”
” لم أفعل شيئا ..”
أضافت وهي تنظر إليه :-
“أنا باقية هنا لبضعة أيام .. يجب أن نتحدث يا نضال ..”
أضاف وهي ترمق أشرف عن قصد :-
” أنتظرك غدا في الفندق الذي أقيم به كي نتحدث على إنفراد …”
ثم غادرت المكان ليهتف نضال بعصبية :-
” طالما تريد أن نتحدث على إنفراد، لماذا أتت هنا وتصرفت بهذه الطريقة ..؟!”
هتف والده وهو ينهض من مكانه ويتقدم نحوها يربت على كتفه :-
” لا بأس يا نضال … اهدأ يا بني …”
منح والدته نظرة صامته للحظات قبل أن يتحرك منفعلا نحو غرفته في الطابق العلوي تاركا والدته يضرب يده كفا بكفا وهو يردد :-
” أتمنى أن تنتهي زيارتك على خير يا إنتصار دون مشاكل كالعادة ..”
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سارة علي
خرجت بإنفعال الى الحديقة تهم بالمغادرة عندما فوجئت به ينتظرها في نفس المكان لترفع حاجبها بتساؤل فيخبرها دون أن يتقدم نحوها :-
” تأخرتِ قليلا لكن لا بأس …”
سألت وهي تسير نحوه :-
” علام تأخرت ..؟! لا أفهم مقصدك ..”
إبتسم بسخرية مرددا :-
” سنغادر سويا …”
قاطعته بجدية :-
” أنا سأغادر لوحدي كما أتيت .. وأنت يمكنك أن تغادر ..”
هتف بصلابة :-
” ستغادرين معي يا حياة …”
تمتمت بعناد :-
” وأنا لا أريد أن أغادر معك …”
توقفت وهي ترى نظراته تتجه خلفها لتستدير فترى ماذي تتقدم نحوهما وهي تهمس بتشتت :-
” حياة توقفي لحظة ..”
لكن حياة باغتتها وهي تجذب نديم من ذراعه :-
” لنغادر هيا ..”
” حياة ارجوكِ .. فقط إسمعيني ..”
قالتها ماذي برجاء صادق ليتسائل نديم بجدية :-
” ماذا يحدث بينكما …؟!”
لكن حياة صاحت بها بطريقة جعلت نديم نفسه يجفل من عصبيتها الغير مبررة :-
” إخرسي ولا تتحدثي ولا أريد رؤية وجهك مرة أخرى ..”
أكملت من بين أسنانها وهي تتقدم نحوها بشراسة محررة ذراع نديم من قبضتها :-
” إبتعدي عنا …”
إبتلعت ماذي دموعها التي كانت على وشك الهطول وهي تردد :-
” حسنا سأبتعد .. لن أقترب منكما مجددا .. هذا وعد ..”
ثم نظرت الى نديم الذي يتابع الموقف بجبين متغضن فقالت قبل أن تغادر المكان :-
” أنت لديك زوجة رائعة .. تعشقك بجنون .. تفعل أي شيء لأجلك .. أنت محظوظ بها حقا .. حافظ عليها يا نديم ..!!”
ثم غادرت تاركة حياة تتابعها بملامح حانقة وهي لم تصدق تلك البراءة المفاجئة التي هطلت عليها وحديثها الأخير ..!!
بينما تابعها نديم وهي تغادر بملامح مدهوشة متسائلا عما حدث وجعل ماذي تتحدث هكذا وتنطق بجملتها الأخيرة والغريب إنه رغم كرهه لها إلا إنه شعر بصدق إعتذارها وما تبعه من كلمات نابعة من أعماقها ..
” ماذا حدث يا حياة ..؟!”
نطق بها أخيرا يقطع بها شرود حياة التي إستدارت نحوه تهمس بغموض :-
” سأخبرك ولكن ليس هنا ..”
عقد ذراعيه أمام صدره يسألها :-
” أين إذا ..؟!”
أجابت بتردد وهي تدرك إن مواجهة كهذه لا يمكن أن تتم في مكان عام :-
” في شقتك ..”
رفع حاجبه مرددا بسخرية متعمدة :-
” منذ قليل كنتِ ترفضين المغادرة معي حتى والآن تطلبين مني التحدث في شقتنا ..”
وأكد على لفظ ” شقتنا ” لتهمس بنفس الخفوت :-
” هناك شيء مهم يجب أن تعرفه والأفضل أن نتحدث هناك ..”
إضطر ألا يقول شيئا آخر وملامحها كانت جادة تماما وبها لمحة من التوتر فهز رأسه موافقا وهو يطلب منها أن ترافقه حيث وضع سيارته ..
ركبت جانبه وشغل هو سيارته ثم بدأ في القيادة متجها الى الشقة عندما وصلا أخيرا الى هناك ..
هبط كلاهما من السيارة وصعدا الى الشقة عندما فتح نديم الباب وأفسح لها المجال لتدخل فولجت الى الداخل بتردد و عيناها تتأملان المكان بتوتر ملحوظ أزاحه وهو يسألها بينما يلقي مفاتيحه فوق الطاولة التي تتوسط المكان :-
” أخبريني إذا .. ماذا كنتِ تريدين إخباري ..؟؟”
نزعت حقيبتها ووضعتها على الكرسي جانبها ثم نظرت له بتردد قبل أن تتحدث :-
” ماذي ..”
زفر أنفاسه وهو يردد بضيق يسيطر عليه لا إراديا عندما تذكر إسم تلك الفتاة :-
” ما بها ماذي هانم ..؟!”
أخفضت عينيها من مواجهة عينيه تردد بخفوت خجل :-
” كان معك حق بشأنها .. هي ليست فتاة جيدة ودخولها حياتنا لم يكن عبثا …”
سألها نديم وهو يتقدم نحوها بتروي مصطنع :-
” الجملة الأولى فهمتها ولكن ماذا تقصدين بإن دخولها حياتنا لم يكن عبثا ..؟!”
رفعت عينيها المرتبكتين نحوه تحاول ترتيب حديثها لكنها لم تعرف كيف تفعل ذلك فوجدت نفسها تخبره بعدما أخذت نفسا صامتا :-
” ماذي تلك … ”
صمتت لتجد التساؤلات والشكوك بلغت ذروتها في عينيه فتضيف بنفس الخفوت الذي صاحب حديثها من البداية :-
” ماذي من طرف عمار يا نديم …”
ورغم شكوكه حولها منذ أول لقاء وقلقه من وجودها في حياته لكن إدراك حقيقة هذا كان وضعا مختلفا تماما …
نعم كان يشك منذ البداية .. يشعر بوجود خطب ما ورغم هذا عندما تأكد حدسه وما شعر به نحو الفتاة شعر بصفعة قوية تدوي فوق وجهه من جديد ..
……………………………………………
كان يعتصر هاتفه بعصبية وعيناه تطلقان شرارات نارية مخيفة ..
لقد كشفته .. كشفت خطته بسهولة …
تلك البلهاء .. تلقي على مسامعه حكم فارغة … تسخر منه وتتوعده ..
اللعنة عليك يا نديم .. اللعنة عليك وعلى كل من يقف خلفك ..
إبتسم ساخرا من نفسه وهو يرى نفس الموقف يتكرر بإختلاف الأشخاص ..
سابقا ليلى والآن حياة …
ونفس الشخص يجمع كلتيهما …
نفس العشق والدفاع والتوعد والقتال لأجله هو …
كان يظن إن ضياع ليلى منه سيحطمه دون رحمة ويقضي على جميع آماله ..
كان يظن إن حكايته ستنتهي الى هنا فيعيش حبيس ظلماته كما تمنى هو دائما ..
لكن تلك الفتاة ظهرت من العدم ..
أتت ودمرت مخططاته ..
دمرت ما خطط له ونفذه بحرفية عالية ونجح فيه وكان سيستمر في نجاحه لولا دخولها هي في المعادلة ..
دخول لم يخطر على باله ..
الحمقاء الصغيرة التي إخترقت ظلام أخيه وعالمه المعتم لتجذبه نحو عالم جديد ومختلف فيه أمل ورجاء .. عالم فيه حياة …!!
تلك الغبية تتمسك به بكل قوتها .. تدافع عنه بكل ما تملكه من شراسة … تفديه بروحها إذا إقتضى الأمر ..
تفعل كل هذا لأجل شخص بات لا يساوي شيئا ..
شخص وضعه هو على الهامش بعدما نزع كافة أسلحته منه ..
ورغم كل هذا تتمسك به وتحبه وتناضل لأجله كما فعلت من سبقتها ..
غمغم بحقد :-
” اللعنة عليك يا حياة … واللعنة عليك أنت أيضا يا ليلى .. وأنا من ظننت إن كل شيء إنتهى بفراقكما لتأتي تلك الصغيرة وتدمر جميع مخططاتي …”
زفر أنفاسه بغيظ وعقله يستعيد كلماتها فيبتسم ساخرا مرددا بتهكم :-
” شعارات المثالية الزائفة وكلام فارغ لا أساس له …”
توقف عن أفكاره وهو يراها تتقدم نحوه .. ترتدي روبا محتشما يغطي معظم جسدها تتأمله بصمت إمتد للحظات قبل أن تهتف :-
” عمار ..!!”
نظر لها مرددا ببرود :-
” نعم …”
سألته بتردد :-
” هل أنت بخير ..؟!”
رد بتهكم خفي :-
” بخير جدا …”
أضاف وهو يتقدم نحو علبة المشروب الكحولي يصب لنفسه منها :-
” ولكن غريب .. مالذي أخرجك من غرفتك التي تعتزلين فيها منذ مدة طويلة ….؟!”
تأملت الكأس الذي يرفعه نحو ثغره بعينيه غاضبتين لتتمتم بجمود :-
” منذ متى وأنت تجلب هذه المشروبات الى هنا ..؟!”
جلس فوق الكنبة يرتشف من مشروبه ثم يجيب وهو يرفعه عاليا :-
” ماذا حدث …؟! ألا تدركين إنني أتناول هذه المشروبات ..؟!”
أضاف وهو يهز كتفيه ببساطة :-
” عادي …”
تقدمت نحوه تهمس بقوة :-
” كلا ليس عادي يا عمار …”
أضاف وعيناها تشملانه بنظرات حارقة :-
” أنت تعرف رأيي في هذا الموضوع .. انا لا أقبل أن تشرب هذه المشروبات … وأنت لا تشربها فقط بل تدخلها الى المنزل الذي أمكث فيه …”
مط شفتيه مرددا بلا مبالاة وهو يتراجع بظهره الى الخلف :-
” انا حر ..”
صاحت معترضة :-
” كلا انت لست حرا ..”
أكملت وهي تلهث أنفاسها :-
” طالما نحن نعيش في مكان واحد فأنت لست حرا ولا يحق لك أن تتصرف كما تريد في المكان الذي يجمعنا ..”
أنهت حديثها بحزم :-
” هذه المشروبات لن تدخل الى المنزل مرة أخرى ..”
رفع حاجبه وهو يسألها بإستهزاء :-
” وإذا لم أفعل ..؟! ماذا ستفعلين ..؟!”
جذبت الكأس من كفه ورمته أرضا ليتحطم الى قطع زجاجية صغيرة ثم لحقته بقنينة المشروب عندما إنتفض من مكانه يهدر بها وهو يجذبها من ذراعها :-
” هل جننت يا هذه ..؟! ماذا جرى لكِ..؟!”
ردت بتحدي وهي تحاول التملص من قبضته :-
” ألم تسألي ماذا سأفعل .. ؟! ها أنا جعلتك ترى ما سأفعل …”
جذبها نحوه أكثر حتى تلاقات عيناها الغاضبتين بعينيه الحادتين يصيح بها بغضب :-
” توقفي عن حماقاتك يا شيرين وإلا..”
قاطعته تضحك وهي تتجاهل قبضته القاسية على ذراعها :-
” وإلا ماذا يا عمار ..؟! ماذا ستفعل ..؟! هل ستضربني ..؟! أم ستطلقني …؟!”
نظر لها يهمس بعدم تصديق لهذا التحول الذي طرأ عليها :-
” ماذا جرى لك يا شيرين ..؟! مالذي غيرك فجأة ..؟؟”
أضاف وهو يهزها بعنف :-
” لماذا تتصرفين هكذا ..؟! مالذي جعلك هكذا أخبريني ..؟!”
صرخت أخيرا بصوت مبحوح من شدة الوجع :-
” إستيقظت … إستيقظت من غفوتي ومن مشاعري التي سيطرت علي إتجاهك فأغمت عيني عن كل أخطائك …”
حررها بذهول لتضيف والدموع تملئان مقلتيها :-
” نعم أحببتك .. أحببتك منذ سنوات وعندما رأيتك مجددا إستيقظت مشاعري نحوك .. مشاعري التي ظننت إنها إنتهت أسفل رماد الماضي ولكن تبين لي العكس فهي ظهرت مجددا بقوة حتى سيطرت علي تماما … ”
أكملت وهي تكتم دموعها بقسوة :-
” ولكن كالعادة … مهما سيطرت مشاعرنا علينا يأتي يوم وتستيقظ عقولنا مجددا تنبهنا بالأخطاء التي أمامنا والتي سبق وتغاضينا عنها مسبقا بسبب مشاعرنا العمياء …”
سألها بجمود :-
” عن آية أحطاء تتحدثين ..؟! عن علاقاتي السابقة ..؟! رغبتي بالزواج من مريم ..؟! ”
أكمل وهو يفتح ذراعيه :-
” هذا أنا يا شيرين .. هذا عمار الحقيقي .. عمار الذي لم يكن يوما مثاليا ولا قديسا فلا تحاولي أن تجعلي نفسك الزوجة المخدوعة التي ظنت إنها تزوجت رجلا لم يعرف سواها ثم صدمتها تعدد علاقاته ..”
أضاف وهو يلوي ثغره :-
” نعم كان لدي علاقات وأنت بالطبع لم تتوقعِ إنني كنت أعيش راهب …”
قاطعته بألم :-
” لم أقل هذا ولم أتوقع منك هذا بالطبع ولكن …”
قاطعها بدوره :-
” لكن ماذا ..؟! كل هذا بسبب رغبتي بالزواج من مريم سابقا …”
أضاف بقوة :-
” أخبرتك إن هذا كان سابقا … كان قبل عودتنا سويا … لم لا تفهمين ذلك ..؟!”
همست بصعوبة :-
” نعم ، هو كذلك … ”
أضافت وهي تسير نحوه :-
” لكن ماذا عن القادم ..؟! أخبرني يا عمار … ”
إسترسلت تلقي بأسئلتها الحائرة عليه :-
” ماذا سيحدث فالمستقبل ..؟! هل ستتوقف تماما عن علاقاتك تلك أم ستعود إليها بعد فترة عندما يغمرك الملل ..؟! والأهم هل ستتوقف عن تصرفاتك المؤذية بحق من حولك ورغبتك المجحفة بالإنتقام من أقرب الناس لك فقط كي ترضي غرورك …؟! هل ستخرج من هذا المستنقع المظلم الذي رميت نفسك به أم ستغرق به أكثر حتى لا تجد من يستطيع أن ينقذك منه ..؟!”
ضحك مرددا بعدم تصديق :-
” يا إلهي .. عدنا من حيث بدأنا … الفلسفة المقرفة والمثاليات الفارغة ..”
همست مصدومة :-
” حديثي أصبح فلسفة مقرفة …”
صرخ بها :-
” نعم ..!!”
أضاف متجاهلا إرتجاف جسدها بسبب صراخه :-
” نعم فلسفة مقرفة ومثاليات لا تتوقفين عن التمسك والتصريح بها.. هذا أنا يا شيرين .. أنت عرفتني هكذا ورضيتي بي هكذا فلا تأتين الآن وترفضين ما أنا عليه ..”
قالت والدموع تساقطت فوق وجنتيها :-
” كنت أظن إنك ستتغير .. إنك ستبدأ حياة جديدة معي ولكن …”
ضحك يهتف :-
” هذه أحلام اليقظة عزيزتي ..”
أكمل بقسوة :-
” كما إنني لم أعدك بشيء ولم أطلب منك التغيير او بداية حياة مختلفة لإنني لا أريد ذلك ..”
هتفت تبرر :-
” انا أردت ذلك … لإنني أحبك أردت أن نبدأ حياة جديدة تجمعنا سويا .. حياة يكون أساسها الحب والمودة والرحمة والسلام …”
قال وعيناه تنظران الى عينينها الباكيتين بقوة :-
” من يحب شخص بحق يحبه كما هو ولا يسعى الى تغييره ..”
أضاف بنفس القوة رغم إنقباض قلبه في تلك اللحظة :-
” إذا كنت تحبيني حقا فتقبليني كما أنا بجميع أخطائي … ”
أنهى حديثه وتلك الإنقباضة تضاعفت فشملت روحه بأكملها ورغم ذلك تجاهلها :-
“وأذا لم تستطيعي التقبل يمكننا الإنفصال …”
أنهى حديثه وغادر المكان تاركا إياها تتابع رحيله بحسرة فكتمت دموعها وآهاتها داخل قلبها بقوة ..
……………………………………
ما إن سمع ما تفوهت به حتى تلبسه الجنون …
صرخ بإسم شقيقه بغضب مخيف ثم إندفع يحمل هاتفه ويجري إتصالا وأنفاسه ترتفع وتهبط بشكل مقلق تماما …
تقدمت نحوه تهمس بخفوت :-
” نديم …”
لم يجبها .. كانت ملامحه منقبضة تماما … وكفه تعتصر الهاتف بقوة مخيفة … عروقه كانت بارزة تدل على مدى الغضب الذي يحمله داخله وملامح وجهه تؤكد ذلك ..
خوفها تضاعف عليه وهي تهمس بإسمه مجددا تحاول لمس كتفه لكنها إنتفضت عندما سمعته يصيح بمن تسبب بهذا الغضب :
” ماذا تريد مني أيها النذل الحقير ..؟! ألن تتوقف عن حقارتك أبدا …؟! ألا حدود لك أيها القذر ..؟!”
وضعت كف يدها على صدرها بخوف بديهي وعيناها تتابعانه وهو يصرخ ويسب ويلعن دون توقف وقد بدا شخصا ثانيا غير الذي عرفته …
لم تفهم ما قاله أخيه ليصرخ به مجددا وهي تكاد تجزم إن حباله الصوتية سوف تتمزق من شدة صوته وإرتفاعه :-
” سأقتلك يا عمار .. هذه المرة سأقتلك … إنتظرني لإنني سآتي غدا و آخذ روحك بإذن الله …”
ثم أغلق الهاتف ورماه أرضا وعيناه تحولتا الى بركة من الدماء بلونيهما الأحمر بينما صدره ما زال يعلو ويهبط ..
تأملته لثواني بألم وتمنت لو لم تخبره لكن هذا ليس حلا فهو كان يجب أن يعلم بمخططات أخيه كي يتوخى الحذر كما فكرت غالية وطلبت منها إخباره بما حدث وهي أيدتها رغم شفقتها عليه ..
تقدمت نحوه وهو يقف مكانه بأنفاس مرتجفة بل جسد يرتجف كاملا من شدة الغضب عندما وقفت أمامه ثم ما لبثت أن همست بنبرة حنون:-
” نديم حبيبي …”
همس بصوت غير واعي :-
” لن يتركني بشأني أبدا مهما حدث .. لن يرتاح حتى يدمرني تماما … لا أفهم لماذا لم يقتلني وينهي هذا الأمر .. ”
ضحك مضيفا بنفس اللاوعي:-
” ولكن لماذا سيفعل ..؟! لماذا سيقتلني مرة واحدة وهو بإمكانه أن يقتلني ألف مرة ..؟!”
همست بدموع ترقرقت داخل عينيها وهي تحاول إحتضانه :-
” نديم ..”
قبض على كتفيها يهتف وعينيه تشتعلان بجحيم لا مفر منه :-
” أخبرني إنه لن يتركني .. إنه لن يتركني أحيا بسلام .. إنه سيبقى خلفي دائما .. كان سعيدا .. منتشيا وفخورا بنفسه …”
إحتضنت وجهه بكفيها تردد بصوت لاهث :-
” ليذهب الى الجحيم .. هو لا يمكنه أن يفعل أي شيء .. مهما حاول … ”
صرخ وهو يقبض على كفيها ويهبط بهما نحو الأسفل :-
” بل فعل وسيفعل .. لقد لاحقني حتى هنا .. كان معي ويدرك كل شيء يحدث معي .. كان يعلم كل شيء عني ويدس السم في حياتي وأنا في قارة أخرى … عمار لا يتوقف .. لا يتراجع .. لا يمكن أن يرتاح حتى يدمرني كليا وكأنه لم يفعل ..”
أضاف بنبرة متحشرجة :-
” هو يستخسر بي حتى أن أحيا بشكل إعتيادي … يستخسر أبسط الأشياء بي ..”
أضاف ضاحكا بجنون :-
” لم يكفيه إنه دمرني .. جعلني أخسر كل شيء .. إنه وصمني بتهمة ستبقى ملتصقة بي طوال العمر .. إنه سرق خطيبتي ومستقبلي وجعلني مجرد مجرم سابق لا أحد ستيقبله أو يحترمه .. بعد كل هذا ما زال يريد تدميري .. لماذا …؟! ”
تسائل وعاد يسأل وبدأ غضبه وآلمه يتفاقم :-
” لماذا يفعل بي كل هذا … لماذا لا يتركني وشأني ..؟! لماذا لا يكف عن ملاحقتي …؟! لماذااااااا ..؟!”
صرخ بها للمرة الأخيرة بشكل جعلها تنتفض جريا نحوه تحتضنه بينما هو كان هائجا ليدفعها بعد لحظات وهو يصرخ بثوران وعينيه تتحركان داخل المكان بجنون :-
” لإنني إبن صباح .. لإنني إبن المرأة التي تسببت بطلاق والدته .. بحرمانه منها .. ما ذنبي أنا ..؟؟ ما علاقتي أنا …؟! لمَ عليَّ أن أتحمل أخطاء غيري ..؟! لم عليَّ أن أدفع ثمن أخطاء لم أرتكبها ..؟!”
سار نحوها يسألها هي هذه المرة :-
” لماذا يا حياة ..؟! أخبريني أنت .. ماذا فعلت أنا به لأستحق منه هذا …؟! انا لم أقترب يوما منه .. لم أؤذه بكلمة حتى .. لطالما تغاضيت عن تصرفاته السيئة في حقي لأجل والدي .. والدي الذي كان يخبرني إنه أخي الوحيد ويجب أن أراعيه وأتحمله وأتفهمه .. والدي الذي لم يكن يعلم إن أخي الوحيد وسندي كما دعاه هو أول من سيلقي بي نحو الجحيم .. والدي الذي بسبب بكريه أصبحت ألعنه ألف مرة لإنه تخلى عن ديانا وتزوج صباح ..!!”
” نديم …”
هتفت به وهي تحتضن وجهه مجددا تضيف بدموع حارة :-
” توقف من فضلك .. انت لا ذنب لك .. هو الشيطان .. هو الذي غلبه شيطانه وما زال يغلبه .. لكن صدقني سيأتي يوم يسقط به .. وحينها سيكون سقوطه مدويا لا رجعة منه ..”
هتف هازئا :
” متى ..؟! عندما أموت مثلا …”
” توقف …”
صرخت به بحزم ليقاطعها بقسوة :-
” لن أتوقف يا حياة .. هل تعلمين لماذا ..؟! لإن طريقي القادم بلا رجعة .. سأموت يا حياة ولكن ليس قبله أن أقتله وآخذ ثأري بيدي هايتين …”
عادت تصرخ مجددا :-
” توقف ..”
وهي تضيف بدموع ونبرة باكية :-
” أياك أن تقولها مجددا .. ألا تعلم إنني لا يمكنني الحياة بدونك …؟! أنا أموت بعدك يا نديم …”
أضافت وهي تضع جبينه فوق جبينها :-
” إهدأ من فضلك … انا أعلم صعوبة ما تمر به .. لكن عليك أن تعلم إن هذا ما يريده … يريدك أن تنهار … أن تضعف … أن تنهزم …”
سأل بسخرية مؤلمة :-
” ألم يفعل يا حياة ..؟!”
إبتعدت عنه قليلا تهتف بصوت صارم واثق :-
” كلا لم ولن يفعل .. أنت قوي يا نديم … ستتخطى جميع ما حدث وتنتصر في النهاية ولا تنسى إن الحق معك وهذا يعني إن الله معك … الله لن يتركك يا نديم .. حاشاه أن يتخلى عنك .. توكل على الله .. ”
نظر إلى عيناه اللتان تنظران له بثبات وعزيمة تشبه حديثها رغم الدموع المتراكمة داخلهما فهمس بتردد وقد نال منه التعب والضعف بعد هذا الإنهيار الموجع :-
” عانقيني …”
أكمل وعيناه تحتضان تفاصيل وجهها الذي إشتاق له :-
” عانقيني يا حياة فأنا أحتاج عناقك الآن أكثر من أي شيء ..”
وهي لم تنتظر لحظة واحدة حيث سارعت تعانقه بلهفة … تعانقه وتمنحه كل ما تملكه من حب وحنو ورعاية ودفء ..
وهو غرق داخل أحضانها .. تشبث بها وكأنها طوق نجاته ..
أغمض عينيه وهو يشدد من عناقه لها ..
يستسلم لرحاب جنتها … يستنشق عبيرها ويغرق فيها ..
وهي تحتويه … تشدد من عناقه بدورها .. تهمس بكلمات لا يفهم معظمها لكنها تريحه … دفء صوتها يريحه .. أنفاسها تهدئه وكأنها تملك تعويذة خاصة تسيطر من خلالها عليه وعلى كافة حواسه …
همست وهي ما زالت تعانقه :-
” حبيبي .. كل شيء سيكون بخير .. كل شيء سيتغير نحى الأفضل ..”
أضافت وهي تحارب الدموع ، تمنحه دعما غير مشروط :-
” صدقني يا نديم … كل شيء سيصبح أفضل .. فقط توكل على الله وإصبر .. ”
فتح عينيه وجسده ما زال يتشبث بجسدها يرفض إبتعاده عنه فشعرت هي بذلك فشددت من عناقه حتى شعر بروحها تتوحد مع روحه تخبره بثبات رغم وجعها لأجله :-
” أنا هنا .. معك .. لن أتركك أبدا …”
تمتم أخيرا وأنفه يتشمم خصلات شعرها القصيرة برائحتها الناعمة :-
” حياة .. ”
أضاف وقد جعله وجودها بين ذراعيه في هذا الوقت تحديدا مثيرا لروحه التي تحتاجها وتشتاق لها بجنون …
” نعم حبيبي …”
ردت فتغضن جبينه وهو يسألها بينما يبتعد قليلا عنها فتتلاقي عيناه بعينيها بينما جسدهما ما زالا يتعانقان دون فكاك :-
” هل ما زلت حبيبك ..؟!”
همست بضعف :-
” هل تشك في ذلك ..؟!”
نظر لها بتوجس محته وهي تضيف بإبتسامة رقيقة :-
” ألم تدرك بعد إنك الأول والوحيد … أنني أحبك بحماقة .. أحبك دون توقف ..”
همس وهو يشعر بأنفاسه تتوقف داخل صدره من شدة تأثيرها به :-
” حياة ..”
همست بنفس الرقة :-
” نعم يا نديم …”
هتف بجدية:-
” قولي أحبك مجددا …”
إبتسمت بخفوت وهي تردد بعينين لامعتين :-
” أحبك .. أحبك .. أحبك يا نديم …”
في تلك اللحظة لم يعد يرغب بشيء سواها وسوى التنعم في جنة أحضانها ..
كان يريدها هي فقط .. يريدها بكل كيانه ….
كان شوقه لها قد بلغ ذروته …
يرغبها بكل ما تعنيها الكلمة من معنى …
يريدها ولا يريد شيئا سوى أن تكون بين ذراعيه ..
وفي خضم كل هذا نفذ ما قاله مسبقا وبدأ بالقبلة وما تلا تلك القبلة كان يفوق الخيال …
كل شيء بدا مثاليا وأرواحهما تتعانق بتلك القبلة التي طالت دون شعور كليهما حتى وعت حياة أخيرا وهي تهمس بينما بالكاد تحرر شفتيها من شفتيه :-
” نديم ، لا يجوز .. نحن لم نعد متزوجين ..”
لكنها قاطع حديثها وعيناه تلتهمان تفاصيل وجهها المحمر بشوق جارف:-
” أنا رددتك الى عصمتي منذ أول يوم أيتها الحمقاء ..”
تطلعت إليه بذهول قاطعه وهو يعانقها مجددا .. يقبلها بشغف كبير .. يتعلق بها وكأنها آخر ما تبقى له على هذه الأرض … !
……………………………………………………..
بعد مدة من الزمن ..
جذبت فستانها ترتديه وهي تتأمله بقلق حيث يجلس على الكنبة يدخن سيجارة أشعلها منذ ثواني وقد إختفي الرجل الذي كان معها منذ دقائق …
لم تكن تعلم إنه غرق معها وبها حد الثمالة ..
نسي روحه وما حدث معه بين أحضانها …
سلبته هي أحزانه وآلامه عندما أخذها بين ذراعيه ..
هو أخذها بين ذراعيه وهي أخذته حيث جنتها التي ينسى نفسه وماضيه وحاضره بها ..
لكن كالعادة عاد كل شيء يطفو الى السطح …
بعدما إنتهى ما جمعهما ..
لم يكن يريد تركها .. لم يكن يرغب أن تبتعد عنه ولكنه مجبر فالقادم لا يحتمل التأجيل .. وهو لا يمكنه أن يغرق أكثر ويتناسى ما ينتظره …
تقدمت نحوه بعدما إرتدت فستانها تلمس ظهره العاري حيث إكتفى بإرتداء بنطاله تسأله بعذوبة :-
” نديم .. هل أنت بخير ..؟!”
جذب كفها نحو فمه .. يقبله بلطف لا يشبه حالته التي هي عليها الآن …
يقبلها مرة ثانية ثم ثالثة فتحتضن هي جسده من الخلف بحب بل عشق جارف لا نهاية له ..
أغمض عينيه للحظات مستمعا بما يحدث ..
يتمنى لو ينتهي كل شيء ويبقى هو هكذا .. هنا معها مستمتعا بحبها ودفئها وعطائها اللا محدود …
لكن كالعادة أفكاره بل واقعه الذي يعايشه طغى من جديد ..
بالكاد جاهد وهو يتحدث بصعوبة عليه أكثر مما ستكون عليها :-
” غادري …”
تجمدت ملامحها للحظات لكن سرعان ما إستعادت وعيها وهي تهمس بينما ما زالت تعانقه :-
” ماذا قلت ..؟!”
قال بجمود يؤكد ما سمعته مجددا :-
” غادري يا حياة …”
حررت جسده من عناقها تهتف بدهشة لا تستوعب ما سمعته :-
” ماذا تقول أنت …؟! ”
هتف بصوت بارد كالصقيع :-
” قلت غادري يا حياة …”
هزت رأسها بعنف تحاول إنكار ما سمعته قبل أن تتقدم نحوه تنحني بجسدها نحو رأسه المنحني أرضا تسأله بعدم تصدق :-
” ماذا تقول أنت يا نديم …؟!! ماذا يعني أغادر ..؟؟”
لم يجبها فضغطت على ذقنه ترفع وجهه الواجم نحوها تسأله مجددا :-
” أجبني يا نديم .. ماذا تعني بقولك هذا ..؟!”
ردد بإنفعال صامت :-
” يعني غادري يا حياة .. غادري من هنا ..”
ثم نهض من مكانه مبتعدا عنها عندما سارت خلفه تسأله بيأس :-
” مالذي حدث مجددا ..؟! منذ قليل كنا ..”
قاطعها وهو يستدير نحوها يصيح بها :-
” قلت غادري … ألا تفهمين ..؟! ”
صاحت بنفس الطريقة :-
” كلا لا أفهم .. ولن أغادر حتى أفهم … لن أتحرك خطوة واحدة حتى أفهم ما حدث ..”
أضافت والدموع عادت تأخذ طريقها الى مقلتيها :-
” منذ دقائق كنا سويا … كنا بأفضل حالاتنا وأنت كنت ..”
تقدم نحوها يقبض على ذراعها يردد :-
” ألم تريدي الطلاق من قبل ..؟! ألم تسعِ لذلك ..؟!! ألم تطلبي الفراق مرارا ..؟! ألم ترغبِ بالإبتعاد ..؟!”
صاحت بدموع حارقة :-
” نعم ولكن هذا تغير بعدما حدث ..”
هتف بهدوء مفتعل :-
” لن يتغير … إنسي ما حدي قبل قليل … ”
سألته وهي تتحرك خطوتين الى الخلف بنبرة مصدومة :-
” ماذا يعني إنسيه ..؟! مالذي تقوله أنت …؟!”
هتف ببرود لا يشبه النار المشتعلة داخله :-
” يعني إنسيه يا حياة … ”
أضاف بقسوة يتعمدها كي تتركه وترحل :-
” ما حدث كان خطئا …”
همست بصعوبة :-
” خطئاً ..؟!!! هل تعي ما تقوله أنت ..؟!”
هز رأسه يؤكد ما يقوله :-
” نعم يا حياة .. لقد غلبتني رغبتي مجددا .. لكن هذا لم يكن يجب أن يحدث أبدا … لكن لا بأس .. سننساه … سنتخطاه .. وكلا منا سيذهب في طريقه كما قررتِ مسبقا …”
تقدمت نحوه مجددا تجذبه من كفه تسأله بنبرة مجنونة :-
” أنت قلت إنك رددتني إلى عصمتك … قلت إنني عدت زوجتك .. مالذي تغير فجأة ..؟! لماذا تفعل بي هذا ..؟! لماذا تفعل بنا هذا ..؟!”
صاح بجنون هو الآخر :-
” هل تريدين أن تصيبيني بالجنون يا هذه … ؟! ألم تكوني تريدين هذا …؟! ألم تكوني ترغبين بهذا ..؟!”
أضاف وهو يقسو بكلماته عليها أكثر .. يضغط عليها أكثر كي تبتعد فما ينتظره من مجهول معتم يخصه وحده وهي لن تكون جزءا منه ..
لن تكون ضحية جديدة من ضحاياه …
” يجب أن تغادري … نحن لا يمكن أن نعود مجددا .. هل تعلمين لماذا ..؟!”
تصلب فكه بقوة وهو يضيف :-
” لإنني لن أمنحك ما تريدين .. لن تنالي مني ما تتمنينه .. الحب .. المشاعر .. لإنني لم ولن أحبك وأنتِ مهما حاولتِ أن تتجاهلي هذه الحقيقة لن تستطيعي …”
أكمل وهو يضغط على جرحها أكثر ودموعها تنحر قلبه دون رحمة :-
” انا لن أحبك يا حياة .. أنت تستحقين رجل يحبك بحق .. لا تستحقين رجلا يقتات على حبك دون أن يمنحه مردوده الذي يستحق .. ”
صاحت بدموعها التي تغرق وجنتيها :-
” توقف …”
أكملت وهي تقبض على ذراعيه تهزه بعنف باكي :-
” ماذا تقول أنت ..؟! الآن تذكرت إنكَ لا تحبني …. بعد كل ما حدث .. بعدما أخذتني بيه ذراعيك و …”
توقفت عن الحديث وهي تشعر بألم حاد يغزو صدرها يجعلها ترغب بالصراخ والبكاء دون توقف ..
همس بصعوبة :-
” أنت قلت قبل ساعة تقريبا إنه لا ذنب لكِ إنك تبحثين عن الحب ولا تجدينه عندي وأنا سأقول لك إنه ليس ذنبي إنني لا أمتلك داخلي الحب الذي تبحثين عنه .. إنني لم ولن أمنحك يوما ما تتمنينه من حب …”
تأملته بعدم تصديق فأنهى كلماته بحزم وهو يشيح بوجهه بعيدا عنها :-
” غادري هيا .. وليكن بعلمك انا سأسافر غدا مساءا لذا سأطلقك رسميا في أرض الوطن ….”
مسحت على وجهها بصعوبة ثم تحركت بآلية تسحب حقيبتها وتخطو بخطوات متأرجحة خارج المكان ليبقى هو مكانه للحظات حتى تأكد من مغادرتها عندما همس وهو يعتصر قبضتي يديه بقوة :-
” أنا آسف .. سامحيني .. يوما ما ستفهمين إنني فعلت هذا لأجلك … ”
……………………………………………………
ساعات طويلة مرت وهي ما زالت تجلس فوق سريرها ..
تبكي بصمت لفترات وتتوقف عن البكاء لفترات أخرى ..
عقلها لا يستوعب ما حدث .. قلبها يخبرها إنه يكذب ..
إنه نطق بتلك الكلمات القاسية مجبرا لكن عقلها يجبرها على التصديق ..
تعلم إنه محطم .. مجروح تماما …
تتفهمه ربما لأول مرة بهذا الشكل …
ولكن حديثه كان قاسيا جدا .. مؤلما جدا وبشعا جدا ورغم هذا تكاد تقسم إنه كان يتألم مثلها .. يتعذب مثلها …
نظرت الى وجهها في المرآة المقابلة لها تسألها إذا ما كانت تتوهم .. تتوهم حزنه الذي شعرت به دون أن ينطق …تتوهم رغبته بقربها رغم طرده من حياتها بحسم …
تعود وتنهر نفسها .. تخبرها إن إحساسها به لا يمكن أن يكون خاطئ .. هي لا تتوهم .. كلا هي لا تفعل ..
بعد كل ما جمعهما باتت تفهمه … تعرفه .. وتحفظه عن ظهر قلب ..
نديم الذي تعرفه جيدا لم يكن ليتفوه بهذه الكلمات حتى لو أراد الفراق …
كان سيتحدث حينها بحذر شديد ..
نديم ليس هكذا .. لم يكن ليتحدث هكذا ..
لكنه كان يتعمد ذلك .. يتعمد جرحها وذكر أسوء كوابيسها كي تتركه .. كي تغادر حياته .. كي ترحل …
توقفت عن أفكارها وهي ترى والدتها تقتحم غرفتها تهتف بحزم :-
” تركتك منذ البارحة تبكين وتعانين لوحدك بناء على طلبك ولكن الآن يجب أن أفهم ما حدث ….”
همست حياة بصوت باكي وهي التي كانت تحتاج في تلك اللحظة لأي شخص يسمعها ويساعدها :-
” ماما أنا تعبت … حقا تعبت …”
تقدمت أحلام نحوها بلهفة وجذبتها نحو أحضانها تتسائل بقلق :-
” ماذا حدث يا حياة ..؟! ماذا حدث يا إبنتي …؟! تحدثي .. فضفضي لي … انا والدتك …”
تمسكت حياة بأحضانها وهي تبكي بصمت بينما والدتها تحاول تهدئتها قدر المستطاع وفهم ما يحدث معها ..
إبتعدت من بين أحضان والدتها أخيرا تخبرها :-
” لقد طلب مني الرحيل .. قال إنه لم يعد يريدني …”
نظرت لها والدتها بدهشة للحظات قبل أن تقول بتروي :-
” لماذا ..؟! هل تشاجرتما مجددا ..؟! على أساس إنك ستذهبين الى حفلة صديقة مشتركة بينكما و …”
قاطعتها حياة بدموعها المؤلمة :-
” هو يفعل ذلك متعمدا … يبعدني عنه متعمدا ..”
” لماذا ..؟!”
سألتها والدتها بعدم فهم لتتنهد حياة بصمت وهي لا تعرف ماذا تقول ..
هل تخبرها إن ماضيه وخلافه طويل الأمد مع أخيه هو السبب أم تخبره كذبته التي تصدقها …
همست بنبرة عاجزة :-
” لا أعلم .. لكنني متأكدة إنه يتعمد ذلك .. يتعمد إقصائي من حياته ..”
” حسنا .. أليس هذا ما كنتِ تريدنه …؟! كنت تريدين الفراق … ”
قالتها والدتها بجدية لترمقها من أسفل رموشها وهي ترغب أن تصرخ بأعلى صوتها :-
( نعم هذا ما كنت أريده .. هذه كانت رغبتي .. نعم ولكن الآن تغيرت .. لا يمكنني تركه .. ليس وهو يعاني بهذه الطريقة .. لا يمكنني تركه وحيدا ..)
همست بضعف تجذب نفسها من بين أفكارها بقوة :-
” نعم …”
عادت والدتها تسألها رغم حذرها :-
” مالذي تغير إذا ..؟!”
تمتمت بخفوت :-
” إنني أدركت مدى خطئي بحقه .. أنا أذيته يا ماما … أذيته وخذلته كما فعل الجميع …”
أضاف وهي تكتم دموعها :-
” تخليت عنه في أصعب الأوقات …”
سألتها بجدية :-
” لماذا لم تخبريه هذا إذا ..؟!”
أجابت حياة بعجز :-
” لا أعلم .. هو لم يمنحني الفرصة أساسا ..”
أضافت وهي تكتم شهقاتها :-
” لقد تحول كليا بشكل مفاجئ .. بشكل جعلني لا أستوعب هذه التحول … يطلب مني أن أغادر .. قال إن هذا أفضل لي …”
أكملت بصوت متحشرج :-
” قال إنه لم يحبني ولن يفعل …!!”
قالت والدتها عن قصد :-
” ربما ما يقوله صحيح …”
هتفت بسرعة تدافع عنه :-
” كلا ، هذا ليس نديم الذي أعرفه … نديم حتى لو كان يريد إبعادي عنه ، كان سيتصرف بطريقة مختلفة … كان سيتحدث بشكل مختلف .. نديم شخص مراعي جدا و …”
قالت والدتها :-
” انت مغرمة به تماما وربما عشقك الجارف له يجعلك تنظرين إليه بهذه الطريقة ..”
” كلا ، نعم أنا أعشقه ولكن انا ذكية بما يكفي لأدرك ما يعنيه خاصة إننا نتحدث عن نديم… نديم الذي رغم قصر مدة معرفتي به لكنني أشعر به وأفهمه جيدا ..”
أكملت تلوم نفسها :-
” لكنني كنت غبيه .. تصرفت بحماقة وتركته .. تركته وخذلته وعذبته كثيرا ..”
أكملت باكية :-
” أنا حمقاء .. طفلة غبية .. لم يكن علي تركه .. لم يكن عليَّ فعل هذا أبدا .. ”
” حبيبتي إهدئي ..”
قالتها والدتها وهي تحتضنها مجددا قبل أن تضيف :-
” اهدئي يا حياة ..”
أضافت وهي تأخذ نفسا :-
” اهدئي يا صغيرتي … بهذه الطريقة لن تستطيعي الوصول الى أي شيء …”
إبتعدت قليلا تهمس وهي تنظر لها بعينين دامعتين :-
” نديم سيسافر الليلة .. ربما بعد ساعتين او ثلاث .. سيعود الى الوطن …”
نظرت لها والدتها بدهشة عندما أكملت حياة باكية :-
” أخبرني إنه سيطلقني هناك … ”
عانقتها والدتها بقوة للحظات وهي تغمض عينيها وتكتم دموعها بقوة على حال إبنتها عندما أبعدتها بعدها من بين أحضانها وسألتها بجدية :-
” هل تريدين ذلك ..؟! هل تريدين هذه النهاية …؟! ”
صمتت للحظات ثم أجابت بخفوت :-
” كلا ، أريد أن أكون معه ..”
سألتها والدتها بتردد:-
” والحب ..؟! الحب الذي كنت تبحثين عنه ..؟! ربما لن يحبك أبدا يا حياة .. ربما مشاعره لن تتخطى الحاجة والراحة كما قلت وكما يقول هو دائما .. عليك أن تفكري جيدا قبل أن تطلبي العودة إليه .. لا تجعلي خذلانك السابق له وتأنيب ضميرك ينسيك هذه الحقيقة المهمة .. حقيقة إنه ربما لن يبادلك مشاعرك هذه مهما حدث .. ماذا ستفعلين حينها ..؟! هل ستتركينه مجددا ..؟! هل ستتخلين عنه مجددا ..؟!”
صمت إمتد للحظات .. لحظات طويلة ..
نهضت من مكانها .. نظرت الى نفسها في المرآة ..
تتأمل وجهها الباكي … عيناها المنتفختان وبشرتها شديدة الإحمرار .. مظهرها المحطم تماما …
وأخيرا إستدارت نحو والدتها تخبرها بثبات وحسم :-
” لن أتركه .. سأذهب إليه .. سأكون معه وجانبه .. لن أتخلى عنه في هذه الظروف .. سأكون جانبه ومعه …”
أضافت وهي تتحكم بدموعها :-
” لا يهم إن أحبني أو لا .. لا يهم إن بقي معي أو تركني يوما ما .. انا سأكون معه وجواره .. سأمنحه حبي ومشاعري وروحي وكل ما يحتاجه ولن أطلب مقابل .. سأكون جواره ومعه كما وعدته .. ”
أنهت حديثها وهي تكتم دموعها المحتقنة داخل عينيها :-
” انا لا أريد شيئا سوى أن يكون بخير ويتخطى أزمته بسلام وليحدث ما يحدث بعدها .. ليس مهم أي شيء سواه .. ليس مهما حبه لي من عدمه .. وإذا أراد ليتركني .. لننفصل .. ليذهب هو ويعيش حياته مع إمرأة أخرى .. ليفعل ما يريده وما يتمناه ويجعله سعيدا .. ليحدث ما يحدث مستقبلا وأنا سأكون راضية بذلك .. المهم أن يكون هو سعيدا .. هذا فقط ما يهمني وأي شيء عدا ذلك ليس مهما ..”
………………………………………
في المطار …
كانت تركض بلهفة حتى وصلت الى المكان المنشود… وقفت في صالة المغادرة تبحث عنه …
عيناها تتحركان بعشوائية حتى وجدته أخيرا …
جالسا على أحد المقاعد وبيده قدحا بلاستيكيا مليء بالقهوة المرة ..
يجلس منتظرا موعد طائرته بشرود عندما شعر بكف تحط فوق كتفه …
رفع وجهه ليجدها هي أمامه ..
تبتسم له بوجهها الشاحب والذي ما زالت تلتصق به آثار دموعها ..
شعرها القصير المرفوع بعشوائية .. الإنهاك الذي يسيطر على كل إنش فيها ورغم ذلك كانت تبتسم ..
تبتسم بنفس الطريقة التي إبتسمت بها أول مرة رآها تبتسم فيها ..
بنفس الدفء .. بنفس العذوبة ..
” حياة ..”
همس إسمها غير مصدقا وجودها أمامه …
هل بات يتوهم أشياء من صنع خياله ..؟!
سأل وقد إستوعب أخيرا حقيقة وجودها أمامه :-
” ماذا تفعلين هنا ..؟!”
ردت بثبات :-
” جئت لأجلك …”
همس بقوة مصطنعة :-
” أخبرتك أن تغادري …”
أوقفته بحزم وقوة سطعت من مقلتيها البنيتين :-
” لن أغادر ولا يهمني جميع ما قلته وما ستقوله .. سأبقى جانبك حتى لو إجبارا عنك ..”
أضافت وهي تمسك كفه تقبض عليه بدعم :-
” سأبقى معك ولن أتركك مهما حدث ..”
قال وهو يربت بكفه الأخرى فوق كفها القابض على يده :-
” يجب أن ترحلي يا حياة .. يجب أن تفعلي ذلك ..”
قالتها بحزم :-
” لن أذهب .. لن أتخلى عنك …”
قال وهو يقبض على وجهها بكفيه :-
” يجب أن تتخلي .. يجب أن تغادري .. أرجوك غادري …”
أضاف يتوسلها :-
” لأجلي غادري يا حياة .. إذا كنت تحبينني حقا غادري …”
” لإنني أحبك لن أغادر .. لن أتركك …”
قالتها بجدية وهي تضيف :-
” إفهم هذا يا نديم .. لن أتركك مهما حدث …”
أضافت وهي تحتضن وجهه هذه المرة :-
” أنا أحبك ولن أتخلى عنك مهما حدث … مهما حاولت سأبقى جانبك ومعك …”
” كلا ، انت لا يجب أن تبقي معي .. انا لن أسمح لك بهذا … لن أسمح لك أن تتألمي بسببي .. أن تعاني بسببي .. لن أجعلك ضحية أخرى من ضحاياي …”
قالها بخوف حقيقي فهمست غير مستوعبة حديثه :-
” ماذا تقول انت يا نديم …؟!”
قالها بجدية :-
” إفهميني من فضلك … عمار لن يتركني أبدا … ولن يترك أي شخص حولي دون أن يؤذيه هو الآخر .. انتِ لن تكوني الضحية القادمة .. الضحية التي سيغتالها عمار بسببي .. كي يحرمني منك كما فعل سابقا مع ليلى و …”
أوقفته بثبات :-
” انا مسؤولة عن نفسي .. هذا قراري …”
قاطعها بترجي :-
” لا تفعلي هذا يا حياة .. مشواري ما زال بدايته والقادم أصعب مما تتخيلين .. ”
أكمل يتأملها بلهفة :-
” أنتِ بريئة للغاية ونقية .. لا أريد أن يصيبك أي مكروه بسببي .. لا أريدك أن تبقي حبيسة ظلماتي يا حياة … لا أريد ذلك ولن أسمح لك أن تعيشي هذه اللحظات التعيسة معي ..”
” إذا لم أعش هذه اللحظات معك فما قيمة حبي لك إذا ..؟!”
هتف بصلابة :-
” حتى حبي يجب أن تتوقفي عنه …”
ردت تعارضه بنفس الصلابة :-
” لن أفعل .. لن أتوقف عن حبك مهما حدث .. أنت من عليك أن تفهم هذا … عليك أن تستوعبه وترضى به ..”
” ستعانين يا حياة … ستعانين كثيرا وأنت لا تستحقين ذلك …”
قالها بخفوت لترد ببرود :
” انا موافقة و راضية …”
كرر بجدية :-
” ستعيشين تعيسة معي يا حياة .. حياتي بائسة تماما وأنتِ ستنالين من هذا البؤس الكثير …”
إسترسل يرجوها بعينيه أن ترحل بينما قلبه يريد العكس :-
” لا تفعلي هذا بنفسك .. انت ما زلت صغيرة على أن تعيشي بهذه الطريقة .. أنت تستحقين رجلا أفضل وحياة أفضل ..”
وضعت كفها فوق فمه تخبره بحزم وإقرار :-
” أخبرتك مسبقا .. أنت أفضل الرجال وأكثرهم كمالا بعيني … انت رجلي الوحيد ولا أريد سواك ..”
لمعت عيناه بقوة وقلبه يخبره أن يتمسك بها كما تفعل .. أن يخطفها بين ذراعيه لكن عقله يحذره وضميره يجلده ويذكره إنها لا تستحق هذه المعاناة أبدا …
جذبها نحوه يعانقها بقوة لتتمسك هي بأحضانه أكثر عندما همس لها :-
” آسف يا حياة ولكنني لا أريد أن أكون أنانيا مجددا معك .. لا أريد إستغلال مشاعرك نحوي … انا سأرحل .. هناك الكثير ينتظرني … طريقي القادم صعب ومليء بالأشواك وأنت يجب ألا تقتربي من هذه الأشواك مهما حدث …”
إبتعد عنها ينظر إلى عينيها التي غزاهما اليأس عندما طبع قبلة دافئة على جبينها وهو يردد :-
” الوداع يا حياة …”
ثم إبتعد عنها وهو يسمع صوت المذيعة تعلن إن موعد إقلاع طائرته قد حان لتتأمله بترجي ليهز رأسه معترضا وهو يبتعد عندما صاحت أخيرا بعدما سار عدة خطوات :-
” نديم توقف …”
باغتته تضيف :-
” انا حامل …”
تصنم مكانه بعدم تصديق عندما إستدار لها يتأملها بعينين مصدومتين عندما رأها تستند على الحائط جانبها وقد بدا وجهها منهكا تماما ..
” حياة ..”
قالها بقلق قبل أن يركض نحوها بسرعة ولهفة وهو يشاهدها تترنح في وقفتها حتى بدأت تقفد الوعي ليصل أخيرا إليها ويتلقفها بين ذراعيه ..
كان منحني أمامها ممسكا بكفها يتأمل ملامحها الشاحبة ومحاولتها إخفاء تعبها وإرهاقها بإبتسامتها الخافتة عندما همس بجدية وعينيه القلقتين تحاوطنها بعناية :-
” لماذا لا نذهب الى الطبيب ..؟! ”
قاطعته وهي تمنحه إبتسامة أكثر إتساعا أبرزت غمازتيها :-
” انا بخير حقا .. مجرد ارهاق …”
تأملها بخوف لا إرادي وهو يتذكر كيف سقطت بين ذراعيه فسارع يحملها وهو يبحث عن مكان يضعها مبدئيا فيه عندما تجمهر الناس حوله وجاء أحد رجال أمن المطار ليطلب منه أن يأخذها نحو احدى الغرف المناسبة حيث يوجد الطبيب عندما فتحت هي عينيها تهمس له إنها بخير وأن يضعها على أحد المقاعد فنفذ لها ما أراد وهو يخبرها أن ترتاح قليلا قبل أن يأخذها الى الطبيب ليجلب لها أحد الموجودين الماء والعصير فترتشف القليل من الماء بينما إنحنى هو أمامها يحاول الإطمئنان عليها ويطلب منها الذهاب الى الطبيب لكنها ترفضت بتعنت …
تنهد بخفوت عندما لمست ذقنه وهي تضيف بتأكد :-
” إنه مجرد إرهاق ليس إلا .. صدقني يا نديم .. انا لم أنم طوال اليوم ولم أتناول شيئا ..”
نهرها مؤنبا :-
” لماذا ..؟! كيف يعني لم تتناولِ شيئا .. ؟! أنتِ مهملة تماما في صحتك يا حياة …”
إبتسمت مجددا ليهمس بغيظ :-
” وتبتسمين أيضا ..!!”
ضحكت بخفة وهي تضغط على كفه القابض على يدها تخبره :-
” تعال إجلس جانبي …”
تنهد بصوت مسموع هذه المرة وهو ينهض من مكانه ويجلس جانبها فتخبره مؤنبة :-
” كنت تريد تركني … السفر بدوني …”
تمتم بخفوت :-
” حياة ..”
أضافت بنفس النبرة :-
” بل وسوف تطلقني رسميا في المحكمة ..”
رمقها بنظرات جانبة وهو يسألها بهدوء :-
” هل أنت حقا حامل …؟!”
ردت بسرعة :-
” كلا ، لست حاملا …”
زفر أنفاسه بإرتياح لتنظر له بألم تلألأ داخل مقلتيها عندما همس لها :-
” لا تنظري إلي هكذا ..”
أضاف بخفوت :-
” زفرة الراحة هذه لأجلك …”
إسترسل بمرارة خفية :-
” أنت لا تحتاجين لطفل يربطك بشخص مثلي …”
حدقت به تردد بذهول :-
” طفل يربطني بشخص مثلك ..؟!”
أردقت ساخرة بتعمد :-
” وهل الطفل فقط ما سيربطني بك …؟! ”
أضافت وهي تنظر لعينيه بقوة :-
” ألم تعِ بعد أن ما يربطني بك أكبر من كل الأشياء الممكنة بكثير …؟!”
رد مرغما :-
” وما يربطني بك كذلك … ”
سألته بلهفة :-
” ومالذي يربطك بي ..؟!”
رفع حاجبه مرددا متعمدا إغاظتها :-
” يجب أن تعرفي بنفسك … ظننكِ أذكى من ذلك …”
همست بجدية وحزم :-
” أخبرني يا نديم ..”
إبتسم مرغما على ملامحها التي تحولت من الحنو والفرح للحزم بلحظات فقال :-
” ما يربطني بكِ شيء لا يمكنني وصفه … أنا كلي مرتبط بك … كيف أخبركِ إنني بوجودك أكتمل وبغيابك أشعر بإن هناك شيء ما مفقود عندي .. شيء ناقص لا يكتمل إلا بوجودك .. ”
أشاحت بوجهها تمنع نفسها من الضحك بسعادة ليسألها بجدية :-
” لماذا تشيحين وجهك عني ..؟! مالذي تخفينه ..؟؟”
إلتفتت نحوها تعض على شفتيها عدة مرات فينظر لها متسائلا لتهمس أخيرا :-
” كنت أشعر بأهميتي عندك لكنني لم أتوقع يوما أن أصل لهذه الدرجة من الأهمية لديك …”
ضحك بعدم تصديق :-
” أنت وصلتِ وتربعت منذ زمن …”
تنهدت وهي تهمس :-
” أنا آسفة …”
سألها مندهشا :-
” علام تعتذرين ..؟!”
ردت وهي تلوم نفسها :-
” على تفكيري المحصور سابقا .. على تجاهلي كل ما يربطنا والتركيز على نقطة واحدة فقط .. الحب …”
همس بقوة :-
” عليك أن تفهمني إن ما يربطني بك أعمق من الحب حياة .. ”
زفر أنفاسه وهو ينظر أمامه بشرود :-
” الحب ليس كل شيء … ”
أكمل وهو ينظر نحوها هذه المرة :-
” ما بيننا أهم من الحب .. ما بيننا إرتباط روحي … انا لا أكتمل إلا بك .. وهذا وحده يجعل فقدانك قاسيا مميتا …”
” لن تفقدني ..”
قالتها بجدية ليهتف بتشدد :-
” يجب أن أفعل ..”
أضاف بتروي :-
” حياة نحن يجب أن ننفصل ..”
قالت برفض قاطع :-
” لن يحدث ….”
أكملت وهي تنظر إليه بصلابة :-
” لن ننفصل مهما حدث …”
نهرها بقوة :-
” حياة …!!”
عندما أشاحت وجهها بعيدا عنه مجددا …
عقدت ذراعيها أمام صدرها تنظر الى الجانب الآخر بوجوم وفعل هو المثل ..
لحظات قليلة وظهرت الإبتسامة على شفتيهاا عندما تذكرت إنها نجحت في منعه من السفر …
إنتبه هو عليها وهي تبتسم …
” لماذا تبتسمين الآن ..؟!”
سألها بوجوم لترد بضحكة خافتة :-
” لإنك لم تسافر ..”
رفع حاجبه مرددا بخفة :-
” سأحجز تذكرة حالا لأول رحلة ممكنة الى البلاد …”
هتفت بجدية :-
” تذكرتان .. إحجز تذكرتين ..”
نهرها بنفس الجدية :-
” حياة …”
” نديم ..!!”
قالتها بنبرتها القوية وعيناها تتحدانه أن يرفض …
زفر أنفاسه بتعب وحيرته تتضاعف ..
عقله يخبرها أن يبعدها تماما عن طريقه وقلبه يريد العكس ..
يريدها جواره …
هي لا تفهم .. لا تستوعب إنه يخشى عليها .. إنه لا يريد تعريضها لأي أذى مهما كان …
لو فقط تفهم .. لو تستوعب وترحل ..!!
قال بتوسل :-
” لا تتعبيني يا حياة .. إفهميني لمرة واحدة …”
قالت بجدية :-
” لإنني أفهمك جيدا هذه المرة سأقول لك كلا يا نديم … لن أتركك وحدك وأنت لن تستطيع منعي فلا تتعبني وتتعب نفسك من فضلك …”
ظهر الرفض بعينيه فأحاطت وجهه بكفيها تخبره بصدق :-
” نحن سنكون سويا بخير .. صدقني يا نديم …”
تأملها للحظات وعقله يرفض القبول بينمل قلبه يحاول العكس ..
لحظات قليلة مرت وهناك حرب شرسة إشتلعت بين عينيهما ..
عيناها اللتان تتحدانه أن يرفض .. تخبرانه بإصرارها وتشبثها به دون رجعة ….
عينيه اللتين ترفضان قربها خوفا عليها .. تخبرانها أن تتراجع .. أن ترحل ..
وفي نهاية المطاف كان الإنتصار حليفها هي وحدث ما أرادت ..!
…………………………………………………..
تقدمت غالية نحو والدتها الساهمة تسألها :-
” هل أنت بخير يا ماما …؟!”
ردت صباح وهي تنتبه لقدومها أخيرا:-
” لست كذلك …”
أضافت وهي تسأل غالية :-
” لماذا سيعود نديم يا غالية ..؟! مالذي حدث ..؟!”
ردت غالية مدعية عدم المعرفة والجهل التام :-
” حقا لا أعرف .. لقد إتصل بي فجأة وأخبرني إنه سيصل غدا الى البلاد مع زوجته ..”
وهي لم تكن تكذب بشأن إتصاله بها الذي أسعدها جدا عندما علمت بقدوم حياة معه ويبدو إن الأخيرة إستيقظت أخيرا من غفلتها وأدركت ما يحمله شقيقها إتجاهها من مشاعر قوية لا يدركها هو نفسه …
أفاقت من أفكارها على صوت والدتها تتمتم :-
” ولكن بالتأكيد هناك شيء ما جعله يعود فجأة ..”
أضافت بتأكيد :-
” وإلا ما يكون ليقرر العودة فجأة بين يوم وليلة متجاهلا حتى وضع زوجته الدراسي …”
قالت غالية بتبرم :-
” ماما أنا حقا لا أعلم .. إسأليه عندما يصل سالما هو وزوجته بإذن الله ..”
أضافت تسألها :-
” هل أرسلتِ إحدى الخادمات لتنظيف الشقة ..؟!”
اومأت صباح برأسها وهي تقول :-
” فعلت بالطبع ..”
أضافت بحسرة :-
” كم تمنيت أن يعيش معنا هنا هو وزوجته …”
” إتركيه على راحته …”
قالتها غالية بجدية لتسألها صباح :-
” هل أخبرك هو إنه سيبقى في شقته ..؟!”
هزت غالية كتفيها تردد ببساطة :-
” كلا ، لكن لا داعي أن يخبرني فالأمر بديهي ..”
ظهر الأمل في عيني والدتها وهي تردد :-
” ربما سيغير رأيه هذه المرة ..”
هتفت غالية بجدية رغم شفقتها على والدتها التي لا تتمنى شيئا سوى الإطمئنان على وحيدها :-
” لا تتأملي عبثا يا ماما .. نديم لن يعود هنا … قراره واضحا بهذا الأمر من قبل زواجه حتى …”
قالت صباح بشرود :-
” ولكن سبب مغادرته الفيلا لم يعد موجودا .. عمار إستقر مع زوجته في منزل خاص بهما .. لماذا لا يعود إذا ..؟!”
تمتمت غالية ببساطة :-
” ربما يهرب من الذكريات …”
هتفت صباح بتوجس :-
” يهرب من ذكرياته هنا …”
اومأت غالية برأسها تشرح وجهة نظرها :-
” نعم ، يهرب من ماضي كان متكاملا .. ماضي كلما تذكره شعر بالحسرة تخنق روحه وهو يستوعب كل مرة ما خسره دون ذنب …”
” وما الحل …؟! ما حدث أمر واقع لا مفر منه …”
قالتها صباح بوجع على وحيدها لتهمس غالية بألم خفي :-
” الحل متروك للزمن .. هو وحده من يخفف أوجاعنا … ”
إسترسلت وهي تنهض من مكانها تنظر الى صورة والدها الراحل التي تحتل الحائط الماثل أمامها :-
” ويداوي جروحنا .. الزمن الذي مهما حدث يسير رغما عنا … ونحن نسير معه مجبرين لا مخيرين …”
عادت نظراتها تتلاقى بنظرات والدتها فهمست تخفي حزنها الذي تراكم داخل روحها مجددا :-
” أنا سأذهب لتغيير ملابسي فلدي الكثير من الأعمال المهمة في الشركة …”
ثم غادرت الغرفة بسرعة تاركك والدتها مكانها تنظر الى صورة زوجها الراحل وتهمس له :-
” أنا السبب .. أنا من تسببت بكل هذه الفوضى …ليتني وحدي من دفعت الثمن .. ليتني وحدي من تألمت وتحطمت لا ولدي .. ”
ثم تساقطت دموعها بغزارة فأخذت تنتحب بصمت كعادتها آخر فترة ..
………………………………………………….
1
1
إندفع مهند الى داخل مكتب شقيقه الأكبر في المبنى الرئيسي لشركات العائلة لينهض راغب متمتما بدهشة خافتة :-
” مهند …”
أضاف وهو يتأمل شقيقه الذي جلس على الكرسي المقابل له بملامح يظهر عليها شدة التعب والشحوب وعدم النوم :-
” وأخيرا خرجت من العدم ..”
غمغم مهند ببرود :-
” لا مجال للسخرية الآن …”
تأمله راغب بقليل من الشفقة على حاله ليزفر أنفاسه بضيق عندما رفع مهند وجهه نحوه يردد بتهكم :-
” ها قد ظهرت من العدم مجددا .. وأتيت بنفسي إليك يا راغب …”
أكمل وزرقة عينيه تحتدان كليا :-
” ها أنا أمامك .. أكمل ما بدئته في تلك الليلة … إصفعني بدل المرة مئة … حاسبني وأنبني دون توقف ولا تتوقف عن شتمي ووصفي بأبشع الألفاظ …”
سأل راغب بعدما تحرك من مكانه من خلف المكتب متقدما نحوه جالسا أمامه :-
” هل يمكنك لومي يا مهند …؟! ”
أضاف :-
” أنت تدرك حجم ما فعلته ، أليس كذلك …؟!”
رد مهند بوجوم :-
” نعم أدرك .. للأسف الشديد أدرك ….”
تنهد راغب بتعب وهو يكمل وصلة تأنيبه :-
” كيف جرؤت على ذلك ..؟! كيف فعلتها يا مهند ..؟!”
أكمل وعقله لا يكاد يستوعب :-
” إنها مراهقة يا مهند .. طفلة صغيرة .. كيف إستطعت ..”
قاطعه مهند وهو ينهض من مكانه ينقض عليه حيث يقبض على ياقة قميصه بقسوة :-
” كفى .. كفى يا راغب ..”
إبتعد عنه وهو يلهث بإنفعال فيضيف :-
” أعلم جميع ما ستقوله وقلته لنفسي مرات عديدة .. لست سعيدا بما فعلته .. ”
أضاف يؤنبه هو بدوره :-
” ولكن أنت أيضا عليك أن تفعل .. فأنت مسؤول بشكل أو بآخر عما حدث .. أنت من وضعتها في طريقي .. زوجتها لي وجعلتي تبقى في جناحي و …”
توقف وهو يشعر برأسه يكاد ينفجر من الغضب والإنفعال والوجع …
همس بعدها بصوت ضعيف :-
” وأنا بدوري لم أتوقف عن غبائي وهمجيتي وحقارتي .. ”
إسترسل وهو ينظر لشقيقه :-
” أنت لا تعلم شعوري منذ وقت معرفتي بالخبر … انا لم أتوقف عن لوم نفسي لحظة واحدة .. انا أصبحت أحتقر نفسي وأبغضها …”
نهض راغب من مكانه يتقدم بسرعة نحوه يقبض على كتفيه يمنحه دعما أخويا خالصا :-
” توقف يا مهند … كل شيء له حل .. أي مشكلة مهما بلغت عظمتها ستأتي يوم وتنتهي ..”
” كيف سأغفر لنفسي هذا الخطأ .. بل هذه الجريمة ..”
أضاف بضياع :-
” وجيلان ..؟! ما ذنبها ..؟! لمَ عليها أن تتحمل مسؤولية أخطائي ..؟! لم عليها أن تدفع ثمن تهوري وأنانيتي …”
” إجلس يا مهند ودعنا نتفاهم …”
قالها راغب وهو يجذبه بقوة يجعله يجلس فوق الكرسي مجددا ليهتف مهند بتهكم :-
” علام نتفاهم ..؟! الأمر واضح .. الحقيقة لا مفر منها …”
أضاف وهو ينظر الى شقيقه :-
” الحمل مرت عليه مدة زمنية لا تسمح بإجهاضه …”
قال راغب بتشديد:-
” بعيدا عن الفترة الزمنية ومهما كان طولها فالإجهاض خطير على فتاة في عمر جيلان ..!!”
تنهد مهند بحسرة ليقول راغب بتمهل :-
” جيلان زوجتك يا مهند … عليك أن تنتبه الى هذه النقطة جيدا ..”
سأله مهند بجمود :-
” ماذا تعني …؟!”
قال راغب بجدية :-
” يعني أنت تزوجتها في البداية على وعد أن تطلقها بعد بلوغها ثمانية عشر عاما ولكن حدث ما لم نتوقعه وجيلان باتت تحمل طفلك وهي زوجتك أساسا لذا فالأمر بات محسوما … أنتما زوجان وسيصبح لديكما طفل بعد عدة أشهر .. هذه وضعك الجديد وعليك تقبله والتعامل معه ..”
” هل تمزح …؟!”
قالها مهند بغضب مكتوم وهو يضيف :-
” أنت تستوعب عمن تتحدث .. أنت تتحدث عن إبنة عنك ذات السبعة عشر عاما …”
قال راغب بموضوعية :-
” ولكنها قريبا ستصبح أم ولدك .. هذا أمر واقع لا مفر منه ..”
ضحك مهند مرغما وهو يردد:-
” يعني أنت تريد أن يستمر الزواج ونصبح زوجين قولا وفعلا ونحتفل بطفلنا الأول ونكمل حياتنا سويا ونعيش في سعادة …”
سأله راغب بحدة :-
” وهل لديك حل آخر ..؟!”
قاطعه مهند:-
” أنت في خضم كل هذا تناسيت جيلان نفسها يا راغب .. الفتاة صغيرة ونفسيتها محطمة وحتى لو تعافت نفسيا فهي تحتاج أن تعيش حياتها .. أن تهتم بدراستها ومستقبلها .. ”
أنهى حديثه بحسم :-
” جيلان أصغر بكثير من أن تتحمل مسؤولية كهذه ووضع كهذا .. الآن هي لا تفهم شيئا لكن مستقبلا ستكبر … ستجد نفسها متزوجه من رجل ولديها طفل وواقعيا هي لا تفهم كيف ومتى حدث هذا …”
” يمكنك أن تحاول معها .. جيلان سيأتي يوم وتكبر وربما حينها تصبح هي الزوجة المنشودة لك ..”
قالها راغب رغم عدم إقتناعه بقوله ليبتسم مهند بسخرية قائلا :-
” لن يحدث .. لا أنا سأكون مناسبا لها ولا هي ستكون مناسبة لي .. ناهيك عن فرق السن بيننا .. نحن لا يمكن أن نكون زوجين حقيقيين ونعيش حياة زوجية طبيعية .. أنا وهي كخطين متوازين لا توجود ولو نقطة واحدة مشتركة تجمعنا …”
ضيق راغب عينيه يتسائل بتوجس
” ماذا ستفعل الآن …؟!”
رد مهند بهدوء جديد عليه :-
” لن أفعل شيئا .. سأتقبل ما حدث مجبرا لا مخيرا …”
أضاف وذنبه يقيد روحه وقلبه:-
” انا سبب ما حدث وبالتالي سأتحمل مسؤولية تصرفي المتهور .. ”
أنهى كلماته بحسم :-
” هذا الطفل ولدي .. شئتُ أم أبيت .. سأتحمل مسؤوليته كاملة .. فهو طفلي رغم كل شيء …”
عاد راغب يسأل :-
” وجيلان ..؟! ماذا عنها ..؟!”
رد مهند بإقرار :-
” جيلان والدة الطفل .. هي والدته وهذه حقيقة لا مفر منها .. بالنسبة لي سأنفذ وعدي وأطلقها بعدما تنجبه أما ما يخص الطفل فهو قرارها لوحدها .. إن أرادت أن تمارس حقها في أمومتها له فستنال ما تريده وإن أرادت أن تهتم بدراستها ومستقبلها فلا أحد يمكنه لومها وسأتحمل أنا مسؤوليته بكلتا الحالتين كوني والده ..!”
وعند هذه النقطة إنتهى النقاش بالنسبة له …
…………………………………………
1
كانت تجلس على سريرها تقرأ دروسها بتمعن فالدراسة بدأت وهذه سنتها الدراسية الأخيرة وعليها أن تنجح وتجلب معدل عالي يؤهلها لدخول كلية الصيدلة التي تطمح إلى دخولها منذ سنوات …
لقد توقف الغثيان منذ البارحة وصحتها تحسنت خاصة وهي تتلقى كامل الرعاية والإهتمام من الجميع دون إستثناء ..
الجميع يراعي ويهتم بدءا من زوجة عمها التي تطالعها بنظرات غريبة تجميع بين الحنو وشيء ما مبهم ثم همسة التي تراعيها وتتعامل معها كإنها إبنتها وكذلك توليب وهالة التي أحبتها كثيرا وشعرت بإنسجام شديد معها رغم إختلافهما في كل شيء تقريبا ..
راجي الذي زارها مرتين وفيصل الذي أخذ يمازحها ويخفف عنها تعبها رغم كونها تشعر إن هناك خلف مزاحه غصة لا تفهم سببها لدرجة إنها شكت إن هناك مشكلة ما حدثت في المنزل يخفونها عليها …
عمها الوحيد الذي لم تره ولا لحظة واحدة ولا حتى في أوقات الطعام وقد عللت زوجة عمها سبب ذلك هو إصابته بالأنفلاونزا الشديدة وخوفه من أن ينقل العدوي لهم خاصة لأولاد راغب الصغار…
راغب أيضا كان متباعدا عن الجميع بشكل مثير للتوجس أما الأخير من يكون زوجها فهو غائب عن المنزل منذ ليلة مرضها ..
سمعت صوت الباب يفتح فوجدت همسة تدخل إلى الجناح وهي تحمل قدحا من عصيرها المفضل تغمغم بإبتسامة واسعة :-
” عصير الفراولة جاهز يا جيلو ..”
إبتسمت جيلان وهي تتناول منها قدج العصير وتشكرها بإمتنان :-
” شكرا يا همسة. .. كان بإمكانك أن تطلبي من إحدى الخادمات أن تجلبه بدلا من قدومك بنفسك …”
إبتسمت همسة مرددة :-
” أنا أحب أن أجلبه بنفسي كما أحب أن أطمئن عليك وعى وضعك الدراسك …”
أردفت وهي تنهض جانبها تجذب الكتاب الذي كان تقرأه مرددة :-
” تقرئين الأدب إذا ..”
قالت جيلان بتجهم :-
” نعم ، انا لا أحب الأدب لكن يجب أن أحفظ الموضوع كاملا فاليوم موعدي مع أستاذ اللغة العربية كما تعرفين ..”
” وأنا أيضا لم أكن أحب الأدب …”
قالتها همسة لتهتف جيلان بملل :-
” القصيدة صعبة جدا …”
إبتسمت همسة مرددة بصدق :-
” هل تريدين أن أساعدك في حفظها …؟!”
همست جيلان بخجل :-
” لا داعي لذلك يا همسة …”
قالت همسة وهي تقبض على كفها :-
” لا تخجلي مني .. يمكنك مساعدتك في دراستك .. لطالما ساعدت هالة وتولاي وفيصل أيضا .. كنت أذاكر لهما بإستمرار …”
إبتسمت جيلان عندما أضافت همسة وهي تشدد من قبضتها فوق كفها :-
” يمكنني مساعدتك دائما .. إياك أن تخجلي أو تترددي في طلب ذلك ..”
تأملتها جيلان بذلك الحنان الذي يتدفق منها دون توقف فشعرت بحسرة تخنق حلقها وهي تتخيل والدتها مكانها تعتني بها وتساعدها في دروسها ..
لاحظت همسة تجمع الدموع في عيني جيلان الخضراوين فسألت بقلق :-
” ماذا حدث يا جيلان ..؟! لماذا تبكين ..؟!”
ردت جيلان وهي تمنع دموعها من الإنزلاق :-
” أبدا .. فقط تذكرت ماما … تمنيت لو كانت معي ..”
قالت همسة بشفقة :-
” رحمة الله عليها .. إدعِ لها بالرحمة فهي في مكان أفضل الآن …”
تمتمت جيلان :-
” رحمها الله ..”
قالت همسة وهي تضمها الى صدرها فتتشبث الأخيرة بها :-
” انا هنا معك .. لا أحد يحل مكان الأم … أدرك هذا جيدا ولكنني سأحاول قدر المستطاع أن أراعيك وأعتني بك …”
أكملت وهي تبعدها قليلا عنها :-
” فأنا أحببتك حقا يا جيلان .. ”
قالت جيلان بصدق :-
” وأنا أحببتك كثيرا يا همسة ..”
عادت همسة تضمها بحنو فإسترخت جيلان داخل أحضانها لمدة لا بأس بها عندما جلست همسة معها بعدها تتحدث معها والأخيرة تتناول عصيرها ..
ترسم الإبتسامة على شفتيها بينما قلبها ينفطر ألما على تلك الصغيرة التي لا تدرك ما ينتظرها ..
غادرت همسة أخيرا المكان تحمل القدح الفارغ معها تترك جيلان تستمر في دراستها عندما فوجئت بمهند أمامها فتقدمت نحوه تسأله بإهتمام :-
” وأخيرا عدت يا مهند .. أين كنت وكيف حالك ..؟”
رد مهند وهو يرمق باب جناحها بنظرات مترددة :-
” كيف يُفترض أن يكون حالي يا همسة …؟!”
تنهدت همسة بحزن عندما تأملت نظراته نحو جناحها فسألت بقلق :-
” هل تريد الدخول .؟!”
رد مهند بإيجاز:-
” بل سأدخل …”
همست همسة بذعر خفي :-
” هل ستخبرها الآن ..؟!”
فهم عدم رغبتها في إخبارها الإن ليهمس بحزم :-
” لا داعي للمماطلة .. الأمر أصبحا واقعا ولا داعي لتأجيله ..”
ثم أندفع الى داخل الجناح لتنتفض جيلان من مكانها حالما رأته فهمست :/
” مهند …”
قال مهند وهو يتقدم نحوها يجلي صوته :-
” كيف حالك يا جيلان ..؟!”
ردت وهي ترمقه بنظرات عادية خالية من الخوف او القلق الذي يسكنها عادة في وجوده ويبدو إنها إعتادت وجوده حولها :-
” بخير ..”
رمق الكتاب الذي تحمله بيدها فسألها محاولا فتح وسيلة للحوار معها :-
” هل تدرسين …؟!”
هزت رأسها وهي تجيب :-
” نعم ، أدرس الأدب ..”
زم شفتيه مرددا :-
” أكرهه …”
قالت بعفوية :-
” وأنا لا أطيقه …”
همس فجأة دون تفكير :-
” من الجيد إن هناك نقطة مشتركة بيننا …”
ثم إستوعب ما نطق به ليتجاهله وهو يتقدم نحوها يسترسل في حديثه الغير مفهوم بالنسبة له لكنه ليس سوى مقدمات لما هو قادم :-
” كيف تسير الدراسة معك ..؟!”
ردت بهدوء :-
” كبداية تعتبر جيدة .. ”
” لا تقلقي .. ”
قالت بخفوت :-
” كيف لا أقلق …؟! هذه سنة دراسية حاسمة وستحدد مصيري ومستقبلي القادم بأكمله ..؟!”
تأملها بجمود سكنه ملامحه للحظات عندما قطع هذا الجمود وهو يسأل :-
” هل تريدين دخول كلية معينة أم ….”
أجابت بسرعة :-
” نعم كلية الصيدلة … كوالدتي …”
هز رأسه بتفهم يضيف متسائلا من جديد :-
” هل تحبين تخصص الصيدلة أم تريدين دخوله فقط كونه الذي درسته والدته ..”
ظهر التفكير على ملامحها للحظات عندما أجابت أخيرا :-
” لا أعلم .. لقد أخبرت نفسي بذلك منذ سنوات .. أخبرتها إنني سأدخل كلية الصيدلة وأصبح صيدلانية ناجحة كماما …”
إسترسلت بثرثرة عفوية :-
” ولكنني لا أعلم إذا ما أحب المجال نفسه أم لا .. في الحقيقة لا يوجد شيء معين أحبه دونا عن غيره بإستثناء الرسم .. أحبه كثيرا …”
قال ببديهية :-
” يمكنك دراسة الرسم والأبداع فيه فأنت تمتلكين موهبة حقيقة …”
قالت بجدية وبدت وكأنها ترسم مستقبلها نصب عينيها :-
” في الحقيقة فكرت في ذلك وتوصلت الى حل مناسب .. كدراسة سأختار الصيدلة … سأدرس هذا التخصص ويكون هو مجال عملي أما الرسم فهو الهواية التي أحبها وأبدع فيها ويمكنني تطويرها بالدراسة من خلال العديد من الدورات التي سأدخل بها في المستقبل لتعزيز موهبتي .. يعني سأهتم بالإثنين في نفس الوقت ان شاءالله ..”
عاد الندم يأكله وهو يستمع الى حديثها ومخططاتها بشأن مستقبلها فهمس بنبرة تحمل وجعا لم تنتبه له :-
” يبدو إن مستقبلك حافلا بالمخططات …”
تأمل لمعة الحماس بعينيها وهي تتحدث متذكرة كلام طبيبتها عما ينتظرها مستقبلا :-
” بالطبع .. يجب أن أبني مستقبلي بنفسي .. خطوة خطوة … فالمستقبل ملكي وحدي وأنا فقط من سأنال نتاج خطواتي تلك … ”
وفي لمح البصر كان يغادر الجناح دون أن يستمع بقية حديثها وهو الذي شعر بروحه تختنق داخل صدره عندما سمعها تتحدث عن مستقبلها بهذه الطريقة وحماس جديد ونظرة مختلفة عن السابق ظهرت بعينيها فبدت وكأنها طير جريح بدأ يلملم جراحه .. يريد النهوض بنفسه دون أن يدرك إن سقطته الجديدة قادمة بقوة ولا محالة ..
………………………………………………….
1
في صباح اليوم التالي
توقفت أمام مقر شركته للحظات تتأمل البنيان الشاهق بإعجاب شديد بتصميمه الهندسي الفخم وضخامته وإرتفاعه الشاهق جدا …
كان هذا الفرع الرئيسي لمجموعة شركات آل نعمان التي كانت ولا زالت تتصدر السوق في مجال عملها ولتكن أكثر دقة فإنهم يعملون في العديد من المجالات مما جعل شركاتهم تستحوذ على جزء مهم بل يكاد يكون الأهم من السوق وجعل جميع منافيسهم دون إستثناء يتوخون الحذر منهم …!!
تنهدت بصمت وهي تخطو اولى خطواتها داخل بناء الشركة عندما وجدت موظف الإستقبال يرحب بها بعدما أتاه خبر وصولها قبل أن يرافقها الى مكتب المدير العام للشركة في الطابق الأخير حيث دلفت المصعد جواره ليتولى هو مسؤولية إيصالها الى مكتب مدير الشركة .. كنان نعمان …!
وأخيرا وصلت الى مكتبه عندما نهضت السكرتيرة فور ما رآتها ترحب بها برسمية ولباقة تقودها الى داخل مكتب مديرها وقد جذب إنتباه ليلى جمال السكرتيرة وأناقتها الشديدة ولباقتها الواضحة ولم يخفَ عليها عدد السكرتيرات الثانويات اللواتي من الواضح إنهن يعملن تحت قيادتها في مكتب مجاور لمكتبها يفصل بينهما جدار زجاجي لتنتبه ليلى إليهن وهن يرتدين تلك الملابس الأنيقة جدا ويعملن بتركيز شديد ونشاط واضح …
أفاقت من أفكارها وهي تسمع صوت سكرتيرته تخبره بنفس الإبتسامة الرسمية :-
” ليلى هانم وصلت كنان بك …”
تأملته وهو يتحرك من خلف مكتبه متجها نحوها فشعرت بتوتر يغزوها لا إراديا بالرغم من كونه كان يسير نحوها بإبتسامة رسمية رزينة لا تخلو من الترحيب وملامح عادية جدا لا تشي بشيء ما ..!!
مد كفه نحوها وهو ما زال محافظا على إبتسامته يرحب بها :-
” أهلا ليلى هانم .. أنرتِ الشركة بقدومك ..”
بالكاد إنفرجت عن شفتيها إبتسامة مقتضبة وهي ترد تحيته بينما تضع يدها داخل كفه :-
” أهلا كنان بك …”
” تفضلي …”
قالها وهو يشير نحو الكرسي المقابل لكرسيه الذي يترأس مكتبه الفخم فتحركت ليلى بخطوات مترفعة قبل أن تجلس على الكرسي المشار إليه يتبعها هو ويجلس على كرسيه فتتقدم السكرتيرة تسألها :-
” ماذا تفضلين أن تتناولي يا هانم ..؟!”
ردت ليلى بجدية :-
” قهوة متوسطة الحلاة لو سمحتِ …”
هزت السكرتيرة رأسها بتفهم عندما أشار لها كنان قائلا :-
” يمكنك أنت المغادرة الآن يا كارين … ”
هزت كارين رأسها مجددا بتفهم قبل أن تستأذن وتخرج تاركة رئيسها مع شريكته الجديدة والتي كان لديها معلومات مسبقة عن شراكتهما ورغم تعجبها من هذه الشراكة التي بدت غير مفهومة لكنها نفذت ماهو مطلوب منها دون نقاش كالعادة …
” أنا سعيد جدا بهذه الشراكة يا هانم ..”
قالها كنان بجدية لتبتسم ليلى بتحفظ وهي تجيب بهدوء لا يعكس القلق المتأصل داخلها منذ قبولها عرضه :-
” وأنا أيضا .. أتمنى أن تكون شراكة ناجحة لكلينا ..”
رد بثقة بدت جزءا لا يتجزأ من شخصيته :-
” بالتأكيد يا هانم .. الشراكة مع آل نعمان دائما ما تدر بنتائج إيجابية للغاية على كلا الطرفين .. ستكون الشراكة ناجحة أكثر بكثير مما تتصورين …”
تأملته للحظات مرغمة وقد جذبت ملامحه الرجولية شديدة الجاذبية إنتباهه ..
ملامحه التي ذكرتها لا إراديا بملامح الرجال الأيطاليين التي كانت تراهم على التلفاز وتقرأ وصفهم في الروايات وبالطبع رأت العديد منهم على الطبيعة أثناء سفراتها الى ايطاليا وغيرها من البلدان الأوروبية …
بدا شبيها بهم بملامحه التي تحمل رجولة شديدة وجاذبية واضحة أكثر مما هي وسيمة ..
بشرته البرونزية الجذابية مع شعره البني الناعم القصير جدا والمصفف بعناية …
عيناه البنيتان وفوقها حاجبين كثيفين نوعا ما ..
أنفه الدقيق المتغطرس والذي يشي بأصوله الأرستقراطية وأخيرا لحيته المهذبة بطريقة منمقة تمنح ملامحه جاذبية مضاعفة ..
كان جذابا جدا جدا وهذه حقيقة لا خلاف عليها ..
توقفت عن أفكارها تلك وهي تسمعه يردد بعملية بحتة :-
” سنتحدث اليوم عن بعض المشاريع التي ستجمع بيننا الفترة المقبلة .. هناك عدة مشاريع سنتحدث عنها وسأنتظر رأيك بها كما إنه سيكون هناك إجتماعا طويلا يجمع أهم مدراء شركتي معك ومع مدراء شركتكِ بالطبع ولكنني فضلت أن نتحدث على إنفراد أولا ونناقش الأمور الأساسية ..”
هزت رأسها وهي تردد :-
” هذا أفضل ..”
ورغما عنها شعرت بالتوتر مجددا أمامه فهو محترفا في مجال عمله وخبيرا به أما هي فما زالت تخطو أولى خطواتها في هذا المجال ولا تفقه سوى القليل .. القليل جدا ..
شعرت برغبة عارمة في البكاء وهي تفكر إنها لن تستطيع مجاراته بالطبع وستبدو كالبلهاء أمامه وهي تستمع دون إجابات واضحة وتكتفي بإيمائات من رأسها بينما واقعيا لن تفهم سوى القليل جدا ..
نهرت نفسها بحزم وهي تخبر ذاتها إن عليها أن تكون أكثر قوة وأكثر صلابة وإن ما يحدث الآن هو أمر واقع لا مفر منه وعليها مسايرته وإن البدايات دائما ما تكون صعبة لكن المهم حقا هو النهايات …
وهي مهما بلغت صعوبة البداية ستجتازها وتنتصر في النهاية …
حاولت أن تعزز ثقتها بنفسها من خلال هذا الكلام عندما دلف موظف البوفيه يحمل قهوتها التي طلبتها وقهوة المدير الخالية من السكر تماما كعادته …
جذبت ليلى قدح الماء الموضوع جانب الفنجان بعد مغادرة الموظف ترتشف منه القليل عله يخفف عنها بينما كانت نظرات كنان تحاوطها دون أن تنتبه وقد جاء دوره في التأمل هذه المرة ..
تأملها بدءا من شعرها الأشقر المسترسل بخصلاتها الناعمة الطويلة فوق ظهرها وجانب وجهها الجميل …
بشرتها البيضاء الناعمة وملامحها التي تجمع بين الجمال والرقي ..
جمال هادئ مريح للنظر يذكره بجمال ممثلات الزمن الجميل ..
جمال أوروبي ساحر وملامح متناسقة بشكل مدهش …
عيناها العسليتان بإتساعهما المتوسط وأنفها الدقيق المرسوم بعناية وشفتيها الممتلئين بشكل بسيط يحيط هذه الملامح وجه بيضاوي ذو وجنتين مرتفعتين قليلا بشكل يلائم بقية تفاصيل وجهها ..
هي بإختصار تمتلك ملامح متوازنة في كل شيء حيث يكاد يقسم إن وجهها سينال العلامة الكاملة إذا دخل في مسابقة الوجوه المثالية حول العالم فكل شيء به مرسوم بدقة وحدود متناسقة …
تأمل فستانها الأسود بطوله المتوسط حيث يصل الى ما فوق ركبتيها بقليل وهو الذي ينسدل فوق جسدها النحيل بقصته البسيطة جدا والأنيقة في ذات الوقت ….
لطالما عشق اللون الأسود وكان لونه المفضل دون سبب محدد لكن اليوم بات هناك سببا كافيا فهو لم يرَ في حياته اللون الأسود يليق على إمرأة كما يليق بها ..
أفاق من أفكاره على صوتها تهمس له :-
” هل نبدأ الآن ..”
نهض من مكانه برقي مرددا :-
” لنذهب الى طاولة الإجتماعات المصغرة فالعمل هناك سيكون أفضل ..”
نهضت من مكانها تسير أمامه عندما جلست على جانب الطاولة المستطيلة المتوسطة الحجم والتي تخص الإجتماعات الصغيرة التي يقوم بها كنان مع عدد محدود من الأشخاص ..
بدأ يتحدث عن إحدى الصفقات التي ستجمع مجموعة شركاته بشركاتها وقد أخذ يسترسل في حديثه بحرفية عالية وثقة لا نهاية لها بينما وضعت هي جل تركيزها معه تستمع له دون أن تقاطعه ورغما عنها شعرت بالإنبهار به وبذلك المشروع الذي خطط له والذي سيكون بالتعاون مع إحدى الشركات المتخصصة في إيطاليا هناك حيث ستتولى إحدى الشركات الشهيرة جزءا أساسيا من ضمن المهام التي تخص المشروع عندما سألت بإهتمام تقاطهه لأول مرة منذ بداية حديثه :-
” لماذا لا نتفق مع إحدى الشركات الشهيرة في البلاد بدلا من تلك الشركة الإيطالية ..؟!”
رد بغموض خفي :-
” أنا لا أتعامل سوى مع هذه الشركة وأؤكد إنها أفضل شركة متخصصة في هذا المجال ..”
هزت رأسها ولم تناقشه أكثر فهي ما زالت تجهل الكثير من الأمور وتحتاج أن تأخذ معها ملفات المشروع وتدرسها جيدا وتعرضها على أكبر المختصين في شركتها والذين تثق بهم جيدا …
إنتهى الإجتماع وأخذت ليلى ما تحتاجه من متعلقات تخص المشروع القائم بينهما عندما غادرت مكتب كنان بعدما حددا موعد الإجتماع القادم والذي سيكون بعد الغد ..
تنفست الصعداء ما إن غادرت مكتبة فهي كانت تشعر إنها مقيدة تماما في الداخل رغم عدم وجود سبب فعلي لهذا الشعور فالرجل تعامل معها بمهنية بحتة ولم يصدر منه أي تصرف غير مهني بتاتا ..
أزاحت أفكارها جانبا وهي تلقي تحية الوداع على كارين سكرتيرته وتغادر الشركة متجاهلة أفكارها حول كنان ذاك مفكرة فيما ينتظرها من أمور تخص الشركة ..
…………………………………………………………
كانت تقف آمام المرأة تعدل من هيئتها للمرة الأخيرة قبل مغادرتها الفيلا نحو عملها عندما رن هاتفها بإسمه فتأمله بدهشة وتجاهلت عن عمد تلك النبضة الهاربة من قلبها ما إن رأت إسمه يلمع على الشاشة ..
” أهلا فادي ..”
قالتها وهي تجيبه بجدية ليأتيها صوته قائلا برزانته المعتادة :-
” أهلا غالية ..”
أضاف بجدية :-
” إتصلت بك لإخبارك إن فرحة إستيقظت …”
قاطعته تصيح بسعادة :-
” حقا ..؟! متى حدث ذلك ..؟!”
رد مبتسما بصمت وهو يستمع الى تلك الفرحة التي غزت نبرة صوتها :-
” فجر اليوم .. سأذهب إليها بعد قليل لأتحدث معها …”
قالت بدورها :-
” أنا سأذهب إليها حالا ..”
إبتسم بحفوت مرددا :-
” جيد ، نلتقي هناك إذا …”
أغلقت الهاتف وهي تتنهد براحة وسعادة قبل أن تستوعب إنها لن ترى فرحة فقط بل ستراه هو الآخر ..!!
إستدارت بعفوية نحو المرآة تتأمل مظهرها مجددا بإهتمام أكبر قبل أن تحمل حقيبتها وتغادر المكان بحماس شديد يجمع بين رغبتها في رؤية فرحة والإطمئنان عليها وهي التي كانت تتآكل خوفا وقلقا لأجلها وبين سعادتها كونه ستراه مجددا ..
نعم هي سعيدة كونها ستراه ولن تنكر هذا على الإطلاق…
أثناء طريقها الى المشفى رن هاتفها ففوجئت بإن المتصل بها كان عمار عندما أجابته ببرود بات حليفها دائما معه ليباغتها متسائلا :-
” ذلك الفراس .. كان مقيما في إحدى المشافي الخاصة كونه أُصيب برصاص ناري … خرج من المشفى منذ يومين .. ”
همست بتوجس :-
” حسنا ..”
قال ببرود متعمد :-
” وددت سؤالك إذا ما كنتِ تعلمين بذلك ..؟!”
ردت ببرود :-
” كلا لم أكن أعلم …”
” جيد …”
قالها بإقتضاب لتسأله بتردد :-
” مالذي تنوي عليه ..؟!”
ظهرت إبتسامة شريرة على وجهه وهو يجيب ببساطة :-
” القليل فقط ..”
نهرته بحزم :-
” عمار ..!!”
رد ببرود :-
” حقا القليل ليس إلا .. لا تقلقي .. مجرد لدغة صغيرة … ليست سامة على الإطلاق .. فقط كي يفكر ألف مرة مجددا عندما يحاول المساس بشيء يخصني ..”
أوقفت سيارتها على جانب الطريق خوفا من إنفعالها الذي ربما يجعلها تفقد السيطرة على قيادتها لسيارتها عندما قالت أخيرا :-
” لا تفعل أي شيء يا عمار كما إنني لا أخصك فلا داعي للتصرف بهذه الطريقة كأخ يحاول إسترداد حق أخته وأنت لم تعترف يوما بأخوتنا ..”
هتف بجمود :-
” أنا لا أعترف لكن القانون يعترف … شئتُ أم أبيتُ إسمكِ مرتبط بإسمي وبالتالي ما يمسكِ يمسني …”
تمتمت متعمدة :-
” وماذا عن نديم ..؟! أليس إسمه مرتبط بإسمك هو الآخر ..؟! أليس ما يمسه يمسك ويؤثر على سمعتك ؟!”
تجاهل ما قالته تماما وهو يهتف بها :-
” فراس هذا يجب أن يتأدب .. ولا أحد سيفعل هذا سواي ..”
أرادت أن تقول شيئا آخر لكنه أغلق الهاتف في وجهها دون أن ينتظر ردا منها فإعتصرت الهاتف بقوة وهي بالكاد تسيطر على أعصابها التي تشنجت كليا بسببه ..
حركت سيارتها مجددا متجها نحو المشفى عندما وصلت هناك لتجد فرحة ممددة على السرير بملامح منهكة تماما ورغم جميع الجروح والتقطيبات والوجع كانت تبتسم لها بخفوت ..
تقدمت نحوها تجلس جانبها تطمئن عليها وتسألها عن وضعتها ..
أخبرتها بمدى خوفعا عليها ورعبها من أن يصيبها مكروه وكم لامت نفسها كونها كانت سببا لما حدث لكن الغريب إن فرحة قابلت كل هذا بإبتسامة صادقة ورضا تام وطلبت منها ألا تؤنب نفسها بتاتا فهي من أرادت الإنتقام من فراس وتدميره ولو قليلا حتى وجعله يتذوق مرارة الخسارة ..
في أثناء حديثهما دلف فادي ملقيا التحية لتنهض غالية تبتسم له بهدوء ترد تحيته متأمله ملابسه الأنيقة بدءا من ذلك البنطال الأسود وما فوقه من قميص رمادي أنيق وشعره الأسودد المصفف بعناية ورائحة عطره الرجولي الرائع التي إخترقت حواسها …
كانت تختلس النظرات إليه وبدت غارقة تماما به وبمظهره المنمق ووسامته الرجولية التي تجذبها بقوة فتتأكد مجددا من حقيقة المشاعر التي باتت تنمو داخلها نحوه دون توقف …
هو بدوره كان يتأملها بذلك الفستان الذي يجمع بين العملية والرقي ..
فستان رصاصي اللون أنيق يلتصق بجسدها الأنثوي فيظهر تناسقه وتفاصيله المغرية دون إبتذال يغطي من الأعلى فتحة صدرها بالكامل حتى بداية عنقها ذو أكمام طويلة تغطي طرفها العلوي كاملا بينما يصل في الأسفل حتى أسفل ركبتها ..
فستان هادئ تماما خالي من أي تفاصيل او إضافات مكتفيا بذلك القماش الحريري بلونه الرصاصي الجذاب ملتفا حول جسدها بحرص ورقي..
ترتدي معه حذاء كريمي اللون ذو كعب عالي قليلا ..
ترفع شعرها البني شديد الكثافة عالية بتسريحة عملية أنيقة تبرز جمال وجهها الأبيض الجذاب بتفاصيله المميزة وعينيها الرائعتين بلونيهما الأخضر الغامق والذي يعززه ذلك الكحل الذي يرسم عينيها بحرفية بينما تطلي شفاها بلون لحمي لامع …
حياها مبتسما برزانة متجاهلا إنجذابه المخيف نحوها كلما رآها وتركيزه في أدق تفاصيلها حتى ذلك الحلق الفضي الذي يزين أذنيها عندما تقدم نحو فرحة يطمئن عليها وعلى حالها …
هتفت فرحة بإمتنان :-
” أشكرك يا بك .. انا بخير لا تقلق …”
قال فادي بجدية :-
” حقك ستأخذينه كاملا يا فرحة .. أعدك بهذا …”
تأملته غالية وهي تبتسم بصمت عندما قالت فرحة بجدية :-
” أشكرك مجددا يا سيادة المقدم لكنني تنازلت عن حقي منذ زمن ..”
هتفت غالية بعدم فهم :-
” كيف يعني ..؟!”
شرحت فرحة وهي ما زالت محتفظة بإبتسامتها :-
” انا راضية عما حدثتي بل سعيدة به …”
تطلعت غالية لها بذهول فشلت أن تخفيه بينما فادي كان يتابعها بصمت عندما إسترسلت :-
” أنا إرتكبت ذنوبا كبيرة في حياتي .. غرقت في آثامي حرفيا .. أي شيء قد يساعدني في تطهيري ولو قليلا من ذنوبي أنا راضية به ….”
نظرت غالية الى فادي الذي قابل نظرتها بأخرى ساكنة تماما لا توحي بشيء عندما قال مهنيا الحوار :-
” إرتاحي أنت الآن يا فرحة وسنتحدث قريبا .. هناك حديث مهم قادم بيننا …”
ثم ودعها وخرج تتبعه غالية التي ودعتها بدورها وسارت جانبه عندما خرجا من المشفى لتتحدث غالبة بقهر :-
” انا حزينة جدا لأجلها .. كم صعب على الإنسان أن يصل الى هذه المرحلة .. أن يرضى بأي ألم وعذاب عله يطهره من ذنوبه …”
هتف فادي بجدية :-
” هي معها حق… هي مذنبة أيضا …”
رددت من أسفل رموشها :-
” أعلم ولكن هذا لا يلغي إنها بقدر ما هي مذنبة فهي ضحية أيضا بشكل أو بآخر …”
اومأ برأسه وهو يردد بعزم :-
” والجاني سيدفع ثمن ما إقترفه بحقها في جميع الأحوال ..”
أكمل وهو ينظر نحوها بثبات :-
” فراس سينال عقابه كاملا على ذنبه القديم في حقها وحق شقيقتها وذنبه الحالي ..”
قالت بجدية :-
” أعلم ..”
أضافت بثقة لا تعرف متى تولدت داخلها نحوه :-
” أعلم إنك لن تتركه دون أن ينال العقاب الذي يستحقه …”
هتف مبتسما :-
” تسعدني ثقتك هذه يا غالية …”
تنحنت مرددة :-
” يجب أن أغادر …”
كان يتمنى أن تبقى معه أكثر وأن يتحدثا أكثر ويستمتع بوجودها جانبه أكثر لكنه لم يظهر ذلك وهو يخبرها :-
” حسنا .. ”
قالت تودعه :-
” مع السلامة …”
قال عن قصد :-
” الى اللقاء في وقت قريب …”
إبتسمت له برقة قبل أن تتحرك بخطواتها بعيدا تاركة إياها يتابعها وصورتها الأخيرة وهي تبتسم بتلك الطريقة طُبِعت داخل رأسه وقلبه غارقا كليا في تلك الإبتسامة الخافتة الهادئة دون أن يعي ..
…………………………………………………
كان شريف يجلس على مكتبه يرتشف قهوته بتركيز على ملف احد المرضى الموضوع بين يديه …
سمع صوت طرقات على الباب يتبعه دخول أروى وهي تبتسم له برسمية فبادلها إبتسامتها عندما تحدثت بعملية :-
” كنت أريد التحدث معك بشأن ملف إحدى المريضات في قسم الجراحة العامة … ”
” تفضلي …”
قالها مرحبا لتتجه نحو مكتبه وتمد يدها له بملف المريضة عندما أخذه شريف وأخذ يقرأ محتوى الملف بما يخص حالة المريضة ثم ما لبث أن بدأ يتناقش مع أروى بشأن الحالة حيث كان تريد أروى إستشارته في بعض الأمور كعادتها عندما تحتاج الى إستشارة طبية حيث تلجأ إليه كونها ما زالت في مرحلة دراسة التخصص الذي نال هو شهادة البورد البريطاني فيه …
إستمرا في نقاشهما لأكثر من ساعة عندما إنتهت أروى من طرح أسئلتها وإستفساراتها فنهضت من مكانها تشكره ليبتسم لها مرددا :-
” على الرحب والسعة .. أهلا بك في أي وقت ..”
قالت وهي ما زالت تحتفظ بإبتسامتها وقد تخلت عن إسلوب زملاء المهنة في تلك اللحظة والتي تلتزم به طوال وجودها في المشفى :-
” أعلم إنني أتعبك كثيرا معي خاصة بأسئلتي الكثيرة لكنني أثق بك كثيرا …”
قال بجدية وهو ما زال محتفظا بإبتسامته الهادئة :-
” على العكس يا أروى .. يسعدني كونك حريصة على معرفة كل شيء ولا تتغافلين عن أي نقطة كما تسعدني حقا ثقتك بي ..”
أضاف بأخوية :-
” لا تنسي إننا أبناء عم .. يعني من الطبيعي أن تلجئي لي دونا عن غيري ..”
” وهذا ما أفعله …”
قالتها بصدق قبل أن تهم بالمغادرة عندما فوجئت بصلاح يقتحم المكتب لتتطلع إليه بدهشة قبل أن ترحب به :-
” صلاح .. ما هذه المفاجئة ..؟! متى عدت من شهر العسل ..؟!”
توترت ملامح صلاح عندما نهض شريف من مكانه مرددا :-
” لقد عاد منذ يومين .. ”
ثم جذب صلاح يرحب به عندما رد الأخير على إبنة عمه بتماسك مصطنع :-
” أهلا بك يا أروى .. انا بخير الحمد لله .. ”
أضاف بثبات مصطنع :-
” كل شيء على ما يرام … لقد عدنا منذ يومين كما قال صلاح …”
شعرت أروى بوجود خطب ما لكنها تجاهلت الأمروهي تحييه مجددا قبل أن تغادر عندما قال شريف وهو يسير نحو مكتبه :-
” وهذه مشكلة أخرى .. وجود أروى في المشفى .. ربما تكتشف وجود نانسي ..”
جلس صلاح على كرسيه واضعا رأسه بين كفيه مرددا :-
” لقد تعبت ومللت …”
قال شريف ساخرا :-
” مللت ..؟! أنت ما زلت في بداية الطريق …”
رفع صلاح وجهه ينظر إليه بحدة ليضيف شريف بقوة :-
” انا لا أكذب .. هذه الحقيقة …”
أكمل بقوة وعن قصد :-
” ما ينتظرك لا يناسبه الملل إطلاقا يا صلاح ..”
نهض صلاح من مكانه مرددا بعصبية :-
” الى متى ستحاسبني …؟! الى متي سأدفع ثمن خطأ حدث دون قصد مني … ”
هدر شريف بحزم :-
” لكنه خطأ .. يبقى خطئا .. خطئك أنت وعليك تحمله …”
تسائل صلاح بوجه محتقن :-
” ماذا تريد مني أن أفعل …؟! هل أقتل نفسي لترتاح ..؟! لترتاحون جميعا…”
تقدم شريف نحوه ووقف أمامه مرددا بحزم :-
” بل أريدك أن تصبح رجلا وتتحمل مسؤولية ما حدث ….”
” إنظر إلي .. أنا تحملت مسؤولية ما حدث وسارعت لتصحيح خطئي وتزوجت بها .. أما الباقي فهو خطئها وحدها ومسؤوليتها .. هي من أخفت عني حملها وهي من قررت الإحتفاظ بالطفلين دون عملي …”
قاطعه شريف بجدية :-
” ولكن هذا لا يلغي إن الطفلين تحديدا هما مسؤوليتك يا صلاح .. هما ولديك .. إستوعب هذا وإستعد له جيدا ..”
صاح صلاح بضيق :-
” لماذا ..؟! لماذا علي تحمل مسؤولية لا أريدها …؟؟ لماذا أنا مجبر على ذلك …؟!”
إتسعت عينا شريف غير مصدقا مدى الإهمال وإنعدام المسؤولية الذي وصل إليه شقيقه :-
” أخبرتك منذ قليل .. لإنك والد الطفلين .. أنت عليك تحمل مسؤوليتهما مجبرا لا مخيرا ..”
أضاف وهو بالكاد يسيطر على أعصابه :-
” توقف عن أفعالك المستفزة يا صلاح .. كن رجلا لمرة واحدة في حياتك..
”
منحه صلاح نظرات نارية عندما أضاف شريف وقد فقد تعقله تماما في تلك اللحظة :-
” لا تسقط من نظري أكثر يا صلاح …”
إهتزت نظرات صلاح للحظات عندما سمع شقيقه ينطق بهذه الحقيقة .. حقيقة إنه سقط من نظره بأفعاله الأخيرة …
لكنه عاد يتجاهل شعوره هذا بكل غرور قائلا بصلف :-
” وكأنه يهمني .. إفهم يا شريف .. انا لست مسؤولا عن شيء .. كيف سأكون مسؤولا عن شيء حدث دون علمي من الأساس ..”
هتف شريف بسخرية مليئة بالحسرة :-
” بالطبع لن يهمك .. متى كان يهمك أساسا ..؟!”
أضاف بلهجة ثائرة :-
” يا رجل .. فكر في الطفلين القادمين .. ألا يوجد أمل أن يتحرك ضميرك ولو قليلا حتى …؟!”
تأمله صلاح بجمود عندما قال شريف محاولا التأثير به لآخر لحظة :-
” حاول أن تفكر بهما .. طفلان صغيران لا ذنب لهما بأخطاء من حولهما .. لا تكن جاحدا وقاسيا الى هذه الدرجة ..”
قال صلاح وقد عادت فورة غضبه تشتعل :-
” ولكنني لا أريد مسؤولية كهذا يا شقيقي العزيز ..؟! انا سعيد راضي في حياتي .. مستمتع بها تماما .. لا رغبة لي بتعكير صفو حياتي بمسؤولية طفلين …”
” يا إلهي …”
قالها شريف بإنهاك من هذا الحوار الذي كان مرهقا بل مدمرا لأعصابه عندما أضاف صلاح ببرود :-
” على العموم دعنا من هذا الآن … أساسا مصير الطفلين غير معلوم حتى الآن …”
هتف شريف مصعوقا :-
” أنت تنتظر خبر فقدانهما إذا ..”
أشاح صلاح وجهه بعيدا ليتمتم شريف بجمود :-
” لا تتأمل كثيرا .. فوضع نانسي يتقدم والطفلين يخضعان للمراقبة والعناية الكاملة ….”
أكمل بعدها :-
” علينا أن نفكر الآن فيما سنفعله عندما تستيقظ نانسي وكيف سنتصرف بعدها ..؟! ”
منحه صلاح نظرات باردة وهو يردد عن قصد :-
” تولي أنت مسؤولية هذا الأمر … من الآن فصاعدا سأترك مسؤولية كل شيء لك …”
منحه شريف نظرات قاتمة قبل أن يردد :-
” يوما ما ستندم على قسوتك وجحودك ندما لا رجعة فيه …”
…………………:……………………………………..
في صباح اليوم التالي
كان يتدرب على الرماية ومعه صديقه المقرب …
يسدد رصاص مسدسه في المكان المحدد بحرفية عالية وحرفية صديقه المقرب لا تقل عنه …
يتأمل المكان الواسع أمامه حيث موقع تسديد رصاصته بنظرات هادئة ثابتة وتركيزه يصل ذروته عندما يطلق رصاصته التي تصطدم في هدفها المحدد
دون حياد ولو بسيط حتى …
ورغما عن تركيزه مع كل رصاصة تخرج منه عاد عقله ينشغل بها …
هي التي دخلت حياته كخطيبة شقيقه في بداية الأمر .. خطيبة لم يستسغ وجودها ليس لعيب فيها بل لإنه كان يدرك ما يريده شقيقه منها مثلما كان يرى فيها ما عجز شقيقه عن رؤيته … الذكاء والحنكة مع كبرياء شديد وغرور فطري لا يقبل مساسا شكلا خلطة سحرية خاصة جعل منها أنثى قوية ، جريئة ومحنكة تعرف كيف تقتص لنفسها دون تردد او مواربة بكل ما تملك من جرأة وقيادة …
فتاة تمتلك شخصية مذهلة تجمع كل معاني الكبرياء والشموخ والإعتداد بالذات وجمال آخاذ وإبتسامة ساحرة وماذا أيضا ..؟!!
همس بها لنفسه وهو يؤنب عقله على تفكيره بها مجددا بهذه الطريقة ..
يخبره بحزم إن هذا خطأ لا يجب أن يتبعه فيعود ويتراجع ويغرق مجددا في أفكاره التي باتت تتمحور حولها وحدها هي دونا عن البقية ..
وجه فوهة مسدسه نحو المكان المحدد مجددا ورغما عنه إرتسمت أمام عينيه كما هي بكامل حسنها وبهائها فضغط على زناد مسدسه وأطلق رصاصته …
ثم عاد يضغط مجددا بعض اللحظات وهذه المرة كان يرى إبتسامتها الرائعة نصب عينيه ..
رالمرة الثالثة وهو يسمع نبرة صوتها القوية والناعمة في ذات الوقت تخترق أذنية ومرة رابعة ونظرات عينيها الصلبة القوية الشامخة تأسر عينيه ومرة خامسة وسادسة وهي لا تفارق مخيلته حتى قرر التوقف أخيرا يخبر نفسه إن عليه أن يرتاح لكن واقعيا كان يريد الهرب من صورتها التي تلاحقه ..
جلس بعد مدة قصيرة بتعب فوق احد الكراسي خارجا وهو يرتشف الماء البارد على دفعات عندما وجد صديقه يتقدم نحوه مرددا بفخر :-
” اليوم تفوقت على نفسك يا فادي بشكل مختلف عن السابق …”
ابتسم فادي دون مرح ليجاوره صديقه وهو يردد :-
” ماذا يحدث يا صاحبي ..؟! تحدث .. ”
” لا يوجد شيء أقوله ..”
قالها فادي بجدية ليهتف سيف بثبات :-
” بل يوجد الكثير .. هناك خطب ما يحدث معك …”
نظر فادي الى المكان أمامه متجاهلا أسئلة صديقه عندما قال سيف بتعمد ؛-
” هل الأمر يخص فتاة …؟!”
قال فادي بإقتضاب :-
” منذ متى وأنا لدي أمور تخص الفتيات ..؟؟ أنت تعرف طبيعة علاقتي بالجنس الناعم …”
ابتسم سيف ببرود قائلا :-
” وماذا عن علاقتك بغالية ..؟!”
تجهمت ملامح فادي وهو ينهره بقوة :-
” سيف من فضلك …”
قال سيف بجدية :-
” لا تغضب يا فادي .. كلانا يدرك إن حالك إنقلب تماما منذ دخولها حياتك ..”
رمقه فادي بنظرات جامدة قبل أن يقول أخيرا :-
” انت تبالغ … إنها مجرد فتاة جمعتني بها ظروف محددة …”
قاطعه سيف بجدية :-
” لا تنسى إنها كانت خطيبة شقيقك ..!!”
توقف فادي للحظات قبل أن يهتف بجمود سيطر على ملامح وجهه :-
” لم أنسَ يا سيف …!!”
رمقه صديقه بنظرات صريحة وهو يضيف :-
” من الجيد ألا تفعل يا فادي .. ”
أكمل وهو يرتشف من كوب الشاي خاصته :-
” الوضع برمته سيكون غير مقبولا ..”
هتف فادي بغلظة :-
” أخبرتك إنني أعلم ذلك والأهم إن تحذيراتك هذه لا داعي لها لإنه بالفعل لا يوجد شيء مما تفكر به أو تعتقده من الأساس …”
هز سيف كتفيه مرددا بإبتسامة :-
” سنرى يا صديقي …”
قابل فادي نظراته المستفزة وإبتسامته تلك بنظرات باردة تماما عندما قال سيف بجدية :-
” انا جائع … لنتناول طعامنا في احد المطاعم القريبة …”
هز فادي رأسه ونهض من مكانه يسير خلف صديقه على مضض وهو يعد نفسه ألا يفكر بها مجددا مهما حدث ..
…………………………………………………….
في قصر آل نعمان ..
وضعت شريفة فنجان قهوتها على الطاولة وهي تخبر إبنتها :-
” هناك واحدة ما في حياة شقيقك …”
تمتمت علياء بجدية :-
” تقصدين كنان أليس كذلك ..؟!”
اومأت شريفة برأسها عندما إبتسمت علياء تقول :-
” إنه خبر رائع .. وأخيرا سيحدث ما تمنيناه طويلا …”
هزت شريفة رأسها موافقة وهي تردد بتمهل :-
” ولكنه رفض أن يخبرني هوية الفتاة أو آية معلومات عنها ..”
قالت علياء بثقة :-
” فتاة رائعة بالتأكيد .. ألا تثقين بكنان وإختياراته …؟!”
تمتمت شريفة بخفوت :-
” أثق بالطبع …”
أضافت بجدية :-
” فقط كنت أتمنى لو يحقق رغبتي ويتزوج بإبنة خاله … ”
قاطعتها علياء بجدية :-
” أنت تعلمين يا ماما إنه لا يفكر بالفتاة وهو لا يراها سوى أخته الصغيرة فقط مثلما تعلمين إن هي الأخرى تراه بنفس الطريقة ولا تفكر به سوى كشقيق كبير تقدره وتحترمه …”
هزت شريفه رأسها توافقها رغم أسفها :-
” للأسف أعلم ..”
أضافت بعدها :-
” ولكنني كنت أتمناها له وإن لم تكن هي فلتكن مايسة ابنة غيداء …”
زفرت علياء أنفاسها بخفوت وهي تقول :-
” وهذه الأخرى ابنكِ لم يفكر بها يوما ولم يرها أكثر من كونها ابنة صديقتك التي يحترمها ويقدرها رغم كل محاولاتك ومحاولة مايسة نفسها لعكس ذلك …”
قالت شريفة بجبين متغضن :-
” لا أفهم مالذي لا يعجبه فيها … مايسة فتاة كاملة الأوصاف .. حلم لجميع الشباب حولنا .. جميلة ومهندسة وابنة عائلة راقية جدا معروفة بأصولها العريقة ووحيدة والديها … فتاة لا يمكن ألا ينجذب إليها أحدهم …”
قاطعتها علياء :-
” ولكن ابنك لم ينجذب لها رغم محاولاتها هي نفسها لجذبه ..”
إسترسلت بتعقل :-
” يا ماما صدقيني هذا الأمر خارج عن إرادة الشخص .. المهم أن تثقي بكنان وإختياره وإنه سيختار عروسا تليق به وبنا ..”
” فقط أريد أن أعرفها .. تلك التي قرر كنان أن يتخلى عن عزوبيته لأجلها وانا التي كنت أحاول معه بخصوص هذا الأمر منذ تخرجه من الجامعة … ”
ضحكت علياء وهي تقول :-
” ستعرفينها قريبا وانا واثقة إنها ستنال إعجابك فكنان لن يختار فتاة عادية لتكون زوجته .. أنت تعرفينه جيدا .. يحب الكمال في كل شيء كوالدته …”
هنفت شريفة بحدية :-
” المهم أن تكون لائقة به وتوازيه في كل شيء فأنا لن أسمح لأيا كانت أن تدخل عائلتنا …”
هزت علياء رأسها مكتفية بالصمت عندما دخل سيف الى المكان ملقيا التحية لتنهض علياء من مكانها تستقبله بسعادة ..
إحتضنها مرحبا يسألها عن أحوال هي وطفليها وزوجها ثم سألها بإهتمام عن صحتها وأخبارحملها …
همست علياء وهي تحيط بطنها المنتفخ قليلا بكفيها :-
” جميعنا بخير … سنعرف جنس الجنين الأسبوع القادم …”
ابتسم وهو يربت على كتفتها قائلا :-
” عقبال يوم ولادتك ان شاءالله …”
تمتمت علياء بتنهيدة :-
” آمين ..”
تقدم سيف نحو والدته التي راقبته بإمتعاض فهتف وهو ينحني مرددا :-
” شريفة هانم ..”
طلب كفها فمنحته إياها ليقبله برقي وهو يجلس جانبها يسألها :-
” كيف حالك يا والدتي العزيزة ..؟!”
ردت شريفة بجفاء مقصود :-
” لو كنت تتواصل معي وتزورني بإستمرار لكنت ستعرف حالي دون سؤال ..”
نظر سيف الى شقيقته التي هزت كتفيها وهي تبتسم عندما أضافت شريفة :-
” أو لو كنت تعيش هنا معنا بدلا من إقامتك في تلك الشقة لوحدك …”
” مجددا يا ماما .. ألم أخبرك إنني أرتاح في تلك الشقة .. وإن إقامتي هناك تناسب ظروف عملي …”
قالت شريفة بحنق :-
” عملك الذي لم ولن أرضى عنه …”
قال سيف بجدية:-
” ولو يا ماما … رضاكِ قبل كل شيء…”
منحته نظرات حانقة لينهض من مكانه مرددا :-
” سأذهب لإجراء مكالمة سريعة ثم أعود مجددا ..”
ثم خرج من المكان وهبط درجات السلم ليجد شقيقه يتجه الى الداخل ليهتف غير مصدقا :-
” كنان هنا أيضا ..”
إحتضنه شقيقه الأكبر مرددا :-
” متى أتيت ..؟!”
رد سيف بجدية :-
“منذ قليل .. وشريفة هانم لم توفر وقتا في تأنيبي كعادتها ….”
ابتسم كنان مرددا ببساطة :-
” عادتها هذه ..”
قال سيف بنفس البسيطة :-
” لقد إعتدت على طريقتها تلك …”
قال كنان وهو يشير نحو الداخل :-
” تعال الى الأعلى معي … اليوم ستتناول العشاء معنا … ”
هز سيف رأسه بطاعة وهو يقول :-
” حسنا ولكن لأدخن سيجارة خارجا فأنت تعرف أوامر والدتك ..”
ربت كنان على كتفه مرددا وهو يتحرك للأعلى :-
” حسنا ننتظرك …”
…….\……………………………………………………
كانت تقف أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة من مكياجها وهي التي وصلت معه الى اراضي الوطن البارحة وبصحبتهما والدتها عندما ذهبا مباشرة الى شقتهما ليجدا والدته وغاليه يستقبلانهما ويرحبان بهما قبل أن يغادران المكان رغبة في تركهما يرتاحان قليل على وعد أن يزورانهما في اليوم التالي وقد حدث وذهبت معه في زيارة لمنزل عائلته حيث تناولا الغداء مع والدته وشقيقته ثم تبادلا الاحاديث لمدة جيدة قبل أن يغادرا لتعود هي وتستعد لزيارة حنين التي دعتها على العشاء الليلة ..
تقدم نديم يهتف بها :-
” هل إنتهيت أم بعد ..؟!”
ردت وهي تستدير نحوه :-
” لم يتبق سوى القليل ..”
ثم حملت عطرها ترش منه فوق رقبتها وملابسها عموما عندما سمعته يهتف بضيق خفي :-
” ألم يكن بوسع حنين أن تأتي هي لرؤيتك …”
ردت بجدية وهي تنظر إليه :-
” كلا يا نديم ، أساسا لا يوجد فرق …”
أضافت وهي تتوقف مكانها للحظات :-
” هل لديك مشكلة في ذهابي الى هناك ..؟!”
رد محاولا إخفاء ضيقه :-
” ليس كذلك ولكنني لا أحب قربك من نضال …”
ابتسمت مرغمة وهي تقول :-
” قربي من نضال ..؟! أي قرب هذا بالله عليك ..؟! لن يكون بيننا أكثر من سلام ..”
هتف بغيرة جلية :-
” لو الأمر بيدي لمنعتك حتى من تحيته ..”
تبرمت ملامحها وهي تردد :-
” توقف يا نديم .. انت تبالغ ..”
” أبالغ …!!”
قالها متهكما لتهتف بجدية :-
” نعم تبالغ .. لا أفهم ما فعله الشاب لينال كل هذا الغضب منك …”
هدر بحزم :-
” لا تتحدثي عنه بهذه الطريقة …”
همست مذهولة :-
” كيف أتحدث عنه ..؟!”
رد ببرودد:-
” تدافعين عنه ..”
قاطعته مبررة :-
” انا لا أدافع … انا فقط أخبرك إنه لا يوجد داعي لكل هذا ..”
أضافت بتمهل :-
” حبيبي ، نضال مجرد أخ حنين وابن زوج والدتي … انا مجبرة على التعامل معه لأجل هذه القرابة وإن كانت بعيده .. انت بالطبع لا تنوي منعي من الذهاب الى منزل والدتي لوجودي فيه .. ما بالك يا نديم ..؟؟ هو مجرد شخص عادي لا يمثل لي اي شيء .. تذكر ذلك وتوقف عن غيرتك الغير مبررة ..”
” لكنه يريدك …”
قالها بجمود لتعقد حاجبيها مرددة :-
” كان يريدني ..”
قاطعتها بجدية :-
” كان او ما زال .. هو يريدك او كان يريدك يوما ما … لا يمكنني التغاضي عن هذه الحقيقة أبدا .. لا يمكنني تقبل تحيتك له وربما التحدث معه ولو قليلا وبشكل رسمي وهو كان يريدك يوما ما …يريدك حبيبة وزوجة بالتأكيد ..”
نظرت إليه بحيرة ولا تعرف كيف تعالج الموقف المزعج عندما خطرت على ذنها فكرة فسارعت تنطق :-
” لو كانت ليلى مكانه ، هل كنت سأتصرف بنفس الطريقة ..؟!”
نظر لها بدهشة إستمرت لثواني قبل أن يسألها وهو يرفع حاجبه :-
” ألم تكونِ لتفعلي ..؟!”
هزت كتفيها تجيب :-
” بالطبع لا ..”
سار نحوها بخطوات متمهلة بعدما أعاد قميصه الذي كان يحمله لمكانه ليقف أمامها تماما وينحني بوجهه نحوها فترمش بإرتباك عندما سأل بهدوء :-
” متأكدة ..؟!”
رفعت عينيها البنيتين نحوه تجيب بثقة متعمدة :-
” نعم ..؟!!”
سألها مجددا وهو يحاصرها بجسده أكثر :-
” ألن تغضبي حقا ..؟! ألن تنزعجي ..؟! تحزني ..؟!”
تمتمت بتوتر :-
” ربما سأتضايق قليلا بسبب الغيرة ولكنني لن أمنعك من التحدث معها ولن أحاسبك إذا ما رأيتك تحييها أو تتحدث معها أو …”
” إذا تغارين ..؟!”
قالها بمكر لتهتف بوجوم :-
” هل هذا فقط ما إلتقطته من حديثي..؟!”
أكملت وهي تشمخ بوجهها أمام وجهه :-
” نعم أغار .. وهذا حق مشروع لي ..”
دفعها نحو الجدار محيطا جسدها بجسده مستندا على الجدار بكفيه مرددا وإبتسامة مختلفة تزين ثغره :-
” وأنا أيضا أغار يا حياة … ”
زمت شفتيها تهتف :-
” فهمت إنك تغار يا نديم لكن هذا لا يعني أن تمنعني من تحيته حتى …”
” كان يريدك يا حياة وربما ما زال ..”
قالها وقد إختفت إبتسامته وعاد وميض الغيرة يشتعل داخل عينيه لتهتف بتحدي :-
” وليلى كانت حبيبتك لأعوام وخطيبتك و ..”
قاطعها ببرود :-
” الأمر مختلف ..”
أحاطت خصرها بكفيها تتسائل :-
” كيف ..؟!”
تنهد وهو يجيب :-
” لإن ليلى لم تكن مجرد حبيبة او خطيبة .. هي ابنة خالتي أيضا .. يعني بيننا صلة دم وقرابة ..”
أيدته :-
” نعم ، لذا من الطبيعي أن تحييها إذا رأيتها وأنا لن أمانع ..”
أكملت بنفس البساطة :-
” ونضال ابن زوج والدتي .. وأخ حنين .. هناك معرفة بيننا ومن الواجب عليّ أن أحييه على الأقل .. كما إنني لم يجمعني شيئا مع نضال يوما ما … لم يجمعني أي شيء .. بينما انت وليلى كان بينكما الكثير .. الكثير يا نديم ومع هذا أتفهم قرابتكما مهما حدث فلماذا تمنعني من تحية نضال حتى وتسمح لنفسك بتحية حبيبتك وخطيبتك السابقة إذا حدثت صدفة ورأيتها ..؟!”
صمت لثوان يحاول أن يصوغ ردا منطقيا أمام حديثها المتوازن المنطقي ..
لقد حصرته تماما عندما وضعت مقارنة بين نضال وليلى بشكل يجعله عجزه عن تبرير طلبه بعدم التحدث مع نضال ذلك وهاهو الآن يحاول أن يجد سببا مقنعا لكنه لا يجد ..
لقد غلبته مجددا ..!
إبتسمت بإنتصار وهي تضيف منهية حديثهما بحسم :-
” سأتناول حقيبتي كي نغادر …”
هز رأسه مرغما ليخرجان أخيرا من شقتهما ويركبان سيارته عندما قال لها فجأة :-
” لدي مفاجئة لك …”
سألتها بحماس :-
” حقا ..؟! مفاجأة ماذا ..؟!”
رد وهو يبتسم بخفوت :-
” ستعرفينها غدا …”
زمت شفتيها بعبوس وتبرمت ملامحها ليكتم هو ضحكته بصعوبة على مظهرها المحبب للغاية بالنسبة له ..
…………………………………………….
ما إن أوصل حياة الى منزل والدتها حتى تحرك بسيارته متجها الى منزل عمار وهو يتوعد له في داخله ..
هبط من سيارته ووقف يتأمل الفيلا الفخمة للحظات قبل أن يتحرك بخطوات آلية حيث حرس الفيلا ليخبرهم هويته فيسمحون له بالدخول بعد لحظات عندما سار الى الداخل ووصل الى الباب الداخلي للفيلا عندما إستقبله عمار بنفسه وهو يبتسم ملأ فمه قائلا :-
” أهلا وسهلا بالطير المهاجر والذي عاد أخيرا الى ارض الوطن .. لم أتوقع منك هذه الزيارة يا أخي العزيزة لكنك دائما تخالف توقعاتي بكرمك وحسن وصالك ..”
أنهى كلماته عندما وجد نديم يهتف ببرود :-
” هل إنتهيت …؟!”
رفع عمار حاجبه مرددا :-
” كلا لم أنته ..”
أضاف بجدية :-
” تفضل الى الداخل اولا .. أم ستبقى واقفا مكانك ..”
قال نديم ببرود :-
” كلا لا داعي للدخول .. انا لن أدخل .. انت من ستخرج يا عمار ..”
إلتوى فم عمار بتهكم وهو يسأل :-
” ما معنى هذا ..؟!”
رد نديم بجدية :-
” يعني سوف تأتي معي .. في مكان ما .. سنتحدث قليلا ثم يعود كلا منا لمكانه …”
” عمَ سنتحدث وإلى أين سنذهب ..؟!”
قالها عمار وهو متمسكا بطريقته الساخرة ليرد نديم بثبات :-
” ستعرف عندما تصل الى هناك ..”
أضاف بجدية:-
” يمكنك أن تأتي ومعك حراستك إذا كنت تخاف من ذهابك لوحدك معي في مكان مجهول …”
سارع عمار يخرج من المكان مغلقا الباب خلفه مرددا بحدة خافتة :-
” إنتبه على كلامك يا هذا .. من هذا الذي سيخاف ..؟!”
رفع نديم حاجبيه مرددا بتحدي :-
” تعال معي إذا …”
رد عمار بسرعة دون أدنى تردد :-
” تفضل .. سآتي خلفك بسيارتي ..”
وبالفعل ركب كلا منهما سيارته حيث تبع عمار نديم بسيارته ..
وجده يتجه خارج المنطقة التي يسكن بها ومنها حيث مناطق مجاورة ليدخل الى احدى المناطق النائية عندما توقف بسيارته على جانب الطريق هناك حيث الأراضي الواسعة وبضعة بنايات مهجورة وقديمة جدا ..
هبط نديم من مكانه يشير الى عمار الذي أوقف سيارتها بيديه فأطفأ الأخير السيارة وهبط منها يتبع نديم الذي تقدم نحو احدى البنايات القديمة جدا حيث دخل الى غرفة صغيرة في الطابق السفلي منها …
” ماذا تريد يا نديم ولماذا جلبتني هنا ..؟!”
سأله عمار بغضب مكتوم ليرد نديم ببرود :-
” اهدأ اولا يا أخي العزيز ..”
أضافت يتسائل بلا مبالاة :-
” انظر جيدا الى المكان حولك ..”
تأمل عمار الغرفة الصغيرة للغاية بجدرانها البالية وتلك الباب الحديدية الصغيرة المفتوح نصفها ببرود قبل أن يسألها :-
” نظرت جيدا .. ما المطلوب ..؟!”
ابتسم نديم إبتسامة خاصة قبل أن يهتف بهدوء متعمد :-
” هذه الغرفة صغيرة جدا … مغلقة من جميع الجوانب .. لا مكان فيها لممارسة أي نشاط ممكن بل حتى التنفس بها محدود للغاية ..”
تنهد ثم قال :-
” في غرفة حجمها اكبر من هذه بالطبع لكنها كانت مغلقة ايضا ومليئة بالعديد من الأشخاص عشت لسنوات .. كنت محروما من أبسط الشيء .. وكنت أشعر بالإختناق دائما دون أن أجد أي مفر من هذا الوضع فكان علي التحمل وحساب الأيام بل الساعات والدقائق ..”
صمت قليلا يتأمل البرود واللا مبالاة مرتسمة على ملامح عمار الذي بدا وكأنه يستمع لحديث عابر لا أهميه له فأضاف بنظرات فقدت برودها وأصبحت مليئة بالحقد المرعب :-
” كل هذا كان بسببك .. عايشت كل هذا بسبب .. انت سلبت كل شيء مني .. دمرت حياتي وسرقت سعادتي وأحلامي وكل شيء ..”
” هل جلبتني الى هنا لتخبرني بشيء أعلمه جيدا ..؟!”
سأله عمار بإستخفاف ليرد نديم بقوة :-
” بل جلبتك الى هناك لأخبرك إن النهاية إقتربت وإنك قريبا جدا ستدفع ثمن كافة أفعالك الدنيئة .. وأتيت بك خصيصا الى هذه الغرفة القديمة البالية كي تتعرف على مكان إقامتك القادمة لسنوات ..”
” ما هذه الثقة التي تتحدث بها يا أخي الصغير ..؟! حاول أن تقلل من ثقتك بنفسك قليلا كي لا تكون الصدمة قوية للغاية عليك ..”
رد نديم بجمود :-
” انا جربت كل انواع الصدمات يا بك .. إكتسبت مناعة تامة ضد جميع أنواع الصدمات .. اطمئن من هذه الناحية .. لكن الآن جاء دورك لذا إستعد جيدا للصدمات المتتالية التي ستقع فوق رأسك ..”
قاطعه عمار بإستخفاف:-
” لا تكن واثقا الى هذا الحد ..”
ردد نديم ببروذ :-
” تذكر فقط .. إن الضربة القاضية تأتي عادة من أكثر مكان لا تتوقعه … ”
رد عمار بتحدي سافر :-
” سنرى يا نديم .. لكن عليك أن تحذر فربما في النهاية ستعود لنفس الغرفة البالية المشابهة لهذه ولكن ستبقى بها الى الأبد .. حتى الموت .. دون أمل في الخروج هذه المرة ..”
ضحك نديم بإستخفاف للحظات قبل أن يتوقف عن ضحكاته وهو يرد بوجه جامد تماما :-
” لا يضر الشاه سلخها بعد ذبحها …”
وتلك الجملة إختصرت سنينا من الوجع …!
…………………………………………………..
كان يقود سيارته بذهن شارد وعقله يتذكر حديثه مع نديم والذي بدا مختلفا تماما عن نديم الذي عرفه …
بدا شخصا يستعد للهجوم بكافة أسلحته دون تردد ودون تفكير في مصيره وما ستؤول إليه حربه تلك ….
زفر أنفاسه بضيق ولا يفهم لماذا أغضبه الموقف الذي حدث منذ قليل بهذه الطريقة وهو الذي لم يهتم يوما أو يغضب ..
عاد الى منزله وهناك تمنى لو تستقبله شيرين فهو ولأول مرة يشعر بهذا الكم من الإحتياج لها لكنها تجاهلته كعادتها وتنائت بعيدا عنه ليتجه هو الى غرفته ومنه الى فراش وهناك يذهب في نوم عميق لم يفق منه الا على صوت شيرين في الصباح وهي تخبره :-
” راغب الهاشمي ومعه شقيقه مهند الهاشمي ينتظرونك في الأسفل ..”
إنتفض من مكانه يهتف بإسم واحد :-
” جيلان ..”
ثم نهض من فوق فراشه يغير ملابسه بسرعة مرتديا اول بنطال وقميص وجدهما أمامه عندما هبط الى الاسفل ليجدهما في إنتظاره فنهض راغب يحييه وجانبه مهند الواجم عندما قال راغب بهدوء :-
” يجب أن نتحدث يا عمار …”
سأل عمار بنبرة مستنفرة :-
” هل جيلان بخير ..؟!”
تبادل مهند النظرات مع راغب عندما قرر تولي هو دثة الحديث :-
” نعم هي بخير .. لكن هناك شيء هام بخصوصها يجب أن تعلمه ..”
زاد توجسه وهو يشير إليهما أن يتبعانه حيث غرفة مكتبه ليجلسان أمامه بينما يجلس هو خلف مكتبه بعدما طلب من الخادمة أن تجلب القهوة لهم ..
” تحدثا .. أسمعكما ..”
قال عمار بجدية لينظر راغب الى شقيقه قبل أن يعاود النظر نحوه ويقول :-
” لقد حدث شيء صادم لنا جميعا يا عمار …”
رمقه عمار بنظرات قلقة وهو يقول بنفاذ صبر :-
” تحدث يا راغب لإن صبري نفذ ..”
وفي الحقيقة فإن صبر مهند هو من نفذ منذ وقت طويل فقرر أن يتحدث دون مقدمات :-
” جيلان حامل …”
حل الصمت المطبق للحظات ..
صمت ثقيل قطعه عمار :-
” هل تمزح يا هذا …”
رد مهند بهدوء :-
” كلا ، جيلان حامل .. تحمل طفلي ..”
انتفض من مكانه مرددا بغضب مكتوم :-
” كيف يعني حامل ..؟! ألم نتفق على ..”
قاطعه مهند :-
” لقد حدث ما حدث وحملت ..”
ضرب على المكتب بكلتا يديه وهو يهدر :-
” حدث ما حدث .. هكذا بكل بساطة … ”
أكمل وهو ينظر الى راغب :-
” هل هذه الأمانة التي تركتها بين يديك يا بك … لقد حافظت عليها جيدا كما وعدتني ..”
قال مهند بثبات :-
” تحدث معي انا … انا من أخليت بالوعد ..”
أشار له عمار مرددا :-
” انت رأس البلاء وسبب جميع المصائب ..”
ثم اندفع نحوه يلكمه بقوة قبل أن يجذبه من قميصه مجددا يصرخ به :-
” أخبرتك ألا تلمسها .. إتفقنا على هذا ..”
تحدث مهند بنبرة متقطعة :-
” وحدث العكس .. ماذا سنفعل ..؟!”
عاد عمار يلكمه بقوة أكبر حتى نزف أنف مهند بشدة عندما وقف راغب يحاول إبعاد عمار عنه بينما عمار يصيح :-
” أيها النذل الحقير .. كيف إستطعت الإقتراب منها ..؟! إنها طفلة يا حقير …”
هتف مهند وهو يمسح أنفسه :-
” كان عليك أن تتذكرح إنها طفلة وأنت تزوجها لي …”
صاح عمار وقد بدأ الذنب يقيده هو الآخر :-
” كنت مجبرا …”
رمقه راغب بنظرات محذرة تجاهلها مهند وهو يسترسل :-
” جميعنا مسؤولن عما حدث .. انا الذي تمممت زواجي بها دون مراعاة لسنها وشقيقي الذي رتب هذه الزيجة وأخيرا انت يا عمار حيث رميتها إلي دون تفكير فقط لإستعادة شرفها الضائع فلا تأتي الآن وتحاسبنا وأنت مذنب … مثلك مثلنا …”
تراجع عمار الى الخلف وهو يتمتم من بين أسنانه :-
” معك حق ..: جميعنا مذنبون .. لذا جميعنا سيدفع الثمن …”
وعلى مباغتة من الجميع وفي أقصى لحظات جنونه سحب مسدسه من درج مكتبه ووجهه نحو مهند وأطلق رصاصته على الفور لتخترق جسد الأخير بكل قوتها ..
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سارة علي
بعد مرور يومين
كان يقف في منتصف حديقة فيلا عائلته يتحدث مع موظفة الفندق يؤكد لها حجزه لذلك الجناح وما طلب إعداده به …
أنهى مكالمته وهم بالعودة الى الداخل عندما وجد شقيقته تتقدم نحوه وهي تهتف :-
” حياة إتصلت بي منذ لحظات …”
عقد حاجبيه متسائلا :-
” حقا ..؟؟ لماذا ..؟!”
أضاف وقد تذكر أمرا هاما :-
” لم تخبريها إني هنا ، أليس كذلك ..؟!”
رفعت حاجبها وهي تقول :-
” لم أفعل لإنها سبقتني وأخبرتني إنك خرجت مبكرا في عمل هام ولن تعود حتى المساء …”
أضافت تتسائل بجدية :-
” ولكنني أريد أن أعرف لماذا تكذب عليها يا نديم ..؟!”
أنهت سؤالها وعقدت ذراعيها أمام صدرها ونظراتها كانت جادة تماما ليبتسم نديم مرغما وهو يردد :-
” ما بالك يا غالية ..؟! مالذي تعتقدينه ..؟! ”
ردت ببرود :-
” مالذي يجعلك تكذب وتخفي مجيئك الى هنا ..؟!”
رد وهو يتنهد بصدق :-
” من قال إني أكذب … ؟! انا بالفعل لدي أعمال ولكني سأنجر معظمها من هنا ..”
أضاف بجدية :-
” أنا أعد مفاجئة ليلا لحياة .. لا أريدها أن تعلم .. وأنا سأجري عدة إتصالات طوال اليوم وسأحتاج للخروج أكثر من مرة للتأكد مما أريد إعداده لذا أتيت هنا كي لا تنتبه أو تسمعني صدفة ..”
ضحكت بسعادة تردد :-
” مفاجأة …؟! حقا يا نديم ..؟!”
ضحك بدوره وهو يقول :-
” نعم مفاجئة يا غالية ..؟! ما بالك مصدومة هكذا …؟؟”
إتجهت جانبه تحيط ذراعه بذراعها تسير جانبه وهي تسأله بحماس :-
” أخبرني ماذا ستفعل ..؟!”
هتف بخفة :-
” هذه أشياء خاصة يا فتاة …”
قالت تنصحه :-
” يمكنني تقديم النصيحة .. يعني سأقترح عليك طرق رومانسية و ..”
قاطعها :-
” شكرا على خدماتك التي لا أحتاجها يا عزيزتي … أنا أعرف ما يجب أن أفعله … كما أنتي سأفعل الأشياء التي تحبها حياة …”
إبتسمت مجددا ثم جذبته نحو احد الكراسي الموضوعة في منتصف الحديقة ليجلس عليها وتجلس هي على الكرسي قبالته لتسأله مجددا بفضول ذو مغزى :-
” ولكن أخبرني .. ما المناسبة ..؟! هل اليوم عيدميلادها …؟!”
رد وهو يهز كتفيه :-
” لا توجد مناسبة … هل يحتاج الرجل الى مناسبة ليفاجئ زوجته بليلة مميزة ..؟!”
” بالطبع لا ..”
أضافت عن قصد :-
” ولكن المفاجئات من هذا النوع تخص العشاق غالبا و …”
قاطعها بجبين متغضن :-
” انا لا أفهم لماذا كل شيء لديكن أنتن النساء مرتبط بالحب …”
ردت ببديهية :-
” ربما لإننا نستحق الحب …”
زفر أنفاسه بضيق فقالت بجدية :-
” نديم، انت حقا لا تحب حياة …”
صمت ولم يرد لتسأله بنفاذ صبر :-
” تحدث يا نديم … ألم تتحرك مشاعرك نحوها طوال الفترة السابقة ولو قليلا حتى ..؟!
نظر لها وقال بملامح متصلبة :-
” أخبرتك سابقا وسأخبرك مجددا علاقتي بحياة مختلفة .. علاقة أساسها أهم من الحب .. ”
قاطعتها بقوة :-
” الى متى …؟! الى متى ستبقى هذه العلاقة قوية دون حب ..؟! ربما الحب ليس أساسا ولكنه أحد العوامل التي تمنح الإستمرارية لأي علاقة زوجية … الحب هو الذي يجعل العلاقة تستمر رغم أي تخبط يحدث او مشاكل .. مهما حاولت إنكار ذلك لن تفلح ..”
هتف بنفاذ صبر :-
” انا لا أفهم مالذي تريدينه بالضبط …؟! إلام تريدين الوصول من حديثك هذا ..؟!”
ردت بثبات وهي التي تحاول إنقاذه من تلك الحيرة التي يتخبط بها ، تحاول إفاقته من غيبوبته :-
” أريدك أن تفهم مشاعرك وتحددها .. وأريدك أن تتذكر إن حياة مهما تجاهلت وإستمرت معك ستأتي يوم وتحتاج الى الحب .. ستحتاج أن تسمع كلمة الحب منك وتراها بعينيك … الآن هي تتجاهل وربما ستتجاهل الى عامين او ثلاثة ولكن في النهاية سيأتي يوم وتنفجر وينتهي صبرها وتغادر حياتك وحينها فقط ستدرك حجم غبائك وستندم على خسارتك …”
هتف بعصبية :-
” ماذا تريدين يا غالية ..؟! تريدين أن أعترف بحبها بالإجبار …”
هتفت غالية بسخرية :-
” وهل تعتقد إن هذا سيرضيها أو إن هذا ما أريده ..؟!”
أكملت تسأله سؤالا آخرا متعمدا :-
” هل ما يحدث بسبب ليلى ..؟! هل ما زلت تحبها ..؟!”
نظر لها مصعوقا للحظات وبدا السؤال غريبا وغير واضحا …
تأملت الضياع في عينيه .. الحيرة … والتردد …
وفي لحظة ما رأته أمامها .. والدها .. بسنوات عمره الضائعة بسبب عشق مفقود .. بمشاعره المحطمة .. بإمرأتين كانتا ضحية مشاعره تلك … كانتا ضحية ضعفه وإن كانت الثانية إختارت التضحية بكامل إرادتها ..
فجأة بدأت ترى اشياء ربما لا وجود لها ..
ربما مجرد وساوس شيطانية لا أكثر ..
رأت نديم مكان والدها ورأت ليلى مكان ديانا وحياة .. رأت حياة مكان والدتها …
إنتفض قلبها برعب ..
الثلاثة لا يستحقون مصيرا مشابها …
نديم لا يستحق أن يضيع بسبب تخبط مشاعره وليلى لا تستحق أن تموت في محراب عشقه الضائع وحياة بالطبع لا تستحق أن تكون ضحية عشق مفقود …
” انظر الي .. لن اسمح لك بتدمير نفسك ومن حولك …”
” ماذا تريدين يا غالية ..؟!”
سألها بعينين مندهشتين من ملامحها التي بدأت تشتد تماما ونبرتها الحازمة لترد بقوة :-
” لم يعد هناك مجال للتغاضي أكثر .. جاء الوقت الذي عليك أن تختار فيه يا نديم .. تختار بقلبك لا بعقلك … بقلبك فقط يا نديم ..”
تسائل بعدم إستيعاب لهذا التحول الغريب والكلام الغير مفهوم :
” ماذا تقولين انت ..؟!”
ردت بجدية :-
” أقول المنطق .. عليك الإختيار يا نديم .. عليك أن تسأل قلبك وتستمع لجوابه .. عليك أن تتجاهل الماضي وتعقيداته والحاضر وما حدث وما ينتظرك وتسمع فقط صوت قلبك ..”
اخدت نفسا عميقا وقالت :
” لتختر واحدة فقط .. إما حياة أو ليلى ..؟!”
نظر لها بتأهب وهو لم يستوعب كيف وصل مجرى الحديث الى هذه النقطة لتضيف بملامح سيطر عليها الجمود :
” لن أسمح لك بتدمير نفسك وتدميرهما ابدا .. لا حياة ولا ليلى تستحقان منك هذا .. ذنبهما الوحيد إنهما أحبتاك دون مقابل … أرحهما يا نديم وأرح نفسك ايضا ..”
نظرت الى جمود ملامحه لتقبض على ذراعه حيث تقربه نحوها مرددة:-
” لماذا لا تتحدث ..؟! أخبرني .. هل قلت شيئا خاطئا ..”
صاح وهو يتملص منها :-
” يكفي يا غالية ..انا تعبت حقا ..”
صاحت بصوت أكثر علوا :-
” انت من يكفي يا نديم .. انت من يكفي يا أخي ..”
همست بعينين تشكلت العبرات داخلهما :-
” انا لن أسمح لك أن تكون نسخة ثانية منه .. لن أسمح لك بتدمير حياتك وحياة من حولك بسبب ضعفك وعدم قدراتك على إتخاذ قرار حازم .. انت لن تصبح مثله ولن تعيش حياته … انت لن تكون حسين الخولي يا نديم .. أبي مات بعدما تعذب طوال عمره وعذب ماما وديانا وانا لن أسمح لك أن تكرر مأساته ..!!”
ثم أخذت تهزه وهي تردد :-
” انت لن تكون مثله … لن تكون مثله ..”
أوقفها وهو يصرخ بها بحزم :-
” غالية ..”
تراجعت الى الخلف تتأمله بعدم تصديق تحاول إستيعاب الطريقة التي تحدثت بها والدموع التي ملأت عينيها ولأول مرة تتعرى الحقيقة أمامها ..
حقيقة إنها لم تتجاوز صدمة ما عرفته عن حقيقة قصة والدها مع والدتها وزوجته الأولى ..!!
” هل جننت يا غالية ..؟! مالذي تهذين به …؟! وما به والدي لترفضي بهذه الطريقة ان أكون مكانه ..؟!”
أخذت نفسا عميقا وقالت :-
” أنا أعتذر يا نديم .. لقد إنفعلت قليلا ..”
” هذا واضح ..”
قالها بإقتضاب قبل أن يضيف متسائلا :-
” ولكن أريد أن أفهم .. ماذا كنت تقصدين بكلامك بخصوص والدي …؟!”
” لا شيء …”
قالتها تحاول الهرب بعينيها ليقبض على كتفيها ينظر لها بحزم يأمرها بصلابة :-
” بل هناك الكثير خلف حديثك يا غالية … أخبريني …”
أغمضت عينيها وهي تدرك إنه لا مفر لها من كشف جزء من الحقيقة عندما قالت بتردد :-
” بابا لم يكن يحب أمنا…”
نظر لها مدهوشا للحظات فأضافت :-
” عاش ومات وهو يحب ديانا .. اما تلك العلاقة الودية التي كانت ظاهرة بينهما فهي مجرد تمثيلية للحفاظ على شكل علاقتهما أمامنا .. بابا لم يحب سوى ديانا وهو تزوج ماما مرغما بسبب اجبار والدته .. ونتاج هذا الزواج إنه عاش طوال عمره يتعذب بحبه لديانا وماما عاشت طوال عمرها مع رجل تدرك جيدا إن قلبه ملك لأخرى وديانا أيضا تعذبت هي الأخرى …”
همست بصوت محتقن :-
” لا أعرف ماذا حدث قبل قليل .. لكنني تخيلتك مكانه لا سامح الله وتخيلت ليلى مكان ديانا وحياة ..”
قاطعها بجمود وصدمة ما سمعه ما زالت تسيطر عليه :-
” مكان والدتي .. أليس كذلك ..؟!”
هزت رأسها وهي تكتم دموعها ليرد بهدوء مصطنع محاول تجاهل صدمة ما عرفه مؤقتا على الأقل :-
” هذا لن يحدث .. اطمئني ..”
أضاف بثبات :-
” ليلى انتهت من حياتي وانا لم أعد أفكر بها …”
سألته بتوجس :-
“ومشاعرك نحوها ..”
قاطعها بصرامة ونبرة لا تقبل المزيد من النقاش :-
” حياتي لا يوجد فيها إمرأة غير حياة ولن يكون هناك .. حياة هي حياتي القادمة وكل ما سبق دونها إنتهى دون رجعة … ”
هزت رأسها ترغم نفسها على عدم طرح المزيد من المسأله وغادرت المكان تاركة إياه يتخبط كليا بعدما عرفه عن ماضي كان كاملا في نظره والآن أدرك إنه لم يكن سوى كمال وهمي لا حقيقة له …
……………………….،……………………………..
كانت تجلس على مقدمة الطاولة الواسعة تقابله وهو الذي يجلس على مقدمة الطاولة من الجهة الأخرى يترأس الإجتماع بقيادية كعادته ..
يتحدث بهدوء ورزانة لا تخلو من الحزم ..
يطلق قراراته بشكل وكأنه يستشير الموجودين لكن واقعيا كان قراره حاسم والإستشارة مجرد واجهة شكلية ليس إلا ..
هو رجل قيادي من الدرجة الأولى ..
قوي وحازم …
عملي جدا وذكي جدا …
يدير أعماله بشكل مبهر …
يجعلها تستمع إليه وهو يتحدث عن المشروع بسلاسة فتشعر لأول مرة بالمتعة أثناء العمل الذي بغضته منذ اول يوم ولم تشعر بالراحة لكنها كانت مجبرة على الإستمرار لأجل والدها الذي ما زال غير مستعدا للعودة الى ميدان العمل ولا تعرف متى سوف يستعد ..؟!
انتهى الإجتماع بسلاسة وقد إتفقا على الأمور الأساسية وتم توقيع عقد الشراكة عندما غادر موظفين شركته اولا يتبعهم النائب الأول في شركتها والذي تستشيره في كل شيء ومعه ثلاثة من الموظفين المهمين في شركتها تاركين لها المجال لتنفرد مع كنان وتتحدث معه بناء على رغبتها ..
أشار لها وهو ما زال محتفظا بلهجته العملية :-
” لنذهب الى غرفة مكتبي ونتحدث هناك ..”
وافقته وسارت أمامه بعدما أشار لها أن تتقدمه ليخرجا من غرفة الإجتماعات ويتجها الى غرفة مكتبه المقابلة لها عندما وقفت كارين تستقبلهما فأشار لها بكفه أن تعود مكانها …
توقفت ليلى أمام باب المكتب المغلق وتحركت الى الجانب قليلا ليفتح هو الباب فشكرته بإبتسامة مقتضبة ودلفت الى الداخل يتبعها هو ليغلق الباب ويتأملها وهي تسير بخطواتها الأنيقة نحو مكتبه وتلك البذلة العملية الجذابة بلونها الأزرق الغامق بدت رائعة عليها ومجددا يستوعب كم هي أنيقة وكم تجيد إنتقاء الملابس التي تجمع بين الرقي والبساطة …!
إتجه نحو المكتب بعدما طلب منها أن تجلس على الكرسي الجانبي لمكتبه ليتجه بدوره ويجلس على كرسيه الرئيسي عندما سألها :-
” ماذا تفضلين أن تشربي ..؟؟”
ردت بإبتسامة رسمية :-
” شكرا .. انا فقط أردت قول شيء ما قبل مغادرتي ..”
عاد بجسده الى الخلف وهو يسألها بإهتمام :-
” تفضلي .. مالذي تريدين قوله ..؟!”
تنحنت مخفية إرتبكاها وإن كان قليلا وقالت :-
” كنان بك .. مبدئيا دعني أقول إن شراكتك مميزة لنا ..”
صمتت للحظة ثم قالت بصراحة لا مفر منها :-
” انا شخص صريح جدا لذا سأقولها بكل صراحة إنك بعرضك الذي قدمته لي أنقذت شركتنا من الإفلاس ..”
كان يتأملها بهدوء وتعابير عادية لا تشي بشيء عندما أكملت هي بحذر :-
” ولكن ما زال هناك سؤال يؤرقني … ما سبب هذه الشراكة …؟! ما غايتك منها ..؟!”
التزم الصمت لثواني ..
من المفترض أن يقول الحقيقة دون تزويق فهو لا يجيد التزويق أساسا أو تجميل الحقيقة لكن معها الأمر مختلف ..
هو يدرك جيدا إن عليه مهادنتها ..
إمرأة مثلها لا يناسبها إندفاع مشروع ولا إنتظار صبور ..
ليلى لا تناسبها هذه الطريقة ..
لا يناسبها إعتراف صريح وقرب يفرضه كأمر واقع عليها وفي نفس الوقت لا يناسبها الإنتظار حتى تتحرك مشاعرها وربما لن تفعل ..
وهو بدوره رجل يدرك جيدا كيف يوازن بين الاثنين ..
كيف يحوم حولها ويفرض سطوته على قلبها دون أن يحاصرها بشكل علني .. دون أن يفرض وجوده عليها ..
هو معها يتبع طريقة التسلل البطيء فلا يقف مكانه ينتظر أن تشعر به وبما يرغبه ولا يهاجم فيخسرها الى الأبد…
هو يتعامل معها بصبر وتروي .. يسعى للتسلل داخلها تدريجيا دون أن تعي حتى يستحوذ تماما عليها وحينها ستدرك هي ذلك ولن تجد من قرار قبولها به أي مفر ..!
أجاب وهو ما زال محتفظا بهدوءه :-
” لا توجد غاية محددة … انا أيضا أستفيد من هذه الشراكة .. ربما أنتِ لا تعين ذلك ولكنني أعرف إنني أستفيد ..”
تأملته لثوان بدورها .. تدرس تفاصيل وجهه الثابت .. كلماته التي تبدو ظاهريا واضحة لكنها مبهمة وهي ليست غبية لتنطلي عليها بضعة كلمات يصوغها ..
تحدثت ببرود :-
” أنا أدرك جيدا إن هناك غاية ما بعيدة عن العمل .. غاية أكاد أجزم إنني أعرفها …”
إبتسم بخفوت وهو يقول بجدية :-
” أعلم ..”
تسائلت بحاجبين مرتفعين :-
” مالذي تعلمه ..؟!”
رد وهو ما زال محتفظا بنفس الإبتسامة :-
” أعلم إنك ذكية بما يكفي لتدركي غايتي يا ليلى ..”
توقف للحظة ثم أكمل :-
” هانم …”
تقابلت عينيها بعينيه فرأت بهما الكثير من المشاعر العاصفة … مشاعر تحمل إعترافا صريحا برغبة …
رغبة بأشياء كثيرة لا تقتصر على الحميمية … رغبة جعلتها تشعر بالقشعريرة فنهضت من مكانها وهي تهتف بعدما فقدت تعقلها وثباتها دون أن تعي :-
” إذا كنت ما أفكر به صحيح فعليك أن تعلم إنك صفقتك خاسرة …”
ظل على وضعيته المسترخية وإبتسامته بدا غامضة تماما وهو يردد بثقة أرادت أن تهشم وجهه بسببها :-
” أخبرتك مسبقا على ما أتذكره إنني لا أخسر …”
نطقت بإنفعال لم تفهم لماذا سيطر عليها وهي التي دائما ما عرفت برزانتها وهدوئها وطول بالها :-
” انا لست صفقة يا كنان بك …”
قاطعها وهو ينهض من مكانه يهتف بإندفاع ماحيا تلك الفكرة الحمقاء التي سيطرت عليها :-
” أنت لست كذلك بالطبع وأنا لا يمكن أن أفكر بك على هذا النحو …”
نظرت له بجمود إحتل ملامح وجهها .. جمود تخفي من خلاله توترها أمام حضوره الطاغي والمخيف بالنسبة لها عندما أضاف وقد كست ملامحه جدية تامة :-
” ربما علي أن أكون صريحا بما يكفي طالما الأمور وصلت الى هذه النقطة أسرع مما تخيلت ..”
أخذ نفسا عميقا وقال :-
” انا رجلا واضحا وصريحا يا ليلى .. لا أجيد المراوغات او العبث .. منذ أول مرة وقعت عيناي عليكِ بها وشعرت بشيء ما ينمو داخلي نحوك ..”
توقف للحظة ثم أكمل بصدق :-
” جذبتني يا ليلى .. شيء ما بك جذبني … ”
توقف للحظات متجاوزا كيف ومتى جذبته فهذا سر سيحتفظ به لنفسه ولن تعرفه حتى يأتي الوقت المناسب عندما إجتاز هذه النقاط وأنهى حديثه بحسم :-
” انا أريدك يا ليلى .. أريدك زوجة .. شريكة حياة .. إمرأة تزين حياتي القادمة ومستقبلي .. إمرأة أبني معها العائلة التي أريدها … إمرأة تكون زوجتي وحبيبتي وأم أطفالي …”
همست بهدوء :-
” وهل تعتقد إنني هذه المرأة ..؟!”
رد بحسم :-
” بل لا يوجد سواكِ ..”
أكمل بتروي :-
“انا إخترتك دونا عن الجميع .. ”
” لماذا ..؟!”
سألته بجمود ليرد بصدق :-
” لإنك أنتِ .. لإنك أنتِ يا ليلى .. لإنك الوحيدة التي رأيت بها زوجة المستقبل … الوحيدة التي وجدتها مناسبة لتشاركني حياتي المقبلة وتكون هي مرساي الأخير ….”
الكلام كان ثقيلا على روحها .. ثقيلا جدا .. وهي لم تستطع أن تسمع المزيد ..
همست وهي تجذب حقيبتها التي كانت قد وضعتها فوق الطاولة أمامها :-
” وأنا لا أناسبك ولن أكون المرأة التي تريدها .. لن أكون كما ذكرت … لن أكون لك … ”
أنهت كلامها وغادرت بخطوات سريعة تهرب من كلمات لا تحب سماعها وعرض تخشاه أكثر من أي شيء ..
………………………………………………………..
تأملته وهو يقف أمام المرآة يغلق أزرار قميصه الأسود الأنيق ..
ملامحه جامدة تماما كعادتها طوال اليومين السابقين…
تذكرت ما حدث قبل يومين وتلك الرصاصة التي إخترفت جسد مهند ..
صدمتها وهي تسمع صوت تلك الرصاصة ..
إنطلاقها بسرعة خيالية ولا وعي نحو مكتبه الذي يوجد به ثلاثتهم وقلبها ينتفض رعبا عليه لتجده واقفا بكل صلابة يحمل مسدسه في كفه ومهند مرمي على الأرض والدماء تنزف من كتفه وشقيقه جانبه يحاول فعل أي شيء لإنقاذه عندما صاحت بلا وعي :-
” المشفى .. خذوه الى المشفى ..”
حينها أخفض عمار مسدسه وهتف راغب وهو ينهض من مكانه يبحث عن هاتفه :-
” سأتصل براجي حالا وأطلب الإسعاف ..”
لكن مهند الذي لم يكن قد فقد وعيه بعد حاول أن ينهض قليلا بجسده وهو يشير لشقيقه :-
” توقف .. لا تفعل ..”
توقف راغب عما يفعله وسأله مدهوشا :-
” يجب أن نطلب الإسعاف حالا و ..”
توقف عن حديثه وهو يسمع أنين مهند الخافت وهو الذي فشل في رفع جسده فعاد يسقط أرضا عندما همس أخيرا بجدية رغم ضعف صوته والشحوب الذي إحتل ملامحه :-
” إتصل براجي ودعه يأتي الى شقتك في وسط المدينة ليعالجني .. لا داعي للمشفى …”
أنهى كلماته الأخيرة وقد بدأ يفقد وعيه ورغم إن راغب لم يفهم ولم يستوعب ما حدث إلا إنه نفذ طلبه وتم نقله بمساعدة حراس الفيلا الى سيارته وأخذه حيث أراد تاركا عمار واقفا مكانه بجمود يتابع الموقف بعينين صلبتين لا حياة فيها ..
بدا الموقف غريبا .. عابثا ..
رصاصة ودماء وشخص مصاب …
والجاني يقف بصلابة والضحية تتصرف بغرابة …
كل شيء بدا غريبا وغير مفهوما …
كيف إنتهى الأمر بمغادرة الرجلين بسرعة دون أن يلتفتا لمن أطلق الرصاصة ..؟!
كيف طلب هو منها بكل برود أن تطلب من الخادمة تنظيف الأرضية من دماء ذلك القذر كما وصفه ..؟!
لم تفهم شيئا ولكنها منذ تلك الليلة والضيق والألم يأكلانها دون رحمة ..
إستدار وهو يحمل هاتفه عندما وجدها تنظر إليه بجمود وهي التي تقف على بعد مسافة منه مستندة على الجدار خلفها وذراعيها معقودين أمام صدرها …
رمقها بعدم إهتمام وهو يهم بالخروج عندما سمعها تردد :-
” إلى أين ..؟!”
رد بإقتضاب :-
” ليس من شأنك ..”
تقدمت نحوه تجذبه من ذراعه وهي تهتف من بين أسنانها :-
” بل من شأني .. ”
نظر الى كفها التي تقبض على ذراعها بقسوة فهدر بها :-
” هل جننت يا شيرين ..؟!”
ردت بأنفاس متسارعة :-
” نعم جننت .. بسببك جننت .. بسبب حياتي معك جننت .. انا لا أفهم مالذي يحدث معك .. لا أفهم كيف تسير حياتك …”
أكملت بنبرة عاجزة :-
” ولا أعرف كيف أتعامل معك ..؟؟ ”
إسترسلت بتعب ودموع مكتومة :-
” انت كيف تعيش هكذا … كل شيء في حياتك فوضى .. كل شيء تعيشه مليء بالقسوة والكره والإنتقام .. قبل يومين كدتَ أن تقتل شابا .. صوبت رصاصة مسدسك نحوه بكل قسوة وتركته ينزف دما بلا مبالاة … كيف يمكنك أن تكون قاسيا لهذه الدرجة ..؟! كيف يمكنك أن تدمر حياة الأخرين بهذه البساطة ..؟؟ أنا لا أفهم …”
توقفت عن حديثها بأنفاس متقطعة عندما تأملها هو بصمت امتد للحظات قبل أن يهتف بجمود :-
” إنها المرة الأولى التي أدركِ فيها إنكِ لم تفهمينني يوما ولن تفعلي مثلما أدركت أيضا مدى الفجوة التي نشأت بيننا منذ زواجنا ..”
همست بحرقة عاشقة فشلت في إصلاح معشوقها :/
” بل أنا من أدركت ذلك … انا من أدركته بعدما فات الآوان …”
تحركت مبتعدة عنها تتحدث بصوت مسموع لكنها كانت تحدث نفسها قبله :-
” أم إنني كنت أدرك ذلك وتغاضيت عنه ..؟! كنت أدرك حقيقتك ..؟! كنت أدرك كم الشر داخلك ومع هذا تزوجتك .. قبلت بك .. إرتضيت بك رغم بشاعة روحك وسواد قلبك ..”
إستدارت نحوه تهمس بعينين باكيتين وحرقة شديدة :-
” تحديت الجميع لأجلك .. لأجل أن أكون معك …”
” لماذا ..؟!”
سألها بقوة وهو يضيف بثبات :-
” لماذا فعلت ذلك ..؟! لماذا تحديت الجميع لأجلي ..؟! لماذا تخليتِ عن عائلتك لأجلي …؟! لماذا فعلتِ هذا وأنتِ تعرفينني جيدا وتعرفين إن هذه حقيقتي وصفاتي التي ليست جديدة عليك أبدا ..”
هتفت بنبرة مشحونة بكافة المشاعر المتناقضة التي تعتريها في تلك اللحظة :-
” لإنني أحبك … ”
أكملت ودموعها تنسكب فوق وجنتيها :-
” لإنني أحبك يا عمار .. أحبك دون توقف .. أحبك رغم كل صفاتك السيئة التي أدركها جيدا .. أحبك كمرض لا دواء له .. أحبك بقدر كرهي لذلك السواد والحقد الذي تحمله داخلك ..”
تقدم نحوها يجذبها من ذراعيها يهمس بالقرب منها :-
” وهل هذا ما يبكيكِ ..؟! هل هذا ما يحزنك ..؟! إنك تحبينني ..؟!”
صاحت بوجع :-
” نعم ، لإنك لا تستحق هذا الحب .. لا تستحق مشاعري .. لا تستحقني ..”
سألها بقوة وهو يقبض على ذراعيها :-
” لماذا أنتِ هنا إذا…؟! لماذا لا ترحلي ..؟! لماذا لا تتركيني ..؟!”
أكمل وهو يهزها من ذراعيها :-
” لماذا لا ترحلين ..؟! لماذا لا تغادرين حياتي ..؟! لماذا تعيشين مع رجل مثلي ..؟! لماذا تستمرين في إيلام نفسك بسببي ..؟! لماذا لا تهربين ..؟! لماذا تبتعدين …؟! لماذا أنت هنا ..؟!”
كان يهزها يعنف ولا وعي بينما هي تبكي بصمت عندما بدأ يفقد عقلانتيه تدريجيا وهو يسترسل وقد تحول لشخص آخر تماما بعينيه اللتين تشكلت بهما لمحة شيطانية مخيفة وملامحه التي قست تماما :-
” مالذي يجعلك تعيشين مع رجل مثلي ..؟! مالذي يجعلك تتحملين قسوتي وحقارتي …؟! مالذي يجبرك على قبول حياة كهذه لا تشبهك …؟! الحب ..؟! الحب يا ديانا ..؟! اللعنة على الحب الذي يجعلك تدمرين نفسك بسببه …اللعنة على الحب الذي يجعلك تتألمين لسنوات بسببه .. اللعنة على الحب الذي يجعلك تخسرين ثباتك وقوتك بسببه .. اللعنة على الحب الذي يجعلك تنتحرين بسببه وتتركين كل شيء محطما خلفك …”
وهنا صاحت شيرين وهي تدفعه بقوة :-
” توقف يا عمار .. انا لست والدتك ديانا … انا شيرين يا عمار .. انا لست ديانا ..”
” هي ليست دينا .. هذه ليست ديانا .. هذه شيرين زوجتي .. شيرين وليست ديانا …”
بهتت ملامحه للحظات وقد بدأ كل شيء يصبح اكثر وضوحا ..
من تقف أمامه هي شيرين وليست ديانا ..
من تقف أمامه هي زوجته وليست والدته ..
لماذا إذا رآها ديانا ..؟! لماذا إذا كان يرى والدته أمامه ..؟!
هل كان يتخيل ..؟! أم كان يخبر شيرين بما أراد أن يخبر به والدته ..؟!
أم كان يرسم أمام عيني زوجته مصيرها القادم وما ينتظرها معه ..؟!
عند هذه النقطة تجمدت أطرافه وسقط قلبه أسفل قدميه ولم يكن بوسعه سوى الفرار هربا بأقصى سرعة من طيف والدته وواقع زوجته …
……………………………………………………………
تجلس فوق سريرها تحتضن جسدها بذراعيها وملامح وجهها تجعلها تبدو هادئة ظاهريا لكنها واقعيا تعاني من تخبط مشاعرها ووجعها الذي لا يتوقف …
أشهر مرت على فراقهما …
أشهر كانت تتجاهل فيها الحقيقة المرة عن عمد ..
تتتجاهل سنوات عمرها المهدورة هباءا ..
تتجاهل الحب الغير مشروط والذي ضاع في زحمة الأيام المحملة بندوب ماضي لا علاقة لها به …
تتجاهل خذلان قلبها وتحطم روحها …
تتجاهل وتسير في دربها الجديد مجبرة لا مخيرة ..
درب مجهول المعالم ..
درب تسير به فقط لتستمر الحياة ولتحافظ على وتيرة نظام عائلتها التي تحاول لملمة ما تبعثر بها …
لا تعلم إذا ما كانت محظوطة لإن مشاكل والدها أتت بنفس الفترة التي فقدت بها حب عمرها فإنشغلت كليا بمشاكل والديها وأزمة والدها وما تبعها من ذلك أم إن الحظ لا يعرف طريقه إليها وإن كل شيء سيعود من جديد ..
الآلم سيعود مجددا والوجع سيعود كما هو بعدما تنتهي من واقع حالها الذي سحبها رغما عنها خارج محيط العشق المؤلم وشغلها كليا …
أكثر ما يخيفها هي اللحظة التي سينتهي بها الوضع الحالي والذي بدا أشبه بغيبوبة مؤقته لا بد أن تنتهي يوما وتستيقظ هي مع مشاعرها من تلك الغفوة المؤقتة ويعود كل شيء كالسابق ..
يعود نفس الألم .. نفس القهر … نفس الوجع المتراكم …
رفعت كفيها نحو وجهها تمسد به جبينها ثم عادت وأبعدتهما وهي تشعر بتلك الدموع تحرق عينيها ..
دموع شكلتها سحابة ذكريات الماضي الذي غزت قلبها مجددا …
إعتصرت عينيها بقوة تمنع نفسها من بكاء حتمي لكنها فشلت فأطلقت العنان لدموعها التي تساقطت فوق وجهها الجميل بصمت يشبهها …!!
صمت يوجد خلفه تراكم من مشاعر جمدتها هي عمدا وكم تخشى من اليوم الذي ستتحرر فيه تلك المشاعر من جمادها الذي قيدتها به …!
ظلت تبكي بصمت ولكن البكاء لم يكن كافيا لها ..
هناك شيء ما يجثم فوق صدرها …
روحها تصرخ داخلها ..
شيء ما لا تعرف ماهيته يجثم فوق روحها لتختنق بسببه تماما ..!
نهضت من فوق سريرها ودموعها ما زالت تتساقط من عينيها دون توقف ..
أخذت تسير داخل غرفة نومها بخطوات غير واضحة ..
تتجه هنا وهناك كروح تائهة تماما تبحث عن مرسى لها تستقر فيه او ربما تبحث عمن يحررها من قيودها …
وأخيرا توقفت أمام مرآتها …
تأملت نفسها لثواني ..
وجهها الباكي وشعرها المسترسل على جانبي وجهها وقد إلتصقت بضع خصلات منه فوق جانبي وجهها الرطب …
رأت أمامها أمرأة جميلة رغم الدموع التي تغطي وجهها والألم الذي يكسو ملامحها ..
إمرأة تمتلك كل شيء من وجهة نظر الجميع ..
المال والجاه والجمال الغربي المميز الذي يحسدها الجميع عليه …
هي كانت تمثل الكمال بالنسبة لمن حولها وما زالت كذلك رغم كل شيء ..
بالنسبة لهم هي ما زالت كذلك لكنها لا ترى كل هذا ..
لم تعد ترى او بالأحرى لم تعد تهتم …
لم تعد تهتم بكل الميزات التي كانت ولا زالت تمتلكها ..
لا تهتم بجمال ثابت إتفق عليه الجميع ولا صورة الفتاة الراقية المميزة التي يتهافت الكثير عليها …
هي لا تهتم بكل هذا …
هي حتى لا تهتم بعرضي زواج أتيا من شخصين يبدوان حلما للعديد من النساء ..
لا تهتم بمشاعر عاشق مخضرم أدركت صدق مشاعره النقية نحوه وعشقه الذي يشع من عينيه في كل لحظة تتجسد هي أمامه ..
لا تهتم بعرض زواج قدمه رجل مثل كنان نعمان بكل ما يمتلك من ميزات .. بثرائه الفاحش وأصوله العريقة والتي تتفوق على ثراء وأصول عائلتها حتى ..!!
بكل ما يمتلكه من جاذبية وذكاء وشخصية لامعة ..
هي لا تهتم بكل هذا بل إنها باتت لا تهتم بشيء …
مسحت وجهها بكفيها وهي ما زالت تقف أمام المرآة عندما توقفت عما تفعله وعادت تتأمل وجهها شديد الإحمرار فهمست تسأل نفسها التي تنعكس أمامها على زجاج المرآة :-
” من أنت ..؟! هل أنتِ ليلى القديمة ..؟؟ ليلى الجميلة اللطيفة المليئة بالحب والحياة …؟! أم ليلى أخرى …؟! لبلى جديدة لا يسكنها سوى الدمار ..؟! ليلى تحاول أن تعود لصورتها القديمة فلا تحصل سوى على نسخة باهتة خادعة قد تخدع الجميع بإنها عادت كما كانت لكنها وحدها هي من تدرك زيفها …”
إرتجفت شفتيها وهي تتحرك هامسة لنفسها :-
” من أنت يا ليلى …؟! أيهما أنت …؟؟ ”
……………………………………………………….
1
وقفت أمام المرآة تتأمل إطلالتها بعينين فرحتين …
ما زالت لم تفهم كليا ما يحدث …
لقد إختفى منذ الصباح متحججا بعمل لم يخبرها سوى القليل عنه ..
ثم فجأة وقرب انتهاء فترة الظهيرة أرسل لها علب مع احد الأشخاص مغلفةبشكل جذاب جدا ..
علب بيضاء اللون تحيط بها أشرطة زهرية جذابية منسقة بشكل بسيط جدا وأنيق في ذات الوقت ومعها كارت صغير لونه خليط بين الأبيض والزهري مكتوب فيه بخط أنيق :-
” سأنتظرك في تمام الساعة الثامنة مساءا أسفل العمارة .. كوني جاهزة في الوقت المحدد … لا تتأخري علي فأنا أتشوق نارا لرؤيتك ..”
بدأت تفتح العلب فوجدت فستانا أبيضا ذو قصة بسيطة جذابة جدا حيث ينسدل قماشه الأبيض الحريري فوق جسدها ملتصقا بالجزء العلوي من جسدها وما إن يصل خصرها حتى يتسع قليلا وبشكل تدريجي ملتفا حول ساقيها الرشقيتين ..
قماشة سادة تماما لا يزينه شيء بإستثناء حمالاته الرفيعة المرصعة بورود ناعمة صغيرة ذات لون زهري جذاب …
الى جانب الفستان كان هناك حذاء ذو كعب عالي أنيق التصميم كريمي اللون وحقيبة صغيرة أنيقة تحمل ذات اللون …
حملت العلبة الأخرى وفتحتها لتجد مستحضرات تجميل تحمل توقيع إحدى الماركات العالمية منوعة تشمل جميع ما تحتاجه النساء عموما وفي علبة أخرى مجموعة من العطور تحمل رائحتها المفضلة والتي تستخدمها دائما بتوقيع نفس الماركة …
إبتسمت بعذوبة وهي تتأمل الفستان الذي كان يناسبها تماما وشعرها الذي سرحته وتركته على وضعه الحر كما يفضله هو …
زينت وجهها بمكياج ناعم يقتصر على بودرة الوجه الخفيفة وكحل عينيها وأحمر شفاه بلون زهري رقيق …
تأملت الساعة التي ستصبح الثامنة بعد ثلاث دقائق فشعرت بإضطراب نبضات قلبها ..
كان قلبها يخفق بعنف وهي تتخيل الليلة وكيف ستكون …
وأخيرا أتت الساغة الثامنة فتحركت تغادر الشقة تهبط الى خارج الشقة عندما وجدته واقفا بجانب سيارته أمام واجهة العمارة كما أخبرها يرتدي بذلة أنيقة منحته جاذبية مخيفة جعلت نبضات قلبها تنتفض أكثر …
كان واقفا في مكانه ينظر أمامه بملامح ظهرت عليها اللهفة عندما ظهرت هي تسير على إستيحاء ليحاوطها بعينيه أثناء سيرها نحوه فيزداد خجلها أضعافا وهي ترى تلك النظرة شديدة الحميمية في عينيه …
وقفت أمامه تمنحه إبتسامة خجول عندما جذب كفها يرفعه ويقبله بخفة قبل أن يهمس وهو يمرر عينيه الزرقاوين فوق وجهها الصبوح :-
” تبدين لامعة ومشرقة بشكل يجعلني أرغب في حبسك بين ضلوعي للأبد …!”
كلماته تلك كانت تقيد قلبها بقيد جديد من قيود عشقه التي تلفه …
كلمات تمنحه صك ملكية قلبها الذي لم يتحرر من ملكيته أساسا …
تنحنت وهي تهمس بخفوت :-
” وأنت تبدو جذابا …”
إبتسم بهدوء ثم قال وكفه تمتد نحو خصلات شعرها تربت فوقها ببطء :-
” هل أنت مستعدة للمغادرة …؟!”
هزت رأسها وهي تبتسم بخجل مفرط ليبتسم بخفة على خجلها الذي يعجبها كما تعجبه شقاوتها وروحها المليئة بالحياة بل حتى تمردها يعجبه …
فتح لها الباب بحركة أنيقة يشير لها أن تدخل فركبت سيارته تجلس في كرسيها بينما إتجه هو الى الجانب الآخر حيث جانبها ليبدأ بقيادة سيارته بينما تجلس هي جانبه صامتة ..
لم ينتظر كثيرا حتى فتح لها الاغاني الخاصة بمطربها المفضل فنظرت له تبتسم بصمت يبادلها هو إبتسامتها. عندما عاد يركز في قيادته وظلت الأغاني مفتوحة حتى وصلا الى المكان المنشود ..
هبط من سيارته واتجه نحوها يفتح لها الباب لتجلس وهي تشكره بخفوت فيقبض على كفها ويسير جانبها حتى دلفا الى الداخل لتجد حياة مكانا راقيا جدا مزينا بطريقة لافتة جذابة يتوسطه طاولة مستديرة مزينة برقي هي الأخرى موضوع عليها علب صغيرة وباقة ورد وأشياء أخرى …
تأملت الزينة الرائعة بلونها الأبيض والزهري …
كل شيء كان مثاليا …
اما هو فكان يتأمل لمعة عينيها وضحكتها العفوية لتهتف بسعادة :-
” لا أصدق .. إنها مفاجئة رائعة …”
جذبها من خصرها يقبل خصلات شعرها من الجانب يهمس في أذنها :-
” هذه مجرد بداية .. الليلة عنوانها المفاجئات …”
إستدارت بوجهها نحوه بينما جسدها ما زال محاصرا بين أحضانه الرحبة لتسأله ببسمة متسعة :-
” ماذا ينتظرني أيضا ..؟!”
إبتسم بجاذبية وقال :-
” ستعرفين كل شيء في توقيته المحدد .. ”
أضاف وهو يميل نحو ثغرها مرددا :-
” هذه الليلة ستكون ليلتنا .. ليلة خاصة بنا … ستكون ليلة من العمر وستبقى محفورة في ذاكرتك الى الأبد .. أعدك بهذا …”
أنهى كلماته بقبلة خفيفة فوق شفتيها ليضيف :-
” ما زال الوقت مبكرا على هذا .. الليل طويل .. سنؤجل هذا الأمر حتى الوقت المناسب …”
ضحكت مرددة بمكر :-
” أنت قلت إن الليلة طويلة والمفاجئات لا تنتهي .. ربما علينا تأجيلها للغد ..”
همس معترضا :-
” إطلاقا .. الليلة يا حياة ..”
أضاف وعيناه تلمعان بشغف :-
” لا تقلقي … كل شيء منظم … سنفعل كل شيء …”
إبتسمت رغم خجلها وهي تسأله من جديد بفضول :-
” وما أول شيء سنفعله ..؟!”
رد وهو يبتسم لها :-
” سنرقص أولا …”
أضاف وهو يتأمل فستانها الذي إنتقاه بنفسه لها :-
” الفستان بدا أروعا عندما إرتديته أنتِ ..”
تنحنت وهي تلمس قماش الفستان الناعم :-
” هذا إختيارك مع إنني لا أفهم لم الأبيض بالذات ..”
هتف بجدية :-
” لا بد أن يكون أبيضا .. تعدمت إختيار اللون الأبيض لإنه اللون الذي يشبهك … اللون الذي يمثلك بالنسبة لي ..”
همست بحب :-
” نديم …”
سأل وهو يتقدم نحوها :-
” نعم يا حياة …”
همست بضعف مشروع أمامه :-
” أحبك …”
تقدم نحوها أكثر يهمس لها بخفوت وصدق لمع بعينيه :-
” حياة .. يا أجمل شيء حدث لي في هذه الحياة … بك تكتمل الحياة يا حياة …”
إرتعش جسدها من عمق كلماته عندما قبض هو على كفه يجذبها نحوها يراقصها بعدما صدح صوت الموسيقى الهادئة في أرجاء المكان ليهمس لها وعيناه تنظران الى عينيها بثبات :-
” ركزي في كلمات الأغنية جيدا .. هذه لك .. تمثلني كما تمثلكِ …”
إبتسمت بحب عندما مال نحوها يعانقها بدفء بينما إنسابت كلمات الأغنية وأصابت قلبها وليس مسمعها فقط ..
“بدِّي ياها
تشتقلي وتخاف عليي
بدِّي ياها
تنام وتحلم بعينيي
بدِّي ياها
تكون الفرحة اللي ناطرا
خاف شي لحظة إخسرا
ترسم ضحكي
لما تحكي
وكل ما شوفا أغمرا
بدِّي ياها
تمشي بدمي قطعة مني
بدِّي ياها
وقت همي تبقى أمي
قلبي يتخبى فيا
يركض ليها يلاقيا
تاخد روحي
تداوي جروحي
وجوا ضلوعي خبيا
بدِّي ياها
قلبا وطن ما بينخان
بدِّي ياها
تحسسني بطيبة زمان
بدِّي ياها
قلبا وطن ما بينخان
بدِّي ياها
تحسسني بطيبة زمان”
………………………..
إنتهيا من الرقصة وقلبها يكاد يخرج من أضلعها من شدة العشق والسعادة …
جذبها من كفها متجها بها نحو الطاولة حيث جلست على الكرسي ليتقدم بعدها وهو يحمل باقة الزهور اولا …
إبتسمت وهي تأخذ الباقة بزهورها الرائعة والتي أيضا تحمل مزيجا بين اللونين الأبيض والزهري ككل شيء في هذه المفاجأة …
عاد بعد لحظات وهو يحمل علبة مربعة متوسطة الحجم تأملتها لثوان حتى فتحها فظهر داخلها طقم مجوهرات من اللؤلؤ الحر ..
تأملت الطوق لثواني قبل أن ترفع عينيها الشفافتين نحوه تهمس إسمه بخفوت فيسألها بجدية :-
” هل أعجبك الطقم ..؟!”
أجابت بصدق :-
” أي شيء منك يعجبني يا نديم …”
همس يسألها :-
” إذا، هل تسمحين لي بأن أساعدك في إرتدائه ..؟!”
ضحكت برقة فحمل العقد وإتجه نحو الخلف حيث أزاح خصلات شعرها القصيرة قليلا وألبسها العقد وأغلقه بحرفية ..
ثم حمل الحلقين وألبسها إياهما بمساعدتها هي هذه المرة وأخيرا السوار الرقيق بتصميمه الذي خطف قلبها ..
أنهى ما فعله بقبلة طويلة طبعها فوق جبينها قبل أن يقول :-
” والآن جاء وقت الطعام …”
إبتسمت بحب عندما تقدم النادل وبدأ يعد المائدة لهما …
مر الوقت حيث تناولا الطعام وغادرا بعدها المكان متجهان الى يخت رائع صعدت عليه حياة بعدما ساعدها ليهمس لها وهما يسيرين الى الأعلى :-
” والآن سننطلق في رحلة بحرية مميزة…”
نظرت له تردد :-
” رحلة مع صديقي المفضل البحر …”
انحنى نحوها وهو يهمس بمكر :-
” وحبيبك الأول والوحيد الذي هو أنا …”
هزت رأسها وهي تضحك ليجذبها وهو يسير بها حيث قمة اليخت الذي بدأ يتحرك بقيادة قائد اليخت في الأسفل ..
وقفت حياة بين أحضان وهي تستند بكفيها على حافة اليخت تتأمل مياه البحر التي تعشقه ونسمات الهواء الدافئة قليلا تلفح وجهها وتمنحها إنتعاشا رائعا ….
إلتفتت نحوه تهمس بعد تنهيدة صامتة :-
” الجو رائع ..”
” جدا …”
قالها بصدق وهو يضيف بمكر باتت تحبه منه :-
” يشجعني على القيام بالعديد من الأشياء التي ستبدو مختلفة في الهواء الطلق …”
إحتقنت ملامحها وهي تنهره برقة:-
” نديم …”
همس بعفوية :-
” حياة نديم …”
إختلجت نبضات قلبها ما إن نطق بهذه الكلمتين وعقلها
أخذ يرددها بعدم تصديق …
هل هي حياته فعلا ..؟!
هل يعنيها حقا أم مجرد كلمة عفوية صدرت منه لا تعني شيئا…؟!
تجاهلت أفكارها وهي تسأله بينما تضع كفها فوق صدره :-
” هل تعنيها حقا يا نديم …؟!”
بدت أكثر جرأة ووضوحا وهو بدوره لم يبخل عليها عندما قال بصدق :-
” أعنيها وبقوة … أنت حياتي يا حياة .. ألم تستوعبِ هذا بعد ..؟!”
أضاف وأنامله تسير فوق ملامح وجهها :-
” ألم تشعري بها حقا .. في كلامي ونظراتي وشوقي ..”
قاطعته بجدية :-
” هذه مؤشرات لكن قد يكون الواقع مختلف فلا تلمني إذا شككت في مكانتي عندك .. فمهما بلغ عمق النظرات والأحاسيس تبقى الكلمات هي الدليل الحي عليها …”
ورغما عنه تذكر كلمات غالية في تلك اللحظة :-
“وأريدك أن تتذكر إن حياة مهما تجاهلت وإستمرت معك ستأتي يوم وتحتاج الى الحب .. ستحتاج أن تسمع كلمة الحب منك وتراها بعينيك … الآن هي تتجاهل وربما ستتجاهل الى عامين او ثلاثة ولكن في النهاية سيأتي يوم وتنفجر وينتهي صبرها وتغادر حياتك وحينها فقط ستدرك حجم غبائك وستندم على خسارتك ”
عند هذه النقطة شعر بالخوف يغزو كيانه وقلبه فجذبها دون وعي داخل صدره يحميها من نفسه ومشاعره المشتتة وقلبه المظلم قبل أن يحميها من حيرتها وخوفها وقلقها مما هو قادم ..
…………………………………………
انتهت المحطة الثانية وأتت المحطة الثالثة والأخيرة في هذه الليلة التي بدت لحياة كحلم جميل لا تريده أن ينتهي …
كان قد قضيا ساعتين فوق اليخت يتحدثان بسعادة متناسيين الحاضر بكل تعقيداته متجاهلين مستقبل مجهول المعالم …
غادرا بعدها اليخت ليذهبا الى وجهتهما الأخيرة ..
أخذها نديم الى احد الفنادق المشهورة جدا في البلاد حيث حجز لهما جناحها حرص على ترتيبه بشكل يناسب عروسين في ليلة عمرهما الأولى …
دلفت حياة الى الجناح تتأمل التفاصيل بإنبهار ..
تلك التفاصيل التي لم تعشها في ليلتهما الأولى بسببها هي أولا …
تأملت الفراش المرتب بغطاءه الأبيض وتطريزه الجذاب المناسب لعروسين ..
زينة الغرفة الرقيقة والبالونات التي تزين الأرضية باللونين الأبيض والزهري أيضا ..
كانت مبهورة تماما بكل ما يحدث عندما شعرت به يحيط جسدها من الخلف يهمس لها :-
” وهنا مسك الختام …”
إستدارت نحوه تتأمله بعينين دامعتين تهمس له بصدق :-
” أنت رائع يا نديم ….”
إنحنى نحوها يقبل شفتيها بشغف وشوق فذابت هي بين ذراعيه تبادله قبلاته عندما إبتعد عنها بعد يهمس من بين أنفاسه اللاهثة :-
” ليس قبل أن ترتدي قميص النوم الذي إخترته لك …”
تراجعت الى الخلف تهمس ينبرة مبعثرة كمشاعرها تماما في تلك اللحظة :-
” قميص نوم ..!!”
اومأت برأسه فتأكدت إنه يريد تعويض تلك الليلة لتبتسم برقة وهي تسأله :-
” أين هو ..؟!”
رد وهو يشير الى الجانب :-
” في الداخل …”
سارت على إستيحاء نحو الحمام بينما خلع نديم سترته وفك أول ثلاثة أزرار من قميصه ووقف ينتظره بحماس وشوق ..
اما هي فدخلت لتنظر الى قميص النوم بنظرة أولى معجبة ..
كان القميص رائعا بلونه الكريمي وتطريزه الجذاب عندما بدأت تخلع ملابسها ثم ترتديه ولكن الصدمة كانت عندما وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها بالفستان فترى عريه الذي كان مخفيا قبل إرتداءه …
لم يكن يبدو هكذا … كان يبدو أكثر إحتشاما لكن ما إن إرتدته حتى ظهرت تفاصيله الواضحة بقماشه الذي ظهر معظمه شفافا بإستثناء القليل ..
تنحنت بحرج وهي تتأمله مجددا تشعر بالخجل يغزوها …
نعم هما سويا منذ مدة وهذه ليست مرتها الأولى وقد تخطيا تلك المرحلة منذ زمن لكنها حقا لم ترتدي ولا مرة شيء هكذا بل واقعيا هي لم ترتدي يوما قميص نوم حيث كانت ترتدي بيجاماتها المعتادة متجاهلة قمصان النوم التي إشترتها لها والدتها …
أرادت أن تخلعه لكنها نهرت نفسها بالقوة …
لا تعرف كيف إستطاعت الخروج وهي تتحلى بكل أسلحة الجرأة الممكنة التي لا تمتلكها أساسا ..
وأخيرا وقفت أمامه وفي تلك اللحظة شعرت إنها عادت عذراء خجول فالخحل الذي تشعر به حاليا لم تشعره حتى في مرتهما الأولى ..
شهقت بصمت عندما قبض على كفها برقة وقد إستوعبت أخيرا إنه تقدم نحوها ووصل إليها دون أن تنتبه …
ودون أن تنطق جذبه نحوها وعلى ما يبدو إنه شعر بخجلها الشديد فلم يمنحها الفرصة للهرب وقرر أن يجذبه نحو عالمه دون أن يمنحها الفرصة للهرب ويبدد خجلها …
وكان له ما أراد حيث دخلت عالمه بسلاسة وتوحدت معه كما يحدث في العادة ..
لم يتوحد الجسدين فقط بل توحدت الأرواح ..
الشغف والشوق كان سيدا الموقف ..
شغف لم ينتهي ورغبة لا تتلاشى …
مضى الوقت سريعا ولم يشعرا بها حتى سقطت هي بإرهاق بين ذراعيه تغمض عينيها وتغرق في نومها بسرعة بينما ذراعيه تحاوطانها تماما وقبلاته تحط فوق خصلات شعرها وجانب وجهها بخفوت …
وفي تلك اللحظة كان كل شيء مثاليا ومكتملا كعادته ..
ورغم لياليهما السابقة كانت هذه الليلة لها نكهة خاصة ..
ليلة لن تطبع في ذاكرتها وحدها بل في ذاكرته هو الآخر..
هي إمرأة مشاعره معها تتخبط كليا …
إمرأة تمنحه كل ما يحتاجه من مشاعر …
تجعله يشعر بكل شيء يتمناه المرء …
الراحة والإحتياج ..
السكينة والسعادة …
الشوق والشغف …
وأخيرا الإنتماء …
مشاعر ثابتة لا جدال فيها …
مشاعر يدركها جيدا ولا يخجل أن يعترف بها ..
مشاعر تستوطن روحه دون فكاك …
مشاعر لا يجد سببا محددا لها ولا تفسيرا منطقيا لها …
مشاعر لا يجد لها مسمى ولا يحاول أن يبحث …!!
فتح عينيه الزرقاوين أخيرا بعد نوم إستمر لساعات طويلة ..
تأمل سقف المكان للحظات قبل أن ينظر لها وهي التي تتوسد صدره فيبتسم لا إراديا وهو يتأمل ملامح وجهها الهادئة تماما وهي غارقة في نومها بين ذراعيه ..
مد كفه يلمس خصلات شعرها البنية القصيرة يتسائل كيف سيكون شكلها لو طالت خصلاته فيتذكر صورتها السابقة في سنتها الجامعية الأولى بشعر طويل وكم بدا لائقا بها كما يليق بها الشعر القصير تماما …
أراد أن يوقظها من نومتها لكنه تراجع وهو يراها تنام بعمق وسلام بعد ليلة طويلة مميزة لا تنسى ….
نهض من مكانه بتمهل متجها الى الحمام ليأخذ حماما سريعا فيخرج بعد مدة وهو مرتدي ملابس مكونة من بنطال أسود كلاسيكي فوقه تيشرت ذو لون مماثل ….
وقف أمام المرآة يسرح شعره قبل أن يتجه خارج الغرفة ليفتح الثلاجة الموجودة في المكان ويخرج منها القهوة المثلجة ثم يتجه مجددا نحو الغرفة ومنها الى شرفتها المطلة على الحدائق الخارجية للفندق وحوض السباحة الواسع فأخذ يرتشف قهوته وهو يتأمل المكان بصمت وهدوء منتظرا إستيقاظ حياة ليبدأ يومه معها …
اما هي فإستيقظت أخيرا وهي تبتسم بعفوية وذكريات ليلة البارحة غزت عقلها فإحمرت وجنتيها بقوة وإرتفعت نبضات قلبها بقوة وكل شيء بدا ليلة البارحة مثاليا بشكل يجعلها عاجزة عن وصفه …
إعتدلت في جلستها تتأمل مكانه الخالي جوارها قبل أن تنتبه إليه وهو واقفا في الشرفة المقابلة لها فتنهض من مكانه وتهم بالتوجه نحوه بعفوية عندما إنتبهت لقميص نومها المفتوح فزمت شفتيها بعبوس وهي تتجه بخطوات بطيئة نحو الخزانة متوسط الحجم لتفتحها فوجدت بها روبا محتشما فسارعت تجذبه وترتديه …
إتجهت نحوه بخطواتها الحذرة وما إن وصلت قربه حتى فوجئت به يستدير نحوها ويجذبها إليه بحركة مفاجئة لتشهق بفزع فيضحك على مظهرها عندما مطت شفتيها ترد :-
” كنت أريد إفزاعك فأزعتني أنت …! ”
أضافت تسأله :-
” كيف عرفت إنني خلفك ..؟!”
رد وهو يهز كتفيه :-
” شعرت بك … ”
إبتسمت بخفة عندما بادلها إبتسامتها وهو يردد :-
” صباح الخير …”
ردت تحيته بخفوت فسألها :-
” كيف كانت ليلة البارحة ..؟!”
ردت بسعادة ظهرت في لمعة عينيها :-
” رائعة … كل شيء كان رائعا وخاصة الرحلة البحرية .. ”
قاطعها بخبث :-
” أنا لا أتحدث عن هذا .. أنا أتحدث عما يلي الليلة البحرية …”
إحتقنت ملامحها وهي تنهره بخفوت :-
” توقف عن وقاحتك يا نديم …”
إنحنى نحو شفتيها يطبع قبلة خفيفة فوقيهما ثم يردد بمكر :-
” ما زلت تخجلين مني بعد هذه المدة ..!!”
ردت كاذبة :-
” كلا لا أخجل ..”
ابتسم مرددا :-
” كاذبة .. إنظري الى لون وجنتيك وستدركين إنك كاذبة ..”
غمغمت بعبوس :-
” حسنا أخجل ..”
أضافت بسرعة :-
” قليلا …”
قال بجدية :-
” انت زوجتي .. لا مجال للخجل بيننا …”
ردت تبتسم بخفة :-
” لم يمر على زواجنا سوى أشهر قليلة .. ما بالك تتحدث وكأننا متزوجين منذ أعوام ..؟!”
هتف بإستنكار مصطنع :-
” أنتِ لن تستمري في خجلك هذا بعد أعوام يا حياة ، أليس كذلك ..؟!”
رمقته بنظرات حانقة ليجذبها نحوه يعانقها بسعادة طغت عليه وعليها عندما همهمت تسأله وهي داخل أحضانه :-
” هل تعتقد إن زواجنا سيستمر لأعوام حقا …؟!”
رد وهو يغمض عينيه مستمتعا بوجودها بين ذراعيه والذي يمنحه شعورا من السلام والأمان لا ينتهي :-
” لم ينتهي هذا الزواج طالما أنا على قيد الحياة إلا إذا …”
ابتعدت عنه تسأله وهي تنظر له بفزع :-
” إلا إذا ماذا ..؟!”
رد بصدق :-
” إذا إذا أردت الإنفصال ولكن لأسباب مقنعة وليس لأسبابك السابقة ..”
عقدت حاجبيها تسأله بفضول لا إرادي :-
” أسباب مثل ماذا ..؟!”
رد وهو يسير بإبهامه فوق وجنتها :-
” كأن تتوقفي عن حبي .. في الحقيقة هذا السبب الوحيد الذي يجعلني أطلقك أما غير ذلك فلا طلاق …”
لوت شفتيها تردد :-
” هذا يعني إننا لن نتطلق أبدا …”
ابتسم مرغما وهو يقول :-
” هذا هو المطلوب ..”
أردف بخبث ؛-
” وطبعا هذا إعتراف مباشر منك إنك لن تتوقفي عن حبي ..”
هزت كتفيها تدعي البؤس :-
” للأسف الشديد لن أفعل …”
جذبها نحو مجددا يردد بتملك ظهر في عينيه :-
” ومن سيسمح لك أساسا أن تفعلي ..؟!”
أضاف وهو يتأمل ملامحها الناعمة :-
” أنا لا يمكنني تخيل حياتي بدونك يا حياة … لا يمكنني العيش بدونك .. حياتي باتت مرتبطة بك لذا لا فكاك لك مني إلا في حالة واحدة وهي …”
أوقفته بسرعة :-
” لا تنطقها …”
أضافت بتوسل :-
” لا تنطق هذه الكلمة من فضلك وإذا كنت تريدني سعيدة حقا فعليك أن تحافظ على نفسك لأجلي فأنت كل حياتي يا نديم …”
جذبها نحوه مجددا يطبع قبلة دافئة فوق جبينها يهمس لها :-
” أعدك إنني سأفعل كل ما بوسعي لحماية نفسي لإجلكِ أنتِ قبل كل شيء …”
…………………………………………………..
بعد مدة قصيرة ..
كان يجلس في بهو المطعم الخاص في الفندق يتناولان طعام الإفطار عندما هتف نديم بجدية:-
” نحن اليوم مدعوان على العشاء من قبل والدتي ..”
ابتسمت تردد :-
” حسنا … هل سنعود الى الشقة مباشرة بعد الفطور ..؟!”
هز رأسه نفيا وهو يقول :-
” سنقضي القليل من الوقت الممتع أولا …”
إبتسمت وهي تتأمل الحديقة الخارجية بذلك المسبح الواسع الذي يتوسطها :-
” المكان جميل هنا .. سوف نستمتع كثيرا …”
تأمل حوض السباحة فقال مبتسما :-
” الجو يساعد على السباحة …”
ابتسمت وهي تهز رأسها موافقة :-
” كثيرا …”
سألها وهو يرتشف من الشاي خاصته :-
” هل تجيدين السباحة ..؟!”
ردت بجدية :-
” نوعا ما …”
سألها مهتما :-
” كيف يعني نوعا ما ..؟! هل هناك من علمكِ السباحة ..؟!”
ردت بعدما إبتلعت لقمتها :-
” لقد سبق وتعلمت السباحة في أحد المراكز الخاصة لذلك قبل حوالي ثلاث سنوات .. كانت المدربة ممتازة وتعلمت السباحة جيدا وقتها ولكنني لم أمارسها بعدها …”
غمز لها وهو يردد بخفة :-
” ما رأيك أن تمارسيها اليوم إذا ..؟!”
سألته بدهشة :-
” أنت تتحدث حقا ..؟!”
هز رأسه وهو يردد :-
” بالطبع … ”
عقدت حاحبيها وهي تتأمل المسبح الخارجي الذي يسبح به بعض الرجال والنساء :-
” انا لا يمكنني السباحة هنا .. يعني في مكان مختلط ..”
هتف بحنق :-
” ومن سيسمح لك بذلك أصلا ..؟!”
ابتسمت تردد بخجل :-
” إذا كيف …؟!”
رد بثقة :-
” سأتدبر الأمر …”
شاغبته تقول :-
” هل ستحجز حوض سباحة خاصا بنا ..؟!”
هتف بجدية :-
” شيء كهذا …”
أضاف بجدية :-
” لكن ليس هنا .. في مكان آخر … ”
أضاف وهو يسحب هاتفه بحماس :-
” سأتحدث مع صاحب المكان فربما لا يوجد حجز اليوم …”
تأملت حماسه فإبتسمت لا إراديا قبل أن تتذكر إنها ستضطر أن تظهر أمامه بثوب سباحة فإحتقنت ملامحها مجددا وهي تخفض رأسها نحو طبقها تتناول طعامها وهي تدعو الله ألا يجد حجزا اليوم لكن حدث عكس ما أرادت وقد وجد نديم حجزا بسهولة …
تأملته بوجه محتقن وهو يشكر صاحب المكان ويخبره عن قدومه مع زوجته بعد حوالي ساعة قبل أن يغلق هاتفه وهو يردد بمرح :-
” كل شيء تم بسهولة ..”
سألته بتردد :-
” كيف وجدت حجزا بهذه السهولة ..؟!”
رد بجدية :-
” هناك العديد من الشاليهات المتاحة خاصة في هذه الفترة .. تعلمين إن الدراسة بدأت والجميع مشغول بذلك لذا فالحجز قليل خاصة إن اليوم ليس أحد يومي العطلة ..”
هزت رأسها بتفهم عندما قال وهو يرتشف مجددا من الشاي :-
” إنهي طعامك بسرعة كي نعود الى الجناح نأخذ ملابسنا وأغراضنا ونغادر ..”
أضاف :-
” أفكر أن أؤجل دعوة اليوم الى الغد ونقضي بقية اليوم في الشاليه ..”
قالت بتردد :-
” ربما تحزن والدتك …”
هز كتفيه يردد :-
” لا أعتقد ذلك .. سأخبر غالية إننا سنزورهم غدا على الغداء …”
هزت رأسها بتفهم وعادت تتناول طعامها بينما حمل نديم هاتفه مجددا يتصل هذه المرة بغالية يخبرها بإختصار عن تأجيل عشاء اليوم الى غداء ليوم غد ..
……………………………………………
بعد حوالي ساعتين …
كانت تتأمل الطريق بسعادة حيث هما في طريقهما الآن نحو الشاليه الذي حجزه نديم لهما ليقضيا به الليلة …
كانت تشعر بسعادة لا نهاية لها .. كل شيء يبدو مثاليا بشكل رائع …
استدارت نحوه تتأمله بحب تشكره في أعماقها على تلك اللحظات السعيدة التي تعيشها بسببه وبوجوده الذي يشكل مصدرا أساسيا لسعادتها …
كانا قد غادرا الفندق بعدما جمعا أغراضهما ليذهبا الى الشقة حيث طلب منها نديم أن تجهز ما يحتاجانه من ملابس لقضاء اليوم لهما بينما غادر هو لأجل قضاء بعض الأشياء السريعة قبل أن يعود بعد أقل من ساعة فيجدها قد إنتهت من تحضير ما يحتاجانه ليغادران سويا وها هما في طريقهما الى هناك ..
أوقف نديم سيارته فتأملت حياة المكان المكون من شاليهات متعددة ذات حجم متوسط بدت أشبه بمنزل صغير تقع مباشرة أمام البحر ….
هبطت من السيارة بعدما فتح نديم لها الباب وهو يشير لها :-
” هيا ندخل …”
ثم جذبها الى داخل الشاليه لتتأمل الحديقة الجميلة بحوض السباحة الذي يتوسط حيث تحيط الحديقة جدران ليست عالية بينما توجد مظلة تغطي الحوض تحجبه عن الخارج فلا يستطيع أحد رؤيتهما وهما داخله …
سألها وهو يتأمل المكان :-
” هل أعجبك المكان ..؟!”
ردت بصدق :-
” جميل جدا ..”
” تعالي لنرى الداخل ..”
قالها وهو يجذبها الى داخل الجناح الذي كان مكون من صالة جلوس ذات أثاث بسيط لكنه أنيق بألوانه الهادئة والى الداخل توجد غرفتان للنوم إحداهما تحتوي على سرير مزدوج بينما الأخرى ذات سرير منفصل …
ويوجد مطبخ ملحق بصالة الجلوس يحتوي جميع ما تحتاجه من معدات مع حمام ملحق بكل غرفة …
اتجهت نحو الغرفة ذات السرير المزدوج يتبعها هو حيث حمل الحقيبة التي تحتوي على ملابس لهما وأغراض خاصة عندما فتحت الحقيبة وبدأت ترتب الملابس عندما غادر هو يجلب بقية الأشياء التي إشتراها من أطمعة وغيره حيث أخذ يضع الأطعمة في الثلاجة ..
بعدما إنتهيا مما يفعلانه أشار لها نديم :-
” هل نسبح الآن أم مساءا أفضل ..؟!”
ردت بجدية :-
” مساءا افضل ..”
تقدم نحوها يجذبها إليه يسألها بعينين شغوفتين :-
” إذا ماذا سنفعل الآن …؟!”
سألته وهي تبتسم له بحب :-
” نفعل ما تريده ..؟!”
قبل ثغرها بخفة يردد :-
” هذا ما أريده ..”
ضحكت برقة وهي تقول :-
” لنؤجلها مساءا …”
قال وهو يقبل طرف أنفها هذه المرة :-
” ومساءا أيضا .. الآن ومساءا ..”
هتفت بخجل وهي تحاول إبعاده عنها :-
” ألا تمل مني ..؟!”
أحكم قبضته عليها يردد :-
” هل يوجد شخص عاقل يمل منك يا حياة ..؟!”
أضاف وعيناه ترمقانه بنظرة لعوبة نادرا ما تظهر عليه :-
” ثانيا تذكري إنه منذ بداية زواجنا وأنت تحرمينني منك أم نسيت أغلب الأيام التي قضيناها متخاصمين يا هانم ..؟!”
زمت شفتيها تردد :-
” مالذي ذكرك بتلك الأيام الآن ..؟!”
رد بمكر :-
“يجب أن تتذكري كي تقومي بتعويضي عنها …”
رفعت حاجبها تردد :-
” هكذا الأمر إذا ..”
هز رأسه مرددا وهو يخلل أنامله داخل خصلاتها القصيرة :-
” نعم يا حياة .. أنتِ مديونة لي وعليكِ أن تبدئي بتسديد ديونك .. سوف تعوضيني عن تلك الأيام جميعها وسنبدأ من اليوم ومن هذه اللحظة تحديدا ..”
ضحكت بعدم تصديق عندما أنحنى نحوها يعانقها فتستسلم هي لعناقه بصدر رحب ..
…………………………………………….
بعد مدة من الزمن ..
غادرت غرفة النوم وهي ترتدي فستانا قطنيا قصيرا تاركة نديم يأخذ حمامه في الداخل بعدما إنتهت هي من حمامها …
سارت نحو المطبخ الصغير حيث فتحت الثلاجة وقررت إعداد الطعام حيث قررت أن تعد المعكرونة بالبشاميل والتي تجيد صنعها بشكل رائع كما كان يخبرها والدها وصديقتها مي وغيرهما ممن تذوقها …
أخرجت قطع الدجاج الباردة وبدأت في تقطيعها قبل أن تضعها على النار عندما وجدته خلفها يتسائل :-
” ماذا تفعلين …؟!”
ردت وهي تبتسم له :-
” أعد الغداء لنا .. معكرونة بالبشاميل …”
قال وهو يقف جانبها مستندا على جدار المطبخ بجسده :-
” أحبها كثيرا …”
قالت بسعادة :-
” حقا ..؟! إذا إذهب أنت وإجلس في صالة الجلوس او خارجا حتى أنتهي من إعدادها ….”
هز رأسه نفيا وهو يقول :-
” بل سأراقبك وأنتِ تعملين …”
ابتسمت وهي تقول :-
” كما تريد…”
سألها وهو يقترب منها بعد قليل :-
” هل تحتاجين لمساعدة ما ….”
ردت وهي تستدير نحوه :-
” شكرا ، لا أحتاج الى أي مساعدة …”
أضافت وهي تشير الى الموقد :-
” الدجاج سوف يستوي بعد قليل والمعكرونة أيضا …”
أضافت وهي تتجه نحو الثلاجة :-
” سأعد الآن الصلصة …”
ثم توقفت وهي تتذكر أمرا هاما … صلصة البشاميل تحتاج الى مكونات ليس موجود أغلبها ..
إستدارت نحوه تردد بملامح عابسة :-
” لا توجد مكونات الصلصة ..؟!”
عقد حاحبيه يتسائل :-
” وما هي مكوناتها ..؟!”
ردت وهي تزم شفتيها :-
” الدقيق والزبدة ومرق الدجاج … لا يوجد سوى الحليب …”
ابتسم مرددا ببساطة :-
” سأجلبها حالا من المحل المقابل للشاليه ..”
ابتسمت تردد :-
” حسنا …”
غادر نديم بسرعة يجلب ما طلبته ليأتي بعد حوالي ثلث ساعة عندما أكملت حياة إعداد الطعام ثم إتجهت تعد المائدة ليهتف بها نديم وهو يجلس أمامها على المائدة الصغيرة :-
” تبدو شهية للغاية …”
قالت حياة مبتسمة :-
” المهم أن تعجبك …”
جذب بعضا من المعكرونة يضعها في صحنه قبل أن يتذوقها لتتأمله حياة بلهفة وهي تنتظر ردة فعله عندما لاحظ تأملها له وترقبها الواضح لرأيه فإبتسم قائلا :-
” إنها رائعة .. سلمت يداك …”
” حقا ..؟!”
سألته بفرحة عفوية ليومأ برأسه وهو يضيف :-
” إنها رائعة …”
أضاف بجدية :-
” ولكن إنتبهي هذا يعني إنني سأطلب منكِ إعدادها بإستمرار …”
هتفت بحبور :-
” سأعدها لك يوميا إذا أردت ..”
ثم بدأت هي الأخرى تتناول طعامها عندما إنتهى كلاهما من تناول الطعام فسارعت حياة تلملم المائدة يساعدها نديم ثم أخذت تغسل الصحون بينما كان يساعدها هو من خلال تجفيفها …
أعدت بعد ذلك الشاي حيث خرجا كلاهما وكلا منهما يحمل كوبه معه ليتناولا الشاي أمام البحر بعدما جلسا على إحدى المقاعد المقابلة له …
كانت تفاصيل صغيرة يعيشنها سويا لكنها مهمة لكليهما وخاصة لحياة التي كانت أكثر من سعيدة بهذه التفاصيل التي يعيشانها ولأول مرة تشعر إنهما زوجين بحق يعيشان الحياة الزوجية بتفاصيلها التقليدية وكم تمنت أن تدوم هذه اللحظات للأبد وتستمر حياتهما على هذه الوتيرة ..
………………………………………………….
بعد حوالي ساعتين ..
وقفت حياة أمام المرآة تتأمل ثوب السباحة الذي فاجئها به نديم وهو الذي تسلل خارجا كي يشتريه أثناء إعدادها لحقيبتهما الصغيرة …
كان ثوب سباحة مكون من قطعتين ذات لون سمائي مميز ..
تأملت جسدها الرشيق بلونه الأسمر الجذاب بخجل ورغم كل ما تشاركاه سويا وعاشاه بدت لها فكرة ظهورها أمامه وجسدها لا يستره سوى هاتين القطعتين الصغيرتين بينما يظهر أغلبه عاريا مخجلة جدا ..
توقفت أفكاره وهي تستمع الى صوته يردد من الخارج :-
” أين أنت يا حياة ..؟! لقد تأخرت كثيرا…”
هتفت بصوت محتقن :-
” أنا آتية ..”
ثم سحبت الروب الخفيف القصير القليل والذي يحمل نفس لون الثوب لكن بدرجة أغمق وإرتدته ليخفي أغلب تفاصيل جسدها الظاهرة ما عدا ساقيها الرشيقتين وعنقها وبداية نحرها ..
خرجت بتردد نحوه ليبتسم وهو يتأملها بذلك الروب الخفيف الذي يخفي داخله جسدها بذلك الثوب الذي لا يغطي منه سوى القليل …
كان الخجل واضحا عليها فجذبها نحوه يردد وهو يحاول إزالة خجلها :-
” هيا بنا ..”
سارت معه حيث إتجه بها نحو حوض السباحة عندما سألها :-
” هل تقفزين أولا أم ..”
قاطعته :-
” أنت أولا …”
ابتسم وهو يرمي المنشفة التي كان يحملها على الكرسي جانبا ثم يقفز بجسده داخل حوض السباحة قبل أن يخرج من أسفل المياه يهتف بحماس :-
” إقفزي هيا ..”
قالت وهي تتراجع الى الخلف لا إراديا :-
” سأقفز بعد قليل ..”
هز رأسه بتفهم لخجلها الواضح عندما أخذ هو يسبح ذهابا وإيابا بينما جلست هي على الكرسي قباله تتأمله بحب …
مرت حوالي عشر دقائق عندما وجدته يخرج من المسبح ويتقدم نحوها فتأملت جسده الصلب الرشيق حيث لا يرتدي سوى شورت قصير فوقعت عيناها على صدره العريض بشكل متوسط وعضلاته البارزة بشكل معتدل لتخفض عينيها أرضا تدعي إنشغالها بشيء ما عندما وقف جانبها يجذب المنشفة يجفف جسده قبل أن يسألها وهو يجلس جانبها :-
” متى ستشاركيني السباحة إذا …؟!”
ردت بتردد :-
” ربما لن أستطيع .. أشعر بقليل من التعب ..”
ابتسم بخفة مرددا :-
” التعب أم الخجل ..”
نظرت له بطرف عينيها لينهض من مكانه يمد كفه لها فنطرت له بتردد لتقابل عينيه اللتين تمنحانها نظرات دافئة وإبتسامته الهادئة المطمئنة لتضع كفها داخل كفه عندما نهضت من مكانها فتقدم هو بها نحو المسبح وفك الروب ثم خلعه من فوق جسدها ورماه الى جانب منشفته يغض بصره عن تأمل جسدها مرغما كي لا يتسبب بخجلها وهروبها بعيدا عندما أشار لها :-
“. هيا إنزلي …”
قالت وهي تنظر نحو المسبح بتردد رغم كونها تجيد السباحة :-
” انت اولا ..”
ابتسم بتفهم قبل أن يقفز بجسده مجددا داخل المياه ثم يتقدم نحوها حيث أشار لها أن تنزل معه …
إنحنت بجسدها نحو الأسفل عندما جلست على الأرضية بينما أنزلت قدميها داخل المياه التي كانت دافئة قليلا بشكل يغري للسباحة داخلها عندما مد نديم كفه لها يدعوها للهبوط معه فمنحته كفها ليسحبها نحو الحوض عندما شعرت بالمياه تغمرها من جميع الجوانب وكف نديم ما زالت تقبض على كفها بقوة ..
شعرت بالقليل من الفزغ في بادئ الأمر وقد شعر نديم بذلك فأحاط جسدها بجسده يخبرها ألا تخاف وأن تترك نفسها للمياه وتستمع بها وقد حدث ونفذت ما قاله وبالفعل بعد لحظات بدأت تسترخي داخل المياه قبل أن تشارك نديم السباحة بعدها …
أخذا يسبحان سويا في جو يسوده المرح والسعادة التي طغت على كليهما …
سعادة بدأت منذ مساء البارحة حتى مساء اليوم …
سعادة مختلفة يحضيان بها لأول مرة منذ بداية زواجهما ..
سعادة تمنيا كلاهما سرا أن تدوم الى الأبد …
…………………………………
في اليوم التالي ..
وصلا كلا من نديم وحياة الى فيلا العائلة عندما وجدا صباح تستقبلهما بسعادة ومعها غالية ..
بعدما إنتهيا من الترحيب وتبادل التحيات جلس الجميع في صالة الجلوس عندما تقدمت إحدى الخادمات تحمل معها أقداع عصير البرتقال حيث قدمتها للأربعة ثم غادرت عندما أخذوا يتحدثون وقد لاحظت صباح السعادة الواضحة على نديم والذي بدا مختلفا عن السابق فغزا الاطمئنان قلبها وكذلك غالية …
بعد مدة من تبادل الأحاديث نهضت صباح وهي تشير الى حياة قائلة :-
” هل تأتي معي يا حياة .. أريدك قليلا ..”
نظر نديم لها بتعجب بينما إبتسمت غالية عندما هزت حياة رأسها على إستيحاء وهي تسير معها خارج المكان ليسأل نديم شقيقته :-
” ماذا هناك ..؟!”
هزت غالية كتفيها تجيب :-
” لا أعرف بالضبط لكن ربما تريد أن تمنحها هدية ما …”
هز نديم رأسه بتفهم قبل أن يسألها :-
” وماذا عنك ..؟! ما هي أخبارك ..؟!”
ردت غالية وهي تبتسم :-
” انا بخير تماما …”
أضافت بجدية :-
“أقضي وقتي ما بين العمل وزيارة الجمعية التي إنضممت لها حديثا .. ”
أضافت بتفكير :-
” أفكر أن أضم حياة أيضا الى الجمعية .. بالتأكيد ستحب ما يقدمونه من أعمال خيرية …”
قال نديم :-
” فكرة جيدة مع إنني أشك إنها ستوافق بسبب دراستها ..”
سألت غالية بإهتمام :-
” هل يمكنها العودة الى مقاعد الدراسة هذه السنة ..؟!”
رد نديم :-
” ستذهب الأسبوع القادم الى الجامعة وترى الأمر وإذا لم يوافقوا سأتواصل مع أحد معارفنا ليساعدنا في ذلك ..”
أضاف بتذكر :-
” أتذكر إن صديق شريف المقرب يمتلك منصبا مهما في وزارة التعليم .. ربما يستطيع مساعدتنا .. المهم ألا تخسر سنة كاملة بسببي …”
قالت غالية :-
” برأيي أنت تتحدث مع شريف منذ الآن ولا تماطل فلا أظن إن هذا الأمر سيتم بسهولة خاصة إنها سحبت أوراقها ونقلتها الى الجامعة في أمريكا ..”
هز نديم رأسه بتفهم قبل أن يسألها :-
” صحيح .. ما أخبار صلاح ..؟! ألم يعد من شهر العسل حتى الآن ..؟!”
ردت غالية بجدية :-
” حسب علمي لا .. ”
هتف ممازحا :-
” سيصبح عاما من العسل وليس شهرا ..”
ضحكت غالية تردد :-
” هذا صلاح يا نديم .. كل شيء لديه مختلف ..”
هتف نديم مبتسما :-
” لم أستوعب حتى الآن كيف قرر أن يتزوج فجأة وهو الذي كان دائما ضد الزواج والإرتباط والأهم إنني لم أفهم كيف ومتى أحب نانسي ..”
ردت غالية بعقلانية :-
” ربما لم يحبها …ربما أعجبته فقط ولم يجد طريقة أخرى للحصول عليها …”
هتف نديم مستنكرا :-
” حسنا صلاح عابث ولكنه ليس مستهترا لهذه الدرجة ونانسي بدوها ليست فتاة غبية لتوافق عليه وهي لا تدرك نواياه …”
هتفت غالية :-
” الأمر لا يحتاج الى ذكاء … صلاح ليس ذلك الشاب الذي يفكر بالإستقرار وحتى لو فكر فليس الآن وبهذه السرعة كما إنني رأيته يوم الزفاف ولم ألحظ عليه أي شيء يدل على حب نحو نانسي ونانسي بدت هي الأخرى باهتة .. حسنا لا أفهم كيف تم هذا الزواج ولكن عن نفسي أتوقع كل شيء من إبن عمك …”
هز رأسه نديم مرددا :-
” معك حق .. صلاح متوقع منه كل شيء ولكن أتمنى أن يكون كلامك خاطئا .. ”
أضاف بجدية :-
” هل تعلمين إنه رغم كل تصرفات نانسي السيئة والمجنونة إلا إن داخلها طفلة مقهورة تبحث عن الحب والإهتمام …”
قالت غالية بصدق :-
” وانا أيضا شعرت ذلك .. في الحقيقة شعرت إنني مخطئة في وجهة نظري نحوها ولكن لا يمكنني لوم نفسي فهي من شكلت تلك النظرة عنها …”
تنهدت وهي تضيف :-
” أتمنى أن ينصلح حال صلاح معها … ”
قال نديم بصدق :-
” قد يبدو الأمر صعبا لكن ربما يكون صلاحه على يدها ..”
أضاف بجدية :-
” سبحان الله ، الفرق بينه وبين شقيقه فرق السماء عن الارض …”
قالت غالية بعفوية :-
” شريف عكس صلاح في كل شي … هو رزين وعاقل وذكي ومحترم وذو مسؤولية عكس شقيقه …”
ابتسم نديم مرددا :-
” نعم هو كذلك ..”
نظرت له غالية تسأله بتوجس :-
” ما معنى هذه الإبتسامة ..؟!”
رد نديم بصدق :-
” لا شيء .. لكن ربما ستتفاجئين مما سأقوله … دائما ما كان يعجبني شريف كرجل مثالي في كل شيء ولهذا داخلي كنت أتمناه زوجا لك بل واقعيا كنت أراه أكثر شخص يناسبكِ ..”
توترت ملامح غالية وهي تقول :-
” من أين أتيت بهذا الآن .. انت تعرف إن هذا الأمر محسوم بالنسبة لي …”
قال نديم بتفهم:-
” أعلم ذلك و ..”
قاطعته غالية :-
” موضوع شريف إنتهى قبل أن يبدأ .. هو أراد أن يخطبني وأنا رفضته..”
” لإن وقتها كان هناك فراس ..”
قالها نديم وهو يكمل برزانة :-
” ولكن فراس لم يعد موجودا وكلانا يعلم إن شريف يحبك فلم لا تعطيه فرصة ..؟!”
قاطعته غالية :-
” هل تمزح نديم ..؟! ما هذا الكلام ..؟! وحتى لو كان يحبني .. هل أنا مجبرة على إعطائه فرصة فقط كونه يحبني ..؟!”
أضافت بجدية :-
” لماذا أشعر دائما إنكم ترونني مخطئة في رفضي له وإنني لم أعطه فرصة كي أحبه .. ؟! انا لا أفهم لماذا علي أن أمنحه فرصة من الأساس ..؟؟ حسنا هو يحبني ولكن ماذا فعل لأجل هذا الحب …؟! كنت أمامه منذ سنوات وهو لم يتحرك خطوة واحدة .. سافر وعاد دون أن يخبرني عن مشاعره وانا بدوري لم أحمل ناحيته آية مشاعر والأهم إنني لم أعده بشيء فلا يأتي الآن ويتحدث عن حبه لي لسنوات طويلة وما شابه ويتأسف لإنني رفضته فأي شخص طبيعي سيتوقع خلال سفره لسنوات أن يكون هناك شخص ما دخل حياتي وأحببته …”
هتف نديم بجدية :-
” حسنا اهدئي .. لا احد يفكر بهذه الطريقة ولا حتى شريف نفسه .. انت معك حق .. انا فقط فكرت بما إنك إنفصلت عن فراس وشريف يحبك فيمكنك أن تمنحينه فرصة …”
” لا أريد يا نديم … انا لا أفكر بشريف ولا أعتقد إنني سأفعل ..”
تأمل ردها الحازم فشعر بخطب ما ليسألها :-
” هل هناك شخص ما في حياتك …؟!”
أجفلت لا إراديا وشخص واحد خطر على بالها لترد بسرعة :-
” ليس تماما .. ”
أكملت تحسم الحوار :-
” ستعرف كل شيء في الوقت المناسب …”
ثم نهضت من مكانها بسرعة تتجه خارج المكان وهي تتذكر ذلك الشخص .. شخص كل يوم يمر عليها تتأكد من وجود مشاعر حقيقة داخلها نحوه ..
شخص تدرك جيدا صعوبة إرتباطهما والذي سيبدو غير مقبولا عند الكثير لكن ماذا تفعل …؟؟
لقد إختار قلبه وحسم أمره وهي لا حل آخر أمامها سوى مواجهة إختياره ذلك وتقبله أيا كانت النتائج …
……………………………………
دخلت حياة الى غرفة صباح التي سبقتها عندما طلبت منها أن تتقدم نحوها فسارت حياة على إستيحاء حتى وصلت إليها عندما مدت صباح يدها نحوها بعلبة صغيرة مخملية لتسألها حياة بخجل :-
” ما هذا ..؟؟”
ردت صباح مبتسمة :-
” خذيها وإفتحيها بنفسك ….؟!”
أخذتها حياة ثم فتحتها لتجد سوارا ماسيا رائع التصميم مرصع بحجر الياقوت الجذاب ..
نظرت الى صباح التي سألتها وهي تبتسم لها :-
” هل أعجبك ..؟!”
ردت حياة بصدق :-
” إنه رائع …”
قالت صباح بجدية :-
” هذه هديتي لك … ”
نظرت لها بتعجب فأكملت :-
” هذه هدية مختلفة عن تلك التي ألبستها لك يوم الزفاف …”
أضافت وهي تتنهد بصمت :-
” نحن لدينا عادة قديمة .. ترتدي زوجة الإبن قطعة متوارثة من الأجداد … انا إرتديت نفس القطعة التي إرتدتها خالتي وأم زوجي رحمة الله عليها والتي أهدتها لها بدورها أم زوجها وهكذا …”
أضافت بمرارة خفية :-
” لكنني لم أهديك تلك القطعة نفسها ..”
نطرت لها حياة بحيرة لتبتسم صباح وهي تردد :
” كنت مترددة .. هل أهديها لكِ … ؟! هل أفعل ما فعله جميع من قبلي .. ؟!”
تغضنت ملامحها كليا وهي تسترسل :-
” لكنني رفضت داخلي أن أفعل .. هل تعلمين لماذ! ..؟!”
نظرت حياة لها بتوجس فأجابت صباح بعينين غامتا بعواطف لا تزول :-
” لإن تلك القطعة نذير شؤم ككل شيء في تلك الزيجة …”
إزدادت دهشة حياة عندما أكملت صباح :-
” قررت أن لا أحد سيرتديها بعدي .. لا أنتِ ولا حتى غالية … أخاف أن تنال من ترتديها منكما مصيرا مشابها لمصيري لا سامح الله لذا تخلصت منها …”
تأملتها حياة بشفقة رغم عدم معرفتها كليا بتفاصيل الماضي لكن يبدو إن ما عاشته تلك المرأة خلال زواجها كان قاسيا جدا بينما إتجهت صباح نحو صورة زفافها الموضوع على الحائط تتحدث مكملة :-
” هل تعلمين أين هي الآن …؟!”
سألت حياة بصوت متحشرج :-
” أين ..؟!”
إلتفتت صباح نحوها تردد بإبتسامة باردة :-
” مع صاحبتها الأصلية .. مع من كان يجب أن ترتديها .. مع من كانت الأحق بها .. مع ديانا والدة عمار …”
أجفلت حياة لا إراديا مما تسمعه عندما شردت صباح بعينيها وهي تضيف :-
” لقد دفنتها جانب قبرها بعدما حسمت قراري … ”
أكملت وهي تسير مجددا نحو حياة :-
” فعلت ذلك عل وعسى أتخلص من لعنة زيجتي من حسين ومن لعنة ديانا نفسها …”
تنهدت بعدها وهي تحرر عقلها من ذكريات الماضي تبتسم لحياة مرددة :-
” حياة .. انت ربما لا تعلمين إنني شعرت بالألفة نحوك منذ أول يوم … كما إنني أحببتك بسرعة …”
إسترسلت بصدق :-
” ربما يبدو هذا غريبا لكنني حقا شعرت منذ البداية بمزيح من الراحة نحوك والأمل بك .. ”
أكملت وهي تضع كفها فوق ذراع حياة:-
” انا محظوظة جدا لإنك دخلت حياة ولدي مثلما نديم محظوظ كثيرا إنك في حياته …”
تنحنحت حياة بخجل عندما أضافت صباح بصدق :-
” نديم شخص جيد للغاية .. رجل يمكنك أن تعتمدي عليه وتثقي به … وأنت فتاة رائعة .. قوية وذكية … أنت الفتاة التي تمنيت أن يضع الله بها القوة التي تجعلها تخرج نديم من ظلماته وتمنحه حياة جديدا وأملا ومستقبلا مشرقا ومع كل يوم أتأكد إن أمنيتي بدأت تتحق فعلا وإن نظرتي نحوك كانت صائبة ..”
أدمعت عينا حياة لا إراديا عندما همست صباح برجاء :-
” انت تحبينه وهو متعلق بك بشكل لم أره عليه من قبل .. أعلم إنك حاليا تمنحين أكثر مما تأخذين بكثير لكن تأكدي عندما تزول هذه الغيمة ويستعيد نديم نفسه التائهة تماما سيعوضك وسيمنحك كل شيء دون تردد …”
همست حياة بصدق :-
” ليس مهما ما سيمنحه لي .. المهم أن يكون بخير ويتجاوز محنته ..”
جذبت صباح كفها تشدد على قبضتها :-
” سيفعل .. طالما انت معه وجانبه سيفعل .. بإذن الله سيفعل فقط عديني أن تبقي جانبه دائما وتساعديه في ذلك …”
ردت حياة بصدق :-
” أعدك …”
جذبتها صباح تعانقها فإستسلمت حياة لعناقها تخفي دموعها التي أوشكت على التساقط من شدة تأثرها بهذا الموقف ..
……………………:………………………
غادرت حياة غرفة صباح لتجد غالية تتقدم نحوها وهي تبتسم لها وتسألها بمرح :-
” هل هناك أسرار تمنعني من معرفة ما يدور بينكِ وبين ماما ..؟!”
ردت حياة مبتسمة :-
” ابدا .. لقد تحدثنا قليلا وأهدتني هذه الإسوارة …”
نظرت غالية الى الإسوارة وقالت :-
” إنها رائعة .. مبارك عليك حبيبتي ..”
شكرتها حياة ثم قالت بجدية :-
” أريد أن أسألك سؤالا يا غالية ..”
نظرت لها غالية بإهتمام لتسألها حياة :-
” من أخبرك بأمر عمار ومراقبته لنا هناك ..؟!”
سألت غالية بحيرة :-
” لماذا تسألين يا حياة ..؟!”
ردت حياة بصدق :-
” لكي أعرف من ساعدنا في كشف ماذي تلك وكان سببا أساسيا في عودتنا أيضا ..”
إرتبكت ملامح غالية لوهلة وقد لاحظت حياة هذا فهزت رأسها تردد بتفهم :-
” حسنا إذا كنت لا تريدين القول فيحق لك …”
همت بالتحرك عندما أوقفتها غالية تهتف :-
” لا أعلم إذا ما كان يجب علي قول ذلك أم لا لكن بما إنها لم تطلب مني عدم الإفصاح عن هويتها فسأقول .. ليلى من أخبرتني بعدما أتتها رسالة من رقم غريب تخبرها بطلاقكما فشكت إن عمار وراء الرسالة وجاءت لتحذرني ..”
ابتسمت حياة وقالت :-
” توقعت هذا وتأكدت عندما إرتبكت قبل قليل …”
أضاف بإمتنان صادق :-
“إنها ليست المرة الأولى التي تنجح ليلى فيها في مساعدة نديم ففي السابق أنقذته من الموت ..”
” نعم .. معك حق ..”
قالتها غالية بصدق عندما قالت حياة مبتسمة :-
” سأذهب الى نديم ..”
ثم تحركت تاركة غالية تتابعها بتعجب من تصرفها بعدما عرفت إن ليلى وراء الأمر وعدم ظهور أي بوادر ضيق او غيرة او حتى قلق من معرفتها بذلك فتنهدت وهي تدعو الله بإستقرار وضع الجميع …
اتجهت بعدها نحو والدتها التي أخبرتها أن تسبقها الى المطبخ لتتأكد من تحهيز المائدة عندما إجتمع الجميع بعد حوالي نصف ساعة على طاولة الطعام يتناولون الغداء في جو أسري هادئ …
جلسا كلا من حياة ونديم مع صباح وغالية حتى المساء عندما قررا أن يغادرا أخيرا فهم نديم بتوديع والدته بينما ودعت حياة غالية قبل أن تهمس :-
” هل يمكنك أن ترسلي لي رقم ليلى من فضلك ..؟!”
نظرت لها غالية بدهشة تبدلت الى القلق فقالت حياة بصدق :-
” انت تثقين بي ، أليس كذلك ..؟!”
هزت غالية رأسها تجيب :-
” بالطبع ..”
ابتسمت حياة تهتف بها :-
” أريد رقمها من فضلك .. سأنتظر أن ترسليه لي بعد قليل …”
هز غالية رأسها مرغمة قبل أن تودع فيرحلان كلا من نديم وحياة حيث وصلا الى الشقة عندما اتجهت حياة تغير ملابسها وترتدي بيجامة قطنية قبل أن تخرج من الغرفة وهي تحمل هاتفها لتجد غالية قد أرسلت لها الرقم بالفعل فسارعت تتصل به عندما جاءها صوت ليلى يجيب عليها متسائلا عن هوية المتصل فتجاهلت حياة نبضات قلبها التي تخفق بعنف وهي تعرف عن نفسها :-
” انا حياة … بالتأكيد عرفتني …”
لم تعرف عن نفسها كزوجة نديم ولا تعرف لماذا ..؟!
لحظات وجاء رد ليلى المقتضب :-
” اهلا حياة … تفضلي …”
ردت حياة تتجاوز إرتباكها :-
” هل يمكنني رؤيتك …؟! لو سمحت ….”
كانت تتوقع رفضا وكانت ستتفهم ذلك لكنها فوجئت بليلى توافق على رؤيتها فإبتسمت بتشجيع وهي تخبرها عن المكان الذي يمكن أن يلتقيا به صباح الغد ..
……………………………………………..
كان لقاءا غريبا … مفاجئا وغير متوقعا ..
لم تتوقع آيا منهما أن تلتقيان في يوم على إنفراد لكن حياة أرادت ذلك وليلى لم تمانع فهي لا مشكلة لديها مع الفتاة واقعيا ولا تحمل أي ضغينة إتجاهها …
بدأت حياة الحديث بنحنحة خفيفة جذبت إنتباه ليلى عندما نطقت أخيرا :-
” بالطبع انت تتسائلين عن سبب طلبي رؤيتك …؟!”
ردت ليلى بجدية :-
” في الحقيقة نعم …”
أضافت ليلى بهدوء :-
” آخر مرة تحدثنا بها لم تكن لطيفة .. ”
صمتت قليلا تتأمل ملامح الصمت والترقب على وجه حياة فأضافت بجدية :-
” فهمت فيما بعد سبب حديثك و ..”
قاطعتها حياة بهدوء :-
” لم يعد مهما .. يعني لقد مرت أشهر على ذلك اليوم و ..”
قاطعتها ليلى بدورها :-
” لكنه مهما لي .. مهما حدث يجب أن تعلمي إنني لم يكن لدي أي نية لسرقة فرحتك .. ”
زفرت نفسا خافتا ثم أكملت :-
” تصرفي كان خاطئا أعلم ذلك لكنني أردت الإنتقام لنفسي والثأر لكبريائي بأي شكل .. ربما لو عاد بي الزمن ما كنت لأتصرف بهذه الطريقة ..”
قالت حياة بصدق :-
” انا لا ألومك .. لو كنت مكانك لفعلت نفس الشيء ..”
ابتسمت ليلى بخفة ثم قالت :-
” ولكن عليكِ أن تعلمي إنني لم أرغب أبدا أن تريني معه .. انا كل ما أردته هو إيلامه .. اما انت فأقسم لك إنني لم أسعَ لذلك ولم أتوقع إنه سيحدث أبدا فآخر ما كان سيخطر على بالي أن ترينا في هذا الوقت تحديدا وأنتِ بالتأكيد ستكونين حينها مشغولة في تجهيز نفسك قبل الزفاف ..”
” وانا كنت كذلك بالفعل لولا تلك الرسالة التي أتتني ..”
قالتها حياة بخفوت لتهمس ليلى بعدم فهم :-
” أية رسالة ..؟!”
أضافت بسرعة تدافع عن نفسها :-
” أقسم لك إنني لم أرسل شيئا ..”
أوقفتها حياة بسرعة وهي تقول :-
” أعلم ذلك .. عمار من أرسلها .. ”
تراجعت ليلى الى الوراء مرددة بذهول لحظي :-
” عمار .. يا إلهي .. كل شيء يحدث يكون هو خلفه ..”
” للأسف معك حق ..”
رددتها حياة بخفوت عندما أضافت بحسرة :-
” عمار لا أمل فيه …لن يترك نديم وشأنه مهما حدث ..”
تنهدت ليلى ثم قالت :-
” للأسف هذه حقيقة …هو مريض به …!”
هتفت حياة بجدية :-
” أنا ممتنة لك كثيرا .. لولاك ما كنا لنكتشف حقائق مهمة وما كان ليدرك نديم ما يحيكه عمار له …”
ردت ليلى ببساطة :-
” قمت بالتصرف الصحيح ليس إلا .. ”
هتفت حياة بصدق :-
” أنقذتيه للمرة الثانية …”
نظرت لها ليلى بدهشة لتبتسم حياة وهي تهتف :-
” أنا أعلم كل شيء ..”
سألتها ليلى بملامح مضطربة :-
” نديم من أخبرك ..؟!”
هزت حياة رأسها نفيا وقالت تكذب قليلا :-
” بل علمت ذلك بالصدفة … سمعت غالية تتحدث مع والدتها ..”
هزت ليلى رأسها متفهمة عندما أضافت حياة بخفوت :-
” تضحيتك قيمة جدا بل إنها لا تقدر بثمن ..”
أكملت وهي تنظر بعيدا :-
” نديم دائما ما و ..”
قاطعتها ليلى بإقتضاب :-
” لا أريد سماع أي شيء عنه من فضلك ..”
هتفت حياة بصدق :-
” لا أقصد إزعاجك … ”
سألت ليلى بثبات :-
“هل هناك سببا آخرا لطلبكِ رؤيتي يا حياة ..؟!”
ردت حياة بجدية :-
” السبب الأساسي هو رغبتي في أن أشكرك على ما فعلته … والسبب الثاني هو رغبتي أن أخبرك إنني آسفة .. آسفة إذا ما دخلت بينكما وتسببت ب …”
قاطعتها ليلى بحدة غير مقصودة :-
” لم تتسببِ بأي شيء … ما حدث كان سيحدث في جميع الأحوال …”
أضافت وهي تتنهد بصمت :-
” انا فقط من تأخرت في الإدراك .. لم أنتبه الى تلك الحقيقة عند أول لقاء جمعنا بعد خروجه من السجن .. لم أنتبه كم تغير .. لم أدرك مدى تغير مشاعره .. نديم الذي خرج من السجن ليس نديم الذي دخله .. نديم تبدل كليا ومع تبدله هذا تبدلت مشاعره …”
قالت حياة بحسم متجاهلة ألم قلبها :-
” لكنه يحبك …. مهما حدث يظل يحبك …”
هتفت ليلى بسخرية متعمدة :-
” يخيل لك يا حياة ..”
أضاف بجدية:-
” حتى لو ما زال هناك شيئا داخله نحوي فتأكدي إنه لم يعد كالسابق .. مشاعره لم تعد كما هي … لم تعد بنفس القوة على الأقل …”
هتفت تسألها وهي تتأمل نظرات حياة الغير مقتنعة بتاتا بما تسمعه :-
” هل هذا كان سبب إنفصالكما ..؟! هل كنت أنا السبب ..؟!”
” انا كنت السبب و …”
توقفت حياة عن حديثها للحظات قبل أن تهمس بتردد :-
” منذ زواجي منه أو قبل زواجي حتى وأنا أشعر بخطأ ما … مشاعري متضاربة كليا …”
قاطعتها ليلى :-
” لكنك تحبينه …”
ردت حياة بصدق :-
” نعم أحبه ولكن حب من طرف واحد لا يمكن أن يستمر …”
أضافت وهي تنظر إليها :-
” لقد تخبطت كثيرا .. وما زلت أتخبط لكنني عموما وصلت الى مرحلة من السلام النفسي جعلتني أتقبل حقيقة إنه لن يحبني يوما وإن هذه الزيجة ستأتي يوم وتنتهي ..”
قالت ليلى :-
” أتمنى ألا يكون هناك في إعتقادك إنني سأتسبب يوما ما في شيء كهذا …”
قالت حياة بسرعة وثقة :-
” إطلاقا لن تفعلي ..”
نظرت ليلى لها بذهول لتبتسم حياة مجددا مرددة :-
” لا تستغربي حديثي هذا .. انا أستطيع قراءة البشر جيدا .. انت فتاة جميلة ولطيفة .. جميلة من الداخل والخارج .. لا شك لدي أبدا إنك قد تفعلين شيئا كهذا .. صحيح لم نلتقِ سوى نادرا ولم تجمعنا أحاديث مشتركة لكن ..”
صمتت قليلا ثم قالت:-
” أستطيع أن أدرك كم إنك إمرأة ذات كبرياء وضمير عالي .. انت لا يمكن أن تفعلي ذلك مثلما نديم لا يمكن أن يخونني أبدا ..”
همست بخفوت :-
” لا تستغربي حديثي هذا ولكن كما أخبرتك أنا أستطيع تمييز البشر جيدا .. المرأة التي ضحت بسنوات من حياتها لأجل شخص ما لا يمكنها أن تتصرف بهذه الطريقة وتؤذي أحدا …”
هزت ليلى رأسها بتفهم لتكمل حياة بتردد :-
” هل يمكنني قول شيء ما لطالما وددت قوله لك ..؟!”
اومأت ليلى برأسها بصمت لتبتسم حياة وهي تهتف بصدق :-
” انا معجبة بك جدا .. معجبك بتفانيك وإخلاصك .. معجبة بقوتك .. بتضحيتك .. انت رائعة .. حقا رائعة ..”
ابتسمت ليلى وهي تشكرها بخفوت قبل أن تقول :-
” هل يمكنني أنا أيضا سؤالك عن شيء محدد ..؟؟”
هزت حياة رأسها لتسأل ليلى بتردد :-
” لماذا تركتيه مسبقا ..؟!”
إبتلعت حياة ريقها وإلتزمت الصمت للحظات قبل أن تقول :-
” هل ما زلت تحبينه ..؟!”
تجمدت ملامح ليلى وهي تستمع الى سؤالها عندما إبتسمت حياة بهدوء وهي تكمل :-
“هنا يكمن السبب … ”
” ماذا تعنين ..؟!”
سألتها ليلى بدهشة لتضيف حياة بجدية :-
” لا تفهميني خطأ .. سألتك هذا السؤال لإنه يمثل سبب إنفصالي مسبقا عن نديم ولكن بالطبع انت لا دخل لك ولا تلومي نفسك .. ما قصدته هو إنني لو سألت نديم سؤالا مشابها لتصرف بنفس طريقتك وأظهر ردة فعل مشابهة ..”
أجفلت ملامح ليلى لتكمل حياة مبتسمة وهي تلاحظ التأنيب على ملامح الأخيرة :-
” انت لا ذنب لك .. لا تلومي نفسك ابدا ..”
أكملت وعيناها تدمع رغما عنها :-
” هل تعلمين ..؟! لم أفكر يوما في تحميلك ذنب ما حدث بيننا أبدا لإنك لا تختلفين عني بل أنت عشت أسوء مما عايشته بمراحل .. انت تصدقيني أليس كذلك ..؟! ”
أكملت بنبرة متحشرجة :-
” انا حتى لم أمنح نفسي حق الغيرة منك لإنني دائما ما كنت أشعر نفسي الدخيلة لذا منعت نفسي حتى من هذا الشعور .. شعور الغيرة حرمته علي .. فكيف أغار من إمرأة خسرت حب حياتها وأنا نلته بدلا عنها .. ”
حل الصمت المطبق للحظات …
أخذت ليلى تتأمل تلك الإبتسامة اللطيفة المرتسمة على شفتيها رغم الألم المرسوم داخل عينيها لتقول بجدية :-
” عليك أن تعلمي شيئا مهما …”
تنهدت بصوت مسموع ثم إسترسلت :-
” إن كنت تعتقدين إن نديم ما زال يحبني كالسابق وسيأتي يوم ويرغب في العودة إلي فأنتِ مخطئة …”
نظرت لها حياة بعدم إستيعاب عندما همست ليلى ترسم إبتسامة شاحبة على ثغرها :-
” نديم لم يعد لي … انا خسرته .. خسرته منذ سنوات … ربما أدركت ذلك متأخر لكنني أدركته في النهاية .. ”
أضافت تسترسل بهدوء تحسد عليه :-
” أدركته في كل مرة إلتقينا بعد خروجه من السجن … أدركته من نظرات عينيه التي لم تعد تحمل نفس النظرات الشغوفة اتجاهي … أدركته من قدرته على تجاهلي رغم كل ما بيننا … أدركته من بروده حتى وهو يراني أتوسله كي يعود إلي ….”
إرتجفت شفتيها وهي تضيف :-
” وأدركته عندما رأيته معك .. رأيت نظراته نحوك … تمسكه بك … ”
زفرت نفسا بطيئا وهي تضيف :-
” ربما أنت لم تدركي هذا بعد لكن أنت قيمة جدا بالنسبة له … ”
رمقتها حياة بنظرات مترددة عندما أكملت ليلى بحسم :-
” أنت تمثلين له كل شيء … عليك أن تفهمي هذا مثلما عليك أن تفهمي إننا إنتهينا … انا ونديم إنتهينا منذ ذلك اليوم الذي وضعت به إسمي إلى جانب إسم أخيه بينما كان هو وحيدا في السجن …”
أكملت بصدق :-
” أنا أتفهمه .. رغم كل شيء أتفهمه .. حاليا لا ألومه … أساسا لا يمكننا لوم أي شخص على أشياء خارج إرادته والقلوب تحديدا خارج إرادة البشر جميعا …”
أضاف وهي ترسم إبتسامة تخفي بها وجع الماضي والحاضر وربما المستقبل :-
” حافظي على نديم يا حياة فهو شخص رائع وطيب ومحترم جدا ورجل بحق … وعليك أن تعلمي إنه بشكل أو بآخر يمتلك مشاعرا نحوك … ربما أنت لم تعِ ذلك وريما هو أيضا لكنني متأكدة من هذا .. في النهاية أنا أعرفه جيدا وأستطيع تمييز تلم النظرات التي كان يرمقك بها يوم خطبتكما وزفافكما … هل تعلمين ماذا كانت تمثل نظراته لك وقتها ..؟!”
نظرات لها حياة بتأهب فردت ليلى :-
” كانت تمثل كل شيء … كان ينظر لك نظرة رجل ينظر الى مستقبله القادم وأمله المنتظر … رجل وجد ضالته بك أخيرا … كان ينظر لك وكأنك الحياة متجسدة على أرض الواقع .. حياته المنتظرة … ”
همست حياة بتلعثم وقد وجدت نفسها عاجزة عن أي رد مناسب لهذا الكلام :-
” ليلى أنا …”
لكن ليلى قاطعتها بجدية :-
” حافظي على نديم حياة وكوني دائما معه وجانبه .. انت تستحقين حبه وهو يستحق أن يحيا بسلام أخيرا .. لا تدمري ما يجمعكما بسبب وساوس لا أساس لها وإذا كان لديك شك في كلامي يمكنك مراجعة علاقتكما … صدقيني عندما تراجعين كل ما جمعكما ستجدين الكثير من الأشياء التي لم تنتبهِ لها مسبقا .. أشياء تدل على الكثير وأنت كنت تجهلينها تماما …”
أنهت حديثها بإبتسامة هادئة وهي تحمل حقيبتها وتغادر المكان تاركة حياة شاردة في كلام ليلى التي رحلت كما دخلت المكان .. كنسمة هواء لطيفة ألقت بريحها الناعم فوق قلبها وروحها …
في صباح اليوم التالي ..
دلف الى مكتبه لينهض كنان يستقبله مرحبا به عندما قال وهو يحييه :-
” الحمد لله على سلامتك …”
رد نديم عليه وهو يتجه جالسا على الكرسي الجانبي للمكتب بينما إتخذ كنان من الكرسي المقابل له مكانا للجلوس فدلفت كارين تسأل نديم عما يتناوله ليرفض نديم أن يتناول شيئا بينما يصرفها كنان وهو يخبرها ألا تقاطع جلستهما مهما حدث …
غادرت كارين المكان ليهتف كنان :-
” إذاً نفذت ما تريده وعدت الى هنا رغم تحذيري لك بالعكس …”
رد نديم بجدية :-
” لم أكن لأتحمل أكثر .. إلى متى سأبقى هناك بعيدا أنتظر حتى يأتي الوقت المناسب للعودة … ؟! أنا أريد حقي …”
قاطعه كنان :-
” وستأخذه … ستأخذ حقك يا نديم .. مثلما سآخذ أنا حقي ولكن ليس بهذه الطريقة .. كل شيء يجب أن يكون مدروس بما يكفي … كل تصرف يجب أن يكون محسوب …”
أضاف بتعقل :-
” وجودك هناك كان أفضل لنا … بعودتك أنت جعلت عمار يشهر أسلحته ضدك مجددا فهو كان يعتقد إنه إنتصر عليك بهروبك بعيدا مثلما إنتصر عليك بإنفصالك عن زوجتك ..”
تغضن جبين نديم مرددا :-
” وبسبب هذا يجب أن أبقى مدعيا الإستسلام والضعف كي يتوقف عمار عن محاولة إيذائي …”
هتف كنان بحزم :-
” أنت قلتها .. كان عليك أن تدعي .. تدعي فقط يا نديم وتعمل في الخفاء …”
هتف نديم بجموح شديد :-
” لم يعد يمكنني التحمل .. ليس بعد كل ما فعله … حتى عندما تركت البلاد وسافرت الى أبعد نقطة على وجه الأرض لم يتركني وشأني .. لحق بي هناك .. طوال الفترة التي قضيتها هناك كنت أحاول التجاهل .. أتحدث مع نفسي بنفس الطريقة التي تتحدث بها الآن .. أطلب منها الصبر حتى أصل الى غايتي ولكنني لم أتحمل في النهاية .. لم يعد يرضيني بقائي هناك وإدعاء الهروب … ها أنا عدت وسأواجه أيا كانت النتائج .. سأواجه عمار ولا يهمني ما هي النتائج حتى لو قتلته وحوكمت بالإعدام بعدها … على الأقل سأكون نلت حقي منه قبل موتي ..”
هتف كنان بقوة :-
” لا تتهور يا نديم … هذا ما كنت أخشاه .. إندفاعك الذي إتفقنا على ترويضه منذ إجتمعنا وإتحدنا سويا ضده .. تعقل يا نديم .. لا تجازف بحياتك … ولا تنسى إنك لست لوحدك … يوجد والدتك وشقيقتك .. وزوجتك … هل ستتخلى عنهن يا نديم ..؟! ألم تفكر فيهن ..؟!”
نهض نديم من مكانه يجيب :-
” هذا أفضل مما قد يصيبهن بسببي … ربما عمار يستغل إحداهن كي يبتزني .. وربما يقتل إحداهن أو يؤذيها بطريقة ما كي يكسرني أكثر …”
أضاف ملتفا نحو كنان مجددا يردد :-
” انا كنت سأطلق زوجتي يا كنان … كنت سأخسرها من خوفي عليها ….”
زفر كنان أنفاسه بضيق فهو رغم كل شيء يدرك إن كلامه صحيح … عمار لا يعرف حدودا لشره ولا يمانع أن يستغل زوجته ضده …
أكمل نديم بتعب :-
” ماذا سأفعل لو آذاها ..؟! كيف سأسامح نفسي حينها ..؟! ماذا لو تلقت مصير ليلى ولكن بشكل مختلف …؟!”
أضاف وعيناه تشردان بعيدا :-
” أنت تعلم إن ذنب ليلى ما زال يطوق عنقي لكنني أمني نفسي إنني سآخذ حقي منه يوما ما وحقها أيضا ..”
حاول كنان ألا يظهر أي إنفعالات على وجهه عند سماعه إسمها بينما إسترسل هو :-
” لن أتحمل ذنب حياة أو غيرها … لن أتحمل ذنوبا جديدة ..”
هتف كنان بإقتضاب :-
” لا تضغط على نفسك يا نديم .. ما حدث مقدر ومكتوب .. ”
أضاف يحاول إقناعه :-
” تخطى هذه الأمور حاليا لإنك طالما ستبقى معلقا بماضيك لن تنجح في حاضرك ولن تنال ما تتمناه مستقبلا …”
هتف نديم بصلابة :-
” لا أريد سوى شيئا واحد يا كنان .. أريد تدميره … أريد رؤيته وهو يخسر كل شيء … وليحدث ما يحدث بعدها ..”
نهض كنان من مكانه يردد بجدية وهو يسير نحوه :-
” وهذا ما أريده أنا أيضا …”
أضاف والحقد ملأ عينيه :-
” لن أرتاح أو يهدأ لي بال حتى أدمره تماما … عمار يجب أن يدفع ثمن جرائمه كاملا …. ”
أضاف وعينيه إشتعلتا بلهيب الثأر والكراهية :-
” أنت تعرف إنني لا يمكن أن أتركه يحيا بسلام … وإذا كنت تعتقد إنني سأتراجع يوما ما عما أريده فأنت مخطأ .. انا لن أتراجع حتى لو تراجعت أنت وحتى لو وقف الجميع ضدي …”
أردف وعيناه تغيمان بنظرة سوداوية هذه المرة :-
” ما بيني وبينه دما .. دم شقيقتي … شقيقتي التي توفيت بسببه .. وانا لن أرتاح حتى أخذ حقها منه … بأي وسيلة كانت …”
كان نديم عرف إن عمار من تسبب بموت ياسمين شقيقة كنان الصغيرة لكن دون أن يعرف كيف حدث ذلك فقد إكتفى كنان بالتحدث عن الأمر بشكل مختصر كي يخبره عن سبب رغبته بالإنتقام من عمار مثله هو ..
وحتى الآن هو لا يدرك كيف تسبب عمار بموت الفتاة المسكينة ….!
تنهد نديم وهو يسأل :-
” ما العمل الآن يا كنان …؟!”
رد كنان وهو ينظر إليه بقوة :-
” سنبدأ في أولى ضرباتنا له ….”
سأله نديم :-
” وماهي تلك الضربة..؟!”
إبتسم كنان مرددا :-
” سأخبرك ولكن قبلها دعني أسألك سؤال …”
نظر له نديم بإهتمام عندما سأل كنان :-
” ما هي نقطة ضعف عمار الخولي في هذه الحياة برأيك ..؟!”
صمت نديم للحظات بدا وكأنه يفكر قبل أن يهمس بهدوء:-
” شيرين تأثيرها قوي عليه .. ”
أكمل وعيناه تنظران الى عينيه بقوة تخبره بالجواب الذي ينتظره :-
” جيلان ..أخته .. هي اهم شخص لديه في هذه الحياة .. هي نقطة ضعفه الوحيدة ..”
ابتسم وهو يردد بقوة :-
” جيد … وأنا أتفق معك عند هذه النقطة ..”
” علامَ تنوي ..؟!”
سألته بحيرة ليرد بغموض :-
” الطعنات ستبدأ قريبا .. وأول طعنة قادمة أسرع مما تتخيل ..”
” سوف تستخدم أخته …؟!”
سأله بجدية ليبتسم وهو يردد بمكر :-
” على العكس تماما .. جيلان سأتركها للنهاية .. ستكون هي الضربة القاضية والتي ستنهيه دون شك …”
لكن نديم هتف معترضا :-
” كلا .. ”
رفع كنان حاجبه يكرر ما قاله :-
” كلا ..!!”
اومأ نديم برأسه يردد :-
” نعم يا كنان … انا لست موافقا على إدخال أخته في مخططاتنا …”
سأله كنان وهو يكز على أسنانه :-
” لماذا يا بك …؟!”
رد نديم بجدية :-
” النساء خارج هذه المعادلة … انت تعرف رأيي في هذا الموضوع …”
منحه كنان نظرة ساخرة تجاهلها نديم عندما تحدث كنان :-
” ليت أخيك كان يتحلى بنفس هذه الصفات النبيلة ووضع النساء خارج معادلته …”
رد نديم بثبات :-
” لا شأن لي به … قراري في هذا الأمر لا جدال فيه…. لا أخته ولا زوجته ولا أي شخص من طرفه لا ذنب له بأفعاله سيدخل في هذه المعادلة ..”
زفر كنان أنفاسه محاولا السيطرة على أعصابه المشدودة بسبب هذا المثالي الذي يقف أمامه :-
” إنظر إلي … مثاليتك لا تناسب وضعنا الحالي .. ضعها جانبا من فضلك ..”
تجاهل نظرات نديم التي إحتدت وهو يضيف :-
” لماذا هو إذا لم يترك شخصا يخصك وإلا حاول إستغلاله ..؟! ”
هدر نديم :-
” انا لست مثله ولن أكون .. ”
قاطعه كنان :-
” يجب أن تكون مثله حتى تأخذ بثأرك منه وبعدها يمكنك العودة الى مثاليتك وتتمسك بها كما تريد …”
أكمل وهو يبتسم ساخرا :-
” أمثال أخيك لا تناسبهم الأخلاق الفاضلة يا عزيزي …. إذا أردت أن تحاربه وتننصر عليه فعليك أن تتنازل عن بعض مبادئك وتتخلى عن فضيلتك ولو مؤقتا كي تنتصر إليه وإلا ستجد نفسك خاسرا في هذه الحرب خسارة لا يعوضها شيء ..”
تأمله نديم بصمت …
عقله يخبره إن كلامه صحيح ولكن داخله يرفض ذلك ..
يرفض أن يستخدم أبرياء في إنتقامه ..
يرفض وبشدة …
فمن سينتصر …؟!
فضيلته أم رغبته في الثأر مهما كانت النتائج …؟!
………………………………………………
تجمدت مكانها للحظات وهي تشاهده يغادر المصعد وهي التي تقف على بعد مسافة منه أمام المصعد الآخر تنتظر وصوله كي ترتقيه …
شاهدته وهو يغادر المصعد ومنه الى خارج الشركة دون أن ينتبه لها ولو كان نظر جانبه لرآها بكل سهولة …
لم تستوعب ما يحدث …
مالذي أتى به هنا …؟!
ماذا يفعل نديم في شركة كنان نعمان …؟!
إنتبهت الى المصعد الذي وصل وفُتِحت بابه فدلفت الى الداخل وملامحها ما زالت شاردة وعقلها يفكر في سبب وجوده …
زفرت أنفاسها بضيق وكأنه لا يكفيها مدى ثقل هذه الزيارة على قلبها لترى نديم هنا فتتخبط مشاعرها بل وأفكارها أيضا عن سبب وجوده هنا …
حاولت أن تزيح أفكارها جانبا وتركز في مقابلتها مع كنان نعمان وعندما تعود يمكنها أن تفكر في الأمر كما تريد ولكن حاليا ستواجه ذلك الذي تكره رؤيته لسبب لا تفهمه فوجوده أمامها يزعجها ويشوشها رغما عنها ..
خرجت من المصعد متجهة الى مكتبه وصوت طرقات كعبها العالي يصدح في أرجاء المكان الواسع عندما وصلت الى مكتب سكرتيرته فنهضت كارين تستقبلها بنفس الإبتسامة السابقة تطلب منها أن تستأذن كنان قبل دخولها فهي أتت بلا موعد …
هزت ليلى رأسها بتحفظ عندما أجرت إتصالا سريعا برئيسها قبل أن تطلب منها الدخول وهي تسير أمامها وتفتح لها الباب تفسح المجال لها بالدخول …
دلفت ليلى الى الداخل وهي تتأمل المكان بنظرات ثابتة عندما نهض كنان يرحب بها بعملية ويطلب منها الجلوس على الكرسي المقابل لكرسيه لتفعل ذلك عندما سألتها كارين عما تريد أن تتناوله فطلبت قهوة معتدلة الحلاوة كالعادة ..
غادرت كارين تاركة إياها مع كنان لوحدها ….
حاولت ألا تشعر بالتوتر ولا تهتم وتتناسى ما قاله في آخر مقابلة بينهما عندما نطقت مقررة أن تبدأ هي في الحديث :-
” أعتذر عن عدم قدرتي على مرافقة السيد جمال إجتماع البارحة … كنت مرهقة قليلا … ”
لم يبدُ على وجهه أي تعبير وهو يرد ببساطة :-
” لا بأس .. سلامتك يا هانم …”
أرادت أن تضرب نفسها بقوة وكأنها لم تكتفِ من لعن نفسها مئات المرات لإنها لم تحضر إجتماع البارحة فأرسلت النائب مع بقية الموظفين متحججة بإنفلاونزا داهمتها وكم ندمت بعدها وهي ترى نفسها لأول مرة بهذه الطريقة .. تتصرف بإنهزامية لا تشبهها ولا تليق بها ..
ولم تفعل كل هذا ..؟! لأجل عرض زواج أرعن لا يجب أن يشغل بالها من الأساس ..؟!
تجنبت أفكارها مجددا وهي تهمس :-
” أشكرك …”
أضافت وهي تتذكر إنها عقدت العزم على أن تأتي اليوم صباحا بحجة الإعتذار عن عدم قدرتها على المجيء لكن واقعيا هي أرادت أن تثبت له إنها لم تهرب من مواجهته :-
“أتيت اليوم لنتحدث قليلا وأفهم إذا ما كان هناك شيء ما يجب أن أعلمه كما إنه لدي بعض علامات الإستفهام حول بعض النقاط ..”
كانت تكذب فما تقوله ليس سوى حجج فارغة تبرر بها مجيئها الذي كان بدافع تكذيب سبب تهربها من إجتماع البارحة ..
كانت تتحدث وفي داخلها تسخر من نفسها وهي تقسم إنه يدرك كذبتها مثلما يعلم إن عدم مجيئها البارحة لم يكن سوى رغبتها بعدم رؤيته بعد عرضه ذاك …
تأملت ملامح وجهه وهو يتحدث بإعتيادية ويخبرها عن بعض الأمور التي علمتها أساسا من السيد جمال عندما دلف موظف البوفيه يحمل القهوة لكليهما …
توقف عن الحديث والموظف يتقدم نحويهما ويضع القهوة أمامها أولا ثم أمامه بينما كانت هي تتذكر حديثه منذ لحظات وتصرفاته التي لم توحي بأي شيء مختلف …
بدا وكأنه لم يحدث ما حدث بينهما قبل ثلاثة أيام ..
كانت ملامحه عادية تماما وحديثه عملي بحت …
حملت فنجانها ترتشف منه القليل عندما وجدته يسألها بنفس العملية :-
” ما هي الأشياء التي أردت الإستفسار عنها ليلى هانم ..؟!”
أعادت الفنجان الى مكانه وبدأت تتحدث بآلية وهي التي أعدت بعض الاسئلة مسبقا …
بدأ الحديث هادئا جدا وأخذا يتناقشان في الكثير من الأمور لأكثر من نصف ساعة عندما أنهت ليلى الحوار قائلة :-
” حسنا يكفي الى هنا .. أشكرك حقا وأعتذر مجددا عن غيابي البارحة ..”
رد بيساطة :-
” على الرحب والسعة ليلى هانم ..”
إبتسمت ليلى بإقتضاب عندما هتف بعدها :-
” هناك شيء ما أريد قوله ..؟!”
نظرت لها بإهتمام تخفي خلفه توترها عندما قال بصوت رزين :-
” انا شخص لا يخلط الأمور الشخصية في العمل نهائيا … ما حدث قبل ثلاثة أيام لا دخل له بما يجمعنا من عمل مشترك … أتمنى أن يكون الشيء نفسه بالنسبة لك …!!”
ردت بثبات :-
” لا يوجد شيء من الأساس يمكن أن يمس العمل المشترك بيننا لإنه أساسا أنا وأنت لا يجمعنا سوى العمل … وما حدث قبل أيام كان مجرد عرض منك وأنا منحتك إجابة حاسمة لذا إنتهى الأمر قبل أن يبدأ …”
إبتسم بهدوء وهو يسأل :-
” إذا إجابتك كانت حاسمة ..؟!”
أجابت بجدية :-
” نعم …”
قال وهو ينظر إليها بطريقة أربكتها :-
” أليس من الطبيعي أن تفكر المرأة في عرض كهذا قبل رفضه ..؟! أن تفهم وتبحث وتستفسر كأي فتاة يتقدم لها رجل بعرض كهذا ..؟! ”
أكمل وعيناه تحاوطنها كليا :-
” أنت إمرأة ذكية يا ليلى .. ذكية وقوية وذات شخصية عاقلة … لم أتوقع منك رفضا مباشرا دون أدنى تفكير .. هذه الطريقة لا تناسبك ولا تشبهك …”
أضاف يحسم حديثه المدروس :-
” رفضك لمجرد الرفض .. لمجرد الهرب تصرف لا يليق بإمرأة قوية وذكية مثلك …”
إنتفضت من مكانها وللمرة الثانية ينجح في زعزعة ثباتها عندما هدرت به :-
” ومن أين علمت إنني رفضتك دون سبب لمجرد الهرب وما شابه …؟! أنت كيف تتحدث عني بهذه الطريقة وكيف تحكم على تصرفاتي ببساطة وكأنك تعيش معي او داخلي ..؟! ما أدراك إنه لا يوجد لدي سبب محدد وأساسا لماذا تتحدث بهذه الطريقة وتحشر أنفك في أمور لا تعنيك ..؟!”
إسترخى في جلسته يتابعها بصمت بينما هي تتحدث بهذا الإنفعال الذي جعلها تبدو أكثر جمالا وإشراقا من تلك الهيئة المتحفظة التي تتمسك بها أمامه ..
هذه المرأة تمتلك جوانب عديدة دفنتها أسفل رماد الماضي وذكرياته وهو يقسم إنه وحده من سيزيل هذا الرماد ويحيي المرأة التي أخفتها بعيدا داخلها ويحررها من هذه الواجهة التي تتمسك بها …
سألها بعدما أنهت كلماتها بهدوء :-
” وما هو هذا السبب ..؟! ما سبب رفضك لي …؟!”
ردت وهي تشمخ بذقنها :-
” ليس من شأنك … أحب أن أحتفظ بأسبابي لنفسي …”
هز رأسه مرددا بتفهم :-
” كما تريدين .. ولكن طالما لا يوجد سبب محدد يجعلك ترفضينني فعرضي سيبقى قائما حتى تمنحيني سببا واضحا …”
منعها من الحديث وهو يضيف بحسم :-
” صحيح .. نحن يجب أن نسافر الى أيطاليا بداية الأسبوع القادم كما تحدثنا مسبقا …”
سألته تخفي ضيقها :-
” هل يجب أن أسافر معك ..؟!”
هتف بسلاسة :-
” ألسنا شركاء ..؟! هل يعقل أن أسافر وأختار التصاميم دونك …؟!”
تمتمت مرغمة وهي لا ترغب برؤيته من جديد فكيف بالسفر معه :-
” حسنا ..”
نهض من مكانه يخبرها وهو يسير نحوها بنية توديعها :-
” سأرسل لك تفاصيل الرحلة مساء اليوم …”
هزت رأسها على مضض وهي تودعه وتخرج من المكان تتابعها نظراته وعلى شفتيه إرتسمت إبتسامة غامضة لا يدرك ما يدور خلفها سواه ..
……………………………………
مساءا …
دلفت ليلى الى غرفة أخيها ليبتسم لها وهو ينهض من مكانه مرددا بسعادة :-
” لي لي …”
ضحكت وهي تستقبه تحتضنه بحب باتت تغدق عليها بشكل عفوي فهو إمتلك قلبها ما إن سمحت لنفسها أن تقترب منه وتتعامل معه عن قرب ..
الطفل الصغير الذي يشاركها إسم والدها ودماءه …
كانت اتخذت قرارا منذ ذلك اليوم الذي تحدثت به معه بوجود مربيته أن تهتم به وتراعيه فهو وحيدا لا أحد يهتم به سوى مربيته ووالدها الذي بدوره أصبح متباعدا عن الجميع دون إستثناء …
ربما في البداية كان تقربها منه بدافع الشفقة بعد تخلي والدته عنه لكن الآن باتت تعلم جيدا إنها أحبته وهذا شيئا ليس مدهشا بتاتا فهو أخيها رغما عن إختلاف الأمهات …
هو أخيها البريء الذي لا ذنب له بذنب والدها في حق والدتها مثلما لا ذنب له في حقارة والدته وإنعدام ضميرها …
حملته وهي تتتقدم به نحو الكنبة تجلسه جانبها فتسأله وهي تعبث بخصلاته الشقراء الناعمة كخصلاتها تماما :-
” ماذا تفعل يا بيدو أخبرني ..؟!”
رد وهو ينهض من مكانه بحماس يحمل الجهاز الألكتروني خاصته وهو يخبرها عن إحدى الألعاب الألكترونية التي يحبها ويربح بها دائما فتابعته وهو يشرح لها اللعبة مدعية الإهتمام عندما هتفت تشجعه :-
” أحسنت يا بيدو … ”
أضافت وهي تلاعبه مجددا :-
” سأجلب لك هدية جميلة غدا …”
هتف بحماس طفولي :-
” أريد كرة يا لي لي …”
ضحكت وهي تهمس له :-
” سأجلب لك كرة ولعبة أخرى ستعجبك أيضا …”
تأملت المربية التي دخلت وهي تحمل صينية الطعام فنهضت ليلى من مكانها وهي تخبره :-
” عليك أن تتناول عشائك الآن ..”
اومأ برأسه بطاعة لذيذة قبل أن تتفاجئ به يقبض على طرف فستانها يخبرها :-
” ستعودين إلي بعدما أنتهي من عشائي …”
ابتسمت له وهي تنحني جواره تسأله مشاكسة :-
” هل تريد أن أعود ..؟!”
هز رأسه وهو يشير الى سريره :-
” وتنامين جانبي أيضا …”
تأملت سريره وقد إحتقنت ملامحها حزنا على هذا الطفل المسكين عندما تجاهلت أفكارها وهي تبتسم له تخبره إنها ستعود إليه مجددا بعد قليل فتتفاجئ به يحتضنها بعفوية لتضمه نحوها بحنو ورغما عنها كانت تتسائل عن المستقبل وما يحمله لهما ورغما عنها لاحت أمامها ذكرى أخوين تعرفهما تمام المعرفة ما زالا يتقاتلان وأحدهما لا يمانع أن يقتل الآخر بلا مبالاة وكأنه ليس أخيه إبن أبيه ..
نظرت الى عبد الرحمن بفزع من مجرد فكرة أن تصبح العلاقة بينهما يوما على هذا النحو فهمست بسرعة له :-
” أنا أحبك يا عبد الرحمن …”
أضافت بخفوت :-
“سأحرص دائما على إشعارك بذلك مثلما سأحرص على زرع محبة أخوية خالصة بيني وبينك أنت وشقيقك القادم وبين مريم العنيدة أيضا …”
أكملت وهي تجذبه نحو صدرها تردد :-
” نحن سنكون أخوة متحابين ..؟! لن نسمح لأي شيء أن يفرق بيننا طالما نحمل نفس الدماء … أعدك بهذا …”
ثم خرجت بعدما منحته قبلة دافئة فوق وجنته لتهبط الى الطابق السفلي عندما إهتز هاتفها فجذبته تتأمل رسالة من المدعو كنان ..
زفرت أنفاسها بضيق وسارعت تفتح الرسالة لتجده يخبرها بموعد السفر والذي سيكون بعد ثلاثة أيام يسألها إذا ما كان لديها أي مانع يمنعها من السفر في ذلك اليوم …
أجابته برسالة مختصرة إنه لا مانع لديها وأغلقت هاتفها تتجه نحو والدتها عندما تقدمت نحوها تبتسم لها قبل أن تطبع قبلة على وجنتها وهي تردد :-
” كيف حالك ماما ..؟!”
ردت فاتن بإبتسامة هادئة :-
” انا بخيرر..”
أكملت تسألها :-
” كنتِ عند أخيك ، أليس كذلك ..؟!”
هزت رأسها بصمت لتربت والدتها على كفيها تخبرها :-
” أحسننت يا ليلى .. إعتني به .. إنه وحيد تماما …”
أضافت وهي تتنهد بصوت مسموع :-
” ورالدك لا يهتم به بتاتا بل لا يهتم بأي شيء …”
تمتمت ليلى بخفوت :-
” يبدو غريبا هذه الفترة .. ألم تلحظي ذلك ..؟!”
اومأت فاتن برأسها وهي تردد :-
” رغم تباعدي عنه عن قصد لكنني لاحظت ذلك .. هو متباعد عن الجميع حتى عن طفله المسكين الذي لم يعد لديه سواه …”
هتفت ليلى بجدية :-
” انا موجوده يا ماما .. عبد الرحمن ليس وحيدا …”
ابتسمت فاتن بحنو تردد :-
” أعرف حبيبتي ولكنه والده وواجب عليه أن يكون جانبه … ألا يكفي إن سيحرم من والدته الى الأبد وهي على قيد الحياة …”
هتفت ليلى بتردد :-
” أنت تعلمين إن ولادة سهام إقتربت ..؟!”
هزت فاتن رأسها بصمت قبل أن تلحظ ملامح القلق على إبنتها فسألتها بإهتمام :-
” لماذا تبدين قلقة بسبب هذا الأمر ..؟! ألم يتفق والدك معها على كل شيء وعلى تسليمه الطفل بعد ولادته مقابل بقية المبلغ المتفق عليه …؟!”
هزت ليلى رأسها دون رد فسألها والدتها بحيرة :-
” لم القلق إذا ..؟! ”
ردت ليلى بخوف غريب :-
” لا أعلم ولكنني أشعر بعدم الراحة إتجاه تلك المرأة .. أخشى إنها تخطط لأمر ما وتسغل طفلها القادم .. بعدما فعلته أصبحت أتوقع منها كل شيء …”
نظرت لها فاتن بحيرة وقد شعرت بالقلق هي الأخرى لتسألها :-
” وماذا ستفعلين …؟! إنظري لا أعتقد إنها ستفعل شيئا .. هي كل ما يهمها الأموال .. ستمنحكم الطفل وتأخذ المال مقابله …”
قالت ليلى بعينين شاردتين :-
” اتمنى أن يحدث هذا ولا تقم بأي تصرف مجنون ..”
أكملت ونظرات عينيها تقسو هذه المرة :-
” وإلا هذه المرة سأقف بنفسي في وجهها ولم يخلصها أي أحد مني ..”
تنهدت فاتن بصمت قبل أن تتحدث محاولة تغيير الموضوع :-
” عائلة خالك سيغادرون البلاد بعد ثلاثة أيام …”
نظرت لها ليلى بصمت عندما أكملت والدتها :-
” وزاهر سيغادر معهم …”
أكملت عن قصد :-
” سيعود الى عمله …”
ردت ليلى بإقتضاب :
” جيد …”
سألتها والدتها بحذر :-
” ألا يوجد أمل بينكما يا ليلى ..؟!”
تأملتها ليلى للحظات بصمت تفكر به وبحبه الصريح وبكل شيء عندما أجابت بحزم :-
” كلا …”
سألت والدتها بتروي :-
” لماذا يا ليلى …؟! انت حتى لم تحاولي التجربة …”
قاطعتها ليلى بجدية :-
” مشاعر الناس ليست محل تجارب يا ماما …”
” ألا تشعرين ولو بإنجذاب بسيط نحوه …؟!”
سألها فاتن بحيرة لتهز ليلى رأسها نفيا عندما تنهدت فاتن بصمت وقالت :-
” حسنا حبيبتي .. كما تريدين .. أساسا هذه الأمور لا يناسبها الضغط والإصرار .. المشاعر تأتي بعفوية دون تخطيط ومحاولات …”
أكملت وهي تقبض على كف ابنتها :-
” أخبرتك ذلك مسبقا مثلما أخبرتك ألا تحاولي الهرب من مشاعرك القديمة ودعيها تأخذ وقتها …”
ابتسمت ليلى بضعف عندما أكملت والدتها تدعمها :-
” والأهم ألا تكتمي مشاعرك ووجعك داخلك … تحدثي يا ليلى وأنا سأسمعك دائما وربما أساعدك أيضا …”
قالت ليلى بخفوت :-
” لم يحدث شيئا معينا أتحدث به ..”
أكملت وجبينها يتغضن بحيرة :-
” هل تصدقيتني لو أخبرتك إنني لم أعد أعرف حقيقة مشاعري ولا ما أريد ..؟!”
أخذت فاتن نفسا عميقا ثم قالت :-
” هل تعلمين إن نديم عاد مع زوجته ..؟!”
أجابت ليلى وهي تبتسم بتهكم :-
” لست أعلم فقط .. بل تحدثت مع زوجته أيضا ..”
هتفت فاتن بعدم إستيعاب :-
” تحدثتِ مع من ..؟! هل تمزحين ..؟!”
هتفت ليلى ببساطة :-
” لم لا ..؟! لقد تحدثنا .. كان حديثا ودودا .. هل تصدقين هذا .. الفتاة جيدة ولطيفة ..”
قاطعتها فاتن :-
” انا لم أقل إن هذا خطأ او ما شابه ولكنني لا أفهم كيف إجتمعتما …؟!”
ردت ليلى كاذبة :-
” بالصدفة .. وتحدثنا قليلا …”
سألتها والدتها بحذر :-
” وماذا حدث ..؟!”
ردت ليلى بإعتيادية :-
” لم يحدث شيء … تحدثنا بشكل عادي جدا وسلس ثم غادرت كلا منا الى وجهتها …”
هزت فاتن رأسها بتفهم وقد فهمت إن إبنتها لا ترغب بالتطرق الى هذا اللقاء أكثر عندما سألتها ليلى بتردد :-
” ماما ، هل تعتقدين إن رفضي لأي إرتباط في الوقت الحالي بسبب مشاعري ناحية نديم هي نوع من الهروب …؟!”
نظرت لها والدتها بتمعن للحظات قبل أن تسألها :-
” هل هناك من أخبرك بهذا أم أنت فكرتِ بهذا لوحدك …؟!”
سألتها ليلى بحيرة :-
” وهل يفرق الجواب ..؟!”
هزت والدتها رأسها وهي تردد :-
” لإنك لو فكرت من ذاتك بهذا الأمر فهذا يعني إنك على بداية الطريق …”
” انا لا أفهم …”
سألتها ليلى بحيرة لتهتف فاتن بعقلانية :-
” بداية طريق التشافي … البحث عن أسباب المشكلة الأساسية هو دليلنا الى طريق التعافي وإيجادها هي بداية هذا الطريق …”
” هل تقصدين إنني أهرب من الإرتباط بسبب مشاعري ..؟!”
سألتها ليلى بإرتباك لتهتف فاتن بوعي :-
” هذا السؤال إجابته عندك … أنت وحدك من تمتلكين الإجابة … إبحثني داخلك عن مشاعرك الحالية نحو نديم وعن أسباب رفضك لأي شخص بعده … حاولي أن تجدي السبب الحقيقي وتفهمي هل سبب رفضك بدافع الهرب بسبب حبك لنديم الذي ما زال كما هو ..”
أكملت والدتها وهي تلمس خصلاتها الشقراء بأناملها :-
” ولكن تذكري يا ليلى شيئا مهما .. الحياة لا تتوقف عند شخص ما … الحياة تستمر والمشاعر يمكن أن تنتهي يوما … لا يوجد شيء ثابت للأبد .. ربما سيأتي يوم وتنتهي مشاعرك ناحية نديم وربما سيأتي يوم وتحبين غيره وربما ستبقى مشاعرك ناحيته لكن بشكل مختلف عن السابق .. بشكل لم يعد يؤثر بك .. ستبقى كذكرى جميلة بحلوها ومرها .. لا تعتقدي إن حياتك ستقف عند مشاعرك نحوه مهما بلغت قوتها …”
إبتسمت ليلى لها وهي تهز رأسها بتفهم قبل أن تقبلها على وجنتيها وتنهض بنية النوم ..
وهناك دلفت الى عبد الرحمن الذي إستقبلها بسعادة فأخبرته أن ينام في غرفتها اليوم وأخذته معها بعدما أخبرت المربية إنها ستتولى تغيير ملابسه …
دلفت الى غرفتها وسارعت تغير ملابسها أولا تاركة الصغير يعبث بإحدى ألعابه عندما خرجت من الحمام ترتدي قميص نومها الرقيق المحتشم لتجذبه وتغير له ملابسه بعدما سحبت منه لعبته ..
وأخيرا جذبته على الفراش وإحتضنته بعدما أطفئت الأضواء بإستثناء ضوء خافت تتركة دائما مفتوحا فهي تكره الظلام الدامس عندما همست له :-
” والآن سننام …”
إستسلم الصغير لأحضانها وغفي بعد قليل ذاهبا في نوم عميق بينما ظلت هي تفكر بحديث والدتها ورغما عنها عادت تفكر في كنان وعرضه بينما ما زالت تحتضن عبد الرحمن تضمه نحو صدرها …
تنهدت بتعب وهي تغمض عينيها مبعدة تلك الأفكار عن رأسها ورغما عنها شعرت بالآمان لوجود الطفل بين ذراعيها فإبتسمت بخفوت قبل أن تغط في نوم عميق …
………………………………………………….
صباحا ..
كانت تجلس على مكتبها تتابع عملها بتركيز عندما فوجئت بسكرتيرة عمار تدلف إليها وهي تخبرها بإرتباك :-
” غالية هانم .. عمار بك ليس موجودا وممثلي شركة المقاولات سيصلون بعد أقل من ساعة … نحاول الإتصال به منذ الصبح وهو لا يجيب ..”
نهضت غالية من مكانها تهتف بعدم إستيعاب :-
” ماذا يعني لا يجيب …؟! البارحة لم يكن موجودا واليوم أيضا وهناك موعد مهم كهذا …”
هزت الفتاة رأسها بلا حول ولا قوة عندما هتفت غالية بها :-
” عودي الى مكتبك وانا سأحاول الوصول إليه …”
ثم حاولت الإتصال به فوجدت هاتفه مغلقها ..
زفرت أنفاسها بضيق وقررت الإتصال بشيرين التي أخذت رقمها ليأتيها صوت شيرين يرحب بها فتسألها غالية بعدما ردت تحيتها :-
” أين عمار يا شيرين …؟! أحاول الإتصال به لكن هاتفه مغلق …”
ردت شيرين :-
” لا أعلم يا غالية … لم يأتِ الى المنزل منذ ثلاثة أيام …”
سألت غالية بقلق :-
” ماذا يعني هذا ..؟! أين هو الآن …؟! ”
هتفت شيرين بنفس القلق :-
” لا أعلم يا غالية .. أنا قلقة جدا عليه ولا أعلم أين أبحث عنه …”
زفرت غالية أنفاسها وقالت :-
” حسنا يا شيرين .. يجب أن أغلق الآن فلدي عمل مهم ولكن سأتحدث معك مجددا .. إذا عاد عمار فطمئنيني عليه ولو برسالة ..”
ثم أنهت مكالمتها وإتجهت خارج مكتبها تخبر السكرتيرة إنها ستحضر الإجتماع بدلا من عمار وطلبت منها ملف المشروع كي تقرأه سريعا قبل وصول ممثلي الشركة …
مر الوقت سريعا حيث إستقبلت غالية ممثلي الشركة هي ومجموعة من مدراء شركتها وبعضا من موظفيها حيث إستطاعت أن تدير الإجتماع بشكل جيد حتى إنتهى الإجتماع بسلام وهي تعتذر منهم مجددا عن غياب عمار متحججه بظرف طارئ إضطره لعدم المجيء …
غادرت غرفة الإجتماعات متوجهة الى مكتبها حيث حملت أغراضها وتوجهت الى الخارج بعدما إنتهى دوامها عندما قررت أن تزور فرحة وتطمئن عليها قبل ذهابها الى منزلها …
ذهبت عند فرحة وتحدثت معها لفترة عندما قررت المغادرة فوجدت أحد الضباط يقف ويتحدث مع الممرضة قبل أن يستدير نحوها فتسأله :-
” مرحبا .. هل هناك مشكلة ما ..؟!”
رد الضابط بعملية :-
” لقد أرسلني سيادة المقدم فادي لأبقى بجوار غرفة المريضة حتى تشفى تماما وتخرج من هنا بسلام ..”
سألته بقلق :-
” هل حدث شيء ما …؟!”
رد بتحفظ :-
” لا تقلقي يا هانم .. كل شيء بخير .. هذه مجرد إحتياطات ليس إلا .. أوصاني سيادة المقدم بذلك خاصة إنه سيرقد في المشفى الأيام المقبلة ..”
سقط قلبها بين أضلعها وهي تردد بفزع :-
” المشفى …؟! لماذا ..؟! ما حدث معه ..؟!”
هتف الضابط محاولا طمأنتها :-
” لا تقلقي .. إنه بخير .. أصيب برصاصة أثناء إحدى المهمات لكنه نجا منها بسلام ..”
بالكاد كتمت غالية شهقتها مما سمعته عندما سألته بقلق :-
” يعني هو بخير ..؟!”
ابتسم الضابط يطمئنها :-
” نعم الحمد لله ..”
هزت رأسها وهي تتمتم بالحمد قبل أن تسأله بتردد عن عنوان المشفى فيخبرها الضابط عن المشفى التي يرقد بها فادي حاليا لتشكره وهي تغادر المكان بصمت وترتقي سيارتها وتقودها متجهة الى المنزل بنفس الصمت …
بالكاد ألقت التحية على والدتها وصعدت الى الطابق العلوي حيث غرفتها ..
بدلت ملابسها وعقلها مشغولا تماما به …
تريد زيارته والإطمئنان عليه لكنها تعود وتنهر نفسها فلا توجد صفة معينة تسمح لها بذلك …
جلست أمام المرأة بعدما إرتدت قميص نومها تنظر الى وجهها في المرأة وتتسائل إذا ما سيكون ذهابها تصرفا صحيحا أم خاطئا ..؟!
وإذا ذهبت فكيف ستفسر سبب ذهابها ..؟!
رغما عنها كانت تريد الذهاب وقلبها يصر عليها أن تراه وتطمئن عليها ..
وضعت كفها على قلبها الذي ينبض بعنف فهمست لنفسها بيقين بات لا مجال للفرار منه :-
” لقد سقطت في الحب وإنتهى أمرك .. لا مجال للإنكار بعد الآن …”
أكملت وهي تحدث نفسها بضوت خافت :-
” لم ألجأ في حياتي لإنكار أي شيء مهما كان ولن أفعل …”
تنهدت بتعب وعقلها يخبرها إن هذه العلاقة مجهولة المعالم فإبتسمت سخرية وهي تخبر نفسها إنه لا يوجد علاقة من الأساس لكنها تتذكر من جديد نظراته وحديثه وكل شيء وهي تكاد تقسم إنها شعرت به يحمل شيئا خاصا نحوها .. شيء لا يمكن أن يكون وهما أو محض خيال ..
هي تعرف نفسها جيدا .. هي لم تتوهم يوما أشياء لا وجود لها ولن تفعل ..
هي شعرت بذلك .. رأت في عينيه الحب مهما حاول السيطرة على نظراته وترويضها لكن تبقى هناك لحظات تتغلب مشاعره عليه وتظهر للعلن وهي ذكية وإستطاعت أن تنتبه لتلك المرات القليلة ..
لا يمكن أن يكون هذا وهما ..
ولكن حتى لو كان حقيقيا ، فما نهاية هذه المشاعر ..؟؟
صحيح لم يمر سوى فترة قصيرة على تعارفهما ولكنها تشعر إنه يتعمد الإبتعاد تارة ويتعمد القرب تارة أخرى وكأنه خائف من مشاعره وقربها أو ربما غير راضي ..
ربما لإنها كانت خطيبة أخيه ..؟! ربما هو لا يتقبل هذا الأمر ..؟!
إبتسمت بسخرية وهي تردد ؛-
” وهل يوجد سببا آخر غير هذا .. ؟! وهل تعتقدين إنه لن يهتم بهذا الأمر ..؟! وماذا عن عائلته ..؟! ”
تدرك إن هذا الأمر واقع حال … وإن هذه العلاقة سيقابلها الرفض مثلما تدرك إن أحد أسباب هروبه هو تلك الحقيقة المرة ..
تسائلت عما ستفعله .. هل تهرب هي الآخرى وتنسى مشاعرها وتنساه هو تماما وتحمي نفسها من التورط في علاقة متعبة كهذه أم تترك العنان لمشاعرها وتحارب في سبيلها …؟!
هل تتحذ قرارا حازما وتنسى كل هذا وتقطع علاقتها به تماما أم تواجه الحقيقة وتتقبلها وتحارب لأجلها ..؟!
هل الهروب هو الحل ..؟! هل الطريقة المناسبة للحفاظ على قلبها الذي تورط بالفعل في حبه ..؟؟
عادت تنظر الى نفسها في مرآتها وتتسائل مجددا عندما هتفت بينها وبين نفسها :-
” منذ متى وأنتِ تهربين يا غالية ..؟! لطالما كنت قوية محاربة تحبين المواجهة بل تلجئين إليها دائما دون تردد .. الآن ستهربين .. ”
أكملت تنهر نفسها :-
” الهروب لا يليق بك يا غالية .. الهروب لا يليق بك أبدا … من إعتاد على المواجهة لا يليق به الهرب ..”
أكملت وهي تبتسم بإدراك :-
” قلبك يستحق أن تحاربين لأجله .. مشاعرك تستحق والأهم إن فادي نفسه يستحق …”
وفي نهاية المطاف أخذت قرارها دون تردد ..
ستواجه ولن تهرب ولو قضى الأمر ستحارب أيضا في سبيل مشاعرها الوليدة …
ليحدث ما يحدث لكن المهم ألا تهرب فالهروب ليس من شيمها …
………………………………………..
في صباح اليوم التالي نهضت بحماس …
إرتدت ملابس تجمع بين الأناقة والبساطة …
صففت شعرها وتركته ينسدل بنعومة على جانب وجهها ووضعت مكياجا خفيفا ..
غادرت المنزل مكتفية بإلقاء تحية الصباح على والدتها ..
وفي طريقها الى المشفى إشترت باقة ورد جذابة خاصة بورودها التي تجمع بين اللونين الأزرق والأبيض …
وصلت الى المشفى وهبطت من سيارتها وهي تحمل باقة الورد معها عندما سألت موظفة الإستعلامات عن مكان غرفته وغادرت بعدها متجهة نحو الغرفة …
وهناك ما إن وصلت الى الغرفة حتى سألت إحدى الممرضات إذا ما كان أحدهم عنده فهي لن تدخل قبل أن تتأكد من عدم وجود فرد من عائلته وإذا كان هناك أحدهم فسترسل باقة الورد مع الممرضة وتغادر ..
من حسن حظها إنه كان لوحده عندما طرقت على الباب ودخلت بخفة بعدما أتاها صوته الرجولي الرخيم يسمح لها بالدخول …
تقدمت نحوه وهي تلقي التحية بإبتسامة ناعمة :-
” صباح الخير …”
نظر فادي لها بدهشة مرددا بعدم إستيعاب لوجودها هنا :-
” غالية …”
حافظت على إبتسامتها وهي تقف جانبه تخبره :-
” الحمد لله على سلامتك ..”
ثم وضعت باقة الورد جانبه …
رد تحيتها بخفوت قبل أن يسألها بإهتمام :-
” كيف عرفتِ إنني هنا ..؟!”
ردت بجدية :-
” من الضابط الذي أرسلته لحراسة فرحة ….”
أشار الى الكرسي الموضوع قربه :-
” تفضلي إجلسي ..”
إبتسمت قائلة بتردد :-
” لا داعي .. سأغادر بعد قليل …”
أكملت :-
” أتيت فقط لأطمئن عليك .. تبدو صحتك بخير …”
هز رأسه وهو يجيب برزانة :-
” الحمد لله … كانت إصابة بسيطة …”
” عملك صعب … يعني حياتك دائما في خطر …”
قالتها بخفة ليهتف مبتسما :-
” هذا ما يجعله ممتعا أكثر …”
هتفت بإستنكار :-
” أي متعة في كونك معرض دائما للمخاطر ..؟!!”
ابتسم بنفس الطريقة وقال :-
” هذه متعة لا يعرفها سوى من جربها …”
هتفت بجدية :-
” من الواضح إنك تحب عملك كثيرا ..”
قال بصدق :-
” أكثر مما تتخيلين …”
أضاف :-
” عملي أحب شيء لقلبي … إخترته رغما عن إعتراض الجميع من الأهل والأصحاب والأقارب … ”
ابتسمت تردد :-
” كم هو جميل أن يعمل الإنسان في مجال يحبه …!!”
قال يسألها :-
” وأنت .. هل تحبين مجال عملك ..؟!”
ردت وهي تبتسم بإتساع :-
” كثيرا .. منذ أن كنت صغيرة وأنا مهتمة بهذا المجال .. الحاسوب والإلكترونيات …”
هز رأسه مرددا بتفهم :-
” جيد .. هذا واضح أساسا ..”
سألته بإستغراب :-
” ماذا تعني بواضح أساسا ..؟!”
رد موضحا :-
” يعني شخص مثلك لن يدرس مجالا لن يحبه … شخصيتك تدل على كونك شخصية واضحة ومستقلة وصاحبة قرار …”
هتفت بخفة :-
” هذا صحيح ….”
تنحنحت بحرج وهي تقول :-
” حسنا يجب أن أغادر الآن …”
قال وهو يمد كفه نحوها :-
” سعدت كثيرا بزيارتك يا غالية …”
مدت كفها نحو كفه ترد عليه بإبتسامة هادئة قبل أن تغادر المكان يتابعها هو بعينيه …
خرجت من الغرفة وأخذت تسير متجه نحو المصعد عندما وجدته أمامها ..
رمقها بنظرات مندهشة سرعان ما تحولت الى اخرى ساخرة قابلتها هي بنظرات جامدة تماما …
همت بالإستمرار في حديثها عندما وجدته يتقدم نحوها بتصميم فوقفت مكانها ترمقه بنظرات باردة لا مبالية …
” اهلا غالية هانم …”
قالها بتهكم ظهر على ملامحه وفي نبرة صوته لترد ببرود :-
” ألا تخجل من نفسك ..؟! تتقدم نحوي وتحييني بكل صلافة …؟!”
هتف عن قصد :-
” وماذا عنك ..؟! ألا تخجلين من نفسك وأنت تحاولين الإيقاع بشقيق خطيبك السابق …”
تقدمت نحوه خطوتين تهتف بملامح قوية ونبرة حادة رغم خفوتها :-
” أنت كيف تجرؤ .. ؟! من تظن نفسك لتتحدث هكذا معي ..؟! كيف تسمح لنفسك أن تتطاول علي …؟!”
منحها نظرة باردة وهو يقول :-
” انت من سمحت لي بذلك من خلال تصرفاتك يا هانم .. كيف تفعلين شيئا كهذا ..؟! ألم تجدي سوى شقيقي ..؟!”
ضحكت هازئة وهي تقول :-
” ما بالك مهتم بأمري الى هذا الحد ..؟! يبدو إنك لم تتخطَ بعد ما فعلته بك ..!!”
هذر من بين أسنانه :-
” إبتعدي عن فادي يا غالية .. انا لن أسمح لك بالإقتراب منه .. لن أسمح لهذه العلاقة أن تستمر …”
قالت وهي تتشدق قوة وغرورا بعينيها :-
” من أنت لتسمح أو لا تسمح ..؟! من أنت لتقرر شيئا كهذا ..؟! من تظن نفسك …؟! أنت مجرد زير نساء أرعن .. أنت لا تستحق حتى كلمة رجل بعدما فعلته بتلك المسكينة وما حاولت فعله بي … لو كنت مكانك ما كنت لأستطيع النظر الى وجهي في المرآة بسبب تصرفاتي المخجلة …”
” إسمعي يا هذه .. هذا الكلام لن يغير الحقيقة .. انت وفادي لن تكونا لبعضكما .. وها أنا أحذرك يا غالية .. انت لن تستطعين الوقوف بوجهي ولا شقيقي العزيز الذي تستندين عليه يستطيع …”
عقدت ذراعيها أمام صدرها تخبره بتحذير مقصود :-
” إذا إسمعني جيدا يا فراس … انت من يجب أن يتوخى الحذر … صحيح نسيت أن أخبرك .. لقد علم عمار بإنك من خطفتني وهو يستحلف لك منذ ذلك اليوم .. بالتأكيد أنت تعرف عمار الخولي جيدا وما يمكنه أن يفعل .. صدقني عمار بالذات لا تفكر حتى في مواجهته لأنك ستخسر دون شك .. يمكنك أن تسأل عنه وعما يفعله بكل شخص يمسه بسوء …. ”
أضاف وهي تلوي ثغرها :-
” انا حاولت إقناعه أن يبتعد عنك ويتركك وشأنك .. لم أفعل هذا لأجل سواد عينيك بالطبع بل لخاطر شقيقك الذي أنقذني منك ، بالله عليك لا تجعلني أتراجع عن محاولاتي وأشحنه ضدك .. حسنا عزيزي فراس …”
منحته نظرة أخيرة ساخرة مستهينة وتقدمت تسير أمامه برأس مرفوع تاركة إياه واقفا مكانه والحقد يتفاقم داخله دون توقف ..
…………………………………………..
ثلاثة أيام وعقله لا يتوقف عن التفكير ..
ثلاثة أيام والألم ينهشه والخوف لأول مرة يزور قلبه …
ثلاثة أيام عاشها في جحيم لا ينتهي …
ثلاثة أيام مرت كان معزولا فيها عن العالم مبتعدا عن الجميع ولكن جحيم العالم بأكمله كان حوله وفي قلبه …
وهاهو قد خرج أخيرا من عزلته مقررا النهوض مجددا…
راميا ألمه خلفه كعادته مفكرا في القادم وما ينتظره وما ينتظرها هي ..
هي الأهم .. جيلان … أخته الحبيبة …
الليلة الماضية غرق في نوم عميق ..
وهناك زارته والدته في حلمه ..
لم تتحدث بكلمة واحدة .. فقط كانت تنظر إليه .. بصمت و وجوم ..
لم تكن راضية .. كانت حزينة .. وكأنها تعلم ما يدور .. لاحظ عدم الرضا في عينيها ورأى اللوم رغم الصمت التام ليستيقط بفزع وعقله يترجم ما رأه فيخفق قلبه بعنف وينتفض من مكانه يسير ذهابا وإيابا بلا وعي ودون وجهة محددة ..
عاد وسقط فوق سريره وشرد مجددا .. شرودا لا نهاية له .. شرودا استمر حتى الصباح لينهض ما إن سطع نور الشمس وغير ملابسه وغادر وكانت وجهته هذه المره الى طبيبتها النفسية ..
عليه أن يتحدث معها ويفهم منها ما يجب أن يفعله ..
وهاهو يجلس أمامها بعدما قص عليها ما حدث …
بعدما أخبرها بتلك المصيبة التي سقطت فوق رأسه هو قبل البقية ..
يطلب منها حلا .. وسيلة إنقاذ … يبوح لها بخوف لا نهاية له عليها .. على أخته .. خوف من صدمتها عند معرفة الخبر وما يتبع تلك الصدمة …
ظلت منى صامتة لوهلة .. كان الخبر صادما لها … لم تفهم سبب تغيب جيلان عن جلستهما المفترضة هذا الأسبوع لتعتقد إنها ربما مريضة قليلا او مشغولة في دراستها ليتبين لها إن السبب آخر سبب كانت تتوقعه وأسؤهم ..
لماذا حدث الآن ..؟!
لماذا بعدما بدأت جيلان تتجاوب نوعا ما معها ..؟!
لماذا بعدما بدأت نظرتها تتغير قليلا ..؟! وبدأ الأمل يشع داخلها …؟!
لم تعرف ماذا تقول وشعور الألم والشفقة على تلك الصغيرة ملأ روحها ..
أي حظ تمتلكه تلك الفتاة لتتعرض لسقطة كهذه في الوقت التي بالكاد كانت تشد به جسدها لتنهض بنفسها من جديد ..؟!
أي حظ تمتلكه لتتعرض لنكسة كهذه وهي لم تنتهِ من إولى خطواتها بعد ..؟!
” ما حدث سيدمر كل شيء ..”
قالتها بنبرة متألمة وهي تضيف :-
” نحن لن نعود فقط الى نقطة الصفر بل سننزل أسفلها أيضا … !!”
هتف عمار وملامحه ترتدي قناع الجمود الزائف :-
” ماذا أفعل يا دكتورة …؟! كيف أتصرف ..؟!”
ولأول مر تشعر بالعجز … تفقد قدرتها على الإجابة …
ترى صورة جيلان أمامها .. تلك الصغيرة البريئة التي تعرضت لأشياء لا تناسب عمرها أبدا …
كيف ستتقبل خبرا كهذا ..؟! كيف ستتحمل مسؤولية كهذه ..؟! كيف ..؟!
” أنت تعلم إننا ما زلنا في خطوتنا الأولى في العلاج مثلما تعلم إننا لم نتطرق حتى آخر جلسة جمعتنا الى تلك الحادثة … لقد تعمدت ألا أضغط عليها وأن أعالجها خطوة خطوة بالتدريج … راعيت سنها الصغير وعدم قدرتها على البوح .. لقد رسمت خطة علاج معينة و سرت وفقها … وهي بدأت ترتاح … تسترخي وتتحدث .. بدأت أرى التغيير وإن كان طفيفا … صحيح كنا نتجاهل تلك الحادثة عن قصد لكنني أردت أن أصل الى تلك النقطة في الوقت المناسب .. في الوقت الذي تكون به جيلان مستعدة نفسيا للتحدث ومعالجة الأمر … كنت أعلم إن رحلة علاجها سوف تستغرق وقتا طويلا وربما أعوام لكنني كنت أمني نفسي بإن نتائج هذا العلاج ستبدأ منذ الأشهر الاولى وتظهر تدريجيا حتى لو ببطء .. لكن بعدما حدث لا يمكنني تخيل ما سيحدث وما يحمله القادم .. لقد تدمر كل شيء حرفيا قبل أن يبدأ …”
زفر عمار أنفاسه بصوت مسموع قبل أن يهتف بصوت ظهر التعب فيه جليا :-
” تصرفي يا دكتورة … انا لا أعرف كيف أتصرف وهي حتى هذه اللحظة لا تعرف شيئا …”
” لكنها ستعرف .. والله وحده يعلم كيف ستتعامل مع الموقف .. ستكون صدمة قاسية جدا عليها …”
مسح عمار على وجهه بإرهاق لتتنهد منى بصمت عندما رفع وجهه ينظر إليها يخبرها برجاء :-
” ساعديني من فضلك .. انا لا يمكنني تحمل أن يصيبها أي مكروه .. لا يمكنني أبدا …”
زفرت أنفاسها بصمت ثم قالت :-
” انا لن أتركها يا عمار .. جيلان مريضتي .. وفي الحقيقة هي ليست كذلك فقط … أنا أحببتها حقا … لذا بكل الأحوال انا لن أتركها أبدا وسأفعل كل ما بوسعي لأحاول إحتواء الموقف لكنني يجب أن أحذرك … النتائج غالبا لن تكون جيده وردة فعلها ستكون أصعب مما تتخيل …”
إحتقنت ملامحه تماما فأكملت وهي تعاود إرتداء قناع الطبيبة بكل عملية :-
” مبدئيا لا أريدها أن تعلم بالأمر حاليا .. إمنحني يومين او ثلاثة لدراسة الموضوع جيدا وإيجاد الطريقة المناسبة لتمهيد الخبر لها …”
هز رأسه مرددا بتفهم :-
” حسنا .. لن أتصرف دون علمك بالطبع ..”
منحته إبتسامة مؤازرة عندما نهض من مكانه يودعها ويخرج من العيادة ومنها الى سيارته ..
قاد سيارته بشرود حتى وصل الى الفيلا التي يقطن بها مع زوجته …
هبط من سيارته ودلف الى الفيلا عندما وجد شيرين تتقدم نحوه بلهفة وقلق قبل أن تتوقف للحظات وهي تتأمل وجهه المنهك ولحيته النامية …
كل شيء بدا به محطم ….
إندفعت نحوه تقبض على كفه وتهمس بلهفة :-
” أين كنت ..؟! هل أنت بخير ..؟؟ كنت سأموت من قلقي عليك …”
تأمل عينيها المتلهفتين .. وجهها المليح بتقاسيمه المليئة بالحب والسلام .. ذلك الحنان الذي يفيض من نظراتها ويتدفق في نبرة صوتها ..
همس وإحتياجه لها بلغ ذروته :-
” عانقيني …”
نظرت له بعدم إستيعاب ليكمل بتوسل :-
” عانقيني يا شيرين …”
كتمت دموعها داخل مقلتيها وهي ترى التوسل في عينيه والضعف ظاهرا بوضوح عليه فجذبته نحو أحضانها تعانقه فتجده يتشبث بأحضانها كطفل صغير يعانق والدته بعد سنين فراق …
” عانقيني يا شيرين ولا تتركيني أبدا ..أنا أحتاجك ..”
أغمضت عينيها بقوة وهي تستمع الى همسه المؤلم فشددت من عناقها وهي تهمس له بعدما فتحت عينيها المحتقنتين تماما بالعبرات :-
” انا هنا … معك ولن أتركك ..”
ثم هطلت دموعها فوق وجنتيها بغزارة فمالت بوجهها فوق كتفه تكتم شهقاتها بالقوة وهي تشعر بألمه يغزو روحها وقلبها وكيانها بأكمله فتتألم مثله تماما وكأنه كُتِب عليه أن تشاركه آلامه كما شاركته كل شيء بإرادتها أو غصبا عنها …
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سارة علي
كانت تتفحص حقيبتها تتأكد من أخذها جميع ما تحتاجه وأهمهم مستمسكات السفر عندما سمعت طرقات على باب غرفتها فسمحت للطارق بالدخول لتدخل الخادمة فتشير ليلى الى الحقيبة متوسطة الحجم :-
” أنزليها الى الأسفل …”
هزت الخادمة رأسها بطاعة وسارعت تسحب الحقيبة وتجرها خارج الغرفة عندما أغلقت ليلى سحاب حقيبتها الأنيقة وحملتها بعدما وضعت فيها هاتفها أخيرا …
وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها للمرة الأخيرة حيث تتأكد من كمال هندامها قبل أن تغادر غرفتها حيث ستودع عائلتها أولا ثم تغادر المنزل مع كنان متجهة إلى إيطاليا …
ما إن خرجت من الغرفة حتى رأت مريم تتقدم نحوها فإبتسمت لها لتبتسم مريم بدورها بخفوت وهي تسألها بعدما وقفت أمامها :-
” هل ستتأخرين هناك ..؟!”
ردت ليلى بجدية:-
“فقط ثلاثة أيام …”
ثم صمتت تتأمل وجوم شقيقتها والذي لم تفهم سببه فهمست بصدق :-
” ما بالك يا مريم ..؟! لماذا يزعجك سفري الى هذا الحد ..؟!”
أجابت مريم بتردد :-
” سأشتاق لك ..”
ثم أطلقت تنهيدة بطيئة وعقلها يأمرها أن تخبر شقيقتها الحقيقة لكنها تتراجع ككل مرة عندما همست ليلى متعجبة :-
” تتحدثين وكأنها المرة الأولى التي أسافر بها أو أترك بها المنزل …”
أكملت وهي تلوي ثغرها بتهكم :-
” وكأنني لم أعش لأعوام بعيدا عنكم …”
تقدمت مريم نحوها تربت على كتفها تهمس برجاء خالص :-
” لا تتأخري يا ليلى ..”
توترت ملامح ليلى وهي تسأل بتوجس :-
” هل هناك شيء ما يا مريم ..؟! يمكنني إلغاء الرحلة حالا ..”
قاطعتها مريم بسرعة :-
“كلا ، لا داعي لذلك … انا فقط مكتئبة قليلا ..”
أكملت وهي تبتسم لها لتصنع :-
” جميعنا نعلم مدى أهمية هذه الشراكة لنا .. دعك مني وفكري بهذه الشراكة …”
أكملت وهي تحتضنها :-
” سأشتاق لك … عودي بسرعة …”
ابتسمت ليلى وهي تربت بكفيها فوق ظهر مريم قبل أن تبتعد عنها وهي تخبرها بإبتسامة هادئة :-
” وأنا سأشتاق لك كثيرا .. إعتني بنفسك جيدا حتى أعود …”
أكملت بتحذير مصطنع :-
” إياك وإفتعال المشاكل في غيابي يا مريم …”
ضحكت مريم مرغمة وهي ترفع كفها بإستسلام مصطنع :-
” سمعا وطاعة يا هانم ..
توقفت ليلى عن ضحكاتها بعدها وهي تتمتم بجدية :-
” إهتمي بعبد الرحمن حتى أعود ..”
ظهر عدم الرضا على ملامح مريم عندما أضافت ليلى برجاء خاص :-
” لأجلي يا مريم .. إعتني به في فترة غيابي … ”
زمت مريم شفتيها بعبوس والرفض ظهر في عينيها عندما نطقت ليلى إسمها بحزم لتهز مريم رأسها مرددة على مضض :-
” حسنا ..”
” عديني يا مريم أن تهتمي به جيدا حتى أعود ..”
قالتها ليلى بجدية وهي تنظر الى ملامح شقيقتها الواجمة لتجد السكون مسيطرا عليها فتكرر بإصرار :-
” عديني يا مريم ..”
زفرت مريم أنفاسها بتأفف خفي وهي ترد :-
” حسنا .. أعدك …”
ابتسمت ليلى وعانقتها بخفة مجددا قبل أن تبتعد عنها وهي تقرصها من وجنتها تردد بمشاغبة :-
” صغيرتي العنيدة …”
ابتسمت مريم لها بينما تحركت ليلى حيث ذهبت الى والدها الذي كان معتزلا كالعادة في غرفته الجديدة …
دلفت ليلى الى تلك الغرفة التي إستقر بها بناء على قرار والدتها لتجده جالسا يقرأ في أحد الكتب بهدوء عندما رفع وجهه نحوها فإبتسم لها لا إراديا لتتقدم نحوه وتعانقه بحنو قبل أن تهمس له :-
” جئت لتوديعك قبل السفر .. ”
ربت على كتفها وهو يقول بصدق :-
” سأشتاق لك يا صغيرتي ..”
أضاف وهو يربت على جانب وجهها بكفه بعدما إبتعدت عنه قليلا :-
” أعلم إن المسؤولية باتت ثقيلة عليك .. لكنني أعدك إنني سأعود في أقرب وقت و …”
قاطعته بصدق :-
” ليس مهما .. المهم أن تبقى بخير ..”
أضافت تتسائل :-
” هل أنت بخير حقا …؟! أنت تثير قلقي ومخاوفي عليك …”
ابتسم مرددا بخفوت :-
” انا بخير يا ليلى ..”
اكمل بعدما تنهد بصوت مسموع :-
” لا تقلقي بشأن صحتي فالطبيب طمأنني على وضعي …”
همست بجدية :-
” وطمأنني أنا أيضا وأوصاني أن تبقى ملتزما بعلاجك وزياراتك الدورية له ..”
هتف أحمد بجدية :-
” وأنا أفعل ذلك ..”
ابتسمت وهي تردد :-
” نحن نحتاجك يا بابا .. إعتني بنفسك … إذا لم يكن لأجلك فلأجلنا نحن …”
أضافت بتردد :-
” عبد الرحمن يحتاجك .. انت مبتعد عنه تماما .. أعلم إنك متباعد عنا جميعا ولكنه صغير … يكفي إن والدته تخلت عنه فلا تتخلى عنه أنت أيضا ..”
هتف يطمأنها :-
” لا تقلقي يا ليلى… لن أبتعد عنه ولا عنكم .. انا فقط أحتاج بعض الوقت … أحتاج أن أنفرد بنفسي بعيدا .. ”
ابتسم يضيف بصدق :-
” كل شيء سيعود كالسابق قريبا بإذن الله ….”
عادت تعانقه مجددا قبل أن تبتعد وتودعه مغادرة غرفته لتلقي نظرة على غرفة شقيقها الذي كان نائما وقد ودعته هي في وقت سابق ووعدته أن تجلب له الهدايا …
هبطت الى الطابق السفلي حيث وجدت والدتها هناك لتودعها حيث أوصتها والدتها وصاياها المعتادة وهي تدعو لها أن يوفقها الله وتسافر وتعود سالمة ..
وأخيرا خرجت من الفيلا بعدما أخبرها الحارس بوصول السيارة التي ستقلها الى المطار ..
كانت تنوي الذهاب الى المطار بمفردها مع السائق كما إعتادت ولكن كنان أخبرها إنه سيمر عليها بنفسه ويقلها معه في سيارته وهي بدورها لم ترفض حيث لم تجدد مبررا للرفض فهما في النهاية سيذهبان في رحلة عمل كلاهما شريكان فيها ومن الطبيعي أن يكونا سويا ..
تحركت ليلى نحو السيارة السوداء الضخمة عندما إستقبلها السائق يبتسم لها بلباقة مرحبا قبل أن يفتح لها الباب لترد تحيته وهي تدلف الى الداخل لتجد كنان جالسا يترقب قدومها عندما منحته إبتسامة هادئة وهي تلقي تحية الصباح عليه ليرد تحيتها بهدوء ..
ركب السائق في مقعده وسألهما إذا ما يتحرك أم إنهما ينتظران شيئا ما فسألها كنان إذا ما يستطيعان المغادرة لتهز رأسها بصمت ليخبر كنان السائق أن يتحرك نحو المطار …
أخذت ليلى تتأمل الطريق بصمت من خلف النافذة بينما كنان كان منشغلا في مراجعة أعماله على جهازه اللوحي حتى وصلا الى المطار أخيرا…
مرت الإجراءات سريعا حيث علمت ليلى إنهما سيسافران في طائرته الخاصة فصمتت دون تعليق وهي تفكر في مدى ثراء كنان الفاحش فهي رغم ثرائها من جهة والدها ووالدتها لكن لم يمتلك أيا من أفراد عائلتيها طائرة خاصة للسفر …
بعد مدة من الزمن كانت ليلى تجلس على مقعدها والمضيفة تقدم لها الشراب الدافئ الذي طلبته بينما كنان يجلس على المقعد المقابل لمقعدها بمسافة ليست قريبة عموما وما زال يعمل بتركيز بينما وضعت المضيفة أمامه قهوته التي على ما يبدو إعتادت أن تضعها أمامه في كل رحلة …
حملت ليلى مشروبها وبدأت ترتشفه بهدوء ثم أخذت قطعة من الحلوى الموضوعة أمامها تذوقتها فأعجبها طعمها لتلقي ناظرة عابرة على ذلك الجالس يعمل منهمكا فتعود وتسترخي في جلستها وهي ترتشف شرابها ببطأ وتلذذ …
بعدما إنتهت ليلى من تناول مشروبها شعرت بالإسترخاء يسيطر عليها وقد ذهب توترها تماما عندما سحبت هاتفها الخلوي ومعه السماعات خاصتها فشغلت إحدى أنواع الموسيقى الكلاسيكية التي تحبها بعدما وضعت سماعاتها داخل أذنيها ثم إسترخت في جلستها أكثر وأغمضت عينيها وشردت بعيدا مع أنغام تلك الموسيقى ..!!
بعد مدة ليست بطويلة إستدار كنان نحوها وهو الذي كان يتجنب النظر لها متعمدا فوضع تركيزه على بعض أعماله التي نجحت في إشغاله عنها بجدارة عندما قاده فضوله أخيرا ليلتفت نحوها فيجدها بتلك الوضعية حيث تميل برأسها الى الخلف فوق المقعد وعينيها مغمضتين وتلك السماعات الموضوعة في أذنيها وعلى ما يبدو إنها غرقت في نومها دون أن تعي …
تأمل ملامح وجهها الساكنة بجمالها الرائع ليرى أمامه لوحة فنية متكاملة وكم أعجبه منظرها وهي نائمة بسلام فبدأت التخيلات تجتاح عقله وهو يعد نفسه إنها قريبا ستنام بنفس الطريقة جانبه وفي سريره ..
كان يود بشده أن يعرف نوع الموسيقى التي تسمعها رغم كونه يخمن إنها تفضل الإستماع الى الموسيقى الكلاسيكية الهادئة وليست تلك الإيقاعية الصاخبة …
عاد بظهره الى الخلف يبعد بصره عنها مرغما يخبر نفسها ألا يستعجل فالأمور تصب في صالحه حتى الآن وكل شيء سيحدث كما يريد …
مرت حوالي ثلاثة ساعات عندما تقدمت المضيفة تسأله إذا ما تقدم طعام الغداء أم تنتظر أكثر فأخبرها أن تنتظر ساعة أخرى ثم توقظ تلك النائمة بعمق وهدوء جذاب كي تتناول الطعام ..
وبالفعل بعد ساعة تقدمت المضيفة تربت على كتف ليلى التي أخذت ترمش بعينيها قبل أن تفتحهما وهي تتمتم ببعض الكلمات برقة سلبت لبه وهو الذي يتابعها بتركيز عندما إنفرجت عن شفتيها أخيرا إبتسامة ناعمة رائقة وهي تومأ برأسها فتبتعد المضيفة لتجلب الطعام بينما تلاقت عينيها بعينيه أخيرا فعاد التوتر يغزوها ليمنحها هو إبتسامة هادئة متحفظة وهو يجبر نفسه على العودة ببصره الى الأمام منشغلا بأي شيء غيرها كي لا يقلقها أو يشتتها أبدا …
أخذ الإثنان بعدها يتناولان طعامهما بصمت وقد كانت ليلى تشعر بالجوع الشديد خاصة والطعام كان شهيا ولذيذا …
عندما إنتهيا من تناول الطعام أخبرها كنان إنه لم يتبقَ سوى ساعتين على الهبوط وقد كان ما حدث عندما ربطت هي حزامها بعدما تم إبلاغهما إنهما على وشك الهبوط لتهبط الطائرة في مطار ليوناردو دا فينشي الشهير …
سألها كنان ما إن هبطا من الطائرة :-
” هل كانت الرحلة مريحة …؟!”
أجابته بصدق :-
” جدا ..”
إبتسم لها برزانه ثم تقدما الى داخل المطار كي يتم إنهاء الإجرائات المطلوبة قبل مغادرتهما المطار متجهين الى احد أشهر الفنادق في العاصمة الإيطالية روما ..
بعد مدة من الزمن ..
دلفت ليلى الى جانب كنان الى فندق جراند بلازا في روما الشهير بتصميماته الفريدة التي تحاكي تصاميم العصور الوسطى …
تأملت ليلى المكان بإعجاب شديد فهي رغم زيارتها روما مرتين سابقتين الثانية كانت في سنتها الجامعية الأولى لكنها أقامت كالعادة في إحدى الفنادق العصرية الشهيرة وليس في هذا الفندق الرائع بتصاميمه الآثرية العتيقة التي تعشقها …
أفاقت من تأملاتها على صوت أنثوى جذاب يرحب بهما لتستدير فتجد فتاة شديدة الجمال تحتضن كنان الذي بدوره قبلها من وجنتيها وهي تتحدث بلهجة عربية تماثل لهجتهما :-
” إشتقت لك كثيرا …”
ابتسم كنان بود وهو يردد :-
” وأنا أكثر يا جوان …”
أشار نحو ليلى يخبر الفتاة التي ما زالت تحتفط بإبتسامتها الرحبة :-
” ليلى سليمان يا جوان .. شريكتي في المشروع الجديد ..”
ثم أشار ناحية ليلى يخبرها :-
” جوان يا ليلى… صديقتي والمسؤولة عن إدارة أعمالي في روما ..”
ابتسمت ليلى بتحفظ عندما هتفت جوان بترحيب :-
” اهلا ليلى هانم … سعدت برؤيتك حقا …”
ابتسمت ليلى وهي ترد تحيتها بهدوء عندما أشارت جوان لكليهما :-
” حجزت لكما جناحين ملكيين رائعين … ”
أكملت وهي تسأل كنان بفضول :-
” مع إنني إستغربت رغبتك بتغيير مكان إقامتك المعتاد …”
إسترسلت وهي تشير الى ليلى :-
” المكان سيعجبك بالتأكيد .. كما ترين هو يحمل عبق تاريخ روما الرائع …”
ردت ليلى بخفة :-
” إنه يبدو رائعا بالفعل …”
استدار كنان نحوها يسألها :-
” بالطبع تحبين أن ترتاحين أولا …؟!”
هزت ليلى رأسها بتأكيد ليهتف كنان بجدية :-
” حسنا … الآن إرتاحي وسنتناول العشاء مساءا سويا اذا لم يكن لديكِ مانع
” لا مانع لدي بالطبع ..”
قالتها ليلى بتروي عندما أشارت جوان الى أحد الموظفين تخبره أن يوصل ليلى الى جناحها لتستأذن ليلى وهي تسير مبتعدة عنهما تاركة جوان مع كنان حيث سألته وهي تتأمل تلك الراحلة بعينيها :-
” هل إخترت هذا الفندق تحديدا لأجل تلك الجميلة ..؟!”
ابتسم كنان ببرود قائلا :-
” لطالما أعجبتني فراستك يا جوان …”
ثم عاد البرود يكتسيه وهو يضيف :-
” لكنه ليس من شأنه ..”
مطت شفتيها بإمتعاض ليغمغم وهو يشير الى الموظف الآخر كي يتجه الى الجناح :-
” والآن إسمحي لي فأنا أحتاج الى الراحة بعد هذه الرحلة الطويلة …”
…..:……………………………………………………….
بعد مرور ثلاثة ساعات ..
فتحت ليلى عينيها على صوت منبه هاتفها فسارعت تغلقه وهي تتمطى داخل فراشها بتعب ..
إعتدلت في جلستها وهي تتأمل المكان حولها بديكوره المميز والذي يحمل عبق الماضي في كل شيء فإبتسمت لا إراديا وهي تتذكر كم إنها تحب العصور القديمة وتعشق كل ما هو مرتبط بها دائما حتى إنها كانت تتمنى لو ولدت في إحدى تلك الحقبات ..
ورغما عنها وجدت نفسها تتسائل عن السبب الذي جعله يختار هذا الفندق لها تحديدا …
تذكرت كلام جوان تلك وتعجبها من تغيير الفندق الذي إعتاد أن يقيم به فيعتمل شعور قوي داخلها بإنه إختار هذا الفندق عن قصد ولكن كيف أدرك إنها تحب هذا النوع من الأماكن وكل ما يتعلق بالماضي والتاريخ ..؟!
كيف علم شيئا كهذا ..؟!
من أين سيعلم كنان نعمان بذلك ..؟!
كذبت شعورها ذلك بكونه يعرف ما ترغبه وأخذت تقنع نفسها إنها تتوهم ليس إلا …
أزاحت الغطاء عنها ونهضت من فوق سريرها متجهة الى الحمام الملحق في غرفتها في الجناح الفخم الذي حجزه كنان لها …
وقفت أمام المغسلة تتأمل وجهها في المرآة للحظات قبل أن تغسل وجهها ثم تفرش أسنانها لتخرج وتقرر تبديل ملابسها استعدادا لعشاء الليلة ..
خرجت من الحمام وإتجهت تبحث عن شيء مناسب ترتديه فإختارت فستانا أسود قصير يصل الى منتصف فخذيها ذو حمالات عريضة وتصميم بسيط للغاية كعادتها في إختيار فساتينها …
إرتدت مع الفستان حذاء أسود اللون ذو كعب عالي بعدما سرحت شعرها الأشقر الطويل بشكل مموج جذاب …
وأخيرا حملت حقيبتها وجلست خارج الغرفة في صالة الجلوس الملحقة بالجناح تنتظر اتصاله او ربما مروره …
أخذت تتأمل المكان حولها بصمت وعاد عقلها يشرد لكن بنديم هذه المرة عندما تذكرت رؤيتها له في شركة كنان فعاد الشك يعتمل داخلها والقلق يسيطر عليها رغما عنها كلما تسائلت عن سبب وجود نديم في شركة كنان في نفس الفترة التي تعاقدت هي معه على هذا المشروع فهي لا تستطيع التصديق إن ما يحدث ليس إلا صدفة …
لا تستطيع الإقتناع بهذا …
زفرت أنفاسها بتعب من التفكير الذي لا ينتهي والمشاكل التي لا تلبث أن تحيطها بإستمرار ..
إنتبهت على صوت الطرقات على باب الجناح فنهضت من مكانها بلا وعي وعاد التوتر يسيطر عليها فنهرت نفسها كما تفعل بالعادة وهي تشمخ برأسها وتتجه نحو الباب بعدما حملت حقيبتها …
فتحت باب الجناح بتأهب لتجده أمامها بكامل لياقته مرتديا بذلة شديدة الأنيقة ذات لون كحلي أسفلها قميص أسود اللون وقد ترك زره العلوي مفتوح حيث تظهر بشرته البرونزية الجذابة وتفاحة آدم البارزة التي تظهر بوضوح ..
منحها إبتسامة هادئة رزينة ضاعفت جاذبيته وهو يخبرها بصدق :-
” تبدين رائعة …”
إحمرت وجنتيها بخجل فطري وهي تجيب بخفوت :-
” أشكرك ..”
ثم تحركت خارج الغرفة وهي تحمل حقيبتها الصغيرة في يدها عندما أغلقت الباب ليشير هو لها :-
” سنتناول العشاء في المطعم الخاص بالفندق .. سيعجبك كثيرا ..”
هزت رأسها بصمت وسارت جانبه مطرقة الرأس في بادئ الأمر حتى لاحظت ذلك فسارعت ترفع ذقنها عاليا وتسير جانبه بشموخ لطالما تحلت به ولكن وجوده حولها يبدد ثباتها بشكل يثير أعصابها ولا تفهمه …
كانت لا تفهم كيف يمكنه أن يمتلك هذا التأثير عليها وكلما بحثت عن جواب لا تجد جوابا مقنعا ..
أبعدت تلك الأفكار كالعادة عن رأسها وهي تدلف الى داخل المصعد يتبعها هو عندما ضغط على زر الطابق الأرضي فوقفت هي جانبه تنظر أمامها بصمت تتعمد عدم النظر نحوه لأي سبب كان وكأنها تخشى أن يقبض عليها متلبسة بنظراتها نحوه ..!!
خرجت من المصعد يتبعها هو لتسير جانبه مجددا بإتجاه مكان المطعم عندما دلفا سويا الى القاعة الواسعة لتتأمل ليلى المكان بإعجاب ليس بجديد فهي رغم كل شيء أعجبها المكان رغم كونها لم تستكشفه بعد لكنها قررت أن تفعل ما إن تجد الوقت الكافي …
سحب كنان الكرسي لها لتجلس عليه وهي تشكره برقة قبل أن يتجه ويجلس على الكرسي المقابل لها ليبتسم لها برزانة عادت تشتت مشاعرها …
بادلته إبتسامته وهي تسحب قائمة الطعام بعدما وضعها النادل أماميهما …
أخذت تقرأ بلا تركيز عندما سمعته يسألها :-
” ماذا تفضلين أن تتناولين ..؟!”
أكمل بهدوء :-
” الطعام الإيطالي رائع .. لكنني أنصحك بتجربة المأكولات البحرية .. ستحبينها كثيرا ..”
همست بتردد :-
” لا أعتقد ذلك .. في الحقيقة لا أظن إنني من محبين المأكولات البحرية …”
سألها بإهتمام :-
” هل جربتها من قبل ..؟!”
أجابت وهي تهز رأسها نفيا :-
” أبدا .. لم أفكر يوما في تجربتها .. في الحقيقة تناولت احدى المرات ذلك المحار في إسطنبول ولم يعجبني طعمه أبدا ومنذ ذلك الوقت وأنا لم أفكر في تناول المأكولات البحرية لإنني أتذكر طعمه مباشرة …”
ابتسم قائلا :-
” جربيها هنا ولن تندمي ..”
أضاف بجدية :-
” دعيني أنا أختار لك طبقا مناسبا على ذوقي وأعدك إنه سيعجبك …”
نظرت له بحيرة فقال وهو يمنحها إبتسامة رحبة :-
” ثقي بي ولن تندمي ..”
هزت رأسها بصمت معلنة موافقتها فأشار هو الى النادل يحدثه بلهجته الإيطالية والتي وجدته يتحدث بها بطلاقة ولكنة إيطالية تماما خالية من أية أخطاء على ما يبدو ..
سألته بعدما غادر النادل :-
” أنت تتحدث الإيطالية بطلاقة … هل درستها أم هذا بسبب عملك المستمر على ما يبدو هنا ..؟!”
ابتسم بخفوت وقد نجح في جذب إنتباهها دون أن يخطط لدرجة إنها من بادرت الحديث عندما أجاب بجدية :-
” انا أجيد الإيطالية منذ أن كنت طفلا ..”
نظرت له بقليل من الدهشة ليضيف شارحا :-
” لقد قضيت سنوات طويلة من عمري هنا ..”
أكمل موضحا :-
” جدتي لوالدتي كانت إيطالية …”
تمتمت :-
” حقا ..؟!”
اومأ برأسه وهو يسترسل :-
” ولدت في البلاد وعشت بها أربعة أعوام ثم ما لبثت وإنتقلت مع والدي الى إيطاليا وبقينا هناك حتى أكملت عامي العاشر لنعود بعدها الى البلاد مجددا وفي تلك المدة أتقفنت الإيطالية انا وشقيقتي عليا وحتى سيف …”
توقف للحظة ثم أكمل :-
” عندما عدنا الى البلاد لم نتوقف عن زيارة إيطاليا عاما واحد حتى .. أستطيع القول إن إقامتنا كانت بين هنا والبلاد … ”
هتفت تبتسم بخفوت :-
” أنت تمتلك جذوروا إيطالية إذا ..؟!”
اومأ برأسه وقال مضيفا :-
” وأمتلك الجنسية الإيطالية أيضا …”
قالت بصدق :-
” إيطاليا بلد رائع .. لقد سبق وزرتها مرتين .. مرة مع ماما وبابا عندما كنت في الثانية عشر من عمري ومرة أخرى في سنتي الجامعية الأولى مع أصدقائي ….”
وافقها قائلا :-
” إيطاليا رائعة .. انا لن أنقطع عن هنا إطلاقا .. أسافر هنا بين الحين والآخر … عملي هنا يجبرني على عدم الإنقطاع إضافة الى كوني أحب البلاد هنا كثيرا …”
سألته بتفكير :-
” أنت بالطبع تمتلك فرع لشركاتك هنا …”
هز رأسه مؤكدا فسألته بشك :-
” هل تعني إن الشركة المسؤولة عن التصميمات والتي أتينا هنا لأجلها هي تابعة لمجموعة شركاتك …”
هز رأسه وإبتسامته ظهرت على شفتيه بوضوح لتغمغم :-
” الآن فهمت ..”
هتف بعملية واضحة :-
” لم أكن لأتعاقد مع شركة ما وأنا لدي شركة كاملة متخصصة في هذا المجال بالطبع ..”
هزت رأسها توافقه :-
” بالطبع …”
أضاف يخبرها :-
” جوان التي رأيتها .. تكون مديرة فرع الشركة هنا .. ”
” تبدو فتاة جيدة …”
قالتها بهدوء ليقول بجدية :-
” إنها فتاة مجتهدة ورائعة .. والدها من كبار الأثرياء لكنها رفضت أن تعمل معه وقررت الإعتماد على نفسها ..”
إسترسل يخبرها :-
” لقد قررت دخول مجال العمل منذ سنتها الجامعية الأولى لكن بعيدا عن شركات والدها وكون والدي صديق والدها المقرب وتعتبره بمثابة عم لها طلبت منه أن تعمل معنا فعينتها في فرع الشركة هنا وهي لم تكذب خبرا حيث سارعت في إثبات وجودها لأقرر منحها مسؤولية إدارة أعمال الشركة هنا بعد خمسة سنوات فقط …”
سألته بإهتمام :-
” كم عمرها ..؟! ”
رد عليها :-
” في الرابعة والعشرين من عمرها …”
هتفت بدهشة :-
” ما زالت صغيرة جدا .. يعني لا أقصد التدخل ولكنها تبدو صغيرة على الإدارة ..!”
ابتسم قائلا :-
” وانا فكرت كذلك في البداية بل رفضت تعيينها وهي لم تتجاوز عامها الثامن عشر ولكنني لاحظت منذ بداية عملها مدى فطنتها وذكائها الحاد فصببت إهتمامي عليها ومع مرور الوقت زاد إعتمادي عليها حتى قررت أخيرا منحها هذا المنصب المهم وأحد أسباب ذلك هي ثقتي الشديدة بها كونها تعتبر بمثابة قريبتي وليست فقط موظفة عندي ..”
هزت رأسها بتفهم بينما توقف هو عن حديثه عندما تقدم النادل وهو يحمل الأطعمة معه ..
تأملت ليلى الطبق الذي وضعه النادل أمامها بتردد لاحظه كنان فهتف بإهتمام :-
” صدقيني لن تندمي …”
رفعت عينيها العسليتين نحوه فتلاقت بعينيه ليبتسم لها بثقة أجبرتها على مد شوكتها نحو الطعام وتذوق قطعة صغيرة من الطعام …
تأملها وهي تقضم تلك الصغيرة وشفتيها الجذابتين بذلك اللون الرقيق الذي يزينهما فوجد جبينها يتغضن للحظات وهي تتذوق طعمه فيسألها بترقب :-
” ها .. ما رأيك …؟!”
أجابت وهي تمسح فمها بالمنديل :-
” لا بأس به ..”
هتف مبتسما داخله :-
” كلما تتذوقين لقمة منه كلما ستشعرين بطعمه أكثر ويعجبك أكثر …”
نظرت له بنصف عين ليمنحها إبتسامة صامتة قبل أن يطرق برأسه ويبدأ في تناول طعامه عندما نظرت هي الى الطبق مجددا وهي تفكر إن طعمه لم يكن سيئا كما توقعت فجذبت قطعة أخرى صغيرة منه وتناولتها بصمت وشعرت بالفعل إنها بدأت تتذوق طعمه بشكل أفضل ولم تشعر بنفور منه …
أخذت ليلى تتناول الطعام ببطأ وقد أعجبها الطعام عموما لكنها توقفت قبل أن تنهي نصف الطبق حتى حيث وضعت شوكتها جانبا وعادت تمسح فمها بالمنديل ليسألها بإهتمام :-
” هل شبعت أم إن الطعام لم يعجبك ..؟!”
ردت بصدق :-
” كلا ، إنه لذيذ عموما لكنني شبعت …”
أضافت بجدية :-
” لا يمكنني تناول المزيد حقا ..”
هز رأسه بتفهم قبل أن يسألها :-
” هل تشربين النبيذ ..؟!”
ردت بسرعة :-
” بالطبع لا …”
أكملت بصوت حازم :-
” لا أتناول الخمور بكافة أنواعها …”
هز رأسه بتفهم دون رد عندما سألها مجددا :-
” إذا ما رأيك أن نذهب الى الساحل بعد قليل .. سيكون الجو هناك رائعا …”
هزت رأسها موافقة ولم تستطع رفض طلبه ليبتسم هو بصمت مريب كعادته …
………………………………………………
في احد المقاهي المطلة على أحد شواطئ روما الشهيرة كانت ليلى تجلس وأمامها يجلس كنان عندما تقدم النادل ووضع أمامهما ما طلباه من مشروب …
هتفت ليلى بصدق وهي تتأمل مياه الشاطئ القريبة منها :-
” المكان رائع حقا ..”
هتف كنان مبتسما :-
” هذا المقهى المفضل بالنسبة لي .. عندما آتي الى هنا أزوره بشكل شبه يومي …”
جذبت قدح عصيرها ترتشف منه القليل قبل أن تضعه مكانه وهي تتسائل بتردد :-
” هل يمكنني سؤالك عن شيء ما ..؟!”
” بالطبع …”
صمتت للحظة تقلب أفكارها داخل رأسها قبل أن تنطق بتروي :-
” في الحقيقة انا لا أشعر بالراحة حيال الكثير من الأمور التي تخص شراكتنا ..”
رفع حاجبه يتسائل :-
” أمور مثل ماذا ..؟!”
أجابت بصراحة رغم لهجتها الحذرة عموما :-
” الشراكة بأكملها لا تجعلني أشعر بالراحة …”
توقفت عن الحديث ليسألها بتروي :-
” هل أنت نادمة على شراكتك معي ..؟!”
هزت رأسها وهي تجيب :-
” نعم ، نادمة كثيرا ..”
سألها وهو يتراجع بجسده الى الخلف :-
” لماذا ..؟!”
ردت بصدق :-
” لإنني أعلم جيدا إن لديك أهدافا محددة وراء هذه الشراكة .. أهدافا لن تعجبني ورغم هذا وافقت فقط لأجل أنقاذ شركة والدي بوضعها الحالي …”
همس وهو يرمقها بنظرة إعجاب لا إراديه بسبب صراحتها وهدوئها وعفويتها التي لم تؤثر على هدوئها ورقيها وهي تتحدث :-
” هل تعتقدين إن أهدافي تلك ستضرك أيا كانت نوعها ..؟!”
ردت بنفس الصدق :-
” نعم ، أعتقد ذلك ..”
أضافت وهي تنظر له بثبات :-
” في البداية كنت أعتقد إن شراكتك لي مرتبطة بعرض الزواج والآن أصبحت أشك في أمر مختلف ..”
أكملت ولهجتها كانت قوية ثابتة كليا :-
” لقد رأيت نديم ذلك اليوم … رأيته في شركته وعقلي لا يقبل التصديق إن وجوده في شركته في نفس وقت شراكتنا محض صدفة …”
ابتسم بصمت .. صمت امتد للحظات بينما عيناها كانت تنظران لعينيه بترقب ليهمس أخيرا :-
” حسنا توقعت ذلك .. كنت واثقا إنكِ رأيته ذلك اليوم فأنت وصلتِ الى مكتبي بعد خروجه بقليل …”
اومأت برأسها ليضيف بجدية :-
” هناك شيء ما يجمعني بنديم …”
توقف للحظة يتأمل حيرة عينيها فيضيف :-
” لكن ما يجمعني به بعيد عنك تماما … ”
توقف لوهلة ثم أكمل :-
” عليك أن تعلمي شيئا مهما يا ليلى .. انا عندما عرضت الزواج عليكِ جعلتك منطقة محظورة للجميع … بمعنى إنه لا أنا ولا غيري يمكنه المساس بك أو مجرد التفكير بك بطريقة غير لائقة لذا إياك أن تفكري أو تشكي ولو قليلا إنني قد أستغلك بهذه الطريقة وأنا أريدك زوجة لي …”
أخفت توترها بمهارة وهي تسأله بتحدي :-
” لكنك كنت ستفعل لو لم تفكر بي كزوجة ..؟!”
رد مستمعتا بتجاوبها معه مجددا :-
” نعم ، سأفعل ولن أنكر هكذا .. لكن لم أكن لأستغلك بتلك الطريقة التي تخطر على بالك .. يعني لن أسعى للتقرب منك مثلا وخداعك .. انا لا أحب الخداع بل انا شخص صريح جدا .. وواضح جدا يا ليلى …”
سألته بتردد :-
” ما يجمعك بنديم ، عداوة أم صداقة ..؟!”
سألها بدوره :-
” وهل يفرق معك ..؟! إذا كان ما يجمعني به عداوة فماذا ستفعلين ..؟! هل ستطلبين مني عدم إيذاءه ..؟! هل ستترجيني لأبتعد عنه ..؟!”
أكمل عن قصد :-
” أم ستنفذين ما أريده لي فقط لأجل حمايته مني …”
إتسعت عيناها بعدم تصديق لتنتفض من مكانها وتجذب حقيبتها وتهم بالمغادرة ليقف بدوره ويقبض على ذراعها فيجذبها نحوه لتنظر إليه بعينين حادتين بدتا كنيران لاهبة حارقة جذبته نحوها دون رحمة عندما همست من بين أسنانها وعيناها هبطتا نحو كفه التي تقبض على ذراعها :-
” اتركني …”
هتف بتروي :-
” إسمعيني اولا يا ليلى ..”
هدرت وقد بدأت تفقد تعقلها :-
” إتركني وألا سأفتعل فضيحة لك هنا …”
قال بثقة :-
” لست انت من تفعل هذا …”
هتفت بقوة :-
” لا تختبر صبري يا كنان …”
أضافت وهي تنظر له بتحدي ووهج عينيها عاد يجذبه في أعماقه دون رحمة :-
” إتركني ..”
حرر ذراعها من كفه فتركته بسرعة متجهة خارج المكان بخطوات راكضة تاركة إياه يتابعها بضيق جلي ..
خرجت من المقهى ودموعها تراكمت داخل مقلتيها تهدد بالهطول عندما إتجهت نحو الساحل تسير فوق الرمال قبل أن تتوقف وتميل بجسدها نحو الأسفل تخلع حذائها عنها وتحمله معها وهي تعاود السير أمام الشاطئ بصمت والدموع تتدفق فوق وجنتيها بغزارة …
لا يعرف كم آلمتها كلماته فهو ذكر تلك النقطة التي تشكل حاجزا منيعا بالنسبة لها ..
لقد عبث بتلك النقطة الحساسة جدا لها …
لقد قفز دون وعي الى الشيء الذي تجاهله طويلا عن عمد حيث لم يكن لديها خيار سوى ذلك …
توقفت أمام الشاطئ تنظر إليه بعينيها الحمراوين وتلك الدموع التي تغطي وجهها الحسن تهمس لنفسها بصوت لا يسمع :-
” ليلى الغبية .. الحمقاء .. المضحية …”
كانت تنعت نفسها بصفات لا تشبهها ولا تليق بها لكنها باتت ترى نفسها كذلك بالفعل وهذا أسوء ما في الأمر …
شعرت بصوت أنفاس متقطعة خلفها فتخشب جسدها وتلك النبرة تغزو قلبها وروحها :-
” لو تعلمين كيف تبدين في هذه اللحظة ..؟!”
نبرته العميقة بها شيء يجذبها كالمغناطيس .. شيء لا تفهمه ..
كل شيء به مبهم .. نظراته ، حديثه ، نبرة صوته وحتى صمته مبهم ورغم هذا تنجذب لكل هذه التفاصيل دون وعي منها .. بلا حول او قوة …
هو رجل مختلف لا يشبه الرجال الذين رأتهم في حياتها ..
لا يشبه الرجل الذي عشقته حد النخاع والموت ولا الآخر الذي تزوجته ..
رجل مختلف … وهذا الإختلاف غريبا عليها وجديدا للغاية …
نطقت بلا وعي :-
” كيف أبدو ..؟!”
رد وعيناه تتأملان شعرها المسترسل بخصلاته الشقراء المموجة الطويلة وذلك الفستان القصير الذي يحتضن جسدها الجذاب ببياضه الناصع وقدميها الحافيتين وسط الرمال الذهبية :-
” تبدين كالشمس وسط الظلام … ”
همست ساخرة عن قصد :-
” بل أبدو كالشمعة التي تحترق لأجل الجميع …!!”
شهقت عندما وجدته يقبض على ذراعها مجددا ويديرها نحوه لتتجمد تماما وهي ترى تلك النظرات في عينيه ..
نظرات مليئة بالشغف … الشغف الذي أشعل لهيب روحها ..
نظراته عميقة جدا وشغوفة جدا ..
سألها بصوت رجولي رخيم :-
” لماذا تبكين ..؟!”
أضاف وعيناه تتأملان وجهها بقوة تشع منهما :-
” لا يليق البكاء بك يا ليلى … أميرة مثلك لا يجب أن تبكي …”
أضاف وكفه تحرر ذراعها وتتجه نحو شعرها فتنزلق أنامله السمراء داخل خصلاتها الشقراء :-
” إذا كنت تعتقدين إن تضحيتك السابقة غباء فأنت مخطئة وإذا كنت تعتقدين إنك لم تجني شيئا بسبب تضحيتك هذه فأنت مخطئة …”
نظرت له بعدم تصديق ليبتسم بخفوت وهو يهز رأسه مرددا :-
” أنا أعلم كل شيء ….”
تجمدت ملامحها من جديد ليضيف وأنامله تهبط نحو وجنتها البيضاء الرطبة :-
” هل تريدين أن تعرفي رأيي بكِ بعدما عرفته عنكِ وعن تضحيتك تلك …؟!”
ظهر التأهب عليها ليكمل وإبهامه يتوقف جانب شفتيها :-
” تسائلت إذا ما كان يوجد إمرأة مثلك تمتلك هذا القدر من القوة والإخلاص …؟! إمرأة بقدر ما تحمل من جمال خارجي يوجد داخلها جمال لا يضاهيه جمال …!!! إمرأة نقية كالماس .. ثمينة كالروح وأكثر …”
توقف عن حديثه للحظة ثم أكمل :-
” ورغم إنني حسدت ذلك الغبي لكنني شكرته .. نعم شكرته لإنه إبتعد عن طريقك … وأشفقت عليه أيضا .. أشفقت عليه كثيرا يا ليلى .. فهو ترك جوهرة ثمينة مثلك لا يمكن تعويضها …”
همست أخيرا بضعف :-
” كنان …”
قاطعها بثبات :-
” لكنني أثق جيدا إنني سأفعل … منذ أن وضعك الله في طريقي وقد عاهدت نفسي أن أحافظ على تلك الجوهرة حتى آخر أنفاسي ..”
أكمل وعيناه تحاوطان عينيها بنظرة آسرة :-
” سأفعل كل شيء لأجلها وأمنحها كل شيء … ”
أطلق تنهيدة طويلة وهو يضيف :-
” أنت أثمن شيء أريده يا ليلى وسأناله .. ”
أكمل بثقة :-
” ستكونين لي يا ليلى .. انا واثق من هذا .. هل تعلمين لماذا أنا أثق بحدوث هذا …؟!”
ورغما عن كل شيء ظهر التساؤل في عينيها ليبتسم هو ويقول :-
” لإنني أريدك فعلا وقولا … لإنني أريدك الى الأبد … لإن الله يعلم ما هي نيتي اتجاهك ويعلم ما أحمله نحوك وما ينتظرك مني …. لإن جوهرة مثلك لا يستحقها سوى رجل يدرك قيمتها ويعرف جيدا كيف يعتني بها ويحافظ عليها من أبسط الأشياء …”
أنهى كلماته وعيناه طوقتا عينيها بنظرة طويلة ثابتة مليئة بالشوق والشغف لترتجف شفتيها لا إراديا …
إنحدرت نظراته نحو الأسفل حيث موضع شفتيها فإرتجف جسدها كليا وهي تتخيل ما هو مقدم عليه …
لم يستطع منع نفسه .. لم يستطع المقاومة …
هبط بشفتيه نحو شفتيها ولامس شفتيها برقة ..
قبلة خفيفة فوق موضع شفتيها …
شفتاها بالكاد لامست شفتيها وهناك فقاعات نارية تفجرت داخله بينما إختلطت هي مشاعرها كليا ولم تفهم ما يحدث معها لكنها سرعت ما دفعته وهي تتجه راكضة بسرعة بعيدا عنه ومعها حقيبتها وحذائها …
……………………………………………………..
في صباح اليوم التالي …
إستيقظت من نومها لتجده يقف أمام المرآة يمشط شعره فسألته وهي تعتدل في جلستها :-
” إلى أين ستذهب ..؟!”
أجابها وهو يستدير نحوها بعدما أعاد المشط الى مكانه :-
” لدي عمل هام …”
نظرت له بتوجس ليضيف بجدية :-
” بالمناسبة ، موضوع الجامعة سيتم حل آمره خلال أيام … يمكنك البدء غدا في دوامك حتى يتم حل الموضوع بشكل نهائي …”
ابتسمت بحماس وهي تنهض من مكانها :-
” حقا ..؟! الحمد لله ..”
ثم تقدمت نحوه تحتضنه بعفوية وهي تشكره بفرحة غامرة :-
” شكرا لك كثيرا يا نديم ..”
عانقها بدوره وهو يردد :-
” لا مجال للشكر بين الزوج وزوجته …”
ابتعدت عنه قليلا تخبره بحب :-
” سأعد طعام الفطور لك ..”
ثم تحركت الى الخارج بحماس دون أن تنتظر رده ليراقبها مبتسما وذلك الحماس منحه دفعة من الطاقة الإيجابية لبداية يوم جديد …
تقدمت حياة بحماس نحو المطبخ لتعد طعام الفطور عندما شعرت بدوار خفيف يسيطر عليها لتستند بكفها على الحائط للحظات حتى عاد توازنها الى وضعه الطبيعي ..
وضعت كفها فوق رأسها بإرهاق داهمها فجأة قررت تتجاوزه وهي تتجه لإعداد الفطور كما أرادت …
بعد لحظات تقدم نديم نحوها ليجدها تعد البيض المقلي وقد وضعت إبريق الشاي فوق الطباخ ليهمس وهو يسحب احد كراسي الطاولة الدائرية ويجلس عليه :-
” هل تحتاجين لمساعدة ما …؟!”
ردت وهي تلتفت له مبتسمة :-
” كلا ، شكرا …”
ثم عادت تنهي ما تفعله …
تقدمت بعد لحظات وهي تضع طبق البيض أمامه ثم جهزت كوب قهوته ووضعته أمامه قبل أن تصب الشاي لها فتشعر بنفس الدوار مجددا للحظات قبل أن يختفي فتتنهد بحيرة وهي تحمل كوب الشاي خاصتها وتتقدم نحو نديم وتجلس أمامه …
بدئا بتناول الطعام عندما قالت بجدية :-
” سأتحدث مع مي بعد الفطور كي ترسل لي جميع المحاضرات التي أخذتها في الفترة السابقة …”
سألها بإهتمام :-
” هل أخذوا الكثير من المحاضرات ..؟!”
ردت بجدية :-
” لا تقلق .. ليس كثيرا للغاية …”
أضافت تشاغبه :-
” وحتى لو كان ذلك .. لدي زوجي حبيبي يساعدني ويشرح لي جميع المواد ..”
ابتسم مرددا بخفة :-
” أشرح لك ما تريدين ولكن ليس دون مقابل …”
عبست ملامحها وهي تردد :-
” مقابل ..؟!”
أضافت تسأله :-
” وما المقابل الذي تريده يا بك …؟!”
رد وهو ينحني نحوها :-
” مقابل كل صفحة أشرحها قبلة …”
تخضبت وجنتيها بحمرة شديدة ليبتسم مرغما عندما تمتمت وهي تجذب كوب الشاي وترتشف منه :-
” توقف عن المزاح ..”
ضحك مرغما على منظرها لتهتف بعفوية :-
” ولكن حقا أنت رائع في شرح المواد .. هل تتذكر تلك المادة التي شرحتها لي ورغم صعوبتها إلا إنني حصلت على إمتياز فيها بعدما شرحتها لي وجعلتها بسيطة جدا .. انت صيدلاني رائع يا نديم …”
تجهمت ملامحه كليا عندما نطقت جملتها الأخيرة ليبتلع القهوة مرغما ثم يقول بهمس :-
” لم أعد صيدلانيا يا حياة ..”
تأملت ملامحه وقد أدركت خطأها فهمست بنبرة متأسفة :-
” نديم انا …”
أوقفها بإشارة منه :-
” لا يهم يا حياة ..”
ثم عاد يرتشف قهوته بصمت دون أن ينظر نحوها لتزم شفتيها بعبوس وهي تؤنب نفسها على تصرفها الأحمق ..
حملت كوبها مجددا وحاولت أن ترتشف الشاي لكنها لم تستطع فنهضت من مكانها وتوجهت نحوه لينظر لها بدهشة عندما وقفت أمامه مباشرة وأحاطت وجهها بين كفيه تخبره وعيناها تنظران نحو عينيه بثبات :-
” أنت صيدلاني رائع يا نديم … ”
أكملت بقوة وسيطرة تامة :-
” حتى لو قال الجميع عكس ذلك .. ستظل هذه حقيقة ثابتة لا جدال فيها … يكفي أن يدرك الله إنها حقيقة .. يكفي أن تدرك أنت إنها حقيقة … حتى لو لم يصدقك أي أحد .. حتى لو كذبك الجميع .. يكفي إن الله عز وجل يصدقك …”
أكملت وهي تنحني بجسدها نحوه فيقابل وجهها وجهه لتبتسم وهي تضيف :-
” يوما ما سيدرك الجميع الحقيقة فالباطل لا يدوم مهما طال والحق سيظهر عاجلا أم آجلا …”
سألها بتردد :-
” هل تعتقدين ذلك ..؟!”
ردت بثقة :-
” بل متأكدة منه … الله لا يترك عبدا مظلوما للأبد .. لا بد أن يأتي يوم ويرد له حقه ويثبت إنه كان مظلوما أمام الجميع …”
ابتسم هو هذه المرة عندما مال يقبل كفها الذي يحيط وجهه قبل أن ينهض من مكانها فتهبط كفيها أرضا ليحيط بكفيه وجهها ويهمس لها بصدق :-
” لولاك ما كانت هناك حياة يا حياة …”
إبتسمت بإشراقة ليطبع قبلة فوق شفتيها وهو يردد :-
” حفظك الله لي يا حياتي …”
عانقته بسرعة وهي تهمس :-
” وحفظك الله لي يا حبيبي …”
شدد من عناقها وهو يستنشق عبيرها الرائع قبل أن يبعدها عنه وهو يردد :-
” سأشتاق لك حتى أعود ..”
ضحكت برقة تخبره :-
” عد بسرعة إذا …”
قال وهو يغمز بعينيه لها :-
” لن أتأخر ..”
هم بالتحرك عندما شعر بكفها تقبض على قماش قميصه لينظر لها متسائلا بقلق :-
” ماذا هناك يا حياة ..؟!”
جلست على الكرسي خلفها وهي تهمس بصوت ضعيف :-
” دوار خفيف .. لا تقلق …”
وضع كفه فوق وجنتها يتسائل :-
” هل تشعرين بشيء ما غير الدوار ..؟!”
هزت رأسها نفيا وهي تخبره :-
” انا بخير .. لا تقلق ..”
قال بجدية :-
” لنذهب الى الطبيب ..”
قاطعته بسرعة :-
” انا حقا بخير يا نديم …”
نظر لها بتوجس لتبتسم تطمأنه :-
” لا تقلق … هيا إذهب الى عملك .. ستتأخر ..”
هتف بجدية :-
” لن أذهب الى أي مكان .. لا يمكن أن أتركك وأنتِ بهذه الحالة … ماذا لو أصابك مكروه ما وأنا لست هنا …؟! ”
” ولكن يا نديم ..”
أوقفها بحزم :-
” ربما يصيبك الدوار مجددا وانا في الخارج … ماذا ستفعلين حينها وأنت هنا وحدك … سأبقى معك …”
أضاف وهو يشير لها :-
” إذهبي الى الغرفة وإرتاحي قليلا وأنا سأنظف المكان …”
أرادت أن تعترض لكن النظرة الحازمة في عينيه جعلتها تهز رأسها على مضض قبل أن تنهض من مكانها وتتحرك نحو غرفتها حيث جلستَ فوق سريرها وعاد شعور الإرهاق يسيطر عليها لتغمض عينيها وهي تسترخي فوق سريرها بسلام ..
……………………………………………..
خرجت من جناحها وهي ترتدي ملابس رسمية مكونة من بنطال أسود اللون فوقه ستره سوداء يوجد أسفلها قميص ذو لون أزرق غامق ..
شعرها الأشقر مرفوع عاليا بتسريحة بسيطة ووجها زينته بالقليل من مساحيق التجميل لتخفي آثار عدم نومها ليلة البارحة …
لقد قضت الليل بأكمله تتذكر ما حدث …
كلماته لها وحديثه عنها بتلك الطريقة وقبلته ..
كم نهرت نفسها على ما حدث رغم كونها لم تكن واعية تماما لما يحدث …!!
ورغما عنها أخذت تلوم نفسها مجددا وتفكيرها أخذ يأخذ مسارات عديدة كلها مرهقة لروحها ..
تارة تلوم نفسها وتارة تلومه ..
تارة تخبر نفسها إن كل شيء حدث بسرعة ودون إرادة منها وتارة تشعر إنها تداركت رغبته وصمتت أمامها …
أفكارها متداخلة كليا ومتشعبة بشكل قاسي على قلبها …
لم فعل هذا ..؟! لم قال ما قاله ..؟! لمَ فعل ما فعله ..؟! لمَ إقتحم حياتها بكل ما فيها ..؟! لمَ زعزع ثباتها التي جاهدت لتناله …؟! لمَ أتى ودمر كل شيء ..؟
من أين ظهر كنان هذا ..؟! أي حظ عاثر أوقعها معه ..؟!
كنان رجل خطير جدا كما أدركت من المرة الأولى التي رأتها فيه ..
رجل يرهق أعصابها بنظراته الغامضة وإسلوبه المنمق وجميع تصرفاته ..
رجل دخل حياتها وتغلغل داخلها بسرعة ودون إدراك منها لتجد نفسها بين ليلة وضحاها مرتبطة به …
نعم هناك رابط خفي يجمعها به .. رابط لا تدرك ماهيته لكنها تشعر به جيدا …
توقفت عن أفكارها وهي تتأمله مكانها للحظات وهو جالسا على احدى الطاولات يتناول قهوتها بهدوء منتظرا قدومها ليذهبا الى فرع الشركة ..
كان يجلس بهدوء وثقة كعادته .. يرتشف قهوته ونظراته مرتكزة فوق جهازه اللوحي ..!!
تأملته بتلك الجلسة فإضطربت مشاعرها تماما وفكرة أن تتقدم نحوه وتعمل معه ترهبها رغما عنها …
أخذت نفسا عميقا تحاول منح الثبات لنفسها …
تخبر نفسها إنها مجرد قبلة لا تكاد تذكر …
سارت بخطواتها البطيئة نحوه ليرفع وجهه لا إراديا وكأن حدسه أنبأه بقدومها ليمنحها نفس الإبتسامة الرسمية المهذبة التي يرسمها على وجهه كلما رآها فتسارعت أنفاسها بقوة لتحاول تهدئة نفسها وهي تقف أمامه تخبره بإقتضاب :-
” صباح الخير …”
رد بهدوء :-
” صباح النور ..”
أضاف وهو ينهض من مكانه برسمية :-
” هل أنت جاهزة للذهاب ..؟!”
هزت رأسها وهي تجيب :-
” نعم ، جاهزة ..”
سارت جانبه حيث خرجا من الفندق وركبت في السيارة المخصصة له حيث تحرك السائق متجها بهما الى مقر الشركة …
هبطا من السيارة حيث وجدا جوان تستقبلهما بإبتسامتها المرحبة في المقدمة ليتجه الثلاثة الى مكتب المدير العام والذي تعمل به جوان غالبا كنائبة عن كنان …
جلس كنان في مقدمة المكتب بينما ليلى على الكرسي المقابل له لتسألهما جوان بسرعة عما يحبان تناوله قبل أن يبدأ الإجتماع بينهم هم الثلاثة حيث تحدثوا عن التصاميم التي جهزتها جوان مسبقا وقد إنبهرت ليلى حرفيا بمدى روعة التصاميم …
إندمجت ليلى في الحديث عن العمل متناسية ما حدث حتى مرت حوالي ساعتين قبل أن ينتهي الإجتماع لتبتسم جوان وهي تهتف بعملية :-
” إذا إتفقنا على أهم الأمور .. سأخبر الجميع أن يصمموا كل شيء كما تريد …”
ثم خرجت من المكتب بعدما سألتهما عما يحبان تناوله مجددا حتى تعود …
ظل كلاهما جالسا مكانه بصمت عندما نهض كنان مرددا وهو يشير الى تلك الكنبة التي توجد قرب النافذة وجانبها كرسيين :-
” تفضلي نجلس هناك …”
نهضت من مكانها تحمل حقيبتها وتتجه نحو الكنبة يتبعها هو عندما جلست فوق الكنبة تضع قدما فوق الأخرى وجلس هو على احد الكراسي الجانبية ليتقدم موظف البوفيه وهو يحمل القهوة لكليهما ..
غادر الموظف لتدخل جوان بعده مباشرة وهي تبتسم قائلة :-
” كل شيء سيتم بأفضل مما أردتما …”
هتف كنان بجدية :-
” لا شك لدي في هذا يا جوان …”
منحته جوان إبتسامة رائقة ثم نظرت الى ليلى تخبرها :-
” سعدت حقا بمعرفتك يا هانم …”
أكملت وهي تتأملها بإعجاب :-
” يليق بك حقا أن تكوني سيدة أعمال …”
تنحنت ليلى تتمتم :-
” لم أصبح بعد .. ما زلت جديدة في هذا المجال .. ”
سألتها جوان بإهتمام :-
” كيف يعني ..؟! ألست مديرة شركات آل سليمان ..؟!”
قاطعها كنان موضحا :-
” ليلى هانم تولت إدارة الشركة مؤقتا حتى يستعيد والدها صحته ويعود لإدارة الشركة بدوره …”
سألتها جوان بفضول :-
” هل تعملين في مجال آخر ..؟! ”
رغما عنها تذكرت ليلى إنها لم تدخل ميادين العمل طوال تلك السنوات فنطقت بحسرة لم يشعر بها سوى كنان :-
” كلا ، لم أعمل من قبل للأسف ..”
قالت جوان :-
” برأيي أن تضعي تركيزك في عملك الحالي … هذه فرصة ذهبية لإثبات وجودك في عالم التجارة .. ”
قالت ليلى بجدية :-
” انا لا أميل لهذا النوع من الأعمال ..”
سألتها جوان مجددا :-
” ما هو تخصصك الدراسي …؟!”
هتف كنان بخفة :-
” ما كل هذه الاسئلة عزيزتي جوان ..؟!”
مازحته جوان :-
” انا فقط أحب التعرف عليها عن قرب عزيزي كنان …”
راقبت ليلى ابتسامة كنان الودودة عندما همس لها بشيء ما بالإيطالية لتجيبه جوان بعدما ضحكا بصوت مرتفع قليلا بنفس اللهجة …
ولأول مرة تشعر ليلى بالضيق لإنها لا تجيد الإيطالية فهي تتقن الحديث باللغتين الإنكليزية والفرنسية وعندما أرادت والدتها أن تتعلم لغة ثالثة فضلت الألمانية والتي تركتها ليلى في المنتصف بعد أن تعلمت أساسياتها …
سمعته يتحدث مجددا بتلك اللكنة التي بدت جذابة رغم كونها لم تفهم منها شيئا فعاد شعور الضيق يسيطر عليها فهما يتحدثان بلهجة لا تدركها وكأنها لا محل لها من الإعراب …
أنهى كنان حديثه بنفس الإبتسامة الودودة فرفعت ليلى حاجبها بتعجب ورغما عنها تسائلت إذا ما كانت جوان إحدى عشيقات كنان التي سمعت من نائلة عنهن ..
بالطبع ممكن أن تكون عشيقه ، هكذا فكرت وهي تتأمل الفتاة العشرينية بجمالها الغربي الجذاب وملابسها البسيطة وجسدها النحيل …
أشاحت بصرها بعيدا عنهما عندما سمعت صوت جوان يتسائل من جديد :-
” لم تخبريني ما هو مجال دراستك يا ليلى هانم ..؟!”
ردت ليلى وهي تنظر لها بجمود :-
” علاقات عامة ..”
ثم نهضت من مكانها تشير الى كنان بنفس الجمود :-
” هل يمكنني المغادرة الآن ..؟!”
نهض كنان من مكانه مرددا بسرعة :-
” بالطبع … لقد إنتهى عملنا أساسا ..”
ثم نظر الى جوان يخبرها :-
” سأغادر الآن وآتي غدا الى الشركة كي أطمئن على سير العمل قبل سفري صباح اليوم الذي بعد الغد ..”
ابتسمت جوان عندما قبلها من وجنتيها وهو يودعها لتسير ليلى أمامه بعدما ودعتها جوان وملامحها يسيطر عليها الضيق والتعب في آن واحد ..
ركبت جانبه في السيارة عندما تحرك السائق ليسألها كنان بعملية :-
” أتمنى أن يكون كل شيء على ما يرام ونال إعجابك ..!!”
ردت دون أن تنظر نحوه :-
” كل شيء جيد للغاية …”
ثم أخذت تنظر اتجاه النافذة تتأمل الشوارع الخارجية عندما رن هاتفها برقم شقيقتها فسارعت تجيبها ليأتيها صوت مريم الباكي تهمس بإسمها فتسائلت بصوت مرتعب :-
” ماذا حدث يا مريم ..؟! لماذا تبكين …؟!”
ثم توقفت أنفاسها داخل صدرها بينما إنتبه كنان لها ليأتيها صوت مريم بنبرة تسمعها من شقيقتها للمرة الأولى :
” أكرم يا ليلى … أكرم تزوج ..!!”
………………………….. ………………………………………
” توقف من فضلك …”
قالتها ليلى بلا وعي عندما أشار كنان الى السائق أن يتوقف فهبطت ليلى من السيارة بسرعة وإتجهت نحو الرصيف الجانبي وهي تسأل محاولة تهدئة شقيقتها :-
” من أخبرك بهذا ..؟! كيف عرفت ..؟! اهدئي ودعيني أفهم يا مريم ..”
جاءها صوت مريم الباكي بشهقات متتالية :-
” لقد رأيت صورة زفافه على حسابه الشخصي .. شاركها منذ قليل … هو وفتاة أراها للمرة الأولى معه .. لقد تزوج يا ليلى .. بهذه البساطة .. تخلى عني وكأنني شيئا لا يذكر .. شيء لا قيمة له ….”
إرتجف جسد ليلى كليا بينما قلبها يتمزق حزنا على شقيقتها والتي لأول مرة تسمع نبرة كهذه منها .. نبرة تدل على الإنكسار .. الألم والمرارة …
لم تعلم ما يجب أن تقوله فوجدت نفسها تشاركها بكاءها بصمت …
دموعها تساقطت فوق وجنتيها بغزارة عندما سمعت مريم تهتف بحرقة :-
” اللعنة عليه .. اللعنة على معشر الرجال جميعا … والله سأحرق قلبه .. اقسم لك يا ليلى إنني سأحرق قلبه …”
أنهت كلماتها بشهقة باكية ليختفي صوتها بعدها فتهتف ليلى بسرعة من بين دموعها :-
” توقفي يا مريم …”
لكن مريم كانت قد أغلقت هاتفها فحاولت ليلى الإتصال بها مجددا لتجد هاتفها مغلقا ..
ترنحت ليلى في مكانها بتعب قبل أن تتساقط دموعها مجددا وهي تستوعب ما حدث وتتذكر كلام شقيقتها وبكائها وإنكسارها …
وضعت كفها فوق فمها تحاول كتم شهقاتها لكنها فشلت فإرتفع صوت نحيبها وكأن جميع الضغوط التي مرت بها تجمعت فوق روحها في هذه اللحظة ..
كانت تعتصر الهاتف داخل كفها ودموعها تتساقط بغزارة مع أنفاسها التي تعلو وتهبط ….
وجدت كنان يخرج من السيارة يتقدم نحوها مرددا بلهفة :-
” ماذا حدث يا ليلى ..؟! لماذا تبكين ..؟!”
تأملت اللهفة والإهتمام في عينيه …
شعرت برغبة في أن ترتمي في أحضان أحدهم ولم يكن هناك سواه ..
أرادت أن تفعل لكنها تراجعت وهي تتذكر الواقع المرير ..
هو رجل .. مثله مثل جميع الرجال ..
همست بضعف تنفيه بعيدا عن محيط عذابها :-
” إبتعد .. دعني وشأني ..”
همس بإصرار وهو يتقدم نحوها حتى وقف أمامها مباشرة :-
” لن أفعل .. لن أترككِ وأنت على هذه الحالة …”
همست وهي بالكاد تسيطر على شهقاتها :-
” اتركني من فضلك .. انا متعبة تماما .. ”
هتف بجدية :-
” أعلم ..”
صاحت به بتمرد :-
” لماذا لا تتركني إذا طالما إنك تعلم هذا ..؟!”
رد ببساطة :-
” لإنني لا أريد … لا أريد أن أتركك لوحدك .. لا يمكنني أساسا أن أتركك بهذه الحالة ..”
هتفت وهي تمسح دموع عينيها :-
” انا بخير .. لقد توقفت عن البكاء .. هل يمكنك أن تذهب ..؟!”
سألها بهدوء :-
” لماذا تريدين مني الذهاب ..؟! لماذا تحاولين إبعادي عنك ..؟!”
صرخت بتعب :-
” لإنني لا أريدك جانبي .. لا أنت ولا غيرك … لإنني لا أحتاجكم جميعا .. انا لا أحتاج أي أحد …”
هتف محاولا احتواء ثورتها تلك :-
” ولكنك مثلك مثل جميع البشر .. لا بد أن تحتاجي أحدا ما تشاركينه آلامك ومشاكلك …”
ضحكت وهي تشير إليه بإستخفاف متعمد :-
” وهل أنت ستكون هذا الشخص ..؟!”
تجاهل نبرتها المستخفة به وهو يردد ببساطة :-
” ولم لا …؟! ”
بدت وكأنها توقفت عن البكاء لتعقد ذراعيها أمام صدرهل تسأله ببرود :-
” حقا ..؟! دور جميل … لكنه لا يليق بك .. ”
أكملت وهي تتأمله بخفة :-
” لا يليق بك هذا الدور يا كنان .. ”
” لا يمكنك أن تحكمي على شخص لا تعرفينه جيدا بناء على تجاربك السابقة يا ليلى ..”
ضحكت مرددة :-
” حقا ..؟! هذا سيكون أفضل من تكرار التجربة مجددا وعيش نفس الألم مجددا ..”
” ربما ستكون التجربة هذه المرة مختلفة ..”
قالها بهدوء يناقض ثورتها العاصفة لتمنحه نظرة قاتمة وهي تردد :-
” بطل التجربة السابقة جمعني به عشق طويل وسنوات من العشرة … جمعتني به صلة دم وقرابة .. ”
أكملت وهي ترفع إصبعها نحوه :-
” ماذا عنك ..؟! ماذا عنك وأنا لم أعرفك إلا من مدة قصيرة ..؟! هل تعتقد إنني ليلى القديمة حقا ..؟! ليلى الساذجة التي ستصدق كلامك المعسول الذي تفوهت به البارحة وتنغمس معك بكل غباء حتى تستيقظ على صفعة قاسية لا أمل في تجاوزها …”
قال بجدية :-
” انت لم تكونِ يوما ساذجة يا ليلى .. ما فعلتيه مسبقا لا يدل على السذاجة بل يدل على الإخلاص والقوة والتفاني والعطاء …”
صاحت بمرارة :-
” وماذا جنيت من كل هذا …؟! لقد خسرت كل شيء .. فقدت كل شيء حرفيا .. لم أجنِ شيئا سوى الألم والخسارة والعذاب وسنوات من عمري ضاعت هباءا …”
” لا يهم … كل شيء يمكن تعويضه يا ليلى .. الحياة لن تتوقف بسبب تجربة مؤلمة .. كم ضاع من عمرك ..؟! اربع سنوات ..؟! خمسة ..؟! ربما ستة ..؟! ستعوضينها … ستعوضين ما فاتك .. سوف تسترجعين نفسك القديمة وتبدئين صفحة جديدة من حياتك ولكن ليس قبل أن تطوي الصفحة القديمة …”
هدئت ملامحها قليلا وهي تستمع لما يقوله ليخبرها :
” هل تجربين شيئا ما …؟!”
أكمل وهو ينظر نحوها بتدقيق :-
” شيئا حتما سيفيدك …”
سألته بتردد :-
” شيء ماذا …؟!”
مد كفه نحوها يخبرها :-
” تعالي معي …”
نظرت نحو كفه بتردد فقال ممازحا :-
” لن أخطفك يا ليلى .. فقط تعالي معي …”
لا تعرف لماذا شعرت بكونها تريد الذهاب معه ..
تريد معرفة ما يتحدث عنه …
وضعت كفها داخل كفه بتردد ليقبض على كفها وهو يسير معها متجها الى الشاطئ الذي كان قريبا من المكان الذي يقفان فيه ..
وقفا أمام الشاطئ ليحرر كفها و يهتف بجدية لا تقبل مزاح :-
” خذي نفسا عميقا …”
أضاف وهو يتقدم خطوة نحو المياه الصافية :-
” إفتحي ذراعيك وأنت تواجهين المياه الواسعة ثم …”
توقف قليلا يتأملها وهو يضيف :-
” إصرخي بأعلى صوتك …”
همست بدهشة :-
” أصرخ ..!!”
إبتسم بجاذبية يؤكد ما قاله :-
” نعم إصرخي … حرري جميع ما يعتمل داخلك من تراكمات … إصرخي بأعلى صوتك .. إشتمي إذا أردت وإلعني كل من تسبب بأوجاعك … ”
أنهى حديثه ببساطة كما بدأه :-
” لا تتوقفي حتى تخرجي جميع ما يعتمل داخلك ثم خذي نفسا عميقا بعدها وستشعرين حينها بشيء مختلف وكأن هناك روحا جديدا نشأت داخلك من جديد …”
نظراتها بدت مبهمة لا توضح شيئا مما تفكر به فإبتسم بلطف لا يشبهه وهو يضيف وعيناه تجذبان عسليتيها بنظرة بدت لا نهاية لها :-
” جربيها ولن تندمي .. ثقي بي ..!!”
أنهى جملته وغادر تاركا لها المجال لتفرغ جميع ما في جبعتها هنا أمام تلك المياه الهادئة …
نظرت أمامها للحظات بدت طويلة وكل الذكريات بدأت تتجمع داخل عقلها ..
ذكريات عشق ما زال آثره محفورا داخلها …
ذكريات سنوات عاشتها في جحيم مع رجل دمرها كليا ..
كل شيء مر أمامها كشريط …
منذ البداية .. بداية الحب والإعتراف به والإرتباط .. سجنه وزواجها من أخيه .. سنوات عايشتها وحيدة تماما تعاني بصمت .. خروجه ونبذه لها وخذلانها منه … زواج والدها الصادم … خيانته لوالدتها ..
كل شيء كان يظهر متسلسلا تباعا حتى توقفت أفكارها عند هذه اللحظة فصرخت بلا وعي ..
صرخة تليها الأخرى …
صرخت عدة مرات وكأنها تريد تفريغ جميع آلامها هنا في هذا المكان ..
تريد تحريرها من موطنها الكامن داخل قلبها وروحها ..
تريد تحرير روحها من تلك الأوجاع والذكريات التي تقيدها ..
إستمرت في صراخها ..
صرخاتها كانت صامتة لكنها تحمل في صمتها الكثير من الكلام …
عادت دموعها تتساقط مع صراخها .. تتساقط بغزارة .. تصاعدت شهقاتها حتى شعرت بطاقتها تنفذ فسقطت على ركبتيها أرضا ودموعها تهطل بغزارة وشهقاتها تعلو أكثر ..
بكت كثيرا .. بكت ماضيا لا تريد تذكره وحاضرا تريد تغييره ..
بكت حب ضائع وحياة جديدة تخشى مما ينتظرها فيها ..
بكت نفسها ووالدتها وشقيقتها وحتى والدها ..
بكت وبكت وبكت حتى توقفت عن البكاء أخيرا لتغمض عينيها بإستسلام ونسمات هواء رقيقة لفحتها فشعرت بالسكون يملأ كيانها …
سكون غزاها تدريجيا حتى إحتل روحها وقلبها ففتحت عينيها مجددا لترى شعاع الشمس يسطع عاليا في السماء لتبتسم بخفوت وهناك يقين داخلها إن شعاعها هي سوف يسطع قريبا وتشرق شمسها من جديد …
…………………………………………..
بعد مرور يومين ..
كانت تتأمله وهو يشرب قهوته بصمت عندما سألته بإهتمام :-
” كيف يسير وضعك الحالي ..؟!”
رد نديم وهو يضع فنجانه فوق الطاولة :-
” جيد …”
سألته بإهتمام :-
” هل بدأت حياة دوامها الجامعي ..؟!”
هز رأسه مجيب :-
” نعم ، هي الآن في الجامعة …”
تمتمت بجدية :-
” تحدثت معها منذ يومين .. كانت تبدو سعيدة للغاية عكس ما كانت عليه في أمريكا ..”
رد وهو يبتسم :-
” نعم هي سعيدة بالفعل ..”
سألته وهي تنظر إليه :-
” وأنت ..؟! ”
نظر لها بإستغراب :-
” ماذا تعنين بأنت ..؟!”
سألته وهي تضع فنجانها مكانه :-
” هل أنت أيضا سعيد ..؟!”
هتف بجدية :-
” بالطبع ، هل تعتقدين غير ذلك …؟!”
تنهدت وهي تقول بتردد :-
” حاليا لا .. لكن مستقبلا نعم ..”
سألها بتوجس :-
” مالذي تعنينه يا غالية ..؟!”
تحدثت غالية بتروي :-
” انا لا يعجبني ما تفعله يا نديم … طريقتك مع حياة لا تعجبني .. السياسة التي تتبعها معها لا ترضيني ..”
هم بالنهوض وهو يردد بحنق :-
” إذا كنت ستعودين الى نفس حديثك المعتاد فدعيني أغادر أفضل ..”
أوقفته برجاء :-
” توقف يا نديم من فضلك .. عليك أن تفهم إنني أفعل هذا لأجلك ..”
قال بجدية وهو يعود مكانه :-
” انا بخير وحياة كذلك .. اطمئني ..”
سألته بجدية :-
” ألم تحبها ..؟! ألم تشعر بشيء نحوها ..؟!”
رد بإقتضاب :-
” جواب هذا السؤال تعرفينه منذ البداية ..”
هتفت وهي تجاهد لضبط غضبها :-
” كلا يا أعرف يا نديم .. وأريد جوابا محددا …”
رد بجمود :-
” ما بيني وبين حياة أعمق من الحب ..”
هتفت ساخرة :-
” هذا ليس الجواب المطلوب .. الجواب يكون نعم او لا ..”
رد بنفاذ صبر :-
” إذا لا …”
همست مصدومة :-
” إذا لماذا فعلت كل هذا ..؟! مفاجئة وسهرة جميلةوالكثير .. ”
رد بتعجب صادق :-
” ما الغريب فيما فعلته..؟! لمَ التعجب ..؟! أليست زوجتي ..؟! أليس من الطبيعي أن أفاجئها بين الفترة والأخرى ..؟! أليس من المنطقي أن نستجم سويا بين الحين والآخر مثل أي زوجين طبيعين ..؟!”
” هكذا فقط … هل هذا هو السبب الوحيد ..؟!”
سألته بجدية ليرد :-
” وهل يوجد سبب آخر مثلا ..؟!”
هتفت بتروي :-
” ألا يمكن أن يكون تصرفك بدافع التعويض …؟! تعويضها مثلا عن ..”
وهنا توقفت عن الحديث ليكمل نيابة عنها :-
” الحب .. أليس كذلك ..؟!”
هزت رأسها بصمت ليهتف بصدق :-
” كلا يا غالية .. ليس بدافع التعويض .. حسنا انا فعلت ما فعلته لأجل إسعادها وانا بدوري كنت سعيد ..”
” وهل ستبقى سعيدا يا نديم ..؟!”
سألته بمهادنة ليرد ببديهية :-
” لم لا ..؟! بالطبع سأبقى ..”
ابتسمت هازئة وهي تهتف :-
” هل تعلم أين المشكلة الحقيقية يا شقيقي ..؟! المشكلة إنك خططت لحياتك الجديدة ونظمت مستقبلك وحياتك القادمة بأكملها بناء على معاييرك الجديدة … معايير أنت تمسكت بها … راحة وسكينة وطمأنينة ولكن الحب كان خارج هذه المعادلة .. والمشكلة الأكبر إنك نجحت .. نعم نجحت والدليل إنك مرتاح وسعيد … نجحت في ترتيب حياتك بالشكل الذي تريده وحسب معايير محددة وحصلت على النتيجة المطلوبة لكنك تناسيت في خضم هذا كله حياة .. تجاهلت إنها الأخرى لديها معايير معينة للحياة .. كالحب مثلا .. الحب الذي تتجاهله أنت كليا بينما تتوق هي إليه بكل قطرة من روحها …”
نظر لها بتشتت لتخبره :-
” هل تعلم أيضا ما هو الشيء الأسوء من عدم وجود الحب ..؟! تجاهله رغم وجوده يا نديم …”
نظر لها بملامح باهتة لتكمل بقوة :-
” توقف عن تجاهل مشاعرك يا نديم … توقف قبل أن تندم ..”
قاطعها بتهكم مقصود :-
” تتحدثين وكأنكِ تدركين مشاعري يا غالية …”
هتفت بتحدي :-
” نعم أدركها مثلما أدرك مدى إرتباطك بحياة .. مثلما سمعت تلك النبرة في صوتك حيت قررتما الإنفصال .. مثلما رأيت الهلع في عينيك من مجرد سماع فكرة فقدانها .. مثلما رأيت اللهفة في عينيك أيضا كلما تراها أمامك .. رأيت الحب في نظراتك وإهتمامك وسعادتك بوجودها حولك .. رأيت الحب في لهفتك عند سماع صوتها او مجرد ذكر إسمها … رأيت الحب في تمسكك بها وتعلقك وانا التي لم أرك يوما متعلقا بواحدة على هذا النحو … إذا كنت أنت تتعمد تجاهل كل هذا فأنا لا أفعل ..إذا كنت تتجاهل مشاعرك متعمدا فأنا لا يمكنني تركك هكذا .. لن أتركك على عنادك متمسكا بأفكارك تلك حتى يأتي اليوم الذي تخسر فيه حياة وحينها فقط ستدرك إنك تحبها ولكن سيكون الآوان قد فات بعدها ولن تصدق حياة مشاعرك لو أقسمت لها بحبك مرارا وتكرارا لإن لهفة الحب ستكون قد ماتت داخلها ..”
إضطربت ملامحه كليا عندما أنهت حديثها بحزم :-
” اتمنى أن تراجع نفسك مجددا وتتوقف عن هربك المستمر من مشاعرك … يكفي يا نديم حقا .. إذا لم يكن من أجلك فليكن من أجلها هي … ”
نهضت من مكانها ترمقه بنظرات هادئة وهي تضيف ببرود :-
” بالمناسبة الشيء الوحيد الذي يكون أعمق من الحب هو العشق …”
ثم تحركت ببرود تاركة إياه متخبطا في مشاعره كالعادة وداخلها يقين إن هذه المواجهة ستغير شيئا ما …
………………………………….
غادر منزل عائلته بملامح متجهمة وعقله لا يتوقف عن التفكير في حديث شقيقته الذي جاء في وقت غير مناسب على الإطلاق …
أوقف سيارته على جانب أحد الأرصفة ينظر أمامه بصمت وعقله يتذكر كلماتها ..
عقله يخبرها إن شقيقته معها كل الحق فيما قالته فيعود قلبه ويأمره بالتجاهل …
زفر أنفاسه بتعب وعاد يقود سيارته متجها الى شركة كنان الذي عاد من رحلته أخيرا ليتحدث معه ويخبره بقراره المهم الذي إتخذه في فترة غيابه ..
هبط من سيارته ودلف الى الداخل متجها نحو مكان المصاعد الكهربائية لكنه وجدها أمامه وجها لوجه …
ليلى .. حبيبته الأولى وخطيبته سابقا …
ليلى… الإمرأة الأولى في حياته ..
ليلى … حبه الذي فقده مبكرا وعاش لسنوات يعاني حسرة فقدانه ..
ليلى .. شريكة الماضي المفعم بالجمال والأمل والسعادة ..
ليلى … وجع الأمس وألم الروح …
كان لقاءا لا بد أن يحدث يوما ما وقد حدث وها هما الآن يلتقيان بعد كل ما حدث … بعد الفراق والألم .. بعد الحب والوجع … بعد الشوق والحنين ….
نطق أخيرا :-
” ليلى …”
كانت صدمتها أقل … ربما لإنها رأته مسبقا هنا …
تقدمت نحوه تحييه ببرود :-
” اهلا نديم ..”
سألها وهو يتأمل وجهها المرهق :-
” كيف حالك يا ليلى ..”
ردت بهدوء وهي التي عادت صباح البارحة الى البلاد لتعيش أجواء ليست جيدة على الإطلاق قبل أن تأتي صباح اليوم الى كنان للتوقيع على بعض الأوراق المهمة سريعا ولولا أهمية تلك الأوراق وضرورة توقيعها عليها ما كانت لتخرج من المنزل إطلاقا …
سألها ويبدو إنه أدرك مكان وجودها أخيرا :-
” أنت ماذا تفعلين هنا ..؟!”
ردت بصوت عادي :-
” هناك شراكة تجمعني مع كنان نعمان ..”
نظر لها بتوجس لتبتسم مرددة بخفة :-
” شراكة لا علاقة لها بما يجمع بينكما ..”
عقد حاحبيه يتسائل :-
” ومن أين تعرفين ما يجمعنا ..؟!”
ردت ببساطة :-
” لا أعلم مالذي يجمعكما .. لكنني علمت بالصدفة إن هناك شيء ما بينكما عندما رأيتك هنا في احدى المرات وخمنت إن عداوتك مع عمار وعداوة كنان معه جمعتكما …”
أردفت تسأله ببرود :-
” هل تريد الإنتقام ..؟!”
تأملها بصمت وتلك النظرة الباردة في عينيها مختلفة عليه لكنه أجاب بصدق :-
” نعم ، أريد الإنتقام يا ليلى ..”
ظهر عدم الرضا في عينيها ليسأل بخفة :-
” ألا يعجبك ذلك ..؟!”
ردت ببساطة :-
” واقعيا لا يهمني … ولكن برأيي ألا تفعل …”
أضافت وهي تشرد بنظراتها بعيدا :-
” أنت لن تستطيع التغلب عليه .. ليس لإنه الأقوى ..ولكن أساليبه القذرة ستقضي على جميع محاولاتك لذا إذا أردت أن تنتصر عليه فعليك أن تلجأ لنفس أساليبه وإذا فعلت فحينها ستخسر نفسك …”
هتف ساخرا :-
” ألم أخسرها بالفعل يا ليلى …؟!”
منحته نظرة هادئة وهي تردد :-
” كلا يا نديم .. لم تخسرها حتى الآن ولكنك ستفعل إذا سمحت لشيطانك أن يتغلب عليك …”
تجاهل حديثها متعمدا وهو يقول :-
” هل تعلمين إنني كنت أريد رؤيتك من جديد ..؟!”
همست بتهكم :-
” حقا ..!”
هز رأسه وهو يسألها :-
” هل يمكن أن نتحدث قليلا …؟! في مكان آخر مناسب …”
هزت رأسها بصمت ويبدو إن تلك الفكرة راقتها .. فكرة أن يجمعهما حديث بعد كل هذه الفترة وبعد جميع ما عاشاه ..
ربما لإنها تدرك جيدا إن بعد هذا الحديث الذي سيجمعهما كل شيء حتما سوف يتغير ..
وافقت وذهبت معه الى احد المقاهي القريبة من مقر الشركة ليتحدثان كما أراد ..
…………………………………..
تأملته ليلى وهو يحاول إيجاد كلمة مناسبة لبدء الحديث معها فهمست مبتسمة بخفة :-
” لا أصدق إن بدء الحديث معي يتطلب كل هذا التفكير ..”
أضافت وهي تنظر جانبها :-
” في العادة كنا نتحدث دون تفكير …”
هتف بخفوت :-
” كنا الكثير يا ليلى …”
سألته وهي تنظر إليه :-
” أتمنى ألا تحمل جملتك تلك الحسرة …؟!”
سألها بتجهم :-
” أليس من الطبيعي أن أشعر بالحسرة ..؟!”
ردت بحزم :-
” كلا ، انت من إخترت قتل الماضي بكل ما فيه فلا تتحسر الآن …”
” هل تلومينني يا ليلى ..؟!”
سألها بجدية لترد بصدق :-
” أبدا ..”
نظر لها بدهشة لتجيب ببساظة :-
” انا حقا لا ألومك حاليا يا نديم .. مسبقا كنت أفعل .. كنت حينها عاشقة مخذولة .. مجروحة منك … لكن الآن وبعد مرور تلك الفترة تغير الكثير وتغيرت نظرتي للأمور ..”
تنهدت وهي تنظر بعيدا مجددا :-
” ربما لإنني أعرفك جيدا .. أعرفك أكثر من أي شخص .. أعرف مدى النقاء الذي تحمله داخلك .. أدرك إنك لا تجرح شخصا ما عن قصد … أدرك الكثير عنك مما يجعلني أتوقف عن لومك وأتفهم سبب تصرفك وأتقبله …”
” لم تتغيرِ يا ليلى ..”
قالها بصدق لتههف بثبات :-
” نعم لم أتغير يا نديم وأنت لن تتغير أيضا …”
أضافت بجدية :-
” لا تلوث نفسك بسبب إنتقام لن يجلب سوى التعاسة لك … ”
منحها نظرة غير مقتنعة لتسأله مغيرة الموضوع :-
” لماذا أردت الحديث معي ..؟؟”
تنهد وهو يجيب :-
” ليس لسبب محدد … ”
توقف لوهلة ثم قال :-
” ربما لإنني إشتقت لك او ربما أردت الإطمئنان عليك … ”
أوقفته بإبتسامة مستخفة :-
” لا تكذب يا نديم .. يمكنني تصديق الثانية لكن الأولى أبدا …”
نظر لها بدهشة لتحافظ على إبتسامتها وهي تسترسل :-
” انت لم تشتق إلي يا نديم .. على العكس تماما .. أنت نسيتني وتخطيتني منذ زمن .. ”
أكملت وهي ترفع أناملها إتجاه عينيه :-
” لقد عرفت هذا من نظرة عينيك … نظرة عينيك عندما رأيتني قبل قليل .. لم تكن تحمل تلك النظرات المعتادة .. لم يكن هناك لهفة او شوق فيهما … ”
أكملت وفمها يبتسم مرغما :-
” تلك النظرة التي كنت تنظرها إلي لم تعد موجوده … لقد أدركت هذا منذ مدة … مثلما أدركت إنني خسرتك منذ مدة طويلة .. منذ أن رأيتك معها ورأيتك كيف تنظر لها .. أدركت وقتها إنني خسرتك وإنها ربحتك وبجدارة …”
همس بخفوت :-
” ليلى انا ..”
أوقفته بجمود :-
” ماذا ستقول ..؟! هل ستعتذر مني مجددا ..؟! لقد إعتذرت مني من خلال تلك الرسالة ..”
قال بسرعة :-
” أقسم لك إنني كنت أعني جميع ما كتبته وقتها ..”
قالت بجدية :-
” أعلم ، أنت لا تجيد الكذب والإدعاء أساسا …”
مسحت وجهها بكفيها وهي تقول :-
” انا لست مستاءة لإنك لم تعد تحبني يا نديم ولا لإن هناك أخرى ملكت قلبك غيري ..”
ابتسمت بسماحة مرددة :-
” القلوب ليست بيدنا .. انا أكثر من يعلم هذا .. انا لا ألومك لإنك تمسكت بها .. من الطبيعي أن تفعل ذلك أساسا .. أي شخص في مثل وضعك سيبحث عن طوق نجاة يتشبث به بكل قوته .. حياة كانت طوق نجاتك وأنت تمسكت بها وهي نجحت في زرع حبها داخلك لذا أنا لا يمكنني لومك لإنني أدرك ظروفك ومدى صعوبة ما عشته …”
تنهد بتعب وهو يهتف :-
” لا أعلم ماذا أقول .. لا أعلم ما يمكنني فعله .. كيف أستطيع تعويضك … ”
أكمل بنبرة خافتة :-
” انا اتألم يوميا يا ليلى .. روحي تتألم .. لا يمكنني تجاوز ما فعلته بك ولا ما مررتِ به لأجلي … أقسم لك إنني لم أتوقف عن التفكير بك يوما واحدا .. انا لا أعرف ما يمكنني فعله .. أشعر إنني مقيد و …”
أوقفته تكبت دموعها داخل عينيها :-
” هذا الحب مقدر له ألا يكتمل .. لقد كتب الله له أن ينتهي كما كتب له أن يبدأ يوما ما .. انت لست نصيبي وانا لست نصيبك .. هذا نصيبنا يا نديم .. قدرنا الذي لا مفر منه …”
سأل بألم :-
” ربما ما تقولينه صحيح .. لكن تجاوز الماضي بكل ما فيه صعب جدا …”
همست بصوت مبحوح :-
” هو كذلك … لكننا سنتجاوزه .. مجبرين أن نفعل .. الحياة يجب أن تستمر … ”
رفعت عينيها نحوه تخبره :-
” أنت رغم كل شيء تستحق أن تحيا بسلام مع زوجتك وأفراد عائلتك وانا كذلك .. سنعاني في البداية ولكننا سنتجاوز هذه المعاناة .. لا بد أن نتجاوزها يوما ..”
نهضت من مكانها تخبره منهية الحوار :-
” انا يجب أن أذهب .. أتمنى لك مستقبلا أفضل …”
منحته نظرة أخيره تودعه من خلالها وهي تخبره :-
” الوداع يا نديم …”
ثم غادرت دون رجعة هذه المرة ..
غادرت وهي تدرك جيدا إن هذا الحديث الأخير بينهما مثلما تدرك بيقين إن بعد هذا الحديث سيتغير كليهما ..
لن يعود كلاهما مثل السابق بعد هذا اللقاء ..
لن يعودا أبدا ..
منذ أن غادرت ليلى وهو يجلس مكانه شاردا كليا وأفكاره كالعادة تتقافز داخل رأسه دون توقف ..
زفر أنفاسه بتعب وهو يجذب قدح الماء نحوه ويرتشف القليل منه وعقله يستعيد ذكرى لقائه بها منذ دقائق معدودة …
يراجع الذكرى ويراجع حديثهما وإقرارها بضرورة فراقهما الذي أقره هو قبلها …
يتذكر كلماتها التي تحمل في طياتها الغفران ويتذكر حديثها عن مشاعره لأخرى يتهرب منها …
هل هو حقا يتهرب من مشاعره ناحية حياة ..؟!
هل مشاعره تحركت نحوها بالفعل ..؟!
هل هو مغرم بها ..؟!
والأهم هل نسي ليلى ..؟!
هل توقف عن حبها أم دفنه داخله دون رجعة …؟!
عند هذه النقطة توقف عن أفكاره وعقله يسترجع لحظة اللقاء الأولى بينهما بعد آخر مرة رأها فيها وهي تودعه في المطار …!!
في البداية الصدمة لجمته فهو لم يتوقع رؤيتها فور عودته …
لكن ما تلا الصدمة لم يكن كما تخيل ..
لا ينكر إنه شعر بالحنين ..
ربما لها هي أو لأيام مضت كانت جميلة بكل ما فيها ..
لا يهم السبب لكنه شعر به وهذا منطقي جدا ..
لكن الغير منطقي هو الكثير ..
مشاعره التي لم تتدفق بسرعة شديدة حالما رأها ..
قلبه الذي لم ينتفض بلهفة داخل أضلعه عندما وقع بصره عليها …
في السابق كان ينتفض قلبه عشقا عندما يراها …
كل شيء به كان ينبض بالحب عندما يكون معاها …!
لكن الآن مشاعره لم تعد كالسابق ..
هناك شيء ما إختلف .. شيء لا يفهم كيف ومتى تغير ..
هو لم يعد كالسابق …
مشاعره تغيرت ..تغيرت كثيرا …
هل فقدت ليلى تأثيرها عليه أم إن قلبه من تحرر من هواها …؟!
أم ربما الإثنين معا ..؟!
أخذ يحاول تذكر شعوره أثناء حديثهما وما تلاه …
حاول أن يبحث عن لمحة ما تدل على عشق ما زال موشوم في صدره فلا يجد سوى الحنين …
لا يجد شوقا ملهبا لروحه ولا وجع على حب فقده مرغما ولا حسرة كبلت قلبه لسنوات …
لا يجد رغبة في العودة رغم كونه لم يتوقف عن التفكير بها أبدا طوال الأشهر الفائتة ..
هل حقا مشاعره نحوها إقتصرت على الندم وتأنيب الضمير كما قالت هي ..؟؟
هل حقا هذا ما جعلها رفيقة عقله طوال الفترة السابقة …؟!
نعم هو نادما على كل شيء ..
نادما على كل ما سببه لها ولو عاد الزمن به الى الوراء ما كان ليتصرف بنفس الطريقة ..
هو يقر ويعترف بذنبة ومستعد لتحمل العقاب الذي يناسب هذا الذنب …
ولكن هل مشاعره نحو ليلى باتت مقرونة بذنبه نحوها فقط ..؟!
هل مات العشق ..؟! الشغف ..؟!
هل ماتت مشاعر سكنته لسنوات ..؟!
ماذا يحدث معه ..؟! و مالذي كان ينتظره …؟!
وماذا عن حياة …؟! ما دورها في هذه الحكاية ..؟!
هل هي الفتاة التي إختارها كبداية جديدة لحياته ..؟!
هل هي الراحة والسكينة والأمان وكل ما يتم ضمه لهذه المسميات ..؟!
هل هي الروح التي تعلق بها على حين غرة ..؟!
هل مكانتها واضحة كما يدعي وثابتة لا جدال فيها ..؟!
هي الزوجة و المأوى والملاذ والسكن …!
هل هذه فقط مكانتها ..؟! أم إنها تخطت الدور الذي أراد منها تأديته ..؟! تخطت الحدود التي رسمها لها ولنفسه …؟!
قفزت الى قلبه دون إرادة منه وبلا وعي فملكته بأكمله ..؟!
هل حياة ليست زوجته فقط بل باتت حبيبته ..؟!
هل حقا هذه مشاعره نحوها ..؟!
عاد يسأل نفسه مجددا ولكن هذه المرة عن مشاعره ناحية حياة ..
يسأل قلبه ويريد منه جوابا صريحا ..
جوابا محددا لا شك فيه …
جوابا شافيا لا مهرب منه ..
هل هو يتهرب من مشاهره نحوها حقا …؟!
هل يتعمد تجاهلها ..؟!
هل كان العشق مشكلته العظمى ..؟!
كلا ، لم يكن كذلك ولن يكون ..!
هل يكره العشق ..؟! لا يعتقد ذلك ..
هل يهرب منه ..؟! ربما …
هل يرتاح بدونه ..؟! طبعا …
وهل يتألم بوجوده ..؟!
وأمام هذا السؤال وقف حائرا …
العشق جميل لكن دون شروط ..
العشق لذيذ لكن دون قيود ..
وهو رجل مقيد بسلاسل الإنتقام والماضي …!
لا يعلم إذا ما كان يخاف من العشق على نفسه أم عليها …!!
هل بات عشقه لعنه تصيب أي إمرأة تنال من ذلك العشق ..؟!
هل هو رجل موشوم بعشق مؤلم نهايته سوداء ..؟!
أم هذه مجرد هواجس تسيطر عليه ..؟!
هواجس لا أساس لها …؟!
العشق .. كلمة تتكون من ثلاث حروف …. كلمة جميلة .. محببة .. لطيفة …
العشق شعور يرغب الجميع أن يعيشه .. أن يتذوق حلاوته ..
وهو سبق وتذوقها … تذوق حلاوة العشق ومرارته ..
تذوق الحب وألمه .. الشغف والفراق …
لقد جرب العشق بمختلف صوره ..
لا ينكر إن ذكرياته مع العشق تحمل الكثير من الذكريات الجميلة .. ذكريات لطيفة … صور لماضي مشرق ولكن ذكرياته المريرة غلبت تلك الصور .. !
لقد جاهد لسنوات حتى يتخطى عشقه الأول .. حبه الضائع ونجح .. بشكل أو بآخر هو نجح .. تخطى عشقه وسار في دربه الجديد … درب أراد فيه كل شيء إلا العشق ..
لقد نجح في البداية وما زال كل شيء كما هو يريد ولكن رغما عنه هناك شيء ما يبرز في الأفق ..
شيء يخشاه ويرغبه في ذات الوقت ..
شيء ليس واثقا منه …
شيء لو صدقه سيدخل في جحيم جديد لا يختلف عن سابقه …
وهنا خفق قلبه .. نبض مجددا … لم تكن المرة الأولى التي ينبض بها هكذا لكنها المرة الأولى التي يرى تلك النبضة بمنظور مختلف …
المرة الأولى التي يشعر إنها ليست نبضة عادية …
هي نبضة تحمل الكثير ..
نبضة أتت بعد سنوات توقف فيها قلبه عن النبض ..
صاحبة تلك النبضة هي من أحييت قلبه الذي مات لأعوام …
صاحبة تلك النبضة هي التي منحته روحا جديدة وحياة مختلفة …
صاحبة تلك النبضة هي حياة …
هي الفتاة اللطيفة التي إنجذب لها من حديث عابر جمعهما وإبتسامة ناعمة أظهرت غمازتيها تصحبها لمعة خاصة في عينيها …
هي حياة التي لا يعلم إذا ما كان هو من جذبها نحو عالمه دون أن يعي أم هي من جذبته نحوها بكامل وعيها …
هي حياة التي دخلت حياته في وقت كل شيء فيه كان فاقدا لمعاني الحياة فمنحت الحياة مجددا لها …
هي حياة التي جعلت مشاعره تتحرك لأول مرة منذ سنوات ورغبته في العودة كما كان تسيطر عليه …
هي حياة التي أتت وهي تحمل معها قلبه فقدمته له على طبق من ذهب ..
هي حياة التي بعشقها حررته من عزلته التي ظن إنه سيبقى أسيرها لأعوام ..!
هي حياة التي باتت له كل شيء ..
الملاذ والمأوى الذي يلجأ إليه كلما ضاقت به دنياه فتستقبله بصدر رحب وتصبو عليه بعشقها الجارف الذي لا نهاية له ..
هي حياة التي سطعت شمسها في حياته لتنير ظلام قلبه السرمدي ..
هي حياة التي أحييته وحررته قلبه من ظلماته …
والعشق هو ذلك الشيء الذي يمنحك شعورا جديدا قد يكون محمل بالألم او الحياة …
نعم العشق قد يكون حياة جديدة تحيي العاشق من جديد …
إذا كان العشق هو الحياة ..
إذا فالعشق هو حياة …
…………………………………………..
إذا كان العشق هو الحياة ..
إذا فالعشق هو حياة …
نعم العشق هو حياة .. العشق يتمثل بحياة ..
لم يكن إعترافا منه بقدر ما كان شعورا صريحا أيقنه كلا من قلبه وعقله معا …
لقد أدرك نديم أخيرا الحقيقة التي لا يعلم إذا ما تجاهلها أم كان يتهرب منها أم لم يكن يدركها من الأساس ..!!
لكن لا يهم .. المهم إن الحقيقة باتت واضحة ..
مشاعره التي لم يجد لها مسمى باتت معروفة وتحمل مسمى واحد يتمثل بكلمة مكونة من ثلاثة حروف .. العشق …!
وأخيرا تحرر قلبه من تلك القيود وأعلن العشق مجبرا لا مخيرا ..
قلبه الذي قتله عشق سابق وأحياه عشق جديد ..
عشق يتمثل بالحياة ..
الحياة التي تنبض منها ..
نهض من مكانه متجها إليها بلهفة يدرك سببها للمرة الأولى ..
لهفة كان يمنحها جميع المسميات مسبقا ويعللها بكل الأسباب الممكنة بإستثناء شيء واحد .. حقيقة واحدة … وهي العشق…!!
قاد سيارته بصمت وقلبه لا يتوقف عن النبض …
وصل أخيرا فهبط من سيارته وسار بلا وعي الى شقته …
فتح الباب ودلف الى الداخل يبحث بعينيه عنها ..
يبحث بشوق لم يعد مشروطا …
يبحث بلهفة بات لا يستطيع إنكارها …
وأخيرا وجدها تقف في المطبخ تعد شيئا ما بتركيز شديد …
خفق قلبه بعنف وهو يتأملها بذلك الفستان القطني القصير حيث تقف وهي تضع بعض البهارات فوق شيء ما ..
تضع الملعقة داخل القدر ثم ترفعها وتتذوقها بتلذذ فتنفرج إبتسامة رضا تظهر غمازتيها …
كان يتابعها ببطء وكأنه يراها للمرة الأولى ..
نعم هو بالفعل يراها لأول مرة بنظرة عاشق …
تأمل تفاصيلها بسكون …
سابقا كانت تمثل الحياة له وهو لم يدرك وبكل أسف إن أسمى أنواع العشق ذلك الذي يتمثل بحياة كاملة تعيشها رغما عن كل الظروف …
حياة … حياته .. عشقه … ملاذه … وطنه …
حياة إمرأة دخلت حياته بكامل إرادته وزرعت حبها داخل قلبه دون إرادته …
هي إمرأة يصعب تجاوزها …
لا يستطيع المرء تجاهل مشاعرها ..
يعجز عن تخطي رحيلها …
هي روح كاملة وشمس دافئة وقطرات مطر رقيقة سقطت على قلب سكنه الجفاف لسنين ..
هي معجزة أتت في زمن باتت فيه المعجزات مستحيلة ..
هي أنثى بوجودها تختفي جميع النساء وبرحيلها يفقد كل شيء قيمته و
معناه ..
هي المرأة التي لا يريد سوى معانقتها للأبد والتمتع بنعيم جنتها ..
هي الأبدية..
إلتفتت أخيرا فخفق قلبه مجددا …
إبتسمت له رغم دهشتها من قدومه …
إبتسامتها العفوية تمنحه السعادة لا إراديا ..
تزرع الفرحة داخله وترسم البسمة فوق شفتيه …
إبتسامتها وحدها كفيلة بتهدئة روحه الثائرة وتحطيم قيوده المتعبة ..
إبتسامتها لوحدها كانت حياة يتوق لإمتلاكها …
نطقت إسمه بسعادة …
سعادة ظهرت في كل جزء منها ..
سعادة تملكت منه هو الآخر لا يعلم إذا ما إنتقلت إليه منها أم سيطرت عليه بعدما أدرك أخيرا حقيقة مشاعره نحوها ..
الآن لا شيء يهم …
الآن سيتجاهل كل شيء ..
سيحرر نفسه من قيوده جميعها …
سيتناسى عن قصد ماضيه وحاضره وما يخطط له مستقبلا ..
الآن وفي هذه اللحظة سيلغي كل شيء من عقله عداها هي …
هو وهي فقط ولا شيء غيرهما …
الليلة فقط سيسمح لنفسه بتجاهل كل شيء عداها وسيمنحها قلبه وعشقه كما منحته هي قلبها وعشقها منذ أشهر دون تردد ..
تقدمت نحوه ترتمي داخل أحضانه …
إرتجف جسده كليا …
لم يتوقع هذه المباردة منها ..
هل يعقل إنها شعرت بشيء ما ..؟!
هل أدركت مشاعره من عينيه فبادرت تعانقه أم هذا عناق عفوي ليس إلا ..؟!
سمعها تنطق بنبرة فرحة :-
” انا سعيدة جدا …”
وهو سعيد جدا في هذه اللحظة ..
هكذا فكر وهو يحيط جسدها بذراعيه ..
هي الآن داخل أحضانه … هي بين ذراعيه ..
نبضات قلبه تنبض بهدوء والسعادة تملأ كيانه والراحة المنشودة نالها أخيرا …
أغمض عينيه متلذذا بوجود جسدها داخل أحضانه …
طبع قبلة فوق شعرها ثم تمتم :-
” حياة …”
توقف للحظة فسمعها تقول :-
” نعم …”
غمغم وهو يبعدها قليلا من بين أحضانه محيطا وجهها بين كفيه :-
” شكرا يا حياة .. شكرا على كل شيء … ”
توقف للحظة يتابع نظراتها الحائرة قبل أن يسترسل :-
” شكرا لإنك هنا .. معي وحانبي .. شكرا لوجودك في حياتي …”
أخذ نفسا عميقا ثم هتف :-
” هل تتذكرين عندما أخبرتك إنه لولاك ما كانت هناك حياة يا حياة ..؟!”
هزت رأسها بتوتر ظهر في عينيها ليبتسم وهو يقول :-
” أنا كنت أعنيها بكل ما فيها … ”
صمت مرغما يتأمل الفرحة التي ظهرت في عينيها ليكمل بعدها :-
” أنت حياتي التي إمتلكتها رغم كل شيء …”
أخذ نفسا عميقا من جديد ثم سألها :-
” ما هو الحب يا حياة …؟!”
نظرت له للحظات ثم همست :-
” الحب .. الحب هو ما أشعره نحوك …”
سألها وهو يبتسم :-
” ومالذي تشعرينه نحوي …؟!”
ردت بعد لحظات من التفكير :-
” الكثير .. أشعر بالكثير نحوك ولكنني لا أعرف كيف أصف مشاعري تلك بدقة … ”
هتف أخيرا :-
” برأيي إن الحب لا يمكن حصره في قالب معين .. وإن المشاعر عندما تقتحم القلب لا يوجد شيء قادر على إيقافها ..”
أضاف وعيناه تلمعان ببريق مختلف تماما هذه المرة :-
” الحب أعمق من أن تصفه بضعة كلمات .. أكبر من أن يتم حصره بكلمة واحدة .. وأهم من أن يكون مجرد شعور يسيطر عليك .. الحب هو رباط روحي أبدي ومشاعر قوية تجتاح روحك وتستحوذ على قلبك كاملا فلا تترك به مجالا للخلاص …”
نظرت له بتشتت ليتنهد براحة أخيرا :-
” وهذا هو ما أشعره نحوك ..”
شعرت بنبضاتها تتوقف داخل صدرها وعقلها يحاول تفسير مقصده ..
هل فهمت ما يعنيه ..؟!
هل هذا إعتراف مبطن بالحب أم إنها تتوهم ذلك …؟!
ولكن الوهم بات حقيقة عندما إسترسل هو :-
” كل شيء بيننا .. جميع ما أشعره نحوك .. جل ما يربطنا لا يمكن سوى منحه مسمى واحد .. الحب …”
توقف للحظة وأكمل بثبات ويقين :-
” أنا أحبك يا حياة …”
إرتجفت كليا وهي لا تصدق ما سمعته ..
تلألأت العبرات داخل عينيها فأضاف وكفه تسير فوق وجنتها :-
” أحبك أكثر مما تتصورين …”
تساقطت عبراتها وهي تهمس بنبرة متوسلة :-
” نديم …”
” أنت حياتي .. شمسي وملاذي .. حبي الذي وجدته أخيرا .. أنت بدايتي ونهايتي … أنت كل شيء وبدونك أنا لا شيء …”
تأمل عينيها الباكيتين ليضيف وهو يبتسم لها بمشاغبة محاولا تخفيف أجواء اللحظة :-
” لقد ربحت يا حياة .. هزمتني انا وقلبي معا .. مبارك لك … مبارك لك يا حياتي …”
وما إن أنهى كلماته حتى هبط بشفتيه نحو شفتيها يقبلها بشوق ورغبة ولهفة والأهم بعشق حقيقي لا جدال فيه ..
كانت ممددة فوق سريرها تشعر بالغثيان المستمر عندما دلفت همسة الى جناحها وهي تحمل معها الحساء الدافئ ..
وضعت همسة الصينية أمامها وقالت لها :
” تناولي الحساء يا جيلان ..”
أشاحت جيلان بوجهها بعيدا وقد إزداد شعور الغثيان لديها عندما رأت الحساء لتهمس :-
” لا أريد .. لا أريد تناول أي شيء ..”
هتفت همسة بقلق :-
” أنت لم تتناولِ شيئا منذ الصباح …”
” لا أستطيع يا همسة .. ”
قالتها جيلان بنبرة مرهقة لتتأملها همسة بشفقة قبل أن تسمع صوت طرقات على الباب يتبعها دخول توليب التي تأملت جيلان للحظة قبل أن تهمس :-
” دكتورة منى في الخارج ..”
هتفت جيلان بدهشة :-
” دكتورة منى جائت عندي ..”
دلفت منى وهي تبتسم لها مرددة :-
” مساء الخير حبيبتي ..”
ردت جيلان وهي تبتسم رغم تعبها :-
” مساء النور دكتورة ..”
همت جيلان بالنهوض لكن منى أوقفتها بسرعة :-
” لا تنهضي حبيبتي …”
ثم أشارت نحو السرير :-
” سأجلس جانبك …”
نهضت همسة من مكانها ترحب بها قبل أن تشير الى توليب بعينيها لتتحرك الإثنتان خارج المكان تاركين الطبيبة مع جيلان ..
” كيف حالك يا جيلان ..؟!”
سألتها منى وهي تبتسم لها لتجيب جيلان بتنهيدة مرهقة :-
” انا مريضة قليلا ..”
هزت منى رأسها بتفهم وقالت :-
” أنا أتيت لأطمئن عليك وأتحدث معك أيضا ..”
قالت جيلان بعفوية :-
” أعتذر عن عدم قدومي الفترة السابقة ولكنني كنت مريضة جدا ..”
ابتسمت منى مرددة بنفس التفهم :-
” لا داعي للإعتذار حبيبتي … أساسا كنت سأتحدث معك بشأن هذا التعب ..”
رمشت جيلان بعينيها مرددة بحيرة :-
” تفضلي دكتورة …”
تحدثت منى بتأني :-
” انت صغيرة يا جيلان .. وجميلة … فتاة مميزة …”
صمتت للحظة ثم قالت :-
” لقد تحدثنا مسبقا عن الميزات التي تمتلكينها وكيف عليكِ إستغلالها وتحدثنا عن المستقبل وما ينتظرك فيه ..”
قالت جيلان بضعف :-
” نعم وأنا وعدتك أن أفكر في مستقبلي بشكل جدي وأسعى للإهتمام بدراستي حتى أحصل على معدل عالي وأدخل كلية الصيدلة ..”
رددت منى بصدق :-
” ستفعلين جميع هذا بإذن الله ..”
أكملت تشجعها :-
” أنتِ قوية وذكية يا جيلان .. تستطعين تجاوز أي شيء مهما بلغت صعوبته …”
هزت جيلان رأسها موافقة وهي تبتسم لها بأمل عندما ظهر التوتر على ملامح منى وهي تضيف :-
” لذلك ستعديني أن تكوني قوية مهما حدث … ”
قالت جيلان وهي تبتسم بصدق :-
” أعدك يا دكتورة …”
ابتسمت منى بنفس التوتر عندما همست لها :-
” إسمعيني إذا … هناك شيء ما يجب أن تعرفينه ولكن قبلها تذكري إنك وعدتني بأن تبقي قوية مهما حدث …!!”
أضافت وهي تقبض على كفيها بدعم شديد :-
” تذكري إننا جميعنا معك وجانبك .. نريد سعادتك وراحتك …”
تأملت نظرات جيلان البريئة التائهة بألم عندما نطقت بنفس التروي :-
” أنت تزوجت مهند يا جيلان .. بالطبع تتذكرين ..؟!”
أجابت جيلان بعفوية :-
” لكنني تطلقت ..”
اومأت منى برأسها مرددة :-
” أعلم ذلك ولكن قبل حدوث الطلاق هناك شيء ما جرى …”
تنهدت ثم قالت :-
” أنتما كنتما زوجين … والزواج ربما ينتج عنه أطفال …”
توقفت للحظة تراقب تغضن ملامح جيلان عندما أكملت متمهلة:-
” يعني بما إنك تزوجت لفترة فمن الطبيعي أن تحملي طفلا داخلك …”
همست جيلان بتساؤل متعثر :-
” هل تقصدين إنني أحمل طفلا الآن ..؟!”
ثم شردت ملامحها بتفكير امتد لثواني لتضيف بنبرة مرتجفة :-
” هل مرضي وتعبي بسبب الحمل ..؟!”
هزت منى رأسها دون رد لتتسائل جيلان مجددا بشفتين مرتعشتين :-
” كيف حدث هذا …؟! ”
” جيلان … حبيبتي ..”
قالتها منى وهي تضغط على كفها لتبدأ دموع جيلان بالتساقط بشكل جعل منى تتوسلها :-
” اهدئي من فضلك …”
همست جيلان بصوت بالكاد يسمع :-
” هذا مستحيل .. انت تكذبين .. انا لست حاملا .. هذا كذب ..”
إرتفع صوتها أكثر وهي تهز رأسها بنفي عنيف بينما تردد :-
” انا لست حامل … هذا كذب .. أنت تكذبين .. هذا مستحيل …”
حاولت منى إحتضانها لكن جيلان دفعتها بقوة قبل أن تنتفض من فوق السرير وهي تصرخ بهلع من الفكرة المخيفة بالنسبة لها :-
” انت كاذبة … انا لست حاملا … ”
ثم همت بفتح الباب لتتفاجئ بوجود زهرة أمامها وجانبها همسة لتحاول زهرة التقدم نحوها وهي تهمس :-
” جيلان صغيرتي ..”
لكن جيلان بدت وكأنها تحولت لشخص ثاني لا يستوعب سوى شيء واحد فقط .. إنها تحمل طفلا داخلها وكم بدا هذا الأمر مريعا لها …
عادت جيلان الى الخلف تصرخ بهما بلا وعي :-
” إبتعدا عني .. إتركاني … لا تقتربا مني ..”
حاولت منى تهدئتها عندما تقدمت نحوها من الخلف لكن جيلان عادت تدفعها وهي تبتعد عنها بدورها تصيح بها :-
” وأنتِ أيضا إبتعدي عني … إتركيني ..”
كانت دموعها ما زالت تتساقط عندما صاحت باكية :-
” أنا لا أريدكم … لا أريد أيا منكم .. إبتعدوا عني … إتركوني …”
قالت منى تحاول تهدئتها :-
” جيلان فقط اسمعيني …”
قاطعتها جيلان تصرخ بها :-
” لا أريد سماعك ..”
ثم توقفت عندما سمعت صوتا مألوفا يصدح بإسمها لتلتف بنظرها نحو الباب فتجد عمار أمامها يتأملها بضعف سيطر على ملامحه بالكامل …
توقفت عن البكاء بينما وقفت مكانها تنظر إليه بوجهها المبلل بسكون عندما أشارت منى لزهرة وهمسة أن يتبعانها نحو الخارج قبل أن تهمس الى عمار بكلمات غير مسموعة ليهز عمار رأسه بصمت فتربت منى على كتفه قبل أن تغادر المكان …
ما إن غادر الجميع حتى قال عمار مجددا :-
” جيلان …”
رمشت بعينيها للحظات قبل أن تهمس بتساؤل :-
” من أنت …؟!”
هتف بنبرة مترددة :-
” انا عمار .. أخوك يا جيلان …”
” كلا أنت لست أخي …”
قالتها وتلك القسوة في عينيها كانت وليدة اللحظة أم ربما هي نتاج تراكمات لن تزول …
” جيلان صغيرتي ..”
حاول إستعطافها لكنها لم تبالِ …
كل شيء بها تحطم … روحها ماتت وقاتلها واقف أمامها يطلب العفو الذي لا رجاء منه …
” أنت السبب …”
قالتها بصلابة وهي تكمل وكل كلمة تنطقها تنغرس كخنجر داخل قلبه :-
” انت سبب كل شيء … لولاك ما كان ليحدث معي كل هذا .. انا تحطمت بسببك … تعرضت للاغتصاب بسببك … تزوجت مجبرة بسببك .. زوجي نالني رغما عنك بسببك والآن أنا أحمل طفلا داخلي بسببك …”
حاول أن يقترب منها مجددا لكن تلك النظرة في عينيها أوقفته مكانه لتضيف بثبات لا يشبهها :-
” ماما كانت دائما تخبرني إنك سندي بعدها .. دائما كانت تطمئني إنك موجود … وإنه مهما حدث ستبقى انت معي وجواري .. ”
أضافت والدموع تلمع بعينيها :-
” وأنا صدقتها .. بكل أسف صدقتها .. بنيت آمالا عليك .. ظننتك ملاذي والحضن الدافئ الذي سيحتويني لكنك كنت جلادي يا عمار … كنت ذنبي الذي لم يغفره القدر لي …”
ترقرقت الدموع داخل عينيه لتكمل بنبرة باكية ؛-
” لقد ترجيتك يا عمار .. ترجيتك ألا تتركني هنا .. ألا تزوجني منه .. توسلتك ..هل تتذكر .. لكنك رفضت بكل تبجج كعادتك .. وزوجتي منه .. رميتني هنا ولم تسأل عني …”
إسترسلت وهي تبتسم بمرارة :-
” وما الجديد ..؟! منذ متى وأنت كنت تهتم بي وتسأل عني ..؟بعد وفاة بابا تركتني منبوذة في تلك الشقة الكئيبة مع مربيتي وعندما حدث ذلك الحدث قررت أن ترميني لعمي وتحت وصاية أبنائه .. دائما ما كنت تبحث عن طريقة للتخلص مني وكنت تنجح في كل مرة بينما انا كنت أفقد جزءا من نفسي في المرة ذاتها …”
كتمت شهقاتها وهي تكمل ؛-
” ما أصابني بسببك .. انت المسؤول عن كل شيء … ”
” جيلان اسمعيني من فضلك … سنجد حلا .. أعدك بهذا ..”
قالها بتوسل لتصرخ به :-
” لا تكذب مجددا … توقف عن الكذب .. مرة واحدة توقف عن خداعي …”
أكملت ودموع المرارة تساقطت فوق وجنتيها :-
” كيف ستحل الأمر هذه المرة …؟! هل ستقتل الطفل وهو داخلي أم ستنتظر ولادته وترميه لوالده كما رميتني من قبل ..؟!”
تقدمت نحوه هي هذه المرة تتسائل بإصرار :-
” كيف ستحل الأمر يا عمار بك ..، أخبرني …؟!”
” جيلان ارجوك …”
قاطعته وفي تلك اللحظة لم تعد تطيق حقا رؤيته :-
” اخرج من هنا … اتركني وشأني .. انا لا أريدك ولا أطيقك .. انا اكرهك .. اكرهك يا عمار ..”
حاول أن يستجديها وهو يتقدم نحوها فعادت تصرخ به بصوت عالي جهوري :-
” اخرج من هنا … اتركني .. لا أريدك …”
” جيلان ..”
عاد يكررها بهمس باكي وهو يحاول جذب كفها ليتفاجئ بها تضربه على صدره بعنف مخيف وهي تصيح بشكل مسبب للذعر :-
” أنا أكرهك .. أنت دمرتني … أنت السبب .. لا أريدك في حياتي …”
فجأة إندفع مهند من الخارج وكأنه أتى من العدم وإنقض عليه يدفعه بقوة صارخا به :-
” إبتعد عنها …”
دلف راغب خلفه مسرعا ومعه فيصل عندما انتفض عمار منقضا على مهند بينما انكمشت جيلان بعيدا :-
” أيها النذل الحقير … أنت سبب كل شيء .. سأقتلك … ”
وقف راغب في وجهه يباعد بينهما عندما صاح مهند بدوره :-
” أنت آخر من يتكلم عن النذالة .. أنت دمرت أختك يا هذا .. مهما فعلت أنا فلن أصل لدنائتك وقذارتك…”
حاول عمار يهجم عليه مجددا وهو يسبه بأفظع الكلمات عندما صاح راغب بحزم :-
” يكفي توقفا …”
بينما تبعه فيصل يصيح وهو يتجه راكضا نحو جيلان التي فقدت وعي ليحملها بين ذراعيه فيتجه عمار نحوها تاركا مهند خلفه متناسيا ما كان يحدث بينهماقبل ثوان……………………………………
………………………
غرقت جيلان في نومها بعدما أعطتها منى تلك الحقنة المهدئة وتركتها برعاية همسة التي قررت المبيت معها …
مر الوقت وهمسة تراقبها بملامح حزينة حتى سطع ضوء الصباح فسمعت همسة صوت الباب يفتح لتتفاجئ بمهند يدلف الى الداخل بملامح مرهقة فنهضت من مكانها تهمس له مؤنبة :-
” ماذا تفعل هنا يا مهند …؟!”
رد مهند بصوت منخفض :-
” جئت لأطمئن عليها …”
قالت همسة بتردد :-
” إخرج قبل أن تستيقظ وتراك … ”
قاطعها بنبرة مرهقة :-
” من فضلك يا همسة ، انا متعب بما يكفي ..”
حل الصمت المطبق بينهما عندما نطق بتردد :-
” فقط سألقي نظرة عليها وأغادر ..”
لمحت الندم في عينيه فشعرت بالشفقة عليه فرغم كل شيء يبقى هو مهند ابن خالتها وصديق طفولتها ومن كان دائما بمثابة شقيقها ..
ابتعدت عنه بصمت ليتقدم نحوها فيتفاجئ بها وقد فتحت عينيها الخضراوين تنظر له بملامح جامدة ..
تلعثم وهو ينطق إسمها فزادت دهشته وهي تعتدل في جلستها بنفس الجمود ..
وجد نفسه ولأول مرة عاجزا عن الحديث …
لا يعرف ما يجب أن يقوله ….
إتجهت جيلان بأنظارها نحوه .. تأملته بجمود دون أن ترمش عينيها ..
شعر في تلك اللحظة بإنه صغير .. صغير جدا …
نظراتها كانت مبهمة وهذا أسوء ما في الأمر ..
أراد منها أن تصرخ .. تنتفض .. تبكي وتلعنه كما فعلت في أخيها لكنها لم تفعل ..
بقيت على وضعها عندما نطقت همسة وهي تتقدم نحوها :-
” حبيبتي ، هل أنت بخير …؟!”
تجاهلتها جيلان ونهضت من مكانها تتجه نحوه فتلاقت عينيه بعينيها ..
نطق أخيرا :-
” جيلان .. نحن يجب أن نتحدث ..”
واقعيا لم يكن في باله أن يتحدث لكن في تلك اللحظة لم يكن يعرف ما يقوله فوجد نفسه يتحدث بهذه الجملة دون وعي منه ..
تفوهت جيلان بدورها بهدوء مريب :-
” تحدث … أسمعك …”
تأملتهما همسة عندما وجدت مهند يشير لها بعينيه أن تتركهما فنظرت له بطريقة تخبره عن قلقها من المغادرة لكنه منحها نظرة مطمأنة فإضطرت أن تخرج على مضض …
عادت جيلان تكرر حديثها الهادئ :-
” أسمعك ..”
أخذ مهند نفسا عميقا ثم قال :-
” انا اسف …. أنا أتحمل مسؤولية ما حدث …”
عقدت ذراعيها أمام صدرها وسألته بنفس اللهجة :-
” وكيف ستتحمل المسؤولية ..؟! ماذا ستفعل مثلا ..؟!”
كان سؤالا منطقيا وهو بدوره لم يمتلك إجابة محددة فهتف بجدية :-
” هذا الطفل مسؤوليتي .. تحملي الشهور القادمة حتى تنجبيه ثم …”
صرخت به تقاطعه :-
” أتحمل الشهور القادمة ثم ماذا ..؟! ماذا ستفعل ..؟! كيف يمكنك أن تتحدث بهذه البساطة ..؟! ألا تشعر بحجم المصيبة التي وقعت بها ..؟! كيف يمكنك أن تتحدث بهذه السهولة ..؟!”
” جيلان ..”
تمتم بخفوت لتكمل بثرثرة غاضبة سوداوية :-
” حياتي كلها ستتغير بعدما حدث .. كل شيء سيتغير نحو الأسوأ وأنتم السبب .. أنت وعمار والبقية ..”
أكملت وهي تشير الى نفسها بوجع :-
” انا لا أريد هذا الطفل .. لا أريد أن أحمل .. ”
إسترسلت ببؤس :-
” انا صغيرة .. لا يمكنني تحمل هذا.. لا أستطيع …”
قال مهند بصدق :-
” لهذا سأعفيك من هذه المسؤولية … سأتحمل انا مسؤولية الطفل ما أن يولد وأنت يمكنك أن تعيشي حياتك كما تريدين ..”
صرخت باكية :
” بعد ماذا ..؟! بعدما أنجبه ..؟! بعدما أصبح أما في هذا العمر ..؟! انت لا تفهم حجم ما أعيشه وما ينتظرني في المستقبل ..”
أضافت والدموع أخذت طريقها فوق وجنتيها :-
” لماذا فعلت بي هذا … ؟! انا لم أؤذيك يوما ولم أجبرك على شيء لكن أنت فعلت كل شيء .. حاسبتني على ذنب لم أرتكبه أو ربما إرتكبته دون قصد .. عاملتني بأسوء طريقة والآن تتحدث بكل بساطة .. تخبرني أن أنتظر عدة شهور ثم أتخلص من هذا الحمل الذي بليتني به …”
توقفت عن حديثها وقد بدأت بالبكاء فإنتفض بدوره من مكانه مرددا وهو يحاول التقدم نحوها :-
” جيلان ارجوك ..”
لكنها إنكمشت على نفسها بنفس الطريقة وهي تردد من بين دموعها :-
” أنت دمرت حياتي ومستقبلي .. أنا أكرهك .. أكرهك وأكره هذا الطفل الذي تكون داخلي بسببك .. لولاك أنت ولولا هذا الطفل اللعين ما كان ليحدث هذا .. بسببك انت وهو تدمرت حياتي وانتهى مستقبلي قبل أن يبدأ ..”
لم يتحمل ما يسمعه فعادت فورة غضبة تسيطر عليه عندما صرخ بها منفعلا :-
” ماذا تريدين أن أفعل ..؟! هل أقتل نفسي كي ترتاحين ..؟! أم أمنحك سلاحا تقتليني به …”
أكمل وهو يصيح بصوت أكثر علوا :-
” أنت تدمرت حياتك .. ولكن ماذا عني ..؟؟ هل تعتقدين إنني سعيد .. انا ايضا حياتي تدمرت وسأتحمل مسؤولية طفل لا أريده ولا أرغب به …”
ارتفعت شهقاتها فتضاعف غضبه ليتجه نحو احدى الفازات ويرميها أرضا بإنفعال شديد …
في تلك اللحظة سيطرت عليه شخصيته المعتادة بكل عصبيتها وحدتها المخيفة لتتجه جيلان بخطوات لا إرادية نحو الخلف حتى سقطت بجسدها فوق السرير بينما أخذ هو يصرخ ويحطم كل شيء يراه أمامه ..
………………………………..
كانت ساكنة تماما …
تجلس ووجها منخفض نحو الأسفل …
صامتةولم تتفوه بكلمة واحدة حتى طوال موجة غضبه التي سكنت أخيرا بعدما حطم الكثير وصياحه وصل الى أبعد نقطة ..
كان هو يحرر غضبه الكامن داخله منذ أيام بينما هي كانت شاردة في ملكوت آخر وكأنه ليس موجودا حولها ولا يفعل ما يفعله ..
وأخيرا إنتهت موجة الغضب وساد السكون التام وشرودها كما هو ..
تأملها بعدما هدأت أعصابه ..
وجهها المنخفض أرضا تغطيه خصلات شعرها البنية الناعمة الطويلة من الجانبين ..
فستانها الأبيض الرقيق والذي يبرز إنتفاخ بطنها الضئيل االذي لاحظه للمرة الأولى …
كفيها المعقودان بتشابك فوق فخذيها ..
زفر أنفاسه بتعب وحيرة وهو لا يعرف ماذا يقول …
هو فعليا لا يجيد التعامل معها ولا يظن إنه سيفعل …
يحاول أن يبحث عن أمل صغير في وضعهما المزري .. عن شعاع نور ولو كان ضئيلا لكنه لا يجد سوى العتمة تبتلعهما سويا دون فكاك ..
” جيلان ..”
همس إسمها أخيرا بترقب عندما رفعت عينيها الخضراوين نحوه لتصدمه تلك النظرة في عينيها ..
نظرة إستنجاد خالصة …
هي تستنجده هو … تستغيث به … فهل سيلبي ندائها …؟!
نطقت أخيرا ونظرتها ما زالت كما هي بينما شفتيها ترتجفان والكلمات تخرج من فمها متقطعة :-
” خلصني منه ….”
إتسعت عيناه بصدمة عندما أكملت وهذه المرة الدموع ملأت عينيها :-
” لا أريده ..”
بالكاد إبتلع غصته وكتم إنفعاله الذي يشي بنوبة غضب جديدة قادمة وهي التي تحطمه في كل مرة تتحدث بها وتقيده بذنبه في حقها أكثر…
هو مقيد بذنبها من رأسه حتى أخمص قدميه ..
قيد لا فكاك منه …
ولأول مرة ينطق بهكذا هدوء وصدق عصف بعينيه الزرقاوين اللتين تحملان داخلهما مزيج من المشاعر العاصفة :-
” لو كان بيدي لفعلتها .. لو لم يكن الأمر يتعلق بحياتك لقتلته قبل أن يولد لكن هذا قدركِ وقدري أنا أيضا … حياتك باتت متعلقة بحياته وأنا لا يمكنني المجازفة بك يا جيلان ..”
أنهى كلماته وغادر يهرب منها .. من ذنبها الذي يقيده كليا ..
اما هي فتسافطت دموعها بوجع وخوف غريزي ..
لم تعرف ماذا تفعل ..
شعرت إنها وحيدة بحق ..
نعم هي كانت وحيدة دائما لكنها المرة الأولى التي تشعر بها إن تلك الوحدة تبتلعها دون هوادة …
نهضت من مكانها ودون وعي منها جذبت حقيبة صغيرة ووضعت بها بعض الملابس والأموال التي كانت بحوزتها ..
ارتدت ملابس سريعة مكونة من بنطال جينز وتيشرت ذو أكمام قصيرة ..
ألقت نظرة على هاتفها فأرادت آخذه لكنها تراجعت وهي تتحرك خارج الجناح بسر في هذا الوقت المبكر من الصباح حيث الجميع ما زال نائما ومهند لا تعرف أين غادر بينما همسة عادت الى جناحها على ما يبدو ..
تحركت بسرعة تهبط نحو الطابق الارضي ومنه خرجت الى الحديقة لكنها توقفت تتأمل الحرس الذين يقفون عند بوابة القصر فزفرت أنفاسها بضيق …
لم تعرف ماذا تفعل فبقيت مكانها للحظات حائرة فيما ستفعله …
تأملت الحارسين بتردد استمر لثوان قبل أن تتحرك عائدة الى الداخل عندما اتجهت نحو المطبخ الخالي من الخدم لتأخذ احدى القداحات تنظر لها بتردد سرعان ما إختفى وهي تتجه خارجا من جديد وقد حسمت أمرها ..
ستهرب لا محالة وهذه الطريقة الوحيدة المتاحة أمامها ..
خلعت جيلان سترتها وأخذت تنظر اليها بتردد للحظات قبل أن تحسم أمرها وتشعل النار فيها وهي ترميها أسفل جهاز إنذار الحريق ثم تركض مسرعة حيث تركت حقيبتها الصغيرة ثم وقفت هناك في ذلك المكان المعزول تنتظر أن يصدر الجهاز صوته ..
ما هي الا ثواني وعلا صوت الجهاز كما توقعت فصاح أحد الحارسين :-
“حريق ..”
ثم ركض كلاهما الى داخل المنزل لتقفز هي بسرعة من مكانها راكضة خارج القصر بأكمله وقد نجحت خطتها بالهرب …
اما في الداخل فإستيقظ جميع من في المنزل فمنهم من أيقظه صوت الجهاز وآخرون إستيقظوا بفعل صياح الموجودين ..
كانت زهرة تجلس بجانب ابنتها بفزع وهمسة تحتضن ولديها بينما خرج كلا من راغب ووالده ومعهما فيصل لفهم ما يحدث حيث وجدوا الحارس يحمل السترة بعدما نجح في اطفائها وهو يخبرهم :-
“هناك من تعمد وضع هذه السترة بعدما أشعلها بالنيران أسفل جهاز الإنذار …”
سأله راغب بنبرة حادة :-
“ما معنى هذا الكلام ..؟! من سيفعل هذا ..؟! ولم سيفعل ذلك .؟!”
ثم توقف عن حديثه للحظة قبل أن يسأل بإنفعال خفي :-
“هل تركتما البوابة الخارجية مفتوحة …؟!”
نظر الحارسان الى بعضيهما قبل أن ينطق الآخر بتردد :-
” نحن تحركنا بسرعة ما إن سمعنا صوت الجهاز ..”
لم يسمع راغب بقية حديثهما بل سارع يركض الى الخارج بحثا عن جيلان يتبعه فيصل عندما صاح به راغب وهو يشير بكفه :-
“شغل سيارتك وابحث عنها في هذا الإتجاه وانا في الإتجاه الآخر … إبحث عنها جيد فلا أعتقد إنها إبتعدت كثيرا ..”
ثم اتجه هو مسرعا نحو سيارته وشغلها ليقودها متجها يبحث عن جيلان هو الآخر …
بعد مرور حوالي نصف ساعة …
دلف كلا من راغب وفيصل الى صالة الجلوس بملامح جامدة لينهض راغب مرددا بإنفعال :-
” لم تجداها … أليس كذلك ..؟! لقد توقعت ذلك .. لقد هربت الفتاة .. ”
أضاف بعصبية بينما زوجته تحاول تهدئته لكن دون فائدة :-
” الفتاة صغيرة جدا .. الله وحده يعلم أين ذهبت الآن وماذا سيحدث لها …!”
حاول راغب تهدئته هو الآخر فقال له :-
” اهدأ من فضلك يا بابا وأنا أعدك إنني سأجدها …”
صاح عابد بنبرة متحاملة :-
“انت بالذات لا تتحدث … كل ما حدث كان بسببك أساسا أنت وشقيقك الأحمق … ”
أكمل يلوم نفسه :-
” وأنا أيضا أتحمل المسؤولية … ما كان علي الإعتماد عليك .. ما كان علي سماع كلامك وموافقتك على ما قررته …”
هتف فيصل بتردد :-
“اهدأ من فضلك يا بابا …”
لكن عابد كان غضبه يزداد فصاح بانفعال أكبر :-
“كيف تركتموها لوحدها..؟! كان يجب أن يبقى أحدكم معها ..”
نظر راغب الى همسة فنطقت بتلعثم :-
“في الحقيقة كنت معها ولكن …”
نظر عابد نحو همسة وصاح بها :-
“ولماذا تركتها يا همسة …؟! كيف تتركينها لوحدها …؟ ألا تعلمي وضعها وما تمر به ..”
أخفضت همسة رأسها بخجل بينما صدح صوت راغب الصلب :-
” من فضلك يا بابا .. لا تصرخ على زوجتي ..”
هتفت همسة بتأنيب :-
“راغب من فضلك …”
لكن راغب أوقفها بحزم :-
“انتظري من فضلك …”
أكمل يخبر والده :-
” لا تنسى إن زوجتي حامل يا بابا والإنفعال ليس جيدا عليها كما إنها لا دخل لها فعليا بما حدث فإبنك المبجل هو من طلب منها مغادرة الجناح ليتحدث مع جيلان على إنفراد بموافقة جيلان نفسها …”
أضاف وهو بالكاد يسيطر على أعصابه :-
” كما أرجو أن تتوقف عن لومي بإستمرار على ما حدث ولا تنسى إنك وافقت على هذا القرار الذي ما كنت لأنفذه دون موافقتك ولا تنسى أيضا إن فكرة الزواج كانت من أخيها فلا تلمني لوحدي لإنك وافقت وإرتضيت بينما كنت تستطيع أن تنهي الفكرة في مكانها برفض قاطع منك وما كان أحد يستطيع مجادلتك حينها …”
أنهى كلماته الجادة ثم غادر تاركا والده يتابعه بملامح متجهمة بينما وقفت همسة مكانها للحظات قبل أن تندفع خلفه ..
……………………………………………………………
دلفت خلفه الى الجناح لتتوقف مكانها وهي تجده يحاول الإتصال بشخص ما قبل أن يخبره بحزم أن يبحث عن إبنة عمه بعدما أعطاه المعلومات التي يحتاجها ليغلق الهاتف وهو يسألها بسرعة :-
” هل لديك صورة لها في هاتفك ..؟!”
هزت رأسها وقالت بتردد :-
“نعم ولكن أنا معها في الصورة ..”
قال بسرعة :-
” أرسليها لي فورا …”
سارعت تحمل هاتفها وترسل الصورة له ليفتحها ويتأمل إبتسامة جيلان الصادقة بجانب زوجته التي تبتسم هي الأخرى فيتنهد وهو يسارع في قص الصورة حيث حذف النصف الذي يحوي زوجته ثم أرسل صورة جيلان وحدها الى الشخص الذي كلفه بالبحث عنها ..
رمى بعدها هاتفه فوق السرير ثم اتجه نحو الكنبة وجلس عليها واضعا رأسه بين كفيه بتعب …
سمع صوتها تسأله بقلق :-
” هل أنت بخير ..؟!”
رفع عينيه نحوها يتأمل ملامحها الجادة فهز رأسه بنفي لتهتف برقة :-
” ستجدها ان شاءالله …”
نطق ببطأ :-
” كلانا يعرف إن الأمر ليس سهلا …”
هزت رأسها ثم قالت بجدية :-
” ربما تعود بنفسها فهي لا تعرف أحدا غيرنا …”
قال بقلق :-
” اتمنى أن تعود …”
زفر أنفاسه مضيفا :-
” يكفي إن الجميع يحملني ذنب ما حدث معها …”
نطقت بتردد :-
” لا بأس يا راغب … انت ايضا لم يكن عليك التحدث بهذه الطريقة مع عمي ..”
نظر لها بحدة تجاهلتها وهي تكمل بشجاعة :-
” لا تنسى إنه والدك والأهم هو قلق كثيرا على ابنة شقيقه ..”
قاطعها بحدة :-
” أنا كنت أدافع عنك يا همسة .. كنت أدافع عنك لإنني لا أقبل أن يرفع أي شخص صوته عليك حتى لو كان والدي .. ”
أخفضت عينيها أرضا بخجل فأكمل ببرود :-
” إذا كان هذا يرضيكِ فأنا لا يرضيني ..”
سألته بجدية وهي تعاود رفع عينيها نحوه مجددا :-
” إذا أنت تصرفت هكذا لإنه صرخ علي ، يعني لو كان صرخ عليك أنت ما كنت لتتصرف هكذا ..؟!”
أجاب راغب بجمود :-
” كنت سأضغط على نفسي كي أتجاهل الأمر لإنه والدي ..”
قالت بصدق :-
“ولهذا أنا فعلت نفسي الشيء وكان عليك أنت فعل ذلك أيضا ..”
نظر لها بدهشة لتقول بجدية :-
” أنت تعلم معزة عمي عابد عندي مثلما تدرك كم معزتي عنده وكم إنه يحبني ويعاملني مثلما يعامل جميع أبنائه حتى قبل أن نتزوج وأصبح كنته .. عمي عابد يتعامل معي طوال عمره كما يعاملكم جميعا .. يعاملني كإبنته تماما وعندما يغضب مني يؤنبني كنا يفعل مع تولاي .. لذا لم يكن هناك داعي لأن تتصرف هكذا فأنا طوال عمري واحدة منكم ووالدك بمثابة أب لي …”
مسح على وجهه بتعب مرددا بتهكم :-
” كالعادة .. دائما ما أكون أنا المخطئ من وجهة نظرك …”
قالت بجدية :-
” أنت دائما ما تعتقد ذلك .. تعتقد إنني أراك المخطئ ..”
سألها بتهكم :-
” أليست هذه الحقيقة ..؟!”
ردت بثبات :-
” نعم يا راغب .. إذا كنت تتحدث عنا فأنت المخطئ .. وإذا كنت تتحدث عن جيلان فأنت أيضا مخطئ وإن لم تكن المخطئ الوحيد وهناك غيرك من يشاركونك في هذا الخطأ …”
انتفض من مكانه يردد بقوة :-
” كلا يا همسة … انا وانت نعرف جيدا من دفع بنا الى هنا .. لا ترمي الأخطاء كلها فوق رأسي كي تظهري بمظهر الزوجة المسكينة المضحية .. كلانا يعرف إنك لست كذلك .. مثلما كلانا يعرف إن كلينا أخطأ ولكن هناك فرق بين خطأ وآخر …”
أنهى كلماته وهو يمنحها نظرة متسلطة لتنظر له بقسوة جديدة عليها وهي تقف أمامه عاجزة عن إيجاد الرد المناسب فيمنحها إبتسامة باردة وهو يخرج من الجناح بأكمله ..!
……………………………………………
في صباح اليوم التالي ..
فتحت عينيها على صوت طرقات على باب غرفتها لتعتدل في جلستها وهي تسمح للطارق بالدخول فتدخل الخادمة وهي تحمل باقة من الورود الجذابة تأملتها ليلى بحيرة لتضعها الخادمة على الطاولة أمامها وهي تخبرها :-
” لقد وصلت منذ قليل …”
سألتها قبل أن تهم بالمغادرة :-
” هل تريدين مني شيئا آخر يا هانم ..؟! ”
نطقت ليلى بخفوت :-
” كلا ، شكرا …”
غادرت الخادمة بينما نهضت ليلى من مكانها تسير نحو باقة الورد ..
حملت الباقة التي نالت إعجابها بورودها الأنيقة لتحمل الكارت وتقرأ ما به ..
” كان من المفترض أن تسمعين مني هذا الكلام بعد تلك السهرة في روما ولكن الظررف وقتها لم تسعفني …
لطالما عشقت اللون الأسود دون سبب محدد ، أما اليوم فأصبح لدي سبب يكفيني لذلك .. لو تعلمين كيف تبدين وأنتِ ترتدين الأسود يا ليلى !! تبدين قمة في الرقى والأنوثة والجاذبية .. تبدين أميرة بملامحك الأرستقراطية النبيلة وأناقتك الكلاسيكية والعصرية في نفس الوقت ..
في ذلك اليوم أخبرتكِ إنك نجمة إستثنائية ، آسف لإنني أخطأت الوصف بل ظلمتك بهذا التشبيه ..
انتِ لست نجمة ، انتِ شمس مشرقة ضيائها ينير العالم بأجمعه .. شمس يسعى الجميع للإقتراب منها حتى لو كلفهم ذلك الإكتواء بنيرانها …
إرتدي الأسود دائما فهو يليق بكِ ..!!
كنان نعمان ..”
تذكرت تلك السهرة التي تلاها إنهيارها …
الفستان الأسود الذي إرتدته وقتها وحديثهما وغزله الصريح بها وهو يخبرها إنها تبدو وسط الجميع كنجمة إستثنائية لا ينطفئ بريقها ..!
شعرت بتشتت شديد طغى عليه القلق ..
قلق بات يصاحبها منذ أن دخل حياتها هذا الرجل …
قلق لم تعرفه سوى بوجوده …
تمتمت بضيق :-
” ما هذه الورطة ..؟!”
نعم هي تشعر إنها تورطت .. تورطت معه ولكن ما لا تفهمه حقا هو ذلك الشعور الذي يملأها بوجوده .. مزيج من القلق والترقب والحذر .. مشاعر لا تعرف سببها ولا تفهمها ..
لم َ وجوده يبدو مقلقها لهذه الدرجة ولمَ مجرد رسالة قصيرة منه تمنح روحها كل هذا التشتت والتوجس ..؟!!!
سارعت تحمل هاتفها وتتصل به ..
غضبها يتفاقم داخلها وهي تتسائل عن كم الجرأة التي يحملها وهو يتحدث عنها ويغازلها بشكل صريح ..
جاءها صوته السلس يرحب بها ..
همت بالحديث وتأنيبه على تصرفاته لكنها فجأة وجدت نفسها عاجرة عن نطق ما أرادت قوله وكأن جميع الحديث الذي أعدته في رأسها خلال الدقيقتين الفائتتين تبخر …
” اهلا كنان بك ..”
قالتها برسمية وهي تضيف :-
” أشكرك على باقة الورد الجميلة لكن أرجو ألا يتكرر هذا الموقف مرة أخرى …”
رد ببرود :-
” للأسف لا يمكنني أن أعدك بذلك …”
كزت على أسنانها وهي تنطق بتحذير :-
” كنان بك … من فضلك ..”
قاطعها بهدوء :-
” ليلى هانم …”
توقف للحظة ثم قال :-
” هل يمكنني دعوتك على العشاء الليلة ..؟!”
سألته ببرود:-
” ما المناسبة ..؟!”
رد ببرود مماثل :-
” ستعرفين سبب الدعوة عندما تأتين …”
قالت بتحدي :-
” وإذا قلت لن آتي ..”
قال بخفة :-
” رفض دعوتي تصرف لا يليق بهانم راقية مثلك يا ليلى …”
ضغطت على فكيها بقوة ليضيف وهو يبتسم بإستمتاع :-
” إنها مجرد دعوة على العشاء وأنا أعدك إنك لن تندمين على قبولها ..”
زفرت أنفاسها ثم إلتزمت الصمت للحظات قبل أن تنطق بنبرة باردة :-
” حسنا أقبل ..”
ابتسم مرددا :-
” سأنتظرك مساءا في المطعم الذي سأرسل عنوانه لك بعد لحظات في رسالة …”
أنهت المكالمة معه وهي تنظر الى نفسها في المرآة بتردد ..
هي تعلم جيدا لماذا يريد رؤيتها على العشاء ..
تدرك سبب الدعوة الذي رفضته بحدة مسبقا …
زفرت أنفاسها بتعب وهي تجلس على سريرها لتسمع صوت طرقات على باب غرفتها مجددا فسمحت للطارق بالدخول لتجد والدتها تدلف الى الداخل وهي تردد :-
” صباح الخير حبيبتي …”
أكملت وهي تنظر الى باقة الورد الموضوعة جانبها فوق السرير :-
” من أرسل هذه الباقة يا ليلى ..؟!”
نظرت لها ليلى بصمت للحظات قبل أن تنهض من مكانها وتتجه نحو والدتها تضمها بقوة وهي تخبرها :-
” أنا أحتاجك يا ماما …”
ربتت فاتن فوق ظهرها وهي تقول :-
” وأنا هنا يا حبيبة ماما …”
أكملت وهي تنظر الى وجهها بعدما إبتعدت عن أحضانها :-
” تحدثي يا ليلى .. أنا أسمعك يا إبنتي ..”
تنهدت ليلى بتعب ثم جذبت والدتها من كفها وأجلستها على السرير ثم جلست جانبها ..
نطقت بتردد ظهر على ملامح وجهها :-
” كنان نعمان ..”
توقفت لوهلة ثم أكملت بنفس التردد :-
” يريد الزواج مني يا ماما ..”
…………………………………………
تحدثت ليلى عما حدث معها في الفترة الأخيرة لوالدتها ..
أفضت بمكنونات قلبها لها ..
حدثتها عن لقائها بنديم وحسم كل شيء جمع بينهما يوما ..
وأخبرتها عن كنان منذ أول يوم رأته فيه وحتى هذه اللحظة ..
قالت فاتن بجدية بعدما أنهت ليلى حديثها :-
” يعني كنان يريد الزواج منك وهو جاد في عرضه ..”
هزت ليلى رأسها بصمت لتضيف فاتن بتمهل :-
” وأنت رفضت عرضه في المرة الأولى …”
هزت ليلى رأسها بنفس الصمت لتسألها والدتها بجدية :-
” ورغم إنك تعلمين إن سبب دعوة الليلة هو نفس العرض وافقتِ على دعوته ..؟! هل هذا يعني إنك تراجعت عن الرفض ..؟!”
ردت ليلى بسرعة :-
” كلا ..”
سألتها والدتها بإهتمام :-
” لماذا وافقت إذا على الدعوة طالما جوابك لن يتغير ..؟!”
نهضت ليلى من مكانها وأخذت تسير بقميص نومها المحتشم وهي تخبر والدتها بتوتر خفي :-
” لإنني وجدت رفض الدعوة تصرف غير لائقا .. أليس كذلك يا ماما ..؟!”
قالت فاتن بجدية :-
” أخبريني يا ليلى ..؟! كيف ترين كنان هذا ..؟!”
توقفت ليلى عن سيرها تنظر الى والدتها بحيرة للحظات قبل أن تجيب بصدق :-
” رجل قوي .. جذاب وذو عقلية فذة .. ”
توقفت للحظة ثم أكملت بتردد :-
” لكنني لا أشعر بالراحة نحوه ..”
” لماذا ..؟!”
سألتها والدتها بتعجب قبل أن تضيف بتساؤل :-
” ما سبب شعورك هذا ..؟! هل الأمر يتعلق بأخلاقه ..؟! أم هناك شيء آخر …”
قالت ليلى بخفوت :-
” ليس أخلاقه .. يعني انا لا أعرف طبيعة أخلاقه .. نائلة قالت إنه ذو علاقات نسائية ولكنه لم يفعل شيء يظهر ذلك أو بالأحرى حتى اليوم هو يتصرف بأخلاق رفيعة رغم جرئته التي تزعجني كثيرا في بعض كلامه وتصرفاته ..”
حمحمت فاتن تسألها :-
” كيف يعني ..؟! ماذا قال لك أو فعل ..؟!”
أزاحت ليلى خصلة من شعرها الأشقر خلف أذنها وأجابت بوجه متورد :-
” هو يلقي كلمات الغزل على مسامعي .. لكن ليس غزلا وقحا بالطبع .. أساسا لو فعل هذا كنت سأتصرف معه بما يليق بذلك …”
تأملت فاتن تورد وجنتي ابنتها بإهتمام بينما شردت ليلى في تلك القبلة الخفيفة التي طبعها فوق شفتيها وهي تفكر إنها بالطبع لن تخبر والدتها عنها ..
اما والدتها فكانت تلاحط شيئا ما مختلفا في إبنتها وهي تتحدث عن كنان ..
شيئا غريبا ..وكأنه رغم ضيقها منه هناك حماس يشع من عينيها وهي تتحدث عنه …
قالت فاتن أخيرا بجدية :-
” عليك أن تتأكدي من أخلاقه أولا يا ليلى ..”
” ثم ..؟!”
سألتها ليلى بجدية لترد فاتن :-
” القرار لك .. لكن عليك قبل إتخاذ قرار نهائي سؤال نفسك ، هل أنت قادرة على الدخول في علاقة جديدة الآن ..؟! هل أنت مستعدة للإرتباط مجددا ..؟!”
نظقت ليلى بحيرة :-
” لا أعلم .. لو كنت أنتِ مكاني ، ماذا كنت ستفعلين ..؟!”
صمتت والدتها لوهلة بتفكير قبل أن تقول :-
” سؤال صعب يا ليلى .. هل تعلمين شيئا ..؟! من جهة أفكر إنه من الأفضل أن تنتظري .. تنتظري حتى تتجاوزي محنتك هذه وتتخطي مشاعرك القديمة … تنتظري حتى تكوني مستعدة كليا للدخول في علاقة جديدة ومرات أخرى أفكر إنه ربما يكون هذا ليس صحيحا .. إنه ربما من الأفضل أن يدخل أحدهم حياتك … يحرك أحدهم مشاعرك الراكدة تلك .. ربما يساعدك في تخطي مشاعرك القديمة بدلا من بقائك لوحدك .. أخشى إن وحدتك تنعكس بشكل سلبي عليك … انا حقا لا أعرف أين الصحيح …”
إسترسلت بجدية :-
” واقعيا .. كنان نعمان رجل بمواصفات أكثر من رائعة .. رجل تتمناه أي أم زوجا لإبنتها خاصة إذا تأكدنا من حسن أخلاقه وصدق نواياه وهذا ستكتشفينه أثناء فترة إرتباطكما .. منطقيا يجب أن تسمحي له بدخول حياتك … أن تجربي من جديد ولكنني في نفس الوقت أخشى أن يكون هذا القرار سريعا للغاية فيأتي بنتائج سلبية عليك …”
تأملت ليلى والدتها بنفس الحيرة وعقلها يراجع جميع ما قالته فتتسائل مجددا ..
هل تقبل عرضه أم ترفضه للمرة الثانية دون رجعة ..؟!
………………………………………………..
كانت تتأمل شقيقتها والدموع تملأ عينيها …
تتأمل ملامحها الهادئة وهي تنام بسلام في سرير المشفى غير واعية لأي شيء مما يدور حولها …
هي على هذه الحال منذ مدة طويلة ..
منذ أيام توقفت عن عدها …
لا تعلم متى سوف تستيقظ ورغم إن شريف يطمأنها يوميا على وضعها المستقر لكنها لن ترتاح حتى تستيقظ ..
حتى تفتح عينيها وتتحدث معها …
” نانسي …”
همست بها بصوت مبحوح وهي تمد كفها تمسك بها يدها الباردة قليلا تضيف بترجي :-
” متى سوف تستيقظين من غيبوبتك يا نانسي ..؟! لقد تأخرتِ كثيرا يا حبيبتي …”
تساقطت دموعها فوق وجنتيها بحرارة بعد أن فشلت في السيطرة عليها فأكملت تتوسلها وكأنها تسمعها:-
” انا خائفة كثيرا يا نانسي .. خوفي عليك يزداد كلما تأخرتِ في الإستيقاظ .. إستيقظي لأجلي …”
إنحدرت بنظراتها نحو بطنها المنتفخ لتسترسل بوجع :-
” الطفلان ما زالا متمسكين بالحياة … وضعهما يستقر تدريجيا .. أشعر إنهما سيولدان على خير …”
سيطرت على بكائها وهي تهمس لها :-
” يجب أن تستيقظي يا نانسي قبل موعد ولادتك … صغارك يحتاجون أن يجدوا والدتهم عندما يولدوا .. يحتاجونك قوية …”
عادت الدموع تشق طريقها فوق وجنتيها وهي تكمل بنبرة معذبة :-
” وأنا أحتاجك أيضا .. أحتاجك كثيرا …”
إنتبهت الى أشارة الممرضة التي تطلب منها المغادرة فقد إنتهى الوقت المحدد للزيارة لتهز رأسها بصمت وهي تعاود النظر نحو شقيقتها فتطبع قبلة خفيفة فوق وجنتها وتتحرك خارج المكان لتخلع تلك الملابس التي كانت ترتديها وتمنحها للممرضة قبل أن تجلس على احد الكراسي الموضوعة خارج الغرفة التي تمكث بها شقيقتها تمسح دموعها بأناملها عندما رن هاتفها فوجدت والدتها تتصل بها لتزفر أنفاسها بضيق فهي لم تعد تطيق حتى التحدث معها وهي ترى تجاهلها الواضح لنانسي وعدم الإهتمام بالسؤال عنها حتى بينما تقف هي عاجزة عن إخبارها عما يحدث تلتزم الصمت فقط وتتحجج بعمل كاذب كي تقضي معظم وقتها مع شقيقتها خارج المنزل …!
تجاهلت إتصال والدتها وهي تخفض صوت نغمة الهاتف عندما وجدت شريف يتقدم نحوها بنفس تلك الإبتسامة الهادئة فقال وهو يقف أمامها :-
” كيف حالك يا هايدي ..؟!”
وكأنه فجر جميع غضبها الكامن داخلها عندما إنتفضت من مكانها تصيح بصوت منفعل :-
” كيف سأكون مثلا ..؟! لست بخير .. شقيقتي لم تستيقظ حتى الآن وشقيقك المبجل لا أثر له … لقد تركها هنا وإختفى دون أن يكلف نفسه بالبقاء جانبها والإطمئنان عليها وكأنها ليست زوجته بل وتحمل طفليه ..”
أكملت بنفس الإندفاع ودموعهاعادت تملأ مقلتيها :-
” ألا يكفي إنه سبب ما حدث ..؟! أنا لم أر شخص مثله في حياتي ..! حقير وعديم المسؤولية ..كيف أمكنه أن يفعل هذا .. ؟! كيف تركها هنا دون مبالاة .. ؟! انا متأكدة إنه سيكون أكثر من سعيد لو ماتت وتخلص منها هي والطفلين ..”
توقفت عن حديثها وهي بالكاد تلتقط أنفاسها ليهتف شريف بتروي متفهما حالتها :-
” اهدئي من فضلك يا هايدي … من الواضح كم إنك متعبة جسديا ونفسيا …”
صاحت ودموعها عادت تتساقط فوق وجنتيها :-
” نعم أنا متعبة وكثيرا أيضا وهذا بسبب شقيقك .. كل ما أصاب شقيقتي بسببه .. ذلك اللعين .. عديم المروءة والإحساس …”
تنهد شريف مرددا بصدق :-
” أنا آسف حقا يا هايدي .. أعتذر لك عن جميهع تصرفات شقيقي …”
رأت الصدق والأسف في عينيه لتسمعه يضيف :-
” صدقيني لو كان بيدي لغيرت كل هذا .. ومع هذا أنا أعدك إنه سيدفع ثمن جميع أفعاله …”
توقف يأخذ نفسه ثم يضيف :-
” انا فقط أنتظر إستيقاظ نانسي والإطمئنان عليها ثم سأتصرف معه بالطريقة التي تليق به وبتصرفاته ..”
سألته بنبرة باكية والذعر إحتل عينيها :-
” وماذا لو لم تستيقظ ..؟! ماذا لو …”
ثم توقفت ولم تستطع نطقها ليقول بسرعة متأملا وجهها الذي إنخفض أرضا مستمعا لصوت نحيبها الخافت :-
” سوف تستيقظ .. صدقيني سوف تستيقظ بإذن الله .. وضعها مستقر عموما …”
تقدم نحوها يضع كفيه فوق كتفيها بدعم قائلا :-
” أنت فقط اهدئي لأجلها فهي تحتاجك وسوف تحتاجك أكثر عندما تستيقظ ..”
رفعت نظراتها نحوه تردد بأمل :-
” لتستيقظ فقط وسأكون بجانبها وأفعل لها ما تريد ..”
ابتسم قائلا :-
” سيحدث قريبا بإذن الله …”
تأملت إبتسامة الهادئة الرزينة وكفيه الموضوعتين فوق كتفيها تدعمانها فتنحنحت قائلة بخجل وهي تتذكر إنفعالها الشديد في وجهه قبل لحظات :-
” أنا آسفة حقا دكتور .. لقد صرخت بوجهك وكنت منفعلة بشدة وأنا أتحدث معك …”
قاطعها وهو يبعد كفيه عن كتفيها :-
” لا تعتذري يا هايدي .. أنا أتفهم حجم الضغوطات التي تمرين بها …”
نطقت بإستيحاء :-
” ولكن أنت لا دخل لك كي أتحدث معك بهذه الطريقة ويرتفع صوتي عليك …”
ابتسم قائلا بنبرة ودودة :-
” صدقيني هذا طبيعي جدا .. من الطبيعي أن تفقدي سيطرتك على أعصابك بين الحين والآخر خاصة في وضع كالذي تمرين به ..”
تنحنحت تهز رأسها بتفهم وحرج ليكمل بنفس الإبتسامة :-
” لا داعي للإعتذار ولا تنسي يا هايدي إننا أصبحنا أقرباء … ”
ابتسمت وهي تشكره بصدق :-
” شكرا يا دكتور .. قرابتك تسعدني حقا ..”
قال بصدق :-
” وأنا أيضا يا هايدي ..”
أكمل بنفس اللطف :-
” وتوقفي من فضلك عن كلمة دكتور .. كما قلت قبل لحظات .. نحن أصبحنا قريبين فلا داعي للرسميات .. يمكنك أن تناديني شريف فقط دون ألقاب …”
تنحنت تردد بحرج خفي :-
” حسنا يا شريف .. شكرا لك …”
اتسعت ابتسامته مرددا :-
” عفوا يا هايدي …”
أنهى حديثه وهو يربت فوق كتفها قائلا :-
” سأذهب لأتفقد بعض مرضاي .. تعالي إلي عندما تحتاجين أي شيء وأنا سأعود مساءا للإطمئنان على نانسي ..”
هزت رأسها بتفهم وهي تبتسم له مجددا بنفس الإمتنان ليتحرك هو بعدها متجها لعمله مجددا تاركا إياها تعود وتجلس فوق كرسيها وهي تدعو الله أن تستيقظ شقيقتها بأسرع وقت وتطمئن عليها …
…………………………………………..
كانت تتأمل هاتفها بشرود…
تريد الإتصال به والسؤال عنه ولديها الحجة لذلك لكنها ما زالت مترددة ..
لا تعرف لماذا تشعر بالتردد ..
هل تخشى أن يكشفها …؟!
أن يعرف حقيقة مشاعرها ..؟!
وما المشكلة في هذا ..؟!
هو أيضا يحمل مشاعرا نحوها …
يحبها مهما حاول إخفاء هذا …
أحيانا تتفهمه .. فالأمر ليس سهلا .. لكن مشاعرها تستحق المحاولة والنجاح …
هي لطالما كانت فتاة محاربة … لا تعترف بالهروب كوسيلة نجاة …
إذا ما أرادت شيء تحارب كي تناله طالما هي لا تتجاوز على حقوق غيرها ..
طالما ما تريده حق مشروع لها …
هذه طبيعتها … هكذا إعتادت أن تكون في جميع مراحل حياتها فلن تأتي الآن وتجبن أمام موقف كهذا .. موقف يتعلق بمشاعرها … مشاعرها التي تحركت لأول مرة اتجاه شخص ما …
حسمت أمرها وإتصلت به وقلبها أخذ يقرع كالطبول شوقا وليس قلقا او توترا …
هذه المشاعر برمتها جديدة عليها ..
من المفترض أن تخشى مشاعرها الوليدة لكنها لا تفعل ..
منذ متى وهي تخشى شيئا ما ..؟!
منذ متى وهي تسمح للخوف أن يتكمن منها ..؟!
جاءها صوته الرجولي المحبب لها يرحب بها بنبرته الرخيمة فردت تحيته وهي تسأله عن أحواله بنبرة إعتيادية لا تعكس مشاعرها على الإطلاق ..
سمعت رده المطمئن على صحته وسعدت عندما علمت بخروجه من المشفى وإستقراره في المنزل لعدة أيام …
قالت أخيرا تذكر السبب الدي جعلها تتصل به والذي لم يكن سوى حجة للتواصل معه :-
” في الحقيقة أنا إتصلت بك بسبب عمار … أخي عمار بعدما علم بما فعله فراس بات يريد أن يعاقبه ..”
أكملت تستمر في كذبها وإن كان ما تقوله عن نوايا عمار حقيقة :-
” أردت إخبارك بذلك كي تتصرف … يعني انا حاولت إقناعه أن يتراجع عما يفكر به لكنه على ما يبدو مصر على النيل منه .. انت لا تعرف عمار جيدا ولكنه صعب للغاية و …”
قاطعها بجدية :-
” واقعيا لا يمكننا لومه .. اي شخص مكانه سيتصرف هكذا .. ”
هتفت بتردد :-
” نعم أعلم ولكنك أخذت حقي وإنتهى الأمر .. انا بالطبع لا يمكنني إخباره بهذا … يعني لو أخبرته بما فعلته أنت سأفتح أبوابا لا نهاية لها .. أساسا هو يؤنبني على خطبتي منه …”
توقفت عن حديثها لوهلة ثم قالت بصدق هذه المرة :-
” ونديم لا يعرف شيئا وأنا بالطبع لا يمكنني إخباره بعد مرور هذه المدة عن ذلك الحادث .. حتى ماما وافقتني على عدم إخباره بعدما أكدت لها إن فراس لن يتعرض لي مجددا ..”
قال فادي بجدية :-
” في الواقع لا أعرف ماذا أقول حقا يا غالية .. يعني فراس تسبب بالكثير من المشاكل لك و ..”
قاطعته هي هذه المرة :-
” لا أنكر إنني من ساهمت بذلك يا فادي بعدما فعلته ..”
سألها بإهتمام :-
” هل أنت نادمة إذا ..؟؟”
ردت بسرعة :-
” أبدا ..”
أكملت بخفوت :-
” إعذرني على صراحتي ولكن شقيقك يستحق أكثر من هذا …”
تنهد مرددا بصدق :-
” لا تعتذري يا غالية .. انت محقة ..”
أضاف بجدية :-
” على العموم اطمئني …. انا سأتصرف في هذا الأمر .. لا داعي للقلق …”
هتفت بجدية :-
” حسنا .. مع السلامة اذا …”
شعر بنفسه إنه لا يريد إنهاء المكالمة الآن فهو لم يكتفِ من سماع حديثها ونبرة صوتها لكنه إضطر الى قول :-
” مع السلامة يا غالية ..”
ثم أغلق الهاتف ليتأمل صديقه الذي يبتسم بتهكم له ليرفع حاجبه مرددا بغلظة :-
” نعم يا سيف ..”
تقدم سيف نحوه مرددا بسخرية :-
” على أساس إنه لا يوجد شيء بينك وبينها يا فادي … على أساس إنك لا تحمل أي شيء داخلك نحوها …”
زفر فادي أنفاسه مرددا بتأفف :-
” توقف يا سيف .. لا مزاج لدي لسماع حديثك هذا …”
قال سيف ببرود :-
” إعترف إنك وقعت يا سيادة المقدم .. وقعت في حب تلك الفتاة .. ”
إسترسل عن قصد :-
” لقد غلبك الحب يا فادي …”
عانده فادي :-
” أنت مصر إذا … ليكن بعلمك أنت تتوهم فقط ..”
ردد سيف ببرود :-
” لو ترى نفسك وأنت تتحدث معها ستدرك ما أعنيه …”
أكمل وهو يتنهد بصمت :-
” توقف عن تصرفاتك هذه يا فادي … الإنكار لا فائدة منه كما يبدو إنها تبادلك نفس المشاعر ..”
أضاف وهو يتأمل تجهم ملامح صديقه :-
” لا أنكر إنه معك الحق في إنكارك … فعلاقتكما لن تكون سهلة خاصة وهي كانت خطيبة شقيقك …”
توقف يلاحظ تشنج ملامح فادي فيضيف بتمهل :-
” انا نفسي حذرتك من هذا الأمر ولكن طالما مشاعرك تحركت نحوها فإنكار تلك المشاعر ليس حلا ..”
نطق فادي أخيرا بجدية :-
” أنت من تقول هذا يا سيف ..؟! هل نسيت حديثك قبل مدة قصيرة ..؟! أنت اول من قلت إن هذه العلاقة لا يجب أن تتم وحذرتني من التمادي في علاقتي معها …”
قال سيف بجدية :-
” كنت أعتقد إن مشاعرك لم تتورط بعد معها .. لكن تبين لي العكس … ”
صمت قليلا ثم أكمل :-
” صحيح أنا لا أفهم في لغة المشاعر عموما ولم أجرب الحب مسبقا لكن هذا لا يلغي حقيقة ما تشعره .. هروبك من مشاعرك ليس هو الحل الصحيح ..”
نظر فادي له بصمت للحظات قبل أن يهتف أخيرا بجدية وثبات :-
” أنا أحبها يا سيف .. أحبها كثيرا ..”
أكمل وهو يقر بما يشعره نحوها :-
” لا أعرف كيف ومتى حدث هذا … كل ما أعرفه إنني أحببتها … أحببتها دون أن أعي ذلك … غالية تسللت لقلبي دون وعي منك .. فجأة إكتشفت إنني مغرم بها .. فجأة وجدت نفسها هائما بتفاصيلها .. ”
عاد يتنهد مجددا وهو يشعر بالراحة بعدما أفضى مكنونات قلبه ليكمل بجدية :-
“لو كان بيدي لما أحببتها .. لما سمحت لمشاعري بالتحرك نحوها لكن صدقني كل شيء حدث دون إدراك مني .. وقعت في غرامها فجأة .. فجأة وجدت نفسي أحبها …”
ابتسم سيف مرددا بصدق :-
” أعلم إن الأمر ليس سهلا لكنك قلتها يا فادي .. ما حدث كان دون إرادة منك ..”
قال فادي بإختناق :-
” لكن الأمر صعب … صعب جدا ..انت تعرف فراس جيدا …. ”
قال سيف بجدية :-
” دعك الآن من فراس … ما يهم حاليا هو أنت .. إذا وجدت نفسك قادرا على تجاهل حقيقة علاقتها السابقة بفراس وما جمعها به … إذا إستطعت تجاوز هذا فما يليه سيكون أسهل .. في النهاية أنت تستطيع الوقوف في وجه شقيقك لكن ليس قبل أن تتأكد من قدرتك على تجاوز علاقتهما السابقة بحيث لا يستطيع أي أحد أن يؤثر عليك من خلال هذه النقطة ..”
أنهى سيف حديثه ليشرد فادي في كلماته وهو يسأل نفسه مجددا ..
هل هو قادر على تجاوز حقيقة علاقة غالية السابقة بفراس ..؟!
هل سوف يستطيع نسيان إنها كانت خطيبة شقيقه ..؟!
ومجددا لم يجد جوابا واضحا فتمكنت منه الحيرة أكثر ..
…………………………………………………….
غادر المشفى وهو يحاول الإتصال بشقيقه ليجد هاتفه مغلقا كالعادة …
سيطر الغضب الشديد عليه وهو يلعنه داخله …
لم يتوقع يوما أن يصل شقيقه الى هذه الدرجة من الإستهتار واللا مبالاة ..
لا يفهم متى كان صلاح على هذا النحو …
شقيقه الذي يصغره بأعوام كثيرة نشأ في بيئة حازمة عموما فوالدته لطالما تميزت بشخصيتها الصارمة رغم حنانها المفرط وقت الحاجة لكنها سعت بكل قوتها أن تنشأ رجالا بحق خاصة بعدما فقدت زوجها في سن مبكرة وهي ما زالت شابة صغيرة لم تتجاوز عامها الأربعين بعدما أنجبت صلاح بأقل من عام ..
نعم لقد توفي والده قبل مرور عام على ولادة صلاح حينها كان يبلغ هو عامه الحادي عشر وقد تحمل المسؤولية كاملة بصلابة غرستها والدته فيه وهي تخبره إنه رجل البيت بعد والده وتوصيه برعاية شقيقه الصغير كأب له ..
ورغم إن صلاح نشأ يتيم الأب لكن لم يبالغ أحدهم في دلاله بل حرصوا على تنشئته بشكل صحيح وربته والدته بنفس الطريقة التي تربى هو عليها وهذا ما يجعله يستغرب كيف أصبح هكذا ولماذا ..؟!
لا يوجد مبرر واحد لتصرفاته فهو يعرف شقيقه جيدا ويتواصل معه دائما حتى في فترة دراسته خارج البلاد ..
لم يكن هناك سببا ليصبح هكذا فهو لم يمر بتجربة معينة حولته الى هذا الشاب المستهتر عديم المسؤولية …
من الواضح إنه طبع فيه وهذا بحد ذاته يجعله قلقا جدا عليه …
زفر أنفاسه بتعب مفكرا في وضع نانسي والطفلين القادمين في ظروف كهذه ..
كل شيء يبدو سيئا للغاية …
يشعر بالشفقة اتجاه الطفلين اللذين لا ذنب لهما في كل هذا …
يرى مستقبلا ليس جيدا لكليهما إذا بقي شقيقه على وضعه هذه إضافة الى خوفه على حياة نانسي التي لم تستيقظ بعد رغم إستقرار وظائف جسدها الحيوية مما يجعله يرجح إن سبب غيبوبتها بات نفسيا أكثر مما هو عضويا ..
ربما هي ترفض الإستيقاظ مجددا والعودة الى الحياة بعدما تعرضت له ..
اتجه نحو سيارته في كراج المشفى وهو يفكر في المكان الذي سيكون فيه شقيقه الآن ..
شقيقه الغائب منذ أيام …
صعد سيارته ورغما عنه تذكر ذلك النادي الليلي لكنه كذب أفكاره مؤكدا إنه من المستحيل أن يصل شقيقه الى هذه الدرجة من اللا مبالاة …
تطلع أمامه بتردد قبل أن يحسم أمره ويتجه الى نادي شقيقه المفضل والذي أخذه صلاح إليه ما إن عاد من السفر كي يحتفل وقد أغضبه ذلك بشدة فالمكان لم يعجبه إطلاقا …
بعد حوالي ثلث ساعة وقف شريف بسيارته أمام النادي ليهبط منها وهو يتجه الى داخل المكان ..
سار في المكان وهو يلعن شقيقه للمرة التي لا يعرف عددها فهو لم يكن ليدخل يوما الى مكان كهذا لولاه …
تأمل المناظر التي بدت مثيرة للإشمئزاز وهو يبحث بعينيه عن شقيقه متمنيا داخله ألا يجده هنا كما يتوقع …
لكن سرعان ما إنتبه إليه وهو يتوسط ساحة الرقص يراقص إحدى الفتيات التي ترتدي ملابس تظهر أكثر مما تخفي ..
إشتلعت عينيه بغضب حارق متأملا إياه وهو مندمجا في الرقص مع تلك الفتاة التي لا يناسبها سوى وصف عاهرة ..
إتجه بلا وعي نحو ساحة الرقص وجذبه من قميصه لينصدم صلاح من وجود شقيقه أمامه فيهمس متسائلا بعدم إستيعاب :-
” ماذا تفعل هنا شريف ..؟!”
وجد شريف الفتاة تمسك بصلاح من ذراعه تسأله بضجر :-
” من هذا ولماذا يمسك بك بهذا الشكل ..؟!”
دفعها شريف بكفه بقوة بعيدا عن شقيقه مرددا بنفور :-
” إبتعدي أنت الآن ..”
ثم أمر شقيقه بنظرات حازمة :-
” وأنت تعال معي …”
ثم دفعه أمامه ليسير صلاح على مضض خارج المكان يتبعه شريف بملامح متحفزة …
ما إن أصبحا خارج المكان حتى صاح شريف به :-
” هل جننت يا هذا ..؟! ماذا تفعل هنا …؟! ”
أكمل وهو يندفع نحوه قابضا على ياقة قميصه :-
” هل تعلم كم مرة إتصلت بك ولم أجد إجابة ..؟! هل تعلم كيف كنت أبحث عنك وأنت تعيش حياتك بالطول والعرض وكأنه ليس هناك فتاة راقدة في المشفى من المفترض إنها زوجتك وتحمل طفليك …”
صرخ صلاح وقد مل من هذا الحديث المكرر :-
” وما شأني أنا … ؟! هي من تسببت بكل هذا لنفسها .. لا علاقة لي بكل ما حدث …”
أكمل بعنجهية :-
” ألا يكفي إنني تنازلت وتزوجتها .. ؟! شخص آخر غيري ما كان لينظر في وجهها … كان سيتركها تتحمل نتيجة خطئها ..”
صحح شريف وهو بالكاد يسيطر على أعصابه :-
” تقصد خطئكما فالخطأ كان مشتركا بينكما يا بك ..”
قال صلاح بتجهم :-
” بل خطئها وحدها … هي من رمت بنفسها علي وانا رجل … فقدت سيطرتي على نفسي وهي كالبلهاء لم تكن تعي ما يحدث ..”
هز شريف رأسه مرددا بعدم تصديق :-
” هل جننت أنت ..؟! إلى أي درجة وصلك بك الحقارة والدناءة ..؟! تلك التي تتحدث عنها بهذا الشكل هي زوجتك يا حقير .. زوجتك يا أحمق وأم طفليك القادمين ..”
قاطعه صلاح بعصبية :-
” لن يحدث ذلك .. هذان الطفلان ليسا مسؤوليتي .. انا لا أريدهما وهي تعلم هذا جيدا …”
عاد شريف يقبض على ياقة قميصه يهدر به :-
” أقسم بربي إنني سأفقد آخر ما تبقى من تعقلي وأضربك …”
أكمل وهو يهز جسده بعنف :
” كن رجلا لمرة واحدة في حياتك .. مرة واحدة فقط تصرف كالرجال يا صلاح …”
أكمل وهو يدفعه بعيدا عنه بإشمئزاز :-
” الفتاة ما زالت في غيبوبتها وأنت هنا ترقص وتمرح دون أدنى إحترام لوضعها الحالي ودون مراعاة لكلام الناس عندما يرونك هنا لوحدك .. هل تريد فضحها أمام الجميع .. ؟! لكن عليك أن تعلم إن هذه الفضيحة لن تشملها وحدها بل ستشمل الطفلين أيضا .. طفليك .. طفلينا جميعا ..”
أكمل وهو يشير نحوه بحزم متجاهلا ملامحه الغير راضية :-
” إسمعني يا هذا .. لن أسمح لك بتدمير سمعة العائلة بعد كل هذه السنوات .. أنا أسعى بكل مقدرتي لمعالجة هذه المشكلة دون التسبب بأي فضيحة لأيا منا وأنت تعيش حياتك بلا مبالاة …”
نطق صلاح من بين أسنانه :-
” أنا حر …”
صاح شريف به :-
” كلا لست حرا …”
ثم توقف عن حديثه وهو يستمع الى رنين هاتفه ليسحب الهاتف من جيب سترته فيجد اسم هايدي يضيء الشاشة ..
شعر بالقلق وهو يجيب على هايدي فيأتيه صوتها على الفور فيردد بجبين متغضن :-
” نعم يا هايدي … هل نانسي بخير ..؟!”
تأمله صلاح بتجهم وهو يرى ملامح شقيقه التي لم يظهر عليها شيء سوى القليل من الدهشة ليسألته بتردد :-
” ماذا حديث يا شريف ..؟!”
نظر له شريف بطرف عينيه قبل أن يتنهد وهو يجيب بإقتضاب :-
” يجب أن نذهب الى المشفى حالا .. نانسي إستيقظت من غيبوبتها قبل قليل ..
……………………………………….
وأخيرا دلف الى منزله بعد يوم كامل قضاه خارج المنزل ..
يوم كامل أخذ يسير بسيارته في مناطق البلاد دون وجهة محددة ..
ليوم كامل وكلماتها تلاحقه وتقتله دون رحمة…
” انت السبب ..”
” أنا أكرهك .. أنت دمرتني … أنت السبب .. لا أريدك في حياتي …”
يتذكر إنهيارها … دموعها وضياعها والأهم ثرثرتها بحديث واقعي يدرك صدقه جيدا ..
” انت سبب كل شيء … لولاك ما كان ليحدث معي كل هذا .. انا تحطمت بسببك … تعرضت للاغتصاب بسببك … تزوجت مجبرة بسببك .. زوجي نالني رغما عنك بسببك والآن أنا أحمل طفلا داخلي بسببك …”
كلماتها التي ذكرته بوعده لوالدته .. حبيبته الأولى ..
” ماما كانت دائما تخبرني إنك سندي بعدها .. دائما كانت تطمئني إنك موجود … وإنه مهما حدث ستبقى انت معي وجواري .. ”
كلماتها التي ذكرته بحقيقة خذلانه لها وقبلها خذلانه لوالدته عندما أهملها وتسبب في ضياعها ..
” وأنا صدقتها .. بكل أسف صدقتها .. بنيت آمالا عليك .. ظننتك ملاذي والحضن الدافئ الذي سيحتويني لكنك كنت جلادي يا عمار … كنت ذنبي الذي لم يغفره القدر لي …”
نعم هو كان جلادها قبل الجميع …
لقد دمرها ..
تسبب في ضياعها ..
هو وحده من يحمل ذنبها فوق كاهله ..
ذنبها الذي يقيده دون أدنى رحمة ..
ذنبها الدي سيظل محفورا في روحه حتى آخر أنفاسه ..
أغمض عينيها يكتم دموعا ملأتهما وهو يتذكر كلامها …
كلامها الذي يحرق روحه …
روحها التي بقدر ما أحبتها بقدر ما ألمتها وتسببت في أذيتها ..
” لقد ترجيتك يا عمار .. ترجيتك ألا تتركني هنا .. ألا تزوجني منه .. توسلتك ..هل تتذكر .. لكنك رفضت بكل تبجج كعادتك .. وزوجتي منه .. رميتني هنا ولم تسأل عني …”
نعم ترجته .. ترجته لكنه لم يبال .. تصرف بعنجهية كالعادة ظنا منه إنه يفعل ما هو صحيح ..
اللعنة عليه .. سيظل يلعن نفسه دون توقف …
ليته سمعها .. ليته لم يفعل ما فعله .. ليته قام بتلبية رجائها …
إختنق حلقه بقوة وهو يقف منتصف صالة الجلوس يتأمل المكان حوله بوجع شديد وذكرى مواجهته الأخيرة بها تدمره كليا ..
يسمع صوتها وهي تصيح به .. ترشقه بكلمات الكره ..
جيلان تكرهه .. أخته الصغيرة تكرهه .. الذكرى الوحيدة التي بقيت له من والدته الحبيبته باتت لا تريده …
” اخرج من هنا … اتركني وشأني .. انا لا أريدك ولا أطيقك .. انا اكرهك .. اكرهك يا عمار ..”
عاد صياحها يصدح في عقله فيعتصر قبضته وهو يتذكر كلمات الكره السامة التي أطلقتها في وجهه ..
يحاول السيطرة على دموع ستظهر ضعفا لا يرغبه …
ومن الخلف صدح صوتها تنادي بإسمه فإلتفت نحوها بلهفة ..
لهفة رجل على وشك السقوط في حفرة مظلمة وهي وحدها من تمتلك طوق نجاته …
” شيرين …”
همس إسمها بنبرة ضعيفة تحمل أوجاع ملأت روحه لتتقدم نحوه تعانقه بسرعة وهي تتذكر حديث منى عما حدث مع جيلان وكيف ظلت تنتظر طول الليلة السابقة على أمل أن يعود حتى فقدت صبرها وكادت أن تبلغ الشرطة كي تبحث عنه ..
سمعته يهمس بنبرة حزينة :-
” جيلان يا شيرين .. ”
ثم أضاف بنفس النبرة المعذبة :-
” جيلان تكرهني يا شيرين … جيلان لا تريدني …”
همست شيرين له تواسيه :-
” اهدأ حبيبي .. اهدأ ارجوك …”
تمتم وهو يشدد من عناقها :-
” لا يمكنني يا شيرين .. ”
أضاف بصوت خافت :-
” إنها جيلان يا شيرين .. جيلان يا شيرين .. لا أستطيع تحمل هذا … لا أسطتيع تحمل ما قالته .. لا أستطيع تحمل خسارتها …”
إبتعدت عنه قليلا تنظر لعينيه الحمراوين مرددة بتوسل :-
” اهدأ ارجوك .. انت لن تخسرها .. صدقني ..”
هز رأسه نفيا يهمس بنبرة متحسرة :-
” لكنني خسرتها بالفعل .. هي لم تعد تريديني .. باتت تكرهني وتكره وجودي ..”
أكمل بضعف :-
” أنت لم ترِ نظراتها إلي ولم تسمعي حديثها معي … لقد طردتني بعدما أخبرتني إنها تكرهني ولا تريدني في حياتها …”
شهقت شيرين عندما شاهدت دموعه تتساقط بينما يسترسل هو :-
” انا أستحق هذا .. لقد دمرتها … دمرت حياتها ومستقبلها .. وها قد خسرتها كما خسرت والدتي …”
ثم تغضن جبينه وكأنه تذكر لتوه والدته وهو يسترسل :-
” والدتي لن تسامحني … لن تغفر لي .. يا إلهي … ماذا فعلت أنا ..؟! ماذا فعلت بنفسي وبها ..؟!”
تأملت شيرين ضعفه وضياعه ..
بدا وكأنه يهلوس .. فاقد للتوازن كليا ..
لأول مرة تراه بهذا الشكل .. بلا حول ولا قوة …
لم تتصور في أبشع أحلامها أن ترى عمار الخولي بهذا الشكل ..
زوجها وحبيبها يقف أمامه يبكي كطفل صغير ..
ينتحب أخته وخسارته لها ..
بدا ضعيفا للغاية … منهكا كليا .. وضائعا وعاجزا أيضا ..
لم تتحمل رؤيته على هذا النحو فسارعت تقبض على رأسه بين كفيها تخبره بنبرة قوية متماسكة :-
” تماسك يا عمار .. ما تفعله ليس حلا .. أنت يجب أن تتماسك … حتى لو أخطأت .. ستصلح جميع أخطائك .. تماسك من فضلك … لأجل جيلان نفسها يا عمار ..”
ابتسم بسخرية مريرة وهو يردد:-
” جيلان لم تعد تريدني يا شيرين .. إفهمي هذا .. لقد فقدتها يا شيرين ..”
نهرته بحزم :-
” كلا لم تفقدها .. لم ولن يحدث هذا .. صدقني …”
تأمل عينيها التي تنظران له بقوة وصلابة تخبره أن يتماسك ويشد أزره بينما تتحدث هي بنفس القوة والثبات :-
” كل شيء سيكون بخير ..فقط تماسك ولا تنهار .. ”
أضافت بصوت متوسل :-
” أنت لا يجب أن تنهار مهما حدث يا عمار .. يجب أن تبقى قويا ثابتا قادرا على مواجهة هذه العاصفة وتجاوزها بسلام … ”
سألتها بعدم إقتناع :-
” هل تعتقدين إنني سأتجاوزها ..؟!”
ردت على الفور بثقة :-
” ستتجاوزها بل سنتجاورها نحن الإثنان ومعنا جيلان …”
ثم فوجأ بها تسحب احد كفيه وتضعه فوق بطنها مرددة بعينين لامعتين :-
” ومعنا طفلنا القادم يا حبيبي ..”
……………………………………………………….
تأملت ليلى الفستان بتردد …
في داخلها كان هناك شعوران متناقضان ..
أحدهما يريد أن يذهب ويراه ويسمعه وآخر يريدها أن تهرب بأسرع ما يمكن …
تذكرت كلام والدتها … نصيحتها لها ..
تذكرت قرارها الأخير .. عزيمتها على التخطي … النسيان والبدء من جديد ..
ولكن ما زال هناك تردد .. خوف بديهي …
زفرت أنفاسها بتعب وهي ترمي الفستان بلا مبالاة فوق سريرها وتجلس جانبه فتنعكس صورتها على المرآة أمامها ..
تأملت إنعكاس صورتها للحظات فعاد السؤال يتردد داخلها بنفس الحيرة ..
لماذا هي …؟!
لماذا هي دونا عن غيرها ..؟!
مالذي وجده بها ..؟!
مالذي جعله يختارها هي دونا عن البقية ..؟!
هناك العديد من النساء حوله .. نساء أكثر منها مالا وجمالا وجاه …
نساء لا تحمل قلوبهن أوجاع ماضي ما زال حاضرا …
مالذي يجعله يترك جميع أولئك النساء ويختارها هي ..؟!
سؤال يتردد داخلها منذ ذلك اليوم الذي عرض فيه عليها الزواج بشكل جدي وما زال يتردد دون إجابة …!!
على أي أساس إختارها ..؟!
على أساس العقل أم القلب ..؟!
هي بالطبع ليست إختيار عقل .. فإذا عقله أراد أن يختار فبالتأكيد لن تكون هي خياره ..
وأما إذا كان القلب من أختار ،
توقفت عند هذا الحد وعقلها ينفض تلك الفكرة عن رأسها ..
هي لا يمكنها تصديق إن رجل مثل كنان قد يحب ..!!
ولكن إذا لم تكن هي إختيار العقل ولا القلب فعلى أي أساس إختارها ..؟!
عادت تنهض من مكانها ..
تجهز نفسها للسهرة ..
تعد نفسها ألا تتراجع ..
لقد إنتهت حكايتها الأولى وبدأت حكاية جديدة …
حكاية سوف ترسمها هي بنفسها هذه المرة ..
حكاية ستبدأ بناء على رغبتها لا رغبة الآخرين …
لأجلها هي وليس لأجل غيرها ..
إرتدت فستانها بلون البنفسج …
تركت شعرها الأشقر حرا طليقا …
إرتدت في قدميها حذاء من نفس اللون لكن بدرجة أغمق قليلا …
وقفت أمام المرآة ترتدي طقم اللؤلؤ الذي أهداه والدها لها يوم تخرجها من الجامعة وأخيرا وضعت عطرها الهادئ بعدما اكتفت بكحل العين وملمع الشفاه لتزيين وجهها ..
غادرت الغرفة بعدما حملت حقيبتها الصغيرة ..
وجدت سائق العائلة ينتظرها فركبت في السيارة الفخمة وطلبت من السائق أن يتحرك الى المكان المنشود …
وصلت الى هناك بعد حوالي ربع ساعة ..
هبطت من السيارة تتأمل المطعم الذي زارته مرتين أيام الجامعة أي منذ سنوات طويلة …
تحركت بخطواتها الواثقة الى الداخل حيث وجدت النادل يدلها على مكان الطاولة لتجده في إستقبالها ..
كان جذابا كالعادة .. أنيقا كما هو الحال .. يبتسم بطريقة توترها …بينما نظراته تحاوطها بحرص يروقها رغما عنها ..
وقف حالا ما إن رأها أمامه تتقدم نحوه بخطواتها البطيئة الحذرة …
أخذ يتأملها من رأسها حتى أخمص قدميها …
يتأملها جمالها المشع دون تكلف ..
جمال طبيعي واضح …
يتأمل أناقتها رغم بساطة ملابسها التي تذكره دائما بملابس الأميرات …
إبتسامتها الأرستقراطية المترفعة التي تجذبه بقوة …
بل هي كلها تجذبة دون تروي ..
لا يعرف متى بات منجذبا إليها هكذا ..
لكن ما يعرفه إن كل يوم يمر عليه يفقد السيطرة على مشاعره نحوها ورغبته فيها أكثر ..
هي إمرأة يصعب تجاوزها ..
إمرأة يأتي الزمن بها مرة واحدة فقط والشاطر فقط من يسبق الزمن وينالها ..!!
يعلم إنه طريقه نحوها طويل ويدرك حجم الأسوار التي تحيط قلبها ..
قلبها الذي ما زال ملوثا بآثار عشق قديم ..
لكنه لا يهتم ولا يخاف ولا يتردد ..
قد يكون الأمر أشبه بتحدي وهو يعشق التحديات عموما ..!!
يحارب .. يقاتل بشراسة وتحدي سافر ولا يستسلم حتى يرفع راية الإنتصار …
وهي تستحق ذلك .. تستحق أن يحارب ويناضل لأجلها ..
بل هي وحدها من تستحق ذلك ..
هي دونا عن كل النساء ..
لن يتراجع أبدا حتى ينال ما يريده .. حتى يمتلك القلب والروح والجسد وكل شيء ..
هو لن يقبل بها كزوجة فقط .. لن يرتضي بأنصاف الحلول ..
هي ستكون له بكل كيانها .. قلبها سينبض له وحده وروحها ستهيم به …
سيفعل المستحيل لتسقط في غرامه وتعلن إستسلامها أمام عشقه .. عشقه الذي سيقتحمها دون هوادة …
هكذا قرر وهكذا سينفذ وهكذا سيحدث ..!!
سحب له الكرسي لتشكره بخفوت وهي تجلس عليه ..
عاد يجلس فوق كرسيه فيتقدم النادل نحويهما وهو يضع قائمتي الطعام أماميهما …
جذب قائمة الطعام وفعلت هي المثل عندما سألها إذا ما قررت ما ستتناوله فأومأت برأسها ليشير الى النادل فتخبره عما تريد تناوله ويفعل هو المثل ..
ما إن غادر النادل حتى هتف وهو يتأملها :-
” تبدين رائعة ..”
تنحنت تشكره :-
” شكرا …”
ابتسم بجاذبية وقال :-
” انا سعيد جدا إنكِ قبلتِ دعوتي يا ليلى …”
هتفت بجدية :-
” لم يكن من اللائق رفضها يا كنان …”
هز رأسه بتفهم ثم قال :-
” أنت بالتأكيد تدركين السبب الحقيقي وراء دعوتي لك …”
نظرت له بصمت ليضيف بتروي :-
” سبق وعرضت عليك الزواج وأنت رفضتِ دون سبب محدد … وأنا أخبرتكِ وقتها إن طلبي سيظل قائما طالما لا يوجد سبب واضح لرفضك ….”
تأملته بصمت للحظات فأضاف بثقة :-
” أخبرتك أيضا إنني رجل صريح .. وإنني رجل لا يجيد التراجع عن شيء يريده .. وأنا أريدك … أريدك بحق .. أريدك كزوجة وشريكة حياة … ”
تحدثت أخيرا تسأله بجدية :-
” لماذا أنا ..؟!”
رد بسؤال مشابه :-
” ولماذا لستِ أنتِ ..؟!”
صمتت للحظات قبل أن تنطق بإقرار :-
” انا لا أناسبك .. ”
سألها بهدوء :-
” لماذا ..؟! لماذا لا تناسبيني ..؟! هل يوجد سبب محدد ..؟!”
ردت بتعقل :-
” لست مستعدة بعد لهذه الخطوة … أحتاج المزيد من الوقت ..”
التوى فمه بإبتسامة مرددا عن قصد :-
” ألا تخشين أن تتمادي في الإنتظار فيغلبك الوقت دون أن تشعرين …؟!”
تجهمت ملامحها فأكمل :-
” ألا تشعرين إنه آن الآوان لتتجاوزي الماضي .. ؟! أنت لم تجربي بعد كي تحكمي …”
قاطعته بإباء :-
” لا أحبذ الدخول في تجربة جديدة فاشلة …”
هز كتفيه مرددا :-
” وربما عكس ما تتوقعين … ستكون تجربة ناجحة …”
قالت بعناد :-
” ها أنت قلتها ، ربما وليس أكيد …”
هتف بحزم :-
” توقفي عن المراوغة يا ليلى … مرة واحدة فقط حكمي عقلك … دعي القلب وما يجول فيه جانبا وإختاري القادم بعقلك …”
تمتمت بجمود :-
” انت لن تستفيد شيئا من هذه الزيجة لإنني لا أمتلك أي شيء يمكنني منحه لك ..”
قال ببساطة :-
” وأنا موافق … أقبل بهذا ..”
همست بتهكم :-
” لماذا ..؟! مالذي يجبرك على القبول بهذا … لا تقل إنك تحبني مثلا …!!”
رفع حاجبه مرددا :-
” ولم لا ..؟! مالذي يجعلني لا أحبك …؟!”
سألته بدوره :-
” ومالذي يجعلك تحبني …؟!”
ران الصمت كليا بينهما فمنحته إبتسامة باردة تخبره إنه لا يمتلك جوابا على سؤالها وبالتالي هي إنتصرت عليه هذه المرة ..
لكن سرعان ما إنحسرت إبتسامتها وهي تسمعه يجيب بثقة :-
” الحب لا يحتاج الى أسباب يا ليلى .. الحب الحقيقي يحتل القلب فجأة ولا يكون قائما على أسباب معينة .. الحب الحقيقي أن أحبك لإنك أنت .. لإنك ليلى بعيدا عن جمالك ولطافتك ومالك … بعيدا عن أيا من صفاتك الجميلة .. ”
صمتت لوهلة تشعر لأول مرة بعجز كهذا أمامه لكنها سرعان ما عادت وتحدثت ببرود :-
” كن صريحا يا كنان .. انت لا تحبني .. ”
قال ببرود :-
” حتى لو ، هذا سيكون افضل أساسا .. ليس من الضروري أن نحب بعضنا .. يكفي أن نريد بعضنا ونتفاهم ونرتاح سويا ونعيش زواجا نجاحا ..”
سألته بغيظ مكتوم :-
” ومالذي يجبرك على الزواج مني وأنت لا تحبني ..؟!”
قال بخفة :-
” عجبا لك يا ليلى .. عندما قلت إنني أحبك تجهمت ملامحك ورفضتِ الفكرة وعندما قلت العكس لم يعجبك ذلك ..! أين تكمن مشكلتك أخبريني ..؟! حسب كلامك فأنت لا تحملين مشاعرا نحوي وبالتالي من المفترض ألا تهمك مشاعري إلا إذا ..”
سألته بتجهم :-
” إلا إذا ماذا ..؟!”
رد وهو يبتسم ببرود :-
” إلا إذا كنتِ تخافين أن تحبيني مع مرور الوقت بينما تبقى مشاعري نحوك حيادية وحينها سيكون حبك من طرف واحد …”
تجمدت ملامحها وهي تستمع لما يقوله وشعرت بنفسها تقع في الفخ مجددا عندما ظل هو محافظا على إبتسامته التي تحمل إنتصارا خفيا بينما يسحب كأسه ويرتشف الماء منه بصمت ..
………………………………………….
كان يقف أمام قبرها …
يتأمله بصمت وألم محفور في قلبه ..
لقد مرت سنوات وألمه ما زال كما هو ..
رغم كل شيء يظل وجع فقدانها راسخا في روحه …
نعم هو يتعايش والحياة لا تتوقف ولكن رغما عنه يشتاق لها ..
يتألم لخسارتها ..
لقد إحتاج وقتا طويلا لتقبل فقدانها ومع هذا ما زالت الذكرى تحتل قلبه دون توقف ..
قرأ الفاتحة أمام قبرها ثم تطلع إليه بنظرة أخيرة قبل أن يغادر المكان يهم بالتوجه خارح المقبرة في هذا الوقت المتأخر عندما تجمد مكانه وهو يسمع صوت نحيب خافت يأتي من مكان ما ..
أخذ يبحث عن المكان الذي يصدر منه الصوت وبحدسه إستطاع تمييز المكان فسار بتمهل حتى وصل وفوجئ بجسد صغير مكتوم بجانب أحد القبور وصوت أنين ينبعث من هذا الجسد لينادي عليها فتنتفض الفتاة بهلع …
حاول تهدئتها وهو يخبرها بينما يقبض على ذراعها :-
” اهدئي .. لا تخافي .. انا لن أفعل لم شيئا ..”
سألته بنبرة مذعورة :-
” من أنت ..؟! ماذا تفعل هنا ..؟!”
رد بسرعة يحاول طمأنتها :-
” أنا أتيت لزيارة أحدهم و سمعت صوتك ..”
ثم سارع يخرج الهاتف من جيبه ويفتح ضوئه أمام وجهه لتخفي عينيها بسرعة ..
نطق بتروي :-
” لا تخافي ..”
أكمل يتسائل :-
” ولكن مالذي أتى بك الى هنا ..؟!”
أجابته وهي تنظر نحو بقلق :-
” أنا أتيت عند والدتي …”
نظر نحو القبر ثم عاد ينظر إليها بتركيز قبل أن ينطق :-
” أنتِ نفس الفتاة التي رأيتها المرة السابقة ..!”
نظرت له بحيرة ليكمل يذكرها :-
” رأيتك وأنت تبحثين عن قبر والدتك .. وقتها أخذتك عنده لإنك كنت تائهة تقريبا ..”
هزت رأسها تخبره وقد تذكرت ذلك الموقف بالفعل:-
” نعم تذكرت …”
تأملها مجددا للحظات وضوء هاتفه مرتكز عليها..
نظراته كانت عابرة لكنها قيمت بسرعة ملحوظة سنها الذي لا يتجاوز الثمانية عشر عاما أو ربما أصغر ..
ملامحها البريئة المنهكة تماما وشعرها البني المرفوع بجديلة غير مرتبة ..!!
وأخيرا إستقرت عينيه فوق بطنها البارز قليلا .. ورغم بروزها الضئيل بينت إنها تحمل طفلا داخلها ..
هز رأسه مستنكرا .. الفتاة صغيرة جدا .. كيف تحمل طفلا في هذا العمر ..؟! كيف هانت على عائلتها وزوجوها …؟!
رباه إنها طفلة .. شكلها طفولي بحت وجسدها الصغير لا يناسب حقيقة كونها ستصبح أما بعد أشهر قليلة …
توقف عن أفكاره وهو يهتف بحسم :-
” أعطني عنوانك يا آنسة كي آخذك الى منزلك …”
ظهر الهلع في عينيها وهي ترد بسرعة :-
” كلا ، شكرا لك .. لا أريد ..”
زفر أنفاسه ببطأ ثم قال بتروي لا يشبهه :-
” من فضلك .. دعينا ننهي الأمر بسرعة …”
أكمل وهو يشمل المكان حوله بنظرة تقييمة :-
” يجب أن تغادري المكان هنا بسرعة .. وجودك هنا غير مقبول .. نحن على مشارف الليل …”
همست وعيناها تدوران في المكان لا إراديا ثم تنظران الى السماء التي بدأت شمسها تغرب لتحتضن جسدها بعفوية وهي تنطق بخفوت وبؤس :-
” لا منزل لدي لأذهب إليه …”
لا يعرف لماذا شعر إنها تكذب ..
فكر للحظة عما يفعله ليحسم أمره قائلا :-
” يمكنك أن تأتي معي …”
” إلى أين ..؟! كيف يعني أذهب معك ..؟!”
منحها إبتسامة مطمأنة وهو يقول :-
” سأخذك الى منزلي .. هناك حيث يسكن والدي … ”
صمتت تنظر له بتردد فيسألها بتدقيق :-
” بالمناسبة ، ما هو إسمك ..؟!”
ردت بحذر :-
” جيلان ، اسمي جيلان …”
هز رأسه بتفهم قبل أن يعرف عن نفسه :-
” وأنا سيف يا جيلان … سيف نعمان …”
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سارة علي
” أنت مراوغ …”
قالتها ليلى بصدق جعله يبتسم بجاذبية وهو يوافقها :-
” جدا .. وذكي جدا .. وعندما أريد شيئا أناله دائما …”
لمح الحدة في عينيها فأكمل وأنظاره تتجه نحو الكأس الموضوع أمامه والمملوء بالماء :-
” أنا لا أخسر أبدا … هذا طبعي … عندما أريد شيئا ستجديني أحارب بكل قوتي لإمتلاكه ولن أتنازل عنه ..”
قاطعته من بين أسنانه :-
” أنا لست شيئا يمكنك إمتلاكه يا كنان بك …”
رد بسلاسة :-
” الزواج ملكية يا ليلى .. ملكية مشتركة …”
توقف قليلا يتأمل ملامحها المعترضة ليضيف بهيمنة تليق به :-
” رغبتي بك كزوجة لا تقلل من شأنك .. ولا حتى من شأني … زواجي منك سيجعلك ملكي .. ”
إسترسل مانعا إعتراضا على وشك أن يصدر منها :-
” لإنك ستكونين زوجتي .. ملكي … وأنا أيضا سأكون زوجك .. ملكك .. أليس هذا مفهوم الزواج …؟! هو حق ملكية غير مشروط من قبل الطرفين …”
نطقت أخيرا :-
” كلمة ملكية لا تعجبني ولا تلائم مفهوم الزواج ..”
قال برزانة :-
” أحب سماع وجهة نظرك إذا ..؟!”
ردت بحيادية :-
” يمكننا إستبدال هذه الكلمة بكلمة أخرى .. لائقة أكثر ومناسبة تماما .. الزواج ليس حق ملكية كما تدعي .. الزواج هو إرتباط .. إرتباط إثنين من المفترض أن يقضيان ما تبقى من عمرها سويا … الزواج هو قرار مشترك بين إثنين سوف يتشاركان كل ما هو أساسي في حياتهما القادمة .. إثنان سوف يبنيان مستقبلا لهما ولأولادهما أساسه الحب والمودة والرحمة …”
تنهد قائلا :-
” وهذا ما أريد مشاركته معك …”
تأملت الصدق في عينيه …
كانت تشعر بصدق نواياه …
كانت تشعر بصدق ما يتفوه به ..
ورغم شعورها ذاك ذكرت نفسها ألا تتعجل ..
ألا تثق بحديثه فورا ..
ألا تبني آمالا معه …
ربما هو كاذب .. أو ربما صادقا لفترة ما …
يجب ألا تنسى أن ما سيربطها به مستقبلا اذا وافقت على طلبه حياة كاملة …
وفي هذه الحياة لن يكون هناك ضمانات ..
كاذب من يقول إن هناك شخص ما مضمون في حياتك ..
لا أحد مؤهل للثقة ..
لا كنان ولا غيره ..
قالت بنبرة بدت ثقيلة :-
” حقا لا أفهم سبب إصرارك هذا … مالذي يجعلك تكرر عرض الزواج مجددا بعد رفضي السابق …؟!”
قاطعها بثبات :-
” رفضك مسبقا غير محسوب بالنسبة لي .. ثانيا ما الغريب في ذلك ..؟!”
أجابت بمنطقة :-
” تمسكك بي .. إصرارك على الزواج مني ..أليس هذا غريبا …؟! ”
أكملت تبتسم بتهكم خفيف :-
” برأيي يجب أن يكون وراء هذا الإصرار دافع يستحق وحقا أنا لا أستطيع تخمين الدافع خلف إصرارك ..”
رد ببساطة :-
” أنتِ.. أنتِ هو الدافع يا ليلى .. لا أفهم حقا لماذا لا تصدقين ..؟!!”
ردت بنفس البساطة :-
” لإنك لا تمنحيني سببا منطقيا .. متى أصبحت مرغوبة بالنسبة لك ..؟! لأكن أكثر دقة … لماذا أنا تحديدا من تريد الزواج منها ..؟!”
أضافت وهي تنظر إليه بقوة :-
” رجل مثلك .. يمتلك كل شيء .. لن يتمسك بأي إمرأة ويصر على الإرتباط بها إلا إذا كان يحبها وأنت لا تحبني فلماذا تريديني بينما هناك الكثير من النساء غيري حولك …؟!”
سألها :-
” هل وجود الحب شرط في إختيار شريك حياتنا ..؟! ”
ردت بجدية :-
” قد يكون الحب ليس شرطا لإختيار الزوجة لكن هو سببا حقيقيا يجعل الرجل يلاحق من هواها قلبه ويصر على نيلها … ”
سأل بخفة :-
” ومن أخبرك إني لا أحبك ..؟!”
ردت دون أدنى تأثربكلامه :-
” لو كنت تحبني ما كنت لتخفي هذا .. أنت لست من النوع الذي يخشى إعترافا بالحب …”
ابتسم بجانبية قائلا :-
” أصبحتِ تعرفينني جيدا يا ليلى …”
مطت شفتيها تردد :-
” ليس كثيرا .. لكنني إكتشفت البعض من صفاتك …”
قال بثقة :-
” وسوف تكتشفين المزيد بعدما نتزوج…”
ضحكت بإستخفاف تردد :-
” ما هذه الثقة ..؟!”
قال بنفس الثقة المغيظة :-
” سترين بنفسك إن ثقتي في محلها ..”
ظهر التجهم على ملامحها بوضوح عندما نطقت أخيرا بملل :-
” أنا سئمت من هذه المراوغات ..”
قال بحرية :-
” أين المراوغة يا ليلى ..؟! بالنسبة لي فأنا صريح وواضح لكن أنت من تتعمدين اللف والدوران كي تصلين الى نفس النقطة … كي تهربين من هذا العرض مجددا ..”
احتدت ملامحها وهي تردد :-
” انا لا ألف ولا أدور يا كنان .. هذا ليس طبعي .. كما إنني لا أهرب …”
قال بسرعة حاسمة :-
” إذا تزوجيني ..”
نظرت له ببلاهة ليضيف بثقة ممزوجة بهيمنة أسرتها للحظات :-
” تزوجيني يا ليلى .. أعدك كل شيء سيكون كما تريدين .. سأحقق لك ما تتمنين … ستكونين ملكة متوجة معي … وافقي يا ليلى ولن تندمي أبدا …صدقيني .. ”
نطقت أخيرا وهي تحرر عقلها من آسر نظراته ونبرته القوية وكلماته :-
” لا تتحدث عن وعود مبالغ فيها بهذه الثقة .. ”
قاطعها بجدية :-
” انا لا أنطق حرفا واحد لست واثقا منه ولو مثقال ذرة …”
عادت تتأمله بصمت ..
حديثه وهيبته وثقته بنفسه كلها مرهبة لها ..
تلك الوعود التي يطلقها على مسامعها تحرك شيئا ما فيها رغم عدم رضاها عنها ..
هي لا تقتنع بجميع ما يقوله رغم إنجذابها الفعلي نحو كلماته …
كلماته التي تبدو صادقة للغاية بقدر ثقته بنفسه ورغم هذا ترفض تصديقها ….
كانت سوف تسأله سؤالا محددا …
لماذا يفعل كل هذا لأجلها ..؟!
لمَ هي دونا عن البقية ..؟
مالذي وجده بها ..؟!
لكنها بالطبع لن تفعل .. لن تسأله سؤال كهذا يقلل منها ومن نظرتها لنفسها …
تحدثت أخيرا وعيناها بدتا تحملان مشاعرا مختلطة لا نهاية لها :-
” وإذا تراجعت عن وعودك …؟! وإذا فشلت في تحقيق ما قلته قبل قليل ..؟!”
أجابها دون يرمش بعينيه للحظة :-
” لن يحدث …”
عادت تسأله مجددا بهدوء :-
” وماذا عن علاقاتك النسائية …؟!”
رد ببساطة :-
” كان لدي علاقات نسائية … لن أنكر هذا .. لكن جميعها كانت عابرة .. وإنتهت منذ بضعة سنوات …”
قاطعته ببرود :-
” سمعت إنك زير نساء وترافق أجمل النساء بإستمرار …”
ضحك مرغما وهو يقول :-
” الصحافة تبالغ قليلا … حتى قبل ثلاثة أعوام كانت لدي علاقات لكنني قطعتها جميعها منذ ثلاثة اعوام او ربما أكثر بقليل … ”
” لماذا ..؟!”
سألته بإهتمام بارد ليجيب بجدية :-
” حدثت الكثير من الأمور ، أهمها إنني مللت … أعتقد إن علاقاتي السابقة كانت فورة شباب طبيعية وإنني عندما وصلت الى مرحلة النضوج المفترضة لم تعد تلك العلاقات تستهويني ..”
أكمل يخبرها بصراحة مطلقة :-
” مثلي مثل أي شاب .. تعرفت على العديد من الفتيات خاصة في بداية شبابي … لكن بعد مرور عدة سنوات وتحديدا عندما بدأت أنضج وأنشغل بعملي أكثر بدأت علاقاتي تقل تدريجيا حتى قطعتها تماما …. ”
عادت تسأله بعدم إقتناع :-
” هل تعني إنك لم ترتبط بإمرأة منذ ثلاثة اعوام ..؟!”
رد بجدية :-
” بالضبط … ولكن مع ملحوظة إنني تعرفت مرتين على فتاتين كان هناك مخطط للزواج منهما … تعارف عادي ولم يطل كثيرا …”
” لماذا ..؟!”
قالتها بسرعة ثم لاحظت إنها تسأل بكثرة فهتفت بحرج خفي :-
” إعذرني ولكن من حقي أن أعرف كل شيء عنك …”
قال ووهو يبتسم بخفة :-
” حقك طبعا .. اما جوابي فسيكون إنني لم أحد فيهن المرأة التي أريد الإستقرار معها .. انا يا ليلى كنت أخطط للزواج منذ أن قطعت علاقاتي العابرة جميعها .. أردت الإستقرار وتكوين عائلة والأهم على حصول على وريث لي خاصة بعد نجاحي المبهر في مجال الأعمال منذ تنحي والدي عن إدارة شركات العائلة .. وبالتالي بحثت عن زوجة وكانت هاتين الفتاتين مرشحتين ولكنني لم أشعر بأن أيا منهما تنفع لتكون زوجتي وشريكتي الى الابد ..”
” ولكنك شعرت بهذا معي ..؟!”
سألته وهي ترفع حاجبها ليرد وهو يبتسم :-
” بالطبع وإلا ما كنا لنجلس هنا ونتحدث …”
” ومالذي يختلف بي عنهن لتشعر إنني هي الزوجة المناسبة لك …؟!”
رد بجدية :-
” الكثير من الأشياء … شخصيتك … قوتك … ذكائك .. إخلاصك والأهم إنني منذ أول مرة وقعت عيناي عليكِ فيها شعرت بشيء قوي يجذبني نحوك .. ربما لن تصدقيني لكن هذه هي الحقيقة .. منذ أن رأيتك لأول مرة وأنا إنجذبت إليك بقوة وبعدها لم أستطع منع نفسي من التعرف عليك فسارعت أراقصك دون تردد … أنا إنجذبت كليا لك ووجدت نفسي لا أرى سواكِ زوجة لي وأما لأولادي ..”
عاد التوتر يغزوها بفعل كلماته لكنها تجاهلته عن عمد وهي تقول :-
” وماذا عن زواجي السابق ..؟! ألا يضايقك كوني مطلقة …؟! ألا يزعجك كونك لست الرجل الأول في حياتي …؟!”
كانت تتعمد التحدث بهذه الطريقة ..
ربما هي تختبره .. تختبر مدى قناعته بها …
رد وقد أظلمت عيناه للحظات :-
” زواجك كان ماضي وانتهى .. كونك مطلقة فهذا لا يعنيني بشيء ولا يؤثر علي بتاتا .. لست رجعيا يا ليلى كما إنني أعرف بزيجتك السابقة قبل أن أراقصك في تلك الليلة حتى يعني قبل أن أقرر الزواج منك ….”
صمتت مجددا وقد وجدت نفسها عاجزة عن قول شيء ما ..
هو يحاصرها من جميع النواحي …
لا يترك لها مجالا للرفض ….
لكنها لن تنهزم ..
ستحاول مجددا …
قالت بتهور تدركه لكنها مصرة على القدوم فيه :-
” وماذا عن حقيقة كوني لا أحبك والأهم إنني مغرمة برجل آخر ..؟!”
جمود كامل سيطرة عليه ..
وجهه أصبح جامدا بكل إنش فيه …
نظراته أصبحت قاسية ….
بالكاد تحركت شفتاه وهو يقول بجمود أجفلها لا إراديا :-
” إياك أن تذكري هذه السيرة مجددا أمامي ..”
قاطعته مصرة على التمادي :-
” هذا واقع حال ..”
ثم شهقت وهي تجد كفه تقبض على كفها تسألها وعيناه تنظران في عمق عينيها العسليتين بقوة :-
” مشاعرك ستنهيها بنفسك طالما سترتبطين برجل آخر واجب عليك إحترامه والإخلاص له …”
شعرت بجفاف فمها عندما إلتقت عيناها بعينيه بينما كفه تمسك كفها بتملك وإحكام ..
ورغم طريقته وبرودته لكنها لم تشعر بالنفور من لمسته تلك …
ربما يبدو الأمر غريبا …
نطقت وهي تبلل شفتيها بحركة أثارت غليانه :-
” وماذا لو لم أستطع فعل ذلك ..؟!”
رد بقوة وهو يشدد من قبضه على كفها يتجاهل شفتيها المغريتين :-
” ستفعلين .. طالما أنا معك ستفعلين … بوجودي سوف تنسين أي رجل آخر عداي .. انا لن أسمح لأي رجل أيا كان أن يجذب ولو القليل من تفكيرك أما قلبك فإتركيه لي وصدقيني سأحرره من كل هذه المشاعر الغبية حتى تنسين أي شخص قبلي كما لن يكون هناك أي شخص بعدي …”
سحبت كفها من كفه وهي ترمقه بنظرات قلقة ليضيف عن قصد :-
” إلا إذا كنت لا تريدين النسيان .. تريدين العيش على أطلال الماضي .. فحينها سيكون الأمر مختلفا ..”
هل هذا صحيح ..؟!
هل هي لا تريد النسيان ..؟!
بالطبع لا ..
هي تريد التخطي منذ أشهر ..
منذ أن تزوج نديم بأخرى …
ربما لم تتخذ خطوة فعلية بسبب إنشغالها بأمور أخرى لكنها قررت نسيانه وعزمت على التنفيذ …
هي لا تريد أن تعيش على اطلال هذا الحب …
لا تريد ذلك ..
يبدو إنه قرأ أفكارها فقال بتروي :-
” قولي موافقة يا ليلى وأعدك إنك ستبدئين حياة جديدة معي .. حياة مختلفة كليا … سوف تنسين الماضي بكل ما فيه … كل شيء سينتهي فمعي ستكون هناك بداية جديدة لكل شيء .. بداية مختلفة ومثالية ..”
شحبت ملامحها وعقلها عاجز عن التصديق ..
هل يمكنه فعل هذا ..؟!
هل يمكنه جعلها تتخطى الماضي ..؟! بل وتبدأ من جديد ..؟!
هل يمكن أن تتجسد النجاة في رجل ..؟!
هل تتخلى عن مبادئها السابقة ..؟!
هل تتجاهل وجهة نظرها المعتادة ..؟!
هل تجازف بنفسها مجددا ..؟!
هل تخضع لسطوة رجل مجددا …؟!
هل تقامر على حياتها ومستقبلها ..؟!
هل تخوض تجربة نجاحها غير مضمون والمبرر الوحيد لخوضها إن قلبها سيكون خارج المعادلة …؟!
وماذا عن البقية ..؟!
هل آمان قلبها كافي لتتجاهل كل شيء غيره وتدخل في علاقة جديدة لا تدرك معالمها جيدا …؟!
وأمام كل هذه التساؤلات وجدت نفسها تنطق بخفوت متردد :-
” موافقة …”
…………………………………..
كانت هايدي تقف أمام صلاح بتحفز وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها تنتظر خروج شريف الذي ما زال في الداخل عند شقيقتها يفحصها بعد إفاقتها من غيبوبتها القصيرة كي يطمئن عليها….
أخذت تنظر هايدي له بنظرات حارقة تجاهلها صلاح الذي كان يقف قبالها مستندا على الحائط خلفه ينتظر خروج شقيقه هو الآخر ..
بالكاد كانت هايدي تسيطر على أعصابها كي لا تنفلت أمام هذا الأرعن فتبطش به وتفتعل فضيحة جميعهم في غنى عنها …
خرج شريف تتبعه الطبيبة النسائية التي تابعت حالة شقيقتها وطفليها معه وأخدت تتحدث معه بصوت منخفض قليلا قبل أن تمنحه إبتسامة رسمية لا تخلو من الود كونها زميلة قديمة له وغادرت المكان لتتجه هايدي نحو شريف تسأله بلهفة :-
” هل يمكنني رؤيتها ..؟!”
أجاب شريف وهو ينظر الى شقيقه الصامت لا إراديا والذي بقي واقفا مكانه :-
” بالطبع .. لكن يجب أن نتحدث أولا بينما يتم نقلها الى غرفة أخرى مناسبة أكثر لها بعد إفاقتها وإستقرار حالتها عموما ..”
تبعته هايدي وكذلك صلاح مرغما حيث جلس كلا منهما امام مكتب شريف الذي نطق بجدية :-
” حالة نانسي من الناحية الجسدية مستقرة …”
زفرت هايدي أنفاسها بإرتياح ثم ما لبثت أن سألته :-
” والطفلان ..؟! هل هما بخير ..؟!”
نظر صلاح لشقيقه بترقب فبادله شقيقه نظرة حازمة وهو يقول :-
” نعم ، وضعهما بخير عموما ..”
تمتمت هايدي بالحمد بخفوت بينما احتقن وجه صلاح بعدم رضا فلم يكن هذا ما يريد سماعه …
قال شريف متجاهلا ملامح شقيقه التي أظهرت بوضوح ما يعتمل داخله :-
” ولكن ما زال هناك شيء هام .. بل عدة أشياء في الحقيقة ..”
سألته هايدي بقلق عاد ينبعث داخلها :-
” أشياء ماذا ..؟!”
أجاب شريف :-
” مبدئيا حالة نانسي النفسية تبدو غير واضحة …”
سألته هايدي مجددا بإرتباك :-
” كيف يعني ..؟!”
شرح شريف لها :-
” حسنا لم يمر سوى فترة زمنية قصيرة جدا على إستيقاظها ورغم إنها جسديا بخير إلا إنها لم تمنحنا أي ردود تبرهن لنا إستقرار حالتها النفسية ولو قليلا.. هذا شيء متوقع لما مرت به لذا نحن سننتظر مرور بضعة أيام نراقبها خلالها ونهتم بها حتى نعلم إلى أي مدى بلغ ضررها النفسي وكم من ستحتاج من علاج ….”
قالت هايدي بصدق :-
” المهم إنها بخير … انا معها ولن أتركها حتى تتشافى كليا … جسديا ونفسيا ..”
أكملت وهي ترمق صلاح :-
” لن أتركها أبدا ولن أسمح لأي شخص مهما كان بإيذائها ..”
قال شريف مضيفا :-
” هناك شيء آخر … الحمل تقدم كثيرا .. تبقى حوالي أربعة شهور على ولادة نانسي … علينا أن نتصرف ..”
نطق صلاح أخيرا :-
” كيف يعني نتصرف ..؟!”
رد شريف بعقلانية :-
” يعني ماذا سنفعل ..؟! كيف ستنجب الطفلين وماذا سنقول للجميع ..؟!”
ظهر التوتر على ملامح هايدي وهي تسأل بإضطراب :-
” ماذا سنفعل إذا ..؟!”
رمق شريف صلاح بطرف عينيه وقال بجدية :-
” أنا رتبت كل شيء ….”
” كيف ..؟!”
سأله صلاح ليجيب شريف :-
” جهزت شقه لكما … ستبقيان بها حتى تنجب نانسي طفليها على خير… ”
أشار الى هايدي :-
” هايدي … ستخبرين والدتك بحمل نانسي وإنها ستبقى بضعة أشهر في الخارج وتحديدا في تركيا حيث بدأ صلاح العمل في فرع شركة صديق له هناك …”
أضاف مشيرا لصلاح هذه المرة :-
” نفس الشيء سأقوله أنا لوالدتي يا صلاح …”
أكمل بتحذير :-
” وإياك ثم إياك أن يلمحك أحدهم حتى تننهي الأشهر المحددة على خير ثم تظهران من جديد ومعكما الطفلين وقد مرت أشهر على ولادتهما …”
قال صلاح بعدم تصديق :-
” سأبقى مسجونا لشهور طويلة في تلك الشقة …”
هدرت هايدي :-
” وهل يمكنك أن تفعل غير هذا ..؟!”
قال صلاح من بين أسنانه :-
” لا يمكنني تحمل هذا الوضع يا شريف ..”
هتف شريف بتروي :-
” اصمت يا صلاح … هذه الطريقة الوحيدة لحفظ سمعتك أنت وزوجتك وطفليك القادمين أمام العائلة والجميع ….”
سألت هايدي بقلق :-
” ولكن ماذا لو شك أحدهم ..؟! يعني الطفلان سيكبران بإذن الله و ..”
قال شريف بجدية :-
” نانسي حاليا قاربت على إنهاء الشهر الخامس من الحمل .. زواجهما مر عليه حوالي شهرين .. ستقولين إنها حامل في شهر ونصف .. يعني حملت بعد الزواج فورا وسوف نبلغهم إنها أنجبت مبكرا أي في الشهر السابع .. ومن المفترض أن تنجب نانسي بعد أربعة أشهر ولكننا سننقل خبر الإنجاب بعد الولادة بشهرين أي سيكون هناك فرق شهرين وهذا لن يظهر عندما تعود نانسي مع الطفلين وقد تجاوزا الستة أشهر بإذن الله ..”
قال صلاح :-
” هذا يعني إننا سنقضي ما لا يقل عن عشرة شهور بعيدا عن العالم ..”
صاحت هايدي بنفاذ صبر :
” هذا كل ما يهمك … ألا يهمك وضع طفليك حتى ..؟!”
قال بعصبية مكتومة :-
” طفلاي اللذان فرضتهما شقيقتك علي ..”
اتسعت عينا هايدي بعدم تصديق لمدى حقارته ولا مبالاته بينما صاح شريف عليه بتنبيه ليقول صلاح بلا مبالاة :-
” أنا لم أقل شيئا خاطئا … كما إنك لا تتوقع مني أن أبقى حبيس الشقة لعشرة شهور وربما أكثر ..”
قال شريف :-
” لا حل آخر لدينا يا صلاح … لا يجب أن يراك أحدهم فينفضح سرنا .. ألا يكفي إنني حرصت أن أبعد جميع من يعرفنا في المشفى عن نانسي ولن أترك معها سوى اشخاص محدودين أعرفهم جيدا وأثق بأمانتهم … هذا غير قلقي من رؤية أحدهم لك خلال الفترة السابقة التي لا أعلم أين قضيتها ..”
هتف صلاح ساخرا :-
” يا لها من خطة رائعة … أبقى سجينا مع نانسي لشهور … أي عقل يقبل بشيء كهذا ..؟!”
انتفضت هايدي من مكانها تصيح به :-
” إنظر .. سأفقد ما تبقى من صبر لدي حقا .. أنت لا تمتلك ولو القليل من الضمير .. كم إنك شخص جاحد عديم الرحمة .. شقيقتي كانت ستفارق الحياة ولولا رحمة الله عليها ما كانت لتعيش …”
نهض صلاح مرددا ببرود :-
” وها قد عاشت .. الحمد لله على سلامتها .. ولكن هذا لا يعني أن أبقى حبيسا جوارها …”
قاطعته وهي تكاد تضربه بأول شيء تراه أمامها :-
” هذه مسؤوليتك .. الأمر يتعلق بسمعتك أيضا وسمعة طفليك ..”
تقدم نحوها يردد بأعصاب على وشك الإنفلات :-
” سأقولها مجددا .. هذان الطفلان مفروضان علي من قبل شقيقتك …”
هتفت هايدي بتحدي :-
” إسمعني يا صلاح .. إياك أن تفكر في ليّ ذراعي … قسما بربي إذا لم تتوقف عن حماقاتك وتحترم نفسك وتلتزم بما قرره شقيقك فسيكون لدي تصرف مختلف معك … ”
أكملت وهي ترفع إصبعها في وجهه بتهديد :-
” الى هنا ويكفي .. هذه المرة سأقف بنفسي في وجهك … ولن أتوانى عن تأديبك بالشكل الذي يناسبك .. لن يستطيع أحدهم منعي من ذلك ولن أضع إعتبار لأي شخص حتى الطفلين … والله سأجرك الى المحاكم وأجعلك عبرة لكل شاب دنيء عديم الأخلاق …”
” إفعلي ما تشائين .. إذا كنتِ تعتقدين إنني سأخاف تهديداتك فأنت مخطئة .. والدليل إنني سأخرج من هنا حالا … ولن أبالي بأي كلام سمعته منك وسأنتظر منك ما ستفعلينه معي ..”
كانت يتحدث بتهكم ولا مبالاة ليصيح شريف به :-
” لا تجن يا صلاح ..”
لكن صلاح غير مباليا بالفعل وهو يرفع كفيه أمام شقيقه مرددا :-
” أنا ذاهب يا شقيقي العزيز .. جميع مخططاتك تركتها لك .. نانسي والطفلان كذلك .. تولى أنت مسؤوليتهما إذا أردت أما أنا فلا علاقة لي بكل هذا الهراء .. وليريني كلاكما ما يمكنه فعله وكيف يمكنكما إجباري على ما لا أريده …”
ثم تحرك خارج وهو يرمق كلاهما بنظرات مستهينة لينظر شريف له بخيبة قبل أن يتوجه بأنظاره نحو هايدي لترمقه بنظرات متعالية تخفي خلفها شيئا ما لا يدركه سواها وهي تخبر نفسها بتحدي :-
” سنرى يا صلاح … أنت من بدأت وعليك أن تتحمل ما سيصيبك بسببي .. أنت لم تعرفني جيدا بعد ولكن ستعرفني قريبا .. قريبا جدا يا صلاح ..”
……………………………………………………
أوقف سيف سيارته داخل قصر عائلته ليشير الى جيلان أن تهبط ..
هبطت جيلان من سيارته بآلية لتتفاجئ بهول ضخامة القصر حولها والذي ذكرها لا إراديا بقصر عائلتها فنطقت بلا وعي :-
” هذا منزلك أقصد قصرك ..؟!”
رد بجدية :-
” نعم ، إنه قصر عائلتي ..”
نطقت بعدم إستيعاب :-
” أنت ثري جدا ..”
هتف بدهشة :-
” عفوا …!!”
تمتمت معتذرة :-
” آسفة … لقد تذكرت شيئا عندما رأيت قصر عائلتك …”
هز رأسه بتفهم ثم قال بجدية :-
” سندخل الى القصر .. لا يوجد سوى والدي ووالدتي غالبا في هذا الوقت … سأتحدث معهما بشأنك ..”
أكمل بتنبيه :-
” تجاهلي أي كلام ستسمعينه من والدتي في بادى الأمر … حسنا ..؟!”
نظرت له بقلق ليمنحها نظرة مطمأنة فهزت رأسها بصمت وأخذت تتبعه عندما فتحت الخادمة لهما الباب في دهشة من قدوم الإبن الأصغر في هذا الوقت على غير العادة ليحييها سيف بلهجة إنكليزية طليقة قبل أن يشير الى جيلان أن تدخل فترمقها الخادمة بنظرات متفحصة للحظات قبل أن تنتبه على سؤال سيف عن والديه فتجيبه عن مكان وجودهما وسط عدم إدراك جيلان لما يدور حولها فهي ما زالت لم تستيقظ بعد من صدمتها بكل ما يحدث معها …
أشار سيف الى جيلان :-
” إذهبي مع إيما الى الداخل وإنتظريني هناك ..”
هزت رأسها بطاعة وهي تتحرك مع الخادمة التي حدثتها بكلمات إنجليزية لم تفهم نصفها بسبب عدم تركيزها بينما تحرك سيف حيث تجلس والدته مع والده يرتشفان الشاي الأخضر في هذا الوقت من المساء في الشرفة الخارجية لصالة الجلوس المطلة على الحديقة الخارجية …
” مساء الخير ..”
قالها وهو يتقدم نحوهما لتضع شريفة كوب الشاي خاصتها على الطاولة وهي تردد بتعجب :-
” سيف … مالذي أتى بك في هذا الوقت ..؟! هل حدث شيء ما ..؟! تحدث ..”
قال سيف محاولا تهدئتا :-
” اهدئي يا شريفة هانم .. أتيتت لرؤيتكما لأجل شيء ما لكنه غير مقلق .. اطمئني …”
تنفست شريفة الصعداء بينما ابتسم كمال والده وهو يشير الى الكرسي جانبه :-
” تعال وإجلس جانبي يا ولد فأنا إشتقت إليك ..”
ابتسم سيف برزانة وهو يسحب كرسي له ويجلس عليه مرددا :-
” لقد كنت هنا منذ أربعة أيام … هل إشتقت إلي في هذه الفترة القصيرة يا بابا ..؟!”
ابتسم والده له بحنو بينما قالت شريفة بحزم :-
” تتحدث وكأنها أربعة ساعات يا سيف ..”
منحها سيف إبتسامةخفيفة سرعان ما إختفت وهو يردد :-
” دعوني أدخل في الموضوع …”
أضاف وهو يتأمل نظرات الإهتمام في عيني والده والحذر في عيني والدته :-
” هناك فتاة … مسكينة وجدتها بالصدفة …”
رفعت شريفة حاجبها تردد بعدم فهم :-
” عفوا .. ماذا تقول أنت ..؟!”
قال سيف بجدية :-
” فقط إسمعيني أولا .. الفتاة مسكينة وقاصر .. لا مأوى لديها .. تحتاج الى مساعدة .. الى مكان تبقى فيه … لقد أتيت بها الى هنا لإنه ..”
سرعان ما توقف وهو يسمع شهقة والدته التي تبعتها بإنتفاضة من مكانها تهدر به :-
” هل جننت يا سيف …؟! أين أتيت بها ..؟! ”
أشارت الى زوجها تضيف :-
” هل سمعت ما يقوله ولدك يا كمال ..؟! فتاة قاصر هنا في قصري .. فتاة الله وحده يعلم مالذي أودى بها الى هذه الحال ..؟!”
نهض سيف من مكانه يقول :-
” يا ماما … الفتاة مسكينة .. لقد وجدتها بالصدفة وانا من أصريت على عدم تركها لوحدها … ولإنه لا يمكنني أخذها الى شقتي كوني عازب فلم يكن لدي حل سوى أن آتي بها الى هنا …”
قال كمال بجدية :-
” اهدئي يا شريفة ودعينا نفهم اولا وضع الفتاة ..”
قال سيف بتروي :-
” يا ماما الفتاة صغيرة وبريئة … لم أكن أستطع أن أتركها في الشارع ..
سألته والدته بحنق :-
” وأين عائلتها ..؟!”
رد سيف بجدية :-
” هذا ما سأعرفه منها لكن عندما تستعد هي للحديث ..”
أضاف بتردد :-
” هي متعبة للغاية وتحتاج الى الراحة خاصة إنها حامل ..”
صاحت شريفة بصوت مرتفع :-
” ماذا ..؟! وحامل أيضا ..؟!”
ثم تقدمت نحوه تسأله بملامح متشنجة :-
” سيف يا ولد .. أنت لن تعبث في هذا السن بالتأكيدد..”
قاطعها كمال بحنق :-
” ما هذا الكلام يا شريفة ..؟! ابنك ليس من هذا النوع وأنت تعرفين ذلك جيدا …”
أضاف ينظر الى ولده :-
” بني سيف … من تلك الفتاة ..؟! وما حكايتها بالضبط ..؟!”
رد سيف بصدق :-
” يا بابا .. كل ما أعلمه إنها فتاة إسمها جيلان … في السابعة عشر من عمرها .. متزوجة وتحمل طفلا وعلى ما يبدو إنها هاربة من زوجها …”
جحظت عينا شريفة وهي تقول بحزم :-
” هذه الفتاة لا يمكن أن تبقى لحظة واحدة هنا .. ستغادر القصر حالا .. هل سمعت يا سيف ..؟!”
قال سيف برجاء :-
” ماما من فضلك .. الفتاة صغيرة ومسكينة … بالله عليك تفهمي الموقف ..”
لكن شريفة كانت مصرة وهي تضيف بإصرار :-
” هذا جنون يا سيف .. فتاة لا نعرف عنها شيئا هنا في القصر والأسوء إنها هاربة من زوجها وتحمل طفلا أيضا ..”
قال كمال بجدية :-
” خذ الفتاة الى جناح الضيوف يا سيف …”
ابتسم سيف لوالده عندما صاحت شريفة في زوجة :-
” مالذي تقوله يا كمال ..؟! انا لا أقبل بهذا ..”
قال كمال بدوره بصلابة :-
” وأنا لن أسمح لنفسي أن أترك فتاة صغيرة وحيدة في الخارج في هذا الوقت من الليل .. ستبيت هنا الليلة وصباحا سنتحدث معها ونفهم منها ما يحدث ..”
قالت شريفة برفض :-
” من فضلك يا كمال ..”
لكن كمال بدا أكثر صرامة وهو يردد:-
” قلت كلمتي وإنتهى يا شريفة … هل كلمتي باتت غير مسموعة في قصري ..؟!”
منحته شريفة نظرات نارية وهي تتحرك خارج المكان تتمتم بينها وبين نفسها ببعض الكلمات الحانقة بينما أشار سيف لوالده يشكره قبل أن يذهب الى جيلان التي كانت تجلس في احدى الغرف الجانبية وإيما تقف جانبها عندما أخبرها وهو يتقدم نحوها :-
” هيا يا جيلان .. سآخذك الى جناح الضيوف لترتاحي ….”
أكمل يحدث إيما يطلب منها أن تجهز الطعام لجيلان التي سارت أمامه حيث الطابق الثاني لتدخل الى جناح ضخم ذو تصميم وأثاث شديدين الفخامة والرقي فتسمع سيف يخبرها :-
” إرتاحي قليلا حتى تأتي إيما بالطعام لك …”
أكمل بجدية :-
” سأطلب من إحدى الخادمات أن تجلب لك بيجامة ترتديها بدلا من ملابسك هذه ..”
قالت جيلان بحرج :-
” لا داعي أن تتعب نفسك ..”
قال بصدق :-
” لا يوجد تعب ..”
أكمل بعدها :-
” شقيقتي الكبرى تأتي هنا وتبيت بين الحين والأخرى لذا فهي لديها ملابس دائمية هنا .. صحيح حجم الملابس سيكون كبيرا عليك نوعا ما لكن لا بأس ..”
هتفت جيلان بتردد :-
” ربما سترفض أن أرتدي ملابسها ..”
قال سيف مبتسما بتحفظ:-
” علياء لا تبالي بأشياء كهذه على الإطلاق ..”
أضاف وهو يتجه نحو للخارح :-
” سأتركك الآن وستأتي إيما بعد قليل ومعها الطعام والملابس …”
ثم تحرك خارج لتبقى جيلان لوحدها في الجناح الفخم تتأمله بصمت وقد ذكرها المكان لا إراديا بقصر عائلتها بسبب ضخامته ورقي تصميمه …
إستدارت الى الخلف تتأمل إنعكاس صورتها بالمرآة للحظات عندما انتبهت أخيرا الى ذلك البروز الضئيل في بطنها ليرتجف جسدها كليا دون إرادة منها …
لحظات وركضت حيث الحمام لتقف أمام المغسلة تغسل وجهها عدة مرات بالماء والصابون قبل أن تغادر الحمام بعدما جففت وجهها لتجد إيما أمامها تبتسم لها وقد وضعت لها صينية الطعام على الطاولة بينما هناك بيجامة أنيقة موضوعة على السرير ..
سألتها إيما إذا ما كانت تريد شيئا ما فهزت جيلان رأسها بنفي لتغادر إيما المكان فتبقى جيلان لوحدها عندما عادت رغما عنها تتأمل بروز بطنها بالمرآة …
مدت كف يدها المرتجفة فوق بطنها لتشعر بنبضات قلبها ترتفع بذعر …
هناك داخل بطنها يوجد طفل ..
تذكرت هذا فشعرت بالنفور يسيطر عليها …
نفور يصحبه خوف شديد ..،
خوف من مجهول ينتظرها بوجود هذا الطفل ..
مجهول لا تريد أن تعيشه ..
هي لا تريد هذا الطفل .. لا تريده ..
تحركت بخيبة نحو الكرسي المجاور للطاولة وجلست عليه تفكر إنه لا أمل لها بالخلاص من هذا الوضع ..
هذا الوضع الذي تمقته ..
ملأت الدموع عينيها عندما سقطت نظراتها لا إراديا فوق تلك السكين الموضوعة جانب الشوكة والملعقة بترتيب ….
إرتجفت ملامح وجهها وهي تنظر الى السكينة بتردد وبدأ عقلها يصور لها ما ينتظرها ..
ستجعل السكين تدخل في بطنها فيموت الطفل وتنتهي منه ..
هكذا صور لها عقلها ما سيحدث …
فكرت إنها ستتألم .. ستتألم كثيرا لكن لا بأس ..
سيذهب الألم بعد فترة … بعدما يتم مداواتها …
مهما بلغ مقدار الألم فلن يوازي ألم إنجابها لطفل لا تريده في هذا العمر ..
فجأة شعرت بأن حل المشكلة أصبح بسيطا ..
سارعت تحمل السكينة …
ورغما عنها إرتشعت أنامل ما إن لامست سطح السكينة الباردة لكنها ضغطت على نفسها وهي تتقدم بالسكينة نحو بطنها حتى لامس سطح السكينة المدبب قماش قميصها الرقيق فشعرت به ..
أغمضت عينيها بتأهب تكتم دموعا على وشك التساقط بينما عزمت أمرها على إختراق بطنها بالسكين ولكن قبل أن تفعل ما أرادته سمعت صوت طرقات على الباب فسقطت السكين من يدها بعدما أجفلها الصوت لتسارع برفعها ووضعها بعشوائية على الطاولة قبل أن تسمح للطارق بالدخول فوجدت سيف يدلف وهو يسألها بإهتمام :-
” هل كل شيء بخير ..؟!”
هزت رأسها بصمت وهي تكتم دموعها عندما أشار نحو الطعام :-
“إذا تناولي طعامك …”
أطاعته وهي تجلس على الكرسي مجددا ..
أخذت تتأمل الطعام بصمت قطعه وهو يسألها :-
” إذا ، ألن تتحدثي …؟!”
رفعت عينيها نحوه فظهر الخوف والتردد واضحا فيهما ليضيف بجدية :-
” تحدثي يا جيلان .. ربما يمكنني مساعدتك ..”
هزت رأسها نفيا وهي ترد على الفور :-
” لا أحد يمكنه مساعدتي .. ”
زفر أنفاسه ببطأ قبل أن يتسائل مجددا :-
” هل هربت من زوجك يا جيلان ..؟!”
ظهر الفزع على ملامحها ما إن نطق كلمة ” زوجك ” فحاول تهدئتها وهو يخبرها :-
” أنا يمكنني مساعدتك يا جيلان .. انا ضابط في الشرطة .. يمكنني مساعدتك بل وإنقاذك ممن تسببوا بالأذى لك …”
أضاف وعينيه تنحدران نحو بطنها :-
” والد الطفل هو زوجك ، أليس كذلك ..؟!”
إسترسل :-
” كم عمرك يا جيلان ..؟!”
نطقت بتردد :-
” سبعة عشر عاما ..”
تغضن جبينه برفض رغم إدراكه مسبقا إنها ما زالت قاصرا :-
” هذه جريمة .. كيف يزوجونك في عمر كهذا ..؟! كيف قبل والدك بهذا ..؟!”
هتفت بسرعة :-
” والدي متوفيا …”
ثم قضمت شفتيها بسرعة ليرفع حاجبه يسألها محاولا معرفة المزيد من المعلومات منها :-
” إذا من زوجك منه ..؟! هل والدتك …؟!”
رددت بأسى :-
” والدتي متوفية أيضا ..”
نظر لها بشفقة قبل أن ينهض من مكانه ويتجه يجلس جانبها لتبتعد لا إراديا فيقبض على كفها برفق يخبرها :-
” لا تخافي يا جيلان .. صدقيني انا لن أؤذيك أبدا … على العكس فأنا أريد مساعدتك ..”
أكمل وهو ينظر الى عينيها بإصرار :-
” تحدثي ياجيلان .. أخبريني مالذي حدث معك وجعلك تهريين .. أخبريني عن زوجك وكيف تزوجت به .. تحدثي وأعدك إنني سأساعدك …”
نطقت وهي تلعق شفتيها بتوتر :-
” سأتحدث لكن بشرط ..”
نظر لها بترقب لتضيف بتردد :-
” عدني ألا تعيدني إليهم مهما حدث … ”
صمت للحظات ثم قال :-
” أعدك …”
نطقت بعد لحظات :-
” قصتي طويلة .. لكن ما يجب أن تعرفه إنني ..”
توقفت للحظة بتردد لحظي سرعان ما أزاحته وهي تقرر التحدث ..
إخباره بما حدث .. لم يعد هناك مجال للإخفاء .. لم يعد هناك ما تخشى منه وما ستخسره … مالذي سيحدث أسوء بعد ..؟!
“انا تعرضت للإغتصاب ولهذا زوجوني الى ابن عمي رغم رفضي لذلك..”
جمدت ملامح سيف وهو يومأ برأسه كي تكمل فأضافت وهي تعض شفتيها :-
” ثم حدث بيننا شيء وحملت منه … لقد علمت بحملي متأخرا لإنهم أخفوا عني الأمر خاصة إن إبن عمي طلقني منذ مدة .. ”
أضافت بعدها :-
” انا لا أريد هذا الطفل ولا أريد عائلتي لإنهم خدعوني وإستغلوني كلا بطريقته .. لذا هربت منهم ولن أعود إليهم مهما حدث … ”
كانت تتحدث بجدية واضحة على ملامحها ..
جدية لا تقبل مزاجا …
تأملها بصمت مفكرا في حل لهذه المعضلة فالفتاة تبدو صادقة في حديثها والأهم إنها تبدو مصرة على قرارها في عدم العودة الى عائلتها فما الحل ..؟!
…………………………………..
كانت تقف في المطبخ تعد طعاما شهيا ….
تبتسم بسعادة باتت تعيشها منذ اللحظة التي تلا على مسامعها ذلك الإعتراف …
إعتراف تمنته لشهور طويلة ونالته أخيرا …
إعتراف نالته من الرجل الذي أحبته .. صاحب الخفقة الأولى … أول حب في حياتها والأخير..
كل شيء تغير بعد ذلك الاعتراف ..
هي تغيرت وكذلك هو .. وكأن هناك حاجز ما بينهما تم تجاوزه … وكأن هناك شفرة ما تخصهما واحدة باتت معروفة لكليهما ..
هي أصبحت منطلقة .. سعيدة وكأنها تلمس النجوم بين كفيها …
وهو أيضا تغير .. لقد بدا مرتاحا أكثر من أي وقت .. بدا وكأنه تحرر من شيء ما كان يثقل كاهله …
سمعت صوت الباب يفتح فتركت ما في يدها وركضت بفرحة نحوه ليتلقاها بين أحضانه يعانقها بلهفة مماثلة وهو يحملها بقامتها ذات الطول المتوسط فتضحك وهي تهمس له بشوق لم تعد تتردد وهي تصرح به :-
” إشتقت لك …”
شدد من عناقها وهو يهمس لها بتلك الكلمة التي بات يستخدمها لمناداتها بدلا من إسمها منفردا :-
” حياتي …”
باتت حياته …
هكذا أخبرها وهو يؤكد إن ياء الملكية تلك لن تفارق إسمها بعد الآن ….
يريد أن يثبت ملكيته لها بهذه الطريقة وهو لا يدري إنه إمتلكها منذ أول نظرة ألقتها على صورته …
إمتلك كل إنش فيها دون رحمة …
أبعد وجهه قليلا عنها يقبل طرف أنفها ثم شفتيها لتبادله قبلته بحب قبل أن تتذكر أمر الطعام فصاحت بتذكر :-
” الطعام يا نديم …”
ثم تحررت من بين ذراعيه وركضت بسرعة نحو المطبخ حيث سارعت تقلب الطعام يتبعها هو مرددا بتسلية :-
” هل أطلب طعام من الخارج بدلا من تناول طعام محروق …؟!”
رمقته بنظرات محذرة ليكتم إبتسامته بصعوبة فتخبره بحزم :-
” ساعدني في تجهيز المائدة…”
قال مبتسما بخفة :-
” أمرا وطاعة يا حياتي …”
كتمت إبتسامتها وهي تبدأ بصب الطعام وهو يساعدها كما طلبت بتجهيز المائدة عندما جلسا يتناولان الطعام وهما يتبادلان الأحاديث العامة حيث تثرثرهي له عن يومها في الجامعة فيستمع هو لها بإهتمام وتستمع هي كذلك …
انتهيا من تناول الطعام فجلس هو في صالة الجلوس بعدما ساعدها في تنظيف المائدة تاركا إياها تعد الشاي لهما ..
تقدمت له بعد قليل وهي تحمل كوبي الشاي في يدها ليلتقط خاصته منها ويشكرها قبل أن تجلس هي جانبه فيحيط كتفيها بذراعيه ويتناول كلاهما الشاي بصمت ..
كان جوا عائليا محببا لحياة ورغم إنها عاشت هذه الأجواء مسبقا لكن هذه اليومين شعورها مختلف ..
فهذه الزيجة توجت بالحب المشترك بينهما إضافة الى طفلهما القادم …
نعم هي حامل .. لقد علمت ذلك في نفس اليوم الذي نالت فيها إعتراف بالحب منه وكأن ذلك الطفل الذي تكون داخلها كان تميمة حظها ….
ارتشفت من الشاي خاصتها عندما سمعته يهمس لها :-
” إشتقت لك …”
ضحكت برقة وقد باتت تفهم ما يريده عندما ينطق هذه الكلمتين بتلك النبرة الخاصة .. نبرة مختلفة مليئة بالشوق الذي لا ينضب ..
وضعت الشاي على الطاولة ليجذبها نحوه يقبلها بشغف بادلته إياه حينما حملها بين ذراعيه يتجه بها نحو غرفتهما يمنحها العشق والشغف ..
بعد مدة من الزمن كانت تتوسد صدره لتسمعه يهمس وهو يعبث بخصلاتها القصيرة:-
” ما رأيك أن نخرج ..؟!”
رفعت وجهها تخبره بدهشة :-
” الساعة تعدت الثانية عشر صباحا يا نديم …”
رد بعدم اهتمام :-
” وأين المشكلة …؟!”
أكمل وهو يغمز لها :-
” نتجول في الخارج قليلا …”
ابتسمت برقة وهي تهز رأسها موافقة قبل أن ينهضان بحماس لتأخذ حماما سريعا يتبعها هو ثم يرتديان ملابسهما ويخرجان …
………………………………………………………..
كانت تجلس بجانبه في سيارته الجديدة تنظر إليه بنظرات خلسة قبل أن تتجه بأنظارها مجددا بإتجاه النافذة تتطلع الى الشوارع الشبه مظلمة والهادئة نوعا ما في هذا الوقت من المساء حيث تجاوزت الساعة الواحدة صباحا ورغم هذا خرجا سويا كما أراد هو ..!!
وجدته يصف سيارته أمام أحد المقاهي الراقية عندما إستدار نحوها يسألها بإهتمام :-
” هل نهبط من السيارة ..؟!”
هزت رأسها موافقة عندما هبط كلاهما من السيارة فوجدت يده تعانق كف يدها بتملك باتت تشعر به في كافة تصرفاته الأخيرة عندما سارت جانبه حيث دخلا الى المقهى وإختارا إحدى الطاولات التي تقع بعيدا قليلا بجانب نافذة واسعة تطل على الحديقة الخارجية والتي تضيئها إنارة خافتة تمنح المكان في الخارج جوا حميميا مميزا …
” هل أعجبك المكان ..؟!”
سألها مهتما عندما اومأت برأسها وهي تجيب بصدق :-
” إنه رائع ..!!”
إبتسم بهدوء عندما أشار الى النادل الذي تقدم نحوهما يسألهما :-
” ماذا تحبان أن تتناولان …؟!”
نظر إليها بتساؤل لتجيب بجدية :-
” شراب الحليب بالشوكولاتة من فضلك ..”
قال نديم بدوره :-
” وأنا أريد قهوة معتدلة الحلاوة ..”
ثم سألها مجددا :-
” ماذا تريدين أن تتناولي الى جانب المشروب ..؟!”
ردت بهدوء :-
” لا شيء .. لا أشعر بالجوع …”
” هذا فقط ..!!”
قالها نديم الى النادل الذي إبتسم بلباقة وهو يغادر عندما هتف منتبها:-
” أصبحت لا تتناولين القهوة أبدا كعادتك …!!”
إبتسمت مرددة بحذر :-
” أحاول التقليل منها فهي ليست صحية …”
” معك حق ..”
حل الصمت المطبق بينهما … جاء النادل ووضع المشروبات أمام كليهما وكلاهما يلتزمان الصمت حتى بدئا بتناول المشروبات …
رددت حياة وهي تضع كوبها فوق الطاولة مجددا :-
” سأقول شيئا ولكن لا تتضايق مني ..”
قال بصدق :-
” انا لا يمكن أن أتضايق منك يا حياة وحتى إن فعلت فإنني لا أتضايق منك سوى قليلا ثم سرعان ما يتبخر ضيقي فورا ببساطة مغيظة …!!”
مطت شفتيها تردد :-
” مغيظة …”
ابتسم مرردا بجدية :-
” نعم مغيظة .. عندما لا أستطيع مخاصمتك ليوم واحد حتى بينما أنتِ تخاصمينني لأيام بكل برود فهذا يجعل الأمر مغيظا بالنسبة لي ..”
قالت بسرعة تدافع عن نفسها :-
” انا لم أخاصمك لعدة أيام إلا مرة أو مرتين …”
هز كتفيه مرددا ببساطة :-
” لإنني أسارع لمصالحتك في كل مرة نتخاصم فيها أما أنتِ ..”
توقف للحظة ثم قال بنظرة خرجت مؤنبة رغما عنه :-
” لا تحاولين مصالحتي أبدا ولا تهتمين أبدا عندما نتخاصم ..”
قالت بسرعة :-
” يتهيأ لك .. انا طوال فترة خصامنا أحترق غضبا وحزنا … ربما لا أظهر هذا لك متعمدة لكنني أصبح أتعس شخص على وجه الأرض عندما نتخاصم …”
ابتسم يسألها بمشاكسة :-
” حقا ..؟!”
منحته إبتسامة واسعة أبرزت غمازتيها عندما حملت كوبها ترتشف مشروبها الدافئ بتلذذ …
سمعته يسألها :
” ماذا كنت ستقولين منذ قليل ..؟!”
” نعم تذكرت ..”
أضافت :-
” لقد قابلت ليلى ..”
نظر لها بإنصات لتضيف بحذر :-
” إنها لطيفة جدا …”
هز رأسه مرددا بحذر :-
” نعم .. هي كذلك بالفعل ..”
ابتسمت له وهي تقول :-
” لماذا تغيرت ملامح وجهك … ؟! ”
تنهد وهو يقول :-
” أخشى قول شيء قد تفسرينه بشكل خاطئ …”
أضاف بجدية :-
” ولكن لدي فضول لأعرف كيف ومتى إلتقيتما …؟!”
ردت بجدية :-
” إلتقينا وتحدثنا قليلا .. كان حديثا عاديا ..”
أرادت أن تخبره عما فعلته ليلى وإنها كانت سببا لكشف نوايا عمار لكنها ترددت فهي لا تدرك إذا ما كانت ليلى تتقبل معرفة نديم بالأمر أم لا …!!
إسترسلت تبتسم له بخفة :-
” انا لن أنزعج عندما تتحدث عن ليلى يا نديم …”
أكملت تحجم غيرتها بقوة :-
” مهما حدث تبقى هي ابنة خالتك وخطيبتك سابقا وبينكما عشرة طويلة … هذا غير ما فعلته معك والذي لا يقدر بثمن ..”
عاد التجهم يغزوه عندما تطرقت الى هذه النقطة فإبتسم مجددا وهو يوافقها حديثها بصمت …
أكمل ثرثرته معها حتى مرت أكثر من ساعة على جلوسهما فقررا مغادرة المكان والتوجه الى البحر حيث جلسا على إحدى المصطبات أمامه كما إعتادا أن يفعلا ..
كل شيء كان مثاليا فشعرت إنه الوقت المناسب لتخبره عن حملها …
ورغم إنها كانت تنوي تجهيز مفاجأة خاصة لإخباره لكن فجأة وجدت داخلها رغبة قوية تلح عليها أن تخبره الآن بهذا الخبر المميز لكليهما بل يكاد يكون أسعد خبر سمعته طوال حياتها …
” بم تفكرين ..؟!”
أفاقت من أفكارها على سؤاله فردت بإبتسامة خافتة :-
” لا شيء … ”
” لا تكذبي .. أعلم إنك تفكرين بشيء ما .. شيء مهم أيضا …”
رفعت حاجبها تردد بعدم تصديق :-
” في الفترة الأخيرة أصبحت أشعر إنك تقرأ مشاعري و …”
قاطعها وهو يركز نظراته عليها :
” أنا لا أقرأ مشاعرك يا حياة .. انا فقط أشعر بك وأفهم عليكِ من نظرة أو تقطيبة بسيطة … ”
نظرت له بدهشة ليضيف وهو يجذب كف يدها يقبض عليه بكفه :-
” ألم تدركِ بعد إنني أصبحت أحفظك كخطوط يدي فأشعر بك عندما تحزنين أو تقلقين ..؟! أفهمك من لمعة عينيك عندما تفرحين ومن إختفاء بريقهما المتوهج عندما تحزنين ومن تقطيبتك الواضحة عندما تحتارين …”
شعرت بمشاعرها تتوهج كليا ومعدتها تتقلص داخلها رغما عنها فترمي بجسدها داخل أحضانه بعشق يتملكها دون رحمة ليحاوط جسدها بذراعيه مقربا وجهه من شعرها يتنفس عطرها الدافئ بينما تغمض عينيها بإستسلام وكفي يديها يمتدان نحو بطنها حيث تمكث تلك القطعة الصغيرة التي تخصه داخل رحمها فتشعر برغبة شديدة أن تخبره في هذه اللحظة تحديدا بوجود طفله القادم هنا ..!!
همس لها بصدق من بين أعماقه :-
” أحبك يا حياة …”
إرتعشق جسدها كليا عندما تمتمت أخيرا بخفوت :-
” انا حامل ….”
شعرت بتخشب جسده الذي يحتضنها بينما سيطر الصمت عليه كليا لتهمس بتردد :-
” نديم …”
نطق أخيرا بجسد مرتجف :-
” أنت حقا حامل …؟!”
اومأت برأسها بعدما إبتعدت من بين أحضانه تخبره وهي تبتسم له برقة وحب :-
” نعم حامل …”
ثم وضعت كفها فوق بطنها تضيف بنفس الإبتسامة السعيدة :-
” أحمل طفلنا يا نديم …”
تأمل نديم بطنها ولم يستطع تفسير شعوره في تلك اللحظة …
السعادة التي شعر بها لا مثيل لها ..
سعادة لا تقدر بثمن …
في داخل رحم حياة كانت هناك قطعة منه تنمو داخله ..
قطعة تمثل حياة جديدة قادمة إليه .. حياة تخصه وحده وتنتمي إليه …
في بادئ الأمر دخلت حياة الى حياته ومنحته حياة جديدة بوجودها معه واليوم هناك حياة أخرى تنمو داخل حياته الأولى في رحمها …
حياة قادمة ينتظرها بلهفة رجل يجرب شعور كالذي ينتظره لأول مرة …
منحها نظرات أبلغ من أية كلمات فهي حياته التي أحييته بعد سنوات وداخلها توجد حياة جديدة ستشرق شمسها قريبا وتنير حياته كما أنارت شمس والدتها حياته مسبقا …
كانت ليلى ممددة فوق سريرها تتأمل السقف بشرود تام فهذه حالتها منذ عودتها من العشاء الذي جمعها بكنان والذي إنتهى بموافقتها على عرض الزواج الذي قدمه مجددا لها …
منذ عودتها وهي على هذه الحال …
أخذت حماما سريعا ثم إرتدت أحد قمصان نومها وتمددت على سريرها لتغرق في أفكارها دون توقف ..
حتى هذه اللحظة لا تعرف كيف وافقت ولم وافقت ..؟!
حتى هذه اللحظة لم تستوعب بعد ما تفوهت به …؟!
ربما عليها أن تعترف إنها في تلك اللحظة كانت تبحث عن شيء ما مبهم …
ربما تبحث عن إستقرار أو طوق نجاة ينتشلها من ذكريات الماضي التي ما زالت تحيط بها من كل إتجاه ..!!
ربما هي تأمل أن يحررها هذا الإرتباط من ذلك الماضي وتلك المشاعر المؤلمة التي باتت غير قادرة على مسايرتها وتجاهلها …!!
ربما هي تريد بداية جديدة على وعسى تنجح فيها وتنسى ذلك الماضي بكل ما فيه ..
هي تعلم جيدا إنها تستحق السعادة ..
تستحق أن تحيا وتتزوج وتستقر وتنجب أطفالا …
تستحق أن يكون لديها عائلة كبيرة وجميلة ..
زوج وأطفال وحياة لطيفة …
هي تستحق كل هذا …
لا تنكر إن موافقتها كانت صادمة حتى لها فهي وجدت نفسها بعد تفكير قصير تصرح بقبولها عرضه وما تلا ذلك كان سيء ..
فهي بعدما صرحت بموافقتها شعرت بالتخبط مجددا والقلق مما هو قادم ..
القلق شيء لا بد منه فهي تعلمت من تجاربها السابقة آلا تبني أمالا على شخص ما او تجربة معينة …
أغمضت عينيها بوهن تتسائل مجددا إذا ما كان قرارها خاطئا فيأتيها الجواب صريحا ، هي تعجلت في الموافقة ولكن لم يعد هناك مجال للتراجع …
إعتدلت في جلستها وهي تتأمل الفراغ أمامها بتفكير ..
تطرح على ذاتها سؤالا صريحا واضحا …
هل هي مستعدة للزواج مجددا..؟! والأهم هل هي مستعدة للزواج من كنان ..؟!
” كنان ..”
نطقت إسمه بخفوت بينما أخذ عقلها يراجع ما جمعها به حتى الآن ..
هو شاب ذكي وقوي وجذاب ..
معتد بنفسه جدا ..
يمتلك نزعة من التسلط والغرور واضحة ..
لبق وذو شخصية تتميز بالرقي …
ارستقراطي بالفطرة …
ثري جدا جدا …
لكن هل هذا يكفي لتكون زوجته ..؟!
أخذت تتخيل نفسها زوجة له .. تتزوج من كنان .. تعيش معه …
تتشارك حياة كاملة معه وتنجب أطفالا منه ..
شردت في تخيلاتها فوجدت نفسها ليست نافرة من الفكرة حتى لو لم تكن متحمسة جدا او سعيدة ومتلهفة لحياة قادمة معه …
أليست هذه بداية جيدة ..؟!
فهي رغم كل شيء تمتلك قبولا ناحيته ..
وهناك العديد من الزيجات تتم على مبدأ القبول …
هي لا تنفر منه وتشعر بالقبول عموما ناحيته وهو يريدها …
يريدها بشدة … يريدها كثيرا ويعدها بحياة مثالية …
لماذا لا تخوض التجربة إذا ..؟!
لماذا لا تحاول فتح صفحة جديدة معه ..؟!
ما أسوء شيء قد يحدث بعدها ..؟!
هي تتوقع أي شيء بل باتت تتوقع الأسوأ دائما ..
في النهاية هذه الزيجة هي تجربة ستخوضها وإن فشلت فلن تؤثر عليها كثيرا … هي مرت بتجربة سابقة قاسية ومرهقة ومهما بلغت صعوبة التجربة الجديدة فلن تكون بقدر صعوبة وألم التجربة السابقة …
إبتسمت بتهكم على الحال الذي وصلت إليه وإلى أي درجة بدت بائسة تماما وهي تفكر بهذه الطريقة لكن لا حل آخر لديها ..
هي يجب أن تحاول على الأقل ..
تحاول التحرر من الماضي ومشاعرها القديمة ..
تحاول بدء حياة جديدة مع رجل جديد ..
إذا بقيت على أمل أن تتشافى من جروحها ربما ستمر السنوات دون جديد ..
ستدفن نفسها في ذلك الماضي ..
أين الخطأ في محاولتها هذه ..؟!
ربما تجد ملاذها في هذه الزيجة ..
ربما تستقر حياتها كما تتمنى ..
شعرت بقليل من الراحة تستوطن قلبها وهي تفكر بهذه الطريقة ..
هي لا تمنح نفسها مبررات لقبولها هذا العرض .. إطلاقا ..
هي تقول الحقيقة ..
هي تحتاج الى بداية جديدة ونظيفة …
هي تستحق بداية جديدة وعرض الزواج هذا جاء كفرصة ستتمسك بها علها تكون بداية جديدة حقيقية لها …
نهضت من فوق سريرها و اتجهت نحو الشماعة تسحب الروب الخاص بقميص نومها فترتديه فوق القميص القصير بحمالاته الرفيعة ..
تحركت خارج الغرفة بخطوات هادئة حيث إتجهت الى غرفة والدتها التي تستقر بها لوحدها منذ فترة ..
طرقت على الباب بخفة ليأتيها صوت والدتها تسمح لها بالدخول وعلى ما يبدو كانت تنتظر مجيئها لها رغم مرور حوالي ثلاثة ساعات على عودتها الى المنزل ..
فتحت الباب ودلفت الى الغرفة لتجد والدتها تتوسط سريرها وفي يدها كتاب تقرأه عندما أشارت لها وهي تبتسم :-
” تعالي يا ليلى …”
تقدمت ليلى نحوها تخبرها :-
” أردت التحدث معك قليلا ..”
حافظت والدتها على إبتسامتها وهي تتحرك قليلا الى الجانب:-
” تعالي وإجلسي وتحدثي كما تريدين …”
ابتسمت ليلى بصفاء وهي تجلس جانب والدتها لتهمس لها :-
” انا وافقت على عرض الزواج …”
اختفت ابتسامة والدتها للحظات بسبب دهشتها مما سمعته لكنها عادت وإبتسمت مجددا وهي تسأل بنفس الدهشة :-
” حقا يا ليلى ..؟!”
هزت ليلى رأسها بصمت لتسألها والدتها مجددا :-
” هل أنت متأكدة من قرارك…؟!”
صمتت ليلى ولم تجيبها فتنهدت والدتها ثم قالت بتفهم :-
” كنت أتوقع هذا .. ”
أكملت بحذر :-
” لماذا لم تنتظري قليلا …؟! لم الإستعجال يا ليلى ..؟!”
” ماذا سأنتظر ..؟!”
سألتها ليلى بدورها ثم أكملت :-
” مالذي سيتغير بعد شهر او شهرين او حتى عامين وعامين ..؟! ”
صمتت والدتها ولم تعلق لتكمل ليلى :-
” لا شيء يتغير … السنوات تمر وانا ثابتة مكاني دون أن أخطو خطوة واحدة … لقد ضاعت سنوات كاملة من حياتي .. سنوات ضاعت هباءا وأنا تقبلت ذلك بصمت ولكنني لست مستعدة أن أسمح لسنوات أخرى من عمري أن تضيع مجددا … السنوات تمر يا ماما دون تقدم يخصني …”
قبضت فاتن على كفها تخبرها بصدق :
” حبيبتي .. أنا أكثر واحدة أريدك أن تعيشين حياتك وتنسين الماضي … أنا أكثر شخص يريدك أن تتزوجي وتستقري مع رجل يحبك ويحترمك .. ولكن هذه السرعة تقلقني … خاصة إنك تبدين غير واثقة تماما من قرارك ..”
قالت ليلى بصدق :-
” نعم أنا غير واثقة من قراري لكنني واقعيا لا أستطيع تحديدا ما أريده او ما هو الأفضل لي … من جهة أقول لنفسي إنتظري قليلا فربما الزمن يداوي جروحك وحينها تتعرفين على شخص جديد وأنت خالية من جروح الماضي ومن جهة أخرى أرى في هذه الزيجة فرصة لبدء حياة جديدة عسى ولعل من خلالها أستطيع تخطي الماضي وأحظى بحياة هادئة ومستقرة كما تمنيت دائما .. انا عاجزة عن الثبات على أحد الخيارين فكليهما يبدو لي منطقيا … انا واقفة في المنتصف ولا أعرف كيف أتصرف …؟! ”
” لكنك إخترت الخيار الثاني … رغم ترددك إخترتي الزواج مجددا … مع إنه كان بإمكانك إختيار الأول والإنتظار لفترة ما والتريث .. ”
قالتها والدتها بجدية وهي تكمل :-
” ما السبب الذي دفعك لهذا الإختيار ..؟! لماذا إخترت المضي في حياتك ودخول تجربة جديدة بسرعة …؟!”
تنهدت ليلى وهي تجيب :-
” لا أعلم .. لم أجد سببا محددا ولكن ما أعلمه إنني عندما وجدته يعرض الزواج علي مجددا بل ويصر عليه شعرت برغبة فالقبول .. شيء ما داخلي دفعني لأقول موافقة ..”
” والآن ..؟؟ بعد إعلان موافقتك .. هل تشعرين إنك إستعجلت في الموافقة .,؟!”
نظرت ليلى الى والدتها بحيرة لتقول والدتها :-
” دعكِ من هذا السؤال .. أخبريني عن كنان .. كيف ترينه ..؟!”
ظهر الإرتباك على ملامح ليلى التي أجابت بعد ثواني :-
” قوي .. ذكي … وسيم أو بالأحرى جذاب أكثر مما هو وسيم … ”
تنهدت بصمت ثم إسترسلت :-
” لا أعرف ما يجب قوله ولكنه يعتبر عريس مثالي لأي فتاة ..”
قاطعتها والدتها برفق :-
” دعكِ من صفاته العامة .. نعم هو عريس ممتاز ولكن دعينا نتحدث عن وجهة نظرك فيه او بالأحرى عن مشاعرك نحوه ..؟!”
أضافت بحذر :-
” لا أتحدث عن مشاعر الحب لإنني أعرف إنك لا تحملين هذا النوع من المشاعر نحوه حاليا على الأقل ولكن أتحدث عن شعورك عندما ترينه أو تتحدثين معه …”
همست ليلى بخفوت :-
” يوترني …”
تغضن جبين والدتها التي أنصتت لها بإهتمام :-
” يوترني كثيرا .. ربما بسبب شخصيته … هو ذو شخصية قوية وثابتة بشكل مغيظ ومتحكم أيضا .. عندما أتحدث معه أشعر بنفسي عالقة بين كلامه المنمق والحازم في نفس الوقت … ثقته بنفسه تشتتني رغم إنها تثير إعجابي … كلماته الهادئة والقوية في نفس الوقت تجعلني مترددة دائما … دائما ما يملك هو زمام الأمور ويجيد تدوير أي نقاش لصالحه .. يعرف كيف يجعلني صامتة عاجزة عن مجاراته في حديثه الهادئ الرزين …”
تأملت والدتها التي تتأملها بإهتمام وتستمع لها بإنصات لتضيف بحرج :-
” في الحقيقة أشعر بقليل من الإنجذاب نحوه … يعني ليس إنجذابا قويا لكنه يستطيع أن يسيطر علي كليا بمجرد حضوره … عندما أكون معه لا أجد الفرصة للتفكير بشيء سواه .. هو يمتلك حضور طاغي حقيقة ..”
أنهت كلماتها أخيرا لتسأل والدتها :-
” ما رأيك فيما سمعته ..؟؟”
أجابت والدتها :-
” ما سمعته جيد للغاية … يعني وجود إنجذاب منك ناحيته حتى لو قليل فهو بداية مبشرة ..”
نظقت ليلى بحرص :-
” وأنا فكرت هكذا ووجدت إنها فرصة لي … فأنا أيضا أبحث عن الإستقرار والسعادة وهو يبدو جيدا ومناسبا جدا لما أريده …”
سألت والدتها مجددا بتردد :-
” هل هناك سببا آخرا …؟! مثلا خوفك من مرور الزمن دون الإستقرار وتكوين عائلة..؟! ”
ارتجفت ملامح ليلى كليا وهي تسمع ما قالته والدتها لتجيب بملامح جامدة :-
” وهل هذا خطأ..؟! هل من الخطأ أن أفكر بهذه الطريقة ..؟!”
” نعم يا إبنتي .. ليس خطئا ولكن لم العجلة أيضا ..؟! إنظري من حديثك عن كنان يبدو مناسبا لك وهناك انجذاب عمومي منك نحوه فلماذا لا تمنحين نفسك الفرصة للتعرف عليه أكثر … تتعرفين عليه عن قرب وتتأكدين من توافقكما تماما … مالذي يجبرك على الزواج منه بهذه السرعة ..؟!”
أجابت ليلى بجدية :-
” لإنني بحاجة الى شيء ما يحرك هذا الركود الذي أعيش به .. لإنني أخاف أن أرفض طلبه فأندم فيما بعد عندما تمر السنوات وأنا باقية مكاني .. لإنني لست واثقة من قدرتي على التخطي بعد .. لإنني أريد حياة جديدة مع شخص جديد عسى أن تكون بداية جديدة لي وخطوة جيدة لحياتي القادمة .. ”
صمتت لوهلة ثم قالت بصوت مبحوح :-
” أو ربما لإنني أريد أن أصبح أما …”
تجمدت ملامح والدتها بصدمة مما تسمعه لتضيف ليلى بهدوء :-
” أريد أن يكون لدي أطفال .. أريد تكوين عائلة .. أريد الإستقرار.. أريد أطفالا يا ماما ….”
أخذت نفسا عميقا ثم أكملت :-
” أنا أستحق أن أحيا حياة مستقرة مع زوج محترم وأطفال رائعين …”
همست والدتها غير مستوعبة بعد ما سمعته على لسان إبنتها فهي لم تتوقع أن يكون هذا السبب الذي دفعها لقبول عرض الزواج :-
” بالطبع تستحقين يا صغيرتي ولكن ما زال الوقت مبكرا .. يمكنك الإنتظار قليلا ..”
ردت ليلى بنبرة قاطعة :-
” مالذي سأنتظره يا ماما …؟! سأنتظر أن أحب مجددا … هل سأعيش على أمل دخول شخص جديدا في حياتي يجعلني أقع في غرامه ..؟!”
أكملت وهي تبتسم برضا :-
” أنا لم أعد تلك الفتاة التي تبحث عن حبيب منشود … كنان رجل جيد جدا بل هو حلم لكل إمرأة .. رجل مثالي كما يرى الجميع .. هو حتى يفوقني ثراءا ومكانة اجتماعية … رجل يليق به أن يكون أبا لأطفالي … ماذا سأريد أكثر ..؟!”
تنهدت والدتها ثم عادت تبتسم مرددة :-
“أنت تعلمين إنني أثق جيدا بك وبعقليتك وصحة قرارتك …”
ثم أضافت بخفوت :-
” وبيني وبينك هناك سبب آخر يخبرني إن قرارك هذا سيكون صحيحا بإذن الله …”
عقدت ليلى حاجبيها تسأل :-
“أي سبب ..؟!”
ردت وهي تبتسم بهدوء :-
” تظرتك له … أنت تنظرين له بشكل مختلف … ”
تنهدت ثم شرحت مقصدها :-
” مثلا عندما تقدم زاهر لخظبتك رأيت الرفض واضح في عينيك وعلى ملامحك … جسدك كان ينطق بالرفض وعدم القبول .. لكن الآن لم أرَ رفضا كالذي رأيته عندما أراد زاهر خطبتك كما إنني سمعت كلاما مختلفا تماما عن الذي سمعته منك وقتها … وقتها كل جزء منك كانت ينطق بالرفض أما الآن فأجد قبولا واضحا وهذا الفرق يبدو لي مهما …”
تنحنحت ليلى بحرج لتمد فاتن كفها وتقبض به على كف ابنتها تسحبها وتضعها فوق موضع قلبها تخبرها وهي تبتسم بطمأنينة :-
” كما إنني رغم عدم رضاي عن عجلتك بالقبول لكن قلبي مطمأن .. سبحان الله قلبي مطمئن يا ليلى بشكل لا أفهمه … أنا أثق بحدسي .. انا والدتك … بإذن الله ستكون هذا التجربة لصالحك … توكلي على الله يا ابنتي ولكن إسمعي ما سأقوله …”
نظرت لها ليلى بإنصات لتهتف والدتها بصوت متحشرج :-
” صلي صلاة الإستخارة يا ليلى قبل أن تحددين موعدا لقدومه … صلي يا إبنتي كي يهديكِ الله الى الصواب و كي يطمئن قلبي وقلبك وقتها تماما يا صغيرتي …”
ابتسمت لها بهدوء وهي تهز رأسها موافقة على حديثها …
…………………………………………………
في صباح اليوم التالي ..
في قصر آل نعمان …
كانت شريفة تتناول طعام الإفطار مع زوجها في الشرفة كعادة ملازمة لهما منذ وقت طويل …
تأمل كمال ملامحها المتجهمة منذ ليلة البارحة فقال بخفة :-
” ألن تتخلي قليلا عن هذا التجهم الذي يسيطر على ملامحك منذ ليلة البارحة ..؟!”
تنهدت مرددة بحنق :-
” هل أعجبك تصرف ولدك …؟! يجلب فتاة غريبة الى هنا …”
قال كمال بجدية :-
” أليس أفضل من أن يتركها وحيدة في الخارج … ؟! تصرفه كان شهما يا شريفة .. وانا فخور بما فعله …”
تمتمت شريفة بضيق :-
” الفتاة متزوجة يا رجل وحامل أيضا .. هاربة من زوجها .. ربما تتسبب لإبنك بمشاكل هو في غنى عنها …”
قال كمال بهدوء :-
” أيا كان .. سيف رجل قوي .. لا تخافي عليه .. هو يستطيع تدبر أمره جيدا …”
قالت شريفة بعدم تصديق :-
” برودك يا كمال سيصبني بالجلطة يوما ما ..”
ثم توقفت عن حديثها وهي تشاهد إبنها الأكبر يتقدم نحوها وإبتسامة عريضة مرتسمة على شفتيه فتهتف بدهشة من قدومه في هذا الوقت :-
” كنان ..!!”
” صباح الخير …”
قالها كنان وهو ما زال محتفظا بإبتسامته ثم إنحنى معانقا والده قبل أن يتجه نحو والدته فيقبل كفها بحركة تحبها والدته للغاية قبل أن يقبلها من وجنتيها وهو يردد :-
” كيف حالكما …؟!”
ردت شريفة بخفوت :-
” بخير الحمد لله …”
سحب كنان كرسيا له وجلس عليه مرددا وهو يتأمل المكان حوله :-
” حقا إشتقت لتناول الإفطار هنا معكما …”
قال كمال بجدية :-
” أنت من إخترت الوحدة يا بك … ”
قاطعته شريفة تسأل ولدها بإهتمام جلي :-
” مالذي أتى بك في هذا الوقت المبكر يا كنان ..؟؟ هل هناك مشكلة ما ..؟!”
قال كنان مبتسما :-
” إشتقت لكما فقلت لأمر عليكما قبل ذهابي الى الشركة …”
تأمله والده بصمت بينما عقدت شريفة حاجبيها تهتف بتهكم :-
” منذ متى وأنت تشتاق لنا ..؟! في العادة لا نراك سوى مرة واحدة كل عدة أيام …”
قال كنان بملامح منشرحة :-
” بالله عليك لا تبدئي الآن .. لقد أتيت لتناول الفطور معكما فلا تجعليني أندم على مجيئي …”
أشار كمال الى زوجته :-
” أخبري الخادمة أن تجهز القهوة لكنان كما يحبها …”
هزت شريفة رأسها بصمت ثم نهضت واتجهت نحو زوجها تهمس لها :-
” سأرى ولدك الذي لم يستيقظ حتى الآن وأفهم ما ينوي أن يفعله مع تلك المصيبة التي أتى بها إلينا .. لا تخبر كنان بشيء الآن ..”
هز كمال رأسه بإذعان لتغادر شريفة المكان فيتسائل كنان بخفة :-
” ماذا يحدث يا والدي العزيز ..؟! مالذي كنتما تتهامسان به ..؟!”
قال كمال بإستخفاف:-
” لم أعهدك فضوليا يا ولد ..”
أضاف وهو يتأمل ملامحه المنشرحة :-
” والآن تحدث .. ما سبب هذه الزيارة ..؟! من الواضح إن هناك شيء ما مهم حدث معك … شيء جيد للغاية فملامحك تشيء بذلك ..”
ابتسم كنان متمتما :-
” دائما كا كنت تجيد قراءة ملامحي بسهولة …”
” وسأظل .. انت ولدي الكبير … البكري … أول فرحتي …”
أضاف يتسائل بفضول :-
” هل الأمر يتعلق بما أفكر به ..؟!”
سأله كنان بخبث :-
” ومالذي تفكر به يا بك ..؟!”
رد كمال بمكر :-
” هناك فتاة …أليس كذلك ..؟!”
تراجع كنان الى الخلف وهو يومأ برأسه مجيبا :-
” نعم ، هناك فتاة بالفعل .. لقد وجدت المرأة التي أبحث عنها منذ سنوات .. المرأة التي سأتزوجها …”
ظهرت الفرحة جليا على ملامح الأب الذي ردد بسعادة :-
” وأخيرا يا ولد .. ستفعلها وتتزوج وتجعلني أفرح بك …”
ابتسم كنان مرددا :-
” وأخيرا يا بابا ..”
ثم أطلق تنهيدة صامتة وقال :-
” لكن هناك مشكلة بسيطة …؟! ”
صما للحظة ثم أكمل :-
” طبعا ليس بالنسبة لي وإنما لماما تحديدا ..”
سأله كمال بقلق :
” ماذا هناك ..؟!”
رد كنان بجدية :-
” إنها مطلقة يا أبي …”
حل الصمت للحظات أخذ يتأمل فيها كمال ولده دون كلمة ..
نطق والده أخيرا يسأله :-
” أنت تريدها رغم كونها مطلقة ..؟! أليس كذلك ..؟!”
هز كنان رأسه مرددا بثقة :-
” بالطبع يا بابا والدليل إنني أتيت اليوم لأخبركم بالأمر كي نخطبها فورا …”
سأله والده بحذر :-
” أليس هناك القليل من التردد او الضيق بسبب تجربتها السابقة ..؟!”
تنهد كنان وقال بصدق :-
” أبدا يا بابا .. لا أعلم لماذا تعتقد إن هناك مشكلة داخلي بسبب هذا الأمر ..؟!”
رد والده بجدية :-
” بسبب شخصيتك يا كنان .. شخصيتك تبرهن على ذلك .. ربما لم يسبق لي أن سمعت وجهة نظرك في هذا الأمر لكن شخصيتك التي أعرفها تمام المعرفة تبدو حساسة في أمور كهذه …”
ابتسم كنان مرددا :-
” يؤسفني إخبارك إنك أخطأت في تقييم شخصيتي عند هذه النقطة .. انا رجل متحضر يا بابا .. صحيح انا متملك وصارم وأحب الكمال و المثالية في كل شيء وما زلت ولكن لم أنظر يوما الى المرأة الأرملة أو المطلقة على إنها شيئا منقوصا .. ربما تستغرب هذا لكنني لا أرى إن الطلاق ينتقص من المرأة شيئا ولا أهتم بمبدأ العذرية السخيف … لا يهمني أن أكون الرجل الأول في حياتي إمرأتي .. المهم أن أكون الوحيد والأخير … أنا إخترت ليلى لإني وجدت فيها المرأة التي أريدها كزوجة .. لم أنظر الى مالها او جمالها او وضعها الإجتماعي .. نظرت إلى ليلى نفسها … والشيء الوحيد الذي يهمني هو ليلى نفسها …”
ابتسم والده قائلا بفخر حقيقي :-
” أنت لا تعلم مقدار سعادتي بكلامك هذا يا كنان .. انا فخور بك جدا ..”
قال كنان بدهشة :-
” أنت موافق إذا ..”
قال كمال بجدية :-
” ولم سأرفض ..؟! انظر يا كنان … انا لا يهمني سوى شيء واحد في الفتاة التي إخترتها زوجة لك .. أخلاقها فقط .. أخلاقها ولا شيء عدا ذلك .. فقيرة أم غنية .. ؟! عزباء او مطلقة او حتى ارملة ..؟! كل هذا لا يهمني طالما أنت تريدها ما عدا الأخلاق .. إذا كان الأمر يتعلق بأخلاق الفتاة فحينها سأقف ضدك ولن أقبل بهذه الزيجة …”
إسترسل وهو يبتسم لها :-
” مبارك يا كنان .. حدد موعدا سريعا كي نذهب إليها ونخطبها …”
أضاف يتسائل بإهتمام :-
” هل لديها أطفال ..؟!”
هز كنان رأسه نفيا مرددا :-
” كلا يا بابا …”
” حسنا .. أين تعرفت عليها إذا ..؟!”
سأله والده ليرد كنان :-
” في الحقيقة جمعتني صفقة معها .. مع شركة والدها ..”
” من يكون والدها ..؟!”
رد كنان يخبره :-
” ليلى تكون إبنة أحمد سليمان .. والدها أحمد سليمان .. رجل أعمال معروف … ووالدتها من عائلة صفوان .. عائلة والدتها أيضا كبيرة ومعروفة ومحترمة …”
هز كمال رأسه مرددا :-
” نعم ، أسمع عن والدها وعائلته وكذلك عائلة والدتها لكن لم يسبق لي التعامل مع أحدهم …”
قال كنان بجدية :-
” لقد تعرفت عليها أثناء العمل ومع مرور الوقت وجدت نفسي معجبا بها ووجدت بها الزوجة التي كنت أبحث عنها ..”
” على بركة الله ..”
قالها والده مبتسما ليضيف بحذر :-
” ولكن والدتك لن يعجبها وضع الفتاة الإجتماعي ..”
تنهد كنان مرددا بضيق :-
” أعلم يا بابا …”
ليكمل بعزم :-
” ولكنها يجب أن توافق … لا حل آخر أمامها ..”
ثم نهض من مكانه مرددا :-
” سأذهب وأتحدث معها ..”
هز كمال رأسه بتفهم قبل أن يقول ممازحا :-
” إذا إحتجت مساعدة ستجدني في الخدمة …”
…………………………………………………….
تقدم كنان الى الداخل يبحث عن والدته فوجدها تهبط درجات السلم بملامح متجهمة ليشير لها مرددا :-
” يجب أن نتحدث يا ماما …”
قالت شريفة وهي تسير أمامه متجهة نحو صالة الجلوس :-
” كنت أعلم إن مجيئك هذا ليس بدافع الإشتياق كما تدعي …”
جلست على الكنبة ووضعت قدما فوق الأخرى تضيف متسائلة :-
” ماذا هناك يا كنان …؟! أنا أسمعك …”
جلس كنان قبالها يخبرها :-
” سأتزوج … وجدت الفتاة المناسبة وأريد خطبتها … ”
تهلل وجه والدته فرحا وهي تردد :-
” حقا يا كنان ..؟! وأخيرا ستفعلها .. ؟! وأخيرا ستدخل الفرحة الى هذا القصر مجددا ..؟!”
أكملت تستجوبه :-
” من هي الفتاة ..؟! إبنة أي عائلة ..؟! من يكون والدها ..؟! والدتها ..؟!”
أجاب كنان بجدية :-
” والدها أحمد سليمان … رجل اعمال معروف ووالدتها أيضا من عائلة معروفة .. ”
صمتت لوهلة تتذكر الإسم فتقول :-
” عائلة سليمان جيدة .. ”
ثم أكملت بقليل من الوجوم :-
” لا بأس بهم مع إنني كنت أفضل مصاهرة عائلة أرفع مكانة وشأنا …”
” عائلة سليمان معروفة وذات شأن مرموق …”
قاطعته ببرود :-
” هناك من أفضل منهم … ”
زفر أنفاسه مرددا :-
” نحن لسنا في سباق يا ماما …”
قالت شريفة :-
” أين الخطأ في كوني أريد مصاهرة عائلة توازي عائلتنا مكانة ..؟! هم عائلة راقية وذات مكانة جيدة ولكن ليس بقدر مكانتنا ولا مكانة الكثير من معارفنا …”
” ماما من فضلك …”
قالها بعصبية مكتومة لتزم شريفة شفتيها بعبوس مرددة رغما عنها :-
” حسنا .. كما تريد .. انا فقط أنصحك ليس إلا …”
أضافت تتسائل بفضول :-
” هل هي جميلة …؟! ”
هز رأسه بصمت لتعاود السؤال :-
“جميلة للغاية أم ..”
قاطعها :-
” سترينها بنفسك غدا …”
هتفت بدهشة :-
” سنخطبها غدا …”
اومأ برأسه مرددا :-
” نعم .. أنا أريد الزواج منها بأقرب وقت …”
” أين رأيتها ..؟! كيف تعرفت عليها ..؟!”
تنهد مجيبا :-
” هناك صفقة عمل مشتركة بيننا .. رأيتها وأعجبتني منذ أول نظرة ثم تحدثنا عدة مرات .. هكذا عرفتها ثم قررت خطبتها ..”
صمتت والدته وقد بدا عليها التفكير العميق ليضيف :-
” لكن هناك شيء يجب أن تعرفينه ..؟!”
نظرت والدته له بترقب ليكمل :-
” ليلى سبق لها الزواج …”
اتسعت عينا شريفة ليحسم حديثه بهدوء :-
” ليلى مطلقة يا ماما …”
” مطلقة ..”
همست بها والدته بعدم تصديق قبل أن تنتفض من مكانها تصيح بلا وعي :-
” لا وألف لا …”
أكملت وهي تشير إليه بعصبية نادرا ما تظهر عليها وهي المرأة الحديدية الصلبة في أصعب مواقف الحياة وأقساها :-
” انت لن تتزوج مطلقة يا كنان .. ”
إعتدل في جلسته بثقة يردد بهدوء :-
” إجلسي يا ماما من فضلك ..”
أكمل بجدية وهو يشير الى الكرسي الذي كانت تجلس عليه منذ لحظات :-
” إجلسي يا شريفة هانم ودعينا نتحدث ..”
أضاف بلهجة حازمة :-
” عليك أن تفهمي إنني لا أستشيرك بهذا الأمر .. أنا أخبرك يا ماما بقراري … ”
جلست فوق كرسيها مجددا بعصبية ليضيف بتأني :-
” أنا أريد ليلى يا ماما .. أريدها هي دونا عن غيرها .. لذا تقبلي قراري وإختياري ولا تماطلي لإنك تعرفينني جيدا وتعرفين إنني لن أتراجع عن قراري مهما حدث ..”
نطقت شريفة بأعصاب مشحونة :-
” الآن تركت جميع الفتيات حولك .. تركت أجمل وأفضل الآنسات اللواتي نعرفهن وإخترت مطلقة …”
أكملت تتسائل بحنق :-
” لماذا تفعل هذا يا كنان ..؟! لماذا تختار مطلقة …؟! هناك الكثير من الفتيات حولك .. ألم تعجبك سوى تلك المطلقة ..؟!”
نهض كنان من مكانه مرددا بأعصاب مشدودة :-
” من فضلك يا ماما … ليلى لا يعيبها شيء .. الطلاق لا يعيب أي إمرأة…. انا عندما إخترتها لم أفكر في وضعها الإجتماعي … ”
أضاف بحزم :-
” قراري لا نقاش فيه … سأتزوج ليلى … ”
قاطعته وهي تنهض تقابله :-
” لا تتعجل يا كنان .. الفتاة مطلقة … راجع نفسك … انت رجل عازب ولم يسبق لك تجربة الزواج بل لم يسبق لك إن خطبت حتى فلماذا لا تختار فتاة مثلك ..؟! راجع نفسك بالله عليك ..”
” ألم تفهمي حقا إنني إتخذت قراري بالفعل .. ؟! ماما إسمعيني .. انا أريد ليلى وسأتزوجها .. أريدها بقناعة تامة ودون أدنى ذرة من التردد …”
زفرت أنفاسها بحنق مكتوم قبل أن تسأله بعبوس فشلت أن تخفيه :-
” ولماذا تطلقت الهانم …؟!هل سألت عن السبب أم لا تهتم به كغيره …؟!”
رد ببرود :-
” كلا لم أسأل … كما قلت .. السبب لا يهمني ..”
هتفت من بين أسنانها :-
” لا تجعلني أجن يا كنان .. يجب أن تعرف سبب الإنفصال … ماذا لو كانت عاقرا مثلا ..؟!”
نطق بضيق :-
” ما هذا الكلام يا ماما ..؟!”
قالت ببرود :-
” لماذا تطلقت إذا ..؟! الطلاق له أسبابه … ”
أضافت تسأله عن قصد :-
” كم سنة إستمر زواجها ..؟!”
رد بجمود :-
” خمس سنوات او اكثر بقليل ..”
لوت فمها تردد :-
” ولم تنجب طفلا .. خمس سنوات دون طفل .. ”
أضافت وهي تنظر له ببرود :-
” هذا يعني إنها لا تنجب وإلا من غير المعقول أن تبقى على ذمة رجل لخمس سنوات دون إنجاب طفل ..”
بدا له الحوار مملا للغاية .. غير مرضيا له .. لم يحب أن يصل الى هذه النقطة .. هو واقعيا لم يفكر بالأمر .. ربما لإنه يعلم أسباب الزيجة وبالتالي لم يستغرب سبب عدم وجود طفل كنتاج عنها …
هتف بجمود منهيا الحوار :-
” غدا مساءا سنذهب لخطبتها .. إستعدي …”
ثم تحرك خارج المكان بسرعة كبيرة غير سامحا لها أن تنطق بحرف آخرى بعدما حسم قراره دون رجعة …
………………………………….
كانت تتأمل صورته بجمود ..
منذ أن رأت صورته بجانب عروسه قبل أيام وهي لم تتوقف عن تأمل الصورة بين الحين والآخر ..
تتأمل إبتسامته الرزينة ووسامته الواضحة بتلك البذلة الأنيقة التي يرتديها وعروسه تلك التي لا تعرف سوى إسمها تبتسم بسعادة …
في كل مرة تتأمل بها الصورة تشعر بنفس الألم الذي شعرت به للمرة الأولى عندما سقطت عيناها على تلك الصورة وأدركت إنه تزوج …
تزوج ببساطة ونسيها بسهولة ..
تخطاها وكأنها شيء لا يذكر ..
وكأنهما لم يحبا بعضهما لسنوات ولم يتفقا على الزواج منذ زمن …
لقد تجاوزها بهذه السهولة .. تجاوزها بأخرى دون حتى أن يمنحها حق المعرفة .. !
أليس من حقها أن تعلم بقراره .. ؟!
أليس من حقها أن يخبرها إنه قرر إنهاء كل ما يجمعهما ..؟!
لكنه لم يفعل …
لقد ابتعد لأشهر قليلة ثم فاجئها بتلك الصورة التي جمعته بعروسه ..
صورة نشرها على صفحته الشخصية ومعه عروسه مكتفيا بملصق يمثل قلب ذو لون أحمر وجانبه إسم العروس وكأنه يعلن حبه لها وليس فقط زيجته منها ..
هل أحب تلك الفتاة حقا ..؟!
متى أحبها ..؟!
لم يمر على سفره سوى أشهر قصيرة ..؟!
كيف نسيها بهذه السرعة بل وأحب أخرى …؟!
تشعر بخطأ ما ..
تريد أن تفهم لا بل تريد أن تصرخ به وتلومه وتضربه لإنه ورط قلبها في حبه ثم رحل …
هل كان الخطأ منها ..؟!
نعم هي فسخت الخطبة ولكنها كانت مجبرة وأخبرته بذلك وإن لم يكن بشكل مباشر ..
هي لم يكن بوسعها سوى فعل ذلك ..
أرادت إبعاده لفترة محددة حتى تتخلص من ذلك اللعين ثم تعيد المياه الى مجاريها بينهما …
لكن كل شيء تدمر بزواجه الذي لم يخطر على بالها في أسوء توقعاتها …
عادت تنظر الى الصورة فتشعر بإنقباضة شديدة في قلبها …
كان يجب أن تكون هي العروس وليست تلك الفتاة ..
هي من كانت ستكون زوجته ..
هي حبيبته وخطيبته …
هي بالتأكيد ليست مسؤولة عما حدث فهي كانت مجبرة ..
ولا حتى هو مسؤولا عن ذلك فهو لا يعرف شيئا ..
المسؤول هو ذلك الحقير الذي ينعم بحياة هانئة مع زوجة محبة بينما آثار أفعاله ما زالت تحطم جميع من حوله …
شعرت بالقهر والغضب يسيطران عليها في آن واحد ..
كان من المفترض أن يتزوجان في هذا الصيف بعد إنهاء دراستها …
كان كل شيء سيصبح رائعا كما أرادا ..
لقد خطط لكل تفاصيل زواجهما …وما سيليه …
تمردت دموعها عليها فهطلت وكم كرهت بكائها …
هي لا تريد أن تبكي ..
لا أحد يستحق دموعها …
لا أحد …
سمعت صوت على طرقات الباب فأغلقت هاتفها بسرعة وهي تجفف دموعها بأناملها لكنها فشلت فقفزت من فوق فراشها تركض نحو الحمام لتغسل وجهها فهي لا تحب أن يراها أحد ما وهي تبكي ..حتى والدتها وشقيقتها ..
خرجت من الحمام بعد دقيقتين وهي تجفف وجهها بالمنشفة لتجد ليلى أمامها تتأملها بهدوء قبل أن تلقي التحية :-
” صباح الخير …”
ردت مريم بخفوت :-
” صباح النور ..”
تأملت ليلى شقيقتها بصمت ..
شقيقتها التي باتت معزولة عنهم أغلب الوقت …
لا تغادر غرفتها إلا قليلا ..
صامتة أغلب الوقت ومتباعدة عن الجميع …
شعرت بالشفقة لأجلها ..
هي تتألم لكنها تحاول إخفاء ذلك ..
ترتدي قناعا صلبا تخفي به وجعها …
لم تتفاجئ بردة فعلها بعدما علمت بخبر زواج أكرم ..
لم تتفاجئ عندما عادت من سفرتها متلهفة عليها لتجد البرود لسان حالها وكأنها لم تتصل بها وتخبرها بذلك النبأ الصادم بنبرة عاجزة تملؤها الخيبة والإنكسار ..
لكن لم تجد كل هذا بل وجدت صمود مدهش ولا مبالاة مقنعة لمن لا يعرف مريم …
لكنها تعرفها وتعرف مدى إعتدادها بنفسها مثلما تعرف طبيعتها التي لا تسمح لها بإظهار ألمها أو ضعفها لأي شخص مهما بلغ مقداره …
لم تستطع أن تفعل شيئا وقتها .. التزمت الصمت والمتابعة من بعيد فمريم لن تتقبل أي حديث بعدما إختارت تجاوز الأمر وكأنه لم يكن …
رغم عدم رضاها عن إسلوب التجاهل الكاذب الذي تتبعه وكتمانها مشاعرها كليا داخلها لكنها مضطرة أن تسايرها .. لا حل آخر لديها ..
” جئت لأخبرك أن تتجهزي .. الليلة سيتقدم كنان لخطبتي …”
سيطر الجمود عليها لثواني .. ثواني ونطقت ببرود :-
” جيد ..”
ثم أضافت بملامح ساكنة :-
” مبارك لك …”
تقدمت ليلى نحوها ووقفت أمامها مباشرة لتلمس كتفها تتسائل بإهتمام :-
” أنت بخير، أليس كذلك …؟!”
ابتسمت مريم بتصنع مرددة بمرح مقنع :-
” بخير جدا … حتى إنني كنت سأخرج لتناول الغداء مع صديقتي ظهرا …”
قالت ليلى بتردد :-
” ما رأيك أن تبقي معي اليوم فأنا أحتاجك ..؟!”
عاد السكون يسيطر على ملامحها بينما شعرت بالضيق داخلها فهي كانت ستخرج بالفعل وتتحدث مع كنان وتمنعه من الإستمرار في هذه المهزلة ..
شقيقتها لا تستحق أن تمر بأزمة جديدة …
شقيقتها التي لا تعلم عما يجمع كنان بنديم ولا عما ينويه كنان لعمار والأسوء إنها لا تعلم بما جمع بينها هي وكنان وما فعلاه سويا من خطط لأجل الإيقاع بعمار …
عندما تعلم بهذا ستكون الصدمة شديدة عليها …
صدمة لن تتحملها ..
أرادت أن تعتذر وتتحجج بأي سبب مهم للخروج لكنها وجدتها تضيف بترجي :-
” من فضلك يا مريم … لا تتركيني اليوم … اليوم فقط …”
لم تستطع الرفض فهزت رأسها موافقة لتقبلها ليلى من وجنتيها وتخبرها عن بعض الأشياء التي ستذهب لفعلها بينما كانت مريم تستمع لها دون تركيز …
غادرت ليلى وعادت هي تجلس فوق سريرها تهز قدمها بعصبية واضحة ..
ذلك اللعين يعبث بحياة شقيقتها …
لكنها لن تسمح له بذلك …
هذه الزيجة لن تتم .. لن تكون مريم سليمان إن سمحت لذلك المستغل أن ينال شقيقتها ..
…………………………………………………
تقدمت نحوه بعدما إنتهت من إعداد طعام الغداء فوجدته ما زال نائما بعمق منذ عودته متأخرا ليلة البارحة حيث طلبت منها أن ينم ويرتاح بعد إنهياره المؤلم بين ذراعيها …
وهاهو منذ ليلة البارحة وحتى ظهر اليوم ما زال نائما وكأنه وجد في النوم الملاذ الذي يهرب إليه من الوضع الحالي برمته …
جلست جانبه على السرير تتأمل ملامحه الهادئة أثناء نومه فتبتسم بألم وهي تتذكر البارحة وما أصابه …
لم تتخيل أن تشهد يوما ما إنهيار عمار بهذه الصورة لكنه قد حدث وشهدت إنهياره فعليا بعد مصاب شقيقته …
لا تعلم لماذا تشعر إن ما حدث البارحة مجرد بداية وإن القادم سيكون أسوء ..
شعور داخلي يخبرها إن نهايته إقتربت ..
نهاية ظلمه وطغيانه باتت وشيكة …
شعرت بالدموع تحتقن داخل عينيها وهي تتأمله ينام بذلك السلام الذي لا يشبه حياته ولا أفعاله ..
ليته لم يفعل كل هذا … ليته لم يلوث يديه بكل تلك الآثام ..
كانت تعلم إنه سيأتي اليوم الذي سيدفع به ثمن أخطاؤه وعلى ما يبدو إن موعد حدوث ذلك بات قريبا للغاية …
تمنت لو كان بإمكانها إنقاذه … إنتشاله من كل هذا السواد الذي أحاط به نفسه .. لكنها لن تستطيع .. وهو بدوره لا يشعر بذلك ولا يعترف بمقدار سوء ما فعله …!
مدت كفها تلمس لحيته النامية قليلا تدعو ربها أن يهديه ويزيل تلك الغمامة التي تغطي عينيه ..
ترجوه أن يسامحه و يغفر له خطاياه بعدما يعيد صوابه إليه ويبعد عنه شيطانه الذي ما زال يسيطر على أفكاره وأفعاله …
تنهدت بتعب وأناملها تتحرك فوق لحيته قبل أن تهمس إسمه بخفوت …
رغما عن كل شيء كانت تعلم إنها تحبه بل تعشقه …
هي مدلهة في غرامه بلا حول ولا قوة …
مهما حاولت أن تتوقف عن حبه فلا تستطيع …
وجدته يرمش بعينيه لتضغط على عينيها تخفي الدموع المحتقنة فيهما قبل أن ترسم إبتسامة مرتعشة فوق شفتيها وهي تراه يفتح عينيه الخضراوين أمام عينيها …
” شيرين ..”
قالها بصوته المبحوح لتهمس له وهي تبتسم :-
” مساء الخير ..”
إعتدل في جلسته بتعب ليتأملها للحظات قبل أن ينطق بتذكر :-
” جيلان .. جيلان يا شيرين …”
تمتمت بترجي :-
” جيلان ستكون بخير … صدقني …”
هز رأسه نفيا وهو يردد :-
” لا أعتقد ذلك …”
أكمل بأسف ؛-
” جيلان باتت تكرهني فعلا يا شيرين ولا تريدني في حياتها ..”
هتفت بتروي تحاول بث القليل من الطمأنينة داخله :-
” لا بأس يا عمار … كل شيء سيصبح أفضل .. صدقني … هي الآن ما زالت مصدومة … لم تستوعب بعد ما حدث … هذا أمر طبيعي .. ستحتاج الى وقت طويل كي تتجاوز مصابها …”
” أنا حطمتها … دمرت حياتها ..”
قالها ببؤس لتكتفي بالصمت فهي وبكل آسف تدرك صحة قوله ولا تستطيع أن تنكر ذلك …
نظر لها وقال :-
” لقد دمرتها يا شيرين وهي لن تغفر لي هذا مهما حدث ومهما مرت السنوات ..”
قالت بسرعة :-
” ستغفر يا عمار .. انت في النهاية أخوها .. مهما حدث ستبقى كذلك ..”
هتف متهكما بمرارة :
” أخوها الذي تخلى عنها وألقاها بين أحضان ذلك النذل … أخوها الذي باعها دون ثمن بحجة إنه يريد حمايتها وحماية سمعتها وشرفها …”
” أنت أخطأت يا عمار ولكن خطئك لم يكن مقصودا بشكل كامل .. انت للأسف تسرعت بتزويجها من مهند …”
قاطعها وهو ينتفض من مكانه مرددا :-
” نعم أخطأت … أخطأت خطئا جسيما وهي وحدها من دفعت وستظل تدفع ثمن هذا الخطأ …”
أكمل وهو ينظر لها :-
” ولكنني لم أكن أفكر بشيء سوى بإيجاد حل لتلك المصيبة التي وقعت فيها .. كل تفكيري كان منحصرا في كيفية إنقاذ شرفها المهدور على يد رجل حقير لا أعرفه حتى .. ”
نهضت شيرين تخبره بجدية :-
” وهذا ما ستتفهمه جيلان فيما بعد … ستتفهم إن خطئك لم يكن مقصودا فأنت أردت حمايتها …”
أضافت بثبات :-
” ما تفعله ليس حلا يا عمار .. انت أخطأت وقد حدث ما حدث .. المهم ما هو قادم .. جيلان تحتاجك .. ما زالت تحتاجك .. حتى لو رفضتك وطردتك مرارا ستظل داخلها تحتاجك .. فأنت أقرب شخص لها …”
سألها بعدم تصديق :-
” هل تعتقدين ذلك حقا …”
هزت رأسها بصمت ليزفر أنفاسه بتعب وهو يعاود الجلوس فوق السرير لتجلس جانبه ثم تقبض على كفه وهي ترجوه :
” تماسك يا عمار .. جميعنا نحتاجك وأولنا جيلان …”
نظر إليها للحظات قبل أن يهبط بعينيه نحو بطنها فيسألها :-
” منذ متى وأنت تعرفين ..؟!”
تشكلت إبتسامة فوق ثغرها وهي تضع كفها فوق بطنها بحركة عفوية تجيبه :-
” منذ أربعة أيام فقط … ”
أضافت بسعادة جلية :-
” أنت لا يمكنك تصور حجم فرحتي عندما علمت بهذا الخبر ..”
هتف بقهر :-
” ليتني شاركتك تلك الفرحة .. لكننا كنا بعيدين تماما عن بعضنا .. بسببي كالعادة …”
قبضت على كفه تؤازره وتحاول التهوين عليه :-
” لا بأس يا حبيبي .. ما زال أمامنا الكثير من الأيام التي ستقضيها سويا .. المستقبل بأكمله أمامنا ان شاءالله ..”
سأل بتردد :-
” هل تعتقدين إن مستقبلنا سيكون جيدا ..؟؟ وهذا الطفل .. هل سيولد بجو أسري مريح ويعيش سعيدا في حياته ..؟!”
قالت بهدوء :-
” سيكون كذلك عندما نخلق نحن له هذه الحياة .. حياة أسرية هادئة وسعيدة … عندما ننسى الماضي بكل ما فيه ونفكر في مستقبلنا وما ينتظرنا .. ”
ترددت لوهلة ثم قالت :-
” عندما نسعى لتطهير أنفسنا من جميع آثامنا ونخلق بداية جديدة لنا لأجله هو ولأجلنا …”
جمدت ملامحه وهو يتسائل :-
” ماذا تعنين ..؟!”
عاد التردد يظهر ملامحه .. تردد سرعان ما أزاحته جانبا وهي تقبض على كفه تخبره بعزيمة :-
” أتحدث عن ذنوبك يا عمار .. ذنوبك التي ستظل لعنة تطاردك وتطارد كل من تحبهم ما لم تتحرر منها … ذنوبك في حق من حولك …”
تجاهلت نظرات عينيه القاتمة وهي تسترسل بثبات :-
” عندما تسعى لإصلاح أخطائك في حق جميع من حولك وأولهم أخيك … نديم يا عمار .. نعم سيكون صعبا لكن حياتك وحياة طفلك القادم وحتى جيلان تستحق التضحية …لا بأس في بعض التضحية مقابل حياة سوية هانئة مع أحب الناس لقلبك .. جيلان وطفلك القادم …”
مساءا ..
تقدمت ليلى حيث صالة الجلوس لتجد والدتها تجلس مع كل من والدها وشقيقتها ينتظرونها لتنهض فاتن من مكانها تتأملها بسعادة كبيرة وهي تردد :-
” ماشاءالله … تبدين رائعة للغاية يا ليلى .. حفظك الله يا ابنتي ووفقك …”
ابتسمت ليلى وهي تحتضن والدتها بحب بينما أخذت مريم تراقبهما بصمت تحاول أن تصطنع السعادة التي لا وجود لها ..
إبتعدت ليلى من بين أحضان والدتها لتلتقي عينيها بعيني والدها الذي نهض من مكانه يسألها بجدية مجددا :-
” هل أنت واثقة من قرارك يا ليلى ..؟!”
ابتسمت ليلى وهي تهز رأسها بصمت ليجذبها والدها ويعانقها بحب وفرحة لا تخلو من القلق على إبنته التي عانت طويلا وهو ما زال يخشى عليها بشدة فهو الآن سيمنحها مجددا لرجل لا يعرف عنه سوى أشياء عامة …
تنهد بصوت مسموع وهو يبتعد عنها يربت على جانب وجهها فيرتجف قلب ليلى بسبب تلك النظرة التي رآتها داخل عينيه ..
نظرة تحمل مزيجا من القلق والتردد …
حاولت طمأنته أو ربما طمأنت نفسها أيضا فإبتسمت له بهدوء تخبره من خلال نظراتها ألا يقلق عليها مهما حدث …
تحركت بعدها نحو المطبخ تتبعها مريم حيث تحدثت مع الخادمة عن بعض الأمور ومنحتها بعض الوصايا بينما أخذت مريم تتأملها بذلك الإهتمام والإستعداد الغريب لهذه الخطبة التي حدثت بين ليلة وضحاها فلم تفهم ما يجري وكيف بدت أختها هكذا .. مستعدة تماما وراضية كليا بهذه الخطبة ..!!
هل هي سعيدة فعلا أم تدعي السعادة …؟!
تسائلت مريم داخلها عن مدى سعادة شقيقتها بهذه الزيجة لتتجه نحو شقيقتها تجاورها وتهمس لها :-
” أنت متأكدة من قرارك .. أليس كذلك ..؟!”
نظرت لها ليلى لوهلة ثم هزت رأسها وهي تجيب :-
” نعم يا مريم .. انا متأكدة من قراري ..”
نطقت مريم :-
” ولكن ما حدث في الماضي ونديم ..”
قاطعتها ليلى بحزم :-
” حياتي لن تتوقف بسبب قصة حب فاشلة …”
أكملت بقوة وثقة :-
” حياتي سوف تستمر .. بالشكل الذي أريده ويجعلني سعيدة ومرتاحة حتى لو دون حب …”
أضافت وعيناها تلمعان ببريق مختلف هذه المرة :-
” الحب ليس أساس كل شيء ..”
همست مريم بقلق :-
” انا فقط قلقة يا ليلى … ”
قاطعت شقيقتها وهي تربت على وجهها بحنو خاص :-
” لا تقلقي يا مريم .. صدقيني لا داعي للقلق .. ما أفعله هو الصحيح .. ”
تنهدت وهي تضيف بحسم :-
” لقد نضجت بما يكفي لأدرك إن أفق الحياة الواسعة لا يمكن حصرها داخل قصة حب فاشلة … انا الآن أسير في درب جديد .. درب مختلف تماما .. أسعى لبداية جديدة وحياة جديدة .. حياة إخترتها بنفسي وسأسعى بكل جهدي لتنجح فأنا أستحق أن أحيا بسعادة وأن أحقق الحياة التي طمحت لها يوما ..!!”
” انت بالطبع تستحقين كل السعادة يا ليلى ..”
قالتها مريم بصدق ثم توقفت عن الحديث وهي تشعر بألم أكبر يجثم فوق صدرها ..
شقيقتها تبدو سعيدة بهذه الزيجة ..
يا لها من ورطة … لو فقط تمتلك الجرأة وتخبرها بحقيقة كنان .. !
إبتلعت حسرتها داخلها وهي تمنحها إبتسامة مرتعشة لتنتفض من مكانها وهي تسمع صوت جرس الفيلا يرن فتهمس لها ليلى بتوتر طبيعي :-
” لقد وصلوا يا مريم …”
ثم ما لبثت أن تحركت خارج المكان بخطوات خجول مترددة ..
…………………………………………….
بعدما دلف كنان مع عائلته الى الداخل أشارت فاتن لليلى أن تدخل ..
تقدمت ليلى الى الداخل بخجل عفوي فتأملها كنان بلهفة غريبة وجديدة عليه متأملا إياها بذلك الفستان الأنيق بلونه الرصاصي المميز وتصميمه الناعم جدا والبسيط جدا لكنه يليق بها بشكل خاطف للأنفاس …
شعرها الأشقر المسترسل كان حكاية أخرى وتلك النعومة التي تتمتع بها ملامحها تمنحها هالة من الجمال والرقة والأنوثة والبراءة في آن واحد …
لطالما سحرته بجمالها الذي يدرك جيدا إنه لم يسحره وحده بل سحر الكثير غيره …
جمالها الذي يشعره بإنها لا تنتمي الى هذا العالم وكأنها أتت من عالم الخيال البعيد لتزين واقعهم بجمالها ..!!
كان يتأملها بعينيه .. نظراته تحتضنها وهي تتقدم بخطوات مترددة فينهض هو يستقبلها غير منتبها لنظرات والدتها التي كانت مرتكزة عليه ورأت فيهما ما طمأن قلبها أكثر من الأول وجعلها تسترخي في جلستها أخيرا…
مدت ليلى كفها نحو ليلتقطه ويقبله برقة جعلت وجنتيها تتورد فهمس لها بصوت لم يسمعه سواها :-
” تبدين أجمل من أي شيء في هذا الكون .. ”
إبتسمت بحرج وشكرته بصوت خافت ليقبض على كفها وهو يتقدم بها نحو والدته لتتأمل ليلى المرأة التي تجلس أمامها بملامح هادئة لكنها تحمل من القوة والحزم ما يوازي سنوات عمر المرأة فأشار كنان لوالدته :-
” ماما يا ليلى .. شريفة هانم نصار ..”
إبتسمت لها برقة تردد :-
” أهلا شريفة هانم ..”
نهضت شريفة من مكانها بتثاقل ثم رسمت إبتسامة كاذبة فوق شفتيها وهي تصطنع الترحيب بها :-
” أهلا يا ليلى ..”
أكملت عن قصد :-
” ماشاءالله .. أنت جميلة للغاية … كنان معه حق أن يسارع لخطبتك ..”
ثم منحت نظرة خاصة لكنان تخبره إنها أدت واجبها وفعلت ما تفعله أي أم مكانها فيبتسم برضا ليشير الى والده قائلا :-
” والدي .. كمال نعمان ..”
نهض كمال يهتف بفرحة شعرت بها ليلى :-
” أهلا بك يا إبنتي .. ماشاءالله .. ما كل هذا الجمال ..؟!”
أضاف يحدث زوجته عن قصد :-
” معك حق يا شريفة ..الآن فهمنا سبب عجلة إبنك الغير مفهومة …”
أكمل وهو يخبر ليلى :-
” كنت أعلم إن ذوقه عالي وإنه حينما يقرر الزواج سيختار عروسا مميزة للغاية لكنه فاق توقعاتي فأنت ماشاءالله تبدين كشمس مشرقة تخطف الأنظار ..”
احتقنت ملامح شريفة بتجهم وهي تستمع حديث زوجها وإحتقنت ملامح ليلى كذلك خجلا ليشير كمال الى شقيقته علياء وزوجها ماجد :-
” وهذه شقيقتي علياء… وزوجها ماجد نصار والذي يكون ابن خالي في نفس الوقت ..”
رحبت بها علياء بسعادة وهي تخبرها :-
” لو تدركين مدى سعادتي اليوم .. كنت أنتظر هذا اليوم منذ سنوات .. ليبارك الله لكما بهذه الخطبة …”
ثم همست لشقيقها بينما كانت ليلى تحيي ماجد الذي كان يبارك لها الخطبة :-
” إنها جميلة للغاية .. وتبدو لطيفة أيضا وعائلتها محترمة …”
أكملت وهي تربت على ذراعه بحب :-
” مبارك لك يا كنان ..”
شكرها كنان الذي أشار بعدها الى سيف الذي نهض يستقبلها ليخبرها :-
” وهذا سيف يا ليلى .. شقيقي الوحيد .. ضابط برتبة رائد في الشرطة ..”
ابتسم سيف يرحب بها فبادلته ليلى التحية ليشاكس كنان بينما ليلى إتجهت تجلس جانب والدتها :-
” مبارك يا شقيقي .. عسى الله أن يحميك فقط من عين الوالدة ويتمم زيجتكما على خير..”
منحه كنان نظرات محذرة قبل أن يجد ماجد زوج شقيقته يكتم ضحكته وقد سمع ما قاله سيف فمنح الأخير نظرة معاتبة ليهز رأسه بإستسلام فيعاود كنان الجلوس في مكانه عندما تقدمت مريم تلقي التحية بهدوء فتلتقي عينيها للحظة بعيني كنان فتشيح عينيها بعيدا عن عينيه بسرعة عندما قام أحمد بتعريفها لهم فتبادلوا التحية ثم جلست مريم بجانب شقيقتها ووالدتها بملامح جامدة ..
بدأ كمال حديثه المعتادة في هذه المناسبة حيث تحدث عن رغبة ولده في خطبة ليلى ليسأل أحمد ليلى أمام الجميع عن رأيها كما هو المعتاد لتهز رأسها بصمت فيهتف كمال بسعادة :-
” على بركة الله .. لنقرأ الفاتحة إذا …”
قرأ الجميع الفاتحة عندما تحدث كنان أخيرا بعدما تمت قراءة الفاتحة قائلا :-
” من فضلك يا عمي ومن فضلك أنت يا ليلى .. أريد أن نحدد موعد الخطبة .. لقد فكرت أن نجعلها يوم السبت القادم ..”
نطقت ليلى بذهول :-
” السبت القادم ..؟! أي بعد خمسة أيام ..؟!”
قال كنان ببساطة :-
” نعم ، هل هناك مشكلة ..؟!”
أجابت ليلى بتردد :-
” يعني لا أعتقد إننا سنلحق أن ننهي كافة الأمور التي تخص حفل الخطبة في خمسة ايام فقط ..”
أيدتها علياء :-
” معها حق يا كنان .. فستان الخطبة وحده يحتاج الى مدة طويلة كي يتم تصميمه ..”
قال كنان بجدية :-
” هذا أمر بسيط جدا .. ستختار ليلى التصميم الذي يناسبها وأنت سأطلب من مصمم العائلة الخاص تصميمه خلال يومين …”
قالت فاتن بجدية .-
” ولكن خمسة أيام قليلة جدا يا بني … نحتاج ما لا يقل عن إسبوعين …”
نظر كنان الى أحمد يسأله :-
” ما رأيك أنت يا عمي ..؟!”
رد أحمد بجدية :-
” انا بالنسبة لي لا مانع لدي لكن النساء كما ترى يمانعن فهم يحتجن الى وقت كبير لتجهيز الملابس وترتيبات الحفل …”
قالت ليلى بتردد :-
” أساسا لا داعي أن يكون هناك حفلا ضخما .. حفلا بسيطا بوجود العائلتين والمقربين فقط ..”
هتفت شريفة ببرود :-
” كيف يعني حفل بسيط …؟! كلا بالطبع … سيكون حفلا ضخما يليق بولدي وحفل الزفاف سيكون أضخم منه بكثير … ”
ثم أشارت تسأل زوجها :-
” أليس كذلك يا كمال ..؟!”
رد كمال بهدوء :-
” ما يريده الأولاد سيحدث .. هذا قرار خاص بهما …”
منحته شريفة نظرات حانقة تجاهلها عندما هتف كنان بسرعة ينهي الحديث الذي ربما سيأخذ مسارا لا يريده :-
” سنتحدث بخصوص الحفل فيما بعد يا ليلى .. ولكن الأفضل أن نحدد موعده اليوم ..”
نظرت ليلى الى والدتها بحيرة قبل أن تنطق أخيرا :-
” ليكن بعد إسبوعين …”
هتف كنان على مضض :-
” كما تريدين ..”
أضاف بعدها بجدية :-
” إذا سمحت لي يا عمي فأنا سأجلب شيخ يعقد قراننا مبدئيا يوم الخطبة …”
توترت ملامح ليلى وتفاجئ أحمد بما قاله لكنه أجاب بتروي :-
” حسنا ، لا مشكلة .. ”
ابتسم كنان بجدية وهو يضيف :-
” نعم ، وأساسا لا فرق كبير .. بكل الأحوال الزواج سيكون بعد الخطبة بفترة قصيرة …”
نظرت فاتن إليه وقالت بجدية :-
” موعد الزفاف يخصكما … تحدثا وإتفقا على موعد مناسب .. ”
” بالطبع .. كل شيء سيكون كما تريده يا ليلى ..”
أكمل بجدية :-
” موعد الزفاف ومكان إقامتنا بعد الزفاف .. ”
سألته فاتن بجدية :-
” هل تعيش في منزل عائلتك..؟!”
قاطعتها شريفة ببرود مقصود :-
” إطمئني يا هانم .. كنان غادر منزل العائلة منذ سنوات وإستقر لوحده في قصر خاص به ..”
أضاف كنان بجدية:-
” لدي قصر خاص بي أسكن به منذ سنوات .. ولكن إذا أرادت ليلى فلتختر المكان الذي تريده لنعيش به….”
هتفت ليلى بتروي :-
” في الحقيقة كنت أفضل أن يكون مكان إقامتنا قريبا من هنا …”
سألت شريفة بتبرم :-
” لماذا ..؟! ما الفرق إذا كان المكان قريبا او بعيدا عن هنا ..؟!”
ردت ليلى بهدوء :-
” أريد البقاء قرب عائلتي ..”
لوت شريفة ثغرها وهي تردد :-
” بعد الزواج زوجك سيكون هو عائلتك … أنت ستبدئين محطة جديدة في حياتك أساسها سيكون زوجك وأولادك مستقبلا … ”
نطقت ليلى ببرود :-
” لم أكن أعلم إن الزواج يعني ترك عائلتي الأولى التي قضيت طفولتي وشبابي بأكمله معهم ..”
قالت شريفة بتجهم :-
” لم أقل هذا .. ولكن من غير المعقول أن تختاري مكان إقامتك بناء على مكان إقامة عائلتك .. ”
أضافت عن قصد :-
” إذا كنت تنوين أن تفعلي كما يفعل بعض الزوجات ويقضين أغلب وقتهن في منزل والدهن فالأفضل أن تعيشان هنا بدلا من مشقة المجيء والذهاب يوميا حيث منزل عائلتك ..”
” عفوا … مالذي تعنيه ..؟! بالطبع الأمر ليس هكذا .. كوني متعلقة بعائلتي وأريد أن أكون قربهما فهذا لا يعني إنني سأترك منزلي وأجلس قبالتهم طوال الوقت .. حضرتك يجب أن تعلمي إنني الإبنة الكبيرة هنا ومن الطبيعي أن أكون قرب عائلتي خاصة إن لدي أخين صغيرين يحتاجان الى وجودي حولهما وهذا شيء آخر يجب أن تعلمه يا كنان ..”
أنصت كنان لها لتضيف بتعمد :-
” أخوتي انا مسؤولة عنهم بشكل أو بآخر .. هذا لا يعني إنني سأترك منزلي طوال الوقت ولكنني أحتاج أن أكون قريبة منهما وأتواجد بسرعة عندهما ما أن يحتاجناني ..”
قال أحمد بتردد :-
” ليلى ابنتي .. هذا الكلام لا داعي له … أخوتك جميعنا حولهم ..”
هتفت شريفة تتسائل :-
” عفوا أنا لا أفهم .. لكن لماذا أنت مسؤولة عن أخويك ..؟! والدتك موجودة والحمد لله .. أليس من المفترض أن تعتني هي بأولادها ..؟!”
بهتت ملامح فاتن وتجمدت ملامح أحمد بينما كتم كنان إنفعاله داخله عندما نطقت ليلى بهدوء وثبات :-
” هؤلاء أخواني من زوجة أبي …”
إرتسمت الدهشة على ملامح شريفة التي تسائلت مجددا بضيق خفي :-
” لم أكن أعلم إن والديك منفصلان …”
قاطعتها ليلى بجمود :-
” والدي ليسا منفصلين … والدتي تزوج وأنجب أخي عبد الرحمن وهو ينتظر القادم من زوجته ولكنه لم ينفصل عن والدتي … ”
أضافت وهي تشير الى كنان :-
” كنان بالطبع يعرف ذلك .. نحن لا نخفي هذا الأمر عن أحد …”
هزت شريفة رأسها بتجهم عندما هتف كنان بجدية :-
” حسنا يا ليلى .. لك ما تريدين بالطبع .. أنا أتفهم مسؤولياتك وأقدرها .. سنختار فيلا قريبة من هنا .. وكما قلت قبل قليل .. أنت من ستختارين منزلنا بنفسك …”
شكرته ليلى بإبتسامة باهتة بينما قال كمال بإبتسامه يحاول تبديد الأجواء المتوترة التي سيطرت على المكان :-
” كل شيء سيكون كما تريد عروسنا الجميلة بالضبط .. هي تأمر وكنان ينفذ …”
” شكرا …”
نطقتها ليلى بخجل ليهتف كمال بجدية :-
” لا شكر يا إبنتي … بعد زواجك من ولدي ستصبحين واحدة من العائلة وفي مكانة علياء ابنتي …”
قالت علياء بصدق :-
” بالطبع يا بابا … نحن ننتظر هذا اليوم على أحر من الجمر .. وكما قال بابا .. أنت ستكونين واحدة منا بإذن الله ..”
ابتسمت لها ليلى بلطف وقد شعرت بالراحة الشديدة اتجاه والد كنان وشقيقته التي تمتلك ملامح مرحبة ودودة للغاية لكن عاد حديث والدته يؤرقها مجددا فحاولت أن تتجاهل ما حدث وتستمع لأحاديث من حولها وتشاركهم فيها ..
سارت جانبه متجهة حيث سيارته بعدما أخبرتها والدتها أن ترافقه وهو يغادر …
عائلته غادرت بدورها وهاهو سيغادر بعدما تحدث قليلا مع والدها على إنفراد بناء على طلب الأخير ..
وقفت أمامه قرب سيارته تسأله بحذر :-
” ماذا أراد بابا منك ..؟!”
رد وهو يبتسم بهدوء :-
” أوصاني عليك ….”
نظرت له بدهشة ونطقت بعفوية :-
” ما زال الوقت مبكرا على شيء كهذا … عادة ما يفعل الأبناء ذلك يوم الزفاف …”
ابتسم مرددا :-
” سيكرر وصاياه يوم الزفاف أيضا …”
تنهدت وقالت :-
” مالذي قاله بالضبط ..؟! غير الوصايا مثلا …”
قال بجدية :-
” حسنا هي لم تكن وصايا بالمعنى الحرفي … هو فقط أراد أن يطمئن عليك … يعني تحدث معي بشأن الخطبة وأمور كهذه …”
لاحظ تجهم ملامحها بعدم رضا ليضيف بتروي :-
” هو يخشى عليك قليلا ..”
التوى ثغرها مرددة بسخرية تخفي بها آلمها :-
” لا ألومه … بات يخشى عليّ كثيرا بعد تجربتي السابقة … أرى ذلك في عينيه حتى لو لم ينطقها … يخشى أن أختار الرجل الخطأ مجددا …”
أضافت بملامح مظلمة :-
” وكأنه لم ينتشِ بذلك الإختيار … ويفرح به …”
هتف يتسائل بملامح قوية :-
” أنت تعلمين إن التجربة هذه المرة ستكون مختلفة تماما أليس كذلك ..؟!”
ردت بصراحة :-
” انا لا أعلم أي شيء .. سأترك نفسي للتيار وأخوض التجربة وسأتقبل نتائجها أيا كانت .. ”
” ألا تخافين من الفشل مجددا ..؟!”
سألها بضيق خفي لترد وهي تبتسم ببساطة :-
” لن يفرق معي .. لقد وضعت الفشل قبل النجاح أمامي .. لذا أنا مستعدة لنتائج هذا الإرتباط أيا كانت ..”
دقق النظر على ملامحها بصمت فشعرت بتوتر من نظراته التي بدت تسبر أغوارها ليسألها بنبرة مقتضبة :-
” ومالذي يجعلك تفعلين هذا ..؟؟ مالذي يجبرك على القبول بالزواج من رجل لست واثقة به …؟! ”
ردت بنفس البساطة :-
” لإنني أريد الإستقرار وتكوين عائلة … أريد الإستمرار في حياتي التي لا يجب أن تتوقف .. ولإنني أدرك جيدا إن أي شخص مهما بلغت معرفتي به لا يمكنني الوثوق به كليا وإنه في هذه الحياة لا يوجد ضمانات فلم أجد فرقا يجعلني أنتظر حتى أجد رجلا يمكنني الوثوق به لإن أي رجل سيدخل حياتي قد يغدر بي في آية لحظة …”
لم يعجبه حديثها … كانت تساويه مع غيره من الرجال …
لا ينكر إن صراحتها تثير الإعجاب …
واقعيا هو لا يطيق المجاملات ويحب الصراحة دائما في جميع المواقف ولكن حديثها بهذه الطريقة أثار ضيقه …
خاصة وهي بدت جادة في كل كلمة تخرج من فمها …
بل إن ملامح وجهها ونظرات عينيها وحركة جسدها كانت تنطق بكل ما يتفوه به لسانها ..
وفي تلك اللحظة فهم شيء آخر .. شيئا مهما ..
أدرك كم هي مجروحة … فاقدة للثقة … مطعونة بخنجر الغدر ….
يعلم إن تجربتها السابقة تركت آثرا قاسيا داخلها …
الأمر لا يقتصر على نديم وحبها الضائع له فقط ..
هناك تجربة زواجها السابقة من ذلك المنحط والذي من المؤكد تركت آثارا مؤلمة للغاية داخله ..
الله وحده يعلم ما عانته من ذلك الذي تزوجها فقط كي ينتقم من أخيه ويذله وهي كانت قربانا لهذا الإنتقام ..
بالتأكيد آذاها بشدة طوال السنوات السابقة …
هذا غير زواج والدها على والدتها سرا وإنجابه لصبي من زوجته الثانية …
لم يفت عليه حديثها الساخر عن والدها الذي على ما يبدو كان مشجعا على زواجها من عمار ..
تسائل عن طبيعة علاقتها به حاليا …
هل علاقتهما جيدة ..؟!
هل تتعامل معه كالمعتاد أم إن زواجه من أخرى ترك آثرا عليها وجعل علاقتها به تختلف ..؟!
سمعها تهمس بحرج :-
” أنا أعتذر إذا ما كان كلامي غير محبب ولكنني أفضل أن أكون صريحة تماما معك …”
نطق بجمود :-
” لا عليك …”
أكمل وملامحه تتحرر قليلا من جمودها :-
” أتفهمك .. أتفهمك كثيرا يا ليلى …”
كادت أن تخبره إنه لا يفعل ولن يستطيع أن يفعل …
هو لن يفهمها إطلاقا .. لن يفهم ما مرت به بالضبط …
كم المعاناة التي مرت بها وما نتج عنها …
لكنها لم تنطقها .. فضلت الصمت والإكتفاء بإيماءة صامتة فهي لا تملك الرغبة حاليا للخوض في جدال مزعج بالنسبة لها …
سمعته يسألها :-
” هل لديك شيئا ما مساء الغد ..؟!”
ردت بجدية :-
” كلا ، لماذا تسأل ..؟!”
رد وهو يبتسم :-
” أريد دعوتك على العشاء..”
أكمل متسائلا :-
” هل لديك مانع ..؟!”
حركت رأسها نفيا وهي تجيب بخفوت :-
” كلا ، ليس هناك مانع ..”
ابتسم قبل أن يعاود سؤالها :-
” بالمناسبة ، إختاري يوما قريبا نذهب فيه لإنتقاء خاتمي الخطبة …”
” حسنا ..”
قالتها بنفس الخفوت قبل أن تضيف :-
” يمكننا الإتفاق غدا على موعد معين يناسب كلينا …”
هز رأسه مرددا بجدية :-
” إتفقنا …”
أضاف وهو ينظر نحو سيارته :-
” لأغادر الآن …”
منحته إبتسامة هادئة وهي تقول :-
” مع السلامة …”
بادلها إبتسامتها قبل أن ينحني نحوها ويطبع قبلة خفيفة فوق وجنتها لترتبك كليا فيشعر هو بإرتباكها ليبتسم بمكر خفي وهو يودعها مجددا ويغادر المكان لتبقى هي تتأمله وهو يغادر حتى تحركت بجسدها عائدة الى داخل منزلها ..
………………………………………….
دلفت ليلى الى الداخل لتجد والديها ينتظرانها في الداخل بينما قد غادرت شقيقتها الى غرفتها في الطابق العلوي …
تقدمت نحوهما لتهتف فاتن بجدية :-
” والدته لم تعجبني … تبدو متعجرفة للغاية … لا أحب هذه النوعية من الناس …”
نطقت ليلى بجدية :-
” وأنا كذلك …”
قال أحمد :-
” أنت أيضا أخطئت يا ليلى …”
تغضن جبين ليلى وهي تتسائل :-
” فيمَ أخطأت يا بابا ..؟!”
رد أحمد بهدوء :-
” ما كان عليك أن تطلبي منزلا قريبا من هنا .. ”
” لماذا ..؟! أنا أريد أن أبقى قريبة منكما دائما و …”
قاطعها أحمد بتروي :-
” لا يوجد منطق كهذا يا ليلى … أنت عندما تتزوجين سيكون لك حياتك الخاصة … من غير المعقول أن تتحدثي عن مسؤولياتك إتجاهنا أو بالأحرى إتجاه أخويك وهما لديهما أب وأم أيضا ..”
قالت ليلى بتهكم :-
” وأين هي والدتهما يا بابا ..؟! سهام سترمي الطفل الآخر ما إن تلده مقابل بقية الأموال التي ستأخذها وتعاود حياتهما كليا كما أردت …”
تجهمت ملامح أحمد فشعرت ليلى إنها تحدثت بقليل من القسوة لتقول بسرعة وخفوت :-
” انا لا أقصد ..”
قاطعها أحمد محاولا إخفاء تجهمه :-
” أنت معك حق يا ليلى.. ولكن هذا لا يعني أن تتحملي أنت المسؤولية … أنا والدهما وسأتحمل مسؤوليتهما كاملة …”
قالت ليلى بتعقل :-
” أنا لم أقل إنني سأتولى تربيتهما يا بابا كما إنني لم أرد البقاء قربكم لأجلهما فقط … الفكرة إنني الكبيرة وإعتدت منذ فترة أن أتواجد في كل ما يخص العائلة .. أنت نفسك طلبت مني هذا … وأنا أعرف جيدا إنك ما زلت تحتاجني خاصة هذه الفترة وحتى ماما ومريم … انا لا أريد ترككم تماما ولكنني في نفس الوقت لن أبقى طوال الوقت معكم … انا فقط فكرت أن أتواجد قربكم ليس إلا حتى إذا ما إحتجتموني تجدوني عندكم فورا …”
قالت والدتها أخيرا بعدما كانت تسمعها بصمت :-
” لست مضطرة لفعل ذلك .. بل لا يجب أن تفعلي أساسا ..”
سألتها ليلى بصدمة :-
” هل أنت أيضا غير موافقة على حديثي …؟!”
هزت فاتن رأسها وقالت :-
” نعم يا ليلى .. طلبك لم يعجبني والذي لم يعجبني أكثر إنك تحدثت به أمام الجميع وقلت بالحرف الواحد إنك تريد منزلا بجانب منزلنا وكأنك تتعمدين إيصال هذه الفكرة لهم …”
سألتها فاتن وهي تنظر إليها بترقب :-
” هل كنت تتعمدين قول هذا أمامهم يا ليلى ..؟!”
قالت ليلى بنفي غير مقنع :-
” بالطبع كلا …”
منحتها والدتها نظرة تدل على عدم تصديقها لتشيح ليلى وجهها بعيدا فتضيف والدتها بنفس الهدوء :-
” أيا كانت غايتك من قول هذا فعليك أن تعلمي إن تصرفك كان خاطئا …”
نظرت ليلى لها بإستنكار لتومأ فاتن برأسها وهي تسترسل :-
” نعم يا ليلى … صحيح إن والدته لم تعجبني إطلاقا بعجرفتها الواضحة ولكن واقعيا أي أم كانت سترفض ما تطلبينه أيا كانت طريقة الرفض هذه .. قليل جدا من تقبل شيئا كهذا … لا يوجد منطق يقول أن تشترط العروس البقاء قرب عائلتها خاصة إذا كان والديها بخير ولديها أخوة غيرها يعني ليست الوحيدة ووالديها في حالة تجعلهما يحتاجانها بجانبهما ..”
هتفت ليلى تدافع عن نفسها :-
” من قال إنني سأبقى جانبكما دائما ..؟؟ انا فقط أردت الإقامة قريبا منكما كي …”
” هل تصدقين ما تقولينه ..؟!”
سألتها فاتن بحزم وهي تضيف :-
” ما الفرق إذا سكنت في نفس منطقتنا او في منطقة تبعد ثلث ساعة عنا ..؟؟ لماذا تتحدثين وكأنك ستعيشين في بلد آخر ..؟!”
أضافت فاتن بثبات :-
” إذا كان حديثك هذا متعمدا كنوع من الإختبار فعليك أن تعلمي إنه لا المكان والزمان كانا مناسبين ولا حتى الطريقة …”
سيطر العبوس على ملامح لتتقدم فاتن نحوها فتربت على جانب وجهها وهي تخبرها بصدق :-
” من واجبي أن أنصحك يا ليلى وأوجهك عندما تحتاجين هذا .. لا تحزني بسبب حديثي فأنا أريد مصلحتك دائما ….”
ابتسمت ليلى دون مرح قبل أن تشير لها ولوالدها :-
” سأصعد الى غرفتي … عن إذنكما …”
ثم صعدت بالفعل الى غرفتها وفتحت الباب لتتفاجئ بمريم تجلس على سريرها بملامح حانقة …
نهضت مريم من مكانها تردد بينما ليلى تغلق الباب خلفها :-
” والدته لا تطاق .. حرباء بمعنى الكلمة …”
لم تجب ليلى وهي تتجه نحو المرآة حيث بدأت في خلع أقراطها لتضيف مريم وهي تتقدم نحوها :-
“كيف ستتحملينها …؟! حقا لا تطاق ..”
أكملت بحذر :-
” ومن الواضح إنها ليست راضية عن هذه الزيجة …”
إستدارت ليلى نحوها بعدما نزعت أقراطها الماسية لتقول بهدوء :-
” غالبا كذلك …”
سألتها مريم :-
” وماذا ستفعلين ..؟! هل ستتزوجينه دون رضا والدته ..؟!”
تجهمت ملامح ليلى وهي تقول :-
” هي أتت بنفسها اليوم … أتت لخطبتي … وهذا لا يعني إنني سأتزوج دون رضاها … ربما هي لا تريدني فعليا ولكنها أتت …”
قاطعتها مريم :-
” ومالذي يجبرك على الزواج من رجل والدته لا تريدك …؟!”
قالت ليلى بضيق :-
” هي لم تقل ذلك .. إفهميني يا مريم … لو لم تأتِ اليوم فما كنت لأقبل بهذه الزيجة لكنها أتت .. أتت برضاها أو رغما عنها ليس مهما .. ما يهم إنها أتت … كخطوة أولى لا حجة لدي لرفضه بسببها لإنها واقعيا كانت موجودة وبالتالي هي بقدومها أعلنت موافقتها على الزيجة أما ما سيحدث في الأيام القادمة وما ستفعله هو ما سيحدد القادم .. على أساس تصرفاتها القادمة سأقرر إذا ما تستمر هذه الزيجة أم تنتهي أفضل …”
ظهر عدم الرضا على وجه مريم فتجاهلت ليلى ذلك وهي تتجه نحو خزانة ملابسها تخرج قميص نوم لها عندما سمعت طرقات على باب الغرفة لتسمح للطارق بالدخول وهي تبحث عن قميص مناسب لها ..
إستدارت ليلى بعدما إنتقت أحد قمصان نومها لتجد والدتها تلج الى الداخل لتهتف بتعجب وهي تطالع مريم :-
” ماذا تفعلين هنا يا مريم ..؟!”
هتفت مريم تجيب :-
” كنت أنتظر ليلى للتحدث معها قليلا … ”
أضافت بجدية :-
” وأخبرها إن حماتها تلك تبدو صعبة للغاية ..”
قالت ليلى بحذر :-
” لم تصبح حماتي بعد … ”
هتفت مريم بحنق :-
” من الأفضل ألا تتزوجي من رجل لدية أم حرباء مثلها ..؟!”
نهرتها فاتن :-
” إنتقي ألفاظك وأنت تتحدثين عمن يكبرونك سنا بأعوام ..”
أكملت فاتن بجدية :-
” كما إنك سمعت كلام شقيقتك .. هي لم تصبح حماتها بعد وربما لن تصبح … لماذا العجلة في الحكم على ما هو قادم ..؟! ربما لن تكون هناك خطبة من الأساس …”
دعت مريم في سرها ألا تتم هذه الخطبة بينما قالت فاتن لليلى :-
” حبيبتي … لا تشغلي نفسك بكل هذا الآن … توكلي على الله وهو سيقدم لكِ كل الخير بإذنه تعالى …”
ابتسمت ليلى تردد :-
” بإذن الله .. هذا ما سأفعله أساسا …”
أكملت تسأل والدتها :-
” هل هناك شيء ما دفعك للمجيء الى غرفتي..؟!”
قالت فاتن بجدية :-
” أتيت فقط لرؤيتك والإطمئنان عليك قبل النوم وكي أخبرك ألا تشغلي بالك بأي شيء …”
” انا بخير ..”
قالتها ليلى وهي تبتسم برقة عندما سمعت صوت رنين هاتفها فإتجهت تحمله من فوق الفراش بعدما وضعته عليه لتمد مريم رأسها كي تعرف هوية المتصل عندما هتفت ليلى وهي تنظر الى والدتها :-
” إنه كنان …”
” حسنا أجيبي عليه .. ربما يريد إخبارك بشيء ما ..”
ثم أشارت الى مريم :-
” هيا يا مريم …”
سألتها مريم بعدم فهم :-
” إلى أين ..؟!”
قالت والدتها بتنبيه :-
” كنان يتصل بليلى .. لنغادر نحن …”
سألت مريم بحيرة :-
” لماذا سنغادر ..؟! غادري أنت فأنا أريد البقاء معها قليلا …”
نظرت فاتن لها بعدم تصديق قبل أن تقول :-
” لا تكوني غبية يا مريم .. مالذي ستفعلينه معها الآن ..؟! الفتاة ستتحدث مع الرجل الذي بمثابة خطيبها لذا يجب أن تغادري حالا وتتركيها على راحتها …”
إحتقنت ملامح مريم بجمود بينما كتمت ليلى ضحكتها عندما تمتمت مريم مرغمة :-
” حسنا ، سأغادر ..”
ثم خرجت من الغرفة على مضض تاركة ليلى تضحك بخفة على شقيقتها وحنقها الغير مبرر ..
………………………………………………………
كانت تجلس فوق الكنبة بملامح متألمة بعد تلك المواجهة الصعبة التي جمعتهما ..
كل شيء عاد من حيث بدأ …
لقد عادا الى نقطة الصفر مجددا …
وهي التي ظنت إنها تستطيع أن تفعل شيئا وتحرره من قيود الماضي …
تأملت أن يسمعها هذه المرة ويستوعب حديثها بعدما حدث مع جيلان ….
تأملت أن يفيق من غفلته ويفهم إنه يدمر نفسه ومن حوله بتصرفاته وبما فعله مسبقا وما زال يفعله …
تلألأت الدموع داخل عينيها الخضراوين وهي تتذكر ما حدث بعدما نطقت كلماتها …
” عندما تسعى لإصلاح أخطائك في حق جميع من حولك وأولهم أخيك … نديم يا عمار .. نعم سيكون صعبا لكن حياتك وحياة طفلك القادم وحتى جيلان تستحق التضحية …لا بأس في بعض التضحية مقابل حياة سوية هانئة مع أحب الناس لقلبك .. جيلان وطفلك القادم …”
نظراته القاتمة وجمود ملامحه الذي إستمر للحظات قليلة بعدما أنهت حديثها جعلها تتوجس منه حذرا وهي تترقب ردة فعله المتوقعة ولم يخب ظنها عندما نطق وهو ما زال محتفظا بجمود ملامحه وقتامة عينيه :-
” هل جننتِ يا شيرين …؟! هل تستوعبين ما تقولينه …؟! ”
حاولت أن تحافظ على ثباتها وهي تردد :-
” أعي جيدا ما أقوله يا عمار … ما أقوله هذا لأجلك ولأجل جميع من حولك .. لأجل جيلان و ..”
صاح بها بقوة يقاطع حديثها :-
” إصمتي … توقفي عن هذا الهراء … لا شأن لجيلان بكل هذا …”
أضاف وهو ينهض من مكانه بعصبية بعدما تخلى عن جموده :-
” توقفي عن تفكيرك الأحمق المعتاد …”
نهضت من مكانها بدورها تخبره بقوة وإصرار :-
” تفكيري ليس أحمقا يا عمار .. أنا أقول الحقيقة .. الحقيقة التي مهما حاولت إنكارها فهي موجودة لا مجال للهرب منها …”
صاح بنرفزة :-
” أي حقيقة يا هذه ..؟! عم تتحدثين أنت ..؟! لقد جننت تماما ….”
أجابت بنفس الثبات وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها بعزيمة :-
” حقيقة إن جميع ما يحدث معك هو نتاج أفعالك الخاطئة والمؤذية لغيرك .. حتى ما أصاب جيلان كان بسببك … عليك أن تعلم إن جميع ما تمر به هو عقاب من الله الذي لن يرضى بظلمك مهما حدث .. ”
أكملت وهي تتقدم نحوه وتنظر له تحدي:-
” لا تحاول إنكار ما أقوله .. إعترف إن جميع ما يحدث معك هو نتيجة ما فعلته بأخيك وغيره .. إعترف إن جيلان وما حدث معها كان جزءا من عقاب الله لك .. إنه العدل يا عمار …”
كانت عيناه تنظران لها بشكل مخيف …
بدتا كحفرتين من الجمر المشتعل …
نطق وكل جزء منه يأبي الإعتراف بحديثها أو تصديقه :-
” توقفي عن حديثك هذا يا شيرين … إذا كنت تحاولين إحياء ضميري بهذه الكلمات فلن تفلحي … ”
” أنت تعترف إن ضميرك ميت إذا ..؟!”
نطقتها بلا وعي ليصرخ بصوت جهوري جعل بدنها يرتجف ذعرا مع نظرة عينيه القاتلتين :-
” نعم .. ”
أضاف بجبروت مهيب :-
” ضميري ميت … ضميري ميت يا شيرين … هل يرضيك هذا الآن ..؟!”
صاحت بدورها وقد شعرت بكلماته تلك تنهي جميع صبرها :-
” كلا لا يرضيني ولا يرضي أحد … أنت تدمر نفسك وجميع من حولك … إرحم نفسك وإرحم من حولك … توقف عن الإنكار … ”
أضافت برجاء وعينيها ملأتهما الدموع :-
” متى سوف تستيقظ من غفلتك تلك يا عمار ..؟! جبروتك هذا لا نهاية له .. طغيانك يا عمار سينقلب عليك فالنهاية ..”
أكملت بملامح محتقنة :-
” أنت دمرت حياة أخيك وليلى وغيرهم .. دمرتهم جميعا دون ذنب وما زلت ترفض الإعتراف بذنبك في حقهم جميعا …”
” ذنبي في حقهم ..؟!”
نطقها بتهكم وهو يضيف :-
” وماذا عن ذنب صباح في حق والدتي ..؟! وعن ذنبهم في حقي ..؟! صباح ووالدي وجدتي وغيرهم ..”
إسترسل :-
” ماذا عن رحيل والدتي في منتصف شبابها بتلك الطريقة الشنيعة ..؟! ماذا عن معاناتها لسنين بسببهم ..؟! ماذا عني وأنا أتجرع مرارة فقدانها منذ طفولتي مرة بسبب والدي ومرة بسبب الموت ..؟!”
إندفع يقبض على ذراعها يهزها وهو يصرخ بها :-
” ماذا عن حقي أنا ..؟! هل أتنازل عنه ..؟! وإذا فعلت فهل سأتنازل عن حق والدتي أيضا ..؟! أنا تجبرت نعم … وظلمت نعم .. ولكن جميع ما فعلته لم يكن سوى دين .. دين واجب عليهم أن يدفعوه .. كان يجب أن أخذ حقي وحق والدتي منهم . هل فهمت .. ؟! هل فهمت يا شيرين ..؟! أجيبي ..”
كان يصيح بأعلى صوته وهو مستمر في هزها بينما دموع شيرين تتساقط فوق وجنتها بحرارة لتصيح به أخيرا :-
” توقف ..”
ثم حررت ذراعها من قبضته بعنف وهي تضيف :-
” وهل تعتقد إنك إسترجعت حقك وحق والدتك بهذه الطريقة ..؟! بالظلم والطغيان .. بتلفيق تهمة لأخيك دمرت مستقبله كاملا .. بتدمير حياة ليلى التي لا علاقة لها بجميع ما تقوله أساسا …”
أضافت وهي تبتسم بألم:-
” أنت تعتقد إنك بما فعلته نلت حقك وحق والدتك .. وماذا تعتقد أيضا ..؟!”
نطق بجمود :-
” لا يهمني جميع ما تقولينه .. المهم إنني أخذت حق والدتي ممن ظلمها أيا كانت الوسيلة .. لقد إنتقمت منهم جميعا كما وعدت والدتي … أخذت حقها الذي عجزت هي عن أخذه في حياتها .. جعلتها ترتاح في قبرها بعدما عاشت لسنوات تتعذب في دنياها …”
” يكفي يا عمار … يكفي بالله عليك ..”
صاحت به شيرين بألم باكي وهي تضيف :-
” هل تعتقد إن والدتك تشعر بالراحة الآن بعدما فعلته ..؟! هل ستشعر والدتك بالراحة وأنت أخذت حقها منهم بهذه الطريقة ..؟! هل ستشعر بالراحة وهي تعلم إنك بما فعلته أصبحت ظالما لا تختلف عنهم بشيء ..؟؟ هل ستشعر بالراحة وهي تراك على هذه الحالة المرعبة …؟! وماذا عن جيلان ..؟! هل تعتقد إن والدتك سعيدة بما فعلته وما نتج عنه ..؟! هل والدتك سعيدة بما حدث مع إبنتها التي تركتها أمانة عندك ..؟!”
صاح بها :-
” توقفي …”
صرخت بدورها :-
” بل توقف أنت ..”
أكملت بأنفاس لاهثة :-
” توقف بالله عليك .. مرة واحدة فقط إستوعب ما تفعله .. إستوعب مدى الضرر الذي ستلحقه بنفسك ومن حولك بسبب تصرفاتك التي ما زلت متمسكا بها ..”
أردفت بتوسل :-
” إذا لا يهمك نفسك وما سيصيبك ففكر بجيلان وطفلك … فكر بنا يا عمار .. لا ذنب لجيلان كي تدفع ثمن جرائمك … انا لن أسمح لك بتدميرها وتدمير طفلنا القادم .. توقف بالله عليك .. راجع نفسك وتصرفاتك .. إذا لم يكن لأجلك فليكن لأجل جيلان ولأجلي أنا وطفلك …”
هتف بقوة تسبب القهر :-
” انا أستطيع حمايتكم جميعا وحماية نفسي أيضا ..”
” أنت تتوهم .. إذا كنت تعتقد إنك ستنفذ سالما بنفسك وبنا دون أضرار بعد كل ما فعلته فأنت موهوم … أخيك لن يتركك وشأنك … لا بد إنه يسعى لنيل حقه منك …”
” ليفعل ما يشاء … لا يهمني ..”
نطقها بلا مبالاة لتصيح به بأعصاب منهارة :-
” لكنه يهمني .. يهمني أنا يا عمار .. لست مستعدة أن أخسر طفلي بسببك .. لن أقبل أن يدفع طفلي ثمن أفعالك .. وجيلان كذلك … ”
أضافت بتعب :-
” أنت ستصبح أب بعد أشهر قليلة .. إذا لم تفكر بطفلك ولا بأختك بعد كل هذا فيؤسفني أن أقول إنني لا يمكنني البقاء على هذا الوضع لإنك ..”
صمتت تبتلع ريقها وهي تضيف بحسرة :-
” لإنك ستثبت لي حينها إنك لا تملك ضميرا ولا إحساس ولا خوف من الله ومن لا يخاف ربه لا يمكنني أن أعيش معه .. من لا يخاف ربه أتوقع منه أي شيء مهما بلغت بشاعته …”
عاد الجمود يكسو ملامحه وهو يردد :-
” ومالذي يجبرك على البقاء معي إذا ..؟!”
نظرت له بوهن ليضيف وهو يردد بغضب مكتوم :-
” مالذي يجبرك على البقاء مع رجل مثلي يا شيرين …؟! ”
أضاف بسخرية :-
” شيرين المثالية .. البريئة التي تزوجت وحشا مثلي تعرف جميع أفعاله … تزوجته رغما عن أنف الجميع .. رغما عن أهلها ورفضهم لهذه الزيجة .. بل وحملت منه أيضا وفجأة تذكرت مدى قذارة أفعاله فقررت أنه وحش مؤذي معدوم الضمير ولا بد أن يعود الى وعيه …”
همست بملامح موجوعة :-
” لا بأس يا عمار .. لن ألومك على ما تقوله ولا على معايرتك لي لإنني أستحق .. أستحق سماع هذا الكلام بعدما تحديت الجميع لأجلك وأنت لا تستحق .. انا الحمقاء الغبية التي أحبتك بشدة وظنت إنها سوف تستطيع إصلاحك يوما ما وإنتشالك من ظلامك لكنني وبكل شجاعة أعترف إني فشلت .. وإنني أستحق أن أعيش ما أعيشه الآن وأسمع ما سمعته على لسانك ..”
مسحت دموعها بقوة وهي تكمل بثبات رغم الألم :-
” ولكن جميع هذا سينتهي وحالا … طلقني يا عمار .. طلقني لإنني لا يمكنني الإستمرار مع رجل مثلك …”
تطلع لها بنفس الجمود وهو يسألها :-
” هل أنت متأكدة من قرارك ..؟!”
ردت بثبات مبهر مقارنة بما يعتمل داخلها من مشاعر :-
“طلقني لإنك أبشع شخص رأيته في حياتي .. طلقني لإنني أفضل الموت حالا على الإستمرار مع رجل مثلك …”
نطق ببرود :-
” لا داعي أن تتعبي نفسك أكثر .. سأطلقك وحالا ..”
صمت لوهلة ثم قال :-
” أنت طالق …”
نطقها ثم ما لبث أن إندفع بكل قوته خارج المكان متجاهلا تلك المعزة التي شعر بها داخل قلبه …
كان عليه الإعتراف إنه خسر لأول مرة منذ أعوام ..
تذوق طعم الخسارة مجددا …
نعم هو يعترف إنه خسر حتى لو تمت هذه الخسارة بكامل إرادته ..
…………………………………………………..
تقف بجانب النافذة الضخمة تتطلع الى الخارج بصمت بينما تضع يديها فوق بطنها ذات البروز الضئيل …
كانت شاردة تماما في عالم آخر عندما سمعت صوت طرقات على باب الغرفة جعلتها تستيقظ من شرودها لتهتف بصوت عالي قليلا كي يسمعه الطارق :-
” تفضل ..”
دلف سيف الى الداخل مرددا :-
” مساء الخير ..”
” مساء النور ..”
تمتمت بها بخفوت عندما سار أمامها ثم وقف على مسافة منها يخبرها :-
” والدتي أخبرتني إنها تحدثت معك صباحا ….”
أومأت برأسها وهي تتذكر حديث والدته .. تلك المرأة التي بدت لها مخيفة بنظراتها القاسية والتي أخذت تتفحصها لثواني شعرت بها تعريها تماما ..
لهجتها وهي تلقي عليها التحية بإقتضاب ..
كانت تمتلك ملامح قاسية نوعا ما لم تنجح تجاعيد وجهها في إخفاء صلابتها …
تذكرت حديثها المقتضب وهي تخبرها بنبرة شديدة آمرة :-
” أخبرني سيف إنك ستبقين هنا لبضعة أيام وأنا إضطررت الى الموافقة .. ستبقين في القصر حتى يجد سيف حلا لوضعك هذا … طوال فترة بقائك هنا ستلتزمين بأوامري … لا خروج لك من هذا الجناح إلا للضرورة القصوى فأنا لا أريد أن يراكي أي أحد من أبنائي أو أقاربي وأصدقائي .. طعامك سيصلك الى هنا والخادمات سيجلبون لك ما تريدين … أريدك أن تلتزمي الجناح طوال فترة وجودك هنا وأتمنى ألا نتعرض لأي أزعاج بسببك …”
أنهت كلماتها وهي ترمق جيلان بنظرة صارمة جعلتها ترتجف كليا لتغادر الجناح دون أن تنتظر جوابها وكأنها تدرك جيدا إنها ستلتزم بحديثها كله بالحرف الواحد …
أجابت بخفوت :-
” نعم ، لقد أتت صباحا وتحدثت معي …”
سألها بإهتمام :-
” هل ضايقتك …؟! ماما صعبة قليلا … ”
ردت بتردد :-
” أبدا ..”
سألها مستشعرا كذبها :-
” ماذا قالت لك إذا ..؟!”
حركت أناملها تزيح من خلالها خصلة من شعرها خلف أذنها وهي تجيب بصوت متقطع قليلا :-
” طلبت مني أن ألتزم البقاء في الجناح حتى مغادرتي القصر .. هذا ما قالته …”
تنهد وهو يشير الى السرير جانبه يخبرها :-
” تعالي وإجلسي هنا يا جيلان …”
اتجهت نحوه بتردد وجلست على السرير ليجلس هو على مسافة بعيدة عنها مرددا بحذر :-
” نحن يجب أن نتحدث يا جيلان .. يجب أن نقرر ما سنفعله…”
توترت ملامحها وهي تتسائل :-
” ماذا سنفعل ..؟!”
حاولت طمأنتها مرددا :-
” لا تقلقي .. أنا لن أتراجع عن وعدي لك … لكن يجب أن تفهمي إن ما تفعلينه ليس حلا .. أنت حامل يا جيلان … ”
ترقرقت الدموع داخل عينيها وهي تتمتم ببراءة عفوية :-
” لكنني لا أريده .. لا أريد هذا الطفل .. هل يمكنك تخليصي منه ..؟!”
تنهد قائلا :-
” غير ممكن يا جيلان … ما تقولينه جريمة .. ”
هطلت دموعها فوق وجنتيها ليزفر أنفاسه مرددا :-
” توقفي عن البكاء من فضلك ..”
أضاف يحاول إقناعها:-
” أنت حامل يا جيلان .. يجب أن تتقبلي هذا الأمر وتتعاملين معه ..”
” لكنني صغيرة ..”
قالتها وهي تنظر له بعينيها الحمراوين بعدما توقفت عن البكاء لتضيف بخفوت :-
” ماذا سأفعل به ..؟! ”
إسترسلت بعفوية آلمته :-
” أنا لدي إمتحانات وزارية بعد أشهر قليلة … سأدخل الجامعة بعدها .. كيف يمكنني فعل هذا وأنا حامل وسأنحب طفلا أكون أنا أمه …”
هتف بهدوء :-
” هناك الكثيرات ممن يتزوجن في عمرك وينجبن أطفالا ورغم هذا يدرسن وينجحن ويدخلن الجامعة ….”
نطقت وهي تبرم شفتيها :-
” لكنني لا أريد أن أكون مثلهن .. لماذا لا أكون كالبقية .. ؟! ”
قال ببطأ :-
” لإن هذا قدرك يا جيلان وأنت عليك قبوله والتعايش معه ..”
نظرت له ببؤس فقال وهو يبتسم لها :-
” صدقيني يا جيلان … لا حل أمامك سوى القبول بالأمر الواقع .. لقد أراد الله حدوث هذا .. ”
تنهد مجددا وهو يضيف :-
” عليك أن تعلمي إن كل شيء له نهاية .. أي مشكلة مهما بلغ حجمها سيأتي يوم وتنتهي … عدا الموت … طالما هناك روح داخلك فأنت تستطيعين تجاوز جميع ما حدث وما سيحدث … صدقيني يا جيلان … لقد أراد الله أن تصبحي أما في عمرك هذا … تقبلي أمره ولا تعتقدي إن حياتك ستنتهي عندما تصبحين أما في سنك هذا … حياتك سوف تستمر وأنت سوف تستطيعين العيش وتحقيق أحلامك طالما تمتلكين الرغبة في ذلك أيا كانت الظروف .. كما أخبرتك لا شيء يصعب على المرء تجاوزه وحله عدا الموت …”
أخفضت وجهها نحو الأرض بسكون ليتأملها للحظات ثم يقول :-
” أتمنى أن يقنعك حديثي وصدقيني أنا أقول ما هو في مصلحتك … هذا الطفل أصبح أمر واقع في حياتك .. لذا عليك تقبل هذا والتعايش معه … والأفضل أن تخططي لمستقبلك منذ الآن بوجود هذا الطفل وتنظمي وقتك أيضا حتى تستطيعي أن تنهي دراستك بتفوق بدلا من البقاء على هذه الحال … تبكين وتتأسفين على حالك فقط …”
أنهى كلماته بإبتسامة مشجعه ثم نهض من مكانه مرددا :-
” سأتركك تفكرين في كلامي جيدا .. وتذكري إنني معك في كل الأحوال ولن أخلف وعدي لك … ولكن أرجو أن تفكري في كلامي جيدا يا جيلان ..”
تحرك مغادرا الجناح تاركا جيلان تنظر أمامها بحيرة وتشتت ..
هي تعلم إن ما يقوله للأسف صحيح …
هي باتت مقيدة بهذا الطفل الموجود داخلها ..
شائت أم أبت فهي من تحمل هذا الطفل وهي من ستنجبه ..!
هي أمه حتى لو حدث هذا رغما عنها …
ولكن ماذا تفعل ..؟! هي لا تستطيع تقبل هذا ..
كيف تتقبل وجود طفل في حياتها ..؟! حياتها التي لم تبدأ فعليا بعد ..!!
وإذا قررت تقبله فهل سوف تستطيع رعايته ..؟؟
هل سوف تستطيع النجاح في حياتها والعناية به في نفس الوقت ..؟؟
هل تستطيع هي أن تكون أما لطفل صغير ..؟!
شعرت برهبة شديدة من مجرد تخيل الفكرة ..
هي أم لطفل صغير.. طفل ستهتم به وترعاه .. طفل ستكون هي المسؤولة عنه .. ستكون أمه ..
أدمعت عيناها مجددا وهي ترى نفسها أضعف من أن تتحمل مسؤولية كهذه ..؟!
هي ما زالت صغيرة وضعيفة ..
كيف يمكنها أن تربي طفلا وتعتني به ..؟!
هل تستطيع أن تفعل هذا فعلا ..؟!
هل ستنجح في هذا ..؟!
ظلت تطرح على نفسها هذه الأسئلة مرارا دون أن تجد جوابا شافيا عليها ..!!
…………………………………………………….
كانت نانسي مستسلمة للممرضة التي تعتني بها تتناول منها أدويتها بصمت بينما تقف هايدي جانبا تتأمل شقيقتها الهادئة تماما منذ إستيقاظها من غيبوبتها القصيرة حيث تلتزم الصمت والهدوء ولا تتحدث إطلاقا بينما تكتفي بإجابات مختصرة على الأسئلة الموجهة لها …
” الحمد لله على سلامتك مجددا .. ستخرجين من هنا خلال ثلاثة أو أربعة أيام بإذن الله ..”
قالتها الممرضة وهي تبتسم لها بإشراق لتغمغم نانسي بخفوت :-
” شكرا …”
اتجهت هايدي نحو شقيقتها وهي تشكر الممرضة التي إستأذنت وخرجت لتجلس هايدي على الكرسي المجاور لسرير شقيقتها تسألها بإهتمام بالغ :-
” كيف تشعرين الآن..؟! هل هناك شيء ما يؤلمك أو يضايقك ..؟!”
إبتلعت نانسي ريقها ثم هزت رأسها نفيا وهي تجيب بنفس الخفوت :-
” كلا …”
ثم تأملت شقيقتها بنظرات رغم صمتها تحمل الكثير فسألتها هايدي بقلق :-
” هل هناك شيء ما يا نانسي ..؟! لماذا تنظرين إلي هكذا ..؟!”
أخفضت نانسي عينيها نحو الأسفل لتقبض هايدي على كفها تسألها مجددا :-
” لماذا لا تنظرين إلي ..؟! ماذا يحدث معك ..؟! تحدثي …”
صمتت هايدي للحظات قبل أن تسأل مجددا بصبر :-
” أرجوك تحدثي يا نانسي .. لا تبقي على صمتك هذا ..”
وفجأة وجدت العبرات تغزو وجنتي نانسي تدريجيا حتى رفعت نانسي كفها فوق شفتيها تحاول كتم شهقاتها عندما همست هايدي إسمها بتردد مصحوب بالألم قبل أن تقبض على كفها تؤازرها مرددة :-
” لماذا تبكين يا نانسي ..؟! ماذا حدث …”
بدأ صوت شهقاتها يظهر بعدما فقدت نانسي السيطرة على نفسها …
أخفضت كفها بعيدا عن فمها وأطلقت العنان للمزيد من دموعها التي يصاحبها صوت شهقاتها التي أخذت ترتفع تدريجيا ومعها تهبط أنفاسها وترتفع …!!
بقيت هايدي تتأملها بعينين داميتين تاركة المجال لها لتفرغ أوجاعها خلال هذه الدموع عندما همست بعد مدة محاولة التخفيف عنها :-
” حسنا ، توقفي عن البكاء … أنت ما زلت في مرحلة التشافي … لا تفعلي هذا من فضلك …”
أخذت نانسي تمسح دموعها بصمت محاولة عدم البكاء مجددا لتسألها هايدي :-
” هل تشعرين إنك أفضل الآن ..؟!”
عادت نانسي تنظر لها بنفس الوجع لتسألها هايدي مجددا بحيرة :-
” أشعر إنك تريدين قول شيء ما لكنكِ لا تجيدين فعل ذلك … ”
نطقت نانسي بتردد :-
” هايدي أنا …”
نظرت هايدي لها بترقب لتضيف نانسي بعينين عادت العبرات تملأهما ونبرة مشحونة :-
” آسفة … ”
تأملت هايدي الندم الظاهر في عيني شقيقتها التي إسترسلت :-
” آسفة حقا … ”
” علام تعتذرين يا نانسي ..؟! أنا لا أفهم حقا ..”
قالتها هايدي بحيرة لتنطق نانسي بنبرة مرتجفة ما زالت تحمل آثار بكائها :-
” آسفة على ما تسببت به لك من متاعب .. آسفة لإنني وضعتك في هذا الموقف المحرج … آسفة لإنني فعلت هذا بك … آسفة جدا …”
” نانسي ..”
قالتها هايدي محاولا إيقافها لكن نانسي إستمرت في حديثها وهي تضيف بينما تحاول السيطرة على دموعها التي عادت تريد الإنهمار مجددا:-
” ليتني مت في هذا الحادث .. كنت سأوفر عليك الكثير .. انت لا ذنب لك لتتحملي كل هذا … لا ذنب لك أن تتحملي نتائج أفعالي الطائشة ..”
شهقت باكية وهي تضيف :-
” صدقيني انا لم أفكر بشيء سوى الموت … ظننت إنني سأموت مع الطفلين ما إن ألقي نفسي أمام السيارة .. لو كنت أدرك إنني سأعيش ما كنت لأفعلها وأحملك هذه المشقة … ”
هتفت هايدي بعدم تصديق :-
” مالذي تقولينه يا نانسي ..؟! هل أنت حمقاء ..؟؟ انا كدت أموت من رعبي عليك .. أخذت أدعي الله ليلا ونهارا كي ينقذك ويعيدك إلي سالمة … انت لا تتصورين ما كنت أشعر به يوميا وأنا أراك فاقدة للوعي وحالتك خطرة … كنت أموت في اليوم ألف مرة بسبب خوفي من خسارتك ..”
إحتقنت عيناها بالدموع وهي تضيف :-
” أنت شقيقتي الوحيدة يا نانسي .. انا أتحمل أي شيء عدا خسارتك … لا يمكنني تحمل خسارتك أبدا … لم أكن أستطيع العيش بدونك يا نانسي .. والله كنت سأموت من قهري عليك …”
تساقطت عبرات نانسي من جديد لتخفض هايدي جسدها نحوها وتعانقها فتستجيب نانسي لعناقها بترحاب عندما قالت هايدي تؤنبها :-
” إياك أن تتفوهي بهذه الحماقات مجددا …”
هزت نانسي رأسها وهي ما زالت تبكي بين أحضان شقيقتها عندما إبتعدت هايدي بعد لحظات عنها تبتسم لها بدعم لتسألها نانسي بصوت مبحوح :-
” الطفلان .. سيتألمان بسببي .. هما سيدفعان ثمن أخطائي ..”
قاطعتها هايدي بسرعة وهي تضع يدها فوق فمها :-
” لا تقولي هذا يا نانسي .. لقد كتب الله لهما الحياة … من نحن لنعترض على وجودهما ..؟!”
أكملت وهي تقبض على كفها تخبرها بدعم :-
” انا معك وأعدك إن الطفلين سيولدان بخير وسيعيشان أفضل حياة ولن يتألمان أبدًا بإذن الله …”
ابتسمت نانسي من بين دموعها لتهمس لها هايدي بفرحة :-
” هل تعلمين إنهما صبي وبنت …”
ابتسمت نانسي لا إراديا مرددة :-
” حقا ..؟!”
هزت هايدي رأسها وهي تضحك بسعادة بينما تشاكسها قائلة :-
” أنا إخترت اسم الفتاة .. سأسميها هايدي وأنت لن تمانعي طبعا …”
ابتسمت نانسي مرددة :-
” وهل يجرؤ أحد على ممانعة قرارك يا هايدي ..؟!”
عادت هايدي تعانقها بحب وهي تتنهد بقليل من الراحة وقد نجحت في التخفيف من حالة أختها المزرية ..!
………………………………………………
كانت تجلس داخل أحضانه تتابع أحد الأفلام العربية القديمة بتركيز بينما هو يعبث في هاتفه يبحث عن هدية مناسبة لشقيقته فعيدميلادها يوم غد …
سأل حياة وهو يضع شاشة الهاتف أمام عينيها :-
” ما رأيك بهذه الأقراط ..؟!”
سحبت الشاشة تنظر إليها للحظات قبل أن تجيب :-
” رائعة ..”
تسائل مجددا :-
” نشتريها إذا ..؟!”
” برأيي إنها جميلة جدا وستعجبها .. خاصة إنها تشبه ذوق غالية كثيرا ..”
قالتها بجدية ليوافقها :-
” وأنا أيضا وجدتها تشبه ذوق غالية في المجوهرات …”
أضاف بعدها :-
” إذا سنذهب غدا الى المحل ونشتريها …”
” جيد ..”
قالتها وهي تبتسم ثم تعود الى داخل احضانه تتابع الفيلم مجددا ليسألها وهو يعبث في هاتفه مجددا :-
” هل ممتع الفيلم لهذه الدرجة كي تندمجي معه هكذا ..؟!”
سألتها بدورها :-
” ألا تحب الأفلام ..؟!”
أجاب بحيادية :-
” لا أحبها ولا أكرها .. ”
شرد بعدها وشعرت هي بشروده فنادت عليه لينتبه لها ..
سألته بإهتمام :-
” فيم شردت ..؟!”
رد بخفوت :-
” تذكرت أيام السجن ..”
تغضن جبينها وهي تسأله :-
” لماذا ..؟!”
كانت المرة الأولى التي يتطرق فيها للحديث عن تلك الفكرة التي كان واضحا لها كم يتجنب ذكرها عمدا وهي بدورها لم تفكر في التطرق لها أبدا ..
رد بجدية :-
” أنا لا أتوقف عن تذكرها أساسا .. أتذكرها دائما … ”
إبتعدت من بين أحضانه تعتدل في جلستها وهي تسأله بجدية :-
” لماذا تفعل بنفسك هذا يا نديم ..؟! لماذا تصر على تعذيب نفسك بهذه الذكريات ..؟!”
ابتسم مرددا بقهر خفي :-
” هذه الذكريات ستبقى جزءا لا يمكن نسيانه من حياتي .. هذه الذكريات صنعت مني شخصا جديدا … صنعت نديم الذي ترينه اليوم .. نديم الموصوم بتهمة التجارة بالممنوعات … نديم الجاني في نظر الجميع … ”
قالت بجدية :-
” يجب أن تنسى يا نديم … يجب أن تفكر في المستقبل …”
قال بهدوء :-
” النسيان مستحيل .. لكنني سأتجاوز وسأفكر في مستقبلي عندما أستعيد حقي .. ”
نظرت له بصمت ليضيف بإقرار :-
” عندما أثبت برائتي يا حياة …”
نطقت بتروي :-
” أنا معك يا حبيبي بكل الأحوال .. ولكن كيف ستفعل هذا ..؟! أشعر إنك تخطط لشيء ما من نبرة صوتك وطريقة حديثك …”
تأملها بصمت للحظات قبل أن يقول بخفوت :-
” فقط عليك أن تعلمي إن جميع ما سأفعله هو لأجلك ولأجل طفلنا القادم .. أريد أن يأتي طفلي وهو فخور بوالده الذي إستطاع إثبات برائته رغم مرور عدة سنوات .. لا أريده أن يعيش خجلا من ماضي والده الذي يعتبر مجرم سابقا في نظر القانون والمجتمع ..”
” ما هذا الكلام يا نديم ..؟! ابنك سيفتخر بك دائما وأبدا لإنك والده .. والده الذي يحبه ويرعاه دائما وأبدا …”
أخذ نفسا عميقا ثم نطق بتردد :-
” سأطلب منك شيئا ..”
نظرت له بتأهب ليضيف بحذر :-
” إذا لم أستطع إثبات برائتي أبعديه عن هنا .. لا أريده أن يبقى في هذه البلاد ويحيا معانيا بسبب سمعة والده المدنسة … ”
توقف للحظة يتأمل الخوف والرفض في عينيها ليضيف برجاء :-
” وأخبريه إنني بريء وإنني أحبه وآسف كثيرا لإنني كنت أنانيا وأنجبته رغم إدراكي لصعوبة ما سيعيشه بسبب ماضي لا ذنب له فيه ….”
” مالذي تقوله يا نديم ..؟! مالذي أفهمه من هذا الكلام ..؟! هل ما فهمته صحيح ..؟؟ أنت اتحدث وكأنك …”
توقفت الكلمة داخل حلقها ترفض الخروج ليقول وهو يحتضن وجهها بين كفيه :-
” لا تقلقي يا حياة .. بإذن الله كل شيء سيكون بخير ولكن ..”
أخذ نفسا عميقا ثم أضاف :-
” الحذر واجب والقادم مجهول .. انا فقط أريدك أن تعديني أن تفعلي ما طلبته منك …”
قبضت على كفه المحيطة بوجهها :-
” نديم نحن نريدك … انا وطفلك نريدك ولا نريد شيئا غيرك .. فليذهب كل هذا الى الجحيم .. فليذهب الناس جميعا والمجتمع .. لا يهم أي شيء عداك .. المهم أنت ولا شيء غيرك ..”
نطق بأنفاس متألمة :-
” يؤسفني أن أخبرك إن ما تقولينه ليس صحيحا .. كلانا يعرف إن الحياة في مجتمعنا هذا ستكون صعبة وإن تهمتي السابقة وسنوات سجني ستظل وصمة عار تلاحقني وتلاحق ذريتي .. الحياة ليست وردية يا حياة .. الحياة قاسية وانا لست مستعدا لأن أجعل طفلي يعاني بسببي حتى لو لم أكن مذنبا بالفعل ..”
أخذ نفسا عميقا ثم قال :-
” لذا أنا سأفعل المستحيل كي أثبت برائتي .. ليس لأجلي بل لأجله وأجلك أنت أيضا .. طفلنا يستحق التضحية بكل شيء لأجله يا حياة .. وأنا مستعد أن أضحي بكل شيء في سبيل نيل برائتي ..”
ملأت الدموع عينيها والخوف قلبها وقد شعر هو بذلك ليحتضنها موردا :-
” لا تبكي من فضلك .. توقفي عن البكاء .. إذا لم يكن لأجلي فلأجل طفلنا …”
قالت عن قصد وهي تمسح دموعها :-
” بل سأفعل لأجلك …”
أضافت بجدية وهي تلمس لحيته بأناملها :-
” لا تتركني يا نديم .. انت أصبحت كل حياتي .. بالله عليك لا تتركني .. بدونك سأعود وحيدة …”
جذبها نحو صدره يعانقها مرددا :-
” سأحاول بكل قوتي ألا أتركك يا حياتي …”
ترقرقت الدموع داخل عينيها وهي تضم نفسها أكثر داخل أحضانه بينما يشدد هو من عناقها وعقله يشرد لا إراديا مفكرا بما هو قادم ..
…………………………………………………….
في صباح اليوم التالي ..
خرجت من الحمام وهي تجفف شعرها بالمنشفة ..
لقد بقيت مستيقظة طوال الليل تفكر فيما يحدث معها تتذكر ما حدث وما زال يحدث بسبب شخص واحد …
شخص لم يكتف بتدمير حياة شقيقتها فجاء دورها لتنال هي الأخرى من أذيته ولكنه لا يعلم إنها ليست كشقيقتها بل هي ليست كالبقية …
هي مختلفة تماما عنهم جميعا ..
هي ليست مسالمة كشقيقتها او متخاذلة كإبن خالتها …
هي مريم القرية .. مريم التي لن تتنازل حتى تأخذ حقها كاملا من عمار ..
عمار الذي بسببه فقدت حبيبها وتدمرت حياتها ..
سيدفع عمار الخولي ثمن جميع أخطائه على يدها ..
على يدها هي ستكون نهايته …
رمت منشفتها على السرير بإهمال ثم أخذت تتأمل تلك الصور الموضوعة والجهاز الصغير الذي يحمل بعض تسجيلات صوتية جمعتها به وبذلك الآخر الذي يحاصر شقيقتها بكل قوته ويريد نيلها …
اتجهت نحو خزانة ملابسها حيث غيرت ملابسها سريعا ورفعت شعرها عاليا بعدما سرحته بسرعة لتغادر الفيلا مبكرا مستغلة إن الجميع ما زال نائما بعد ..
قادت سيارتها متجهة الى شركات آل نعمان وكما توقعت فهو لم يصل بعد ..
هي أتت مبكرا أكثر من اللازم ..
جلست على الجانب تنتظر قدومه بعدما طلبت من السكرتيرة أن تجلب لها القهوة ..
تأملت الشركة التي ما زالت فارغة بإستثتاء وجود الحرس وسكرتيرة كنان وقلة من الموظفين الذين يتطلب عملهم القدوم مبكرا ..
مرت اكثر من ساعة وكنان لم يصل فأخذت تتأفف بصمت وهي تتسائل عما كان سيحصل لو تأخرت في مغادرة المنزل قليلا ..!
وأخيرا وصل كنان فنهضت تستقبله ليتأملها ببرود وهو يخبرها أن تتبعه ويخبر السكرتيرة ألا تقاطع وجودها معه ..!!
فتح لها الباب لتدخل فدلفت الى المكتب يتبعها هو مرددا بعدما أغلق الباب خلفه :-
” كنت أنتظر مجيئك ..”
إستدارت نحوه تتأمله بعينين مشتعلتين ليهتف بنفس البرود المغيظ :-
” كيف حالك يا مريم ..؟!”
” إبتعد عن ليلى ..!!”
قالتها بشراسة ليبتسم مرددا ببرود مغيظ :-
” لن أفعل …”
أضاف وعيناه تنظران إليها بقوة وثقة جعلتها ترغب في تهشيم وجهه الجذاب :-
” انا وليلى سنتزوج … ”
قاطعته بحدة :-
” سأخبرها كل شيء .. ستعرف الحقيقة …”
قاطعها وهو يهز كتفيه بلا مبالاة :-
” إفعلي ما تشائين … أخبريها عن كل شيء ..”
نظرت له بغل ولعنت نفسها مرارا فلو سيطرت على لسانها ولم تخبره بأمر خطبة ليلى من زاهر ما كان ليفعل كل هذا ويقتحم حياة شقيقتها بهذه السرعة ..
هي من أيقظته من سباته بعدما قالت ما قالته ..
هي من تسببت بهذه الفوضى بسبب تسرعها المعتاد ..
همست بقوة مصطنعة :-
” ليلى لن تقبل بك إذا علمت بخطتنا ..”
قاطعها وهو يبتسم بخبث :-
” خطة ..؟! آية خطة …؟!”
اتسعت عيناها بعدم فهم ليضيف بسرعة مدعيا التذكر :-
” آه تذكرت .. تقصدين إتفاقنا انا وانتِ وخطتنا للتخلص من عمار …”
هزت رأسها بحذر ليبتسم ملأ فمه وهو يهتف :-
” آسف يا مريم ولكنني نسيت إخبارك بالأمور المستجدة .. من الآن فصاعدا أنت خارج هذه الخطة … لن تكوني جزءا من إنتقامي المنتظر … ”
صاحت بعدم تصديق :-
” ماذا تقول انت ..؟!”
أجاب بهدوء مقيت :-
” كما سمعتِ .. انت بعد الآن خارج هذه اللعبة … وعمار سأعرف جيدا كيف أنال حقي منه بدونك .. انت لستِ طرفا في هذه القضية بعد الآن …”
هتفت وهي تلوي فمها متهكمة :-
” هل تفعل ذلك لأجل ليلى ..؟! ”
رد بصدق :-
” بالطبع .. أساسا لا يوجد سبب غير هذا …”
حملقت به للحظات قبل أن تهتف به بجمود :-
” هل تعتقد إنها ستقبل بك إذا علمت بما يدور بيننا ..؟! عفوا بما كان يدور ..؟!”
” لا أعلم ..”
أجابها بهدوء ثم أضاف :-
” لكن ما أعلمه إن قلبها سيتحطم كليا إذا علمت ما كان يجري بين شقيقتها وطليقها وما كانت تخطط له شقيقتها دون علمها …”
صاحت به :-
” أنت تعلم إنني كنت مجبرة على هذا مثلما كنت مجبرة على التعامل معك …”
ردد بإستهزاء :-
” حقا مجبرة ..؟! أنت معي أو بدوني كنت تسعين للتلاعب به والنيل منه .. كلانا يعرف هذا يا مريم ..”
هدرت به بقسوة :-
” انا لا يهمني جميع ما قلته .. سأخبرها بكل شيء .. فلتعلم حقيقة الرجل الذي سترتبط به …”
همت بالتحرك ليتحدث بنفس الهدوء :-
” أخبريها يا مريم لكن كوني على ثقة إنك ستؤلميها كثيرا وهي لا تستحق .. واقعيا فالإتفاق الذي بيننا إنتهى قبل أن يبدأ … من الآن فصاعدا لا دخل لك بهذا الأمر .. ”
أضاف بصدق :-
” بعيدا عن كل شيء يجب أن تعلمي إنني جاد في علاقتي بليلى .. أنا أريدها فعلا وقولا وسوف أسعى لإسعادها وتعويضها عما فات .. صدقيني يا مريم لن تجدي أحدًا سيرعاها ويعتني بها ويسعدها مثلي …”
ضغطت مريم شفتيها بقوة وهي تستمع الى حديثه ووعوده …
تعلم إن قلب شقيقتها سيتحطم مجددا اذا ما علمت بما كانت تفعله وما جمعها مع كنان والأسوء إنها أخفت هذا عنها …
ستفقد شقيقتها ثقتها بها تماما وستتعرض للخذلان مجددا ..!!
خذلان الله وحده يعلم كيف سيكون آثره عليها هذه المرة ..
أخذت نفسا عميقا وإستدارت نحوه تتأمل ملامحه الجادة بجمود لثواني قبل أن تهمس :-
” هل تعدني أن تعتني بها حقا ولا تخذلها كما فعل الذي قبلك ..؟!”
أخذ نفسا عميقا ثم قال :-
” أعدك يا مريم .. أقسم لك إنني سأفعل …”
نطقت بقوة :-
” إذا آذيتها فستجدني أمامك .. أنت تعرفني جيدا .. وتعرف إنني مجنونة ولا أرى أمامي عندما أغضب وآلم شقيقتي أكثر شيء يغضبني يا كنان …”
ابتسم متأملًا عصبيتها وكلماتها التي جعلتها تبدو كطفلة حانقة شرسة فقال يشاكسها قليلا :-
” أعلم يا مريم هانم .. لا أحد يستطيع الصمود أمام غضبك أساسا ..”
شمخت برأسها مرددة بغرور :-
” من الجيد إنك تعلم هذا ..”
ثم منحته نظرة محذرة وهي تغادر مكتبه تاركة إياه يتابعها وهي تغادر وإبتسامة هادئة مرتسمة على شفتيه ..
………………………………………………..
خرجت الى غرفتها بعد حمام طويل مارست خلاله طقوسها المفضلة من العناية ببشرتها واستخدام مستحضرات الإستحمام التي إعتادت على إستخدامها بإستمرار ثم مارست الشيء المفضل لديها وهو الإسترخاء في البانيو لمدة طويلة بعدما ملأته بالماء الدافئ المخلوط بالصابون ذو رائحة مميزة تفضلها عادة …
وقفت أمام المرآة وهي تجفف شعرها بالمنشفة قبل أن تسحب مرطب الجسد الذي يلي الإستحمام وتبدأ بوضعه فوق جسدها …
إنتهت مما تفعله كليا وإرتدت بيجامة مريحة لتتجه نحو السرير مقررة النوم قليلا قبل سهرة المساء التي ستقضيها مع صديقتها ….
وضعت رأسها على المخدة بينما تعبث بهاتفها عندما عادت مجددا تفتح حسابه وتطالعه بتردد حائرة إذا ما تبعث له طلب صداقة أم تتجاهل الأمر ولا تفعل ذلك ..؟!
تأملت شاشة الهاتف بتفكير إمتد لحوالي ثلاثة دقائق قبل أن تحسم أمرها وتضغط على إضافة صديق وترسل له طلب الصداقة الذي ترددت به كثيرا …
لا تعلم لماذا تتصرف بحذر قليلا معه رغم كونها تدرك جيدا إن طلب الصداقة لا يعني شيئا معينا وإنه أمر طبيعي فحسابها الشخصي مليء بالأصدقاء ما بين الأقارب والمعارف وأصدقاء الجامعة والمدرسة والكثير غيرهم فهي لا تمانع من إضافة أي شخص طالما تجمعها به معرفة أيا كانت نوعها لذا فالأمر لا يبدو غريبا ..
بلى ، الأمر مختلفا هذه المرة فعادة ليست هي من ترسل طلب الصداقة بل المقابل من يفعل وهي تكتفي بقبول الطلب ..
إنها المرة الأولى التي تبادر بها لفعل شيء كهذا ..
شعرت بعدم الرضا يسيطر عليها فأرادت أن تلغي الطلب لكنها نهرت نفسها بقوة فليس من صفاتها التراجع عن شيء سبق وفعلته حتى لو كان ليس صحيحا …
سيطر العبوس عليها لا إراديا وهي تلقي هاتفها بعيدا بلا مبالاة وتجذب الغطاء فوق جسدها مقررة النوم بدلا من الإستمرار في التفكير بهذا الأمر …
إستيقظت بعد حوالي ثلاث ساعات وهي تشعر بالإنتعاش لتنهض من فوق سريرها وتتجه نحو الخزانة تبحث عن ثوبا مناسبا لها ترتديه فهي ستذهب للقاء احدى صديقاتها المقربات والتي عادت للسفر منذ يومين فقط ..
أخذت تجهز نفسها لأجل السهرة حيث إرتدت فستانا بسيطا لكنه أنيقا ثم أعدت شعرها وتركته منسدلا بحرية على جانبي وجهها …
وضعت مكياجها وعطرها وأنهت جميع المطلوب عندما حملت حقيبتها لتهم بالمغادرة لتتذكر أمر طلب الصداقة الذي أرسلته منذ ساعات فسارعت تفتح هاتفها ثم حسابها بفضول شديد لتشعر بالخيبة وهي ترى الطلب ما زال معلقا ..
مطت شفتيها بعدم رضا وهي تغلق الهاتف وتضعه داخل حقيبتها عندما تحركت خارج غرفتها وهبطت نحو الطابق السفلي لتتفاجئ بصالة الجلوس والممر الجانبي لها مظلما تماما والفيلا خالية من الجميع ولا حركة فيها ..
إبتسمت بخفة وقد فهمت المفاجئة المعدة ببساطة فاليوم عيدميلادها والأمر لا يحتاج الى ذكاء ..
دلفت الى الصالة وضغطت على زر الخاص بالضوء لتشتعل أضواء الصالة يصاحبها صوت صياح من جميع الموجودين …
ضحكت بسعادة وهي تجري مسرعة نحو صديقتها تعانقها غير مصدقة :-
” حتى أنت متفقة معهم ..”
ضمتها صديقتها مرددة :-
” بالطبع…”
أكملت وهي تبتعد قليلا عنها وتشير الى نديم :-
” لقد إتفقت مع نديم على مفاجئتك ..”
سارعت تعانق شقيقها الذي همس لها بحب :-
” كل عام وأنت بألف خير غاليتي …”
شددت من عناقه وهي تهمس له :-
” وأنت بألف خير يا حبيبي .. حفظك الله لي ..”
ثم اتجهت تعانق حياة وهي تخبرها :-
” ميلادي هذا العام أجمل بوجودك ….”
تمتمت حياة وهي تحتضنها :-
” كل عام وأنت بخير يا غالية …”
اتجهت بعدها تحيي الموجودين أولهم والدتها ثم البقية حيث حضر كلا من نادر ونرمين أبناء عمها وكذلك بعضا من صديقاتها المقربات والمعارف المقربين جدا …
عادت تتجه نحو صديقتها تخبرها بسعادة :-
” اشتقت لك كثيرا ..”
أضافت وهي تشير نحو حياة :-
” بالتأكيد تعرفت على حياة …”
ابتسمت نيفين وهي تقول :-
” لقد تعرفت عليها منذ البارحة بل كنت في شقتها هي وشقيقك نخطط للمفاجأة ..”
” فعلتم كل هذا بدوني ..”
قالتها ببؤس مصطنع ليهتف نادر بخفة :-
” ربما لإنهم يريدون مفاجئتك ..”
سألته هو وشقيقته بعفوية :-
” لماذا لم تأت أروى معكما ..؟!”
ردت نرمين :-
” لديها عمل … تعرفين طبيعة عملها ..”
ثم توقفت عن بقية حديثها عندما تفاجئت بأروى تدخل ومعها شريف فهي طلبت منه أن ترافقه الى حفل الميلاد الذي دعاها نديم إليه مسبقا ولكنها رفضت الذهاب مع أشقاؤها متعللة بأعمالها بينما السبب الحقيقي هو عدم حبها لغالية والذي تدركه شقيقتها الصغرى نرمين جيدا ولكنها تراجعت عن قرارها عندما علمت بذهاب شريف وقررت أن تحضر رغم ضيقها الشديد من إهتمامه بحضور عيدميلاد غالية ..
إستقبلتهما غالية بفرحة شديدة ورحب نديم بهما وكذلك صباح عندما أشارت نيفين بحماس :-
” هيا لنطفئ الشمع …”
ثم إتجهت غالية وخلفها الجميع نحو الطاولة الموضوع عليها كعكة العيد ميلاد وغيرها من الأشياء الخاصة بالإحتفال ..
…………………………………………..
أطفأت غالية شموع كعكتها فأخذ الجميع يصفق لها متمنين السعادة إليها عندما سارت تعانق والدتها اولا وشقيقها بعدها ثم حياة ثم عانقت نيفين وكذلك نادر بأخوية والبقية تدريجيا عندما وصلت الى شريف الذي قال لها بعينين لامعتين :-
” كل عام وانت بخير ..”
قبضت على كفه ترد تحيته وهي تجيب بإبتسامة رزينة:-
” وأنت بخير يا شريف ..”
ثم سارعت تحيي البقية غير منتبهة لعيني أروى الحارقتين خلفها ..
أخذت بعدها الهدايا وشكرتهم جميعا عندما إنسحبت بعض لحظات خارجا تعدل زينتها ثم عادت لتبدأ في إلتقاط الصور مع الجميع في هاتفها …
أثناء إلتقاطها بعض الصور وصلها إشعار بقبوله طلب الصداقة فإبتعدت عن إحدى صديقتها معتذرة وهي تفتح حسابها بسرعة تتأمل الإشعار قبل أن تغلقه بعد لحظات وتعود لإكمال ما تفعله …
مرت أكثر من نصف ساعة عندما عادت تفتح هاتفها ونشرت صورة لها مع الكعكة ملحقة بعبارة ” happy Birthday to me”
ثم نشرت الصورة وأخذت تنتظر وما هي إلا دقيقتين حتى وجدته يرسل رسالة لها مضمونة :-
” كل عام وأنت بخير ..”
ابتسمت بخفة وهي تجيب عليه :-
” وأنت بألف خير يا سيادة المقدم …”
سألها بإهتمام :-
” على ما يبدو إنك تحتفلين بميلادك مع العائلة ..”
ردت :-
” نعم مع العائلة والأصدقاء ..”
قال بمكر :-
” ومع هذا تستخدمين الفيس بوك وتجيبين على الرسائل والمباركات ..”
سبته بسرها وهي ترسل له :-
” فتحته منذ دقائق لأنشر بعضا من صوري …”
أضافت اكتب :-
” وأنت ، هل تجد وقتا لإستخدام الفيس بوك وسط عملك أم إنك مجاز اليوم ..؟!”
رد فورا :-
” عدت من عملي قبل عدة ساعات وغدا إجازة بالفعل ..”
” جيد ..”
كتبتها بإختصار لتجده يكتب :-
” أصبحت في الثامنة والعشرين إذا …”
كتبت بدورها :-
” نعم اليوم أكملت عامي الثامن والعشرين ..”
أضافت تسأله :-
” هل فاجئك عمري ..؟؟”
كتب قاصدا :-
” في الحقيقة ظننتك أكبر … ”
عادت تسبه مجددا وهي تكتب له :-
” ربما بسبب قوة شخصيتي … ”
” وما علاقة هذا بعمرك ..؟!”
ردت عن قصد :-
” عادة الناس يظننوني أكبر من عمري بسبب شخصيتي القوية القيادية .. تستطيع القول عندما يجدون نفسهم صغارا أمامي يعتقدون إنني كبيرة عليهم ..”
” ربما ..”
كتبها باقتضاب لتسأله :-
” وأنت كم عمرك ..؟!”
رد بإيجاز :-
” ٢٩ …”
كتبت :-
” غريب … ظننتك أصغر ..”
أرسل لها :-
” 🙂….”
ضحكت بخفة قبل أن تكتب :-
” يجب أن أذهب الآن .. أصدقائي ينتظرونني ..”
ثم إنتبهت الى تلك الصورة التي نشرتها لها احدى صديقاتها تجمعها بمجموعة من أصدقائها من الفتيات والشباب ايضا فإبتسمت بخبث وهي تغلق الهاتف دون إنتظار جوابه بينما انتبه هو الى الصورة التي أشارت بها صديقتها إليها فغلت الدماء داخل عروقه وهو يراها تتوسط فتاتين يقف جانبهما أربع شباب وثلاث فتيات آخريات وقد كتبت صديقتها فوق الصورة :-
” مع أصدقاء العمر ..”
تأمل الأربع شباب الوسيمين بملامح متجهمة قبل أن يغلق الهاتف مرددا من بين أسنانه :-
” شباب يا غالية .. لديك أصدقاء شباب …”
أردف بوعيد :-
” لنرى إذا ما سيبقى لديك صديق واحد بعد إرتباطنا .. سألغي أي مذكر عداي أنا وشقيقك من حياتك يا هانم .. ”
وهو كان يعني ما يقوله حقا فغيرته مخيفة وهي تستحق غيرته هذه وأكثر ..
…………………….
كانا يجلسان خارجا في الحديقة سويا مبتعدين عن الضوضاء في الداخل عندما سألها نديم :-
“غدا موعدنا عند الطبيبة .. أليس كذلك ..؟!”
أومأت برأسها وهي تجيبه :-
” نعم ، في الساعة الخامسة عصرا ..”
هز رأسه بتفهم لتقول :-
” لم أتخيل أن تكون سعيدا الى هذا الحد بخبر حملي ..!!”
ابتسم مرددا بصدق :-
” لا يمكنك أن تستوعبي مقدار سعادتي …”
ابتسمت وهي تضع رأسها فوق كتفه لتسأله بخفة :-
” تريد فتاة أم صبي …؟!”
صمت للحظات مدعيا فيها التفكير قبل أن يجيب بجدية :-
” فتاة .. أريدها فتاة …”
لاحت على شفتيه إبتسامة خفيفة وهو يضيف :-
” أحب الفتيات كثيرا …”
ثم تنحنح بحذر :-
” أتحدث عن الفتيات الصغيرات بالطبع ..”
ابتسمت برقة ثم سألته وتلك السعادة في عينيه منذ معرفته بخبر حملها تمنحها شعورا رائعا للغاية :-
” ماذا سوف تسميها ..؟!”
ابتسم وقال :-
” لماذا لا تسميها أنت ..؟!”
عقدت حاجبيها بتفكير :-
” ماذا سأسميها ..؟!”
أكملت بتأهب :-
” أسامي الفتيات جميلة عادة .. إنه أمر محير للغاية …”
قال يشاركها التفكير :-
” هل نختار إسما غريبا غير مطروقا أم ..”
قاطعته :-
” ليس مهم مدى غرابة الإسم أو ندرة وجوده .. ما يهمني معناه … ”
عقد حاجبيه مرددا :-
” معناه … !!”
ابتسم بخفة وأضاف :-
” لنختر إسما قريب معناه من إسمك ….”
قالت بسرعة :-
” دنيا … ”
هز رأسه نفيا ثم بدا التفكير العميق عليه قبل أن يهمس :-
” ملاك … رحمة …. عشق أو …”
توقف لوهلة ثم قال :-
” أو ربما ملاذ …”
نطقت بتعجب :-
” ملاذ … ”
ابتسم قائلا :-
” نعم ملاذ … إنه أكثر إسم معبر عنك بالنسبة لي … أنت الملاذ الدافئ الذي لا أكتفي منه …”
” انا محظوظة بك جدا يا نديم … أنا لم أكن أدرك إنني محظوظة بهذه الدرجة من قبل ..”
قالتها وهي تتأمله بعشق جارف ليهتف وهو يقبض على كفها :-
” بل أنا المحظوظ بك … منذ دخولك حياتي وكل شيء تغير .. لولا دخولك حياتي كنت سأبقى غارقا في ظلامي .. أنت وحدك من منحتني أملا في المستقبل وجعلتني أتوق لأحيا من جديد .. أحيا معك الى الأبد ..”
ابتسمت له بحب عندما تقدمت غالية نحويهما تردد بمرح :-
” أيها العاشقين .. هيا لتتناولا العشاء ..”
ضحكت حياة مرددة :-
” أنت أيضا تريدينها فتاة ..”
رفعت غالية ذقنها مرددة :-
” أنا متأكدة إنها فتاة ..”
نهضت حياة من مكانها وكذلك نديم الذي وقف بين كلتيهما يعانقهما مرددا :-
” أجمل وأغلى فتاتين تقفان جواري … كم أنا محظوظ بكما …”
ضحكنا كلتاهما ليتوجه بهما نديم الى الداخل حيث نهض البقية متجهين نحو الطاولة الطعام وبدأ الجميع يتناول الطعام وسط ضحكات الجميع ومشاغبات ومرح لا ينتهي ..
فجأة تلاشت ضحكة غالية وهي تنظر الى باب الصالة وترى آخر شخص توقعت قدومه في يوم كهذا …
نظرت حياة الى البوابة لتتجمد ملامحها هي الأخرى بينما إختفت ضحكة نديم وهو يرى غريمه وأخيه في ذات الوقت يقف قباله بملامح غير طبيعية يتأمله بطريقة غريبة لم يفهمها ..
طريقة جعلت الجميع ينظروا إليه بترقب وتوجس ..
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سارة علي
مساء الخير….
هل أتيت في وقت غير مناسب؟!
هل هناك مناسبة ما وأنا لا أعلم؟!
إنه يوم ميلادي لو كنت تتذكر…
صحيح إنه يوم ميلادك… لقد نسيت ذلك تماما…
ربما لإننا توقفنا عن إقامة إحتفال ضخم بهذه المناسبة منذ سنوات… منذ وفاة والدي على ما أتذكر…
رحمة الله عليه…
تفضل يا عمار.. شاركنا الإحتفال…
تجاهل عمار حديثها وهو يتجه ببصره نحو أخيه فتقابلت نظراته بنظرات نديم الجامدة… جمود يخفي خلفه الكثير…
بدت النظرات المتبادلة بينهما أشبه بحرب صامتة…
كلاهما يتوعد الآخر… كلاهما ينتظر النهاية… نهاية تليق به… كلاهما يريد الفوز…
نقلت غالية بصرها بينهما بقلق وكذلك كان كلا من حياة وشريف ومعهما نادر ونرمين وحتى أروى…
جميع من يعلم بتلك العداوة شعر بالقلق… وعلى رأسهم صباح…
صباح التي كانت تنظر الى المشهد بخوف… ذعر حقيقي والأسوء بتأنيب… ضميرها يؤنبها لإنها تدرك إنها سبب هذه الحالة… سبب هذا الدمار… سبب هذا الحقد والرغبة في الإنتقام!
نهضت صباح من مكانها تهم بالمغادرة وهي تشعر إن كل شيء بات يفوق قدرتها على التحمل لتتفاجئ بعمار يتسائل بسخرية ظهرت في عينيه:
إلى أين؟!
ردت صباح محاولة السيطرة على أعصابها:
سأتفقد بعض الأمور…
لوى عمار شفتيه مرددا بعدم رضا:
تتركين ضيوفك لتتفقدين أمورًا لا أهمية لها…
تفضل يا عمار وشاركنا الطعام…
وأنت أيضا يا ماما…
تقدم عمار بخطوات متكاسلة نحو مائدة الطعام ليسحب له الكرسي المقابل للكرسي الذي كان نديم يجلس عليه ثم جلس عليه مرددا عن قصد وهو يرفع بصره نحو أخيه الواقف قبالته وزوجته جانبه:
هيا يا نديم… تفضل وأجلس… ما بالك واقف هكذا؟!
نظرت غالية الى شقيقها بتوتر بينما كان نديم يقف جامدا تماما حتى شعر بكف حياة تقبض على ذراعه فنظر لها ليرى الرجاء الخالص في عينيها…
عاد يجلس فوق كرسيه على مضض لتتنفس غالية الصعداء وهي تصطنع الإبتسامة بينما تخبر البقية:
تفضلوا من جديد…
ثم جلست على مقعدها وهي ما زالت محتفظة بإبتسامتها المرحبة بينما داخلها تدعو أن تمر الليلة بسلام…
بدأ عمار يتناول طعامه وهو ما زال يتبادل الأنظار بين الحين والآخر مع أخيه..
شعرت حياة بمدى الضيق الذي سيطر على زوجها وتلك النظرات المتبادلة بينه وبين عمار لكنها لم تستطع أن تفعل شيئا…
تلاقت نظرات عمار هذه المرة بنظرات حياة ليمنحها إبتسامة خاصة غريبة تماما جعلت ملامح نديم تتشنج كليا وهو يرى تلك الإبتسامة التي يرسلها عمار لزوجته…
شعرت غالية بتوتر الأجواء فسألت عمار بخفة:
لماذا لم تجلب شيرين معك يا عمار…؟
أخفى عمار تجهم ملامحه بمهارة على ذكر سيرة زوجته وهو يجيب ببرود:
لم تستطع أن تأتي… متعبة قليلا…
سلامتها.. هل هي مريضة..؟!
كلا لكنها حامل…
ثم منح نديم نظرة قوية ثابته عندما هتف نادر مباركا له:
مبارك يا عمار…
بارك بعدها كلا من شريف وأروى ونرمين ليرد عمار مباركتهم وهو يرسم إبتسامة كاذبة على وجهه عندما قالت غالية بصدق:
مبارك يا عمار…
رد عمار بنفس الإقتضاب:
شكرا غالية…
ثم أشار نحو صباح الواجمة متسائلا:
ماذا عنك يا زوجة والدي..؟! ألن تباركي لي أنت الأخرى..؟! مهما حدث سيبقى الطفل القادم أول حفيد لوالدي… زوجك العزيز رحمة الله عليه…
تلاقت نظرات صباح بنظرات غالية التي منحتها نظرة مترجية لتهتف صباح بجمود:
مبارك يا عمار… عسى أن يرزقك الله ولدا صالحا يخاف ربه…
ثم أكملت بنفس الثبات:
ولتسميه حسين.. على إسم والدك رحمة الله عليه…
ابتسم عمار بخفة قائلا:
ربما سأفعل… مع إنه والدي لم يوصني بهذا… فقط أوصاني إذا أتت فتاة أن أسميها ديانا على إسم والدتي… فهو يعتز بهذا الاسم كثيرا ودائما ما كان يتمنى إقتران إسم ديانا بإسمه….
وهو كان صادقا في حديثه…
تجهمت ملامح نديم وهو يستمع الى حديث عمار بينما بهتت ملامح صباح كليا ليضيف عمار وهو ينظر في عيني صباح بقوة:
لقد أراد تسمية غالية بإسم والدتي حسب ما قال لكنكِ رفضتِ ذلك بتعنت…
تجمدت ملامح غالية مما سمعته بينما انتفض نديم من مكانه يصيح به وقد فقد أعصابه كليا:
يكفي.. توقف عن هذا الهراء…
أكمل ساخرا:
أنت تخدع من بالضبط…؟! تخدع نفسك فقط…
تطلعت صباح الى ولدها بقلق بينما إسترخى عمار في جلسته أكثر مرددا:
أنا لا أكذب… هذه الحقيقة… هذا ما قاله والدك… يمكنك أن تسأل السيدة الوالدة إذا أردت…
أشار الى صباح مرددا بثقة:
إسألها هيا… لتخبرك هي بالحقيقة…
انتفضت غالية من مكانها تصرخ به:
يكفي يا عمار.. يكفي حقا…
نهض شريف من مكانه مرددا بجدية وهو يشير الى جميع الموجودين:
من الأفضل أن نغادر…
همست غالية بخفوت:
أنا حقا أعتذر…
لكن شريف أوقفها بجدية محاولا التخفيف عنها:
لا بأس.. تحدث هكذا أمور دائما…
إرتجفت ملامح حياة بوجل بينما غادر الموجودين حاليا وعمار ما زال جالسا بنفس الطريقة يتأمل نديم الواقف قباله بتحفز بنظرات باردة لكنها متحدية…
أدمعت عينا غالية من هول الموقف ولم تعرف علام تحزن بالضبط..؟!
هل تحزن بسبب الإحراج الذي تعرضت له بسبب أخويها أم تحزن على حالهما بل حالهم جميعا..؟!
كل ما تعرفه إن هذا اليوم المميز تدمر تماما… وبسبب أخيها المبجل كالعادة…
كلا ليس بسببه فقط.. بل بسبب والدتها أيضا ووالدها الراحل.. فلولا ضعف والدها وأنانية والدتها ما كان ليحدث كل هذا.. ما كان ليصبح عمار هكذا وما كانت لتتدمر علاقة الأخوة بسبب ماضي لا ذنب لهم فيه…
ما إن غادر الجميع حتى صاح نديم بعصبية:
والآن توقف عن هذه التمثيلية السخيفة.. لقد غادر الجميع ولم يتبق سوانا…
بقي عمار على وضعيته المستفزة مرددا ببرود:
أي تمثيلية..؟! أنا لم أقل سوى الحقيقة…
أكمل وهو ينظر نحوه بقوة:
أخبرني يا نديم، هل سألت يوما والدتك عن طبيعة علاقتها بوالدك..؟! هل سألتها يوما لمَ تزوجها…؟! أو لمَ تزوج والدتي قبلها…؟!
تجهمت ملامح نديم مرددا بجدية:
ولم سأسأل عن شيء أعلم جوابه مسبقا…؟!
سأله عمار بدوره بنبرة مستخفة:
ومالذي تعلمه يا عزيزي..؟!
أجاب نديم ببرود:
أبي تزوج والدتك أولا ثم طلقها لإنهما لم يتفقان ليعود ويتزوج والدتي.. هذا ما أعلمه ولا يهمني أن أعلم بقية التفاصيل لإنها أمور خاصة بهما على ما أعتقد…
إذًا أنت محظوظ…
قالها عمار بجمود وهو يضيف:
أنت محظوظ لإنك لا تعرف سوى القليل.. بينما هناك الكثير مما تجهله… الكثير جدا يا نديم…
هدر نديم من بين أسنانه:
إلام تريد أن تصل..؟! ما دخل والدك ووالدتي الآن…؟! ما دخلهما بكل ما يحدث..؟!
انتفض عمار من مكانه يصيح بعدما نفض عنه رداء الجمود:
بل لهما كل الدخل… هما سبب ما يحدث.. هما سبب كل شيء…
صاحت صباح بتوسل:
يكفي يا عمار…
نظر نديم الى والدته بحيرة بينما صاح عمار بها:
كلا، لا يكفي يا صباح هانم.. يجب أن يعلم إبنك الوحيد كل شيء… يجب أن يعرف حقيقتك أنت أيضا… عليه أن يعلم إنني لست الشيطان الوحيد هنا… إن والدته المبجلة لا تختلف عني…
إخرس…
صاح بها نديم وهو يهم بالإنقضاض عليه لتقف غالية في وجهه وتقبض حياة على قميصه من الخلف ترجوه ألا يفعل…
هتف عمار متشدقا:
هل تريد أن تعلم الحقيقة..؟! سأخبرك إذا… والدك تزوج والدتك مجبرا بسبب جدتك… هي من أجبرته على الزواج بإبنة شقيقتها بعدما إدعت المرض… والدك خشي من غضب والدته فتزوج والدتك وهو الذي لم يكن يريدها يوما فهو كان يعشق والدتي… عاش ومات وهو لم يحب آحدا غيرها…
إنتقلت نظرات نديم نحو والدته التي تنظر نحوه بتشبث وهناك داخل عينيها إعتذار غير مفهوم عندما أكمل عمار يخبره بالحقيقة الكاملة:
والدتي إمرأة ذات كبرياء عالي… لم تتحمل وضع كهذا فأرادت الطلاق وبالفعل رفعت دعوة طلاق ضد حسين الخولي فقرر والدك العزيز أن يطلق إبنة خالته فقط لإجلها ولكن كل شيء تحطم عندما حملت والدتك بك فلم يستطع والدك حينها أن يطلق والدتك ليضطر الى البقاء معها بينما هجرته والدتي دون رجعة…
هل هذا صحيح..؟!
سأل نديم والدته لتهز رأسها بصمت فيستدير ناحية عمار يسأله بثبات كاذب وهو يرى عالمه كله يتحطم نصب عينيه:
لهذا تنتقم مني.. لإنني السبب في إنفصال والديك بشكل نهائي…
التوى فم عمار بتهكم قائلا:
ليت الأمر توقف الى هنا… صدقني ما كان ليحدث كل هذا.. ما كنا لنصل الى هنا…
أكمل وهو يشير نحو صباح:
والدتك تلك لم تتوقف عن إيذاء والدتي.. سيطرت غيرتها عليها وهي ترى تعلق أبي السافر بطليقته رغم مرور السنوات خاصة وهي تدرك إنه يحاول إعادتها الى عصمته بأي طريقة…
أضاف وهو ينظر نحوها بحقد دفين:
لقد تسببت بالعديد من المشاكل لوالدتي… وفي النهاية تسببت بفضيحة لها كادت أن تموت والدتي بسببها ولكن إبراهيم الهاشمي أنقذها وتزوج بها… تزوجته أمي مرغمة لأجل الفضيحة التي تسببت بها والدتك العزيزة وفي النهاية ماتت… ماتت بعدما عاشت لسنوات تعاني القهر والألم والعذاب مع زوجها الآخر… هل تعرف كيف ماتت..؟!
نظر له نديم بعينين مصعوقتين مما يسمعه ليهمس عمار:
إنتحرت…
شهقت حياة بصدمة بينما تساقطت دموع غالية رغما عنها… اما نديم فشعر بطعنة في قلبه… الحقائق بدأت تظهر أخيرا ويا ليتها لم تظهر…
همس نديم بصوت متحشرج:
مستحيل…
قاطعه عمار ببرود:
والدتك أمامك.. يمكنك أن تسألها…
التفت نديم ينظر الى والدته التي جلست على كرسيها مجددا بتعب ليسألها بترجي:
لماذا لا تتحدثين..؟! لماذا لا تدافعين عن نفسك..؟!
أخفضت صباح وجهها أرضا بينما هتف عمار ببرود:
لا يمكنها أن تقول شيئا.. ماذا ستقول..؟! جميع ما قلته حقيقة… حقيقة تدركها جيدا… حقيقة مهما حاولت الهرب منها ستظل تلاحقها دائما وأبدا…
انتفضت صباح من مكانها تصيح به:
أنت ماذا تريد مني ومن أولادي..؟! ألم يكفيك ما فعلته حتى الآن..؟؟ لقد دمرت مستقبل إبني… دمرت حياتنا كلها… مالذي تريده بعد..؟!
أجاب عمار بقوة:
أريد حق والدتي.. وحقي أنا أيضا…
اندفعت صباح نحوه تصيح له وهي تقف أمامه:
ها أنا أمامك.. خذ حقك وحق والدتك مني.. خذه يا عمار.. إقتلني هيا.. إقتلني وأنا أعدك إن لا أحد سيحاسبك.. سيتنازل ولديّ عن حقي عندك… إذا كان هذا سينهي كل هذا العبث الذي نحيا به منذ أعوام بسببك فإقتلني كي ترتح أنت ووالدتك…
ضحك عمار بقوة ثم قال وهو يتوقف عن ضحكاته فجأة:
الموت راحة لا تستحقينها…. لو كان موتك غايتي لكنت فعلتها منذ سنوات.. لكن ليس هذا ما أريده… ليس موتك ما أريده…
أضاف وهو ينظر نحو نديم بقسوة:
ما فعلته أصعب من الموت… أليس كذلك يا صباح..؟!
أكمل وهو ينظر لها بتوعد لا آخر له:
أنا كنت وما زلت كابوسك… راحتي ليست في موتك.. راحتي عندما أراك تتمنين الموت في اليوم ألف مرة ولا تنالينه…
صاحت غالية وقد فقدت أعصابها كليا:
يكفي…
ثم اندفعت نحوه تصرخ به:
يكفي يا عمار… لقد حدث ما أردته… لقد حطمتنا جميعا…. ماذا تريد أكثر..؟!
أكملت وهي تضربه وتدفعه:
مالذي تريده أكثر أخبرني..؟! تحدث يا عمار…
صاح عمار بصوت جهوري:
أريد كل شيء.. وأبشع شيء… وسأنال ما أريده…
توقفت غالية للحظات تنظر له بعدم إستيعاب قبل أن تنطق بخفوت:
أنت مريض… أنت لا يمكن أن تكون طبيعي… أنت مريض وبحاجة الى علاج…
هتف عمار ببرود:
جميعنا مرضى يا عزيزتي… جميعنا مرضى بشكل او بآخر…
أضاف بعدما عدل هندامه:
والآن إنتهت مهمتي اليوم…
أكمل وهو يشمل الموجودين بنظراته:
سأترككم الآن.. هنيئا لكم بما سمعتوه.. ليحترق جميعكم بتلك الحقائق المخزية لعائلتنا المبجلة…
ثم غادر المكان…
غادر وهو يدرك إنه ترك خلفه إعصارا لا نهاية له…
تأملت حياة جمود زوجها بقلق…
لمست كتفه بأنامل لتشعر بإنتفاضه جسده أسفل لمستها عندما همست صباح أخيرا وهي تنظر الى بتوسل:
نديم بني…
استدارت غالية نحو أخيها تتأمل ملامحه الجامدة وثباته الزائف…
لقد تلقى نديم اليوم صدمة عمره… صدمة قلبت كيانه… صدمة جعلته تائها كليا غير مدركا لأي شيء…
من الظالم في هذه الحكاية..؟! ومن المظلوم فيها..؟!
لقد عاش طوال حياته في كذبة… كل شيء حوله كان كذبه… والدته الحبيبة كانت كذبة…
الآن وبعد هذه السنوات يكتشف الحقيقة المرة… يكتشف إن ما فعله عمار به ليس سوى جزء من دين… دين قديم كان يجب على والدته أن تدفعه وكان هو الوسيلة لتسديد هذا الدين…
نطق أخيرًا وهو ما زال محتفظا بجموده:
كيف إستطعت فعل هذا…؟! كيف يمكنك أن تتسببي بكل هذا الأذى لمن حولك..؟!
هتفت صباح ترجوه:
إسمعني أولا بالله عليك…
صاح بها:
ماذا حدث..؟! هل انا مخطئ…؟! هل ستكذبين مجددا..؟! ستخترعين قصة لا وجود لها..؟! تبحثين عن مبرر لكل هذه الفوضى والدمار الذي ألحقتهِ بنا..؟!
نديم…
تجاهل نداء شقيقته المتوسل عندما أكمل وعيناه تلمعان بقسوة تراها لأول مرة:
أنت السبب.. أنتِ سبب كل ما أصابنا وما زال يصيبنا… دمرتنا جميعا…
أردف وهو بالكاد يبتلع غصته:
أنت تدركين كم شخص تدمر بسببكِ..!! كم شخص دفع ثمن اخطاؤك وأنانيتك…
ثم أخذ يعد على أصابعه وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة:
ديانا، ليلى، غالية، والدي و…
إبتلع غصته مجددا وهو يهمس بنبرة متحسرة:
وأنا يا ماما… انا دفعت ثمن أخطائك…
ثم أنهى حديثه ناطقا بإسم غريمه مرغما فالحقيقة أصبحت أمر واقع لا مفر منه:
حتى عمار.. عمار أيضا عاش ما عاشه ووصل إلى هنا بسببك ِ…
شهقت والدته برفض وهي تصيح:
كلا، عمار شيطان.. نعم هو شيطان.. مهما بلغ حجم خطئي فهذا لا يعني أن يفعل بك ما فعله.. أن يدمر حياتك ومستقبلك بهذا الشكل…
صاح بدوره غير مستوعبا ما تتفوه به وكيف تبرر اخطاؤها:
لقد كنت سببا في فقدانه لوالدته… والدته إنتحرت بسببك… هل تستوعبين هذا..؟!
أكمل وهو يلتقط أنفاسه اللاهثة:
هناك إمرأة ماتت بسببك.. هل تدركين حجم ذنبك..؟! هل تستوعبين ما حدث بسببك..؟! أنت لم تدمري عائلة كاملة فقط… أنت تسببتِ بوفاة إمرأة لا ذنب لها سوى إنها إمتلكت قلب زوجها…
أكمل بتهكم مرير:
بل من كان زوجها وسرقته منها بالقوة…
إنهارت صباح باكية بينما همس نديم بقسوة:
أنت دمرت حياتي كما فعل عمار… أنت مسؤولة مثله عما أصابني…
تحشرجت نبرته وهو يضيف:
لكنك أمي… للأسف الشديد إنك كذلك…
همست صباح برجاء من بين دموعها:
نديم… بني…
قاطعه بحزم:
لا تقولي بني.. لا تتحدثي معي… لا تنطقي اسمي بعد الآن…
أكمل بثبات:
منذ الآن أنت خارج حياتي.. لا أريدك في حياتي… يكفي ما أصابني من دمار بسببك حتى اليوم…
أشار الى حياة بجمود عاد يكسو ملامحه:
هيا بنا يا حياة…
تطلعت حياة نحو صباح بقلة حيلة ثم تحركت خلف زوجها وعقلها لم يعد يستوعب ما سمعه بعد…
كانت تتأمل الشارع الخارجي بشرود بينما هو ينهي مكالمة طارئة تخص العمل على ما يبدو…
شردت بأفكارها بعيدا ورغما عنها تشعر مجددا بذات الشعور الذي شعرت به لمرات عديدة سابقا… الضياع لا غير…
عادت تنظر نحوه… تتأمل الجدية التي كست ملامحه وهو يتحدث بالإنجليزية مع موظف لديه… يملي أوامره عليه بنبرة مليئة بالسلطة والنفوذ رغم خفوتها…
هو رجل عملي جدا وربما هذا سبب نجاحه في عمله… رجل هادئ جدا وقوي جدا… وماكر جدا… هكذا فكرت وهي تتذكر بداية الليلة وتعامله معه…
تلك القبلة الخافتة التي طبعها فوق وجنتها والتي على ما يبدو ستصبح عادة لديه كلما قابلها او قام بتوديعها…
أخبرها إنها تبدو رائعة كعادته ونظراته نحوها تثبت صدق كلماته…
ثم قادها نحو سيارته وفتح الباب لها برقيه المعتاد…
ركبت سيارته وفعل هو ذلك ايضا وغادرا نحو المطعم…
تحدث قليلا يسألها عن أحوالها وعن أحوال العائلة… كلمات وإن بدت رسمية لكنها تحمل حميمية مختلفة عن المعتاد… حميمية رجل أدرك إنه بات له موقعا في حياتها…
تحدثا قليلا بسلاسة قبل أن يفتح إحدى أنواع الموسيقى الهادئة التي تفضلها فتنصت لها وهو كذلك…
مر الوقت بسرعة ووصلا الى المطعم أخيرا لتتفاجئ به وهو يمد ذراعه نحوها كي تتبأطها ففعلت ما أراد وحينها شعرت بشيء من الرهبة…
نعم رهبة الإنتماء له فهي عندما تأبطت ذراعه منحته حق الملكية التي تحدث عنه… هي باتت خطيبته… وقريبا زوجته…
لم تفهم سبب شعور الرهبة الذي سيطر عليها في تلك اللحظة… رهبة تجاهلتها وهي تسايره في حديثه بعدها… حديثه الذي قطعه ذلك الإتصال…
أفاقت من أفكارها على صوته يخبرها معتذرا:
أعتذر يا ليلى ولكن المكالمة كانت ضرورية للغاية…
تمتمت بخفوت:
لا عليك…
أشار الى النادل وهو يسألها:
ماذا تشربين..؟!
أخبرته عما تريد فطلب لها ما تريده وطلب له عصير البرتقال المنعش عندما سألته بعدما غادر النادل:
أنت تتعمد عدم شرب النبيذ بوجودي.. أليس كذلك..؟!
ابتسم مرددا بجدية:
نعم، لقد أخبرتني بعدم رغبتك في ذلك… هل تتذكرين..؟!
هزت رأسها مجيبة:
أتذكر بالطبع…
ثم أضاف بهدوء:
ولكن أنا أرفض هذه المشروبات بشكل عام…
قال بنفس الهدوء:
أنا لا أتناولها بإستمرار.. فقط في المناسبات و…
قاطعته بنفس الجدية:
ستتوقف عنها تماما يا كنان.. هذه المشروبات تغصب الله وأنا لن أتزوج من رجل لا يخاف ربه…
حل الصمت مطبقا بينهما… صمت قطعته وهي تضيف عن قصد:
أتمنى ألا يكون هناك المزيد من الإختلافات بيننا…!!
رمقها بنظراته وهو يردد:
أيا كانت الإختلافات فجميعها بسيطة يمكننا تجاوزها…
هتفت بثبات:
موضوع المشروب مفروغ منه يا كنان… انت لا تتوقع مني أن أتقبل شيء كهذا وأتصرف معه بطبيعية أو أتجاهله حتى…
أضافت بقوة:
انا لن أتزوج من رجل يتناول المشروبات الكحولية حتى لو فقط في المناسبات.. كما إنني يستحيل أن أقبل بدخول هذه المشروبات الى منزلي…
قاطعه بوجوم:
أخبرتك إنني لا أتناوله سوى في المناسبات.. منزلي لا يحوي على هذه المشروبات يا ليلى… اطمئني…
كتمت بقية حديثها داخلها فما زال الوقت أمامها للخوض في المزيد من هذه الأحاديث…
سألها بدوره محاولا تغيير الموضوع:
هل نشتري الخاتم غدا..؟!
أجابت بخفوت:
كما تريد…
قال بجدية:
سأكون عندك في تمام الساعة الحادية عشر صباحا إذا…
هزت رأسها بصمت عندما تقدم النادل نحويهما يضع المشروب لكلا منهما…
جذبت ليلى كأسها ترتشف منه القليل عندما سألها كنان وهو يحمل كأسه:
ما أخبار الشركة..؟؟
أجابته بجدية:
بابا عاد إليها اليوم.. غالبا هو سيكمل الصفقة معك…
كان قرار والدها مفاجئا بعودته الى العمل لكنها فهمت إنه يمنحها الفرصة للتفرغ لحياتها قليلا والتفكير في مستقبلها بعيدا عن ضوضاء العمل في الشركة والذي يأخذ معظم وقتها…
سألها كنان بإهتمام:
هل ستتركين العمل إذا..؟!
ردت بصدق:
لا أعلم…
أكملت تتساؤل:
هل يهمك ذلك..؟!
هتف بجدية:
يهمني جميع ما يخصك…
أضاف مكملا:
كما يهمني أن أعلم إذا ما ستتركين العمل بعد الآن أو سوف تستمرين به… سؤالي بدافع المعرفة ليس إلا.. يعني كي لا تفكري إنني لا أريد عملك…
تأملته لوهلة فهو مجددا يقرأ أفكارها…
تنحنحت تخبره:
لم أفكر بعد…
سألته بجدية:
ما رأيك…؟! ما هو الأفضل من وجهة نظرك..؟!
إندهش من سؤالها لكنه أجاب برزانة:
بالنسبة لي عملك يخصك… إذا كنت لا ترغبين العمل فأنت حرة… أنت أساسا لا تحتاجين الى العمل ولن تفعلي ولكن إذا كنت تريدين العمل وترغبين في ذلك فأنا سأشجعك بل وأدعمك أيضا إذا إحتجت…
نظرت له بحيرة قبل أن تقول:
أنا لم أعمل منذ تخرجي من الجامعة.. ولولا ما حدث مع بابا ما كنت لأعود إليه…
إنخفضت نظراتها وهي اكمل:
في الحقيقة لم يكن لدي الوقت للتفكير في ذلك… كانت هناك أشياء أهم من وجهة نظري…
هتف بجدية متجاهلا الخيبة في نبرتها:
ما زال الوقت أمامك بل العمر كله أمامك… يمكنك البدء في العمل مجددا…
أضاف يمنحها إبتسامة واثقة:
انت ذكية ويمكنك أن تحققي كيانا في مجال التجارة إذا أردت…
سألته بتردد:
هل تعني ذلك حقا..؟!
كان يهمها حقا رأيه… فهو رجل أعمال محنك للغاية…
أجابها بجدية:
أخبرتك مسبقا إنني لا أجيد المجاملة… بناء على تعاملي المبدئي معك أرى ذلك.. أنت تستطعين أن تثبتي نفسك في مجال العمل إذا أردتِ ذلك حقا…
شردت لوهلة تفكر في حديثه… ورغما عنها تخيلت نفسها تعمل وتصنع إسما لها.. تبني عملا خاصا به وتنجح…
أعجبتها الفكرة وتحمست لها ولاحظ هو ذلك من خلال نظراتها التي أخبرت بما يعتمل داخلها فقال بجدية:
يمكنني مساعدتك إذا ما قررتِ ذلك…
منحته إبتسامة هادئة وهي تردد:
ان شاءالله… تسعدني مساعدتك حقا…
ابتسم بدوره مرددا:
على الرحب والسعة…
إنتهت شيرين من تجهيز حقيبتها التي تحوي على جزء من ملابسها وأغراضها…
تأملت غرفة نومها التي لم تقضِ بها سوى أشهر قليلة بوجع… لم تكن تعلم إن الحكاية ستنتهي بهذه السرعة… أسرع مما تخيلت بكثير…
هي ظنت إن كل شيء سيتغير… إنها سوف تستطيع إخراجه من ظلماته.. تطهيره من ذنوبه وحقده الذي يستولي عليه كليا… لكنها فشلت وخرجت من معركتها مهزومة… خسرت معركتها بأسرع مما تخيلت…
امتدت كفها نحو بطنها تلمسها برفق وهي تخبر نفسها إنها رغم كل شيء ربحت طفلا… طفلا ينمو داخل أحشائها… طفلا تاقت إليه بكل ذرة من كيانها بعدما حملت طفلين قبله وخسرتهما… طفلا لأجله قررت إعلان هزيمتها ومغادرة حياة الرجل الذي أحبته… لأجل طفلها قررت ذلك… لأجل حمايته… لأجل إبعاده عن أبيه… لأجل ألا يكون ضحية أفعاله…
قاومت الدموع التي ملأت عينيها وهي تتجه نحو سريرها تأخذ قطعتي الملابس التي وضعتها عليه لترتديها ثم سارعت تخلع ملابسها عنها وترتديها….
مسحت وجهها بكفها وهي تمنع نفسها من البكاء… اتجهت نحو المرآة وأخذت تسرح شعرها سريعا قبل أن ترفعه بشكل ذيل حصان…
ارادت حذائها المسطح ثم وضعت هاتفها داخل تلك الحقيبة الصغيرة قبل أن تنادي الخادمة لتحمل حقيبتها وتخرج بها…
أتت الخادمة وسحبت حقيبتها خلفها بينما ألقت هي نظرة طويلة على المكان… تأملت كل جزء منه بنظرة مودعة… هي لن تعود الى هنا مجددا… شعورها يخبرها بذلك…
تأملت خاتم زواجها…. تأملته لثواني… ثواني عاد قلبها ينبض بنفس الحب ونفس الألم… تحبه بكل أسف وبقدر ما تحبه بقدر ما تألمت منه…
خلعت الخاتم ووضعته على الطاولة المجاورة لسريرها ثم جلست على سريرها بوهن تكتم دموع الوجع…
تتذكر يوم دخلت هذا المنزل… يومها قررت أن تصنع من هذا المكان جنة له ولها… حلمت بالكثير وخططت للكثير… لكن جميع محاولاتها بائت بالفشل الذريع… ربما تسرعت.. ربما كان يجب أن تنتظر أكثر… لكنها لم تعد لوحدها.. بات هناك طفلا مسؤولة عنه… طفلا لن تسمح بأن يكون ضحية والده… طفلا ستحميه من شر والده قبل أي شيء آخر…
وضعت كفها مجددا فوق بطنها تخبر جنينها بخفوت:
أنا تركته لأجلك… لأجل حمايتك… أنا أحب بابا كثيرا لكنني أحبك أنت أكثر وأخشى عليك منه… بابا لا يستوعب ما يفعله بنفسه وبمن حوله… لا يستوعب كم الأذى التي يتسبب به الجميع… نحن يجب أن نغادر حياته… لا حل آخر أمامنا يا صغيري…
تساقطت دموعها على وجنتيها لتهمس بعدها:
سامحني لإنني حملت بك في وضع كهذا… سامحني لإنك ستلد في ظروف صعبة كهذه ولكنني أحبك كثيرا وأريدك كثيرا… سامحني حتى لو كنت أنانية في حبك ورغبتي بأمومتك…
مسحت دموعها وهي تنهض من مكانها تحمل حقيبتها وتغادر المكان…
غادرت الفيلا وركبت سيارتها لتسحب منديلا تمسح به عينيها الباكيتين…
قادت سيارتها بعدها متجهة الى منزل عائلتها… لم يكن لديها مكان آخر تذهب إليه… رغم كل شيء هم سيبقون عائلتها وهي ستبقى تحتاجهم…
لكن كل أفكارها تبخرت وهي تجد نفسها واقفة أمام باب منزل عائلتها تطالعه بقلق وتردد… تحاول أن تتخيل موقفهم عندما يرونها… كيف ستكون ردة فعلهم..؟! كيف سيتعاملون معها…؟!
مهما فعلوا بها ستعذرهم… هي من جلبت هذا
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم سارة علي
وقفت حياة في منتصف المطبخ تعد الطعام لنديم الذي كان بدوره يأخذ حماما يزيل من خلاله تعب الليلة الماضية.
انتهت من إعداد طعام الفطور سريعا وبدأت في إعداد المائدة ثم اتجهت بعدها إلى الغرفة لتجده يجلس على السرير بملامح واجمة وشعره ما زال مبللا تتساقط منه قطرات الماء بينما المنشفة مرمية جانبه.
رفع بصره نحوها ما إن شعر بوجودها في الغرفة فابتسمت له برقة وهي تجلس جانبه، فتسأله وهي تضع كفها فوق كفه:
"أعددت طعام الفطور لك… تعال معي لتتناول الفطور ثم عليك بالنوم بعدها فأنت متعب جدا وهذا واضح عليك."
رمقها بنظرات غريبة قليلا… بدا حائرا جدا ومرهقا جدا. شعرت بحيرته بل ضياعه عندما سألته بنفس النبرة الرقيقة:
"هل أنت بخير يا نديم؟"
تنهد بصوت مسموع ثم أجاب بلهجة ثابتة وهو يقر بواقع حال:
"كلا يا حياة.. أنا لست بخير ولن أكون بخير حتى يخرج عمار من حياتي إلى الأبد."
كان معه حق وهي تعلم ذلك… أخوه لن يتركه وشأنه مهما حدث.
ما حدث البارحة مجرد تنبيه مبدئي… تنبيه لما هو قادم وكم تخشى ما سيقدم عليه ذلك العمار.
حاولت أن تخفف عنه وهي تبتسم له:
"لا تفعل ذلك… أنت مظلوم… الله معك دائما يا نديم… لا تنسى هذا أبدا."
هتف بنبرة متألمة:
"تعبت يا حياة… نفذ صبري ولم يعد لدي قدرة على التحمل."
أخذ نفسا عميقا ثم أضاف ببوح مختلف محمل بكم هائل من الوجع والضعف:
"إلى متى سأدفع ثمن أخطاء غيري؟! إلى متى سأتحمل ما يحدث معي؟! كل شيء ينحدر نحو الأسود… كل شيء يا حياة…"
ابتسم بمرارة وهو يضيف:
"لقد كُتِبت التعاسة عليّ إلى الأبد… تعاسة لم يعد بمقدوري تحملها ولا التعايش معها."
تهدجت أنفاسه وهو يسترسل:
"أنا أيضا بشر… بشر ولدي طاقة تحمل… وطاقتي نفذت… لم يعد بمقدوري التحمل أكثر… يجب أن ينتهي كل هذا… يجب أن ينتهي بأي شكل."
هتفت حياة بخفوت:
"معك حق… والله معك حق ولكن ما الحل برأيك؟"
أضافت وهي تنظر إلى عينيه بقوة:
"عمار لديه أساليبه الخاصة وهو لن يتوانى عن استخدامها في أي لحظة لذا لا حل أمامك سوى تجاهله والصبر وإلا…"
أخذت نفسا عميقا ثم قالت بصراحة:
"وإلا ستدخل في حرب علنية معه… حرب لن تخرج منها سالما حتى لو انتصرت… فأنت إذا خسرت في حربك معه ربما ستخسر حياتك كلها وإذا انتصرت ستخسر إنسانيتك لأنك ستضطر في حربك معه أن تتخلى عن إنسانيتك بل وتلجأ لأساليبه كي تنتصر عليه."
غامت عيناه بنظرة بعيدة المدى وعقله يؤكد كلامها… وفي داخله حروب متضادة ما بين قلب يرفض الخوض في معركة نتائجها محسومة وبين عقله الذي يطلب منه المحاربة لأجل مستقبله مجهول المعالم ولأجل استعادة الماضي ولأجل الكثير.
شعر بكفها تضغط على كفه بخفة فوضع كفه الأخرى فوقها يضغط عليها بلين بينما عيناه ما زالتا شاردتين كأفكاره تماما.
سمع همسها له وهي تطلب منه أن ينهض ويذهب معها لتناول الطعام فأطاعها بصمت وهو ينهض من مكانه ويسير معها نحو المطبخ ليجدها أعدت المائدة حيث وضعت عدة أشكال من الطعام وصنعت له العصير البارد.
سمعها تردد وهي تضع العصير أمامه بعدما جلس على كرسيه:
"لم أصنع القهوة اليوم كالعادة… تناول العصير فهو أفضل والأهم إنك يجب أن تخلد إلى النوم بعد تناول الطعام."
وجده يقبض على كفها بعدما وضعت العصير أمامه فنظرت له بتعجب ليرفع عينيه نحوها يخبرها:
"تناولي الطعام معي."
ابتسمت برقة قائلة:
"سأفعل بالطبع."
ثم اتجهت نحو الثلاجة تخرج قنينة الحليب البارد لها وتصب لها كأسا كبيرا من الحليب.
جلست قباله ترتشف الحليب وتتناول القليل من الطعام بينما توقف عن تناول طعامه وأخذ يتأملها للحظات دون أن تنتبه.
كان يعلم جيدا إن قراره سيؤذيها ولكن لا حل آخر أمامه… يجب أن يقصيها من حياته تماما حتى تنتهي هذه المرحلة الصعبة من حياته ثم بعدها سيقرر ما يفعله.
رفعت عينيها نحوه لتجده يطالعها بنظرة غريبة فسألته بعدما ابتلعت لقمتها:
"لماذا تنظر إلي هكذا؟"
أجاب بصدق:
"أحب أن أنظر إليك دائما… النظر نحوك يمنحني شعورا بالراحة دائما ما أفتقده."
توردت وجنتيها وهي تحمل كأسها وترتشف منه القليل عندما عاد يسألها بجدية:
"موعد الطبيبة بعد ساعتين، أليس كذلك؟"
أومأت برأسها وهي تجيب:
"سأعتذر عنه وأؤجله ليوم آخر."
هتف بصوت قاطع:
"بل سنذهب بعد ساعتين."
هتفت بجدية:
"أنت متعب يا نديم والموعد يمكن تأجيله."
قال بإصرار:
"سـنذهب يا حياة… يجب أن نطمئن عليك وعلى الطفل."
ابتسمت مرددة:
"ما بالك يا نديم؟! أنا بخير الحمد والطفل كذلك."
سأل بتذمر:
"لا أفهم لماذا تعاندين يا حياة؟! أين المشكلة في ذهابنا اليوم إلى الطبيبة؟"
ردت بحيادية:
"لأنك متعب وتحتاج إلى الراحة.. منذ البارحة وأنت لم تنم."
قاطعها ببرود:
"عادي… منذ البارحة وأنا في مركز الشرطة بعد اتهامي بشيء لا أعلم عنه شيئا."
أضاف وهو يحمل كأس العصير مجددا:
"الأمر عادي بالنسبة لي فوق ما تتصورين."
همست بخفوت:
"أنت لست بخير يا نديم."
أضافت بتمهل:
"أتفهم إن ما حدث صعب بل…"
قاطعها بدوره:
"أنت لن تتفهمي أبدًا طالما لم تعيشي التجربة بنفسك لكن عليك أن تستوعبي الحقيقة وتعترفي بها وتتصرفي على أساسها."
سألته بتردد:
"ماذا تعني؟"
رد بهدوء:
"يعني أن تقصي عواطفك جانبًا وتفكري في مصلحتك أنتِ وطفلك."
بهتت ملامحها فأكمل بقوة:
"وإذا لم تفعلي فأنا من سيفعل."
"أنا لا أفهم…"
سألته بملامح بدأت بالشحوب عندما أجاب بثبات غير آبه بقسوة ما يقوله:
"سننفصل يا حياة… سنتطلق."
نطقتها والرجاء في عينيها ألا يفعل يقتله:
"أنت تمزح."
هز رأسه ينفض العاطفة من قلبه لأجلها هي:
"أنا لا أمزح يا حياة."
أكمل بنفس القسوة:
"وجودك في حياتي يعيقني عن اتخاذ أي خطوة حقيقية."
همست مدهوشة:
"أنا يا نديم…"
تجاهل الضعف في عينيها ونبرة صوتها وهو يقسو أكثر:
"نعم أنت يا حياة."
أضاف بتمهل ونبرة باردة:
"أنت يجب أن تخرجي من حياتي… لأجلي أنا ولأجلك أنت أيضا…. المرحلة القادمة من حياتي لا تناسبها وجودك… أنا لدي مخططات ووجودك معي سيمنعني عن تحقيق ما أريده."
هتفت بصعوبة:
"المخططات تلك تتضمن الانتقام من عمار."
هز رأسه وهو يضيف:
"نعم حتى لو كلفني ذلك الكثير."
أضاف مكملا:
"طوال وجودك معي فأنا سأبقى مقيدًا بك رغما عني."
تمتمت بخفوت:
"تريد التحرر مني كي تتصرف كما تشاء وتفعل ما تريد… كي لا تفكر في غيرك ولا تخشى على أي أحد قد يصيبه الأذى بسبب انتقامك."
"نعم، هو كذلك."
تنهد وأضاف:
"أنت تعلمين إن وجودك في حياتي يعرضك للخطر ويعرض طفلك أيضا."
قاطعته من بين أسنانها:
"طفلنا يا نديم… لا تتحدث وكأنه طفلي لوحدي."
همس رغما عنه:
"ليته لم يكن طفلي."
شهقت بوجع عندما أضاف بثبات:
"نعم يا حياة… ليته لم يكن طفلي… ليتك لم تحملي به."
صاحت بحدة:
"توقف يا نديم."
همس بجمود:
"لن أتوقف… أنا سأنجب طفلا للعالم لن يتحمل فقط ماضي والده التعيس بل سيتحمل حقد عمه الأسود على والده."
إسترسل بخوف بل رعب يسيطر عليه:
"عمار لن يتركني وشأني مهما حدث وعندما يصبح لدي طفل من صلبي، لن يتوانى لحظة واحدة عن استغلاله للانتقام مني وهو يدرك إن هذا الطفل سيكون نقطة ضعفي… على العكس تماما بوجود هذا الطفل سيجد فرصة لإيلامي أكثر وتدميري أكثر."
أخذ نفسا عميقا ثم قال:
"أنت رأيت بنفسك مدى حقده وجنونه."
قالت بتشبث:
"ولكن هذا ليس حلا… الانفصال ليس حلا."
قاطعها:
"يجب أن نفعل ذلك حتى أنتهي من عمار أو ينتهي هو مني… وفي كلتا الحالتين سأضمن على الأقل سلامتكما."
"نديم…"
قالتها بترجي تجاهله بقوة:
"أنت يجب أن تغادري حياتي… يجب أن تفعلي."
أكمل يقسو على نفسه قبلها:
"أنا سأطلقك يا حياة… شئت أم أبيت سأفعل."
وقبل أن تتحدث مجددا كان صوت هاتفه يصدح في أرجاء المكان باسم شقيقته.
***
غادر الطبيب بعدما أخبرها بمدى صعوبة وضع والدتها التي أصابتها جلطة قلبية شديدة ستبقى على آثرها في غرفة العناية المشددة تحت الملاحظة الدائمة عسى ولعل تتحسن حالتها تدريجيا رغم صعوبة ذلك قليلا.
جلست على الكرسي جانبها ودموعها بدأت تتساقط فوق وجنتيها بغزارة… والدتها بين الحياة والموت وهي سببا رئيسيا في ذلك. لقد قست على والدتها طوال الأيام السابقة وإذا حدث لها شيء فلن تسامح نفسها أبدا.
توقفت عن بكائها وهي ترى الممرضة تتقدم نحوها فانتفضت من مكانها بهلع عندما سمعت الممرضة تخبرها:
"المريضة تريدك يا آنسة… ادخلي إليها وتحدثي معها ولكن لا تطيلي الحديث من فضلك."
كفكفت غالية دموعها بسرعة وهي تردد:
"حسنا."
ثم همت بالدخول عندما أوقفتها الممرضة بحرص:
"ملابس الوقاية يا آنسة."
تمتمت غالية معتذرة:
"آسفة حقا لكنني نسيت."
ابتسمت لها الممرضة مرددة:
"لا بأس… تفضلي معي لترتدي ملابس الوقاية."
سارت غالية خلف الممرضة حيث سارعت ترتدي ملابس الوقاية المخصصة للدخول إلى غرفة العناية المشددة عندما دلفت أخيرًا إلى داخل الغرفة لتشهق باكية لا إراديًا ما إن رأت والدتها ممددة بتلك الطريقة فوق سرير المشفى والأجهزة الطبية تحيط بها وترتبط بجسدها.
بالكاد سيطرت على دموعها وهي تتجه بلهفة نحو والدتها تهمس لها:
"ماما حبيبتي."
فتحت صباح عينيها ما إن سمعت نبرة ابنتها فتمتمت بصوت ضعيف:
"غالية."
غمغمت غالية من بين دموعها:
"ستصبحين بخير يا ماما… ستعودين إلينا سالمة بإذن الله."
همست صباح بصوتها الضعيف وهي تبعد غطاء الأوكسجين عن وجهها:
"لا يهم… ما يهم أن أرحل وقلبي مطمئن عليكما."
كتمت غالية شهقة باكية كادت تصدر منها وهي تهتف بسرعة:
"لا تفعلي يا ماما… أنت ستصبحين بخير… أنا متأكدة من ذلك."
أكملت وهي تقبض على كفها:
"سامحيني… لقد أحزنتك كثيرا… أنا آسفة يا ماما."
غمغمت صباح بأنفاس متعبة:
"بل أنت من يجب أن تسامحيني يا غالية… وكذلك شقيقك."
أخذت نفسا طويلا ثم أضافت بترجي:
"سامحيني ودعيه يسامحني إذا رحلت قبل رؤيته."
هتفت غالية بجزع:
"كلا لن ترحلي… أنت ستصبحين بخير بإذن الله."
همست صباح رغم تعبها:
"اسمعيني يا غالية… أنا تسببت بالأذى لجميع من حولي."
ترقرقت الدموع داخل عينيها:
"وخاصة ديانا… أنا كنت سببًا في انتحارها… لقد دمرت سمعتها و…"
توقفت وهي تشعر بأنفاسها تتثاقل فهمست غالية ترجوها:
"لا تتحدثي أكثر… الحديث يتعبك."
لكن صباح عارضتها وهي تمنعها من إعادة غطاء الأوكسجين فوق وجهها:
"دعيني أقول ما لدي يا غالية."
أضافت بنبرتها الضعيفة:
"أنا أحببت والدك حقا… أحببته أكثر من أي شيء… لكنه لم يحبني بل لم يراني يومًا."
عادت تأخذ نفسا طويلا ثم تضيف وهي تشعر بعدم قدرتها على الحديث بعد:
"ما قاله عمار صحيح… أنا تسببت بانتحارها."
سقطت دمعة فوق وجنتها وهي تضيف:
"ومنذ ذلك اليوم وأنا أدفع ثمن خطيئتي تلك."
"ماما من فضلك…"
قالتها غالية بتوسل باكي لتهتف والدتها:
"أنا آسفة على كل شيء… سامحيني ودعي شقيقك يسامحني."
قالت غالية بدموع حارقة:
"أنت من سامحيني يا ماما… سامحيني على كل شيء… لقد تعاملت معك بطريقة سيئة… أنا نادمة حقا… نادمة أكثر مما تتصورين."
قالت صباح بصدق:
"لم أغضب منك كي أسامحك… أنت ابنتي الوحيدة… ابنة قلبي وقرة عيني."
ثم أخذت تبحث عن كفها عندما قبضت عليه بعدما وجدته وهي تخبرها:
"عديني أن تكوني قوية دائمًا كما عهدتك… وأن تكوني سعيدة."
أضافت بنبرة ضعيفة باكية:
"شقيقك يحتاجك يا غالية… لا تتخلي عنه وتذكري دائمًا إنني أحبك وسامحيني."
"ماما…"
قالتها غالية باكية لتضيف صباح وقد بدأت أنفاسها تشتد:
"دعي نديم يسامحني… دعيه يسامحني يا غالية… أخبريه إنني أحبه كثيرًا وإنني آسفة على ما أصابه كثيرًا… أخبريه أيضًا إنني أريده أن يعيش مرتاحًا سعيدًا وينسى الماضي بكل ما فيه ويسامحني… دعيه يسامحني بالله عليك."
"سامحتك يا ماما وهو كذلك… والله سامحتك."
ابتسمت صباح بألم مرددة:
"كنت أريد رؤيته للمرة الأخيرة… تمنيت أن أراه وأرى طفلته."
تساقطت دموعها بغزارة فأضافت وهي تلهث:
"أخبريه إنه سيحيا سعيدًا وسيعوضه الله خيرًا عما جرى له وسيمنحه الذرية الصالحة بإذنه تعالى… وصيتي له أن يحيا سعيدًا مطمئنًا وينسى الماضي بكل ما فيه وأن يسمي ابنته القادمة شمس فأنا حلمت منذ يومين إن الله عز وجل رزقه بفتاة جميلة كالبدر في تمامه أسماها شمس."
"ماما…"
هتفت بها غالية بتوسل عندما شعرت بيد والدتها ترتخي تدريجيًا وأنفاسها تختفي حتى صدح صوت الجهاز يخبرها إن قلب والدتها توقف فصرخت بفزع وهي تحتضن جسد والدتها بقوة وتشـبث عندما تقدمت الممرضة راكضة نحوها هي وطبيب شاب في المشفى فسارعوا يحاولون إبعادها عنها وهي تتشبث بها وترفض أن تتركها.
لا تعرف بعدها كيف غادرت الغرفة بل كيف استطاعوا إبعادها عن والدتها.
خرجت منهارة بجوار الممرضة عندما رأت شقيقها يتقدم راكضًا نحوها وخلفه زوجته ليتجمد مكانه وهو يراها لأول مرة بهذه الهيئة.
كانت هيئتها وحدها دليلًا على ما حدث… ودون وعي ولأول مرة تجد نفسها بحاجة لأحدهم فركضت نحوه تتشبث به وهي تصرخ دون وعي:
"ماما ماتت يا نديم… ماتت."
بينما بقي نديم جامدًا للحظات دون أن يرمش بعينيه حتى وشقيقته تتشبث به وكل ما يفكر به في تلك اللحظة إنه فقد والدته. فقدها للأبد.
***
رمت هاتفها جانبًا بحنق شديد… لا تعلم لماذا تصر على مراقبته بعدما تزوج.
بينما هو ينشر صورًا يومية له تارة له وحده وتارة مع زوجته.
ربما هو يتعمد ذلك… هكذا فكرت رغم إنه معتاد على التفاعل يوميًا في حسابه الشخصي.
انكمشت على نفسها بملامح مظلمة والحقد والغيرة والتعاسة يسيطران كليًا عليها.
سمعت صوت طرقات على باب غرفتها فخرج صوتها مقتضبًا وهي تردد:
"ادخل."
دَلفت ليلى إلى غرفتها تتأملها وهي تجلس بتلك الطريقة المتحفزة وعينيها تشتغلان بنظرات حادة تسبب القلق.
"مريم…"
تمتمت بها ليلى مدهوشة وهي تتقدم نحوها عندما جلست جانبها تسألها باهتمام:
"ما بالك تجلسين هكذا وملامحك تنطق بالغضب؟"
تدفق الكلام من فم مريم دون وعي بعدما تحكم بها انفعالها كليًا:
"الخائن… ينشر صوره يوميًا مع الحمقاء التي تزوجها… كاذب ولعين."
تنهدت ليلى وهي تستمع لحديثها عن خطيبها السابق وابن عمهما فقالت بجدية:
"لا تحزني يا مريم… لو كان خيرًا لبقى."
نهضت مريم من مكانها تتحدث بإنفعال:
"أنا لا أصدق إنه نساني بهذه السرعة… تجاوز حبي بل وتزوج أخرى غيري… وكأنني لم أكن شيئًا يذكر."
رغمًا عنها ابتسمت ليلى بتهكم فرفعت مريم حاجبها باستفهام لتأخذ ليلى نفسًا عميقًا ثم تردد:
"آسفة ولكن ما الغريب فيما تقولينه؟! في النهاية هو رجل… مثله مثل جميع الرجال… قلوبهم تنسى بسرعة خرافية تستحق الإعجاب… هذا إذا كانوا يمتلكون قلوبًا تحب بصدق من الأساس."
هزت مريم رأسها بعنف تنفي حديث شقيقتها:
"كلا يا ليلى… أكرم كان يحبني بحق… انتظرني لسنوات طويلة… تحملني كثيرًا وتقبل صفاتي المنفرة لكثير من الشباب غيره."
"هذا ليس مقياسًا يا مريم."
قالتها ليلى بثبات لتسأل مريم بحيرة:
"ما المقياس إذا يا ليلى؟"
هزت ليلى كتفيها تجيب بجهل حقيقي:
"لا أعلم ولا أعتقد إنني سأفعل."
اتجهت مريم نحوها وجلست جانبها تهمس بضعف نادرًا ما يظهر عليها:
"أنت تعلمين إنني أحببته حقًا وإنني خططت لحياتي كاملة معه."
هزت ليلى رأسها وهي تخبرها بشفقة صادقة:
"أعلم يا مريم لكنه ليس نصيبك."
قاطعتها مريم بوجع:
"لو أخبرني فقط… لو لم يفعل بي هذا… عندما تحدثنا لآخر مرة كان طبيعيًا للغاية و…"
كتمت دموعها بصعوبة وهي تردد:
"كيف فاجأني هكذا؟! كيف تزوج فجأة بعد بضعة أيام؟! لماذا فعل بي هذا؟! أنا لا أفهم حقًا."
سألتها ليلى بتردد وعي تتذكر تلك الصور من جديد:
"هل أنت متأكدة إنه لم يحدث شيء جعله يتصرف كذلك؟"
عقدت مريم حاجبيها تردد بتعجب:
"شيء مثل ماذا؟! لا يوجد أي شيء أساسًا."
ابتعلت ليلى بقية حديثها داخل حلقها وهي تربت على كف شقيقتها تخبرها:
"لا بأس يا مريم… هو الخاسر بالتأكيد."
أضافت وعيناها أظلمتا كليًا:
"هذا الواقع للأسف… نحن في حياة الرجال لسنا سوى محطات لا بد أن تنتهي يومًا ما وتأتي محطة جديدة في الحياة بدلًا عنا."
نظرت لها مريم مرددة بحيرة:
"لا أصدق إنك من تقولين هذا… منذ متى وأنت تمتلكين هذه النظرة؟!"
أضافت بخيبة:
"لا سامحك الله يا نديم… هو من تسبب بذلك."
ابتسمت ليلى بسخرية مريرة فقط:
"نديم وغيره أيضًا."
نظرت لها مريم بتأهب بينما ليلى تضيف ببوح مخنوق:
"نديم وبعده والدك العزيز وغيرهما… هل تصدقين إن صدمتي بوالدي تحديدًا لا توازيها صدمة؟"
نظرت مريم بأسى لها فأكملت ليلى بخفوت:
"أنا عشت قصة حبه مع والدتي طوال سنوات عمري السبعة والعشرين… عشت قصة حبهما لحظة بلحظة… كنت أرى العشق الجارف في عينيه والاهتمام وكل شيء… عشقه لها كان ظاهرًا للجميع دون مواراة لدرجة إنني كنت أسأل نفسي مرارًا إذا ما سيكون نديم مثل والدي ويحبني بنفس الطريقة حتى بعد عشرين عامًا من زواجنا وأكثر."
تشكلت ابتسامة مريرة فوق ثغرها وهي تهمس:
"وفي النهاية لا نديم ولا والدي نفسه بقيا على مشاعرهما."
سألتها مريم بتردد:
"وكنان؟! ما وضعه معك..؟! لماذا قبلت الزواج منه وهذا رأيك بالحب والرجال عمومًا؟"
ردت ليلى ببساطة:
"لأنني اخترت بناءً على عقلي."
أكملت تشرح لها:
"علاقتي مع كنان بعيدة عن الحب والمشاعر عمومًا… ليست علاقة عاطفية… علاقتي به مختلفة… ارتباط عقلاني بحت… أنا لا أحبه ولا أمتلك مشاعر خاصة نحوه وهذا يكفيني تمامًا ويحميني من أي خذلان مستقبلي."
نظرت لها مريم بدهشة لتضيف ليلى وهي تبتسم بثقة:
"أعتقد إن راحة الإنسان الحقيقية عندما يحمي قلبه من التعلق بأحدهم… عندما يحافظ على توازن مشاعره دائمًا… مشاعري ناحية كنان حيادية وهو يعلم ذلك ولا يعترض لأنه هو الآخر مشاعره حيادية نحوي… لكنه في نفس الوقت رجل جذاب وثري وذو مكانة محترمة ويمكنني الاعتماد عليه دائمًا… يعني هو يصلح ليكون زوجي وأب لأطفالي وفي نفس الوقت لن أحزن إذا ما خانني يومًا أو خذلني بأي طريقة كانت… علاقة مريحة تمامًا ونتاجها عائلة وأطفال أحتاجهم في حياتي."
سألت مريم بجدية:
"هل أنت متأكدة من حيادية مشاعره نحوك؟"
هزت ليلى رأسها بإيجاب وهي ترد:
"بالطبع… كنان ليس رجلًا عاطفيًا أبدًا… هو أرادني زوجة لأنني أناسبه وأشبه ما يريده في زوجة المستقبل."
تنحنت مريم تردد:
"برأيي ألا تتعجلي في قرار زواجك منه."
نظرت لها ليلى باستنكار فأضافت مريم بجدية:
"أنتِ امرأة عاطفية يا ليلى… عاطفية بالفطرة وهذا شيء لا يعيبك بالمناسبة…. ارتباطك بهذه الطريقة التي لا تشبهك هي نتيجة تجربتك السابقة وما تعرضت له وهذا خطأ كبير لأنك مهما حاولت أن تغيري من نفسك وطريقة تفكيرك ووجهات نظرك سيأتي يوم وتحتاجين إلى الحب الذي تتجاهلينه حاليًا عن عمد… لا بد أن تغلبك عاطفتك يومًا يا ليلى مهما حاولت ترويضها… وعندما يحدث هذا ستشعرين بالورطة لأنك تزوجت بهذه الطريقة من رجل لا تحملين أي عاطفة نحوه."
تغضن جبين ليلى للحظات لكن سرعان ما ابتسمت وهي تخبر مريم بتهكم:
"منذ متى وأنت تتحلين بكل هذا العقل يا مريم؟"
فهمت مريم رغبتها بالهروب من الحديث فضحكت مشاغبة رغم الألم الذي ما زال يسيطر عليها:
"أنت لم ترِ شيئًا بعد."
ابتسمت ليلى وهي تربت على كتفها عندما رن هاتفها لتخبرها بجدية وهي تنظر نحو الهاتف المضيء باسم خطيبها:
"كنان وصل… يجب أن أغادر الآن."
سألتها مريم وهي تنهض من فوق سريرها معها:
"ستذهبين إلى قصره؟"
أجابت:
"نعم، سأراه لأننا غالبًا سنعيش فيه بعد الزواج."
رفعت مريم حاجبها تردد مستهجنة:
"وشروطك عن منزل قريب من هنا."
ابتسمت ليلى مرددة بخفة:
"كان نوعًا من الاختبار ليس إلا."
غمغمت مريم بمكر:
"اختبار أم محاولة لإفشال الخطبة؟"
تجاهلت ليلى حديثها وهي تقبلها من وجنتها وتخبرها:
"اعتني بنفسك ولا تحزني لأجل أي شخص… حسنًا."
احتضنتها مريم بحب قبل أن تتابعها وهي تغادر غرفتها فتتنهد بصوت مسموع وهي تعود تجلس فوق سريرها بملل لا يخلو من الكآبة.
***
بعد حوالي نصف ساعة هبطت ليلى من سيارته بعدما فتح لها الباب لتتأمل بوابة القصر الفخمة بإعجاب لحظي سرعان ما اختفى وهي تتذكر إنها لم تسأله إذا ما كان يعيش لوحده هنا أم هناك خدم في المكان غير الحرس في الخارج.
ورغم كونها باتت زوجته لكنها لن تدخل إلى الفيلا معه لوحدها مهما حدث ورغم تأكيد وجود خدم في القصر الضخم فهو لا يمكن أن يعيش لوحده لكن هواجسها سيطرت عليها فقررت السؤال رغمًا عنها بسبب شكوكها الغبية.
"هل تعيش لوحدك؟"
سألته بتعجب ليجيب وهو يفسح لها المجال لتسير أمامه:
"نعم."
تراجعت إلى الخلف للحظة ترمقه بملامح أباحت بما فكرت به عندما أدركت إنه يعيش وحيدًا في هذا القصر الشاسع ليبتسم بخفة مضيفًا:
"يوجد في الداخل مدبرة منزل وأكثر من خادمة."
أضاف متأملًا إحراجها:
"اطمئني يا ليلى… أعرف جيدًا إنك لن تدخلي هذا القصر لو لم يكن فيه أحد سواي أنا وأنتِ."
حدقت به بصمت للحظات قبل أن تشمخ برأسها وتسير إلى الداخل مرددة:
"جيد إنك تعلم ذلك."
استقبلتها مدبرة المنزل بابتسامة واسعة عندما أشار كنان نحو ليلى يعرفها عليها قبل أن يعرفها على مدبرة منزله والتي كانت تمتلك وجهًا هادئًا لطيفًا للغاية بسنوات عمرها التي تجاوزت الأربعين:
"صوفيا… مدبرة القصر والمسؤولة عن كل شيء."
ابتسمت ليلى بود مماثل وهي تحييها عندما سارت جانبه تتأمل القصر شديد الفخامة بغرفه الواسعة وأثاثه الراقي الذي تم اختياره بحرص شديد.
لم تستطع منع فضولها من سؤاله:
"لماذا لا تعيش مع عائلتك؟"
رد باعتيادية وهو يقف جانبها في صالة الجلوس الواسعة جدًا:
"لا يمكنني التأقلم تمامًا مع عادات شريفة هانم نصار."
معه حق… هكذا فكرت وهي تتذكر تلك المرأة كبيرة السن بكل قوتها وصلابتها وتسلطها.
مرة واحدة رآتها فيها كانت كافية لتدرك طبيعتها وتعنتها وفوقيتها المبالغ فيها واعتدادها بنفسها وأصولها العريقة لتشعر بمدى صعوبة التفاهم مع شخص مثلها.
أفاقت من شرودها وهي تسمعه يخبرها:
"لنذهب إلى الحديقة الخلفية… ستعجبك كثيرًا."
خرجت من خلال الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية لتتأمل الحديقة الواسعة بأشجارها الكثيفة وزهورها الخلابة بل إن كل شيء بها خلاب ورائع.
سار بها نحو ذلك المنزل الصغير الخاص بكلبه الضخم والذي قفز من مكانه ما إن رأى صاحبه يتقدم نحوه.
تأملت الكلب الضخم بمظهره الذي بدا مخيفًا للوهلة الأولى عندما هبط كنان هو بجواره يمرر يده فوق رأسه مرددًا وهو يعرفها عليه بفخر:
"هذا روكي."
أشار إلى الكلب الذي مال نحوه يلعقه وجهه بفرحة لقدومه:
"وهذه ليلى يا روكي."
نظر روكي نحوها لا إراديًا مستمعًا لحديث صاحبه عندما أشار له يخبره والأخير يفهم عليه وكأنه صديقه:
"سلم على ليلى يا روكي."
لكن الكلب تجاهل وجودها ولم يفعل ما اعتاد أن يفعله مع البقية وكأنه شعر بخطر وجودها حول صاحبه واستحواذها على جزء أساسي من حياته وربما قلبه.
كرر كنان حديثه بنبرة جادة:
"سلم عليها يا روكي."
منحها روكي نظرة تظهر عدم رغبته بوجودها فكتمت ضحكتها بصعوبة عندما هدر كنان بنبرة حازمة قوية:
"هيا يا روكي."
وأخيرًا استسلم روكي لأمر صاحبه ووقف أمامها يمد قدمه نحوها فانحنت ليلى تبتسم برقة وهي تلتقط قدمه وتردد بينما عينا كنان تتأملها بقوة:
"أهلًا روكي."
ثم مسحت فوق رأسه ليستسلم الكلب لها على مضض عندما هتف كنان وهو يمسح فوق رأسه:
"سيحبك… هو فقط يحتاج إلى فترة حتى يعتاد على الغرباء."
هزت رأسها بتفهم وهو تردد كاذبة:
"إنه لطيف."
قال بجدية:
"هو ليس كذلك."
نظرت له بدهشة ليبتسم بمكر وهو يضيف:
"روكي تحديدًا لا تليق به كلمة لطيف أبدًا… هو شرس جدًا ومشاكس جدًا ومزعج في أغلب الأحيان."
هزت رأسها بصمت عندما أضاف:
"لكنه إذا أحب شخصًا ما يتحول تمامًا… يفديه بروحه إذا اقتضى الأمر."
أنهى حديثه بإقرار:
"سيحبك وترين ذلك عندها."
"ربما لن يحبني."
قالتها وهي تهز كتفيها ببساطة ليهتف مبتسمًا بغموض:
"لا أحد يستطيع ألا يحبك."
كسا الوجوم ملامحها وعاد الاضطراب يغزوها عندما أضاف وعيناه كانتا تحتضنانها كليًا هذه المرة:
"لا أحد يعرفك دون أن يُغرم بك."
يوترها… وجوده يوترها… حديثه يوترها… كل شيء به يعبث بروحها دون رحمة.
منحته نظرة جاهدت لجعلها عادية وهي تهتف:
"شكرًا على هذه المجاملة اللطيفة."
تمتم بهدوء:
"أنا لا أجامل… لا أجيد المجاملة أساسًا."
أضاف بقوة:
"أنا فقط أقول الحقيقة."
"أية حقيقة؟"
سألته بتلعثم جديد عليها ليمنحها ابتسامة شديدة الجاذبية وهو يهتف:
"إنك رائعة… جميلة ومثالية لدرجة تبدين وكأنك آتية من الخيال البعيد ولست واقعًا حقيقيًا."
أخذ نفسًا عميقًا مضيفًا بكلماته التي تعبث على أوتار أنوثتها رغمًا عنها:
"أنت أميرة… أميرة بحق… محظوظ من يمتلكها وينال قلبها وروحها."
قالت بحزم وعيناها تنظران له بتحدي:
"أخبرتك إن هذا مستحيل… لا تبني آمالًا كاذبة… لا وجود للمشاعر بيننا و…"
قاطعها ببرود:
"أنتِ قلتِ كلمتكِ وأنا احترمتها… تفهمت هذا… استوعبته… أنتِ قلتِ ما عندك أما القادم فهو عندي… أنتِ لا تهتمي ولا تفكري… فقط اتركي نفسك للتيار وهو سيأخذك إلى المكان الذي سيستقر به قلبك ويجد مرساه."
أغاظتها كلماته بل وثقته المفرطة بنفسه فتمتمت ببرود متعمد يشابه بروده المغيظ:
"أعتقد إننا تحدثنا عن هذا مسبقًا وأنت تعرف بعدم وجود العواطف بيننا أو من ناحيتي على الأقل."
ابتسم بهدوء رتيب متمتم:
"أخبرتك إنني أعلم ذلك وأحترمه جدًا ولكن…"
توقف قليلًا وهو ينظر في عينيها بهدوء أربكها فأكمل ونفس الابتسامة الهادئة ترتسم فوق ثغره:
"ما زلنا في البداية وما زال طريقنا طويل… أنا لا أطلب منك العاطفة وأنت تعرفين ذلك لكن من حقي أن أسعى للحصول عليها يومًا وهذا لن يضرك بشيء."
ردت بإقتضاب:
"لن تحصل على شيء كهذا مني وأنت تعلم."
سألها بجدية:
"لأنك لا تريدين ذلك…؟! أليس كذلك؟"
تبادلا النظرات ليضيف:
"لأنك ترفضين الحب أو لأكن أكثر دقة فأنت تخشينه… وأنا لا ألومك."
احتقنت ملامحها بينما يضيف:
"تجربتك الأولى في الحب كانت صعبة ومؤلمة لذا لا يمكنني لومك ولكنني أعدك إنك ستتجاوزين آلام الماضي بكل ما فيها وستجدين حبًا جديدًا ومختلفًا معي… حبًا صادقًا ومريحًا وقويًا يصمد في وجه أي شيء مهما بلغت صعوبته."
ابتلعت ريقها وهي تسأل بسخرية تخفي بها توترها:
"ما كل هذه الثقة؟! أنت تتحدث بثقة غريبة."
"ثقتي في محلها وستعرفين هذا قريبًا."
قالها وهو يبتسم بهدوء لترفع حاجبها مرددة باستخفاف متعمد وغزوه مشاعرها بتلك الطريقة يزعجها:
"أنت تحلم بالتأكيد."
تقدمت بخطوتين نحوه وهي تضيف:
"لم أكن أعلم إنك تسعى لامتلاك قلبي في هذه الزيجة… لم يكن هذا منطوق حديثك قبل الخطبة."
هتف ببساطة:
"أليس من الطبيعي أن أسعى لامتلاك قلب زوجتي يا ليلى…؟! ما الغريب في حديثي؟"
تمتمت بإرتباك:
"أنت قلت…"
لكنه قاطعها ببرود:
"أنا لم أقل شيئًا بخصوص هذا الأمر حسب ما أتذكر."
همست بجمود:
"دعنا نغادر."
أوقفها وهو يقبض على كفها يمنعها من التحرك:
"توقفي لحظة."
أضاف وهو يلتقط نظراتها الرافضة لما يحدث:
"يجب أن تري القصر كاملًا."
أزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها وهي ترد:
"لا داعي لذلك… أعجبني أساسًا وهو مناسب حقًا لنسكن فيه بعد الزواج."
كتمت شهقتها وهي تراه يجذبها نحوه وينحني نحوها مرددًا بثبات:
"أنت شجاعة يا ليلى بل محاربة… الهرب لا يليق بك."
تلعثمت وهي تنطق:
"ماذا تقصد؟"
ابتسم بهدوء وكفه تحرر كفها بينما تتحرك فوق خصلاتها الشقراء:
"لا تهربي مني يا ليلى… أنا زوجك وقريبًا سنكون سويًا… لا الهروب حاليًا حل ولا محاولة نأي قلبك عني هو الحل… أخبرتك أن تتركي كل شيء كما هو… لا تضغطي على نفسك ولا تتصرفي بطريقة لا تشبهك والأهم لا تهربي لأنك قوية بما يكفي لتجابهي أي شيء بثبات."
أنهى كلماته وهو يتأمل الخوف الرهبة في عينيها فمال أكثر نحوها يلتقط قبلة خفيفة من ثغرها ثم يبتعد عنها مجددًا لترمش بعينيها بعدم استيعاب ويغزو الاحمرار وجهها الذي توهج كليًا بشكل أشعل الرغبة فيها داخله بقوة لكنه تجاهلها بثبات يحسد عليه وهو يطلب منها أن تتحرك معه ليريها غرف القصر.
***
دلف سيف إلى جناحها بعدما سمحت له جيلان بالدخول فنهضت من مكانها فورًا وهي تراه يبتسم لها بهدوء قبل أن يلقي التحية:
"صباح الخير يا جيلان."
ردت جيلان بخفوت:
"صباح النور."
تنهد بصوت منخفض ثم تقدم نحوه يلقي نظرة عابرة على بطنها المنتفخة قليلًا قبل أن يقول:
"انظري يا جيلان… سبق وعدتك إنني لن أعيدك إلى عائلتك حتى تريدين ذلك."
ارتبكت كليًا وهي تحرك رأسها بإيماءة بطيئة ليضيف وهو يصل لها مرددًا:
"وأنا سألتزم بوعدي ولن أتراجع عنه مهما حدث."
شكرته بصوت متردد:
"شكرًا."
ابتسم برحابة وهو يضيف بعدها:
"عائلتك في الأسفل يا جيلان."
جحظت عيناها برعب حقيقي فقبض على كفها يخبرها بصدق:
"لن يأخذونك حتى تريدين أنت ذلك… لقد وعدتك يا جيلان."
أخذ نفسا عميقا وهو يكمل:
"لكن دعيهم يرونك أولًا… هم يبحثون عنك منذ هروبك دون توقف… دعيهم يرونك ويتحدثون معك ثم سيكون القرار لك بكل الأحوال."
ظهر التردد ممزوجًا بالخوف في عينيها… الخوف من رؤية عمها وراغب والبقية بعد هروبها بتلك الطريقة.
"لكنني أغضبتهم بعدما فعلته وربما يعاقبونني."
هتف يطمئنها:
"لن يفعلوا ذلك أبدًا يا جيلان."
أكمل بجدية:
"هم يحبونك للغاية ويخافون عليك كثيرًا ولا يريدون سوى رؤيتك سالمة."
أضاف وهو يشد من عزيمتها:
"وكي تطمئني فأنا سأكون معك وسأظل أتابع وضعك حتى إذا قررت المغادرة معهم."
بللت شفتيها بارتباك فسألها مجددًا:
"هل توافقين على رؤيتهم إذا؟"
هزت رأسها ببطء رغم الخوف البديهي داخلها فعاد يبتسم لها بحنو وهو يطلب منها أن تتبعه.
سارت خلفه بخطوات بطيئة مترددة عندما هبطت درجات السلم ومنه إلى صالة الجلوس حيث يجلس كلا من عمها عابد وولديه راغب وراجي مع كمال والد سيف والذي بدوره استقبلهما بترحيب شديد وهو الذي يعرفهم جيدًا فقد سبق وتعاون معهم في عدة صفقات وما زالت هناك علاقات معرفة أقرب للصداقة بين العائلتين.
نهض عابد من مكانه بسرعة ما إن رأى جيلان تتقدم خلف سيف نحوهم ليهتف بسعادة:
"جيلان حبيبتي… وأخيرًا رأيتك بخير."
ثم سار نحوها وهي التي توقفت قباله برهبة ليحتضنها بحنو خالص وهو يتمتم بالحمد والشكر لله.
أبعدها من بين أحضانه يردد معاتبًا:
"كيف تفعلين بي هذا يا جيلان؟! كدت أموت من قلقي عليك يا حبيبتي… لو تعلمين ما حدث معي طوال الأيام السابقة."
تمتمت والكلمات بالكاد تخرج من فمها:
"أنا آسفة."
قال عابد بصدق:
"لا عليك يا صغيرتي… المهم إنك بخير… هذا كل ما يهم."
تقدم راجي نحوها يبتسم لها بحنو مرددًا:
"الحمد لله على سلامتك يا صغيرة… أرعبتنا عليك حقًا يا جيلان."
ثم عانقها بمحبة خالصة فاستجابت له للحظات قبل أن تبتعد عنه وهي تبتسم بارتعاش لترمش بعينيها وهي تنظر إلى راغب بهيئته الرزينة الهادئة عندما سار نحوها هو الآخر ومنحها ابتسامة هادئة مرددًا بصدق:
"لم أكن لأسامح نفسي أبدًا لو أصابك أي مكروه."
ثم فتح لها ذراعيه لتنظر له بتردد قبل أن تعانقه بتحفظ فوجدته يطبع قبلة خافتة فوق جبينها مرددًا:
"الحمد لله على سلامتك يا صغيرة آل هاشمي."
ارتعش جسدها بقوة وهي تسمع تلك النبرة الحانية لأول مرة منه وهو الذي كان دائمًا صلبًا قويًا وشامخًا.
ابتعد راغب عنها وهو يبتسم لها بينما قال عابد بجدية:
"تعالي واجلسي بجانبي يا جيلان… يجب أن نتحدث."
أطاعته جيلان وهي تجلس بحذر على الكنبة فيجاورها عمها بينما يجلس كلا من راغب وراجي على الكرسيين جانبها أما كمال وسيف فجلسا على الكنبة المقابلة لها هي وعمها.
ابتسم عابد مجددًا وهو يخبرها:
"صغيرتي جيلان، أنا لن أعاتبك على هروبك أبدًا… أتفهم سبب تصرفك ولكن عديني ألا تكرريها."
نظرت له بصمت فأضاف بتروٍ:
"أنا عمك يا جيلان يعني بمثابة والدك… أخبرتك سابقًا وسأخبرك مجددًا… أنا دائمًا معك وبجانبك… ثقي بي يا صغيرتي… كان عليك أن تلجئي إلي بدلًا من الهروب."
تمتمت بخجل:
"أنا آسفة يا عمي."
"لا داعي للاعتذار يا صغيرتي… الجميع يخطئ وأنت لك عذرك."
قال راجي بدوره:
"نحن جميعنا معك يا جيلان… سنفعل لك ما تريدينه… أنت ابنة عمنا الصغيرة يعني بمثابة شقيقتنا لذا كوني على ثقة إننا دائمًا معك ندعمك وسندًا لك في كل خطوة تخطينها."
تحدث كمال بدوره وهو ينظر لها:
"أنت لديك عائلة كبيرة ورائعة يا ابنتي… تمسكي بعائلتك فهم سندك وعكازك في هذه الحياة… ربما الآن لا تدركين ذلك لكن عندما تكبرين ستفهمين مدى أهمية العائلة… عندما تحتاجين شيئًا وتجدينهم دائمًا خلفك وفي ظهرك حالما تحتاجينهم… عندما يكونون هم السند الذي تحتمين به من أي شيء… حينها ستدركين مدى أهمية وجودهم في حياتك."
سألتها عابد بجدية:
"هل توافقين على العودة معنا يا صغيرتي؟"
نظرت له بصمت للحظات قبل أن تهز رأسها موافقًا فابتسم عمها وهو يعانقها متمتمًا:
"حفظك الله لي يا ابنتي وبارك لي فيكِ."
نهض بعدها الجميع حيث ابتسم كمال لجيلان عندما تحدث عابد:
"أشكرك حقًا يا كمال بك على استضافتكم ابنتنا عندكم… ليس غريبًا عليكم شيء كهذا… دائمًا ما كنتم أصحاب كرم ونخوة."
صافحه كمال مرددًا:
"لا داعي للشكر يا بك… لم نقم سوى بواجبنا."
ربت عابد على كفه قبل أن يتقدم نحو سيف وجواره جيلان بينما أخذ كمال يودع راغب وراجي.
أشار عابد لسيف:
"جميلك لن أنساه أبدًا يا ولدي… أنت حافظت على ابنة أخي حتى عادت إلينا سالمة."
قال سيف بجدية:
"لا شكر على واجب يا عماه… جيلان بمثابة شقيقتي الصغيرة وأنا تصرفت بما يمليه علي الواجب."
أكمل بجدية ونبرة خافتة:
"أنا سعيد بعودتهما معكم وأتمنى حقًا أن تراعوها فهي صغيرة وتحتاج للكثير من الرعاية والاهتمام."
ربت عابد على ذراعه مرددًا:
"لا تقلق يا سيف… جيلان في عيني… إنها صغيرتنا التي سنحرص دائمًا على العناية بها."
استدار نحو جيلان التي تتابعهما بصمت حتى نظرت إلى سيف وابتسمت برقة مرددة:
"أشكرك كثيرًا… أنت ساعدتني وأنقذتني من بقائي وحيدة في الشوارع."
هتف سيف مبتسمًا:
"على الرحب والسعة يا صغيرة… اعتني بنفسك جيدًا."
ثم همس لها دون أن يسمع أحد:
"ومتى ما احتجتني ستجديني معك رغم إن لديك ماشاء الله بدل ابن العم الواحد أربعة."
ضحكت بخجل فقال وهو يربت على ذراعها:
"اعتني بنفسك يا جيلان ولا تفعليها وتهربي مجددًا."
هزت رأسها بصمت عندما ودع سيف البقية وهو يسير معهم خارج القصر حتى غادرت جيلان مع عمها وولديه القصر فتنهد براحة بعدما اكتملت مهمته على خير وأعاد الصغيرة إلى أحضان عائلتها.
***
"أنت هنا يا مهند."
قالتها توليب وهي تتقدم نحو شقيقها الذي يجلس في الحديقة الخلفية للقصر داخل تلك الغرفة التي أُعدت للجلوس فيها بشكل عائلي بين الحين والآخر.
رفع مهند عينيه نحوها مرددًا:
"نعم يا توليب… أنا هنا."
اتجهت تجلس جانبه وهي تتأمل ملامحه الهادئة تمامًا فمازحته:
"تبدو شاردا في أمر مهم جدًا."
ابتسم مرددًا بسخرية:
"ولماذا سأفعل وحياتي والحمد لله مثالية وخالية من أية مشاكل أو تعقيدات؟"
هتفت توليب بتروٍ:
"لا تفعل يا مهند… لقد وجدوا جيلان والحمد لله."
تنهد بصوت مسموع وقال:
"وهل هذا يكفي من وجهة نظرك؟"
ردت بصدق:
"كلا ولكن سنرتاح قليلاً بعدما كنا نموت خوفًا بسبب غيابها."
تمتم مهند:
"ما عداي بالطبع… فأنا لم أدرك غيابها إلا بعد أيام وما إن أدركته حتى علمنا بمكانها."
ابتسمت تشاغبه:
"هذا دليل على إن وجهك خير علينا يا مهند."
ابتسم بتهكم قائلًا:
"على العكس تمامًا… كيف سيكون وجهي خيرًا وأنا لا أتسبب سوى بالأذى لجميع من حولي."
نظرت له بشفقة وهي تقول:
"لا تقل هذا من فضلك."
"أليست هذه الحقيقة يا توليب؟! أنا السيء دائمًا… الشرير الذي يؤذي جميع من حوله… أنا الذي أتسبب دائمًا بالفوضى والمشاكل دون توقف."
قالها بإنفعال مكتوم فهمست تخبره:
"لا تفعل هذا… أنت تحمل نفسك فوق طاقتها."
غمغم بتعب:
"هذه الحقيقة يا توليب."
هتفت معترضة:
"كلا ليست الحقيقة… صحيح أنت عصبي ومتهور وحانق دائمًا… لكنك طيب وقلبك أبيض والجميع يدرك هذا."
تأملها للحظات… شقيقته الجميلة الدافئة… ذات الكلمات الرقيقة المحببة… دائمًا ما تفعل هكذا… تحب الجميع وتدعمهم. ها هو رغم كل ما فعله وتدركه جيدًا وما زالت تحاول التخفيف عنه… لطالما كانت توليب هكذا… حانية ودافئة… تحاول أن تحتوي الجميع وتساند هم. دائمًا ما وقفت جانبه ولم تتخل عنه في عز أزماته وفي أسوأ تصرفاته الحمقاء.
ابتسم لها مرغمًا وهو يردد:
"أنت جميلة جدًا يا توليب… محظوظ من ينالك."
ابتسمت مرددة برقة:
"وأنت كذلك يا مهند."
هزأ من حديثها:
"توقفي عن المجاملة بالله عليك… أنت كما يقولون تعرفين البئر وغطاه."
هدرت بحنق تعترض على حديثه:
"بل أنت من لا تدرك ميزاتك يا مهند… أنت شاب وسيم وثري ومن عائلة محترمة يحلم الجميع بمصاهرتها… مهند متخرج من أعرق الجامعات في العالم."
قاطعها:
"ولكنني أحمق… مستهتر وغبي… لا توجد فتاة تستطيع تحمل طبعي."
قاطعها بدورها:
"ليس تمامًا… أنت فقط لم تجد الفتاة التي تستطيع لجم تمردك وترويض أعصابك الهائجة دائمًا."
"حقًا؟! من المستحيل أن أجد فتاة كهذه أساسًا."
قالها ببرود لترد بحالمية:
"أنت مخطئ يا مهند… لا بد أن يأتي يوم وتجد الفتاة التي تغير حياتك بل تغيرك كليًا… أنت لم تجرب الحب بعد… عندما تعشق إحداهن يومًا ستتغير لأجلها وهي ستنجح في تغييرك لأنها تحبك ولأنها تستحق ذلك أيضًا."
رفع حاجيه يتأملها بتهكم لننتبه على نظراته فتحمر وجنتيها وهي تردد بتململ:
"المهم… أنا لا أريدك أن تفكر بهذه الطريقة."
أكملت وهي تنهض من مكانها:
"هيا تعال معي إلى الداخل… جيلان ستصل بعد قليل."
رد وهو يعود بظهره إلى الخلف:
"دعني هنا… من الأفضل ألا تراني فور عودتها."
عادت تجلس جانبه تردد برفض:
"خطأ يا مهند… ما تفعله ليس حلًا… جيلان أم طفلك أو طفلتك القادمة… عليك أن تستوعب هذا."
قال بصدق:
"ولكنني استوعبت هذا فعليًا… مثلما استوعبت إنه لا ذنب لها فيما حدث ولا يحق لي تدمير حياتها كلها نتيجة خطأ أنا المسؤول الوحيد عنه."
سألته توليب بحيرة:
"ما الذي تريده يا مهند..؟! علام تنوي بالضبط..؟!"
رد بجدية:
"جيلان من حقها أن تعيش الحياة التي تناسب عمرها وأحلامها… من حقها أن تعيش المستقبل الذي يناسبها… لذا سأتصرف بما يقوله المنطق… سأنتظر ولادتها كي آخذ الطفل منها وأتحمل مسؤوليته كاملة لوحدي وهي ستعيش حياتها كما تريد وإذا أرادت ألا تعترف به ولدًا فهي حرة."
"ما الذي تقوله أنت؟!"
سألته توليب مصعوقة ليرد مهند ببساطة:
"جيلان لا تريد الطفل يا توليب وأنا لا ألومها على ذلك… من الأفضل أن يعيش الطفل معي ولا تنسي إنها صغيرة جدًا… ستكبر فيما بعد ويصبح لها حياتها وربما ستتعرف على أحد عندما تكبر وتحبه وحينها سيكون هذا الطفل عقبة في طريقها وهذا ما لا أريده… أريدها أن تمضي في حياتها قدمًا وتنسى هذا الطفل… لا أريد ذنبًا جديدًا فوق كاهلي وأنا أراها تعاني بسبب أمومتها لطفل في هذا العمر الصغير إجبارًا عنها."
صمتت توليب ولم تعلق فشعر مهند بعدم رضاها عما يقوله وأكد ذلك حديثها وهي تخبره:
"والطفل..؟! ألم تفكر به..؟! كيف سيعيش دون أمه..؟!"
رد مهند بجدية:
"سأعتبره يتيم."
نظرت إليه توليب باستنكار فقال بجدية:
"نعم يا توليب… سأفعل ذلك وأنا سأوفر له ما يحتاجه وسأكون معه دائمًا."
"مهما وفرت له فلن تستطيع تعويضه عن والدته يا مهند."
قالتها توليب بحنق ليردد مهند بأسى:
"هذا قدره يا توليب وعليه أن يرضى به."
***
عادت ليلى إلى منزلها بعدما أوصلها كنان لتفتح الخادمة لها الباب مرحبة بها.
ابتسمت ليلى بود لها وهي ترد تحيتها قبلما تهم بالتوجه إلى الطابق العلوي لكنها توقفت وهي تسمع صوت والدها الغاضب يرتفع بطريقة أشبه للصياح.
تحركت بقلق نحو صالة الجلوس حيث يأتي صوت والدها عندما سمعته يهب بأحدهم:
"كيف هربت..؟! بأي حق تفعل ذلك..؟! هناك اتفاق بيننا."
دلفت ليلى بسرعة نحو صالة الجلوس تهمس بخوف:
"بابا.. ماذا حدث؟"
أغلق أحمد الهاتف وهو يردد بعصبية:
"الحقيرة سهام."
سألته ليلى بخوف:
"ماذا فعلت سهام يا بابا؟"
أجاب بأعصاب متشنجة:
"هربت يا ليلى… أخذت عبد الرحمن والطفل الآخر وهربت بهما."
اتسعت عينا ليلى وهي تردد بعدم تصديق:
"كيف يعني هربت… أليس هناك اتفاق بيننا..؟! هي حتى لم تأخذ باقي الأموال."
أضافت:
"وكيف أخذت عبد الرحمن..؟! أنا لا أفهم شيئًا."
جلس أحمد بتعب على الكرسي خلفه مرددًا:
"لقد اتصلت بي صباحًا وأخبرتني عن رغبتها برؤية عبد الرحمن قبل ولادتها التي ستكون اليوم ظهرًا… رفضت ذلك وأخبرتها إن هناك اتفاقًا بيننا لأتفاجأ بعبد الرحمن يرجوني أن يراها بعدما اتصلت به عن طريق المربية الحقيرة… لم أستطع الرفض أمام دموع الطفل وتوسلاته فسمحت للمربية أن تأخذه مع السائق كي يراها مبدئيًا ثم ألحقت بهما قبل موعد الولادة كي أستلم الطفل وأمنح بقية الأموال لسهام بعدما تتعهد بتنازلها رسميًا عن الطفل الآخر لأصدم بهروبها مع الطفلين بمساعدة المربية."
صاحت ليلى عدم تصديق:
"كيف تفعل هذا يا بابا..؟! كيف ترسل عبد الرحمن لها..؟! كيف تثق بتلك المربية..؟! كيف..!"
أغمض أحمد عينيه مرددًا بتعب:
"لا أعلم يا ليلى… كنت متعبًا ومتوترًا بعدما علمت بخبر ولادتها وما زاد من وضعي السيء حديثي مع والدتك والجدال الذي حدث بيننا لذا لم أطق صبرًا على دموع الصغير المتشبث برؤية والدته فأخبرت المربية بسرعة أن تأخذه."
ضغطت ليلى على شفتيها تمنع نفسها من قول شيء آخر وتأنيبه وهي تلاحظ مدى تعب والدها وهو على ما يبدو يلوم نفسه على تصرفه الخاطئ الأقرب للساذج.
هتفت بخفوت:
"ولكنها لم تأخذ بقية الأموال بعد..؟! أم إنها اكتفت بذلك المبلغ وستربي الطفلين بهما وتنتقم منك بأن تحرمك منهما."
غمغم أحمد بتهكم:
"سهام تتنازل عن الأموال لأجل ولديها… على ما يبدو إنك لم تعرفيها جيدًا بعد رغم كل ما فعلته."
أضاف بغضب:
"الهانم هربت بعدما أرسلت لي رسالة تخبرني عن هروبها بالطفلين وإنها لن تعيدهما إلي حتى أمنحها مبلغًا مقداره عشرون مليون دولار كحق مشروع لها ولطفليها."
هتفت ليلى مصعوقة:
"أنا لا أصدق… هذه لا يمكن أن تكون إنسانية طبيعية… إنها…"
توقفت وهي تبتلع كلمة غير لائقة كادت أن تصدر منها عندما همس والدها بضعف:
"ماذا أفعل يا ليلى..؟! لقد أخذت ولدي."
أكمل يتسائل بأنفاس مضطربة:
"خسرت ولدي يا ليلى… أضعتهما ولن أستطيع رؤيتهما فيما بعد."
هتفت بتوسل:
"اهدأ يا بابا من فضلك."
امتدت يد أحمد نحو يسار يصده يدلكه ببطء فسألته ليلى بقلق:
"هل تشعر بألم في صدرك..؟! ماذا يحدث معك؟"
تمتم بصوت خافت:
"أريد ماء يا ليلى… بسرعة."
صاحت ليلى على الخادمة قبل أن تركض بسرعة كي تجلب الماء لولدها.
عادت وهي تحمل قدح الماء تقدمه نحو والدها الذي لم يستطع حمل القدح بكفه المرتعشة لتنظر ليلى له بهلع وأنفاسه تتثاقل تدريجيًا.
حملت القدح نحو فمه تحاول أن تجعله يشرب القليل من الماء لكن سرعان ما اندفع القدح من يدها وتحطم أرضًا وسقط والدها معه وهو يحاول التنفس دون فائدة.
***
في المشفى…
وقفت ليلى تبكي ووالدتها تجلس جانبها بملامح جامدة تمامًا تنتظر خروج أي شخص يطمئنها على حالة والدها.
سمعت والدتها تهمس بصوت خافت:
"أنا السبب."
نظرت لها ليلى بتأهب لتكمل فاتن بدموع:
"تشاجرت معه وتحدثت معه بقسوة… تناسيت إنه مريض بالقلب و…"
جلست ليلى بجانبها تخبرها:
"أنت لا دخل لك يا ماما… سهام السبب."
نظرت لها فاتن تسألها بعدم فهم:
"ما علاقة سهام..؟! ماذا فعلت؟"
همست ليلى تجيبها:
"خَطفت عبد الرحمن والطفل الآخر وهربت."
شهقت والدتها بينما تساقطت دموع ليلى وهي تضيف:
"لم يتحمل بابا ما عرف فسقط فورًا."
"كيف يعني هربت..؟! كيف حدث هذا..؟! ألم يكن هناك اتفاق بينهما..؟!"
تمتمت ليلى من بين أسنانها:
"الحقيرة… تريد عشرين مليون دولار من بابا كي تتركهما."
أضافت ودموعها تتساقط فوق وجنتيها بحرارة:
"هذه ليست أم… من الظلم أن تحمل لقب أم."
غمغمت فاتن بشرود:
"سامحك الله يا أحمد… ألم تجد غيرها لتتزوج بها..؟! كان عليك على الأقل أن تختر أمًا جيدة لأبنائك."
همست ليلى من بين بكائها:
"كل ما أراده الولد وتجاهل أي شيء آخر وهذه النتيجة..! ما ذنب الطفلين المسكينين ليكون لديهما أم كهذه."
ثم أخذت تبكي بصمت عندما جذبت والدتها نحوها تحاول تهدئتها رغم وجعها الشديد هي الأخرى.
سألتها والدتها بعدما هدأت قليلًا:
"ألن تخبري مريم؟"
ردت ليلى وهي تمسح دموعها:
"أنتظر خروج الطبيب أولًا والاطمئنان عليه."
ثم سألت والدتها بأمل:
"سيكون بخير، أليس كذلك؟"
ارتعشت ابتسامة والدتها وهي تحاول طمأنتها فعادت ليلى تبكي بانهيار بين أحضان والدتها عندما خرج الطبيب بعد دقائق فنهضت ليلى بسرعة تسأله على والدها ليجيب:
"ذبحة صدرية… لن أخفي عليكم وضعه خطير جدًا… نسبة النجاة ضعيفة."
شهقت ليلى باكية بينما تراجعت فاتن وهي تستند على الحائط خلفها عندما تحرك الطبيب بعدها لتأتي طبيبة أخرى صغيرة تعمل تحت إشرافه وهي تخبرهم إنه سيبقى حاليًا في نفس الغرفة حتى ينتظرون تحسن وضعه رغم صعوبة ذلك.
حاولت أن تطمئن ليلى وتشد من أزرها خاصة عندما رأتها وحيدة مع والدتها.
حاولت ليلى التماسك بعدها واتجهت نحو والدتها الساهمة بصدمة حقيقةً فربتت على كتفها بدعم لتسألها فاتن بذعر حقيقي:
"هل سيموت والدك يا ليلى؟"
ارتعش جسد ليلى بخوف عندما أضافت فاتن بعينين باكيتين:
"لا أريده أن يموت… لا يمكنني تحمل ذلك."
تساقطت دموع ليلى بغزارة وهي تندس بين أحضان والدتها تحتمي بها من الفكرة نفسها.
نهضت بعدها بقليل وهي تهم بالاتصال بشقيقتها لكنها توقفت وهي تسمع صوت صفارة الجهاز فأخذت تصرخ وتنادي على الأطباء غافلة عن تلك الطبيبة الموجودة في الداخل معه وبدأت الإجراءات اللازمة محاولة إنعاش قلبه الذي توقف عندما جاء طبيبان ومعهما ممرضة وسارعوا إلى الداخل فبقيت ليلى تتابع ما يحدث بعينين جاحظتين وقلب يكاد يخرج من مكانه وهي ترى الأطباء يحاولون إنعاش قلبه والدها الذي يرفض الاستجابة لمحاولاتهم.
مرة.. مرتين… ثلاثة… مع كل محاولة كانت تشعر بروحها تسحب تدريجيًا والأمل يتضاءل بينما جلست والدتها مجددًا وقد فقدت قدرتها على رؤية ما يحدث مع زوجها وحبيبها وهي تبكي بنحيب صامت.
صرخت ليلى حالما رأت النبض يعود مجددًا بينما انتفضت والدتها من مكانها تركض نحو الزجاج تلمسه وهي تبكي وترجو الله عز وجل أن يعيده لها سالمًا.
خرج الطبيب بعدها وهو يتمتم:
"ادعوا له… وضعه حرج للغاية."
ثم غادر بعدما أعطى وصاياه للطبيبة الصغيرة بينما ابتعدت ليلى قليلًا عن المكان تاركة والدتها لوحدها فأخذت تبكي دون توقف والخوف من خسارة والدها ينهش روحها دون رحمة.
نظرت إلى هاتفها بعد لحظات بتردد وهي تشعر بحاجة ملحة لوجود شخص ما جانبها… إنها المرة الأولى التي تشعر بها بهذا الكم من الضعف والوحدة.
وفي الواقع لم يكن أمامها سواه لتتصل به… ولا تعرف لماذا ترددت وهناك رفض بديهي داخلها رغم كونه بات زوجها… رغم التردد… رغم رفضها البديهي لم تستطع إلا أن تتصل به وهي تهمس بتلقائية:
"أحتاجك."
أكملت وهي تتشبث به دون وعي:
"بابا!"
ثم ختمت حديثها بأنفاس مرعبة:
"بابا يموت."
شعرت بانتفاضته من مكانه وهو يسألها:
"أين أنتم الآن؟"
أخبرته باسم المشفى وأغلقت الهاتف بعدها تبكي مجددًا والخواء يملأ روحها.
بعد أقل من عشر دقائق وجدته أمامه يتقدم نحوها بلهفة لترتمي بين ذراعيه منهارة فاحتضنها بسرعة محاولًا التخفيف عنها.
جذبها بعدها وأجلسها على الكرسي خلفها ثم أخفض جسده أرضًا جالسًا أمامه كالقرفصاء يسألها محاولًا تهدئتها:
"اهدئي وأخبريني ماذا حدث."
همست بدموع غزيرة:
"أصابته ذبحة صدرية… وضعه خطير جدًا حتى منذ قليل توقف قلبه… لقد عاد النبض لقلبه بعد عدة محاولات والطبيب يقول إن وضعه حرج."
إنهاء كلماتها وهي تبكي مجددًا فقال بجدية:
"حسنًا اهدئي من فضلك."
أكمل يسألها:
"من معك هنا؟"
ردت:
"ماما ولكنني تركتها لوحدها و…"
انتفضت من مكانها تردد:
"يجب أن أذهب لها."
نهض بدوره مرددًا:
"تعالي معي."
ثم قادها حيث تجلس والدتها فوجدتها ليلى تجلس في نفس المكان بوجه باكي فسارعت تجلس جانبها وهي تقبلها من كتفها.
وقف كنان أمامها يشير لها:
"سيصبح بخير إن شاء الله."
أكمل مشيرًا لزوجته:
"سأتحدث مع الطبيب يا ليلى ثم أعود."
همست ليلى:
"انتظر لحظة."
نظر لها بحيرة فوقفت أمامه تفرك يديها وهي تردد:
"هناك مشكلة بل مصيبة."
سألتها بقلق:
"مصيبة ماذا..؟ تحدثي يا ليلى."
أجابت بحزن:
"زوجة والدي خطفت عبد الرحمن وطفلها الآخر والذي ولد اليوم ولا نعرف أين أخذتهما."
اتسعت عينيه مرددًا:
"ماذا..؟! كيف حدث هذا..؟!"
أخذت تشرح له ما حدث وكيف استطاعت الهرب بالطفلين وما طلبته مقابل عودتهما لتظلم عينا كنان وهو يردد من بين أسنانه:
"يا لها من امرأة عديمة الضمير والأخلاق."
أكمل بجدية:
"لا أريدك أن تقلقي… سأتصرف أنا."
"حقًا يا كنان..؟!"
سألته بلهفة وهي تضيف:
"هل تستطيع إعادتهما؟"
رد بثقة:
"اطمئني… الطفلان ووالدتهما سيكونون عندكم غدًا مساءً بالكثير."
أخبرها بعدها:
"أريد الاسم الكامل لزوجة والدك والمربية وعنوان المشفى وبعض المعلومات."
هزت ليلى رأسها ومنحته بعض المعلومات التي تعرفها عندما أخبرته عن جهلها بعنوان المشفى ليهتف ببساطة:
"لا مشكلة… سيبحث رجالي عن المشفى الذي ولدت به طفلها ويجدونه بسهولة."
توقف عن حديثه وهو يستمع إلى صوت رنين هاتف زوجته التي نظرت إلى والدتها تهتف:
"خالو جمال.. تحدثي أنت معه."
نهضت فاتن تهتف بقلق:
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم سارة علي
جلس نديم أمام عمار بهدوء أثار إستهجان الجميع، وأولهم شقيقته التي هدأت فجأة وهي تتأمل ما يحدث بعدم استيعاب.
بدا كل شيء غريباً وشعرت أنها مشوشة، فاستجابت لصوت ابنة عمها نرمين وهي تطلب منها الجلوس، فجلست على الكرسي جانبها بسرعة وهي بالكاد تتمالك نفسها.
أشار نديم لزوجته الواقفة تتابع ما يحدث بقلق واضح:
"أخبري الخادمة أن تأتي بالقهوة يا حياة..."
ثم أشار إلى عمار بدوره:
"عمار أتى لتأدية الواجب، لذا يجب أن نقوم بضيافته على أكمل وجه."
تابع عمار نديم بنبرته الهادئة، وذلك السكون الذي يسيطر عليه كلياً.
كان هادئاً بحق، صلباً ومتماسكاً تماماً عكس ما توقع.
كان هذا شيء جديد لم يتوقعه، شيء جعله يستوعب ما يحدث.
نديم تغير بشكل يوحي باختلافه الجذري.
اختلاف بات واضحاً عليه.
نديم يتبع أسلوباً جديداً يضمر وراءه الكثير.
وضع قدماً فوق الأخرى مردداً باستخفاف:
"أي ضيافة يا نديم؟ أنا هنا في منزلي."
ابتسم نديم بهدوء وهو يردد متجاهلاً نظرات الجميع المتوترة رغم صمتها:
"بالطبع يا عمار، في النهاية هذا منزل والدي ووالدك."
وقفت غالية من مكانها وشعورها بالاختناق يتزايد، مما جعلها ولأول مرة تقرر الهرب.
خرجت دون أن تنتظر سؤال أحد، عائدة إلى غرفتها بملامح متشنجة.
بينما سأل عمار وسام ببرود:
"كيف حالك يا وسام؟"
رد وسام باقتضاب لا يخلو من النفور:
"بخير."
تقدمت الخادمة تتبعها حياة، ليتأملها عمار للحظات قبل أن يشير إليها:
"البقية في حياتك أنتِ الأخرى."
ردت حياة بخفوت وهي تجلس جوار نجاة زوجة عمهما:
"أشكرك."
مال نديم ببصره نحو حياة ليجد الخوف فيها.
خوف لم يرضه، فأشاح بوجهه بعيداً، متجهاً ببصره من جديد نحو ذلك الذي يجلس أمامه يتناول قهوته بهدوء وملامح عادية تماماً لا توحي بشيء.
أنهى عمار قهوته ونهض من مكانه مردداً بخفة:
"يجب أن أذهب الآن، لقد أتيت فقط لتأدية الواجب."
نهض نديم مردداً بجدية:
"يمكنك البقاء وتناول العشاء معنا، لا يجوز أن تخرج من هنا في هذا الوقت المتأخر دون أن تتناول عشائك."
فرغت حياة شفتيها مما يحدث، بينما لم يستطع عمار كبح ابتسامته وهو يتأمل نديم من جديد للحظات قبل أن يميل نحوه مردداً:
"أخبرتك إنني لست ضيفاً هنا، أنا في منزلي يا نديم."
ثم أشار إلى الموجودين بسلاسة:
"أراكم لاحقاً، مع السلامة جميعاً."
وغادر بعدها تاركاً نديم يتابع أثره لثوانٍ معدودة قبل أن يلتفت نحو الجميع، فيتجاهل نظرات الدهشة في عيونهم وهو يردد ببرود:
"هيا لنتناول العشاء."
ليستجيب الجميع له وينتهون لتناول العشاء الذي تم إعداده قبل وصول عمار بقليل.
انتهى نديم تناول الطعام، لينهض من مكانه بعدما همس لزوجته:
"سأرى غالية."
ثم تحرك خارج المكان، حيث صعد درجات السلم ومنه إلى غرفتها.
وقف للحظات يأخذ أنفاسه، مفكراً إن ما يحدث معه يفوق قدرته على التحمل، لكنه مضطر للثبات.
مضطر أن يحافظ على اتزانه وهدوئه كما قرر.
من الآن فصاعداً كل شيء سوف يتغير.
هو نفسه يجب أن يتغير كي يستطيع أن يواجه عمار وينتقم منه كما أراد.
لقد خسر الكثير وليس مستعداً لخسارة جديدة.
عمار لن يتركه وشأنه، وعليه هو سيتحرك بسرعة لينال منه ويتخلص من وجوده في حياته إلى الأبد.
طرق إلى باب الغرفة قبل أن يدخل، فيجد شقيقته تجلس فوق سريرها بملامح جامدة تماماً، ترفع قدميها نحو صدرها وتحطيمها بذراعيها.
تقدم نحوها ببطء وجلس جانبها بصمت امتد للحظات.
صمت كان ثقيلاً عليه وعليها، لكنه تحدث في النهاية قائلاً بصدق:
"لست وحدك من أحزنها، أنا كذلك. على الأقل أنت تحدثت معها قبل موتها، كنت معها في لحظاتها الأخيرة."
تشنجت ملامحها وهو يضيف بهدوء:
"نحن أخطأنا يا غالية، وهي أيضاً أخطأت. هي أخطأت كثيراً ونحن وحدنا من دفعنا ثمن أخطائها."
سألته بنبرة خرجت واهنة دون أن تنظر إليه:
"أنت لم تغفر لها بعد ولن تفعل، أليس كذلك؟"
أخذ نفساً عميقاً ثم قال بصدق:
"لقد منحتها الغفران منذ أن صعدت روحها إلى السماء، ولكن..."
توقف لوهلة قبل أن يضيف بصوت محتقن تماماً:
"ولكنني ما زلت عاجزاً عن التخطي. لا يمكنني تخطي حقيقة ما عرفته، ولا نسيان ما عشته بسببها، ولا تجاهل كافة الحقائق التي عرفتها عنها."
ارتعشت شفتيها ببكاء صامت وهي تغمغم:
"معك حق، لا يمكنني لومك أبداً."
هتف نديم بجدية:
"وأنت لا تفعلي أيضاً، لا تلومي نفسك يا غالية."
همست ببكاء خافت:
"لا أستطيع، لا أستطيع التوقف عن لوم نفسي ولا أستطيع تجاوز ما عرفته في نفس الوقت."
تساقطت دموعها فوق وجنتيها وهي تبوح بألم:
"صدمتني حقيقتها كما صدمتني الكثير من الأشياء. هي وما فعلته بعمار ووالدته، وما حدث لك بسببها. هناك الكثير يا نديم، الكثير مما لا يمكنني تجاوزه والمضي قدماً، والأهم حقيقة إنني قسوت عليها لدرجة كبيرة، درجة جعلتها تموت في حسرتها."
أخذت نفساً عميقاً ثم أكملت:
"مشاعري مختلطة ما بين حزني عليها وتأنيب ضميري تجاهها، وما بين حقيقة عدم تقبلي لما فعلته في ديانا وغيرها."
تمتم بثقة:
"ستتجاوزين يا غالية، أنت قوية وسوف تتجاوزين ما حدث."
سألته بتردد وهي تنظر إليه:
"هل تعتقد ذلك حقاً؟"
ابتسم مرغماً وهو يردد:
"بالطبع."
أخذ نفساً عميقاً ثم أضاف:
"هذه الفترة صعبة علينا جميعاً، تحمليها فقط حتى تنتهي، وبعدها كل شيء سيبدأ من جديد."
سألته بتوجس:
"ماذا تقصد؟"
شرد بعينيه للحظات يرى المستقبل القادم بناءً لما يخطط له، فمنحها بسمة خفيفة وهو يجيب:
"كلها أشهر قليلة وينتهي كل شيء ونصل جميعنا إلى راحتنا المنشودة."
هتفت بجدية:
"أنت تخطط لشيء ما، أعلم ذلك."
أكملت تخبره بقلق:
"أنا قلقة عليك يا نديم، أنت كل ما تبقى لي. لا أريد أن يصيبك مكروه أنت الآخر. أنا لم يعد لدي سواك."
أنهت كلماتها وهي تشهق باكية، ليجذبها نديم نحوه مردداً بصلابة:
"لا تقلقي يا غالية، لن يصيبني أي مكروه بإذن الله."
أكمل وهو يربت على كتفها:
"أنا سأفعل المستحيل كي نصل جميعنا إلى راحتنا، كي تستقر حياتنا جميعاً، أنا وأنت وحياة وطفلنا القادم."
رفعت وجهها نحوه تخبره برجاء:
"عدني إنك لن تتهور وتتصرف بأي طريقة قد تسبب الأذى لك. أعلم جيداً إن وراء صمتك هذا بركان من الغضب والوعيد."
عاد يبتسم مرغماً رغم ألمه ويربت فوق وجنتها مردداً:
"أعدك يا غالية، بإذن الله كل شيء سيتغير نحو الأفضل، ثقي بي."
تمتمت بضعف يراها عليه للمرة الأولى:
"أنا أثق بك يا نديم، ولكنني لا أثق بعمار وما يضمره لك، لا أثق بشيطانه الذي يسيطر عليه تماماً."
اختنق حلقه للحظات فقال بصدق:
"لا تعتقدي إن عمار قوي لهذه الدرجة يا غالية، نعم هو قوي لا أنكر هذا، لكنني الآخر لست ضعيفاً والأهم إن الحق معي ومن معه الحق ينصره الله لا محالة."
تمتمت بخفوت:
"ونعم بالله يا نديم."
طبع قبلة فوق جبينها ثم نهض من مكانه يخبرها بحزم:
"سأرسل لك الطعام لتناوليه ولا مجال للرفض."
هزت رأسها بصمت، ليمنحها ابتسامة هادئة قبل أن يغادر الغرفة، فتغمض غالية عينيها بوهن قبل أن تفتحها على صوت رنين هاتفها، فجذبته لتجده يتصل بها وعلى ما يبدو إنه علم أخيراً بما حدث.
تجاهلت اتصاله وهي تعاود وضع هاتفها جانباً بتعب، لتسمع صوت يدل على وصول رسالة هذه المرة، فجذبت الهاتف تقرأ رسالته والتي كتب فيها:
"البقاء لله يا غالية، علمت قبل قليل بما حدث."
رحمها الله وجعل مثواها الجنة.
عادت دموعها تتساقط فوق وجنتيها بصمت للحظات قبل أن تدخل في نوبة بكاء جديدة.
دلف إلى غرفته مغلقاً الباب خلفه بعنف.
أحاط خصره بكفيه وهو يتحرك بعشوائية داخل غرفة نومه.
ذلك الحقير أتى بجرأته المعتادة ليشمت به.
كان يتوقع تلك الزيارة فهو بات يعرف كيف يفكر عمار وكيف يتصرف.
لذا هيأ نفسه لتلك الزيارة التي تأخرت لثلاثة أيام.
الله وحده يعلم كما جاهد ليضبط أعصابه ويستقبله ببرود متعمد.
برود لا يشبه تلك النيران المشتعلة داخل صدره.
عمار خصم قوي وهو يعلم ذلك لكنه اتخذ قراره.
من الآن فصاعداً سيلاعبه بالطريقة التي تلائم من مثله.
لا بأس أن يتخلى عن مبادئه ويضعها أسفل قدميه في سبيل تحقيق انتقامه واسترجاع حقه.
أساساً لا يوجد حل آخر أمامه فالحياة التي يحياها لا يناسبها غير ذلك.
هو عليه أن يغير نظرته السابقة للحياة.
عليه أن يفهم أن الحياة لا تتناسب مع أفكاره القديمة.
الحياة تحتاج لشخص قوي وقاسي بشكل يجعله يقف في وجه الجميع وينال حقه من بين أنيابهم بأي وسيلة كانت.
سيترك الفضيلة جانباً ويتحلى بالقسوة المطلوبة لتخطي ما هو قادم والنجاة منه بسلام.
يعلم أنه سيخسر إنسانيته في خضم صراعه المنتظر لكنه لا يهتم.
لقد تجمدت مشاعره ولم يعد يهتم سوى بشيء واحد.
مصلحته ومصلحة من يحبهم فقط لا غير.
عمار هو من بدأ ولعب معه بطريقة قذرة لذا يستحق ما سيحدث معه.
توقف عن أفكاره ليأخذ نفساً عميقاً قبل أن يتجه إلى الحمام.
أخذ حماماً بارداً لعله يساعد في تخفيف نيران روحه.
خرج من الحمام مرتدياً بيجامة بيتية مريحة وهو يجفف شعره بالمنشفة عندما وجد حياة تدلف إلى الداخل بملامحها الهادئة فسألها باهتمام:
"هل تناولت غالية الطعام؟"
أومأت برأسها وهي تتذكر غالية التي بالكاد تناولت القليل من الطعام ولكن يبقى هذا أفضل من عدم تناولها أي شيء كالأيام السابقة.
تقدمت نحوه ووقفت جواره تسأله وهي تضع كفها فوق صدره:
"كيف تشعر الآن؟"
أضافت بحذر:
"أعلم جيداً كم كنت تقاوم وتجاهد للحفاظ على هدوئك وثباتك أمامه."
أخذ نفساً عميقاً وزفره ببطء قبل أن يردد بجدية:
"ونجحت مثلما سأنجح بكل ما هو قادم."
تمتمت بصدق:
"أنا خائفة يا نديم. خائفة عليك."
هتف بتردد:
"لا تخافي يا حياة."
أكمل وهو يضع كفيه فوق كتفيها يضغط عليهما:
"ولا تفكري بأي شيء سوى بنفسك وطفلنا القادم."
سألته بقلق:
"وأنت يا نديم.. ألا يجب أن أفكر بك؟"
تمتم ببرود:
"أنا بخير."
هتفت بجدية:
"كلا أنت لست كذلك. يمكنك أن تكذب على الجميع. يمكنك أن تخدعهم جميعاً بصبرك وثباتك لكن لا يمكنك أن تخدعني أنا."
مدت كفها نحو وجهه تلمس لحيته وهي تضيف:
"أنا أعلم جيداً ما يعتمل داخلك.. ما تشعر به وما يجّيش به صدرك.. أعلم مقدار الجهد الذي تبذله لتظهر بهذه الصلابة.. لتحافظ على ثباتك أمام الجميع حتى غالية."
تمتم بخفوت:
"أنا بالفعل أجاهد مع نفسي لذلك."
ابتسمت برقة وهي تضيف بينما كفها ما زال فوق وجنته:
"أعلم ذلك.. وسعيدة حقاً لأنك تلتزم بهدوئك وثباتك يا نديم خاصة وغالية منهارة تماماً."
أكملت وهي تهبط بكفها نحو الأسفل حيث موضع قلبه:
"لكن لا داعي لأن تجاهد نفسك أمامي يا نديم.. لا داعي لأن تدعي عكس ما تشعر به عندما نكون لوحدنا.. أنا زوجتك وأقرب شخص إليك وأنت الأقرب لروحي.. شاركني أحزانك وهمومك يا نديم.. فضفض لي بكل ما يعتمل داخلك.. أنا معك وجانبك يا حبيبي وأنت تحتاج أن تتحدث.. تحتاج أن تحرر أحزانك فالكتمان بهذه الطريقة ليس حلاً.. لا بأس حتى أن تنهار أمامي وتبكي بين أحضاني.. لا تكابر أكثر يا نديم فأنا أدرك مدى عذابك الذي يزداد تدريجياً طالما أنت تكتمه داخلك."
فرك جبينه بتعب قبل أن يرفع عينيه المحتقنتين بدموع نحوها يهمس بصوت متحشرج:
"أنا متعب يا حياة."
ابتسمت بحنو تخبره بنبرة دافئة:
"أنا هنا يا نديم.. أنا معك دائماً لنتشارك تعبك سوياً وحتى وجعك."
رفعت جسدها قليلاً تضمه نحوها بعناق دافئ استجاب له على الفور وهو يعانقها بقوة متشبثاً بها بكل ما يملك ودموعه تساقطت فوق وجنته رغماً عنه.
شدت هي الأخرى من عناقه تمنحه دفئاً وحناناً يحتاجه أكثر من أي شيء في هذه اللحظة.
أغمضت عينيها تجاهد بدورها لمنع عبراتها من التساقط فوق وجنتيها.
شعرت بصوت أنينه الخافت فهمست بصوتها الرقيق:
"لا بأس.. ابكِ يا نديم.. حرر حزنك على فراق والدتك."
أكملت وهي ما زالت تضمه بقوة داخل جسدها النحيل:
"رحمة الله عليها.. بإذن الله ستكون في مكان أفضل الآن.. تذكر دائماً أنها ستبقى معك في قلبك حتى لو رحلت."
أغمض عينيه وهو يردد بصوته الباكي:
"سأشتاق لها كثيراً يا حياة."
تساقطت دمعة رغماً عنها من عينها فهمست تهادنه:
"بالطبع ستشتاق لها وكثيراً أيضاً لكن تذكر أنه هذا حال الجميع وفي النهاية جميعنا سنغادر هذه الحياة يوماً ما.. ادعُ لها بالرحمة كثيراً وتصدق بالكثير على روحها.. صلِّ واقرأ القرآن لها.. هذا ما تحتاجه حالياً منك يا نديم.. القرآن والدعاء والصدقات كل ما تحتاجه الآن."
ابتعد قليلاً من بين أحضانها ينظر لها بعينيه الحمراوين يهمس بوجع شديد:
"سأفعل.. بإذن الله سأفعل لكن."
أخذ نفساً عميقاً ثم أكمل:
"أنا حتى هذه اللحظة لم أستوعب بعد كيف رحلت بهذه السرعة."
قالت بجدية:
"معك حق.. ما حدث كان مفاجئاً وصادماً لنا."
ألقى جسده بتعب فوق السرير وقال بأسى:
"رحلت وأنا أخاصمها.. أرفض رؤيتها وحتى الحديث معها.. رحلت وآخر ما سمعته مني إنني لا أريدها في حياتي بعد الآن."
سارعت تجلس جواره تخبره محاولة التخفيف عنه:
"أنت كنت مصدوماً وقتها بما سمعته.. أي شخص سمع ما تقوله سيفعل نفس الشيء في البداية."
مدت كفها تحتضن كفه وهي تخبره:
"لا تقسُ على نفسك أكثر يا نديم فأنت الآخر عانيت كثيراً ومررت بالكثير من الأحداث القاسية."
هز رأسه بصمت وعقله يشرد في والدته مجدداً.
من جهة حزنه الشديد على رحيلها ومن جهة ضميره الذي يؤنبه بشدة لأجلها.
وفوق كل هذا عقله لا يتوقف عن التفكير فيما فعلته سابقاً في شبابها.
فيما تسببت به من أذى لزوجة والده تحديداً.
يحزن على فراقها ويخشى عليها من عقاب الآخرة لا بد منه.
نظر إلى السقف بعينين ساهمتين وهو يشعر بأن ما يحدث يفوق قدرته على التحمل بمراحل.
يتساءل عن مدى قدرته على الصمود أكثر.
يخشى من لحظة ينهار فيها ثباته الذي بالكاد يسيطر عليه.
شعر بكفها يمتد فوق كفه يربت فوقه ليقبض عليه بدوره مفكراً إنها باتت الشيء الوحيد الصادق في عالمه.
النقطة البيضاء الوحيدة في حياته.
سمعها تواسيه مجدداً بنبرتها الناعمة فابتسم داخله بسخرية مفكراً إنه منذ قليل كان يواسي غالية مدعياً الثبات والقوة أمامها والآن هو يستمع لمن تواسيه وهو يعترف داخله إنه في أمس الحاجة لها.
همس وهو يغمض عينيه:
"أحتاج إلى النوم."
قالت بسرعة:
"كنت سأقول ذلك.. هيا نم وارتح وأنا سأطفئ الضوء ثم أتركك تنام دون إزعاج."
قبض على كفها يمنعها من النهوض مردداً بجدية:
"أحتاجك أنت أيضاً.. أحتاج النوم داخل أحضانك."
ابتسمت بحنو قبل أن تهز رأسها بصمت وهي تنهض من مكانها تغلق الضوء ثم تعود إليه ليتمدد هو على السرير ويجذبها داخل أحضانه فتخبره بخفة:
"ألم تكن تريد النوم داخل أحضاني؟ أرى إنك فعلت العكس."
أغمض عينيه مستمتعاً بوجودها بين ذراعيه.
ذلك الوجود الذي يمنح روحه السكينة التي تحتاجها فيخبرها بصدق:
"لا فرق.. المهم أن تكوني معي وجانبي.. أن يلتحم جسدك بجسدي وأشعر بأنفاسك قريبة مني."
رفعت وجهها تطبع قبلة فوق وجنته تخبره:
"أنا أحبك."
تمتم وهو يقبل جبينها بدوره:
"أحبك أكثر من أي شيء."
ثم تنهد بخفوت وقلبه يتمنى أن تنتهي الحياة عند هذه اللحظة.
هو وهي ولا شيء عداهما.
تابعت هايدي الخادمة وهي تضع القهوة أمام شقيقها بعد والدتها لتزم شفتيها بقلق وهي تتابع شقيقها الذي يحادث والدتها مثرثراً معها في عدة أمور لم تهتم بسماعها وهي التي ما زالت قلقة بسبب عودته المفاجئة في هذا الوقت من العام الدراسي.
نهضت من مكانها بعدما سيطر عليها الملل تخبرهما:
"أنا سأخلد للنوم.. تصبحان على خير."
لكنها فوجئت بكرم يخبرها:
"إنتظري قليلاً.. سأتحدث معك بعدما أنتهي من شرب القهوة."
أضاف وهو يرمقها بنظرات جامدة:
"يمكنك أن تنتظريني في غرفتك لنتحدث هناك إذا أردت."
نقلت والدتها بصرها بينهما بحيرة قبل أن تسأل بتوجس:
"هل هناك ما يحدث بينكما وأنا لا أعرفه؟"
هزت هايدي كتفيها دلالة على عدم معرفتها وهي تجيب:
"من ناحيتي لا يوجد أي شيء."
هتف كرم وهو يبتسم لوالدته:
"أحتاج هايدي في أمر يخصني.. لا تقلقي أنت.. مجرد شيء عادي لا يحتاج إلى القلق."
هزت تهاني رأسها بصمت بينما غادرت هايدي المكان صاعدة إلى غرفتها لتدخل إلى هناك وتغلق الباب خلفها وقلبها ما زال متوجساً مما يريده شقيقها منها.
جلست فوق السرير تهز قدمها بتوتر عندما حملت هاتفها تتأمل مكالمة نانسي التي رفضتها قبل قليل فسارعت تتصل بها ليأتيها صوت نانسي تتساءل بقلق:
"ماذا حدث يا هايدي؟ لماذا لا تجيبين على مكالمتي؟"
أجابت هايدي كاذبة:
"كنت مع ماما."
كانت تتحدث معي في أمر هام ولم أستطع مقاطعة حديثها.
سألتها نانسي باهتمام:
"هل هناك مشكلة ما؟"
ردت هايدي بسرعة:
"أبدا... كانت تحدثني عن حفل زفاف ابن صديقتها. تريدني حضور الحفل معها."
"حسنا."
قالتها نانسي باطمئنان قبل أن تضيف:
"كان شريف عندي وغادر قبل قليل."
هتفت هايدي:
"حقاً! وماذا قال؟ هل هناك شيء جديد؟ هل استطاع الوصول لشقيقه المبجل؟"
ردت نانسي بصوت مرهق:
"لقد تحدث صلاح معه وأخبره إنه سيعترف بالطفلين عندما يولدان بإذن الله."
تمتمت هايدي من بين أسنانها:
"هذا أمر معروف ولا مفر له منه. هو سيعترف بالطفلين إجباراً عنه."
قالت نانسي بجدية:
"لا أريد أن يحدث ذلك بالإجبار. لا أريد آية فضائح يا هايدي."
سألتها هايدي تتجاهل ما قالته:
"وماذا قال بعد؟"
هتفت نانسي بصوت حزين:
"غالباً لن يكون لصلاح آية علاقة بالطفلين بعدما يمنحهما اسمه."
سألتها هايدي بحدة:
"شريف من أخبرك بهذا؟"
أجابت نانسي بضعف:
"لم يقلها مباشرة ولكنني استنتجت هذا من حديثه."
زفرت هايدي أنفاسها مرددة بحنق:
"لعنة الله عليه. ذلك الحقير."
ردت نانسي بصوتها المتعب:
"هكذا أفضل. بكل الأحوال وجوده من عدمه سيكون واحد."
"لا تحزني من فضلك."
قالتها هايدي برجاء لتهمس نانسي بخفوت:
"لست حزينة. أساساً كنت أنتظر هذا منه."
تنهدت بصوت مسموع ثم قالت:
"سأخلد إلى النوم. تصبحين على خير."
"وأنت من أهل الخير."
قالتها هايدي ثم أغلقت هاتفها لتزفر أنفاسها بغضب من صلاح وتصرفاته التي لا تطاق.
أخذت تلعنه عدة مرات داخلها حتى سمعت صوت طرقات على باب غرفتها فنهضت من مكانها لا إرادياً وتنطق بتردد:
"تفضل."
دلف كرم إلى الداخل ليتأمل ملامحها التي تنطق بالتساؤل فهتف بهدوء:
"أريد أن نتحدث قليلاً بخصوص نانسي."
اضطربت ملامحها للحظات لكنها سرعان ما سيطرت عليها وهي تسأله باستغراب مقصود:
"ما بها نانسي لنتحدث عنها؟"
اتجه نحو الكنبة المقابلة له ليجلس عليها وهو يسألها باهتمام:
"هل تتواصلين معها؟"
ردت هايدي بسرعة:
"بالطبع أتواصل."
سألها ببرود:
"يومياً؟"
جلست جواره تخبره بنبرة متوازنة:
"تقريباً."
سألها من جديد:
"ألم تخبرك متى ستعود إلى البلاد؟"
ردت بخفوت:
"غالباً لن تعود قبل عام على الأقل."
رفع حاجبه يتسائل:
"كيف يعني؟ لم أكن أعلم إنها قررت الاستقرار خارجاً."
قالت هايدي بسرعة:
"ولا حتى هي كانت تعلم بذلك. لقد فاجئها صلاح برغبته في البقاء قليلاً هناك."
"ولماذا يريد صلاح البقاء هناك؟"
سألها بصوت جاد لتجيب:
"لقد وجد عملاً بناسيه هناك في إحدى الشركات التابعة لوالد صديقه."
صمت كرم لوهلة يتأملها بشكل أربكها لا إرادياً عندما نطق أخيراً:
"ألا تلاحظين إن كذبتك ساذجة لدرجة تجعل أي شخص يمتلك القليل من الذكاء يكشفها؟"
هتفت بسرعة وهي تنظر في وجهه بقوة مصطنعة:
"ماذا تقصد يا كرم؟ أي كذبة تلك؟"
أضافت وهي تنهض من مكانه وتواجهه بصلابة:
"أنا لا أكذب. لماذا سأكذب أساساً؟"
انتفض من مكانه يردد بدوره:
"وهذا ما أريد معرفته. أريد معرفة ما تتخطين له مع شقيقتك. ما يحدث من خلف ظهري."
هتفت معترضة:
"مالذي تقوله يا كرم؟ نانسي في الخارج مع زوجها وأنا."
قاطعها يصيح بها:
"توقفي عن هذا الكذب. صلاح ما زال في البلاد. لم يغادرها."
توقفت عن الحديث وأخذت تنظر له بأنفاس مقطوعة ليضيف بتهكم:
"لقد أخبرني أحدهم بذلك بعدما رآه في أحد النوادي الليلية يسهر مع مجموعة من الشباب غير المريحين على الإطلاق."
"مستحيل."
قالتها بملامح شاحبة ليعقد كرم ذراعيه أمام صدره مردداً:
"هذا ما حدث. منذ أن علمت بذلك وأنا أكاد أجن من غضبي. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أحجز أول تذكرة إلى البلاد. راجعت ما حدث في الفترة السابقة. اختفاء نانسي الغريب بعد الزواج والحجج والأعذار التي أسمعها منك ومنها برسائل نصية مقتضبة ترسلها بين الحين والآخر وهي التي كانت تتحدث معي بشكل شبه يومي ناهيك عن ضيق والدتي من قضائك أغلب يومك خارج المنزل بحجة العمل وما شابه. فهمت حينها كم كنت أحمقاً وأنا أصدق كذبك وكذبها."
أخفضت هايدي رأسها أرضاً ليقبض كرم على ذراعها يسألها بعصبية:
"ارفعي رأسك وأخبريني عما يحدث مع شقيقتك بالضبط. أنا لم أقتنع أساساً بتلك الزيجة السريعة. أخبريني هيا. ماذا حدث بينهما قبل الزواج وجعلها تسارع للزواج منه؟"
تمتمت هايدي بخفوت:
"لقد حدث ما حدث."
انتفض كرم من مكانه يهدر بعصبية:
"الحقيرة. كيف فعلت هذا؟ كيف تجرأت على ذلك؟ لا يمكنني التصديق حقاً. لقد أضاعت شرفها بل شرفنا جميعاً."
قالت هايدي بسرعة ووجل:
"اهدأ أرجوك يا كرم. نانسي لم تقصد ما حدث. هي لم تكن بوعيها والحقير استغل ذلك."
قبض على ذراعها بقوة جعلتها تصيح ألماً وهو يصرخ بها:
"أنتِ اخرسي ولا تدافعي عنها."
أكمل وهو يشدد من ضغطه على ذراعها:
"أخبريني عن مكانها. أين هي الآن؟"
حاولت تحرير ذراعها من قبضته وهي تخبره:
"لا أعلم. هي لم تخبرني بشيء."
"كاذبة. تكذبين كالعادة."
هتف بها من بين أسنانه لتهمس بتوسل:
"أرجوك لا تفعل يا كرم. نحن فعلنا ما بوسعنا لتجنب الفضائح وأنت بما تفعله ستدمر جميع ما فعلناه."
ضحك مردداً بعدم تصديق:
"وهل تعتقدين إنكما نجحتما في هذا؟"
أرخى قبضته فوق ذراعها فسارعت تبتعد عنه وهي تردد:
"نعم نجحنا والدليل إن زيجتهما تمت دون أن يكتشف أحد ما حدث."
"هذا لن يشفي غليلي منها. الحمقاء. لقد دمرت حياتها ودمرتنا معها."
كان يتحدث بغضب مخيف جعلها تصيح به بتعب:
"يكفي يا كرم. أنت لا تعرف ما مرت به نانسي حتى اليوم. لا تعرف مدى معاناتها."
هز رأسه مردداً بعدم تصديق:
"أي معاناة تلك؟ أياً كان ما مرت به فهو نتيجة أفعالها وقلة تربيتها."
صرخت به:
"أخبرتك إنها لم تكن بوعيها. ألا تفهم؟ ذلك الحقير استغلها."
سألها بعينين جامدتين:
"هل اغتصبها أم نالها دون مقاومة منها؟"
تيبست الكلمات على رأسها وهي تسمع سؤاله الذي سيغير جوابها عليه الكثير لتنطق بخفوت:
"كانت فاقدة للوعي تماماً عندما فعل ما فعله. يعني استغل غيابها عن الوعي تماماً."
تأملت الجمود الذي ما زال يكسي ملامحه لتضيف بألم:
"ماذا كنت تعتقد إذا؟ لو لم يكن مذنباً في حقها ما كان ليتزوجها."
ثم أضافت بتردد:
"نانسي عانت كثيراً بعد زواجها من ذلك الحقير. كادت أن تخسر حياتها."
طالعها بدهشة حقيقية لتهز رأسها وهي تسترسل بدموع:
"لقد صدمتها سيارة. كادت أن تموت لولا رحمة الله بها. بقيت لأيام طويلة غارقة في غيبوبتها. كانت تحتاج إلى معجزة لتستيقظ. لكن الحمد لله نجت من الحادث هي وطفليها."
تمتم مذهولاً:
"طفلاها؟"
هزت هايدي برأسها وهي تعلم إنها فجرت قنبلة في وجه شقيقها بعدما قالت لتؤكد ما نطقت به لتوها:
"نانسي حامل يا كرم. حامل من صلاح بتوأم."
في صباح اليوم التالي.
خرجت ليلى من غرفتها ترتدي ملابس عملية مكونة من بنطال جينز فوقه قميص حريري أخضر اللون وفي قدميها ترتدي حذاء رياضي.
وجهها خالي تماماً من مساحيق التجميل بينما رفعت خصلاتها الشقراء عالياً بشكل كعكة ضخمة قليلاً.
لم تكن تظهر بتلك الملابس عادة فرغم بساطتها إلا إنها دائماً ما تنتقي ملابس معينة تحمل رقياً وأناقة خاصة بقدر بساطتها المعهودة.
لكن اليوم لم يكن لديها طاقة لفعل أي شيء فالبارحة قضت ليلتها تبكي على ما أصاب والدها وقلبها ينتفض رعباً بين الحين والآخر من احتمالية خسارته قبل أن تغرق في نومها الذي كان مليئاً بالكوابيس لتستيقظ أخيراً بعد ليلة من أصعب ما تكون فتجد نفسها في انتظار مواجهة صعبة للغاية. مواجهة لا بد منها. مواجهة والدتها وشقيقتها بآخر تطورات صحة والدها. بحقيقة الغيبوبة التي دخلها ولا أحد يعلم إذا ما سوف يستيقظ منها أم لا.
كتمت دموع عادت تتشكل داخل عينيها وهي تتجه نحو غرفة والدتها لتطرق على الباب بخفة قبل أن تدخل إليها لتجد والدتها مستيقظة كما توقعت تجلس فوق سريرها بملامح تدل على بكائها وآثار الدموع ما زالت ظاهرة فوق وجهها.
تأملت ملابسها السوداء بألم على حال والدتها التي لم تعد تعرف على أي مصاب تبكي بالضبط.
مصاب رحيل شقيقتها أم مرض زوجها.
تقدمت ليلى نحوها ثم جلست جانبها وهي تهتف بنبرة خرجت باهتة خالية من الحياة:
"صباح الخير."
ردت فاتن بخفوت:
"صباح النور حبيبتي."
قالت ليلى بجدية:
"ستذهبين إلى منزل خالتي اليوم. أليس كذلك؟"
هزت رأسها وهي تجيب:
"نعم. يجب أن أذهب اليوم وأرى غالية ونديم."
ثم أشارت لابنتها تسألها:
"لكن سأذهب إلى والدك أولاً."
سأبقى معه حتى الظهر ثم أغادر إلى بيت خالتك.
تمتمت ليلى بتردد:
حسناً.. يجب أن تدركي شيئاً هاماً قبل أن تذهبي.
سألت فاتن بخوف:
هل أصاب والدك مكروه ما؟ هل تدهورت حالته؟
قاطعتها ليلى بسرعة:
كلا، لم تتدهور.
هتفت فاتن بصوت باكي:
لا تكذبي علي يا ليلى.. هناك شيء ما حدث.. شيء سيء للغاية وهذا واضح من ملامح وجهك.
همست ليلى محاولة التماسك قدر المستطاع أمام والدتها:
أبلغني الطبيب البارحة إن والدي دخل في غيبوبة.
صاحت فاتن بعدم تصديق:
ماذا تقولين يا ليلى؟ ماذا تعنين؟ ماذا يعني دخل في غيبوبة؟
ثم نهضت من مكانها تسألها بدموع تساقطت فوق وجهها بغزارة:
هذا يعني إننا فقدنا والدك حقاً؟ والدك سيبقى على حاله هذه؟ سيبقى فاقداً للوعي.
قالت ليلى محاولة تهدئتها:
سوف يستيقظ بإذن الله.. الطبيب قال إن سبب الغيبوبة هو نفسي.. حالته النفسية السيئة جعلته يرفض الاستيقاظ مجدداً.
سألتها فاتن بحيرة:
ماذا يعني هذا؟
أكملت وهي تقبض على ذراعها بترجٍ:
هل يعني إنه سوف يستيقظ يوماً ما؟ هناك أمل أليس كذلك؟
قالت ليلى بنبرة مختنقة:
بإذن الله سوف يستيقظ.. أنا سأفعل كل ما بوسعي كي يستيقظ.
جذبتها فاتن تعانقها لا إرادياً وكأنها تستنجد بها فسارعت ليلى تضمها لها والدموع طفرت من عينيها رغماً عنها.
ابتعدت فاتن عنها بعد لحظات وجلست فوق السرير تمسح وجهها مرددة بتجيب:
يا إلهي ماذا أفعل؟ لماذا يحدث هذا معنا؟
ربتت ليلى فوق كتفها تخبرها برجاء:
من فضلك لا تفعلي هذا الآن.. أنا أحتاجك يا ماما.. أحتاج قوتك وثباتك خاصة في المرحلة القادمة.. أحتاج لمن يساعدني فأنا لوحدي.
نظرت لها فاتن بحزن فهي تتحمل الكثير.
حاولت أن تسيطر على دموعها وهي تردد بجدية:
معك حق يا ليلى.. أنا يجب أن أكون أكثر قوة وصلابة في وضع كهذا.
ابتسمت ليلى وهي تردد:
بالضبط.. يجب أن نتحلى بالصبر والثبات.
أضافت وهي تفرك جبهتها بتعب:
ما زال هناك مريم.. لا تنسيها.. أنا لا أضمن كيف ستكون ردة فعلها عندما تعلم بما حدث.
توقفت عن إكمال حديثها وهي تسمع صوت طرقات الباب يتبعه دخول الخادمة تخبرها:
الصغير يبكي يا ليلى هانم منذ وقت ليس بقليل دون توقف.
سألتها ليلى:
ماذا تفعل المربية إذا؟
قالت الخادمة بحيرة:
هي لا ذنب لها.. الصغير يبكي فقط وهي لا تفهم سبب هذا البكاء.
سآتي أنا.
قالتها ليلى بصوت مرهق لتتفاجئ بوالدتها تنهض من مكانها تردد:
بل سأذهب أنا إليه.
هتفت ليلى بدهشة:
أنت؟
هزت فاتن رأسها بإيماءة مختصرة وتحركت خلف الخادمة متجهة إلى غرفة الصغير لتبقى ليلى مكانها لدقيقتين قبل أن تتحرك خلفهما متجهة إلى غرفة الصغير لتجد والدتها تحمله وتحاول تهدئته.
تأملت ليلى والدتها التي أخذت تهز الصغير بين ذراعيه وتحاول تهدئته بعدم تصديق مما يحدث.
بدأ بكاء الصغير يخفت تدريجياً حتى استكان بين ذراعي والدتها وغرق في نومه لتجد والدتها تتأمله بصمت امتد للحظات قبل أن تضعه بحذر شديد في سريره الصغير.
أخذت ليلى نفساً عميقاً غير مستوعبة بعد للمشهد الماثل أمامها قبل أن تتحرك بسرعة بعيداً عن المكان وقلبها ينتفض بين أضلعها بطريقة لم تفهم سببها!
طرقت الخادمة على باب جناحها لتسمح لها جيلان بالدخول.
تقدمت الخادمة نحوها وهي تحمل معها صينية الطعام لتضعها على السرير جانبها وهي تخبرها:
الطعام يا جيلان هانم.. هل تريدين شيئاً آخر؟
هزت جيلان رأسها نفياً عندما وجدت همسة تتقدم نحوها وهي تبتسم لها برقة قبل أن تسألها بعدما صرفت الخادمة:
صباح الخير عزيزتي.. كيف حالك اليوم؟
ردت جيلان بخفوت:
أنا بخير.
جلست همسة فوق السرير قريباً منها وقد ظهر بروز بطنها الصغير لتتأمله جيلان للحظات عندما سمعت همسة تقول:
اشتقت لك حقاً يا جيلان بل جميعنا اشتقنا لك.
تمتمت جيلان بخفوت:
وأنا كذلك.. اشتقت لكم.
هتفت همسة وهي تشير نحو طعامها:
تناولي طعامك هيا.
ثم قربت الصينية منها لتجذب جيلان قطعة من التوست المحمص وتدهنها بمربى الفراولة ثم تقضم قطعة صغيرة منها قبل أن تعاود النظر إلى همسة وهي تسألها بحذر:
أنت أيضاً حامل مثلي.. كم شهر مر على حملك؟
ابتسمت همسة ونص تضع كفها فوق بطنها تجيب:
خمسة أشهر.. مثلك تقريباً.
سألتها جيلان بتردد:
هل بدأ يتحرك؟
أجابت همسة وهي ما زالت محتفظة بابتسامتها الرقيقة:
قليلاً.
ثم سألتها بحذر:
وأنت؟ هل شعرت بحركته؟
ردت جيلان وهي تهز كتفيها:
لا أعلم.. ربما تحرك ولم أشعر.
الحركة عموماً تبدأ بين الشهرين الرابع والخامس.
قالها همسة بجدية لتهز جيلان رأسها بتفهم قبل أن تعاود تناول طعامها عندما أخبرتها همسة بجدية:
يمكنك سؤالي عما تريدين يا جيلان ومتى ما أردت!!
نظرت جيلان نحوها بتردد قبل أن تسألها:
هل الولادة مؤلمة؟
هتفت همسة تطمئنها:
كلا.. يعني ستتألمين قليلاً بعدما ينتهي مفعول المخدر لكن ليس ألماً شديداً.
أضافت محاولة قدر المستطاع التخفيف من قلقها:
سيهتم الأطباء بك جيداً ويعطونك مسكنات تجعلك لا تشعرين بأي ألم.
عادت جيلان تهز رأسها بصمت وهي تعاود إكمال تناول طعامها عندما نهضت همسة بعد لحظات تخبرها:
سأذهب إلى جناحي ثم أعود بعد قليل.. أريد منك إنهاء الطعام كله.. حسناً.
ثم تحركت خارج الجناح حيث ذهبت إلى جناحها لتجد زوجها يقف أمام المرآة يغلق آخر أزرار قميصه عندما نظر لها متسائلاً:
هل استيقظت جيلان؟
ردت وهي تسير نحو السرير:
نعم وتتناول فطورها أيضاً.
أكملت وهي تجلس فوق السرير:
هذه الفتاة مسكينة حقاً.. هي صغيرة جداً على كل ما يحدث معها.
تمتم بخفوت:
للأسف.
سألته بتردد:
هل تحدثت مع مهند؟
استدار نحوها يجيبها:
كلا، لم أتحدث معه بعد.
نطقت بهدوء:
لقد تحدث مع عمي مساء البارحة.. لم تكن موجوداً حينها.
قاطعها بجدية:
أخبرني والدي بذلك وأنا طلبت منه أن يتجاهل كلامه الأخرق فمهند هذا مجنون حقاً ولا يجيد التصرف.
قالت بتروٍ:
لكن تفكير مهند به جزء منطقي.. زيجتهما واقعياً مستحيلة.
عاد راغب يتأمل قميصه مردداً:
أشعر بوجود خلل ما في هذا القميص لا أدرك ماهيته.
نهضت من مكانها متجهة إلى الخزانة تبحث له عن قميص مناسب للون بذلته لتتقدم نحوه بعد لحظات وهي تخبره:
هذا القميص يناسب البذلة التي ترتديها.
أخذ القميص منها بعدما شكرها لتسأله مجدداً:
ماذا ستفعل مع جيلان يا راغب؟ الفتاة المسكينة لا يمكن أن تتحمل البقاء مع مهند من جديد وخاصة بعدما حدث.
هتف راغب بجدية:
هي ليست مجبرة على البقاء معه ولكن هذا لا يعني أن يتطلقا.. بعدما حدث لا مجال للطلاق بينهما.
هتفت بعدم تصديق:
أنت تمزح بالطبع.
رد ببروده المغيظ:
لم سأمزح؟ الطفل يحتاج لرعاية أبويه.
استرسل وهو يستدير نحوها بينما يفك أزرار قميصه ببطء:
إذا كان مهند لا يعي ذلك فهذا لا يعني أن ندعمه في قراره الأهوج.
دعك من مهند الآن.. ماذا عن جيلان؟ ألا تفكر بها؟
سألته بنبرة مشحونة ليرد بجدية:
جيلان ستندم ندم عمرها إذا تخلت عن طفلها الآن.. هي ما زالت صغيرة ولا تعي ما تفعله.
غمغمت بسخرية:
لكنك تعي كل شيء لذا ستقرر نيابة عنهما وتجبرهما على البقاء سوياً لأجل الطفل.
أجاب متجاهلاً سخريتها:
بالطبع.. مصلحة الطفل فوق الجميع.
هتفت من بين أسنانها:
ألم تتعظ من فعلتك السابقة وما أدت إليه فتحاول مجدداً أن تتحكم في حياتهما؟
تمتم ببرود وهو يتقدم نحوها بعدما خلع قميصه:
كلا يا همسة.
لإن فعلتي كانت لأجلهما وسيأتي يوم ويدركان إنني ساعدتهما في تصحيح أخطائهما.
هتفت بإقتضاب:
"أنت مستبد..."
ابتسم ببرود مردداً:
"أعلم... أعلم ذلك جيداً يا همسة..."
ثم مال نحوها يضيف بتهكم:
"وأنت تعلمين ذلك جيداً ومع هذا ما زلت تفشلين في الاعتياد على ذلك...!!"
عقدت ذراعيها تخبره بتحدي:
"ولن أعتاد لإنني أرفض طريقتك هذه يا راغب ولا أحبها."
سألها متهكماً:
"وماليذي تحبينه بي أساساً يا همسة؟"
رمشت بعينيها بارتباك ليهمس ببرود:
"أنت تكرهين كل شيء بي..."
قاطعته بجدية:
"ليس تماماً لكنني أكره الكثير من صفاتك ولن أنكر هذا..."
ابتسم ببطء قبل أن يقول:
"تكرهين صفاتي التي لا تتناسب مع شخصيتك وطريقة تفكيرك..."
تنهد ثم قال:
"كان معك حق... نحن مختلفان تماماً كاختلاف السماء عن الأرض أو الشمس عن القمر..."
أضاف وهو يلوي فمه ببؤس مقصود:
"ولكن للأسف لقد تورطنا ولم يعد هناك مجال للخروج من هذه الورطة.. لدينا طفلين والثالث في الطريق.. لذا نحن مجبورون على الاستمرار معاً رغم كل اختلافاتنا..."
تأملته بجمود امتد للحظات قبل أن تهتف به:
"سابقاً كان قرار ارتباطنا لك واليوم قرار استمرارنا من عدمه لك.. أتساءل متى سيأتي اليوم الذي تكون فيه قرارات حياتنا كلينا مشتركاً بيننا يا راغب؟"
أجاب بجدية:
"أنت من وضعت نفسك في هذا الموقف يا همسة.. أنت من تباعدت تماماً وتركت لي حرية القيادة لوحدي فلا تأتي الآن وتستنكري ما يحدث..."
هزت رأسها ببطء تخبره بصدق:
"معك حق.. أنا السبب..."
ثم شمخت برأسها تنظر له وهي تضيف بقوة:
"لكن عليك أن تعلم إنني لست نادمة على ما فعلته سابقاً ولو عاد بي الزمن لكررته من جديد."
همت بالتحرك بعيداً لتجده يقبض على ذراعها يخبرها من بين أسنانه:
"لا تنسي إن حتى تباعدك عني ليس قرارك وحدك.. أنا من سمحت لك بهذا التباعد.. أنا من منحتك الحرية الكاملة في الكثير من الأشياء..."
أخبرته ببرود وعيناها تناظرانه بجمود:
"لأنك تعلم جيداً إنك تستحق ذلك."
ثم دفعته بعيداً وهي تخبره بصلابة:
"لا داعي لنبش ذكريات الماضي بكل ما فيها يا راغب.. لقد تعمدت أن ألغي الماضي من عقلي تماماً وهذا فقط ما جعلني أتعايش معك حتى اليوم..."
قاطعها بجدية:
"الماضي ما زال حياً داخلك يا مدام وإلا ما كان هذا حالنا أنت وأنت."
رمقه بنظرات رافضة وهي تؤكد:
"أنت مخطئة إذاً لإنني لو تذكرت الماضي ما كنت لأحيا معك ثانية واحدة."
ثم تحركت تغادر الجناح بسرعة تهرب منه ومن ماضٍ ما زال حياً داخلها مهما أنكرت.
كانت تجلس في الحديقة تتأمل المكان حولها بشرود تام.
لقد غادرت غرفتها أخيراً بعدما قضت الأيام السابقة في غرفتها معتزلة كل شيء، لا تظهر إلا وقت العزاء حيث تستقبل المعزين بثبات سرعان ما يختفي وهي تعود إلى غرفتها مساءً تنفرد بنفسها فتنهار باكية بنحيب لا نهاية له.
عقلها لا يكف عن التفكير بوالدتها وكلماتها الأخيرة تتردد داخل أذنها ووجهها وتوسلاتها للغفران في لحظاتها الأخيرة لا تغيب لحظة عن بالها ونبرة صوتها ما زالت ترن في أذنيها.
سارعت تمسح دموعاً طفرت داخل عينيها عندما سمعت صوته الرجولي الرخيم يردد:
"مرحباً يا غالية..."
رفعت وجهها نحوه تتأمله للحظات وهي تجيب:
"أهلاً شريف..."
جلس على الكرسي المقابل لها مردداً:
"لم أرك بعد الجنازة.. أخبريني كيف حالك الآن؟"
تذكرت إنها لم تستطع رؤيته سوى وقت الجنازة عندما قام بتعزيتها وتقبلت هي تعازيه بصمت ليغيب بعدها تماماً حيث كان يتواجد في عزاء الرجال فقط ثم يغادر إلى المشفى ما إن ينتهي وقت العزاء فلا يعود إلى المنزل مع بقية رجال العائلة مساءً.
أجابته بصوت مبحوح:
"أحاول أن أكون بخير..."
قال بجدية:
"ستكونين بخير قريباً إن شاء الله..."
أضاف بثقة:
"أنت قوية يا غالية وأنا أثق بقدرتك على تقبل رحيلها..."
همست تسأله بنبرة ضعيفة:
"هل تعتقد ذلك؟"
أضافت بنبرة يغلفها اليأس:
"لماذا أصبحت أشعر العكس إذا؟ أصبحت أرى نفسي ضعيفة ولا قدرة لي على التخطي..."
انحنى بجسده نحوها بحركة عفوية يردد بصدق:
"هذا ليس صحيحاً أبداً.. أنت قوية يا غالية بل قوية جداً.. أنت فقط مشوشة بسبب ما تعيشينه حالياً.. ما حدث ليس سهلاً ويحتاج وقتاً كبيراً لتخطيه لكنني كما قلت قبل قليل أثق بك وبقوتك..."
تمتمت برجاء والدموع عادت تملأ مقلتيها:
"أتمنى ذلك حقاً يا شريف."
ثم أخذت دموعها تتساقط فوق وجنتيها ليزفر أنفاسه وهو يردد:
"بالله عليك لا تفعلي يا غالية.. توقفي عن البكاء لأجل والدتك على الأقل فهي بالطبع لا تريد أن تكوني حزينة أبداً."
مسحت وجنتيها يكفيها ثم أخذت نفساً عميقاً عدة مرات قبل أن تهمس بوجع:
"أشعر بوجع كبير.. كل شيء حولي يخنقني..."
أكملت بصوت باكي:
"أصبحت لا أطيق الفيلا.. كل مكان فيها يذكرني بها..."
تنهد وهو يقول:
"لا بأس.. هذا طبيعي جداً في البداية.. الجميع يمر بهذه الحالة.. ستأخذين وقتاً حتى تعتادين على الوضع الجديد."
نهضت من مكانها تقول:
"سأخرج قليلاً."
نهض بسرعة هو الآخر يسألها:
"إلى أين ستذهبين؟"
هزت كتفيها دلالة على عدم معرفتها وهي تجيبه:
"لا أعلم.. سأذهب إلى أول مكان يخطر على بالي.. فقط أريد الخروج حالاً."
سألها بتردد:
"هل يمكنني الذهاب معك؟"
أرادت أن ترفض فهي تريد البقاء لوحدها لكنها لم تستطع فإضطرت أن تهز رأسها بصمت ليقول شريف وهو يبتسم بهدوء:
"تعالي معي في سيارتي إذا."
سارت بجانبه حيث خرجت معه إلى الكراج وركبت سيارته بعدما فتح الباب لها بينما اتجه هو يركب في الجانب الآخر غير منتبهاً لذلك الذي كان يهم بالدخول إلى الفيلا بعدما حسم أمره وقرر تعزيتها بنفسه.
تابع فادي ما يحدث بجبين متغضن قبل أن يسارع ويركب سيارته ويتبعهما دون وعي عندما وجده يتوقف قرب البحر فتهبط هي بسرعة من سيارتها وتتجه نحو البحر وتقف مواجهة له بينما بقي الشاب الآخر في سيارته قبل أن يهبط بعد قليل ويتقدم نحوها.
سألها شريف بحذر وهو يقف جوارها:
"هل تشعرين إنك أفضل قليلاً؟"
أجابت بتعب:
"أشعر بالكثير يا شريف.. أشعر بوجع كبير لا نهاية له.. أشعر بيأس بات يتملكني.. أشعر بالاختناق الشديد والرغبة في البكاء والصراخ دون توقف."
"لا بأس.. جميع ما تشعرينه طبيعي جداً.. مع مرور الأيام ألمك سيخف.. لا بد أن تبدئي بالنسيان وتتعايشي."
سألته بصوت متلهف:
"هل تعتقد ذلك يا شريف؟"
تنهد وهو يجيب بينما عقله شرد في ماضٍ بعيد عندما فقد والده:
"لا بد أن تتجاوزي يا غالية.. هذه سنة الحياة."
أضاف بتمهل:
"الفراق أمر محتوم لا بد منه.. مهما طال الزمن سنفقد أحباءنا تدريجياً كما سيأتي يوم ونلحق بهم."
همست بعينيها الدامعتين:
"ولكن حتى النسيان يحتاج وقتاً."
أضافت بمرارة:
"وحتى لو تناسيت خسارة والدتي مع مرور الوقت وتقبلتها، كيف سأنسى حقيقة إنها توفيت قبل أن أنهي خلافي معها؟ كيف أنسى تصرفاتي معها قبيل وفاتها؟"
شهقت بعدها باكية فتجمد مكانه وعقله يرفض التصديق إن من تبكي أمامه بتلك الطريقة المؤلمة هي نفسها غالية ابنة عمه التي أحبها لسنوات.
تأملها بعجز وهو لا يعرف ماذا يفعل ولا يستطيع أن يتصرف بأي طريقة ستبدو غير ملائمة.
لحظات وتمكنت مشاعره منه في لحظة غير محسوبة فقبض على ذراعها يهمس لها بتوسل:
"غالية اهدئي.. توقفي عن البكاء من فضلك."
ثم رفع وجهها بأنامله مردداً برجاء غير منتبهاً لذلك الذي كان يتابعه وتجمد مكانه وهو يراه قريباً منها لهذه الدرجة:
"أرجوك اهدئي.. لا بد أن تهدئي."
وقبل أن تتحدث كان صوت فادي الحاد يصدح باسمها بشكل جعلها تنتفض من مكانها لا إرادياً بفزع.
التفتت غالية تطالعه بدهشة وهي تردد بعدم تصديق:
"فادي.. ماذا تفعل هنا؟"
بالكاد سيطر فادي على نبرة صوته التي خرجت حادة دون وعي منه فتقدم نحوها يخبرها وهو يتجاهل ذلك الذي يقف جانبها عن قصد:
"رأيتك صدفة ووجدتها فرصة مناسبة لتعزيتك وجهاً لوجه."
غزت الدموع عينيها بشكل أكبر عندما غمغم وهو يمد كفه نحوها:
"البقاء لله يا غالية."
ردت غالية بنبرتها المبحوحة وهي تضع كفها داخل:
"شكراً يا فادي."
سأل شريف بنبرة خرجت جامدة:
"من هذا السيد يا غالية؟"
همت غالية بالرد عندما نظر له فادي بثبات معرفاً عن نفسه:
"فادي خليل.. مقدم في الداخلية."
هتف شريف بنفس البرود:
نقلت غالية بصرها بينهما وقد انتبهت أخيراً للموقف الذي وُضعت به لتقول بسرعة:
"سيادة المقدم صديق لي."
لكن فادي أكمل عنها:
"في الحقيقة لم أكن أريد التصريح بذلك الآن ولكن لا بأس.. أنت يجب أن تعرف.. أنا لست صديقها فقط.. أنا وغالية بيننا مشروع ارتباط كان سيتم قريباً لولا ما حدث."
تصلبت ملامح شريف كلياً بينما نظرت لها غالية بدهشة ممزوجة بالاستنكار وهمت بالحديث عندما أوقفها فادي بنظراته المحذرة التي جمدتها كلياً وهو يضيف بخشونة:
"لا بأس يا غالية."
كان لازم تفهمي سبب مجيئي لكِ وبتكلم معاكي بالبساطة دي...
ثم أكمل بنبرة متثاقلة:
"والآن أخبريني يا غالية، مين يكون السيد؟"
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الخمسون 50 - بقلم سارة علي
” والآن أخبريني يا غالية ، من يكون السيد ..؟؟ ”
ترددت غالية لوهلة قبل أن تنظر الى شريف الجامد فتجيب فادي :-
” إنه شريف … إبن عمي ..”
نظر فادي الى شريف يشمله بنظرة سريعة قبل أن يمد كفه نحوه وهو يقول :-
” أهلا شريف بك … البقاء لله …”
تمتم شريف وهو يرد تحيته على مضض :-
” أشكرك يا بك …”
ثم أشار الى غالية قائلا :-
” سأنتظرك في السيارة يا غالية … ”
هزت رأسها بتفهم لتراقبه بصمت وهو يتجه نحو سيارته حتى وجدته يفتح باب السيارة ويهم بركوبها لتعاود النظر الى فادي تهتف به بضيق :-
” ماذا فعلت…؟! كيف تتحدث معه بهذه الطريقة والأهم كيف تخبره عن شيء كهذا ..؟!”
رفع حاجبه يطالعها بدهشة مفتعلة قبل أن يسألها ببرود :-
” ومالذي فعلته يا غالية …؟!”
أرادت أن تضربه فوق رأسه بسبب بروده المستفز لكنها بالكاد سيطرت على نفسها وهي تخبره بإنفعال مكتوم :-
” ما قلته لتوك … ما قلته غير مناسب أبدا يا فادي …”
سألها وهو يتفحصها بنظراته :-
” لمن ..؟! غير مناسب لمن …؟! لك أم له ..؟!”
صمتت ولم تجبه ليضيف بتهكم مقصود :-
” لا تخبريني إنك تفاجئتِ …”
قاطعته بعدم إستيعاب :-
” عفوا …”
ثم أضافت :-
” ماذا تعني ..؟! بالطبع تفاجئت … انا لم أذكر إننا سبق وتحدثنا في أمر كهذا …”
” ليس من الضروري أنت نتحدث ..”
قالها بجدية قبل أن يضيف :-
” أنت تعرفين ما يحدث بيننا …”
احتقنت ملامحها كليا وهي تسأله :-
” و مالذي يحدث بيننا يا فادي …؟!”
سألها ببرود :-
” أنت تعرفين جيدا مالذي يحدث بيننا … ما يشعر به كلينا … أم ستنكرين ذلك ..”
لا تنكر إنها توترت بسبب حديثه لكنها سرعان ما كبحت توترها وهي تخبره :-
” ولم سأفعل …؟؟ حسنا لا أنكر ذلك …”
سألها وهو يميل نحوها قليلا :-
” مالذي لا تنكرينه …؟!”
ردت بتجهم :-
” ما تحدثت عنه لتوك …”
عاد يسألها بمكر :-
” ومالذي تحدثت عنه لتوي ..؟!”
بدت لعبة سخيفة بالنسبة لها قررت إنهاؤها وهي تجيبه ببساطة :-
” أنا لا أنكر إنني أميل لك … معجبة بك … ”
منحها إبتسامة هادئة … إبتسامة راقت لها كثيرا …
تحدث أخيرا يخبرها :-
” هل تعلمين مالذي جذبني لك دونا عن الجميع …؟!”
أجابته ببرود :-
” لا يمكنني التخمين فأنا أمتلك الكثير من عوامل الجذب … ”
ابتسم بخفة وهو يسترسل :-
” قوتك وجرأتك والأهم ثقتك المفرطة بنفسك والتي تجعليني أود في كثير من الأحيان تحطيم رأسك بسبب ذلك الكبرياء الفطري والثقة المفرطة التي تتحلين بها …”
عقدت حاجبيها تهتف بوجوم :-
” تحطم رأسي …!!!؟”
أكملت وهي تتقدم نحوه خطوتين تخبره بسخرية:-
” هل تعتقد إن هذا الكلام المناسب لقوله في موقف كهذا وأنت تعترف بمدى إنجذابك لي …؟!كم أنت رومانسي يا فادي …”
ضحك بخفة وقال :-
” بالتأكيد أنت تدركين جيدا إنني والرومانسية لا يمكن ان نجتمعان سويا …. الأمر لا يحتاج الى ذكاء …”
هزت رأسها تتمتم بأسف :-
” للأسف أدرك ذلك فكما قلت .. الأمر لا يحتاج الى ذكاء …”
قال وهو ينظر الى ملامح وجهها باشتياق بات يدركه جيدا ولا يتهرب منه :-
” متى يمكننا أن نلتقي ونتحدث …؟!”
عبست ملامحها وهي تخبره بصدق :-
” لا أعلم حقا فأنا لا رغبة لي بفعل أي شيء في الوقت الحالي …”
تنهد قائلا :-
” أتفهم حالتك بالطبع …”
تجاهلت رغبتها الشديدة في البكاء وهي تتذكر حقيقة ما تعيشه حاليا فهمست بصوت جاهدت ليخرج عاديا :-
” يجب أن أغادر يا فادي .. ”
هز رأسه بتفهم قبل أن يقول :-
” بالطبع يا غالية ولكن …”
نظرت له بترقب ليضيف بجدية :-
” لا تخرجي مجددا مع ابن عمك هذا أو غيره …”
أضاف بهدوء لا يخلو من الحزم :-
” لا يعجبني ذلك …”
لم يعجبها ما قاله لكنها لم تكن تمتلك الرغبة في نقاشه فإكتفت بقول :-
” مع السلامة يا فادي …”
ثم تحركت متجهة نحو شريف الذي ينتظرها في سيارته بملامح ما زالت جامدة يتابعها الآخر وهي تتجه نحو ابن عمها ثم تفتح الباب وتركب جانبه وداخله يود لو يسحبها من ذراعها ويأخذها في سيارته يمنعها من مجاورة ابن عمها ذاك في سيارته أيا كانت الأسباب ..
هبط كرم من سيارته متجها الى داخل العمارة التي تقطن بها شقيقته الكبرى تتبعه هايدي التي ركضت بسرعة خلفه وقبضت على ذراعه تتوسله :-
” أرجوك لا تتصرف بطريقة قد تؤذيها يا كرم … نانسي ما زالت في فترة نقاهة ولا تنسى إنها حامل أيضا …”
رمقها بنظرات مشتعلة وهو يخبرها بتهكم بارد :-
” سأعد للعشرة قبل أن أتحدث …”
همست له برجاء خالص في عينيها :-
” أرجوك يا كرم .. يمكنك أن تفعل ما تريده لكن ليس الآن … لتنجب طفليها على خير وبعدها إفعل ما تشاء …”
زفر أنفاسه بقوة قبل أن يأمرها بصلابة :-
” خذيني الى شقتها …”
هزت رأسها بإذعان وهي تخبره عن رقم الطابق والشقة ليتحرك أمامها متجها الى المصعد الكهربائي تتبعه هايدي بوجوم والقلق يسيطر عليها ….
وقفت بعدها هايدي بجواره وهو يضغط على جرس الباب لتفتح الخادمة لهما بعد دقيقتين فإندفع كرم الى الداخل تتبعه هايدي وهي تنادي عليه فيتوقف في منتصف صالة الجلوس الخالية من وجود أي أحد …
إستدار بسرعة نحو الخادمة يسألها بحدة :-
” أين نانسي ..؟!”
أجابت الخادمة بصوت خرج متلعثما وهي تتأمل تحفزذلك الواقف أمامها:-
” نائمة في غرفتها …”
قالت هادي بسرعة :-
” سأيقضها حالا .:.”
ثم إندفعت بسرعة الى الغرفة لتفتح الباب وتدلف الى الداخل بعدما أغلقتها بالمفتاح …
تقدمت ناحية نانسي التي تنام بعمق فوق السرير فتأملتها لثواني بشفقة على حالها وما وصلت إليه قبل أن تجلس جوارها على طرف السرير وتمد كفها نحو كتفها تهزها برفق وهي تحدثها بصوت خافت قليلا :-
” نانسي … إستيقظي حبيبتي …”
لحظات قليلة وبدأت نانسي ترمش بعينيها دلالة على بداية إستيقاظها قبل أن تفتحهما لتنظر إلى هايدي بدهشة من وجودها عندها قبل أن تحاول الإعتدال في جلستها بقليل من الصعوبة بسبب حملها وبروز بطنها الذي لا يساعدها على التحرك بحرية …
” ماذا تفعلين هنا يا هايدي في هذا الوقت ..؟!”
سألتها نانسي وهي تعتدل أخيرا في جلستها بمساعدة شقيقتها التي أجابتها بتوتر خفي:-
” كرم يا نانسي …”
رفعت نانسي ملامحها المصدومة نحوها لتنطق بخوف :-
” ما به كرم ..؟!”
أجابتها نانسي بجدية :-
” كرم هنا يا نانسي …”
” ماذا ..؟!”
صاحت بها نانسي بفزع وهي تضيف بصوت مذعور :-
” كيف هذا ..؟!”
حاولت هايدي تهدئتها وهي تخبرها بتروي :-
” كرم علم بما حدث … للأسف هناك من أخبره بوجود صلاح في البلاد … ”
إسترسلت بجدية :-
” لا تخافي يا نانسي … لقد تحدثت معه… أخبرته إنه لا ذنب لك .. هو يريد رؤيتك .. يريد التحدث معك …”
شردت نانسي كليا بينما هايدي ما زالت مستمرة في حديثها حتى لاحظت شرود شقيقتها فهمست وهي تلمس ذراعها :-
” نانسي .. هل تصغين إلي ..؟!”
نظرت نانسي لها بملامح بدا بائسة تماما فقالت هايدي بسرعة :-
” لا تفعلي هذا يا نانسي .. ”
تمتمت نانسي بوجع :-
” لم أكن أريده أن يعرف …”
هتفت هايدي بتفهم :-
” أعلم ذلك ولكنه حدث وعرف كرم بكل شيء …”
أضافت وهي تقبض على كف شقيقتها بدعم :-
” حاولي التماسك يا نانسي … ما زال مشوارك طويلا وأنت يجب أن تحافظي على قوتك وثباتك … إن لم يكن لأجلك فليكن لأجل طفليك …”
تشكلت الدموع داخل عينيها ما إن أتت هايدي على ذكر سيرة الطفلين لتشد هايدي من قبضتها على كفها وهي تهمس لها بنبرة صلبة :-
” أنت يجب أن تتماسكي يا نانسي وتحافظي على ثباتك في وجه كافة الظروف .. ”
أضافت وهي تنظر لها بعينين قويتين :-
” أنت أخطأت لكنك دفعت ثمن خطئك … لا يمكن أن تستمري في ضعفك وخنوعك بسبب هذا الخطأ .. ما تفعلينه ليس حلا .. إستسلامك ليس حلا … ليس من العدل أن تستمري في دفع ثمن أخطائك … المهم أن تتعلمي من خطئك جيدا .. دعي هذا الخطأ يكون حافزا لبداية جديدة ومختلفة .. دعيه يصنع نانسي مختلفة عن الماضي .. نانسي قوية وصلبه …”
همست نانسي بنبرة ضعيفة :-
” لا أستطيع …”
إسترسلت وهي تأخذ نفسا بطيئا :-
” أنا أضعف مما تتصورين يا هايدي …”
قاطعتها هايدي بحزم :-
” لست ضعيفة أبدا يا نانسي .. لو كنت ضعيفة لسارعت للتخلص من الطفلين والعودة الى حياتك السابقة بكل تخبطاتها … لكنك لم تفعلِ .. هل تعلمين لماذا ..؟!”
نظرت نانسي لها بتأهب وعينيها الدامعتين يظهر عليهما التردد بوضوح :-
” لإنك كنت تحتاجين وجودهما … تحتاجين حافزا يدفعك للتماسك .. لإنك أردت سببا تعيشين لأجله .. سببا تتغيرين لأجله … بالطبع فطرتك الحنون منعتك من قتل روح خلقها الله داخلك لكن لا يمكنك أن تنكري إن وجود الطفل كان حافزا مهما لك وأملا في حياة مختلفة تحمل هدفا ساميا يستحق العيش لأجله …”
تساقطت دموع نانسي فوق وجنتيها بغزارة لتخبرها هايدي بصوت هادئ لا يخلو من الشدة التي تحتاجها شقيقتها في هذا الوقت تحديدا :-
” كوني قوية يا نانسي .. تجاوزي ما حدث في الماضي …. أثبتي لنفسك قبل الجميع إنك تغيرت … الطفلان سيولدان بعد ثلاثة أشهر وربما أقل … لا بد أن يجدان أما قوية تنتظرهما .. أم تستطيع تربيتهما ومنحهما ما يحتاجان .. أم لا تمنحهما فقط عاطفة أمامية ومحبة فطرية بل تمنحهما قوة وصلابة ونشأة جيدة …”
مالت نحوها تسألها بجدية :-
” ألا يستحق طفليك منك ذلك يا نانسي ..؟!”
نطقت نانسي بعد صمت إمتد للحظات :-
” بل يستحقان … يستحقان هذا وأكثر …”
ربتت هايدي على كفيها وهي تبتسم لها وتخبرها بتشجيع :-
” هيا إذا .. كفكفي دموعك وتعالي معي لتري شقيقك وتتحدثي معه … حسنا ..؟!”
همست نانسي وهي تكفكف دموعها :-
” هل هو غاضب كثيرا ..؟!”
نهضت هايدي من جانبها وأجابتها :-
” حتى لو كان غصبا كثيرا .. عليك أن تواجهي غضبه … تحملي قليلا يا نانسي … لا بأس أن تتحملي قليلا وتصبري الفترة القادمة حتى تنتهي هذه الدوامة التي تعيشينها …”
” أتمنى أن تنتهي على خير …”
قالتها نانسي بصوت مرتجف لتقول هايدي بسرعة وتأكيد :-
” ستنتهي على خير بإذن الله …”
ثم مدت كفها لنانسي تخبرها :-
” هيا يا نانسي .. تأخرنا عليه كثيرا …”
وضعت نانسي كفها داخل كف شقيقتها وهي تنظر لها بتردد ظهر عليها كليا ..
تردد سارعت تبعده عنها وهي تنهض من فوق سريرها ببطأ وتتجه معه شقيقتها خارج الغرفة حيث ينتظرهما كرم ..!
دلفت نانسي خلف شقيقتها بخطوات مترددة الى صالة الجلوس لتشعر بنغزة شديدة في قلبها ما إن وقعت عينيها على شقيقها الذي يقف في منتصف المكان متحفزا وملامحه مكفهرة بشدة ..!
ما إن رفع عينيه لتقابل عينيها حتى شعرت بخفقاتها تضطرب بشدة وعادت الدموع تترقرق داخل عينيها …
تجهمت ملامحه أكثر وعيناه تنحدران نحو بطنها المنتفخة ليزفر أنفاسه متمتما بصوت منخفض كليا لم يسمعه أحد :-
” يا إلهي …!!”
شعرت نانسي بكف تقبض على كفها تضغط عليها بدعم لتنظر إلى شقيقتها فترى في عينيها الدعم الغير مشروط ….
عادت تنظر الى شقيقها بملامحه التي تصلبت كليا الآن لتهمس بصوت متحشرج ضعيف :-
” كرم …!!”
رأت الغضب والرفض صريحا في عينيه فأضافت بنفس النبرة الخافتة :-
” آسفة …”
ثم سارعت تخفض عينيها خجلا ودموعها أخذت طريقها فوق وجنتيها …
أشاح كرم بوجهه بعيدا عنها محاولة السيطرة على غضبه المتفاقم داخله بشكل يثير الخوف …
كان يجاهد للسيطرة على غضبه كي لا يتحرر من مكمنه ويبتلعها تماما …
كان يدرك إن غضبه مؤذي وسيؤذيها وهي في حالة لا تسمح له بذلك ..
كانت حاملا وهذا فقط ما يمنعه عن التصرف معها بالطريقة المستحقة …
مسح وجهه بكفيه بينما نانسي تراقبه من الخلف بعينين باكيتين ليستدير نحوها يرمقها بنظراته المحمرة وهو يخبرها بغلظة :-
” ابكي يا نانسي … ابكي كثيرا أيضا …”
همست بنبرتها الباكية :-
” آسفة حقا ..”
صاح بصوت قوي جعلها تنتفض من مكانها رعبا :-
“” علام تعتذرين ..؟! هل تعتقدين إن اعتذارك يكفي لغفران ذنوبك يا هانم .. ”
تقدم خطوتين نحوها قبل أن يتوقف مكانه يتأملها للحظة ثم يهدر بعدها :-
” مهما فعلت يا نانسي لن أغفر لك خطيئتك تلك ….”
تمتمت هايدي برجاء :-
” كرم من فضلك ..”
صاح بشقيقته الأصغر :-
” اخرسي أنت …”
عاد ينظر الى الأخرى يخبرها بغضب :-
” لا أصدق أي درجة من الاستهتار وصلتِ يا نانسي … لا يمكنني التصديق إنك نانسي شقيقتي الكبري الذي كنت أحبها وأحترمها كثيرا …”
أكمل ونظرته تحمل خيبة شديدة هذه المرة :-
” لقد خذلتني بل خذلتنا جميعا …”
شهقت نانسي باكية بعدما لم تستطع التحمل اكثر فسارعت هايدي تقبض على كفها تحاول تهدئتها حتى سارت بها نحو الكنبة وأجلستها عليه
لتجلس نانسي فوق الكنبة بوجه منخفض نحو الأرض والدموع تتساقط من عينيها بغزارة بينما تجاهد لكبح صوت شهقاتها المؤلمة …
تابعها كرم لثواني متجاهلا الألم الذي سيطر عليه للحظة وهو يراها ضعيفة الى هذا الحد ..
تجاهل ذلك الشعور المقيت وهو يخبرها بخشونة :-
” توقفي عن البكاء …”
ثم أضاف يسألها :-
” هاتي رقم شقيق زوجك … أريد رقمه حالا …”
توقفت عن البكاء بعدما سمعته لترفع وجهها بسرعة نحوه تسأله بصوت مضطرب :-
” لماذا ..؟؟”
هتف بها حدة :-
” هاتيه ولا تسألي عن شيء …”
قالت هايدي بجدية وهي تتقدم نحوه :-
” أنا لدي رقمه يا كرم … ”
نظر لها كرم بتجهم وقال وهو يخرج هاتفه من جيبه :-
” هاتي الرقم إذا …”
أخرجت هايدي بدورها الهاتف وبحثت عن الرقم لتعطيه الى كرم الذي سارع بدوره يتصل بشريف …
جاءه صوت شريف يحييه بتعجب وهو يسأله عن هويته ليسمع صوت كرم البارد المتصلب يخبره :-
” انا كرم شقيق نانسي يا دكتور .. أنتظرك أنت وشقيقك في الشقة التي تمكث بها شقيقتي والتي جلبتها أنت لها … هاته وتعال فورا يا دكتور إذا كنت تريد الحفاظ على حياة شقيقك الحقير …”
ثم أغلق الهاتف في وجهه دون إنتظار ردا ليلقي الهاتف على هايدي التي سارعت تتلقفه منه بحذر ..
وقف شريف متصلب الملامح لثواني بعدما أغلق كرم الهاتف في وجهه ليهتف بصوت ناقم على شقيقه :-
” لا سامحك الله يا صلاح على ما تفعله … متى سأنتهي من مشاكلك لا أعلم ..؟!”
ثم سارع يتصل به بعدما توقف عن إغلاق هاتفه ليأتيه صوته الناعس :-
” نعم شريف .. ماذا حدث ..؟!”
هدر شريف بصوت حاد عكس عادته :-
” أين أنت ..؟! أريد عنوانك ..!”
سأل صلاح بنبرة متذمرة :-
” ماذا حدث يا شريف ..؟! لماذا تريد عنواني ..؟!”
أجابه شريف بنفاذ صبر :-
” هناك مصيبة كبيرة حدثت ويجب أن تأتي …”
أضاف بجدية :-
” هات عنوانك فورا يا صلاح وإلا قسما بربي سأنسى إنه لدي أخ إسمه صلاح وسأتبرئ منك علنيا …”
سمع صوت زفير شقيقه الحاد يتبعه صوته الحانق وهو يخبره بعنوان الفندق الذي يمكث فيه ..
أغلق شريف الهاتف في وجهه وسارع يخرج من المنزل متجها الى العنوان الذي يمكث به شقيقه …
ما إن وصل إلى المكان المحدد حتى إتصل بشقيقه يخبره :-
” انا وصلت .. إنزل حالا …”
وبالفعل ما هي إلا دقائق معدودة حتى وجد صلاح يتقدم نحوه بملامح حانقة قبل أن يفتح الباب ويجلس جواره متسائلا بنزق :-
” ماذا حدث لتتصل بي فجأة وتتحدث معي بهذه الطريقة ..؟!”
أدار شريف مقود سيارته متحركا بها ثم أجابه :-
” عندما نصل الى هناك ستعلم ..”
سأله صلاح بتجهم :-
” إلى أين تذهب ..؟!”
هدر به شريف بنبرة جافة :-
” توقف عن الأسئلة .. ستصل هناك وتعرف …”
كتم صلاح غيظه قسرا وهو يتأفف بصمت طوال الطريق حتى لاحظ إن شقيقه يتحرك متجها الى مناطق بعيدة قليلا ليسأله بضجر :-
” إلى أين تأخذني معك يا شريف ..؟!”
تجاهله شريف وهو مستمر في قيادة سيارته حتى وجده صلاح يتقدم نحو احدى المناطق السكنية حديثة النشأة والبعيدة عن مركز العاصمة ليتوقف شريف بعد دقائق قرب احدى العمارات السكنية ..
أطفأ شريف سيارته وإلتفت نحوه يخبره بصرامة :-
” هيا إنزل …”
رمقه صلاح بنظرات متململة وهو يفتح الباب جانبه ويهبط من السيارة يتبع شقيقه الذي تقدم داخل العمارة …
هتف صلاح وهو ينظر الى شقيقه بعدما ضغط على زر المصعد :-
” أنت وضعت نانسي هنا إذا …”
تجاهله شريف ولم يرد عليه ليستفسر صلاح بإصرار :-
” لماذا أتيت بي الى هنا ..؟؟ ماذا حدث مجددا ..؟!”
دلف شريف الى المصعد بعدما فُتِحت بابه ليتأفف صلاح هذه المرة بصوت مسموع وهو يدخل وراءه …
تحرك المصعد مرتفعا الى الطابق المحدد قبل أن يتوقف هناك فتُفتح بابه مجددا ليخرج شريف منه أولا يتبعه صلاح ..
ضغط شريف على جرس الباب ليجد كرم يفتح له الباب بعد ثواني مرددا بإبتسامة متهكمة :-
” أهلا دكتور ….”
ثم مال برأسه نحو صلاح الذي تجهمت ملامحه أكثر مرددا بإستخفاف :-
“من الجيد انك إستطعت أن تأتي بصهرنا العزيز يا دكتور …”
هتف شريف بصوته الرزين :-
” يجب أن نتحدث يا كرم ونتفاهم …”
قال كرم مؤكدا حديثه :-
” بالطبع يا دكتور .. لهذا السبب أساسا طلبتك أنت وشقيقك .. ”
ثم فسح المجال لشريف الذي تحرك أولا الى الداخل ليشير كرم الى صلاح بعدها يخبره بسخرية لاذعة :-
” تفضل يا صهري .. لا تخجل منا .. في النهاية نحن عائلة واحدة .. هيا يا رجل تفضل ..”
طالعه صلاح بنظرات غير مرتاحة وهو يتحرك بخطواته الى الداخل ليغلق كرم الباب خلفه ثم يسير وراءه حيث صالة الجلوس ليصدم الجميع عندما قبض على قميص صلاح من الخلف وأداره نحوه بحركة سريعة يتبعها لكمة فوق وجهه أسقطته أرضا …
شهقت هايدي بعدم تصديق بينما إعتصرت نانسي قبضتيها بقوة والدموع تراكمت داخل مقلتيها مجددا ..
سارع كرم ينقض على صلاح مجددا قبل أن ينهض الأخير من مكانه ويضربه بقوة أكبر …
بدا صراعا غير متكافئا لوهلة فكرم كانت مستعدا جيدا لهذه اللحظة بل متحفزا كليا لها اما صلاح فالمفاجأة كانت من نصيبه …
صاحت هايدي على شقيقها الذي يضرب صلاح بلا رحمة :-
” كرم توقف …”
ثم نظرت الى شريف الذي وقف متصلبا يتابع الموقف بجمود لتهمس له بسرعة :-
” دكتور شريف .. تصرف من فضلك …”
تابع شريف الشجار بينهما ومحاولات شقيقه الفاشلة في تسديد ضربه لكرم …
تأمل وجه شقيقه النازف بجمود امتد للحظات حتى وجده يسقط ارضا مجددا يتأوه بألم بينما كرم يقف قباله يلهث بشدة …
تقدم شريف أخيرا نحو شقيقه حتى وقف جانبه فأشار الى كرم يسأله ببرود :-
” هل تشعر إنك أفضل الآن بعدما فرغت غضبك به ..؟؟”
صرخ كرم وملامحه بدت مرعبة في تلك اللحظة :-
” لم أشفِ غليلي منه بعد …”
استطاع صلاح أن يتغلب على ألم جسده وهو يقف أخيرا مواجها له فيسارع ويمسح الدماء فوق وجهه بكفه قبل أن يصيح به :-
” تضربني أيها الحقير .. سترى ما سأفعله بك …”
لكن فوجئ بشقيقه يقبض على ذراعه بقوة يمنعه قائلا :-
” توقف يا صلاح ..”
استدار صلاح نحوه يصيح بعدم تصديق :-
” ماذا يعني توقف ..؟؟ ألم ترَ كيف ضربني ….؟!”
رد شريف بهدوء مثير للإستفزاز :-
” حقه .. ”
” نعم …”
صاح بها صلاح بعدم تصديق عندما أخبره كرم بقساوة :-
” أنت لم تر شيئا بعد .. قسما بربي سأجعلك تندم على كل ما فعلته أيها النذل الحقير … ”
صاح صلاح بغضب :-
” حقا ..؟! ماذا ستفعل بعد ..؟! عليك أن تعلم إنني لو كنت نذلا وحقيرا كما تنعتني ما كنت لأتزوج من شقيقتك المبجلة ..”
اتجهت أنظاره نحو شقيقه التي كانت تجلس مكانها ترتجف كليا وهي تبكي بصمت بينما هايدي تقف جانبها تقبض على كتفها بقوة تمنحها دعما تحتاجه …
عاد كرم ببصره نحو صلاح يخبره :-
” شقيقتي سيأتي دورها هي الأخرى …لو لم تكن حاملا لتصرفت معها بالشكل الذي تستحقه …”
تحدث شريف محاولا تهدئة الوضع المتأزم :-
” من فضلك يا كرم .. ما تفعله ليس حلا أبدا .. أنت تزيد الأمر سوءا بتصرفاتك … ”
أكمل وهو ينظر الى نانسي بشفقة :-
” كلاهما أخطأ وكلاهما سيتحمل نتيجة خطئه …”
هتف كرم بغضب :-
” ليست جميع الأخطاء سواسية يا دكتور … خطأهما لا يغتفر …”
تنهد شريف ثم قال بعقلانية :-
” وما الحل يا كرم …؟! نعاقبهما وننبذهما تماما … نتبرئ منهما مثلا … ”
تجهمت ملامح كرم عندما أضاف شريف :-
” انا لا ألومك على غضبك ولكن المصيبة قد حدثت .. نحن نحاول أن ننهي الأمر دون فضائح والحمد لله كوننا ما زلنا قادرين على فعل ذلك …”
نظر بعدها الى صلاح وهو يسترسل :-
” صلاح يستحق ما فعلته به لكنه نادم وسيدفع ثمن ما فعله بكل تأكيد …”
تجاهل تغضن ملامح شقيقه برفض صريح لما يسمعه وهو يتقدم نحو الشاب الذي ما زال في بداية العقد الثالث من عمره يخبره بتردد :-
” شقيقتك كانت ستموت يا كرم .. هل تدرك معنى ذلك ..؟!”
أنين خافت صدر من نانسي التي كانت تبكي بصمت ليضيف شريف بثبات :-
” لولا رحمة الله بها كانت ستخسر حياتها وكنت ستخسرها أنت بدورك …”
أكمل متسائلا عن قصد :-
” هل كنت ستتحمل خسارتها يا كرم ..؟!”
لاحت نظرة جامدة منه إليها ليجد التوسل واضحا في عينيها الباكيتين ليشيح وجهه الى الجانب الآخر برفض فيكرر شريف سؤاله بإصرار :-
” هل كنت ستتحمل خسارة نانسي يا كرم ..؟! هل كان موتها سيرضيك ..؟! هل كان سيريحك ويخفف من وطأة غضبك …؟!”
لم يتحمل كرم سماع المزيد وهو يشعر بكل تلك المشاعر المختلطة تلح عليه ليلتفت نحو شريف مرددا بحدة :-
” يكفي يا دكتور … توقف عن طرح أسألة لا داعي لها …”
توقف عن حديثه وهو يجد نانسي تسير نحوه ببطنها المنتفخ وعينيها الحمراوين فأشاح وجهه برفض فوري تجاهلته وهي تتقدم نحوه أكثر حتى وقفت جواره تهمس له بصوتها الحزين :-
” كرم … إنظر إلي ..”
زفر أنفاسه ببطأ قبل أن ينظر بعينيه الغاضبتين فتهمس له وهي تقبض على ذراعه بتوسل :-
” أنا آسفة يا كرم .. والله لم أقصد ذلك … أعترف إنني أخطئت ومهما فعلت لن أستطيع محو خطيئتي التي سترافقني طوال حياتي لكنني أحاول أن أصحح خطأي بأي طريقة .. ”
أكملت بدموعها :-
” آسفة لإنني أخطأت بحق نفسي وحقكم لكنني أعدك إنني سأفعل المستحيل للتكفير عن هذه الخطيئة …”
قبضت على قميصه بقوة أكبر وكأنها تتشبث به وهي ترجوه :-
” سامحني يا كرم … بالله عليك سامحني … أنا عوقبت بسبب فعلتي وما زال هناك الكثير ينتظرني .. مهما حدث أنت شقيقي الوحيد وسندي الذي سأحتاجه دائما …”
تنهد كرم بتعب قبل أن ينظر الى صلاح متجاهلا شقيقته يخبره بصلابة :-
“اسمعني جيدا .. ستنفذ ما أقوله بالحرف الواحد .. حسنا ..؟!”
هم صلاح بالرفض لكنه وجد نظرات شقيقه الحادة تحذره من الحديث وهو يخبره :-
” أنت يجب أن تفعل ما سيقوله كرم يا صلاح .. لأجلك أنت ولأجل والدتك التي لن تتحمل صدمة كهذه …”
قاطعه كرم ببرود :-
” ولأجل طفليه يا دكتور …”
هز شريف رأسه بصمت ليضيف كرم ببرود :-
” سوف أحجز لكما أنت ونانسي تذكرتي سفر الى أمريكا معي … ستقضيان الأشهر المتبقية للحمل هناك … ما إن تصلان الى امريكا حتى سيصل خبر حمل نانسي بشهرين ونصف او حتى ثلاثة الى العائلتين … بعدما تنجب نانسي الطفلين ويمنحهما صلاح باشا إسمه وكنيته سيخبر الجميع إن هناك مشاكل بينه وبين نانسي وإنهما غالبا سينفصلان بعد ولادة نانسي ثم سيعلن الطلاق بعدها وتعود نانسي بالطفلين بعدما يكبران قليلا كي نتجنت التساؤلات والشكوك وأما عن إستقراركما المفاجئ في أمريكا فهذا سيدبره الدكتور شريف مع العائلة … ربما عليك أن تخترع أي عمل كاذب لشقيقك المبجل في الخارج …”
أنهى حديثه وهو يرمق صلاح بنظرات متحدية أن يرفض ما قاله بينما حسم شريف الحديث قائلا :-
” كلام كرم صحيح … سنفعل ما قلته يا كرم بالحرف الواحد فهذا الحل الأمثل للجميع والذي اقترحته أنا مسبقا …”
دلف راغب الى جناح شقيقه ليجد الأضواء مغلقة تماما والجناح مظلم كليا …
سارع يفتح أضواء المكان ليجد ملامح شقيقه تنغضن بإنزعاج قبل أن يقلب وجهه اتجاه المخدة ويرفع المخدة الأخرى ويضعها فوق وجهه من الجانب …
تقدم راغب نحوه وجذب المخدة ورماها بعيدا وهو يصيح بإسمه صوت عالي لم يؤثر بمهند الذي كان غارقا في نومه …
زفر راغب أنفاسه مرددا بضيق جلي :-
” عندما ينام مهند نحتاج الى فرقة موسيقية لإيقاظه …”
ثم انحنى نحوه يهزه من كتفه بقسوة جعلت مهند يتأفف وهو يميل بوجهه اتجاهه قبل أن يعاود ضمه أسفل الوسادة …
” هل فقدت وعيك يا هذا ..؟!”
هدر به راغب قبل أن يتجه نحو الثلاجة الجانبية الموضوعة في الجناح ليخرج منها قنينة مياه باردة ثم يعود بها ويفرغها فوق رأس مهند الذي إنتفض من مكانه بسرعة وهو يصيح بعدم إستيعاب :-
” ماذا يحدث هنا ..؟!”
أضاف وهو يستوعب وجود شقيقه أخيرا :-
” هل جننت يا هذا ..؟!”
أشار له راغب بصرامة :-
” إنهض حالا و ارتدي ملابسك كي نتحدث بعدها ..”
سأله مهند بملامح منزعجة :-
” ألم يكن بوسعك أن تنتظرني حتى أستيقظ ثم نتحدث …؟!”
هتف راغب بجدية :-
” الساعة تخطت السادسة مساءا يا مهند … متى سوف تستيقظ إن شاءالله ..؟! بعد منتصف الليل ..؟!”
عاد مهند يتأفف بصوت مسموع ليهدر به راغب أمرًا :-
” هيا يا مهند .. لا تكن باردا …”
رفع مهند الغطاء بعيدا عنه ثم نهض من فوق السرير بجسده الشبه عاري والذي لا يستره سوى شورت قصير كعادته عند النوم فتابعه راغب وهو يتجه نحو الحمام بعدما جذب بنطال بيجامته المرمي أرضا ليعاود تأمل الفوضى في جناحه بعدم رضا قبل أن يتجه نحو الكنبة ويجلس عليها واضعا قدما فوق الأخرى منتظرا إنتهاء شقيقه من إرتداء ملابسه ليتحدث معه بخصوص جيلان …
كان مهند يتجاهل حقيقة عودة جيلان الى القصر بوضوح فهو يتجنب رؤيتها بل واقعيا هو يتجنب رؤية الجميع ….
وجده يخرج بعد دقائق من الحمام وهو يرتدي بنطال البيجامة فقط ليسير نحوه وهو يجفف شعره بالمنشفة …
راقبه راغب وهو يتقدم نحوه قبل أن يرمي بجسده فوق الكرسي المقابل له وهو يردد :-
” أعذرني على تأخيري ولكنني إحتجت لحمام بارد سريع يمنحني القليل من النشاط …”
استرخى راغب في جلسته يشاهده وهو يسحب سيجارة من علبة سجائره الموضوعة فوق الطاولة ويشعلها داخل فمه ليخبره بتهكم :-
” أنت تنام أكثر مما تستيقظ يا مهند …”
نفث مهند دخان سيارته وهو يردد بلا مبالاة :-
” للأسف ..”
تنهد راغب ثم سأله بجدية :-
” هل هذه الحياة التي تنوي أن تعيشها بعد الآن ..؟!”
رمقه مهند بصمت لا يخلو من البرود ليضيف راغب :-
” النوم حتى المساء وتجاهل كل شيء وما يشبه ذلك …”
هتف مهند بجدية:-
” تحدث بوضوح يا راغب .. قل ما لديك ..”
” سأتحدث …”
قالها راغب وهو يكرر بإصرار :-
” سأتحدث يا مهند …”
أضاف يسأله :-
” ماذا قررت بشأن القادم ..؟! بشأن مستقبلك ..؟!”
رد مهند بعدم إهتمام أثار إستفزاز الآخر:-
” لم أقرر بعد …”
بالكاد سيطر راغب على غضبه من لا مبالاة شقيقه وهو يخبره بوجوم :-
” أنت في السادسة والعشرين من عمرك يا مهند ولا تعرف ماذا ستفعل في حياتك …؟؟!! هل تعي ما تقوله أم …”
قاطعه مهند بضجر :-
” أنا ما زلت أفكر في الخطوة القادمة … لا تعتقد إنني سعيد بوضعي الحالي … على العكس تماما …”
قال راغب بجدية :-
” لديك شركات العائلة بأكملها تنتظرك … ماذا تنتظر كي تدخل مجال العمل …؟؟”
أجابه مهند بصدق :-
” أنا لا أميل الى العمل في شركات العائلة وأنت تعلم …”
أخذ راغب نفسا عميقا ثم قال بمرونة جديدة عليه :-
” مالذي تريده إذا ..؟! أنت مهندس مدني يا مهند … تخصصك يناسب أعمالنا وأنت تدرك ذلك جيدا ..”
تنهد مهند وهو يعود بجسده الى الخلف مفكرا للحظات قاطعها راغب وهو يضيف :-
” وماذا عن جيلان …؟! ”
سأله مهند بحيرة :-
” ما بها جيلان ..؟!”
سأله راغب بضيق :-
” ماذا ستفعل بشأنها ..؟! جيلان تحمل طفلك أم نسيت ..؟!”
أجاب مهند :-
” بالتأكيد لم أنسَ … عندما تنجب الطفل سأتحمل مسؤوليته كاملة كما وعدتها وسأحاول قدر المستطاع أن أكون على قدر المسؤولية …”
سأله راغب بوجوم :-
” وماذا عنها ..؟! هي والدة الطفل … ”
قال مهند بتأكيد :-
” أعلم ذلك … هي والدته وستظل كذلك ولكنني سوف أعفيها من مهامها كأم له ..”
أضاف بصدق :-
” هي ما زالت صغيرة ومن حقها أن تعيش حياتها وتفكر في مستقبلها بعيدا عن مسؤولية طفل هي مجبرة عليها …”
هتف راغب بعدم تصديق :-
” هل تعي ما تقوله يا مهند ..؟! هل تعتقد إن هذا الحل المناسب ..؟!”
قال مهند بهدوء :-
” وهل يوجد غيره أساسا …؟! كما إنني لا أرى مشكلة في هذا الحل يا راغب ..!!”
قال راغب بعصبية خفيفة :-
” أنت تجرد جيلان من مسؤولياتها اتجاه الطفل لأجلها ولأجل عدم إجبارها على خوض تجربة لا تريدها بينما تتناسى الطفل نفسه وكيف ستكون حياته بدون والدته …”
هتف مهند بتجهم :-
” سيعتاد يا راغب … سيعتبر نفسه يتيم …”
قال راغب من بين أسنانه :-
” ولكنه ليس كذلك يا مهند .. ولدك ليس يتيما … بأي حق تسلبه حق أن تكون والدته جانبه …”
حدثه مهند بعدم تصديق :-
” أنا لا أفعل ذلك .. ولا أريد أن اسلب منه هذا الحق ولكن الظروف أتت هكذا … ”
أكمل بتعقل :-
” أن يعيش بدون أم أفضل بمراحل من الحياة مع أم مجبورة عليه وداخلها ترفضه ..”
” هل جيلان أخبرتك بهذا ..؟!”
سأله راغب بعد صمت قصير ليهتف مهند متسائلا بدوره :-
” ماذا تعني …؟!”
أجابه راغب موضحا :-
” يعني هل لدى جيلان علم بمخططاتك ..؟! هل هي من أخبرتك بعدم رغبتها في الطفل …؟! هل هي من قالت إنها تريد أن تعيش حياتها القادمة دون التقيد بمسؤوليته …؟!”
هز مهند رأسه نفيا قبل أن يخبره :-
” لا داعي أن تفعل .. هي ترفض وجوده وهذا يعلمه الجميع …”
” الآن الوضع مختلف …”
قالها راغب بإقتضاب ليسأله مهند بتعجب :-
” كيف يعني ..؟!”
زفر راغب أنفاسه بملل ثم نهض من مكانه ووقف جوار شقيقه الذي نظر له بتأهب ليهتف راغب بتعقل :-
” ربما رأيها تغير … لا تنسى إنه طفلها وينمو داخلها … محبتها للطفل ستتكون بشكل فطري داخلها … ستتعلق به قبل أن يولد .. ”
أضاف بتروي :-
” ولا تنسى أيضا إنها ما زالت صغيرة ولا تعي قراراتها جيدا .. ربما ستترك الطفل لك في البداية ثم تندم بعد فترة .. قرار التخلي عن طفلها لن يكون سهلا .. وربما ستجدها ندمت عليه بعد سنوات وحينها لن تسامح نفسها أبدا لإنها تركته في سنواته الأولى لوحده دونها ولن تستطيع في نفس الوقت تعويضه عن ذلك …”
سأله مهند بتعب :-
” والحل يا راغب ..؟!”
تنهد راغب ثم قال بإقرار :-
” تحدث معها يا مهند … تحدث وإفهم منها ما تريده ولا تتعجل في أي قرار .. حاولي أن تراعي صغر سنها وتشتتها وصعوبة الموقف بأكمله على فتاة في عمرها … كن حذرًا يا مهند ولكن لا بد أن تتحدث معها وتفهم منها ما تريده مبدئيا على الأقل ..”
نظر له مهند بصمت لثواني قبل أن يهز رأسه بصمت مقررا الذهاب الى جيلان والتحدث معها ..
جلست فوق سريرها بعدما وضعت الكتاب أمامها …
لاحت منها نظرة سريعة اتجاه بطنها البارزة فسارعت تخبر نفسها إنها تستطيع أن تدرس رغم حملها …
تستطيع أن تنهي سنتها الأخيرة بتفوق رغم هذه الظروف …
هي تستطيع ذلك كما أخبرها جميع من حولها …
تستطيع أن تدرس جيدا وتجلب درجات عالية في الإمتحان …
تستطيع تجاوز هذه الظروف بسلام رغما عن كل شيء …
جذبت قلمها وفتحت الكتاب وبدأت في القراءة ….
إنتهت من الصفحة الأولى لكتاب الأدب العربي وهمت بقلب الصفحة الثانية عندما شعرت بحركة لحظية أسفل بطنها جمدتها لثواني قبل أن تمد كفها المرتجف نحو بطنها المنتفخة وتلمسها بتردد ورهبة تمكنت منها …
إبتلعت ريقها بخوف بديهي بعدما شعرت بتلك الحركة الطفيفة لترتفع أنفاسها بدورها فسارعت تضع كفها فوق صدرها تحاول تهدئة أنفاسها المضطربة …
أخبرت نفسها بصوت خافت بطيء :-
” لا بأس … هذا طبيعي … الطفل يتحرك … هكذا قالت همسة …”
لحظات أخرى مرت سارعت خلالها للسيطرة على أنفاسها المضطربة حتى شعرت بنفسها تهدأ تدريجيا …
عادت تحمل الكتاب مجددا تحاول القراءة لكنها كانت مشتتة تماما رغم هدوء أعصابها عموما …
زفرت أنفاسها بضجر وهي تضع الكتاب جانبها مجددا ثم تنهض من مكانها وتتحرك داخل الجناح حتى وقفت أمام المرآة تتأمل بطنها التي يكبر حجمها مع مرور الأيام …
عادت تضع كفها فوقها تتذكر تلك الحركة التي شعرت بها رغم إنها لم تستمر سوى لحظات لا تذكر …
شعرت بقلبها ينتفض مجددا وهي تجده يتحرك من جديد فحاولت تهدئة أنفاسها وهي تخبر نفسها إن الأمر لا يستحق وإن الموضوع بسيط ولا يستدعي كل هذا الخوف منها …
زفرت أنفاسها بتعب وهي تتحرك مجددا نحو السرير حيث جلست عليه وعادت بجسدها الى الخلف ثم أغمضت عينيها و إلتزمت الصمت تماما حتى سمعت صوت طرقات على باب الجناح جعلتها تفتح عينيها بسرعة وهي تتسائل عن هوية الطارق …
ألجمتها الصدمة للحظات عندما سمعت صوته وهو الذي لم تره ولا لثانية واحدة حتى منذ عودتها الى القصر …
سمحت له بالدخول وهي تعتدل في جلستها بصعوبة قليلة عندما رأته يدلف الى الداخل فتأملت شعره القصير وذقنه الحليق بدهشة سيطرت عليها لثواني سرعان ما ابتلعتها …
” نعم …”
تمتمت بها بعينين متسائلتين لتجده يقف على بعد مسافة منها يستأذنها الحديث :-
” هل يمكننا أن نتحدث قليلا يا جيلان …؟!”
هزت رأسها بصمت رغم ترددها من الحديث معه فتنهد وهو يتقدم نحو السرير ليجلس على طرفه بينما إنكمشت هي لا إراديا في مكانها عند الطرف الآخر …
” نحن يجب أن نتحدث بشأن الطفل القادم يا جيلان .. طفلنا أنا وأنت ..”
قالها بتروي لتنظر له بصمت فيضيف هو شارحا أكثر :-
” يجب أن نتحدث بشأنه وما سنفعله بعد ولادته …”
سألته وهي تبلل شفتيها بلسانها :-
” مالذي سنفعله بعد ولادته ..؟!”
” حسنا …”
قالها وهو ينظر لها بجدية ثم يضيف :-
” لقد تحدثنا قبل هربك إذا ما تذكرين ….”
لاحظ الحيرة ترتسم على ملامحها فأضاف يمرر ما في جبعته على مسامعها كي تقرر بعدها ما تريده بوضوح :-
” أخبرتك إن الطفل مسؤوليتي وإنني لن أجبرك على ما لا تريدينه … يعني إذا كنت لا تريدين تربية الطفل وتفضلين التركيز في مستقبلك القادم ودراستك وجميع هذا وتشعرين إن وجود الطفل سيربطك به ويحملك مسؤوليات ستؤثر على حياتك القادمة فأنا سأقولها بوضوح لك يا جيلان .. يمكنك أن تتركي الطفل لي بعد ولادته مباشرة وتكملين أنت حياتك كما كانت قبل ولادته والطفل سيكون مسؤوليتي لوحدي ولن يكون لك أي علاقة به ولن تجدي نفسك يوما مجبرة على ممارسة أمومتك معه …”
حل الصمت المطبق بينهما ما إن أنهى حديثه لتطالعه بتردد لاح في عينيها فيضيف محاولا دعمها في قرارها أيًا كان :-
” أنت ما زلت صغيرة … ستدخلين الجامعة ويكون لك حياتك الخاصة … ربما أنتِ لا تفضلين مسؤولية كهذه.. ربما أنت تريدين التركيز في حياتك المستقبلية دون وجود طفل سيشكل عائقا أمام كل خطوة تخطينها … كلانا يعرف إنك لا تريدين هذا الطفل وإنك تمنيت التخلص منه مرارا ولا أحد يمكنه لومك على هذا فأنت ما زلت صغيرة وتستحقين أن تعيشي الحياة الملائمة لسنك …”
أخذ نفسا عميقا ثم أكمل :-
” نحن لا يمكنننا التراجع عما حدث لكن يمكننا تصحيح القادم … لذا سأكررها مجددا .. أنت لست مجبرة على هذا الطفل … يمكنك أن تتركيه معي و تغادري حياته دون أن تنظرين خلفك … وأعدك إنني لن أسبب لك أي مشكلة فيما بعد .. ”
تمتمت أخيرا بخفوت :-
” ولكنه صغير …. ”
سألها بحيرة :-
” ماذا تعنين ..؟!”
مدت كفها لا إراديا نحو بطنها تلمسها برقة وهي تضيف بتشتت :-
” إنه طفل صغير جدا .. مسكين .. هل يمكنني تركه وحيدا وهل سوف يستطيع هو أن يحيا لوحده دون أم …؟!”
استوعب إنها كانت تسأله ليشعر بنفسه في مأزق وهو الذي لا يجيد التعامل في هذه المواقف عموما …
سألته مجددا :-
” لماذا لا تجيب ..؟!”
حك ذقنه بحيرة ليجد الدموع تملأ عينيها فشعر بالاضطراب يغزوه لا إراديا ليسألها بتردد :-
” ماذا حدث ..؟! لماذا تبكين الآن …؟!”
جففت دموعها بسرعة ثم همست بخفوت :-
” لإنني لا أعرف ماذا أفعل …. ”
عقد حاجبيه يخبرها ببساطة :-
” إفعلي ما تريدينه …”
ثم شعر بالغباء مما يقوله ليضيف بحرج :-
” أقصد ما ترغبين به …”
ثم ما لبث أن قال بسخط :-
” يا إلهي .. لا يوجد فرق بينهما أساسا …”
ثم قال لها بتململ :-
” حسنا يا جيلان ، عليك أن تعرفي إنني لا أجيد التعامل في هذه المواقف والأهم إنني لا أجيد التعامل مع الفتيات وخاصة الصغيرات وفوق هذا لا أكترث بدموع الفتيات …”
ثم توقف مبهوتا وهو يسمع صوت نحيبها المرتفع يصدح في أجواء الجناح كطفلة صغيرة تم سرقة لعبتها منها ..
نهض من مكانه متقدما بسرعة نحوها يخبرها :-
” حسنا لا تبكي … ماذا فعلت الآن لتبكي هكذا …؟! توقفي من فضلك …”
أضاف بضيق :-
” توقفي يا جيلان .. سيعتقدون إنني سبب بكائك …”
رفعت عينيها الباكيتين نحوه ليتأمل لونيهما الأخضر الجذاب فيردد بإستغراب :-
” تمتلكين عينين جميلتين يا فتاة ..”
مسحت دموعها بأناملها وهي تقول بخفوت :-
” شكرا ….”
جلس مجددا لكن قريبا منها هذه المرة يخبرها بسلاسة :-
” حسنا يا جيلان .. الأمر لا يستحق كل هذا البكاء …”
أضاف بتمهل :-
” أنت الآن مشتتة ولا تعرفين ما تريدينه …”
هزت رأسها وهي تردد :-
” هذا صحيح …”
قال بجدية :-
” إذا ما رأيك أن ننتظر قليلا …”
سألته بحيرة :-
” ماذا ننتظر ..؟!”
قال بتعقل :-
” يعني لا تفكري في الأمر كثيرا الآن … إنتظري … ما زالت هناك حوالي أربعة أشهر على ولادتك … خذي وقتك وراجعي نفسك مرارا حتى تاخذين قرارك النهائي…”
سألته بتردد :-
” وماذا لو لم أصل الى قرار نهائي حتى بعد ولادتي …”
تنهد وهو يقول بصدق :-
” حينها سنضطر أن يتعايش كلانا مع حقيقة وجود طفل نتحمل مسؤوليته سويا وكان الله في عوننا ..”
ثم همس لنفسه بصوت لم يصل الى مسامعها :-
” وكان الله في عوني أنا إذا ما حدث وبقيت زوجتي فحينها سأتحمل مسؤولية طفلين بدل طفل واحد …”
دلف كنان الى المقهى الذي ينتظره به نديم …
خلع نظارته وهو يتحرك ببصره في أرجاء المقهى حتى وجده يجلس في طاولة جانبية ليتجه نحوه ويجلس أمامه بعدما ألقى التحية عليه ..
رد نديم التحية عليه ليهتف كنان بهدوء :-
” البقاء لله يا نديم … ”
أضاف بتمهل :-
” أنت تعرف بالطبع إنه لم يكن بإمكاني حضور العزاء …”
قاطعه نديم بجدية :-
” بالطبع أعرف يا كنان …”
سأله كنان بحذر :-
” تأكدت من عدم مراقبة أحدهم لك وأنت تدخل المقهى …”
أومأ نديم رأسه بصمت ليشير كنان الى النادل الذي أتى على الفور فيطلب منه قهوة سادة له بينما سأل نديم عما يريده و الذي بدوره طلب قهوة سادة أيضا …
تحدث كنان بعدما تحرك النادل بعيدا :-
” أنت تعلم إن عمار يراقبك … ”
” بالطبع يفعل …”
قالها نديم بجدية قبل أن يضيف :-
” متى سنتحرك يا كنان ..؟! ”
تأمل كنان ملامحه المرهقة لوهلة قبل أن يسأله :-
” أنت متلهف للتخلص منه إذا …”
قاطعه نديم بصوت قوي :-
” بأسرع وقت … ”
قال كنان وهو يسترخي في جلسته :-
” سبق و أخبرتك بما أخطط له …”
أضاف بسلاسة :-
” ما تريده لن يحدث بسهولة فأنت لا تريد إثبات برائتك فقط بل تريد الإيقاع به وكشفه أمام الجميع لتتم معاقبته كما يستحق …”
قال نديم بسرعة :-
” بالطبع .. برائتي لن تكفيني .. نعم سوف أستعيد من خلالها شهادتي الجامعية وسمعتي ولكن .. ”
توقف لوهلة ثم قال :-
” ولكن هذا لن يكفيني .. أنا أريد حقي كاملا … حق السنوات الضائعة .. ”
أطلق تنهيدة طويلة ثم أكمل :-
” كما إنك تعرف إنه بكشف عمار سيثق الجميع في برائتي ولن يستطيع أحد أن يشكك فيها أو يعتقد إنني تصرفت بطريقة ما لإستعادة برائتي ومعها سمعتي .. الجميع سيتأكد إنني بريء فعلا وقولا لإنهم سيدركون إن ما حدث ما هي إلا وسيلة حقيرة من أخي غير الشقيق والذي يكرهني ويريد تدميري …”
” أتفهمك يا نديم … ”
قال كنان بجدية قبل أن يضيف :-
” وإذا أنت كنت تريد سجنه لأعوام كرد فعل بسيط على ما أصابه بسببك فأنا لن يكفيني إلا موته …”
إهتزت حدثتي نديم للحظات وكسا الوجوم ملامح وجهه ليسأله كنان بتهكم :-
” ماذا ..؟! هل تراجعت عندما علمت إن الأمر سيصل الى هنا ..؟! هل رق قلبك ..؟!”
قاطعه نديم بحدة :-
” ماذا تهذي أنت ..؟! أنت تتحدث عن عمار … عمار الذي دمرني كليا … أنت تعلم جيدا إنني أكثر من سيسعد بدمار حياته وآخر من يتأثر بموته …”
أكمل وعيناه تظلمان تماما :-
” لم أكن يوما أريد ذلك لكن بعدما حدث تأكدت إن حياتي لن تستقيم حتى أتخلص منه تماما ناهيك عن كونه يستحق الموت بكل تأكيد … ”
سأله كنان وهو يتقدم نحوه قليلا :-
” ألن تندم فيما بعد ..؟!”
أجابه نديم بجمود :-
” كلا ، لن أندم .. ”
ابتسم كنان بهدوء ثم قال وهو يعود مستندا بجلسته على الكرسي خلفه :-
” إذا سأخبرك بشيء هام يجب أن تعرفه …”
نظر له نديم بترقب ليضيف كنان بعدما أتى النادل ووضع القهوة أمام كليهما :-
” هل تعلم إن أخيك يمتلك شركة أدوية ضخمة للغاية يديرها شخص غيره مدعيا إنه صاحب الشركة بينما عمار هو مالكها الأصلي …”
هتف نديم غير مصدقا :-
” ماذا تقول أنت ..؟!”
هز كنان رأسه بتأكيد وهو يضيف :-
” نعم يا نديم .. شركة معروفة جدا في مجال الأدوية … فتحها منذ سبعة أعوام تقريبا وهي الآن تنافس أضخم شركات الأدوية في البلاد بل في الشرق الأوسط …”
سأله نديم بتعجب :-
” ولماذا يمتلكها سرا ..؟! لماذا أعاد ملكيتها لغيره ظاهريا …؟!”
قال كنان بتفكير :-
” أعتقد إنه لا يرغب أن يفصح عن كافة ممتلاكته للجميع … عمار ذكي جدا و مراوغ جدا … هو يدرك جيدا إن لديه أعداء حوله ينتظرون الفرصة المناسبة للتخلص منه لذا يمتنع عن كشف كافة أوراقه للناس حوله … هو يكتفي بإدارة شركة والدك وأملاكه بينما يعمل سرا في شركته الخاصة والتي جعلها في ظرف سنوات من أقوى الشركات في مجال عملها دون أن يعلم أحد حتى الآن إنها ملكه هو وبالتالي إذا ما أراد أحدهم الإيقاع به وإستطاع فعل ذلك سيكون لدي عمار بديل يستخدمه ويظهره للعلن حالما يحتاج الى ذلك …”
” كيف علمت إذا بأمر الشركة …؟!”
سأله نديم بدهشة ليبتسم كنان بمكر وهو يجيبه :-
” هناك من أخبرني عن شخص ما يعرفه عمار جيدا … قالها بالصدفة البحتة فتعجبت من المعرفة التي تربط عمار بذلك الشخص …”
سأله نديم بفضول :-
” من ذلك الشخص ..؟!”
رد كنان وهو يرتشف القليل من قهوته :-
” طبيب مشهور إسمه مصطفى غانم ….”
أضاف بجدية متذكرا كيف عرف هوية الطبيب من مريم التي رأته ذات مرة وهو يعالج عمار بعدما أصيب بطلق ناري وهو يدافع عنها لتخبره عن ذلك الطبيب الذي ذهب عمار إليه خصيصا ليعالجه وقد عرف كنان الطبيب فورا :-
” أخبرني أحدهم إن هناك علاقة قوية تجمع مصطفى بعمار فقررت البحث لأتفاجئ بأن شقيق مصطفى هو مالك تلك الشركة الضخمة والغريب إنني عندما بحثت خلف مصطفى وشقيقه أدركت إنهما ليسا بذلك الثراء الذي يجعل أحدهما يؤسس شركة ضخمة كهذه فبدأت شكوكي تزداد ومع البحث تأكدت من ذلك …”
هز نديم رأسه بتفهم ثم سأله :-
” أنت سوف تستخدم أمر الشركة ضده إذا …؟!”
أومأ كنان برأسه بإيجاب ليسأله نديم مجددا :-
” ولكن كيف ..؟! هل هناك شكوك حول عمل الشركة او ما شابه ..؟!”
هز كنان رأسه نفيا وهو يخبره بإبتسامة ملتوية :-
” إطلاقا .. أعمال الشركة نظيفة تماما ولكن نحن من سنجعلها العكس ..”
ظهرت الدهشة قليلا في عيني نديم ليكمل كنان ببرود :-
صمت نديم تماما بينما أكمل كنان :-
” هذا الأمر اتركه لي .. أنا سوف أتدبره …”
أضاف وهو يسأل نديم :-
” المهم الآن هو موضوعك … إعتراف عمار الذي سوف يبرئك ويدينه في ذات الوقت ..”
سأله نديم بتعب :-
” وكيف سنحصل عليه ..؟!”
أخبره كنان ببرود :-
” أخبرتك مسبقا … كنان لديه أكثر من نقطة ضعف … أخته أولا وطفله القادم من زوجته شيرين … أنت لا عليك سوى أن تختار أحدا منهما ومن خلاله سوف نجبره على الاعتراف بكل شيءٍ للشرطة ….”
ظهر التردد من جديد في عيني نديم ليضيف كنان :-
” أراك ترددت مجددا .. على أساس إنك لن تكتفي ببرائتك بعد الآن …”
نظر نديم نحوه للحظات قبل أن يحسم أمره قائلا :-
” أنا معك يا كنان … سأفعل ما تقوله … ”
أضاف والظلام يكسوه عينيه وملامحه كليا كما كشت روحه :-
” فأنا لم يعد يكفيني إثبات برائتي وإستعادة حقي المسلوب … أريد تدميره كما فعل معي … أريده يعيش ما عشته ويجرب شعور الظلم عندما يجد نفسه محبوسا بين القضبان بتهمة لم يتركبها ولا يعلم عنها شيئا .. أريده أن يجرب شعوري … أن يجرب شعور الظلم … أن ُيعاقب على ذنب لم يقترفه .. هذا وحده ما سيخفف عني ما عشته وما زلت أعيشه بسببه …”