تحميل رواية «حبيسة قلبه المظلم» PDF
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد عدة أعوام ..” تبقى يومين وتخرج من هنا …” قالها صديقه وهو ينظر إلى ملامحه التي سيطر عليها التجهم بشدة ..” ماذا حدث ..؟! ملأ الضيق ملامحك فجأة ..؟!” نظر إليه نديم وأجاب :-” تبقى يومين يا مجد.. يومان وأخرج من هنا وأنا أعلم جيدا ما ينتظرني في الخارج ..” أردف وعيناه تنظران الى الأفق البعيد :-” هل تعلم ..؟! أحيانا أتمنى ألا أخرج من هنا … ادعو الله أن يأخذ أمانته قبل الخروج .. لم أخشَ يوما من شيء إلا إنني الآن أخشى وبشدة من المواجهة .. ” تغضن جبينه برفض :-” أخشى من مواجهة المجتمع ، الأهل والأصحاب ....
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة علي
دلفت إلى غرفتها بملامح جامدة ورغبة عارمة في البكاء تسيطر عليها.
ألقت حقيبتها على السرير بقوة ثم جلست بدورها على السرير واضعة رأسها بين كفيها تضغط على عينيها بقوة كي لا تبكي.
تشعر بألم شديد وكأنه لا يكفيها ما مرت به حتى الآن ليأتي والدها ويعزز من آلامها بفعلته هذه.
رفعت وجهها عاليا تكتم شهقاتها لكنها لم تستطع، فهطلت دموعا بغزارة فوق وجنتيها وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة لتتحرر من سجنها.
لا تعرف على من تبكي بالضبط؟ على والدتها وصدمتها بعدما تدرك زواج والدها بل وإنجابه بدل الصبي اثنين؟ أم عليها هي وأختها التي لن تتحمل صدمة كهذه في والدها؟
لا تعرف حتى إذا ما كان عليها أن تشعر بالحزن على ما يحدث أم الخوف مما ينتظرهم جميعا.
الخوف على والدتها وما سيحدث بها عندما تعلم.
ألخوف من ردة فعل مريم المتطرفة والتي تدرك جيدا إن تصرفها سيكون مجنونا حادا لا يرحم.
كيف ستجد حلا في كل هذا، بل الأسوء كيف ستتصرف في أمور عليها الانتباه لها جيدا؟
أمور تخص مستقبلها هي ومريم بعد وجود صبيين سيغيران مجرى حياتهما تماما.
كم تمنت لو بإمكانها أن تتحدث مع مريم، أن تخبرها الحقيقة وتتشاركان حزنهما وهمومهما سويا، أن تتفقان على ما سيفعلانه وكيف سيواجهان تصرف والدها.
لكنها تخشى من ردة فعل أختها وما سيؤول على ردة فعلها، لذا هي مضطرة لكتم السر داخلها والبحث عن حلول بمفردها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
نهضت من مكانها تكفكف دموعها بقوة ثم تسير داخل غرفتها ذهابا وإيابا بتفكير لا ينتهي.
ظلت على هذه الحال لمدة طويلة، تفكر وتفكر وبعض الحلول بدأت بالبزوغ أمامها.
حسمت أمرها أخيرا وحملت هاتفها تجري اتصالا مختصرا مع المحامي والذي رحب بها بحرارة، فهو دوما ما اعتبرها بمثابة ابنة له حيث يعرفها منذ أن كانت طفلة صغيرة، فهو يعمل مع والدها والمسؤول عن شؤون عمله القانونية منذ أكثر من عشرين عام.
"عمي سالم، لدي طلب بسيط منك وأريده أن يبقى سرا بيننا."
جاءها صوت سالم المرحب كعادته:
"بالطبع يا ابنتي، أخبريني ماذا تريدين."
صمتت قليلا ثم قالت:
"أريد حصرا شاملا لأملاك والدي، أريد معرفة جميع ما يمتلكه دون أن تنسى أي شيء مهما كان بسيطا."
جاء صوت المحامي المتردد:
"حسنا، هذا أمر بسيط ولكن...؟"
صمت قليلا ثم سأل:
"هل هناك مشكلة ما؟"
أطلقت تنهيدة متعبة قبل أن تجيب بجدية:
"سأخبرك بكل شيء يا عمي عندما نلتقي في مكتبك بعدما تحصر كافة أملاكه، لكن ارجوك لا تخبر أبي، من فضلك يا عمي، أنا أثق بك كثيرا ولهذا سأخبرك بكل شيء، لكن ليس الآن، سأفعل ذلك عندما نلتقي في مكتبك إن شاء الله."
جاءها صوت المحامي الحاسم:
"يومان والثالث تجدين ما تطلبينه جاهزا لك، سأنتظرك يوم الأربعاء التاسعة صباحا في مكتبي."
ردت بإمتنان:
"أشكرك عمي، أشكرك كثيرا."
أغلقت الهاتف وهي تتنهد بقليل من الراحة قبل أن تحمله مجددا وتجري اتصالا هذه المرة مع عمار الذي أجابها بصوت لا يخلو من الدهشة:
"نعم، ماذا تريدين؟"
أجابته بهدوء حازم:
"سنلتقي بعد ساعة في الشركة عندك."
سمعته يهتف بصوت هازئ:
"كأنك تأمرينني؟"
ردت بفتور:
"لدي موضوع هام معك، أعلم إن موعد إغلاق الشركة بعد ساعة لكن انتظرني من فضلك فأنا يجب أن أتحدث معك بأمر هام للغاية."
"حسنا، سأنتظرك."
قالها عمار بجدية لتغلق الهاتف في وجهه ثم تسارع وتتجه نحو الحمام تأخذ دوشا سريعا شعرت إنها تحتاجه بقوة.
خرجت بعد مدة ترتدي روب الاستحمام خاصتها لتسحب من الخزانة ملابس خروج مكونة من بنطال جينز متوسط الطول وتيشرت أخضر اللون.
سارعت ترتديهما قبل أن تجفف شعرها بسرعة وتسرحه سريعا.
تركت شعرها حرا وحملت حقيبتها سريعا بما تحتويه وخرجت تركض خارج المنزل على عجلة كي تلحق بالموعد المحدد وهي تخشى أن تتأخر عن موعدها فيغادر عمار الشركة كتصرف متوقع منه.
وصلت إلى الشركة أخيرا لتجدها خالية من جميع الموظفين فتوجهت نحو مكتب عمار الذي يبدو إنه سمح لسكرتيرته بالمغادرة أيضا.
دلفت إلى الداخل بسرعة لتجده ينظر في هاتفه باهتمام قبل أن يرفع وجهه نحوها فيهتف بتجهم:
"متأخرة اثنا عشر دقيقة عن موعدك."
تقدمت نحوه بإباء ثم جلست أمامه واضعة قدما فوق الأخرى لتهتف بجدية:
"أريد التحدث معك بشأن الشيكات الموجودة عندك والتي تحمل توقيع والدي، كم ثمن تلك الشيكات؟"
رد بنفس الجدية:
"سبعة ملايين دولار."
أضاف يتأمل ملامحها التي بهتت لحظة:
"ثروة كاملة، لا تستغربي كثيرا فوالدك خسر أكثر من صفقة في السنوات الأخيرة."
"سأطلب منك شيئا."
قالتها فجأة ليرفع حاجبه قائلا:
"ماذا تريدين؟"
ردت بنبرتها الهادئة والقوية في آن واحد:
"أخبره إن الشيكات باتت ملكا لك، وأعطيه مهلة ثلاث شهور لأجل التسديد وإلا ستبلغ الشرطة عنه."
التوى فمه بابتسامة قائلا:
"هل تنتقمين من والدك؟"
ردت بصرامة:
"ليس انتقاما بالمعنى الحرفي، هناك شيء ما أسعى إليه وتصرفك هذا سيكون البداية."
"ولماذا سأنفذ كلامك؟ مالذي يجعلني أساعدك فيما تسعين إليه؟"
سألته بتهكم مقصود:
"هل تنوي أن تبقي الشيكات معك للأبد؟"
أضافت بلهجة قوية:
"بكل الأحوال أنت تركتها عندك لغاية في نفسك، لا تنسى إنك اتفقت معي إن الشيكات مقابل تأجيل الطلاق."
رد بقوة:
"لم أقصد أن أتنازل عنها يا ليلى، بالطبع لن أتنازل عن سبع ملايين دولار، وقتها قصدي كان أن أمنح والدك الوقت المناسب للتسديد وفي المقابل سأسجنه دون تردد إذا أصريت على الطلاق."
هتفت ببرود:
"الأمر لا يفرق كثيرا، الطلاق مؤجل حتى تقرر أنت، وما أريده منك لن يؤثر عليك ولا على حقك بالشيكات أبدا، فقط أخبره إنك أصبحت تملك الحق في هذه الشيكات وهدده، لا أريد شيئا."
"من حقي أن أفهم ما تنوين عليه."
قالها بجمود لتهتف بضيق:
"ليس من حقك، هذا أمر عائلي بحت لا يخصك."
"هل فكرت جديا بكيفية تسديد الشيكات؟"
قالها فجأة لتصمت دون رد فيبتسم بسخرية ثم يقول:
"والدك سيسجن بكل الأحوال إذا لم يسدد الشيكات."
صمت قليلا ثم قال:
"لكنني لن أفعلها، على الأقل حاليا."
"أنت تخطط لشيء ما، احتفاظك بهذه الشيكات طوال المدة السابقة لغرض ما تخفيه داخلك."
ابتسم معجبا بذكائها فهي التقطت طرف الخيط ليقول بمكر يليق به:
"ما رأيك أن أساعدك؟ أساعدك فيما تخططين له بل يمكنني حتى أن أساعدك في الانتقام من والدك وزوجته، أتفهم إنك تخططين للحفاظ على أملاك والدك لكِ ولأختك وأنا بإمكاني أن أساعدك كثيرا بل بوجودي سيسهل عليك كل شيء."
"والمقابل؟"
سألته بصوت متأهب ليجيب بجدية:
"المقابل اتركيه للوقت المناسب، المهم إنني سأساعدك كثيرا بل لدي طرقي في تنفيذ ما يجول داخلك وبكل سهولة، فقط ضعي يدك في يدي وحتى أمر الشيكات سنصل لحل مشترك قد يخفف عليكِ عبء تسديد المبلغ بل ربما سأتنازل عن المبلغ كله إذا حصلت على ما أريده."
انتفضت من مكانها تهتف بقوة وشدة:
"لن أضع يدي في يد مجرم مثلك يا عمار، لقد جئت لسبب محدد، قمت به خيرا على خير، رفضت القيام به فأنت حر."
"لا تتغابي يا ليلى، لا يوجد شخص يمكنه مساعدتك مثلي، فكري جيدا، راجعي نفسك ومتى ما قبلتي ستجدينني جاهزا لفتح صفحة جديدة معك."
رمقته بنفور مرددة:
"صفحة جديدة معك أنت؟ يا له من جنون، هذا لن يحدث سوى في أحلامك."
حملت حقيبتها وانطلقت خارج المكان ليتابعها بأنظاره حتى اختفت وابتسامة خبيثة تعلو على شفتيه بينما يردد:
"سنرى يا ليلى، مهما امتنعتِ مصيرك تعودين إلي وتطلبين مساعدتي وحينها سأنال ما أريده بكل سهولة."
في صباح اليوم التالي.
لم تنم طوال الليل سوى سويعات قليلة فعقلها لا يزال يفكر منذ البارحة بعرض نضال والذي جاء في وقت غير مناسب إطلاقا، فهي مشتتة بما فيه الكفاية ولا ينقصها أن يأتي شيئا كهذا ليضاعف حيرتها وتشتتها.
كانت تجلس بنصف جلسة على سريرها تنظر إلى السقف بتفكير.
تفكر في وضعها مع نديم الذي لم يتصل بها منذ يومين بشكل أثار تعجبها وهو الذي اتصل بها مرارا ليوم كامل بعد ما حدث بينهما في المطعم بل واستمر في إرسال الرسائل لها لينقطع فجأة عنها بشكل مريب.
تفكر من جهة أخرى بنضال وعرضه فتتذكر تلك الميزات التي أخبرها عنها والتي ستحصل عليها إذا ما وافقت على إكمال دراستها في كندا.
لا تعرف لماذا هناك شعور داخلها غير مستساغ تجاهه، تشعر به مريبا.
اهتمامه غريب ومريب جدا وهو الذي يتعامل ببرود مع والده وحنين بل ويتجاهل والدتها تماما، فلماذا يهتم بها ويسعى لمساعدتها بل وتقديم عرض مهم لها كهذا لا يحصل عليه أيًا كان؟
تذكرت صمت حنين الغريب وعدم تعليقها على عرضه حتى بعدما خرجتا من المطعم سويا بعدما أخبرت نضال إنها ستفكر في الأمر بجدية وستحتاج إلى وقت لحسم قرارها لتتفاجئ بحنين تلتزم الصمت قبل أن تتحدث معها في مواضيع مختلفة متجاهلة هذا الموضوع مما جعلها هي الأخرى لا تتطرق إليه.
تنهدت بتعب من كل ما تعيشه وتمنت لو تعود أشهر قليلة إلى الوراء حيث كل شيء كان بسيطا يسير على نحو هادئ وإن كان رتيبا.
نهضت من مكانها وقررت أن تتناول فطورها قبل أن تنظف المنزل ثم تتصل بمي تسألها عن أحوالها وآخر أخبارها فهي انشغلت عنها في الفترة السابقة وتحديدًا منذ مرض والدتها.
جهزت فطورا بسيطا وتناولته سريعا ثم بدأت تنظف المنزل حيث انتهت من تنظيفه وترتيبه بعد حوالي ساعتين لتجري اتصالا مع مي استمر لأكثر من نصف ساعة حيث تحدثتا عن الكثير من الأمور قبل أن تتفقا على اللقاء مساء الغد حيث فضلت حياة أن تخبرها عن أمر المنحة وتأخذ رأيها وجها لوجه.
مرت ساعة أخرى قضتها في متابعة أحد الأفلام على التلفاز عندما رن هاتفها لتتفاجئ به يتصل بها أخيرا.
نظرت إلى الهاتف بتردد قبل أن تحسم أمرها وتجيبه فتجاهله كما فعلت قبل يومين ليس حلا أبدا.
شعرت بصوته يحمل القليل من الإرهاق وهو يسألها برتابة:
"كيف حالك؟"
ردت بخفوت:
"بخير، وانت؟"
أجاب بجدية:
"بخير."
أضاف بلهجة شعرت بها تحمل القليل من التهكم لكنها أنكرت ذلك:
"يبدو إنك غضبك مني بدأ يخف أخيرا."
وقبل أن تجيب كان يتسائل بنبرة بدت لها غريبة:
"ولكن كيف خف غضبك مني؟ هل الوقت ساعد في ذلك أم هناك من تسبب في تهدئة روحك الغاضبة؟"
سألته بدهشة:
"ماذا تقصد؟"
سمعته يتنهد بقوة قبل أن يهتف بجدية:
"أريد رؤيتك ولا ترفضي من فضلك."
ردت بحزم:
"لن أرفض."
قال بسرعة:
"إذا سنلتقي في المقهى القريب من الصيدلية التي تعملين بها."
"حسنا."
قالتها بهدوء قبل أن تغلق الهاتف وهي تنظر أمامها بتعجب من حديثه الذي بدا لها غير عفوي بالمرة.
نهضت وكانها مقررة تبديل ملابسها والذهاب لرؤيته.
وصلت إلى المقهى بعد حوالي ساعة لتجده يجلس على إحدى الطاولات المنعزلة يطرق على سطح الطاولة بإصابعه بحركة بدت لها تدل على توتره.
تقدمت نحوه وجلست أمامه بعدما وضعت حقيبتها على الطاولة وهي تهتف:
"مساء الخير."
أجاب بجدية:
"مساء النور."
وجدته يتأملها بصمت للحظات قبل أن يقول:
"هل ما زلت غاضبة مني؟"
ردت بفتور:
"ألا يحق لي؟"
فوجئت به يخرج علبة سجائر من جيبه ثم يسحب إحدى السيجارات ويشعلها ثم يبدأ في بتدخينها.
"منذ متى وأنت تدخن؟"
رد بنبرة عادية:
"منذ دخولي السجن، أدخن على فترات متقطعة."
هتفت بخفوت:
"لا تفعل، إنه ضار جدا."
منحها ابتسامة باهتة ورد بنبرة غريبة:
"أنتِ تأمرين يا دكتورة."
عقدت حاجبيها تسأله:
"ما هذه اللهجة؟"
سألها وهو ينفث دخان سيجارته:
"ما بها لهجتي؟"
"لهجتك غريبة بل أنت تبدو غريبا تماما يا نديم."
قالتها بصدق ليطفئ سيجارته في المنفضة بعنف قبل أن يقول:
"أنا طبيعي للغاية ولا يوجد بي شيئا غريبا لكن يبدو إنك من بدأتِ تنتبهين إلى أشياء لم تكن واضحة أمامك مسبقا."
سألته بصوت متحشرج:
"ماذا تقصد؟"
رد بجدية:
"هل تذكرين حديثنا يوم قررت قطع علاقتي بك يا حياة؟ ذلك الحديث الذي جمعنا أمام باب المطعم حيث أخبرتك بوضوح إنني لست كما ترين، إنني مختلف تماما عن الشخصية التي تتخيلنني عليها أو ربما تتمنين أن تجديني عليها. أخبرتك ما فعله السجن بي وما أصبحت عليه، أخبرتك إنك ستتعبين وتعانين والكثير، الكثير يا حياة، لكنكِ لم تأبهي بل تمسكتِ به، تمسكتِ بقوة منحتني الأمل مجددا بل جعلتني أشعر إنني وجدت فيكِ امرأة حياتي، المرأة التي ستضيء حياتي البائسة بنورها."
شحبت ملامحها وهي تسأله بصوت يحمل بين طياته بحة باكية:
"لماذا تخبرني بهذا؟ مالذي تقصده من حديثك يا نديم؟ هل تقصد إنني لم أكن على قدر توقعاتك؟"
"نعم."
قالها بقوة ونبرة حادة لتتجمد ملامحها تماما بينما أكمل هو بملامح متحفزة ونبرة قوية:
"نعم يا حياة، هل تعلمين لماذا؟"
منحته نظرة متسائلة بعينيها الدامعتين ليسترسل بنبرة جافة:
"لأنك هربت من أول مطب، خاصمتني من أول خطأ غير مقصود، فقط لإنني تفوهت بجملة جرحتك بها دون أن أنتبه لتقرري معاقبتي بل تجاهلي تماما، منعتني حتى عن حقي بالتبرير والاعتذار، اخترت التجاهل والهروب ونسيت إنني حذرتك مرارا مني ومن ظلامي. جملة بسيطة غير مقصودة كانت كافية لردم ما بنيته من آمال عليك، تصرفك يا حياة جعلني أدرك إنك لن تتحملي وضعي ولن تستوعبي مقدار الألم داخلي، لن تستوعبي ما مررت به ولا تجربتي وما تركته من أثر داخلي لن يزول حتى آخر العمل."
أضاف بلهجة مريرة متأملا إياها وهي تمسح عينيها بأطراف أناملها:
"المشكلة إنني وثقت بك، ظننت إنني سأجد بك الملاذ الذي سيخفف من أعباء الماضي علي لأتفاجئ بتصرفك هذا في أول مشكلة حقيقية واجهتنا والأسوأ إنني لا أجد المشكلة بهذا الحجم الكبير لتستحق ما فعلتيه، لقد خذلتني الحياة يوما يا حياة وعندما ظننت إنني وجدت بك العوض خذلتني بدورك."
أنهى كلماته ليتأمل ملامحها التي احتقنت تماما وهو يدرك جيدا إنها تريد البكاء الآن أكثر من أي شيء.
كانت تجلس على مكتبها وهي تحرك قلمها بحركة رتيبة على إحدى الورقات البيضاء.
تتذكر حديثها مع أخيها ورفضه القاطع لعلاقتها مع فراس ورغم إنها هي الأخرى كانت تنوي قطع أي تواصل لها معه لكن رفض نديم بذلك التعنت آلمها بشكل أزعجها.
أطلقت تنهيدة قصيرة وهي تتأمل حقيبتها حيث يوجد الطقم الذي أهداه لها داخلها.
لقد تواصلت معه من خلال رسالة قصيرة تخبره بضرورة مقابلته ظهر اليوم في نفس المطعم الذي تقابلا به قبل أيام قليلة وهاهي تنظر إلى عقارب الساعة بشرود تنتظر حلول الوقت المنتظر لمغادرة الشركة والذهاب لرؤيته.
جاء الوقت المنتظر أخيرا لتحمل حقيبتها وتسارع في الخروج من الشركة حيث ركبت سيارتها متجهة إلى المطعم الذي سيلتقيان به.
ركنت سيارتها في كراج المطعم ودلفت إلى هناك لتجده يجلس على إحدى الطاولات فشعرت قلبها يخفق فجأة بشكل غريب.
تقدمت نحوه بخطوات مترددة ليشعر بقدومها فيرفع وجهه نحوها ويمنحها ابتسامة مرحبة أبرزت وسامته الرجولية المميزة.
لم تستطع أن تبتسم فاكتفت بتحية باردة وهي تجلس أمامه.
اختفت ابتسامته تماما وهو يلاحظ جمودها الذي عادت إليه معه بعدما ظن إن تعارفهما المرة السابقة سيجعل علاقتهما تتطور تدريجيا.
تابعها وهي تفتح حقيبتها وتخرج منه علبة عرفها جيدا.
وضعت العلبة أمامه دون حديث ليرفع حاجبه متسائلا بدهشة:
"ما معنى هذا الآن؟"
هتفت بجدية:
"هذه هديتك، أعيدها لك فأنا لا يمكنني قبول هدية من شخص غريب لا أعرفه."
ألقى نظرة عابرة على العلبة ثم عاد ينظر إليها بعمق محاولا سبر أغوارها قبل أن يقول بصوت هادئ جاد:
"ظننت إننا تعارفنا بعد الحديث المطول الذي جمعنا ذلك اليوم."
ردت ببرود مقصود:
"ذلك مجرد حديث وانتهى، واقعيا أنت لا تمثل أي شيء في حياتي كي أقبل هدية منك وخاصة هدية ثمينة كهذه."
"لكنك قبلتيها في البداية."
قالها بجدية لتجيب بثبات محاولة اخفاء حرجها:
"كان تصرفا خاطئا مني وعندما راجعته أدركت إنه عليه تصحيحه."
"لماذا لا تخبريني بصراحة عما يحدث؟"
ردت بجفاء:
"أخبرتك، لا يوجد أي قرابة بيننا تجعلني أقبل منك هذه الهدية."
ابتسم بهدوء قبل أن يقول بجدية لا تخلو من الجرأة:
"كل هذا لإنني مطلق ولدي طفل."
اندهشت ملامحها من جرأته ليحافظ على ابتسامة وهو يكمل:
"لا تنظري إلي هكذا، كنت أدرك جيدا إن معرفتك لهذا الأمر ستغير مجرى الأمور."
تأملها بصمت وملامح جامدة فوجدته يسترسل بهدوء بعدما اختفت ابتسامته:
"أتفهمك جيدا يا غالية ولا ألومك على أي تصرف او ردة فعل منك."
ابتسم بخفة وأضاف:
"انت فتاة جميلة، عزباء لم يسبق لك خوض تجربة الزواج، من حقك أن تبحثي عن شريك حياة مثلك لم يسبق له الزواج بل ولديه طفل أيضا."
قررت غالية التحدث أخيرا فقالت بصوت جاد وصراحة مطلقة:
"نعم، ما تقوله صحيح، هذا الأمر مرفوض بالنسبة لي، ليس لي فقط بل لعائلتي أيضا."
أكملت بصوت هادئ لكن حازم:
"علاقة كهذه لا تناسبني."
اومأ برأسه ثم قال بجدية:
"ولكنني أريدك."
صمت متأملا ملامحها المدهشة ليضيف بثقة:
"اريد الزواج منك يا غالية وانا أعلم جيدا إنني أكثر من يناسبك مثلما أعلم إن لا أحد في هذا الكون سيحبك ويهتم بك ويرعاكِ مثلي، انا لست أنانيا كما تظنين، انا فقط أدرك إنني سأعتني بك جيدا وسأحافظ عليكِ دائما وأبدا، صدقيني يا غالية، ما ستجدينه معي ليس مضمون أن تجديه مع آخر غيري حتى لو كان عازبا مثلك، انا أحبك وأريدك، انت لا تدركين مكانتكِ عندي يا غالية، أنتِ بالنسبة لي أغلى مما تتصورين، أغلى بكثير وانا أريد أن أكون الزوج الذي يسعدك ويحبك دائما وأبدا."
ابتلعت ريقها وقد سيطر التوتر على ملامحها وقد شعرت بكلماته تخترق قلبها تماما.
كلماته كانت تؤلمها بقوة وتمزق روحها دون رحمة.
لا تصدق إنه يتحدث عنها هكذا ويرى إنها خذلته لهذه الدرجة.
ابتلعت غصتها داخل حلقها وحاولت التحكم بدموعها عندما قالت بصوت خرج متحشرجا:
"أنت تظلمني كثيرا يا نديم."
أضافت بجدية:
"تلك الجملة التي ترى إنها لا تستحق كل هذه الجلبة تخص أكثر موضوع حساس بالنسبة لي وانت تدرك ذلك."
هتف بسرعة وغضب مكتوم:
"ولماذا قلت تلك الجملة؟ هل تفوهت بها دون سبب؟ هل قلتها دون مناسبة؟ انا تحدثت بهذه الطريقة بسببك، بسبب عنادك وتأجيلك لموضوع ترك منزل والدتك."
ردت تدافع عن نفسها:
"أخبرتك إنني سأفعل، سأغادر في أقرب وقت لكنك لم تنتظر فبدلا من أن تستوعب أسبابي قررت أن تقسو علي في حديثك."
أكملت وعيناها تذرفان دموع القهر:
"كلامك جرحني يا نديم حتى لو كان بغير قصد وانا كل ما أردته هو الانفراد بنفسي قليلا بعدها، لم أرغب بالتواصل معك قبل أن أهدأ، أين أخطأت أخبرني؟ ألا يحق لي أن أنزعج منك؟ ألا يحق لي أن أعيش حزني قليلا بسببك؟ هل تجاهلي مكالماتك ليوم واحد أصبح تصرفا سيئا لدرجة الخذلان؟"
"كل شيء حدث بسبب إصرارك على عدم مغادرة منزل زوج والدتك، عنادك هو من أغضبني يا حياة وانت ترفضين طلبي بتعنت غريب."
ردت بقوة:
"لقد غادرته يا نديم، غادرت منزل زوج والدتي منذ يومين، غادرته لإنني كنت أنوي ذلك من الأساس، غادرته بعدما تشاجرت مع والدتي وتحدثت معها بطريقة قاسية فعدت بعلاقتي معها إلى نقطة الصفر."
سيطر الجمود على ملامحه بعدما سمعه بينما أكملت هي بجدية:
"هل ارتحت الآن؟ هل رضيت عني؟ لكن عليك أن تفهم إنني غادرت المنزل بسبب عدم شعوري بالراحة بعيدا عن منزل والدي وليس لأي سبب آخر."
سألها بسخرية:
"هل من الصعب عليك أن تغادري لأجلي؟ هل يصعب عليك لهذه الدرجة تنفيذ شيء أردته منك؟"
أجابت بجدية:
"عندما تطلب مني شيئا مقنعا سأسارع لتنفيذه."
"أخبرتك إن وجودك مع ذلك الشاب غير مقبول بالنسبة لي، ألا ترين الأمر يستحق أن تنفذي طلبي؟"
سألته بضيق:
"أنا لا أفهم سبب ضيقك لهذه الدرجة منه؟"
"لإنه لا يعجبني."
قالها بجدية لتسأله بدهشة:
"لماذا؟ مالذي فعله كي لا يعجبك؟"
أجابها بضيق خفي:
"لا أرتاح لوجوده أبدا."
"على العكس تماما، أنا أرى إنه شاب محترم."
قاطعها بتهكم:
"تعرفينه منذ يومين وقررتِ إنه شاب محترم وجيد وغيره، ماذا بعد؟"
سألته بتجهم:
"ماذا تريد بالضبط؟"
أجابها بحزم:
"لا تتواصلي معه."
اعترضت بجدية:
"لن أفعل، هو لم يفعل شيئا يجعلني أقطع علاقتي به، كما إن علاقتي به ليست عميقة إلى هذا الحد."
هتف بنفاذ صبر:
"طالما هي كذلك، لماذا ترفضين ما أطلبه منك؟"
ردت بسخط:
"لإن ما تطلبه غير مبرر ولا أجد سببا مقنعا له."
أشاح وجهه بضيق وأعصابه بلغت أوجها وهو يشعر بالحنق والغضب من ذلك الشاب الذي يرى في عينيه نظرات نحوها لا تعجبه إطلاقا.
قالت حياة بهدوء وترو:
"نديم، انا لا يجمعني به أي شيء، أساسا لم أكن لأعرفه لولا إنه ابن زوج والدتي، تعرفت عليه بفعل هذه القرابة وهو محترم حقا و."
توقفت عن حديثها وهي ترى عينيه المشتعلتين تنظران إليها بغضب شديد لتزم شفتيها بعبوس وهي مصرة داخلها على عدم تنفيذ ما يريده فالشاب لم يصدر منه أي تصرف سيء بل على العكس تماما يبدو لطيفا للغاية ويكفي إنه قدم لها فرصة العمل في أكبر شركات الأدوية في البلاد بل قدم لها عرض المنحة أيضا.
وجدته يميل نحوها قليلا يهتف بصوت قوي متصلب:
"لقد رأيتك معه ذلك اليوم، عندما هبطتِ من سيارته ولحقك هو، رأيت نظراته يا حياة، نظراته نحوك ليست عادية، أنا لا أصدق إنك لم تلاحظي، أنت أذكى بكثير من ألا تلاحظي ما تحمله نظراتك نحوه."
سيطر الوجوم على ملامح وجهها لتهز رأسها نفيا محاولة الإنكار:
"مستحيل، انت تفكر بشكل خاطئ، ثانيا كيف ومتى رأيتني؟"
ضحك مرددا بسخرية:
"جئت لمنزل زوج والدتك لأجل التحدث معك ومصالحتك لأصل بنفس الوقت الذي وصلتما أنتما به فأتفاجئ بك تهبطين من سيارته بكل أريحية ثم يلحقك هو ويتحدث معك بشكل حميمي بل يبتسم لك بطريقة مليئة بالاهتمام والإعجاب فتبادلينه أنت ابتسامته تلك بأخرى خجول."
"لهذا لم تحاول التواصل معي بعدها؟"
سألته بعدم تصديق ليهز رأسه وهو يضيف:
"غادرت المكان فورا وأنا بالكاد أسيطر على نفسي وأتجاهل غضبي مما رأيته."
"نديم ارجوك، نضال يدرك إننا بحكم المخطوبين ولا يمكن أن يفكر بي بهذه الطريقة."
صاح بصوت منفعل:
"بل يفكر."
انتبه لصوته العالي فحاول التحكم بعلو صوته وهو يقول:
"يفكر وكثيرا ايضا، انا رجل مثله يا حياة، انا أستطيع قراءة نظراته وحركاته معك، لا تنسي ذلك."
ابتلعت ريقها بتوتر وشعرت بالتوجس من كلماته خاصة عندما تذكرت عرض المنحة الذي قدمه لها لتهمس بخفوت:
"هل يعقل إن عرضه ذاك ليس بدافع الدعم والمساعدة كما ظننت؟"
سألها وقد سمع همسها:
"تقصدين عرض العمل في شركة الأدوية."
تنهدت مقررة إخباره فهي قررت منذ البارحة أن تخبره بعرض المنحة فرغم كل شيء هو خطبها رسميا وهي وافقت ومن حقه أن يعلم بالعرض أيا كان قرارها بعده.
غمغمت بصوت خافت مضطرب:
"لقد عرض علي الحصول على منحة من الدولة للسفر إلى كندا وإكمال دراستي هناك."
توقفت عن إكمال حديثها وهي تلاحظ جمود نظراته بطريقة جعلتها تدرك إنها اختارت التوقيت الخطأ وإن صراحتها المعتادة لن تفيدها هذه المرة.
تلك النيران المشتعلة داخل عينيه أنبأتها بردة فعل قاسية غير مستحبة قد تهدم كل شيء في لحظة تهور وهي التي باتت تدرك إن ردود أفعاله تبدو متطرفة أحيانا.
سارعت تقبض على كف يده تمنحه نظرة خاصة وصوتها الهادئ يخترق مسامعه بحنو:
"لا تغضب من فضلك، أنا أخبرتك بهذا الأمر لإنك يجب أن تعلم ولإننا يجب أن نتحدث سويا ونتناقش بهدوء."
بالكاد سيطر على انفعاله المحتوم ولمسه يدها الناعمة مع دفء نبرتها منحه القليل من الهدوء الذي كان يحتاجه بقوة.
أطلق تنهيدة عصبية واضحة قبل أن يردد بسخرية تحمل خلفها الكثير:
"ماذا تتوقعين مني أن أقول؟ ماذا يجب أن يكون رأيي برأيك؟"
أضاف وعيناه تلمعان بقوة:
"لكن ما تقولينه يؤكد رأيي، يؤكد وجهة نظري به، نضال هذا يخطط لشيء ما، أنا واثق من هذا."
هتفت بصوت خافت لكنه مسموع:
"في الحقيقة أنا أيضا بدأت أشك بتصرفاته، اهتمامه غريب قليلا."
"بل غريب جدا."
قالها بتهكم لتنظر إليه بصمت دون حديث فيسألها:
"أنت تدركين مدى أهمية عرضه هذا، أليس كذلك؟"
أومأت برأسها دون رد ليترسل بجدية:
"وطالما إنك أخبرتني بالأمر فهذا يعني إنك لن ترفضي بل تدرسين العرض جيدا وربما توافقين."
قالت بتأني:
"أنا أحاول أن أصل معك لقرار مناسب."
"معي أنا؟ هل تمزحين؟"
قالها ساخرا لتسأله بحزن:
"لماذا؟"
رد بجدية:
"الأمر لا يحتاج إلى نقاش، ولا يحتاج إلى تدخلي لإنه قرار يخصك وحدك."
"ولكننا سويا."
قالتها بتردد ليهتف بجمود:
"من المفترض إننا كذلك ولكن بعد الآن قرارك سيحدد إذا ما سنبقى سويا أم لا."
"أنت تقصد؟"
قاطعها بقوة:
"الأمر لا يحتاج إلى تفسير، سفرك إلى الخارج سيكون عائقا في وجه ارتباطنا."
أضاف بلهجة أكثر هدوءا:
"أنا لن أجبرك على البقاء معي، لست أنانيا لأقف في طريقك، سأترك الخيار لك."
"أنت تخيرني بينك وبين السفر إذا؟"
سألته باضطراب ليومئ برأسه وهو يقول بجدية:
"بالطبع، سفرك يعني إنهاء كل شيء بيننا، كما أخبرتك منذ لحظات، أنت يحق لك التفكير في مستقبلك وتفضيله على أي شيء وأنا في المقابل يحق لي أيضا أن أقرر إنهاء كل شيء في حالة سفرك لإن علاقتنا حينها وكل طرف منا في بلد مختلف لا معنى لها."
هزت رأسها متفهمة تردد بخفوت:
"معك حق."
تلاقت أعينهما بنظرات طويلة قبل أن يشيح نديم وجهه بعيدا وشعور مليء بالخيبة سيطر عليه فهو يبدو إنه فقدها بشكل أسرع مما يتصور.
كانت تقود سيارتها بملامح لا تخلو من الانفعال وهي تتذكر كلماته بل ثقته بكونها ستتعاون معه.
الحقير يظن إنها من الممكن أن تتفق مع مجرم مثله.
رنين هاتفها أيقظها من أفكارها العصيبة فجذبته تحمله لتتفاجئ بغالية تتصل بها.
"أهلا غالية."
رحبت بها ليأتيها صوت غالية المتردد بعد رد التحية:
"هل يمكننا التحدث قليلا يا ليلى؟ يعني نلتقي في مكان ما ونتحدث."
"بالطبع، هل تأتين إلى المنزل عندنا أم تفضلين مكانا عاما؟"
سمعت غالية تجيب بسرعة:
"مكان عام سيكون أفضل بالطبع."
أضافت غالية:
"سأرسل لك موقع المطعم الذي سأنتظرك به الآن."
"حسنا ستجديني عندك حالا."
قالتها ليلى ثم أغلقت الهاتف وهي تتنهد بتعب مفكرة إن لا مزاج لها للتعامل مع أحد حاليا لكن صوت غالية المتردد المضطرب قليلا على غير العادة جعلها تدرك إن هناك شيء هام يخصها وعليه لم تستطع الرفض.
أنبأها اهتزاز هاتفها بوصول الرسالة التي تحوي عنوان المطعم فسارعت تفتحها ثم تقود سيارتها متبعة المكان المحدد.
وصلت أخيرا إلى هناك لتجد غالية تنتظرها بملامح رغم صمتها بدت غير مرتاحة أبدا.
حيتها لترحب غالية بها قبل أن تجلس أمامها فتشير غالية إلى النادل الذي أخذ طلباتهما ثم انسحب لتسأل ليلى بسرعة واهتمام:
"ما سبب هذا الاتصال المفاجئ والرغبة في رؤيتي؟"
ردت غالية بصدق:
"أحتاجك ليلى، في الحقيقة أنا أحتاج شخصا أتحدث إليه وأخبره بما يحدث معي ولم أجد من هو أفضل منكِ ليفعل ذلك."
أضافت بتعب:
"أنا تعبت من التفكير وبحاجة لشخص ما يساعدني على الوصول إلى القرار الصحيح، انت اكثر شخص أثق به حاليا لذا سأخبرك بكل شيء."
"كلي آذان صاغية لك."
قالتها ليلى بجدية لتتنهد غالية بصمت ثم تقول بصوت هامس:
"ذلك الشاب، فراس، هل تتذكرينه؟"
تغضنت ملامح ليلى بتفكير قبل أن تقول:
"الشاب الذي تغزل بك أمام المصعد و."
قاطعتها غالية:
"نعم هو بنفسه."
"ماذا حدث؟ هل التقيته مجددا؟"
أومأت غالية برأسها ثم أخبرتها عن لقاءاتهما المحدودة حيث أخبرتها عن زيارته لها في مكتبها واعتذاره عن تصرفه الوقح ثم إرساله ذلك الطقم الماسي الثمين كهدية لها بمناسبة ميلادها وأخيرا لقاؤهما في المطعم.
"اكتشفت إنه مطلق ولديه طفل أيضا."
قالتها غالية أخيرا تنهي حديثها لتتطلع ليلى إليها بصمت قبلما يقترب النادل منهما ويضع كوبي العصير أمامهما.
ابتعد النادل أخيرا لتهتف ليلى بجدية:
"حسنا هو مطلق ولديه طفل، وانتِ بالطبع تجدين في هذا مشكلة كبيرة."
قالت غالية بسرعة:
"بالطبع."
أضافت بجدية:
"وضعه كمطلق ولديه طفل لا يناسبني، ولا يناسب أمي ونديم."
"أنت تتحدثين وكأنه تقدم لخطبتك؟!"
قالتها ليلى بقليل من الاستغراب لتسمع غالية بجدية:
"لقد عرض الزواج علي فعلا منذ ساعة حيث طلبت رؤيته لأعيد الهدية له كما أوصاني نديم وكي أقطع أي تواصل به."
"وهو بالطبع أدرك السبب."
قالتها ليلى بسخرية لتومأ غالية برأسها ثم تقول:
"أخبرني إنه يحبني ويريدني، أنه أكثر من سيسعدني، وإن طلاقه وطفله لن يشكلا عائقا أمامنا."
صمتت قليلا ثم سألت بحيرة:
"أخبريني ما العمل يا ليلى؟ وما رأيك بكلامه وإصراره علي؟"
"هل تحبينه؟"
سألتها ليلى فجأة لتبهت ملامح غالية كليا للحظات قبل أن ترد بتلعثم:
"الوصف الأقرب هو إنني معجبة به."
قالت ليلى بجدية:
"طالما الأمر مجرد إعجاب ومشاعرك لم تصل إلى مرحلة الحب بعد فارفضيه، مالذي يجبرك على التورط مع رجل في مثل وضعه طالما إنك لا تحبينه بالمعنى الحرفي؟"
منحتها غالية نظرة غير مقتنعة فسألتها ليلى بجدية:
"لماذا تنظرين إلي هكذا؟"
سألتها غالية بجدية:
"لو كنتِ مكاني ماذا ستفعلين؟"
صمتت ليلى قليلا في سؤالها قبل أن تجيب بجدية:
"سأتصرف حسب مشاعري، إذا كان الأمر مجرد إعجاب برجل جذاب ووسيم ومميز فسأقطع أي تواصل لي معه وأنهي إعجابي هذا في مهده."
"وإذا كنت تحبينه؟"
سألته غالية بفضول واهتمام شديد فتبتسم ليلى بهدوء وتجيب:
"سأمنح نفسي الفرصة للتعرف عليه عن قرب، سأكتشف طباعه وشخصيته ومدى قدرتي على الارتباط برجل مثله وبالطبع سأحاول التعرف على طفله كي أرى مدى قبوله لي والأهم سأتأكد من عدم إمكانية رجوعه لطليقته وانتهاء كل شيء بينهما تماما، يعني لن أنسحب فورا دون أن أحاول لكن سأحاول بتأني دون اندفاع."
هزت غالية رأسها بتفهم بينما ابتسمت ليلى بخفوت وهي تردد داخلها:
"يبدو إنك وقعتِ في الحب أخيرا يا غالية، لكن هل يستحق فراس مشاعرك وحبك له؟"
كانت تجلس على فراشها كعادتها داخل غرفتها الصغيرة تفكر في الحديث الذي جمعهما سويا.
تراجع كل ما دار بينهما وتذكر نفسها بكل كلمة قالها.
لقد اتهمها بكل صراحة إنها خذلته والغريب إنها تشعر إنها بالفعل قامت بذلك.
لقد حذرها منه، حذرها وأخبرها بمخاوفه مما ينتظرها من شخصيته الجديدة بعد خروجه من ذلك السجن المظلم.
وهي بدورها أخبرته إنها لا تهتم وستكون معه، عونا له، وستتقبله.
كلماته جرحتها نعم لكن كان عليها أن تتذكر تحذيراته لها وتنتبه على تصرفاتها وطريقة معالجتها للأمور بشكل أفضل.
أغمضت عينيها بتعب وعقلها يوازن الأمور مجددا.
عرض نضال جاء في وقت عصيب غير مناسب على الإطلاق.
زفرت أنفاسها بتعب وهي تحاول أن تنظم هذا الكم من الأفكار المزدحمة داخل رأسها عندما سمعت صوت رنين جرس الباب فنهضت من مكانها تسارع لفتحه لتجد حنين أمامها تبتسم لها بخفة قبل أن تدلف إلى الداخل بعدما حيتها.
رحبت بها حياة وجلستا تتحدثان سويا لمدة من الزمن قبل أن تسمع حياة أختها تقول بتردد:
"هناك شيء ما يجب أن نتحدث به."
"بخصوص نضال، أليس كذلك؟"
سألتها حياة بجدية لتومأ حنين برأسها ثم تقول:
"أنا لا أشعر بالراحة إطلاقا ناحية تصرفاته."
صمتت حياة ولم ترد بينما أضافت حنين تشرح وجهة نظرها:
"بالتأكيد أنت لاحظت طبيعة علاقة نضال معنا جميعا، نضال لا يتحدث مع والدتي نهائيا، يعتبرها غير موجودة من الأساس، وأنا فلم تجمعنا يوما سوى كلمات مقتضبة لا معنى لها ونظرات ازدراء وعدم قبول دوما ما يحاصرني بها فهو لا يتقبلني كأخت له منذ ولادتي، أما عن والدي فالجفاء بينهما واضحا وهو متحفظ للغاية معه."
"لاحظت هذا يا حنين وعندما راجعت تصرفاته معي استغربتها كثيرا، انا لا أفهم حتى الآن سبب تصرفاته ورغبته الواضحة في مساعدتي."
هتفت حنين بسرعة وقد حمدت ربها إن أختها فهمت الأمر قبل أن تخبرها عنه:
"الأمر برمته غير مريح، أشعر إنه يخطط لشيء ما، لا أدرك ماهيته لكنني متأكدة من ذلك، انظري إلي يا حياة، هناك أشياء ليس من المفترض أن أقولها لكنني مجبرة على قولها."
"أشياء ماذا؟"
سألتها حياة بتوجس لترد حنين بجدية:
"نضال طفولته كانت سيئة قليلا، لقد طلق أبي والدته وطردها من المنزل عندما كان نضال في الخامسة من عمرها، سمعت إن الأمر يتعلق بالخيانة."
جحظت عينا حياة بعدم تصديق بينما استرسلت حنين بتردد:
"حتى يقولون إنها كانت حاملا وأجهضت طفلها أيضا."
صمت مطبق حل على الاثنين للحظات قبل أن تكمل حنين:
"نضال بقي مع والدي الذي رفض أن يسمح لطليقته برؤية ولدها، مرت الأعوام وتزوج والدي من والدتي، تزوجتها بعد أكثر من خمسة أعوام، حينها نضال كان يرفض التعامل مع الجميع، حتى مع والدي، الشخص الوحيد الذي يتفاعل معه هو مربيته، كان يكره والدي ويرفض أن ينظر في وجهه حتى، وبعد حوالي عامين عادت والدة نضال في زيارة غير متوقعة وهي تحمل دليل براءتها، إلى الآن لم أعرف كيف تم اتهامها بل كيف تمت تبرئتها أيضا، حينها أرادت من والدي أن تأخذ نضال معها لكنه رفض لإنها كانت قد تزوجت منذ مدة."
شعرت حياة بالشفقة لأجله لتكمل حنين بأسى:
"أصبح نضال يرى والدته في زيارات محددة، وعلاقته مع والدي كما هي، يتجنبه كمرض معدي ونفس الشيء معي ومع والدتي حتى بلغ التاسعة عشر من عمره وشاء القدر أن تتطلق والدته لنتفاجئ به يقرر السفر مع والدته إلى كندا وإكمال دراسته هناك، رفض والدي لكن نضال وقف في وجهه وأخبره بوضوح إنه لن يستطيع منعه عن والدته بعد الآن فهو أصبح بالغا راشدا، سافر نضال مع والدته وأخوته من والدته والغريب إن يوم سفره كانت المرة الأولى التي يسمح بها لوالدي باحتضانه بعد سنوات حرم على والدي مجرد القرب منه، طبعا أكمل دراسته هناك وأسس عمله وأصبح يأتي بزيارات متقطعة إلى هنا غالبا بسبب العمل والباقي تعرفينه."
"مسكين، لقد عانى كثيرا في طفولته."
قالتها حياة بحزن لتتنهد حنين بألم فتسمع حياة تسألها بجدية:
"ولكن ما علاقة كل هذا بي؟ ما غايته من ذلك العرض إذا كان هناك غاية من الأساس؟"
أضافت بجدية:
"ربما لو كان لديه مشكلة خاصة مع والدتي، كنت قلت إنه ينتقم منها من خلالي."
هتفت حنين بسرعة:
"ماما لن تؤذي نضال بأي شيء، أساسا هي تزوجت والدي بعد سنوات من طلاقه لوالدته، كما إنها دوما ما كانت تتجنبه كما يفعل هو."
"هل قلت إن نضال مقيم في كندا؟"
سألتها حياة بريبة لتومأ حنين برأسها فتهتف حياة:
"البعثة إلى كندا، إلى حيث يسكن هو، هل يعقل أن يكون كل هذا مجرد صدفة؟"
"أي صدفة يا حياة؟ عرض العمل في الشركة ثم عرض المنحة وكلها خلال أقل من أسبوع واحد، الأمر غير منطقي بتاتا والأهم مالذي يجعله يهتم بك انت تحديدا بهذا الشكل بينما لا يطيق أي أحد منا؟"
تنهدت حنين بصوت مسموع ثم قالت:
"انظري إلي يا حياة، انا أريد مصلحتك اكثر من اي شيء، لذا سأخبرك ما أشعر به، انا أشعر إن نضال يريد جذبك نحوه بأي طريقة، وإنه يريد إبعادك عن حياتك الحالية بأي شكل، لا أعلم ماهي دوافعه ولا أجزم إنها سيئة لكن حقيقة ما يريده واضح لا خلاف عليه، هو يريد أن ينتشلك من حياتك هذه ويأخذك بعيدا معه والله وحده يعلم ما غايته من كل هذا."
انهت حنين كلماته ثم وقفت تتأمل ملامح أختها التي جمدت كليا وكلمات حنين تتردد داخل أذنها.
كان يجلس بجانب والدته يتناول الشاي بصمت مريب.
والدته تتأمله عن قرب وتشعر بشيء ما غريب عليه.
لقد فاجئها بزيارته الغير معتادة ورغبته في تناول كوبا من الشاي معها لتسارع في اعداد الشاي له بنفسها قبل أن تجلس بجانبه يتناولان الشاي بصمت غير محبب.
"ألن تتحدث يا نديم؟"
قالتها والدته تحاول قطع وصلة الصمت المزعجة ليضع نديم كوبه على الطاولة ويسأل:
"ماذا سأقول يا أمي؟"
ردت والدته بسرعة:
"أخبرني عنك، عن احوالك، عن عملك وما قررت بشأنه، وعن حياة وموعد خطبتكما؟"
تجهمت ملامحه ما إن ذكرت سيرة حياة فوجد نفسه يهتف بغلظة:
"لا أظن إن هناك خطبة ستتم من الأساس."
نظرت إليه بدهشة قبل ان تهتف بصوت مشحون:
"لماذا لن تتم الخطبة؟ ماذا فعلت يا نديم؟ ألم أحذرك مسبقا؟ ألم أطلب منك ألا تكسر قلب الفتاة المسكينة مهما حدث؟"
قاطعها نديم بسرعة:
"على مهلك يا أمي، انا لم أفعل أيا من هذا وعدم إتمام الخطبة لن يكون بسببي أبدا."
"هل تراجعت هي إذا؟"
سألته صباح بتعجب ليتنهد نديم بتعب واضح قبل ان يقول:
"تلقت عرضا للحصول على منحة إلى كندا، تكمل دراستها هناك وبالتالي هذا الوضع لا يتناسب مع أمر خطبتنا."
"حقها."
قالتها والدته بجدية ليتطلع اليها نديم بعدم تصديق فتهتف به:
"لا تنظر إلي هكذا، من حقها أن تفكر في مستقبلها وما سينتظرها هناك، خاصة إن علاقتكما بالنسبة لها ليست كما يفترض أن تكون."
"ماذا تعنين؟"
سألها بملامح منزعجة لترد والدته بجدية:
"يعني حياة تدرك جيدا إن علاقتكما سويا ليست علاقة عادية حيث خطوبة ثم زواج واستقرار، أعلم إن هذا من المفترض أن يحدث لكن واقعيا هناك أكثر من حاجز بينكما، حاجز هي غير واثقة إنها ستتخطاه، وعدم تخطيها هذا الحاجز يعني هدم علاقتكما تماما وهذا أمر متوقع لذا من الغباء أن تضحي بمنحة مجانية لأجل علاقة ستخرج منها خاسرة بنسبة كبيرة."
"ولمَ حكمتِ فورا إنها ستخرج خاسرة؟"
سألها بغضب مكتوم لتبتسم صباح بهدوء ثم تقول:
"أخبرتك، الحواجز بينكما كثيرة ولا يمكن إزالتها بسهولة."
"أنت تدعمين قرارها إذا؟"
سألها بعدم تصديق لتهتف بسرعة:
"أنا أتمنى أن تستمر معك، أن تبقى معك وتصبح شريكة حياتك كما أتمنى، لكنني لست أنانية يا نديم، الفتاة ربما تستحق حياة أفضل، حياة بها ضمان."
"وأنا لست أنانيا أيضا، أخبرتها بوضوح إنه يحق لها اختيار ما تريد، تستمر معي او تسافر في البعثة."
تأملت والدته ملامحه التي بدت غير مرتاحة تماما لتطلق تنهيدة صامتة ثم تقول:
"وهل هذا سيريحك؟"
هتف بمرارة:
"لم يعد هناك شيء يريحني."
"وهل كانت حياة ستفعل؟"
نظر إليها باهتمام لتتسائل بجدية:
"هل وجودها جانبك كما كنت تريد كان سيخفف عنك ويريحك حقا؟"
نظر إليها للحظات قبل أن يجيب وهو يتحكم في غصته:
"دائما وجودها معي كان له تأثيرا خاصا علي، شعور غريب من الهدوء والسكون يملأني وأنا معها، ربما بسبب حديثها الذي دوما ما يدفعني للتفاؤل والإبتسام او دفء روحها ونعومتها التي تنعكس علي، هي الوحيدة من منحتني الأمل بالحياة بعدما فقدته تماما."
"إذا لا تتخلى عنها."
قالتها صباح بقوة وعزيمة ولأول مرة تشعر إن مكانة حياة عند ابنها مميزة بحق فهي لم تظن إن لها كل هذا التأثير عليها.
"لا أستطيع أن أكون أنانيا معها، لا أستطيع أن أمنعها عن فرصة كهذه."
"أنت لن تمنعها يا نديم، على العكس انت ستدعمها."
قالتها صباح بقوة ليعقد نديم حاجبيه متسائلا بتعجب:
"كيف؟ ماذا تعنين؟"
صمتت صباح قليلا توزن كلامها قبل أن تقول بجدية:
"افهم كلامي جيدا قبل أن تنفعل وتغضب بتسرع كعادتك، الفتاة جائتها فرصة مناسبة، إكمال دراستها في كندا، انت أيضًا حاول البدء من جديد، تبحث عن عمل مناسب تجد فيه نفسك، منذ خروجك من السجن وأنت تعزل نفسك عن أغلب من حولك، منذ اول يوم واخترت البقاء في شقتي وكأنها أصبحت ملاذك الآن، لماذا لا تدعم حياة في دراستها وتجعلها تقبل عرض المنحة وتسافر معها انت ايضا؟"
انتفض من مكانه يهتف بعدم تصديق:
"أسافر معها؟ ماذا سأفعل هناك؟ ما هذا الكلام يا أمي؟"
نهضت والدته من مكانها وقالت بجدية وحزم:
"لم أنتهِ من كلامي بعد، سفرك بكل الأحوال مؤقتا، سنة، سنتان او ثلاثة بالكثير، لكن سفرك هذا سيساعدك كثيرا، من جهة ستعيش في بلاد جديدة مختلفة تماما عن هنا، مكان جديد تماما وحياة جديد ولكن بوجود حياة معك، حياة التي أثق جيدا إن وجودها هي فقط معك سيكون أكثر من كافيا لك، ألا ترى إنها فرصة حقا يا نديم؟ ألا ترى إن الابتعاد عن المكان هنا لفترة مؤقتة أفضل للجميع؟ لك ولحياة و ل."
صمتت قليلا ثم اضافت بجدية:
"وليلى حتى."
"ليلى ايضا؟"
سألها بملامح باهتة فهتفت صباح بجدية:
"نعم، ربما وجودك في بلاد أخرى بعيدة عن هنا ستخفف من وطأة مشاعركما، هي ستفقد الأمل فيك وتبدأ حياتها مجددا، وأنت سوف تناساها مع مرور الوقت وتعتاد على وجود حياة معك والتي ستعوضك عن كل شيء."
صمتت قليلا ثم قالت بجدية:
"فكر جديا يا نديم، هل تتذكر الأيام الأولى بعد خروجك من السجن؟ هل تتذكر إنك أخبرتني برغبتك في الهجرة بعيدا والاستقرار في بلد آخر؟"
"ولكنكِ رفضتِ حينها؟"
قالها بألم لتهتف بجدية:
"لإنني لم أنظر إلى إيجابيات الموضوع، لم أستوعب إن بقائك في نفس الأماكن وبوجود نفس الأشخاص سوف يزيد من عذابك، بينما في الخارج مكان جديد وحياة جديدة وناس جدد."
أضافت وهي تضع كفها على كتفه:
"إذا وافقت على كلامي فيمكنك أن تخبر حياة ثم تتزوجان بسرعة وتسافران سويا هي تبدأ في دراستها وانت تبحث عن عمل يناسبك وأنا سأعطيك الأموال التي تريد من حقك من ميراث والدك."
"نتزوج بسرعة؟"
رددها بدهشة لتومأ صباح وهي تقول بحسم:
"بالطبع، حياة ستسافر معك وهي زوجتك يا نديم."
وعند هذه النقطة تشوشت أفكاره تماما.
جلست أمامه بملامح هادئة لا تخلو من الحزم عندما قالت بصوت جاد قوي:
"لقد فكرت في عرضك جيدا، أنا آسفة حقا لكنني لا يمكنني قبول المنحة وأشكرك انت وصديقك على هذا العرض المهم."
"أنت ترفضين العرض؟"
سألها بعدم تصديق لتهز رأسها دون رد فيبتسم بخفوت ثم يقول:
"أنا مندهش حقا."
عقدت حاجبيها تسأله بحيرة:
"لماذا؟ مالذي يدهشك؟"
رد بعدما ارتشف القليل من فنجانه:
"مندهش لإنني رأيت بك شيئا لا يشبه ما أسمعه الآن منك."
هتفت تتسائل بعدم فهم:
"تحدث بوضوح من فضلك."
التوى جانب فمه بابتسامة وهو يقول:
"أنا دائما صريحا وواضحا يا حياة."
أضاف وعيناه تتعمقان النظر داخل عينيها:
"رأيتك طموحة، مثابرة وذكية."
شدد على كلماته:
"أذكى من أن ترفضي فرصة كهذه لأجل رجل لا أظن إنه يستحق تضحية كهذه."
هتفت بملامح حانقة ونبرة بها القليل من الحدة:
"من قال إنني أرفض العرض لأجله؟ ومن أين علمت إنه لا يستحق؟"
ابتسم بهدوء ورد:
"ربما لإنني أرى جيدا ما تغفلين أنتِ عن رؤيته."
سألته بتجهم:
"وماهو الذي تراه انت؟"
رد بهدوء وجدية:
"أرى تمسكه بك بكل أنانية رغم كونه لا يستحقك ورغم كونك تستحقين الأفضل منه وهو يدرك ذلك جيدا. أرى بعيني رغبته في تملكك بكل ما فيكِ بينما أثق تمام الثقة إن كل هذا التمسك والتملك يصب لصالحه وإنك بجواره لن تحصلي على أي شيء، على العكس تماما، أنت ستدفعين ثمن ارتباطك برجل له ماضي أسود وسبق أن عاش قصة حب طويلة مع أخرى غيرك، قصة حب استمرت لسنوات لا أظن إنه سيتجاوزها يوما حتى بوجودك."
سيطر الوجوم على ملامحها لثواني قبل ان تقول بجدية:
"أولا أنا لا اسمح لك أن تتحدث في أمور خاصة كهذه، ثانيا أيا كان ما يجمعني به فهو شيء يخصنا وحدنا، إن كنت تنظر إلى الأمور من زاويتك انت فهذه ليست مشكلتي."
قاطعها وهو ينهض من مكانه يردد بحزم:
"أنت تدمرين مستقبلك لأجله، لأجل من لا مستقبل له."
وقفت بدورها تواجهه بقوة:
"أنا حرة في قراري ولا أحد سيخاف على مستقبلي بقدري، ونديم ربما تدمر مستقبله في مجال الصيدلة بالفعل لكنني واثقة إنه سيجد مجالا مختلفا يبدع فيه ويثبت وجوده."
ضحك مرددا بتهكم:
"والله مهما نجح وأبدع سيظل سجين سابق بتهمة تلتصق به إلى الأبد."
هتفت من بين أسنانها:
"هو بريء، بريء من تلك التهمة الشنيعة."
"حقاً؟ هل أنت واثقة من ذلك؟"
سألها مستهزئا لتشمخ برأسها وهي تجيب:
"لو كان بريئا ما كان ليحاكم بكل تلك السنوات."
قالها نضال بجدية ليتفاجئ بها تهتف بثقة وأمل:
"لا أحد يعلم ما الذي سيحدث مستقبلا، ربما يأتي يوم وتظهر الحقيقة ويعلم الجميع إن كل تلك السنوات التي عاشها في السجن بهتانا وظلما."
منحته ابتسامة هادئة لم تصل إلى عينيها وهي تضيف:
"يجب أن أرحل الآن فموعد عملي بدأ، مع السلامة."
ثم سارت تخرج من المطعم لتأخذ نفسها عدة مرات ورغم عنها شعرت براحة شديدة تكسوها بعد قرارها عكس ما توقعت.
رن هاتفها فأخرجت من حقيبتها لتتفاجئ بنديم يتصل بها.
ردت بسرعة فيأتيها صوته:
"هناك شيء مهم أريد أن أقوله لك."
لكنها قررت أن تسبقه وتقول فيتحدثان سويا في نفس اللحظة:
"أنا رفضت عرض المنحة."
"أنا موافق على دراستك في الخارج."
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني و العشرون 22
أمام مي صديقتها كانت حياة تجلس مخفضة وجهها نحو كوب القهوة خاصتها تتأمله بشرود تام بينما صديقتها تنظر إليها بصمت محاولة أن تمنحها الفرصة لترتيب أفكارها رغم عدم معرفتها بعد بما جرى بالضبط معها لكنها أدركت منذ لحظة لقائهما إن هناك الكثير حدث معها في الأيام الأخيرة ..
أما حياة فكانت تفكر فيما قاله نديم حيث صدمها بموافقته على دراستها في الخارج بعدما أخبرها قبل يوم عن رفضه القاطع بل خيرها بينه وبين أمر السفر بكل وضوح ..
موافقته صدمتها مما جعلها تصمت للحظات قبل أن تخبره بضرورة لقاؤهما وجها لوجه لإن موضوع كهذا لا يمكن مناقشته على الهاتف لتجده يخبرها بعدم قدرته على مقابلتها في هذا الوقت فهو سيخرج مع صديقه بعد اقل من ساعة فيعرض هو بدلا عن ذلك أن يلتقيا مساءا على العشاء ..
لا تعلم لماذا رفضت أن تلتقي به مساءا ربما لإن شعرت إن وجودها معه في وقت متأخر مساءا غير مناسب كونه لا يعتبر خطيبها رسميا .. في الحقيقة هي باتت لا تفهم نفسها حتى إنها ترى كل تصرفاتها السابقة لم تكن في محلها وإنها كانت تسير خلف مشاعرها في أغلب الأحيان وهذا أمر جعلها تشعر بالضيق من نفسها مؤخرا ..
تحبه وتعترف بهذا بل تتمنى لو تنال حبه يوما لكنها في الآونة الأخيرة باتت مترددة في كل شيء …
الشيء الوحيد الواثقة منه هو مشاعرها نحوه أما غير هذا فهي ليست واثقة أبدا لا من صحة تصرفاتها ولا من صحة إرتباطها به ..
أطلقت تنهيدة طويلة قبل أن ترفع بصرها نحو مي التي تتابعها بإهتمام حتى قررت التحدث أخيرا :-
” ألن تقولي شيئا ..؟!”
هتفت حياة بهدوء :-
” لقد حصلت على عرض مميز .. منحة للدراسة في كندا .. لكنني رفضتها ..”
كعادتها كانت تقول ما في جبعتها دفعة واحدة مما جعل مي تشهق بعدم تصديق قبل أن تسأل بترفق محاولة التأكد مما سمتعه :-
” لحظة من فضلك .. أعيدي حديثك .. هناك منحة .. الى كندا .. وأنتِ رفضتها ..؟! أمر رفضك هو مزحة . قولي هذا بالله عليك ..”
ردت حياة بملامح فاترة :-
” كلا انا لا أمزح .. انا بالفعل رفضت .. رفضت الأمر برمته ..”
” بسبب نفس الشخص ..”
قالتها مي وهي تكز على أسنانها بغيظ واضح لتتطلع حياة إليها بصمت وهي تفكر إن نديم سببا للرفض لكنه ليس السبب الأساسي..
نعم أحد أسباب رفضها كان نديم لا تنكر هذا ولكن السبب الأهم والأقوى هو شعورها بالقلق من تصرفات نضال المريبة خاصة بعد حديثها مع حنين ..
” كلا ليس هو السبب فقط .. بل هناك سببا أهم منه ..”
عقدت مي حاجبيها تسألها بعدم فهم :-
” وما هو السبب الأهم ..؟!”
” سأخبرك أولا كيف جاء هذا العرض .. وبعدها سأخبرك سبب الرفض فالأمرين مرتبطين ببعضيهما .. ”
أصغت مي لحديثها بإهتمام بينما سردت لها حياة كل شيء حيث أخبرتها عن نضال وعرضه المفاجئ للعمل في شركة صديقه ثم عرض المنحة وتوجسها من الأمر والذي عززه حديث حنين أختها ونديم الذي أخبرها بوضوح إن هذا الشاب يهتم بها بشكل مريب ثم لم تنس أن تخبرها بلقائها الأخير به عندما أخبرته برفضها وما نتج عنه عن حديث بينهما ..
إنتهت من حديثها لتجد مي تتأملها بصمت غريب للحظات قبل أن تقول بجدية :-
” هو بالفعل تصرفاته تبدو غريبة خاصة عندما نقارنها بعلاقته الجافة مع والدتك وحنين ..”
” وهذا ما فكرت به أيضا .. ”
قالتها حياة بسرعة لتجد مي تضيف بجدية :-
” لكن هذا ليس سببا للرفض … هذه فرصة لا تعوض .. فرصة ربما لن تأتيك أبدا فيما بعد … ”
حدقت بها حياة بذهول قليلا ثم قالت محاولة شرح أفكارها لصديقتها :-
” ألا تفهمين علي يا مي .. ؟! التصرف بأكمله مريب .. ربما يضمر لي شيئا سيئا .. ”
قالت مي بسرعة :-
” شيء مثل ماذا مثلا ..؟! فكري بعقلك قليلا .. ماذا سيضمر لك مثلا ..؟! حتى لو كان إهتمامه غريب وغير منطقي فلا يمكنه أن يؤذيكِ بأي طريقة … ”
تمتمت حياة بتفكير :-
” انا بالفعل أفكر بعقلي يا مي .. مالذي يجعل نضال الذي يتعامل بجفاء صريح مع والدتي وحنين التي هي أخته بل حتى مع والده لا يبدو متصالحا بشكل كامل يهتم بأمري هكذا بل يجلب لي فرصة مهمة كهذه ..؟؟ لا وكل هذا فعله في ظرف أيام قليلة .. في ظرف أيام جلب لي وظيفة ثم منحة لا يحصل عليها الفرد بسهولة … وبعد كل هذا تطلبين مني ألا أهتم بغرابة تصرفه ..”
” ربما يحبك ..”
قالتها مي فجأة لتتجمد ملامح حياة للحظات قبل أن تتفوه أخيرا بإستنكار :-
” هذا هراء ..”
” لماذا تقولين هذا ..؟! ألم تفكري للحظة إنه يفعل هذا بدافع الحب او الإعجاب على الأقل ..؟! ألم تفكري إنه إختار كندا تحديدا لتكوني بجانبه ..؟!”
أضافت مي بجدية :-
” إذا كان هدفه غير نزيها معك فهذا سيكون بدافع إيذاء والدتك وحسب كلام أختك فإن والدتك لم تضره يوما بسوء بل حتى زواجها من والده جاء بعد أعوام من إنفصال والديه ، إذا على إي أساس وضعتِ فرضية إن دوافع تصرفاته وعرضه المفاجئ لك مريبا ويضمر شرا لك من خلاله ..؟!”
” يحبني وهو يعرفني منذ فترة قصيرة للغاية ..”
قالتها حياة ساخرة لتجد مي تخبرها ببرود :-
” أنتِ أحببتِ نديم من أول لقاء بل ربما منذ أن سقطت عيناكِ على صورته .. ألا تتذكرين ذلك ..؟! أصبحت متيمة به بطريقة ما زالت تثير تعجبي … !!”
لم تجبها حياة بل بدا عليه التفكير مجددا لتكمل مي بتروي :-
” لا ترفضي عرضًا كهذا يا حياة .. إنها فرصة لتنطلقي في عالم جديد ومكان ستجدين به من يحترم ويقدر إجتهادك وذكائك .. ”
أردفت مي بضيق لم تستطع أن تخفيه :-
” لا ترفضي لأجل نديم لإنك ستندمين بعدها أشد الندم بسبب رفضك هذا فهو لا يستحق رفضك أبدا ..”
” نديم وافق على أمر السفر .. ”
قالتها حياة بنبرة باردة لترفع مي حاجبها مندهشة قبل أن تردد :-
” حقا ..؟! هذا جيد .. ”
أضافت تسألها بجدية :-
” ماذا ستفعلين الآن إذا ..؟!”
حدقت بها حياة بصمت سيطر عليها مجددا وقد وجدت نفسها عاجزة عن قول أي شيء مرة أخرى ..
……………………………………………………….
اندفع داخل غرفة نومه وملامحه لا تبشر بالخير ..
لقد رفضته عرضه بكل غباء ..
البلهاء ترفض عرضا كهذا لأجل من لا يستحق ..
لأجل رجل لا يناسبها من كافة النواحي ..
تدمر مستقبلها بيدها بدافع الحب …
لا يفهم مالذي يجعلها متمسكة بذلك البغيض لتلك الدرجة وهو الذي لا يجد فيه ميزه تذكر ..
ضحك بعصبية وهو يمرر أنامله داخل خصلات شعره مفكرا إنه يمتلك كل شيء ..
المال والوسامة والمركز الإجتماعي والثقافي ومع هذا لا يستطيع أن يجذبها نحوه أم هو لم يحاول فعليا أن يفعل ..
تذكر إذا ما حاول أن يلعب على وتر مشاعرها لكنه أدرك إنه لم يفعل ذلك فهو بمجرد إدراكه إرتباطها بآخر إختار أن يبعدها عنه بطريقة مختلفة ..
عرض كالذي قدمه لا يوجد إنسان عاقل يرفضه وهي رفضته بكل برود ويقسم إن سبب رفضها الأحمق هو ..
ومجددا يسأل نفسه عن سبب إرتباطها به وهو الذي يمتلك ماضي يجعل أي فتاة عاقلة ترفضه ..
نعم علم بكل ماضيه منذ أن عرف نفسه على إنه خطيبها … في الحقيقة هو يعرف نديم الخولي مسبقا .. يعرفه هو وأخيه عمار حيث كانا في نفس المدرسة الثانوية الخاصة بالطبقة العليا من أفراد المجتمع ..
مدرسة خاصة لا يرتادها سوى الأغنياء حيث كان هو يصغر نديم بعام واحد لكنه يعرفه جيدا بل تحدث معه مرة او مرتين ولكن بالطبع نديم لن يتذكره بسهولة ..
ما زال يتذكره فهو دائما ما كان مميزا عن البقية بكل شيء ..
ليس بسبب وسامته الملحوظة بل بذكائه الشديد حيث كان دائما الأول على دفعته وهو بدوره كان مثله تماما وسيما لدرجة كبيرة وذكيا جدا والأول على دفعته أيضا لكنه يختلف عن نديم كثيرا فهو كان مغرورا باردا مع الجميع دون إستثناء لا يمتلك سوى مجموعته الخاصة المكونة من صديقين حميميين .. يتعامل مع الجميع بترفع واضح مما جعل الجميع يتجنبه أما نديم فكان مختلفا عنه .. لبقا ومرحبا بصداقة الجميع بل كان يشارك في أغلب الأنشطة المدرسة ويتفوق بها ورغم هذا كله كان يعلم إنه يمتلك نزعة غرور فطرية داخله لكنها لا تظهر إلا في مواقف معينة …
ابتسم ساخرا من جديد متذكرا صدمته عندما جمع المعلومات الكاملة عنه فهو سافر بعد إنهاؤه السنة الاولى من دراسته الجامعية مباشرة الى كندا وكل ما عرفه عنه وقتها إنه إختار دراسة الصيدلة ومنذ وقتها انقطع تماما عن الجميع وعندما كان يزور البلاد مرات قليلة في السنة لم يكن يعلم بما حدث معه فزياراته كانت قصيرة لغرض ارضاء والده ليس إلا ..
لا ينكر إن ما أدركه كان مفاجئا ولا ينكر شعوره بإنتصار خفي وهو يرى فتى المدرسة الأولى أصبح مجرد سجين سابق في تهمة مخزية ..
يدرك داخله إنه بريء فهو لا يحتاج لأن يفعل شيئا محظورا كهذا لكن طبيعته المنافسة ورغبته في أن يكون أفضل من الجميع جعلته ينتشي قليلا عندما يرى تفوقه وما وصل إليه بينما ما وصل إليه ذلك الشاب الذي لم يحبه يوما رغم عدم تنافسهما في أي وقت بسبب تلك السنة الفارقة بينهما ورغم هذا كان يشعر إنه يسرق منه الأضواء رغم كونه أفضل منه في كل شيء …
يدرك جيدا إن إهتمامه بحياة ومشاعره نحوها لا علاقة لها بكل هذا فهو ليس نذلا لدرجة أن يفكر بها لمجرد كونها تعتبر خطيبته لكن فكرة إن الفتاة التي نالت إعجابه الشديد وأرادها بقوة ملكا لنفس الشخص الذي لم يحبه يوما والذي أصبح لا يقارن به من جميع النواحي تزعجه بشدة وهو الذي لم يعتد على الخسارة في أي وقت من حياته …
توقف عن أفكاره عندما سمع صوت طرقات على باب غرفته فتأفف بصمت قبل أن يسمح للطارق بالدخول ..
دلفت حنين الى داخل ووقفت أمامه ليطالعها بملامح متجهمة قبل أن يسمعها تقول بجدية لا تخلو من التحذير :-
” إبتعد عن حياة يا نضال .. ”
” هل أسمع نبرة تهديد في صوتك ..؟!”
سألها بهدوء ساخر لتظلم عيناها وهي تقول :-
” حياة لا تستحق أن تفعل بها هذا .. هي أبسط من تعقيداتك .. ”
” ماذا تقصدين ..؟!”
سألها بصوت مترفع لتجيب ببرود :-
” أعلم جيدا إنك تسعى خلفها لسبب معين .. سبب مريب .. سبب سأدركه لا محاله .. فأنا أدرك جيدا إن هذا الإهتمام بل الإنجذاب الغريب ليس عاديا ولا عفويا .. لكن تأكد إنني لن أسمح لك بآذيتها أو إستغلالها وسأفعل أي شيء كي تبتعد عنها ..”
تأملت جمود ملامحه التي إزدادت قسوة لتكمل بنفس البرود والجدية تظهر في كافة ملامحها ونبرة صوتها :-
” أعلم إنها رفضت عرض المنحة وأظن إنها سترفض العمل في شركة صديقك أيضا وبما إنها قررت هذا فعليه إتركها وشأنها ولا تحاول الضغط عليها مجددا … ”
تقدم نحوها مندفعا قبل أن يقبض على ذراعها يهدر بها بعصبية :-
” أنتِ تحدثتِ معها ، أليس كذلك ..؟! ماذا قلتِ لها ..؟! ماذا أخبرتها عني ..؟!”
ردت بقوة وهي تدفعه بعيدا عنها :-
” أخبرتها ما يجب أن تعلمه .. أخبرتها ألا تنخدع بك وإن عرضك بأكمله مريب وغير منطقي …”
” انا لا أنوي لها شرا أبدا .. ”
قالها بنبرة بدت لها صادقة لتهتف بهدوء :-
” أيا كانت نيتك فهي إختارت الرفض .. ”
تنهدت بصوت غير مسموع ثم قالت بترجي :-
” ابتعد عنها يا نضال .. انت لا تناسبها وهي كذلك .. حياة بريئة ونقية ولا تستحق أن تتألم لأي سبب كان …”
أنهت كلماتها وهمت بالتحرك خارجا قبل أن تتوقف مكانها وهي تسمعه يعترف بخفوت :-
” أنا أحبها ..”
تجمدت أطرافها لثواني قبل أن تلتفت نحوه ترمقه بتشكك وهي تردد :-
” تحبها ..؟!! بهذه السرعة ..؟!”
وجدت ملامحه صامتة لا توحي بشيء لكن نظرات عينيه القوية كانت تخبرها بوضوح عن صدق ما يقوله فهزت رأسها بسرعة تعترض على ما يقوله عندما قررت ان تهتف أخيرا :-
” وهي تحب آخر .. وسترتبط رسميا به قريبا .. ”
صمت قليلا قبل ان يومأ برأسه بصمت فتأملت قتامة ملامحه بعدم إرتياح حتى عندما قال وكأنه يؤكد صحة حديثها :-
” معك حق .. ”
خرجت بعدها من غرفته وشعور عدم الراحة يسيطر عليها كليا فهدوءه وهو يتحدث بل يوافق ما قالته برده المقتضب بدا لها يحمل خلفه الكثير ..
………………………………………………………..
تجلس في صالة الجلوس بملامح رغم الهدوء الظاهر عليها إلا إنها تحمل خلفها الكثير من الحيرة والتعب …
تتذكر حديثه لها وإصراره عليها الذي لمس روحها وقلبها بقوة ..
تتذكر كلامه عما سيفعله لأجلها وكم كونه يستحقها والأجدر بها ..
ترى نفسها في وضع صعب للغاية وحيرة شديدة وهي التي لا تعلم بعد اذا ما كانت تحبه فعلا أم مشاعرها لا تتعدى الإعجاب ..
تتذكر كلمات ليلى الموجزة والتي أخبرتها بوضوح أن توافق اذا ما كانت تحبه ولكنها هل تحبه فعلا أم ما تشعر به مجرد انجذاب وقتي لرجل جذاب ومختلف وجريء …
شعرت بإن كثرة تفكيرها في الموضوع منذ من البارحة يضغط على عقلها بقسوة وما زاده رسالته صباح اليوم وهو يخبرها بصراحة إنه يريد موعدا للتقدم لخطبتها ..
ثقته بنفسها وهو يقرر خطبتها رسميا رغم ما سمعه عن رفض عائلتها لوضعه ضاعفت إعجابها نحوه وهو الذي يتشدق بنفسه كونه قادرا على إقناعهم ما إن يراهم وجها لوجه ويتحدث معهم ..
توقفت عن أفكارها وهي ترى والدتها تدلف إلى الداخل بملامح تظهر عليها القليل من الفرحة ..
فرحة لم تفهم سببها لكن والدتها أخبرتها بسرعة :-
” غالية .. تحدثي مع حياة من فضلك ..”
سألتها غالية بتوجس :-
” لماذا ..؟!”
أجابتها صباح وهي تبتسم بهدوء :-
” أخبريها إنني أدعوها غدا على العشاء … ”
أومأت غالية برأسها متفهمة لكنها لم تستطع منع نفسها من السؤال :-
” حسنا سأفعل ولكن ما سبب هذه الفرحة البادية على وجهك ..؟!”
هتفت صباح وهي تبتسم :-
” اتصلي بها أولا وسأخبرك بعدها ..”
ثم نهضت من مكانها وقالت بجدية :-
” سأتفقد شيئا في المطبخ سريعا وأعود إليك ..”
تابعتها غالية بدهشة حتى اختفت تماما لتحمل هاتفها وتقرر الاتصال بحياة التي أجابتها بعد لحظات بنبرة مرحبة :-
” اهلا غالية .. كيف حالك ..؟!”
ابتسمت غالية وهي ترد تحيتها :-
” اهلا حبيبتي … انا بخير .. ماذا عنك ..؟!”
ردت حياة سؤالها ثم تحدثتا قليلا قبل أن تخبرها غالية عن دعوة والدتها فسمعت صوت حياة تهتف بقليل من الارتباك:-
” دعوة على العشاء .. ؟! ما المناسبة لذلك ..؟!”
ردت غالية بجدية :-
” لا أعلم .. يبدو إن والدتي تحاول التعرف على خطيبة إبنها وزوجته المستقبلية فهي لم تجد الفرصة للتحدث معك يوم ميلادي ..”
قالت غالية جملتها الأخيرة بقليل من المشاغبة لتسمع حياة تقول بهدوء :-
” حسنا دعوتها مقبولة بالطبع .. سأكون غدا عندكم ان شاءالله ..”
هتفت غالية بصدق :-
” ستنيرين منزلنا حقا يا حياة .. انا اصلا كنت انوي زيارتك بالفعل وها قد جاءت دعوة والدتي بالوقت المناسب ..”
جاءها صوت حياة اللطيف كعادته :-
” وانا اشتقت لك حقا .. حسنا سنلتقي غدا باذن الله ..” ” رائع ..”
قالتها غالية بحماس افتقدته الأيام القليلة السابقة قبل أن تودع حياة بعدها لتجد والدتها تدلف الى المكان مجددا فتسألها غالية بسرعة :-
” تحدثت مع حياة وستأتي غدا .. أخبريني ما سبب هذه الفرحة الواضحة عليك ..؟! أحتاج حقا لسماع أخبار مفرحة هذه الفترة..”
عقدت صباح حاجبيها تسألها بتعجب :-
” لماذا تتحدثين هكذا ..؟! هل تعانين من مشكلة ما ..؟! انظري الي .. وضعك بالكامل لا يعجبني هذه الفترة ..”
قالت غالية بتذمر :-
” ماما ..!! أخبريني الآن من فضلك ..،”
ابتسمت صباح وقد تذكرت ما تريد قوله حيث قالت بحماس :-
” عريس .. عريس رائع تقدم لخطبتك يا غالية ..”
بهتت ملامح غالية وهي تردد بذهول :-
” عريس تقدم لي ..”
أومأت صباح برأسها وهي تضيف :-
” وهذه المرة لن ترفضي كالمرات العديدة السابقة .. فهو عريس رائع لا ينقصه اي شيء بل يكاد يكون كاملا والكمال لله وحده وفوق هذا كله نعرفه جيدا وتربى بيننا ..”
قاطعتها غالية تسألها بتوجس :-
” من تقصدين ..؟!”
ردت صباح بنفس السعادة :-
” شريف ابن عمك …”
انتفضت غالية من مكانها تهتف بسرعة :-
” كلا .. ”
نظرت اليها والدتها بدهشة قبل ان تقول بجدية :-
” لماذا ترفضين ..؟! الشاب لا ينقصه شيء .. طبيب وثري ووسيم وفوق هذا كله ابن عمك .. ”
” لا أريده .. ”
قالتها غالية بقوة ثم أضافت بسخرية غريبة :-
” مالذي ذكره بي الآن أساسا …؟! لماذا تقدم لخطبتي الآن وأنا كنت طوال عمري أمامه … ؟! ”
” الشاب كان يدرس وأنت تعلمين إنه قضى سنوات في الخارج لغرض دراسة تخصص جراحة القلب … ”
هتفت بها صباح من رفض ابنتها الغريب بعدما وقفت أمامها تقابلها وجها لوجه لترد غالية بتعنت :-
” والآن بعدما تخرج وسافر ودرس واجتهد وأصبح أخصائيا معروفا تذكر أن يتزوج وبالطبع لن يجد أفضل من ابنة عمه الحسناء المناسبة له من كافة النواحي .. لكنني غير موافقة … أخبريه برفضي فورا .. ”
همت بالتحرك خارج الغرفة لكن والدتها قبضت على ذراعها توقفها وهي تسألها بصرامة :-
” هل هناك شخص آخر ..؟!”
نظرت إليها غالية للحظات قبل أن تومأ برأسها بتأكيد على ما يدور في رأس والدتها لتسألها والدتها مجددا بريبة :-
” هل هو نفس الشاب الذي تحدثت عنه مسبقا ..؟! ألم تقولي إنك صرفتِ النظر عنه لإن هناك شيء يخصه لا يناسبك .. ؟!”
هزت غالية رأسها ثم ردت :-
” نعم ولكنني تراجعت عن تفكيري وأدركت إن وضعه الذي رفضته في بادئ الأمر ليس بذلك السوء .. ”
سألتها والدتها بقلق :-
” ماذا تقصدين بوضعه ..؟!”
ردت غالية بجدية :-
” مطلق ولديه طفل ..”
ما إن سمعت صباح ما قالته غالية حتى إنتفضت كالملسوعة وصرخت بنبرة قوية :-
” لا .. لا وألف لا .. ”
” لماذا ..؟! أنا أريده ومقتنعه به …”
قالتها غالية بقوة لطالما كانت موجوده فيها لكن والدتها لم تأبه وهي تقول بإنهيار :-
” والله أتركك جانبي دون زواج ولا أطفال حتى آخر العمر ولا أعطيك ِ له .. هل فهمت ..؟!”
نظرت غالية لها بعدم تصديق فقالت بصوت منفعل قليلا :-
” ولكنني موافقة عليه وسأتزوجه .. ”
” لا أحد سيقبل .. لا أنا ولا أخوك سنقبل … ”
قالتها صباح بحزم لتهتف غالية بمرارة :-
” لماذا ..؟! لإنكما تخشيان من تكرار الماضي ..؟! تظنان إن فراس كوالدي وابنة سيكون كعمار ..”
صاحت منفعله :-
” ولكنني لست مثلك .. لإنني لم أتزوجه وهو زوجا لآخرى .. لإنني لن أصبح زوجة ثانية ولن أدمر حياة زوجية كاملة بسبب الحب كما فعلت انتِ .. ”
لم تشعر صباح بنفسها إلا وهي تصفعها على وجهها بقوة فتجمدت غالية في مكانها دون أن تستوعب ما حدث ..
والدتها صفعتها وهي التي لم يجرؤ يوما أحدا على مجرد لمسها ..
تجمعت الدموع داخل عينيها لكنها أبت أن تذرفها فشمخت برأسها عاليا قبل أن تنطلق مندفعة خارج الغرفة لتسقط صباح على الكنبة جانبها مرددة بإنهيار :-
” الى متى سأدفع ثمن خطأ إرتكبته في لحظة غباء .. الى متى سأدفع ثمن زواجي منك يا حسين ..؟!”
……………………………………………………………..
جلس فراس بجانب والدته يتابعها وهي تتابع أحد الأفلام القديمة بإنتباه شديد ..
” هناك شيء ما أريد أن أتحدث معك عنه ..”
قالها بهدوء فأولت والدته تركيزها نحوه ليضيف بجدية :-
” قررت أن أتزوج … ”
بهتت ملامح والدته للحظات قبل أن تهتف بحشرجة :-
” مجددا ..؟! ستتزوج مجددا ..؟!”
اومأ برأسه وهو يقول :-
” نعم سأتزوج مجددا ..”
” وعهد ..؟! ماذا عنها ..؟!”
سألته بعدم تصديق ليرد بجمود وقد تجهمت ملامحه كليا :-
” ما بها عهد ..؟! هي تطلقت منذ أكثر من عامين … الأمر لا يخصها من جميع النواحي ..”
عادت والدته تسأله بنفاذ صبر :-
” وابنك .. ماذا عنه ..؟!”
رد بجدية :-
” ابني سيبقى معي كما يفعل الآن …”
” ألا يكفي إنك حرمته من والدته .. ؟! تريده أن يعيش مع زوجة أب أيضا ..”
هتفت بها والدته بعصبية قبل أن تضيف بقوة :-
” انا لن أقبل بزوجة غير عهد لك … هل فهمت ..؟!”
” تدافعين عنها وكأنها هي ابنتك ولست انا ولدك .. تدافعين عنها وكأنني من تركتها وليست هي من فعلت ..”
قالها بملامح برزت قسوتها المعتادة وذكرى الماضي تلوح حوله بالأفق لترد والدته بجمود :-
” تركتك لإنك تستحق .. هي لم تتركك هكذا دون سبب او لسبب لا يستحق .. كلانا يعلم جيدا الحقيقة جيدا يا فراس فلا داعي للتظاهر بغير الحقيقة …”
همس بعدم رضا :-
” عهد خرجت من حياتي وحياة ابنها ما إن أصرت على الطلاق .. منحتها ما تريده وهي بذلك لا عودة لها .. ”
” لكن هذا ظلم ..”
قالتها والدته بإنفعال مكتوم ليرد بلا مبالاة :-
” على كل شخص أن يتحمل نتيجة إختياره ..”
” تلك التي إخترتها .. هل تراها تناسبك حقا ..؟! وهل ستكون الزوجة التي تريدها ..؟! والأهم هل ستنسيك عهد حقا ..؟!”
ردد بقوة وسيطرة :-
” إنها تناسبني للغاية أكثر من عهد هانم التي تتشدقين بها وكأنها ملكة زمانها .. وستكون الزوجة التي أريدها بالطبع .. اطمئني ولا تشغلي نفسك بأمور ليست مهمة .. ”
” اسمعني جيدا يا فراس .. ما تفعله خطأ كبير .. كان من المفترض أن تحاول إيجاد حل لوضع ابنك الحالي .. ابنك يكبر بعيدا عن والدته … يوما ما سيكرهك عندما يدرك إنك تعمدت حرمانه منها أما عهد فهي لن تغفر زواجك أبدا ومهما حدث .. عهد التي من الممكن أن تغفر يوما اخطائك في حقها لن تغفر زواجك من غيرها خاصة وأنت تتعمد حرمانها من ابنها وحيدها .. ”
رد بصوت جاف :-
” لا أريد غفرانها من الأساس .. ”
هتفت والدتها بضيق :-
” كاذب انت يا فراس .. كاذب ومغرور … مع مرور الزمن غرورك وتجبرك يزدادان بدرجة مخيفة .. راجع نفسك يا فراس كي لا تخسر آخر أمل تبقى لك في إستعادة حياتك السابقة .. في بقائك مع أسرتك .. بجانب زوجتك التي تحبها وطفلك وحيدك ..”
نهض من المكان وهو يشعر بعدم قدرته على استيعاب المزيد حيث قال بصوت حاسم مبعدا حديث والدته عن عقله :-
” جهزي نفسك لإننا سنذهب قريبا ونخطب الفتاة .. هي فتاة جميلة بل رائعة ومن عائلة محترمة وذائعة الصيت .. ”
هم بالخروج لكن صوت والدته القوي اندفع بتسلط :-
” اذا كنت مصرا على خطبتها فإذهب لوحدك .. أخبرتك منذ قليل .. لن أرتضي زوجة لك غير عهد لذا فهذه الزيجة لا علاقة لي بها أبدا … هل فهمت ..؟!”
اعتصر قبضة يده بقوة وهو بالكاد يحاول السيطرة على أعصابه من الإنفجار ليندفع خارج الغرفة والغضب يتقاذف حوله دون رحمة ..
………………………………………………………..
دلف الى داخل مكتبه بعدما طرق على بابه ليرفع راغب وجهه من فوق حاسوبه فيرى أخيه يلقي التحية وهو يتقدم نحوه بملامح غير مريحة ..
تشدق فم راغب بإبتسامة لا تخلو من التهكم وهو يقول :-
” أصبحت تأتي الى المنزل دون أن أطلبك .. تطور مثير ..”
هتف مهند غير مكترثا بحديث أخيه بعدما جلس مقابلا له :-
” متى سأتزوج ابنة عمك المصون ..؟! الأيام تمر ولا جديد ..”
هتف راغب بفتور واضح :-
” قريبا …”
” متى يعني ..؟!”
سأله مهند بنفاذ صبر ليفكر راغب لا اراديا بما علمه من عمار عن حاله جيلان النفسية السيئة حيث أخبره بإختصار إنها تحتاج لعلاج نفسي مكثف وبالتالي من الصعب إتمام الزيجة فجيلان نفسها ترفض الأمر ..
” لماذا لا تجيب ..؟!”
هتف بها مهند بغلظة فسأله راغب :-
” ما بالك مستعجل لهذه الدرجة ..؟!”
أجاب مهند من بين أسنانه :-
” لإن حياتي ومستقبلي بالكامل متوقفان على هذه الزيجة .. أريد أن أفهم ما يحدث بالضبط ومتى ستتم وننتهي من هذا الأمر ..”
صمت راغب وقد بدا كأنه يفكر في شيء ما بينما أكمل مهند بصوت أقل ارتفاعا :-
” أعلم جيدا إن هناك سر ما وراء هذا .. لست غبي لأصدق حديث الشركة وما شابه .. كما أدرك إنك تعلم كل شيء كأخيها تماما .. لكنني لن أسألك عن الحقيقة لإنني سأعرفها وبمفردي ..”
انهى مهند كلماته ليرى نظرات أخيه الجامدة مسلطة عليه قبل أن يجده يحمل هاتفه ثم ينهض من مكانه ويخبره بصوت آمر :-
” انتظرني هنا .. دقائق وسأعود ..”
تابعه مهند وهو يخرج بهذه الطريقة الغريبة فشعر بعدم الراحة لكنه اضطر الى الانتظار ليجد أخيه يعود مجددا وهو يخبره ببساطة :-
” سنعقد القران اليوم وخلال ساعة .. الشيخ في طريقه الى هنا وعمار وكذلك وأخويك أيضا سيشهدان على العقد ..”
” ماذا قلت ..؟! سنعقد القران اليوم ..؟!”
سأله مهند ببلاهة ليومأ راغب برأسه وهو يقول :-
” أليس هذا ما تريده ..؟!”
هز مهند رأسه مرددا بضيق :-
” لكن مالذي تغير فجأة ..؟!”
لم يجبه راغب بل حمل هاتفه واجرى اتصالا آخر متعمدا ألا يتحدث معه ليشيح مهند وجهه بعيدا بضيق ..
أنهى راغب اتصاله وأخذ يفكر فيما فعله قبل قليل حيث قرر أن يعقد قران الفتاة اليوم فقط لأجل أن يضمن عدم تراجع مهند عن قراره في أي لحظة ..
حمد ربه إنه إستطاع إقناع عمار بعدما أخبره إنهم سيكتفون حاليا بعد القران حتى تتحسن نفسية الفتاة وتستطيع تقبل خبر زواجها حيث لا داعي لتأجيل الموضوع أكثر متحججا بمرض والده الذي سيدفعه للسفر قريبا وقد تستمر سفرته لأشهر طويلة لذا من الأفضل أن يتم عقد القران بوجود عمها الأكبر وعمار بالفعل اقتنع وهاهو قادم ليكون وكيلها في عقد الزواج ..
رفع وجهه من فوق هاتفه مجددا وهو يرى زوجته تدلف الى الداخل بعدما طرقت على الباب بخفة حيث تقدمت نحويهما بعد حيت مهند الواجم بخفوت ثم أشارت لزوجها تسأله :-
” أخبرتني الخادمة أن أجهز العصائر والحلويات لأن هناك عقد قران سيتم .. هل هذا صحيح وماذا عن خالتي ..؟! هي لا تعرف شيئا و ..”
قاطعها راغب بهدوء :-
” اهدئي قليلا … ما بالك تتحدثين بهذه الطريقة القلقة .. ”
هتفت بتردد :-
” لإنني لم أفهم شيئا .. من سيتزوج بالضبط ..؟!”
صدح صوت مهند مرددا بتهكم :-
” انا من سيتزوج يا همسة .. ألن تباركي لي ..؟!”
سيطرت الدهشة على ملامحها لثواني لكنها سرعان ما أخفتها وهي تهتف بخفوت متجاهلة صدمتها بزواج مهند الذي يعشق تقى كما تعلم :-
” حقا يا مهند ..؟! مبارك .. ”
التزمت الصمت لتسمعه يقول بتهكم قاصدا إغاظة أخيه :-
“زوجتك كانت خائفة أن يكون العريس أنت يا راغب .. ”
تجهمت ملامح راغب الذي رد بتحذير :-
” الوقت غير مناسب لمزاحك الثقيل ..”
لكن مهند لم يهتم وهو يستدير الى همسه يسألها بسخرية :-
” بالله عليك .. أليس ما قلته صحيح ..؟!”
تلاقت نظراتها بنظرات زوجها الذي بدت لها غير مقروءة بينما نظراتها جمدت تماما وهي تقول بهدوء وعدم اهتمام :-
” لم أفكر بهذا بالطبع لإنني أدرك جيدا إن زوجي صريح وعندما يقرر الزواج من أخرى سيخبرني قبلها بالطبع ..”
تجهمت ملامح راغب ازداد أضعافا بينما أخفى مهند ضحكته وهو يردد بعدم تصديق :-
” ظننتك ستقولين إن راغب من المستحيل أن يفعلها لكنك بدلا من ذلك تهتمين بصراحته عندما يخبرك بقرار كهذا اذا ما إتخذه يوما .. ”
” يكفي يا مهند ..”
قالها راغب بصرامة بينما هتفت همسة بصلابة لزوجها :-
” سأخرج وأجهز ما طلبته .. اما عن خالتي فلن أخبرها بشيء .. فيبدو إنك تنتظر عودتها من الخارج كي تتولى مسؤولية إخبارها ذلك بنفسك ..”
اومأ راغب برأسه دون رد فإنسحبت همسة من المكان بينما استدار مهند نحو أخيه يتأمل الإنزعاج الذي سيطر على ملامحه بوضوح فشعر بتأنيب الضمير تجاهه فلم يكن عليه المزاح أبدا وهو يدرك الوضع الحرج بين أخيه وزوجته والذي لا يفهم للآن سببه ..
مر الوقت ووصل الشيخ وبعده عمار وقبلهما أخويه مع وجود والده حيث بدأ الشيخ بعقد القران عندما وضع راغب مبلغا خياليا كمهر للفتاة وضعف المبلغ كمؤرخ صداق لها وهذا كله لم يؤثر بعمار الذي كان الجمود يسيطر على ملامحه بشكل واضح للجميع …
في تلك اللحظة شعر إنه يضحي بأخته رغم إنه أقسم داخله ألا يتركها مجددا حتى عندما تصبح في منزل زوجها ..
لكن هناك شعورا خفيا داخله يجعله يشعر بعدم الراحة لكل هذا ..
أنهى الشيخ عقد القران مباركا للجميع لينهض عمار ويتلقى التبريكات ببرود من أفراد الأسرة قبل أن يجذب مهند من ذراعه أمام الجميع هامسا له بقوة وتحذير اقرب الى التهديد :-
” لا داعي أن أخبرك ماذا سأفعل إن مسستها بسوء او ضايقتها بحرف واحد عندما تنتقل للعيش معك ولا داعي أن أخبرك ما سأفعله بك إذا أتمتت زواجك بها ..”
حرر مهند ذراعه من قبضته بعنف ورد وعيناه تتحدانه بقوة :-
” أخبرتك إنني لا أرغب بالقاصرات .. ”
منحه عمار نظرة أخيرة قاتمة تحمل الكثير قبل أن ينسحب خارج المكان بأكمله ليلتفت مهند نحو راغب بملامح غاضبة حيث هتف به بعصبية :-
” ما هذا المهر الذي كتبته ..؟! والمؤخر الخيالي ..؟! من سيدفع كل هذا ..؟!”
رد راغب بصراحة وحزم :-
” انا .. انا سأتكفل بكل هذا … ”
” ومالذي يجبرك على ذلك ..؟!”
سأله مهند بإستهزاء ليرد راغب بقوة :-
” لإنها ابنة عمك أيها الذكي ولإنها يتيمة … هل فهمت ..؟! ”
مط مهند شفتيه بعدم إقتناع عندما سمع راغب يخبره بتحذير :-
” ستأتي قريبا وتعيش هنا معك .. لا داعي أن أخبرك كيف ستتعامل معها مجددا ..”
رد مهند بتهكم :-
” كلا لا داعي بذلك .. أخوها سبقك وأخبرني بالتعليمات التي تخص طرق تعاملي مع البرنسيسة خاصتكما ..”
منحه راغب نظرة مزردءة قابلها مهند بأخرى غامضة وهو ينسحب من المكان دون ان يلقي التحية عاقدا العزم على معرفة ما يحدث خلف ظهره ..
…………………………………………………………
في صباح اليوم التالي
أخذت حياة تقلب في طبقها بصمت حتى رفعت وجهها أخيرا لتجد نديم يتأملها بنظرة خاصة فإحمرت وجنتاها لا إراديا …
سألته محاولة إزاحة خجلها جانبا :-
” اذا ألن نتحدث ..؟!”
اومأ برأسه مرددا وهو يرتشف القليل من عصيره :- “بالطبع .. تحدثي هيا ..”
تراجعت في مقعدها الى الخلف قليلا وقالت :-
” لماذا غيرت رأيك فجأة ..؟! مالذي جعلك توافق على أمر السفر للخارج ..؟!”
تأملها بنظرات غريبة قليلا ثم قال :-
” سأخبرك .. ”
أطلق تنهيدة صامتة ثم قال بجدية :-
” فكرت في الأمر ووجدت إن السفر مناسب لكلينا … ”
سألته بعدم استيعاب :-
” انا لا أفهم .. أنت وضعتني أمام خيارين يا نديم.. إما إرتباطنا او السفر ..”
هز رأسه وقال :-
” نعم وكنت أقصد حينها ما قلته .. سفرك كان سيتعارض مع ارتباطنا لكن ..”
صمت قليلا ثم قال :-
” هناك من أخبرني إن السفر قد يكون مفيدا لي أيضا ..”
” أنت تقصد أن نسافر سويا ..؟!”
سألته بدهشة ليومأ برأسه مؤكدا ما وصل إليه فتفكيره فتعقد حاجبيها بتعجب وهي تسأل مجددا :-
” هل انت متأكد مما تقوله ..؟! هل ترى السفر مناسب لك ..؟!”
رد بجدية :-
” عندما خرجت من السجن أردت السفر منذ اول يومين … لأكن صريحا كنتِ مقررا ألا أبقى في هذه البلد ثانية واحدة بعد خروجي من السجن وكنت مقررا ذلك أثناء وجودي خلف القضبان …”
أكمل وقد أظلمت ملامحه تماما :-
” هناك أشياء واقعية لا يمكن تجاهلها … الماضي وسجني لأعوام وتلك التهمة التي سجنت بسببها ستظل ملتصقة بي دوما وأبدا وانا واقعيا سأرى نظرات الإستنكار وعدم القبول من الناس كثيرا ومرارا ..”
” لكن هذا لا يهم .. انت بريء .. الله يعلم وانت تعلم وهذا يكفي .. لا يهم اي شخص ولا تهم نظرة الناس ..”
قاطعتها بجدية :-
” الأمر ليس هينا كما تتصورين يا حياة … ”
” أنت تهرب يا نديم .. ”
قالتها بجدية ليرد بسرعة لا تخلو من الإنفعال :-
” انا لا أهرب .. انا فقط أريد الإبتعاد لفترة .. وأساسا قرار كهذا لم أكن لأفكر به مجددا حتى علمت بأمر المنحة .. فوجدت إن السفر قد يكون أفضل لكلينا .. ”
” نديم انا لا أقصد ..”
قالتها بتأني قبل أن تمد يدها تقبض على كفه المضمومة تلمسها وتضغط عليها بقوة ثم تقول بجدية :-
” انا فقط أريد أن تتقبل نفسك تماما وتتقبل ما حدث معك .. أعلم إن هذا ليس سهلا أبدا بل هو صعبا ولكنه ليس مستحيلا .. نديم عليك التحرر مما حدث … ”
” افهميني يا حياة .. انا لا أهاجر .. انا فقط سأبتعد لفترة .. أبحث هناك عن بداية مختلفة وجديدة .. أنا أحاول منذ فترة تقبل الوضع هنا لكنني لا أشعر بأي تقدم .. كل مرة أجد نفسي واقفا في نفس المكان عاجزا عن التقدم خطوة واحدة الى الأمام .. ربما في بلد أخرى ومع ناس جدد سأجد بداية حقيقية لي … سأخلق بداية لنفسي ..”
كانت تدرك جيدا مدى صعوبة اعترافه أمامها إنه عاجز عن فعل شيء هنا وما زال واقفا مكانه رغم انه يحاول التقدم ..
شعرت بثقل ما يحمله فوق صدره ووجدت نفسها لا تستطيع مجادلته ..
فكرة سفره تجعلها تشعر إنه يهرب بالفعل وهي لا تريده ان يهرب وفي نفس الوقت لا تستطيع أن تصر على حديثها فتضغط عليه أكثر فهو يحتاج من يخفف عنه لا يقسو عليه ..
منحته إبتسامة هادئة وهي تقول بتريث :-
” حسنا تفكيرك جيد وفي محله لكن راجع نفسك مجددا ..”
أضافت بجدية :-
” وعليك أن تعلم إنني رفضت عرض المنحة .. يعني لا يوجد هناك منحة لي بعد الآن ..”
رد بجدية :-
” هذا أفضل .. سنسافر سويا وتكملين دراستك هناك على حسابي الشخصي .. أستطيع تدبر الأمر بسهولة ..”
هتفت بتردد :-
” لماذا لا ننتظر حتى أكمل سنتي الأخيرة هنا ونسافر سويا ..؟!”
تأملها قليلا ثم قال :-
” انا فكرت أن نعقد قراننا خلال هذا الشهر ونبدأ في إجرائات السفر بسرعة كي تستطيعي اللحاق ببداية العام الدراسي الجديد هناك ..”
” عقد قران هذا الشهر ..؟!”
هتفت بها بدهشة ليتنهد ثم يقول :-
” أعلم إن ما أقوله مفاجئ لكنني لا أجد شيئا مفيدا من تأجيل قرار السفر .. انا بالطبع أعرض الأمر عليك وأنتظر رأيك .. فكري جيدا فيما قلته وأخبريني جوابك عندما تتوصلين اليه ..”
صمتت لا إراديا وهي تفكر فيما قاله فهي إن وافقت ستسافر معه خلال أشهر قليلة الى بلاد بعيدة للغاية هناك حيث سيكونان لوحدهما فهل هذا أفضل لها ولعلاقتهما ..؟!
( الجزء الثاني )
في صباح اليوم التالي .
وقفت غالية أمام باب غرفة والدتها ترفع يدها ثم تخفضها بسرعة لتعاود الكرة مجددا …
تريد أن تتحدث مع والدتها وتعتذر منها رغم شعور الألم الذي يسيطر عليها كلما تتذكر صفعتها لها لكنها تدرك جيدا مقدار خطأها وكم تجاوزت حدودها معها ..
تحلت بالقوة أخيرا وهي تطرق على الباب بخفة قبل أن تدلف الى الداخل تتأمل الغرفة المظلمة على غير العادة ويبدو إن والدتها ما زالت نائمة وستائر الغرفة مغلقة ..
” ماما ..”
همست بها بصوت منخفض متردد وهي تتقدم بخطوات مترددة الى الداخل عندما عادت تهمس بنفس التردد :-
” هل ما زلت نائمة ..؟!”
صمت ثقيل كل ما أتاها فظنت إنها بالفعل نائمة لذا قررت التحرك خارج كي لا توقظها لكن الصمت سرعان ما انتهى وصدح صوت والدتها أخيرا :-
” انا مستيقظة يا غالية …”
تنحنت غالية بحرج عندما شعرت بوالدتها تتحرك من فوق السرير وتتجه نحو الستائر حيث أزاحتها جانبا ليسطع ضوء الشمس مضيئا ارجاء الغرفة بالكامل ..
تأملت غالية والدتها وهي تستدير نحوها تتأملها بصمت عندما همست أخيرا تتسائل :-
” ألن تذهبي الى الشركة ..؟! ملابسك تدل على عدم نيتك بالخروج من هنا …”
أومأت غالية برأسها وقالت بجدية :-
” سأبقى هنا اليوم .. لا مزاج لدي للعمل ..”
أضافت بصوت متحشرج :-
” انا جئت فقط لأعتذر منك ..”
قاطعتها والدتها بإبتسامة لم تبدُ ساخرة أبدا بل بدت لغالية إبتسامة مريرة محطمة ونبرتها كانت واهية :-
” لا تعتذري يا غالية فأنتِ لم تخطئي فيما قلتيه … ”
لكن غالية أصرت على إعتذارها حيث قالت بإصرار :-
” بل أخطأت يا ماما .. انا لا يحق لي التحدث بتلك الطريقة معك .. مهما حدث فأنت والدتي ولا يحق لي تجاوز حدودي معك ولا محاسبتك على أي شيء ..”
اتجهت صباح نحو الكرسي الموضوع في ركن الغرفة حيث جلست عليه بملامح واهنة وقالت بنبرة مماثلة بوهنها :-
” منذ سنوات وأنا أدركت خطأي .. يومها ظننت إن نتيجة هذا الخطأ تكمن في تعاستي فقط لكن الواقع كان مختلف .. ظننت إن الأمر يقتصر علي فقط وإنني وحدي من سأدفع ثمن خطأي ولكن الواقع كان مختلفا و أنا دفعت ثمن هذا الخطأ غاليا .. ”
” لماذا تتحدثين هكذا ..؟! انا لا أفهم معنى ما تقولينه .. ماذا تعنين بتعاستك ..؟! هل كنتِ تعيسة مع والدي ..؟! ألم تتزوجينه لإنك تحبيه ..؟! ألم تكونا مغرمين ببعضيكما ..؟! ”
بدات نظرات والدتها بائسة للغاية وكأن ما تقوله ينثر الملح فوق جراحها فهتفت بإصرار :-
” لماذا أشعر إن هناك الكثير لا أعلمه ..؟! لماذا ..؟!”
تأملت غالية تلك الدموع التي تشكلت داخل عيني والدتها عندما همست الأخيرة بصوت مبحوح متوسل :-
” لا تتزوجيه يا غاليه .. أتوسل إليك يا ابنتي لا تفعلي ذلك .. يكفيني ما حدث مع أخيك .. يكفيني عذابه .. لا أتحمل عذابك وتعاستك أنت أيضا … ”
صاحت غالية وقد تشنجت ملامحها كليا :-
“‘ ولماذا إفترضتِ التعاسة معه فورا ..؟! ربما لن تكون زيجتي منه سيئة كما تظنين .. ربما سأكون سعيدة معه ..”
نهضت والدتها قائلة بتردد :-
” ولماذا تفكرين بالزواج من رجل مطلق ولديه طفل أساسا بينما يتقدم لك الكثير من الشباب العزاب والذين يمتلكون كافة الميزات …؟! ”
وصلت إليها وأحاطت وجهها بين كفيها تهتف بترجي :-
” يا ابنتي افهمي .. انا لا أريدك أن تدخلي في علاقة معقدة كهذه .. هذا الرجل لديه طفل وإمرأة كانت يوما زوجته … لديه عائلة مسبقا … بينما أنت ..”
صمتت للحظة ثم قالت وهي تربت على وجنتيها بحب :-
” انتِ شابة جميلة بل فاتنة .. رائعة وذات شخصية محبوبة .. زهرة جميلة يحلم بها الكثير فلماذا تربطين نفسك مع هذا الرجل تحديدا ..؟!”
” لإنه الوحيد الذي إستطاع أن يجذبني له .. انا معجبة به للغاية وأريد خوض التجربة .. لا أقول إنني سأتزوجه مباشرة … ولكن على الأقل سأكتفي بخطبة مبدئية فأنا لا يمكنني التعرف عليه عن قرب دون رابط رسمي ..”
حررت والدتها وجهها من بين كفيها وبدت ملامحها ضعيفة واهنة جدا فقالت غالية وهي تقبض على يدها ترجوها :-
” انا لا أعلم ما مررت به بالضبط وما تخفينه عني منذ زمن .. يبدو إن هناك الكثير لا أعلمه لكن تأكدي إنني لن أكون مثلك … انا لن أدخل في زيجة لا أدرك مدى صحتها .. لن أتزوجه وأنا لست واثقة من نجاح هذه الزيجة .. كل ما أطلبه منك أن توافقي على أمر الخطبة وأعدك إنني سأفكر جيدا قبل أن أخطو أي خطوة في علاقتي به ..”
نظرت والدتها إليها بملامح غير مقتنعة بينما عقلها يحاول أن يتوصل الى الحل المثالي الذي يمكنها من خلاله حماية ابنتها الوحيدة من مصير يشابه مصيرها ..
…………………………………………………….
هبط عمار من سيارته بعدما أوقفها في الكراج الملحق بأحد أشهر النوادي في البلاد …
سار بخطواته الرجولية الواثقة وملابسه الأنيقة التي رغم بساطتها تجذب الإنتباه كملامحه الرجولية الوسيمة ..
كان يسير وملامحه جامدة كعادته لا توحي بأي إنفعال وقد منحته تلك النظارة السوداء التي تغطي عينيه غموضا يليق به …
وصل أخيرا الى مكانه المنشود عندما وجدها تمارس رياضتها المفضلة كعادتها منذ سنوات ..
تمارس لعبة التنس التي تلعبها بإحترافية ..
جلس في الكراسي المتراصة المواجهة للملعب يتابعها وهي تلعب مع شاب شعر إنه رآه من قبل لكن لا يتذكر أين بالضبط ..
ظل يراقبها من خلف نظارته بعينين تتابعان كل حركة منها وهي تلعب بحماس شديد يتأمل ملابسها المكونة من شورت قصير للغاية أبيض اللون لا يغطي ربع فخذها حتى فوقه تيشرت من نفس اللون ذو حمالات رفيعة يصل قريبا من سرتها ليترك بقية بطنها المسطحة ظاهرة ..!!
لم تكن متحررة يوما هكذا لكن يبدو إن السفر خارجا غيرها ..
انتهت أخيرا من جولتها بفوزها المستحق لتتبادل التحية مع منافسها الخاسر قبل أن تنسحب متحركة خارج الملعب عندما لمحته أخيرا فظهرت الدهشة للحظات ..
دهشة أخفتها بمهارة وهي تمنحه إبتسامة واسعة وتحييه بيدها قبل أن تتقدم نحوه بخطواتها الأنثوية الجذابة ….
وقف يستقبلها عندما قابلته تخبره بحماس :-
” سأغير ملابسي بعد أن أستحم سريعا ثم نذهب الى مكان مناسب كي نتحدث ..”
كانت تتحدث وهي على يقين إنه جاء خصيصا لرؤيتها وهو بالفعل جاء لأجلها ..
عاد ينتظرها في نفس المكان عندما عادت مجددا بعد حوالي ثلث ساعة وهي ترتدي ملابس مكونة من بنطال جينز ضيق ينتهي أسفل ركبتيها بقليل فوقه تيشرت أخضر اللون ذو حمالات رفيعة يحتوي على رسومات بسيطة بينما شعرها الطويل تركته منسدلا بعدما صففت خصلاته المبللة ..
أشارت إليه :-
” تعال معي .. هناك مطعم أحبه كثيرا .. يمكننا الجلوس فيه والتحدث بل وتناول الطعام فأنا جائعة كثيرا ..”
وجد نفسه يسير خلفها مندهشا من بساطتها وهي تتحدث معه بهذه الطريقة العفوية وكأنه لم يكن بينهما ماضي ولم يجمعهما أي شيء مسبقا ..
بعد مدة من الزمن كان يجلس أمامها يتناول قهوته بينما تتناول هي طعاما خفيفا تسد فيه جوعها الشديد مع قدح من عصير البرتقال البارد المفصل لها …
” إذا كيف حالك ..؟! وما هو جديدك ..؟!”
قالتها بعدما إرتشفت قليلا من عصيرها ووضعت القدح على الطاولة مجددا ليجيب بجدية :-
” كل شيء جيد .. انا بخير .. عملي يسير بشكل رائع وحياتي عموما جيدة ..”
” هذا رائع ..”
قالتها بسعادة بدت حقيقية عندما سألها هو بدوره :-
” وأنت ..؟! ماذا عنك ..؟! ”
ردت ببساطة وهي تهز كتفيها :-
” انا بخير .. أشعر بمزيج من الإستقرار والسعادة هذه الفترة تحديدا ..”
سألها بجرأة :-
” هل الطلاق سببا في ذلك ..؟!”
ضحكت بخفة ثم قالت :-
” بالطبع لا .. طلاقي كان منذ مدة طويلة .. ولأكن صريحة معك فأنا لم أكن سعيدة به .. بل إنني إحتجت وقتاا لتجاوز الإنفصال ..”
سألها مجددا و لا يعلم لماذا شعر بالضيق مما قالته وكأنه كان يتمنى العكس ، كان يتمنى أن تخبره إنها أرادت الطلاق وسعدت به :-
” لماذا تطلقت إذا طالما لم تكوني ترغبين بذلك ..؟!”
أطلقت تنهيدة طويلة ثم قالت :-
” الظروف هي من أجبرتني على ذلك … لا أعلم كيف أشرح لك لكنه كان مختلفا عني في كل شيء … في البداية حاولت تجاوز هذه الإختلافات بل إنني كنت أتجاهلها عمدا لكن هناك أمور لم يعد بوسعي تقبلها .. ”
صمتت لوهلة ثم أكملت بإختصار :-
” وعندما وجدت إنه لا أمل من تغيير بعض صفاته التي لا يمكنني تحملها قررت الإنفصال .. ”
” وهو ..؟! وافق على الإنفصال بسهولة ..؟!”
ابتسمت بضعف ولمحة ألم او ربما خذلان ظهرت في عينيها :-
” أسهل مما تتصور ومنحني حقوقا أضعاف ما يحق لي …”
” يبدو إنه لم يكن مغرما بك ..”
قالها وهو يدرك مدى قسوة هذه الكلمات عليها ولكنها للغرابة ردت ببساطة :-
” دوما ما يقول إنه مغرم بي .. حتى وقت الطلاق .. أخبرني إنني أول حب في حياته لكنه يقول أيضا انه رجل عملي ويرى إننا لا نناسب بعضنا وهو رجل لا يهتم بالمشاعر بقدر ما يهتم براحته وسعادته ويبدو إنه لم يجد أيا منهما معي … ”
” لا بأس .. زيجة فاشلة لا تعني نهاية العالم ..”
قالها ببرود لتبتسم وهي ترد :-
” أخبرتك إنني تجاوزت الأمر منذ فترة والآن بالفعل أشعر إنني ممتنة لنفسي وله كوننا قررنا أن ننفصل بكل هدوء ودون محاولات غير مجدية للإستمرار ..”
حمل فنجان قهوته يرتشف منه القليل وفعلا هي المثل حيث عادت ترتشف من عصيرها ..
هتفت بعدما أعتدت قدحها الى مكانه :-
” كيف حال ليلى ..؟! أفكر في زيارتها قريبا ..”
ابتسم بخفة دون رد ليجدها تردد بجدية :-
” أم إن زيارتي ستزعجها ..؟!”
أضافت وهي تتلكأ في نبرتها قليلا :-
” كونها تعرف ما كان بيننا ..”
رد بنبرة لا تخلو من السخرية :-
” لا تقلقي من هذه الناحية .. ليلى لن تهتم وبالطبع ستسعد برؤيتك ..”
رفعت حاجبها تردد بدهشة :-
” لا تهتم .. ”
صمت للحظة ثم هتف بعدها :-
” نحن على وشك الإنفصال ..”
سيطرت الدهشة على ملامحها للحظات قبل أن تردد بسخرية مفتعلة :-
” ما بال الجميع ينفصل هذه الفترة ..؟!”
رد ببرود ولا مبالاة :-
” إنه النصيب كما يقول ..”
ضحكت بخفة قائلة :-
” نعم هو كذلك ..”
ثم أضافت بتساؤل :-
” في الحقيقة لم أستوعب بعد كيف حدث وتزوجتها رغم إنها كانت ..”
توقفت عن حديثها ليكمل هو نيابة عنها :-
” خطيبة أخي بل حبيبته لسنوات ..”
اكتفت شيرين بهزة من رأسها لتسمعه يقول بهدوء :-
” زواجي من ليلى كان مجرد صفقة .. صفقة حان وقت إنهاؤها ..”
” صفقة ..!!”
رددتها بعدم إستيعاب قبل أن تلوي فمها تسأله بتهكم :-
” وهل كانت تلك الصفقة ناجحة يا عمار ..؟!”
أجاب بجدية وثقة :-
” من ناحيتي .. كانت أكثر من ناجحة .. لقد حصلت منها على ما أريد بل وأكثر .. ”
إسترسل بلهجة قوية وشموخ :-
” فأنا لا أخسر مهما حدث .. انا دوما الطرف الرابح يا شيرين … دوما أحصل على ما أريد ..”
تراجعت الى الخلف قليلا وهي تتأمل ملامحه القوية المعبرة مع نبرة صوته الواثقة لتهمس بخفوت وصل إليه :-
” تغيرت يا عمار .. لكن تغييرك ليس مفاجئا بالنسبة لي .. شخصيتك تطورت بالشكل الذي لطالما توقعته … ”
” ماذا تعنين ..؟!”
سألها بغلظة لترد بجدية :-
” منذ سنوات عندما كنا سويا وكنت أرى مستقبلك يتشكل أمام عيني .. ربما لا تصدق حديثي لكنني بالفعل رأيتك كما أنت الآن .. بنفس العنفوان والقوة .. الغرور و السيطرة .. انت كنت تشبه رياح هادئة سيأتي وقتا وتهب عواصفها مدمرة الجميع … وقتها كنت كالهدوء الذي يسبق العاصفة .. وانا كنت أنتظر اليوم الذي تحل عاصفتك يا عمار ..”
أكملت وهي تلاحظ جمود ملامحه :-
” إعصارك كان قويا وقاسيا واول من دمره كان أخيك …”
همس بصوت خرج مهتزا رغم جمود ملامحه :-
” أنتِ ..”
ابتسمت وعيناها تومضان ببريق خاص :-
” أعلم ما حدث مع أخيك وأعلم إنك السبب في كل ما حدث … في الحقيقة كنت أنتظر هذا اليوم منذ السنوات .. وكنت اتسائل عن الطريقة التي ستنتقم بها منه .. ”
صمتت قليلا تأملت الرهبة التي ظهرت على ملامح وجهه وفي عينيه لتهتف بصوت قوي :-
” انتقامك كان مدمرا يا عمار .. قاسيا كقلبك تماما … قلبك الذي لا يعرف طريقا للرحمة او الغفران … ”
رهبته كانت واضحة فالمرأة التي تجلس أمامه وتتحدث معه كانت تعرفه أكثر من أي أحد آخر بل تعرفه وكأنها عاشت داخله وأدركت مخططاته منذ سنوات وهذا وحده كان كافيا لزعزعة ثباته الذي حافظ عليه لسنوات ..
…………………………………………………………
مساءا …
كانت حياة تجلس مع صباح وغالية تتبادلان أطراف الحديث حيث ينتظر الجميع قدوم نديم الذي من المفترض أن يصل بعد قليل كي يتناولوا العشاء سويا ..
هتفت صباح فجأة مشيرة لإبنتها :-
” ما رأيك أن تعدي لنا القهوة بنفسك يا غالية ..”
أضافت وهي تشير الى حياة :-
” قهوة غالية مميزة .. تستخدم خلطة معينة في صنعها ..”
بدت الدهشة على ملامح غالية مما تسمعه لكنها هزت رأسها وهي تهتف بسرعة :-
” بالطبع … سأعدها فورا ..”
ثم نهضت من مكانها وهي تقرر أن تطلب من الخادمة إعداد القهوة فهي لا تتذكر متى آخر مرة أعدتها ولا تتذكر حتى كيف كان طعمها ..
تبادلت حياة الإبتسامة مع صباح التي هتفت أخيرا بجدية :-
” كنت أنتظر هذا اللقاء منذ مدة ..”
نظرت اليها حياة بصمت وقليل من التوتر لتضيف صباح بجدية :-
” أردت أن أطلب منك أن نتحدث بمفردنا ولكنني لم أرغب أن أحرجك أو أسبب الإرتباك لك ففضلت أن تكون دعوتي لك بوجود غالية وبالطبع نديم ..”
هتفت حياة بصوت متحشرج :-
” كان بإمكانك أن تفعلي ذلك وأنا كنت سآتي بالطبع ..”
ابتسمت صباح وقالت :-
” أعلم ذلك حبيبتي .. لا أريدك أن تخجلي مني او تتوتري يا حياة .. لا تتعاملي معي كوالدة خطيبك وزوجك المستقبلي .. انظري الي .. عندما ترتدين خاتم ابني ستصبحين كغالية تماما وأتمنى أنت تعتبريني والدتك انت ايضا ..”
هتفت حياة بجدية :-
” يشرفني ذلك بالطبع ..”
تنهدت صباح ثم قالت بجدية :-
” لقد تحججت بأمر القهوة لأصرف غالية فهناك ما أريد قوله لك بمفردك …”
هزت حياة رأسها بتفهم بينما قالت صباح بجدية :-
” لقد تحدث معي نديم .. هناك مشروع سفر بينكما … ”
أكملت بسرعة :-
” اولا عليك أن تدركي إنني لا أتدخل فيما يحدث بينكما أبدا .. انا فقط أحاول أن أطمئن على ولدي لا أكثر ..”
ابتسمت حياة وقالت بلطف :-
” يحق لك بالطبع .. بإمكانك التحدث بما ترغبين وأنا معك ..”
” هل لديك رغبة بالسفر يا حياة ..؟! أخبريني بصراحة .. ”
صمتت حياة قليلا قبل أن تجيب بجدية :-
” الى الآن لا أملك إجابة حاسمة .. لا أنكر إن فكرة إكمال دراستي في الخارج تبدو مغرية لكنها لم تكن ضمن مخططاتي أبدا .. يعني كل شيء جاء فجأة وانا لا أعلم إذا ما كان السفر يناسبني أم لا .. ”
همست صباح :-
” نديم كان يريد السفر بعد خروجه من السجن مباشرة .. لكنني رفضت وهو تراجع عن قراره وقرر البقاء .. كنت سعيدة بذلك وظننت إنه سيتخطى تدريجيا ما حدث ويبدأ في بناء مستقبله من جديد لكن مع مرور الأيام أدركت خطأي … ربما السفر سيكون أفضل له ..”
قالت حياة بجدية :-
” نديم متخبط بقراراته .. لا يعرف ما يريد بالضبط … ولا يحاول أن يثبت على قرار معين .. لا يمكنني لومه .. فما مر به ليس سهلا .. ولكنني أخشى أن يكون السفر مجرد هروب .. هروب من الماضي لا غير ..”
” معك حق في كل ما تقولينه يا حياة .. لكن أخبريني .. هل يوجد حل أفضل له من السفر ..؟! السفر ربما يساعده قليلا في تخطي ما حدث .. هناك سيجد نفسه في مجتمع جديد وناس جدد لا يعرفون عنه شيئا .. ”
أضافت والألم ظهر في نبرتها :-
” هل تظنين إنه من السهل علي أن أبتعد عن ولدي ..؟! انا رفضت أمر السفر في البداية لإنه لم أستطع تقبل فكرة إبتعاده عني .. لقد حرمت منه لسنوات مرغمة ولم أكن مستعدة لسنوات جديدة من الغربة والفراق لكن طالما هناك آمل له في سفره فسأقسو على نفسي وأكتم وجعي داخلي فقط كي يحيا ابني الحياة التي يستحقها …”
” أنا آسفة لذلك حقا .. وآسفة لإنني عاجزة عن إتخاذ القرار المناسب .. ”
قالتها حياة بصوت متحشرج قبل أن تضيف بجدية :-
” أنا لا أعلم ماذا أقول ..”
قاطعتها صباح بتروي :-
” أنت تخشين من الفكرة ذاتها .. السفر والغربة أمرا ليس هينا …”
ردت حياة بسرعة :-
” بكل الأحوال نحن لا ننوي الإستقرار الى الأبد هناك .. من المفترض أن نبقى في الخارج لفترة .. ”
أضافت بتردد :-
” لكن نديم يريد أن نسافر بأسرع وقت .. نعقد قراننا ونسافر … حتى إنه لا يريد إنتظار إكمال سنتي الأخيرة هنا …”
قالت صباح بسرعة :-
” ستكمليها هناك .. وهذا سيكون افضل لك وأسهل للغاية عندما تقدمين على الدراسات العليا …”
صمتت صباح تتأمل تغضن ملامح حياة فسألتها بإهتمام :-
” أخبريني مالذي يقلقك بالضبط …؟! أشعر إن الأمر لا يتعلق بفكرة السفر نفسها .. أليس تفكيري في محله ..؟!”
هزت حياة رأسها ثم قالت بصدق وصراحة :-
” انا لا أريد الإستعجال في أمر الزواج … انا ونديم نحتاج الى وقت أكبر قبل أن نخطو خطوة كهذه .. ”
تجهمت ملامح صباح فقالت حياة بسرعة مبررة :-
” كما أخبرتك منذ قليل نديم متخبط في قراراته وفي مشاعره أيضا .. انا أخاف أن يستيقظ يوما ويدرك إنه تورط في زواجه مني .. هو ما زال تائها ضائعا يبحث عن أي شيء يخفف من حيرته وضياعه .. ربما هو الآن يراني المرأة المناسبة وشريكة المستقبل لكنني لست واثقة من أن تستمر رؤيته هذه للأبد والأهم إن ماضيه مسبقا يجعلني لا أثق بصحة هذا الإرتباط .. أقصد ماضيه العاطفي بالطبع ..”
حل الصمت المطبق وملامح صباح بدت هادئة بشكل غريب لكنها قالت أخيرا :-
” ليلى بالطبع ..”
أومأت حياة برأسها لتقول صباح بجدية :-
” نديم لا يفكر بالعودة لها مهما حدث .. هذا ما قاله وأنا أثق به …”
هتفت حياة بجدية :-
” الأمر لا يتعلق فقط بعودته لها من عدمه …”
” اذا ما الأمر الآخر ..؟!”
سألتها صباح بجدية فهتفت حياة بتردد :-
” الأمر يتعلق بمشاعره نفسها .. انا لن أستطيع الإستمرار معه ومشاعره ليست لي بل الأسوأ إن مشاعره بل قلبه بالكامل ملك لأخرى .. لا أستطيع تقبل هذا ولا يوجد ما يجبرني على القبول به ..”
همت صباح أن تسألها عن سبب قبولها الإرتباط به طالما هي تفكر هكذا لكن دخول نديم وهو يلقي التحية قاطعها لتنهض صباح تستقبله بسعادة ..
قبلها نديم من وجنتيها قبل أن يحيي حياة ليسمع والدته تقول بجدية :-
“طالما أتيت سأطلب من الخادمة إعداد الطاولة … دقائق وتكون الطاولة جاهزة ..”
ثم تحركت خارج المكان مسرعة يتابعها نديم بنظرات قلقة وهو يشعر بشيء ما ليس جيدا فيها قبل أن يلتفت نحو حياة يبتسم لها بهدوء ثم يتقدم نحوها ..
………………………………………………………………
دلفت صباح الى مكتب زوجها وأغلقت الباب خلفها بعنف ..
أخذت تدور داخل المكتب كالطير الجريح وكلمات حياة الأخيرة أصابتها بالصميم بل فتحت جراحها القديمة دون أن تشعر …
اتجهت نحو المكتب الذي لم تطأه قدميها منذ وفاة زوجها الا مرتين او ثلاث ..
سارعت تفتح أدراج المكتب بعنف غريب قبل أن تصل الى الدرج الأخير لتسحب تلك الصورة منها تتأمل ملامح المرأة الجميلة بعذاب لا ينتهي …
شعرت بضعف في قدميها فسارعت تجلس على كرسي المكتب وهي ما زالت ممسكة بالصورة تهمس لها وكأنها تحدثها :-
” كنت دوما ما تظنين إنني الرابحة يا ديانا لكنني في الحقيقة كنت الخاسرة الأكبر وأنت من ربحتِ كل شيء .. ”
أضافت وعيناها تلمعان بحقد دفين :-
” وابنك مثلك تماما .. ربح كل شيء بينما خسر ابني كل شيء دون أن يستحق .. كوني سعيدة الآن يا ديانا فدعواتك علي إستجابت جميعها وخسارتي كانت أكبر من خسارتك بكثير ..”
توقفت عن همسها عندما فتحت الباب ودلفت غالية تقتحم المكتب بعدما رأت والدتها بالصدفة وهي تندفع الى المكتب بهذه الطريقة الغريبة بل وتغلق الباب بقوة مخيفة ..
” ماذا هناك يا ماما ..؟! ”
قالتها وهي تتقدم نحوها قبل أن تقف بجوازها فتنحني ببصرها نحو الصورة الموضوعة بين يدي والدتها لتسحبها لا إراديا وهي تتأمل تلك المرأة الجميلة بعينيها الخضراوين وملامحها الجذابة ..
” هذه والدة عمار .. أليس كذلك … ؟!”
سألتها غالية بدهشة قبل أن تنتبه لملامح والدتها الجامدة فتسأل مجددا متعجبة :-
” ماذا تفعل صورتها معك ..؟! هل كانت في مكتب والدي ..؟! مالذي أتى بها في مكتبه ..؟!”
ابتسمت صباح بمرارة وهي تجيب :-
” لم تغادر مكتبه يوما يا غالية كي يدهشك وجودها فيه ..”
” انا لا أفهم .. لماذا يحتفظ والدتي بصورتها ..؟! ”
سألتها بصوت ضعيف قبل أن تتأمل الدرج المفتوح فتنحني للأسفل تقلب في محتوياته عندما وجدت صورا عديدة لديانا .. صورا لها بمفردها وصورا مع والدها …
فاجئها احتفاظ والدها بتلك الصور ولكن ما فاجئها أكثر ما رأته في تلك الصور .. والدها وديانا كانا يبدوان كعاشقين بحق .. نظرات والدها لم تكن سوى نظرات رجل عاشق حد النخاع .. ارتجفت أناملها وهي تتأمل الصور بعدم تصديق قبل أن تنتبه لذلك الخاتم الماسي فتحمله بتردد ..
رفعت عيناها نحو والدتها وهي تضع احدى الصور التي تخص والدها مع زوجته ونظرات العشق منه لها لا تقبل أي شك ..
سألتها تحاول الفهم وهي التي دوما ما سمعت عن قصة حب والديها العظيمة والتي كانت سببا في طلاق زوجته الأولى منه :-
” ماذا هذه الصور ..؟! ولم يحتفظ والدي بها ..؟! ولماذا نظراته تبدو كرجل عاشق حقا ..؟!”
كانت تسأل وكأنها تشكك فيما تراه رغم إن كل شيء بدا واضحا لها كالشمس …
سمعت والدتها تجيب بصوت بارد كالجليد :-
” هذه الصور التي ترينها هي الحقيقة يا غالية .. الحقيقة التي لم يدركها أيا منكما أنت ونديم مسبقا .. ما ترينه هو الحقيقة وأي شيء آخر كان مجرد كذبة .. كذبة يا غالية ..”
هزت غالية رأسها بعنف وهمست :-
” انت لا تعنين ..”
انتفضت صباح من مكانها وقالت بملامح متشنجة :-
” لم يحبني يوما .. تزوجني لإنني ابنة خالته .. تزوجني كي لا يخسر رضا والدته وميراثه .. تزوجيني وهو بالكامل ملكا لأخرى .. أخرى عاش ومات وهو يحبها بينما أنا كنت مجرد زوجة على ورق .. زوجة لا تعني له شيئا .. زوجة لا ترتقي لرتبة صديقة حتى .. ”
” كيف يعني ..؟! ”
” كيف يعني ..؟! سأخبرك كيف يعني ..”
قالها صباح بدموع لاذعة قبل أن تحمل صورة ديانا وتشير إليها قائلة :-
” تلك المرأة كانت حياة والدك .. وبفقدانها انتهت حياته …”
أضافت والذكريات تتدفق داخل عقلها دون رحمة :-
” منذ أن كنا صغارا وخالتي قررت إنني زوجة إبنها المستقبلية .. حسين بكرها وأول فرحتها .. كبرت وانا أنتظر اليوم الذي سيخطبني رسميا رغم إنه لم يظهر أي إهتمام بي من أي نوع .. لكن كلام خالتي كان واضحا .. صباح لحسين .. هذا قرارها منذ أن كنا أطفالا .. لكن القدر كان له رأي أخر .. فحسين قابل ديانا في الجامعة .. أحبها من النظرة الاولى .. عشقها كما لم يعشق رجل إمرأة .. مهما وصفت لك عشقه لتلك المرأة لن تستوعبيه … حارب لأجلها وتزوجها رغما عن أنف الجميع .. كان مستعدا ان يترك القصر والثروة والعائلة فقط لأجلها ..زواجه حطمني فهو الرجل الذي نشأت على حبه وكبرت وأنا سأصبح زوجته يوما ما .. ولكنني قررت تقبل الحقيقة المرة خاصة عندما علمت مدى حبه لها .. لكن جدتك التي هي خالتي كان لها رأيا مختلفا .. فديانا الفتاة التي نشأت في عائلة متوسطة الحال لا ترقى لمكانة عائلتنا من أي ناحية ليست هي الكنة التي تريد .. استمرت في محاولاتها لتفريقهما وعندما فقدت الأمل فكرت بشيء مختلف .. إدعت المرض وأوهمت الجميع إنها مصابة بالسرطان وجلبت تحاليل تؤكد ذلك وحينها خيرت حسين بين أمرين إما أن يتزوجني أو أن تغضب عليه حتى موتها بل وتحرمه من حقه في الميراث حيث جدك كان قد سجل كافة أملاكه بإسمها ..”
ابتلعت صباح غصتها داخل حلقها وأكملت :-
” تزوجني مجبرا وفرحت جدتك التي كانت تدرك بفطنتها إن ديانا لن تقبل بضرة لها مهما حدث وستطلب الطلاق لكن حمل ديانا جاء في نفس الوقت فإضطرت الأخيرة الى الرضوخ للوضع المؤلم … منذ اول يوم زواج لي وعشت في تعاسة فوالدك لم يقربني إلا بعد عدة أشهر وبعدما أجبرته والدته على ذلك .. لم يقربني سوى مرات معدودة بدافع الواجب ثم ما لبث ان تركني عندما ولدت ديانا عمار وأصبح معها طوال الوقت .. ”
ابتسمت بمرارة :-
” بعدها اكتشفت إنتي حامل وهناك فوجئت بديانا تطلب الطلاق … حاول والدك مرارا أن يثنيها لكنها رفضت .. أخبرته إنها لم يعد بمقدورها أن تتحمل وجود أخرى تشاركها فيه والأهم إنها لا تستطيع تحمل تصرفات والدته وإهاناتها المتكررة … كل شيء جرى سريعا وقررت ديانا ان ترفع قضية وتحصل على الطلاق رغما عن والدك الذي بدوره قرر أن يسحب عمار منها ظنا منه إنها ستعود إليه مرغمة لأجل ابنها لكن ما حدث بعدها كان غير متوقعا ..”
” ماذا حدث ..؟!”
سألتها غالية والدموع تهطل من عينيها بغزارة :-
” تزوجت ديانا من رجل آخر .. رجل ثري جدا … قيل إنه أحبها من النظرة الاولى ولكنها رفضته لكن والدها أجبرها عليه حيث وجد إنه لا فائدة من بقائها مطلقة دون رجل وهي ترفض العودة لوالدك .. يوم زواجها كاد والدك أن يموت حتى إنه نقل الى المشفى بعدما أصابته جلطة عابرة .. في تلك اللحظة فقط رأيت الندم في عيني خالتي .. خالتي التي استوعبت انها حطمت ابنها بجبروتها .. ”
أطلقت تنهيدة طويلة ثم قالت :-
” صدقيني لولا حملي لكنت انفصلت عنه .. لكنني كنت حامل والإنفصال كان صعب … ”
” كيف عشتما بعدها ..؟! ”
سألتها غالية وهي تكفكف دموعها لتجيبها صباح بألم :-
” بعد مدة من زواج ديانا حاول حسين أن يتقرب مني … الأمر استمر لأشهر لكنه عاد لطبيعته القديمة وأصبحت حياته تقتصر على طفليه .. عمار ونديم ..”
لم تشأ صباح أن تخبرها إن مجيئها كان بالصدفة البحتة حيث كان والدها مخمورا تماما على غير العادة فهو لا يتناول المشروبات الكحولية إطلاقا لكنها يومها كان سكرانا غير واعيا لأي شيء عندما أقام علاقة معها نتج عنها حملها بغالية …
” وهكذا مرت السنين وجئت انت … استمرت الحياة بنفس الرتابة .. كنا نعيش تحت سقف واحد كغريبين لكننا كنا نتظاهر أماميكما بالعكس ..”
هزت غالية رأسها ودموعها عادت تهطل مجددا عندما صاحت بألم :-
” لماذا كذبت علينا ..؟! لماذا أوهمتنا بالعكس ..؟! لماذا عشنا سنوات نظن إن والدي ترك زوجته الأولى من أجل حبك ..؟! لماذا ..؟!”
………………………………………………………….
كان يجلس بجوارها يتأملها عن قرب عندما قال بجدية :-
” عم كنتما تتحدثين انت ووالدتي ..؟! ”
ردت حياة وهي تبتسم بهدوء :-
” حديث خاص بيننا ..”
” هكذا اذا ..”
قالها وهو يبتسم بخفة قبل أن يضيف بجدية :-
” والدتي تحبك حقا …”
ابتسمت وردت :-
” وأنا أحببتها رغم لقائاتي المحدودة بها ..”
” اذا ماذا ننتظر … ؟! ”
” عم تتحدث ..؟!”
سألته بإستغراب ليتنهد ثم يقول بجدية :-
” متى ستمنحيني موافقتك على عرض الزواج والسفر يا حياة ..؟!”
ظهر التردد على ملامحها عندما همست أخيرا :-
” أريد التفكير جيدا قبل إتخاذ قرار صعب كهذا ..”
” ألهذه الدرجة فكرة الزواج مني تبدو صعبة ..؟!”
قالها بسخرية لتهتف بجدية :-
” فكرة الزواج عموما من اي شخص تعتبر فكرة صعبة وتحتاج الى تفكير مطول … ”
أضافت وهي تتأمله :-
” انا بحاجة للتأكد من بعض الأشياء قبل إتخاذ القرار النهائي ..”
سألها مستغربا :-
” أشياء مثل ماذا ..؟!”
ردت يصدق :-
” أريد التأكد من صحة إرتباطنا .. أريد أن أثق جيدا بخطوتنا هذه .. ”
” انا أثق جيدا بذلك ومتأكد إن إرتباطنا هو الشيء الصحيح يا حياة .. ”
تغضنت ملامحها بعدم اقتناع ليسألها وهو يحيط كفها بكفه :-
” مالذي يقلقك بالضبط …؟!”
” لماذا انا بالذات يا نديم ..؟! ولماذا انت واثق لهذة الدرجة من صحة ارتباطك بي ..؟!”
صمت قليلا ثم قال :-
” لإنك مختلفة … جذابة وذكية .. شجاعة ولطيفة .. لإنك تحملين كافة الصفات التي تجعلني أرغبك انت كزوجة دونا عن أي واحدة أخرى ..”
تنهد بصوت مسموع ثم اضاف بصدق :-
” حياة انا لم أكن أفكر بأمر الزواج حتى قابلتك .. لم أكن لأتزوج من الأساس لكن دخولك حياة جعلني أفكر بأمر الإرتباط مجددا بعدما قررت ألا أرتبط مجددا بل جعلني أتوق للزواج بك بأقرب وقت .. ”
” هل برأيك هذا يكفيني للقبول بزواجنا ..؟!”
سألها بعد صمت دام للحظات لتجده يجيب بجدية :-
” اذا كان هناك سبب كافي لقبولك فهو مشاعرك نحوي … ”
تجمدت ملامحها لتسمعه يضيف :-
“أنت تحبينني يا حياة ..”
قالها بإقرار وثقة شديدة ليضيف متشدقا :-
” وانا سعيد جدا بحبك لي …”
أضاف وعيناه تحومان حول ملامح وجهها الباهتة قليلا :-
” أريد أن تحبيني دائما يا حياة .. أن تعشقيني أيضا .. فحبك ومشاعرك الصادقة النقية أكثر ما أحتاجه الآن … ”
” وماذا عنك ..؟! ماذا عن مشاعرك نحوي ..؟! انت منذ بداية الحديث تتحدث عن أشياء تخصني .. لكنك لم تذكر شيئا يخص شعورك انت يا نديم …”
ضمت قليلا ليحاوط وجهها الواجم بنظرات فشلت في تفسيرها كالعادة لكن صوته خرج أخيرا محملا بعاطفة غريبة :-
أنهى كلماته وعيناه ما زالتا تحاصران بنيتيها المتلهفتين لسماع المزيد لينحني قليلا ويطبع قبلة بطيئة طويلة على موضع غمازتها التي أراد كثيرا تقبيلها من قبل …
ابتعد عنها متأملا عينيها المغمضتين بإستمتاع للحظات قبل أن يهمس بصوت خافت أجش:-
” افتحي عينيك يا حياة …”
فتحت عينيها بسرعة لتجده يرمقها بنظرات غريبة قليلا قبل ان يعاود الانحناء قليلا مقربا وجهه من وجهها مرددا بحميمية :—
” أنتِ مصدر قوتي يا حياة … تذكري هذا دائما …”
” كم هذا رائع .. مشهد رومانسي يستحق أن نعرضه على الشاشات وفي مواقع التواصل الإجتماعي حيث سيجلب مشاهدات خيالية …”
كان هذا صوت عمار الذي اقتحم المكان ليلتفت نديم نحوه بحدة وقد عرفه من صوته بينما توترت ملامح حياة وهي تلتفت نحوه بدورها لتتجمد ملامحها وهي ترى عمار أمامها لكن ليس لوحده …
كان يقف في مقدمة الصالة وذراعه تحيط خصر ليلى التي ترتدي فستانا شديد الأناقة وتصفيفة شعرها مع مكياجها الهادئ تشيران الى كونها كانت في سهرة مهمة …
حبست حياة أنفاسها داخل صدرها وهي تتأمل إبتسامة عمار المليئة بالمكر المخيف وجمود ملامح ليلى الغير مفهوم لتستدير رغما عنها فتجد نديم يرمق الاثنين بملامح حادة مخيفة قبل أن يضيف عمار وهو ما زال محتفظا بإبتسامته :-
” بارك لنا يا أخي .. انا وليلى تراجعنا عن قرار الطلاق وقررنا أن نمنح زيجتنا فرصة جديدة …”
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة علي
لماذا كذبت علينا..؟! لماذا أوهمتنا بالعكس..؟! لماذا عشنا سنوات نظن إن والدي ترك زوجته الأولى من أجل حبك..؟! لماذا..؟!
كنت مضطرة.. لم يكن بوسعي فعل شيء مختلف.. أردت أن أصنع لكما انتِ وأخيكِ حياة مثالية حتى لو كذبا.. ما الخطأ الذي ارتكبته..؟! علام تحاسبيني..؟! على حياتي التي عشتها دائما على الهامش..؟! على وضعي كزوجة بالإسم بينما وجودي في هذا المنزل الكبير هو فقط لأجلكِ انتِ وأخيكِ..؟!
هتفت غالية بقوة:-
كان بإمكانك أن تفعلي مثلها.. كان بإمكانك أن تتطلقي دون الإستمرار في زيجة كهذه..
ردت صباح بغصة محكمة داخل حلقها:-
انا لست مثلها… ديانا كانت مختلفة.. نحن لا نتشابه من هذه الناحية.. ديانا كبرياؤها أهم من أي شيء… هي كانت مستعدة للتخلي عن كل شيء في سبيل استعادة كرامتها المهدورة بزيجة والدك مني..
هي استعادت كرامتها وانتِ أهدرتِ كرامتكِ بدلا عنها..
كانت كلمات غالية قاسية للغاية لكنها لم تستطع أن تكتمها داخلها ولم تستطع أن تمنع نفسها من القول:-
أنتِ دمرتي حياة المرأة يا ماما.. ألا تلاحظين إنك تسببتي في دمارها بل دمار عائلة كاملة..؟!
شهقت والدتها رغما عنها وكلمات غالية تصفعها بقوة بينما أكملت ابنتها بنفس القسوة والتحدي:-
الآن فقط بدأت أستوعب سبب تصرفات عمار.. هو بالتأكيد لديه علم بكل هذا..
قاطعتها والدتها بسرعة:-
عمار لا يعلم شيئا..
صاحت غالية:-
بل يعلم وأنا واثقة من هذا.. وهو ينتقم منك من خلال نديم.. يدمرك كما دمرتي حياته وسرقتي عائلته منه..
هل ترينني بهذه البشاعة حقا يا غالية..؟!
سألتها والدتها بمرارة لتجيب غالية وهي تكتم دموعها بقوة:-
كونكِ والدتي وأقرب شخص لقلبي لا يغير حقيقة إنك سرقتي الرجل من زوجته بل سرقت حياة أخي.. أخي الذي نشأ دون أم بينما عشنا نحنا طوال عمرك معك بين أحضانك.. مدللين سعيدين بأبوينا بينما كان هو وحيدا.. حتى والدي لم يكن قريبا منه..
هو من ابتعد عن والدك..
قالتها صباح محاولة الدفاع عن زوجها لتصيح غالية بنفاذ صبر:-
ما زلت تدافعين عنه.. تدافعين عنه وقد حرم ابنه من والدته لسنوات.. ماذا كنت تتوقعين من طفل نشأ محروما من والدته طوال عمره..؟!
أنت تبررين له ما فعله بأخيكِ..؟!
سألتها صباح بملامح عصبية لتجيب غالية بسرعة:-
أنا لا أبرر.. ما فعله لا يغتفر.. لكن علينا أن ندرك إن ما وصل إليه وذلك السواد الذي ملأ روحه وقلبه هو من صنع يدي والدي ويديك.. والدي أراد أن ينتقم من هجران زوجته له عن طريق ولدها وانت دمرتي عائلة كانت ستكون مثالية بحق..
إن جئنا للواقع فجدتك هي السبب الأساسي لكل هذا..
رمقتها غالية بنبرة هازئة لتضيف صباح بصوت متحشرج:-
لكن لا تقلقي.. هي أيضا أخذت عقوبتها كاملة..
نظرت إليها غالية بصمت لتهتف صباح بنبرة معذبة:-
لقد أصابها المرض الخبيث حتى استهلكها كليا وقبلها فقدت ابنتها الوحيدة في عز شبابها.. أحيانا أشعر إن لعنة ديانا أصابتنا جميعا… فجدتك عانت لسنوات من مرضها وقبلها من ألم فقدان ابنتها حتى انتصر المرض في النهاية عليها ورحلت.. وأنا عشت حياة بائسة لا روح فيها.. كنت ميتة وأدعي الحياة لأجلكما… ورغم كل شيء كنت راضية بكل هذا ولكن ما حدث نديم كانت الضربة القاضية بالنسبة لي..
أغمضت غالية عينيها بتعب شعرت به يغزو جسدها بالكامل من هذه المواجهة عندما جلست على الكرسي جانبها محاولة السيطرة على أعصابها النافرة تماما في هذه اللحظة..
رفعت وجهها تنظر الى والدتها مجددا فترى لأول مرة ذلك الحزن العميق في عينيها لتهمس رغما عنها:-
وحياة..؟! ألا تشعرين إنك تكررين نفس المأساة معها..؟!
هتفت صباح بدهشة:-
ما علاقة حياة بالأمر..؟!
ردت غالية بجدية:-
ألا ترين إن وضعها مع نديم يشبه وضعك مع والدي..؟! انت كان لديكِ ديانا وهي لديها ليلى..
قاطعتها صباح معترضة:-
كلا بالطبع.. لا يوجد مقارنة بين الوضعين..
لكن غالية عادت تنهض من مكانها تعارضها بقوة:-
بل يتشابهان للغاية.. أنت تشجعين زيجة نديم وحياة رغم إدراكك مدى قوة حب نديم لليلى.. تريدين تكرار نفس مأساتك مع حياة..
عاندتها والدتها:-
أخبرتك إن الوضع مختلف..
هتفت غالية بنفاذ صبر:-
ما المختلف بالضبط..؟! نديم يعشق ليلى.. يعشقها منذ أعوام وانت تريدين من حياة أن تتزوجه رغم كونه ما زال يحب ليلى.. القصة نفسها تتكرر لكن بأشخاص وظروف مختلفين.. هل تمنين نفسك إنه سيحب حياة يوما..؟!
ردت صباح بهدوء:-
ولم لا..؟! لم لا يحبها..؟!
نعم من الممكن أن يحبها ومن الممكن ألا يفعل.. عندما لا يفعل ذلك ستعيش الفتاة بتعاسة وربما ستعاني مثلك تماما..
أضافت وهي تضحك بمرارة:-
وأنا بكل غباء كنت أشجع نديم على التقرب منها.. كنت أراها مناسبة له وأشجع علاقتهما..
هتفت بصرامة:-
نحن نستغل الفتاة يا ماما.. ربما تأخرت في إدراك هذا لكن ما سمعته اليوم منك جعلني أشعر بالجريمة التي كنت سنرتكبها في حقها..
صاحت صباح بعدم تصديق:-
جريمة..؟! أية جريمة يا غالية..؟!
ردت غالية بجدية:-
كنا نفعل ما بوسعنا لنجمع بينها وبين نديم وكنا نفعل هذا فقط لأجل نديم.. لإننا رأينا إن وجود الفتاة معه سيساعده كثيرا ولإننا شعرنا بحاجته لوجود فتاة مثلها جواره… فكرنا به وبوضعه فقط وتناسينا الفتاة نفسها.. تناسينا ما يخصها… كل ما فكرنا به ونديم وكيفية مساعدته على تجاوز ما عايشه..
يكفي يا غالية.. لا تتحدثي بحماقة.. الفتاة تعرف الماضي بأكمله وهي راضية به تماما.. لا داعي للفلسفة الزائدة..
الآن أصبح حديثي فلسفة زائدة.. ماما أنت بالتأكيد تدركين إن حياة تعيش موقفا يشابه الموقف الذي عشته..
همت والدتها بالرد مقاطعة إياها لكن طرقات على باب المكتب جعلت الصمت يستقر بينهما للحظات قبل أن تسمح صباح الطارق بالدخول..
دلفت لطيفة رئيسة الخدم بملامح غير مرتاحة عندما هتفت بهما:-
صباح هانم.. غالية هانم.. السيد عمار جاء منذ لحظات..
صمتت قليلا ثم أضافت:-
وليلي هانم معه..
نظرت غالية الى والدتها بعينين متسعتين قبل أن تسير بسرعة خارج المكان تتبعها صباح وهي تدعو الله داخلها ألا يفتعل ذلك المجنون أي مشكلة..
بارك لنا يا أخي.. أنا وليلى تراجعنا عن قرار الطلاق وقررنا أن نمنح زيجتنا فرصة جديدة..
صمت مريب سيطر على اجواء المكان حيث يتبادلان نديم وعمار النظرات..
عمار بنظراته المستفزة ونديم بتلك الحدة الواضحة في عينيه.. ليلى متصنمة وكأنها لا تستوعب ما يحدث وحياة تتابع الموقف بقلق شديد..
قطع نديم الصوت أخيرا قائلا بهدوء ونبرة بدت عادية جدا:-
قرار جيد.. مبارك لكما..
تأملت حياة ليلى بذلك الجمود الذي ما زال يسيطر على كل إنش في وجهها بينما عمار يبتسم بطريقة رجل يخفي الكثير داخله..
دخول غالية تتبعها صباح أنقذ الموقف حيث تصرفت غالية بلباقة من الواضح أن تصطنعها محاولة أن تسيطر على الموقف الحاد برمته..
تقدمت غالية نحو عمار وليلى تهتف بترحيب رغم شحوب وجهها الذي لم تلحظه سوى حياة فليلى ما زالت في صدمة الموقف ونديم تركيزه منصب على عمار وعمار بالطبع لن ينتبه لشحوب وجه اخته..
مرحبا.. كيف حالكما..؟!
قالتها غالية بإبتسامة مصطنعة عندما بادلها عمار الإبتسامة بأخرى تماثلها وهو يرد:-
اهلا غالية.. نحن بأفضل حال كما ترين..
عاد يشدد من قبضته على خصر ليلى مرددا:-
بارك لنا يا غالية.. أنا وابنة خالتك قررنا العودة لبعضنا..
منحته غالية إبتسامة صفراء وهي تبارك لهما:-
مبارك لكما..
بينما أخذت تتأمل جمود ليلى المخيف قبل أن تحرك رأسها وترد المباركة بصوت بالكاد يسمع..
انتقل عمار ببصره نحو صباح التي تقف على الجانب منهما ليهمس بصوت بدا عاديا لكن نظراته الهازئة كانت واضحة:-
وزوجة والدي هنا ايضا..
أضاف بصوت غير مريح:-
كيف حالك يا زوجة أبي العزيزة..؟!
ردت صباح بفتور:-
اهلا عمار..
ثم أشارت الى لطيفة التي تقدمت الى الداخل تسألها:-
هل الطعام أصبح جاهزا..؟!
ردت لطيفة بعملية:-
مائدة الطعام جاهزة يا هانم.. بإمكانكم الانتقال الى غرفة الطعام..
هتفت صباح وهي تشمخ بجسدها تتقدم الجميع:-
تفضلوا الى غرفة الطعام..
قبض نديم على كف حياة يهمس لها بخفوت:-
هيا بنا..
تلاقت نظراته بنظراتها فشعر إنها قلقة للغاية فمنحها إبتسامة صافية وهو يشدد من قبضته لتسير جانبه خلف عمار الذي يقبض على يد ليلى بقوة وقبلهما غالية..
أخد الجميع موقعه على مائدة الطعام حيث جلست صباح في المقدمة وعلى يمينها عمار وليلى بينما على يسارها نديم وحياة وغالية…
بدأ الجميع في تناول الطعام عندما هتف عمار فجأة وهو ينظر الى حياة مرددا بنبرة لبقة وإبتسامة خاصة:-
لم يسعفني الترحيب بك جيدا يا آنسة حياة.. لقد تشرفت بمعرفتك..
أضاف وهو ينقل بصره بينها هي ونديم:-
ومبارك لكما الخطبة مقدما..
ابتسمت حياة بهدوء وهي ترد:-
أشكرك.. وأنا أيضا تشرفت بمعرفتك..
ارتشف عمار القليل من العصير ثم قال وهو يضع العصير جانبه على الطاوله:-
أنت ما زلت طالبة جامعية، أليس كذلك..؟!
ردت حياة بصوتها الهادئ:-
نعم في سنتي الأخيرة..
وماذا تدرسين..
ضغط نديم على قطعة اللحم الموضوعة أمامه بشوكته بقوة بينما أجابت حياة بنفس الهدوء:-
الصيدلة..
رائع..
قالها عمار وهو يبتسم لها قبل ان يضيف بنبرة مقصودة:-
نفس تخصص نديم.. سيساعدك كثيرا في دراستك فهو متفوق للغاية..
رد نديم بصوت بارد:-
حياة لا تحتاج إلى مساعدتي.. فهي الأولى على دفعتها طوال العامين السابقين..
هتف عمار وهو ما زال محتفظا بإبتسامته:-
الأولى على دفعتك.. إنه شيء جيد جدا خاصة إن دراسة الصيدلة صعبة للغاية..
أضاف وهو يقلب الطعام في شركته:-
والدتي ايضا كانت صيدلانية…
تجهمت ملامح صباح لا اراديا وتوترت ملامح غالية وكأنه ينقصها أن يأتي ذكر تلك المرأة مجددا في نفس الليلة بينما ابتسمت حياة بهدوء ليضيف وعيناه تتأملان حياة بإهتمام:-
وأيضا كانت الأولى على دفعتها طوال خمسة سنوات.. كانت متفوقة للغاية وتعشق الصيدلة وكل شيء يتعلق بالكيمياء عموما..
قالت حياة برقة:-
وأنا ايضا أحب الصيدلة كثيرا وكذلك الكيمياء ولهذا اخترت دراستها..
لاحت في نظراته لمحة حزينة لم يلحظها أحد سوى غالية فهو كان ماهرا في السيطرة على نظراته وإخفائها قبل أن تظهر لأحد ليسترسل عمار بجدية:-
يمكنك العمل في صيدلية والدتي رحمها الله.. إنها صيدلية ضخمة جدا ومعروفة..
قاطعه نديم بسرعة وقليل من الحدة:-
شكرا على خدماتك.. لكن حياة سيكون لها صيدليتها الخاصة والتي سأفتحها أنا لها بنفسي..
زوج جيد..
قالها عمار بسخرية صامتة قبل أن يضيف بتهكم مقصود:-
من الجميل أن يدعم الزوج زوجته في عملها..
أضاف لاويا ثغره بخبث:-
وبإمكانك أن تساعدها انت ايضا وتمارس مهنتك مجددا معها من خلال شهادتها.. الكثير يفعل هذا وكونك شهادتك سحبت منك لن يؤثر على عملك معها..
ضغطت ليلى على شفتيها بقوة محاولة إخفاء غضبها من تصرفات عمار بينما توترت ملامح حياة بالكامل ونفس الشيء حدث مع غالية اما نديم فسيطر الجمود على ملامحه تماما..
جمود امتد للحظات قبل أن يحمل كوب عصيره ويرتشف منه القليل ثم يعاود تناول طعامه حتى قال بعد لحظات مقررا ان يدير دفة الحديث هذه المرة:-
لكن غريب أمر عودتكما يا عمار انت وليلى.. أتذكر إن الأمر وصل بينكما للمحاكم..
كتمت غالية أنفاسها الغاضبة بصعوبة من هذين الذين يناطحان بعضيهما كثورين عنيدين…
وكالعادة عمار كان يجيب بهدوء لا يشبهه:-
كان قرارا متهورا من ليلى ولكنها أدركت بعد ذلك مدى صعوبة أمر كهذا..
أضاف وهو يغطي كف ليلى الموضوع على الطاولة بكفه:-
ليلى إمرأة ذكية وعاقلة وهي قررت أن تعطي زيجتنا فرصة أخرى وأنا كنت سعيدا للغاية بقرارها لإنني لم أكن أرغب أساسا بالانفصال عنها..
أضاف بإبتسامة اختار أن يجعلها مليئة بالفرح:-
نحن حتى نفكر في انجاب طفل..
استدارت ليلى نحوه لا إراديا بملامح احتدت تماما بينما أضاف وهو يرمي زوجة والدته بنظرات لا تخلو من الاستهزاء:-
ألا يقولون إن وجود طفل يعزز العلاقة بين أي زوجين يا زوجة أبي..؟!
ضغطت ليلى على السكين بقوة والأفكار المجنونة سيطرت عليها في تلك اللحظة… ماذا سيحدث إن غرزت هذه السكينة في صدره..؟! ربما ستنتحر بعدها او سوف يعدمونها، لكنها على الأقل سوف يذكرها التاريخ دائما بتلك المرأة التي خلصت العالم من شيطان حقير يسعى لتدمير جميع من حوله..!!
رمقته صباح بنظرات ثابتة وهي تجيبه:-
لم لا..؟! لقد مرت عدة سنوات على زواجكما ومن الجيد أن تنجبان طفلا..
أضافت ببرود:-
ولكن ليس دائما وجود الطفل يعزز من العلاقة.. فالعلاقات الفاشلة تنتهي لا محالة حتى لو كان هناك عشرة أطفال وليس طفل واحد..
أضافت وهي تلوك الطعام داخل فمها:-
أكبر مثال على ذلك والدتك.. فرغم وجودك لم تستمر في زواجها من والدك..
نظرت غالية الى والدتها بحدة وهي تفكر في تهور كلماتها والخوف تسرب داخلها من ردة فعل عمار الذي سيقول ربما شيئا يسبب مشكلة كبيرة خاصة لنديم الذي بدوره يبدو متحمسا للدخول في عراك معه..
لكن عمار فاجئ الجميع وهو يرد بهدوء يحمل في طياته الكثير من الخبث:-
ورغم ذلك لم يؤثر الانفصال على مشاعر كليهما ولا زيجتهما الثانية أثرت على ما يحمله كلاهما لبعضيهما… ظلت مشاعر والدي ثابتة راسخة وبرأيي هذا أكبر مكسب حصلت عليه والدتي في النهاية..
أضاف وهو ينظر الى ملامح صباح الباهتة:-
ولا داعي لذكر سبب انفصال والدتي عن والدي وفي النهاية أنا لست متضايقا من إصرارها على الانفصال لإن والدتي إمرأة ذات كبرياء شديد.. إمرأة تعتز بنفسها وكرامتها فوق كل شيء.. لذا فأنا أتفهم تصرفها بل أفتخر بها لإنها عاشت وماتت بكبرياء رائع ورأس مرفوع..
أخفضت صباح نظراتها نحو الطاولة وهي تفكر إنه يعلم.. يعلم بكل شيء… زوجها من أخبره بالتأكيد.. وكأنه لم يكتف بتحطيمها طوال عمرها ليأتي ويهدر كرامتها أمام ابنه… غالية كان معها حق.. عمار يعرف الحقيقة وهذا كان كافيا لتشعر إن ألمها السابق ومعاناتها مع زوجها عادت مجددا بعدما دفنتها داخلها لسنوات..
بما إنني انتهيت من عشائي سأنهض وأعد القهوة لكم كي تكون جاهزة بعد العشاء مباشرة..
قالتها غالية وهي ترسم على ملامحها إبتسامة بسرعة ما إن أنهى عمار كلامه محاولة انهاء اي حديث اخر قد يحدث لكن حياة هتفت وقد شعرت إن الجلسة لا تحتمل المزيد:-
في الحقيقة أنا يجب أن أذهب الآن..
أضافت وهي تلتفت نحو صباح:-
أشكرك على دعوتك وعلى العشاء المميز ولكن لا يمكنني التأخر أكثر في العودة..
رغم شحوب ملامحها إصطنعت صباح الإبتسامة وهي ترد بتفهم:-
على راحتك بنيتي..
نهض نديم يقول بدوره وقد شعر إن هذا بالضبط ما يريده في هذه اللحظة:-
هيا بنا اذا..
أضاف وهو يلتفت لوالدته:-
أنا سأذهب يا أمي..
مع السلامة حبيبي..
قبض نديم على كف حياة وسحبها متجها خارج المكان عندما وقفت حياة امام غالية تودعها قبل ان تلتفت نحو عمار وليلى تبتسم وهي تقول بهدوء:-
سعدت بلقائكما اليوم.. مع السلامة..
رفعت ليلى وجهها بوجه حياة وقد شعرت حياة إن جمودها خف قليلا فرسمت إبتسامة شاحبة على وجهها وهي ترد تحيتها بخفوت بينما نهض عمار من مكانه قائلا وهو يرسم نفس إبتسامته الجذابة:-
أنا الأسعد حقا يا آنسة حياة.. ستجمعنا لقاءات عديدة بعد الآن فأنت ستصبحين فردا من العائلة قريبا..
تقدم نديم نحو حياة يقبض على كفها بتملك ليمنحه نديم نظرات هازئة قبل ان ينحني نحوه هامسا له:-
اختيار موفق جدا.. الفتاة تبدو رائعة.. فقط عليك أن تعرف كيف تحافظ عليها جيدا هذه المرة كي لا يأتي أحدا ويسرقها منك..
رمقه نديم بنظرات نارية ليهمس الى حياة بنبرة جامدة:-
هيا بنا يا حياة..
سارا الاثنان خارج المكان ليشير عمار نحو ليلى:-
حبيبتي.. يجب أن نذهب نحن أيضا.. غدا لدي الكثير من الأعمال ولا يمكنني السهر طويلا..
نهضت ليلى من مكانها وهي تحمد ربها على رغبته بالرحيل بينما أشار عمار نحو صباح بنبرة آمرة:-
دعي الخدم يجهزون غرفتي أنا وليلى.. أريدها جاهزة لاستقبالنا عندما نقرر العودة..
ثم قبض على يد ليلى يجرها خلفه دون ان يلقي تحية الوداع حتى تاركا الاثنتين تتطلعان الى آثره بنظرات تجمع ما بين الدهشة والغضب..
كان يقود سيارته بملامحه بدت مرتاحة وهي تجلس بجانبه بغضب يلفها من رأسها حتى أخمص قدميها..
هل أنت سعيد الآن..؟!
قالتها وهي تكز على أسنانها بغيظ ليبتسم وهو يومأ برأسه دون رد قبل أن يتجه نحو هاتفه المربوط بمشغل الموسيقى مقررا تشغيل احدى الاغاني..
هل تفضلين سماع نوعا معينا من الموسيقى..؟!
رمقته بنظرات مشتعلة ليمط شفتيه وهو يرد:-
لا تجيبي.. لا أفهم لمَ سألتك من الأساس.. وكأن ذوقك سيعجبني..
ثم فتح إحدى الأغاني العربية التي يحب سماعها لكن بعد لحظات امتدت يد ليلى وأطفأت الاغنية مرددة بعصبية:-
لا تصبني بالجنون الآن.. هل هذا وقت الأغاني بالله عليك..؟!
وقت ماذا إذا..؟!
سألها ببرود أعصاب لترد من بين أسنانها:-
كيف تفعل بي هذا..؟! كيف تتصل بي وتخبرني بضرورة لقائنا لأمر يتعلق بمشكلة والدي..؟! بل تطلب مني أن أرتدي شيئا أنيقا لإن هناك أشخاص مهمين سيجتمعون بي لمواضيع تخص اعمال والدي..؟! كيف تفعل بي هذا لتفاجئني وتأخذني الى منزل خالتي..
قاطعها بقوة:-
انه منزل والدي وليس منزل خالتك..
هل هذا ما يهمك..؟! هل المشكلة تكمن هنا..؟!
أضافت وهي تود ان تسبه لولا أخلاقها التي لا تسمح لها بهذا:-
أنت وضعتني في موقف سخيف كهذه دون أن تأخذ رأيي حتى.. تصرفت دون مراعاة لي.. تصرفت من ذاتك وقررت أن تأخذني وتمثل تلك المسرحية الهزلية..
أنت قلتيها.. مجرد مسرحية.. ما الضرر منها..؟!
كان يتحدث ببساطة استفزتها اكثر لتهتف بقوة:-
اسمعني يا عمار.. أنا لست لعبة عندك ولستُ المرأة التي تقبل أن تستخدمها لإغاضة أخيك..
أضافت بعصبية:-
لا أصدق ما مررت به اليوم ولا أصدق الموقف الذي وضعتني به..
التفتت نحوه مجددا تصيح وهي ترفع إصبعها في وجهها:-
اسمع يا عمار.. أنا لن أسمح لك أن تجعلني مجرد لعبة في يديك تحركها كما تشاء وتستغلها لتصرفاتك الخبيثة.. لست انا من تفعل بها هذا وتتصرف هكذا معها..
أوقف سيارته أمام منزلها أخيرا واستدار نحوها بعدما أطفأ المحرك قائلا بضجر:-
هل انتهيت أم هناك المزيد..؟!
هتفت بتحدي:-
المهم أن تستوعب ما اقوله يا عمار وتنفذه..
رد ببرود:-
لو كنت طلبت منك المجيء معي الى هناك بصراحة ومسايرتي في تصرفاتي ما كنت لتقبلي..
هدرت به:-
فقررت ان تخدعني وتأخذني هناك بهذه الطريقة الحقيرة..
حسنا يكفي..
قالها بضيق قبل ان يضيق:-
لقد حدث ما حدث وعليك ان تعرفي إنني مقابل ما حدث اليوم سأحقق لك طلبك..
زمت شفتيها وهي تستمع الى باقي حديثه:-
غدا سأكون عندك والدك وأخبره بأمر الشيكات.. بإمكانك أن ترافقيني ايضا..
أضاف بجدية:-
اتركي غضبك مما حدث اليوم وفكري في الغد.. أظن إنك تنوين على الكثير من الاشياء بعدها..
أكمل بصوت هازئ:-
لكن انتبهي ألا يصاب والدك بأزمة قلبية عندما يدرك المصيبة التي وقع فيها..
لم تهتم بحديثه بل بدت ملامحها في تلك اللحظة ملامح إمرأة تفكر في شيء هام للغاية…
نظرت له بعد لحظات وقالت:-
جيد.. سأنتظرك غدا وندخل سويا..
ثم أضافت بعزيمة:-
وأمر الشيكات سنتحدث به لاحقا.. فأنا لدي عرض لك.. ربما يعجبك..
هز رأسه ببطأ لتفتح باب السيارة جانبها وتهبط منها متجهة الى المنزل يتابعها هو بنظراته حتى اختفت ليهم بتشغيل سيارته لكن رؤية مريم وهي تتقدم بسيارتها الحديثة نحو الفيلا جعلته يتراجع عما يفعله ويفتح باب سيارته هابطا منها..
عندما رأته أوقفت سيارتها جانبا وهبطت هي بدورها من سيارتها تسير نحوه حتى توقفا أمام بعضيهما فسألته بحدة:-
ماذا تفعل هنا..؟!
رد بإبتسامة ملتوية:-
كنت أوصل ليلى الى هنا.. كنا سويا..
ماذا كنتما تفعلان سويا..؟!
سألته بريبة ليرد بخبث:-
عيب حقا سؤال كهذا يا مريم.. ربما نفعل شيئا خاصا بين الأزواج مثلا..؟!
رفعت إصبعها في وجهه تهتف بقوة:-
انظر الي.. أعلم إن هناك شيء مريب يحدث بينكما.. لكنني سأعرفه لا محالة.. الأهم من كل هذا هي ليلى.. اذا فكرت في إيلامها مجددا سأقتلك حينها..
قرب وجهه من وجهها يهتف بخفوت رغم انكماشها على ذاتها من قربه:-
تأكدي إنني لن أؤذيها مجددا مهما حدث.. ليس حبا فيها او شفقة عليها بالطبع.. بل لإنها أختك.. هكذا فقط.. ولإنني أدرك جيدا كم تعني لك وكم تحبينها.. لأجلك يا مريم لن أؤذيها مجددا مهما حدث.. لأجلك انت فقط لا غير..
رمقته بنظرات محتقرة ليبتسم لها بهدوء قبل أن يسألها وهو يتذكر سبب هبوطه من سيارته:-
أين كنت..؟!
عفوا.. ما شأنك..؟!
قالتها بإمتعاض ليهتف من بين أسنانه:-
الساعة قاربت على الحادية عشر مساء.. ماذا كنت تفعلين خارج المنزل في وقت كهذا..؟!
ردت ببرود:-
لن أجيبك لإنه ليس من حقك أن تسأل سؤال كهذا..
مريم..
صاح بقوة فمدت لسانها نحوه وهي تهتف بإستفزاز:-
لن أجيبك.. سأتركك هكذا محتارا وأفكارك تأخذك هنا وهناك..
ضحك رغما عنه وهو يشاهدها تتصرف بهذه الشقاوة المحببة فوجدها تتأمله بصمت غريب ليسألها:-
ما بالك تنظرين إلي هكذا..؟!
هتفت بجدية:-
هل تعلم..؟! أنت وسيم للغاية.. فقط لو كنت تمتلك من الأخلاق والطيبة بقدر ما تمتلك من الجمال الخارجي لأصبحت أكثر رجل مثالي في العالم..
الأخلاق والطيبة..!!
قالها بسخرية قبل أن يقول:-
هل تعلمين..؟! ربما ستتفاجئين بما أقوله.. لكنني أعترف إنني شخص أسود القلب والروح… ربما حقير ونذل ايضا.. لكنني على الأقل اعترف بهذا والأهم إنني لست ضجرا من صفاتي.. على العكس تماما.. أنا فخور بذاتي وبنفسي وبكل صفاتي اللعينة لإنني لولاها لما أصبحت ما أنا عليه الآن..
رمقته بنظرات مطولة لم يستطع أن يفهم مغزاها لتتجه بعدها نحو سيارتها وتركبها متجهة الى داخل الفيلا تاركة إياه يتابعها بنظراته حتى اختفت تماما ليأخذ نفسا عميقا قبل ان يرفع وجهه نحو السماء يتأملها لدقائق..
أخرج هاتفه من جيبه بعدها وأجرى اتصالا سريعا يخبر تلك التي لم يذهب إليها منذ حوالي أربعة أيام:-
أنا قادم يا بوسي..
اغلق الهاتف مجددا واتجه نحو سيارته مفكرا إن غدا لديه يوم طويل للغاية أهم ما فيه جيلان وما ينتظرها منه..
كانت تجلس بجانبه وهو يقود سيارته عندما سألها بإهتمام:-
هل ضايقك شيئا ما الليلة..؟!
عقدت حاجبيه تسأله بإستغراب:-
كلا، لماذا تسأل..؟!
رد بجدية:-
لإنني شعرت إن رغبتك بالرحيل ليس بسبب تأخر الوقت.. شعرت إنك تتخذين رغبتك بالعودة مبكرا حجة..
تنهدت وقالت:-
نعم.. أنا بالفعل تحججت بأمر عودتي ولكن ليس لإنني تضايقت من شيء ما..
صمتت للحظات ثم قالت بصدق:-
بل لإنني شعرت إن هذا أفضل لك.. شعرت إنك تحتاج إلى مغادرة المكان..
التفتت نحوها يرمقها للحظات شعرت بها تحمل القليل من الدهشة المصبوغة بالراحة او ربما الامتنان لإنها تفهمت شعوره بل ساعدته في التخلص منه…
عاد يلتفت نحو الطريق وهو يقول بصدق:-
في الحقيقة نعم كنت أود المغادرة.. أنا كنت أشعر بالاختناق طوال العشاء..
شعرت بهذا وقررت التصرف بتلك الطريقة..
قال بنبرة ممازحة:-
اذا علي أن أشكرك لإنقاذك لي..
رفعت حاجبها تردد:-
تشكرني اذا..؟!
هز رأسه ثم سألها:-
ماذا تفضلين..؟! البحر أم مقهى..
قاطعته بسرعة:-
البحر بالطبع..
ضحك وهو يقول:-
من الآن فصاعدا سأدرك إن إحدى أفضل الطرق لإسعادك هو أخذك إلى البحر..
أضاف وهو يرمقها بطرف عينيه:-
أحب رؤية تلك الفرحة العارمة على وجهك وداخل عينيك ونبرة صوتك التي تشع حماسا.. أظن إنني سآخذك يوميا إلى هناك كي أرى تلك الفرحة وأسمع هذه النبرة..
ضحكت دون رد ليبتسم بدوره قبل ان يتوقف أخيرا أمام البحر حيث هبطا من السيارة وأخذا يسيران بجانب بعضيهما…
قبض نديم على يديها ليشعر بتوترها فيشدد على قبضته وهو يقول:-
نحن في حكم المخطوبين.. ومن المفترض ان ترتدي خاتمي أيضا خلال الأيام القادمة.. لذا ما نفعله طبيعيا للغاية..
ابتسمت برقة ولم تجبه وقد بدأ توترها يخف تدريجيا ففوجئت به يسألها:-
أنا اول من يفعلها، أليس كذلك..؟!
سألته بعدم فهم:-
عم تتحدث..؟!
رد وهو يبتسم لها بعدما توقفا بجانب احدى المسطبات:-
اول من يمسك يدك.. هذا الأمر واضحا بالنسبة لي..
هزت رأسها وهي تنظر إلى عينيه مباشرة ليسألها بعدما جذبها من كفها وأجلسها على المسطبة:-
ألم تحبي من قبل..؟! أقصد يعني،
صمت قليلا ثم قال:-
هل أنا صاحب اول دقة قلب كما أشعر أم إن هناك من سبقني..؟!
تنحنت بحرج ثم قالت وهي تنظر إلى البحر حيث تبعد عينيها عن وجهه:-
أنت اول حب في حياتي يا نديم.. أنا لم أحب قبلك أحدا..
شعر بسعادة غربية تطفو داخل قلبه وفكرة إنه الوحيد من سرق قلبها كانت رائعة للغاية ومفرحة بشكل عجيب..
إلتفتت نحوه تقول بعدما تنهدت ببطأ:-
أنا لم يسبق لي أن أحببت شخصا ولو حتى بصمت.. ربما كان هناك إعجاب لكن حب لم يحدث مع سواكِ..
عقد حاجبيه يسألها بنبرة بدت حادة:-
ومن ذلك الذي أعجبتِ به..؟!
ابتسمت بهدوء وقالت:-
ليس مهما.. كان مجرد اعجاب وانتهى..
هتف بإصرار:-
ولكنني أريد أن أعرف..
زفرت أنفاسها ثم قالت بصراحة:-
الدكتور ثامر.. كنت أشعر بالإعجاب نحوه خاصة إنه بدوره كان يبدو معجبا بي..
التوى فم نديم مرددا بسخرية:-
بالطبع معجب بك وإلا ما كان طلب يدك بل ربما كان يحبك ايضا…
هتفت بعبوس:-
لقد انتهى ذلك الامر يا نديم.. أنا رفضته وهو تفهم رفضي وتقبله..
وهل كان من المفترض ألا يفعل..؟! عليه أن يتقبله غصبا عنه..
بدت نبرته في تلك اللحظة متسلطة بشكل مخيف فقالت بسرعة:-
لا أحب أن تتحدث بتلك الطريقة.. انه رجل محترم ولم يسيء لي.. لقد تقدم لخطبتي وأنا رفضت وانتهى الأمر.. أساسا لا أرى سببا يجعلها نتحدث عنه الآن..
كتم غضبه بصعوبة وهو يومأ برأسه مرددا بفتور:-
معك حق..
ابتسمت له برقة فظهرت غمازاتها مجددا ليشعر بغضبه يقل تدريجيا حتى يختفي تماما..
كان لإبتسامتها تحديدا تأثيرا خاصا عليه.. تمنحه السكينة الهدوء وتضيء روحه في نفس الوقت..
ابتسمي دائما يا حياة.. أنا أحب إبتسامتك كثيرا..
كسا الخجل وجنتيها فقررت ان تبعد بصرها عنه مجددا وتنظر إلى البحر عندما هتفت بعد لحظات:-
هل يمكنني أن أطرح سؤالا..؟!
رد بسرعة:-
بالطبع..
التفتت نحوه ترمقه بنظراتها المترددة قبل ان تقول بعدما شعرت به يطمأنها بنظراته التي تطلب منها ان تتحدث:-
ضيقك وشعورك بالاختناق على العشاء، هل يعود بسبب وجودهما سويا..؟!
أطلق تنهيدة طويلة وسؤالها لم يكن مفاجئا بالنسبة له..
أجاب بهدوء وجدية:-
كلا، الامر أبعد بكثير من وجودهما سويا.. سبب ما شعرت به هو عمار.. وهذا دوما ما كنت أشعر به عندما نجتمع في مكان واحد.. منذ أن كنا صغارا وحتى الآن ولكن بعدما حدث معي شعوري هذا زاد اضعافا..
هزت رأسها بتفهم قبل أن تقول:-
ألا يوجد أمل أن تتصالحا اليوم..؟!
رد بسرعة:-
مستحيل..
أضاف بسرعة كي لا يسمح لتفكيرها أن يأخذ منحى بعيد:-
والأمر لا يتعلق بليلى يا حياة.. هناك أشياء بيننا أكبر من ارتباطه بها..
أومأت برأسها قبل أن تعاود النظر نحو البحر مجددا فينظر هو بدوره الى البحر ليشرد كلا منهما في افكاره التي تخصه..
كان يقف في منتصف غرفته يجري اتصالا بأحدهم حيث يخبره بصوته المتسلط الآمر:-
اسمعني جيدا… اريد كافة المعلومات عنه والأهم معلومات عن كيفية ثبوت تلك التهمة عليه وتفاصيل محاكمته و كل شيء..
أضاف بصوته القوى الثابت:-
اريد تفاصيل كاملة.. كما أريد معرفة ما يفعله حاليا… كل شيء يخصه أريد معرفته..
إسترسل بجدية:-
وأريد أن تضع شخصا يراقبه… يراقبه طوال اليوم..
أكمل:-
سأمنحك مبلغا ضخما جراء كل شيء تفعله والأهم كلما زادت المعلومات التي ستجلبها أهميه كلما زاد ما سأمنحه إياك..
هتف أخيرا قبل أن ينهي المكالمة:-
حسنا سأنتظر معلوماتك في أقرب وقت ممكن فأنا لا أحب الانتظار كثيرا..
أغلق الهاتف ثم وقف أمام المرآة يلقي نظرة أخيرة على مظهره قبل ان يخرج من الغرفة متجها خارج المنزل للقاء أحد اصدقائه غافلا عن سماع أخته لتلك المكالمة المريبة والتي اندفعت داخل غرفته بعدما خرج لتتوقف مكانها تتأمل ارجاء الغرفة بتردد..
تقدمت تتأمل الغرفة المرتبة للغاية فأخيها من النوع الذي يهتم بترتيب كافة أغراضه وبعناية فائقة..
اتجهت نحو ذلك المكتب الموضوع قرب النافذة وبدأت تتفحص تلك الاوراق الموضوعة بعناية عليه فوجدتها أوراق تخص عمل أخيها عندما فتحت درجا وراء الأخر لتتوقف مكانها عندما فتحت الدرج الثاني وهي تنظر إلى ما يحتويه بصدمة..
جذبت الصور وأخذت تقلبها بعدم تصديق.. صورا لفتاة تراها لأول مرة… صورا متفرقة لها.. بعضها لها لوحدها والبعض الآخر تجتمع بها مع نضال بل وبعض الأشخاص يشاركونهم الصور..
ابتلعت ريقها وهي تتأمل ملامح الفتاة والشبه الذي يجمعه بأختها.. لم تكن نسخة عنها ولا تحمل ذات الملامح لكن كان هناك شبها بينهما.. شبها واضحا… ملامح تلك الفتاة تحمل شبها كبيرا من ملامح اختها اضافة الى شعرها البني القصير ربما هناك بعض الفروقات بينهما فالفتاة ذات بشرة أفتح من بشرة حياة وعيناها أيضا تحملان لونا أفتح.. هي فعلا ليست نسخة عن حياة بل إن هناك اختلافات كثيرة بينهما لكنها يبدوان متشابهتان كأختين يحملان الكثير من التشابه…
شعرت بالخوف لا اراديا عندما فتحت هاتفها الذي تحمله معها دائما وقررت ان تلتقط بعض الصور قبل أن تعيدها مكانها بحرص..
خرجت من الغرفة واتجهت الى الطابق السفلي بملامح يغلب عليها الشرود عندما وجدت والدها يجلس في صالة الجلوس يقرأ في كتاب ما وبجانبه كوب كبير من الشاي كعادته في هذا الوقت من المساء..
تقدمت نحوه بتردد سرعان ما نحته جانبا مفكره إنه يجب أن يعلم فهو يمتلك من الحكمة ورزانة التفكير ما سيساعدان لإيجاد حل لهذا الموضوع..
بابا.. اريد التحدث معك..
رفع والدها وجهه من فوق كتابه ليمنحها إبتسامة دافئة قبل أن يغلق كتابه ويضعه على الطاولة أمامه ثم يشير لها أن تتقدم وتجلس جواره..
تبدين شاحبة يا حنين..
قالها وقد لاحظ شحوب وجهها وإرتباكها لتومأ برأسها فسألها بسرعة:-
ماذا هناك يا صغيرتي..؟! أخبريني..
أين ماما اولا..؟!
سألته بإهتمام ليجيب بجدية:-
في غرفتها.. كانت تشعر بصداع خفيف فقررت أن تتناول أدويتها وتخلد للنوم..
فتحت هاتفها بسرعة وضغطت على أوضح صورة التقطتها للفتاة وأعطتها لوالدها الذي أخذ ينظر للفتاة بتمعن قبل أن يسأل:-
من تلك الفتاة يا حنين..؟!
سألته حنين بدورها:-
أخبرني يا أبي..؟! ألا تذكرك تلك الفتاة بواحدة ما..؟! واحدة تشبهها..
صمت الاب للحظة ثم قال:-
إنها تشبه اختك حياة.. تحمل بعضا من الشبه بها..
أضاف وهو يعطيها الهاتف مجددا:-
لكن من تلك الفتاة ومن أين تعرفينها..؟!
فتحت احدى الصور التي تجمعها بنضال وعادت تعطيها لوالدها الذي نظر إلى الصور بذهول مرددا:-
هل هذه حبيبته..؟!
أنت لا تعرف تلك الفتاة اذا..؟!
رد بسرعة:-
كلا لا أعرفها.. لكن من الصور واضح إنهما حبيبان..
أضاف يتسائل بجدية:-
ماذا يحدث يا حنين بالضبط..؟!
تنهدت حياة بتعب ثم قالت:-
سأخبرك يا أبي.. سأخبرك بكل شيء.. فأنت الوحيد القادر على الوقوف في وجه نضال وحل هذه المشكلة..
في صباح اليوم التالي..
كانت يسيران بجانب بعضهما عندما وجدها تقف امام مكتب والدها بملامح بدت له متوترة فهمس لها مساندا:-
كوني قوية وواثقة فالحرب أمامك طويلة يا ليلى..
رمقته بنظراتها وإهتمامه بها لا يعجبها حقا.. اهتمام لا تستسيغه ربما لإنها لم تر منه سابقا سوى الألم والعذاب…
زفرت أنفاسها ببطأ ثم شمخت برأسها وهي تطرق على الباب بعدما همست بقوة:-
هيا ندخل..
دلفت إلى المكتب يتبعها عمار لينهي والدها اتصاله بسرعة يستقبلها بإبتسامة متحفظة وهو يدرك مدى تباعدها عنه بعدما حدث..
ابتسامة سرعان ما اندثرت وهو يرى عمار يطل خلفها..
ألقى عمار التحية بهدوء ليسألهما بتعجب:-
ماذا هناك..؟!
أضاف وهو يكتم غضبه بصعوبة:-
وماذا تفعلان هنا سويا..؟! بالتأكيد هذا ليس إعلان منكما بالعودة..؟!
تقصد العودة كزوجين..
قالها عمار مدعيا الغباء لتهتف ليلى بقوة وملامحها بدت قاتمة اكثر من اي مرة سابقة:-
اترك أمر عودتنا جانبا.. فهناك شيء أهم جئنا لنتحدث عنه..
أشارت لعمار ان يتقدم فسار بخطواته الواثقة وجلس على الكرسي الجانبي لمكتب والدها لتجلس ليلى مقابل عمار قبل أن تستدير نحو والدها تسأله:-
أخبرني يا والدي العزيز.. كيف تسير أوضاع الشركة عندنا..؟!
ظهر التوتر على وجه والدها لكنه أخفاه وهو يجيب بهدوء مصطنع:-
الشركة تسير على ما يرام..
وفي لمح البصر كانت ليلى تخرج الشيكات وترميها على المكتب وهي تصيح بحدة:-
طالما كل شيء على ما يرام، ما هذه الديون اذا..؟! من أين جائت..؟!
ابتلع والدها ريقه وهو يحمل الشيكات يتأمل المبالغ الهائلة داخلها عندما سارعت ليلى تضيف بقوة:-
ما سبب كل هذه الديون يا أبي..؟! كيف استطعت أن تتداين كل هذه الاموال..؟! أين ذهبت بها أساسا..؟!
من أين حصلتِ على تلك الشيكات..؟!
سألها بملامح قاتمة ليصدح صوت عمار مرددا:-
مني.. تلك الشيكات معي منذ مدة طويلة بعدما اشتريتها من أصحابها..
ولماذا فعلت هذا..؟!
سأله بإنفعال ليرد عمار بسخرية:-
هذا بدل ان تشكرني لإنني أنقذتك من السجن يا حمايا العزيز.. أصحاب الشيكات كانوا ينوون تقديمها للشرطة اذا لم تدفع المبالغ كاملة..
قال الأب بسخرية:-
وأنت أصبحت شهما وقررت أن تشتريها.. لا تقل أيضا إنك ستتنازل عنها..
هتف عمار ببرود:-
طوال حياتي شهما يا عمي لكن ليس إلى درجة التنازل عن ملايين الدولارات..
تحدث بوضوح، لماذا جئت..؟!
هتف عمار بعدما ألقى نظرة عابرة على ليلى:-
جئت لأخبرك إنه أمامك ستة أشهر لتسديد الديون وإلا سأقدم الشيكات للشرطة..
أضاف وهو ينظر إلى ليلى مرددا بنبرة شديدة الوداعة:-
اعذريني حبيبتي.. لكنها ملايين وأنا لن أرمي أموالي في الشارع بسبب استهتار والدك وزيجاته..
نهض من مكانه وقال أخيرا:-
كلامي واضح يا عمي.. سأنتظر المبلغ كاملا خلال ستة أشهر وإلا سأضطر أن ألجأ للقضاء..
أضاف وهو ينقل بصره بين الاب وابنته:-
الآن اسمحا لي.. يجب أن أغادر فأظن إنكما تحتاجان لمساحة خاصة بكما كي تتحدثان على راحتكما أيضا..
انسحب خارج المكان لترمق ليلى والدها بنظرات نافرة وهي تردد:-
كيف وصل بك الامر إلى هنا..؟! كيف أوصلتنا إلى هنا..؟!
غصبا عني يا ابنتي.. أنا لا أعلم كيف تراكمت الديون..
قاطعتها بعصبية:-
بسبب زيجتك الثانية.. الامر لا يحتاج إلى تفسير.. سهام هانم تستغل كل فرصة لسحب الأموال منك وأنت تطيعها بالطبع فهي أم الصبي..
ليلى.. انت تظلمينني كثيرا..
قالها بنبرة مترجية لتنتفض من مكانها مرددة بغضب:-
أنا لا أظلمك.. أنا أتحدث بواقعية..
هل هذه الطريقة المناسبة للتعامل مع وضعي الحالي..؟! هل تدركين ماذا سيحدث معي بعد ستة اشهر بل ما سيفعله عمار بي ايضا..
تستحق ذلك.. هذا نتيجة تصرفاتك الغير محسوبة..
قالتها بشماتة قبل أن تضيف بتهكم:-
عليك أن تبحث الآن عن طريقة معينة تنقذك من ديونك يا والدي العزيز..
حملت حقيبتها وهمت بالتحرك خارجا لكنها عادت تلتفت نحوه تقول بجدية:-
عليك أن تعلم إن والدتي ستعلم بزيجتك الثانية فأنا لا أقبل أن تبقى هكذا على سجيتها والمياه تجري من تحت قدميها..
ظهر الخوف في عينيه وهم بالتحدث لتقول بجدية:-
سأخبرها لكن ليس الآن بالطبع فأنت لديك ما يكفيك ولا ينقصك ما ستفعله أمي..
اندفعت بعدها خارجة من المكتب محاولة السيطرة على نبضات قلبها المضطربة..
اتجهت خارج الشركة عندما وجدت عمار ينتظرها داخل سيارته ليسألها ما إن دلفت وجلست جانبه:-
تصرفت كما أردت.. ما الخطوة القادمة..؟!
صمتت قليلا ثم قالت بعزم:-
الخطوة القادمة تعتمد علي بشكل اساسي وأنا لا أطلب منك سوى موافقتي فيما أريده..
أنا معك يا ليلى..
قالها بجدية لترمقه من أسفل رموشه وهي تقول:-
بشأن الشيكات فتأكد إنني سأسددها..
قاطعها بسرعة:-
أخبرتك ألا تهتمي بهذا الأمر..
نظرت اليه بشك مفكرة في السبب الذي يجعله غير مهتما بهذا المبلغ الطائل عازمة على معرفة ما ينوي عليه هذا الرجل الذي لن تثق به مهما حدث..
أفاقت من شرودها على صوته يسألها:-
والآن أخبريني..؟! ما غايتك التي تريدين الوصول إليها من كل هذا..؟!
نظرت أمامها وهي تجيبه بقوة وثقة:-
غايتي هي الشركة والفيلا وكافة املاك والدي..
كما توقعت..
قالها قبل ان يضيف بسخرية:-
وأخيرا تخليت عن مثاليتك المملة..
رمقته بنظرات حادة وهي تقول:-
أنا أريد الحفاظ على حقي أنا ومريم بل وحق والدتي ايضا ولن أسمح لتلك الحقيرة أن تستولي على حقنا..
ولكن أخيك ايضا لديه حق..
قالها وهو يتأمل الحنق الظاهر في ملامحها ليبتسم بخفة وهو يميل نحوها قائلا:-
بكل الاحوال سأكون معك وأدعمك فأنا من أنصار الزوجة الاولى دائما وأبدا..
استيقظت حياة من نومها على صوت رنين هاتفها فسارعت تجيب على نديم الذي هتف بسرعة:-
صباح الخير.. من الواضح إنني أيقظتك من نومك..؟!
ردت بسرعة وهي تتثائب بخفوت:-
من الجيد إنك فعلت..
قال بجدية:-
اليوم عطلتك وأنا قررت أن أستغله جيدا…
وكيف سوف تستغله..؟!
سألته وهي تنهض من فوق سريرها لتسمعه يرد بجدية:-
جهزي نفسك.. خلال نصف ساعة سأكون أمام منزلك ولا تتناولي شيئا.. سنفطر سويا حسنا..
ابتسمت وردت:-
حسنا يا بك..
ودعها بعدها وسارعت لتجهيز نفسها لتجده قد وصل بالفعل بعد حوالي نصف ساعة..
حملت حقيبتها بعدما وضعت هاتفها داخلها وأغلقتها ثم سارعت تخرج من المنزل..
تقدمت نحوه وهي تبتسم بسعادة…
تأملها وهي تجلس بجانبه مرتدية فستانا بسيطا ناعما يشببها كثيرا ببساطتها ولطافتها..
انحنى نحوها يطبع قبلة سريعة على وجنتها وهو يقول:-
صباح الخير..
تجمدت وكانها تحاول ان تستوعب ما حدث لتلتفت نحوه ترمقه بنظرات حادة فكتم هو ضحكته مدعيا الإنشغال بتحريك مقود سيارته عندما هتفت بضيق جلي:-
لقد اتفقنا ألا تفعل ذلك..
رد وهو يكتم ضحكته بصعوبة:-
ماذا فعلت..؟!
ردت بصرامة:-
أنا لا أحب أي نوع من التجاوزات يا نديم.. من فضلك لا تكرر تصرفك هذا مجددا..
ابتسم بهدوء ثم قال:-
أرى إن هناك حل أفضل من عدم تكراره..
نظرت اليه لتجده يلتفت نحوها مبتسما وهو يقول:-
أن نتزوج.. وحينها يحق لي تقبيلك متى ما اردت لكنها لن تكون قبلات على الوجنتين بالطبع..
احتقنت ملامحها بقوة وهي تردد:-
لا تفعل ذلك..
أضافت بلهجة غير مصدقة:-
انت لست وقحا يا نديم.. فلا تتصرف هكذا..
ضحك رغما عنه ثم قال:-
ومن أين علمت ذلك..؟! من قال إنني لست وقحا..؟!
رمقته بنظراتها وهي تقول:-
لا أعلم.. لكنني لا أظن إنك وقحا حقا..
ابتسم وهو يردد بمكر:-
ستعرفين وقاحتي من عدمها بعد الزواج..
ضغطت فمها بقوة وهي تشيح بوجهها جانبا عندما وجدته يفتح احدى الاغاني حيث أخذ يدندن معها لتشعر بسعادة غريبة وكلمات الأغنية بدت وكأنها توصف حالتهما سويا او ربما حالتها هي تحديدا…
مر الطريق سريعا عندما اوقف سيارته امام احد المطاعم المطلة على البحر حيث قرر ان يتناولا إفطارهما هناك قبل ان ينطلقها في رحلتهما التي لا تعلم عنها شيء..
تناولا الافطار بالفعل ليغادرا المطعم بعدها وهو يخبرها إنهما سيقضيان اليوم بطوله سويا..
بعد مغادرتهما المطعم اتجها الى احد المولات حيث اشترى تذكرتان لحضور فيلم في السينما وقد منحها حرية الاختيار لتختار احد افلام الرعب فيقعد حاجبيه متعجبا وهو الذي ظنها ستختار فيلما رومانسيا فتمط شفتيها وهي تقول ببراءة:-
احب افلام الرعب.. اجدها مثيرة..
لاحت على ملامحه إبتسامة ماكرة وهو يقول:-
من ناحية مثيرة فهي مثيرة جدا خاصة عندما تختبئين داخل أحضاني خوفا من احد المشاهد المخيفة..
ضحكت وهي تردد:-
لا أريد أن أخيب آمالك لكنني بالفعل لا أخاف من افلام الرعب عموما لذا لا تتوقع مني تصرفا كهذا..
ومع الاسف كلامها كان صحيحا فهي كانت تتابع الفيلم بإهتمام لا يخلو من الحماس ولم تبدُ خائفة ابدا ليشعر نديم باليأس من تخيلاته التي لن تتحقق ابدا..
خرجا من الفيلم والمتعة واضحة على كليهما قبل ان يتجها الى الطابق الخاص بمطاعم الوجبات السريعة في نفس المول وترك لها كالعادة الإختيار لتهتف بسرعة:-
burger kinge بالطبع..
ورغم ان البرغر ليس وجبته المفضلة إلا إن الوجبة التي اختارتها له أعجبته…
خرجا اخيرا من المول عندما وجدته يتجه بها نحو البحر وقد بدأ ضوء الشمس يختفي حتى أظلمت السماء تماما…
اوقف سيارته بجانب البحر وهو يشير لها:-
وهذه آخر محطة في رحلتنا..
نظرت اليه بتعجب ليهبط من سيارته ويسارع يفتح الباب لها فتبتسم له وهي تسير جواره…
وجدته يتقدم نحو يخت ضخم للغاية ورائع حتى مد يده لها لتصعد على ظهر اليخت ويصعد هو خلفها..
نظرت إلى اليخت بإنبهار ليسألها:-
هل أعجبك اليخت..؟!
التفت نحوه تهتف بسعادة:-
انه رائع..
تقدم نحوها وقال:-
بعد قليل سنصبح في عرض البحر..
نديم..
قالتها بتردد ليقاطعها فورا:-
في الاسفل يوجد سائق اليخت ومساعديه..
أنا لا أقصد..
قالتها بتردد ليهتف بجدية:-
تعلمي أن تثقي بي..
قالت بسرعة:-
ابتسم على جملتها التي خرجت عفوية لكنها صادقة ليقبض على كفها يسحبها خلفها خلفها حيث أوقفها في مقدمة اليخت لتتطلع إلى مياه البحر بسعادة والهواء البارد قليلا يلفحهما فيسمح لشعرها أن يتحرك مع نسماته…
شعرت بأنامله تمتد نحو شعرها وتضعه خلف اذنها لتلتفت نحوه بملامح مرتبكة سيطر عليها الخجل..
وجدته يأخذ نفسا طويلا قبل أن يلفظ إسمها بتروي:-
حياة…!!
نظرت له بعينين لامعتين وهي ترى فيه بتلك اللحظة العالم بأكمله عندما سمعته يضيف:-
هل تعلمين إن إسمك يليق بك كثيرا..؟! عليك أن تشكري من اختاره..
ليس لهذه الدرجة..
قالتها وهي تشيح وجهها بعيدا بخجل لتشعر بأنامله تعبث بخصلاتها القصيرة مجددا وهو يقول بجدية:-
أنت تنبضين بالحياة يا حياة… أنا لا أبالغ إذا قلت إنك الوحيدة التي أعادت لي الشعور بإنني ما زلت حيا وأتنفس بل وأمتلك المشاعر أيضا بعدما خرجت ميتا بجسد حي من ذلك السجن…
إلتفتت نحوه ترمقه بنظرات ذاهله عندما وجدته يطلق تنهيدة طويلة قبل ان يقول وهو يخرج خاتما ماسيا من جيبه لم تنتبه إلى شكله حتى بقدر ما صدمها تصرفه:-
تزوجيني يا حياة.. تزوجيني وأعدك إنني سأفعل كل ما بوسعي كي أجعلك سعيدة مثلما تمنحيني انت الراحة والسعادة بمجرد وجودك جانبي..
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة علي
كانت تشعر بصدق كلماته ..
نظراته بدت وكأنها تحتضن جسدها بالكامل ونبرة صوته مثقلة بالكثير من المشاعر ..
ومن بين كل هذا لمحت الرجاء الخالص في عينيه ..
رجاء خالص بأن تقبل طلبه وترتدي خاتمه ..
انخفضت ببصرها نحو الخاتم الماسي بتلك الماسة الرقيقة التي تزينه فشعرت بقلبها ينبض بقوة لا إراديا ..
كان هذا الخاتم هو ما سيربطها رسميا به وما إن تضعه في إصبعها حتى تصبح خطيبته …
في يوم ما عندما أحبته في صمت لم تتوقع أن يحدث شيئا كهذا لكن اليوم حدث ما ظنته مستحيلا وهاهو نديم الخولي بشحمه ولحمه يقف أمام ويعرض عليها الزواج وكأنه لم يفعل ذلك مسبقا ..
بلى فعلها ولكن هذه المرة كانت مختلفة ..
هذه المرة شعرت بشيء مختلف ..
ربما الاجواء حولها منحتها ذلك الشعور او ربما نديم نفسه تغير عن ذلك الذي عرض عليها الزواج مسبقا ..
ليست متأكدة مما تشعره ولكن هناك شعور قوي داخلي إن هذا الرجل الواقف أمامها والذي يطلب منها بصدق خالص أن تقبل وترتدي خاتمة كان يحمل مشاعرا جديدة نحوها …
لم تكن تريد التصديق او تمنح نفسها آملا كاذبا فهي تدرك إن الطريق طويل أمامه وربما نهايته لن تكون لصالحها ولكنها تمتلك من الأمل والرغبة الكثير ..
هي ترغب في خوض التجربة والدخول في حرب شرسة تعرف حق المعرفة إنها حرب طويلة وصعبة لكن ما تحارب لأجله وما ستناله إن ربحت هذه الحرب مغريا للغاية … هي ستكسب قلبه وهذا سيكون أعظم إنتصاراتها ..
رفعت عيناها أخيرا تنظر الى عينيه الزرقاوين بمشاعر مختلطة وتوتر ملحوظ سرعان ما قررت ان تضعه جانبا بل وتمحي كافة تلك المشاعر المضطربة المسيطرة عليها وشعور واحد فقط ستسمح له أن يحتلها اليوم .. شعور السعادة لا غير ..
” انا موافقة ..”
همست بها أخيرا بصوت خافت لكنه ثابت وكأنها تدرك جيدا ما تقوله وما سيتبعه …
أخذت نفسا عميقا بعدما أعلنت موافقتها لتتأمل تلك الإبتسامة الرائعة التي ظهرت على وجهه فمنحته وسامة أضعاف وسامته لتنتبه الى أنامله التي قبضت على كفه حيث وضع ذلك الخاتم في إصبعها لتتأمله بقلب خافق ورعشة لذيذة سيطرة عليها كونها ترتدي خاتم الرجل الوحيد الذي أحبته وتمنته بحق .
كانت تقف أمام مرآة الحمام تمسح مكياجها من فوق وجهها بعناية عندما شعرت بأحدهم يقتحم غرفتها قبل أن تقترب خطواته السريعة من الحمام فأدركت دون الحاجة الى التفكير إنها مريم ..
ولإن نصف باب الحمام كان مفتوح اساسا دلفت مريم إليها تتأملها وهي تقف بروبها الستان القصير ترفع شعرها عاليا بينما تزيل مكياجها بنعومة وبطأ كما اعتادت ..
اندفعت مريم تهتف بصوت يحمل الغضب داخل طياته :-
” ماذا كنت تفعلين مع ذلك الحقير ..؟!”
ردت ليلى ببرود وهي مستمرة في ازالة مكياجها :-
” إلقي التحية اولا على الاقل …”
تقدمت مريم أكثر نحوها حتى وقفت جانبها تهتف بنفس الاندفاع :-
” أنا لا أصدق ما تفعلينه … هل تريدين العودة إليه لإغاضة نديم ..؟! هل حقا ستعودين الى الرجل الذي دمر حياتك وكنت ستموتين بسببه ايضا ..؟!”
توقفت ليلى عما تفعله وإستدارت نحوها تخبرها بصوت هادئ لكن حازم :-
” لا تتحدثي عن شيء لا وجود له .. انت تخترعين أحداثا لا أحد تحدث عنها أساسا .. الأمر وما فيه إن عمار لا يريد الطلاق الآن وانا سأمحنه الوقت الكافي حتى يقرر تطليقي ..”
” ولم تفعلين ذلك ..؟! ما الغاية من كل هذا ..؟! لمَ تراجعت عن دعوة الطلاق أساسا ..؟! دعيني أفهم على الأقل ..”
ضغطت ليلى على طرف المغسلة بكفيها بعدما إستدارت تنظر الى المرآة مجددا تمنع نفسها من قول شيء ما وهي تفكر إن مريم لن تستوعب أسبابها وخاصة السبب الحقيقي لتقربها من عمار هذه الفترة ..
مريم ستعلم الحقيقة يوما ما لكن ليس الآن فهي قد تخرب كافة مخططاتها بإنفعالها وتصرفاتها الغير محسوبة …
إلتفتت مجددا نحوها بعدما سيطرت على أعصابها وقالت بجدية :-
” يا مريم افهميني … الأمر لا يتعلق بنديم وأنا لم أتراجع عن دعوة الطلاق لأجل إغاظته أو إزعاجه .. انتِ تعملين جيدا إنني لست بتلك العقلية الصغيرة … ”
عقدت مريم ذراعيها أمام صدرها تسألها بنفاذ صبر :-
” اذا ماذا يحدث ..؟! لمَ تراجعت عن قرار الطلاق ..؟! ولا تخبريني إنك تمنحينه الفرصة ليطلقك وقت ما يشاء … انتِ لستِ متسامحة الى هذه الدرجة يا ليلى …”
زفرت ليلى أنفاسها بقوة ثم تحدثت بتأني :-
” مريم عزيزتي .. انا ايضا لدي أسبابي … لكن لا أستطيع البوح بها الآن ..”
أضافت وهي تربت على جانب وجهها برقة :-
” امنحيني الوقت الكافي وسأخبرك بكل شيء …”
أضافت محاولة تغيير الموضوع :-
” لكن أخبريني ، كيف حالك انتِ..؟! وأين كنت الليلة ..؟!”
ردت مريم وقد ظهر الحزن على ملامحها :-
” كنت مع أصدقائي .. تناولنا العشاء في مطعم راقي ثم ذهبنا بعدها الى احد المقاهي لتناول شيئا باردا ..”
” ولماذا تبدين تعيسة الى هذا الحد ..؟!”
سألتها ليلى بقلق لتتجمع الدموع داخل عيني مريم وهي تهتف بصوت مختنق :-
” أكرم ، سافر الى والده وسيبقى هناك لمدة غير معلومة … ”
تنفست ليلى بعمق ثم سألتها :-
” ألم تتركيه انتِ ..؟! ألم تختاري إنهاء علاقتهما ..؟! أنا لا أفهم حتى الآن أسباب تصرفك هذا وانت وعدتني إنك ستتحدثين لكنكِ لم تفعلِ ..”
صاحت مريم وقد هطلت دموعها رغما عنها :-
” ربما لإنك لم تسألي مجددا ..”
تراجعت ليلى الى الخلف لا إراديا عندما أخذت مريم تمسح دموعها بسرعة لتهمس بتردد :-
” مريم ..”
توقفت مريم عن إزالة دموعها وأكملت بصوت عالي قليلا متألم :-
” أنتِ لم تسألي مجددا يا ليلى ولم تلاحظي حتى مدى حزني لما يحدث .. اكتفيت بذلك السؤال ثم ابتعدتِ تماما بعدها .. انا حتى أصبحت لا أراكِ سوى مرات قليلة خلال اليوم حيث تكتفين بإلقاء التحية يتبعها سؤال عابر عن احوالي .. انت حتى لا تجتمعين معنا على طاولة الطعام …”
لم تعرف ليلى ماذا تقول وشعرت رغما عنها إنها مذنبة ..
نعم هي وحدها من تعرف سبب إنشغالها عن الجميع ومدى المشاكل المحيطة بها ولكن مريم لا تعرف وبالتالي يحق لها محاسبتها وهي بدورها تحاسب نفسها لإنها أهملتها …
مريم لطالما كانت قريبة منها بل إن علاقتهما متينة للغاية وأوقات كثير كانت تعتبر ليلى أمها الثانية حيث نشأت ليلى بين رعاية أثنتين .. والدتها من جهة وأختها الكبرى التي تكبرها بسبعة اعوام تقريبا مما جعلها مدللة العائلة حرفيا خاصة ليلى التي لطالما دللتها كثيرا وكانت تهتم بها كثيرا …
هي تتفهم سبب تصرفاتها ولا تلومها بل تلوم نفسها لإن رغم كل شيء كان عليها أن تنتبه على أختها التي دوما ما كانت تحتاجها …
” انا اسفة ..”
قالتها ليلى بصوت خرج منخفض لترفع نبرة صوتها وهي تقترب منها وتحتضنها بخفة :-
” انا اسفة حقا يا مريم .. لقد إنشغلت عنكِ تماما تلك الفترة … ”
قاطعتها مريم بسرعة وهي تمسح عينيها بأطراف أناملها بعدما ابتعدت قليلا عنها :-
” لا عليكِ .. انا أتفهم أسبابك … انت مررت بالكثير ولا ألومك على تباعدك .. ”
ردت ليلى معترضة :-
” بل يحق لكِ أن تلوميني … لم يكن علي الإنشغال عنك مهما حدث …”
رفعت مريم عينيها الدامعة نحوها مجددا تهمس بحرقة :-
” انا متعبة للغاية يا ليلى … أشعر بالإختناق من كل شيء … أشعر إنني وحيدة للغاية وخائفة ..”
قاطعتها ليلى بسرعة وهي تحتويها بين ذراعيها :-
“حبيبتي انتِ لست وحيدة ابدا .. انا هنا معك … ”
أضافت وهي تتأمل ضعف أختها الذي نادرا ما يظهر عليها :-
” أخبريني حبيبتي .. مالذي يخيفك ..؟! غياب أكرم لا يستحق كل هذا الألم .. أكرم يحبك وانت تدركين ذلك جيدا وبدورك تحبينه وبالتأكيد ستتوصلان لحل ما .. ”
أضافت وهي تمسح آثار دموعها بأناملها :-
” وحتى لو لم تستطيعا حل مشاكلكما لا سامح الله .. هذه ليست نهاية العالم ..”
أضافت وهي تشير لنفسها مبتسمة :-
” انظري الي .. خسرت حب حياتي بل حب طفولتي وصباي وها انا اقف أمامك وأتحدث ببساطة معك و ..”
قاطعتها مريم :-
” ولكنك تتألمين من الداخل ..أليس كذلك ..؟!”
ابتسمت ليلى بحزن وردت :-
” ألم الحب لا ينتهي .. لكن ليس من العدل أن نسمح له بالسيطرة علينا دائما وأبدا .. الحياة لا تقتصر على العشق فقط .. بها جوانب أخرى علينا الإهتمام بها … نعم انا أتألم وربما سأظل أتألم طوال حياتي لكنني لن أسمح لهذا الألم أن يوقف حياتي كليا … سأعيش حياتي وأهتم بنفسي ومستقبلي وألمي سأضعه جانبا وسأتعامل معه بطبيعية عندما يزورني بين فترة وأخرى … انا حتى لن أضغط على نفسي كي أنساه بل سأعيش ألمي كما ينبغي لكن دون أن أخسر سنوات جديدة من حياتي بسبب هذا الألم ..”
” نديم لا يستحقك ..”
قالتها مريم بنبرة قوية قبل أن تضيف :-
” وانتِ تستحقين رجلا افضل منه … انتِ رائعة يا ليلى وانا واثقة إن هناك رجل في هذا العالم سيحبك كما ينبغي ويداوي جروحك بأكملها ..”
تحشرجت أنفاس ليلى لا إراديا وشعرت بالدموع تتكوم داخل عينيها لكنها سيطرت عليها بسرعة وهي تأخذ أنفاسها بعمق قبل أن تجذب مريم نحوها تعانقها بشدة وهي تهمس لها :-
” الليلة ستبيتين معي .. سننام سويا بعدما نتحدث كثيرا كما كنا نفعل دائما ..”
في صباح اليوم التالي ..
وقفت على مقربة منها تتأملها وهي تضع اللمسات الأخيرة فوق وجهها وقد بدت في كامل أناقتها رغم بساطة ملابسها التي تناسب المكان الذي ستذهب إليه ..
” انا لا أفهم .. طالما سترفضين العريس ، لماذا ستقابليه من الأساس ..؟!”
سألت نانسي أختها بإستغراب حقيقي لترد هايدي والتي حملت زجاجة العطر خاصتها ترش الكثير منه فوق رقبتها بل والجزء العلوي من نحرها :-
” لإن ماما من تريد ذلك .. وانا لن أرفض مقابلته … سأقابله وأتصرف بشكل طبيعي وعندما أعود سأخبرها إنه لم يعجبني ..”
” ما الفرق اذا ..؟! أخبريها من الآن إنك لا تريدينه ..؟!”
هتفت نانسي بها بإستغراب لترد هايدي بمكر :-
” لإن مامي تراه عريسا رائعا وبالتالي لن تتقبل رفضي له دون سبب وجيه والأسوء من ذلك دون أن أراه حتى .. لذا أنا سأذهب معها بكل وداعة وأتصرف بكل لياقة ممكنة وعندما أعود سأخترع سببا للرفض .. سأقول مثلا إنه منحرف .. ينظر لي بطريقة فجة او ربما سأخبرها إنه تحدث معي ببعض الكلمات الوقحة عندما إنفرد بي لوحدي ..”
” يا لكِ من ماكرة ..”
قالتها نانسي بعدم تصديق لتغمز لها هايدي وهي ترد :-
” تعلمي مني يا فتاة .. ”
شمخت نانسي برأسها وهي تهتف بجدية :-
” لا شأن لكِ بي .. انا لا أحتاج للتعلم منك او من غيرك ..”
هتفت هايدي وهي تقف أمامها بعدما إنتهت من ترتيب هندامها للمرة الأخيرة :-
” بل انتِ أكثر من يحتاج .. ألا يكفي تصرفاتكِ وتعلقك بخريج السجون ذاك ..؟!”
” لا تنعتيه بخريج السجون ..”
قالتها نانسي بحدة لتكرر هايدي ما قالته :-
” بل هو كذلك .. خريج سجون شئت أم أبيت … تعقلي يا نانسي … لا تجعلي والدتي تستمر في معاقبتك …”
ضحكت نانسي وقالت :-
” هل تظنين إنني أهتم حقا .. ؟! دعيها تعاقبني كما تشاء .. هي تظن إنها تستطيع منعي من الخروج من المنزل حقا لكنها لا تعلم إنني باقية هنا ولا أخرج من المنزل بمزاجي وليس بسبب عقوبتها المزعومة ..”
” ولماذا لا تريدين الخروج من المنزل ..؟!”
سألتها هايدي بتعجب لترد نانسي بفتور :-
” ليس من شأنك ..”
قالت هايدي بجدية محاولة أن تثني أختها عن أفكارها المجنونة :-
” يا نانسي افهمينا بالله عليك .. ذلك الشاب لا يناسبك اطلاقا .. انتِ فتاة جميلة وثرية ومن عائلة كبيرة ذات اسم معروف في الأوساط الراقية ونديم ذاك خريج سجون ومستقبله مجهول ..”
أضافت وهي تربت على وجنتيها وكأنها تتحدث مع طفلة صغيرة :-
” انتِ يمكنكِ ان تتزوجي رجلا مثاليا .. رجلا لا عيب فيه .. ”
قاطعتها نانسي بتهكم :-
” تركت الرجل المثالي والخالي من العيوب لك ..”
أضافت وعيناها تلمعان بخبث :-
” لكن أخبريني يا أختي الصغيرة … ما أخبار أثير الهاشمي ..؟! لم أسمعك تتحدثين عنه منذ مدة ..؟!”
قاطعتها هايدي بضيق خفي :-
” ما باله أثير ..؟! هو في الخارج كالعادة … ”
قاطعتها نانسي بدورها تتسائل بنبرة ذات مغزى :-
” أتحدث عن علاقتكما ..؟! ألا ينوي التقدم لخطبتك ..؟!”
” نانسي ، انا أفهم جيدا ما سبب كلامك هذا وأستطيع ملاحظة الخبث بين طيات سؤالك ..”
قالتها هايدي بقوة ثم اضافت :-
” سأخبرك ما تتوقين لسماعه .. لقد إنفصلنا عزيزتي .. وقبل أن تسألي عن الأسباب .. تبين لي إنه شخص عابث لا ينوي الإستقرار وانا لا أميل للعبث بل أبحث عن الإستقرار مع رجل مناسب يحمل كل ما أريده من صفات في زوجي المستقبلي …”
سألتها نانسي بسرعة :-
” اذا لماذا ترفضين هذا العريس رغم إنه عريس ممتاز من جميع النواحي بشهادة والدتي ..؟!”
منحتها هايدي إبتسامة ذات مغزى لتهتف نانسي بعدم تصديق :-
” انتِ لا تفكرين به بالطبع ، أليس كذلك ..؟!”
حركت هايدي كتفيها وهي تقول ببساطة :-
” ولم لا ..؟! ابن عمي وأنا أحق به من غيري ..”
قالت نانسي بسرعة :-
” ولكن هذا مستحيل .. ”
ردت هايدي بجدية :-
” ومالذي سيجعله مستحيلا ان شاءالله ..؟! ”
أجابتها نانسي بهدوء :-
” لإنه لم يفكر بكِ يوما بل لم ينظر لكِ من الأساس ..”
أضافت وهي تجعد أنفها بنفور :-
” كما إنه مغرور وفظ للغاية … لا أفهم كيف تفكرين به كزوج …”
قالت هايدي ببساطة :-
” ثراءه ووسامته بل مكانته العلمية والإجتماعية تجعلني أفكر به بل وأسعى لنيله بأي طريقة .. نضال شاب يحمل كل المواصفات التي أحلم بها .. شاب رائع .. وسيم جدا جدا وثري جدا جدا ويعيش في كندا …”
” ومغرور ومتكبر لأقصى حد ..”
قالتها نانسي بإزدراء فقالت هايدي بسعادة :-
” وهذا أروع ما فيه .. غروره الصريح يمنحه جاذبية خاصة .. انه يمتلك كل المواصفات التي أحلم بها ..”
” نفس الشي كنت تقولينه عن أثير .. مع تفوق أثير على نضال بالطبع .. فالأخير ليس ابن وزير وخاله ذو منصب كبير في الدولة كإبن الهاشمي ..”
قالت هايدي من بين أسنانها :-
” أخبرتكِ إن أثير لا يفكر بالإستقرار .. هو أساسا لا يدخل في علاقة جدية وانا بدوري لن أضيع وقتي معه .. ثانيا ما بالك تتحدثين عني وكأنني كنت مغرمة به ..؟! انت تدركين إن تعرفت عليه بسبب مركزه الاجتماعي وثراءه …”
” وبما إنه خالف جميع توقعاتك بل طموحاتك قررت أن تنتقلين الى نضال لإنه من وجهة نظرك أفضل الموجودين حاليا …”
قالت هايدي بجدية :-
” وما المشكلة في ذلك ..؟! ما المشكلة إنني أبحث عن زوجا يناسب تطلعاتي يا نانسي ..؟! من حقي أن أختار شريك حياتي كما أحب .. من حقي أن أتزوج بالرجل الذي أريده خاصة إنني أمتلك جميع المواصفات المناسبة .. انا لا أنظر لمن هم أعلى مني يا نانسي لذا ما أفعله طبيعيا ومنطقيا فكما أنا جميلة وثرية ومتعلمة أفضل تعليم يحق لي البحث عن زوج يماثلني في كل شيء ..”
” لا تفكري في نضال يا هايدي .. والدتك لا تطيق أي شخص من عائلة والدك وخاصة عمك أشرف أم نسيت ما فعلته عندما شعرت بإهتمام أخيك بحنين ابنة عمك .. لقد تقصدت أن ترسله ليدرس في أمريكا خصيصا كي تبعده عن هنا .. تخشى أن يتعلق حقا بحنين فهي لا تطيق عائلة عمك ..”
هتفت هايدي بسرعة :-
” لا تطيق حنين لإنها لا تطيق أحلام زوجة عمك .. لكن نضال وضعه مختلف .. هو ليس ابن احلام بل إن والدته من عائلة لا تقل رقيا عن عائلتنا .. على العموم أنتِ اطمئني فأنا أستطيع ترتيب كافة الأمور ..”
” تتحدثين وكأن نضال هو الآخر يفكر بك بل سيخطبك قريبا ..”
قالتها نانسي ضاحكة لترد هايدي بيقين :-
” سيفعل ، كوني واثقة من ذلك ..”
أضافت بثقة :-
” سيخطبني وقريبا ايضا ..”
” إذا ستبدئين بالتقرب منه بل وتحاولين جذبه نحوك ايضا ..”
قالتها نانسي بتهكم لتهتف هايدي بلا مبالاة :-
” ولم لا ..؟!”
أضافت وهي ترفع رأسها عاليا بنبرة قوية :-
” انا عندما أضع رجلا في بالي لا أبق واقفة مكاني وأنتظره أن ينتبه إلي وينجذب نحوي .. انا عندما أريد رجلا معينا أذهب بنفسي إليه ولا أتركه حتى يصبح مولعا بي ويسعى بنفسه للزواج مني ..”
صدح صوت والدتهما وهي تنادي هايدي فسارعت تحمل حقيبتها قبل أن تتحرك نحو باب الغرفة مودعة أختها التي وقفت مكانها تفكر في كلمات أختها ويقينها بقدرتها على نيل الرجل الذي تريده ..!!
ألقى نضال تحية الصباح بفتور ثم جلس على طاولة الطعام يتناول فطوره بصمت تقابله أحلام التي تقلب طعامها بشرود بجانبها حنين التي أخذت تنقل بصرها بين والدها ونضال قبل أن تهتف أخيرا :-
” خطبة حياة يوم السبت القادم ..”
توقف نضال عن تحريك شوكته بينما نظر إليها والدها بصمت إمتد للحظات قبل أن يتجه ببصره نحو زوجته حيث سألها بهدوء :-
“‘متى أخبرتك بذلك ..؟!”
ردت أحلام بفتور :-
” أخبرت حنين صباحا وطلبت منها إخباري ..”
قالت حنين بسرعة مبررة :-
” هي تحدثت معي باكرا عندما وجدتني متصلة على تطبيق الرسائل وأخبرتني بذلك .. ستتصل بماما أكيد وتدعوها بنفسها ..”
هتفت أحلام بإستنكار :-
” تدعوني ..؟! تتحدثين وكأنني إمرأة غريبة ولست والدتها …”
قالت حنين بخفوت :-
” لم أقصد بالطبع ولكن ..”
قاطعتها أحلام وهي تنهض من مكانها بعصبية :-
” لا يهم .. لا داعي للتبرير فأنا أعلم جيدا إنها لا تتعامل معي كأم من المفترض أن تعلم بشيء كهذا قبل الجميع بل تشاركها اتخاذ قرارها أيضا ..”
اندفعت أحلام بسرعة متجهة نحو الطابق العلوي حيث غرفتها ليشير أشرف الى حنين :-
” اذهبي خلفها يا حنين وحاولي تهدئتها ..”
هزت حنين رأسها بطاعة ثم نهضت من مكانها بسرعة تتجه خلف والدتها بينما إلتفت أشرف نحو ابنه يتأمل جموده الواضح ليهتف بجدية :-
” ما بالك يا نضال ..؟! هل هناك مشكلة ما يا بني ..؟!”
أفاق نضال من شروده على صوت والده ليهز رأسه بسرعة نفيا وهو يجيب :-
” كلا ، ليس هناك شيئا مهما ..”
أضاف وهو ينوي النهوض :-
” يجب أن أذهب لرؤية ..”
لكن والده قاطعه بسرعة :-
” انتظر يا نضال .. اريد التحدث معك ..”
توقف نضال عن النهوض وهو يتطلع الى والده بإهتمام عندما فوجئ بوالده يسأله :-
” بما إنك قاربت على الثلاثين عاما .. ألا تفكر بالزواج والإستقرار ..؟!”
رد نضال بصوت لا يخلو من التهكم :-
” لماذا تسأل ..؟! هل لديك عروس لي ..؟!”
رد أشرف بسرعة :-
” ولم لا ..؟! هناك الكثير من البنات الجميلات المحترمات حولنا ..”
قال نضال بصوت ثابت :-
” انا سأختار زوجتي بنفسي ..”
سأله أشرف بإهتمام مقصود :-
” هل هناك واحدة محددة ..؟!”
صمت نضال ولم يرد فإبتسم والده وقال :-
” أخبرني يا نضال .. اذا كانت هناك فتاة معينة ..”
قاطعه نضال :-
” نعم هناك ولكن الظروف لا تسمح الآن بأن أتقدم لخطبتها ..”
أضاف بنبرة باردة :-
” لإنها ستخطب لآخر ولأكن صريحا فأنا أتحدث عن حياة وانت بدورك عليك ان تتحدث بصراحة لإنني أعلم جيدا إن حنين أخبرتك بما يحدث ..”
ابتسم أشرف بهدوء ورد :-
” نعم أخبرتني .. لا أنكر ذلك ..”
قال نضال بسخرية :-
” لماذا تراوغ بالحديث اذا ..؟! لماذا لم تتحدث بصراحة عن الأمر ..؟!”
رد أشرف بجدية :-
” لإنه ليس هناك ما نتحدث عنه .. حياة سترتبط بآخر رسميا بعد يومين .. لذا فالأمر منتهي ..”
” كيف يعني منتهي ..؟!”
سأله نضال بغضب مكتوم ليرد والده بتعقل :-
” يعني الأمر منتهي يا نضال .. الفتاة ستتزوج آخر وانت عليك أن تنسى أي شيء فكرت به بخصوصها …”
” حتى لو أخبرتك إنني أحبها ..”
هتف به بجدية :-
” وهي مرتبطة بآخر .. تحبه وستتزوجه ..”
قاطعه بحدة :-
” لكنه لا يناسبها .. ولا يحبها ..”
أضاف وعينيه تلمعان بشراسة :-
” انا من يحبها .. وأنا من يناسبها من جميع النواحي … انا من يستحقها أما الآخر فلا يستحقها أبدا ..”
هدر به والده بقوة :-
” كفى يا نضال .. هذا الأمر منتهي .. هي اختارت وعليك أن تتقبل خيارها .. لا تضع نفسك في وضع كهذا ولا تقارن نفسك به لإنها لن تختارك عليه لمجرد كونك أفضل منه بكثير ..”
انتفض نضال من مكانه يضرب الطاولة بيديه مرددا بقوة :-
” ذلك الذي تتحدث عنه بالفعل لا يحبها وهي كالغبية تتعلق به دون وعي بل تسمح له بإستغلال مشاعرها النقية ..”
نهض أشرف بدوره مرددا بعدم تصديق :-
” ما شأنك انت ..؟! حياة ليست صغيرة وليست غبية .. أكاد أجزم إنها أذكى من أن تسمح لأي شخص بإستغلالها او إستغلال مشاعرها … لقد تحدثت معها أكثر من مرة وإستطعت أن أدرك مدى ذكائها ونباهتها بوضوح .. ”
” لكنها تصبح كالبلهاء أمامه ..”
قالها نضال بسخرية ليهتف أشرف بجدية :-
” هذا ما تتخيله انت … انت وحدك من ترى هذا لإن غرورك لا يستوعب إنها إختارته بكامل قناعتها وليس بناء على مشاعرها فقط .. لذا سأخبرك مجددا اترك الفتاة وشأنها ولا تنسى إنها ابنة زوجتي أيضا .. عليك إحترام هذه القرابة يا نضال وعدم نسيانها مهما حدث ..”
” طالما هي ابنة زوجتك وتهمك الى هذا الحد فلماذا ترميها الى شاب كهذا ..؟!”
قال أشرف بنفاذ صبر :-
” ما به الشاب ..؟! انا لا أراه سيئا الى هذا الحد ..؟! سجن لسنوات بقضية ممنوعات .. حسنا ربما يكون بريء … وحتى لو لم يكن كذلك .. ربما قرر التوبة .. هل علينا أن نقيم عليه الحد فقط لإنه أخطأ مرة ..؟! هل سنقضي عمرنا بأكمله نحاسبه على غلطة ..؟! لا يوجد أحد معصوم من الخطأ وهذا الشاب ربما سيتعلم من خطأه ويغير من نفسه ويصبح شخصا أفضل بمراحل مما كان عليه هذا اذا كان مذنبا من الأساس …”
” ما بالك تدافع عنه هكذا ..؟!”
هدر نضال بعصبية ليرد أشرف بهدوء يشوبه البرود :-
” أنا فقط أقول الحقيقة وأعطي الشاب حقه ولا أحاول التقليل منه كما تفعل انت لمجرد خطأ حدث وانتهى .. هو اخطأ وأخذ عقوبته كاملة وانتهى الامر …”
أضاف وهو يتأمل عيني ابنه المشتعلتين :-
” هل أحببت من قبل يا نضال ..؟!”
تجمدت ملامح نضال مجددا حتى باتت تشبه تمثال صخري لا روح فيه بينما خفت شعلة عينيه وظهرت بها لمحة حزن خفيفة …
لم يجبه بل ظل في نفس وضعيته وملامحه ما زالت جامدة ولمحة الألم بعينيه تبدلت الى لمحة أخرى مختلفة .. لمحة حنين شعر به والده الذي أضاف بحنو :-
” أخبرني يا بني .. جمودك هذا وصمتك الغريب يؤكد إنك مررت بقصة حب …”
قاطعه نضال وهو يعتصر قبضة كفه بقوة :-
” كانت قصة وانتهت .. ”
سأله والده بحذر :-
” هل ما زلت تحمل مشاعرا نحوها ..؟!”
أخفض نضال أنظاره للحظات قبل أن يرفع مجددا فينصدم والده من عينيه اللتين بدتا حمراوين للغاية بشكل مخيف ..
” أخبرتك إنها قصة وانتهت ..”
” وانا أسألك عن مشاعرك …”
هتف بها والده بإصرار ليهتف نضال بصوت مرير :-
” لم يعد هناك فرق … وجود مشاعري من عدمها لن يغير شيء ..”
” لماذا ..”
سأله والده بدهشة ليهمس نضال بصوت خافت بدا كالنار اللاذعة :-
” لإنها ماتت …”
والصدمة هذه المرة كانت من نصيب والده ..
” مهند استيقظ …”
هدرت بها منفعلة وهي تهزه بعنف لينتفض من مكانه متسائلا بعصبية وهو يفرك عينيه :-
” ماذا هناك يا تقى ..؟! لم كل هذه الجلبة ..؟!”
” لقد تزوجتها اذا ..؟!”
قالتها وهي ترمي ورقة الزواج أمامه ليزفر أنفاسه بتعب وهو ينظر الى الورقة للحظات فيجد اسمه مقترنا بجانب اسم ابنة عمه التي لا يعرف عنها شيئا سوى اسمها و ..
توقف عن افكاره وهو يسمعها تصرخ بصوت جهوري :-
” تزوجت منذ يومين وانا لا علم لدي .. لولا إنني وجدت عقد الزواج في جيبك بالصدفة البحتة لما كنت أدرك ..”
انتفض من فوق سريره أخيرا وقد بلغ غضبه منها ذروته فظهر جسده الشبه عاري والذي لا يغطيه سوى شورت قصير كعادته عندما ينام فهو يتخلص من جميع ملابسه مكتفيا بإرتداء شورت قصير للغاية ..
” ما بالك تصرخين كالمجنونة هكذا ..؟! هذا كله لإنني نسيت إخبارك … هل يستحق أمر كهذا كل هذا الغضب ..؟؟”
أردف بنفس العصبية المخيفة فهو عندما يغضب لا يرى أمامه وهي تعلم هذا جيدا :-
” ثانيا ما بالك تتحدثين وكأنك لا تعلمين بأمر الزيجة من الأساس ..؟! تتصرفين كالمصدومة وكأنكِ لم تكوني على علم بكل شيء وتوافقي ايضا ..”
هتفت بصوت حاولت جعله هادئا وهي ترى ملامحه التي أصبحت مخيفة للغاية :-
” من حقي أن أغضب .. كونك أخبرتني بالأمر شيء وتنفيذه شيء آخر … كان عليك أن تخبرني بتنفيذك للقرار وزواجك منها ..”
هتف بعدم اهتمام :-
” وها قد علمتِ ، ماذا ستفعلين الآن ..؟!”
ردت بملامح متحسرة :-
” لن أفعل شيئا .. زوجي تزوج بأخرى وانا يجب أن أكون راضية .. هكذا فقط لا غير ..”
تنهد بإرهاق ثم قال وقد خفت عصبيته قليلا :-
” تقى انت تعلمين ظروف هذه الزيجة … لا داعي لكل هذه الدراما ..”
قالت بسرعة :-
” أغار .. أغار عليك بجنون .. أغار من فكرة أن تصبح أخرى غيري على ذمتك وتحمل اسمك … أغار يا مهند ولا أحتمل فكرة وجود أخرى في حياتك حتى لو كان هذا لأجلنا ولأجل إستقرار حياتنا ..”
هتف بسخرية :-
” مم ستغارين بالله عليك ..؟! إنها فتاة صغيرة لا تهمني بشيء … ربما لو كانت شابة جميلة سأتفهم خوفك وأستوعبه .. لكنها مجرد مراهقة ارتبط اسمها بي لسبب محدد … ”
” تظل في النهاية فتاة … ”
قالتها بتبرم قبل أن تضيف بضيق :-
” يكفي المقدم والمؤخر الذي كتبته لها .. رقم خيالي يا مهند … ”
قاطعها وهو يتجه نحو الحمام :-
” راغب من كتب هذا الرقم لست انا …”
” يبدو إن راغب سعيد جدا بعروسك .. طبعا فهي ابنة عمكم وتلائمكم … ”
قالتها بسخرية مريرة ليهتف وهو يغسل وجهه بالمياه الباردة :-
” راغب يتصرف ذلك لإنها فتاة صغيرة ويتيمة .. كما إنه يريد تعزيز قيمتها ورفع مقدراها بين الجميع .. لا تنسي إنها يتيمة الأب والأم .. انت تعرفين راغب كيف يفكر ويتصرف .. هو يعتبر نفسه مسؤول عن الجميع كونه الأكبر بيننا …”
” نعم ، هو كذلك ..، بالطبع أعلم مثلما أعلم إنه السبب الأساسي لتخريب أمر زواجنا فهو لم يقبل بي ابدا …”
التفت مهند نحوها وقال بعدما انتهى من تجفيف وجهه بالمنشفة :-
” ولن يقبل .. ولا أحد من عائلتي سيقبل .. لذا انا أفعل كل هذا .. كي نسافر بعيدا ويكون لدينا حياتنا الخاصة … ”
قاطعته بحنق :-
” انت لا تفعل هذا من أجلي فقط .. بل تفعله لأجلك أيضا .. فأنت دائما ما كنت ترغب بالتحرر من قيود عائلتك وتحكماتهم ..”
” ولإجلي أيضا يا تقى .. انا اساسا لا أهتم سوى بنفسي وأفعل كل هذا لأجلي .. هل يرضيك هذا الآن ..؟!”
قالها بنفاذ صبر وهو يندفع خارج الحمام لتتبعه وهي تردد بسرعة :-
” انا لا أقصد .. لا أفهم لماذا تتعصب علي هكذا …؟!”
التفتت نحوها بملامح محتدة يزجرها بقوة :-
” لإنكِ من تدفعينني لذلك .. ألا يكفي الطريقة التي أيقظتني بها …؟! ”
” كنت غاضبة و..”
قاطعها بضيق :-
” لا يهمني كل هذا .. انظري الي يا تقى .. انا لدي ما يكفيني من المشاكل .. وفوق كل هذا جاءت تلك الزيجة التي زادت من مشاكلي .. لا ينقصني تصرفاتك المجنونة وغضبك الغير مبرر .. انا بي ما يكفيني ولا أحتاج لما يرهقني أكثر ..”
تقدمت نحوه تحيط رقبته بذراعيها تطبع قبلة على وجنته وهي تقول :-
” اسفة حبيبي .. انا لا أريد إغضابك حقا .. أعدك إنني سأنتبه لتصرفاتي أكثر بعد الآن وأسيطر على غضبي .. فقط لا تتضايق مني .. ”
أضافت وهي تلقي نفسها بين أحضانه :-
” انا احبك يا مهند … احبك واريد راحتك وسعادتك ..”
ربت على ظهرها بخفة قائلا :-
” حسنا يا تقى .. انا أتفهم غيرتك في كثير من الاوقات لكن حقا في بعض الاوقات تصبح غيرتك مزعجة حقا وتصبحين لا تطاقين ..”
شعر بتشنجها بين أحضانه فأضاف بجدية :-
” حاولي السيطرة على غيرتك هذه يا تقى فأنا لست صبورا ابدا وانت اكثر من يعلم ذلك ..”
هزت رأسها موافقة وهي بين أحضانها عندما أبعدها عنه قليلا مرددا بجدية :-
” سأغير ملابسي وأذهب لرؤية سليم …”
اتجه بعدها نحو خزانته ليخرج ملابسا مناسبة له عندما سمعها تسأله بصوت جاهدت ليخرج عاديا :-
” هل رأيتها ..؟! أقصد العروس ..”
كز على اسنانه بقوة وهو يشعر بصبره يتضائل تدريجيا ليجذب ملابسه ويتجه نحو الحمام لتغييرها دون أن يجيبها على سؤالها ..
كانت تجلس على سريرها تنحني بجذعها نحو تلك الورقة البيضاء حيث ترسم عليها احدى الشخصيات الكرتونية التي كانت تحبها منذ الطفولة ..
عادت بذاكرتها الى الخلف عندما كانت طفلة صغيرة تعشق افلام الكرتون وخاصة تلك الافلام المتعلقة بأميرات ديزني …
كانت تحب قصة بياض الثلج تحديدا وتحب أن تعيد فيلم الكرتون الخاص بها حتى إنها أخبرت والدتها ذات مرة إنها تريد أن تصبح مثل ” سنو وايت ” وتعيش قصة مماثلة للغاية ..
تذكرت إبتسامة والدتها وربتتها الحانية فوق شعرها الطويل عندما أخبرتها إنها تفضل أن تصبح كالأميرة بيل بطلة قصة الجميلة والوحش وعندما سألتها لماذا بيل تحديدا فهي ترى سنو وايت أجمل منها أجابتها والدتها بجملة ما زالت عالقة في ذهنها رغم مرور سنوات عليها :-
” بيل او بيلا أميرة مختلفة عن بقية الأميرات .. فتاة ذكية وقارئة مثقفة .. كانت شجاعة للغاية والوحيدة من واجهت الوحش دون خوف بل استطاعت أن تحوله الى شخص طيب وحنون … انا لا أريدك أن تكوني كبياض الثلج تنتظرين أميرا ينقذك بقبلة منه .. اريدك تلك الفتاة الشجاعة الذكية القادرة على مواجهة أي شيء وأي شخص مهما بلغت قوته وجبروته ..”
توقفت عما تفعله وشعرت بألم ينتزع روحها من جسدها وهي تتمنى في تلك اللحظة لو كانت حية ..
هي تحتاجها بشدة بل لطالما ما كانت تحتاجها وتريدها وتبكيها دائما خاصة ليلا لكن هذه الفترة تحديدا وبعدما حدثت أصبحت حاجتها لها ملحة لدرجة إنها أصبحت تدعو الله ليلا ونهار أن يأخذها عندها …
توقفت عن أفكارها وهي تسمع صوت طرقات على باب الغرفة يتبعها دخول أخيها الذي أصبح يزورها بإستمرار ..
زياراته ليست قصيرة كما اعتاد مسبقا بل اصبح يقضي معها وقتا جيدا يتحدث معها في أشياء عامة بينما هي تكتفي بإجابات مختصرة …
تقدم نحوها وهو يمنحها إبتسامة هادئة قائلا :-
” كيف حال أميرتي اليوم إذا ..؟!”
” بخير ..”
قالتها بخفوت وهي تتذكر جلسات علاجها مع الطبيبة النفسية .. جلستها الثالثة معها ستكون بعد يومين حيث خضعت لأول جلستين علاج استطاعت تلك الطبيبة أن تحصل منها خلالها على إستجابات لا بأس بها خاصة وإنها لم تتطرق الى مواضيع مؤلمة او حساسة ابدا …
جلس عمار بجانبها على السرير وأخذ يتأمل رسمتها التي لم تكتمل بعد فهتف بجدية :-
” ترسمين اذا ..؟!”
أضاف وهو يحمل الورقة يتأمل الرسمة التي أوشكت على الإكتمال والتي رسمتها جيلان بإتقان فهتف مبهورا :-
” تمتلكين موهبة رائعة يا جيلان ..”
هتفت بصوت مضطرب قريبا :-
” لقد طلبت مني الطبيبة أن أرسم عندما علمت إنني أمتلك موهبة الرسم ..”
هتف بصدق :-
” رسمك رائع .. لم أكن أعلم إنك تمتلكين موهبة الرسم ..؟!”
ردت بخفوت :-
” انا أرسم منذ أن كنت صغيرة لكنك لم تنتبه يوما ..”
سيطر الجمود على ملامحه للحظات قبل أن يخفيه بسرعة وهو يبتسم ويقول :-
” انت موهوبة حقا .. ربما عليك أن تدخلي الى احد معاهد الرسم الراقية لتتعلمي هناك الرسم بشكل أفضل وعلى أسس صحيحة ..”
اكتفت بالصمت كعادتها عندما أطلق هو تنهيدة طويلة ثم قال :-
” جيلان حبيبتي … أريد التحدث معك بشيء مهم ..”
نظرت له بقلق ليبتسم لها مطمئنا ثم قال بهدوء :-
” عمك يريد رؤيتك .. ”
صمت قليلا وهو يلاحظ إضطراب ملامح وجهها :-
” في الحقيقة عائلة والدك يريدون رؤيتك وطلبوا مني أن تذهبي عندهم في قصر جدك وتقضي عدة أيام هناك …”
” كلا لا اريد …”
قالتها بسرعة وخوف ظهر واضحا في مقلتيها ليقبض على كفها المرتجف يحتضنها بحنو وهو يردد :-
” جيلان حبيبتي .. لا داعي للخوف …هؤلاء أعمامك وأبناء عمومك .. عائلتك … ”
قاطعته بألم :-
” لا أريدهم .. وانت ايضا كنت لا تريدهم .. ألا تتذكر عندما منعتني من الذهاب عندهم ..؟!”
قاطعها بجدية :-
” رفضي كان تصرفا خاطئا وقتها .. هم في النهاية عائلة والدك وانت ابنتهم .. تنتمين لهم بكل الاحوال … ”
صمت قليلا ثم قال :-
” حبيبتي .. انا اتفهم مخاوفك لكن عليك ان تثقي بي وتعلمي إنني لا يمكن أن أتركك عندهم إلا وأنا واثق إنهم سيهتمون بك ويراعونك جيدا ..”
سألته بصوت مرتجف :-
” هل تريد تركي لهم …؟! هل تريد التخلص من عبئ وجودي عليك ..؟!”
هتف بسرعة وصوته الحاسم كان قويا حازما :-
” أقسم برحمة والدتي التي لا أحلف بها كذبا إنني لن أتخلى عنك يوما واحدا ولن أتركك ابدا مهما حدث .. انا سأظل دائما معك وجانبك حتى آخر نفس في صدري ..”
صمتت مكتفية بتلك الدموع التي ترقرقت داخل عينيها ليضيف وهو يمسح على وجهها برقة :-
” انظري الي يا جيلان .. وضعك هذا لا يعجبني .. وانا أسعى بكل قوتي لمعالجتك وتحريرك من هذا الوضع المؤلم … ”
أضاف وهو يقبض على كلتا يديها بيديه :-
” ذهابك الى هناك سيكون لصالحك .. انت لا يجب أن تبقى متقوقعة في غرفتك .. اريدك أن تبدئي في الخروج من هنا والتواصل مع العالم الخارجي ..”
” ولكنني لا أريد ..”
همست بها بصوت باكي ليهتف بقوة :-
” ستفعلين يا جيلان .. ستفعلين ما أريده .. لأجلك انتِ .. انا لن أسمح لك بتدمير نفسك .. هل فهمتِ ..؟!”
أخذ نفسا عميقا ثم قال وهو يمسح على شعرها بيده :-
” انت يجب أن تساعدينني يا جيلان … يجب أن تثقي بي وتفعلين ما أريده منك كي تتجاوزي ما حدث تدريجيا وتعودين الى حياتك الطبيعية …”
نهض من فوق السرير متجها خارج الغرفة عندما عاد بعد لحظات وهو يحمل البوما للصور تأملته بحذر ..
فتح الالبوم ثم سحب احدى الصور منه ووضعها أمامها لتتأمل صاحبة الصورة بحسرة ..
وجدته يشير الى الصورة وهو يقول :-
” هذه أمنا يا جيلان ..”
صمت قليلا يمنحها الفرصة لتتأمل الصورة بملامح رغم هدوئها تحمل الكثير من الألم والشوق ..
أضاف وهو يميل نحوها أكثر وأنامله تسير فوق الصورة ببطأ :-
” أمنا كانت شجاعة وقوية .. تدافع عن نفسها وحقها دائما ولا تسمح لأي شخص أن يقلل من قدرها .. كانت تدرك قيمة نفسها جيدا وتدرك مكانتها أيضا ..”
صمت لوهلة ثم أضاف وهو يدير وجه جيلان مقابل وجهه يتحدث بنبرة قوية ثابتة ضاغطا على حروف كلماته :-
” كوني كوالدتنا يا جيلان .. كوني قوية مثلها ولا تسمحي لأي شيء أن يكسرك … لا تسمحي لمجرد حادثة أن تحطم روحك .. حاربي آلامك وتجاوزيها .. والدتنا مرت بالكثير ورغم هذا ظلت شامخة آبية ترفض الإنحناء لأي أحد .. عاشت وماتت بنفس القوة والعنفوان وانا اريدك مثلها .. شجاعة وقوية .. ”
أردف وعيناه تتسلطان على ملامح وجهها المترددة :-
” أريدك أن تكوني مثلها ..أن ترثي منها قوتها وصبرها وكفاحها كما ورثتِ جمالها والكثير من ملامحها .. أريد أن تعلم ديانا إنها تركت خلفها فتاة رائعة وتمتلك من القوة والشجاعة ما يكفيها لتخطي أي شيء … عليكِ ان تتجاوزي تلك الحادثة .. ديانا ستفتخر بكِ كثيرا حينها …”
أخذ نفسا عميقا مجددا ثم قال بإصرار :-
” دعي والدتي تفتخر بك يا جيلان .. هي بالتأكيد ترى جيدا وتشعر بكل ما يحدث معك .. لا أريدك أن تخذلينها ولا تخذليني انا ايضا … ”
تعلقت عيناها الدامعتان بعينيه عندما صدرت منها شهقة خافتة رقيقة تتبعها دموع كثيرة جعلته يجذبها نحو صدره يحتضنها برفق وكفه يربت فوق ظهرها بحنو لن يصدر منه يوما لسواها ..
تقدم الى داخل المطبخ الذي لا يدخله سوى نادرا ليجدها تقف تتحدث مع رئيسة الخدم بشأن وجبات الطعام التي ستعدها على الغداء ..
كان يعلم إن المسؤولية تراكمت عليها كثيرا هذه الفترة بسبب غياب والدته التي ما زال هناك إسبوع على انتهاء رحلتها وأخته التي سافرت بدورها الى الخارج لأجل مشروع التخرج خاصتها مما جعله لا تأتي سوى ثلاثة اسابيع هذه العطلة فبقيت هي الوحيدة في المنزل وسط رجال العائلة وأصبحت هي المسؤولة عن كل كبيرة وصغيرة في هذا القصر كبديلة عن والدته اضافة الى وجود طفليه اللذين لا يتوقفان عن شغبهما مما يجعلها تبذل جهدا كبيرا معهم ..
توقف للحظات يسمح لنفسه أن يتأملها قليلا وذلك الفستان البسيط الناعم يغطي جسدها النحيف للغاية والذي يناسب جسد فتاة مراهقة لا إمرأة متزوجة وأنجبت بدل المرة مرتين …
شعرها الحريري الطويل معقود الى الخلف بذيل حصان طويل يصل إلى أسفل ظهرها بينما نبرتها الرقيقة يسمعها جيدا وهي تتحدث مع رئيسة الخدم بإحترام تمنحه لتلك المرأة التي تقارب سن والدتها وإبتسامة رقيقة ناعمة ترتسم على شفتيها يراها وهي تمنحها للجميع ما عداه ..
توقف أخيرا عن تأملها كي لا يمسكه أحدا متلبسا وهو يتأمل زوجته وكأنه لا يراها دائما وكأنها إمرأة غريبة وليست زوجته ..
” همسة …”
نطق بها بصوته الرجولي الرخيم لتلتفت نحوه بقليل من الدهشة من وجوده هنا في المطبخ لتدرك بسرعة إن هناك شيء هام يريدها لأجله مما جعله يعود باكرا من عمله على غير العادة بل ويأتي الى المطبخ خصيصا لأجلها ..
ابتعدت عن رئيسة الخدم منهية حديثها معها بسرعة لتهتف وهي تقترب منه على عجلة :-
” نعم يا راغب ..”
قال بجدية :-
” تعالي معي الى المكتب …”
شعرت بالتوجس من طلبه لكنها أبعدت شعورها جانبا وهو تراه يفسح لها المجال لتتقدمه فسارت أمامه يتبعها هو …
دلفا الى الداخل فشعرت به يغلق الباب خلفهما قبل ان يتقدم نحو المكتب وهو يشير الى الكرسي المقابل له :-
” اجلسي فهناك شيء هام أريدك لأجله ..”
جلست أمامه تتأمله بصمت ليقول أخيرا :-
” جيلان ابنة عمي .. ستأتي بعد قليل الى هنا وتبقى عندنا في القصر ..”
قالت بسرعة :-
” اهلا وسهلا بها .. سأجهز لها جناحا يليق بها او …”
قاطعها بسرعة :-
” لم أطلب منك التحدث لأجل ذلك .. انا أعلم جيدا إنك ستتدبرين كافة الأمور التي تخص إستقبالها ولن أحتاج لتنبيهك بشأن هذا ..”
” اذا ماذا تريد مني ..؟!”
سألته بإستغراب ليتطلع إليها للحظات متأملا ملامحها الهادئة الجميلة قبل أن يهتف بجدية :-
” اسمعيني يا همسة ..”
تنهد ثم تحدث بحذر محاولا ألا يظهر شيئا مما لا يجب أن تعرفه زوجته .. يثق بهمسة أكثر من أي أحد ويعلم جيدا إنها لن تبوح بذلك السر ولو وضعوا السكين على رقبتها لكنه وعد عمار أن يبقى الأمر سرا بينهما وهو لن يخلف هذا رغم إدراكه إن همسه لا خوف منها من أي ناحية لكن رغم هذا لن يخبرها بأي شيء فوضع جيلان سيبقى سرا طي الكتمان لا يعلمه احد سواه هو وأخيها ..
” وضع جيلان حساس قليلا .. لقد مرت بحادثة عصيبة …”
” حادثة ..؟!!”
رددتها بذهول ليومأ برأسه وهو يقول :-
” نعم حادثة تسببت لها بمشاكل نفسية مما جعلها منزوية على نفسها تماما ترفض التعامل مع العالم الخارجي ..”
صمت قليلا عندما وجدها تهز رأسها بتفهم وهي تقول :-
” حسنا فهمت .. ماذا تريد مني بالضبط يا راغب …؟! قل ما تريده وانا سأنفذه إذا إستطعت ..”
ابتسم رغما عنه يشعر بالإمتنان الشديد وهو يراها تحترم رغبته بعدم البوح عن طبيعة تلك الحادثة بل إنها تجنبتها تماما وقد فهمت عليه إنه لا يريد الخوض بهذا الأمر ..
” انت تستطيعين بالطبع فعل ما أريده ..”
نظرت اليه بتساؤل ليقول بجدية :-
” انت المرأة الوحيدة بالمنزل بجانب والدتي .. أعلم مدى حنان والدتي لكن أنت وضعك مختلف .. أحتاج منك أن تمنحيها إهتماما خاصا يا همسة .. أنت تعلمين إن الفتاة يتيمة … فقدت والدتها منذ سنوات وفقدت عمي منذ أشهر قليلة وجاءت تلك الحادثة لتدمرها تماما .. أريدك أن تراعيها جيدا وتحاولي أن تخرجيها من إنعزالها هذا .. إعتني بها يا همسة فلا أحد غيرك يستطيع ان يفعل ذلك ولأكن صريحا فأنا لا أثق بغيرك لأطلب منه هذا ..”
ردت أخيرا بعدما أنهى كلماته التي بدت ثقيلة للغاية على روحه :-
” لا تقلق يا راغب .. سأفعل ما تريده وسأكون بجانبها منذ اللحظة التي تطأ بها قدميها هذا المنزل …”
أضافت وهي تبتسم بحسرة :-
” كما إنني أكثر من يتفهم صعوبة ما مرت خاصة بما يتعلق بفقدانها لوالديها ..”
ظهرت لمحة من الألم على وجهه وكأن ألمها الذي ظهر على وجهها إنتقل إليها …
أخفى ألمه بسرعة وقال :-
” لا داعي أن أخبرك إن أمر الحادثة ..”
قاطعته برفق :-
” لا أحد سيعلم بأمر الحادثة اطلاقا … ”
هتف بجدية :-
” الفتاة منذ دخولها هذا المنزل ستصبح أمانة عندك يا همسة … ”
هزت رأسها وقالت بصدق :-
” لا تقلق يا راغب .. أمانتك محفوظة …”
هتف بصدق وعيناه تحاصران عينيها بنظرة خاصة :-
” لا أقلق أبدا بشأن أي شيء تتولينه انت .. دائما وأبدا كنت على قدر ثقتي بل وأكثر ايضا …”
توترت ملامحها كليا فنهضت من مكانها تهتف بتساؤل :-
” سأعد لها الجناح المقابل لجناح الاولاد …”
قاطعها :-
” انتظري لحظة ..”
نظرت إليه بتساؤل يهتف بجدية :-
” إذا جاء مهند الى هنا سيراها .. لا تتركيه معها لوحده ابدا مهما حدث وأخبريني بمجيئه فورا ..”
أضاف وهو يتأمل دهشتها فأضاف :-
” جيلان هي من تزوجها مهند يا همسة .. لكنها لا تعلم حتى الآن بأمر زواجها منه .. وانت تعرفين مهند جيدا .. متهور كثيرا وانا أخشى على الفتاة إن جاءته الفرصة وإنفرد بها… ”
كتمت شهقتها بصعوبة عندما علمت ان تلك الفتاة الصغيرة والتي سمعت عنها بالاسم فقط زوجة مهند …
” قريبا ستعلم بزواجها منه وبعدها سنخبر العائلة كلها بإحتفال ملائم للمناسبة ..”
أومأت برأسها ثم سألته أخيرا :-
” هل هناك شيئا آخر تود إخباري به ..؟!”
رد بسرعة :-
” حتى الآن كلا ..”
هتفت بجدية :-
” اذا سأذهب وأجهز الجناح للفتاة … عن اذنك ..”
ثم خرجت من المكان يتابعها بنظراته حتى اختفت تماما ليطلق تنهيدة طويلة قبل ان يغمض عينيه متراجعا الى الخلف برأسه قليلا فعادت صورتها تقتحم عقله مجددا ..
ابتسم بسخرية على حاله فهو يتخيلها في عقله وكأنها بعيدة بعد عن السماء عن الأرض عنه لكنها في الواقع أقرب شخص إليه .. زوجته …!
تقدمت بخطواتها الواثقة نحو مكتب والدها حيث أشارت الى السكرتيرة بعينيها كي لا تنهض لإستقبالها ..
طرقت على الباب بخفة ثم دلفت الى الداخل تلقي التحية عليه بإقتضاب أصبح يسيطر على طريقة تعاملها معه ..
تأملها مستغربا دخولها مكتبه مجددا رغم علمه إنها بالفعل بدأت تعمل في الشركة وإن كانت لا تأتي بدوام ثابت ..
أجاب تحيتها بخفوت ليراها تتقدم نحوه وتجلس على الكرسي المقابل له بأناقة تليق بها تضع قدما فوق الأخرى بعدما وضعت حقيبتها على الطاولة أمامها …
” أريد التحدث معك بأمر هام …”
” تحدثي يا ابنتي ..”
قالها بجدية لتمنحه إبتسامة مصطنعة وهي تسأله :-
” كيف حال زوجتك سهام ..؟! متى ستنجب الصبي الثاني لك …؟!”
بهتت ملامحه لوهلة قبل أن يرد بإختصار :-
” حملها ما زال في بدايته .. ”
” في أي شهر ..؟!”
رد بخفوت :-
” لم تكمل ثلاثة اشهر بعد ..”
ضحكت رغما عنها وهي تردد بإستهزاء :-
” سبحان الله ثلاثة أشهر وعلمت انه صبي .. يبدو إنها تعلم الغيب أو تقرأ الفال ربما …”
أطلق والدها تنهيدة متعبة ثم سألها :-
” ماذا تريدين يا ليلى ..؟!”
أجابته بجدية :-
” أريد أن أعلم متى ستعرف والدتي بأمر زيجتك الثانية ..؟! انت ستنجب طفلا ثانيا منها ووالدتي لا تعلم … هل ستبقى لا تعلم شيئا والمياه تجري من تحت قدميها أم سننتظر أن يأتي أحدهم ويخبرها بالأمر ويصدمها بقوة قد تطيح بها لا سامح الله…؟!”
” انا لا يمكنني إخبارها …”
قالها بنبرة ضعيفة لترد بنبرة هازئة :-
” لماذا ..؟! لا تخبرني إنك تخاف على مشاعرها …”
” صدقي او لا تصدقي فأنا أحب والدتك كثيرا .. فاتن حب حياتي وانت تعلمين هذا …”
هتفت بغضب مكتوم :-
” لهذا تزوجت عليها … بل وتزوجت سرا ايضا .. تخونها وتخدعها وتقول حب حياتي .. أي حب هذا بالله عليك ..؟!”
قال بسرعة محاولا التبرير :-
” انا فقط أردت صبيا يحمل اسمي .. ألا يحق لي أن يكون لدي وريث ..؟!”
قاطعته بتهكم :-
” أي وريث بالله عليك .. لديك ديون تحبسك لأعوام خلف القضبان وانت تفكر فقط بأمر الوريث ..”
صمتت قليلا ثم قالت قالت بجدية :-
” متى ستخبرها …؟! ”
” أخبرتك إنني لا أستطيع .. انا أمر بأزمة مالية قوية يا ليلى .. والدتك اذا علمت بهذا الأمر ستتركني لا محالة وانا لا أتحمل فقدانها و…”
” سأساعدك انا ..”
قالتها فجأة ليتطلع اليها بدهشة فتضيف بجدية :-
” سأساعدك في ازمتك المالية وسأساعدك في إرضائها ايضا .. ليس لأجلك بالطبع .. بل لأجل وضعنا الاجتماعي اولا ..”
صمتت قليلا ثم قالت :-
” اضافة الى كونك والدي .. ومهما حدث فأنا لا يمكنني السماح بسجنك …”
” ليلى ابنتي ..”
قالها بضعف لتقول بنبرة جدية قوية :-
” لكنني لن أفعل هذا دون مقابل ..”
سألها مستغربا :-
” مقابل ماذا يا ليلى ..؟!”
ردت بجدية :-
” أريد أن أضمن حقي وحق مريم ووالدتي … ”
صمتت لبرهة ثم اضافت :-
” سنعقد اتفاقا صغيرا … أمر الشيكات سأحله مع عمار ..”
” لا تجلبي سيرة هذا الرجل أمامي .. انا لا أنا أفهم حتى الآن لماذا لم تتطلقي منه بعد ..؟!”
ردت بنبرة قوية ثابتة :-
” من حسن حظك إنني لم أفعل وإن علاقتي تحسنت به … عليك أن تعلم إنني من أقنعته بالتراجع عن موضوع الشيكات ومنحك وقتا اضافيا واستطيع إقناعه أيضا أن يقبل بتسديد المبلغ على مدار السنوات القادمة من ارباح الشركة ..”
” الشركة لا تحقق تلك الأرباح التي يمكن ان تساعد في ذلك ..”
قالها والدها بحسرة لتهتف وقد وصل الحديث الى مبتغاها :-
” وهذا بالضبط ما أريد التحدث بشأنه ..”
سألتها بتوجس :-
” ماذا تريدين بالضبط …؟!”
” اسمعني جيدا يا أبي .. كما قلت سنعقد اتفاقا بيننا .. انا سأحل أمر الشيكات بالتراضي مع عمار وأنقذك من السجن المحتوم اضافة الى إنني لن أخبر والدتي بأمر زيجتك حتى تقرر انت إخبارها وعندما يحدث ذلك سأقنعها بتقبل الأمر والبقاء معك … انت تعلم مدى قوة علاقتي بماما وكيف يمكنني التأثير عليها ..؟!”
اومأ برأسه دون رد لتقول بصوت هادئ :-
” ولكن هذا سيكون له مقابل ..”
” ما هو المقابل ..؟!”
سألها بصوت متحشرج لتجيب بتروي وببطأ :-
” تسجل ثلثي أسهم الشركة باسمي انا ومريم .. ثلث لي وثلث لها .. تسجل الفيلا خاصتنا بإسم والدتي .. والمنزل الريفى كذلك بإسم والدتي .. لديكِ ثلاث عمارات ستسجل واحدة منها باسمي والأخرى باسم مريم ..”
” ولكن ..”
قاطعته بجدية :-
” واضافة الى هذا سأتولى أنا ادارة الشركة وسيكون عمار مشرفا على الادارة كي يضمن تطور العمل بينما الأرباح ستعود تدريجيا اليه حتى نسدد ديونه كاملة خلال اعوام قليلة ..”
” هذا كثير .. ثلثي اسهم الشركة …”
رفعت حاجبها مرددة بغضب مكتوم:-
” كثير على بناتك وزوجتك التي عاشت معك لسنوات وكانت جانبك دوما وساندتك في أصعب الاوقات …”
” لا أقصد بالطبع .. ولكن انتِ لديك أخ يا ليلى وربما سيأتي الأخر ايضا وهم لهم حق في املاكي ..”
هتفت بسرعة :-
” هناك ثلث اسهم الشركة اضافة الى عمارة كاملة والفيلا التي تعيش فيها والدتهم إضافة الى ما كتبته لوالدتهم من املاك ..”
قال بسرعة :-
” لم أكتب لها شيئا أبدا ..”
” هذا لا يهم .. انا أخبرتك بشروطي … ولا تنس إن رفضك لشروطي سيجعلني أسحب يدي من موضوع الشيكات تماما وحينها عليك مواجهة عمار وانا لن أتدخل بأي قرار سيتخذه وقتها … ”
نهضت من مكانها بعدما أنهت حديثها ثم حملت حقيبتها واتجهت خارج مكتب والدها بخطوات بطيئة وواثقة كما دخلت ..
أخذ يسير داخل النادي يبحث عنها بعينيه بعدما أدرك وجودها اليوم أيضا …
توقف في منتصف احد المقاهي التابعة للنادي يتأمل الموجودين بحثا عنها عندما سمع صوتها يصدح بمرح خلفه :-
” هل تبحث عن شخص ما يا بك …؟!”
إلتفت نحوها يتأمل ملامحها المشرقة وإبتسامتها المضيئة كعينيها الخضراوين اللامعتين بقوة ..
خلع نظارته وأجاب ببطأ :-
” كنت أنتظر سيدة جميلة تعتاد ان تأتي هنا في هذا اليوم تحديدا إسبوعيا ..”
اقتربت منه تسأله بمشاغبة :-
” هل تراقبني يا عمار ..؟!”
ابتسم دون رد فقالت وهي تشير الى احدى الطاولات :-
” تعال نجلس هنا …”
سار خلفها عندما سحب لها كرسيا لتجلس عليه فمنحته إبتسامة رقيقة ليتجه بدوره ويجلس قبالها قبل أن يشير الى النادل الذي تقدم منهما فسألها عما تود أن تتناوله لتهتف :-
” هوت شوكليت …”
بينما قال عمار بدوره :-
” قهوه سادة …”
دون النادل طلباتهما ثم ابتسم بلباقة وهو يبتعد ليهتف عمار بجدية :-
” سنوات تمر وما زال طلبك واحدا لا يتغير .. هوت شوكليت ..”
ضحكت وهي تقول :-
” هل يجب أن يتغير ذوقي بسبب مرور السنوات ..؟!”
أضافت بجدية وهي تصب القليل من الماء لها بعدما وضع النادل قنينتي الماء أماميهما :-
” الهوت شوكليت من الأشياء التي لا أستطيع الإستغناء عنها أساسا وفي الحقيقة هذا المقهى تحديدا يعده رائعا …”
تناولت القليل من الماء ثم قالت وهي تضع القدح فوق الطاولة مجددا :-
” اذا كيف حالك ..؟!”
رد بجدية :-
” انا بخير .. يعني اموري تسير على ما يرام …”
عادت تسأله بجدية لا تخلو من الصراحة :-
” ومالذي يجعلني ترغب برؤيتي والتحدث معي ..؟!اسفة لكن فضولي يدفعني لمعرفة سبب مجيئك اليوم لأجل رؤيتي مثلما فعلت المرة السابقة فمن أبسط حقوقي أن أفهم سبب تصرفك هذا …”
هتف بتهكم :-
” واثقة للغاية إنني جئت خصيصا لأجلك ..”
هتفت بثقة :-
” لا يمكنك الإنكار يا عمار .. انت لست من رواد النادي أساسا .. رغم إنك عضوا فيه إلا إنك لا تأتي هنا مرة كل عدة أشهر ..”
” هذا كان سابقا .. ربما الآن الوضع تغير ..”
ضحكت وقالت :-
” نعم تغير فحتى تلك المرات النادرة أصبحت غير موجوده .. انت كنت تأتي معي مجبرا فقط لإنني أحب المجيء هنا وممارسة الرياضة لدرجة إنني دائما ما كنت اتسائل عن سبب تسجيلك كعضوا هنا وانت لا تأتي أبدا ..”
” فعلت كما يفعل الأغلبية لكن الفرق إنني لم أكن من محبين المكان هنا خاصة إن هناك أماكن أفضل بكثير مناسبة للترفيه اكثر ..”
ابتسمت دون رد عندما جاء النادل ووضع طلباتهما أمامهما ..
حملت كوبها وإرتشفت منه القليل بتلذذ ثم وضعته أمامها وسألته مجددا بإصرار :-
” اذا ألن تخبرني عن سبب ما تفعله ولماذا تحاول أن تراني وتتحدث معي ..؟!”
رد بتهكم :-
” ربما أحن للأيام الغوالي …”
” ربما ..”
قالتها وهي تهز كتفيها ثم هتفت ببساطة :-
” هل تعلم إنني بالفعل أحن لتلك الأيام ..”
صمتت قليلا وهي تلاحظ دهشته لتبتسم وتضيف :-
” لا أقصدك انت تحديدا .. أتحدث عن تلك الفترة عموما .. وتلك الأيام التي أعتبرها أفضل أيام عشتها .. يومها كنت صغيرة ومنطلقة .. كنت أرى الحياة ملونة زاهية …”
قاطعها متسائلا :-
” والآن كيف أصبحت ترينها ..؟!”
صمتت لوهلة ثم أجابت بجدية :-
” ملونة أيضا .. لكن ألوانها ليست دائما زاهية .. فأحيانا تكون ألوانها مفرحة تشبه حياتنا في تلك اللحظة وأحيانا تصبح سوداء قاتمة عندما نعيش وضعا سيئا أو نعاني من مأساة معينة .. انا اكتشفت ان الحياة ليست كما كنت أراها مسبقا .. اكتشفت ان بها جانب مظلم يمر به الجميع يوما ما دون استثناء ..”
” وهل مررت انتِ به ..؟!”
سألها بإهتمام لتتجمد ملامحها قليلا قبل أن تهز برأسها بصمت ..
ارتشف قليلا من فنجانه ثم قال بهدوء :-
” اذا تحدثي ..”
سألته بإستغراب :-
” ولماذا سأفعل …؟!”
رد ببساطة :-
” ربما لإنك تحتاجين هذا .. او ربما لإنني مستمع جيد .. ”
ضحكت بخفة وقالت :-
” انت مستمع جيد .. يا لها من ثقة عجيبة ..”
” انتِ لم تجربيني كي تحكمي ..”
قالها بجدية قبل ان يسألها بسرعة وصراحة مطلقة :-
” ماذا فعل ذلك الرجل بك ليجعل لون حياتك ينقلب أسودا ..؟!”
ابتلعت ريقها ثم أجابت وهي تتحكم بغصتها :-
” المشكلة إنني لا أعلم ماذا أقول او كيف أصف ما مررت به خاصة عندما أفكر إن البعض قد يرى الأمر ليس بذلك الصعوبة او ان ما عايشته ليس سيئا كي يسبب أزمة لي ..”
” تحدثي يا شيرين .. ”
قالها بصوت متسلط ثابت لتلمح بعينيه إصرارا عجيبا ..
غرقت في خضرة عينيه للحظات كما كانت تفعل دوما في علاقتهما السابقة ..
نهرت نفسها بقوة على ذلك الشعور المألوف بالنسبة لها ثم حملت كوبها ترتشف منه القليل قبل ان تتحدث بعدما وضعته جانبا :-
” كان مختلفا عني .. مختلفا للغاية … ”
” مختلف من اي ناحية ..؟!”
سألها بتعجب لتبتسم بضعف وهي تجيب :-
” كان متحررا بشكل لا يناسبني … ”
صمتت قليلا تتابع نظراته المتجهمة قبل أن تهتف بصوت متحشرج :-
” لا حدود عنده أبدا .. هو أساسا لا يفهم معنى الحدود ولا إن هناك خطوط حمراء لا يجب أن نتخطاها في علاقاتنا …. ”
ابتلعت غصتها داخل حلقها وهي تضيف :-
” كل شيء لديه مباح … كل شيء يا عمار ..”
إشتعلت عيناه بنيران الغضب عندما سألها بصوت عصبي قليلا :-
” كيف يعني ..؟! مالذي فعله بك ..؟!”
ردت بسرعة :-
” لم يستطع ان يفعل شيئا ولكن ..”
تنهدت بقوة وهي تلاحظ ارتياح ملامحه قليلا لتضيف بتردد :-
” عمار انت تعرفني جيدا .. تعرفني منذ أن كنت طالبة جامعية .. انا فتاة متحررة ذات عقلية متفتحه والجميع يعلم هذا .. أحترم البشر بكافة إختلافاتهم ولكن هناك أشياء لا يمكنني تقبلها .. هناك أشياء لا أستطيع التعايش معاها .. الأمر يتعلق بفطرتي نفسها يا عمار ..”
” تحدثي بوضوح يا شيرين … ماذا كان يفعل ذلك الحقير ..؟!”
كانت يتحدث بغضب مكتوم لتبتسم بألم ثم تتحدث أخيرا :-
” في البداية اكتشفت وجود العديد من الصديقات لديه .. صديقات كثير وعلاقته بهم تبدو غريبة… يتحدثون بإستمرار ويسهرون سويا … عندما أخبرته بإنزعاجي من الأمر أخبرني إنهم مجرد صديقات وكما لديه أصدقاء شباب لديه صديقات … والأسوء من ذلك عندما أخبرني إنني بدوري يمكن أن يصبح لي أصدقاء شباب بل يمكنني السهر معهم والسفر معهم ايضا ..”
جحظت عيناه مرددا بعدم تصديق :-
” كان يسافر مع صديقاته ..؟!”
أومأت رأسها وهي تجيب :-
” تخيل .. لقد سافر في رحلة سياحية مع صديقته المقربة وعندما رفضت وانتفضت أخبرني إنها مجرد صديقة وعلي التعامل مع الأمر ببساطة لإن الصداقات هنا بين الجنسين عادية للغاية وإن تلك الفتاة وغيرها مجرد صديقات وطالما لا يوجد بينهما أي علاقة ..”
صمتت ولم تستطع الإكمال ليومأ برأسه متفهما قبل أن يطلب منه الإكمال :-
” لا أستطيع قول كل شيء .. لكنني لم أستطع تقبل الأمر وحدثت بعدها أشياء أسوء .. يكفيني أن أخبرك إنني شعرت نفسي أتعامل مع رجل لا يمتلك أي غيرة على زوجته … رجل كان عادي جدا أن يسمح لي أن أسافر مع صديقي المقرب لوحدنا بل يسمح لي أن أحدثه ليلا ونهارا وأخبره عن تفاصيل علاقتنا الزوجية كما كان يفعل هو مع صديقاته ..”
لم تستطع أن تخبره ببقية الأشياء التي كلما تتذكرها تصيبها بالإشمئزاز لذا اكتفت بهذا الجانب فقط ..
هتفت أخيرا منهية الحديث :-
” لم أتحمل الحياة معه فطلبت الطلاق وعائلتي تفهمت الأمر بل إن وليد أخي دعمني فهو شعر في زيارته العابرة لنا إنه غير مريح على الاطلاق لذا كان داعما وبقوة لقرار الاطلاق …”
” جيد ما فعلته ..”
قالها بإقتضاب وقد سيطر عليه شعور شديد بالضيق مما عايشته …
لم يستطع البقاء اكثر ورغبته في المغادرة بدأت تلح عليه فوجد نفسه يسحب هاتفه ومفاتيح سيارته من فوق الطاولة ويقول بسرعة بعدما نهض من مكانه :-
” لقد تذكرت أمرا هاما علي إنجازه فورا .. أراكِ فيما بعد يا شيرين … ”
ثم خرج مندفعا خارج المكان غاضبا بشكل مريب تاركا إياه تتأمله بحزن وهي تشعر إن ما قالته جعله ينفر منها
دلفت ليلى الى المنزل تتجه نحو الطابق العلوي عندما سمعت صوت أصوات نسائية مختلفة تأتي من صالة الجلوس ..
تعجبت ملامحها عندما همت بالتحرك الى الداخل لكن خروج مريم من الصالة وهي تتأفف بضجر جذب انتباهها فسألتها بسرعة :-
” من هناك في الداخل ..؟!”
ردت مريم بإنزعاج :-
” عمتك سوسن وتلك المرأة قريبة أبي ..؟!”
” من تقصدين ..؟!”
سألتها ليلى بتوجس لترد مريم بعدم اهتمام :-
” تلك المرأة يا ليلى .. اسمها سهام على ما اعتقد …”
اتسعت عينا ليلى بطريقة لم تنتبه لها مريم التي هتفت ممتعضة :-
” سأذهب وأعد القهوة لهما … فالخادمات في إجازة اليوم ..”
أردفت بتذمر :-
” لم يأتوا سوى يوم اجازة الخادمات .. يا إلهي انا اكره الضيوف أكثر من اي شيء فكيف اذا كان الضيوف من أقارب والدك …”
هتفت ليلى بجدية :-
” اصعدي الى غرفتك وانا سأعد القهوة لهما ..”
” ولكنك متعبة ..”
قالتها مريم بفرحة مكتومة لهذا العرض الذي جاء في وقته فقالت ليلى بفتور :-
” مريم ، كلانا يعرف إنك لا تطيقين الدخول الى المطبخ حتى ..،اذهبي وانا سأتولى كل شيء ..”
اضافت بعدها وهي ترى إبتسامة مريم الواسعة :-
” بعد قليل سأخبر والدتي إنه كاد أن يغمى عليك دون سبب كي تصعد إليك وتطمئن عليك .. حاولي ان تدعي المرض أمامها وتخبريها إنك ربما تعانين هبوطا في الضغط واطلبي منها عصيرا او اي شيء ..”
” لماذا سأفعل ذلك ..؟!”
هتفت مريم وهي تحيط خصرها بكفيها فقالت ليلى بسرعة :-
” سأخبرك بعدما تغادران هاتين الاثنتين .. فقط نفذي ما أقوله من فضلك .. ”
زمت مريم شفتيها بعدم رضا لكنها أذعنت لطلبها وهي تتجه نحو الطابق العلوي لتحتقن ملامح ليلى وهي تشعر بالغضب الشديد لجرأة تلك المرأة الوقحة ..
سارعت نحو المطبخ وبدأت في إعداد القهوة عندما تركتها على النار واتجهت تبحث بين أغراض المطبخ عن شيء ما …
لمعت عيناها بقوة وهي تتأمل زيت الخروع الذي وجدته بسرعة وكأن الحظ يتفق معها بشكل رائع ..
سارعت نحو القهوة التي اعتنت بها للغاية كي يتناولنها جيدا …
صبتها في فنجانين أنيقين اضافة الى فنجان ثالث لوالدتها ولم تنسى ان تضع بضع قطرات من الزيت في كلا الفنجانين ..
توقفت للحظات ثم نظرت الى ذلك السوار الماسي الذي يزين معصمها فخلعته مفكرة إنه لا بأس من محاولة بسيطة قد تجدي نفعا …
حملت الصينية وتقدمت بخطوات واثقة نحو صالة الجلوس عندما دلفت الى الداخل ترسم ابتسامة واسعة على شفتيها وهي تهتف بترحيب :-
” مساء الخير …اهلا بكما .. ”
تجمدت ملامح سهام وكذلك عمتها فهما تظنان إنها في العمل كما علمتا من والدها إنها بدأت تعمل في الشركة …
قدمت القهوة لهما ولم تنس ان ترمي سهام وهي تنحني بجسدها نحوها قليلا بنظرة حارقة جعلت الأخيرة تتوجس منها خشية ..
وبينما تأخذ سهام القهوة بتوتر كانت ليلى تصوب عيناها نحو الحقيبة الخاصة بها عندما أسقطت الفنجان عليها متعمدة لتصرخ سهام بفزع فتسارع ليلى تحاول مساعدتها لكن سوسن سبقتها وهي تندفع نحو سهام اما فاتن فطلبت من سهام أن تذهب الى الحمام لتنظيف ملابسها بعدما تقدمتهما الى هناك ترافقهما سوسن التي يبدو إنها خشيت على سهام من تركها وحيدة بسبب وجود ليلى ..
سارعت ليلى تفتح الحقيبة وتضع بها السوار ثم تغلقها ..
حملت الصينية مع الفنجانين مجددا ثم عادت الى المطبخ تعد القهوة مجددا وتصبها في الفناجين ولم تنسَ ان تضع زيت الخروع في الفنجانين الخاصين بعمتها وزوجة ابيها ..
قدمت القهوة لعمتها وعادت تجلس بجانب والدتها قبل أن تهمس لها :-
” مريم شبه أغمى عليها .. لقد سندتها حتى وصلت الى غرفتها ..”
انتفضت والدتها كما توقعت وهي تتسائل :-
” ما بها مريم ..؟! ”
ردت ليلى ترسم القلق على ملامحها :-
” لا أعلم .. ربما مرهقة او أصابها هبوط بالضغط .. اذهبي واطمئني عليها بنفسك ..”
إستأذنت والدتها منهما وسارعت تركض نحو ابنتها عندما أخفت ليلى إبتسامتها أخيرا وظهر الوجه الحقيقي لها ..
” اذا ما سبب هذه الزيارة السعيدة يا هوانم …؟؟”
ردت عمتها سوسن بإمتعاض :-
” هل هذه الطريقة المناسبة للترحيب بعمتك وزوجة أبيك يا ليلى .. ؟!”
نقلت ليلى بصرها بين الاثنتين قبل ان تقول بصوت بارد :-
” معك حق .. هي بالفعل ليست الطريقة المناسبة .. ”
صمتت قليلا تتأمل عمتها وهي ترتشف من فنجانها وتقول :-
” يبدو إن والدتك فشلت في تعليمك الاصول والعادات ..”
لمعت عينا ليلى وهي تتأمل سهام ترتشف بدورها بعضا من قهوتها وكأنها مستمتعة بما يجري بينها وبين عمتها لترد ليلى ببرود :-
” لو فشلت حقا ما كنت لإستقبلكما بل وأقدم الضيافة لكما ..”
عادت عمتها ترتشف من فنجانها وهي تسأل بخبث :-
” ولكن أخبريني يا ليلى .. متى ستتطلقين من زوجك ..،
؟! أم إنك تراجعت عن الأمر ..؟! برأيي أن تفكري في الأمر جيدا .. فالطلاق ليس سهلا يا بنيتي .. ”
ضحكت ليلى ثم قالت :-
” ليس سهلا لغيري .. لمن يبحثن طوال الوقت عن زوج يعشن على حسابه .. ”
صمتت قليلا ثم أكملت وهي ترمق سهام بنظراتها :-
” لمن تنتظر رجلا ينتشلها من وضعها الرديء اما انا فالحمد لله .. لا ينقصني شيء .. وجود الرجل في حياتي مجرد كمالة لا أكثر وخروجه من حياتي لن يغير شيء لإنني بإختصار لا أحتاج رجلا .. ”
” ماذا تقصدين ..؟!”
سألتها سهام بغضب مكتوم لترد ليلى ببرود :-
” أقصدك انتِ تحديدا .. ألم تتزوجي ثلاث مرات خوفا من بقائك بدون رجل … ألم تكوني تبحثي عن رجل بعد كل طلاق فقط كي يصرف عليك …؟!”
أضافت وهي تشير الى نفسها :-
” اما انا فلا أحتاج الى رجل كي يصرف امواله علي او يعتني فأنا أمتلك اموالا تسد عين الشمس وزوجي ما زال متمسكا بي ويرفض تطليقي لكنني من أصر على الطلاق … ”
” لا تقللي أدبك يا فتاة .. تأدبي وانت تتحدثين مع من هم اكبر منك سنا ..”
قالتها عمتها بحنق لترفع ليلى حاجبها ثم تقول بسماجة :-
” عفوا عمتي ، هناك سؤال دائما ما يخطر على بالي .. سهام هذه ..”
أشارت بيدها نحو سهام ثم أضافت بصوت بطيء متمهل :-
” ألم تكن هي نفسها ابنة خالك التي لا تحبون وجودها وتشعرون بالعار من قرابتها بسبب فقر حال خالك … ؟! سهام هذه أليست تلك نفسها التي كنتم ترفضون التعامل معها بل وتسخرون منها ومن ملابسها القديمة بل ان والدتي كانت دائما ما تشفق عليها وتتضايق من طريقتكم بالتحدث عنها وعن عائلتها ..؟!”
ضحكت وهي تتأمل جمود وجه المرأتين عندما أضافت بخبث :-
” ولكن تصرفك موفقا .. انتم اخترتموها هي بالذات كزوجة لأخيكم بسبب أصلها الوضيع .. كي تقهرون والدتي أكثر .. كي تخبرونها إن زوجها تزوج من إمرأة لا ترتقي لأن تكون خادمة عندها ..”
قالتها سهام وهي تنهض من مكانها بعصبية لتنهض ليلى بدورها وتهتف بقوة :-
” اخرجا من هنا حالا .. لا مكان لكما في هذا المنزل ..”
” تطرديننا يا ليلى ..”
قالتها العمة بعدم تصديق لتهتف ليلى بقوة جعلتها مخيفة في هذه اللحظة :-
” اذا لم تخرجا من هنا حالا فسأطلب من الحرس في الخارج أن يخرجوكما عنوة ..”
هتفت سوسن بسرعة وهي تتحرك خارجا :-
” لا داعي لذلك يا محترمة … سنخرج دون الحاجة لذلك …”
ثم اندفعتا خارجا عندما ابتسمت ليلى بمكر قبل أن تجلس مكانها واضعة قدما فوق الأخرى تتأمل تصرفها بثقة بالغة ..
هبطت الى الطابق السفلي تسألها عن الضيوف عندما فوجئت بها تصيح :-
” سواري .. سواري اختفى يا ماما .. كنت أرتديه في يدي لكنه اختفى … “
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سارة علي
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سارة علي
” تأثيرك الشديد علي أصبح يقلقني كثيرا يا حياة ..!!”
قالها بعفوية ولا وعي لتبتسم لا إراديا وهي تردد بشقاوة :-
” هذا اعتراف خطير للغاية يا بك .. أنت تعترف بمدى قوة تأثيري عليك ..”
ابتسم هذه المرة مرغما وقال :-
” ظننتك تعرفين ذلك منذ مدة او شعرتِ به على الأقل …”
أشاحت ببصرها بعيدا عنه للحظات وهي تقول بخفة :-
” سأخبرك شيئا لكن لا تتضايق مني ..”
رد على الفور :-
” انتِ من أردتِ أن ينتهي اليوم ممتعا كما بدأ ..”
ابتسمت وهي تستدير نحوه وتقول :-
” أعلم ذلك .. حسنا لن أتحدث ..”
قبض على كفها يخبرها بجدية :-
” بل قولي ما تشعرين به يا حياة .. أخبريني بكل ما ترغبين بقوله .. هيا أنا أسمعك ..”
تأملت كفه التي تقبض على كفها لا إراديا قبل أن ترفع بصرها نحوه مجددا تهتف بخفوت :-
” أحيانا كثيرة أشعر إنني في حلم .. حلم سينتهي لا محالة .. لا أعلم متى سينتهي بالضبط ولكنه سينتهي ..؟! لا أخاف من إنتهاؤه ولكنني أخشى وبشدة مما ينتظرني بعد إنتهاؤه ..”
سألها بسرعة وملامح متجهمة :-
” أين الحلم فيما يحدث بالضبط ..؟! هل تتحدثين عن إرتباطنا أم ..؟!”
قاطعته بنفس الخفوت :-
” عن كل شيء .. في الفترة الأخيرة تبدلت الكثير من الأمور في حياتي .. قبل أشهر قليلة كانت حياتي تسير بطريقة واحدة ثابتة منذ سنوات .. والدي كان كل عالمي ودراستي هي كل ما يهمني .. الآن تغير كل شيء .. لا أتحدث عنك أنت فقط .. انت وحنين وحتى والدتي وكل ما يحدث معي .. كل شيء يحدث بسرعة مخيفة بالنسبة لي وانا التي لم أعتد يوما على حدوث أي تغيير في حياتي ..”
” ألا تعتبرينه تغيير إيجابي ..؟!”
سألها بجدية لترتسم الحيرة على ملامحها وهي تجيب :-
” أتمنى حقا أن يكون هذا التغيير إيجابيا ..”
أضافت بتردد :-
” لهذا أنا أشعر بك دائما وأتفهمك .. أتفهم صعوبة ما حدث معك وكم التغييرات التي أطاحت بحياتك … بالطبع لا يوجد مقارنة بين وضعي ووضعك لكنني أستوعب مدى صعوبة ما مررت به …”
” هل تعلمين أين المشكلة ..؟!”
قالها وهو يشرد بأنظاره نحو البحر مضيفا بنفس الشرود :-
” إن كل شيء ما زال هنا .. في قلبي وروحي … إن هذه التغييرات الصعبة ما زالت محفورة داخلي .. لم أستطع تخطي ما مررت به حتى الآن ولم أستطع التعايش بعد مع وضعي الجديد ..”
” ولهذا تريد السفر …؟!
سألته بتأني ليلتفت نحوها مجيبا بصوت متحشرج :-
” بعدما حدث وسجلي الأسود لا مكان لي في هذه البلاد يا حياة .. ”
” بالطبع لا .. انت لست اول شخص ..”
قاطعها بعصبية خفيفة :-
” كفي عن طريقة تفكيرك هذه .. الحياة ليست بهذه البساطة .. هل تظنين الأمر بهذه السهولة حقا ..؟! هل تظنين إن من يعلم الماضي وسبب سجني لسنوات سيتعامل معي بإعتيادية .. يستقبلني ببساطة .. ليس الجميع مثلك وإن كان هناك من سيتقبلني فهم عائلتي فقط وأشخاص معدودين يثقون ببرائته اما المجتمع حولنا وجميع من فيه سوا يرونني دائما وأبدا السجين السابق المتهم بالمتاجرة بالممنوعات ..”
ردت بإنفعال :-
” لا يهم … لا يهم أي أحد .. لا يهم أي شيء … فليذهب الجميع الى الجحيم .. انت بريء وانت تدرك هذا جيدا … الناس والمجتمع لن ينفعوك بشيء ولن يرفعوا من قيمتك إذا تقبلوك وتغاضوا عن أمر سجنك .. الأهم من كل هذا هو انت وكيف تثبت نفسك من جديد ..؟!”
انتفض من مكانه مرددا بغضب مكتوم :-
” لا أستطيع .. لا يمكنني العمل هنا ولا إثبات أي شيء ما دمت أمتلك سجلا أسودا .. هل تعلمين إنني تراجعت عن مشروعي مع صديقي وسام ..؟! هل تعلمين لماذا ..؟! لإن وضعي كسجين سابق وسمعتي التي تدمرت ستجعل الجميع يرفض التعامل معنا .. وهذا ما حدث بالفعل وما أدركته لهذا فضلت الإنسحاب من المشروع خاصة إن وسام لا يستحق أن يخسر أمواله في مشروعه الذي يحلم به طويلًا بسببي ..”
تطلعت إليه بصدمة مما تسمعه .. هي لا تصدق ما تسمعه ولا تصدق إنه أخفى الموضوع عنها ..
نهضت من مكانها تتقدم نحوه تقبض على ذراعه بلين وتسأله :-
” لماذا لم تخبرني ..؟! ”
رد بملامح محتقنة :-
” بماذا سأخبرك يا حياة ..؟! سأخبرك بإنني فشلت في اولى محاولاتي قبل أن أبدأ بها حتى ..؟! سأخبرك إنني سمعت بإذني احد العملاء يرفض منحنا رخصة المشروع فقط بسبب وضعي كسجين سابق ويتحدث بكل وضوح عن عدم موافقة اي شخص على التعامل مع رجل بماضي كالذي أمتلكه …؟!”
” كان يجب أن تخبرني .. كان يجب أن أعلم ..”
قالتها بصعوبة قبل أن تردد بسرعة :-
” لا بأس .. ليس مهما ابدا ..”
قاطعها بجمود :-
” هل فهمت الآن لماذا قررت السفر الى الخارج ..؟! هل أدركت سبب رغبتي تلك ..؟! هذه البلاد لا تناسبني وما حدث معي في الماضي سيظل يلاحقني الى الابد .. ”
” أنا آسفة .. آسفة لإنني لم أفهمك .. آسفة لإنني فكرت بطريقة ليست صحيحة ..”
هتف بجدية :-
” انتِ فكرتِ بطريقتك المعتادة .. بمشاعرك البريئة النقية .. وتناسيت إن ليس الجميع مثلك .. انت لم تهتمِ حتى بالموضوع فقط لإنك تثقين ببرائتي .. اما البقية فهم لا يصدقون إنني بريء وانا لا يمكنني لومهم ..”
” وحتى لو لم تكن بريء .. نعم أنا أثق ببرائتك .. لكن هناك من يرتكب الأخطاء في بداية حياته .. هناك من يرتكب أخطاء ويعاقب عليها .. هل نستمر طوال الوقت في محاسبة الجميع على أخطائهم السابقة حتى لو انتهت بل حتى لو عوقبوا بسببها ..؟! هل نستمر في إدانة المذنب ونرفض وجوده بيننا بل نحطم أي محاولة له بإصلاح نفسه لأجل خطأ حدث وانتهى وهو أدرك خطأه ويريد معالجته … ؟!”
كانت تتحدث بإنفعال وهي تفكر إنه لا يحق لأي شخص أن يحاسب الآخرين على أخطائهم طالما انتهت وهم أدركوا مقدار خطئهم ولم يكرروه ..
” هذا هو مجتمعنا يا حياة .. هذا هو الواقع الذي نعيش فيه .. ما تتحدثين عنه فلا يفكر به سوى القليل جدا .. قليل جدا من يفكر مثلك يا حياة ..”
قالها بنبرة يائسة لتهتف بصوت متحشرج وشعرت بدموع خفيفة تملأ مقلتيها :-
” هذا المجتمع غبي وعقيم .. مجتمع متخلف ولهذا سيظل مكانه ثابتا لا يتقدم … ”
أغمضت عينيها بأرهاق بينما شعر هو بإرهاقها فهتف بسرعة وإقتضاب :-
” دعينا نغادر فأنا تعبت حقا اليوم ..”
هزت رأسها متفهمة وقد شعرت برغبته الصريحة في العودة الى شقته والإنفراد بنفسه قليلا …
تعلم مدى صعوبة ما قاله وإنه تسرع فيما تفوه به ..
اتجهت نحو القفص تحمله وهي تردد بخفوت :-
“هيا بنا اذا ..”
ثم سارت أمامه متجهة نحو سيارته وهي تشعر بإن عليها أن تعاود التفكير من جديد في أمر السفر فما سمعته اليوم كان كافيا لمراجعة قرارها في الأمر ..
…………………………………………………………..
كانت تتقدم بسيارتها نحو بوابة الفيلا الخارجية عندما وجدت ضوء سيارته يقتحم رؤيتها فتوقفت لا إراديا مكانها قبل أن تفتح باب سيارتها وتهبط منها متجهة إليه والذي هبط بدوره من سيارته يتقدم نحوها وملامحه رغم هدوئها بدت منزعجة ..
” شريف .. ماذا تفعل هنا في هذا الوقت ..؟!”
سألته غالية بدهشة ليرد ببساطة :-
” أنتظرك منذ حوالي ساعة لأتحدث معك ..”
شعرت بالإرتباك قليلا فسألته وهي تمحي إرتباكها تماما :-
” ماذا حدث يا شريف ..؟! هل هناك مشكلة ما ..؟!”
هتف بصوت جاد للغاية :-
” أنت تعلمين ماذا هناك يا غالية فلا داعي لهذا الإسلوب المراوغ الذي لا أحبه ولا يناسبك انت تحديدا ..”
ردت من بين أسنانها :-
” انا لا أراوغ يا شريف .. قل ما لديك من فضلك فوقوفنا هكذا في هذا الوقت تحديدا غير مناسب على الإطلاق …”
أخذ نفسا عميقا ثم قال :-
” حسنا سأتحدث بوضوح .. لقد خطبتك يا غالية .. أخبرت والدتكِ برغبتي بالزواج منك وانتِ رفضت .. هذا ما أخبرتني به والدتك … ”
توقف عن حديثه يلاحظ تجهم ملامحها ليضيف متسائلا بهدوء مصطنع :-
” هل يمكنني أن أعرف سبب الرفض ..؟! ”
ردت غالية بدهشة :-
” عفوا ..؟! ماذا يعني تريد معرفة سبب الرفض ..؟! انا رفضتك وانتهى الأمر ..”
” بالتأكيد هناك سبب يا غالية .. وأنا من حقي كرجل تقدم لخطبتك أن أفهم سبب رفضك ..”
كان يتحدث بقوة وثبات لتزفر نفسا عميقا ثم تهتف بجدية :-
” حسنا سأخبرك .. هناك اكثر من سبب .. أولهم إن طلبك كان مفاجئا وغير متوقعا بالنسبة لي وبالتالي فكرة الزواج منك بدت غريبة بالنسبة لي بل غير منطقية ..”
ردد بدهشة :-
” غريبة وغير منطقية ..؟! لماذا يعني ..؟! انا ابن عمك وأريدك منذ سنوات ولا تخبريني إنك لم تلحظي يوما رغبتي في الإقتران بك ولم تنتبهي الى مشاعري نحوك ..”
كان اعترافا غير مباشرا بكونه يحبها وهذا بحد ذاته ضاعف من ضيقها وتوترها ..
ردت مدافعة عن نفسها :-
” هذا كان في الماضي .. منذ سنوات .. كنت حينها في سنواتي الجامعية الاولى وانت على وشك التخرج … لكنك لم تصرح بشيء يا شريف .. انت سافرت بعدها وبقيت في الخارج لسنوات .. ماذا يفترض بي أن أفعل ..؟! أنتظرك حتى تعود وتتكرم علي وتخطبني فقط لإنني شعرت يوما ما بإعجابك ..؟!”
حل الصمت المطبق بينهما للحظات .. لحظات طويلة وكلاهما ينظر الى الآخر بقوة ..
كان يتأملها وملامحها فائقة الجمال ينعكس عليها ضوء القمر فبدت تتنافس مع القمر بحسنها وبهائها ..
كان عاشقا لها منذ سنوات .. منذ الطفولة ربما ..
وقبل سفره في سنواته الجامعية الأخيرة بدأ يحاول جذب انتباهه كي تشعر به وبما يحمله نحوها ..
لكن خطأه إنه لم يتخذ خطوة واضحة معها .. نعم الآن أدرك مدى خطأه .. كان عليه أن يخطبها رسميا .. بل كان عليه أن يتزوجها ويأخذها معه الى الخارج ليكمل دراسته هناك وهي معه لكنه إنشغل بتلك المنحة والتي كانت فرصة ذهبية في وقتها لا يمكن رفضها فإنطلق في مجال عمله كطبيب يرغب في دراسة أحد أصعب التخصصات الطبية متناسيا أي شيء عدا طموحه …
” ربما تصرفي كان خاطئا بالفعل لكن تأكدي إنني كنت مقررا التقدم لخطبتك ما إن أحصل على شهادة البورد العالمية رسميا …”
ردت بنبرة ساخطة قليلا :-
” هذا لم يعد مهما يا شريف .. ”
” ماذا تعنين ..؟!”
سألها بضيق لترد بصوت جاف :-
” انا اسفة حقا .. لكنني لست موافقة على طلبك فإضافة الى ما قلته هناك سبب ثاني أيضا يمنعني من الموافقة ..”
” ما هو السبب الثاني ..؟!”
سألها بتحفر لترد بفتور :-
” هناك آخر سبقك وتقدم لخطبتي وانا أريده وموافقة عليه ..”
اهتزت حدقتاه للحظات قبل أن يهتف بصوت مبحوح محاولا إخفاء ألمه :-
” فهمت .. ”
أضاف بسخرية لا تخلو من المرارة :-
” إذا هناك من سبقني إليك يا غالية ..”
أومأت برأسها دون رد ليتحدث بصوت بارد لا حياة فيه :-
” مبارك لك إذا وأعتذر عن أي إزعاج تسببت لك به …”
انسحب بعدها فورا بينما توقفت هي في مكانها تشعر بضيق وألم مما حدث لكن الصراحة ستظل أفضل من أي شيء وإن كانت جارحة قليلا فهو لا يستحق أن تمنحه أي أمل في إرتباطهما وهو عليه أن يدرك إن إرتباطها بآخر بات قريبا جدا ..
……………………………………………………………..
جلست حنين بجانب حياة على سريرها الصغير تتأمل أختها التي تجلس في منتصف السرير تضم فخذيها الى صدرها وملامحها شاردة تماما منذ أن عادت قبل حوالي ساعة ..
سألتها وهي تتربع في جلستها :-
” ماذا هناك يا حياة ..؟! منذ عودتك قبل ساعة وأنتِ على هذه الحالة … هل حدث شيء ما معك ..؟! هل تشاجرت مع نديم ..؟!”
إلتفتت حياة نحوها وردت بفتور :-
” كلا لم نتشاجر ولكن حدث شيئا مهما ..”
” ماذا حدث ..؟!”
سألتها حنين بإهتمام بعدما إعتدلت في جلستها لتجيب حياة :-
” انا بحاجة الى التفكير بأمر السفر بشكل جدي …”
” ألم تفكري مسبقا بل ورفضتي عرض نضال ..؟!”
سألتها حنين بتعجب لترد حياة بسرعة :-
” لا أتحدث عن المنحة التي جلبها نضال .. أتحدث عن السفر الى الخارج مع نديم ..”
سألت حنين بتعجب :-
” سفر مع نديم ..؟! هل نديم يخطط للسفر ..؟!”
تنهدت حياة ثم بدأت تخبرها بفكرة نديم في السفر سويا الى الخارج حيث يعمل هو هناك وتنهي بدورها دراستها ثم تقدم على الدراسات العليا …
قالت حياة تكمل حديثها :-
” الوضع هنا لا يناسبه ابدا .. انت تعرفين مجتمعنا وكيف يتعامل مع من هم مثله .. السفر في بلاد بعيدة والتعامل مع ناس غرباء تماما هنا سيساعده كثيرا …”
سألت حنين بجدية :-
” وماذا عنك ..؟! وماذا عن دراستك ..؟! أنت حتى لم تكملي دراستك هنا ..؟!”
ردت حياة بسرعة :-
” السفر سيكون لصالحنا نحن الاثنان .. فأنا سأحصل على الفرصة للتخرج من جامعة أجنبية معروفة وفرصة لإكمال دراستي هناك .. لا يمكننا أن ننكر إن مقترح المنحة الذي جاء به نضال كان مغريا جدا وفرصة ذهبية بالنسبة لي ولولا تصرفاته وغموضه كان من الممكن أن أوافق فعرض كهذا لا يرفض ..”
صمتت حنين بينما اكملت حياة بجدية :-
” سفري مع نديم ودراستي هناك لا يختلف كثيرا عن المنحة .. الفرق إن دراستي ستكون على حسابي الشخصي .. نديم سيتكفل بكل شيء ..”
أضافت بتردد :-
” في الحقيقة هذا أكثر ما يزعجني .. فأنا لم أكن أرغب بأن يتكفل أحد مصاريف دراستي ..”
” عفوا ..؟! أعيدي ما قلته .. انت سوف تسافرين معه وتتركين جامعتك وحياتك هنا وفي المقابل تشعرين بالضيق لإنه سيدفع مصاريف دراستك .. ؟! هل انت مجنونة يا حياة ..؟! ”
قالتها حنين بعدم تصديق لتسأل حياة بتردد :-
” ماذا تقصدين يا حنين ..؟!”
” قصدي واضح يا حياة .. اذا كان السفر لصالحك فعلا فلا بأس أن تسافري ولكن عليكِ التفكير جيدا قبل إتخاذ قرارك النهائي .. انت سوف تتركين جامعتك وحياتك هنا وتسافرين معه .. مستقبلك بالكامل سيصبح مرتبطا به .. انا لا أقول إنه لا يستحق أن تضحي قليلا لأجله لكن التضحية هذه المرة الكبيرة وأنت يجب أيضا أن تفكري في وضعك وتؤمني مستقبلك جيدا …”
” لا أعلم يا حنين .. انا حائرة للغاية ومترددة … هل تظنين إنني لست خائفة من تبعات قراري اذا وافقت ..؟! انا خائفة بالطبع ولكن نديم شخص جيد وأنا أثق به رغم كل شيء ..”
” بإمكانك أن تثقي بنديم قدر ما تشائين لكن لا تثقي بالظروف نفسها يا حياة ..”
صمتت حياة تماما وأخذت توازن الأمور في عقلها مجددا ..
منطقيا السفر سوف يفيدها ولن يضرها .. فهي ستنهي دراستها في الخارج وتحصل على شهادة تخرج من جامعة عالمية وليست محلية ومعترف بها دوليا ..
ستكون لديها فرصة كبيرة وربما هناك يهتمون بها أكثر وبطاقتها العلمية الواضحة والتي تحدث عنها الكثير من أساتذتها مسبقا لكن ماذا لو حدث ما تخشى منه ..؟!
ماذا لو لم تستطع الإستمرار مع نديم ..؟!
ماذا لو إنفصلا بعد مدة ..؟!
كيف سيكون الوضع حينها …؟! وكيف ستتصرف ..؟!”
التفتت حياة نحو اختها تقول بجدية :-
” اذا نظرنا الى جانب إكمال دراستي في الخارج فهو أمر جيد للغاية … فالشهادة التي سأحصل عليها من هناك سيكون معترف بها دوليا … وبالتالي السفر سيصب لصالحي انا ايضا …. ولكن هناك مشكلة واحدة ..؟!”
” مشكلة ماذا ..؟!”
سألتها حنين بترقب لترد حياة بجدية :-
” ماذا لو لم يستمر زواجنا ..؟! أقصد يعني ماذا لو حدث وإنفصلنا لا سامح الله ..؟! كيف سأنهي دراستي حينها ..؟!”
نظرت حنين اليها بصمت للحظات قبل ان تقول بجدية :-
” انت ستتزوجينه بالطبع اذا وافقت على السفر معه .. وانت تفكرين في نفس الوقت إن زواجكما قد لا يستمر .. هل تفكرين حقا إنه من الممكن أن تنفصلا قبل عام من زواجكما ..؟! ”
ردت حياة بسرعة :-
” انتِ قلتها بنفسك …. لا يمكنني الوثوق بالظروف ولا أحد يعلم ماذا يخبئ القدر لي هناك ..”
ضما حنين شفتيها للحظات قبل أن تقول بجدية :-
” برأيي ألا تفكري بهذه الطريقة .. لا تفكري منذ الآن فيما سيحدث إذا ما إنفصلتما لا سامح الله .. انت فقط فكري في وضعك الدراسي والأفضل لكِ … هل السفر سوف يناسبك …؟! هل سيكون جيدا لك ..؟! ”
هزت حياة رأسها ورغما عنها تذكرت نديم وما قاله ..
نديم يحتاج السفر .. يحتاج الى الإبتعاد عن عنها ورغم عدم قناعته بسفره الذي تعتبره هروبا لكنها تتفهمه وتتفهم سبب رغبته بالسفر خارجا خاصة بعدما أخبرها به ..
هي تريد الموافقة بل تشعر إن السفر قد يكون لصالحهما … ليس فقط من الجانب العملي والدراسي بل من جانبهما الشخصي ايضا … ربما وجودهما سويا في الخارج حيث بلاد جديدة وناس جدد سيطور من علاقتهما نحو الافضل .. بكل الأحوال هي لن تخسر شيئا فهي وافقت على الإرتباط به و أرادت بحق المحاربة لأجل كسب قلبه لذا فلا توجد مشكلة إن سافرا سويا بل على العكس تماما هناك سوف يزداد قربهما من بعضهما وربما يحدث ما تتمناه ويتعلق قلبه بها ..!!
تنهدت بتعب وهي تشعر برأسها يكاد ينفجر من كثرة الأفكار داخله فوضعت رأسها لا إراديا على المخدة وأغمضت عينيها لتشعر بحنين تنهض من جانبها وتخرج من الغرفة بعدما أطفأت الضوء لتفتح عينيها مجددا تتأمل الظلام الدامس هذه المرة بصمت وعقل عاد يفكر مجددا ويبحث عن القرار المناسب ..
……………………………………………………………
في صباح اليوم التالي
تقدمت أحلام من أشرف الذي كان يجلس على كرسيه المعتاد يتناول قهوته ويحمل بيده جريدة الصباح اليومية يقرأ بها بتمعن ..
وقفت بجانبه تردد وهي تحمل هاتفها :-
” حنين اتصلت بي وأخبرتني إنها قادمة مع حياة لتناول الإفطار معنا ..”
” اهلا بهما ..”
قالها وهو يبتسم بهدوء قبل أن يتسائل :-
” هل نضال ما زال نائما ..؟!”
هزت أحلام رأسها وهي تجيبه :-
” نعم ما زال نائما ..”
اومأ أشرف برأسه متفهما عندما سمع الاثنان صوت رنين جرس الباب فتقدمت أحلام نحو الباب تفتحها بعدما أشارت للخادمة إنها ستفتح الباب بنفسها …
فتحت الباب لتتفاجئ بهايدي أمامها والتي إبتسمت بعذوبة وهي تلقي تحية الصباح :-
” مرحبا زوجة عمي .. كيف حالك ..؟!”
بالكاد سيطرت أحلام على دهشتها وهي تجيبها :-
” اهلا هايدي .. الحمد لله بخير ..”
ثم أفسحت لها المجال لتتقدم :-
” تفضلي ادخلي .. عمك في الداخل ..”
” لقد أتيت لأجله أصلا ..”
قالتها وهي تبتسم لها قبل أن تتقدم بخطواتها الواثقة متجهة الى صالة الجلوس الداخلية تتابعها نظرات أحلام المندهشة من قدوم هايدي الى منزلهم فعائلة أخ زوجها لا يقوموا بزيارتهم إلا نادرا وفي المناسبات الرسمية فقط وما زاد من تعجبها إبتسامة هايدي اللطيفة والتي لا تشبهها على الإطلاق ..
هايدي المتعجرفة التي تتعامل مع الجميع بفوقية وترفع تبتسم لها وتحييها بهذه الطريقة اللطيفة ..
كان شيئا مدهشا وغير متوقعا ابدا ..
اما هايدي فتقدمت نحو عمها وهي تهتف بمرح :-
” صباح الخير عمي العزيز …”
أغلق أشرف الجريدة ووضعها جانبه ثم خلع نظارته وهو يبتسم ويرد تحية ابنة اخيه :-
” اهلا هايدي حبيبتي … كيف حالك ..؟!”
انحنت نحوه تقبله من وجنتيه وهي تردد :-
” اشتقت لك يا عماه فجئت لأراك اليوم …”
ابتسم أشرف مرددا رغم دهشته الخفية :-
” اهلا بك حبيبتي .. أنرتنا بوجودك ..”
أضاف مشيرا الى أحلام التي تقدمت نحويهما :-
” أخبري الخادمة أن هادي ضيفتنا اليوم على الفطور .. نحن ننتظر حنين وحياة .. ما إن يصلان حتى نخرج الى الحديقة لتناول الفطور ..”
هتفت هايدي بسرعة تدعي الخجل :-
” أشكرك يا عمي .. لكنني تناولت فطوري مبكرا وجئت فقط لرؤيتك فقد مر وقت طويل على قدومك آخر مرة الى منزلنا ..”
أضافت وهي تشير الى أحلام تسألها بنبرة مهتمة غير معتادة منها :-
” كيف هو وضعك الصحي يا زوجة عمي ..؟! هل أصبحتِ أفضل الآن ..؟!”
ردت أحلام وهي تبتسم برسمية :-
” الحمد لله .. انا الآن أفضل بكثير …”
أضافت وهي تشير الى زوجها :-
” سأذهب وأتفقد طاولة الإفطار ..”
اومأ أشرف برأسه قبل أن يلتفت نحو ابنة أخيه يسألها بإهتمام :-
” أخبريني يا هايدي … كيف حالك وحال نانسي ..؟! وكرم كيف حاله ..؟! ألن يأتي الى البلاد هذه العطلة ..؟!”
ردت هايدي بسرعة :-
” انا ونانسي بخير .. كرم لا ينوي العودة الى البلاد .. سيبقى هناك حتى ينهي سنته الأخيرة …”
هز أشرف رأسه متفهما عندما انتبه الاثنان الى نضال الذي كان يهبط درجات السلم بملابسه الرياضية البسيطة عندما أشار له أشرف بسرعة :-
” تعال يا نضال .. انظر من عندنا .. هايدي ابنك عمك ..”
تقدم نضال نحويهما بملامحه الباردة وألقى التحية بجمود :-
” صباح الخير ..”
نظرت هايدي بسرعة تمد يدها نحو وهي تبتسم برقة بعدما نهضت من مكانها :-
” اهلا نضال .. كيف حالك .. ؟! حمد لله على سلامتك .. أعلم إنه مر وقت طويل على عودتك لكنني لم أرك منذ عودتك حتى اليوم ..”
” اهلا بك .. شكرا لك ..”
قالها بصوت مقتضب وهو بالكاد يلمس كفها بينما سأل والده :-
” هل الفطور جاهز ..؟!”
سمع صوت أحلام وهي تقول :-
” مائدة الطعام جاهزة فقط ننتظر حنين وحياة فهما في طريقهما الى هنا …”
قال أشرف بسرعة مشيرا إليه :-
” بإمكانك أن تتناول فطورك قبلنا إذا كان لديك موعد هام ..”
رمقه نضال بنظراته مرددا بتحدي خفي بينهما :-
” بل سأبقى وأشارككم الفطور .. ”
سمع الجميع صوت جرس الباب يرن مجددا فقالت أحلام بسرعة وهي تتجه نحو الباب بسعادة :-
” ها قد وصلتا ..”
بينما سألت هايدي بتعجب :-
” من حياة تلك يا عمي ..؟!”
رد نضال نيابة عن والده :-
” ابنة أحلام وأخت حنين ..”
هزت رأسها بتفهم وعادت تصطنع الإبتسامة عندما وجدت حنين تتقدم بمرحها المعتاد تتبعها حياة التي تراها للمرة الأولى …
تطلعت حنين الى هايدي بدهشة واضحة لاحظتها الأخيرة التي تقدمت نحو حنين تبتسم لها وهي تحييها :-
” حنين ، كيف حالك ..؟!”
بادلتها حنين إبتسامتها رغم دهشتها وهي تجيب :-
” اهلا هايدي .. انا بخير .. انت كيف حالك ..؟!”
ردت هايدي برقة :-
” انا بخير الحمد لله ..”
أشارت حنين الى حياة تعرف هايدي عليها :-
” هذه حياة يا هايدي .. أختي من والدتي … ”
أكملت وهي تشير الى هايدي :-
” هايدي يا حياة .. ابنة عمي ..”
تبادلتا الفتاتان التحية قبل أن تسمع حياة نضال يحييها :-
” كيف حالك يا حياة ..؟!”
ردت حياة وهي تبتسم بشكل مقتضب :-
” بخير الحمد لله ..”
هتفت أحلام بجدية :-
” هيا الى الحديقة فالمائدة جاهزة ..”
سار الجميع نحو المائدة حيث أحلام اول المتقدمين نحو المائدة تتبعها حنين التي تتأبط ذراع حياة والتي أتت الى المنزل مرغمة بعد إصرار حنين وبعدها نضال تتبعه هايدي مع عمها ..
جلس الجميع على المائدة حيث ترأس أشرف المائدة وعلى جانبه الأيمن جلست أحلام وابنتيها حياة ثم حنين وعلى الجانب الأيسر جلس نضال وجانبه هايدي ..
تقدمت الخادمة تصب للجميع ما يفضلونه من مشروب مع طعام الفطور فبدأ الجميع يتناول طعامه بإستثناء هايدي التي اكتفت بقهوتها المرة كما تفضلها بالعادة ..
قالت حنين تتسائل :-
” مر وقت طويل على آخر مرة أتيتِ بها الى هنا يا هايدي .. بالأحرى مرت سنوات على ما أظن ..”
ابتسمت هايدي بتصنع وردت :-
” معك حق يا حنين .. لكن ماذا أفعل ..؟! الدراسة أخذت معظم وقتي .. لكن اليوم رغبت في رؤية عمي فقد مر وقت طويل على آخر مرة رأيته به وأيضا لدي موضوع هام أرغب أن أستشيره به ..”
ابتسمت حنين بإستخفاف بينما هتف أشرف وهو يبتسم لها :-
” انت مرحب بك في كل وقت يا هايدي .. هذا يعتبر منزلك ايضا يا حبيبتي ..”
كانت حياة تخفض رأسها نحو الأسفل تبتعد بأنظارها عن نضال الذي يحاصرها بنظراته منذ مجيئها ..
سمعت أشرف يشير الى هايدي مجددا :-
” وبشأن الموضوع الذي أتيتِ لأجله ، يمكننا التحدث على انفراد بعد الإنتهاء من تناول الطعام ..”
قالت هايدي بسرعة :-
” كلا يا عمي ، الموضوع ليس سريا ابدا .. فقط هناك عرض من احدى الشركات في الخارج للعمل هناك وانا أحببت أن أستشيرك بشأن العرض …”
سألها أشرف بإهتمام :
” هذا أمر جيد مبدئيا .. ما إسم الشركة وأين موقعها ..؟!”
ابتسمت وهي تعطيه اسم الشركة ثم تخبره بموقعها :-
” الشركة تقع في كندا يا عمي .. إنها من أكبر وأضخم الشركات هناك ..”
رفعت حنين حاجبها تردد بخفة :-
” ما قصة كندا وعروضها معنا لا أفهم ..؟!”
سأل أشرف ابنه نضال بجدية :-
” هل تعرف هذه الشركة يا نضال ..؟!”
رد نضال وهو يرتشف القليل من فنجان قهوته :-
” بالطبع أعرفها .. إنها شركة ضخمة وسبق وإن جمع بينها وبين الشركة التي أعمل بها عدة أعمال مشتركة ..”
قالت هايدي وهي تلتفت له تسأله بحماس :-
” حقا يا نضال ..؟! هل هي شركة جيدة يعني ..؟! وهل تنصحني بقبول العرض ..؟!”
رد نضال وهو يحرك الطعام بشوكته دون أن ينظر إليها :-
” نعم هي شركة جيدة جدا .. اما بشأن قبولك العرض من عدمه فهذا الأمر يخصك وحدك وأنتِ من تقررين الأفضل به ..”
قالت بسرعة :-
” انا فقط مترددة من فكرة الإستقرار في الخارج بعيدا عن هنا .. خاصة في كندا .. فأنا لا أعرف البلاد هناك أبدا ولا أمتلك أقارب هناك ..”
قال أشرف بعفوية :-
” هل يعقل ما تقولينه يا هايدي ..؟! نضال مقيم في كندا منذ اعوام … بإمكانه أن يساعدك متى ما أردتِ …”
ابتسمت هايدي وهي ترمق نضال بنظراتها بينما ارتشف نضال آخر رشفة من قهوته قبل أن ينهض من مكانه مستأذنا :-
” انا سأصعد الى غرفتي فلدي مكالمات مهمة يجب أن أنجزها قبل الظهر ..”
ثم تحرك بعيدا تاركا هايدي تكاد تغلي من الغضب من تجاهله الصريح لها بل تجاهل حديث والده أيضا لكنها أخفت غضبها بنفس الإبتسامة التي ترسمها على وجهها منذ أن جائت وحتى الآن ..
…………………………………………………………..
تقدم فراس نحو عائلته المجتمعة على مائدة الطعام ملقيا التحية قبل أن يجلس على كرسيه الموضوع بجانب والدته التي تترأس الطاولة بينما يقابله فادي أخيه على الجهة الأخرى وجانبه أختهما الصغرى لجين ..
سأل بإهتمام يتأمل كرسي ابنه الفارغ :-
” أين تميم ..؟! لماذا لا يتناول فطوره معنا ..؟!”
ردت باسمة والدته :-
” ما زال نائما .. تميم لا يستيقظ قبل الحادية عشر صباحا … لكنكِ بالطبع لا تدرك هذا فأنت لديك أشغال أهم من ولدك …”
توقف فراس عن تناول الطعام وإلتفت نحوها يسألها بضيق :-
” ما مناسبة هذا الكلام الآن ..؟!”
لكن والدته كانت غاضبة منه أساسا بعدما علمت ما فعله بعهد فقالت بصوت عصبي للغاية :-
” كيف تجرؤ وتفعل ما فعلته ..؟! كنت انتظرك منذ اول البارحة لكنك لم تعد حتى مساء البارحة متأخرا … كيف تجرؤ وتتصرف هكذا مع زوجتك السابقة وأم إبنك …؟!”
رد ببرود وهو يشيح بوجهه بعيدا عنها :-
” انا حر يا أمي .. حر فيما أفعله معها ولا يحق لأي أحد أن يتدخل بتصرفاتي ..”
ضربت باسمة سطح الطاولة بقبضتي يديها وهي تردد بعصبية :-
” كلا لست حرا ولن تكون .. تلك التي ضربتها وأهنتها هي أم ولدك الوحيد أم نسيت هذا أيضا ..؟!”
” هي من تجاوزت حدودها معي ..”
قالها من بين أسنانه لترد بقوة :-
” حتى لو .. تظل إمرأة ومن العيب أن تستقوي عليها .. وفوق كل هذا أم ولدك .. انا لا أفهم كيف أتصرف معك .. انا تعبت حقا منك ومن عنادك وتجبرك …”
قال فادي محاولا تهدئتها :-
” أمي إهدئي من فضلك ..”
انتفضت باسمة تردد بغضب :-
” لا تقل اهدئي .. انا مللت من هذا الوضع ومللت من أفعال أخيك الغير متزنة .. ”
أضافت تشير الى فراس متجاهلة وجهه المحتقن غضبا :-
” مللت من غرورك وأنانيتك … لا تفكر سوى بنفسك .. حتى ولدك لا تفكر به ..”
انتفض فراس من مكانه مرددا وهو يشير الى نفسه بعدم تصديق :-
” انا لا أفكر بإبني .. انا يا أمي …”
” نعم أنت .. يكفي أنك تحرمه من والدته منذ سنوات ..”
قالتها بقوة ليرد بنرفزة :-
” والدته هي من تخلت عنه ..”
” لم تتخلَ عنه وانت تدرك ذلك جيدا .. اتقي الله يا فراس .. ما تزرعه ستحصده يوما لا محالة وهاهو ابنك رغم كل شيء ما زال يريد والدته ويحبها بينما نفوره منك يزداد كل يوم أكثر ..”
هتف فراس بضيق :-
” انت غاضبة مني منذ أن أخبرتك بأمر زواجي …”
ردت بقوة :-
” زواجك بأكمله لا يهمني .. انا لست راضية عن زواجك لكن لا سلطة لي كي أمنعك .. ما يهمني هو حفيدي .. تميم كل ما يهمني ولا شيء سواه ..”
” انا لا أفهم لماذا ترفضين زواجي مجددا لهذه الدرجة ..؟!”
سألها بعدم تصديق لترد بتعنت :-
” أرفضه رفضا قاطعا ولن أقبل به أبدا … تريد الزواج لك ما شئت لكن أنا لن أعترف بهذه الزيجة مهما حدث ..”
هز رأسه بعدم تصديق قبل أن يقول بقوة وعناد :-
” سأتزوجها .. شئتم أم أبيتم سأتزوجها ولا أحد سيمنعني عن ذلك ..”
اندفع بعدها خارج المكان لتغمض باسمة عينيها بتعب وهي تتراجع الى الخلف لا إراديا فسمعت لجين تسألها بقلق :-
” ماما ، هل انت بخير ..؟!”
هزت باسمة رأسها دون رد بينما قال فادي بجدية :-
” ما كان عليكِ أن تتصرفي هكذا معه .. العناد لن يجلب نتيجة مع فراس تحديدا ..”
” هل تريدني أقبل بزواجه مجددا يا فادي ..؟!”
سألته باسمة بعدم تصديق ليرد فادي بجدية :-
” بكل الأحوال سينفذ ما يريده .. قبولنا بالأمر الواقع سيكون أفضل من وجهة نظري .. ومن يعلم ربما تنجح زيجته هذه المرة ..”
نظرت باسمة له بإستنكار فقال فادي مضيفا :-
” فكري في كلامي جيدا وستجدين إن كلامي هو المنطق الوحيد المناسب لشخص كفراس ..”
نهض بعدها مستأذنا الذهاب الى عمله تاركا والدته تفكر في حديث فادي رغما عنها قبل أن تهز رأسها معترضة محاولة إبعاد هذه الأفكار عنها فهي لن تقبل بأمر زواج فراس مجددا مهما حدث ..
…………………………………………………………..
أخرج هاتفه الذي يرن بإستمرار من جيبه ليندهش لا إراديا من إسمها الذي يضيء الشاشة فيجيب من بين أسنانه :-
” وتتصلين بي بكل وقاحة وصلافة يا ليلى ..”
جاءه صوتها البارد على غير العادة :-
” هناك حديث هام بيننا ومشاريع مؤجلة وإتفاقيات .. يجب أن نلتقي اليوم لننهي موضوع شيكات والدي فوالدي منحني حق إدارة الشركة رسميا ..”
” إذا بعد الآن أنتِ مديرة المجموعة ..؟!”
قالها بنبرة لا تخلو من السخرية لترد عليه بصوت جاف :-
” نعم هذا ما حدث …”
أضافت بجدية :-
” يجب أن نلتقي يا عمار واليوم ايضا ..”
هتف بصوت ساخر :-
” ألا تخشي أن أصفعك عندما أراك اليوم يا ليلى ..؟!”
ردت بنفس البرود :-
” لم أعد أخشى من أي شيء يا عمار ..”
” واااو تطور رائع ..”
قالها بتهكمه المعهود ليسمع صوتها المحتقن يسأله :-
” متى سنلتقي ..؟!”
” لدي فقط ساعتين قبل أن أجتمع مع الوفد الفرنسي … يمكننا أن نلتقي الآن ..”
قالت بسرعة :-
” وانا متواجدة حاليا ايضا .. هناك مطعم قريب من شركتك .. دعنا نلتقي به ..”
أعطته اسم المطعم وإتفقا أن يلتقيا هناك بعد نصف ساعة وبالفعل وصل عمار الى هناك في الموعد المحدد ليجدها في انتظاره فجلس أمامها يرمقها بنظرات مليئة بالشر تجاهلتها هي بثبات وقالت :-
” أتيت في موعدك :.”
رد بفتور :-
” انا دائما ما ألتزم بالموعد المحدد …”
” لقد منحني والدي ملكية ما طلبته وإدارة الشركة والمحامي يعمل على توثيق كل شيء بشكل رسمي ..”
” جيد ..”
قالها بإقتضاب قبل أن يضيف :-
” والآن جاء دور الشيكات …”
قالت بسرعة وجدية :-
” كما اتفقنا مسبقا … ستطلب من والدي أن يحول بقية أسهم الشركة بإسمي وجميع أرصدة البنوك ايضا مقابل أن تمنحه الشيكات وطبعا في المقابل سنسجل شيكات جديدة بإسمي أنا .. الموضوع سيكون سرا بيننا وكما وعدتك سوف أسعى لتسديد المبالغ الموجوده في الشيكات خلال السنوات القادمة وفي أقصر مدة ممكنة ..”
ردد بغموض :-
” أمر الشيكات لا تقلقي بشأنه .. أخبرتك إنني لا أهتم لهذا الموضوع تحديدا ..”
” ولكنه حقك والمبلغ ضخم جدا .. هذه ملايين الدولارات ..”
قاطعها ببرود :-
” هذا بأكمله ليس مهما .. المهم حقا هو انت .. هل واثقة مما تطلبينه ..؟! أنتِ تعلمين إنني سأجبر والدك على التنازل بما تبقى له من أسهم وأملاك لك بحجة إنك زوجتي ولكن تصرف كهذا تبعاته لن تكون هينة …”
” لا يوجد لدي حل آخر يا عمار .. يجب أن أنقذ املاك والدي من يد تلك المرأة …”
قالتها ليلى بقوة ليبتسم بهدوء وهو يقول :-
” في الحقيقة لا أنكر إن ما تفعلينه هو الأفضل بالطبع .. فتلك المرأة ليست مريحة وطمعها واضح لا خلاف عليه ..”
” إذا ستنفذ ما أريد … ؟!”
سألته بلهفة ليبتسم بغموض وهو يجيب :-
” غدا سأكون عند والدك وأخبره بما إتفقنا عليه ..”
ابتسمت بتوتر مفكرة إنه حتى الآن كل شيء يجري كما تريد رغم خوفها من عمار الذي لا تستطيع أن تثق به بشكل كامل لكنها في نفس الوقت تعلم جيدا ماذا ستفعل إذا ما حاول أن يغدر بها فهي أيضا لديها ما يجعلها قادرة على الوقوف في وجهه إذا ما أراد إعلان الحرب عليها مجددا ..
……………………………………………………………
كانت تجلس على مكتبها في شركتها التي تملكها وتديرها بنفسها تستند بظهرها على الكرسي خلفها وعيناها تنظران الى السقف فوقها بشرود …
تشعر بألم شديد يخنقها كلما تتذكر ردة فعله على خبر حملها وهي التي تأملت للحظة أن يفرح بالخبر ..
تعرف إن أملها كان غبيا لكنها حاولت أن تمنح نفسها الأمل والشجاعة أيضا لإخباره بوضعها الجديد وحقيقة وجود طفله داخل رحمها وهاهو يرفض الطفل بكل قسوة ممكنة ويريدها أن تتخلص منه ..
عادت تحتضن بطنها بحماية وهي تعتزم مجددا على الحفاظ على طفلها فهي لن تتخلى عن هذا الطفل مهما حدث حتى لو إضطرت أن تسافر الى الخارج وتنجبه هناك وتمنحه كنيتها …
لن يكون الأمر صعبا أبدا وحتى عائلتها لن تهتم كثيرا فهم أعطوها حريتها كاملة ويتوقعون اي شيء منها وفي النهاية هذا طفلها وهي لها الحق وحدها في تقرير مصيره وإذا والده لا يريده فهي ستتمسك به وتنجبه وبإمكانها أن تمنحه الرعاية الكاملة …
نهضت من مكانها مقررة زيارة طبيبها الذي بدأت تراجعه من مدة قريبة عندما خرجت من مكتبها تشير الى سكرتيرتها :-
” إلغي جميع مواعيدي اليوم فأنا مرهقة للغاية وأحتاج الى الراحة ..”
ثم خرجت من شركتها متجهة بسيارتها الحديثة الطراز الى عيادة الطبيب الذي إستقبلها مرحبا بها قبل أن يبدأ بفحصها من خلال جهاز السونار ..
” هذا طفلك يا مدام بوسي … ”
قالها الطبيب وهو يشير الى تلك الكتلة الصغيرة والتي تظهر بشكل غير واضح خلف الشاشة لتبتسم بوسي بسعادة لا مثيل لها وقد تناست في تلك اللحظة عمار ورفضه وما فعله وكل شيء فسعادتها بطفلها تغلبت على أي شيء ثاني ..
بعدها جلست أمام الطبيب تسأله عن أحوال حملها حيث أخبرها بصوته الرزين :-
” الحمل جيد للغاية ومستقر تماما .. طبعا ستكملين شعرك الثالث بعد عشرة أيام .. ما زلت في البداية لكن جميع الفحوصات والتحاليل تبشر بحمل سليم لا خوف عليه أبدا …”
ابتسمت بوسي وهي تشكره بسعادة قبل أن تأخذ منه صور السونار وتخرج من العيادة بملامح مبتهجة …
عادت الى شقتها حيث خلعت ملابسها وأخذت حماما دافئا قبل أن تصنع الطعام لها والذي يحوي على بعضا من المواد الغذائية الذي نصحها الطبيب بها ..
انتهت من تناولت طعامها ثم اتجهت الى غرفة نومها مقررة الحصول على قسطا من الراحة حيث غطت في نوم عميق بعد لحظات قليلة ويديها ما زالتا تحيطان بطنها بشكل لا إرادي ..
………………………………………………………….
كانت تسير متجهة نحو سيارتها التي ركنتها في الكراج الخلفي للمطعم بعدما ودعت صديقتها وقد قاربت الساعة العاشرة مساءا ..
شعرت بأصوات أقدام تسير خلفها فدب الخوف لا إراديا داخلها وقد شعرت إن هناك من يلاحقها في هذا الكراج الذي كان خاليا من أي شخص سواها فإلتفتت بسرعة الى الخلف لتشهق بفزع وهي تراه أمامها وقبل أن تصرخ كان يكمم فمها ويجذبها داخل سيارته ويغلق الباب عليها قبل ان يتجه نحو الجهة الأخرى ويركب سيارته …
” ماذا تفعل انت ..؟!”
صرخت به وهي تحاول فتح الباب ليهتف بها :-
” اشتقت لك يا مريوم …”
” اخرجني من هنا حالا يا عمار ..”
قالتها بعصبية شديدة ليسألها غير مباليا بما تقوله او تفعله :-
” لماذا لا تجيبين على اتصالاتي طوال اليومين السابقين ..؟! ”
” اخرجني من هنا فورا ..”
قالتها بصوت مرتفع جهوري لينحني نحوها ويقبض على ذقنها مرددا بقوة :-
” هل كنت تظنين إنه بإمكانك تجاهل اتصالاتي حقا ..؟! ها قد جلبتك معي داخل سيارتي إجباري عنك .. لو كنتِ أجبتِ على مكالماتي وتوقفتي عن عنادك الغبي ما كان ليحدث كل هذا ..”
هتفت بنبرة مرتعشة قليلا :-
” اخرجني من سيارتك حالا يا عمار .. ”
لكن عمار لم يبالِ بها وهو يشغل سيارته ويقودها متجها خارج الكراج لتبدأ بالصراخ بأعلى صوتها قبل أن تقفز عليه تضربه في مختلف انحاء جسده عندما توقف على جانب الطريق بعد لحظات واستدار نحوها وصفعها بقوة على وجهها بشكل جعلها ترتد الى الخلف بوجه مفزوع ..
قبض على ذراعها بعدما أطفأ السيارة متجاهلا وجهها الذي شحب تماما وتلك البقعة الحمراء التي غطت جانبه مرددا بقسوة :-
” احترمي نفسك ولا تتصرفي كفتاة عديمة الإحترام والتربية .. هذه المرة اكتفيت بصفعة واحدة فقط … مرة أخرى سأفعل ما هو أكثر بكثير ..”
حرر ذراعها لتنكمش بجسدها الى الخلف بسرعة فيضيف بصوته المتسلط :-
” قريبا سأطلق ليلى يا مريم وبعدها سأتفرغ لك تماما …”
أكمل وهو يرمقها بنظرات باردة :-
” فأنتِ تحتاجين الى إعادة تربية كي تصبحين مؤهلة لتكونين زوجة عمار الخولي .،”
” في أحلامك يا عمار … لن أصبح زوجتك سوى في أحلامك ..”
قالتها وقد بدأت تستعيد وعيها وقوتها ليضحك عاليا وهو يردد :-
” مع عمار الخولي الأحلام تصبح حقيقة ..”
” انت مريض .. مهووس ومتملك … انت لا يمكن ان تكون إنسان طبيعي ..”
قالتها بصوت محتقر لتنكمش على ذاتها بذعر عندما وجدته ينحني نحوها يهمس وأنفاسه الحارة تلفح وجهها :-
” انا عاشق يا مريم .. عاشق لكل إنش بكِ .. انا مغرم بك حد النخاع ….”
همست بصوت مرتعش باكي :-
” ابتعد ارجوك .. لا تقترب مني ..”
ابتسم وهو يحرك أطراف أناملها على جانب وجهها :-
” لا تخافي مني يا مريم .. أنا آخر من يؤذيكِ … أنا أعشقك يا مريم وأي تصرف مجنون يصدر مني سببه عشقك الذي سيطر على قلبي وروحي …”
” انت لا تعشقني .. انت أساسا لا تحب أحد .. انت لا تحب سوى نفسك ..”
ضحك وقال :-
” نعم أنا أحب نفسي كثيرا .. لن أنكر هذا .. ولكنني أحبك انت ايضا ..”
هتفت بتوسل :-
” دعني اخرج من هنا يا عمار .. اتركني من فضلك …”
” لماذا تجاهلتِ مكالماتي ..؟!”
سألها وهو يسير بأنامله فوق جسدها فردت بتلعثم :-
” انا لم أنتبه على هاتفي ورقمك غير مسجل عندي ..”
ضحك وهو يسألها بإستخفاف :-
” هل تخافين أن تجيبين على الأرقام الغريبة يا مريوم ..؟!”
” يكفي يا عمار ارجوك .. لا طاقة لدي بتحمل المزيد ..”
قالتها بغضب وهي تحاول قدر الإمكان إبعاد جسدها عنه لينحني نحوها مجددا يسألها :-
” هل تريدين الخروج من هنا ..؟!”
هزت رأسها بسرعة تجيب بلهفة :-
” نعم أريد ..”
ابتسم وقال بهدوء :-
” قبلة …”
” ماذا ..؟!”
سألت بعدم استيعاب ليرد بجدية :-
” أريد قبلة وبعدها سأسمح لك بالخروج من هنا ..”
” أيها السافل المنحط ….”
قالها وهي تهم بالإنقضاض عليه مجددا لكنها تراجعت بخوف الى الخلف عندما وجدت كفه يرتفع نحو الاعلى مجددا بنية ضربها بينما يقول بصوت قاسي :-
” أخبرتكِ إن عقابي سيكون أقسى في المرة الثانية ..”
” ما تطلبه مني لن يحدث سوى على جثتي ..”
قالتها بإصرار وأنفاس لاهثة ليبتسم وهو يردد :-
” لا تكوني واثقة الى هذا الحد ..”
وقبل أن تعي ما يحدث وفي لمح البصر كان يجذبها نحوه ملتقطا شفتيها بقبلة دامية تاق إليها منذ سنوات ..
ظل يقبلها بكل قوة وعنف ممكنين دون توقف بينما هي تحاول دفعه بلا فائدة ..
شعرت بأنفاسها على وشك أن تتوقف بسبب قبلته التي طالت أكثر من اللازم ليقرر ان يرحمها أخيرا ويدفعها بعيدا عنه رغم عدم شعوره بالإكتفاء منها ..
شعرت بجسدها يندفع الى الخلف تلقائيا حتى ارتطم بالباب خلفها بينما شفتيها كانتا تتألمان بسبب قبلته العنيفة القاسية ..
رفعت وجهها المصدوم نحوه ليقول وهو يمسح شفتيه بأطراف أنامله :-
” هل إستوعبت الآن إنني أحصل على ما أريد دائما ولا أحد يمكنه أن يمنعني عن أي شيء أريده …؟!”
” حقير ..”
همستها بصوت ضائع ودموعها بدأت تتساقط من مقلتيها عندما شغل سيارته مجددا وحركها عائدا الى كراج المطعم الذي لم يبتعد عنه قليلا ..
توقف في نفس المكان السابق وفتح أبواب السيارة الكترونيا عندما قال ببرود :-
” بإمكانك الخروج الآن وتذكري جيدا إن عمار الخولي لا يقال له لا او مستحيل ..”
فتحت السيارة بسرعة وخرجت منها ليتأملها وهي تسير بخطوات مترنحة قليلا نحو سيارتها فيبتسم وهو يردد داخله :-
” وها قد حصلت على أول قبلة يا مريم .. قريبا جدا سأحصل عليك بالكامل …”
ثم حرك مقود سيارته منطلقا خارج الكراج بسرعة فائقة..
………………………………………..:….:..:……………
” لقد تأخر الوقت كثيرا ويجب أن أغادر ..”
قالتها حياة وهي تنهض من مكانها لتقول حنين معتذرة :-
” كنت سآتي معك لكن غدا ستأتي صديقتي ..”
قاطعتها حياة بجدية :-
” لا عليكِ حبيبتي … لا داعي للإعتذار أبدا ..”
سألتها أحلام بجدية :-
” لماذا لا تبيتين هنا الليلة ..؟! المبيت هنا افضل من عودتك الى المنزل لوحدك…”
أضافت برجاء :-
” أنتِ ترفضين المبيت هنا مجددا منذ رحيلك ذلك اليوم ..”
” انا فقط لا يمكنني ..”
كانت تتحدث بتلعثم عندما قاطعتها حنين :-
” تحدثي مع نديم .. بالتأكيد سيوافق .. فالبقاء معنا أفضل من مبيتك لوحدك ..”
قالت أحلام معترضة :-
” هل سبب عدم مبيتك هنا هو السيد نديم ..؟! هل يمنعك من المبيت في منزل والدتك ..؟!”
ردت حياة بسرعة تبرر له :-
” كلا الأمر ليس كذلك .. هو فقط يرفض مبيتي بسبب وجود نضال .. كونه شاب وغريب ..”
قاطعتها أحلام بحنق :-
” ما هذا الهراء ..؟! نضال محترم للغاية .. عيب حقا أن يفكر بهذه الطريقة ..”
هتفت حياة بسرعة :-
” حسنا سأتحدث معه .. هو بالطبع لن يعارض ..”
هدرت أحلام بقوة :-
” لا تسمحي له أن يتحكم بكِ منذ الآن ..”
ردت حياة معترضة :-
” هو لا يتحكم بي .. هو فقط يخاف علي ..”
ثم انسحبت خارج المكان متجهة الى الحديقة الخلفية تجري اتصالا به عندما جاءها صوته المرحب فسألته :-
” كيف حالك اليوم ..؟!”
رد بجدية :-
” انا بخير وماذا عنك ..؟!”
ابتسمت وهي تجيب برقة :-
” انا بخير الحمد لله ..”
” كيف قضيت يومك ..؟!”
سألها بإهتمام لترد بجدية :-
” قضيته مع والدتي وحنين في منزل عمو أشرف …”
حل الصمت للحظات فبادرت هي بالقول :-
” ماما تريد مني أن أبيت عندهم الليلة خاصة إن حنين لا تستطيع العودة معي الى المنزل ..”
ران الصمت مجددا لتسمعه يهتف أخيرا :-
” هذا يعني إنك سوف تبينين وحدك في المنزل ..؟!”
قالت بتردد :-
” سأبيت في منزل ماما بعد إذنك ..”
سمعت صوت زفيره العالي فهتفت بترجي :-
” نديم من فضلك ..”
سمع صوته المحتقن يردد :-
” لا أريد أن يجمعكما مكان واحد … لا أريده أن يقترب منك مهما حدث ..”
” هو لا يمكنه الإقتراب مني .. إطمئن ..”
اضافت بتوسل :-
” فقط الليلة يا نديم .. لأجل والدتي على الاقل ..”
” حسنا .. كما تريدين ..”
قالها مرغما لتهتف بسعادة :-
” شكرا كثيرا .. انت حقا رائع ..”
تبادلا بعدها بعض الكلمات قبل ان تودعه وتغلق الهاتف عندما همت بالتحرك الى الداخل لكنه وجدته أمامها يرمقها بنظرات ساخرة وهو يردد :-
” يخاف عليكِ مني إذا ..؟!”
قالت وهي تهم بالدخول الى الفيلا مجددا :-
” ابتعد من فضلك ..”
لكنه توقف قبالتها يمنعها من التحرك فهمست من بين أسنانها :-
” ابتعد عني يا نضال …”
” وإذا لم أفعل ..؟!”
قالها بتحدي لتهتف بغضب مكتوم :-
” توقف عن هذا من فضلك .. ألا تملك قليلا من الإحترام ..؟!
ضحك بخفة ثم قال بجدية :-
” لو أعلم فقط سبب تمسكك به .. لو أستوعب فقط مالذي يعجبك به ..”
ردت بقوة وحدة :-
” احبه ويعجبني به كل شيء … ”
ضحك مرغما وقال :-
” تحبين رجلا يمتلك سجلا مليئا بالشوائب .. رجلا سجن لأعوام بتهمة مخزية خسر بسببها كل شيء حتى شهادته الجامعية … ”
أضاف بقسوة :-
” هل تعين ما تدفعين نفسك اليه يا حياة ..؟! هل تستوعبين ما تقدمين عليه ..؟! أنت تربطين نفسك برجل لا مستقبل له ..؟! برجل يصنفه القانون كمجرم ..؟! حسنا ألا تفكرين بأطفالك … ؟! عندما تنجبين أطفالا من أب مثله ..؟! ألا تفكرين في موقفهم عندما يكبرون ويعلمون إن والدهم سجين سابق بتهمة مخزية ..؟؟”
كلماته جاءت في وقتها دون أن يعلم فعادت كلمات نديم تتردد داخل أذنها من جديد ..
( اما المجتمع حولنا وجميع من فيه سوف يرونني دائما وأبدا السجين السابق المتهم بالمتاجرة بالممنوعات ..)
كان نضال واحدا من هذا المجتمع الغبي الذي يحاكم الشخص على خطأ واحد يتيم فيحاكمونه طوال العمر بسببه بل يحرمونه من ابسط حقوقه ولا يرحمونه مهما حدث …
” لا يهمني كل هذا … يكفيني إنني أعلم معدنه الحقيقي جيدا .. ويكفيني إنني أحبه وأريده وإنه أفضل شخص في نظري .. كلامك هذا لن يفعل شيء سوى إنه يزيد من تمسكي به ….”
قالتها بصوت قوي قبل ان تدفعه وتنطلق بعيدا خارج الفيلا بأكمله وقد إتخذت في تلك اللحظة قرارها النهائي ..
ركبت سيارة الأجرة واتجهت الى شقته .. لن تنتظر حتى صباح الغد .. ستخبره قرارها الليلة ..
امام شقته وقفت ترن الجرس بقوة عندما فتح الباب وانصدم من وجودها أمامها لتزداد صدمته وهي تندفع نحوه تحتضنه بقوة ..
تجمد في مكانه محاولا استيعاب ما تفعله عندما إبتعدت عنه بعد لحظات تخبره وهي ما زالت بين أحضانه :-
” انا موافقة يا نديم .. موافقة على الزواج بك .. موافقة على السفر معك الى الخارج .. موافقة على بداية جديدة تجمعنا سويا بعيدا عن هنا … موافقة يا نديم …”
………………………./………………………………..
دلفت الى غرفتها بملامح باكية عندما أغلقت الباب خلفها بالمفتاح …
اتجهت نحو الحمام الملحق بغرفتها وأخذت تغسل وجهها بالماء البارد عندما توقفت أمام المرآة تتأمل شفتيها المتورمتين وآثر قبلاته مطبوع عليها ..
أخذت تمسح شفتيها بقوة بأصابعها غير مبالية بالألم الذي تشعر به بسبب فعلتها هذه …
عادت تبكي بقوة وهي ترمي الماء البارد على وجهها والجزء العلوي من جسدها ..
خرجت بعد مدة بملامح باكية والمياه تتساقط من وجهها والخصلات الأمامية من شعرها بل ومقدمة نحرها أيضا ..
جلست على سريرها تبكي بعنف عندما اتجهت ببصرها نحو تلك الصورة التي تجمعها به ..
اتجهت نحو الصورة تتأمل نفسها وهي جانبه تبتسم بسعادة لا يشوبها شيء وهو بدوره يبتسم بنفس السعادة ..
” أكرم ..”
همستها باكية عندما إحتضنت الصورة وهي تردد وكأنه أمامها :-
” انا آسفة يا أكرم .. آسفة جدا .. ارجوك سامحني ..”
ظلت تبكي حتى شعرت بأنفاسها تتقطع من شدة البكاء فأعادت الصورة الى مكانها واتجهت نحو السرير تتمدد عليه وهي تحيط جسدها بذراعيها كالجنين …
ظلت على هذه الحالة لأكثر من نصف ساعة عندما صدر من هاتفها عدة رنات متتالية فإعتدلت في جلستها بقلق سيطر عليها لا إراديا عندما وجدت عدة صور مرسلة لها ..
سارعت تفتح الصور لتتجمد مكانها وهي ترى اول صورة حيث والدها يحمل طفلا صغيرا وجانبه إمرأة تعرفها جيدا ..
فتحت الصورة الثانية لتجد صورة لعقد زواج والدتها من تلك المرآة وصورة ثالثة لشهادة ميلاد الطفل ..
قرأت الرسالة المرفقة بالصور :-
” أخبري أختك الكبرى إن هذه نتيجة العبث معنا … كان عليها ألا تعبث معي فمهما حدث انا زوجته و أم الصبي الذي فشلت والدتك العزيزة في إنجابه وقريبا سأنجب له صبيا آخرا فقط قولي آمين ..”
انتفضت من مكانها تصرخ بقوة عندما فتحت باب غرفتها واندفعت خارج المكان تصيح بأعلى صورها :-
” بابا … احمد باشا … والدي العزيز ..”
هبطت درجات السلم بسرعة فائقة واندفعت نحو صالة الجلوس عندما وجدت الثلاثة أمامها .. والدها ووالدتها ومعهما ليلى .. عائلة مثالية لا ينقصها سواها .. هذا ما يظنه الجميع وهذا ما كانت تظنه هي لكن بعد الآن تلك الصورة المثالية تحطمت والعائلة تدمرت كليا ..
ابتسم بإنتصار وهو يتأكد من قرائتها لرسائله متخيلا الجحيم الذي حل الآن في منزل أحمد سليمان …
حمل الهاتف ورماه في سلة المهملات بعدما أخرج بطاقته منه ومزقها ..
عاد الى مكانه عندما وجدها تخرج من غرفتها وتسير نحوه بملامح جامدة لا تشبه تلك الملامح التي كانت تستقبله بها بالعادة ..
” ماذا تريد يا عمار ..؟!”
سألته ببرود ليرد بجدية :-
” أريد أن أعرف قرارك ..”
أضاف وهو يسألها :-
” متى ستتخلصين منه ..؟!”
ردت ببرود :-
” لن أتخلص منه يا عمار .. سأنجبه حتى لو رفضت الإعتراف به ..”
” هكذا اذا …”
قالها وهو ينهض من مكانه ويتقدم نحوها بخطوات بطيئة لتشعر بالتوجس من نظراته التي تتفحصها ..
وقبل أن تبتعد كان يجذبها نحوه ويخرج بعض الحبوب من جيبه ويحاول أن يجعلها تبتلعها ..
” تناوليها هيا …”
قالها وهو يحاول إدخال الحبوب داخل فمها بينما هي كانت تجابهه بكل قوتها …
” ابتعد …”
قالتها وهي تدفعه بأقصى قوتها عندما ركضت نحو باب الشقة بذعر تفتحها وتخرج منها يلحقها هو بأقصى سرعة عندما وصل إليها وحاول أن يجذبها بينما هي تقاومه أعلى السلم وأثناء مقاومتها ومحاولاتها لدفعه فوجئت به يدفعها بكل قوته على السلم ليتدحرج جسدها فوق درجاته بعنف حتى أصبحت أسفله والدماء بدأت تخرج من جسدها لتفقد وعيها تماما بعد لحظات ..
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سارة علي
“أنا موافقة يا نديم .. موافقة على الزواج بك .. موافقة على السفر معك إلى الخارج .. موافقة على بداية جديدة تجمعنا سويا بعيدا عن هنا … موافقة يا نديم …”
وهذه المرة كان دوره للتشبث بها، غير مصدق لما تقوله أمامه، لما تتفوه به، لما أراد سماعه منذ مدة، منذ أن أدرك صعوبة ما ينتظره، صعوبة تحقيق أي نجاح بوضعه الجديد وفي بلد كهذا ومجتمع يرفضه.
ربما قد يبدو جبانا في نظر البعض لأنه هرب من أول صدام، قرر الهروب دون المحاولة حتى، لكن علام سيحاول وماذا سيجني من محاولاته بالضبط؟
هو أكثر من يفهم ويدرك حقيقة المجتمع الذي يحيا به، خاصة مجتمعه هو تحديدا، المجتمع الراقي وذوي الطبقة الأرستقراطية والذي لطالما كان واحدا منهم، يفهمهم ويدرك أفكارهم جيدا.
كون عائلته وأبناء عمومته تقبلوه لإدراكهم حقيقة برائته ومعرفته عن قرب، فهذا لا يعني أبدا أن يتقبله البقية مهما حدث. ستظل تلك التهمة وصمة عار ملتصقة في جبينه حتى آخر العمر.
“نديم ..”
سمع همستها الرقيقة وهي تحاول الابتعاد عنه قليلا، فأدرك إنه ما زال يحتضنها حتى طالت مدة عناقهما.
أبعدها عنه برفق وكأنها ماسة ثمينة يخشى أن تصاب بخدش صغير، حتى ومد كفيه يحيطان وجهها دون أن يلمسه بالمعنى الحرفي وهمس متسائلا بلهفة مكتومة:
“هل متأكدة من قرارك؟ هل تستوعبين تبعاته؟ هل أنت واثقة من رغبتك في السفر معي وترك كل شيء خلفك؟!”
إزدردت لعابها وأخذت تهز برأسها قبل أن تجيب بصوت خافت لكنه قوي وواثق:
“اليوم أنا اتخذت قراري يا نديم .. قرار لا رجعة عنه .. سنتزوج ونسافر سويا .. نبدأ من جديد .. أنت وأنا هناك حيث بداية جديدة وحياة جديدة ..”
“هذا كل ما أريده ..”
قالها وهو يحتضن وجهها بالفعل هذه المرة، لتبتسم بقوة قبل أن تبادر بالقول:
“لكن عليك أن تفهم أنه لا مجال للتهاون مهما حدث .. ما إن نصل إلى وجهتنا سنبدأ بالعمل .. أنا سأدرس وأنت ستعمل .. يجب أن ننجح يا نديم .. أنت تستحق النجاح وأنا أريد بدوري، أريد أن أنجح بل أثبت وجودي في مجال دراستي ..”
“سأكون معك خطوة بخطوة وأدعمك دائما ..”
قالها بثقة، لتبتسم وهي تردد بدورها:
“وأنا سأكون بجوارك دائما .. معك في كل خطوة تخطيها ..”
سألها بجدية:
“هل ستتحملين الغربة؟ اختلاف العادات والتقاليد واللغة وكل شيء ..؟!”
ابتسمت ترد ببساطة:
“سنتحمل سويا .. في البداية سيبدو الوضع غريبا وكل شيء مختلف .. لكن مع مرور الوقت سنعتاد ونتعايش مع كل هذه الاختلافات ..”
أضافت تتساءل وهي ترى شيئا من عدم الراحة يسكن ملامحه:
“ماذا حدث الآن؟ تبدو غير مرتاح ..”
تنهد وأجاب:
“لا أعلم ولكنني لا أستوعب إن كل شيء سيتم بهذه البساطة .. موافقتك السريعة فاجأتني ..”
سألته بدهشة:
“هل أنت متردد في قرارك؟!”
رد بسرعة وجدية مطلقة:
“أبدا .. أنا لست مترددا .. أنا فقط أصبحت أخشى التغيير المفاجئ خاصة عندما يكون تغيرا نحو الأفضل ..”
أطلق تنهيدة طويلة ثم قال بصراحة:
“حياتي أصبحت مرتبطة بك كليا يا حياة .. أخشى أن يحدث شيئا يوما ما ويبعدك عني .. حينها سيتدمر كل شيء .. وأنا سأتحطم كليا ..”
ارتجف قلبها من كلماتها التي شعرت إنها تشبه أفكارها الدائمة، هل يشعر بما تفكر به وكيف تشعر دائما إن علاقتهما سوف تنتهي يوما ما لا محالة.
“لماذا تفكر هكذا؟ أنا لن أبتعد عنك إلا ..”
توقفت عن حديثها عاجزة عن إكمال المزيد، ليسألها بهدوء:
“إلا إذا ماذا ..؟!”
ردت بعد لحظات صمت قصيرة:
“إلا إذا شعرت إن وجودي في حياتك لم يعد مهما ..”
“وجودك دائما سيكون مهما في حياتي وأنتِ تعلمين ذلك ..”
قالها بجدية، لتبتسم بتوتر وهي تردد:
“برأيي دعنا نترك كل شيء لوقته المناسب .. لنرى ما يحمله الوقت لنا وما الذي سيتغير في حياتنا ..”
“ولكنني أريد وعدا ..؟!”
بدا مصرا في نبرته، فسألته بترقب:
“وعدا بخصوص ماذا ..؟!”
رد بقوة وثبات:
“وعدا ألا تتركيني مهما حدث ولا تتخلي عني أبدا .. وعدا أن تبقين معي وتبقى يدك ممسكة بيدي إلى الأبد ..”
إبتلعت ريقها بتوتر لحظي، لكنها أزاحته جانبا وهي ترد بهدوء:
“أعدك إنني سأفعل طالما أنت تريد هذا وطالما شعورك هذا لم يتغير ..”
وكلمة شعورك تلك بدت غامضة، ولكنها وحدها من كانت تفهم ما تقصده خلف كلماتها، وإن وعدها هذا يحمل بين طياته الكثير.
“ماذا يحدث يا مريم؟!”
سألت والدتها بصوت مرعب مما تراه على ملامح ابنتها بعد تلك الصرخة المخيفة التي صدرت منها بكلمة واحدة لا غير.
“لماذا …؟!”
خرجت كصرخة مدوية من أعماق روحها، وسؤالها موجها له هو من يقف مخفضا رأسه بعدما انكشف كل شيء.
تقدمت فاتن نحو ابنتها تسألها بقلق، غير منتبهة لوضع زوجها ولا جمود ابنتها الكبرى:
“ماذا بك يا مريم؟ ما مشكلتك يا حبيبتي ..؟!”
حاولت لمستها، لكن مريم ابتعدت عنها فورا وأخذت تشير إلى والدها متسائلة:
“هل تخبرها أنت أم أخبرها أنا ..؟!”
نقلت فاتن بصرها بين زوجها بملامحه الشاحبة تماما وابنتها الغاضبة بقوة، عندما تقدمت ليلى تقبض على ذراع مريم تهمس لها بصوت خافت:
“تعالي معي يا مريم ..”
لكن مريم دفعتها بقوة وهي تصرخ بها:
“أنتِ اخرسي تماما .. كنت تعلمين بكل شيء وتكذبين علينا ..”
“مريم ..”
نهرتها ليلى بصدمة من تصرف أختها، لكن صرخة والدتها القوية صدحت تهتف بهم جميعا:
“أريد أن أفهم ما يحدث هنا بالضبط ..”
إلتفتت مريم نحوها تتحدث والدموع بدأت تتساقط من عينيها:
“سأخبرك ماما .. والدي العزيز متزوج .. متزوج منذ عدة أعوام .. ولديه صبي أيضا .. وزوجته حامل بآخر ..”
شهقت ليلى رغما عنها، بينما ظلت والدتها صامتة تتابع شهقات مريم الباكية والتي تؤكد إن هذه ليست مزحة سخيفة.
مريم التي لم تبكِ يوما بهذه الطريقة من قبل، لم تكن تبكي بل كانت منهارة.
“مستحيل ..”
همست بها فاتن وهي تلتفت نحو زوجها وعيناه المنخفضتان تخشى مواجهة عينيها.
“احمد تحدث ..”
همست بها مجددا، وبالرغم من ثبوتها الظاهري، وبالرغم من كونها تدرك إن ما سمعته حقيقي، لكنها كانت تحاول الإنكار وترجوه من خلال كلمتيها تلك أن ينفي ما سمعته.
نطق أحمد أخيرا وعيناه ما زالتا كما هما:
“هذا صحيح ..”
وضعت فاتن يدها على صدرها تلقائيا وشعرت بألم حاد في قلبها، شعرت بإنها ستموت في تلك اللحظة لا محالة.
مر شريط حياتها أمامها معه، حبهما الكبير والذي لم تغيره السنوات كما كانت تظن، طفلها الصغير الذي فقدته بعد أيام من ولادته وأصبحت بعدها غير قادرة على الإنجاب، وعده إنه لن يتزوج سواها وسيكتفي بالفتاتين فقط لأجلها، تضحياتها الكثيرة لأجله.
مر كل شيء أمامها عينيها لتكتشف بالنهاية إن كل ما جمعهما يوما كان كذبة .. كذبة كبيرة.
“لماذا ..؟!”
سألته بصوت جاف وملامحها ما زالت على ثباتها رغم الألم الذي يكوي روحها والأفكار المدمرة داخل عقلها.
تأملت ليلى مظهر والدتها الثابت بقلق، فهذا الثبات سيكون خلفه انهيار مخيف لا محالة. أما مريم فكانت تبكي فقط .. تبكي بأحاسيس كثيرة.
“فاتن أنا ..”
توقف ولم يستطع الإكمال. ماذا سيقول في تلك اللحظة وما هو مبرره؟
“بعد كل هذه السنوات يا أحمد ..”
قالتها بنبرة معاتبة رقيقة، وقد ظهرت الهشاشة على ملامحها هذه المرة، ليهمس بندم:
“كنت مجبرا .. أردت صبيا .. تزوجتها لأجل الصبي ليس أكثر ..”
صاحت بقوة هذه المرة رغم الضعف الذي بدأ يحتل كل جسدها كما تشعر:
“كان عليك أن تخبرني .. كان علي أن أعلم بكل شيء ..”
“فاتن ..”
قالها ولأول مرة ينظر في عينيها، فهمست بقوة وعيناها تجابهان عينيه بتحدي:
“طلقني ..”
هز رأسه نفيا، وقبل أن يعترض كانت تضيف بقوة:
“ورقة طلاقي تصلني خلال أيام .. وهذا المنزل لن أبقى فيه لحظة واحدة بعد الآن ..”
تحركت مندفعة خارج المكان نحو الطابق العلوي حيث غرفتها، ليهتف أحمد بليلى:
“إذهبي خلفها يا ليلى .. لا تدعيها تغادر .. أخبريها إنه منزلها ..”
وعلى أثر كلمات والدها ركضت ليلى مسرعة خلف والدتها بعدما هزت رأسها عدة مرات بلا وعي، بينما وقفت مريم أمام والدها الوجه بالوجه، فصاحت بإنفعال:
“لماذا فعلت هذا؟ لماذا فعلت بنا هذا؟ لماذا دمرتنا؟!”
حاول أن يقترب منها وهو يهمس باسمها، لكنها قذفته بكلمات قاسية، حيث رددت من بين دموعها:
“الآن فقط عليك أن تعلم إنني أكرهك .. أكرهك جدا ولا أريد رؤيتك بعد الآن .. لا أريد معرفتك أساسا ..”
ضربت الأرض بقدميها وكأنها تفرغ غضبها بها، ثم انطلقت خارج المكان حيث اتجهت نحو والدتها، تاركة والدها لوحده يحاول أن يستوعب كم ما يمر به ونغزات خفيفة بدأ يشعر بها في صدره.
اندفعت ليلى داخل غرفة والديها حيث كانت والدتها تلقي بملابسها في حقيبة سفر كبيرة، عندما ركضت نحوها تهتف بها بتوسل:
“ماما من فضلك توقفي .. لا تفعلي هذا .. لا تتركي منزلك ..”
ردت والدتها وهي تغالب دموعها التي تنذر بالتساقط:
“هذا لم يعد منزلي .. فصاحب المنزل لم يعد زوجي بعدما فعله ..”
“بلى هو منزلك .. والله منزلك ..”
قالتها ليلى بتوسل وهي تحاول أن تمنعها عما تفعله، لكن والدتها هتفت وهي تقف في وجهها:
“ليس منزلي بعد الآن ..”
أضافت وهي تشهق باكية:
“سأتركه لهما .. هو وزوجته .. والدة الصبي .. من منحته الوريث الذي حلم به طويلا .. من الآن فصاعدا لا مكان لي هنا ..”
توقفت عن الحديث وهي ترى مريم تندفع بقوة إلى الداخل تهتف بنفس الغضب:
“أنا أيضا سأذهب معك .. لا مكان لي هنا بعدما حدث ..”
“توقفا أنتما الاثنتان ..”
قالتها ليلى بتوسل وهي تقف بينهما، لتصرخ بها مريم بعصبية:
“أنتِ بالذات إصمتي ولا تتحدثي .. كنتِ تكذبين علينا طوال تلك الفترة ..”
هتفت فاتن بعدم تصديق:
“هل كنتِ تعلمين حقا يا ليلى ..؟!”
ردت مريم بسرعة واندفاع:
“نعم كانت تعلم .. أم نسيتِ تلك التمثيلية التي فعلتها بسهام وعمتي ..”
تجمدت ملامح فاتن للحظات قبل أن تهمس بعدم تصديق:
“سهام ..!! هل هي زوجته ..؟!”
رمقت ليلى مريم بنظرات مشتعلة قبل أن تستدير نحو والدتها تهمس برجاء وهي تحاول احتضانها:
“تزوجها لأجل الصبي فقط .. وبعد محاولات كثيرة من عماتي .. هو لم يكن يريدها وهي لا تمثل له أي شيء ..”
أبعدتها فاتن عنها وهي تردد بعدم وعي:
“سهام .. تزوج سهام .. ابنة خاله .. يا إلهي كم كنت حمقاء ..”
أضافت وهي تشير إلى نفسها بهذيان:
“أنا كنت أحبها كثيرا وأتعاطف معها دائما .. كنت حزينة لأنها تطلقت مرتين … أنا حتى فكرت بتزويجها لابن عمي الأرمل .. كانت تتواصل معي دائما وتأتي هنا .. كانت تفعل كل ذلك وهي متزوجة من زوجي .. كانت ضرتي طوال هذه المدة وأنا لا أعلم ..”
هتفت ليلى بصوت باكي على حال والدتها:
“ماما من فضلك ..”
لكن فاتن صاحت بقوة وانفعال مخيف:
“سيطلقني الآن .. والله لن أبقى على ذمته لحظة واحدة ..”
ثم اندفعت تجذب بقية ملابسها وهي تصرخ بمريم:
“نادي على الخادمة تساعدني في جمع ملابسي ..”
“توقفي يا مريم ..”
قالتها ليلى بصرامة قبل أن تهتف وهي تسحب الملابس من يد والدتها:
“لماذا لا تفهميني؟ هذا منزلك ..”
قاطعتها والدتها بعصبية:
“أنتِ بالذات لا تتحدثي .. منذ متى تعلمين ولم تخبريني؟ كيف أخفيتِ عني شيئا كهذا؟ كيف ..؟!”
هتفت ليلى بدموع باكية:
“والله كنت سأخبرك .. كنت أنتظر الوقت المناسب ..”
صاحت مريم بسخرية:
“ومتى هذا الوقت من وجهة نظرك يا هانم ..؟!”
التفتت ليلى نحوها تردد بقوة ودموعها ما زالت تغطي وجهها:
“أنا كنت مضطرة لذلك .. أخفيت الموضوع عنكما لسبب في رأسي .. لو كان لدي ثقة إنكما ستوافقاني وستفعلان ما أريده منكما بعدما تعلمين لكنت أخبرتكما دون تردد ..”
أضافت وهي تنقل بصرها بين والدتها واختها:
“هل تريدان معرفة لماذا أخفيت الموضوع عنكما وماذا كانت نتيجة ما فعلته؟!”
أضافت دون أن تنتظر جوابا منهما:
“دقيقة واحدة وسأعود إليكما ..”
ثم اندفعت خارج المكان تتوجه نحو غرفتها، حيث فتحت الخزانة بسرعة تخرج منها نسخ للأوراق الخاصة بتنازل والدها عن أملاكه لها ولأختها ووالدتها.
اندفعت خارج الغرفة عائدة إلى غرفة والدتها، حيث تقدمت نحوهما وهي تحرك الأوراق في وجههما مرددة بإنفعال مكتوم:
“هذا ما جعلني أخفيت الموضوع عنكما .. لهذا اضطررت ألا أخبركما بشيء .. انتظرت حتى أنتهي مما أريده ..”
“ما هذه الأوراق ..؟!”
سألتها مريم وهي تسحب الأوراق وتقلب فيها، لترد ليلى بفتور:
“هذه الأوراق تحمل تنازلا عن معظم أملاك والدي لنا ..”
أضافت وهي تشير إلى والدتها:
“لقد منحك ملكية هذا المنزل والمنزل الريفي أيضا .. ونقل ملكية ثلثي أسهم الشركة لي ولمريم .. إضافة إلى عمارتين سجلها باسمينا وإدارة الشركة أصبحت لي ..”
أضافت بجدية وهي تشير بكفها إلى أنحاء الغرفة:
“هذا المنزل رسميا لك وعماد بك سينهي إجراءات النقل في أسرع وقت .. هذا المنزل منزلك يا ماما فلا داعي أن تخرجي منه ..”
سحبت فاتن الأوراق من يد مريم المذهولة تقرأها بصمت، قبل أن ترفع وجهها في وجه ليلى وتسألها باقتضاب:
“كيف فعلتيها؟ كيف أجبرتيه؟!”
ردت ليلى بخفوت:
“هذا موضوع يطول شرحه ..”
لكن والدتها رمت الأوراق على الأرض بلا مبالاة واندفعت خارج الغرفة، لتتبادلا مريم وليلى النظرات بعدم تصديق، قبل أن تندفع مريم أولا تتبع والدتها، وخلفها ليلى بعدما جمعت الأوراق.
اندفعت فاتن نحو زوجها الذي كان يجلس على أحد الكراسي بضعف، تتقدم منه وهي تهتف بغضب:
“إن كنت تظن إنك بتنازلك عن المنزل لي سأغفر لك فأنت مخطئ ..”
رفع أحمد وجهه الشاحب نحوها، فأضافت بقوة:
“ستطلقني يا أحمد ..”
نهض أحمد من مكانه مرددا بتوسل:
“لا تفعلي يا فاتن .. لا تهدمي ما بيننا من سنوات وعشرة وحب ..”
قاطعته بوجع:
“حب؟ لا تجلب سيرة الحب على لسانك .. من يحب لا يخدع .. لا يخون ولا يكذب وأنت فعلت كل هذا ..”
قالها محاولا التبرير لنفسه، بينما تقدمت مريم وليلى تقفان على الجانب تتابعان الحوار بصمت:
“أنا كنت مجبرا .. لم يكن أمامي خيار آخر يا فاتن .. والله كنت مجبرا ..”
“من حقي أن أعلم .. من أبسط حقوقي أن تخبرني بزواجك من أخرى ..”
قالتها بحرقة، ليسألها بضعف:
“وهل كنت سترضين؟ هل كنت ستقبلين بزواجي منها يا فاتن؟!”
ردت بكبرياء:
“بالطبع لا .. كنت سأطلب الطلاق بهدوء .. كنت سأغادر حياتك بهدوء ولتتزوجها أنت وتجلب منها بدل الصبي عشرة ..”
“لهذا أخفيت عنك .. لهذا لم أستطع إخبارك .. لم أكن أستطيع التخلي عنك .. لم أكن أتحمل خسارتك ..”
قالها بصدق ظهر في نبرة صوته وملامحه وجهه، فهو رغم كل شيء يحبها ولم يحب يوما سواها.
هتفت باكية:
“ولكنك استطعت خياناتي .. استطعت أن تكذب وتخدعني وتخفي عني زواجك من أخرى .. أخرى كانت تأتي إلى منزلي وتجلس معي وتتحدث بكل أريحية وأنا ..”
صمتت قليلا تبتلع غصتها وهي تضيف بمرارة:
“وأنا كنت أسعد بقدومها وأعاملها أفضل معاملة .. كنت أراها امرأة جيدة وصادقة ومحترمة وفي النهاية أكتشف إنها ضرتي .. إنها زوجة زوجي ..”
سقطت باكية، فسارعت مريم توقفها وهي تخبرها بضراوة:
“لا تفعلي يا ماما .. لا أحد يستحق دموعك .. لا أحد أبدا ..”
رفعت فاتن وجهها الباكي في وجه زوجها المتألم تهتف بأنفاس مقطوعة:
“طلقني يا أحمد .. طلقني فأنا لا يمكنني أن أبقى على ذمتك ثانية واحدة بعد الآن ..”
“كلا يا فاتن .. سأفعل أي شيء تريدينه غير الطلاق .. فاتن أنا تنازلت عن أغلب أملاكي لك ولبناتي ..”
قاطعته بعصبية:
“ستطلقني .. لا أريدك في حياتي ..”
“ماما من فضلك .. اهدئي قليلا ..”
قالتها ليلى بترجي.
هتف أحمد بصوت متوسل وهو يقف أمامها:
“بالله عليك لا تفعليها .. اطلبي أي شيء آخر سوى الطلاق .. أي شيء يا فاتن .. حتى إذا أردت سأطلقها ..”
قاطعته بقوة وغضب:
“لا تنطقها .. لست أنا من أطلب شيئا كهذا .. لست أنا من أسمح لنفسي أن أطلب منك تطليق امرأة على ذمتك لأجل نفسي ..”
أضافت بنفور:
“بزواجك من أخرى دون علمي خسرت ثقتي يا أحمد .. لم تخسر ثقتي فقط بل خسرت حتى احترامي ..”
“لهذه الدرجة ..”
هتف بها بعدم تصديق، لتردف بقسوة:
“وبما تقوله الآن وبساطة حديثك عن تطليقك أم ابنك جعلك تفقد احترامك عندي أكثر ..”
هز رأسه بعدم تصديق، قبل أن يقول بنبرة جافة وهو يضع كف يده على صدره الذي ازدادت نغزاته أكثر:
“يكفي يا فاتن .. لا يمكنني تحمل المزيد .. إلى هنا ويكفي .. أنا سأترك المنزل .. هذا المنزل لك .. أساسا أصبح مسجلا باسمك .. أنا من سيترك المنزل وأنتِ ستبقين هنا معززة مكرمة كما كنت دائما ..”
ثم غادر المكان مسرعا، لتسقط فاتن بضياع على الكرسي جانبها، ومريم تربت على كتفها محاولة تهدئتها، لتهمس إلى ليلى الواقفة بجانبها وملامحها باكية رغم جفاف دموعها:
“اذهبي خلف والدك يا ليلى .. وضعه ليس جيدا على الإطلاق .. أخاف أن يصيبه مكروه ما ..”
أومأت ليلى برأسها، ثم قالت بسرعة قبل أن تغادر إلى مريم:
“اعتني بها جيدا وأنا سأذهب إلى بابا ..”
ثم خرجت بسرعة إلى المكان تتجه إلى والدها بقلق، وقد لاحظت هي الأخرى كفه التي تتحرك فوق صدره بشكل يدل على كونه يتألم.
دلفت ليلى إلى غرفة والديها مجددا، لتجد والدها هذه المرة يجمع أغراضه في حقيبة متوسطة الحجم، فتقدمت نحوه على استحياء سيطر عليها دون أن تفهم السبب.
أشارت له وهي تتوقف بجانبه:
“اجلس أنت وأنا سأعد الحقيبة بدلا عنك ..”
وكأنه كان ينتظر ما قالته، فإتجه بسرعة يجلس على طرف السرير بإرهاق، لتبدأ ليلى بجمع أغراضه، عندما توقفت للحظة وقد سيطر عليها شعور شديد من الكآبة والألم.
لم تتوقع في أسوأ أحلامها أن تمر بكل هذا يوما، وفي هذه اللحظة شعرت بمدى بشاعة ما تمر به وما تعيشه. عائلتها الصغيرة تحطمت تماما .. والدها يتألم ووالدتها تحطمت بسببه .. مريم ستعاني كثيرا .. وهي ماذا عنها؟ هي تدمرت تماما .. جميع الرجال في حياتها آذوها .. كل رجل دخل حياتها دمرها على طريقته الخاصة .. حتى والدها فعل مثلهم وآلمها هو الآخر.
لكن الغريب إن في هذه اللحظة لم تكن تتألم لأجل والدتها أو لأجلها هي فقط، بل كانت تتألم لأجله هو. الانكسار في عينيه وتوسله وضعفه أوجعها بشكل لم تتصوره. رغم كل شيء هو والدها ولا تتحمل أن تراه مكسورا منهزما بهذا الشكل، والأسوأ إنها ساهمت بما حدث حتى لو نيتها لم تكن سيئة كما يظن هو!!
كتمت شهقاتها بصعوبة وهي تحمل ملابسه وتأخذها نحو الحقيبة.
توقفت للحظات أمام الخزانة والدموع أغشت عينيها تماما، وهي تجاهد للسيطرة على نفسها كي لا يسمع والدها صوت بكائها ولا يرى دموعها.
لحظات وبدأت تأخذ أنفاسها عدة مرات تحاول السيطرة على بكائها، عندما تماسكت قليلا وعادت تكمل ما بدأته.
بعدما انتهت من وضع ما يحتاجه، أغلقت الحقيبة بقوة والتفتت أخيرا نحو والدها، لتجده ما زال جالسا مكانه ووجهه منخفض نحو الأرض وقد بدا ضعيفا جدا بشكل ضاعف من ألمها.
تقدمت نحوه بتردد، فرفع وجهه نحوها، لتجده شاحبا للغاية.
وجدت نفسها تنحني نحوه بلا وهي تقبض على كفيه بكفيها، تهمس بصوت معتذر:
“أنا آسفة ..”
منحها ابتسامة ضعيفة وهو يحرر يديها من يديها ويربت فوقها بخفة ويقول:
“لا تعتذري يا ليلى .. أنا من بدأ في ارتكاب الأخطاء وها أنا أحصد نتيجة ما فعلته ..”
هزت رأسها تكبح دموعها رغما عنها، ليهمس بخفوت:
“اتصلي بالسائق من فضلك ..”
نهضت بسرعة من مكانها تردد:
“سأتصل به حالا ..”
أضافت وهي تنظر إليه:
“تبدو متعبا للغاية .. هل صدرك يؤلمك؟ من الأفضل أن تذهب إلى الطبيب .. ما رأيك أن أتحدث مع الطبيب وأخبره أن يذهب إلى منزلك الآخر ..”
قاطعها بجدية:
“أنا سأذهب إلى منزلنا في القرية ..”
هتفت بدهشة:
“ماذا؟ لماذا لا تذهب إلى منزلك الآخر؟ على الأقل سهام هناك و ..”
قاطعها بنفور غريب:
“لا أريد الذهاب إلى هناك ..”
لم تجادله في رفضه، لكنها قالت بجدية:
“لكنني لا يمكنني أن أرسلك وحدك إلى هناك وأنت بهذه الحالة .. الطريق سيكون طويلا وهناك ستكون لوحدك ..”
صمتت قليلا، ثم قالت بعد تفكير:
“لماذا لا تذهب إلى شقتنا القديمة؟ وسأرسل معك خادمة تهتم بك وتتابعك ..”
قاطعها بإصرار:
“سأذهب إلى المنزل الريفي يا ليلى .. من فضلك أخبريني السائق بذلك ولا تجادليني ..”
صمتت للحظات، ثم قالت:
“ولكنني سأرسل خادمة معك .. لا يمكنني تركك تذهب لوحدك .. ارجوك بابا ..”
هز رأسه بعدم اكتراث، بينما اتصلت هي بالسائق تطلب منه القدوم، قبل أن تهبط إلى الطابق السفلي وتطلب من إحدى الخادمات أن تجهز حقيبتها سريعا حيث ستذهب إلى هناك، وقررت أن ترسل معها مدبرة المنزل الكبيرة كي لا تشعر الفتاة بالإحراج لوحدها هناك.
أوصت مدبرة المنزل التي استطاعت فهم أغلب ما حدث على والدها ونبهتها أن تتابعه وتتواصل معها إذا ما لاحظت أي ألم على ملامح وجهه أو أية أعراض غير مريحة.
بعدها عادت نحو والدها عندما اتصل السائق بها، لتنادي إحدى الخادمات تحمل حقيبة والدها، بينما هبطت هي معه إلى الطابق السفلي ومنه إلى خارج الفيلا.
وقفت بجانب والدها في الظلام الدامس، حيث ينتظران قدوم مدبرة المنزل مع الخادمة، عندما جائتا بعد حوالي عشر دقائق تحملان حقائبهما.
تقدمت ليلى نحو والدها وعانقته في حركة فاجأته للغاية، لكنها منحته قليلا من شعور الراحة والامتنان.
ابتعدت عنه تردد بابتسامة خفيفة:
“سأتصل بك باستمرار لأطمئن عليك ..”
أضافت وهي تحدث السائق:
“أخبرني عندما تصلون إلى المنزل يا محمد ..”
أومأ السائق برأسه، قبل أن يركب والدها في مكانه جانب السائق ومدبرة المنزل والخادمة في الخلف، بعدما ودعتهما ليلى.
توجهت ليلى نحو السائق تخبره:
“من فضلك ابق معهم الليلة يا محمد .. بابا يبدو متعبا للغاية وأخشى أن تتدهور صحته لا سامح الله ..”
“أمرك يا هانم ..”
قالها محمد، لتودعه ليلى وهي تشكره، حتى ذهب الجميع في السيارة، بينما سارعت ليلى تدخل إلى الغرفة ومنه إلى غرفة والديها، حيث وجدت والدتها هناك تجلس على السرير منكسة الرأس وبجانبها مريم صامتة وملامحها يسيطر عليها البؤس.
تقدمت نحوهما وجلست جانب والدتها من الجهة الأخرى، عندما جذبت كفها تقبله، قبل أن تهتف بجدية:
“ارجوكِ لا تفعلي هذا .. لا يمكنني تحمل رؤيتك تتألمين ..”
لم تجبها والدتها، بل بقيت على حالها صامتة، عندما أحنت ليلى رأسها على كتفها تحاول السيطرة على دموعها التي عادت تتجمع داخل عينيها مجددا.
وفعلت مريم المثل على الجهة الأخرى.
ظل الثلاثة على هذا الوضع لأكثر من عشر دقائق، عندما صدح صوت فاتن تهمس بنبرة باردة لا حياة فيها:
“أريد البقاء لوحدي من فضلكما ..”
رفعت ليلى وجهها نحوها تتأمل جمودها المهيب، لتشير إلى مريم بعينيها أن تغادران.
نهضت ليلى وفعلت مريم المثل، عندما انحنت مريم وطبعت قبلة على وجنة والدتها وهي تخبرها:
“سنظل معك دائما .. جانبك وفي ظهرك ..”
ثم فعلت ليلى المثل وقبلتها من وجنتها الأخرى وهي تخبرها بدورها:
“كل شيء سيصبح أفضل .. أعدك بهذا ..”
انسحبت الفتاتان خارج الغرفة بعدها، لتبقى فاتن لوحدها محتفظة بجمودها لمدة لا بأس بها، قبل أن تنفجر بعدها باكية بقوة على حالها وحال ابنتيها وما حصل معهم.
ما إن خرجتا كل من ليلى ومريم من الغرفة، حتى هتفت مريم بنبرة هجومية:
“لا أصدق ما فعلته يا ليلى .. كيف كذبتِ علي؟!”
جذبتها ليلى من ذراعيها تنهرها بقوة:
“اصمتي قليلا من فضلك .. ليس هذا المكان المناسب لنتحدث بهذا الموضوع ..”
ثم دفعتها أمامها نحو غرفة نومها، عندما دلفت إلى الداخل تتبعها مريم، التي وقفت أمامها تعقد ذراعيها أمام صدرها تسألها بحدة:
“هل أصبحنا بالمكان المناسب الآن؟ أخبريني يا هانم إذا .. لماذا كذبتِ علي؟ لماذا أوهمتني بقصة ليست حقيقية؟!”
لم تجبها ليلى فورا، بل اتجهت نحو باب الغرفة وأغلقتها، قبل أن تتقدم نحو مريم وتقف أمامها مجددا تخبرها بجدية:
“تصرفك الليلة وما فعلته أكبر سبب يدعوني لذلك .. لم أستطع أن أخبرك الحقيقة وأنا لا أضمن ردة فعلك .. ردود أفعالك دوما مخيفة يا مريم وأنتِ لا تجيدين التحكم بها ولا بتصرفاتك .. لذا بالطبع لم أخبرك بشيء ولست نادمة على هذا لإن ردة فعلك الليلة هي أكبر دليل على صحة قراري ..”
“كنت تنوين إخفاء الموضوع إلى الأبد إذا؟!”
قالتها مريم بملامح متحفزة، لترد ليلى بسرعة وحدة:
“لا تتغابي يا مريم .. بالطبع كنت سأخبرك وأخبر والدتك .. هذا زواج وهناك صبي نتج عنه .. أنا فقط كنت أنتظر الوقت المناسب ..”
“أحتراق فضولا لمعرفة الوقت المناسب من وجهة نظر سعادتك ..”
قالتها مريم بتهكم، لترد ليلى ببرود:
“الوقت المناسب يا هانم هو الوقت الذي أضمن فيه إن كل شيء أصبح لنا .. إن الشركة وأموال والدك وأملاكه باتت ملكنا .. ألم ترِ ما فعلته حقا؟ لقد تنازل والدي عن ثلثي الشركة لنا ومنحنا عمارتين من الثلاث عمارات بل سجل هذه الفيلا والمنزل الريفي الكبير باسم والدتك .. هل فهمت الآن أيتها الغبية الحمقاء سبب إخفائك الأمر عنك أنت ووالدتي؟ أنا كنت أنتظر أن أسيطر على كل شيء وبعدها سأخبركما وأترك القرار لكما حينها ..”
أضافت بعدها بثقة:
“أنا أنقذت أملاك والدي من يد تلك الحرباء بل أصبحت مديرة الشركة رسميا بعدما تنازل والدي عن كرسي الإدارة لي ..”
سألتها مريم بعدم فهم:
“ولماذا فعل والدي هذا؟ بماذا هددته يا ليلى؟ بالطبع لم يفعل هذا من تلقاء نفسه ..”
صمتت ليلى ولم ترد، لتردد مريم بإصرار:
“كيف جعلته يتنازل عن كل هذا؟!”
أجابت ليلى أخيرا بتردد:
“هناك شيكات ..”
سألتها مريم بتوجس:
“آية شيكات ..”
أخذت ليلى نفسا عميقا ثم قالت بجدية:
“عمار لديه شيكات ضد والدي .. قيمة الشيكات تتجاوز السبع ملايين دولار ..”
شهقت مريم بعدم تصديق، لتضيف ليلى بخفوت:
“عمار ساعدني وأنا أقنعت والدي أن يتنازل عن هذه الأملاك وثلثي الشركة مقابل تأجيل موضوع الشيكات لفترة بل ومقابل تأجيل موضوع إخبار والدتي بأمر زواجه حتى يقرر هو .. وجاء موضوع السوار وسهل علي الأمر ..”
“لهذا السبب لم تتطلقي من عمار؟!”
سألتها مريم بعدم تصديق، لتهتف ليلى بجدية:
“نعم .. هذا السبب الرئيسي ..”
“تحالفت مع عمار يا ليلى ..”
رددتها مريم بعدم تصديق، لتهتف ليلى مدافعة عن نفسها:
“كنت مضطرة يا مريم ..”
سألتها مريم بجدية:
“وإلى متى سيؤجل عمار أمر الشيكات؟ إلى متى سيبقى غير مطالبا بحقه فيها؟!”
ردت ليلى بخفوت:
“لا أعلم .. من المفترض أن أسدد المبلغ من أرباح الشركة بعدما أتولى إدارتها أنا ..”
“هذا سيأخذ أعواما طويلة .. هل سينتظر عمار كل هذه الأعوام هكذا ببساطة؟!”
سألتها مريم بعدم استيعاب، لترد ليلى بحيرة:
“أخبرني إنه لا يهتم حاليا بأمر الشيكات .. لكنني أشعر إنه يخطط لأمر ما .. على العموم تبقى خطوة واحدة فقط وبعدها سأبحث وأفهم ما يخطط له بالضبط وما غرضه من هذا الأمر ..”
جلست مريم على السرير وسألت بضعف:
“عمار بالتأكيد سيطلب مقابل لهذه الشيكات ..”
“مقابل ماذا؟ ماذا سيطلب مثلا؟ الاستمرار في زيجتنا؟ وماذا سوف يستفيد مني أساسا؟!”
رددت مريم بشرود:
“ربما هناك شيء ما يريده لا تعلمين عنه ..”
“شيء ماذا؟!”
سألتها ليلى بحيرة، فهزت مريم رأسها مدعية عدم الاهتمام:
“لا أعلم .. لكن أخبريني ما الخطوة التي كنت تتحدثين عنها ..”
هتفت ليلى بجدية:
“أنا متعبة كثيرا يا مريم .. أحتاج أن أرتاح قليلا ..”
انتفضت مريم من مكانها تهدر بغضب:
“ستكذبين مجددا وتخفين عني أمورا مهمة مجددا ..”
هتفت ليلى بسرعة ونفاذ صبر:
“سأخبرك يا مريم .. لكن الآن متعبة للغاية .. سأخبرك فيما بعد فقط دعيني أرتاح قليلا من فضلك ..”
أضافت بتوسل:
“الليلة فقط يا مريم .. ارجوكِ ..”
زفرت مريم أنفاسها وهزت رأسها بعدم اقتناع، قبل أن تندفع خارج الغرفة بعصبية ظهرت في صوت الباب وهو ينغلق بقوة.
دلفت إلى غرفتها وأخذت تسير داخل الغرفة ذهابا وإيابا، قبل أن تجذب هاتفها لترى اتصالات عديدة من غادة، فتتذكر أمر سفرهما سويا مساء الغد.
ابتسمت بسخرية وهي تفكر إن كل شيء تدمر.
بعثت لها رسالة مختصرة تعتذر فيها عن السفر وقد أجلت أمر التفسير لوقت آخر، ثم أغلقت هاتفها كي لا تستقبل أي اتصالات من أحد.
جلست على سريرها تهز قدمها بعصبية وانفعال لمدة لا بأس بها، وغضبها يزداد بقوة مخيفة.
نهضت من مكانها واتجهت نحو طاولة التجميل خاصتها، فبدأت تحمل الأغراض وترميها على الأرضية بعصبية وانفعال.
رمت كل شيء بغضب فائق، قبل أن تجلس على الأرضية بتعب وأنفاس لاهثة، قبل أن تنفجر باكية.
كان يقف في ممر المشفى ينتظر خروج الطبيب من غرفة العمليات التي دخلتها منذ أكثر من ساعة. عقله يفكر فيما هو قادم وكيف يخرج من الموضوع دون مشاكل. يدرك جيدا إنه يستطيع الخروج في النهاية من الأمر دون أي شبهة، فهو يعرف كيف يتفاهم مع بوسي ويمنعها عن البوح بأي شيء.
توقف عن أفكاره وهو يرى الطبيب يخرج من غرفة العمليات أخيرا، ليتقدم نحوه يسأله بقلق مصطنع:
“كيف حال بوسي يا دكتور ..”
رد الطبيب متأسف:
“لقد فقدت الجنين للأسف .. أما عن وضعها الصحي فالحمد لله الإصابات أغلبها في مناطق ليست خطرة .. ستبقى في المشفى لمدة لا بأس بها فجسدها يحوي العديد من الكسور والرضوض .. ستخرج بعدما تصبح بكامل صحتها فهذا أفضل لها ..”
قال عمار بسرعة:
“بالطبع يا دكتور .. بوسي ستبقى هنا تحت رعايتكم حتى تصبح بأفضل حال ..”
أومأ الطبيب برأسه متفهما، قبل أن يهتف بجدية:
“اليوم ستبقى غائبة عن الوعي تماما بسبب تأثير المخدر .. يمكنك رؤيتها غدا صباحا حيث سوف تستيقظ مبكرا إن شاء الله ..”
“المهم هو أن تحصل على أفضل رعاية ممكنة يا دكتور ..”
قالها عمار بجدية، ليهتف الطبيب بسرعة:
“بالطبع يا بك لكن الحادثة التي أصابتها .. ربما سنحتاج أن نبلغ الشرطة ..”
قاطعه عمار بسرعة:
“بالطبع يمكنكم ذلك .. أنا لم أرها وهي تسقط .. لكن الحادثة طبيعية .. فهي سقطت من أعلى الدرج وأنا سمعت صوت صرختها فهرعت خارج الشقة لأراها ممددة على الأرضية والدماء تنزف من حولها .. لكن بالطبع يجب إبلاغ الشرطة إذا كانت هناك شكوك حول الحادثة وعندما تستيقظ بوسي ستحقق الشرطة معها ..”
هز الطبيب رأسه بتفهم، قبل أن ينسحب المكان تاركا عمار يتابعه بملل.
هم بمغادرة المشفى عندما صدح رنين هاتفه، ليجد جيلان تتصل به، فأجاب بسرعة يسألها بلهفة:
“جيلان صغيرتي، كيف حالك ..؟!”
ردت جيلان بسرعة، وقد شعر إن صوتها أفضل من الأيام السابقة:
“أنا بخير يا عمار .. أنت لم تتصل بي اليوم ..”
صمتت ولم تكمل، عندما هتف هو بسرعة وقد أدرك عدم قدرتها عن التعبير عن مشاعرها:
“حبيبتي كنت منشغلا قليلا .. لكنني كنت سأتصل بك عند عودتي إلى المنزل ..”
“ليس مهما .. فقط أردت الاطمئنان ..”
قالتها بخفوت، ليرد بصدق:
“أنا سأكون بخير عندما تكونين أنت بخير ..”
أضاف يسألها:
“أخبريني عنك .. هل أنت بخير؟ هل يعاملونك جيدا ..؟!”
ردت بسرعة:
“كل مرة تكرر نفس السؤال .. نعم أنا بخير .. والجميع جيد معي لكنني لا أشعر بالراحة ..”
صمتت قليلا ثم أضافت:
“أريد العودة إلى شقتي ..”
قاطعه برفق:
“ستعودين حبيبتي .. لكن أنتِ أيضا حاولي أن تندمجي معهم قليلا .. سيساعدك هذا ..”
“حسنا ..”
قالتها بطاعة، ليسألها مجددا:
“هل تلتزمين بمواعيدك مع الطبيبة؟!”
ردت بخفوت:
“نعم ألتزم ..”
هتف بجدية:
“ربما سأزورك غدا ..”
هتفت بسعادة:
“حقاً؟!”
ابتسم رغم تعبه وقال:
“بكل الأحوال سأزورك هذا الأسبوع ..”
“سأنتظرك ..”
قالتها برقة، ليسألها قبل أن يودعها:
“هل تحتاجين شيئا مني؟ شيء تريدين أن أجلب معي؟!”
ردت بخفوت:
“كلا لا أحتاج لأي شيء ..”
ودعها أخيرا مقررا أن يزورها خلال الأسبوع ليطمئن عليها، رغم عدم رغبته في الذهاب إلى قصر الهاشمي، لكنه سيفعل ذلك مضطرا لأجلها.
في صباح اليوم التالي.
تقدمت صباح بسعادة نحو صالة الجلوس، حيث أخبرتها الخادمة إن نديم وصل إلى المنزل. ورغم دهشتها من قدومه مبكرا، لكنها شعرت بسعادة كبيرة.
فتحت ذراعيها تعانقه، عندما سارع هو يبادلها عناقها، قبل أن يجلس بجانبها على الكنبة يسمعها وهي تهتف بسعادة:
“لم أصدق حديث الخادمة عندما أخبرتني إنك هنا .. كيف حالك حبيبي؟!”
رد وهو يربت على كفها:
“بأفضل حال غاليتي ..”
سألته وهي ترى سعادة غريبة تشع من عينيه:
“أنت تبدو سعيدا للغاية .. ماذا حدث معك يا نديم؟ هل هناك شيء جديد لا أعرفه؟ أخبرني فأريد أن أفرح معك ..”
ابتسم وهو يجيب:
“حياة وافقت على السفر يا أمي .. سنتزوج ونسافر سويا ..”
رغم ضيقها من فكرة سفره، لكنها تدرك جيدا إن هذا أفضل له من بقائه هنا. ابتسمت تقول:
“هذا خبر سعيد حقا .. لكن كيف اقتنعت بهذه السرعة؟!”
أجاب بجدية:
“لا أعلم .. المهم إنها اقتنعت وأنا أريد أن أسارع بأمر الزواج والسفر ..”
“هل حددتما موعدا إذا؟!”
سألته بإهتمام، ليرد عليها:
“لم نحدد أي شيء بعد .. كل ما حدث إنها وافقت .. لكن سأتحدث معها اليوم ..”
ابتسمت وهي تدعو الله:
“وفقك الله يا بني .. حياة فتاة طيبة وتحبك .. أنا واثقة إنك ستكون سعيدا معها وهي بدورها ستكون خير زوجة لك ..”
آمن على دعائها، عندما سمع صوت غالية يصدح مرددا بخفوت:
“صباح الخير ..”
ثم تقدمت نحوه تقبله من وجنتيه، ليحتضنها بخفة رغم انزعاجه من آخر حديث جمعهما.
“كيف حالك؟!”
سألته برقة، ليرد بهدوء:
“بخير الحمد لله ..”
قالت صباح تحاول كسر هالة البرود المحيطة بهما:
“باركي لنديم يا غالية .. حياة وافقت على السفر معه إلى الخارج ..”
صاحت غالية بسعادة:
“حقاً؟ مبارك لك يا نديم .. سعدت لأجلكما كثيرا .. هذا يعني إنكما ستتزوجان في وقت قريب ..”
ابتسم وهو يجيب:
“إن شاء الله .. سأتحدث مع حياة اليوم كي نحدد موعدا مناسبا ..”
ابتسمت بحزن رغما عنها وهي تقول:
“سأشتاق لك كثيرا ..”
قالت صباح بجدية:
“سنشتاق له نحن الاثنان لكن ليس مهما شيء سوى سعادته وراحته .. وأنا متأكدة إنه سيكون سعيدا ومرتاحا هناك خاصة بوجود حياة معه ..”
“وأنا أيضا أثق بذلك فحياة تأثيرها عليه قوي جدا وواضح ..”
قالتها بنوع من الشغب، ليبتسم بخفوت ورغما عنه يشرد بما حدث البارحة، عندما أفاق من شروده على صوت غالية وهي تودعهما من أجل الذهاب لعملها.
أشارت صباح إليه بجدية:
“أريد التحدث معك يا نديم بشأن موضوع غالية ..”
“بالطبع يا أمي .. تفضلي ..”
جلست هي وعاد هو يجلس بجانبها، فقالت بجدية:
“أنا وافقت على أمر خطبتها من ذلك الشاب ولم يتبق سوى موافقتك ..”
هتف بعدم تصديق:
“علام وافقت؟ على زواجها من رجل في مثل وضعه؟!”
ردت بجدية لا تخلو من الصرامة:
“اسمعني أولا وبعدها قل ما لديك ..”
صمت على مضض، بينما تحدثت هي بجدية:
“غالية تمتلك شخصية قوية للغاية .. ذكية ولديها حياتها المستقلة وقراراتها الخاصة بها .. أنت تدرك ذلك جيدا وتدرك إنك أكثر من ساهمت في صقل شخصيتها تلك .. دائما ما كنت تمنحها ثقتك الكاملة وتسمح لها أن تتخذ قراراتها بنفسها بل تفعل ما تريده دون أن تمنعها يوما ..”
“لأنني أثق بها وبذكائها ونباهتها والأهم إنني أثق بتربيتها ..”
“جيد إذا نحن متفقان على نفس الرأي .. غالية ذكية ونبيهة وهي قررت أن تخوض التجربة .. هي لا تريد سوى خطبة .. رباط رسمي يسمح لها بالتعرف عن هذا الشخص عن قرب .. غالية تدرك حدودها جيدا ولا تسمح لنفسها أن تجمعها علاقة غير رسمية معه .. الفتاة أخبرتنا بوضوح عن إعجابها به وعن رغبتها في الارتباط به رسميا .. هي تريد خوض التجربة وهي ستتحمل تبعاتها .. غالية لا تريد زواج فورا يا نديم .. هي تريد خطبة وأنا أثق برجاحة عقلها وحكمتها وقدرتها على تقرير ما هو الأفضل لها خلال فترة الخطبة ..”
صمت نديم ولم يعلق، لتضيف صباح بتعقل:
“من غير المنطقي أن تقف في وجهها وترفض قرارها هذا وأنت من جعلتها تعتاد على اتخاذ قراراتها بنفسها .. وليس جيدا إن تجعل الأمر بمثابة تحدي بينكما .. أتفهم مخاوفك وأقدرها فأنا أمتلك نفس المخاوف لكنني أثق بابنتي جيدا وأعلم إنها لن تدخل في علاقة ليست متأكدة من نجاحها .. غالية لا تخطو أي خطوة في حياتها دون دراسة وتفكير .. هذه ابنتي وأعرفها جيدا لذا سأمنحها حرية اتخاذ القرار المناسب كما فعلت دائما وسأراقبها من بعيد وأنتظر ما سيحدث ..”
بدا عليه التفكير بوضوح، فقبضت على كفه تخبره بجدية:
“أنت تدرك إن كلامي صحيح ولا خلاف على ذلك ..”
أضافت تسأله برجاء:
“ماذا قلت يا بني؟!”
أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يجيب:
“لا كلام يعلو على كلامك يا أمي .. سأوافق وأمري لله ..”
تنهدت صباح براحة وأخذت تدعو ربها أن يمنح ابنتها النباهة الكافية لاتخاذ القرار المناسب والذي سيصب في صالحها، فهي لا تريد شيئا سوى سعادتها وراحتها.
كان يجلس على طاولة الطعام مع عائلته يتناول فطوره بصمت.
الجميع يلتزم الصمت حتى صدح والدته تسأله ببرود:
“هل ما زلت مصرا على قرارك بخصوص تلك الزيجة يا فراس؟!”
توقف فراس عن تناول طعمه ليجيب بجدية:
“نعم يا أمي .. غالية فتاة جيدة وتناسبني ..”
تبادلت باسمة الأنظار مع ابنها فادي، قبل أن تسأل بإهتمام:
“ما وضعها بالضبط؟ ولأي عائلة تنتمي؟!”
أجاب فراس بجدية ونوع من التباهي:
“غالية مهندسة يا أمي وتعمل في شركة والدها مع أخيها الأكبر .. عمار الخولي شريكي في أحد المشاريع .. هي من عائلة محترمة ومعروفة ولها ثقلها في البلد .. وغالية فتاة رائعة ومميزة ..”
“هل سبق لها الزواج من قبل؟!”
سألته باسمة وهي تلوك الطعام داخل فمها، ليرد بإستغراب:
“كلا، لم يسبق لها الزواج ولا أي نوع من الارتباط ..”
هزت باسمة رأسها بتفهم، قبل أن تهتف بجدية:
“أريد أن أراها .. أرغب بالتعرف عليها ..”
“بكل سرور ..”
قالها فراس وقد شعر بالراحة من بدء تقبل والدته لأمر الخطبة، عندما أضافت بجدية:
“سأنتظرها اليوم على العشاء إذا لم يكن لديها مانع بالطبع ..”
رد بجدية رغم دهشته مما يحدث:
“سأتحدث معها وأسألها إذا كانت متفرغة الليلة ..”
“جيد ..”
قالتها والدته ببرود، قبل أن تعاود التركيز على طعامها، بينما تبادل فراس النظرات مع أخيه، والذي هز رأسه بدوره مدعيا عدم المعرفة بأي شيء.
خرج فراس من المنزل بعدما أنهى فطوره، ليسارع بالاتصال بها أثناء قيادته سيارته، عندما جاءه صوتها الناعم يلقي التحية، فابتسم مرددا:
“صباح الجمال يا غالية ..”
أضاف بجدية:
“هناك شيء هام .. والدتي ترغب برؤيتك والتعرف عليك ..”
حل الصمت للحظات، قبل أن يصدح صوتها الواثق وهي تقول:
“بالطبع .. لا مانع عندي ..”
“هي تدعوك الليلة على العشاء في منزلنا ..”
“الليلة؟!”
رددتها غالية بدهشة، قبل أن تضيف بجدية:
“حسنا لا مشكلة ..”
“إذا سأخبرها إنك تقبلين الدعوة؟!”
ردت بجدية:
“نعم أقبل ..”
ابتسم مرددا بترحيب:
“ستنيرين منزلنا يا غالية ..”
ردت بخفوت:
“أشكرك يا فراس .. المنزل منير بأصحابه ..”
ودعها بعدها وهو يبتسم براحة، ليقود سيارته بسرعة أكبر، بينما تأملت غالية الهاتف بتعجب.
تعجبت من طلب والدته، لكنها لم تستطع الرفض. لا تعلم لماذا شعرت إن رفضها نحو من الضعف أو الهزيمة. لم تفهم سبب شعورها هذا، لكنها وجدت نفسها توافق وكأنها وضعت أمام تحدي بتلك الدعوة، وهي بدورها قبلت التحدي دون تفكير.
في المشفى.
دلف عمار إلى الغرفة التي تقطن بها بوسي، ليجد الممرضة عندها تسألها عن أحوالها.
تلاقت نظراتها الحادة مع نظراته الباردة، لتستأذن الممرضة وتخرج تتركهما لوحدهما.
“كيف حالك؟!”
قالها وهو يتقدم نحوها متأملا جسدها الذي يلتف أغلبه بالشاش الأبيض، وساعدها المجبر، وقدمها اليمنى التي تم تجبيرها هي الأخرى.
“لماذا أتيت؟!”
سألته بصوت خرج حادا رغم ألمها الشديد، ليبتسم ببرود وهو يقول:
“أردت الاطمئنان عليكِ يا بوسي .. لم أستطع النوم من شدة القلق عليك ..”
“اخرج من هنا ..”
قالتها بصوت حاد رغم ضعفها الواضح، ليهتف بجدية:
“سأخرج لكن سنتفق على شيء ما .. إذا جائك الشرطي وأراد التحقيق معه .. ستخبريه إنكِ فقدتِ توازنك ووقعتِ من أعلى الدرج .. هكذا فقط .. اتفقنا عزيزتي ..؟!”
ردت ببرود:
“هذا ما كنت أنوي قوله أساسا .. لكن لا تظن إن هذه النهاية .. يوما ما سأنتقم منك على ما فعلته بي .. سأثأر لنفسي ولإبني الذي خسرته بسببك ..”
ضحك مرددا بخفة:
“لا تبالغي يا بوسي .. صدقيني هذا الأفضل لك ..”
“لا أبالغ .. أنت حاولتِ قتلي يا هذا .. دفعتني من أعلى السلم ..”
رددتها بإنفعال جعلها تتألم بقوة، ليبتسم مرددا بإستفزاز:
“لا تنفعلي بهذه الطريقة عزيزتي .. إنفعالك يضاعف من ألمك ..”
“اخرج من هنا حالا ..”
قالتها وهي تتحامل على نفسها كي لا يظهر ألمها على ملامحها.
“سأخرج ولكن تذكري إذا ما حاولت الغدر بي والتفوه بأي شيء أمام الشرطي سأحاربك بأكثر شيء تحبينه وتنجحين به .. عملك وشركتك الصغيرة يا بوسي ..”
ردت وهي تلعنه داخلها:
“لا يهمني أي شيء بعد الآن .. حتى الاتفاقيات التي بيننا جميعا ملغية .. لا يهمني ما سأخسره .. المهم إنني لا أريد رؤية وجهك بعد الآن ..”
أضافت بعينين تلمعان بإصرار:
“لكن كن واثقا إن نهايتك ستكون على يدي يا عمار .. فأنا لست هينة أبدا .. أنت قررت الاستخفاف بي وستنال عقوبة فعلتك المتهورة .. حقي وحق ابني سأناله ولو بعد حين ..”
“أنتظر ذلك بكل لهفة يا بوسي ..”
قالها ببساطة وهو يرفع يده مودعا، قبل أن يخرج، لتأخذ نفسها بصعوبة وهي تشعر بألم في قلبها يفوق ألم جسدها بمراحل.
أيام جديدة تمر وهي في قصر عمها.
أيام عديدة مرت وهي بدأت تعتاد قليلا على وجودها بين هذه العائلة الضخمة.
كانت عائلة عمها كبيرة والقصر لا يخلو من الزوار، وهي بدورها ما زالت تحاول الاعتياد على أفراد العائلة الأساسيين، بينما تختار الانعزال في غرفتها عندما يأتي الزوار إلى القصر، حتى لو كان الضيوف من بنات عمها أو عائلة عمتها.
اليوم ستعود ابنة عمها من السفر، وهناك حفلة بسيطة لاستقبالها بوجود إخوانها الثلاثة المقيمين في المنزل، أما الرابع والذي لم تلتقِ به سوى مرة واحدة، لا تعرف إذا ما كان سيأتي أم لا. هي لا تعرف لمَ لا يعيش في القصر كبقية أخوانه، وتستغرب عدم حضوره أيا من جلسات العائلة وحتى ذلك التجمع العائلي كل جمعة، والذي يصر عمها عابد عليه، والتي بدورها مجبورة على حضوره.
جلست على الكنبة في صالة الجلوس بفستانها الأخضر الرقيق المقارب للون عينيها.
شعرها مرفوع بشكل ذيل حصان ووجهها على طبيعته التامة، ورغم هذا بدت جذابة بملامحها الناعمة اللطيفة.
تأملت همسة التي تشرف على إعداد المفاجئة الخاصة باستقبال الابنة العائدة في رحلة قصيرة خلال إجازتها الدراسية.
لا تعرف الكثير عن ابنة عمها، لكنها تتذكر لقاءاتهما القليلة وتتذكر كم كانت لطيفة ومحبوبة.
زوجة عمها عادت منذ أيام وتعاملت معها بلطف استغربته قليلا، لكنها تذكرت إنها لم تلتقِ بها سوى مرات قليلة جدا، وهذه المرة الأولى التي تتعرف عليها عن قرب، لتكتشف إنها غاية في الرقي واللطافة.
تقدمت زوجة عمها تسأل همسة بفرحة بالغة لعودة ابنتها الوحيدة:
“هل كل شيء جاهز يا همسة؟!”
ردت همسة وهي تبتسم لها:
“كل شيء جاهز خالتي ..”
التفتت زهرة زوجة عمها نحوها تتأملها للحظات، قبل أن تهتف بابتسامتها الرقيقة المعتادة:
“كم تبدين جميلة يا جيلان بهذا الفستان الذي يشابه لونه لون عينيك ..”
ابتسمت جيلان بخجل وهي تشكرها بخفوت، بينما صدح صوت الابن الأصغر يهتف ممازحا وهو يتقدم نحوهم:
“إنها ميزة العيون الخضراء يا والدتي العزيزة .. هذا اللون تحديدا يمنح لكل من يمتلكه هالة من الجاذبية .. همسة وجيلان أبسط مثال على ذلك ..”
قالها وهو يشير إلى الفتاتين اللتين تحملان نفس لوني العين .. اللون الأخضر، وإن كانت عينا همسة أفتح قليلا من عيني جيلان.
ابتسمت همسة وهي تردد مشاغبة:
“لم أكن أعلم إنك من محبي صاحبات العيون الخضر .. إذا أردت يمكنني البحث عن عروس مناسبة لك ذات عينين خضراوين ..”
“لم سأبحث وجيلان موجودة؟!”
وما إن أنهى كلماته حتى صدح صوت رجولي حاد قليلا يردد بسخرية لاذعة:
“رائع .. ينقصنا شيخ فقط ووالدي يأتي ومعه راغب وراجي ليشهدوا على عقد القران وأنا أبارك لكما ..”
كحت زهرة بحرج، بينما شعرت جيلان بخجل مضاعف، أما فيصل فابتسم بهدوء وتقدم نحو جيلان يحاوطها بذراعيه مرددا بقصد:
“ولم لا؟ أين سأجد عروسا أفضل من جيلان؟ لكن سأنتظرها حتى تتم الثامنة عشر من عمرها و ..”
قاطعه يصيح به بحدة:
“ابتعد عنها ..”
صاحت زهرة تؤنب ولديها بقسوة:
“ماذا يجري هنا بالضبط؟!”
أضافت وهي تشير إلى فيصل:
“ابتعد عن الفتاة يا فيصل ولا تبالغ في مزاحك مرة أخرى ..”
أضافت تنهر مهند هذه المرة:
“وأنت حاول أن تنتقي كلماتك مرة ثانية ..”
أضافت بضيق:
“أحرجتما الفتاة بتصرفاتكما السخيفة هذه ..”
ابتسم فيصل بحرج، بينما احتقنت ملامح مهند بقوة من حديث والدته، لتهتف زهرة وهي تتقدم نحو جيلان تربت على شعرها بحنو:
“لا تنزعجي منهما يا حبيبتي .. هما هكذا دائما .. فيصل مزاحه ثقيل ومهند جلف قليلا .. أعتذر منكِ نيابة عنهما ..”
ردت جيلان بسرعة وصوت ضعيف:
“لا داعي لذلك .. لست منزعجة ..”
أضافت وهي تنهض من مكانها بملامح مرتبكة:
“سأخرج إلى الحديقة قليلا ..”
“تفضلي حبيبتي ..”
قالتها زهرة وقد تفهمت رغبتها بالانفراد بنفسها قليلا، لترمي ابنيها بنظرات مشتعلة شديدة الغضب ما إن خرجت جيلان وهي تردد بقوة تليق بها:
“لو لم نكن ننتظر وصول أختكما التي لا أرغب أن يتم استقبالها بشكل كهذا لكنت تصرفت معكما بطريقة تلائم حماقة ما فعلتماه ..”
كح فيصل بحرج، بينما اندفع مهند بغضب خارج المكان واتجه تحديدا إلى الحديقة وهو قاصدا أن يذهب إلى هناك.
تقدم بخطوات حذرة ليجدها تقف في أحد أركان الحديقة تأخذ نفسها عدة مرات وهي تردد داخلها:
“شهيق وزفير يا جيلان .. كما أخبرتك الطبيبة ..”
تأملها بجبين متغضن وهو يراها تستنشق الهواء ثم تزفره بقوة.
تقدم نحوها بعدما لاحظ توقفها عما تفعله، ليرى نظرات القلق في عينيها ما إن رأته يتقدم نحوها.
“ماذا تفعلين لوحدك هنا؟!”
سألها وهو يحرك بصره بإهتمام حول وجهها، لترد بتلعثم واضح:
“أنا فقط .. أنا أردت أن ..”
صمتت ولم تعرف بماذا تجيب، ليرفع حاجبه مرددا بسخرية خفية:
“هل سؤالي صعب لهذه الدرجة؟!”
وقبل أن تجيب كان صوت فيصل يصدح مجددا وهو يتقدم نحوهما قائلا بمرح:
“تعالي يا جيلو .. نزار يبحث عنك منذ الصباح لتساعديه في تخطي المستوى السادس من اللعبة ..”
توقف أمامها ليرفع مهند حاجبه مرددا بتعجب:
“جيلو ..”
أومأ فيصل يقول وهو يكتم ضحكته بصعوبة:
“نعم جيلو .. دلع جيلان ..”
“وتدلعها أيضا ..”
رددها مهند بتهكم، قبل أن يقول مدعيا التفكير:
“برأيي إن هناك دلع ملائم كثيرا لإسم جيلان .. جيجي مثلا ..”
ولم يكن يعرف إنه بما قاله عاد ذكرى سيئة للغاية لعقلها، وهي تتذكر ذلك الشاب وهو يناديها بجيجي مخبرا إياها إنه يليق بها للغاية وبجمالها.
شعرت بالاختناق في تلك اللحظة وعادت الذكريات مجددا بمجرد تذكرها بكل شيء، فبدأت ذكريات ما حدثت تتدفق داخل عقلها ككابوس لا ينوي أن يفارقها طوال حياتها.
لاحظ فيصل شحوب وجهها، فتقدم نحوها يسألها بإهتمام:
“جيلان .. هل أنت بخير؟!”
وقبل أن يلمسها كانت تضع يدها على صدرها وهي تشعر بشيء ما يخنقها بشدة وهي لا تستطيع التنفس.
تأمل مهند ما يحدث بدهشة، قبل أن يسارع ويقبض على ذراعها بقوة يهمس لها بجانب أذنها:
“اهدئي وحاولي أن تأخذي نفسك جيدا ..”
لكنه فوجئ بها تدفعه وهي تنتفض وتصرخ بفزع:
“لا تلمسني ..”
لحظات قليلة وبدأت تسعل بقوة، بينما مهند ما زال مصدوما من ردة فعلها.
حاول فيصل أن يقترب منها، لكنها انكمشت على نفسها كليا وهي تحاول السيطرة على اختناقها، عندما هتف فيصل بسرعة:
“سأنادي راجي فهو في المنزل ..”
وبالفعل ركض لينادي أخيه الأكبر، الذي عاد مبكرا على غير العادة لأجل استقبال أخته.
بعد حوالي عشر دقائق فتحت جيلان عينيها، لتتفاجأ بالجميع حولها. راجي الذي يقيس ضغطها، وهمسة التي تجلس جانبها تربت على شعرها بحنو والقلق واضح على معالمها. عمها يقف فوق رأس ابنه بملامح مرتعبة وزوجته بجانبه والقلق يسيطر عليها هي الأخرى. وعلى الجانب الآخر يقف فيصل ومهند، الأول يبتسم لها محاولا طمأنتها، والثاني يتأملها بجمود.
“ماذا حدث يا راجي؟ طمئني يا بني ..”
سأل عمها عابد ولده بخوف واضح، ليجيب راجي بجدية بعدما انتهى من قياس ضغطها:
“لا شيء يدعو للقلق ..”
قاطعه فيصل متسائلا:
“كيف ذلك وهي فقدت قدرتها على التنفس؟!”
قاطعه راجي بهدوء مريب:
“لا شيء يدعو للقلق يا فيصل .. حالة كهذه تحدث مع البعض أحيانا ..”
أضاف وهو يشير إلى الجميع بعينيه:
“اتركوها ترتاح قليلا ..”
أضاف مشيرا إلى همسة:
“ابق معها يا همسة فقد تحتاج شيئا ..”
أضاف بصوت صارم:
“هيا نخرج جميعا فوجودنا جميعنا هنا ليس جيدا لأجلها ..”
خرج الجميع تدريجيا، لتبقى هي مع همسة التي سألتها وهي تربت على وجهها:
“هل أصبحتِ أفضل الآن؟!”
ردت جيلان بتعب:
“نعم أفضل قليلا ..”
أضافت متأسفة:
“أعتذر على ما تسببت به من فوضى ..”
هتفت همسة بسرعة:
“لا عليكِ حبيبتي .. المهم أن تكوني بخير ..”
أما في الخارج، وقف عابد أمام ابنه يسأله بإهتمام:
“أخبرني الحقيقة يا راجي .. هل جيلان تعاني من مرض مزمن؟ هل هناك خطورة عليها؟!”
هم بالرد لكنه توقف وهو يرى مهند يقف مقابلا لهما، ينتظر جواب أخيه الذي خرج جادا:
“لا يوجد شيء خطير .. ما حدث معها نفسي وليس عضوي .. هي تعاني من مشكلة ما وما يحدث معها بسبب أزمة نفسية يجب أن نعلم سببها ونعالجها .. لكن عضويا هي سليمة بناء على ما رأيته ..”
سأله مهند بجدية:
“ماذا تعني بأزمة نفسية؟ هي لم تكن قادرة على التقاط نفسها حتى …”
“وهذا ما أتحدث عنه .. هذه نوع من الأعراض التي تظهر على الأشخاص الذين يعانون من أزمة نفسية .. ربما هذا العارض لديها منذ سنوات حتى ..”
“وما الحل يا راجي؟!”
سأله عابد بإهتمام، ليتنهد راجي وهو يجيب:
“يجب أن نعرضها على طبيب نفسي في أقرب وقت ..”
ثم رمق مهند بنظراته، ليجد الوجوم يسيطر على ملامحه، فهمس مضيفا:
“لنهبط إلى الطابق السفلي .. تولاي ستصل بعد قليل ..”
وبالفعل هبط الثلاثة إلى الطابق السفلي، ليكونوا في استقبال أختهم الصغيرة.
بعد مرور حوالي ساعة كانت قد وصلت تولاي، ورحب الجميع بها بسعادة، فصغيرة المنزل ومدللة الجميع قد وصلت.
راغب بدوره وصل وعلم ما أصاب جيلان، لكن راجي أخبره ألا يذهب إليها حاليا ويكفي وجود همسة معها.
مرت نصف ساعة أخرى وتولاي تجلس بينهم تتحدث بحماس وسعادة، عندما انتبه الجميع على دخول همسة ومعها جيلان إلى المكان.
نهضت تولاي بسعادة وركضت نحو همسة تعانقها بمحبة أخوية وهي تهمس:
“لقد اشتقت لكِ كثيرا .. لماذا لم تكوني في استقبالي كالبقية؟!”
ردت همسة وهي تبتسم لها:
“الحمد لله على سلامتك حبيبتي .. كنت مع جيلان فهي كانت متعبة قليلا ..”
تقدمت تولاي نحو جيلان تبتسم لها بمحبة وهي تقول:
“أهلا جيلان … كيف حالك؟! سعدت كثيرا برؤيتك اليوم .. مر وقت طويل على آخر مرة اجتمعنا ..”
ابتسمت جيلان ترد بخجل:
“أهلا توليب … الحمد لله على سلامتك ..”