تحميل رواية «حبيسة قلبه المظلم» PDF
بقلم سارة علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بعد عدة أعوام ..” تبقى يومين وتخرج من هنا …” قالها صديقه وهو ينظر إلى ملامحه التي سيطر عليها التجهم بشدة ..” ماذا حدث ..؟! ملأ الضيق ملامحك فجأة ..؟!” نظر إليه نديم وأجاب :-” تبقى يومين يا مجد.. يومان وأخرج من هنا وأنا أعلم جيدا ما ينتظرني في الخارج ..” أردف وعيناه تنظران الى الأفق البعيد :-” هل تعلم ..؟! أحيانا أتمنى ألا أخرج من هنا … ادعو الله أن يأخذ أمانته قبل الخروج .. لم أخشَ يوما من شيء إلا إنني الآن أخشى وبشدة من المواجهة .. ” تغضن جبينه برفض :-” أخشى من مواجهة المجتمع ، الأهل والأصحاب ....
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم سارة علي
تقف بجانب النافذة الخارجية المطلة على الحديقة تتأمل غروب الشمس بشرود.
مرت ثلاثة أشهر ووضع أبيها كما هو دون تغيير. أعضاؤه الحيوية سليمة ووظائفها مستقرة، ورغم ذلك ما زال يرفض الاستيقاظ. وعلى ما يبدو إنه متمسك بتلك الغيبوبة بشدة.
رفعت كوبها الضخم ترتشف المزيد من القهوة علها تساعد في تخفيف ذلك الصداع المؤلم.
ثلاثة أشهر مرت بسرعة غريبة. ثلاثة أشهر تضاعفت مسؤولياتها ما بين العمل ورعاية أخويها ومتابعة حالة والدها.
ثلاثة أشهر لم يتركها خلالها زوجها أبداً، بل كان داعماً لها وقدم لها الكثير سواء من خلال مساعدتها في عمل الشركة حيث لم يتوانى للحظة عن دعمها، بل ساعدها في تسيير العمل المتفاقم ومنحها الكثير مما تحتاجه من خبرته الواسعة.
شقيقتها بدورها قررت دخول ميدان العمل بشكل فاجأها، لكنها تفهمت رغبتها في دعمها بعدما أدركت سوء الوضع. فوالدها راقد في غيبوبة لا نهاية لها والشركة ستنهار لا محالة، خاصة بسبب الديون التي تفاقمت عليها. فلم يكن بوسعها سوى المسارعة لدعمها والبدء في العمل معها محاولة الاستفادة مما تعلمته لسنوات في الجامعة.
في بداية الأمر لم تأخذ تصرف مريم على محمل الجد، ربما لأنها تعرف شقيقتها ولم تتوقع منها أن تمنح شيئاً مفيداً. لكنها تفهمت رغبتها في المساعدة في هذا الوضع المتأزم ومنحتها الفرصة لتدخل إلى الشركة وتبدأ العمل فيها رغم عدم قناعتها بهذه الخطوة.
لكن ما حدث فاجأها، فمريم رغم كل شيء استطاعت التعامل مع عمل الشركة وبدأت تدير الأعمال المنسوبة إليها بشكل لا بأس به مبدئياً. ومع مرور الوقت أخذت تثبت إمكانياتها في إدارة أمور الشركة، مما دفع كنان لمساعدتها بشكلٍ جدي وتقديم النصح لها. وهي بدورها بدأت تستغل خبرته الواسعة فتستفيد منها بشدة.
تنهدت ليلى مفكرة إن شقيقتها تمتلك عقلاً تجارياً جيداً كما قال كنان، لكنها تحتاج إلى الدعم والمساعدة والخبرة الكافية لصقل ما تمتلكه من عقلية تجارية جيدة. مبدئياً كما قال زوجها والذي أثنى إعجابه بعقل شقيقتها التجاري كما وصفه.
لا تنكر إن هذا منحها شعوراً من الراحة عندما أدركت إن مريم لديها الفرصة لتتحمل مسؤولية العمل بعد بضعة أعوام تكتسب منها الخبرة اللازمة والتي تحتاجها بشدة.
عادت ترتشف من قهوتها عندما وجدت مريم تدخل إلى الغرفة دون استئذان كعادتها وهي تحمل ملفاً يبدو إنها كانت تعمل عليه.
تقدمت مريم نحوها وهي ما زالت تنظر إلى الملف لتقول بعدما وصلت إليها:
” أعتقد إننا نحتاج إلى توسيع نطاق العمل قليلاً كي يرتفع نسبة المردود لدينا وبالتالي نستطيع إيفاء ديوننا بأسرع وقت.”
ثم نظرت إلى شقيقتها التي قالت بأختصار متجاهلة طريقة دخولها رغم تحفظها عليها:
” معك حق.”
تأملت مريم شقيقتها التي كانت ترتدي روب الإستحمام خاصتها بينما صففت شعرها بطريقة أنيقة، فتساءلت باستغراب:
” هل ستخرجين الليلة؟!”
اتجهت ليلى نحو الطاولة ووضعت كوبها عليها ثم أجابت:
” نعم، سأذهب أنا وكنان إلى حفلة لأحد أصدقائه.”
أكملت وهي تجلس على الكنبة خلفها بتعب:
” الصداع يلازمني منذ الصباح.”
قالت مريم بسرعة:
” يمكنك ألا تذهبي طالما أنت متعبة إلى هذا الحد.”
أكملت وهي تسير نحوها:
” لست مجبرة على الذهاب.”
قالت ليلى بسرعة:
” لقد وعدته أن أذهب.”
عارضتها مريم:
” لكنك متعبة.”
تمتمت ليلى بجدية:
” لا يمكنني التراجع، هذه المرة الأولى التي يطلب بها شيئاً مني لشخصه.”
توقفت قليلاً ثم أكملت:
” أنت تعلمين إنني طوال الثلاثة الأشهر الفائتة لم أخرج معه أو ألتقيه خارج جدران الشركة، وحتى في المرات التي أتى بها إلى هنا أحاديثنا كلها كانت تخص العمل.”
” حسناً، ولكن هذا لا يعني أن تجبري نفسك على الذهاب معه بسبب ذلك. لماذا تتصرفين وكأنك تحاولين رد جميله عليك؟!”
قالت ليلى بسرعة:
” الأمر ليس كذلك بالضبط.”
قاطعتها مريم:
” بل هو كذلك.”
توقفت للحظات قبل أن تكمل بجدية:
” أصبحت أشعر إنك تفعلين ما تفعلينه فقط بدافع الواجب.”
اتسعت عينا ليلى برفض تجاهلته مريم وهي تضيف:
” كنان قدم لنا الكثير، أنقذ عبد الرحمن ومصطفى وعاد بهما سالمين إلينا وتصرف مع سهام بالشكل الذي تستحقه وأبعدها عن طريقنا إلى الأبد. ساعدنا في موضوع بابا وتولى مسؤولية متابعة وضعه الصحي بشكلٍ كامل، ناهيك عن دوره المستمر في دعم الشركة ومتابعته العمل معنا. أنا أتفهم مقدار ما قدمه من معروف لنا وأتفهم إنك تحاولين تقديم ولو شيء بسيط مقابل ما فعله.”
شحبَت ملامح ليلى كلياً بينما أكملت مريم بتروي:
” لكن من فضلك لا تضغطي على نفسك إلى هذه الدرجة.”
هتفت ليلى بخفوت:
” أنا لا أفعل.”
سألت مريم:
” متى ستتزوجان؟!”
أجفلت ليلى من السؤال الذي بدا مفاجئاً، فنظرت مريم لها مضيفة بجدية:
” ما بالك يا ليلى؟! هذا أكثر سؤال منطقي حالياً. مرت عدة أشهر على عقد قرانكما. من المتوقع أن يقرر كنان إقامة الزفاف في أقرب وقت خاصة إن وضع والدي ثابت لا تغيير فيه.”
نهضت ليلى من مكانها تردد بخفوت:
” نتزوج قبل أن يصحو والدي من غيبوبته.”
نهضت مريم بدورها تردد بدهشة:
” هل تعتقدين إن كنان سينتظر ذلك؟! أنت تعلمين إنه لا أحد يعلم متى سوف يستيقظ بابا من تلك الغيبوبة.”
توقفت للحظة ثم أكملت بحشرجة:
” ربما لن يستيقظ أبداً.”
هتفت ليلى تؤنبها:
” لا تقولي هذا من فضلك.”
مسحت مريم على وجهها بتعب قبل أن تقول:
” عليك أن تستوعبي ما هو قادم يا ليلى. أنا خائفة عليك. أشعر إنك لست مستعدة لخوض هذه التجربة حالياً والأسوأ شعوري بإنك سوف تخوضين هذه التجربة بدافع الامتنان.”
هتفت ليلى بتردد:
” أنا وكنان تزوجنا يا مريم. تم عقد قرانا منذ ثلاثة أشهر.”
توقفت قليلاً ثم أكملت:
” كنان ساعدني كثيرا، قدم لي الكثير دون أن يطلب مقابل.”
قاطعتها مريم:
” ربما يعتبرك أنتِ المقابل.”
تطلعت ليلى إليها بصمت لثوانٍ قبل أن تهتف بحيادية:
” ربما ذلك بالفعل.”
قالت مريم بعدم تصديق:
” وأنت بدورك تتزوجينه بسبب ما فعله وقدمه لنا جميعاً. هل تعتقدين إن هذا تصرف منطقي ومناسب؟!”
قاطعتها ليلى معترضة:
” أنا لم أقل ذلك. أساساً أنا وافقت على الزواج منه قبل أن يحدث كل هذا.”
” حقاً؟! ألم تكن شراكتنا معه ومساعدته الصريحة لشركتنا بوضعها المتأزم هو أحد الأسباب الذي دفعك لقبول عرض زواجه؟! هل تستطيعين أن تنكرين إن هذا كان أحد الأسباب؟!”
قالت ليلى بجدية:
” معك حق، ولكن هناك أسباب أخرى بالطبع.”
” دعك من الماضي، حدثيني عن الحاضر. هل أنت مستعدة للزواج منه؟! هل ترضين بذلك لإنك تريدينه حقاً وتريدين تأسيس حياة معه أم فقط كنوع من رد الجميل والتعويض؟!”
لم تجب ليلى فأضافت مريم بإصرار:
” لو لم يفعل كنان ما فعله طوال الأشهر الثلاثة الفائتة، هل كنتِ سترغمين نفسك على مرافقته الليلة وتعتبرين زواجك منه أمراً واجباً جارياً تنفيذه؟!”
تطلعت ليلى إليها لثوانٍ دون تعبير واضح قبل أن تهز رأسها نفياً ثم تقول:
” كلا، الوضع سيكون مختلفاً. ولكن هذا لا يعني إنني كنت سأرفض إتمام الزواج.”
” ولكنك كنتِ سوف تراجعين نفسك على الأقل والأهم إنك كنتِ قادرة أن تحصلي على الوقت الكافي للتعرف على كنان جيداً وعن قرب.”
قالتها مريم بثقة وهي التي باتت تدرك ما يدور في رأس شقيقتها، لتهز ليلى رأسها بصمت مؤكدة كل ما تفوهت به مريم، التي أنهت حديثها بحزم:
” الزواج لا يقوم على هذه الأسباب يا ليلى وتضحيتك الآن ستندمين عليها لاحقاً. لا تتصرفي بحماقة وتنجرفي خلف تضحية جديدة غير واضحة المعالم كما حدث مسبقاً. حاولي أن تستفيدي من تجربتك السابقة وتضعيها نصب عينيك عندما تقررين اتخاذ أي خطوة جديدة في حياتك.”
خرجت من غرفتها بعدما أنهت كلماتها تاركة شقيقتها تتابع أثرها بصمت وعقلها أخذ يفكر في كلام شقيقتها، فتعود وتؤنب نفسها بشدة. فهي أخذت عهداً على نفسها أن تتوقف عن حماقة الماضي وتتخذ قراراتها بعيداً عن العواطف التي ما زالت على ما يبدو تؤثر بها بل وتحركها أيضاً.
جاورته في سيارته بصمت تتابع الطريق من نافذة السيارة بذهن شارد وعقلها رغماً عنه يراجع حديث شقيقتها مراراً.
كانت شاردة تماماً عندما شعرت بكفه تضغط فوق كفها لتتجفل لا إرادياً وهي تنظر إليه، فتجده يمنحها ابتسامة جذابة وهو يسألها بإهتمام:
” هل أنتِ بخير؟!”
حاولت أن تخفي حيرتها وتشوشها الواضح وهي تجيبه:
” نعم، بخير.”
عاد يركز ببصره على الطريق أمامه بينما يحدثها:
” تبدين العكس.”
سألته بحيرة:
” لماذا تقول هذا؟!”
أطلق تنهيدة بطيئة ثم قال بعدما منحها نظرة سريعة:
” ما الذي يؤرقك يا ليلى؟!”
أشاحت وجهها نحو النافذة مجدداً وهي تجيب بخفوت:
” لا شيء.”
قال بإيجاز:
” أعلم إن هناك ما يؤرقك، لا يمكنك أن تكذبي علي.”
سألته بعفوية:
” هل أبدو شفافة إلى هذا الحد؟!”
ابتسم بهدوء ثم أجاب:
” أنتِ شفافة بالفعل، طبيعية ولا تجيدين التمثيل أو المراوغة.”
ثم مال نحوها قليلاً يضيف بخفة:
” وهذا أجمل ما فيك.”
قابلت ابتسامته الجذابة بارتباك أزعجها، فأشاحت بوجهها مجدداً وهي تتمتم:
” أنا بخير، فقط متعبة.”
هتف بجدية:
” لن أضغط عليك، لن أجبرك على قول ما لا تريدين، ولكن تذكري متى ما احتجتني ستجديني أمامك وكلي آذان صاغية لك.”
كانت تود أن تسأله عن السبب الذي يجعله مهتماً إلى هذا الحد ويرغب في مساعدتها إلى هذه الدرجة. الكثير من الأسئلة تعتمل داخلها ولا تعتقد إنها ستجد جواباً وافياً لها يوماً ما.
توقفت عن أفكارها عندما وجدته يصف سيارته في كراج المكان، قبل أن يخرج من السيارة ويتجه نحوها حيث يفتح لها الباب ثم يمد كفه لها لتضع كفها في كفه، ورغماً عنها يزاولها ذلك الشعور الغريب مجدداً. مزيج من الأمان والثقة. هي باتت تشعر بالأمان في وجوده وتلك حقيقة لا مفر منها!
تحركت جانبه ويدها ما زالت داخل يده حيث توجها إلى الداخل ليستقبلهما صديقه الذي رحب بهما بحرارة ومعه زوجته الجميلة التي رحبت بها خصيصاً وهي تخبرها عن سعادتها بالتعرف عليها وهي التي تراها لأول مرة، ثم ما لبثت أن اعتذرت لها على عدم قدومها حفل الخطبة بسبب سفرها هي وزوجها خارج البلاد وقتها، مع تأكيدها إنها ستتواجد في حفل الزفاف بكل تأكيد، غير مدركة إنها عادت تمنحها التردد والخوف من جديد.
حاولت أن تتجاهل مشاعرها المضطربة وهي تندمج في أجواء الحفل، وقد نجحت في ذلك فمر الوقت بشكل جيد عليها عموماً حتى مرت أكثر من ساعة ونصف بسرعة دون أن تنتبه!
كانت تقف بجانب كنان يتحدثان مع صديق له، عندما تقدمت حسناء جميلة عرفتها ليلى على الفور، فهي نفسها الفتاة التي تقدمت لتهنئتها يوم الخطبة مع والدتها.
سارعت الفتاة تعانق كنان وتقبله بحميمية، ذكرتها بيوم الحفلة. ولم تغفل ليلى عن تشنج كنان الواضح وهو يبادلها تحيتها، قبل أن تمنحها الفتاة نظرة مبهمة تتبعها تحية عابرة، قابلتها ليلى بهزة سريعة من رأسها ولا مبالاة مشابهة.
نظرت ليلى إلى كنان تسأله بعد رحيل الفتاة:
” هل كان هناك شيء يجمعك بها سابقاً؟!”
هتف بسرعة وصدق:
” بالطبع لا.”
أضاف بجدية:
” مايسة صديقة مقربة للعائلة، أعرفها منذ الطفولة.”
تنهد ثم قال:
” هي تميل إلي قليلاً.”
رفعت حاجبها بطريقة ساخرة فأكمل بنفس الجدية:
” لكنني لم أكن كذلك.”
سألته بجدية:
” لماذا؟! هي فتاة جميلة للغاية.”
قاطعها بهدوء:
” الفتيات الجميلات لا يوجد أكثر منهن. الأمر لا يتعلق بالجمال. أنا فقط لم أرها كزوجة مستقبلية لي، هكذا فقط.”
كان يتحدث بسلاسة وصدق واضح، وهي بدورها أرادت أن تجادله قليلاً لكنها لم تكن تمتلك المزاج الكافي لذلك.
لحظات ووجدته يستأذن منها ليتحدث مع أحد رجال الأعمال الذي يجمعه به عمل مهم، فتأملت ترحيب الرجل كبير السن به واندماج كنان بالحديث معه.
رفعت كأس عصيرها ترتشف منه القليل وهي تتأمل المكان حولها بوجوم. فجأة شعرت بنفسها غريبة وسط هذا الجمع من الناس، وكأنها لا تنتمي إلى هذا الجمع بكل ما فيه. سيطر شعور الغربة عليها وشعرت برغبة كبيرة داخلها بالهرب. يبدو إن كلام شقيقتها ترك أثراً واضحاً داخلها وها هي تشعر بمدى التشتت الذي سببتها كلماتها لها. فهي تائهة ما بين رغبتها في إتمام هذه الزيجة ورغبة مخالفة تماماً تدفعها للهرب بعيداً.
شعرت بعينين مسلطتين عليها باهتمام جعل وجوم ملامحها يزداد. تجاهلت ابتسامة رحبة تشكلت على ثغره وهو يهز رأسه بتحية لم تبالِ بها عندما تحركت بعدم اهتمام متجهة إلى بوفيه الطعام تبحث عن مشروب ترتشفه بعدما انتهى مشروبها الحالي.
وقفت تتأمل أنواع العصائر المختلفة بنفس الوجوم عندما سمعت صوتاً خلفها يتفوه بخفة:
” لم أكن أعتقد إن اختيار نوع العصير الذي نتناوله محير إلى هذا الحد.”
التفتت نحوه ترمقه بحدة، ناقضت ملامحها الرقيقة، ليحافظ على ابتسامته وهو يردد ببرود:
” مرحباً.”
هتفت بحدة:
” نعم!!!”
سحب كأس عصير وهو يخبرها بجدية:
” يمكنني مساعدتك في الاختيار.”
كادت أن تصيح به بطريقة غير لائقة عندما وجدته يضيف بتروي:
” حسناً، أعتذر. لست من النوع المتطفل ولكن…”
توقف قليلاً ثم أضاف:
” شاهدتك وأنتِ تقفين لوحدك والحزن واضح في عينيك.”
أكمل وهو يحاوط وجهها الصبوح بعينيه الهادئتين:
” ملامح وجهك الجميلة لا تستحق أن يسيطر عليها الحزن أبداً.”
شعرت بإن حديثه صادق وعفوي وليس بدافع المغازلة الفعلية المشوبة بالوقاحة. همت بقول شيءٍ عندما سمعته يضيف بنفس البساطة:
” لم نتعرف بعد.”
رفعت حاجبها تتأمله بنظرة لا مبالية وهي تخبره بترفع مقصود:
” ليلى.”
” فقط؟!” قالها وهو يبتسم ببرود لتتسائل باستخفاف:
” هل تريد هويتي أيضاً؟!”
ابتسم بخفة مردداً:
” أليس هناك اسم عائلة يتبع اسمك؟!”
سألته بتحفز وقد بدأ صبرها ينفذ:
” من أنت؟!”
أكملت وهي ترمقه بنظرة باردة:
” هل أتيت هنا بدافع التعرف على فتيات المكان؟!”
رد ببساطة:
” بل لأجل معالجتهن.”
” نعم!!!” رددتها بعدم استيعاب ليكتم ضحكته وهو يقول:
” بالمناسبة… أنا طبيب. طبيب نفسي.”
مطت شفتيها تعلق:
” حقاً؟! وماذا تفعل هنا أيها الطبيب؟! هل أخطأت في عنوان المشفى؟!”
قال ببرود مماثل:
” أنا ضيف هنا، مثلي مثلك.”
أكمل وعيناه تدوران في المكان بعدم اهتمام:
” وأنا لدي عيادة خاصة بي، يمكنكِ أن تزوريني فيها.”
أضاف عن قصد يكتم ابتسامة خبيثة:
” بناءً على نظرتي الأولى تبدين بحاجة إلى علاج نفسي. لكن لا تقلقي، مشاكلك بسيطة. بضعة جلسات مع بعض المهدئات تفي بالغرض.”
بدا لها هذه المرة مستفزاً كريهاً أكثر من اللازم، عندما همت بقول شيء لا يليق بها، لكن قدوم أحدهم منادياً عليه من الخلف:
” عادل.”
التفت عادل نحو الشخص المنادي له وكذلك فعلت ليلى لتتسع عيناها بعدم استيعاب مرددة بتجهم:
” هذا ما كان ينقصني.”
بينما نقل القادم بصره بينهما للحظة قبل أن يهتف به:
” ماذا تفعل هنا يا عادل؟! أنا أبحث عنك منذ مدة.”
أضاف وهو ينظر نحوها متسائلاً بجدية:
” أعتقد إننا التقينا مسبقاً، أليس كذلك؟!”
أومأت برأسها وهي تخبره بنبرة جافة:
” مرتين أو ثلاثة على ما أعتقد.”
لقد تذكرته على الفور، ذلك المغرور، ابن الوزير. لكنها لم تتذكر اسمه.
سأله عادل بإهتمام:
” هل تعرف الهانم يا أثير؟!”
أجاب أثير وهو ينظر لصديقه هذه المرة:
” نعم، جمعتنا الصدفة مسبقاً.”
قطع حديثه وهو يرى كنان يتقدم نحوهما ليعرفه أثير على الفور فيرحب به وهو يسأله:
” كيف حالك يا بك؟!”
رد كنان وهو يبتسم له برزانة:
” بخير أثير بك.”
أكمل وهو يسأله بإهتمام:
” كيف حال سيادة الوزير؟!”
” بخير الحمد لله.” قالها أثير بجدية قبل أن يعرف كنان على صديقه عادل، والذي عرف كنان والده على الفور، قبل أن يتبادل معهما أحاديث سريعة ثم يخبرهما بجدية مشيراً إلى ليلى:
” ليلى خطيبتي.”
ابتسم أثير بلباقة وهو يردد:
” تشرفت بمعرفتك يا هانم.”
وفعل عادل المثل عندما تحركت بعدها ليلى بعيداً مع كنان وبقي عادل مع صديقه الذي سأله:
” ماذا كنت تفعل معها؟!”
رد عادل بجدية:
” حسناً، كانت تقف لوحدها وملامحها يسيطر عليها الحزن أو ربما الضياع.”
رفع أثير حاجبه مردداً بتهكم:
” هل أتيت إلى هنا لتطبق على الموجودين ما درسته في علم النفس؟!”
ضحك عادل مردداً بصدق:
” والله أبداً، الفتاة جذبت انتباهي لا أكثر.”
هتف أثير بجدية:
” إنها خطيبة كنان نعمان ولا داعي أن أخبرك من يكون كنان نعمان.”
هتف عادل بسرعة وصدق:
” أقسم لك إن الأمر ليس كما تعتقد.”
أضاف بجدية:
” أنت تعرف إنني لا أفكر في موضوع الارتباط حالياً.”
تمتم أثير:
” أعلم.”
ثم أضاف ببرود:
” إذاً كنت تبحث عن مريض جديد.”
أضاف بسخرية لاذعة:
” لم أكن أعلم إن وضع عيادتك متردي إلى هذا الحد.”
منحه عادل ابتسامة باردة وهو يخبره بدوره:
” يمكنك أن تأتي وترى وضع العيادة بنفسك يا باشا.”
غمغم أثير ببطء:
” شكراً ولكنني لست مريضاً نفسياً لأحتاج إلى طبيب نفسي.”
هتف عادل بصدق:
” جميعنا مرضى نفسيون بشكل أو بآخر يا عادل. لا أحد منا سليم بشكل كامل.”
ثم حمل كأس عصيره يرتشف منه القليل وهو يكمل ثرثرته مع صديقه.
في صباح اليوم التالي.
وقفت أمام المرآة تتأمل بطنها ذات الانتفاخ الضئيل قليلاً مقارنة بشهور حملها التي تجاوزت الستة أشهر، عندما شعرت بذراعه تحيط جسدها وهو يسألها:
” هل جاهزة للمغادرة؟!”
أومأت برأسها وهي تبتسم له قبل أن تتجه وتسحب حقيبتها، ليقبض على كفها ويخرجا سوياً من غرفتهما.
لقد مرت الأشهر بسرعة ما بين حزن وألم وغضب وتوتر كان لا بد أن يختفي في النهاية. وها هي الآن تنتظر قدوم طفلتها بسعادة لا يمكن وصفها. سعادة سيطرت على نديم رغم الألم الكامن داخله والذي يظهر عليه في بعض الأوقات رغماً عن محاولاته لإخفاء حزنه ووجعه بمهارة!
هبطت درجات السلم معه لتجد غالية تهم بالمغادرة إلى الشركة، عندما توقفت وهي تمنحهما التحية قبل أن تهتف بابتسامة:
” ستذهبين إلى الطبيبة اليوم إذا.”
أكملت وهي تلمس بروز بطنها برقة:
” حبيبة عمتها ستكون بصحة جيدة بإذن الله.”
سألها نديم بجدية:
” هل ستتأخرين اليوم؟!”
ردت بسرعة وهي تتذكر موعدها مع فادي:
” في الحقيقة سأتناول العشاء في الخارج اليوم.”
هزت رأسه بتفهم متجاهلاً التساؤلات الملحة داخله، فهو ارتاح قليلاً بعدما وجد وضعها النفسي يتحسن لتتحرر تدريجياً من حالة الانغلاق التي سيطرت عليها وتتعايش مع حقيقة خسارتها لوالدتهما. واليوم يجدها تعايشت مع الوضع وعادت لحياتها السابقة بشكل يبث الراحة في نفسه، وإن أدرك داخله إن ما حدث ترك أثراً داخلها ليس محبباً على الإطلاق، لكنه يأمل أن تختفي آثاره مع مرور الزمن.
تحرك بعدها مع حياة حيث ركبا سيارته متجهين إلى الطبيب.
التفت نحوها يتأمل ابتسامتها الفرحة وهي تضع كفها فوق بطنها ونظراتها شاردة بنفس السعادة. ابتسم وهو يخبرها:
” كالعادة، الابتسامة لا تترك شفتيك لحظة واحدة في يوم موعدنا مع الطبيبة.”
نظرت له وقالت بعفوية:
” اليوم سأرى ابنتي لذا من الطبيعي أن أفرح.”
أضافت بصدق وهي تميل نحوه:
” كما إنني سعيدة بك فأنت تبدلت في الشهر الأخير رغم عدم معرفتي سبب هذا التبديل.”
تجاهل حديثها الأخير وهو يراوغها قائلاً:
” أنتِ لا تفرحين عندما تريني كما تفرحين عندما ترين ابنتك.”
أضاف بخفة:
” شمس هانم لم تأتِ بعد وبدأت تستحوذ عليكِ كلياً.”
رمقته بنظراتها وهي تردد:
” كلا منكما له مكانته.”
قاطعها بخبث:
” لا تنكري إن مكانتها مختلفة.”
أحاطت بطنها بكفيها وهي تخبره:
” لن أنكر.”
ثم تنهدت بصوت مسموع وهي تضيف:
” إنها طفلتي، قطعة من روحي.”
رفع حاجبه يسألها:
” وأنا؟!”
التفتت له تطوقه بنظرة عاشقة وهي تخبره بصدق سلب كيانه كله:
” أنت توأم روحي.”
ابتسم لها بصدق قبل أن يجذب كفها من فوق بطنها ويقبله، بينما عينيه تتابعان الطريق بتركيز.
وصلا بعدها إلى الطبيبة التي بدأت الفحص المعتاد ككل شهر، حيث طمأنتهما على صحة الطفلة التي تنمو بشكل رائع كما قالت.
غادرا بعدها بملامح سعيدة عندما أخبرها إنه سيأخذها لتناول الطعام في أحد المطاعم، حيث اختار مطعماً يطل على البحر وطلب لها العديد من الأطعمة. فسألته بدهشة بعدما غادر النادل:
” لمَ كل هذه الأطعمة الكثيرة؟!”
هتف بجدية:
” أنتِ حامل وتحتاجين إلى تغذية.”
هتفت مبتسمة:
” أنا أتناول ما أحتاجه من الطعام ولا أقصر أبداً.”
أضافت وهي ترمقه بحب:
” وأنت بدورك لا تتوقف عن رعايتي بل تطعمني بنفسك في كثير من الأحيان وكأنني طفلة صغيرة.”
قال وهو يبتسم لها بصدق:
” طالما أنا حي سأسعى دائماً لرعايتك وتدليلك.”
مازحته مرددة:
” في العادة النساء مطلوب منهن تدليل الرجال.”
تمتم بخفة:
” نحن نختلف عن البقية.”
هتفت بصدق:
” أنت بالفعل تختلف عن البقية.”
مازحها بدوره:
” حديثك هذا يضاعف من غروري.”
ابتسمت بهدوء ثم مدت كفها تقبض على كفها تخبره بما يدور في رأسها:
” هناك شيء ما يؤرقك ترفض الإفصاح عنه ولكنني أشعر بذلك.”
بادلها نظرات صامتة لتضيف وهي ما زالت تحتفظ بابتسامتها:
” أخبرني ماذا هناك، ما الذي يشغلك لهذه الدرجة؟!”
رفع كفه ووضعه فوق كفها قائلاً بجدية:
” ستعرفين كل شيء قريباً.”
أضاف وهو يشدد من قبضته على كفها:
” ولكن عليكِ أن تدركي دائماً إنني سأفعل المستحيل لأجل أن نحيا ثلاثتنا الحياة التي نستحقها مهما كلفني ذلك.”
نطقت بتروي:
” عن نفسي أحيا الحياة التي أستحقها بوجودك معي يا نديم وبقدوم صغيرتنا ستكتمل حياتنا بإذن الله فقدوم شمس سيكمل سعادتنا.”
ابتسم على ذكر اسم طفلته ثم قال بجدية:
” أنا سأمنح طفلتي الحياة التي تستحقها وتليق بها وأنت عليك أن تسعدي لذلك.”
همست دون تردد:
” كل ما تقوله ليس مهماً بقدر وجودك معنا. عليك أن تعلم إن وجودك معنا كافٍ لكلينا وبدونك كل شيء سيصبح ناقصاً يا نديم.”
شرد في كلماتها لوهلة قبل أن يهز رأسه بصمت وهو يبتسم لها ويقول:
” كوني على ثقة إنني سأفعل المستحيل لذلك. فقط ثقي بي ولا تقلقي.”
هتفت بصدق:
” أنا أثق بك أكثر من نفسي حتى يا نديم.”
أتى بعدها النادل بالطعام ليتناولا طعامهما سوياً قبل أن يطلب نديم بعدها من النادل أن يأتي بالقهوة له والعصير لها، عندما هتفت بعدما غادر النادل:
” الامتحانات النصفية بعد أسبوعين. أنا قلقة جداً.”
هتف بجدية:
” لا تقلقي، أنا معك.”
سألته بجدية:
” هل سوف تساعدني في الدراسة؟!”
” بالطبع.” قالها بجدية وهو يضيف:
” ستكونين الأولى هذه السنة أيضاً بإذن الله.”
همست بخفوت:
” لا أعتقد ذلك.”
ابتسم مردداً:
” ستفعلين وأنا معك.”
تمتمت بصدق:
” أنا أحبك.”
ربت على كفها ثم قال:
” هدية تخرجك ستكون مفاجأة لك.”
تمتمت ضاحكة:
” أحب تشجيعك الدائم لي.”
تنهد وهو يقول:
” أنا يهمني كثيراً مستقبلك يا حياة، خاصة وأنا أعلم جيداً إنك تطمحين للكثير في مجال دراستك.”
تأملته بحب باتت لا تتردد في الإفصاح عنه سواء بالحديث أو النظرات. حب لرجل يستحق. رجل كل يوم يمر عليها معه ترى نفسها الأكثر حظاً في هذا العالم لأنه كان نصيبها هي.
جلست جانبه تتأمل المكان حولها باهتمام لا يخلو من القليل من الدهشة.
كانت قد تركت نفسها له اليوم كعادتها، حيث سيأخذها إلى مكان على ذوقه.
ما زالت تتذكر المرات التي خرجت بهما معه، تارة على ذوقها وتارة على ذوقه، واليوم طلبت منه أن يختار مكاناً على ذوقه، وها هو جلبها إلى سهرة مسائية في مكان لا يمكن وصفه مطعماً بالمعنى الفعلي، ولكنه عبارة عن مكان واسع مفتوح تتوزع داخله الطاولات التي تختلف مساحتها ما بين طاولات تتسع لأربعة أشخاص أو ثمانية وأخرى عشرة، حيث جلست قباله على طاولة تتسع لأربعة أشخاص، والأجواء حولها بدت مختلفة تماماً بدءاً من ديكور المكان وطبيعة الطاولات المنخفضة قليلاً والتي تحيط بها مقاعد عريضة ذات مخدات واسعة مريحة، فبدت تشبه الجلسات العربية القديمة بشكل أكثر حداثة. وهناك في مقدمة المكان فرقة موسيقية تعزف وتغني مجموعة من الأغاني القديمة الشهيرة في جو مميز.
حتى الطعام كان مختلفاً، فقائمة الطعام لا تحتوي سوى على بضعة أكلات شرقية، فطلب لهما الأرز مع اللحم المشوي واللبن الرائب والمقبلات والسلطات.
كان الجو في المكان رائعاً بقدر ما هو غريباً قليلاً، فأخذت تتأمل الفرقة الاستعراضية التي حضرت إلى المكان تؤدي بعض الرقصات الشهيرة على أنغام الموسيقى، وتدريجياً اندمجت مع المكان وأجوائه الصاخبة رغم اختلافها كما اعتادت أن تفعل في كل مكان جديد يأخذها إليه.
مر الوقت سريعاً وغادرا المكان وهي تشعر بالسعادة، وقد بدلت أجواء السهرة المختلفة مزاجها اليوم والذي تبدل كلياً بعدما تشاجرت مع عمار كعادتها في الفترة الأخيرة.
جلست بجانبه في سيارته ليسألها بجدية:
” هل تريدين العودة الآن؟!”
سألته:
” أين ستأخذني إذا رفضت العودة الآن؟!”
هز كتفيه مجيباً ببساطة:
” إلى المكان الذي تريدينه.”
ابتسمت له ثم أخبرته عن رغبتها في الذهاب إلى البحر والجلوس أمامه في الهواء الطلق، وقد فعل ما أرادت، حيث أخذها إلى البحر وطلب لها الذرة المسلوقة بعدما رفضت أن تتناول المشوية مثله.
بعد قليل كانت تجلس بجانبه تتناول من قدح الذرة خاصتها، بينما نسمات الرياح العالية تحرك خصلات شعرها الناعمة، عندما رددت وهي تحرك الملعقة البلاستيكية الصغيرة داخل القدح:
” أنت دائماً ما تأخذني إلى أماكن غريبة. يوماً مطعم شعبي ويوم آخر في سوق شعبي لم أدخله يوماً واليوم في سهرة غريبة و…”
صمتت قليلاً ثم تساءلت وهي تضيق عينيها:
” هل تتعمد أخذي إلى هذه الأماكن لغاية ما؟!”
ضحك مردداً بخفة:
” أية غاية بالله عليك. ثانياً أين المشكلة في هذه الأماكن؟! على العموم لا تتضايقي. المرة القادمة سآخذك إلى أحد الأماكن الراقية التي تعتادين على ارتيادها.”
زمت شفتيها تردد:
” الفكرة ليست هنا. أنا بالفعل مستمتعة بذهابي إلى تلك الأماكن الجديدة علي واكتشاف أشياء أراها لأول مرة ولكن…”
توقفت فسألها بإهتمام:
” ولكن ماذا؟!”
رددت مبتسمة بخفة:
” أحب أن نذهب سوياً إلى مكان هادئ يمنحنا الفرصة للتحدث والاستمتاع بهدوء المكان ورُقيه.”
هتف ممازحاً:
” ها نحن نجلس أمام البحر والمكان حولنا هادئ للغاية فلا نسمع سوى صوت أمواج البحر و…”
قاطعته وهي تضع قدح الذرة جانباً:
” هذه الذرة ليست لذيذة.”
رفع حاجبه يردد:
” حقاً؟!”
هزت رأسها فيسألها مبتسماً:
” ماذا تريدين أن تتناولي إذا؟!”
أجابت بدلال:
” أريد من تلك الذرة المشوية التي تناولتها قبل قليل. ألم تقل إنها لذيذة؟!”
رفع حاجبه مجدداً يرد بدهشة:
” ألم أعرض عليك شراء واحدة لك معي ورفضتِ؟!”
مطت شفتيها تردد:
” والآن أريد منها. لم أعهدك بخيلاً يا سيادة المقدم.”
” تعرفين إنني لست كذلك.”
أضاف وعيناه ترمقانها بنظرة باتت تحبها أكثر من أي شيء:
” أنتِ فقط تتدللين علي يا غالية.”
سألته وهي ترفع ذقنها بكبرياء:
” ألا يحق لي؟!”
ردد مبتسماً وهو يتأملها بحب لم يعد يخفيه:
” بل أنتِ وحدك من يحق لها الدلال.”
نهض من مكانه متجهاً نحو بائع الذرة، بينما تتأمله هي بسعادة غامرة.
عاد إليها وهو يحمل قطعة الذرة المشوية لتأخذها منه وتتناولها بصمت، عندما سألها بإهتمام:
” إذا…”
نظرت له وهي تسأله بدورها:
” ماذا؟!”
هنف مبتسماً:
” الجو لطيف جداً.”
رمقته بنظراتها وهي تردد بخفة:
” جداً.”
أكملت وهي تتساءل بمشاكسة:
” أتساءل إلى المكان الذي ستأخذني إليه المرة القادمة؟!”
ابتسم مردداً بعبث:
” إلى المحكمة؟!”
سعلت مرددة بصدمة مصطنعة:
” سوف تسجنني يا فادي.”
همس وهو يغمز لها:
” نعم سوف أسجنك ولكن في منزلي ومعي…”
احتقنت ملامحها كلياً فحاولت الحفاظ على رباطة جأشها عندما قالت:
” أصبحت تمزح كثيراً على غير العادة.”
نظر لها مردداً بجدية:
” أنا لا أمزح يا غالية. أظن إنك تدركين جيداً إنني رجل واضح وصريح ولا أحب اللف والدوران. مثلما تدركين جيداً إن هذا الوضع يجب أن ينتهي بالنهاية التي تناسبه.”
بللت شفتيها بلسانها وهي تردد:
” معك حق.”
هم بالتحدث عندما قالت بسرعة:
” ولكن قبلها لدي طلب بسيط.”
” قولي ما تريدينه.” قالها بإهتمام وترقب لتسأله مبتسمة:
” أريد قطعة زلابية من ذلك البائع.”
كح مردداً بعدم استيعاب:
” هذا هو الطلب يا غالية؟!”
هزت رأسها وهي تبتسم بتثاقل ليردد مازحاً:
” شهيتك دائماً مفتوحة هكذا أم إنه تأثير وجودي؟!”
رددت ببرود:
” بل هو تأثير البحر وهواءه يا فادي. أنت لا دخل لك بالأمر من الأساس.”
كظم غيظه وهو ينهض من مكانه يسألها:
” هل تريدين شيئاً آخر فأنا لن أنهض من مكاني مجدداً بعدما أعود؟!”
حركت بصرها حول المكان قبل أن تجيب:
” حالياً لا أريد.”
هتف بصرامة:
” فكري جيداً لإنني لن أنهض مجدداً.”
همت بالتحدث عندما ظهر الضيق على ملامحها فجأة فسألها مستغرباً:
” ماذا حدث؟!”
تفاجئ بها تجذبه من ذراعه ليجلس جانبه فيسألها بدهشة:
” ماذا تفعلين يا غالية؟!”
هم بالنظر حيث تنظر فمنعته وهي تردد:
” لا تفعل.”
سألها مدهوشاً بتصرفاتها:
” ماذا هناك يا غالية؟!”
ثم أدار وجهه نحو الجهة التي تنظر إليها ليجد فتاة شقراء تتأمله بنظرات غير مريحة، بل الفتاة نفسها بدت غير مريحة بملابسها المكشوفة تماماً. استدار نحوها يبتسم لها بخبث فتتجهم ملامحها كلياً عندما همس لها بخفة:
” تغارين إذا.”
ظن إنها ستنكر ذلك لكنها فاجأته كما تفعل دائماً وهي تجيب ببرود:
” نعم أغار وهذا أمر طبيعي.”
أكملت بخبث:
” لست وحدي من أفعل أم نسيت تصرفك الأخير مع شريف ابن عمي؟!”
رد بملامح واجمة:
” لا تذكري اسمه على لسانك.”
” هل تغار علي لهذه الدرجة؟!” سألته وهي تبتسم بخفوت لينحني نحوها مردداً بنظرات مشتعلة:
” هل يعقل أن تسأليني سؤال كهذا يا غالية؟!”
أكمل وعيناه تحيطان وجهها بقوة:
” أنا أغار عليك من الجميع يا غالية، أغار عليك من أي رجل يراك.”
أكمل وملامحه تتجهم أكثر:
” وشريف هذا لن تذكري اسمه على لسانك مجدداً ولا تقل إنه ابن عمي. هذا رجل يحبك بل أراد الزواج منك يعني الأمر منتهي بالنسبة لي ولا مجال للنقاش فيه. أنا غيور جداً يا غالية، عليك أن تستوعبي ذلك من فضلك.”
وجمت ملامحها كلياً وهي تخبره بضراوة:
” أخبرتك إنني لا أحب تحكماتك المبالغ فيها يا فادي. شريف ابن عمي يعني فرد من عائلتي وعليك أن تعتاد على وجوده حولي في التجمعات والمناسبات العائلية وغير ذلك. لماذا تجعلني أندم على إخباري لك برغبته السابقة في الزواج مني؟!”
وهي بالفعل تلعن نفسها لأنها أخبرته بذلك بعدما تحدثت معه قبل ثلاثة أشهر وأنبته على ما قاله أمام شريف ودون قصد نطقت بتلك المعلومة التي جعلت فادي يرفض ذلك المدعو دون أن يتعرف عليه حتى.
نطق فادي بجدية:
” أنت تعرفيني يا غالية، لا تتوقعي مني أن أتقبل أن يجمعك أكثر من سلام مع رجل أرادك زوجة له مسبقاً.”
احتدمت ملامحها وهي تخبره:
” لقد مر وقت طويل على هذا الأمر. هو خطبني وأنا رفضت وهو بدوره احترم رفضي ولم يكرر طلبه.”
قاطعها بقوة:
” لا تحاولي إقناعي إنك لم تلاحظي نظراته نحوك. مرة واحدة فقط رأيتكما فيها من بعيد وأدركت بما يحمله ذلك الرجل لك.”
” ما بالك تنظر إلى الجميع بعين المحقق؟!” سألته بنزق ليخبرها ببرود:
” ربما لأنني كذلك بالفعل.”
همست عن قصد:
” أتساءل عما ستفعله بعد خطبتنا وأنا أتعامل مع شقيقك عن قرب ويوماً ما كان خطيبي.”
توقفت عن حديثها وهي تلاحظ جمود ملامحه الكلي، لكنها لم تشعر بالندم أو التردد، فهي عليها أن تضع القواعد المبدئية لهذه العلاقة وهو عليه أن يفهم الوضع برمته ويتعامل بقليل من المرونة.
همس بصلابة وهو ينهض من مكانه:
” لقد تأخرنا، لنغادر.”
نظرت له بعدم تصديق وهي التي كانت تنتظر منه أي رد فعل غير ذلك. لقد تعمدت التطرق إلى تلك النقطة التي باتت تؤرقها رغماً عنها.
تجاهلت أفكارها وهي تنهض من مكانها تخبره ببرود:
” معك حق، لقد تأخرنا.”
ثم سارت جانبه بملامح جامدة هي الأخرى وعقلها يتساءل رغماً عنها إذا ما كانت هذه البداية فقط لمطبات حقيقية ستمر بها علاقتهما.
في صباح اليوم التالي.
هبطت درجات السلم بخطوات سريعة قليلاً جعلته يلتفت نحوها وهو الذي كان يتجه نحو غرفة الطعام بعدما أعد لنفسه قهوة بديلة عن طعام الفطور، ليهتف بصدمة لا إرادية:
” ماذا تفعلين يا حياة؟!”
اتسعت ابتسامتها وهي تتقدم نحوه مرددة بمرح:
” صباح الخير.”
ثم قبلته من وجنتيه ليخبرها بجدية بعدها:
” هل نسيت إنك تحملين طفلاً داخلك يا حياة؟! كيف تتحركين بهذه السرعة؟!”
نطقت بسرعة وعفوية:
” لم أنتبه حقاً، كنت أريد اللحاق بك قبل مغادرتك.”
أحاطها بذراعيه وهو يتقدم معها إلى غرفة الطعام بينما يسألها:
” ولماذا تريدين اللحاق بي؟!”
أجابته بجدية:
” بسبب بعض المحاضرات التي أحتاج أن تشرحها لي.”
سحب لها الكرسي لتجلس عليه بينما اتجه هو ليجلس على الكرسي الرئيسي للمائدة يخبرها بجدية:
” أخبرتك إنني سأشرح لك ما تريدين. هل ستذهبين اليوم إلى الجامعة؟!”
هزت رأسها بينما حمل هو كوب الحليب ووضعه أمامها لتبتسم وهي تشكره قبل أن تجيب على سؤاله:
” نعم، مي تنتظرني هناك.”
أكملت بتردد:
” هل يمكنني أن أطلب منك شيئاً؟!”
رفع حاجبه مردداً بدهشة:
” هل تستأذنين حقاً يا حياة؟!”
ارتشفت قليلاً من الحليب ثم وضعته أمامها مجدداً قبل أن تخبره:
” مي صديقتي، تعاني من نفس المواد التي أعاني منها و…”
أكمل نيابة عنها:
” أنتِ تريدين أن أشرح لها معك، أليس كذلك؟!”
هزت رأسها بصمت لا يخلو من الإحراج، ليهتف وهو يبتسم بصدق:
” وما المشكلة في ذلك؟!”
هتفت بسعادة:
” كنت أعلم إنك لن ترفض.”
أكملت بعدها:
” في الحقيقة أنا ومي سندرس كافة المواد سوياً. في السنوات السابقة كنا نقضي بضعة أيام عندي والعكس عندها ما عدا المبيت طبعاً حيث نقضي اليوم كله للدراسة.”
هتف بجدية:
” هذا منزلك يا حياة ولا داعي أن أخبرك بهذا وأتمنى حقاً ألا تكوني تتحدثين بدافع الاستئذان.”
همست بصدق:
” الأمر ليس كذلك ولكن وددت أن تعرف ذلك. يعني أنا سوف أنشغل معها طوال الأسابيع القادمة وحتى نهاية الامتحانات وهذا يعني إنني لن أتواجد حولك أغلب اليوم و…”
قاطعه بسرعة:
” لا يهم يا حياة، المهم أن تجتازي امتحاناتك على خير وبالشكل الذي تتمنينه.”
أضاف:
” ولكن أنا أفضل ألا تذهبي أنت إلى منزل مي وتقضي هي جميع الأيام هنا معك لأنك حامل وربما لن ترتاحي كثيراً خارج المنزل خاصة إنك سوف تقضين اليوم أكمله معها للدراسة.”
قالت موافقة إياه:
” معك حق. سأخبر مي أن ندرس هنا يومياً ولا داعي لتقسيم الأيام بيننا.”
” هذا رائع.” قالها وهو يسحب كوبه ويرتشف منه القهوة، لتسأله بضيق:
” لماذا لا تتناول طعامك؟!”
رد بجدية:
” لا أشعر بالشهية لتناول أي شيء.”
أكمل يتساءل:
” هل تريدين أن آخذك إلى الجامعة في طريقي؟!”
سألته بإهتمام:
” هل سوف تلتقي بوسام اليوم؟! أنت لم تخبرني عما يحدث هذه الفترة بشأن عملكما سوياً.”
تمتم باختصار رغبة في عدم الخوض في هذا الحديث:
” كل شيء سوف يسير على ما يرام.”
تأملته لوهلة قبل أن تقول وهي تهم بتناول الحليب مجدداً:
” لا بأس يا نديم، لن أجبرك على قول ما لا تريده ولكن عدني أن تنتبه على نفسك.”
ابتسم دون رد، ليجد الخادمة تتقدم منهما وتسألهما إذا ما كانا يريدان شيئاً آخر، ليسألها نديم بدوره:
” هل غادرت غالية اليوم مبكراً؟!”
أجابته الخادمة:
” غالية هانم لم تنزل من غرفتها حتى الآن.”
هتف نديم بدهشة:
” لم تنزل حتى الآن.”
أشار إلى الخادمة:
” حسناً، اذهبي أنت فنحن لا نحتاج شيئاً بعد.”
غادرت الخادمة بينما هتف نديم بحيرة:
” من الغريب ألا تنزل غالية من غرفتها حتى الآن. هي في العادة لا تتأخر عن موعد العمل.”
قالت حياة بجدية:
” ربما لن تذهب إلى العمل اليوم.”
نهض نديم من مكانه مردداً:
” سأذهب لأراها. تناولي فطورك جيداً ريثما أراها وأطمئن عليها كي أوصلك إلى الجامعة بعدها.”
ثم تحرك متجهاً إلى الطابق العلوي حيث غرفة شقيقته.
طرق على الباب مرتين ولم يسمع رداً، فشعر بالقلق لا إرادياً عليها، فسارع يفتح الباب ويدخل إلى الغرفة ليجدها تجلس على سريرها وبيدها هاتفها تتأمل صورة والدتها بينما آثار البكاء تظهر على وجهها بوضوح.
جلس جانبها يقبض على الهاتف ويغلقه، قبل أن يجذبها نحو صدره بصمت وهي تقبلت ذلك بكل رحابة.
كان يعلم إنها تبكي باستمرار لوحدها خاصة في الليل، مثلما يعلم إنها تتعمد إخفاء حزنها عنه هو تحديداً!
لحظات قليلة وابتعدت عنه حيث مسحت وجهها بكفيها وهي تخبره:
” أنا بخير، لا تقلق.”
هتف بجدية وكفه تربت على ظهرها:
” لا تخفي حزنك عني يا غالية، لا تنسي إننا نتشارك هذا الحزن سوياً. نتشارك حقيقة خسارتنا لها سوياً فهي والدتنا.”
تراكمت الدموع داخل عينيها وهي تخبره:
” متى سينتهي ألمي يا نديم؟! ماما رحلت وتركت داخلي وجعاً لا ينضب.”
استرسلت الدموع عادت تأخذ مسارها فوق وجنتيها:
” من جهة ألمي على فقدانها ومن جهة حقيقة ما جرى قبل رحيلها وما تصرفته معها.”
تنهد وقال:
” وأنا أيضاً تصرفت معها بشكل سيء. ولكننا كنا مجبرين يا غالية، الحقيقة كانت صادمة، صادمة جداً.”
هتفت بصدق:
” وهذه مشكلة أخرى. أنا لا يمكنني التصديق إنها فعلت كل هذا.”
توقفت لوهلة ثم أكملت بحسرة:
” أنا لم أتقبل حقيقة إنها تزوجت والدي رغماً عنه وتسبب بدمار عائلته، فكيف سأتقبل حقيقة إنها تسببت بموت ديانا؟! حقيقة ماما صدمتني، لا يمكنني تحمل حقيقة إنها تسببت بكل هذا الأذى للمرأة المسكينة.”
مسح على وجهه مردداً بتعب:
” للأسف هذه الحقيقة يا غالية ولا مفر منها.”
حاوط كتفيها بذراعيه مردداً:
” حاولي أن تتناسي يا غالية. نعم الحقيقة كانت صادمة لكن ما حدث قد حدث. نحن لا ذنب لنا في كل هذا. تذكري هذا جيداً.”
هزت رأسها بصمت دون رد، ليتنهد مجدداً قبل أن يسألها:
” صحيح… هل تلتقين بسيادة المقدم؟!”
تمتمت بخفوت:
” هل تعرف؟!”
هتف ببساطة:
” الأمر لا يحتاج إلى ذكاء يا غالية.”
أكمل بتروي:
” أنا أجلت الحديث في هذا الموضوع عن قصد. الوضع عموماً ووضعك أنت تحديداً لم يكن ليسمح بفتح موضوع كهذا ولكن…”
تنهد وقال:
” أريد أن أفهم علام تنويان. صحيح أنا أثق بكِ كثيراً ولكنكِ شقيقتي الوحيدة التي رغم كل شيء، رغم قوتها وذكائها لا يمكنني منع نفسي من القلق عليها.”
ابتسمت مرددة بضعف:
” لا تقلق يا نديم، أنا قوية بما يكفي لمواجهة أي شيء من الممكن أن يحدث.”
أضافت تخبره:
” فادي يحبني وأنا كذلك، لكن الموضوع معقد قليلاً.”
” بل كثيراً.” قالها بجدية وهو يضيف:
” أنتِ كنتِ خطيبة شقيقه.”
هتفت بجدية:
” حسناً، أنت معك حق ولكن أنا وفراس لم يكن بيننا أكثر من إعجاب عندما تمت تلك الخطبة. يعني لم تنشأ أية مشاعر حقيقية بيننا و…”
قاطعها نديم بتعقل:
” ما تقولينه يعتمد على شخصية فادي نفسه ومدى قدرته على تقبل وجود رابط كان يجمعكِ بشقيقه. البعض مثلاً لا يهتم طالما تلك العلاقة انتهت حتى لو تطورت تلك العلاقة إلى زواج وما شابه، وهذا نتيجة تفكيره ونظرته لهذه الحالة، والبعض لا يقبل بذلك حتى لو كان ما يجمع بينهما سابقاً مجرد إعجاب لحظي دون ارتباط حتى.”
تنهدت وهي تقول:
” لا أعلم يا نديم. أنت معك حق ولكن إذا كان يحبني بحق سيتنازل قليلاً و…”
سألها بحذر:
” وماذا؟! لماذا توقفتِ؟!”
” أبداً، لم أجد ما أقوله. سأترك كل شيء لوقته.”
قالتها بخفوت قبل أن تضيف وهي تبتسم له:
” وأنت كما أخبرتك، لا تقلق بشأني، فأنا قادرة على مواجهة كافة الظروف.”
ابتسم لها بمحبة وهو يعانقها بخفة، بينما أغمضت هي عينيها داخل أحضانه تجاهد مع نفسها لكبح دموع عادت تتراكم داخل مقلتيها.
انتهت من تجهيز نفسها استعداداً لمغادرة المنزل، فاليوم موعدها مع طبيبتها لفحصها والاطمئنان على حالة جنينها.
سمعت صوت طرقات على باب غرفتها، فسمحت للطارق بالدخول وهي تضع بعض الأشياء داخل حقيبتها قبل أن تغلقها، لتجد وليد يتقدم نحوها متسائلاً:
” صباح الخير.”
تمتمت وهي تحمل حقيبتها:
” صباح النور.”
” هل يمكننا التحدث قليلاً؟!” سألها بجدية لتهز رأسها بصمت عندما جلس على الكرسي المقابل للسرير وأشار إلى الكرسي الآخر لتجلس عليه، فجلست جانبه وهي تسأله بدورها:
” ماذا هناك يا وليد؟!”
هتف بجدية:
” هناك أنت يا شيرين.”
أكمل متجاهلاً وجوم ملامحها:
” ألم تتخذي قرارك بعد؟! أعتقد إنني تغاضيت لمدة طويلة عما يحدث. تفهمت صمتك ورغبتك بعدم الخوض في هذا الموضوع. أردت الالتزام بالصمت تنتظرين منه أن يخطو هو الخطوة الأولى ويطلقك رسمياً دون أن أجدد سبباً مقنعاً لما تفعلينه، لكني قررت الالتزام بالصمت وعدم التدخل. هل تعلمين لماذا؟!”
نظرت له بتوتر ليضيف بصدق:
” لأنني أخشى أن أتدخل ثم أندم فيما بعد، لأنني حتى هذه اللحظة لا أضمن تصرفك القادم ولست مقتنعاً بما قلتيه عن رغبتك الجدية بالانفصال عنه.”
قالت بسرعة:
” أنا بالفعل أريد الانفصال.”
سأل بنفاذ صبر:
” ماذا تنتظرين إذا؟! ولادتك خلال ثلاثة أشهر. أتيتِ هنا في بداية حملك والآن أنتِ أكملتِ منتصفه بينما ما زلتِ تراوحين مكانك رافضة اتخاذ موقف حقيقي مكتفية ببقائك هنا ويمين الطلاق الذي ألقاه عليكِ وحضرته لم يتحرك خطوة هو الآخر ولم نرَ حتى الآن وجهه ولا حتى سمعنا صوته.”
قالت بخفوت:
” وليد افهمني، الأمر ليس سهلاً. أنا أحمل طفله.”
زفر أنفاسه ثم قال:
” لاحظي إنكِ من أردتِ الانفصال عنه نهائياً يا شيرين. أتيتِ هنا وقلتِ بكل وضوح إنه طلقكِ وإنكِ بدورك لا نية لديكِ للعودة إليه.”
أكمل بجدية:
” إلا إذا كنتِ تنتظرين خطوة منه. أو لأكن أكثر دقة تتأملين أن يحدث شيئاً ويغيره. هل ما زلتِ تريدين العودة إليه؟!”
هتفت بثبات:
” نعم، ولكن بشرط أن يتغير.”
أضافت برجاء:
” أنت يجب أن تفهمني يا وليد. عمار والد طفلي القادم. مهما حدث سيبقى هو كذلك. نعم أنا قلت إنني لن أعود إليه وكنت أعنيها حقاً ولكن رغماً عني ما زال هناك أمل صغير داخلي أن يتغير خاصة عندما يرى طفله.”
” وأين هو عمار بك؟! هو حتى لا يعرف أي شيء عن طفله.” قالها بغضب مكتوم لتهتف:
” رغم كل شيء عليك أن تعلم إن عمار لا يتخلى عن طفله. أنا لا أبرر له ولكن بالطبع هناك سبب يجعله لا يتصل بي نهائياً وأنا أحمل طفله.”
سألها بجدية:
” هل تعلمين شيئاً لا أعلمه؟!”
أزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها وأجابت:
” أعتقد إنه يتواصل مع طبيبتي ويطمئن منها على صحة الولد.”
سألها مجدداً عن قصد:
” أنتِ لا تلتقين به أو تتواصلين معه سراً، أليس كذلك؟!”
أجابت بسرعة وصدق:
” أبداً والله.”
تنهد ثم قال:
” حسناً يا شيرين. عليك أن تفهمي شيئاً واحداً فقط. عمار لن يتغير مهما حدث. لذا من فضلك توقفي عن تأمل شيء كهذا.”
نهض بعدها وغادر الغرفة تاركاً إياها شاردة في كلماته التي تدرك بكل أسف صدقها.
رفعت عينيها نحو الأعلى تدعو الله داخلها أن يهديه ويبعد عنه شيطانه. هي رغماً عنها ما زالت تأمل أن يتغير. تتأمل أن يغيره قدوم طفله. تتأمل كثيراً وكم تخشى أن تخيب كل آمالها!
نهضت بعدها وهي تحمل حقيبتها حيث تحركت تغادر المنزل ومنه إلى طبيبتها.
وصلت إلى الطبيبة التي قامت بالفحوصات المعتادة وطمأنتها على صحة الطفل.
غادرت عيادة الطبيبة بعدها وقررت أن تسير قليلاً في الشارع المليء بالمحلات الراقية وكذلك المطاعم والمقاهي.
سارت قليلاً في الشارع تنظر إلى المحلات دون أن تدخل إليها وعقلها رغماً عنه شارد فيه.
جلست بعد قليل عند محل لبيع المثلجات حيث طلبت قدحاً من المثلجات بطعم الحليب والشوكولاتة.
كانت تجلس بعدها على طاولة صغيرة موضوعة في الساحة الخارجية للمحل تتناول المثلجات بتلذذ غافلة عن عينيه اللتين تراقبانها بتمهل. يتأمل ملامحها التي ازدادت جمالاً، بل هي كلها باتت أجمل خاصة ببطنها البارزة والتي تمنحها هيئة رائعة. لم يكن يعلم إن الحمل يليق بها إلى هذا الحد.
كان يتابعها شهرياً دون أن تعلم ويتواصل مع طبيبتها سراً، حيث ترسل له تقريراً شاملاً عن حالة طفله مع صور السونار خاصته بل وفيديو يحمل تسجيلاً صوتياً لدقات قلبه. لقد علم إنه صبي وفرح رغم رغبته الشديدة في الحصول على فتاة يمنحها اسم والدته.
عاد يتأملها مجدداً وهي تتناول المثلجات بتلذذ وقد بدت في جلستها تلك وبطنها البارزة مع فستانها القصير لطيفة للغاية، لطيفة وجذابة بشكل مزعج.
وأخيراً قرر التقدم نحوها، فهو اكتفى من المتابعة سراً. كانت منهمكة بتناول مثلجاتها عندما وجدت ظلاً يتكون أمامها، فرفعت عينيها بسرعة لتنصدم من وجوده أمامها، رغم إنها توقعت قدومه في أي لحظة لرؤيتها والأهم إنها توقعت إنه يراقبها بالفعل.
” عمار.” تمتمت بها بدهشة، بينما سحب هو الكرسي المقابل لها وجلس عليه يخبرها بتجهم:
” أليس الجو بارداً على تناول المثلجات؟!”
ابتلعت دهشتها سريعاً وهي تجذب منديلاً تمسح به فمها، بينما تجاهد للسيطرة على اضطرابها الشديد من رؤيتها له بعد كل هذه المدة.
تمتمت أخيراً محاولة اخفاء توترها بل وشوقها اللعين له:
” ماذا تفعل هنا؟!”
أكملت بتهكم مقصود:
” وأخيراً تذكرت إن لديك ابن لا تعلم عنه شيئاً وإن كان ما زال جنيناً.”
هتف ببروده المستفز:
” أنا أتابع وضع ابني شهرياً من طبيبته يا شيرين. لا أحتاج إلى توصية بهذا الأمر تحديداً وأنت تعلمين ذلك.”
هتفت بسخط:
” نعم، فأنت لا يمكن أن تهمل متابعة طفلك مهما حدث ومهما بلغت مشاغلك.”
” هذا صحيح.” قالها بحزم وهو يضيف بصلابة:
” إنه طفلي، طفلي الذي لن أنشغل عنه مهما حدث.”
هتفت عن قصد:
” ليتك إذاً تتوقف عن أفعالك لأجله وتستوعب إن طفلك مسكين لا ذنب له أن يدفع ثمن أخطاء والده.”
هتف بحدة خافتة:
” ألن تتوقف عن طريقتك هذه؟! ما زلتِ تتحدثين بنفس الطريقة بعد مرور عدة أشهر.”
” ولن أتوقف حتى تدرك مقدار سوء ما تفعله.” قالتها بتحدٍ بدا جديداً عليها، ليبتسم ساخراً مردداً:
” متى سوف تتغيرين يا شيرين؟! لا أفهم حقاً لماذا تصرين على التفكير بهذه الطريقة غير المنطقية؟! أخبرتك إنني قادر على حماية الجميع و…”
قاطعته:
” وماذا عن جيلان؟! لماذا فشلت في حمايتها إذا؟!”
تجمدت ملامحه كلياً وهو يتذكر أخته التي لم يرها منذ ذلك اليوم الذي أخبرها بحملها لترفض بعدها رؤيته وهي تخبره بوضوح إنها طردته من حياتها دون رجعة.
راقبت جمود ملامحه فهمست بثبات:
” لا تمتلك جواباً. ألا يوجد لديك شعور ولو بنسبة واحد بالمئة إن ما يحدث مع شقيقتك نتيجة أفعالك المؤذية بل جرائمك في حق من حولك؟! ألا تفكر لوهلة إنه ربما ما يحدث نوع من العقاب على جرائمك يا عمار؟!”
توقفت عن حديثها تتأمل ملامحه التي ما زالت جامدة كلياً وعينيه المشتعلين بلهيب حارق مهيب، لتقرر المغادرة فوراً وتركه لضميره الذي تتمنى أن تحرك به كلماتها ولو شيئاً بسيطاً.
فتحت عينيها على صوت منبه هاتفها، فتأففت بضيق وهي تبعد خصلات شعرها المتناثرة فوق جبينها إلى الجانب قبل أن تستند على السرير وهي تعتدل في جلستها.
سحبت الهاتف وسارعت تطفئ المنبه وهي تشعر بعدم الرغبة بالنهوض من سريرها أساساً، لكنها مضطرة، فاليوم وتحديداً بعد نصف ساعة موعد محاضرة الكيمياء.
نهضت من فوق سريرها وتحركت بتثاقل لتغير بيجامتها، حيث ارتدت فستاناً فضفاضاً مناسباً لحملها المتقدم، قبل أن تزم شفتيها بعدم رضا وهي تتطلع إلى وزنها الذي ازداد كلياً بسبب الحمل، لتعاود طمأنة نفسها وهي تذكرها إن ولادتها تقترب بالفعل.
سمعت صوت طرقات على الباب، فسمحت للطارق بالدخول، ليتبعها دخول همسة وهي تهتف بجدية:
” صباح الخير جيلان.”
أكملت وهي تتأمل ملابسها:
” لديك محاضرة بعد قليل، أليس كذلك؟!”
هزت جيلان رأسها وهي تجيبها بتجهم:
” نعم، الكيمياء اللعينة.”
ضحكت همسة مرددة بخفة:
” كيف ستدخلين الصيدلة إذا وأنتِ تكرهين الكيمياء؟!”
تنهدت جيلان بتعب ثم أجابتها:
” لا أحب أستاذ المادة لإن أسلوبه في التعامل صعب جداً.”
اتجهت وجلست بعدها فوق السرير مضيفة بحسرة:
” كما لا أعتقد إنني سوف أستطيع دخول كلية الصيدلة من الأساس.”
اتجهت همسة نحوها وجلست جانبها تخبرها بجدية:
” سوف تستطيعين بإذن الله.”
أكملت بجدية:
” ولادتك اقتربت أساساً، يعني بعد شهر بالكثير سوف تتفرغين لدراستك بعدما تنجبين طفلتك على خير.”
زمت جيلان شفتيها مرددة:
” ومن سيعتني بالطفلة؟!”
قالت همسة بجدية:
” ما بالك يا جيلان؟! سنجلب لها مربية تعتني بها و…”
تمتمت جيلان بتردد:
” أنا لا أريد أن أتركها. هي لا ذنب لها لتحيا بدوني.”
ابتسمت همسة بحنو مرددة:
” معك حق. اسمعيني يا جيلان. نعم الأمر صعب في البداية ولكن مع مرور الوقت ستعتادين عليه. لست الوحيدة من أصبحت أماً في سن كهذا.”
أضافت بتمهل:
” أنا أعلم مدى قلقك بشأن امتحاناتك ولكن لا داعي للقلق. بعدما تنجبين الطفلة على خير ستأتي مربية تتولى مسؤوليتها ونحن معها ولن نتركها أبداً وأنتِ يمكنك التركيز في دراستك حتى تنهين الامتحانات على خير ثم يمكنك بعدها الاهتمام بها جيداً.”
هزت جيلان رأسها بصمت لتقول همسة بجدية:
” والآن تعالي لتناول القليل من الطعام قبل وصول أستاذك.”
” حسناً.” قالتها جيلان بإذعان وهي تنهض من فوق السرير وتأخذ هاتفها معها لتسير مع همسة خارج الجناح ومنه إلى الطابق السفلي حيث دخلتا إلى المطبخ لتطلب همسة من الخادمة أن تعد الطعام لجيلان، بينما جلست جيلان تتحدث مع همسة عندما سألتها بفضول:
” هل قررتما اسم الصبي؟!”
تنهدت همسة وقالت:
” في الحقيقة بعد…”
تذكرت رغبة زوجها في منح طفله الثالث اسم والدها ورفضها غير المفهوم منها وما زال الجدال قائماً بسبب ذلك.
تمتمت همسة بخفوت:
” كنت أريدها فتاة، أمنحها اسم والدتي.”
هتفت جيلان بعفوية:
” المرة القادمة ستكون فتاة بإذن الله.”
اتسعت عينا همسة مرددة بعدم تصديق:
” المرة القادمة. لا يكفيني الثلاثة، حفظهم الله لي.”
” ولكن الفتيات جميلات.” قالتها جيلان مبتسمة وهي تضيف:
” أنا كنت سوف أحزن حقاً لو تبين إني حامل بصبي.”
ضحكت همسة مرددة:
” إذا الحمد لله إنه حدث ما أردتِ وستحصلين على فتاة رائعة بإذن الله.”
ثم سألتها بجدية:
” هل اخترتما أنتِ ومهند اسماً لها؟!”
جذبت جيلان كأس الحليب بالفراولة الذي وضعته الخادمة أمامها مع بعض الأطعمة الصحية اللذيذة لترتشف منه القليل ثم تردد:
” أنا اخترت الاسم بدونه. هذا الأمر لا يخصه أساساً.”
كتمت همسة ضحكتها على طريقة جيلان وهي تتحدث عن مهند، قبل أن تضيف جيلان بعينين لامعتين:
” سوف أسميها ديانا على اسم ماما.”
تمتمت همسة بصدق:
” اسم رائع حقاً. يكفي إنه اسم والدتك رحمها الله.”
أضافت جيلان بيقين تشوبه الفرحة:
” عمار سيغضب بالتأكيد لإنني سبقته ومنحت طفلتي اسم ماما، فهو كان يريد فتاة يمنحها الاسم.”
ابتسمت همسة قائلة:
” يمكنه أن ينجب فتاة في المرة القادمة ويمنحها الاسم الذي يريده.”
احتقنت ملامح جيلان وهي تردد برفض طفولي:
” كلا لا يمكنه. إنه اسم طفلتي أنا ولن أسمح له بذلك.”
توقفت عن حديثها لتسمع صوت وصول رسالة إلى هاتفها، فسارعت تفتحها وتقرأ ما فيها، لتجده أستاذها يعتذر عن محاضرة اليوم، فصاحت بسعادة:
” المحاضرة ألغيت اليوم.”
ثم نهضت من مكانها تهتف بحماس:
” سأنام مجدداً.”
لتتحرك خارج المطبخ بسرعة تراقبها همسة بابتسامة هادئة متنهدة بقليل من الراحة، فجيلان تتأقلم تدريجياً مع حقيقة كونها ستصبح أماً بعد مدة قصيرة، بل وتقبلت الأمر نوعاً ما وهذا شيء مبشر بالخير.
كان يجلس في مكتبه في الشركة يراقب بعض الملفات بتذمر، عندما وجد السكرتيرة تتقدم نحوه تخبره بتردد وهي تضع مجموعة من الملفات أمامه:
” راغب بك أرسل هذه الملفات.”
وقبل أن تنهي حديثها كان ينتفض من مكانه مردداً بعصبيته المعتادة:
” هذا يكفي حقاً. أخبري راغب بك إنني لست عاملاً عنده.”
تمتمت السكرتيرة بسرعة:
” أخبره أنت مهند بك.”
ثم أضافت بتوتر:
” هو شقيقك
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم سارة علي
يتحرك داخل جناحه دون وجهة محددة، يتحرك يمينا وشمالا، ذهابا وإيابا وهو يفكر فيما يفعله، في الخطوة القادمة. يتذكر كلمات شقيقه الذي يدرك رغم كل شيء أنه معه حق، معه كل الحق.
يجذب علبة سجائره، يسحب منها سيجارة يشعلها، ثم بعد لحظات قليلة يطفئها بضيق. عقله يفكر دون أن يصل إلى نتيجة محددة، كيف يتعامل معها؟ كيف يكسبها في صفه؟ والأهم، كيف يمكنه أن يحيا معها حياته القادمة وهو الذي ما زال لا يراها سوى طفلة؟ طفلة لا يمكنه أن يتعايش معها أو يستوعب طفولتها مهما حاول.
ألقى سيجارة ثانية في سلة المهملات بضيق، ثم هوى بجسده فوق السرير يتأمل السقف بشرود حانق. هو في ورطة، ورطة حقيقية. حياته باتت مرتبطة بطفلة قادمة في الطريق، طفلة لا يمكنه تجاهل وجودها، طفلة من صلبه، طفلة تمثل جزءا منه شاء أم أبى، طفلة يدرك جيدا أنها ستثير حميته ما إن تصل إلى هذه الدنيا، طفلة ستملكه رغما عنه ودون وعي منها.
وهناك إلى جانب الطفلة جيلان، زوجة مع وقف التنفيذ. جيلان الصغيرة الذي لم يرها زوجة يوما ولم تتحرك غريزته نحوها ولا مرة حتى الآن، حتى بعدما حدث ونالها بتلك الطريقة الحقيرة وسط استسلامها المؤلم له. حتى بعد تلك الليلة لم تتحرك حتى غريزته نحوها. ما زال لا يراها كأنثى حقيقية بعين رجل يرغب فيها أو حتى يرغب في أن تشاركه حياته. هو لا يراها من هذا المنظور مهما حاول أن يفعل.
كيف يشرح لمن حوله هذا؟ كيف يخبرهم بحقيقة أن جيلان لم تتخطى حاجز ابنة العم الصغيرة التي وجد نفسه مجبرا على الزواج منها؟ لا ينكر أنه بات يتعاطف معها، ضميره يؤنبه لأجلها. ولا ينكر أنه بات لا يكرهها أو ينفر منها، لكن هذا لا يعني أنه يتقبلها كزوجة. هو لا يراها هكذا ولا يعتقد أنه سيفعل يوما.
ولكن ماذا عن طفلته؟ هل سيمنحها حياة مشتتة بين أبوين منفصلين؟ وهل سيتحمل أن تحيا بعيدا عنه؟ والأسوأ أن تحيا في كنف رجل آخر؟ فجيلان صغيرة الآن ولكنها ستكبر وبالتأكيد ستلتقي بالشخص المناسب يوما ما، وهو بدوره لن يستطيع منعها من الارتباط لأنه سيكون أنانيا حينها. والأسوأ أنه لا يستطيع أن يطالبها وقتها بطفلته لأنه لن يؤذيها وحدها بل سيؤذي طفلته أيضا.
اعتدل في جلسته وهو يتأفف بحنق. لم كل شيء بهذا التعقيد؟ لم يحدث هكذا معه دائما؟ هل هو تعيس الحظ إلى هذه الدرجة؟ ما الذي كان سيحدث لو لم تحمل جيلان طفله في تلك الليلة اللعينة؟ لم تكن هناك مشكلة حينها! كان سيطلق جيلان بعد فترة كما اتفق مع أخيها وكل شيء بعدها كان سيعود إلى نصابه السابق وحينها سيرتاح بل الجميع سيرتاح!
مسح على وجهه بضيق محاولا أن يتجاهل هذه الأفكار، فالوقت فات حقا على التفكير في ذلك. جيلان تحمل طفله بكل أسف وهو بات مرتبطا بها رغما عنه. نهض من فوق السرير متوجها نحو النافذة يتطلع إلى الحديقة الخارجية بشرود وعقله يفكر من جديد. قرر أن يذهب إلى جناحها ويتحدث معها قليلا، ربما يصل إلى شيء ما هذه المرة، ربما يجد نقطة مشتركة بينهما.
خرج من جناحه متوجها إلى جناحها ليطرق على الباب بخفة. فتفتح الباب له فورا بملامح واجمة لتنظر إليه بدهشة فيهتف:
"هل أنت بخير؟!"
تأملته لوهلة بنفس الوجوم قبل أن يتفاجأ بها تبتسم وملامح وجهها تنفرج كليا وكأنها وجدت ظالتها به. جذبته من كفه تخبره:
"من الجيد إنك أتيت..."
وقف بجانب سريرها يتأملها وهي تتحرك بعيدا عنه تحمل دفترا وقلما ثم تتقدم بهما نحوه لتمد يدها بالدفتر والقلم له. تناول الدفتر والقلم منها وهو يسألها بحيرة:
"لماذا تعطيني إياهما؟!"
أجابت بابتسامة واسعة:
"ستكتب لي الواجب..."
اتسعت عيناه مرددا بعدم استيعاب:
"ماذا؟!"
سارعت تجلس على السرير مرددة بجدية:
"الأستاذ يريد مني كتابة القصيدة عشر مرات كي أحفظها جيدا وأنا متعبة للغاية..."
أكملت وهي تمط شفتيها بضيق:
"الحمل يتعبني ولا يمكنني الكتابة حقا..."
أكملت برجاء طفولي:
"أنت لست متعبا، يمكنك أن تكتبه بدلا مني..."
هم بالرفض لكنه تراجع وهو تذكر قراره ومحاولاته للتقرب منها، فتنهد وهو يهتف مرغما:
"حسنا يا جيلان، سأكتبها وأمري لله..."
ابتسمت بفرحة وهي تجذب الكتاب الموضوع جانبها على السرير وتفتحه له حيث الصفحة التي تحوي القصيدة. مدت يدها بالكتاب وهي تخبره:
"أكتبها عشرة مرات..."
تناول الكتاب منها يتأمل القصيدة المكونة من عشرة أبيات شعرية ليتنهد بملل مفكرا إنه لم يكن يطيق الواجبات المدرسية أبدا، بل كان دائما ما يتملص منها ويبحث عن شخص ما يكتبها نيابة عنه. تارة يستعين بشقيقه راجي ومرات كثيرة كانت همسة تكتب واجبه بدلا عنه، بل في إحدى المرات طلب من الخادمة أن تكتب الواجب له رغم رفض والدته الشديد لذلك، لكنه لم يكن يهتم ويفعل ما يريده كعادته.
حمل الأغراض وتوجه نحو الكنبة وجلس عليها. بدأ يكتب عندما سمعها تحذره:
"لا تنسى أن تكتب بخط جيد..."
ثم نهضت من مكانها وتوجهت إلى الغرفة الداخلية ليتأملها هو بحنق قبل أن يعاود النظر إلى الدفتر مرددا بغضب مكتوم:
"هذا ما كان ينقصك يا مهند..."
ثم بدأ يكتب القصيدة قبل أن يجدها تخرج وهي تحمل معها مجموعة من أوراق الرسم البيضاء لتضعها فوق السرير ثم تعود مجددا وتجلب ألوان الرسم خاصتها ليهتف بضيق:
"على أساس إنك متعبة، أراك مستعدة للرسم بل ومتحمسة أيضا..."
منحته نظرة متعالية وهي تخبره:
"الرسم شيء مختلف، الرسم لا يتعبني بل يمنحني متعة لا مثيل لها، لكن الجهلة أمثالك لن يفهمون ذلك..."
"جهلة..." تمتم بها مدهوشا بينما تحركت هي نحو سريرها بلا مبالاة وجذبت الألوان ليهتف بحدة خافتة:
"لو لم تكوني حاملا لتصرفت معك بالطريقة التي تستحقينها وحينما ستدركين كيف يتصرف الشخص الجاهل..."
مطت شفتيها بلا مبالاة ليزفر انفاسه بقوة وهو يذكر نفسه مجددا أن عليه أن يهدأ وأن يكون صبورا معها. عاد يكتب القصيدة رغم غضبه الذي يجاهد ليخفيه كي لا ينفجر في وجهها بينما أخذت هي ترسم بحماس وغرقت كالعادة في رسمتها حتى مرت حوالي ساعة انتهى بها مهند من كتابة القصيدة لعشر مرات متتالية.
نهض مهند من مكانه ومعه الدفتر ليضعه أمامها مرددا ببرود:
"كتبت الواجب، ولكن لا تعتادي على هذا، عليك أن تكتبي واجباتك بنفسك فهذا يعتبر غش..."
سحبت الدفتر متجاهلة حديثه لتتأمل المكتوب فتجحظ عيناها مرددة:
"ماذا هذا؟!"
رد ببساطة:
"هل أصبت بالعمى؟ هذه القصيدة التي أردت مني كتاباتها..."
نهضت من مكانها تهتف بغضب:
"بشع، خطك بشع جدا..."
"عفوا..." تمتم بها مدهوشا لترفع الصفحة في وجهه تخبره:
"ما هذا الخط؟ لم أرَ خطا أبشع منه في حياتي."
هتف بتجهم:
"هل تعلمين شيئا؟ الخطأ ليس منك بل من الأبله الذي ساعدك وكتب لك الواجب."
ثم صاح بها:
"هاتيه..."
مدت له الدفتر بارتباك ليأخذه ويمزق الصفحات التي كتب عليها بقوة قبل أن يتجه بالصفحات ويرميها داخل سلة المهملات ثم ينظر لها مرددا بتحفز:
"والآن اكتبي واجبك حالا..."
همت بقول شيء ما ليقاطعها بحدة أجفلتها:
"لا تفتحي فمك بكلمة واحدة، نفذي ما قلته، هيا..."
لعنته داخلها وهي تتجه نحو الدفتر تسحبه وتبدأ في كتابة القصيدة ليتأملها ببرود لثواني قبل أن يتحرك خارج الجناح ويغلق الباب خلفه بعصبية جعلتها تنتفض من مكانها رغما عنها.
غادر جناحها بعصبية متمتما مع نفسه:
"صغيرة، حمقاء، بلهاء، اللعنة عليّ أنا، أين كان عقلي في تلك الليلة؟!"
لم يتوقف عن صب جم غضبه على نفسه وهو يدلف إلى جناحه يسحب هاتفه ومفاتيح سيارته مع محفظته ثم يتحرك خارجا من الجناح متجها إلى الطابق السفلي ليجد والدته تنادي عليه فيلتفت إليها مرددا بنفاذ صبر:
"نعم ماما، ماذا هناك؟"
سألته زهرة وهي تتقدم نحوه:
"العشاء بعد قليل، أين ستذهب؟"
أجاب بجدية:
"سأخرج قليلا وربما أتناول العشاء مع صديق لي."
سألته وهي تلمس جانب وجهه بحنو:
"أنت بخير، أليس كذلك؟"
تنهد وهو يخبرها:
"أحاول أن أكون كذلك."
ثم ربت على كفها الموضوع فوق وجنته يخبرها بابتسامة:
"لا تقلقي علي."
عانقته بمودة وهي تخبره:
"لا يمكنني التوقف عن القلق عليك وعلى أشقائك."
ثم ابتعدت عنه وهي تردد:
"انتبه على نفسك، حسنا."
تنهد وهو يهز رأسه بصمت ليتحرك خارج القصر بعدها فيجد أثير ابن عمته يدلف بسيارته إلى داخل كراج القصر ومعه شقيقته فيشير له أن يتوقف مكانه وهو يتقدم نحو سيارته ليفتح أثير النافذة وهو يسأله:
"ماذا هناك؟"
ألقى مهند التحية على ابنة عمته ثم أخبرها بعدها:
"الجميع في الداخل، اذهبي إليهم واتركيني مع شقيقك."
مازحته:
"أنت تطردني."
هتف ببرود:
"شيء كهذا."
تنهد أثير وهو يخبرها:
"ادخلي أنت و اتركيني مع ابن خالك المبجل."
"حسنا." قالتها وهي تخرج من السيارة متجهة إلى داخل القصر بينما سارع مهند يأخذ مكانها يخبر ابن عمته:
"انطلق بنا حالا."
سأله أثير:
"إلى أين؟"
أجابه مهند بسرعة:
"إلى النادي الليلي الذي ذهبنا إليه قبل عام، قبل سفرك."
"حسنا." قالها أثير وهو يتحرك بسيارته عائدا من حيث أتى، خارج القصر.
بعد مدة من الزمن كان مهند يجلس على إحدى الطاولات مع أثير الذي سأله وهو يرتشف مشروبه الكحولي:
"ما بالك يا مهند؟"
تمتم مهند وهو يرتشف من مشروبه:
"لا يوجد شيء مهم، فقط أشعر بالملل و..."
"والمسؤولية." قالها أثير بجدية ليزفر مهند انفاسه بتعب وهو يومئ برأسه ليضيف أثير:
"ومالذي أجبرك على هذه المسؤولية يا مهند؟"
تمتم مهند بسخط:
"حظي الأسود."
كتم مهند ضحكته قبل أن يقول:
"أنا لا أعرف كيف تم زواجك من جيلان لأنني كنت خارج البلاد ولكن دعني أخمن، هل خالي من أجبرك عليها كي يضمن بقاءها معنا؟"
أجاب مهند بإختصار:
"شيء كهذا."
هز أثير رأسه متفهما عدم رغبة مهند في خوض الحديث بهذا الموضوع فعاد يرتشف مشروبه ليسأله مهند بإهتمام:
"ومذا عنك؟ ألا يوجد جديد؟"
رد اثير بصدق:
"لا يوجد شيء لا تعرفه."
أكمل وهو يخبره:
"والدتي غاضبة منك ومن خالي وزوجة خالي أيضا."
تمتم مهند بسخط:
"وما الجديد؟ والدتك دائما غاضبة من الجميع."
ضحك أثير بخفة وهو يضيف:
"بسبب جيلان، تعتبر ما حدث جريمة في حق فتاة صغيرة."
"وأنت ما رأيك؟" سأله مهند ببرود ليهتف أثير:
"من الأفضل ألا تسمع رأيي."
أكمل بعدها بصدق:
"ولكني أتمنى أن تستمر علاقتكما بعدما تأخذ مسارها الصحيح."
"علاقتنا؟!" قالها مهند بتهكم ليرفع أثير حاجبه وهو يسأله:
"أنت لا تنوي تطليقها فعليا، أليس كذلك؟"
أجاب مهند بحيرة:
"لا أعلم."
زفر أثير أنفاسه بضيق قبل أن يقول:
"لا تفعلها يا مهند، هناك طفل بينكما، ناهيك عن كونها ابنة عمك وانفصالك عنها سيسبب شرخا في العائلة."
"أنت أيضا تفكر في العائلة، أصبحت تتحدث مثل راغب." قالها مهند ساخرا ليخبره أثير بثقة:
"لأننا مهما حاولنا التمرد والتملص من العائلة لن ننجح، نحن ننتمي لها شئنا أم أبينا."
زفر مهند أنفاسه بضجر وهو يتناول مشروبه مجددا قبل أن يتجمد مكانه وهو يراها تقف بعيدا عنه ملتصقة بالحائط تتأمله بعينين باكيتين. هتف بعدم تصديق:
"تقى!!"
انتبه أثير إلى ما قاله فاستدار نحو الجهة التي ينظر إليها ليجدها هناك فيهتف بضيق:
"ماذا تفعل هذه هنا؟"
ثم هم بالنهوض ليوقفه مهند وهو يخبره:
"اجلس مكانك، سأتحدث معها."
ثم نهض من مكانه متقدما نحوها ليرى اللهفة واضحة على ملامحها وفي عينيها وهي تهمس باسمه:
"مهند حبيبي..."
جذبها من ذراعها وسحبها خارج المكان قبل أن يدفعها بقوة وهو يسألها:
"ماذا تفعلين هنا يا تقى؟ لا تقولي إنها الصدفة."
تمتمت بسرعة وهي تتقدم نحوه:
"كلا ليست صدفة، كنت أراقب القصر وعندما وجدتك تخرج مع قريبك قررت اللحاق بك، أنا اشتقت إليك كثيرا."
ثم حاولت عناقه ليدفعها بنفور وهو يتأملها هيئتها الغريبة قليلا وملامح وجهها الشاحبة تماما والهالات السوداء تحت عينيها ليهتف بها بحدة:
"ألم يحذرك راغب من التقرب مني مجددا؟"
قالت بسرعة:
"لا يهمني راغب وما يقوله، ما يهمني هو أنت."
هتف ببرود:
"ما قاله راغب كان قراري يا تقى، هو قال ما أردته أنا."
هزت رأسها نفيا تعارض حديثه:
"كلا، هو راغب من قالها وهددني، هددني بالابتعاد عنك لأنه لا يحبني، يراني غير مناسبة لك."
"وهو معه حق." قالها بثبات لتهمس بصوت مرتعش:
"ولكنك تحبني."
ثم تقدمت نحوه تهم باحاطة وجهه بين كفيها:
"تحبني يا مهند مثلما أحبك."
قبض على كفيها قبل أن تصلان إلى وجنتيه يهدر بها:
"لا تلمسيني."
ثم أكمل وهو يدفعها مجددا بنفور:
"ابتعدي عني يا تقى."
صاحت باكية:
"ماذا جرى لك يا مهند؟ هل راغب يجبرك على ذلك أم والدك؟ مهند أنت تحبني."
قاطعها بنفاذ صبر:
"كلا أنا لا أحبك، لم أحبك يوما ولن أفعل، أنت كنت مجرد مرحلة في حياتي، مرحلة تشعرني بالقرف من نفسي كلما تذكرتها."
"مرحلة!!" تمتمت بها مدهوشة وهي تضيف بأسى:
"أنا كنت مرحلة في حياتك يا مهند."
أومأ برأسه وهو يضيف:
"نعم مرحلة حقيرة أتمنى لو أمحيها من ذاكرتي."
صاحت باكية:
"لماذا تزوجتني إذا؟ لماذا فعلت بي هذا؟ لماذا قلت إنك تحبني؟"
رد بقسوة:
"كنت حمارا، وعلى العموم زواجك مني كان لمصلحتك أنت، أنت كنت المستفيدة الوحيدة منه."
هتفت ساخرة:
"حقا؟ ومالذي استفدته من تلك الزيجة؟"
رد مستخفا بها:
"مكان إقامة وأموال وغير ذلك، أم نسيت إنك لولاي كنت ستبقين بالشارع."
هزت رأسها تخبره برفض:
"أنت لا يمكن أن تكون مهند حبيبي الذي أعرفه."
هتف بها بنفاذ صبر:
"افهمي، أنا لست حبيبك ولن أكون."
ثم قبض على ذراعها يخبرها بتحذير:
"إياك ثم إياك أن تظهري أمامي مجددا وإلا ستجدين نفسك جانب والدك لكن في سجن النساء."
دفعته وهي تخبره:
"أنت حقير."
جذبها من خصلاتها يصرخ بها:
"لم يتبق سوى عاهرة مثلك تتحدث عني بهذه الطريقة وتشتمني."
ركض أثير نحوه وسحبه مرددا:
"ماذا تفعل يا مهند؟ سوف تفضحنا."
ثم هتف بها:
"غادري حالا ولا ترينا وجهك مجددا."
مسحت دموعها بأناملها وهي تخبره بتوعد:
"سأغادر الآن يا مهند ولكنني أعدك أنني سأرد لك ما فعلته وقريبا جدا، أقرب مما تتصور."
ثم تحركت مغادرة المكان بحقد وتوعد يتابعها مهند بعينيه المشتعلين وجواره يقف أثير يطلب منه أن يهدأ.
أنهت اتصالها مع شقيقتها وجلست لوحدها تتأمل الفراغ المحيط بها بصمت. صمت لم يستمر سوى لثواني قطعه صوت بكاء أحد الطفلين. نهضت من مكانها بسرعة واتجهت إلى داخل الغرفة لتجد المربية تحمل كريم الذي بدأ هو وصلة البكاء كما توقعت. تقدمت نحوه تهم بحمله عندما بدأت شقيقته في البكاء هي الأخرى فتنهدت بتعب وهي تتحرك نحوها وتحملها داخل أحضانها محاولة تهدئتها. تأملت نانسي الصغيرة التي توقفت عن بكائها بعد لحظات لتطبع قبلة خاطفة فوق وجنتيها وهي تهدهدها عندما سارت نحو المربية تتأمل كريم الذي نام مجددا بين ذراعيها فتبتسم بحنو وهي تلمس خصلات شعره الكثيفة الغامقة بخفة.
صدح صوت رنين جرس الباب فأشارت للمربية إنها ستفتحه لتتحرك الطفلة بين ذراعيها إلى الباب حيث فتحته لتتجمد في مكانها وهي ترى صلاح أمامها. بهت صلاح لوهلة وهو يتأمل الطفلة الصغيرة المحمولة بين ذراعيها. لم تكن ملامحها ظاهرة لكنه استطاع تمييز لون شعرها الغامق قليلا. تنحنح مرددا بارتباك:
"مرحبا نانسي."
"أهلا صلاح." قالتها نانسي بخفوت قبل أن تضيف وهي تفسح المجال له للدخول:
"تفضل."
تأملته وهو يتحرك إلى الداخل ونظرات عينيه تحاوط الصغيرة رغما عنه لتضمها داخل أحضانها أكثر وهي تغلق الباب ثم تتجه نحوه لتجده ما زال واقفا مكانه فأخبرته:
"اجلس يا صلاح، سأعيد كاميليا إلى غرفتها وآتي فورا."
هز رأسه بتفهم وهو يجلس على الكنبة واسم طفلته يتردد داخل أذنيه. أسمتها كاميليا بينما أسمه الصبي كريم. تنهد بصمت متجاهلا تلك النغزة داخله عندما رأى الصغيرة وعندما نطقت هي اسمها. حاول ألا يفكر في ذلك وهو يخبر نفسه إنه أتى هنا ليتحدث معها وينهي الأمر.
وجدها تتقدم نحوه فتأمل ملامح وجهها المتعبة قليلا فيسألها:
"كيف حالك؟"
ردت بعدما جلست قباله:
"بخير وأنت؟"
رد بجدية:
"بخير."
أومأت برأسها قبل أن تباغت بالقول:
"أنا أعلم إنك تريد العودة إلى البلاد."
هتف مبررا:
"لا يمكنني البقاء هنا أكثر، أنا لا أفعل شيئا هنا وأعتقد إنني أتممت ما أتيت لأجله."
"معك حق." قالتها بجدية وهي تضيف:
"يمكنك أن تسافر يا صلاح."
لا يعرف لماذا وجد نفسه يسأل:
"وأنت؟ والأولاد؟"
نظرت له بعينيها تتسائل عن سبب سؤاله ليهتف بسرعة:
"يعني أريد أن أفهم مخططاتك للقادم، هل ستبقين هنا أم تنوين العودة؟"
سألته بتردد:
"هل يفرق معك بقاؤنا هنا من عدمه؟"
صمت ولم يتحدث لتضيف بوجع خفي:
"أعلم إنك ترفض تحمل مسؤوليتهما."
همس بصعوبة:
"افهميني يا نانسي، أنا لدي نمط حياتي الذي يخصني، نمط حياتي لا يناسبه وجود طفلين."
أخذ نفسا عميقا ثم قال:
"لم أكن أريد حدوث هذا و أخبرتك بصراحة إنني لا أستطيع تحمل مسؤوليتهما."
قاطعته مكملة انه:
"ولكنني أصريت على الاحتفاظ بها وبالتالي وحدي من سأتحمل مسؤوليتهما."
قال بتردد:
"أنا سأتحمل مسؤوليتهما من الناحية المالية، سأصرف عليهما و..."
توقف يلاحظ الاستنكار في عينيها قبل أن تهتف بتجهم:
"أنا لا أحتاج للأموال، أنت تعلم إنني يمكنني تحمل جميع المصاريف التي تخصهما كاملة."
هتف بسرعة:
"أعلم."
ثم أضاف بصدق:
"ولكن هذا مسؤوليتي، وصدقا لن يؤثر علي ذلك بشيء، دخلي الشهري من حصتي من أملاك والدي كثير للغاية، وهذا في النهاية حقهما علي."
ظهرت نظرة ساخرة رغما عنها في عينيها تجاهلها وهو يضيف:
"حتى لو لا أستطيع أن أعتني بهما بالشكل المطلوب وأمارس أبوتي كاملة لكنني على الأقل سوف أساهم بشكل ما في تربيتهما."
"ولكنهما لا يحتاجان الأموال، ميراثي لوحدي يجعلهم يعيشون حياة مرفهة للغاية." هتفت بها بصلابة وهي تضيف:
"أن تتواجد قربهما ولو قليلا حتى هو كل ما يحتاجانه."
هتف بتردد:
"حسنا، أنا بالطبع لن أختفي من حياتهما ولكن..."
توقف يأخذ نفسا عميقا ثم يضيف:
"لا تنتظري مني أي شيء لإنني نفسي لا أعلم ما يمكنني فعله مستقبلا وما يمكنني تقديمه لهما."
أضاف بصدق:
"أنا عندما رفضت الطفلين لأنني أعرف نفسي جيدا، أنا شخص لدي حياتي ولا رغبة لي في تغييرها ولا طاقة لدي لتحمل مسؤولية أحد، هذا ما جعلني أرفض قدومهما لأنني حينها سوف أظلمهما معي."
همست بتردد:
"ألا يمكنك أن تحاول قليلا؟ أنا لا أطلب منك شيئا صعبا إلى هذا الحد."
زفر أنفاسه ثم قال:
"حتى لو حاولت، سأفشل، لن أكون الأب الذي يحتاجانه بل و يستحقانه."
استرسل بصدق:
"لكن مع هذا فأنا لا أرفضهما الآن، لقد ولدا وأنا مجبر على تقبلهما، في النهاية هما ولدي وسأحاول أن أمنحهما ما أمتلك."
هتفت بوجوم:
"المال."
قال بتروي:
"بالطبع سوف أقوم بزيارتهما بين الحين والآخر إذا عدت إلى البلاد."
قالت بتأكيد:
"أنا سأعود إلى البلاد بالفعل، سوف أربي الطفلين في بلدهما."
"حسنا، الموضوع بات أسهل، أنتم ستكونون قريبين مني." قالها مبتسما بخفة قبل أن يضيف:
"أعتقد أن الوضع بعد عودتكما سيكون أكثر بساطة."
"يمكنك العودة يا صلاح إلى البلاد، لا تقلق بشأننا." قالتها وهي تجاهد لإخفاء خيبتها ليقول:
"والدتي سعيدة جدا بحملك وهي تنتظر ولادتهما بلهفة شديدة."
ابتسمت بتوتر دون أن ترد لينهض هو مرددا بسرعة:
"أنا يجب أن أغادر الآن."
نهضت بدورها تهتف بسرعة:
"ألن تراهما قبل مغادرتك؟"
كانت محاولة أخيرة منها لتحريك القليل من مشاعره الأبوية نحو الطفلين. تنحنح مرددا وهو يعبث بخصلات شعره:
"حسنا."
ابتسمت وهي تخبره:
"تعال معي."
سار خلفها مستسلما عندما دلف إلى الغرفة التي وضعت بها الصغيرين ليقف قرب الباب بينما حملت هي أحدهما وتقدمت به نحوه تخبره:
"هذا كريم، الكبير."
انتفض قلبه رغما عنه وهو يتأمل الصغير النائم بين ذراعي والدته بسلام. كان يمتلك خصلات كثيفة غامقة شعر لوهلة إنها تشابه خصلاته المجعدة. لديه وجنتان ممتلئتان شهيتان للغاية وفم صغير مزموم بشكل لطيف جدا. ابتسم وهو ينحني نحوه بتردد فهمست بأمل:
"يمكنك أن تحمله إذا أردت."
قال بسرعة:
"لا داعي لذلك."
ثم مال نحوه أكثر ليمد أنامله يلمس خصلات شعره ثم وجنته ليهمس:
"إنه جميل."
طبعت قبلة فوق جبين الصغير ليتأملها وهو يشعر برغبة داخله في تقبيله هو الآخر لكنه تجاهل رغبته عندما تحركت نانسي تعيد الصغير إلى فراشه ثم تحمل كاميليا والتي كانت مستيقظة بالفعل. تقدمت نحوه وهي تحمل الصغيرة هذه المرة ليتأملها لوهلة مبهورا بملامحها الجميلة حيث تمتلك شعرا كثيفا غامقا قليلا مقارب للون شعر شقيقها وبشرة بيضاء ولكن ما جذبه حقا هو لون عينيها الرائعتين حيث كانت تمتلك عينيه زرقاوين بلون ماء البحر والسماء. ابتسم مرددا بصدق:
"إنها رائعة."
همست نانسي وهي تداعبها:
"نعم وخاصة لون عينيها."
ابتسم وهو يميل نحوها يداعب وجنتها بأنامله. تأملته نانسي بصمت ورغما عنها عاد الأمل ينبعث داخلها عندما رفع وجهه نحوها يتأمل النظرات الحانية في عينيه فترتبك ملامحها وهي تخبره:
"سأعيدها إلى سريرها."
أومأ برأسه وهو يتابعها بينما تعيد الصغيرة إلى سريرها يتابعها هو بتركيز وعينيه مسلطتين على ابنته حتى وجدها تتقدم نحوه مجددا ليقول وهو يتحرك أمامها نحو الخارج:
"أنا سأعود إلى البلاد خلال أسبوعين بالكثير."
التفت نحوها يردد بحذر:
"متى ما أردت يمكننا الطلاق؟"
تأملته بصمت لثواني قبل أن تهمس بإقرار:
"ولكنني لا أريد الطلاق."
هم بالرفض لتوقفه وهي تكمل:
"سأبقى على ذمتك لفترة ما دون مطالبتك بشيء، من فضلك لا ترفض، أنا أفعل هذا لأجل الطفلين وكما أخبرتك فأنا لا أطالبك بشيء."
تجهمت ملامحه لكنه لم يستطع الرفض فهز رأسه بصمت بينما ابتسمت هي له بامتنان وداخلها تتمنى أن تجد محاولتها الأخيرة نفعا.
هبطت هايدي درجات السلم متجهة إلى صالة الجلوس لتجد والدتها تجلس هناك شاردة تماما. تنحنحت مصدرة صوتا لترفع والدتها وجهها نحوه وهي تردد:
"ماذا تريدين يا هايدي؟"
جلست هايدي جانبها تهتف بتردد:
"ما بالك يا ماما؟ لا أصدق إن خبر حمل نانسي أزعجك لهذا الحد."
أضافت بخيبة:
"وأنا التي كنت أتأمل أن يخفف هذا الخبر من وطأة غضبك عليها."
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وهي تهتف:
"تقصدين ألمي بسببها."
قالت هايدي بسرعة:
"ماما من فضلك، نانسي لم تقصد أن تؤلمك."
استدارت تهاني بكامل جسدها نحوها تخبرها بغضب:
"هل تعتقدين إنني غبية يا هايدي؟ أنا كنت أدرك ما وراء هذه الزيجة لكنني تعمدت تكذيب نفسي."
سألتها هايدي بتوتر خفي:
"ماذا تعنين؟"
"ما فهمته يا هايدي، كان لدي أمل بسيط أن يكون تفكيري ليس صحيحا ولكن ما أبلغتني به اليوم أكد لي مخاوفي السابقة، شقيقتك تزوجت ذلك الأرعن لأنها حامل، لأنها تحمل طفله."
أشاحت هايدي وجهها بعيدا عنها لكن سرعان ما أدارته والدتها نحوها مجددا وهي تشير لها بإصرار:
"أخبريني هيا، لا تخفي وجهك عني، اعترفي بتصرف شقيقتك الدنيء التي فضحتنا بأفعالها الخرقاء واستهتارها."
أبعدت هايدي وجهها من بين أناملها مرددة بجمود:
"لم تكن في وعيها."
انتفضت تهاني من مكانها تصيح بها:
"ما زلت تدافعين عنها."
نهضت هايدي تصيح بنفاذ صبر:
"يكفي حقا، متى سوف تستوعبين إن ما يحدث سببه أنت؟ ابنتك كانت تعاني لوحدها دون أن تدركي."
أضافت وهي تتقدم نحوها بقوة:
"أين كنت وابنتك تمر بأزمات نفسية لا تعلمين عنها شيئا؟ أين كنت وأنت تلاحظين تصرفاتها الغبية كما كنت تنعتيها؟ لماذا لم تحاولي التقرب منها؟ لماذا لم تتحدثي معها وتفهمي سبب ما تفعله؟ لماذا تركتيها ضائعة تماما حتى سقطت في وكر صلاح ومنحته جسدها دون وعي منها؟"
همست تهاني مصدومة:
"أنت تلوميني أنا يا هايدي، الآن أصبحت أنا سبب ما فعلته شقيقتك."
"نعم أنت." قالتها هايدي بحدة وهي تضيف:
"أنت السبب، منذ وفاة والدي وحالة نانسي النفسية تدهورت، وأنت تدركين ذلك جيدا، وبدلا من محاولة احتوائها والتخفيف عنها بل وملأ الفراغ الذي تركه والدي في حياتها كنت تتعمدين انتقادها والتعامل معها بحدة ورفض فقط لأنها لم تكن بالشكل الذي تريدينه، فقط لأنها لم تكن تشبهك وتتصرف وتفكر مثلك."
توقفت للحظة تلتقط انفاسها ثم اضافت:
"أنت أهملتها مما جعل وضعها يتأزم حتى باتت ترفضك بل تتجنب وجودك حولها والنتيجة أنها ضاعت، ضاعت بسببك أنت قبل أي أحد."
"أنا لا أصدق إنك تحملين كل هذا داخلك نحوي." قالتها تهاني بعدم استيعاب لتبتسم هايدي بتهكم وهو تخبرها:
"أنت لم تر شيئا بعد، كل مرة أتساءل فيها عن سبب وصول نانسي لهذه الحالة لا أجد غيرك سببا لهذا."
ترقرقت الدموع داخل عينيها وهي تسترسل:
"المشكلة إنك لم تستوعب اختلاف شخصيتها، نانسي شخصية حساسة للغاية وعاطفية أيضا وبعد وفاة والدي وإهمالك لها تحولت إلى شخصية ضعيفة وهشة تماما وباتت تبحث عن العاطفة التي افتقدتها برحيل والدي، العاطفة التي عجزت أنتِ أن تمنحيها لها لأنك وبكل أسف لا تمتلكينها."
صرخت تهاني بصوت جهوري:
"يكفي."
أكملت وهي تقبض على ذراعها:
"أنا لست سيئة إلى هذا الحد، صحيح أنا قوية وحادة الطباع قليلا وربما أبدو لك ولها قاسية لكنني أحبكما أكثر من أي شيء، أنت ونانسي وشقيقكما، دائما كنت أسعى لتكونوا الأفضل في كل شيء، لم يكن يهمني أحد غيركم أنتم الثلاثة."
"حقا؟ وهل أصبحنا كذلك؟" سألتها هايدي بحسرة لتهتف تهاني:
"أنا لم أقصد التسبب بكل هذا، أنا أحب نانسي كثيرا، هي ابنتي الكبرى أولى فرحتي ولكن..."
توقفت للحضات قبل أن تضيف بحسرة:
"لم أكن أعلم إنها متخبطة داخلها إلى هذا الحد، لم أدرك إنها تحمل كل هذا الضياع داخلها، أنا حاولت توجيهها دائما، طلبت منها أن تعقل مرارا ولكنها لم تستمع إلي."
أكملت بغضب:
"وعليك أن تعلمي أن ما قلته لن يغير حقيقة ما فعلته، شقيقتك ارتبكت خطأ جسيم لا يوجد له مبررات."
"وهي عوقبت على خطئها، نالت عقابها كاملا." قالتها هايدي بوجع وهي تضيف بدموع حارة:
"دفعت ثمن خطأها الغير مقصود منذ أول يوم وما زالت تدفع."
أخذت نفسا عميقا واكملت:
"نانسي تحتاجك الآن أكثر من أي شخص آخر، ربما هي لا تعي ذلك لكنني أعيه، أنت تجاهلتها منذ شهور وما زلت تفعلين."
همست تهاني بحسرة:
"كيف فعلت هذا؟ كيف وصلت إلى هذا المستوى؟ كيف منحت جسدها له؟"
هتفت هايدي بنفاذ صبر:
"أخبرتك إنها لم تكن في وعيها، افهمي من فضلك."
أكملت برجاء:
"من فضلك حاولي أن تفهمي ذلك، ابنتك تحتاجك، لقد أنجبت طفليها منذ عدة أيام."
تجمدت تهاني لثواني قبل أن تهمس بعدم تصديق:
"طفليها!!"
أومأت هايدي برأسها وهي تضيف:
"كريم وكاميليا."
رقت ملامح والدتها لثواني قبل أن تعود إلى جمودها وهي تهمس:
"يا إلهي، ماذا فعلت بنفسها تلك الحمقاء، كيف دمرت حياتها هكذا."
اتسعت عينا هادي وهي تهدر بعدم تصديق:
"ماذا تقولين أنت؟"
"أقول الحق، شقيقتك ارتكبت جريمة لا يمكن غفرانها، شقيقتك زنت يا هانم وليت الأمر توقف عند هنا، لقد أنجبت طفلين نتيجة هذا الزنا."
أوقفتها هايدي بحزم:
"يكفي."
ثم اضافت لاهثة:
"أخبرتك إنها نالت عقابها، نانسي كانت ستموت، تعرضت لحادث خطير، حادث نجت منه بمعجزة، كانت ستموت لا محالة لولا رحمة الله بها."
هتفت تهاني:
"ماذا تقولين أنت؟"
سارعت هايدي تجذب هاتفها وتفتحه حيث تبحث عن صورة التقطتها لنانسي فترة وجودها في المشفى أثناء غيبوبتها. صورة شعرت أنها سيأتي يوم وتحتاجها عندما تعرف والدتها الحقيقة وقد تأكد شعورها اليوم. وضعت هايدي الصورة أمام عيني والدتها التي هتفت بجزع وهي تتأمل ابنتها بحالتها المدمرة والأجهزة المحيطة بها:
"نانسي، ابنتي."
جذبت الهاتف من كف ابنتها تضيف بخوف:
"كيف حدث هذا وهل هي بخير الآن؟ هل أصبحت أفضل؟ اخبريني."
تنهدت هايدي وهي تقول بينما تمسح دموعها:
"يمكنك أن تسافري إليها وتريها بنفسك."
نظرت تهاني لها لترى الرجاء الصريح في عيني هايدي وهي تضيف:
"سأسافر لها خلال أيام بإذن الله، يمكنك أن تأتي معي."
"سآتي معك، سأسافر إليها معك." قالتها تهاني وهي تعاود النظر إلى الصورة بقلب أم مفطور خوفا على ابنتها.
وقفت جانب شقيقتها التي كانت تضع توقيعها على بعض الأوراق المهمة قبل أن تأخذها وهي تخبرها إنها ستعود إلى مكتبها لإنهاء ما تبقى لها من عمل قبل أن تغادر إلى المنزل. ما إن خرجت مكتب شقيقتها حتى تجمدت كليا وهو تراه يتقدم نحوها بملامح كانت هادئة ثم سرعان ما تحولت إلى أخرى نافرة. تأمل جمود ملامحها بسخرية زينت وجهه لتتقدم نحوه تسأله بحدة:
"ماذا تفعل هنا يا أكرم؟"
أجاب ببرود:
"وصلت إلى البلاد مساء البارحة، وأتيت هنا بدافع الواجب بعدما أصاب عمي."
عقدت ذراعيها أمام صدرها تخبره بسخرية:
"شكرا كثيرا يا أكرم ولكننا لا نحتاج زيارة وغد مثلك."
هتف مستنكرا:
"انظروا من يتحدث، الخائنة الوضيعة."
اشتعلت عيناها وهي تتقدم نحوه تهمس بنبرة كالفحيح:
"كيف تجرؤ وتتحدث عني هكذا؟ أنت حتما جننت."
هتف بتهكم:
"أنا أقول الحقيقة ليس إلا."
"كل شخص يرى الإنسان بعين طبعه، كلانا يعرف من هو الخائن الحقيقي يا أكرم، الخائن هو الذي ترك كل شيء خلفه وسارع يتزوج دون تمهيد حتى متناسيا أن هناك أخرى متعلقة به وكان يجمعه بها سنوات عشرة على الأقل، لن أقول حب لأنني أصبحت أعلم جيدا أنك لم تحبني يوما ولن تفعل."
ثم همت بالتحرك بعيدا عنه عندما توقفت مكانها بعد ثواني وهي تسمعه يسأل:
"صحيح، كيف حال عمار؟"
التفتت نحوه بعينين حادتين ليضيف وهو يرمقها بنظراته الهازئة:
"لم يتزوجك كما توقعت، أخذ ما أراده منك ثم ألقاك بعيدا بعدها."
تقدمت نحوه ببطء قبل أن تقف امامه تسأله:
"هل جننت يا هذا؟ هل تعي ما تقوله؟"
"هل سوف تكذبين مجددا؟" قالها بتهكم مرير وهو يضيف:
"لا يمكنك الإنكار بعد الآن، لقد رأيت كل شيء بعيني."
صرخت بجنون:
"عن ماذا تتحدث أنت؟ ما الذي رأيته؟"
مال نحوها يهتف بقسوة:
"رأيتك وأنت بين أحضانه، تتبادلان القبلات معه بطريقة أثارت اشمئزازي."
تراجعت مبهوتة ليضيف:
"وأنا الذي كنت أتساءل عن سبب تأجيلك زواجنا دائما ثم سبب تغيرك علي وقرار إنهاء الخطبة المفاجئ وغير ذلك."
أكمل ببؤس:
"كنت أحمقا ولم ألاحظ سبب تصرفاتك وتقلبك المستمر والأهم إنني لم أفهم سبب رفضك المستمر لزيجة شقيقتك بل وطريقتك الغريبة في الحديث عن عمار وكرهك غير المبرر نحوه."
"كنت أكرهه لأنه يؤذي ليلى." قالها بصدق ليهم س بسخرية مريرة:
"بل لأنك كنت تحبينه وهو زوج شقيقتك، شقيقتك التي سارعتِ لترتمي بين أحضان من كان زوجها ما إن قررت الانفصال عنه."
"لا يمكن، أنت كيف صدقت هذا." تمتمت بها بعدم استيعاب ليقبض على ذراعها بقسوة مرددا:
"لقد رأيتك بعيني، هناك من أرسل صورك لي."
أضاف بحسرة فشل في إخفائها:
"حتى بعدما رأيت الصور كان هناك أمل صغير داخلي أن تكون مفبركة لكن بعدما تأكدت من حقيقتها أدركت كم كنت مغفلا."
تساقطت الدموع من عينيها بينما ابتعد هو أنها بنفور واضح وهو يضيف:
"سأدخل وأرى ليلى وأتحدث معها وأطمئن على أحوالها وأحوال عمي فمهما حدث هي لا ذنب لها في أفعال شقيقتها."
ثم تحرك متجها إلى داخل المكتب تاركا إياها لوحدها والدموع تتساقط بعينيها قبل أن تمسح دموعها بعدها بعنف وهي تردد بتوعد:
"عمار."
ثم تحركت بسرعة خارج الشركة وركبت سيارتها متجهة إلى شركته. لا تعرف كيف وصلت إلى هناك وكيف اندفعت إلى داخل الشركة ومنها إلى مكتبه الذي اقتحمته بجنون يشبهها وهي تتقدم نحوه وتصرخ به:
"كيف فعلت هذا؟ كيف؟"
"ماذا حدث؟ هل جننت؟" قالها وهو يحاول تهدئتها لتصرخ به:
"نعم جننت، بسببك أنت جننت."
أضافت بانفعال:
"لماذا تفعل هذا معي؟ لماذا دمرتني بهذا الشكل؟"
"ما الذي تتحدثين عنه بالضبط؟" سألها بتجهم لتخبره بأنفاس متلاحقة:
"أتحدث عن أكرم وتلك الصور التي أرسلتها له."
تجهمت ملامحه وهو يسألها:
"هو من أخبرك عنها؟"
صاحت به:
"أنت من أرسلتها، لا يمكن أن تنكر ذلك."
تمتم ببساطة:
"نعم أنا من أرسلتها ولا أنوي إنكار ذلك."
همست بتعب تمكن منها:
"لماذا؟ لماذا فعلت هذا؟ أنت تعلم أنها صور خادعة، أساسا أنا لا أتذكر متى حدث هذا، لا أتذكر المرة التي قبلتني بها عنوة."
أضافت بدموع حارقة:
"أكرم بسببك تركني، وتزوج من أخرى أيضا، لماذا فعلت بي هذا؟ لماذا؟"
"لأنك لي، أخبرتك إنك ستكونين لي برضاك أو غصبا عنك." قالها بثبات جعلها تقبض على قميصه تصيح به:
"أنت شيطان، لقد دمرت حياتي، أنا بسببك خسرت الرجل الذي أحبه، بسببك أنت."
قبض على كفها الممسك بقميصه يردد بصلابة:
"أنت لا تبكين عليه لأنك تحبينه، أنت فقط حزينة لأنه نبذك بهذه السهولة وتزوج ب أخرى."
حررت قميصها من قبضته تتطلع إليه بعدم استيعاب ليضيف بثقة:
"أنت لا تحبين أكرم، أنت فقط وجدت به الرجل المناسب، أحببت اهتمامه الدائم بك وعشقه لك الواضح في كل تصرفاته، أنت أحببت مشاعره نحوك فقط والآن تبكين لأن غرورك لم يتحمل أن يتخلى أكرم عنك بهذه السهولة بل ويستبدلك بأخرى."
همست وهي تنظر إليه بذهول:
"ماذا تقول أنت؟"
رد ببساطة:
"أقول الحقيقة، الحقيقة التي ترفضينها."
هتفت من بين أسنانها:
"حتى لو كان ما تقوله صحيحا فهذا لا يمنحك الحق أن تفعل ما فعلته."
"أنا يحق لي ما لا يحق لغيري بخصوصك أنت يا مريم."
"أنت مجنون." قالها بجمود ليقبض على ذراعها يقربها منه مرددا بأنفاس حارقة:
"مجنون بك، عاشق لك، متيم بك."
ابتلعت ريقها وهي تهمس بصعوبة:
"لا يمكن، مستحيل."
"المستحيل هو ألا تكوني لي، المستحيل أن تكوني لغيري، هذا هو المستحيل الوحيد بالنسبة لي يا مريم." قالها وعيناه تنظران إلى عينيها بقوة وثبات لتهتف برجاء:
"ابتعد من فضلك، أنت تؤلمني."
تمتم بخشونة:
"تألمي يا مريم فأنا تألمت كثيرا بسبب حبي وشوقي لك."
دفعته بعيدا عنها بقوة وهي تتحرك راكضة بسرعة خارج المكان هربا منها ومن مشاعره المخيفة بالنسبة لها.
عادت إلى منزلها منهارة كليا. قابلت ليلى التي وقفت قبالها تسألها بملامح متحفزة:
"أين كنت؟"
ردت مريم ببرود:
"ليس من شأنك."
ثم تحركت خطوتين قبل أن تقبض ليلى ذراعها وهي تكرر سؤالها بقوة أكبر:
"أين كنت يا مريم؟"
باغتتها مريم بالسؤال:
"هل تحدثت مع أكرم؟"
"نعم، وأخبرني بكل شيء." قالتها لي بجمود لتسألها مريم بارتياع:
"هل صدقته؟"
عقدت ليلى ذراعيها أمام صدرها تخبرها بجمود:
"أنتظر سماعك أولا."
همست مريم بحشرجة:
"أنت لم تصدقيه بالتأكيد، لن تفعلي مثله وتصدقيه."
هتفت ليلى بثبات:
"أنا حتى الآن لم أفعل ولكنني أبحث عن تفسير منك."
قالت مريم:
"لا تفسير لدي."
ثم همت بالتحرك مجددا لكن ليلى وعادت تقبض على ذراعها تخبرها:
"أخبرتك أن تتحدثي، أن تشرحي لي ما يحدث، ما الذي يجمعك بعمار؟"
أجابت مريم ببرود:
"يحبني، عمار يحبني يا ليلى."
"أنت تمزحين." قالتها ليلى بعدم تصديق وهي تضيف بينما تقترب منها أكثر:
"وأنت؟ ماذا عنك؟ ما الذي يجمعك به؟"
أجابت مريم بثبات:
"حتى الآن لا يجمعني شيء ولكنني سأفعل قريبا."
"ماذا تقصدين؟" سألتها ليلى بتوجس لتجيب مريم:
"عمار سيدفع ثمن جرائمه بحقي بل بحقكم جميعا."
صاحت ليلى بعدم تصديق:
"هل جننت؟ ما هذا الهراء؟ ابتعدي عن عمار يا مريم، عمار مجرم مريض."
قاطعتها مريم:
"ولهذا يجب أن ينال عقابه."
"ليس من شأنك." قالتها ليلى بنفاذ صبر وهي تضيف:
"ابتعدي عنه ولا علاقة لك به."
"وما فعله بي، لقد دمر حياتي، جعلني أخسر أكرم." قالتها مريم وهي تضيف:
"ولي يكن بعلمك عمار لن يتركني وشأني، عمار لا يحبني فقط وإنما مهووس بي، لقد أخبرني إنه لن يرتاح حتى يكون لي."
"توقفي عن هذا الهراء، أنت فقط ابتعدي عنه، لا تقتربي منه من فضلك." قالتها ليلى برجاء وهي تضيف:
"لن أسمح لك بالاقتراب من شخص مثله، أبدا يا مريم."
تمتمت مريم بعناد:
"أنت لا يحق لك التدخل في حياتي."
"عندما أراك تدمرين حياتك يحق لي التدخل حينها بل ومنعك عن تدمير حياتك."
"حقا؟" ردتها مريم بإبتسامة هازئة وهي تضيف:
"كان عليك أن تفكري بنفس الطريقة وأنت تدمرين حياتك، بأي حق تتدخلين في حياتي وقراراتي وأنت منذ أول يوم تقررين وتنفذين لوحدك؟"
همت ليلى بالقول:
"أنا كنت مضطرة."
قاطعتها مريم بقسوة:
"أنت كنت تمارسين دور الضحية بكامل إرادتك، اخترت أن تعيشي مع رجل دنيء كعمار الخولي لسنوات، حطمتي نفسك بنفسك، لا يحق لك أن تنصحيني وأنتِ أول شخص دمر نفسه بنفسه."
أكملت وعيناها تقدحان شررا:
"على الأقل أنا أفعل ما أفعله لسبب يستحق وليس لأجل عشق تافه لا يساوي شيئا، أنت بعتِ نفسك يا ليلى لعمار فقط تحت مسمى العشق والنتيجة لا شيء، صفر."
صفعتها ليلى على وجهها بقوة بينما نبرتها خرجت قوية جهورية بهذا الشكل لأول مرة:
"إخرسي."
ارتجفت ملامحح مريم وهي تجاهد لكبح دموعها عندما صرخت بجنون:
"اضربيني يا ليلى، تصرفي بنفس حماقتك المعتادة."
وجدت والدتها تتقدم نحوهما على صوت صراخها وهي تحمل الصغير بين أحضانها لتنظر مريم اليها مرددة بسخرية:
"ها قد جائت ماما أيضا، المضحية الأخرى، المضحية التي نسيت خيانة زوجها بمجرد أن خشيت فقدانه بل لتسامحه فورا والأسوأ أنها تعتني بطفليه من أخرى خانها معها."
تجمدت ملامح فاتن وهي تستمع لحديث ابنتها الموجع بينما عادت مريم تنظر إلى ليلى تخبرها:
"وأنت يا هانم؟ وزواجك من كنان بدافع التضحية والامتنان؟ تتزوجين من رجل لست مقتنعة به فقط لأنه ساعدك عفوا ساعد عائلتك وأنقذها من الإفلاس، تكررين نفس الحماقة السابقة وإن اختلفت الأسباب."
لوهلة أرادت أن تصرخ بكلتيهما كي تتوقفان عن هذا الغباء والطيبة المنفرة. ما الذي يجبر والدتها على رعاية ولدي المرأة التي دمرت حياتها بل حياتهم جميعا؟ ما الذي يجعلها تحزن لهذه الدرجة على زوجها الخائن وتدعو له ليلا ونهارا؟ وشقيقتها الحمقاء، ما زالت كما هي، ظنت إنها تغيرت قليلا. شقيقتها لا تدرك ما مقبلة عليه، تتزوج رجل فقط بدافع الإمتنان، رجل بات في نظرها بطلا بينما في الواقع هو لا يختلف كثيرا عن الرجال حوله، رجل شرير وإن كان شره يحمل مبررات. كانت تود أن تصرخ بها كي تتوقف عن هذا، كي تستوعب إن العالم لا يسير بهذه الطريقة، كي تخرجها من فقاعة المثالية التي ما زالت مصرة على البقاء داخلها. لوت شفتيها ساخرة من هذا الوضع الغير مرضي مفكرة إن وحدها من ستنال حق الجميع وأولهم حقها هي. وحينها فقط سترتاح بعدما تتخلص من ذلك المختل الذي تأكدت من مدى عشقه لها، عشقه الذي تحول إلى جنون لا مفر منه وهي وحدها من ستقود ذلك الجنون وتتلاعب به كما تريد.
"الحمد لله أنني لست مثلكما ولن أكون، كوني على ثقة يا ليلى أنني سأجعل عمار يدفع ثمن جميع أفعاله، أنا من ستدمر عمار وتنهيه كليا."
"ماذا تقولين أنت؟" صاحت بها فاتن وهي تتساءل بعدم استيعاب:
"مالذي يحدث بالضبط؟"
التفتت ليلى نحو والدتها تخبرها:
"ما يحدث إن ابنتك بحاجة لإعادة تربية."
ثم التفتت نحو مريم تخبرها:
"أنا السبب فأنا تهاونت معك، كان يجب أن أحاسبك على تلك الصور بعدما وضعتها عشيقة عمار أمامي وهي تحذرني بسخرية مبطنة، تجاهلت الأمر بكل غباء ولكن لا بأس يا مريم فإذا فشلت والدتي في تربيتك فانا بنفسي سأعيد تربيتك من جديد."
"أي صور تلك التي تتحدثين عنها؟" سألت فاتن بنفاذ صبر بينما همست مريم بعدم استيعاب:
"عشيقة عمار، تقصدين بوسي."
هتفت ليلى بتحدي:
"نعم بوسي، أخبرتني بوجود علاقة تجمعكما وجعلتني أرى صورا لكما تثبت من خلالها كلامها."
تطلعت لها مريم مذهولة للحظات قبل أن تستوعب ما يحدث فتهمس بعدم تصديق:
"كنان، كنان من فعل هذا."
بهتت ملامح ليلى وهي تسأل:
"ماذا تقولين أنت؟ ما شأن كنان بهذا؟"
اشتعلت عينا مريم وهي تخبرها بجمود:
"بوسي شريكة كنان في انتقامه من عمار."
هتفت ليلى بعدم تصديق:
"ماذا تقولين أنت؟ أي انتقام الذي تتحدثين عنه؟ وكيف عرفت؟"
أجابت مريم بقسوة تخبرها بالحقيقة التي صفعتها بقوة:
"لأنني كنت معهما، كنت شريكة كنان، كنت أساعده في انتقامه من عمار."
تجمدت ملامح ليلى لثواني قبل أن تهز رأسها نفيا وهي تتمتم برفض:
"مستحيل، أنت تكذبين."
"بلى، أنا لا أكذب، أنا أعرف كنان قبلك بعدة شهور، كنا نخطط سويا، بوسي الأخرى كانت تساعده وهي بالتأكيد أعطتك تلك الصور بعدما أمرها بذلك فهي لا تتحرك خطوة واحدة دون أمره."
"هل تستوعبين ما تقولينه؟" قالتها ليلى بعدم تصديق وهي تضيف بدموع:
"كنان كان يفعل كل هذا وأنت كنت معه، كنت شريكته في أشياء لا أعلم عنها ولم تخبريني."
"خفت أن أخبرك." قالتها مريم بوجوم لتندفع ليلى نحوها وهي تصرخ بها بغضب:
"كيف فعلت بي هذا؟ كيف خدعتني؟ كيف سمحت لنفسك بخداعي؟ لماذا يا مريم؟ لماذا؟"
دفعتها مريم بعيدا عنها وهي تصيح بها بينما أخذت فاتن تبكي على حال ابنتيها:
"لم يكن أمامي حل آخر، هو أخبرني إنه يريدك حقا."
توقفت عن حديثها وهي تلاحظ مدى الألم في عيني شقيقتها. شقيقتها التي صرخت بها بقسوة ونفور ظهر على ملامحها بوضوح:
"اغربى عن وجهي، لا أريد رؤيتك بعد الآن."
تساقطت الدموع من عيني مريم وهي تركض مندفعة خارج المكان متجاهلة صراخ والدتها خلفها حيث ركبت سيارتها وتحركت بها بسرعة مخيفة قبل أن تتوقف على جانب الطريق وتحمل هاتفها تبحث به عن اسمه لتتصل به فيأتيها صوته البارد بعد لحظات:
"ماذا تريدين يا مريم؟"
"أين أنت يا عمار؟ أريد رؤيتك حالا."
سمعت صوت انفاسه يتصاعد قبل ان يخبرها:
"أنا في شقتي القديمة لو تذكرينها."
أغلقت الهاتف في وجهه وعادت تقود سيارتها متجهة إلى شقته لتصل إليها بعد حوالي ربع ساعة. صعدت إلى الشقة وضغطت على الجرس ليفتح لها بعد لحظات فيتجمد مكانه وهو يراها بهذا الوضع المزري بينما تأملته هي بجمود لحظي حتى قالت:
"هل تتزوجني؟"
كانت تجلس داخل سيارة صديقتها تراقب القصر من بعيد تنتظر خروجها في اللحظة المناسبة. الحقير تخلى عنها وتركها وحيدة تصارع الحياة بعدما نال ما أراده منها. تخلى عنها بكل بساطة بعدما تزوج من ابنة عمه، الصغيرة الحمقاء والتي بدخولها حياته دمرت ما يجمعها به وفرقتها عنه. هي التي أحبته بصدق ورسمت حياة كاملة معه فجاءت تلك الصغيرة لتسرقه منها. كانت تضغط على مقود السيارة بكفيها عندما رأت ها تغادر القصر أخيرا بجوار توليب صديقتها السابقة. ابتسمت ساخرة وهي تتحرك خارج السيارة متجهة نحوهما لتتوقف توليب وهي تلاحظها. تأملت توليب ملامحها الغريبة وهي تسألها بترقب:
"ماذا تفعلين هنا يا تقى؟"
تجاهلتها تقى وهي تنظر إلى جيلان التي انكمشت بجانب توليب قبل أن تتسع عينيها وهي ترى بروز بطنها لتضحك بطريقة غريبة وهي تعاود النظر إلى توليب مرددة:
" انتظرتك طويلا يا صغيرة."
"ماذا تريدين يا تقى؟" قالتها توليب وهي تنظر لها بقوة لتبتسم تقى بطريقة توحي بمدى اختلالها قبل أن تدفعها وهي تتقدم نحو جيلان وفي لمح البصر كانت تخرج سكينا حادة جهزتها مسبقا من تحت قماش بنطالها وتطعن بها جيلان في منتصف بطنها لتسقط الأخيرة ارضا بعد ثواني بينما وقفت هي مكانها تضحك بجنون تمكن منها متجاهلة توليب التي دفعتها بقوة وهي تصرخ بانهيار والحرس الذين سمعوا صراخها فركضوا بسرعة نحوها ليجدوا جيلان فقدت وعيها تماما وهي غارقة في دمائها.
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم سارة علي
” هل تتزوجني …؟!!”
نطقتها بثبات ظهر في عينيها بل في كل إنش منها …
كانت تعي ما تقوله …
لم تنطقها في فورة غضب او لحظة مجنونة ..
نطقها بكل ثبات ممكن ..
نطقتها لانها تريدها فعلا ….
كانت تناظره بقوة وصلابة ..
تتحداه ان يرفض …
هي باتت تدرك مكانتها عنده …
باتت تدرك مدى هوسه به ..
هو يعشقها بجنون … عشقه مختل وهي بدورها لا تقل اختلالا عنه …!!
هي المجنونة ، الشرسة وربما المختلة ..
هي من ستلقي بنفسها داخل احضانه ثم تشهر انيابها في صدره فتقتله وحينها لن تتخلص لوحدها منه بل سيتخلص العالم بأكمله من عمار الخولي …
نطق أخيرا وعيناه تفتشان عن أي لمحة تردد تظهر عليها :-
” ادخلي ….”
دخلت على الفور واغلقت الباب خلفها لتلتقي عيناها في عينيه فتكرر سؤالها :-
” هل تتزوجني …؟!”
هتف بقوة :-
” سأفعل ولكن ….”
توقف قليلا ثم مال نحوها قرب وجهها يضيف بتسلط :-
” لن تستطيع أي قوة في هذا العالم على انتزاعك مني ما إن تكوني لي وبين ذراعي ….”
التوى ثغرها بابتسامة باردة وهي تخبره :-
” أحب قوتك … تسلطك وقسوتك ..”
سألها عن قصد :-
” هذا فقط ما تحبينه بي ..؟!”
ردت بتأكيد :-
” لا تنتظر مني مشاعرا لا أمتلكها يا عمار … انا لا أجيد التصنع وانت لن تصدقني حتى لو فعلت ….”
هتف بثقة :-
” بالطبع لن افعل … لا تقلقي بشأن هذا … ما إن تكوني بين ذراعي سوف أعلمك عشقي … سأجعلك تعشقيني كما لم تفعلي من قبل .. ستدركين على يدي معنى العشق الحقيقي وشعور العشق حتى الاحتراق … ”
ثقته جعلتها تبتسم بنفس الثبات وهي تسأله مجددا :-
” ألن تسألني عن سبب طلبي هذا ..؟؟ ألا تشعر بالفضول حيال السبب الذي جعلني أريد الزواج منك ..؟!”
هو يعلم ان هناك سببا ومهما ايضا …
يعلم ان طلبها ليس بدافع نزيه …
بل يدرك جيدا إنها خلف طلبها هذا تضمر له شيئا ما لكنه يريدها …
يريدها كما لم يفعل من قبل …
يريدها بكل قوته وسطوته وغضبه وجنونه …
يريدها بثورة عاشق لا يخمدها سواها ….
هي وحدها من امتلكت قلبه كما لم تفعل غيرها …
هي وحدها من وشمت روحه بعشقها …
هي العشق المرهق والحلم المستحيل فأي جنون سيجعله يرفض حلمه الذي على وشك أن يتحقق و يناله بين ذراعيه كما تمنى دائما …؟!
تقدم نحوها اكثر يجذبها نحوه … يطوقها بين ذراعيه …
يميل نحو ثغرها ويقتنص قبلة ذكرته بتلك القبلة التي نالها منها في سيارته بعدما أخرجها من النادي الليلي ..
يومها تجاوبت معه بطريقة أثارت جنونه كليا بينما لم تكن هي واعيه لما فعلته به من مجرد قبلة …
قبلة لم تكفيه ابدا بل زادته رغبة فيها وفي تملكها ولولا سقوطها غارقة في النوم بعدها بثواني لكان نالها كليا دون تردد …!
اما هي فكانت ثابتة في مكانها …
تتأمل بعينين مشعتين تلك الرغبة المشتعلة في عينيه …
رغبة جعلتها تنتشي بغرور اكبر وهي تدرك من جديد إنها تؤثر عليه بطريقة كبيرة …
تؤثر عليه لدرجة هي نفسها لم تكن تتخيلها …
ابتسمت بخفوت وهي تراقب ابتعاده عنها قليلا وعلى ما يبدو سيتراجع عن تلك القبلة وهذا ما لا تريده …
وهذه المرة كانت القيادة لها ..
وبكل ما تملك من جرأة تقدمت نحوه تميل بشفتيها فوق شفتيه وتقبلها برقة لا تشبهها ..
رقتها جعلته يلتهم شفتيها دون وعي فهي بحركة بسيطة منها جعلته يغرق كليا بها دون مجال للنجاة …!
غرق فيها عمار ونسي كل ما يدور حوله وهي لم تمنحه الفرصة ليتذكر سواها …
غرقت معه وهي تدرك إن في غرقها الآن نجاة قادمة …
غرقا في بعضيهما وكانت القبلة ستتطور الى ما هو اكثر لولا رنين هاتفه الذي جعله يبتعد عنها وهو يزمجر بغضب بينما ظهر الانتصار في عينيها وهي تدرك مجددا ان بعدما حدث قبل لحظات لن يعود اي شيء ابدا كما كان وان سقوط عمار في فخها بات وشيكا …
تابعته وهو يحمل هاتفه ويجيب على المتصل لتظهر الصدمة على ملامحه ..
صدمة تلاها ألم اجتاح عينيه الخضراوين ليغلق الهاتف ويسحب مفاتيح سيارته من فوق الطاولة متجاهلا ندائها خلفه لتغلق الباب خلفه بحنق وهي تتسائل عن هوية المتصل الذي جعله ينسى كل شيء بل ينساها هي كليا ..!
………………………………….
في المشفى …
تقف توليب مستندة على الحائط والدموع تغرق وجنتيها يجاورها شقيقها فيصل بملامحه شديدة الوجوم ..
قبالهما تجلس كلا من زهرة وهمسة التي كانت تبكي هي الأخرى بصمت وعلى مسافة منهما يتحرك مهند ذهابا وإيابا بقلق شديد …
لم يستطع أن يتركها ويذهب خلف الأخرى التي تسببت بكل هذا لها فترك لراغب مسؤولية تولي ذلك ليذهب الأخير الى قسم الشرطة مع احد الحراس بينما سارع هو يذهب مع جيلان التي حضرت الاسعاف ونقلتها بسرعة قصوى الى المشفى وهاهي في غرفة العمليات منذ مدة ولم يخرج اي احد ليطمئنهم عليها …
اما والده فكان يجلس بعيدا عن الجميع بملامح جامدة تماما لا توحي بأي شيء ….
نهضت زهرة من مكانها وتوجهت نحو زوجها تجلس بجواره وتخبره :-
” هون على نفسك يا عابد … ستخرج سالمة باذن الله…”
لم يجبها عابد ولم تظهر أي ردة فعل عليه لتتساقط الدموع من عيني زهرة والتي لم تعد تتحمل أكثر ولم يعد بمقدورها ادعاء الثبات اكثر …
تساقطت دموع توليب بشدة اكبر عندما تذكرت ما حدث وكيف طعنتها تقى بتلك السرعة وعلى حين غرة منها …
جذبها فيصل يعانقها محاولا التخفيف عنها رغم حزنه وضيقه الشديد لتهمس له من بين دموعها :-
” والله لم انتبه الى السكين يا فيصل .. لا اعلم كيف أخرجتها فجأة وطعنت بها جيلان .. كل شيء حدث بسرعة دون أن أعي ذلك ..”
قال فيصل بخفوت محاولا تهدئتها :-
” انت لا ذنب لك يا تولاي …. تلك الحقيرة باغتتك بل باغتت جيلان نفسها وطعنتها … من أين كنت ستعملين إنها تنوي بشيء كهذا لها ..؟!”
تمتمت توليب بوجع :-
” كان يجب أن أبعدها عنها ولكنها اخرجت السكين فورا …”
قال فيصل من بين اسنانه :-
” الحقيرة .. كانت تخطط لهذا جيدا …”
استكانت توليب بين ذراعيه تبكي اكثر عندما تقدم عمار راكضا ليتوقف مكانه وهو يرى وضعيتهم تلك والتي بدت بائسة بشكل أصاب قلبه بالرعب ….
ابعد فيصل توليب عنه وتقدم نحوه بتردد ليسأله عمار بملامح شحبت كليا :-
” ماذا حدث …؟! ”
أجاب فيصل بخفوت :-
” لقد تعرضت لطعنة بالسكين وهي الآن في غرفة العمليات …”
ثم توقف عن بقية الحديث وهو يلاحظ الخوف الظاهر في عيني عمار التي كانتا حمراوين بشدة …
للحظة بدا عمار مختلفا للغاية …
بدا ضائعا وضعيفا …
اختفت نظرات الجبروت والتحدي الملازمة له كلما أقبل عليهم …
شحوب ملامحه وقلق عينيه كان يخبره بمدى خوفه بل رعبه ..
شعر فيصل بالشفقة عليه فهو يدرك رغم كل شيء او عمار يحب أخته كثيرا …!
” ستكون بخير …”
حاول طمأنته قليلا وهو يربت على كتفه ليتجاهل عمار حديثه وهو يتجه الى غرفة العمليات ويقف خارجها قرب الباب المغلقة بملامح مختنقة تماما …
ظل واقفا مكانه بتأهب عاقدا ذراعيه امام صدره ينتظر خروج الطبيب بلهفة …
لم يهتم بما يحدث حوله من احاديث بل وبكاء ايضا …
لم ينتبه لقدوم راغب الذي تقدم نحو والده يحاول التخفيف عنه متجاهلا اخبار الموجودين بما حدث مع تقى ..
هو حتى لم يهتم بالسؤال عن هوية الجاني وسبب جنايته ..
هو لم يهتم بأي شيء سواها ..
سوى خروجها سالمة من غرفة العمليات ….
قلبه وعقله كانا معها ….
صورتها لا تفارق عينيه …
وكلماتها الأخيرة له في ذلك اليوم تتردد على مسامعه فتشعل لهيب روحه اكثر واكثر …
احتقنت عينيه بالدموع ..
دموع لا يستطيع اطلاق العنان لها لانه ان سمح لها بذلك سينهار كليا هذه المرة دون أن يتأكد من قدرته على النهوض بنفسه بعدها ….
شعر بأحدهم يقف بجواره فلم يهتم بالنظر نحوه لكن الاخير تحدث بصوت جامد يخفي خلفه مرارة شديدة :-
” نحن السبب … انا وانت سبب ما يحدث … ”
تضاعف طعم المرارة في حلقه وهو يضيف :-
” انا لن أسامح نفسي أبدا على ما أصابها … ذنبها سيبقى معلقا في رقبتي حتى آخر عمري …”
استدار عمار اليه فتلاقت عينيه الخضراوين بعيني مهند الزرقاوين …
كانتا عينا مهند عبارة عن مشاعر عاصفة ما بين الوجع والأسى والخوف والعذاب وتأنيب الضمير …
مشاعره كانت مختلطة والغريب انها كانت تشبه مشاعره في تلك اللحظة …
كلاهما يتحملان وزرها …
كلا منهما دمرها كلا على طريقته الخاصة ..
وكلاهما يخشيان خسارتها وان كان الخوف لاسباب مختلفة ….
ولكن تبقى الحقيقة الثابتة ان خسارتها ستجعل حياة كليهما تنتهي فالأول لن يستطيع أن يحيا مع تأنيب ضميره نحوها وحقيقة انه كان سببا في رحيلها والثاني يدرك جيدا ان خسارتها يعني نهايته الحتمية فهو كان يعيش لأجلها هي خصيصا منذ رحيل والدته …
خسارتها ستجعله يفقد والدته نهائيا هذه المرة …!!
توقفت أنفاس كليهما داخل صدره والباب أمامهما تُفتح فيخرج منها الطبيب بملامح واجمة جعلت قلب عمار ينتفض بقوة داخل أضلعه ورعبه يتضاعف عندما هتف الطبيب بسرعة :-
” الحمد لله .. تم انقاذها على خير ولكن ..”
توقف لثواني ثم اضاف بأسف :-
” فقدنا الجنين في المقابل ….”
نهض عابد بسرعة وملامحه انفرجت قليلا بينما ظل مهند صامتا للحظات تقدم فيها راغب نحوه وهو يربت على كتفه بمؤازرة وكذلك فيصل عندما وجدوه يندفع نحو الحائط و هو يصرخ بأعلى قوته كأسد حبيس مجروح بينما يضرب رأسه بقوة في الحائط عدة مرات متجاهلا محاولات شقيقيه لإيقافه ….
اعتصر عمار قبضتي يديه بقوة وهو يستمع لصياح مهند الموجع والذي رفض ان يتوقف عما يفعله رغم تساقط الدماء من رأسه ….
شدد من عصر قبضتيه بينما تساقطت الدموع من عينيه ربما لأول مرة بهذا الشكل …
بينما البقية كانوا ينظرون الى مهند بملامح باكية وأولهم والده …!
………………………………
وقفت ليلى قرب النافذة بملامح متحفزة عاقدة ذراعيها امام صدرها تنتظر قدوم كنان بعدما اتصلت به تطلب منه المجيء حالا …
عقلها ما زال لا يستوعب ما سمعته …
ورغم ان كلام مريم كان مختصرا لم يمنحها الكثير مما تحتاج معرفته لكنه كان كافيا لتدرك ما يحدث …
هي كانت تعيش في خدعة …
زوجها الذي منحته قبولها بل ثقتها وأمانها كان يخطط منذ زمن للايقاع بطليقها السابق ولكن ليس هذا ما يهم …
ما يهم هو ما جمعه بشقيقتها …
شقيقتها التي كانت تعمل لصالحه …
شقيقتها التي لم تخبرها بالحقيقة بعد مرور كل هذه المدة على معرفتها به …
لا تصدق حتى الآن إن مريم فعلت بها كل هذا …
رباه لقد كانا يلتقيان ويتحدثان امام عينيها وكأنهما يعرفان بعضهما لتوهما بينما هي كانت تعرفه قبلها وبالتأكيد التقيا مرارا وتحدثا مرارا والله وحده يعلم ما كان بينهما من خطط واتفاقيات وهي كالبلهاء لم تكن تدرك ما يحدث …
كيف خدعاها ولماذا …؟!
وماذا عن انتقام كنان من طليقها السابق …؟!
ربما هي جزء من انتقامه …
لم لا ..؟! كل شيء بات ممكنا بعدما عرفته …
شعرت بوالدتها تقف خلفها تخبرها بخفوت :-
” هوني على نفسك يا ليلى …”
استدارت ليلى نحوها تخبرها بدموع محبوسة داخل مقلتيها :-
” لن أسامحها على ما فعلته … لن أسامحها على خداعها مهما حدث ….”
لم تستطع فاتن ان تقل شيئا ورغم انها لم تفهم ما يحدث بالضبط لكنها استطاعت ان تدرك اساس الموضوع من خلال حديثها وقت الشجار …
ورغم غضبها من مريم وتصرفاتها لكنها كانت قلقة عليها بعدما غادرت المنزل بتلك الطريقة خاصة وهي ترفض الاجابة على اتصالاتها …
تجاهلت افكارها بخصوص مريم وهي تخبر ليلى بترجي :-
” فقط اهدئي حبيبتي … انا اخاف عليك يا ليلى … اخشى ان يصيبك شيء او تمرضي لا سامح الله …”
ثم جذبتها تعانقها فاستسلمت ليلى لها وهي تقاوم دموعها بضراوة لتهمس له بخفوت :-
” هل بقي أحدهم لم يخدعني يا ماما …؟! هل هناك شخص متبقي لم يخذلني …؟! الجميع خذلني يا ماما … ”
تساقطت دموع فاتن على حال ابنتها خاصة وهي تستمع لحديثها بتلك النبرة المليئة بالوجع والضعف لتضيف ليلى ببوح مخنوق :-
” وانا التي كنت أظن إن صدمتي في نديم هي الاقسى لأكتشف ان هناك من هو اقرب منه لي و صدموني مثله و اكثر .. بابا ثم مريم ….”
تساقطت دموعها فوق وجنتيها وهي تضيف :-
” مريم يا ماما .. شقيقتي الصغرى … ابنتي الروحية …”
شددت والدتها من عناقها وهي تتمتم برجاء :-
” لا بأس يا ليلى .. لا بأس يا حبيبتي …. كل شيء سيتحسن … فقط اهدئي …”
رن جرس الباب فسارعت ليلى تبتعد عنها وهي تكفكف دموعها ثم تشير لوالدتها ؛-
” غادري انت الى غرفتك الآن …”
سألتها فاتن بتردد :-
“مالذي ستفعلينه الآن ..؟!”
اجابت ليلى بجدية :-
” لا تقلقي يا ماما .. سأفعل ما هو صحيح … اتركيني وحدي معه من فضلك ….”
اضطرت فاتن ان تومأ برأسها وهي تتحرك مغادرة المكان بصمت بينما تقدمت ليلى نحو الباب تسبق الخادمة التي جاءت لتفتحها ففتحت هي الباب له لتراه يتقدم نحوها وهو يسألها بقلق :-
” ماذا حدث يا ليلى …؟! لماذا طلبت رؤيتي حالا ..؟!”
ثم توقف يتأمل عينيها الحمراوين ليسألها بقلق اكبر :-
” هل كنت تبكين …؟!”
تمتمت بخفوت :-
” تفضل يا كنان …”
تنهد كنان وهو يدلف الى الداخل لتغلق الباب خلفه وتتحرك معه الى صالة الجلوس عندما عاد يسألها بإصرار ؛-
” والآن أخبريني عما حدث ولماذا كنت تبكين …؟!”
أجابت عليه بهدوء لا يشبه ما تحمله داخلها من فوضى :-
” تشاجرت مع مريم وطردتها من المنزل …”
تغضن جبينه وهو يسألها :-
” لماذا ..؟! ماذا حدث …؟!”
اتجهت نحو الكنبة وجلست عليها واضعة قدما فوق الاخرى لتخبره :-
” هناك من ارسل لي صورها مع عمار … ”
رأت الصدمة في عينيه لتضيف بثبات :-
” صورها وهي تتبادل القبلات معه …. ”
ملامحه جمدت تماما لتكمل بسخرية :-
” ألن تتحدث …؟! ألن تقول شيئا ..؟! أم إن الصدمة تمكنت منك …؟!”
هتف بتروي :-
” إذا عرفت كل شيء ….”
هتفت ببرود :-
” عرفت ما يكفيني يا كنان …”
ثم نهضت من مكانها تقف قبالته وهي تعقد ذراعيها امام صدرها تضيف بثبات :-
” هيا تحدث … أسمعك …”
سألها بجدية :-
” هل تبحثين عن مبررات …؟!”
سألتها بسخرية :-
” وهل لديك مبررات من الأساس …؟!”
لم يجبها فاتسعت ابتسامتها قبل ان تردد :-
” هل تعلم …؟! لن أسألك عن سبب ما فعلته … عن كذبك علي وخداعك لي …”
” انا لم اكذب …”
قالها بقوة وهو يضيف متجاهلا اتساع عينيها :-
” ما بيني وبين مريم حدث قبل قراري بالزواج منك … بل حتى قبل تفكيري بك اساسا .. ”
اخذ نفسا عميقا ثم اضاف :-
” انا وعمار بيننا ثأر قديم … ثأر لن أرتاح حتى أخذه منه … نديم هو الآخر لديه ثأر وان كان مختلف … اجتماعنا كان لا بد منه لإن كلينا غايته هو الايقاع بعمار والتخلص منه …”
سألته بعدم تصديق :-
” انت ونديم أدخلتما مريم بهذا المخطط الانتقامي …”
هتف بصراحة :-
” نديم لم يكن يعلم بإن مريم طرفا معنا في هذه الخطة …”
اخذ نفسا عميقا ثم قال :-
” انا من تحدثت مع مريم بعدما أدركت وجود شيء يجمعها بعمار … بعدما كاد عمار أن يقتل خطيبها … اجتمعت بها وتحدثت معها وادركت ان عمار يشكل خطرا حقيقيا عليها لانه مهووس بها وبالتالي هي تمتلك نفس رغبتي بالتخلص منه … قررت استغلال مشاعر عمار القوية نحوها للايقاع به وبدأنا خطتنا سويا حتى ظهرت انت بالصورة و …”
قاطعته :-
” وبوسي ..؟! والصور التي أرسلتها لي معها ..؟!”
اجاب بصدق :-
” بوسي كانت معي في البداية ولكنها انسحبت .. غالبا خافت من مواجهة عمار … الصور انا فعلا من ارسلتها معها ولكن ذلك كان قبل أن تجذبين انتباهي بطريقة أججت رغبتي بك …”
” ماذا كنت تنتظر مني بعد ارسال تلك الصور ..؟!”
اجاب معترفا :-
” كنت انوي استخدامك انت الاخرى من خلال الصفقات التي كانت تجمعك بعمار وقتها … ومريم لم يكن لديها علم بكل هذا فهي كانت سترفض ان يكون لك اي صلة بما يحدث ….”
” كنت تريد استخدامي انا ايضا ولولا انك قررت الزواج بي كنت سوف تستمر بخطتك …”
قالتها ببؤس ليهز رأسه مؤكدا حديثها :-
” نعم يا ليلى … هذا صحيح ولكن اقسم لك إنني بعدها أنهيت كل هذا وأخبرت مريم انها أصبحت خارج اللعبة ورغم انها رفضت ذلك لكنني هددتها وليكن بعلمك هي رفضت ارتباطنا ايضا وكانت تريد اخبارك لكنها تراجعت بعدما اكدت لها مدى رغبتي فيك وصدق مشاعري نحوك ….”
صاحت بعدم تصديق :-
” هل تعتقد ان ما تقوله سيغير من حقيقة ما فعلته ..؟! هل تعتقد إنه سيؤثر بي …؟!”
سار نحوها ووقف امامها يخبرها بصدق :-
” كلا ، ولكن انا استحق ان تتفهمي موقفي … ”
أضاف وهو يقترب نحوها اكثر :-
” انا كنت مضطرا لذلك … كان يجب ان اتخلص من عمار بطريقة ما دون أن أتورط بعدها بأي شيء … افهميني من فضلك ….”
” انت كاذب …مخادع …”
قالتها وهي تضيف بقهر :-
” انا تزوجتك يا كنان … هل تعلم معنى ذلك …؟!”
ترقرقت الدموع داخل عينيها وهي تضيف بحشرجة :-
” انا منحتك ثقتي عندما قبلت الزواج بك … انا منحتك ثقتي عندما ارتديت خاتمك ..، منحتك ثقتي عندما قبلت بوضع اسمي جوار اسمك …”
تساقطت دموعها وهي تضيف :-
” انا قبلك تعرضت للخذلان اكثر من مرة … مرة من الرجل الذي احببته من اعماق قلبي ومرة من الرجل الاقرب لروحي .. والدي …”
” ليلى …”
هتف بها برجاء خالص وهو يحاول ضمها بين ذراعيها لتتراجع الى الخلف بسرعة وهي تضيف باكية :-
” لم يكن علي الوثوق بك … انت مثل الجميع … لا تختلف عنهم … ”
” كلا يا ليلى .. انا لست مثل اي احد … انا اختلف عنهم …”
أضاف ونظراته تتوسلها ان تسمعه وتغفر له :-
” ليلى انا احبك … ”
جمدت ملامحها للحظة وهي تسمع اعترافه بالحب لها …
لحظات وظهرت السخرية المريرة على ملامحها ليتقدم نحوها خطوتين وهو يضيف :-
” اقسم لك انني احبك …. انا لم أدرك حقيقة مشاعري نحوك في البداية رغم صدقي معك ولكن الآن أدركت … أنا أحبك يا ليلى .. سامحيني من فضلك …”
منحته نظرة قاتمة جعلت لون العسل في عينيها يبدو أسود داكنا في تلك اللحظة وهي تهمس :-
” طلقني … طلقني يا كنان فأنا لن أبقى على ذمتك لحظة واحدة بعد الآن …”
لاحظت الصدمة التي ظهرت في عينيه لثواني …
صدمة تبعها رفض صريح ظهر في نبرة صوته وهو يخبرها بقوة :-
” لن أطلق … اطلبي اي شيء آخر عدو الطلاق …”
باغتته بتحدي :-
” انا لا اريد سوى الطلاق …”
هتف بثبات :-
” اذا انا اسف لانني لن امنحك ما تريدين …”
ثم اندفع خارجا من الفيلا بسرعة تاركا اياها تتابعه بعينين باكيتين …
………………………………………………
في اليوم التالي
غادرت الشركة مبكرا اليوم على غير عادتها فهي منذ وفاة والدتها تتعمد قضاء اكبر وقت ممكن في الشركة لكن منذ ذلك اليوم ونقاشها الحاد معه وهي فقدت الرغبة في فعل اي شيء خاصة العمل ..
تنهدت بتعب وهي تتوجه نحو سيارته مفكرة في سبب غياب عمار هذه المرة عن الشركة …
عمار بات يتغيب باستمرار على غير عادته …
توقفت عند سيارتها وهي تراه يقف بسيارته قبالها مرتديا بذلة كحلية انيقة ونظارة شمسية تخفي عينيه ..
تقدم نحوها بخطواته الواثقة كعادته ليهتف ما ان وصل عندها :-
” مرحبا … كيف حالك …؟!”
ردت ببرود مقصود :-
” اهلا ، بخير الحمد لله …”
سألها بجدية بعدما خلع نظارته الشمسية :-
” لماذا لا تجيبين على مكالماتي يا غالية …؟!”
ردت بعدما عقدت ذراعيها امام صدرها :-
” ربما لإنني لا أرغب بالتحدث معك ….”
تنهد بصوت مسموع ثم قال بجدية :-
” ما تفعلينه غير منطقي ابدا … ”
” ومالذي أفعله يا فادي …؟!”
سألته بثبات ليجيب بنفس الجدية :-
” تجاهلك المتعمد لي فقط لانني عبرت عن ضيقي من تواجدك مع ابن عمك …”
قاطعته بثبات :-
” مبدئيا الأمر لا يقتصر على شريف وانت تعرف ذلك .. ثانيا انا بالفعل لست راضية عن طريقتك معي … انت لم تر نفسك كيف كنت تتحدث معي يا فادي …”
سألها بضيق :-
” وكيف كنت أتحدث يا غالية …؟!”
أجابت بحنق :-
” كنت تتحدث بصيغة الأمر … تأمرني أن أقطع أي تواصل مع شريف والذي يكون ابن عمي يعني قريبي من الدرجة الاولى …”
“” لاحظي ان ابن عمك هذا يحبك …”
قاطعته بملل :-
” كان يريدني يا فادي …. كان يريد الزواج مني وهذا كان في الماضي … لم يكن يجمعنا اي شيء ولن يحدث وهذا الامر لا يتعلق بك … سواء بوجودك او عدمه ما كنت لأتزوجه لانني أعتبره بمثابة أخ لي وهو أدرك هذا واحترم رغبتي تلك … ”
أضافت بحزم :-
” وعليك ان تعلم يا فادي انني لا أتقبل طريقتك تلك حيث إلقاء الاوامر وما شابه … انا لا يسيرني احد يا فادي … انا افعل ما اريد وقت ما اريد ولا يهمني اراء من حولي طالما ادرك جيدا انني لا أفعل شيئا خاطئا …. لست انا من تخضع لأوامر من حولها او تفعل شيئا فقط لارضاء شخص ما أيا كان هذا الشخص ومهما بلغت مكانته عندي … عليك أن تعلم هذا جيدا وتستوعبه كي لا تندم فيما بعد على اي خطوة قادمة تجمعك بي …”
هتف بسخط :-
” هذه المحاضرة كلها لإنني طلبت منك ألا تتواصلي معه وهذا بدافع غيرتي عليك … انا رجل غيور يا غالية وانت حبيبتي … حبيبتي التي أغار عليها بشدة …. لماذا لا تراعين شعوري …؟! لماذا لا تتفهمين أسبابي …؟! ضعي نفسك مكاني … هل كنت تقبلين بوجود علاقة من آية نوع من واحدة كان يجمعني بها علاقة من اي نوع ..؟!”
” ها انت قلتها .. علاقة يا فادي … انا وشريف لم يكن بيننا علاقة .. وليكن بعلمك لو كنت انت مثلا سبق لك وارتبطت بواحدة قبلي وهذه الواحدة كانت قريبتك … ابنة عمك على سبيل المثال .. لم أكن لأمنعك عنها أبدًا وبالتأكيد لن أطلب منك ألا تتحدث معها عندما تراها في اي تجمع او مناسبة عائلية …”
تنهد مرددا بضيق خفي :-
” حسنا يا غالية … انت تبالغين كثيرا …”
” حسنا انا أبالغ في موضوع شريف ولكن ماذا عن فراس …”
تصلبت ملامحه لتضيف :-
” انظر الى ملامحك يا فادي … انت لم تتقبل حتى التطرق لموضوعه … ذلك اليوم أنهيت سهرتنا فورا ما ان ذكرته … اذا كنت ترفض تعاملي مع شريف لهذا الحد فكيف سيكون الوضع مع فراس …؟!”
تمتم بصدق :-
” الوضع سيكون صعبا ولكن …”
اخذ نفسا عميقا ثم قال :-
” ولكنني سأحاول تقبله خاصة مع مرور الوقت …”
تمتمت بصدمة :-
” تحاول ..!! انت لست واثقا بعد من قدرتك على التقبل اذا …”
” الامر ليس كذلك يا غالية …”
قالها بتجهم وهو يضيف :-
” افهميني يا غالية من فضلك …”
تنهد قبل أن يهتف مقرا :-
” انا احبك حقا … حبي لك هو الشيء الوحيد المتأكد منه ولكنني بشر … خطبتك سابقا بشقيقي سوف تشكل حساسية بيننا رغما عني وعنه … الأمر لن يكون سهلا ولكنني سأحاول تقبله تدريجيا لأجلك ….”
” لا يمكن يا فادي …. كان عليك ان تتأكد من قدرتك على تقبل ما كان يجمعني به قبلما تعترف بمشاعرك لي ..”
قالتها بألم خفي ليهتف بصدق :-
” لقد اعترفت بمشاعري دون ان ادعي … دون تخطيط مسبق … مشاعري تمكنت مني يا غالية ….”
سألته بملامح باهتة :-
” هل تشعر بالندم اذا ..؟!”
رد بسرعة :-
” الأمر ليس كذلك … ما اقصده انني احببتك دون ادراك مني … عشقك تغلغل داخلي دون أن أعي ذلك حتى تمكن مني فوجدت نفسي أعترف بتلك الحقيقة وأنا أدرك جيدا إنه فات آوان التفكير ….”
” إذا عليك أن تنصر حبك يا فادي … دع حبك لي يكون سلاحك الذي ستحارب به غيرتك و رفضك لما كان يجمعني بشقيقك …”
رأت الحيرة في عينيه فأكملت تتمسك به وهي التي تدرك جيدا انها تعشقه كما لم تفعل من قبل :-
” انا احبك يا فادي … حارب لأجلي …. تجاوز الماضي لأجلي … حبنا يستحق المحاربة حتى لو محاربة نفسك … أليس كذلك ..؟!”
هتف بنبرة حارة :-
” بالتأكيد يستحق بل أنت تستحقين أن أحارب الكون بأكمله لأجلك …”
ابتسمت بشكل أضاء ملامحها فتأملها بعشق جارف مرددا بعاطفة لم يكن يعلم يوما انه يمتلكها :-
” كل يوم يمر علي معك أغرق بك أكثر .. أعشقك أكثر وأخاف أكثر ..”
تنهد مضيفا :-
” أخاف من اللحظة التي سأكتشف بها إنني كنت أغرق في وهم لا يمكن أن يصبح واقعا …”
ارتجفت قلبها وهي تسمع كلماته الاخيرة لتهتف بقوة وهي تضع كفها برقة فوق موضوع قلبه :-
” انت من يمكنك ان تجعله وهما او حقيقة يا فادي .. تذكر ذلك جيدا وحارب ليكون حقيقة ثابتة لا مجال لانكارها …”
……………………………………..
عاد الى المنزل بملامح مكفهرة قليلا عندما وجد شقيقه جالسا في صالة الجلوس يرتشف القهوة بصمت قطعه وهو يهتف مرددا بعدما دخل اليه :-
” ماذا تفعل هنا في هذا الوقت يا فراس …؟! ليس من عادتك أن تتواجد في المنزل في وقت كهذا ..؟!”
أجابه فراس بعدما اعاد فنجانه الى مكانه :-
” ارتشف القهوة كما ترى …”
أضاف وهو يسأله ببرود :-
” وأنت ..؟! أين كنت ..؟! اليوم لديك إجازة كما سمعت …”
رد فادي بدا مبالاة وهو يهم بالخروج من صالة الجلوس عائدا الى غرفته :-
” كنت في مشوار مهم …”
لكنه توقف وهو يسمع شقيقه يسأل بنفس البرود :-
” ما أخبار غالية …؟!”
تجمد فادي مكانه لوهلة قبل أن يستدير نحوه يرمقه بنظراته للحظات قبل أن يجيب :-
” بخير ….”
ابتسم فراس بسخرية وهو يردد :-
” وتقولها بكل صراحة …”
” لا أميل الى الكذب والمراوغة وانت تعلم طبعي هذا جيدا ..”
قالها فادي بتجهم لينهض فراس من مكانه مرددا :-
” حسنا … ومتى ستنتهي منها ….؟!”
تجهمت ملامحه اكثر وهو يسأله بحدة :-
” مالذي تعنيه يا فراس …؟!”
مط فراس شفتيه مرددا بصفاقة :-
” يعني انا تفهمت انجذابك لها ….هي فتاة جميلة بل صارخة الجمال … تجاهلت علاقتك بها وانا ادرك جيدا انك تتواصل معها بل وتلتقي بها … تستطيع القول انني منحتك الوقت الكافي لتلهو معها كما تريد ولكن الى هنا ويكفي …”
تقدم فادي نحوه يهتف بانفعال :-
” هل تعي ما تقوله يا هذا …؟!”
رد فراس بجدية :-
” أعيه بالطبع ولا أعتقد إنك تنتظر مني كلاما مختلفا …”
هدر فادي بقوة :-
” أنا أحبها يا هذا … أحبها و سوف أتزوجها …”
اتقدت عينا فراس بغضب شديد وهو يخبره :-
” ستكون دمرت كل شيء حينها لانني لن أقبل بذلك وأنت تعلم هذا جيدا …”
” ولماذا لن تقبل ..؟! ما شأنك أنت أساسًا ..؟!”
سأله فادي بغلظة ليجيب فراس :-
” كانت خطيبتي يا فادي ام انك نسيت هذا … ناهيك عما فعلته بي …”
أكمل وهو يرمقه بنفور :-
” انا لا اصدق كيف تقبل على نفسك الارتباط بها بعدما فعلته بي…”
هتف فادي ساخرا :-
” قل هكذا منذ البداية … انت ترفضها بسبب ما فعلته بك تلك الليلة وكيف جعلتك تتنازل عن حضانة طفلك رغما عنك …”
” ولن أنسى ابدا …”
قالها فراس بجمود وهو يضيف :-
” ومثلما انت لن تنسى انها كانت خطيبتي … هل تعي ماذا يعني انها كانت خطيبتي ..؟!”
ظهر الوجوم على ملامح فادي ليضيف فراس عن قصد :-
” ماذا لو أخبرتك عما كان بيننا في بداية الخطبة ..؟! ماذا حدث بيننا ..؟! غالية كانت خطيبتي يا فادي .. هل تدرك معنى هذا …؟!”
قبض فادي على ياقه قميصه يأمره :-
” توقف … لا اريد سماع حرف واحد منك …”
” بل ستسمع … هي كانت خطيبتي … لامستها وقبلتها …”
سارع فادي يلكمه على وجهه بقوة اسقطته ارضا لينهض فراس بعد لحظات وهو يمسح دماء انفه مضيفا بتهكم :-
” ما بالك لم تتحمل حتى سماع كلامي …؟! على العموم انا قلت الحقيقة .. الحقيقة التي تتجنبها انت كليا ولكنها ستبقى تلاحقك دائما … ”
صاح فادي بعصبية :-
” قلت اخرس … الا تفهم ..؟!”
دخلت والدتهما الى المكان تتسائل بجزع :-
” ماذا يحدث هنا …؟! هل تتشاجران ..؟!”
ثم اتسعت عيناها بهلع وهي تشاهد فراس بتلك الدماء النافرة من انفه ليهتف فراس بسرعة :-
” ابنك المبجل يضربني لاجل غالية هانم … حبيبة قلبه ..”
صرخ فادي به :-
” قلت اخرس …”
تسائلت باسمة بعدم استيعاب :-
” ماذا تقول انت …؟!”
” كما سمعت يا ماما … فادي يريد الزواج من غالية … خطيبتي السابقة …”
نظرت باسمة الى فادي مرددة بعدم تصديق :-
” كلا ، مستحيل …”
زفر فادي انفاسه بضيق لتهتف والدته به :-
” قل شيئا يا فادي … تحدث وعارض ما قاله شقيقك …”
هتف فادي بتردد :-
” ما يقوله فراس صحيحا … انا احب غالية وسأتقدم لخطبتها قريبا …”
جحظت عينا باسمة بعدم تصديق لما تسمعه على لسانه لتخبره بعد لحظات استوعبت فيها ما قاله :-
” حينها سأتبرئ منك يا فادي … بل جميعنا سنفعل … اذا تزوجتها سوف تنساني انا وكل العائلة … هل فهمت …؟!”
(صورة)
تأملت عيناه الطعام الموضوع على الطاولة أمامه بشرود قطعته غالية وهي تدلف الى الداخل ملقية التحية بسرعة وهي تهم بالتحرك متوجهة الى غرفتها عندما أوقفها مرددا :-
” انتظري يا غالية …”
تمتمت غالية بجدية :-
” هل هناك شيء يا نديم …؟!”
سألها باهتمام:-
” أنت تغادرين العمل مبكرا هذه الفترة … هل هناك مشكلة ما ..؟!”
أكمل مضيفا :-
” هل هناك مشاكل مع عمار …؟!”
تقدمت نحوه وهي تسأل بتعجب :-
” لماذا سيكون لدي مشاكل معه …؟! واقعيا انا الا أتعامل معه منذ عدة أشهر الا للضرورة القصوى … عندما احتاج اخباره بشيء ما يخص احد المشاريع او ما شابه …”
اضافت وهي تسحب كرسيا وتجلس قباله :-
” هل هناك سببا ما دفعك لتطرح سؤالا كهذا …؟!”
هز رأسه نفيا وهو يجيب :-
” ابدا … انا فقط مستغرب من عودتك مبكرا الى المنزل طوال الفترة السابقة على غير عادتك …”
تنهدت وهي تخبره بصدق :-
” في الحقيقة مزاجي ليس جيدا هذه الفترة … انا اساسا عدت الى العمل بسرعة بعد وفاة ماما محاولة مني لالهاء نفسي ولكن على ما يبدو حتى العمل لم ينجح في ذلك …”
كانت المرة الاولى التي تتحدث بها غالية بطريقة كهذه …
ربما المرة الاولى في حياتها التي تقر بها بتعبها وضعفها على غير العادة …
نطقت بعدها بتردد :-
” في الحقيقة انا ايضا قلقة بشأن وضع الشركة العام … عمار متغير كثيرا هذه الفترة ولا يهتم بالعمل مثل السابق … اليوم لم يكن موجودا اساسا وهذه ليست المرة الاولى التي يتغيب بها عن الشركة … تصرفه يثير استغرابي لان عمار رغم كل شيء يبقى العمل لديه رقم واحد ..”
هتف نديم متحاشيا الحديث عنه :-
” دعك منه الآن … المهم انت يا غالية …”
ابتسمت مرددة بتعب :-
” انا بخير … ربما احتاج الى القليل من الراحة …”
كان يعلم انها تكذب فهي ليست بخير ابدا لكن طبيعتها تمنعها من الاعتراف بحقيقة كهذه رغم انها ذكرت قبل قليل جزء بسيط من معاناتها …
لم يكن غريبا عليه تصرف غالية وعدم رغبتها في الخوض في غمار مشاكلها مهما كان حجمها وهذا ما يضاعف من قلقه عليها فهي تميل دائما الى اخفاء وجعها والحفاظ على رباطة جأشها امام الجميع …
تنهد مرددا وهو يربت على كفها :-
” متى ما احتجتني فأنا موجود … انت بالطبع تدركين هذا جيدا …”
ترقرقت الدموع رغما عنها في عينيها وهي تردد بصوت مبحوح :-
” اعرف بالطبع ..”
ثم تنفست بعمق ونهضت من مكانها تضيف :-
” سأصعد الى غرفتي لأرتاح قليلا …”
هز رأسه بتفهم عندما غادرت هي المكان ليعاود النظر الى الطعام بضيق فحياة ليست هنا لان والدتها دعتها الى قضاء اليوم معها وبالطبع دعته هو ايضا لكنه اعتذر عن الدعوة متعللا بأسباب لا وجود لها بينما في الحقيقة هو لا يمتلك المزاج هذه الفترة لفعل اي شيء لان باله مشغول كليا بعمار وانتقامه المنتظر منه …
رغم تردده ورفضه الداخلي في بداية الامر الا انه اضطر ان يوافق كنان على مخططه فيستغل أخت عمار من والدته بالضغط عليه ليعترف بنفسه امام الشرطة على ما فعله به بينما في نفس الوقت ينفذ كنان مخططه بما يخص شركة الادوية السرية ….
رن هاتفه بإسم كنان فسارع يجيب الاخير وكأن الأخير كان يدرك بما يفكر عندما قال نديم بسرعة :-
” اهلا كنان … ”
باغته كنان بالقول :-
” هناك مصيبة حصلت لم تكن في الحسبان …”
سأل نديم بقلق :-
” ماذا حدث ..؟!”
رد كنان بجمود :-
” أخت عمار … تعرضت لمحاولة قتل على ما يبدو …”
انتفض نديم من مكانه مرددا بعدم تصديق :-
” ماذا تقول يا كنان ..؟؟ محاولة قتل ..؟!!”
تمتم كنان :-
” نعم .. تعرضت لطعنة بالسكين مساء البارحة وهي الآن في المشفى … نجت من الحادث لكنها فقدت طفلها …”
تجهمت ملامح نديم برفض لما يسمعه قبل ان يردد :-
” سآتي عندك حالا …”
ثم اغلق الهاتف وتحرك متجها الى الخارج بعدما سحب مفاتيحه ….
بعد اقل من نصف ساعة وصل الى مكتب كنان الذي استقبله مرددا بضيق :-
” هل رأيت ما حدث …؟! خطتنا تدمرت …”
قاطعه نديم متسائلا بحدة :-
” هل أنت من فعلها …؟!”
سيطر الوجوم على ملامح كنان مرددا بذهول :-
” مالذي تقوله انت ..؟!”
قال نديم بجدية :-
” من سواك لديه عداوة مع عمار تدفعه للتخلص من اخته …؟!”
” انت جننت …”
قالها كنان بسخرية ليهدر نديم :-
” هل تحاولي اقناعي ان حدوث الاعتداء على الفتاة في هذا التوقيت تحديدا صدفة …؟!”
صاح كمان بغضب :-
” ماذا جرى لك يا هذا ..؟! انت تعلم جيدا ما كنت اخطط له … ”
قاطعه نديم :-
” ربما غضبك منه تحكم بك فقررت أن تثأر لشقيقتك بتلك الطريقة البشعة .. بأن تقتل أخته كما تسبب هو بوفاة شقيقتك …”
” لا تكن أحمقا يا هذا .. لو كنت أريد قتل أخته لفعلتها منذ زمن … انا أريد قتله هو ..، انظر انا لست مثاليا ولا حتى طيبا لكنني بالتأكيد لن أقتلها بسبب افعال اخيها … دم شقيقتي سآخذه من روح عمار وليس احد سواه … صحيح انا كنت انوي استغلالها لادخال عمار الى السجن لكن ابدا لم أكن انوي ايذائها وانت اكثر من يعلم هذا والا ما كنت لتشاركني في خطتي …”
زفر نديم انفاسه مرددا بحنق :-
” كيف حدث هذا إذا ولماذا الآن تحديدا …؟!”
رد كنان بضيق :-
” لا أعلم .. حقا لا أعلم …”
نظر نديم اليه بصمت للحظات قبل أن ينطق بتردد :-
” ربما هذه فرصة لنراجع انفسنا …”
سأله كنان بوجوم :-
” ماذا تعني ..؟؟”
قال نديم :-
” يعني ألا نستغل ابرياء لا ذنب لهم في انتقامنا …”
نظر اليه كنان بدهشة لثواني قبل ان يهتف بعدم استيعاب :-
” انت تمزح بالطبع …”
اكمل من بين اسنانه :-
” مبدئيًا نحن لم نكن ننوي ايذاء الفتاة بل لو خطفناها كما خططنا فما كنا لنلمس شعرة واحدة منها … نحن فقط نستغل مكانتها لديه خاصة ان عمار يعرفني جيدا ويتوقع مني فعل اي شيء …”
اخذ نفسا عميقا ثم قال بتهكم :-
” على العموم يمكنك الانسحاب الآن لكن عليك ان تعرف انه انسحابك يعني بقاء الوضع كما هو عليه .. وعليك ان تعلم ان الامر لا يقتصر على ماضيك والسجن و مستقبلك الضائع بل الأمر يتعلق بعمار ايضا لان عمار لن يتركك تحيا بسلام طالما هو حي يعيش بيننا وانت اكثر من يعلم ذلك ….”
نعم هو اكثر من يعلم …
عمار مريض وهو لن يتركه يحيا بسلام حتى بعدما جعله يفقد كل شيء …
هذه حقيقة ثابتة لا جدال فيها …
…….:…………………….
مرت الليلة ثقيلة للغاية على الجميع ….
لم تخفف عنهم نجاتها من الموت وقع المأساة ..
ربما لانهم يدركون ان الصغيرة لن تنجو بروحها من جميع المآسي التي مرت بها وإن نجا جسدها من الموت …
في اليوم التالي تم دفن الصغيرة مباشرة بوجود جدها و أعمامها وخالها اما والدها فلم يكن متواجدا …
رفض مهند أن يستلمها …
لم يطاوعه قلبه على ذلك …
كيف سيراها …؟! ويحملها ..؟! والأسوء أن يدفنها …؟!
كيف سيحمل طفلته التي ماتت بسببه ..؟!
بسبب نزوة حقيرة مع عاهرة …؟!
هو لن يتحمل …
هو الآن لا يحمل ذنب جيلان فقط في عنقه ..
هو يحمل ذنب طفلته ايضا ..
طفلته التي رحلت قبل أن ترى النور ..
طفلته التي تذمر في بداية الامر عندما علم بحمل والدتها بها ثم قرر ان يتقبل وجودها ولو رغما عنه ثم بات ينتظر قدومها وان كان انتظاره لها مشوبا بالقلق الشديد …
طفلته التي رفضها في البداية ثم اضطر لقبولها فيما بعد فنالت تدريجيا حيزا من اهتمامه ومع مرور الوقت استطاعت ان تستحوذ على جزء من قلبه وكأن الله اراد ان يزرع محبتها فطرية في قلبه كي يجعله يدرك ثمن جنونه وحماقته عندما يخسرها وتكوي خسارتها قلبه ….
قرب الساعة الحادية عشر صباحا كان مهند يقود سيارته متجها الى مركز الشرطة …
ملامحه بدت مخيفة تماما في تلك اللحظة …
ملامح جمعت الغضب والألم والعذاب والتوعد في آن واحد ….
وصل الى هناك ولم يكن يدرك ان راغب ارسل خلفه من يراقبه والذي بدوره اخبر راغب بما يحدث …
دلف مهند الى مركز الشرطة محاولا ان يتماسك قدر المستطاع ولا يتصرف بجنون قد يسبب له مشاكل هو في غنى عنها في الوقت الحالي …
قابل هناك محامي العائلة والذي كان متواجدا ليخبره إنه تم حبس تقى حاليا حتى يتم تحويلها للمحاكمة…
لكن ما اثار جنونه هو احتمالية تحويلها الى مشفى نفسي فهي على ما يبدو تعاني من اختلال ما اضافة الى كونها أدمنت المخدرات منذ عدة اشهر كما تبين مبدئيا …
اندفع مهند بغضب نحو المحامي يطلب منه أن تنال ما تستحقه …
لا يريد ان تكون نهايتها في مشفى الامراض العقلية ..
يريدها ان تدخل السجن وتتعفن فيه ….
يريدها ان تدفع ثمن جريمتها وقبلها يريد ان يراها …
يريد ان يراها ويفرغ غضبه فيها ….
طلب من المحامي ذلك بملامح قاتمة والاخير اخبره انه سيدبر زيارة له وسيحاول الحصول على الموافقة ليصل راغب اخيرا محاولا التحدث مع شقيقه والذي اكتفى بسؤال جامد لا روح فيه :-
” هل استيقظت …؟!”
ظهر الأسف على وجه شقيقه وهو يتذكر ما حدث …
استيقاظ جيلان فجر اليوم ….
انهيارها الذي لم يستمر سوى لدقائق قبل ان تأخذ الحقنة المهدئة مفعولها لتستيقظ بعد ساعات قليلة بملامح جامدة لا تلين وصمت دامي دون أن تظهر منها اي ردة فعل …
الجمود يغلفها كليا وحتى آلام جرح عمليتها لم يخفف ولو قليلا من ذلك الجمود فلم تظهر على وجهها اي تعابير تدل على شعورها بالألم ولو قليلا ….
كانت صدمتها اكبر من اي شيء هذه المرة ….
صدمة تليها أخرى حتى خارت قواها …
الأمر لا يقتصر على فقدان جنينها فقط …
هي فقدت كل شيء منذ زمن ..
منذ اللحظة التي خسرت فيها والدها أو ربما قبلها حتى …
والنتيجة واحدة …
هي تعاني … تتألم بصمت .. تنطوي على نفسها كليا وتعجز عن صياغة اي رد فعل مهما كان بسيطا …
والطبيب قراره كان واضحا ..
جيلان ستدخل المصحة النفسية وحالا …!
……………………………….
كانت تسير في صالة الجلوس بملامح حادة …
كانت تتحرك دون وجهة محددة ..
تسبه بصوت مرتفع تارة وتلعنه داخلها تارة اخرى ….
لم يعد حتى هذه اللحظة …
مرت ساعات طويلة على رحيلة بعدما اتاه ذلك الاتصال الذي جعله يهرع فورا خارج الشقة تاركا اياها لوحدها هنا …
كيف فعل هذا بها ..؟!
كيف تركها بهذه الطريقة …؟!
كيف ..؟!
قبضت على خصلات شعرها بأناملها وهي تتسائل عن سبب رحيله بتلك الطريقة والأهم سبب عدم ظهوره حتى الآن …
توقفت عن افكارها عندما سمعت صوت مفاتيحه يتحرك داخل القفل خارجا فعلمت انه عاد اخيرا ….
اندفعت نحو الباب عندما وجدته يدلف بملامح منهكة كليا …
توقفت للحظة تتأمل ملامحه تلك بحيرة …
ماذا حدث معه ليبدو بهذه الهيئة المزرية …؟!
مالذي أصابه …؟!
وقف عمار مكانه بعدما اغلق الباب متأملا اياها بصمت لوهلة بينما عقله لم يكن معها …
عقله كان بعيدا تماما عنها …
سارت نحوه بخطوات مترددة قبل أن تسأله وهي تتأمل عينيه شديدتي الاحمرار بتوجس :-
” هل انت بخير …؟!”
نظر لها دون ان يجيب فتقدمت نحوه اكثر حتى بات لا يفصل بينها مسافة تذكر …
عادت تسأله بقلق :-
” ماذا حدث يا عمار …؟! لماذا تبدو بهذا الشكل …؟! هل حدث شيء سيء ….؟!”
ثم لمست ذراعه بأناملها لتتفاجئ برجفة تصيب جسده جعلتها تنتفض مرددة :-
” تحدث يا عمار … لمَ انت صامت هكذا …؟!”
نظراته بل ملامح وجهه ورجفة جسدها أخبرتها بمدى قسوة ما حدث معه …
هناك شيء ما حدث … شيء جعله يبدو على هذا النوع المأساوي … شيء صعب جدا وقاسي جدا …
شعرت ان تلك فرصتها …
فرصتها للتقرب منه …
عليها أن تحتويه … تمنحه قربا يخفف عنه وتفهم منه ما يحدث …
هي يجب ان تستغل اي فرصة متاحة للتقرب منه اكثر … للسيطرة عليه وعلى مشاعره بشكل اكبر …
” عمار انت تخفيني …”
قالتها بخوف مقصود قبل ان تمد كفيها تحاوط بهما وجهه بينما تخبره بخفوت :-
” ماذا يحدث يا عمار …؟! فقط اخبرني …”
عيناها كانتا تنظران له بقلق و استجداء …
عيناها في هذه اللحظة تحملان حنوا خاصا لم يكن يعلم انها تمتلكه …
تحملان اهتماما صادقا كان يحتاجه في هذا الوقت بشدة …
تمتم بنبرة ضعيفة :-
” اختي يا مريم …”
سألته بتوتر :-
” ما بها اختك يا عمار …؟!”
مال بوجهه نحو الاسفل مستقرا بجبينه فوق كتفها بحركة صدمتها للحظة وهي تجاهد كي لا تنتفض رفضا من قربه المفاجئ على هذا النحو وهو بهذه الحالة المهيبة من الضعف والوجع ….
حبست انفاسها داخل ما ان شعرت برطوبة خفيفة فوق كتفها الظاهر من تحت التيشرت ذو الحمالات الرفيعة …
كان يبكي … عمار الخولي يبكي فوق كتفها ….
ابتلعت ريقها وهي تشعر بملمس دموعه فوق كتفها …
شعرت بالعجز في تلك اللحظة وهي لا تعرف كيف تتصرف …
دموعه تتساقط تدريجيا بصمت مؤلم …!!
واخيرا مدت كفها تمرره فوق ظهره وهي تتمتم :-
” اهدأ يا عمار .. اهدأ ارجوك …”
ثم قررت ان تعانقه فسارعت تلف ذراعها الآخر حول جسده بينما وتميل بوجهها فوق رأسه الموضوع على كتفها تخبره بحزن مصطنع :-
” يا إلهي ماذا حدث … انت تقلقني اكثر بهذه الطريقة …من فضلك اهدأ ودعني افهم ما حدث …”
ثم رفعت وجهها قليلا لتبدأ بتمرير اناملها داخل خصلاته برقة شديدة تمنحه عاطفة حانية تدرك جيدا انه يحتاجها حاليا وبشدة …
ظلا على هذه الوضعية وهي تمرر أناملها في خصلات شعرها دون توقف حتى تحدثت اخيرا بعد فترة وقد شعرت بتوقفه عن البكاء :-
” هل أنت أفضل الآن .:..؟!”
رفع رأسه أخيرا بعيدا عنها فسارعت تلتقط انفاسها براحة خفيفة عندما تحرك مبتعدا عنها وهو يمسح وجهه بكفيه …
لم تمنحه الفرصة للابتعاد فتحركت بسرعة وراءه ووقفت خلفه مباشرة تخبره :-
” تحدث يا عمار .. سأموت قلقا على اختك … ماذا حدث معها ..؟! أخبرني …”
التفت نحوها بوجهه شديد الاحمرار وعينيه المتألمين ليرى القلق واضحا في عينيها …
تحدث اخيرا بصوت متحشرج :-
” انا خسرت جيلان للابد يا مريم … خسرتها حقا هذه المرة …”
ما ان انهى كلماته حتى انهار مجددا باكيا بين ذراعيه لتأخذه هي بسرعة بين احضانها تعانقه بحنان جارف وكلماتها اللطيفة تحاول تهدئته …
لو أخبرها أحدًا إنه سيأتي يوم تجد فيه عمار الخولي يبكي منهارا بين ذراعيها لضحكت عليه بشدة ونعتته بالجنون …
لكن هذا ما حدث بالفعل وعمار الخولي بكل قوته وجبروته وتسلطه يبكي كالطفل بين ذراعيها…
اخذت تربت على ظهره بلطف بالغ وهي تحاول تهدئته …
تبثه كلماتها المساندة …
هدأ بعدها فسألته عما حدث مع أخته ليقول هكذا …
اخبرها عما حدث بألم طاغي بينما اخذت هي تستمع له بانصات ..
تظهر له شفقتها وحزنها الشديد على ما أصاب أخته المسكينة بينما داخلها تبتسم بتشفي عليه وربما عليها فهي في النهاية اخته وتستحق ان تدفع ثمن حقارة أخيها ..
……………………………….
منذ أن غادر مكتب كنان وعقله لا يتوقف عن التفكير …
كلمات كنان صادقة جدا وواقعية جدا …
هو أمامه خيارين لا ثالث لهما …
اما ان يقضي على عمار او يقضي عمار عليه ….
كان يدرك جيدا ان الأمر لا يتعلق فقط به بل بمن حوله …
عمار لا يهتم ولا يراعي احدا …
مال بوجهه نحو النافذة اكثر يتأمل غروب الشمس بوجوم تام ويطرح على نفسه عدة اسأله لا نهاية لها …
هل يتراجع عن قراره ويترك عمار للزمن …؟!
ولكن هل عمار سيتركه وشأنه ..؟!
وحتى لو تركه عمار ، ماذا عن ماضيه المدنس …؟!
كيف سيتجاهل تلك الحقيقة ..؟!
حقيقة ستظل تلاحقه طوال حياته وتلاحق ابنته القادمة كذلك …
هل تستحق صغيرته ان تحيا بهذه الطريقة …؟!
كيف سيبرر لها هذا مستقبلا …؟!
ومن قال انها ستتفهم ..؟!
هل ستصدق انه كان بريئا …؟!
وهل ستتحمل اي رفض يقابلها في حياتها بسبب ماضي والدها …؟!
تنهد وهو يفرك جبينه بتعب عندما دلفت هي بملامحها المشرقة فنظر اليها وسرعان ما انحدرت عينيه اتجاه بطنها البارزة .. طفلته التي تسكن هنا هي جل ما يهمه …
تقدمت نحوه تعانقه بعفوية كعادته ليحتضنها باحتياج صريح ورغبة في الغوص داخلها والالتحام معها دون فكاك …
كان يريد ان يهرب داخل احضانها من العالم كله …
من ماضيه المظلم ومستقبله المجهول …
من تردده وحيرته ..
من شيطانه و ضميره …
من خوفه ورهبته ….
كان يريد ان يحتمي بها من كل شيء …
هي ملاذه الذي يهرب اليه كعادته …
ملاذه الذي لم يلفظه يوما ولن يفعل …
شعرت بما يعتمل به فسألته وهي ما زالت تعانقه :-
” ماذا هناك …؟! انت تبدو متبعا …”
تمتم بصدق :-
” كثيرا .. متعب كثيرا يا حياة …”
ثم ابتعد من بين احضانها يخبرها بنفس الصدق :-
“احتاج الى الهرب حالا من العالم بأكمله … ”
لمست لحيته بأناملها تسأله باهتمام :-
” ماذا حدث يا نديم …؟! ”
” حدث الكثير يا حياة …”
قالها بخفوت لتخبره بجدية :-
” و انت تخفي عني الكثير يا نديم … هناك الكثير مما اجهله … ”
أضافت وهي تمرر أناملها على جانب وجهه :-
” ولكنني لن أسمح لك بأن تخفي عني ما يحدث اكثر … اريد ان أفهم ما يحدث معك لذا تحدث وأخبرني من فضلك عما يجري في الآونة الأخيرة ….”
تنهد بتعب ثم ابتعد عنها متجها نحو السرير يلقي بجسده فوق …
تأملته ونصف جسده ممدد فوق السرير وقدميه متدليتان للأسفل وعينيه مغمضتين وكأنه بالفعل يحاول الهرب من حصارها لكنها لن تسمح له بذلك …
عليها ان تفهم ما يحدث وحالا ..
سارت نحو السرير بتثاقل وجلست جانبه لتهتف بجدية :-
” هيا يا نديم … انا اسمعك …”
فتح عينيه ونظر اليها وهو ما زال على وضعيته ليسألها :-
” مالذي تريدين معرفته ..؟!”
هتفت :-
” ما يحدث معك … ما تخطط له يا نديم …”
أضاف وهي تميل فوقه فتقابل عينيها عينيه :-
” انا أدرك جيدا انك تخطط لشيء ما ومنذ مدة طويلة … تفهمت رغبتك بعدم التحدث مسبقا … منحتك الفرصة الكافية حتى تتمكن من الحديث من تلقاء نفسك ولكنك لم تفعل لذا أنا أريد أن أعرف ما يحدث وما تنوي عليه بالضبط ولن أتنازل عن حقي بمعرفة هذا …”
اعتدل في جلسته اخيرا يتأملها بصمت لتقترب بجسدها منه وهي تردد :-
” لا تحاول التهرب مني لإنني لن أسمح لك بذلك …”
ثم قبضت على كفه تتوسله :-
” تحدث بالله عليك … ارجوك …”
تنهد بصوت مسموع ثم قال :-
” الأمر يخص عمار ….”
سألته بقلق :-
” مالذي ستفعله مع عمار يا نديم …؟! انا اعلم ان الامر يخصه ولكنني اريد معرفة ما تنوي عليه …”
مسح وجهه بخفة ثم قال :-
” عمار يجب ان يدفع ثمن جريمته بحقي … يجب أن يعترف بما فعله معي كي أستعيد برائتي …”
سألته تسايره فيما يقوله :-
” وكيف ستفعل هذا …؟! كيف ستجعله يعترف بما فعله …؟!”
نظر لها للحظات قبل ان يجيب وهو يشعر برغبته الشديدة بالبوح لها :-
” سوف أهدده … يعني سيعترف مجبرا لا مخيرا ….”
سألته مجددا بتوجس :-
” وكيف ستجبره ….؟!”
زفر أنفاسه بتعب ثم قال :-
” كان هناك طريقة ولكن …”
توقف مجددا وهو يتأمل القلق في عينيها فسارع يقبض على كفها يرجوها :-
” عديني انك سوف تسمعيني و تتفهمين موقفي جيدا يا حياة … انا احتاجك الآن اكثر من اي وقت … احتاج دعمك انت دونا عن الجميع …”
شعرت بحاجته الماسة لها ولدعمها فقالت بصدق :-
” انا معك و ادعمك يا نديم لكن بما لا يخالف الشرع والقانون ….”
تجهمت ملامحه وهو يخبرها :-
” نحن لن نؤذي أحدًا … نحن فقط سوف نستغل نقاط ضعفه كي نجبره على الاعتراف …”
سألتها بتروي :-
” ما المقصود بنقاط ضعفه …؟!”
تردد لوهلة قبل ان يقول :-
” عمار لن يعترف بما فعله معي الا اذا ما هددناه بحياة أقرب الناس لقلبه … ”
توجست اكثر وهي تسأل :-
” تحدث بصراحة يا نديم … من تعني بأقرب الناس اليه …؟! زوجته …؟! ”
أضاف بلهجة رافضة للفكرة ككل :-
” أم طفله القادم … ؟!”
نهض من مكانه يجيب بلا مبالاة مصطنعة :-
” ليس مهما ايا منهما .. المهم أن يعترف بفعلته الشنيعة وينال عقابه ….”
” انت تنوي خطف زوجته …؟!”
سألته بعدم تصديق ليلتفت نحوها مجيبا :-
” ليس اختطاف بالمعنى الحرفي ولكن …”
توقف عندما ظهر الرفض في عينيها واضحا هذه المرة ليهتف بجدية :-
” انت وعدتني انك سوف تفهميني ..”
تقدمت نحوه تهتف بصدق :-
” انا اتفهمك يا نديم ولكن لا أوافقك الرأي …”
أخذت نفسا عميقا ثم قالت :-
” ما تفعله خطأ … لا ذنب لزوجته او طفله القادم بأفعاله …”
هدر منفعلا :-
” ولا ذنب لطفلتنا ايضا أن تأتي الى هذه الدنيا ووالدها سجين سابق بتهمة ملفقة لا أساس لها من صحة …”
كان يتحدث بانفعال والغضب والالم يسيطران على كل انش فيه …
قالت بصدق حاني :-
” هي لا ذنب لها ايضا … انا اتفهمك واتفهم رغبتك في أن تحصل على برائتك لأجلها هي قبلك ولكن ليس بهذه الطريقة .. ليس من خلال إيذاء آخرين لا ذنب لهم فيما فعله عمار … انت حينها ستصبح مثله يا نديم …”
هتف مندهشا :-
” مالذي تقولينه يا حياة …؟! كيف بالله عليك تقارنين بين ما سأفعله وما فعله هو …؟! حياة انا لن أؤذي طفله .. لن أمسه بسوء ابدا … عليك ان تفهمي هذا … كل ما أريده هو اعتراف منه بما فعله معي .. بتلك التهمة التي لفقها لي … لا اريد منه شيئا اكثر من ذلك …. اريد برائتي … حقي يا حياة … ”
توترت ملامحها ولم تعرف ماذا تقول ليضيف :-
” كيف تقارنين بين ما فعله هو وما سأفعله انا …؟! انا لن أتسبب بأي أذى لأحد ..! حتى عمار نفسه … لن أخذ سوى حقي منه … حق ظلمه لي … لا أريد منه شيئا أكثر ولا أنوي أن أحصل على غير ذلك … انا لا أريد سوى برائتي وبعدها لن يجمعني به اي شيء ولن يكون لي اي علاقة به …”
” ولكن .. ماذا لو انقلب الوضع ضدك ..؟! ماذا لو أدرك هو ما يحدث مثلا …؟! ربما تدخل في مشكلة جديدة أكبر من السابقة … ألا تفكر بهذا …؟!”
تغضنت ملامحه قليلا قبل أن يهتف بثبات :-
” كلا لم ولن أفكر … انا لن أقضي عمري بأكمله أتوجس من أي تصرف أقوم به … لن أبقى مكاني خائفا تاركا مستقبلي يسير نحو المجهول …. انا اتخذت قراري يا حياة …. إما أن أحصل على برائتي أو لأموت أفضل ….”
……………………………..
في صباح اليوم التالي …
فتح عينيه بتعب ليتأمل المكان حوله للحظات قبل أن ينصدم من نومها جواره بطريقة توحي إنها قضت الليلة جانبه حتى غلبها النوم فنامت جانبه بتلك الوضعية حيث النصف العلوي من جسدها مائل على السرير بينما قدميها منكمشتان اسفل جسدها الملتوي بوضعية نوم غير مريحة …
اخذ يتذكر ما حدث البارحة ..
انهياره بين ذراعيه وما تلاه عندما اخبرها عما حدث مع اخته وكيف أخذت تهدئه وتخفف عنه ..
لم ينتظر تصرفا كهذا منها فهي فاجئته حقا ورغم توجسه منها حتى هذه اللحظة الا انه شعر بالصدق في نبرتها وعينيها وألمها على مصاب شقيقته …
تأملها وهي نائمة في تلك الوضعية وكالعادة قلبه لا يتوقف عن النبض في حضرة وجودها …
هو محاصر رغما عنه في محراب عشقها …
عشقها الذي يسيطر عليه كليا ….
عشقها الثابت رغم كل العواصف التي مرت بها حياته …
مد كفه رغما عنه يلمس خصلاتها الشقراء بينما عينيه تلتهمان ملامحها التي فقدت شراستها وحدتها المعتادة ليحل محلهما السكون والسلام …
هو مغرم بها .. مغرم بشراستها ومكرها … بجنونها وغضبها …
يتوق لمعايشة سلامها وسكونها ولا بأس من الغرق في فيضان جموحها المدمر ….
تراجعت افكاره الى الوراء وتحديدا الى البارحة فتذكر جيلان وما أصابها …
عادت الغصة تملأ روحه …
غصة لا مفر منها ..
غصة ستلازمه الى الابد ..
جيلان لن تغفر له ما عاشته بسببه مهما حدث …
جيلان لن تسامحه ابدا …
ابتسم بسخرية مريرة متسائلا اذا ما كانت ستتجاوز ما أصابها أساسا أم ستنغلق على روحها تماما كما يخشى الطبيب …؟!
ماذا لو لم تتخطى ما أصابها …؟!
ماذا لو بقيت على وضعها الحالي …؟!
كلا ، جيلان ستتحسن … سوف تستعيد نفسها … سوف تحيا مجددا ..
جيلان لا يمكن ان تبقى هكذا .. جيلان ستحيا من جديد وتنهض من سقطتها مجددا حتى لو خاصمته الى الابد بعدها …
اغمض عينيه يخفي دموعا تشكلت بهما بينما كلمات شيرين تتردد داخل مسامعه في لقائهما الاخير ..
” وماذا عن جيلان ..؟! لماذا فشلت في حمايتها إذا ..؟!”
يتذكر كلامها بأكمله ..
وضوحها وصراحتها معه …
هي الأخرى لم تتحمله …
هي الأخرى تألمت بسببه …
عاد بعينيه ينظر الى تلك النائمة ليرتجف قلبه مجددا …
لا يعرف لماذا بات يشعر انه فقد كل شيءٍ …
ان كل شيء تسرب من بين يديه …
الجميع يغادر حياته ….
الجميع يرفضه ….
ماذا يفعل …؟!
هل يعلن هزيمته على الملأ …؟!
هي يعترف بأخطأئه …؟!
عند هذه النقطة ظهر الرفض بقوة في عينيه …
وعادت الذكريات تتجمع داخل عقلها …
ما بين ماضي عايشه وهو وحده يدرك ما فيه وحاضر مليء باللعنات ….
في الماضي خسر والدته .. أحب الناس لقلبه بلا ذنب … بلا حول له ولا قوة … خسرها دون ان يفهم لماذا حدث ذلك …؟! لماذا فقدها …؟!
واليوم هو يخسر أحب الناس لقلبه ايضا لكنه يدرك الاسباب … الاسباب التي هو يمثل أحدها بل أهمها …
ابتسم بمرارة ولأول مرة يخشى ان يضعف … ان ينهار ويعلن هزيمته …
كلا لن يحدث … عمار الخولي لا يستسلم … عمار لا ينهزم …
عمار سيبقى كما هو حتى آخر لحظة في عمره ….
اذا كان يعتبرون ما فعله بمن حوله ذنب لا يمكن غفرانه فهو بدوره لن يغفر يوما ما مرت به والدته بسببهم ….
نديم دفع ثمن افعال والدته …
والده كذلك …
مال بوجهه اكثر نحوها يتأملها وكأنها أعظم انتصاراته …
وفي تلك اللحظة أدرك إن خسارته وإن حدثت فسوف تكلل بأعظم انتصار …
انتصاره الاخير …
مريم ….
مد كفه يوقظها بهدوء فالتقت عيناها بعينيه لترهبها تلك النظرات في عينيه …
نظرات عشق متطرف … عشق مجنون ..
عشق قادر أن يهزم جيشا كاملا …
عشق قادر ان يدمر العالم بأكمله ..
” عمار …”
تمتمت بها بخفوت لتجده يميل نحوها اكثر …
ثغره يقترب من ثغرها حتى اختلطت انفاسها بأنفاسه وقبل أن يلمس شفتها بشفتيه قال كلمته الأخيرة :-
” سنتزوج… وحالا ..”
قالها بكل ثبات …
قالها وهو مدرك جيدا لما سيفعله ومستوعبا تبعاته ..،
هو يخاطر بكل شيء …
يسير في درب عشقها دون تفكير..
هو لا يخطط …
يعمي قلبه عن حدسه الصادق بها …
هو إختار أن يعيش أيامه الأخيرة معها ..
في محراب عشقها …
عشقها الذي تاق إليه أكثر من أي شيء ..
وليحترق كل شيء بعد ذلك …
يتبع الفصل التالي اضغط على ( رواية حبيسة قلبه المظلم ) اسم الرواية
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم سارة علي
تزوجت بسرعة فاقت استيعابها..
صارت زوجة عمار الخولي..
تزوجته دون تردد، لم تأخذ فرصتها للتفكير حتى..
كانت تريد أن تثبت له شيئاً، بل لنفسها أيضاً..
امسكت عقد الزواج بيديها تنظر إلى اسمه الذي يجاور اسمها..
ورغماً عنها تذكرت آخر كان من المفترض أن يكون مكانه..
آخر تركها دون أن يمنحها فرصة للتبرير، بل دون أن يخبرها حتى عن سبب تركه..
آخر لفظها من حياته في غمضة عين..
هي تنتقم منه هو الآخر..
تنتقم منه بعدما رأت القهر في عينيه..
قهر عاشق خذلته هي دون أن تعلم، واليوم خذلته مجدداً وهي تعلم، بل هي من سعت لذلك..
شعرت به خلفها.. أنفاسه تجتاح رقبتها..
توترت قليلاً لكنها أخفت ذلك بمهارة وهي تستدير بشجاعة نحوه..
شجاعة تحتاجها مع رجل مثله..
قبض على خصرها وهو يميل بوجهه نحوها..
يلثم خدها بقبلة دافئة ثم شفتيها..
قبلة تجاوبت هي معها مجبرة، تمنحه استجابة مقصودة..
ابتعد عنها وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة بعدما غرق في قبلته معها..
ركن جبينه فوق جبينها يخبرها بتمهل:
"أعلم إنك تخططين لشيء ما، ولكن لا يهمني.. ما يهمني إنك أصبحت ملكي بعد سنوات من الانتظار.."
سألته وهما ما زالا بنفس الوضعية:
"كيف تفكر أنت..؟! أنت تشك بنواياي اتجاهك ومع هذا لا تهتم.."
ابتعد عنها ينظر إلى ملامح وجهها التي يعشقها بشوق جارف تمكن منه..
شوق نحا جانباً وهو يخبرها مجدداً:
"لأنني أحبك.. ولأنني لا أهتم بما ينتظرني.."
سألته بقوة:
"ما الذي لا يهمك..؟! هزيمتك مثلا.."
ابتسم بطريقة غريبة.. طريقة أرهبتها رغماً عنها..
ابتسامة تبعها يردد بصوت ثابت لا جدال فيه:
"عليك أن تعلمي إن الهزيمة كثيراً ما تحمل خلفها انتصاراً غير مسبق.. هزيمتي حتى لو حدثت.. ستكون هزيمة مؤقتة.. وما يليها هو الانتصار الأعظم.."
كلماته كانت تحمل شيئاً جاداً مخيفاً.. كيف يفكر هذا الرجل ومالذي ينويه..؟
تمتمت تسأل عن قصد:
"وماذا عن شيرين..؟!"
منحها تنهيدة طويلة وهو يهتف:
"شيرين.. آه يا شيرين.."
سألته ببرود:
"هل تحبها..؟!"
تأملها ملياً يفتش عن أي لمحة للغيرة في عينيها لكنه لم يحصل على شيء..
أجاب بصدق غلف ملامحه:
"شيرين أنقى بكثير من أن يحبها شيطان مثلي.."
تجهمت ملامحها وهي تهتف:
"هذا يعني إنني.."
جذبها نحوه بسرعة يخبرها وعيناه تلتهمان تفاصيل وجهها من جديد:
"أنت شيطانة صغيرة أسرت قلبي كله دون أن تمنحني أي فرصة للهرب من قيد عشقها الأبدي.."
كانت تجلس على طاولة الطعام بشرود قطعته والدتها وهي تنادي عليها..
فنظرت لها ليلى تتساءل عما كانت تقوله..
وضعت فاتن كفها فوق كف ابنتها تخبرها بجدية:
"حبيبتي.. أنت منذ يومين على هذه الحالة.."
سحبت كفها لتجذب قدح عصيرها ترتشف منه القليل عندما أضافت فاتن بتردد:
"أنا قلقة عليك يا ليلى.."
قاطعتها ليلى بجمود:
"لا تقلقي.. أنا بخير.."
أضافت وهي تنظر إلى عيني والدتها القلقتين بوضوح:
"ليست المرة الأولى وعلى ما يبدو لن تكون الأخيرة.."
أضافت وهي تضع كفها فوق كف والدتها:
"لكن كما أخبرتك لا تقلقي.. لقد اعتدت على هذا وأصبحت أجيد تقبله بسهولة.."
كلماتها تلك أقلقت والدتها أكثر دون أن تدري..
والدتها التي لاحظت تبدلها المريب في اليومين السابقين..
طردها لمريم ثم ما تبعه من مواجهتها لكنان..
كانت فاتن تنتظر انهياراً بين أحضانها بعد صدمتها الكبيرة في شقيقتها..
لكن صدمتها ردة فعل ليلى بعد مغادرة كنان المكان..
جمود غلفها كلياً منذ تلك الليلة..
جمود يخيفها أكثر.. ابنتها تلقت صدمة شديدة ومختلفة هذه المرة..
صدمة أخيرة بعد سلسلة صدمات حاولت تجاوزها ولم تستطع..
عادت تتأملها وهي تتناول طعامها بنفس الجمود..
ملامحها الرقيقة بدت صلبة وعينيها متحجرتين بشكل يثير القلق..
أرادت فاتن أن تقول شيئاً ما.. أي شيء.. لكنها لم تستطع..
نظرت إلى ليلى التي أنهت طعامها ونهضت بعدها تستأذن المغادرة إلى غرفتها..
تابعته بعينيها مستوعبة أنها طوال اليومين السابقين لم تترك غرفتها إلا نادراً..
اختارت الانعزال في غرفتها عن الجميع..
لم تتحرك خطوة خارج الفيلا حتى لم تذهب في موعد زيارتها اليومية لوالدها..
بل حتى لم تسألها هي عن وضعه الصحي..
تنهدت بألم وهي تفكر في ابنتها الأخرى..
تلك التي تتجاهل اتصالاتها تماماً ولا تعرف أين هي الآن وماذا تفعل..
لا تنكر أنها غاضبة منها وبشدة..
تنتظر ظهورها كي تحاسبها على ما فعلته..
وهي التي تسأل نفسها يومياً عن السبب الذي جعل مريم تتصرف هكذا..
تتساءل إذا ما قصرت في تربيتها لتفعل كل هذا..
تلوم نفسها بشدة رغم أنها لا تتذكر أنها قصرت معها يوماً أو أهملتها يوماً..
لقد كرست حياتها كلياً لابنتيها وسعت إلى تربيتهما بأفضل شكل ممكن..
لكن رغم هذا لا يمكنها إلا تلوم نفسها..
ربما هي قصرت في شيء.. بالتأكيد.. وإلا ما كانت مريم ستتصرف بهذه الطريقة..
نهضت من فوق الطاولة وهي التي لم تتناول شيئاً من الأساس..
تحركت بآلية متجهة إلى غرفتها بعدما أخبرت الخادمة أن تنظف الطاولة..
أما ليلى فدخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف..
اتجهت نحو سريرها وألقت بجسدها عليه..
أغمضت عينيها وهي تكتم دموع القهر فيهما..
لا تريد أن تبكي.. لا تريد أن تضعف..
جميع ما حدث معها نتاج ضعفها وغبائها..
لماذا حدث هذا معها..؟!
هي لا تستحق هذا أم هي تستحق ما يحدث معها..؟!
هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض بها لخيبة..
ولكن المرة هذه مختلفة..
خيبتها في شقيقتها لا تساويها خيبة..
شقيقتها التي تعلم جيداً أن وراء اختفائها هذا مصيبة ما..
ورغم خوفها وقلقها عليها اختارت أن تقسو وتتجاهل..
عليها أن تتعلم القسوة كي تستطيع أن تحيا في هذا العالم المليء بالصدمات والخيبات..
اعتدلت في جلستها تكتم دموعها في عينيها..
نظرت إلى انعكاسها في المرآة فوجدت نفسها تحمل مظهر امرأة ضعيفة.. تائهة ومحطمة..
لم يعجبها ما رأته.. استفزها ذلك الضعف الظاهر عليها والألم المرتسم على ملامحها..
انتفضت من مكانها تتقدم نحو المرآة..
تقف مواجهة لها تتأمل ملامح وجهها المعذبة بتساؤل صدح بنبرة منخفضة بائسة:
"من أنتِ..؟ هل أنتِ ليلى ذات السبعة وعشرين عاماً..؟! لماذا تبدين وكأن عمركِ ازداد عشرين عاماً..؟! لماذا يبدو الألم محفوراً على ملامحك..؟! لماذا تحملين كل هذا الضعف واليأس في عينيك..؟! من أنت حقاً..؟! من أنت يا ليلى..؟! بالتأكيد لست ليلى القديمة.. المشرقة القوية.. الجميلة الجذابة.. ليلى التي تملك العالم بين يديها.. أين ذهبت ليلى القديمة..؟! هل ماتت..؟! ومن تسبب بموتها..؟! نديم..؟! عمار الخولي..؟! أحمد سليمان..؟! مريم سليمان…؟؟ كنان نعمان..؟! أم جميعهم تكاتفوا وشاركوا في قتلك..؟!"
تراجعت إلى الخلف بجزع.. الخوف غزا روحها..
أرادت أن تهرب بسرعة.. تهرب من صورتها بالمرآة..
تحركت تغادر غرفتها هاربة من مجهول.. مجهول لا تدركه ولكنها تخشاه..
توقفت خارج غرفتها وهي لا تدرك أين يمكنها أن تذهب..؟؟
أين تهرب من واقعها..؟؟ من قدرها المظلم..؟!"
ثم اندفعت بسرعة نحو غرفة أخيها..
فتحت الباب ودلفت إلى الغرفة لتتوقف في منتصفها وهي تتأمل عبد الرحمن الذي يلعب في المكعبات بشغف كعادته..
رفع الصغير وجهه نحوها وهو يبتسم لها بإشراق..
تقدمت نحوه وحملته متجاهلة حديثه معها..
جلست على سريره الصغيرة وهي تعانقه.. تضمه داخل أحضانها أو ربما تضم هي نفسها داخل أحضانه..
تحتمي به من عالم قاسٍ لا يناسبها.. عالم لا يصلح أمثالها للعيش فيه..
شددت من عناقه وهي ترتجف بقوة بينما الدموع تساقطت فوق وجنتيها رغماً عنها..
في صباح اليوم التالي.. استيقظت من نومها أخيراً..
اعتدلت في جلستها تتفحص جسدها رغماً عنها بتوجس..
تنهدت بصمت وهي تنهض من فوق السرير متجهة إلى الحمام الملحق بالغرفة..
وقفت أمام المغسلة تغسل وجهها أولاً قبل أن تجففه بالمنشفة لتتأمل ملامحها بصمت وعقلها يشرد فيما حدث البارحة..
حديثه الذي يحمل بين طياته الكثير.. اعترافه الصريح بعشقه لها..
عشقه الذي صرح به عدة مرات مسبقاً لكن هذه المرة تصريحه كان مختلفاً..
تصريحه كان يحمل ثقة وثبات وقوة مثيرة للريبة..
عمار بدا مختلفاً بشكل يثير قلقها..
تفهمه البارحة لرغبتها في البقاء في غرفة أخرى فاجأها..
لم تتوقع منه تصرفاً كهذا.. متى كان مراعياً..؟!
أم هو فقط يلاعبها بطريقة مختلفة..؟!
غادرت الحمام بملابسها التي لم تغيرها بعد..
أخذت نفساً عميقاً وهي تتسلح بكل ما تملكه من شجاعة وثقة لتخرج من الغرفة..
فتجد الشقة هادئة تماماً بشكل أثار ريبها..
أين هو..؟! هل ما زال نائماً..؟!
توقفت عن أفكارها عندما وجدته يدلف إلى الشقة بملامح واجمة أثارت غيظها..
لم تكن تنتظر منه شيئاً كهذا في أول يوم لهما بعد زواجهما..
تأملت تلك الأكياس التي وضعها على الطاولة بإهمال قبل أن يجلس جانبها على الكنبة..
سألته مدعية الاهتمام:
"هل حدث شيء ما.. تبدو حزينا.."
أجاب باقتضاب:
"جيلان دخلت صباح اليوم إلى المصحة النفسية.."
تمتمت بخفوت:
"حسنا.. لا بأس.. سوف تتحسن قريباً إن شاء الله.."
أشار إلى الأكياس مردداً:
"هذه ملابس اشتريتها لك.."
"حقاً..؟!" قالتها بحماس وهي تنهض وتلتقط الأكياس بينما تثرثر بعفوية:
"كنت أحتاجها كثيرا.."
ثم مالت نحوه عن قصد تقبله على وجنته وهي تشكره برقة:
"شكراً يا عمار.."
تأملها لوهلة قبل أن ينتفض ضاحكاً بطريقة فاجأتها..
توجست ملامحها وهي تراقبه يضحك بهذه الطريقة المثيرة للريبة..
توقف عن الضحك فجأة كما بدأ وهو يخبرها بخفة:
"لا تليق بك هذه التصرفات يا مريم.."
سألته بصوت مبحوح:
"آية تصرفات..؟!"
رد وهو يتأملها ببرود:
"التصرفات اللطيفة مثلا.. لا داعي أن تتصرفي بشكل لا يشبهك.. أنا أريدك كما أنت.. على طبيعتك.."
هزت رأسها بصمت عندما نهض من مكانه وسحب كيساً ومده لها يخبرها بشقاوة:
"انظري إلى داخل الكيس.."
التقطت الكيس وأخرجت ما فيه بلا مبالاة لتتجمد مكانها وهي ترى قميص نوم أسود اللون شبه عارٍ..
مال نحوها مردداً وانفاسه تلفح جانب وجهها:
"سترتديه في ليلتنا الأولى.."
تراجعت قليلاً تلاحظ التصميم في عينيه.. يمنحها رسالة مبطنة أن تفهمه البارحة لن يدوم طويلاً..
تمتمت وهي تهز رأسها:
"حسنا.."
أضافت بتردد:
"أنت تعرف أنني لست مستعدة حالياً ولكن.."
توقفت أمام نظرة عينيه المشتعلة برغبة دفينة بينما نبرة صوته العميق تخبرها بغلظة:
"الليلة يا مريم.. الليلة سوف نتمم زيجتنا.. وإلا.."
"وإلا ماذا..؟!" سألته ممتعضة ليبتسم ملء فمه وهو يردد:
"أنا لست صبوراً على الإطلاق يا مريم وأنت من أتيت بنفسك وعرضت الزواج علي.."
قاطعته بحدة:
"كنت ستفعلها أنت عاجلاً أم آجلاً.. أنا سبقتك فقط.."
تمتم ببرود:
"لا يهم من سبق الآخر.. ولكن عليك أن تفهمي أنني لست غبياً.."
أضاف وهو يجذب خصلة من شعرها يلفها حول إصبعه:
"أنا أمنحك ما تريدين بكامل إرادتي يا مريم.. عليك أن تدركي مع من تتلاعبين يا صغيرة.."
حرر خصلاتها وهو يخبرها بإيجاز:
"الليلة سوف نتمم زيجتنا.. وغداً سنذهب إلى عائلتك ونخبرهم بزواجنا.."
انصرف بعدها تاركاً إياها تتابعه بتوجس حقيقي.. فهذا الرجل يضمر شيئاً ما.. شيئاً لا تدركه ولكنه بات يخفيها مهما تظاهرت بالقوة والثبات..
كان هاتفها يرن باسمه بينما تتجاهل هي اتصالاته كعادتها منذ ليلة البارحة..
رفعت شعرها عالياً بتسريحة بسيطة ثم هندمت نفسها للمرة الأخيرة قبل أن تحمل حقيبتها وتتحرك خارج غرفتها..
قابلت والدتها وهي في طريقها لمغادرة المنزل فأخبرتها أنها ستذهب إلى الشركة بعد غياب يومين..
غادرت بعدها وسط صمت والدتها وقلقها الذي تجاهلته عن قصد..
من الآن فصاعداً ستتجاهل كل شيء..
تحركت متجهة نحو سيارتها عندما توقفت مكانها بجمود وهي تجده يهبط من سيارته متقدماً نحوها يسألها بضيق:
"لماذا لا تجيبين على مكالماتي..؟! أحاول التواصل معك منذ مساء البارحة.."
عقدت ذراعيها أمام صدرها تخبره ببرود:
"لأنني قلت ما عندي.. أريد الطلاق ولا شيء سواه.."
أكملت بتهكم:
"ظننت أنك فهمت ذلك.."
هتف بجمود:
"لا طلاق يا ليلى.."
فكت ذراعيها وهي تصيح بنفاذ صبر:
"ستطلقني يا كنان.. فأنا لا أريدك بعد الآن.."
تنهد بصوت مسموع محاولاً أن يسيطر على أعصابه.. فما يمر به هذه الفترة يجعله عصبياً للغاية..
قال بجدية:
"لقد تركتك البارحة ولم أشأ أن أضغط عليك.. اعتقدت أنك سوف تهدئين وتحاولين أن تفهمين مني أولاً.."
هتفت معترضة:
"وما الذي سوف أفهمه..؟! أنت خدعتني.. مهما حاولت تزويق ذلك لن تنجح.. والأهم إنك كنت تريد استغلالي وفعلت نفسي الشيء مع شقيقتي.. كنت جزءاً من انتقامك.."
قاطعها بثبات:
"نعم.. ولكنني تراجعت.."
ضحكت مرددة بعدم تصديق:
"وهل هذا يلغي الحقيقة..؟! هل تجد هذا مبرراً حقاً يا كنان..؟!"
"أنت لا تعرفين ما بيني وبين عمار.. لا تعرفين ما الذي دفعني لذلك.." قالها بوجوم لتهتف متشدقة:
"ولا يهمني أن أعرف.. ليكن بعلمك لم يعد يهمني أياً مما يحدث.. حتى مريم لم تعد تهمني.."
أضافت ببرود:
"أنا لا أعرف عنها شيئاً منذ يومين ورغم ذلك لا أهتم.. وأنت بدورك لا أهتم بأي شيء يخصك.. انتقامك يخصك.. لا يعنيني أبداً.. ما يعنيني هو زواجي منك.. زواجي الذي سينتهي يا كنان شئت أم أبيت.."
همت بالتحرك بعيداً عنه لكنه قبض على ذراعها مردداً بخفوت:
"لم أعهدك قاسية يا ليلى.."
ابتسمت ليلى بسخرية وهي تخبره بمرارة خفية:
"يؤسفني أن أخبرك إنني كذلك بالفعل.. قاسية لدرجة تجعلني أتجاهل كل شيء ولا أفكر سوى بنفسي وحريتي.. حريتي التي كبلتها بقيودك لأجل من لا يستحق.."
قال مندهشاً مما تقوله:
"أنا لم أفعل.. أنا فقط أردتك وأنت وافقتي بكامل إرادتك.. من قال إن زيجتنا ستكون قيداً يكبل حريتك..؟!"
قاطعته بتجهم:
"هذا الزواج كان لسبب معين.. والسبب لم يعد يهمني.. لا أحد يستحق تضحيتي ولا أنت بدورك تستحق أن أفي بوعدي لك بعدما خدعتني.. علاقتنا بدايتها كانت خاطئة موصومة بكذبك وخداعك لذا يجب أن تنتهي.."
جذبها من ذراعها فشهقت برفض تجاهله وهو يخبرها بضراوة:
"أنت لا يمكنك أن تسيري كل شيء وفق ما تريدين.. أفيقي يا هذه.. العالم لا يسير بتلك الطريقة التي تريدينها.."
ابتسم ساخراً وهو يضيف:
"ما مشكلتك معي..؟! أنني كذبت عليك..؟! الجميع يكذب.. لكن هناك فرق بين كذب وآخر.. أنت لا تتوقعين أن تعيشي حياة مثالية تشبهك.. ولا تتوقعي أن تحصلي على رجل مثالي كامل الأوصاف.."
قست عيناه وهو يسترسل:
"لا يوجد أحد مثالي.. حتى المثالي سوف يتحرر من مثاليته يوماً عندما تتعارض مثاليته تلك مع مصلحته.. افهمي هذا وتوقفي عن نظرتك الساذجة للمجتمع.."
صاحت معترضة:
"وهذا ما أفعله.. أنا بالفعل سأفعل ذلك بعد الآن ولهذا سوف أتطلق منك لأن مثالياتي التي تكرهها وتسخر منها هي من كانت تجبرني على الاستمرار في هذه الزيجة.. مثالياتي التي منعتني من التراجع عن وعد قطعته لك بعد كل ما قدمته لي.."
تراجع بملامح جامدة وهو يردد:
"أنت تعترفين أنك تتزوجينني بدافع التضحية إذا.."
"رد جميل.. هذا سبب زواجي منك.." قالتها بقسوة لا تعرف متى باتت تمتلكها..
وهو الذي منحها اعترافاً صريحاً بالحب قبل يومين.. اعتراف ربما كان سوف يسعدها في وضع مختلف..
لاحظت تشنج ملامحه بينما الجمود ما زال يكسو نظراته..
قال أخيراً بثبات:
"ربما يكون هذا الدافع الأساسي.. ولكنك لا يمكنك أن تنكري إن هناك جزءاً داخلك كان يميل لهذه الزيجة.. لا يمكنك أن تنكري إن هناك شيئاً ما داخلك نحوي بعيداً عن الامتنان وما شابه.. شيء ربما ترفضين الاعتراف به أو تخشينه.. ولكن سيأتي يوم وتضطرين أن تعترفين به رغماً عنك.."
أنهى كلماته وتحرك باندفاع تاركاً إياها متخبطة كلياً والضياع يملأ روحها..
كانت تجلس أمامه ترتشف قهوتها بصمت وهو يفعل المثل..
سألته أخيراً وهي تتأمله:
"هل أنت بخير يا فادي..؟!"
تنهد وهو يضع فنجانه مكانه ثم قال:
"والدتي علمت بعلاقتنا.."
تمتمت بجدية:
"بالتأكيد رفضت.."
هز رأسه بصمت لتهتف غالية بوجوم:
"والدتك لم تحبني منذ البداية.."
قال فادي بصدق:
"كلا يا غالية.. والدتي فقط كان ارفض ارتباطك بفراس لأجل عهد.."
تجاهلت الازدراء الذي ملأ ملامحه وهو يذكر جملته تلك لتسأله:
"أليس غريباً أن تحب والدتك عهد لهذه الدرجة..؟!"
هتف بجدية:
"الأمر لا يتعلق بكونها تحبها.. صحيح هي تحب عهد.. ولكن ما يجعلها تتمسك بعودة فراس إليها هو تميم.. هي تريد لحفيدها أن يعيش بين أبويه وتسعى لذلك.. ولكن عهد ترفض بشدة وفراس بدوره يفعل.."
ضحكت مرغمة:
"شقيقك هذا مشكلة.. لا أصدق إنه يرفض العودة إليها.."
استرسلت:
"يذكرني بعمار قليلاً.."
قال بجدية:
"أنا أشفق عليه أحيانا.."
نظرت له بدهشة فأكمل:
"فراس ضحية والدي.."
سألته بتوجس:
"كيف يعني..؟!"
هتف مضطراً:
"أنت تعرف أن والدي حي يرزق يا غالية.."
قالت بصدق:
"علمت بالصدفة وتفاجئت حقاً.. لم يسبق أن أتى أحدكم بذكره.."
قال بتردد:
"علاقتنا ليست على ما يرام.."
تأمل التساؤلات في عينيها فأكمل:
"والدي كان يشبه فراس.."
تمتمت برفض:
"كان يخون والدتك.."
هتف فادي ببرود:
"نعم.. ولكن بفارق إنه كان يفعل ذلك بإطار شرعي.."
ابتلعت غالية صدمتها وهي تسأل:
"هل تزوج عليها أكثر من مرة..؟!"
أجاب فادي ساخراً:
"عدة مرات عرفياً وثلاثة شرعياً.. آخرها قبل خمسة أعوام.. زيجته الأخيرة ما زالت مستمرة وهو يعيش في الخارج مع زوجته.."
"يا إلهي.." تمتمت بها بعدم تصديق قبل أن تضيف بتردد:
"ووالدتك..؟! متى تطلقت منه..؟!"
ضحك بخفة قائلاً:
"المفاجأة أنها لم تفعل.."
اتسعت عيناها بارتياع ليكمل بجمود:
"رفضت أن تفعل لأجل المجتمع وأجلنا.. تقبلت زيجاته المتعددة وكافة أفعاله وأذيته لها وإهماله لنا نحن أولاده ولم تتطلق.. رضيت أن تبقى على ذمته فقط لأجل مظهرنا أمام المجتمع كأولاد لأبوين مطلقين.. وربما لأجل مظهرها هي الأخرى.."
تنهد مجدداً ثم قال:
"ما أريدك أن تعلميه أن والدتي امرأة تقليدية وتتمسك بالعادات جداً.. يعني رفضت أن تتطلق من والدي رغم زواجه عليها لمرات لا يمكن عدها.. تحاول بشدة أن تعيد فراس لعهد كي يعيش تميم بين أبويه.."
أكملت نيابة عنه:
"وترفض ارتباطنا لأن هذا يخالف منطقها في الحياة والعادات التي تتمسك بها.."
"هي تقدس العائلة وتسعى دائماً للحفاظ على تماسكها ومن وجهة نظرها زواجنا سوف يهدد تماسك العائلة.." قالها بجدية لتسأله:
"وأنت..؟! ما رأيك..؟!"
أجاب بصدق:
"أنا أريدك.."
"ووالدتك..؟! " سألته بوجوم ليهتف بجدية:
"لا بد أن تقتنع.. سأفعل المستحيل لأجل ذلك.."
أكمل:
"ما أريده فقط أن تمنحيني بعض الوقت.. أحتاج وقتاً لإقناعها.."
"ما هذا الذي تقوله يا فادي..؟! بالطبع سأفعل.. أنا أتفهم موقفها.." قالتها بصدق قبل أن تضيف:
"ولكن عدني إنك لن تتخلى عني أبداً يا فادي.."
ابتسم مردداً:
"وهل أستطيع أن أفعل يا غالية..؟!"
هتفت بجدية:
"عدني يا فادي.."
مد كفه يحتضن كفها وهو يخبرها:
"لن أتخلى عنك مهما حدث يا غاليتي.."
جالسة فوق السرير تقضم أظافرها بحركة تدل على توترها بل وغضبها أيضاً..
تتذكر حديثه واقراره بإتمام زيجتهما الليلة..
ماذا كانت تتوقع..؟!
نعم هي كانت تتوقع ذلك بل واستعدت له..
ولكن حديثه وتصرفاته اليوم جعلتها تشعر بالريبة..
هي باتت تخشى أنه يضمر لها شيئاً هو الآخر وأن لديه دوافع هو الآخر خلف هذه الزيجة..
انتفضت من مكانها وهي تهتف مع نفسها:
"لا يمكن.. مستحيل.."
هكذا أخبرت نفسها وهي تتحرك داخل الغرفة بعصبية..
هذه اللعبة هي من بدأتها وهي من سوف تنهيها بالشكل الذي تريده..
توقفت أمام المرآة ترمق نفسها بجمود امتد للحظات قبل أن ترتسم ابتسامة واسعة على شفتيها..
أيًا كان ما يفعله عمار وأيًا ما كان يخطط له ويريده..
تبقى هناك حقيقة وحيدة.. حقيقة ثابتة لا جدال فيها..
هذا الرجل بكل قوته وجبروته وقسوته وشره عاشقا لها..
وهذا الشيء الوحيد الذي هي متأكدة منه وعليها أن تستغله جيداً..
الآن عليها أن تتحرك وتثبت له إنها قوية بقدره ولا تهاب شيئاً ولا يهمها شيء..
والأهم هي بحاجة أن تمنحه بضعة مبررات لهذه الزيجة..
وأن تقنعه بأن قرارها هذا لم يكن وليد لحظة غضب أو جنون..!
اتجهت ببصرها نحو الكيس لتبتسم بشيطنة وهي تجذب قميص النوم من داخله..
ترتديه فيظهر جسدها الأبيض البض بشكل يثير القديس وليس عاشقا مخضرماً مثله..
وقفت أمام المرآة تضع المكياج لنفسها بينما سرحت شعرها الطويل وتركته منسدلاً على جانبي وجهها..
تحركت نحو هاتفها وشياطينها متحفزة لتسديد صفعة شديدة لآخر تخلى عنها..
وآن أوان أن يدفع ثمن تخليه..
تأملت تلك الصورة التي التقطتها لعقد الزواج..
فضغطت على زر الإرسال..
ستصل الرسالة لأكرم.. سيغضب.. سيحترق.. وهو يستحق ذلك..
مريم سليمان لا تتنازل عن حقها أبداً..
من ألمها سوف يتألم.. ومن أحرق قلبها ستحرقه كلياً..
أغلقت هاتفها وعادت نحو المرآة تضع عطراً قوياً ذو رائحة ساحرة..
تحركت خارج الغرفة بقدمين حافيتين..
كان الوقت ما زال عصراً..
دلفت إلى غرفته فوجدته يغادر الحمام وهو يجفف شعره بالمنشفة قبل أن يتجمد مكانه وهو يراها أمامه بقميص النوم الذي يعرض جسدها الشهي بسخاء..
ابتسامة ثابتة مرتسمة فوق شفتيها..
ابتسامة تليق بها.. هي أنثى جامحة.. قوية.. وشرسة..
لا تهاب أي شيء ولا تهتم بشيء..
صباحاً أخبرها إنه سينالها الليلة.. وها هي أتت بنفسها إليه..
وقبل قدوم الليل بساعات تخبره عن استعدادها التام لمنحه جسدها كما يتمنى ويشتهي..
ماذا كان ينتظر منها..؟!
هل ينتظر رفضاً أم خجلاً لا يناسبها..؟!
هذه مريم التي يعرفها.. مريم المقدامة..
تقدم نحوها بعدما رمى منشفته بعيداً بإهمال..
وصل إليها ورائحة عطرها سحرته..
قبض على خصرها يجذبها نحوه فاصطدمت بصدره العاري..
لا تفعل كما تفعل أي عذراء في ليلة هذه..
هي تناظره بتحدي.. تحدي يليق بها وبه..
تخبره أنها مستعدة ومتحفزة..
وهو بدوره مستعد ومنذ سنوات..
جذبها بعناق جارف.. شوق عاصف.. وقبلات جامحة..
الآن اكتمل حلمه.. مريم بين ذراعيه أخيراً.. راضية ومستسلمة وتتجاوب معه بكل جموح..
حلمه تحقق أخيراً وها هو ينالها كما اشتهى بل تاق لسنوات..
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم سارة علي
في اليوم التالي ….
جلست تقرأ الصحيفة بملامح جامدة ….
انتشر الخبر في كل مكان …
كان شيئا متوقعا …
سمعت والدتها تتحدث جوارها ….
مصدومة مما حدث …
لا أحد يستوعب بعد الحقيقة …
رغم ان والدتها كانت متأكدة من براءة نديم لكنها لم تتوقع ان يتسبب عمار بكل هذا الأذى …!
والدتها ترفض تصديق حقيقة إن أخ يمكنه أن يفعل هذا مع أخيه …
تجاهلت سماع ما تقوله والدتها وهي تضع الصحيفة جانبا بينما تحمل كوب قهوتها وترتشف منه القليل …
ماذا لو علمت والدتها انها ساعدت بما حدث …؟!
والأهم ماذا لو علمت بما فعلته شقيقتها قبل ما حدث …؟!
عادت بذاكرتها الى الخلف … تتذكر الحديث الذي جمعها به ..
كنان الذي ما زال زوجها وإن ما زالت ترفض ذلك …
ما علمته ان كنان يريد الانتقام لشقيقته رافضا الافصاح عن كيفية تسبب عمار بموتها …
لا نديم ولا حتى هي يعرفان ما فعله عمار بشقيقة كنان …
كل ما يعرفانه انها ماتت بسبب عمار وكنان يسعى لنيل ثأر شقيقته منه …
تنهدت بصمت وهي تتذكر طريقة تفكير كنان التي فاجئتها …
كيف كان يخطط …؟!
والأهم كيف يريد التخلص من عمار …؟؟
والأسوأ انه ذكر هذا امامها وكأنه يدرك جيدا ان ما ينتويه لعمار مستقبلا بعد سجنه حيث التخلص منه سيكون مكشوفا لها فهي ستعلم ما ان ينفذ قراره ذلك انه الفاعل ….
عادت بذاكرتها وهي تتذكر جلوسها معه بينما يحادث نديم بنبرة جادة للغاية :-
” عمار كما توقعت يخطط للسفر …. يريد الهرب باسرع وقت ….”
كانت هي شاردة تماما .. تفكر في شقيقتها المختفية كليا وهاتفها المغلق …
قلقها يتصاعد مع مرور الوقت مما جعلها لا تفكر بشيء غير ايجاد حل لانقاذها فعلى ما يبدو شقيقتها حبيسة لدى ذلك الحقير …
كان كنان يتحدث مضيفا بجدية :-
” زوجته ولدت طفلها البارحة … ”
وهنا انتبهت اخيرا لما قاله فهتفت بسرعة :-
” شيرين انجبت طفلها … ؟!!!”
أومأ كنان برأسه ليهتف نديم متسائلا :-
” أليس الوقت ما زال مبكرا على ذلك …؟! ”
تمتم كنان بجدية :-
” ربما لم تتحمل خبر زواج عمار من مريم …”
انتفضت ليلى تتسائل بعدم تصديق :-
” من أخبرها بذلك …؟!”
نطق كنان على الفور :-
” انا …”
منحته نظرات مشتعلة عندما قال نديم بضيق :-
” لم يكن عليك ان تفعل ذلك .. هي لا ذنب لها فيما يفعله عمار …”
هتف كنان بحنق :-
” اخته لا ذنب لها وزوجته لا ذنب لها … هل تستوعب انك في وضع لا يسمح لك أن تفكر سوى في طريقة تجعل بها عمار يعترف بجريمته في حقك …؟! ”
زفر نديم انفاسه بضيق بينما قالت ليلى بوجوم :-
” ماذا لو أصابها مكروه بسبب الولادة المبكرة ..؟! ماذا لو خسرت طفلها لا سامح الله …؟! ماذا لو كانت الصدمة اقوى من ان تتحملها …؟!”
تمتم كنان باقتضاب :-
” لكنه لم يحدث شيء … ثانيا هي كانت ستعلم بما حدث بكل الاحوال ….”
” شيرين لا ذنب لها بأفعاله …”
قالتها ليلى بحدة جعلته يهدر بها :-
” جيد ، طالما تفكرين بهذه الطريقة فلن تنجحي في استعادة شقيقتك منه …”
عقدت ذراعيها امام صدرها تسأله بحدة :-
” حقا ..؟! وانت سوف تعيدها …؟! كيف ستفعل ذلك …؟!”
تبادل النظرات مع نديم لتلتفت ليلى في نفس اللحظة فتشاهد عدم الرضا واضحا على ملامح نديم لتسأل كنان مجددا بنفاذ صبر :-
” مالذي تخطط اليه يا كنان …؟!”
اجاب كنان بتروي :-
” يمكنك المغادرة يا ليلى وانا أعدك انني سأعيد شقيقتك لك في اقرب وقت .. ”
رفضت بسرعة :-
” لا يمكن .. اريد ان أفهم علام تنوي … انا لا أثق بك وبتصرفاتك …”
تجاهلت الغضب الذي ظهر في عينيه وأكملت بلا مبالاة :-
” ولن أسمح لك أن تؤذي اشخاصا لا ذنب لهم بسبب افعال عمار …”
تحدث نديم اخيرا بضيق :-
” قل ما لديك يا كنان .. دعنا نفهم على الاقل ما يدور في ذهنك …”
نظر كنان له وقال بجدية :-
” انت تريد برائتك و برائتك لن تحصل عليها الا من خلال اعتراف عمار نفسه بإنه من وضع لك تلك الادوية في الصيدلية وهذا يعني حبس عمار عقابا على جريمته وهذا ما أريده انا بدوري لأتمم خطتي كاملة بعدها …”
” كيف يعني …؟! مالذي تريده اكثر من حبسه …؟!”
سألته ليلى بتجهم ليجيب كنان باقتضاب :-
” ما بيني وبين عمار دم … والدم لا يؤخذ سوى بالدم …”
اتسعت عينا ليلى بصدمة بينما قال نديم :-
” وكيف ستفعل هذا ..؟! كيف ستحصل على اعتراف عمار …؟!”
منحته ليلى نظرة مستنكرة هو الآخر بينما قال كنان :-
” ذلك الضابط الذي ساعدك يوم قبضت الشرطة عليك منذ فترة …”
سأله نديم باهتمام :-
” اسمه فادي … ولكن ما علاقته بالأمر ..؟!”
تراجع كنان الى الخلف صامتا للحظات تبعها بتساؤل :-
” هل تثق في ذلك الضابط ..؟! يمكننا الإعتماد عليه والأهم سيتفهم الموقف ويساعدنا للوصول الى غايتنا أيا كانت الوسيلة ..؟!”
رد نديم بتشتت :-
” على حسب الوسيلة … !! إلام تريد أن تصل يا كنان ..؟! مالذي تفكر به ..؟!”
صمت كنان لوهلة بدا وكأنه يفكر قبل أن يقول بجدية :-
” نحن نحتاج الى هذا الضابط … وجوده سيساعدنا كثيرا في التخلص من عمار نهائيا ..!'”
أضاف موضحا :-
” من الناحية القانونية على الأقل …”
سأله نديم بحيرة يغلفها التردد :-
” لماذا لا تتحدث بوضوح يا كنان ..؟!”
هتف كنان بتهكم مقصود :-
” أخاف أن أخدش مثاليتك …”
نهض نديم مرددا بجمود :-
” لا داعي للحديث إذا .. إذا كنت ستتصرف بنفس الطريقة و ..”
قاطعه كنان ببرود :-
” هل تعلم ..؟! أنا شبه متأكد إن أخيك يراهن على سمو أخلاقك هذه والتي يعتبرها بالمناسبة دليل على الضعف والجبن ..”
توقف للحظة يلاحظ انكماش ملامحه ليسترسل بثبات :-
” لكن عليك أن تستوعب إنك لم تعد وحدك .. أنت سوف تصبح أب .. هناك طفلة متعلق مصيرها بك وهناك زوجة أيضا …”
تجهمت ملامح نديم فيكمل كنان ببرود :-
” أنت بيدك سقوطه يا نديم … الآن ترفض لكن بعد أعوام ستلعن نفسك ألف مرة لإنك لم تفعلها … ستندم على كل لحظة تمسكت فيها بمثالية زائفة .. ناهيك عن وضعك ابنتك وزوجتك في المستقبل …”
” ما المطلوب يا كنان ..؟!”
سأله نديم بوجوم ليجيب كنان ببساطة :-
” أنا رتبت كل شيء والطفل سيكون معنا صباح الغد ولكن …”
شهقت ليلى بعدم تصديق بينما توقف كنان للحظة ثم أكمل :-
” سنحتاج صديقك الضابط … ”
لمعت عينا نديم وهو يتسائل بفضول :-
” و مالذي سيحدث بعدها ..؟!”
هتف كنان ببساطة :-
” أبدا .. عمار سيعترف بنفسه على كل شيء … أنت تنال برائتك وأنا …”
أظلمت عيناه وهو يضيف :
” سأتولى مهمة تصفيته فيما بعد … ”
صاحت ليلى على الفور :-
” كلا ، لن اسمح لك بهذا …”
قال كنان بجدية :-
” الطفل لن يصيبه اي مكروه … سوف نستغل وجوده في المشفى ونأخذه …”
” مستحيل …”
قالتها ليلى بقوة قبل ان تنظر الى نديم تهتف برجاء :-
” انت لا يمكن ان توافق على شيء كهذا … ”
لمعت عينا كنان بغيرة شديدة لم تنتبه لها بينما حواسها كلها مع الرجل الذي عرفته لسنوات طويلة …
لا يمكن ان يفعل هذا … نديم ليس كذلك … هكذا اخبرت نفسها فكررت اسمه برجاء ألا يخيب آمالها مجددا …
منحها نديم نظرة جامدة وهو يردد :-
” الأمر ليس سهلا يا ليلى … حياتي القادمة مقابل ذلك .. مستقبل ابنتي …”
تمتمت ليلى بعدم استيعاب :-
” ماذا لو أصاب الطفل مكروه ما ..؟؟ كيف ستغفر ذلك لنفسك …؟!”
هتف كنان بعصبية فشل بالسيطرة عليها :-
” نديم موافق يا ليلى … مصلحته ومصلحة طفلته تقتضي قبوله … وانت يجب ان تفهمي ذلك .. و تتوقفي عن طريقتك تلك …”
التفت نحوه بنظرات حارقة قبل ان تعقد ذراعيها امام صدرها وهي تخبره بتحدي :-
” وانا لست موافقة ولن اسمح لك بذلك …”
” حقا ..؟! وكيف ستفعلين ذلك …؟! هل سوف تخبرين عمار بما نخطط له … ؟! وماذا عن شقيقتك …؟! هل سوف تتركينها له …؟!”
ظهر التردد في عينيها لكن سرعان ما قتلته في مهده وهي تهتف بثبات :-
” سأخبر شيرين بكل شيء ….شيرين يوما ما كانت صديقتي …”
” صحيح .. شيرين كانت صديقتك …”
تمتم بها نديم بشرود بينما قال كنان بجمود لا يخلو من القسوة :-
” لا يمكنك ان تفعليها يا ليلى … انا لن اسمح لك بذلك …”
هتف نديم بجدية :-
” لحظة يا كنان … اسمعني من فضلك …”
التفت كنان له وكذلك ليلى عندما نظر نديم هذه المرة لها يخبرها :-
” انت تعرفين شيرين جيدا … كانت اقرب صديقة لك …”
هزت رأسها مرددة بوجوم :-
” لكنني لم أتحدث معها منذ سنوات …”
” ولكنك تعرفينها جيدا …”
قالها نديم بهدوء لتسأله ليلى بفطنة :-
” هل تريد مساعدة شيرين لك أو بالأحرى لنا …؟؟ ”
هتف نديم بسرعة:-
” نعم ، يمكننا ان نستعين بمساعدة شيرين نفسها بدلا من اللجوء لخطف طفل صغير لا ذنب له بما حدث ….”
سأل كنان بتهكم :-
” ومالذي يجعل شيرين تفعل شيئا كهذا وتضحي بوالد طفلها …؟!”
قال نديم ببرود :-
” لان والد طفلها مذنب اضافة الى كونه خائن … ”
اكمل بثبات :-
” والأهم ان وجود خطر يتعلق بحياة ابنها يجعلها تفعل اي شيء لأجله … لا اعتقد انها تحب عمار اكثر من ابنها …”
هتف كنان غاضبا :-
” انت تعي ما تفعله … ربما ترفض و الاسوأ أن تخدعنا … ”
” لا اعتقد ذلك …”
قالها نديم بجدية وهو يضيف مشيرا الى ليلى :-
” اخبريها بما يخطط له عمار … دعيها تعلم انه يخطط للسفر ومعه مريم … اخبريها ايضا انه يحتجز مريم عنده .. ”
اتجهت ليلى بانظارها نحو كنان لتجد الرفض صريحا في عينيه عندما نطقت أخيرا :-
” سأفعل … سأكون غدا عندها …”
نقل كنان بصره بينهما قبل ان يردد بعدم رضا:-
” افعلا ما تريدان … انا عن نفسي لن اتدخل في شيء … حسنا …” هزت ليلى رأسها على مضض قبل ان تسحب حقيبتها وتتحرك خارج المكان ….
افاقت من ذكرياتها على صوت والدتها تخبرها انها ستتحدث مع نديم وتبارك له ما حدث من باب الواجب …
هزت ليلى رأسها بتفهم بينما أخذت تتذكر زيارتها لشيرين التي اندهشت في بداية الامر من وجودها …
شعرت بالاحراج الشديد وقتها بسبب تصرفات شقيقتها ناهيك عن ترددها باخبار شيرين بمخططات والد طفلها …
ورغم ما فعلته مريم استقبلتها شيرين بود بعدما استوعبت حقيقة وجود ليلى حولها بعد كل هذه السنوات …
تبادلت ليلى الاحاديث سريعا مع شيرين قبل أن تخبرها بعد تردد عما فعله عمار وكيف هو يحتجز شقيقتها ليظهر البرود تلقائيا على شيرين التي أخبرتها بوضوح ان عمار طلقها شفويا منذ اشهر وسوف تتطلق منه رسميا في اقرب وقت …
حينها اخبرتها ليلى عن سبب زيجة مريم من عمار ثم ما لبثت ان اوضحت لها مخطط عمار للسفر خارجا معها وطفلهما ومريم ايضا …
جن جنون شيرين وقتها والتي اخذت تسألها كيف علمت بهذا لتكتفي ليلى بأن تخبرها إن عمار يستعد لبيع اسهمه في شركة والده بل وتصفيه كافة ممتلكاته وانها يمكنها ان تتأكد من ذلك دون ان تخبره …
غادرت ليلى وقتها بعدما أخبرت شيرين بما يخطط له كلا من نديم وكنان ورغبتهما في الانتقام من عمار …
حاولت اقناعها ان دخول عمار الى السجن في مصلحة ولدها خاصة ان كنان نعمان شخص واصل جدا ويمكنه أن ينتقم من عمار بأسوء الطرق وهو بالفعل سيفعل ذلك …
شرحت لها ليلى كيف جاهدت كي تقنع كنان ألا يستغل الطفل في انتقامه وان يمنحها الفرصة لتتحدث مع شيرين التي ربما توافق وتساعدهم …
بدت شيرين مترددة بينما ليلى تذكرها بمخطط عمار حيث السفر خارجا وكيف يريد ان يأخذ مريم معه بينما هي عاجزة عن معرفة مكان شقيقتها التي يحتجزها عمار مضيفة عليها ما يمكن لكنان ان يفعله وكيف سينتقم من عمار …
لا تعرف كيف وافقت شيرين بعدها على مساعدتهم لكن على ما يبدو ان قرارها جاء بعدما اخبرها عمار بمخططه للسفر والتي رفضته هي بقوة ليهددها علنيا بأنه سيأخذ طفلها منها ويسافر به خارجا مما اضطرها للتواصل مع ليلى في اليوم التالي وهي تخبره عن رضوخها للأمر الواقع ومساعدتهم من اجل حماية طفلها الذي تريده ان يسلم من شر والده …
هكذا جرت الأمور وساعدتهم شيرين وتم القبض على عمار بعدها ورغم جميع ما فعله عمار بها لكنها لم تستطع ان تشعر بالسعادة ولا التعاسة حتى ..
مشاعرها كانت جامدة تماما وكأن الأمر لا يعنيها من الأساس …
نهضت من مكانها متجهة الى الطابق العلوي حيث غرفتها واثناء ذهابها الى هناك لاحت منها نظرة الى غرفة شقيقتها …
شقيقتها التي عرفت مكان اقامتها من شيرين فسارعت تذهب مع كنان ورجاله لاخراجها من هناك والعودة بها الى المنزل دون ان تنطق بكلمة واحدة وبدورها مريم لم تتفوه بحرف واحد …
تركتها لوالدتها تتصرف معها بالطريقة التي تريدها وهي تكذب عليها وتخبرها انها وجدتها عند احدى صديقاتها …
لم تستمع حتى للمبررات التي منحتها مريم لوالدتها حيث تركتهما سويا واتجهت الى غرفتها رغبة في الانفراد مع نفسها بعد هذا اليوم الطويل …
افاقت من شرودها مجددا على صوت رنين هاتفها فوجدت السكرتيرة تتصل بها تخبرها ببعض المعلومات المهمة ….
دلفت الى غرفتها وهي تنهي المكالمة مع سكرتيرتها ثم قررت ان تأخذ حماما باردا منعشا قبل ان تتصل بكنان بعد خروجها من الحمام وهي تطلب منه رؤيته فيخبرها انه سوف يمر عليها بعد ساعة بالضبط فهو الآخر يحتاج ان يتحدث معها …
(صورة)
غادرت الفيلا متجهة نحو سيارته حيث ينتظرها هو خارجا …
ركبت السيارة وألقت التحية عليه بجمود ليرد تحيتها وهو يدير مقود سيارته ثم يسألها بعد لحظات :-
” هل تودين الذهاب الى مكان معين …؟!”
تمتمت بخفوت :-
” لا أفضل الذهاب الى مكان مغلق .. يمكنك أن تقف بسيارتك امام البحر ونتحدث هناك .. ”
هز رأسه بصمت وهو يستمر في قيادة سيارته متجها الى اقرب مكان مناسب عندما ركن سيارته قرب احدى الحدائق العامة والتي كانت شبه خالية من الناس في هذا التوقيت المبكر من الصباح …
وجدها تفتح الباب وتخرج من السيارة دون ان تنتظره ليفعل هو هذا فتنهد بتعب وهو يفتح باب سيارته بدوره ويهبط منها سائرا خلفها حيث توجهت الى داخل الحديقة وجلست على احدى المصطبات ليتبعها بدوره حتى وقف مجاورًا لها يهتف بهدوء :-
” أسمعك يا ليلى ….”
أخذت نفسا عميقا ثم قالت :-
” أريد الطلاق …”
تغضن جبينه برفض لتباغته مضيفة :-
” لا يمكنني الاستمرار في هذه العلاقة … لا يمكنني تجاوز جميع ما مررت به بسهولة …”
قال بجدية :-
” سأمنحك الوقت الكافي حتى تستوعبي جميع ما حدث …”
منحته نظرة رافضة وهي تخبره :-
” لن يكون هذا مناسب لكلينا …”
” انا احبك وأريدك …”
قالها بصدق مس قلبها رغما عنها فتجاهلت اعترافه للمرة الثانية وهي تسأله باهتمام :-
” مالذي بينك وبين عمار …؟! كيف تسبب بموت شقيقتك …؟!”
منحها نظرة جامدة وهو يهتف :-
” لا يمكنني الافشاء بالسر الذي كتمته لسنوات عن الجميع حتى عن والدي ووالدتي …”
هتفت بعدم تصديق :-
” حقا …؟! لم أكن أعلم ان الامر صعب لهذه الدرجة …”
هتف بدوره :-
” هل تعتقدين ان قراري بالتخلص من عمار سيكون لسبب تافه يا ليلى …؟؟ ”
أكمل وهو ينظر اليها بقوة :-
” انا لست مجرما ولست قاتلا … انا فقط لا أصمت عن حقي ولا أتهاون به … لا أنكر إنني قوي جدا ومتسلط ولدي جبروت قاسي كما يقولون وهذا بفضل نشأتي واسم عائلتي الذي منحني هذه الهالة لكنني لم أؤذي يوما احدا دون سبب ولم أظلم احدا ابدا .. انا فقط أعامل كل فرد بالشكل الذي يستحقه ولن أمانع استخدام قوتي وسلطتي في عقاب اي شخص يمس من يخصني بسوء ….”
نهضت من مكانها ووقفت جانبه تخبره بينما تحاصر عينيه بنظراتها الحانية :-
” ولكن القتل شيء صعب جدا … اذا قتلته ستفقد جزءا مهما من نفسك .. ستفقد سلامك الداخلي … انت لست مجرم كما قلت قبل قليل ولكنك ستصبح مجرما اذا قتلته …”
هتف رافضا :-
” بالطبع لا .. انا أنال حقي منه .. قصاصي منه … انا لا أريد التخلص منه بدون سبب …”
قاطعته بجدية :-
” نحن لسنا في غابة كي تتصرف بهذه الطريقة فتستخدم نفوذك للتخلص منه بعدما نجحت في سجنه …”
تنهد مرددا :-
” عمار شر متحرك على الارض … موته سيكون لصالح الجميع … وانا كما قلت لا أقتله بدون سبب … انا أخذ حق شقيقتي يا ليلى …”
سألته بتجهم :-
” كيف ماتت شقيقتك …؟!”
سيطر الجمود على ملامحه كليا ..
هو لا يريد البوح …
وجدت نفسها تلمس ذراعه دون أن تستوعب ما تفعله …
تلمسها برقتها المعهودة وهي تخبره بصدق مجددا :-
” يمكنك أن تثق بي …”
قاطعها بنفس الصدق :-
” الأمر لا يتعلق بالثقة صدقيني … انا أثق بك ولكن …”
سألته بتردد :-
” ولكن ماذا …؟! ليس من المعقول ان تحتفظ بسر مهم كهذا لوحدك … هذا ليس مريحا على الاطلاق … خاصة وانت تتخذ هذا السر سببا للتخلص من شخص … لقتله ..!!”
” سأخبرك شيئا يا ليلى عليك ان تفهميه ..”
نظرت له بانصات ليهتف بجدية :-
” الحياة تحتاج الى الشخص القوي الذي لا يتنازل عن حقه … لإن التنازل هو بداية السقوط … انا اذا تنازلت عن حقي في دم شقيقتي الآن سوف أعتاد على التنازل فيما بعد وحينها سأسقط مع مرور الوقت وأنا أستحق هذا السقوط وقتها …”
” ولكن عمار سوف يعاقب … الله وحده يعلم كم عاما سيبقى في السجن …”
قاطعها بصلابة :-
” هو يحاكم على جريمته في حق أخيه … وانا أحاكمه على جريمته في حق شقيقتي …”
” لهذا السبب ساعدت نديم …؟!”
سألته بخفوت وهي تكمل مترجمة افعاله :-
” وجوده في السجن سوف يساعدك في التخلص منه بسهولة بعد ذلك …”
هز رأسه بصمت لتهتف برفض :-
” كلا يا كنان … اياك ان تفعلها .. القتل ليس شيئا عادية .. كيف تستطيع فعلها ..؟! كيف تستطيع تلويث يدك في دماءه أيا كان ما فعله …”
هتف معترضا على حديثها بشدة :-
” ولكنه تسبب بموت شقيقتي .. لماذا لا تفهمين …؟!”
زفرت انفاسها بتعب ليضيف بحشرجة :-
” ياسمين .. شقيقتي الصغرى … مدللة العائلة … انت لا تفهمين ذلك لانك لا تعرفين شيئا … لا تعرفين ما عايشناه منذ رحيلها … ”
تطلعت له بشفقة وهي تهمس :-
” ربما لم أعايشه ولكنني أستطيع استيعاب مدى الألم الذي سببه رحيلها في قلوبكم …”
” ابدا لن تفعلي ..”
قالها بحزم قاطع وهو يضيف :-
” رحيل ياسمين غيرنا كليا … جميعنا اختلفنا … ربما انا أقلهم …. ”
استرسل يخبرها :-
” انت لو كنت تعرفين عائلتي قبل رحيلها لفهمت علي .. حياتنا بوجود ياسمين كانت شيء وبعد رحيلها باتت شيئا آخر … ”
أضاف بألم سيطر على ملامحه :-
” والدي مثلا ترك العمل واعتزل الحياة كليا لسنوات بعد رحيلها وهو بالكاد عاد يتفاعل مع الحياة حوله في آخر عامين …. والدتي ترتدي قناع الصلابة الذي تخفي وراءه حزنها العميق لانها ترفض الانهيار … هل تصدقين ان شريف هانم نصار فقدت النطق لاكثر من عام بعد وفاة ياسمين رغم انها لم تذرف الدموع سوى في ايام العزاء …. في البداية تقبلت الامر بصلابة مثيرة للدهشة .. تبكي بصمت دون ان تتخلى عن شموخها لحظة واحدة وهي تستقبل المعزين … ولكن ما ان مر اسبوع على رحيلها حتى سقطت فجأة لتستيقظ بعدها وهي فاقدة للنطق ولم تستعيد قدرتها على الحديث حتى ولاده علياء لطفلها الاول …”
ترقرقت الدموع رغما عنها داخل عينيها ليضيف متهكما :-
” منذ ذلك اليوم وحياتنا تغيرت … انا باتت حياتي كلها للعمل … عمل فقط لا غير .. وسيف انشغل في عمله هو الآخر.. بات يتعمد ان يقضي اغلب وقته في عمله و الأسوء انه كان دائما ما يذهب في المهمات الصعبة والخطيرة … علياء دخلت في كآبة امتدت لشهور لم تفق منها الا عندما انجبت طفلها قبل موعد ولادته بشهرين .. حينها كان مريضا جدا وتوقع الاطباء رحيله لكن أراد الله ان يحميه ليعيش وتستقر صحته وهذا ما جعل علياء تخرج من قوقعتها بعدها … ”
تنهد بتعب ثم قال :-
” بالطبع انا أخبرك ما حدث باختصار … ”
هزت رأسها بصمت والدموع تترقرق داخل عينيها عندما هتف بصدق وهو يتأمل لمعة عينيها :-
” هل تعلمين انك تذكريني بها …؟!”
سألت والدهشة تلوح في عينيها :-
” كيف ..؟!”
ابتسم بحنين يخبرها :-
” هي كانت مثلك .. رقيقة وناعمة .. بريئة وصادقة … وعاشقة …”
توقف عن حديثه لوهلة عندما أضاف بسخرية :-
” عاشقة قتلها الحب …. ”
سألته بوجع :-
” وانا كنت مثلها … لذلك أردت الزواج مني …”
قاطعها بجدية :-
” انت لست مثلها وان كنتِ عاشقة ايضا … انت مختلفة عنها … رغم كل شيء لم تسمحي للحب ان يقتلك … ”
توقف مجددا يلاحظ جمود ملامحها ليضيف :-
” نعم خذلك الحب ولكنه لم يقتلك …”
سألته بخفوت :-
” هل تعتقد هذا …؟!”
رد بجدية :-
” انا متأكد من ذلك …”
عادت تسأله باهتمام :-
” هل الشبه بيني وبين شقيقتك الراحلة هو من دفعك لملاحقتي والرغبة في القرب مني …؟!”
اجاب نافيا :-
” بالطبع لا …”
اكمل موضحا :-
” لا أنكر انك في البداية بدوت لي مثلها … وقتها سمعت عنك قليلا … مجرد احاديث عابرة لم اهتم لها حقيقة … أتذكر انني رأيت صورتك لأول مرة بعدما جمعني حديث بمريم … كنت جميلة للغاية ورقيقة جدا … رقة ملامحك جعلتني اتذكر قصة الحب المؤلمة التي عشتها فشعرت انك تشبهينها لكن مع مرور الوقت وبعدما علمت الكثير عنك وجدت نفسي مهتما بك بطريقة فاجئتني فأنا لم أهتم يوما بامرأة …”
سألته بفضول :-
” ومالذي علمته وجعلك تهتم بي فجأة …؟!”
ابتسم بشرود وهو يجيبها :-
” في البداية عندما علمت بتضحيتك لأجل نديم … حقيقة زواجك من عمار لاجل حمايته … وقتها تسائلت … هل توجد واحدة تضحي بسنوات كاملة من عمرها لأجل رجل تحبه …؟! وكانت الاجابة واضحة .. لا والف لا .. ”
همت بمقاطعته لكنه اوقفها بإشارة وهو يهتف بمرح لا يلائم اللحظة :-
” دعيني اقول ما عندي …”
تنهدت بصمت ليكمل بصدق :-
” في مجتمعي لا يمكن ان أجد واحدة تفعل ما فعلته … لا توجد امرأة تجازف بهذه الطريقة … واحدة غيرك كانت رفضت الزيجة وأكملت حياتها وربما انتظرت رجلا آخر مناسب ترتبط به … الأمر لم يتوقف عند هنا … في ذلك الوقت بت أراك عاشقة لحدود الضعف ورغم اعجابي الشديد بتضحيتك الا انني رفضت هذه التضحية المبالغ فيها خاصة لشخص لا يستحق …”
ظهرت السخرية القاتمة على ملامحها ليضيف بعدها :-
” وبعدها رأيتك في موقف مختلف … رأيتك وأنت تتجاوزين زواج حبيبك وتتعاملين مع الأمر بقوة تخالف نار العشق الملتهبة داخلك … وبعدها رأيت وجها مختلفا لك … رأيت الابنة التي تسعى بكل قوتها لمساندة والدها الذي كان على وشك السقوط في فخ الافلاس … رأيتك وأنت تحاولين النهوض بشركة والدك مجددا .. رأيتك وانت تقفين في وجه زوجة والدك بقوة ثم ترعين أخيك منها رغم كل شيء … ”
اخذ نفسا عميقا ثم قال بصدق :-
” هنا تأكدت انك المرأة التي أبحث عنها … المرأة التي تليق ان تكون زوجتي وتحمل اسمي وتصبح أما لاولادي …”
اضطربت نبضات قلبها بينما هو مسترسل في بوحه :-
” إمرأة تبدو ظاهريا رقيقة وناعمة تحتاج لمن يحميها من ابسط الاشياء لكن تحمل داخلها قوة كامنة تظهر وقت الحاجة .. امرأة تحمل حنانا لا نهاية له وقوة لا مثيل لها … امرأة أثق جيدا انها ستكون سندا لي دائما وأبدًا .. امرأة يمكنها ان تجابه معي أي مشكلة اتعرض لها … تقف في ظهري دائما وتساندني دون تردد … إمرأة مخلصة لن تتخلى عني مهما حدث … مخلصة بشدة وقوية بطريقتها الخاصة ومليئة بالحب والعطاء …”
كانت نبضات قلبها ترتفع تدريجيا مع كلماته حتى شعرت انها بلغت أوجها …
ازعجها التوتر الذي ألم بها وبمشاعرها فسارعت تغمغم وهي تزيح خصلة من شعرها جانبا :-
” انت تجيد الاطراء و الكلام المعسول بشكل يدهشني …”
هتف ضاحكا :-
” على العكس تماما .. انا بالذات لا اجيد ذلك وانت تعلمين …”
توقفت وهي تنظر لعينيه بما تحملانه من نظرات صادقة لتهمس بسرعة :-
” لا تفعلها يا كنان … لا تلوث يدك في دماءه …”
هتف مستنكرا :-
” بعدما أخبرتك بكل شيء … صارحتك بالسر الذي لم يعرفه احد سواي لسنوات ….”
تمتمت بصدق :-
” أقول هذا لأجلك .. لا أريد أن تنحدر لهذا المستوى …”
صاح بقوة :-
” انا لست مثالي يا ليلى ..”
قاطعته بجدية :-
” لكنك لست قاتلا …”
تجهمت ملامحه بينما عيناه تتأملان تلك النظرة في عينيها …
نظرة تحمل رجاءا خاصة ألا يفعلها او ربما ألا يخذلها وفي تلك اللحظة أدرك انه على حافة الهاوية …
إما أن يختار انتقامه او يختار فطرته السليمة وينصرها على شياطينه رغم كل شيء وربما حينها سيمتلك أملا جديدا في الحصول عليها …. !
الأميرة لا يمكن ان تعشق قاتلا فهل يفعلها ويقتل عمار وبالتالي يفقد أي أمل في نيلها يوما ..؟!
ظهر التردد على ملامحه …
التردد والحيرة ..
شعرت هي بذلك فسارعت تمنحه ابتسامة دافئة …
ابتسامة تحمل ثقتها به .. ثقتها إنه لن يفعلها … لن يلوث يده في دماء عمار مهما حدث …
مدت كفها نحو ذراعه تلمسه برقة تحمل في طياتها دعما صريحا بينما تخبره بصدق :-
” فكر في حديثي يا كنان قبل ان تأخذ خطوة تندم عليها فيما بعد …”
ألقت الجريدة التي كانت تقرأها بعيدا بعنف …
لم تستطع التحمل …
رغم كل شيء يبقى عمار أخيها ولا يمكن أن تتحمل ان تقرأ أخباره تلك وتشاهد صوره وهو معتقلا بيد الشرطة …
مسحت على وجهها بتعب وعقلها لا يتوقف عن التفكير الذي يعذبها …
لم تستطع ان تفرح لشقيقها كما يفترض …
شقيقها الذي ظهرت برائته للعلن أخيرا …
كانت مشتتة بين رغبتها في السعادة لأجله وبين حقيقة الألم المعتمل داخلها على مصاب أخيها الآخر …
رغم انه يستحق ونال نتيجة أفعاله لكنها لم تستطع منع نفسها من الحزن عليه ولأجله …
سارعت تغير ملابسها ثم تجري اتصالا مع فادي فهو الوحيد الذي تستطيع ان تخبره بما تشعر به …
الوحيد من يمكنه ان يفهمها وهي يمكنها بدورها ان تصارحه بكم التخبط داخلها ربما لانه بعيد عن الصورة ولا يمسه فعليا أيا من الطرفين …
غادرت بعدها الفيلا متجهة الى الشاطئ حيث ينتظرها هو هناك …
وجدته لم يصل بعد فاتجهت تجلس امام الشاطئ تتأمل امواجه بشرود قطعه فادي الذي وصل بعد حوالي ثلث ساعة معتذرا عن تأخره في الوصول ..
جلس جانبها بعدها يتأمل البحر بصمت يشابه صمتها عندما قرر الحديث أخيرا :-
” يمكنك أن تتحدثي … لا تتردي في البوح عما تشعرينه امامي ابدا …”
التفتت تنظر له .. تواجه ملامحه الهادئة رغم قوتها …
هتفت بضعف تملك منها لأول مرة :-
” انا لست سعيدة …”
اعترفت بها اخيرا وهي تضيف بأسى :-
” على العكس تماما .. انا حزينة بشدة لأجله … انا لا أستطيع منع نفسي من ذلك … انا حزينة لأجل عمار بل مشفقة عليه ايضا وهذا يجعلني اغضب من نفسي لانني من المفترض أن أشعر بالعكس …”
ترقرقت الدموع داخل عينيها وهي تسترسل :-
” لإنه يستحق الحبس … ونديم يستحق أن أفرح لأجله .. لإنه سينال برائته أخيرا …”
سألها بجدية :-
” أ لست سعيدة لأجل نديم إذا ..؟!”
أجابت بسرعة وهي تمسح عينيها بأطراف اناملها :-
” بالطبع سعيدة ولكنني في نفس الوقت حزينة .. حسنا لا أعرف كيف أشرح ذلك ولكنني كلما أردت أن أفرح لأجله أتذكر إن مقابل براءته سوف يسجن عمار لعدة سنوات و الأسوء انني حزينة عليه رغم ادراكي انه يستحق ذلك …”
” لإنه أخيك ..”
قالها فادي بجدية وهو يضيف :-
” مهما حدث يظل عمار أخيك ابن أبيك … كلاكما يحمل نفس الدماء … هذه حقيقة لا مفر منها ..”
تمتمت بوجع :-
” لكنه لم يعتبرني كذلك ابدا … ولم يعتبر نديم كذلك …”
اضافت بألم ظهر على محياها بوضوح :-
” هل تصدق انني لو كنت تعرضت لحادث سيء او مت حتى ما كان ليحزن علي …؟!”
هتف بجدية :-
” لانه ليس طبيعي يا غالية ..”
نظرت له بتأهب فأضاف :-
” عمار مريض …. من يفعل هذا بأخيه لا يمكن ان يكون طبيعيا …؟! خاصة انه لديه اسبابه حتى وان كانت لا تبرر ما فعله ….”
هتفت ودموعها تساقطت من عينيها :-
” انا مشفقة عليه … لقد عاش حياة تعيسة يا فادي ونهايته كانت تعيسة …”
هتف فادي :-
” اهدئي يا غالية … عمار حتى لو كان لديه عقد نفسية داخله فهذا لا يغير حقيقة انه يحمل شرا مخيفا .. شرا جعله يؤذي أقرب الناس اليه … لا أحد يعلم .. ربما ما حدث يصنع بداية جديدة له … ربما يلقنه درسا … ربما يستوعب ان الله لا يترك حق مظلوم ابدا وان الظالم مهما بلغ ظلمه ومهما تجبر سينتقم الله منه لا محالة … ”
سألته بخشية :-
” هل تعتقد ذلك ..؟! أم ربما يحدث العكس ..؟! ربما يخرج من السجن أكثر قسوة وتجبرا …”
” حينها سأقول وبكل أسف انه يستحق أيا مما يحدث له …”
قالها بصدق ثم اضاف :-
” لا تحزني من كلامي لكنه يجب أن يحاكم على أفعاله … أخيك يحتاج لمن يلجم شره .. عسى ولعل ينجح السجن في ذلك …”
سألته بقلق :-
” كم عاما سوف يسجن ..؟؟”
تنهد مجيبا :-
” غالبا سوف يتم محاكمته بما لا يقل عن سبعة او ثمانية اعوام وربما تصل الى عشرة …”
” يا إلهي ..”
هتفت بها برهبة قبل ان تضيف بأسى :-
” كثير للغاية …”
” هكذا يسير القانون .. هو تسبب بسجن شخص بريء لأعوام وعليه لا بد أن يدفع ضريبه ذلك …”
قالها بهدوء لتهز رأسها بصمت قبل أن تهتف بخفوت :-
” حسنا ، مشاكل عائلتي كثيرة .. أعلم ذلك …”
قاطعها بسرعة :-
” لا تقولي هذا من فضلك .. عائلتك تهمني لإنك تهميني يا غالية ….”
سألته بتردد :-
” هل تحدثت مع والدتك مجددا ..؟!”
هز رأسه بايجاب دون جواب لتهتف ببؤس :-
” ورفضت كالعادة …!”
قال بسرعة وهو يقبض على كفها :-
” لا تقلقي .. سوف أقنعها … وإذا لم تقتنع سوف أخطبك بدونها …”
قالت بسرعة ترفض ما قاله :-
” أبدا يا فادي … انا لن أتزوجك دون موافقة والدتك .. لا أنا ولا حتى نديم سيقبل بذلك …”
زفر انفاسه مرددا بتعب :-
” إذا سأحتاج الى المزيد من الوقت لإقناعها …”
” حسنا …”
قالتها بصبر بينما شرد هو في والدته التي تقاطعه منذ ان أخبره بقراره النهائي بالزواج من غالية فهي قاطعته ورفضت ان تسمعه منذ وقتها ..
…………………..
تقدمت اتجاهه وهي تحمل كوب القهوة له بينما كان يجلس هو في حديقة الفيلا شاردا تماما …
توقفت لوهلة تتأمل شروده بشفقة ..
هي فقط من تعلم ما يدور داخله …
وحدها من تدرك حجم معاناته التي يخفيها عن الجميع …
هو رغم كل شيء ليس سعيدا كما يفترض ان يكون ..
هناك حاجز داخله يمنعه عن السعادة ….
تحركت نحوه وهي تبتسم له بصفاء فرفع عينيه نحوها ما ان سمع صوت خطواتها ليتأملها وهي تتقدم بخطوات حذرة بسبب حملها المتقدم للغاية …
عيناه انحدرت مجددا نحو بطنها البارزة فابتسم بصدق مفكرا ان قدوم طفلته سالمة هو الشيء الوحيد الذي سيهون عليه ما مر به …
مدت حياة يدها بالكوب له فأخذه منها وهو يبتسم لها هذه المرة مرددا :-
” شكرا حبيبتي …”
جلست تجاوره وهي تخبره بجدية :-
” تحدث يا نديم … منذ البارحة وانت لست على ما يرام …”
تنهد ثم قال بصدق :-
” لا أعرف ماذا أقول … لم أتوقع أن يحدث ذلك حتى آخر لحظة … لكنه حدث … عمار اعترف بجرمه في حقي وسينال عقابه كاملا …”
قالت بصدق :-
” أخبرتك ان الله سيظهر برائتك يوما ما وقد حدث وظهرت براءتك لكنك تبدو مستاءا …”
قال بجدية :-
” لست مستاء ولكنني لست سعيد .. ”
توقف قليلا قبل ان يضيف :-
” لن أنكر إنني ارتحت كثيرا … شعور الظلم بشع جدا يا حياة وانا عايشته لسنوات … انا الآن ارتحت .. ارتحت لان براءتي ظهرت للعلن وقريبا سيتم اثباتها بشكل قانوني ولكن رغما عني لا أستطيع أن أفرح … ربما لانني كلما شعرت بالسعادة تذكرت ما عايشته طوال السنوات السابقة فسألت نفسي لماذا ..؟! لماذا كان علي أن أعيش كل هذا ..؟! لماذا فعل عمار بي وبنفسه هذا ..؟! لماذا دمرني ودمر نفسه ايضا …؟! لماذا كرهني الى هذا الحد …؟! لماذا لم يتعامل معي كأخ …؟! لو تدركين كم الأسئلة التي طرحتها على نفسي ولم أجد جوابا واضحا لها .. ”
سألته بتروي :-
” انت مشفق عليه يا نديم …”
تنهد قائلا :-
” للأسف .. مهما حاولت أن أتجاهل ذلك لا أفلح .. رغم كل شيء لم أستطع منع نفسي من الشعور بالشفقة لأجله … ”
” لإنك انسان طبيعي ..”
قالتها بصدق وهي تضيف :-
” انسان طبيعي يا نديم … انسان يحمل عدة وجوده … لا يمتلك شرا مطلقا حتى لو لم يكن ملاكا … انت مهما حاولت ان تكون قاسيًا جلدا لن تستطيع .. لإنك ما زلت تحمل داخلك مشاعرا تشكل العطف والشفقة والحزن حتى وان حاولت أن تقتلها باظهار العكس … انت بشر ولست شيطان .. الشيطان وحده من لا يفعل ذلك ولا يشعر بالشفقة على أحد …”
” لكن عمار لا يستحق الشفقة يا حياة …”
قالها بضيق وهو يضيف :-
” عمار دمرني ولولا رحمة الله بي ما كنت لأستعيد برائتي …”
تنهدت ثم قالت :-
” نعم هو فعل ذلك وهو يستحق السجن ولكنه يبقى أخيك …”
قاطعها بصلابة :-
” اطلاقا .. مشاعري نحو عمار بعيدة عن الأخوة … انا فقط مشفق عليه لإنني أشعر إن ما فعله نتاج ما عايشه في الطفولة والذي والدتي كانت سببا فيه … ”
هزت رأسها بتفهم وقالت :-
” أعلم وأتفهم ذلك وانا سعيدة لانك رغم كل شيءٍ تشفق لأجله لكن اياك يا نديم ان تحمل نفسك سبب ما عايشه عمار … ما عايشه عمار كان بسبب والدتك رحمة الله عليها ووالدك ايضا … هذا ما نعرفه لذا مهما كان ما قاله عمار صحيحا فوالديك من يتحملان مسؤولية ما أصابه وما أصبح عليه .. ”
ابتسم مرددا بمرارة :-
” وهل تعتقدين انني سوف اشعر بالراحة وأنا أعلم ذلك …؟! ”
” بالطبع لا …”
قالتها بجدية وهي تضيف :-
” الأمر صعب ،..”
” انها والدتي يا حياة … هل تستوعبين ذلك …؟!”
قالها بألم ثم اضاف بحرقة :-
” والدتي فعلت كل هذا … تسببت بموت امرأة أخرى … انا لا يمكنني التصديق .. لا يمكنني تقبل هذا مهما حاولت .. انها والدتي … والدتي التي فعلت كل هذا …”
توقف لوهلة قبل ان يهمس بأسف :-
” انا لا استطيع تجاهل ما فعلته والأسوء شعوري بعدم قدرتي على مسامحتها …”
” كلا يا نديم … لا تفعل ذلك … عدم الغفران سوف يتعبك .. سامحها يا نديم … لأجلها ولأجلك انت كي ترتاح .. ”
اضافت بجدية :-
” انا عندما سامحت والدتي ارتحت و شعرت انني تصالحت مع نفسي وحقيقة ما عشته بسبب عدم وجودها …”
اضافت بسرعة :-
” صحيح انك ترى عدم وجود مقارنة بين الوضعين لكن ما اقصده ان الحقد وعدم الغفران يدمران صاحبهما قبل أي أحد ….”
تنهدت وقالت :-
” الحياة لا تستحق ان نحمل داخلنا اية مشاعر سلبية اتجاه أحد … الحياة أبسط من هذه التعقيدات … أبسط من أن نحيا بها ونحن نحمل داخلنا اطنانا من الغضب والحقد والرفض ….”
هتف وهو يبتسم لها :-
” كلامك دائما ما كان بلسما لوجع روحي يا حياة …”
ابتسمت. بحب عندما جذبها نحوه صدره يخبرها :-
” انت وحدك من تستطيعين ان تطفئي نيران الغضب والحقد داخلي .. وحدك من تمنحين روحي السكينة التي أحتاجها … انت دواء روحي يا حياة …”
رفعت وجهها من فوق صدره تقبل وجنته برقة ثم تخبره بحب :-
” وأنت حبيبي … ”
ابتسم لها ثم مال يقبل شعرها بخفة قبل أن يسألها :-
” كيف حال صغيرتي ..؟! أخبريني …”
ضحكت وهي تلمس بطنها البارزة تجيب بسعادة :-
” هي بخير وتنتظر قدومها الى الحياة على أحر من الجمر …”
مال نحوها يلمس بطنه بكفه يهتف بصدق :-
” متى سينتهي هذا الشهر وتصل شمس الى دنيانا …؟! لا تدركين مدى لهفتي لذلك …”
تمتمت بسرعة :-
” تبقى اقل من شهر باذن الله .. ”
سألها بجدية :-
” انت متأكدة من رغبتك في الولادة الطبيعية أليس كذلك ..؟!”
أومأت برأسها ثم قالت :-
” نعم ، لا أريد قيصرية .. حتى الطبيبة أكدت لي ان ولادتي ستكون سهلة باذن الله فلا يوجد شيء يمنعني من الولادة بشكل طبيعي …”
هتف بقلق :-
” والألم ..؟! ألا تخافين أن تتألمي ..؟!”
ضحكت مرددة :-
” انت الخائف على ما يبدو …”
قال بصدق :-
” أخاف عليك .. لا أريدك أن تتأملي …”
ابتسمت له تخبره :-
” لا تقلق علي … سأكون بخير باذن الله وسأتحمل اي ألم مهما كان كبيرا لأجل صغيرتي …”
جذبها نحو صدره اكثر طابعا قبلة اخرى فوق شعرها مرددا بينه وبين نفسه :-
” لا حرمني الله منك ولا منها … “
بعد مرور عدة ايام ..
وقفت امام المبنى الذي توجد به العيادة تطالعه بتردد ….
طوال الايام السابقة شعرت بحاجة لاتخاذ خطوتها هذه خاصة بعد حديثها الاخير مع كنان وتشتت مشاعرها المرهب لها …
لطالما آمنت بأهمية الطب النفسي في حياة الفرد وهذا ما جعلها تلجأ اليه قبل عدة سنوات اثناء زواجها من عمار …
وقتها مرت بنوبات اكتئاب شعرت بها والدتها فنصحتها بالذهاب الى طبيب نفسي وفعلت ذلك ولكنها لم تستمر طويلا وهي تدرك ان علاجها لا يمكن ان يحدث طالما عمار موجود في حياتها ..
واليوم هي قررت ان تذهب مجددا وفي داخلها رغبة في تجاوز محن الماضي بكل ما فيها …
دلفت الى العمارة ومنها الى عيادة الطبيب عندما استقبلتها السكرتيرة بابتسامة لطيفة فمنحتها ليلى المعلومات المطلوبة وهي تأخذ مكانها في العيادة تنتظر دورها …
كانت العيادة هادئة ذات اجواء مريحة …
لقد سمعت عن هذا الطبيب بالصدفة البحته بعدما بحثت في مواقع التواصل الاجتماعي فقرأت تجربة احدى الفتيات وهي تمدح به للغاية وتشجع الجميع على الذهاب عنده فهو نجح في علاج شقيقتها رغم صعوبة حالتها وتقدمها …
افاقت من شرودها على صوت السكرتيرة تطلب منها ان تدخل فنهضت من مكانها وسارت بخطوات آلية الى الداخل ..
ما إن وطأت قدميها غرفته حتى تجمدت للحظات وقد تعرفت عليه فورا …
شعرت بالتردد لوهلة غير مصدقة أن تجمع الصدفة بينهما بهذه السرعة وبهذه الطريقة …
هو الآخر عرفها فورا فمنحها ابتسامة هادئة تماما لا تشبه تلك الابتسامة المشاغبة التي منحها لها وقت الحفل …
قررت ان تتجاهل ما حدث بينهما في السابق وتتقدم الى الداخل فهي أتت لغرض محدد وهو بالطبع يدرك عمله وواجباته كطبيب عليه ان يلتزم بقوانين مهنته ..
” تفضلي …”
قالها بجدية لتتقدم نحوه ثم تجلس على الكرسي المجاور لمكتبه …
دقق النظر بها لثواني …
ملامح جميلة ناعمة..
ترتدي ملابس بسيطة لكنها أنيقة …
ملامحها هادئة تماما …
بل كل شيء بها يدل على الثقة والهدوء ….
تأمل المعلومات الموجودة لديه عنها …
مجرد معلومات أساسية عامة يعرفها عن كل مريض قبل دخوله …!
عاد يرفع بصره نحوها يتأمل ذلك السكون الذي يملأ ملامحها فيتسائل عن روحها …
هل يملأ السكون روحها كما يفعل في ملامحها ..؟!
والإجابة كانت معروفة ..
بالطبع لا ..
وإلا ما كانت لتأتي الى هنا …
نطق أخيرا بإبتسامته الهادئة الرزينة :-
” ليلى أحمد سليمان .. ثمانية وعشرون عاما …”
تمتمت ليلى بخفوت :-
” نعم …”
أكمل وعيناه تنظران الى الملف مجددا :-
” متزوجة أيضا …”
هزت رأسها بصمت مؤكدة المعلومة ليتراجع بجسده الى الخلف يتأمل هذه المرة التردد الذي لاح في عينيها فيحافظ على إبتسامته وهو يسألها :-
” ما الذي دفعك أن تأتي الى هنا ..؟! هل تلقيتِ نصيحة بذلك من شخص ما أم هو قرارك الشخصي ..؟!”
ردت بجدية تحاول طرد التردد الذي عاد يسيطر عليها :-
” قراري الشخصي …”
وهذه المرة منحها إبتسامة مليئة بالإعجاب …
” علي أن أحييك إذا …”
قالها محافظا على نفس الابتسامة قبل ان يضيف :-
” ما الذي حدث وجعلك تتخذين قرارا كهذا ..؟! قرار شجاع لا يتخذه سوى القليل .. القليل جدا …”
تنهدت بصمت ثم أجابت :-
” الكثير .. حدث الكثير .. ”
صمتت لوهلة قبل ان تضيف :-
” هناك الكثير مما حدث ولا أعلم من أين أبدأ حقا وأين انتهي …”
قال بجدية :-
” إبدئي من حيث تشائين … من النقطة التي تريدين البداية منها .. ”
استرسل :-
” مثلا ، ما الشيء الذي جعلك تأتين هنا ..؟! تجربة سيئة لم تتجاوزينها على سبيل المثال .. مشاعر سلبية تسيطر عليك او غير ذلك … ”
أجابت بجدية :-
” الكثير … تجارب فاشلة .. مشاعر متخبطة والأهم تخلخل العديد من المفاهيم لدي .. كل شيء يبدو مختلفا وكل المفاهيم التي أعرفها تغيرت … أصبحت لا أفهم أي شخص حولي ولا استوعب كيف يفكر وعلى أي أساس يقرر … أصبحت لا أثق بأي أحد حتى بنفسي … احيانا أشعر بنفسي تائهة لا أعرف ما يجب أن أفعله ولا أجيد التعامل مع من حولي … لا أفهم الخطأ مني او منهم … ”
توقفت لوهلة لتجده يتابعها باهتمام فتضيف بتردد :-
” أصبحت أخشى من الجميع ولا أثق بأي أحد …أصبحت أتخبط في جميع قراراتي .. أخشى اتخاذ قرار فاشلا … ”
قال بجدية :-
” حسنا ، ما تقولينه صعب ومرهق … التخبط والضياع شعوران مرهقان … التشتت والحيرة وما شابه … لكن بالتأكيد هناك اسباب جعلتك تشعرين بهذه الطريقة … ”
هزت رأسها بصمت مؤكدة ما قاله ليبتسم بجدية مضيفا :
” إذا لنتحدث عن الاسباب … او بمعنى آخر .. لنتحدث كيف تكونت هذه المشاعر لديك ومنذ متى …؟!”
تطلعت اليه بتفكير محاولة أن تبحث عن بداية لحديثها قبل أن تبدأ بالحديث …
تحدثت عن الكثير وأخبرته عن الكثير وهو بدوره يستمع لها ويسجل الملاحظات في دفتره …
عادت الى المنزل تشعر براحة كبيرة على غير المعتاد ربما لانها فضفضت بما يملأ روحها اليه ..
ربما لانها تحدثت بصراحة غير مسبوقة عما تشعر به ويؤرق أفكارها باستمرار دون توقف …
ستذهب اليه الاسبوع القادم في جلسة جديدة تشعر بالحماس اتجاهها …
على ما يبدو انها كانت تحتاج لهذه الخطوة منذ مدة …
دلفت الى الفيلا واتجهت نحو والدتها تقبلها وتسألها عن احوالها قبل أن تخبرها انها بحاجة لأن ترتاح قليلا قبل موعد العشاء ..
و أخبرتها ان حالة والدها كما هي فهي زارته بعدما غادرت عيادة الطبيب للاطمئنان عليه ….
صعدت الى الطابق العلوي ومنه الى غرفتها عندما وجدت شقيقتها هناك …
ظهر الرفض واضحا على ملامح وهي تسألها بحدة :-
” ماذا تفعلين هنا ..؟؟ انت تعلمين انني لا أريد رؤيتك …”
نهضت مريم بسرعة لتتجاهل ليلى ملامحها المرهقة كليا والتي تدل على عدم نومها بل وبكائها المستمر ….
تجاهلت ليلى حالتها وهي تضيف بقسوة :-
” غادري غرفتي حالا واياك ان تدخليها مجددا دون إذني …”
تقدمت مريم نحوها تخبرها برجاء :-
” اسمعيني من فضلك … امنحيني فرصة واحدة ..”
صاحت ليلى بعدم تصديق ؛-
” آية فرصة يا مريم …؟! ألم تستوعبي بعد ما فعلتيه …؟! ”
اكملت بغضب شديد تملك منها كليا :-
” انت تزوجت طليقي يا هانم .. تزوجته دون علم احد .. والمصيبة انه حتى الآن لا أحد يعلم بما حدث … ”
أكملت وهي تقبض على ذراعها بقسوة :-
” ماذا سيكون موقف ماما اذا علمت بما فعلتيه …؟! ربما تموت حينها …”
هتفت مريم بسرعة ولهفة :-
” ولكنك لن تخبريها .. وسيتم الطلاق بهدوء …”
” وهل هذا يغير من الحقيقة شيء …؟! انت لم تفهمي بعد .. لقد دمرتي مستقبلك .. انت تزوجت يا هانم وحتى ان تطلقت .. سوف تصبحين مطلقة بينما في نظر الجميع حولك أنتِ ما زلت آنسة لم يسبق لها الزواج من قبل …”
همست مريم بخفوت :-
” أنا أعلم هذا ومستعدة لتحمل نتائج أفعالي كلها ولكن ارجوك سامحيني وتوقفي عن تجاهلي بل رفضي بهذه الطريقة …”
قالت ليلى بجدية :-
” لا يمكنني ذلك .. انا لا استطيع تقبلك بعد كل ما فعلته يا مريم …. انت خذلتني بل وكسرتني ايضا …وضعتني في موقف بشع … ”
ترقرقت الدموع في عينيها وهي تضيف :-
” كيف استطعت فعل هذا بنا ..؟! كيف سمحت لنفسك بأن تتزوجيه ..؟! كيف ..؟! ألم تفكري بي و بوالديك ..؟! ”
” بلى فكرت ..”
قالت مريم بسرعة وهي تضيف بدموع ساخنة :-
” لكن لم يكن امامي حل سوى هذا .. كان يجب ان اتخلص منه بأي طريقة ممكنة …”
صاحت ليلى :-
” وهل فعلت …؟! كلا لم تفعلي وما كنتِ لتفعلي …”
أضافت بانفاس لاهثة :-
” أيتها الحمقاء .. عمار كان ينوي ان يأخذك الى الخارج معه لولا تدخل شيرين وتعاونها معنا ..”
تمتمت مريم سريعا :-
” انا كنت مضطرة .. عمار لم يكن ليتركني … كان لا بد ان افعل ذلك …”
” كان بامكانك ان تخبريني .. كنت سأتصرف …”
قالتها ليلى بحدة بالغة لتتساقط دموع مريم وهي تقول :-
” خفت عليك … لم أرغب أن أدخلك في مشاكل جديدة … انت تتحملين ما يفوق طاقتك ….”
ضحكت ليلى بعدم تصديق بينما اكملت مريم بصدق :-
” اقسم لك انني خفت عليك …”
قاطعتها ليلى بجمود :-
” كاذبة …”
ثم اكملت بقوة :-
” انا اكثر من يعرفك يا مريم .. زواجك من عمار كان بسبب رغبتك في الانتقام منه ومن أكرم … كعادتك لم تفكري سوى في رغبتك وما تريدين حدوثه … ”
قالت مريم بسرعة :-
” لا أنكر ان هذا كان احد الاسباب لكنه ليس الوحيد … انا أردت فرصة للاقتراب من عمار ثم التخلص منه …”
” جيد .. والآن بعدما تخلصت منه بدخوله الحبس ، ماذا ستفعلين …؟! ماذا ستفعلين وانت تزوجت منه …؟! هل ستخبرين ماما ..؟!”
قاطعتها مريم بسرعة :-
” كلا لن أفعل … لا يمكن ان أفعل … ”
أضافت برجاء :-
” انا أخطأت يا ليلى وأدركت حجم خطأي …ساعديني في تصحيح خطئي من فضلك …”
قالت ليلى بضيق :-
” خطئك لا يمكن تصحيحه … انت الآن مضطرة ان تكملي حياتك وانت تخفين هذا السر داخلك … لإنه لا أحد سيتقبل فعلتك هذه ولا سيحترمك بسببها …”
أخفضت مريم رأسها بخجل لتكمل ليلى بتعب :-
” انت لا تستوعبين ما فعلته بنفسك … انت دمرتي مستقبلك وانا لا أعلم كيف يمكنني اصلاح ولو قليلا مما فعلته …”
قالت مريم بتوسل :-
” ساعديني يا ليلى .. وأنا أعدك إنني لن أتصرف بحماقة مجددا … اقسم لك بذلك …”
زفرت ليلى انفاسها بضيق قبل ان تشيح بوجهها بعيدا عن نظرات مريم المتوسلة محاولة التفكير فيما ستفعله لأجل شقيقتها ..
شقيقتها التي تزوجت من عمار الخولي ويجب ان تتطلق منه بأسرع وقت وبشكل سري …
…….
يراها تقف امامه تبتسم منتشية بانتصارها الذي حققته …
انتصرت عليه ونالت منه كما وعدته …
ضحكتها المختلة جعلته يشعر بالاشمئزاز من نفسه لانه عاشرها يوما …
رغبته بالثأر منها تسيطر عليه فلم يستطع ان يمنع نفسه من تحقيقها ….
” سأقتلك يا هذه …”
قالها بإنفعال مخيف قبل أن يحمل السكينة ويوجهها نحو قلبها بتوعد وإصرار على إنهاء حياتها …
سيقتلها ويرتاح الجميع حينها وهو أولهم …!
طعنها بالسكين في منتصف قلبها وسقطت هي بين ذراعيه بعدها والدماء تخرج منها بغزارة بينما ضحك هو هذه المرة ..
ضحك مثل المجنون …
صوت ضحكاته علا اكثر بينما دماءها تغرق المكان حوله اكثر …
انتفض من نومه بنبضات سريعة وانفاس لاهثة …
لا يصدق ما كان يحلم به …
كان يقتل تقى ..
يذبح قلبها كما تمنى …
جذب قنينة المياة من جواره وسارع يرتشف منها الكثير من المياه دون وعي قبل أن يهبط بالمياه فوق رأسه محاولا الاستيقاظ تماما وازالة آثار النوم عنه ..
نهض من فوق الفراش بعدها متجها الى الشرفة الخارجية حيث وقف خارجا يتنفس بقوة عدة مرات بينما نسمات الهواء تضرب وجهه ونصف جسده العاري …
لم يشعر بالسكينة كما يفترض ..
السكينة التي افتقدها تماما منذ تلك الليلة التي فقد بها طفلته …
لم يستطع تجاوز ما حدث ولم يستطع ان يغفر لنفسه ذلك …
رغم ان الجميع يراعونه بعدما رأوه بتلك الحالة المزرية في المشفى ورغم انهم يحاولون مواساته والتخفيف عنه ولكن لم يؤثر به أي شيء فمع مرور الايام تزداد النار داخل صدره اشتعالا …
اتجه الى الداخل مجددا وسحب لنفسه بنطالا وقميصا سارع في ارتدائهما قبل ان يتحرك خارج الجناح ومنه الى خارج القصر …
قاد سيارته في إنحاء الطريق دون ان يذهب الى وجهة محددة وفي النهاية اختار احد البارات الليلة حيث جلس هناك وبدأ يتناول المشروب حتى ساعات الفجر الاولى …
لا يعرف كم مر من الوقت حتى وجد فيصل شقيقه يتقدم نحوه ويجذبه طالبا منه الذهاب معه …
ذهب معه وهو يترنح ليتفاجئ بشقيقه راجي ينتظرهما خارج البار رافضا دخوله ..
أودعه فيصل داخل سيارته متجاهلا ضحكاته الماجنة وكلامه الغير مفهوم ثم جلس جوار شقيقه الآخر والذي قاد سيارته عائدا به الى القصر ..
وهناك وجد راغب في انتظارهم فضحك مرددا :-
” الكبير بنفسه ينتظرني …”
أشار راغب لشقيقه الصغير :-
” خذه الى جناحه حالا …”
جذبه فيصل معه الى جناحه يتابعه راغب بعينين غير راضيتين …
وهناك القى مهند بجسده فوق سريره وغط في نوم عميق لم يستيقظ منه الا في ظهر اليوم التالي …
استيقظ وصداع شديد يؤلم رأسه فسارع يأخذ حماما وهو يتذكر تدريجيا ما حدث البارحة وكيف عاد الى هنا …
هبط بعدها الى المطبخ يطلب من احدى الخادمات ان تجلب له دواءا للصداع و تعد له القهوة …
شرب الدواء ثم القهوة وتحرك بعدها خارج المطبخ يهم بالعودة الى جناحه فلا رغبة لديه في رؤية احد عندما وجد راغب في وجهه يخبره بجدية :-
” اتبعني الى المكتب …”
اضطر مرغما ان يفعل ما يريده …
دلف الى مكتبه وجلس قباله ليمنحه راغب نظرات هادئة متحدثا بلين :-
” آن الاوان لتتجاوز ما حدث يا مهند … ما تفعله ليس حلا … ”
قال مهند باقتضاب :-
” كنت سأفعل ذلك واتجاوزه لو لم أكن سببا فيه …”
قال راغب بجدية :-
” هذه مشيئة الله يا مهند … لا تحمل نفسك فوق طاقتها …”
هتف مهند بجدية :-
” حسنا … حتى لو تجاهلت خسارة طفلتي بتلك الطريقة .. كيف سأتجاوز ما عايشته جيلان بسببي بدءا من زواجها ثم حملها ومكوثها الآن في المصحة النفسية …؟!”
تنهد راغب وقال بصدق :-
” لا بد أن تفعل … ما حدث مع جيلان لم يكن خطأك لوحدك … كان خطأنا جميعا … ولكن ما تفعله ليس حلا … ”
سأله مهند بتهكم :-
” وما الحل اذا ..؟!”
اجاب راغب :-
” أن تتعلم من اخطائك … أن تتوقف عن افعالك السابقة … أنت عليك أن تتخذ ما حدث عبرة كي تتوقف عن طريقة تفكيرك السابقة وتصرفاتك المتهورة الحمقاء لا أن تستمر فيهم …”
اشاح مهند وجهه بعيدا ليضيف راغب بجدية :-
” جيلان سوف تتحسن باذن الله … ”
” حتى لو تحسنت .. انا لن أسامح نفسي ابدا على ما تسببت به لها …”
قالها مهند ببؤس ليهتف راغب باقتضاب :-
” لا أحد سيسامح نفسه …”
ثم أضاف بجدية :-
” ولكن سنحاول الاستفادة من خطأنا كي لا نكرره …”
هتف مهند عن قصد :
” أنت تعترف انك اخطأت إذا …”
هز راغب رأسه قائلا :-
” نعم أعترف بذلك … وانت من الجيد انك اعترفت بذلك لذا عليك ان تسارع لتصحيح تصرفاتك واخطائك بدلا مما تفعله .. الانهيار والانعزال والبكاء على اطلال الماضي لن يفيدك بشيء … ”
زفر مهند انفاسه بضيق عندما اكمل راغب :-
” ما زال لديك الوقت الكافي لتصحيح اخطائك والنهوض بنفسك من جديد يا مهند .. لا تخسر المزيد من الوقت بالله عليك …”
منحه مهند نظرة غير مفهومة قبل ان ينهض متجها الى جناحه وهناك قضى اليوم بأكمله مفكرا فيما قاله شقيقه حتى ذهب اليه في نهاية اليوم يخبره بجمود :-
” انا اتخذت قراري .. سأسافر بعيدا لفترة غير معلومة … انا أحتاج الى ذلك … أحتاجه بشدة ولكنني سأنتظر مغادرة جيلان من المشفى لأطمئن عليها ثم أسافر بعدها …”
بعد مرور عدة ايام اخرى …
جلس فادي بجانب سيف بملامح واجمة ليهتف الأخير بجدية :-
” والدتك ما زالت مصرة على رأيها .. أليس كذلك …؟!”
هز فادي رأسه مرددا على مضض :-
” وغالية ترفض أن أخطبها دون موافقة والدتي …”
” هذا طبيعي جدا … ”
قالها سيف بجدية وهو يضيف :-
” لا هي ولا حتى عائلتها يمكنهم ان يقبلوا بشيء كهذا …”
هتف فادي بنفاذ صبر :-
” وماذا أفعل أنا ..؟! لا استطيع اقناع أمي … حاولت مرارا دون فائدة … هي تخيرني بينها وبين غالية … هل تتخيل ذلك يا سيف ..؟!”
تنهد سيف ثم قال :-
” حاول مجددا يا فادي … انت لا يمكن ان تخسر رضا أمك عليك … ”
اضاف بجدية :-
” في الحقيقة لا أصدق ان والدتك صعبة لهذا الحد .. كنت أعتقد ان والدتي أصعب امرأة على وجه الكون لكنها رغم كل قوتها وتسلطها لم تقف في وجه كنان عندما أراد الزواج من فتاة ليست على هواها بل تقبلت الفتاة لأجله …”
تنهد فادي مرددا بتعب :-
” هذه أمي للأسف ولا يمكنها ان تتغير … ”
أضاف بجدية :-
” لكن عليها أن تعلم إنني اذا لم أتزوج غالية فلن أتزوج غيرها …”
سأله سيف بجدية :-
” وهل أخبرتها بذلك …؟!”
رد فادي بوجوم :-
” نعم ولم تقل شيئا ….”
” حاول معها مجددا … ”
قالها سيف بأسف على حاله ليهز فادي رأسه بصمت وهو يتذكر ما تفعله والدته واصرارها على مقاطعتها له بل الأسوأ عندما أخبرها بكل وضوح :-
” ليكن في علمك إنني إذا لم أتزوج غالية فلن أتزوج سواها .. ”
حينها أجابت ببرود :-
” أن تبقى عازبا طوال عمرك أفضل من أن تتزوجها …”
ومنذ وقتها ولم يفتح الموضوع معها مجددا …
كلماتها آثرت به وهو لا يصدق انها لا تهتم بسعادته الى هذا الحد …
تبادل الاحاديث سريعا مع سيف قبل ان ينهض مقررا العودة الى المنزل رغم عدم رغبته في رؤية احد من سكانه …
وصل الى هناك ليجد فراس على وشك ان يغادر المنزل عندما وقف يستقبله مرددا ؛-
” مرحبا بسيادة المقدم …”
تجاهله فادي ولم يرد عليه عندما جذبه فراس من ذراعه يخبره بغلظة :-
” أنا أحييك يا هذا …”
دفعه فادي موردا بنفور :-
” وأنا لا أحيي أمثالك …”
صاح فراس وهو يدفعه بقوة :-
” هل جننت ..؟! هل نسيت إنني شقيقك الأكبر …؟! كيف تتحدث معي هكذا ..؟!”
تحامل فادي على نفسه وهو يشير اليه بغضب مكتوم :-
” لا أريد أن أتحدث معك كي لا أتفوه بكلام لن يعجبك …”
ضحك فراس مرددا بتهكم :-
” هذا كله لأجل غالية هانم .. ”
صاح فادي بحدة :-
” لا تجلب سيرتها على لسانك …”
صاح فراس بغضب :-
” تعالو واسمعوا .. فادي بك .. سيادة المقدم المحترم يقاطع أخيه لأجل حبيبته .. يقاطع شقيقه الوحيد لأجل غالية هانم .. ”
انقض فادي عليه يصيح بعصبية :-
” ماذا تفعل انت …؟! هل جننت …؟!”
بينما تقدمت باسمة نحوهما تتبعها لوجين راكضة لتصيح الأم :-
” اترك فادي يا شقيقك .. ”
اضافت وهي تشير اليه :-
” هل ستضرب شقيقك الكبير يا فادي … ”
دفع فادي فراس بعيدا مرددا بنفور :-
” الكبير بأخلاقه يا امي وليس بعمره …”
هتف فراس وهو يهندم ملابسه :-
” ابنك يرفض حتى تحيتي بسبب الهانم التي سلبته عقله …”
صاح فادي به :-
” أخبرتك ألا تجلب سيرتها على لسانك …”
صاحت باسمة بعدم تصديق :-
” ماذا حدث لكما ..؟! تتشاجران لأجل فتاة … هل جننتما …؟!”
اكملت تؤنب فادي :-
” وأنت يا فادي … لا أصدق ما تفعله … كل هذا لأجل غالية تلك ..”
هتف فادي بصلابة :-
” أحبها .. أحبها يا أمي ولن أسمح لأي شخص أن يجلب سيرتها بشكل خاطئ …”
” خذها إذا …؟! خذها يا فادي وانسى عائلتك حينها .. انساني انا أمك وانسى شقيقك وحتى شقيقتك …”
قالتها باسمة بحدة ليتسائل فادي بأعصاب مشدودة :-
” هكذا إذا .. انت تصرين على ذلك .. ما زلت مصرة على الاختيار بينها وبينك ..”
” نعم يا فادي فأنا لن أسمح لتلك الفتاة بأن تدخل عائلتنا مهما حدث … وإذا تزوجتها كما تريد سأغضب عليك ليوم الدين …”
كانت تتحدث بجدية لا تخلو من الغضب عندما هتف بغلظة :-
” افعلي ما تريدين … لكنني سوف أتزوجها …”
تحرك بعدها وهو يصيح بهم جميعا :-
” وسأترك هذا المنزل لكم .. كي تهنئوا به جميعا .. ”
تابعته والدته بعدم تصديق عندما وجدته يهبط بعد دقائق وهو يحمل حقيبة صغيرة تحوي على ملابس له فيتابع نظراتها الرافضة لما يفعله عندما قال ببرود :-
” سآتي غدا وأخذ بقية ملابسي …”
ثم تحرك بعدها خارج المنزل متجاهلا صياح والدته باسمه …
” أحتاج انا أراك حالا … أنا في الخارج عند منزلك …”
قرأت كلماته بدهشة ما لبثت ان تحولت الى قلق عندما سارعت تخلع قميص نومها وترتدي ملابس خروج سريعة …
خرجت من غرفتها متوجهة الى الطابق السفلي ومنه الى خارج الفيلا عندما وجدت نديم في وجهها يسألها باهتمام :-
” أين ستذهبين يا غالية ..؟!”
أجابت بتردد :-
” فادي في الخارج .. يريدني لسبب مهم …”
ظهر الرفض في عينيه لتسارع قائلة برجاء :-
” دعني أراه وأفهم ما يريده ثم نتحدث …”
هز رأسه على مضض عندما تحركت راكضة خارج الفيلا يتابعها هو بتلك اللهفة الواضحة عليها دون ان يمنع نفسه من القلق على شقيقته الوحيدة التي سقطت في عشق ذلك الضابط بكل ما تملك ..
يخشى عليها وعلى قلبها الذي يجرب العشق لأول مرة رغم ثقته بذلك الضابط الذي وجده رجلا بحق يعتمد عليه ويمكن الوثوق به …!!
اتجهت غالية بسرعة نحو فادي الذي كان يقف بجانب سيارته متكئا عليها ليعتدل في جلسته وهو يراها تتقدم نحوه بلهفة وهي تسأله :-
” ماذا حدث يا فادي …؟! هل حدثت مشكلة ما معك ..؟!”
اجاب بسرعة :-
” انا تركت المنزل يا غالية …”
صاحت بعدم استيعاب :-
” ماذا ..؟!”
أومأ برأسه وهو يخبرها :-
” نعم تركته … تركته لأجلك …”
” يعني والدتك لن تقبل ابدا بي …”
قالتها بخيبة ليهتف بصلابة :-
” لا يهم .. انا حاولت معها وكثيرا ايضا .. نحن سنتزوج … ”
هتفت بتردد :-
” كيف ووالدتك غير موافقة …؟!”
” ما بالك يا غالية ..؟! اسمعيني جيدا … لن أتقبل منك أي رفض أنت الأخرى .. انا فعلت المستحيل لأجلك .. تركت المنزل لأجلك .. ”
قالها بعصبية لتهتف بحنق :-
” لماذا تتحدث بهذه الطريقة وكأنك تحملني جميلا على ما فعلته ..؟!”
قال بصوت حازم :-
” انا لا أفعل بالطبع ولكن اريدك ان تفهمي ما فعلته كي نكون سويا فلا تأتي أنت الآن وترفضين ارتباطنا بسبب والدتي …”
ظهر التردد على ملامحها عندما سألها بنفاذ صبر :-
” هل المشكلة فيك أم في شقيقك ..؟!”
ترددت غالية وهي تجيب :-
” بكلينا … انا لا يمكنني قبول ذلك .. لا يمكنني الزواج من رجل عائلته لا تريدني … افهم موقفي من فضلك ….”
” والحل ..؟!”
سألها بعدم استيعاب قبل ان يضيف :-
” هل تريدين أن نفترق اذا …؟! هل هذا ما تريدنه ..؟!”
” انا احبك …”
قالتها بجدية ليهتف بغضب مكتوم :-
” اذا تنازلي قليلا لأجل حبك … لأجل أن تكوني معي ….”
أضاف متأملًا التردد الظاهر في عينيها بوضوح :-
” انا قلت ما لدي وسأنتظر قرارك … لكن عليك ان تعلمي إن رفضك يعني انتهاء علاقتنا بأكملها .. ”
ثم ركب سيارته وشغلها ليتحرك بها بعيدا عن الفيلا تاركا اياها تتابعه بخيبة عندما استدارت الى الخلف لتجد نديم أمامها فسألته بتردد :-
” هل سمعته …؟!”
قال بصدق :-
” كلا ، لكنني أريد أن أفهم ما يحدث …”
تقدمت نحوه بملامح حزينة تخبره :-
” والدته ترفض ارتباطنا وهو ترك المنزل لأجلي …”
هتف نديم بجدية :-
” شيء متوقع … أخبرتك ان الأمر لن يكون سهلا … ”
قالت غالية :-
” يريدنا ان نتزوج رغم رفض والدته … أخبرني انه ترك المنزل لأجلي لذا يجب أن أوافق وإلا …”
توقفت قليلا تلاحظ تغضن ملامح شقيقها فتكمل بجدية :
” وإلا ستكون هذه نهاية علاقتنا …”
قال نديم :-
” معه حق …”
هتفت غالية بعدم تصديق :-
” أنت تؤيده اذا …”
هز نديم رأسه مرددا :-
” نعم يا غالية … لإن الوضع الحالي غير مقبول .. اما ان تعلنان ارتباطكما او يذهب كلا منكما في طريقه…”
همست بتردد ؛-
” كيف أتزوجه ووالدته غير موافقة …؟!”
قال نديم بصدق :-
” هو أمر مزعج حقا ولكن القرار يتعلق بك وبمدى حبك له … اما أن ترفضي هذه الزيجة بسبب رفض والدته و تخرجين فادي من حياتك تماما او توافقين وتتزوجينه وتتجاهلين رفض والدته لك …”
سألت بتردد :-
” وأنت ..؟! هل ستوافق به رغم رفض والدته ..؟!”
تنهد مجيبا :-
” يعني اذا رفضت ستكونين سعيدة والأهم من ذلك انك كبيرة بما يكفي لتقرري الافضل لك … انت تحبينه يا غالية وانا يستحيل أن أقف ضد رغبتك بالارتباط منه وانا أدرك إنك تحبينه بحق وربما لن تحبين غيره … لذا كما أخبرتك .. القرار قرارك .. عليك أن تسألي نفسك عما تريدينه وتستطيعين معايشته وحينها ستخذذين قرارا لا رجعة فيه ..”
بعد مرور عدة أيام أخرى …
تجلس أمامه تتحدث معه وهو يستمع لها بدوره ويمنحها سؤالا مهما رغم بساطته بين الحين والآخر …
منذ الجلسة الاولى وهي التزمت في جلسات العلاج …
وفي كل مرة تتواجد فيها عنده تعري جزءا من روحها امامه لتغادر العيادة بعدها وهي تشعر بتحسن يسيطر عليها …
” إذا أنت ترين نفسك حمقاء لإنك تحاولين حماية الجميع ومساعدتهم حتى لو على حساب نفسك …”
قالها بتروي لتهتف بسرعة :-
” ليس تماما … ”
توقفت بعدها لوهلة قبل ان تضيف :-
” التضحية لأجل من لا يستحق حماقة .:. ”
” وكيف ستعرفين اذا ما كان الشخص الذي تريدين التضحية لأجله يستحق أم لا …؟!”
سألها بجدية لتظهر الحيرة على ملامحها ليضيف :-
” هل تعتقدين إنك لو لم تضحي لأجل نديم وقتها كنت سوف تعيشين سعيدة ومرتاحة …؟!”
هزت رأسها نفيا ليضيف متسائلا بهدوء :-
” لماذا برأيك …؟! ”
نطقت على الفور :-
” لإن وقتها كان سيتعرض للأذى بسبب رفضي لذلك …”
قاطعها بجدية :-
” لكن هذا ليس ذنبك … هذا ذنب أخيه … الأمر لا يخصك ..”
هتفت ليلى مستنكرة :-
” لكنها حياة شخص … لا يمكنني التهاون في أمر كهذا …”
” اذا انت ما كنت لتتحملين ان يصيب نديم مكروه يسبب رفضك الزواج من أخيه ..؟!”
هزت رأسها بصمت ليكمل متسائلا :-
” دعينا نفترض ان نفس الموقف تعرضت له لكن مع شخص آخر … شخص لا يجمعك به رباط قوي كالذي يجمعك بنديم …”
توترت ملامحها قليلا وهي تسأل :-
” كيف …؟!”
بسط كفيه فوق المكتب يشرح مقصده :-
” مثلا هناك شخص ما تعرفينه قليلا … تعرفينه بشكل عابر … وبيدك انقاذه من الموت … من خلال الزواج بشخص لا تحبينه مثلا … اما زواجك من هذا الشخص او موت الآخر …؟! هل كنت ستتزوجين أم تتركين الشخص يموت وتهربين بسرعة من هذه الزيجة …!!”
” مع ان الأمر يبدو غريبا وغير منطقي ولكن بالطبع لن أترك شخصا يموت وفي يدي نجاته …”
ابتسم عادل قائلا :-
” هذه نقطة مهمة … التضحية لديك شيء فطري … انت لا تستطيعين التخلي عن مساعدة شخص يحتاجك مهما كلفك الثمن … طبيعتك هكذا … ”
قاطعته برفض :-
” ولكن هذا خطأ … التضحية احيانا تصبح نقمة على صاحبها …”
” كل شيء له حدود يا ليلى …”
قالها عادل بجدية ثم اضاف :-
” هناك اشياء فطرية … انت هكذا طبيعتك … لا يمكنك التوقف عن مساعدة احد يحتاجك ولا يمكنك أن تتسببي بأي ضرر لمن حولك … ضميرك لا يسمح لك بذلك حتى لو كان على حساب نفسك وسعادتك … مثلما يوجد حولنا أشخاص أنانيين لا يهتمون سوى بأنفسهم يوجد أمثالك ايضا … ”
” إذا …”
هتفت بحرص ليقول بجدية :-
” انت لا يمكنك ان ترفضي طبيعتك هذه او تسعي لتغييرها … انت لا يمكنك ان تغيري فطرتك خاصة انها ليست صفة سيئة او مخجلة … أعلم إن التجربة كانت صعبة وبالتأكيد بسببها أصبحت ترين نفسك غبية و حمقاء لإنك ضحيت بنفسك وسنوات من عمرك لأجل شخص توقف عن حبك وتركك بعدها ولكن هل تعتقدين ان الحل هو أن تتصرفي بعدها بشكل معاكس والأهم هل تعتقدين إنك سوف تستطيعين أساسا تغيير نفسك وطبيعتك هذه ..؟!”
أجابت بصدق :-
” لا أعتقد …”
” سوف أطرح عليك سؤالا مهما وأريدك أن تفكري جيدا قبل الجواب …”
قالها بجدية لتنصت له وهي تومأ برأسها ..
” لو عاد بكِ الزمن الى الوراء وتحديدا قبل ستة سنوات … هل كنتِ سوف تتصرفين بنفس الطريقة …؟!”
غاص في عمق عينيها اللتين جمدتا كليا ما إن سألها ليضيف بإصرار :-
” هل سوف تكررين تضحيتك مجددا يا ليلى …؟!”
تجهمت ملامحها تماما …
أخذ يتابع ردود افعالها المتضاربة …
همس بخفوت :-
” لا تتعجلي في جوابك .. فكري جيدا قبل الجواب …”
ثم استرخي في جلسته يمنحها المساحة الكافية لايجاد الجواب المناسب عندما أجابت بعد حوالي عشر دقائق من التفكير :-
” نعم سأفعل …”
رفعت عينيها نحوه تتأمل ملامحه التي تخبرها أن تستمر في البوح بما تريده لتهمس بتردد :-
” ولكنني سأفكر جيدا قبلها …”
” كيف ..؟!”
سألها بجدية لتجيب بتروي :-
” سأبحث خلف عمار وأتأكد من حديثه … وربما سأحاول أن أجد طريقة للايقاع به … يعني لن أتزوجه حتى تغلق جميع وسائل النجاة في وجهي …”
” جيد .. وماذا بعد ..؟!”
سألها بجدية ليظهر الأسى على ملامح وجهها وهي تضيف :-
” ولن أبني آمالا كاذبة على تضحيتي حينها … ”
سألها باهتمام :-
” كيف يعني ..؟!”
تنهدت وهي تجيب :-
” سأخبر نفسي إنه ليس من الضروري ان يكون هناك مردود لما فعلته … انه ليس من الضروري ان أجد نديم ينتظر مرور السنوات ليخرج ويراني وينقذني من قيد أخيه …. ”
ابتسم عادل مرددا :-
” رائع … ما قلتيه هو العلاج يا ليلى …”
نظرت له بحيرة ليهتف وهو يحافظ على نفس الابتسامة :-
” ليس من الخطأ أن نضحي لأجل من حولنا لكن كما أخبرتك كل شيء له حدود وحتى التضحية …”
استرسل بجدية :-
” عليك أن تتعلمي ألا تستعجلي في قراراتك وألا ترمي بنفسك داخل النار قبل أن تفكري عدة مرات قبلها … الأمور لا تكون بهذه الطريقة يا ليلى … كل قرار تاخذينه يحتاج الى دراسة وتروي … قبل سنوات عاطفتك الشديدة نحو نديم تحكمت بك فسارعت تتزوجين عمار فقط كي تنقذينه من الموت … لم تفكري كثيرا ولم تحاول أن تبحثي عن مخرج لهذا … وهذا يعني إن خطأك لم يكن في تضحيتك بل في تسرعك بهذه التضحية دون دراسة …”
تنهد ثم اضاف :-
” والشيء الآخر هو ما قلتيه .. مشكلتنا يا ليلى إننا نتعامل مع الجميع كما نتعامل مع أنفسنا .. نعتقد انهم يشبهوننا .. ونتناسى اننا مختلفين … وليس من الضروري ان نتشابه في تصرفاتنا وردود افعالنا .. عليك ان تفهمي ذلك جيدا فلا نبني آمالا كبيرة على اي شخص مهما بلغت صلة قرابتك وعمق علاقتك به .. الحياة متقلبة يا ليلى … وجميعنا نمر بظروف مختلفة تترك آثارها علينا … من الجيد أن نضع نصب أعيننا عدة خيارات ممكنة في المستقبل لإن أي شخص في حياتنا قبل للتغيير يوما ما … ”
تأملته بصمت لينهي الحوار قائلا :-
” لا تتخلي عن فطرتك يا ليلى ولا تكرهيها ابدا لكن تعلمي أن تروضيها جيدا كي تستطيعي الاستمرار في هذه الحياة …”
جلست بجواره تتأمل حاسوبه الذي يعمل عليه عندما سألته باهتمام :-
” انت لا تتوقف عن العمل اطلاقا هذه الفترة …”
قال بجدية وتركيزه ما زال منصبا على حاسوبه :-
” يجب أن أنتهي من كل شيء قبل المحكمة حتى يمكنني البدء بالتنفيذ بعدها مباشرة …”
نظر لها وأضاف بتردد :-
” لم يتبقَ سوى شهر واحد على الحكم النهائي …”
قال بجدية تطمئنه :-
” لا تقلق … ستنال برائتك رسميا وتستعيد شهادتك ….”
تنهد قائلا :-
” يارب …”
ظهر الضيق على ملامحها فسألها باهتمام :-
” هل انت بخير ..؟!”
ردت بخفوت :-
” اوجاع عادية ستذهب بعد قليل …”
تابعت غالية وهي تتقدم نحوهما لتجلس قابلهما فيسألها نديم :-
” ماذا حدث يا غالية ..؟! تبدين منزعجة …”
أجابته بوجوم :-
” اتصلت بي ابنة خالة عمار قبل قليل …”
” حقا ..؟! ”
هتف بها نديم مستغربا قبل ان يضيف :-
” ماذا تريد …؟! ”
ردت بجدية :-
” عمار أوكل لها مهمة إدارة نصيبه في الشركة ….”
هتف نديم بجدية :-
” برأيي من الأفضل أن ننهي هذه الشراكة … ”
قالت غالية مستنكرة :-
” كيف يعني …؟؟ هذه شركة والدنا …”
تنهد نديم ثم قال :-
” كنت سأقول هذا بعد المحاكمة النهائية ولكن …”
ثم توقف عندما وجد كف حياة يقبض على ذراعه فسألها بتوجس :-
” ماذا يحدث يا حياة …؟!”
نهضت غالية بسرعة وهي تلاحظ تشنج ملامحها :-
” هل أنت بخير ..؟!”
همست بنبرة موجوعة :-
” بطني تؤلمني للغاية …”
قالت غالية بسرعة :-
” ربما ستلدين اليوم …”
ضغطت حياة أكثر على ذراعه عندما قال نديم بسرعة وهو يقف ويحاول ان يجعلها تقف هي الأخرى :-
” سنذهب الى المشفى .. هيا …”
ثم قادها متوجهين خارج المنزل وحياة بالكاد تسيطر على أنفاسها وتمنع نفسها من الصراخ ..
أخبرته غالية إنها ستقود السيارة فسارع يضع حياة في الخلف ويركب هو جانبها بينما اخذت غالية مكانها في كرسي السائق وشغلت السيارة ثم تحركت بها نحو المشفى …
اثناء الطريق سارعت غالبة تتصل بطبيبتها من هاتف نديم ليجدوا الطبيبة في استقبالهم ما ان وصلوا الى المشفى فسارعت تفحصها قبل أن تخبرهم إنها حالة ولادة بالفعل …
اتصلت غالية سريعا بوالدة حياة التي أتت مع حنين بسرعة بينما نديم يقف في الخارج مدعيا الهدوء رغم القلق الشديد المسيطر عليه …
مرت الساعات طويلة وحياة ما زال تتألم بينما الصغيرة ترفض مغادرة رحمها …
تقدمت غالية نحو شقيقها الذي كان يقف وقد تمكن الخوف من ملامحه فربتت على كتفه تخبره وهي تبتسم له :-
” ستلد بخير ان شاءالله وتأتي لك بأجمل طفلة …”
اما حنين فأخذت تواسي والدتها بينما الحماس يسيطر عليها فهي تنتظر هذه اللحظة منذ أشهر طويلة ..
بعد حوالي ثمان ساعات صدح صوت الصغيرة في المكان فانتفضت حنين تقفز من مكانها تصيح بفرحة :-
” ولدت ..حياة ولدت …”
بينما سارعت غالية تحتضن نديم بقوة والدموع تملأ عينيها …
خرجت الطبيبة من غرفة الولادة ليتقدم الجميع نحوها فيسأل نديم بسرعة عن حالة حياة والطفلة لتخبره الطبيبة إن كلتيهما بخير عندما تقدمت الممرضة خلفها تحمل الصغيرة ملفوفة بقطعة قماش وردية فسارع نديم يتلقفها بين أحضانها متأملًا حجمها الصغير وملامحها الناعمة و وجنتيها الورديتين بعدم تصديق قبل أن ينحني مقبلا جبينها ببطأ ورغما عنه سقطت دمعة من عينه فهو الآن شعر باكتمال سعادته بعدما حصل على هذه الطفلة الرائعة والتي ستكون شمس حياته هي ووالدتها مثل اسمها تماما …
كانت حياة تتأمل الصغيرة بحب بينما حنين لم تتوقف عن التقاط الصور لكليهما …
أحلام تجلس على احد الكراسي وغالية تجاورها بينما نديم يجلس بجانب حياة لا يتوقف عن تأمل الصغيرة التي سلبت لبه …
هتفت حنين وهي تتأمل عيني الصغيرة الزرقاوين :-
” يا إلهي … تحمل لون نفس عينيك يا نديم … ”
أضافت مشيرة الى حياة :-
” عيناها رائعتان …”
قالت أحلام بسرعة تؤنبها :-
” قولي ماشاءالله …”
هتفت حنين :-
” ماشاءالله … ”
ثم اضافت :-
هل سوف أحسدها مثلا ..؟! انا خالتها …”
همست حياة وهي تتملأها بفرحة لا مثيل لها :-
” انها رائعة … ”
ثم أشارت الى نديم :-
” تشبهك كثيرا …”
ابتسمت غالية قائلة :-
” تشبهه فعلا … هذا دليل على مقدار حبك له …”
قالت حنين مشاغبة :-
” هذا يعني انك تحبينه اكثر مما هو يحبك لذا أتت الفتاة تحمل ملامحه …”
ابتسمت حياة بصمت بينما قال نديم :-
” الطفل القادم سيأتي يشبهها ان شاءالله وحينها ستقولين العكس يا حنين …”
هزت حنين كتفيها تتمتم :-
” أنا أقول الحقيقة …”
نهضت أحلام من مكانها وتقدمت نحوها لتتأمل الصغيرة بلهفة مجددا قبل أن تقول :-
” سبحان الله .. يليق بها اسم شمس كثيرا .. حقا اسم على مسمى …”
ابتسمت حياة وهي تتأمل الطفلة بسعادة عندما شعرت غالية بغصة لا إراديًا وهي تتخيل والدتها مكان أحلام ترى حفيدتها وتسعد بها …
نهضت متعللة باتصال مهم خارج الغرفة تبعها نديم تاركا حياة مع والدتها واختها عندما وجد غالية تقف جوار الغرفة عاقدة ذراعيها امام صدرها وتكتم دموعها …
رفعت عينيها الدامعتين نحوه ليجذبها نحو صدره فتشبث به وهي تخبره:-
” اشتقت لماما كثيرا يا نديم …”
تنهد نديم وهو يردد :-
” رحمها الله وغفر لها …”
اخذت غالية تكفكف دموعها قبل ان تبتسم له قائلة بصدق :-
” انا سعيدة حقا لأجلك … مبارك لك ولادة شمس يا أبا شمس …”
ضحك وهو يجذبها نحوه مرددا :-
” العقبى لك يا غاليتي …”
ابتسمت بصمت عندما وجدا زوجة عمهما رحاب ومعها نرمين تتقدمان اليهما فتبارك كلتيهما لهما قبل ان تدخلان عند حياة عندما قالت رحاب وهي تتأمل الصغيرة :-
” ماشاءالله … رائعة كالقمر بل كالشمس …”
أضافت وهي تبتسم :-
” قبل يومين ولدا توأم صلاح واليوم ابنتك يا نديم … ”
هتف نديم مبتسما :-
” عقبال نادر واروى باذن الله …”
ثم اكمل بمرح :-
” نرمين ستكون الأخيرة لانها ما زالت صغيرة …”
ابتسمت نرمين وهي تقول برقة :-
” انا مستعدة أن أتزوج حالا إذا كنت سأحصل على فتاة جميلة كهذه …”
رن هاتف نديم فوجد احد اصدقائه يبارك له بينما اخذت حنين تقلب في الصور التي التقطتها الصغيرة وكذلك حياة عندما تحرك نديم في الخارج يجري اتصالا مع احدهم …
انهى نديم اتصاله ليتفاجئ بفادي أمامه والذي بارك له مرددا :-
” مبارك ولادة الصغيرة يا بك …”
ابتسم نديم مرددا :-
” أشكرك يا سيادة المقدم والعقبى لك …”
ثم أشار الى الداخل مرددا :-
” تفضل …”
ابتسم فادي وهو يسير بجانب نديم عندما دلف الى الغرفة ليصدح صوت نديم قائلا :
” سيادة المقدم أتى ليبارك لنا يا حياة …”
انتفضت غالية من مكانها تتطلع اليه بعدم تصديق بينما ابتسمت حياة مرحبة به عندما بارك فادي لها …
أشار نديم الى البقية يخبرهم :-
” سيادة المقدم فادي الطائي … سيكون خطيب غالية عن قريب … سيرتدون الخواتم قريبا ان شاءالله ..”
ثم التفت لغالية المصدومة يغمز لها بمرح لتبتسم رغما عنها وهي تتبادل النظرات مع فادي غير مصدقة لما يحدث عندما أخذ الموجودين يباركون لهما …
صدح صوت حنين مشيرة الى نديم :-
” لم نلتقط صورة لك مع حياة والصغيرة حتى الآن …”
تقدم نديم نحو حياة وطفلته مشيرا :-
” ماذا تنتظرين …؟!”
سارعت حنين تلتقط صورة لثلاثتهما … حياة تحمل طفلتها مبتسمة لها بحب ونديم يجاورها محتضنا اياها وينظر نحو كلتيهما بحب شديد ..
بعد مرور شهر ..
وقفت امام المرآة يتأمل ملامحه بقلق …
لقد انتظر هذا اليوم طويلا حتى ظن إنه لن يأتي أبدًا …
اليوم نهاية سنوات من الظلم و الألم والضياع …
اليوم سوف تنتهي تلك المرحلة البشعة من حياته والتي سيحاول ألا يتذكرها مهما حدث …
تقدمت نحوه وهي تحمل صغيرتها فسارع يلتفت لها وهو يبتسم للصغيرة التي ضحكت له بطريقة أذابت قلبه و أضائت روحه ..
كل مرة ينظر فيها الى طفلته يشعر بسعادة لا مثيل لها …
لا شيء يضاهي وجودها بين ذراعيه …
اخذها من والدتها يحتضنها بحرص كعادته بينما همست حياة وهي تلمس لحيته :-
” لا تقلق … كل شيء سيكون لصالحنا اليوم …”
تنهد وقال :-
” لن أرتاح حتى أسمع الحكم بإذني …”
أضاف وهو ما زال يحتضن صغيرته :-
” انت مصرة على الذهاب معي …”
تمتمت بجدية :-
” بالطبع يا نديم …. يجب أن أكون معك وحوارك في لحظة مهمة كهذه …”
ابتسم وهو يميل نحوها هامسا بصدق :-
” أحبك …”
طبعت قبلة سريعة فوق شفتيه وهي تخبره بدورها :-
” وأنا أحبك كثيرا يا نديم ….”
ثم سارعت تحمل شمس وهي تخبره :-
” هيا ارتدي سترتك لنغادر … ”
هز رأسه وهو يجذب السترة ثم يرتديها قبل أن يحمل محفظته و هاتفه وبالطبع مفاتيح سيارته …
أشار اها أن تسبقه فتحركت خارج الغرفة ومنها الى صالة الجلوس لتجد غالية هناك والتي استقبلتها وتناولت الصغيرة منها وهي تبتسم لها بحب لتسألها حياة :-
” أنت بخير ، أليس كذلك ..؟!”
تمتمت غالية وهي تربت على ذراعها :-
” انا بخير .. اطمئني …”
ثم وجدت نديم يتقدم نحوها مبتسما بهدوء لتبادله ابتسامته وهي تهتف بخفوت :-
” سامحني لإنني لن أكون معك …”
ضمها نحوه متفهما عدم قدرته على مواجهة الموقف مرددا :-
” لم أغضب منك اساسا كي أسامحك .. المهم أن تكوني بخير …”
تجاهلت العبرات التي ملأت عينيها وهي تبتسم له لينحني نديم نحو الصغيرة ويقبلها من رأسها هامسا لها بحب :-
” ادعي لوالدك يا صغيرة … أنت تميمة حظي يا شمس …”
ثم تحرك مع زوجته مغادرا المكان تاركا غالية تتابعهما بصمت عندما نظرت الى الصغيرة بحب وهي تتمتم بشرود :-
” اتمنى أن تكون الايام القادمة أجمل لنا جميعا …”
ثم اتجهت تجلس على الكنبة تلاعب الصغيرة متعمدة الانشغال بها عما يحدث …
مر الوقت بطيئا وقلقها يزداد …
لا تعلم سبب قلقها بالضبط …
هي قلقة ألا ينال نديم برائته المنتظرة وحزينة في نفس الوقت على عمار وقلقة من أن ينال سنوات طويلة في السجن …
نادت على احدى الخدمات لتمنحها شمس وهي تطلب منها حملها لدقائق ريثما تتصل وتعلم ما حدث …
سارعت تتصل بفادي الذي سيتواجد بالمحكمة كما أخبرها ليأتيه صوتها المرحب وهو يبارك لها :-
” مبارك يا غاليتي .. لقد حصل نديم على برائته رسميا …”
لم تسمع بقية ما قاله فالسعادة تمكنت منها للحظات قبل أن تسأله وهذه المرة الخوف تمكن منها :-
” وعمار …؟!”
أجابها فادي بجدية :-
” حوكم بالحبس لمدة ثمانية أعوام .. “
غادر المحكمة بمشاعر مختلطة …
كلمات القاضي تتردد داخل رأسه دون توقف …
اعلان برائته كان حلمًا لم يتخيل يوما ان يناله …
من كان يصدق أن يحدث هذا ..؟؟
لكن الله عز وجل لا يترك حق مظلوم مهما حدث …
لا بد أن يأتي يوم وينصره ويرد له حقه كاملا …
مهما بلغ الظلم ومهما تجبر الظالم سيأتي اليوم الذي يسقط فيه ….
عانقته حياة على الفور ما إن أصبحا خارج المحكمة ليغمض عينيه وهو يشدد من عناقها …
تقدم فادي يبارك له وهو يمنحه الهاتف ليتحدث مع غالية التي قالت بصوت باكي :-
” مبارك لك يا نديم .. مبارك لك يا حبيبي … الحمد لله .. لقد ظهرت برائتك بفضل الله ….”
ادمعت عينا نديم وهو يستمع لنبرة شقيقته قبل أن يتلقى المباركات من حوله ويرد عليها مبتسما بينما عقله ما زال لا يستوعب ما يعيشه …
لحظة يأس من أن يعيشها وهاهو يحياها أخيرا …
تحرك خارج المحكمة ليتوجه الى كنان الذي غادر قبله فوقف أمامه يخبره بصدق :-
” أشكرك كثيرا … ”
ابتسم كنان مرددا :-
” لا عليك … في النهاية لا بد أن يعود الحق لصاحبه …”
تسائل نديم بتردد :-
” انت لن تتخلص منه كما قلت ..؟!”
ابتسم كنان قائلا :-
” لا تريده ان يموت ….”
تنهد نديم ثم قال :-
” انا لا اتمنى الموت لأي أحد يا كنان … اتمنى ألا تفعلها حقا … ارجوك …”
ربت كنان على كتفه وهو يخبره :-
” اذهب واحتفل بانتصارك يا نديم ولا تقلق ولا تفكر سوى بنفسك اليوم ..”
ابتسم نديم وهو يشكره مجددا قبل ان يتجه لزوجته فيقبض على كفها ويتجه بها عائدين الى المنزل حيث تنتظرهم غالية هناك …
اما كنان فتتجه نحو سيارته ليغادر المحكمة عندما فوجئ بها تنتظره هناك قرب سيارتها ليتقدم نحوها متسائلا بوجوم :-
” لماذا أتيت يا ليلى …؟!”
أجابت بصدق :-
” أتيت لأجلك يا كنان وليس لأجل نديم بالطبع …”
سألها بجدية :-
” ولماذا أتيت لأجلي …؟!”
تنهدت ثم قالت :-
” لكي نتحدث …. ”
” ما زلت تريدين الطلاق …؟! ”
سألها بجدية لتجيب بتردد :-
” أحتاج إليه … ربما انت لن تفهمني ولكنني تعبت يا كنان … تعبت من التسليم بكافة الأمور والقبول بكل شيء ببساطة … انا لا أتذكر إنني اتخذت قرارا بكامل ارادتي منذ ستة سنوات او ربما اكثر … لا أتذكر انني شعرت انني حرة حقا منذ سنوات … ”
تنهدت وقالت :-
” أحتاج الى التحرر يا كنان … أحتاج أن أحيا بحق … دون قيود ودون ارتباطات … ”
سألها بهدوء :-
” كم من الوقت تحتاجين ..؟!”
تمتمت بصدق :-
” لا أعلم … ”
أطلق تنهيدة طويلة قبل أن يقول :-
” انت تعلمين إنني لن أجبرك على الزواج مني … أليس كذلك ..؟!”
أومأت برأسها دون رد ليبتسم مرددا :-
” وتعلمين إنني أحببتك بحق ….”
نظرت له بحزن عندما مال نحوها يخبرها :-
” وتعلمين إنني لم أعد رجلا عاديًا بالنسبة لك .. وإنني تركت داخلك آثرا شئت أم أبيت …؟!”
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تهمس اسمه معترضة عندما قال لها :-
” لو أخبرتك إنني سوف أمنحك حريتك التي تبحثين عنها وأنا على ثقة إنك ستكونين لي في النهاية ، ماذا سوف تقولين عني ..؟! أحمق …؟!”
قاطعته بتجهم :-
” مغرور بشكل مثير للاستفزاز …”
اتسعت ابتسامته وهو يقول :-
” لكنك ستعودين مجددا يا ليلى وستكونين لي .. ”
زمت شفتيها برفض ليخبرها بجدية :-
” سأحررك من هذه الزيجة يا ليلى … سأمنحك حريتك التي تريدنها … سأمنحك الوقت الكافي وكل ما تحتاجينه لإنك في النهاية ستكونين لي بإرادتك الحرة … ”
تغضن جبينها بصمت ليضيف بجدية :-
” أنت طالق يا ليلى … ولكن عليك أن تعلمي ان طلاقك مني مجرد بداية … بداية لحياة جديدة سوف ترسمينها بنفسك ونهايتها ستكون معي …”
لا تعلم لماذا شعرت بألم حينما نطق بكلمة الطلاق …
هل كانت تريده أن يتمسك بها .. ؟؟
هل تريده أن يجبرها عليه …؟!
تجاهلت افكارها تلك وهي ترسم ابتسامة مصطنعة له تخبره :-
” أشكرك حقا يا كنان …”
ابتسم دون رد لتتحرك مبتعدة عنه عندما أوقفها مناديا عليها فالتفتت نحوه تنظر له بتساؤل فيردد قائلا :-
” لن أفعلها يا ليلى … سأتركه للزمن … لن ألوث يدي بدمه …”
ابتسمت بعدم تصديق والفرحة ملأت كيانها في تلك اللحظة …
بادلها ابتسامتها وهو يخبرها بشكل غير مباشر انه سيتخلى عن ثأره لأجلها …
وسيفعل المستحيل لأجلها …
في اليوم التالي …
تقدمت نانسي نحو والدة زوجها التي تقدمت تستقبلها بلهفة هي والطفلين يجاورها كلا من صلاح وشريف الذين ذهبا يستقبلانها في المطار ليأتيان بها هي والطفلين الى الفيلا بعدما أصرت والدتهما على ذلك …
سارعت نجاة تحتضن نانسي ثم تقدمت نحو الطفلين تحملهما بلهفة عندما وقفت نانسي قربها تتأمل صلاح الواجم بصمت …
لم تتوقع ما فعلته والدة صلاح ابدا …
نجاة الخولي تمتلك شخصية قوية مثيرة للاعجاب ….
نجاة التي منعت صلاح من تطليقها بعدما أخبرها بتردد عن قراره بالانفصال من زوجته التي تحمل طفليه بسبب وجود خلافات بينهما وعدم قدرتهما على التفاهم ….
لم تتحمل نجاة ما سمعته فسارعت تصب جم غضبها فوق صلاح وهي تطلب منه أن يصبح مسؤولا ويتحمل مسؤولية طفليه فأجبرته على التراجع عن قرار الطلاق والبقاء مع زوجته وطفليه وإلا ستحرمه من كل شيء و سوف تقاطعه وكذلك سيفعل شقيقه ….
ابتسمت نانسي لوالدة زوجها التي رحبت بها بحرارة وهي تتأمل الطفلين بسعادة بالغة قبل أن تخبرها :-
” لقد أتت بمربيتين لهما … اخترتهما بعناية فائقة …”
أكملت بجدية :-
” وجهزت غرفتهما .. يمكنك أن تغيريها اذا لم تعجبك وكذلك يمكنك أن تغيري المربيتين إذا لم تشعري بالراحة معهما …”
قالت نانسي بسرعة :-
” لا داعي لذلك … أنا أثق في اختيارك يا هانم …”
قالت نجاة بسرعة :-
” منذ الآن فصاعدا سوف تناديني عمتي كما يفعلن الكنة عادة فأنت كنتي وأم أحفادي ايضا ….”
أكملت وهي تشير اليها لتعطيها الصغيرة :-
” هاتي كاميليا لأراها …”
ابتسمت نانسي وهي تمنحها الصغيرة ثم تتجه نحو المربية وتأخذ منها كريم لتهمس نجاة بفرحة :-
” ماشاءالله … ما أجملها … حفظها الله لكما وبارك فيها ….”
أشارت الى صلاح مضيفة:-
” أصبحت لديك فتاة مثل القمر يا صلاح .. عليك أن تحميها من أعين الجميع …”
ثم نظرت الى الصغيرة قائلة بحنو :-
” وصبي رائع يشتد به عضدك مستقبلا …”
نهض صلاح من مكانه مرددا بضيق خفي :-
” سأذهب الى غرفتي لأستريح قليلا …”
تابعته نجاة بعينيها حتى غادر ليظهر عدم الرضا على ملامحها عندما تنحنح شريف قائلا :-
” اسمحا لي يجب أن أغادر الى المشفى … عن إذنكما …”
أشارت نجاة الى نانسي :-
” تعالي اجلسي جانبي يا نانسي …”
تقدمت نانسي وهي تحمل صغيرها لتشير نجاة الى المربية لتغادر المكان قبل ان تستدير نحو نانسي تخبرها بجدية :-
” اياك ان تسمحي لصلاح أن ينفذ ما يريده … لا توافقيه على ما يريده …”
هتفت نانسي بجدية :-
” انا لا يمكنني أن أجبره على البقاء معي يا عمتي …”
قالت نجاة بقوة :-
” بلى اجبريه … لأجل طفليك .. صلاح ما زال طائشا للاسف
لا يقدر النعمة التي منحها الله له … هو يحتاج ان يستوعب حجم التغيرات التي طرأت على حياته .. ”
تنهدت ثم اضافت :-
” حاولي ان تتحدثي معي وتقتربي منه تدريجيا … كما حاولي دائما أن تقربي الطفلين منه كي يتعلق بهما ويجد نفسه عاجزا عن الابتعاد عنهما …”
” اتمنى لو أستطيع فعل ذلك …”
قالتها نانسي بصدق لتهتف نجاة مبتسمة :-
“سوف تستطيعين … لأجل ولديك أولا ..”
ابتسمت نانسي لها تخبرها بامتنان :-
” أشكرك حقا .. انا سعيدة حقا بما تفعلينه لأجلي … ”
ابتسمت نجاة مرددة :-
” انت ام أحفادي يا نانسي يعني مكانتك كبيرة عندي … انت الآن أصبحت تنتمين لعائلتنا وجزءا منها … ”
شكرتها نانسي مجددا وهي تشرد في حديثها مفكرة اذا ما تستطيع ان تقرب صلاح من الطفلين عندما نهضت بعدها متجهة مع الطفلين و المربيتين الى الغرفة الخاصة بهما …
بقيت مع الطفلين حتى ناما لتتجه بعدها الى الغرفة التي ستمكث بها والتي تكون غرفة صلاح نفسها بعدما أمرت نجاة بذلك ….
همت بطرق الباب قبل الدخول عندما أتاها صوته وعلى ما يبدو يتحدث مع احداهن فتراجعت الى الخلف لا إراديا وهي تسمعه يتغزل بها بطريقة فجة وقحة بشدة ..
اغمضت عينيها بنفاذ صبر قبل أن تطرق على الباب ليأتيها صوته المتذمر بعد لحظات فتقدمت الى الداخل واغلقت الباب خلفها …
تلاقت عينيها بعينين الغاضبتين ليقول :-
” إذا ستمكثين في غرفتي …”
تمتمت ببرود مصطنع :-
” والدتك من أرادت هذا …”
تقدم نحوها يخبرها بجدية :-
” سأخبرك شيئا مهما يا نانسي … لا تعتمدي على والدتي كثيرا لإنني وقت الجد لا أهتم بأي أحد سواي …”
هتفت بسخرية :-
” لا تقلق .. أنا أكثر من يعلم إنك لا تهتم سوى بنفسك …”
” جيد اذا ..”
قالها بتهكم قبل ان يتجه ويسحب هاتفه ومحفظته متجها خارج الغرفة بأكملها تاركا اياها تتابعه بتعب …
خرج من غرفة طبيبها يتنهد بصمت …
لقد سمح له طبيبها برؤيتها أخيرا …
كان لا بد أن يراها قبل أن يسافر …
لا بد أن يعتذر منها حتى لو داخله يعلم ان اعتذاره لن يغير شيئا …
اتجه نحوها ليجدها تجلس في الحديقة الخارجية للمصحة ترسم شيئا ما كعادتها …
سار نحوها قبل ان يقف جوارها فترفع عينيها نحوه تتأمله بدهشة عندما باغتها يسألها :-
” كيف حالك يا جيلان …؟!”
لقد عادت تتحدث منذ فترة بعدما رفضت الحديث لأسابيع ….
ردت بجمود غلف ملامحها التي اختفت منها معالم الدهشة :-
” بخير …”
ثم سألته بنفس الجمود :-
” لماذا أتيت …؟!”
أجاب بصدق :-
” لأعتذر منك … أنا آسف يا جيلان … لقد تسبب بالكثير من الأذى لك … آسف حقا …”
تأملته بصمت لوهلة .. صمت امتد للحظات قبل ان يجدها تبتسم ببرود …
ابتسامة ليست مرحة على الاطلاق …
اختفت ابتسامتها بعد ثواني لتهز كتفيها تخبره :-
” لا داعي للاعتذار … ما حدث كان أمر طبيعي … ”
أكملت وهي تتنهد براحة :-
” واذا كنت تعتذر عن الحادث وما فعلته حبيبتك بي فلا تفعل لانني ممتنة لها حقا فهي خلصتني من تلك الطفلة التي كنت ارفض وجودها وانت تعلم ذلك .. الحمد لله تخلصت من العائق الوحيد في حياتي والرباط الذي كان سوف يربطني بك للأبد …”
اكملت ببسمة رائقة :-
” وانت كذلك … تخلصت منها ومن مسؤولية كنت في غنى عنها … تستطيع الآن أن تعود الى حياتك القديمة …”
هتف بصدق :-
” لكنني لست سعيدا لذلك … على العكس تماما .. انا تألمت بشدة لخسارتها … رغم كل شيء ورغم الظروف التي تكونت بها إلا أنني أحببتها وما زلت أرفض مسامحة نفسي لخسارتها …”
ضحكت وهي تعاود التركيز على رسمتها ليتنهد بحرارة ثم يخبرها :-
” انا سأسافر يا جيلان … ”
تمتمت دون ان تنظر اليه :-
” مع السلامة ….”
” اعتني بنفسك جيدا ….”
قالها بصوت مبحوح وهو يشملها بنظرة قلقة في عينيه لتهز رأسها بصمت دون ان تنظر اليه عندما تحرك مبتعدا عنها عائدا الى القصر حيث سيودع عائلته قبل ان يتجه بعدها الى المطار ليغادر البلاد لفترة لا يعلم مدتها ..
اما هي فعادت بعد مدة الى غرفتها تتذكر حديث ريم ابنة خالتها التي أتت لزيارتها مرتين أخبرتها في الاولى عما حدث مع عمار بتردد محاولة التخفيف عنها فتقبلت جيلان ما سمعته ببرود لتأتي في المرة الثانية وهي تخبره إن عمار يريدها أن تسافر مع شيرين وطفله الى الخارج لتكمل هناك دراستها …
أرادت أن ترفض لكنها تراجعت مفكرة ان السفر خارجا افضل بكثير من العودة الى قصر عمها …
اخبرت ريم بموافقتها لتخبرها بعدها ان عمها يريد التحدث معها فيسألها عن حقيقة رغبتها بالسفر لتؤكد له رغبتها بذلك فيشترط عليها عدم السفر قبل أن تنهي فترة العلاج التي تحتاجها ويسمح لها الطبيب بمغادرة المشفى …
ابتسمت بتهكم وهي تتذكر ابنة خالتها التي ظهرت من العدم ودخلت حياتها كمندوبة عن أخيها عمار الذي على ما يبدو تركها في الخارج تكمل مهامه بينما هو يقضي حياته داخل القضبان …
لا تنكر انها استغلت مرضها النفسي وما عاشته في اجبار عمها على الموافقة على السفر بعدما اخبرته بوضوح لا يخلو من القسوة انها لا تريد وصايته عليها فهو فشل في حمايتها وهي بدورها ستسافر مع زوجة اخيها وتبقى تحت ملاحظة ريم ابنة خالتها …
ضحكت بخفة وهي تتذكر فرحة ريم بموافقتها والأخيرة لا تدري انها وجدتها فرصة استغلتها الهروب من هذه البلاد والبدء في حياة جديدة ومختلفة …
اتجهت نحو المرآة ووقفت أمامها …
تأملت ملامح وجهها …
تمتلك جمالا لا بأس به …
هل يمكنها أن تصبح فاتنة …؟!
هذا العالم لا يناسب الضعفاء وهي كانت ضعيفة ..
هذا العالم لا يتحمل الاغبياء وهي كانت غبية ..
لسنوات كانت تحيا مسلوبة الارادة … يسيرها الجميع كما يشاء ولكن كل شيء سيتغير بعد الآن …
هي لن تتغير فقط …
هي ستخلع عن نفسها رداء الضعف والغباء و الخنوع وترتدي رداء مختلف تماما …
الحياة تستحق الكثير من التمرد ، التحرر وربما المجون …
بعد مرور مدة زمنية ..
دلف الى الغرفة المخصصة لاستقبال الزوار ليجده كما توقع ..
تقدم نحوه مرددا ببرود :-
” كنت أنتظرك …”
منحه نديم نظرة باردة ليجذب عمار الكرسي ويجلس قباله قائلا :-
” هيا .. قل ما لديك .. استغل هذه الفرصة جيدا …”
أضاف وهو يميل نحوه بتهكم :-
” أنت سعيد الآن ..سعيد للغاية .. قلها يا نديم … لا تتردد …”
استرسل بسخرية :-
” ولكن لا تفرح كثيرا … فهذه ليست نهايتي … ”
هو رجل لا يرهبه السقوط ….لا يخشى الهزيمة لانه يدرك جيدا أن هزيمته ما هي الا بداية انتصار جديد ومختلف ….
” كم سأبقى سجينا ..؟! خمسة أعوام …؟! أو ربما عشرة …؟! لا يهم … الحياة لن تتوقف … سأخرج يوما ما … عاجلا أم أجلا سأعود … وأنت والجميع يعلم ذلك جيدا …. ”
” أعلم …”
قالها نديم بثبات وهو يضيف :-
” لست هنا لأشرح لك شعوري بعدما نلت برائتي لإنك لن تفهم ما سأقوله أبدًا …”
أضاف وعيناه تناظرانه بقوة :-
” انا هنا لسبب واحد فقط … ابنك ….”
هدر عمار بغضب :-
” لا علاقة لك به .. لا تقترب منه .. هل فهمت …؟!”
ابتسم نديم قائلا :-
” لقد رأيته يا عمار … صبي جميل .. يشبهك …”
التمعت عينا عمار بحقد دموي ليضيف نديم بصدق :-
” ربما أنت تحتاج أن تراه أيضا لكن بعين مختلفة عن المعتاد … عسى ولعل تقضي على سوادك و حقدك الدفين لأجله …”
هتف عمار :-
” ابني خط احمر يا نديم …”
قال نديم بتجهم :-
” انت تعلم انني لا استخدمه اساليب كهذه … اساسا لم يعد بيني وبينك شيء … ما أردته حصلت عليه وانتهى اي شيء عدا ذلك ….”
نهض من مكانه يخبره ببرود :-
” انظر الى ما وصلت اليه يا عمار … أخبرني كم استفدت من افعالك المؤذية بحق من حولك … كان من المفترض ان تكون الآن بجانب طفلك … تشاهده وهو يكبر امام عينيك عاما تلو عام … تحيا مع أسرتك الجميلة .. لكن أين أنت الآن أخبرني …؟! هنا خلف القضبان … ”
أضاف متأملًا جمود ملامحه :-
” اتمنى أن تعيد حساباتك يا عمار وأن تتخذ ما حدث فرصة لك للتكفير عن ذنوبك من جهة وبدء حياة جديدة مع طفلك من جهة …”
نهض عمار من مكانه مرددا بسخرية :-
” بالله عليك توقف .. لا انتظر منك نصائح غبية لا جدوى منها .. برأيي أن تهتم بنفسك وبعائلتك … حسنا …”
منحه نديم ابتسامة باردة وهو يخبره :-
” لا فائدة .. مهما حدث فلن يكون هناك فائدة أبدًا .. عمار سيبقى عمار مهما حدث ….”
ثم تحرك خارج المكان تاركا الآخر يتابعه بجمود مرددا بينه وبين نفسه :-
” عمار سيخرج يوما ما من هنا يا نديم وحينها ستتمنى انت ومن حولك لو لم يخرج أبدا …”
غادرت عيادته بملامح مسترخية ….
اتجهت نحو سيارتها وركبتها لتتذكر آخر حديث دار بينهما …
” هل تريدين الهرب يا ليلى …؟!”
صمتت لوهلة …
تفكر في السؤال وتفتش عن الإجابة المناسبة بين ثنايا روحها …
هل تستطيع الهرب …؟!
هل تستطيع ترك كل شيء والمضي قدما …؟!
الهرب من محيطها الحالي …
من كافة الجنون المحيط بها …
التخطيط لحياة جديدة ..
بداية جديدة …
سمعته يخبرها وكأنه قرأ أفكارها وأدرك محياها :-
” عليك أن تبحثي عن الإجابة دون التفكير بمن حولك … لا تفكري في عائلتك ولا المسؤوليات التي تحملينها فوق عاتقك … أريدك ألا تفكري سوى بنفسك وما تحتاجينه …”
نظرت له بعينيها العسليتين تتأمل سكون ملامحه ونبرته الهادئة رغم جديتها بدت مريحة جدا …
في داخلها أرادت أن تفعل … أن تفكر في نفسها فقط …
تتذكر كلماته لها .. تقييمه لوضعها …
كيف وصف حالتها وما نصحه بها …
هو لا يراها مريضة إطلاقا ..
هي فقط تائهة ومشتتة وحائرة جدا …
هي فقط تفكر في كل شيء عدا نفسها …
تتخذ قراراتها بناء على مصلحة من حولها قبل مصلحتها ..
هي يجب أن تفكر في نفسها أولا …
أن تراعي نفسها قبل الجميع ..
أخذت نفسا عميقا وعاد السؤال يتردد داخل عقلها ..
هل تريد الهرب ..؟! او هل تحتاجه بمعنى أدق …؟!
وأخيرا خرجت الإجابة من أعماق روحها :-
” أريد الهرب .. أحتاجه …”
منحها إبتسامة هادئة وهو الذي نجح في توجيه أفكارها نحو مشاعرها وتوظيفها بما يخدمها هي لا غيرها …!!
سألها بنفس الهدوء وعيناه تسبران أغوارها :-
” وهل تعتقدين إنه الحل ..؟! هل تجدين في هروبك فرصة للنجاة …؟!”
ردت بعد صمت ثقيل :-
” انا أحتاج أن أبتعد عن جميع من حولي .. أبتعد عن جميع من تسببوا بالالم لي … أحتاج الى بداية جديدة .. حياة جديدة .. ناس جدد تماما … ”
أغمضت عينيها وهي تضيف :-
” أحتاج لبداية جديدة مع نفسي .. اكون لوحدي وأرتب اولوياتي حينها … ربما يكون في الهرب فرصة للنجاة … فرصة للتغير ….”
افاقت من افكارها وهي تتذكر حديثهما وشعورها بالراحة والفارق الكبير الذي طرأ عليها منذ أن بدأت جلساتها معه …
هي تحتاج لبداية جديدة ..، بعيدا عن الماضي وذكرياته التي تراها في كل مكان من حولها … تحتاج ان تستعيد نفسها وذاتها المفقودة في خضم الايام الفائتة …
تنهدت بصمت وهي تفكر مجددا في والدها ووضعه المجهول …
والدتها وشقيقتها التي وضعت كل تركيزها في دراستها متعمدة التباعد عن الجميع خاصة بعدما طلقها عمار من نفسه دون مشاكل كانت تقلق منها …
تذكرت عبد الرحمن ومصطفى …
هل تتركهم جميعا وتسافر …؟!
هل تستطيع ان تفعلها ….؟!
توقفت افكارها عند صوت رنين هاتفها فسحبته لتتجمد اوصالها كليا وهي ترى رقم طبيب والدها الخاص يضيء الشاشة …
أجابت على الهاتف وهي تنتظر سماع ما يقوله والذي سوف يمنحها جوابا واضحا على سؤالها السابق …
تجلس بجانبه امام البحر ترتشف قهوتها بصمت بينما يجاورها حاملا ابنته داخل احضانه …
التفتت له تمنحه ابتسامة وهي تسأله :-
” هل تتذكر ماذا حدث هنا في هذا المكان …؟!”
ابتسم وهو يجيبها :-
” هنا التقينا لأول مرة … رأينا بعض لأول مرة .. ”
أومأت برأسها وهي تخبره :-
” كانت اجمل صدفة …”
تمتمت بشرود :-
” هل تصدقني لو أخبرتك إنني يومها شعرت إن هذا اللقاء لن يكون مجرد لقاء عابر ربما لإنك شغلت تفكيري قبلها عندما رأيت صورتك بالصدفة ايضا …”
تنهد قائلا :-
” لا أحد بنا كان يعلم ما يخبئه القدر له … لكن بعدما حدث معي أدركت إن الظلام لا يستمر الى الابد وإن يوما ما سيدخل حياتك شخص يغيرها كليا …”
نظر الى عينيها مضيفا بحب :-
” أنت أجمل شيء حدث لي … أنت دخلت حياتي المظلمة لتضيئها بنورك … ”
” أنا أحبك …”
قالتها بصدق وهي تمنحه ابتسامة واسعة ليهمس لها بصدق :-
” وأنا أحبك أكثر من أي شيء ….”
ثم مال نحوها قليلا وطفلته بين ذراعيه يخبرها بصدق وعيناه تنظران لها وكأنها العالم بأكمله :-
” أنتِ كنتِ الحياة يا حياة ….”
رواية حبيسة قلبه المظلم الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم سارة علي
في قصص الخيال تولد الأميرات … وفي قصتها كانت هي الأميرة .. أميرة أتت من عالم الخيال لتعايش الواقع الذي لا يشبهها ولا يشبه عالمها الذي جاءت منه … جميلة كشمس مشرقة تمنح النور للحياة .. قوية لكنها رقيقة .. ذكية لكنها حالمة … نقية كالماس وشفافة كالمياه … هي أنثى عايشت الحياة بكل مضاداتها … أحبت وتألمت .. سقطت ونهضت .. قاومت وانتصرت … في النهاية هي اختارت أن تحيا فقط … تحيا دون تعقيد .. دون شوائب ماضي لا يشبهها … دون أن تنغمس في حاضر لا يليق بها … هي ستعيش بالطريقة التي تناسبها … بالطريقة التي تشبهها … حيث تجد ذاتها المفقودة في خضم الحياة ومطباتها …
منذ عام اختارت بداية جديدة .. مكان جديد وناس جدد … منذ عام قررت أن تفكر بنفسها قبل أي أحد … وهاهي الآن وبعد مرور عام على قرارها الذي اتخذته بعد تفكير بدأت تعيش حياتها بالشكل الذي تريده و يناسبها .. هي سيدة قرارها والوحيدة التي تتحكم في بوصلة حياتها … عام كامل حمل الكثير لها .. حياتها تغيرت بشكل ملحوظ بل هي كلها تغيرت …. لم تعد كالسابق … أصبحت امرأة أخرى نجحت في الاستفادة من تجاربها السابقة في صقل شخصها بدلا من البكاء على أطلالها … امرأة تسعى لتبني كيانا لها معتمدة على نفسها وقدراتها … امرأة لم تتحرر من ذكريات الماضي كليا لكنها قررت أن تمضي قدما وتتجاهلها ..!
هي تعلمت من الماضي … نضجت ونظرتها للأمور تغيرت … ورغم كل التغيرات التي سعت اليها ونجحت فيها ما زالت تحتفظ داخلها بفطرتها الخاصة … هي تغيرت ولم تتغير … هي فقط تعلمت كيف تحيا دون أن تظلم نفسها او تبخس حقها ..!
تحركت بعملية داخل شقتها الصغيرة التي استأجرتها منذ تسعة شهور تقريبا .. تسعة شهور مرت على قدومها الى هذه البلاد … كان قرارا صعبا وربما يبدو سريعا لكنها كانت تحتاج ذلك وبقوة … ساعدها القدر لأول مرة عندما استيقظ والدها من غيبوبته قبل عام …. ثلاثة أشهر قضتها مع العائلة قبل سفرها الى الخارج حيث انتظرت ان يستعيد والدها صحته وتنظم امورها كاملة قبل أن تتخذ قرارها بالسفر خارجا ….
الحياة بدأت تستقيم في منزلهم .. والدها تحسنت صحته تدريجيا وبدأ يمارس مهامه المفترضة بحق عائلته وأطفاله .. مريم وضعت جل تركيزها في دراستها .. ووالدتها تهتم بشؤون العائلة وتراعي والدها وإن لم تمنحه غفرانها بعد … كل شيء كان يتقدم نحو الاحسن وعلى ما يبدو ان والديها شعرا برغبتها الصادقة في الابتعاد لفترة فقررا تحريرها من مهام العائلة التي أثقلت كاهلها كي تفعل ما تريده وتسافر خارجا دون أن ترتبط بأي شيء يخصهم …
هي تتواصل يوميا معهم بل وتتحدث مع عبد الرحمن صوت وصورة .. هو يخبرها انه يشتاق لها وهي تعده بزيارة قريبة عندما تستطيع أن تأخذ اجازة من عملها بينما ترسل له شهريا مجموعة من الألعاب التي يحبها .. أخيها الآخر يكبر حتى إنه أكمل عامه الاول منذ اربعة شهور تقريبا .. أرسلت له هدية بمناسبة ميلاده وجانبها هدية خاصة لعبد الرحمن كي لا يحزن .. كلا الطفلين متعلقين بوالدتها بشكل ملحوظ ووالدتها كعادتها لا تتوقف عن منحهما ما يحتاجانه من حب وحنان ورعاية أمومية .. لم تستغرب الأمر فهذه والدتها التي عرفتها لسنوات طويلة .. والدتها التي لن تأخذ الطفلين بذنب أبويهما ..
أما مريم فهي لا تتحدث معها .. ما زالت ترفض التواصل معها بينما تسمع اخبارها من والدتها التي تخبرها كم تغيرت شقيقتها وباتت ملتزمة في عملها مع والدها بعدما تخرجت من جامعتها أخيرا …
حملت كوب قهوتها واتجهت به نحو الطاولة المربعة حيث تناولت فطورها سريعا والمكون من كوب قهوة حلوة قليلا مع شطيرة من الجبن و المرتديلا .. أنهت فطورها بسرعة قياسية وسارعت تغسل الكوب وتعيده مكانه وتنظف الطاولة قبل أن تتحرك الى غرفة نومها حيث تسحب سترتها و ترتديها فوق قميصها .. وقفت أمام المرآة تلقي نظرة سريعة على مظهرها كي تتأكد من هندامه .. شعرها الأشقر والذي قصته حتى منتصف رقبتها مصفف بعناية .. وجهها الخالي من مساحيق التجميل باستثناء كحلة العين وملمع الشفاه .. ملابسها الرسمية المكونة من تنورة ضيقة تصل الى نهاية ركبتيها فوقها قميص ابيض ومعه سترة عملية تماثل لون التنورة الرمادي .. حملت حقيبتها متوسطة الحجم ووضعت بها هاتفها قبل أن تسحب مفاتيحها من فوق المنضدة وتتحرك خارج الغرفة ومنه خارج العمارة السكنية الفخمة ..
ركبت سيارتها الحديثة والتي اشترتها منذ حوالي اربعة أشهر بعدما اعتادت على البلاد الجديدة وحفظت الطرق المهمة مبدئيا .. قادتها متجهة بها الى مقر الشركة التي تعمل بها .. شركة يمتلكها شقيق احدى صديقات الجامعة والتي أخبرتها بإمكانية العمل لديه بعدما علمت برغبتها في السفر خارج والعمل هناك كنوع من التجديد ….
عندما أتت الى هنا لم تتوقع أن تكون الشركة بهذا القدر من الضخامة …. حينها شعرت إن هذه فرصتها لتشق طريقها الحقيقي في ميدان العمل فسارعت تعمل باجتهاد كي تثبت وجودها بأسرع وقت خاصة وهي أتت الى الشركة بتوصية من المدير الذي لا تراه الا قليلا فهو يمتلك عدة أفرع في عدة بلدان وهذا أحد الفروع التي يزورها بين الحين والآخر تاركا صديقه نائبا عنه …
أوقفت سيارتها في كراج الشركة وهبطت منها متجهة الى الداخل عندما استقبلها حارس الأمن بابتسامة رسمية مرحبة بادلتها بمثلها كعادتها .. اتجهت نحو المصعد ووقفت امامه تنتظر هبوطه عندما وصل أخيرا لتدخل بسرعة وتضغط على الزر الذي يحمل رقم الطابق الذي تعمل فيه .. غادرت المصعد متجهة الى غرفتها المجاورة لغرفة مديرتها .. كانت تعمل في مجال دراستها .. العلاقات العامة وهي الآن معاونة لمديرة العلاقات العامة في الشركة السيدة لورين ….
درفت الى مكتبها لتبدأ ممارسة عملها كالعادة عندما وجدت لورين تقتحم المكتب متحدثة بجدية :- ” ستذهبين بعد الظهر الى الفندق كي تتحدثي مع المدير بشأن الاحتفال السنوي لافتتاح الشركة …” أكملت بنفس الجدية دون أن تنتظر أي رد من ليلى :- ” أنت سوف تتولين مسؤولية تنظيم الحفل هذه السنة بناء على رغبة المدير …” ثم منحتها ابتسامة باردة وهي تنهي جوارها :- ” أرينا قدراتك الحقيقية يا ليلى ..” ثم تحركت تهم بالمغادرة عندما قالت ليلى بسرعة :- ” آنسة لورين …”
استدارت لورين نحوها ترمقها بنظراتها الباردة المعتادة لتهتف ليلى وهي تنهض من مكانها :- ” أنا لا أعرف شيئا عن هذا الحفل … لم يمر عام حتى على وجودي ولا أفهم ما يمكنني فعله …” تمتمت لورين وهي تشير الى العنوان الوظيفي الموضوع فوق مكتبها :- ” ماذا تقرئين هناك فوق هذه اللوحة الصغيرة …؟!” منحتها ليلى نظرة باردة مشابهة لنظرتها وهي تخبرها :- ” معاون مدير العلاقات العامة …” ابتسمت لورين بسخرية وهي تردد :- ” وماذا تعني العلاقات العامة من وجهة نظرك يا مدام …؟!” أضافت بجدية حازمة :- ” أو لنغير السؤال … عادة ما هي الشهادة الجامعية التي يمتلكها منظمي الحفلات …؟!” قاطعتها ليلى بجدية :- ” حسنا … فهمت …”
” جيد .. لا تنسي أن تذهبي اليوم الى الفندق … السيد منذر يريد حفلا مميزا هذا العام وهو يعتمد عليك …” هزت رأسها بتفهم عندما غادرت لورين المكان لتتجه ليلى نحو مكتبها وتجلس عليه مفكرة في هذه المهمة الغير متوقعة قبل أن تقرر التوجه الى منذر الذي منحها هذه المهمة.. قابلها منذر بابتسامته المرحة المعتادة وهو يخبرها :- ” أحببت أن تتولي أنت مسؤولية تنظيم هذا الحفل المهم … أريد حفلا مختلفا هذا العام وأعتقد إنك سوف تستطيعين أن تفعلي ذلك وتقدمي لنا حفلا مميزا من خلال لمستك الخاصة المختلفة عن غيرها …”
وبدلا من أن يسعدها كلامه كان يمنحها مسؤولية مضاعفة … مسؤولية لا مفر منها .. تحركت ظهرا مغادرة الشركة متجهة الى الفندق حيث استقبلها مدير الفندق مرحبا بها بعدما أخبره منذر عنها ليحدثها عن الحفلات السابقة واهميتها بالنسبة الى الشركة ومقدار ما تدر عليها من صفقات جديدة فهذا الاحتفال السنوي يحضره اهم رجال الاعمال … طال الحديث بينهما لفترة لا بأس بها قبل أن تقرر ليلى المغادرة والعودة الى شقتها للتفكير جيدا فيما ستفعله بشأن هذه الحفلة …
أثناء مغادرتها أجرت اتصالا سريعا بمنذر تسأله عن بضعة أشياء بشأن الحفل … وصلت الى شقتها أخيرا فسارعت تأخذ حماما سريعا ثم ترتدي بيجامة بيتية قبل أن تتجه نحو صالة الجلوس وهي تحمل قدحا من عصير البرتقال البارد … أجرت اتصالها المعتاد مع والدتها لتطمئن على الجميع قبل أن تجري اتصالا آخر تتأكد من وصول هديتها لغالية في الموعد المتفق عليه … جلست بعدها ترتشف عصيرها وهي تقلب في هاتفها بعدم اهتمام عندما توقفت لوهلة امام صورته هو ومجموعة من رجال الدولة لتقرأ الخبر المرفق بالصورة والذي يخص افتتاحه مشروعا جديدا يعتبر من أضخم مشاريع العام بحضور اهم رجال الدولة والمجتمع …
عادت تتأمل صورته بتمعن وهي تراه يبتسم بفخر واعتزاز كعادته … قلبت بالصور لتتوقف بعد لحظات امام صورة تجمعه مع رجلين لا تعرفهما وفنانة شهيرة تقف على جانبه الآخر تلتصق به بوضوح … تأملت الفنانة الحسناء بتجهم سيطر على ملامحها بينما هو يقف جوارها مسترخيا مبتسما بجاذبية كعادته … أغلقت الهاتف ورمته بعيدا بملل وعادت ترتشف عصيرها بصمت متجاهلة الضيق الذي شعرت به من رؤيته بجوار تلك الحسناء … هي لا يحق لها أن تنزعج … لقد مر عام على انفصالهما و تطليقه لها بعدما أصرت هي على ذلك … من الطبيعي أن تدخل غيرها حياته خلال عام كامل … ابتسمت بتهكم رغما عنها وهي تتذكر اعترافه لمرتين بحبه لها قبل أن تؤنب نفسها التي على ما يبدو لم تتعلم جيدا من تجربتها السابقة وما زالت تفكر بنفس الطريقة الغبية ونظرتها الحمقاء اتجاه من حولها … كنان مثله مثل الجميع .. هو لا يختلف عن الرجال حوله وهي عليها أن تفهم هذا … لا بد أن يأتي يوم وتسمع خبر ارتباطه بغيرها ولا يجب أن تندهش أبدا حينها فهذا واقع الرجال … الحب مرحلة مؤقتة قابلة للاستبدال في أي وقت طالما هناك العديد من النساء حولهم ……………………………….
تجري خلف الصغير بسرعة تحاول التقاط علبة مكياجها منه .. وقف قبالها أخيرا وهو يرفع العلبة نحوها بضحكة مرحة لتسارع بالجري نحوه وحمله وهي تقبله بحب شديد … ثم أخذت العلبة منه ووضعته أرضا لتجده يجرها من ملابسها وهو يشير الى العلبة مجددا لتخبره بجدية :- ” لن أسمح لك بتدميرها مثل غيرها يا جيسو …” ثم مالت نحوه تخبره بحزم مصطنع :- ” كن مؤدبا ولا تعبث بأغراضي مجددا .. حسنا …”
ضحك الصغير بمرح عندما وجدت شيرين تتقدم ناحيتهما وهي تسألها :- ” هل عبث باغراضك مجددا …؟!” ثم حملت الصغير وأخذت تؤنبه بهدوء لا يخلو من الحزم عندما قالت جيلان وهي تبتسم له بحب :- ” جَسور تحديدا يحق له أن يفعل بي و باغراضي ما يشاء …” هتفت شيرين مستنكرة :- ” انت تفسدينه دلالا يا جيلان …” مالت جيلان نحوه تعبث بخصلاته البنية وهي تخبرها :- ” ليس ذنبه انه يمتلك قلبي كاملا …”
تأملتها شيرين بذلك الفستان القصير والذي بالكاد يغطي منتصف فخذها فسألها بتروي :- ” هل ستخرجين اليوم ايضا ..؟!” أومأت برأسها وهي تتحرك عائدة نحو غرفتها في الشقة التي تتشاركها معها بينما تخبرها اثناء مغادرتها :- ” نعم .. اصدقائي ينتظرونني بعد اقل من ساعة في المقهى المعتاد…”
لم تعلق شيرين على ما قالته وهي تتجه بصغيرها لتبديل ملابسها … كانت تتحدث معه وهي تغير ملابسه :- ” لا يجوز ان تعبث بأغراض من حولك يا جَسور ..” كان جَسور يتأملها بصمت فابتسمت له وهي تخبره بمشاكسة :- ” انت تلتزم الهدوء امامي لكن ما إن أتركك للحظة حتى تبدأ مهامك المعتادة …”
القى الصغير بجسده نحوها وهو يتمتم :- ” مامي .. حلوة …” ضحكت وهي تحمله مجددا متجهة به نحو صالة الجلوس لتشغل له كرتونه المفضل وهي تضع داخل فمه مصاصته … قابلت جيلان اثناء تحركها بعيدا عنه لتهتف جيلان وهي تنظر اليه :- ” موعد الكرتون اذا …” قالت شيرين بارهاق :- ” انت تعرفين انه لا يتوقف عن مشاغباته الا في هذا التوقيت حيث يضع جل تركيزه مع الكرتون …”
تطلعت جيلان اليها بشفقة فابن اخيها متعب حقا لا يتوقف عن العبث والشغب طوال اليوم … تمتمت وهي تنظر الى الصغير بحنو :- ” انه متعب حقا .. لا يتوقف عن الحركة طوال اليوم ..” ثم ضحكت وهي ترى الصغير يصيح بفرح عليها :- ” جيلا …” تقدمت نحوه وهي تخبره مبتسمة :- ” جيجي … نادني جيجي يا جيسو …” ابتسم الصغير مرددا :- ” جيجي .. جيجي …”
” احسنت …” قالتها وهي تنحني نحوه وتقبله من وجنته قبل ان تشير الى شيرين قائلة :- “سأغادر .. حسنا ..” ” لا تتأخري …” قالتها شيرين بجدية لتهز جيلان رأسها بعدم اهتمام وهي تتحرك خارج الشقة تاركة شيرين تتابعها بصمت حتى اختفت فعادت تنظر الى صغيرها وهو يتابع التلفاز بتركيز لتبتسم بحنو خالص فهذا الصغير هو أثمن شيء حصلت عليه طوال حياتها … تشكلت غصة داخل حلقها وهي تتذكر والده الذي يقضي عقوبته في السجن … السجن الذي دخله بسببها هي … لولاها ما كان ليسقط عمار وينكشف امره … بالكاد سيطرت على دموعها وهي تخبر نفسها بحزم ان ما فعلته هو الصحيح … كان يجب ان تفعل ذلك … عمار كان يحتاج ان يستوعب ان العالم لا يدور من حوله وان الزمن مهما طال سيأتي يوم ويسقط … الانتصار لا يدوم .. الشر لا يدوم وهو عليه ان يدرك هذا جيدا ………………………………………….
تقف بجانب مجموعة من الشباب والفتيات تتبادل الأحاديث معهم حيث تعلو ضحكاتهم الصاخبة بين الحين والآخر … مال نحوها احد الشباب الذي لا يتواني عن اظهار اعجابه به وبجمالها الجذاب فسألها بفضول :- ” ماذا قررت يا جيجي …؟! أين سوف تدرسين …؟!” تناولت القليل من عصيرها وهي تخبره ببرود :- ” لم أقرر بعد ….” هتف الآخر باهتمام :- ” يمكننا مساعدتك في اختيار الجامعة الافضل هنا …” تمتمت جيلان بنفس البرود :- ” أعتقد إنني سوف أدرس في ولاية أخرى …” سألتها صديقتها الأقرب لها في المجموعة :- ” حقا …؟! أين سوف تدرسين …؟!” ردت بجهل حقيقي :- ” لم أختر بعد … ربما في كندا …”
نظرت لها صديقتها بتعجب تجاهلته وهي مفكرة انها تحتاج الى الابتعاد عن هنا فشيرين دائما حولها ولا تتوقف عن مراقبتها وتحذيرها من أي تصرف تقوم به وهذا ما يقيدها كليا …. حركت خصلة من شعرها وهي تتبادل النظرات مع ألبرت الذي أخبرها بجدية :- ” هل ترقصين معي ..؟!” أومأت برأسها وهي تنهض من مكانها ليبتسم بحماس وهو يجذبها من كفها نحو ساحة الرقص … أخذت ترقص معه بسلاسة حتى تغيرت الاغنية السريعة الى اخرى أكثر صخبا فتسارعت حركتها مع ايقاع الاغنية السريعة وهي تضحك بدورها باستمتاع وحماسها يزداد اكثر … لحظات وشهقت بصمت عندما جذبها نحوه مقبلا شفتيها بعنف صدمها لوهلة قبل ان تستوعب ما يحدث فتدفعه بعيدا و تسقط بكفها فوق وجهه لينصدم الجميع مما حدث وتتوقف الموسيقى … مسحت فمها بقرف وهي تمنحه نظرات حارقة بينما تسبه بصوت مرتفع حتى شعرت بصديقتها تقترب منها وتسحبها من يدها تهمس لها أن تهدأ ولا تتسبب بفضيحة في المكان … طاوعتها جيلان مرغمة وهي تتحرك نحو الطاولة وتسحب حقيبتها متجهة بسرعة خارج المكان متجاهلة نداء صديقتها عندما وقفت في ركن مظلم تحتضن جسدها بذراعيها ترتجف كليا مما يحدث وجسدها يسيطر عليه شعور النفور والاشمئزاز من تلك اللحظة التي اقترب منها ألبرت لهذه الدرجة الحميمية ………………………………………….
ترجل من السيارة يتأمل القصر حوله بابتسامة هادئة عندما سارع فيصل يتقدم نحوه يحتضنه باشتياق تتبعه توليب التي عانقها بسعادة قبل أن يقبل جبينها لتخبره بسرعة :- ” ماما تنتظرك في الداخل منذ ساعات الصباح الاولى …” تحرك معهما بعدما القى التحية على الحرس وطلب من أحدهم ان يخرج حقائبه ليسير بجانب شقيقه وشقيقته مبتسما بفرحة لعودته بعد اكثر من عام قضاه خارج الوطن …
استقبلته والدته بلهفة ولم تستطع ان تكبح دموعها وهي تخبره بتأنيب :- ” لا تفعلها مجددا …” قبل يديها وهو يخبرها بصدق :- ” لن أفعلها ابدا …” ثم اتجه نحو والده الذي عانقه قبل ان يخبره وهو يربت على كتفيه :- ” اشتقنا لك و لجنونك يا ولد …” قال راجي وهو يحتضنه بعد والده :- ” لقد توقف عن جنونه منذ زمن يا بابا …” شدد مهند من عناقه وهو يخبره :- ” أنت بالذات اشتقت لك يا حضرة الطبيب …” ثم ابتعد عنه ليسأله راغب وهو يبتسم له :- ” وماذا عني …؟! أعتقد انني الوحيد الذي لم تشتق له …” مازحه مهند :- ” كيف أشتاق لك ونحن نتحدث بشكلٍ شبه يومي …” ثم سارع يعانقه وهو يهمس له بصدق :- ” شكرا على كل ما فعلته لأجلي وانا هناك .. شكرا على كل شيء …”
ابتعد مهند عنه ليخبره راغب وهو يربت على كتفه :- ” أنت شقيقي أيها الاحمق …” اتجه نحو همسة يحتضنها بأخوية قبل ان ينحني نحو الصغير الذي تحمله بين ذراعيه يتمتم بفرحة :- ” ماشاءالله … تركته رضيعا لا يتوقف عن البكاء ..” ابتسم راغب وهو يحمل طفله مرددا بفخر :- ” ابراهيم يمشي وبدأ يتحدث ايضا …” ابتسم مهند متحكما في غصة سيطرت عليه وهو يتذكر طفلته التي كانت ستكون في عمره الآن … اتجه نحو ابني شقيقه يحتضنهما باشتياق حقيقي ويشاكسهما قبل ان يتجه مع الجميع الى صالة الجلوس ليجلس جوار والدته التي اصرت ان يجلس جانبها وهي تخبره كم اشتاقت له وتؤنبه على سفره لمدة عام وتحذره من تكرار فعله …” لقد أعددت جميع الاطعمة التي تحبها لك .. ” قالتها زهرة بحنو ليهتف فيصل بمرح :- ” أين الطعام اذا ..؟! انا سأموت من الجوع ..” هتف راجي بتهكم :- ” أنت دائما جائع يا فيصل ..” لتقول توليب بضيق :- ” المشكلة انه لا يتوقف عن تناول الطعام ومع ذلك يحافظ على رشاقته … وانا لا أتوقف عن الحمية ابدا كي أحافظ على رشاقتي …” ” هذه طبيعة جسدي عزيزتي … مهما تناولت الطعام لا أسمن .. عكسك انت ..” قالها فيصل بغرور لتهتف زهرة بجدية وهي تنهض من مكانها :- ” سأذهب وأتفقد الخادمات اذا ما إنتهوا من اعداد الطعام …” قالت همسة بجدية وهي تنهض بدورها :- ” وانا كذلك …” ثم سارت خلفها عندما أشار راغب لتوليب كي تأخذ الصغير منه قبل ان يلتفت نحو مهند يحادثه :- ” من الجيد إنك لم تبقَ في الخارج اكثر …” ابتسم مهند مرددا بصدق :- ” لم يعد هناك داعي لمكوثي اكثر … لقد تعلمت ما احتاج تعلمه …” هتف راغب متسائلا :- ” إذا هل اتخذت قرارك ام بعد ..؟؟ أين ستعمل ..؟! معي أم ستؤسس عملا خاصا بك …؟!” ابتسم مهند قائلا بهدوء :- ” سأعمل معك في الشركة … ليس من العدل ان أتركك وحيدا …” تنهد راغب مرددا براحة :- ” الآن تأكدت أن مهند القديم عاد أخيرا …” حك مهند ذقنه يهتف بمشاغبة :- ” هذا كله لأنني سأعمل معك في الشركة ..” هتف راغب بصدق :- ” الأمر لا يتعلق في عملك معي او لوحدك … انت فقط تغيرت وهذا بات واضحا لي …” تمتم مهند بعيون غائمة :- ” بعد كل ما حدث معي كان لا بد أن أتغير … ليس من المعقول أن أبقى على حالتي السابقة بعد كل ما مررت به وتسببت به لغيري …”
أضاف يسأل شقيقه بنفس الخفوت :- ” كيف حال جيلان …؟! ” رد راغب بنبرة باهتة :- ” بخير … هذا ما تقوله ابنة خالتها …” سأله مهند بشك :- ” هل هناك شيء تخفيه عني ..؟!” قال راغب بسرعة :- ” أبدًا.. هي فقط ترفض التواصل معنا .. ” قال مهند بضيق :- ” هي تحملكم مسؤولية ما حدث ..” تحدثت راغب بجدية :- ” لا بأس .. المهم ان تكون بخير .. لقد أنهت دراسة الثانوية هناك وقريبا ستدخل الجامعة … ” هز مهند رأسه بصمت عندما أشار عابد له :- ” تعال معي لنتحدث لوحدنا في المكتب …” هز مهند رأسه بتفهم وهو ينهض من مكانه يتبع والده باذعان بينما تقدمت زهرة بعدها وخلفها همسة لتقول زهرة بجدية :- ” نصف ساعة والطعام سيكون جاهز …” ثم تسائلت :- ” أين مهند وعابد ..؟!” ردت توليب وهي تلاعب ابراهيم :- ” بابا يتحدث مع مهند قليلا ….” قالت زهرة بتوجس :- ” اتمنى ألا يعكر مزاجه بحديثه …” قال راغب يطمئنها :- ” اطمئني .. هذا لن يحدث ابدا ..” بينما هتف فيصل ضاحكا :- ” الوالد راضي عن مهند تماما …” تنهدت زهرة براحة عندما سألتها توليب وهي تمنح الصغير لوالدته :- ” ماذا أرادت زوجي خالي منك …؟! ما هي الأخبار السيئة التي كنت تتحدثين عنها …؟!” تجهمت ملامح زهرة وهي تخبرهم بتردد :- ” يسرا تطلقت من زوجها قبل يومين …”
سيطر الوجوم على ملامح الجميع عندما رفع راغب عينيه نحو زوجته ليرى نظراتها جامدة كليا قبل ان تمنحه ابتسامة باردة متهكمة فهمها على الفور فازداد وجوم وجهه بقوة متوعدا لها داخله ………………………………………….
وقفت تلتقط الصور لطفليها وهي تبتسم بحب … كريم يرتدي بذلة رسمية حيث بنطال وقميص ابيض فوقه سترة سوداء مع الرباط بالطبع فبدا كرجل صغير بالكاد تجاوز عامه الاول منذ اشهر معدودة … اما كاميليا فترتدي فستانا ابيضا منفوشا وشعرها الجميل مصفف بعناية …. أخذت تلتقط الصور لهما بسعادة بعدما انتهت من تجهيزهما استعدادا لحفل زفاف غالية … من كان يصدق ان يحدث كل هذا خلال العام المنصرم …؟!
فجأة وجدت نفسها جزءا من عائلة زوجها … الجميع تعامل معها ببساطة ومحبة حتى اعتادت عليهم تدريجيا لذا قررت البقاء في منزل زوجها رغم سفره خارج البلاد بعدما مل من حياته هذه وفشلت هي في تقريبه من طفليه ليضرب بكل شيء عرض الحائط ويسافر خارجا تاركا اياها مع طفليه دون مبالاة … أخبرها قبل سفره انها اذا كانت تريد الطلاق فستحصل عليه لكنها رفضت ذلك وقررت البقاء كزوجة له مع عائلته ليس لأجله بالطبع بل لأجل طفليها بعدما وجدت ان الافضل لهما ان ينشئان وسط عائلة والدهما في منزل العائلة خاصة وجدتهما تحبهما بشدة وترعاهما كثيرا بل تساعدها في تربيتهما رغم سنوات عمرها المتقدمة … جدتهما التي قاطعت ابنها بعد قراره بل شعرت بالحزن من فكرة رحيل حفيديها مع والدتهما لتتفاجئ بقرار نانسي بالبقاء معها لتشكر نانسي بشدة وهي تعدها انها لن تندم على قرارها هذا … أما شريف فهو متعلق بالطفلين بشدة والطفلان كذلك متعلقان به وكأنه هو والدهما وليس صلاح …
تجاهلت الألم الذي شعرت به وهي تجذبهما من فوق السرير لتتجه بهما نحو جدتهما حيث سوف يبقيان عندها حتى تنتهي هي من ارتداء فستانها … حياتها تسير بشكل هادئ مستقر وهي سعيدة جدا في وجودها هنا مع طفليها وحماتها التي تعاملها كأم حقيقية وشريف الذي باتت تعتبره شقيقها بحق … والدتها غير راضية عن هذا الوضع ولكنها التزمت الصمت عندما شعرت برغبة ابنتها بذلك بل ورأت الراحة التي تسكنها وهي تعيش هنا مع عائلة زوجها … تقدمت نحو حماتها التي استقبلت الصغيرين بسعادة وهي تفتح لهما ذراعيها ليتجهان بسرعة نحوها داخل احضانها بينما تخبرها نانسي :- ” سأذهب لارتداء ملابسي كي نغادر الى الحفل …” ” حسنا حبيبتي … خذي راحتك انت ..” شكرتها نانسي بامتنان وهي تتحرك عائدة الى غرفتها لارتداء فستانها بينما تقدم شريف بعد لحظات مبتسما للصغيرين لتتأمله والدته بتلك البذلة الرسمية الانيقة وهي تخبره بصدق :- ” عقبالك يا حبيبي …” أكملت بجدية :- “متى ستتزوج وتجعلني افرح بك يا شريف ..؟!” ابتسم شريف وهو يجذب كاميليا الى احضانه بعدما جلس قرب والدته يخبرها :- ” قريبا باذن الله …” هتفت نجاة بسعادة :- ” حقا يا شريف ..؟!” ابتسم شريف بصمت لتخبره والدته برفق :- ” غالية لم تكن نصيبك يا شريف لكن باذن الله سيعوضك الله بزوجة افضل منها فانت تستحق كل خير وليوفقها الله مع زوجها …” تمتم شريف بصدق :- ” كما قلت يا أمي .. غالية لم تكن نصيبي … وفقها الله مع الرجل الذي اختارته وانا باذن الله سأجد من تناسبني كزوجة وتليق بي …” ربتت نجاة على كفه بينما اخذ شريف يشاكس الطفلين الذي بات يتولى هو مسؤولية رعايتهما منذ قرار صلاح بالسفر بعيدا تاركا خلفه طفليه بلا مبالاة لا يعتقد انه سوف يغفرها له يوما …
عاد بذاكرته الى الماضي منذ عدة شهور عندما عبر شقيقه عن استيائه الشديد لهذه الحالة فهو لا يريد ان يتولى مسؤولية الطفلين او يكون مجبرا على أن يحيا بشكل يناسبه كزوج لامرأة لا يريدها وأب لطفلين مرغم على أبوتهما … تطلع بشفقة الى الطفلين وهو يتذكر الحديث الآخير الذي دار بينهما :- ” انا لا يمكنني الاستمرار هذا .. لا يمكن أن أربط حياتي بها وبطفليها … ليس من المعقول أن تسير حياتي وفقا لقرارتكم .. هذه المهزلة يجب أن تنتهي حالا …. ” ” غادر أنت يا صلاح … غادر يا شقيقي .. عد الى حياتك القذرة وأنا سأبقى مع نانسي والطفلين وسأتولى مسؤولية الثلاثة . ” ومنذ ذلك اليوم غادر صلاح دون رجعة وتولى هو المسؤولية كاملة ………………………………………
في احد البارات الليلة … يجلس امام النادل الذي يصب له مشروبه الكحولي المفضل فيأخذ الكأس ويرتشف ما به دفعة واحدة قبل أن يطلب منه صب المزيد له … استدار يتابع رقص الشباب والفتيات حوله وهو يرتشف مشروبه باستمتاع وهو يتبادل النظرات الماجنة مع احداهن ويبتسم لأخرى ويشاكس الثالثة بينما يخبر نفسه ان الليلة ما زالت في بدايتها وعليه ان ينتظر قليلا فربما تظهر بعد قليل فتاة أجمل يختارها لتشاركه ليلته كالعادة .. حياته تسير على نفس الوتيرة .. نوم صباحا وسهر مساءا لتنتهي السهرة ما احدى الجميلات …. هذا حاله منذ قدومه الى هنا معتمدا على حسابه المصرفي في البنك متجاهلا كل شيء يخصه في البلاد …
تنهد بصمت وهو يعاود ارتشاف مشروبه عندما تجمد مكانه وهو يرى احداهن تدلف الى المكان ذات جمال مثير للغير حيث خصلات شعرها السوداء كالليل وبشرتها البيضاء كالثلج وملامح فاتنة لدرجة كبيرة … تأملها بعينيه وهي تتقدم اتجاهه قبل أن تأخذ مكانها امام النادل وهي تطلب منه مشروب معين لم يهتم بمعرفة اسمه وتركيزه كله منصب عليها … شعرت بنظراته نحوها فلوت ثغرها بابتسامة باردة قبل ان تتناول كأسها وترتشف منه مشروبها … استدارت نحوه تسأله بسخرية :- ” هل اكتفيت أم تريد الاستمتاع في النظر الي بعد …؟!” ابتسم وهو يخبرها :- ” أتسائل عن مدى المتعة التي سوف أشعرها عندما أعاشرك بينما النظر اليك فقط يمنحني كل هذه المتعة ..؟!” ابتسمت بنفس السخرية وهي تسأله :- ” من أين أتيت بكل هذه الثقة ..؟! لمَ أنت متأكد هكذا إنك سوف تعاشرني …؟!”
” لا بد أن يحدث ذلك …” قالها وهو يلتهم ملامح وجهها في عينيه مضيفا :- ” جمال كهذا لا يمكنني تفويته ابدا …” ضحكت بصوت مرتفع قبل ان تتوقف عن ضحكاتها وهي تخبره ببرود :- ” انا لست مثل البقية …” هتف بغرور :- ” يمكنني منحك ما تريدين …” قاطعته بتهكم :- ” انت لم تفهم .. انا لا اتحدث عن الاموال …” ” إذا ..؟!” سألها بحيرة لترفع كأسها نحو شفتيها ترتشف منه مشروبها بتمهل مقصود قبل ان تضعه مجددا وهي تخبره :- ” انا لا أعاشر أي رجل كان .. ولست محل اختيار الرجال .. على العكس تماما … انا أختار الرجل الذي أريد معاشرته وليس هو من يختارني ..” ثم منحته نظرة باردة وهي تضيف :- ” وأنت لا تعجبني … لست نوعي المفضل للأسف الشديد …”
اشتعلت عيناه بقوة مما تقوله وقد ضربت كلماتها غروره في مقتل عندما وضعت كأسها مكانه وهمت بالنهوض وهي تردد :- ” أحتاج أن أرقص …” لكنه قبض على معصمها يخبرها بغلظة :- ” لم نتعرف بعد .. انا صلاح .. وانت ..؟!” حررت معصمها من قبضته ومالت نحوه لتسقط عيناه لا اراديا فوق فتحة جيدها الواسعة فتبتسم بتهكم وهي تخبره بلذوعة :- ” وانا ماذي …” ثم استقامت بوقفتها وهي ترمقه باستخفاف مقصود قبل ان تتجه نحو احد الشباب الوسيمين وتطلب منه أن يراقصها والأخير لم يرفض فسارع يرحب بذلك تحت انظار صلاح المشتعلة غصبا من تلك الفتاة المغرورة ..……………………………….
يقف أمام المرآة يغلق أزرار قميصه بينما ينادي عليها ليأتيه صوتها الرقيق وهي تخبره انها ستخرج بعد لحظات … نظرت هي الى جهاز اختبار الحمل بقلق عاصف … شحبت ملامحها تدريجيا عندما همست بعدم إستيعاب :- ” حامل … هل يمكن …!!” ثم ما لبثت أن هزت رأسها بعنف تنفض الفكرة من رأسها لكن الشكوك غزت رأسها دون رحمة .. هل يُعقل أن تكون حامل مجددا ..؟! وبعد عام واحد فقط على ولادة طفلتها ..؟!
أخذت تتطلع الى الجهاز بخوف بديهي عندما تجمدت مكانها والنتيجة تظهر بوضوح .. ايجابية … ارتخى جسدها بعدم استيعاب وبات عقلها يراجع كل شيء … طفلتها التي تأخذ منها اغلب وقتها وطاقتها بشقاوتها ومشاغبتها التي لا تنتهي … عملها كمعيدة في الجامعة منذ شهرين فقط ومعاناتها في التوفيق بين عملها وواجباتها اتجاه طفلتها رغم مراعاة نديم لها ومساندته قدر المستطاع فهو الآخر يضع جل تركيزه في شركة الأدوية التي فتحها منذ أشهر قليلة والتي تأخذ اغلب وقته …” يا إلهي …” تمتمت بها بصعوبة وهي تستوعب ان وجود طفل في هذا الوقت تحديدا غير مناسب على الاطلاق … يكفي انها طفلتها احتفلت بعيد ميلادها الاول منذ ايام قليلة … شعرت بالاختناق يسيطر عليها عندما سمعت صوت طرقات على باب الحمام يتبعها صوت نديم القلق لتسارع بتعديل هندامها وهي تفتح الباب وتخرج له فيسألها وهو يتأمل ملامحها الشاحبة بقلق :- ” ماذا حدث ..؟! هل أنت بخير..؟!”
دون مقدمات وضعت الجهاز أمام وجهه ليهتف مصدوما :- ” أنت حامل يا حياة ..؟!” تمتمت بضيق :- ” ماذا ترى أنت …؟؟” ثم اتجهت نحو سريرها وجلست عليه منكسة رأسها نحو الأسفل باحباط … تابعها بعينيه متأملًا ضيقها الواضح وهو لا يستطيع لومها بالطبع فهو يدرك ان المسؤولية ستكون كبيرة عليها للغاية وهي بالكاد تخطو اولى خطواتها في مجال عملها كمعيدة جامعية كما حلمت طويلا … فرك جبينه بأنامله محاولا ان يبتلع سعادته بحملها فهذا ليس الوقت المناسب لاظهار فرحته كأي رجل سيحصل على طفل ثاني من زوجته وحبيبته وأم ابنته … تقدم نحوها وجلس جوارها يخبرها بصدق :- ” لا بأس حبيبتي … أعلم ان الأمر صدمك ولكن لا تقلقي .. سنتدبر ذلك .. ستتشارك المسؤولية كالعادة …” منحته نظرة حزينة وهي تخبره بتعب :- ” كيف سأعتني بهما مع عملي الطويل والمرهق …؟!” أضافت باختناق :- ” ربما يجب أن أترك العمل عند الولادة كي أتفرغ لهما …” قاطعها بحزم :- ” لن يحدث هذا … سوف تتركين عملك الذي بدأتِ به منذ شهرين وكنت تنتظرين الحصول عليه طويلا …” تهدل كتفيها وهي تخبره :- ” لا حل آخر أمامي .. شمس ما زالت صغيرة وهناك آخر سيأتي في الطريق …” جذبها نحوه يهمس لها :- ” أخبرتك ألا تقلقي .. سنتدبر الأمر دون أن يتأثر عملك .. لا تتركي عملك يا حياة … انا أكثر من يعلم مدى رغبتك بالعمل كاستاذة جامعية .. لا تتوقفي عن طموحك ابدا … ”
قبض على ذقنها يرفع وجهها نحوه يخبرها بجدية :- ” ألم يكن هذا كلامك ..؟! الطموح الدائم والتقدم باستمرار …” هزت رأسها بصمت قبل ان تخبره :- ” ربما علي الانتظار حتى يكبران ويصلان الى عمر معين يمكنني فيه العودة الى العمل …” ” كلا .. سوف تبقين في عملك والطفلين سنتولى نحن الاثنين مسؤوليتهما وسنجلب ايضا مربية ثانية غير مربية شمس للطفل عندما يولد باذن الله ..” أومأت برأسها على مضض فهي لا تحب أن تقوم المربية بمهامها اتجاه ابنتها … فرغم وجود المربية منذ ولادة شمس الا انها كانت تعتني بها باستمرار ولا تطلب المربية الا قليلا حتى ان المربية شعرت بالحرج في البداية لعدم قيامها بأي عمل يخص الصغيرة الا قليلا … قربها منه محيطا كتفيها بذراعه مرددا بجدية :- ” والآن انهضي وانهي تحضيراتك بينما سأذهب أنا وأتفقد شمس … ” هزت رأسها بصمت وهي تنهض من جانبه تخبره :- ” لم يتبق سوى القليل .. ” نهض من مكانه ليقبض على خصرها يجذبها نحوه يخبرها بصدق :- ” أحبك …” ابتسمت وهي تلقي نفسها بين احضانه ليطبع قبلة دافئة فوق شعرها قبل أن يخبرها وهو يبعدها عنه :- ” هيا اكملي تجهيز نفسك بسرعة .. يجب أن نكون اول المتواجدين ….” ابتسمت وهي تتحرك سريعا للانتهاء من اعداد نفسها عندما تحرك هو خارج الغرفة متجها الى غرفة ابنتها ليجدها جاهزة للذهاب الى الحفل عندما ركضت نحوه بفستانها الكريمي المنفوش وهي تصرخ بفرحة :- ” بابي …” رفعها عاليا وهو يقبلها بشغف من وجنتيها قبل ان يتمتم :- ” حبيبة بابي …” ابتسمت المربية وهي تستأذن منه أن تغادر بعدما انتهت من تجهيز شمس ليتقدم نديم بطفلته نحو الكنبة ويجلس عليها مرددا بحماس :- ” سيصبح لديك أخ أو أخت قريبا يا شمسي …” ابتسمت الصغيرة بعدم فهم ليجذب أناملها الصغيرة ويطبع عليها قبلة وهو يخبرها بضيق :- ” غالية ستغادر المنزل اليوم …” هتفت الصغيرة ما ان سمعت اسم عمتها :- ” ليا .. ليا ..” ابتسم على صغيرته التي اختارت ان تنادي عمتها ب” ليا ” فهي لا تستطيع لفظ اسم عمتها الصعب عليها … تأملها بعينيها الزرقاوين و وجنتيها الورديتين وشعرها الذهبي بحب فشمس كلما كبرت كلما برز جمالها اكثر وهي التي ورثت منه ملامحها كلها … عاد ينهض من مكانه وهو يحملها مرددا :- ” تعالي لننتظر ماما خارجا ….” ثم تحرك بها متجها نحو صالة الجلوس ليتأمل المكان بشجن قبل ان يهمس لنفسه :- ” لقد آن آوان لمغادرة الفيلا والاستقرار بأخرى جديدة فغالية ستتزوج اليوم ولم يعد هناك داعي لبقائنا هنا اكثر …” كان بحاجة ماسة الى مغادرة الفيلا رغبة منه في توديع كافة الذكريات السيئة التي عاش بها لكنه لم يرغب بفعل هذا قبل زواج غالية فهو يدرك ان شقيقته لن توافق على مغادرة المنزل الذي ولدت ونشأت به والاستقرار في مكان آخر … اخذ يلاعب صغيرته حتى وجد حياة تتقدم منه بفستانها الأرجواني الذهاب لينهض من مكانه يخبرها وهو يتأملها :- ” تبدين رائعة والفستان جميل جدا …” شكرته وهي تتناول ابنتها منه تخبره بفرحة :- ” ما كل هذا الجمال يا روحي …” نظرت الى زوجها وسألته بينما تحتضن صغيرتها بين ذراعيها :- ” غالية انتهت من تحضير نفسها .. يمكنك رؤيتها فلم يتبق على الحفل سوى القليل …” هز رأسه بصمت وهو يتحرك متجها الى الغرفة التي تمكث بها شقيقته حيث تتجهز لحفل زفافها الليلة … تقدم الى داخل الغرفة ليجدها جالسة على الكرسي تبدو كملكة متوجة بذلك الفستان الرائع الذي ترتديه وجمالها البارز كالعادة … همت بالنهوض ليمنعها بإشارة منه وهو يتقدم نحوها ثم ينحني مقبلا جبينها فتبتسم له وهي بالكاد تقاوم الدموع التي ملأت عينيها لتهمس بصوت متحشرج :- ” سوف أشتاق لك انت وحياة وشمس … ” مازحها نديم متجاهلا الغصة التي تحكمت به:- ” تتحدثين وكأنك سوف تهاجرين خارج البلاد …” شدد من قبضتها على كفه وهي تخبره بصدق :- ” انت كل شيء بالنسبة لي… شقيقي وسندي .. انا أحبك كثيرا …” همس بصوت مختنق :- ” دائما ستجديني معك و جوارك … انت شقيقتي وابنتي التي أحبها اكثر من أي شيء …” أكمل يشاكسها متعمدا :- ” لا تترددي أن تشتكي لي سيادة المقدم اذا أزعجك ولو قليلا …” أخبرته ضاحكة رغم دموع عينيها :- ” لا يمكنه ان يفعل .. لن أسمح له بذلك …” ابتسم وهو يربت على كتفها عندما طرقت حياة على الباب قبل ان تدخل مرددة بسعادة :- ” شمس تريد رؤية عمتها …” نهضت غالية بلهفة مرددة :- ” حبيبة عمتها …” جرت الصغيرة نحوها لتحملها غالية وهي تقبلها بلهفة بينما تتمتم الصغيرة وهي تتأملها بانبهار :- ” ليا … حلوة …” ضحكت غالية وهي تخبر الصغيرة :- ” بل أنت الحلوة يا شمس …” تقدمت حياة نحوها تخبرها بصدق :- ” سنشتاق لك كثيرا يا غالية …” عانقتها غالية بعدما وضعت شمس جانبها وهي تخبرها مازحة :- ” كما قال زوجك .. تتحدثين وكأنني سوف أهاجر خارج البلاد …” ابتسم نديم لها قبل ان يسمع رنين هاتفه فيجيب عليه محييا فادي … ارتقعت نبضات قلبها وهي تستمع لحديث نديم معه حتى أخبرها بعدما اغلق الهاتف :- ” فادي سيصل بعد عشر دقائق … كوني مستعدة ..” هزت رأسها بصمت وهي تشعر بالرهبة رغما عنها فاليوم زفافها على الرجل الوحيد الذي امتلك قلبها وهزمه ونال عشقها …………………………………
تجلس تتأمل دعوة الزفاف بملامح جامدة رغم الألم الذي يملأ قلبها .. لقد فعلها فادي وتزوج منها رغم رفضها الصريح لهذه الزيجة .. لم يهتم برفضها بل مقاطعتها له … لم يهتم بأي شيء سوى تلك التي سحرته وسيطرت عليه كليا … تتذكر رسالته الأخيرة لها حيث كتب :- ” انت تعلمين جيدا انني لم أفعل شيئا خاطئا … كان عليك ان تفكري بي وبمشاعري كما تفكرين دائما في فراس ووضعه … انا لم أفعل شيئا حراما او عيبا .. اتمنى أن تراجعي نفسك مجددا وتحضرين حفل زفافي وسأكون ممتنا لك طوال عمري يا أمي …”
توقفت عن أفكارها عندما سمعت صوت فراس يتحدث بحقد :- ” لقد فعلها .. تخلى عنا جميعا لأجلها .. لكن لا بأس … سيأتي يوم ويندم ويدرك مقدار ما خسره وحينها سيعود نادما متأسفًا …” ” أخاف أن يحدث العكس يا فراس …” قالتها باسمة بتجهم ليهتف برفض :- ” بالطبع لا .. ابنك لم يراعِ أي أحد منا … لا والدته ولا أنا …. ” أضاف ساخرا :- ” باعنا جميعنا لأجلها ..”
صدح صوت لوجين وهي تتقدم الى الداخل :- ” فادي ليس كذلك والجميع يعلم هذا .. هو دائما ما كان معنا ويتحمل مسؤولية جميعا … حتى مسؤولية طفلك كان يتحملها نيابة عنك ..” صاح فراس بغضب :- ” كيف تجرؤين وتتحدثين معي هكذا …؟! الآن أصبح فادي الأفضل .. ” عقدت لوجين ذراعيها امام صدرها تخبره ببرود :- ” هذه الحقيقة وأنت تعلمها جيدا …” ثم أكملت بقوة لا يعلم متى باتت تمتلكها شقيقته الصغرى :- ” وانت توقف عن تأنيب أمي واستغلالها عاطفيا كي تمنعها من حضور الزفاف …” هتف بحزم :- ” أمي لا تريد حضور الزفاف وهذا ليس بسببي بل بسبب شقيقك الذي تزوج من فتاة ترفضها …” ” ترفضها بسببك …” قالتها لوجين بحنق وهي تضيف :- ” الفتاة رائعة ولا ينقصها شيء … ” هتف من بين اسنانه :- ” كانت خطيبتي يا هذه …” قالت لوجين بلا مبالاة :- ” هذا لا يجعلها محرمة عليه .. اذا كان الشرع يسمح له بالزواج منها فمن نحن لنرفضه ..؟!” اندفع فراس يصيح بوالدته :- ” هل تسمعين ما تقوله ابنتك المحترمة …” هدرت لوجين :- ” انا محترمة جدا …” ” يكفي …” صرخت بهما باسمة وهي تنهض من مكانها تمنحها نظرة صارمة لتهتف لوجين بحسم :- ” لا يمكنني التصرف مثلكما … انا مضطرة للذهاب الى الزفاف يا ماما … لن أترك فادي وحيدا .. سامحيني …” ” ماذا تقولين انت …؟!” صاح بها فراس بعدم استيعاب قبل ان يهتف بوالدته :- ” هل تسمعين ما تقوله ..؟!” نقلت باسمة بصرها بينهما قبل ان تشير لابنتها بجمود :- ” افعلي ما تريدين …” ابتسمت لوجين بفرحة وهي تركض بسرعة خارج المكان استعدادا للذهاب الى الحفل بينما التفت فراس نحو والدته وهم بالتحدث لتوقفه باسمة بنظراتها الحازمة وهي تخبره :- ” لوجين لم تعد صغيرة ولا يحق لنا أن نمنعها من الذهاب لزفاف شقيقها ….” ………………………………………….
حفل الزفاف .. بدأ حفل الزفاف في احدى أفخم القاعات التي اختارتها غالية بنفسها بل أشرفت بنفسها على جميع تفاصيل الحفل دون استثناء …. كان الحفل فخما جدا ومليء بالضيوف من أهل واقارب العريس والعروسة والمعارف والاصدقاء …. ارتدت غالية فستانا من احد أشهر المحلات في باريس حيث اختارت الفستان المناسب بعد معاناة وسارعت تطلبه ليصلها قبل الزفاف بمدة لا بأس بها … بدت جميلة بشكل يفوق المعتاد … الفستان الابيض منحها جمالا شديدا فبدت كالبدر المنير مع تسريحة شعرها الأنيقة والمكياج الجذاب الذي اختارته بعناية هو الآخر …
ابتسم فادي برزانة وهو لا يتوقف عن تأملها بعينيه عندما همست له بحذر محاولة قدر الامكان اخفاء خجلها المتزايد :- ” ما بالك لا تتوقف عن النظر الي ..؟!” ابتسم مرددا ببساطة :- ” ربما لانك عروسي …” أضاف بمكر :- ” أم تريدين أن أشيح وجهي بعيدا عنك فيتهامس الضيوف عن العريس الذي لم ينظر لوجه عروسه ابدا …” مطت شفتيها مرددة ببرود :- ” لا يهمني حديث أحد وأنت تعلم ..” تنهد بجدية :- ” أنا أكثر من يعلم …” ثم مال نحوها يخبرها :- ” لو كان بيدي لما أقمت حفل زفاف من الأساس …” ” عفوا ..” تمتمت بها بحنق ليهتف ببرود :- ” لا أحب أن ينظر الجميع لك منبهرين بجمالك … انت أساسا تجذبين الأنظار عادة في أي مكان تذهبين اليه فكيف الحال وانت عروس الحفل والانظار كلها متجهة نحوك ..؟!” منحته نظرة باردة وهي تخبره :- ” ما رأيك أن تحبسني في قفص وتمنعني من الذهاب لأي مكان …؟!” هتف بخفة :- ” بل سوف أحبسك في منزلي ولن أسمح لجنس مخلوق أن يلمح طيفك حتى …” همست بتحدي :- ” سنرى يا سيادة المقدم …” ابتسم مرددا بوله :- ” سترين يا زوجة سيادة المقدم …” كتمت ضحكتها وهي تشيح بوجهها عندما وجدت لوجين تتقدم نحويهما بجانب مي ابنة عمها وصديقة حياة في نفس الوقت …
نهض فادي بسرعة يستقبل شقيقته ويحتضنها بسعادة انتقلت الى غالية لا اراديا وهي تستقبل تهاني مي لها التي تعرفها جيدا فهي دائما ما تراها مع حياة وتتحدث معها … مازحتها مي وهي تخبرها انها باتت تنتمي لعائلتهم رسميا … في الحقيقة لقد تعرفت على عائلة عم فادي وقد وجدتهم عائلة لطيفة حقا استقبلوها بحفاوة واضحة … اتجهت لوجين بعدها نحو غالية فسارعت الاخيرة تحتضنها وهي تخبرها بصدق :- ” شكرا لآنك أتيت …” هتفت لوجين بصدق :- ” انا سعيدة لانك تزوجت بشقيقي … انت رائعة …” أكملت وهي تبتسم لها :- ” جميلة جدا وقوية.. تليقين به كثيرا ….” ابتسمت غالية وهي تشكرها مجددا بينما فادي يستقبل مباركة ابنة عمه قبل أن تتجه الفتيات مجددا نحو الحفل عندما همست غالية لفادي :- ” ألن نرقص …؟!” ” لم يأت موعد الرقصة بعد حسب جدول الحفلة …” قالها بجدية لتخبره :- ” لا أتحدث عن رقصة السلو .. أقصد متى سنشارك الضيوف الرقص …” هتف بعدم استيعاب :- ” عفوا …” ثم اضاف بوجوم :- ” بالطبع لا تعنين الرقص وسط الحضور …” هتفت بدهشة :- ” وما المشكلة في ذلك …؟! الجميع يرقص …” هتف ببرود :- ” انت لست مثل الجميع …” تمتمت بضيق :- ” عفوا …” قال بجدية :- ” انت زوجتي وزوجتي لا تتمايل بجسدها وسط المدعوين …” هتفت بحنق :- ” انه زفافي ….” ” زفافك او زفاف غيرك … انت لن ترقصي يا غالية … انا لا اقبل بهذا …” قالها بصلابة جعلتها ترمقه بحنق قبل ان تشيح بوجهها بعيدا بغضب مكتوم ………………………………..
اتجهت حياة نحو نانسي التي تجلس على نفس طاولتها مع بقية افراد العائلة لتهمس لها متسائلة :- ” أين الأولاد يا نانسي …؟!” ردت نانسي بسرعة :- ” أخذتهم المربية الى الحديقة الخارجية …” ” حسنا ..” قالتها حياة بجدية قبل ان تبتسم وهي تخبرها بمرح :- ” فستانك رائع بالمناسبة …” ابتسمت نانسي وهي ترد بنفس المرح :- ” بالطبع … وهل يمكنني قول غير ذلك وأنت من اخترته …؟!” ضحكت حياة وهي تخبرها :- ” يبقى القالب غالب يا نانسي …” ابتسمت نانسي لحياة التي تحركت متجهة نحو زوجها تتحدث معه بينما ابتسمت نانسي بخفة وهي تتذكر الصداقة التي تكونت تدريجيا مع حياة وسببها الاساسي كان طفليها وابنة حياة … من كان يصدق أن تصبح هي وحياة صديقتين بعد الموقف الغبي الذي سبق وجمعهما …؟! ذلك الموقف الذي اعتذرت عنه اكثر من مرة لحياة التي فاجئتها وهي ترحب بها بشدة في اول زيارة لها لبيت عم زوجها … حينها لم تستطع منع نفسها من الاعتذار لها وهي تخبرها عن الاوهام الغبية التي كانت تعيشها وقتها وجعلتها تتصرف بهذه الحماقة .. لم تصدق ما فعلته حياة وكيف تصرفت بسماحة شديدة معها وكذلك نديم الذي منحته اعتذارا مختصرا بخجل قابله هو بتفهم شديد … في ذلك اليوم تكونت العلاقة بينهما بعدما اخذ طفلتهما تلعب مع طفليها بسعادة فأصبحتا تلتقيان دائما …
نهضت مكانها مقررة التوجه الى الحديقة للاطمئنان على الاطفال عندما وجدتهم يجلسون فوق احدى المصطبات الموضوعة في الحديقة يتناول ثلاثتهم الحليب الذي أعدته المربية لهم … ابتسمت وهي تتأملهم عن بعد دون أن تقترب ناحيتهم حيث يصرون على الذهاب معها او بقائها معهم .. ضحكت بعدم تصديق عندما صرخت شمس بصوت عالي بعدما جر كريم خصلة من شعرها بقوة آلمتها لتنهض كاميليا من مكانها بسرعة متقدمة نحو شقيقها فتسارع وتضربه فوق وجنته بحزم لا يناسب عمرها الصغير مما جعل كريم ينتفض باكيا بينما شمس تبتسم منتشية بما فعلته صديقتها لأجلها وهي تخرج لسانها له بغيظ … لم تصدق ما يحدث فصغيرتها شكلت جبهة مع شمس ضد شقيقها .. تقدمت نحو كريم وهي تمنح كاميليا نظرة مؤنبة بينما كاميليا تخبرها بكلامها الغير مفهوم كليا عما فعله شقيقها بشمس … ابتسمت للصغيرة ذات العينين الزرقاوين المشابهين لعيني طفلتها وهي تهدأ كريم حتى توقف عن البكاء فمنحته قبلة دافئة وهي تخبره بحزم ألا يضايق شمس بينما المربية تخبرها انها تتابعهم بحرص … اعطت نانسي نصائحها كالعادة المربية وتحركت بعدما منحت الصغار الثلاثة قبلات سريعة لتعود الى القاعة فتجد عائلتها قد وصلت حيث والدتها وشقيقتها اتخذوا مكانهم بجانب عائلة عمها … ابتسمت وهي تتقدم مرحبة بوالدتها وهايدي قبل أن تجلس بجانب شقيقتها تتحدث معها ……………………………………….
تقدمت حياة نحو زوجها التي هتف بتجهم :- ” هل يوجد داعي أن تذهبي كل دقيقتين لطاولة زوج والدتك …؟!” عقدت حاجبيها تسأله :- ” هل هناك مشكلة في ذلك..؟!” تمتم وهو يرمق ذلك الذي يجاور والده بتفاخر كعادته :- ” هناك السيد يا نضال يا عزيزتي …” ” لا أصدق ما تقوله يا نديم …” قالتها حياة بدهشة وهي تضيف بعبوس :- ” ما زلت تغار منه …” هتف بغضب مكتوم :- ” لاحظي انك تتحدثين عن الرجل الذي كان يريد الزواج منك …” تمتمت بوجوم :- ” انت تبالغ حقا … ثانيا انا أخبرتك انه لم يكن يريدني فعليا وانما كان يشبهني باحداهن …” هتف بحزم :- ” كان يريد الزواج منك أم لا ..؟!” زمّت شفتيها دون رد ليهتف على مضض:- ” على العموم انا اتحمل وجوده في بعض الاحيان فقط كونه أخو حنين ليس إلا …” ” لا داعي لهذه الغيرة يا نديم … أساسا غالبا سيرتبط قريبا …” هتفت بها جدية ليرفع حاجبه مرددا :- ” حقا سيفعل …؟!” أومأت برأسها وهي تنظر اليه :- ” نعم ، هناك فتاة سيتقدم لخطبتها قريبا .. ” هز رأسه بتفهم عندما وجد رجل كبير نوعا ما في السن يتقدم نحوهما وجانبه شابة جميلة وطفل صغير لا يتجاوز العاشرة من عمره … رحب نديم بالرجل رغم تعجبه عندما ابتسم الرجل يخبره معرفا عن نفسه :- ” خليل الطائي … والد فادي …” بالكاد سيطر نديم على دهشته وهو يرحب بالرجال قبل أن يتقدم الرجل مع الشابة والطفل نحو فادي الذي نهض مصدوما من قدوم والده الى الحفل … تأملت غالية الرجل الذي رغم سنوات عمره المتقدمة ما زال محتفظا بوسامته وجاذبيته وقد كان يشبه فادي كثيرا …” أبي …” تمتم بها فادي مندهشا من قدوم والده رغم انه أخبره بموعد زفافه وأرسل له دعوة ايضا لكنه لم يتوقع أن يأتي حيث فعل ذلك بدافع الواجب فقط …” ” لم أستطع تفويت زفافك يا فادي …” قالها وهو يحتضن ولده بينما نهضت غالية بسرعة ليتقدم والد فادي نحوها ويبتسم لها قبل ان يقبل جبينها وهو يخبرها :- ” مبارك الزواج يا ابنتي …” ابتسمت غالية بحرج وهي تشكره عندما كان فادي ينظر الى الشابة الجميلة والطفل بحيرة ليبتسم خليل وهو يشير الى الفتاة فتتقدم نحوه عندما أشار لفادي :- ” هذه جنى أختك يا فادي …” ثم اشار الى الصغير الذي بدا شبيها بفادي للغاية :- ” وهذا فارس أخيك …” اتسعت عينا فادي بعدم استيعاب عندما اكمل والده يخبره بايجاز :- ” انا باقي لمدة لا بأس بها هنا .. سنتحدث فيما بعد خاصة ان جنى تخطط للاقامة هنا وبالطبع لن أجد أفضل من أخيها لتعيش معه خلال فترة إقامتها في البلاد …” …………………………………………………
كانت مريم تجلس بجانب والدتها بملامح منزعجة … لقد اضطرت ان تطيع والدتها وتأتي الى حفلة زفاف ابنة خالتها بعدما قررت أن تتغير وتتوقف عن تمردها المعتاد … عام كامل تغيرت به نوعا ما بعدما سعت هي الى ذلك … عام مر عليها نجحت خلاله بالتخرج من جامعتها بل وبدئت العمل مع والدها … عام حاولت خلاله تقويم نفسها وترويض تصرفاتها المتهورة … شيء واحد فقط ما زال يكدرها وهي شقيقتها التي ترفض التواصل معها منذ مغادرتها البلاد .. شقيقتها التي تشق هي الاخرى طريقها خارج البلاد بنجاح واضح … ابتسمت لزاهر الذي بادلها ابتسامتها قبل أن تنظر الى الجانب الآخر متسائلة عن الطريقة التي تجعله يكون هادئا وودودا الى هذا الحد وهو يتعامل معها ومع والدتها بطريقته المعتادة متجاهلا الموقف الذي مر بينه وبين شقيقتها .. شقيقتها التي تركت رجلا مثل زاهر يضيع من يدها … ابتسمت داخلها بسخرية وهي تعلم ان زاهر لم يضع من يد شقيقتها فهو ما زال متمسكا بعزوبيته والسبب معروف … شعرت بالشفقة لأجله خاصة وهي باتت متأكدة إن ليلى لم تنظر له يوما أكثر من ابن خال برتبة أخ ولن تفعل … زفرت أنفاسها بملل قبل أن تستدير نحو والدتها التي حدثتها عن شيء ما فأخذت تتبادل الأحاديث معها وهي تريد أن ينتهي هذا الحفل بأسرع وقت ………………………………..
بدأ العروسان رقصتهما على احدى الاغاني الرومانسية الشهيرة … كان أنظار البعض مسلطة عليهما بينما البعض الآخر يتبادل الاحاديث مع بعضهم … اتجه بعدها بعض الموجودين من المتزوجين او المرتبطين للرقص بجانب العروسين … جذب نديم حياة يراقصها بينما كانت أروى تتابع المشهد أمامها بشرود … لقد تزوجت غالية أخيرا .. تخلصت من كابوسها … ولكن ما الفائدة من ذلك ..؟! لم يتغير شيء … شريف لم يتقدم خطوة واحدة نحوها رغم ان غالية أعلنت خطبتها من فادي منذ حوالي عام … عام كامل كانت تنتظر فيه أن يأخذ خطوة واحدة نحوها لكنه لم يفعل … ربما كانت شقيقتها نرمين على حق … المشكلة ليست في وجود غالية كما تعتقد .. المشكلة انه لا يراها أبدًا … ابتسمت بألم وهي تنظر الى غالية .. غالية التي ملكت قلب الرجل الوحيد الذي أحبته و تمنته زوجًا لها .. ورغم ذلك لم تبالِ بمشاعره ولم تهتم وها هي تزف اليوم الى رجل آخر امتلك قلبها … في النهاية شريف ما زال تعيسا وهي بدورها ستظل تعيسة … اغمضت عينيها تكتم دموع القهر قبل ان تنظر نحوه فتجده يتبادل المزاح مع زوجة شقيقه … الشقراء الجميلة والتي بدت جذابة للغاية بفستانها الرقيق ومكياجها الناعم … أشاحت بوجهها بعيدا وهي تنظر الى غالية مجددا .. غالية الجميلة البهية … لطالما خطفت القلوب وجذبت الانظار عكسها هي .. فهي ذات جمال عادي للغاية مقارنة بها … هي لا شيء في وجودها … كتمت وجعها داخلها وهي تتبادل الأحاديث مع شقيقتها محاولة الانشغال عن افكارها هذه قبل أن تلتقي عينيها بعينين تتأملانها بجمود استغربته لتشيح وجهها بعيدا بسرعة …!
ينام فوق سريره في السجن واضعا كفيه أسفل رأسه ينظر الى السقف مبتسما بسخريته المعتادة … عام كامل مر على دخوله هنا … عام انتهى وتبقى خمسة اعوام حسب المدة المعروفة لسنوات جلسة الثمانية .. السنة الواحدة بتسعة أشهر .. خمسة اعوام ويغادر بعدها هذا المكان .. ابتسم بتهكم وهو يتذكر كلمات رجله الذي زاره صباح البارحة … رجله الذي أكد عليه أن يرسل هديته الى أخته التي ستتزوج اليوم من مقدم في الشرطة كما عرف … فادي الطائي شقيق خطيبها السابق فراس … يا لها من صدفة مثيرة للسخرية … ابتسم بخفة وهو يتذكر الهدية التي أرسلها لأخته في هذا اليوم المهم .. هدية ستتذكرها طوال عمرها …. الجميع يعتقد ان عمار الخولي انتهى ولكنهم لا يدركون انه متواجد دائما حولهم ومعهم حتى وهو داخل الحبس … عمار الخولي سيبقى لعنتهم دائما وأبدا … الى ما لا نهاية ..
تمت بحمد الله