تحميل رواية «كارمن» PDF
بقلم ملك ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تتحرك بخفه وهي تحمل المشروبات الباردة وتوزعها بأحترافيه على حضور هذا الحفل التي جاءت تعمل به گ نادلة. تبتسم بسخرية وهي تتابع ما يفعله اصحاب الطبقة المخمليه التي كانت تنتمي اليها منذ فترة بعيدة. اقتربت منها صديقتها “مودة” والتي تسكن معها في نفس الحي. ابتسمت مودة وتحدثت بأنبهار: – انتي شايفه اللي انا شيفاه ده! هو في ناس عايشين كده فعلاً ولا احنا اللي مش عايشين! ابتسمت ساخرة والقت نظرة سريعه حولها واجابة: – متخليش المظاهر دي تخدعك يا مودة.. تبدلت نظراتها الي الغضب واضافة: – الناس اللي زي دول م...
رواية كارمن الفصل الأول 1 - بقلم ملك ابراهيم
كانت تتحرك بخفه وهي تحمل المشروبات الباردة وتوزعها بأحترافيه على حضور هذا الحفل التي جاءت تعمل به گـ نادلة.
تبتسم بسخرية وهي تتابع ما يفعله اصحاب الطبقة المخمليه التي كانت تنتمي اليها منذ فترة بعيدة.
اقتربت منها صديقتها “مودة” والتي تسكن معها في نفس الحي.
ابتسمت مودة وتحدثت بأنبهار:
– كارمن انتي شايفه اللي انا شيفاه ده! هو في ناس عايشين كده فعلاً ولا احنا اللي مش عايشين!
ابتسمت ساخرة والقت نظرة سريعه حولها واجابة:
– متخليش المظاهر دي تخدعك يا مودة..
تبدلت نظراتها الي الغضب واضافة:
– الناس اللي زي دول معندهمش قلب زينا.
نظرت اليها مودة بدهشة وتحدثت بفضول:
– انا نفسي اعرف انتي بتفكري ازاي!!
تنهدت كارمن بحزن، لا يعلم احد بما تحمله بقلبها من ظلم وقهر من اصحاب تلك الطبقه.
نظرت الي صديقتها واجابتها باستعجال وهي تعود لتتابع عملها:
– انا هروح اكمل شغل بدل ما مستر “رؤوف” يشوفنا ويسمعنا كلمتين ملهمش لازمة.
أومأت مودة برأسها بالايجاب وذهبت هي الأخرى لتتابع عملها.
********
دخل الحفل مع صديق له، كان مترددًا لا يريد الحضور، لا يفضل حضور مثل هذه الحفلات.
وقف بجوار صديقه ونظر حوله بملل قائلاً:
– انا غلطان ان انا سمعت كلامك وجيت.
كان صديقه ينظر حوله بحماس ويتابع تحركات الفتيات ويتأمل مفاتنهم بأعجاب شديد.
تحدث وهو يتأمل الفتيات بأعجاب:
– غلطان ايه بس انت مش شايف الحلويات اللي حواليك دي!
رمقه بغضب وتحدث اليه بملل:
– عادل.. انت عارف ان انا مليش في جو الحفلات ده.
القى نظره سريعه حوله بملل واضاف:
– انا همشي.
استغرب صديقه من تسرعه وامسك بيديه لكي يمعنه من الذهاب مؤكدًا:
– خلاص يا “رشيد” اهدى وخلينا نقعد كمان شويه وهنمشي على طول صدقني.
زفر بغضب ونظر امامه بنفاذ صبر، اشار صديقه الي النادلة لكي تأتي لهم بمشروب مرطب لكي يتناولون شئ قبل ان يذهبوا.
وقف رشيد يتأفف بغضب، اقتربت منهما فتاة شقراء جميلة، ترتدي ثوب ازرق قصير.
وقفت بجواره واستندت بيديها فوق كتفه وتحدثت بدلال:
– رشيد.. اخيرا جيت!
زفر بغضب ونظر الي صديقه بلوم وتوعد.
ابتسم صديقه وتحدث الي الفتاة بمرح:
– اتفضلي استلمي يا “مايا” انا كده عملت اللي عليا.
ابتسمت الفتاة برقة وهي تحدق بـ رشيد بأعجاب شديد، ثم تحدثت بدلال:
– شكراً يا عادل.. انا عارفه انه مستحيل كان هيجي لو عرف ان انا صاحبة الحفلة.
زفر رشيد بنفاذ صبر، يعلم ان مايا تلحقه في كل مكان وتحاول التقرب منه بكل الطرق.
حاول قدر الامكان ان يتحدث اليها بهدوء مصطنع لكي لا يتسبب في احراجها:
– انتي عارفه ان انا مليش في جو الحفلات ده يا مايا.
ابتسمت بسعادة بعد شعورها انه لا يريد احزانها.
اقتربت منه اكثر وبدأت تداعب ازرار قميصه وتحدثت اليه بدلال:
– انت من وقت ما رجعت من السفر وانت قافل على نفسك يا رشيد! نفسي اعرف ايه اللي غيرك كده؟
ابتسم مجاملاً لها وخفض وجهه يفكر كيف يذهب من هذا المكان قبل ان ينفذ صبره اكثر.
اقتربت منهم كارمن وهي تحمل المشروبات الباردة.
وضعت الكؤوس امامهم وقالت باحترام:
– اتفضلوا.
صوتها لم يكن غريبً علي اذنيه، رفع عينيه سريعًا ينظر إلى صاحبة الصوت.
شهقت كارمن بصدمة وسقطت الكؤوس من يديها عندما رأته يقف امامها، لا تصدق ما تراه عيناها!
حاولت استيعاب رؤيتها له وهمست بصدمة:
– رشيد!!
وقف يتأملها بصدمة، تجمد جسده بالكامل عند رؤيته لها بهذا الحفل!
حدد بالثوب الموحد الذي ترتديه بزهول، لا يصدق انها تعمل نادلة وتقوم بالخدمة في الحفلات.
تابعت مايا صدمتهما الواضحة بفضول، نظرت اليهما بستغراب وتحدثت بفضول:
– انتوا تعرفوا بعض ولا ايه؟!
فاقت كارمن على صوتها وكأنها فقدة الوعي بعد رؤيته، شعرت بالتوتر الشديد ونظرت حولها بارتباك لا تعلم بماذا تجيب.
تابع رشيد ارتباكها بغضب واجاب هو بنبرة حادة:
– لا طبعا منعرفش بعض.
خفضت وجهها ارضًا واغمضت عيناها بحزن.
اشتد غضبه اكثر واضاف بنبرة قاسية:
– وانا هعرف الاشكال دي منين!
حدقت به بصدمة، لا تصدق انها تستمع إلى صوته بتلك النبرة شديدة القسوة، تأملت عيناه بزهول، لم ترى بداخلهما النظرات العاشقه التي كانت تراها بالماضي، لم ترى بعينيه الان سوى القسوة والغضب!
لم تتبدل ملامحه كثيراً عن الماضي، كم اشتاقت اليه والي حنانه وعشقه لها.
لمعت عيناها بالدموع وخفضت وجهها سريعًا لكي لا يرى ضعفها.
تابعت مايا تبادل النظرات بين رشيد وهذه الفتاة، شعرت ان هناك شئ بينهما او معرفة سابقه ولا يريد رشيد اخبار احد.
ارتفع صوت مايا وتحدثت الي كارمن بغضب:
– انتي لسه واقفه! بسرعه نضفي المكان وشيلي اللي انتي كسرتيه ده من علي الارض.
كيف يمكنها الان ان تخفي دموع عيناها بعد تعرضها للأهانه امامه، لا يعلم كم تعرضت للذل والاهانه بعد تركه لها.
انحنت بجزعها على الارض لكي تحمل بيديها الزجاج المكسور، شعرت وكأنها تحمل أشلاء قلبها المحطم بعد كل هذه السنوات على فراقهما.
تابعه بشرود لا يصدق انه يراها بعد اربعة اعوام على فراقهما، لم تتغير ملامحها عن الماضي! بل اصبحت اكثر جمالاً وانوثه.
تساءل بداخله؛ لماذا ضهرت امامه الان! هل تريد اختبار مشاعره بعد ان فعل المستحيل من اجل ان ينساه؟
اربعة اعوام مضت عليه وهو يحاول نسيانها، جاءت في لحظة واحدة واسترجعت الذكريات بداخله وكأن فراقهما لم يحدث!
صرخة مدوية افاقته من شروده، لقد جرحت يديها بقطعة من الزجاج.
اخذت تبكي وهي تنظر الي الجرح بيديها وتتألم بشدة.
ركض اليها دون ان يشعر بما يفعله، انحنى بجزعه امامها وامسك بيديها يتفحص الجرح بلهفة لم يستطيع اخفاءها، كانت تبكي وتتألم بشدة.
تحدث اليها بحنان دون ان يشعر:
– متخافيش الجرح صغير.
بكت بشدة وهمست اليه ببكاء وهي تتألم:
– بس بيوجعني اوي.
نظر اليها ولم يتحمل رؤية دموع الألم بعيناها، نظر الي صديقه وسأله عن منديلاً لكي يضعه فوق الجرح كي يتوقف نزف الدماء، أعطاه صديقه منديلاً ووقف بجوار مايا يتابعاً ما يفعله رشيد بصدمة.
كان رشيد يمسك بيديها بحنان ويضمد الجرح بحذر وهي تبكي مثل الطفلة الصغيرة وكأن والدها هو من يداوي جرحها، توقف الجرح عن نزف الدماء ولم تتوقف دموعها.
هذا ما كانت تفعله بالماضي! يتذكر كم استمر بكاءها لساعات بعد اتمام زواجهما منذ اربعة اعوام، كم كان حنونً وصبورًا معها.
كانت ومازالت مثل الطفلة الصغيرة، تبكي من اقل الأشياء!
بكاءها، دموعها، صوت شهقاتها، يذكره كل شئ بالماضي، لا يريد ان يتذكر أي شئ.
ترك يديها مسرعًا واعتدل في وقفته.
نظرت اليه بعيناها الباكيه تترجاه ان لا يتركها مجددًا.
تبدلت نظرات عيناه الي الجمود، لا يمكنه تصديق دموعها مرة أخرى، لن يسمح لها ان تخدعه مرتين!
تركها وذهب من الحفل دون ان يتحدث.
ذهب عادل صديقه خلفه ليلحق به.
نظرت اليها مايا بغضب وتحدثت اليها بقسوة:
– رشيد يعرفك منين؟
خفضت وجهها ارضا واجابة بصوت ضعيف:
– ميعرفنيش.
وقفت وهي تبكي وتمسك بيديها المجروحه، الألم الذي تشعر به بقلبها الان كان اقوى وأصعب بكثير من الالم الذي تشعر به بيدها.
ذهبت وهي تبكي بحزن وندم، تابعتها مايا باهتمام وهمست بثقة:
– الاكيد ان رشيد يعرفك.. وانا لازم اعرف هو عرفك امتى وازاي!
**********
اخذ سيارته وانطلق بأقصى سرعة، يحاول الهروب من التفكير بالماضي بعد رؤيته لها بالحفل، لم يدعه الماضي وشأنه وظل يلاحقه حتى عاد بذاكرته الي الماضي منذ خمسة اعوام….
{محافظة القاهرة.. صيف عام 2018}
– الحقوني انا بنتي اتخطفت.
= وانا كمان بنتي اتخطفت.
” بيان هام.. في اتوبيس سياحي اتخطف وهو في طريق العين السخنه.. الاتوبيس كان فيه طالبات ثانوي لمدرسة خاصة.. الطالبات كانوا في طريقهم لقضاء رحلة سياحية احتفالاً بأنتهاء العام الدراسي، تم الاختطاف من قبل عدد من المجرمين، لا نعلم حتى الآن سبب الاختطاف! ننتظر ما ستفعله وزارة الداخلية”
حالة من الفزع اصابة جميع العائلات عقب رؤيتهم لهذا الخبر على جميع مواقع الاخبار.
تجمع عدد كبير من الصحافة والاعلام لتغطية الحدث ومعرفة كل التطورات.
بداخل مكتب وزير الداخليه ، لم يتوقف هاتفه عن استقبال الاتصالات من عائلات الطالبات وكبار المسؤلين بالدولة، تجمع عدد كبير من مساعدي الوزير وعدد من الضباط ذو الكفاءة والخبرة، يبحثون في الحادث لمعرفة من الخاطف!
تحدث مساعد وزير الداخلية بثقة:
– مفيش غير ظابط واحد هو اللي هيقدر يفيدنا في القضية دي.
اتجهت اليه الانظار بأهتمام، تابع حديثه واضاف بثقة:
– النقيب رشيد الجبالي.. حفيد اللواء نور الدين الجبالي.
تبادلت النظرات بينهم بتأكيد على الاختيار.
تحدث الوزير:
– احنا كلنا طبعًا نعرف اللوا نور الدين الجبالي.. بس انت متأكد ان النقيب رشيد هيقدر يفيدنا في القضية دي ويرجع البنات؟ الموضع خطير واهل البنات وكل المسؤولين في الدوله بيكلموني كل شوية.
أومأ اللواء برأسه بالايجاب مؤكدًا بثقة:
– طبعا يا فندم.. النقيب رشيد من اكفاء الظباط عندنا وتم تكليفه في اكتر من قضية من النوع ده وقدر يحلهم في اقل من 24 ساعة، وهو الوحيد اللي هيقدر يوصل للبنات في اسرع وقت.
ارتفع صوت وزير الداخلية:
– وهو فين دلوقتي.. كلموه يجي حالاً.
*********
في مكان لأطلاق النار.
وقف النقيب رشيد الجبالي وهو يركز في اطلاق النار مصوبً الهدف بكل تركيز.
اقترب منه صديقه المقرب النقيب “خالد” وتحدث اليه بنبرة مرحة:
– رشيد باشا.. ايه رأيك هنتغدا فين النهارده؟
اطلاق اخر هدف له واصابه بأحتراف، ابتسم صديقه وتحدث بفخر:
– طول عمرك صياد!
ابتسم رشيد وتحدث بمرح:
– يبقى نتغدا سمك النهاردة.
ابتسم خالد ببلاهة وحرك يديه فوق معدته بجوع:
– وطبعًا انت اللي هتعزمني؟
هز رشيد رأسه بقلة حيلة واخذ متعلقاته الشخصيه وذهب وهو يبتسم وتحدث بمرح:
– مش ملاحظ ان انت من يوم ما اتجوزت وانا بس اللي بعزمك!
ابتسم خالد وهو يدعي الحزن على حاله وتحدث بطريقه دراميه:
– والله يا باشا انا نفسي اعزمك مرة بس المدام ربنا يخليهالي بتاخد المرتب كله وبتديني مصروفي يوم بيوم وانت عارف ان المرتب اتأخر الشهر ده!
ضحك رشيد بستهزاء وهز رأسه بمرح:
– لا عاش يا باشا.. احبك كده وانت مسيطر!
توقف خالد عن السير وتحدث بطريقه دراميه:
– انت كمان بتتريق عليا!.. ماشي.. بكره تتجوز ومراتك تاخد مرتبك وتديك مصروفك زيي.
اقترب رشيد من سيارته ووضع متعلقاته بداخلها وتحدث بثقة:
– لا انت بتحلم.. مش انا يا حبيبي.
ضحك خالد بمرح وتحدث بثقة:
– بكره نشوف يا حبيبي.
رن هاتف رشيد برقم اللواء “طلعت” نظر الي الهاتف بدهشة وهمس “غريبه ليه اللوا طلعت بيتصل بيا دلوقتي! ” رد على الهاتف بفضول، استمع الي صوت اللواء يطلب منه سرعة الحضور الي مكتب وزير الداخليه ، اجاب بالايجاب وأغلق الهاتف.
نظر اليه خالد بدهشه وتحدث اليه بقلق:
– خير يا رشيد في ايه؟!
تحدث رشيد وهو ينظر امامه بتفكير:
– اللوا طلعت طلب مني اني اروحله على مكتب وزير الداخليه حالاً!
همس خالد بقلق:
– اشمعنا يعني! هيكون في ايه ؟
نظر اليه رشيد وكتم ضحكته واجابه بنبرة مرحة:
– ممكن تكون مراتك قدمت بلاغ عشان المرتب اتأخر الشهر ده!
حدق به خالد بغيظ، ضحك رشيد بمرح وصعد الي داخل سيارته وذهب في طريقه الي مكتب وزير الداخليه .
وقف خالد بوجه حزين وهمس بأحباط:
– طارت العزومة.
*********
على طريق العين السخنه.
بداخل الباص المخطوف.
وقف عدد من المسلحين بداخل الباص يهددون الفتيات بالسلاح لكي يسيطرون على الوضع.
بالمقعد الاخير كانت تجلس “كارمن” فتاة في الثامنة عشر من عمرها، توفي والدها وهي في العاشرة من عمرها، تعمل والدتها على صيد الرجال الاغنياء لكي تعيش بنفس المستوى الاجتماعي العريق بعد وفاة زوجها “والد كارمن” بعد خسارته جميع امواله واعماله التجارية، تنتقل والدة كارمن من زوج لأخر، تاركه خلفها ابنتها، فقط توفر لها المال وتتكفل بدفع الاموال لتعليمها في واحدة من اكبر المدارس الخاصة، لا تعلم كارمن الكثير عن أفعال والدتها، فقط تعلم ان والدتها تعشق المال وتتزوج من رجال الاعمال الاغنياء في الخفاء.
كانت كارمن ترتدي فستان صيفي كحلي به زهور ملونه وتترك شعرها منسدل بطريقه رائعه. هي فتاة جميلة ذو بشرة بيضاء وعيونها سوداء كاحلة.
كانت تجلس بجوارها صديقتها المقربه “سما” ابنة احد رجال الأعمال.
سما فتاة رقيقه ومسالمه، صديقة كارمن منذ الطفوله.
همست سما الي صديقتها كارمن بخوف:
– وبعدين يا كارمن! المجرمين دول هيعملوا فينا ايه؟
تابعت كارمن تحرك الخاطفين حولهم وتصويب السلاح عليهم بخوف وهمست:
– مش عارفه هما هيموتونا ولا هيعملوا فينا ايه يا سما، انا خايفه اوي.. يارب حد يجي ويخلصنا منهم بسرعه.
همست سما بخوف:
– بابي لو عرف اكيد هيتصرف ويخلصنا.
بهتت ملامح كارمن بحزن وهمست بخيبة أمل:
– ياريت بابا كان عايش.. ماما عمرها ما هتسيب جوزها وترجع من شهر العسل بتاعها عشاني!
نظرت اليها سما بحزن وربتت على يديها بحنان.
ارتفع صوت احد الخاطفين وأمرهم بالصمت، كتموا انفاسهم بخوف وهم يتطلعون اليه بهلع.
*********
داخل مكتب وزير الداخلية.
جلس رشيد يستمع الي الوضع بكل تركيز بعد ان اخبره رئيسه ان الاختيار قد وقع عليه في حل هذه القضيه وفي اسرع وقت.
تحدث رشيد بعد استماعه الي جميع الخطط المقترحه لتخليص الفتيات:
– ممكن اعرف ايه طلبات اللي خطفوا الأتوبيس؟
تحدث اللواء طلعت:
– هما لهم طلب واحد.. اننا نفرج عن رئيسهم.
تساءل مرة أخرى بفضول:
– ومين رئيسهم؟
اجابه اللواء:
– سعد بشار.. اكبر تاجر مخدرات في البلد واتمسك متلبس واتحكم عليه بمؤبد وهو دلوقتي في السجن لتنفيذ الحكم.
هز رشيد رأسه بالايجاب وتحدث بثقة:
– يبقى انا هحتاج سعد بشار من السجن.
حدد به الجميع بصدمة، هز رأسه بثقة واضاف:
– المهم دلوقتي اننا نخلص البنات دول لأن هما ملهمش ذنب بشغلنا.. وسعد بشار انا اللي هرجعه للسجن تاني بإيدي زي ما هاخده.
تحدث اليه وزير الداخلية بصرامة:
– بس ده مش حل يا سيادة النقيب.. بالشكل ده كل يومين هنلاقي اتوبيس اتخطف والخاطفين يطلبوا الافراج عن مجرم زيهم واحنا هنضطر ننفذ طلبهم!
خفض رشيد رأسه بأحترام للحديث ثم نظر الي وزير الداخليه وتحدث بثقة:
– بس احنا هنعمل منهم عبره لأي حد يفكر انه يكرر اللي هما عملوه.. وانا بوعد حضرتك ان سعد بشار هيبات في السجن الليلة دي هو ورجالته وهيدفعوا تمن عملتهم غالي اوي.
نظر اليه وزير الداخلية بتفكير، رآى بعينيه الثقه والاصرار.
نظر الي جميع مساعديه وجميعًا وافقوا على خطته، حرك الوزير رأسه بالايجاب:
– وانا موافق على خطتك يا رشيد وواثق فيك.
ابتسم رشيد بثقة ووقف من مكانه وتحدث:
– وانا ان شاء الله هكون قد ثقة حضرتك فيا.
ثم اضاف:
– انا هتحرك دلوقتي ومعايا قوة بس لازم اروح السجن الاول واستلم سعد بشار بنفسي.
ابتسم اليه الوزير بثقة، ذهب رشيد وهو يفكر في خطته بذكاء ويضع على قائمة خطته حياة الفتيات.
_____________
بعد اقل من ساعة.
وصل رشيد الي السجن لكي يقابل سعد بشار ويأخذه معه لكي يطلق سراحه وينفذ طلب الخاطفين.
جلس بغرفة مأمور السجن وانتظر مجئ سعد بشار، بعد لحظات طرق الباب ودخل احد رجال الشرطة ومعه سعد بشار ويديه مكبلة بالحديد.
نظر اليه رشيد باهتمام؛ كان سعد بشار رجل ضخم في الاربعين من عمره، لديه لحيه سوداء طويله، نظراته باردة، يتعمد اظهار القوة والثقة بوقفته.
وقف رشيد واقترب منه وتحدث اليه بهدوء:
– انت بقى اللي رجالتك عاملين لنا الدوشة دي كلها!
ابتسم سعد ببرود واجابه بسخرية:
– لولا اللي رجالتي عملوه ده مكنتش شوفت سعادتك هنا دلوقتي يا باشا!
هز رشيد رأسه بالايجاب وربت على ظهره بتأكيد على حديثه، ثم قام بوضع يديه فوق ياقة قميص سعد لكي يعدل من وضعيتها وتحدث اليه:
– عندك حق.. فعلا لولا اللي رجالتك عملوه ده مكنتش هتشوف سعادتي!
نظر الي العسكري الواقف يتابع الحديث بفضول وتحدث اليه:
– فك الحديد من ايديه.
نظر اليه العسكري بقلق، تحدث المأمور بقوة:
– نفذ الامر.
اقترب العسكري من يد سعد وقام بفك قيوده وهو يرتجف من الخوف، نظر سعد الي العسكري وابتسم بثقة، ثم تحسس يديه موضع القيد الحديدي وتحدث الي المأمور بسخرية:
– ابقوا هاتوا كلبشات واسعه شويه يا باشا..
ثم نظر الي رشيد واضاف بستهزاء:
– اصل القاعده في السجن من غير شغله ولا مشغله بتتخن !
رسم رشيد على وجهه ابتسامة استخفاف وهو يحاول كتم غضبه بداخله، تحدث الي المأمور:
– احنا لازم نتحرك يا فندم.
أومأ المأمور برأسه بالايجاب، تحدث رشيد الي سعد ببرود:
– اتفضل قدامي.
تحرك سعد امامه وهو يرسم علامة النصر فوق ملامحه.
_________
وقف احد الخاطفين يتحدث بالهاتف، اخبره احد الاشخاص التابعين لهم ان رئيسهم سعد بشار تحرك من السجن وفي طريقه إليهم مع رجال الشرطة.
صدح صوت زعيمهم بعد انتهاء المكالمه وأمر رجاله ان يكونوا على استعداد لمهاجمة الشرطة في أي وقت.
حالة من الهلع اصابة الفتيات، قام احد الخاطفين بأطلاق بعض الطلقات في الهواء لكي يصمت الفتيات عن البكاء والصراخ.
همست سما الي صديقتها بخوف وهي تبكي بجوارها:
– انا خايفه اوي يا كارمن.. احنا خلاص كده هنموت.
نظرت كارمن إلى قدميها، تفاجأت انها لم تعد تشعر بها، حاولت تحريكها ووضع يديها وتحسس قدميها ولا تشعر بشئ، نظرت الي صديقتها بصدمة وهمست:
– انا مش حاسه برجلي!
حدقت بها سما بصدمة وهمست:
– يعني ايه مش حاسه برجلك!
بكت كارمن بصوت مكتوم من الخوف وانسالت الدموع من عيناها بغزارة:
– انا مش حاسه برجلي خالص!
رواية كارمن الفصل الثاني 2 - بقلم ملك ابراهيم
ربتت سما على يديها وهمست إليها بحزن:
– متقلقيش يا حبيبتي، هتلاقي ده بسبب الخوف والتوتر اللي إحنا فيه.
بكت كارمن بخوف وهي تضع يديها فوق قدميها وتحاول تحريك قدميها ولكن بدون فائدة.
بعد مرور ساعتين..
وصلت سيارات الشرطة إلى موقع الباص على طريق العين السخنة. ترجل النقيب رشيد من سيارة الشرطة ووقف ينظر إلى الباص وتحدث بصوت قوي إلى الخاطفين بداخل الباص:
– رئيسكم معانا.. ياريت تخرجوا البنات من الأتوبيس بهدوء.
ترجل أحد الخاطفين من الباص، كان يخفي وجهه لكي لا يتعرف عليه رجال الشرطة، وقف أمامهم بحذر وتحدث بثقة:
– لما نتأكد من حرية الباشا بتاعنا الأول يا حضرة الظابط؟
نظرات رشيد كانت تتعقب تحركات الخاطفين حول الباص وداخله بتركيز، أومأ برأسه وأجاب عليه:
– وعايزين تتأكدوا إزاي إن الباشا بتاعكم حر؟!
أجابه الخاطف بقوة وهو يبحث بعينيه عن رئيسهم "سعد بشار":
– الباشا هيركب العربية بتاعتنا ويتحرك بيها واحنا هنتحرك وراه من غير ما حد فيكم يقرب مننا.
ظهرت ضحكة ساخرة على وجه رشيد وهو يستمع إليه، توتر الخاطف من ثقة الضابط وأضاف بتوتر:
– وعايز أقول لسيادتك معلومة صغيرة يا باشا، إحنا زارعين متفجرات في الأتوبيس، يعني لو لحقتونا، بضغطة واحدة هفجر الأتوبيس بلي فيه.
استمع رشيد إلى بكاء الفتيات وصراخهم بهلع عقب استماعهم لحديث الخاطفين، أشار إلى رجال الشرطة بأمر لكي يتركوا سعد بشار يذهب إلى رجاله.
ركض سعد إلى السيارة التي تنتظره، جلس بداخل السيارة بثقة وأشار بيديه يودع الضابط رشيد بسخرية، ثم تحركت به السيارة دون أن يتحرك أحد من رجال الشرطة، فقط يتابعون ما يحدث بصبر وثبات، لحق به رجاله وهم يحذرون رجال الشرطة ألا يتتبعوهم.
توقف رشيد ورجال الشرطة بحذر، خوفًا على الفتيات من المتفجرات.
ابتعدت سيارات هؤلاء الخاطفين وركض رشيد ورجاله إلى الباص سريعًا لكي يخرجون الفتيات.
صعد رشيد أولًا إلى الباص وهو يتحدث بقوة ويطلب من الفتيات الهدوء والترجل من الباص بأقصى سرعة.
ركض الفتيات من الباص وهم في حالة من الهلع.
وقف رشيد بداخل الباص واستغرب جلوس فتاتين في المقعد الأخير من الباص، واحدة تبكي والأخرى تربت على ظهرها وتبكي معها.
اقترب منهما بحذر وتحدث إليهما بفضول:
– انتوا ليه قاعدين ومنزلتوش؟
نظرت إليه سما وتحدثت بصوت باكي:
– صحبتي مش قادرة تقف على رجليها!
تأمل صديقتها بدهشة، كانت تبكي بخوف وتضغط فوق قدميها بقوة.
تحدث إليها بفضول:
– رجلك مصابة؟
هزت رأسها بالنفي وهمست ببكاء:
– لا..
تحدثت صديقتها سما بخوف:
– تقريبًا حالة نفسية بسبب الخوف اللي اتعرضنا له!
تأملهما بتفكير ثم اقترب من كارمن وانحنى بجذعه ووضع يديه أسفل ساقيها والأخرى أسفل ظهرها وقام بحملها بين يديه.
ارتجف جسد كارمن من الخوف وقامت بالإمساك به بخوف من السقوط.
ترجل من الباص وهو يحملها وصديقتها تتبعه ببكاء.
وقف الجميع يتابعون ما يحدث بدهشة، أخفت وجهها بداخل صدره بخوف، كانت تشعر أنه مصدرها للأمان الآن بعد ما تعرضت له من خوف وهلع.
شعور غريب راوده وهي تتمسك به وكأنه طوق النجاة.
اقترب من سيارة الإسعاف ووضعها بداخل السيارة برفق وأخبر الطبيب بما حدث معها وطلب من صديقتها أن ترافقها إلى المشفى.
وقف أمام سيارة الإسعاف قبل أن تنطلق في طريقها إلى المشفى، نظرات عيناها وهي تترجاه بخوف أن لا يتركها.
كم تنفر من رائحة التعقيم والدواء المنتشرة حولها بداخل سيارة الإسعاف.
كان جسدها يرتجف بشدة ونظرت حولها بهلع، لا تريد الذهاب إلى المشفى وهي تعلم أنها لن تجد من يهتم لأمرها حتى تعود إلى المنزل وحيدة.
والدتها لم تقطع إجازتها مع زوجها وتعود من السفر كي تكون بجانبها في هذا الوضع والضعف والخوف الذي تشعر به.
أغلق الطبيب باب السيارة ورشيد يقف أمامها وينظر إليها باهتمام، تتشابك عيناه بعيناها وشعور بخفقات مسرعة بقلبه تزداد مع إغلاق باب سيارة الإسعاف وابتعادها عنه في طريقها إلى المشفى.
– تمام يا فندم.. هناخد البنات المدرية عشان ناخد أقوالهم ونسلمهم لأهليهم.
فاق على هذا الصوت الذي جاء من خلفه، التفت إليه وأجابه بهدوء:
– تمام يا سامح.. متنسوش لازم كل أهل البنات يوقعوا على استلامهم.
أومأ الضابط سامح بالإيجاب:
– طبعًا يا باشا اطمن.
نظر رشيد إلى الباص وتحدث بفضول:
– خبير المتفجرات وصل؟
أجابه الضابط سامح بتأكيد:
– في الطريق يا فندم.
أومأ برأسه قليلاً وذهب في اتجاه الباص.
تحرك الضابط سامح ومعه مجموعة من رجال الشرطة في طريقهم إلى مدرية الأمن ومعهم الفتيات.
وصل خبير المتفجرات وتفحص الباص وتأكد من عدم وجود متفجرات.
ابتسم رشيد بثقة ونظر إلى هاتفه بعد أن أعلن عن اتصال هام، وضع الهاتف على أذنيه واستمع باهتمام:
– تمام يا فندم.. قدرنا نعرف مكان سعد بشار عن طريق جهاز التتبع اللي حضرتك حطيته في ملابسه.
ابتسم رشيد بثقة وهو يتذكر كيف وضع جهاز التتبع الصغير بثوب سعد بشار أثناء حديثه معه في السجن، عندما اقترب منه وعدل من موضع ياقة قميصه، قام بزرع هذا الجهاز بخفة واحترافية.
أومأ برأسه وتحدث بثقة:
– ابعتلي العنوان عشان لازم أزوره الليلة دي.
بداخل المشفى.
جلست سما تبكي خارج الغرفة التي تتمدد بها صديقتها.
ركض إليها والدها ووالدتها بقلق بعد أن أخبروهم رجال الشرطة أن ابنتهم بالمشفى.
اقترب والد سما من ابنته وقام بعناقها بقوة، تحدث إليها بقلق:
– إيه اللي حصل يا حبيبتي؟ انتي كويسة؟
أومأت برأسها وهي تبكي بخوف.
عانقتها والدتها وتحدثت إليها بقلق:
– إيه اللي حصل يا حبيبتي؟ طمنيني عليكي؟!
أجابت على والدتها بصوت متقطع من شدة البكاء:
– أنا كويسة يا مامي.. بس.. بس كارمن تعبانة أوي.. مش قادرة تقف على رجليها من الخوف والرعب اللي عشنا فيه!
شعر والد سما بالحزن والغضب بعد تعرض ابنته لهذا الهلع على يد هؤلاء المجرمين.
صمت قليلًا ثم نظر حوله وتحدث إلى ابنته بفضول:
– ومامت كارمن فين؟
خفضت سما وجهها بحزن وتعاطف مع صديقتها وأجابت على والدها:
– اتجوزت جديد ومسافرة مع جوزها كالعادة!
ابتسامة ساخرة قد رسمتها والدة سما على محياها وهي تتحدث بغضب مكتوم:
– الله يكون في عونها كارمن، من بعد وفاة باباها وهي متبهدلة ومامتها ولا بتهتم ولا بتسأل فيها!
ثم نظرت إلى زوجها وأضافت بترقب:
– هنقول إيه بقى.. حظها إن مامتها ملهاش شغلانة في الحياة غير توقع الرجالة وتاخد فلوسهم.
توتر زوجها وهو يستمع إلى حديثها المقصود، يعلم أن زوجته كانت على علم بعلاقته مع "سهير سالم" والدة كارمن، ولولا تدخلها لكان وقع الآن في شباك سهير سالم وتزوجها في الخفاء كما اعتادت أن تفعل مع الكثير من رجال الأعمال، لكنه تراجع عن الزواج في آخر لحظة بعد تهديد زوجته له، ولم تنتظر سهير سالم إلا أيامًا معدودة وتزوجت من رجل آخر في أقل من أسبوعين!
نظر والد سما إلى باب غرفة تلك الفتاة المسكينة التي لم تفقد والدها فقط، بل تفقد حنان واهتمام والدتها التي تعتقد أنها توفر لها كل شيء بالمال.
خرج الطبيب المعالج من غرفة كارمن، اقترب منه والد سما وزوجته وابنته.
تحدث إليه والد سما بقلق:
– طمني يا دكتور.. البنت حالتها إيه؟
ابتسم الطبيب بهدوء وأجاب:
– متقلقوش الحمد لله البنت بخير، هي بس اتعرضت لخوف وهلع شديد وده اتسبب في حالة نفسية إنها تفقد القدرة على تحريك قدمها.
بكت سما بخوف، ربتت والدتها على ظهرها وتحدثت إلى الطبيب بفضول:
– يعني كده البنت مش هتقدر تقف على رجليها تاني؟
نظر إليهم الطبيب وتحدث بتوضيح:
– لا طبعًا هتقف على رجليها وهتقدر تمشي تاني، بس ضروري دكتور نفسي يتابع معاها.
خفض والد سما وجهه أرضًا بحزن.
تحدثت سما ببكاء:
– ممكن نشوفها يا دكتور؟
رفض الطبيب مؤكدًا:
– للأسف هي نايمة دلوقتي والأفضل إنها ترتاح.
تركهم الطبيب وعاد إلى عمله.
عانقته والدة سما ابنتها ونظرت إلى زوجها وحركت عيناها تطالبه أن يذهبوا.
أومأ لها زوجها ومسد بيديه فوق شعر ابنته وتحدث إليها بهدوء:
– يلا يا حبيبتي خلينا نمشي ونسيب كارمن ترتاح شوية.
بكت سما وهي تنظر إلى الغرفة التي تتمدد بها صديقتها بمفردها وتحدثت بخوف:
– هنسيبها إزاي لوحدها كده يا بابا!
تحدثت والدتها وهي تضم وجهها بين يديها بحنان:
– هنيجي الصبح نطمن عليها يا حبيبتي متقلقيش.
نظرت إلى باب الغرفة وبكت بشدة، أخذها والدها من يدها وهو يوعدها أنه سيأتي بها في الصباح الباكر لرؤية صديقتها.
سارت سما مع والدها ووالدتها وهي تبكي بحزن على حال صديقتها الوحيدة.
الساعة الثانية عشر من منتصف الليل.
بإحدى المناطق الشعبية..
وصل رشيد ومعه قوة من العمليات الخاصة إلى العنوان الذي أشار إليه جهاز التتبع الذي زرعه في ثياب سعد بشار.
تحركوا بخطوات مدروسة ومتقنة، اقتحم رجال العمليات الخاصة المنزل الذي يجلس به سعد بشار، قاموا بمهاجمة من في المنزل والتعامل معهم.
كان بالمنزل عدد كبير من رجال سعد بشار، تبادلوا إطلاق النار مع رجال الشرطة، كان رشيد في المقدمة، أصابته إحدى الطلقات بكتفه.
ظل صامدًا ويقف على قدميه ويحمل سلاحه بيديه.
استسلم رجال سعد بشار بعد سقوطهم واحد تلو الآخر على يد رجال الشرطة، لم يستطع سعد الهرب وخرج مستسلمًا لرجال الشرطة بعد أن رأى سقوط رجاله أمام عينيه وتأكد من محاصرة رجال الشرطة له.
اقترب منه رشيد وهو يبتسم له بثقة.
استغرب سعد بشار من وجود الضابط الذي أطلق سراحه من السجن اليوم، لا يصدق أن الضابط استطاع الوصول إليه بهذه السرعة.
اقترب منه رشيد وهو يصوب السلاح بوجهه ويبتسم له ساخرًا، صدح صوته قائلاً بنبرة قوية ساخرة:
– إزاي كان هيجيلك نوم يا سعد بعيد عن الزنزانة بتاعك؟!
نظر إليه سعد بصدمة.
ابتسم رشيد وتحدث إلى أحد الضباط:
– خدوه ينام في زنزانته.
اقترب أحد رجال الشرطة وأخذ سعد بشار وخرجوا من المنزل في طريقهم إلى السجن.
وقف رشيد يتنفس براحة بعد إتمام مهمته بنجاح، بدأ يتسلل إليه الشعور بالألم بكتفه.
اقترب منه أحد الضباط ونظر إليه بصدمة بعد رؤيته للدماء تغرق ثيابه.
صدح صوت الضابط يطالب بسرعة حضور سيارة الإسعاف.
بدأ يشعر رشيد بالضعف، قام الضابط بمساندته وأخذه إلى سيارة الإسعاف.
استيقظت على أصوات مزعجة تستمع إليها من خارج غرفتها، لا تعلم ماذا يحدث بالخارج، يبدو أن هناك حالة من الهرج تعم بالمشفى.
اعتدلت فوق الفراش وهي تشعر بالخوف والقلق.
دخلت إحدى الممرضات الغرفة لكي تعطيها الدواء بالموعد.
نظرت إلى الممرضة وتحدثت إليها بتوتر:
– إيه الدوشة اللي في المستشفى دي!
تنهدت الممرضة بحزن وأجابت:
– في ظابط وصل المستشفى دلوقتي مصاب.. ربنا يقومه بالسلامة.
شحب وجهها وارتجف جسدها قليلاً عقب استماعها لحديث الممرضة.
نظرت إليها الممرضة ولاحظت شحوب وجهها من الخوف، اقتربت منها وأضافت:
– انتي أكيد لسه خايفة بعد اللي حصل معاكم النهاردة، بصراحة الله يكون في عونكم على الرعب اللي عشتوا فيه وانتوا مخطوفين!
نظرت إليها كارمن بتوتر، جسدها ارتجف بشدة.
ابتسمت الممرضة وأضافت بفخر:
– بس أنا سمعت دلوقتي إنهم قبضوا على اللي كانوا خاطفينكم.
حدقت بها كارمن باهتمام وهمست إليها بصوت ضعيف:
– بجد!
ابتسمت الممرضة وأجابت بثقة:
– أيوه.. أصل أنا عرفت دلوقتي إن الظابط اللي جه المستشفى مصاب هو نفس الظابط اللي أنقذكم النهاردة، واتصاب دلوقتي وهو بيقبض على اللي كانوا خاطفينكم والحمد لله قبض عليهم كلهم.
ابتسمت بسعادة وهي تستمع إلى حديث الممرضة، بدأ يتسلل إليها الشعور بالأمان بعد معرفتها بالقبض على الخاطفين.
شعرت بقدميها وكأنها كانت مجمدة وقد فك الجليد عنها، حدقت بقدميها بذهول وهي تحرك أصابعها وتستجيب لها.
تركت الفراش ووقفت لتتأكد من شعورها، استطاعت الوقوف على قدميها حقًا بعد شعورها بالأمان.
استغربت الممرضة وتحدثت إليها بزهول:
– إيه ده انتي قدرتي تقفي على رجلك!
نظرت كارمن إلى قدميها وتحدثت بسعادة:
– أنا مش عارفة أنا وقفت إزاي ولا إيه اللي حصل! بس المهم إني بقيت حاسة برجلي دلوقتي.
ابتسمت لها الممرضة وتحدثت بهدوء:
– شكل اللي حصلك ده كان فعلًا من الخوف ولما عرفتي إن المجرمين دول اتقبض عليهم اطمنتي وقدرتي تقفي على رجلك!
ابتسمت كارمن وتحدثت بتوتر:
– أنا كده هرجع البيت الصبح صح؟
أجابتها الممرضة:
– أنا هبلغ الدكتور عشان يجي يطمن عليكي الأول وهو هيقرر ترجعي البيت إمتى.
أومأت كارمن برأسها وعادت إلى الفراش مرة أخرى لترتاح قليلاً.
دقائق قليلة ودلف الطبيب إلى غرفة كارمن.
ابتسمت كارمن وتحدثت إليه بحماس:
– أنا قدرت أقف على رجلي يا دكتور.. حاسة إني بقيت أحسن دلوقتي.
ابتسم الطبيب واقترب منها وتحدث بتأكيد:
– بس ده ميمنعش إنك محتاجة دكتور نفسي عشان الحالة دي متتكررش تاني.
وقفت من فوق الفراش واقتربت من الطبيب:
– حاضر يا دكتور أنا هروح لدكتور نفسي.. بس لو سمحت عايزة أخرج من هنا.
خفض الطبيب وجهه أرضًا يفكر بحيرة؛ كيف يخبرها أن والدتها رفضت خروجها من المشفى.
نظر إليها وتحدث:
– للأسف مش هينفع تخرجي من المستشفى دلوقتي.
حدقت به بصدمة وتحدثت بقلق:
– ليه يا دكتور؟ أنا بقيت كويسة أهو!
أومأ الطبيب برأسه وأجاب بقلة حيلة:
– إدارة المستشفى اتوصلوا مع والدتك.. والدتك هي اللي طلبت إنك متخرجيش من المستشفى قبل ما ترجع من السفر وتيجي تستلمك بنفسها ودفعت للمستشفى كل التكاليف.
تلألأت الدموع بداخل عيناها وتحدثت بصوت مبحوح:
– وماما قالت هترجع إمتى؟
هز رأسه بحزن وأجاب:
– للأسف مقالتش.
أومأت برأسها بتفهم، خانتها عيناها وذرفت الدموع على وجنتيها.
حزن الطبيب من أجلها، تركها وخرج من الغرفة وأغلق الباب خلفه.
انهارت في البكاء، تعلم أن والدتها لن تقطع إجازتها وتأتي من أجلها، هذا ما اعتادت عليه من والدتها، عليها الانتظار بداخل المشفى حتى تأتي والدتها وتطلق سراحها.
اتجت إلى الفراش وجلست تبكي بحزن، تشعر بالوحدة واليتم، ليس لديها أحد في هذه الحياة.
تعلم أن والدتها لن تهتم لأمرها ولن تأتي من أجلها مهما حدث معها.
خرج الطبيب من غرفة العمليات، اقترب منه اللواء طلعت ومجموعة من الضباط زملاء رشيد يسألونه عنه بقلق:
– خير يا دكتور طمنا؟!
ابتسم الطبيب لكي يطمئنهم وأجاب بهدوء:
– الحمد لله قدرنا نخرج الرصاصة ومفيش أي خطر متقلقوش.
تحدث إليه اللواء طلعت بقلق:
– يعني نقدر نشوفه ونطمن عليه يا دكتور؟
أجاب الطبيب بالرفض مؤكدًا:
– الأفضل محدش يزعجه دلوقتي، هو هيتنقل غرفة عادية الصبح وتقدروا تشوفوه بكرة إن شاء الله.
ختم الطبيب حديثه قبل أن يذهب:
– عن إذنكم.
ذهب الطبيب وتركهم يتحدثون معًا.
تحدث أحد الضباط مع اللواء طلعت:
– هنبلغ عيلة رشيد يا فندم؟
وقف اللواء طلعت ينظر أمامه بتفكير ثم أجاب:
– بلاش نقلقهم دلوقتي.. إحنا الحمد لله اطمنا عليه إنه بخير، خلينا نمشي دلوقتي وأنا هبلغ جده الصبح.
أومأ الضابط برأسه باحترام.
ذهب اللواء طلعت من المشفى وذهب خلفه جميع الضباط.
في الصباح.
استيقظت كارمن على صوت طرق على باب غرفتها.
دلفت سما الغرفة وهي تحمل حقيبة صغيرة بها ملابس لـ كارمن.
استقبلتها كارمن بابتسامة، ركضت إليها سما وعانقتها بسعادة.
جلست معها سما وتحدثت إليها بتوتر:
– كارمن أنا آسفة مش هقدر أقعد معاكي كتير لأن مامي هي اللي وصلتني ومنتظراني تحت في العربية.
بهتت ملامح كارمن بالحزن، أومأت برأسها وتحدثت بصوت مبحوح:
– المهم إنك جيتي وخلتيني أشوفك.
أعطتها سما الحقيبة وتحدثت بتوتر:
– أنا جبتلك شنطتك اللي كنتي مجهزةها عشان الرحلة.
هزت كارمن رأسها بحزن وأخذت الحقيبة وهمست:
– شكرًا.
وقفت سما وعانقتها مرة أخرى وقالت بحزن:
– أنا آسفة يا كارمن.
ربتت كارمن على ظهرها وأومأت برأسها مؤكدة:
– متتأسفيش يا سما.. أنا فاهمة كل حاجة.
نظرت إليها سما وهي تبكي بحزن، لا تريد أن تترك صديقتها بمفردها لكن والدتها رفضت أن تمكث مع كارمن أكثر من ذلك.
جلست كارمن بغرفتها وحيدة بعد ذهاب سما، تعلم أن والدة سما لا تريد أن تستمر صداقتهما، كانت حزينة وهي بمفردها، الجميع يبتعد عنها بسبب أفعال والدتها.
نظرت إلى حقيبتها التي جاءت بها سما، أخذت منها ثوبًا لكي تبدل ثوب المشفى وترتدي ثوبًا آخر.
بعد انتهائها من ارتداء ثوب أنيق كان يليق بها، وقفت تصفف شعرها الطويل.
دخلت الممرضة وهي تبتسم لها وتتحدث معها بمرح:
– يا صباح الجمال كله.. أنا جبتلك الفطار.
ابتسمت كارمن واقتربت منها تنظر إلى طعام المشفى بدون شهية، ثم نظرت حولها بملل وتحدثت بحزن:
– أنا مليش نفس.
– شكلك مضايقة من حاجة؟
أومأت كارمن برأسها وتحدثت بحزن:
– بصراحة أنا مش عارفة إزاي هفضل محبوسة هنا في المستشفى لحد لما ماما ترجع!
حزنت الممرضة من أجلها، فكرت قليلاً ثم تحدثت إليها بحماس:
– ومين قال إنك هتفضلي محبوسة هنا..
حدقت بها كارمن بدهشة.
أضافت الممرضة بحماس:
– إيه رأيك تيجي معايا وأنا بمر على المرضى؟
نظرت إليها كارمن بتفكير.
أضافت الممرضة بحماس:
– انتي عارفة مين بقى في الغرفة اللي جنبك؟
نظرت إليها بفضول.
أضافت الممرضة بحماس:
– الظابط اللي أنقذكم وقبض على الخاطفين امبارح..
رواية كارمن الفصل الثالث 3 - بقلم ملك ابراهيم
تحمست كارمن وتحدثت بسعادة:
– بجد!
أومأت الممرضة بالإيجاب وأضافت:
– أنا رايحة أدخله الفطار دلوقتي.. إيه رأيك تيجي معايا وأعرفك عليه؟
تحمست كارمن أكثر وأجابت بثقة:
– آه طبعاً ياريت.
ابتسمت الممرضة وأخذتها معها إلى الغرفة المجاورة. وقفت الممرضة وطرقت على الباب بهدوء. استمعت إلى صوته يسمح لها بالدخول. دخلت الممرضة ووقفت كارمن تنتظر أمام الباب، تشعر بالتوتر الشديد المختلط بالحماس لرؤية هذا الضابط الذي أنقذ حياتها هي وصديقاتها.
دَلفت الممرضة الغرفة وهي تبتسم وتحدثت إليه بهدوء:
– حمد الله على سلامتك.
ابتسم لها بهدوء وهو يعتدل فوق الفراش ويستند بظهره فوق الوسادة:
– شكراً.
وقفت قليلاً تفكر بحيرة ثم تحدثت إليه بتوتر:
– في ضيفة حابة تشوف حضرتك.. تسمح لها تدخل؟
استغرب رشيد وعقد ما بين حاجبيه وسأل بفضول:
– ضيفة مين؟
أجابته الممرضة وهي تضغط على يديها بتوتر خوفاً من أن يرفض مقابلة كارمن وتتسبب في إحراجها:
– كانت في الأتوبيس اللي كان مخطوف ولما عرفت إن حضرتك هنا حبت تيجي تشكرك بنفسها.
ابتسم وتحدث بهدوء:
– طبعاً خليها تتفضل.
ابتسمت الممرضة بسعادة وتحدثت بحماس:
– تعالي يا كارمن ادخلي.
دلفت كارمن بحماس مختلط بالتوتر، ثم توقفت فجأة بصدمة عندما رأته هو نفس الضابط الذي حملها من الباص إلى سيارة الإسعاف.
خفق قلبه بقوة عند رؤيته لها. اعتدل سريعاً في جلسته وهو يحدق بها بقوة.
تابعت الممرضة ما يحدث وابتسمت وتحدثت إلى كارمن بمرح:
– تعالي يا كارمن اتفضلي!
تقدمت كارمن واقتربت منهما بخطوات مرتبكة. ابتسم لها وتحدث معها بهدوء:
– أهلاً يا كارمن.
خفق قلبها بقوة وخفضت وجهها بخجل وتحدثت برقة:
– حمد الله على السلامة.. أنا جيت أشكر حضرتك.
صوتها الناعم الرقيق اخترق قلبه وجعله يريد الاستماع إلى صوتها مرة أخرى. ابتسم لها وتحدث بهدوء:
– تشكريني على إيه أنا عملت شغلي.
تحمست كارمن قليلاً وتحدثت إليه بفضول:
– هو أنت فعلاً قبضت على اللي كانوا خاطفينا؟
أومأ برأسه بالإيجاب وهو يتابع حماسها الطفولي بإعجاب شديد. ابتسمت بحماس وأضافت:
– هو ينفع تحكيلي قبضت عليهم إزاي؟!
نظر إلى الممرضة وابتسم:
– آه طبعاً ينفع.
ثم أضاف بنبرة مرحة:
– بس بشرط.. انتي كمان تحكيلي كل اللي حصل معاكم من أول ما المجرمين دول وقفوا الباص على الطريق.
قفزت بسعادة بقدميها وتحدثت بحماس:
– تمام وأنا موافقة.
ابتسمت الممرضة وتحدثت وهي في طريقها إلى خارج الغرفة:
– وأنا هروح أشوف باقي المرضى.. عن إذنكم.
خرجت الممرضة وأغلقت الباب خلفها. ركضت كارمن إلى النافذة وقامت بفتحها وتحدثت بحماس:
– ممكن نسمح للهوا يدخل غرفتك؟
فتحت النافذة ووقفت أمامها. انتشر ضوء الشمس بالغرفة والهواء المنعش دخل يتطاير مع خصلات شعرها الناعم الطويل. خفق قلبه بقوة وهو يتأملها بجمالها الرائع وعفويتها المميزة.
استنشقت الهواء الطبيعي براحة ثم التفتت تنظر إليه وتحدثت بحماس:
– يلا احكيلي بقى؟!
ابتسم وهو يتأملها ولا يستطيع إبعاد عينيه عنها. بدأ يحكي لها كيف وضع جهاز التتبع بثياب المجرم وكيف ذهب هو وقوة من الشرطة إلى المكان الذي اختبأ به المجرمين.
اقتربت منه وهي تستمع إليه بحماس. جلست أمامه فوق الفراش وهي تستمع بكل تركيز. كان يحكي لها ويتابع ردود أفعالها وهي تستمع إليه وكأنها كانت معهم. كانت تعلق على كل كلمة يقولها وتسأل عن كل شيء بحماس. كان الحديث ممتعاً بينهما حتى انتهى وجاء الدور عليها أن تخبره ما حدث معها. أخبرته كيف كانت تستعد لهذه الرحلة وقضاء العطلة الصيفية بصحبة صديقاتها. كانت تحكي بحماس وتخبره كل شيء بطريقة عفوية ممتعة. كان يستمع إليها دون ملل. لم يشعر كم من الوقت قد مضى وهما يتحدثان.
بعد أكثر من ساعتين. فتح باب الغرفة فجأة ودخل صديقه المقرب النقيب خالد. استغرب خالد من وجود فتاة مع رشيد بالغرفة وكان يبدو عليهما الاستمتاع بالحديث معًا.
خجلت كارمن ووقفت بتوتر لا تعلم كم من الوقت مضى وهي بغرفته. رمق رشيد صديقه بغيظ. تحدث خالد بتوتر:
– أنا آسف مكنتش أعرف إن في حد معاك!
تحركت كارمن لكي تذهب من الغرفة وتحدثت بارتباك:
– أنا همشي أنا عن إذنكم.
ذهبت سريعاً بخجل وخرجت من الغرفة. اقترب خالد من رشيد وهو ينظر إليه بدهشة وسأله بفضول:
– مين دي؟!
أجاب عليه رشيد بغيظ:
– ملكش دعوة!
حدق به خالد بفضول ثم أومأ برأسه بتفهم وتحدث:
– آه.. بقى هي الحكاية كده.. طب كنت قول عشان أبقى مطمن عليك وأعرف إنك مش لوحدك هنا!
فتح باب الغرفة مرة أخرى ودخلت والدة رشيد وهي تبكي وخلفها شقيقته وجده اللواء المتقاعد نور الدين الجبالي. غمز خالد بطرف عينيه إلى رشيد وهمس إليه بمرح:
– المفروض تشكرني إني جيت قبلهم وأنقذتك.
رمقه رشيد بغيظ ورحب بجده ووالدته وشقيقته.
***
صباح اليوم التالي.
استيقظ رشيد باكراً وجلس بداخل غرفته ينتظر قدومها إليه مرة أخرى. طال انتظاره حتى أتت إليه الممرضة وهي تحمل وجبة الإفطار.
تحمحم بهدوء وسألها باهتمام لم يستطع إخفاءه:
– فين كارمن مشوفتهاش النهاردة.. هي خرجت من المستشفى ولا إيه؟
ابتسمت الممرضة وظهر على وجهها معالم الحزن وأجابت عليه بأسف:
– كارمن مش هتقدر تخرج من المستشفى دلوقتي!
شعر بالقلق عليها وسأل باهتمام:
– ليه؟!
أجابته الممرضة بحزن:
– لأن والدتها مسافرة واتواصلت مع إدارة المستشفى وطلبت منهم ميخرجوش كارمن قبل ما هي ترجع من السفر وتيجي تاخدها بنفسها!
حدق بالممرضة بصدمة وتحدث بزهول:
– معقول والدتها مش قادرة ترجع من السفر مخصوص عشان تطمن على بنتها!
أجابت عليه الممرضة بحزن:
– الموضوع ده مقصر على نفسية كارمن جداً، بس الواضح إنها متعودة من والدتها على كده!
شرد قليلاً يفكر بها وفيما تشعر به الآن. سأل الممرضة مرة أخرى بفضول:
– وباباها فين أو أي حد من عيلتها؟
أجابته الممرضة بأسف:
– اللي عرفته إن باباها متوفي وهي طفلة ووالدتها مقاطعة كل عيلتها.. يعني كارمن حالياً ملهاش حد غير مامتها.
شعر بالحزن الشديد عليها. تعاطف معها كثيراً وسأل عنها مرة أخرى:
– وكارمن فين دلوقتي؟
ابتسمت الممرضة وأجابت بنبرة مرحة:
– في غرفة “عدي” اتعرفت عليه امبارح وشكلهم حبوا بعض أوي.
خفق قلبه بقوة، تساءل بداخلة من عدي هذا! شعر بالغيرة وتحدث بغضب:
– مين عدي ده؟
بهتت ملامح الممرضة بحزن وأجابته:
– ده طفل عنده عشر سنين وللأسف مريض كانسر.. كارمن اتعرفت عليه امبارح واتعلقوا ببعض أوي وطلب كارمن تروحله غرفته من بدري!
شعر بالارتياح قليلاً بعد معرفته أن عدي طفل صغير، لكن فضوله ازداد جوعاً في رؤية الطفل الذي أحببته كارمن. وقف من فوق الفراش وتحدث إلى الممرضة بإصرار:
– ممكن تاخديني لغرفة عدي.. عايز أتعرف عليه أنا كمان.
استغربت الممرضة قليلاً وأومأت برأسها بالإيجاب:
– تحت أمرك اتفضل معايا.
ذهب معها وهو يضع ذراعه المصاب بداخل الحامل الطبي. غرفة عدي كانت بالطابق العلوي. وقفت الممرضة أمام الغرفة وأخبرته أن هذه غرفة عدي ودلفت هي أولاً وتحدثت إلى عدي بمرح:
– البطل بتاعنا عامل إيه النهارده؟
ابتسم عدي وهو يجلس بجوار كارمن ويتناولون الإفطار معًا. ابتسمت كارمن وأجاب عدي بحماس:
– أنا كويس جداً عشان كارمن معايا.
ابتسمت الممرضة وتحدثت إليه بلطف:
– في بطل تاني عايز يشوفك ويتعرف عليك.. إيه رأيك؟
أجاب عدي بحماس:
– طبعاً وأنا كمان عايز أتعرف عليه عشان أنا بحب الأبطال.
ابتسمت الممرضة وتحدثت:
– اتفضل يا حضرة الظابط..
دخل رشيد وهو يبتسم. خفق قلب كارمن بقوة عند رؤيتها له. وقف عدي وركض إليه بحماس وتحدث بسعادة:
– أنت ظابط؟
أومأ له بالإيجاب وتحدث إليه بلطف:
– أيوه.. وسمعت إن في بطل هنا في المستشفى وحبيت أجي أتعرف عليك.
ابتسم عدي بحماس وتحدث:
– وفي بطل كمان غيرنا هنا في المستشفى، كارمن اتعرفت عليه امبارح.. هو ظابط برضه وهو اللي أنقذ كارمن وأصحابها وقبض على المجرمين كلهم وحطهم في السجن.
خجلت كارمن وخفضت وجهها في الأرض. نظر إليها رشيد بابتسامة. ابتسمت الممرضة واستأذنت منهم وذهبت لتتابع عملها. تحدث رشيد إلى عدي بفضول:
– وكارمن اللي حكتلك عن الظابط ده؟
أجاب عليه عدي بثقة:
– كارمن مش بتتكلم غير عليه أصلاً..
ثم أضاف بصوت هامس:
– أقولك على سر..
انحنى إليه رشيد قليلاً ليستمع إلى صوته الهامس وشجعه على الحديث. تحدث عدي بصوت هامس:
– أنا قررت لما أكبر أبقى ظابط عشان كارمن تحبني وتشوفني بطل زي الظابط اللي أنقذها.
ابتسم رشيد بسعادة وسأله بهمس هو الآخر:
– هي كارمن قالتلك إيه بالظبط عن الظابط اللي أنقذها؟
أجابه عدي بهمس:
– قالتلي كل حاجة.
تابعت كارمن همسهم بفضول شديد. لم تستطع الاستماع إلى حديثهما. ارتفع صوتها قليلاً وتحدثت إليهما بغيظ:
– انتوا هتفضلوا تتهامسوا كتير كده وأنا قاعدة لوحدي!
أجاب عليها عدي بمرح:
– ده كلام رجالة مش كلام بنات!
رمقته كارمن بغيظ. ضحك رشيد وتحدث هو الآخر بمرح:
– فعلاً إحنا بنتكلم كلام رجالة!
وقفت كارمن بغيظ وتحدثت بعناد:
– تمام وأنا هخرج وأسيبكم تتكلموا كلام الرجالة براحتكم.
ركض إليها عدي وتحدث معها برجاء:
– لا يا كارمن خليكي معايا.
ثم نظر إلى رشيد وتحدث إليه هو الآخر برجاء:
– ممكن تفضل معايا وتحكيلي عن المغامرات بتاعتك وإزاي بتقبضوا على المجرمين؟!
ابتسم رشيد واقترب منه وتحدث إليه بنبرة مرحة:
– تحت أمرك يا بطل.
استغربت كارمن من تواضعه وطريقته المرحة مع عدي. تابعت جلوسه بجوار عدي وبدأ يحكي له عن مواقف كثيرة تعرض لها بعمله، منها مواقف مضحكة طريفة ومنها مواقف صعبة وشاقة. كانت تتابع حديثه باهتمام وتركيز. شعرت بخفقات قلبها تزداد بقوة كلما تطلعت إليه. صوته كان مميز وطريقة حديثه ممتعة للغاية. ضحكته كانت رائعة وغمزاته كانت تزيد من وسامته. تأملته دون أن تشعر بنظرات إعجاب مختلطة بانبهار.
دلفت الممرضة المسؤولة عن حالة عدي وطلبت منه الاستعداد لتناول الدواء. وقف رشيد وصافح عدي بقوة ووعده أنه سيأتي إليه مرة أخرى. اقتربت كارمن من عدي وقبلته من وجنتيه بحنان وأخبرته أنها ستأتي إليه في الصباح.
خرجا الاثنان معاً من غرفة عدي. شعور قوي بالأمان كانت تشعر به وهي تسير بجواره. قلبه كان يخفق بقوة ولا يريد أن تبتعد عنه. وقف الاثنان كلاً منهما أمام غرفته، تشابكت نظرات عيناهما. شعور جديد اخترق قلبه…
***
***
فاق من ذكرياته بتوقف السيارة فجأة.
صوت احتكاك الإطارات بالأرض أعاده من ذكرياته معها. ضرب بيديه بقوة وهو يشعر بنيران تحرق قلبه كلما تذكر ما فعلته به. هتف بصراخ وهو يضرب بقسوة فوق قلبه الذي ينبض بعشقها حتى الآن:
– ليه عملتي فيا كده؟ أنا ضحيت بكل حاجة عشانك.. لو كنتي طلبتي مني روحي كنت هضحي بروحي وحياتي عشانك!
لا يصدق ما فعلته به حتى الآن. كيف لها أن تقابل حبه وعشقه لها بالخيانة؟ كيف استطاعت أن تخدعه دون أن تطرف لها عين! ماذا فعلت به لكي لا يرى حقيقتها قبل أن يضع قلبه وعقله واسمه بين يديها.
نظر أمامه بحزن. لا فائدة من هذا العذاب الذي يعيش به الآن. تمنى لو تخونه ذكرياته معها وتتركه كما فعلت هي! لا يمكنه العيش وذكرياته معها تطارده دائماً.
أعاد تشغيل سيارته وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة. لا يريد أن يتذكر الماضي بعد الآن. انطلق بسيارته بأقصى سرعة هرباً من التفكير بها.
***
انتهى الحفل الذي كانت تعمل به كارمن. وذهبت بصحبة صديقتها مودة. كانت تسير وهي شاردة بعد رؤيتها له اليوم. تتذكر لهفته عليها عندما جرحت يديها. لم تتغير ملامحه كثيراً عن الماضي، بل أصبح أكثر وسامة بعد أن ترك لحيته تنمو قليلاً. لا يعلم كم كانت تشتاق إليه كثيراً.
توقفت مودة عن السير وحدقت بها بدهشة:
– إيه يا بنتي روحتي فين!
فاقت من شرودها ونظرت إلى مودة:
– في إيه؟
ابتسمت مودة بغيظ وتحدثت باستخفاف:
– في إننا أكيد مش هنروح مشي.. والوقت متأخر دلوقتي، يعني لازم نوقف تاكسي!
أومأت برأسها بالإيجاب ونظرت بداخل حقيبتها تبحث عن نقود. تحدثت مودة مرة أخرى:
– بصي إحنا نوقف تاكسي ونقسم الأجرة بالنص أنا وانتي.. أنا رجلي وجعتني أوي يا كارمن.. إحنا واقفين طول اليوم على رجلينا.
هزت رأسها بالإيجاب. أشارت مودة إلى أحد سيارات الأجرة. توقفت السيارة أمامهم. صعدا إلى داخل السيارة. جلست كارمن واستندت برأسها على النافذة الزجاجية وهي شاردة بالتفكير به. تحركت سيارة الأجرة وكأنها تأخذها إلى الماضي لتذكرها كيف بدأت علاقتها مع رشيد…
***
[بعد أسبوع لها بداخل المشفى]
اعتادت الذهاب إلى غرفة “عدي” في كل صباح وكان رشيد ينضم إليهما من حين لآخر. كانا يتبادلان الحديث معًا بطريقة ممتعة. تطورت علاقتهما الثلاثة بشكل سريع. تعلقت كارمن كثيراً بـ عدي واعتادت على الحديث المرح مع رشيد. أصبحت رؤيتهما الاثنان كل يوم أهم ما تملكه بحياتها.
اليوم استيقظت بنشاط وارتدت ثيابها سريعاً. صففت شعرها الطويل واستعدت للخروج من غرفتها والذهاب إلى غرفة عدي لكي تتناول معه وجبة الإفطار ويبدأ يومهما معاً كما اعتادت أن تفعل كل صباح طوال الأسبوع الذي أقامته بالمشفى.
كانت تسير بخفة وسعادة. أصبحت المشفى مسكنها المفضل. صعدت إلى الطابق العلوي حيث غرفة عدي. كانت تسير بسعادة وتوزع ابتسامتها على الجميع. تباطأت خطواتها فجأة وخفق قلبها بخوف بعد رؤيتها لوالدة عدي وهي تقف أمام الغرفة وترتدي الأسود وتبكي بانهيار! ووالد عدي يقف بجوارها يبكي بصمت ويحاول السيطرة على انهيار زوجته.
اقتربت من الغرفة وعقلها رافض استيعاب ما يوحي لها به ذلك المشهد. وقفت أمام الغرفة ورأت الفراش فارغاً والممرضات يقومون بتجهيز الغرفة لاستقبال مريض آخر. اقتربت منها الممرضة التي كانت مسؤولة عن متابعة حالة عدي. نظرت إليها كارمن بصدمة وتحدثت بصوت مبحوح:
– عدي فين؟
خفضت الممرضة وجهها وأجابتها بحزن:
– عدي مات النهاردة الفجر.
رواية كارمن الفصل الرابع 4 - بقلم ملك ابراهيم
عدي مات النهاردة الفجر.
كانت كلمات الممرضة مثل الصاعقة التي اطاحت بها، انتفض جسدها بفزع.
نظرت الي والدة عدي وهي تبكي وتصرخ بانهيار، كم تمنت لو كان ما تراه الان مزحه من عدي ام كابوسً مزعجًا وستفيق منه!
لكن كل ما يحدث حولها يبدو حقيقًا! نعم عدي لم يعد بهذه الحياة! لن تراه مرة أخرى.
لم تستطيع تحمل فقدانه بعد ان اعتادت عليه!
ركضت وهي تبكي بانهيار، لا تعلم الي اين تذهب! لكن قدميها اخذتها الي غرفة رشيد.
فتحت باب الغرفه وهي تبكي.
كان يقف امام النافذه، التفت ينظر اليها بصدمة.
وقفت امامه تبكي وتحدثت بانهيار:
– عدي مات!
حدق بها بصدمة.
اقتربت منه وهي تبكي بانهيار وتردد حديثها دون تصديق:
– عدي مات.. روحت غرفته وملقتوش.. مات من غير ما اشوفه.. يعني انا كده مش هشوفه تاني.. كان نفسي اودعه.
اقترب منها وهو يحاول تهدأتها، تحدث اليها بحنان:
– عدي كان تعبان اوي وطول الوقت بيتألم.. هو دلوقتي ارتاح من الألم واكيد هو في مكان احسن.
هزت رأسها بالرفض وتحدثت ببكاء:
– انا كنت حبيته واتعلقت بيه اوي.. ليه يخليني اتعلق بيه واحبه كده وهو هيسبني.. ليه كل الناس اللي بحبهم بيسبوني وبيبعدوا عني.. انا مش عايزة اعيش في الدنيا دي لوحدي.
انقطع نياط قلبه من اجلها، لا يريد رؤيتها في هذه الحالة، يعلم انها تعلقت كثيراً بـ عدي ولا يمكنها تخطي موته وفراقه بسهوله.
اقترب منها وامسك بيديها وتحدث اليها بصدق:
– بس انا مستحيل اسيبك او ابعد عنك.. انا هفضل دايما معاكي يا كارمن متخافيش.
نظرت اليه والدموع تنسال من عيناها بغزارة حتى اصبحت لا تستطيع الرؤية، تحدثت بصوتها الباكي:
– لما تخرج من المستشفى اكيد هتنساني.. انا مش عايزة احب حد تاني.. كل اللي بحبهم بيبعدوا عني!
ضغط على يديها بقوة حتى تنتبه لحديثه وتحدث اليها بقوة:
– انا مستحيل انساكي.. عشان انا بحبك.
توقفت سيارة الاجرة التي تنقلها هي وصديقتها بالحي السكني التي تقطن به، عادت الي الواقع.
لم تشعر بالدموع التي اغرقت وجنتيها اثناء تذكرها للماضي.
تحدثت اليها مودة بدهشة:
– مالك النهاردة يا كارمن مش طبيعيه!
جففت دموعها بأناملها وترجلت من السيارة بصمت.
وقفت تستنشق الهواء لكي تهدأ قليلاً.
وقفت مودة بجوارها وتحدثت بقلة حيلة:
– طب اطلعي ارتاحي يا كارمن شكلك تعبانه النهاردة.
ختمت حديثها وهي تتجه الي العقار التي تقطن به:
– يلا تصبحي على خير.
وقفت كارمن تستنشق الهواء البارد، ليته يبرد قلبها ويهدأها قليلاً.
تقدمت الي العقار التي تقطن به، ظلت تصعد الدرج حتى وصلت الي الطابق الاخير، انقطعت انفاسها وظلت تلهث بتعب.
توقفت بسطح العقار تنظر إلى الغرفة المتهالكه التي تقطن بها مع والدتها.
اتجهت الي الغرفة وفتحت الباب.
كانت الغرفه معبئه بالدخان.
تقدمت الي داخل الغرفة ويصحابها سعال قوي بعد تعرضها لاستنشاق كل هذا الدخان.
ركضت الي النافذه وفتحتها بقوة.
التفتت تنظر إلى والدتها الجالسة فوق الفراش براحة وتمسك بيدها احدى السجائر وبجوارها عدد كبير من السجائر المنتهيه بعد تناولها لها.
اقتربت من والدتها وتحدثت اليها بغضب:
– ايه كل السجاير دي.. انتي كده بتموتي نفسك بالبطيئ وبتموتيني معاكي!
رمقتها والدتها ببرود، اخرجت الدخان من فمها بالهواء وتحدثت بملل:
– جبتي اكل وانتي جايه؟
حدقت بوالدتها بصدمة، تعلم أن الحديث معها سيأتي بدون فائدة.
زفرت بقلة حيلة واتجهت الي البراد الصغير الموضوع بالغرفة، اخذت من داخله قطعه من الجبن مع رغيف من العيش ووضعتهما امام والدتها.
رمقتها والدتها بغضب والقت الطعام بوجهها وصدح صوتها بصراخ:
– طول اليوم برا البيت وراجعه تأكليني جبنه!!
اغمضت عيناها بتعب، لم تتحمل المزيد، لقد اكتفت اليوم.
فتحت عيناها ونظرت الي والدتها بدون رد فعل، فقط الدموع تنسال من عيناها بصمت.
انهارت في البكاء امام والدتها، ركضت من الغرفة الي الخارج.
وقفت تلتقط انفاسها بسطح العقار، والهواء البارد يتخبط بجسدها، تشعر بالبرودة الشديدة.
لم تعد تتحمل ما يحدث معها، قسوة والدتها وفراق حبيبها وحياتها التي اصبحت بائسه والفقر الذي اصبح رفيقها، وعملها الشاق طوال اليوم دون راحة، وفي المقابل عليها ان تصمت وتصبر وتواجه كل شئ بمفردها.
اغمضت عيناها وسمحت لدموعها ان تنسال كما يحلو لها، لا يمكنها فعل شئ اخر لكي تفرغ ما بداخلها من ألم.
تذكرت عندما كانت تبكي بضعف مثل هذه الحالة، كيف كان يخفف عنها رشيد، عادت بذاكرتها مرة أخرى الي الماضي، عندما اعترف لها رشيد بداخل المشفي عن مشاعره اتجاهها….
– انا مستحيل انساكي.. عشان انا بحبك.
نظرت اليه بصدمة عقب استماعها لكلماته، ابتعدت عنه قليلاً وهمست بزهول:
– بتحبني!!
أقترب منها وأومأ برأسه بالايجاب قائلاً بثقة:
– اه يا كارمن بحبك.
ارتجف جسدها بصدمة وهي تحدق به بزهول، لم يعطيها فرصة للتفكير؛ كيف ومتى احبها؟
توقف امامها وهو يتأملها بنظرات عاشقة واضاف:
– اول مرة شوفتك فيها اتخلق جوايا احساس جديد مكنتش عارف ده ايه! شعوري اتجاهك مختلف واول مرة اشعر بيه، انتي قدرتي تدخلي قلبي في الفترة القليله اللي عرفتك فيها، كل يوم كنت بتأكد ان مشاعري اتجاهك حب مش أي حاجة تانيه، انا بعترف بحبي ليكي دلوقتي وانا واثق ومتأكد من صدق مشاعري.
وقفت تستمع لكلماته بصدمة، شعورها بالحزن لفقدان عدي مع شعورها بالصدمة من حديثه الذي جاء بوقت لم تكن جاهزه للاستماع اليه، توقف عقلها عن التفكير، أرادت الابتعاد قليلاً لكي تستطيع استعاب ما يحدث معها.
هزت رأسها بصدمة واتجهت الي خارج الغرفة سريعًا دون رد على حديثه.
وقف بصدمة يتابع خروجها من الغرفة، شعر انه تسرع في اعترافه لها بمشاعره، تسلل الي داخله شعور بالندم بعد اعترافه لها بهذه الطريقه وفي ذالك الوقت.
ركضت الي غرفتها وهي في حالة من الصدمة، اغلقت باب الغرفه وجلست فوق الفراش، كلماته كانت تتردد على مسمعها، قلبها كان يخفق بقوة، دموعها تنسال دون توقف، كانت حزينه علي فقدان عدي، وقلبها ينبض بشعور جديد اتجاه رشيد، كانت في حالة سيئة ولا تشعر بشئ سوى ألم وخفقات مسرعه بقلبها ودموع تنسال على وجنتيها دون توقف.
ظلت على هذه الحالة حتى الصباح الباكر، دخلت الممرضه الغرفة واخبرتها ان والدتها قد عادت من السفر واخبرت إدارة المشفى ان يسمحوا لها بالخروج الان، واخبرتها ان والدتها تنتظرها الان بالسيارة خارج المشفى.
كانت في حاجة شديدة الي والدتها، ساعدتها الممرضه في وضع متعلقاتها وثيابها بداخل الحقيبه.
خرجت من الغرفة وهي حزينه وعيناها لامعه بالدموع، نظرت الي غرفته وارادت الذهاب اليه لكي تودعه قبل ان تذهب، لكنها خجلت من مواجهته بعد حديثه أمس.
تابعت سيرها وذهبت من المشفى، قلبها كان يخفق بقوة مع كل خطوة تخطوه وتبعدها عنه، كانت تلتفت خلفها وهي في حيرة؛ لا تريد الابتعاد عنه وترك هذا المكان الذي جمعهما ونشأ به حبهما.
كانت والدتها تجلس بداخل السيارة وتنظر الي هاتفها بملل، اقتربت من السيارة وقام السائق بمساعدتها واخذ الحقيبه من يدها ووضعها بالسيارة.
صعدت الي داخل السيارة بجوار والدتها بالخلف، كان استقبال والدتها لها باردًا كما اعتادت منها.
نظرت اليها والدتها نظره سريعه وتحدثت ببرود:
– عامله ايه دلوقتي؟ كويسه
كان سؤالها يضم الاجابه المنتظره التي تطالبها والدتها ان لا تقول غيرها، أومأت برأسها بحزن واجابة:
– اه كويسه.
أومأت والدتها برأسها بالايجاب وتحدثت الي السائق بلغة الامر:
– وصلنا البيت.
تحركت السيارة من امام المشفى، عادت والدتها بالنظر الي هاتفها دون ان تلاحظ الحزن والألم الذي تعاني منه ابنتها.
التفتت كارمن برأسها الي نافذة السيارة المجاورة لها ودموعها تنسال بصمت، تمنت في هذه اللحظة ان تذهب إلى رشيد وتخبره كم هي في الحاجة اليه ان يكون بحياتها وان لا يتركها ابدا….
فاقت من شرودها وجففت دموعها بأناملها، تشعر الان انها بحاجة اليه، هذا ما كانت تشعر به بالماضي، ولا يمكنها مواجهته الان بعد ما فعلته به، لقد فعل الكثير من اجلها ومن اجل سعادتها، وهي ماذا فعلت في المقابل! لقد تسببت في تدمير حياته، خسر عمله بالشرطة من اجلها، وكان على وشك ان يفقد حياته ايضًا.
انهارت في البكاء من جديد كلما تذكرت ما فعلته به، همست تردد بصوت باكي حزين:
– انا اسفه.
وصل رشيد بسيارته الي منزل عائلته، توقف بالسيارة امام المنزل، يشعر بألم شديد بقلبه.
رؤيته لها اليوم لم تكن في صالحه، لقد ايقظت الماضي بداخله من جديد، كان يعتقد انه استطاع تخطي الماضي وعلى استعداد لبدء حياته من جديد، اصبحت تلاحقه كلما فتح عيناه والماضي يلاحقه كلما اغمض عيناه.
استند برأسه علي مقود السيارة وعاد بذكرياته الي الماضي….
عندما عاد الي منزله بعد ذهابها من المشفى دون ان تخبره بشئ.
استيقظ في صباح ذاك اليوم وانتظرها كثيراً ان تأتي إلى غرفته بالمشفى كما اعتادت ان تفعل كل يوم، أخبرته الممرضه انها تركت المشفى وذهبت مع والدتها في الصباح الباكر.
خبر ذهابها من المشفى كان صادم له.
لم يستطيع البقاء في المشفى بعد ذهابها، قرر العودة إلى منزله، اتصل على صديقه خالد وطلب منه ان يأتي الي المشفى ويأخذه الي المنزل.
وصل المنزل واعتقد ان عودته ستكون مفاجأة لعائلته، لكن المفاجأة الكبرى كانت من نصيبه.
دلف المنزل وهو يستمع الي صوت مشاجرة بين عائلته، وقف يتطلع اليهم بصدمة، والدته كانت تجلس على احد المقاعد وتبكي وشقيقته تقف بجوار والدتها وتربت على ظهرها وتبكي هي الأخرى، على الجانب الاخر كان يقف والده بوجه متهكم وجده يجلس ويخفض وجهه بصدمة وحزن.
اقترب منهم بصدمه وتحدث بقلق:
– في ايه! ايه اللي بيحصل هنا؟
استمعت والدته لصوته، رفعت وجهها ونظرت اليه بعيناها الباكيه، وقفت سريعًا وركضت اليه وهي تبكي وتصرخ قائلة:
– رشيد.. شوفت باباك عمل فيا ايه.. معقول انا استحق ده منه بعد العمر ده كله!
فتح ذراعه واخذ والدته في عناق بحماية.
صدح صوت والده قائلاً بغضب:
– انا معملتش حاجة تغضب ربنا، انا اتجوزت على سنة الله ورسوله.. انتوا بتحسبوني علي ايه، انا راجل والشرع محللي اتجوز اتنين وتلاته واربعه!
حدق رشيد بوالده بصدمة، خجل والده قليلاً من نظراته ونظرات ابنته التي لم تتوقف عن البكاء.
وقف الجد “نور الدين الجبالي” وتحدث الي ابنه بصرامه:
– بس انت مش ناقصك حاجة يا “وجيه” عشان تتجوز على مراتك اتنين وتلاته واربعه.. وبعدين مين دي اللي انت اتجوزتها، وازاي واحدة محترمة تقبل انها تتجوز راجل متجوز وعنده عيال علي وش جواز.. انت ازاي مفكرتش في عيالك وانت بتعمل المصيبه دي!
تحدثت والدة رشيد ببكاء وهي تقف بجوار ابنها:
– كان فاكر اننا مش هنعرف، اتجوز وسافر يقضي شهر عسل ومفهمنا انه كان مسافر في شغل!
لم يصدق رشيد ما يسمعه، كان ينظر إلى والده بصدمة.
جلس الجد مرة اخري وخفض وجهه يفكر قليلاً، رفع وجهه ونظر الي حفيدته وتحدث اليها بأمر:
– خدي مامتك يا رهف واطلعوا انتوا على فوق.
صدح صوت والدة رشيد بصراخ:
– انا مش هطلع على مكان قبل ما يطلقني!
نظر اليها زوجها بصدمة، تحدث اليها والد زوجها بتأكيد:
– التانيه اللي هتطلق مش انتي يا ماجدة.. انتي مراته وام عياله، انما التانيه مش اكتر من نزوه وهو لازم يفوق لنفسه ويصلح غلطته.
ارتفع صوت الجد مرة اخره بصرامه:
– يلا يا رهف.. خدي والدتك واطلعوا على فوق.
اقتربت رهف من والدتها واخذتها وصعدت معها الي الطابق العلوي من المنزل.
وقف رشيد وهو يحاول استيعاب ما يحدث.
انتظر الجد “نور الدين الجبالي” حتى صعدت حفيدته ووالدتها إلى الأعلى ثم تحدث الي ابنه بصرامة:
– انت اتجننت! انت ازاي تتجوز على مراتك بعد العمر ده كله بينكم؟!
خفض وجيه والد رشيد وجهه وتحدث بتلعثم:
– يا بابا انا راجل ومن حقي….
قاطعه والده بصرامة:
– انت مش من حقك اي حاجة.. ولادك دول هما اللي من حقهم انهم يرفعوا راسهم وسط الناس.. تقدر تقولي مين اللي انت اتجوزتها دي؟!
نظر رشيد الي والده بترقب، تحدث وجيه بتوتر:
– ست حبتها واتجوزتها.. فين المشكله؟
وضع الجد ملف به معلومات عن الزوجة الجديدة امام اعين والد رشيد وتحدث بصرامة:
– الملف ده فيه المشكله كلها، الملف ده فيه كل المعلومات عن النصابه اللي انت اتجوزتها. انت عارف الهانم اتجوزت قبلك كام مرة.. طب عارف كام واحد اتجوزته واستولت على فلوسه كلها وسابته، ازاي تحط اسمك وسمعتك بين ايدين واحده زي دي!
رواية كارمن الفصل الخامس 5 - بقلم ملك ابراهيم
الملف ده فيه المشكله كلها، الملف ده فيه كل المعلومات عن النصابه اللي انت اتجوزتها.
انت عارف الهانم اتجوزت قبلك كام مرة؟
طب عارف كام واحد اتجوزته واستولت على فلوسه كلها وسابته؟
ازاي تحط اسمك وسمعتك بين ايدين واحده زي دي!
اقترب وجيه من والده واخذ الملف وفتحه، بدأ يقرأ المعلومات عن زوجته الثانية وكم رجل تزوجته واسماءهم وجميعًا رجال أعمال واستولت على اموالهم حقًا.
نظر الي والده وتحدث بتوتر:
– انا مكنتش اعرف المعلومات دي عنها!
تحدث اللواء نور الدين الجبالي بصرامة:
– لازم تطلقها ومن غير شوشره والاهم ان مفيش مخلوق يعرف ان الجوازة دي حصلت.. متنساش ان شغل ابنك حساس وبنتك على وش جواز واي حاجة زي دي هتسوء سمعة العيلة!
كان رشيد يقف ويتابع الحديث بصدمة، لا يصدق ان والده يفعل ذالك بهم.
تحدث الجد الي رشيد بتأكيد:
– بكره الصبح هنروحلها انا ورشيد ولازم ننهي الموضوع ده معاها بهدوء.
توتر وجيه كثيرًا واردف بقلق:
– وانا هاجي معاكم؟
رفض والده بأصرار:
– لاء.. انت مش مطلوب منك غير تطلقها بس، والباقي انا هحله.
ثم نظر الي رشيد واضاف:
– وانت يا رشيد.. جهز نفسك عشان هتيجي معايا نقابل الست دي بكره.
أومأ رشيد برأسه بالإيجاب وهو ينظر الي والده بلوم على ما فعله بحقهم، خفض وجيه رأسه بحزن بعد رؤيته لتلك النظرة بعين ابنه، استأذن رشيد من جده ثم صعد الي والدته بالطابق العلوي لكي يطمئن عليها.
رمق اللواء نور الدين ابنه بغضب وتركه وذهب هو الاخر.
*******
صباح اليوم التالي.
جلست كارمن بداخل غرفتها، لم تغفى عيناها طوال الليل؛ تفكر في رشيد وحديثه معها بالمشفى، تشعر بالندم بعد ان تركت المشفى قبل ان تخبره انها تبادله نفس المشاعر، سيظن الان انها رافضه لحبه، وقفت من فوق الفراش وقررت الذهاب إلى المشفى لكي تتحدث معه وتخبره بمشاعرها اتجاهه.
ارتدت ثوبها وخرجت من المنزل قبل ان تستيقظ والدتها، تعلم ان والدتها لن تستيقظ بهذا الوقت الباكر في الصباح.
اشارات الي سيارة اجري وصعدت بداخلها في طريقها الي المشفى.
بعد قليل..
وصل رشيد بسيارته امام منزل زوجة والده الثانية، ترجل من السياره مع جده.
نظر الي المنزل بغضب قائلاً:
– ده العنوان اللي في الملف.
نظر اليه جده وتحدث بتأكيد:
– حاول تمسك اعصابك يا رشيد.. احنا عايزين ننهي الموضوع من غير مشاكل.
ضغط على شفتيه بغضب، ثم أومأ برأسه وتحدث بغضب مكتوم:
– هحاول يا جدي.. خلينا نطلع نتكلم معها ونشوف الموضوع هينتهي على ايه!
ربت جده على ظهره وذهب معه إلى المنزل، ضغط رشيد على زر الجرس وانتظر..
كانت والدة كارمن نائمة براحة فوق فراشها، صوت الجرس المزعج لم يتوقف عن ازعاجها، استيقظت بصعوبه، تلعن في سرها ذاك المتطفل الذي جاء في هذا الوقت الباكر، قامت من فوق الفراش واخذت الروب الحريري وارتدته فوق ثوب نومها العاري، خرجت من غرفتها بغضب وهي تتوعد بداخلها لمن جاء اليها في هذا الوقت الباكر وايقظها من نومها، فتحت الباب بعصبيه ورمقت الطارق بغضب.
خفض رشيد وجهه وغض بصره سريعاً عند رؤيته لها بثوب النوم، تطلعت إليهما بغضب وتحدثت بنبرة فظه:
– خير؟ مين حضراتكم؟
خفض الجد وجهه وتحدث اليها بغضب مكتوم:
– انا اللوا نور الدين الجبالي.. والد وجيه الجبالي اللي انتي اتجوزتيه.
ثم اشار الي رشيد واضاف:
– وده النقيب رشيد.. ابن وجيه الكبير.
رسمت ابتسامة مزيفه على وجهها ورحبت بهما بنبرة باردة:
– اهلا.. اتفضلوا.
تحدث الجد قبل ان يتقدم الي الداخل:
– اتفضلي انتي الاول ادخلي غيري هدومك عشان نعرف نتكلم.
نظرت الي ثوبها ثم عادت ببصرها تنظر اليهما باستخفاف وتحدثت ببرود:
– ماله لبسي! عموما مفيش مشكله.. هدخل اغير لو مضايقكم! واتفضلوا ادخلوا لما اغير لبسي وارجعلكم.
تركتهم علي الباب يقفون واتجهت الي غرفتها غير مباليه بشئ، زفر رشيد بغضب وتحدث الي جده بصدمة:
– معقول بابا اتجوز الست دي!
ربت الجد على ظهره واجابه بقلة حيلة:
– شكلها ست مش سهلة وشكل الاتفاق معاها هيكون اصعب ما كنت اتخيل.
أومأ رشيد برأسه بالايجاب وتقدم مع جده إلى داخل المنزل وهو يرمق كل زاوية بالمنزل بنظرات غاضبه، جلس جده وطلب منه الجلوس بجواره في انتظارها.
دخلت والدة كارمن “سهير سالم” الي داخل غرفتها وحاولت الاتصال على زوجها “وجيه” لكي تخبره ان والده وابنه بمنزلها الان.
لم يجيب وجيه على اتصالاتها المتكرره، نظرت الي الهاتف بتفكير ثم ابتسمت ساخرة بعد ان استرسل لها عقلها سبب عدم رد وجيه عليها ومجيئ والده وابنه في هذا الوقت الباكر!
ابتسمت بمكر وهي ترتب افكارها، ثم اتجهت الي خزانة الملابس لكي تأخذ ثوب اخر ترتديه.
انتظرها رشيد وجده بالخارج اكثر من نصف ساعه.
كانت تقف امام المرآه تضع مساحيق التجميل فوق وجهها بتمهل وهي ترتب افكارها غير مباليه بانتظارهما لها كل هذا الوقت.
زفر رشيد بغضب وهو يجلس بجوار جده في انتظارها، ثم وقف بعصبيه قائلاً:
– اللي الست دي بتعمله قلة ذوق.. احنا بقالنا اكتر من نص ساعه مستنينها!
امسك جده يديه وتحدث اليه بهدوء:
– اهدا يا رشيد.. احنا لازم ننهي الموضوع ده النهارده وبهدوء.
جلس رشيد بجوار جده مرة أخرى وتحدث بنبرة غاضبه:
– انا مش قادر أصدق ان بابا يتجوز ست زي دي!
خفض جده رأسه بقلة حيلة وربت على يديه بصمت.
خرجت سهير من غرفتها واقتربت منهما وهي ترسم ابتسامة باردة فوق محياها وتحدثت بتعالي:
– تحبوا تشربوا حاجة؟
ثم جلست بسترخاء فوق مقعدها قبل ان تستمع الي ردهم، وضعت قدم فوق الأخرى بطريقه وقحة متكبرة وهي ترمقهم بنظرات باردة.
زفر رشيد بغضب وهو يتطلع اليها بنظرات غاضبه، انتفض من مكانه واقفًا لكي يذهب، تستفزه كثيرا ببرودها ووقحتها، نظر اليه جده وتحدث اليه بهدوء:
– اقعد يا رشيد وخلينا نتكلم ونمشي على طول.
نظر الي جده ثم جلس وهو يرمقها بنظرات غاضبه، حركت قدميها بتعالي وتحدثت بملل:
– ياريت نتكلم على طول لاني لسه مكملتش نومي.
غضب رشيد بشدة من اسلوبها الوقح معهما، وضع الجد يديه فوق كتف حفيده لكي يهدأه قليلاً، ثم تحدث معها بصرامة:
– احنا مش هنقول كلام كتير لانك اكيد عارفه احنا جاين ليه النهارده.. من الاخر كده تاخدي كام وتطلقي بهدوء ومن غير شوشره؟
ابتسمت بسخريه ولم تتفاجئ حقًا من حديثه، تطلعت اليهما ببرود واجابت عليه بثقة:
– ومين قال اني عايزة اتطلق!
لم يتحمل رشيد برودها ووقاحتها معهما، تحدث اليها بنبرة غاضبه قاسية:
– ميهمناش انتي عايزة ايه.. اللي يهمنا ان اسم عيلتنا متشلوش واحدة زيك!
رمقته بغضب وارتفعت حدة صوتها:
– واحدة زيي يعني ايه! هو باباك قالكم عني ايه بالظبط! انت متعرفش انه عمل المستحيل عشان اوافق اتجوزه!
خرج الجد عن صمته وتحدث اليها بصرامة:
– لو كان عرف تاريخك وعدد الرجالة اللي اتجوزتيهم واستوليتي على فلوسهم، اكيد مكنش اتجوزك وشيلك اسم عيلة متحلميش انك تكوني واحدة منهم!
توترت كثيرا بعد مواجهته لها بعدد زيجاتها وعلمه انها تستولى على أموالهم قبل ان يتم الطلاق، جف حلقها من شدة التوتر، حاولت الاسترخاء قليلاً واظهار قوتها، بللت لعابها وتحدثت اليه وهي تحاول رسم البرود على ملامحها:
– والمطلوب ايه دلوقتي؟
اجابها رشيد بنبرة حادة:
– تطلقي ونخلص بالمعروف.
ضحكت بطريقه خليعه وتحدثت اليه بسخريه:
– وماله.. انا معنديش مانع، بس اخد المؤخر بتاعي الاول.
نظر اليها الجد بغموض، تحدث رشيد بنفاذ صبر:
– هو المؤخر كام يعني؟!
استرخت في جلستها واجابته ببرود:
– مليون جنيه.
حدق بها رشيد بصدمة، خفض الجد وجهه ارضًا؛ هذا ما توقعه عندما طالبت بأخذ المؤخر، نظر رشيد الي جده بزهول، عقله رافض استيعاب ان والده قد وقع على هذا المبلغ الكبير گـ مؤخر لأمرأة مثلها، نظر اليه جده بقلة حيلة، ثم نظر اليها وتحدث بغضب مكتوم:
– اتفقنا.. الطلاق يتم النهاردة وانا هديكي المليون جنيه، بس بشرط..
نظرت اليه بلا مبالاة، اضاف بقوة وتأكيد :
– مفيش مخلوق يعرف بالجوازة دي، وابني تنسيه خالص ومتفكريش تظهري في حياته مرة تانيه.
ابتسمت ساخرة من الحديث وتحدثت ببرود:
– اعتبرني نسيته من دلوقتي، وياريت ولا انتم ولا هو تظهروا في حياتي مرة تانيه.
لقد نفذ صبر رشيد، انتفض واقفًا بغضب، وقف جده سريعًا بجواره وامسك بيديه لكي لا يفقد اعصابه، تحدث اليها الجد بصرامة:
– النهاردة بالليل هنتقابل عند المحامي وهيتم الطلاق وهتاخدي الفلوس اللي طلبتيها.
أومأت برأسها ببرود، رمقها رشيد بغضب، لم يعد يتحمل المكوث بهذا المنزل اكثر من ذالك، اخذ جده وخرج من المنزل، زفر بغضب وهو يتجه الي سيارته، وقف امام السيارة وانفجر غضبه وتحدث بأنفعال:
– انا مش مصدق ازاي بابا يعمل عمله زي دي ويتجوز واحده زي دي! عقله كان فين وهو بيوقع علي ورق جوازه منها!
تحدث جده بقلة حيلة:
– خلاص يا رشيد اهدى، باباك غلط ولازم ندفع تمن غلطته.
زفر رشيد بغضب والقى نظره اخيره على منزلها قبل ان يذهب بسيارته، أراد لو استطاع حرق هذا المنزل وهي بداخله، كم ابتغض غرورها وبرودها ووقاحتها، استقل السيارة وجده بجواره، انطلق بسيارته في طريقهما الي المنزل…
ذكريات كثيرة جمعتهما، تخبط في مشاعره بين الحب والكراهيه.
مشاعره الصادقة بالحب اتجاهها، مقابل مشاعر الكراهية اتجاه والدتها.
لم يشعر كام من الوقت مضى وهو كان شاردًا في الماضي، مازال بداخل سيارته امام منزل عائلته.
اقترب جده من السيارة وتحدث اليه بقلق:
– رشيد… انت كويس؟!
التقط انفاسه ثم ترجل من السيارة واقترب من جده وأجاب عليه بأرهاق:
– انا كويس يا جدي متقلقش.
تأمله جده بترقب وتحدث معه بفضول:
– انت قاعد جوه عربيتك بقالك اكتر من ساعة، شكلك كنت بتفكر في حاجة مهمة؟!
نظر الي جده وتعمق بالنظر اليه قليلاً ثم التقط نفسً عميق واجاب:
– انا شوفت كارمن النهاردة.
حدق به جده بصدمة، خفض رشيد وجهه بحزن واضاف:
– من وقت ما شوفتها وانا متلخبط.
تأمله جده بحزن، رفع وجهه ينظر إلى جده مرة أخرى واضاف بغضب:
– ليه قلبي دق لما شوفتها! ليه خوفت عليها لما ايديها اتجرحت؟!
اشتد غضبه اكثر واضاف بصوت مرتفع:
– معقول لسه بتقصر فيا! معقول انا مقدرتش انساها بعد كل اللي عملته فيا!
ربت جده على ظهره وتحدث اليه بهدوء:
– اهدى يا رشيد.. هي برضه كانت في يوم من الايام مراتك.. يعني مش معقول هتنساها بالسهوله دي!
صدح صوته الغاضب مرتفعًا:
– لا انا لازم انساها.. لازم امحيها من ذاكرتي.. مش عايز افتكرها ابدا.. مش عايز افتكر اي لحظة عشتها معاها.
عانقه جده بقوة لكي يهدأ قليلاً، شعر وكأن بداخله بركان من نار، همس اليه جده بندم:
– يارتني ما كنت طلبت منك ترجع هنا تاني، ياريتك فضلت مسافر وبعيد عنها.
ابتعد عن جده وتحدث بصراخ:
– انا مقدرتش انساها لحظة واحدة وانا بعيد عنها، انا كنت بخدع نفسي وبقول نسيت، وهي جت وبكل سهولة فكرتني بكل الوجع اللي عشته بسببها.
ربت جده على كتفه بحزن وتحدث اليه بقوة:
– انساها يا رشيد.. متسمحلهاش تدمر حياتك زي ما عملت زمان.. البنت دي زي مامتها ومستحيل هتتغير.
اشتعلت عيناه بالغضب، لم يشعر احد بالنيران المشتعله بداخله وقلبه الذي يتألم من خيانتها، نظر امامه الي الفراغ وهمس بداخله باصرار:
– مش قبل ما اعرف هي عملت فيا كده ليه! ووقتها انا مش بس هنساها.. انا هدمر حياتها زي ما دمرت حياتي.. انا لازم انتقم منها وادفعها التمن غالي اوي.
********
صباح اليوم التالي.
ذهبت كارمن الي عملها، تعمل في الصباح مدرسة بروضة خاصة للاطفال، وفي المساء تعمل نادلة بأحد المطاعم الشهيرة.
تقضي يومها بالعمل لكي توفر النقود لدفع إيجار السكن وتوفير احتياجات والدتها التي لم تتنازل عن طلباتها الكثيره رغم افتقادهما للنقود بعد ان خسرت والدتها كل ما تملك.
انتهت من عملها بالروضة وذهبت الي احد المطاعم واشترت الطعام الجاهز واخذته الي والدتها حتى لا تغضب منها كما فعلت ليلة أمس.
عادت الي المنزل لكي تعطي والدتها الطعام وتستعد للذهاب إلى عملها الثاني بالمطعم.
اخذت منها والدتها الطعام ببرود وظلت تنتقد الطعام وكل ما تفعله كارمن من أجلها.
ارتدت كارمن ثيابها وهي تستمع الي كلمات والدتها القاسيه بصمت، خرجت من المنزل وذهبت الي عملها مع صديقتها مودة، لم تتوقف مودة عن الحديث طوال الطريق حتى اوقفت كارمن وتحدثت اليها بفضول:
– انتي برضه مش هتقوليلي كان مالك امبارح؟
نظرت اليها كارمن بأرهاق واجابتها:
– مفيش حاجة يا مودة انا تعبانه بس شويه.
تنهدت بتعب ثم تابعت سيرها، توقفت مودة امامها وتحدثت مرة أخرى بفضول:
– نفسي اعرف في ايه انتي مخبياه عليا؟
نظرت اليها بتوتر واجابتها بارتباك:
– مفيش حاجة.. انا كويسه.
تأملتها مودة بترقب، تشعر ان كارمن تخفي عنها شئً بماضيها، كل شئ تفعله كارمن يدل على انها تهرب من شئٍ ما، لقد اتت مع والدتها منذ اربعة اعوام للسكن بالحي الذي تسكن به مودة، لم تتحدث عن ماضيها من قبل، دائماً تفضل الصمت.
لم تستسلم كارمن الي فضول مودة واجابتها بنبرة حادة بعض الشئ:
– ياريت بلاش تسأليني تاني يا مودة.. لو في حاجة من حقك تعرفيها انا هاجي لوحدي احكيهالك!
حدقت بها مودة بصدمة. لقد ازداد فضولها جوعً، شعرت ان هناك قصة طويلة خلف صمت كارمن وهروبها المستمر من الاجابة على اسئلتها.
تركتها كارمن وسارت في طريقها الي عملها، كانت تسير بخطوات مسرعه، هاربه من ذكرياتها التي تركض خلفها بعد ان رأت رشيد امس واحيا بداخلها ألاَم الماضي من جديد.. لا يعلم كم تشتاق اليه وتحتاج اليه كثيرًا، عادت بذاكرتها الي اليوم الذي ذهبت فيه الي المشفى بعد ان خرجت من منزلها في الصباح الباكر حتى تذهب اليه وتخبره انها تبادله نفس المشاعر…
ذهبت إلى المشفى لكي تتحدث معه وتعترف له بمشاعرها المتبادلة اتجاهه.
اقتربت من باب الغرفة وطرقت بهدوء، تفاجأة بصوت لشخص اخر يدعوها للدخول، دخلت ونظرت الي الرجل المسن الذي يتمدد فوق الفراش، عادت ببصرها تتأكد من رقم الغرفة، استوقفتها الممرضه التي كانت بالغرفه واقتربت منها تتحدث بابتسامة :
– كارمن.. اهلا وسهلا.. اخبارك ايه دلوقتي؟
نظرت اليها كارمن بارتباك وأومأت برأسها بهدوء واجابت بتوتر:
– الحمدلله.. انا كنت عايزة رشيد.. هو اتنقل من الغرفة دي؟!
ابتسمت الممرضة واجابت عليها بهدوء:
حدقت بها بصدمة، خفق قلبها بقوة وهمست بزهول “خرج!!”
استرسل لها عقلها الكثير من الأسئلة؛ لماذا ذهب؟ كيف يذهب قبل ان يستمع الي ردها عليه! هل تراجع عن حديثه معها؟ هل خسرته بعد ان تركت المشفى قبل ان تخبره انها تبادله نفس المشاعر! ماذا تفعل الان؟ اين ستجده وكيف ستخبره انها تبادله مشاعر الحب، كيف تخبره انها بحاجة اليه ان يكون بجانبها ولم يتركها وحدها.
شعرت بالاحباط وخفضت رأسها ارضًا وسارت وهي تلوم نفسها وتشعر بالندم، كم تمنت لو يعود بها الزمن وتعترف له بمشاعرها كما فعل.
ذهبت من المشفى وهي حزينه، تفكر كيف يمكنها ان تراه مجددًا وهي لا تعلم عنه شئ سوى اسمه فقط.
عادت الي المنزل وتفاجأت ان والدتها مستيقظه باكرًا، كانت والدتها في اشد حالات الغضب، اقتربت منها كارمن وتحدثت اليها بقلق:
– ماما في ايه؟
زفرت والدتها وصدح صوتها الغاضب مرتفع:
– مفيش حاجة.. ابعدي عن وشي دلوقتي انا مش طايقه حد.
ابتعدت كارمن عن والدتها وجسدها يرتجف بشدة، اخذت والدتها الهاتف وتحدثت الي احدى صديقاتها واخبرتها ان زوجها الجديد ارسل والده وابنه واتفقوا معها على الطلاق.
رواية كارمن الفصل السادس 6 - بقلم ملك ابراهيم
ابتعدت كارمن عن والدتها وجسدها يرتجف بشدة.
أخذت والدتها الهاتف وتحدثت إلى إحدى صديقاتها وأخبرتها أن زوجها الجديد أرسل والده وابنه واتفقوا معها على الطلاق مقابل إعطائها مبلغ مليون جنيه.
سمعت كارمن حديث والدتها بحزن. لقد سئمت من أفعال والدتها. تعلم أنها تتزوج كثيرًا ويتم الطلاق مقابل المال.
تنهدت بتعب وذهبت إلى غرفتها.
في المساء، دخلت والدة كارمن إلى غرفة ابنتها وأخبرتها أنها ستذهب إلى المحامي.
أومأت كارمن برأسها بالإيجاب. وهي تعلم أن والدتها ذاهبة لكي تنهي إجراءات الطلاق. لم تهتم كارمن كثيرًا بالأمر. لقد اعتادت على أفعال والدتها.
ذهبت والدة كارمن إلى مكتب محامي عائلة زوجها. كان رشيد ووالده وجده في انتظارها. تم الطلاق مقابل المبلغ المالي (مليون جنيه). تنازلت والدة كارمن عن كل حقوقها مقابل النقود.
كان الجد يضع النقود بداخل حقيبة وقام بتسليمها إلى طليقة ابنه بعد انتهاء كل شيء.
أخذت والدة كارمن الحقيبة بسعادة وتركتهم وذهبت إلى منزلها.
نظر الجد إلى حفيده وأومأ برأسه. كانت هذه هي الإشارة لكي يتحرك رشيد ويفعل ما اتفق عليه مع جده. ابتسم رشيد بثقة وذهب.
كانت كارمن بداخل غرفتها، تفكر في رشيد. لا تعلم أين ذهب ولا تعلم أين تجده الآن. تتمنى بداخلها أن يبحث هو عنها ويجدها ويأتي إليها.
عادت والدة كارمن إلى المنزل واتجهت إلى غرفتها وأغلقت الباب عليها. وقامت بفتح الحقيبة فوق الفراش ووضعت النقود أمام عينيها وابتسمت بسعادة وانتصار.
وصل رشيد ومعه قوة من رجال الشرطة إلى منزل سهير سالم طليقة والده، بعد أن قدم جده اللواء نور الدين الجبالي بلاغًا يتهمها فيه بسرقة مبلغ مالي كبير وحدد مواصفات الحقيبة والنقود التي أخذتها منهم.
رتب اللواء نور الدين للقبض عليها ومعاقبتها على وقاحتها معهم وجرأتها على الزواج من ابنه. ويكون هذا درسًا قاسيًا لها لكي تعلم حدودها مع هذه العائلة ولم تتجرأ على فعل شيء بعد الطلاق.
تولى رشيد قيادة مهمة القبض عليها من داخل منزلها بكل ترحاب، حتى يثأر منها بعد وقاحتها معه هو وجده.
وقف رشيد أمام المنزل وطرق بقوة. وقف خلفه مجموعة من رجال الشرطة ينتظرون إشارته بالقبض على المتهمة.
خرجت كارمن من غرفتها بقلق عقب استماعها إلى صوت طرق عالٍ على باب المنزل بطريقة حادة وقوية. اتجهت مسرعة إلى الباب وفتحت الباب بقلق.
شهقت بصدمة عندما رأته يقف أمامها. ابتسمت تلقائيًا وهمست اسمه بسعادة:
– رشيد!
حدق بها بصدمة. توقف عقله عن الاستيعاب، رافضًا تصديق سبب وجودها بهذا المنزل. تمنى لو ما يفكر به الآن غير صحيح.
ابتسمت بسعادة وتحدثت إليه بشغف:
– أنا كنت بفكر فيك دلوقتي.. أنا مش مصدقة إنك جيت عشاني.. أنا رحت المستشفى أسأل عليك وقالولي إنك خرجت!
هز رأسه بالرفض وتحدث إليها بصدمة:
– انتي بتعملي إيه هنا؟
عقدت ما بين حاجبيها بدهشة ثم ابتسمت بشغف وأجابت عليه:
– انت عرفت عنوان بيتي إزاي؟
أغمض عينيه بصدمة عقب استماعه لتأكيدها أن هذا المنزل لها وبالطبع لوالدتها! تلك المرأة التي جاء الآن ومعه قوة من رجال الشرطة للقبض عليها.
استغربت صمته واعتقدت أنه جاء من أجلها ومن أجل أن يستمع إلى ردها على اعترافه بمشاعره تجاهها. لم تنتبه لوجود مجموعة من رجال الشرطة يقفون خلفه ينتظرون إشارته. فقط عيناها تراه هو فقط.
ابتسمت بسعادة وتحدثت إليه بخجل:
– على فكرة أنا رحت المستشفى أسأل عليك عشان في عندي اعتراف مهم كان لازم أعترف لك بيه زي ما أنت اعترفت لي..
تأملها بصدمة. صدح صوت أحد الضباط وسأله بفضول:
– نقتحم البيت يا فندم؟
التفت ينظر إليه بصدمة. توقف عقله عن التفكير، لم يستطع الإجابة على السؤال. عاد ببصره إليها. كانت تنظر إليه بصدمة وذهول عقب استماعها إلى صوت شخص آخر لم تنتبه أنه يقف قريبًا منهما.
خرجت والدتها من الغرفة. صدح صوت والدتها تسأل بفضول:
– مين عندك يا كارمن؟
توترت كثيرًا ثم أجابت على والدتها بارتباك:
– مفيش حد يا ماما.
ثم انخفضت نبرة صوتها وتحدثت إليه بهمس:
– انت لازم تمشي دلوقتي.. مينفعش ماما تشوفك هنا.
وقف في حيرة من أمره. لقد جاء إلى هنا لكي يعتقل طليقة والده بتهمة السرقة لكي يسترد الأموال التي أخذتها منهم مقابل الطلاق من والده. كيف سيلقي القبض عليها بعد أن اكتشف أنها والدة الفتاة التي أحبها!
اقتربت والدة كارمن من باب المنزل واستغربت من وجود رشيد ابن طليقها. اندفعت إلى الباب وتحدثت إليه بحدة:
– انت إيه اللي جابك هنا! إحنا مش خلاص فضيناها وبابا طلقني وخلصنا!
حدقت به كارمن بصدمة. نظر إلى والدة كارمن بغضب ثم تحدث إليها بنبرة حادة:
– أنا كنت جاي عشان أديكي درس عمرك، يمكن ترجعي عن طريق النصب على الرجالة اللي انتي ماشية فيه!
شهقت كارمن بصدمة بعد استماعها لحديثه مع والدتها، ثم نظرت إلى والدتها وهي تحاول استيعاب ما قاله رشيد.
هدأت نبرة صوته قليلاً وهو يتطلع إلى كارمن وأضاف:
– بس للأسف مش هقدر أعمل كده دلوقتي.
رمقته والدة كارمن بدهشة. تابعت نظراته إلى ابنتها بترقب.
انسالت دموع كارمن وهي تتطلع إلى والدتها وتحدثت إليها ببكاء:
– الكلام اللي رشيد بيقوله ده صح يا ماما! انتي فعلاً بتنصبي على الرجالة؟
رمقتها والدتها بغضب وأجابت عليها بحدة:
– أنا مبنصبش على حد! أنا بتجوز على سنة الله ورسوله.. ولما بيحصل الطلاق بأخد حقي منهم!
أغمضت كارمن عيناها بصدمة وهي تبكي بانهيار. ما قالته والدتها كان عارًا لها أمام حبيبها. نظرت إليه وتحدثت إليه بصوتها الباكي وشهقاتها المتقطعة:
– أنا آسفة.. آسفة على كل حاجة ماما عملتها.. بس ارجوك بلاش تسجنها.. أنا مليش غيرها في الدنيا.. أنا لوحدي وهي معايا.. مش عارفة لو بعدت عني هقدر أعيش إزاي من غيرها.
لم يتحمل رشيد رؤيتها تبكي بهذه الحالة. يعلم أنها لا تشبه والدتها. بكاؤها قطع نياط قلبه. أومأ لها بالإيجاب والتفت ينظر إلى رجال الشرطة وتحدث إليهم بقوة:
– ارجعوا انتوا على العربيات وأنا جاي وراكم.
ذهبوا من خلفه ووقف هو بمفرده. اقترب منها خطوتين ورفع يديه إلى وجهها وجفف دموعها بأنامله. تابعت والدتها ما يفعله رشيد مع ابنتها بستغراب. لا تعلم متى تعرفت ابنتها عليه وما هي العلاقة التي تربطهما!
ارتجف جسد كارمن وابتعدت عنه قليلاً وهي تخفض وجهها أرضًا.
ابتسمت والدتها بمكر وتحدثت إليه ببرود:
– خير يا حضرة الظابط! لسه ليك حاجة عندنا؟
رمقها بغضب ثم عاد ببصره إلى كارمن وأجاب بثقة:
– طبعًا ليا..
رفعت كارمن عيناها ونظرت إليه بقلق. ابتسم إليها بحنان ثم رمق والدتها بغضب واضاف مؤكدًا:
– واللي ليا هنا هاخده.
رمقته والدة كارمن بغضب. شعرت أن حديثه المقصود بابنتها. أومأ برأسه بثقة ثم ذهب من أمامهما. بكت كارمن أكثر وهي تتابع ابتعاده عنها. اعتقدت أنه يقصد النقود بحديثه ولم تنتبه أنه يقصدها هي.
تابعت والدتها بكاءها بترقب ثم اقتربت من باب المنزل وأغلقت بحده. وقفت كارمن تبكي وهي تنظر إلى باب المنزل وتتمنى عودة رشيد إليها. وقفت والدتها أمامها وتحدثت إليها بحدة:
– انتي تعرفي رشيد من امتى وازاي؟
نظرت إلى والدتها بحزن وارتفعت شهقاتها وهي ترى والدتها تتسبب لها في كل حزن وألم تشعر به.
اشتدت حدة صوت والدتها وأعادت سؤالها:
– ردي يا كارمن.. انتي تعرفيه من امتى وازاي عرفتيه؟!
انتفض جسد كارمن من صراخ والدتها وأجابت عليها بصوت متقطع من شدة البكاء:
– عرفته في المستشفى.. هو الظابط اللي أنقذنا لما الباص اتخطف.
عقدت والدتها ما بين حاجبيها بدهشة وهمست بداخلها “معقول قدر يتعلق بيها في الفترة البسيطة دي!”
فكرت قليلاً ثم ابتسمت بثقة وتحدثت إلى ابنتها بثقة:
– براڤو عليكي يا كارمن.. اهو انتي كده اثبتي إنك بنتي صحيح.
نظرت كارمن إلى والدتها بدهشة. ربتت والدتها على ظهرها وأضافت ببرود:
– بس أنا عايزاكي من اللحظة دي تنسي رشيد ده خالص.
حدقت بوالدتها بصدمة. أومأت والدتها برأسها بالإيجاب. وأضافت:
– إحنا مش هينفع ندخل عيلتهم تاني بعد ما أنا اطلقت من باباه النهاردة.
أغمضت كارمن عيناها وهي تبكي بحزن. أضافت والدتها بنبرة حماسية صدمت كارمن:
– بس متقلقيش أنا هشوفلك واحد تاني تقدري توقعيه ونطلع منه بمبلغ كويس.
حدقت بوالدتها بصدمة. تراجعت إلى الخلف بذهول وأردفت قائلة:
– إيه اللي بتقوليه ده يا ماما! انتي سامعة بتقوليلي إيه؟!
رمقتها والدتها ببرود وأجابت عليها بصرامة:
– انتي مش هتعملي حاجة عيب ولا حرام.. ده جواز شرعي وبعد فترة تطلقي وتطلعي من الجوازة بمبلغ كويس.
انهارت كارمن في البكاء وابتعدت عن والدتها وهي تترنح بذهول. صرخت وعقلها لا يستوعب حديث والدتها:
– أنا مش مصدقة اللي بسمعه ده! إزاي تطلبي مني حاجة زي كده.. انتي عايزة تدمر حياتي أكتر ما دمرتيها!
اقتربت منها والدتها وامسكتها من ذراعيها بقوة وتحدثت إليها بقوة وغضب:
– مين اللي دمرت حياتك! فوقي.. بصي حواليكي، شوفي المستوى اللي انتي عايشة فيه.. كنتي عايزة تعيشي في المستوى ده إزاي ومنين وباباكي مات واحنا علينا ديون.. أنا ضيعت عمري عليكي.. دخلتك أحسن مدارس ولبستك من أغلى الماركات.. ضيعت عمري وأنا بفكر فيكي وفي مستقبلك.
انهارت أكثر بين يدي والدتها. هزتها والدتها بقوة بين يديها وأضافت بقوة:
– بعد كل اللي عملته ده عشانك وجاية تقوليلي إني دمرت حياتك!
ابتعدت عن والدتها وصرخت بانهيار:
– انتي معملتيش حاجة عشاني.. كل اللي عملتيه عشانك انتي.. انتي اللي عايزة تعيشي في المستوى ده مش أنا! أنا عمري ما طلبت منك أدخل أحسن المدارس ولا البس أغلى الماركات، أنا مكنتش محتاجة منك غير اهتمامك بيا وإنك تكوني جنبي.. انتي وفرتيلي كل حاجة بس حرمتيني منك انتي.
تابعت والدتها انهيارها بصدمة. جلست كارمن على الأرض بضعف وأضافت بحزن:
– ودلوقتي عايزة تحرميني من الإنسان الوحيد اللي حبيته.
اشتد غضب والدتها واقتربت منها تتحدث بصرامة:
– مفيش حاجة اسمها حب فوقي لنفسك يا كارمن.. مش لازم تحبي حد غير نفسك.
رفعت عيناها تنظر إلى والدتها بحزن واجابت عليها:
– أنا لو حبيت نفسي بس يبقى هكرهك انتي يا ماما!
ارتجف جسد والدتها قليلاً. حاولت التماسك وإظهار القوة واللامبالاة. رسمت البرود على ملامحها وتحدثت لآخر مرة قبل أن تتركها وتذهب:
– كلامي مش هعيده تاني.. رشيد ده تنسيه خالص.
بكت كارمن بانهيار. تركتها والدتها واتجهت إلى غرفتها. هتفت كارمن بحزن:
– أكيد هو اللي هينساني بعد اللي عرفه النهاردة.
عادت من ذكرياتها عندما توقفت أمام محل عملها. اتجهت إلى داخل المطعم. ركضت إليها إحدى الفتيات وتحدثت إليها بقلق:
– كارمن المدير عايزك في مكتبه حالا.
شعرت بالقلق الشديد وهمست بقلق:
– خير إيه اللي حصل! معقول عشان اتأخرت خمس دقايق؟
هتفت الفتاة بحيرة:
– بصراحة مش عارفة!
استغربت مودة وتحدثت بقلق:
– وعايزني أنا كمان؟
أجابتها الفتاة بثقة:
– هو قال كارمن بس!
أغمضت كارمن عيناها بتعب ثم أومأت بالإيجاب واتجهت إلى غرفة المدير وطرقت على الباب بهدوء.
سمح لها بالدخول. فتحت الباب وتفاجأت بوجود رشيد يجلس مع صاحب المطعم ويتبادلون الحديث. ارتجف جسدها وخفق قلبها بشدة عند رؤيتها له. أشار إليها صاحب المطعم وطلب منها أن تتقدم إلى الداخل. تقدمت بخطوات مطأطأة وهي تخفض وجهها أرضًا. لم تستطع رفع عينيها والنظر إليه.
كان يتابع خطواتها باهتمام. يعلم بماذا تشعر الآن. يستمع صوت خفقات قلبها بوضوح.
اقتربت منهما وجلست أمامه. بدأ صاحب المطعم بالحديث موضحًا سبب استدعائها إلى غرفة مكتبه:
– الأستاذ رشيد يا كارمن كان هو والمدام في حفلة امبارح وعجبهم جداً شغلك والتزامك بخدمة الضيوف، وجاي النهاردة يتفق على حفلة عيد ميلاد ابنه وعايزك تكوني المسؤولة عن ضيافة المدعوين.
شهقت بصدمة وصدح صوتها عاليًا دون أن تشعر:
– نعم.. مدام مين وابن مين؟!
استغرب المدير من رد فعلها الغريب ونظر إلى رشيد بحرج واعتذر منه باحترام. ثم رمق كارمن بغضب وتحدث إليها بصرامة:
– في إيه يا كارمن انتي اتجننتي! إزاي تتكلمي بالأسلوب ده!
شعرت بتجاوزها وخفضت وجهها بصمت. لا تصدق أنه تزوج وأنجب ولد! رفعت عيناها ونظرت إليه بلوم. تلألأت عيناها بالدموع. كيف له أن يتزوج من غيرها! كيف ينجب ابن من امرأة أخرى! كانت على وشك الانفجار بالبكاء والصراخ. كيف يفعل بها ذلك!
كان يتابع صدمتها وغضبها بصمت. يعلم بما تشعر به الآن. ما فعله بها الآن كان جزء من خطته في الانتقام منها. لكنها لم ترى شيئًا بعد. الانتقام الأكبر سيكون من نصيبها في الحفل.
وقف بهدوء وتحدث إلى مدير المطعم:
– أظن إحنا كده اتفقنا على كل حاجة والعنوان مع حضرتك.
وقف مدير المطعم وابتسم إليه وأجابه باحترام:
– تمام يا فندم كل شيء هيكون جاهز زي ما اتفقنا.
أومأ رشيد برأسه بالإيجاب ثم نظر إليها بقسوة وخرج من الغرفة. لا يعلم ما فعله بقلبها بتلك النظرة. شعرت وكأن نظرته القاسية سهمًا مسمومًا اخترق قلبها وأراد القضاء على حياتها.
وقفت بصمت شاردة تستمع إلى توبيخ مديرها على أسلوبها الفظ مع العميل. انتهى المدير من حديثه وهو يعطيها العنوان ويؤكد عليها سرعة الذهاب إلى عنوان منزله في الصباح الباكر وبدء العمل به.
أخذت منه العنوان وخرجت من غرفة المكتب وهي بداخل دوامة من الأفكار والذكريات…
تذكرت ما حدث معها بعد مرور شهر. بعدما علم رشيد أن سهير سالم طليقة والده هي أم حبيبته، وبعد تحذير سهير لابنتها أن لا تفكر به مجددًا… قضت كارمن بالمنزل شهرًا كاملاً لم تخرج من المنزل ولم تتحدث إلى أحد، حتى انتهت الإجازة الصيفية وبدأ العام الدراسي. وكان عليها الذهاب إلى الجامعة.
استيقظت اليوم باكرًا في يومها الأول وسنتها الأولى الدراسية في الجامعة.
ذهبت إلى الجامعة بوجه شاحب حزين. كانت فاقدة للشغف والحياة. كانت ترتدي ثوبًا غامقًا وترفع شعرها بطريقة عشوائية، غير مبالية بشيء. اقتربت منها سما صديقتها وهي تركض إليها بحماس. توقفت أمامها وتحدثت إليها باشتياق:
– كارمن وحشتيني أوي.. أنا آسفة يا كارمن مقدرتش أتواصل معاكي طول الفترة اللي فاتت لأني كنت مسافرة.
عانقتها كارمن وتحدثت إليها بهدوء:
– متعتذريش يا سما.. أنا أصلًا مش زعلانة.
حدقت بها سما بدهشة وتحدثت إليها بقلق:
– كارمن انتي كويسة؟!
نظرت أمامها إلى الفراغ واكتفت بإيماءة بسيطة. استمعت إلى صوت مميز يأتي من خلفها:
– لو سمحتي عايز أسأل عن زميلة لكم في الجامعة.
صوته كان مألوفًا لها. تعرفت عليه بسهولة دون أن تراه. خفق قلبها بقوة. التفتت تنظر إليه لكي تتأكد من وجوده حقًا خلفها. ابتسمت بسعادة عندما وجدته يقف خلفها وينظر إليها. لا يعلم كم اشتاقت إليه.
حدقت به سما صديقتها. شعرت وكأنها رأت هذا الشاب من قبل! لكن أين ومتى لا تتذكر!
نجح في رسم الجدية على ملامحه وأعاد سؤاله بنبرة جادة:
– ممكن تساعدوني أوصلها؟
حدقت به كارمن بصدمة وتحدثت إليه بذهول.
ابتسم بداخلها وحاول الثبات على رسم الجدية. نظرت إليهما سما بدهشة وهي تحاول أن تتذكر أين رأته من قبل! نظر رشيد إلى كارمن راسمًا الدهشة على ملامحه وتحدث إليها:
– حضرتك تعرفيني؟!
بهتت ملامحها بحزن بعد أن شعرت أنه يتجاهلها ولا يريد أن يتذكرها. تلألأت عيناها بالدموع سريعًا وأجابته بحزن:
– لا معرفكش.. أنا آسفة.
كادت أن تذهب من أمامه لكنه أمسك بيديها سريعًا وتحدث إليها بشغف:
– خلاص أنا بهزر معاكي والله عشان وحشتيني أوي.
رواية كارمن الفصل السابع 7 - بقلم ملك ابراهيم
كادت أن تذهب من أمامه لكنه أمسك بيديها سريعًا وتحدث إليها بشغف:
– خلاص أنا بهزر معاكي والله عشان وحشتيني أوي.
شعر بارتجاف يديها بين يديه، خفق قلبها بقوة، شحب وجهها من شدة الخجل والتوتر وخفضت وجهها أرضًا.
نظر إلى صديقتها التي تقف وتتابع ما يحدث بينهما باستغراب وصدمة، ابتسم إليها وتحدث إليها بنبرة هادئة:
– شكرًا أنا خلاص لقيت اللي بدور عليها.
نظرت إليهما سما بصدمة.
عاد ببصره إلى كارمن وأخذ يديها دون أن يتحدث، سار في طريقه إلى سيارته وهي تسير بجانبه في حالة من الذهول، توقف أمام سيارته خارج الجامعة وتحدث إليها بابتسامة:
– يلا اركبي.
سحبت يديها من بين يديه بتوتر وهمست إليه بارتباك:
– هنروح فين؟
ابتسم إليها وأجاب بشغف:
– هنروح أي مكان هادي عشان نتكلم مع بعض شوية.. انتي بقالك شهر مبتخرجيش من البيت وأنا مش عارف أوصلك عشان نتكلم!
توترت كثيرًا بعد طلبه الحديث معها، بلعت ريقها وهي تخفض وجهها أرضًا وتحدثت بصوت مبحوح:
– أنا عارفة أنت عايز تتكلم معايا في إيه.. متقلقش أنا نسيت أي كلام أنت قلته قبل ما تعرف اللي ماما عملته مع باباك!
تأملها باستغراب، لا يعلم ماذا تقصد!
عقد ما بين حاجبيه قائلًا:
– مش فاهم.. انتي تقصدي إيه؟
شعرت بغصة في حلقها من شدة التوتر، ابتلعت ريقها وتلألأت عيناها بالدموع وأجابته بصوت مبحوح:
– أنا عارفة إنك ندمان على كل الكلام اللي قلتهولي في المستشفى، بس صدقني أنا مكنتش أعرف إن ماما اتجوزت باباك.. أنا أصلًا مش بعرف حاجة عن ماما.
تابع انفعالاتها بدهشة، ثم اقترب منها وأمسك بيديها بقوة وتحدث إليها بنبرة حادة:
– ارفعي عينك يا كارمن وبصيلي.
هزت رأسها بالرفض بعد أن خدعتها دموع عيناها وبدأت تتساقط رغمًا عنها، ازداد صوته في الحدة وتحدث إليها مرة أخرى:
– بصيلي يا كارمن.
ارتجف جسدها بين يديه، رفعت عيناها ونظرت إليه وهي تبكي، تأمل عيناها وتحدث إليها بصوت قوي:
– أنا بحبك.. فهماني.. بحبك.
وكأن حديثه أعاد الروح إلى جسدها من جديد، حدقت به بقوة وهي تحاول استيعاب ما قاله لها، أومأ برأسه بالإيجاب وتحدث إليها بتأكيد:
– أنا بحبك يا كارمن ومشاعري تجاهك مستحيل تتغير، وكل كلمة قولتهالك واحنا في المستشفى مستعد أقولهالك تاني.. أنا بحبك ومستحيل أتخلى عنك.. وهو ده اللي عايز أتكلم معاكي فيه.
شعرت بصعوبة في التقاط أنفاسها، أشارت إليه بيديها حتى تستطيع استيعاب ما يخبرها به الآن، ابتسمت، ثم وسعت ابتسامتها أكثر وهي تنظر إليه بسعادة، قلبها أصبح ينبض بعشقه الآن.
ابتسامتها أحيت قلبه من جديد.
التقطت أنفاسها وتحدثت إليه بسعادة:
– أنا مش عارفة أقولك إيه يا رشيد.
احمرت وجنتيها من شدة الخجل، تابع خجلها بنظرات عاشقة، ابتسم بسعادة وتحدث إليها بشغف:
– قوليلي انتي بتبادليني نفس المشاعر ولا لأ؟
أومأت برأسها بالإيجاب وأجابته دون تردد:
– طبعًا ببادلك نفس المشاعر وأكتر.
ابتسم بسعادة وهو يستمع إلى اعترافها أنها تبادله نفس المشاعر، أراد الاقتراب منها أكثر ومعانقتها بقوة وإحاطتها بذراعيه بين ضلوعه، توقف للحظة ونظر حوله، ما زالا يقفان أمام المبنى الجامعي، تحرك اتجاهها وأخذها إلى داخل سيارته سريعًا واتجه إلى مقعد القيادة وانطلق بالسيارة.
وقفت سما صديقة كارمن أمام المبنى الجامعي وهي تتابع تحرك السيارة وكارمن بداخلها، حاولت أن تتذكر أين رأت ذاك الشاب، تذكرت بعد عدة محاولات، همست إلى نفسها بصدمة بعد أن تذكرته:
” افتكرته.. هو نفس الظابط اللي أنقذنا”
توقف رشيد بسيارته أمام منزل والدة كارمن، كانت كارمن تخفض وجهها بخجل وهي تجلس بجواره، تابع خجلها بابتسامة وتحدث إليها بهدوء:
– وصلنا قدام البيت.
رفعت عيناها ونظرت اتجاه منزلها ثم خفضت وجهها مرة أخرى، تأملها بنظرات عاشقة وتحدث إليها بشغف:
– كارمن انتي ليه متغيره كده؟ حاسس إن في حاجة غريبة بتحصل معاكي؟!
ارتجف جسدها قليلاً ونظرت إليه بتوتر، تابع توترها بقلق وتحدث مرة أخرى:
– كارمن انتي سمعاني؟
أومأت برأسها بصمت، انتظر اجابتها بقلق.
استرسل لها عقلها سريعًا حديث والدتها وتحذيرها لها أن لا تراه مجددًا، كيف ستخبره أنها تبادله نفس المشاعر ولا يمكنها أن تكون معه!
شعر أن هناك صراع دائر بداخلها، أومأ لها بالإيجاب وتحدث إليها بثقة لكي تخبره بما تفكر به:
– أنا عايزك تكوني صريحة معايا يا كارمن، ولو أنا فهمت غلط واتسرعت في مشاعري ياريت تنسي…..
قاطعته مسرعة قائلة بتأكيد:
– لا يا رشيد أنا بحبك بس خايفة!
ابتسم عند استماعه لاعترافها الصريح بحبه، لكن بهتت ابتسامته سريعًا عند تفكيره في سبب خوفها!
تعمق بالنظر إليها وتحدث إليها بقلق:
– خايفة من إيه كارمن؟
بهتت ملامحها بالحزن، كانت في حيرة من أمرها! كيف ستخبره أن والدتها لا تريده زوجًا لابنتها، كيف ستخبره برفضها المشدد وتحذيرها لها، عليها إخباره بكل شيء لكي يساعدها على اتخاذ القرار الصحيح، ابتلعت ريقها وتحدثت إليه بتوتر:
– ماما مش موافقة على علاقتنا.. وكمان منعتني أشوفك مرة تانية.
لم يندهش كثيرًا بعد ما أخبرته به، أومأ برأسه بالإيجاب يؤكد لها أنه يعلم بذلك، صمتت قليلاً وهي تتابع عدم رد فعله المتوقع على حديثها.
حدق بالفراغ أمامه وهو يفكر في والدتها وعائلته هو الآخر، كيف سيخبر جده أنه يريد الزواج من ابنة المرأة التي تزوجت والده مقابل المال ويعلم تاريخها السيء جيدًا، وكيف سيواجه والدته بعد أن تعلم أنه يريد الزواج من ابنة المرأة التي سرقت منها زوجها، وكيف سيواجه والده بعد أن رفض زواجه من تلك المرأة وهو الآن يريد الزواج من ابنتها، يعلم أن علاقتهما ستكون مرفوضة من قبل عائلته ووالدتها، لكنه لا يمكنه التخلي عنها وتركها ضحية لأفعال والدتها، نظر إليها بعد صمت دام لدقائق قليلة ثم تحدث إليها بثقة:
– متقلقيش أنا هفضل معاكي واكيد هلقي طريقة أقنع بيها مامتك..
تنهيدة حارة خرجت من صدره وهو يضيف بداخله:
– ولازم أقنع عيلتي كمان!
لم تستمع إلى جملته الأخيرة وابتسمت بسعادة ولمست يديه بشغف:
– أنا واثقة فيك يا رشيد.
نظر إلى يديها التي تلمس يديه وتتمسك به بثقة، خفق قلبه بقوة ونظر إليها قائلًا بتأكيد:
– وأنا هكون قد ثقتك فيا وصدقيني انتي مش هتكوني غير ليا أنا وبس.
ابتسمت بسعادة وهي تستمع إلى كلماته التي تسعد قلبها، وسعت ابتسامته بسعادة وهو يتابع ابتسامتها الرائعة وملامح وجهها الرقيقة، كم تمناها من كل قلبه، لا يريد سواها بهذا العالم، هي فقط من خفق قلبه من أجلها، هي فقط من يحملها بداخل ضلوعه ولا يمكنه أن يعيش بدونها.
خجلت كثيرًا من نظراته إليها، فتحت باب السيارة وهمست إليه بصوتها الرقيق:
– أنا لازم أنزل دلوقتي عشان ماما متشوفناش مع بعض.
أومأ لها بالإيجاب وهو ما زال يتأملها بنظرات عاشقة، خجلت من نظراته وركضت سريعًا إلى منزلها وهي تلتفت إليه بخفة وتشير إليه بيديها تودعه بسعادة.
فاقت من شرودها وذكرياتها معه وهي تجفف دموعها.
توقف رشيد بسيارته أمام برج سكني كبير بإحدى المناطق الراقية، ترجل من السيارة واتجه إلى داخل البرج السكني حيث شقته بالطابق السادس.
توقف أمام باب الشقة وهو يتأمله بحزن، لم يأتِ إلى هنا منذ أربعة أعوام!
أخرج المفتاح الخاص به وفتح باب الشقة ودخل بخطوات هادئة، ذكرياته معها ما زالت في كل مكان حوله، أشعل الأنوار ونظر حوله باشتياق، لم يتغير شيء! كل شيء كما هو منذ أن رتبته هي بيديها.
مسد بيديه فوق الأثاث وهو يسير بداخل الشقة ويتذكر كيف تم زواجهما.
أخذته الذكريات إلى الماضي، عندما قرر إخبار عائلته برغبته في الزواج من كارمن.
ذهب إلى غرفة جده وجلس أمامه وتحدث بتوتر:
– أنا عايز أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم.
رحب جده بالحديث معه وترك ما يفعله وجلس يستمع إليه باهتمام، تحدث إلى جده دون مقدمات:
– في بنت أنا عرفتها من فترة.. البنت دي كويسة جدًا وفي بينا مشاعر متبادلة.. أنا بحبها من كل قلبي وبتمنى تكون مراتي بشرع ربنا.
ابتسم جده بسعادة وتحدث بحماس:
– ده أحلى خبر أنا ممكن أسمعه النهاردة، متعرفش أنا كنت بتمنى قد إيه اليوم اللي تيجي وتقولي فيه إنك هتتجوز وتحقق أمنيتي وأشوف عيالك قبل ما أموت.
حماس جده الزائد لفكرة زواجه جعله يشعر بالتوتر أكثر:
– ربنا يخليك لينا إن شاء الله يا جدي وتشوف عيالنا وتجوزهم كمان.
لاحظ جده توتره الزائد وحدق به باهتمام متسائلًا:
– في إيه يا رشيد! من أول ما قعدت قدامي وأنا حاسس إن في حاجة عايز تقولها ومتردد؟
أومأ برأسه بالإيجاب:
– فعلاً يا جدي في حاجة عايز أقولها ومش عارف أقولها إزاي!
تأمله جده باهتمام وأردف بثقة:
– اتكلم يا رشيد وبدون مقدمات.
نظر إلى جده وأردف بهدوء:
– البنت اللي أنا بحبها.. اكتشفت من فترة إنها تبقى…
تابعه جده بفضول وشعر أن هناك شيء هام للغاية يريد حفيده إخباره به ولا يستطيع إخبارك به بسهولة، انتظر أن يتابع رشيد حديثه براحة ودون ضغط، زفر رشيد من توتره الزائد وأضاف مسرعًا في الحديث:
– اكتشفت إنها تبقى بنت الست اللي بابا اتجوزها.
انتفض جده من مكانه بصدمة، حدق به بذهول وصدح صوته بغضب:
– دول عصابة بقى!.. يعني البنت تلف عليك ومامتها تلف على باباك!
وقف رشيد معترضًا على اتهام جده لحبيبته وتحدث بثقة:
– لا يا جدي.. كارمن مش زي مامتها أبدًا ومتعرفش حاجة عن أفعالها.
ضحك جده ساخرًا وتحدث بصرامة:
– دي شكل البنت طلعت أشطر من مامتها، أنا مش مصدق إنها قدرت تخدعك وتقنعك إنها غير مامتها!
غضب رشيد وتحدث إلى جده بنبرة حادة:
– لو سمحت يا جدي بلاش تتكلم عنها بالطريقة دي.. كارمن غير مامتها وأنا واثق فيها.
نظر إليه جده بصدمة، اعتقد أن تلك الفتاة استطاعت السيطرة بمكرها وكيدها على حفيده، هز رأسه بذهول قائلًا:
– أنا مش مصدق اللي أنا بسمعه منك دلوقتي يا رشيد! إزاي تثق في بنت مامتها نصابة وبتستغل الرجالة وتاخد فلوسهم!
غضب رشيد بشدة وأجاب على جده بعصبية:
– بثق فيها عشان هي غير مامتها.
اشتد غضب الجد من إصرار حفيده على تلك الفتاة، ارتفع صوته قليلاً قائلًا بصرامة:
– وأنا مستحيل أوافق على العلاقة دي ووالدتك لو عرفت حاجة زي كده مش بعيد تموت فيها.
حدق بجده بصدمة، تركه جده وذهب دون إضافة كلمة أخرى، وقف رشيد يفكر بحزن؛ ماذا سيفعل الآن؟ هل سيترك حبيبته من أجل عائلته، أم سيحارب الجميع من أجلها؟. كان عليه الانتظار حتى تنتهي كارمن من دراستها، ربما يتغير شيء ويستطيع إقناع والدتها وعائلته بالزواج منها. هي بالسنة الأولى لها بالجامعة وأمامهما الوقت الكافي حتى تنتهي من دراستها وفي هذا الوقت يمكنه إقناعهم بالزواج. لكن ما حدث كان خارج توقعات رشيد!
بعد عدة أيام من حديثه مع جده ورفضه القاطع على هذا الزواج..كان رشيد بعمله، جاءته مكالمة من كارمن، استمع إلى صوت بكائها عبر الهاتف وهي تتحدث إليه ببكاء:
– رشيد الحقني.. ماما جايبالي عريس ومصممة إني أتجوزه.
انتفض من مكانه وتحدث إليها بصدمة:
– عريس إيه ومين العريس ده؟!
أجابته بصوت مبحوح وهي تبكي بشدة:
– مش عارفة يا رشيد، هو هنا دلوقتي، راجل شكله يخوف.. أنا خايفة أوي، وماما مصممة عليه.
ترك عمله وركض إلى سيارته وهو يتحدث إليها بالهاتف:
– طب اهدي يا كارمن وفهميني.. مامتك قالتلك إيه بالظبط؟
حاولت أن تتوقف عن البكاء قليلاً وأجابته:
– قالتلي إنها لقت عريس مناسب ليا وعايزاني أتزوجه وأسافر معاها.
استمع إليها باهتمام وهو يقود السيارة في طريقه إلى منزلها، إضافة كارمن بعفوية وهي تبكي بخوف:
– العريس شكله يخوف أوي يا رشيد، وكان بيبصلي بنظرات وحشة أوي وخوفني.
اعتصر قبضة يديه من شدة الغضب وهو يستمع إلى كلماتها التي أصابت قلبه وكأنها سكين حاد، كيف يمكن لرجل آخر أن ينظر إلى حبيبته ويتسبب في خوفها وهلعها بهذه الطريقة. حاول السيطرة على غضبه لكي لا يتسبب هو الآخر في خوفها، تحدث إليها بهدوء مصطنع:
– طب مامتك ليه فكرت تجوزك بالسرعة دي يا كارمن؟.. انتي لسه أول سنة في الجامعة؟!
أجابته وهي تبكي:
– مش عارفة يا رشيد، أنا قولتلها إني مش موافقة وهي مصرة عليه وقالتلي إنها عارفة مصلحتي وهو قاعد معاها دلوقتي وبيتفقوا على الجواز.. أنا خايفة أوي ومش عارفة أعمل إيه.. أرجوك يا رشيد اعمل أي حاجة وساعدني.. أنا مش عايزة أتزوج الراجل ده.
كان يقود سيارته بأقصى سرعة وكلماتها تألم قلبه بشدة، حاول أن يطمئنها بهدوء قائلًا لها بحنان:
– متخافيش يا حبيبتي أنا مستحيل أتخلى عنك، أنا في الطريق دلوقتي وجاي لمامتك وهطلبك منها للجواز وهعمل المستحيل عشان توافق.
جففت دموع عيناها ووقفت من مكانها وأردفت بسعادة:
– بجد يا رشيد! أنا متشكرة أوي.
ابتسم وهو يستمع إلى عفويتها وبراءتها، تمنى لو يراها جده وعائلته كما يراها هو، من المؤكد أنهم سيعلمون أنها لا تشبه والدتها، لكنه الآن لا يستطيع الانتظار أكثر حتى يقنعهم بها، عليه اتخاذ القرار الآن. تنهد من قلبه وتحدث إليها بحنان:
– متشكرة على إيه يا كارمن.. انتي روحي ومستحيل هسمح لحد إنه ياخدك مني.
ابتسمت بسعادة وهي تستمع إلى كلماته التي أسعدت قلبها وجعلتها تقفز من شدة السعادة، تحدث إليها بتأكيد بعد أن اقترب من منزلها:
– أنا خلاص وصلت قدام البيت، هتكلم مع مامتك دلوقتي وإن شاء الله أحاول أقنعها.
أجابته بسعادة:
– إن شاء الله.
أغلق الهاتف وتوقف بالسيارة أمام منزلها، لحظات من القلق والتوتر وهو يرتب أفكاره، يعلم أن ما يفعله الآن يمكن أن يخسره عائلته! لكنه يحبها حقًا ولا يمكن تركها لتكون زوجة لغيره، هنا لم يستطع التفكير أكثر، أخذ قراره وترجل من السيارة واتجه إلى منزلها، توقف أمام المنزل وقبل أن يضغط على زر الجرس، فتحت والدة كارمن الباب وهي تودع عريس ابنتها.
نظر رشيد إلى الواقف بجوارها وهي تودعه بسعادة، كان رجل سمين ويبدو عليه أنه في العقد الخامس من عمره، حدق به رشيد بصدمة لا يصدق أنها تفكر أن تزوج ابنتها من هذا الرجل!
تفاجأت والدة كارمن من وجوده وتحدثت إليه بفضول:
– خير يا حضرة الظابط؟ إيه اللي جابك عندي تاني؟!
نظر رشيد إلى العريس وأجابها بغضب مكتوم:
– من فضلك عايز أتكلم معاكي شوية.
ابتسمت إليه ببرود، كانت تعلم لماذا جاء إليها الآن، نظرت إلى الرجل الذي يقف بجوارها وتحدثت بثقة:
– خليني أعرفك الأول على خطيب كارمن بنتي.. الحاج مطاوع.. مقاول كبير ومعروف في البلد.
رمقها رشيد بنظرات غاضبة، وقف عريس ابنتها وانتظر أن تخبره من هذا الشاب الذي جاء إلى منزلها، تابعت حديثها وأضافت وهي تشير إلى رشيد وتخبر عريس ابنتها:
– وده النقيب رشيد الجبالي.. ابن طليقي.
أومأ العريس برأسه بالإيجاب وتفهم سبب وجوده الآن، اعتقد أنه جاء من أجل أن يتحدث معها بأمر طلاقها من والده، نظر إليها وتحدث معها بتأكيد:
– خلاص يا سهير.. أنا همشي دلوقتي وزي ما اتفقنا، هنكتب الكتاب يوم الخميس الجاي وأخد العروسة ونسافر على طول.
ابتسمت له بسعادة وأومأت برأسها بالإيجاب، نظر إلى رشيد وتحدث إليه قبل أن يذهب:
– اتشرفت بمعرفتك يا حضرة الظابط.
رمقه رشيد بغضب، ذهب العريس ووقف رشيد بصدمة، لا يصدق أن بإمكانها أن تدمر حياة ابنتها وتعقد صفقة على بيعها وتزوجها لهذا الرجل الذي يكبرها بثلاثين عامًا على الأقل.
نظرت إليه وتحدثت إليه بنبرة حادة بعد ذهاب العريس:
– خير.. أفندم.. ممكن أعرف سبب وجودك هنا دلوقتي؟
حاول إخفاء غضبه والسيطرة عليه وتحدث إليها بهدوء مصطنع:
– أنا جاي أتكلم مع حضرتك في موضوع مهم.
حدقت به للحظات تفكر ثم أشارت بيديه إلى الداخل قائلة:
– تمام.. اتفضل ادخل نتكلم جوه.
فتحت كارمن باب غرفتها قليلاً ووقفت خلف الباب لكي يمكنها الاستماع إلى حديث رشيد مع والدتها.
كتم غيظه وغضبه منها بصعوبة شديدة، أغمض عينيه للحظة لكي يستطيع أن يتحدث إليها بهدوء مصطنع:
– أنا جاي أطلب إيد كارمن، ومستعد لأي شيء تطلبيه مقابل إنك توافقي.
نظرت إليه بانتصار، وضعت قدمها فوق الأخرى بتعالٍ وأجابته ببرود:
– للأسف كارمن اتخطبت وأنا قرأت فتحتها دلوقتي مع الحاج مطاوع.. اللي انت شوفته من شوية وهو خارج، وزي ما انت سمعت، كتب كتابهم الخميس الجاي وهياخدها ويسافروا يقضوا شهر العسل في أوروبا.
رمقه بغضب وتحدث إليها بنبرة حادة:
– إزاي بنتك تهون عليكي وتفكري تعملي فيها كده! إزاي تفكري تجوزيها لراجل أكبر من أبوها؟ إيه المقابل اللي هتاخديه منه عشان تبيعيله بنتك بالطريقة دي؟
رمقته بغضب وارتفع صوتها هي الأخرى:
– وانت مالك ومال بنتي! انت جيت طلبتها وأنا رفضت، ومش من حقك تحاسبني، أنا عارفة مصلحة بنتي كويس.
اشتد غضبه أكثر، لم يستطع السيطرة على غضبه والتحكم في انفعاله، تحدث إليها بقوة:
– شوفي إيه المقابل اللي هتاخديه منه وأنا هدفعلك الضعف.
رمقته بقوة وأجابت عليه بحقد:
– المقابل إني أحرق قلبك وأجوزها لغيرك.
رواية كارمن الفصل الثامن 8 - بقلم ملك ابراهيم
رمقته بقوة واجابت عليه بحقد:
– المقابل اني احرق قلبك واجوزها لغيرك، انا مستحيل اسمح لبنتي انها تدخل عيلتكم اللي متشرفتش بيا.
حدق بها بصدمة، لا يصدق انها تحاول الانتقام منه بهذه الطريقة! توقفت عن الحديث للحظات قليلة ثم اضافت بنبرة ساخرة:
– والعيلة اللي متتشرفش بيا ويجبروني على الطلاق وكمان كانوا عايزين يلبسوني قضية.. انا مستحيل ادخل بنتي للعيلة دي.
وقف من مكانه وهو يحدق بها بصدمة، استرخت في جلستها واضافت ببرود:
– نورتنا يا حضرة الظابط.. كان نفسي تحضر كتب الكتاب وتكون شاهد على عقد الجواز.
رمقها بغضب وذهب مسرعًا من المنزل لكي لا يفقد اعصابه اكثر ويفعل شيئًا بها ويندم عليه لاحقًا، لا يصدق انها أم وتحمل بقلبها مشاعر الأمومة! كيف تفكر في تدمير حياة ابنتها مقابل الانتقام منه!
خرج من المنزل واغلق الباب خلفه بقوة، اغلقت كارمن باب غرفتها وهي تبكي بانهيار بعد استماعها لحديث والدتها مع رشيد وتأكدت من استحالة زواجهما.
جلس بداخل سيارته وهو في اشد حالات الغضب، لا يمكنه التخلي عن كارمن وتركها لمصير مظلم تتحكم به والدتها، اغمض عينيه يفكر في سبب قانوني يستطيع من خلاله إنقاذ كارمن من انتقام والدتها. لم يجد أمامه سوى أمر واحد فقط، نظر أمامه وهمس إلى نفسه بحزن:
– للأسف مفيش قدامي غير الحل ده.
اخذ هاتفه لكي يتحدث إلى كارمن.
كانت كارمن تبكي بانهيار بداخل غرفتها، استمعت إلى صوت هاتفها، اخذت الهاتف ونظرت إلى اسمه وهي تبكي، كانت تعلم بما سيخبرها به، من المؤكد انه سيتخلى عنها بعد حديث والدتها معه. ضغطت على زر الرد ويداها ترتجف بشدة.
استمع إلى صوت شهقاتها بالبكاء وهي تتحدث إليه وتعتذر منه على حديث والدتها معه، صوتها الباكي قطع نياط قلبه، حاول تهدأتها وتحدث إليها بنبرة هادئة:
– كارمن حاولي تهدي واسمعيني كويس.
أجابته بانهيار وهي تبكي بشدة:
– مش هقدر اسمعها منك يا رشيد، انا عارفة ان حكايتنا انتهت، بس ارجوك متزعلش مني وافتكرني دايما عشان انا مش هقدر انساك.
لم يستطع تحمل ما تمر به الآن، كم تمنى لو كانت معه الآن ويستطيع معانقتها بقوة لكي يطمئنها ويخبرها أنه لن يتركها مهما فعلت والدتها. تحدث إليها بقوة في محاولة لأن يخبرها بما يريد قوله:
– كارمن اسمعيني.. انا مش هتخلى عنك وانتي مش هتكوني لراجل تاني غيري وده وعد مني.
سكن جسدها قليلاً عقب استماعها لحديثه، حاولت استيعاب ما قاله الآن! شعر بهدوئها وبدأ يشرح لها ما يقصده بهدوء:
– كارمن.. انا عايز اقولك قبل أي كلام ان اللي انا بفكر فيه دلوقتي ده غلط، وغلط كبير كمان، وصدقيني لو كان قدامي حل تاني انا أكيد مكنتش هفكر في الحل ده.
استمع إلى صوتها الضعيف تسأله بقلق:
– ايه الحل ده؟
تنهيدة حزينة خرجت من صدره وهو يفكر كيف يخبرها، التقط نفسًا عميقًا وأخبرها بتوتر:
– الحل الوحيد اننا نتجوز.
شهقت بصدمة وهي تستمع إليه، لا تصدق ما قاله الآن، لم يعطها فرصة للتفكير وأضاف بقوة:
– كارمن صدقيني هو ده الحل الوحيد ومفيش أي حل تاني هقدر أمنع بيه جوازك غير الحل ده.
وقفت وهي تجفف دموعها وتحدثت إليه بقلق:
– بس احنا هينفع نتجوز ازاي وماما؟
أجابها بقوة:
– مامتك عايزة تدمر حياتنا في انتقام احنا ملناش ذنب فيه، احنا لازم نتجوز يا كارمن ونكتب كتابنا قبل يوم الخميس.
جلست فوق الفراش بحزن وخفضت وجهها أرضًا وتحدثت بخوف:
– مش عارفة يا رشيد بس انا خايفة أوي.
استمع إليها بحزن، صمتت قليلاً ثم أضافت ببكاء:
– بس لو ماما غصبتني اتجوز الراجل ده أنا هنتحر.
خفق قلبه بقوة من شدة الخوف عليها، تحدث إليها بلهفة:
– مش عايز اسمعك بتقولي كده مرة تانية، كارمن انا مقدرش أعيش من غيرك، واللي انا بفكر فيه دلوقتي صدقيني لمصلحتنا احنا الاتنين، مامتك عايزة تنتقم من عيلتي ومش فارق معاها انها تدمر حياتك! وعيلتي رافضين علاقتنا بسبب مامتك.. احنا دلوقتي لازم نختار وبسرعة، يا إما نبقى ضحايا للعداوة اللي بينهم دي ونخسر بعض وحياتنا تدمر.. يا إما ناخد القرار ونتجوز ونحطهم قدام الأمر الواقع.
صمتت قليلاً تستمع لحديثه وتفكر به، التقط أنفاسه لكي يهدأ قليلاً وأضاف بهدوء:
– كارمن.. انا عايز اسمع رأيك دلوقتي.. موافقة تتجوزيني؟
شعرت بحيرة شديدة، تزامحت الأفكار بعقلها، لم يكن بالسهل عليها التفكير وأخذ القرار بهذه السرعة، لكن الأمر لا يحتمل التفكير أكثر، هي تحبه وتثق به وهو أيضاً يحبها، لا يمكنها الزواج من رجل آخر، عليها أخذ القرار دون تردد. تنهدت بحزن وأجابته بصوت مبحوح:
– انت عندك حق يا رشيد، أنا موافقة.
تنفس براحة وتحدث بتأكيد:
– تمام يا حبيبتي.. يبقى لازم نروح للمأذون ونكتب كتابنا في أقرب وقت، والأفضل لو يكون بكرة.
شهقت بتوتر قائلة بفزع:
– بكرة!!
أجابها بتأكيد:
– مفيش وقت يا كارمن.. مامتك اتفقت مع العريس إن كتب كتابكم يوم الخميس.. يعني بعد خمس أيام من النهاردة!
خفق قلبها بخوف وتحدثت بتوتر:
– خلاص اللي تشوفه يا رشيد.. قولي أعمل إيه وأنا هعمله.
استمع إلى صوتها بحزن، شعر بخوفها وتوترها، لكن ليس بيديه حل آخر، تحدث إليها بتأكيد:
– احنا هنستنى لبكرة، وأول ما مامتك تخرج من البيت انتي جهزي نفسك وكلميني ومتنسيش تجيبي معاكي البطاقة الشخصية بتاعتك وأنا هاجي آخدك ونروح للمأذون نكتب كتابنا.
ارتجف جسدها بخوف وتوتر وهي تستمع لحديثه ونبرة صوته القوية الجادة وهو يؤكد عليها ما عليها فعله في الغد، تحدثت إليه بصوت منخفض ضعيف:
– حاضر يا رشيد، هكلمك بكرة أول لما ماما تخرج من البيت.
شعر بحزنها وتحدث إليها بهدوء:
– أنا مش عايزك تزعلي يا كارمن.. صدقيني لو كان في إيدي حل تاني كنت عملته.
تلألأت عيناها بالدموع مرة أخرى وهي تجيبه بتأكيد:
– أنا مش زعلانة يا رشيد.. أنا خايفة من اللي هنعمله ده.
استمع إلى حديثها بحيرة، هو أيضاً لا يشعر بالراحة لما ينوي فعله، لكنه لن يتركها تتزوج من غيره وتقع ضحية لانتقام والدتها، تحدث معها بهدوء لكي يحاول تخفيف حزنها وتوترها:
– متخافيش يا حبيبتي من أي حاجة وصدقيني كل ده هيعدي.. المهم إننا نبقى مع بعض.
أومأت بالإيجاب بخوف.
********
اليوم التالي..
ذهبت والدة كارمن لكي تشتري بعض الثياب الجديدة لها حتى ترتديها يوم عقد قران ابنتها.
انتظرت كارمن قليلاً حتى تأكدت من ذهاب والدتها وقامت بالاتصال على رشيد لكي تخبره.
لم ينم رشيد منذ ليلة أمس، سهر طوال الليل حتى الصباح يرتب كل شيء مع صديقه المقرب خالد، واتفق مع صديق آخر له لكي يكون شاهدًا على عقد الزواج مع خالد واتفق مع مأذون شرعي قريب من منزل كارمن، وأكد عليه أن يكون على استعداد في أي وقت.
أخبرته كارمن أن والدتها ذهبت من المنزل، دقائق قليلة وكان رشيد يقف بسيارته أمام منزلها، خرجت من المنزل وهي تشعر بالخوف الشديد، ركضت إلى سيارته وصعدت بداخلها وجلست بجواره وجسدها يرتجف بشدة ووجهها شاحب مثل الموتى.
لاحظ رشيد توترها وشحوبها، حدق بها بعمق وتحدث إليها بهدوء:
– أنا عارف إنه قرار صعب.. بس مفيش قدامنا غيره.
أومأت برأسها بالإيجاب وتحدثت إليه بصوتها الرقيق:
– أنا عارفة يا رشيد، وبصراحة طول الليل بفكر في حل وفعلاً ملقتش غير الحل ده.
ابتسم لها بحنان وتحدث إليها بتأكيد:
– صدقيني يا كارمن انتي عمرك ما هتندمي على القرار ده.
ابتسمت وأومأت برأسها وتحدثت بخجل:
– وأنا متأكدة إني عمري ما هندم.
ابتسم بسعادة وهو يستمع لحديثها ويعلم كم هي تثق به، قام باشغال محرك السيارة وانطلق بها إلى مكتب المأذون الشرعي، كانت تجلس بجواره وتفرك بيديها بخوف وتوتر، تريد العودة إلى منزلها والتراجع عن هذا القرار المصيري المخيف، لكنها تعلم أن في انتظارها زواج اجباري من رجل يكبرها بكثير وحياة صعبة وانتقام ليس لها ذنب به.
توقف رشيد بسيارته أمام مكتب المأذون الشرعي وترجل من السيارة واخذ كارمن وتقدم بها إلى داخل المكتب.
كان اثنان من أصدقائه في انتظارهما بالداخل ومن بينهما خالد صديقه المقرب، اخذ المأذون هوية كل منهما وقام بتسجيل البيانات واتمام عقد الزواج بينهما بالشرع. انتهى المأذون من عقد القران وبارك لهما.
ابتسم رشيد بسعادة وهو ينظر إلى كارمن، لا يصدق أن حبيبته أصبحت على اسمه، لا يمكن لأحد بعد الآن تفريقهما، ولا يحق لرجل آخر النظر إليها.
أخذها من يديها بعد أن شكر أصدقاءه وذهبوا بعد توقيعهم شهود على عقد الزواج، تحدث إلى المأذون وآكد عليه سرعة توثيق عقد الزواج.
خرج معها من مكتب المأذون وهو يمسك بيديها ولا يريد تركها، فتح لها باب السيارة وصعدت بداخلها وجسدها يرتجف وقلبها يخفق بقوة شديدة، صعد هو الآخر بداخل السيارة وجلس بجوارها، يريد أن يتحدث معها ويخبرها بأشياء كثيرة لكنه لا يعلم من أين يبدأ الحديث.
نظرت إليه كارمن وهي لا تصدق حتى الآن ما حدث، لا تستوعب أنها أصبحت زوجته، تحدثت إليه بتوتر:
– هو احنا كده اتجوزنا فعلاً؟!
ابتسم بسعادة وتحدث إليها بشغف:
– طبعاً يا حبيبتي.. انتي دلوقتي بقيتي مراتي رسمي.
خجلت كثيرا وخفضت وجهها، استرسل لها عقلها الكثير من الأسئلة، رفعت وجهها مجددًا وتحدثت إليه:
– يعني اللي احنا عملناه ده مش غلط يا رشيد؟
نظر إليها وهو يقود السيارة وأجابها:
– الغلط لو كنتي اتجوزتي الحاج مطاوع اللي والدتك اختارته!
شهقت بصدمة وهي تتذكر مطاوع الذي جاء من أجل الزواج منها، كيف لرجل بعمر الخمسين أن يفكر بالزواج من فتاة في العشرين من عمرها. أغمضت عيناها وهي تتذكره عندما رأته بمنزلهم.
تحدثت إلى رشيد بصدمة وهي تصف له شعورها عندما رأت مطاوع:
– أنا مش عارفة كنت ممكن اتجوز الراجل ده ازاي.. مش قادرة أنسى شكله أول ما شفته، راجل عجوز وأقرع وتخين وعنده كرش كبير وبيشرب القهوة بصوت مزعج جدا، وماما بتقولي ده عريسك!
ضحك رشيد وهو يستمع لوصفها لمطاوع وهي تخفي عيناها ولا تريد أن تتذكره أكثر، صمت قليلاً ثم تحدث إليها بفضول:
– طب انتي كنتي بتفكري تتجوزي واحد شكله إيه؟
فتحت عيناها وهي تستمع لسؤاله وتفكر به، نظرت إليه وهو يقود السيارة ويتحدث إليها وهو ينظر إلى الطريق أمامه، تأملته بعمق، لأول مرة تتأمله عن قرب، كان وسيماً للغاية، طويل القامة، صاحب جسد رياضي قوي، شعره أسود ويصففه للأعلى بطريقة رائعة، عيونه سوداء حادة. تنهدت من قلبها وأجابته بصوت رقيق وهي تتأمله دون أن تشعر:
– كنت بفكر إنه يبقى طويل وجسمه رياضي ومعندوش كرش طبعًا..
صمتت للحظات قليلة وتأملت شعره الأسود وأضافت بصوت ناعم:
– ويكون شعره أسود.. وعيونه سود وحلوين…
شعر بنظراتها إليه وصوتها الرقيق وهي تصف كيف تراه بعينيها، كان يتعمد إظهار انشغاله بالقيادة لكي تتحدث على راحتها، نظر إليها ورأى بعينيها نظرات عاشقة وهي تتأمله عن قرب، خجلت منه وخفضت وجهها سريعًا، توقف بالسيارة على جانبي الطريق، نظر إليها وأمسك يديها ورفع وجهها لكي يستطيع رؤية عينيها وتحدث إليها بشغف:
– كارمن ممكن تبصيلي.
رفعت عيناها ببطء ونظرت إليه بخجل، كانت يديها ترتجف بين يديه، قرب يديها من شفتيه وقبلها برقة، ارتجف جسدها بالكامل وأخذت يديها سريعًا من بين يديه:
– ليه جسمك كله بيرتجف كده؟
لم تجب على سؤاله. خفضت وجهها في خجل. تأملها بنظرات عاشقة، أراد الاقتراب منها أكثر لكنه تراجع عن الفكرة حتى لا تخف منه، يعلم أنها لا تستوعب أنها أصبحت زوجته حتى الآن، ارتبكت كثيراً من نظراته وابتعدت عنه قليلاً وتحدثت إليه بتوتر:
– هو المفروض احنا هنعمل إيه بعد كده؟
ابتعد هو الآخر واعتدل على مقعده ونظر أمامه يفكر ثم أجابها:
– أول حاجة أنا لازم أشتري بيت مناسب نعيش فيه وطبعًا ده هياخد وقت.. بس أنا هحاول ألاقي بيت في أسرع وقت ممكن.
أومأت برأسها وأردفت:
– وماما هقولها إيه؟ وعيلتك.. هتقولهم إزاي؟
تنهد بأرهاق وهو ينظر أمامه وأجابها:
– بلاش حد منهم يعرف دلوقتي.. خلينا لما ألاقي شقة ونكون جاهزين وأنا هبلغهم بنفسي.
حدقت به وتحدثت بتوتر:
– طب والعريس اللي ماما عايزة تجوزني ليه ده؟.. دا فاضل أربع أيام والمفروض هيجي عشان يتجوزني؟
نظر إليها بقوة وأردف بانفعال:
– هيتجوزك إزاي وانتي مراتي! خليه بس هو أو غيره يقرب منك وشوفي أنا إزاي هاندمهم على اليوم اللي اتولدوا فيه.
ارتجف جسدها من انفعاله وصوته الغاضب، نظرت إليه بخوف وتحدثت بصوت منخفض:
– ما هما مش عارفين إننا اتجوزنا.
لاحظ خوفها منه ومن انفعاله الزائد أمامها، حاول السيطرة على انفعاله وتحدث إليها بهدوء مصطنع:
– متقلقيش يا حبيبتي.. أنا هحاول أجهز شقة بسرعة وهاجي آخدك من بيت مامتك والدنيا كلها هتعرف إننا اتجوزنا.
أومأت برأسها وهي تنظر إليه بخوف، ابتسم إليها لكي يصالحها على انفعاله معها وتحدث إليها بمشاكسة:
– انتي عارفة إنك المفروض من الليلة دي تنامي في حضني.
احمرت وجنتيها بشدة ونظرت إليه بصدمة، ضحك وهو ينظر إليها وأضاف بنبرة مرحة:
– بس مفيش مشكلة كلها يومين تلاتة بالكتير وتنامي في حضني ووقتها مش هسيبك تبعدي عن حضني أبداً.
خجلت كثيرا من حديثه ونظرت أمامها بصدمة وتحدثت إليه بارتباك:
– رشيد انت لازم توصلني البيت دلوقتي حالاً.. أكيد ماما هترجع البيت دلوقتي وهتبقى مشكلة لو رجعت وملقتنيش.
ابتسم وهو يتابع ارتباكها وخجلها الشديد منه، أعاد تشغيل محرك السيارة وهو ينظر إليها بعشق.
********
عاد من ذكرياته وهو بداخل الشقة التي اشتراها قبل أربعة أعوام. كل شيء هنا يذكره بها، خيانتها له تمزق قلبه حتى الآن، سهام من نار تحرق قلبه وروحه كلما تذكرها.
أخذ يحطم كل شيء بالمنزل، لا يريد أن يتذكرها بعد الآن، نيران تحرق قلبه، لا يستطيع تهدئتها، أخذ كل شيء وحطمه على الأرض بقوة، أراد لو يحطم قلبها كما حطمت قلبه دون أن تطرف لها عين.
جلس أرضًا بعد أن حطم كل شيء حوله، أصبح أثاث المنزل متناثرًا ومحطمًا فوق الأرض بطريقة فوضوية، نظر إلى الخراب حوله! هكذا أصبحت حياته بعد ما فعلته به، أصبح كل شيء بحياته محطمًا ومتناثرًا، لذا لا يشعر بالغرابة وسط هذا الخراب. أغمض عينيه بتعب، يتمنى لو لم تزره بأحلامه كما تفعل كل ليلة. فقط يريد رؤيتها وهي تتألم وتتعذب وتندم على ما فعلته به. أخذته أفكار كثيرة في الانتقام منها، فتح عينيه وهو ينظر أمامه بقسوة ويتوعد لها بأقصى العذاب.
********
صباح اليوم التالي..
استيقظت كارمن باكرًا لكي تذهب إلى العنوان الذي أعطاها إياه مدير المطعم لكي تقوم بالتجهيزات والتخديم في حفل ميلاد ابن زوجها السابق، لم تستطع النوم طوال الليل؛ كانت تتساءل بداخلها؛ كيف ومتى تزوج؟ ومن هي زوجته؟
الكثير من الأسئلة تزاحمت بأفكارها، لكنها اليوم ستجد الرد. يمكنها رؤية زوجته اليوم ورؤية ابنه ويمكنها معرفة متى تزوج وأنجب طفل.
حاولت تجاهل تلك الأفكار والنظر إلى الحاضر، رشيد كان زوجها بالماضي واليوم أصبح زوجًا لامرأة أخرى ولا يحق لها التفكير به حتى الآن. انتهت سريعًا من ارتداء ثيابها قبل أن تستيقظ والدتها.
أخذت حقيبة يدها بهدوء وقبل أن تخرج من الغرفة استوقفها صوت والدتها:
– كارمن.. قبل ما تمشي سيبي فلوس عشان أشتري سجاير.
التفتت تنظر إلى والدتها بصدمة وتحدثت بذهول:
– ماما انتي لسه شاريه علبتين امبارح!
اقتربت من والدتها عدة خطوات وهي تضيف بحزن:
– يا ماما انتي كده بتموتي نفسك بالبطيء.
زفرت والدتها ببرود وتحدثت إليها بانفعال:
– ده على أساس إن صحتي فارقة معاكي!
حدقت بها كارمن قائلة بصدمة:
– طبعًا يا ماما صحتك فارقة معايا وتهمني!
ضحكت والدتها بنبرة ساخرة وتحدثت:
– اللي أعرفه إنك لو خايفة على صحتي صحيح كنتي على الأقل ترحمينا من الفقر ده وتسمعي كلامي وتستغلي جمالك اللي هيضيع على الفاضي!
نظرت إلى والدتها بصدمة وأردفت بغضب:
– لو سمحتي يا ماما بلاش نتكلم في الموضوع ده تاني.
اقتربت من الفراش وأخرجت بعض النقود من حقيبتها ووضعتها فوق الفراش وأضافت بحزن:
– دي كل الفلوس اللي معايا ومفيش معايا غير أجرة التاكسي اللي هيوصلني شغلي.
لم تهتم والدتها بأمرها وتجاهلتها ببرود، أغمضت كارمن عينيها بتعب واستغفرت ربها وخرجت من الغرفة لكي تذهب إلى عنوان شقة رشيد.
********
بعد أقل من ساعة.
كانت كارمن بداخل سيارة أجرة تنقلها إلى عنوان شقة رشيد، توقفت السيارة أمام البرج السكني الذي يضم عدد كبير من الشقق الفخمة، ترجلت من السيارة وهي تنظر إلى البرج بحزن، استرسل لها عقلها؛ هل من الممكن أنه تزوج بنفس الشقة التي كانت تجمعهما بعد الزواج؟ هل ستعمل كـ خادمة اليوم بداخل شقتها السابقة!
توقفت بتردد تفكر ماذا عليها أن تفعل الآن، نظرت إلى حقيبتها الفارغة من النقود بعد ما أخذت والدتها كل النقود التي اكتسبتها من عملها، وعليها الآن العمل مجددًا لكي تحصل على نقود أخرى.
التقطت أنفاسها وهي تحاول إظهار القوة لكي تستطيع متابعة عملها بمنزل رشيد وزوجته.
صعدت إلى الدور السادس ويأخذها الحنين إلى الماضي، كان منزلها بالماضي ومسكنها الأمن، توقفت أمام باب الشقة وعيناها تتلألأ بالدموع وهي تحاول التقاط أنفاسها بقوة لكي لا تسمح لدموعها بالانطلاق خارج عينيها حسرة وندم على ما تعرضت له من خسارة حبيبها وخسارة حياتها معه، لا تصدق أنها عندما تطرق على الباب الآن ستخرج زوجته وترحب بها، أصبحت الآن غريبة عنه وعن منزلها، هذا المنزل الذي عاشت به أجمل وأسعد أيام حياتها.
رفعت يديها المرتجفة وطرقت على الباب بتوتر، كانت في صراع كبير مع دموع عينيها، تحارب تساقط الدموع من عينيها بصعوبة. طرقت عدة مرات متتالية ولن يأتي إليها رد من الداخل، وقفت تطرق على الباب بقوة حتى يئست من وجود أحد بالمنزل وكادت أن تذهب، لكن صوت فتح الباب استوقفها، التفتت تنظر إلى من فتح الباب…
رواية كارمن الفصل التاسع 9 - بقلم ملك ابراهيم
صوت فتح الباب استوقفها. التفتت تنظر إلى من فتح الباب. شهقت بصدمة عندما رأت رشيد يقف أمام الباب وهو عاري الصدر، يظهر عليه النعاس، كان مغمض العينين قليلاً وشعره متناثر فوق جبينه بطريقة فوضوية.
وقفت أمامه تنظر إليه بصدمة. فتح عينيه قليلاً ونظر إليها ببرود قائلاً:
– ادخلي نضفي البيت وجهزيه بسرعة.
التفت إلى الداخل قبل أن يستمع إلى ردها. تابعته بصدمة بعد أن خفق قلبها بقوة وتخبطت مشاعرها عند رؤيتها له هكذا. لم يتغير عن الماضي، كان وما زال وسيمًا للغاية، خطف قلبها عند رؤيتها له.
خطت بقدميها إلى الداخل. رعشة قوية أصابت جسدها بعد دخولها الشقة. توقفت أنفاسها وهي تتذكر دخولها إلى هذه الشقة منذ أربعة أعوام.
***
يوم عقد قرانها من مطاوع.
{الخميس.. شتاء عام 2019}
عندما أخبرتها والدتها أن مطاوع في الطريق ومعه المأذون حتى يتم عقد القران، ركضت مسرعة إلى غرفتها وقامت بمهاتفة رشيد لكي تخبره وهي تلهث بخوف وهلع. استمع إليها بهدوء وأخبرها أن تجهز حقيبتها وتضع بها ملابسها ومتعلقاتها وتكون في انتظاره بداخل غرفتها.
فعلت ما قاله لها وهي في أشد حالات الخوف والتوتر. أغلقت الباب من الداخل لكي لا تراها والدتها وهي تجهز حقيبتها.
بعد وقت قليل وصل مطاوع ومعه المأذون والشهود. خفق قلبها بخوف عندما أتت والدتها إلى غرفتها لكي تخبرها أن العريس وصل ومعه المأذون. تحدثت إلى والدتها من خلف الباب وأخبرتها أنها ترتدي ثيابها وتستعد.
عادت والدتها إلى الضيوف وجلسوا في انتظار العروس. دقائق قليلة ووصل رشيد. وقف أمام باب منزلهم وقام بالاتصال على كارمن وطلب منها الخروج من غرفتها الآن. خرجت من غرفتها وجسدها يرتجف من شدة الخوف.
فتحت والدتها الباب وتفاجأت بوجود رشيد. نظرت إليه باستغراب وأردفت ببرود:
– أنت جاي تشهد على عقد الجواز ولا إيه يا حضرة الظابط؟!
رمقها بغضب وأجابها ساخرًا:
– لا حضرتك أنا جاي آخد مراتي.
حدقت به بصدمة، جف حلقها وهي تتحدث إليه بذهول:
– مراتك مين مش فاهمة؟!
تقدم إلى الداخل بخطوات واثقة متجاهلاً صدمة سهير. اقترب من مطاوع والمأذون والشهود وتحدث إليهم بقوة:
– ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا؟!
وقفت كارمن تتابع ما يفعله بتوتر وقلق. نظر إليها مطاوع باستغراب ثم تحدث إلى سهير والدة كارمن:
– مش ده الظابط ابن طليقك يا سهير؟!
اقتربت منهم سهير وأجابته بتوتر:
– آه هو..
نظر إليها رشيد بسخرية ثم أجاب على مطاوع بقوة:
– وأنا جوز بنتها..
انتفض مطاوع من مكانه وتحدث بصدمة:
– بنتها مين!!
أجابه رشيد بثقة:
– للأسف هي ملهاش غير بنت واحدة.
نظر مطاوع إلى سهير والدة كارمن وتحدث إليها بصدمة:
– الكلام ده حقيقي يا سهير؟ أنتِ ضحكتي عليا!
اقتربت منه سهير وتحدثت بقوة وصراخ:
– لا كدب.. متصدقوش.. بنتي مش متجوزة.. بنتي مش هتتجوز غيرك أنت زي ما اتفقنا.
اقترب رشيد من المأذون وأعطاه عقد زواجه من كارمن وهتف بقوة:
– ده عقد الجواز.. اتفضل حضرتك شوفه واتأكد.
نظر المأذون إلى عقد الزواج ثم وقف من مكانه وأردف بتأكيد:
– لا حول ولا قوة إلا بالله.. كنتي هتودينا في داهية يا هانم لو كنت كتبت كتابها وهي متجوزة.. عقد الزواج صحيح.. أظن وجودي هنا دلوقتي ملوش لازم.. عن إذنكم.
ذهب المأذون وخلفه الشهود. وقفت سهير تنظر إلى رشيد بصدمة، ثم التفتت تنظر إلى ابنتها الواقفة بعيداً تتابع ما يحدث دون تدخل. اقتربت منها والدتها بخطوات واسعة وأمسكت بذراعيها وضغطت عليها بقوة وأردفت بصراخ:
– أنتِ فعلاً اتجوزتيه؟ انطقي.. ردي عليا؟!
بكت كارمن من الخوف وأومأت برأسها بالإيجاب وأجابت على والدتها بصوت مبحوح:
– آه يا ماما اتجوزته.
صفعتها والدتها بقوة. ركض رشيد إلى كارمن وأخذها من أمام والدتها ووقف هو أمامها وتحدث إليها بغضب وتحذير:
– دي أول وآخر مرة إيدك تتمد على مراتي.. أنتِ لو مكنتيش مامتها أنا كنت دفعتك تمن القلم ده حياتك.
صرخت سهير بصدمة وهي لا تصدق أنه تزوج من ابنتها وانتصر عليها. أخذ رشيد كارمن وأخفى وجهها داخل صدره بحماية وهي تبكي داخل حضنه.
وقف مطاوع يتابع مشهد احتضان رشيد لكارمن بصدمة وجنون. اقترب من سهير وتحدث إليها بتهديد:
– كل الفلوس اللي خدتيها مني ترجعلي تاني يا سهير، يا إما أنتِ عارفة أنا ممكن أعمل فيكي إيه.
انتهى من حديثه وذهب بغضب. وقفت سهير تصرخ وتبكي بعد أن ضاعت فرصة الزواج والحصول على الكثير من أموال مطاوع مقابل زواجه من ابنتها.
نظر إليها رشيد باشمئزاز بعد أن تأكد من حقيقة أنها أرادت بيع ابنتها لهذا الرجل مقابل المال. ربت على ظهر زوجته وهمس إليها بهدوء:
– حبيبتي إحنا لازم نمشي من هنا.
رفعت وجهها وهي تبكي داخل حضنه وتحدثت إليه بصوت مبحوح:
– هنروح فين؟
مسد على وجهها بحنان وأجاب:
– هنروح بيتنا.
نظرت إلى والدتها بعيون باكية، لا تريد ترك والدتها بهذه الحالة. ابتعدت عن رشيد واقتربت من والدتها وتحدثت إليها ببكاء:
– سامحيني يا ماما أنا آسفة.. بس صدقيني أنا مكنتش هقدر أتجوز الراجل ده.
رمقتها والدتها بغضب وأردفت بنبرة حادة:
– ابعدي عن وشي مش عايزة أشوف وشك تاني.. امشي مع اللي اتجوزتيه من ورايا.. بس خلي بالك لما يزهق منك ويطلقك هتلاقي بابي مقفول في وشك.
انتفض جسدها من قسوة حديث والدتها معها. حمل رشيد حقيبتها واقترب منها وأمسك بيديها وتحدث إلى سهير قبل أن يأخذ كارمن ويذهب:
– من حقك تغضبي من جوازنا.. بس أنا عايزك تعرفي قبل ما نمشي إن مفيش راجل في الدنيا هيحب بنتك قد ما أنا حبيتها.. ومفيش مخلوق في الكون كله هيقدر يحافظ عليها ويسعدها قدي.
رمقته بنظرات غاضبة وصرخت بهما بقوة:
– خدها وابعدوا عن وشي.. أنا بنتي ماتت ودفنتها.. سامعين.. بنتي ماتت ودفنتها.
بكت كارمن بصدمة. أخذها رشيد من يدها إلى خارج المنزل. كانت تبكي بانهيار، حديث والدتها وغضبها عليها كان قاسي ولم تتحمله.
أخذها رشيد إلى السيارة وصعد بداخلها وانطلق بها إلى منزلهما الجديد. لم ينقطع بكاؤها طوال الطريق. كلما تذكرت قسوة والدتها تشعر بألم شديد بقلبها. لم تتوقف عن البكاء حتى توقفت على أعتاب هذه الشقة.
***
عادت من ذكرياتها على صوته وهو يخرج من غرفة النوم بعد أن بدل ثيابه وصفف شعره وأصبح جاهزًا للخروج من المنزل:
– أنتِ لسه واقفة عندك!
نظرت إليه بتوتر ثم عادت ببصرها إلى أثاث المنزل وجميع محتوياته المحطمة ومتناثرة فوق الأرض. بللت لعابها ونظرت إليه مجددًا قائلة بتوتر:
– مين اللي عمل في البيت كده؟!
اقترب منها وهو يرتدي جاكيته وتوقف أمامها يرمقها بغضب قائلاً:
– ده شيء ما يخصكيش.. يلا نضفي البيت وجهزي كل حاجة.
وقوفه أمامها جعل جسدها يرتجف وقلبها يخفق بقوة. ما زالت المشاعر بقلبها مثل الماضي وأكثر، لم يبدل الفراق بينهما شيء، بل زاد الاشتياق وأشعل اللهفة بداخلها. تشتاق كثيراً لعناقه لها، شعورها بالأمان بداخل حضنه، لمست يديه الدافئة، صوته الحنون، رِقته معها ومزاحه المستمر، دلاله لها ومعاملته الطيبة. تشتاق إليه بشدة. كم تمنت لو يعود بهما الزمان مرة أخرى!
رمقها بنظرات غاضبة، يريد صفعها بقوة على كل ما فعلته به. يريد الصراخ بها وسؤالها "لماذا خدعته؟ ماذا فعل معها حتى تبادل حبه وعشقه لها بالخيانة وكسر الوعود! لماذا تركتـه ولم تلتفت إليه! لماذا خذلته؟ أين ذهبت براءتها ولمعت عيناها وهي تقف أمامه وتطلع إليه بكل برود! هل هي بارعة في الخيانة حقاً مثل والدتها؟ هذا ما حذره منه جده في الماضي وهو لم يصغِ إليه. كم خذلته أمام الجميع، كم حطمت قلبه وجعلته غائبًا عن الوعي والاستيعاب لعدة شهور. يؤلمه قلبه بشدة، رؤيته لها تعذبه، وعدم رؤيته لها تألم قلبه وروحه.
هتف بها بغضب وهو يتطلع إليها بقسوة:
– اعملي اللي قولتلك عليه مفيش وقت.
تركها وتابع سيره اتجاه الباب. استوقفه صوتها وهي تنادي اسمه. أغمض عينيه بألم يتذكر عندما كانت تستوقفه بصوتها في الماضي وهو ذاهب إلى عمله. كانت تركض إليه وتعانقه بقوة وتتمسك به في محاولة منها حتى لا يذهب إلى العمل ويبقى معها. كان يبادلها العناق بقوة ويمازحها بحنان. كم كان سعيدًا معها وتمنى أن تبقى معه إلى آخر العمر، لكن ليس لأمنياته معها مكان في هذا العالم.
التفت ينظر إليها وينتظر ماذا تريد. اقتربت منه بخطوات مرتبكة وتحدثت إليه بصوت مبحوح:
– مراتك وابنك فين؟
رمقها بغضب وأجابها بقسوة:
– أنتِ جاية هنا النهاردة تشتغلي خدامة في البيت ده.. يعني مش من حقك تسألي أي سؤال، وتاني مرة مش عايز أسمع اسمي بصوتك لأني بقيت بكرهه.
تألم قلبها من قسوة كلماته، نظراته الغاضبة وصوته القاسي يؤلم قلبها بشدة. تلألأت الدموع بداخل عينيها وهي تتراجع إلى الخلف مرة أخرى. أومأت برأسها وخفضت وجهها أرضًا قائلة:
– أنا آسفة.
رمقها بسخرية وهو يستمع إلى عبارتها المعتادة. تحدث إليها ساخرًا قبل أن يترك المنزل ويذهب:
– وأنا مبقتش أقبل أسفك.
خرج من المنزل وأغلق الباب خلفه بقوة. وقفت تنظر أمامها بصدمة، هنا سمحت لدموعها بالتساقط كما يروق لها. انهارت وهي تبكي وتتألم. كتمت صوت شهقاتها وبكاءها بيديها. لا يمكنها فعل شيء الآن، فقط يمكنها البكاء بحسرة وندم على ما وصلت إليه علاقتهما. تعلم أن البكاء لن يعود بالماضي.
نظرت حولها وعيناها ما زالت تذرف دموع الندم. وضعت يديها فوق الأثاث ومسحت عليه بحزن. هناك الأريكة التي طالما كانا يجلسان عليها وهي بداخل حضنه في ليالي الشتاء الباردة. كانت تصنع المشروبات الساخنة وهما يشاهدان التلفاز معًا. وهنا المطبخ الذي كانت تقف به بالساعات وفي النهاية تخرج منه وهي تبكي بعد احتراق الطعام وانتزاع المكونات. كان يتقبل فشلها في طهي الطعام بصدر رحب، كان يمازحها ويساعدها في كل شيء.
اقتربت من غرفتهما الخاصة. وقفت تنظر إلى الغرفة وتتذكر مجيئها إلى هذا المنزل بعد أن أخذها من منزل والدتها.
تتذكر عندما أتى بها إلى هنا وأخبرها أن هذه الشقة لهما الآن، وأخبرها كيف اشتراها. كانت سعيدة جداً بجمال الشقة ورقي أثاثها. ظلت تدور بداخلها وتشاهدها من الداخل بحماس. اقتربت منه وهي تبتسم بسعادة قائلة:
– الشقة حلوة أوي أوي يا رشيد.. مش مصدقة إن ده بقى بيتنا!
خفق قلبه بشدة وهو يتابع ابتسامتها الرائعة وسعادتها الكبيرة. اقترب منها أكثر وعانقها بقوة قائلاً:
– أنتِ اللي ضحكتك حلوة أوي على فكرة.
ابتسمت بخجل وهي تتنعم بدفء حضنه. رفع وجهها إليه وتأمل شفاهها واقترب منها لكي يقبلها. ابتعدت عنه بخوف وجسدها يرتجف بشدة. تفهم خوفها وتوترها من اكتمال علاقتهما. قرر أن يعطيها بعض الوقت لكي تعتاد عليه وعلى المنزل.
أخذها إلى غرفتهما الخاصة وأخبرها أن هذه ستكون غرفتهما ويمكنها وضع ثيابها بها وترك لها مساحة كبيرة من حرية الحركة بداخل الغرفة عندما أخبرها أنه سيذهب إلى عمله لبعض الوقت. أومأت برأسها وهي تستمع إليه بتوتر حتى ذهب من المنزل. التقطت أنفاسها وهي تنظر حولها بسعادة وشغف. اعتادت على المنزل سريعاً واستطاع رشيد أن يطمئنها بحنانه وحبه الكبير لها، حتى اكتمل زواجهما بعد أيام قليلة من المكوث معًا بداخل شقتهما.
عادت من ذكرياتها وهي تتقدم إلى داخل الغرفة وتطلع إليها باشتياق. كل شيء بالغرفة كما هو! لم يتغير شيء! وقفت تنظر إلى الفراش وابتسمت بحزن عندما تذكرت ليلة إتمام زواجهما.
تذكرت عندما استمر بكاؤها بطريقة طفولية أكثر من ساعتين ورشيد يحاول تهدئتها وإيقافها عن البكاء، حتى تنهد بتعب وتحدث إليها بهدوء:
– حبيبتي أنتِ بقالك أكتر من ساعتين بتعيطي!
تحدثت إليه ببكاء وهي تضرب بيديها فوق صدره:
– أنت ضحكت عليا يا رشيد.
ضحك على طفولتها وتحدث إليها بدهشة:
– ضحكت عليكي في إيه يا كارمن أنتِ مراتي!
أجابته بعصبية أثارت ضحكته أكثر:
– بس أنت مقلتليش إن ده الجواز!
حدق بها بصدمة في محاولة لاستيعاب ما تقوله. شعرت بالغيظ من سخريته وحاولت الابتعاد عنه وترك الفراش. أمسك بيديها وهو يحاول كبت ضحكته بصعوبة:
– هو المفروض أنا كنت هقولك إزاي؟ وبعدين أنتِ مكنتيش تعرفي يعني إيه جواز؟!
أجابته بغضب وهي تحاول تخليص يديها من قبضة يديه لكي تبتعد عن الفراش وتتركه بالغرفة بمفرده:
– وأنا كنت هعرف منين! شوفتني اتجوزت قبل كده!
تحدث وهو يضحك:
– يعني أنتِ اللي شوفتيني اتجوزت قبل كده!
وقفت تنظر إليه بغيظ. حاول كتم ضحكته ورسم الجدية على ملامحه قائلاً لها:
– ممكن تهدي بقى وتخلينا ننام.
أجابته بعناد:
– لا مش هنام.
أومأ برأسه وتحدث إليها بمكر:
– تمام برحتك.. أنا أصلاً اللي غلطان، كان المفروض أسيبك تتجوزي مطاوع.
شهقت بفزع ونظرت إليه بصدمة قائلة:
– لا يا رشيد متقولش كده تاني.. ده كان شكله بيخوفني أوي.
فتح ذراعه لها لكي تقترب وتنام بداخل حضنه وتحدث إليها بجدية مصطنعة:
– خلاص تعالي نامي في حضني وأنا مش هقول كده تاني.
اقتربت منه بخجل، جذبها إلى داخل حضنه وضمها إليه بقوة وهمس إليها بعشق:
– بحبك…
جففت دموعها وهي تتذكر كم كانت سعيدة معه وحياتهما كانت رائعة. تمنت لو يعود بها الزمن ولا تفعل ما فعلته، لكن الزمان لن يعود أبداً وعليها تقبل فراقهما.
اتجهت إلى المرحاض خارج الغرفة لكي تضع بعض قطرات الماء على وجهها حتى تستعيد نشاطها وتبدأ في ترتيب المنزل وتجهيزه للحفل.
***
توقف رشيد بسيارته أمام منزل عائلته. تقدم إلى داخل المنزل وهو يفكر كيف سينتقم منها. ركض إليه "مروان" ابن شقيقته، صاحب الثلاثة أعوام. ركض إليه بسعادة وهو يردد بصوته الطفولي:
– خالو..
التقطه رشيد بداخل حضنه ووقف وهو يحمله ويقبله بسعادة.
اقتربت منهما رهف شقيقة رشيد وهي تبتسم قائلة:
– من ساعة ما وصلنا وهو نازل زن عليا "فين خالو؟ .. فين خالو؟"
ابتسم رشيد وهو يداعب ابن شقيقته وتحدث إليه بمرح:
– خالو كان بيجهز مفاجأة لـ مروان.
ابتسم الطفل بسعادة وتحدثت رهف بفضول:
– مفاجأة إيه؟
غمز رشيد إلى مروان بمرح وأجاب على شقيقته بمشاكسة:
– دي سر بيني وبين البطل مروان.. صح يا بطل؟
أجاب الطفل بحماس:
– صح.
ضحكت رهف وتحدثت بمرح:
– يعني أخرج أنا منها!
ضحك الطفل وهو بداخل حضن خاله. تحدث رشيد إلى شقيقته:
– لبسي البطل وجهزيه عشان هاخده ونخرج مع بعض.
نظرت إليه رهف بدهشة قائلة:
– هتروحوا فين؟
أجاب رشيد:
– هحتفل بعيد ميلاده.
ابتسمت رهف وأخبرته بهدوء:
– بس عيد ميلاد مروان كان من شهر واحنا احتفلنا بيه يا رشيد!
أومأ برأسه قائلاً:
– بس أنا من شهر كنت مسافر ومحتفلتش بيه.
ابتسمت بحنان وأمأت برأسها وأخذت مروان لكي تجهزه للخروج مع شقيقها.
اقتربت والدة رشيد منه وهي تنظر إليه بدهشة قائلة:
– رشيد أنت منمتش في البيت النهاردة؟!
اكتفى بإيماءة بسيطة رداً على سؤال والدته. ازداد فضولها وتحدثت إليه بدهشة:
– ونمت فين؟!
أجابها بهدوء:
– نمت في شقتي.
نظرت إليه بصدمة، ثم أردفت بصوت غاضب:
– وأنت إيه اللي يوديك الشقة دي تاني! معقول مش قادر تنساها بعد كل اللي عملته فيك!
حاول كتم غضبه وأجاب على والدته:
– أنا خرجتها من حياتي خلاص يا أمي وهي ملهاش علاقة بالشقة!
غضبت والدته بشدة وتحدثت بانفعال:
– أنت لازم تبيع الشقة دي وتخلص منها، أنا مش فاهمة أنت ليه متمسك بيها لحد دلوقتي!
خرج جده من غرفة مكتبه على أصواتهم المرتفعة. اقترب منهما وتحدث بدهشة:
– إيه الحكاية؟ ليه صوتكم عالي!
زفر رشيد بغضب واحتفظ بصمته. اقتربت منه والدة رشيد وأجابته بلوم على ابنها:
– اسأله كان نايم فين امبارح يا عمي! معقول لسه محتفظ بالشقة ومش عايز يبيعها ويخلص منها!
نظر إليه جده بصمت. خفض رشيد وجهه أرضاً وتحدث بغضب مكتوم:
– ياريت محدش يدخل في حياتي.. أنا كبير كفاية ومش محتاج نصايح من حد.
رمقته والدته بصدمة وصدح صوتها الغاضب عالياً:
– سامع يا عمي بيقول إيه.. مش عايزنا نتدخل في حياته.. يبقى البنت دي رجعت دخلت حياته تاني وهتقدر تضحك عليه زي ما عملت قبل كده!
لقد نفذ صبره ولم يتحمل حديث والدته. ارتفع صوته الحاد رداً على حديث والدته:
– كفاية بقى أنا تعبت.. ليه محدش حاسس بالنار اللي جوايا.. ليه مش مقدرين إن أنا خسرت أغلى حاجة في حياتي وخسرت شغلي ومستقبلي! أنا خسرت حياتي كلها على إيد البنت الوحيدة اللي حبيتها، أنا مستحيل أنسى خيانتها ليا.. مستحيل أنسى إنها دمرت حياتي! إزاي فاكرين إني ممكن أسمحلها ترجع لحياتي بالسهولة دي! أنتم إزاي متخيلين إن الأربع سنين اللي عشتهم بعيد عنها وعنكم وعن البلد كلها قدروا ينسوني خيانتها!
اقترب منه جده وتحدث إليه بهدوء:
– هو ده اللي قلقنا عليك يا رشيد، إن انت لحد دلوقتي مقدرتش تنسى!
نظر إلى جده وأومأ برأسه بحزن قائلاً:
اقتربت منهم رهف وهي تحمل ابنها مروان. لاحظت وجود توتر بين شقيقها وجدها ووالدتها. ركض مروان إلى رشيد بحماس، حمله رشيد وقبله بحب. ثم نظر إليهم وتحدث قبل أن يذهب:
– أنا هاخد مروان نحتفل بعيد ميلاده أنا وهو.
ذهب من أمامهم وهو يحمل ابن شقيقته ويداعبه بمرح. تابعته أعين جده ووالدته وشقيقته. نظرت والدة رشيد إلى الجد وتحدثت إليه بقلق:
– وبعدين يا عمي! إحنا هنسيبه يدمر اللي باقي من حياته كده؟
نظر إليها الجد بتفكير. يخشى أن يعود رشيد إلى تلك الفتاة مرة أخرى. جلست رهف تفكر معهم بشرود حتى صدح صوتها بشغف:
– الحل الوحيد إن رشيد يتجوز.
رواية كارمن الفصل العاشر 10 - بقلم ملك ابراهيم
نظرت إليها والدتها باهتمام تفكر في اقتراحها.
تنهد الجد بقلة حيلة لأنه يعلم بعدم موافقة حفيده على الزواج بعد فشل زواجه الأول.
تحدثت والدة رشيد بعد تفكير:
– عندك حق يا رهف.. مفيش حد هيقدر ينسيه البنت دي غير بنت تانيه.. بس المهم تكون بنت كويسه ومن عيله تشرف عيلتنا.
نظر إليهما الجد وزفر بغضب.
ثم تحدث إلى زوجة ابنه:
– لما وجيه يرجع من شغله خليه يجيلي اوضتي.. لازم اتكلم معاه ونفكر في حل.
بهتت ملامحها وهمست بداخلها:
– هو وجيه فاضي لحد!
نظرت رهف إلى والدتها وتحدثت بتأكيد:
– فعلا يا ماما، بابا لازم يساعدنا ويشوف حل مع رشيد.
أومأت والدتها برأسها بالإيجاب.
بداخل شقة رشيد.
انتهت كارمن من ترتيب المنزل واستقبلت زميلاها بالمطعم والذي جاء بالمأكولات ومستلزمات الحفل التي طلبها رشيد من مديرهم.
تركها زميلاها لكي تقوم بعملها في التخديم بهذا الحفل الصغير وعاد هو إلى عمله.
أعدت كل شيء بعد ترتيب المنزل ولم تستطع البقاء في المنزل لاستقباله هو وزوجته وابنه.
لا يمكنها فعل ذلك، تشعر بنيران تحرق قلبها كلما تذكرت أنه استطاع الزواج من أخرى.
ذهبت من المنزل قبل عودته.
ركضت وكأنها تهرب من مواجهته ولا تريد رؤيته مع عائلته الصغيرة التي كونها بعد انفصاله عنها.
عاد رشيد إلى المنزل ومعه مروان ابن شقيقته.
كان المنزل هادئًا ولمستها الرائعة في ترتيبه كانت واضحة.
تقدم إلى الداخل وبحث عنها في كل مكان ولم يجدها.
اقترب منه ابن شقيقته وتحدث إليه بصوته الطفولي:
– خالو.. إحنا هنعمل إيه؟
نظر إليه بتفكير، ثم تحولت نظراته إلى الغموض وأجاب بمكر:
– هنلعب شوية.
ابتسم الطفل بسعادة وركض يلهو ويلعب أمامه.
ابتسم بمكر وهو ينظر إلى هاتفه، بحث عن اسم خالد صديقه واتصل عليه وانتظر رده وهو يرتب خطته بتفكير عميق.
لحظات قليلة وأجاب عليه خالد بسعادة:
– رشيد عامل إيه طمني عليك؟
أجابه رشيد بهدوء:
– خالد أنا محتاج منك خدمة ضروري.
تحدث خالد بثقة:
– وأنا تحت أمرك يا رشيد.
ابتسم رشيد بقسوة وأخبره بماذا يريد.
بعد ثلاث ساعات بداخل الغرفة التي تمكث فيها كارمن مع والدتها.
كانت كارمن تجلس متكومة فوق الفراش بنفس الثياب التي أتت بها ولم تبدل ثيابها.
كانت شارده فيه، تفكر ماذا يفعل الآن مع زوجته وابنه! كيف يحتفلون؟
تابعت والدتها شرودها وحزنها الواضح باستغراب.
لم تسألها ما بها! تجاهلتها وجلست تقرأ إحدى الصحف وتتابع الموضة وهي تتحسر على حالها وما وصلت إليه بعد الثراء الذي كانت تعيش به.
بعد دقائق قليلة استمعوا إلى صوت طرق قوي على باب الغرفة، حتى كاد الطارق أن يحطم الباب.
وقفت كارمن مسرعة وفتحت الباب بقلق.
صدمها وجود رجال الشرطة أمام الغرفة.
حدقت بهم بصدمة وارتجف جسدها بشدة، همست بصوت مبحوح وهي تسألهم ماذا يريدون.
جف حلقها بخوف.
شحب وجهها وهي تحدق به بصدمة، بللت لعابها وأجابته بخوف.
اقترب منها رجال الشرطة وقاموا بالإمساك بها.
صرخت بينهم بخوف وهي تردد بهلع.
لم يجيب عليها أحد، أخذوها إلى سيارات الشرطة بالأسفل.
وقفت والدتها تتابع ما يحدث باستغراب.
لم تتحرك من مكانها وهم يأخذون ابنتها أمام عينيها.
ولم تفكر في الإلحاق بها، همست إلى نفسها بثقة: "أكيد فيه حاجة غلط وهيرجعوها تاني! كارمن مش ذكية عشان تعمل حاجة خارجة عن القانون!!"
صعدت كارمن إلى داخل سيارة الشرطة، كانت تبكي بخوف وأهل الحي يقفون على الصفين يشاهدون ما يحدث معها ويتساءلون ماذا فعلت هذه الفتاة!
جلس رشيد أمام الرائد خالد صديقه وزميله سابقًا قبل أن يخسر رشيد عمله بالشرطة منذ أربعة أعوام.
تحدث إليه خالد بثقة وهو يخبره ماذا فعل مع كارمن بعد مكالمته:
– بعت ظابط ثقة من رجاله المطعم اللي هي بتشتغل فيه وخدوا العنوان من هناك وراحوا خدواها من البيت.
أومأ برأسه وهو يستمع إلى نجاح خطته.
ثم نظر إلى خالد وتحدث إليه بفضول:
– وهي فين دلوقتي؟
توتر خالد قليلاً وأجاب عليه بهدوء:
– أنا خليتها تبات في غرفة مكتبي وقعدت أنا هنا في المكتب ده.
رمقه رشيد بغضب وأردف بعصبية:
– ليه عملت كده يا خالد! أنا كنت عايزها تبات في التخشيبة على الأرض.. كنت عايزها تدوق اللي أنا دوقته بسببها.
وقف خالد من مكانه وجلس أمام رشيد وتحدث إليه وهو يجلس مقابلاً له:
– مكنش ينفع أعمل غير كده يا رشيد.. متنساش إن كارمن لسه مراتك.
نظر إليه رشيد بصدمة.
أومأ خالد برأسه بالإيجاب وأضاف:
– محدش يعرف إنك طلقتهاش غيري.. ولو أنت نسيت ده،، فـ أنا مستحيل أنسى.
نظر إليه رشيد وأردف بغضب:
– أنا مطلقتهاش لحد دلوقتي عشان من حقي أعرف هي ليه عملت فيا كده..؟
ربت خالد على يديه بدعم:
– وأنا معاك يا رشيد لحد ما تتأكد وتعرف الحقيقة.
للأسف إحنا مقدرناش نعرف الحقيقة من أربع سنين بسبب اختفاءها المفاجئ، بس هي دلوقتي ظهرت وتقدر تعرف منها هي ليه عملت فيك كده!
نظر إليه رشيد وهو يعلم أن كل شيء حدث يؤكد خيانة كارمن له، لكن هناك شعور بداخله يرفض تصديق خيانتها.
وضع يديه فوق رأسه بتعب، أرهقه التفكير كثيرًا.
تذكر ما فعلته بعد ثلاثة أشهر من زواجهما…
كم كان سعيدًا معها، كانت حياتهما رائعة طوال الثلاثة أشهر، ازداد عشقه لها وتعلقه بها، كانت تلجأ إليه وتعتمد عليه في كل شيء، كانت فتاته المدللة، كان يذهب إلى عمله في الصباح وهي تذهب إلى الجامعة، ويعودان في المساء.
كانا يتناولان الطعام معًا وسط أجواء رومانسية رائعة ويتبادلان الحديث والمزاح حتى الصباح.
أصبح قلبه ينبض بعشقها، كان سعيدًا معها للغاية حتى تمنى لو تتوقف الحياة وهي بداخل حضنه.
لكن الحياة بينهما تغيرت فجأة!
هي من تغيرت!
أصبحت طوال الوقت صامتة، شاردة، التوتر يسيطر عليها طوال الوقت، حديثها غامض وردودها حادة.
تساءل كثيرًا بداخله: ماذا حدث معها لكي تتبدل هكذا! ما الشيء الذي يقلقها ويجعلها شاردة طوال الوقت؟
يتذكر عندما كان يسألها ماذا حدث معها، كانت دائمًا تخبره أنها بخير، رغم ملاحظته القوية لتغيرها وعصبيتها الغير طبيعية.
تذكر ذات يوم عندما كان بعمله، أخبره أحد زملائه أن هناك شخصًا ما قدم بلاغًا ضده، يتهمه باستخدام سلطته وعمله في الاتجار بالمواد المخدرة.
كان الخبر مثل الصاعقة عليه، أخبره زميله أنهم في طريقهم لتفتيش منزله.
ركض إلى منزله مسرعًا لكي يكون بجوارها عند حضور رجال الشرطة إلى منزله، حتى لا يفزعها حضورهم وتفتيشهم للمنزل.
وصل إلى المنزل قبل وصول رجال الشرطة.
استغربت كارمن حضوره باكرًا.
تحدث معها وأخبرها أن هناك تفتيشًا من الإدارة وعليه تنفيذ الأمر.
لم تفهم شيئًا، وقفت بتوتر وهي تستمع إلى صوت جرس الباب، ذهب رشيد وفتح الباب ورحب برجال الشرطة، اعتذر منه أحدهم وأخبره أن عليه تنفيذ الأمر بالتفتيش.
رحب بهم رشيد وهو على يقين أن البلاغ كاذب وسوف يتأكدون الآن عند تفتيشهم المنزل وتأكدهم أن البلاغ كيدي.
بدأ رجال الشرطة في التفتيش، كانت كارمن تتابع ما يحدث بخوف وتوتر.
اقترب منها رشيد وأمسك بيديها لكي يهدأها قليلاً وظل يطمئنها أن كل شيء على ما يرام.
خرج أحد رجال الشرطة من غرفة النوم وهو يحمل بيديه حقيبة بلاستيكية صغيرة بها أكياس من مادة الهيروين المخدرة.
اقترب من الضابط وأعطاه الحقيبة باحترام.
وقف رشيد بصدمة يتابع ما يحدث بذهول، لا يصدق ما حدث، كيف خرج من غرفته بهذه الحقيبة! من أين أتى بها؟ كيف أتت هذه الحقيبة إلى غرفته؟!
اقترب منه الضابط وتحدث إليه:
– للأسف يا رشيد أنا مضطر أقبض عليك.
شهقت كارمن بصدمة.
وقف رشيد وهو في حالة صدمة لا يستوعب أي شيء، لا يعلم ماذا حدث ومن أين أتت هذه الحقيبة!
بكت كارمن وهي تراهم يضعون يديه بداخل أصفاد حديدية.
نظر إليها وتحدث إليها بقوة:
– متخافيش يا كارمن أكيد فيه حاجة غلط.. خليكي في البيت واقفل على نفسك كويس وأنا هرجعلك تاني متقلقيش.
بكت بانهيار وهي تتابع ذهابهم من المنزل وهو معهم، جلست على الأرض تبكي بانهيار.
كان يستمع إلى صوت بكائها وهو ذاهب مع رجال الشرطة إلى سياراتهم، لم يتحمل تركها بهذه الحالة، تمنى لو يركض ويعود إليها ويخبرها أن ما حدث معه ما كان إلا مزحة من أصدقائه معه.
لا يعلم أن ما حدث ما كان مزحة، إنما كان أمر مرتب له.
لم تنته التحقيقات معه لمدة 15 يومًا، جميع الأدلة كانت ضده.
جلس معه المحامي الخاص به وأخبره أن كل شيء ضده، حتى شهادة زوجته.
نظر إلى المحامي بصدمة، أخبره المحامي أن زوجته أكدت بشدة عدم دخول أحد غريب إلى المنزل وأكدت أنه يملك تلك الحقيبة البلاستيكية التي كانت ممتلئة بالمواد المخدرة، وهذا يعني أنه هو من وضع هذه الحقيبة بداخل غرفة نومه.
كان يعلم جيدًا أن زوجته ما زالت صغيرة ساذجة ولا تعلم خطورة شهادتها عليه.
لكنه كان في حيرة من عدم زيارتها له طوال الخمسة عشر يومًا!
كان ينتظرها كل يوم ويتمنى رؤيتها حتى يؤكد لها أنه لم يفعل ما اتهم به، يخشى أن تصدق أنه خائن لعمله ويعمل في اتجار المخدرات، لا يفكر في شيء الآن سوى إثبات براءته أمامها.
بعد عدة أيام..
جاء ضيف جديد إلى غرفة الحبس الذي يقيم بها رشيد حتى تنتهي التحقيقات.
اقترب من رشيد وجلس بجواره وعلى وجهه ابتسامة باردة.
نظر إليه رشيد وتذكره على الفور، تلك الابتسامة الباردة لن ينساها أبدًا.
إنه "سعد بشار!" الرجل الذي قبض عليه رشيد بعد إطلاق صراحه بساعات قليلة، عندما اختطف رجاله باص الرحلات الذي كان في طريقه إلى العين السخنة وكان به مجموعة كبيرة من الفتيات.
ابتسم سعد ساخرًا من وضع رشيد وتحدث إليه بمكر:
– منور يا باشا.. السجن للجدعان.
رمقه رشيد بغضب قائلاً:
– السجن للمجرمين والخارجين عن القانون.
ضحك سعد بطريقة مستفزة قائلاً:
– يعني بتعترف يا باشا إنك مجرم وخارج عن القانون!
رمقه رشيد بغضب وصدح صوته الغاضب قائلاً له بعصبية:
– متنساش نفسك يا سعد واعرف أنت بتكلم مين.
أجابه سعد ساخرًا:
– عارف طبعاً يا باشا.. دا أنت نورت هنا على إيدي.
جذبه رشيد من ثيابه بغضب قائلاً له بانفعال:
– أنت ليك يد في اللي حصلي ده؟!
أجابه سعد بإيماءة بسيطة من رأسه قائلاً باستفزاز:
– اومال يعني يا باشا كنت عايز تعلم عليا وأنا أقف أتفرج عليك، دا أنت خليت اسمي في الأرض يوم ما قبضت عليا أنا ورجالتي.. كان لازم أخليك عبرة قدام الناس كلها عشان أرجع هيبتي في السوق تاني.
لكمه رشيد بقوة قائلاً له بغضب:
– دا أنا اللي هعمل منك عبرة قدام الدنيا كلها.
جذبه من ثيابه واقترب من الباب وهو يتحدث بقوة:
– لازم تعترف إن انت اللي عملت كده.
ضحك سعد بسخرية وهو يحاول تخليص ثيابه من يديه وتحدث بثقة:
– بس أنا لو اعترفت يا باشا مش هشيلها لوحدي.
حدق به رشيد باستغراب.
أومأ سعد برأسه بثقة واضاف:
– المدام بتاع سيادتك هتشيلها معايا.
حدق به رشيد بصدمة.
ابتسم سعد ساخرًا واضاف:
– هو أنت مسألتش نفسك يا باشا مين اللي دخل المخدرات دي بيتك وحطها في دولابك؟
ترك رشيد ثيابه وهو ينظر إليه بصدمة.
اعتدل سعد في وقفته واضاف بثقة:
– بس أنت طلعت رخيص عند المدام أوي يا باشا.. آه لو تعرف المبلغ التافه اللي هي خدته قصاد خدمتها لينا.
رمقه رشيد بغضب ورفض تصديق حديثه.
تحدث بصوت غاضب قوي:
– أنت كداب.. أنا مراتي مستحيل تعمل كده!
ابتسم سعد بثقة قائلاً:
– أنا لو مكانك برضه مش هصدق يا باشا.. بس إيه رأيك لو تسألها بنفسك؟
ثقته وهو يتحدث كانت تؤكد صحة ما يقول، لكن قلب رشيد وعقله لا يصدقان.
اقترب سعد من الباب وطرق عليه، فتحه له أحد رجال الشرطة.
ابتسم سعد بسخرية قبل أن يذهب ونظر إلى رشيد بانتصار، ثم ذهب إلى غرفة الحبس الأخرى.
جلس رشيد وهو في حالة من الصدمة، ظل يردد بداخله؛ كيف فعلت به هذا! من المؤكد أن هذا المجرم كاذب ويريد إفساد حياته فقط، لكن كيف كان يتحدث بثقة وطلب منه مواجهة زوجته.
هل عليه مواجهتها حقًا! لكنه يثق بها ثقة عمياء ولا يمكنه مجرد التفكير بخيانتها له.
شعر وكأنه سيفقد صوابه الآن، كان قلبه يؤلمه خوفًا من أن يتأكد أن ما أخبره به سعد حقيقي.
وقف وتحدث إلى أحد رجال الشرطة الواقفين أمام الباب، طلب منه أن يخبر النقيب خالد أنه يريد رؤيته في صباح الغد للضرورة.
عاد إلى مكانه وجلس وهو يفكر بها، يفكر في تبدل حالها في آخر فترة بينهما! يفكر في عدم حضورها لرؤيته منذ اعتقاله! يفكر في شهادتها ضده!
هناك أشياء كثيرة تجبره على التفكير في حديث سعد ولكن قلبه يخبره أنها لن ولن تفعلها.
صباح اليوم التالي..
ذهب خالد لرؤيته كما طلب منه رشيد، لكنه توقف فجأة عن السير عندما اصطدمت به كارمن وهي تخرج من المبنى المسجون به رشيد.
كانت تخفي عيناها أسفل نظارة سوداء وتسير بخطوات مسرعة، ارتبكت كثيرًا عندما رآها خالد.
تركته وركضت من أمامه قبل أن يتحدث إليها.
وقف خالد يتابع ما فعلته باستغراب، اعتقد أنها أتت لرؤية رشيد وحدثت بينهما مشاجرة.
تابع سيره إلى وجهته وذهب لمقابلة رشيد.
انتظره قليلاً وجاء إليه رشيد وهو يسير بإرهاق، كان وجهه شاحبًا من قلة النوم وكثرة التفكير.
نظر إليه خالد بقلق وتحدث إليه:
– رشيد أنت كويس؟ شكلك تعبان أوي!
جلس رشيد أمامه وتحدث بإرهاق:
– أنا كويس يا خالد اقعد متقلقش.. أنا عايزك تسمعني كويس في اللي هقوله.
حدق به خالد باستغراب قائلاً:
– في إيه يا رشيد.. أنت قلقتني؟!
نظر إليه رشيد وبدأ يخبره بحديث سعد معه.. كان خالد يستمع إليه بصدمة وعقله رافض تصديق ما يخبره به.
تحدث خالد بفضول بعد أن انتهى رشيد من الحديث وأخبره بكل شيء قاله سعد:
– وأنت لما سألت كارمن قالتلك إيه؟!
زفر رشيد بتعب قائلاً:
– مسألتهاش عشان مشوفتهاش من اليوم اللي اتقبض عليا فيه.
حدق به خالد باستغراب، ليضيف رشيد بحيرة:
– وده اللي مجنني! مش متخيل إن كارمن متفكرش تيجي تشوفني ولو مرة واحدة!
استوقفه خالد عن الحديث بإشارة من يديه قائلاً بصدمة:
– لحظة واحدة.. أنت عايز تقول إن انت مشوفتش كارمن من يوم ما اتقبض عليك؟ يعني كارمن مكانتش هنا النهارده بتزورك؟!
نظر إليه رشيد باستغراب وأجاب:
– لا.. أنا مشوفتش كارمن من آخر مرة كنا في الشقة مع بعض لما اتقبض عليا.
نظر إليه خالد بصدمة وهو يفكر؛ إذا لم تأت كارمن لرؤيته! لمن أتت؟
حدق به رشيد بترقب وسأله بقلق:
– في إيه يا خالد؟!
نظر إليه خالد بصدمة واجاب:
– في إن أنا قابلت كارمن وهي خارجة من هنا، وفكرت إنها كانت بتزورك، والغريب إنها اتوترت جدًا لما شافتني!
حدق به رشيد بصدمة وسأله بقوة:
– أنت متأكد إنها كارمن يا خالد؟
أجابه خالد بثقة:
– طبعًا يا رشيد متأكد.
وقف رشيد من مكانه وهو يحاول استيعاب ما يسمعه، فكر بداخله بصوت مسموع:
– معقول كارمن كانت هنا ومجتش تشوفني! هتكون كانت هنا بتعمل إيه؟
نظر إليه خالد بحيرة هو الآخر واجاب:
– يمكن كانت بتزور حد هنا!
استرسل له عقله وجود سعد بشار بنفس المبنى، التفت ينظر إلى خالد وتحدث إليه بقوة:
– أنا لازم أعرف هي كانت هنا بتزور مين؟
وقف خالد ونظر إليه باهتمام، تحدث إليه رشيد مرة أخرى:
– أنت هتقدر تعرف بسهولة هي كانت بتزور مين.
أومأ خالد برأسه بالإيجاب.
أومأ رشيد برأسه وهو ينظر إليه بصدمة.
ذهب خالد وجلس رشيد مرة أخرى، عقله رافض استيعاب خيانتها له! هل من الممكن أنها تعاونت حقًا مع سعد بشار؟
كثرة الأسئلة بأفكاره حتى شعر أنه على وشك الجنون.
كانت لحظات انتظاره لـ خالد كالدهر، تتخبط به الأفكار مثل السهام المشتعلة، يدعو بداخله أن لا يتأكد من خيانتها، فهو يثق بها ويعلم أن ما قاله سعد بشار ما هو إلا خدعة منه.
عاد خالد إليه وهو يخفض وجهه بصدمة، ملامحه ووقفته تؤكدان أن هناك شيئًا لا يريد إخبارها به.
حدق بـ خالد وسأله بترقب وقلبه يخفق بقوة شديدة:
– إيه يا خالد طمني؟
نظر إليه خالد بحزن واجاب:
– أنا مش عارف أقولك إيه يا رشيد.. بس الواضح إن كلام سعد بشار صح.