تحميل رواية «كارمن» PDF
بقلم ملك ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تتحرك بخفه وهي تحمل المشروبات الباردة وتوزعها بأحترافيه على حضور هذا الحفل التي جاءت تعمل به گ نادلة. تبتسم بسخرية وهي تتابع ما يفعله اصحاب الطبقة المخمليه التي كانت تنتمي اليها منذ فترة بعيدة. اقتربت منها صديقتها “مودة” والتي تسكن معها في نفس الحي. ابتسمت مودة وتحدثت بأنبهار: – انتي شايفه اللي انا شيفاه ده! هو في ناس عايشين كده فعلاً ولا احنا اللي مش عايشين! ابتسمت ساخرة والقت نظرة سريعه حولها واجابة: – متخليش المظاهر دي تخدعك يا مودة.. تبدلت نظراتها الي الغضب واضافة: – الناس اللي زي دول م...
رواية كارمن الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ملك ابراهيم
أنا مش عارف أقول لك إيه يا رشيد، بس واضح إن كلام سعد بشار صح.
انتفض جسده وأصبح قلبه على وشك التوقف، انقطعت أنفاسه فجأة وكأن روحه تنسحب منه وتتركه يعيش هذه اللحظة بدون قلب وبدون روح، لكي لا يشعران قلبه وروحه بهذا الألم الذي يعيشه الآن.
اقترب منه خالد وربت على ظهره بدعم قائلاً بحزن:
– رشيد، أنت لازم تكون قوي وتستقبل الصدمة دي بعقل عشان نقدر نثبت براءتك ونخرجك من هنا.
سأله رشيد بصوت مبحوح وهو ينظر أمامه بصدمة:
– عرفت كانت بتعمل إيه هنا؟
أومأ برأسه بالإيجاب، وتحدث بحزن:
– كانت بتزور سعد بشار.
أغمض رشيد عينيه بصدمة، ثم ضرب بقبضة يديه فوق الطاولة أمامه بقوة وهو يصرخ بصدمة، لا يصدق ما فعلته به بعد حبه الكبير لها وعشقه لها الذي تخطى حدود العشق، كيف تعاونت مع ذاك المجرم! كيف استطاعت أن تفعلها به! هل هذه حبيبته البريئة النقية التي خطفت قلبه! أين ذهبت براءتها؟ هل استطاعت خداعه مثل ما فعلت والدتها مع والده سابقًا؟ هل كان جده محقًا عندما حذره منها وأخبره أنها مثل والدتها؟ هل هذا جزاؤه بعد كل ما فعله معها!
اقترب منه خالد وأمسك بيديه وتحدث إليه بقوة:
– رشيد، أنت لازم تهدى عشان نقدر نفكر ونلاقي حل، ومتنساش إنها مراتك، يعني حتى لو اتهمناها يبقى هنضر اسمك وسمعتك.
تبدلت نظرات عينيه إلى نظرات نارية قاسية، أراد مواجهتها بخيانتها والانتقام منها بقسوة، نيران مشتعلة بقلبه لن يشعر بها أحدًا غيره، أفكار كثيرة بالانتقام استرسل له عقله بها حتى تهدأ النيران المشتعلة بداخله.
نظر إليه خالد بقلق وشعر بالصراع الدائر بداخله. تحدث إليه رشيد بصوت ذي نبرة قاسية:
– أنا لازم أشوفها يا خالد.. اعمل أي حاجة وهاتها لي هنا.
حدق به خالد بقلق، شعر بنيته في الانتقام منها، يعلم أن هذا ليس الوقت المناسب لمناقشته في شيء، أومأ له برأسه بالإيجاب لكي يهدأه قليلاً:
– حاضر يا رشيد.. اللي أنت عايزه هيتنفذ.
ذهب خالد وهو يفكر كيف يحميه من غضبه وأفكاره المتهورة في الانتقام، لم يجد أمامه سوى الذهاب إلى جد رشيد.
ذهب إلى اللواء المتقاعد "نور الدين الجبالي" جد رشيد. وأخبره بكل شيء.
لم يتفاجأ جد رشيد كثيراً عندما أخبره خالد أن زوجة رشيد هي من تعاونت مع سعد بشار ضده، هذا ما كان ينتظره أن يحدث من فتاة لها أم مثل سهير سالم، يضع كل الخطأ على حفيده؛ هو من ذهب إليها ووضع اسمه وحياته بين يديها، لم يقم جده بمساعدته حتى الآن لكي يعطيه الوقت الكافي لكي يستيقظ من هذا العشق الذي أعمى عينيه وجعله أسيراً لتلك الفتاة التي حذره منها سابقاً، لكنه لم يلتفت إلى حديث جده وذهب وتزوج منها رغمًا عن الجميع.
كان جد رشيد ينتظر انتهاء التحقيقات مع حفيده وهو على يقين أن التحقيقات سوف تثبت براءته، لكن لا يمكنه الانتظار بعد الآن، عليه فعل كل شيء لإثبات براءة حفيده بنفسه وإخراج تلك الفتاة من حياته إلى الأبد.
ذهب جد رشيد إلى صديقه اللواء طلعت. استقبله اللواء طلعت بترحاب شديد. جلس جد رشيد وتحدث معه:
– وبعدين يا طلعت! .. التحقيق مع رشيد طول أوي وكل ده ملوش لازمة!
أجابه اللواء طلعت باحترام:
– حضرتك عارف الإجراءات.. بس أنا عايز أطمن حضرتك إن كل التحقيقات الجديدة بتاعتنا في صالح رشيد رغم أقوال زوجته اللي مكانتش في صالحه أبداً!!
غضب جد رشيد وأردف بعصبية:
– انسى موضوع مراته ده يا طلعت لأنها السبب في كل اللي حصل.. خلينا في المهم وطمني وصلتوا لإيه؟
أجابه اللواء طلعت:
– مفيش إثبات واحد ظهر يثبت أن رشيد له علاقة بالمخدرات، ومفيش أي بصمات له على شنطة المخدرات اللي اتمسكت في غرفة نومه، وثبتت بصمات كتير مختلفة على الشنطة والأكياس اللي جواها وده بيأكد إن الشنطة دي اتحطت في بيته عن طريق أشخاص رتبوا لكل ده.
أومأ جد رشيد برأسه مؤكداً:
– أنا عرفت مين اللي رتب كل ده يا طلعت.
حدق به اللواء طلعت بفضول، تحدث جد رشيد مرة أخرى وأجاب فضوله:
– سعد بشار اللي رشيد قبض عليه في قضية اختطاف أتوبيس البنات.
نظر إليه اللواء طلعت بصدمة وتحدث باستغراب:
– وحضرتك عرفت إزاي الموضوع ده؟!
أجابه جد رشيد:
– هو راح بنفسه واعترف لـ رشيد وكان هدفه من الاعتراف ده إنه يعرف رشيد إنه انتصر عليه وانتقم منه.
استمع إليه اللواء طلعت باهتمام وتحدث:
– يبقى إحنا لازم نخليه يعترف.
تحدث جد رشيد ببساطة:
– مش محتاجين نضغط عليه عشان يعترف.. كفاية إنكم تقبضوا على رجّالته اللي برا وتعملوا تطابق للبصمات وأنا متأكد إن هتطلع بصماتهم هي اللي موجودة على الشنطة والمخدرات.
أومأ اللواء طلعت برأسه بالإيجاب، وهو يستمع إلى خطة اللواء المتقاعد نور الدين الجبالي.
بعد أسبوع..
استطاعوا القبض على عدد من رجال سعد بشار بخطة مرتبة من اللواء نور الدين الجبالي وتم التأكد من تطابق البصمات الموجودة على أكياس المخدرات مع بصماتهم وبدأ التحقيق معهم ومع سعد بشار.
تحدث اللواء طلعت مع اللواء نور الدين الجبالي وأخبره أن بإمكانهم إطلاق سراح رشيد الآن لكن لا يمكنه العودة إلى عمله حتى انتهاء التحقيقات مع سعد بشار ورجاله وإثبات براءته بالكامل وخصوصًا بعد ذكر اسم زوجة رشيد في اعترافات رجال سعد بشار.
خلال هذا الأسبوع. كان رشيد في أسوأ حالاته النفسية، لم يذهب خالد إليه منذ حديثه الأخير معه عندما أخبره بخيانة زوجته له.
دخل إليه أحد الضباط وأخبره بإطلاق سراحه الآن بعد إثبات براءته.
خرج رشيد وكل ما يشغل أفكاره هو الذهاب إلى كارمن ومواجهتها بما فعلته والانتقام منها. لم يفكر ماذا حدث في القضية وكيف تم إثبات براءته، كل ما يفكر به الآن هو المواجهة والانتقام. لكن جده لم يعطه الفرصة.
كان جده في استقباله ومعه خالد وكان معهم مأذون شرعي. أراد منه جده أن يطلق زوجته قبل خروجه من هذا المبنى حتى يطوي صفحتها من حياته ويبدأ حياته من جديد بدونها، لكن رشيد رفض يطلقها قبل أن يواجهها ويعلم منها لماذا فعلت به ما فعلته؟
لم يستطع جده إقناعه بالطلاق، استسلم جده لرغبته وتركه يذهب إليها ويواجهها بمنزل والدتها ولكنه اشترط ذهاب خالد معه لكي يوقفه عن أي فعل متهور يفكر به.
ذهب رشيد مع خالد بسيارته، كانت الكثير من الأسئلة تتزاحم برأسه، لا يصدق حتى الآن ما فعلته به.
توقفت السيارة أمام منزل والدتها، ترجل من السيارة وهو يركض إلى منزلها بجنون، يريدها تجيب على أسئلته، يريدها أن تخبره أن ما فعلته به ليس حقيقيًا.
وقف يطرق على باب منزلها بقوة، ركض إليه خالد وحاول تهدئته، ظل رشيد يطرق على الباب بقوة ولم يأتيه رد من الداخل، دخل في حالة هيستيرية وهو يطرق على الباب بقوة حتى كاد أن يحطم الباب. حاول خالد السيطرة عليه وتهدئته بصعوبة، لكن رشيد كان يصرخ وينادي اسمها بطريقة جنونية. لم يشعر أحد بالنيران المشتعلة بقلبه.
بدأ الجيران يتجمعون حولهم وأخبرهم حارس العقار أنها تركت المنزل هي ووالدتها وذهبوا ولا يعلم أحد إلى أين!
وقف رشيد ينادي اسمها بجنون، تجمع حولهم عدد من جيران المنزل ووقفوا يتابعون انهياره وهو يركل الباب بقوة وينادي اسم كارمن بصراخ، تابع خالد نظرات الجيران إلى رشيد بين الدهشة والشفقة، بدأ يتهامسون ويطلقون عليه "المجنون" لم يتحمل خالد رؤيته بتلك الحالة.
أخذه خالد بقوة وجذبه إلى السيارة، كان ينادي اسمها بصراخ وينظر إلى منزلها ينتظر خروجها منه، أخذه خالد بصعوبة إلى داخل السيارة، جلس رشيد بداخل السيارة وهو يردد اسمها بجنون ولم يتوقف عن نطق اسمها، شعر خالد بالقلق عليه، أخذ هاتفه وتحدث إلى جد رشيد وأخبره بحالة رشيد السيئة، وأخبره أنه سيأخذه إلى المشفى وطلب منه سرعة الذهاب إليهم إلى المشفى.
*******
أسبوعين وهو بداخل المشفى متمدداً فوق الفراش، يظهر عليه الضعف الشديد ووجهه أصبح شاحب وجسده أصبح نحيف بعد امتناعه عن تناول الطعام. لا يشعر بالرغبة في أي شيء، امتنع عن الحديث حتى اعتقد الجميع أنه فقد النطق، لكنه كان ينطق كلمتين اثنتين فقط عند حضور صديقه خالد إليه، كان يسأله عن كارمن ولم يجد جواب من خالد غير الصمت والنظرات الحزينة على حالته وما وصل إليه صديقه المقرب.
كان جده يتابع حالته مع الطبيب المعالج له، أكد له الطبيب أن رشيد يحتاج إلى العلاج النفسي وإذا تأخر هذا العلاج يمكن أن تقوده هذه الحالة إلى اليأس ثم التفكير في الانتحار.
نظر إليه جده بحزن، لا يمكنه الانتظار أكثر وهو يرى حفيده يفقد حياته ببطء، ولا يمكنه المجازفة بمستقبله عندما ينتشر خبر خضوعه للعلاج النفسي بين زملائه وأصدقائه، فكر في إرساله إلى خارج البلاد، لكي يتعالج نفسياً بإحدى المستشفيات بسرية ولا يعلم أحد بشيء ويعود إليه كما كان سابقاً.
بعد عدة أيام..
بدأ اللواء نور الدين الجبالي في إجراءات سفر حفيده إلى إحدى الدول الأجنبية لتلقي العلاج النفسي بسرية تامة في واحدة من أكبر المستشفيات، كانت تزداد حالة رشيد سوءاً ويشتد عليه الشعور بالمرض الجسدي والنفسي، لم تترك كارمن أفكاره لحظة واحدة، حاول خالد مساعدته في البحث عنها، لكن البحث عنها جاء بالفشل ولم يستطع خالد الوصول إليها حتى اعتقد أنها تركت البلاد وسافرت مع والدتها إلى الخارج.
انتظر جده حتى جاء موعد السفر وأخبره به قبل ساعات من موعد إقلاع الطائرة. أصبح رشيد في حالة سيئة ولا تسمح له بالاعتراض على السفر، بدأ يتسلل إليه الشعور باليأس وعدم الرغبة في الحياة، أصبح هو الآخر يريد العلاج النفسي لكي يعود إلى نفسه من جديد.
استوقفه جده بالمطار قبل إقلاع الطائرة. وقف أمامه وتحدث إليه بقوة:
– اسمعني كويس يا رشيد قبل ما تسافر.. أنت هتخرج من البلد دي عشان تتعالج وترجع لنا رشيد حفيدي القوي، وتنسى كل اللي فات وتبدأ حياتك من جديد.
نظر رشيد إلى جده بضعف، لم يشعر أحد بالألم الذي يشعر به بداخله، لقد اشتاق إليها كثيراً رغم قسوتها عليه، يريد الاطمئنان عليها والتحدث إليها لمعرفة لماذا فعلت هذا به؟ ماذا فعل معها لكي تفكر في خيانته!
لم يتوقف عقله عن التفكير بها ولم يتوقف قلبه عن عشقه لها والخوف عليها، اعتقد أن بسفره الآن يمكنه الهروب من أفكاره وذكرياته معها وبإمكانه نسيانها بالكامل.
نظر إليه جده بقوة وأضاف:
– وقبل ما تخرج من هنا لازم تطلق البنت دي وتخرجها من حياتك للأبد.
نظر إليه رشيد بصدمة، خفق قلبه بقوة، لم يستطع أخذ هذا القرار وهو بهذه الحالة، هناك شعور قوي بداخله يخبره أن هناك شيء لا يعلمه، ما زال لا يصدق ما فعلته به! توتر خالد وهو يقف بجوارهما ويتابع رد فعل رشيد. تحدث رشيد إلى جده بتعب:
– بلاش نتكلم في الموضوع ده دلوقتي يا جدي.. أنا حقيقي تعبان ومحتاج أبعد عن هنا.
تحدث إليه جده بقوة:
– أنت هتفضل تعبان طول ما البنت دي شايلة اسمك بعد اللي عملته فيك!
نظر رشيد أمامه بتفكير، ربت جده فوق كتفه بدعم قائلاً:
– أنا عارف إنه قرار صعب بس لازم تاخد القرار ده يا رشيد قبل ما تسافر، لأنك مستحيل هتقدر تنساها وهي شايلة اسمك.
أومأ برأسه بالإيجاب وتحدث وهو شارد بأفكار كثيرة:
– عندك حق يا جدي.. أنا فعلاً لازم آخد القرار ده، بس أنا محتاج أكون أقوى من كده عشان أقدر آخده.
نظر جده إلى خالد وتبادلت النظرات بينهما، أومأ خالد برأسه إلى الجد مطالباً منه ألا يضغط عليه أكثر. تفهم الجد ما يمر به وتحدث إليه:
– وأنا واثق فيك يا رشيد ومتأكد إنك هتاخد القرار ده وتنفذه أول ما تخرج من البلد هنا، وهستناك مكالمة تقولي فيها إنك طلقتها خلاص.
ذهب رشيد وهو يفكر في حديث جده. كلما اقترب من الطائرة كان يعتقد أن المسافات البعيدة بينه وبينها تستطيع مساعدته على النسيان، أقلعت الطائرة وأخذته إلى خارج البلاد.
بلد جديد وناس جدد وحياة جديدة مختلفة، عام بداخل المشفى يتلقى العلاج النفسي، وعام آخر بخارج المشفى مع متابعة العلاج النفسي مع الطبيب المعالج، وعامان استطاع فيهم إنشاء عمل خاص به بعد تقبله الانفصال عن عمله بالشرطة بعد قضيته الأخيرة ومرضه وسفره إلى الخارج، عام تلو الآخر وهو يحاول التعايش بدونها والتأقلم مع حياته الجديدة وتحقيق نجاح بعمله الجديد في مجال (إدارة الأعمال) فعل كل ما بوسعه لكي يعود كما كان سابقاً قبل وجودها بحياته.
لم يستطع أخذ قرار الطلاق رغم سفره وإقامته بالخارج أربعة أعوام، لم يستطع العودة قبل أن يتعافى من عشقه لها وإثبات نفسه في العمل من جديد، كان دائماً على تواصل مع خالد وكان خالد يبحث عنها في كل مكان. كان الجد دائماً يتواصل مع رشيد ويطالبه بتنفيذ قرار الطلاق، حتى أخبره رشيد ذات مرة أنه أخذ هذا القرار وقام بتنفيذه. هكذا اطمأن جده وشعر بالراحة ولم يتحدث معه بهذا الموضوع مرة أخرى.
بعد مرور أربعة أعوام بين العلاج النفسي ومحاولاته الكثيرة لنسيانها ونجاحه بعمله الجديد. جاءته مكالمة من خالد يؤكد له أنه رآها تعمل بأحد المطاعم ويبدو عليها الفقر الشديد، لم يستطع المكوث بالخارج بعد معرفته بوجودها بمصر، قرر العودة لكي ينهي علاقته بها بعد أن يتأكد من خيانتها له. لقد تبدل العشق بداخله للكراهية، هذا ما اعتقده حتى تقابل معها في الحفل! مشاعره تجاهها تغضبه كثيراً، ما زال قلبه يخفق بقوة عند رؤيتها! ما زال يشتاق إليها كثيراً. لا يصدق أنها ما زالت بقلبه رغم قسوتها وخيانتها له! عشقه لها يرهق قلبه كثيراً، يريد معرفة سبب واحد يدفعها لذلك! ربما يستطيع انتزاع عشقها من قلبه بعد معرفة السبب الذي دفعها لخيانته…
فاق من ذكرياته على صوت خالد وهو يتحدث إليه بهدوء:
– رشيد.. أنت لازم تتكلم معاها وتنهي الموضوع ده بقى! أنا ساعدتك توصلها وتعرف مكانها عشان تعرف منها السبب اللي خلاها تعمل فيك كده وترتاح.
نظر إليه رشيد بتفكير، أومأ خالد برأسه مؤكداً:
– أيوه يا رشيد أنت لازم تاخد القرار النهائي عشان تكمل باقي حياتك.. يا إما تطلقها وتكمل حياتك مع واحدة تانية، يا إما تسامحها وترجعها حياتك تاني وتاخدها وتسافروا بعيد عن هنا.
حدق به رشيد بصدمة مردداً:
– أسامحها!! أسامحها إزاي بعد ما دمرت حياتي! أنا خسرت شغلي بسببها وخسرت أهلي وعشت في الغربة أربع سنين أتعالج عشان أقدر بس أنساها!
تحدث إليه خالد بثقة:
– ورغم كل ده مقدرتش تنساها.
حدق به رشيد بصدمة، أومأ خالد برأسه بالإيجاب ووقف من مكانه وهو يضيف:
– أنا هخرج وأبعتهالك.. يمكن لما تتكلم معاها تلاقي اللي أنت عايزه وترتاح.
خرج خالد من الغرفة ولم ينتظر رده عليه، جلس رشيد بمكانه يفكر بصدمة! لا يعلم حقاً ماذا يريد! هل يمكنه إنهاء علاقته بها رسمياً وتركها والزواج من غيرها؟ أم يمكنه مسامحتها على ما فعلته به والعودة إليها مرة أخرى؟ لكنه ليس بهذا الضعف حتى يعود إليها بعد ما فعلته! يريد فقط معرفة سبب ما فعلته، يريد استماع صوتها وهي تخبره لماذا فعلتها به!
صوت خطواتها أخرجه من أفكاره، توقفت بتوتر عند الباب، خفق قلبها بقوة عندما رأته أمامها. نظر إليها وتأملها بقوة، ما زال يستطيع الشعور بها وبما تشعر به، كان يرى خوفها وتوترها بوضوح، كان يستمع إلى صوت خفقات قلبها المسرعة.
وقف من مكانه وهو يتأملها بقوة، كم اشتاق إليها! أغضبته مشاعره تجاهها التي ما زالت تحيا بقلبه، ماذا يريد أكثر حتى تتبدل تلك المشاعر بداخله وتصبح باردة، والأفضل لو تختفي ولا يخفق لها قلبه مرة أخرى.
توقفت أمامه وجسدها يرتجف بخوف، تحدثت إليه بتوتر:
– رشيد أنا بعمل إيه هنا؟ ليه قبضوا عليا وخدوني من البيت بالطريقة دي؟!
أغضبته براءتها التي تخدعه دائماً، نظراته القاسية مع نبرة صوته الحادة وهو يجيب عليها:
– من أربع سنين أنا كمان خدوني من البيت وقبضوا عليا بنفس الطريقة دي وأنا مكنتش عارف ليه!
اشتدت نبرة صوته بقسوة وهو يقترب منها أكثر ويمسك بذراعيها ويضغط عليها بقوة ويضيف:
– أنتي وقتها كنتي تعرفي قبضوا عليا ليه؟
لمعت عيناها بالدموع وهي تتألم من قبضة يديه القاسية، انسابت دموعها وهي تجيب عليه بخوف:
– أنا آسفة.
حدق بها بقسوة مردداً بذهول "آسفة!!" ارتجف جسدها بخوف. تلقت صفعة قوية من يديه على وجنتها وهو يصرخ بها:
– آسفة بعد ما دمرتي حياتي؟!
رواية كارمن الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ملك ابراهيم
تلقت صفعة قوية من يديه على وجنتها وهو يصرخ بها:
– آسفة بعد ما دمرتي حياتي؟
وضعت يديها فوق وجنتها بصدمة وهي تبكي بخوف. جذب يديها بعيدًا عن وجهها وهو يصرخ بها بجنون:
– قوللي آسفة على إيه بالظبط؟ ردي عليا.. انطقي.. قولي ليه عملتي فيا كده؟
بكت أكثر وهي تنظر إليه بخوف ولم تستطع الرد عليه. جن جنونه أكثر وصفعها مرة أخرى بقوة وهو يصرخ بها بجنون ويردد بغضب:
– انطقي.. قولي آسفة على إيه؟
دلف خالد إلى غرفة المكتب مسرعًا وركض إليهما وحاول أخذ رشيد بعيدًا عنها. كان رشيد يصرخ ويطلب إجابتها عليه وهي تبكي وتضع يديها على وجنتيها بخوف وجسدها يرتجف بشدة.
تحدث إليه خالد بقوة وهو يأخذه بعيدًا عنها:
– اهدى يا رشيد، إنت كده هتموتها في إيدك!
انفعل رشيد أكثر بغضب:
– يا ريت كنت أقدر أموتها وأرتاح.
رفعت وجهها وهي تبكي وتجيب على حديثه بصراخ:
– يا ريت أموت بجد عشان أرتاح منك.
حدق بها بصدمة وتحدث إليها بغضب:
– ترتاحي مني! إنتي كمان اللي عايزة ترتاحي مني!
أجابته بصراخ وهي تبكي وتضع يديها فوق وجنتيها الملتهبة من قسوة ضربه:
– أيوه عشان إنت ضربتني جامد وأنا ما عملتلكش حاجة!
توقف قليلًا يحدق بها بصدمة. نظر إليها صديقه خالد هو الآخر بذهول! كيف لم تفعل به شيئًا! نظر رشيد إلى خالد وتحدث إليه بصدمة:
– بتقولك ما عملتليش حاجة!!
ثم نظر إليها وتحدث بغضب:
– إنتي فعلاً ما عملتيش حاجة! إنتي دمرتي حياتي بس! خسرتيني شغلي وأهلي وكل حاجة.
تحدثت وهي تبكي:
– ما أنا قولتلك آسفة.
حدق بها بصدمة وذهول. كتم خالد ضحكته وهو يستمع إلى ردها البسيط. كانت مثل الطفلة الصغيرة وكأنها تتحدث إلى والدها.
اقترب منها رشيد ووقف أمامها وتحدث إليها بغضب وانفعال وهو يشير إليها بيديه:
– آسفة دي تقوليها لما أكون رجعت البيت وما لقيتكيش مجهزة الغدا.. هنا ممكن تقولي آسفة وأنا أسامحك!
أجابته بعناد:
– ما إنت كنت على طول بترجع البيت ومش بتلاقيني مجهزة الغدا وما كنتش بتزعل وما كنتش بقولك آسفة!
رشيد بغضب:
– والله ده شيء يتحسب لي إني كنت زوج كويس معاكي وبستحمل دلالك وأكلك اللي ما يتكلش أصلًا.
نظرت إليه بحزن وتحدثت بصدمة:
– يعني أنا أكلي كان وحش؟
شعر بحزنها وصدمتها. يعلم أنه تزوج فتاة مدللة، كانت تعتمد عليه في كل شيء، وهذا ما اعتادت عليه ولا ذنب لها. عيونها اللامعة بالدموع قطعت نياط قلبه، لا يريد جرحها. تراجع عن حديثه وأجابها بهدوء:
– لا هو كان بيبقى حلو شوية.
ابتسمت وسألته برقة:
– بجد؟
أومأ برأسه بالإيجاب وهو ينظر إليها بعشق واشتياق.
تابعهما خالد بصدمة. تحدث خالد بصوت قوي وأخرجهما من حالة العشق التي جمعتهما من جديد:
– أكل إيه اللي حلو ووحش.. إنتوا بتتكلموا في إيه!
فاق رشيد على صوته وتراجع للخلف بعيدًا عنها وهو يحاول السيطرة على مشاعره تجاهها. خجلت كارمن وخفضت وجهها أرضًا. استمعت إلى صوت رشيد وهو يتحدث إلى خالد بصوت غاضب:
– هي دي بقى كارمن.. بتحول أي كلام لصالحها!
رفعت وجهها وردت عليه بغيظ:
– شوفت.. وهو ده بقى رشيد، كل حاجة بيجيبها فيا وأنا ما عملتش حاجة!
رد عليها رشيد بغضب:
– آه فعلاً إنتي ما بتعمليش حاجة أبدًا.. إنتي ملاك! أنا اللي بخرب كل حاجة!
أجابته بتحدي:
– فعلاً أنا ملاك.. وإنت اللي بتخرب كل حاجة.. ولا نسيت الشقة اللي كسرتها وبهدلتها وأنا اللي نضفتها ورتبتها.. إنت أصلًا دايماً كده.. إنت تخرب كل حاجة وأنا أرتبها تاني.
تحدث إليها بغضب:
– والله!! ونسيتي لما كنت برجع من شغلي وأساعدك في كل حاجة! نسيتي لما كنت بنضف معاكي الشقة وأرتبها معاكي!
أجابته بثقة:
– على فكرة كل الرجالة المتجوزين بيعملوا كده وأكتر كمان.
صدح صوت خالد عاليًا وهو يقف بينهما ويستمع إلى حديثهما:
– بس خلااااص..
نظر إليهما بصدمة وأضاف:
– مسح وتنضيف إيه! وترتيب شقة إيه اللي إنتوا بتتكلموا فيه!
ابتعد رشيد عنها وأشار عليها بغضب قائلًا:
– هي دايمًا كده مفيش فايدة فيها!
تحدثت بصراخ:
– إنت بتجيب كل حاجة عليا أنا ليه!
صرخ خالد بينهما:
– خلااااص أنا اللي غلطان.
ثم تحدث إلى رشيد:
– خلينا نقفل المحضر ده يا رشيد عشان كارمن تروح.
نظرت إليه كارمن بصدمة قائلة بفضول:
– محضر إيه؟!
نظر إليها خالد بتوتر ثم نظر إلى رشيد. أجابها رشيد ببرود:
– محضر وخلاص.
اقترب رشيد من خالد ووقع على محضر التنازل. وقفت كارمن تنظر إليهما بدهشة. طلب خالد توقيعها ثم تحدث إليها بهدوء:
– دلوقتي تقدري ترجعي البيت يا كارمن.. وأنا بعتذر على كل اللي حصل.
نظرت إليهما بدهشة. خفض رشيد وجهه وهو يتعمد انشغاله بهاتفه. وقفت تتطلع إليهما باستغراب ثم ذهبت دون إضافة أي حديث.
رفع رشيد عينيه بعيدًا عن هاتفه بعد خروجها. نظر إلى الباب وزفر بتعب. اقترب منه خالد وتحدث إليه بثقة:
– في حاجة غلط يا رشيد!
نظر إليه رشيد بفضول. أومأ خالد برأسه بالإيجاب مؤكدًا:
– واحدة بشخصية كارمن اللي أنا شفتها قدامي دلوقتي دي.. مستحيل تخونك وتشارك مجرم زي سعد بشار في خطته!
أومأ رشيد برأسه بتأكيد قائلًا له:
– هو ده بقى يا خالد اللي تاعبني.. إنت شوفتها واتعاملت معاها كام ساعة بس ومش مصدق إنها تعمل كده.. أنا بقى المفروض أعمل إيه وهي مراتي وعشت معاها تحت سقف واحد وبقيت أعرفها أكتر ما هي تعرف نفسها!
تنهد خالد بتفكير وحيرة. نظر رشيد أمامه بشرود وأضاف:
– عقلي مش قادر يستوعب لحد دلوقتي إن كارمن ممكن تعمل فيا كده! وأنا أكيد مش غبي لدرجة إني أتخدع في شخصيتها.. يعني رغم السنين اللي عدت علينا وكارمن هي هي ما اتغيرتش! لسه رقيقة وبتبكي من أقل حاجة زي الأطفال!
ابتسم خالد وهو يستمع إليه ثم تحدث إليه بهدوء:
– هي فعلاً غريبة أوي.. وأكتر حاجة استغربتها إنها بتتحول لطفلة فعلاً في وجودك.. بحس إنها بتتعامل معاك كأنك أبوها!
ابتسم رشيد وهو يتذكر حياتهما معًا وأجاب:
– أنا دايماً كنت بحس إني مسؤول عنها.. كارمن اتحرمت من أبوها وهي طفلة وأمها كانت طول الوقت بعيدة عنها.. كارمن كانت دايماً محتاجة للحنان والاحتواء، وده اللي كنت بحاول أعوضها عنه.
تحدث خالد بثقة:
– يبقى أكيد في سبب قوي أجبرها تعمل كده! أو يمكن إحنا فهمنا غلط..
صمت خالد قليلًا يفكر بحيرة ثم أضاف:
– بس هنكون فهمنا غلط إزاي وأنا شفتها بنفسي لما كانت خارجة من السجن ولما سألت عن اسمها عرفت إنها كانت بتزور سعد بشار!
زفر رشيد بتعب وتحدث هو الآخر بحيرة:
– وكل حاجة عملتها في الفترة اللي اتقبض عليا فيها كانت بتثبت إنها عملت كده فعلاً! إيه اللي منعها تزورني ولو مرة واحدة؟ ليه اختفت هي ووالدتها ومظهروش غير بعد أربع سنين؟ ده غير حالة الفقر اللي وصلوا لها؟! فيه ألف سؤال ومش لاقي إجابة تريح قلبي! نفسي أتأكد هي خاينة ولا مظلومة؟ نفسي أقدر آخد قرار.. أبعد عنها وأنساها، ولا أسامحها وأكمل معاها.
نظر إليه خالد بحزن واجابه بحيرة:
– بصراحة الله يكون في عونك يا رشيد.. أنا مش عارف أنا لو مكاني كنت هتصرف إزاي!
نظر إليه رشيد وتحدث:
– أنا في لحظة خسرت كل حاجة يا خالد وما بقاش في حاجة أخسرها.. الأربع سنين اللي عشتهم بعيد عنها حاولت كتير أخرجها من حياتي، لكن قلبي طول الوقت كان بيأكد إنها مظلومة وده أكتر شيء بيعذبني.
تحدث خالد بتأكيد:
– يبقى الحل الوحيد إنك لازم تعرف إيه اللي حصل بالظبط.
أجابه رشيد:
– هو ده فعلاً اللي لازم أعرفه.
تحدث خالد:
– وطبعًا هنستبعد فكرة إنك تسأل كارمن لأن أي كلام بينكم بيتحول لموضوع تاني خالص.
ضحك رشيد وتحدث بتعب:
– أنا وكارمن دايماً كده.
تحدث خالد بحيرة:
– والحل إيه دلوقتي؟.. خلي بالك إن جدك ممكن يعرف في أي وقت إن كارمن لسه مراتك.
أومأ رشيد برأسه بالإيجاب:
– أنا عارف يا خالد.. بس كل ده ما يهمنيش.. اللي يهمني إني أعرف الحقيقة وأكون متأكد منها قبل ما آخد أي قرار.
تحدث خالد:
– وأنا معاك يا رشيد في أي قرار هتاخده وأي وقت هتحتاجني هتلاقيني جنبك.
ابتسم رشيد بامتنان وهو ينظر إليه، فهو صديقه المخلص الذي لم يتركه أبدًا منذ بدأت صداقتهما بكلية الشرطة. كان دائمًا وأبدًا داعمًا له.
عادت كارمن إلى المنزل حيث الغرفة التي تقيم بها مع والدتها. استغربت جلوس والدتها فوق الفراش تتناول السجائر وتقلب بالهاتف غير مبالية بما حدث مع ابنتها!
اقتربت منها كارمن وتحدثت إليها بذهول:
– هو أنا للدرجة دي مش فارقة معاكي! معقول ما تحركتيش من مكانك من وقت ما الشرطة جم خدوني؟!
رفعت والدتها عينيها عن الهاتف وأجابتها ببرود:
– اللي تخلف بنت خايبة زيك متخافش عليها من الشرطة! هيكونوا خدواكي ليه يعني! إيه الخارج عن القانون اللي ممكن تعمليه عشان ياخدوكي! كنت متأكدة إن هيكون فيه غلط وهترجعي.. وأهو تفكيري طلع صح!
حدقت بوالدتها بصدمة:
– أنا مش قادرة أفهم إنتي بتفكري إزاي.. نفسي تحسسيني إني بنتك ولو مرة واحدة!
حدقت بها والدتها بغضب وألقت الهاتف من يديها بعنف وأجابتها:
– أنا اللي نفسي أحس إنك بنتي…
وقفت من فوق الفراش وأضافت بصراخ وهي تنظر إلى الغرفة التي تقيم بها بأثاثها المتهالك:
– بقى دي عيشة نعيش فيها وإنتي تقدري تخلينا نعيش في قصور! معقول دي تبقى آخرة سهير سالم اللي كل الرجالة كانوا هيموتوا عليها والفلوس والقصور كانت بتترمي تحت رجليها!
رمقتها كارمن بغضب مكتوم ولم تجب عليها. غضبت والدتها أكثر وأضافت بحدة:
– نفسي أعرف إنتي مستنية إيه! مستنية مين؟ عمرك هيضيع وجمالك هيروح مع الزمن من غير ما نستفاد منه.
تلألأت عين كارمن بالدموع وأجابتها:
– أنا مش هكون نسخة منك.. أنا مستحيل أبيع نفسي وجسمي للي يدفع.
اقتربت منها والدتها بغضب وقامت بصفعها بقوة. صرخت كارمن وهي تتلقى الصفعة بذهول. ارتفع صوت والدتها بصراخ:
– أنا عمري ما بعت نفسي ولا جسمي لحد! أنا كنت بتجوز على سنة الله ورسوله، كان بيبقى جواز حلال وبشرع ربنا.
تحدثت كارمن ببكاء وهي تضع يديها فوق وجنتها:
– كنتي بتستخدمي شرع ربنا في النصب على الرجالة! وشوفي كان آخر كل ده إيه؟ خسرتي كل حاجة ودمرتي حياتك وحياتي.
حدقت بها والدتها بنظرات ساخرة:
– إنتي اللي دمرتي حياتك يا كارمن وإنتي اللي اخترتي تعملي كده! وأظن إنتي فاكرة كويس إنتي عملتي كده ليه!
بكت كارمن ووضعت يديها فوق وجهها بندم. نظرت إليها والدتها بغيظ وأضافت:
– العياط مش هيفيدنا دلوقتي.. إنتي لازم تفوقي لنفسك وترفعينا من القرف اللي إحنا عايشين فيه ده!
رفعت عينيها ونظرت إلى والدتها بحزن ثم ركضت إلى خارج الغرفة وهي تبكي.
وقفت والدتها تتابع خروجها من الغرفة ببرود، ثم همست إلى نفسها بتأكيد:
– أنا مش هستنى لحد ما أموت هنا بسببك! أنا لازم أعمل أي حاجة عشان أرجع أعيش تاني في نفس المستوى اللي طول عمري كنت عايشة فيه.
رمقت الغرفة من حولها باشمئزاز وأضافت بإصرار:
– هعمل أي حاجة عشان أخرج من هنا.
صباح اليوم التالي..
ذهبت كارمن إلى عملها بالروضة وبعد انتهاء الدوام ذهبت إلى عملها الثاني بالمطعم وهي تفكر كيف تعتذر للمدير عن عدم حضورها للعمل أمس.
دَلفت إلى محل عملها ولاحظت نظرات زملائها غير الراضية وهم يحدقون بها باشمئزاز. تطلعت إلى ثيابها ومظهرها بشك.
اقتربت من صديقتها مودة وتحدثت إليها بدهشة:
– إيه الحكاية يا مودة؟ كلهم بيبصولي كده ليه!
نظرت إليها مودة بتوتر. لم يعطها مدير المطعم فرصة للرد واجاب هو على فضول كارمن وهو يقترب منهما:
– إنتي إيه اللي رجعك هنا تاني يا كارمن؟
نظرت إليه كارمن بتوتر وأجابت بتلعثم:
– رجعت شغلي.. أنا آسفة ما قدرتش أجي امبارح لأن حصلت عندي ظروف طارئة ومنعتني أجي.
أجاب عليها بقوة:
– وأنا عارف إيه الظروف دي.. لأن قبل ما ييجوا ياخدوكي جم هنا.
حدقت به بصدمة. تابع حديثه بصرامة وأضاف:
– آخر حاجة كنت أتوقعها إنك تكوني كده.. إنتي مش بس ضريتي سمعتك! إنتي ضريتي سمعة المكان كمان.
خفضت وجهها أرضًا وهي تعتقد أنه يتحدث عن خيانتها لـ رشيد، لكنه أضاف بقوة وأخبرها السبب الذي يعلمه:
– إزاي تمدي إيدك وتسرقي شقة عميل! إنتي عارفة تصرفك ده خسرني عملاء قديمين قد إيه؟
شهقت بصدمة ونظرت إليه بذهول قائلة:
– نعم.. شقة عميل مين اللي أنا سرقتها؟! أنا مش فاهمة حاجة؟
أجابها بصرامة:
– إنتي فاهمة كويس وعارفة عملتي إيه.. ومن اللحظة دي مالكيش شغل معانا.. وأنا هحاول أتواصل مع أستاذ رشيد وأعتذرله يمكن أقدر أحافظ على سمعة المطعم.
شهقت بذهول وهي تحاول استيعاب ما يخبرها به:
– رشيد!! هو رشيد….
قاطعها بصرامة:
– أيوه اللي إنتي سرقتي شقته.. اتفضلي امشي من هنا بهدوء ومش عايز أشوفك هنا تاني.
تركها وذهب إلى مكتبه وعاد كل زملائها إلى عملهم، وقفت تفكر بصدمة وتربط الأحداث. تفهمت سبب القبض عليها وسبب وجود رشيد بقسم الشرطة والمحضر الذي تنازل عنه. همست بغضب وهي تسير من المطعم:
– بقى أنا حرامية يا رشيد!!!
استيقظ على صوت طرقات قوية مزعجة فوق باب شقته، ذهب ليرى من ذاك المزعج الذي جاءه الآن! وكيف يطرق الباب بهذه الطريقة العنيفة.
فتح الباب بغضب ووجدها هي تقف أمامه، تنظر إليه بعين مشتعلة من الغضب، صرخت بوجهه عقب فتحه للباب:
– بقى أنا حرامية يا رشييييد.
رواية كارمن الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ملك ابراهيم
– بقى انا حرامية يا رشييييد.
رمقها ببرود ثم تركها تقف امام الباب وعاد الي الداخل دون رد، تقدمت الي داخل الشقه واغلقت الباب بعنف، التفت ينظر اليها بغضب قائلا:
– ايه الازعاج اللي انتي عملاه على الصبح ده!
اجابته بصراخ:
– لا حضرتك احنا بقينا الضهر مش الصبح.. رد عليا وقولي دلوقتي حالا.. انا سرقة منك ايه عشان تتهمني بحاجة زي كده؟!
تأملها بعمق ثم اجاب عليها:
– انتي عارفه انتي سرقتي ايه مني.
جف حلقها من شدة التوتر ونظرت اليه بخوف، تركها وعاد الي غرفة النوم غير مبالي بما تقوله او تفعله. وقفت للحظات تنظر أمامها وتفكر؛ ماذا يقصد بحديثه؟! فاقت من شرودها ودلفت خلفه وهي تتحدث بغضب:
– سرقت منك ايه يا رشيد عشان تتهمني بتهمة زي دي؟! انت عارف انت عملت ايه؟.. انت خلتني اخسر شغلي بسببك.
ضحكة ساخره ظهرت على محياه وهو يتمدد فوق الفراش غير مبالي بدخولها وثرثراتها المزعجة. تقدمت منه اكثر وهي تتطلع اليه بغيظ، عدم رده عليها وبروده المصطنع اثار غيظها. رفعت الغطاء عنه وهي تتحدث اليه بصراخ:
– قوم رد عليا يا رشيد.. انا بكلمك.
جذبها من يديها بقوة لتسقط فوقه، صرخت بصدمة وهي تسقط فوق صدره، احاط بها بذراعيه واحكم قبضته حولها بقوة، حاولت الابتعاد عنه سريعًا لكنه كان يحاط بخصرها ويقربها اليه بقوة، خجلت منه وتلونة وجنتيها باللون الاحمر وارتجف جسدها بين يديه، استمع الي صوت خفقات قلبها المسرعه بوضوح. تأملها عن قرب وهي تخفض وجهها بعيدًا عن عينيه. همست بصوت مبحوح:
– رشيد.. سبني لو سمحت.
تحدث اليها بصوت هامس وهو يتأملها بشتياق:
– انتي اللي جيتي هنا!
ارتجف جسدها بقوة وحاولت التحدث:
– انااا….
قاطعها بتقبيل شفاتيها بشتياق بعد أن فقد السيطرة علي التحكم بمشاعره اتجاهها، حبيبته الان بين يديه بعد فراق اربعة اعوام. هي الأخرى كانت تشتاق اليه كثيراً، تجمد جسدها بين يديه، گادت ان تستسلم له بعد ان تحولت قبلته لها الي قبلات متفرقه فوق وجهها وعنقها، استسلمت له للحظات قليلة فقط ثم انتفض جسدها بين يديه بخوف، دفعته بعيدًا عنها وركضت مبتعده عن الفراش، وقفت بأحدي زوايا الغرفة وهي تبكي بخوف وجسدها يرتجف بقوة. كانت تردد بصوتها الباكي:
– مش هينفع.. حرام..
حدق بها بصدمة، لا يصدق انه فقد السيطرة على مشاعره امامها. خفض وجهه بغضب من تسرعه وكشف مشاعره بالاشتياق اليها، عليه إخفاء تلك المشاعر حتى يتأكد من خيانتها او برائتها.
بكاءها وكلمة “حرام” التي رددتها بخوف عند اقترابه منها، ترددت الكلمة علي سمعه وهو يخفض وجهه ويحاول السيطرة علي مشاعره اتجاهها، استغرب تردد الكلمة وهي تبكي باحد زوايا الغرفة، رفع وجهه ونظر اليها بستغراب قائلا لها:
– هو ايه اللي مش هينفع وحرام؟!
اخفت وجهها بين يديها وهي تبكي واجابته بصوت مبحوح:
– انت طلقتني وحرام تلمسني او تقرب مني!
تأملها بستغراب، من اخبرها انه طلقها!:
– وانتي عرفتي منين اني طلقتك؟
اجابته وهي تبكي:
– عرفت لما طلقتني قبل ما تسافر.
استغرب من حديثها وتحدث اليها بغموض:
– جالك ورقة طلاق؟
اجابته بحزن:
– وقتها انا كنت مغيره عنواني واكيد ورق الطلاق راح للعنوان القديم.
أومأ برأسه ثم شرد قليلاً يفكر؛ من اخبرها انه طلقها قبل سفره؟ نظر اليها بتفكير قائلاً:
– مين قالك اني طلقتك قبل ما اسافر؟!
ارتبكت كثيراً واجابت عليه بتلعثم ونبرة حادة:
– عرفت وخلاص.
غضب من عنادها وأومأ برأسه وهو يعلم ان الحديث معها لن يجد نفعًا. صمت قليلاً يفكر ولم يريد ان يخبرها انها مازالت زوجته، يريدها على ظنها حتى يعلم الحقيقة. حاول رسم البرود على ملامحه وتحدث اليها:
– ولما انتي عارفه انك مبقتيش مراتي.. ازاي تيجي لحد بيتي هنا وتدخلي اوضة نومي كمان؟!
ارتجف جسدها بقوة واجابته بتوتر:
– مكنتش اعرف انك لوحدك.. كنت فاكرة مراتك عايشة معاك هنا!
للحظة لم يتذكر انه أخبرها سابقًا انه تزوج وله ابن من زوجته، كيف لم يتذكر كذبته، حاول إخفاء ارتباكه بعد تذكره لهذه الكذبه واجاب عليها بهدوء:
– ايوه ما مراتي مش هنا دلوقتي.
خفضت وجهها بحزن وتحدثت وهي تخرج من الغرفة:
– انا لازم امشي حالا قبل ما مراتك ترجع لانها ممكن تفهمنا غلط.
خرجت من الغرفة واسرعت في خطواتها حتى خرجت من الشقه بأكملها، حاول الالحاق بها لكنها كانت الأسرع في الخروج من الشقة، وقفت امام باب الشقه من الخارج واستندت عليه تبكي بانهيار، لا تصدق ان هناك أمرأة بحياته وتأخذ مكانها بقلبه، اصبحت الان غريبه عنه ولا يحق لها النظر اليه، تهرب الان من منزله حتى لا تراها زوجته! لم تتحمل ما تمر به الان، ركضت وهي تبكي وتتمنى لو تنقطع انفاسها، ويتوقف نبض قلبها وتترك هذه الحياة بسلام. جلس رشيد ينظر امامه بتفكير، عليه البحث فيما حدث مع كارمن قبل أربعة اعوام، عليه معرفة السبب الحقيقي الذي جعلها تقوم بمساعدة سعد بشار.
******
بعد عدة ايام..
كانت كارمن تجلس بداخل الغرفة التي تمكث بها مع والدتها، كانت تنظر بهاتفها وتبحث عن عمل من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، بعد ان عجزت عن ايجاد عمل بعد طردها من المطعم الذي كانت تعمل به.
زفرت والدتها بملل وتحدثت اليها بغضب:
– واخرتها ايه؟.. احنا كده هنموت من الجوع.
اغلقت الهاتف ونظرت الي والدتها بقلة حيلة:
– هعمل ايه يعني يا ماما! انا بدور على شغل اهو.
رمقتها والدتها بغضب قائلة بعصبيه:
– شغل ايه اللي بتدوري عليه! انتي مش عايزة تعقلي بقى.
تحدثت الي والدتها بعصبيه:
– لو سمحتي يا ماما انا تعبت ومش مستحمله كلامك ده!
وقفت والدتها بعصبيه وصرخت بوجهها:
– انا اللي تعبت مش انتي! الفقر بيموتني بالبطيء وانتي واقفه تتفرجي عليا وتقوليلي مش مستحمله!.. ولا انا كمان مستحمله العيشة دي..
ثم نظرت حولها بحسرة واضافة:
– ده مش مكاني! مش سهير سالم اللي تقضي اللي باقي من عمرها في اوضه فوق سطح!
تابعت كارمن تحركات والدتها بالغرفة بصمت، اتجهت سهير الي خزانة الملابس الصغيرة واخذت ثيابها القديمة والقتها ارضًا وهي تصرخ بانفعال:
– كل دول عايزين يترموا واشتري جديد..
نظرت كارمن الي الثياب التي القتها والدتها ارضً، ركلت سهير الثياب بقدمها وهي تصرخ بجنون:
– انا من حقي اعيش في بيت نضيف
مش اعيش هنا! ومن حقي يكون عندي عربيه وكريدت كارد مفتوحه اصرف منها برحتي زي زمان..
خفضت كارمن وجهها بحزن وغمضت عيناها تبكي بقلة حيلة. لم تتوقف والدتها عن الصراخ وهي تضيف:
– شوفي شكلي بقا عامل ازاي، شعري بيقع بسبب المنتجات الرخيصه اللي بستعملها، ووشي بدأ يكرمش.. انا بموت هنا بالبطيئ وانتي قاعدة تتفرجي عليا وتقوليلي بدور علي شغل! شغل ايه اللي هيوفرلنا كل احتياجتنا؟!
نظرت كارمن الي والدتها واجابة عليها وهي تبكي بقلة حيلة:
– كل اللي بتطلبيه ده مش ضروري عشان نعيش يا ماما! شعرك اللي بيقع ووشك اللي بيكرمش ده مش سببه الفقر! انتي كبرتي وده طبيعي يحصل مع اي ست في سنك!
اقتربت منها سهير وهي ترمقها بنظرات ناريه وامسكتها من ذراعيها وصرخت بها بقوة:
– انا مكبرتش.. انتي اللي عملتي فيا كده بالفقر اللي عيشتيني فيه! انا سهير سالم.. سمعاني.. انا سهير سالم اللي كل الرجالة بيتمنوا مني نظرة وبيدفعوا دم قلبهم عشان بس ابصلهم.
بكت كارمن بانهيار وهي تقف امام والدتها عاجزة عن الرد، دفعتها والدتها بعيدا عنها واردفت بصراخ:
– بس انا مش هسمحلك تعملي فيا كده.. سمعاني يا كارمن.. مش هسمحلك تضيعي اللي باقي من عمري بسبب غباءك.
ارتطم جسد كارمن بالحائط اثر دفعت والدتها لها بقوة، لم تبالي سهير بها واتجهت الي ثيابها التي القتها ارضًا وجذبت احد الثياب وقامت بارتداءه وهي تردد باصرار:
– انا لازم الاقي حل بسرعة.. مش هستنا اموت هنا بسببك.
وضعت كارمن يديها فوق رأسها وهي تتألم من دفعت والدتها لها، انتهت سهير من ارتداء ثيابها وهي تردد بأصرار “لازم الاقي حل”
جذبت حقيبة يدها لكي تذهب من الغرفه، استوقفها صوت كارمن وهي تتحدث اليها بقلق:
– هتروحي فين يا ماما؟!
توقفت سهير والتفتت اليها تجيب عليها بأصرار:
– هروح للمحامي بتاعي يشوفلي اي حل.. انا مش هسمحلك تموتيني جنبك هنا!
تحدثت كارمن بقلق وهي تبكي:
ِ- والمحامي هيعملك ايه! انتي خلاص خسرتي كل فلوسك من زمان ومبقتيش تملكي اي حاجة؟!
اتجهت سهير الي باب الغرفة وفتحته باصرار وهي تجيب عليها:
– هروحله يشوفلي اي حل.. اعمل قرض او يشوف حد يكون ممول لأي مشروع اعمله واعيش منه.
حدقت بها كارمن بدهشة، لم تنتظر والدتها ردها وتركتها وذهبت واغلقت باب الغرفة خلفها بقوة. وقفت كارمن تنظر إلى الفراغ بحزن؛ تشعر بالضعف وقلة الحيلة، تعلم تعلق والدتها بالحياة الثريه وعشقها الكبير للمال، وتعلم ايضا ما سيحدث لها بعد عودتها من مكتب المحامي الخاص بها؛ بعد ان يؤكد لها عدم وجود مخرجًا من هذا الفقر الذي احاط بهما بعد ان خسرت كل ما تملك على يد اخر رجل تزوجت منه، عندما انقلب السحر على الساحر وهو من استغلها واستطاع اخذ كل ما تملك.
وضعت رأسها بين يديها وهي تفكر ماذا عليها ان تفعل! لقد ارهقتها الحياة كثيرًا ولا يمكنها تحمل المزيد.
********
في منزل عائلة رشيد.
اقتربت رهف شقيقة رشيد من جدها ووالدتها ووالدها وهم يتحدثون عن رشيد. تحدثت والدة رشيد بحزن وهي تنظر الي زوجها بلوم، لم تغفر له زواجه عليها حتى الان:
– انا مش هسيب ابني يضيع نفسه وحياته اكتر من كده.. من يوم ما البنت دي هي ومامتها دخلوا حياتنا وهما دمروا كل حاجة حلوة فيها.
خفض زوجها وجهه ارضً بصمت، تابعت حديثها باصرار وهي تنظر الي والد زوجها:
– اكيد حضرتك رأيك من رأيي يا عمي؟
نظر اليها والد زوجها بتفكير ثم نظر الي ابنه الذي اصبح لا اهمية لوجوده بينهما بعد ان ترك كل شئ واهتم بعمله فقط، تاركًا خلفه زوجته واولاده:
– من رأيي نسأل باباه رأيه ايه؟
ظهرت ضحكة ساخرة على محياها وهي تنظر الي زوجها، تعلم عدم اكتراثه لامرهم، استمعت الي رده وهي تؤكد بداخلها ان حياتهما معا اصبحت مستحيلة:
– انا مليش رأي يا بابا.. رشيد مش صغير، رشيد راجل وقد المسؤوليه واكيد هو عارف مصلحته كويس.
اثار غيظها برده الهادئ، انفعلت وتحدثت اليه بحدة:
– وابنك لو عارف مصلحته كان راح اتجوز بنت زي دي!
رمقها بغضب واجاب:
– اكيد شاف فيها اللي انتي مقدرتيش تشوفيه، مهو مش كلنا بنملك نفس العيون عشان نشوف بنفس النظرة.
زفرت بغضب وانتفضت من مكانها وهي تتحدث بانفعال:
– هو ده اللي احنا بناخده منك.. خليك كده عايش في عالم موازي لوحدك! سيب ابنك يخسر حياته بعد ما خسر شغله ومستقبله!
تركتهم وصعدت الي غرفتها بالأعلى بخطوات غاضبه مسرعة، الحقت بها ابنتها رهف وهي تركض خلفها، نظر اللواء نور الدين الجبالي الي ابنه وتحدث اليه بغضب مكتوم:
– شايف انت وصلتنا لايه! عمرك ما كنت قد مسؤولية بيت وعيلة!
أومأ وجيه برأسه بالايجاب وتحدث بحزن:
– حضرتك عندك حق.. انا مش قد المسؤوليه فعلا!
رمقه والده بغضب، وقف وجيه من مكانه وهو ينظر الي والده واضاف:
– في حاجة بس عايز اقولها لحضرتك قبل ما امشي..
تابعه والده باهتمام، توقف وجيه يفكر للحظات قليلة ثم اضاف بثقة:
– اللي رشيد عمله وبيعمله دلوقتي هو ده الصح..
تفاجأ والده من حديثه واعتدل في جلسته وهو يستمع الي باقي حديثه:
– رشيد مخسرش شغله ولا حاجة، رشيد اصلا مكنش حلمه انه يكون ظابط شرطة! ده كان حلم حضرتك انت مش هو! عملت المستحيل عشان رشيد يكون نسخه منك..
رمقه والده بنظرات ناريه، ظهرت ابتسامه ساخرة علي وجه وجيه وهو يضيف:
– بس هو مطلعش نسخه منك ابدا يا سيادة اللوا، وده شئ يسعدني انه مطلعش نسخه منك.
حدق به والده بصدمة، طالت النظرات بينهما حتى تحرك وجيه من امام والده لكي يذهب، لكن صوت والده اوقفه يستمع اليه:
– بس يسعدك انه طلع نسخه منك انت! يسعدك ان اللي قدرت تضحك عليك وتخرب بيتك، قدرت بنتها تضحك عليه وتضيع مستقبله!
عاد وجيه والتفت مرة أخرى الي والده واجاب بثقة:
– بس سهير مضحكتش عليا! لاني كنت عارف حقيقتها من الاول..
حدق به والده بصدمة، أومأ وجيه برأسه واضاف:
– ومش هي برضه اللي خربت بيتي! بيتي اتخرب من اول ما بقى رأيي فيه ملوش قيمة جنب رأي حضرتك وقراراتك! وابني اتجوز البنت اللي حبها، ومستقبله مش معتمد على شغله في الشرطة وبس! المستقبل مفتوح قدامه ويقدر ينجح في اي مجال تاني هو يحبه.
غضب والده من حديثه ورمقه بغضب، أومأ برأسه بتفهم بغضب والده وانسحب من امامه بهدوء، تاركًا المنزل لكي يلتقط انفاسه بالخارج بعيدًا عن احكام والده التي تضيق صدره.
******
بداخل مكتب واحد من كبار المحامين.
جلست سهير تحرك قدميها بعصبيه وهي تأخذ احد السجائر وتتحدث الي المحامي:
– انت لازم تشوفلي حل وبسرعه.. انا مش هعيش اللي باقي من حياتي في الفقر ده!
زفر المحامي بضيق وتحدث اليها بهدوء مصطنع:
– يا مدام سهير حضرتك عارفه ان مفيش حل في ايدي.. انتي خسرتي كل فلوسك وممتلكاتك بشكل قانوني.
زفرت سهير بعصبيه وجسدها يرتجف من شدة الغضب:
– اعمل اي حاجة.. انت لازم تساعدني.. انت المحامي بتاعي.. فكر في اي حل.. ساعدني اعمل قرض او شوفلي حد يمول اي مشروع انا اعمله.. انا محتاجة فلوس بأي طريقه.
نظر اليها بتفكير قليلاً ثم تحدث بهدوء:
– انا معرفش حد يكون ممول لمشروع.. بس ممكن اساعدك تاخدي قرض من اي بنك..
نظرت اليه يترقب وتحدثت بلهفة:
– حقيقي ممكن تساعدني اخد قرض؟
أومأ برأسه وتحدث بثقة:
– اه طبعا بس البنك هيحتاج ضمان.
بهتت ملامحها بحزن ثم تحدثت بغضب:
– وانا هجيب ضمان منين للبنك.. انت عارف اني خسرت كل حاجة!
نظر امامه بتفكير قليلا ثم تحدث بهدوء:
– احنا ممكن نقدم ارض المرحوم صادق ضمان للبنك والارض كبيرة وتعمل ملاين دلوقتي واكيد البنك هيوافق علي القرض بسهوله.
حدقت به بصدمة قائلة بذهول:
– ارض المرحوم صادق مين؟ قصدك صادق جوزي؟!
اجاب عليها المحامي بثقة:
– ايوه المرحوم صادق جوزك الاولاني وابو بنتك الوحيدة.
مازلت تحدق به بصدمة وتحدثت:
– ارض ايه انا مش فاهمة حاجة؟ هو صادق كان عنده ارض؟!
اجاب عليها المحامي بثقة:
– اه طبعا.. ازاي حضرتك متعرفيش ان المرحوم صادق عنده ارض كبيره في الصعيد وكان حصل مشاكل بينه وبين عيلته وعمه حكم عليه انه يسيب البلد وخد الأرض منه بالقوة والمرحوم صادق ساب الأرض لعمه عشان ميحصلش بينهم مشاكل اكتر، بس طبعا الأرض لحد النهارده بالقانون بأسم المرحوم صادق يعني انتي ليكي ورث فيها انتي وبنته كارمن.
شهقت بصدمة ووقفت من مكانها تنظر اليه بصدمة:
– انت متأكد من الكلام ده؟!
اجاب المحامي بثقة:
– طبعا متأكد.. حضرتك ناسيه اني كنت المحامي الخاص للمرحوم صادق.
ابتسمت بسعادة وتحدثت بلهفة:
– يعني انا اقدر اخد الأرض دي وابيعها؟
تحدث المحامي بثقة:
– حضرتك لكي فيها الورث الشرعي اللي من حق الزوجة وكارمن لها الورث الشرعي للابنه.. وبتقديري كده هيكون مبلغ كبير جدا واظن انك مش هتحتاجي تعملي قرض ولا حاجة… بسـ..
صمت ولم يتابع حديثه، نظرت اليه بقلق:
اجاب عليها بتوتر:
– بس معتقدش ان حضرتك هتقدري تاخدي حقك او حق بنتك في الارض دي لان زي ما قولت لحضرتك ان عم المرحوم صادق اخد منه الأرض بالقوة والمرحوم صادق بنفسه رفض يفتح موضوع الارض ده وهو في عز ازمته الماليه قبل ما يموت وانا اقترحت عليه موضوع الارض اكتر من مرة وهو كان رافض انه يطلبها من عمه او يفتح موضوع الارض ده نهائي.
تنهدت سهير بعمق وهي تنظر امامها باصرار:
– صادق الله يرحمه مات ومسبش ليا ولا لبنته اي حاجة، يعني الأرض دي دلوقتي حقي انا وبنتي..
نظر اليها المحامي باهتمام وهي تضيف باصرار:
– وانا مستحيل اسيب حقي.. هاتلي اسم عم صادق وعنوانه في الصعيد.
رواية كارمن الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ملك ابراهيم
وأنا مستحيل أسيب حقي.. هاتلي اسم عم صادق وعنوانه في الصعيد.
أومأ المحامي برأسه بالإيجاب وبحث بداخل أحد الملفات والذي يحمل اسم "صادق الهواري" وأخذ منه المعلومات الكافية عن عائلة صادق الهواري وتحدث إليها بثقة:
ده العنوان بالتفصيل وكل المعلومات عن عيلة المرحوم صادق.
أخذت من يديه الورقة بحماس وتحدثت:
انت متأكد أن الأرض دي كبيرة وتستاهل؟!
ابتسم وأجاب عليها بثقة:
عيلة المرحوم صادق من أغنى وأكبر العائلات في الصعيد، ونص الأرض اللي تحت إيديهم أرض المرحوم صادق يعني أرض بالملايين..
ابتسمت بطمع ولمعت عيناها وهي تستمع إليه وهو يضيف:
القانون معاكم وتقدروا تطلبوا حقكم في الأرض.
أومأت برأسها وهي تنظر إلى العنوان المدون على الورقة بيديها وتحدثت بطمع:
يبقى أنا وكارمن لازم نسافر النهارده وآخد منهم الأرض وأبيعها بأعلى سعر.
تابعها المحامي بصدمة قائلاً:
تبيعي إيه؟! دول ممكن يقتلوكي انتي وبنتك لو فكرتي تبيعي الأرض لأي حد.. هناك الأرض شرفهم ومستحيل حد غريب ياخدها!
نظرت إليه باستغراب:
يعني إيه الكلام ده! مش انت لسه بتقول أن الأرض قانونًا من حقي أنا وبنتي؟!
أجاب عليها بثقة:
فعلاً الأرض قانونًا من حقكم انتي وبنتك.. لكن الأرض دلوقتي تحت إيديهم هما ومحدش يقدر ياخد الأرض من تحت إيديهم غير بالتفاوض معاهم والحل الوحيد أنك تعرضي عليهم أنهم ياخدوا الأرض منكم بشكل قانوني وأنتم تاخدوا منهم حق الأرض وترجعوا.
نظرت أمامها تفكر بشرود ثم نظرت إليه وتحدثت:
خلاص سيب الموضوع ده عليا وأنا هعرف أتفاوض معاهم.
نظر إليها بقلق:
ولو احتاجتي مني أي استشارة قانونية تقدري تكلميني في أي وقت.
أومأت برأسها بالإيجاب وشكرته وذهبت بحماس وهي تفكر في ضرورة السفر إلى الصعيد اليوم قبل الغد.
******
جلست كارمن بداخل الغرفة تنتظر عودة والدتها بقلق، تعلم أن هذا اليوم لن يمر بسلام بعد أن تعود والدتها بإحباط من مكتب المحامي الخاص بها.
حدث عكس توقعها واستمعت إلى صوت والدتها الحماسي يأتي من بعيد، عقدت ما بين حاجبيها وهي تستمع إلى صوت والدتها تناديها بحماس وسعادة وهي تصعد الدرج حتى وصلت إلى غرفتهما بالطابق الأخير، توقفت أمام باب الغرفة تلتقط أنفاسها المتقطعة من صعود الدرج، وقفت كارمن بقلق وفتحت لها الباب وحدقت بها بقلق:
ماما انتي كويسة؟!
دفعتها والدتها بحماس وهي تبتسم بسعادة وتقدمت إلى داخل الغرفة:
أنا مش كويسة بس.. دا أنا في أسعد وأجمل لحظات حياتي.
حدقت بها كارمن باستغراب، تقدمت والدتها من حقيبتها الفارغة أمام خزانة الملابس وتحدثت إلى ابنتها:
يلا بسرعة لمي هدومك عشان نلحق القطر.
حدقت بها بصدمة:
قطر إيه؟!
التفتت تنظر إليها وأجابتها وهي ترتب ثيابها بداخل الحقيبة:
هنسافر الصعيد عند أهل باباكِ.. المحامي قلي أن باباكِ له أرض كبيرة أوي هناك وكان سايبها لعمه!
اقتربت من والدتها بذهول:
أرض إيه أنا مش فاهمة حاجة؟!
ألقت والدتها الثياب بداخل الحقيبة بعصبية وأجابتها:
إيه اللي انتي مش فهماه! باباكِ له أرض ورث في الصعيد وكان متنازل عنها لعمه بس من غير ورق ولا أي إثبات أنه متنازل لهم عنها! أنا مكنتش أعرف أي حاجة عن الأرض دي بس المحامي عرفني وفهمني كل حاجة وقالي أن من حقي أطالبهم بالأرض أو تمنها وأكيد دلوقتي تمن الأرض دي هيبقى كتير أوي.
هزت رأسها برفض غير متقبلة حديث والدتها:
بس حضرتك بتقولي أن محامي بابا قالك أن بابا كان متنازل عنها لعمه! إزاي هنطلب منهم الأرض؟
أجابتها والدتها بثقة:
أنا مقولتش أنه اتنازل عنها بمزاجه.. المحامي قلي أن عمه أخد منه الأرض بالقوة وباباكِ ساب الأرض ومشي.. يعني الأرض تحت إيديهم لكن العقود والقانون معانا إحنا ونقدر بسهولة ناخد حقنا منهم.
وقفت كارمن تنظر إلى والدتها بتفكير، لا تتقبل ما تقوله والدتها، التفتت والدتها ونظرت إليها وهي تقف شاردة بحيرة، اقتربت منها وتحدثت إليها بصرامة:
انتي لسه هتقفي تفكري! جهزي نفسك بسرعة عشان نسافر.
أجابت على والدتها بحيرة:
هروح نقولهم إيه بس يا ماما! يعني لو بابا كان له حق في الأرض دي أكيد مكنش هيسيبها لما كان في عز أزمته!
لمعت عين والدتها طمعًا وتحدثت بقوة:
باباكِ الله يرحمه كان غبي.. أومال انتي طالعة لمين! لما كان عايش كانت الأرض دي حقه وهو اللي ساب حقه،، لكن أنا مش هسيب حقي.
نظرت إلى والدتها بصدمة وقلق، تعلم أن والدتها لن ولن تتنازل عن هذه الأرض بعد أن أتت إليها في هذا الوقت التي أعلنت فيه تمردها على كل شيء، لن تقبل العيش بهذه الغرفة بعد الآن، لن تبقى هنا لحظة واحدة، وهي لا يمكنها ترك والدتها تذهب بمفردها! لا تعلم ماذا ينتظرها هناك.
أخذت حقيبتها ووضعت بها ثيابها هي الأخرى، لم تتوقف والدتها عن الحديث وهي تضع قائمة لكل ما ستعوضه بعد حصولها على ثمن الأرض، المنزل الجديد والسيارة والثياب وكل شيء افتقدته خلال السنوات الماضية.
كانت كارمن تستمع إلى حديثها بقلق، تخشى أن تتبخر أحلام والدتها في الهواء، لا تعلم من أين أتت لهم هذه الأرض!
أخذت حقيبتها وخرجت والدتها من الغرفة بسعادة وهي تودع الفقر وتفتح ذراعيها لاستقبال الثراء من جديد.
******
جلس فوق الأريكة أمام التلفاز بداخل شقته التي تجمع ذكرياته الجميلة معها، كان يتذكرها وهي تجلس بداخل حضنه على هذه الأريكة ويتبادلون الحديث معًا، لم يخلو حديثهما من المرح والمزاح، كم اشتاق إليها وتمنى لو يعود بهما الزمن وتعود إلى داخل حضنه مرة أخرى.
حدق بأحد الملفات أمامه، كان يدقق النظر في التحريات التي أرسلها إليه خالد وبها بعض المعلومات عن الحي الذي تسكن به كارمن ومتى ذهبت إلى هذا الحي.
صوت جرس الباب أخذه من ذكرياته، نظر إلى الباب وتمنى من قلبه لو يجدها هي من أتت إليه، ذهب وفتح الباب على أمل رؤيتها.
بهتت ملامحه بحزن؛ عندما وجد "مايا" تلك الفتاة التي كانت بالحفل عندما ذهب مع صديقه وكانت كارمن تعمل هناك.
أتت إليه برفقة صديقه عادل، نظر إليهما باستغراب قائلاً:
خير يا عادل في حاجة ولا إيه؟!
تأملته مايا بنظرات عاشقة وأجابت على سؤاله بدلال:
إيه المقابلة دي يا رشيد! معقول تكون دي مقابلتك لينا وإحنا أول مرة نزورك في شقتك!
نظر إلى عادل بدهشة، هز عادل رأسه بقلة حيلة وأشار برأسه اتجاه مايا مؤكدًا له أنه جاء بها إلى هنا برغبتها الملحة عليه، ابتعد قليلاً وأشار إليهما بيديه مرحبًا بهما إلى الداخل.
تقدمت مايا إلى داخل الشقة وهي تنظر حولها بإعجاب قائلة:
شقتك حلوة أوي يا رشيد.. وذوقك فيها يجنن.
نظر إلى عادل بتوعد وأجاب عليها بهدوء:
ده مش ذوقي.. ده ذوق مراتي، هي اللي اختارت كل حاجة هنا في الشقة وفرشتها على ذوقها.
انتفضت من مكانها قبل أن تجلس ونظرت إليه بصدمة ثم إلى عادل بذهول وتحدثت بصوت مبحوح:
هو انت متجوز؟!
جلس براحة وأجابها بتأكيد:
آه.. انتي مكنتيش تعرفي ولا إيه؟
حدقت به بصدمة وتحدثت بذهول:
لا طبعًا مكنتش أعرف.. انت اتجوزت امتى وإزاي؟!
أجابها بهدوء وهو يعلم ما تحمله بقلبها اتجاهه:
اتجوزت من حوالي أربع سنين.
نظرت إليه بصدمة ثم نظرت إلى عادل بتوعد على عدم إخبارها بزواج رشيد، نظرت حولها بتوتر وتحدثت بارتباك:
ممكن أتعرف على مراتك؟
أجابها بهدوء:
للأسف هي مش موجودة دلوقتي.. لو كنتوا عرفتوني قبل ما تيجوا أكيد كانت هتبقى في استقبالكم معايا.
شعرت بالحرج واستعدت للذهاب متجهة إلى الباب قائلة بتوتر:
إحنا كنا جايين نطمن عليك.. بس مش مهم.. ابقى خلينا نشوفك انت والمدام عشان حابة أتعرف عليها.
أومأ لها برأسه بالإيجاب، خرجت من منزله وهي تشعر بالحرج الشديد، صدمتها بمعرفة زواجه كانت مثل الصاعقة.
خرج عادل خلفها وهو ينظر إلى رشيد باعتذار ويبادله رشيد النظرات بتوعد.
أسرعت مايا في خطواتها حتى توقفت أمام سيارتها تلتقط أنفاسها بصعوبة، وقف عادل خلفها وتحدث إليها بقلق:
مايا انتي كويسة؟
التفتت تنظر إليه بغضب وتحدثت إليه بحدة:
انت إزاي متقولش أن رشيد متجوز! هو اتجوز امتى وإزاي أصلًا؟ أنا أعرف رشيد من زمان لحد ما سافر ورجع.. معقول اتعرف عليها وهو مسافر واتجوزها هناك!
أجابها عادل بتوتر:
اهدي بس يا مايا واسمعيني.. رشيد قبل ما يسافر اتجوز فعلًا.. بس كان في مشاكل مع أهله وأهل البنت اللي حبها وكلهم كانوا رافضين الجواز وهو اتحداهم واتجوزها وأعلن جوازه منها، بس الخبر منتشرش أوي لأن بعد فترة قليلة من جوازهم رشيد حصله مشكلة في شغله وتعب جامد وتقريبًا طلق مراته وسافر بعدها.
وقفت تنظر إليه باستغراب وتحدثت بفضول:
يعني هو طلقها قبل ما يسافر؟
أجابها بتردد:
ده اللي أنا عرفته.
نظرت أمامها بتفكير ثم تحدثت:
انت تعرف مراته دي أو شوفتها قبل كده؟
أجابها بصدق:
أنا معرفهاش ولا عمري شوفتها.. أصلًا الفترة اللي رشيد كان متجوزها فيها مكناش بنشوفه كتير وعرفنا بالصدفة أنه اتجوز!
أومأت برأسها بتفهم وفكرت قليلًا بحيرة:
بس لو هو طلقها ليه قال أنه متجوز! ولو هو مطلقهاش.. هي فين؟ ليه مظهرتش معاه ولا مرة؟! وكمان مش موجودة في بيته في وقت زي ده؟!
أجابها عادل بثقة:
اللي أنا أعرفه أنه طلقها قبل ما يسافر وكمان هو عايش في الشقة لوحده بعد ما رجع من السفر.
ابتسمت بمكر وأومأت برأسها وهي تهمس بداخلها:
يبقى في سر رشيد بيحاول يخفيه.. بس أنا لازم أعرفه.
نظر إليها عادل بتوتر وهمس بداخله:
ربنا يستر أنا مش مطمن.
******
في الصباح الباكر من اليوم التالي..
وصل القطار إلى محافظة قنا بالصعيد.
ترجلت منه كارمن مع والدتها، كانت تشعر بالخوف الشديد وتتمسك بحقيبتها بيد ترتجف من شدة القلق والتوتر.
لم تتوقف والدتها لحظة واحدة منذ ترجلها من القطار، كانت تسير بخطوات مسرعة إلى خارج محطة القطار وكأن حياة الثراء تناديها وتريدها أن تسرع إليه، كانت كارمن تحاول اللحاق بها بخطوات مهرولة.
أشارت والدتها إلى إحدى سيارات الأجرة وأعطته العنوان الذي تريد الذهاب إليه.
استغربت كارمن من وجود العنوان مع والدتها وسرعتها في الوصول لكل المعلومات التي تساعدها للوصول إلى الأرض.
صعدت إلى داخل السيارة بجوار والدتها ولم تتوقف والدتها لحظة واحدة عن الحديث عن الثراء المنتظر لها.
بعد مرور ساعة من الوقت بداخل سيارة الأجرة، توقفت السيارة بقرية ريفية وأخبرها السائق أن هذه هي القرية التي ذكرت اسمها بالعنوان الذي أعطته له.
ترجلت من السيارة وهي تنظر حولها باشمئزاز، عكس نظرات كارمن التي نظرت إلى الطبيعة من حولها براحة وإعجاب، تحدثت والدة كارمن وهي تنظر إلى حذائها الذي اختلط بالأرض الترابية:
إيه ده مش معقول! إزاي سايبين الأرض مش نضيفة كده!
استنشقت كارمن الهواء النقي وتحدثت براحة:
بس الجو هنا حلو أوي يا ماما وهدوء وراحة.
انتوا مين يا هوانم؟
جاءهم هذا الصوت الأجش من الخلف.
التفتوا ينظرون إلى صاحب الصوت بفزع، تحدثت إليه والدة كارمن بحدة:
انت اللي مين؟
نظر إليها من الأعلى إلى الأسفل قائلاً:
شكلكم مش من أهل البلد! انتوا جايين لمين هنا؟!
نظرت كارمن إلى والدتها بقلق وتراجعت إلى الخلف بخوف وهي تتطلع إلى هيئته بجلبابه الفضفاض وجسده الضخم وشاربه الكبير.
أجابته والدتها ببرود:
إحنا جايين لكبير عيلة الهواري.. تعرفه؟
ارتجف جسده قليلاً وأجابها بقلق:
ومين ما يعرفش عبد الرازق بيه كبير عيلة الهواري! دول كبار البلد.
شعرت بالرضا بعد أن لاحظت ارتباكه عند ذكرها اسم عائلة زوجها.
نظرت إلى ابنتها وتحدثت بفخر:
إحنا من عيلة الهواري وكنا عايزين نروح لكبير العيلة.
أومأ برأسه باحترام قائلاً بترحاب شديد:
يا أهلاً يا أهلاً.. نورتوا البلد يا هوانم.. أنا هوصلكم بنفسي للسرايا الكبيرة عند عبد الرازق بيه.
شعرت والدة كارمن بالغرور الذي افتقدته منذ سنوات بعد خسارتها كل ما تملك.
على عكس كارمن التي شعرت برهبة كبيرة من مقابلة هذا المدعو "عبد الرازق" الذي تساءلت كثيرًا بداخلها كيف سيكون رد فعله بعد معرفة سبب مجيئهم إلى هنا!.
أخذهما إلى المنزل الكبير لعائلة الهواري.
كان المنزل كبير للغاية ويشبه القصور القديمة، كان يحاط بالمنزل بالخارج، عدد كبير من الرجال يرتدون الجلباب الصعيدي ويحملون الأسلحة المرخصة لحماية المنزل.
اقترب الرجل الذي اصطحب كارمن ووالدتها إلى منزل عائلة الهواري من أحد الرجال الواقفين أمام بوابة الدخول الرئيسية، أخبره أنهم يريدون مقابلة كبير عائلة الهواري.
تطلع إليهما من يقوم بحراسة البوابة وسألهم باحترام:
عايزين مين يا هوانم؟
نظرت سهير إلى المنزل الكبير بعين لامعة بالطمع والجشع وأجابته بكبرياء:
إحنا قرايب عبد الرازق بيه.. جايين من القاهرة.
نظرت كارمن إلى والدتها بتوتر وهمست إليها بخوف:
ماما خلينا نرجع أنا خايفة.
همست إليها والدتها بغضب:
نرجع فين ونسيب كل ده لمين..
ثم أشارت برأسها اتجاه المنزل الكبير وأضافت بهمس:
انتي مش شايفة هما عايشين في قصر عامل إزاي!
أومأ الرجل باحترام ورحب بهما للدخول وهو يفتح البوابة الحديدية الكبيرة، تراجعت كارمن للخلف بخوف وهي تنظر للمنزل الكبير برهبة، لا تعلم ما ينتظرها بداخل هذا المنزل، لكن قلبها كان يخفق بقوة.
أخذهما الرجل إلى مبنى صغير منفصل عن المنزل وتحدث إليهما باحترام:
اتفضلوا يا هوانم هنا في المضيفة وأنا هروح أبلغ عبد الرازق بيه.
دخلت سهير وهي تتطلع حولها بانبهار، خلفها كارمن تنظر حولها بخوف.
تحدثت سهير بطمع:
عيلة أبوكي طلعوا مش قليلين أبدًا.. مش قادرة أفهم كان مقاطعهم ليه طول السنين دي!
تحدثت كارمن بتوتر:
أنا خايفة من الناس دول يا ماما.. خلينا نرجع.
التفتت إليها والدتها وتحدثت بصرامة وصوت مرتفع:
نرجع فين انتي اتجننتي! أنا مش هرجع للفقر تاني حتى لو هموت هنا.
انتفضت كارمن من صوت والدتها المرتفع وتراجعت إلى الخلف بخطوات مرتبكة، اصطدمت بجسد صلب توقف خلفها فجأة، انتفضت بهلع والتفت تنظر خلفها بخوف.
كان شاب طويل القامة ذو بشرة سمراء وعيون سوداء حادة، ابتعدت كارمن عنه بهلع وركضت إلى جانب والدتها.
تطلع إليها بعمق وتحدث بنبرة حادة:
أهلاً بيكم.. قالولي أنكم بتسألوا عن جدي الحاج عبد الرازق!
توترت سهير قليلاً من حدة صوته وحاولت رسم القوة أمامه وأجابته بهدوء مصطنع:
إحنا.. أنا.. أنا أبقى مرات المهندس صادق الهواري الله يرحمه.. ودي كارمن الهواري بنتي.
نظر إليهما باهتمام وعقد بين حاجبيه بدهشة.
توترت سهير من نظراته الحادة وأضافت بتلعثم:
إحنا كنا عايزين نقابل الحاج عبد الرازق.. هو بيكون عم جوزي الله يرحمه، وفي موضوع مهم لازم نتكلم فيه معاه.
أومأ برأسه بالإيجاب قائلاً:
جدي وأبويا الله يرحمه كانوا حكولي عن عمي صادق كتير. واللي أعرفه عنه أنه عاش عمره كله في مصر وقطع علاقته بالبلد وأهله من سنين!
تحدثت سهير بمكر:
بس اللي أنا عرفته أنه مقطعش علاقته بالكامل بالبلد.. لسه له حق في البلد.
رمقها بنظرات غامضة وهو يستمع إلى حديثها الماكر، ثم نظر إلى ابنتها التي تقف خلفها بخوف وتوتر، ثم أومأ برأسه وأجاب عليها بثقة:
تحدثت كارمن سريعًا بتلعثم:
لا إحنا هنرجع القاهرة دلوقتي.
رمقتها والدتها بغضب وهمست إليها بحدة:
انتي اتجننتي! نرجع فين؟!
انتفض جسد كارمن وهي تنظر إلى والدتها بتوتر، نظر إليها الشاب باهتمام وتحدث إليها بلطف:
اهدي يا آنسة.. انتي وسط عيلتك دلوقتي، يعني متخافيش من أي حاجة.
رواية كارمن الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ملك ابراهيم
اهدي يا آنسة.. أنتي وسط عيلتك دلوقتي، يعني متخافيش من أي حاجة.
نظرت إليه كارمن بتوتر. تابعت سهير نظراته لابنتها باهتمام؛ كان الشاب ينظر إلى كارمن بإعجاب لم يستطع إخفاءه.
تحدث وهو يتطلع إلى كارمن بعمق:
– أنا لسه معرفتكمش بنفسي.. أنا فراج الهواري.. والدي الله يرحمه يبقى ابن عم المهندس صادق.
أومأت سهير برأسها بثقة وهي تتابع نظراته لابنتها وتفكر بداخلها؛ ماذا لو مكثت هنا لبعض الوقت واستطاعت إيقاع هذا الشاب في الزواج من ابنتها. نظرت حولها وهمست بداخلها: أكيد عندهم أرض وفلوس كتير أوي.. دول كبار البلد، يعني لو اتجوز كارمن يبقى هيفتح لي بير فلوس ملوش آخر.
ابتسمت بجشع وهي ترتب أفكارها. كانت كارمن تخفض وجهها بتوتر والشاب يتطلع إليها بإعجاب ولم يستطع خفض بصره عنها.
ابتسمت سهير وتحدثت إليه بمكر:
– إحنا تعبنا أوي من الطريق والسفر.. في مكان هنا نقدر نرتاح فيه شوية؟
أجاب بثقة:
– السرايا كلها تحت أمركم.. هتيجوا معايا بس تتعرفوا على جدي الحاج عبد الرازق على ما الغرف بتاع الضيوف تجهز.
ابتسمت سهير بثقة وتقدمت منه قائلة:
– وإحنا جاهزين نتعرف على عمي الحاج عبد الرازق.
نظرت كارمن إلى والدتها بقلق، كان قلبها يخفق بقوة ولا تعلم ماذا ينتظرها بهذا المنزل!
******
استيقظ من نومه بإرهاق، لم يستطع النوم براحة، لم يتوقف عقله لحظة واحدة عن التفكير بها، يبحث عن الحقيقة ولم يجد شيئًا يثبت براءتها حتى الآن. يبدو أن هناك من أخفى أي دليل يقربه من الحقيقة.
وقف واتجه إلى المطبخ ليعد فنجانًا من القهوة لكي يخفف الألم الذي يضرب برأسه. خفق قلبه مع استماعه لصوت جرس الباب؛ كلما استمع إليه تمنى لو تكون هي!
ذهب ليرى من جاء إليه في هذا الوقت الباكر من الصباح. تفاجأ بوالده، ابتسم إليه والده عقب فتحه للباب:
– صباح الخير..
رحب به رشيد إلى الداخل بابتسامة قائلاً:
– أهلًا يا بابا صباح الخير.. اتفضل.
دخل والده وهو ينظر إلى المنزل من الداخل بحزن حاول إخفاءه عن رشيد، كان المنزل حزينًا وكأنه يطالب بعودة من كانت تصنع به السعادة.
اقترب رشيد من والده وسأله بقلق:
– بابا حضرتك كويس؟
ابتسم والده وجلس وهو يجيب عليه بنبرة مرحة:
– إيه يا رشيد انت مش عايزني أزورك في بيتك ولا إيه!
أجاب عليه رشيد بترحاب:
– انت نورت البيت يا بابا.. بس دي أول مرة تزورني في البيت من بعد ما رجعت من السفر وعشان كده أنا استغربت!
تحدث والده بهدوء:
– جيت أطمن عليك.
ابتسم رشيد وأجابه بلطف:
– أنا الحمد لله بخير يا بابا اطمن.
هز والده رأسه بالنفي وتحدث بثقة:
– لا يا رشيد انت مش بخير أبدًا.. انت فاكر إني مش شايف الحزن والحيرة اللي جواك.. أنا عارف ومتأكد إن الأربع سنين اللي سافرت فيهم مقدروش يرجعوك بخير.
تنهد بحزن وهو ينظر إلى والده ثم أجاب عليه بصدق:
– أنا فعلًا يا بابا مش قادر أرجع زي الأول..
أومأ والده برأسه بتفهم، أضاف رشيد بحزن وهو ينظر أمامه:
– أنا حياتي كلها فجأة اتدمرت! أنا كنت ممكن أتقبل أي خسارة إلا خسارتها هي.. خدت وقت طويل عشان أقدر أصدق أو أستوعب إنها خانتني بعد كل الحب اللي حبتهولها! في حاجات كتير جوايا اتكسرت! بس رغم كل ده.. في جوايا شعور قوي إن مش هي دي الحقيقة! قلبي طول الوقت بيأكد إن مستحيل كارمن تعمل فيا كده!
أومأ والده برأسه مؤكدًا بثقة:
– وأنا كمان مش مصدق إن كارمن ممكن تعمل فيك كده!
حدق بوالده بصدمة، أومأ والده برأسه مؤكدًا:
– أنا غلطت في حقك يا رشيد لما موقفتش جنبك السنين اللي فاتت، أنا عارف إنك كنت محتاجني جنبك، أنا غلطت لما اتخليت عنك ووافقت إن جدك يكون هو المتحكم الوحيد في حياتك! أنا كنت عارف إنك مش حابب تدخل كلية الشرطة وجدك أصر إنك تمشي في نفس الطريق اللي هو مشي فيه وتحقق له حلمه اللي أنا مقدرتش أحققه له! حتى لما انت اتجوزت البنت اللي حبيتها، أنا كنت مقتنع إن ده من حقك، رغم إنك حرمت عليا الحق ده بمساعدة جدك!
لا يصدق ما يسمعه الآن من والده، كان يحدق به بصدمة وذهول. خفض والده وجهه بحزن وأضاف:
– أنا هقولك كلام أول مرة تسمعه مني..
صمت قليلاً ثم أضاف بحزن:
– انت عارف أنا ليه مدخلتش كلية الشرطة زي ما جدك كان بيتمنى؟
نظر إليه رشيد بفضول. أضاف والده بحزن:
– لأن أنا كرهت حياة جدك العسكرية.. شدته وأوامره اللي لازم تتنفذ وكأننا مذنبين زي اللي بيتعامل معاهم في شغله.. حياة أنا عشت طول عمري أكرهها وعمري ما اتمنيت أعيش الحياة دي. وكان عقاب جدك ليا لما رفضت وأصرت إني مدخلش كلية الشرطة؛ هو إنه يجوزني واحدة أنا مبحبهاش! رفض جوازي من البنت الوحيدة اللي أنا حبيتها! قالي "انت رفضت تحقق لي حلمي.. وأنا كمان هرفض أحقق لك حلمك" أصر يجوزني والدتك رغم إني عمري ما حبيتها.. وأنا بكل ضعف مقدرتش أرفض.. كنت شايف نفسي مذنب لأني محققتش حلم جدك زي ما كان دايمًا بيلمني.. واتجدد حلم جدك لما انت جيت للدنيا، حط كل أحلامه عليك وكان دايمًا بيبعدني عنك عشان خايف إنك تطلع نسخة مني وتكرر اللي أنا عملته ومتحققش حلمه اللي عاش يتمناه.. حلمه الوحيد إن اسم عيلة الجبالي يفضل مسمع في وزارة الداخلية.. يفضل الاسم محتفظ بهيبته.
تفاجأ رشيد من حديث والده وكان يستمع إليه بصدمة، أضاف والده وهو ينظر إليه بحزن:
– أنا لما اتجوزت سهير سالم كنت عارف هدفها وعارف هي اتجوزتني ليه.. سهير كانت بتفكرني بالبنت الوحيدة اللي أنا حبيتها في حياتي ومقدرتش أحقق حلمي وأتجوزها.. لما اتجوزتها كنت بدور على السعادة اللي كان نفسي أعيشها مع البنت اللي حبيتها زمان.. كنت دايمًا بدور عليها في كل ست بشوفها.. جدك كان فاكر إن السنين هتنسيني! بس السنين عمرها ما بتنسي، بالعكس.. مع مرور السنين اللهفة والاشتياق كان بيزيد جوايا أكتر من زمان!
تعاطف كثيرًا مع والده، شعر بكسر قلبه، لا يصدق إنه لم يرى هذا الحزن بعين والده من قبل! صمت والده قليلاً في محاولة لتهدئة النيران التي اشتعلت بقلبه مع تذكره للماضي، ثم أضاف بحزن:
– لما والدتك عرفت بخبر جوازي وشوفت في عينيك انت وأختك نظرة اللوم اللي شوفتها يومها، مقدرتش أقف قصاد جدك وأرفض أطلق سهير، وجدك عشان يضغط عليا خدك في صفه وقتها وخلاك شريك له في إنهاء علاقتي بسهير.
شعر رشيد بالندم وخفض وجهه بحزن، ابتسم والده ساخرًا من القدر وأضاف:
– جدك كان فاكر إنه هيفضل مسيطر على حياتك وهيقدر يخليك نسخة منه.. بس انت صدمته وطلعت نسخة مني أنا..
رفع رشيد وجهه ونظر إلى والده باستغراب، ابتسم إليه والده وأضاف بنبرة مرحة:
– انت وقفت في صف جدك وساعدته إنه ينهي علاقتي بـ سهير وفي نفس الوقت روحت انت وحبيت بنتها.
خفض رشيد وجهه بحزن وهو يشعر بكسرة قلب والده التي يحاول إخفاءها، صمت والده وشرد قليلاً ثم أضاف:
– تعرف أنا ليه جيت زورتك هنا أول مرة بعد ما عرفت خبر جوازك.. أنا كنت جاي عشان أحاسبك على جوازك من بنت الست اللي انت حاسبتني لما أنا اتجوزتها.. بس أول لما شوفت مراتك اتصدمت.. مقدرتش أتكلم.. وقتها فهمت انت ليه اتجوزتها..
حدق به رشيد باستغراب قائلاً:
– ليه اتصدمت لما شوفتها؟!
ضحك والده من قلبه وأجاب عليه بصدق:
– لأن مراتك طلعت نسخة من البنت اللي أنا حبيتها زمان، في شبه كبير بينهم.. ووقتها عرفت إنك طلعت نسخة مني أنا مش من جدك!
ضحك رشيد وتحدث بنبرة مرحة:
– يعني طلع ذوقنا واحد!
أجاب والده وهو يبتسم:
– وقتها فرحت إنك حققت اللي أنا مقدرتش أحققه واتجوزت البنت اللي حبيتها.
ابتسم رشيد ثم شرد قليلاً وتحدث بحزن:
– بس في النهاية إحنا الاتنين خسرنا.
تحدث إليه والده بثقة:
– أي خسارة ممكن تتعوض إلا خسارة إنسان أنت بتحبه من قلبك بجد.. هي دي الخسارة اللي مستحيل تتعوض.
نظر إليه رشيد باهتمام، أضاف والده بتأكيد:
– أنا عارف إنك خسرت شغلك وخسرت حاجات كتير مهمة في حياتك.. بس انت ممكن تبدأ شغل جديد تكون بتحبه، وأنا متأكد إنك هتنجح فيه.. وكمان هتقدر ترجع كل حاجة خسرتها.. بس الأهم إنك تاخد خطوة إيجابية مع قلبك وعقلك.. لازم قلبك يقنع عقلك باللي هو مصدقه.. أو عقلك يقنع قلبك باللي هو شافه وسمعه!
نظر رشيد إلى والده باهتمام ثم شرد قليلاً؛ كلمات والده كانت تتردد على سمعه، براءة كارمن وطيبة قلبها وحبها الكبير له، حديث سعد بشار عنها وتأكيد خالد رؤيته لها عندما أتت لزيارة سعد بشار، عشقه الكبير لها وقلبه الذي يؤكد براءتها، إصرار جده على الطلاق! الكثير من المشاعر والأفكار تتضارب برأسه، أومأ برأسه مؤكدًا على حديث والده:
– حضرتك معاك حق.. كفاية الوقت اللي أنا ضيعته.. لازم أتأكد من الحقيقة.
أومأ والده برأسه بالإيجاب وربت على يديه بدعم قائلاً:
– وأنا معاك وفي ضهرك في أي قرار هتاخده.
******
بداخل المنزل الكبير لعائلة الهواري.
تقدمت كارمن إلى داخل المنزل خلف والدتها التي كانت تسير أمامها بخطوات واثقة. أخذهما فراج إلى داخل قاعة مخصصة للجلوس، ثم توقف أمام جده الذي كان يجلس فوق مقعد ضخم ويستند بيديه فوق عصاه الذي صنع خصيصًا له! كان يرتدي جلباب صعيدي قيم ويبدو عليه الهيبة والوقار.
تحدث إليه فراج باحترام:
– بنت عمي المهندس صادق الهواري الله يرحمه يا جدي والست والدتها جم يزورونا ويسلموا عليك.
ابتسم جده مرحبًا بهما قائلاً بترحاب:
– يا أهلًا بالغالين اللي من ريحة الغالي.
تحدثت سهير بتوتر:
– أهلًا بحضرتك.
نظر الجد إلى الفتاة وتحدث إلى حفيده:
– اسمها إيه بنت عمك يا فراج؟
أجابه فراج حفيده بهدوء:
– اسمها كارمن يا جدي.
نظر الحاج عبد الرازق إلى سهير بغموض ثم نظر إلى كارمن وأشار إليها بيديه قائلاً:
– تعالي قربي مني يا بنت صادق.
ارتجف جسد كارمن بخوف ونظرت إليه بهلع ثم نظرت إلى والدتها التي أشارت لها برأسها أن تتقدم منه. تقدمت كارمن من الجد بخطوات مرتبكة وهي تنظر إليه بخوف وقلق. كان فراج يتابعها بنظرات إعجاب لم يستطع إخفاءها.
توقفت أمام الجد بتوتر وانتظرت ماذا يريد! ابتسم الجد وهو يلاحظ خوفها وتوترها وتحدث إليها بغموض:
– واخده شكل أمك.. بس واخده قلب أبوكي.
لم تفهم حديثه ونظرت إليه باستغراب. نظر الجد إلى حفيده وأردف بتأكيد:
– وصلهم أوضة الضيافة يرتاحوا يا فراج.
نظر فراج إلى كارمن وحدق بها بقوة وأشار بعينيه إلى يد جده، كان يطالبها بعينيه أن تقترب أكثر من الجد وتقبل يديه باحترام كما يفعلون أحفاده. استغربت كارمن من إشارة فراج لها ولم تفهم ماذا يريد أن تفعل، ظهرت ابتسامة ساخرة على محيا الجد وهتف بصوته القوي إلى حفيده:
– متتعبش نفسك يا فراج.. بنت صادق مش هتفهم انت عايز تقولها إيه!
تحدثت سهير إلى ابنتها بصرامة:
– بصي إيد جدك يا كارمن.
نظرت كارمن إلى والدتها باستغراب ولم تفهم شيئًا، أشار الجد إلى حفيده بأمر أن يأخذهما من أمامه. أومأ فراج برأسه باحترام وتقدم من كارمن ووالدتها وأخذهما إلى غرفة الضيافة لكي يرتاحون قليلاً.
تابع الجد ذهابهما بنظرات غامضة، عاد فراج إلى جده بعد دقائق قليلة بعد أن أخذهما إلى غرفتهما، وقف فراج أمام جده وتحدث باحترام:
– أمرك يا جدي؟
نظر إليه الجد بتفكير قائلاً:
– البت ميخافش منها زي أبوها.. بس ليها أم عقربة.
أومأ فراج برأسه مؤكدًا على حديث جده:
– ده حقيقي يا جدي.. بس هما لسه مقالوش هما جاين ليه!
أجابه جده بثقة:
– من قبل ما يقولوا يا فراج أنا عارف هما جاين ليه.
*******
بداخل الغرفة التي جمعت كارمن مع والدتها بمنزل الهواري.
جلست سهير فوق الفراش وهي تنظر حولها برضا وتفكر وترتب أفكارها الماكرة في الحصول على جزء كبير من هذا الثراء.
وقفت كارمن تنظر حولها بتوتر وتحدثت بعصبية:
– أنا مش فاهمة إحنا هنا بنعمل إيه دلوقتي! ليه متكلمتيش معاهم في موضوع الأرض ورجعنا القاهرة على طول، أنا خوفت منهم أوي وشكلهم مش مريح.
ابتسمت والدتها وتحدثت إليها بمكر:
– طبعًا لازم شكلهم يبقى مش مريح.. إحنا جاين ناخد منهم أرض بملايين!
تحدثت كارمن بخوف:
– بس أنا مش عايزة حاجة.
انتفضت سهير من مكانها بصدمة واندفعت اتجاه كارمن بعصبية وقامت بإمساك ذراعها والضغط عليه بعنف قائلة لها بتحذير:
– لو سمعتك قولتي كده قدامهم.. هقتلك.
ارتجف جسدها بصدمة أمام والدتها، عينا والدتها كانت تشع قسوة وغضب، لأول مرة تراها كارمن بهذه القسوة، جف حلقها وهي تتطلع إلى والدتها بصدمة وذهول، رددت حديث والدتها بصدمة:
– تقتليني!!
أجابتها والدتها بقوة:
– أنا مش هرجع للفقر تاني يا كارمن.. أنا مستعدة أدوس على أي حد..
تعمقت بالنظر في عيني ابنتها وأضافت دون تردد:
– حتى لو كان الحد ده انتي.
كلماتها اخترقت قلب كارمن وحطمته بقسوة، وقفت تنظر إلى عيني والدتها بصدمة، ابتعدت عنها والدتها وأضافت بإصرار:
– أنا مش هموت في الفقر اللي انتي عايزة تعيشيني فيه ده عشان خاطرك!
لمعت الدموع بعين كارمن بحزن وتحدثت بصوت مبحوح:
– انتي عمرك ما عملتي حاجة عشان خاطري! انتي دايمًا بتدوسي عليا عشان مصلحتك!
التفتت والدتها ونظرت إليها ببرود وأجابت عليها بإصرار:
– أنا مش هتتنازل عن الأرض وإنتي هتطلبي حقك منهم قبل مني.
نظرت إليها كارمن بعين تذرف الدموع بقهرة، دموعها لم تهز قلب سهير على ابنتها، بل ازدادت قسوتها في اعتقادها أنها تستطيع السيطرة على ابنتها من خلال قسوتها وحدتها معها، لم تبالي لدموع ابنتها وتركتها واتجهت إلى الفراش لترتاح قليلاً وترتب أفكارها قبل مواجهة الحاج عبد الرازق ومطالبتها بحقهما في الأرض.
بخارج الغرفة كانت تقف "أزهار" زوجة فراج وابنة عمته، كانت تسترق السمع خارج الغرفة لكي تشبع فضولها بعد أن أخبرتها إحدى السيدات العاملات بالمنزل أن هناك فتاة جميلة أتت مع والدتها واصطحبهما فراج إلى غرف الضيوف. استمعت أزهار إلى الحديث بين كارمن ووالدتها. لم تفهم عن أي أرض يتحدثون!
ذهبت إلى غرفة والدتها "وداد الهواري" التي تقيم مع والدها الحاج عبد الرازق في نفس المنزل بعد وفاة زوجها منذ سنوات.
دخلت أزهار غرفة والدتها وتحدثت إليها بصوت منخفض:
– عرفتي مين عندنا يا أمي؟!
نظرت إليها والدتها باستغراب قائلة بفضول:
– مين يا أزهار؟
أجابتها أزهار:
– واحدة وبنتها.. معرفش هما مين بس سمعتهم بيتكلموا على أرض!
اعتدلت والدتها واستمعت إليها باهتمام:
– أرض إيه؟!
أجابت أزهار:
– أنا مفهمتش منهم حاجة.. بس سمعتهم بيتكلموا على أرض جاين ياخدوها!
نظرت وداد أمامها بتفكير قليلاً ثم انتفضت من مكانها تهمس بذهول:
– لا مش معقول هما..
تركت ابنتها تقف بالغرفة وخرجت بخطوات مهرولة مندفعة إلى الأسفل وهي تردد بصدمة:
– أكيد مش هي…
ركضت خلفها أزهار باستغراب وهي تناديها بصوت منخفض وتطالبها أن تخبرها ماذا يحدث!
ترجلت وداد إلى الأسفل واقتربت من القاعة التي يجلس بها والدها وتحدثت إليه بفضول:
– مين عندنا يا أبوي؟!
نظر إليها الحاج عبد الرازق بدهشة ثم نظر إلى حفيده فراج الذي يجلس بجواره، اقتربت منهم أزهار وتوقفت بجوار والدتها تنتظر إجابة جدها لكي تشبع فضولها الذي ازداد جوعًا بعد ردة فعل والدتها الغريبة!
رمق فراج زوجته أزهار بغضب بعد أن لحقت والدتها إليهما، علم الآن من أخبر عمته بوجود ضيوف بالمنزل! هذا ما اعتاد عليه من زوجته؛ دائمًا تلحق كل شيء يحدث بالمنزل وتخبر به الجميع.
تحدث الحاج عبد الرزاق بصوته القوي وأخبر ابنته:
– بنت المرحوم صادق ابن عمك وأمها.
شهقت وداد بصدمة بعد أن تأكدت من شكوكها، صدح صوتها الغاضب بانفعال:
– وأيه اللي جاب العقربة دي هنا؟! وأرض إيه اللي جاين ياخدوها!
حدق بها الحاج عبد الرازق بفضول، توترت أزهار وتراجعت إلى الخلف بخطوات مرتبكة، نظر فراج إلى عمته بصدمة قائلاً:
– أرض إيه يا عمتي اللي جاين ياخدوها؟.. انتي جبتي الكلام ده منين؟!
نظرت إلى ابنتها بصمت، ازداد توتر أزهار وهي تتلقى النظرات الغاضبة من جدها وزوجها على سرقتها للسمع التي اعتادت أن تفعلها، لم تتوقف عن فعل ذلك مهما حذرها جدها وعاقبها زوجها!
تحدث الحاج عبد الرازق إلى حفيدته أزهار بفضول:
– سمعتي إيه يا أزهار؟
جف حلقها من الصدمة وتراجعت إلى الخلف بخوف. ارتفع صوت جدها بصرامة يأمرها أن تخبره ما استمعت إليه. نظرت إلى زوجها بارتباك وهو يرمقها بنظرات غاضبة، بللت لعابها بتوتر وأجابت:
فقد فراج سيطرته على غضبه وهتف بها غاضبًا:
– قولي يا أزهار سمعتي إيه؟!
توترت أكثر وارتجف جسدها بخوف، تحدث إليها جدها بصرامة:
– اتكلمي يا بنت وداد بدل ما انتي عارفه.
تحدثت سريعًا بخوف:
– سمعتهم بيتكلموا على أرض يا جدي.. وبيقولوا إنهم لازم ياخدوا أرضهم!
نظر فراج إلى جده بصدمة وتحدث بغضب:
– أرض إيه يا جدي اللي جاين ياخدوها؟!
خفض جده وجهه أرضًا وهو يفكر في الأرض التي أخذها من صادق ابن أخيه بالقوة عندما رفض صادق الزواج من ابنة عمه وداد وترك القرية بأكملها وذهب تاركًا خلفه كل شيء.
ارتفع صوت وداد بغضب:
– على جثتي يا أبويا لو طالت شوية تراب من الأرض.
رواية كارمن الفصل السادس عشر 16 - بقلم ملك ابراهيم
على جثتي يا أبويا لو طالت شوية تراب من الأرض.
تحدث فراج بذهول:
– أرض إيه يا عمتي؟ ما تفهموني إيه حكاية الأرض دي؟
أجابته عمته بقسوة، أُعمت بصرها بعد ما تذكرت ما فعله صادق ابن عمها معها عندما حطم قلبها برفضه الزواج منها منذ سنوات عديدة، عندما كانا الاثنين بعمر الشباب. تركها ليلة الزفاف وترك البلد بأكملها هاربًا من هذا الزواج، تركها بثوب الزفاف تنتظره لساعات حتى أتاها والدها وأخبرها أنه ترك كل شيء رفضًا للزواج منها. وبعد أشهر قليلة زوجها والدها من رجل يكبرها بسنوات كثيرة بعد أن تسبب صادق في إشهار بها وبسمعتها بعد رفضه الزواج منها. كم عانت كثيرًا بعد زواجها من رجل في الخمسين من عمره وكان يعاني من مرض القلب. كان يقتلها الشعور بالنقص والإهانة بعد أن فضل صادق الزواج من امرأة أخرى ورفض الزواج منها وقرر التنازل عن أرضه في المقابل حتى يتركه عمه وشأنه بعد ما فعله في حق ابنته.
صوتها القوي الحاد لم يستطع تهدئة النيران التي اشتعلت بقلبها بعد معرفتها بمجيء تلك المرأة التي تزوجها صادق وفضلها عليها! كم من الليالي كانت لا تستطيع النوم وهي تفكر؛ كيف هي من فضلها صادق عليها؟ ماذا بها لكي يضحي بكل شيء من أجلها!
وداد: الأرض اللي هي جاية تاخدها هي وبنتها دي.. هي نفس الأرض اللي أنت وأبوك ضيعتوا فيها عمركم يا فراج.. الأرض اللي شربت من عرقكم وارتوت.. الهانم بتاع مصر جاية تاخدها على الجاهز! مكفهاش اللي خدته زمان!
جن جنون فراج وهو ينظر إلى جده وأردف بذهول:
– الست دي وبنتها جاين ياخدوا أرضنا يا جدي؟!.. أنت كنت عارف سبب مجيئهم هنا؟
أومأ جده برأسه بالإيجاب. وتحدث بصوت قوي:
– أنا كنت عارف إن اليوم ده هيجي يا فراج.
تحدث فراج بإصرار:
– أرضنا مش هتروحلهم يا جدي.. الأرض دي أنا تعبت فيها وأبويا عاش ومات فيها.
نظر الجد أمامه بتفكير وتحدث إليه بهدوء:
– أرض عيلة الهواري مش هتروح لحد يا فراج..
نظر إلى ابنته وداد وحفيدته أزهار وتحدث بصرامة:
– خدي أمك يا أزهار واطلعوا على فوق.
هتفت وداد بإصرار:
– الأرض مش هتروح لبتاع مصر يا أبويا.
أجابها والدها بصرامة:
– اطلعي على أوضتك مع بنتك يا وداد وسبيني أتكلم مع فراج…
توقفت تنظر إلى والدها دون أن تتحرك. ارتفعت حدة صوته أكثر:
– خدي أمك على فوق يا أزهار.
اقتربت أزهار من والدتها مسرعة وأخذتها خارج القاعة. نظر فراج إلى جده وتحدث بعصبية:
– عمتي عندها حق.. أرضنا مش هتروح لحد غريب يا جدي.
نظر إليه جده وتحدث بثقة:
– الأرض هتفضل أرض عيلة الهواري.. والعقربة بتاع مصر مش هتنول اللي في بالها.
حدق فراج بـ جده بفضول وانتظر أن يتابع جده حديثه. نظر إليه الجد بثقة وأضاف:
– البت شكلها غلبانة وطالعة لأبوها.. بس ليها أم عقربة.
تحدث فراج بدهشة:
– أنت تعرف الست دي يا جدي؟
أجاب عليه جده:
– المحامي بتاع صادق كلمني وقالي إنها راحت سألته عن الأرض وقالي إنها عايزة فلوس بأي طريقة. وعرفني إن بنت صادق متبهدلة معاها في مصر!
زفر فراج بغضب:
– يعني هنعملهم إيه يا جدي؟ هياخدوا شقانا وتعبنا كده بالساهل؟!
نظر إليه الجد بتفكير للحظات ثم تحدث بثقة:
– أنا كنت عارف إن هيجي اليوم اللي مرات صادق أو بنته هييجوا فيه هنا ويطلبوا حقهم في الأرض.
تحدث فراج بعصبية:
– هما ملهمش حق عندنا يا جدي.. لو ليهم حق ياخدوه فلوس، لكن الأرض لأ.
ابتسم الجد لحفيده وأردف بثقة:
– أرض إيه اللي ياخدوها يا فراج! ده أنا كنت أدَفّنهم فيها.
صمت فراج قليلًا ثم أردف بفضول:
– وهنعمل إيه معاهم؟ هنديّهم تمن الأرض؟
تحدث الجد:
– أنت عارف تمن الأرض كام دلوقتي يا فراج؟ صادق له نص أرضنا.
حدق فراج بـ جده بصدمة وأردف بذهول:
– يعني هما ليهم حق في نص الأرض بتاعنا؟!
أومأ الجد برأسه ثم صمت قليلًا ينظر إلى حفيده بتفكير ثم تحدث:
– المحامي فهمهم إنهم مش هيقدروا ياخدوا الأرض من تحت إيدينا بالساهل، وأكيد هما جاين يطلبوا حقهم في الأرض فلوس.
تحدث فراج:
– يعني إحنا نتعب في الأرض طول السنين دي وهما ييجوا ياخدوا مننا فلوس كمان!
أردف الجد بغضب:
– مفيش أرض ولا فلوس هياخدوها!
نظر فراج إلى جده بفضول. صمت الجد قليلًا ثم أضاف بهدوء:
– إحنا هندفع لمرات صادق فلوس ونخليها تتنازل عن نصيبها في الأرض ونخلص منها خالص.
تحدث فراج بدهشة:
– وبنتها؟!
تحدث الجد:
– لو بنت صادق خدت فلوس، أمها هتاخدها منها وهتضيع الفلوس والبت هتتبهدل معاها.. ولو ماخدتش دلوقتي مسيرها تتجوز وجوزها ييجي يطلب حقها.
فراج: والحل إيه يا جدي؟
تحدث الجد بثقة:
– بنتنا تعيش هنا وسطنا وأمها تاخد الفلوس اللي نديهالها وتتنازل عن نصيبها في الأرض وتمشي.
تحدث فراج بدهشة:
– وبنت عمي صادق هتوافق تسيب عيشة مصر وتعيش معانا هنا؟!
تأمله الجد وأجاب عليه:
– مش بمزاجها.. هتعيش معانا هنا غصب عنها.
استغرب فراج من حديث جده. صمت الجد للحظات ثم أردف:
– في الأول والآخر بت صادق لحمنا وإحنا أولى بيها..
عقد فراج ما بين حاجبيه بعدم فهم. ليضيف الجد:
– أنا بفكر أجوزك بنت صادق يا فراج وتبقى الأرض بتاعتك كلها.. إيه رأيك؟!
حدق فراج بـ جده بصدمة ولمعت عيناه وهو يستمع إلى كلمات جده:
– أتزوجها إزاي يا جدي.. و.. وإزهار.. وعمتي!
تحدث جده بصرامة:
– متشلش هم عمتك أنا هعرف أخليها توافق هي وبنتها.. أزهار مراتك مش عارفة تجيب لنا حتة عيل يشيل اسم العيلة وإحنا مش هنفضل نستنى الدكاترة والعلاج والعمر بيجري وأنا نفسي أشوف عيالك قبل ما أموت.
توتر فراج كثيرًا وتحدث بحيرة:
– بس أنت عمرك ما فكرت أو اتكلمت في موضوع زي ده يا جدي! أنا مش مصدق إنك عايزني أتزوج على أزهار!
تحدث الحاج عبد الرازق بتأكيد:
– أنت مش هتتجوز أي حد يا فراج.. بنت صادق من دمنا.. يعني العيال اللي هتخلفهم هيبقوا ولاد الهواري أب وأم.. ده غير الأرض اللي هتفضل تحت إيدينا بعد ما تبقى مراتك.
نظر فراج أمامه بتفكير في حديث جده. لن يستطيع إخفاء أن هذا ما تمناه بداخله عندما اصطدمت به والتفتت تنظر إليه. خفق قلبه عند رؤيته لعيناها اللامعة وجمالها الطبيعي الذي أثر قلبه.
ابتسم الحاج عبد الرازق وهو يتابع شروده، يعلم أنه يفكر بها. الفتاة حقًا جميلة ويتمناها كل من يتطلع إليها. خرج فراج من شروده على صوت جده:
– هي البت مش عاجباك ولا إيه يا فراج؟
أجاب فراج بشغف:
– مش عاجباني إيه بس يا جدي! ده البت حتة قشطة.
ضحك جده وتحدث إليه بثقة:
– هجوزهالك يا فراج بس أنا ليا شرط..
نظر فراج إلى جده بقلق. ابتسم الجد وأضاف:
– تملالي الدار عيال، نفسي أشوف عيالك قبل ما أموت.
ابتسم فراج:
– ربنا يديك طول العمر يا جدي متقولش كده، ربنا يخليك لينا وتشيل عيالي وعيال عيالي.
تحدث الجد:
– المهم عندي يا فراج إن أجمع ولاد الهواري كلهم تحت سقف واحد وكمان عيالك اللي هتخلفهم من بنت صادق هيبقوا ولاد الهواري أب وأم وده اللي كان نفسي أعمله من زمان بجواز صادق ابن أخويا من عمتك وداد بس صادق هرب وفضحنا في البلد كلها وأهو جه اليوم اللي بنته تيجي لحد هنا عشان تصلح اللي أبوها عمله.
ابتسم فراج بثقة:
– هيحصل يا جدي إن شاء الله.
تحدث الجد بتأكيد:
– يبقى على خيرة الله.
ابتسم فراج وهو ينظر أمامه بشغف ويتذكر ملامح كارمن الرقيقة وجمالها الذي أثر قلبه من أول نظرة. تنفس بعمق وهو ينتظر اللحظة التي يملكها فيها وتصبح زوجته كما أخبره جده.
*****
توقف رشيد بسيارته أمام العقار الذي كانت تسكن به كارمن مع والدتها بالغرفة الصغيرة بالطابق الأخير. جلس بداخل سيارته يراجع قراره. لقد جاء إليها الآن لكي يتحدث معها ومع والدتها، يريد كشف الحقيقة كاملة قبل اتخاذه أي قرار.
ترجل من السيارة وارتدى نظارته السوداء وتقدم إلى داخل العقار. صعد إلى الدور الأخير حتى وصل إلى سطح العقار. توقف للحظات ينظر حوله بصدمة! لا يصدق أن حبيبته تعيش هنا! تقدم بخطوات هادئة من الغرفة المتهالكة وتوقف أمام الباب وطرق عليه بهدوء. طال انتظاره أمام الباب دون رد من أحد بالداخل.
كانت هناك غرفة مقابلة للغرفة التي تعيش بها كارمن مع والدتها. خرجت من الغرفة المقابلة سيدة عجوز وتحدثت إليه بصوتها الضعيف:
– مفيش حد عندك يا بني.
التفت ينظر إليها بستغراب وتقدم منها بهدوء قائلاً:
– كارمن ومامتها عايشين هنا؟
أجابته السيدة العجوز بتأكيد:
– أيوه يا بني بس أنا شفتهم امبارح وهما واخدين شنطهم وماشين من هنا.
حدق بها بصدمة قائلاً:
– حضرتك متأكدة؟!
أجابته بثقة:
– طبعًا يا بني متأكدة.. أنا شفتهم بعيني وهما ماشين ومعاهم الشنط بتاعتهم.
نظر أمامه للحظات بصدمة ثم تحدث إليها برجاء:
– طب حضرتك متعرفيش هما راحوا فين؟ أو لو في مكان تعرفيه ممكن يكونوا راحوا ليه؟!
أجابته بأسف:
– معرفش عنهم حاجة يا بني والله.. هما جم من كام شهر وأجروا الأوضة اللي قصادي دي وكانوا عايشين فيها لحد امبارح!
بهتت ملامحه بالحزن وهو يقف بصدمة يفكر بداخله؛ أين ذهبت؟ لماذا كلما أراد كشف الحقيقة تبتعد هي عنه! أين هي الآن؟ وماذا تفعل؟ كثرة الأسئلة برأسه بدون جواب. كلما تقدم خطوة يعود مجددًا إلى نقطة البداية.
ذهب من العقار وهو يفكر؛ أين يبحث عنها وكيف يجدها! لا يعلم متى سينتهي هذا العذاب وتتوقف عن إرهاق قلبه.
جلس بداخل سيارته يفكر بحيرة؛ ماذا عليه أن يفعل الآن؟ من المؤكد أنه سيبحث عنها، لكنه أين سيبحث عنها! ولماذا ذهبت هكذا وإلى أين ذهبت؟!
أغمض عيناه بإرهاق، لا يعلم لماذا كلما اقترب منها خطوة تبتعد عنه أميال. همس اسمها بين شفتيه:
– ياترى روحتي فين يا كارمن!
*****
بمنزل عائلة الهواري في المساء.
خرجت سهير من الغرفة لكي تذهب إلى القاعة التي يجلس بها الحاج عبد الرازق بعد أن استدعاها عن طريق إحدى العاملات بالمنزل لكي تخبرها أنه ينتظرها بمفردها!
تقدمت إلى داخل القاعة وكان الحاج عبد الرازق يجلس فوق مقعده بهيبة ووقار.
اقتربت منه بخطوات واثقة وتحدثت إليه بهدوء:
– قالولي إن حضرتك طلبتني؟
بخارج القاعة اقتربت أزهار من باب القاعة لتسترق السمع وتشبع فضولها بعد أن أخبرتها الخادمة أن الحاج عبد الرازق طلب الضيفة إلى القاعة بمفردها دون ابنتها. توقفت أزهار جانب باب القاعة تستمع إليهما.
تعمق الحاج عبد الرازق في النظر إلى سهير بغموض قبل أن يجيب عليها:
– اقعدي يا أم كارمن عايز أتكلم معاكي.
جلست أمامه وانتظرت حديثه. رمقها بنظرات غامضة وأضاف بهدوء:
– عايز أعرف منك سبب زيارتكم؟
بللت سهير لعابها وحاولت إظهار ثقتها وأجابته بتوتر مخفي:
– سبب زيارتنا إننا عايزين حقي أنا وبنتي في أرض صادق الله يرحمه.
أومأ برأسه وتحدث:
– وصادق الله يرحمه معرفكيش إنه اتنازل عن الأرض بتاعه قبل ما يسيب البلد!
أجابته بثقة:
– اللي أعرفه إن مفيش إثبات إنه اتنازل.
ابتسم ساخرًا:
– كلمة الراجل إثبات.
تحدثت بوقاحة:
– بس أنا مليش علاقة بكلام الرجالة ومش بحبه.. خلينا في حقنا أنا وبنتي.
كتم غضبه وتحدث بقوة:
– ملكيش دعوة ببنتك وحقها.. خلينا فيكي أنتِ الأول.
نظرت إليه بدهشة واستمعت إليه وهو يضيف:
– إيه اللي يكفيكي وتتنازلي عن ورثك في الأرض.
لمعت عيناها بالطمع وتحمست كثيرًا واعتدلت في جلستها باستعداد قائلة:
– مرتبتش أفكاري أنا عايزة كام بالظبط.. بس خليني أعرف الأول الأرض عاملة كام وحقي وحق بنتي هيكون كام؟
أجابها بقوة:
– قلتلك ملكيش دعوة بحق بنتك.
نظرت إليه بستغراب قائلة:
– يعني إيه مليش دعوة بحق بنتي؟!
أجابها بغضب:
– بنتك تبقى بنتنا.. وبنات الهواري مبيطلعوش برا.. أنتِ اللي غريبة عننا وتاخدي حقك وترجعي مطرح ما جيتي!
شعرت بشيء من حديثه وهذا ما تريده أن يحدث، تريد أن تبقى ابنتها معهم وتصبح واحدة من العائلة لكي تستطيع استغلالها وأخذ منهم المزيد دون توقف. تحدثت إليه بنبرة ماكرة لكي تتأكد من حديثه:
– مش فاهمة يعني إيه أرجع من غير بنتي؟!
قبل أن يجيبها استمع إلى صوت فراج وهو يعنف زوجته أزهار بعنف عندما أمسك بها وهي تسترق السمع إليهما كما اعتادت أن تفعل.
وقفت أزهار أمام زوجها فراج ترتجف بخوف بعد أن أمسك بها وهي تستمع إلى حديث جدها مع الضيفة بالداخل. عنفها فراج بغضب وأمرها أن تذهب إلى غرفتها وتنتظره بداخل الغرفة حتى يأتي إليها.
ذهبت أزهار إلى غرفتها بخطوات مهرولة. وقف فراج يتابع صعودها الدرج بغضب ثم التفت إلى القاعة وتقدم إلى الداخل.
تحدث إليه جده عقب دخوله القاعة:
– إيه اللي حصل يا فراج؟!
زفر فراج بغضب وأجاب باقتضاب:
– مفيش حاجة يا جدي.
لم يضغط عليه الحاج عبد الرازق وصمت قليلًا ثم تحدث إلى سهير:
– مقولتيش عايزة كام عشان تتنازلي عن نصيبك في الأرض؟
رمقته بغموض وتحدثت بمكر:
– ونصيب بنتي؟
أجابها الحاج عبد الرازق بحدة:
– قلتلك ملكيش دعوة بنصيب بنتك! وبعدين بنتك هتفضل هنا وسط أهلها ومش هترجع معاكي.
ابتسمت بداخلها بثقة. ثم نظرت إلى فراج الذي يقف بصمت يتابع الحديث دون تدخل منه، ثم نظرت إلى الحاج عبد الرازق وتحدثت:
– عايزة أفهم يعني إيه بنتي مش هترجع معايا.. يعني هتفضل هنا تعمل إيه من غيري؟!
ضرب الحاج عبد الرازق بعصاه فوق الأرض بغضب قائلاً بقوة:
– هجوزها لـ ابن عمها وهتعيش معانا هنا.. عندك اعتراض على كلامي؟!
حاولت جاهدة إخفاء سعادتها بعد تحقيق ما تمنته منذ رؤيتها لكل هذا الثراء دون أن تفعل شيئًا. تمنت لو تتزوج ابنتها من وريث العائلة ويصبح كل هذا الثراء ملكـً لها. صمتت قليلًا تفكر بداخلها ثم تحدثت بهدوء:
– لا طبعًا مش معترضة على كلام حضرتك.. في النهاية كارمن بنتكم وحضرتك أدرى بمصلحتها.. بس في حاجة لازم تعرفوها.
نظروا إليها بانتباه. استجمعت قوتها وأضافت:
– كارمن كانت متجوزة من أربع سنين واطلقت.
حدق بها الحاج عبد الرازق بصدمة. تجمد فراج مكانه من الصدمة قائلاً:
– كانت متجوزة إزاي؟!
ابتسمت ساخرة وأجابته:
– كانت متجوزة زي ما أنت متجوز! بس الفرق إن جوازها كان عمره قصير واطلقت على طول.
نظر الحاج عبد الرازق إلى حفيده وأومأ برأسه بالإيجاب وتحدث بقوة:
– جوازها وطلاقها ميعيبهاش.. هي بنتنا واحنا أولى بلحمنا..
تجمد فراج مكانه بصدمة يفكر قليلًا. كان يعتقد أنه الرجل الأول بحياتها. رمقه جده بنظرات قوية وتحدث بتأكيد:
– فراج هيتجوز بنت عمه والموضوع ده أنا قررته خلاص؟
أومأ فراج برأسه:
– اللي تشوفه يا جدي أنا تحت أمرك.
ابتسمت سهير بهدوء وتحدثت إلى الحاج عبد الرازق:
– وأنا موافقة.. بس آخد حقي في الأرض.. وطبعًا متحرمنيش أجي أشوف بنتي وأطمن عليها من وقت للتاني.
أجابها الحاج عبد الرازق بقوة:
– هتاخدي اللي انتي عايزاه.. المحامي جاي في الطريق دلوقتي.. هتاخدي فلوسك وتمضي على التنازل.
لمعت عيناها بالطمع وتحمست كثيرًا لأخذ الأموال والعودة إلى حياة الأثرياء التي تركتها منذ أعوام رغمًا عنها على يد طليقها الأخير. تابع الحاج عبد الرازق سعادتها بالحصول على المال وعدم اكتراثها لأمر ابنتها بدهشة وأضاف:
– بعدها تسلمي على بنتك وترجعي مطرح ما جيتي.
نظرت إليه سهير وتحدثت بدهشة:
– يعني مش هحضر فرح بنتي؟!
أجابها الحاج عبد الرازق بهدوء:
– بنتك مش هتعرف دلوقتي إنها هتتجوز ابن عمها، ولما نحدد الفرح هنبقى نبعتلك تيجي تحضريه.
رواية كارمن الفصل السابع عشر 17 - بقلم ملك ابراهيم
بنتك مش هتعرف دلوقتي انها هتتجوز ابن عمها، ولما نحدد الفرح هنبقى نبعتلك تيجي تحضريه.
***
جلس مع خالد صديقه يتناولون القهوة ويتحدث رشيد بغضب:
– هتجنن يا خالد.. مش هقدر استحمل انها تختفي تاني وملقهاش قبل ما اعرف منها الحقيقه!
تنهد خالد بحزن على حال صديقه واردف بهدوء:
– حاول تهدى بس يا رشيد واكيد هنلاقيها.
نظر امامه بتفكير وتحدث بحزن:
– انا مش عارف ليه بيحصل معانا كده! ليه حياتي معاها فيها عقد كتير ومسافات دايما بتبعدنا عن بعض! اوقات بفكر واقول يمكن احنا ملناش نصيب نكمل مع بعض وانا اللي لحد دلوقتي متمسك بالوهم وعايش فيه!
تحدث اليه خالد بقوة:
– وهم ايه اللي انت عايش فيه يا رشيد! كارمن مراتك واللي انت عملته ده مش اي راجل يقدر يعمله! انت رفضت تاخد قرار في لحظة غضب او ضعف.. رفضت تحكم عليها بالخيانه وانت مش ماسك في ايدك دليل قوي يثبت خيانتها لك.. انت تعبت واتعالجت بسبب انك رافض تصدق او تستوعب خيانتها.
تحدث رشيد بغضب:
– انا بتعذب يا خالد وانا مش قادر اعرف الحقيقه.. وانا مسافر كنت بحاسب نفسي في اليوم ١٠٠ مرة وأسأل نفسي انا عملت فيها ايه عشان تعمل فيا كده! كنت بحاول اقنع نفسي بخيانتها يمكن اقدر انساها وارتاح.. انا دلوقتي بدور على الحقيقه وانا خايف منها.. خايف تطلع خاينه فعلا وانا ظلمت نفسي معاها! وخايف تطلع بريئه وانا اللي ظلمتها طول السنين دي!
تحدث خالد بحيرة:
– مفيش حل غير اننا نعرف منها ايه اللي حصل بالظبط! هل هي فعلا اللي اتعاونت مع سعد بشار وكانت متعمده الشهادة ضدك؟ .. ولا في حد اجبرها تعمل كده.. ولا في حاجة تالته احنا منعرفهاش؟!
هز رشيد رأسه بتأكيد قائلا:
– المهم الاقيها واعرف هي راحت فين! مش هستحمل تختفي تاني وانا معرفش مكانها.
أومأ خالد برأسه مؤكدًا:
– هنلاقيها يا رشيد متقلقش.. انا هفضل معاك لحد ما نلاقيها.
أومأ رشيد برأسه بهدوء ثم شرد قليلا يفكر بها ويتسأل بداخله؛ اين ذهبت وماذا حدث معها؟!
***
بداخل الغرفة التي تجلس بها كارمن تنتظر والدتها.
اكثر من ساعتين منذ ترجلت والدتها الي الاسفل لكي تتحدث مع الحاج عبد الرازق ولم تعود. كانت كارمن تدور بداخل الغرفة ذهابًا وايابًا تنتظر والدتها بقلق.
بعد دقائق دلفت والدتها الي داخل الغرفة ووجهها يشع بالسعادة والحماس. اقتربت منها كارمن بقلق وتحدثت إليها بفضول:
– اتأخرتي تحت اوي يا ماما! ايه اللي حصل؟!
نظرت اليها والدتها بسعادة واجابت بحماس:
– كل اللي فكرت فيه واتمنيته حصل وهيحصل.
نظرت اليها كارمن بستغراب وتحدثت بفضول:
– قصدك ايه يا ماما؟ يعني هناخد منهم حق الارض ونرجع؟!
ابتسمت والدتها بسعادة واردفت بحماس:
– احنا مش هناخد حق الارض بس..
نظرت حولها بطمع واضافت:
– احنا هناخد كل اللي هما عايشين فيه ده.
حدقت كارمن بوالدتها بستغراب، لم تفهم ما تقصده والدتها. اقتربت منها والدتها وامسكت بذراعيها وتحدثت بتأكيد:
– الفرصة اللي جاتلك دي مستحيل تضيعيها يا كارمن.
شعرت كارمن بالخوف وهتفت بقلق:
– فرصة ايه يا ماما مش فاهمه؟!
نظرت اليها والدتها بتفكير، لم تريد اخبارها بما اتفقت عليه مع الحاج عبد الرازق حتى لا تعترض كارمن على الزواج من فراج وتهدم احلامها الطامعة في الحصول على اموال عائلة الهواري بعد زواج ابنتها من الوريث الوحيد للعائلة، اتفق معها الحاج عبد الرازق بعد ان اخذت حقها في الارض على عدم اخبار ابنتها بشئ، وتعود من حيث اتت وتترك ابنتها مع عائلتها.
ابتعدت عنها والدتها واتجهت الي حقيبتها لكي تبدل ثيابها وتذهب، نظرت اليها كارمن بدهشة وتحدثت بقلق:
– ماما انا مش فاهمه حاجة.. خلينا نرجع احسن انا مش عايزة منهم حاجة.
التفتت اليها والدتها وتحدثت بارتباك:
– كارمن انتي هنا وسط اهلك.. دول عيلتك ولازم تعيشي معاهم.
حدقت بها كارمن بصدمة:
– قصدك ايه يا ماما مش فاهمه!
اجابتها والدتها بتوتر:
– مش قصدي حاجة.. بس انا مضطرة ارجع القاهرة النهارده وانتي مش هينفع ترجعي معايا.
حدقت بها كارمن بصدمة وارتجف جسدها بذهول قائلة:
– يعني ايه يا ماما! يعني ايه مش هينفع ارجع معاكي؟! انتي اللي جبتيني هنا.. ازاي عايزة تمشي وتسبيني مع ناس معرفهمش!
تحدثت اليها والدتها بحدة:
– دول عيلتك يا كارمن.. وبعدين انتي عايزة تسيبي كل ده وترجعي القاهرة تعملي ايه!
تحدثت كارمن بصدمة:
– انا مش عايزة حاجة من هنا يا ماما.. انا عايز ارجع القاهرة وبس.
نظرت اليها والدتها بتفكير ثم تحدثت اليها بمكر:
– اسمعيني كويس يا كارمن.. جدك رفض يدينا حقك في الارض وحط شرط انك تقعدي معاهم هنا فترة عشان يديكي حقك.
صرخت كارمن ولمعت عيناها بالدموع:
– انا مش عايزة حاجة منهم يا ماما.. انا اصلا مكنتش عايزة اجي هنا وحضرتك اللي اصريتي.. دلوقتي عايزة ترجعي وتسبيني مع ناس معرفهمش!
صرخت بها والدتها بقوة:
– الناس دول عيلتك وانتي ليكي حق هنا ولازم تاخدي حقك.
وقفت كارمن تبكي وتهتف باصرار:
– انا مش هفضل هنا.. انا لازم ارجع معاكي.
تبدلت ملامح والدتها الي الجمود وتحدثت بقسوة:
– وانا مش عيزاكي ترجعي معايا.. انا عايزة ارتاح اللي باقي من عمري.. مش هفضل شايله همك طول حياتي.. كفايه عمري اللي ضيعته عليكي! سبيني اشم نفسي شويه وانتي بعيد عني.
كلمات والدتها القاسية جعلتها في حالة من الصدمة والذهول، توقفت عن الحديث وعيناها لم تتوقف عن ذرف الدموع. لم تهتم والدتها بصدمتها وتابعت تبديل ثيابها واخذت حقيبتها وخرجت من الغرفة دون التحدث اليها. اغمضت كارمن عيناها بحزن، لا تعلم ماذا ستفعل هنا! وكيف تعيش مع هؤلاء! تمنت لو يأتي اليها رشيد ويأخذها من هنا. هتفت اسمه بداخلها وهي تبكي وتدعو الله ان يخرجها من هنا.
***
بعد مرور اسبوع..
لم تخرج كارمن من غرفتها بمنزل الهواري، امتنعت عن تناول الطعام لمدة يومين بعد ذهاب والدتها، حتى فقدت الوعي وجاءت الطبيبة من اجلها، منذ ذلك اليوم وازهار تهتم بها دون ان تعرف بترتيب جدها بزواج كارمن من زوجها فراج. حتى جاء اليوم وطلبها جدها الي القاعة التي يجلس بها هي ووالدتها وداد.
دلفت ازهار الي داخل القاعة ولم تتوقع سبب طلب جدها لها. خطت بقدميها واقتربت من جدها ووالدتها، نظرات عين والدتها الدامعة لم تبشر بالخير، خفق قلبها بقوة بعد استماعها الي صوت جدها القوي:
– تعالي يا ازهار اقعدي هنا، عايز اتكلم معاكي في موضوع مهم.
جلست امامه وهي تنظر الي والدتها بفضول، اعين والدتها اللامعة بالدموع كانت تخبرها بشئ لم تستطيع قوله. صوت جدها اخرجها من شرودها وجعلها تنتبه لحديثه اليها:
– انا كنت بتكلم مع امك دلوقتي يا ازهار في موضوع يخصك انتي وفراج.. انتوا دلوقتي متجوزين بقالكم سنتين، وانا نفسي افرح بحفيد يشيل اسم العيلة واطمن عليكم قبل ما اموت.
توترت ازهار وارتبكت كثيرا، نظرت الي والدتها وتحدثت بتلعثم:
– ربنا يخليك لينا يا جدي.. وانا كمان نفسي ربنا يرزقني بالخلف، بس هنعمل ايه! حكمت ربنا.
تحدث جدها بقوة:
– ونعم بالله يا ازهار.. بس ربنا يا بنتي ادا لجوزك رخصة للظروف اللي زي دي.
عقدت ما بين حاجبيها بصدمة وتحدثت بدهشة:
– رخصة ايه اللي تقصدها يا جدي؟!
خفضت وداد وجهها ارضًا بحزن على ما يحدث مع ابنتها، لا يمكنها التصدي لوالدها ومنعه من ما ينوي فعله، صمتت وقلبها يخفق بحزن وهي تستمع الي حديث والدها مع ابنتها:
– قصدي ان جوزك من حقه يتجوز ويجرب حظه مع واحدة تانيه.
شهقت بصدمة وانتفضت من مكانها، رفعت والدتها وجهها ونظرت اليها بحزن، وقفت ازهار تردد حديث جدها بصدمة:
– يتجوز واحدة تانيه ازاي! ازاي يا جدي عايز فراج يتجوز عليا؟!
اجابها جدها بقوة:
– عشان مصلحة العيلة يا ازهار. العمر بيجري وعيلة الهواري لازم يتمد عودها باحفاد كتير.
بكت ازهار وتحدثت بانهيار:
– بس انا مقصرتش يا جدي! انا عملت كل اللي عليا! روحت لدكاتره وخدت علاج وبعمل كل حاجة يقولوا عليها، قولي اعمل ايه اكتر من كده وانا اعمله؟
اجابها جدها بقوة:
– متعمليش حاجة يا ازهار.. انا عارف ان انتي عملتي اللي عليكي ومفيش فايده، وعشان كده قررت اجوز فراج واحدة تانيه.. وانتي هتفضلي على ذمته وليكي حقوقك كاملة.. ولو يوم فراج قصر معاكي انا اللي هقف له.
بكت بحزن ونظرت الي والدتها وهتفت ببكاء:
– قولي حاجة يا امي.. سامعه جدي عايز يعمل فيا ايه؟!
وقفت والدتها واقتربت منها وعانقتها بقوة وهي تبكي هي الاخري وتحدثت الي ابنتها بحزن:
– جدك كبير العيلة يا ازهار وهو ادرى بصلحتنا ومصلحة العيلة.
بكت ازهار بداخل حضن والدتها، ربتت والدتها علي ظهرها وهي تنظر الي والدها الحاج عبد الرازق بحزن، لم تتبدل ملامح الجمود الذي رسمها الحاج عبد الرازق على وجهه، كادت ان تأخذ وداد ابنتها وتخرج من القاعة، لكن ازهار توقفت وهي تبكي ونظرت الي جدها وتحدثت اليه بصوت مبحوح من شدة البكاء:
– ومين العروسة اللي اختارتها عشان تجوزها فراج يا جدي؟!
صمت جدها قليلا وهو ينظر إليها بهدوء ثم اجابها بصوت قوي:
– كارمن الهواري.
ارتجف جسدها بصدمة مع استماعها للاسم، انهارت وجن جنونها وتحدثت بصراخ:
– قولوا كده بقى من الاول! يعني انتوا كنتوا متفقين من الاول وعشان كده جت مع امها وبعدين امها سابتها ورجعت لوحدها! كنتوا متفقين على الجوازة دي من بدري وانا الهبله اللي معرفش حاجة!
نظر اليها جدها بصدمة، لم تعطيه فرصة للرد عليها وابتعدت عن والدتها وركضت الي خارج القاعة وصوتها صدح عاليا بالمنزل:
– انا هعرفها خطافة الرجالة دي اللي جت عشان تخرب عليا حياتي وتسرق مني جوزي.
ركضت والدتها خلفها وهي تنادي اسمها بصراخ لكي توقفها، دلف فراج الي داخل المنزل وهو يستمع الي صراخ عمته بأسم زوجته، صعدت ازهار الدرج بخطوات واسعة وركضت الي غرفة كارمن.
لم تستطيع والدتها الامساك بها، صرخت والدتها بأسم فراج عندما رأته بالمنزل:
– الحق يا فراج ازهار لتعمل حاجة في بنت صادق!
نظر اليها فراج بصدمة ثم صعد الدرج بخطوات مسرعة لكي يلحق بها.
ركلت ازهار باب غرفة كارمن بقدميها وهجمت عليها بعدوانية. لم تفهم كارمن ماذا حدث لكنها حاولت التصدي لهجوم ازهار المفاجئ وهي تسألها بصدمة:
– في ايه يا ازهار؟!
اجابتها ازهار بعنف وهي تحاول اقلاع شعرها بيدها:
– بقى انتي مش عارفه في ايه يا خطافة الرجالة.. بقى من كل الرجالة اللي في مصر دول ومش لاقيه غير جوزي وجايه تخطفيه مني وعايزة تتجوزيه!
صرخت كارمن وهي تحاول تخليص خصلات شعرها من بين يديها:
– جوزك مين اللي اتجوزه انتي اتجننتي!
دلف فراج الي داخل الغرفة وركض اليهما لكي يخلص كارمن من يدي ازهار، كانت كارمن تصرخ بين يديها وازهار تتمسك بخصلات شعر كارمن بقوة، وفراج يحاول فك قبضة ازهار القوية.
دلفت وداد الي داخل الغرفة وحاولت مساعدة فراج في ابعاد ازهار عن كارمن، تخلصت كارمن من يدي ازهار بصعوبه بعد أن انتزعت ازهار بعد خصلات شعر كارمن بيديها. وقفت كارمن تبكي وتتألم بعد اقتلاع بعض الخصلات من شعرها على يد ازهار. اقتربت منها وداد واخذتها بعيدا عن ابنتها، امسك فراج بزوجته وحاول حملها بعيدا عن كارمن حتى استطاع أخذها الي خارج الغرفة.
وقفت كارمن تبكي وجسدها يرتجف بخوف وتردد ببكاء:
– انا معملتلهاش حاجة.. ليه عملت فيا كده!
رمقتها وداد بقسوة واجابت عليها بحدة:
– كل ده ومعملتلهاش حاجة! عايزاها تعرف انك هتتجوزي جوزها وتسكت!
نظرت كارمن الي عمتها بصدمة:
– جوزها مين اللي اتجوزه!
حدقت بها وداد بفضول وبدأت تشعر ان الفتاة لا تعلم شئ! صمتت قليلاً ثم اجابتها بنبرة حادة:
– هو انتي مش جيتي من مصر عشان تتجوزي فراج وتخطفيه من مراته؟!
شهقت كارمن بصدمة وصرخت بصوت مرتفع:
– فراج مين اللي جيت اتجوزة! انا مستحيل اتجوز فراج او اي حد غيره.. انا جيت هنا غصب عني عشان ماما.
رمقتها وداد بغضب وتحدثت بنبرة ساخرة:
– ولما انتي جيتي عشان ماما! ليه مرجعتيش معاها!
انهارت كارمن في البكاء واجابتها بحزن:
– عشان هي مش عايزاني بعد ما خدت حقها وجدي رفض يديها حقي! ماما الفلوس عندها اهم مني ومن حياتي.
نظرت اليها وداد بصدمة، ارادت ان تربت عليها بعطف لكنها تراجعت بعد ان تذكرت انها ابنة صادق الذي تركها في الماضي وتزوج من أمرأة اخري، همست بنبرة ساخرة:
– فين صادق يجي يشوف اللي سبني واتجوزها! يجي يشوف بتعمل ايه في بنته.
نظرت الي كارمن بسخرية وتحدثت بقسوة:
– امك اتفقت مع جدك عبد الرازق علي جوازك وبعتك ليه بالرخيص.. مبروك عليكي جوازك من ابن اخويا.
وقفت كارمن تبكي بانهيار، تفكر بصدمة ماذا عليها ان تفعل الان؟..
نظرت اليها وداد بتفكير لبعض الوقت، ثم التفتت الي باب الغرفة واغلقت الباب عليهما من الداخل حتى لا يستمع احد الي حديثها مع كارمن، اقتربت من كارمن وتحدثت اليها بهدوء:
– يعني انتي حقيقي متعرفيش ان جدك اتفق مع امك على جوازك من فراج وان الجواز هيكون كمان يومين؟!
نظرت اليها كارمن وهي تبكي بانهيار وتحدثت بصوت متقطع من شدة البكاء:
– انا معرفش اي حاجة.. ولو كنت اعرف حاجة زي دي كنت هربت من هنا ومقعدتش هنا لحظة واحدة.. انا مستحيل اتجوز اي حد غير رشيد.
نظرت اليها عمتها بصدمة وهتفت بفضول:
– ومين رشيد ده؟!
اجابتها كارمن وهي تبكي:
– رشيد كان جوزي، بس هو طلقني وانا مستحيل اتجوز غيره.
شهقت عمتها بصدمة قائلة:
– هو انتي كنتي متجوزة كمان!
أومأت برأسها وهي تبكي، ثم رفعت وجهها وتحدثت اليها برجاء:
– ارجوكي ساعديني عشان امشي من هنا.. انا مستحيل اتجوز اي حد.. لو ده حصل انا هموت نفسي ارحم.
نظرت اليها بتفكير ثم تحدثت اليها بصوت منخفض:
– يعني انتي فعلا مش عايزة تتجوزي فراج؟
اجابتها كارمن بصدق واصرار:
– اه والله العظيم انا مش عايزة ومستحيل اتجوزه.
أومأت عمتها برأسها وتحدثت اليها بهدوء:
– انا ممكن اساعدك تهربي من هنا والجوازة دي متحصلش.. بس بشرط.
أومأت كارمن برأسها وتحدثت بلهفة:
– موافقة علي اي شرط.
تحدثت وداد بتأكيد:
– مش لما تعرفي ايه هو الشرط الاول!
اجابتها كارمن بتأكيد:
– انا موافقة اعمل اي حاجة بس امشي من هنا.
ابتسمت وداد بداخلها وتحدثت اليها بمكر:
– حتى لو قولتلك ان الشرط بتاعي عشان اساعدك، انك تتنازلي ليا عن الارض بتاعك وتبقى بأسمي.
تحدثت كارمن بثقة دون تردد:
– انا اصلا مش عايزة ارض وموافقة على الشرط بتاعك ومستعدة امضي على التنازل دلوقتي حالا بس ارجوكي ساعديني.
ابتسمت وداد بثقة، هكذا تشعر ان حقها وكرامتها ردت اليها بعد رفض صادق لها بالماضي، الان ستأخذ ارضه رد حق بعد ما فعله بها. أومأت برأسها بالايجاب وتحدثت بتأكيد:
– يبقى اتفقنا.. بس المهم دلوقتي انك متبينيش لاي حد انك رافضه الجواز من فراج، عشان لو جدك عرف يبقى هيشدد الحراسه على الدوار عشان متعرفيش تخرجي منه.
نظرت اليها كارمن بقلق:
– يعني ايه الكلام ده! يعني هقول اني موافقه؟!
ابتسمت وداد بنبرة ساخرة واجابتها:
– محدش هياخد رأيك عشان تقولي انك موافقه ولا رافضه.. خلاص جدك قرر جوازك من فراج وحدد كتب الكتاب والفرح هيكونوا اخر الاسبوع ده.. يوم الخميس اللي بعد يومين.
شهقت كارمن بصدمة وتحدثت بصراخ:
– انا مستحيل اوافق على المهزلة دي! ازاي جدي يقرر ويحدد مصيري من غير ما ياخد رأيي! انا مستحيل هوافق على الجوازة دي.
تحدثت وداد بصوت منخفض:
– اهدي يا بنت صادق واسمعيني.. العناد مش هيفيد مع جدك، هتلاقي نفسك متجوزة فراج ومقفول عليكم باب واحد وغصب عنك مش بمزاجك.
نظرت اليها كارمن بصدمة، اضافة وداد بثقة:
– الحل الوحيد انك تسمعي كلامي.. في اليومين دول لازم تبيني انك راضيه وموافقه.. وليلة الفرح الدار بتبقى زحمه وكل اهل البلد داخلين طالعين وساعتها هقدر اهربك من الدار وانتي وشطارتك بقى تبعدي عن البلد على قد ما تقدري.
استمعت كارمن الي خطتها باهتمام، قلبها كان يخفق بخوف، ليس لديها حل اخر غير ان تثق بعمتها. صوت وداد اخرجها من شرودها وهي تضيف بتأكيد:
– وفي اليومين دول هكون انا روحت للمحامي وخليته يجهز ورق التنازل عن الارض.. عشان تمضي عليه قبل ما اهربك.
أومأت كارمن برأسها بالايجاب وهي تفكر بداخلها؛ اين ستذهب بعد هروبها من هذا المنزل؟!
***
مساء اليوم التالي.
بإحدى الحفلات الخاصة والتي تقيمها احدى الجمعيات الخيرية بقيادة عددً من سيدات المجتمع الراقي.
دخلت سهير الحفل بكل ثقة وهي ترتدي ثوب جديد من افخم الماركات، ارادت العودة الي حياتها الطبيعيه بعد حصولها على النقود مقابل حقها في ارض زوجها وترك ابنتها. كانوا جميعا يلتفتون وينظرون اليها بدهشة، بعد غيابها الطويل عن حضور مثل هذه الحفلات وعدم ظهورها بهذا الوسط. كانت تسير بثقة وهي تستمع الي همسات الجميع وهم يتطلعون اليها بدهشة ويتساءلون؛ اين اختفت كل هذه الاعوام!
اقتربت من بعض السيدات وانضمت الي الطاولة التي تجمعهم وتحدثت اليهم بثقة:
– وحشتوني اوي.. مقدرتش اعرف ان في حفلة خيرية زي دي ومحضرهاش.
نظروا اليها جميعا بدهشة وسألتها احدى السيدات:
– انتي كنتي فين يا سهير كل الفترة دي؟!
اجابتها بثقة:
– كنت مسافرة باريس.. متعرفوش الحياة هناك ممتعة قد ايه، لدرجة اني كنت بفكر مرجعش مصر تاني.
ابتسمت احدى السيدات بنبرة ساخرة:
– بس احنا كنا سمعنا ان جوزك الاخير نصب عليكي واخد كل فلوسك وسابك فقيرة ومعندكيش اي فلوس.. ازاي قدرتي تسافري باريس!
كتمت سهير غيظها واجابت عليها ببرود:
– معرفش مين اللي طلع الاشاعة دي! انتوا عارفين ان اللي بيغيروا مني كتير واكيد واحدة فاضيه طلعت الاشاعة دي عشان ترضي غيرتها!
تبادلت النظرات بين السيدات، وقفت سهير ترفع رأسها بتكبر غير مبالية بنظراتهم وهمساتهم التي تلاحقها.
بإحدى الطاولات القريبة من الطاولة التي تجلس عليها سهير سالم. كانت سما صديقة كارمن تجلس بجوار والدتها، شهقت بحماس عندما رآت والدة صديقتها كارمن، وقفت من مكانها وذهبت اليها لكي تسلم عليها وتسألها عن كارمن.
كانت سهير تجلس بغرور وغير مبالية بأحد، تحاول استرجاع كبرياءها وغرورها امام الجميع. اقتربت منها سما وهي تتحدث بسعادة لرؤيتها بالحفل:
– طنط سهير!
نظرت اليها سهير بتكبر وتحدثت ببرود:
– اهلا يا سما.. انتي موجودة هنا!
اجابة سما بحماس:
– اه يا طنط جيت مع ماما.. هي كارمن فين؟ هي مجتش مع حضرتك؟!
استرخت سهير فوق مقعدها واجابة على سؤال سما بصوت مرتفع وفخر لكي ينتبه اليها الجميع:
– كارمن اتجوزت رجل اعمال غني جدا وعايشه معاه في اوروبا.
– كارمن اتجوزت رجل اعمال غني جدا وعايشه معاه في اوروبا.
انتبه الجميع لحديثها، حتى نظرت اليها إحدى الفتيات بالحفل بستغراب بعد ان استمعت الي اسم كارمن، كانت تجلس بجوار والدتها بالطاولة المجاورة لطاولة سهير، نظرت الفتاة الي والدتها وهمست اليها بفضول وهي تشير اتجاه سهير قبل ان تعرف من هي:
– ماما انتي تعرفي الست دي؟!
نظرت والدتها الي سهير بشمئزاز واجابت علي ابنتها بهمس:
– دي سهير سالم.. ست مغروره وشايفه نفسها وتقريبا بتتجوز في السنه اربع او خمس مرات!
شهقت ابنتها بصدمة وتحدثت بزهول:
– يعني دي تبقي مامت كارمن بجد زي ما توقعت!
نظرت اليها والدتها بستغراب:
– وانتي تعرفيها منين يا “نهى” هي او بنتها؟!
اجابة على والدتها:
– كارمن بنتها تبقى مرات رشيد صاحب خالد يا ماما.
رواية كارمن الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ملك ابراهيم
بنتك تبقى مرات رشيد صاحب خالد يا ماما.
عقدت والدتها ما بين حجابيها بدهشة قائلة:
– رشيد صاحب خالد جوزك؟!
أومأت نهى برأسها بتأكيد:
– آه يا ماما هي.. أنا وخالد زورناهم في شقتهم أول لما اتجوزوا.
نظرت والدتها إلى سهير باشمئزاز وهمست:
– إزاي اللوا نور الدين الجبالي يسمح إن حفيده يتجوز بنت سهير سالم!
*****
صباح اليوم التالي.
بداخل منزل الهواري.
بدأ الجميع بداخل المنزل يستعدون لحفل زفاف فراج على ابنة عمه صادق والذي سيقام بمساء الغد.
التزمت أزهار المكوث بداخل غرفتها ممتنعة عن تناول الطعام وعن المشاركة بأي شيء.
التزمت كارمن هي الأخرى غرفتها بعد أن منع الجد خروجها من المنزل، لا تصدق أن جدها قرر زواجها من حفيده المتزوج دون الاستماع لموافقتها، صدمتها بما فعلته بها والدتها حطمت قلبها، جعلتها تنتظر ما سيحدث بجسد خالي من الروح.
كان فراج يستعد للزواج وكأنه يتزوج للمرة الأولى، كان سعيدًا بالزواج من الفتاة التي أسرت قلبه من النظرة الأولى بجمالها. كان يحلم بامتلاكها في كل لحظة، وينتظر عقد القران بفارغ الصبر، متجاهلاً تحطم قلب زوجته أزهار وحزنها الشديد بسبب زواجه عليها.
اتفقت وداد مع محامي العائلة أن يعد لها أوراق التنازل في سرية تامة ولا يخبر والدها بشيء، وأخذتها منه لكي توقع كارمن على الأوراق وتساعدها على الهرب من العرس وهكذا تعود لها أرض صادق التي تركها بالماضي وتتخلص ابنتها أزهار من زواج فراج عليها.
*****
بشقة الرائد خالد صديق رشيد.
وقف خالد ينتهي من ارتداء ثيابه لكي يذهب إلى عمله، استيقظت نهى زوجته وتحدثت إليه بصوت ناعس:
– صباح الخير يا حبيبي.
التفت إليها بابتسامة:
– صباح الفل يا حبيبتي.
جلست فوق الفراش وهي تداعب شعرها بنعاس، ابتسم خالد وتحدث بنبرة مازحة:
– اتبسطي في حفلة امبارح؟
أجابته نهى بملل:
– الحفلة كانت مملة جدًا.
ضحك خالد بمرح:
– دا الطبيعي بتاع الحفلات دي.
صمتت نهى قليلاً ثم استرسل لها عقلها ما حدث بالحفل أمس:
– عارف شوفت مين في الحفلة امبارح!
تحدث خالد دون اهتمام:
– مين؟
تحدثت نهى بحماس:
– مامت كارمن مرات رشيد.
التفت إليها خالد بصدمة قائلاً:
– مامت كارمن مرات رشيد! انتي متأكدة؟!
أجابته بثقة:
– آه طبعًا متأكدة.. أنا مشوفتهاش قبل كده، بس متأكدة إنها هي.. مش مامت كارمن اسمها سهير سالم؟
أجابها خالد باهتمام:
– آه هي!.. طب وكارمن.. شوفتي كارمن معاها؟
تحدثت نهى بدهشة من رد فعل زوجها الغريب:
– لا كارمن مكانتش موجودة! بس سمعت مامتها قالت حاجة غريبة كده في الحفلة! مش متأكدة من اللي أنا سمعته ده هو صح ولا إيه!
تحدث خالد بنفاذ صبر:
– سمعتي إيه يا نهى، قولي على طول!
تحدثت نهى بتردد:
– متهيألي إني سمعتها بتقول إن كارمن اتجوزت وسافرت مع جوزها!
حدق بها خالد بصدمة وذهول، إضافة نهى بحيرة:
– مش عارفة اللي أنا سمعته ده صح ولا أنا سمعت غلط..
لم يستوعب خالد ما قالته زوجته، همس بصدمة:
– دا لو طلع صح هتبقى مصيبة!
نظرت إليه نهى بدهشة:
– ممكن أكون سمعت غلط! مش معقول يعني كارمن هتتجوز إزاي يا خالد وهي لسه مرات رشيد؟!
لم يجيب عليها خالد، كان شاردًا بأفكار كثيرة، عقله رافض الاستيعاب حتى الآن؛ ماذا سيحدث لو تزوجت كارمن حقًا من رجل آخر! ماذا سيفعل رشيد؟!
استغربت نهى شروده وصمته وتحدثت إليه بقلق:
– في إيه يا خالد قلقتني! هو رشيد طلق كارمن؟
أجابها خالد بصدمة:
– لا مطلقهاش.. بس هي فاكرة إنه طلقها.
شهقت نهى وكتمت فمها بيديها، نظر إليها خالد وتحدث بصدمة:
– هتبقى كارثة لو كارمن اتجوزت فعلاً.
تحدثت نهى بصدمة:
– وهنعمل إيه دلوقتي يا خالد.. أنا مش متأكدة من اللي أنا سمعته ده صح ولا غلط! يمكن أكون سمعتها غلط لأني مكنتش مركزة في كلامها غير لما سمعت اسم كارمن.
وضع خالد يديه فوق رأسه بتفكير عميق ثم أردف بتردد:
– مش قادر أفكر.. مش عارف أعمل إيه.. أقول لـ رشيد ولا نستنى لحد ما نتأكد؟!
فكرت نهى معه بحيرة وتحدثت بقلق:
– أنا بقول إننا لازم نتأكد الأول.
نظر إليها خالد باهتمام قائلاً:
– وهنتأكد إزاي؟!
فكرت قليلاً ثم أجابته:
– نروح لمامت كارمن ونسألها.
تحدث خالد:
– واحنا هنعرف عنوانها إزاي وهي أصلاً غيرت عنوانها وأنا ورشيد دورنا عليها ومقدرناش نعرف مكانها!
أجابت نهى بثقة:
– موضوع عنوانها ده سهل جدًا نوصله.. أنا هكلم ماما تسأل صحباتها اللي ليهم علاقة قوية بـ سهير سالم وقريبين منها واكيد هي قالتلهم على عنوانها أو حتى رقم تليفونها ونقدر بالطريقة دي نوصلها.
ابتسم خالد وتحدث إلى زوجته بنبرة مازحة:
– مطلعتيش قليلة يا نهى!
ضحكت برقة وأجابت عليه بثقة:
– مراتك يا سيادة الرائد.
ابتسم خالد وهو يتأملها بحب، اهتز هاتفه وأعلن عن اتصال، نظر إلى الهاتف بصدمة وتحدث إليها بقلق:
– ده رشيد اللي بيتصل.
نظرت إليه بقلق، حدق بالهاتف وضغط على زر الرد، ليقابله صوت رشيد يتحدث إليه:
– خالد أنا لقيت سهير مامت كارمن وعرفت عنوانها.
حدق خالد بزوجته وهو يستمع إلى حديث رشيد، ثم تحدث بتوتر:
– لقيتها وعرفت عنوانها إزاي؟!
أجاب رشيد وهو يقود سيارته في طريقه إلى منزل سهير الجديد:
– كانت سهرانه في حفلة امبارح وناس أعرفهم شافوها وقدرت أعرف عنوانها الجديد.
تحدث خالد بفضول:
– وكارمن معاها؟!
أجاب رشيد بثقة:
– أكيد يعني يا خالد كارمن معاها في نفس البيت.. عمومًا أنا لسه عارف عنوانها حالا وأنا دلوقتي في طريقي لبيتها الجديد.
تحدث خالد بقلق:
– بلاش تروح لوحدك يا رشيد.. ابعتلي العنوان وأنا هجيلك على هناك.
رفض رشيد بشدة:
– متقلقش يا خالد أنا هتكلم معاهم بهدوء.
أصر خالد بقوة:
– لو سمحت يا رشيد ابعتلي العنوان.
استغرب رشيد من إصراره وتحدث بدهشة:
– تمام يا خالد أنا هبعتلك العنوان دلوقتي.
أغلق خالد الهاتف وتحدث إلى زوجته سريعًا:
– أنا لازم أنزل بسرعة أروح لـ رشيد على بيت مامت كارمن.. ربنا يستر واللي انتي سمعتيه ده ميكونش حقيقي.
أومأت زوجته بالإيجاب وبحثت بقلق:
– إن شاء الله يا حبيبي ميطلعش حقيقي.. متنساش تطمني.
أومأ برأسه وهو يخرج من المنزل مسرعًا.
*****
بمنزل الهواري.
كارمن بداخل غرفتها تبكي بخوف، كلما نظرت إلى الخارج عبر النافذة، شهقت بصدمة وهي ترى الكثير من الرجال يقومون بحراسة المنزل.
طرقت وداد على باب الغرفة ودلفت وهي تحمل بيديها ثوب الزفاف.
شهقت كارمن بصدمة عندما رأت ثوب الزفاف بيد عمتها.
أغلقت وداد باب الغرفة وتقدمت من كارمن وهي تبتسم وتحدثت إليها بهدوء:
– فستانك اللي هتلبسيه في فرحك بكرة يا عروسة؟
حدقت بها كارمن بصدمة قائلة:
– فرحي إيه؟! مش حضرتك اتفقتي معايا تهربيني من هنا؟
ابتسمت وداد بثقة وأجابت عليها:
– أنا قولت يمكن غيرتي رأيك ولا حاجة؟
تحدثت كارمن بقلق:
– لا طبعًا أنا مغيرتش رآيي! أنا مستغربة إنهم فعلًا بيجهزوا لفرح من غير ما ياخدوا رأيي.. ومستنياكي من الصبح ومش قادرة أخرج من هنا.
شردت وداد في الماضي وتذكرت عندما زوجها والدها من رجل يكبرها بسنوات كثيرة بنفس الطريقة دون أن يأخذ رأيها. كانت تقف بداخل غرفتها لا تصدق أن هذا الاحتفال من أجلها، همست بحزن وهي تجيب عليها:
– من كام سنة عملوا معايا نفس اللي عايزين يعملوه معاكي.. جوزوني لراجل كبير من غير ما ياخدوا رأيي.. وأبوكي كان السبب في كل ده.
شهقت كارمن بصدمة:
– بابا!!
أجابته وداد وهي تتذكر الماضي بقلب تحطم منذ سنوات على يد من أحبته:
– أبوكي رفض يتجوزني وساب البلد كلها يوم فرحنا.. كانت فضيحة كبيرة لما عريس يسيب عروسته يوم فرحها..
حدقت بها كارمن بصدمة، تابعت وداد حديثها بحزن:
– يومها اتنازل عن أرضه لأبويا ومحدش فيهم اهتم بالصدمة اللي كنت فيها، أبويا جوزني لراجل أكبر مني بـ 30 سنة.. ومات بعد ما خلفت أزهار بنتي بسنة واحدة وبقيت أرملة وأنا لسه بنت 20 سنة.
أدمعت عينا كارمن وهي تستمع إلى قصتها الحزينة، نظرت إليها وداد بقوة وأضافت بإصرار:
– الأرض اللي انتي وأمك جيتوا تاخدوها دي! هي الأرض اللي اتنازل عنها أبوكي عشان ميتجوزنيش.. أنا دفعت تمن الأرض دي من عمري وحياتي.. الأرض دي مش من حق أي حد غيري.
بكت كارمن من أجلها وتحدثت بصوت مبحوح من شدة البكاء:
– أنا مش عايزة أرض صدقيني ومستعدة أتنازلك عن أي حق ليا فيها دلوقتي حالا.. بس أرجوكي..
انهارت كارمن وهي تضيف:
– أرجوكي ساعديني.. أنا مش عايزة أعيش اللي انتي عيشتيه.
نظرت إليها وداد بقسوة وهتفت بقوة:
– صدقيني يا بنت صادق لو بإيدي كنت دوقتك المر اللي أبوكي دوقهولي وعيشتك نفس اللي عيشته وأكتر.. بس حظك إن أبويا ملقاش حد يجوزك ليه غير فراج جوز بنتي! يعني لو الجوازة دي تمت.. هكسر قلب بنتي قبل ما أكسرك.
شحب وجه كارمن بخوف وارتجف جسدها وهتفت بتلعثم:
– يعني حضرتك هتساعديني أهرب من هنا؟!
نظرت إليها وداد بتفكير ثم أخرجت أوراق التنازل من ثيابها وأشارت لها قائلة:
– خدي امضي على التنازل.
أخذت كارمن الأوراق بيد ترتجف ووقعت عليهم بسرعة ودموعها تتساقط فوق الورق من الخوف أن لا تساعدها عمتها.
أعطتها الورق بيد ترتجف وتحدثت بخوف:
– أرجوكي ساعديني.
ألقت وداد ثوب الزفاف فوق الفراش وأشارت برأسها اتجاه ثوب الزفاف:
– هتلاقي في قلب الفستان ده عباية سودة.. تلبسيها وتحطي الطرحة السودة على شعرك وعلى وشك ومتخليش حاجة تبان منك..
أخذت كارمن ثوب الزفاف وبحثت بداخله وأخذت الثياب الأسود منه وأمسكت بيدها وهي ترتجف من شدة التوتر وتحدثت بخوف:
– ألبسهم دلوقتي؟
تحدثت وداد بقوة:
– مش دلوقتي.. لما الليل ينزل ستايره.. هنحاول نشغل فراج وأبويا والرجالة اللي بيحرسوا الدوار وأهربك.
تحدثت كارمن بخوف:
– ولما أخرج من هنا هروح فين؟!
هتفت وداد بغضب:
– تطلعي على الطريق يا بنت صادق وتهربي في أي عربية زي ما عمل أبوكي زمان.
خفضت كارمن وجهها بخوف وتحدثت بصوت منخفض:
– يعني مش ممكن حد يشوفني؟
رمقتها وداد بغضب وأجابت بنبرة حادة:
– الليل ستار ومحدش هيشوفك ولو طلعتي من ناحية الأراضي الزراعية ومنها على الطريق على طول مفيش حد هيحس بيكي.. ومش عايزة أشوف وشك أو وش أمك بعد ما تغوري من هنا.
بكت كارمن وهي تخفض وجهها، تشعر أنها لم تستطع مواجهة كل ما تمر به بمفردها، تنادي رشيد من قلبها أن يأتي إليها ويأخذها ويخلصها من كل هذا الخوف الذي تشعر به. بكت وهي تتساءل بداخلها؛ كيف ستذهب في الليل وهي تخشى الظلام! أين ستذهب ولمن ستذهب! من المؤكد أنها لن تذهب إلى والدتها مرة أخرى ولا يمكنها الذهاب إلى رشيد بعد ما فعلته به! أغمضت عينيها وهي تبكي وتشعر بالضيق، قلبها كان يبكي وجسدها يرتجف خوفًا من القادم، همست تنادي الله بقلبها: يارب ساعدني.
*****
توقف رشيد بسيارته أمام واحد من الأبراج الهائلة الذي يضم عدد كبير من أصحاب الطبقة المخملية، بداخل حي سكني للأثرياء.
لحق به خالد وتوقف بسيارته بجوار سيارة رشيد، خرج رشيد من سيارته وخرج خالد هو الآخر واقترب من رشيد وتحدث إليه:
– هو ده العنوان انت متأكد؟
أجابه رشيد بثقة وهو ينظر إلى البرج السكني:
– هو.
نظر إليه خالد بقلق:
– رشيد أهم حاجة قبل ما ندخل إنك تحاول تمسك أعصابك على قد ما تقدر.
نظر إليه رشيد بدهشة قائلاً:
– أنا مش عايز أعرف منها غير الحقيقة بس يا خالد!
أومأ خالد برأسه بالإيجاب وتقدم معه إلى داخل البرج السكني وهو يدعو من قلبه أن يجدوا كارمن بالأعلى وما استمعت إليه نهى يكون خاطئ.
توقف المصعد بالطابق الحادي عشر.
خرج منه رشيد وخالد واقترب رشيد من شقتها وهو يشعر بالتوتر الشديد.
توقفا أمام باب الشقة وأخذ رشيد نفسًا عميقًا قبل أن يضغط على زر الجرس.
انتظر هو وخالد أمام الباب بضع دقائق حتى فتحت لهما الخادمة.
نظر إليها رشيد بدهشة وتحدث بهدوء:
– مدام كارمن موجودة؟
نظرت إليه الخادمة باستغراب قائلة:
– لا يا فندم مفيش حد هنا بالاسم ده!
نظر إليها رشيد بصدمة ثم نظر إلى خالد، توتر خالد وتحدث إلى الخادمة:
– ده بيت مدام سهير سالم؟
أجابته الخادمة بالإيجاب:
– آه يا فندم هو.
حدق بها رشيد بصدمة قائلاً:
– هي فين مدام سهير؟!
أجابته بهدوء:
– هي لسه نايمة.. أقولها مين حضرتك؟!
تحدث رشيد بعصبية:
– قولي لها رشيد جوز بنتك.
نظرت إليه الخادمة باستغراب ورحبت به باحترام.
توتر خالد وهو يشعر أن ما استمعت إليه زوجته ربما يكون صحيح! أمسك بيد رشيد وهمس إليه بهدوء:
– حاول تهدأ شوية يا رشيد.
رحبت بهما الخادمة وسمحت لهما بالدخول حتى تخبر سهير.
دخل رشيد وهو ينظر إلى المنزل وتحدث إلى خالد باستغراب:
– جابت فلوس لكل ده منين وهما المفروض خسروا كل فلوسهم من زمان!
توتر خالد وتحدث إليه بقلق:
– هنعرف كل حاجة دلوقتي.
تحدث رشيد باستغراب:
– أنا مستغرب إزاي اللي بتشتغل عندهم متعرفش كارمن! معقول كارمن تكون مش عايشة معاها هنا؟!
نظر إليه خالد بتوتر وهمس بداخله:
– ربنا يستر!
طال انتظارهما لها أكثر من نصف ساعة، بدأ رشيد يفقد السيطرة على أعصابه وتحدث إلى خالد بعصبية:
– معقول اللي هما بيعملوه ده!
حاول خالد تهدئته حتى أتت سهير وهي تسير بتكبر ونظرت إلى رشيد ببرود:
– مفيش مرة تستأذن قبل ما تزورني في بيتي!
وقف رشيد وتحدث بغضب:
– أنا مش جاي أزورك! أنا جاي أقابل كارمن.
جلست بتكبر واسترخاء.
أتت إليها الخادمة وهي تحمل فنجان واحد من القهوة وقدمته لها باحترام، أخذت سهير فنجان القهوة وتناولت أول رشفة بتلذذ ثم تحدثت ببرود:
– وكارمن مش موجودة هنا.
نجحت في استفزازه كما تفعل كلما التقت به، استغرب خالد من قدرتها الكبيرة على الاستفزاز وحاول تهدئة صديقه، هتف رشيد بصوت غاضب:
– وهي فين دلوقتي؟!
ارتشفت من القهوة مرة أخرى ببرود وأجابته وهي تنظر إلى فنجان القهوة:
– في بيت جوزها.
انتفض من مكانه بصدمة وصدح صوته عالياً:
– في بيت ميــــن؟!
وقف خالد بجواره وحاول تهدئته لكنه فشل عندما اقترب رشيد من سهير وأخذ فنجان القهوة من يديها وألقاه أرضًا حتى صدح صوت تحطم الفنجان بقوة، تحدث إليها رشيد بصراخ:
– انتي اتجننتي!
انتفضت سهير من مكانها وتحدثت إليه بغضب:
– أنت اللي اتجننت! أنت بتتهجم عليا في بيتي دا أنا هوديك في داهية!
ارتفع صوته أكثر بجنون:
– دا أنا اللي هوديك في داهية انتي وبنتك واللي اتجوزته.. إزاي تتجوز وهي مراتي ولسه على ذمتي!
حاول خالد الوقوف بينه وبين سهير حتى لا يفقد رشيد أعصابه أكثر ويفعل بها شيئًا يندم عليه.
حدقت به سهير بصدمة وتحدثت بذهول:
– مراتك إزاي مش أنت طلقتها؟!
أجابها بصراخ:
– أنا مطلقتهاش.. انتوا شوفتوا ورقة طلاق عشان تقولوا طلقتها! إزاي أصلًا تتجوز وهي معهاش ورقة طلاق؟!
وقفت سهير تهمس إلى نفسها بصدمة:
– إزاي مطلقتهاش!
ثم ارتفع صوتها وتحدثت إليه بذهول:
– إزاي مطلقتهاش وجدك جالنا وقالنا إنك طلقتها؟!
رواية كارمن الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ملك ابراهيم
– ازاي مطلقتهاش وجدك جالنا وقالنا انك طلقتها؟!
توقف قليلاً يحاول استيعاب ما قالته الان، ردد حديثها بصدمة:
– جدي!!
اجابت بثقة:
– اه جدك جه وقالنا انك طلقت كارمن وانت في السجن وهو اللي طلب مننا نسيب البيت قبل ما انت تخرج وقال لكارمن انك مصمم تقتلها بعد اللي هي عملته.
وقف يستمع الي حديثها بصدمة، لم تقل صدمة خالد عن صدمة رشيد! وقف الاثنان يتبادلون النظر بذهول لما يستمعون اليه.
صدمة رشيد الكبيرة كانت بزواج كارمن من غيره، شعر بألم بقلبه لم يشعر به من قبل، شحب وجهه مثل الموتى عندما استرسل له عقله حقيقة ان رجل غيره تزوج من زوجته!
شعر خالد بالقلق عليه وتحدث اليه بقلق:
– رشيد انت كويس؟!
لم يستطيع الرد عليه من قسوة اللحظة التي يعيشها الان، كل شئ يهون ويمكنه تحمله الا ان تكون كارمن لغيره.
تفهم خالد ما يمر به صديقه وتحدث الي سهير:
– لازم نعرف ازاي كارمن اتجوزت من غير ورقة اثبات طلاقها ومين اللي اتجوزته وهما فين دلوقتي؟
اجابته سهير بتوتر وخوف من ان يكتشف الحاج عبد الرازق انها كذبت عليه عندما اخبرته ان ابنتها مطلقه:
– هما تقريبا لسه مكتبوش الكتاب.. احنا اتفقنا على الجواز بس.
عادة الروح لـ رشيد مرة اخري عقب استماعه لجملتها المتردده، حدق بها بصدمة وتحدث بلهفة:
– انا مش فاهم حاجة! يعني كارمن اتجوزت ولا لأ؟!
توترت سهير واجابت عليه بارتباك:
– مش عارفه.. جدها اتفق معايا على جوازها من فراج ابن عمها وانا رجعت القاهرة وسبتها هناك، وكانوا قالولي انهم هيبلغوني بميعاد الفرح عشان احضر معاها.. بس لحد النهارده مكلمونيش ولا اعرف حاجة عنهم.
تابع حديثها بصدمة وهتف بصراخ:
– جدها مين وفراج ابن عمها مين! انتي بتقولي ايه؟! انتي ازاي اصلا تسيبي بنتك لوحدها وسط ناس متعرفهمش.. كارمن فين.. مراتي فين انطقي؟!
حاول خالد تهدأته وتحدث الي سهير بغضب:
– يعني انتي متعرفيش كارمن اتجوزت ولا لأ؟!
اجابت سهير بتوتر:
– قولتلكم معرفش.
تحدث اليها رشيد بغضب وانفعال:
– انتي لو مقولتيش مراتي فين دلوقتي حالا، انا هسجنك انتي وبنتك؟
نظرت اليه بحيرة وتردد، صدح صوت خالد هو الاخر بغضب:
– قوليله مراته فين بدل ما يبلغ عنك انتي وبنتك وهتروحوا في ستين داهية.
تحدثت بارتباك:
– كارمن دلوقتي في بيت عم ابوها في قنا. اسمه الحاج عبد الرازق الهواري.
نظر اليها رشيد بغضب وتحدث معها باندفاع:
– لو بنتك اتجوزت اللي انتي قولتي عليه ده او لمس بس شعرها منها.. انا هقتلك انتي وهي صدقيني.
جف حلق سهير من الخوف، قسوة عيناه والشر الذي رآته بوجهه اخافها. تراجعت الي الخلف مبتعدة عنه بحذر.
اسرع رشيد في الخروج من منزلها بعد ان اخذ منها عنوان عم كارمن بالتفصيل. لحق به خالد وتحدث اليه بقلق:
– هتعمل ايه دلوقتي يا رشيد؟
اجاب رشيد باصرار وهو يركض الي سيارته:
– لازم اروح قنا حالا.
لحق به خالد وهو يلتقط انفاسه بصعوبة قائلا:
– انا هاجي معاك يا رشيد.. مش هينفع اسيبك تروح لوحدك وانت في الحالة دي.
توقف رشيد امام سيارته يلتقط انفاسه بتعب. ثم رفع وجهه ينظر الي السماء، اصبح الطقس ملبد بالغيوم ويبشر بتساقط الكثير من الامطار الرعدية هذه الليلة. نظر الي خالد وتحدث اليه بصدمة:
– كارمن ممكن تكون اتجوزت غيري فعلا؟!
لمح خالد لمعة عيناه بالحزن، يعلم كم يحب كارمن ويعشقها، ما فعله من اجلها لم يفعله احد من اجل حبيبته من قبل. حاول تهدأته واجاب عليه بتأكيد:
– اكيد لا يا رشيد.. مستحيل في مأذون يكتب الكتاب من غير قسيمة الطلاق عشان يتأكد انها مطلقه وخلصت العده.
أومأ رشيد برأسه وهو يطمئن نفسه بهذا الحديث وصعد مسرعا بداخل سيارته، وقف خالد ينظر إلى السماء ويتوقع تساقط الكثير من الامطار عليهما وهما في الطريق الي قنا، لم يكن الذهاب الي هناك بالسيارة في هذا الطقس السئ في صالحهما، لكنه لن ولم يترك صديقه بمفرده، صعد معه بداخل السيارة وتحدث اليه:
– مش هينفع نروح بالعربيه.. خلينا نروح محطة القطر.
*****
في المساء.
حالة من الطقس الملبد بالغيوم ورياح قوية تسود محافظة قنا. تساقط الامطار الرعدية بغزارة.
الساعة العاشرة مساءًا.
وقفت كارمن بجوار النافذه تشاهد تساقط الامطار الغزيرة، وجسدها يرتجف من شدة برودة الطقس وهي ترتدي الثوب الاسود الذي اعطته لها وداد ونجح الثياب في اخفاءها بالكامل اسفله. خفق قلبها بهلع عندما فتح الباب ودلفت عمتها وداد. وقفت تلتقط أنفاسها اسفل الوشاح الذي يخفيها بالكامل. اقتربت منها وداد وهي تنظر إليها بتقيم:
– حظك حلو.. الشتا غرق البلد والطريق هيبقى فاضي، وكده محدش هياخد باله منك وانتي خارجه من البلد.
أومأت كارمن برأسها بالايجاب وتحدثت بخوف:
– بس انا مش عارفة الطريق وخايفه معرفش اهرب.
رمقتها وداد بقسوة وأخذتها بجوار النافذه واشارة بيديها وهي تصف لها الطريق:
– انتي هتمشي وسط الاراضي اللي ورا الدار من هنا، والاراضي دي هتوصلك للطريق ومنه وقفي اي عربية وتركبيها وانتي ونصيبك.
ارتجف جسد كارمن من الخوف:
– همشي وسط الأرض والمطر في الضلمه دي لوحدي؟!
ابتسمت وداد ساخرة:
– لا.. انا بقول فراج يجي يوصلك عشان متخافيش!
نظرت اليها كارمن بحزن وقلة حيلة وأومأت برأسها بالايجاب، وضعت وداد الوشاح على وجهها وتأكدت انه يخفيها بالكامل ثم تحدثت اليها:
– لازم تهربي النهارده قبل كتب الكتاب بكره.
نظرت اليها كارمن بخوف وهي تفكر فيما ستواجهه من صعوبات بعد هروبها الان في هذا الطقس وهذا الظلام الذي تخافه كثيرًا. عليها مواجهة جميع الصعوبات في مقابل ان لا تتزوج من احد رغمًا عنها، هي خلقت فقط لـ رشيد ولا يمكن ان تكون لرجل غيره. اغمضت عيناها وهمست بداخلها تنادي الله من قلبها ان يكون معها ويخرجها من هذا الضيق الذي تشعر به.
فتحت عيناها ونظرت الي عمتها وداد وتحدثت بهدوء:
– انا جاهزة..بس هخرج من هنا ازاي؟!
نظرت اليها وداد بعمق واجابة عليها بثقة:
– استني هنا شويه ومتتحركيش من مكانك قبل ما اجي اخرجك من هنا بنفسي.
نظرت اليها كارمن بدهشة وأومأت برأسها بالايجاب. خرجت وداد من الغرفة واتجهت الي غرفة ابنتها ازهار. وقفت كارمن وجسدها يرتجف بخوف كلما نظرت عبر النافذة الي الظلام وتساقط الامطار الغزيرة بالخارج.
شهقت وداد بصدمة عندما دلفت الي غرفة ابنتها ورأتها تبكي بانهيار، ركضت الي ابنتها وتحدثت إليها بفزع:
– خبر ايه يا ازهار! عاملة في نفسك كده ليه يا بنتي؟!
نظرت اليها ازهار بعيونها الدامعه واجابتها ببكاء:
– جاي تسأليني خبر ايه وجوزي هيتجوز عليا!
تنهدت وداد براحة وتحدثت بهدوء:
– مش هيحصل يا بنت بطني متخافيش.
حدقت ازهار بوالدتها وتحدثت ببكاء:
– هو ايه اللي مش هيحصل! الفرح بكره خلاص!
ابتسمت والدتها وتحدثت بثقة:
– متخافيش يا قلب امك.. انا عمري ما احرق قلبك ابدا.
حدقت ازهار بوالدتها بدهشة، اضافة والدتها بثقة:
– صحيح الفرح بكره، بس مفيش فرح من غير عروسة!
هتفت ازهار بصدمة:
– يعني ايه يا امي من غير عروسه؟!
ابتسمت والدتها وجففت دموعها بحنان:
– العروسة هتهرب النهارده.
شهقت ازهار بصدمة:
– انتي بتقولي ايه يا أمي؟! هتهرب ازاي وامتى؟
تحدثت وداد وهي تأخذ يد ابنتها:
– متقلقيش يا ازهار انا رتبت كل حاجة.. والدور عليكي دلوقتي.
نظرت ازهار الي والدتها باهتمام وتحدثت بقلق:
– دور ايه اللي عليا يا أمي مش فاهمة؟!
وداد: تعملي نفسك تعبانه ومش قادرة من الوجع لحد ما فراج وجدك ياخدوكي المستشفى.
توترت ازهار وتحدثت بقلق:
– اعمل تعبانه ازاي بس يا أمي.. ما هما ممكن يجيبوا الدكتوره هنا ويعرفوا اني مش تعبانه ولا حاجة!
تحدثت وداد بثقة:
– دكتورة مين اللي هتخرج من بيتها في الشتا ده.. وبعدين انا هقولهم انك شربتي حاجة عشان تموتي نفسك.
شهقت ازهار وهي تنظر الي والدتها. رتبت والدتها على ظهرها وتحدثت بثقة:
– اعملي اللي بقولك عليه يا ازهار عشان اعرف اهرب بنت صادق.. لو النهار طلع والبت دي لسه هنا مش هنعرف نعمل حاجة وفراج هيتجوزها عليكي.
نظرت ازهار الي والدتها وهي تفكر بحيرة، عليها فعل اي شئ لكي تمنع هذا الزواج، أومأت برأسها وتحدثت بقلق:
– قوليلي اعمل ايه يا امي وانا هعمله.
أومأت والدتها بثقة واخبرتها ماذا تفعل.
بعد دقائق قليلة..
صرخة مدوية اهتز لها جدران المنزل وتسقط ازهار ارضً تتدعي الشعور بالالم ووداد والدتها تقف مندهشة من اتقان ابنتها التمثيل! جاء الدور علي وداد وركضت الي خارج الغرفة وهي تصرخ بصوت مرتفع حتى جاء اليها فراج يركض بفزع والحاج عبد الرازق خلفه وخفر المنزل تجمعوا بالداخل بقلق ينتظرون امر الحاج عبد الرازق.
صرخت وداد بطريقة دراميه متقنه وهي تتحدث الي ابن اخيها ووالدها:
– ازهار شربت سم وعايزة تموت نفسها بسببك يا فراج.. عشان ابويا يرتاح ويجوزك.. بنتي هتموت.. اه يا حرقت قلبي يا بنتي.
حدق فراج بعمته بصدمة ثم ركض الي غرفة زوجته، كانت ازهار تقع ارضً وتدعي الشعور بالالم بشدة وتصرخ عاليا. اقترب منها فراج بلهفة وحاول مساعدتها علي الوقوف لكنها كانت تصرخ بشدة ولا تعطيه فرصة لمساعدتها. دلف الحاج عبد الرازق الي غرفة ازهار وهو يتابع ما يحدث معها بحزن وقلق. لهفة فراج على ازهار وخوفه الواضح جعلها تبكي بانهيار وهو يحاول مساعدتها، استطاعت ببراعه اتقان التمثيل بدون ان تشعر وهمست اليه بصوت متقطع وهي تبكي وتصرخ بألم:
– انا بموت نفسي اهو عشان ترتاح يا فراج.. شربت سم عشان تتجوز برحتك وتفرح مع عروستك الجديدة.
حدق بها فراج بصدمة وهي بين يديه تتألم وتبكي، صدح صوت الحاج عبد الرزاق عاليًا:
– أحملها بسرعة يا فراج خلينا نوديها المستشفى العام يلحقوها.
نظر فراج إلى جده بصدمه وتوقف عقله عن الاستعاب وهو يرى ازهار تموت بين يديه. وقفت وداد امام باب الغرفة تصرخ بصوت مرتفع حتى تزيد من توترهم. صدح صوت الحاج عبد الرازق مرة أخرى :
– احمل مراتك بسرعة يا فراج خلينا ناخدها على المستشفى ونلحقها.
وقف فراج وحمل ازهار وهي تبكي بين يديه وتصرخ بألم، خرج بها من الغرفة بخطوات واسعه تشبه الركض، كانت تهمس له ببكاء تطالبه ان يتركها للموت، همساتها كانت تقطع نياط قلبه. لحق به جده كي يذهب معه الي المشفى، ركضت وداد خلفهما وهي تصرخ عاليًا ولم تتوقف عن الصراخ الذي يزيد من توترهم وقلقهم، اوقفها الحاج عبد الرازق قبل ان تخطو بقدميها خارج المنزل وتحدث اليها بصرامة:
– انتي مش هتيجي معانا يا وداد.. هتفضحينا في المستشفى بصراخك ده!
توقفت تنظر الي والدها وارتفع صراخها اكثر:
– وبنتي يا ابويا.. بنتي هتموت.
هتف بنبرة حادة قبل ان يتركها ويلحق بحفيدة الي السيارة:
– بنتك هنلحقها ومش هيحصلها حاجة.
تركها وتقدم من السياره اسفل الامطار الغزيرة التي تتساقط دون توقف، وضع فراج زوجته بالسيارة وصعد جده معهم وانطلق بالسيارة بأقصى سرعة، لحقت بهم سيارة أخرى بها عدد من خفر الحاج عبد الرازق من يعملون على حراسة الدوار.
وقفت وداد تهتف بصراخ ان يطمئنوها علي ابنتها. انتظرت قليلا حتى ابتعدت السيارت ثم عادت الي داخل الدوار وصعدت الي الاعلي بخطوات مسرعة.
كانت كارمن تقف امام النافذة بخوف بعد استماعها الي صراخ وداد وابنتها ولم تتمكن من الخروج من الغرفة كما أكدت عليها وداد.
فتحت وداد باب الغرفة وهي تلتقط انفاسها بصعوبه وتحدثت الي كارمن بصوت متقطع:
– همي معايا بسرعه خليني اهربك عشان تلحقي تبعدي عن البلد قبل ما يرجعوا.
اقتربت منها كارمن وهمست بخوف:
– هو ايه اللي حصل؟ انا سمعت صوت صريخ كتير بس خوفت اخرج من هنا؟!
هتفت بها وداد بصرامة:
– مش وقته يا بنت صادق! همي معايا بسرعة عشان اطلعك من باب الدوار اللي ورا.. مفيش خفر عليه.. كلهم راحوا ورا ابويا.
ارتجفت كارمن من الخوف وهي تنظر اليها بتردد، تخشى الظلام كثيرا مع هذا الطقس السئ، صوت الامطار الرعدية يسبب لها الهلع.
رمقتها وداد بغضبه وصدح صوتها المرتفع:
– همي يا بنت صادق خلصيني.
أومأت برأسها بالايجاب وذهبت معها وجسدها يرتجف من شدة الخوف والتوتر.
اخذتها وداد الي الباب الخلفي للدوار وقامت بفتحه لتقابلها الرياح القوية بالخارج وظلام دامس ليس له نهاية. شهقت كارمن بخوف وخفق قلبها بقوة:
– انا هخرج هنا ازاي.. انا خايفه اوي.
هتفت وداد بجمود وهي تشير للارض المقابله للباب الخلفي:
– هتمشي من الارض اللي قدامنا دي على طول.. في نهاية الارض هتلاقي الطريق العمومي ومنه هتلاقي اي عربية اركبي فيها تاخدك علي اي بلد بعيد عن هنا.
نظرت كارمن الي الظلام الدامس بخوف وهلع، لا تستطيع رؤية شئ في هذا الظلام. دفعتها وداد بقسوة الي خارج الدوار لكي تتحرك وتركض سريعًا قبل ان يعود فراج مع جده وازهار. شهقت كارمن اسفل المطر المتساقط فوقها بغزارة، تحدثت إليها وداد بغضب:
– اجري يا بنت صادق واهربي قبل ما يرجعوا.
وقفت تبكي بخوف، صرخت بها وداد بقسوة، ارتجف جسد كارمن وتحركت بخطوات مرتبكة والامطار تتساقط فوقها والظلام يحاط بها لا ترى شئ، حذرتها وداد بصوت حاد:
– لو رجعوا قبل ما تبعدي عن البلد، فراج هيلحقك وهيتجوزك غصب عنك ومش هتعرفي تهربي منه تاني.
اغمضت عيناها بخوف، عليها محاربة خوفها والهرب مسرعة من هذا الزواج. رأت رشيد بخيالها وهو يقترب منها ويأخذ يديها لكي تركض وتبتعد عن هنا. فتحت عيناها وركضت مسرعة وسط الاراضي الزراعيه اسفل الامطار التي تزداد في التساقط.
تنفست وداد براحة عندما ابتعدت كارمن وسط الظلام، اغلقت الباب وعادت الي الداخل وهي تهمس بقلق:
– ربنا يستر وتعرفي تهربي بعيد عن البلد يا بنت صادق قبل ما فراج يرجع ويعرف انك هربتي.
*****
الساعة الحادية عشر مساءًا.
وصل رشيد محافظة قنا مع صديقه خالد.
توقف القطار بداخل المحطة. ركض رشيد من القطار يبحث عن احد يسأله عن القرية التي يريد الذهاب اليها. لحق به خالد اسفل المطر وتحدث اليه بصوت متقطع من شدة برودة الطقس:
– اهدي يا رشيد وخلينا نقعد في اي مكان لحد ما المطر ده يقف شويه.
نظر رشيد الي السماء وتحدث باصرار:
– المطر مش هيقف يا خالد..
ثم اضاف وهو يركض ليبحث عن وسيلة موصلات الي القرية التي توجد بها كارمن:
– قلبي هو اللي هيقف لو معرفتش ايه اللي حصل مع مراتي.
ركض خالد خلفه والامطار تتساقط فوقهما. توقف رشيد امام سيارة اجرة وتحدث الي السائق برجاء:
– لو سمحت انا عايز اروح العنوان ده حالا.
اعطاه عنوان القرية، نظر السائق الي العنوان وتحدث بقلق:
– بس مش هينفع نروح البلد دي في الجو ده يا استاذ! الاحسن لو تخليكم للصبح عشان مفيش حد هيرضى يوصلكم في الشتا ده!
زفر رشيد بغضب وتحدث باصرار:
– انا هديك اي مبلغ تطلبه بس لازم اروح البلد دي حالا.
حاول خالد تهدأته قليلاً، صرخ به رشيد وتحدث الي السائق بقوة وهو يعطيه الكثير من النقود:
– خد الفلوس دي كلها ووصلني هناك في اسرع وقت ممكن.
حدق السائق بالنقود بشغف واردف بثقة:
– تحت امرك يا استاذ.. اتفضلوا اركبوا وانا هوصلكم.
صعد رشيد الي داخل السيارة ومعه خالد. تحرك السائق بسيارته بحماس وهو يفكر بسعادة كيف ستكون ردت فعل زوجته من سعادة عندما يعود اليها ومعه هذا المبلغ الكبير من المال الذي حصل عليه اليوم.
*****
ركضت وسط الحقول المظلمة وحبات المطر تتساقط فوقها بغزارة وجسدها يرتجف من البرد والخوف، ظلت تركض حتى كادت ان تتوقف انفاسها من الركض، نظرت حولها وهي تبكي، لم تجد نهاية لهذا الطريق المظلم، تخشي ان يأتي الصباح وهي مازالت بنفس الطريق بلا نهاية، الظلام يخيفها وصوت الأمطار الرعديه تزيد من الهلع بداخلها. تجمدت قدميها من الخوف، بكت وهي تضغط على قدميها بقوة وتبكي وتدعي ان لا يحدث معها ما حدث بالماضي عندما تعرضت لمثل هذا الخوف والهلع عندما تم اختطاف الباص وهي بداخله. فقدت الشعور بقدميها تماما حتى سقطت على الارض الطينيه المختلطه بمياه الامطار.. ضربت على قدميها بقسوة وهي تبكي وتهمس بخوف:
– لا.. بلاش ده يحصلي دلوقتي.. انا لازم ابعد عن هنا.
انهارت وهي تبكي بخوف وجسدها يرتجف من شدة البرودة والخوف، الظلام مع الامطار الرعدية وسط الحقول بمفردها، المشهد كان مرعبً لها، ليزداد الهلع بداخلها عندما استمعت صوت……
رواية كارمن الفصل العشرون 20 - بقلم ملك ابراهيم
انهارت وهي تبكي بخوف، وجسدها يرتجف من شدة البرودة والخوف. الظلام مع الأمطار الرعدية وسط الحقول بمفردها، المشهد كان مرعبًا لها، ليزداد الهلع بداخلها عندما استمعت صوت نباح الكلاب يقترب منها. هنا لم تعد تتحمل كل ما تمر به وفقدت الوعي هاربة من كل هذا الهلع.
***
بداخل المشفى العام بمحافظة قنا.
وقف فراج أمام غرفة استقبال الحالات الطارئة بجوار جده ينتظر أن يخرج الطبيب ويخبرهم ماذا حدث مع أزهار.
زفر الحاج عبد الرزاق بغضب واردف بصرامة:
– أنا مش عارف بس هي البت دي اتجننت ولا إيه! ربنا يستر.
نظر فراج إلى جده وتحدث بغضب:
– بس نطمن عليها يا جدي وأنا ليا حساب معاها.
ربت الجد على ظهره بحنان قائلاً:
– براحة عليها يا فراج.. هي مهما عملت بنت عمتك وأنت راجلها.
تحدث فراج بانفعال:
– أنت شوفت هي عملت فينا إيه يا جدي! هي يعني فاكرة لما تعمل كده أنا مش هتجوز عليها!
قطع حديثهما خروج الطبيب من غرفة الكشف يسألهما بدهشة:
– هي أكلت إيه ولا شربت إيه عمل فيها كده؟!
أجاب عليه الحاج عبد الرزق بقلق:
– مش عارفين يا دكتور.. إحنا لقيناها بتصوت من الوجع وجبناها على هنا!
أومأ الطبيب برأسه بالإيجاب:
– عموماً إحنا عملنالها غسيل معدة وممكن نعملها تحاليل ونعرف هي شربت أو أكلت إيه وتسبب لها في الألم ده!
تحدث الحاج عبد الرزق بتأكيد:
– ملوش لازمة يا دكتور.. المهم إن بنتنا بخير والحمد لله.
أجاب الطبيب بتأكيد:
– هي بخير الحمد لله ومعندهاش أي حاجة.. وتقدروا تاخدوها على البيت دلوقتي.
أومأ فراج برأسه وشكر الحاج عبد الرزاق الطبيب، وذهب الطبيب إلى عمله.
ربت الحاج عبد الرزاق على كتف حفيده وتحدث إليه:
– كلم عمتك طمنها على بنتها يا فراج.
أومأ فراج برأسه بالإيجاب وأخذ هاتفه ليتحدث إلى عمته.
***
توقف السائق بسيارة الأجرة أمام منزل الهواري الكبير ثم تحدث إلى رشيد:
– أنا وصلتكم لحد بيت كبير عيلة الهواري أهو يا أستاذ زي ما طلبت.
نظر رشيد إلى المنزل وترجل من السيارة مسرعًا، شكر خالد السائق ولحق برشيد إلى المنزل.
أوقفهما أحد خفر الحاج عبد الرزاق أمام البوابة الرئيسية.
صدح صوت رشيد مرتفعًا بغضب:
– ده بيت الحاج عبد الرزاق الهواري؟
أجابه الخفير بثقة:
– أيوه يا أستاذ هو.. بس الحاج مش هنا دلوقتي.. تحت أمرك؟
تحدث رشيد وهو ينظر إلى المنزل:
– أنا عايز أي حد أتكلم معاه.
أجاب الخفير وهو ينظر إليهما:
– مفيش حد هنا دلوقتي يا أستاذ.. الحاج وفراج بيه راحوا المستشفى ومش عارفين هيرجعوا إمتى!
اشتعلت النيران بداخله عندما استمع إلى اسم فراج الذي ذكرته سهير وأخبرته أنه سيتزوج من كارمن. نظر إلى الرجل بغضب وأردف بعصبية:
– أنا عايز أي حد هنا.. مراتي جوه في البيت ده وأنا جاي آخدها.
نظر إليه الخفير بصدمة وعدم فهم.
استمعت وداد إلى الأصوات المرتفعة بالخارج واقتربت منهم لترى ماذا يحدث.
وقفت أمام البوابة الرئيسية وتحدثت إلى الخفير:
– إيه اللي بيحصل عندك هنا؟!
ثم نظرت إليهما وتحدثت بحدة:
– عايزين مين؟!
أجاب عليها رشيد بقوة:
– أنا مراتي هنا وعايزها.
نظرت إليه وداد بصدمة واسترسل لها عقلها سريعًا أنه من الممكن أن يكون زوج كارمن الذي أخبرتها عنه من قبل وأخبرته أنه طلقها.
تحدثت إليه بفضول:
– مراتك مين؟!
أجاب عليها بقوة:
– كارمن الهواري.. مراتي.
نظرت إليه بذهول وتحدثت بقلق:
– أنت رشيد؟
حدق بها باستغراب وأجاب بقلق:
– أيوه أنا.
جف حلقها من الصدمة ونظرت إلى الخفير بتوتر وتحدثت بارتباك:
– بس كارمن قالت إنك طلقتها!
تحدث خالد بهدوء:
– رشيد مطلقهاش وهي لسه على ذمته.
نظرت إليهما وداد بصدمة وهمست بداخلها:
– صحيح حية زي أمها! كانت هتتجوز فراج وهي متجوزة!
صدح صوت إطارات سيارة تقترب من المنزل.
شهقت وداد بصدمة عندما رأت السيارة الخاصة بفراج وضوء السيارة القوي تسلط عليهم.
توقفت السيارة أمامهم وخرج منها فراج ينظر إلى الواقفين أمام منزل عائلته باستغراب:
– إنتوا مين.. مين دول يا عمتي؟!
أجابته عمته بارتباك:
– بيقولوا إن الأستاذ ده يبقى جوز كارمن!
نظر إليهما فراج بصدمة:
– جوز مين؟
تحدث إليه جده بصوت مرتفع من داخل السيارة:
– رحب بالضيوف يا فراج وخلينا نتكلم جوه.
رمقهم رشيد بنظرات غاضبة وتحدث بغضب:
– أنا مش جاي أتكلم أنا عايز مراتي.
تحدثت إليه وداد بتوتر:
– الكلام مينفعش هنا.. تعالوا اتفضلوا جوه.
أومأ خالد برأسه بالإيجاب وهو ينظر إلى رشيد.
أخذتهما وداد إلى داخل المنزل. وعاد فراج إلى السيارة وصعد بداخلها لكي يتوقف بها أمام باب المنزل الداخلي.
تابعت أزهار ما يحدث بصدمة وهي تجلس بداخل السيارة مع جدها وتدعي التعب.
رحبت بهما وداد داخل قاعة الضيافة الخاصة بوالدها، ثم خرجت بأمر من والدها وأخذت ابنتها أزهار وصعدت بها إلى الأعلى.
تقدم الحاج عبد الرزاق مع حفيده إلى داخل القاعة ورحب بهما مرة أخرى.
وقف رشيد وتحدث إليه دون مقدمات:
– أنا رشيد الجبالي.. وكارمن الهواري تبقى مراتي.. ومامت كارمن قالتلي إنها عندكم هنا.
تحدث إليه فراج بتهور:
– مراتك مين؟! بنت عمي مش متجوزة.. أمها بنفسها قالتلنا إنها مطلقة وأنا فرحي عليها بكرة.
وقف خالد مسرعًا يمسك برشيد حتى لا يتهور ويفعل شيئًا بهذا الأحمق الذي يخبره بكل برود أنه سيتزوج من زوجته.
تحدث إليه رشيد بغضب:
– تتجوز مين دا أنا كنت أقتلك وأقتلها قبل ما تفكروا تعملوها.. كارمن مراتي وأنا مش هتحرك من هنا من غيرها.
رمقه الحاج عبد الرزاق بفضول وتحدث بهدوء:
– معاك قسيمة الجواز؟
أجاب رشيد بثقة:
– آه طبعًا معايا..
ثم أخرج من الجاكيت الذي يرتديه نسخة من عقد الزواج وأعطاها إلى الحاج عبد الرزاق وأضاف بثقة:
– أنا بقى عايز أسألكم أنتم أو هي معاها قسيمة طلاق تثبت إن أنا طلقتها عشان تتجوز تاني؟!
نظر فراج إلى جده.
حدق الحاج عبد الرزاق في عقد الزواج وتأكد من صحته.
تحدث إليهما خالد:
– لو سمحتوا ممكن نهدا عشان نعرف نتكلم.. أهم شيء دلوقتي إن الحمد لله الجواز لسه متمش لأنها كانت هتبقى مصيبة لو كارمن اتجوزت وهي لسه على ذمة رشيد!
نظر إليهما الحاج عبد الرزاق بتفكير ثم تحدث إلى فراج بقوة:
– ابعت عمتك تصحي كارمن وخليها تنزل هنا ونشوف إيه الحكاية دي!
أومأ فراج برأسه بالإيجاب وهو يخرج من القاعة.
نظر الحاج عبد الرزاق إلى رشيد وتحدث إليه:
– القسيمة اللي معاك بتثبت فعلاً إنها مراتك، بس لازم نفهم منها إيه الحكاية الأول ولو طلع ليك حق عندنا هتاخد مراتك وأنت ماشي.
أومأ رشيد برأسه بالإيجاب ثم جلس مكانه مرة أخرى بثقة وهو ينتظر مجيئها، ارتاح قلبه كثيراً عندما علم أنها لم تتزوج من غيره.
ربت خالد على كتفه وهمس إليه براحة:
– الحمد لله إننا وصلنا في الوقت المناسب.
أومأ رشيد برأسه براحة وهو ينتظر مجيئها بلهفة.
صعد فراج إلى الطابق العلوي واتجه إلى غرفة زوجته وطلب من عمته أن تذهب إلى غرفة كارمن وتحضرها إلى قاعة الضيافة بالأسفل.
توترت وداد كثيراً عندما طلب منها فراج أن تحضر كارمن إلى غرفة الضيافة! كيف ستخبرهم أنها استطاعت الهرب؟ وهل استطاعت كارمن الابتعاد عن القرية أم مازالت قريبة منهم ويمكنهم العثور عليها بعد اكتشافهم أنها ليست بالمنزل!
تزاحمت الأفكار برأسها وحاولت إظهار عكس ما تشعر به، ادعت عدم معرفتها بشيء وتعمدت الذهاب إلى غرفة كارمن أمام فراج حتى لا يشك أحد بها ويعلمون أنها هي من ساعدت كارمن على الهرب.
وقف فراج يزفر بغضب ويحدث نفسه بعد مقابلته لطليق كارمن والذي يؤكد أنها مازالت زوجته!.
رمقته أزهار بغيظ وهي تتمدد فوق الفراش بعد عودتها من المشفى.
تحدثت إليه بصوت ضعيف وهي تدعي المرض:
– أمي قالتلي إن عروسة الهنا طلعت متجوزة!
رمقها بغضب وأردف بعصبية:
– ملكيش صالح بالحديث ده يا أزهار.. أنا لسه محسبتكيش على اللي أنتِ عملتيه فينا النهارده!
جف حلق أزهار من التوتر والقلق، تركها فراج وخرج من الغرفة.
خرجت وداد من غرفة كارمن أمامه واقتربت منه وهي تشهق بصدمة وتهمس له بصوت منخفض:
– يادي الفضيحة.. بنت صادق شكلها هربت يا فراج! دورت عليها في كل حتة ومش لقياها!
حدق فراج بعمته بصدمة وتحرك بخطوات مسرعة إلى غرفة كارمن واكتشف عدم وجودها بداخل الغرفة بنفسه.
خرج من الغرفة وبحث عنها بجميع غرف الدوار ولم يجدها، صدح صوته عالياً وهو يترجل الدرج بخطوات واسعة وينادي الخفير المسؤول عن حراسة بوابة الخروج.
استجاب الخفير لندائه مسرعاً ووقف أمام فراج يتحدث باحترام:
– أمر جنابك يا فراج بيه؟!
صدح صوت فراج عالياً:
– الضيفة اللي كانت هنا خرجت من الدوار وأنت سبتها تخرج؟
نظر إليه الخفير بخوف وأجاب بتلعثم:
– مفيش حد دخل ولا خرج غير الاتنين الضيوف اللي جم من شوية.
نظر فراج حوله بصدمة وصدح صوته بصراخ عالياً:
– أومال هتكون راحت فين؟!
استمع جده إلى صوت صراخه وهو بداخل القاعة ومعه رشيد وخالد.
تقدم فراج إلى داخل القاعة ووقف أمامهم وتحدث بصوت حاد:
– كارمن هربت من الدوار.
وقف رشيد بصدمة ينظر إليه بذهول.
ابتسم الحاج عبد الرزاق وتحدث بسخرية:
– الهرب مش جديد على بنت صادق.. أبوها عملها قبلها!
نظر إليهما رشيد بصدمة قائلاً:
– هتكون راحت فين في الجو ده؟ كارمن مبتعرفش تروح أي مكان لوحدها! وبعدين البلد هنا بعيدة عن الطريق.. إزاي هتهرب من هنا لوحدها وكمان في الليل وهي بتخاف من الضلمة!
وقف الحاج عبد الرزاق ينظر إليه بتفكير ثم تحدث إلى فراج:
– لو مهربتش من البوابة الكبيرة تبقى أكيد هربت من البوابة الخلفية على الطريق الزراعي.
أومأ فراج برأسه بالإيجاب وتحدث رشيد بقلق:
– فين الطريق الزراعي ده؟!
أجاب عليه فراج:
– الطريق اللي ورا الدوار بتاعنا.
تحدث الحاج عبد الرزاق مع حفيده بصرامة:
– اجمع الرجالة بسرعة واطلعوا على الطريق الزراعي يمكن تلحقوها قبل ما تبعد عن البلد.
تحدث رشيد بإصرار وقلبه يخفق بقوة من شدة الخوف والقلق عليها:
– أنا هاجي معاكم.
نظر فراج إلى جده، أومأ الجد برأسه وذهب فراج ومعه رشيد وخالد ومجموعة من رجال الحاج عبد الرزاق.
***
بداخل غرفة أزهار بالأعلى.
جلست أزهار بقلق فوق الفراش تنتظر أن تأتي إليها والدتها وتخبرها ماذا حدث.
دلفت وداد إلى غرفة ابنتها وهي تحدث نفسها بقلق:
– ربنا يستر وتكون بنت صادق عرفت تهرب.
اعتدلت أزهار فوق الفراش وتحدثت إلى والدتها بقلق:
– طمنيني يا أمي.. حد عرف إن إنتي اللي هربتيها؟!
رمقتها والدتها بغضب وأردفت بصرامة:
– اكتمي يا أزهار.. أنا مش ناقصاكي دلوقتي!
أردفت أزهار بفضول:
– طب هما هيعملوا إيه دلوقتي يا أمي؟ وإيه حكاية جوزها ده؟!
جلست وداد وهي تفكر في القادم ثم أجابت على ابنتها بشرود:
– شكله جوزها بجد وفي حاجات بينهم إحنا منعرفهاش! بس هنستنى نشوف الأول هيلاقوها ولا عرفت تهرب وتبعد عن البلد!
صمتت أزهار وهي تنظر إلى والدتها بقلق، شردت وداد وهي تهمس بداخلها "ياترى عرفتي تهربي يا بنت صادق ولا هلاقيهم راجعين بيكي تاني".
***
لم تتوقف الأمطار عن التساقط فوقهم وهم يبحثون عن كارمن وسط الحقول ويستعملون مصابيح يحملونها باليد تساعدهم على الرؤية في هذا الظلام.
كلما تقدم رشيد خطوة للأمام ولم يجدها يشعر بخفقات قلبه تزداد من الخوف والقلق عليها. يتساءل بداخله؛ كيف كانت تسير هنا وسط الحقول في هذا الظلام الدامس والأمطار ترافقها في هذا الطقس شديد البرودة!
كان يدعي الله من قلبه أن يجدها بخير، أقسم بداخله أنه لن يتركها مجددًا عندما يجدها ولن يعود إلى المنزل من دونها، ولم يعطيها فرصة للابتعاد عنه مرة أخرى.
ارتفع صوت أحد الخفر:
– لقيتها.. يا فراج بيه.. لقيت الضيفة اللي بندور عليها.
لم يشعر رشيد بقدميه وهو يركض إلى الخفير وقلبه يخفق بعنف. تابعه الجميع وهم يركضون إلى الخفير خلفه.
توقف رشيد أمامها وتوقفت أنفاسه وهو يراها جثة هامدة متمددة على الأرض دون حركة.
وضع أحد الخفر يديه بالقرب منها بالمصباح الذي يحمله بيديه لكي يستطيع رؤيتها بوضوح.
حدق بها رشيد بصدمة عندما رآها بالثوب الأسود والوشاح الذي كانت تضعه أثناء هروبها، وجهها كان شاحبًا مثل الموتى وشفتاها باللون الأزرق من شدة البرودة، حبات المطر تغرق وجهها، ثيابها مبتلة وملطخة من الأرض الطينية.
انحنى إليها وقلبه يخفق بقوة، لمس يديها وشعر بنبضها الضعيف، رفع وجهها إليه وهو ينادي اسمها بجنون لكي تعود إلى وعيها.
وقف الجميع يتطلعون إليهما بقلق. شعر فراج بالغيرة منه ومن اقترابه منها وهتف بصوت غليظ:
– خلونا ناخدها على المستشفى العام بسرعة.
لم يتوقف رشيد عن نطق اسمها بلهفة وخوف وهو يحاول الاطمئنان عليها. اقترب منه خالد وتحدث إليه بهدوء:
– رشيد شيل كارمن وخلينا ناخدها المستشفى بسرعة.
نظر إليه رشيد وعقله متوقف عن التفكير لا يصدق ما يحدث معه الآن، حبيبته بين يديه في حالة سيئة ويمكن أن تفارق الحياة وتتركه.
أومأ خالد برأسه وتحدث إليه بقوة:
– لازم ناخد كارمن المستشفى بسرعة يا رشيد.. كارمن ممكن تموت هنا.
أومأ رشيد برأسه وتأملها للحظات وهو يدعو الله بداخله أن يمدها بالحياة ولا يحدث لها مكروه، ثم عانقها بقوة وحملها بين يديه غير مبالٍ لأحد.
أخفض الجميع وجوههم عنهما بحرج، نظر إليه فراج بصدمة.
أسرع رشيد في خطواته وهو يحملها ويعانقها بداخل حضنه بقوة ويهمس لها بصوته ويطمئنها أنه معها ولن يتركها مجددًا.
***
ارتفع صوت أذان الفجر وهم يقفون أمام غرفة الطوارئ بداخل المشفى العام بقنا.
خرج الطبيب واستغرب من وجود الحاج عبد الرزاق وفراج للمرة الثانية في نفس الليلة ولكن بفتاة أخرى.
اقترب منه رشيد وتحدث إليه بقلق:
– طمني يا دكتور حالتها إيه دلوقتي؟!
نظر إليه الطبيب وتحدث بهدوء:
– حضرتك تقربلها؟
أجاب رشيد بثقة:
– أنا جوزها.
أومأ الطبيب برأسه وتحدث:
– هي اتعرضت لضغط عصبي أو صدمة قوية وصلتها للحالة دي؟
نظر رشيد حوله بقلق ثم أجاب:
– هي عندها مشكلة من زمان يا دكتور.. يعني لما بتتعرض لأي ضغط عصبي أو خوف، رجليها بتتجمد ومش بتقدر تحركها أو تتحكم فيها.
أومأ الطبيب بتفهم:
– تمام فهمت.. عموماً هي محتاجة تكون في المستشفى يومين وفي أشعات وتحاليل لازم نعملهالها هنا ونطمن عليها وبعد ما تخرج الأفضل لو تتابع مع دكتور نفسي.
أومأ رشيد برأسه:
– تمام يا دكتور أنا ممكن أشوفها دلوقتي؟
أجاب الطبيب بأسف:
– للأسف مش هينفع.. الأفضل لو تسيبوها ترتاح دلوقتي.
اقترب خالد من رشيد وربت على ظهره بدعم، تركهم الطبيب وذهب ليتابع عمله.
نظر فراج إلى جده وتبادل الاثنان النظرات.
تحدث الحاج عبد الرزاق بهدوء:
– وجودنا هنا ملوش لازمة دلوقتي.. خلونا نروح تغيروا هدومكم وترتاحوا شوية ونرجع لها تاني لما الدكتور يسمح بالزيارة.
صدح صوت رشيد رفضًا تركه بشدة:
– أنا مستحيل أتحرك من هنا وأسيبها لوحدها في المستشفى.
تحدث الحاج عبد الرزاق:
– وجودك هنا مش هيفيدها بحاجة يا ابني.. أنت لازم تغير هدومك دي وترتاح شوية عشان متتعبش وتقدر تكون جنبها.
أومأ خالد برأسه وتحدث إلى رشيد:
– الحاج عنده حق يا رشيد.. إحنا هدومنا كلنا غرقانة من المطر ولازم نغيرها وكمان وجودك هنا مش هيفيدها وهي نايمة ومش حاسة بأي حاجة.
تحدث رشيد بإصرار:
– يا خالد أنا مش هينفع أسيبها وأمشي.. أنت متعرفش كارمن.. كارمن لو فاقت ولقيت نفسها هنا لوحدها هتكون خايفة وأنا لازم أكون جنبها.
صدح صوت فراج بغيظ:
– تكون جنبها بأي حق وإحنا لسه مش متأكدين أنت جوزها صحيح ولا طلقتها!
رمقه رشيد بغضب وتحدث إليه بقوة:
– أنا جوزها غصب عن أي حد ومش محتاج أثبتلك إنها مراتي!
تحدث الحاج عبد الرزاق بهدوء:
– في كلام كتير بينا لازم يتقال ولازم أفهم ليه أمها قالت إنك طلقت بنتها وهي لسه على ذمتك!
نظر إليهم خالد وتحدث بهدوء:
– أظن ده مش الوقت المناسب يا حاج.. نطمن على كارمن الأول وأكيد رشيد هيقعد مع حضرتك ويفهمك كل حاجة.
أومأ الحاج عبد الرزاق برأسه:
– عندك حق يا بني.. يبقى دلوقتي تيجوا معانا الدوار تغيروا هدومكم دي وترتاحوا شوية ونبقى نرجع هنا تاني نطمن عليها.
اعترض رشيد:
– اتفضلوا أنتم روحوا.. أنا هفضل هنا جنبها.
تحدث إليه خالد:
– رشيد إحنا فعلاً محتاجين نغير اللبس ده وأنت لازم ترتاح شوية.
نظر رشيد إلى باب غرفتها بالمستشفى وتحدث بإصرار:
– أنا مش هسيبها هنا لوحدها.. روحوا أنتم.
نظر خالد إلى الحاج عبد الرزاق وتحدث إليه:
– خلاص يا حاج اتفضلوا أنتم ارجعوا ارتاحوا شوية واحنا هنفضل هنا.
تحدث الحاج عبد الرزاق:
– هتفضلوا هنا إزاي يا ولدي وهدومكم غرقانة ميه كده!
– مفيش مشكلة وخلاص النهار طلع وإحنا هنا نقدر ننزل نشتري لبس من أي محل قريب من المستشفى ونغير لبس وكمان أنا لازم أرجع القاهرة عشان شغلي.
زفر فراج بضيق وتحدث إلى جده بعصبية:
– خليهم على راحتهم يا جدي ومتتعبش نفسك معاهم أكتر من كده.
رمقه رشيد بغضب، تحدث الحاج عبد الرزاق وهو ينظر إلى حفيده بلوم:
– خلاص اللي تشوفوه..
ثم نظر إلى رشيد وأضاف:
– مش هينفع تاخد مراتك من المستشفى وترجعوا قبل ما تيجي الدوار ونتكلم مع بعض وأفهم حكايتكم إيه.
أومأ رشيد برأسه قائلاً:
– طبعاً حضرتك اطمن.
التفت الحاج عبد الرزاق إلى حفيده وأخذه وذهبوا من المشفى.
زفر رشيد بغضب ونظر إلى باب غرفتها، ربت خالد على كتفه وتحدث إليه بهدوء:
– أنا هنزل أشوف أي محل يكون فتح وأجيب لنا لبس من هناك عشان نغير وكمان أنا لازم أرجع القاهرة عشان الشغل أنت فاهم.
أومأ رشيد برأسه بتفهم وهو مازال ينظر إلى باب الغرفة ويريد الدخول إليها.