تحميل رواية «كارمن» PDF
بقلم ملك ابراهيم
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تتحرك بخفه وهي تحمل المشروبات الباردة وتوزعها بأحترافيه على حضور هذا الحفل التي جاءت تعمل به گ نادلة. تبتسم بسخرية وهي تتابع ما يفعله اصحاب الطبقة المخمليه التي كانت تنتمي اليها منذ فترة بعيدة. اقتربت منها صديقتها “مودة” والتي تسكن معها في نفس الحي. ابتسمت مودة وتحدثت بأنبهار: – انتي شايفه اللي انا شيفاه ده! هو في ناس عايشين كده فعلاً ولا احنا اللي مش عايشين! ابتسمت ساخرة والقت نظرة سريعه حولها واجابة: – متخليش المظاهر دي تخدعك يا مودة.. تبدلت نظراتها الي الغضب واضافة: – الناس اللي زي دول م...
رواية كارمن الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ملك ابراهيم
أومأ رشيد برأسه بتفهم وهو مازال ينظر إلى باب غرفتها ويريد الدخول إليها للاطمئنان عليها.
بمنزل الحاج عبد الرازق.
وقفت وداد أمام الشرفة بقلق تطلع إلى الخارج وتزفر بقلق، اقتربت منها ابنتها أزهار وتحدثت:
– إيه الحكاية يا أمي.. إنتي قلقانة عليها ولا إيه؟!
رمقتها والدتها بغيظ:
– قلقانة عليا أنا وإنتي لو جدك وفراج عرفوا منها اللي إحنا عملناه.. لو قالتلهم إننا إحنا اللي ساعدناها هنروح في داهية.
تحدثت أزهار بلا مبالاة:
– ونروح في داهية ليه! مش لو كانت فضلت هنا واتجوزت فراج كان زمانه هو اللي راح في داهية.. إنتي ناسيه إنها طلعت متجوزة!
تحدثت وداد بدهشة:
– أنا كمان مش عارفة إيه حكاية جوزها اللي طلع فجأة ده مع إن البت قالت إنها مطلقة!
تحدثت أزهار بغيظ:
– طلعت حرباية زي أمها!
همست وداد بداخلها:
– الخوف لجوزها يجي يطلب حقها في الأرض وأبويا يعرف إني خدت الأرض منها.
استمعوا إلى صوت سيارة فراج تدخل إلى الدوار، انتفضت وداد وتحدثت إلى ابنتها:
– ارجعي على أوضتك بسرعة جوزك وجدك رجعوا..
نظرت أزهار إلى النافذة ثم ركضت إلى غرفتها.. وقفت وداد تنتظر دخولهم إلى المنزل بتوتر لكي تسألهم ماذا حدث.
دخل الحاج عبد الرازق إلى المنزل وخلفه فراج. اقترب منهما وداد وتحدث بتوتر:
– طمنوني إيه اللي حصل؟
أجاب عليها والدها:
– الحمد لله جت سليمة.
بللت لعابها وتحدثت بقلق:
– أومال كارمن فين؟
أجاب عليها والدها بتعب وهو يتجه إلى قاعة الجلوس:
– سبناها في المستشفى وجوزها معاها.
زفر فراج بغضب ولحق بجده إلى القاعة، وقفت وداد تلتقط أنفاسها بخوف وقلق وتتوقع رد فعل والدها بعد معرفته أنها أخذت حق كارمن في الأرض.
بالقاعة التي يجلس بها الحاج عبد الرازق.
تتزاحم الأفكار برأسه الآن بعد التأكد من زواج كارمن. عليه إيجاد حل للتفاوض مع زوج كارمن حتى لا يطالبهم بأرض زوجته.
جلس فراج وهو يزفر بغضب أمام جده حتى خرج عن صمته وتحدث بعصبية:
– إحنا لازم نعرف إيه حكايته معاها بالظبط يا جدي.. منين أمها تقول إنها مطلقة وييجي ده يقول إنه جوزها!
رمقه جده بغضب وأجاب عليه بهدوء:
– هو ده اللي إنت بتفكر فيه يا فراج! المهم دلوقتي إنها طلعت متجوزة وجوزها معاه إثبات الجواز ويقدر يطالب بأرض مراته في أي وقت.
تحدث فراج بعصبية:
– ملهاش أرض عندنا يا جدي.. الأرض تحت أيدينا ومفيش قوة تقدر تاخدها مننا.
زفر جده بعصبية:
– اطلع نام جنب مراتك يا فراج.. إنت شكلك تعبت النهارده بزيادة!
انتفض فراج من مكانه بعصبية قائلاً:
– أنام إزاي يا جدي بعد اللي حصل النهارده! المفروض كنت هتجوزها النهارده وفجأة كده يطلع واحد ويقول إنها مراته!
صدح صوت جده بغضب:
– فوق لنفسك يا فراج! خلاص بنت صادق متنفعكش، عقد الجواز معاه واحمد ربنا إنها جت لحد كده.
تحدث فراج بعصبية:
– عقد جواز إيه يا جدي! أمها قالت بنفسها إنه طلقها من زمان!
تنهد الحاج عبد الرازق بتعب وتحدث بثقة:
– أنا سبق وقولتلك إن أمها دي حية وملهاش أمان والله أعلم هي مخبية علينا إيه تاني! وبعدين جوز بنت صادق شكله راجل وابن عيلة ومش متجوزها على طمع يعني نقدر نتكلم معاه في موضوع الأرض ونحمد ربنا إنه ظهر قبل ما كنت تكتب كتابك عليها وإحنا على عماانا وفاكرينه طلقها.
تحدث فراج بغضب:
– يعني كده هو فاز بيها وبالأرض اللي ضيعت عمري فيها!
رمقه الحاج عبد الرازق بغضب وأجاب عليه بصرامة:
– أرض الهواري مش هتروح لحد غريب، أنا هتكلم معاه وأشوف نيته إيه.
توقف فراج على باب الخروج من القاعة وتحدث بعصبية:
– اللي إنت شايفه صح اعمله يا جدي.. أي كلام هقوله دلوقتي ملوش لازمة.
ترك جده وصعد إلى غرفته بالطابق العلوي، تنهد الجد بحزن وذهب هو الآخر إلى غرفته ليرتاح قليلاً.
بالطابق العلوي. حيث غرفة فراج وزوجته أزهار.
دلف فراج الغرفة وهو يحاول كتم غضبه وغيرته من رشيد الذي أخذ منه الفتاة التي تمناها منذ رؤيته لها، استرسل له عقله الكثير من المشاهد التي رسمها بخياله تجمع رشيد بـ كارمن. اقترب من الفراش وهو شاردًا في أفكاره، جلس فوق الفراش لكي ينزع حذاءه وهو يتساءل بداخله؛ ماذا يفعل رشيد معها الآن؟ فهو لم يخجل من عناقها أمامهم جميعًا!.. أغمض عيناه بقوة لكي يهرب من أفكاره.
كانت أزهار زوجته تدعي النوم فوق الفراش وتشعر به وهو يجلس فوق الفراش بجوارها، فتحت عيناها واعتدلت فوق الفراش وجلست تنظر إليه بدهشة. كان مغمض العينين وكأنه في صراع داخلي ويحاول الانتصار على مشاعره الغاضبة. وضعت يديها فوق ذراعه بقلق، انتفض جسده وفتح عيناه بفزع يحدق بها، تأملته أزهار بصدمة وتحدثت بحزن:
– فيك إيه يا فراج! للدرجادي زعلان عشان كارمن طلعت متجوزة؟!
انتفض من فوق الفراش واتجه إلى خزانة الملابس وتحدث بنبرة حادة لكي يخفي عنها ما يشعر به:
– ملكيش صالح إنتي يا أزهار وارجعي نامي زي ما كنتي نايمة.
وقفت من فوق الفراش ولحقت به بالقرب من خزانة الملابس وتحدثت بحزن:
– إنت زعلان عشان متجوزتش عليا يا فراج؟!
زفر بنفاذ صبر والتفت ينظر إليها بغضب:
– إنتي عايزة إيه في ليلتك دي يا أزهار؟ قولتلك غوري نامي وملكيش صالح بيا.
رمقته أزهار بحزن ولمعت عيناها بالدموع، زفر بنفاذ صبر واتجه إلى الفراش وتركها تقف تتطلع إليه، تمدد فوق الفراش دون أن يبدل ثيابه وأخفى وجهه بالغطاء. وقفت تتابع ما يفعله بصمت، فقط تتساقط دموع عيناها بحزن، كانت ترى لهفته في الزواج من كارمن، والآن ترى حسرته بعد أن أتى زوج كارمن وحطم أحلامه.
بالداخل المشفى.
جلس رشيد أمام الغرفة ينتظر أن يسمح له الطبيب برؤية كارمن. عاد إليه خالد بعد شراءه ثياب جديدة لهما من أحد المحلات القريبة من المشفى، أعطاه خالد الثياب واتجه الاثنان إلى المرحاض الرجالي بداخل المشفى وقاموا بتبديل ثيابهم ثم عادوا أمام غرفة كارمن مرة أخرى.
بالداخل الغرفة..
فتحت كارمن عيناها بتعب ونظرت إلى الممرضة التي تعطيها الدواء وتحدثت إليها بصوت منخفض:
– أنا فين؟!
أجابتها الممرضة بابتسامه:
– حمدلله على السلامة.. إنتي في المستشفى.
نظرت كارمن حولها وتحدثت بخوف:
– أنا جيت هنا إزاي؟
أجابة الممرضة:
– أهلك جابوكي الفجر كده وجوزك برا مستني يطمن عليكي.
شهقت كارمن بصدمة بعد استماعها لكلمة زوجك! اعتقدت أنها تقصد فراج.. حدقت بالممرضة وتحدث بخوف:
– هي المستشفى دي فين؟
أجابة الممرضة:
– هنا المستشفى العام في قنا.
شهقت بصدمة ونظرت حولها تتذكر ما حدث معها بعد هروبها من منزل عم والدها. لا تتذكر شيئًا سوى عجز قدميها من شدة الخوف وصوت نباح الكلاب يقترب منها.. اعتقدت أن فراج علم بهروبها واستطاع الوصول إليها وهو من جاء بها إلى هنا. لمعت عيناها بالدموع من شدة الخوف وتحدثت إلى الممرضة برجاء:
– أنا عايزة أمشي من هنا بسرعة ومش عايزاه يعرف إني مشيت.. ممكن تساعديني.. لو سمحتي.
حدقت بها الممرضة بستغراب:
– مش فاهمة يعني إيه؟!
بكت كارمن بخوف واجابة:
– لو سمحتي ساعديني.. هو عايز يتجوزني غصب عني وأنا مش عايزاه.
حدقت بها الممرضة بصدمة:
– إزاي يعني هو مش جوزك!! بس هما قالوا إنه جوزك وأهلك مشيوا وهو فضل قاعد مستني هنا عشان يطمن عليكي وكمان شكله بيحبك أوي وكان هيموت من الخوف عليكي.
بكت كارمن من الخوف وكلما تحدثت الممرضة تعتقد أنها تقصد فراج بالحديث. تحدثت إليها كارمن برجاء مرة أخرى:
– ارجوكي هربيني من هنا.. ارجوكي.
تحدثت الممرضة بأسف:
– أنا آسفة مش هقدر أساعدك.
بكت كارمن وخفضت وجهها وهي تفكر كيف تهرب مرة أخرى. دلف الطبيب إلى الغرفة واستغرب بكائها، اقترب منها وتحدث إليها:
– خير يا مدام في حاجة بتوجعك؟
نظرت إليه بعيونها الدامعة وهزت رأسها:
– لا..
استغرب الطبيب وتحدث بفضول:
– طب رجلك كويسة.. حاسة بيها؟!
تذكرت قدميها على الفور ونظرت إلى قدميها وشعرت بهما جيدًا لكنها فكرت سريعًا بداخلها واجابة:
– لا مش حاسة برجلي خالص.
اعتقدت أن بهذه الكذبة يمكنها البقاء أكثر في المستشفى حتى تستطيع الهرب مجددًا.
أومأ الطبيب برأسه بأسف واقترب يتفحص قدميها وتحدث:
– الحالة دي اتكررت معاكي كتير؟
أومأت برأسها واجابة:
– آه..
تنهد الطبيب وتحدث:
– تمام.. إنتي محتاجة دكتور متخصص هو هيقدر يساعدك أكتر.. أنا هطلع أبلغ جوز حضرتك ونشوف نقدر نعمل إيه.
خفق قلبها بخوف عندما خرج الطبيب من الغرفة، خرجت الممرضة خلفه وتركوا كارمن بالغرفة بمفردها.
اقترب رشيد من الطبيب وتحدث إليه بلهفة:
– خير يا دكتور طمني؟
أجاب الطبيب:
– للأسف لسه مش حاسة برجليها ولازم دكتور متخصص يشوفها.
تحدث رشيد بقلق:
– تمام أنا ممكن آخدها القاهرة ونشوف دكتور متخصص هناك أو ممكن أسفرها خارج مصر.
تحدث الطبيب بهدوء:
– اللي حضرتك تشوفوه بس من رأيي بلاش موضوع السفر للخارج قبل ما دكتور متخصص هنا يشوفها الأول ويقول لحضرتك رأيه في الحالة.
تحدثت الممرضة بحرج:
– تسمحولي أقول حاجة.
نظر إليها رشيد بقلق، تحدث إليها الطبيب بهدوء:
– اتفضلي.
تحدثت الممرضة بقلق وهي تنظر إلى رشيد:
– تقريبًا اللي عندها ده حالة نفسية بسبب خوف من حضرتك.. وكمان هي قالتلي حاجة كده وأنا خايفة إنها تضر نفسها.
تحدث رشيد بقلق:
– قالتلك إيه؟
أجابة الممرضة بتوتر:
– كانت عايزاني أساعدها تهرب من هنا وتقريبًا عايزة تهرب من حضرتك.
استغرب رشيد حديث الممرضة ثم نظر إلى الطبيب وتحدث:
– ممكن حضرتك تسمحلي أشوفها.
نظر إليه الطبيب بحيرة.. تحدث رشيد برجاء:
– لو سمحت.
أومأ الطبيب برأسه بالموافقة. ربت خالد على كتف رشيد بدعم قائلاً:
– أنا هستناك هنا.
أومأ رشيد بالإيجاب وأتجه إلى الغرفة، ذهب الطبيب والممرضة وجلس خالد ينتظر رشيد أمام الغرفة.
بالداخل غرفة كارمن.
كانت تفكر بخوف في كذبتها على الطبيب وكيف يمكنها خداعهم جميعًا حتى تستطيع الهرب من المشفى.
فتح باب الغرفة بهدوء، خفق قلبها من الخوف واعتقدت أنه فراج وأغمضت عيناها سريعا تدعي النوم.
دلف رشيد إلى الغرفة وأغلق الباب من الداخل بهدوء. ارتجف جسدها من شدة الخوف وهي مغمضت العينين. اقترب منها رشيد وهو ينظر إليها باشتياق، وقف يتأملها للحظات دون حديث. استغربت صمت فراج وشعرت بالخوف من أن يقترب منها. اقترب منها رشيد بالفعل وهي تشعر بخطواته إليها وقلبها يخفق بشدة، لاحظ من ارتجاف جسدها الشديد أنها تدعي النوم ولم تكن نائمة بالفعل، ابتسم بداخله واقترب منها أكثر وجلس بجوارها فوق الفراش، أغمضت عيناها بقوة أكثر وجسدها يرتجف بخوف، نطق اسمها بصوته المميز وهو يتأملها عن قرب:
– كارمن..
صوته المميز جعلها تفتح عيناها مسرعة تنظر إليه بصدمة، شهقت بصدمة بعد رؤيتها له بجوارها، نطقت اسمه بذهول:
– رشيد..!!
حاولت الاستيعاب وهي تغمض عيناها وتفتحها أكثر من مرة لكي تتأكد من رؤيته، لمس خدها بيديه وتحدث إليها بحنان:
– إنتي كويسة؟
حنانه عليها الذي تفتقده منذ سنوات جعلها تبكي وهزت رأسها بـ لا وارتمت بداخل حضنه تبكي وتخبره بصوت يصاحبه شهقات البكاء:
– لا يا رشيد.. أنا مش كويسة أبدًا.. أنا تعبت أوي من غيرك.. عايزين يجوزوني غصب عني وأنا مستحيل أتجوز غيرك.. أنا خايفة منهم أوي.
عانقها بقوة وهو يقربها إلى قلبه.
انهارت في البكاء وهي تضيف بحزن:
– ماما سابتني ليهم يعملوا فيا اللي هما عايزينه.. أنا حاولت أهرب منهم ومقدرتش.. رجلي اتجمدت في الأرض وأنا بجري ومقدرتش أحركها..
كان يستمع إليها بحزن وهو يعانقها بقوة، بكت بداخل حضنه بانهيار وهي تتمسك به خوفًا من أن يتركها مجددًا، تحدثت بخوف وهي بداخل حضنه:
– متسبنيش ليهم يا رشيد.. هربني من هنا.. أنا مش عايزة أتجوز فراج.
ضمها إليه بقوة وهو يهمس إليها بثقة:
– متخافيش يا حبيبتي.. محدش هيقدر يبعدك عن حضني تاني.
أغمضت عيناها بداخل حضنه وهي تشعر بالدفء والراحة والأمان.. صوته ودفء حضنه جعلها تهدأ كثيرًا ونظر رشيد أمامه بغضب وهو يتوعد بالانتقام من كل من ساهم في فراقهما.
بعد لحظات شعر بانتظام أنفاسها بداخل حضنه، يعلم أنها تعرضت للكثير من الإرهاق النفسي والجسدي ولا يمكنها الصمود مستيقظة أكثر من ذلك. ابتعد عنها قليلاً وابتسم عندما رآها ذهبت في نوم عميق، وضعها فوق الفراش بهدوء ووضع فوقها الغطاء ووقف ينظر إليها للحظات بتفكير ثم تركها نائمة وخرج من الغرفة.
اقترب منه خالد أمام الغرفة وتحدث إليه بقلق:
– إيه الأخبار يا رشيد طمني؟
تحدث رشيد بتعب:
– الحمد لله يا خالد هي كويسة بس إحنا لازم نرجع القاهرة بكرة بالكتير عشان دكتور متخصص يشوفها.
تحدث خالد بحيرة:
– وأنا لازم أرجع القاهرة دلوقتي إنت عارف الشغل.. بس أنا ممكن أرجعلك هنا تاني على بالليل.
تحدث رشيد:
– أنا هحاول أروح بيت جدها آخر اليوم وأشوفهم عايزين يتكلموا في إيه وبعدها آخدها ونرجع شقتي في القاهرة.. متقلقش إنت ومش ضروري ترجع هنا تاني.
تحدث خالد:
– خلاص أنا هتابع معاك على التليفون ولو احتجت أي حاجة هجيلك على طول.
أومأ رشيد برأسه، عانقه خالد ثم ذهب. جلس رشيد مجددًا أمام الغرفة يفكر في كل شيء حدث معهما حتى الآن.
بداخل منزل الهواري.
الساعة الواحدة ظهرًا..
لم تغمض وداد عيناها لحظة واحدة، تفكر في كارمن وتتساءل بداخلها؛ هل أخبرت كارمن زوجها أنها أجبرتها التوقيع على تنازل عن أرضها؟ ماذا سيفعل زوج كارمن حينها؟ وماذا سيفعل معها والدها بعد معرفته أنها هي من ساعدت كارمن على الهرب مقابل التنازل عن الأرض.
زفرت بغضب وخرجت من غرفتها وترجلت إلى الأسفل، تفاجأت بجلوس والدها يستند على عكازه بتعب، اقتربت منه وتحدثت بقلق:
– خير يا أبويا.. إنت لسه منمتش ترتاح شوية؟!
أجاب والدها بتعب:
– هيجيلي نوم إزاي يا وداد بعد اللي حصل!
جلست وداد بجوار والدها وتحدثت بتوتر:
– هو إنتوا متكلمتوش مع كارمن في المستشفى وتفهموا منها إيه اللي حصل وإيه حكاية جوزها اللي ظهر ده؟!
أجاب والدها:
– هنعرف كل حاجة في وقتها يا وداد.. المهم دلوقتي اطلعي إنتي الأوضة اللي بنت صادق كانت بتنام فيها وهاتيلي هدوم من بتاعها ناخدها المستشفى أنا وإنتي ونطمن عليها.
نظرت إليه وداد بتوتر:
– هنروح لها المستشفى دلوقتي يا بوي أنا وانت؟
أجاب والدها:
– أيوه يا وداد.. اطلعي اعملي اللي قولتلك عليه.
أومأت وداد برأسها بالإيجاب وصعدت إلى الطابق العلوي حيث غرفة كارمن. نظر الحاج عبد الرازق أمامه بتفكير ثم أغمض عينيه بتعب وهو يستند فوق عكازه بيديه.
ترجل فراج الدرج وهو ينظر إلى جده بدهشة، اقترب منه وتحدث بقلق:
– خير يا جدي إنت بخير؟
رفع جده وجهه وأجاب عليه بهدوء:
– بخير يا فراج متقلقش.
جلس فراج أمامه وتحدث بتعب:
– هنعمل إيه معاهم يا جدي؟
تنهد جده بتعب وأجاب:
– إنت مش هتعمل حاجة يا فراج.. أنا هاخد عمتك ونروح المستشفى دلوقتي وهحاول أتكلم مع جوز بنت عمك صادق وأشوف نيته إيه.
تحدث فراج بعصبية:
– وأنا مجيش معاك ليه يا جدي؟
أجاب جده:
– عشان إنت كنت هتتجوز مراته يا فراج.. يعني مش هينفع أي كلام في وجودك!
زفر فراج بغضب ثم وقف من مكانه قائلاً بانفعال:
– اعمل اللي تشوفه يا جدي بس مفيش حد فيهم هيقرب من أرضنا.
ترك جده وذهب، هز الحاج عبد الرازق رأسه بتعب، اهتز هاتفه يعلن عن اتصال له من القاهرة، وضع الهاتف على أذنيه وهو يستمع إلى المتصل باهتمام وتركيز.
بعد ساعتين بداخل المشفى..
جلس رشيد أمام غرفة كارمن بالمشفى ينتظر خروج الممرضة بعد أن تعطيها الدواء. يشعر بالارهاق الشديد ويتمنى أن ينتهي كل هذا ويعود بزوجته إلى منزلهما.
خفض وجهه أرضًا ووضع رأسه بين يديه بتعب، استمع إلى صوت الحاج عبد الرازق يتحدث أمامه:
– إزيك يا بني.. إيه الأخبار؟
رفع وجهه ونظر إليه ثم وقف وأجاب عليه بهدوء:
– الحمد لله.. أهلاً بحضرتك.
نظر الحاج عبد الرازق إلى وداد وتحدث:
– أم أزهار عمة مراتك جت معايا عشان تطمن عليها وجبتلها هدوم معاها.
أومأ رشيد برأسه:
– شكراً لحضرتك..
ثم أشار بيديه إلى غرفة كارمن قائلاً لعمتها:
– الممرضة جوه معاها.. ممكن حضرتك تدخلي وتساعديها.
أومأت وداد برأسها بالإيجاب ودلفت إلى الغرفة وهي تدعو بداخلها أن تستطيع إقناع كارمن أن لا تخبر أحد باتفاقهما معًا.
جلس الحاج عبد الرازق بجوار رشيد أمام الغرفة وتحدث إليه بهدوء:
– ربنا يعينك يا بني.. أنا عارف إن الوقت مش مناسب بس أنا كنت عايز أعرف منك إنت ليه سايب مراتك مع أمها تبهدل فيها كده..؟ وليه أمها قالت إنها مطلقة وهي مراتك وعلى ذمتك.. أنا من ساعة اللي حصل مش عارف أغمد عيني وعمال أفكر.. ومتأخذنيش يعني يا بني.. أنا خدت اسمك من على عقد الجواز وسألت عليك في مصر وعرفت إنك ابن ناس طيبين ومن عيلة كبيرة وجدك راجل له اسمه وأبوك كمان راجل محترم.. يعني إنت راجل يتشرف بيه أي حد.. ليه سايب مراتك كده؟
تنهد رشيد بتعب واجاب:
– أنا مسبتش مراتي..
ثم نظر إليه وأضاف بصدق:
– أنا بحب مراتي ولو كانت طلبت مني روحي مكنتش هفكر لحظة واحدة وكنت هقدملها روحي وحياتي كلها بين أيديها.. بس اللي حصل وفرقنا عن بعض مكنش سهل ولسه مش واضح ليا إيه أجبرها تعمل فيا كده!..
صمت قليلاً ثم أضاف بحزن:
– أنا فجأة لقيت نفسي متهم في قضية معرفش عنها حاجة ومراتي شاهدة ضدي ولما ظهرت براءتي وخرجت عشان أفهم منها إيه اللي حصل.. قالوا إنها سافرت ومحدش يعرف طريقها.. حياتي كلها ادمرت في لحظة وللأسف مكنش عندي القوة عشان أواجه الصدمات اللي اتعرضتلها وقتها لأني كنت حقيقي بحبها وكنت واثق فيها ومسلم لها كل حياتي.. تعبت وسافرت ومرجعتش غير لما هي ظهرت مع مامتها وقبل ما أفهم وأعرف منها الحقيقة لقيتها اختفت تاني وعرفت إنها جت عندكم وكنتوا هتجوزوها لحفيدك وهي لسه على ذمتي!
نظر إليه الحاج عبد الرازق بصدمة قائلاً:
– إزاي كل ده حصل معاكم يا بني.. طب مين اللي عمل فيكم كده؟ وليه مراتك تشهد عليك وإنت مظلوم؟!
هز رشيد رأسه واجاب:
– معرفش.. كارمن مش عايزة تتكلم.. وممكن يكون اللي حصلي ده أكبر منها وهي اتورطت غصب عنها وعشان كده خايفة تتكلم!
نظر الحاج عبد الرازق أمامه بتفكير وحيرة:
– حكايتكم كبيرة أوي يا بني.. بس أنا عايزك تطمن.. كارمن بنتنا وأنا معاك لحد ما تعرف الحقيقة.
أومأ رشيد برأسه وهو يتنهد بتعب ويضغط على رأسه بإرهاق من كثرة التفكير.
بداخل غرفة كارمن بالمشفى.
دلت وداد إلى داخل الغرفة وهي تحمل بيدها حقيبة صغيرة بها ثياب، كانت الممرضة تعطي الدواء لـ كارمن. مازالت كارمن تدعي أنها لم تشعر بقدميها حتى الآن.
ارتجفت كارمن بخوف عندما رآت وداد تقترب منها. ابتسمت لها وداد بمكر واقتربت منها بطريقة درامية وعانقتها بقوة تدعي القلق عليها. استأذنت الممرضة وخرجت وتركتهما. نظرت وداد إلى كارمن وتحدثت إليها بقلق:
– أوعي تكوني قولتي لحد إني أنا اللي هربتك ولا عرفتيهم بالاتفاق اللي كان بينا؟
هزت كارمن رأسها بـ لا واجابة:
– متقلقيش أنا مقولتش حاجة لحد.
تنفست وداد براحة ثم جلست بجوارها قائلة:
– أومال معرفتيش تهربي إزاي؟
أجابة كارمن:
– أغمى عليا وأنا بحاول أهرب.
نظرت وداد حولها وتحدثت:
– جوزك قاعد برا مع جدك..! يعني كنتي بتكدبي عليا يا بنت صادق لما قولتي إنك مطلقة؟
نظرت إليها كارمن بستغراب قائلة:
– جوزي مين؟.. تقصدي رشيد ؟!
أجابة وداد:
– أيوه هو.
– بس رشيد كان جوزي وأطلقنا من زمان!
تحدثت وداد:
– طلقك إزاي وهو معاه قسيمة الجواز بتاعكم ومفيش ورقة طلاق!
نظرت كارمن أمامها بتفكير ثم تحدثت بفضول:
– يعني إيه؟ هو رشيد أساسًا عرف مكاني هنا إزاي؟
أجابة وداد:
– بعد ما إنتي هربتي من الدوار لقيته جه ومعاه واحد كمان وسألوا عليكي.. وكان هيتجنن عليكي لما عرف إنك هربتي.. ودور عليكي هو وفراج والخفر بتاعنا لحد ما لقوكي وجابوكي على هنا.
نظرت كارمن أمامها بتفكير قائلة:
– أنا مش فاهمة حاجة! رشيد ليه دور عليا بعد ما طلقني؟!
أجابة عليها وداد بثقة:
– بقولك هو لسه جوزك ومطلقكيش ومعاه قسيمة الجواز واداها لـ جدك وجدك اتأكد إنك لسه مراته.
ابتسمت كارمن بسعادة وهي تستمع إلى حديث عمتها وتحدثت بشغف:
– بجد رشيد مطلقنيش!!
رواية كارمن الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ملك ابراهيم
ابتسمت كارمن بسعادة وهي تستمع إلى حديث عمتها وتحدثت بشغف:
– بجد رشيد مطلقنيش؟!
استغربت وداد من رد فعلها الذي يؤكد أنها حقًا ساذجة. صمتت كارمن قليلاً ثم استرسل لها عقلها ما سيفعله بها رشيد بعد خروجها من المستشفى. بالطبع سيعاقبها على كل ما فعلته به في الماضي. ارتجف جسدها بخوف وهي تنظر إلى وداد.
تحدثت إليها وداد بتحذير:
– اسمعيني كويس يا بنت صادق. أنا عملت اللي عليّ وساعدتك، وإنتي اللي معرفتيش تهربي. يعني اتفاقنا زي ما هو، ومش عايزة أبويا أو جوزك حد فيهم يعرف إنك اتنازلتي عن أرضك ليا.
أومأت كارمن برأسها بالإيجاب.
– أنا قلت لحضرتك قبل كده، أنا مش عايزة أرض ولا فلوس. والأرض دي أقل تعويض ممكن تاخديه من بابا على ظلمه ليكي وحياتك اللي ضاعت بسببه.
حدقت بها وداد بصدمة. لا تصدق أن هذه الفتاة تحمل بداخلها كل هذه الطيبة والسلام النفسي.
أضافت كارمن وهي تنظر إليها بحزن:
– أنا بس عايزة أكون عارفة إن مش حضرتك لوحدك اللي اتعذبتي بسبب رفض بابا ليكي واختياره الجواز من ماما. بابا هو كمان اتعذب بسبب اختياره وعمره ما كان سعيد مع ماما أبدًا.
حدقت بها وداد بذهول. صمتت كارمن لحظات قليلة ثم أضافت:
– وأنا كمان اتعذبت بسبب اختيار بابا. صدقيني لو كان بإيدي أختار الست اللي تكون أمي، كنت اخترتك إنتي.
لمعت عينا وداد بالدموع وهي تستمع إلى حديث كارمن الصادق والذي خرج من قلبها واخترق قلب وداد. أدمعت عينا كارمن وهي تضيف بحزن:
– لما شفت الفرق بينك وبين ماما، كنت حقيقي حزينة. أنا كنت مقدرة إن حضرتك موجوعة من بابا، بس في نفس الوقت عايزة تساعدي بنتك ومش عايزة تشوفيها حزينة، والمهم إنك مش عايزة تخربي بيتها وبتحاولي تنقذي علاقتها بجوزها بأي طريقة.
بكت بحزن وأضافت:
– ماما بقى عملت عكس كل اللي حضرتك بتعمليه عشان بنتك!
بكت وداد من أجلها واقتربت منها وعانقتها بقوة وأردفت بثقة:
– وجعتي قلبي عليكي يا بنت صادق.
لأول مرة تشعر كارمن بحنان الأم وعطفها. اكتشفت بعد عناق وداد لها أن والدتها لم تعانقها بحياتها منذ طفولتها. بكت في حضن وداد وهي تربت على ظهرها بحنان وتتحدث إليها بثقة:
– من اللحظة دي أنا أمك ومش هفرق بينك وبين أزهار بنتي لحد ما أموت.
لم تستطع كارمن الحديث وهي تبكي في حضنها. ابتعدت عنها وداد قليلاً وتحدثت إليها بقوة:
– متعيطيش يا كارمن، بنتي متعيطش أبدًا طول ما أنا عايشة.
نظرت إليها كارمن وأردفت ببكاء:
– أنا تعبت قوي من كل حاجة بتحصلي. أنا مش عايزة حاجة من الدنيا غير إني أعيش مرتاحة مع الإنسان اللي أنا بحبه. صدقيني أنا مش عايزة أرض ولا فلوس ولا قصر أعيش فيه. أنا بس عايزة أعيش من غير ما حد يأذيني!
تحدثت إليها وداد بقوة:
– الناس مش بيأذوا غير الضعيف. لازم تكوني قوية عشان محدش يقدر يأذيكي.
نظرت إليها كارمن بانتباه:
– أكون قوية إزاي؟ يعني أعمل زي ماما وأفكر في نفسي وبس؟!
أجابت وداد باعتراض:
– القوة مش إنك تفكري في نفسك يا بنتي. القوة إنك تقدري تحمي نفسك وتحمي اللي بتحبيهم.
نظرت إليها كارمن بعدم فهم. تنهدت وداد بحزن من أجلها وتحدثت مرة أخرى:
– قبل أي حاجة، أنا عايزة أقولك إني هقطع ورقة التنازل عن الأرض اللي إنتي مضيتي عليها وهفضل على طول جنبك وعمري ما هسيبك أبدًا.
ابتسمت كارمن وهي تستمع إلى حديثها وأردفت:
– صدقيني أنا مش عايزة الأرض. كفاية إني أحس إن عندي أم بتحبني بجد وبتخاف عليا ويهمها إني أكون سعيدة في حياتي.
أجابت وداد بثقة:
– أنا هكون أمك اللي بتتمنيها وبرضه هرجعلك أرضك.
ابتسمت كارمن وارتمت بداخل حضنها. ابتسمت وداد وعانقتها بحنان قائلة:
– قومي يلا غيري هدوم المستشفى دي، البسي الهدوم اللي جبتهالك عشان ترجعي معانا الدوار في بيت جدك.
ابتعدت كارمن عن حضنها قليلاً وتحدثت بخوف:
– هرجع في البيت عندكم تاني!
أجابت وداد بثقة:
– لازم جوزك يعرف إن ليكي أهل وعيلة وبيت ترجعي له لو زعلك في يوم، وكمان لما ياخدك من بيت جدك يبقى عارف إن في وراكِ رجالة ومش لوحدك في الدنيا.
ابتسمت كارمن بسعادة. أصبحت الآن تعرف قيمة وجود عائلة تقف بظهرها وتدعمها دون مقابل. أومأت برأسها وهي تأخذ من عمتها الثياب لكي تبدل ثياب المشفى وترتدي ثيابها. خرجت وداد من الغرفة وتركتها تبدل ثيابها براحة وأغلقت الباب عليها واقتربت من والدها ورشيد:
– كارمن بتغير هدومها. زهقت من المستشفى هنا وأنا قلت لها ترجع معانا على بيت جدها لحد ما تخف.
وقف رشيد وتحدث:
– بس أنا لازم آخدها ونرجع القاهرة عشان نشوف دكتور متخصص في الحالة اللي بتحصلها دي!
تحدثت وداد:
– وماله. شوف لها دكتور زي ما أنت عايز، هي برضه مراتك. بس إحنا كمان أهلها ومن حقنا نطمن على بنتنا قبل ما ترجع معاك.
استغرب الحاج عبد الرازق من حديث ابنته وداد وخوفها المفاجئ على كارمن. نظرت وداد إلى والدها وأضافت:
– ولا إنت رأيك إيه يا أبويا؟ هينفع بنتنا تطلع من المستشفى مع جوزها كده من غير ما نطمن عليها وترجع ترتاح في بيت جدها؟!
ابتسم الحاج عبد الرازق لابنته ووقف من مكانه وأجاب:
– لا طبعًا مينفعش. ورشيد راجل ويفهم في الأصول.
نظر إليهما رشيد بحيرة. تحدث إليه الحاج عبد الرازق بابتسامة:
– ولا إنت مش عايز تشرفنا في بيت أهل مراتك يا رشيد؟
تحدث رشيد:
– لا أبدًا، ده شيء يشرفني طبعًا. أنا بس قلقان على كارمن وكنت عايز أعرضها على دكتور في القاهرة في أسرع وقت.
تحدثت وداد:
– كارمن زي الفل الحمد لله. ولو عايز دكتور يطمنك عليها ضروري نشوف دكتور من هنا.
لم يجد رشيد مخرجًا وتحدث بهدوء:
– تمام. بس أكيد مش هينفع نقعد هنا وقت طويل. يعني كفاية يوم أو اتنين بالكتير عشان شغلي في القاهرة.
ابتسمت له وداد وتحدثت وهي تعود إلى غرفة كارمن:
– هروح أشوف كارمن خلصت ولا إيه عشان نرجع الدوار وأنا هعمل لكم أحلى غدا بإيدي.
ابتسم رشيد وربت الحاج عبد الرازق على ظهره بدعم.
دَلفت وداد إلى غرفة كارمن وجدتها انتهت من ارتداء ثيابها وتصفيف شعرها. ابتسمت وداد واقتربت منها تتحدث بحنان:
– ربنا يحفظك يا بنتي من عيون الناس يا رب.
التفتت لها كارمن وهي تبتسم. تحدثت وداد مرة أخرى بمزاح:
– يلا يا ست البنات عشان ترجعي معانا على بيت جدك. وجوزك جاي معانا.
ارتجف جسد كارمن بتوتر:
– رشيد!
أردفت وداد بثقة:
– مش عايزة أخاف طول ما أنا عايشة، وإن شاء الله أي مشكلة حصلت بينك وبين جوزك هتتحل.
أومأت كارمن برأسها وهي تبتسم لعمتها وقلبها يخفق بقوة وجسدها يرتجف قليلاً خوفًا من مواجهة رشيد.
أخذتها عمتها من يديها وخرجت بها من الغرفة. كان رشيد يقف أمام الغرفة مع الحاج عبد الرازق. تأملها بنظرات عاشقة وهي تخرج من الغرفة وتقترب منه بجوار عمتها. كانت تخفض بصرها أرضًا خوفًا من مواجهته. ابتسم إليها جدها وتحدث إليها:
– حمدلله على السلامة يا بنتي.
أجابت كارمن بصوت منخفض:
– شكراً.
تحدثت وداد إلى رشيد وهو يقف يتأمل كارمن بصمت:
– مراتك مكانتش مصدقة إنك وافقت تقعدوا معانا يومين في بيت جدها. قلت لها جوزك بيحبك وعمره ما يحرمك من أهلك.
أومأ رشيد برأسه وهو ما زال ينظر إلى كارمن بصمت. تحرك الحاج عبد الرازق وتحدث:
– هات مراتك يا رشيد وخلينا نرجع الدوار.
أومأ رشيد برأسه. تحركت وداد خلف والدها وتركت كارمن تقف أمام زوجها. ارتجف جسد كارمن بخوف بعد ذهاب عمتها من جانبها ومع اقتراب رشيد منها وهو يقف أمامها ويتأملها باهتمام قائلاً:
– إنتي كويسة دلوقتي؟
أومأت برأسها وهي تخفض وجهها أرضًا. أمسك بيديها وتحدث بهدوء:
– خلينا نمشي عشان جدك مستنينا.
ارتجف جسدها مع لمسة يديه إلى يديها. شعر بارتجاف يديها وبرودة يديها بين يديه. ضغط على يديها بإحكام وسار بها دون أن يضيف أي حديث بينهما.
كانت تسير بجواره وقلبها يخفق بقوة. أخذها إلى سيارة الحاج عبد الرازق وساعدها على الصعود داخل السيارة بجوار عمتها وتقدم هو إلى الأمام بجوار الحاج عبد الرازق.
***
بداخل الدوار.
وقفت أزهار تساعد العاملات في المنزل في تجهيز الطعام بعد أن تحدثت إليها والدتها عبر الهاتف وأخبرتها أن تهتم بتجهيز وجبة الغداء حتى تأتي والدتها.
دلف فراج إلى الدوار ولاحظ أن هناك حركة غريبة بين العاملات بالمنزل وعلى رأسهم زوجته. اقترب من زوجته أزهار وتحدث إليها بدهشة:
– إيه اللي بيحصل هنا يا أزهار؟
أجابت أزهار بمكر:
– بنجهز الغدا عشان كارمن وجوزها جاين في الطريق مع جدي وأمي.
حدق بها فراج بصدمة:
– وهما جاين هنا يعملوا إيه؟
أجابت أزهار:
– معرفش. أمي كلمتني وقالت لي نجهز الغدا عشان جوز كارمن جاي معاها ولازم تتشرف قدامه بأهلها!
عقد فراج ما بين حاجبيه وزفر بغضب. نظرت إليه أزهار وأضافت بحزن:
– إنت لسه زعلان عشان متجوزتش كارمن يا فراج؟
رمقه فراج بغضب وأردف بعصبية:
– ملكيش صالح وروحي شوفي إنتي بتعملي إيه يا أزهار.
تركها وخرج من الدوار. وقفت أزهار تتابع ذهابه بحزن وقلة حيلة.
بعد دقائق قليلة استمعت إلى صوت سيارة جدها خارج المنزل. وقفت في استقبالهم كما أخبرتها والدتها.
ترجل رشيد من السيارة مع الحاج عبد الرازق وأخذ يد كارمن إلى الداخل. استقبلتهم أزهار وأخبرتهم أن الطعام جاهز ورحبت بهم وداد إلى مائدة الطعام الكبيرة الممتلئة بأشهى المأكولات.
جلسوا جميعًا على المائدة يتناولون الطعام بدون أزهار وفراج. تناولت كارمن الطعام دون شهية بسبب خوفها وتوترها من رشيد.
بعد انتهائهم من تناول الطعام تحدث الحاج عبد الرازق إلى رشيد بهدوء:
– خد مراتك واطلعوا ارتاحوا شوية. إنت منمتش من ليلة امبارح يا بني واكيد محتاج ترتاح.
أومأ رشيد برأسه وشكره على استضافته له بمنزله. وقفت وداد لكي تأخذهما إلى الغرفة وتطمئن على كارمن.
استغربت أزهار من معاملة والدتها الطيبة مع كارمن.
دَلفت كارمن إلى داخل الغرفة التي تقيم بها بمنزل جدها ودلف رشيد خلفها بعد أن شكر عمتها وداد وذهبت وتركتها بمفردها. أغلق رشيد الباب من الداخل والتفت ينظر إلى كارمن بصمت. الآن أصبح معها بمفردها.
جلست كارمن فوق الفراش بخوف وتوتر من مواجهته. لا تفهم شيئًا حتى الآن ولا تعلم كيف علم رشيد بمكانها ولا تصدق أنها ما زالت زوجته وتتساءل بداخلها أين زوجته وابنه الذي أخبرها عنهما من قبل.
وقف رشيد يتطلع إليها وهو يلتقط أنفاسه براحة بعد الاطمئنان عليها ثم تحدث إليها:
– هو إيه اللي خلاكي تهربي من هنا؟
أجابته بتوتر وهي تخفض وجهها:
– هربت عشان كانوا عايزيني أتجوز فراج على مراته.
ابتسم ساخرًا وتحدث إليها بغضب:
– يعني مشكلتك إنهم كانوا عايزين يجوزوكِ فراج على مراته! يعني مكنش هيبقى عندك مشكلة لو مكانش فراج متجوز!
عقدت ما بين حاجبيها وأجابت بدهشة:
– لا طبعًا. أنا مشكلتي إني مستحيل أتجوز حد بعدك!
تسلل إلى قلبه شعور بالسعادة بعد ما قالته الآن بقوة وإصرار، لكنه حافظ على هدوئه ورسم البرود على ملامحه قائلاً:
– عموماً إنتي لازم تعرفي إن مكنش هينفع تتجوزي حد بعدي لأن إنتي أصلاً لسه مراتي!
ابتسمت بسعادة غير مبالية بأي شيء حدث بينهما وتحدثت بحماسها المعتاد:
– إنت حقيقي مطلقتنيش بجد؟!
لم يستطع رسم الجمود على ملامحه أكثر وأومأ لها برأسه بالإيجاب مؤكدًا حديثه بعد رؤيته لسعادتها الواضحة.
صوت الطرق على باب الغرفة أوقف حديثهما معًا. اتجه إلى الباب وفتحه. كانت إحدى العاملات بالمنزل قد أتت إليه بثوب لكي يبدل ثيابه قبل النوم.
أخذ منها الثياب وشكرها بهدوء وأغلق الباب بعد ذهابها. عاد إلى داخل الغرفة. تابعته كارمن بعينيها وهي تبتسم بسعادة ولا تصدق حتى الآن أنها ما زالت زوجته.
وقف رشيد وهو ينظر إلى الثوب الذي جاءت به السيدة. كان جلبابًا صعيديًا مريحًا. بحث عن المراحض المرفق بالغرفة ودلف المرحاض لكي يبدل ثيابه بداخله.
جلست كارمن فوق الفراش تفكر بسعادة وحماس كيف لم يطلقها رشيد. تذكرت حديث جده وتأكيده أن رشيد طلقها ولم يريد رؤيتها مجددًا. بهتت ملامحها بحزن وشعرت بالخوف بعد أن تذكرت حديث جد رشيد وتهديده لها أن رشيد يريد قتلها. بلعت ريقها بخوف ونظرت إلى المرحاض وهو بداخله. وقعت في صراع داخلي بين عقلها وقلبها؛ قلبها يؤكد أن رشيد حبيبها لم يؤذيها مهما فعلت به، وعقلها يؤكد أن من حقه فعل أي شيء بها حتى يثأر منها بعد خيانتها له.
خروجه من المرحاض أخرجها من شرودها. تأملته بنظرات عاشقة وهو يرتدي الجلباب الصعيدي الذي يليق به كثيرًا. نظر إليها وتفهم نظراتها إليه. تلك النظرات بعينيها ما زالت تؤكد له أن هناك شيء لم يعرفه أجبرها على خيانته، لكنه لم يستطع التحدث معها الآن. ليس هذا المكان المناسب ولا الوقت المناسب للحديث.
اتجه إلى الأريكة الموضوعة بداخل الغرفة وتمدد عليها بصمت، متجاهلاً نظراتها الفضولية إليه. بهتت ملامحها بحزن وهو يبتعد عنها ويذهب للنوم بعيدًا. خفضت وجهها بحزن بعد تأكيده لها الآن بعدم تغير شيء. ما زالت المسافات بينهما ولا يريد الاقتراب منها. أخفت وجهها بالغطاء لكي تستطيع البكاء أسفل الغطاء بصمت دون أن يشعر بها.
أغمض عينيه وهو يتمدد فوق الأريكة ويستند برأسه فوق ساعديه. كان يستمع إلى صوت بكائها الخافت لكنه يفكر ماذا عليه أن يفعل الآن بعد ما حدث. لا يمكنه تركها للعيش مع والدتها مرة أخرى. عليه أخذها للعيش معه بالمنزل حتى يستطيع أخذ القرار الصحيح في علاقته معها. الكثير من الأفكار تتزاحم برأسه. تخبط في مشاعره لا يستطيع إيقافه. تنهد بتعب وهو يفكر في القادم.
***
سطعت الشمس بنورها لتضيء السماء الصافية بلونها الأزرق.
بداخل غرفة كارمن.
استيقظ رشيد على صوتها وهي تهمهم بكلمات غير واضحة. فتح عينيه وجلس فوق الأريكة ونظر إلى الفراش بدهشة. وقف وتقدم منها وهو ينظر إليها بقلق.
كانت نائمة ومغمضة العينين وحبات العرق متناثرة فوق وجهها الشاحب وتهمهم بكلمات كثيرة غير واضحة. استطاع السماع إلى اسمه بين كلماتها الغيرة واضحة. وضع يديه فوق جبينها وشعر بارتفاع حرارتها قليلاً. نطق اسمها بقلق. استجابة لندائه وفتحت عيناها ونظرت إليه بضعف وتحدثت بدون وعي:
– أنا بحبك أوي يا رشيد. متسبنيش تاني. أنا آسفة.
حدق بها بصدمة ثم عانقها بقوة وهمس إليها بتأكيد:
– أنا مستحيل أسيبك يا كارمن.
أغمضت عيناها بداخل حضنه مرة أخرى. عانقها بقوة أكثر وهمس إليها:
– أنا مستحيل أسيبك أو أبعد عنك. إنتي روحي.
عانقته هي الأخرى وهمست إليه وهي تغمض عيناها:
– أنا بحبك أوي يا رشيد. إنت وحشتني أوي.
همسها إليه باشتياق جعله يضمها إليه أكثر ثم ابتعد عنها قليلاً يتأملها بعشق ثم قبلها بقوة وهو يضمها إليه.
فتحت عيناها بصدمة وهو يقبلها وانتفض جسدها بين يديه. ابتعد عنها سريعًا لا يصدق ما يفعله. وضعت يديها فوق شفتيها بصدمة وتحدثت بصوت متقطع:
– هو إيه اللي حصل؟!
التقط أنفاسه وهو يبتعد عنها أكثر ويحاول السيطرة على مشاعره تجاهها، ثم أجاب بهدوء مصطنع:
– مفيش حاجة. إنتي شكلك كنتي بتحلمي وأنا كنت بحاول أصحيكي.
ثم تركها وأخذ ثيابه الذي بدله بالأمس واتجه إلى المرحاض لكي يرتديه مرة أخرى.
ارتجف جسدها بقوة وهي تتابع ابتعاده عنها وتضع يديها فوق شفتيها بصدمة.
دقائق قليلة وخرج من المرحاض وهو يرتدي ثيابه.
استمع لصوت طرقات على باب الغرفة. ذهب وفتح الباب، كانت واحدة من السيدات تعمل بالدوار، تحدثت إليه واخبرته باحترام:
– سيدي الحاج عايزكم تنزلوا تحت تفطروا.
أومأ رشيد برأسه بالإيجاب قائلاً:
– تمام إحنا نازلين. بس لو سمحتي ممكن تجيبيلنا مسكن وأي خافض للحرارة.
أومأت بالإيجاب وذهبت لكي تجلب له ما طلبه منها. عاد إلى داخل الغرفة وأغلق الباب ونظر إليها وتحدث بهدوء:
– فين شنطتك؟
أشارت إليه برأسها وهي تشعر بالتعب وتحدثت بصوت منخفض:
– عايزها ليه؟
وجد حقيبتها بجانب خزانة الملابس، أخذها لكي يضع ثيابها بداخلها وهو يجيب عليها:
– بجهزها عشان هترجعي معايا.
تحدثت بدهشة:
– هرجع معاك فين؟!
رمقها بنظرة غاضبة ولم يجيب عليها. استمع لصوت طرق على الباب مرة أخرى، ذهب وفتح الباب وأخذ من السيدة الدواء الذي طلبه منها وشكرها باحترام وأغلق الباب بهدوء. اقترب من كارمن وحمل بيديه كوبًا من الماء وتحدث إليها:
– إشربي الدوا ده عشان تخفي وتبقي أحسن.
نظرت إلى الدواء بيديه وتحدثت بحزن:
– وإنت عايزني أخف وأبقى أحسن ليه! مش إنت أصلاً كنت عايز تموتني؟!
زفر بغضب وأجاب عليها بغيظ:
– ما أنا هموتك زي ما أنا عايز. بس مش دلوقتي.
حملقت به بصدمة. أعطاها الدواء والماء دون أن يتحدث مرة أخرى. تناولت الدواء وهي ترتجف من الخوف وتفكر ماذا يريد أن يفعل بها؟ تركها تائهة بداخل أفكارها وذهب ليضع ثيابها بداخل الحقيبة وتحدث إليها بهدوء:
– قومي اجهزي عشان هنمشي دلوقتي.
وقفت وهي تنظر إليه بخوف. اقترب منها وأعطاها ثيابًا لها اختاره من ثيابها وهو يضعها داخل الحقيبة ثم تحدث إليها:
– ادخلي الحمام اجهزي وأنا هستناكي هنا.
أومأت برأسها بخوف وأخذت الثياب واتجهت إلى المرحاض. تنهد بتعب بعد دخولها المرحاض ثم أغلق الحقيبة ووضعها أمامه لكي يحملها ويذهبون معًا من هنا.
دقائق قليلة وخرجت من المرحاض وهي تخفض وجهها أرضًا بخوف. تأملها بصمت ثم اقترب منها وهو لم يستطع إبعاد عينيه عنها لكنه حاول التماسك أمامها ورسم الجدية والبرود فوق ملامحه:
– جاهزة؟
أجابت على سؤاله بإيماءة بسيطة. أمسك يديها وحمل الحقيبة باليد الأخرى وأخذها وخرجا من الغرفة بصمت. ترجلت الدرج وهي تستند على يديه، تشعر بدوار خفيف لكنها تحاول التماسك أمامه.
اقتربوا من مائدة الطعام والجميع يجلسون عليها. الحاج عبد الرازق وابنته وداد وحفيده فراج وحفيدته أزهار.
رمقهما فراج بنظرات مشتعلة بالغيرة والغضب وهو يتطلع إلى يد رشيد المتشابكة مع يد كارمن. تحدث رشيد بهدوء وهو يقف أمامهم:
– صباح الخير.
رد عليه الحاج عبد الرازق:
– صباح النور يا بني. تعالوا يلا خلينا ناكل لقمة مع بعض.
أومأ رشيد برأسه قائلاً:
– حاضر. بس بستأذن حضرتك إننا هنرجع القاهرة بعد الفطار على طول لأن عندي شغل هناك.
تحدثت وداد:
– ماتخلوكم معانا كام يوم كمان على ما كارمن تخف ونطمن عليها.
تحدث رشيد:
– متقلقيش حضرتك على كارمن وإن شاء الله قريب جدًا هنرجع هنا في زيارة أطول من كده. إنتوا أهل كارمن وأنا أقدر أبعدها عن أهلها.
نظرت إليه كارمن بدهشة. تحدث الحاج عبد الرازق:
– على راحتك يا بني. بس بعد الفطار أنا عايز أتكلم معاك إنت ومراتك في موضوع مهم.
أومأ رشيد برأسه بالإيجاب قائلاً:
– إحنا تحت أمر حضرتك.
*****
بعد انتهائهم من تناول الطعام.
تجمعوا بداخل القاعة. الحاج عبد الرازق، وفراج، ووداد، وكارمن، ورشيد.
جلس الحاج عبد الرازق فوق مقعده وتحدث إلى رشيد:
– دلوقتي يا بني إنت لازم تعرف إن مراتك لها ورث عندنا في الأرض بتاعنا، وأكيد إنت عارف إن الأرض عندنا مبتخرجش برا العيلة.
أومأ رشيد برأسه قائلاً:
– اعذرني حضرتك أنا المفروض مليش علاقة بموضوع ورث مراتي ده نهائي. هي مسؤولة مني وكل طلباتها وأي فلوس تحتاجها مسؤوليتي. لكن ورثها وأرضها ده شيء بينكم وبينها وأنا عارف مراتي ومتأكد إن هي ميهمهاش أرض قد ما يهمها إن يكون لها عيلة زيكم يحبوها ويخافوا عليها.
نظرت كارمن إلى جدها وأضافت على حديث رشيد بهدوء:
– وأنا مش محتاجة أرض. عمتي وداد هي أحق مني بالأرض دي. هي اللي اتظلمت ودفعت عمرها مقابل الأرض.
نظرت إليها وداد وأدمعت عيناها متأثرة بحديث كارمن أمام الجميع. نظر الحاج عبد الرازق إلى ابنته وداد وشعر بالذنب تجاهها ثم عاد ببصره إلى كارمن وتحدث:
– بس ده حقك يا بنتي.
تحدثت كارمن:
– أنا مش عايزة أي حاجة غير إنكم تحبوني ويبقى ليا عيلة وأهل يسألوا عليا لو غبت عنهم. صدقوني ده أغلى من كنوز الدنيا.
ابتسمت وداد وهي تنظر إلى كارمن بحنان. ابتسم الحاج عبد الرازق قائلاً لها:
– واخدة طيبة قلب أبوكي يا بنت صادق. بس حقك لازم تاخديه بما يرضي الله. لما أمك جت طلبت مني حقك أنا رفضت عشان كنت عارف إن أمك هتاخد منك الفلوس وتبهدلك معاها. إنما دلوقتي إنتي في حماية راجل وحق الأرض هتاخديه وأنا مطمن عليكي.
نظرت كارمن إلى رشيد ثم عادت ببصرها إلى جدها. لا تعلم ماذا تقول. صمتت قليلاً ثم أردفت:
– طب ممكن بلاش آخد حقي في الأرض ويفضل هنا معاكم. أنا خايفة آخد حقي في الأرض وبكده تبقى انتهت العلاقة بينا.
تحدث فراج بعد صمت طويل منذ بدء الحديث بينهم جميعًا:
– مش الفلوس والأرض بس اللي بتربطنا بيكي يا بنت عمي. اللي بيربطنا دم واسم عيلة بيجمعنا كلنا.
نظر رشيد إلى فراج ثم نظر إلى الحاج عبد الرازق قائلاً:
– الأفضل لو حضرتك تحتفظ لكارمن بحقها في الأرض بمعرفتك لأن كارمن مش هتقدر تحافظ على حقها.
نظرت إليه كارمن بغيظ. تجاهل نظراتها وتحدث إلى الحاج عبد الرازق:
– اسمحلنا نتحرك دلوقتي عشان نلحق القطر.
تحدثت وداد بحزن.
وقف رشيد وتحدث باعتذار:
– إن شاء الله هنيجي نزوركم في أقرب وقت.
وقفت كارمن بخوف. اقتربت منها وداد وعانقتها بقوة وهمست لها بحنان:
– متخافيش من أي حاجة وفي أي وقت كلميني وهتلاقيني عندك.
أومأت كارمن برأسها وهي بداخل حضن عمتها.
على الجانب الآخر وقف رشيد أمام الحاج عبد الرازق وتحدث إليه الحاج عبد الرازق:
– مش هوصيك على بنتنا يا رشيد. إنت هتاخدها دلوقتي أمانة من دارنا ولو في يوم حسيت إنك مش هتقدر تحافظ عليها يبقى ترجعها هنا في بيتها معززة ومكرمة.
أومأ رشيد برأسه قائلاً:
– متقلقش حضرتك. كارمن مراتي وفي عيني.
ثم صمت قليلاً وأضاف بداخله:
– بس ده ميمنعش إني لازم أربيها من الأول وجديد.
رواية كارمن الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ملك ابراهيم
صمت قليلا وأضاف بداخله:
– بس ده ميمنعش إني لازم أربيها من الأول وجديد.
غادر رشيد منزل الهواري ومعه زوجته في طريقهم للعودة للقاهرة.
***
في المساء.
استضافت سهير بداخل منزلها عدد من رجال الأعمال وسيدات المجتمع في حفل صغير أقامته بمنزلها لكي تستطيع عقد بعض الصفقات معهم، ويقبلون المساهمة معها في إنشاء مشروع خاص بها، بعد أن اقتربت الأموال التي حصلت عليها مقابل ورثها بأرض الهواري على النفاذ.
جلست أمامهم جميعًا تتحدث بكل فخر عن الأرض التي تملكها بصعيد مصر، ويمكنها بيعها لإنشاء المشروع الخاص بها، لكنها لا تفضل بيعها في الوقت الحالي حتى يرتفع سعر الأرض أكثر.
عرض عليها أحد رجال الأعمال المساهمة معها في هذا المشروع الذي تريد إنشاءه. حاولت سهير إخفاء سعادتها وهي تستمع لعرضه.
استمعت الخادمة لصوت جرس الباب وذهبت لكي تفتح الباب.
دخل رجل لم تره الخادمة من قبل وتحدث إليها:
– مدام سهير موجودة؟
نظر إلى المنزل من الداخل وابتسم ساخرًا عندما رأى كل هذا الثراء الذي تعيش به سهير من جديد. استمع لأصوات كثيرة تأتي من الداخل. لم يعطِ فرصة للخادمة للرد عليها وتقدم إلى داخل المنزل وهو ينظر حوله ويبتسم بسخرية.
حاولت الخادمة منعه من الدخول، لكنه تقدم إلى الداخل حيث تجلس سهير مع ضيوفها غير مبالٍ لأحد.
انتفضت سهير من مكانها عندما رأته أمامها. نظر إليها وإلى المنزل وتحدث ساخرًا:
– مصدقتش لما قالولي إنك رجعتي ومعاكي كل الفلوس دي!
اقتربت منه سهير وهي ترمقه بغضب وتهمس له بصوت منخفض خوفًا من أن يستمع إليها ضيوفها:
– إنت إيه اللي جابك هنا؟ مش أنا كنت خلصت منك وانتهينا.
غمز لها بطرف عينيه وأردف:
– اللي بينا عمره ما ينتهي كده يا سوسو.
رمقته باشمئزاز ثم نظرت خلفها إلى الضيوف بتوتر وتحدثت إليهم:
– أنا بعتذر جدًا منكم..
ثم نظرت إليه قائلة له بهمس:
– تعالى معايا نتكلم جوه.
أخذته معها إلى إحدى الغرف. نظر الضيوف إلى بعضهم وتحدثت إحدى السيدات إليهم بهمس:
– دا تقريبًا جوزها الأخير اللي اتجوزته قبل ما تسافر.
نظر أحد رجال الأعمال إلى صديقه الذي عرض على سهير المشاركة معها بمشروعها:
– إنت اتجننت! إنت عايز تشارك سهير سالم؟ دي نصابة والبلد كلها عرفاها!
نظر إليه الآخر بمكر قائلاً:
– وإنت فاكر إني هشاركها فعلًا؟ أنا كنت عايز أعرف بس إيه حكاية الفلوس اللي ظهرت معاها فجأة وفين الأرض اللي هي بتملكها دي؟ يمكن نعرف نطلع منها بمصلحة.
تحدثت إحدى السيدات:
– مفيش حد بيعرف يطلع من سهير بمصلحة.
تحدث رجل آخر:
– أنا من رأيي كفاية كده وخلونا نمشي.
وافقهم الجميع وقاموا لكي يذهبوا.
بداخل الغرفة التي تقف بها سهير أمام هذا المتطفل الذي دلف إلى منزلها دون استئذان، تحدثت إليه بصوت منخفض وهي غاضبة:
– إنت إزاي تيجي هنا لحد بيتي وكمان من غير استئذان!؟
أجاب عليها ببرود:
– هو في حد بيستأذن برضه قبل ما يدخل بيت مراته!
هتفت بغضب وهي تحذره بيديها:
– مراتك اللي إنت سرقتها! وبعدين إحنا اتطلقنا من زمان خلاص.. بقولك إيه.. إنت تبعد عن طريقي ومش عايزة أشوفك قدامي مرة تانية وإلا هسجنك.
ابتسم ساخرًا وهو يمسك بيديها التي تشير إليه بتحذير وأردف بمكر:
– براحة بس عشان إيدك الرقيقة دي متتكسرش.. إنتي ناسيه إني أنا اللي أقدر أسجنك!
نظرت إليه بتوتر وابتلعت ريقها بصعوبة. دفع يديها بعيدًا عنه وأضاف ساخرًا:
– خليكي حلوة كده يا سهير وبلاش نهدد بعض، لأنك أول واحدة هتتسجني إنتي وبنتك لو حد عرف اللي أنا أعرفه.
ابتلعت ريقها وتحدثت بتوتر:
– إنت عايز إيه بالظبط؟
نظر حوله وأردف بطمع:
– عايز نصيبي من العز اللي إنتي عايشة فيه ده.
ضحكت ساخرة:
– عز إيه! دا كان زمان قبل ما إنت تسرق كل فلوسي.
نظر حوله وتحدث بطمع:
– يعني إيه؟ أومال كل العز ده منين وإزاي!؟
أجابته عليه بغضب:
– دا شيء ميخصكش.. ياريت ترجع مكان ما كنت وتنساني خالص.
ابتسم بسخرية قائلاً:
– عايزاني أنسى إيه بالظبط؟ أنسى الراجل اللي بنتك قتلته وأنا دفنته بإيدي، ولا أنسى اللي إنتي عملتيه في جوز بنتك!؟
حملقت به بصدمة ثم ركضت سريعًا إلى باب الغرفة وفتحته وتأكدت من عدم استماع أحد لحديثهما، ثم أغلقت الباب مرة أخرى وعادت إليه تتحدث إليه بصوت منخفض:
– إنت اتجننت! إنت عارف لو حد سمع كلامك ده هيحصل فينا إيه؟
ضحك ساخرًا:
– أنا مفيش إثبات عليا.. إنتي وبنتك اللي هتروحوا في ستين داهية لو أنا قولت اللي أعرفه.
رمقته بغضب وتحدثت إليه بنبرة حادة:
– قول من الآخر إنت عايز إيه وخلصني؟
جلس فوق أحد المقاعد براحة ثم تحدث ببرود وهو يضع قدم فوق الأخرى:
– أنا محتاج فلوس.
اقتربت منه وتحدثت بغضب:
– وأنا هجبلك فلوس منين؟ متتخدعش في كل اللي إنت شايفه ده! الشقة دي إيجار وأنا معيش حتى أدفع إيجارها الشهر الجاي!
ابتسم بسخرية قائلاً:
– وبنتك.. برضه معاهاش تدفع تمن سكوتي؟
نظرت إليه وفكرت بداخلها، لا تعلم ماذا حدث مع كارمن وزواجها من رشيد وفراج. صمتت قليلاً ثم تحدثت إليه بغضب:
– سيبني كام يوم كده أفكر وأقدر أجهزلك مبلغ تاخده وبعدها مش عايزة أشوفك تاني.
ابتسم ببرود ثم وقف من مكانه قائلاً لها:
– طب مفيش أي حاجة أمشي بيها حالي دلوقتي.. الحكاية مقشفرة معايا على الآخر.
تحدثت إليه بصوت غاضب منخفض:
– قولتلك مش معايا أي فلوس دلوقتي.
حدق بها بصمت ثم نزع العقد الذي ترتديه بعنقها في حركة سريعة. صرخت سهير وهي تضع يديها فوق عنقها بصدمة. ابتسم ببرود وهو ينظر إلى العقد قائلاً:
– أهو أمشي نفسي بيه لحد ما تجهزيلي مبلغ معتبر.
رمقته بغضب وهو يبتعد عنها ويخرج من الغرفة. لحقت به سريعا حتى لا يقترب من ضيوفها ويتحدث معهم. صدمت عندما رأت الخادمة تنظف وترتب بعد ذهاب الضيوف. اقتربت منها وتحدثت بصدمة:
– الضيوف راحوا فين؟!
أجابته الخادمة باحترام:
– مشيوا يا هانم من شوية.
ضحك الآخر بسخرية قائلاً لها:
– معلش يا سوسو.. خيرها في غيرها.
رمقته بغضب وهو يخرج من منزلها. وقفت تنظر حولها بغضب ولا تفكر في حل الآن غير كارمن وارثها في الأرض.
***
وصل رشيد ومعه كارمن أمام البرج السكني الذي يمتلك به شقته التي تزوج بها كارمن منذ أربعة أعوام.
صعدت معه كارمن وهي خائفة منه وتتساءل بداخلها ماذا سيفعل بها بعد أن يغلق عليهما باب الشقة بمفردهما.
تقدم رشيد إلى داخل الشقة وهو يحمل حقيبتها ويتذكر عندما أتى بها منذ أربعة أعوام بعد زواجهما وكان يحمل حقيبتها بنفس الطريقة.
دلفت كارمن إلى الشقة وهي تنظر حولها بخوف وتوتر. أضاء رشيد الأنوار وأغلق باب الشقة عليهما بالداخل باستخدام المفتاح.
نظرت إليه كارمن بصدمة وارتجف جسدها بخوف قائلة بفزع:
– إنت بتقفل الباب بالمفتاح ليه يا رشيد؟!
ابتعدت عنه خطوات إلى الخلف وهي تنظر إليه بهلع وتضيف:
– إنت هتموتني بجد ولا إيه؟
استغرب كثيرًا من حديثها وخوفها الشديد منه وحاول الاقتراب منها قائلاً:
– إنتي شايفة إن اللي عملتيه فيا يستاهل إني أموتك؟
بكت بخوف وأجابت عليه وهي تبتعد عنه وجسدها يرتجف بقوة:
– كان غصب عني والله يا رشيد.. أنا آسفة.
جن جنونه وهو يهتف بها صارخًا:
– إنتي بتجننيني بكلمة آسفة دي! نفسي تنطقي وتقولي إنتي آسفة على إيه؟ إنتي ليه عملتي فيا كده؟!
بكت بخوف عندما اقتربت من الحائط ولا يمكنها الرجوع إلى الخلف والابتعاد عنه أكثر. اقترب منها وهو يضيف:
– اتكلمي يا كارمن.. إنتي كنتي فين طول الأربع سنين اللي فاتوا؟ إيه اللي حصل معاكي؟ قولي أي حاجة وأنا هسمعك للآخر.. عرفيني إنتي ليه عملتي فيا كده؟ في حد خوفك؟ حد هددك بحاجة وإنتي خايفة تقوليلي؟!
هزت رأسها بخوف وهي تبكي وأجابت بهلع:
– أنا معملتش حاجة.. صدقني والله أنا مليش دعوة بكل اللي حصل.
اقترب منها أكثر وأمسك بذراعيها بقوة قائلاً:
– طب مين اللي عمل فيا كده وإنتي ليه اختفيتي وروحتِ فين؟ وليه روحتِ تزوري سعد بشار؟ إنتي تعرفيه منين؟ هو اللي خوفك وهددك تعملي فيا كده؟
كانت تبكي بخوف وهلع وهو يمسك بذراعيها ويضغط عليها بقوة ويريد معرفة الحقيقة. لم تتحمل ضغطه عليها وسقطت بين يديه فاقدة الوعي من شدة الخوف والتوتر.
خفق قلبه من شدة الخوف عليها وحملها سريعا إلى غرفة النوم ووضعها فوق الفراش وهو يربت على وجنتيها بقلق وينطق اسمها بلهفة وهي لا تستجيب له.
أخذ هاتفه سريعا وتحدث إلى طبيب العائلة وطلب منه سرعة الحضور إلى شقته. ثم أغلق الهاتف وجلس بجوارها وهي فاقدة الوعي ثم عانقها بقوة وهمس إليها بندم على ما فعله من ضغطه عليها:
– أنا آسف.
***
بعد ساعة كان الطبيب بداخل الغرفة يقوم بالكشف على كارمن ورشيد يقف بجواره وينظر إليها بحزن.
أعطاها الطبيب حقنة وانتظر بعض الوقت حتى تستعيد وعيها.
سأله الطبيب ماذا حدث معها حتى تفقد الوعي؟ تأملها رشيد بحزن وأجاب عليه:
– كان فيه مشكلة بينا واتعصبت عليها شوية وفجأة لقيتها وقعت بين إيديا.
تحدث الطبيب وهو يحاول مساعدتها على استعادة الوعي:
– هي دايمًا بيغمى عليها كده ولا دي أول مرة؟
أجاب رشيد:
– لا مش أول مرة.. هي دايمًا بتفقد القدرة على الحركة كل ما بتتعرض لأي خوف أو توتر وللسبب ده أنا كنت ناوي أعرضها على دكتور نفسي بكرة إن شاء الله.
أومأ الطبيب برأسه بتفهم وتابع تحرك رموش عيناها وهي تستعيد الوعي ببطء. تابعها رشيد بلهفة. تحدث إليها الطبيب بهدوء لكي يجذب انتباهه إليه وتعود إلى الوعي:
– مدام كارمن.. سامعاني؟
فتحت عيناها ببطء وهي تستجيب إليه وتعود إلى الوعي. اقترب منها رشيد وتحدث إليها بلهفة:
– كارمن.. حبيبتي إنتي كويسة؟
نظرت إليه ثم نظرت إلى الطبيب وهمست بصوت منخفض:
– أنا فين؟
تحدث إليها الطبيب:
– مدام كارمن قوليلي إنتي حاسة بإيه دلوقتي؟
نظرت إليه وأجابت بصوت منخفض:
– مش حاسة بأي حاجة.
حدق بها الطبيب بدهشة قائلاً:
– يعني إيه مش حاسة بأي حاجة؟
تابع رشيد الحديث بينهما بقلق وخوف عليها. أجاب على الطبيب بتعب:
– مش حاسة بأي حاجة.. مش حاسة بجسمي كله.
حدق بها الطبيب بصدمة وتحدث:
– طب ممكن ترفعي إيدك كده!
أغمضت عيناها وفتحتها وهي تجيب عليه بتعب:
– مش قادرة.. حاسة إن إيدي تقيلة أوي وكل جسمي مش حاسة بيه.
نظر إليها رشيد بصدمة ثم تبادلت النظرات بينه وبين الطبيب بدهشة.
أخذه الطبيب وخرج من الغرفة ليتحدث معه بعيدًا عنها:
– لازم دكتور متخصص يشوفها ضروري.. أنا هرشحلك دكتور كويس جدًا وقدر يعالج حالات كتير مشابها.. بس أهم شيء بلاش تضغط عليها أو تزعلها في أي حاجة لحد ما الدكتور يشوفها.
تحدث رشيد بقلق:
– أنا ممكن أسفرها تتعالج خارج مصر لو هيكون هناك أفضل لها؟
أجاب الطبيب:
– الدكتور اللي هيتابع معاها هو اللي هيقول إيه الأفضل لها متقلقش.
أومأ رشيد برأسه بالإيجاب وشكر الطبيب.
ذهب الطبيب ووقف رشيد ينظر أمامه بحزن. تنهد بتعب وهو ينظر إلى غرفة النوم. قلبه يخفق بقوة من شدة الخوف عليها.. تذكر ما قالته قبل أن تفقد الوعي، من المؤكد أن هناك شيء يخيفها كثيرًا ولا يمكنها إخبارُه به!
كانت نائمة فوق الفراش تفكر بخوف بعد ذهاب الطبيب، تتمنى الموت لكي ترتاح من كل هذا العذاب الذي تعيش به. دموعها تنسال على وجنتيها بصمت.
دلف الغرفة وهو ينظر إليها، اقترب منها وجلس بجوارها فوق الفراش. ابتعدت بوجهها بعيدًا عنه حتى لا يرى دموعها.
رفع يديه إلى وجهها وجفف دموعها بيديه وتحدث إليها بحنان:
– أنا آسف.. المفروض مكنتش أضغط عليكي كده.
بكت أكثر وهي تستمع إلى كلماته الحنونة. اقترب منها أكثر وقبل أعلى رأسها بحب قائلاً:
– بحبك.
ثم استند برأسه فوق مقدمة رأسها وأضاف:
– عايزك تعرفي إني مصدقتش لحظة واحدة إنك ممكن تخونيني وتكوني السبب في كل اللي حصلي.
رواية كارمن الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ملك ابراهيم
– عايزك تعرفي اني مصدقتش لحظة واحدة انك ممكن تخونيني وتكوني السبب في كل اللي حصلي.
بكت وهي تخفي بداخلها سر كبير جعلها تعيش حياة من الخوف والهلع، لا يمكنها اخباره بشئ، تخاف ان يعاقبها على ما فعلته ويضعها خلف القضبان الحديدي لتنتظر الحكم عليها بالموت او قضاء عمرها بالسجن حتى تموت.
ابتعد عنها وقبل أعلى رأسها مرة أخرى وهمس اليها بحنان:
– حاولي تنامي شويه وارتاحي.
أومأت برأسها وهي مازالت تبكي، جفف دموعها بيديه ووضع الغطاء فوقها باحكام، اغمضت عيناها تدعي النوم امامه، نظر اليها بحزن ثم خرج من الغرفة ليتركها تنام براحة.
فتحت عينها عقب خروجه من الغرفه وبكت بصوت مكتوم، تخشى ان يعلم الحقيقه ذات يوم، تعلم جيدا ان رشيد سيبحث عن الحقيقه ولن يهدأ حتى يعرف ماذا حدث.
اغمضت عيناها مرة أخرى وهي تعود الي الماضي بذاكرتها وتذكرت ما حدث معها بعد ثلاثة شهور من زواجها من رشيد…
لم ترى والدتها منذ زواجها من رشيد، حاولت الكثير من المرات الاتصال بها والاطمئنان عليها لكن والدتها رفضت الحديث معها وحرمت عليها رؤيتها بعد ان تزوجت رغماً عنها.
ذالك اليوم كانت هي بالجامعه ورشيد بعمله، رن هاتفها برقم والدتها، فرحت كثيرا ان والدتها تتصل بها واعتقدت انها اشتاقت اليها كما اشتاقت كارمن اليها وردت عليها سريعا بسعاده لكنها سرعان ما بهتت ملامحها بقلق عندما استمعت الي صوت رجل يتحدث اليها ويخبرها ان والدتها مريضه بالمنزل وتريد رؤيتها على الفور.
لم تفكر لحظة واحدة من هذا الرجل الذي تحدث اليها من هاتف والدتها، فقط ركضت من الجامعه وصعدت بداخل اول سيارة اجرة في طريقها وذهبت الي منزل والدتها في أسرع وقت. توقف عقلها تماما عن التفكير فقط تريد الاطمئنان علي والدتها.
ركضت الي منزل والدتها وطرقت على الباب بقوة.
فتح لها الباب رجل بملامح مخيفه مثل المجرمين وقطاع الطرق! نظرت اليه بخوف وتحدثت بتلعثم:
– حضرتك مين؟! هي ماما فين؟
تأملها من الأعلى الي الاسفل بنظرات وقحة متفحصً جسدها واجاب عليها:
– جوه تعبانه اوي وعايزة تشوفك بسرعه.
لم تفكر لحظه واحدة وركضت الي غرفة والدتها. حدقت بالفراش بصدمة عندما رأته فارغًا، التفت لكي تسأله عن والدتها لكنها تفاجأت به يقف خلفها مباشرة وينظر اليها بنظرات وقحة.
تراجعت الي الخلف قليلاً مبتعدة عنه وسألته بخوف وجسدها يرتجف بشدة:
– ماما فين؟!
اجاب عليها ساخرًا:
– وانتي عايزة ماما ليه.. اللي هي هيحصل بينا دلوقتي مينفعش ماما تشوفه!
حدقت به بصدمة وتراجعت اكثر الي الخلف وهي تتحدث بخوف:
– يحصل ايه..
ثم ارتفع صوتها وهي تصرخ بهلع:
– مامااا
لم يجيب عليها احد! وهو ينظر اليها ويتأمل جسدها بوقاحة ويقترب منها بخطوات بطيئة قائلا:
– متتعبيش نفسك يا جميل.. امك مش هنا.
بلعت ريقها بخوف واشارة اليه بتحذير:
– طب لو سمحت ابعد عن طريقي عشان امشي من هنا.
تحدث ساخرًا وهو ينظر بطرف عينيه الي الكاميرا الصغيرة المثبته بالحائط:
– ما انتي هتمشي من هنا.. بس لما اخد اللي انا عايزه الاول.
ازداد رعبها اكثر وهو يقترب منها، صرخت بخوف وحاولت الركض خارج غرفة والدتها، امسك بها بقوة ومنعها من الخروج من الغرفة وحملها بقوة الي الفراش، كانت تصرخ بكل صوتها ولا احد يجيب علي صراخها، حاولت الدفاع عن شرفها بكل قوتها، كانت تركله بقدميها وذراعيها وتصرخ وتبكي لكنه كان الاقوى منها.
لم تستسلم له وقامت بركله بقوة ودفعه بعيدا عنها وركضت مسرعه خارج الغرفة، لحق بها مسرعا وامسك بها مرة أخرى وهي تصرخ ولا تجد احد يأتي لأنقاذها، دفعته بعيدا عنها مرة اخري ولم تشعر بشئ الا وهي تأخذ احد التحف من فوق الطاولة وقامت بضربه بقوة فوق رأسه، شعر بدوار خفيف اثر الضربه لكنها لم تستسلم وكررت الضربة اكثر من مرة بطريقه سريعه فوق رأسه حتى سقط امام عينها علي الارض ودماءه تسيل من رأسه.
القت ما بيدها ارضًا بجواره وهي تنظر اليه بصدمة، الدماء جعلتها في حالة من الذهول.
جلست علي الارض امامه تنظر الي جسده الهامد امامها. تجمدت قدميها من الصدمة ولم تستطيع التحرك من مكانها.
لم تعلم كم من الوقت وهي علي هذه الحالة حتى عادت والدتها الي المنزل ومعها زوجها الجديد.
شهقت سهير بصدمة بعد رؤيتها لـ ابنتها تجلس بمنتصف الشقه صامته وامامها جسد رجل ينزف الدماء.
ركضت اليها سهير بصدمة تتحدث اليها بهلع:
– كارمن!! ايه اللي حصل ؟ مين الراجل ده؟!
ركض زوج سهير الي جسد الرجل وتفحصه ثم تحدث الي سهير بصدمة:
– نهار اسود بنتك قتلته!
التفتت سهير تنظر اليه بصدمة وصرخت به:
– ده مين اصلا وازاي دخل هنا!! ؟
ثم نظرت الي ابنتها مرة أخرى وتحدثت اليها بصراخ:
– مين ده يا كارمن؟ انتوا ازاي دخلتوا هنا وايه اللي حصل؟!
نظرت كارمن الي والدتها وتحدثت ببكاء:
– انا قتلته؟
حدقت بها سهير بصدمة قائلة:
– هو مين ده؟
بكت كارمن ولم تستطيع الحديث.
وقف زوج سهير وتحدث اليها:
– الراجل مات يا سهير.. هنعمل ايه؟!
نظرت اليه سهير بصدمة ثم نظرت الي ابنتها وتحدثت بتوتر:
– مش عارفه.. انا اصلا مش فاهمة ايه اللي حصل وازاي ده دخل هنا؟ ..
ثم نظرت الي ابنتها وتحدثت اليها مرة أخرى:
– كارمن.. قوليلي ايه اللي حصل؟ مين الراجل ده وليه قتلتيه؟!
كانت كارمن تبكي وتعانق جسدها بخوف وهي تنظر الي جثمان الرجل، اجابة علي والدتها بتلعثم:
– مش عارفه ده مين.. هو كلمني من تليفونك وقالي انك تعبانه.
حدقت بها سهير بصدمة، توتر زوج سهير وتحدث اليها:
– مش وقته الكلام ده يا سهير.. احنا لازم نلاقي حل بسرعه.
نظرت اليه سهير وتحدثت بقلق:
– مفيش حل غير اننا نبلغ الشرطة!
تحدث زوجها بقلق:
– لا شرطة ايه!.. لو بلغنا الشرطة كلنا هنروح في داهية ومش بعيد بنتك تتعدم فيها وانتي كمان تاخدي مؤبد عشان الجريمة دي حصلت في بيتك.
شهقت سهير بصدمة وتحدثت بقلق:
– والحل ايه دلوقتي؟!
نظر زوجها الي جسد الرجل وتحدث:
– لازم ننقل الجثة دي بعيد عن هنا وبكده محدش هيعرف مين القاتل.
نظرت اليه سهير بدهشة قائلة:
– هننقله من هنا ازاي مش فاهمه..
ثم تعصبت واضافة:
– انا دماغي خلاص وقفت عن التفكير مش قادرة افكر.
تحدث اليها زوجها:
– حاولي تهدي انتي خالص وخدي بنتك جوه وخليها تهدا كده وتغسل ايديها ووشها وانا هتصرف.
حدقت به سهير بستغراب ثم أومأت برأسها واقتربت من كارمن وتحدثت اليها:
– كارمن تعالي معايا ندخل جوه احنا.
نظرت اليها كارمن وهي تبكي واردفت:
– مش حاسه برجلي يا ماما.
زفرت سهير بعصبيه قائلة:
– وده وقته تجيلك الحالة الزفت دي!
اقترب زوج سهير منها قائلا:
– انا ممكن اشيلها ادخلها جوه لو مش قادرة تقف على رجليها.
رمقته سهير بغضب قائلة:
– لا خليك انت شيل المصيبة التانيه ده وخلصنا منه.
ثم تحدثت الي كارمن:
– حاولي تقومي معايا يا كارمن وانا هسندك لحد جوه.
مدت يديها لـ ابنتها واستندت كارمن عليها ورفعتها سهير بكل قوتها عن الأرض واخذتها الي داخل غرفة كارمن القديمة.
ساعدتها حتى الفراش، جلست كارمن فوق الفراش وهي تبكي وتتحدث الي والدتها:
– يعني هو مات بجد يا ماما؟
نظرت اليها والدتها وتحدثت بغضب:
– انا مش فاهمه انتي ايه اللي جابك هنا! ودخلتي هنا ازاي انتي والمصيبه ده؟!
اجابة كارمن وهي تبكي بخوف:
– هو كلمني من تليفونك وقالي انك تعبانه وانا جيت بسرعه عشان اطمن عليكي وهو كان موجود هنا لوحده وحاول…..
حدقت بها والدتها بصدمة:
– حاول ايه؟!
اجابة كارمن بخوف وبكاء:
– حاول يغتصبني يا ماما وانا كنت بدافع عن نفسي والله مكنش قصدي اقتله.
حدقت بها والدتها بذهول ثم ابتلعت ريقها بصعوبه وهي تفكر في حديث ابنتها! تعلم جيدا ان كارمن لا تكذب ودائماً تقول الحقيقه، وضعت يديها فوق رأسها بعد ان توقف عقلها عن التفكير، لا تفهم شئ من ما حدث! تتذكر انها لم تجد هاتفها منذ الصباح واصرار زوجها على خروجهما من المنزل في هذا الوقت زرع الشك بقلبها.
نظرت اليها كارمن وهي تبكي قائلة:
– هما هيموتوني يا ماما عشان قتلته؟ انا مكنش قصدي والله.. انا كنت بدافع عن نفسي.
نظرت اليها سهير بصمت وهي تفكر ماذا تفعل الان وكيف تواجه زوجها بشكوكها به انه هو من رتب لكل ذالك!
نظرت كارمن امامها وتحدثت بخوف:
– اكلم رشيد واقوله اللي حصل؟
صرخت بها والدتها:
– رشيد مين اللي تكلميه انتي اتجننتي! انتي ناسيه ان رشيد ظابط، يعني هو اول واحد هياخدك من ايدك لحبل المشنقه!
بكت كارمن اكثر بخوف، زفرت سهير بغضب وتحدثت اليها بعصبيه:
– كفايه عياط بقى وترتيني وتعبتي اعصابي ارحميني.
وقفت سهير من مكانها واضافة بغضب:
– حاولي تقومي تغيري لبسك ده.. لسه ليكي هدوم هنا في الدولاب بتاعك.. خدي اي حاجة البسيها واغسلي وشك وايدك وانا هخرج اشوف المصيبه اللي برا.
خرجت سهير من الغرفة واغلقت الباب على ابنتها، ارتمت كارمن فوق الفراش وهي تبكي بخوف.
اقتربت سهير من زوجها وهو يقوم بتنظيف الدماء من فوق الارض، وقفت امامه وهي تنظر الي جسد الرجل علي الارض وتحدثت:
– هنعمل ايه دلوقتي؟
اجاب عليها وهو ينتهي من تنظيف الدماء:
– انا كلمت رجاله اصحابي هيجوا يشيلوه ويرموه في اي مكان مهجور بعيد عن هنا.
حدقت به بصدمة قائلة:
– وأصحابك هيشيلوه ازاي.. وبعدين هما مش ممكن يبلغوا عننا؟!
نظر اليها بثقة قائلا:
– دول اصحاب عمري وانا واثق فيهم متقلقيش.
وقفت تنظر اليه بدهشة، تسلل الي داخلها الشعور بالخوف، يبدو انها تزوجت من زعيم عصابه. لم يمر علي زواجهما سوى اسبوع واحد وكل يوم تكتشف انها اخطأت في الاختيار هذه المرة!
دقائق قليلة ورن جرس الباب، انتفض جسد كارمن بداخل غرفتها، جلست سهير مكانها تتابع ما يحدث، ذهب زوج سهير وفتح الباب لاصدقائه. كانوا يرتدون الزي الرسمي لرجال الاسعاف وجاؤ بسيارة الاسعاف حتى لا يشك بهم احد، حدقت بهم سهير بدهشة! كيف استطاع زوجها ان يرتب لكل هذا ويأتي اصدقائه في زي رجال الاسعاف وهم علي كامل الاستعدادات بهذه السرعة! شعرت انها وسط مجموعه من المجرمين.
استقبل زوجها اصدقائه وتحدث إليهم:
– بسرعه يا رجاله عايزكم تاخدوه من هنا وميظهرلوش اثر.
اقترب اصدقائه من الجثمان وحملوه واخذوه بطريقه تبدو لمن يراهم انهم يأخذون مريض الي المشفى.
جلست سهير بصدمة تتابع ما حدث أمامها، اغلق زوجها الباب خلف اصدقائه بعد ذهابهم وعاد اليها وكأن شئ لم يحدث! حدقت به صدمة قائلة:
– هو ايه اللي حصل ده؟ ازاي قدرت تتقف معاهم بالسرعه دي انهم يجيو بسيارة اسعاف ولبسهم وكل حاجة بتآكد انهم مسعفين؟!
اجاب عليها زوجها:
– انا حاولت احل مشكله بسرعه عشان انتي وبنتك متتأذوش.
وقفت من مكانها واقتربت منه وتحدثت اليه بمكر:
– انا سألت بنتي ايه اللي حصل وقالتلي ان الراجل ده كلمها من تليفوني وقالها اني تعبانه وعايزه اشوفها ضروري وعشان كده كارمن جت بسرعه ولقته هنا في البيت وهو اللي فتحلها وكمان حاول يعتدي عليها!
بلع زوجها ريقه بتوتر وهو يستمع الي حديثها، حدقت به سهير اكثر واضافة:
– تفتكر مين اللي سمحله يدخل بيتي وكمان كان عنده الجرءه انه يعمل كده في بنتي!
نظر اليها زوجها وتحدث بتوتر:
– قصدك ايه يا سهير؟!
اجابة بقوة:
– قصدي ان اللي حصل ده انت لك يد فيه.. انت اللي اصريت اننا نخرج من البيت في الوقت ده ولما اكتشفت اني نسيت تليفوني في البيت هنا وقولتلك ان انا عايزة ارجع اخده انت منعتني.. وكمان اللي انت عملته دلوقتي انت والعصابه اللي معاك! كل دي حاجات لازم تشككني فيك.
نظر اليها بصدمة ثم ابتسم ساخرًا:
– برافو عليكي يا سهير.. اسمع ان طول عمرك ذكيه!
حدقت به بصدمة وتحدثت اليه بعصبيه:
– يعني انت فعلا اللي رتبت لكل ده؟!.. طب ليه؟ ايه اللي كنت هتستفاده لو الحيوان اللي انت بعته ده قدر يعتدي على بنتي؟!
اجاب عليها ببرود:
– مش انا اللي كنت هستفاد يا سوسو.. انا كنت بنفذ اوامر مش اكتر.. وبسبب الغبي اللي مات ده كل الخطط بتاعنا هتتغير.
حدقت به بذهول قائلة:
– خطط ايه؟ انا مش فاهمه حاجة؟ ايه علاقة بنتي بكل اللي انت بتقوله ده؟!
اجاب عليها:
حدقت به سهير بذهول قائلة:
– يعني انت اتجوزتني عشان تصفوا حساباتكم مع جوز كارمن؟!
رواية كارمن الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ملك ابراهيم
حدقت به سهير بذهول قائلة:
– يعني انت اتجوزتني عشان تصفوا حساباتكم مع جوز كارمن؟!
ابتسم بمكر وهو يقترب منها واجاب:
– مين قال كده يا سوسو.. انا اتجوزتك عشان حبيتك..
عقدت ما بين حاجبيها وهي تتعمق بالنظر اليه.. غمز لها بطرف عينيه واضاف:
– بس حبي ليكي اكيد مش هيمنع اننا ننتقم من جوز بنتك وبرضه هيكون ليكي الحلاوة.
حدقت به بدهشة وهي تفكر في عرضه عليها الغير مباشر لكي تشاركه ما يريد فعله في زوج ابنتها، التفتت تنظر الي غرفة ابنتها وتحدثت اليه بصوت منخفض:
– يبقى خلينا نوصل كارمن بيت جوزها الأول عشان جوزها ميحسش بحاجة، ولما نرجع نبقا نكمل كلامنا ونتفق.
ابتسم زوجها وهو يتحدث بثقة:
– هنتفق انا متأكد انك ذكيه ومستحيل تضيعي فرصه زي دي.
أومأت برأسها وهي تتجه الي غرفة ابنتها لكي تراها. وقف زوجها يزفر بغيظ عقب ابتعادها عنه وهمس بصوت منخفض:
– قد ايه انتي حقيره يا سوسو!
دلفت سهير الي غرفت ابنتها واقتربت منها تتحدث اليها ببرود:
– ايه يا كارمن؟ حاسه بإيه دلوقتي؟!
كانت كارمن مازالت تبكي بخوف، همست بصوت ضعيف واجابة علي سؤال والدتها:
– انا خايفه اوي يا ماما.. الراجل مات خلاص؟
زفرت سهير بغضب وتحدثت اليها بقوة:
– ما يموت ولا يولع انتي شاغله نفسك بيه ليه؟! قومي اقفي علي رجلك وانسي كل اللي حصل هنا ومش عايزة حد يعرف اي حاجة عن اللي حصل.. وخصوصا جوزك يا كارمن اظن انتي فهماني.
تحدثت كارمن بخوف:
– يعني هو مات؟
اجابة والدتها بقسوة:
– ايوه مات يا كارمن.. كده ارتحتي؟!
شهقت كارمن وبكت بانهيار:
– يعني انا قتلت.. هيعدموني يا ماما.
جلست سهير امامها وتحدثت اليها بقوة:
– لو سمعتي كلامي مش هيعدموكي ولا حاجة يا كارمن.. مش لازم حد يعرف بلي حصل وخصوصا جوزك.
نظرت اليها كارمن وهي تبكي، اضافة والدتها بثقة:
– رشيد ظابط يا كارمن وشغله اهم حاجة في حياته ولو عرف اللي انتي عملتيه هو اول واحد هيلف حبل المشنقه حوالين رقبتك.
ارتجف جسدها وهي تستمع الي حديث والدتها، ربتت سهير علي ظهرها واضافة:
– انتي لازم تهدي وتنسي كل اللي حصل وانا هوصلك بنفسي دلوقتي بيت جوزك عشان ميحسش بتأخيرك ويشك في حاجة.
أومأت برأسها وهي تجفف دموعها وهمست وجسدها يرتجف بشدة:
– انا خايفه اوي يا ماما.. انا قتلته غصب عني والله.. كنت بدافع عن نفسي.
أومأت سهير برأسها وتحدثت بجمود:
– انسي كل اللي حصل يا كارمن.. وخلينا نوصلك بيت جوزك ولأخر مرة احذرك اوعي تغلطي قدامه او يشك فيكي.. رشيد لو عرف اللي انتي عملتيه صدقيني هو اول واحد هيحطك في السجن.
هزت كارمن رأسها بالايجاب وهي تستمع الي حديث والدتها بخوف. ساعدتها والدتها علي الوقوف وأخذت يديها وقامت بمساندتها الي خارج الغرفه ومنها إلى السيارة، جلست كارمن بداخل السيارة وهي تبكي بخوف، انطلق بهما زوج سهير الي حيث مسكن كارمن مع زوجها رشيد وساعدتها سهير على الصعود الي شقتها ثم تركتها بمفردها بعد تأكيدها عليها للمرة الاخيرة ان لا تخبر رشيد بما حدث معها وحذرتها من رشيد واستمعت كارمن لتحذير والدتها وجلست بداخل غرفة النوم تفكر بخوف ماذا سيحدث اذا علم رشيد بما فعلته وقتلها لهذا الرجل؟! كل ما حدث معها منذ ذهابها الي منزل والدتها حتى عودتها الي منزل زوجها الان كان مثل الكابوس وكأنها تشاهد احد افلام الرعب! لا تصدق ان يديها اصبحت ملطخة بدماء بشر!
لم تتحرك من الغرفة حتى المساء، كانت تعانق جسدها وتبكي ثم تصمت وتجفف دموعها وتحاول رسم الهدوء المصطنع حتى تستطيع مواجهة رشيد بعد عودته من عمله لكنها كانت تفشل في كل مرة وتعود للبكاء مرة اخري حتى عاد رشيد من عمله واتجه الي غرفة النوم يبحث عنها لكنها سرعان ما جففت دموعها وادعت النوم امامه.
اقترب منها رشيد وجلس بجوارها فوق الفراش يداعبها ويتحدث اليها بمرح لكي تستيقظ لكنها اخبرته بصوت ضعيف انها مريضه وتحتاج للراحة وعندما طلب ان يأخذها للطبيب رفضت بشدة واخبرته انها تريد النوم فقط في هدوء، لم يستغرب رشيد من شئ واعتقد انها مريضه حقا.
تبدلت كارمن كليا بعد هذا اليوم، لم تعد كارمن الفتاة التي تزوجها منذ ثلاثة اشهر! دائما صامته، شارده، دموعها تتساقط في بعض الاحيان دون ان تشعر بها، كلما اقترب منها كان جسدها ينتفض بين يديه وتحدق به بذعر وتبتعد عنه سريعا، حاول الكثير من المرات معرفة سبب حزنها وخوفها لكنها كانت تتحدث معه بعدوانيه كلما سألها ماذا بها…
عادت من ذكرياتها المؤلمة وهي تجفف دموعها وتعانق جسدها، حاولت الهروب من تلك الذكريات بالنوم واغمضت عيناها، لم تتحمل كل هذا الضغط العصبي والنفسي الذي تمر به.
بخارج الغرفة كان يجلس رشيد فوق الاريكه يفكر في حالة كارمن ويشعر ان هناك شئ تخفيه كارمن عنه وتخاف ان تخبره به، شعر ببتعادها عنه رغم وجودها معه في نفس المنزل، هناك شئ يقف بينهما وكأنه حاجز يريد تفريقهما، تنهد بتعب وهو يتمدد فوق الاريكه ويفكر من اين يبدأ لكي يعلم الحقيقه.
*****
صباح اليوم التالي.
استيقظ رشيد علي صوت جرس الباب، كان نائما فوق الاريكه منذ ليلة امس. اعتدل فوق الاريكه وهو يحاول فتح عينيه بتعب، وقف واتجه الي الباب وفتحه.
ابتسمت مايا وهي تحمل بيديها كوبان من القهوة الساخنه وتضعهما امامه وتتحدث بمرح:
– صباح الخير.. انا قولت اجي اشرب قهوتي معاك النهارده.. موافق ولا هتحرجني؟
نظر اليها بستغراب وتحدث بهدوء:
– اتفضلي.
تقدمت الي الداخل وهي تحمل كوبان القهوة وتنظر حولها باهتمام حتى رأت الغطاء فوق الاريكه وعلمت انه كان نائما هنا، ابتسمت بثقة ثم التفتت اليه وتحدثت بنبرة مرحة:
– ايه رأيك نشرب القهوة هنا ولا في البلكونه احسن؟
فرك بيديه فوق شعره بنعاس ثم اجاب عليها بهدوء:
– انا محتاج افوق بس لاني نايم في وقت متأخر.. هروح اغسل وشي واغير وارجعلك.
اومأت برأسها وهي تبتسم بسعادة، تركها وذهب الي غرفة النوم لكي يبدل ثيابه ويعود اليها. وقفت مايا تنظر الي الاريكه والغطاء فوقها وهي تبتسم بثقة بعد ان تأكدت من نومه هنا انه يعيش وحيد بالشقه ولم تشاركه زوجته الشقه كما اخبرها سابقاً، تحركت من مكانها سريعا واتجهت الي المطبخ لتعد له وجبة افطار خفيفه بجانب القهوة.
بداخل غرفة النوم.
استيقظت كارمن منذ استماعها الي صوت جرس الباب ثم استماعها الي صوت فتاة تتحدث اليه في الخارج ثم دخوله الغرفة.
اعتدلت فوق الفراش مع دخوله الغرفة وإغلاقه الباب من الداخل حتى يبدل ثيابه، نظرت اليه بدهشة قائلة:
– هو في ايه؟!
نظر اليه وهو يتجه الي خزانة الثياب واجاب عليها بهدوء:
– مفيش حاجة.
حدقت به واردفت بستغراب:
– انا سمعت صوت بنت بتتكلم معاك برا دلوقتي.. مين دي؟
اجاب دون اهتمام وهو يأخذ الثياب من الخزانة:
– دي صديقه ليا من زمان وجايه تشرب القهوة معايا.
اعتدلت فوق الفراش اكثر بصدمة قائلة بنبرة حادة:
– نعم.. يعني ايه صديقه لك وجايه تشرب معاك القهوة هنا؟ ومن امتى انت عندك أصدقاء بنات وبيجولك الشقه هنا؟!
توقف للحظات ينظر اليها واستغرب صدمتها ونبرة صوتها الحادة وغيرتها الواضحة، لم يتوقع انها سوف تغار من مايا، فهو لم يرحب بوجود مايا وبما فعلته الان ومجيئها الي بيته بمفردها ولكنه لم يريد احراجها.
غضبت اكثر عندما حدق بها بصمت ولم يجيب عليها، صدح صوت مايا خارج الغرفة تتحدث اليه:
– رشيد انا جهزتلك فطار مع القهوة.. يلا متتأخرش عليا القهوة هتبرد.
نظر رشيد الي باب الغرفة بصدمة وهو يستمع الي حديث مايا، حدقت به كارمن بصدمة وتحدثت بذهول:
– فطار وقهوة!.. دا انا عمري ما عملتلك فطار وقهوة! وتقولي أصدقاء!!
نظر اليها رشيد وتحدث ساخرًا:
– للأسف الاصدقاء هما اللي بيعملوا فطار وقهوة دلوقتي.
لمعت عيناها بالدموع وتحدثت بحزن:
– مين دي بجد يا رشيد؟
اجاب عليها ببرود وهو يأخذ ثيابه ويتجه الي المرحاض:
– قولتلك صديقة.
دلف الي المرحاض ونظرت كارمن امامها بحزن ثم نظرت الي قدميها بعد ان شعرت باستعادت الشعور بهما من جديد، حاولت الوقوف علي قدميها لكي تذهب وترى من هذه الفتاة التي جاءت الي منزل زوجها وتعد له الفطار والقهوة، تعلم جيدا ان ما تفعله لم يكن بدافع الصداقه كما يخبرها رشيد انها مجرد صديقه.
اقتربت من باب الغرفة وفتحته بهدوء فتحه صغيره لكي تراها ولكنها عجزت عن رؤيتها.
خرج رشيد من المرحاض بعد ان بدل ثيابه وتفاجئ بوقوف كارمن امام الباب تحاول رؤية من في الخارج، ابتسم بسعادة عندما رأها تقف على قدميها. اقترب منها ووقف خلفها وهي تقف امام الباب، اغلق الباب بيديه من خلفها، شهقت كارمن بخوف لانها لم تشعر بخروجه من المرحاض بسبب تركيزها علي رؤية الفتاة بالخارج.
التفتت تنظر اليه بعيناها اللامعه وتحدثت اليه بتلعثم:
– مين البنت دي يا رشيد؟ انت بتحبها؟
استغرب سؤالها وتحدث بدهشة:
– بحبها!!
نظرت اليه كارمن بخوف، زفر رشيد بغضب ثم امسكها من معصمها وفتح باب الغرفة وخرج بها. شهقت كارمن وتفاجأت عندما اخذها من يديها وخرج بها وتوقف امام الفتاة التي كانت تضع بيديها الزهور على طاولة الطعام وكأنه منزلها.
اتصدمت مايا عندما رأت رشيد ومعه فتاة بجواره يمسك بيديها. احاط بيديه خصر زوجته وتحدث الي مايا بهدوء:
– معلش يا مايا اتأخرت عليكي اصل مراتي كانت لسه نايمه وكان لازم اصحيها عشان حابه تتعرف عليكي.
جف حلق مايا من الصدمة وشعرت كارمن انها علي وشك الاغماء من شدة التوتر والاحراج. حدقت مايا في زوجته وتذكرتها علي الفور، هي نفس الفتاة التي تقابل معها رشيد بالحفل وجرحت يديها، تتذكرها مايا جيدا، استرسل لها عقلها سريعا؛ كيف ومتى تزوج هذه الفتاة!
بللت لعابها وهي تحدق بزوجته ثم مدت يديها اليها وتحدثت بتلعثم:
– اهلا بيكي..
نظرت كارمن الي يديها بعض اللحظات قبل ان تبادلها السلام، ثم رفعت يديها بهدوء وبادلتها السلام، ضغطت مايا على يديها واضافة بمكر:
– بس انا متهيألي اننا اتقابلنا قبل كده بس مش فاكرة فين!
سحبت كارمن يديها من يد مايا سريعا، ضغط رشيد على خصر كارمن وقربها اليه اكثر واجاب علي مايا بهدوء:
– اكيد شوفتيها معايا يا مايا.
نظرت مايا بغيره الي يديه التي تحيط بخصر زوجته ثم نظرت الي الاريكه التي كان ينام عليها بعيدا عن غرفة نومه وأمأت برأسها قائلة:
– اكيد..
تحدث رشيد بهدوء:
– خلونا نفطر مع بعض.
تحدثت مايا بتوتر:
– لا اعذروني انا اتأخرت ولازم امشي حالا.. عن اذنكم.
تحركت سريعا واخذت حقيبتها واتجهت الي باب الشقه وخرجت منه مسرعه. ترك رشيد خصر كارمن عقب خروج مايا وابتعد عنها قليلاً.
حدقت كارمن في الفراغ للحظات عقب ذهاب مايا وتتذكر عندما تقابلت معها في الحفل وكانت هذه الفتاة بصحبة رشيد، اعتقدت ان هناك علاقة قويه تجمعهما، شعرت بالغيرة الشديدة وتحدثت اليه بنبرة حادة:
– واضح ان وجودي قطع عليكم الفطار الرومانسي ده.. ياترى بقا هي متعوده تيجي تفطر معاك كده على طول من امتى؟
رمقها بنظرات غامضة ثم تحدثت اليها بغضب:
– واضح انك نسيتي ان انا اصلا مش بحب افطر.
حدقت به بصدمة، رمقها بغضب وابتعد عنها وهو يضيف:
– ادخلي اجهزي عشان هنروح للدكتور.
تركها واتجه الي الشرفة وهي تقف مكانها تحدق بالفراغ بصدمة، تذكرت انه حقا لا يتناول وجبة الافطار وقد اخبارها بذالك عندما تزوجا، اغمضت عيناها بحزن وتنهدت بتعب.
*****
بداخل شقة سهير.
جلست سهير تفكر ماذا تفعل الان بعد تهديد زوجها السابق لها، لم تفكر في حل سوى كارمن وارثها. اخذت هاتفها وتحدثت الي هاتف ابنتها ووجدته مغلقا، اخذت تفكر قليلاً ثم قررت التحدث الي الحاج عبد الرازق وسؤاله عن كارمن.
اجاب عليها الحاج عبد الرازق بعد عدة محاولات منها بالاتصال به، تحدثت اليه بتوتر عقب استماعها الي صوته الحاد:
– السلام عليكم.. ازيك يا حاج اخباركم ايه.. انا سهير مامت كارمن.
استمعت الي صوته الحاد وهو يجيب:
– عليكم السلام.. خير يا ست سهير؟
بللت لعابها وتحدثت بتوتر:
– كنت عايزة اطمن علي كارمن تليفونها مقفول.. ممكن تخليها تكلمني لو سمحت.
اجاب عليها بصرامة:
– بنتك بخير وفي حماية جوزها وميتخفش عليها.. ابعدي عنها وسبيها في حالها.
توترت سهير قائلة:
– جوزها مين؟
اجاب بنفاذ صبر:
– جوزها اللي انتي قولتي انه طلقها!
شهقت سهير وتحدثت بقلق:
– يعني كارمن دلوقتي مع رشيد؟
اجاب عليها بصرامة:
– قولتلك ملكيش صالح بيها وسبيها مع جوزها وابعدي عنهم.
توترت سهير من صوته الحاد القوي وتحذيره لها واغلقت المكالمة. نظرت الي الهاتف وشردت قليلا وهي تهمس بنبرة حائرة:
– اعمل ايه دلوقتي وازاي هوصل لـ كارمن.. اكيد رشيد خدها شقتهم اللي اتجوزوا فيها.
*****
اخذ رشيد كارمن الي عيادة الطبيب الذي رشحه له طبيب العائلة لمتابعة حالتها ومعرفة سبب هذا الشلل المؤقت الذي يحدث لها كلما تعرضت للخوف او ضغط عصبي!
جلست كارمن امام الطبيب وجلس رشيد مقابلا لهما يتابع حديث الطبيب معها.رحب الطبيب بها وبدء الحديث معها وسؤالها بعض من الاسئلة ومدونة اجابتها امامه.
الاسم والسن والحالة الاجتماعية والمؤهل الدراسي وكل شئ خاص اراد الطبيب معرفته عنها حتى يعلم عنها كل شئ قبل بدء المتابعه معه.
تفاجئ رشيد من ردودها علي الطبيب عندما اخبرت الطبيب بالمؤهل الدراسي واكتشف رشيد انها اتمت دراستها بالخارج.
اصبح على علم الان اين اختفت كارمن تلك السنوات، كانت تدرس بإحدى الدول الأجنبية برفقة والدتها.
تابعها رشيد باهتمام عندما سألها الطبيب:
– متجوزة بقالك قد ايه؟
اجابة بتوتر وهي تنظر الي رشيد:
– حوالي اربع سنين او اكتر شويه.
دون الطبيب اجابتها وسألها مرة أخرى:
– في اطفال؟
شحب وجهها بخوف وتوترت بشدة ثم نظرت الي رشيد بخوف واجابة بتلعثم:
– لا مفيش.
سألها الطبيب مجددا:
– واخدين قرار بتأخير الحمل؟ ولا في مشكله صحية تمنع حدوث الحمل؟
شحب وجهها بشدة اكبر وهي تنظر الي رشيد بخوف وتوتر. حدق بها رشيد بستغراب. بللت لعابها واجابة بخوف وتلعثم:
– حصل حمل مرة في اول جوازنا.
انتفض رشيد من مكانه يحدق بها بصدمة وهتف بذهول:
– انتي بتقولي ايه؟ حصل حمل امتى؟!
تكومت بجسدها بخوف وهي تنظر اليه بهلع، وقف الطبيب مسرعا امام رشيد وتحدث اليه بهدوء:
– لو سمحت ممكن تهدا.
نظر اليه رشيد بصدمة وتحدث بجنون:
– حضرتك سمعت هي قالت ايه دلوقتي!! انا اول مرة اعرف دلوقتي ان مراتي كانت حامل ومش عارف حتى ايه اللي حصل في الحمل ده!
ثم نظر اليها وتحدث بغضب:
– الحمل ده حصل امتى؟
اجابة عليه بخوف:
– اول لما اتجوزنا.
حدق بها بصدمة وتحدث بلهفة:
– وانا ازاي معرفش؟ وحصل ايه في الحمل؟
بكت بخوف واجابة وهي تخفض وجهها ارضً:
– حصل اجهاض في الشهور الأولى.
تجمد جسده وهو يتأملها بصدمة ثم حاول الاقتراب منها لكن الطبيب منعه وطلب منه مغادرة الغرفة لكي يستطيع متابعة الحديث معها. اصر الطبيب على خروجه من الغرفة لكي يتابع الحديث مع كارمن، بكت كارمن بخوف وهي تتكوم وتعانق جسدها بخوف، استغرب رشيد من خوفها منه المبالغ ولم يفهم سبب خوفها الشديد منه! استمع اخيرا الي حديث الطبيب وخرج من الغرفة وهو على وشك الجنون.
عاد اليها الطبيب مرة أخرى وتحدث اليها بهدوء:
اعطاها كوب من الماء واضاف بهدوء:
– اتفضلي اشربي وحاولي تهدي ولازم تبقي متأكدة ان هدفي الاساسي هو اني اساعدك.
اخذت كوب الماء وارتشفت منه القليل ثم وضعت الكوب امامها بيد ترتجف من الخوف وتحدثت الي الطبيب ببكاء:
– انا مش محتاجة مساعدة، انا لو مُت كلهم هيرتاحوا..
حدق بها الطبيب بصدمة. بكت بحزن واضافة:
– انا مبقتش عايزة اعيش.. الموت هو الحل الوحيد عشان اهرب من كل مشاكلي؟
تحدث اليها الطبيب بهدوء:
– طب ممكن بهدوء تحكيلي مشكلتك يمكن اقدر اساعدك.
بكت بحزن واجابة:
– مفيش حد هيقدر يساعدني غير الموت.. اكيد لما اموت ماما هترتاح ورشيد كمان.. انا وجعت رشيد وظلمته كتير وهو ملوش ذنب، كل ذنبه انه ربط حياته بحياتي..
وضعت يديها فوق بطنها بحزن واضافة:
– حتى الطفل اللي اتخلق جوايا وكان هيبقى حته مني ومن رشيد، مقدرش يكمل معايا ومات جوايا.. انا تعبت من الحياة ومش عايزة اعيش فيها اكتر من كده.. انا تعبت واتوجعت ومش عايزة اعيش تاني.. انا عايزاهم هما يبقوا مبسوطين في حياتهم ومرتاحين وده مش هيحصل وانا عايشه.
رواية كارمن الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ملك ابراهيم
أنا عايزاهم هما يبقوا مبسوطين في حياتهم ومرتاحين وده مش هيحصل وانا عايشه.
حدق بها الطبيب بصدمة وهي تبكي وتجفف دموعها وتبكي مرة أخرى وتنظر أمامها باصرار.
وضع الطبيب من يديه القلم الذي كان يدون به حديثها وتحدث إليها بهدوء:
– مين قال إن موتك هيخليهم مبسوطين! أنا شفت قد إيه جوزك بيحبك وميقدرش يعيش من غيرك.
تحدثت بحزن:
– مسيره في يوم هيكرهني لما يعرف اللي أنا عملته.
حدق بها الطبيب باستغراب قائلاً لها بهدوء:
– اللي يحب بجد مستحيل يكره.
صمت قليلاً وهي تبكي ثم تحدث إليها بثقة:
– انتي عارفه المشكلة فين.
نظرت إليه باهتمام وهي تجفف دموعها:
– المشكلة إن انتي مش قادرة تحبي نفسك.. جواكي خوف كبير بس مش خوف عليكي.. بالعكس.. خوف على اللي بتحبيهم.. خوفك الكبير عليهم وخوفك تخسريهم هو ده اللي عمل فيكي كده.. الخوف اللي جواكي هو اللي بيأذيكي ودلوقتي بتفكري في الانتحار بسبب خوفك من مواجهة مشاكلك.. أكبر خطأ عملتيه إنك مواجهتيش أول مشكلة قابلتلك وسبتي المشاكل تاخدك وتبتلعك من مشكلة للتانية لحد ما بقيتي الشخصية اللي قاعدة قدامي دلوقتي.
نظرت إليه بدهشة وتحدثت:
– أنا مش فاهمه حاجة..؟
أجاب الطبيب بثقة:
– أنا متأكد إن كل مشاكلك دي بدأت بمشكلة صغيرة انتي مقدرتيش توجهيها وسبتي المشكلة الصغيرة تكبر وتصاحبها مشاكل كتير تتحكم فيكي وانتي برضه عاجزة عن مواجهة مشاكلك، ودلوقتي عايزة تستسلمي لكل المشاكل دي وتموتي نفسك وفاكرة إن كده هتموتي المشاكل معاكي.
نظرت إليه بصدمة وهي تفكر في حديثه، أضاف الطبيب مرة أخرى بثقة:
– انتي دلوقتي بتفكري إن حل كل مشاكلك ومشاكل اللي حواليكي في موتك صح؟
أومأت برأسها بالإيجاب.
أضاف الطبيب بثقة:
– خلينا متفقين إن آخر حاجة هتحصلك في الحياة دي هي الموت.
أومأت بالإيجاب.
ابتسم إليها وأضاف:
– يبقى نأجل فكرة الموت دي دلوقتي ونفكر في حل مشاكلنا بنفسنا والاهم مواجهة المشاكل ومنخفش من أي حاجة ممكن تحصلنا لأن أي حاجة هتحصلنا أكيد مش هتكون أصعب من الموت.
نظرت إلى الطبيب وبدأت بالتفكير في حديثه، أضاف بثقة وهو يتابع اهتمامها بالاستماع إلى حديثه:
– يبقى أول حاجة لازم نقضي عليها ونتخلص منها هو الخوف.. مش لازم تخافي من أي حد لأن مفيش أي حد يقدر يأذيكي. الإنسان هو اللي بيأذي نفسه بنفسه لما بيخاف من مواجهة مشاكله ويهرب.. واجهي يا كارمن.. واجهي نفسك وواجهي مشاكلك ومتخافيش تاني.
نظرت أمامها وأومأت برأسها وصوت الطبيب وكلماته تتردد بأذنها، ابتسم إليها الطبيب وأخبرها أن الجلسة انتهت اليوم وأخبرها بموعد الجلسة القادمة.
خرجت من غرفة الطبيب وهي تردد حديث الطبيب بداخلها وتفكر في مواجهة مشاكلها مهما كانت العقوبة، عليها التخلص من هذا الخوف الذي سجنها بداخله طوال هذه السنوات والآن يريد قتلها.
وقف رشيد أمامها يرمقها بنظرات غاضبة، خفضت وجهها بعيدًا عنه وهمست إليه بصوت خافت:
– لو سمحت عايزة أرجع البيت.
أخذها إلى السيارة دون حديث وعادا إلى المنزل.
كانت سهير تجلس بداخل سيارة أجرة تنتظر خروج رشيد من المنزل لكي تصعد وتتحدث إلى كارمن، تفاجأت به يأتي بسيارته ومعه كارمن وأخذها وصعد إلى شقتهما بالأعلى، زفرت سهير بضيق وهي تفكر كيف تستطيع الحديث إلى كارمن في وجود رشيد!
بداخل شقة رشيد وكارمن.
دلفت كارمن الشقة أمام رشيد بخطوات مرتبكة، أغلق باب الشقة عليهما وصدح صوته غاضباً:
– استني يا كارمن.
توقفت خطواتها بخوف والتفتت تنظر إليه، اقترب منها وهو يرمقها بنظرات غاضبة وتحدث بنبرة صارمة:
– انتي كنتي فعلاً حامل؟!
شحب وجهها من شدة الخوف ولم تجب عليه، أمسك بذراعيها وصدح صوته عالياً:
– ردي عليا يا كارمن.. انتي إزاي متعرفنيش إنك كنتي حامل..؟
أجابته بتلعثم:
– خوفت.
تحدث بغضب:
– خوفتي من إيه؟
صمتت بخوف وهي ترتجف بشدة، تحدث إليها بحزن:
– الحمل مكملش؟
أجابته ببكاء:
– مات.
ترك ذراعها ونظر إليها بصدمة، بكت أكثر وأضافت بحزن وهي تضع يديها فوق بطنها:
– مات في بطني.
نظر إلى يديها فوق بطنها بصدمة، بكت أكثر وأضافت:
– أنا آسفة.
صرخ بها بغضب:
– كفاية بقاا.. كفاية تقولي الكلمة دي بقيت بكرها.. مش عايز أسمع صوتك.. انتي دمرتيني.. نفسي أعرف أنا عملت فيكي إيه عشان تنتقمي مني بالقسوة دي.. خونتي ثقتي وضيعت مستقبلي.. الطفل اللي مات جواكي ده ملوش ذنب إن تكون أمه بالقسوة دي! أنا اللي غلطت لما اتجوزتك.. كان لازم أختار الزوجة اللي تصلح تكون أم لأولادي.. مش عيلة زيك أبداً.. أنا بقيت بكرهك يا كارمن.. بكرهك.
وقفت تستمع لكلماته القاسية وهي تبكي.
تركها وخرج من المنزل غاضباً، أغلق عليها بالمفتاح من الخارج حتى لا تستطيع الخروج من المنزل في غيابه، جلست على الأرض وهي تبكي بانهيار، تعلم أن لديه كل الحق في كلماته القاسية إليها.
بالأسفل.
ترجلت سهير من سيارة الأجرة لكي تصعد إلى كارمن وتحاول التحدث معها بعيداً عن رشيد، تراجعت إلى الخلف سريعاً عندما رأت رشيد يخرج من المنزل.
أخذ رشيد سيارته وانطلق بها.
التقطت سهير أنفاسها براحة ثم تحركت سريعاً اتجاه المنزل وصعدت إلى شقة كارمن بالأعلى.
وقفت سهير أمام باب شقة كارمن وضغطت على زر الجرس وطرقت بيديها بقوة.
بداخل الشقة نظرت كارمن إلى باب الشقة باستغراب وهي تجلس على الأرض تبكي بعد ذهاب رشيد.
وقفت كارمن واقتربت من الباب وتحدثت باستغراب:
– مين؟!
أتاها صوت والدتها من الخارج:
– أنا مامتك يا كارمن افتحي!
استغربت كارمن وحاولت فتح الباب لكنها تأكدت من إغلاق رشيد الباب عليها من الخارج، بكت بحزن وأخبرت والدتها:
– مش عارفة أفتح يا ماما رشيد قافل عليا بالمفتاح.
تحدثت سهير بعصبية:
– يعني إيه قافل عليكي بالمفتاح.. أنا لازم أتكلم معاكي في موضوع مهم.. في مصيبة.
أغمضت كارمن عيناها بتعب واستندت على الباب وتحدثت:
– مبقاش في مصايب تخوفني خلاص يا ماما.
تحدثت إليها والدتها بغضب:
– بس دي مصيبة هتوديكي لحبل المشنقة.. الزفت اللي أنا كنت متجوزاه ظهر تاني وجالي وطلب فلوس كتير أوي وهددني إنه لو مخدش الفلوس اللي طلبها هيبلغ عنك ويفضحنا.
لم تخف كارمن كما اعتادت وردها كان صادماً لـ سهير:
– خليه يبلغ ويعمل اللي هو عايزه أنا مبقتش أخاف من حاجة.
اتصدمت سهير وتحدثت بغضب:
– انتي اتجننتي يا كارمن!!.. أوعي تكوني فاكرة إن رشيد هيقدر يحميكي!
صرخت بها كارمن بقوة:
– أنا مش محتاجة حد يحميني.. أنا مش خايفة منه ولو انتي خايفة منه تقدري تدفعيله الفلوس اللي هو عايزها من الفلوس اللي بعتيني وبعتي حقك في الأرض واخدتيهم.
غضبت سهير كثير من حديث كارمن وقوتها وأجابت عليها بنبرة حادة:
– فلوس إيه!.. انتي فاكرة إن أنا لسه معايا فلوس؟ كل الفلوس اللي كانت معايا خلصت ومش معايا حتى أدفع إيجار الشقة اللي أنا قاعدة فيها!
تحدثت كارمن بإصرار:
– وأنا كمان مش معايا فلوس وتعبت وعايزة أخلص من كل ده بقا.
تحدثت سهير بصدمة:
– يعني إيه يا كارمن؟! أومال فين فلوس أرضك؟!
أجابت كارمن بقوة:
– أنا مش هضيع أرض عيلتي وفلوسي ياخدها واحد نصاب زي ده! كفاية حياتي وحياة جوزي اللي اتدمرت بسببه.. قوليله يبلغ زي ما هو عايز ولو مبلغش هو هبلغ أنا عنه وهقول إنكم أجبرتوني أحط المخدرات في دولاب جوزي عشان تضيعوا مستقبله.
شهقت سهير بصدمة وهمست بذهول:
– لااا.. دا انتي شكلك اتجننتي!
صرخت كارمن من الداخل:
– أيوه اتجننت.. ابعدي عني وسبيني في حالي بقاا.
نظرت سهير إلى الباب بصدمة وابتعدت سريعاً وهي تركض إلى الأسفل مرة أخرى ولا تعلم ماذا ستفعل الآن.
بداخل الشقة جلست كارمن على الأرض مرة أخرى ويتردد بداخلها حديث الطبيب ونصيحته لها بمواجهة مشاكلها وعدم الهروب أو الاستسلام مرة أخرى.
لم يتوقف عقل رشيد عن التفكير وهو بداخل سيارته يقودها شارداً حتى توقف أمام منزل عائلته. نظر إلى منزل عائلته بتعب وترجل من السيارة وتقدم إلى داخل المنزل.
استقبلته والدته بكلمات حادة تلومه على غيابه عنهم وتركه للمنزل. لم يجيب على والدته واستمر في سيره حتى توقف أمام غرفة مكتب جده وفتح الباب دون استئذان ووقف ينظر إلى جده بصمت.
استغرب جده من وقوفه أمامه صامتاً ووقفت والدته تتحدث إليه بلوم على إهماله لها وعدم رده عليها.
وقف الجد وطلب من زوجة ابنه المغادرة وتركه مع حفيده بمفردهما.
ذهبت والدة رشيد باستغراب وتحدث الجد إلى رشيد بنبرة غامضة:
– أهلاً.. حمدلله على السلامة.. جيت من الصعيد امتى؟
تقدم رشيد إلى الداخل وتحدث:
– اللي بلغ حضرتك إني روحت الصعيد.. أكيد بلغك أنا رجعت امتى؟
جلس الجد فوق مقعده براحة قائلاً:
– اللي أنا مستغربه انت ليك إيه في الصعيد عشان تسافر لهناك.. معقول لسه بتجري ورا البنت اللي خانتك ودمرت مستقبلك؟!
جلس رشيد أمام مكتب جده وأجاب:
– أنا بجري ورا الحقيقة.
الجد:
– ولقيت الحقيقة اللي خدتك لحد الصعيد؟!
رشيد بغموض:
– نص الحقيقة عندك وأنا جيت دلوقتي عشان أعرفها.
الجد باستغراب:
– حقيقة إيه اللي عندي؟!
تنهد رشيد بعمق:
– ليه مقولتليش إنك روحت لكارمن في بيت مامتها؟.. وليه مقولتليش إن حضرتك هددتها وقولتلها إن أنا أول لما أخرج هقتلها؟!
توتر الجد قليلاً وأجاب:
– أنا كنت بحميك.. ومتأكد إنك كنت بتفكر تقتلها أول ما تخرج! والطبيعي إني أعمل كده.. أكيد مش هقف أتفرج عليك وانت بتضيع مستقبلك عشان واحدة زي دي!
رشيد بغضب:
– حضرتك كنت تعرف مكانها طول السنين دي؟!
الجد بصدق:
– أنا اللي حجزتلهم تذاكر الطيارة ومهتمتش أعرف عنها أي حاجة بعد ما سافرت وخصوصاً بعد ما أنت طلقتها.
أغمض رشيد عيناه بحزن ثم تحدث:
– حضرتك قولتلها إن أنا طلقتها قبل ما أطلقها ليه؟!
الجد بثقة:
– عشان متفكرش ترجعلك تاني.. كنت عايز أخلصك منها بعد ما دمرت حياتك وضيعت مستقبلك.. مينفعش بنت زي دي تكون مراتك وتشيل اسم عيلة الجبالي.
خفض رشيد وجهه وابتسم ساخراً بحزن:
– حضرتك عارف إن في الوقت اللي هددتها فيها واجبرتها تسافر.. كانت وقتها حامل في ابني.
حملق به جده بصدمة، أضاف رشيد بحزن:
– ابني اللي لو كان اتخلق في الدنيا كان زمانه دلوقتي من غير أب ولا عيلة بعد ما هددتها وخوفتها مني وحذرتها إنها لو رجعت هنا تاني أنا هقتلها.. مش عارف أشكر ربنا إن ابني مات في بطنها عشان ميتبهدلش طول السنين اللي فاتت ولا أحزن على ابني اللي مات جواها قبل ما أشوفه بعيني أو المسّه بإيدي.
نظر الجد حوله بصدمة وهو يردد:
– صدقني يا رشيد أنا مكنتش أعرف إنها حامل.. وأكيد لو كنت أعرف مكنتش هسمحلها تسافر وهي حامل في حفيدي!
تحدث رشيد بحزن:
– ابني اللي مات ده ذنبه في رقبتي أنا.. أنا اللي مقدرتش أحافظ على حياته.. أنا اللي بنيت بيت من غير ما أسسه كويس.. وفي النهاية البيت ده وقع على دماغي أنا وخسرت كل حاجة.
نظر إليه جده بحزن.
وقف رشيد وتحدث إلى جده بقوة:
– لو سمحت يا جدي.. من اللحظة دي متدخلش في حياتي مرة تانية.
حاول الجد الحديث معه وتهدأته لكن رشيد تركه وذهب بخطوات مسرعة، جلس الجد بحزن وندم على ما فعله بحياة حفيده.
صباح اليوم التالي.
بداخل شقة سهير.
دلفت الخادمة غرفة نوم سهير وتحدثت إليها بهدوء:
– مدام.. حارس الأمن بتاع العمارة عايز حضرتك برا.
تحدثت سهير بصوت ناعس وهي نائمة:
– قوليله يبقى يجي في وقت تاني وسبيني أنام.
تحدثت الخادمة:
– قولتله كده وهو مصمم يقابل حضرتك ومش راضي يمشي!
زفرت سهير بغضب وقامت من فوق الفراش وارتدت الروب الحريري وخرجت من الغرفة وهي تزفر بغضب واستقبلت الحارس بصوت حاد:
– خير عايز إيه.. إيه الموضوع المهم اللي مطلعك هنا بدري كده؟!
خفض الحارس وجهه أرضاً وأجاب باحترام:
– أنا بعتذر لحضرتك جداً يا مدام بس صاحب الشقة عايز فلوس الإيجار.
زفرت سهير بغضب وجلست تتناول إحدى السجائر:
– مش أنا قولتلك خليه يصبر عليا شوية.. في فلوس هتتحول من إيطاليا واتأخرت شوية!
تحدث الحارس باحترام:
– والله أنا قولتله الكلام اللي حضرتك قولتيه ده وهو رافض التأخير وقال إن الفلوس لازم تندفع النهارده ضروري أو تسيبي الشقة.
تركت علبة السجائر من يديها وتحدثت بنبرة حادة:
– يعني إيه أسيب الشقة لو مدفعتش!.. هو اتجنن ده ولا إيه!!
تحدث الحارس باحترام:
– والله يا مدام صاحب الشقة اللي قال كده وأنا كنت عرفت حضرتك قبل ما نمضي العقد إن صاحب الشقة دي مش بيقبل أي تأخير.
غضبت سهير وأردفت بعصبية:
– يبقى تبلغه إنّي مش هسيب الشقة وغصب عنه لازم يصبر عليا لحد ما تجيلي فلوس!
تحدث الحارس:
– خلاص يا فندم أنا هبلغه رد حضرتك وانتوا أحرار مع بعض.. عن إذن حضرتك.
خرج الحارس وهو يزفر بغضب، وقفت الخادمة تفكر بقلق ماذا لو تركت الشقة ولم تعطيها راتب عملها طوال الشهر؟
اقتربت منها الخادمة وتحدثت بقلق:
– أنا آسفة يا مدام بس كنت محتاجة المرتب بتاع الشهر عشان محتاجاه ضروري.
انتفضت سهير من مقعدها وتحدثت إليها بانفعال:
– هو انتي مبتفهميش.. مش شايفة إننا ممكن ننطرد من هنا عشان مش معايا فلوس الإيجار!
تحدثت الخادمة بصدمة:
– أنا مليش علاقة بالإيجار يا مدام أنا ليا مرتب ولازم أخده!
تحدثت سهير بعصبية:
– وأنا هجبلك فلوس المرتب بتاعك منين دلوقتي! خليني أشوف حل أخرج من المصيبة دي!
نزعت الخادمة ما ترتديه وتحدثت بإصرار:
– يبقى أنا مش هينفع أكمل شغل مع حضرتك على النظام ده.. أنا عندي ظروفي متسمحش إني أشتغل من غير ما آخد مرتب ثابت.
انفعلت سهير بغضب:
– خلاص غوري في ستين داهية.
تركتها الخادمة وخرجت من المنزل بعد ما أخذت متعلقاتها الشخصية، جلست سهير تزفر بغضب وتلعن الفقر الذي يركض خلفها كلما أرادت العودة إلى حياة الثراء.
بعد عدة ساعات.
دق جرس الباب وذهبت سهير لتفتح الباب.
سهير: أفندم؟
زوجها السابق: إيه يا سوسو.. بتفتحيلي الباب بنفسك!
دفعها بعيداً عنه وتقدم إلى الداخل، شهقت سهير من دفعه لها وجرأته وتحدثت إليه بغضب:
– انت إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟! ياريت تمشي دلوقتي عشان أنا مش في قالي خالص.
تحدث إليها ببرود:
– أنا جاي آخد فلوسي وماشي!
سهير بعصبية:
– وأنا معنديش فلوس.
اقترب منها وأمسك بذراعها بعنف:
– انتي هتلاعبيني ولا إيه يا سهير؟ مش انتي قولتيلي أجي آخد الفلوس اللي أنا طلبتها؟! جاية ترجعي في كلامك دلوقتي.
ابتعدت عنه وصرخت به:
– قولتلك مفيش فلوس.. أنا هترمي في الشارع عشان مش قادرة أدفع الإيجار وانت جاي تقولي فلوس.. وبعدين كفاية أوي فلوسي اللي انت سرقتها زمان.
اقترب منها وأمسك بخصلات شعرها وضغط عليها بقوة:
– لا يا سهير.. دا أنا أقتلك هنا.. أنا خلاص مش باقي عليا حاجة.
صرخت به وهي تتألم وتحاول تخليص خصلات شعرها من يديه:
– ابعد عني يا حيوان.. قولتلك أنا معنديش فلوس.. روح بلغ واعمل اللي انت عايزه ومتنساش إنك متورط زينا وأكتر كمان.
قامت بدفعه بقوة بعيداً عنها، ارتطم جسده بالحائط بقوة ثم ركض خلفها، ركضت سهير إلى المطبخ وأخذت سكين وأمسكت بالسكين بقوة وتحدثت إليه بصوت قوي:
– ابعد عني وإلا هقتلك.
ابتسم ساخراً وهو يقترب منها وتحدث إليها بمكر:
– واهون عليكي يا سوسو تقتليني بعد كل اللي بينا.
اقترب منها وهي تحذره بالسكين وقام بخداعها وأخذ السكين من يديها وأمسك بشعرها وهددها بقوة:
– الفلوس فين يا سهير بدل ما أقتلك.
صرخت بهلع وقامت بركله بقوة في منتصف جسده، تركها وانحنى على جزعه يتألم بشدة، ركضت إلى خارج المطبخ مسرعة، لكنه لحق بها مسرعاً وهو يتألم بشدة من ركلة قدميها القوية، ثم أمسك بها قبل أن تقترب من باب الشقة وطعنها بظهرها.
رواية كارمن الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ملك ابراهيم
امسك بها قبل ان تقترب من باب الشقه وطعنها بظهرها.
صرخة مدوية خرجت منها وهي تسقط علي الارض.
استمع الي صوت صرختها حارس العقار ومعه صاحب الشقه الذي جاء معه لاخذ الإيجار منها او طردها من الشقه.
نظر الاثنان الي بعضهما بصدمة وتفاجأن بمن يفتح باب الشقه والدماء فوق يديه وثيابه ويريد الهرب.
امسك به حارس العقار سريعا بمساعدة صاحب الشقه وتقدموا الي داخل الشقه.
وكانت الصاعقة رؤيتهما لسهير وهي تحتضر وتلفظ انفاسها الاخيرة علي الارض والدماء تنسال من جسدها.
قام الحارس بالاتصال علي الشرطة وأخبرهم بالواقعه.
بعد عدة ساعات.
بداخل شقة رشيد.
كانت كارمن تجلس امام رشيد يتناولان الطعام معا بصمت.
لم يتحدث معها رشيد منذ الأمس.
كان يسترق النظر اليها بين الحين والاخر.
مازال يحبها وقلبه ينبض بعشقها، لكنها دائما تألم قلبه بأفعالها الغامضه وصمتها المستمر!
صدح صوت هاتفه وكسر الصمت السائد بينهما.
اجاب رشيد علي الهاتف واستمع الي صوت خالد الحزين يخبره:
– البقاء لله يا رشيد..
تحدث رشيد بصدمة واعتقد ان جده حدث له شئ:
– مين يا خالد؟!
اجاب خالد بحزن:
– سهير سالم مامت كارمن.. اتقتلت النهارده في شقتها.
انتفض رشيد من مكانه بصدمة وهو يحدق بـ كارمن بذهول.
استغربت كارمن من رد فعله ونظرت اليه يترقب.
تحرك رشيد من امامها مسرعا واتجه الي غرفة النوم واغلق عليه الباب من الداخل وتحدث بصوت منخفض:
– انت بتقول ايه يا خالد؟!
اجاب خالد بثقة:
– زي ما بقولك كده.. طليقها الاخير طعنها بسكينه في شقتها وصاحب الشقه وامن العمارة قدروا يمسكوه وبلغوا.. لكن للأسف مقدروش يلحقوها وماتت قبل ما توصل المستشفى.
استمع رشيد الي الخبر بصدمة وهو يفكر في كارمن وصدمتها الكبيرة بعد ان يخبرها بهذا الخبر الصادم.
اضاف خالد بتأكيد:
– كارمن لازم تيجي عشان تتعرف علي جثة مامتها وكمان عشان إجراءات الدفن والتحقيقات انت فاهم.
تحدث رشيد بعتراض:
– مش هينفع يا خالد.. انت عارف كارمن بتمر بإيه.. مش هتستحمل تشوف مامتها كده.
تحدث خالد:
– وبعدين يا رشيد.. لازم كارمن تيجي وتتعرف على جثة والدتها!
زفر رشيد :
– انا جايلك دلوقتي يا خالد ونحاول نشوف حل بعيد عن كارمن.. مش لازم كارمن تعرف دلوقتي اللي حصل لمامتها.
تحدث خالد بقلة حيلة:
– اللي تشوفه يا رشيد انا في المستشفى دلوقتي تقدر تيجي تتعرف على الجثة بما انك جوز بنتها.
اغلق رشيد الهاتف وارتدى ثيابه وخرج مسرعا من المنزل دون ان يتحدث الي كارمن.
تابعت كارمن ذهابه مسرعا بدهشة ثم شردت بالتفكير في والدتها وهي تتساءل بداخلها ماذا سيفعل طليق والدتها بعد تهديده لهما وعدم اعطاءه النقود التي طلبها!
بداخل المشفى.
تعرف رشيد علي جثة سهير سالم وحزن كثيرا بعد رؤيتها.
تحدث معه خالد واخبره انه سيعود الي قسم الشرطة ويبدأ التحقيق مع المتهم في صباح الغد وسيحاول الاسراع في انهاء تصريح الدفن وشهادة الوفاة ويخبر رشيد بكل التفاصيل.
ذهب خالد الي قسم الشرطة وعاد رشيد الي منزله وهو يفكر كيف سيخبر زوجته بموت والدتها.
عاد رشيد الي منزله ودلف غرفة النوم.
كانت كارمن نائمه وتعانق جسدها بخوف.
كانت مثل الطفله الصغيرة.
اصبح هو الان كل شئ لها بالحياة.
تساءل بداخله؛ هل يمكنه العيش معها بسلام بعد كل ما حدث بينهما؟
هل سينتهي فراقهما ويعودان عاشقان كما كانوا بالسابق بعد رحيل والدتها؟
هل بموت والدتها انتهى كل شئ تسبب في فرقهما ام هناك أشياء اخرى ستكشف في الايام المقبله؟
لقد ارهقه التفكير كثيرا واشتاق اليها كثيرا!
اقترب منها وتمدد بجوارها فوق الفراش وهو يتأملها بنظرات عاشقه.
هي لم تكن حبيبته وزوجته فقط، بل كانت طفلته وكل شئ له بالحياة.
اشتاق كثيرا لعناقها ورؤية ابتسامتها.
رفع يديه بهدوء ومسد على وجنتيها الناعمه ثم شعرها الطويل وهو يتأملها بشتياق.
اقتربت منه بجسدها وكأنها تشتاق هي الأخرى لـ عناقه.
فتح ذراعيه وعانقها بقوة.
كانت خائفة وشعرت بالأمان عندما قربها من قلبه.
همست بصوت خافت:
– متبعدش عني تاني يا رشيد.. انا بموت من غيرك.
عانقها بقوة وهمس اليها:
– انا عمري ما بعدت عنك يا كارمن.. انتي دايما اللي بتبعدي عني.
بكت بداخل حضنه وهي تتمسك به بقوة كي لا يبتعد عنها.
تمسك بها هو الاخر وظل يمسد علي شعرها وهو بداخل صراع قوي بين قلبه الذي يعشقها وعقله الذي يرفضها خوفا من ان تخذله مجددا بدافع سذاجتها وضعف شخصيتها.
اغمضت عيناها بداخل حضنه وهمست اليه:
– انا بحبك اوي يا رشيد.
رق قلبه لها وهو يستمع الي صوتها الهامس.
كان يشتاق اليها كثيرا.
عانقها بقوة ثم رفع وجهها اليه وتأملها بنظرات عاشقه وهمس امام شفاتيها:
– انا بعشقك..
ثم قبلها بلهفة واشتياق.
بادلته المشاعر واستسلمت له سريعا واصبح لا يفصلهما شئ.
استطاع اشتياقهما اذابة الجليد الذي كان بينهما واكتملت علاقتهما من جديد گـ زوج وزوجة.
في الصباح.
بداخل قسم الشرطة.
دقق خالد النظر بأحد الملفات والذي يجمع معلومات عن المتهم وبه معلومة هامة عن عمله السابق مع سعد بشار.
استغرب خالد من ترابط علاقة عمله بـ سعد بشار وهي نفس الفترة التي تزوج فيها من سهير سالم.
دقائق قليلة ودخل العسكري بالقاتل وسمح له خالد بالجلوس وبدء الحديث معه وتسجيل بعض المعلومات الشخصيه عنه.
وأكد القاتل ان سهير هي من ارادت قتله وما فعله كان دفاع عن النفس وبدء في قص رواية غير حقيقية عن الحادث.
شعر خالد ان هذا القاتل يخفي شئ.
استخدم خالد حيلة ذكيه وتحدث الي القاتل بثقة:
– عايز اقولك ان القصه اللي انت حكتها دلوقتي دي مش حقيقيه.. لان المجني عليها كانت حاطه كاميرات في كل زوايا الشقه وكل حاجة اتسجلت وشوفناك وانت بتتهجم عليها وتقتلها.
انتفض القاتل بخوف قائلا:
– يا باشا انا كنت بهزر معاها صدقني وكان تهديدي لها مزيف مش حقيقي.
تحدث خالد بذكاء:
– بس تهديدك لها كان حقيقي وده واضح جدا من كلامك معاها.
تحدث القاتل بتوتر:
– يا باشا دا كان موضوع قديم وصدقني انا مينفعش ابلغ عنها ولا عن بنتها اساسا! انا كنت بهددها عشان اخد منها شوية فلوس، بس هي اللي صدقت وحاولت تقتلني وانا كنت بدافع عن نفسي وغصب عني قتلتها.
تحدث خالد بشك:
– لا انا عايز اسمع الحكاية من الاول عشان افهم؟
طليق سهير بخوف:
– انا هفهمك الحكاية كلها يا باشا وهتتأكد بنفسك ان مكنش في نيتي قتل وكان دفاع عن النفس… من حوالي اربع سنين او اكتر، الباشا اللي كان مشغلني هو اللي طلب مني العب على سهير واتجوزها وبعد كده طلب مننا نستدرج بنتها.. اصل بنتها كانت متجوزة ظابط وكان الظابط ده معلم علي الباشا والباشا كان عايز يفضحه وينتقم منه وعشان كده طلب مننا نضحك علىبنتها ونجيبها شقة سهير وواحد من الرجالة لمؤخذة يعني يغتصبها ويصورها وهو معاها وننشر الصور والفيديوهات ويفضح الظابط.
نظر خالد الي المتهم بصدمة وانتفض جسده وهو يتحدث بعنف:
– وعملتوا ايه في بنتها؟!
نظر القاتل اليه بخوف وتحدث بتلعثم:
– والله يا باشا محدش قرب من بنتها.. بنتها اصلا دافعت عن نفسها وضربت الواد على دماغه وفكرت انه مات.
التقط خالد انفاسه بصعوبة واردف:
– يعني ايه فكرت انه مات؟!
تحدث المتهم بصدق:
– يومها كلمنا بنتها وقولنالها ان امها تعبانه اوي وانا اخدت سهير وخرجنا وهو كان مستنيها في البيت ولما جت حاول يعتدي عليها زي ما كنا متفقين بس هي ضربته بحاجة واغمى عليه وهي فكرته مات وانا استغليت خوفها ده وعملت اتفاق مع سهير ضد جوزها بس والله العظيم يا باشا انا مليش دعوه كله كان بترتيب سعد بشار وهو اللي طلب مني اهدد بنت سهير ونستغلها ونحط مخدرات في دولاب جوزها ونبلغ عنه وبعدها سعد بشار طلب مني اقنع بنت سهير تروحله السجن وضحكنا عليها وفهمناها انها لو راحتله هيخرج جوزها من السجن وبعد كده جالي اوامر من سعد بشار اني اطلق سهير وابعد عنها، بس بصراحة انا طمعت في فلوس سهير ونصبت عليها وخدت كل فلوسها قبل ما اطلقها وبعدها سهير اختفت هي وبنتها اربع سنين وانا انفصلت عن شغلي مع سعد بشار بعد ما عصيت اوامره وخدت فلوس سهير من غير ما هو يعرف ومن فترة عرفت ان سهير رجعت غنيه اكتر من الاول وظهرت في حفلة وهي معاها فلوس كتير وعشان كده فكرت ارجع ابتزها واطلب منها فلوس واهددها بالموضوع القديم يمكن اعرف اطلع منها بقرشين.. والله يا باشا انا مكنش في نيتي اقتلها وهي اللي صدقت وحاولت تقتلني.
استمع خالد الي حديثه بصدمة وذهول.
لم يتوقف المتهم عن الحديث وهو يقسم له انه قتل سهير دفاعا عن النفس.
تحدث اليه خالد بفضول:
– اسمه ايه الظابط اللي انتوا عملتوا معاه كده؟
اجاب المتهم بخوف:
– اسمه رشيد الجبالي يا باشا بس احنا كنا بنفذ اوامر سعد بشار وملناش دعوه.
تحدث خالد مرة أخرى:
– والراجل اللي حاول يعتدي على مرات الظابط حصله ايه؟
اجاب المتهم بثقة:
– كان جرح صغير في راسه وفاق بعدها وسعد بشار امر انه يختفي عن هنا وبعته يشتغل في اسكندرية ومعرفش بعدها
حصله ايه!
تحدث خالد:
– عايز اعرف اسمه ايه؟
أومأ المتهم برأسه بالايجاب وتحدث برجاء:
– انا قولتلك كل الحقيقه يا باشا والله انا مظلوم وكنت بدافع عن نفسي.
نظر خالد الي العسكري وامره بأخذ المتهم الي الحبس مجددا.
خرج المتهم من غرفة التحقيقات ونظر خالد امامه بصدمة لا يصدق كل ما سمعه الان.
بداخل شقة رشيد.
استيقظ رشيد على صوت هاتفه يعلن عن اتصال من خالد.
نظر الي الهاتف وخفض صوته ثم ابتعد عن كارمن وخرج من الغرفة لكي يستطيع الحديث بعيدا عنها.
استمع الي صوت خالد وهو يتحدث اليه بنبرة حزينه وطلب منه مقابلته الان.
استغرب رشيد وشعر ان هناك شئ هام يريد خالد اخباره به.
عاد الي الغرفة سريعا واخذ ثيابه ودلف الي المرحاض.
استيقظت كارمن لكنها ادعت النوم بخجل بعد ما حدث بينهما ليلة امس.
بعد دقائق قليلة خرج رشيد من المرحاض ثم اسرع في الخروج من المنزل وذهب لمقابلة خالد في احدى الاماكن الهادئة التي اعتاد الاثنان الذهاب اليها للتحدث معا بهدوء.
توقف رشيد بسيارته امام سيارة خالد.
ترجل خالد من السيارة وترجل رشيد هو الاخر وهو ينظر اليه بفضول.
توقف امامه خالد وتحدث بقلق:
– في حاجات مهمة عرفتها وانا بحقق مع طليق سهير وانت لازم تعرفها.
نظر اليه رشيد باهتمام.
زفر خالد بضيق واضاف:
– اول حاجة لازم تعرفها ان طليق سهير طلع واحد من رجالة سعد بشار.
حدق به رشيد بستغراب:
– يعني ايه!!؟
اجاب خالد بتردد:
– مش عارف ابدأ منين!
تحدث رشيد بقلق:
– ماتتكلم يا خالد نشفت دمى..؟!
نظر اليه خالد بتوتر وبدأ يخبره بكل شئ قاله المتهم.
انتفض رشيد من مكانه بعد ان اخبره خالد انهم رتبوا لـ اغتصاب زوجته وتصوريها ثم اخبره انها استطاعت الدفاع عن شرفها وقامت بضرب الرجل فوق رأسه واستطاعوا بخداعها انه مات وابتزازها ان تضع له المخدرات بداخل خزانة ثيابه وابتزازها حتى تذهب لزيارة سعد بشار.
جلس رشيد مكانه بصدمة بعد ما اخبره به خالد.
لا يصدق ان كارمن تحملت كل هذا بمفردها، لكنه تساءل لماذا لم تخبره بكل هذا من قبل؟
من منعها من الحديث؟!
تحدث خالد بحزن بعد ان اخبره بكل شئ:
– كلنا ظلمنا كارمن يا رشيد وهي للاسف كانت ضحية لمجرمين معدومين الضمير وامها الله يرحمها هي السبب في كل ده.
تحدث رشيد بحزن:
– انا مش قادر افهم هي ليه خبت عليا كل ده!
اجاب خالد بثقة:
– اكيد خافت منك يا رشيد.. يعني هي فاكره انها قتلت وجوزها ظابط.. يعني اكيد هتخاف تقولك.
تحدث رشيد بحزن:
– انا اللي مقدرتش اكسب ثقتها كفايه يا خالد.
تحدث خالد بفضول:
– المهم انت بتفكر تعمل ايه دلوقتي؟
تحدث رشيد:
– انت عرفت منه اسم اللي كارمن فاكره انها قتلته؟
اجاب خالد:
– اه عرفت اسمه وعرفت انه في اسكندرية.
أومأ رشيد برأسه بالايجاب.
اضاف خالد بفضول:
– طب هتعمل ايه دلوقتي.. تصريح الدفن هيخرج بكره الصبح.
تحدث رشيد بحزن:
– ربنا يرحمها هي اللي كانت السبب في كل اللي حصلنا ده.
تحدث خالد:
– كارمن لازم تعرف يا رشيد وكمان لازم ناخد اقوالها بكره على الاقل.
أومأ رشيد برأسه بالايجاب:
– حاضر يا خالد انا هحاول اقول لـ كارمن.
خالد:
– والكلام اللي طليق مامتها قاله؟ هتقولها انك عرفت؟
اجاب رشيد:
– لا يا خالد.. مش قبل ما اوصل للي حاول يعتدي عليها وهي فكرت انها قتلته.. انا لازم اعلم كارمن تثق فيا.
أومأ خالد برأسه:
– اللي تشوفه يا رشيد.. وانا هخلصلك كل الإجراءات وان شاء الله بكره تيجي تستلم تصريح الدفن.
أومأ رشيد برأسه بالايجاب وشكره علي مساعدته ووقف شاردا فيما اخبره به خالد.
الان تأكد من برائة كارمن.
بعد عدة ساعات وقبل ان يعود رشيد الي المنزل.
تحدث الي جد كارمن واخبره بوفاة والدة كارمن وطلب منه ان يأتي في الصباح لحضور مراسم الدفن.
ثم عاد الي منزله وهو يفكر كيف سيخبر كارمن بموت والدتها.
كانت كارمن تجلس شارده امام التلفاز، تفكر فيما حدث بينها وبين رشيد، وتفكر في والدتها وتتساءل بداخلها ماذا فعلت والدتها مع طليقها وهل اعطته النقود التي طلبها ام سينفذ تهديده ويخبر رشيد بكل شئ.
لا تريد ان تخسر رشيد مجددا.
بعد الكثير من التفكير قررت ان تواجه مشكلتها وتخبر هي رشيد ويحدث ما يحدث لم تعد تبالي بشئ!
لقد خسرت كل شئ ولم يعد هناك شئ لتخسره مجددا.
دلف رشيد الشقه واقترب منها وهو في حيرة ولا يعلم من اين يبدأ الحديث وكيف يخبرها.
كانت كارمن في نفس الحيرة وتحدثا الاثنان معا في نفس اللحظة:
رشيد: في حاجة مهمة عايز اقولهالك.
كارمن: في حاجة مهمة عايزة اقولهالك.
نظر الاثنان الي بعضهما بدهشة وتأملها رشيد بدهشة قائلا:
– حاجة ايه اللي عايزة تقوليها؟!
تحدثت كارمن بتوتر:
– قول انت الاول كنت عايز تقول ايه؟
اغلق التلفاز وجلس امامها وهو يحدق بها باهتمام قائلا:
– مش مهم انا كنت عايز اقول ايه.. المهم انتي عايزة تقولي ايه.. اتكلمي يا كارمن وانا هسمعك.
توترت كثيرا ثم خفضت وجهها وهي تفرك بيديها بقوة وتحدثت بصوت هامس:
– انا عايزة اعترفلك بحاجة..
أومأ برأسه وتحدث:
– قولي انا سامعك؟
اغمضت عيناها لكي تشجع نفسها علي الحديث ثم تحدثت بصوت قوي وسريع حتى لا تخف مجددا وتتوقف عن الحديث كما كان يحدث معها دائماً:
– انا السبب في كل اللي حصلك.. انا اللي حطيت المخدرات في دولابك..
ثم رفعت عيناها اللامعة بالدموع ونظرت اليه واضافة:
– بس صدقني كان غصب عني.. انا مكنتش اعرف ان كل ده هيحصل.
لم يتفاجئ من حديثها كما كانت تتوقع، بل استقبل حديثها بهدوء وتحدث:
– مين اللي طلب منك تعملي فيا كده؟
بكت واجابة:
– ماما وجوزها.. هما اللي طلبوا مني اعمل كده وماما فهمتني ان انت مش هتتأذي.. قالتلي ان انت هتاخد جزا في شغلك بس ومش هيحصل اي حاجة.
استمع اليها بدون رد فعل غاضب وهذا ما استغربته كارمن وشعرت انه يعرف كل شئ واعتقدت ان طليق والدتها نفذ تهديده لوالدتها واخبره بكل شئ.
كارمن بستغراب: رشيد انت ليه مش متفاجئ من كلامي؟!
تأملها بصمت، شعرت بالقلق اكثر وتحدثت بسذاجتها المعتادة:
– انت قابلت طليق ماما؟.. هو قالك حاجة؟!
تحدث بهدوء:
– مش فاهم.. هو كان بيهددك بحاجة؟
خفضت وجهها وتحدثت بتوتر:
– ايوه..
ثم صمتت قليلا ثم اردفت بخوف:
– طلب من ماما فلوس وهددها لو مخدش الفلوس هيبلغ عني وهيقولك كل حاجة.
تحدث بغضب مكتوم:
– هيقولي ايه بالظبط؟
نظرت اليه بتوتر، لا يمكنها التراجع الان، كان قلبها علي وشك التوقف من شدة الخوف لكنها بدأت الحديث وعليها التخلص من خوفها الان:
– هيقولك ان انا قتلت.
حدق بها بصدمة، بكت بحزن ونظرت الي يديها وهي تتذكر دماء الرجل الذي قتلته وبدأت في قص عليه كل ما حدث معها.
انهارت في البكاء وهي تتذكر ما حدث في الماضي وتخبره كل شئ بحزن وندم.
نظر اليها بحزن قائلا:
– لو كنتي حكتيلي اللي حصل معاكي ده وقتها اكيد مكناش هنوصل للي وصلناله دلوقتي.
شحب وجهها بخوف وتحدثت بتلعثم:
– خوفت اقولك.. صدقني انا كتير حاولت اقولك بس خوفت.
تحدث بحزن:
– خوفك مني ملوش غير معني واحد.. ان انتي عمرك ما وثقتي فيا.
نظرت اليه بحزن وهي تبكي:
– انا عشت عمري كله مسجونه جوه الخوف.. خوفي هو اللي كان بيتحكم فيا… كتير اتمنيت ان يكون عندي القوة واقدر اهزم خوفي وانتصر عليه.. بس كان دايما هو اللي بينتصر عليا وانا كنت بخسر.. خسرتك وخسرت حبك ليا وخسرت ابني وخسرت اربع سنين من عمري.. خسرت حاجات كتير بسبب خوفي وجه الوقت اواجه خوفي وكفايه خسارة لاني تعبت ومبقتش هتحمل خسارة تانيه.
هز رأسه بحزن وهو يتأملها:
– في حاجة كمان خسرتيها..
حدقت به بدهشة، تنهد بتعب ثم التقط نفسا عميق:
– مامتك..
حملقت به بصدمة واعتقدت ان والدتها فعلت شئ اخر، تنفس مرة أخرى بعمق واضاف:
– مامتك اتوفت امبارح.. وتصريح الدفن هيكون جاهز بكره الصبح.
رواية كارمن الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ملك ابراهيم
توقف نبض قلبها للحظات وهي تردد بداخلها ما قاله الان، رفض عقلها الاستيعاب وتحدثت بصوت متقطع:
– انت قولت ايه؟! مامت مين اللي ماتت؟ انت بتهزر معايا يا رشيد صح؟ انت عارف ماما مش بتموت.. ماما بتحب الحياة، هي اكيد زعلانه مني عشان انا اتكلمت معاها بعصبيه اخر مرة لما جات هنا صح؟ انا والله كنت بفكر ازاي هجبلها الفلوس عشان تديها لطليقها عشان يبعد عنها.. ماما بتحب الفلوس واكيد هتكون فرحانه اوي لو اخدت تمن ارضي واديتهولها..
نظر اليها بحزن ثم جذبها من يديها وعانقها بقوة، لم تتوقف عن الحديث ولم يستوعب عقلها ما قاله حتى الان، عانقها بقوة شديدة حتى بكت بداخل حضنه وتحدثت بصوت باكي:
– ماما كويسه يا رشيد؟ انت بتهزر صح؟
عانقها بقوة اكبر وهمس اليها:
– ادعيلها بالرحمه يا كارمن.
صرخت بداخل حضنه وهي تبكي بانهيار، لا تصدق ان والدتها فارقة الحياة وهي غاضبة منها، كانت تنادي والدتها بصراخ وتخبرها انها ستعطيها النقود التي تريدها ولكن عليها العودة الي الحياة مرة أخرى، تعلم ان والدتها تعشق النقود كثيرا ولن تترك النقود وترحل عن الحياة.
لم يتركها تبتعد عنه وهو يحاول تهدأتها وهي تصرخ وتصرخ وتنادي والدتها بصراخ وبكاء حتى فقدت الوعي.
حملها بين يديه واخذها الي داخل الغرفة ووضعها فوق الفراش برفق وجلس بجوارها يتأملها بحزن وهو يمسد فوق شعرها ثم تحدث الي الطبيب واخبره بما حدث معها وجاء الطبيب واعطاها حقنه مهدئه لكي تستطيع النوم لوقت اطول.
ظل رشيد مستيقظا بجوارها حتى الصباح الباكر.
وصل جد كارمن وعمتها وداد وفراج ابن عمها وزوجته ازهار الي منزل رشيد لحضور مراسم الدفن.
اخبرهم رشيد بما حدث مع كارمن عندما اخبرها بموت والدتها واخبرهم انه لم يستطيع أخبارها ان والدتها لقت مصرعها علي يد طليقها السابق.
تفهم الحاج عبد الرازق ما فعله رشيد وطلب من وداد وازهار ان يبقوا مع كارمن بالمنزل والرجال سيذهبون لدفن جثمان سهير.
ذهب رشيد مع الحاج عبد الرازق ومعهم فراج لاستلام جثمان سهير من المشفى واكرامها بالدفن.
جلست وداد بجوار كارمن فوق الفراش حتى استيقظت كارمن وفتحت عيناها وهي تشعر بألم شديد برأسها.
مسدت وداد فوق شعرها وهي تبتسم لها بحنان قائلة:
– عامله ايه دلوقتي يا حبيبتي؟
نظرت اليها كارمن بدهشة واردفت بصوت خافت:
– انا فين؟!
اجابت عليها ازهار بابتسامه حزينه:
– انتي في بيت جوزك يا كارمن.. طمنينا عليكي عاملة ايه دلوقتي؟
اعتدلت كارمن فوق الفراش ونظرت اليهما بستغراب:
– انتوا جيتوا هنا امتى؟!
اجابت عليها عمتها بحنان:
– من شويه يا حبيبتي.. جوزك كلم جدك امبارح وقاله اللي حصل واحنا جينا علي طول عشان نكون جنبك.
نظرت كارمن امامها وتذكرت حديث رشيد معها قبل ان تفقد الوعي، انسالت دموعها على وجنتيها واصطحبتها شهقات قوية وهي تتحدث ببكاء:
– رشيد بيقول ان ماما ماتت!!
نظرت الي عمتها وداد ووجدتها تخفض وجهها بحزن، سألت عمتها بصدمة وهي تبكي:
– كلام رشيد حقيقي!؟ ماما فعلا ماتت؟
تحدثت ازهار بحزن:
– ادعيلها يا كارمن بالرحمه.. هي مش محتاجة منك دلوقتي غير الدعاء.
تحدثت كارمن وهي تبكي بانهيار:
– لا هي كانت محتاجة مني فلوس وانا قولتلها لا.. هي كانت مش محتاجة مني غير الفلوس.. طب خلوها ترجع وانا هديها الفلوس اللي هي عايزاها بس ترجعلي تاني.
تحدثت وداد بحزن:
– لا حول ولا قوة الا بالله.. فلوس ايه بس يا بنتي اللي هي عايزاها دلوقتي! وهتعملها ايه الفلوس وهي عند اللي خلقها.. الفلوس مش هتنفعها دلوقتي بحاجة يا كارمن.. دعائك هو اللي هينفعها دلوقتي يا بنتي.. ادعيلها ربنا يرحمها ويسامحها.
بدأ عقل كارمن يستوعب حقيقة موت والدتها، صوت والدتها وهي تطرق على باب منزلها وتتحدث اليها وتطلب منها النقود، لا يزال الصوت يتردد بأذنيها، تشعر بالذنب اتجاه والدتها، تتمنى لو يعود الزمن لكانت اعطتها كل النقود التي تريدها حتى لا تتركها وترحل.
ظلت تبكي وتهمس بكلمات غير مفهومه للجالسين بالقرب منها، كانت تردد الاعتذار لوالدتها والشعور بالندم كان يقطع نياط قلبها.
عانقتها عمتها وداد بقوة وهي تربت علي ظهرها وتقرأ ما تيسر لها من أيات القرأن الكريم حتى تهدأ كارمن وترضى بقضاء الله.
وقف رشيد امام القبر بعد دفن جثمان سهير وبجواره خالد وفراج ويقف في الخلف الحاج عبد الرازق بجوار اللواء نور الدين الجبالي وبجوارهما والد رشيد الذي كان يقف حزين علي موتها ويدعي لها من قلبه بالرحمة.
كان رشيد يقف امام القبر يرفع يديه ويدعي لها بالرحمة والمغفرة، يتذكر عندما قابلها اول مرة عندما ذهب اليها مع جده لانهاء زواجها من والده، ثم مقابلته معها عندما ذهب يطلب منها الزواج من ابنتها، ذكريات كثيرة جمعتهما ومواقف عديدة، يتذكر ما كانت تفعله ويدعي لها بالرحمة والمغفرة.
انتهى كل شئ وغادر الجميع وتبقى جسد سهير اسفل التراب بمفردها امام الله.
عاد رشيد الي شقته ومعه جده ووالده وجد كارمن وفراج يريدون مقابلة كارمن لتأدية واجب العزاء.
تحدثت وداد الي كارمن واخبرتها ان الجميع في الخارج ينتظرونها لتستقبل العزاء في والدتها.
ساعدتها وداد علي ارتداء ثوب اسود وخرجت كارمن من الغرفة بجوار عمتها وهي صامته ودموعها تجمدت بداخل عيناها، وقف الجميع امامها.
استمعت كارمن الي صوت والدتها مرة أخرى وهي تناديها من خلف الباب، نظرت الي باب الشقه وصوت والدتها وطرقها القوي على الباب يتردد علي اذنيها وكأنها تسمعه حقا، تركت الجميع وركضت الي باب الشقه وقامت بفتحه وهي تتحدث بلهفه:
– ماما..
لم تجد شئ، وقفت تنظر يمينا ويسارا تبحث عن والدتها ثم عادت ببصرها اليهم وتحدثت بثقة:
– ماما كانت هنا بتنادي عليا دلوقتي.
استغرب الجميع وتبادلت النظرات بينهم، اقترب منها رشيد وتحدثت اليها بهدوء:
– مفيش حد بينادي عليكي يا كارمن!
امسك بيديها واخذها الي الداخل واغلق الباب، نزعت يديها من بين يديه بعنف وصرخت به بغضب:
– انت قفلت الباب ليه؟.. انت مش عايز ماما تيجي هنا صح؟.. انت اصلا مبتحبهاش..
ثم نظرت الي جدها وفراج وجد رشيد ووالده وتحدثت اليهم بنبرة غاضبه وهي تنظر اليهم بعدوانيه:
– انتم كلكم مبتحبوهاش.. جاين تمثلوا ان انتم زعلانين عليها بس الحقيقه انكم كلكم مرتاحين وفرحانين انها ماتت…
ثم اقتربت منهم بخطوات واسعه غاضبه وتوقفت امام جد رشيد وتحدثت بقسوة ونبرة عدوانيه:
– انت طبعا اكتر واحد في الدنيا بتكرها.. اه طبعاا.. ازاي سهير سالم تتجوز ابن اللوا نور الدين الجبالي!! لا ومش بس كده.. دي بنت سهير سالم كمان اتجوزت حفيدك!! لا.. لا.. سهير سالم وبنتها لازم يموتوا! يا اما يبعدوا عن البلد وكأنك انت وابنك وحفيدك اشتريتوا البلد كلها واحنا ملناش حق نرجع غير بأمر منك!! انت اكتر انسان يستاهل الموت مش هي.. علي الاقل سهير سالم كانت واضحة وصريحة لكن انت طول الوقت عايش جوه شخصية الراجل الشريف والحقيقه غير كده.. اكيد مفيش راجل شريف يروح يهدد ست وبنتها بالموت لو مبعدوش عن حفيده وسابوا بيتهم وحياتهم وسافروا لبلد تانيه.. مين اداك الحق ده؟ انت مين اصلا عشان تتحكم في حياتنا؟!
نظر اليها جد رشيد بصدمة! لم تبالي بصدمته ولا بصوت رشيد وهو يحاول منعها عن الحديث، وقفت امام والد رشيد وتحدثت:
– على فكرة ماما زي ما كانت بتدور على الفلوس كانت بتدور على راجل بجد يكون امانها وحمايتها.. بس للاسف من بعد بابا مقابلتش الراجل ده!! كلكم شايفين ان سهير سالم كانت بتتجوز الرجالة طمع في فلوسهم.. مفيش مرة سألتوا الرجالة دول كانوا بيتجوزوها طمع في ايه؟! انا بسألك دلوقتي قدام الكل.. انت اتجوزت ماما ليه؟
حدق بها والد رشيد بصدمة، ابتسمت ساخرة واضافت:
– مفيش حد فيكم احسن ولا اشرف من ماما.. اوعوا تفكروا انكم ملايكة..
ابتعدت عنهم ووقفت تتحدث بصوت مرتفع:
– ماما كانت احسن واشرف منكم كلكم 100 مرة.
اقترب منها رشيد وتحدث اليها بغضب:
– كارمن.. اسكتي.. كفايه.
ضحكت ساخرة وهي تنظر اليه وتحدثت بنبرة غاضبه:
– رشيد باشا الجبالي.. رشيد المظلوم اللي انا ضيعت مستقبله.. رشيد باشا اللي اتجوزني غصب عن ماما.. عارفين هو اتجوزني ليه؟! عشان شافني بنت ضعيفه ومليش شخصيه، لعبه بين ايديه يقدر يتحكم فيا وفي حياتي برحته. واهو بالمرة ينتقم من ماما على جوازها من باباه.. طبعا حفيد اللوا نور الدين الجبالي لازم ينتقم من الست اللي اتجوزت باباه من غير اذن الباشا الكبير حضرة اللوا.
نظر اليها رشيد بصدمة وتحدث بذهول:
– انتي اكيد اتجننتي!
صرخت بقسوة:
– انا فعلا اتجننت.. اتجننت لما ماما وقفت تصرخ علي باب بيتك هنا وانا مش قادرة اشوفها بسبب ان انت حبسني وقافل عليا.. انا مش مسجونه عندك عشان تتعامل معايا بالطريقه المهينه دي.. انا انسانه ومش من حق اي حد فيكم انه يهددني او يخوفني.. انا خلاص مبقتش اخاف من حد واقدر اواجه كل واحد فيكم بحقيقته.
تحدث اليها رشيد بغضب:
– المهم تبقي واثقه ان الحقايق اللي انتي بتوجهينا بيها دي هي دي الحقيقه مش اوهام من خيالك.
اجابته بقسوة:
– لو كانت اوهام من خيالي كان زمانك طلقتني من اربع سنين.. تقدر تقولي انت ليه سبتني علي ذمتك طول السنين دي! مفكرتش لحظه ان انا كنت ممكن اتجوز غيرك وانا مسافرة وطبعا كنت فاكرة انك طلقتني زي ما جدك قالنا… ! اقولك بقا انت مطلقتنيش ليه؟ عشان عايزني طول عمري اكون عبده ليك.. عايز انت بس اللي تتحكم في حياتي وعمري ومستقبلي.
نظر اليها بصدمة ثم اجاب عليها بغضب:
– لا انا مطلقتكيش عشان حاجة تانيه خالص.. عشان حبيتك.. فاهمه يعني ايه؟!
ضحكت ساخرة وتحدثت بغضب:
– وانا مش عايزة الحب ده.. ملعون اي حب يعيشني مسجونه.. انا مش هقبل ان باب البيت ده يتقفل عليا تاني.. انا اتخلقت حره وملكـ نفسي ومش هكون ملكـ ليك او لغيرك تاني.
عقد ما بين حاجبيه قائلا:
– تقصدي ايه؟!
اجابته بقوة وثقة:
– يعني انا عايزة اطلق منك دلوقتي حالا.
شهقت ازهار بصدمة وركضت وداد اتجاه كارمن قائلة بفزع:
– انتي بتقولي ايه يا بنتي.. استهدي بالله.
تحدث الحاج عبد الرازق:
– كارمن تعبانه واكيد مش في وعيها..
ثم نظر الي اللواء نور الدين وابنه وجيه واضاف:
– متأخذوناش انتوا اكيد مقدرين اللي هي فيه دلوقتي.
تحدثت كارمن باصرار:
– لا يا جدي.. انا عارفه انا بقول ايه.. انا مش هينفع اكمل حياتي مع رشيد.. احنا لحد كده وحكايتنا انتهت والافضل ان كل واحد فينا يروح لحاله.
تحدث رشيد بعناد:
– انتي عندك حق.. فعلا احنا مبقناش ننفع لبعض وكفايه لحد كده..
تأملها بعمق واضاف:
– انتي طالق يا كارمن.
هربت دمعه من عيناها وهي تستمع لكلمة الطلاق، صرخت وداد بصدمة:
– يا حزني.. لا حول ولا قوة الا بالله.. ليه كده بس يا بني!
تحدث رشيد وهو مازال ينظر الي كارمن:
– دا الافضل لينا احنا الاتنين وان شاء الله ربنا يوفقها في حياتها..
ثم اضاف وهو ينظر الي الحاج عبد الرازق:
– انا كاتب الشقه دي بأسم كارمن من اول ما اشتريتها.. هبعت حد ياخد حاجتي وان شاء الله حقوقها كلها هتوصلها كامله.
ثم نظر الي جده ووالده واضاف:
– خلينا احنا نمشي..
ثم نظر اليها نظرة اخيرة وذهب من المنزل، لحق به جده ووالده وهما ينظران الي كارمن بصمت.
انتظر الحاج عبد الرازق حتى ذهب رشيد وجده ووالده ثم تحدث الي كارمن بحزن:
– ليه عملتي كده يا بنتي؟ جوزك كان بيحبك وباقي عليكي.. ليه تهيني اهله قدامه وتهينيه قدامنا كلنا؟!
بكت كارمن وتحدثت بحزن:
– خلاص يا جدي.. انا ورشيد مبقناش ننفع لبعض بعد كل اللي حصل.. كل ما اشوفه هفتكر ماما وهحس بالذنب.
اقتربت منها عمتها وداد وربتت فوق ظهرها ثم عانقتها، انهارت كارمن بداخل حضن عمتها.
نظر فراج الي جده بقلة حيلة، اخذتها عمتها وداد الي داخل الغرفة ودلفت ازهار معهم.
اقترب فراج من جده واردف:
– وبعدين يا جدي.. هنعمل ايه دلوقتي؟
اجاب جده:
– كارمن هترجع معانا البلد وهتعيش معانا هناك.. مش هينفع نسيبها تعيش هنا لوحدها.
بعد مرور شهرين.
بداخل دوار الحاج عبد الرازق.
جلست وداد بجوار والدها وتحدثت بحزن:
– وبعدين يا ابويا.. هنسكت علي الحالة اللي كارمن فيها دي؟
تنهد الحاج عبد الرازق بحزن واجاب:
– واحنا في ايدينا ايه نعمله يا وداد.. احنا بنوديها للدكتور في مصر ومتابع معاها! مفيش في ايدينا حاجة نعملها اكتر من كده.
تحدثت وداد بعدم رضا:
– متابع معاها ايه بس يا ابويا.. دي البت مبتتكلمش مع حد فينا خالص وطول الوقت ساكته وقاعدة في الارض تتابع الفلاحين وهما بيشتغلوا وهي سرحانه وكأنها في عالم تاني!
تحدث الحاج عبد الرازق:
– واللي هي عاشته مش قليل برضه يا وداد.. سبيها لوحدها تعمل اللي هي عايزاه.. الدكتور قالنا كده.. وآكد ان محدش فينا يضغط عليها في حاجة.
تنهدت وداد بعدم رضا:
– اللي تشوفه يا ابويا.
أسفل الشمس الساطعه وسط الأراضي الزراعيه الخضراء..
جلست كارمن تتابع ما يفعله الفلاحين باهتمام، كانت تنظر إلى الأرض التي تنبت الزرع ثم يقومون الفلاحين بحصد المحصول ثم بعد ايام يقومون بتجهيز الارض لاستقبال زرع جديد وكأن حياة الارض تتجدد مع كل زرع جديد ينبت بداخلها.
تمنت لو تستطيع حصد ما عشته بعمرها السابق وتركه بعيدا عنها وبدأ حياتها من جديد.
تمنت لو تستطيع زرع الشغف والأمل والحياة والسعادة والحب بداخلها من جديد. ومن يستطيع أن يمنعها الان!
تنهدت وابتسمت وهمست الي نفسها:
– وايه يمنع ان انا انسى كل اللي فات وابدأ من جديد.. انا عايزة اعيش حياة اكون فيها مرتاحة ومبسوطة.. حياة بدون خوف، بدون هروب، بدون ناس يضغطوا عليا نفسيا، انا حره وعايزة اعيش حره.
وقفت وتحركت بخفه وكأنها فراشه تحلق بين الأزهار، تفتح ذراعيها للحياة، لا تخشى شئ بعد الان، هي تريد فقط ان تعيش وقلبها ينبض بالحياة.
سقطت فجأة على الارض فاقدة الوعي، ركض الفلاحين عليها بهلع.
صدح صوت احد الفلاحين يطالب احد الخفر بسرعة اخبار الحاج عبد الرازق بما حدث مع حفيدته.
وقاموا بأخذها الي الوحدة الصحية بالقرية بمساعدة بعض السيدات.
فتحت عينها وهي تشعر بشئ بارد يضغط علي بطنها، ابتسمت اليها الطبيب وتحدثت:
– حمدلله..
استغربت كارمن ونظرت الي يد الطبيبه وهي تكشف عليها عن طريق السونار الطبي وتنظر الي الشاشة امامها وتبتسم ثم تحدثت الطبيبه:
– الجنين وضعه تمام جدا ماشاء الله ومفيش قلق عليه.
شهقت كارمن بصدمة قائلة:
– جنين ايه؟!
نظرت اليها الطبيبه بستغراب قائلة:
– معقول انتي مش عارفه انك حامل في شهرين؟!
شهقت كارمن ونظرت الي الشاشة بجوارها وتحدثت بصدمة:
– حامل ازاي مش معقول!!.. اكيد في حاجة غلط؟!
حركت الطبيبه الجهاز واشارت بيديها علي نقطة الجنين وتحدثت بثقة:
– لا طبعا مفيش اي حاجة غلط والجنين واضح قدامي اهو.
نظرت كارمن الي النقطة التي تشير اليها الطبيبه بصدمة واسترسل لها عقلها سريعا ما حدث بينها وبين رشيد قبل طلاقهما بيوم.
اخذت الطبيبه منديلا واعطته لها لكي تجفف بطنها بعد انتهاء الكشف وعادت الطبيبه وجلست امام مكتبها لتدون لها بعض الأدوية والفيتامينات اللازمة في الشهور الأولى من الحمل.
دلفت وداد غرفة الكشف بلهفة وقلق وركضت الي كارمن تتحدث اليها بقلق:
– كارمن ايه اللي حصلك يا بنتي.. الفلاحين بيقولوا انك وقعتي في الارض فجآة..
ثم نظرت الي الطبيبه وتحدثت بلهفة:
– طمنيني يا دكتوره ايه اللي حصلها فجآة كده خلها تقع من طولها؟
انتهت الطبيبه من كتابة الدواء اللازم لها واجابت على سؤال عمة كارمن بهدوء:
– اطمني حضرتك ده بيحصل طبيعي في الشهور الأولى بس الام محتاجة تتغذى كويس جدا وتاخد الادوية دي في مواعيدها.
نظرت وداد الي كارمن بستغراب ثم نظرت الي الطبيبه مرة اخري وتحدثت بعدم فهم:
– شهور ايه اللي اولى يا دكتوره وام ايه انا مش فاهمه حاجة؟!
اجابت الطبيبه باختصار:
– بنت حضرتك حامل في شهرين.
نظرت وداد الي كارمن بابتسامة وسعادة وتحدثت بحماس:
– بجد يا كارمن.. الف مبروك يا حبيبتي.
نظرت اليها كارمن بحزن:
اقتربت منها عمتها وتحدثت بستغراب:
– مصيبة ايه يا حبيبتي بعد الشر عليكي.. دي بشرة خير عشان ترجعي لجوزك والمايه ترجع لمجاريها.
تحدثت كارمن باعتراض:
– لا يا عمتي انا مش عايزة ارجعله بالطريقه دي ومش عايزة ارجعله اساسا.
عقدت وداد ما بين حاجبيها بستغراب قائلة:
– يعني ايه يا كارمن الكلام ده؟!
اجابت كارمن بثقة وهي تضع يديها فوق بطنها بحماية:
– يعني انا مش هستخدم الطفل ده عشان ارجعله ومش عايزاه يعرف اصلا ان انا حامل.. الطفل ده انا هربيه لوحدي.
رواية كارمن الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ملك ابراهيم
– يعني أنا مش هستخدم الطفل ده عشان أرجعله ومش عايزاه يعرف أصلًا إن أنا حامل. الطفل ده أنا هربيه لوحدي.
شهقت وداد قائلة باعتراض:
– استغفر الله العظيم. إيه الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده يا كارمن! أنتِ كده بتغضبي ربنا يا بنتي. ربنا حرم اللي أنتِ عايزة تعمليه ده! وأنا مش ممكن أشجعك على كده أبدًا.
تحدثت كارمن بإصرار:
– أرجوكي يا عمتي، دي حياتي وأنا مش عايزة حد يتحكم في حياتي تاني. أنا مش هينفع أرجع لـ رشيد بعد كل اللي حصل بينا وهو مستحيل هيسامحني بعد ما أهانه أهله قدامه وأهانته قدامكم كلكم.
تحدثت وداد بحزن:
– رشيد بيحبك يا كارمن، وأكيد هيسامحك وهيقدر إن انتي كنتي زعلانة على فراق أمك الله يرحمها. سبيها لله بس وشوفي لما يعرف إن انتي حامل هيعمل إيه.
تحدثت كارمن بإصرار:
– أرجوكي يا عمتي، أنا مش عايزاه يفهم إن أنا بستخدم الطفل ده عشان أرجعله. أنا مبقتش كارمن بتاعت زمان، مبقتش أنفع رشيد خلاص.
تنهدت عمتها براحة قائلة:
– طيب يا كارمن، اللي تشوفيه. خلينا نرجع الدوار عشان ترتاحي هناك.
أومأت كارمن برأسها بالإيجاب، وذهبت مع عمتها بعد أن استمعت لإرشادات الطبيبة لمتابعة الحمل.
***
بداخل القاعة التي يجلس بداخلها الحاج عبد الرازق.
ضرب الحاج عبد الرازق بعكازة أرضًا باعتراض على حديث وداد قائلاً برفض:
– أنتِ بتقولي إيه يا وداد! أنتِ عايزاني أغضب ربنا وأخبي حملها على جوزها! أنتِ فاكراني ممكن أوافق على الكلام اللي أنتِ بتقوليه ده؟!
تحدثت وداد بحزن:
– صدقني يا أبويا، أنا قولتلها نفس كلامك ده بس هي منشفة راسها ومش عايزة تعرف جوزها.
تحدث الحاج عبد الرازق بقوة:
– دماغها الناشفة دي تتكسر. جوزها لازم يعرف إنها حامل وبعدين نشوف هنعمل إيه.
ثم نظر إلى فراج وأضاف:
– اسمعني يا فراج. أنت تتحرك دلوقتي وتاخد أول قطر لـ مصر وتروح عند رشيد وتعرفه إن مراته حامل وتتكلم معاه وتشوفه ناوي على إيه.
تحدثت وداد:
– طب ما تتصل عليه يا أبويا وعرفه وشوفه ناوي على إيه.
اعترض الحاج عبد الرازق:
– الكلام ده مينفعش في التليفون يا وداد. لازم حد مننا يسافر ويتكلم معاه ويعرفه عشان نبقى عملنا اللي علينا.
أومأ فراج برأسه بالإيجاب قائلاً:
– حاضر يا جدي، اللي تشوفه.
وقف فراج وذهب كما أمره جده. نظرت وداد إلى والدها وتحدثت بقلق:
– ربنا يستر.
تحدث الحاج عبد الرازق باقتناع:
– هو ده الصح والأصول يا وداد. وإن شاء الله ربنا يقدم اللي فيه الخير.
***
صباح اليوم التالي.
وصل فراج إلى منزل عائلة رشيد. استقبلته والدة رشيد بمفردها. أخبرها فراج أنه ابن عم كارمن ويريد رؤية رشيد.
جلست والدة رشيد تنظر إليه بغضب وتحدثت بنبرة غاضبة:
– رشيد مش موجود. تقدر تقولي اللي أنت عايز تقوله وأنا هبلغه.
تحدث فراج باحترام:
– أنا لازم أتكلم معاه بنفسي بعد إذنك. أنا جيت المشوار ده كله عشان أتكلم معاه هو.
تحدثت بنبرة حادة:
– وعايز تتكلم معاه في إيه؟ مش خلاص موضوع كارمن ده اتقفل وخلصنا منها هي ومامتها. فاضل إيه تاني في حياة ابني جايين تدمروا؟
تحدث فراج باحترام:
– حضرتك أنا جاي أتكلم معاه في موضوع مهم ولازم أقابله.
تحدثت بنبرة قوية:
– ورشيد مش موجود.
تحدث بهدوء:
– طب ممكن أعرف هييجي إمتى أو ممكن أقابل والد رشيد أو جده.
تحدثت بعجرفة:
– رشيد سافر خارج مصر بقاله شهر. وباباه عنده شغل ومش فاضي. وجده تعبان ومش بيقابل حد. وبعدين إحنا عندنا حاجات كتير أهم من كارمن ومشاكلها. يا ريت لو تبعدوا عننا وتسيبوا ابني في حاله لأنه دلوقتي اتجوز بنت من عيلة تليق بعيلتنا وبيِقضوا شهر العسل برا مصر وهيستقر هناك.
غضب فراج من أسلوبها معه في الحديث وتحدث إليها بغضب:
– وعيلة الهواري مش أقل من عيلتكم في حاجة. شاكلك متعرفيش ابنك كان مناسب عيلة مين قبل ميناسب العيلة اللي تليق بعيلتكم دلوقتي. على العموم ربنا يصلح حاله ويوفقه. عن إذنك.
تحدثت إليه بعجرفة قبل أن يذهب:
– ياريت تبلغي بنت عمك إنها تبعد عن ابني وتسيبه في حاله ومتفكرش تدخل حياته تاني لأنه مبقاش يكره حد في الدنيا قد ما بيكرهها.
وقف فراج وتحدث إليها بغضب:
– متقلقيش. اللي في قلبه ابنك مش أكتر من اللي في قلبها. وبنت عمي متعرفش إن أنا جيت أقابله النهارده وطلع عندها حق لما أصرت إنها تخلص من عيلتكم.
تركها فراج وذهب. جلست والدة رشيد مكانها تحرك قدميها بعصبية بعد حديث ابن عم كارمن معها. بعد دقائق قليلة ترجل والد رشيد من الأعلى وتحدث إليها:
– صباح الخير. قاعدة كده ليه يا ماجدة. كان في عندنا ضيوف ولا إيه؟
ارتبكت كثيرًا وتحدثت بتوتر:
– لا ضيوف إيه اللي هييجوا بدري كده. أنا هروح أحضر الفطار عشان تفطر قبل ما تروح شغلك.
تحدث إليها قبل أن تذهب:
– رشيد كلمني امبارح وطمني عليه وعلى جده وقالي إن ميعاد عملية جده اتحدد خلاص آخر الشهر الجاي.
وقفت ماجدة وتحدثت بتوتر:
– إحنا لازم نسافر لهم قبل ميعاد العملية بيوم ولا حاجة يا وجيه عشان عمي يكون مطمئن واحنا كلنا حواليه.
تحدث وجيه بتأكيد:
– إن شاء الله أكيد هنسافر لهم قبل العملية بيومين.
صمتت قليلاً ثم تحدثت:
– ربنا يشفيك يا عمي. دا كان كويس وعمره ما اشتكى من حاجة. مش عارفه تعب إيه ده اللي حصله فجأة ودمر حاله بالشكل ده.
تحدث وجيه بحزن:
– من بعد ما رشيد طلق مراته وبابا حاسس بالذنب وقلبه تعبه. والحمد لله إننا عرفنا بالمرض ده بالصدفة قبل ما ينتشر في كل جسمه.
تحدثت بغيظ:
– الحمد لله إن ابني خلص منها.
ثم نظرت إليه بمكر وأضافت:
– وإحنا خلصنا من أمها.
نظر إليها زوجها وهمس بداخله:
– الله يرحمها.
ثم وقف وتحدث بغضب:
– أنا رايح الشغل. مليش نفس أفطر.
ذهب ولم ينتظر الاستماع لحديثها. وقفت والدة رشيد تنظر أمامها بغضب بعد أن تذكرت عندما تزوج عليها زوجها من سهير والدة كارمن. اشتعلت النيران بداخلها من جديد وتضاعف الكره بداخلها وحقدها على كارمن.
***
في المساء.
عاد فراج إلى القرية ودلف الدوار وهو غاضب بعد مقابلته مع والدة رشيد ومعرفته بخبر زواج رشيد في أقل من شهر بعد طلاقه لـ كارمن.
صدح صوت فراج عاليًا وهو يتحدث إلى أحد الخفر بغضب ثم اتجه إلى القاعة التي يجلس بها جده وتحدث إليه جده بقلق:
– خير يا فراج. شكلك راجع مضايق؟
اقتربت أزهار من باب القاعة بخطوات هادئة لتسترق السمع كما اعتادت أن تفعل.
زفر فراج بعصبية وأجاب على جده:
– ياريتني ما كنت سافرت يا جدي. كارمن كان عندها حق لما قالت إنها مش عايزة تعرفه إنها حامل.
استغرب جده وتحدث بقلق:
– ليه إيه اللي حصل يا فراج؟ هو رشيد قالك إيه ضايقك كده؟
تحدث فراج بغضب:
– أنا مشوفتوش أصلًا يا جدي. الباشا اتجوز من شهر وسافر مع عروسته.
كتمت أزهار شهقتها وهي تستمع إلى حديث فراج.
بداخل القاعة تحدث الحاج عبد الرازق بصدمة:
– كلام إيه ده يا فراج؟ مين اللي قالك الكلام الفارغ ده! اتجوز إمتى وإزاي؟ دا لسه مطلق مراته ومخلصتش حتى عدتها!
تحدث فراج:
– الست أمه اللي قابلتني وقالتلي إنه اتجوز وقالتلي كلام ضايقني. شكلهم مش عارفين هما كان مناسبين عيلة مين!
تحدث الجد بصدمة:
– إيه الكلام اللي أنت بتقوله ده! طب أنت قابلت جده أو أبوه؟
تحدث فراج:
– الست أمه بتقولي إنهم مش فاضيين لنا!
تحدث الحاج عبد الرازق بصدمة وهو ينظر إلى هاتفه ويبحث عن رقم رشيد:
– أنا هكلمه كده وأفهم منه إيه الحكاية.
حاول الاتصال بهاتف رشيد لكن جاءه الرد أن هذا الرقم خارج الخدمة. نظر الحاج عبد الرازق إلى حفيده وتحدث بدهشة:
– تليفونه مقفول. وبعدين؟
تحدث فراج بغضب:
– والله هو حر بقا يا جدي. إحنا كده عملنا اللي علينا وبعدين بصراحة الست أمه دي طلعت صعبة أوي وشكل عيلته كلهم زيها ولو رجعنا بنت عمي تاني للعيلة دي يبقى بنظلمها.
تنهد الجد بحزن قائلاً:
– مش عارف هنعمل إيه دلوقتي. حرام نخبي حملها.
تحدث فراج بغضب:
– إحنا مخبيناش حاجة يا جدي. هو اللي استعجل واتجوز واحدة تانية وسافر. لما يبقا يرجع بقا يحلها ربنا.
استمعت أزهار إلى الحديث ثم تحركت بخطوات هادئة وصعدت إلى الطابق الأعلى حيث غرفة كارمن ودلفت إلى الغرفة وهي تشير بيديها ووجهها إلى والدتها وكارمن وهما يجلسان فوق الفراش معًا:
– عرفتي اللي حصل يا أمي. عرفتي اللي حصل يا كارمن!
نظروا إليها بدهشة وتحدثت وداد بقلق:
– إيه اللي حصل يا أزهار قلقتنا!
تحدثت أزهار:
– فراج رجع من مصر وبيقول إن جوز كارمن اتجوز واحدة تانية وسافر معاها.
شهقت وداد وانتفضت من مكانها بفزع تتحدث إلى ابنتها:
– أنتِ بتقولي إيه يا أزهار!
استمعت كارمن إلى حديث أزهار بهدوء لم يعتادوا عليه. جاءت مايا بتفكيرها عندما علمت أن رشيد تزوج من أخرى. سرعان ما ترتبت الأحداث بعقلها واعتقدت أن رشيد ومايا كانت تربطهما علاقة غرامية وتزوج منها رشيد بعد الطلاق. وضعت يديها فوق بطنها بحماية وكتمت حزنها بداخلها ورسمت ابتسامة هادئة على وجهها صدمت بها عمتها وداد وابنة عمتها أزهار.
حدقت بها وداد وتحدثت بصدمة:
– شكلك مش مستغربة يا كارمن إن رشيد اتجوز؟ معقول أنتِ كنتي عارفة وعشان كده مكنتيش عايزة تعرفيه إن انتي حامل؟
أجابت كارمن بهدوء:
– رشيد اختار حياته يا عمتي خلاص وربنا يوفقه فيها. أنا مش عايزة حاجة دلوقتي غير إن حملي يكمل بخير المرة دي واشوف ابني أو بنتي. ده الوحيد اللي يستاهل أعيش عشانه.
اقتربت منها عمتها وربتت على ظهرها بحنان:
– إن شاء الله يا حبيبتي ربنا يكملك على خير وتقومي بالسلامة.
***
بعد مرور شهر.
بإحدى المستشفيات بـ لندن.
تمدد الجد اللواء نور الدين الجبالي فوق الفراش قبل الاستعداد لإجراء عملية استئصال ورم.
وقف رشيد أمامه وتحدث إليه بابتسامة هادئة:
– متقلقش يا جدي إن شاء الله هتعمل العملية وتقوم بالسلامة.
تحدث الجد بحزن:
– حتى لو مت يا رشيد أنا عايزك تسامحني. أنا حاسس إن كل اللي حصلي ده كان ذنبك وذنب كارمن. أنا فرقتكم عن بعض بدل ما أجمعكم وأنا عارف أنت قد إيه بتحبها.
اقترب رشيد منه أكثر وقبل يديه قائلاً:
– القدر هو اللي فرقنا أنا وكارمن يا جدي وأنا ميهمنيش دلوقتي غير إن حضرتك تقوم بالسلامة.
ثم لمعت عينا رشيد بالدموع وأضاف:
– أنا مش متخيل حياتنا من غيرك يا جدي. أوعدني إنك تقوم بالسلامة.
بكى جده وتحدث بحزن:
– مقدرش أوعدك بحاجة مش في إيدي يا رشيد. الأعمار بيد الله وحده يا بني.
دلف وجيه والد رشيد ومعه زوجته واقتربوا من رشيد وجده وتحدث وجيه بقلق:
– عامل إيه دلوقتي يا بابا. إن شاء الله تعمل العملية وتقوم بالسلامة.
نظر اللواء نور الدين الجبالي إلى ابنه وزوجته وتحدث إليهم بحزن:
– لو مخرجتش من العملية دي عايزكم كلكم تسامحوني.
بكت ماجدة وتحدثت بحزن:
– متقولش كده يا عمي إن شاء الله هتقوم بالسلامة وترجع تنور بيتك تاني.
دلف الممرضات لتحضيره للعملية. ابتعد رشيد عن جده ووقف بعيدًا ينظر إليه بحزن وقلق.
بعد عدة ساعات من دخول اللواء نور الدين إلى غرفة العمليات، خرج الطبيب من غرفة العملية ويبدو على وجهه الحزن. اقترب منه رشيد ووالده وتحدث معه رشيد وأخبره الطبيب بكل أسف أن جده فارق الحياة أثناء إجراء العملية.
استقبل رشيد الخبر بصدمة كبيرة. كان جده بمثابة والده وصديقه وكل شيء له بالحياة.
***
عادوا جميعًا إلى مصر لدفن جثمان اللواء نور الدين، وفي اليوم التالي كان العزاء.
جلس خالد بجوار رشيد في العزاء وكان الحزن الشديد يبدو على رشيد بعد فقدان جده. تحدث خالد إلى رشيد بصوت منخفض وهو يجلس بجواره:
– أنا عارف إن الوقت مش مناسب بس في حاجة لازم تعرفها. الراجل اللي حاول يعتدي على كارمن في شقة مامتها اتقتل في شقته في إسكندرية.
نظر إليه رشيد بصدمة. تحدث خالد مرة أخرى:
– تقريبًا اللي قتله حد تبع رجالة سعد بشار وخصوصًا إن اسمه اتذكر في قضية قتل سهير. عمومًا إحنا بنعمل تحريات ولو وصلت لحاجة هبلغك.
نظر رشيد أمامه وتحدث بحزن:
– خلاص يا خالد. كل ده ملوش لازمة دلوقتي. كل حاجة انتهت.
صمت قليلاً وهو ينظر أمامه بحزن ثم أضاف:
– أنا شكلي هسافر تاني وأستقر هناك.
تحدث خالد بدهشة:
– معقول هتسافر تاني يا رشيد؟
أجاب رشيد بتأكيد:
– مبقتش عايز أعيش هنا خلاص يا خالد. وكمان بابا ممكن ينقل شغله خارج مصر وأنا هبدأ شغل معاه.
تحدث خالد:
– وكارمن؟
أجاب رشيد بغضب:
– كارمن اختارت الطلاق وأنا تعبت ومش هجري وراها تاني. كارمن في لحظة غضب قالت كل اللي جواها وعرفت هي بتفكر فيا إزاي. وبعد اللي قالته مبقناش ننفع لبعض.
تنهد خالد بحزن:
– بس كارمن بتحبك يا رشيد وأكيد موت مامتها صدمها ومكانتش في وعيها.
تحدث رشيد بغضب:
– وأنا كمان بحبها. بس كارمن قالت اللي جواها يا خالد. وبعد كلامها واهانتها ليا ولأهلي حكايتنا انتهت. خلاص.
صمت خالد قليلاً بحزن ثم تحدث بقلة حيلة:
– اللي تشوفه يا رشيد. ربنا يوفقك ويوفقها.
***
بعد ستة أشهر.
بداخل المشفى.
أنجبت كارمن طفلها وحملته بين يديها لم تريد تركه لأحد ولو لحظة واحدة. كانت تتأمله بعينيها وقلبها والدموع تنسال من عينيها بسعادة.
جلست وداد بجوارها وتحدثت إليها بسعادة:
– حمدلله على السلامة يا كارمن. ماشاء الله ابنك زي القمر ربنا يحفظه ويبارك فيه.
تحدثت أزهار بفضول:
– هتسميه إيه يا كارمن؟
نظرت كارمن إلى طفلها وتحدثت دون تردد:
– هسميه "عمر".
ابتسمت وداد وتحدثت:
– ربنا يباركلك فيه يا حبيبتي.
ابتسمت كارمن وهي تنظر إلى ابنها وهمست بداخلها:
– عمر رشيد الجبالي.
خارج غرفة كارمن بالمشفى.
جلس فراج بجوار جده الحاج عبد الرازق وتحدث بغضب:
– لو سمحت يا جدي أنا قولتلك مليون مرة أنا مستحيل أروح أسأل عليه عند الست أمه دي تاني. وبعدين هو اتجوز وسافر ومن بعدها لا حس ولا خبر. مش إحنا بقا اللي هنجري وراه ونقوله تعالي شوف ابنك!
تحدث الحاج عبد الرازق بحزن:
– يا فراج عايزين نعمل اللي علينا للآخر عشان ربنا يا ابني مش عشانه.
تحدث فراج بغضب:
– حاضر يا جدي هروحلهم تاني بس دي آخر مرة أروح للعيلة دي أسأل عليه.
تحدث الحاج عبد الرازق:
– لو ملقتوش برضه عرفهم إن كارمن خلفت ولد وهما حرين بقا يعرفوه ولا لا. إحنا كده نبقى عملنا اللي علينا.
أومأ فراج برأسه بالإيجاب وذهب من المشفى.
***
اليوم التالي.
وصل فراج أمام منزل عائلة الجبالي وكان المنزل مغلقًا ويبدو أن لا أحد بالمنزل. اقترب منه حارس المنزل وتحدث إليه:
– خير يا أستاذ حضرتك عايز مين؟
تحدث فراج باستغراب:
– عايز أي حد من عيلة الجبالي.
تحدث الحارس:
– كلهم سافروا يا باشا من بعد موت سيادة اللواء الله يرحمه.
نظر إليه فراج بصدمة:
– هو جد رشيد مات؟ مات إمتى؟
تحدث الحارس:
– من كام شهر كده يا أستاذ والعيلة كلهم سافروا وأنا شغال هنا حارس على البيت.
تحدث فراج:
– متعرفش سافروا فين؟
أجاب الحارس:
– لا والله أنا استلمت الشغل هنا بعد سفرهم ومعرفش هما سافروا فين.
أومأ فراج برأسه بتفهم وذهب.
***
بداخل الدوار جلست كارمن بداخل غرفتها تحمل ابنها وتنظر إليه وقلبها ينبض بالحياة وكأنها ولدت معه من جديد.
عاد فراج إلى الدوار وأخبر جده بموت اللواء نور الدين الجبالي منذ عدة أشهر وسفر عائلته جميعًا إلى خارج مصر.
***
بعد مرور ثلاثة أعوام على فراق كارمن ورشيد.
استطاع رشيد تأسيس عمل ضخم يشاركه به والده في إحدى الدول الأوروبية. استقر في العيش هناك ولم يفكر في العودة. كبرياؤه يمنعه من العودة أو معرفة أخبارها. كلما فكر بها يتذكر حديثها وكلماتها القاسية التي جرحته وأهانته كثيرًا أمام عائلته وعائلتها.
لم تشعر كارمن بمرور الثلاثة أعوام وهي ترى ابنها يكبر يومًا بعد يوم أمام عينيها. كانت تشغل وقتها ويومها بمتابعة ابنها. كلما كبر يوم كانت ملامحه تزداد في الشبه من والده. كانت تنظر إليه وكأنها تنظر إلى رشيد. كانت حياتها هادئة حتى توفي جدها.
جلست كارمن بجوار عمتها وداد يرتدون الثياب السود حزنًا على وفاة الحاج عبد الرازق منذ شهرين. أصبح "عمر" ابنها بعمر الثلاثة أعوام وكان يلهو ويلعب حولهم.
تحدثت كارمن إلى عمتها بهدوء:
– لو سمحتي يا عمتي كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم واستنيت يعدي على موت جدي الفترة دي عشان أعرف أتكلم معاكي.
استمعت إليها وداد باهتمام:
– قولي يا كارمن أنا سامعاكي؟
تحدثت كارمن:
– أنا من بعد موت جدي وأنا بفكر إن أنا لازم أمشي من هنا. عايزة أرجع القاهرة تاني.
تحدثت وداد بصدمة:
– ليه يا كارمن في حد زعلك في حاجة يا بنتي؟
تحدثت كارمن:
– لا طبعًا يا عمتي مفيش حد زعلني ولا حاجة بس أنا مش مرتاحة كده. وخصوصًا إن وجودي عامل مشكلة لـ أزهار. أنا فاهمة يا عمتي وعارفة إن أزهار بتحبني بس مضايقة من وجودي أنا وعمر هنا وطول الوقت خايفة وغيرانة على جوزها وبصراحة ده حقها. أنا والله مستحيل أبص لـ فراج لأني بعتبره أخويا مش ابن عمي وبس. لكن أزهار ست ومن حقها تغير وتخاف على جوزها وخصوصًا لما يبقى في ست مطلقة عايشة معاهم في نفس البيت.
خفضت وداد وجهها بحزن لأنها تعلم حقًا أن ابنتها لا تشعر بالراحة في وجود كارمن وابنها معهم بالمنزل. تحدثت وداد بحزن:
– مش عارفة أقولك إيه يا كارمن.
تحدثت كارمن برجاء:
– قولي إن انتي موافقة يا عمتي. عشان خاطري وخاطر أزهار. كده كلنا هنرتـاح.
تحدثت وداد بحيرة:
– وهتعيشي هناك لوحدك إزاي يا بنتي؟
تحدثت كارمن:
– هعيش في شقتي يا عمتي اللي كنت متجوزة فيها أنا ورشيد. رشيد كان كاتبها باسمي والشقة مقفولة من يوم ما سبتها. وكمان بفكر أعمل مشروع بفلوس الأرض بتاعتي.
نظرت إليها عمتها بتفكير وتحدثت بحزن:
– اللي تشوفيه يا كارمن. أنتِ مبقتيش صغيرة يا بنتي وأكيد هتعرفي تحافظي على ابنك وفلوسك.
ابتسمت كارمن وهي تتذكر كم كانت فتاة ساذجة بالماضي وتحدثت بثقة:
– متقلقيش يا عمتي. أنا مبقتش العيلة الصغيرة بتاعت زمان. أنا دلوقتي أم وبربي ابني لوحدي. يعني لازم أكون له الأم والأب وأقدر أحميه وأحافظ عليه وعلى فلوسي.
تحدثت وداد بقلق:
– بس هتقدري تشتغلي إزاي يا كارمن وتعملي مشروع وابنك لسه صغير ومحتاجك يا بنتي؟
تحدثت كارمن بثقة:
– أنا فكرت في المشروع خلاص يا عمتي. أنا هفتح مطعم وكافيه وهيكون فيه كيدز اريا للأطفال عشان أقدر آخد عمر معايا كل يوم وميحسش بملل هناك وفي نفس الوقت أقدر أتابع شغلي وابني قدام عيني.
تحدثت وداد بابتسامة:
– ربنا يوفقك يا حبيبتي وإن شاء الله يوسع عليكي ويباركلك في ابنك ويعوضك عن كل اللي فات.
ابتسمت كارمن وعانقت عمتها بسعادة وهي تشعر بالراحة بعد دعاء عمتها لها.
***
عادت كارمن إلى القاهرة ومعها ابنها. وقفت أمام باب شقتها وقامت بفتحه. دلفت إلى الداخل وهي تتذكر كل شيء حدث بالماضي. تتذكر خطواتها الأولى إلى داخل هذا المنزل وهي فتاة صغيرة في سن التاسعة عشر. اليوم أصبحت امرأة ناضجة في الثامنة والعشرين من عمرها ويمسك ابنها بيدها. تسعة أعوام وما مرت به خلالهم كان كافيًا لتحويلها من فتاة صغيرة مدللة إلى امرأة ناضجة.
كانت تبتسم وهي تنظر إلى كل شيء بالمنزل عكس شخصيتها السابقة التي كانت تبكي دائمًا. الآن تعلم قيمة دموعها. نظرت إلى ابنها صاحب الثلاثة أعوام وتحدثت إليه بابتسامة:
– إيه رأيك في بيتنا يا عمر؟
نظر إليها ابنها وابتسم وركض يلهو ويلعب بداخل المنزل. ابتسمت وهي تتابعه بعينيها وترى كم يشبه أباه في كل شيء. تنهدت بداخلها وهي تفكر بإصرار في العمل الجاد وإنشاء مشروعها الخاص والسعي وراء النجاح.
***
بعد مرور عامان آخرين.
استطاعت كارمن تحقيق النجاح التي أرادت الوصول إليه خلال عامان من العمل الشاق. أصبح مشروعها من أهم وأشهر المطاعم والكافيهات ويميزه وجود كيدز اريا لكي يستمتع الأمهات والآباء برفقة أبنائهم.
أكثر من خمسة أعوام ونصف مروا على طلاقها من رشيد. صاحبة الثلاثون عامًا الآن تدير مشروعًا ضخمًا وتتحمل مسؤولية تربية ابنها بمفردها. لم ترى رشيد منذ طلاقهما ومازالت تعتقد أنه تزوج وسافر إلى الخارج كما أخبرت والدته فراج منذ خمسة أعوام.
***
أمام مطار القاهرة الدولي.
وقف خالد أمام سيارته ينتظر خروج رشيد من مطار القاهرة. خمسة أعوام لم تخطِ قدميه أرض الوطن.
ظهر رشيد وهو يرتدي نظارة سوداء يخفي خلفها اشتياقه لوطنه وكل شيء فقده بهذا الوطن.
استقبله خالد بسعادة وعانقه بقوة:
– أخيرًا يا رشيد. متعرفش أنت وحشتني قد إيه.
تحدث خالد:
– واضح إن مصر وحشتك فعلًا عشان كده سبتها خمس سنين ومكنتش ناوي ترجع تاني لولا شركة باباك اللي هنا والمشاكل اللي حصلت فيها مكنتش هترجع.
تحدث رشيد:
– خلاص متزعلش أنا قاعد معاك هنا أسبوع أحِل فيه مشاكل الشركة أو أصفّيها ونخلص من مشاكلها ونرجع تاني.
صعد خالد بداخل السيارة وتحدث بنبرة ساخرة:
– ياه أسبوع بحاله!
ابتسم رشيد وصعد بجواره:
– يدوب أسبوع لأن عندي شغل كتير جدًا هناك وبابا مبقاش يقدر يدير الشغل أنت عارف.
تحدث خالد:
– عارف. ربنا يعينك.
نظر رشيد من النافذة على الطريق وخالد يقود السيارة. يطالبه قلبه أن يسأل خالد عن كارمن. لم يتوقف عقله عن التفكير بها طوال الخمسة أعوام، لكن كبرياءه يمنعه من نطق اسمها.
رواية كارمن الفصل الثلاثون 30 - بقلم ملك ابراهيم
لم يتوقف عقله عن التفكير بها طوال الخمسة أعوام، لكن كبرياءه يمنعه من نطق اسمها.
وصل خالد بالسيارة أمام منزل عائلة رشيد وتحدث إليه بتأكيد:
– بقولك إيه، انت ترتاح النهارده وتفضيلي نفسك بكرة عشان نخرج مع بعض ونتكلم شوية.. ومتقلقش، أنا اللي عازمك.
ابتسم رشيد وتحدث بمزاح:
– ياااااه، أخيرًا جه اليوم اللي تعزمني فيه!
ضحك خالد بمرح:
– عشان تعرف إن بسفرك ده ضيعت على نفسك حاجات كتير.
ابتسم رشيد وترجل من السيارة وتحدث بمزاح:
– ماشي، لما نشوف.. رغم إني متأكد إني أنا اللي هدفع في الآخر.
ضحك خالد قائلاً:
– أكيد طبعًا، أنت اللي هتدفع.. أنا هعزمك على المكان بس.
أومأ رشيد برأسه قائلاً بمزاح:
– عمرك ما هتتغير يا خالد.
ابتسم خالد وتحدث بتأكيد:
– هاجي آخدك من هنا بكرة، متنساش.. سلام.
أومأ رشيد برأسه بالإيجاب، ودلف إلى منزل عائلته.
***
بداخل غرفة مكتب كارمن بالمطعم.
– أنا آسفة جدًا يا فندم، بس صدقيني عمر ابن حضرتك هو اللي غلطان وهو اللي ضرب الولد الأول.
جلست كارمن بداخل مكتبها تستمع إلى حديث إحدى الموظفات التي تعمل بـ "كيدز أريا" التابع إلى المطعم الخاص بها، كانت تشكي لها من سلوك ابنها عمر مع باقي الأطفال. استمعت كارمن إلى شكواها وهي تنظر إلى عمر صاحب الخمسة أعوام وهو يجلس بكل كبرياء غير مبالٍ بحديث الموظفة وهي تشكي لوالدته.
وقفت كارمن من مكانها وتحدثت:
– وإيه عملتي مع مامت الولد؟
تحدثت الموظفة:
– اعتذرت لها يا فندم، ولما سألتني عن مامت عمر مقدرتش أقولها إن مامته صاحبة المكان عشان المشكلة متكبرش أكتر.
أومأت كارمن برأسها وتحدثت:
– تمام.. تقدري تتفضلي أنتِ على شغلك وأنا هتصرف في الموضوع ده.
أومأت الموظفة برأسها وعادت إلى عملها. نظرت كارمن إلى ابنها وتحدثت بغضب:
– ينفع اللي حصل ده؟! دي مش أول مشكلة من النوع ده تعملها هنا.
تحدث عمر بصوته الطفولي:
– ماما، حضرتك قولتي إنها مش أول مشكلة صح.. يعني عادي بقى.
نظرت إليه كارمن بصدمة قائلة:
– هو إيه اللي عادي.. أنت ليه ضربت الولد، أنا عايزة أفهم؟
تحدث عمر:
– عشان لما وقعني كان لازم يعتذر يا ماما وأنا قولته كده عيب، وهو قالي إنه هينادي مامته تضربني.. وكان بيخوفني بـ باباه وعشان كده أنا ضربته عشان يعرف إني مش بخاف من حد.
تحدثت كارمن بغضب:
– اللي أنت عملته ده غلط يا عمر ومش هسمحلك تكرره تاني.
تحدث عمر بحزن:
– هو بابا هيرجع إمتى من السفر بقى؟ أنا عايز بابا.
غضبت أكثر وتحدثت بنبرة حادة:
– وإنت عايز إيه من بابا دلوقتي؟ أنت طلبت مني حاجة وأنا معملتهاش؟!
تحدث عمر بصوته الطفولي:
– اشمعنى كل الولاد اللي بيجوا هنا عندهم بابا.. أنا كمان عايز يبقى عندي بابا زيهم.
نظرت إليه كارمن بحزن ثم عانقته بقوة وتحدثت إليه بصوت مكتوم من شدة رغبتها في البكاء لكنها لم تسمح لعينيها بذرف الدموع:
– أنت عندك بابا زيهم يا حبيبي، بس بابا مسافر عشان شغله وإن شاء الله هيرجع قريب.
ابتعد عنها عمر قائلاً:
– كل مرة بتقولي كده وبابا مش بيرجع.. طب هو مسافر فين وأنا أسافر عنده.
نظرت إليه كارمن بحزن وأجابت:
– صدقيني يا عمر، المرة دي أنا هكلم بابا وأقوله يرجع عشان تشوفه.
أومأ عمر برأسه بالإيجاب، وصمت. نظرت إليه كارمن بحزن وهي تفكر في رشيد وتعلم أن القادم سيكون أصعب، ولم يتوقف عمر عن السؤال عن والده.
***
مساء اليوم التالي.
توقف خالد بسيارته أمام منزل عائلة رشيد. خرج رشيد من المنزل واقترب من سيارة خالد، وقبل أن يصعد بداخلها نظر بدهشة إلى المقعد الخلفي عندما رأى طفلين يجلسون بداخل سيارة خالد.
فتح باب السيارة في المقدمة بجوار خالد وهو ينظر إلى الطفلين بدهشة قائلاً:
– مين دول يا خالد؟ معقول أولادك؟!
ابتسم خالد وتحدث وهو ينظر إلى أولاده قائلاً:
– ياسين وكيان.
ابتسم رشيد بسعادة والتفت ينظر إليهما وتحدث إليهما بلطف وبدأ يتعرف عليهما بطريقة مرحة. كيان صاحبة السبعة أعوام وشقيقها ياسين صاحب الخمسة أعوام. تحدث خالد إلى رشيد بقلة حيلة:
– نهى لما عرفت إني أجازة من شغلي النهارده سابت الولاد وراحت مع مامتها عند الدكتور وأنا لبست الولاد وملقتش حل غير إني أجيبهم وأخرجهم معانا.
نظر رشيد إلى الأولاد وتحدث بدهشة:
– هنخرجهم معانا إزاي؟!
تحدث خالد بثقة:
– أنا سمعت عن مطعم حلو أوي وفيه "كيدز أريا" للأطفال.. إحنا هنقعد في المطعم والولاد في "كيدز أريا" يلعبوا.
تحدث رشيد:
– طب ما نأجلها ونخليها مرة تانية وخلاص.
تحدث خالد بإصرار:
– ده أنا واخد إجازة النهارده بالعافية عشان أقعد معاك شوية ومش هعرف آخد إجازة تاني.
تحدث رشيد بتردد:
– أنا بصراحة مش متخيل إننا نخرج ومعانا الأولاد!
تحدث خالد بثقة:
– متقلقش.. المكان اللي إحنا هنروحه ده كل الناس بيشكروا فيه، وحتى نهى مراتي كانت هناك امبارح بالأولاد وقالت إن المكان كويس.
تحدث رشيد وهو ينظر ويبتسم إلى أولاد خالد:
– خلاص تمام.. خلينا نروح.
***
بداخل غرفة مكتب كارمن بالمطعم.
تحدثت كارمن إلى عمر:
– عمر، أنا عندي شغل كتير النهارده وحسابات لازم أراجعها.. ممكن تروح تلعب في "كيدز أريا" بس من غير مشاكل.
تحدث عمر وهو يركض إلى خارج غرفة المكتب:
– حاضر يا ماما.
خرج عمر وركض ليلعب في المكان المخصص للأطفال.
وصل خالد بسيارته أمام المطعم. ترجل من السيارة وساعد أولاده على الخروج من السيارة. وقف رشيد يضحك وتحدث إلى خالد بنبرة مرحة:
– الله يعينك بصراحة.. أنا مش مصدق اللي أنت فيه ده!
تحدث خالد بغيظ:
– اضحك براحتك، بكرة تتجوز ويبقى عندك أولاد وأنا أشمت فيك زي ما أنت شمتان فيا كده.
تبدلت ملامح رشيد إلى الحزن وشرد في كارمن سريعًا، لم يلاحظ خالد تبدل ملامح رشيد وذهب يسأل عن المكان المخصص للأطفال. بعد دقائق قليلة عاد خالد إلى رشيد وجلس الاثنان معًا بداخل المطعم.
***
بداخل المكان المخصص للأطفال.
اقترب ياسين ابن خالد من عمر وتحدث معه بصوته الطفولي:
– أنت لسه هنا بتلعب! على فكرة أنا جبتلك بابا معايا المرة دي وهو ظابط وهيقبض عليك.
نظر إليه عمر بسخرية ثم ابتسم بثقة وتركه وذهب يلعب في مكان آخر. غضب ياسين من تجاهله له وذهب خلفه وقام بدفعه على إحدى الألعاب. صرخت كيان أخت ياسين عندما وقف عمر من جديد واقترب من شقيقها وحدثت بينهما مشاجرة. ركضت إليهما المشرفة وعدد من الموظفات المسؤولات عن الأطفال.
ركضت كيان إلى والدها بالمطعم وهي تبكي وأخبرته أن شقيقها يتشاجر مع طفل آخر وسبق والاثنان تشاجرا أمس. وقف خالد بسرعة ووقف رشيد وذهب الاثنان إلى المكان المخصص للأطفال.
اقترب خالد من ابنه ونظر إلى وجهه بعد أن أصابه عمر بأظافره ثم نظر إلى عمر والمشرفة المسؤولة وتحدث إليها بغضب:
– إيه التهريج اللي بيحصل هنا ده! إزاي أسيب ابني هنا خمس دقايق بس وأرجع ألاقيه متبهدل كده؟!
أجاب عليه عمر بصوته الطفولي الغاضب:
– هو اللي بدأ الأول وبيخوفني عشان باباه ظابط.
نظر رشيد إلى الطفل الذي يتحدث بكل قوة وأعجب بقوة شخصيته رغم صغر سنه.
انسحبت إحدى الموظفات وذهبت لتخبر مديرة المطعم بما حدث.
تحدث ياسين ابن خالد وهو يتحامى في والده:
– آه بابا ظابط وهيقبض عليك دلوقتي.
تحدث خالد إلى ابنه بغضب:
– عيب كده يا ياسين.. ثم نظر إلى الطفل الذي يقف أمامه بكل قوة وتحدي:
– أنت باباك فين عشان نتكلم معاه.. أكيد أنا مش هقف أتكلم مع عيل صغير.
تحدث عمر بتحدي:
– بابا مسافر وأنا مش صغير.
تحدثت المشرفة المسؤولة عن الأطفال باعتذار:
– أنا بعتذر جدًا لحضرتك يا فندم بس فعلًا ابن حضرتك اللي بدأ الأول ووقع عمر وده كان بسبب مشكلة حصلت بينهم امبارح ومدام حضرتك تفهمت المشكلة.
تحدث إليها رشيد بغضب:
– الأطفال دول مش غلطانين.. الغلط والتقصير منكم أنتم.. تقدري تقولي لنا إنتوا كنتوا فين والأطفال بيضربوا بعض بالشكل ده؟
خفضت المشرفة وجهها أرضًا بصمت. تحدث خالد بعصبية:
– أنا عايز المسؤول عن المكان ده حالا..
جاءت كارمن مسرعة بعد أن أخبرتها الموظفة بما حدث ورأت اثنين من الرجال يقفون أمام ابنها والمشرفة المسؤولة وصوت أحد الرجال مرتفع ويطلب المسؤول عن المكان.
توقفت كارمن خلفهما وتحدثت بثقة:
– خير، حضرتك أنا المسؤولة هنا.
التفت الاثنان ينظرون إليها. حدق بها خالد بصدمة وهمس بدهشة:
– كارمن.
ارتجف جسد كارمن قليلاً عندما رأت رشيد وتعلقت عيناها بعينيه.
أسرعت دقات قلبه بقوة عند رؤيتها ووقف يتأملها بصدمة. لا يصدق عينيه! كارمن أمامه الآن! لكنها تبدلت كثيرًا عن الماضي، لا تزال جميلة كما كانت بل أصبحت أكثر جمالاً، وتبدو أيضًا أكثر جدية بثيابها الرسمية الأنيقة ووقفتها الواثقة أمامه.
سرعان ما عادت بذكرياتها إلى الماضي وتذكرت لحظات كثيرة جمعتهما معًا، لكنها لم تستسلم لتلك الذكريات أن تأخذها من الواقع الذي تعيشه الآن، عليها مواجهة هذه اللحظة، تعلم أن هذه المواجهة كانت ستأتي يومًا ما وعليها المواجهة بقوة ودون تردد.
حاولت إظهار عكس ما تشعر به وتمسكت بقوتها ووقفتها الواثقة، أبعدت عيناها عن رشيد ونظرت إلى ابنها. تحدث خالد بصدمة وهو يحرك عينيه بين كارمن ورشيد:
– كارمن.. إزيك.. أنتِ بتشتغلي هنا؟!
نظرت إليه وقبل أن تجيب على سؤاله، أجابته المشرفة عليه:
– مدام كارمن صاحبة المطعم.
نظر رشيد إلى المشرفة بدهشة ثم عاد ببصره إلى كارمن.
تحدث عمر بصوته الطفولي وهو يقترب من كارمن:
– ماما، صدقيني أنا مش غلطان المرة دي وهو اللي بدأ الأول.
فتح رشيد عينيه بصدمة وهو ينظر إلى الطفل الذي يقترب من كارمن ويتحدث إليها بثقة ويقول إنها أمه. نظر خالد إلى الطفل بصدمة هو الآخر ثم إلى رشيد.
عقد رشيد ما بين حاجبيه بدهشة وهو ينظر إلى الطفل باهتمام.
توترت كارمن وأمسكت بيد ابنها وتحدثت بصوت حاولت أن يبدو طبيعيًا:
– إيه اللي حصل؟
تحدث عمر بصوته الطفولي:
– الولد ده يا ماما اللي كان بيحاول يخوفني امبارح، والنهاردة برضو بيخوفني عشان باباه ظابط.
نظرت كارمن إلى ابنها ثم نظرت إلى رشيد وتحدثت بصوت بارد:
– ممكن أعرف إيه المشكلة؟!
استغرب رشيد من قوتها الظاهرة أمامهم وبرودة صوتها، مازالت هي بنفس ملامحها الرقيقة لكن نظراتها وصوتها لامرأة أخرى، امرأة قوية مسؤولة تقف أمامهما بكل ثقة.
تحدث إليها رشيد وهو ينظر إلى الطفل باهتمام:
– ده ابنك؟
كان قلبها ينبض بسرعة وجسدها يرتجف قليلاً، حاولت إخفاء توترها وأجابت بثقة:
– آه ابني.
تحدث مرة أخرى باهتمام:
– أنتِ اتجوزتي تاني؟!
نظرت إليه بصدمة ولم تجب على سؤاله. انتظر رشيد إجابتها ثم نظر إلى الطفل وبدأ في التفكير ومقارنة عمر الطفل بعمر ابن خالد صاحب الخمسة أعوام وبدأ يتسلل الشك إلى داخله أن هذا الطفل من المحتمل أن يكون ابنه.
نظرت كارمن إلى المشرفة وتحدثت إليها:
– خلي عمر معاكي وتابعي شغلك وهنتكلم في المشكلة اللي حصلت دي بعدين.
أومأت المشرفة برأسها بتوتر وأخذت عمر وذهبت لتتابع عملها. نظرت كارمن إلى خالد وتحدثت إليه بثقة:
– اتفضلوا المكتب نتكلم.
نظر خالد إلى رشيد. تابع رشيد بعينيه ذهاب عمر مع المشرفة وابتعده عنهما، ثم عاد ببصره إلى كارمن وتأملها بدهشة؛ لا يصدق أن هذه المرأة القوية التي تقف أمامه هي كارمن الفتاة المدللة الساذجة التي تزوجها في الماضي.
تركتهم كارمن وعادت إلى غرفة مكتبها، تحدث خالد إلى رشيد بدهشة:
– رشيد.. معقول الولد ده ابنك؟!
نظر رشيد باتجاه عمر وخفق قلبه بقوة، ثم عاد ببصره إلى خالد وأجاب عليه:
– مش عارف يا خالد.. ثم نظر إلى غرفة مكتبها وتحدث بإصرار:
– أنا لازم أعرف منها الولد ده ابن مين.
ترك خالد يقف مع أولاده وذهب هو خلف كارمن إلى غرفة مكتبها. تقدم إلى الداخل وهو ينظر حوله بعدم تصديق، ما زال لا يصدق أن الفتاة الصغيرة المدللة أصبحت سيدة أعمال ولها مشروع ضخم تقوم بإدارته بمفردها.
كانت كارمن تنتظره بغرفة مكتبها وهي تحاول رسم الجدية والهدوء على ملامح وجهها. وقف رشيد أمامها وهو يتأملها باهتمام وتركيز. توترت من نظراته إليها وتحدثت إليه ببرود:
– حمدلله على السلامة.
عقد ما بين حاجبيه وتحدث إليها:
– أنتِ كنتِ عارفة إني مسافر؟
أجابته بهدوء:
– في الحقيقة مكنتش مهتمة أعرف وعرفت بالصدفة.
استغرب ردها البارد عليه وتحدث إليها بغضب:
– أنا سألتك سؤال برا وأنتِ لسه مردتيش.. أنتِ اتجوزتي تاني؟
نظرت إليه بقوة وأجابت:
– رغم إن ده سؤال شخصي ومش من حقك تسأله بس أنا هجاوب عليه لأني عارفة أنت ليه بتسأل السؤال ده.
نظر إليها باستغراب، لا يصدق أن هذه كارمن التي يعرفها وتزوجها. لم تهتم بدهشته كثيرًا وأجابت عليه:
– لا متجوزتش.
تحدث إليها بصدمة:
– والولد اللي برا ده يبقى ابن مين؟
نظرت إليه وهي تفكر في الإجابة ثم أجابت عليه بثقة:
– يبقى ابني..
تحدث بغضب:
– ومين أبوه؟!
أجابت بثقة:
– أنت.
تفاجأ من ردها ونظر إليها بصدمة. نظرت إليه بتحدي وأضافت:
– أكيد مش هينفع أخبي عليك حاجة زي كده وخصوصًا إن عمر شايل اسمك.. عمر رشيد الجبالي.
صرخ بها بصدمة:
– أنتِ بتقولي إيه!! يعني الطفل ده ابني وأنا معرفش.. أنتِ إزاي تخبي عليا حاجة زي كده كل السنين دي؟!
أجابته بصراخ هي الأخرى:
– أنا مخبتش حاجة!! أنت اللي سبتني ورميت كل حاجة ورا ضهرك وسافرت.. كنت عايزني أعمل إيه؟ أكيد مكنتش هسافر وراك وأدور عليك عشان أقولك إن عندك ابن!!
تحدثت إليها بغضب:
– كنتِ تقدري توصليلي بمليون طريقة بس أنتِ اخترتي تحرميني من ابني كل السنين دي ومين عارف لو مكنتش قابلتك النهاردة أكيد مكنتش هعرف إن عندي ابن.
تحدثت إليها بغضب:
– أنت اللي حرمت نفسك من ابنك وحرمته منك لما سافرت ومفكرتش غير في نفسك وبس.. على الأقل أنا اتحملت مسؤولية تربيته لوحدي وكنت له الأب والأم طول الخمس سنين.. لكن أنت عملت إيه! روحت اتجوزت بعد طلاقنا بشهر واحد وعشت حياتك.
نظر إليها رشيد بصدمة قائلاً:
– جواز إيه؟! مين ده اللي اتجوز؟ أنتِ بتقولي إيه؟! أنا جدي مات بعد طلاقنا بشهرين ومقدرتش أعيش في البلد دي بعد كل اللي حصل بينا وعشان كده سافرت.
وقفت تنظر إليه بصدمة ثم تحدثت بعناد:
– كل ده ميهمنيش.. المهم دلوقتي إنك عرفت إن عندك ابن.. وكمان ابني طول الوقت بيسأل عنك وأنا مبقتش عارفة أقوله إيه وكل ما بيكبر أسئلته عنك بتكتر.
حدق بها رشيد بصدمة قائلاً:
– أنتِ إزاي بتتكلمي عادي كده!! أنتِ مش عارفة أنتِ عملتي إيه؟! أنتِ حرمتيني من ابني خمس سنين.. حرمتيني من إني ألمسه بإيدي وهو لسه مولود.. حرمتيني أشوفه وهو بيكبر قدامي.. وبعد خمس سنين بتفاجئيني إن عندي ابن وبتتكلمي عادي وكأنك معملتيش حاجة؟!
تلألأت عيناها بالدموع وأجابت عليه:
– أنت اللي معملتش أي حاجة يا رشيد عشان تستحق إنك تعيش مع ابنك كل اللحظات اللي اتحرمت منها.
تحدثت إليها بغضب:
– وأنتِ ملكيش الحق تحرميني منه.
تحدثت بدهشة:
– أنا مستحيل أحرمك منه.. عمر محتاج لك وكل ما هيكبر هيحتاجك أكتر وأنا مش عايزة ابني يعيش ويتربى من غير أب ويحس بـ اللي أنا كنت بحس بيه وأنا من غير أب.
تحدث رشيد بغضب:
– عمر لازم يعرف إني أبوه.
تحدثت بالإيجاب:
– هو دايماً بيسأل عليك وأنا قولته إنك مسافر وكنت وعدته إنك هترجع قريب.. خلينا نستنى يومين كده وأنا هقوله إنك رجعت من السفر.
تحدثت إليها بغضب:
– أنا مش هستنى أيام وابني لازم يعرف دلوقتي حالا إني أبوه.
تحدثت هي الأخرى بغضب:
– وأنا مش هأذي ابني نفسيًا عشانك!! عمر عارف إن باباه مسافر والولد ذكي جدًا وأكيد لو خرجت دلوقتي وقلت له إنك باباه الولد مش هيصدق.. وأنا مش مستعدة أخسر ثقة ابني.
رمقها بنظرات غاضبة، وقفت أمامه تنظر إليه بقوة وتحدي ثم أضافت:
– لو سمحت يا رشيد.. بلاش تدخل ابننا في أي مشاكل كانت بينا.. الولد هيعرف إنك باباه.. بس في الوقت المناسب.
تحدث رشيد بغضب:
– والوقت المناسب ده هيجي إمتى؟
أجابت ببرود:
– لما ألاقي طريقة أقدر أفهمه بيها سبب انفصالنا عن بعض.
هز رشيد رأسه بذهول قائلاً لها:
– مكنتش أعرف إن السنين بتغير أوي كده يا كارمن!! مين يصدق إن أنتِ كارمن اللي كانت بتخاف من أقل شيء ورجليها تقف من شدة الخوف.
أومأت برأسها بالإيجاب قائلة:
– أنا مبقتش أخاف غير على ابني وعشان أحميه لازم أكون الشخصية اللي قدامك دلوقتي واللي أنت مش مصدق إنها كارمن.