لم يكد الغفير أن يكمل كلمته تحت صدمتهم، حتى دخل عليهم حمزة وهو يستند على رجلين آخرين، ورأسه مغطاة بالشاش الأبيض ويده بالجبيرة البيضاء. لتطلق أمه صرخة عالية وهي تقترب منه ببكاء: "ولدي أي اللي جرالك يا ولدي؟ لينظر إليها بوهن وضعف: "أنا بخير يا أمي، متخافيش." ليقترب منه والده بهيبة: "إيه اللي حصل فيك ده؟ ليجلس حمزة على الكرسي بضعف وهو يمسك رأسه بهدوء: "مفيش، الجرار كان فيه عطل ومخدتش بالي منه."
كانت تتابع ما يحدث بتوتر وهدوء لم يظهر جلياً على وجهها. كانت تنظر إلى وجهه الدامي المضمد ويده، حتى فاقت على صوت الحاج جابر، والده، وهو يهتف بجمود: "سندى جوزك يا زهراء واطلعوا على أوضتكم عشان يريح." جدته هبابة. لتحول أنظارها على حمزة الجالس أمامهم بتعب، لتبتلع ريقها بهدوء وتقترب منه بخفة. ليرفع هو عيونه عليها بجمود وينظر إلى الجانب الآخر بضيق: "لأ، أنا هروح فرشتي لحالي." ليهتف والده بصرامة:
"أوضتك أنت ومرتك فوق، هتساندك لفوق، يلااا." ليقف وهو يتأفف بضيق وتعب وهو يسير مترنحاً. ليمسك رأسه بألم بيظه السليمة، فتتمسك هي بيده الأخرى بخفة لتسانده حتى لا يقع. لينظر إلى الجانب الآخر بضيق ويسيروا من أمام والده ووالدته. ليهمس إليها بضيق: "بعدي إيدك دي عني." لتنفخ بضيق وهي تمسك يده أكثر: "يعني أنا هموت وأمسك إيدك مثلاً؟ أنا كمان مش عايزة أقرب منك، بس عشان خاطر الحاج جابر مش أكتر."
لينفخ بضيق من عنادها ويصعدوا سوياً إلى الأعلى تحت نظرات جابر وزوجته. لتهتف زوجته بقلق: "هروح أجيب كمادة عشان يغير على جرحه يا حج." ليهتف جابر بصرامة: "لأ، خليها مرته تغير له على الجرح. شيعي ليهم الحاجة فوق." لتهز رأسها بموافقة، فهي لا تقدر أن تعارضه بشيء في حالته تلك. "آآآآه، انتي بهيمة بترمينى أكده! لتترك يده ببرود وتبتعد عنه بضيق وتهتف ببرود:
"مش أنت اللي طول الطريق بتقول لي ابعدي إيدك، ابعدي إيدك. أصينى سبتك خالص أهو." لينظر إليها بغل وغضب: "أنا معرفش داهية إيه اللي حدفتك عليا يا حورمة انتي." لتنظر إليه بغيظ وقرف: "حورمة!!! ما تحسن ملافظك يا عم انت." تنهد بضيق وتعب وهو يتمدد على السرير بتعب. فهو لا يقدر الرد عليها الآن، وإلا كان كسر عظمها حتى لا ترد عليه تلك الردود السخيفة مرة أخرى.
كادت أن تذهب من الغرفة إلا عندما وجدت الخادمة أمام الباب بالشاش والأغراض الأخرى لتغير الجرح. لتهتف بهدوء: "الحج جابر وصل الحاجات دي عشان تغيري على جرح حمزة بيه." لتتنهد بضيق: "ماشي، هاتيهم." لتاخذ منها الأغراض وتغلق الباب وهي تنظر إلى ذلك المُمدد على السرير ويغمض عيونه بتعب. لتزفر بضيق وتهمس بداخلها: "عشان أنا السبب في اللي حصله ده، هساعده مش أكتر."
لتقترب منه بهدوء وجلست بجانبه على السرير ومدت يدها نحو يده المصابة. ليفتح عيونه بسرعة عندما لمست يدها جسده، ليعقد حاجبيه بغضب وينتفض من جانبها: "إيه اللي بتعمليه ده؟ بعدي عني." لتنظر إليه بضيق: "على فكرة أنا كنت عايزة أغير لك على الجرح مش أكتر." ليمسك يدها بقوة بيده السليمة وينظر إليها بغل وغضب: "اسمعي يا بت انتي، شغل الوعي بتاع مصر ده مش بياكل معايا، انتي فاهمة؟
فبعدي عني خالص. ولو فكرة إن صفية مش هنا يبقى كده انتي مرتي، لأ، صفية بس اللي مرتي و هتفضل مرتي، انتي فاهمة." ليترك يدها بقوة ويتركها ويتجه إلى الحمام بضيق. لتنظر إلى أثره بدموع: "بكرة تعرف مين اللي بيعمل شغل الوعي يا حمزة." "انت مفكر نفسك رايح فين؟ انت مجنون يا محمد عايز تروح لها برجليك؟!! هتفت والدته بتلك الكلمات بغضب وقلق وهي تراه يحزم أمتعته وأغراضه. ليهتف بجمود:
"هروح لزهراء يا أمي، يعني هروح لها. عايزاني أسيبها إزاي في الصعيد بكل المشاكل دي لوحدها؟ أنا كنت في يوم من الأيام جوزها برده." لتهتف بضيق: "اديك قولت كنت جوزها. إيه اللي يجبرك إنك تروح للمشاكل والدم برجليك؟ ليقفل سحاب حقيبته الكبيرة وينظر إليها بهدوء: "عشان بحبها، وأنتي عارفة إني عمري ما هحب ولا حبيت قد زهراء. ولولا الظروف اللي حصلت ما كنتش طلقتها وخليتها على ذمتي طول العمر." لتمسك والدته يده برجاء:
"والنبي يا محمد خليك هنا، أنت ابني. كده بتجيب المشاكل لنفسك. هي هتعرف تتصرف. وجودك هياذيك ويأذيها." ليمسك حقيبته بجمود: "أنا ماشي يا أمي." ليجر حقيبته خلفه ويخرج خارج المنزل بعزم وتصميم على الذهاب لمساندة زهراء في طريقها. بينما ودعته أمه بحزن ودموع لتهتف بقهر: "ربنا يرجعك بالسلامة يا ابني، أنت رايح لطريق الدم برجليك." سمعت طرقات من الباب لتسمح للطارق بالدخول. ليدخل إليها بهدوء ويبتسم بابتسامة تحمل
كل معاني الحب حد النخاع: "العشاء جاهز يا صفية." هزت رأسها بالنفي: "لأ، شكراً يا واد عمي. سبقتك مع الدادة هنية من هبابة." تنهد بحزن وهو يقترب منها وهي جالسة مكانها على المكتب بأسدال الصلاة الواسع: "انتِ من وقت ما جيتي يا صفية، وانتي بتتهربي مني. مش عارف لييه؟ للدرجة دي مش حبااني ولا طايقة وجودي." هزت رأسها بخفوت هادئ: "لأ يا واد عمي، كل الحكاية إني بحط حدود لنفسي كواحدة متجوزة وجوزي بعيد عني." ليبتسم بسخرية وألم:
"متجوزة، آآآه. قولتلي إلى سبتيه ليلة فرحكم." وقفت أمامه بعصبية: "إيه يا واد عمي، اللي هنعيده هنزيده؟ إياك جبل سابج جولتلك إني هنا بإرادتي وفترة وهاروح تاني. أعمل لحالي كرامة وسطى، وفي وسط أهله وناسه. بس أكده بتخليني ألم خلجاتي وهعيش بعيد عن الكل وأريحك." تنفس بضيق: "صفية، أنا مش قصدي حاجة. المكان ده بيتك وتقعدي فيها طول عمرك. وجودك خفيف. أنا قصدي تخفي حدة التعامل اللي بينا دي ونتعامل عادي." نظرت بجانبها باقتضاب:
"إن شاء الله." ليتنهد بيأس وكاد أن يغادر، لكن استمع إلى حديثها المتذمر: "ابجى اتحدت صعيدي يا واد عمي، متخليش مصر تنسيك أصلك." ليبتسم إليها بهدوء: "حاضر يا صغية." ليتركها ويغادر ويغلق الباب خلفه. لتتنهد بضيق وهي ترمي على السرير بتعب. فاليوم قرأت الكثير من الكتب لتستطيع إجراء امتحان المعادلة لتلتحق بكلية التجارة بعد الدبلوم.
لتغمض عيونها باشتياق لتأتي على ذاكرتها ذكرياتها هي وحمزة في الكثير من الأوقات. لترتسم البسمة على وجهها بخفوت وهي تتذكر ذلك الموقف. "وبعدين لك يا واد عمي أكده هات لي المنجاية اللي هناك دي." هتفت بها بضيق وهي واقفة تحت الشجرة بانتظاره. بينما هو جلس على الشجرة بمرح وبدأ يقشر المانجا ويأكلها. وهي تتطلع إليه بغيظ وتدب رجليها بالأرض: "والله هاجول لعمي يبهدلك عشان مش بتجيب لي مانجا." ليضحك عليها بتسلية:
"وه عم تهدديني عاد يا بت عمي." لتعقد يديها بضيق وتعطيه ظهرها: "أيوه، ومحارباك. متكلمنيش واصل." لينزل من الشجرة بخفة ويقف خلفها: "طيب بصي لي أكده، متبقيش حزوقة." لتهز كتفها بالرفض وتظل على وضعها. ليضع الكثير من المانجا أمامها ويلتفت إليها. لتصرخ بفرح: "وه كل دي ليا لحالي؟ ليبتسم بحب: "أما ليا غيرك عاد أجيب له مانجا." لتبتسم له بحب: "تسلم لي يا وااد عمي يا غالي." مسحت دموعها التي نزلت على تلك الذكرى لتهمس بداخلها بشوق:
"اتوحتك جوي جوي يا حمزة. لازم أشوفك دلوجت." لتلبس عابايتها السوداء سريعاً ملبية لنداء قلبها بالاشتياق. لتتسحب بخفة وتتجه إلى وجهتها المنشودة. "انت اللي بوظت الجرار بتاعه عشان تقتل حمزة صح؟! هتفت زهراء بتلك الكلمات بضيق وغضب على الهاتف. ليرد عليها الآخر ببرود: "وإيه يعني؟ موته هياثر عليكي في حاجة؟ لتهتف بغضب: "أيوه طبعاً، مين اللي هيهتم بيه غيري؟
وساعتها العين كلها هتبقى عليا. وأنا قولتلك مية مرة مش هشيل شيلة مش شيلتي." ليرجع الآخر بكرسيه إلى الخلف ويهتف بالتليفون وباليد الأخرى يلعب بمفتاح. ليهمس بمكر لها: "بس المفتاح يستاهل إنك تشيلي شيلتك وشيلتنا يا زهراء، مش كده." لتغمض عيونها بحزن وألم عندما تذكرت ذلك المفتاح التي أقحمت نفسها بداخل تلك الدوامة بسببه. "انت عايز مني إيه دلوقتي؟ ليهتف بمكر:
"قميص نوم حلو وشموع وليلة حلوة ونور هادي وحمزة باشا. واسمع خبر إنك حامل منه في أسرع وقت." لتصرخ به بغضب: "انت مجنون؟ إيه القرف اللي بتقوله ده؟ ده مش طايق يشوف خلقتي اصلا!!!!! ليصرخ بها بغضب: "اسمعي يا بت انتي، أنا اللي عندي قولته. ولسانك الطويل ده هقطعه بس أخلص من حكاية حمزة الأول. فاعقلي كده. وعايزك تعرفي المفتاح قصاد حملك من حمزة، انتي فاهمة." ليغلق الهاتف في وجهها بغضب. بينما هي سقطت على الأرض بانهيار وتعب:
"يارب، أنا تعبت والله تعبت. أخليه يقرب مني إزاي؟ إزاي بس؟!!!!! مرت ساعات الليل على الجميع حيث تعدت الثالثة فجراً تزامناً مع دخول حمزة إلى الداخل وهو يترنح من السكر حيث قد شرب الكثير من الخمر. ليدخل إلى غرفته التي كانت ستصبح غرفته هو وصفية مترنحاً وهو يمسك رأسه بألم. ثوانٍ ليفتح عيونه على الغرفة المزينة بالشموع والورد والأضواء الخافتة.
ليعقد حاجبيه بتعجب. ثوانٍ وفتح عيونه من الصدمة والإعجاب من تلك الحورية التي أمامه بشعرها المفرود وقوامها المشدود بثيابها القصير. ليهمس بشوق: "صفية!!!!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!