تحميل رواية «لا تخبري زوجتي (زهرة)» PDF
بقلم الكاتب اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ب مونت كارلورواية لا تخبري زوجتي الفصل الأول 1لم أكن قادره علي فتح فمي، لقد حذرني بالموت منذ صغري، ترسخت الفكره في ذهني بعد أن وجدو دعاء صديقتي مذبوحه في المصرف القريب منا، بداء الأمر في عمر التاسعه عندما كنت العب ودعاء علي السلم، حينها اغرانا بقطع شيكولاته جميله، اجلسنا علي حجره بالتناوب ووعدنا بمزيد من الايس كريم والشيكولا اذا حضرنا كل يوم دون أن نخبر أهلنا، كنا أطفال ولم نتمكن من مقاومة الشيكولالكن دعاء شعرت بالألم بعد أن قام بقرصها حتي احمر جسدهاحينها قالت لي انها لم تذهب هناك مره اخري، بعده...
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
ألقت سولين اللوم على آدم بكل موضوعية وصراحة.
"أنت سمحت بحدوث ذلك بلامبالاتك وغبائك. كنت تعلم ما هي مقبلة عليه، صارحتك وحدك بطبيعة مشاكلها، رغم ذلك اخترت أن تتركها وحيدة في الصراع."
صرخ آدم: "لم أفعل ذلك، اصمتي، أنت لا تفهمين شيئاً. اعتقدت أن زهرة قادرة على حل مشاكلها وصدقتها."
"تري ما أدى إليه ذلك سيد آدم؟ كدنا أن نفقد زهرة، والآن هناك شخص مجرم يتربص بها؟"
"ستقبض عليه الشرطة،" دافع آدم عن موقفه.
"وإذا لم تفعل سأقتله بنفسي."
"لديك الكثير من الصفات الحسنة، لا أنكر ذلك سيد آدم، لكن ليس من بينها قدرتك على القتل."
"لا فائدة من الجدال،" قالت تلا وهي تحاول أن تركز. "زهرة في خطر، علينا أن نجد طريقة لحمايتها."
"لن أتركها تمد قدمها خارج المنزل دوني،" أوضح آدم.
"سألصق بها كذبابة."
"عليك ذلك،" قالت سولين بنبرتها الحازمة. "صحح الأخطاء التي أوقعتنا فيها."
منذ عودتها من الإسكندرية وسولين ليست على طبيعتها، تعتمد نبرة هجومية، غاضبة دائماً ولا يمكن إقناعها.
يفهم آدم ذلك، يحاول بشتى الطرق عدم إثارة غضبها.
"إنها ليست مجرد خادمة، بل صديقة وأخت."
من كان يتخيل منذ خمسة عشرة سنة أن تقبل فتاة شابة متعلمة تخرجت من الجامعة للتو الإقامة مع شاب أعزب وخدمته؟ لقد كان ضرباً من الجنون. عندما دفع آدم مقابل إعلان طلب الوظيفة في الجريدة كان يدرك أن ما يطلبه مستحيل، لكنه حدث.
لقد تولت سولين خدمته بكل تفانٍ وحرص حتى الآن ولم تقصر ولا مرة في أداء مهام وظيفتها.
"عليك حمايتها آدم،" سمع آدم تحذيرات سولين التي أخرجته من شروده.
"سأفعل،" قال وهو يحدق في عيني سولين الغامضة. "سأفعل، أعدك."
"ليس هناك ما يدعو للشك عندما يقطع آدم وعد."
"نظف الطاولة،" أُمرت سولين وهي تهم بالذهاب لغرفتها.
حاولت تلا أن تعترض وتوبخها، رأت أن سولين تعدت حدودها وليس من حقها أن تعامل آدم بتلك الطريقة.
رفع آدم يده مشيراً لتلا أن تلتزم الصمت. "ليس الآن،" همس في أذن تلا، "إنه ليس الوقت المناسب."
جمع آدم الأطباق من على الطاولة ووضعها في حوض التشطيف قبل أن ينظف غطاء الطاولة ويلتقط بقايا الطعام.
"أنت لست مجبراً على ذلك،" خاطبته تلا بنبرة مشفقة. "نسيت أنك السيد هنا؟"
"لم أنس شيئاً،" أجابها آدم وهو يضع مئزراً على وسطه ويجلي الأطباق. "لقد تحملتني في أوقات أكثر تأزماً من تلك، عندما لم تكن مضطرة تماماً لذلك، في أوقات هزيمتي ونوبات انفعالي تحملت زعيقي، صراخي، لست مثالياً على الدوام."
"أقول لك،" وحدق آدم في تلا، "أنا ممتن لوجود سولين في منزلي، ولست من أنصار الحكم على الناس في أوقات ضعفهم."
"أنت تهدد بتدمير المنزل بتلك الطريقة، إذا كان شخص غريب هنا سيحتار من بينكم مالك المنزل."
"الحمد لله أنك لست غريبة،" قال آدم وهو يضحك.
"أنت تعصبني يا أخي،" انفعلت تلا. "تعلم مثلي أن بإمكانك إحضار أكثر من عشرة خادمات مثل سولين؟"
"معك حق تلا، لكنهم سيكونون مثل باتي، مجرد خدم، لن يصل أحد منهم لمنزلة سولين. سولين شريكة نجاحي المتوارية في الظل، لقد جعلتها أميرة، عبدة، جارية، عاهرة، شيخة، شحاذة متغطرسة، كل ذلك وأكثر، مع كل رسمة كنت أعمل عليها، لبلوغ التوهج والاندماج مع العدمية، سولين كانت كل هؤلاء."
"لك أن تتخيلي،" صمت آدم دقيقة قبل أن يضحك. "أن يصرخ عليك شخص قبل أذان الفجر وأنت نائم، تفتح عينيك تجده واقفاً فوق رأسك ملطخاً بالألوان مثل مهرج، يقول: قهوة بسرعة يا حثالة وينصرف!"
"وماذا يكون رد فعله؟"
"ينهض بسرعة، يعد فنجان القهوة، يضعه أمامك، يسألك بعينين ناعستين: كيف العمل؟ هل كل شيء يجري بخير؟"
"تقول نعم، ثم تأمره بالذهاب للنوم بنبرة ليست خالية من الجد."
"لقد كانت ليالٍ طويلة تمضي على هذه الشاكلة، كنت أعتزل في غرفتي أياماً كثيرة حتى يظن البعض أنني مت، ملقياً على سولين مسؤولية المنزل كاملة، ناسياً أنني لم أترك ولا جنيهاً واحداً لهم."
"تعلمين ماذا كانت تفعل سولين؟"
"كانت تبتاع كل شيء من مرتبها، النقود التي تحتفظ بها ولا مرة طالبتني برد تلك المبالغ، تنسى كثيراً كما تعلمين، لذلك لم أعلم تلك الحقيقة إلا بعد مضي ثلاثة أعوام عن طريق الصدفة."
"استخدمت سولين مالها الخاص عدة مرات من خلف ظهري لابتياع الطعام، التبغ، القهوة، سداد فواتير الكهرباء، المياه، ملء خزان بنزين السيارة وغيرها، كان المهم بالنسبة لها أن لا ينقص شيء. أن يكون كل شيء معد وجاهز، لا يمكنني أن أنسى كل ذلك وأبتلع ذيلي في فمي."
"نظف إذاً واكنس واطبخ أيها المثالي المتفاني، انسَ أنك رسام شهير صورك عبرت البحار والمحيطات واحرص أن تكون اللوحات جاهزة على آخر الشهر."
وضعت تلا حقيبتها على كتفها. "سأنصرف الآن."
"لن أعطلك وأنت تغسل الأطباق."
"تعلمين أنك لست مضطرة على المغادرة، لديك غرفتك الخاصة هنا!"
"لدي بعض الأعمال الهامة آدم، لا أملك رفاهية الوقت مثلك."
"على كل حال، على أحدهم أن ينظف خلفك، لا تنسي ذلك."
ودعتها تلا على حافة الباب، متمنياً لها ليلة سعيدة، بعدها انهار على أقرب مقعد، كان عقله أكثر ضجيجاً من أن يسمح له بمواصلة العمل.
"لا أحد يدرك مقدار قلقه على زهرة حين اختفت، لا أحداً يفهم ما يشعر به، شيء صعب ومؤلم أن تكون مضطراً للتماسك رغم دوامات الهلع داخلك من أجل الآخرين، أن تتحطم بصمت على وجهك ابتسامة تخبرهم يمكنكم الاعتماد علي."
تنهد آدم. "لست الشخص الذي يعتقدون، لكن علي أن أكون كذلك. الشيء الوحيد الذي يمكنني أن أسمح لمخاوفي بالتحليق فيه هو لوحاتي."
ارتمى على الأريكة واضعاً قدميه على طرفها وأشعل سيجارة.
كان السقف أمامه يحدق به، داخل عينيه، رسم الدخان إحدى لوحاته فوق رأسه. بدرت منه آهة طويلة.
"زهرة؟"
انهض جذعه وسيجارته لا تزال في فمه، تسلق السلم بمساعدة الدرابزين، شعر أنه كهل. كبر عدة سنوات خلال الليالي الماضية.
وصل غرفتها، طرق الباب منتظراً الرد.
"زهرة؟ لازلتِ مستيقظة؟"
كان صوته يشبه الهمس لكنه مسموع. "زهرة؟ إنه أنا."
"أعلم من أنت، في المرة القادمة لا تتسلل مثل اللصوص آدم."
"حسناً،" هكذا اطمأن آدم على زهرة المنزل.
"أحلام سعيدة دافنشيتي!"
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
يعجبني أن يعتقد البعض أنني بخير بينما أنا لست بخير على الإطلاق. ليست لدي القدرة على تحمل مسؤولية تعاسة الآخرين بسببي، فلكل شخص أوجاعه ومتاعبه الخاصة. ثم إنني لا أرحب بالشفقة مطلقًا، حتى لو في كراسة الرسم، وأرحب أن يظل جرحي غائرًا، نازفًا طالما لا يلطخ ثوب غيري.
بعد رحيل آدم، أقنعت نفسي بالنوم رغم كل التجويفات في عقلي التي تصارعني. تقلبت على فراشي عدة مرات، أخيرًا أغمضت عيني، لا أعرف كم وصل عداد الساعة حينها.
زهره: أنتِ تشخرين؟ تنخرين مثل قنفذ!
أنا: كيف تقولين ذلك يا سولين؟ إنها ليست الكلمة المناسبة التي ترغبين في سماعها مع بداية نومك!
كيف دخلتِ غرفتي دون أن أشعر؟
سولين: لأنك كنتِ مستغرقة في النوم، تصدرين صوت ما اسمه... شخير حيواني!
سولين: أنا لا أشخر.
قالت سولين وهي تنظر تجاه يديها المتشابكة: بل تشخرين، لكن يمكنك الاعتماد على كلمتي، سأعتبر ذلك سرًا.
كفاكِ مزاحًا يا سولين، طوال عمري لم أُصدر أي صوت خلال نومي. نهضت بجذعي وحدقت في سولين محاولة صدها عن أفكارها الخزعبلائية.
سولين بثبات وثقة: تشخرين.
لا أشخر وليس لديك أي إثبات على ذلك. مسرحية من تأليفك يمكنك الاستمتاع بها وأنتِ تعدين طعام الإفطار!
أخرجت سولين هاتفها، بدر منه صوت شخير واطٍ.
ها ها ها، ضحكت سولين: هذه ألحانك؟
غرقت في إحراج قاتل، أعلم أن الإنهاك المتضاعف قد يجبر الجسم على الإتيان بحركات غريبة.
وأنتِ لديكِ ما اسمه... حبيب سري، ترسلين له رسائل نصية على الواتس، تبتسمين بلا سبب، تغيرين حالة الواتس كل يوم ولا تدركين أنني أراقبك. تهتمين بجمالك وأناقتك بغير حاجة، وتسهرين لوقت متأخر من الليل تحدقين في الهاتف في انتظار رسالة قد لا تأتي.
كذب! صرخت سولين باعتراض: إنه ما اسمه... لأمر مخجل أن تتعمدي إهانتي للدفاع عن نفسك!
أقول الحقيقة يا آنسة سولين. هل كنتِ تعتقدين بغبائك أن حيلتك الشقية ستخدعني؟
منذ تلك الليلة، أنتِ تعرفينها، وأنا أعرف ما اسمه... وقعتِ في الحب.
ركلت سولين الأرض بقدمها: زهرة، لا تقولين ما اسمه... ترددّين كلامي وتخترعين أوهامًا للهروب من جريمتك.
هذا الصوت الحيواني الذي بدر منكِ أثناء نومك مسجل على هاتفي.
سأستمع له كل ليلة قبل نومي.
قلت: وأنتِ لديكِ ما اسمه حبيب سري.
زهرة توقفي عن تلقيح التهم. أنا ضد الحب. الحب لعنة لا يقع فيها إلا الأغبياء.
أخبريني بربك، ونهضت سولين بكامل طولها وأناقتها: هل أبدو لكِ طفلة مدارس تقع في الحب؟
عزيزتي سولين، نحن لا نقع في الحب باختيارنا، وليس هناك عيب أن تفصحي لي عن الحقيقة الآن وأعدك أن يكون سرًا بيني وبينك!
سولين بغضب: انتهى الكلام يا سولين هنا. ضيقت سولين عينيها: أقول إذا كنتِ تكذبين فليصيبك سهم الحب الذي تلصقينه بي!
غادرت سولين الغرفة. شعرت بغصة في قلبي. الحب... لا أرغب به مطلقًا. اختارت سولين أكثر الأشياء التي يمكنها أن تؤرقني.
لكني لست نادمة على إفحامها بالحقيقة، هذه الفتاة لديها ما اسمه؟ سر.
دون أن أدري رحت أضحك حتى وقعت على الأرض. سولين كانت تتحدث بطريقة مستحدثة مضحكة. أمسكت نفسي عن الضحك حتى لا أحرجها. رقصت بقدمي وأنا أصرخ: تقول ما اسمه ها ها.
استيقظ آدم على صوت ضجيجي. خرج من غرفته بلباس النوم. خاطب سولين الشاردة في الرواق: أهناك مشاجرة هنا؟ عراك؟
هذا الصوت المجلجل؟
الصوت آتٍ من غرفة زهرة. لا أعلم ما حدث لهذه الفتاة. منذ فتحت عينيها وهي تتفوه بالهراء. حماقات الجحيم!
ليس من عادات آدم أن ينخرط في جدال أول ما يفتح عينيه. يحتاج للهدوء، فنجان قهوة ولفافة تبغ قبل أن يفتح عقله ليوم جديد.
حسنًا، قال آدم: سأرى تلك الفتاة، هذه المشكلة لاحقًا.
بدلت ملابسي. هبطت للرواق. لا يمكن أن يمضي يومي وسولين غاضبة مني.
كيف حال الجميل؟
حدقت بي سولين بغيظ ولم تفتح فمها.
تناولت قطعة بطاطس من الطبق. ضربتني سولين بظهر ملعقة خشبية على ساعدي: ابتعدي، قالت.
رغم الوجع لم أترك قطعة البطاطس المقرمشة، لكتها في فمي وأنا أضحك: لذيذة!
سولين: هل تشكين في طبخي؟
سولين، إنها مجرد بطاطس مقلية. أنتِ لم تخترعي معجزة!
أزاحت سولين الطبق بعيدًا عني: انتظري على طاولة الطعام ولا تفتحي فمك بهذا الهراء السابق أمام آدم.
لا تقول سولين ذلك إلا إذا كان هناك شيء من الحقيقة وقع في كلامي.
تنهدت، يبدو أنني في الطريق الصحيح، سأواصل مثابرتي حتى تعترف لي من تلقاء نفسها.
الاعتراف بالحب أصعب ألف مرة من الوقوع فيه، أتفهم ذلك، ولدي طول البال وكل الوقت حتى تقع بلسانها أمامي.
لا بأس به على فكرة، يبدو لي جيدًا.
ماذا تقصدين يا زهرة؟ خاطبتني سولين بترصد.
قلت بنبرة جادة: أصبع البطاطس، من غيره؟ جميل وطعم. أتساءل كيف نال الإعجاب بتلك السرعة؟
أنتِ فتاة لئيمة يا زهرة، تعرفين ذلك؟
سمعنا خطوات آدم على السلم. وضعت سولين إصبعها على فمها، إشارة بالصمت.
إذا كنتُ لم أصب مربط النعجة، لماذا تطالبني سولين بالصمت؟
تناولت طعامي في صمت. لا أحب الكلام وأنا أتناول طعامي، لدي طقوسي الخاصة التي أحرص عليها مع كل لقمة.
سمعت صوتًا غوغائيًا قادمًا من غرفتكِ يا آنسة زهرة، هل يمكنني معرفة السبب؟
التفتُ جهة آدم: ليس من شأنك.
لازم آدم جانب الصبر: عندما يوقظني صوتك الصاخب من النوم، لا بد أن يكون شأني، والآن افتحي فمك الممتلئ بالخضروات، أريد أن أوضح لكِ أنكِ إنسانة!
حسنًا، حاولت اختراع مبرر: سقطت من فوق سريري، تألمت، صرخت.
كنتِ تضحكين، لستُ أصم.
أنا من النوعية التي تضحك عندما تتألم يا سيد آدم!
حملق آدم فيّ ثم عرج بنظره تجاه سولين: لا فائدة، أعلم عندما تختلقون الأكاذيب ولا تنوون قول الحقيقة.
نظفنا طاولة الطعام. صعد آدم تجاه غرفته يحمل فنجان القهوة الخاص به.
لا تنسي يا زهرة أننا سنذهب للجامعة لمقابلة رئيسها من أجل الاعتذار.
سأذهب بمفردي، قلت.
لن تخرجي قدمك اللعينة نحو الشارع بمفردك مرة أخرى، لا نقاش في هذا الموضوع.
احتضنت سولين بقوة وأجلستها على الأريكة: هي انطقي!
قالت سولين: أعلم أنك لن تتركيني بحالي. لديكِ رخامة قطة. لم أفتح فمي. يمكنني تحمل لعنات سولين طوال اليوم نظير ما أراه في عينيها.
كانت على وشك البوح.
عندما قلتِ لي إن هذا الشاب يلاحقني، لم تكن لدي فكرة عما تعنين.
ظننتها مزحة من ألاعيبك التي لا تنتهي.
حملت حقيبتي واعتمرت قبعتي وسرت على الشاطئ.
حينها كان يقف موليًا وجهه للبحر مثل مخبر شرطة غبي.
ما أن عبرته حتى تبعني.
حينها دارت كلماتك في عقلي وفكرت بسرعة أن أنهره وأصب عليه لعنات الجحيم إذا اقترب مني.
لكنه حافظ على مسافة صحية بيني وبينه، كان خجلًا ومترددًا ولا يعرف ما عليه فعله.
تابعني مثل نورس بحري حتى وصلت الصخرة التي أجلس عليها.
بكل غباء العالم ألقى سنارته مثلي في البحر.
كانت تفصلنا عشرة أمتار عن بعضنا. لا يمكنني منعه من الصيد كما تعلمين، الشاطئ ملكية عامة، كما أنه لم تبدر منه ولا كلمة بحقي.
كان بارعًا في الصيد، تكادين تقسمين أنه ولد من معدة سمكة.
كل عشرة دقائق يخرج سمكة مليحة وسنارتي البليدة لا تغمز.
كنت أنظر لأسماكه بحسرة وأنا أنتظر الفرج.
أربع ساعات كاملة بلا صيد، لكني نسيت أنني كنت أتابعه حتى توقفت عن ملاحظة سناراتي.
التقت عيناانا حين نظر تجاهي. حدق بي لدقيقة حتى شعرت بالخجل ثم أشار نحوي.
قلت بنبرة وغدية: ماذا تريد؟
قال: سنارتكِ تغمز.
فوجئت أن عصا السنارة سقطت في البحر، سحبتها سمكة دون أن أشعر.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
رصدت الشرطه تحركات بانجو بالقرب من منزل زهره.
لقد تم تصنيفه على أنه مجرم خطير مجهول الهويه.
لم تفلح أجهزة البحث في إيجاد أي ورقة رسمية تحمل اسم بانجو الحقيقي.
لقد ألصقت به العديد من التهم.
بعد العثور على جثة زميله ملقاة في الصحراء، وعن طريق التحقيق مع الكثير من المجرمين الذين تعرف البعض منهم على مواصفات بانجو، ظهر له سجل إجرامي كبير.
اقتحام شقق وسرقتها، سطو مسلح على محلات ذهب، قتل مع سبق الإصرار والترصد لعجوز تعيش وحيدة في شقتها بعد أن قام بسرقتها.
لقد تم رصده عن طريق مخبر متخفي، والذي بدوره أرسل إشارة لقسم الشرطة، لكن بانجو تبخر في شوارع القاهرة الصاخبة.
كان بانجو حانقًا جدًا على نفسه بعدما تمكنت زهره من الهرب.
إنها أول ضحية تستطيع التلاعب به.
لقد انتابته مشاعر مختلطة بعد رحيلها مع الشخص المجهول، والذي بات معروفًا الآن لدى بانجو.
كيف تمكنت من خداعه؟
لطالما سأل نفسه ما الخطة التي اعتمدتها زهره للفكاك من قبضته.
بات موقنًا أنها لم تغادر مكانها مطلقًا، وأنه ربما كان أعمى عندما لم يرها قربه.
وصمة عار في سجله الإجرامي.
منذ سنوات وبانجو يوافق على تولي مهمات صغيرة متقزمة، مخفيًا طبيعته الإجرامية الخطيرة، مكتفيًا بصفقات بسيطة تدر عليه بعض المال.
يستأجره شخص لإرهاب شخص آخر وتحذيره، أو حتى سرقة طفل وإعادته لوالده بعد طلاقه من زوجته.
مهمة سهلة كان يقوم بها نظير مبالغ معقولة.
كان يؤدي مهمته بسهولة ولا يحرم نفسه خلالها من التحرش بالسيدات اللاتي يقتحم شققهن في منتصف الليل.
لقد تجرأ أحيانًا واغتصب بعضهن تحت تهديد السلاح.
في أول جريمة ارتكبها كان مرتعبًا جدًا.
لكن السيدات اللاتي يتعرضن للاغتصاب يغلقن أفواههن خشية الفضيحة والعار.
ذلك الصمت الذي دفعه لارتكاب العديد من جرائم الابتزاز الجنسي.
لقد قام أحيانًا بتنفيذ الصفقة، إعادة الأطفال، ثم بطريقة أخرى باتفاق جنسي يعيد الأطفال لوالدتهم مرة أخرى.
تلك المهام المتشعبة الملوثة كانت تستهويه وكان يشعر خلالها بتفوقه.
لم يتعرض للهزيمة ولا مرة.
لكنه الآن يتجرع كأس الهزيمة.
تلك الشابة الضعيفة خدعته.
نعم، ضحكت عليه، استغفلته، ولا يشعر أنه بخير.
أشعل بانجو سيجارة وهو يتذكر ماضيه.
الأعمال القذرة التي كان يقوم بها.
إذعان الرجال وهم يعلنون هزيمتهم أمامه ويطلبون الرحمة.
لقد كان حليف الشرطة أحايين كثيرة في الماضي.
أيام الانتخابات التشريعية حين كان يقوم بمنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم ويضرب بعضهم ضربًا تحت أعين أفراد الشرطة المتغافلة.
الشرطة نفسها التي تبحث عنه الآن.
الشرطة التي كانت ترسله لاقتحام بعض الشقق وتلقين أفرادها درسًا ولا تتركه إلا مضرجًا في الدماء.
لكنه لن يسمح لتلك المهزلة أن تنال من عزيمته.
فلتبحث الشرطة كما تشاء.
لبانجو طرقه التي لا يعرفها غيره.
لقد رأى آدم وعاينه عندما اصطحب زهره للجامعة.
بات متيقنًا أنه الشخص الذي قام بمساعدتها عندما كان يحتجزها.
إنه نفس الشخص الذي أطلق عليه الرصاص في ظلام الليل.
كانت خطة ماكرة لا يستطيع أن ينكر ذلك.
رغم إجرامه، يحترم بانجو الشخص الذي يعده ندًا له.
لكن آدم لم تلطخ يده بالدماء ولا يستطيع قتل شخص بدم بارد، لذلك يشعر بأفضليته عليه.
هذا حانت اللحظة، لن يضغط آدم زناد مسدسه، لكن بانجو ينتظر تلك اللحظة ليفجر جمجمته.
يعلم بانجو أن عليه الاختفاء الآن.
التواري بعيدًا عن الأنظار.
أن يلتقط عيشه من مهمات سهلة، مضمونة، مأمونة العواقب.
بعد رحيل سولين، غرق المنزل في خواء لعنة.
لم تفلح ولا خادمة في سد الفراغ الذي تركته خلفها.
إنها الأوقات التي نشعر فيها بأهمية أحدهم، لكن بعد فوات الأوان.
ذلك الخواء ليس نابعًا من قلة خبرة الخادمات أو حتى فوضويتهن وكسلهن، بل الاعتياد.
التعود على تلقي الخدمة من شخص معين.
بذلت زهره قصارى جهدها لإخراج آدم من حالة العزلة التي وقع فيها.
لقد لزم غرفته لا يبارحها إلا للضروريات.
مكتفيًا بلوحاته، تبغه وفناجين قهوته، مكتفيًا بالحد الأدنى من الكماليات.
لا يطلب أي شيء ويرضى بأي شيء.
كان لا يتبرم من نوعية الطعام ولا مذاقه، يأكل من أجل الاستمرار في الحياة.
لكن اقتراب موعد معرضه ساعده على التناسي.
بعد شهر عليه نشر لوحاته الجديدة والتي لم تكن بعيدة عن زهره.
لقد قرر آدم أن تشارك زهره ببعض لوحاتها في معرضه.
لم يكن قلقًا من تلك الخطوة.
لاقت أعمال زهره الأخيرة نجاحًا باهرًا ملحوظًا.
لقد حاول كل منهم أن يعبر المرحلة بطريقته.
في الفترة الأخيرة قامت زهره برسم العديد من اللوحات مستوحاة من مأساتها السابقة.
لوحات لفتاة شابة بخلفيات ضبابية متعددة الأطر والتفاصيل.
لوحات مأساوية غارقة في الألم والعتمة.
لطالما سألت نفسها إن كانت تلك اللوحات ستلاقي نفس النجاح السابق.
لقد وصل بها الشك والتردد لحد مفزع.
حتى أنها صرخت مرة قبل الفجر بعد أن أنهت لوحة عميقة عملت عليها.
ربما علي سؤال شكري!؟
شكري الذي كان سببًا في نجاتها والعثور عليها.
لقد وعدها بلقاء آخر في شوارع لندن وسط ضبابها.
ليس لديها شك أنه سيفي بوعده.
حضرت تلا للمنزل قبل موعد المعرض كالعادة لتتابع الأعمال وتشرف بنفسها على جودتها.
تتنقل بين غرفة آدم وزهره، تقضي بعض الوقت هنا والبعض الآخر هناك.
كان لديها هاجس مزعج خصوصًا لوحات زهره.
كانت كئيبة لدرجة مروعة وغامضة لدرجة مبهمة.
لقد احتاجت لأكثر من نصف ساعة لكشف غموض إحداها.
في حرقة الشمس المولعة وقفت فتاة بين جدود وصخور متشققة عارية الكتفين تملأها الخدوش يتصبب العرق منها، ناظرة تجاه ظل بعيد غير واضح المعالم.
تلك الفتاة المرسومة لديها ساق أصغر من ساق وبيدها عجز.
كانت لوحة مرعبة كادت أن تجعلها تتقيأ.
الغريب أن وجه الفتاة يتغير مع اختلاف زاوية رؤية الصورة.
كلما ابتعدت عنها لاحظت صغر عمر الفتاة حتى تصبح طفلة.
وكلما اقتربت يزداد عمرها حتى تعود فتاة مرة أخرى.
لم تكن تلك الملاحظة الوحيدة في تلك اللوحة.
قامت زهره عن طريق متوازية معينة برسم وجهين في وجه واحد.
شكلين مختلفين في نفس الجسد.
تنهدت تلا بعمق.
إنها واحدة من أعظم اللوحات التي شاهدتها في الفترة الأخيرة.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
رصدت الشرطة تحركات بانجو بالقرب من منزل زهره. لقد تم تصنيفه على أنه مجرم خطير مجهول الهوية. لم تفلح أجهزة البحث في إيجاد أي ورقة رسمية تحمل اسم بانجو الحقيقي. لقد ألصقت به العديد من التهم.
بعد العثور على جثة زميله ملقاة في الصحراء، وعن طريق التحقيق مع العديد من المجرمين الذين تعرف البعض منهم على مواصفات بانجو، ظهر له سجل إجرامي كبير. اقتحام شقق وسرقتها، سطو مسلح على محلات ذهب، قتل مع سبق الإصرار والترصد لعجوز تعيش وحيدة في شقتها بعد أن قام بسرقتها.
لقد تم رصده عن طريق مخبر متخفٍ، والذي بدوره أرسل إشارة لقسم الشرطة، لكن بانجو تبخر في شوارع القاهرة الصاخبة.
كان بانجو حانقًا جدًا على نفسه بعدما تمكنت زهره من الهرب. إنها أول ضحية تستطيع التلاعب به. لقد انتابته مشاعر مختلطة بعد رحيلها مع الشخص المجهول، والذي بات معروفًا الآن لدى بانجو. كيف تمكنت من خداعه؟ لطالما سأل نفسه ما الخطة التي اعتمدتها زهره للفكاك من قبضته. بات موقنًا أنها لم تغادر مكانه مطلقًا، وأنه ربما كان أعمى عندما لم يرها قربه. وصمة عار في سجله الإجرامي.
منذ سنوات، بانجو يوافق على تولي مهمات صغيرة متقزمة، مخفيًا طبيعته الإجرامية الخطيرة، مكتفيًا بصفقات بسيطة تدر عليه بعض المال. أن يستأجره شخص لإرهاب شخص آخر وتحذيره، أو حتى سرقة طفل وإعادته لوالده بعد طلاقه من زوجته. مهمة سهلة كان يقوم بها نظير مبالغ معقولة. كان يؤدي مهمته بسهولة ولا يحرم نفسه خلالها من التحرش بالسيدات اللاتي يقتحم شققهن في منتصف الليل.
لقد تجرأ أحيانًا واغتصب بعضهن تحت تهديد السلاح. في أول جريمة ارتكبها، كان مرعبًا جدًا. لكن السيدات اللاتي يتعرضن للاغتصاب يغلقن أفواههن خشية الفضيحة والعار. ذلك الصمت الذي دفعه لارتكاب العديد من جرائم الابتزاز الجنسي. لقد قام أحيانًا بتنفيذ الصفقة، إعادة الأطفال، ثم بطريقة أخرى باتفاق جنسي يعيد الأطفال لوالدتهم مرة أخرى.
تلك المهام المتشعبة الملوثة كانت تستهويه، وكان يشعر خلالها بتفوقه. لم يتعرض للهزيمة ولا مرة. لكنه الآن يتجرع كأس الهزيمة. تلك الشابة الضعيفة خدعته. نعم، ضحكت عليه، استغفلته، ولا يشعر أنه بخير.
أشعل بانجو سيجارة وهو يتذكر ماضيه، الأعمال القذرة التي كان يقوم بها، أعِز الرجال وهم يعلنون هزيمتهم أمامه ويطلبون الرحمة. لقد كان حليف الشرطة أحيانًا كثيرة في الماضي، أيام الانتخابات التشريعية، حين كان يقوم بمنع الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، ويوسع بعضهم ضربًا تحت أعين أفراد الشرطة المتغافلة. الشرطة نفسها التي تبحث عنه الآن، الشرطة التي كانت ترسله لاقتحام بعض الشقق وتلقين أفرادها درسًا، ولا تتركه إلا مضرجًا في الدماء.
لكنه لن يسمح لتلك المهزلة أن تنال من عزيمته. فلتبحث الشرطة كما تشاء، فلبانجو طرقه التي لا يعرفها غيره.
لقد رأى آدم وعاينه عندما اصطحب زهره للجامعة. بات متيقنًا أنه الشخص الذي قام بمساعدتها عندما كان يحتجزها. إنه نفسه الشخص الذي أطلق عليه الرصاص في ظلام الليل. كانت خطة ماكرة لا يستطيع أن ينكر ذلك. رغم إجرامه، يحترم بانجو الشخص الذي يعده ندًا له. لكن آدم لم تلطخ يده بالدماء، ولا يستطيع قتل شخص بدم بارد، لذلك يشعر بأفضليته عليه. حانت اللحظة، لن يضغط آدم زناد مسدسه. لكن بانجو ينتظر تلك اللحظة ليفجر جمجمته.
يعلم بانجو أن عليه الاختفاء الآن، التواري بعيدًا عن الأنظار. أن يلتقط عيشه من مهمات سهلة، مضمونة، مأمونة العواقب.
بعد رحيل سولين، غرق المنزل في خواءٍ لعين. لم تفلح ولا خادمة في سد الفراغ الذي تركته خلفها. إنها الأوقات التي نشعر فيها بأهمية أحدهم، لكن بعد فوات الأوان. ذلك الخواء ليس نابعًا من قلة خبرة الخادمات أو حتى فوضويتهن وكسلهن، بل الاعتياد. التعود على تلقي الخدمة من شخص معين.
بذلت زهره قصارى جهدها لإخراج آدم من حالة العزلة التي وقع فيها. لقد لزم غرفته لا يبارحها إلا للضروريات، مكتفيًا بلوحاته، تبغه، وفناجين قهوته، مكتفيًا بالحد الأدنى من الكماليات. لا يطلب أي شيء ويرضى بأي شيء. كان لا يتبرم من نوعية الطعام ولا مذاقه، يأكل من أجل الاستمرار في الحياة.
لكن اقتراب موعد معرضه ساعده على التناسي. بعد شهر، عليه نشر لوحاته الجديدة، والتي لم تكن بعيدة عن زهره. لقد قرر آدم أن تشارك زهره ببعض لوحاتها في معرضه. لم يكن قلقًا من تلك الخطوة. لاقت أعمال زهره الأخيرة نجاحًا باهرًا ملحوظًا. لقد حاول كل منهم أن يعبر المرحلة بطريقته.
في الفترة الأخيرة، قامت زهره برسم العديد من اللوحات مستوحاة من مأساتها السابقة. لوحات لفتاة شابة بخلفيات ضبابية متعددة الأطر والتفاصيل. لوحات مأساوية غارقة في الألم والعتمة. لطالما سألت نفسها إن كانت تلك اللوحات ستلاقي نفس النجاح السابق. لقد وصل بها الشك والتردد لحد مفزع. حتى أنها صرخت مرة قبل الفجر بعد أن أنهت لوحة عميقة عملت عليها. ربما علي سؤال شكري؟! شكري الذي كان سببًا في نجاتها والعثور عليها. لقد وعدها بلقاء آخر في شوارع لندن وسط ضبابها. ليس لديها شك أنه سيفي بوعده.
حضرت تلا للمنزل قبل موعد المعرض كالعادة، لتتابع الأعمال وتشرف بنفسها على جودتها. متنقلة بين غرفة آدم وزهره، قاضية بعض الوقت هنا والبعض الآخر هناك. كان لديها هاجس مزعج خصوص لوحات زهره. كانت كئيبة لدرجة مروعة وغامضة لدرجة مبهمة. لقد احتاجت لأكثر من نصف ساعة لكشف غموض إحداها. في حرقة الشمس المولعة، وقفت فتاة بين جروف وصخور متشققة، عارية الكتفين، تملأها الخدوش، يتصبب العرق منها، ناظرة تجاه ظل بعيد غير واضح المعالم. تلك الفتاة المرسومة لديها ساق أصغر من ساق، وبيدها عجز. كانت لوحة مرعبة كادت أن تجعلها تتقيأ.
الغريب أن وجه الفتاة يتغير مع اختلاف زاوية رؤية الصورة. كلما ابتعدت عنها، لاحظت صغر عمر الفتاة حتى تصبح طفلة. وكلما اقتربت يزداد عمرها حتى تعود فتاة مرة أخرى. لم تكن تلك الملاحظة الوحيدة في تلك اللوحة. قامت زهره عن طريق متوازيات معينة برسم وجهين في وجه واحد. شكلين مختلفين في نفس الجسد. تنهدت تلا بعمق، إنها واحدة من أعظم اللوحات التي شاهدتها في الفترة الأخيرة.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
إرتقيت مقعد السيارة الخلفي في طريقنا نحو مطار القاهرة الدولي.
كانت رحلتنا تمام الساعة العاشرة وأربعين دقيقة، وكنت غير مهتمة بما سوف يحدث لاحقاً.
لم أكن تخطيت أزمتي بعد، عوني وبانجو وتلك الليلة الكئيبة.
بعض المواقف لا تعبرنا بسهولة، تترك رواسب عالقة في أعماقنا ولا نفلح في التخلص منها.
بينما انخرط آدم وتالا في حديث ودي عن ترتيبات المعرض، كيفية عرض اللوحات وترتيب عرضها.
كانت تالا ترى عرض اللوحات الأكثر قيمة بداية المعرض لإحداث ضجة وجلب الكثير من الزوار.
بينما كان لآدم رأي آخر، فرضية التنويع بين لوحاته حتى لا يفقد المعرض قيمته في آخر وقته.
عندما طلب رأيي قلت: "لا مشكلة، أنا وزن زائد، سأكون راضية عن أي ترتيب مهما كان نوعه."
طلبت مني تالا أن أكتب أسماء اللوحات التي سأقوم بعرضها بالترتيب حتى يتسنى لها المتابعة مع صاحب المعرض وعدم حدوث أخطاء.
كتبت أسماء اللوحات كيفما اتفق لي بلا مبالاة.
أقلتنا سيارة من المطار نحو الفندق.
كان لدينا يوم فراغ حتى نستريح من عناء الرحلة.
خرج آدم وتالا للتنزه، بينما ظللت في غرفتي لم أرغب بالتسكع في شوارع لندن.
بمضي الوقت شعرت بالملل.
بدلت ملابسي ونزلت نحو المكان الذي قابلني فيه شكري.
ظننت أنه من الممكن أن أكون محظوظة وأجده هناك يمارس هوايته في جلب النقود.
لكن المكان كان خالياً إلا من بعض المارة.
غربت الشمس وكان علي العودة للفندق حتى لا أتسبب في قلق لا داعي له.
ورغم عودتي متأخرة بعض الوقت إلا أن آدم وتالا كانا بالخارج، لم يعودا بعد.
تناولت وجبة خفيفة عن طريق خدمة الغرف، واكتفيت بكوب عصير.
شاهدت فيلماً أجنبياً على إحدى القنوات ثم غرقت في النوم.
استقبلنا يوم ضبابي عندما فتحت عيني.
كانت الريح تعوي خارج غرفتي، محنية رؤوس الأشجار، مضطهده أوراقها، مذلة أغصانها، مغتصبه جذوعها العتيدة، وراكله ذرات التراب أمامها.
رفعت كتفي وفردت ذراعي قبل أن أهز رأسي لأطرد بقايا نوم علقت بجفوني.
سمعت طرقات على باب غرفتي.
كنت بملابس النوم، لذا ارتديت سدالاً بسرعة وفتحت الباب.
تناولت طعام الإفطار من خلف الباب وشكرت النادل.
صببت الشاي الإنجليزي الأحمر واستمتعت بقطعة إنجلش كيك.
كان الوقت باكراً رغم ذلك سمعت خطوات آدم التي أعرفها.
"هنه؟"
"وسعال."
"زهرة؟"
"لم تبدلي ملابسك بعد؟"
"امنحني لحظات من فضلك، سنذهب الآن؟"
"أوه زهرة، تعرفين أن اليوم الأول هو الأصعب، علينا أن نشرف على تعليق اللوحات واستقبال الوفود الصحفية، ذلك الهراء الذي لا بد منه."
"حسناً، لن أتأخر."
كان آدم في كامل أناقته عندما لمحته.
ابتعت بذلة ماركة جيوفاني وأهديت أخرى إليه على سبيل الدعاية.
بينما اكتفيت ببنطال واسع وقميص وسترة صوفية زرقاء وحذاء لبني ابتعتُه في تصفيات شانيل.
أما تالا فلم أعرفها في البداية.
ارتدت فستاناً زهرِياً بسيطاً وأنيقاً وتركت شعرها على هيئة ذيل حصان.
بدت جميلة ورقيقة، بعيدة عن التكلف.
انطلقنا نحو المعرض.
كنت أعلم أن يوماً مملاً ينتظرني، لذلك جلست في إحدى النواحي ألعب في هاتفي وأدعو أن يمضي الوقت.
عُلقت اللوحات في الحوامل في أماكنها قبيل الظهر.
التقى آدم ببعض مندوبي الصحف المهتمة بالرسم.
وكما تقرر، خصص اليوم الأول والثاني للوحات آدم، على أن تنشر لوحاتي بداية من اليوم الثالث.
حضر بعض أصدقاء آدم، رسامين من بلاد مختلفة للمباركة له في الظاهر ومراقبة أعماله عن قرب.
لم يخلُ المعرض من بعض الرواد، لكن وقت الذروة كان معروفاً، في اليوم الرابع والخامس حيث تكون كل اللوحات متاحة.
لم يظهر شكري خلال اليومين الأولين حتى ظننت أنه اختفى أو غادر لندن.
حتى هاتفه كان مغلقاً، فص ملح وذاب.
كانت نسبة حضور المعرض معقولة ترتفع بنسق تدريجي.
بيعت بعض لوحات آدم بمبالغ جيدة.
آدم رغم بساطته كان رساماً موهوباً وماهراً.
في اليوم الثالث، علقت بعض لوحاتي تحت مسمى "رسامة مبتدئة".
لكن لوحات آدم كانت أكثر زخماً وعمقاً، لذا لم يلتفت لها ولا شخص، حتى أن بعض الحضور كان يوليها ظهره ما أن يصل إليها.
لم أتفاجأ، لم تلجمني الصدمة، كان أمراً متوقعاً، فلوحاتي تفتقد للدقة، رسمت بطريقة متهورة وكان بها بعض الأخطاء.
اليوم الرابع كان المعرض مزدحماً وكان من ضمن الحضور شكري الذي ظهر أخيراً.
ورغم لهفتي لرؤيته إلا أنني كنت أنتظر شيئاً آخر.
ظل شكري يمدحني لكنه لم يتطرق ولا مرة للوحاتي.
فهمت، لوحاتي لم تكن على القدر المتوقع.
شعرت بالخيبة لكني مرة أخرى لم أكن متفاجئة.
لكن ما اندهشت له أن شكري ودعنا بسرعة ورحل كأنه يؤدي مهمة.
لن تكون أول هزيمة أُبلي بها.
أستطيع أن أقول برحيل شكري بلا كلام انطفأت شمعتي.
اليوم قبل الأخير وحينها كنت أرافق آدم من باب المجاملة بعد أن فقدت الأمل في نجاحي.
وكان الوقت حينها ظهراً حيث استراحة الغداء في مطعم مجاور.
ظهر شكري مرة أخرى من العدم.
كان على عجالة من أمره وبدأ خائفاً.
همس لي أن شرطة سكوتلاند يارد تبحث عنه في كل مكان.
قال إنه لا يمتلك الوقت وإن علي أن أعرض لوحتي الغامضة المخفية قبل الساعة الرابعة عصراً، وأن لا أخضع لمعارضة تالا أو صاحب المعرض.
قال إن هناك مفاجأة سعيدة تنتظرني.
"هل تسمعين يا فتاة؟"
قلت: "أجل أسمعك."
"حسناً، علي الرحيل الآن، بقائي يعني هلاكي."
ابتسم شكري ورحل.
سألتني تالا: "ما أخبرني شكري؟"
قلت: "لا شيء، كان يتفوه بالهراء."
ظللت ساكنة في مكاني حتى وصلت الساعة للثالثة والنصف عصراً.
حينها، دون أن ينتبه أحد، أخرجت لوحتي المركونة في المخزن.
حملتها وشرعت في وضعها على الحامل.
اعترضني صاحب المعرض وتالا.
قالا إن هذا ليس الاتفاق الذي تم بيننا.
أبدت تالا أيضاً معارضتها.
لقد رفضت كل محاولاتهم، حتى أن صاحب المعرض صرخ: "أرجوكي آنسة زهرة، لن يتم هذا بالقوة."
ربع ساعة ونتجادل في موضوع اللوحة، كان صوتنا قد ارتفع.
وطلب مني آدم أن أشرح له لما الإصرار على تعليق اللوحة الآن؟
لم أجد مبرراً يناسب كل تلك الجلبه التي أحدثتها.
حينها دلف رجل خمسيني أنيق من باب المعرض ترافقه فتاة شابة جميلة ومشى تجاهنا تماماً.
كنت متعلقة باللوحة حينها، احتضنتها بكل ما أوتيت من قوة.
بدا أنه شخص مشهور، حتى أن صاحب المعرض رحب به وتودد له بكل الطرق.
سأل: "ما هذه اللوحة؟"
قال صاحب المعرض: "إنها لا شيء، أمر تافه."
قال: "أرغب برؤيتها."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السادس والسبعون 76 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
انتفض صاحب المعرض، احمرت أذنيه. طلب من العمال أن يعلقوا اللوحة فورًا، لكن زهرة قامت بذلك بنفسها. ارتقَت مقعدًا وعَلّقت اللوحة، كانت تعاملها بود كأنها تشعر، ثم قبلتها.
جلس الضيف على مقعد محدقًا في اللوحة. إلى جواره الفتاة، واضعة يدها على كتفه. أشعلت سيجاره ووضعتها بين شفتي الرجل، الذي لم ينتبه في البداية ورفع يده إشارة لعدم الرغبة.
دَخّنت الفتاة السيجارة باستمتاع وهي ترمق اللوحة بتركيز، ثم أحنت رأسها وهمست في أذنه: "مذهلة!"
كان الرجل غارقًا في شروده يحاول قراءة اللوحة الغامضة، ثم ما لبث أن ابتسم.
"اللوحة تتغير؟" قال وهو ينهض عن مقعده ويتحرك خطوات للخلف وهو يهز كتفيه. ثم ما لبث أن اقترب من اللوحة مرة أخرى.
"غريب،" قال الرجل وهو يضيق عينيه.
تقلص جسد صاحب المعرض وكاد يسقط في ردائه. حاول هو الآخر أن يبدو مهتمًا، فراح يحلق باللوحة. لم يكن شخصًا غبيًا كما يبدو، ولاحظ بسرعة قيمة اللوحة وحرفيتها.
"هناك وجهين،" قال الرجل الخمسيني الأنيق. "لا، بل ثلاثة. صبية وشابة وعجوز. أها، لقد أدركتها أخيرًا. كيف فعلتِ ذلك يا فتاة؟"
لم تحضر زهرة إجابة. "في لوحة دافنشي، الموناليزا، حيث تختلف زاوية الرؤية، اعتمدت نفس الطريقة؟ من أي مدرسة أنتِ؟"
تجمع بعض الأشخاص حول اللوحة الفريدة. كانت مذهلة بطريقة محببة. تأثر كل من ينظر إليها.
جذبت تلا صاحب المعرض بعيدًا عن الزحمة. كانت لديها الخبرة التي تجعلها تتوقع ما سوف يحدث لاحقًا.
"علينا أن نضع رقم؟"
كانت ترغب بسماع اقتراح صاحب المعرض، والذي أخرج قلمه وكتب: "مليون إسترليني".
كان حريصًا ألا يسمع أحد حديثهم.
"سنتفاوض على خمسة،" قالت تلا. "مبلغ كبير. لا تنسي أن زهرة رسامة مغمورة."
"هذا، أوقفناها على مليونين ستكون صفقة رابحة، أليس كذلك؟"
صمت صاحب المعرض، كان وقتها يحسب مكاسبه، ثم أومأ برأسه: "حسنًا، للانتظار."
التقط أحد المصورين لقطة للوحة، مما أثار انفعال الرجل الأنيق. "أوقفوا التصوير، اللوحة ملكي!"
ابتسم صاحب المعرض وهمس لتلا: "فزنا بالصفقة. أرنولد لا يتخلى عن لوحة أعجبته."
أُنزلت اللوحة من مكانها. كان من المفترض أن تُعرض في مزاد الآن، لكن أرنولد طلب الجلوس مع زهرة على انفراد.
فكرة لم ترحب بها تلا بصفتها مديرة أعمال زهرة. "لابد أن أحضر الجلسة."
كان أرنولد يدرك قيمة اللوحة ويدرك أن المماطلة ليست في صالحه. قد يتقدم ثري آخر عن طريق أحد أتباعه وترتفع قيمة الصفقة، حينها ستتكلف خزينته أموالًا أخرى.
قال لأرنولد: "انطقي رقمًا؟"
نظرت تلا نحو زهرة ورفعت خمسة أصابع. تلعثمت زهرة وهي تنطق الرقم: "خمسة مليون جنيه إسترليني."
قال أرنولد: "دعونا نكون منصفين هنا. لا يمكنني أن أشكك في قيمة اللوحة، لكني سأدفع مليون جنيه نقدًا."
وصلت مهاتفة لزهرة جعلتها تترك الاجتماع وتنزوي بنفسها. كان شكري على الجانب الآخر وكان يلهث على ما يبدو. كان يركض في شارع.
"عرضتي اللوحة؟"
قالت زهرة: "أجل."
"أجرأها الرجل؟"
زهره: "أجل!"
صمت شكري دقيقة ثم قال: "سيقبل بثلاثة مليون إسترليني ولا تنسي عمولتي. سأنهي الاتصال الآن. إلى اللقاء."
ابتسمت زهرة. حين عادت للاجتماع مرة أخرى كانت أكثر ثقة، بينما كانت تلا حينها تحارب على رقم اثنين مليون جنيه إسترليني.
قالت زهرة وسط الصخب: "ثلاثة مليون جنيه، سأوافق على الرقم."
اندهش أرنولد، قال: "نحن نتفاوض على مليوني باوند، آنسة زهرة."
"لكني أملك اللوحة، لا تنسَ ذلك سيد أرنولد."
"هذه مقامرة. قد تخسرين الصفقة عزيزتي."
نهضت زهرة من مكانها، اقتربت من أرنولد، حدقت في عينيه الزرقاء.
"أعلم أنك ستقبل بالرقم. مبارك عليك اللوحة."
قهقه أرنولد: "هذا جنون مطلق عزيزتي. لماذا تعتقدين أنني سأدفع تلك القيمة؟"
زهره بنبرة حيادية: "لأنك ستدفع الرقم الآن سيد أرنولد. لا تجعلنا نضيع الوقت في مهاترات لا جدوى منها."
صمت أرنولد، شعر أنه مكشوف لزهرة. إنها تقرأ أفكاره. "لكن مديرة أعمالك طلبت مليوني باوند وأنا وافقت."
زهره: "لقد سرحت مديرة أعمالي منذ خمسة دقائق. الصفقة ستكون معي."
رفعت تلا يديها بقلة حيلة: "لا فائدة من وجودي الآن."
تركت تلا الجلسة ممتعضة وشعر أرنولد بالهزيمة.
"حسنًا،" قال، "سأدفع المبلغ."
مدت زهرة يدها لأرنولد: "تمت الصفقة إذًا."
وقع أرنولد شيكًا بقيمة المبلغ ومنحه لزهرة.
حدث كل شيء بسرعة بعدها. أرنولد يرحل بلوحته المغلفة وهو يحدق بزهره بحيرة.
"سأعلم سرك يومًا ما! لدي منزل في ريف اسكتلندا سيكون تحت تصرفك إذا قررتِ الإقامة هنا. بلا إيجار أو تكاليف. هناك حيث تحيط بك التلال والمراعي والأغادير يمكنك أن تبدعي."
منح زهرة رقم هاتفه وغادر المعرض.
عندما اطمأنت تلا لرحيل أرنولد احتضنت زهرة. ضمتها طويلًا. اعتذرت زهرة لتلا.
قالت تلا: "كانت خطة رائعة. كنا سنخسر مليون جنيه بسبب غبائي. أنتِ مدهشة."
كان صاحب المعرض يحسب نصيبه من الصفقة بنسبة الـ 25%.
أوقفته زهرة عن أحلامه. قالت: "هناك عمولة نصف مليون جنيه ستخرج من الحساب!؟"
"كيف ذلك؟" صرخ صاحب المعرض.
"هناك طرف ثالث يا سيدي، هو الذي ساعد على إبرام الصفقة. لا تنسَ أنك حددت 2 مليون باوند."
تبرم صاحب المعرض لكنه رضخ في النهاية. لقد نال أكثر مما كان يتوقع.
وردت مكالمة جديدة لزهرة من شكري.
"أوقفي البيع،" صرخ شكري. "أوقفي البيع فورًا!"
زهره: "كان صوته غير واضح. اللوحة ستباع بأحد عشر مليون باوند."
"بيعت اللوحة يا شكري، آسفة، لقد تأخرت."
لم يصل شكري صوت زهرة لذلك أردف: "الصورة على موقع... وصل سعرها حتى الآن 8 مليون باوند. افتحي النت..."
انقطع الاتصال فجأة.
"ماذا هناك؟" سأل صاحب المعرض.
زهره بقنوط: "الوسيط يقول إن اللوحة وصل سعرها لـ 8 مليون باوند على أحد مواقع المزادات."
ضرب صاحب المعرض الطاولة بيده. لكمها بقبضته. "هذا اللعين، الثعلب، أرنولد! كان علي أن أفهم. هذا الوغد لا يلقي أمواله في البحيرة."
فتح آدم فمه وبرقت عيون تلا التي كانت تعاين موقع المزاد. قال صاحب المعرض وهو يخرج هاتفه: "دعونا نقوم بمحاولة."
هاتف أرنولد وعرض عليه خمسة مليون باوند.
قهقه أرنولد، ضحك من قلبه: "هل تظنني غبي؟ ارثر، العق خرائك. أبرمت الصفقة. سلام."
سبب صاحب المعرض ولعن. "هذا البشع، ألقى إلينا لقمة وابتلع الطبق بأكمله."
ثم حدق بزهره: "أين كنتِ تخفين تلك اللوحة اللعينة؟ لماذا لم تظهريها قبل ذلك؟"
"في حياة كل رسام لوحة ليست ككل سابقاتها ولا كل ما يأتي بعدها، إنها ذروة تفردة وعبقريته وكل ما يأتي بعدها يدور حولها، مشتق منها ولا يستطيع خلقها مرة أخرى. إن الحالة التي يكون غارقًا فيها الرسام متفردة عصية على الفهم. أحيانًا تكون مدفوعة باليأس أو اللهفة. لم تظهر موهبة بول غوغان الذي رافق فان جوخ في جنوب فرنسا لأكثر من عامين وكان يعمل على خدمته إلا بعد أن انعزل في جزيرة تاهيتي معتقدًا أنها آخر العالم. هناك عاش حياة بربرية ماجنة أخرجت أجمل لوحات شهدها العالم."
"لابد أن نوضح أن زهرة في كل تلك الأحداث كانت مسيرة حيث أنها لم تكن تعتقد ولو للحظة أن لوحتها قد تحرز كل تلك القيمة وأنها خلال تلك الأحداث كانت مغيبة غير واعية حتى انتهت الصفقة. حينها فقط أدركت ما حدث. أطلقت صرخة الفرح في وجه آدم. أخبرني أنني لست في حلم؟"
"الخنفسائيات لا تحلم يا فتاة."
حملقت زهرة بالشيك الذي بين يديه.
"ماذا سنفعل به؟" سألت آدم.
"الأمر يعود إليك. هذا ليس عدل. في لوحة واحدة حصلتي على أكثر مما قد أطمح إليه في حياتي. مذلة حقيقية حدثت هنا."
زهره: "حسنًا،" قالت وهي تهز الشيك، "يمكنني أن أدعوكم للعشاء على حسابي."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
فكرة أن أعيش في اسكتلندا لبعض الوقت احتلت كل ذهني. لم أُفاتح آدم أو تالا، لم أُشاركهم تطلعاتي، لكني كنت بحاجة لتجربة أجواء مختلفة عن التي قضيت فيها كل عمري. ولأني عندما تتملكني فكرة لابد أن أنتهي منها.
هاتفت أرنولد. كان سعيدًا بمهاتفتي التي لم يتوقعها.
"هل أنت جاد بعرضك؟ أعني المنزل القابع في ريف اسكتلندا؟"
زعق أرنولد: "نعم، بكل تأكيد. أنتِ لا تعرفيني بعد."
قلت بتلعثم: "حقيقة أنا لا أرغب بمعرفتك، أعني لا أود التعمق في علاقات تخالف تقاليدي وديني. وإنني على حسب ما فهمت إذا قبلت دعوتك حضرتك لن تكون حاضر حينها في المنزل."
ضحك أرنولد: "صريح مثل السكين، للحد المعرج. أنا في باريس الآن سيدة زهرة. في حال قبلتي دعوتي سأرسل من ينتظرك في المطار."
قلت: "لا حاجة لذلك، امنحني العنوان. ثم بعد إذنك امنح العاملين، الخدم إجازة، أنا لن أعيش مع رجال في المنزل."
ضحك أرنولد مرة أخرى. صمت لدقيقة.
"سأترك فقط خادمة واحدة اسمها صوفيا. هل يناسبك ذلك؟"
قلت: "جداً جداً."
أنهيت المهاتفة. بعدها أرسل لي أرنولد موقع المنزل، العنوان بالتفصيل وكيفية الوصول إليه.
اعترض آدم على فكرة بقائي في اسكتلندا. قال إنه لا يمكنه قبول تلك الدعوة. كان آدم تغير بعض الشيء بعد بيع لوحتي الأخيرة. كنت أتفهم ذلك ولست حانقة عليه.
قلت: "أنا قبلت الدعوة."
انزعج آدم، هددني بالمقاطعة، لكن تالا تدخلت وحلت الموقف. بعد أن شرحت لها أن المنزل سيكون فارغًا، سأعيش فيه بمفردي، وإنني لا أمانع بانضمامهم إلي. حل الأمر مع تأزم في الموقف وأبعاد غير مدرجة على الطاولة. رضخ آدم أخيرًا. قال: "أنت حرة."
"وأنتِ حرة." تحمل أكثر من معنى. لكني في تلك اللحظة كنت مرحبة بأي انفراجة تسمح لي بعدم العودة لمصر.
كان من المفترض أن نغادر الفندق بعد يومين، لكن كنت ملتهفة للمغامرة. جمعت ملابسي وحشرتها في حقيبة ابتعتها حديثًا، حقيبة ظهر كبيرة تصلح للتخييم. اخترت أن أذهب لاسكتلندا عن طريق السيارة حتى لا تفوتني أي مناظر طبيعية خلال الرحلة. دفعت كلفة السيارة أون لاين عن طريق الفيزا بعدما تكفل أرنولد بتمديد تأشيرة الدخول.
أقلني سائق عجوز أنيق وراقي. لم يتعمد إزعاجي أو الانغراق في الثرثرة. وضح لي خط السير، نقاط التوقف، المدة المتوقعة للوصول.
ألقيت رأسي على النافذة وسرحت في الطريق الخلاب.
لأول مرة أشعر بحريتي، أعني حريتي الشخصية في التصرف على سجيتي دون مراقبة من شخص آخر. يمكنني النوم في السيارة، الأكل، القراءة، كل ما يخطر ببالي.
انطلقت السيارة بين مروج ومراعي، منازل متفرقة، أشجار، تلال، بحيرات، وثلوج تعلو بعض القمم. سرحت في تلك الروعة. مر الوقت بسرعة، لم أشعر به حتى وصلنا قرية في وست لوسيان. حيث انعرجت السيارة في درب ضيق تحاصره أشجار البندق والخلوم وحشائش الخلنج. كانت هناك منازل صغيرة يقطنها بعض المزارعين. ابتعدت السيارة داخل العمق الأخضر حتى وصلنا مشارف المنزل.
أوقف السائق السيارة على بعد عشرات الأمتار من المنزل. هبطت من السيارة، وضعت حقيبتي على كتفي ولفحني البرد. برد لم أعتده من قبل جعل جسدي يرتعش. فركت يدي ببعضهما. كنت أحتاج مثل ذلك الشعور. عبرت الدرب تحت عيون فلاحة جميلة وطفلتها. نظرات فضولية لزائر غريب. تأكدت من عنوان المنزل قبل أن أطرق الباب.
فتح الباب وطلت منه فتاة رشيقة وجميلة بتنورة مزركشة ضيقة وقصيرة، جورب طويل، قميص أحمر، وشاح حول عنقها. كانت تدخن على ما يبدو قبل أن أصل.
"زهرة؟"
قلت: "أجل."
رحبت بي صوفيا.
"كنت أتوقع حضورك بالأمس؟"
"اخترت السفر بالسيارة لذلك أنا آسفة، تأخرت."
رافقتني صوفيا إلى غرفتي وعرضت مساعدتي في ترتيب الملابس.
"سأفعلها بنفسي."
قلت: "أنا معتادة على ذلك."
"طيب، سأكون في الجوار إذا احتجتِ شيئًا."
أعتقد أن صوفيا كانت تظن نفسها أفضل مني، فأنا مجرد ضيفة شرقية من بلاد متخلفة في ضيعة سيدها. كان واضح جدًا أنها حرصت على إبداء جمالها بالحركة المستمرة لجديلتها الصفراء الناعمة وحركت شفتيها ونظرت عيونه الخضراء.
رتبت ملابسي بسرعة وتسللت للخارج. لم أحضر لهنا من أجل البقاء في المنزل.
قابلتني الطبيعة البكر، مروج وأشجار وزقزقة العصافير، الخراف والابقار المبعثرة على التلال القريبة.
على مرمى البصر ظهرت البحيرة الهادئة حيث اصطفت بعض قوارب الصيد. كانت الأوزات والبطات تسبح في هدوء وطمأنينة.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كان بيدي كتاب وانطلقت نحو تخوم الغابة.
كان يمكن رؤية حقول العنب، أرض محروثة وتلك التي ينبت فيها القمح والشعير.
علي طريق متعرج بين المراعي رأيت فلاحين علي رأسيهما قبعتان من القش.
ثم اختفيا بين أشجار الصفصاف.
وراء الصفصاف هناك أشجار شاهقة الأرتفاع كأنها تعانق السماء الزرقاء الملطخه بالغيمات.
ورائها تنهض الجبال الكبيره.
لا يمكنني أن اطلب أكثر من هذا.
ربما خرير نهر، غناء الماء الصافي فوق الأحجار.
خرجت من الجانب الخاطيء، لم أكن أمام البيت الرئيسي وإنما وسط بعض الحقول.
سمعت نباح بضعة كلاب لم أكن أراها.
وعندما عبرت الحقول رأيت تحت الظل الواقي لبعض أشجار الادفوكات أرضآ مزروعه بكل انواع الخضروات والفاكهه جديره بلوحه لارشيمو لدو.
لمحت طفل وطفله يلعبان عاريين بجوار حفرة في الأرض.
نظر الي الطفل، كان خيط سميك من المخاط يهبط من أنفه الي صدره.
ابعدت عيني بسرعه لكنني لم أستطع التخلص من شعوررهيب بالغثيان.
شعرت اني أسقط في الفراغ.
في النهايه عندما استعدت تركيزي كان الطفل والطفله قد رحلو.
وصلت الي ما يشبه حظيرة طيور.
بالرغم من ان الشمس لاتزال في السماء رأيت الدجاج كله راقدآ علي سيقانه.
علي مبعده يوجد اسطبل وحظيرة للخنازير.
دورت حولهما، قابلتني شجرة صنوبر منتصبه، شديدة الجمال والعظمه.
سمعت أصوات بعيده للغاية.
تقدمت مطمأنه معتقده انني أسير نحو المنزل.
عبرت قناه تجري فيها مياه.
رأيت عشب القراص وكل انواع العشب البريه.
تخيلتني طفله ترتدي سترة رثة من صوف الغنم أتحرك وسط تلك العزله المطلقة التي تسبق هبوط المساء في الريف.
تخيلت فأرآ، تخيلت خنزيرآ، تخيلت نسرآ ميتآ في وادي صغير لم تطأة قدم بشر.
بعد القناة مشيت فوق عشب أخضر طويل حتي سمعت صوتها.
"كيف تتجولين في البريه دون أن تمنحيني خبر؟"
"ألم يخطر ببالك انك ربما تفقدين طريقك وتضعيين في الغابه؟"
"الكثير من الهراء، منذ البدايه وانا لم استثغ تلك الفتاه صوفيا."
"وعندما يحضرني ذلك الخاطر لا تفلح كل مبررات العالم بتغير وجهة نظري."
مشيت للنقطه التى وقفت فيها صوفيا بصمت قبل أن ترافقني للمنزل.
مصممه عدم التحدث إليها حتي لا اخرج اسوء ما في داخلي.
أيضآ كانت لدي العديد من الأفكار التي تشغل بالي، افكار تتصارع من أجل أن ارسمها.
قصدت غرفتي اخرجت عدة الرسم وبدأت العمل في الشرفه.
كان علي ان استغل تلك الفرصه، هذه الأجواء الغريبه علي كيف ستوسع مداركي وتغير نوعية لوحاتي من صحراء قاحله لخضره ومطر.
طرقت صوفيا باب غرفتي.
"قالت طعام الغداء جاهز."
"قلت شكرا لك لم أرغب ان تهرب مني اللحظه، سأتناول طعامي لاحقآ."
"لست خادمتك." خاطبتني صوفيا بنبره مستعليه.
"لاحقآ عليك ان تعدي طعامك بنفسك."
حافظت على هدوئي.
"لا مشكله." قلت وانا ابتسم.
"ماذا تظني نفسك؟ رسامه مشهوره؟ نابغة حضرت من صحراء الشرق؟"
نظرت الي من فوق كتفها ورمتني بنظره ساخرة.
"حسنآ، فاض الكيل، اي حشرة استوائية لدغتك يا عزيزتي صوفيا؟"
"ألم يوضح لك ارنولد انني مالكة المنزل الأن؟"
"اسمعي، انا لا أبالي اي شيطان يلعب في دماغك التعيسة، انا سيدة المنزل رغما عنك، كلمة اخري وسأركلك على مؤخرتك خارج المنزل."
"انا لا احتاج خدماتك، كل ما عليك فعله ان تتجنبي رؤيتي حتي تمر تلك الأيام القليله بسلام."
صمتت صوفيا.
منذ اول لحظه وانا أدرك ان تلك الوغدة عاهرة ارنولد في اسكتلندا.
اغلقت باب الغرفه في وجهها وسمعت خطواتها تبتعد.
لم أكن مسرورة لاني أخرجت اسواء ما في، لكن للأسف بعض البشر يفلح معهم االاسلوب القمعي فقط.
لزمت غرفتي.
كانت لدي لوحه علي الانتهاء منها قبل أن تهرب افكاري.
رسمت فتاه تتلوي من الرعب الرفيع الضعيف مثل دودوة.
كأنها تنتحب في حقل محروق.
بألوان صفراء، منازل رماديه، لوحة ريفيه بحته للقنوط.
سحابتين صغيرتين وبعيدتين للغايه تجريان مثل طفلين يدفعهما الريح تقطران رماد.
كانت الفتاه تجلس في صالة أرضها من خشب الزان وجدرانها من خشب الساج يتدلي منها مصباح غاز يرتعش ضوئة.
ينتصب شعر ذراعيها كريش دجاجة.
خليط بين السوريالية والطبيعية.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
في اليوم الثالث خرجت للتخيم على طرف البحيرة.
حملت حقيبتي، تعمقت في الغابة حتى انتهيت لبقعة مزوية.
قمت بقص الحشائش أولاً قبل أن أنصب خيمتي الصغيرة بجانب ضفة البحيرة بحيث يمكنني رؤية مائها، أن أشم رائحة الماء القوية.
نصبت حامل اللوحات.
على مقعد سهل الطي جلست وبدأت الرسم في أجواء أقل ما يقال عنها خيالية.
إلى جواري أبريق قهوة ساخن، عبأته قبل رحيلي.
في مواجهة مياه البحيرة، تحت أعناق الأشجار، وسط شقشقة العصافير، وحيث يمكنني رؤية الأوزات السابحة، وغيمات تراقبني، بدأت رسم لوحتي الثانية.
تابعت الشمس وهي تضعف ثم تختفي، ولم يكن القمر قد ظهر بعد.
أشعلت ناراً بجواري.
في هذا السكون المهيب وجدت نفسي أخيراً.
التهمت فطيرة سجق وأشعلت كشاف شحن وعلقته في سقف الخيمة.
في هذه اللحظة أدركت أنني لا أحتاج شيئاً آخر، وأن بقائي هنا بقية حياتي سيكون بمثابة مكافأة عن كل ما قاسيتُه في حياتي.
ابتلع الليل آخر ذرات النهار.
راحت ريح ناعمة تداعب أوراق الأشجار.
سمعت ضربات الأسماك داخل البحيرة، أصوات لم أعرفها في البداية.
كان موسم تزاوج أسماك الشفاق حيث تحك أجسادها بطمي الضفة.
أسفل مكاني تماماً ظهر القمر.
استلقيت على العشب واضعة يدي تحت رأسي، محلقة بعيني نحو السماء التي بدت صافية الآن.
رحلت الأصوات كلها، حتى صوت عقلي الواعي.
وجدتني أشرد لبعيد حيث لا يمكن لقدمي أن تصل.
مر علي شريط حياتي، بحلوه ومره، حتى وصلت لمكاني مرة أخرى.
كان الوقت قد سرقني.
دَلفتُ لداخل الخيمة، دسست نفسي داخل البطانية وروحت في النوم.
أصيب أدم بطلق ناري في الكتف.
ليس هناك أسوأ من اتصال هاتفي ينقل لك مصيبة.
للحظات ظننتُ أنني أحلم.
احتجت لأكثر من دقيقة في التيه، عيني ترفض الإسعاف.
سمعت الصوت مرة أخرى: "زهرة، أنتِ هنا؟"
"أطلق شخص النار على أدم، لكن الحمد لله الرصاصة أخطأته وأصابت كتفه."
"من معي؟" كنت أعرف صوت تلا، لكن حالة الوعي التي كنت أسبح فيها أربكتني.
"تلا! أدم بخير؟"
"أجل بخير، حدث ذلك مساء أمس. لم يرغب أدم بإزعاجك."
"اتصل من خلف ظهره؟"
"منذ الأمس والان فقط تذكرت الاتصال بي؟"
"كانت الأوضاع متأزمة يا زهرة، لم يعرف أحدنا ماذا يفعل، ثم كان علينا الاعتناء بأدم. لا تقلقي، أنا في المستشفى بجواره، استمتعي برحلتك."
"استمتعي برحلتك؟ أين أنا أصلاً؟"
ظلام حالك يحيط بي بعدما رحل القمر.
وضعت أغراضي.
أخلّت حقيبتي، المهم منها.
حملت كشافاً بيدي وتلمست طريقي نحو المنزل.
أخطأت الطريق أكثر من مرة، لكن الأضواء قادتني نحو العمران.
وصلت الساعة الثالثة فجراً.
لملمت ملابسي، حشرتها في الحقيقة وغادرت تحت نظرات صوفيا المرتابة.
استقلت أول طائرة نحو القاهرة، والتي أقلعت الساعة الحادية عشر صباحاً.
بعد سبعة ساعات وأربعين دقيقة كنت في مطار القاهرة.
أقلتني سيارة أجرة نحو المستشفى.
وصعدت درجات السلم نحو الاستقبال ركضاً.
في الرواق لمحت تلا، سولين وزوجها.
ألقيت الحقيبة على الأرض ودخلت غرفة أدم.
كان راقداً بسلام ينعم بغفائه.
إلى جواره ممرضة شابة.
لحقت بي تلا: "لماذا حضرتِ؟ قلت لك أنه بخير."
وضعت يدي على رأسه الغافي.
تملل أدم وحرك يده ثم فتح عينيه.
"زهرة؟" بدا متفاجئاً بحضوري.
"أنا بخير." حاول أن يعدل جسده لكن الممرضة منعته.
"لا تنهضي." قلت، "لا ترهقي نفسك."
"لماذا حضرتِ؟" أصر أدم على السؤال.
"شعرت بالملل." قلت وأنا أجلس على السرير. "لم أجد ما أفعله هنا."
"لم ترسمي ولا لوحة؟" خاطبني أدم باستغراب.
"لوحة واحدة والأخرى لم تكتمل!"
"أين هي؟" قال أدم وهو ينظر للخارج.
"ليس الآن." قلت، "سيكون لدينا وقت طويل لمناقشة أمر لوحة تافهة."
ابتسم أدم، "تافهة مثل اللوحة السابقة التي بيعت بثلاثة ملايين باوند؟"
"كانت صدفة."
"الحظ ابتسم لي سيد أدم."
رمقت أدم بطرف عيني.
كتفه المعلق بعنقه.
"كان علي أن أمشي على الجمر، أن أبتلع خوفي وأنطق."
قلت: "هل قبضت الشرطة على الفاعل؟"
"ليس بعد." قالت تلا، "حتى الآن تحاول الشرطة فك شفرات الحادث."
"تعرض أدم لإطلاق الرصاص من الخلف، من مسافة بعيدة ولم يتمكن من رؤية الفاعل."
"بانجو." خطرت الاسم بذهني عدة مرات. "ومن غيره قد يهتم بمهاجمة رسام منعزل؟"
"وأنت سيد أدم، ليست لديك شكوك؟"
"أعترف، قال أدم: "ليس لدي أعداء سواكِ زهرة. وأنتِ كنتِ خارج البلاد. علاوة على أن أناملك الضعيفة لا تستطيع الضغط على الزناد."
"كلانا يعرف الفاعل سيد أدم. ربما علينا أن لا ندفن رؤوسنا في الرمل."
"ولا نقلل من حجم الكارثة. لقد تجرأ وأطلق الرصاص عليك. مرت بسلام هذه المرة، لكن من يعرف ما يمكن أن يحدث في المستقبل؟"
"ليس الآن." همست تلا، "الشيء الأهم الآن أن نخرج أدم من المستشفى. لدينا وقت طويل كما تقولين للتفكير في حل للمشكلة."
كان الأطباء قد حذروا من ترك أدم للمستشفى.
لكنه بدا مصمماً على الرحيل.
قال إنه سيطلب ممرضة للاعتناء به، وأنه ملزم بأخذ جرعات الدواء في موعدها.
كانت سولين وزوجها ينتظران بالخارج.
أقسم أدم عليها أن تذهب لمنزلها قبل أن يرجم الليل الأرض بقاذفات ظلامه.
خرجنا من المستشفى.
وانتظرت جوار أدم حتى تحضر تلا سيارته.
مسحت الطريق بعيني ثم توقفت فجأة وارتعش جسدي.
طلبت من سولين أن تسند أدم ومشيت عشرين متراً تقريباً نحو شجرة ناهضة على الرصيف.
اقتربت بحذر حتى وصلت عندها.
كانت المنطقة خالية.
لكني كنت متأكدة أنني لمحت شبح بانجو.
أقلتنا تلا بسيارتها للمنزل بعد أن ودعنا سولين.
طوال الطريق لم أتوقف عن التفكير في بانجو.
لم يكن خيالاً الذي رأيته، بل بانجو بشحمه ولحمه.
جعلت أتلف في كل الجهات متوقعة أن تخترق رصاصة زجاج السيارة.
لكننا وصلنا بسلام ورافقنا أدم لغرفته.
جلست على الأريكة في الرواق.
عليّ أن أجد حلاً لتلك المشكلة.
بدا واضحاً لي أن بانجو لن يتركنا في حالنا.
لن أتحمل أن يحدث شيء لآدم بسببي.
حينها سأظل طوال حياتي ألوم نفسي.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثمانون 80 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
كل حكاية ستنتهي، لا شيء يبقى على حاله في هذه الحياة. كن منصفاً، يوم ما عندما تفتش في دفاترك القديمة، ستنصدم بكلمة "كان".
كان صديقي، كان زميلي، كنت أكن له مشاعر، كنت أعتقده غير ذلك، كنت... كان. إنها حقيقة مشوارك، خذلانك، هزائمك. ستنضج وتكتشف أن العزلة ليست أمراً سيئاً.
اللوحة!
اللوحة حياة. عندما تنظر لرسمة، عليك أن توقن أنها ليست مجرد ألوان وخربشات، بل قصة لحظية، وقتية كاملة. اللوحة اختزال لمشاعر الرسام في ٦٠ سم.
ألح علي آدم من أجل رؤية لوحتي. كنت أعلم أنه يمر بحالة من عدم الاتزان، عدم قدرته على استخدام يده اليمنى، رقدته على السرير ليل نهار، تفكيره في القادم وكل ذلك الهراء. حسناً، سترى لوحتي، ستكون أول من يطالعها بعينيه الجميلتين. لوحتي ستزداد جمالاً برؤيتك لها.
أخرج سيجارتك سيد آدم. ارفع فنجان قهوتك. استعد للصدمة.
اختفيت دقيقة، أحضرت اللوحة المطوية، فردتها على الطاولة.
ليس هكذا يتم الأمر يا كسلاء. أحضري حاملاً، ثبتي اللوحة عليه.
جررت حاملاً وعلقّت اللوحة عليه. حدق آدم باللوحة وهو يطلق دفعات من الدخان.
"أنا، هل تعتقد أن بانجو سيتركنا في حالنا؟"
آدم: "الألوان رائعة، زهرة، ومعبرة."
"أنا: لماذا أشعر أن تلك الحكاية لن تمر على خير؟"
آدم: "الفتاة؟"
"فكها متدلياً."
"تتجاهلني."
آدم: "ليس الآن يا زهرة، من أي جحيم استلهمتي تلك اللوحة؟"
"لوحة تراجيدية، مأساوية تجعلك تكاد تصرخ من الوجع. كل تفصيلة فيها قرصات نحل، بل دبور أرعن."
"هكذا خرجت. اسمع يا آدم، أنا مثل الكاتب الفاشل، أترك فرشتي تلوح حتى تظهر رسمة."
"أنا من زرعت فيك حب الرسم يا زهرة، لا تنسي ذلك."
"أنت؟ أنت تقريباً صاحب الفضل في كل شيء جيد في حياتي."
"لن أبكي، لن أتأثر بمدحك. كلانا يعرف أننا بذات الأهمية في حياة بعضنا. ربما أكون دعمتك، وضعتك على الطريق الصحيح، لكنك كنت سبب حبي للحياة."
"أنت صلبة مثل صخرة قديمة يا زهرة، في كل معركة تثبتين لي أن عليّ أن لا أستسلم."
"قبل ظهورك في حياتي، كنت أمر بفترة من اللامبالاة، فاقد للشغف مثل قرد مكاك يستعد للرقصة الأخيرة قبل أن تنتهي حياته."
"أكثر من مرة رغبت أن أسألك لماذا قمت بإنقاذي، وما طبيعة علاقتك بمروة؟"
"لكل إنسان أخطاؤه الخاصة، لكن أخبرك أن هفواتي يا زهرة ليست كما تتصورين، لقد كانت كل أفعالي نابعة من حبي للرسم."
"كانت متزوجة يا آدم، وأنت ظهرت في حياتها، بل دمرت حياتها تقريباً."
"إذا لم أظهر في حياتها ما كنت لالتقي بك، وإذا لم أكن رساماً لما شعرت بحجم الحزن في قلبك."
"ثم أنا لم أكن أعلم أنها متزوجة، وعندما أدركت ذلك كانت حياتها تمر بأزمات متتالية مع زوجها."
"ما لا تعلمينه يا زهرة أنني اعترفت لحسني أن لا شيء يجمعني بزوجته إلا الرسم، لقد أقسمت على ذلك. عندما قررت الرحيل طلب مني حسني بنفسه أن أتم رسمتي."
"مرة عندما كان في حالة سكر، وأنت يا زهرة حينها لم تكوني في الشقة، راح حسني يصرخ مثل طفل. لقد ألقى بعنقه على كتفي، اعترف لي أن مروة تخونه مع أكثر من رجل، درزينة من الرجال، سبعة قال. أعرف أنها عاهرة كبيرة."
"من أجلي قال. ظل بجواري. على الأقل أن أثق بك. كان حسني يراقب زوجته ويعلم مغامراتها السرية."
"كنت أعلم أنه في حالة من العجز الجنسي، كان متلطخاً بالخزي وقلة الحيلة."
"كتب كل شيء باسم زوجته، فعل ذلك ليرضيها، لكن النساء، السيئات منهن لا يمكن إرضاؤهن أبداً."
"بالصدفة حكت لي مروة مأساتك، قصتك، ألمك، ما فعله حسني. آسف أن أقول ذلك، لكن عرفت كل شيء. حينها لم أشعر بالشفقة عليه."
"أردت أن أنتشلك من كل ذلك، أن أكون قشتك البحرية نحو الضفة."
"إن المشاعر تتغير بمضي الزمن، إنها مثل العمر تزهر وتشيخ."
ثم حدق آدم بعيني.
"أتعتقدين أني غبي يا زهرة؟"
"لا."
"ساعديني على النهوض."
ومد آدم يده السليمة نحوي، سندت كتفه. صرخ آدم من الوجع.
"أوه، اللعنة. أظن أنه الوقت المناسب أن تكوني لي زوجة."
"فأنا لا أستطيع أن أرفع ظهري دون مساعدة."
سار خطوات ثم توقف آدم أمام اللوحة. كنت خلفه تماماً.
"يلعب الماضي برأسي."
"أكثر من مرة رأيت تلك التساؤلات اللعينة في عينيك، كنت الصعلوك، الأرعن، الشقي، صاحب النزوات الذي تأتي الفتيات إلى غرفته كل ليلة."
"أنا رجل قليل البوح يا زهرة، أؤمن أن على الشخص الذي من المفترض أن يكون أقرب لك أن يفهمك ويثق بك ويضع حسن النية في أفعالك."
"لقد تعمدت أن لا أفتح فمي، هكذا مضت الأيام، دون سؤال منك ودون أن أنطق."
ضحك آدم.
"هكذا يفترق العشاق في روايات الكتاب، يرحل كل واحد منهم بأطنان من الكلمات!"
عندما التفت آدم، كنت أبكي. أول مرة أرى هذا الجانب منه.
"خذي منديل، ساعدي نفسك كما تفعلين دومًا."
"والآن اتركيني مع تلك اللوحة واغلقي الباب خلفك."