تحميل رواية «لا تخبري زوجتي (زهرة)» PDF
بقلم الكاتب اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ب مونت كارلورواية لا تخبري زوجتي الفصل الأول 1لم أكن قادره علي فتح فمي، لقد حذرني بالموت منذ صغري، ترسخت الفكره في ذهني بعد أن وجدو دعاء صديقتي مذبوحه في المصرف القريب منا، بداء الأمر في عمر التاسعه عندما كنت العب ودعاء علي السلم، حينها اغرانا بقطع شيكولاته جميله، اجلسنا علي حجره بالتناوب ووعدنا بمزيد من الايس كريم والشيكولا اذا حضرنا كل يوم دون أن نخبر أهلنا، كنا أطفال ولم نتمكن من مقاومة الشيكولالكن دعاء شعرت بالألم بعد أن قام بقرصها حتي احمر جسدهاحينها قالت لي انها لم تذهب هناك مره اخري، بعده...
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الحادي والثمانون 81 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
منذ مدة طويلة أصبحت لي ذمتي المالية الخاصة. لم نهتم أنا وآدم لذلك الأمر كثيراً، لم نعطه أكثر من حجمه. النقود مجرد أداة للعيش ليس أكثر.
بعد أن تركت آدم، غلبني هم كبير. شربت شاياً حلواً. خرجت للشرفة، جلست على مقعد هزاز. تأملت النجوم والقمر، أشجار الحديقة وصمت العصافير. حاولت أن أخرج من حالة المشاعر الحزينة التي استولت علي.
أنا مدركة تماماً أن بانجو لن يتركنا في حالنا، وأنه لن يتورع عن قتل آدم وتفجير جدار جمجمته. لكن بعض المال قد يغريه للابتعاد عنا. لدي نقود بيع لوحتي الأخيرة لم تنقص إلا بعض الآلاف. ربما لو منحته رقماً جيداً يوافق على تركي في حالي، يتوقف عن التفكير بي بشهوانية ويختار النقود.
اعتمرت الخطة في ذهني. وكانت المعضلة كيف أصل إليه؟ لم أجد أمامي إلا عونى. أنه الشخص الوحيد الذي تواصل مع بانجو ويعرف كيف يصل إليه. كان عونى فصل من الجامعة. الفرصة الوحيدة أن يكون يحتفظ برقم هاتفه القديم.
في الجامعة تحصلت على رقم عونى من أحد حراس الأمن الذي لم يكن قد قام بحذفه بعد. هاتفت عونى، لم أتلق رداً لكن هاتفه كان يعمل.
واصلت مهاتفة عونى دون رد لأكثر من عدة ساعات. حدود الساعة الثامنة ليلاً رد أخيراً بصوت ناعس.
"من معي؟" قال.
"زهرة." قلت.
"زهرة؟" نخر عونى. "ماذا ترغبين مني؟"
"أرغب برؤيتك إذا كان ممكناً."
"آسف، لم أعد دكتور في الجامعة ولا أرغب برؤية أي كائن بشري."
"لقد تدمرت حياتي بسببك ولا أرغب برؤيتك حتى في كراسة رسمل."
"لن تندمي." قلت.
بدا أن كلمتي أثارت فضوله. وكان يفكر الآن.
"كيف؟"
"بانجو." قلت.
"اللعنة على بانجو، ذلك الوغد الخنزير الهجين مضمار القذارة."
"امنحني فرصة أشرح لك."
"ليس لدي وقت لذلك الهراء." صرخ عونى. "ليبتلعك الجحيم أنت وبانجو."
"علينا أن نتخلص منه." قلت.
صمت عونى دقيقة. كانت فرصتي الآن.
"أنت لا ترغب أن يهرب بانجو من العقاب بعد ما سببه لك ولي؟"
"أنا لا أعرف مكان ذلك الجبان." قال عونى. "اختفى مثل بعوضة قمامة."
"ستجده إذا كنت ترغب. أعرف كيف نغريه بلقائك."
"لدي نقود كثيرة. أنا مستعدة للدفع."
تنهد عونى. رغم وغديته أشك أنه سيرفض نقوداً أتته بالمجان.
"نصف مليون جنيه رقم كافٍ؟"
سعل عونى. ضحك بهستيريا. "امنحيني نصف مليون جنيه وسأقتله بنفسي."
"ليس قبل أن نعرف مكانه." قلت.
"فكر عونى. بانجو لن يقبل بلقائي إلا إذا كنتي حاضرة معي."
"وأنا مستعدة." قلت.
"حاول أن تصل إليه وأنا مستعدة."
"7 شارع الأمير متفرع من شارع التركي. سأنتظرك هناك."
بدلت ملابسي واستقليت سيارة أجرة للعنوان حيث كان ينتظرني عونى.
توقف التاكسي أمام حانة قديمة.
"عليك أن تهبط درجتين لتدلف إليه."
منحت السائق الذي رمقني بارتياب أجرتة.
ودلفت داخل الحانة.
مجموعة من الطاولات القذرة التي يطن فوقها الذباب. زجاج متلطخ بالشراب والتراب يحجب ضوء الشارع.
كان عونى جالساً على إحدى الطاولات رأسه على الطاولة يغط في نوم عميق على ما يبدو.
جلست على الطاولة.
"عونى." قلت.
رفع عونى وجهه المتغضن بلحيته الكثة وشعر رأسه الطويل. بدا نحيفاً عن آخر مرة رأيته.
أشار للنادلة.
"زجاجة جعة." قال دون أن ينظر إلي.
أحضرت النادلة زجاجة جعة وضعتها أمام عونى مع كأس.
فتح عونى الزجاجة المثلجة وابتلع جرعة كبيرة من الشراب. ثم تجشأ بطريقة قذرة.
"كيف حالك؟" قال.
"بخير دكتور عونى."
"دكتور؟" ضحك عونى. "أنا لم أعد حتى دكتور. بهائم."
"لديك نقود؟" سألني.
"أجل." قلت.
مد عونى يده. فتحت حقيبتي أخرجت حفنة من النقود وضعتها على الطاولة.
تناول عونى ورقة مائة جنية ثم أشار لنادل شاب حضر شبه راكض.
"شطيرة لحم ساخنة بالسجق واحتفظ بالباقي." أمره عونى.
تحرك النادل نحو مخرج الحانة.
"ما الخطة؟" قال عونى وهو يتجرع بقية زجاجة الجعة.
"قلت أنوي منح بانجو النقود ليبتعد عني."
"غبية!" زعق عونى. "حتى لو أخذ بانجو النقود سيظل يطاردك. سيطلب أكثر ولن يكتفي حتى يفلسك."
"ما العمل؟" قلت.
وضع عونى يده على ذقنه.
"لدي فكرة." قال.
"ما هي؟"
طلب عونى جعة أخرى.
"بانجو لن يظهر فعلاً إلا عن طريق التلويح بالنقود. لكن بانجو ليس غبياً ولن يثق إلا بك أنتِ، زهرة."
"سأصل لبانجو. بعدها ستتواصلين معه وتطلبين مقابلته. لن يقبل بسهولة طبعاً."
"ستمنحيه بعض النقود في مكان عام ليبتعد عنك. سينفق بانجو النقود على نزواته وعاهراته."
"سيطلب نقود مرة أخرى. تلك المرة سترفضين، تتذمرين. في النهاية ستوافقين على منحه مبلغ كبير لتتخلصي منه."
"سيوافق بانجو. حينها ستكون فرصتنا. فرصة المرة الواحدة التي لن تتكرر."
"من تلك النقطة ستتركي الأمور لي وحدي لأتصرف بها."
وافقت. لم يكن لدي حل آخر.
سحب عونى بعض العملات الورقية. قال. "سأحتفظ بها من أجل المصاريف."
ودعت عونى ورحلت أفكر إذا كان ما سأقوم به هو الحل الوحيد أم مصيبة أخرى سأقع فيها.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثاني والثمانون 82 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
بعد يومين، هاتفها رن. كانت الساعة تشير للرابعة عصرًا. رغم أنه بدأ كأنه فتح عينيه للتو، لقد عرف مكان الوغد.
قال: "يقطن قبو قذر في شارع عشرة في الوايلي."
"أنا مستعدة،" سألته؟
"سأكون مستعدة."
"والنقود؟"
"النقود جاهزة في حقيبتك."
"كوني حذرة، عليك الإصرار على مقابلته في مكان عام يا زهرة."
دون أن تذكر زهرة العنوان، أنهت المكالمة.
شعرت أنها بحاجة لحمام دافئ. دلفت للحمام، فتحت صنبور الماء. ثم أحضرت صابونة ومنشفة ووضعتها على مقربة منها.
وقفت أمام المرآة. نزعت ملابسها. لفت ودارت، عاينت نفسها. منذ مدة طويلة لم تفعل ذلك. كما أنها لم تعرف السبب الذي دفعها للوقوف أمام المرآة.
"إن أكثر الأفعال جنونية يفعلها الإنسان فجأة دون ترتيب مسبق."
بعد دقيقة، قفزت داخل حوض الاستحمام حتى غمرتها المياه المعطرة التي داعبت عضلاتها المتوترة. شعرت برغبة في النوم لكنها خشيت الغرق.
"لن يكون أمرًا مشرفًا إذا وجدوها غارقة في حوض ماء لا يكفي لسلق دجاجة."
سرّحت شعرها في رغوة الصابون، شعر أسمر ناعم غير مميز. شعرت بحرقة في عينها.
"انهضت جسدها أخيرًا، جسد ممشوق خمري تتساقط من فوقه قطرات الماء الدافئة."
أمام المرآة مرة أخرى، مشطت شعرها ورفعته بمشجب. فكرة حمقاء جعلتها تبتسم. اختارت ثوبًا أصفر فضفاضًا، وضعت بعض الزينة الخفيفة. عاينت حقيبتها: مسدس آدم، النقود، هاتفين؛ أحدهما صغير.
وتسللت من المنزل الهادئ بعد أن شربت فنجان شاي حلو.
وعندما وصل التاكسي إلى كوبري القبة، هاتفت بانجو، والذي كان ينتظر اتصالها على ما يبدو، حيث أنه أجاب من أول رنة.
بكلمات محددة، شرحت له سبب اللقاء وطلبت أن يكون في مكان عام.
"سأمنحه النقود وأرحل، بعدها سينتهي كل شيء."
وافق بانجو.
في شارع عشرة الصاخب، وقفت زهرة وسط الزحمة حتى ظهر بانجو. كانت واقفة أمام محل ملابس.
رحب بها بانجو كأنها صديقة قديمة. أخرجت زهرة حزمة النقود ووضعتها في يد بانجو. كانت ملفوفة في كيس أسود.
"خمسون ألفًا؟" سألها بانجو.
"أجل،" ردت زهرة، ثم أردفت: "هكذا ترحل من حياتي يا سيد بانجو."
اشتم بانجو رائحة النقود. قال: "لن أحصيها، أنا واثق في نزاهتك."
بلا سلام، ابتعدت زهرة. عيناها وسط رأسها حتى وصلت قسم الوايلي سيرًا على الأقدام. بعدها تنهدت واستقلت سيارة أجرة.
"مضى كل شيء على خير."
ابتسمت زهرة. هذا اللقاء الضيق أثبت لها فكرة كانت غائبة عن ذهنها.
بانجو سيعاود مهاتفتها، تعرف ذلك. عوني يعرف ذلك، وليس عليها سوى الانتظار.
عندما دلفت لداخل المنزل، كان آدم ينتظرها. كان قلقًا بصورة غير عادية، كأنه شعر بما تحاول أن تخفيه عنه.
تناولا العشاء معًا، شربا القهوة. سألها آدم: "هل ترغبين بقول شيء؟"
"لا،" قالت زهرة بثبات.
حينها قال آدم إنه سيذهب للنوم.
"ليس هناك أشد وطأة من انتظار أمر يشغل بالك، شيء معلق لا تعرف كيف سيمضي. القلق البغيض. كلما مر الوقت، كلما اقترب الحسم. لأنها في الغالب ستكون خيبة."
"متى كانت آخر مرة ضحكنا من قلوبنا؟ كل ضحكاتنا ملوثة، ملطخة بالصفار، ضحكات محشورة لا تخرج بسهولة."
كانت زهرة تذهب للجامعة، ترسم، تنام، تستيقظ، تأكل، والوقت يمر.
كانت تسأل إلى متى سيصمد بانجو أمام بريق المال؟ وهل ستنجح خطتها؟
لم تستبعد زهرة أن يكون عوني مشاركًا في اللعبة. لدى عوني ماضٍ غير مشرف، كائن بلا أخلاقيات مثل البرص. وتدرك أنه ربما أبرم اتفاقًا مع عوني لمص دمها. بل أكثر من ذلك، بصورة ما تشعر أن بانجو يخضع لعوني فكريًا وينفذ تعليماته.
إن عوني لا يسعى لمساعدتها أكثر من مساعدة نفسه بنيل جزء من النقود.
"هكذا هي الفكرة، عوني وبانجو فريق واحد وعليها أن تستغل ذلك."
في الفترة الأخيرة منذ لقائها ببانجو، تعمل زهرة على لوحة معقدة. تضع لمساتها عليها كل ليلة. لوحة لما يشبه خطة انتقام ونجاة. لرجلين بأفواه مفتوحة وأنياب بارزة يستعدان لالتهام فتاة. يقطعان جسدها، يفسخونه، والفتاة تصرخ.
بعد شهر، كانت زهرة تستعد للامتحانات. معملة كل عقلها في المعادلات والنظريات اللعينة التي تشعرك أنك ستصبح رائد فضاء ما إن تنجزها.
رغم أن مقعدك في المقهى جاهز.
"نحن أكثر بلد في العالم يحوي مقاهي، أكثر من المدارس، المستشفيات، دور العبادة. وأقل بلد في العالم يمتلك محلات ورود وعطور ومكتبات عامة."
"مع أنه ليس هناك أكثر إغراءً من إنسان يقرأ كتابًا بشرود متناسيًا كل العالم. إنها الحالة الوحيدة التي قد تدفعني لارتكاب حماقة ومحاولة خلق حديث."
كانت تنتظر مادتها الأولى عندما ومض هاتفها باتصال وارد. كان بانجو.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثالث والثمانون 83 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
عزيزتي زهره أحتاج بعض النقود.
حدثها بانجو بحميمية صداقة قديمة.
لقد منحتك ما اتفقنا عليه سيد بانجو.
لكن أنت لديك نقود كثيرة على ما يبدو.
الفاضي ينقط على المليان.
كانت زهره استوعبت للتو ما يعنيه بانجو.
أنا لست عزيزتك، لست صديقتك.
كان بيننا اتفاق، كن رجل سيد بانجو.
لا تنزعجي آنسة زهره.
أفهم أنني لا أصلح لأن أقول لك عزيزتي.
فأنا بنظرك مجرد حثالة.
لكن الروائيين والكتاب عليهم اللعنة يستخدمون تلك الألفاظ.
يخرجوننا من جلدتنا.
أعدك أن تكون هذه آخر مرة.
لن أطلب منك نقوداً مرة أخرى.
وكيف أضمن ذلك سيد بانجو؟
صمت بانجو دقيقة ثم قال بصوت فحيح غراب.
طالما تحتفظين بأطرافك ولم تفجر رصاصة كليتك.
حينها ستعرفين أنني على العهد.
هذا تهديد سيد بانجو؟
اسمعي يا فتاة، أنا لا أحسن الكلام المزوق.
أشعر أنني مصاب بالشلل وفمي ينبعج مثل زجاجة بلاستيك لسعتها النار.
إذا لم تصلني النقود سأقتلك.
سأقتل ذلك الوغد الذي تعيشين معه.
أنا أرغب بقتله.
ثم سأرقص على قبرك الذي سأحفره بنفسي داخل الصحراء.
شعرت زهره بقشعريرة تمر في عمودها الفقري.
رغم ذلك تمالكت نفسها.
سأمنحك النقود.
لكن أعديني سيد بانجو في حال أخللت باتفاقك أن أقتلك بيدي العاريتين بلا قفاز.
أن أنشب أظافري في بلعومك.
فتاة مقاتلة.
ضحك بانجو.
أحضري معك حقيبة مليئة بالنقود.
ليس أقل من نصف مليون جنيه.
أنت مجنون بانجو؟
ماذا؟ حياتك أرخص من نصف مليون؟
حسناً، لا تضيعي وقتي.
عبئي حقيبتك.
حركي مؤخرتك الجميلة وأنتظري هاتفي.
زهره: لماذا؟
سأقابلك في المكان ذاته.
أنت مجنونة؟ هل تظنيني أحمق، غبي؟
ستقبض علي الشرطة قبل أن آخذ نفسي.
أدركت زهره أن ليس لديها حل آخر.
وأن من فتح باباً عليه أن يسيده.
وأن تلك اللحظة بالذات فارقة في حياتها كلها.
لقد قاست الأمرين.
الكل عاملها بخفة ودونية.
إنهم لا يعلمون القوة الكامنة داخلها.
إنها زهره.
حسناً سيد بانجو سأنفذ تعليماتك.
أنهت زهره المهاتفة التي تقطر دماً.
حتى أنها شعرت أن يديها ملوثتان بالدم.
هاتفت عوني فوراً وأبرمت معه اتفاقاً يسيل له اللعاب.
ستمنحه النصف مليون جنيه نظير أن يخلصها من بانجو.
صفقة رائعة، قال عوني.
لن أكتفي بقتله بل سأدهسه بحذائي.
فكرت زهره ربما عليها مهاتفة الشرطة رغم كل شيء.
فإنها لا تضمن كيف ستسير الأمور.
تعلم أن بانجو وعوني على اتصال من خلف ظهرها.
منذ اللحظة التي وقع فيها بانجو بفمه وعرف كمية النقود التي معه.
توجهت زهره للبنك.
سحبت المبلغ المتفق عليه.
وضعته في حقيبة جلدية وانتظرت هاتفة بانجو.
توقعت أن يكون اللقاء ليلاً في مكان مهجور.
ودعت من كل قلبها أن لا يحدث ذلك.
لكن الأسوأ يحدث لنا دوماً مع بعض الفروق البسيطة.
هاتفها بانجو ومنحها عنوان المكان الذي ينتظرها خلاله.
كان درب متفرع من الطريق الصحراوي.
حيث توجد عشة صغيرة مؤمنة ضد الخيانة والغدر.
منحت العنوان لعوني.
كان الاتفاق أن يتبعها بسيارته من بعيد.
حتى لا يشعر بانجو بالخيانة.
استقلت سيارة آدم الشخصية بعد أن وضعت المسدس في حقيبة الكتف.
على أول الطريق الصحراوي انتظرت عوني الذي تأخر بلا سبب.
بينما كان بانجو يهاتفها كل عشرة دقائق يطالبها بسرعة الحضور ويحذرها من إبلاغ الشرطة أو الخيانة.
لم يظهر عوني.
قادت زهره السيارة ببطء متعللة بجهلها بالطريق.
حتى لاح أمامها الدرب المتفرع من الطريق الرئيسي.
أوقفت السيارة وقررت استخدام رجليها.
وضعت الحقيبة على كتفها.
ومشت بتوتر مع آخر وقت للنهار والشمس الغائبة تشاهد رقصتها الخطيرة.
لم يكن المكان بعيد.
ظهر بانجو.
كان واقفاً مثل صنم قريشي أمام العشة.
بسحنة صعلوكية قذرة.
تهلل وجهه عندما رآها بمفردها.
وكان بيده بندقية نصف آلية سريعة الإطلاق وعدد خزنتين رصاص في جراب.
أنا هنا.
لوح بيديها.
أعرف أي الوغد الرعديد.
رفعت زهره صوتها.
اقتربت زهره من بانجو.
ألقت الحقيبة على الأرض.
تفضل نقودي.
انحنى بانجو على الحقيبة.
فتحها.
تنشق النقود.
بدأ في عدها وهو يدندن وكان جالساً على الأرض.
انتهينا هنا؟ قالت زهره وهي تنظر لساعتها.
اقتربنا.
لماذا القلق؟ لن آكلك.
عليك أن تكون قلقاً.
عوني يسعى لقتلك.
سيحضر في وقت.
عوني؟ لا يستطيع قتل ذبابة.
شكراً على المعلومة.
قلب زهره كان على وشك التوقف.
يطلق دفعات سريعة من الرعب والشعور بالخطر.
كانت تبقت رزمتين من النقود عندما انعرجت سيارة مسرعة داخل الدرب الرملي محدثة غيمة من الغبار.
قبل أن يرفع بانجو مؤخرته النحيلة وثب عوني من السيارة.
تبعه رجلين مسلحين.
صوب بانجو سلاحه محدقاً ببصره على عيني عوني.
ألقي سلاحك.
صرخ بانجو.
ألقي أنت سلاحك أي الوغد القذر.
كان تابعي عوني يصوبان السلاح على بانجو.
وضعت زهره يديها على أذنيها متوقعة سماع صوت الرصاص في لحظة.
فجأة ضحك بانجو.
وضحك عوني والرجلين.
أبعدوا بنادقهم وأخذوا بعض بالأحضان.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الرابع والثمانون 84 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
تأتي اللدغة من الجهة الآمنة على مضى الزمن والأيام. لا يفلح بتحطيمك إلا أكثرهم قربًا. الشخص الذي من المفترض أن يقدم لك المعونة هو الذي يطعنك في الغالب. لذلك الذين يقضون حياتهم بمفردهم بعيدًا عن الناس هم الأكثر طمأنينة. في حياتك لا تمنح ثقتك المطلقة لأي إنسان ولا تسمح لأي شخص الاقتراب منك للحد الذي يجعلك تلوم نفسك في يوم من الأيام. يدك لن تصفع وجهك، وإذا فعلت تكون من الرقة للحد الذي لا يوجعك.
كانت زهره تتوقع ذلك، لكن المعرفة لا تمنع الألم. لقد شعرت بالوحدة وأنها مجرد صيد وقع في الفخ. فكرت بإخراج مسدسها وإطلاق النار بصورة عشوائية لأن عقلها لم يتقبل أكثر السيناريوهات مأساوية التي تنتظرها على بعد لحظة. لكنها تريثت، دائمًا يكون هناك أمل حتى في أكثر الأوقات ضبابية. فكم من باب مغلق ظننا أنه لن يفتح، لكنه يفتح بقوة أكبر من مداركنا.
لقد لاحظت لمعة في عيني بانجو، لمعة لم تمر عليها بصفتها رسامة صنعت العديد من اللوحات وآخرها لوحة المعركة التي تقع في منتصفها الآن رجلين وحقيبة مال وفتاة.
"يجب أن أرحل." قالت زهره وتحركت خطوتين.
"إلى أين يا حلوه؟" فح عونى من فمه العفن.
"إلى المنزل."
"ليس هناك منزل. لقد وعدني بانجو أن أقضي معك ليلة ممتعة إذا قدمتك إليه. الدور غير مهم."
كان على زهره أن تبدو قوية. لقد فهمت ذلك. فحينما سمعت تلميحات عونى صرخت في وجهه: "لا تنسى نفسك عونى، أنت لست السيد هنا. لقد أبرمت اتفاق مع السيد بانجو ولا أعلم سبب وجودك هنا تحديدًا."
ضحك عونى، قهقه، رفع كتفيه وسعل. "العاهره." قال، "تظن أننا لم نفهم لعبته؟"
"لست عاهره." قالت زهره وهي تصفع عونى على وجهه.
انتفض أحد الرجلين التابعين لعونى وضرب زهره بمؤخرة البندقية في معدتها ضربة قوية جعلتها تتلوى من الألم. ثم لم يلبث أن تقدم ناحيتها الآخر وركلها بقدمه ركلة متوحشة أسقطتها أرضًا وهو يضحك مليء شدقيه قبل أن ينحني ويوجه لكمة لفم زهره. رطمت رأسها بالأرض وسالت الدماء من شفتيها.
بصقت زهره الدماء الملطخة بالتراب قبل أن تنهض وهي تترنح. "لا تشعرون بالخجل؟" قالت، "تضربون فتاة عزلاء؟"
"ماذا يعني ذلك؟"
أطرق الجميع برؤوسهم غير مستوعبين لهذه الكلمات الغريبة على مسامعهم.
"متبرطمين بالفلسفة يا سافله؟" زعق أحد الرجلين وكان مجرمًا عتيدًا يعرفه بانجو. وهم بضرب زهره مرة أخرى، والتي وقفت ثابتة بلا حراك.
"كفى! هذا يكفي." قال بانجو بنبرة حاسمة، "اتركوا الفتاة في حالها."
"علينا أن نقسم النقود بيننا."
مسح عونى خده بيده وهو يرمق زهره بغيظ وتوعد. "لن أتركك يا عاهره، أقسم لن أتركك."
رفع عونى يده، كبل أحد معاونيه زهره وقيد يديها. ألقى بها في العشة. بطريقها للداخل همست زهره في أذن بانجو بعد أن مثلت أنها تعثرت: "خلصني منهم ولك ضعف النقود."
"لا تفتحي فمك بأي كلمة." صرخ الرجل وهو يدفعها لداخل العشة.
خارج العشة راحوا يقسمون النقود. كان من المفترض أن ينال بانجو النصف وعونى النصف الآخر. لكن عونى اعترض. قال بصوت خبيث: "نحن ثلاثة وأنت واحد."
"ماذا يعني ذلك؟" سأله بانجو.
"ستأخذ ربع النقود فقط يا بانجو." وابتسم عونى لتابعيه.
حملق بانجو في وجه عونى ثم في الرجلين. كان كل واحد منهم يحمل سلاحه ويده على الزناد. ثم قال: "حسنًا، لا مشكلة." ورفع يديه وهو يضحك. "اترك لي نصيبي بالحقيبة وتنحى جانبًا."
راح عونى والرجلين يقسمان النقود بينما تسلل بانجو لداخل العشة. خلص زهره من قيدها. ثم همس: "الزمي ظهري."
التصقت زهره المرتعبه بظهر بانجو الذي صوب سلاحه على أحد الرجلين وأطلق دفعة من الرصاص أردته أرضًا. ثم بكل عنف شق بوص العشة، أحدث بها فتحة واستلقى على الأرض إلى جواره زهره خلف العشة. ثم بدأ بالزحف تجاه صخرة قريبة تحت صوت الرصاص المنهمر فوقهما.
"ترغب بها وحدك." صرخ عونى وهو يطلق الرصاص تجاه بانجو. "استمتع بها ميتة يا وغدار."
تطاير الرصاص بالصخر محدثًا شررًا. وضعت زهره يدها على أذنها وكل جسدها يرتعش. لم يلاحظ بانجو الرجل الثاني الذي آلتف من الجهة الأخرى وأطلق رصاصة على ساقه. صرخ بانجو من الوجع وسحب قدمه خلف الصخرة.
"أنت رجل ميت يا بانجو." صرخ عونى مرة أخرى، "استسلم. سنكتفي بالنقود والفتاة."
وضع بانجو خزنة رصاص في البندقية وأطلق برأسه لحظة قبل أن يتوارى. ثم أطلق الرصاص على الرجل الذي لم يكن لديه ساتر، أصاب كتفه.
تهتز عونى تلك اللحظة وأطلق رصاصة أصابت صدر بانجو.
"استسلم يا بانجو، كلانا يعرف أنك لن تخرج من هذه المعركة. فلماذا تدافع عنها؟ إذا كنت ترغب بمضاجعتها لك ذلك."
وضع بانجو يده على صدره، "أدافع عنها لأنكم مجرد أوغاد نسيتم أنها في حمايتي."
لم يقو بانجو على الحركة. بدأ جسده يرتخي وشعر بالبرودة تسري في جسده.
"ناول زهره البندقية، دافعي عن نفسك يا فتاة."
نحت زهره البندقية جانبًا وأخرجت مسدس آدم. "لدي هذا."
كان الرجل الذي أصابه بانجو ساقطًا على الأرض بينما عونى يمشي تجاههم.
همس بانجو لزهره: "لديك فرصة واحدة لا تضيعيها." ثم أنهض جسده وخرج من خلف الصخرة مانحًا زهره مساحة للتصويب.
صوب عونى بندقيته تجاه بانجو وثقب جسده بالرصاص.
في تلك اللحظة السانحة صوبت زهره مسدسها قبل أن ينتبه عونى. كان يمكنها قتله لكن يدها رفضت ضغط الزناد.
"ألقي سلاحك." صرخت زهره.
سرعان ما انتبه عونى وصوب بندقيته تجاه زهره. "ألقي سلاحك أنت يا لبؤة. أنت لست قاتلها."
اقترب عونى من زهره حتى أصبح في مواجهتها. "ألقي سلاحك." أمرها.
ألقت زهره سلاحها على الأرض.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الخامس والثمانون 85 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
بعد الصدف تحمل قدر من السعادة، والبعض الآخر يورثنا الكثير من الألم والتعاسة. إنها اللحظات التي كان من المفترض ألا تحدث لنا، لكنها بطريقة ما حدثت.
في حديث عابر، وكان وقتها آدم يحتسي فنجان قهوة ويدخن لفافة تبغ، واضعًا ساقيه بعشوائية على طاولة فوقها مزهرية، يراهن نفسه ألا يسقطها. أخبره صديقه من البنك أن زهرة سحبت دفعة كبيرة من النقود، نصف مليون جنيه.
بعد أن أنهى آدم المهاتفة، بحث عن زهرة. سارت له الخادمة أنها منذ قليل استعارت سيارته وخرجت.
قام آدم بمهاتفة زهرة عدت مرات، لكنه لم يتلقى ردًا. ولأنه منذ فترة ليست كبيرة وضع جهاز متابعة بسيارته خشية السرقة، عرف أن السيارة متوقفة في بقعة خالية على جانب الطريق الصحراوي.
مما زاد اندهاشه، لكنه سرعان ما شعر بالقلق عندما فكر في سلوك زهرة الغامض في الفترة الأخيرة. مما زاد الطين بلة ملاحظته اختفاء مسدسه المرخص. لقد طافت كل الاحتمالات بعقله في دقائق قليلة، وإن كان لم يتوقع وجهتها، لكنه شعر بالخطر.
بدل ملابسه بسرعة واستقل سيارة أجرة نحو موقع سيارته. بعد مضي وقت من القيادة، وقبل أن يتوقف التاكسي، لمح سيارته مركونة على جانب الطريق. وما إن وضع قدمه على الأرض حتى سمع صوت إطلاق رصاص.
انعرج في الدرب، وكانت الشمس توارت حينها، ولم تتبق إلا ذرات ضوء قليلة. واستطاع أن يلمح شخصًا ملقى على الأرض. عندما اقترب أكثر، لمح عوني من ظهره يسير تجاه زهرة التي تصوب مسدسها تجاه عوني.
سحبت آدم من خلف العشة دون أن يحدث أي صوت. انبطح على الأرض قرب الشخص المصاب، وكانت بندقيته ملقاة على الأرض إلى جواره.
قبض على البندقية، ومن مكانه صوب على عوني تحت نظرات الشخص المصاب غير القادر على الكلام.
سمع عوني يزعق في زهرة: "نحي مسدسك يا فتاة، ألقي به على الأرض."
ترددت زهرة لحظة. لكنها لمحت آدم الذي يلوح لها بيده. ألقت مسدسها دون أن تبدر منها أي حركة. كان عوني قد وصلها الآن. يحدق بها بسخرية.
"جبانة." قال. ثم رفع يده وصفع زهرة. "هذه لتتذكري كيف تعاملين أسيادك."
ضحكت زهرة تلك المرة وهي تنظر تجاه آدم.
عندما التفت عوني، تلقى رصاصة في ساقه وأخرى في ذراعه. سقطت من يده البندقية. ترنح عوني، صرخ من الألم والصدمة.
انحنت زهرة وأمسكت بالبندقية وصوبت تجاه عوني.
"لا تفعلي،" حذرها آدم. "لا تلطخي يدك بالدم."
ضربت زهرة عوني بغيظ بمؤخرة البندقية في أنفه. تمايل الوغد وسقط على الأرض.
لاحقًا حضرت الشرطة. جلس آدم بصمت يتابع بصمت قصة زهرة. ورغم الأسئلة التي كانت تدور في عقله، إلا أنه لم يفتح فمه. لقد شعر في هذه اللحظة أنه إنسان وحيد. ورغم كل ما يظن أنه قدمه لزهرة، إلا أنها لا تثق به بالمرة وغير قادرة على إخباره بأسرارها.
لقد شعر في هذه اللحظة أن ما قدمه ليس كافيًا، أو أنه في أفضل الأحوال ليس الشخص الذي من الممكن أن تثق به زهرة وتبوح له بمشاكلها. وأن عليه ربما الآن الانسحاب. الانسحاب بطريقة جنتل مانية لا تزعج زهرة ولا تؤذي مشاعرها.
إن أكثر اللحظات قربًا هي نفسها التي توسع الهوة بيننا.
بعد تحقيق مصغر، سمحت لزهرة بالانصراف مع آدم نحو قسم الشرطة. هناك، بعدما تبينت الشرطة الحقيقة، وبعدما اعترف عوني في المشفى بالحقيقة، سمح لزهرة وآدم بالانصراف بضمان محل إقامتهما.
كان بانجو وشخص آخر قد لفظا أنفاسهما، بينما تعرض الآخر لجراح عميقة.
انتظر آدم زهرة في السيارة. لم يكن ينوي عتابها. لقد تعود منذ زمن طويل أن يحتفظ بأحزانه لنفسه، ولا يرى الآخرين إلا ضحكته.
لكن زهرة طلبت من آدم الرحيل. بعد كل ما حدث، فإنها غير قادرة على مواجهته الآن. كما أنها أصرت على أن يحظى بانجو بمراسم دفن لائقة. من أجل ذلك، كان عليها انتظار التشريح والأفراح عن الجثة.
هبط آدم من السيارة. كان هادئًا جدًا. وضح لزهرة أنه سيتابع الأمر بنفسه. قال إنهم سيحضرون عندما تفرج الشرطة عن الجثة، لكنهم لن ينتظرون في الشارع حتى ذلك الوقت.
لقد كان رفض زهرة للعودة نابعًا من شعورها بالخزي وإخفاقها في حماية آدم وجره كل مرة نحو مشاكلها.
في السيارة، قاد آدم بصمت، وتربعت زهرة إلى جواره حتى وصلا المنزل.
فهناك أوقات يكون الصمت خلالها أسلم حل، لأن الكلام لن يصلح المشكلة.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السادس والثمانون 86 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
بعد أن وصلا للمنزل أخذ كل منهم جانب. لم يفلح ولا واحد منهم أن يعبر عن مشاعره. لقد اعتقد كل منهم أن أي كلمة غير مناسبة، مهما كانت صغيرة، قد تؤذي مشاعر الآخر. ذلك الحرص حبس الكلمات داخلهم.
تنحى آدم جانبًا، قبل أن يتسلق درجات السلم ببطء دون أن ينظر للخلف نحو زهرة الواقفة في مكانها. لقد تعمد أن يسير ببطء لعل زهرة تمتلك الشجاعة التي افتقدها الاثنين.
بينما لازالت زهرة بالصمت، كانت تعتقد أن كل كلمة تقولها، مهما كانت قيمتها، لن تفلح في إصلاح الموقف. لقد فعلت كل ذلك من أجله، حتى لا يصاب بأي أذى بسببها. تخلصت من بانجو وعوني. لقد حاولت أن تفعل كل ذلك دون أن تورطه في مشاكلها. أن له أن يتفهم ذلك؟
لكن بكل حماقة، مثل كل مرة، جرت آدم خلفها. لقد كان هو، وليس شخص آخر، الذي قام بإنقاذها. إنها مدينة له بحياتها، ليس مرة بل عدة مرات. لقد نعتت نفسها بالغبيه، جالبت المشكلات. إن آدم يستحق أسفها، أن تبدي له امتنانها وتقديرها لدفاعه عنها.
لكنه لا تستطيع أن تفعل ذلك. ليس الآن، ليس في هذا الوقت، ليس أبدًا. لكنها تتمنى أن يتفهم آدم كل ذلك دون أن تتحدث، لأنها تجد صعوبة في التعبير عن مشاعرها أمام الأشخاص الذين تهتم بهم.
تعلم أنه يقبع في غرفته الآن، وربما حانق عليها، غاضب منها. ولا يمكنها أن تفعل شيئًا. تملكها شعور باليأس وقلة الحيلة.
جلست على الأريكة ربع ساعة تقضم أظافرها، ثم نهضت نحو المطبخ. وضعت إبريق الشاي على الشعله. أحضرت كوبي شاي ووضعت عبوتي شاي وانتظرت حتى يغلي الماء. ثم صبته بحذر وكان البخار يتبخر منه.
كان للشاي رائحة ذكية. حملت كوبي الشاي وصعدت السلم.
"هل يمكنني أن أدخل؟"
"تفضلي زهرة."
فتحت الباب بتأني ودخلت بكوبي الشاي. وضعتهم على الطاولة.
"هل يمكنني أن أجلس من فضلك؟"
"بكل تأكيد زهرة."
جلست زهرة متكورة على نفسها، بلا حراك.
"رأيت أنك ربما تحب أن تشرب كوب شاي معي."
اتجه آدم نحو الشرفة، أزاح الستارة وفتحها. ظهر ضوء القمر الحارس، ثم عاد ليجلس في مكانه.
مدت كوب الشاي نحو آدم، كان لا يزال ساخن. تناوله آدم ووضعه إلى جانبه.
تعلم زهرة أن آدم يفضل الشاي على القهوة، من أجل ذلك اختارت الشاي حتى يمكنها أن تخلق حديث.
جلسا صامتين في مواجهة القمر لفترة طويلة. لقد قرأت قبل ذلك أن من يشعرون بالراحة معًا يمكنهم الجلوس لفترات طويلة دون أن يتكلموا.
لفحهما نسيم بارد جعل شعرها يرتعش. فكرت زهرة: قل أي شيء يا آدم، لا تتركني هكذا.
لقد كان يفكر في نفس الأمر. لذلك عندما التقت أعينهم ورأت فيها نفسها، فرحت أنه يفكر فيها.
أشاحت وجهها للجهة الأخرى. لقد كانت تشعر بداخلها أن تلك اللحظة لن تتكرر مرة أخرى، وأنه إن كان عليها الكلام فهذا هو الوقت المناسب. لكن لسانها عالق في بلعومها والكلمات محشورة داخلها.
ارتشفت رشفة من الشاي وكان آدم لم يمد يده على كوبه بعد.
"ألا يعجبك الشاي؟" سألته؟
"بالعكس." قال آدم وهو يرتشف شايه. "شكرًا لك زهرة."
أردف بنبرة رسمية: "ما رأيك أن نخرج للحديقة؟"
"القمر مبهر الليلة."
أومأ آدم برأسه. سبقته زهرة نحو السلم، تبعها آدم بعد أن تناول غطاء خفيف في يده.
"سأصنع كوبي شاي آخرين وألحق بكم."
"من فضلك احمل مقعدين معك."
ابتسم آدم لكنها لم ترى وجهه، وسار نحو الحديقة. وضع المقعدين وجلس على أحدهم ينتظر قدوم زهرة.
حملت زهرة إبريق الشاي وسارت نحو آدم، والذي ما إن رآها حتى تقدم نحوها لمساعدتها.
جلست زهرة وراقبت آدم بطرف عينها يصب الشاي بهدوء. لازال كتفه يؤلمه من الجراح. أشفت عليه لكنها لم تفتح فمها. كانت تحب أن يخدمها وتستمتع بذلك.
لاحظت أن آدم ارتشف الشاي بلا تذمر ولم ينوه لحبه للقهوة. أقلقها ذلك وأدركت أنه لازال غاضب منها.
ارتشفت رشفة من الشاي، ثم ما لبثت أن وضعت وجهها بين يديها وأجهشت بالبكاء.
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل السابع والثمانون 87 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
عندما لمح الدموع تنهمر من عينيها التي تشبه المحيط، رفع آدم كتفيه.
"ما بك؟ لما تبكين؟ ألا يكفي أنكِ أجبرتني على احتساء الشاي وأنتِ تعرفين أنني أكرهه؟"
أطلقت زهرة ضحكة كبيرة.
"ضحكت أوزة تسبح في الماء وتلعب بجناحيها. كنت أعلم أنك ستقول ذلك سيد آدم."
"وهذا ما دفعك للضحك؟ أم البكاء؟"
"بل نجاحي في قراءة أفكارك. منذ لحظة كنت أظن أنني بعيدة عنك، لكن الآن أنا مطمئنة أنني لازلت في بالك."
"لكن ذلك لا يمنحك الحق في مناورتي وإجباري على ابتلاع رطل من الشاي لإرضاء فضولك؟"
حملقت زهرة في وجه آدم، شعرت بالضعف واللهفة. رغبت أن تختبئ في حضنه، أن تبكي، تضحك، تبحر في أفكارها بشرود.
"اشرب شايك سيد آدم، هذا أقل شيء تقدمه لي نظير مجهوداتي في صنعه من أجلك."
"هناك شيء آخر زهرة، السيد أرنولد مهتم بلوحاتك الجديدة. لقد هاتفني يسأل إن كانت هناك أفكار تم رسمها. ولمحت له بوجود لوحة رائعة قمتِ برسمها في منزله. لقد طلب رؤيتها، ما رأيك؟"
"تركت الرسم إذاً وقررت أن تصبح وكيل أعمالي؟"
"إلى حين أستطيع الرسم مرة أخرى، فكتفي يمنعني من استخدام الفرشاة."
تنهدت زهرة، شعرت بقذيفة اخترقت صدرها.
"لا تستطيعين الرسم؟"
"أجل، حاولت أكثر من مرة لكنني فشلت. لم أقوَ على تحريك الفرشاة بالطريقة التي أحبها."
"كل ذلك بسببى. كم أشعر بالحقارة الآن."
"لا تقولي ذلك عزيزتي زهرة، كل ما يحدث لنا مقدر، وعلينا أن نتقبله ونرضى به. وأنا كنت أحتاج إجازة من الرسم."
لحت سولين في الممر المؤدي للمنزل. كانت تسير وسط أشجار الحديقة تحمل طفلها وبطنها ممتدة أمامه.
"لقد عرفت بالصدفة ما حدث معهم وحضرت لأطمئن عليهما."
أخذتها زهرة في حضنها وقبلت طفلها.
"كم اشتقت إليك."
قالت وهي تعصره. رحب آدم بسولين ودعاها أن تجلس ريثما يحضر مقعدًا من الداخل.
لكن زهرة أصرت أن تحضر المقعد بنفسها.
أحضرت زهرة المقعد بطريقها نحو الحديقة. كانت سولين تداعب طفلها. لديها آدم وتنتظر طفل آخر.
"لقد أيقنت كم كبرت، كما سرقها عداد العمر. لقد كبر آدم أيضاً. هناك شعرات بيضاء تخضب لحيته وشعر رأسه."
"عندما تظهر أول شعرة بيضاء في رأس المرأة تشعر بالهزيمة، أن الزمن فعل فعلته بها وأنا لم أعد بعد فتاة، وتتألم أن حياتها السابقة كانت بلا معنى، وأنها لم تتخذ القرار الصحيح في حياتها وأن العودة باتت مستحيلة."
"مثلما صرخت كارينا، ماما لدي شعرة بيضاء."
"وماذا يعني ذلك حبيبتي؟"
"يعني أنني هرمت."
لا تعلم لماذا تخيلته رجل هرم يتكئ على يدها في ممر الحديقة وقدميهما تسحق الحصى. لقد كانا وحيدين وكان عليها أن تعتني به وربما في ذلك الوقت يكونا في دار مسنين لا يسأل أحد عليهم، يسلي كل منهم الآخر بقصص كلها هراء ومزعجة.
لم تتخيل نفسها مع شخص غيره لكن لا يمكنها قول ذلك، لا يمكنها الاعتماد عليه، لا يمكنها سوى الصبر.
"لكن آدم يعاني بسببها، كتفه لازالت تؤلمه، لن أتخلى عنه أبداً."
وصمتت زهرة قبل أن تقول:
"إلا إذا تخلى عني."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل الثامن والثمانون 88 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
عندما جلست زهره، كان آدم يداعب وجه آدم الصغير وسولين مبتسمه. فمها مفتوح مثل بقرة. لقد لمحت في عيني آدم كل الأشياء التي كان يخفيها، نظرة الأبوة التي تطفح من عينيه.
ربتت سولين على بطنها الكبيرة التي تشبه بالون. كانت في الشهر الخامس لكنك تشعر أن موعد وضعها مضى منذ زمن.
"هل سأحيا لرؤية أطفالك يا آدم؟" كانت سولين تربعت واستعدت لما ستقوله. الكلمات التي أعدتها في بيتها وسط صراخ طفلها.
"أنت لا تكاد تشعر أن العمر يمضي. أنا غير سعيدة بحياتي."
"لماذا لا تفكر في الزواج؟" ثم ضحكت سولين.
"أتعانين من مشكلة ما؟" لكن مزحتها لم تضحك آدم ولا زهره. لقد شعر بغصة في صدره.
"رجوك، من فضلك فكر في الزواج يا آدم." ثم حدقت بزهره تطلب مساعدتها.
"زهره، ما رأيك؟"
تلعثمت زهره، ركبها ألف عفريت، قبل أن تقول: "نعم."
"ساعديني إذاً يا زهره، نحن فريق واحد."
"ما رأيك بتالا؟"
"مستحيل!" زعق آدم.
بينما لازالت زهره بالصمت.
"إنها فتاة جميلة وجيدة، قريبة منك، تعرف طباعك."
"محال!" زعق آدم مرة أخرى.
"زهره؟" قالت سولين بغضب. "لماذا صامته؟ تحدثي."
قالت زهره: "تالا فتاة ممتازة، جميلة، أنيقة."
رمقها آدم بنظرة عتاب ونحى وجهه جانبًا.
"ما رأيك أن تمنحها فرصة يا آدم؟"
"تالا مجرد صديقة." قال آدم بنبرة باردة. "ما يجمعنا لا يمكن أن يؤدي لغرفة النوم."
"اسمح لي يا آدم، أنت لا تعرف النساء. تالا مناسبة جداً لك، ستشكرني على هذا الاختيار."
تركها آدم تتحدث، لم يرغب بنهرها أو مضايقتها. كان يعتبرها أخته.
كان بين الحين والآخر، يرمق زهره بطرف عينه.
جذبت سولين تنورة زهره. "قولي الحقيقة يا زهره، إنه وقت الحديث الجاد."
"انظري لآدم، ظهر الشعر الأبيض في رأسه. إذاً لم نهتم نحن به، من غيرنا سيفعل؟"
"معك حق يا سولين، على آدم أن يتزوج." أردفت زهره بنبرة حيادية خالية من العاطفة.
"سنجعله يفعلها رغمًا عنه." ثم صمتت.
تركت مساحة لآدم من أجل الرد، انتظرت دفاعه، ثورته، حربه من أجلها.
أشعل آدم لفافة تبغ. لاز بالصمت دقيقة، نظر نحو الأرض بانكسار قبل أن يحدق بعيني زهره ويقول بنبرة حزينة:
"هل هذا رأيك؟"
ثبتت زهره عينيها في عيني آدم. أرادت منه أن يقرأها، أن يفهم أن لسانها كاذب وأن لقلبها رأي آخر.
"طبعاً، عليك أن تتزوج."
بانزعاج نهض آدم من مكانه، ثم قال وهو يهز كتفيه: "سأفكر في الأمر."
بعد رحيله، تحدثت سولين لزهره التي كانت مطرقة ناحية الأرض الموحلة بمياه الري.
"علينا أن نقنعه بالزواج، أنا وأنت يا زهره. إنه أقل شيء نقدمه لآدم."
"من حقه أن يفرح بأولاده، أن يحظى بزوجه تملأ عليه حياته."
لقد قالت الكثير من الكلمات التي لم تنتبه لها زهره.
أصرت سولين على تحضير العشاء بنفسها مما سمح لزهره أن تجد الوقت للاختلاء مع نفسها في غرفتها.
لقد بكت زهره كما لم تبكي من قبل. كان داخلها صراع بين ما ترغب وما عليها فعله.
إذا كان الواجب يحتم عليها مساعدة سولين في ادعاءاتها البليودية ودفع آدم نحو الزواج.
لقد شعرت أن كل كلمة قالتها على غير رغبتها تعاقبها بطعم التراب في حلقها وأن معدتها تؤلمها من القهروأن الأحجار تتساقط على رأسها وتسحق ذهنها. لقد قال آدم "سأفكر". هل كان جاد؟
فكرت أن تبوح لسولين، أن تفصح لها عن ميولها نحو آدم. لكنها فكرت!
في هذه الحياة لا تبوح بأفكارك وهواجسك حتى لأمك، ولا تثق بأي شخص مطلقاً. واحذر كل الحذر من أولائك الذين يقولون "سرك في بير وأفديك بعمري" و "كلامك ميت في صدري"، وكل ذلك الهراء. إنهم أكثر الأشخاص نفاقاً وخيانة وسرعة في إدارة ظهرهم إليك.
لقد كانت ليلة تعيسة. تناول كل واحد منهم طعامه في صمت، عدا سولين التي كانت تواصل مديحها وتعبر عن رغبتها.
ثم وكأن الأقدار تساعدها، فجأة ظهرت تالا من العدم.
انفتح الباب ودلفت منه تالا تحمل حقيبتها بأناقتها المعتادة، طلتها المبهره ورائحة عطرها.
هلل وجه سولين وهمست: "إنها إشارة."
انفتحت عينا زهره بدهشة وتعلقتا بتالا ووجهها المبتسم. "إنه أسوأ ظهور على الإطلاق حظيت به في حياتي."
بينما حدق آدم بتالا بوجه مشدوه، لأول مرة بنظرة مختلفة.
مضت دقيقة من الاضطراب لم يحرك أحد ساكن حتى أنقذت سولين الموقف.
استقبلت تالا وحضنتها. كان آدم قد تخلص من اضطرابه ودعا تالا للانضمام إليه.
وحدها زهره لم تفلح في تحريك ساقيها أو يديها. بالكاد فتحت فمها وقالت: "مرحباً."
كان في عينيها رماد وبقايا شعله تحرق قلبه.
"لقد كنت جالس في منزلي وسط الزراعات، كان الوقت شتاء الجو برد وأنا ملتف حول نار أشعلتها بالحطب وابريق شاي يغلي فوق الحطب الذي يطقطق. الضوء خافت وجلست في مواجهة الباب عندما رأيتها."
"عبرت خلال الباب المغلق، طيف أزرق، كانت عيني مصوبة نحوها. مرت إلى جواري وخلال لحظة اخترقت الجدار الحجري. قفزت هرتي سونا من الرعب."
"كانت حينها يدي على الإبريق ولم أشعر حتى لسعتني سخونة المعدن."
"بعدما اختفت، نهضت مفزوعاً، أسقطت إبريق الشاي وجسدي يرتعش."
"ماذا كان هذا؟" سألت قطتي المفزوعة التي قفزت في حضني.
"خفت ضوء الحطب ولم أفلح في التخلص من رعبي. بدت لي كل حركة خطر، كل عنق ذرة شبح يتربص بي."
"أطفأت النار بسرعة، فتحت الباب بحذر لتقابلني أفدنة الذرة والقمح."
"كان علي أن أقطع ميل حتى أصل للعمار وكان علي أن أفعل ذلك بسرعة لأن الأشباح تتغذى على الخوف."
"ما إن أخذت طريقي وسط الحقول حتى سمعت صوت غناء حزين."
"كان صوت بعيد بنغمات لم أفهمها لكنه شجي."
"صوت كأنه قادم من وسط حديقة وغابة وغدير وكل جمال الأرض."
"كنت مدرك أن ما من شخص يمكنه الجلوس خلال تلك الظلمة والغناء."
"لقد مضى انبهاري من الصوت وتحول لرعب، فكرت أنها ربما نفس الشبح الذي ظهر لي في البيت."
"ثم تحول الصوت لفحيح مرعب، مخيف على مقربة مني بين نخلات عجوز أعرفها."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل التاسع والثمانون 89 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
في وقت آخر، لكانت زهرة نهضت، احتضنت تالا وقبلتها، لكنها في تلك اللحظة شعرت أنها عدوتها. أجل، عدوتها، لا ترغب برؤيتها وتود ركلها وضربها وطردها من المنزل.
لقد شعرت بالغيرة، تلك الغيرة التي تحرق، تلسع، تشقق القلب، وتنحت الصدر. زاد من كل ذلك نظرة آدم المختلفة لتالا، نظرة مغايرة ضايقت زهرة.
"هربت تالا على كتف آدم. كيف حال رسامنا العظيم؟"
رفع آدم كتفيه بوهن. "لم أفلح في جر خط. بدا كأنه يحدث نفسه ويلومها. ذلك الألم مرهق، إنه يرفض أن يسمح لي بمسك الفرشاة. لقد أوشك أن يفهمني أهم شيء في الحياة."
"لا تقل ذلك"، اعترضت تالا. "ستستعيد قوتك وترسم أعظم اللوحات وأكثرها إبهارًا."
"لا أعتقد"، رد آدم بحنق. "أشعر بأنني انتهيت."
"لم تنتهِ. لن أسمح لك بذلك. إنها مجرد عثرة وأنا أقف في ظهرك."
"شكرًا لك"، شكرها آدم بصدق وهو يحلق بالفراغ. "أنا سعيد لوجودك هنا. أنت إنسانة طيبة، دائمًا يهمك حالي ولا تتأخري عندما أطلبك."
"كيف حالك زهرة؟"
"بخير"، ردت زهرة باقتضاب.
"هل هناك جديد؟ أعني لوحات جديدة؟"
"لا شيء"، أجابت زهرة بحزم.
تنهد آدم. "زهرة، رسامة خلاقة، لديها لوحات جديدة جميلة. لقد طلب أرنولد إحداها وأتوقع أن يدفع فيها مبلغًا ضخمًا."
"هل يمكنني رؤيتها؟"
لم ترد زهرة. لم ترغب بالكلام.
"أجل، سأريها لك بنفسي"، خاطبها آدم وهو ينهض. ثم أردف: "لكن على الأقل بدّل ملابسك من السفر."
"ليس الآن"، قالت تالا وهي تتعلق بيد آدم.
صعد آدم وتالا درجات السلم نحو غرفته. كانت اللوحة لا تزال موجودة هناك منذ آخر مرة.
تابعتهم زهرة وهم يتسلقون السلم. كانا متأنقين، ومناسبين جدًا لبعض.
كانت سولين هي الأخرى تنظر نحوهم مبتسمة. إن خطتها تسير في طريقها الصحيح.
لم تقو زهرة على المكوث في مكانها. نهضت هي الأخرى. "سأذهب إليهم"، فكرت. "لن أتركهم بمفردهم."
ألحّت عليها سولين أن تنتظر بعض الوقت، أن تسمح لهم ببعض الكلمات على انفراد.
رفضت زهرة. قالت: "إنها لوحتي أنا ولن يستطيع أي شخص شرح الغموض الذي يكتنفها سواي."
صعدت زهرة السلم على عجالة بجسد مختلج. قلبها سبقها من زمان وذهب ليجلس في الغرفة مع آدم وتالا.
يتردد في ذهنها: الظلام سيلتهمنا كلنا، حتى الطيبين منا، ولن يتمكن أحد من الفرار منه.
على باب الغرفة وقفت. لقد تخلت عن عادة التنصت خفية منذ أيام طويلة. لكن ها هي المهندسة الرسّامة الموهوبة ترغب بالصاق أذنها بخشب الباب. لا تتغير المرأة ومشاعرها أبدًا. لو كان الباب صديقي لحكى لي بعض الأسرار الصغيرة، ولكني منحته قبلة عميقة.
قاومت بكل جد رغبتها، وطرقت الباب.
"ادخلي زهرة."
جاءها رد آدم سريعًا، كأنه كان ينتظر حضوره.
بالداخل، كانت تالا تحدق باللوحة بتركيز وآدم جالس على مقعده يحاول أن يشرح لها الغموض داخلها.
جلست على طرف السرير. مجرد طفلة يتيمة توفيت والدتها ونسيها العالم خلف ظهرها. لقد رغبت في البكاء. لكم شعرت أنها تفتقد حضن والدتها.
"رائعة يا زهرة، اللوحة عظيمة. جهزي نفسك للسفر."
"لدي امتحانات"، اعترضت زهرة.
"لا مشكلة يا عزيزتي، بعد أن تنتهي امتحانك سنسافر."
"تخاطبني كطفلة"، هكذا فكرت زهرة وهكذا احتقن بلعومها وشعرت بحرقة في عينيها.
كان عليها أن ترحل. لكنها عادت بعد دقيقة ولم تغادر مقعدها حتى ذهبت تالا للنوم. رغم ذلك لم تتحدث لآدم. لم تشعر بالرغبة لسماع صوته.
أنهت زهرة امتحاناتها وسط حالة من التشتت والاضطراب. حالة القرب بين آدم وتالا لم تسعدها. شعرت أنها في كل يوم تفقد جزءًا من روحها.
لم يسافر آدم معهم. قال إنه غير مستعد ويشعر بالمرض، وأن عليه أن يختلي بنفسه لأنه يفكر في أمر هام.
لاقى المعرض نجاحًا باهرًا جعل من زهرة رسامة مشهورة، وأقل لوحة بيعت بمبلغ مناسب.
لقد لاحظت أن تالا تهاتف آدم كثيرًا، أكثر منها بكثير، وأن هاتفهما طويلة تدفع للشك. لقد كان يكتفي معها بـ "كيف حالك؟" ويبارك لها على النجاحات التي تحققها.
في اليوم الأخير من المعرض، أخبرت تالا زهرة أن آدم عرض عليها خطبتها وأنها وافقت. عندما تصل القاهرة سيتم الأمر بشكل رسمي.
شعرت زهرة أن الدنيا تتحطم فوق رأسها وأن كل نجاحاتها متقزمة أمام خسارتها. اللعنة على كبرياء المرأة. في لحظة تهور فقدت آدم للأبد.
هاتفاته بكل حنق وغضب. باركت له خطوبته، كذبت وقالت إن تالا تليق بك، وأنه لو طاف الدنيا لم يكن ليجد فتاة مثله.
بعد صمت، قال آدم: "هذا رأيك؟"
بكل صرامة قالت زهرة: "أجل."
رواية لا تخبري زوجتي (زهرة)- مونت كارلو الفصل التسعون 90 - بقلم الكاتب اسماعيل موسى
انتهت فترة المعرض وكان على زهره وتلا العودة للقاهرة. كانت تلا تعد الساعات، وفي الطائرة تمنت أن تغمض عينيها وتفتحها تجد نفسها في منزل آدم.
الوقت لا يتوقف، يمضي سواء كان جميلاً أو سيئاً. سرعان ما هبطت طائرة Ms25 في المدرج وبدأ المسافرون يهبطون سلم الطائرة.
شعرت زهره بألم في معدتها وأن قدميها لا تكاد تحملهما وأن كل خطوة تقربها من المنزل تحتاج قوة مضاعفة منها.
لم يكن آدم في استقبالهم في المطار، اندهشت تلا، بينما أحست زهره ببعض الراحة.
في السيارة، استلقت زهره في مقعدها، أغمضت عينيها، تمنت أن يكون كل ذلك مجرد حلم.
لكن المنزل لاح وخرج آدم لاستقبالهم بابتسامة مقتضبة، يحمل باقة ورد وعلبة مزركشة.
حملق بزهره أولاً، قبل أن يولي كل اهتمامه لتلا.
منحها باقة الورد، ثم انحنى على ركبته وفتح العلبة أمام تلا.
انصدمت زهره، شعرت بإغماءة مفاجئة وشيكة وركضت نحو المنزل.
تقيأت في الحمام، أخرجت كل ما في معدتها، راحت تسعل حتى شعرت أنها ستتقيأ أحشاءها في الحوض.
بعد أن مرت النوبة الفجائية، غسلت زهره وجهها وخرجت من الحمام لتصطدم بآدم ويده تحوط خصر تلا، دلفا إلى داخل المنزل.
"أنت بخير؟" سألتها تلا.
حملقت زهره في خاتم الخطوبة ثم قالت بصعوبة: "أنا بخير، شعرت ببعض التوعك فقط."
"أنت مريضة؟"
"لا أبداً، أصبحت بخير."
ابتسم آدم ولوح بإصبعه بوجه زهره، "استحق تهنئة معتبرة، عملت بنصيحتك."
خلقت زهره ابتسامة صفراء، قالت: "ألف مبروك آدم، تستحق السعادة."
قالت تلا، "آدم مصر أن يكون العرس بعد أسبوع." كانت وجنتيها محمرة من الخجل.
"مبارك لكِ"، رددت زهره الكلمة نفسها.
"ستساعدينني أليس كذلك؟"
"بالطبع، سأكون إلى جانبك في كل خطوة."
"تلا..." وتردد صدى الصوت في ذهنها إلى ما لا نهاية.
"ممتنة لكِ." قالت تلا وهي تحتضنها. تركتها زهره تعتصر جسدها وقلبها الجاف.
ففي الأيام اللاحقة ضج المنزل بالفوضى، سولين، طفلها، الكثير من الخدم، الصخب والصراخ.
كان وضعاً لا يحتمل بالنسبة لزهره، لكنها لم تفلح في الهرب، كانت مجبرة على البقاء رغم رغبتها في الرحيل.
كان الوضع تراجيدياً جداً. كل شيء يحدث، يمر بسرعة، وزهره كأنها متفرجة غير قادرة على التدخل.
رافقت زهره تلا لحجز فستان العرس، ومدحت اختيارها وعددت مفاتن الفستان الأبيض، كان عليها ذلك.
لم تتح لها الفرصة لحديث منعزل مع آدم، كانت تراه بالكاد، صامتاً، شارداً، حزيناً أحياناً، لكن ما إن يراها حتى يبتسم.
كان يبتسم دائماً في وجه الآخرين وداخله يتقطع.
زهره أيضاً كانت تمر بحالة من عدم الاتزان، حتى نجاحها لم يفلح في إسعادها ولا بيع لوحتها بمبلغ خيالي.
كانت تشعر بفراغ فقط.
"أنها لا تنتمي لهذا العالم."
ثم راحت تفكر بجدوى بقائها في المنزل، أجل، إنها لن تستطيع البقاء ولا لحظة وآدم في حضن غيرها.
كانت راضية بوجوده في حياتها بأي شكل، ظل، نفس، صوت، صورة، لكن لم يعد ذلك ممكناً.
كان عليها أن تبدي صموداً أكثر لكنها لم تكن قادرة على تحمل الألم.
كان العرس يوم خميس. حضر المأذون بعد العصر. بعد أن أنهى إجراءاته جلس آدم إلى جوار تلا على منصة العرس التي نُصبت في الحديقة.
كان هناك حشد معقول حضر لتهنئته.
كانت زهره واحدة من كثيرات جلسن يرمقن آدم وعروسه.
وزعت زهره الابتسامات، ابتسامات عريضة بلا نكهة، ابتسامات مغتصبة كطفولتها.
بعد انتهاء الحفل صارحت زهره آدم نيتها في الرحيل عن المنزل.
كانت قد استأجرت شقة ومعرض رسم خاص بها.
تلا، الغير واعية بدوافعها، رفضت.
بينما أبدى آدم تفهمه، حتى وهو مع غيرها كان قادراً على فهم مشاعرها وأفكارها.
بعد منتصف الليل وبعد أن حملت أمتعتها المحزومة من قبل، وصلت زهره.
كانت شقتها موحشة، فرتبت أمتعتها بدقة مفرطة قبل أن تجلس على سريرها والدموع في عينيها. إنها وحيدة، وهذه الليلة أيضاً، بدت لها حياتها المقبلة كمسيرة طويلة من الوحدة الموحشة وسط أغطية مدعوكه دائماً وسكينة وكئيبة.
أخذت تتجرع وحدتها بمرارة وهدوء.
عاشت زهره وحيدة بعد تخرجها من الجامعة، جاعلة كل وقتها للرسم والوحدة.
انعزلت عن العالم، رفضت كل الدعوات التي تدفعها للاختلاط في علاقات بشرية.
كما بدأت حياتها وحيدة، انتهت حياتها، وحيدة، هشة.
"وأنتِ أتهمكِ بعدم القيام بواجبكِ كإنسان، باسم هذا الميت أتهمكِ بأنكِ تركتِ الحب يموت بتجاهلكِ لواجبكِ أن تكوني سعيدة، أتهمكِ بالعيش على الأعذار، بالتحايل والاستسلام. يجب أن يُحكم عليكِ بالموت، وسيُحكم عليكِ بالوحدة."